######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008320 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 489 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تفسير القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008320 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8320 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8320 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1418هـ- 1997م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الوطن، الرياض - السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة على رسوله محمد وآله ~~أجمعين، ولا عدوان إلا على الظالمين، اللهم بارك ووفق. # القول في تفسير فاتحة الكتاب # قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد جمال الأئمة، أبو المظفر منصور بن محمد ~~السمعاني رحمه الله تعالى: اعلم أن لهذه السورة أربعة أسامي: فاتحة الكتاب، ~~وأم القرآن، والسبع المثاني، والسبع من المثاني، برواية عبد خير، عن علي ~~رضى الله عنه. # أما فاتحة الكتاب فلأن بها افتتح الكتاب وهو القرآن. # وأما أم القرآن لأنها أصل القرآن، منها بدئ القرآن. وأم الشيء: أصله، ~~ومنه يقال لمكة: أم القرى؛ لأنه أصل البلاد. # وأما السبع المثاني لأنها سبع آيات باتفاق الأئمة؛ إلا في رواية شاذة ~~أنها ثمان آيات. وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة. # وقال مجاهد: إنما سميت مثاني؛ لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة، كأنه ~~أوحى بها لهم، ولم يعطها أحدا من الأمم. # وأما السبع من المثاني ففيه قولان: أحدهما: أنها سبع آيات مخصوصة من ~~المثاني وهو القرآن، قال الله تعالى: {كتابا متشابها مثاني} . # وإنما سمى القرآن مثاني؛ لاشتماله على علوم مثناة من الوعد والوعيد، ~~والأمر والنهى، ونحوها. # والثاني: أن السبع من المثاني هو السبع المثاني؛ و " من " فيه للصلة، ~~وإنما نشأ هذا الخلاف من قوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني} . # ثم اعلم أن هذه السورة مكية على قول ابن عباس، وقال مجاهد: هي مدنية. # وقيل: نزلت مرتين مرة بمكة، ومرة بالمدينة؛ ولذلك سميت مثاني؛ لأنها ثنيت ~~في التنزيل، وهذه رواية غريبة. # PageV01P031 # {بسم الله} # PageV01P032 # قوله: {بسم الله الرحمن الرحيم} آية من ### | الفاتحة # على قول بعض العلماء، وهو مروى عن ابن عباس وأم سلمة. # وليس بآية منها على قول البعض. وهذا مذكور بدليله في الفقه. ثم اعلم أن ~~الباء في قوله: {بسم الله} أداة يخفض ما بعدها من الكلام، مثل: من، عن، ~~وفي، وعلى، وأمثالها. # والمعنى المتعلق بالباء لدلالة الكلام عليه، وتقديره: " أبدأ بسم الله "، ~~أو: " بدأت بسم الله ". # وقوله: {بسم ms0001 الله} أصله باسم الله، كقوله: {اقرأ باسم ربك} ، وإنما حذف ~~الألف في الكتابة؛ لأنه (لا يظهر) في اللفظ. # وقيل: إنما حذفت لكثرة الاستعمال تخفيفا؛ ولأنه كثر استعمالها؛ فاستخفوا ~~حذفها، بخلاف قوله: {اقرأ باسم ربك} ، ونظائره لأن هناك لم يكثر الاستعمال. # ثم اختلفوا في اشتقاق الاسم. قال المبرد وجماعة البصريين: الاسم مشتق من ~~السمو، وهو العلو والظهور، فكأنه ظهر على معناه وعلا عليه، وصار معناه ~~تحته. # وقال ثعلب من الكوفيين: هو مشتق من الوسم والسمة، فكأنه علامة لمعناه. ~~والأول أولى؛ لأن الاسم يصغر على المسمى. ولو كان مشتقا من السعة، لكان ~~يصغر على الوسم، كما يقال في الوصل: وصيل، وفي الوعد: وعيد. # وأما قوله: {الله} تعالى فقد اختلفوا فيه، فقال الخليل، وابن كيسان هو ~~اسم علم خاص لله تعالى لا اشتقاق له، وهو كأسماء الأعلام للعباد، مثل: # PageV01P032 # {الرحمن الرحيم (1) } # زيد، وعمرو، ونحوه. وهو اختيار القفال الشاشي، وجماعة من أهل العلم. # وقال الباقون: هو اسم مشتق، [و] في موضع الاشتقاق قولان: أحدهما: أنه ~~مشتق من قولهم: أله إلاهة، أي: عبد عبادة. وقرأ ابن عباس: " ويذرك وإلاهتك ~~" أي: عبادتك. # ويقال للناسك المتعبد مثأله، ومنه قول القائل: # (سبحن واسترجعن من تأله) # أي: تعبد، فيكون معناه أنه المستحق للعبادة، إليه توجه كل العبادات، وأنه ~~المعبود فلا يعبد غيره. # وقيل: الإله من يكون خالقا للخلق، رازقا لهم، مدبرا لأمورهم، مقتدرا ~~عليهم. # والثاني: أن " الله " أصله إله، وأصل الإله: ولاه؛ إلا أن الواو أبدلت ~~بالهمزة. كقولهم: وشاح وإشاح. # واشتقاقه من الوله، وكأن العباد يولهون الله، ويفزعون إليه ويتضرعون ~~ويلجأون إليه في الشدائد. # وأما قوله: {الرحمن الرحيم} قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق ~~من الآخر. # وحكى عنه أيضا أنه قال: " الرحمن ": الرفيق بالعباد، و " الرحيم " العاطف ~~عليهم. ثم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: " الرحمن " غير " الرحيم " ولكل واحد ~~منهما معنى # PageV01P033 # غير معنى صاحبه. وقال بعضهم: هما واحد. # فأما من قال: " الرحمن " غير " الرحيم "، قال: للرحمن معنى العموم، ~~وللرحيم معنى الخصوص، فعلى هذا " الرحمن " بمعنى الرازق في الدنيا، ms0002 والرزق ~~على العموم للكافر والمؤمن، و " الرحيم " بمعنى العافي في الآخرة، والعفو ~~في الآخرة على الخصوص للمؤمنين دون الكافرين. ولذلك قيل في الدعاء: " يا ~~رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ". " فالرحمن " من تصل رحمته إلى الخلق على ~~العموم، و " الرحيم " من تصل رحمته إلى الخلق على الخصوص؛ ولذلك يدعى غير ~~الله رحيما، ولا يدعى رحمانا؛ لأن الله تعالى هو الذي تصل رحمته إلى الخلق، ~~كأنه كما قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} . وأما غير الله قد يخص شيئا ~~بالرحمة؛ فيكون بذلك رحيما. # وأما من قال: إن معناهما واحد؛ فقد قال قطرب: هما اسمان، ذكر أحدهما # PageV01P034 # {الحمد لله} تأكيدا للآخر، مثل: لهفان، ولهيف، وندمان، ونديم. # وقال المبرد: (هذا تمام بعد إتمام) ، وتفضل بعد تفضل، وتطميع لقلوب ~~الراغبين، ووعد لا يخيب آمله، ومعناه: ذو الرحمة، والرحمة [هي] الإنعام ~~والتفضل. # PageV01P035 # قوله: {الحمد لله} اعلم أن الحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة، ويكون ~~بمعنى التحميد والثناء على الأوصاف المحمودة. يقال: حمدت فلانا على ما أسدى ~~إلي من النعمة. ويقال: حمدت فلانا على شجاعته وعلمه. وأما الشكر لا يكون ~~إلا على النعمة؛ فللحمد معنى عام، وللشكر معنى خاص. فكل حامد شاكر، وليس كل ~~شاكر حامدا. # يقال: حمدت فلانا على شجاعته. ولا يقال: شكرت فلانا على شجاعته. # ثم أعلم أن حمد الله تعالى لنفسه حسن لا كحمد المخلوقين لأنفسهم؛ لأن ~~[حمد] المخلوقين لا يخلو عن نقص؛ فلا يخلو مدحه نفسه عن كذب؛ فيقبح منه أن ~~يمدح نفسه. وأما الله - جل جلاله - بريء عن النقص والعيب؛ فكان مدحه نفسه ~~حسنا. # وقوله: {الحمد لله} هاهنا يحتمل معنيين: الإخبار، والتعليم. أما الإخبار ~~كأنه يخبر أن المستوجب للحمد هو الله، وأن المحامد كلها لله تعالى. # وأما التعليم كأنه حمد نفسه وعلم العباد حمده، وتقديره: " قولوا: الحمد ~~لله ". # وقوله: {لله} فاللام تكون للإضافة، وتكون للاستحقاق، يقال: أكل للدابة، # PageV01P035 # {رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4) } والدار لزيد، ~~فاللام هاهنا بمعنى الاستحقاق، كأنه يقول: المستحق للحمد هو الله تعالى، ~~وقد فرغنا عن تفسير قوله: ms0003 {لله} . # {رب العالمين} وأما الرب يكون بمعنى التربية والإصلاح، ويكون بمعنى ~~المالك. يقال: رب الضيعة يربيها، أي: أتمها وأصلحها. ويقال: رب الدار لمالك ~~الدار. فالرب هاهنا يحمل كلا المعنيين؛ لأن الله تعالى مربى العالمين، ~~ومالك العالمين. # وأما {العالمون} قال ابن عباس: هم الجن والأنس. وقال الحسن وقتادة، وأبو ~~عبيدة: هم جميع المخلوقين. وقيل: الأول أولى؛ لأن الخطاب مع المكلفين الذين ~~هم المقصودون بالخليفة وهم الجن والإنس. وقيل الإنس عالم، والجن عالم. ~~والله تعالى وراءه أربع زوايا، في كل زاوية ألف وخمسمائة عالم. # PageV01P036 # وقد فرغنا عن تفسير {الرحمن الرحيم} وإنما ذكره ثانيا لفائدة التوكيد. # PageV01P036 # قوله: {مالك يوم الدين} يقرأ بقراءتين: " مالك، وملك ". قال أبو حاتم ~~السجستاني: " مالك " بالألف أولى؛ لأنه أوسع وأجمع، يقال: مالك الدار، ~~ومالك الطير، ومالك العبد، ولا يستعمل منها اسم الملك. # وقال أبوعبيد، والمبرد: " وملك "، أولى؛ لأنه أتم، فإن " الملك " يجمع ~~معنى " المالك "، والمالك لا يجمع معنى الملك، فإن كل ملك مالك، وليس كل ~~مالك ملكا، ولأنه أوفق لألفاظ القرآن، مثل قوله - تعالى -: {فتعالى الله ~~الملك الحق} ، وقوله: {لمن الملك اليوم} ونحو ذلك فمالك: من الملك والملكة، ~~وملك من الملك # PageV01P036 # {إياك نعبد وإياك نستعين (5) } والملكة، والله - تعالى - مالك، وملك. # وأما {اليوم} اسم لزمان معلوم، والمراد بيوم الدين: يوم القيامة، ومعناه: ~~يوم الحساب، ويوم الجزاء. وقد يكون الدين بمعنى الطاعة وبمعانشتي، ولكنه ~~هاهنا على أحد المعنيين. فإن قال قائل: لم خص يوم الدين بالذكر، والله - ~~تعالى - مالك الأيام كلها؟ يقال: إنما خصه لأن الأمر في القيامة يخلص له، ~~كما قال: {والأمر يومئذ لله} . وأما في الدنيا للملوك أمر، وللمسلمين أمر، ~~وللأنبياء أمر. # PageV01P037 # قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} ، قوله: {إياك نعبد} بمعنى نحن نعبدك، ~~والعبادة: هي الطاعة مع التذلل والخضوع، يقال: طريق معبد: أي مذلل، ومعناه: ~~نعبدك خاضعين. # {وإياك نستعين} أي: نطلب منك المعونة، فإن قيل: لم قدم ذكر العبادة على ~~الاستعانة؛ تكون قبل العبادة؟ ولم ذكر قوله: إياك مرتين، وكان يكفى أن ~~يقول: إياك نعبد ونستعين؛ فإنه أوجز وألخص؟ ms0004 يقال: أما الأول فإنما يلزم من ~~يجعل الاستطاعة قبل الفعل، ونحن بحمد الله نجعل الاستعانة والتوفيق مع ~~الفعل، سواء قرنه به أم أخره جاز. # أو يقال: لأن الاستعانة نوع تعبد، فكأنه ذكر جملة العبادة، ثم ذكر ما هو ~~من تفاصيلها. # وأما قوله: {وإياك نستعين} إنما كرره لأنه لو اقتصر على قوله: إياك نعبد ~~ونستعين؛ ليعلم أنه المعبود، وأنه المستعان، وعلى أن العرب قد تتكلم بمثل ~~هذا، قد يدخل الكلام تجريدا أو تفخيما وتعظيما. ولا يعد ذلك عيبا، كما تقول ~~العرب: " هذا المالك بين زيد، وبين عمرو "، وإن كان يفيد قولهم: " المال ~~بين زيد، وعمرو ". ما يفيد الأول، ولا يعد ذلك عيبا في الكلام؛ بل عد ~~تفخيما وتجزيلا في الكلام. # PageV01P037 # (اهدنا الصراط المستقيم (6)) # PageV01P038 # قوله: (اهدنا الصراط المستقيم) يعنى: أرشدنا، وثبتنا. # والهداية في القرآن على معان، فتكون الهداية بمعنى الإلهام، وتكون بمعنى ~~الإرشاد، وتكون بمعنى البيان، وتكون بمعنى الدعاء. # أما الإلهام، قال الله تعالى: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} أي: ~~ألهم. # وأما الإرشاد، قوله تعالى: {واهدنا إلى سواء الصراط} . # وأما البيان قوله: {وأما ثمود فهديناهم} أي: بينا لهم. # وأما الدعاء، مثل قوله تعالى: {ولكل قوم هاد} أي: داع فهو بمعنى ~~الاسترشاد هاهنا. # فإن قال قائل: أي معنى للاسترشاد، وكل مؤمن مهتد، فما معنى قوله {اهدنا} ~~؟ قلنا: هذا سؤال من يقول بتناهي الألطاف من الله تعالى. ومذهب أهل السنة ~~أن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى، فيكون ذلك بمعنى طلب مزيد ~~الهداية، ويكون بمعنى سؤال للتثبيت، اهدنا بمعنى ثبتنا، كما يقال للقائم: " ~~قم حتى أعود إليك ". أي: أثبت قائما. # وأما {الصراط المستقيم} قال علي، وابن مسعود: هو الإسلام. وقال جابر: هو ~~القرآن وأصله في اللغة: هو الطريق الواضح، والإسلام طريق واضح، والقرآن ~~طريق واضح. # PageV01P038 # {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) } وقد قال ~~القائل: # (أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم) # PageV01P039 # قوله {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ، قد قرأ ~~عمر رضي الله ms0005 عنه: " صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين " ~~ولكنه في الشواذ، والمعروف هو القراءة المعهودة. # وقيل: " الذين أنعمت عليهم " هم الأنبياء. وقيل: كل من ثبته الله على ~~الإيمان من النبيين والمؤمنين كافة. # وقال أبو العالية الرياحي: هم الرسول، وأبو بكر، وعمر. # وأما قوله: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . آمين. فالمغضوب عليهم هم ~~اليهود، والضالون هم النصارى. # وروى عن عدي بن حاتم أنه جاء إلى النبي ليسلم، وقال: " يا رسول الله، من ~~المغضوب عليهم؟ فقال: اليهود. وقال: فمن الضالون؟ فقال النصارى. قال عدي: ~~أشهد أني حنيف مسلم. قال عدي: فرأيت وجه رسول الله يتهلل، ويبتسم؛ فرحا ~~بإسلامي ". # وأما " آمين " فليس من القرآن. والسنة للقارىء أن يقف وقفة، ثم يقول: ~~آمين. # وفيه لغتان: آمين بالمد، وأمين بالقصر. ومعناه: اللهم استجب. وقيل: إنه ~~طابع الدعاء. # PageV01P039 # بسم الله الرحمن الرحيم # القول في تفسير سورة البقرة # اعلم أن سورة البقرة مدنية باتفاق الأئمة، وحكى عن بعض العلماء أنه قال: ~~يكره، تسميتها بسورة البقرة، والأولى أن يقال: السورة التي يذكر فيها ~~البقرة، وكذا في سائر السور من أمثالها. والأصح أنه يجوز؛ لما روى عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه أنه رمى جمرة العقبة من بطن الوادي ثم قال: هذا والله ~~مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. # وروى عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي أنه قال: " تعلموا سورة ~~البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة " أي: السحرة. ~~وفي هذا دليل على فضيلة هذه السورة، وعلى جواز تسميتها سورة البقرة، وسمى ~~بعض المتقدمين هذه السورة: فسطاط القرآن؛ لشرفها وفضلها. # PageV01P040 # {آلم (1) } # PageV01P041 # قوله تعالى: {آلم} قال الشعبي وجماعة من المتقدمين، في هذا وسائر حروف ~~التهجي في فواتح السور: والفائدة في أوائل السور لا (يعلم) معناها، وهي سر ~~القرآن، ولكل كتاب سر، وسر القرآن حروف التهجي من فواتح السور، والفائدة من ~~ذكرها طلب الإيمان بها، وأن يعلم أنها من عند الله تعالى. # وقال غيرهم: هي معلومة المعاني. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معنى ~~قوله: ms0006 {آلم} أنا الله أعلم، وكل حرف يدل على معنى، والألف دليل قوله: " أنا ~~"، واللام دليل قوله: " الله "، والميم دليل قوله: " أعلم ". # وكذا قال في أمثاله، فقال في {آلمص} : معناه: أنا الله أعلم وأفصل. وفي ~~{آلمر} : أنا " الله " أعلم وأرى. وفي {آلر} : أنا الله أرى. # قال الزجاج: هذا حسن، وبمثله قالت العرب في قولها. فإن العرب قد تأتي في ~~كلامها بحرف وتريد به معنى، كما قال القائل: # (قلت لها قفي فقالت قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف) # ومعنى قولها قاف، أي: وقفت. فدل الحرف على معنى، كذا هذا. # وقال قتادة في حروف التهجي: إنها اسم للقرآن. # وقال مجاهد: إنها أسماء للسور وقال غيرهم: هو قسم، أقسم الله تعالى بهذه ~~الحروف؛ لشرفها وفضلها؛ لأنها مباني كتبه المنزلة. # PageV01P041 # قوله عز وجل: {ذلك الكتاب لا ريب فيه} ، أما قوله: {ذلك الكتاب} أي: هذا ~~الكتاب، كما قال القائل: # PageV01P041 # {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) } # (أقول له والرمح يأطر متنه ... تأمل خفافا إنني أنا ذلكا) # [أي] : أنني أنا هذا. وقيل: هذا مضمر فيه، ومعناه: هذا ذلك الكتاب الذي ~~وعدتك يا محمد أن أنزله عليك على لسان الذين قبلك، و " هذا " للتقريب و " ~~ذلك " للتبعيد. # فأما {الكتاب} هو القرآن، والكتاب بمعنى المكتوب كما يقال: " ضرب الأمير ~~" أي: مضروبه. # {لا ريب فيه} أي: لا شك فيه. فإن قال قائل: كيف أخبر قال: " لا ريب فيه " ~~وقد ارتاب فيه كثير من الناس، وخبر الله تعالى لا يكون بخلاف مخبره؟ يقال: ~~معناه أنه الحق والصدق لا شك فيه. # وقيل: هو خبر بمعنى النهى، أي: لا ترتابوا فيه. # قوله تعالى: {هدى للمتقين} والهدى بمعنى الرشد والبيان. # وأما المتقون مأخوذ من الاتقاء والتقوى. وأصله الحجز بين شيئين، ومنه ~~يقال: اتقى بترسه، أي: جعله حاجزا بين نفسه وبين ما قصد به من المكروه. وفي ~~الخبر " كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ". أي: " اشتدت الحرب " ~~جعلناه حاجزا بيننا وبين العدو. # فكأن المتقى يجعل امتثال أمر الله والاجتناب عن نهيه حاجزا بينه وبين ms0007 ~~العذاب فيتحرز بطاعة الله عن عقوبة الله. # فإن قال قائل: لم خص المتقين بالذكر وهو هدى لجميع المؤمنين؟ قيل: إنما ~~خصهم بالذكر تشريفا، أو لأنهم هم المنتفعون بالهدى، حيث نزلوا منزل التقوى ~~دون غيرهم، # PageV01P042 # {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) } فلهذا ~~خصهم به. # PageV01P043 # قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} # قوله: {الذين} نعت المتقين {يؤمنون} من الإيمان. وهو التصديق، قال الله ~~تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا} أي: بمصدق لنا. # والإيمان في الشريعة يشتمل على الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، ~~والعمل بالأركان. وقيل: الإيمان مأخوذ من الأمان، فسعي المؤمن مؤمنا؛ لأنه ~~يؤمن نفسه من عذاب الله. والله مؤمن؛ لأنه يؤمن العباد من عذابه. # {بالغيب} قال ابن عباس: الغيب كل ما أمرت بالإيمان به مما غاب عن بصرك، ~~وذلك مثل الملائكة، والجنة، والنار، والصراط، والميزان، ونحوها. # وقال غيره: الغيب هاهنا هو الله تعالى. # وقال ابن كيسان: أراد به القدر. {يؤمنون بالغيب} ، أي: بالقدر. # {ويقيمون الصلاة} أي: يديمون الصلاة. وحقيقة إقامة الصلاة المحافظة على ~~أدائها بأركانها وسننها وهيئاتها. # فالصلاة في اللغة: الدعاء، وقد ورد في الخبر: " من دعى إلى الطعام فليجب، ~~فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل ". أي: فليدع. وقد قال الشاعر: # (تقول بنتي وقد [قربت] مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا) # PageV01P043 # {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) } # (عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... عينا فإن بجنب المرء مضطجعا) # معنى قوله: صليت أي: مثل الذي دعوت. # وقيل: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الناس الدعاء، ~~وهي في الشريعة تشتمل على أفعال مخصوصة وعلى الثناء والدعاء. # قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} أما الرزق اسم لكل ما ينتفع به الخلق، فيدخل ~~فيه الولد والعبد. # {ينفقون} من الإنفاق، وأصله الإخراج، ومنه نفاق السوق؛ لأنه تخرج فيه ~~السلعة ويقال: نفقت الدابة إذا خرجت روحها، فهذه الآية في المؤمنين من ~~مشركي العرب. # PageV01P044 # قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} # وهذه الآية في المؤمنين من ms0008 أهل الكتاب؛ لأنهم هم الذين آمنوا بالقرآن ~~وسائر الكتب قبله، وقد روى في حديث صحيح عن النبي أنه قال: " من آمن بالكتب ~~المتقدمة وآمن بالقرآن يؤتى أجره مرتين ". وعليه دل نص القرآن {أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين} . # وقوله: {وبالآخرة هم يوقنون} فالآخرة هي دار الآخرة. وسميت الدنيا دنيا؛ ~~لدنوها من الخلق، وسميت الآخرة آخرة؛ لتأخرها عن الخلق. # PageV01P044 # {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) إن الذين كفروا} # {هم يوقنون} من الإيقان وهو العلم، وقيل: الإيقان واليقين: علم عن ~~استدلال، ولذلك لا يسمي الله تعالى موقنا إذ ليس علمه عن استدلال. # PageV01P045 # قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} # فقوله {أولئك} يعني الذين وصفهم {على هدى} أي: على رشد وبيان من ربهم. ~~فإن قيل: لم ذكر الهدى ثانيا وقد وصفهم بالهدى مرة؟ قيل: كرره لفائدة ~~التأكيد أو يقال: الهدى الأول من القرآن، والهدى الثاني من الله، وفيه بيان ~~أن الهداية من الله تعالى ومن كلامه كما هو مذهب أهل السنة. # وأما {المفلحون} من الفلاح، والفلاح يكون بمعنى البقاء. يقال: أفلح بما ~~شئت. أي: أبق بما شئت. وقد يكون بمعنى الفوز والنجاة. وأصل الفلاح القطع ~~والشق، ومنه سمى [الزارع] فلاحا؛ لأنه يشق الأرض. وفي المثل: " الحديد ~~بالحديد يفلح "، أي: يشق. قال الشاعر: # (قد علمت يا ابن أم صحصح ... أن الحديد بالحديد يفلح) # أي: يشق. فمعنى المفلحين أنهم الباقون في نعيم الأبد، والفائزون به، ~~والمقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة. # PageV01P045 # قوله تعالى: {إن الذين كفروا} فالكفر مأخوذ من الكفر وهو الستر والتغطية، ~~ومنه يقال لليل: كافر؛ لأنه يستر الأشياء بظلمته، وسمى الزارع كافرا؛ لأنه ~~يستر الحب بالتراب، ويسمى الكافر كافرا؛ لأنه يستر نعم الله تعالى بكفره ~~ويصير في غطاء من دلائل الإسلام وبراهينه. # وقيل: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحد، وكفر عناد، وكفر ~~نفاق. # PageV01P045 # {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم الله على قلوبهم ~~وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) } # فكفر الإنكار هو أن لا ms0009 يعرف الله أصلا، أو لا يعترف به. # وكفر الجحد: هو أن يعرف الله تعالى، ولكن يجحده، ككفر إبليس. # وكفر العناد: هو أن يعرف الله تعالى بقلبه، ويعترف بلسانه، ولكن لا يتدين ~~به ولا يتخذه دينا، ككفر أبي طالب؛ فإنه عرف الله ورسوله بقلبه وأقر بلسانه ~~حتى قال: # (ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا) # (لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا) # وأما كفر النفاق: أن يعترف باللسان ولا يعتقد بالقلب؛ فهذه أنواع الكفر؛ ~~فمن لقى الله تعالى بنوع منها لم يعف. # قوله تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} # {سواء عليهم} أي: مستو عليهم. (أأنذرتهم أم لم تنذرهم) أي: خوفتهم أم لم ~~تخوفهم. والإنذار: تخويف مع الإعلام. # وقيل: هو أشد التخويف. يعني: سواء خوفتهم أم لم تخوفهم لا يؤمنون. وردت ~~هذه الآية في قوم بأعيانهم علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون. # PageV01P046 # قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} # ذكر في الآية الأولى أنهم لا يؤمنون، وذكر في هذه الآية علته، فقال: {ختم ~~الله على قلوبهم} والختم: هو الطبع، وحقيقته: الاستيثاق من الشيء؛ كيلا ~~يدخله ما هو خارج منه، ولا يخرج عنه ما هو داخل فيه، ومنه الختم على الباب. # فقوله: {ختم الله على قلوبهم} ذكر ابن كيسان أقوالا في معناه: أحدها: أي: ~~جازاهم على كفرهم بأن أختم على قلوبهم. # PageV01P046 # {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) يخادعون ~~الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} # والثاني وهو قول أهل السنة أي: ختم على قلبهم بالكفر؛ لما سبق من علمه ~~الأزلي فيهم. # وحكى قول ثالث: أن معناه: جعل على قلوبهم علامة تعرفهم الملائكة بها، ~~وهذا تأويل أهل الاعتزال، نبرأ إلى الله منه. # وحكى أبو عمر غلام ثعلب، عن ثعلب، عن إبراهيم الأعرابي: أن الختم هو منع ~~القلب من الإيمان، ذكره في كتاب الياء. # قوله: {وعلى سمعهم} أي: أسماعهم، ذكر الجمع بلفظ (الواحد) ، ومثله كثير ~~في القرآن. معناه: على ms0010 موضع سمعهم، فختم على قلوبهم؛ كيلا يقبلوا الحق، ~~وعلى سمعهم؛ كيلا يسمعو الحق. # قول تعالى: {وعلى أبصارهم غشاوة} هذا ابتداء الكلام ومعناه: على أبصارهم ~~غطاء. # {ولهم عذاب عظيم} أي: كبير، وصف عذاب الآخرة بالعظم ولا شك أنه عظيم. # PageV01P047 # قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين} قال الكلبي: ورد هذا في شأن اليهود. وأكثر المفسرين على أنه في ~~شأن المنافقين. ومعناه: ومن الناس ناس تقول آمنا بالله وباليوم الآخر يعني: ~~القيامة. {وما هم بمؤمنين} نفي الإيمان عنهم؛ حيث أظهروا الإسلام باللسان ~~ولم يعتقدوا بالجنان. وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان. # PageV01P047 # قوله تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا} الآية: المخادعة، والخدع بمعنى ~~واحد وحقيقة المخادعة: أن يظهر شيئا ويبطن خلافه. # PageV01P047 # ( {9) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} وقال ابن الأعرابي في كتاب الياء: ~~قوله: المخادعة منع القلب من الحق، قاله في حق المنافقين حيث أظهروا ~~الإسلام باللسان وأبطنوا خلافه. # فإن قال قائل: ما معنى قوله: {يخادعون الله} وهذا يوهم الشركة في ~~المخادعة، وقد جل الله تعالى عن المشاركة في المخادعة؟ ! الجواب: قال الحسن ~~البصري: معناه يخادعون نبي الله. # وقال غيره من المفسرين معناه: يعاملون الله معاملة المخادعين. # فأما قوله: {وما يخادعون إلا أنفسهم} يقرأ بقراءتين: " يخادعون، ويخدعون ~~". فمن قرأ: " يخادعون " فهو على المشاكلة؛ لأنه ذكر الأول بلفظ المخادعة، ~~وهذا شكله فذكره بلفظه. # ومن قرأ: " يخدعون " فهو على الأصل، وعلى أن لفظ المخادعة لا يقتضي ~~المشاركة، بين اثنتين، ومثله: طرقت النعل، وطارقت النعل، ومثله كثير في ~~ألفاظ المفاعلة. # فمعنى قوله {وما يخادعون إلا أنفسهم} أي: وبال خديعتهم راجع إليهم {وما ~~يشعرون} أي: لا يعلمون ذلك. يقال: شعرت بمعنى علمت، ومنه قولهم: ليت شعري؛ ~~أي: ليت أعلم. # PageV01P048 # قوله تعالى: {في قلوبهم مرض} الآية، أراد بالمرض الشك والنفاق، بإجماع ~~المفسرين. ويوصف القلب والدين بالمرض والصحة كما يوصف البدن به. # {فزادهم الله مرضا} أي: شكا ونفاقا؛ فإنه لما نزلت الآيات آية بعد آية ~~فكلما كفروا بآية ازدادوا كفروا ونفاقا، ms0011 وذلك معنى قوله تعالى: {وأما الذين ~~في قلوبهم # PageV01P048 # {ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ~~قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم المفسدون} مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم) . # قوله تعالى: {ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم. فعيل: بمعنى: مفعل؛ كما قال ~~القائل: # (أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع خفية) # وأراد بالسميع المسمع. # قوله تعالى: {بما كانوا يكذبون} قرىء بقراءتين: مخفف ومعناه: يكذبون بما ~~أظهروا من الإسلام وأبطنوا خلافه، وهو مثل قوله: {والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون} . # وقرىء: " يكذبون " مشددا، ومعناه: يكذبون الرسول. # PageV01P049 # قوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} معناه: لا تكفروا، والكفر ~~أشد فسادا في الأرض. # {قالوا إنما نحن مصلحون} يعنى: أن الذي أظهرنا من الإسلام واستفدنا به من ~~العز والأمان مصلحة لنا ونحن مصلحون به. # PageV01P049 # {ألا إنهم هم المفسدون} هذا ابتدأ كلام من الله. وقوله: (ألا) للتنبيه؛ ~~قال الشاعر: # (ألا إن هذا الدهر يوم وليلة ... وليس على شيء قديم بمستمر) # يقول الله تعالى: {ألا إنهم هم المفسدون} يعني: بما أظهروا من الإسلام ~~وأبطنوا خلافه، فهو فساد؛ وإن ظنوه صلاحا، وأظهروا خلاف ما أبطنوا. # {ولكن لا يشعرون} أي: لا يعلمون. # PageV01P049 # {ولكن لا يشعرون (12) وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما ~~آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) } # فإن قيل: كيف يلزمهم الحجة إذا كانوا لا يعلمون؟ # قيل: يلزمهم الحجة بما أوضح من السبيل، ونصب من الدلائل، وجهلهم لا يكون ~~عذرا لهم. # PageV01P050 # قوله تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس} الآية. كما آمن الناس ~~يعنى: المهاجرين والأنصار. # {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} سموهم سفهاء فأجابهم الله تعالى بقوله: ~~{ألا إنهم هم السفهاء} # والسفيه خفيف العقل رقيق الحلم؛ من قولهم: ثوب سفيه، أي: رقيق بال # يقول: هم الذين خفت عقولهم، ورقت أحلامهم {ولكن لا يعلمون} . # PageV01P050 # قوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} الآية، معناه: وإذا لقوا ~~المهاجرين والأنصار قالوا: آمنا. أظهروا الإسلام باللسان. # {وإذا خلوا إلى ms0012 شياطينهم} أي: بشياطينهم، يذكر " إلى " بمعنى " الباء " ~~لأن الصلات يقوم بعضها مقام البعض. والشيطان: كل عات متمرد من الجن والإنس، ~~وأصله: البعد والامتداد. يقال: بئر شطون، أي: بعيد العمق والقعر. ويقال ~~للحبل: شطن؛ لامتداده. وسمى الشيطان شيطانا؛ لامتداده في الشر وبعده عن ~~الخير. # فأراد بالشياطين هاهنا عتاتهم ورؤساءهم في الكفر. يقول: إذا خلوا ~~برءوسهم، قالوا: إنا معكم في دينكم {إنما نحن مستهزئون} بما أظهرنا من ~~الإسلام مع المهاجرين والأنصار. # PageV01P050 # {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم إنما نحن نحن مستهزئون (14) الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم} # PageV01P051 # وقوله تعالى: {الله يستهزىء بهم} الآية. فإن قال قائل: ما معنى الاستهزاء ~~من الله تعالى؟ قلنا فيه أقوال: قال بعضهم: معناه يجازيهم على صنيعهم، إلا ~~أنه سماه الله استهزاء؛ لأنه جزاء الاستهزاء؛ كما قال: {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها} وإن لم يكن الجزاء سيئة حقيقة. # وقال بعضهم: يستهزىء بهم أي يعيبهم، ومنه قوله تعالى: {يكفر بها ويستهزأ ~~بها} أي: يعاب كذلك هذا. # وقال أهل الرواية معناه: الله يستهزىء بهم في الآخرة، والاستهزاء بهم في ~~الآخرة يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يضرب للمؤمنين على الصراط نورا يمشون به، ~~وإذا وصل المنافقون إليه حال بينهم وبين المؤمنين، فذلك الاستهزاء بهم؛ كما ~~قال: {فضرب بينهم بسور له باب} . # والثاني: أنه يقربهم من الجنة، حتى إذا رأو زهرتها وحسنها وبهجتها، ~~واستنشقوا رائحتها صرفهم عنها إلى النار، فذلك الاستهزاء بهم، وقد نطق عنه ~~- عليه الصلاة والسلام بمعناه حديث في الصحاح. # قوله: {ويمدهم} أي، يمهلهم حتى يستدرجهم. {في طغيانهم} أي: ضلالتهم. ~~{يعمهون} أي: يتحيرون، قال الشاعر: # (ومهمة أطرافها في مهمة ... أعمى الهدى بالجاهلين العمه) # PageV01P051 # قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) لأن معناه: اختاروا ~~الكفر على الإيمان؛ لأنهم لما آثروا أشياء على شيء فكأنهم استبدلوا هذا ~~بذلك {فما # PageV01P051 # {يعمهون (15) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما ~~كانوا مهتدين (16) مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما} ربحت ~~تجارتهم) أي: فما ربحوا في تجارتهم. {وما ms0013 كانوا مهتدين} . # PageV01P052 # قوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} الآية. المثل: قول سائر في ~~عرف الناس، يعرف به معنى الشيء من الشيء. وهذا أحد أقسام القرآن؛ فإن ~~القرآن على سبعة أقسام. # وقيل مثلهم، أي: صفتهم. {كمثل الذي استوقد نارا} أوقد النار، واستوقد ~~بمعنى واحد، كما يقال: أجاب، واستجاب. # وقيل: أوقد إذا فعل بنفسه، واستوقد إذا طلب الإيقاد من غيره. {فما أضاءت ~~ما حوله} يعنى: أضاءت النار الموقدة حول المستوقد. ضربه مثلا للمنافقين ~~ومعنى هذا المثل قوله تعالى: {كمثل الذي استوقد نارا} ضربه مثلا لما أظهروا ~~باللسان من الإسلام. # {فلما أضاءت ما حوله} يعنى: ما استفادوا بذلك الإسلام الظاهر من التجمل ~~والعز والأمان في الدنيا. # {ذهب الله بنورهم} قيل: فيه معان: أحدها: ذهب الله بما أظهروا من الإسلام ~~بإظهار عقيدتهم على لسان النبي وقيل: معناه ذهب الله بنورهم، يعنى في ~~القبر. وقيل: في القيامة؛ يعنى أن ما استفادوا به في الدنيا لا ينفعهم في ~~الآخرة إذا كان مصيرهم إلى النار. # فإن قال قائل: كيف قال: {ذهب الله بنورهم} ولا نور لهم، وقال في موضع ~~آخر: {يخرجهم من الظلمات إلى النور} ولا نور لهم؟ قيل: أراد به نور ما ~~أظهروا من الإسلام؛ وذلك نوع نور. # وقيل: قد يذكر مثله على معنى الحرمان كما يقال: أخرجتني من صلتك، وإن لم # PageV01P052 # {حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا ~~يرجعون (18) أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد} يكن داخلا في صلته. بمعنى: ~~أنك حرمتني صلتك، كذلك قوله تعالى: {ذهب الله بنورهم} أي: حرمهم ذلك النور. ~~(وتركهم في ظلمات) أي: شدائد {لا يبصرون} الحق. # PageV01P053 # قوله: (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) فالصم: جمع الأصم، وهو الذي لا يسمع، ~~والبكم: جمع الأبكم، وهو الذي لا ينطق، وولد على الخرس. # والعمي: جمع الأعمى، وهو الذي لا يبصر؛ فمعناه أنهم صم لا يبصرون الحق، ~~ولا يعرفونه كأنهم لم يسمعوا؛ وهو مثل قول الشاعر: # (أصم عما ساءه سميع ... ) # أي: لا يسمع ما ساءه ms0014 مع كونه سميعا. # {بكم} يعني: أنهم لما أبطنوا خلاف ما أظهروا؛ فكأنهم لم ينطقوا بالحق. # {عمي} أي: لا بصائر لهم، ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له. # {فهم لا يرجعون} عما هم عليه من الضلالة. # PageV01P053 # قوله تعالى {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق} الآية. فالصيب: ~~المطر، وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب، من قولهم: صاب يصوب، إذا ~~نزل. # وقيل: الأهل مضمر فيه، أي: كأهل الصيب؛ كقوله {واسأل القرية} أي: أهل ~~القرية. # {من السماء} كل ما علا فهو سماء. فالسقف سماء، والسحاب سماء، وما فوقه ~~سماء، وأراد به السحاب ههنا. # {فيه ظلمات} يعنى: في السحاب؛ لأنه لا يخلو عن ظلمة، ألا تراه يغشى وجه # PageV01P053 # {وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط ~~بالكافرين (19) } الشمس {ورعد وبرق} قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: إن ~~الرعد صوت ملك يزجر السحاب، والبرق لمعان سوط في يد ملك يضرب به السحاب ~~يسوقه إلى حيث قدره الله تعالى. # وفي الخبر أن النبي قال: " إذا سمعتم صوت الرعد فاذكروا الله فإنه لا ~~يصيب ذاكرا ". وكان إذا سمع صوت الرعد يقول: " اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا ~~تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك ". # وقيل: الرعد اسم الملك. وقيل: صوت [اختناق] الريح إلى السحاب. والأول ~~أصح. # {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق} يعني: من الصوت العذاب، حذر ~~الموت. وقيل: الصاعقة قطعة من العذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء وعليه ~~دل قوله تعالى {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء} {والله محيط بالكافرين} ~~أي جامعهم. قال مجاهد: يجمعهم فيعذبهم. والإحاطة بالشيء جمعه بحيث لا يشذ ~~منه شئ، والإحاطة من الله تعالى تكون بالقهر والاقتدار والعلم. # ومعنى المثل في هذا: أما قوله: {أو كصيب من السماء} يعني: إن شئت مثلهم ~~بالمستوقد وإن شئت مثلهم بالصيب، أي بأهل الصيب. ضرب الصيب مثلا لما أظهروا # PageV01P054 # {يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ~~ولو شاء لله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله ms0015 على كل شيء قدير (20) } باللسان ~~من الإسلام. # {فيه ظلمات} مثل لما في الإسلام من البلايا والمحن والشدائد {ورعد} مثل ~~لما فيه من المخاوف في الآخرة. # (وبرق) لما فيه من الوعد والوعيد. # وقيل: ضرب الصيب مثلا للقرآن الذي كانوا يقرءونه باللسان؛ لأن في القرآن ~~حياة الباطن كما في الماء حياة الظاهر. {فيه ظلمات} مثل لما ذكرنا في ~~القرآن من أنواع الكفر والنفاق، {ورعد} مثل لما ذكرنا فيه من الوعيد {وبرق} ~~مثل لما فيه من البيان. # {يجعلون أصابعهم في آذانهم} يعنى: أن المنافقين إذا رأوا في الإسلام بلاء ~~وشدة هربوا وتأخروا؛ حذرا من الهلاك. # {والله محيط بالكافرين} يعنى: لا ينفعهم حذرهم؛ لأن الله تعالى من ورائهم ~~يجمعهم فيعذبهم. # PageV01P055 # قوله تعالى: {يكاد البرق يخطف أبصارهم} الآية {يكاد} كلمة القرب، يكاد ~~يفعل، أي: قرب يفعل {يخطف أبصارهم} والخطف: استلاب بسرعة. وهذا من تمام ~~المثل، ومعناه على القول الأول: تكاد دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر لولا ~~ما سبق لهم من الشقاوة. # ومعناه على القول الآخر: يكاد القرآن يبهر قلوبهم. # كلما أضاء لهم مشوا فيه) معناه: كلما نالوا غنيمة وراحة ثبتوا على ~~الإسلام. {وإذا أظلم عليهم قاموا} يعني: كلما رأوا شدة وبلاء تأخرا. ~~وقاموا، أي: وقفوا. {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم} يحتمل معنيين: ~~أحدهما: لو شاء # PageV01P055 # {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) ~~} # الله لذهب بما استفادوا من العز والأمان الذي لهم بمنزله السمع والبصر. # والثاني معناه: ولو شاء الله لذهب بأسماعهم وأبصارهم الظاهرة؛ كما ذهب ~~بأسماعهم وأبصارهم الباطنة. {إن الله على كل شيء قدير} يعني: قادر. # قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} الآية، قال ابن عباس: كل ما ورد ~~في القرآن من قوله {يا أيها الناس} فإنما نزل بمكة، وكل ما ورد من قوله: ~~{يا أيها الذين آمنوا} فإنما نزل بالمدينة. # PageV01P056 # وقوله: {يا أيها الناس} يعنى: يا هؤلاء الناس. وهذا وإن عمت صيغته ولكن ~~دخله الخصوص؛ فإنه لا يتناول الصغار والمجانين. {اعبدوا} أي: وحدوا. # قال ابن عباس: كل ms0016 ما ورد في القرآن من العبادة فهو بمعنى التوحيد، وكل ما ~~ورد في القرآن من التسبيح والسبحة فهو بمعنى الصلاة. # وقوله: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم} أي: وحدوا الله الذي خلقكم. وإنما ~~خاطبهم به؛ لأن الكفار مقرون أن الله خالقهم، والخلق: هو اختراع الشيء على ~~غير مثال سبق. {والذين من قبلكم} أي: وخلق الذين من قبلكم. فإن قيل: أي ~~فائدة في قوله: {والذين من قبلكم} فإن من عرف أن الله خالقه فقد عرف أنه ~~خالق غيره من قبله؟ قيل: فائدته المبالغة في البيان، أو يقال: فائدته ~~المبالغة في الدعوة، يعنى: إذا كان الله خالقكم وخالق من قبلكم فلا تعبدوا ~~إلا إياه. وفيه إشارة لأنه خلق الأولين وأماتهم وابتلاهم في الدنيا ~~والآخرة؛ فأشار بهذا إلى أنى أفعل بكم ما فعلت بهم. # {لعلكم تتقون} قيل معناه: لكي تتقوا، قاله أبو عبيدة، وقيل معناه: كونوا # PageV01P056 # {الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) } على رجاء ~~التقوى. فإن قال قائل: التقوى [هي] (1) العبادة، فأي شيء معنى قوله: اعبدوا ~~لكي تعبدوا؟ قلنا معناه: اعبدوه وكونوا على حذر منه، وهذا دأب العابد أن ~~يعبد الله ويكون على حذر منه. وقيل معناه: اعبدوه وكونوا على رجاء التقوى؛ ~~بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله تعالى، وحكم الله من ورائكم يفعل ~~بكم ما يشاء؛ وهذا مثل قوله تعالى: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو ~~يخشى} أي: ادعواه إلى الحق وكونا على رجاء التذكر والخشية منه. وحكم الله ~~وراءه يفعل به ما يشاء. # PageV01P057 # قوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض فراشا} الآية. هذا راجع إلى ما تقدم ~~يعني: اعبدوا الذي جعل لكم الأرض فراشا، والجعل هاهنا بمعنى: الخلق {فراشا} ~~أي: بساطا، وقيل: وطاء. وقيل: مقاما. يعنى لكم الأرض قرارا لتكونوا عليها ~~{والسماء بناء} أي: سقفا {وأنزل من السماء ماء} إنما أضافه إلى السماء وإن ~~كان ينزل من السحاب؛ لأنه ينزل من جهة السماء. # {فأخرج ms0017 به من الثمرات رزقا لكم} قيل: الرزق هو كل ما يؤكل. وقيل: كل ما ~~ينتفع به. {فلا تجعلوا لله أندادا} قال قتادة: الند: هو المثل. وقال أبو ~~عبيدة: الند هو الضد. وهذا من الأضداد، والله تعالى بريء عن المثل والضد. ~~قال حسان بن ثابت في مدح رسول الله: # (أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفداء) # يعنى: ولست له بمثل؛ قال لبيد: # (أحمد الله فلا ند له ... بيديه الخير ما شاء فعل) # PageV01P057 # {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23) } # أي: لا مثل له. ومعنى قوله {فلا تجعلوا لله أندادا} أي: لا تتخذوا من ~~دونه أربابا تعبدونهم كعبادة الله، وتطيعونهم كطاعة الله لا أن له مثلا، أو ~~لا مثل لله تعالى. # {وأنتم تعلمون} أي: فلا تعبدوا غيره وأنتم تعلمون أنه خالقكم وخالق ~~السموات والأرض. # PageV01P058 # وقوله تعالى: (وإن كنتم في ريب) أي: شك. فإن قيل: كيف ذكره على التشكيك ~~وهم في ريب على التحقيق؟ قيل: مثله جائز في كلام العرب؛ كما يقول الرجل ~~لغيره: إن كنت رجلا فافعل كذا؛ وإن عرف أنه رجل على التحقيق. قيل: أراد به ~~" وإذ كنتم " فيكون على التحقيق، {مما نزلنا} من القرآن {على عبدنا} يعني: ~~على الرسول. # {فأتوا بسورة} السورة: اسم للمنزلة الرفيعة؛ ومنه سورة البناء؛ لارتفاعه. ~~قال الشاعر: # (ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل شيء دونها يتذبذب) # أي: أعطاك سورة منزلة، أي: منزلة رفيعة. وسميت سورة القرآن سورة؛ لأن ~~القارىء ينال بقراءة كل سورة منزلة؛ حتى يستكمل جميع المنازل باستكمال ~~القرآن، وقيل: السورة اسم لقطعة من القرآن معلوم الأول والآخر، ومنه سؤر ~~الطعام لما بقي منه. وفي الخبر " إذا أكلتم فاسأروا " أي: أبقوا بقية. ~~وإنما نزل القرآن سورة سورة حتى [أن] القارىء كلما قرأ سورة وافتتح أخرى ~~ازداد نشاطا، فيكون أنشط في القراءة، أو لأنه ربما لا يمكنه حفظ جميع ~~القرآن فيحفظ بعض السور. # {فأتوا بسورة من مثله} وقوله: {من مثله} فيه ms0018 معنيان: أحدهما قاله ابن # PageV01P058 # {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين (24) } عباس وجماعة: أراد به من مثل القرآن. فإن قيل: كيف قال: من ~~مثل القرآن، ولا مثل له؟ قيل: أراد به من مثله على زعمهم. # وفيه قول آخر: أنه أراد به من مثل محمد؛ لأنهم كانوا يقولون: إنه مفتري ~~فقال: فأتوا بسورة من مفترى مثله. # {وادعوا شهداءكم من دون الله} أي: استعينوا بأعوانكم وأربابكم من دون ~~الله {إن كنتم صادقين} فيما تزعمون. وفائدته: أنهم إذا اجتمعوا وأحضروا ~~أربابهم فعجزوا كان أبلغ في إلزام الحجة. # PageV01P059 # وقوله تعالى: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} الآية يعنى: فإن لم تفعلوا ذلك، ~~ولن تفعلوه أبدا على طريق الإخبار. " وتم " للماضي، " ولن " للمستقبل. ~~وإنما قال هذا لبيان المعجزة؛ لأن القرآن كان معجزة للنبي حيث عجز الكل عن ~~الإتيان بمثله. # {فاتقوا النار} أي: فآمنوا؛ لكي تتقوا النار بالإيمان {التي وقودها ~~الناس} الوقود يعني: الإيقاد، والوقود بفتح الواو الحطب. {والناس} أهل جهنم ~~{والحجارة} قال علي وابن مسعود: هي حجارة الكبريت؛ لأنها أكثر توقدا ~~والتهابا، وقال الباقون: هي جميع الحجارة. وهذا دليل على عظم تلك النار، و ~~{أعدت للكافرين} أي: هيئت للكافرين، وهذا دليل على أن النار مخلوقة، لا كما ~~قال أهل البدعة. ودليل على أنها مخلوقة للكافرين، وإن دخلها بعض المؤمنين ~~تأديبا وتعريكا. # PageV01P059 # قوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا} الآية، البشارة: اسم لكل خبر صدق تتغير ~~به بشرة الوجه ويظهر عليها، وقد تكون في الخبر السوء. كما قال: {فبشرهم ~~بعذاب أليم} إلا أنه في الخبر السار أغلب. {الذين آمنوا عملوا الصالحات} # PageV01P059 # {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به} # يعني: المؤمنين من أهل الطاعة {أن لهم جنات} الجنات: جمع جنة وهو اسم ~~للبستان الذي فيه أشجار مثمرة، فإذا لم تكن الأشجار مثمرة لا تكون جنة ~~وقيل: الجنة ما فيه النخيل. والفردوس ما فيه الكرم، وإنما ms0019 سميت جنة من ~~الاجتنان؛ لأنها تستر الأرض بالتفافها وأرواقها. وقيل: الجنان سبع، وقيل: ~~ثمان، والكل في القرآن. # {تجري من تحتها الأنهار} أي: من تحت أشجارها تجري المياه من الأنهار، وفي ~~الحديث: " إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود " أي: في غير شق. # {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا} أي: كلما رزقوا شيئا من ثمار الجنة قالوا ~~هذا الذي رزقنا من قبل. وفيه قولان: أحدهما معناه: رزقنا من قبل في الدنيا، ~~والثاني: أن الثمار في الجنة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم، فإذا رزقوا ~~منها ثمرة ثم رزقوا أخرى ظنوا أنها الأولى لاستوائهما في اللون ف ( {قالوا ~~هذا الذي رزقنا من قبل} وأتوا به متشابها) قال مجاهد: أي متشابها في اللون. ~~كما ذكرنا، وقال الحسن البصري: معناه كلها خيار ليس فيها رذال. قال ابن ~~عباس: ليس في الدنيا من ثمار الجنة إلا الأسامي {ولهم فيها أزواج} قيل: من ~~الحور العين، ويحتمل من أزواج الدنيا: {مطهرة} من الأدناس؛ لا يتمخطن، ولا ~~يتغوطن، ولا يحضن. وقيل: مطهرة الأخلاق، فيكن مطهرات خلقا وخلقا. {وهم فيها ~~خالدون} أي: مقيمون لا يظعنون. # PageV01P060 # قوله تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} وسبب ~~نزول الآية: أن الله تعالى لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، قال المشركون: ~~إنا # PageV01P060 # {متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) إن الله لا يستحيي ~~أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه} لا نعبد ~~إلها يذكر الذباب والعنكبوت، فنزل قوله تعالى: {إن الله لا يستحيي} أي: لا ~~يمتنع ولا يترك {أن يضرب مثلا} أي: يذكر مثلا {ما بعوضة} (ما) للصلة هاهنا، ~~أي: مثلا بالبعوضة. قال الشاعر: # (قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد) # معناه أي: ليت هذا الحمام لنا. والبعوض: صغار البق، سميت بعوضة لأنها بعض ~~البق. {فما فوقها} معناه: فما دونها؛ كما يقال: فلان جاهل، فيقال: وفوق ~~ذلك. يعني: أجهل من ذلك، فكذلك قوله تعالى: {فما فوقها} يعني: في الصغر، ms0020 ~~وأصغر من ذلك، وقيل: فما فوقها على الحقيقة؛ لأنه ضرب المثل بالذباب، ~~والعنكبوت. قال الربيع بن أنس: مثل البعوضة مثل صاحب الدنيا؛ لأن دأب ~~البعوضة أنها إذا شبعت هلكت، وإذا جاعت عاشت؛ كذلك صاحب الدنيا إذا استكثر ~~من الدنيا هلك، وإذا استقل منها فاز ونجا. وقيل: إن حكم الله تعالى في صغار ~~خلقه أكثر من حكمه في كبار خلقه. قوله تعالى: {فأما الذين آمنوا فيعلمون ~~أنه الحق من ربهم} يعني: أنه الصدق من ربهم. # {وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا} أي شيء أراد الله ~~بهذا المثل؟ يقول الله تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} أي: أراد هذا، ~~والإضلال: هو الصرف عن الحق إلى الباطل. وقيل: الإضلال هو الإهلاك؛ يقال: ~~ضل اللبن في الماء أي: هلك. # {ويهدي به كثيرا} أي: ويرشد به كثيرا. {وما يضل به إلا الفاسقين} يعني: ~~الكافرين. والفسق: هو الخروج عن طاعة الرب؛ يقال: فسقت (الرطبة) إذا خرجت # PageV01P061 # {الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) الذين ينقضون} عن ~~قشرها، ومعنى إضلالهم بالمثل أنه لما ضرب المثل فكفروا به ازدادوا ضلالا. # PageV01P062 # وقوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} أي: يخالفون أمر ~~الله. والميثاق: مفعال من التوثقة وهو العهد المؤكد. وفي معناه قولان: ~~أحدهما: أنه أراد نقض الميثاق الأول الذي أخذه على آدم وذريته بقوله {ألست ~~بربكم قالوا بلى} . # وقيل: أراد به نقض الميثاق الذي أخذه على النبيين وسائر الأمم أن ~~[يؤمنوا] بمحمد بقوله: {وإذا أخذ الله ميثاق النبيين} الآية. # {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنهم يقطعون ~~ما أمروا بوصله من الإيمان بمحمد وبسائر الرسل. وقيل: أراد به قطع الرحم. ~~والأول أولى؛ لأنه أعم، وقيل: أراد به قطع العمل عن القبول؛ فإنهم لم ~~يعملوا بما قبلوا. # {ويفسدون في الأرض} بالمعاصي {أولئك هم الخاسرون} المغبونون. # PageV01P062 # قوله تعالى: {كيف تكفرون بالله} قاله تعجبا، تكفرون ms0021 بالله بعد نصب ~~الدلائل ووضوح البراهين؟ ! ثم ذكر الدليل فقال: {وكنتم أمواتا} هذا دليل، ~~أي: كنتم نطفا في أصلاب الآباء. # (فأحياكم) أي: خلقكم {ثم يميتكم} عند انتهاء الأجل. {ثم يحييكم} للبعث ~~{ثم إليه ترجعون} إلى الله مصيركم. وقيل: أراد بالموت الأول: الموت المعهود ~~{وكنتم أمواتا} أي: تصيرون أمواتا. فأحياكم أي: يحييكم في القبر للسؤال، ثم ~~يميتكم بعده في القبر ثم يحييكم للبعث. ثم إليه ترجعون. # PageV01P062 # قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} لكي تعتبروا # PageV01P062 # (عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض أولئك هم الخاسرون (27) كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (28) هو الذي خلق) وتستدلوا، وقيل: لكي ~~تنتفعوا. # {ثم استوى إلى السماء} قال ابن عباس وأكثر المفسرين من السلف: أي ارتفع ~~وعلا إلى السماء. # وقال الفراء وابن كيسان وجماعة من النحويين معناه: أقبل على خلق السماء؛ ~~لأنه خلق الأرض أولا، ثم أقبل على خلق السماء، كما ذكر في " حم السجدة ". ~~{فسواهن سبع سموات} أي: خلقهن مستويات؛ لا فطر فيها، ولا صدع، ولا شق. # {وهو بكل شيء عليم} أي: عالم بصغار خلقه وكبارهم. # PageV01P063 # قوله تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} معناه: وقال ~~ربك. " إذ " زائدة فيه. # وقيل، معناه: واذكر إذ قال ربك. والملائكة: جمع الملك، وأصل الملك مالك، ~~فقبلت الهمزة فصار مالك ثم اسقط الهمزة فصار ملك، واشتقاقه من الألوكة، ~~وهي: الرسالة، ومثلها المالكة، والمالكة؛ قال الشاعر: # (ألكنى إليها (وخير) الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر) # يعنى: أرسلني إليها. # {إني جاعل في الأرض خليفة} اتفقوا على أن المراد بهذا الخليفة آدم صلوات ~~الله عليه والخليفة، والخليف بمعنى واحد، وجمع الخليف خلفاء. وجمع الخليفة ~~خلائف. # واختلفوا في أنه لما سمى خليفة؟ منهم من قال: لأنه خليفة الجن؛ فإن الله ~~تعالى لما خلق الأرض أسكنها الجن، ولما خلق السماء أسكنها الملائكة، ثم لما ~~خلق # PageV01P063 # {لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن ms0022 سبع سموات وهو بكل ~~شيء عليم (29) وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض} آدم أزعج الجن إلى ~~أطراف الأرض؛ فهو الخليفة الجن في الأرض. # وقيل: إنما سماه خليفة؛ لأنه يخلفه غيره. فيكون الخليفة بمعنى أنه يخلف ~~غيره. ويكون الخليفة أنه يخلفه غيره. # وقيل: إنما سمى خليفة لأنه خليفة الله في الأرض؛ لإقامة أحكامه، وتنفيذ ~~قضاياه، وهذا هو الأصح. # قوله تعالى: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها) الآية قالت الملائكة: أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ ! فإن قيل: من أين عملوا ذلك؟ قيل: إن ~~الله تعالى أعلمهم بذلك. وقيل: اطلعوا عليه في اللوح المحفوظ. # {ونحن نسبح بحمدك} هو التنزيه عن السوء. ومعناه: ونحن ننزهك عن الأنداد ~~والشركاء. # وقال الحسن: معنى قوله: {ونحن نسبح بحمدك} هو قولهم: سبحان الله وبحمده. ~~{ونقدس لك} يعني: نثنى عليك بالقدس والطهارة. # وقيل: معناه نطهر أنفسنا بطاعتك والثناء عليك. # فإن قيل: قولهم {أتجعل فيها} . يشبه الاعتراض عليه. وقولهم نحن {نسبح ~~بحمدك} يشبه التفاخر بالعمل؛ وكلاهما لا يجوز على الملائكة. فما معنى هذا ~~الكلام؟ # قلنا: أما قولهم: {أتجعل فيها} معناه: أنت جاعل فيها على سبيل التقدير، ~~ومثله قول الشاعر: # (ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح) # يعني أنهم بهذه الصفة. # وقالوا: إنما قالوه على سبيل التعجب طلبا لوجه الحكمة فيه. # PageV01P064 # {خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس} # وأما قوله: {ونحن نسبح بحمدك} ليس على سبيل التفاخر بل معناه: أنه إذا ~~أفسدوا وسفكوا الدماء فنحن نبقى على هيئة التسبيح والتقديس أم لا؟ قال: ~~{إني أعلم مالا تعلمون} له معنيان: # أحدهما: إني أعلم فيهم من يعبدني ويطيعني من الأنبياء والأولياء ~~والصلحاء. # والثاني معناه: إني أعلم فيكم أيها الملائكة من يعصيني يعني إبليس. # PageV01P065 # قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} أما آدم إنما سمى آدم؛ لأنه خلق من ~~أديم الأرض، ولما خلقه الله تعالى علمه أسماء الأشياء بأجمعها. # قال ابن عباس: علمه أسماء الأشياء حتى القصعة والقصيعة، والفسوة والفسية. # وإنما علمه ذلك ms0023 تكريما وتشريفا له. وذلك دليل على أن الأنبياء أفضل من ~~الملائكة وإن كانوا رسلا كما ذهب إليه أهل السنة. # {ثم عرضهم} قرأ أبي بن كعب: " ثم عرضها " [وهي] في الشواذ. ورجع ~~[الكناية] إلى المسميات التي لا تعقل. والقراءة المعروفة: " ثم عرضهم " فإن ~~المسميات لما جمعت من يعقل ومن لا يعقل؛ كنى بلفظ من يعقل تغليبا له. # وإنما عرضهم على الملائكة لإظهار فضيلته عليهم، فإنهم كانوا قد قالوا: لن ~~يخلق الله خلقا أكرم عليه منا، فقال: {أنبئوني} أخبروني {بأسماء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين} فيما زعمتم. # PageV01P065 # قوله تعالى: {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} قد ذكرنا معنى ~~التسبيح. ومعنى الآية: أنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك؛ إلا الذي علمتنا ~~منه. # {إنك أنت العليم} أي: العالم {الحكيم} له معنيان أحدها: الحاكم، وهو # PageV01P065 # {لك قال إني أعلم ما لا تعملون (30) وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على ~~الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا} القاضي ~~بالعدل. # والثاني: معنى الحكيم: المحكم للأمر كيلا يتطرق إليه الفساد، ومنه: أحكمت ~~الدابة لأنها (تمنعها) من الفساد. # PageV01P066 # قوله تعالى: {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم} لما عرضهم على الملائكة ~~فعجزوا؛ يقول الله تعالى لآدم: أخبرهم بأسمائهم {فلما أنباهم بأسمائهم} ~~فأخبرهم آدم بأسماء تلك المسميات، والحكمة التي لأجلها خلقوا، فلما أخبرهم ~~بها {قال الله} تعالى للملائكة: {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض} ~~فإنه قد قال لهم: {إني أعلم مالا تعملون} وغيب السموات والأرض كل ما غاب ~~وخفي عن الأبصار. # (وأعلم ما تبدون) أي قولكم: أتجعل فيها من يفسد فيها. # {وما كنتم تكتمون} فيه قولان: أحدهما: ما كتموا من قولهم: لن يخلق الله ~~خلقا أكرم عليه منا. # والثاني: معناه ما كتمه إبليس فيهم حين خلق آدم؛ فإنه قد قال: إن سلطت ~~عليه لأهلكنه وإن سلط علي لا أطيعه. # PageV01P066 # قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} اختلفوا في أن هذا الخطاب ~~مع أي الملائكة؟ فقال بعضهم: هو خطاب مع ملائكة الأرض خاصة. # وقيل: هو خطاب ms0024 لجميع الملائكة. هو الأصح لقوله تعالى {فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون} . # والسجود عبادة مع التواضع والخشوع والخضوع، ومنه شجرة ساجدة إذا ماتت من # PageV01P066 # {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) قال يا آدم ~~أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب} كثرة ~~حملها. # وفي قوله: {اسجدوا لآدم} قولان أحدهما: أن معناه اسجدوا إلى آدم، فيكون ~~آدم كالقبلة. والسجود لله تعالى. # والأصح: أن السجود كان لآدم على الحقيقة. وتضمن معنى الطاعة لله تعالى ~~بامتثال أمره فيه. فعلى هذا يكون السجود لآدم على سبيل التحية له. وهو ~~كسجود إخوة يوسف ليوسف بمعنى التحية له. ثم نقل ذلك إلى السلام بين ~~المسلمين. # {فسجدوا إلا إبليس} قال بعضهم: إبليس مشتق من الإبلاس. وهو اليأس من ~~الخير، قال الشاعر: # (يا صاح هل تعرف (رسما) مكرسا ... قال: نعم أعرفه وأبلسا) # وقيل: هو اسم أعجمي معرب لا اشتقاق له ولذلك لا ينصرف. # واختلفوا في إبليس، والذي قاله ابن عباس وأكثر المفسرين: أنه كان من ~~الملائكة. # وقال الحس: كان من الجن لقوله تعالى {كان من الجن ففسق عن أمر ربه} ولأنه ~~خلق من النار، والملائكة خلقوا من النور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة. # والأصح أنه كان من الملائكة لأن خطاب السجود كان مع الملائكة. # وأما قوله: {كان من الجن} قيل: إن فرقة من الملائكة سموا جنا خلقهم الله ~~تعالى من النار. وعليه دل قوله تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} . # حيث قالوا الملائكة بنات الله. فسماهم جنة. وإنما سموا جنا لاستتارهم عن ~~الأعين. # وإبليس كان من ذلك القبيل. وإنما كان له ذرية؛ لأنه أخرجه من الملائكة ثم ~~جعل # PageV01P067 # {السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من} له ذرية. # وقيل: إن الله تعالى لما خلق إبليس أعطاه ملك الأرض، وملك السماء الدنيا، ~~وجعله خازن الجنة. # قوله تعالى: {أبى} امتنع {واستكبر} أي: أنف؛ حيث ظن أنه خير من آدم {وكان ms0025 ~~من الكافرين} فيه قولان: أحدهما: معناه وصار من الكافرين في علم الله ~~تعالى. # قال مجاهد: علم الله في أزله أنه تكون منه المعصية فخلقه للمعصية. # PageV01P068 # قوله تعالى: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} أراد بزوجه حواء، فإن ~~قيل: [لم] أمرهما بدخول الجنة، وقد وعد أن من دخلها يكون خالدا فيها فكيف ~~أخرجهما من الجنة؟ # قلنا: إنما ذلك الوعد في حق من يدخلها للثواب والجزاء، وآدم إنما دخل ~~الجنة بالكرامة دون الثواب. # {وكلا منها رغدا حيث شئتما} الرغد: الواسع من العيش. وهو أن يأكل ما شاء ~~إذا شاء كيف شاء. {ولا تقربا هذه الشجرة} يعني: للأكل. # والشجرة: اسم لما يقوم على الساق، والنجم اسم لما (لا) يقوم على ساق. # قال الله تعالى: {والنجم والشجر يسجدان} وفي تلك الشجرة ثلاثة أقوال: قال ~~ابن مسعود: كانت شجرة العنب. وقال ابن عباس: كانت شجرة السنبلة. وقال ابن ~~جريج: كانت شجرة التين. وقيل: إنها شجرة العليم. # {فتكونا من الظالمين} الظلم وضع الشيء في غير موضعه وفيه يقال: " من أشبه # PageV01P068 # {الكافرين (34) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث ~~شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فأزلهما} # باه فما ظلم " أي: فما وضع الشبه في غير موضعه. # PageV01P069 # قوله تعالى: {فأزلهما الشيطان عنها} قرأ حمزة: " فأزالهما " ومعناه: ~~نحاهما وبعدهما عن الجنة. # وقوله: (فأزلهما) إلى الزلة {فأخرجهما مما كانا فيه} يعني من نعيم الجنة. ~~وإنما نسب الإخراج إليه؛ لأنه كان السبب فيه. # (وقلنا اهبطوا) الهبوط هو النزول من الأعلى إلى الأسفل، والخطاب مع آدم، ~~وإبليس، وحواء، والحية، وهي الحية [التي] كانت من خزان الجنة فخدعها إبليس ~~حتى أدخلته (الجنة) . # {بعضكم لبعض عدو} العدو: اسم للواحد والجمع، معناه أعداء. # {ولكم في الأرض مستقر} أي: قرار {ومتاع} متعة تتغذون بها {إلى حين} إلى ~~منتهى الآجال. # PageV01P069 # قوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات} التلقي: هو قبول عن فطنة وفهم ~~دليل: فتلقى هو [أي: تعلم] : {ظلمنا أنفسنا} إلى آخره. # وقال عبيد بن عمير: هي كلمات قالها آدم ms0026 حين ابتلاه الله بالمعصية. # {من ربه كلمات} قال ابن عباس والأكثرون: الكلمات هي قوله: ربنا أي: تعلم ~~بالمعصية يارب هذا شيء كتبته علي [أم] ابتدعته من تلقاء نفسي؟ فقال: بل شيء ~~كتبته عليك. فقال آدم: (فكما) كتبته علي فاغفره. # PageV01P069 # {الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم ~~في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه ~~هو التواب الرحيم (37) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما} # {فتاب عليه} فقبل توبته {إنه هو التواب الرحيم} هو القابل للتوبة من ~~العباد؛ الرحيم بهم. # PageV01P070 # قوله تعالى: {قلنا اهبطوا منها جميعا} الهبوط الأول كان من الجنة إلى ~~السماء الدنيا، والهبوط الثاني كان من السماء الدنيا إلى الأرض. # (فإما يأتينكم مني هدى) أي: رشد [و] بيان شريعة. # {فمن تبع هداي} أي: ذلك الرشد والشريعة. # {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} في الآخرة. # PageV01P070 # قوله تعالى: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} أي: كفروا بالله وبالرسل ~~وكذبوا بآياته {أولئك أصحاب النار} يعني يوم القيامة {هم فيها خالدون} . # PageV01P070 # قوله تعالى: {يا بني إسرائيل} إسرائيل اسم يعقوب. وله في القرآن اسمان: ~~يعقوب وإسرائيل. ومعنى إسرائيل عبد الله، " إسر " مثل قولنا " عبد "، و " ~~إيل " مثل قولنا " الله " {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} الذكر يكون ~~بالقلب، ويكون باللسان، وهو ضد النسيان. وقوله: {نعمتي} أي: نعمي، ذكر ~~الجمع بلفظ الوحدان، ومثله كثير في القرآن. # واختلفوا في تلك النعم. قال قتادة: هي النعم التي خصت بها بنو إسرائيل من # PageV01P070 # {يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون (38) والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) يا بني ~~إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي} # إنجائهم من فرعون بتغريقه، وإرسال موسى إليهم، وإنزال التوراة عليهم، ~~ونحو ذلك. # وقال غيره: هي جميع النعم التي لله على عباده. # فإن قال قائل: لم أمرهم بالذكر وهم كانوا ذاكرين لتلك النعم؟ # قلنا: الذكر بمعنى الشكر، ومعناه: اشكروا نعمتي. وإنما ذكر بلفظ الذكر؛ ~~لأن في الشكر ذكرا، وفي ms0027 الكفر نسيانا. {وأوفوا بعهدي} أوفي يوفى، ووفى يفي، ~~بمعنى واحد. وقد جمعها الشاعر في بيت واحد فقال: # (أما ابن عوف فقد أوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاويها) # والعهد: هو الأمر المؤكد. ومعناه: " أوفوا بعهدي " بامتثال أمري. {أوف ~~بعهدكم} بالقبول والثواب. وقال مجاهد: أراد بهذا العهد ما ذكر في سورة ~~المائدة {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} إلى ~~آخر الآية. {وإياي فارهبون} فخافوني. # PageV01P071 # قوله تعالى {وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم} بما أنزلت في القرآن مصدقا ~~لما معكم من التوراة. يعني أن القرآن مصدق لما في التوراة من التوحيد ونعت ~~محمد # PageV01P071 # {أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40) وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا ~~تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) ولا} # {ولا تكونوا أول كافر به} يعني أول من كفر به. وقيل: أول فريق كافر به. ~~وهما في المعنى سواء. فإن قيل: قد كفر به مشركو العرب قبلهم، فكيف قال: ولا ~~تكونوا أول كافر به؟ قلنا: أراد به من أهل الكتاب؛ لأن الخطاب مع أهل ~~الكتاب. # {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} ولا تستبدلوا؛ ذلك أن علماءهم وأحبارهم ~~كانت لهم مأكلة على أغنيائهم وجهالهم؛ فخافوا أن تذهب مأكلتهم إن آمنوا ~~بمحمد فغيروا نعته، وكتموا اسمه، فهذا معنى بيع الآيات بالثمن القليل. # {وإياي فاتقون} فاحذرون. # PageV01P072 # قوله تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل} اللبس: هو الخلط والتعمية. # يقال: لبس يلبس لبسا، من اللباس. ولبس يلبس لبسا، من التلبيس. قال الله ~~تعالى {وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي: خلطنا عليهم كما خلطوا. وقال علي رضي ~~الله عنه للحارث: لا يكن ملبوسا عليك، الحق لا يعرف بالرجال، أعرف الحق ~~تعرف أهله. # فمعنى قوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل} أي: الإسلام باليهودية ~~والنصرانية، كذا قال الأكثرون. وقيل: هو لبس التوراة بما غيروا من نعت ~~محمد. # {وتكتموا الحق} يعني نعت محمد. {وأنتم تعلمون} أنه حق. قال محمد ابن ~~سيرين: هذا الخطاب مع قوم من اليهود كانوا بالشام رأوا في كتبهم اسم محمد ms0028 ~~ونعته، وأنه يبعث من القرى العربية، فخرجوا في طلبه ونزلوا بالمدينة فلما ~~بعث محمد حسدوه، وغيروا اسمه ونعته؛ خوفا من ذهاب مأكلتهم. # PageV01P072 # قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} أما الصلاة فقد ذكرنا. وأما # PageV01P072 # {تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43) أتأمرون الناس بالبر وتنسون} ~~الزكاة: فمأخوذ من زكا الزرع، إذا كثر ونما. # وقيل: هي من تزكى. أي: تطهر، وكلا المعنيين موجود في الزكاة المفروضة؛ ~~لأن فيها تنمية المال وتطهيره. # (واركعوا مع الراكعين) أي: صلوا مع المصلين. وأصل الركوع: عبادة مع ~~انحناء. يقال: ركعت النخلة إذا انحنت، ومنه قول الشاعر: # (أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأني كلما قمت راكع) # وإنما ذكره بلفظ الركوع؛ لأن صلاة اليهود ما كان فيها ركوع؛ فكأنه قال: ~~وصلوا صلاة ذات ركوع. # فإن قيل: قد أمرهم في أول الآية بإقامة الصلاة، فأي شيء معنى هذا الأمر ~~الثاني: قلنا: الأول مطلق في حق الكل، وهذا الثاني خطاب لقوم مخصوصين، قال ~~لهم: صلوا مع الذين [سبقوكم] بالإيمان والصلاة. # PageV01P073 # قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر} أي: بالطاعة {وتنسون أنفسكم} أي: ~~تتركون أنفسكم {وأنتم تتلون الكتاب} التوراة. # {أفلا تعقلون} العقل: مأخوذ من عقال البعير، وهو ما يشد به ركبة البعير، ~~سمى به لأن يمنعه من الشرود، كذلك العقل يمنع صاحبه من التمرد والخروج عن ~~طاعته. وفي معنى الآية قولان، أحدهما: أنه خطاب لأحبارهم، حيث أمروا ~~أتباعهم بالتمسك بالتوراة، ثم خالفوا وغيروا نعت محمد. # والقول الثاني: أن أهل المدينة كانوا يشاورون علماءهم في اتباع محمد ~~فأشاروا عليهم باتباعه ثم خالفوه وكفروا به. # في الحديث: (روى أنس) عن النبي أنه قال " رأيت ليلة أسرى بي في السماء ~~أقواما تقرض شفاهم بمقاريض من نار، فسألت من هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء # PageV01P073 # {أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) واستعينوا بالصبر والصلاة ~~وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) الذين يظنون أنهم} الخطباء من أمتك ~~كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ". # PageV01P074 # قوله تعالى {واستعينوا بالصبر والصلاة} الاستعانة طلب المعونة. وأما ~~الصبر فالأكثرون على ms0029 أنه حبس النفس عن المعاصي. # ومنه الدابة المصبورة وهي أن تمسك لترمي كالهدف. # وفي الحديث: " أنة نهى عن الدابة المصبورة ". وقال في الذي يمسك غيره حتى ~~يقتل: " اصبروا الصابر واقتلوا القاتل " أي: احبسوا الممسك واقتلوا ~~المباشر. # وقال الحسن البصري: هو الصوم. ومنه سمى شهر رمضان شهر الصبر. فإن قيل: ما ~~معنى الاستعانة بالصوم والصلاة؟ قيل: لأن الصوم يزهده في الدنيا. (وكذلك) ~~في الصلاة يقرأ ما يحثه على الزهد في الدنيا. فكأنه قال: استعينوا بهذين ~~على الدين؛ لتقووا على الإقبال على الآخرة والإعراض عن الدنيا. # {وإنها لكبيرة} لثقيلة. وفي قوله: {وإنها} قولان: أحدهما: أن (لكناية) # PageV01P074 # {ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون (46) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (47) واتقوا يوما لا تجزي نفس} راجعة ~~إلى الصوم والصلاة جميعا. إلا أنه اكتفى بأحد المذكورين والكناية عنه. وهو ~~كما قال القائل: # (ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب) # أي: لغريبان إلا أنه اكتفى بأحدهما. وأورد الأزهري في كتاب التقريب قولا ~~حسنا، فقال: تقديره: واستعينوا بالصبر وإنه لكبير، وبالصلاة وإنها لكبيرة، ~~إلا أنه حذف أحدهما واختصر المعنى اختصارا. # (إلا على الخاشعين) الخاشع: هو المطيع المتواضع. # PageV01P075 # {الذين يظنون} يستيقنون. والظن يكون بمعنى الشك، ويكون بمعنى اليقين، قال ~~الله تعالى: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} أي: استيقنت، وقال الشاعر: # (فقلت لهم ظنوا بألفي مقنع ... سراتهم في الفارسي المسرد) # وقوله تعالى: {أنهم ملاقوا ربهم} أي صائرون إلى ربهم. وكل ما ورد في ~~القرآن من اللقاء فهو بمعنى الصيرورة إليه، كذا قال المفسرون. # وقيل: هو اللقاء الموعود، وهو رؤية الله تعالى. # وقوله تعالى: {وأنهم إليه راجعون} أي: صائرون. # PageV01P075 # وقوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} معناه ما ~~سبق. {وأني فضلتكم على العالمين} التفضيل نقيض التسوية. وأراد به التفضيل ~~بتلك النعم التي سبق ذكرها. وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء ولكن يحصل ~~به الشرف للأبناء، فصح الخطاب معهم. # {على العالمين} على عالمي زمانهم. # PageV01P075 # قوله تعالى {واتقوا يوما لا تجزي ms0030 نفس عن نفس شيئا} معناه: واحذروا # PageV01P075 # {عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولاهم ينصرون (48) ~~وإذ نجيناكم من آل فرعون} عذاب يوم القيامة. {لا تجزى نفس عن نفس شيئا} قال ~~الأخفش: معناه لا تقوم نفس مقام نفس. وقال غيره: معناه لا تقضى نفس عن نفس ~~حقا لزمها. # {ولا يقبل منها شفاعة} يقرأ بقراءتين بالتاء والياء والكل جائز لأن الشفع ~~والشفاعة بمعنى واحد كالوعظ والموعظة والصوت والصيحة بمعنى واحد. ثم يذكر ~~تارة بالتذكير على المعنى. وتارة بالتأنيث على اللفظ. قال الله تعالى: {قد ~~جاءتكم موعظة من ربكم} وقال في موضع آخر {فمن جاءه موعظة من ربه} قال ~~{وأخذت الذين ظلموا الصيحة} وقال في موضع آخر: {وأخذ الذين ظلموا الصيحة} ~~كذا هذا. # {ولا يؤخذ منها عدل} العدل والعدل هو المثل، قال الله تعالى {أو عدل ذلك ~~صياما} أي: مثله. # والمراد بالعدل هاهنا الفدية، وسميت عدلا، لأنها مثل المفدي به. وأما ~~قولهم: لا يقبل منه صرف ولا عدل قيل: الصرف النافلة، والعدل الفريضة. وقيل: ~~الصرف الحيلة، والعدل الفدية. # (ولاهم ينصرون) يمنعون العذاب. # PageV01P076 # قوله تعالى: {وإذا نجيناكم من آل فرعون} الإنجاء والتنجية واحد. هو ~~الإنقاذ من المكروه. وآل فرعون: أتباعه الذين اقتدوا به وبفعله. وكذلك آل ~~النبي أتباعه. # PageV01P076 # {يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم (49) وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا} # وروى أنس عن النبي أنه قال: " آلى كل مؤمن تقي "، فأما آل القرابة فهم ~~قوم مخصوصون [لا] تجري عليهم الصدقة. وقد ذكروا في الفقه. # {يسومونكم سوء العذاب} أي: يجشمونكم ويولونكم. وقيل: يصرفونكم في العذاب ~~مرة هكذا ومرة هكذا، كالإبل السائمة في البرية. # {سوء العذاب} أشد العذاب {يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم} مذكور على وجه ~~البدل عن قوله {يسومونكم} ومثله قول الشاعر: # (متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا) # وقوله: " تلمم بنا في ديارنا " بدل عن قوله: " متى تأتنا ". # ومعنى قوله: {يذبحون أبناءكم} أي: يقتلون. الذبح والذبيح بمعنى واحد. # وسبب ذلك ms0031 أن فرعون رأى في المنام نارا جاءت من نحو بيت المقدس، وأحاطت ~~بمصر، وأحرقت كل قبطي هنالك، ولم تتعرض لبني إسرائيل، فعلم بذلك أن نبيا ~~يخرج من بني إسرائيل؛ يكون هلاكهم على يديه، فأمر بقتل الأبناء، وترك ~~البنات، حتى قيل: إنه قتل في طلب موسى اثني عشر ألف صبيا. # {ويستحيون نساءكم} أي: يتركون ويستبقون، وهو استفعال من الحياة، ومنه # PageV01P077 # {آل فرعون وأنتم تنظرون (50) وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم} قول ~~النبي: " اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم " أي: شبابهم، وأراد به ~~الذرية والنساء. # {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} البلاء: يكون بمعنى النعمة ويكون بالشدة، ~~لأنه من الابتلاء. والله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر وقد يختبر على ~~الشدة بالصبر. قال الله تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} قال الشاعر: # (جزى الله إحسانا بما فعلا به ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو) # وقوله - تعالى -: {وفي ذلكم بلاء} يحتمل هذا المعنيين، أحدهما: فيما ~~لحقكم من فرعون من الأذى والشدة بلاء عظيم. # ويحتمل أنه أراد: فيما حصل لكم من النجاة بغرق فرعون بلاء غظيم، أي: نعمة ~~عظيمة. # PageV01P078 # قوله - تعالى - {وإذ فرقنا بكم البحر} قيل: فرقنا لكم البحر. وقيل: الباء ~~في موضعها، ومعناه: فرقنا البحر بدخولكم إياه فرقا فرقا فوق الرأس وفرقا من ~~تحت القدم أو فرقا من ذلك الجانب، وفرقا من ذلك الجانب، والبحر سمى بحرا، ~~لاتساعه. ومنه يقال للفرس: بحر إذا اتسع في جريه، وللجواد: بحر إذا اتسع ~~كفه للجود. # وقوله تعالى {فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون} قيل في القصص: إن عدد المنجين ~~منهم كانوا ستمائة ألف [وعشرين] ألفا، لا يعد فيهم ابن عشرين لصغره، # PageV01P078 # {العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ~~(52) وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم} # ولا ابن ستين لكبره. وأما عدد المغرقين فالله بهم عليم. # وقيل: كان على مقدمته هامان مع ألف ألف وسبعمائة ألف نفر حين غرقوا، ~~والله أعلم بمن كان على المؤخرة. # {وأنتم تنظرون} إلى غرقهم وهلاكهم. وقيل: تعلمون. # PageV01P079 # قوله - تعالى -: {وإذا واعدنا} ms0032 وقرأ: " وإذ وعدنا " معناهما واحد، فإن ~~قال قائل: المواعدة على وزن المفاعلة، فتقتضي اثنين يتواعدان، فكيف تكون ~~المواعدة من الله مع موسى؟ # قلنا: المواعدة من الله تعالى بالأمر، ومن موسى صلوات الله عليه بالقبول ~~وكذلك الوعد. # وأما موسى، اسم عبري، و " مو " بلغة العبرية هو الماء و " شى " هو الشجر، ~~فسمى " موشى " لأنه أخذ من الماء والشجر ثم قلب الشين سنا في العربية فصار ~~موسى. # وقوله: {أربعين ليلة} أي: انقضاء أربعين ليلة. أمره الله تعالى أن يصوم ~~أربعين يوما لإعطائه التوراة، وكان قد وعده ثلاثين؛ إلا أن الله تعالى كان ~~قد نهاه أن يتناول شيئا في هذه الثلاثين، فلما أتم الثلاثين مر بشجرة، ~~فتناول من ورقها، أمره الله تعالى أن يصوم عشرة أيام بسبب ذلك. وعليه دل ~~قوله تعالى في سورة الأعراف {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} ~~الآية. # وقوله تعالى {ثم اتخذتم العجل من بعده} يعني: إلها، وله قصة معروفة ستأتي ~~في سورة طه. # PageV01P079 # {تهتدون (53) وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم ~~العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب} # {وأنتم ظالمون} باتخاذ العجل إلها. # PageV01P080 # قوله تعالى: {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك} . العفو: محو الآثار. ويقال: عفت ~~الرياح كذا، إذا محت الآثار. يقول: عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلها. ~~{لعلكم تشكرون} ظاهر المعنى. # PageV01P080 # قوله تعالى: {وإذ آتينا موسى الكتاب} يعني: التوراة. {والفرقان} فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أراد به التوراة أيضا. إلا أنه ذكرها باسمين، ومثله قول ~~الشاعر: # (ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد) # والنأي والبعد اسمان بمعنى واحد. # والقول الثاني: أراد به الفرقان بين الحق والباطل. وقد أعطى الله موسى ~~ذلك. ومنه سمى يوم بدر: يوم الفرقان؛ لأنه فرق فيه بين الحق والباطل. # والقول الثالث: أراد به انفراق البحر كما سبق. {لعلكم تهتدون} بالتوراة. # PageV01P080 # قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه} معناه: اذكره إذ قال موسى لقومه {يا ~~قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل} ms0033 إلها. {فتوبوا إلى بارئكم} خالقكم ~~{فاقتلوا أنفسكم} ليقتل بعضكم بعضا. وقيل معناه: استسلموا للقتل. # {ذلكم خير لكم عند بارئكم} خالقكم {فتاب عليكم} بالقبول {إنه هو التواب ~~الرحيم} القابل للتوبة. # وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: كان عدد القتلى منهم [سبعين] ألفا ~~فلما بلغوا ذلك، أوحى الله تعالى إلى موسى: إني رفعت القتل عنهم، # PageV01P080 # {عليكم إنه هو التواب الرحيم (54) وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم} ~~ورحمت من مضى منهم، وعفوت عمن بقى، وتبت عليهم. وحكى أن يوشع بن نون خرج ~~عليهم حين تأهبوا للقتل واحتبوا له، فقال: إن الله رحم من حل حبوته. ثم إن ~~الذين لم يعبدوا العجل سلوا سيوفهم، وأقبلوا على قتل الذين عبدوا العجل، ~~حتى كان الابن يقتل أباه والأب يقتل ابنه، حتى أتوا على سبعين ألفا؛ ثم نزل ~~الوحي كما وصفنا. # PageV01P081 # قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} هو خطاب ~~للسبعين الذين حملهم موسى إلى الطور ليسمعوا كلام الله؛ فإنهم لما سمعوا ~~كلام الله قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. أي: عيانا. # وقيل: فيه تقديم وتأخير يعني قلتم: يا موسى جهرة لن (نؤمن) (لك) حتى نرى ~~الله (جهرة) . # {فأخذتكم الصاعقة} قرأ عمرو: " فأخذتكم الصعقة " وهو في الشواذ: وقد سبق ~~تفسير الصاعقة. والمراد بها الموت ها هنا، أي: أخذكم {وأنتم تنظرون} . # فإن قيل: إذا ماتوا كيف نظروا؟ قيل: معناه: ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم ~~الموت. قيل: معناه: تعلمون ويكون النظر معنى العلم. # PageV01P081 # وقوله تعالى: {ثم بعثناكم من بعد موتكم} يعني أحييناكم بعد تلك الموتة ~~بالطور. # قال قتادة: أحياهم ليستوفوا آجالهم {لعلكم تشكرون} . # PageV01P081 # {لعلكم تشكرون (56) وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا ~~من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمن (57) } # PageV01P082 # قوله تعالى {وظللنا عليكم الغمام} الغمام: من الغم. وأصله: التغطية ~~والستر ومنه يقال للقلب الحزين: مغموم. لأن الحزن غطى قلبه. ms0034 وللسحاب: غمام ~~لأنه يغطى وجه الشمس. ومنه قوله تعالى: {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} أي: ~~ملبوسا عليكم. # ومعنى الآية: قال مجاهد: أراد بتظليل الغمام عليهم ما ذكر في قوله {هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} وسيأتي شرحه. # وقال قتادة: إن قوما من بني إسرائيل بقوا في التيه فعطشوا، وتأذوا بحر ~~الشمس، وظلل الله عليهم غماما، كيلا يتأذوا. # {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} الأكثرون: على أن المن هو الترنجبين. وقال ~~قتادة: هو صمغة تقع على الشجر. وقال وهب: هو الخبز الرقاق. # وأما السلوى: قيل: إنه طائر يشبه السماني بعينه. وفيه قول غريب: أنه ~~العسل. # وفي القصص: أن الله تعالى كان ينزل عليهم ذلك كل صباح من طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس قدر ما يكفي ليومهم؛ إلا يوم الجمعة فإنه كان ينزل صباح الجمعة ~~والسبت جميعا، وما كان للجمعة ينزل عليهم يوم السبت. # وأما قوله عليه السلام: " الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين " فليس ذلك ~~من هذا المن وإنما معناه: أنها من عطاء الله من غير كلفة ولا مشقة. # PageV01P082 # {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب ~~سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا} # {كلوا من طيبات ما رزقناكم} أي: من حلال ما رزقناكم. # {وما ظلمونا} وما بخسوا بحقنا {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} . # فالظلم: بمعنى البخس والنقص، وأصله ما بينا. # PageV01P083 # قوله تعالى: {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} سميت القرية قرية؛ لأنها تجمع ~~أهلها. ومنه المقرآة للحوض؛ لأنه مجمع الماء. ومنه قرية النمل؛ لأنها تجمع ~~النمل، والمراد بالقرية هاهنا البيت المقدس. وقيل: هي أريحا موضع هنالك. # {فكلوا منها حيث شئتم رغدا} ومعنى الرغد ما سبق، وقيل: هو الرزق الواسع ~~الذي لا يضيق (ولا يعني) طالبه. # {وادخلوا الباب سجدا} أراد بالباب: باب القرية. وقيل: هو باب حطة، وهو ~~باب إيلياء. # {سجدا} أي: ركعا خضعا. وأصل السجود الخضوع وفي الركوع خضوع، وقال الشاعر # (بجمع تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجدا للحوافر) ms0035 # أي: ركعا خضعا. # {وقولوا حطة} قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه قولوا: حط ذنوبنا، وقال ~~الزجاج: تقديره: قولوا: مسألتنا حطة. وقال عكرمة: هو قول: لا إله إلا الله. # {نغفر لكم} تقرأ بقراءتين: " نغفر لكم " بالنون، و " يغفر لكم " بالياء ~~وهما # PageV01P083 # {قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما ~~كانوا يفسقون (59) وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر} واحد. ~~وهو من الغفر، وهو الستر. ومنه المغفرة؛ لأنه يستر الرأس. كذلك المغفرة ~~تستر الذنوب. # {خطاياكم} جمع الخطيئة وتجمع على الخطيئات أيضا، وهي الذنوب. يقال: خطئ ~~يخطئ خطأ وخطيئة، إذا أذنب متعمدا. # وأخطأ يخطئ إخطاء إذا أذنب خاطئا. # {وسنزيد المحسنين} من فضلنا. # PageV01P084 # قوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} أجمعوا على أنهم ~~بدلوا قول الحطة بالحنطة، وقالوا بلسانهم: هطا سمقاثا. أي: حنطة حمراء. ~~وقيل: إنهم دخلوا الباب يزحفون على استاههم، وكان قد طوطىء لهم الباب، فما ~~استطاعوا أن يدخلوا قياما، وأبوا أن يدخلوا سجدا، فدخلوا يزحفون على ~~استاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول. # قوله تعالى: {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون} ~~. # الرجز. العذاب. والرجس: النتن. والرجز (بضم الراء) صنم على قول من قرأ ~~{والرجز فاهجر} وقيل: أنزل الله عليهم إذ فعلوا ذاك طاعونا أهلك منهم أربعة ~~وعشرين ألفا في ساعة واحدة. # {بما كانوا يفسقون} من المخالفة فعلا وقولا. # PageV01P084 # قوله تعالى: {وإذا استسقى موسى لقومه} الاستسقاء طلب السقيا. والسبب في ~~ذلك: أن بني إسرائيل بقوا في التيه فعطشوا، فسألوا موسى أن يستسقي لهم، ~~ففعل. # PageV01P084 # {فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق ~~الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (60) وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على} # قوله تعالى: {فقلنا اضرب بعصاك الحجر} اختلفوا في ذلك الحجر، منهم من ~~قال: كان حجرا معينا على قدر رأس الرجل. # وقيل: كان ذراعا في ذراع. وقيل: كان حجرا من الأحجار لا يعنيه، أي حجر ~~كان. # {فانفجرت منه} يعني: ms0036 فضرب (وتفجرت) . هكذا تقديره: منه {اثنتا عشرة عينا} ~~على عدد الأسباط. {قد علم كل أناس مشربهم} عرف كل سبط منهم مشربهم. # وقيل: كان يظهر فيه بضرب موسى [اثنتي عشرة] حفرة، يعرف كل سبط منهم ~~حفرته. # وقيل: كان يحمل الحجر مع نفسه في وعاء؛ فكلما احتاجوا إلى الماء ضرب موسى ~~على الحجر. {كلوا} مما أنزلنا عليكم من المن والسلوى {واشربوا} من هذه ~~المشارب. [ {من رزق الله} ] . # {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} العيث: أشد الفساد. وقيل: معناه: ولا تسعوا ~~في الأرض مفسدين. # PageV01P085 # قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} كأنهم أجمعوا ~~وسئموا من أكل المن والسلوى، فسألوا موسى أن يسأل لهم غيره من الطعام. # فإن قيل: كان لهم المن والسلوى، فلم سماهما واحدا؟ ! قيل: كانوا يأكلون ~~أحدهما بالآخر (فكان) كطعام واحد. # PageV01P085 # {طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها ~~وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا ~~مصرا} # وقيل: إنه كان أبدا على نسق واحد، وكان من حيث اتساقه كطعام واحد. # {فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها} سألوا هذه ~~الأطعمة. # وقوله تعالى: {وفومها} اختلفوا فيه. اختلفوا فيه. قال ابن عباس، ~~والأكثرون: إنه الحنطة. وقيل: الخبز. وحكى أن بعض الأعراب قال لامرأته: " ~~فومى لنا " أي: أجزي لنا. # وقال الضحاك بن مزاحم: أراد به الثوم. فأبدل الثاء بالفاء. ومنه قول ~~الشاعر: # (كانت ديارهم إذ ذاك بارزة ... فيها الفراديس والفومان والبصل) # وقد قرأ أبي بن كعب وابن مسعود: " ونومها " بالثاء {وعدسها وبصلها} . # قوله تعالى: {قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} يعني: أتختارون ~~الأدنى على ما هو خير. فإن قيل: أليس فيما سألوا الحنطة والخبز، وهي خير من ~~المن والسلوى فلم سماه أدنى؟ قيل: أراد به أدنى في القيمة، أو أراد به أسهل ~~وجودا على العادة. # {اهبطوا مصرا} أي: انزلوا واذهبوا إلى مصر. واختلفوا فيه، فالأكثرون على ~~أنه المصر المعروف. وقد قرأ ابن مسعود: " اهبطوا مصر ms0037 " غير منصرف. ومن صرفه ~~كان لقلة الحروف. # وقال الأعمش: أراد به مصر الذي عليه صالح بن علي، وهو المصر المعروف. ~~وقيل: كان مصرا من الأمصار لا بعينه يقول: أنزلوا مصرا {فإن لكم ما سألتم ~~وضربت عليهم الذلة} قيل: أراد به الجزية، وقال عطاء بن السائب: هو الكستيج ~~والزنار. # وقال ابن عباس: أصحاب القبالات ممن ضربت عليهم الذلة. # PageV01P086 # {فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك ~~بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون (61) إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى} # {والمسكنة} والفقر، يقال: تمسكن الرجل أي صار فقيرا، وسمى الفقير مسكينا ~~لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة. # {وباءوا بغضب من الله} أي: رجعوا واحتملوا غضب الله. # {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} والآية: العلامة. والآية: الجماعة. ~~يقال: خرج القوم بآيهم أي: بجماعتهم. والآية من القرآن مجمع كلمات معلوم ~~الأول والآخر. # قوله تعالى: {ويقتلون النبيين} . قرأ نافع بالهمز والمد. والباقون ~~بالتليين، وأصله الإنباء، فمن همزه كان على الأصل. ومن لينه فلكثرة ~~الاستعمال. # وقيل: هو مأخوذ من النبوة وهي المكان المرتفع، فعلى هذا يكون التليين على ~~الأصل. # وفي الحديث: " أن رجلا قال: يا نبيء الله بالهمز والمد فقال: لست بنبي ~~الله إنما أنا نبي الله ". # قوله تعالى: {ويقتلون النبيين بغير الحق} فإن قال قائل: لم قال: " بغير ~~الحق " وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق؟ ! قلنا: ذكره وصفا للقتل، ~~والقتل يوصف تارة بالحق، وتارة بغير الحق وهو مثل قوله تعالى {قال رب احكم ~~بالحق} . ذكر الحق وصفا للحكم لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق. # PageV01P087 # {والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} # {ذلك بما عصوا} من المعاصي {وكانوا يعتدون} يتجاوزون الحد. # PageV01P088 # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} أراد بالذين هادوا اليهود، ~~وإنما سموا يهودا؛ لأنهم قالوا {إنا هدنا إليك} أي: ملنا إليك. # وقيل: لأنهم ms0038 من أولاد يهودا بن يعقوب. والنصارى قوم يعرفون. وإنما سمعوا ~~نصارى؛ لأنهم نزلوا قرية تسمى ناصرة. وقيل: لقول عيسى: من أنصاري إلى الله ~~قالوا: نحن أنصار الله. # {والصابئين} قرأ نافع باللين وقرأ الباقون بالهمز. وأصله الصبو وهو الميل ~~والخروج. # يقال: صبأ ناب البعير إذا خرج. وصبا قلبه إلى فلان أي: مال. قال الشاعر: # (صبا قلبي إلى هند ... وهند مثلها (يصبي)) # أي: مال قلبي إليها ومثلها تميل القلب. # اختلوا في معناه؛ قال ابن عباس: هم قوم من اليهود والنصارى. # وقال قتادة: هم قوم يقرءون الزبور، ويعبدون الملائكة، ويصلون إلى الكعبة ~~(من آمن بالله) . فإن قيل: قد ذكر في الجملة {إن الذين آمنوا} فكيف يستقيم ~~قوله {من آمن بالله} ؟ . # قيل: هذا في سلمان وأتباعه الذين آمنوا بمحمد قبل البعث. ثم أقروا به بعد ~~البعث. # وقيل: أراد به: من ثبت على الإيمان. وقيل: أراد بالذين آمنوا: المنافقين ~~الذين آمنوا باللسان. # PageV01P088 # {خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من بعد ~~ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين (64) ولقد علمتم} # وقوله تعالى: {من آمن بالله} يعني بالقلب مع اللسان {بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} في الآخرة. # PageV01P089 # قوله تعالى: { [وإذ] أخذنا ميثاقكم} أي: عهدكم {ورفعنا فوقكم الطور} قيل: ~~أراد به طور سيناء. # وقيل: كل جبل طور. وفي القصص: أن الله تعالى قلع جبل طور ورفع فوق رأسهم ~~وقال لهم: إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم، فقبلوا التوراة. ~~وعليه دل قوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم} ~~الآية. # {خذوا ما آتيناكم} من التوراة {بقوة} بجد واجتهاد {واذكروا ما فيه} ~~وادرسوا ما فيه. {لعلكم تتقون} النار في الآخرة. # PageV01P089 # قوله تعالى: {ثم توليتم من بعد ذلك} أعرضتم من بعد ما قبلتم التوراة ~~{فلولا فضل الله عليكم ورحمته} يعني: بالإمهال والإدراج {لكنتم من ~~الخاسرين} لمن المعذبين في الحال؛ كأنه رحمهم بالإمهال. # PageV01P089 # قوله تعالى: {ولقد علمتم الذين اعتدوا} ms0039 أي: جاوزوا الحد، ويقال: تعدى ~~طوره. أي: جاوز حده. # {منكم في السبت} وأصل السبت: القطع، وسمى يوم السبت بذلك؛ لأن اليهود ~~أمروا فيه يقطع الأعمال أراد به قوم أيله، وهي قرية على شط البحر وترك ~~الاصطياد في يوم السبت؛ فخالفوا واصطادوا. وقصتهم تأتي مشروحة في سورة # PageV01P089 # {الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) فجعلناها ~~نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66) } الأعراف. # {فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} وهذا أمر تكوين ليس للعبد فيه صنع ولا ~~اختيار. # {خاسئين} مبعدين. ومنه يقال: [أخسا] أي: أبعد. فإن قيل: لم قال: " قردة ~~خاسئين " وإنما تنعت القردة بالخاسئات؟ قيل: فيه تقديم وتأخير. وتقديره. ~~خاسئين قردة. # PageV01P090 # قوله تعالى: {فجعلناها نكالا لما بين يديها} أي: فجعلنا عقوبتهم بالمسخ ~~نكالا. والنكال: اسم لكل عقوبة تنكل الناظر من فعل ما جعلت العقوبة جزاء ~~عليه. ومنه النكول من اليمين، وهو منع اليمين. # {لما بين يديها} فإن قيل: كيف يكون نكالا لما بين يديها وهم قد مضوا؟ ~~قيل: أراد به الذين حضروا في ذلك الزمان. # {وما خلفها} الذين يأتون من بعد " وما " هاهنا: بمعنى " من " وفيه قول ~~آخر: أراد " لما بين يديها ": ما سبقت من الذنوب {وما خلفها} ما حضرت من ~~الذنوب التي أخذوا بها. # وفيه قول ثالث: أراد " بما بين يديها " القرى التي كانت مبنية في الحال. ~~وما خلفها: بالحدث من القرى من بعد. # {وموعظة للمتقين} من أمة محمد. # PageV01P090 # {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ~~قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ~~قال} # PageV01P091 # قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه} واذكر إذ قال موسى لقومه: {إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة} البقرة: الأنثى من البقر. وهي مأخوذة من البقر، وهو ~~الشق. سميت بذلك لأنها تشق الأرض بالحراثة. # وفي الخبر: " أن النبي نهى عن التبقر في الأهل والمال " أي: التوسع. ~~والقصة في ذلك: أنه كان في بني إسرائيل رجل غني، وله ابن عم ms0040 فقير، فاستطال ~~حياته فقتله، وحمله إلى حي آخر، وطرحه بفنائهم، ثم أصبح يطلب دمه. فسألوا ~~موسى أن يسأل ربه من القاتل؟ فسأل فأوحى الله تعالى [إليه] أن يأمرهم بذبح ~~البقرة. # فقال: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة {قالوا أتتخذنا هزوا} لأنهم لما ~~سألوه أن يسأل ربه من القاتل؟ فقال: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فلبعد ~~ما بين السؤال والجواب، قالوا: أتتخذنا هزوا. وذلك من شدة جهلهم، وتبسطهم ~~في الكلام نسبوا نبيهم إلى الاستهزاء. # {قال أعوذ بالله} أعتصم وأمتنع بالله. {أن أكون من الجاهلين} بالجواب، لا ~~على وفق السؤال. لأن كل من سئل عن شيء فأجاب لا على وفق السؤال يكون جاهلا. # PageV01P091 # {إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ~~(68) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء ~~فاقع لونها} # PageV01P092 # قوله تعالى: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} هذا استيصاف السن {قال ~~إنه يقول} يعني: فسأل فقال: إنه يقول: {إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ~~ذلك} قيل: الفارض الكبيرة المسنة، والبكر: الفتى، والعوان ما بين ذلك. # ومنه يقال: عونت المرأة، إذا زادت على الثلاثين. ويقال: في المثل " ~~العوان لا تعلم الخمرة " أي: الاختمار. # وقيل: الفارض التي ولدت بطونا، والبكر: التي لم تلد أصلا، والعوان: التي ~~ولدت بطنا أو بطنين. {فافعلوا ما تؤمرون} من الذبح. # PageV01P092 # قوله تعالى: {ادع لنا ربك} سل لنا ربك. {يبين لنا ما لونها} هذا اسيتصاف ~~اللون. {قال إنه يقول إنها بقرة صفراء} قال الحسن: الصفراء: السوداء. # ومنه قول الشاعر: # (تلك خيلي منه وتلك ركاب ... هن صفر ألوانها كالزبيب) # يعني سود، والصحيح: أنه أراد به الصفراء المعهودة بدليل قوله: {فاقع ~~لونها} وإنما يقال: أصفر فاقع، وأسود حالك، وأحمر قان، وأبيض يقق. ويقال: ~~ذلك للمبالغة. # وقال سعيد بن جبير: كانت صفراء القرون والظلف. والصحيح: أنه كانت صفراء ~~بجميعها. # {تسر الناظرين} أي تعجبهم وتدخل السرور في قلبهم من حسنها وهذا دأب كل ~~حسن قد ms0041 يرى. وقد قال النبي " من لبس نعلا صفراء لم يزل في سرور حتى ينزعها ~~". # PageV01P092 # {تسر الناظرين (69) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه ~~علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون (70) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير ~~الأرض} # PageV01P093 # قوله تعالى: {قالوا ادع لنا ربك} سل لنا ربك. {يبين لنا ما هي} وهذا ~~استيصاف العمل أنها من العوامل أم لا؟ {إن البقر تشابه علينا} أي: اشتبه. ~~{وإنا إن شاء الله لمهتدون} وفي الخبر " أنهم لو لم يقولوا: إن شاء الله ما ~~اهتدوا أبدا ". # PageV01P093 # قوله تعالى: {قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض} الذلول: بين ~~الذلة، والذليل بين الذل، والبقرة الذلول التي أذلها العمل بإثارة الأرض. # {ولا تسقى الحرث} ليست بساقية {مسلمة} عن العيوب. {لا شية فيها} قال ~~الزجاج: ليس فيها لون يخالف معظم لونها. # {قالوا الآن جئت بالحق} فإن قيل: قد كان جاء بالحق في كل مرة. فما معنى ~~قوله {الآن جئت بالحق} ؟ ! قيل: معناه: الآن أتيت بالبيان التام الشافي ~~الذي لم يبق معه لبس ولا إشكال. # {فذبحوها وما كادوا يفعلون} يعني: من غلاء ثمنها، لأنه روى أنهم اشتروها ~~بملء مسكها ذهبا. # وحكى عن عكرمة أنه قال: ما اشتروها بذلك، إنما اشتروها بثلاثة دنانير. # وقيل: معناه وما كادوا يفعلون من شدة اضطرابهم واختلافهم فيها، والأول ~~أصح. وفي الحديث أن النبي قال: {شددوا على أنفسهم؛ فشدد الله عليهم. ولو # PageV01P093 # {ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما ~~كادوا يفعلون (71) وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم ~~اعترضوا بقرة فذبحوها؛ حصل مرادهم ". # PageV01P094 # قوله تعالى: {وإذ قتلتم نفسا} هذا في التلاوة مؤخر، وفي المعنى مقدم؛ ~~لأنه أول القصة. {فادارأتم فيها} أي: اعوججتم ومنه قول الشاعر: # (فنكب عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون) # أي: اعوجاجهم. # وقيل: معناه: تدافعتم إذا كان يحيل بعضهم على بعض وأصل [الدرء] الدفع. # قوله تعالى: {والله مخرج ما كنتم تكتمون} أي: مظهر ما كنتم تكتمون؛ فإن ~~القاتل ms0042 كان يكتم القتل. # PageV01P094 # قوله تعالى: {فقلنا اضربوه ببعضها} أمر الله تعالى أن يضرب المقتول بعض ~~البقرة. واختلفوا في ذلك البعض؛ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: كان ذلك من ~~الغضروف إلى الكتف. قال مجاهد: وهو عجب الذنب. وقال غيره: هو الفخذ. وقال ~~بعضهم: اللسان. # وقيل: بعض منها لا بعينه؛ أي بعض: كان. # {كذلك يحيى الله الموتى} لأنه أراهم إحياء المقتول حين ضرب ببعض البقرة. ~~وفي القصة: أنه لما ضرب ببعضها قام حيا وقال: " قاتلي فلان "، ثم سقط ميتا؛ ~~فحرم قاتله الميراث. # وفي الخبر: أن النبي قال: " ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة ". # PageV01P094 # {تكتمون (72) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته ~~لعلكم تعقلون (73) ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد} {ويريكم ~~آياته لعلكم تعقلون} تمنعون أنفسكم من المعاصي. # وقيل: إنما خص البقرة بذلك الذبح؛ لأنهم كانوا قد عبدوا العجل، فأراد أن ~~يريهم هوانها، وأنها تعجز عن دفع القتل عن نفسها. # أو ابتلاهم بالأمر بذبحها حتى [يراهم] هل يقتلون أم لا. # PageV01P095 # قوله تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} يعني يبست وجفت، وجفاف القلب ~~بخروج الرحمة والرقة عنه. {من بعد ذلك} من بعد ما ظهر لكم من تلك الآيات. ~~{فهي كالحجارة} يعني في الصلابة {أو أشد قسوة} . # فإن قيل: لم قال: أو أشد قسوة و " أو " كلمة التشكيك؟ ولم شبه بالحجارة ~~والحديد أصلب من الحجارة؟ . # قلنا: أما الأول معناه وأشد قسوة. وقيل: بل أشد قسوة، وهو مثل قوله ~~تعالى: {إلى مائة ألف أو يزيدون} أو بل يزيدون. # وقال جماعة النحويين: معناه إن شئت مثلهم بالحجارة؛ وإن شئت مثلهم بما هو ~~أشد من الحجارة، فأنت مصيب في الكل. وهذا قول حسن. # وإنما لم يشبه بالحديد؛ لأنه قابل للين، فإنه يلين بالنار، وقد لان لداود ~~عليه السلام، والحجارة لا تلين قط. # قوله تعالى: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} قيل: أراد به جميع ~~الحجارة. وقيل: أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط. # {وإن منها لما يشقق فيخرج ms0043 منه الماء} أراد به عيونا دون الأنهار، وتكون ~~في بعض # PageV01P095 # {قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه ~~الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74) } ~~الأحجار {وإن منها لما يهبط من خشية الله} أي ينزل من مخافة الله. # فإن قيل: الحجر جماد لا يفهم؛ فكيف يخشى؟ ! قلنا: قد قال أهل السنة: إن ~~لله تعالى علما في الموات لا يعلمه غيره. # وقيل: إن الله تعالى يفهمهم ويلهمهم ذلك فيخشون بإلهامه، وبمثل هذا وردت ~~الأخبار. # فإنه روى: " أن النبي كان علي " ثبير " والكفار يطلبونه، فقال الجبل: ~~أنزل عني فإني أخاف أن تؤخذ على فيعاقبني الله بذلك. فقال له جبل حراء: إلى ~~يا رسول الله ". # وروى عن النبي أنه قال: " كان حجر يسلم على بمكة قبل أن أبعث، وأنا أعرفه ~~الآن " الخبر صحيح. # وفي الباب حديث أنس وسهل بن سعد، " أن رسول الله كان يخطب إلى جذع في ~~المسجد قائما، فلما اتخذ له المنبر تحول إليه فلما رقاه حن الجذع ". # ويروي: " أنه خار كما يخور الثور، حتى ارتج المسجد؛ فنزل رسول الله من ~~المنبر وكان الجذع يخور حتى التزمه فسكن. فخيره النبي بين أن يكون شجرة في ~~الدنيا أو شجرة في الجنة، فاختار الجنة، فأمر به فدفن ". # PageV01P096 # {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ~~من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلا} # وقد قال مجاهد: لا ينزل حجر من [الأعلى] إلى الأسفل إلا من خشية الله. # ويشهد لكل ما قلنا. قوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله} . # {وما الله بغافل عما تعملون} أي: يشاهد ما تصنعون. # PageV01P097 # قوله تعالى: {أفتطمعون} أي: ترجون {أن يؤمنوا لكم} أي: يصدقونكم بما ~~تخبرونهم به. {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما ~~عقلوه} وفيه قولان: أحدهما: أنهم سمعوا التوراة ثم حرفوا ما فيها ms0044 من ~~الأحكام ونعت محمد. # القول الثاني: أنه أراد به السبعين الذين حملهم موسى إلى الطور حين ~~قالوا: إن كنت ترى الله فينبغي أن نرى الله، وإن كنت تسمع كلام الله؛ ~~فينبغي أن نسمع كلام الله. فقال موسى: أما أنا فلا أرى الله، ولكني أسمع ~~كلامه، ثم سأل موسى ربه تعالى أن يسمعهم كلامه فقال الله تعالى: مرهم ~~فليصوموا كذا وليغسلوا أو ليلبسوا ثيابا جددا نظيفة، ثم ليحضروا ففعلوا ~~ذلك. وسمعوا كلام الله. # وفي التفسير: أنه قال لهم: أنا الله لا إله إلا أنا، أخرجتكم من مصر بيد ~~شديدة فاعبدوني ولا تشركوا بي شيئا، وافعلوا كذا، وكذا فلما سمعوا كلامه، ~~خرجت أرواحهم وماتوا فأحياهم الله تعالى فقالوا لموسى: إنا لا نطيق أن نسمع ~~كلامه، فاسمع أنت، وبلغنا إياه. ثم رجعوا إلى قومهم قالوا: قد سمعنا كلام ~~الله، وقد أمرنا أن نفعل كذا وكذا، لكنه قال: افعلوا إن شئتم أو إن ~~استطعتم. # وفي رواية قال: لا ترتكبوا كذا وكذا إلا أن يكون لكم بد؛ فارتكبوا، فهذا ~~معنى # PageV01P097 # {بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ~~أفلا تعقلون (76) أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} قوله ~~{يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه} أي: فهموه (وهم يعلمون) أنه ~~الحق. # PageV01P098 # قوله تعالى {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} أنزل في قوم من اليهود ~~آمنوا فنافقوا. {وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم} والفتح بمعنى القضاء. قال الله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} ~~أي: قضينا لك قضاء بينا. # وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: تعال إلى الفتاح. وفي معنى الآية ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنهم قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم في اتباع محمد: آمنوا ~~به فإنه حق. ثم قال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليكون لهم ~~الحجة عليكم عند ربكم أي: يأخذونكم. # والقول الثاني: أنهم أخبروهم بما عذبهم الله به على الجنايات؛ فقال بعضهم ~~لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من ms0045 العذاب {ليحاجوكم به عند ربكم} ~~ليروا الكرمة لأنفسهم عليكم الله. # والقول الثالث: أن النبي لما فتح خيبر حاصر بني قريظة قال لهم: " يا إخوة ~~القردة والخنازير. فقال بعضهم لبعض: هذه الكلمة ما خرجت إلا منكم، يعني: ~~أنتم حدثتموه بذلك " {أفلا تعقلون} . # PageV01P098 # قوله تعالى: {أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} يعني: أنه ~~عالم بما اسروا (وأعلنوا) . # PageV01P098 # {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) } # PageV01P099 # قوله تعالى: {ومنهم أميون} الأمي: الذي لا يقرأ ولا يكتب. وفي اشتاقه ~~قولان: # أحدهما: أنه من الأم، فالأمي باق على ما انفصل من الأم. # والثاني: من الأمة 0 وهي الخليقة، ومنه قول الشاعر: # (وإن معاوية الأكرمين ... حسان الوجوه طوال الأمم) # يعني بني معاوية. وطوال الأمم أي الخلق. فالأمي: باق على ما كان عليه من ~~أصل الخلقة. # {لا يعلمون الكتاب إلا أماني} فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: قال مجاهد: ~~الأماني الأكاذيب. # ومنه قول عثمان رضي الله عنه: منذ أسلمت ما تمنيت ولا تغنيت أي: ما كذبت. ~~وقال ابن دأب لرجل ذكر شيئا: هذا شيء رويته أم شيء تمنيته. أي: اختلقته ~~واخترعته من تلقائك. # والقول الثاني: أنه التلاوة، أي: لا يعلمون الكتاب إلا التلاوة ومثله ~~وقوله: {إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} أي: تلاوته. وقيل في عثمان ~~رضي الله عنه: # (تمنى كتاب الله أول ليله ... [فياليته] ما لاقى حمام المقادر) # أي: تلا كتاب الله # والقول الثالث: قال الفراء والكسائي: هو من التمني، وذلك هي أمانيهم ~~الباطلة من قولهم {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} ومن قولهم: {لن يدخل ~~الجنة إلا # PageV01P099 # {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ~~ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) وقالوا} من ~~كان هودا أو نصارى) ومن قولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه} فعلى قوله هذا " ~~إلا " بمعنى " لكن " يعنى: لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم. # {وإن هم إلا يظنون} قال مجاهد: يكذبون. ولم يعرف أهل ms0046 البصرة الظن بمعنى ~~الكذب؛ فقالوا: معناه: إلا يخرصون. # PageV01P100 # قوله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ~~الله} فيه قولان: # أحدهما: أنهم كانوا يكتبون من عندهم أشياء، ثم يقولون للأعراب: هذا من ~~عند الله، يبتغونها منهم. وقيل: أراد به ما غيروا بأيديهم من نعت محمد في ~~التوراة؛ فإنه كان فيها أنه أكحل أعين، ربعة، سبط الشعر، فكتبوا فيها أنه ~~أشقر، أزرق طويل القامة، جعد الشعر. # {ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم ما كتبت أيديهم} اختلفوا في الويل؛ قال ~~أبو سعيد الخدري ويروي ذلك مرفوعا عن النبي أيضا " إن الويل واد في جهنم ~~يهوي فيه الكافر سبعين خريفا ". # وقال عثمان: هو جبل من نار. وأصل الويل: الهلاك ودعاء العذاب، فإن قيل: ~~ما # PageV01P100 # {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله ~~عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) بلى من كسب سيئة وأحاطت} معنى ~~قوله: {مما كتبت أيديهم} والكتب لا يكون إلا باليد؟ قيل: ذكره مبالغة في ~~التحقيق. وقيل: معناه أنهم كتبوا بأنفسهم اختراعا. # {وويل لهم مما يكسبون} من المعاصي. # PageV01P101 # قوله تعالى: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} اختلفوا فيه، منهم ~~من قال: أرادوا به أربعين يوما عدد ما عبدنا العجل. # ومنهم من قال: سبعة أيام. لأن مقدار زمان العالم سبعة آلاف سنة فقالوا: ~~نعذب بكل ألف سنة يوما. # وقيل: إنهم قالوا: سمعنا أنبياءنا أنهم قالوا: ما بين طرفي جهنم مسيرة ~~أربعين سنة فنحن نقطع في كل يوم مسيرة سنة فتبقى مسيرة جهنم في أربعين يوما ~~وننجو منها. # {قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده} معناه: أني لكم بهذا؛ قول ~~من الله؟ فلا يخالف قوله. قوله: {أم تقولون على الله مالا تعلمون} . # PageV01P101 # قوله تعالى: {بلى من كسب سيئة} " بلى " تذكر في جواب النفي. " ونعم " ~~تذكر في جواب الإيجاب. قال الله تعالى: {ألست بربكم قالوا بلى} . # وقال: {ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا قالوا ms0047 بلى} . وقال: {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} . {بلى من ~~كسب سيئة} السيئة: الشرك. {وأحاطت به خطيئته} أي: مات على الشرك. # وقيل: أراد بالسيئة: الكبيرة. {وأحاطت به خطيئته} أي: أصر عليها، ومات # PageV01P101 # {به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) وإذ أخذنا ميثاق} غير ~~تائب. وقال ابن السراج النحوي: معناه: انسدت عليه مسالك النجاة. {فأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون} . # PageV01P102 # قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون} إلى آخر الآية، ظاهر المعنى. # PageV01P102 # قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} قرأ أبي ~~بن كعب وابن مسعود: " لا تعبدوا إلا الله " على الأمر، والقراءة المعهودة " ~~لا تعبدون ". # وتقرأ بالياء والتاء ومعناها واحد؛ فإن العرب قد تذكر المخاطبة في (موضع) ~~المغايبة، والمغايبة في موضع المخاطبة. وفي هذا الميثاق عهد وقسم، وتقديره: ~~والله لا تعبدون إلا الله. # {وبالوالدين إحسانا} أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. والإحسان بهما البر ~~والعطف والتحنن، والنزول عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى. {وذي ~~القربى} أي: أهل القرابات. {واليتامى} اليتيم: اسم لمن لا أب له من ~~الآدميين. ولمن لا أم له من البهائم، وهو اسم للفقير منهم. # وقال علي رضي الله عنه: " حفظت لكم عن رسول الله ستا: لا طلاق قبل ~~النكاح، ولا عتاق في غير الملك، ولا نذر في معصية الله، ولا يتم بعد الحلم، ~~ولا صمت يوم إلى الليل. ولا صوم وصال ". {والمساكين} هم الفقراء كما سبق. # PageV01P102 # {بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى ~~والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا ~~قليلا منكم وأنتم معرضون (83) وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا} ~~{وقولوا للناس حسنا} تقرأ بقراءتين حسنا وحسنا. # وتقديره: وقولوا للناس قولا حسنا، أو وقولوا للناس قولا ذا حسن. وفي ~~معناه ثلاثة أقوال، أحدها: قال سفيان الثوري: القول الحسن هو الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. والقول الثاني: أنه ms0048 اللين في القول، والمعاشرة ~~بحسن الخلق. # والقول الثالث: أنه خطاب لأهل التوراة يعني: وقولوا للناس صدقا في نعت ~~محمد في التوراة. # {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} سبق تفسيره. # {ثم توليتم} أعرضتم {إلا قليلا منكم} وذلك أن فريقا منهم قد آمنوا {وأنتم ~~معرضون} كإعراض آبائكم. # PageV01P103 # قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} أي: لا يسفك بعضكم ~~دماء بعض. # وقيل: لا تسفكوا دماء غيركم فتسفك دماؤكم؛ فكأنكم سفكتم دماء أنفسكم. # {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} أي: لا يخرج بعضكم بعضا. # وقيل: معناه: لا تسيئوا جوار من جاوركم؛ فتلجئوهم إلى الخروج؛ بسوء ~~الجوار. # {ثم أقررتم} أي: قبلتم {وأنتم تشهدون} تعترفون بالقبول. # PageV01P103 # قوله تعالى: {ثم أنتم هؤلاء} يعني: يا هؤلاء {تقتلون أنفسكم} (بقتل) ~~بعضكم بعضا. # PageV01P103 # {تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء ~~تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم} ~~{وتخرجون فريقا منكم من دياركم تظاهرون} يقرأ بالتشديد والتخفيف وأصله: ~~تتظاهرون. فأدغمت التاء في الظاء. فصار مشددا ومعناه: تعاونون. # {عليهم بالإثم والعدوان} فالإثم والعدوان: المبالغة في الظلم. وقد روى: " ~~أن النواس بن سمعان سأل رسول الله ما البر؟ فقال: ما اطمأنت إليه نفسك، ~~قال: ما الإثم؟ فقال: ما حاك في صدرك ". # قوله تعالى {وإن يأتوكم أسارى} يقرأ بقرائتين " أسرى، وأسارى " وفرق أبو ~~عمرو بينهما في المعنى، فقال: الأسارى لمن كان في اليد مع الوثاق. والأسرى: ~~لمن كان في اليد من غير وثاق، ولم يرضوا منه بهذا الفرق، والصحيح: أنهما ~~واحد. # {تفدوهم} و {تفادوهم} قراءتان. قيل: هما في المعنى واحد، وقيل: (تفادوهم) ~~تقال في فداء الأسرى بالأسرى. وتفدوهم في الفداء بالمال. # {وهو محرم عليكم إخراجهم} فيه تقدير وتأخير. وتقديره: وتخرجون فريقا منكم ~~من ديارهم؛ وهو محرم عليكم إخراجهم؛ تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان. # {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} لأنهم خالفوا في البعض وامتثلوا في ~~البعض. # PageV01P104 # {والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة ~~الدنيا ms0049 ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} # قال السدى في كشف معنى الآية: إنهم أمروا بأربعة أشياء: أن لا يقتل بعضهم ~~بعضا. وأن لا يخرج بعضهم بعضا. وأن لا يتعاونوا على الإثم والعدوان. وأن ~~يفادوا الأسارى. فخالفوا في الثلاث وامتثلوا في المفاداة. # والقصة فيه: أن بني قريظة كانوا حلفاء الأوس، وبنو النضير كانوا حلفاء ~~الخزرج وكانت بين القبيلتين مقاتلة، فوقعت المقاتلة بين حلفاء القبيلتين، ~~ثم إذا وقع أسير من حلفاء إحدى القبيلتين في يد أخرى القبيلتين فأداه حلفاء ~~القبيلة الأخرى، مع كون الأسير من عدوهم، فإذا قيل لهم: لم تفادون؟ قالوا: ~~أمرنا بالمفاداة. فإذا قيل لهم: لم تقاتلون؟ قالوا: نحن حلفاؤهم فلابد لنا ~~من القتال معهم فهذا معنى الآية. # وقوله تعالى: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا} ~~يقال: خزي يخزى خزيا، من الذل والهوان. وخزي يخزي خزاية. من الخجل ~~والاستحياء والافتضاح. ومنه قول الشاعر: # (والموت خزيان ينظر خزيان ... ) # أي: مستحي. # {ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعلمون} . # PageV01P105 # {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} اختاروا الدنيا على الآخرة. # {فلا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينصرون} يمنعون العذاب. # PageV01P105 # قوله تعالى: {ولقد آتينا} أعطينا {موسى الكتاب} التوراة {وقفينا من بعده ~~بالرسل} أتبعنا. أي: يقفو رسول رسولا. # {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} فيه قولان؛ أحدهما: أنها المعجزات التي ~~أوتى # PageV01P105 # ( {85) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ~~ولاهم ينصرون (86) ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما} عيسى من ~~إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ونحو ذلك. # والقول الثاني: أنها الإنجيل. {وأيدناه} قويناه من الأيد. وهو القوة. # {بروح القدس} اختلفوا في الروح، قال الحسن وقتادة وهو إحدى الروايتين # عن ابن عباس أنه أراد به جبريل. وقيل: إنه أمر أن يسير معه حيث سار حتى ~~صعد به إلى السماء. وقيل: إن الروح هو الاسم الأعظم الذي كان يحيى به ~~الموتى. ms0050 وقيل هو الإنجيل. # وإنما سمى روحا؛ لأنه كان سببا لحياة القلوب؛ ولذلك سمى القرآن روحا. # وسمى عيسى روحا؛ لأنه حصل بتكوين الله من غير توليد والد. # وأما جبريل: فإنما سمى روحا؛ للطافته، أو لمكانه من الوحي الذي هو سبب ~~لحياة القلوب. # وأما القدس: قيل: إنه نعت جبريل. وأصل القدس: الطهارة. ومنه القدوس: وهو ~~الطهارة. والأرض المقدسة: المطهرة؛ وإنما وصف جبريل بالقدس لأنه لم يقترف ~~ذنبا قط. وكان طاهرا من الذنوب. # وقيل: القدس هو الله تعالى. # قوله تعالى: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم} لا تريد قلوبكم ~~{استكبرتم} أنفتم وتعظمتم {ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} . # فالمكذبون: مثل عيسى ومحمد. والمقتولون: مثل زكريا ويحيى صلوات الله ~~عليهم أجمعين. # PageV01P106 # قوله تعالى: {وقالوا قلوبنا غلف} قرأ ابن عباس: غلف بضم اللام، وهو قراءة ~~الأعرج وابن محيض؛ وهو من الشواذ. # PageV01P106 # {لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) وقالوا قلوبنا ~~غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) ولما جاءهم كتاب} والقراءة ~~المعهودة بجزم اللام، وهم جمع الأغلف، ومعناه: قلوبنا في أوعية مما تقول لا ~~نفهم شيئا من ذلك وهذا مثل قوله تعالى: {وقالوا قلوبنا في أكنة} . # وأما الغلف: بضم اللام: جمع الغلاف. ومعناه: قلوبنا أوعية العلم، وليس ~~فيها مما تقول شيء. أي: ما تقوله فليس بشيء. # {بل لعنهم الله بكفرهم} طردهم الله عن الفهم والرحمة. وأصل اللعن: الطرد ~~والأبعاد وقال الشاعر: # (ذغرق به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين) # أي: مقام الذئب اللعين، يعني: المطرود. # (فقليلا ما تؤمنون) قيل: أراد به المشركين ومعناه: قليل إيمانهم والمراد ~~[به] إيمانهم بأن الله خالقهم وخالق السماوات والأرض. # وقيل: أراد به أهل الكتاب؛ لأن الذين آمنوا منهم أقل من الذين آمنوا من ~~المشركين. # وقيل: معناه: فلا يؤمنون أصلا. # وحكى الكسائي عن العرب: قل ما تنبت هذه الأرض إلا الكراث والبصل. أي: لا ~~تنبت إلا الكراث والبصل. # PageV01P107 # قوله تعالى: {ولما جاءهم كتاب من عند الله} يعنى القرآن. {مصدق لما معهم} ~~من التوراة والإنجيل. # {وكانوا من قبل يستفتحون على ms0051 الذين كفروا} يستنصرون؛ ومنه قول الشاعر: # PageV01P107 # {من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) بئسما اشتروا به} # (ألا أبلغ بني عصم رسولا ... فإني عن قباحتكم غنى) # أي: عن نصرتكم. # وفي الخبر: " أن النبي كان يستفتح بصعاليك المهاجرين ". أي يستنصر بهم في ~~الدعاء للغزوات. # ومعنى الآية: أن المشركين من قبل كانوا يؤذون اليهود فربما تكون الغلبة ~~لهم على اليهود في القتال؛ فقالت اليهود -: اللهم انصرنا بالنبي الأمي الذي ~~تبعثه في آخر الزمان، فكانوا ينصرون به، فلما بعث كفروا به. فهذا معنى قوله ~~{وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين} . # PageV01P108 # قوله تعالى: {بئسما اشتروا} بئس: اسم مستوف لكل ذم. ونعم: اسم مستوف لكل ~~حمد. {اشتروا به أنفسهم} اختاروا لأنفسهم {أن يكفروا بما أنزل الله} من ~~القرآن (بغيا) حسدا. والبغي: الظلم. وأصله الطلب؛ فالباغي طالب للظلم. ~~والحاسد: ظالم لأنه يريد زوال النعمة عن المحسود من غير جناية منه. {أن ~~ينزل الله من فضله} من النبوة: {على من يشاء من عباده} من الأنبياء. # {فباءوا} أي: رجعوا {بغضب على غضب} فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الغضب الأول عبادة العجل. والغضب الثاني الكفر بمحمد. # والقول الثاني: أن الغضب الأول تكذيب عيسى. والغضب الثاني تكذيب محمد. # والقول الثالث: أن الغضب الأول الكفر بالإنجيل. والغضب الثاني الكفر ~~بالقرآن. # {وللكافرين عذاب مهين} أي: مخز. # PageV01P108 # {أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء ~~من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) وإذا قيل لهم آمنوا ~~بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق} # PageV01P109 # قوله تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله} من القرآن. {قالوا نؤمن ~~بما أنزل علينا} يكفينا ما أنزل علينا من التوراة. # {ويكفرون بما وراءه} قال أبو عبيدة: بما بعده. قال الفراء: بما سواه من ~~الكتب. وهو الأصح. {وهو ms0052 الحق} يعني: القرآن {مصدقا لما معهم} من التوراة. ~~{قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} فإن قال قائل: القتل ~~كان من آبائهم فكيف خاطب الأبناء به؟ # الجواب قلنا: قتل الأنبياء وإن وجد من الآباء لكن الأبناء رضوا به، ~~ووالوهم عليه؛ فلهذا خاطب الأبناء به. وأيضا فإنه قال: {فلم تقتلون أنبياء ~~الله من قبل} على صيغة الاستقبال، فكان اللائق بالحال أن يقول فلم قلتم؟ # وأما قوله: {فلم تقتلون} معناه: فلم قتلتم، لكن العرب قد تضع الماضي في ~~موضع المستقبل، والمستقبل في موضع الماضي، والدليل عليه قوله: {من قبل إن ~~كنتم مؤمنين} يعني في زعمكم. # وقيل: معناه: ما كنتم مؤمنين على النفي. كقوله تعالى: {قل إن كان للرحمن ~~ولد} أي: ما كان للرحمن ولد. وفيه قول آخر سيأتي. # PageV01P109 # قوله تعالى: {ولقد جاءكم موسى بالبينات} بالمعجزات. {ثم اتخذتم العجل من ~~بعده} في الهاء قولان: أحدهما: أنه عائد إلى موسى والثاني: عائد إلى ~~المجيء. {وأنتم ظالمون} بذلك. # PageV01P109 # قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم ~~بقوة} قد ذكرناه. {واسمعوا} واقبلوا {قالوا سمعنا وعصينا} يعني: سمعنا ~~بالآذان # PageV01P109 # {مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (91) ~~ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) وإذ ~~أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا} # وعصينا بالقلوب. # وقيل: إنهم لما سمعوا وخالفوا بالعمل؛ فكأنهم قالوا: سمعنا وعصينا. وإن ~~لم يقولوا ذلك ومثله قول الشاعر: # (امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني) # فقدر القول من الحوض وإن لم يقل شيئا. # {وأشربوا} أي: خلطوا، ومنه فلان مشرب اللون إذا اختلط بياضه بالحمرة. {في ~~قلوبهم العجل} أي: حب العجل. فحذف المضاف، واكتفى بالمضاف إليه، ومثله قول ~~الشاعر: # (وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب) # أي كخلالة أبي مرحب. # وفي القصص: أن موسى صلوات الله عليه أمر أن يبرد العجل بالمبرد، ثم أمر ~~أن يذر في النهر، وأمرهم بالشرب منه، فكل من بقي ms0053 في قلبه شيء من حب العجل ~~ظهرت سحالة الذهب على شاربه. {قل بئسما يأمركم به إيمانكم} أي: بئس إيمان ~~يأمر بهذا. {إن كنتم مؤمنين} . # PageV01P110 # قوله تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس} ~~لأنهم قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى؛ فعيرهم بذلك. # {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} لأن من علم بدخول الجنة إذا مات يتمنى ~~الموت ولا يشق عليه أن يموت. # PageV01P110 # قوله تعالى: {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم} أخبر أنهم لن يتمنوا ذلك، # PageV01P110 # {سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به ~~إيمانكم إن كنتم مؤمنين (93) قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ~~من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما} كأن ~~الله صرفهم عن تمني الموت؛ تصديقا للرسول، وتحقيقا لمعجزته، إذ كان يمكن أن ~~يتمنى بعضهم ذلك تكذيبا للرسول. # وفي الخبر قال: " لو تمنوا ذلك لأخذهم الموت في الحال ". # {والله عليم بالظالمين} منهم. # PageV01P111 # قوله: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} يعني اليهود. {ومن الذين أشركوا} ~~أي: وأحرص من الذين أشركوا. وهو مثل قولهم: " فلان أسخى الناس ومن هرم " ~~أي: وأسخى من هرم. # يريدون به هرم بن سنان. كان رجلا معروفا بالسخاوة، وله شاعر يقال له: " ~~زهير بن أبي سلمى ". # والمراد بالذين أشركوا ها هنا: المجوس وذلك أنهم يقول بعضهم لبعض: عش ألف ~~سنة " بزء هزا رسال " فأخبر الله تعالى أن اليهود أحرص الناس على حب الحياة ~~ومن المجوس الذين يقولون ذلك. # {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} كما وصفنا {وما هو بمزحزحه} بمبعده {من ~~العذاب أن يعمر} يعني لا يبعدهم طول العمر من العذاب. # {والله بصير بما يعملون} ظاهر المعنى. # PageV01P111 # قوله تعالى: {قل من كان عدوا لجبريل} في سبب نزول الآية قولان: # PageV01P111 # {قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ~~ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن ~~يعمر والله بصير بما يعملون ms0054 (96) قل من كان عدوا لجبريل فإنه} # أحدهما: أن عمر رضي الله عنه قال لليهود: أنشدكم بالرحمن الذي أنزل ~~التوراة على موسى هل تجدون محمدا في كتابكم؟ فسكتوا. ثم عاودهم ثانيا، ~~فقالوا: نعم. قال عمر: فلم لم تؤمنوا به؟ قالوا: لأنه ينزل عليه جبريل؛ وهو ~~عدونا؛ وهو الذي يأتي بالعذاب، ولو نزل عليه ميكائيل لآمنا به. فقال عمر: ~~أشهد أن من كان عدوا لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدوا لهما فالله عدو ~~له، فنزلت الآية على وفق قول عمر. # وقد روى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: " وافقت ربي في ثلاث ". # ويروى: وافقني ربي في ثلاث ". أحدها: هذا والثاني: آية الحجاب؛ وذلك قوله ~~تعالى: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} . # والثالثة: الصلاة خلف مقام إبراهيم، وذلك قوله تعالى: {واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى} . # والقول الثاني: في سبب نزول الآية: {أن ابن صوريا الأعور وكان أعلم ~~اليهود أتى النبي وقال: إني سائلك مسائل لا يعرفها إلا نبي، فإن أجبتني ~~عرفتك صادقا. فقال: سل. قال ابن صوريا: ما علامة النبي؟ قال: أن تنام عيناه ~~ولا ينام قلبه. قال: صدقت. ثم قال: كيف خلق الولد من الماءين؟ قال: إذا علا ~~ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنث ~~بإذن الله. # وقال: ومن ينزل عليك من الملائكة؟ قال جبريل فقال: لو نزل عليك ميكائيل ~~لآمنا # PageV01P112 # {نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97) ~~من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} بك؛ ~~فإنه عدونا فنزل قوله تعالى {قل من كان عدوا لجبريل} . # (وفيه أربع قراءات: " جبريل " على الكسر واللين، " وجبريل " على الفتح ~~واللين، " وجبريل " على الفتح والهمزة والإشباع " وجبرئيل " على الفتح ~~والهمز من غير إشباع. # و" جبر " بمعنى العبد، و " ئيل " اسم الله، وكذلك ميكائيل، ومعناه: " عبد ~~الله "، أو " عبد الرحمن ". كذا قال ابن عباس، والحسن بن علي. # فجبريل على وزن قنديل وبرطيل وزنبيل، وجبرئيل على وزن عندليب، ms0055 وجبريل لا ~~مثال له. # {فإنه نزله على قلبك} يعني: قلب محمد {بإذن الله مصدقا لما بين يديه} من ~~التوراة والإنجيل {وهدى وبشرى للمؤمنين} . # PageV01P113 # قوله تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل. [وميكال] فإن الله ~~عدو للكافرين} . هذا الذي نزل على وفق قول عمر رضي الله عنه وقوله: {وجبريل ~~و (ميكال} ) وإن دخل في جملة الملائكة الرسل؛ لكن خصهما بالذكر تشريفا. # PageV01P113 # قوله تعالى: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} يعني القرآن وآياته. {وما ~~يكفر بها إلا الفاسقون} أي: الكافرون. # PageV01P113 # قوله تعالى: {أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم} قيل: أراد به العهد ~~الذي # PageV01P113 # {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (99) أو كلما ~~عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) ولما جاءهم رسول من ~~عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب} أخذه الله ~~على اليهود أن يؤمنوا بمحمد؛ فخالفوا ونبذوا. # وقيل: هو العهد الذي أخذه رسول الله على بني قريظة والنضير أن لا يعاونوا ~~المشركين على قتاله. فخالفوا ونبذوا. والنبذ. الطرح، ومنه قول الشاعر: # (نظرت إلى عنوانه فنبذته ... كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا) # {بل أكثرهم لا يؤمنون} وقد آمن قليل منهم. # PageV01P114 # قوله تعالى: {ولما جاءهم رسول من عند الله} يعني: محمدا. # {مصدق لما معهم} من الكتب {نبذ فريق من الذين أتوا الكتاب كتاب الله وراء ~~ظهورهم} أراد به التوراة. # قال الشعبي: كانوا يقرءون التوراة ولا يعملون بها. فكذلك نبذهم. # وقال سفيان الثوري: أدرجوها في الحرير والديباج، وحلوها بالذهب والفضة، ~~ثم لم يعملوا بها، فهم نابذون. # وقيل: أراد بالكتاب القرآن {كأنهم لا يعلمون} أي: لما خالفوا ما علموا ~~كأنهم لا يعلمون. # PageV01P114 # قوله تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} يعني: اليهود {ما تتلوا ~~الشياطين} أي: ما تلت، مستقبل بمعنى الماضي. قال الحطيئة: # (شهد الحطيئة حين يلقي ربه ... أن الوليد أحق بالغدر) # يعني: يشهد. # ومعنى قوله: {تتلوا} أي: تحكي وتقص {على ملك سليمان} على عهد # PageV01P114 # {الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) واتبعوا ما تتلو الشياطين على ms0056 ~~ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما} ~~ملك سليمان. وقيل: في ملك سليمان. والقصة في ذلك: ما روى أن في زمن سليمان ~~صلوات الله عليه كانت سحرة، ولهم في ذلك كتب، فانتزع سلمان كتب السحر من ~~أيديهم ودفنها في صندوق تحت كرسيه، فلما توفي قالت الشياطين للإنس: ألا ~~ندلكم على كنز كان سليمان يفعل به ما كان: فاستخرجوا تلك الكتب. وقال ~~الجهال منهم: به كان يفعل سليمان ما يفعل. # وقيل: لما لم نزع الله الملك من سليمان، كتب الشياطين كتب السحر، ودفنوها ~~تحت الكرسي، فلما رد الله الملك إليه. بقي ذلك السحر مدفونا كما كان، فلما ~~توفي سليمان استخرجوا تلك الكتب وقالوا إن سليمان كان يفعل به ما يفعل. ~~وقيل: إن الشيطان تمثل في صورة النبي وقال لهم ذلك. وقيل: إنه وسوس إليه ~~ذلك، فهذا الذي تلت الشياطين على ملك سليمان. {وما كفر سليمان} أي: وما سحر ~~سليمان. وقيل: أراد به الكفر المعهود. # {ولكن الشياطين كفروا} يقرأ مخففا ومشددا فإذا شدد عمل في نصب الشياطين. ~~وإذا خفف بقي على الرفع {كفروا} سحروا. ويحتمل الكفر المعهود {يعلمون الناس ~~السحر} والسحر في اللغة عبارة عن تمويهات وتخييلات وخدع، قال امرؤ القيس: # {أرانا موضعين (لحتم} غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب) # أي: نخدع. # وقال الفراء: السحر: قول يقوله إنسان يأخذ به الرجل عن امرأته. # PageV01P115 # {أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما} # وحكى عن الشافعي أنه قال: السحر يحيل ويمرض وقد يقتل. والسحر يتحقق وجوده ~~على مذهب أهل السنة ويؤثر، ولكن العمل به كفر، وتأثيره ما ذكرنا، وقيل: إنه ~~يؤثر في قلب الأعيان؛ فيجعل الآدمى على صورة الحمار، والحمار على صورة ~~الكلب. والأصح أنه يخيل ذلك كما بينا. # وقد سحر رسول الله فأثر فيه؛ روى: " أن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبي ~~حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، فأطلعه الله عليه، فأمر به ~~فاستخرج منه بئر ذي [أروان] وكان عليه إحدى عشرة ms0057 عقدة؛ فأنزل الله تعالى ~~عليه المعوذتين؛ إحدى عشرة آية، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى إذا انحلت ~~العقد فكأنما أنشط من عقال ". # قوله تعالى: {وما أنزل على الملكين} قرىء على النفي وهو محكي عن عطية بن ~~عوف، فعلى هذا في الآية تقديم وتأخير، تقديره: وما كفر سليمان، وما أنزل ~~على الملكين ببابل هاروت وماروت ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر، ~~وما يعلمان من أحد وهذا قول غريب. # والصحيح: أن " ما " بمعنى " الذي "، يعني: والذي أنزل على الملكين. # وقرأ ابن عباس على " الملكين " بكسر اللام وهو في الشواذ. قال الحسن ~~البصري: هما كانا علجين من علوج بابل، ولم يكونا ملكين. # والصحيح أنهما كانا ملكين وهو القراءة المعهودة. # والقصة في ذلك ما حكى ابن عمر عن كعب الأحبار؛ وهو قول عطاء بن أبي رباح، ~~وجماعة من المفسرين قالوا: إن الملائكة تعجبوا من كثرة معاصي بني آدم، فقال # PageV01P116 # {نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم} ~~لهم الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض. وركبت فيهم ما ركبت فيكم؛ لفعلتم ~~مثل ما فعلوا. فاختاروا من خيارهم ملكين؛ هاروت وماروت؛ فأنزلهما الله ~~تعالى إلى الأرض، وأخذ عليهما أن ألا يشركا ولا يقتلا، ولا يزنيا. قال كعب: ~~فما مضى عليهما اليوم إلا (وفعلا) الكل. # وفي القصة: أن المزني بها كانت زهرة؛ فمسخت شهابا، ورفعت إلى السماء، ~~فكان ابن عمر كلما رآها لعنها. # وفي القصة: أنهما لما ارتكبا ذلك خيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا ~~وعذاب الآخرة؛ فاختارا عذاب الدنيا؛ فعلقا بأرجلهما. # قال عطاء بن أبي رباح رؤوسهما [مطوية] تحت أجنحتهما. # وأما بابل: قال ابن مسعود: هي أرض الكوفة. وقيل: هو جبل دماوند. وقيل: هو ~~من نصيبين إلى رأس العين. وإنما سمي بابل لأنه تبلبلت فيه الألسن. أي: ~~تفرقت وانتشرت في البلاد. # {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} والفتنة: ~~الابتلاء. ومنه يقال: فتنت الذهب في النار. أي: اختبرته، ليتبين الجيد من ~~الرديء. # فإن قيل: ما معنى ms0058 إنزال السحر على الملكين، وما معنى تعليم السحر من ~~الملكين، وكلاهما مستبعد؟ ! # قيل: أما إنزال السحر: بمعنى التعليم والإلهام يعني علما وألهما السحر. # وقيل: هو حقيقة الإنزال، وهو إنزال هيئة السحر وكيفيته؛ لينتهوا عنه، ~~وأما تعليم السحر من الملكين: بمعنى الإعلام. ومثله قول الشاعر: # PageV01P117 # {بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد ~~علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو ~~كانوا} # (تعلم أن بعد [الغي رشدا] ... وأن لهذه الغبر انقشاعا) # يعنى: اعلم. # وقيل: هو على حقيقة التعليم، ثم فيه قولان: أحدهما: أنهما يعلمان كيفية ~~السحر لينتهوا) عنه كان الرجل يأتيهما فيقول: ما الذي نهى الله عنه؟ ~~فيقولان: الشرك. فيقول: وما الشرك؟ فيقولان: كذا وكذا. # ويأتيهما آخر فيقول: ما الذي نهى الله عنه؟ فيقولان: السحر. فيقول: وما ~~السحر [فيعلمانه] كيفية السحر لينتهي عنه، وكذا في كل المعاصي. # والقول الثاني: أنه تعليم ابتلاء، سلطهما الله على تعليم السحر ابتلاء ~~للناس حتى أن كل من تعلم واعتقد وعمل به كفر # ومن لم يتعلم ولم يعمل به؛ لم يكفر. والدليل عليه قوله تعالى: {إنما نحن ~~فتنة} أي: بلية {فلا تكفر} أي: لا تتعلم السحر. فتعمل به؛ فتكفر. # وقوله تعالى: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} يعني السحر ~~الذي يؤخذ به الرجل عن امرأته كما وصفنا. # {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} معناه: إلا بتكوين الله، ~~فالساحر يسحر، والله يكون. # قال سفيان الثوري: معناه: إلا بقضاء الله وقدره. # {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} يعني: السحر يضرهم ولا ينفعهم. # (ولقد علموا لمن اشتراه) اختاره {ماله في الآخرة من خلاق} من نصيب. # PageV01P118 # (يعلمون (102) ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا ~~يعلمون (103) يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ~~وللكافرين) # {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} بئس اختيار اختاروه لأنفسهم. # فإن قيل: أليس قد قال: {ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة ms0059 من خلاق} ~~فما معنى قوله: {لو كانوا يعلمون} وقد أخبر أنهم قد علموا؟ # قيل: أراد بقوله: {ولقد علموا} الشياطين. وبقوله: {لو كانوا يعلمون} ~~اليهود. # وقيل: كلاهما في اليهود؛ لكنهم لما لم يعملوا بما علموا؛ فكأنهم لم ~~يعلموا. # PageV01P119 # قوله تعالى: {ولو أنهم آمنوا واتقوا} آمنوا بك يا محمد {واتقوا} الكفر ~~والسحر {لمثوبة} لثواب {من عند الله خير لو كانوا يعلمون} . # PageV01P119 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} . معناه: أرعنا سمعك ~~واسمع منا وحقيقته (فرغ) سمعك لكلامنا. # {وقولوا أنظرنا} أي: انتظرنا، وقيل: انظر إلينا. # وقرأ الأعمش: " أنظرنا " أي: أمهلنا. وقال الشاعر: # {أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا} # أي: أمهلنا. # {واسمعوا} أي: أطيعوا. {وللكافرين عذاب أليم} أي: عذاب مؤلم. وفي سبب ~~نزول الآية قولان: # أحدهما: أن الصحابة كانوا يقولون للنبي: " راعنا " ويريدون به ما ذكرنا، ~~فسمعه اليهود. وكان ذلك عندهم سبا وهو بمعنى يا أحمق. # وقد قرأ الأعمش: " راعنا " منونا، وقرأ الحسن: " راعونا " وهما لغتان من ~~الرعونة، # PageV01P119 # {عذاب أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل ~~عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل} فلما سمعه ~~اليهود فرحوا به؛ حيث رأوهم يسبونه ولا يعلمون، وكانوا يقولون ذلك للنبي ~~موافقة للمسلمين في الظاهر، ويضحكون فيما بينهم، إنا نسبه وهم لا يعلمون؛ ~~فنزل قوله تعالى: {لا تقولوا راعنا وقولوا أنظرنا} # والقول الثاني: أن قولهم " راعنا " كان فيه جفوة وخشونة؛ لأن حقيقته فرغ ~~سمعك لكلامنا حتى تفهم، وفي هذا نوع جفاء؛ فنزل قوله: {لا تقولوا راعنا ~~وقولوا انظرنا} حتى يقولوا ما يقولوا على طريق التبجيل والمسألة. ويختاروا ~~من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أحكمها. # PageV01P120 # قوله تعالى: {ما يود الذين كفروا} أي: ما يحب، والود: الحب. # ومعنى الآية: أن الأنبياء قبله بعثوا من ولد إسحاق، فلما بعث النبي من ~~ولد إسماعيل؛ لم يقع ذلك بود اليهود ومحبتهم. وأما المشركون فإنما لم تقع ~~نبوته بودهم، لأنه جاء بتضليلهم، وعيب آلهتهم، فهذا معنى قوله تعالى: {ما ~~يود ms0060 الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم} يعني عليك يا ~~محمد. ذكر الواحد بخطاب الجمع على ما هو عادة العرب {من خير من ربكم} يعني ~~النبوة. {والله يختص برحمته من يشاء} قال ابن عباس وأكثر المفسرين: الرحمة ~~بمعنى النبوة هاهنا. وقيل: بمعنى الإسلام. والهداية إليه. {والله ذو الفضل ~~العظيم} الفضل [ابتداء] إحسان بلا علة. # PageV01P120 # قوله تعالى: {ما ننسخ من آية} قرأ ابن عامر " ما ننسخ " بضم النون وكسر ~~السين ومعناه ما تجده منسوخا وهو مثل قولهم: أحمدت فلانا. أي: وجدته ~~محمودا، وأبخلت فلانا. أي. وجدته بخيلا. # القراءة المعروفة {ما ننسخ} على الفتح. # PageV01P120 # {العظيم (105) ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير (106) } # والنسخ في اللغة: رفع الشيء وإقامة غيره مقامه. يقال: نسخت الشمس الظل. ~~أي رفعته وأقامت الضياء مقامه. # وقد يكون بمعنى رفع الشيء من غير إقامة غيره مقامه. # يقال: نسخت الرياح الآثار إذا رفعتها من أصلها من غير شيء يقوم مقامها. ~~والنسخ جائز في الجملة باتفاق الأمة. ونسخ القرآن على وجوه: # منها نسخ يوجب رفع التلاوة والحكم جميعا. وذلك مثل ما روى عن أبي أمامة ~~بن سهل بن حنيف " أن قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرءوا سورة فلم يذكروا ~~منها إلا قوله: {بسم الله الرحمن الرحيم} فغدوا على النبي وأخبروه بذلك ~~فقال عليه السلام: " تلك سورة رفعت بتلاوتها وأحكامها ". # وقيل إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة؛ فرفع أكثرها تلاوة وحكما. # ومن النسخ ما يوجب رفع التلاوة دون الحكم وذلك مثل آية " الرجم " رفعت ~~تلاوتها وبقي حكمها. # ومنه ما يوجب رفع الحكم دون التلاوة. مثل آية " \ الوصية للوالدين ~~والأقربين " وآية " عدة الوفاة بالحول " ومثلها آية " التخفيف في القتال " ~~وآية " الممتحنة " ونحو ذلك. # ومن وجوه النسخ ما يوجب رفع الحكم وإقامة غيره مقامه، وذلك مثل القبلة ~~نسخت إلى الكعبة، والوصية نسخت إلى الميراث، وعدة الوفاة نسخت من الحول إلى ~~أربعة أشهر وعشرا، ومقاومة الواحد العشرة في القتال ms0061 نسخت إلى مقاومة الواحد ~~الاثنين. ونحو ذلك. # PageV01P121 # {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا} # ومنها: رفع الحكم من غير إقامة شيء مقامه؛ وذلك مثل امتحان النساء، نسخ ~~من غير خلف. وكذلك أمثال هذا. # رجعنا إلى تفسير الآية فقوله: {ما ننسخ من آية} أي: نرفع من آية. فأما ~~قوله: {أو ننسها} اختلفوا في معناه. وقال ابن عباس معناه: أو نتركها فلا ~~ننسخ. وهو مثل قوله: {نسو الله فنسيهم} أي تركوا الله فتركهم. ومنه قول ~~الشاعر: # (إن علي عقبة أقضيها ... لست بناسيها ولا منسيها) # أي: لست بناسيها ولا تاركها. فعلى هذا يرجع قوله: {نأت بخير منها أو ~~مثلها} إلى قوله: {ما ننسخ من آية} . # وقيل: معنى قوله: {أو ننسها} يعنى ننسيها على قلبك يا محمد. وذلك مثل ما ~~روينا في حديث أبي أمامة. # وروت عائشة " أن رسول الله سمع رجلا يقرأ سورة، فقال: إن هذا الرجل ذكرني ~~آية كنت نسيتها ". وهو نظير قوله تعالى {سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله} ~~وقرأ ابن مسعود: " ما ننسك من آية أو ننسخها " وهذا يؤيد هذا القول؛ فعلى ~~هذا يكون الإنساء على القلب في معنى النسخ. # وفيه قول ثالث: معنى قوله أو " ننسها " أي: نأمر بتركها، ونبيح تركها، ~~وذلك مثل نسخ آية الممتحنة ونحوها. # فإن قال قائل: إذا كان الإنساء بمعنى إباحة الترك. فأي فرق بينه وبين ~~النسخ. # قلنا: هما وجهان من النسخ إلا أنه أراد بالنسخ الأول: رفع الحكم وإقامة ~~غيره مقامه، وأراد بالثاني: نسخ الحكم، من غير إقامة غيره مقامه. كما ~~ذكرنا. # PageV01P122 # {نصير (107) أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن # وقرأ أبو عمرو. وابن كثير " أو ننسأها " على الفتح والهمز وحكى أبو عبيد ~~القاسم بن سلام، عن أبي نعيم القارئ. أنه قال: رأيت رسول الله في المنام، ~~فقرأت عليه بحرف أبي عمرو فغير على شيئين: فقوله: " وأرنا " فقال: " قل ~~وأرنا " بكسر الراء قال أبو عبيدة: وأحسبه قال الحرف الثاني: قوله: ms0062 أو " ~~ننسأها " فقال: قل: " أو ننسها " النساء والإنساء: بمعنى التأخير، تقول ~~العرب: أنسأ الله أجلك ونسأ الله في أجلك. في معناه قولان: # أحدهما: أن معنى قوله: " أو ننساها " أي: نرفع تلاوتها، ونؤخر حكمهما، ~~كما فعل في آية " الرجم ". ويكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة والحكم ~~جميعا. # والقول الثاني: أن معنى قوله: " أو ننسأها " أي نؤخر إنزالها، ونتركها في ~~اللوح المحفوظ، فلا تنزل. # وقوله: " ما ننسخ من آية " يعني: ما ينزل، أو " ننسأها " فلا ينزل، نأتي ~~بخير منها أو مثلها. # فإن قيل: أيش معنى قوله: {نأت بخير [منها] } وآيات القرآن سواء، لا فضل ~~لبعضها على بعض. وإن أراد به الخير في السهولة، فقد نسخ الأسهل بالأشق، مثل ~~الصوم كان على التخيير بينه وبين الفدية، فنسخه بصوم رمضان على الحتم. فما ~~معنى الخيرية؟ # قلنا: قد قيل، تقديره: نأت منها بخير، أي: نرفع آية ونأت بآية. # والصحيح: أنه أراد بالخير الأفضل، يعني في النفع والسهولة. ومعناه: نأت ~~بخير منها، أي: أنفع وأسهل. # PageV01P123 # {يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) ود كثير من أهل الكتاب ~~{أو مثلها} في النفع والسهولة. وإن نسخ الأسهل بالأشق فمعنى الخير فيه ~~بالثواب. فإن ثواب الأشق أكثر. فإن قيل: هما سواء في (امتثال) الأمر فكيف ~~يختلفان في الثواب؟ والجواب: أن الله تعالى يجوز أن يثيب على الأشق أكثر ~~مما يثيب على الأسهل، وقد وعد الثواب على صوم رمضان ما لم يعد على الصوم ~~المخير فيه أولا. # وفيه قول آخر: أنه أراد بقوله: {نأت بخير منها} في نسخ القبلة خاصة. # وبقوله: {أو مثلها} على العموم، وذلك أن التوجه إلى الكعبة كان خيرا ~~للعرب وأدعى لهم إلى الإسلام؛ إذ كانت في قلوبهم نفرة عن التوجه إلى البيت ~~المقدس؛ لأنه قبله اليهود. # وفيه قول ثالث: أن المراد بقوله: {نأت بخير منها} يعنى: في حال نسخ الأول ~~فإن الثاني - الذي نزل جديدا ويعمل به - خير من الأول المنسوخ الذي لا يعمل ~~به، وهذا قول بعيد. # PageV01P124 # قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله على كل ms0063 شيء قدير} فقوله: {ألم تعلم} وإن ~~كان على صيغة الاستفهام، لكن المراد به التقرير. ومعناه: أنك تعلم أن الله ~~على كل شيء قدير. وكذلك قوله: {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} ~~وأما الملك: هو القدرة التامة. ومنه الملك. وهو السلطان التام القدرة. # {وما لكم من دون الله} قال أبو عبيدة: من بعد الله. وقال غيره: بما سوى ~~الله. {من ولى} أي: وال وهو القيم بالأمور {ولا نصير} ولا مانع من العذاب. # PageV01P124 # قوله: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم} " أم " ترد في اللغة على وجوه. # PageV01P124 # {لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين ~~لهم} # فتكون بمعنى التقرير وهو المراد هاهنا. ومعناه: أنتم تريدون. # وقد ترد بمعنى التشكيك، يقال: رأيت زيدا أم عمرا؟ # وقد ترد " أم " بمعنى بل، قال الشاعر: # (بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أم أنت في العين أملح) # أي: بل أنت في العين أملح. # {أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل} وفى معناه قولان: أحدهما: أنهم ~~سألوا الرسول فقالوا: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا كما قال ~~قوم موسى لموسى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} . # والثاني: أنهم سألوا الرسول أن يجعل الصفا ذهبا؛ كما سأل قوم عيسى من ~~عيسى المائدة. والأول أظهر. والمراد بالآية: منعهم عن السؤالات المفتوحة ~~بعد ظهور البراهين. # {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} أي: يستبدل الكفر بالإيمان. وذلك أن مثل ذلك ~~السؤال بعد ظهور البرهان كفر. # {فقد ضل سواء السبيل} أي: وسط السبيل. # وقيل: قصد السبيل. وهما سواء، وحكى عن عيسى بن عمر النحوي أنه قال: مازلت ~~أكتب حتى انقطع سوائي أي: وسطي. # PageV01P125 # قوله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب} يعني: أحب وتمنى كثير من أهل # PageV01P125 # {الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير (109) ~~الكتاب {لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا} قيل: نزل ذلك في عمار وحذيفة؛ ~~فإن اليهود دعوهم إلى دينهم فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ ms0064 قالوا: شديد. ~~قال عمار: فقد عاهدت الله ألا أكفر بمحمد. فقالوا لحذيفة: ما تقول أنت؟ ~~قال: الله ربى ومحمد نبيي، والقرآن إمامي. فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقيل: هو في حق الكفار والمسلمين على العموم؛ لأنهم مازالوا يودون عود ~~المسلمين إلى الكفر. # {حسدا} وذلك أنهم عرفوا أن محمدا نبيي حق، وأنهم باتباعه نالوا من ~~الإسلام ما لم ينالوه؛ فحسدوهم على دينهم. # فإن قيل: ما معنى قوله {حسدا من عند أنفسهم} ولا يكون الحسد من عند ~~الغير؟ قيل: معناه: من تلقائهم لم ينزل به كتاب ولا ورد به أمر. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: ود كثير من أهل الكتاب من عند ~~أنفسهم لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا. # {من بعد ما تبين لهم الحق} من بعد ما ظهر أنه حق. # قوله تعالى: {فاعفوا واصفحوا} العفو: المحو، والصفح: الإعراض، وإنما نزل ~~هذا قبل آية القتال، ثم نسخ بآية القتال. # {حتى يأتي الله بأمره} يعني: بشرع القتال. وقال ابن عباس معناه: حتى يأتي ~~الله بأمر: من فتح قسطنطينية، ورومية، وعمورية. # وقيل: حتى يأتي الله بأمره: من فتح قرى اليهود، مثل خبير، وفدك، وإجلاء ~~بني النضير، ومثل بني قريظة. # {إن الله على كل شيء قدير} أي قادر. # PageV01P126 # {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~إن الله بما تعملون بصير (110) وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه ~~لله وهو # PageV01P127 # قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} معلوم. # {وما تقدموا لأنفسكم من خير} من طاعة {تجدوه عند الله} ذخيرة لا تضيع {إن ~~الله بما تعملون بصير} . # PageV01P127 # قوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} تقديره: ~~قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا. وقالت النصارى: لن يدخل ~~الجنة إلا من كان نصرانيا؛ فاختصر اختصارا. # نزلت الآية في وفد نجران، وكانوا نصارى، اجتمعوا في مجلس رسول الله مع ~~اليهود، فتنازعوا وكفر ms0065 بعضهم بعضا، وكذب بعضهم بعضا؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآيات ". # {تلك أمانيهم} يعنى: تمنيهم الباطل {قل هاتوا برهانكم} ائتوا بالحجة على ~~ما زعمتم {إن كنتم صادقين بلى من أسلم} يعني: ليس الأمر على تمنوا بل الحكم ~~للإسلام # PageV01P127 # {من أسلم وجهه} أخلص عبادته لله {وهو محسن} مؤمن {فله أجره عند ربه ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون} . # PageV01P127 # قوله تعالى: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شيء} وهو ما جرى في مجلس رسول الله من منازعة اليهود مع ~~النصارى. فأما قوله: {وهم يتلون الكتاب} يعني: أنه يكذب بعضهم بعضا ويضلل ~~بعضهم بعضا وهم يتلون الكتاب، وليس في كتابهم هذا الاختلاف، فدلت تلاوتهم ~~الكتاب ومخالفتهم ما في الكتاب على كونهم على الباطل. # {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} قيل: أراد به المشركين. قاله ابن ~~عباس وقال مجاهد: أراد به عوام النصارى. # {فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} يريهم دخول ~~المسلمين # PageV01P127 # {محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) وقالت اليهود ~~ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب ~~كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما ~~الجنة ودخولهم النار. # PageV01P128 # قوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~خرابها} قال ابن عباس، وقتادة، وجماعة من المفسرين: أراد بالآية النصارى ~~الذي عاونوا بختنصر المجوسي على تخريب بيت المقدس. # {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} وذلك أن بيت المقدس موضع حج ~~النصارى، وموضع زيارتهم، فلا يدخله نصراني إلا خائفا، من ذلك الوقت إلى يوم ~~القيامة {لهم في الدنيا خزي} أي: جزية لذميهم وقتل لحربيهم {ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم} أي: عذاب النار. # وفيه قول آخر: أن الآية نزلت في المشركين الذين منعوا رسول الله من دخول ~~مكة عام الحديبية. # وقوله تعالى: {وسعى في خرابها} لأنهم منعوا المسلمين من دخول المسجد. ولم ~~يسلموا حتى دخلوا؛ فكأنهم سعوا ms0066 في خرابها. # {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} وهذا شرعنا ألا يمكن مشرك من ~~دخول الحرم. ولا يدخله أحد منهم إلا خائفا. # {لهم في الدنيا خزي} هوان {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} . # PageV01P128 # قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} فيه أربعة ~~أقوال: # أحدهما: أنها نزلت في نسخ القبلة أي: الكعبة؛ فإنها لما حولت إلى الكعبة ~~عير اليهود المسلمين، وقالوا: ليست لهم قبلة معلومة، فتارة يستقبلون هكذا، ~~وتارة هكذا، فنزلت الآية ردا لقولهم. # PageV01P128 # {كانوا فيه يختلفون (113) ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ~~وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي} # والقول الثاني: ما روى عمر " أن رسول الله كان يصلي على راحلته أينما ~~توجهت به راحلته؛ فنزلت الآية في إباحة النافلة على الراحلة أينما توجهت به ~~الراحلة ". # والقول الثالث: روى جابر أنه قال: " كنا في سفر، فاشتبهت علينا القبلة، ~~فصلى كل واحد منا إلى جهة، وخط بين يديه خطا، فلما أصبحنا فإذا الخطوط إلى ~~غير القبلة، فسألنا عن ذلك رسول الله، فلم يأمرنا بالإعادة، ونزلت الآية في ~~معناه ". # والقول الرابع: أنه نزلت في ابتداء الإسلام، حين لم تكن القبلة معلومة، ~~وجازت الصلاة إلى أي جهة شاءوا. فعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية القبلة، ~~وهذا قول غريب. # وأما قوله: {فثم وجه الله} قال مجاهد: قبلة الله. الوجه: بمعنى القبلة، ~~وكذلك الوجهة والجهة: هي القبلة. وقيل: معناه رضا الله، وقيل: معناه قصد ~~الله، ومنه قول الشاعر: # (استغفر الله ذنبا لست أحصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل) # يعني: إليه القصد والعمل. # وقد ذكر الله تعالى الوجه في كتابه في أحد عشر موضعا، وهو صفة لله تعالى ~~وتفسيره: قراءته والإيمان به. وسيأتي. # PageV01P129 # {ولهم في الآخرة عذاب عظيم (114) ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم ~~وجه الله إن الله واسع عليم (115) وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما ~~في السماوات والأرض كل له قانتون (116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى ~~أمرا} ms0067 # {إن الله واسع} أي: غني يعطي من السعة {عليم} أي: عالم بالأمور. # PageV01P130 # قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا} يعني: النصارى {سبحانه} تنزيه {بل ~~له ما في السماوات والأرض} ملكا وملكا {كل له قانتون} القانت: المطيع، وأصل ~~القنوت: القيام. وفي الخبر: " أن النبي سئل عن أفضل الصلاة، فقال: طول ~~القنوت " أي: طول القيام. # وقوله: {كل له قانتون} أي: قائمون بالعبودية. وفي معناه أقوال: # أحدها: قال ابن عباس: هو عام بمعنى الخصوص. والمراد به المسلمون، وبه قال ~~الفراء. ولم يرضه من الفراء نحاة البصرة، وقالوا: الكل يقتضي الإحاطة ~~بالشيء، بحيث لا يشذ منه شيء ومعناه: كل العباد قانتون. فالمسلم يسجد طوعا. ~~والكافر يسجد ظله كرها، كما قال الله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} . # والقول الثاني: معناه: {كل له قانتون} مذللون مسخرون لما خلقوا له. # والقول الثالث: {كل له قانتون} يعني: في القيامة. # PageV01P130 # قوله تعالى: {بديع السماوات والأرض} أي: مبدعها، قال ابن عباس: هو الخالق ~~لا على مثال سبق. ومنه المبتدع؛ لأنه أحدث ما لم يسبق إليه. # {وإذا قضى أمرا} أي: أحكم وأتقن. وأصل القضاء: الفراغ ومنه يقال لمن مات ~~قضى نحبه لفراغه من الدنيا ومنه قضاء القاضي. لأنه فرغ عن فصل الحكومة. ~~ومنه قضاء الله وقدره. لأنه فرغ عنه تقديرا وتدبيرا. وقال الشاعر: # PageV01P130 # {فإنما يقول له كن فيكون (117) وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو ~~تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا ~~الآيات لقوم} # (وعليهما (مسرودتان) قضاهما ... داود وصنع السوابغ تبع) # أي: صناع السوابغ، وقوله: قضاهما داود، أي: أحكمهما، فكذلك قوله: {وإذا ~~قضى أمرا} أي: أحكم وأتقن {فإنما يقول له كن فيكون} فإن قال قائل: كيف قال: ~~فإنما يقول له، والمعدوم لا يخاطب؟ قيل: قد قال ابن الأنباري: معناه: فإنما ~~يقول له أي: لأجل تكوينه، فعلى هذا ذهب معنى الخطاب. # وقيل: هو وإن كان معدوما، لكنه لما قدر وجوده، وهو كائن لا محالة، كان ~~كالموجود: فصح الخطاب. # وفيه ms0068 قول ثالث: أنه خرج على ما يفهمه الناس في العادة؛ فإن كل من يريد ~~فعلا فإما أن يقول قولا، أو يفعل فعلا. ومعناه: التكوين فحسب إلا أنه قال: ~~{فإنما يقول له} لأنه كذا يفهمه الناس. # فأما قوله تعالى: {فيكون} قرأ ابن عامر. " فيكون " بنصب النون، وهو أظهر ~~على النحو؛ لأنه جواب الأمر بالفاء. فيكون على النصب. # والقراءة المعروفة: " فيكون " بالرفع. ومعناه: فهو يكون. # PageV01P131 # قوله تعالى: {وقال الذين لا يعلمون} قال ابن عباس: أراد به اليهود. # وقال مجاهد: أراد به النصارى. # (لولا يكلمنا الله) أي: هلا يكلمنا الله، " ولولا " في كل القرآن بمعنى " ~~هلا " إلا في موضع واحد؛ وذلك في قوله تعالى: {فلولا أنه كان من المسبحين} ~~معناه: فلو لم يكن من المسبحين. # PageV01P131 # {يوقنون (118) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ~~(119) ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو # {أو تأتينا آية} أي: آية نقترحها، كما اقترحوا من الآيات. {كذلك قال ~~الذين من قبلهم} من الكفار في القرون الماضية. {مثل قولهم تشابهت قلوبهم} ~~أي: أشبه بعضها بعضا في القسوة وطلب المحال. {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} ~~. # PageV01P132 # قوله تعالى: {إنا أرسلناك بالحق} أي: مع الحق، والصلات تتعاقب، ومثله ~~قوله تعالى {فادخلي في عبادي} أي: مع عبادي. # والمراد بالحق: القرآن. وقيل: شريعة الإسلام. # {بشيرا ونذيرا} أي: مبشرا ومنذرا (ولا تسئل عن أصحاب الجحيم) قرئ ~~بقراءتين. " ولا تسأل ". " ولا تسأل ". فأما قوله {ولا تسأل} : يعني: ~~أرسلناك غير مسئول عن حال الكفار. وذلك مثل قوله: {فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب} . # وقرأ ابن مسعود " وما تسأل " وقرأ أبي بن كعب. " ولن تسأل " ومعنى الكل ~~واحد، وأما قوله: " ولا تسأل " له معنيان: أحدهما: أنه على معنى قولهم: لا ~~تسأل عن شر فلان؛ فإنه فوق ما تحسب. # وقيل: هو على النهى، وسببه ما روى محمد بن كعب القرظي: " أن رسول الله ~~قال: ليت شعري ما فعل أبواي. فنزل قوله تعالى: (ولا تسئل عن أصحاب الجحيم) ~~والجحيم: اسم للنار الشديدة ms0069 الالتهاب. # PageV01P132 # {الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ~~ولا نصير (120) الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن ~~يكفر # PageV01P133 # قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} معناه: ~~ولن ترضى عنك اليهود إلا باليهودية، ولا النصارى إلا بالنصرانية. # {حتى تتبع ملتهم} والملة: الطريقة، ومنه خبز الملة. سمى الرماد الذي جعل ~~فيه الخبز: ملة؛ لأنه يظهر فيه آثار وخطوط. # {قل إن هدى الله هو الهدى} يعني: دين الله: هو الدين الذي أنت عليه. # {ولئن اتبعت أهواءهم} قيل: إنه خطاب للنبي، والمراد به الأمة لأنه كان ~~معصوما من اتباع الأهواء، ومثله قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} {بعد ~~الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير} معلوم. # وقيل معنى الآية: أن اليهود طلبوا من النبي المهادنة وقالوا: لا تحاربنا ~~ولا تقتلنا، وأمهلنا؛ فربما نسلم. فنزل قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ~~ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} يعني: إنك إن هادنتهم فلن يرضون بها. وإنما ~~يطلبون ذلك تعللا وافتعالا، ولا يرضون عنك إلا باتباع ملتهم. # PageV01P133 # قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب} قيل: أراد به قوما من اليهود أسلموا. # وقيل: أراد به قوما من النصارى جاءوا مع جعفر بن أبي طالب حين قدم من ~~الحبشة فأسلموا. # {يتلونه حق تلاوته} قال ابن عباس، وابن مسعود: يحللون حلاله، ويحرمون ~~حرامه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه. # وقال الحسن: يعملون بأوامره، ويؤمنون بمحكمه، ويكلون المتشابه إلى الله ~~تعالى. وقال عكرمة: يتبعونه حق اتباعه من قولهم: تلا أي تبع ومنه قوله ~~تعالى: {والقمر إذا تلاها} . # PageV01P133 # {به فأولئك هم الخاسرون (121) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأني فضلتكم على العالمين (122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ~~ولا} # {أولئك يؤمنون به} يعني: ما ذكرنا {ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون} أي: ~~الغالبون أنفسهم. # PageV01P134 # قوله - تعالى - {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم واني ~~فضلتكم على العالمين} أعاده تأكيدا لما سبق. # PageV01P134 # قوله ms0070 تعالى: {واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا} قد ذكرنا معناه. # {ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون} إن قيل: أليس قد جعل ~~الشفاعة للأنبياء وغيرهم، حيث قال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وقال النبي: ~~" شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "؟ قيل: أراد بقوله: {ولا تنفعها شفاعة} في ~~قوم مخصوصين، وهم اليهود والكفار. # PageV01P134 # قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه} أي: اختبر، ومعنى ابتلاء العباد، ~~ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء لأنه عالم بهم وبما يملكون منهم ولكن ليعلم ~~العباد أحوالهم، حتى يعرف بعضهم بعضا. {بكلمات} وأما الكلمات: قيل: هي التي ~~وردت في الخبر في قوله " عشر من الفطرة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. ~~والخمس التي في الرأس المضمضة والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، وفرق ~~الرأس. وأما اللواتي في الجسد مثل قلم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ~~والختان، والاستنجاء في رواية وغسل البراجم ". # PageV01P134 # {يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون (123) وإذ ابتلى إبراهيم ~~ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال ~~عهدي} # وفي الخبر أن الله تعالى بعث جبريل إلى إبراهيم أن تطهر لي، فتمضمض، ثم ~~بعث إليه أن تطهر لي، فاستنشق هكذا إلى العشر، فلما أمره في المرة العاشرة: ~~أن تظهر لي. فنظر إلى بدنه، فلم يجد شيئا ينظفه فتنبه على الختان فاختتن. # وفي الخبر: " أنه اختتن بعد ثمانين سنة بالقدوم ". وهو اسم موضع، وعاش ~~بعده ثمانين. # وفي الأخبار: " أن إبراهيم صلوات الله عليه. أول من قص الشارب، وأول من ~~اختتن وأول من قلم الأظفار، وأول من رأى الشيب، فلما رآه قال يا رب ما هذا؟ ~~فقال: الوقار فقال يا رب زدني وقارا ". # {فأتمهن} أي فأداهن به تامة، قال ابن عباس: ما أتى أحد بسهام الإسلام كما ~~أتى بها الخليل إبراهيم صلوات الله عليه. # وفيه قولان آخران: أن معنى الكلمات: هو أن الله تعالى ابتلاه بالكوكب ~~فرضى عنه، وابتلاه بالقمر فرضى عنه، وابتلاه بالشمس فرضى عنه. وابتلاه بنار ~~نمروذ فرضى عنه. ms0071 وابتلاه بذبح الولد فرضى عنه. وابتلاه بالختان فرضى عنه. # وقوله تعالى: {قال إني جاعلك للناس إماما} يعني في الخير، وقد يكون ~~الإمام في الشر؛ على طريق المجاز. كما قال تعالى: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى ~~النار} وحقيقة الإمام: أن يقصد، من فعله ما يقصد وهو من الأم: وهو القصد. # PageV01P135 # {الظالمين (124) وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وآمنا واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ~~والركع # {قال ومن ذريتي} أي: اجعل من ذريتي أئمة. # {قال لا ينال عهدي الظالمين} أي: لا يناله من كان فيهم ظالما. واختلفوا ~~في هذا العهد، قال ابن عباس: هو النبوة. وقال مجاهد: أراد به الإمامة. وهو ~~الأليق بظاهر النسق، وفيه قول آخر: أنه الأمان من النار. # والظالم: الفاسق، وقيل: أراد به المشرك هاهنا. وهو مثل قوله تعالى: ~~{الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} أي: بشرك {أولئك لهم الأمن} فجعل ~~الأمن لمن لا يشرك به، فكذلك قوله: {لا ينال عهدي الظالمين} أي: أن أماني ~~لا يناله المشركون منهم. # PageV01P136 # قوله تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} قال عطاء: مثابة أي: ~~مجمعا. # وقال غيره: مثابة أي: مرجعا، وهو مأخوذ من ثاب، أي: رجع، والبيت مثابة؛ ~~لأنهم يعودون إليه مرة بعد أخرى. # قال الضحاك: لا يقضون منه وطرا، أي: لا يملون منه. والمثاب والمثابة ~~بمعنى واحد، قال الشاعر: # (مثاب لأفناء القبائل كلها ... تخب إليه اليعملات الذوامل) # وأما قوله: {وأمنا} أي: ذا أمن. قال ابن عباس: أمنه أن يدخله الجاني ~~فيأمن ولا يستوفي منه حتى يخرج، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه رضي الله ~~عنهم. # وقال غيره: معناه: أنه مأمن من أيدي المشركين؛ فإنهم ما كانوا يتعرضون ~~لأهل مكة ويقولون: إنهم أهل الله وخاصته. وإنما كانوا يتعرضون لمن حوله. ~~كما قال الله تعالى: {أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من ~~حولهم} فأما قول # PageV01P136 # {السجود (125) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من ~~الثمرات} ابن عباس فمحمول على الاستحباب. وذلك الأولى ms0072 عندنا؛ أن لا يتعرض ~~له حتى يخرج، لكن مع هذا أجاز الاستيفاء؛ لأن الحرم لا يمنع استيفاء ~~الحقوق. # قوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} قرىء بقراءتين: " واتخذوا " ~~على الخبر، " واتخذوا " على الأمر. وأما المقام بالفتح: موضع الإقامة. ~~والمقام بالضم: فعل الإقامة. ومعناه على القول الصحيح: أن مقام إبراهيم هو ~~الحجر الذي في المسجد، يصلي إليه الأئمة وذلك الحجر الذي قام عليه إبراهيم ~~عند بناء البيت، وبذلك سمى مقام إبراهيم. # وقيل: كان أثر أصابع رجله بينة فيه، واندرس من كثرة مسح الأيدي. # وفي الخبر: " أن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة. ولولا ما مسته ~~أيدي المشركين. لأضاءا ما بين المشرق والمغرب ". # وقد روى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: وافقني ربي في ثلاث: # قلت لرسول الله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزل قوله تعالى: ~~{واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} . # وفيه قول آخر: أنه أراد بمقام إبراهيم: جميع مشاهد الحج، مثل عرفة ~~والمزدلفة، وسائر المشاهد. # PageV01P137 # {من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار وبئس المصير (126) وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ~~ربنا} # وقوله: {مصلى} أي: مدعا؛ أمرهم أن يتخذوها مواضع للدعاء. # وقوله تعالى: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} أي: أمرنا، والعهد هاهنا ~~بمعنى الأمر. # وأما إسماعيل: أصله: اسمع إيل، وذلك أن إبراهيم صلوات الله عليه كان يدعو ~~الله أن يرزقه ولدا، ويقول: اسمع إيل. فلما رزقه [الله] الولد سماه ~~إسماعيل. # وقوله تعالى: {أن طهرا بيتي} يعني من الشرك والأوثان {للطائفين} ~~الدائرتين حول الكعبة. {والعاكفين} المقيمين المجاورين {والركع السجود} ~~المصلين. ركع: جمع راكع، والسجود جمع ساجد. قال الكلبي ومقاتل: الطائفين: ~~هم الغرباء. والعاكفين: أهل مكة. # قال عطاء ومجاهد: الطواف للغرباء أفضل؛ لأنه يفوتهم، والصلاة لأهل مكة ~~أفضل؛ لأنه لا يفوتهم. # PageV01P138 # قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا} أي: اجعل الحرم ذا ~~أمن {وارزق أهله من الثمرات} وإنما دعا بذلك لأنه كان بواد غير ذي زرع. # وفي القصص: أن الطائف ms0073 كانت مدينة من مدائن الشام بأردن، فلما دعا إبراهيم ~~هذا الدعاء، أمر الله تعالى جبريل حتى قلعها من أصلها، وأدارها حول البيت ~~سبعا، ثم وضعها موضعها الذي هي الآن فيه، فمن تلك ثمرات أهل مكة. # {من آمن منهم بالله واليوم الآخر} دعا إبراهيم أن يرزق من الثمرات ~~المؤمنين خاصة. # {قال ومن كفر} يقول الله تعالى: والكافرين أيضا؛ وذلك أن الله سبحانه ~~وتعالى وعد الرزق للخلق كافة، مؤمنهم وكافرهم. # PageV01P138 # {تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ~~ربنا وابعث # {فأمتعه قليلا} يقرأ مخففا ومشددا ومعناهما واحد يعني: أبقيه في النعمة ~~قليلا. # وإنما ذكر القليل؛ لأن الإمتاع أصله الطول والكثرة. يقال: متع النهار. ~~أي: طال وارتفع. ونخلة ماتعة. أي: طويلة. وإنما أراد به الإمتاع في الدنيا ~~وهو قليل؛ لانقطاعه. # {ثم اضطره} ألجئه {إلى عذاب النار وبئس المصير} أي: المرجع. # PageV01P139 # قوله تعالى: {وإذا يرفع إبراهيم القواعد من البيت} قال الفراء: القواعد: ~~أسس البيت. # وقال الكسائي: هي جدر البيت، وحكى أن ابن الزبير لما هدم البيت ليبنيه؛ ~~ظهرت أحجار بيض كبار فقال: هذه هي القواعد التي بنى عليها إبراهيم البيت. # وقال ابن عباس: إنما بنى البيت من خمسة أجبل: طور سيناء، وطور زيتا، ~~ولبنان وهو جبل بالشام والجودى، وهو جبل بالجزيرة، وحراء وهو جبل بمكة. # وفي الأخبار: أن الله تعالى بنى في السماء بيتا وهو البيت المعمور، ويسمى ~~صراح وأمر الملائكة أن يبنوا الكعبة في الأرض بحذائه، على قدره ومثاله. # وقيل: أول من بنى الكعبة آدم صلوات الله عليه - فاندرس ذلك زمان الطوفان، ~~ثم أظهره الله تعالى لإبراهيم حتى بناه. # قال: {وإسماعيل ربنا تقبل منا} قرأ أبي بن كعب " يقولان ربنا تقبل منا " ~~وهو في الشواذ، وهذا هو المعنى. {إنك أنت السميع العليم} # PageV01P139 # قوله تعالى: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} يقول: مستسلمين، خاضعين، منقادين. # PageV01P139 # {فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك ~~أنت العزيز الحكيم (129) ومن يرغب ms0074 عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد} # {ومن ذريتنا أمة} والأمة: أتباع الأنبياء {مسلمة لك} خاضعة لك {وأرنا} ~~قرأ أبو عمرو " مختلسا "، وقرأ غيره بكسر الراء {مناسكنا} أي: متعبداتنا. # والنسك: العبادة، ومنه يقال للعابد: ناسك، معناه: مواضع حجنا {وتب علينا ~~إنك أنت التواب الرحيم} . # PageV01P140 # قوله تعالى: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} يعني محمدا، وفي الخبر، أن ~~النبي قال: " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى " وأراد بدعوة إبراهيم هذا؛ ~~فإنه دعا أن يبعث في بني إسماعيل رسولا منهم. # قال ابن عباس: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح، وهود، وصالح، ~~وشعيب، ولوط، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد صلوات الله عليهم ~~أجمعين. # وفي القصص: أن لكل نبي ممن مضى [اسما واحدا] في القرآن إلا نبين يعقوب ~~وعيسى. أما يعقوب له اسمان: يعقوب، وإسرائيل، وأما عيسى له اسمان: # PageV01P140 # {اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (130) إذ قال له ربه ~~أسلم قال أسلمت لرب العالمين (131) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن ~~الله} عيسى، والمسيح. # {يتلو عليهم آياتك} يعني من القرآن {ويعلمهم الكتاب} القرآن {والحكمة} ~~فيها أقوال: # قيل: الحكمة فهم القرآن، وقال أبو بكر بن دريد صاحب الجمهرة: الحكمة كل ~~كلمة زجرتك ووعظتك ونهتك عن قبيح، ودعتك إلى حسن، وقيل: الحكمة الفقه. وهذا ~~قول حسن. # {ويزكيهم} أي: يطهرهم، ويجعلهم أزكياء طهرة. وفيه قول آخر: أنه بمعنى ~~التزكية. يشهد الرسل بالنبوة من سائر الأمم وذلك أن مؤمني سائر الأمم شهدوا ~~للرسل بالنبوة وتبليغ الرسالة فهذه الأمة تزكى أولئك الشهود. # {إنك أنت العزيز} قيل: هو الممتنع، والله ممتنع لا تناله الأيدي، ولا يصل ~~إليه شيء. وقيل: هو القوي الغالب. ومنه قوله تعالى: {وعزني في الخطاب} أي: ~~غلبني. # ويقال في المثل: " من عز بز " أي: من غلب سلب {الحكيم} معلوم. # PageV01P141 # قوله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} أي: طريقة إبراهيم {إلا من سفه ~~نفسه} حكى أبو عبيد عن أبي عبيدة: معناه: أهلك نفسه. # وقال الزجاج: معناه جهل نفسه، وكل سفيه جاهل، وذلك أن ms0075 من جهل نفسه لم ~~يعرف الله. # وفي الأخبار: أن الله تعالى أوحى إلى داود: اعرف نفسك واعرفني. فقال # PageV01P141 # {اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) أم كنتم شهداء إذ حضر ~~يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك} # يا رب كيف أعرف نفسي، وكيف أعرفك؟ فأوحى الله إليه: اعرف نفسك بالضعف ~~والعجز والفناء، واعرفني بالقوة والقدرة والبقاء. # وقيل: معناه سفه نفسه وجعله سفيها، وفيه قول رابع: معناه سفه في نفسه، ~~فحذف كلمة " في " فصار: سفه نفسه. # {ولقد اصطفيناه} اخترناه {في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} من ~~الأنبياء. # PageV01P142 # قوله تعالى: {إذ قال له ربه أسلم} يعني أي: استسلم وأخلص عبادتك لله. # {قال أسلمت لرب العالمين} أخلصت وفوضت إليه. # قال ابن عباس: وقد حقق التفويض إليه، ولم يستعن بأحد من الملائكة حين ~~ألقى في النار. # PageV01P142 # قوله تعالى: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} قرىء " وأوصى " من الإيصاء. ~~" ووصى " من التوصية وهي للمبالغة والتكثير، يعني أوصى إبراهيم بنيه. وأوصى ~~يعقوب بنيه. {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين} اختار لكم دين الإسلام {فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون} فإن قيل: كيف قال: فلا تموتمن إلا وأنتم مسلمون ~~وليس بيدهم أن لا يموتوا إلا مسلمين؟ # قيل معناه: داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت. إلا وأنتم مسلمون، ~~وهذا كقول القائل: لا أريتك تفعل كذا معناه: لا تفعل كذا، حتى لا أراك وأنت ~~فاعل له. # PageV01P142 # {إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (133) تلك أمة قد ~~خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (134) وقالوا} # PageV01P143 # قوله تعالى: {أم كنتم شهداء} بمعنى: أكنتم شهداء والمراد به ما كنتم ~~شهداء. # {إذا حضر يعقوب الموت} أي: ما كنتم حضورا حين قرب يعقوب من الموت. # {إذ قال لبنيه} وهم اثنا عشر سبطا. على ما سيأتي {ما تعبدون من بعدي} أي: ~~أيش تعبدون من بعدي {قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب إلها واحدا ونحن له مسلمون} وقرأ ms0076 الحسن البصري وعاصم الجحدري. " ~~وإله أبيك " كأنه على هذه القراءة لم يجعل العم ولا الجد أبا. # والقراءة المعروفة " وإله آبائك " فجعل الجد والعم أباء. # وإبراهيم هو الجد وإسماعيل هو العم. وقد سمى رسول الله عمه العباس أبا ~~حيث قال: " إنه من بقية آبائي ". وقال: " ردوا على أبي كيلا تفعل به قريش ~~ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود " وذلك أنهم قتلوه. # PageV01P143 # قوله تعالى: {تلك أمة قد خلت} أي: مضت {لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسألون عما كانوا يعلمون} معناه: يجازي كل بكسبه، ويسأل كل عن عمله. والله ~~أعلم. # PageV01P143 # قوله تعالى: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى} هود جمع هائد، وهو مثل حائل ~~وحول. وقيل: كان أصله كونوا يهودا فحذفت الياء فصار: هودا. # وقيل: هود مصدرها يهود هودا، فهو مصدر بمعنى الجمع كما يقال: قوم صوم # PageV01P143 # {كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (135) قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق} وقوم فطر. # ومعناه: قالت اليهود: كونوا يهودا وقالت النصارى كونوا نصارى فهذا معنى ~~قوله تعالى {كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} . # {قل بل ملة إبراهيم حنيفا} قرأ الأعرج " بل ملة " بالرفع. ومعناه بل ~~ملتنا ملة إبراهيم. # والقراءة المعروفة: {بل ملة إبراهيم} أي: بل نتبع ملة إبراهيم. # وقيل: معناه: بل نكون على ملة إبراهيم، فحذف " على " فصار منصوبا. # قال الكسائي: هو نصب على الإغراء كأنه يقول: اتبعوا ملة إبراهيم حنيفا، ~~وأما الحنيف: هو المسلم، وأصله الميل، ومنه الأحنف وهو: المائل القدم، ~~والمسلم مائل من سائر الأديان إلى ملة الإسلام. # وقيل: معناه المستقيم، فسماه حنيفا على الضد كما يقال للمهلكة: مفازة ~~وللديغ سليم. # وقيل: الحنيف هو الحاج المختتن؛ وذلك أنه لم يبق مع العرب من ملة إبراهيم ~~إلا الحج والختان، وكانوا يعرفون كل من حج واختتن على ملة إبراهيم، وعرفوا ~~الرجل بذلك حنيفا. فقال: بل ملة إبراهيم حنيفا على وفق ما عرفوا {وما كان ~~من المشركين} . # PageV01P144 # قوله تعالى: {قولوا آمنا بالله وما ms0077 أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ~~ربهم} . # قال الضحاك: علموا أولادكم أسماء الأنبياء المذكورين في القرآن كي يؤمنوا ~~بهم، ولا تظنوا أن الإيمان بمحمد يكفي عن الإيمان بسائر الأنبياء. # PageV01P144 # {ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق ~~بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) فإن آمنوا بمثل ما أمنتم به فقد اهتدوا ~~وإن} # وفي الخبر: " أن النبي قرأ في الركعة الأولى من ركعتي الفجر هذه الآية ~~قوله تعالى {آمنا بالله} إلى آخرها. وقرأ في الركعة الثانية {قل آمنا بالله ~~وما أنزل علينا} إلى آخرها ". أخرجه مسلم في الصحيح. # حكى عن السلف أنهم كانوا إذا قيل للرجل منهم: [أمؤمن أنت] ؟ قرأ {آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا} الآية. # وأما الأسباط: هم اثنا عشر سبطا وهم أولاد يعقوب والأسباط في بني إسرائيل ~~كالقبائل في [العرب] . # وقيل: السبط: الشجر، سمى بذلك لكثرة فروعه. # {لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} أي: نؤمن بالكل، ولا نفضل البعض ~~عن البعض. # PageV01P145 # قوله تعالى: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} قرأ ابن عباس " بالذي آمنتم به ~~" وهو المعنى. فقيل معناه: بما أمنتم به. # والمثل: ضد كما في قوله: {ليس كمثله شيء} ومعناه: ليس كهو شيء. # قال الشاعر: # (يا عاذلي دعني عن عذلكا ... مثلي لا يقبل من مثلكا) # PageV01P145 # {تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) صبغة ~~الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) } # أي: لا يقبل منك. # وقال الزجاج: معناه فإن أتوا بإيمان كإيمانكم، وتصديق كتصديقكم، وتوحيد ~~كتوحيدكم، وقال أبو معاذ النحوي: معناه فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم ~~بكتابهم. # {فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق} أي: منازعة؛ لأن كل منازع يكون ~~في شق آخر عند المنازعة. # {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} وعده أن يكفيه شرهم، وقد كفى بإجلاء ~~بني النضير وقتل بني قريظة، وضرب الجزية على اليهود والنصارى، وقتل ~~المشركين. # (وهو السميع العليم) ظاهر المعنى. ms0078 # PageV01P146 # قوله تعالى: {صبغة الله} قال ابن عباس في رواية الكلبي وقتادة، والحسن، ~~وعكرمة، والسدى: معناه: دين الله. وإنما سماه صبغة؛ لأنه يظهر أثر الدين ~~على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب. # وقال مجاهد: معناه: فطرة الله. وهذا يقرب من الأول. # وقيل: أراد به الختان. وقوله (صبغة الله) أي: تطهير الله بالختان، وإنما ~~سماه صبغة؛ لأنه أقامه مقام فعل النصارى، وذلك أنهم كانوا يصبغون الولد في ~~ماء أصفر بدل الختان في زي اليهود. ويعدونه تطهيرا للولد فالله تعالى أقام ~~التطهير بالختان في حق المسلمين مقام ما صبغوا. # قال الكسائي: هو نصب على الإغراء وتقديره: ألزموه دين الله. ومن أحسن من ~~الله دينا، أو ألزموا تطهير الله {ومن أحسن من الله صبغة} أي: تطهيرا {ونحن ~~له عابدون} . # PageV01P146 # {قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له ~~مخلصون (139) أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط # PageV01P147 # قوله تعالى: {قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم} والمحاجة: المجادلة ~~بالحجة لإظهار الحق. # نزلت في اليهود ونصارى نجران حيث حاجوا رسول الله وقالوا: ديننا أقدم من ~~دينكم وكتابنا أقدم من كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، فنزل قوله: قل يا ~~محمد {أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم} أي: نحن وأنتم سواء في الله فإنه ~~ربنا وربكم. # (ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم) أي: نجازي بأعمالنا وتجازون بأعمالكم (ونحن ~~له مخلصون) يعني: كيف تدعون أنكم أولى بالله ونحن له مخلصون وأنتم به ~~مشركون؟ # PageV01P147 # قوله تعالى {أم تقولون} يعني: أتقولون؟ والصيغة صيغة الاستفهام، ومعناه ~~التوبيخ يعني أتقولون (إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا ~~هودا أو نصارى) . وذلك أنهم ادعوا أن هؤلاء الأنبياء كانوا يهودا أو نصارى. # {قل أأنتم أعلم أم الله} وذلك أن الله تعالى قد أعلم المسلمين أنهم كانوا ~~على الدين الحنيفية وما كان يهودا ولا نصارى، كما قال تعالى: {ما كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما} . # {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} فيه قولان: # أحدهما: أنه أراد به ms0079 أن الله تعالى قد أشهدهم في كتبهم علي أن إبراهيم ~~كان على الدين الحنيفية، ولم يكن يهوديا ولا نصرانيا؛ فكتموا تلك الشهادة. # وقيل أراد بالشهادة على نعت محمد. # {وما الله بغافل عما تعملون} أي: لا يخفى عليه شيء مما تعملون. # PageV01P147 # قوله تعالى: (تلك أمة قد خلت) أي: مضت {لها ما كسبت ولكم ما # PageV01P147 # {كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده ~~من الله وما الله بغافل عما تعملون (140) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ~~ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (141) سيقول السفهاء من الناس ما ~~ولاهم} {كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} يعني: أنكم غير مسؤولين عن ~~أعمالهم بل هم المسئولون. # فإن قيل: هذا تكرار؛ فإنه قد ذكره مرة. # قلنا: أما الأول: كان في الأنبياء الذين سبق ذكرهم. وهذا الثاني: في ~~اليهود والنصارى الذي سبق ذكرهم في هذه الآيات. أو كرره تأكيدا. # وحكى عن بعض العلماء أنه سئل عما وقع من الفتن بين علي ومعاوية وطلحة ~~والزبير وعائشة رضوان الله عليهم - فقرأ {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ~~ما كسبتم} الآية وهذا جواب حسن في مثل هذا السؤال. # PageV01P148 # قوله تعالى: {سيقول السفهاء من الناس} أي: يقول السفهاء الجهال، والسفيه: ~~خفيف الحلم والعقل. ومنه الثوب يعني السفيه ويقال: رمح سفيه، أي: سريع ~~النفوذ. # {ما ولاهم} ما عدلهم وحرفهم {عن قبلتهم التي كانوا عليها} يعني: بيت ~~المقدس {قل لله المشرق والمغرب} يوجه العباد إلى أيهما شاء {يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم} أي: طريق مستقيم. والطريق المستقيم: هو الموصل إلى ~~المقصود. # ونزلت الآية في اليهود؛ حيث عيروا المسلمين على تحويلهم من بيت المقدس ~~إلى الكعبة. # PageV01P148 # قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم} يعني: كما اخترنا الأنبياء واخترنا بني ~~إسرائيل من الخلق فكذلك اخترناكم من الأمم. (أمة وسطا) أي: عدلا خيارا. قال ~~الشاعر: # PageV01P148 # {عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم (142) وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء ms0080 على الناس ويكون} # (هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم) # وفي الخبر أن النبي قال: " إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأعدلها " # وقد ورد في الخبر عنه أنه قال: " خير الدين النمط الأوسط " يعني الذي ليس ~~فيه غلو ولا تقصير. وذلك دين الإسلام؛ لأن النصارى غلوا في دينهم، واليهود ~~قصروا. وأما المسلمون أخذوا بالنمط الأوسط. # (لتكونوا شهداء على الناس) وذلك يوم القيامة، حين يسأل الأمم عن إبلاغ ~~الرسل، فينكرون تبليغهم الرسالة. فيسأل الرسل فيقولون: بلغنا، فيقال لهم: ~~ومن يشهد لكم؟ فيأتون بهذه الأمة فيشهدون لهم بالبلاغ. فتقول الأمم: إنهم ~~أتوا بعدنا فكيف يشهدون بذلك؟ فيسأل هذه الأمة. فيقولون: أرسلت إلينا ~~رسولا، وأنزلت علينا كتابا، وأخبرتنا فيه ببلاغ الرسل، وأنت صادق فيما ~~أخبرت، فبذلك نشهد لهم بالبلاغ. # (ويكون الرسول عليكم شهيدا) على أعمالكم. # وقيل: معناه مزكيا مصدقا علي شهادتكم. # قوله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} أي: ما حولنا القبلة من ~~بيت المقدس إلى الكعبة {إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} فإن ~~قال قائل: ما معنى قوله: {إلا لنعلم} وهو عالم بالأشياء قبل كونها؟ # PageV01P149 # {الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما ~~كان الله} # قلنا بلى كان عالما به علم الغيب، وإنما أراد بهذا: العلم الذي يتعلق به ~~الثواب والعقاب، وهو العلم بوجود الأتباع؛ فإن كونه موجودا إنما يعلم بعد ~~الوجود. # وقيل: معناه إلا لنرى، وهو قريب من الأول. # وقيل: الابتلاء مضمر فيه، وتقديره: إلا لنبتلي فيظهر المتبع من المنقلب، ~~وفي الخبر: " أن القبلة لما حولت إلى الكعبة، ارتد قوم من المسلمين إلى ~~اليهودية، وقالوا: إن محمدا رجع إلى دين آبائه ". فهذا معنى قوله: {ممن ~~ينقلب على عقبيه} وقوله تعالى: {وإن كانت لكبيرة} لثقيلة. # قيل: معناه: وإن كانت القبلة لكبيرة. قال الزجاج: وإن كانت التحويلة ~~لكبيرة. # {إلا على الذين هدى الله} أي: هداهم الله. {وما ms0081 كان الله ليضيع إيمانكم} ~~نزل هذا في قوم معينين. ذلك ما روى: " أن القبلة لما حولت سأل قوم رسول ~~الله فقالوا: إن قوما منا كانوا قد صلوا إلى بيت المقدس، وماتوا، فما ~~شأنهم؟ منهم أسعد بن زرارة، وأبو أمامة والبراء بن معرور فنزل قوله تعالى: ~~{وما كان الله ليضيع إيمانكم} أي: صلاتكم فجعل الصلاة إيمانا، وهذا دليل ~~على المرجئة؛ حيث لم يجعلوا الصلاة من الإيمان. وإنما سموا مرجئة لأنهم ~~أخروا العلم عن الإيمان. # وحكى: أن أبا يوسف شهد عند شريك بن عبد الله القاضي فرد شهادته، قيل له ~~أترد شهادة يعقوب؟ فقال: كيف أقبل شهادة من يقول: إن الصلاة ليست من ~~الإيمان؟ ! . # وقيل: معنى قوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} بالتحويل. # {إن الله بالناس لرءوف رحيم} والرأفة: أشد الرحمة. # PageV01P150 # قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} هذه الآية وإن كانت # PageV01P150 # {ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم (143) قد نرى تقلب وجهك في ~~السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم} ~~متأخرة في التلاوة لكنها متقدمة في المعنى؛ فإنها رأس القصة. # وسبب نزول الآية ما روى جابر: " أن النبي بعد ما قدم المدينة صلى إلى بيت ~~المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان يود أن يحوله الله إلى الكعبة ~~فكان يقول لجبريل: وددت لو حولني الله إلى الكعبة؛ فإنها قبلة أبي إبراهيم، ~~وكان يقول لجبريل: سل ربك فقال له جبريل: سل أنت فإنك عند الله بمكان، وكان ~~كلما نزل جبريل تردد وجهه في السماء؛ رجاء أن ينزل بالنسخ ". # قال السدى: إنه كلما افتتح صلاة، كان يردد وجهه في السماء رجاء أن يحوله ~~الله إلى الكعبة، فأقامه الله عليه ستة عشر شهرا، ثم نزل قوله تعالى: {قد ~~نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها} أي: تودها وتهواها؛ لأن ~~القبلة الأولى كانت [ترضيه] أيضا. # {فول وجهك شطر المسجد الحرام} أي نحو البيت. # {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} أي: نحوه. وفي الخبر أن النبي قال: ms0082 " ~~هذه القبلة وأشار إلى البيت ". # {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم} يعني التحويل إلى ~~الكعبة {وما الله بغافل عما تعملون} قال ابن عباس: أول ما نسخ بعدما قدم ~~المدينة هو القبلة. # PageV01P151 # {فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما ~~الله بغافل عما يعملون (144) ولئن آتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما ~~تبعوا} # وقيل: أول صلاة صليت إلى الكعبة كانت صلاة العصر. وروى " أنها حولت إلى ~~الكعبة وكانوا في الصلاة. والصحيح: أن التحويل كان خارج الصلاة. وإنما كان ~~ذلك في حق أهل قباء؛ فإنهم شرعوا في صلاة العصر، وكانت صلاة العصر نحو بيت ~~المقدس، فأتاهم آت وقال: " أشهد أني صليت هذه الصلاة مع رسول الله إلى ~~الكعبة؛ فاستداروا إلى الكعبة وبنوا على صلاتهم ". # PageV01P152 # قوله تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك} ~~معناه: لو أتيتهم بكل معجزة ما تبعوك في الكعبة. {وما أنت بتابع قبلتهم} ~~يعني: قبلة اليهود والنصارى (وما بعضهم بتابع قبلة بعض) يعني: اليهود ~~والنصارى، وذلك أن قبلة اليهود بيت المقدس وهو المغرب، وقبلة النصارى ~~المشرق، وأما قبلة المسلمين هي الكعبة. # وقد روى ابن عمر عن النبي أنه قال: " ما بين المشرق والمغرب قبلة " قال ~~ابن عمر: يعني لأهل المشرق. وصورته أن يجعل مشرق الشتاء في أقصر يوم من ~~السنة على يساره. ومغرب الصيف في أطول يوم من السنة عن يمينه، فيكون وجهه ~~إلى الكعبة وذلك بأن يتوجه إلى مسقط قلب العقرب حين يسقط. فهذا معنى قوله: ~~" ما بين المشرق والمغرب قبله. . ". # {ولئن اتبعت أهواءهم} وإن كان الخطاب مع الرسول، ولكن المراد به الأمة ~~كما سبق. # PageV01P152 # {قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت ~~أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) الذين آتيناهم ~~الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ~~(146) الحق من} # {من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} معلوم التفسير. # PageV01P153 # قوله ms0083 تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} قيل: ~~أراد به القبلة. وقيل: أراد به محمدا. # وروى أن عبد الله بن سلام قال: معرفتي بهذا النبي أشد من معرفتي بابني. ~~قال له عمر: وكيف ذاك؟ قال: لأني لا أعرف ما أحدثت النساء، وأعرف أنه نبي ~~حق. فقال عمر: لله درك. # {وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون # PageV01P153 # الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) أي: الشاكين. # PageV01P153 # قوله تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} قال مجاهد: هو موليها وجهة. يعني: ~~القبلة. وقال أبو حاتم، عن الأخفش معناه: الله موليها. # فقوله: " هو " كناية عن الله تعالى يعني: الله مولي الأمم إلى قبلتهم. ~~وقرأ ابن عامر: " هو مولاها " أي: المستقبل مصروف إليها. # {فاستبقوا الخيرات} أي: بادروا، والمراد هاهنا: المبادرة إلى القبول من ~~الله {أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير} . # PageV01P153 # قوله تعالى: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام} أي: نحوه. # {وإنه للحق من ربك} ذكره تأكيدا للأول {وما الله بغافل عما تعملون} . # PageV01P153 # {ربك فلا تكونن من الممترين (147) ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ~~أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير (148) ومن حيث ~~خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما} # PageV01P154 # قوله تعالى: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة} يعني: اليهود؛ وذلك أنهم ~~قالوا: إن محمدا اتبع قبلتنا، فسيعود إلى ملتنا. # {إلا الذين ظلموا} وهم المشركون. وقيل: " إلا " بمعنى " ولا " الذين ~~ظلموا ومثله: قول الشاعر: # (وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمرو أبيك إلا الفرقدان) # يعني: ولا الفرقدان. # والصحيح: أنه استثناء منقطع، " وإلا " بمعنى " لكن " الذين ظلموا ~~يخاصمونكم ويحاجونكم بالحجة الباطلة، وذلك أن المشركين قالوا حين تحولت ~~القبلة إلى الكعبة: إنه رجع إلى قبلتنا فسيعود إلى ملتنا، والحجة الباطلة ~~قد تسمى حجة، كما قال الله تعالى: {حجتهم داحضة} فكأنه أبطل حجة اليهود ~~بالتحويل إلى ms0084 الكعبة: ثم أبطل حجة المشركين بدليل سواه. # {إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم ~~تهتدون} قال سعيد بن جبير: لا تتم نعمته على المسلم إلا بأن يدخله الجنة. # وفي الخبر: " أن النبي سمع رجلا يقول الحمد لله على الإسلام، فقال: لقد ~~حمدت الله على نعمة عظيمة ". # PageV01P154 # قوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم} فإن قال قائل: الكاف للتشبيه ~~فأين المشبه به؟ قلنا: قال علي رضي الله: عنه تقديره: فاذكره لي، كما # PageV01P154 # {تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا ~~تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) كما أرسلنا} أرسلنا ~~فيكم رسولا فيكون الذكر على هذا القول بمعنى الشكر. # وقيل: تقديره: ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم رسولا منكم، وذلك أن ~~إبراهيم صلوات الله عليه كان قد دعا دعوتين: دعا أن يبعث فيهم رسولا منهم، ~~ودعا إتمام النعمة على ذريته بالرزق من الثمرات، فأجاب إحدى الدعوتين بأن ~~بعث فيهم رسلا، ثم أجاب الدعوة الثانية فقال: ولأتم نعمتي عليكم، كما ~~أرسلنا فيكم رسولا منكم. # {يتلو عليكم آياتنا} يعني: القرآن {ويزكيكم} كما بينا {ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة} وقد ذكرنا. وقيل: الحكمة السنة، وقيل: مواعظ القرآن. # {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون # PageV01P155 # فاذكروني أذكركم) قيل: ذكر الله هاهنا بمعنى المدح والثناء عليه. # وفي الخبر عن النبي " أن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه ~~حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ~~ملأ خير منه، وإن تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا، ~~تقربت إليه باعا وإن أتاني يمش أتيته هرولة " أخرجه مسلم في الصحيح. # وقيل: معناه: فاذكروني كما أرسلنا، وهذا قريب من قول علي. # وقيل: الذكر من العبد الطاعة، ومن الله المغفرة والرحمة. ومعناه: ~~فاذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة والرحمة. # {واشكروا لي ولا تكفرون} يعني واشكروا لي بالطاعة ولا تكفروني بالمعصية. ~~فإن ms0085 من أطاع الله فقد شكره، ومن عصاه فقد كفره. # PageV01P155 # {فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ~~ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) فاذكرني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ~~(152) يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} # وحكى أن موسى صلوات الله عليه سأل ربه فقال: ما الشكر الذي ينبغي لك؟ ~~فقال أن لا يزال لسانك رطبا بذكرى. # PageV01P156 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة} فالاستعانة: ~~طلب المعونة. وفي الصبر قولان: أحدهما: الثبات على الدين، والآخر: الصوم. ~~ووجه الاستعانة بهما ما سبق. # (إن لله مع الصابرين) قال عطاء، عن ابن عباس: بالحفظ والنصر. # PageV01P156 # قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات} نزلت الآية في قوم ~~معينين، استشهدوا يوم بدر، وكان يقول المسلمون: مات فلان، فلم يرض الله ~~تعالى ذلك منهم، وأنزل الله هذه الآية. # (بل أحياء ولكن لا تشعرون) أي: شهداء؛ لأن الشهيد حي. # وقيل: معناه ما ورد في الخبر: " أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلف ~~من ثمار الجنة أي تأكل وتأوى إلى قناديل معلقة تحت العرش ". فذلك قوله: {بل ~~أحياء عند ربهم} . # وقيل: معناه أحياء بالثواب والثناء الحسن، وليسوا بأموات بالذكر السيء ~~وعدم الثواب. # PageV01P156 # قوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف} واللام فيه لجواب القسم. وتقديره: ~~والله لنبلونكم. وحكمة الابتلاء لإظهار المطيع من العاصي، لا ليعلم شيئا # PageV01P156 # ( {153) ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ~~(154) ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس لم يكن ~~عالما به، واختلفوا فيمن نزلت الآية فيه، منهم من قال: نزلت في اليهود ~~وقيل: نزلت في المسلمين. # {بشيء من الخوف} خوف العدو {والجوع} بالقحط والجدب (ونقص من الأموال) ~~بالخسران والهلاك {والأنفس} بالمرض والشيب والموت {والثمرات} بالجوائح، ~~وقيل: بالأولاد؛ وذلك أنهم ثمرات القلوب، وحكمة الابتلاء بهذه الأشياء: حتى ~~إذا صبروا عليه فكل من سمع به بعدهم؛ علم أنهم أنما صبروا عليه لما عرفوا ~~من الحق. # {وبشر الصابرين # PageV01P157 # الذين إذا أصابتهم ms0086 مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) . قال سعيد بن ~~جبير: كلمة الاسترجاع لم تعط [لأحد] من الأمم سوى هذه الأمة. ألا ترى أن ~~يعقوب صلوات الله عليه لما ابتلي بفراق يوسف قال: {يا أسفي على يوسف} ولم ~~يقل: إنا لله وإنا إليه راجعون؟ ومعناه: إنا لله ملكا وعبودية، وإنا إليه ~~راجعون في القيامة، وإنما قيد بهذا لأن الأمر في القيامة يخلص لله تعالى. # وروي: " أن رسول الله طفيء سراجه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقيل ~~له في ذلك، فقال: كل ما أذى المؤمن فهو مصيبة له ". # PageV01P157 # قوله تعالى: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} ومعنى ~~الصلوات هاهنا الرحمة بعد الرحمة؛ لأن الصلاة من الله: الرحمة. ومن ~~الملائكة: الاستغفار، ومن الناس الدعاء. قال الشاعر: # PageV01P157 # {والثمرات وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ~~وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون # (صلي على يحي وأشياعه ... رب كريم وشفيع مطاع} # يعني: ترحم عليه. # قوله: (ورحمة) ذكرها تأكيدا للأول {وأولئك هم المهتدون} قال عمر رضي الله ~~عنه: نعم العدلان ونعمت العلاوة، والعدلان: الصلوات والرحمة، والعلاوة: ~~الهداية. # وقد ورد في ثواب المصيبة أخبار كثيرة، منها: ما روى عن رسول الله أنه ~~قال: " ما أصيب العبد المؤمن بمصيبة إلا كفر عنه، حتى الشوكة يشاكها ". # PageV01P158 # قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الصفا: جبل بأحد طرفي ~~المسعى. والمروة: جبل بالطرف الثاني، والصفا: الحجر الصلب، والمروة: الحجر ~~الرخو. # قوله تعالى {من شعائر الله} فالشعائر: جمع الشعيرة، وهي: الأعلام التي ~~على مناسك الحج. ومثله المشاعر، فالموقف شعيرة، والمطاف شعيرة، والمنحر ~~شعيرة، والمشعر شعيرة. # {فمن حج البيت أو اعتمر} فأصل الحج: القصد. قال الشاعر: # (وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا) أي: يقصدون. ~~وأصل العمرة: الزيارة. قال الشاعر: # (وجاشت النفس لما جاء فلهم ... وراكب جاء من تثليث معتمر) أي زائرا وفي ~~الحج والعمرة قصد وزيارة. # PageV01P158 # ( {157) إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر ms0087 فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) إن الذين يكتمون ~~ما} # وقوله تعالى: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} قرأ ابن عباس: " فلا جناح ~~عليه أن لا يطوف بهما ". وهي قراءة أنس، وكذلك كان في مصحف أبي بن كعب، ~~وابن مسعود. والقراءة المعروفة: {أن يطوف بهما} . # وقد روى عن عروة بن الزبير: أنه قال لعائشة: " أنا لا أرى جناحا على من ~~لا يطوف بين الصفا والمروة، وقرأ هذه الآية. # فقالت عائشة: بئسما رأيت يا ابن أختي وذكرت القصة في سبب نزول الآية ". # والقصة في ذلك أنه كان في الجاهلية على الصفا والمروة صنمان: إساف ~~ونائلة، وكان إساف على الصفا، ونائلة على المروة، وكان أهل الجاهلية يطوفون ~~بين الصفا والمروة تعظيما للصنمين، فلما فتح النبي مكة، وكسر الأصنام. وكان ~~المسلمون يتحرجون عن السعي بين الصفا والمروة لمكان الصنمين اللذين كانا ~~عليهم؛ فنزلت الآية في رفع ذلك الحرج. # ثم وجوب السعي بالخبر؛ وهو قوله: " إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا ~~". # PageV01P159 # {أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب ~~عليهم أنا} # فأما تلك القراءة " أن لا يطوف بهما " فهي قراءة مهجورة فلا تترك بها ~~القراءة المعهودة. # وقيل: " لا " فيه صلة. والمراد: أن يطوف. قال الشاعر: # (لا ألوم البيض ألا تسخرا ... لما رأين الشمط القفندرا) # أي: أن تسخر. # قوله تعالى: {ومن تطوع خيرا} قرأ حمزة: " ومن يطوع " مشدد. ومعناه يتطوع ~~والمعروف {ومن تطوع} . ثم من قال: إن السعي ليس بركن صرف قوله: {ومن تطوع} ~~إلى السعي. # ومن قال: إنه ركن صرفه إلى أصل الحج والعمرة. # ويحتمل أنه أراد التطوع بسائر الأعمال. # {فإن الله شاكر عليم} والشكر من الله: أن يعطي فوق ما يستحق العبد. # PageV01P160 # قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما ~~بيناه للناس في الكتاب} نزلت الآية في اليهود. # {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} قال ابن ms0088 عباس: اللاعنون: هم كل ~~الخلائق سوى الجن والإنس. # وفي الأخبار: " أن الأرض إذا أجدبت يلعن كل شيء عصاة بني آدم؛ حتى ~~الخنافس يقولون: اللهم العن عصاة بني آدم؛ فإنا حرمنا الرزق بشؤم معاصيهم ~~". # وقال قتادة: اللاعنون: هم الملائكة والمؤمنون. وقيل: هم الجن والإنس. # PageV01P160 # {التواب الرحيم (160) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين (161) خالدين فيها لا يخف عنهم العذاب ولا ~~هم} # وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ما تلاعن اثنان ولم يكونا مستحقين إلا رجعت ~~اللعنة على اليهود. # PageV01P161 # قوله تعالى: {إلا الذين تابوا} أي: أسلموا {وأصلحوا} أي: داموا على ~~التوبة {وبينوا} ما كتموا {فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} . # PageV01P161 # قوله تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين} فإن قال قائل: قد قال: {الناس أجمعين} والملعون ~~من جملة الناس؛ فكيف يلعن نفسه؟ قيل: يلعن نفسه في القيامة. قال الله ~~تعالى: {ويلعن بعضكم بعضا} . # PageV01P161 # وقوله: {خالدين فيها} يعني في اللعنة، ويحتمل في النار وإن لم تكن مذكورة ~~في الآية {لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} معلوم التفسير. # PageV01P161 # قوله تعالى: {وإلهكم إله واحد} وسبب نزول [هذه] الآية ما روى أن المشركين ~~قالوا لرسول الله أنسب لنا ربك، أوصف لنا ربك؛ فنزل قوله تعالى {وإلهكم إله ~~واحد} وسورة الإخلاص. # قال الأزهري: الواحد: الذي لا نظير له، يقال: فلان واحد العالم أي: لا ~~نظير له في العالم. وحقيقة الواحد: هو المنفرد الذي لا نظير له ولا شريك. ~~{لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} روى شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد النهشلية ~~عن النبي أنه قال: " اسم الله الأعظم في آيتين من سورة البقرة: آية الكرسي، ~~وهذه الآية {وإلهكم إله واحد} ". # PageV01P161 # قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض} روى أنه لما نزل قوله: # PageV01P161 # {ينظرون (162) وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) إن في ~~خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ~~ينفع} # {وإلهكم إله واحد} قال ms0089 المشركون لرسول الله: ما الدليل على أنه واحد؛ ~~فنزل قوله: {إن في خلق السماوات والأرض} والخلق: هو ابتداع الشيء وتقديره، ~~ومنه قول الشاعر: # (ولأنت تفري ما خلقت وبعض ... القوم يخلق ثم لا يفري) # أي: يقطع ما قدرت. # والسماوات: جمع سماء، وهي سبع سماوات، وكذلك الأرضون سبع، على الصحيح. # وإنما ذكر السماوات بلفظ الجمع، والأرض يلفظ الواحد؛ لأن كل سماء من جنس ~~آخر. والأرضون كلها من جنس واحد. وهو التراب، والآية في السماوات: سمكها ~~[وسعته] وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة، وما ترى فيها من الشمس والقمر ~~والنجوم. # والآية في الأرض: مدها وبسطها وسعتها وما يرى فيها من الأشجار والأنهار ~~والجبال والبحار والجواهر والنبات. # وقوله تعالى: {واختلاف الليل والنهار} وذلك [ذهابهما ومجيئهم] ومنه ~~قولهم: فلان يختلف إلى فلان. أي: يذهب ويجيء مرة بعد أخرى. ومثله قوله ~~تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} أي: يخلف أحدهما الآخر، والآية ~~في الليل والنهار نقصانهما وزيادتهما وأن يذهب ضوء النهار فلا يدري أين ~~ذهب، ويذهب سواد الليل فلا يدري أين ذهب. # PageV01P162 # {الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث ~~فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات ~~لقوم} # وقوله تعالى: {والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} والفلك: اسم ~~للجمع والواحدان فإذا أريد به الجمع يؤنث، وإذا أريد به الواحد يذكر، وقد ~~ورد بالصيغتين في القرآن، والمراد ها هنا الجمع. # والآية في الفلك تسخيره [وجريها] على وجه الماء. وهي موفرة مثقلة لا ترسب ~~تحت الماء بل تعلو على وجه الماء. # قوله تعالى: {وما أنزل الله من السماء من ماء} قيل: إن الله تعالى يخلق ~~الماء في السحاب، فعلى هذا؛ السماء ها هنا بمعنى السحاب. وقيل: بل يخلق ~~الماء في السماء، ومن السماء ينزل إلى السحاب ثم من السحاب ينزل إلى الأرض. # وقوله تعالى: {فأحيا به الأرض بعد موتها} أي: بعد يبسها وجدوبتها. فإن ~~الأرض إذا أجدبت فقد ماتت. وإذا أخصبت فقد حييت. # وقوله ms0090 تعالى: {وبث فيها من كل دابة} أي: فرق فيها. وقوله: {وتصريف ~~الرياح} قيل: تصريفها أن الرياح تارة تكون شمالا وتارة تكون جنوبا، وتارة ~~تكون قبولا، وتارة تكون دبورا، وتارة نكباء، والنكباء: فهي التي لا تعرف ~~لها جهة. # وقيل: تصريفها: أن الريح تارة تكون لينا، وتارة عاصفا، وتارة حارة، وتارة ~~باردة. # قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح والماء. وقال ابن المبارك: للريح ~~جناحان، والسحاب: غلاف مملوء نت الماء. # وفي مصحف حفصة (وتصريف الأرواح) وهو قريب من الرياح. وسميت الريح ريحا؛ ~~لأنها تريح النفس. # قال شريح القاضي: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح. # وقوله تعالى: {والسحاب المسخر} أي: المذلل {بين السماء والأرض لآيات لقوم ~~يعقلون} . # PageV01P163 # {يعقلون (164) ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا اشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة ~~لله} # قال وهب بن منبه: ثلاثة لا يدري من أين تجيء: الرعد، والبرق، والسحاب. # PageV01P164 # قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} كأنه عاب المشركين ~~حيث اتخذوا من دونه أندادا بعدما أظهر الدلائل، ونصب البراهين، على ~~الوحدانية {أندادا} أي: أصناما. # قوله تعالى: {يحبونهم كحب الله} قال أبو العباس المبرد النحوي: معنى ~~قوله: {يحبونهم كحب الله} أي: يحبون آلهتهم كحب المؤمنين لله. # وقيل معناه: يحبون الأصنام كما يحبون الله؛ لأنهم أشركوها مع الله. # {والذين آمنوا اشد حبا لله} لأنهم لا يختارون على الله ما سوى الله. ~~والمشركون إذا اتخذوا صنما ثم رأوا أحسن منه، طرحوا الأول واختاروا الثاني. # وقوله تعالى: {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب} قرىء هذا بقراءتين. " ~~ولو يرى " بالياء. " ولو ترى " بالتاء. # والمعنى: اعلم أولا أن جواب " لو " هاهنا محذوف، ومثله كثير في القرآن. # قال الله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم} وقال: {ولو أن ~~قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} ثم حذف الجواب ~~اختصار السبقه إلى الإفهام. # PageV01P164 # {جميعا وأن الله شديد العذاب (165) إذ ms0091 تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا} # ثم من قرأ " ولو يرى " بالياء، فتقديره: ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب ~~الله وعقوبته حين يرون العذاب لعرفوا أن ما اتخذوا من الأصنام لا يضرهم ولا ~~ينفعهم. # ومن قرأ " ولو ترى " بالتاء ففي معناه قولان: أحدهما: ولو ترى يا محمد ~~الذين ظلموا في شدة العذاب حين رأوا العذاب لرأيت أمرا عجيبا. # والثاني: معناه: قل يا محمد: أيها الظالم، ولو ترى الذين ظلموا في شدة ~~العذاب لتعجبت منه ولرأيت أمرا فظيعا. # وقوله تعالى: {أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} قوله: " أن ~~القوة " يقرأ بكسر الألف، وفتحها، فمن قرأ بالكسر، كان على الابتداء بعد ~~تمام الأول، ومن قرأ بالفتح كان تمام الأول، ومعناه: لأن القوة لله. # PageV01P165 # قوله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} هذا في القيامة، حين ~~يجمع الله القادة وأتباعهم، يبرأ بعضهم من بعض. # {ورأوا العذاب وتقطعت [بهم] الأسباب} أي: الوصلات في الدنيا من ~~[القرابات] والصداقات. # قال مجاهد: يعني الوصل وهو قريب من الأول. # وقيل الأسباب: الأعمال. وقد ترد بمعنى: أبواب السماوات والأرض. # PageV01P165 # {العذاب وتقطعت بهم الأسباب (166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة ~~فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم ~~بخارجين من النار (167) } # وذلك في قوله تعالى: {لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات} أي: أبوابها. ~~قال الشاعر: # (ومن هاب أسباب المنايا [يتلقها] ... وإن رام أسباب السماء بسلم) # وأصل السبب: ما يوصل. ومنه يقال: للحبل سبب، وقوله تعالى: {وتقطعت بهم} ~~أي: عنهم، ومثله قوله تعالى: {فاسأل به خبيرا} أي: عنه خبيرا. # PageV01P166 # وقوله تعالى: {وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة} أي: رجعة إلى الدنيا. ~~{فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم ~~بخارجين من النار} . # وفيه قولان: أحدهما: أنه يريهم ما ارتكبوا من السيئات؛ فتلك الحسرات. # والثاني: أنه يريهم ما تركوا من الخيرات والحسنات؛ ليكون عليهم حسرات. # PageV01P166 # {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات ms0092 الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ~~مالا تعلمون (169) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا أو لو كان} # PageV01P167 # قوله تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض} حكى عن أبي محمد سفيان بن ~~عيينة الهلالي أنه سئل عن أكل الطين فقال: لا تأكل لأن الله تعالى قال: ~~{كلوا مما في الأرض} ولم يقل: كلوا من الأرض {حلالا طيبا} فالحلال: كل ما ~~أحله الشرع. # وفي الطيب قولان: # أحدهما: كل ما يستطاب ويستلذ فهو طيب. والمسلم يستطيب الحلال ويعاف ~~الحرام. # وقيل: الطيب: الطاهر. # وقوله تعالى: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} فيه ثلاثة أقوال: # أحدها قال مجاهد: هي خطايا الشيطان. وقال أبو مجلز لاحق بن حميد السدوسي: ~~هي النذور في المعاصي. والقول الثالث: هي كل أعمال الشيطان. واشتقاقها من ~~الخطوة؛ لأن للخطا آثارا تبقى {إنه لكم عدو مبين} ظاهر المعنى. # PageV01P167 # قوله تعالى: {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء} فالسوء: المعصية. # والفحشاء فيه قولان: أحدهما: أنه أراد به الزنا. وقيل: البخل، ومنه قول ~~الشاعر: # (عقيلة مال الفاحش المتشدد ... ) # أي: البخيل المتشدد # {وأن تقولوا على الله مالا تعلمون} # PageV01P167 # قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا} ~~أي: وجدنا. # {عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} معناه: كيف ~~يتبعون # PageV01P167 # {آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) ومثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171) يا أيها ~~الذين آمنوا} آباءهم وآباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون؟ ! وفي هذا نهي عن ~~تقليد الآباء في الدين. # PageV01P168 # قوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء} ~~النعق: صوت الراعي بالغنم قال الأخطل. # (فانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا) # وفي الآية محذوف مقدره. وتقديرها: مثل الكفار ومثلك يا محمد في دعائهم ~~كمثل الراعي ينعق بالغنم وهي لا تسمع إلا صوتا ولا تفهم إلا ms0093 دعاء. # {ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} وقيل: معناه: مثل الكفار في دعاء ~~الأصنام. # على هذا القول إشكال لأن؛ الأصنام لا يسمعون النداء ولا الدعاء. وكيف ~~يكون مثلا أن يسمع ذلك كمثل الذي ينعق بما لا يسمع كما بينا؟ # قال ابن الأنباري: أراد بالذي ينعق: الصائح في الجبل يصيح فيسمع صوتا؛ ~~وهو الصدى. وليس هناك معقول ولا مفهوم. وضرب المثل به للكفار في قلة الفهم ~~والعقل. # PageV01P168 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} وفي الخبر ~~عن النبي أنه قال: " أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يا أيها ~~الرسل كلوا من الطيبات} وقال للمؤمنين {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم واشكروا لله} " وقد ذكرنا معنى الطيبات. # PageV01P168 # {كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (172) إنما ~~حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير ~~باغ ولا} {واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} يعني: أنكم كما تعبدونه على ~~الإلهية، فاشكروه على الإحسان. # PageV01P169 # قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة} " إنما " لنفي والإثبات؛ لأنها ~~مركبة من حرفي النفي والإثبات " فإن " للإثبات " وما " للنفي. # تقول: إن في الدار زيدا. يفهم منه وجود زيد في الدار. فإذا قلت: " إنما ~~زيد في الدار " يفهم منه أنه لا أحد في الدار إلا زيد. # وأما الميتة: اسم لما خرج روحه من غير ذكاة {والدم} معروف وفيهما تخصيص؛ ~~فإن الشرع أباح من الميتة: السمك والجراد، ومن الدماء: الكبد والطحال. # وقوله تعالى: {ولحم الخنزير} أي: الخنزير بلحمه وشحمه وجميع أجزائه. # {وما أهل به لغير الله} أي: ذبح على اسم الأصنام، وأصل الإهلال: رفع ~~الصوت، وكانوا يرفعون أصواتهم على الذبائح، قال ابن أحمر: # (يهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر) # قوله تعالى: {فمن اضطر} يقرأ بقراءتين: بكسر النون، ورفعها، فمن قرأ ~~بالكسر فهو على الأصل ومن قرأ بالضم فلا تباع ضمة الطاء، والاضطرار إلى أكل ~~الميتة {غير باغ ولا عاد} قال ابن عباس ومجاهد: ms0094 غير باغ أي: غير خارج على ~~السلطان. {ولا عاد} ولا متعد، عاص في سفره. ففي هذا دليل على أن العاصي في ~~سفره لا يترخص بأكل الميتة. # وقال الحسن وقتادة: {غير باغ} أي: غير طالب للميتة على الشبع؛ فيأكله ~~تلذذا. {ولا عاد} ولا مجاوزا بأكله حد الحاجة. # {فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} ظاهر المعنى. # PageV01P169 # {عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) إن الذين يكتمون ما أنزل الله ~~من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا ~~يكلمهم} # PageV01P170 # قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا ~~قليلا} قد سبق تفسيره. # وقوله تعالى: {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} فيه قولان: أحدهما: ~~أن الذين أكلوا من الرشوة فالمأكلة تصير في بطونهم نارا. # وقيل: معناه أن ذلك الأكل لما كان يفضي بهم إلى النار؛ فكأنهم يأكلون في ~~بطونهم نارا. # ومثله قول الشاعر: # (وأم سليم فلا تجزعن ... فللموت ما تلد الوالدة) # وقال آخر: # (لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى الفوات) # ومعلوم أن الولد لا يولد للموت، ولكن لما كان يؤول إلى الموت لا محالة ~~أضافه إليه. # وقوله تعالى: {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} فيه قولان: أحدهما: أنه لا ~~يكلمهم ولكن يكلمهم بالتهديد والتوبيخ. # وقيل: في معناه: أنه غضبان عليهم؛ كما يقال: فلان لا يكلم فلانا؛ إذا كان ~~عليه غضبان. # PageV01P170 # {الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) ذلك بأن الله ~~نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (176) ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة} # {ولا يزكيهم} أي: لا يطهرهم من الذنوب {ولهم عذاب أليم} . # PageV01P171 # قوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما ~~أصبرهم على النار} قال ابن عباس: معناه: أي شيء صبرهم على النار؟ ! # وقال الكسائي والفراء: معناه: فما أجرأهم على النار، وحكى الكسائي: ms0095 أن ~~أعرابيين اختصما إلى قاض، فحلف المنكر، فقال له المدعي: ما أصبرك على ~~النار، أي: ما أجرأك على النار. # وقال بعض النحويين: معناه: فما أبقاهم في النار، يقال: فلان ما أصبره على ~~الحبس، أي: ما أبقاه في الحبس، " وما " للتعجب هاهنا. # قال الكسائي: التعجب من الله بمعنى: التعجب للخلق # PageV01P171 # {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق} وهم منكرون لذلك. # {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} أي: خلاف طويل. # وإنما سمى الخلاف: شقاقا؛ لأن المخالف يكون في شق، وصاحبه في شق آخر. # PageV01P171 # قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} فالبر: كل ~~عمل خير، يفضي بصاحبه إلى الجنة. # وفي معناه قولان: أحدهما: أن الخطاب مع المسلمين، فإنهم كانوا في ~~الابتداء يأتون بالشهادتين، والصلوات إلى أي جهة شاءوا. # فقال: ليس كل البر أن تصلوا قبل المشرق والمغرب {ولكن البر من آمن بالله} ~~فأمرهم بسائر الشرائع المذكورة في الآية. # PageV01P171 # {والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون ~~بعهدهم إذا} # وقيل: هو خطاب لليهود والنصارى إذ كان قبلة اليهود المغرب، وقبلة النصارى ~~المشرق. # فقال: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق أيها النصارى، وقبل المغرب ~~أيها اليهود، ولكن البر من آمن بالله. # وفي تقديره قولان: أحدهما: أن تقديره ولكن ذا البر من آمن بالله، ~~والثاني: أن تقديره: ولكن البر من آمن بالله {واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه} أي: حب المال. # قال ابن مسعود: هو أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء، وتخشى الفقر ~~{ذوي القربى} أهل القرابات. {واليتامى والمساكين} قد ذكرناهم. # {وابن السبيل} هو المنقطع. وقيل: أراد به الضيف {والسائلين} معلوم {وفي ~~الرقاب} يعني: المكاتبين. # {وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدم إذا عاهدوا} فإن قال قائل: لم ~~قال: " والموفون " على الرفع؟ قيل: فيه قولان. أصحهما: أنه معطوف على خبر ~~لكن، وتقديره: ولكن ذا البر المؤمنون بالله والموفون. # وقيل تقديره: وهم الموفون كأنه عد أصنافا، ثم ms0096 قال: هم والموفون كذا وكذا. # وفيه قول ثالث: أن الكلام إذا طال فالعرب قد تخالف في الأعراب. # {والصابرين} نصب على المدح. وقيل تقديره: أعني الصابرين. قال الشاعر: # (لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر) # (النازلين بكل معترك ... والطيبين معاقد الأرز) # وقوله تعالى: {في البأساء} هو الجوع {والضراء} المرض والضرر. # PageV01P172 # {عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا ~~وأولئك هم المتقون (177) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ~~الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف وأداء} # {وحين البأس} وحين القتال {أولئك الذين صدقوا} وفوا بالعهد، وقيل: صدقت ~~أفعالهم أقوالهم {وأولئك هم المتقون} . # PageV01P173 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} أي: فرض ~~عليكم. {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} قال ابن عباس: كان هذا ~~في ابتداء الإسلام، وكان القصاص بين الحر والحر، والعبد مع العبد، والأنثى ~~مع الأنثى، وما كان يقتل الحر بالعبد، ولا العبد بالحر، ولا الذكر بالأنثى، ~~ولا الأنثى بالذكر: ثم نسخ ذلك بقوله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} ~~فجرى القصاص بين الكل. # وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد قال في الحر إذا قتل عبدا: يقتل ~~الحر به، ثم سيد العبد يغرم لولى القاتل الحر، ما بين ديته وقيمة العبد، ~~وإذا قتل العبد حرا، يقتل العبد به، ثم يغرم سيد العبد القاتل لولى الحر ~~المقتول ما بين ديته وقيمة العبد. # وفيه قول آخر محكي عن ابن عباس: أن الآية نزلت في قبيلتين، كان لأحديهما ~~على الأخرى فضل. فقالت القبيلة الفاضلة: يقتل الحر منكم بالعبد منا، والذكر ~~منكم بالأنثى منا؛ فنزلت الآية ردا لقولهم. # وقوله تعالى: {فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان} وأصل العفو: الترك. وأظهر الأقوال فيه: مذهب عامة الصحابة ~~والتابعين؛ أن من عفا عن القصاص فله أخذ الدية، فهذا يتبع بالمعروف، يعني: ~~لا يطلب المزيد على قدر حقه. ويؤدي ذلك بالإحسان، أي: لا ms0097 يماطل في الأداء. # PageV01P173 # {إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ~~(178) ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) كتب عليكم} ~~قال الأزهري: في الآية تقدير: ومعناه: فمن جعل له من مال أخيه يعني القاتل ~~أو فمن جعل له من بدل دم أخيه يعني المقتول عفو أي: فضل، فليتبع الطالب ~~بالمعروف، وليؤد المطلوب بالإحسان. # وظاهره يقتضي أن أخوة الدين لا تنقطع بين القاتل والمقتول، حيث قال: من ~~أخيه، وهو الذي نقول به. وقيل: معناه أخوة النسب. # وقيل: إنما سماه أخا حال إنزال الآية، وحال نزول الآية كان أخا له قبل ~~حصول القتل، لا أنه يبقى أخا له، فإن القتل يقطع الموالاة بين القاتل ~~والمقتول، ويوجب البراءة [منه] ؛ لفسقه وقتله. # {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} ومعناه: أن الدية كانت في شرع النصارى حتما، ~~والقصاص في شرع اليهود حتما، وخيرت هذه الأمة بين القصاص والدية، [فذلك] ~~التخفيف. # {فمن اعتدى بعد ذلك} أي: قتل بعد العفو. {فله عذاب أليم} أي: القصاص. # قال ابن جريج: إن القصاص حتم عليه، بحيث لا يقبل العفو. # PageV01P174 # قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} ومعنى الحياة: أنه ~~إذا فكر أنه لو قتل قتل، لم يقتل؛ فيبقى والمقتول حيين. {لعلكم تتقون} ~~ترتدعون عن القتل. # PageV01P174 # قوله تعالى: {كتب عليكم} أي: فرض عليكم {إذا حضر أحدكم # PageV01P174 # {إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف ~~حقا على المتقين (180) فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ~~إن الله} الموت) إذا قارب أوان الموت. {إن ترك خيرا} أي: مالا وسعة، والخير ~~في كل القرآن بمعنى المال. # {الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين} وذلك أن الوصية ~~كانت واجبة في ابتداء الإسلام للوالدين والأقربين، ثم صار منسوخا بآية ~~الميراث. # قال النبي: " إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث ". # وقال الحسن، وطاوس، وقتادة والضحاك،: إن النسخ في الوالدين دون الأقربين. # ثم اختلفوا فيمن أوصى بثلث ماله ms0098 للأجنبي، فقال بعضهم: ثلث ما أوصى به ~~للأقربين، وثلثاه للأجنبي. # وقال بعضهم: ثلثاه للأقربين، وثلثه للأجنبي. # وقال بعضهم: كل الثلث للأقربين، ولا شيء للأجنبي، والأصح: أنه صار منسوخا ~~في حق الكل، وبقي الاستحباب في حق الأقربين الذين لا يرثون. # وقيل: هو في ابتداء الإسلام كان على الندب، والمندوب في الوصية: بما دون ~~الثلث. # وحكى عن بعض السلف أنه قال: الخمس معروف، والربع جهد، والثلث غاية تنفذها ~~القضاة. # PageV01P175 # قوله تعالى: {فمن بدله بعد ما سمعه} فإن قال قائل: لم قال: {فمن # PageV01P175 # {سميع عليم (181) فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه ~~إن الله غفور رحيم (182) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب ~~على} بدله) بعلامة التذكير، والمذكور مؤنث، وهي: الوصية؟ قيل معناه: فمن ~~بدل أمر الوصية. # وقيل: معناه: فمن بدل قول الموصي؛ لأن الوصية تصدر عن قول الموصي؛ فرجع ~~إلى المعنى دون اللفظ، وهذا مثل قوله تعالى: {فمن جاءه موعظة} أي: جاءه ~~وعظ، فرجع إلى المعنى، كذا وأراد بالتبديل: تبديل الشهداء والأوصياء ~~والأولياء. # {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} لا على الموصي. {إن الله سميع} لما أوصى ~~به الموصي {عليم} بتبديل المبدلين. # PageV01P176 # قوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} الخوف ها هنا بمعنى العلم. # وهو مثل قوله - تعالى -: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله} وقوله: {وإن ~~خفتم شقاق بينهما} . أي: علمتم، وإنما عبر بالخوف عن العلم؛ لأن الخوف طرف ~~إلى العلم فإنه إنما يخاف الوقوع في الشيء؛ للعلم به. # وقوله تعالى: {من موص} قرىء بالتخفيف والتشديد، يقال: أوصى ووصى بمعنى ~~واحد. # وأما الجنف: الميل، والإثم: الظلم، وأنشد سيبويه: # (تجانف عن جو اليمامة ناقتي ... وما كان قصدي أهلها لسوائكا) # PageV01P176 # {الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع} # وقال السدى: الجنف: الخطأ، والإثم: العمد. # ومعنى الآية على قول ابن عباس ومجاهد: أن الرجل إذا حضر وصية الموصي فرآه ms0099 ~~يميل، إما بتقصير، أو بإسراف، أو وضع الوصية في غير موضعها؛ فأرشده، ورده ~~إلى الحق فهو مباح له، وهذا معنى قوله تعالى: {فأصلح بينهم فلا إثم عليه} . # وقيل: هذا في الوصية للأقربين حين كانت واجبة، فإذا رآه يوصي لغير ~~الأقربين، يرده إلى الوصية للأقربين. # وقيل: أراد به الإمام يصلح بين الموصي لهم والورثة، فيردهم إلى الحق. # {فلا إثم عليه} أي: فلا حرج عليه {إن الله غفور رحيم} . # PageV01P177 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} أي: فرض عليكم ~~الصيام. # والصيام في اللغة: هو الإمساك. يقال: صامت الخيل: إذا أمسكت عن العلف، ~~والسير، ومنه قول الشاعر: # (خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما) # ومنه يقال: صام النهار: إذا ارتفعت الشمس وصارت في إبطاء السير كالواقفة؛ ~~وذلك في وقت الهاجرة، ومنه قول الشاعر: # (فدعها وسل النفس عنك بجسرة ... [ذمول] إذا صام النهار وهجرا) # ومنه قوله تعالى: {إني نذرت للرحمن صوما} أي: صمتا، وفي الصمت إمساك عن ~~الكلام. # PageV01P177 # {خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184) شهر رمضان ~~الذي أنزل} # وأما الصوم في الشريعة: هو الإمساك عن الأكل، والشرب، والوطء، مع النية، ~~في وقت مخصوص. # {كما كتب على الذين من قبلكم} اختلفوا في هذا التشبيه. # قال سعيد بن جبير: كان الصوم في ابتداء الإسلام واجبا من العتمة إلى ~~الليلة القابلة، وكذا كان واجبا على من قبلنا. # وقيل: أراد به: صوم رمضان كتب على المسلمين كما كتب على الذين من قبلهم، ~~يعني: النصارى. # قال دغفل بن حنظلة: كان الصوم واجبا على النصارى ثلاثين يوما، ثم إن ملكا ~~منهم مرض، فقال: إن شفاني الله أزيد عشرة، فشفاه الله فزاد عشرة، ثم إن ~~ملكا آخر منهم مرض وقال: إن شفاني الله أزيد فيه سبعة أيام، فشفاه الله ~~فزاد سبعة. قالوا: ما هذا النقصان؟ ! أكملوه بخمسين. وقالوا: نصومه في وقت ~~لا حر ولا قر. فكانوا يصومون الخمسين في وقت الربيع، فهذا أصل صوم الخمسين ~~في حق النصارى. # وقيل: أراد به: ms0100 صوم ثلاثة أيام من كل شهر: كان واجبا في ابتداء الإسلام، ~~كما كتب على اليهود. # روى معاذ بن جبل: " أن النبي لما هاجر إلى المدينة، رأى اليهود يصومون ~~ثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عاشوراء، ففرضه الله عليه كذلك ". # وكان يصومها سبعة وثلاثين يوما، من الربيع إلى الربيع، ثم نسخ ذلك بصوم # PageV01P178 # {فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} رمضان. # وقيل: كان يصوم الثلاث في أيام البيض. # قال ابن عباس: أول ما نسخ بعد الهجرة: أمر القبلة، والصوم. # قوله تعالى: {لعلكم تتقون} يعني: بالصوم؛ لأن الصوم وصلة إلى التقوى بما ~~فيه من قهر النفس وكسر الشهوات. # وقيل: معناه لعلكم تخترزون عن الشهوات من الأكل، والشرب، والوطء. # PageV01P179 # قوله تعالى: {أياما معدودات} فإن قلنا بنسخ الآية فهو صوم كان واجبا ثم ~~نسخ. # وإن قلنا: الآية غير منسوخة فالمراد بقوله: {أياما معدودات} أيام رمضان، ~~وفيه إشارة إلى التيسير، حيث لم يوجب صوم كل السنة، وإنما أوجبه أياما ~~معدودات {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} قال داود وأهل ~~الظاهر: يجب على المسافر صوم عدة من أيام أخر وإن صام رمضان قولا بظاهر ~~الآية. # والجمهور على أن فيه إضمارا وتقديره: فأفطر، فعدة من أيام أخر. # ثم اختلفوا في حد المرض الذي يبيح الفطر، فقال داود وأهل الظاهر: هو ما ~~ينطلق عليه اسم المرض. وهو قول ابن سيرين من السلف. وقال الحسن: هو المرض ~~الذي تجوز معه الصلاة قاعدا. # ومذهب الشافعي: هو المرض الذي يخاف من الصوم معه الزيادة في المرض. # فأما حد السفر الذي يبيح الفطر اختلفوا فيه، فقال داود ومن تابعه: هو ما ~~ينطلق عليه اسم السفر. ومذهب الشافعي أنه مسافة القصر، ستة عشر فرسخا. # PageV01P179 # {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم} # ومذهب أبي حنيفة رضي الله [عنه] أنه مسيرة ثلاثة أيام، كما قال في القصر. # قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ms0101 مسكين} في الآية قراءات: ~~فالقراءة المعروفة: هذا. # وقرأ ابن عباس وعباس وعائشة وهو صحيح، عن ابن عباس: و " على الذين ~~يطوقونه " وقرأ مجاهد: " وعلى الذين يطوقونه "، وهما من الشواذ. # فأما قراءة: " فدية طعام مسكين " فيه قراءتان معروفتان: أحدهما هذه، # والثانية: قراءة أهل المدينة والشام " فدية طعام مساكين " بالألف. # وأما القراءة المعروفة {وعلى الذين يطيقونه فدية} أراد به: في ابتداء ~~الإسلام كانوا مخيرين بين الصوم والفدية، فقال: وعلى الذين يطيقونه فدية؛ ~~إن اختاروا الفدية. # وقيل معناه: وعلى الذين يطيقونه في حال الشباب، وعجزوا عنه في الكبر ~~الفدية إذا أفطروا، وهو مروى عن على، فعلى هذا لا تكون الآية منسوخة. # فأما قراءة ابن عباس معناه: وعلى الذين يطوقونه فلا يطيقونه الفدية. # PageV01P180 # {العسر ولتكلموا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185) } # وأما قراءة مجاهد يطوقونه أي: يتطوقونه ويكلفونه فلا يطيقونه. # وأما قوله: {فدية طعام مساكين} إنما أضاف الفدية إلى الطعام لأن الفدية ~~قدر من الطعام، والطعام اسم الجنس، وهو كما يقال خاتم فضة، وثوب خز، ونحو ~~ذلك. # وأما القراءة الثانية {فدية} رفع على الابتداء {طعام مسكين} تفسير له ~~وبدل عنه، وإنما قال: " مسكين؛ لأن كل يوم يطعم مسكينا. # ومن قرأ: " مساكين " لأن جملة طعام أيام الصوم تكون لمساكين. # وقوله تعالى: {فمن تطوع خيرا فهو خيرا له} قال ابن عباس: أراد به: من ~~أطعم مسكينين وعليه طعام مسكين واحد، أو أطعم صاعا وعليه مد، فهو خير له. # قوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} إن قلنا بقول النسخ، معناه: وأن تصوموا ~~خير لكم من الفدية. # وإن قلنا: الآية غير منسوخة فمعناه: وأن تصوموا في حال الشباب خير لكم من ~~الفدية في حال الكبر والعجز. # وقيل: هذا في حق الشيخ الهرم، أن يتكلف الصوم خير له من أن يفدي. ~~والصحيح: أحد القولين الأولين {إن كنتم تعلمون} . # PageV01P181 # قوله تعالى: {شهر رمضان} سمى الشهر بذلك لشهرته. # وأما رمضان كان في الجاهلية يسمى شهر رمضان ناتقا. # قال أبو علي قطرب: إنما سمى: رمضان؛ لأنهم كانوا يصومون في الحر ms0102 الشديد، ~~ومنه الرمضاء: للرمل الذي حمى بالشمس. # وقال مجاهد: هو اسم من أسماء الله، ولذلك لا يجمع على رمضانات، ويروى هذا # PageV01P181 # عن النبي غريبا، والصحيح أنه اسم الشهر. # وقد ورد في فضل الشهر والصوم أخبار، منها ما روى مرفوعا: " سيد الشهور ~~شهر رمضان ". # وصح عن رسول الله أنه قال: " إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب ~~الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين " أخرجه مسلم في الصحيح. # وقال: يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي ~~به. . " الخبر. # واختلفوا في تخصيص الصوم، منهم من قال: لأنه أشد العبادات في كسر # PageV01P182 # الشهوات وقمع النفس. ومنهم من قال: لأنه سر بين العبد وبين ربه. # وقوله تعالى: {الذي أنزل فيه القرآن} فإن قال قائل: إنما أنزل القرآن في ~~ثلاث وعشرين سنة فكيف قال: أنزل فيه القرآن؟ والجواب: قال ابن عباس: أنزل ~~الله تعالى القرآن جملة في رمضان إلى بيت في السماء الدنيا يسمى ببيت ~~العزة، ثم منه أنزل إلى الأرض إرسالا. # روى وائله بن الأسقع عن النبي أنه قال: " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة ~~من رمضان، وأنزلت التوراة في الليلة السادسة من رمضان، وأنزل الإنجيل في ~~ليلة الثالث عشر من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان ". # وفيه قول ثالث معناه: أنزل فيه القرآن بفريضة صوم رمضان. # وإنما سمى القرآن قرآنا؛ لأنه يجمع السور والآي، والحروف، وأصل القرآن: ~~الجمع، ومنه قول الشاعر: # (ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا) # وقوله تعالى {هدى للناس} رشاد وبيان. وقوله تعالى: {وبينات من الهدى ~~والفرقان} أي: دلالات واضحات من الحلال والحرام، والفرقان: المفرق بين الحق ~~والباطل. # وقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال أبو العباس محمد بن يزيد ~~المبرد: معناه فمن كان منكم مقيما في الحضر فأدرك الشهر فليصمه. # ثم اختلفت الصحابة فيمن أدرك الشهر وهو مقيم، ثم سافر على قولين: فقال ~~علي رضي الله عنه: لا يجوز له أن يفطر. وأكثر الصحابة على أنه يجوز الفطر، ms0103 # PageV01P183 # وهو الأصح؛ لما صح عن رسول الله برواية جابر " أنه سافر في رمضان فلما ~~بلغ كراع الغميم أفطر وأفطر الناس ". # وقوله تعالى: {فليصمه} أي بقدر ما أدرك وهو مقيم {ومن كان مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر} إنما أعاد هذا ليعلم أن هذا الحكم في الناسخ مثل ما ~~كان في المنسوخ. # وقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} يعني في إباحة ~~الفطر بالمرض والسفر، وتأخير الصوم إلى أيام أخر. # وحكى عن الشعبي أنه قال: ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما؛ إلا كان ~~ذلك أحبهما إلى الله. # وروى محجن بن أدرع: " أن النبي أخبر برجل كان يطيل الصلاة في المسجد طول ~~النهار فجاء إليه وأخذ بمنكبيه وهزهما هزا، ثم قال: إن الله تعالى رضي لهذه ~~الأمة باليسير، وكره لهم العسر، وإن هذا الرجل رضي بالعسر ويكره اليسر ". # ومشهور عن رسول الله: " أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ~~". # PageV01P184 # ( {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا ~~لي} ولتكملوا العدة) أي: عدة الشهر بقضاء ما أفطر في المرض أو السفر. ~~{ولتكبروا الله على ما هداكم} أي: لتعظموه على ما أرشدكم إلى ما رضى به من ~~صوم رمضان. قال ابن عباس: هو تكبيرات ليلة الفطر وهو مروي عن ابن عمر، ~~وعائشة رضي الله عنهما. وقال: حق على كل مسلم أن يكبر ليلة الفطر إلى أن ~~يفرغ من صلاة العيد {ولعلكم تشكرون} . # PageV01P185 # قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} في سبب نزول الآية قولان: ~~أحدهما: أن الصحابة قالوا: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد ~~فنناديه؟ فنزلت الآية ". # والثاني: أنه لما نزل قوله تعالى: {ادعوني استجب لكم} قالوا: يا رسول ~~الله كيف ندعوه ومتى ندعوه؛ فنزلت الآية. # وقول: {فإني قريب} أي: لا يخفى على شيء، وهو أقرب إلى العباد من حبل ~~الوريد، وأقرب إلى القلب من ذي القلب. # وقوله تعالى: {أجيب دعوة الداع إذا دعان} فيه حذف. وتقديره: ms0104 أجيب دعوة ~~الداع إن شئت. وهذا مثل قوله تعالى: {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} . # قال ابن الأنباري: معناه: أسمع دعوة الداعي، تقول العرب: فلان يدعو من لا ~~يجيب، أي من لا يسمع، وهذا لأنه قد يدعى فلا يجيب، فدل أنه أراد بالإجابة ~~السماع. # وقيل: هو على حقيقة الإجابة، ومعناه: أنه لا يخيب من دعاه، فإنه إن دعاه ~~بما قدر # PageV01P185 # {وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ~~هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم ~~وعفا له أعطى، وإن دعاه بما لم يقدر له يدخر له الثواب في الآخرة فلا يخيب ~~دعاءه. # وقد ورد عن رسول الله أنه قال: " ما من عبد يقول [يا رب] إلا قال الله ~~تعالى: لبيك عبدي، فيعجل ما شاء، ويدخر ما شاء ". # قوله تعالى: {فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي} قيل: الاستجابة هاهنا بمعنى ~~الإجابة، وعليه يدل قول الشاعر: # (وداع دعايا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب) # أي: فلم يجبه، وقال أبو عبيدة: معناه فليستدعوا مني الإجابة. # وحقيقته فليطيعوا لي. {وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} ظاهر المعنى. # PageV01P186 # قوله تعالى: {أحل لكم} أي: أبيح لكم (ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) . # قيل: والرفث: كل ما يريده الرجل من امرأته، وهو بمعنى الوطء هاهنا. # قال ابن عباس: إن الله حيي كريم، يكنى بالحسن عن القبيح. # {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} قيل: معناه: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن. ~~وقيل: لا يسكن شيء إلى شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر. وقيل: أراد به ~~حقيقة اللباس، فإن أحدهما يصير لباسا لصاحبه عند المباشرة، قال # PageV01P186 # {عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين ~~لكم} الشاعر: # (إذا ما الضجيع ثنى جيده ... تثنت فصارت عليه لباسا) # قال الربيع بن أنس: معناه: هن فرش لكم، وأنت لحف لهن. # وقوله تعالى: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) هو افتعال: من ~~الخيانة، أي: تخونون أنفسكم بمخالفة الأمر، وترك الوقاية. وقوله تعالى: ms0105 ~~{فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن} قيل: أراد به الوطء. وقيل: ما دون ~~الوطء. وقوله تعالى: {وابتغوا ما كتب الله لكم} قال أنس بن مالك: أراد به ~~طلب الولد. # وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس: أراد به ابتغاء ليلة القدر. # وقال قتادة وهو أحسن الأقوال: يعني: وابتغوا ما كتب الله لكم من الرخصة ~~بإباحة الأكل، والشرب، والوطء، في اللوح المحفوظ. # وقرأ ابن عباس في الشواذ: " واتبعوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا ". # وسبب نزول الآية: أن الله تعالى كان قد أوجب الصوم في الابتداء من العتمة ~~إلى الليلة القابلة، وكان كل من نام أو صلى العشاء حرم عليه الأكل، والشرب، ~~والوطء " فروى أن رجلا يقال له: صرمة أبو قيس ظل يعمل جميع النهار، ثم آوى ~~إلى منزله، وطلب من امرأته طعاما، فأبطأت، فغلبه النوم، فلما استيقظ كان قد ~~حرم الطعام والشراب فأصبح وقد جهد جهدا شديدا، حتى خر مغشيا عليه، فأخبر به # PageV01P187 # {الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} رسول ~~الله؛ فنزلت الآية بإباحة الأكل والشرب بالليل. # وسبب إباحة المباشرة: ما روى أن عمر رضي الله عنه قال: " يا رسول الله ~~إني أصبت امرأتي بعد ما نمت، فقال: ما كنت جديرا بهذا يا عمر ". # " وروى أن رجلا من الصحابة أخبر النبي بمثل ذلك، فنزلت الآية بإباحة ~~المباشرة " وذلك معنى قوله: {كنتم تختانون أنفسكم} . # فأما قوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر} قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أراد بالخيط: اللون، ومعناه: بياض ~~النهار من سواد الليل. # وقوله تعالى: {من الفجر} سبب نزوله ما روى " أنه لما نزلت هذه الآية أخذ ~~عدي ابن حاتم عقالين، أحدهما أبيض، والآخر أسود، ووضعهما تحت وسادته فلما ~~أصبح كان ينظر إليهما، ويتسحر، حتى يتبين الأبيض من الأسود، فأخبر به النبي ~~فقال: إنك لعريض الوساد ". # وفي رواية: " إنك لعريض القفا، إنما هو بياض النهار من سواد الليل " وهي ~~كلمة لهم يكنون بها عن قلة الفهم؛ ms0106 فنزل قوله {من الفجر} والفجر فجران: # PageV01P188 # {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك} ~~أحدهما فجر مستطيل كذنب السرحان، يطاع صاعدا، ثم يغيب، ويغلب الظلام، وهو ~~الفجر الكاذب. # والثاني بعده: فجر مستطير، ينتشر في الأفق سريعا، وقيل: يختلط به الحمرة، ~~وهو الفجر الصادق الذي يحرم الطعام ويبيح الصيام. # وتقول العرب: الفجر (بشير) الشمس. # ويحكى عن حذيفة بن اليمان خلافا غريبا، وهو معروف عنه، أنه قال: أراد ~~بالفجر طلوع الشمس، وكان يبيح التسحر بعد طلوع الفجر. # وقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} وهذا يقتضي حرمة الصوم بالليل ~~لأنه قد جعله حدا. # وقد قال: " من صام بالليل فقد تعب ولا أجر له ". # وقال أيضا: " إذ أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر ~~الصائم ". # قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} والعكوف: هو المقام ~~في الموضع. # وقيل: نزلت الآية في قوم من المسلمين كانوا يخرجون من الاعتكاف، ويباشرون ~~الأهل، ثم يعودون إلى المعتكف، فحرم الله تعالى المباشرة في الاعتكاف. # PageV01P189 # {يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم ~~تعلمون (188) يسألونك} # والاعتكاف جائز في كل المساجد، وحكى عن حذيفة بن اليمان خلافا شاذا فيه ~~فقال: لا يجوز الاعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: في المسجد الحرام، والمسجد ~~الأقصى، ومسجد المدينة وكان يعيب على عبد الله بن مسعود اعتكافه في غيرها ~~من المساجد، وكان عبد الله ينكره ويرد عليه قوله، والأمة على قول عبد الله. # وقوله تعالى: {تلك حدود الله} وهي ما منع الله تعالى عنها من المعاصي. # وأصل الحد: المنع. ومنه الحداد للبواب؛ لأنه يمنع الناس، ومنه الحديد؛ ~~لأنه يحتمي به للامتناع من الأعادي. # وقوله تعالى: {فلا تقربوها} أي: فلا ترتكبوها. # وقوله تعالى: {كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} ظاهر المعنى. # PageV01P190 # قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} أي: لا يأكل بعضكم أموال ~~بعض بالباطل. والأكل بالباطل نوعان: # أحدهما: أن يكون بطريق ms0107 الغصب والنهب والظلم. # والآخر: بطريق اللهو مثل القمار والرهان وأجرة المغني ونحو ذلك. # وقوله تعالى: {وتدلوا بها إلى الحكام} قيل: معناه: ولا تدلوا بها إلى ~~الحكام، أي لا ترشوهم وتصانعوهم فيحكموا لكم بالجور. # وقيل: معناه: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتنسبونه إلى قول الحكام ~~وتتخذون قولهم حجة. # {وأنتم تعلمون} خلافة، هذا دليل على من يقول بنفوذ القضاء ظاهرا وباطنا. ~~والإدلاء: الإلقاء يقال: أدلى دلوه، إذا أرسل، ودلى إذا أخرج. # PageV01P190 # {عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ~~ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (189) } # وقوله تعالى: {لتأكلوا فريقا} أي: طائفة {من أموال الناس بالإثم} بالظلم ~~{وأنتم تعلمون} . # PageV01P191 # قوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة} وهي جمع الهلال، وهو اسم للقمر أول ما ~~يبدو دقيقا وإنما سمى هلالا؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته. يقال: ~~استهل الصبي: إذا صاح بالبكاء، والعرب تسمى كل ثلاثة من الشهر باسم خاص، ~~فتقول للثلاثة الأولى: غرر، ثم يليه، نفل، ثم يليه، تسع، ثم يليه، عشر، ثم ~~يليه، بيض، ثم يليه، ربع، والأصح روع، ثم يليه، ظلم، ثم يليه، حناوس، ثم ~~يليه، وادي، ثم يليه محاق. # وسبب نزول الآية: ما روى أن معاذ بن جبل، وثعلبة بن عثيمة، قالا: " يا ~~رسول الله، ما بال حال القمر يبدو دقيقا؛ ثم يمتلئ فورا ثم يعود دقيقا؛ ~~فنزل قوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} . # يعني: فعلت ما فعلت؛ ليكون مواقيت لصومكم، وفطركم، وحجكم، وآجال ديونكم ~~". # وقوله تعالى: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} قال البراء بن ~~عازب: نزلت الآية فينا معشر الأنصار، كان الرجل منا إذا خرج إلى الحج ثم ~~عاد، لا يدخل داره من الباب، ولكن ينقب نقبا في مؤخر البيت، فيدخل منه، ~~ويعد الدخول من باب البيت فجورا؛ فنزل قوله تعالى: {وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها} أي: بآخرها. # {ولكن البر من اتقى} أي: بر من اتقى {وأتوا البيوت من أبوابها} ردهم ms0108 إلى ~~الأبواب {واتقوا الله لعلكم تفلحون} . # PageV01P191 # قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} قيل: كان في ابتداء # PageV01P191 # {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين (190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد ~~من القتل} الإسلام، أمر الله تعالى نبيه بالكف عن قتال المشركين ثم لما ~~هاجر إلى المدينة أمره بقتالهم إذا قاتلوا؛ بقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل ~~الله الذين يقاتلونكم} [ثم] أمره بقتالهم قاتلوا أو لو يقاتلوا. # وقوله تعالى: {ولا تعتدوا} أي: لا تبدءوهم بالقتال. # وقيل: ولا تعتدوا أي: لا تقتلوا المعاهدين منهم {إن الله لا يحب ~~المعتدين} . # PageV01P192 # قوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} قيل: نسخت الآية الأولى بهذه كما ~~بينا. وقيل: بل نسخت بقوله تعالى: {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} . # وقالوا: نسخت بها قريبا من سبعين آية. # {حيث ثقفتموهم} أي: وجدتموهم. # وقوله تعالى {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} وذلك أنهم أخرجوا المسلمين من ~~مكة؛ فقال: أخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم من دياركم. # {والفتنة أشد من القتل} يعني بالفتنة: الكفر، وسبب ذلك: أن الله تعالى ~~لما حرم بدايتهم بالقتال في الشهر الحرام، بادر إلى قتالهم بعض المسلمين، ~~فعيرهم الكفار عليه، فقال الله تعالى {والفتنة أشد من القتل} يعني: الشرك ~~الذي أنتم عليه أشد من قتالهم الذي بدءوا به. # وقوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} كذا كان ~~في الابتداء حراما بدايتهم بقتال في البلد الحرام، ثم صار منسوخا. # PageV01P192 # {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ~~كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ~~(193) الشهر} # قال عطاء: لم يصر هذا منسوخا. والأصح أن الآية منسوخة. # وقوله تعالى: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} # PageV01P193 # {فإن انتهوا} يعني فإن أسلموا. {فإن الله غفور رحيم} لما سلف. # PageV01P193 # قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أي: شرك {ويكون الدين لله} أي: ~~قاتلوهم حتى يسلموا لله. وقيل: حتى ms0109 لا تكون سجدة إلا لله. # وقوله تعالى: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} أي: فإن أسلموا ~~فلا نهب، ولا أسر، ولا قتل، إلا على الذين بقوا على الشرك. # PageV01P193 # قوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} في معنى الآية ~~قولان: # أحدهما: أنه أراد به في أمر العمرة، وذلك ما روى " أن النبي خرج معتمرا ~~في ذي القعدة، فلما بلغ الحديبية صده المشركون، فصالحهم على أن يعود في ~~العام المقبل، ثم عاد معتمرا في العام المقبل في ذي القعدة فأقضاه الله ~~تعالى ما فات في العام الأول بما فعله في العام الثاني " فهذا معنى قوله: ~~{الشهر الحرام بالشهر الحرام} يعني ذا القعدة. {والحرمات قصاص} يعني: حرمة ~~الشهر الحرام، وحرمة البلد الحرام، وحرمة الإحرام. # والقول الثاني: أنه وارد في أمر القتال، ومعناه فإن بدءوكم بالقتال في ~~الشهر الحرام، وانتهكوا حرمته فقاتلهم فيه ولا تبالوا بحرمته؛ فإنه قصاص ~~بما فعلوا. # {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} والاعتداء: الظلم، # PageV01P193 # {الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ~~ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) وأنفقوا في ~~سبيل وإنما سمى الجزاء على الظلم: اعتداء، على ازدواج الكلام، ومثله قوله ~~تعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها} . # وتقول العرب: ظلمني فلان فظلمته، أي: جازيته على الظلم. ويقال: جهل فلان ~~على فجهلت عليه، قال الشاعر: # (ألا لا يجهلهن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا) # وقال آخر: # (ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج) # (واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) # PageV01P194 # قوله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله} أراد به: الإنفاق في الجهاد، وكل خير ~~سبيل الله، ولكن إذا أطلق سبيل الله، ينصرف إلى الجهاد. # {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قيل: الباء زائدة، وتقديره: ولا تلقوا ~~أيديكم، وعبر بالأيدي عن الأنفس، كما قال الله تعالى: {بما كسبت أيديكم} ~~أي: بما كسبتم. وقيل الباء في موضعها، وفيه حذف، وتقديره: ولا تلقوا أنفسكم ~~بأيديكم إلى التهلكة. # والتهلكة والهلاك: واحد. وقيل: ms0110 بينهما فرق، فالتهلكة: ما يمكن الاحتراز ~~عنه، والهلاك: ما لا يمكن الاحتراز عنه. وفي معناه قولان: أحدهما: ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بترك الإنفاق في سبيل الله. # والثاني: قال النعمان بن بشير، والبراء بن عازب: إن المراد به: أن يذنب ~~الرجل # PageV01P194 # {الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195) ~~وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم ~~حتى} ذنبا ثم يقول: لا توبة لي، فيقنط من رحمة الله ونعوذ بالله. # والأول أصح. لما روى عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: نزلت ~~الآية فينا معشر الأنصار فإن الله تعالى لما نصر دنيه، وأعز نبيه، قلنا: لو ~~أقمنا في أموالنا نصلحها، ونترك الجهاد، فإنها تضيع، فنزلت الآية: {ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} يعني: بترك الإنفاق في الجهاد، والإقامة على ~~الأموال، حتى روى: أنه لما نزلت الآية مازال أبو أيوب يغزو حتى آخر غزوة ~~غزاها بقسطنطينية، في بعث بعثة معاوية وتوفي (هنالك) ودفن في أصل سور ~~قسطنطينية وهم يستسقون به. # وقوله تعالى: {وأحسنوا} يعني: بالإنفاق في سبيل الله. # وقال عكرمة: معناه: أحسنوا الظن بالله. # وقيل معناه: أدوا فرائض الله {إن الله يحب المحسنين} قال فضيل بن عياض: ~~من كانت تحت يده دجاجة فلم يحسن إليها لم يكن من المحسنين. # PageV01P195 # قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} وقرأ ابن مسعود: في الشواذ: " ~~وأتموا الحج والعمرة إلى البيت " من غير قوله: " لله " وقرأ الشعبي: وأتموا ~~الحج والعمرة لله على الابتداء. # واختلفوا معنى الإتمام، قال عمر: إتمامهما أن لا ينسخ إذ كان جائزا نسخه ~~في الابتداء. وقال علي، وابن مسعود: إتمامهما أن يحرم بهما من دويرة الأهل. ~~وقيل: إتمامهما أن يكون الزاد والنفقة من الحلال. وقال سفيان الثوري: ~~إتمامهما أن يقصد # PageV01P195 # {يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام ~~أو} الحج ولا يقصد التجارة. # وقيل: إتمامهما أن لا يعصي الله فيه، ويأتي به على وجهه كما أمر. # ثم اعلم ms0111 أن العمرة واجبة، وهو قول ابن عمر، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه ~~سنة، وهو مروى عن جابر. # والدليل على وجوبها: ظاهر الآية، وهو قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} ~~وظاهر الأمر للوجوب. # وقد ورد في فضل الحج والعمرة أخبار، منها: ما روى عن رسول الله أنه قال: ~~" العمرتان تكفران ما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ". # وقوله تعالى: {فإن أحصرتم} قال ابن عمر: الإحصار: من العدو. (وقال ابن ~~مسعود: الإحصار: من العدو) والمرض كلاهما معتبر. وعن ابن عباس فيه روايتان. ~~والإحصار والحصر بمعنى واحد. # وقال الفراء: الإحصار: بالحبس، والحصر: منع العدو. والصحيح أنه من العدو ~~دون المرض لقوله: {فإذا أمنتم} والأمن: من العدو. ومن قال: بالأول قال فيه ~~حذف، وتقديره. فإذا أمنتم من العدو، وبرأتم من المرض. # وقول تعالى: {فما استيسر من الهدى} وأقل ما يجب منه: ذبح الشاة، والأعلى: ~~نحر بدنة، والأوسط: ذبح بقرة، والهدى والتهدية والهدى بمعنى واحد؛ وهو ما ~~يهدي إلى موضع، أو إلى شخص. قال الشاعر: (حلفت برب مكة والمصلى ... وأعناق ~~الهدى مقلدات) # وقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله} أي: حتى # PageV01P196 # {صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ~~فمن} يذبح في موضعه، وموضع الذبح عندنا: حيث أحصر وتحلل. # وقال أبو حنيفة: موضعه: مكة. وما قلناه أصح؛ لأن رسول الله " لما بلغ ~~الحديبية معتمرا، فصده المشركون، تحلل وذبح هنالك ". # قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أبو به أذى من رأسه} نزل هذا في كعب بن ~~عجرة. روى عبد الرحمن بن أبي ليلى. عن كعب بن عجرة أنه قال: " كنت مع رسول ~~الله بالحديبية، وكنت أنفخ تحت القدر والقمل يتهافت على وجهي، فقال عليه ~~السلام: ما هذا؟ ! احلق رأسك، واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة ~~مساكين ". فهذا معنى قوله: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} يعني: ذبح ~~الشاة. # وذلك المذهب عندنا، أن يذبح في فدية الأذى: شاة، أو يصوم ثلاثة أيام، أو ms0112 ~~يتصدق بفرق من طعام، والفرق: ثلاثة أصوع، كل صاع أربعة أمداد، فيتصدق على ~~كل مسكين بمدين. # وقال عطاء: يطعم عشرة مساكين. # وقوله تعالى: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} قال ابن الزبير: ~~يختص التمتع بالمحصر؛ لقوله تعالى: {فإذا أمنتم} وعامة الصحابة على أنه ~~جائز على العموم للكافة. # ثم مذهب المدنيين، والكوفيين: أن التمتع هو: أن يحرم بالعمرة في أشهر ~~الحج، # PageV01P197 # {لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك ~~لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد ~~العقاب} ثم يقيم بمكة، ويحج من عامه ذلك. # وسمى تمتعا؛ لأنه يستمتع بالمحظورات إذا تحلل عن العمرة إلى أن يحرم ~~بالحج. # وقال طاوس: لا يختص التمتع بأشهر الحج، بل إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر ~~الحج يكون متمتعا. # وقوله تعالى: {فما استيسر من الهدى} أي: ذبح الشاة. # وقوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج} وذلك بأن يصوم يوما ~~قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، ويجوز أن يصوم الثلاثة متفرقة. # وقال ابن عمر، وعائشة: يصوم ثلاثة أيام منى، وذلك التشريق وهو قول ~~الشافعي في القديم. وقوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم} قال ابن عمر: معناه إذا ~~رجعتم إلى الأهل. # والصحيح: أنه إذا أراد الرجوع عن الحج حتى لو صام السبع في الطريق جاز ~~ويجوز متفرقا أيضا. # وقوله تعالى: {تلك عشرة كاملة} فإن قال قائل: لا يشكل أن الثلاثة والسبع ~~عشرة، فلم قال: تلك عشرة كاملة؟ قلنا: قيل: إنما قاله تأكيدا، ومثله قول ~~الفرزدق: # (ثلاث واثنتان فهن خمس ... وسادسة تميل إلى شمام) # وهذا لأن العرب ما كانوا يهتدون إلى الحساب، وكانوا يحتاجون إلى فضل شرح ~~وزيادة بيان. # PageV01P198 # ( {196) الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال} # وقد صح عن رسول الله أنه قال: " الشهر هكذا وهكذا وهكذا حبس إبهامه في ~~الكرة الثالثة ". فأشار إليهم بأصابعه ليعرفوا الحساب. # وقيل: فيه تقديم وتأخير، يعني: فصيام عشرة أيام: ثلاثة أيام في ms0113 الحج، ~~وسبعة إذا رجعتم، وقيل: إنما قال ذلك؛ لقطع توهم الزيادة، فإن قوله: فصيام ~~ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم. يوهم وخمسة إذا فعلتم كذا، ونحو ذلك، ~~فقال: تلك عشرة ليقطع توهم الزيادة. # وقوله: {كاملة} أي: كاملة في الأجر. وقيل: كاملة فيما أريد به وإقامة ~~الصوم مقام الهدى. # قوله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال بعض الصحابة: ~~أراد بحاضري المسجد الحرام: أهل مكة، وكان ابن عباس يقول: يا أهل مكة لا ~~تمتع لكم. إنما التمتع للغرباء. # وقيل: هم جميع أهل الحرم. وقال الشافعي: كل من كان من مكة على ما دون ~~مسافة القصر؛ فهو من حاضري المسجد الحرام. # {واتقوا الله} أي: في أداء الأوامر {واعلموا أن الله شديد العقاب} على ~~ارتكاب المناهي. # PageV01P199 # قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} الأكثرون على أن المراد به: شوال، وذو ~~القعدة، وعشر من ذي الحجة. # وقال مالك: كل ذي الحجة وقوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} قال ابن عمر، ~~وابن مسعود: أراد به: فمن فرض فيهن الحج بالتلبية. أي: فمن لبى. # PageV01P199 # {في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ~~واتقون يا} # وعندنا يختص إحرام الحج بأشهر الحج، وعند أبي حنيفة يجوز في جميع السنة. ~~وفيه خلاف الصحابة، وهو مذكور في الفقه. # وقوله تعالى: {فلا رفث} قيل: هو الوطء. وقيل: الرفث: الإفحاش في القول. # وقيل: هو أن يتعرض لأمر الوطء مع النساء، وذلك بأن يقول: إذا حللنا فعلنا ~~كذا. وعن ابن عباس أنه كان محرما فأنشد: # (فهن يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننك لميسا) # فقيل له: أترفث وأنت محرم؟ فقال: الرفث: هو ما روجع به النساء، أي: يذكر ~~في مشاهدتهن. # وقوله تعالى: {ولا فسوق} الفسوق: السباب. وقيل: هو كل المعاصي. # وقوله: {ولا جدال في الحج} قال ابن مسعود: الجدال: أن يمارى الرجل صاحبه ~~حتى يغضبه. # وقيل: أراد به ما كان عليه أهل الجاهلية من الاختلاف في أمر الحج، حتى ~~كان بعضهم يقف بعرفة، وبعضهم بالمزدلفة، وكان ms0114 يحج بعضهم في ذي القعدة، ~~وبعضهم في ذي الحجة، وكل يقول: ما فعلته فهو صواب، فقال: {ولا جدال في ~~الحج} أي: استقر أمر الحج على ما فعله الرسول، فلا خلاف فيه من بعد وذلك ~~معنى قوله " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته ... " الحديث. # وقوله تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} أي: لا يخفى عليه ولا ~~يضيعه، بل يثيب عليه. # PageV01P200 # {أولي الألباب (197) ليس عليكم جناح أن يبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم ~~من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من ~~قبله} وقوله تعالى: {وتزودوا} نزل في قوم من اليمن، كانوا يخرجون إلى الحج ~~من غير زاد ويسألون الناس الزاد، وربما يفضي الحال بهم في السلب والنهب، ~~فقال: {وتزودوا} أي: اخرجوا مع الزاد. # وقوله: {فإن خير الزاد التقوى} يعني: من السلب والسؤال. # وقال سعيد بن جبير: تزودوا بالكعك والسويق. # وقال غيره: وتزودوا بالخشكنانج، والسويق. وقوله تعالى: {واتقون يا أولي ~~الألباب} معلوم المعنى. # PageV01P201 # قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} في سبب نزول هذا ~~قولان: أحدهما: ما روى عن أبي أمامة التيمي أنه قال: قلت لابن عمر: إنا ~~نكرى في هذا الوجه يعني إلى مكة والناس يقولون: لا حج لكم، فقال ابن عمر: ~~ألست تقف؟ ألست تسعى؟ ألست تطوف؟ قلت: نعم. فقال: لك حج. وروى ابن عمر " أن ~~رسول الله سئل عن ذلك، فلم يجب بشيء حتى نزل جبريل بهذه الآية ". # والثاني: قال ابن عباس: كان في الجاهلية أسواق يقال لها عكاظ، والمجنة، ~~وذو المجاز، وكان أهل الجاهلية يتجرون منها، فلما جاء الإسلام كان المسلمون ~~يتحرجون عن التجارة في تلك الأسواق، فنزل قوله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم} يعني: بالتجارة في تلك الأسواق. # وقرأ ابن الزبير: فضلا من ربكم في مواسم الحج. # وقوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات} أما عرفات: سمى بذلك؛ لأن # PageV01P201 # {لمن الضالين (198) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله ~~غفور} جبريل لما وقف بإبراهيم، كان ms0115 يقول له: عرفت. فيقول: عرفت. # والإفاضة: الدفع بكثرة، يقال: فاض الإناء. إذا امتلأ حتى سال من الجوانب، ~~ومنه: رجل فياض، إذا كان كثير العطاء، قال الشاعر: # (وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتقيه ما تغب نوافله) # وإنما قال: {فإذا أفضتم} لأنه يدفع بعضهم بعضا بكثرة عند الرجوع. # وقوله تعالى: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} والمشعر الحرام، ~~والمزدلفة، والجمع أسامي موضع واحد. فالمشعر: المعلم فإن المزدلفة معلم ~~للمبيت، والوقوف، والدعاء، والجمع بين الصلاتين. وإنما سمى: جمعا؛ لأنه ~~يجمع هنالك بين المغرب والعشاء. # وسمى: مزدلفة، من الازدلاف وهو: الاجتماع، والمزدلفة: موضع بين جبلين، ~~يسمى أحدهما: قزح يقف عليه الإمام، وهو من جملة الحرم ولذلك سمى المشعر ~~الحرام. # وقوله تعالى: {واذكروه كما هداكم} أي: واذكروه بالتوحيد والتعظيم، كما ~~ذكركم بالهداية. # وقوله تعالى: {وإن كنتم من قبله لمن الضالين} قيل: ما كنتم من قبله إلا ~~من الضالين، وقيل: معناه: قد كنتم من قبله لمن الضالين. # PageV01P202 # قوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} يعني: من عرفات. # فإن قيل: كيف قال: ثم أفيضوا بكلمة التعقيب والإفاضة من عرفات إنما تكون ~~قبل الوصول إلى المزدلفة؟ قلنا: " ثم " بمعنى " الواو " ههنا، يعني: ~~وأفيضوا. وهو مثل قوله: {ثم كان من الذين آمنوا} أي: وكان من الذين آمنوا، ~~فيكون # PageV01P202 # {رحيم (199) فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} ~~جمعا بين الحكمين. # وقيل: تقديره: ثم أمركم أن تفيضوا من عرفات. وهذا مثل قوله تعالى: {ثم ~~آتينا موسى الكتاب} (وإنما آتاه الكتاب قبل محمد لكن معناه ثم أخبركم أنا ~~آتينا موسى الكتاب) ، كذلك هاهنا، فيكون عمل " ثم " في الأمر لا في ~~الإفاضة. # وأما الكلام في المعنى: قيل: إن قريشا وأحلافهم كانوا يقفون بالمزدلفة ~~ويقولون نحن أهل حرم الله فلا نخرج من حرم الله. لأن عرفات كانت في الحل، ~~وأما سائر العرب كانوا يقفون بعرفات. # فقوله: {ثم أفيضوا} خطاب لقريش، يعني: قفوا بعرفات، وأفيضوا منها {من حيث ~~أفاض الناس} يعني: سائر العرب. # وقيل أراد بالناس في قوله: {من حيث أفاض الناس} ms0116 إبراهيم، وقد يسمى الواحد ~~ناسا، كما قال الله تعالى: {الذين قال لهم الناس} وأراد به: نعيم ابن مسعود ~~الأشجعي وحده. # وقرأ الضحاك، وسعيد بن جبير {من حيث أفاض الناس} يعني: آدم عليه السلام. # وقوله تعالى: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} . # PageV01P203 # قوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم} يعني: فرغتم من المناسك، وذلك عند رمي ~~جمرة العقبة والاستقرار بمنى، وقوله: {فاذكروا الله كذكركم آباءكم} # PageV01P203 # {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ~~ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ~~(201) } يعني: فاذكروا الله بالتكبير والتمجيد والثناء عليه. # وفي قوله: {كذكركم آباءكم} قولان، قال عطاء: هو أن الصبي أول ما يتكلم ~~فإنما يلهج بذكر أبيه، فيقول: يا أبة. لا يذكر غيره، فقال تعالى: {فاذكروا ~~الله} لا غيره {كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} . # والثاني: هو أن العرب كانوا إذا فرغوا من الحج، ذكروا مفاخر آبائهم، فقال ~~تعالى: {فاذكروا الله بدل ذكركم آباءكم أو أشد ذكرا. # وقوله تعالى: {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا} أراد به: ~~المشركين، كانوا لا يسألون الله في الحج إلا الدنيا، وكان الرجل منهم يقول: ~~اللهم إن أبي كان عظيم القبة كبير الجفنة، كثير المال، اللهم فاعطني مثل ما ~~أعطيته. # وقوله تعالى: {وما له في الآخرة من خلاق} من نصيب. # PageV01P204 # قوله تعالى: {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} ~~أراد به المسلمين، واختلفوا في معناه. # قال الحسن البصري: {في الدنيا حسنة} يعني: العلم والعبادة، {وفي الآخرة ~~حسنة} يعني: الجنة. # وحكى عن علي رضي الله عنه أنه قال {في الدنيا حسنة} المرأة الصالحة، {وفي ~~الآخرة حسنة} الجنة. # وقد ورد في الحديث مرفوعا: " من أوتي قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وامرأة ~~صالحة تعينه على أمر دينه، فقد جمع له خير الدنيا والآخرة ". # PageV01P204 # {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) } # وقال قتادة: {في الدنيا حسنة} يعني: العافية، {وفي الآخرة حسنة} يعني: ~~العاقبة. # وروى أنس عن النبي: ms0117 " أنه عاد مريضا قد أنهكه المرض حتى صار كالفرخ، فقال ~~له عليه السلام بم كنت تدعو؟ فقال الرجل: قلت: اللهم إن كنت معاقبي بشيء في ~~الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال: سبحان الله، ما تطيق ذلك، هلا قلت: {ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} ". وقيل: كان هذا أكثر دعاء رسول ~~الله. # وقوله تعالى: {وقنا عذاب النار} أي: اصرف عنا عذاب النار. # PageV01P205 # قوله تعالى: {أولئك لهم نصيب} أي: الاستجابة {مما كسبوا} من الدعاء. ~~{والله سريع الحساب} قال أهل التفسير: يحاسب العباد أسرع من لمح البصر. # وقال أهل المعاني: يحاسب العباد من غير تدبير ولا رؤية؛ لكونه عالما بما ~~للعباد، وما على العباد فلا يحتاج إلى رؤية. # وقال ابن الأنباري: معناه: أن الله آت بالقيامة عن قريب، فإن ما هو كائن ~~لا محالة فهو قريب، ففيه إشارة إلى قرب القيامة. # PageV01P205 # {في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ~~لمن اتقى واتقوا الله اعلموا أنكم إليه تحشرون (203) ومن الناس من يعجبك ~~قوله في الحياة الدنيا ويشهد} # PageV01P206 # قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} يعني: أيام منى، وهي أيام ~~التشريق. قال ابن عمر: الأيام المعلومات والأيام المعدودات في أربعة أيام، ~~فيوم النحر ويومان بعده هي الأيام المعلومات، وثلاثة أيام بعد يوم النحر هي ~~الأيام المعدودات. # والمعدودات المحصيات، وإنما قال ذلك لقلتهن، والمراد بالذكر منها ههنا هو ~~التكبيرات أدبار الصلوات. # وقوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} أراد به: النفر في اليوم ~~الثاني من أيام التشريق، يعني: فمن تعجل بالنفر بالرجوع من منى فيه فلا حرج ~~عليه. # وقوله تعالى: {ومن تأخر فلا إثم عليه} يعني: من تأخر بالنفر الثاني في ~~اليوم الثالث من أيام التشريق فلا حرج عليه. # فإن قيل: الآية فيمن رجع على إتمام المناسك، فكيف نفى الحرج عنه وهو بمحل ~~استحقاق الثواب لا بمحل الحرج؟ قلنا: قال ابن مسعود: أراد به: من [نفى] ~~الحرج: أنه رجع مغفورا له. وهذا مؤيد بالحديث، وما ms0118 روى مرفوعا " من حج هذا ~~البيت ولم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه ". # وقال النخعي معناه: فمن تعجل فلا إثم عليه بالتعجيل، ومن تأخر فلا إثم ~~عليه بالتأخير. # وفيه قول ثالث: إنما قال ذلك، لأن بعضهم كان يزيد في المقام بمنى على ~~الثلاث تبررا وتقربا؛ فقال الله تعالى: من رجع في اليوم الثاني أو الثالث ~~ولم يزد على الثلاث فلا حرج عليه. يعني: في ترك الزيادة. # PageV01P206 # {الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد ~~فيها ويهلك} # وفيه قول رابع: حسن، معناه: من ترخص بالتعجيل فلا إثم عليه بالترخص، ومن ~~تأخر فلا إثم عليه بترك الترخص؛ وذلك أن النبي كان قد ندب إلى الرخصة ~~بقوله: " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ". # قوله تعالى: {لمن اتقى} قال أبو العالية: معناه: لمن اتقى الله بعد الحج ~~في جميع عمره. # وقال الآخرون: معناه: لمن اتقى المعاصي في الحج، وقوله تعالى: {واتقوا ~~الله واعلموا أنكم إليه تحشرون} ظاهر المعنى. # PageV01P207 # قوله تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} نزلت الآية في ~~الأخنس بن شريق حليف بني زهرة فإنه أتى النبي عليه السلام وقال: " إني ~~أحبك، وأريد أن أؤمن بك، والله يعلم ما في قلبي، وكان يبطن بغضه، وكان عليه ~~السلام يعجبه قوله (ويسر به) فنزلت الآية: {ومن الناس من يعجبك قوله في ~~الحياة الدنيا} " يعني في العلانية. # وأما قوله: {ويشهد الله على ما في قلبه} قرأ ابن مسعود: وشهيد الله على ~~ما في قلبه. وقرأ ابن محيصن: ويشهد الله على ما في قلبه، وهما في الشواذ، ~~والمعروف هو الأول. # وقوله تعالى: {وهو ألد الخصام} أي: شديد الخصومة قال الشاعر: # (إن تحت (التراب) حزما وجودا ... وخصيما ألد ذا معلاق) # PageV01P207 # {الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته ~~العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس، من يشري نفسه ~~ابتغاء مرضات الله والله رؤوف} # وقال مجاهد: {ألد الخصام} أي: الظالم ms0119 في الخصومة. # PageV01P208 # وقوله تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها} فيه نزلت الآية أيضا؛ ~~فإنه خرج من عند النبي فرأى حمارا فعقره، ومر بزرع فأحرقه فهذا معنى قوله: ~~{سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل} فالحرث: الزرع. والنسل: ولد ~~كل دابة. # {والله لا يحب الفساد} أي: لا يرضى الفساد، وقيل: من الفساد: كسر الدرهم، ~~وشق الثوب من غير مصلحة. # PageV01P208 # قوله تعالى: {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} فيه نزلت الآية ~~أيضا. {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة} أي: حمية الجاهلية {بالإثم} أي: ~~بالظلم، والعزة: التكبر والمنعة، ومنه قوله تعالى: {في عزة وشقاق} . # وعن ابن مسعود قال: كفى بالمرء إثمان أن يقال له: اتق الله، فيقول: أنت ~~الذي تأمرني بالتقوى. # وروى أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: اتق الله. فوضع خده على الأرض ~~تواضعا لله. # وفي رواية قيل لعمر: اتق الله: فأنكر المغيرة بن شعبة على قائله، فقال ~~عمر: إنكم لا تزالون بخير ما قالوا ذلك لنا، وقبلنا منهم. # وقوله تعالى: {فحسبه جهنم} أي: كافيه. قال امرؤ القيس. # (وتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وروى) # وقوله تعالى: {ولبئس المهاد} المهاد: كل فراش يستقر المرء عليه. # PageV01P208 # {بالعباد (207) يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (208) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ~~فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209) هل} # PageV01P209 # قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} قال سعيد ابن ~~المسيب: " نزلت الآية في صهيب بن سنان، وذلك أنه خرج من مكة مهاجرا إلى ~~المدينة فتبعه المشركون ولحقوه، فنثر كنانته وقال: إنكم تعلمون أني من ~~أرماكم، والله لا تصلون إلي حتى أرمي جميع ما بكنانتي ثم أخذ سيفي وأضرب ~~حتى أعجز أو ترجعوا عني ومالكم مالي ثمة، فقالوا: أين مالك؟ فدلهم عليه، ~~فرجعوا عنه، فلما سمع ذلك رسول الله قال: ربح البيع يا أبا يحيى ". فهذا ~~معنى قوله: و {ومن الناس من يشري نفسه} ms0120 أي: يبيع. # والشراء: البيع، ومنه قول الشاعر: # (وشريت بردا ليتني ... من بعد برد [صرت هامه] ) # قال رجل كان له غلام يسمى بردا، وكان مفتونا به، فباعه فندم عليه. # وقوله تعالى: {والله رءوف بالعباد} أي: شديد الرحمة بهم. # PageV01P209 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} آمنوا: أي ~~صدقوا. # ادخلوا في السلم كافة، أي: ادخلوا جميعا في الإسلام. # قال الأزهري السلم الصلح، والسلم: الانقياد، والمراد به: الإسلام ههنا. # PageV01P209 # {ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى ~~الله ترجع الأمور (210) سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل ~~نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله} # وقال الأزهري أيضا: معناه: ادخلوا في الإسلام وشرائعه كافة. # وفيه قول ثالث، معناه: ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه، كافين عن ~~المجاوزة إلى غيره، من الكف. # قال ابن عباس: نزلت الآية في عبد الله بن سلام، وقوم من اليهود أسلموا، ~~وأرادوا أن يجمعوا بين الإسلام واليهودية، فقالوا: نلزم السبت فلا نأكل ~~لحوم الإبل ونحو ذلك، فنزلت الآية. أي: كونوا للإسلام خاصة، ولا تجمعوا ~~بينه وبين اليهودية، وكفوا عن المجاوزة إلى غيره. # فإن قال قائل: كيف خاطب المؤمنين بالدخول في الإسلام؟ قيل: يحتمل معناه: ~~الثبات على الإسلام، ويحتمل أنه خطاب للذين آمنوا باللسان ولم يؤمنوا ~~بالقلب. # وقوله تعالى: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي: آثار الشيطان، وهي جمع ~~الخطوة. والخطوة: ما بين القدمين {إنه لكم عدو مبين} . # PageV01P210 # قوله تعالى: {فإن زللتم} زل يزل: إذا ضل وتنحى عن الطريق، وأزل يزل: إذا ~~أسدى نعمة إلى غيره. ومنه قوله: " من أزلت إليه نعمة فليشكرها ". # وقوله تعالى: {من بعد ما جاءتكم البينات} الدلالات الواضحات. # {فاعلموا أن الله عزيز حكيم} فالعزيز: الغالب الذي لا يفوته شيء، ~~والحكيم: ذو الإصابة في الأمر. # PageV01P210 # قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} ~~والآية من المتشابهات. # PageV01P210 # {شديد العقاب (211) زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين ~~آمنوا والذين اتقوا} # وروى أصحاب الحديث ms0121 عن أبي بن كعب ومجاهد، أنهما قالا في تفسير الآية: ~~يأتي الله يوم القيامة في ظلل من الغمام. # وأما أبو بكر محمد بن الحسن النقاش المفسر فلم يتعرض للآية بشيء، وقال ~~الزجاج: يحتمل معنى الآية من حيث اللغة: يأتي الله بما وعدهم من العقاب. # قال الشيخ الإمام: والأولى في هذه الآية وما يشاكلها أن نؤمن بظاهره ونكل ~~علمه إلى الله تعالى وننزه الله سبحانه وتعالى عن سمات الحدث والنقص. # وأما قوله: {في ظلل} فهو جمع الظلة وهو السترة من الغمام. قد ذكرنا معنى ~~الغمام. # {والملائكة} قرئ بالرفع والخفض. فإذا قرئ بالرفع، فهو منسوق على الله، ~~وإذا قرئ بالخفض فهو منسوق على الظلل. # {وقضى الأمر} أي: فرغ من الأمر، وذلك فصل الله القضاء بالحق بين الخلق. # {وإلى الله ترجع الأمور} قال قطرب: إنما خص به يوم القيامة؛ لأن الأمر ~~يخلص يومئذ لله تعالى. # PageV01P211 # قوله تعالى: {سل بني إسرائيل} هو خطاب للرسول، يعني: سل الذين أسلموا ~~منهم {كم آتيناهم من آية بينة} أي: من دلالة واضحة على نبوة موسى. # وقيل: معناه: الدلالات التي آتاهم في التوراة والإنجيل على نبوة محمد ~~{ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب} في معناه ~~قولان: # أحدهما: ومن يغير عهد الله. # والثاني معناه: ومن ينكر الدلالة التي على نبوة محمد. # PageV01P211 # {فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه وما} # PageV01P212 # قوله تعالى: {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} . قال الزجاج: المزين هو ~~الشيطان. فإن الله تعالى قد زهد الخلق في الدنيا، ورغبهم في الآخرة. وقال ~~الأكثرون: المزين هو الله تعالى والتزيين من الله هو أنه خلق الأشياء ~~الحسنة والمناظر المعجبة، فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها، فأعجبهم ذلك، ~~ففتنوا به؛ [فلذلك] التزيين من الله. # {ويسخرون من الذين آمنوا} أي: يستهزئون. وهم رؤساء قريش كأبي جهل وغيره، ~~وكانوا يسخرون من الفقراء. # قال ابن عباس: أراد بالذين ms0122 آمنوا: عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، ~~وخباب بن الأرت، وأبا ذر. # {والذين اتقوا} أي هؤلاء الفقراء {فوقهم يوم القيامة} لأنهم في أعلى ~~عليين، وأولئك في أسفل السافلين. # {والله يرزق من يشاء بغير حساب} فيه أقوال، أحدها: أنه يوسع على من يشاء ~~من غير مضايقة ولا تقتير. # والقول الثاني: معناه: أنه لا يأخذ شيئا من شيء مقدر، كالعبد يأخذ ألفا ~~من ألفين، فيعطى قدرا من مقره فيخاف الإجحاف على ماله؛ ولكن الله يرزق ~~العباد من خزائنه التي لا تنفذ. # والثالث: معناه: أنه يقتر على من يشاء، ويبسط على من يشاء، ولا يعطي كل ~~أحد على قدر حاجته؛ بل يعطي الكثير من لا يحتاج إليه، ولا يعطي القليل من ~~يحتاج إليه. # والقول الرابع: قال ابن عباس: هذا فيما سهل الله تعالى على رسوله من # PageV01P212 # {اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى ~~الله الذين آمنوا لما} الاستيلاء على بني قريظة والنضير، على اسهل وجه من ~~غير قتال ولا تعب. # PageV01P213 # وقوله تعالى: {كان الناس أمة واحدة} فالأمة في اللغة: على وجوه، منها: ~~الأمة بمعنى الدين، ومنه قول النابغة: # (حلفت، فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع) # أي ذو دين. # والأمة: الفرقة من الناس وغيرهم، فالترك أمة، والروم أمة، والفرس أمة، ~~ومن الطير أمة، قال الله تعالى: {ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} . # والأمة: الحين، وقال الله تعالى: {وادكر بعد أمة} أي: بعد حين. # والأمة: الإمام الذي يقتدي به ومنه قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة} . # والأمة: المعلم للخير. والأمة: القامة، ومنه قول الشاعر: # (وإن معاوية الأكرمين ... حسان الوجوه طوال الأمم) # والأمة بكسر الألف: النعمة، والمراد بالأمة ههنا الدين. # يعني: كان الناس على دين واحد ثم اختلفوا في معناه. # وقال بعضهم وهو قول مجاهد أراد به آدم، كان أمة واحدة. # وقيل وهو قول قتادة وسعيد بن جبير: أراد به عشرين قرنا من بني آدم ونوح ~~كانوا على الإسلام. # PageV01P213 # {اختلفوا فيه من الحق بإذنه ms0123 والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء ~~والضراء وزلزلوا حتى} # وقيل: أراد به الناس في زمن إبراهيم كانوا على ملة الكفر. # {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه} . # فإن قال قائل: كيف يحكم الكتاب؟ قيل قرأ عاصم الجحدري: " ليحكم بين الناس ~~" بضم الياء فيكون الحكم من الأنبياء. # وأما قوله: {ليحكم بين الناس} يعني: ليحكم الذين أوتوا الكتاب من ~~النبيين. # وقوله تعالى: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه} يعني: أوتوا الكتاب. {من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم} أي: حسدا وظلما. {فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} قال زيد بن أسلم: اختلفوا في القبلة، ~~فهدانا الله إلى الكعبة، واختلفوا في الأيام، فاختار اليهود السبت، ~~والنصارى يوم الأحد، فهدانا الله للجمعة، واختلفوا في عيسى، فقال بعضهم: ~~كذاب. وقال بعضهم: ابن الله فهدانا الله لكونه نبيا عبدا، واختلفوا في ~~إبراهيم، فادعاه كل فرقة فهدانا الله لكونه حنيفا مسلما. # وروى عن رسول الله أنه قال: " نحن الآخرون السابقون، وأول الناس دخولا ~~الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا وأوتيناه من بعدهم، الناس لنا تبع، ~~فاليوم لنا، يعني: الجمعة وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى ". # {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} # PageV01P214 # {يقول الرسول والذين آمنوا معه حتى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (214) ~~يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا} # PageV01P215 # قوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} . # نزل في المهاجرين إلى المدينة حين أصابهم حر شديد وفاقة عظيمة فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية؛ تطييبا لقلوبهم وتسلية لهم. # فقوله: (أم) كلمة للخروج من كلام إلى كلام، ونكون بمعنى: بل يقول الله ~~تعالى لهم: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} ~~يعني: ولم يصبكم ما أصابهم، وقوله تعالى: {مثل الذين خلوا} أي: صفة الذين ~~خلوا. {من قبلكم ms0124 مستهم البأساء} الفقر {والضراء} المرض {وزلزلوا} حركوا ~~بشدة وخوفوا. {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} حتى ~~استبطئوا نصر الله. {ألا إن نصر الله قريب} . # PageV01P215 # قوله تعالى: {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين} قيل: المراد به الوصية التي كانت واجبة في الابتداء للوالدين ~~والأقربين. # وقيل: أراد به التطوعات والصدقات جعلها للوالدين، والأقربين، واليتامى، ~~والمساكين، وابن السبيل. # وقيل: إنه كان في الابتداء، ثم نسخت بآية الزكاة. # {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} أي: يحصي ويجازي عليه. وهذا مثل ~~قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} أي: يرى الجزاء على العمل؛ لأن ~~العمل فائت فلا يراه. # PageV01P215 # قوله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} أي: شاق عليكم. # واعلم أن أكثر العلماء على أن الجهاد فرض على الكفاية، وقال عطاء وهو قول ~~الثوري: أنه تطوع قالوا: والآية في الذين أمروا بالقتال من الصحابة. # PageV01P215 # {من خير فإن الله به عليم (215) كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرا لكم والله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون (216) يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل فيه كبير وصد عن سبيل ~~الله وكفر به} # {وعسى أن تكرهوا شيئا} يعني: القتال {وهو خير لكم} بإصابة الشهادة، ~~وحيازة الغنيمة، والظفر بالعدو. # (وعسى أن تحبوا شيئا) يعني: القعود عن القتال {وهو شر لكم} بفوت المنازل. ~~قال ابن عباس: " كنت رديف رسول الله فقال لي: يا غلام ارض بما قدر الله لك؛ ~~فعسى أن تكره شيئا وهو خير لك، وعسى أن تحب شيئا وهو شر لك، وتلا هذه ~~الآية: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ". # PageV01P216 # قوله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} أي: عن قتال فيه، خفض ~~على البدل {قل قتال فيه كبير} عظيم. ثم ابتدأ فقال: {وصد عن سبيل الله} ~~يعني: صدكم المسلمين عن الإسلام. # {وكفر به} أي: كفركم بالله. {والمسجد الحرام} أي: وصدكم المسلمين عن ~~المسجد الحرام. # {وإخراج أهله منه} أي: ms0125 إخراج أهل مكة من مكة {أكبر عند الله والفتنة أكبر ~~من القتل} أي: والكفر الذي أنتم عليه، وأفعالكم تلك، أكبر عند الله، وأشد ~~من قتال المسلمين في الشهر الحرام. # قال عروة بن الزبير: سبب نزول الآية: ما روى " أن النبي بعث عبد الله بن ~~جحش مع ثمانية نفر قبل مكة، ودفع إليهم كتابا وقال: لا تفكوه إلا بعد ~~يومين، فلما مضى يومان فكوا الكتاب، فإذا فيه: امضوا إلى بطن النخل وذلك ~~موضع بين مكة والطائف وفيه استعلموا أخبار قريش، فنزلوا هنالك، وكانوا ~~يستعلمون خفية، فمر بهم عير من الطائف عليهم عمرو بن الحضرمي مع زبيب وأدم، ~~فرماه واحد من # PageV01P216 # {والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ~~ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون (217) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل ~~الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم} المسلمين فقتله وقادوا العير ~~إلى رسول الله. وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخر، أو في أول يوم من رجب ~~وكانوا شاكين فيه فعيرهم المشركون بقتلهم ابن الحضرمي في الشهر الحرام ~~فنزلت الآية ". # يعني الذي فعلتم أنتم من تلك الأفعال أكبر وأشد من قتلهم في الشهر ~~الحرام. # وفي الخبر: " أن النبي لم يمد يده إلى شيء من ذلك العير حتى نزلت الآية، ~~ثم قسمها بين المسلمين ". # {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} يعني: المشركين ~~كانوا يقاتلون المسلمين ويعيرونهم على الإسلام. # {ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة وألئك أصحاب النار هم فيها خالدون} . # PageV01P217 # قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله} هذه ~~الآية متصلة بالأولى في المعنى وذلك أن عبد الله بن جحش لما مر بالسرية ~~وقتل ابن الحضرمي من قتله قال: المشركون إن لم يصيبوا وزرا فلا ينالون خيرا ms0126 ~~فنزلت هذه الآية {إن الذين آمنوا} يعني عبد الله بن جحش وقومه {والذين ~~وهاجروا} من أوطانهم {وجاهدوا} يعني بالغزو في سبيل الله {أولئك يرجون رحمة ~~الله} أخبر أنهم على رجاء الرحمة، وإنما لم يقطعوا لأنفسهم بالرحمة؛ لأن ~~الإنسان يعرف من نفسه أنه لا يمكنه تأدية حق الله تعالى على وجهه فلا يأمن ~~تقصيرا؛ فلا يمكنه القطع لنفسه بالرحمة. # PageV01P217 # ( {218) يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من} # ولأنه ربما يرتكب في المستقبل ما يستوجب به العقاب. # {والله غفور رحيم} فالغفور: الستور. والرحيم: العطوف. # PageV01P218 # قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر} فالخمر: كل شراب مسكر، وسمى ~~المسكر: خمرا؛ لأنه يخامر العقل ويستره. # وأصل الخمر: الستر والتغطية. ومنه الخمار؛ لأنه يستر الرأس. ويقال: دخل ~~فلان في خمار الناس، أي تستر فيهم. # وقال عمر رضي الله عنه: الخمر ما خامر العقل. وهو حجة أصحاب الحديث على ~~أن كل مسكر خمر، ومنه يقال للسكران من أي شراب: كان مخمورا. # والميسر: القمار. وقال ابن مسعود: دعوا الكعاب فإنه من الميسر. # وقال ابن سيرين: كل ما يعلب به فهو ميسر، حتى الجوز الذي يلعب به ~~الصبيان. ثم اختلفوا في تحريم الخمر أنه بأي آية كان؟ . # قال بعضهم: هو بهذه الآية، فإنه قال: (قل فيهما إثم كبير) " ولفظ الإثم " ~~يدل على التحريم؛ فإنه حرم الخمر بلفظ الإثم في آية أخرى، حيث قال: {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم} وأراد به: الخمر. ومنه ~~قول الشاعر: # (شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول) # وقال ابن عباس، وأكثر المفسرين: إن تحريم الخمر بالآية التي في سورة ~~المائدة. بأنه لما نزلت هذه الآية: {قل فيهما إثم كبير} فانتهى بعضهم، ولم ~~ينته البعض. فنزل قوله: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} فكانوا يتحينون ~~للشرب حتى كان # PageV01P218 # الرجل يشرب بعد العشاء الأخيرة فيصبح وقد زال السكر، ثم يشرب بعد صلاة ~~الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر، فنزلت آية المائدة. قال ابن عمر: حرمت ~~الخمر ms0127 بآية المائة، وروى هو عن رسول الله أنه قال: " تحريم الخمر بآية ~~المائدة ". # وعن عمر رضي الله عنه أنه لما سمع قوله: {فهل أنتم منتهون} قال: انتهينا ~~ربنا. # {قل فيهما إثم كبير} قرأ حمزة والكسائي: بالثاء وقرأ الباقون كبير ~~بالباء، فالكبير: بمعنى العظيم، والكثير: لكثرة عدد الآثام في الخمر التي ~~ذكرها في آية المائدة {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء} ~~الآية. # وقوله تعالى: {ومنافع للناس} فالإثم في الخمر: هو ما يقع فيه من العداوة ~~والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. # وأما المنافع في الخمر: اللذة، والفرح، واستمراء الطعام، والربح في ~~التجارة فيه. # وقد قال حسان بن ثابت: في الخمر ونفعها: # (ونشربها فتتركنا أسودا ... ولبوثا ما ينهنهنا اللقاء) # وقال آخر: # (وإذا سكرت فإنني ... رب (الخورنق) والسدير) # (وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير) # وأما المنافع للناس في الميسر: فهو إصابة المال فيه من غير كد وتعب. # والإثم فيه: أنه إذا ذهب ماله من غير عوض يأخذه يسوءه ذلك؛ فيعادى صاحبه، ~~ويقصده بالسوء. # PageV01P219 # {نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون (219) } # وقوله {وإثمهما أكبر من نفعهما} قيل: معناه: إثمهما بعد التحريم أكبر من ~~نفعهما قبل التحريم. # وقيل: إثمهما أكبر من نفعهما قبل التحريم، يعني: الإثم الذي يصير الخمر ~~سببا فيه من العداوة والعربدة أكبر من نفعهما. # قوله تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} قرأ أبو عمرو وحده بضم ~~الواو، وقرأ الباقون بفتحها، فمن قرأ بالضم؛ فتقديره ما الذي ينفقون، فقال: ~~قل الذي ينفقون العفو؛ ومن قرأ بالفتح فتقديره: ماذا ينفقون؟ فقال: قل: ~~ينفقون العفو. واختلفوا في معنى العفو، فقال طاوس: هو اليسير من كل شيء، ~~وقال أكثر المفسرين: العفو: الفضل، وذلك أن الصدقة إنما تجب في الفاضل عن ~~الحاجة، وكانت الصحابة يكتسبون المال، ويمسكون قدر النفقة، ويتصدقون ~~بالفضل، بحكم هذه الآية، ثم نسخ ذلك بآية الزكاة. # وقيل معناه: [التصدق] عن ظهر الغنى؛ وذلك أن يتصدق وهو غني، ولا يتصدق ~~وهو فقير. فيبقى كلا على الناس. ms0128 وهو معنى قوله: " أفضل الصدقة ما كان عن ~~ظهر غنى ". # وحقيقة العفو: الميسور. ومنه قوله: {خذ العفو} أي: ما تيسر من أخلاق ~~الرجال. # PageV01P220 # {في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز ~~حكيم (220) } # {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون # PageV01P221 # في الدنيا والآخرة) فيه تقديم وتأخير، وتقديره: يبين الله لكم الآيات في ~~الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة؛ فتعرفون فضل الآخرة على ~~الدنيا. فتزهدون في الدنيا، وتنفقون رغبة في الآخرة. # وقوله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى} روى أنه لما نزل قوله تعالى: {إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} تحرج ~~المسلمون من أموال اليتامى تحرجا شديدا، حتى عزلوا أموال اليتامى عن ~~أموالهم في المرعى، والطعام، والإدام، فنزلت هذه الآية بإباحة المخالطة في ~~ذلك كله؛ لكن بشرط أنه إن استخدم غلام اليتيم يخدمه، وإن أكل بطعامه يبدله. # قال مجاهد: يوسع عليه من طعام نفسه لا يتوسع من طعام اليتيم. # وقوله تعالى: {قل إصلاح لهم خير} قرأ الضحاك: قل إصلاح إليهم خير، ~~والمتلو: قل إصلاح لهم. ومعناه: إصلاح لهم خير لكم في الدين. {وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم} هو إباحة المخالطة. # {والله يعلم المفسد} يعني: الذي يخالط فيخون {من المصلح} وهو الذي يخالط ~~فلا يقصد الخيانة. {ولو شاء الله لأعنتكم} قال أبو عبيدة: لأهلككم. وقال ~~ابن عباس: يجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا لكم. وقيل: معناه: ولو شاء ~~الله لما أباح لكم المخالطة. # وقال أهل اللغة: العنت: المشقة. ومعناه: {ولو شاء الله لأعنتكم} أي: ~~كلفكم في كل شيء ما يشق عليكم. # {إن الله عزيز حكيم} فالعزيز: هو الذي يأمر بعزة؛ سهل على العباد، أو لم ~~يسهل، والحكيم، قد ذكرنا معناه. # PageV01P221 # {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} # PageV01P222 # قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال ابن عباس: لا يجوز نكاح ~~الكوافر أبدا إلى يوم القيامة؛ بحكم هذه الآية. ms0129 # وسائر المفسرين والعلماء من الصحابة وغيرهم، على أن الآية منسوخة في ~~الكتابيات، بقوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} . # وروى عن عثمان رضي الله عنه أنه تزوج بنائلة بنت فرافصة وكانت نصرانية ~~فأسلمت تحته. وعن طلحة بن عبيد الله: أنه تزوج بنصرانية. وعن حذيفة: أنه ~~تزوج يهودية. وقال قتادة وسعيد بن جبير: أراد بالمشركات: الوثنيات. # فإن قال قائل: الكفار عندكم مشركون كلهم، فمن لا ينكر إلا نبوة محمد كيف ~~يكون مشركا بالله؟ # قلنا: قال أبو الحسين بن فارس صاحب المجمل: هو مشرك؛ لأنه يقول: القرآن ~~الذي أتى به محمد كلام غير الله، وهذا القرآن معجز لا يقوله إلا من كان ~~إلها، فإذا هو كلام غير الله. وكأنهم أشركوا بالله غير الله. # وأما سبب نزول الآية: ما روى " أن أبا مرثد الغنوي كانت له حبيبة بمكة، ~~وكان يصيبها بالفجور وتسمى عناقا فلما هاجر إلى المدينة وأسلم، تمنت له ~~حاجة، فرجع إلى مكة، فتزينت له، فقال أبو مرثد: إني قد دخلت في دين ~~الإسلام، وإن الزنا حرام في ديني، فحتى أرجع فاستأذن رسول الله أن أتزوج ~~بك، فرجع واستأذن؛ فنزل قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ". # وقوله: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} نزل هذا في عبد الله بن رواحة. " كانت ~~له أمة سوداء فلطمها، ثم أخبر رسول الله بذلك فسأله عنها، فقال: # PageV01P222 # {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ~~أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته ~~للناس لعلهم يتذكرون (221) ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء ~~في} إنها مؤمنة، تؤمن بالله والرسل، وتحسن الوضوء، والصلاة. فقال عليه ~~السلام: بئسما صنعت. فقال: والله لأتزوجن بها، فأعتقها، وتزوج بها. وكان قد ~~عرضت عليه حرة مشركة، فعيره المشركون على نكاح الأمة السوداء؛ فنزل قوله: ~~{ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} ". # {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} في هذا إجماع، أن المسلمة لا تنكح من ~~المشركين أجمع {ولعبد مؤن خير من مشرك ولو أعجبكم} ، فإن ms0130 قال قائل: كيف ~~قال: {خير من مشرك} ولا خير في المشرك؟ قيل: يجوز مثله كما قال الله تعالى: ~~{ءآلله خير أما يشركون} ويقال: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. # {أولئك يدعون إلى النار} أي: إلى أسباب النار {والله يدعو إلى الجنة ~~والمغفرة بإذنه} أي: بقضائه وإرادته {ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون} # PageV01P223 # قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض} أما السائل عنه: هو أسيد بن حضير، ~~وعباد بن بشير. وأما المحيض: مفعل من الحيض. والمراد به: نفس الحيض. # قال الأزهري: يقال: حاضت المرأة حيضا، ومحيضا: إذا نزل بها الدم من الرحم ~~في وقت معلوم. # ويقال: استحيضت المرأة: إذا نزل بها الدم من عرق لا من الرحم لا في وقت ~~معلوم. # PageV01P223 # {المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222) } # {قل هو أذى} أي: قذر. وقال الكلبي: الأذى: هو الدم. # {فاعتزلوا النساء في المحيض} وسبب نزول الآية ما روى عن أنس: أن اليهود ~~كانوا يعتزلون المرأة في حالة الحيض أشد الاعتزال، وكانوا لا يؤاكلونها، ~~ولا يشاربونها، ويخرجونها من البيت، فسألوا رسول الله عن ذلك فنزلت الآية. # ولم يرد بهذا الاعتزال ما كانوا يفعلونه، وإنما أراد به الاعتزال بترك ~~الوطء حتى تحل المضاجعة، وسائر أنواع المباشرة. # وقد روى عن النبي أنه قال: " اصنعوا كل شيء إلا الوطء ". # وفيه قول آخر: أنه يفعل كل شيء ويجتنب ما تحت الإزار، وذلك ما بين السرة ~~والركبة وهو قول الشافعي. # {ولا تقربوهن} أراد به القربان: بالوطء؛ فإن قربانها بغير الوطء مباح. ~~{حتى يطهرن} يقرأ مخففا. والمراد به حتى يطهرن من المحيض. وقرأ أهل الكوفة ~~غير حفص " حتى يطهرن " مشدد. # وقرأ أبي بن كعب، وابن مسعود رضي الله عنهما: " حتى يتطهرن " في الشواذ. # وقوله: {يطهرن} بمعنى: يتطهرن؛ إلا أنه أدغم التاء في الطاء. ومعناه: حتى # PageV01P224 # {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أني شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله ~~واعلموا} يغتسلن. # قال أبو جعفر النحاس: قوله: {يطهرن} على التخفيف قد يكون بمعنى ms0131 الاغتسال، ~~من فعل الطهارة. # والكل حجة الشافعي في وجوب الاغتسال (لإباحة الوطء فإنه) مد التحريم ~~إليه. # وقوله: {فإذا تطهرن} أي: اغتسلن {فأتوهن من حيث أمركم الله} فيه قولان: ~~أحدهما معناه: من حيث أمركم الله بالاجتناب في حال الحيض. # والثاني وهو قول محمد بن الحنفية معناه: من حيث أباح الله، وذلك بطريق ~~النكاح. # {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} قيل: معناه: التوابين من الذنوب. ~~والمتطهرين من العيوب. # والقول الثاني: معنى التوابين الرجاعين إلى الله بالتوبة والاستغفار، ~~ومعنى المتطهرين: المتبرئين من حول أنفسهم وقوتهم. # وفيه قول ثالث: أن التوابين: من التوبة، والمتطهرين يعني: بالاستنجاء ~~بالماء. # وهذا مثل قوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين} ~~يعني: المتطهرين بالاستنجاء بالماء بعد الحجر. # PageV01P225 # قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} أي: موضع حرث لكم ومزدرع، وقد قال الشاعر: # (إذا أكل الجراد حروث قوم ... فحرثي همه أكل الجراد) # PageV01P225 # سمى العيال: حرثا، أنشده المبرد. # {فأتوا حرثكم أنى شئتم} وسبب نزول هذا: ما روى جابر: أن اليهود قالوا من ~~أتى امرأته مولية جاء ولده أحول؛ فنزلت الآية. # {فأتوا حرثكم أني شئتم} أي: (مقبلة ومدبرة) وقائمة وقاعدة، وكيف شئتم. # وقيل: معناه: متى شئتم. # قال ابن عباس: معنى قوله: {أنى شئتم} أي: إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا ~~تعزلوا. # قال الشيخ: واعلم أن الآية لا تدل على إباحة إتيان النساء في غير المأتي؛ ~~لأنه قال: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم} فخص الإتيان بموضع الحرث، وهو ~~القبل. # وروى نافع، عن ابن عمر. أنه كان يبيح إتيان المرأة في الدبر، وأنكروا هذا ~~على نافع. وقالوا: كذب العبد على سيده عبد الله بن عمر فإنه ما كان يبيحه ~~قط، وحكى ذلك عن مالك أيضا، وأنكره أصحابه. # وقد ورد عن رسول الله أنه قال: " إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا ~~النساء في أدبارهن ". # وعن ابن عباس أنه قال: هي اللوطية الكبرى. وقال في العزل: هي الموؤدة ~~الصغرى. # وقوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم} قال ابن عباس: هو التسمية على الوطء. ~~وقيل: هو طلب ms0132 الولد. وقيل: سائر أفعال الخير. # PageV01P226 # {أنكم ملاقوه وبشير المؤمنين (223) ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن ~~تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم (224) لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في} # {واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} صائرون إليه {وبشر المؤمنين} يا محمد. # PageV01P227 # قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} نزلت الآية في عبد الله بن ~~رواحة، كان له ختن على ابنته، فحلف أن لا يبره فإذا قيل له: ألا تصل ختنك؟ ~~فقال: حلفت وكان من أقربائه فنزلت الآية. {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ~~أن تبروا} # والعرضة: كل ما يعترض فيمنع من الشيء. ومعناه: ولا تجعلوا الحلف بالله ~~سببا يمنعكم عن البر والتقوى. # وقيل: معناه: لا تستكثروا من الإيمان؛ فإن من كثر يمينه فقد جعل اسم الله ~~عرضة للهتك. # وفيه قول آخر: معناه: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن لا تبروا، " ولا ~~" محذوفة، وهذا كما قال الشاعر: # (فقالت يمين الله أبرح قاعدا ... وإن قطعت رأسي لديك وأوصالي) # أي: لا أبرح قاعدا. # {وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم} # PageV01P227 # قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم} اللغو: كل مطرح (من) ~~الكلام وفي معناه هاهنا خمسة أقوال: # أحدها: وهو قول عائشة رضي الله عنها قالت: يمين اللغو: قول الرجل: لا ~~والله، وبلى والله، وإي والله. وهذا قول الشافعي. # والثاني: وهو قول أبي هريرة، وابن عباس: وهو أن يحلف الرجل على شيء أنه ~~فعله ولم يفعله، أو على عكسه وهذا قول أبي حنيفة. وقال الشعبي: هو اليمين ~~في # PageV01P227 # {أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم (225) للذين ~~يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم (226) وإن ~~عزموا} حال الغضب. وقال سعيد بن جبير: هو الحلف بتحريم الحلال. # وقال زيد بن أسلم: هو أن يقول الرجل: أعمى الله بصري، أو أتلف مالي، إن ~~لم أفعل كذا؛ فهذا يمين اللغو، والله لا يؤاخذ به، ولو يؤاخذ به الناس لعجل ~~عقوبتهم. # والأصح: ما قالت عائشة؛ لأن الله تعالى يقول: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم} ms0133 وكسب القلب: هو القصد بالقلب إلى اليمين؛ فدل أن يمين اللغو: ما لم ~~يقصد بالقلب. # {والله غفور} أي: ستور {حليم} وهو الذي لا يعجل بالعقوبة. # PageV01P228 # قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة اشهر} الألية: اليمين. ~~وكذلك الإيلاء قال الشاعر: # (قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن بدرت منه الألية برت) # فقوله: {للذين يؤلون} أي: يحلفون. قال ابن عباس: إنما ينعقد الإيلاء إذا ~~حلف على ترك الوطء أبدا ومطلقا. ومذهب أبي حنيفة أنه ينعقد الإيلاء بالحلف ~~على أربعة أشهر. ومذهب الشافعي أنه إنما يصير موليا بالحلف على أربعة أشهر، ~~وهي {تربص أربعة اشهر} أي: انتظار أربعة أشهر. # {فإن فاءوا} أي: فإن رجعوا عن اليمين بالوطء في حق من يقدر على الوطء، أو ~~بالقول في حق من لا يقدر على الوطء {فإن الله غفور رحيم} وقرأ أبي بن كعب: ~~" فإن فاءوا فيهن " يعني في المدة، وهذا يوافق قول أبي حنيفة. # PageV01P228 # {وإن عزموا الطلاق} يعني: بالإيقاع {فإن الله سميع عليم} لقول الزوج، ~~عليم بما يضمره. # ومذهب الشافعي أنه تجوز الفيئة بعد المدة بوقف حتى يفيء أي: يطلق، وهو # PageV01P228 # {الطلاق فإن الله سميع عليم (227 والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ~~ولا} مروى عن عمر، وعلى، وأبي الدرداء رضي الله عنهم. # وذهب أبو حنيفة إلى أنها تطلق طلقة بائنة بانقضاء المدة. وهو مروى عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما وابن مسعود، وعلي، في رواية ضعيفة، والمسألة في ~~الخلافيات. # PageV01P229 # قوله تعالى: {والمطلقات} يعني المخليات يقال: أطلق الأسير وأطلق البعير ~~إذا خلاه. # {يتربصن بأنفسهن} ينتظرن {ثلاثة قروء} والقرء: الطهر، وهو قول أهل ~~الحجاز. # قال الزهري: لم يقل أحد من أهل الحجاز: أن الأقراء الحيض؛ إلا سعيد بن ~~المسيب. # ومذهب أبي حنيفة. أن الأقراء الحيض وهو مروى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، ~~وهو قول أهل الكوفة. # وقال أبو عمر بن العلاء: القرء اسم ينطلق على الحيض، وينطلق على الطهر، ~~ويذكر بمعناهما أيضا. # وأصل القرء: الجمع. وقيل: هو مأخوذ من القرء بمعنى الوقت، يقال: أقرأت ~~الرياح إذا هبت لوقتها. # وقرأت ms0134 النجوم إذا أفلت. ويكون بمعنى طلعت لوقت معلوم. # وأنشدوا في الأقراء بمعنى الأطهار قول الأعشى: (أفي كل عام أنت جاشم غزوة ~~... تشد لأقصاها عزيم عزائكا) # (مورثة مالا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا) # PageV01P229 # {يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ~~وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ~~وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم (228) الطلاق مرتان فإمساك} # وإنما يضيع في السفر زمان الأطهار لا زمان الحيض؛ لأنهما مضيعة. # وقوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} يعني: من ~~الحيض، والحبل. # قال قتادة: علم الله تعالى أن يكون في النساء لوائم، تقول المرأة: حضت، ~~ولم تحض، وطهرت ولم تطهر، وحبلت ولم تحبل. # قوله تعالى: {إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} فإن قيل: ما معنى قوله: {إن ~~كن يؤمن بالله} والحكم في الكافرة مثل الحكم في المؤمنة؟ قيل: معناه: أن ~~هذا من فعل المؤمنات، كما يقال: إن كنت مؤمنا فأد حقي. يعني: من فعل ~~المؤمنين أداء الحقوق. وقوله {وبعولتهن} أي: أزواجهن {أحق بردهن} أي: ~~برجعتهن {في ذلك} يعني: في تلك المدة. {إن أرادوا إصلاحا} معناه: إن أرادوا ~~بالرجعة الصلاح، وحسن العشرة، ولم يكن قصده الإضرار، كما كانوا يفعلون في ~~الجاهلية. كان الرجل منهم يطلق امرأته، ثم يراجعها إذا أشرفت العدة على ~~الانقضاء. ثم يطلقها، ثم يراجعها كذلك، يقصد به تطويل العدة عليها. # {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} قال ابن عباس: في معناه: إني أحب أن ~~أتزين لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي؛ لأن الله تعالى يقول: {ولهن مثل ~~الذي عليهن بالمعروف} وفيه قول آخر، معناه: على الرجل أن يتقي لحقها كما ~~على المرأة أن تتقي لحقه يعني: من الحرام. # {وللرجال عليهن درجة} قال مجاهد: بالجهاد والميراث. وقيل: يعني: في ~~الطلاق؛ لأن الطلاق بيد الرجال. وقال حميد: باللحية. {والله عزيز} أي: منيع # PageV01P230 # ( {بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ms0135 آتيتموهن شيئا إلا ~~أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما} حكيم) . # PageV01P231 # قوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} . قال عروة بن ~~الزبير: كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد، فيطلق الرجل ~~امرأته فلما قاربت انقضاء العدة راجعها، ثم طلقها كذلك، ثم راجعها، وقال: ~~لا أخليك تتزوجين أبدا، فنزلت الآية {الطلاق مرتان} " ويعني: الطلاق الذي ~~يملك عقيبه الرجعة مرتان. # {فإمساك بمعروف} هو الرجعة، وقيل: هو الإمساك بعد الرجعة للصحبة. وقوله: ~~{بمعروف} هو كل ما يعرف في الشرع من أداء حقوق النكاح، وحسن الصحبة. {أو ~~تسريح بإحسان} هو أن يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها. # " وسئل رسول الله أين الطلقة الثالثة؟ فقال: أو تسريح بإحسان ". # ولفظ السراح والفراق صريحان مثل الطلاق عند الشافعي. # وقال أبو حنيفة: الصريح لفظ واحد وهو الطلاق. # وقوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا} يعني: غصبا ~~وظلما، وذلك مثل قوله في سورة النساء: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} . # وقوله تعالى: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} يعني: إنما يحل الأخذ ~~عند # PageV01P231 # إرادة الخلع، ووجود الخوف. # وقوله: {إلا أن يخافا} يقرأ بفتح الياء وهو المعروف. وقرأ الأعمش وحمزة: ~~" إلا أن يخافا " بضم الياء. وقرأ ابن مسعود: " إلا أن تخافوا ". # أما الأول: راجع إلى الزوجين. وأما قراءة ابن مسعود: فهي خطاب للولاة ~~والقضاة. # وأما قراءة حمزة: قيل: إنه قصد اعتبار معنى قراءة ابن مسعود، ومعناه: إلا ~~أن يخاف الزوجان؛ [فيعلم] الولاة والقضاة. وقالوا: إنه لم يصب. # واختلفوا في معنى هذا الخوف، قال أبو عبيدة إمام اللغة: الخوف بمعنى ~~العلم. # قال أبو إسحاق الزجاج: هو على حقيقة الخوف، معناه إلا أن يغلب على الظن ~~خوف أن لا يقيما حدود الله. # وفيه قول ثالث: أن الخوف بمعنى الظن، قال الشاعر: # (أتاني كلام من نصيب (يقوله) # وما خفت يا سلام أنك [عائبي] ) # أي: ما ظننت. # وقوله تعالى: {فإن خفتم ms0136 ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به} أي: فيما اختلعت به. واختلفوا في الخلع، # قال طاوس، والربيع بن أنس: يختص جواز الخلع بحال خوف النشوز؛ تمسكا بظاهر ~~الآية. # وقال الزهري: يختص جواز الخلع بقدر ما ساق إليها من المهر، حتى لا يجوز ~~بالزيادة. وقال الحسن: الخلع إنما يجوز للولاة والقضاة؛ تمسكا بظاهر الآية. # PageV01P232 # {افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون (229) فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها ~~فلا جناح} # والأكثرون على أن الخلع يجوز بكل حال، وبكل قدر تراضيا عليه من الزوجين ~~وغيرهما. # وإنما الآية خرجت على وفق العادة في أن الخلع إنما يكون في حال خوف ~~النشوز، وهو الأولى أن يؤتى بالخلع في حال النشوز، وبقدر المهر. # وقوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} أي: فلا تجاوزوها، وحدود الله: ~~كل ما منع الشرع من المجاوزة عنه. # وقوله تعالى: {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} . ظاهر المعنى. # PageV01P233 # قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} هو الطلقة الثالثة. وحكمها ~~تحريم العقد إلى أن يوجد الزوج الثاني. ثم التحليل للزوج الأول إنما يحصل ~~بالعقد والوطء جميعا، على قول أكثر العلماء. # وحكى عن سعيد بن المسيب وقيل: عن سعيد بن جبير أنه يحصل بمجرد النكاح. ~~بظاهرة الآية. وقد عد هذا من شواذ الخلاف. # والدليل على صحة القول الأول: ما روى " أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى ~~رسول الله، وقالت: إن رفاعة بت طلاقي، وتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير، ~~وإنما معه مثل هدبة الثوب. فقال عليه السلام: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ ~~لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ". فدلت السنة على اشتراط الوطء وهذا ~~خبر صحيح. # وقوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} فالنكاح بمعنى الوطء، ويكون بمعنى # PageV01P233 # {عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها ~~لقوم يعلمون (230) وإذ طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف ولا تمسكوهن ms0137 ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا ~~آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب} العقد. ~~{فإن طلقها} يعني: الزوج الثاني {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} وأراد ~~بالرجعة هاهنا: إنشاء النكاح مع الزوج الأول. # وقوله تعالى: {إن ظنا أن يقيما حدود الله} يعني: إن علما أن يكون بينهما ~~الصلاح، وحسن الصحبة. # وقوله: {وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون} أي: يعلمون ما أمر الله به # PageV01P234 # قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} أي: قاربن بلوغ الأجل كما ~~يقال: بلغت المنزل، إذا قاربه. # وقوله: {فأمسكوهن بمعروف} أي: راجعوهن بالمعروف. # {أو سرحوهن بمعروف} أو اتركوهن حتى تنقضي العدة. # {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} أي: لا تقصدوا بالرجعة الضرار بالمرأة، كما ~~كانوا يفعلونه. {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} أي: أضر بنفسه لا بغيره. # (ولا تتخذوا آيات الله هزوا) قالت عائشة وهو الأصح: هو النهي عن قصد ~~الإضرار (بالرجعة) فإن كل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله هزوا. وقال ~~أبو الدرداء وهو قول الحسن: هو أن الرجل منهم كان يطلق، ثم يقول: ما كنت ~~جادا، ويعتق، ثم يقول: ما كنت جادا، كنت لاعبا. # وفيه قول ثالث: أنه نهى عن الزيادة على قدر الطلاق الثلاث. # PageV01P234 # {والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) وإذا ~~طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم} # وقوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم} قال عطاء: أراد به نعمة الإسلام. # {وما أنزل عليكم من الكتاب} يعني: القرآن {والحكمة} يعني: السنة. # {يعظكم به} يرشدكم به {واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم} . # PageV01P235 # قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} أراد ببلوغ الأجل في هذه ~~الآية: تمام انقضاء العدة. # قوله تعالى: {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} والعضل: المنع. # قال الخليل: يقال: دجاج معضل، إذا نشبت فيها البيضة وامتنعت من الخروج؛ ~~لضيق المخرج. ومنه الداء العضال، وهو الذي لا يطاق علاجه. # وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: ms0138 أعضل بي أهل الكوفة. أي: ضيقوا علي، ~~وأوقعوا بي في أمر شديد. # وأكثر العلماء والمفسرين على أنه خطاب للأولياء، نهاهم عن الامتناع من ~~التزويج. # وقد قال الشافعي: هذا بين، أنه دليل على أن المرأة لا تلي عقد النكاح. # ونزلت الآية في معقل بن يسار المزني؛ فإنه زوج أخته من رجل فطلقها وتركها ~~حتى انقضت عدتها، ثم جاء يخطبها مع الخطاب، ورغبت المرأة فيه، فقال معقل: ~~زوجتك أختي دون غيرك، وخطبها أشراف قومي فاخترتك! أطلقتها، لا أنكحتكها ~~أبدا؛ فنزلت الآية. # وفيه قول آخر: أنه خطاب للأزواج؛ لأن ابتداء الآية خطاب لهم. # ومنع الأزواج هو ما ذكرنا من أن يطلقن، ثم يراجع، ثم يطلق. والأول أصح. # وقوله تعالى: {إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم # PageV01P235 # {بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى ~~لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ~~لا} يؤمن بالله واليوم الآخر) إنما خصهم لأن الوعظ إنما يؤثر في المؤمنين. # وقوله تعالى: {ذلكم أزكى لكم وأطهر} أزكى لكم أي: خير لكم، وأطهر أي: ~~أصلح. {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} . # PageV01P236 # قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن) هذا خبر بمعنى الأمر. # {حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} . # فالحولان: (مدة) الرضاع، فإن قال قائل: لم قال: كاملين؟ # قيل: لأن الحولين قد ينطلق على الحول وبعض الحول الثاني، كما في قوله: ~~{الحج أشهر معلومات} أطلق الأشهر على شهرين وبعض الثالث، فقال: كاملين ~~ليعرف أنه أراد تمام الحولين. وقيل: إنما قاله تأكيدا. # وروى أن امرأة أتت بولد لستة أشهر من وقت النكاح، فجاء زوجها إلى عثمان ~~في ذلك. فهم عثمان رضي الله عنه برجمها، فقال علي: لا سبيل لك عليها؛ لأن ~~الله تعالى يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} وقال: {والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين} فإذا ذهب الفصال حولين، بقي للحمل ستة أشهر، فتركها ~~عثمان، ودرأ الحد. # وقوله تعالى: {وعلى المولود ms0139 له} يعني: الزوج أبو الولد. {رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف} وذلك نفقة مدة الرضاع. {لا تكلف نفس إلا وسعها} إلا طاقتها، # PageV01P236 # {تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى ~~الوارث مثل ذلك فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن ~~أردتم أن} يعني: على الموسع بقدر وسعه، وعلى المقتر بقدر طاقته. # وقوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها} بفتح الراء. وقرأ أبو عمرو وغيره ~~بضم الراء. وقرأ أبان [عن] عاصم: " لا تضارر " وفي الشواذ. فمن قرأ بفتح ~~الراء فمعناه: لا تضار المرأة بولدها. يعني: لا ينتزع الأب ولدها منها، ~~فيسلمه إلى غيرها وهي راغبة في الإرضاع. # ويحتمل أن معناه: أن المرأة لا تضار بولدها فتتركه (لغيرها) ، وتمتنع من ~~الإرضاع. ومن قرأ بالرفع فهذا أيضا معناه، وهو معنى القراءة الثالثة. # وقوله تعالى: {ولا مولود له بولده} يعني الأب لا يضر بولده فيسلم إلى غير ~~الأم. # وقوله تعالى: {وعلى الوراث مثل ذلك} قال عمر: أراد به على غير الوالدين ~~مثل ذلك النفقة، وهذا قول أبي حنيفة، فإنه يوجب نفقة القرابة على الإخوة ~~والأعمام. # والقول الثاني: أراد بمثل ذلك: ترك المضارة. وهو قول ابن عباس، ولم ير ~~النفقة على غير الوالدين. وهذا مذهب مالك والشافعي. # وفيه قول ثالث: أراد بالوارث هذا: الولد، عليه نفقته من ماله إن كان له ~~مال. # وقوله تعالى: {فإن أرادا فصالا} أي: فيما دون الحولين. {عن تراض منهما} ~~يعني: من الوالدين {وتشاور} أي: يشاور أهل العلم به حتى يخبروا أن الفصال ~~في ذلك الوقت لا يضر بالولد. والمشاورة: استخراج الرأي. # PageV01P237 # {تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا ~~الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير (233) والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن} # وقيل: إن عمر ركب فرسا يشوره، أي: يستخرج سيره، فعطب تحته، فحكم شريحا؛ ~~فقضي عليه بالضمان. وقال: إنما ركبته سوما؛ فولاه القضاء، فقضى بعد ذلك ~~سبعين سنة. # وقوله: ms0140 {فلا جناح عليهما} أي: فلا حرج في الفصال قبل تمام الحولين. # وقوله: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} أي: تستأجروا مرضعة لأولادكم، ~~واللام محذوفة. ومعناه: أن تسترضعوا لأولادكم. # وقوله: {فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} . # يقرأ: " آتيتم " ممدودا، ويقرأ: " أتيتم " مقصورا ومعنى الأول: إذا سلمتم ~~إلى الأم، وما آتيتم أي: ما سميتم لها من أجر الرضاع بقدر ما أرضعت. ويحتمل ~~التسليم إلى المستأجرة أجرتها إلى الرضاع. # ومن قرأ " أتيتم " فمعناه: إذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف، يعني: إذا سلمتم ~~لأمره وانقدتم لحكمه فيما فعلتم من المعروف. {واتقوا الله واعلموا أن الله ~~بما تعملون بصير} . # PageV01P238 # قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم} قرأ علي: " يتوفون " بفتح الياء، ~~ومعناه: يستوفون أعمارهم. والمعروف بضم الياء، ومعناه: والذين يموتون ~~ويتوفى آجالهم {ويذرون أزواجا} أي: ويتركون أزواجا والمراد بالأزواج: ~~الزوجات. # {يتربصن} ينتظرن {بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} الآية في عدة الوفاة، وهي ~~مقدرة بأربعة أشهر وعشر باتفاق الأمة لنص الكتاب. # PageV01P238 # {في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير (234) ولا جناح عليكم فيما ~~عرضتم به من خطبة النساء أو أكنتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن} # وقيل: إنما قدر بتلك المدة لحكمة، وهي أن الولد يرتكض في بطن الحامل لنصف ~~مدة الحمل وأربعة أشهر وعشر قريب من نصف مدة الحمل. # والارتكاض: بمعنى التحرك، ويقال: امرأة مركضة إذا تحرك [في] بطنها، قال ~~الشاعر: # (ومركضة صريحي أبوها ... يهان لها الغلامة والغلام) # وأما قوله: {وعشرا} فهي ليال، يقال: عشرة أيام وعشر ليال، وإنما خص ~~الليالي لأن كل أجل يبتدىء من الليل. # وقال المبرد: أراد به: عشر مدد، كل مدة يوم وليلة. # وقوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن} أي: انقضت عدتهن. # {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} يعني: فيما فعلن من ~~اختيار الأزواج دون العقد، والعقد إلى الولي. # وقيل: معناه فيما (تزين) للأزواج زينة لا ينكرها الشرع. {واتقوا الله ~~واعلموا أن الله بما تعملون خبير} . # PageV01P239 # قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} التعريض ~~بالخطبة في أوان العدة جائز. والخطبة: ms0141 خطبة العقد، يقال: خطب يخطب خطبة إذا ~~خطب العقد. وخطب يخطب خطبة إذا خطب الناس بكلام معلوم الأول والآخر. # وصورة التعريض بالخطبة: أن يقول للمرأة: إنك لجميلة، وإنك علي لكريمة، ~~وإني لراغب في النساء، أو ما قضى الله يكون، ونحو ذلك. فهذا لا بأس به في ~~حق المعتدة. ولا يجوز التصريح بالخطبة. # وقال مجاهد: وذلك أن يقول: لا تسبقيني بالنكاح، أو يقول: لا تفوتي على ~~نفسك، أو أخطبك حتى إذا حللت أتزوجك، ونحو هذا. # PageV01P239 # {ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح ~~حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا ~~أن الله} # وقيل: إن ذلك يجوز مع الولي بأن يقول له: لا تسبقني بالنكاح ونحو ذلك. # وإنما لا يجوز التصريح معها. والدليل على جواز التعريض بالخطبة: ما روى ~~أن سكينة بنت حنظلة تأيمت عن زوجها، فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي ~~الباقر، وقال: تعلمين قرابتي من رسول الله، وقرابتي من علي، وحقي في ~~الإسلام، وشرفي في العرب. فقال سكينة: أتخطبني وأنا معتدة وأنت أنت يعني: ~~منك يؤخذ العلم؟ ! فقال: ما خطبتك، ولكن ذكرت منزلتي. # ثم روى " أن رسول الله دخل على أم سلمة وكانت في عدة زوجها أبي سلمة، ~~فذكر عليه السلام كرامته على الله، ومنزلته عند الله، وكان يذكر من ذلك ~~ويعتمد على يديه حتى أثر الحصير في يديه ". فهذا كله من التعريض بالخطبة، ~~ودل الحديث على جوازه. # وقوله تعالى: {أو أكننتم في أنفسكم} أي: أضمرتم في أنفسكم أمر النكاح ~~{علم الله أنكم ستذكرونهن} يعني: في أنفسكم. {ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا} في معنى هذا السر أقوال، أصحها: أنه أخذ ميثاق النكاح ~~مما، نهى الشرع عنه في حال العدة. # وقيل: السر: الزنا. وقيل: هو الوطء. قال امرؤ القيس: # (ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي) # يعني: الجماع. قال الشافعي قوله: {لا تواعدهن سرا} هو أن يصف نفسه بكثرة ~~الجماع؛ ليرغبها ms0142 في نكاحه. # وقوله تعالى: {إلا أن تقولوا قولا معروفا} هو ما ذكرنا من التعريض ~~المباح. # قوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح} أي: لا تحققوا العزم على عقد النكاح في ~~العدة {حتى يبلغ الكتاب أجله} أي: فرض الكتاب؛ لأن العدة من فرض الكتاب. # {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} هذا في التحذير عما نهاهم ~~عنه. {واعلموا أن الله غفور حليم} . # PageV01P240 # {غفور حليم (235) لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا ~~لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا ~~على المحسنين (236) وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة} # PageV01P241 # قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة} تقديره: ولم تمسوهن، ولم تفرضوا لهن فريضة. # هذه الآية في المطلقة قبل الفرض والمسيس. وفي الآية دليل على جواز إخلاء ~~النكاح عن تسمية المهر. وفيها دليل على وجوب المتعة في الجملة؛ فإنه قال: ~~{ومتعوهن} . # قال ابن عباس في المتعة: أعلاها خادم، وأوسطها الورق، وأدناها ثوب ~~للكسوة. قال الشافعي: واستحسن في المتعة أن تكون من عشرين درهما إلى ~~ثلاثين، وفي الجملة هي مفوضة إلى اجتهاد الحكام، فيوجب على كل واحد تقدير ~~ما يرى {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين} . # قال شرح: هذا إرشاد وندب إلى الإمتاع، ولم ير وجوب المتعة، وسائر العلماء ~~ذهبوا إلى وجوب المتعة، فمذهب علي رضي الله عنه أن لكل مطلقة متعة. # وقال ابن عمر: لكل مطلقة متعة؛ إلا التي فرض لها زوجها، وطلقها قبل ~~الدخول، حسبها نصف المسمى، وهذا أحد قولي الشافعي. # وفيه قول ثالث: أنها لا تجب إلا للتي لم يفرض لها، وطلقت قبل الدخول. # PageV01P241 # وقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ~~ما فرضتم} هذه الآية في المطلقة بعد الفرض قبل المسيس، وجب لها نصف المسمى ~~عند الطلاق قبل الدخول. # {إلا أن يعفون} هذا في الزوجات، يقال: تعفو، تعفوان، يعفون. ومعنى عفو ~~المرأة: ms0143 هو الفضل بترك النصف الذي وجب لها. # {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} قال علي وهو مذهب شريح، والشعبي: # PageV01P241 # {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفو ~~أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا} إن المراد به: الزوج، وعفوه: الفضل بإعطاء تمام المهر. # وقال ابن عباس: أراد به الولي وهو الأليق بنظم الآية ورأى جواز إبراء ~~الولي عن مهر المرأة. # وفيه قول ثالث: أنه في أب البكر خاصة، وله العفو عن مهر ابنته ما دامت ~~بكرا. # والفتوى على أن ليس إلى الولي من العفو شيء. وإنما الآية في الزوج، كما ~~قال علي رضي الله عنه. # {وأن تعفو أقرب للتقوى} الخطاب مع الكل. {ولا تنسوا الفضل بينكم} أي: ~~أفضال بعضكم على بعض. {إن الله بما تعملون بصير} . # PageV01P242 # قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} أمر بالمحافظة على جميع ~~الأوقات. # وأما الصلاة الوسطى ففيها سبعة أقوال: أحدها: قال عمر، وعلي، وأبو هريرة، ~~وأبو أيوب، وعائشة رضي الله عنهم هي صلاة العصر، لأنها وسط (صلاتي) الليل ~~وصلاتي النهار. # وعن حفصة أنها قالت لكاتب مصحفها: إذا بلغت قوله: {حافظوا على الصلوات} ~~فأعلمني، فلما بلغه أعلمها، فقالت: اكتب: والصلاة الوسطى صلاة العصر. # وقد صح الخبر عن رسول الله أنه قال يوم الخندق: " شغلونا عن صلاة الوسطى ~~صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقبورهم نارا ". # والقول الثاني وهو قول زيد بن ثابت: أنها صلاة الظهر، لأنها وسط النهار. # PageV01P242 # والقول الثالث وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وجابر: أنها صلاة الصبح. وهو ~~[اختيار] الشافعي لأنها وسط صلاتي الليل وصلاتي النهار. # ووراء هذا فيه أربع أقوال غريبة: أحدها قاله قبيصة بن ذؤيب: أنها صلاة ~~المغرب؛ لأنها وسط في عدد الركعات. # والقول الثاني وهو قول سعيد بن المسيب، والربيع بن خثيم: أنها كل صلاة من ~~الصلوات الخمس؛ لأن كل صلاة من الصلوات الخمس: وسطى بين الأربع. وإنما ms0144 خصه ~~بعد ذكر الصلوات تأكيدا وتحريضا على المحافظة على جميع الصلوات. # والقول الثالث: أنها الجمعة. # والقول الرابع: أنها الجماعة. # واختلفوا في صلاة الصبح أنها من صلاة الليل، أو من صلاة النهار. # فأكثر العلماء على أنها من صلاة النهار. # وقال بعضهم: أنها [من] صلاة الليل. وهذا الخلاف يرجع إلى أن النهار من ~~وقت طلوع الفجر أو [من] وقت طلوع الشمس. # فمن قال: إنه من وقت طلوع الفجر؛ جعل صلاة الصبح من صلاة النهار. # ومن قال: إن النهار من وقت طلوع الشمس؛ جعلها من صلاة الليل. واستدل قائل ~~هذا القول بقول أمية بن الصلت. # (والشمس تطلع كل آخر ليلة ... حمراء يصبح لونها يتورد) # وقال ابن الأنباري: ليل محض، ونهار محض، ومشترك بين الليل، والنهار فصلاة ~~المغرب والعشاء الآخرة في محض الليل. # وصلاة الظهر والعصر في محض النهار، وصلاة الصبح مشترك بين الليل والنهار. # PageV01P243 # {فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون (239) والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن ~~خرجن فلا} # وفيه قول آخر هو المختار: أنه ليل لغة ونهار شرعا. # وقوله: {وقوموا لله قانتين} أي: مطيعين ساكتين. # وذلك أن الكلام كان مباحا في الصلاة في الابتداء، فلما نزلت هذه الآية؛ ~~سكتوا. # والقارئ في الصلاة ساكت عن الكلام. ومذهب الشافعي أنه [لو] حلف لا يتكلم ~~فقرأ القرآن لم يحنث؛ لأنه كلام الله لا كلامه. # خلافا لأبي حنيفة قال: يحنث. # PageV01P244 # قوله تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} هذه في صلاة الخوف، يصلون مشاة ~~وفرسانا. # وقوله: {فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} يعني: ~~كما علمكم من أصل الصلاة في حال الأمن. # PageV01P244 # قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم} . يقرأ ~~بالفتح، وتقديره: أوصوا وصية. ويقرأ بالضم: وتقديره: عليكم وصية، وهذا ورد ~~في ابتداء الإسلام حين كانت (العدة للوفاة) حولا كاملا، وكانت نفقة جميع ~~الحول على الزوج واجبة، وكان يجب عليه الوصية بالإنفاق إذا مات، فهذا معنى ~~قوله: {وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول} ms0145 أي: نفقة الحول. # وقوله: {غير إخراج} وحرم على الوارث إخراج المعتدة من البيت قبل تمام ~~الحول، لكن إذا خرجت بنفسها سقطت نفقتها. فنسخ ذلك بآية عدة الوفاة كما ~~سبق، وتلك # PageV01P244 # {جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم (240) ~~وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تعقلون (242) ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} ~~الآية وإن كانت متقدمة في التلاوة ولكنها متأخرة في المعنى، وهي ناسخة لهذه ~~الآية. # وقيل لعثمان: ألا تضع تلك الآية مكان هذه الآية، وهذه مكان تلك؟ فقال: ~~أكره أن أغير القرآن عن موضعه. # وقوله تعالى: {فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف} ~~هو ما ذكرنا بعد الفراغ من العدة. # وقوله تعالى: {والله عزيز حكيم} ظاهر المعنى. # PageV01P245 # قوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف} أعاد ذكر المتعة تأكيدا. # وسبب نزول الآية: ما روى أنهم لما سمعوا قوله تعالى: {متاعا بالمعروف حقا ~~على المحسنين} قالوا: إن شئنا نمتع، وإن شئنا لا نمتع، فنزلت هذه الآية. # {وللمطلقات متاع بالمعروف} أي: المتعة لهن ملكا، جعلها لهن بلام التمليك. ~~وقوله: {حقا على المتقين} يعني: واجبا على المؤمنين. # PageV01P245 # قوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم آياته} لأنه ذكر فيما قبل كثيرا من ~~الآيات، والأحكام، فأراد به ذلك. وقوله: {لعلكم تعقلون} أي: تفهمون ~~وتفقهون. # PageV01P245 # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} قال ابن عباس: ~~كانوا أربعة آلاف، وقال غيره: كانوا ثمانية آلاف، وقال السدي: كانوا [بضعة] # PageV01P245 # فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون (243) وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ~~(244) من ذا) وثلاثين ألفا وفي رواية ابن جريج: أربعين ألفا، وقال ابن ~~دريد: ألوف، أي: مؤتلفة قلوبهم، والصحيح أن المراد به: العدد كما بينا. # وقوله: {حذر الموت فقال لهم الله موتوا} أي: أماتهم الله {ثم أحياهم} هذا ~~[في] قوم من بني إسرائيل هربوا ms0146 من الطاعون، وقالوا: نذهب إلى أرض ليس بها ~~طاعون، فذهبوا فأماتهم اله تعالى هنالك وبقوا سبعة أيام كذلك، فمر بهم نبي ~~يقال له: حزقيل، فدعا الله تعالى فأحياهم. قال الحسن البصري: أماتهم الله ~~تعالى قبل آجالهم؛ عقوبة لهم، ثم أحياهم ليستوفوا آجالهم. # وفي القصص: أنه بعد ما أحياهم كان يوجد منهم ريح الموت، وكذلك من ~~أولادهم. وقوله تعالى: {إن الله لذو فضل على الناس} قيل: هو على العموم في ~~حق الكافة في الدنيا، وقيل: هو على الخصوص في حق المؤمنين. وقوله تعالى: ~~{ولكن أكثر الناس لا يشكرون} أما الكفار فلا يشكرون. # وأما [المؤمنون] فلم يبلغوا غاية الشكر. # PageV01P246 # قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم} قيل ~~الخطاب مع الصحابة. والمعنى فيه: أن أولئك القوم لما هربوا من الموت لم ~~ينفعهم الهرب حتى أدركهم الموت، فلا تقعدوا وأنتم عن القتال خوفا من الموت؛ ~~بل جاهدوا وقاتلوا في سبيل الله. # وقيل: الخطاب مع أولئك القوم من بني إسرائيل، فإنهم إنما قعدوا عن ~~القتال؛ فأماتهم الله ثم أحياهم، وأمرهم بالقتال. # PageV01P246 # {الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط ~~وإليه} # PageV01P247 # قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} القرض: هو القطع. ومنه ~~المقراض، وسمى القرض قرضا؛ لأنه يقطع شيئا من ماله ليكافأ عليه. أو يرد ~~عليه مثله. # قال لبيد: # (وإذا جوزيت قرضا فأجزه ... إنما يجزي الفتى ليس الإبل) # فإن قيل: كيف يكون الإقراض من الله تعالى؟ قيل معناه: يقرض أنبياء الله. ~~فقال الضحاك: معناه: يتصدق لله، وسماه قرضا لأن الله تعالى قد وعد الثواب ~~عليه. # وقوله تعالى: {قرضا حسنا} يعني: حلالا، وقيل: حسنا أي: طيبة نفسه به. # وقوله: {فيضاعفه له أضعافا كثيرة} يقرأ بقراءات: فيضاعفه " بضم الفاء على ~~إتباع قوله: {يقرض} . # وقرئ: " فيضاعفه ". بفتح الفاء نصبا على جواب الاستفهام. ويقرأ: " فيضعفه ~~" بالياء ويقرأ بالنون: " فنضعفه ". # ولتضعيف والمضاعفة بمعنى واحد. والضعف كل ما زاد على المثل. # وقوله: {أضعافا كثيرة} قال السدي: كثيرة لا يعلم عددها إلا الله. ms0147 # وقال غيره: سبعمائة ضعف. # وقوله: {والله يقبض ويبسط} فيه أربعة أقوال: # PageV01P247 # {ترجعون (245) ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا ~~لبني لهم} # [أحدهما] : قال الحسن: يقبض بالتقتير، ويبسط بالتوسيع. # وقال الزجاج: يقبض بقبول الصدقة، ويبسط بإعطاء الثواب عليه. # والقول الثالث: يقبض بتقليل الأعمار، ويبسط بتكثير الأعمار. # والقول الرابع: يقبض بالتحريم، ويبسط بالإباحة. # وقوله تعالى: {وإليه ترجعون} ظاهر المعنى. # PageV01P248 # قوله تعالى: {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى} الملأ: أشراف ~~كل قوم. وفي الخبر: " أنه لما قتل رءوس المشركين مثل أبي جهل، وعتبة، ~~وغيرهما يوم بدر قال رجل من الأنصار: ما قتلنا إلا عجائز صلعا أي: أواخر ~~القوم شيوخا فكره ذلك رسول الله وقال: أولئك الملأ من قريش؛ لو رأيتهم ~~هبتهم، وإن أمروك أطعتهم، واحتقرت فعلك مع فعلهم ". # وقوله: {إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} قيل: ذلك ~~النبي كان اشمويل، وقيل: كان يوشع بن النون، وقيل: هو شمعون، وسى بذلك؛ لأن ~~الله تعالى دعاه فسمعه. والقصة في ذلك: أن بني إسرائيل [ظهر] عليهم العدو، ~~وسبوا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين نفرا وكانوا قد قعدوا عن القتال ~~أربع سنين فجاءوا إلى نبيهم ذلك، وقالوا له: ابعث لنا ملكا يجتمع أمرنا ~~عليه # PageV01P248 # {ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا ~~تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ~~(246) وقال لهم نبيهم إن الله قد} فنقاتل في سبيل الله. # وقوله تعالى: {قال هل عسيتم} القراءة المعروفة: بفتح السين. وقرىء: " هل ~~عسيتم " بكسر السين وهما في المعنى سواء. وبالفتح أصوب. # وقوله: {إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} ومعنى الآية: لعلكم أن تجبنوا ~~عن القتال فلا تقاتلوا. # وقوله: {قالوا ومالنا ألا نقاتل في سبيل الله} أي: ما يمنعنا أن نقاتل في ~~سبيل الله. {وقد أخرجنا من ديارنا} لأنهم كانوا أخرجوا ms0148 من بيت المقدس. # {وأبنائنا} أي: أخرجنا من أبنائنا بالسبي، والسبي فيه مضمر، ومثله قول ~~الشاعر: (ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا) # أي: وحاملا رمحا. # وقوله تعالى: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليهم ~~بالظالمين} وأراد بالقليل: أولئك الذين اقتصروا على الغرفة، وجاوزوا مع ~~طالوت وسيأتي. # PageV01P249 # قوله تعالى: {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا} قيل: إنه ~~كان سقاء يستسقي على الحمار. # وسمى طالوت؛ لطوله لأنه كان أطول من كل أحد برأسه ومنكبه. # وقيل: كان الرجل منهم إذا رفع يديه وصل إلى رأسه، يعني: رأس طالوت. # PageV01P249 # بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ~~ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ~~والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) وقال لهم نبيهم إن آية ملكه ~~أن) # وقوله: {قالوا أني يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه} أي: كيف ~~يكون له الملك علينا، وليس هو من سبط النبوة، والملك؟ # وذلك أن سبط النبوة كان سبط لاوي بن يعقوب، وهو سبط موسى بن عمران، وسبط ~~الملك كان سبط يهوذا، وكان طالوت من سبط بنيامين، ولم يكن سبط ملك ولا ~~نبوة؛ وذلك أنهم كانوا قد عصوا الله معصية عظيمة؛ فنزع الله منهم النبوة ~~والملك وكانوا يسمون سبط الإثم. # وقوله: {ولم يؤت سعة من المال} لأنه كان سقاء كما بينا. # قوله تعالى: {قال إن الله اصطفاه عليكم} أي: اختاره عليكم. # وقوله: {وزاده بسطة في العلم والجسم} أما الزيادة بالجسم: معلوم. # وأما العلم: قيل أراد به علم الحرب وكان طالوت أعلمهم بأمر الحرب وقيل: ~~أراد به علم الدين، والأول أصح. # وقوله: {والله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم} فالواسع: ذو السعة، ~~وهو الذي يعطى عن غني. # وأما العليم: فقيل: العليم والعالم بمعنى واحد، ومنهم من فرق بين العليم ~~والعالم، فقال: العالم: بما كان، والعليم: بما يكون. # PageV01P250 # قوله تعالى: {وقال لهم نبيهم إن آية ms0149 ملكه أن يأتيكم التابوت} طلبوا منه ~~آية على الملك، فأخبرهم نبيهم بآية ملكه، وذلك إتيان التابوت. # قيل: هو التابوت الذي كان مع موسى وهارون، كانت بنو إسرائيل يخرجون به ~~إلى الغزوات ويستنصرون به. # PageV01P250 # {يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ~~تحمله} # وقيل: كان من شجر الشمشاذ، وكان ثلاثة أذرع في ذراعين. # وفيه قول آخر: أنه التابوت الذي أنزله الله تعالى على آدم مع الركن، وكان ~~فيه صور الأنبياء. # وقوله: {فيه سكينة من ربكم} قال علي رضي الله عنه: السكينة لها وجه كوجه ~~الإنسان، وهي بعد ريح هفافة. # وقال ابن عباس: هو طست من ذهب كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وقيل: هي شيء ~~يشبه الهر له عينان لهما شعاع، وله جناحان من الزمرد والزبرجد، وكانوا إذا ~~سمعوا صوته تيقنوا بالنصر، وكانوا إذا خرجوا بالتابوت إلى الحرب يضعونه ~~قدامهم، فإن سار ساروا، وإن وقف وقفوا. # وقال مجاهد: السكينة آية كانوا يسكنون إليها. # وقوله تعالى: {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} وذلك عصى موسى، ونعلاه، ~~وعمامة هارون، ورضاض الألواح التي تكسرت، وقفيز من المن الذي أنزل على بني ~~إسرائيل. # وقيل: أراد به التوراة، كانت في التابوت. {مما ترك آل موسى وآل هارون} ~~يعني: موسى وهارون، ومثله قول الشاعر: # (فلا تبك ميتا بعد ميت أجنه ... علي وعباس وآل أبي بكر) # أي: دفنه يعني: وأبو بكر. # وقوله تعالى: {تحمله الملائكة} قال الحسن: كان التابوت مع الملائكة في ~~السماء، فلما تولى طالوت الملك، حملت الملائكة التابوت ووضعوه بينهم. # وقيل: إن العمالقة غلبوا على التابوت، ودفنوه، فأمر الله تعالى الملائكة ~~حتى استخرجوه، وحملوه إليهم. # PageV01P251 # {الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (248) فلما فصل طالوت ~~بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه ~~مني إلا من} # قال ابن عباس: إن العمالقة لما غلبوا على التابوت أخذهم الباسور، فعلموه ~~أن ذلك عقوبة عليهم من أجل التابوت، فشدوه على عجلة وحملوه على ثورين، ~~وساقوهما ms0150 إلى المفازة وتركوه فجاءت الملائكة وساقوا ذلك إلى بني إسرائيل. # وقوله تعالى: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} ظاهر المعنى. # PageV01P252 # قوله تعالى: {فلما فصل طالوت بالجنود} قال ابن عباس: كان عدد الجنود ~~ثمانين ألفا. # وقوله تعالى: {قال إن الله مبتليكم بنهر} وذلك نهر كان بين أردن وفلسطين، ~~ومعناه: أن الله ممتحنكم بذلك النهر؛ ليظهر من له نية وقصد في القتال، ممن ~~لا نية له. # وقوله: {فمن شرب منه فليس منى} قاله طالوت، يعني: ليس من أهل ولايتي ~~وصحابتي. # {ومن لم يطعمه فإنه مني} أي: من لم يذقه، قال الشاعر: # (فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا) # أي: لم أذق ماء ولا نوما. يقال: منع البرد البرد أي: منع البرد النوم. # وقوله تعالى: {إلا من اغترف غرفة بيده} يقرأ بقراءتين، بفتح الغين وضمها. # والغرفة بفتح الغين: المرة. والغرفة بضم الغين: ملء الكف. # وقوله: {فشربوا منه إلا قليلا منهم} قال عكرمة: كان عدد القليل الذين ~~اقتصروا على الغرفة: أربعة آلاف. # PageV01P252 # {اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا ~~معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا ~~الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين (249) ~~ولما برزوا لجالوت} # وأكثر المفسرين وهو الأصح على أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر نفرا. # قال البراء بن عازب: كنا نتحدث أن عدد أصحاب رسول الله، ورضى عنهم يوم ~~بدر كانوا على عدة الذين جاوزا مع طالوت، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة ~~عشر نفرا ". قال البراء بن عازب: ولم يجاوز إلا مؤمن. # وفي القصص: أنهم لما وصلوا إلى النهر، كان قد ألقى الله عليهم العطش، ~~فشرب الكل إلا هذا العدد القليل. وكل من شرب منهم اسودت شفتاه، ولم يرو، ~~وبقي على الشط، وكل من اقتصر على الغرفة روى وجاوز. # وقيل: إن الكل جاوزا، ولكن حضر بعضهم القتال، ولم يحضر البعض. # وقوله: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ms0151 قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت ~~وجنوده} # قال ابن عباس والسدى: إنما قاله الذين انخذلوا ولم يجاوزا، وقيل: إنما ~~قاله من الذين جاوزوا؛ من قلت بصيرته في الدين دون من قويت بصيرته. # وقوله تعالى: {قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله} يعني: الذين قويت ~~بصيرتهم. # {يظنون} يستيقنون أنهم ملاقو الله، وقد ذكرنا الظن بمعنى اليقين وقيل: هو ~~على حقيقة الظن يعني: الذين يظنون إصابة الشهادة في الوقعة. # وقوله: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} بقضائه وإدارته. # {والله مع الصابرين} بالنصر والعونة. # PageV01P253 # وقوله: {ولما برزوا لجالوت وجنوده} كان جالوت رئيس تلك العمالقة. # PageV01P253 # {وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين (250) فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك ~~والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن ~~الله ذو فضل} # وقوله: {قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا} معناه: أصبب علينا. # وقوله: {وثبت أقدامنا} أي: في القتال {وانصرنا على القوم الكافرين} . # PageV01P254 # قوله تعالى: {فهزموهم بإذن الله} أي: كسروهم، يقال: سقاء مهزم، ومنهزم ~~أي: متكسر متثن بعضه على بعض. # وقوله {بإذن الله} أي: بقضائه وإرادته. # وقوله: {وقتل داود جالوت} وفي القصة: أن أبا داود حضر الحرب مع ثلاثة عشر ~~نفرا من أولاده كان أصغرهم سنا داود، وكان [أصاب] معه مقلاع وقذافة، فبرز ~~جالوت وطلب البراز وخرج إليه داود، ورماه بالمقلاع الحجر بين عينيه وخرج من ~~قفاه، وأصاب قوما آخرين وقتلهم. # وقوله: {وآتاه الله الملك والحكمة} جمع لدواد بين الملك والحكمة، يعني: ~~النبوة. قيل: بعده بسبع سنين، ولم يكن من قبل مجتمعا، بل كان الملك في سبط ~~والنبوة في سبط، وقيل: الملك والحكمة: هو العلم مع العمل. # وقوله: {وعلمه مما يشاء} قيل: صنعة الدروع، وأصوات الطيور، والزبور. # وقوله: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} قرأ نافع: " ولولا ~~دفاع الله " والمعنى واحد. # قال ابن عباس ومجاهد: معناه: لولا دفع الله الكفار بالمؤمنين؛ لكثر ~~الكفر، ونزلت السخطة، واستؤصلت الأرض. # PageV01P254 # {على العالمين (251) تلك آيات الله ms0152 نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين ~~(252) تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات} # وقال علي، وعامة المفسرين: إن الله يدفع بالمتقي عن غير المتقي، وبالصالح ~~عن الفاجر، وبالمصلح عن غير المصلح، وبالمؤمن عن الكافر، وهو معنى قول ~~النبي " لولا مشايخ ركع، وبهائم رتع، وصبيان رضع، لصب عليكم العذاب صبا ". # وقال رسول الله " أن الله يدفع البلاء بالرجل الصالح عن مائة بيت من أهله ~~وجيرانه ". # وقوله: {ولكن الله ذو فضل على العالمين} ظاهر المعنى. # PageV01P255 # قوله تعالى: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين} وهي ما ~~ذكر من الآيات. # PageV01P255 # قوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} هذه الآية في بيان فضل ~~الرسل بعضهم على بعض مع استوائهم في أصل الرسالة. # وقوله: {منهم من كلم الله} يعني: موسى وقوله: {ورفع بعضهم درجات} يعني: ~~محمدا قال الزجاج: ما أوتى نبي آية إلا أوتى نبينا مثل تلك الآية، وقد أوتى ~~انشقاق # PageV01P255 # {وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل ~~الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم ~~من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) يا أيها ~~الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة والكافرون هم} القمر، وحنين الجذع، وكلام الشجر، ونبع الماء من بين ~~الأصابع، والقرآن العظيم، وبعث إلى الأحمر والأسود، وغيره من الأنبياء بعث ~~إلى قوم مخصوصين. # وقوله: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس} قد سبق ذكره. # وقوله: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات} ~~هذا دليل على القدرية حيث أحالوا الاقتتال على المشيئة. # وقوله: {ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر} منهم من تفضل عليه الله ~~فآمن، ومنهم من خذله الله فكفر. # وقوله: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} أعاده ثانيا تأكيدا. وقوله: {ولكن الله ~~يفعل ما يريد} ظاهر المعنى. ms0153 # PageV01P256 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} قال السدى: أراد ~~به الزكاة المفروضة. وقال غيره: أراد به الإنفاق في سبيل الله وقوله: {من ~~قبل أن يأتي يوم} يعني: يوم القيامة. # وقوله: {لا بيع فيه} أي: لا فدية فيه، وسماها بيعا، لأن في الفدية شراء ~~نفسه. # وقوله: {ولا خلة} فإن قال قائل: قد نفى الخلة هاهنا في القيامة، وقد قال ~~في آية أخرى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو} فأثبت الخلة. # وقيل: تقديره: الأخلاء في الدنيا بعضهم لبعض عدو يوم القيامة، وإنما قال ~~{ولا خلة ولا شفاعة} وذلك أن الكفار كانوا يقولون: إن الملائكة أخلاؤنا ~~والأصنام # PageV01P256 # {الظالمون (254) الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ~~ما في} شفعاؤنا فقال: لا تنفع خلتهم ولا شفاعتهم. # وقوله: {والكافرون هم الظالمون} ظاهر المعنى. # PageV01P257 # قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو} ذكره مبالغة في الثناء، وهو مثل قولهم: ~~لا كريم إلا فلان. أبلغ من قولهم: فلان كريم. # وقوله: {الحي القيوم} قرأ عمر: " القيام ". وقرأ علقمة: " القيم " ~~والمعروف: {القيوم} . فالحي هو الباقي الدائم على الأبد، وهو من الحياة. # والحياة: صفة الله تعالى وأما القيوم: قيل: هو القائم على كل أحد بتدبيره ~~في الدنيا. # وقيل: هو القائم على كل نفس بما كسبت للمجازاة في الآخرة. # وقيل: هو القائم بالأمور. # وقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} قال المفضل الضبي: السنة في الرأس، والنوم ~~في القلب، فالسنة أول النوم، وهو النعاس. # ومنهم من فرق بين السنة والنعاس، فقال: السنة في الرأس والنعاس في العين، ~~والنوم في القلب. # والنوم: غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع من المعرفة بالأشياء. # وفي الأخبار أن " موسى عليه السلام قال يا رب ألك نوم؟ فأوحى الله إليه ~~يا موسى انظر ما تقول، خذ قارورتين فأخذهما بيديه فألقى الله عليه النوم، ~~فوقعت إحداهما على الأخرى وانكسرتا، قال الله تعالى: لو كان لي نوم ما قامت ~~سماء ولا أرض ". # وقوله: {له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع ms0154 عنده إلا بإذنه} # PageV01P257 # {السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات ~~والأرض} # لأنهم زعموا أن الملائكة والأصنام يشفعون لهم فقال: {من ذا الذي} يمكنه ~~الشفاعة إلا برضاه. # وقوله: {يعلم ما بين أيديهم} يعني: الآخرة {وما خلفهم} يعني: الدنيا، ~~وقيل: {ما بين أيديهم} ما قدموا {وما خلفهم} ما خلفوا. # وقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} # الإحاطة: العلم بالشيء بجميع جهاته وأنواعه، ومعناه: ولا يحيطون بشيء من ~~علم الغيب إلا بما شاء، يعني: إلا بما أخبر به الرسل، وهو مثل قوله في سورة ~~الجن: {فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} . # وقوله: {وسع كرسيه السماوات والأرض} قرأ يعقوب الحضرمي: " وسع كرسيه ~~السماوات والأرض " والمعروف هو الأول. # واختلفوا في الكرسي، قال الحسن: هو العرش نفسه. وقال أبو هريرة: الكرسي ~~موضوع قدام العرش. # ومعنى قوله: {وسع كرسيه السماوات والأرض} أي: سعته مثل سعة السماوات ~~والأرض وأوسع منه، وهو ظاهر في قراءة الحضرمي، وفي الأخبار " أن السماوات ~~والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة، والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة ~~". # وفي رواية عطاء عن ابن عباس: أن السماوات والأرض في جنب الكرسي كدراهم ~~سبعة على الترس. # PageV01P258 # {ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم (255) لا إكراه في الدين قد تبين ~~الرشد من} وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه أراد بالكرسي علمه. ومثله ~~قول الشاعر: (مالي بأمرك كرسي أكاتمه ... ولا بكرسي علم الله مخلوقه) . # ومعناه: العلم. وقيل: هو ملكه وسلطانه. قال الزجاج: وفي الجملة هو أمر ~~عظيم يدل على كمال قدرته. # وقوله: {ولا يؤده حفظهما} قيل: هو راجع إلى الله تعالى. يعني: ولا يثقل ~~عليه حفظ السماوات والأرض. # وقيل: هو راجع إلى الكرسي، وقيل على هذا: إن الكرسي تحت الأرض كالعرش فوق ~~السماوات، والسماوات والأرض على الكرسي. وقيل: معلقة بالكرسي. # {ولا يؤده} أي: لا يثقل على الكرسي حفظ السماوات ms0155 والأرض. # {وهو العلي العظيم} يعني بالعلى: المتعالي عن الأشياء والأنداد. # وقيل: العلى بالملك والسلطنة. والعظيم: الكبير. # وقد ورد في فضل آية الكرسي أخبار منها: # ما روى عن رسول الله أنه قال لأبي بن كعب: " أي أعظم في القرآن؟ فقال: ~~آية الكرسي. فقال عليه السلام: ليهنئك العلم أبا المنذر ". # PageV01P259 # قوله: {لا إكراه في الدين} قيل: سبب نزول الآية أن المرأة من أهل المدينة ~~كان لا يعيش لها ولدا؛ فكانت تنذر وتقول: إن عاش لي ولد لأهودنه، فإذا عاش ~~لها ولد جعلته بين اليهود، فلما جاء الإسلام وأجلى رسول الله بني النضير ~~إلى الشام بقي بينهم عدد من أولاد الأنصار قد هودوا فاستأذنوا رسول الله في ~~استردادهم؛ # PageV01P259 # {الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا ~~انفصام لها والله سميع عليم (256) الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور} فنزلت الآية ". {لا إكراه في الدين} فمن شاء منهم أن يدخل في ~~الإسلام، فليدخل ومن لم يشأ فلا إكراه في الدين. # وقال الشعبي: هذا في أهل الكتاب لا يجبرون على الإسلام إذا بذلوا الجزية. # وفيه قول ثالث: أنه كان في الابتداء، ثم صار منسوخا بآية القتال. # وقوله: {قد تبين الرشد من الغي} أي: الحق من الباطل، والإيمان من الكفر. # وقوله: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله} الطاغوت: هو الشيطان، وينطلق على ~~الواحد والعدد. وقيل: كل ما يعبد من دون الله فهو طاغوت. # وأما الطاغوت في قوله: {يريدون أن يتحكموا إلى الطاغوت} هو كعب بن الأشرف ~~خاصة. # وقوله: {فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} العروة: الكوز والدلو. ~~والمراد هاهنا بالعروة الوثقى: العقد الوثيق المحكم في الدين. # قال ابن عباس: أراد به كلمة لا إله إلا الله. قال مجاهد: أراد به ~~الإسلام. وقيل: هو القرآن ومعناه: فقد تمسك بتمسك. # {لا انفصام لها} أي: لا انقطاع لها {والله سميع} بدعائك إياهم إلى ~~الإسلام {عليم} بحرصك على إسلامهم. # PageV01P260 # قوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا} يعني: القيم عليهم بالنصر والمعونة ~~والمثوبة. # وقوله: {يخرجهم من الظلمات ms0156 إلى النور} يعني: من الكفر إلى الإسلام، وإنما ~~سمى الكفر ظلمات؛ لأن طريق الكفر مشتبه ملتبس. وإنما سمى الإسلام نورا لأن ~~طريقه بين واضح. # PageV01P260 # {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (257) ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن ~~آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت ~~قال} # وقوله: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} ~~أي: من الإسلام إلى الكفر. # فإن قال قائل: كيف يخرجونهم من الإسلام ولم يدخلوا فيه؟ قيل: هو في قوم ~~من المرتدين خاصة. # وقيل: هو على العموم؛ وذلك أنهم لما عدلوا وصرفوا عن الإسلام؛ فكأنهم ~~أخرجوا عنه، يقول الرجل لغيره: أخرجتني عن صلتك، أي: لم تعطني، ولم تصلني. # وقوله: {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ظاهر المعنى. # PageV01P261 # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} معناه: هل انتهى إليك ~~خبر الذي حاج إبراهيم وهو نمروذ؟ قاله قتادة. # وهو أول من تجبر في الأرض وادعى الربوبية. والمحاجة: المجادلة، ثم بين ~~المحاجة في سياق الآية. # قوله: {أن آتاه الله الملك} أي: كانت تلك المحاجة في الربوبية من نظر ~~الملك وطغيانه. # وقوله تعالى: {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت} وفي القصص: أن الناس ~~قحطوا على عهد نمروذ، وكانوا يتمارون من عنده الطعام، وكان إذا أتاه الرجل ~~في طلب الطعام يسأله من ربك؟ فإذا قال: أنت، باع منه الطعام، فجاء إليه ~~إبراهيم فيمن جاء يمتار الطعام، فقال له نمروذ: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ~~ويميت، فأشغل بالمحاجة ولم يعطه شيئا، فانصرف عنه إبراهيم، ومر بكثيب من ~~الرمل، فملأ منه الجواليق تطييبا لقلوب أهله، فلما بلغ منزله فإذا فيه ~~الدقيق. # PageV01P261 # {إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي ~~كفر والله لا يهدي القوم الظالمين (258) أو كالذي مر على قرية وهي خاوية ~~على} # وقوله تعالى: {قال أنا أحيي وأميت} هذا قول نمروذ حين قال له ms0157 إبراهيم: ~~ربى الذي يحيى ويميت. # قال سفيان: إنه دعا برجلين وجب القتل عليهما، فقتل أحدهما ولم يقتل ~~الآخر، فهذا إحياؤه وإماتته. # وقوله: {قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} ~~فإن قال قائل: لم انتقل إبراهيم من حجة إلى حجة، وهذا يكون عجزا؟ قيل: كانت ~~الحجة الأولى لازمة، ومعارضة نمروذ إياه كانت فاسدة؛ لأنه أراد به الحياة ~~والموت اختراعا، ولم يعارضه بمثله لكنه خاف أن يشتبه على السامعين، فأتى ~~بحجة أوضح من الأولى؛ مبالغة في الإلزام، وقطعا لشغب. # وقوله: {فبهت الذي كفر} أي: تحير بغلبة الحجة عليه. ومنه قول الشاعر: # (وما هو إلا أن أراها فجأة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب) # فإن قال قائل: كيف بهت وكان يمكنه أن يعارض إبراهيم فيقول له: سل أنت ربك ~~حتى يأتي بها من المغرب؟ قلنا: إنما لم يقله؛ لأنه خاف أن لو سأله ذلك دعا، ~~فأتى بها من المغرب؛ فكان زيادة في فضيحته وانقطاعه. # والصحيح أن الله صرفه عن تلك المعارضة إظهار للحجة عليه، ولتكون معجزة ~~لإبراهيم. # وقوله: {والله لا يهدي القوم الظالمين} ظاهر المعنى. # PageV01P262 # قوله تعالى: {أو كالذي مر على قرية} تقديره: ألم تر إلى الذي حاج ~~إبراهيم، وإلى الذي مر على قرية؟ # وقيل: تقديره: هل رأيت كالذي حاج إبراهيم، وكالذي مر على قرية؟ . # PageV01P262 # {عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه ~~قال كم} # واختلفوا في الذي مر على قرية، فقال قتادة: هو عزيز النبي. وقال وهب: هو ~~إرمياء النبي. وقال محمد بن إسحاق: هو الخضر عليهم السلام. # والصحيح: أنه كان عزيز النبي مر على قرية، يعني: على بيت المقدس. # وقوله: {وهي خاوية على عروشها} قيل: كانت السقوف ساقطة على الأرض، وكانت ~~الجدران متساقطة على السقوف، فهي الخاوية على عروشها. ومعناه: أنها كانت ~~خالية، وكان قد خربها، بختنصر الملك البابلي. # وقوله: {قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها} وفي القصة: أن عزيزا مر [بها] ~~وهو على حمار ومعه التين والعصير فقال: إني ms0158 يحيي هذه الله بعد موتها؟ ! # فإن قال قائل: كيف قال: أنى يحيى هذه الله بعد موتها، وهذا يكون سببه ~~الشك في قدرته؟ قيل: لم يكن شاكا فيه؛ وإنما قال ذلك استبعادا على ما يقال ~~في العادة، أي: لا يحي هذه الله بعد خرابها. # قال عطاء: دخل في قلبه ما يدخل في قلوب الناس. # وقوله: {فأماته الله مائة عام ثم بعثه} أي: أحياه، وإنما سمى الإحياء ~~بعثا؛ لأنه إذا أحيي يبتعث للأمور. # وفي القصة: أنه لما قال تلك المقالة غلبة النوم، فقبض الله روحه مئة عام، ~~وبعث ملكا عمر بيت المقدس في تلك الأعوام، ثم لما أحياه بعث إليه ملكا ~~فسأله: كم لبثت؟ # فهذا معنى قوله: {قال كم لبثت} وقوله: {قال لبثت يوما أبو بعض يوم} لأن ~~الله تعالى إنما أماته في أول النهار وبعثه في آخر النهار وقبل غروب الشمس، ~~فقال: # PageV01P263 # {لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك ~~وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف} ~~لبثت يوما، ثم نظر إلى الشمس لم تغرب بعد، فقال: أو بعض يوم {قال} يعني ~~الملك: {بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} أي: لم يتغير؛ ~~فإن التين الذي كان معه لم يتغير؛ كأنه قطف من ساعته، وكذلك العصير كأنه ~~عصر من ساعته. # قال الكسائي: لم يتسنه، معناه: كأنه لم تأت عليه السنون، وقطف من ساعته. # وقال مجاهد: معناه لم ينتن، ومنه قوله تعالى {من حمأ مسنون} . # وقيل: أصله لم يتسنن، فقلبت إحدى النونين هاء ومثله في كلام العرب كثير، ~~مثل: يتمطى كان في الأصل (يتمطط) ، فقلبت إحدى الطائين ياء. وقال الشاعر: ~~(يقضي البازي إذا البازي انكسر ... ) # وكان في الأصل: (يقضض البازي) . # وقوله: {وانظر إلى حمارك} قيل: فنظر إليه، فإذا عظام بيض تلوح نخرة فركب ~~الله تعالى العظام بعضها على بعض، وجعله حمارا من عظام، ثم أدخل فيه الدم، ~~ثم كساه الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فقام الحمار ms0159 ونهق، وهو ينظر إليه، فهذا ~~معنى قوله: {ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها} يقرأ بقرائتين ~~بالراء: نحييها، وبالزاي: يركب بعضها على بعض، من النشز، وهو الارتفاع. # وقوله: {ثم نكسوها لحما} في الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: وانظر إلى ~~حمارك، وانظر إلى العظام كيف ننشزها، ثم نكسوها لحما لنحييها. # PageV01P264 # {ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ~~(259) وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ~~ولكن} # وقوله: {ولنجعلك آية للناس} وبيان الآية فيه: أنه بعث شابا، وابنه شيخ. # قال علي رضي الله عنه: أماته الله وهو ابن خمسين سنة وامرأته حامل، ثم ~~بعث بعد مئة سنة وهو ابن خمسين، وابنه [ابن] مئة سنة. # وقوله: {فلما تبين له قال أعلم} فلما ظهرت له قدرة الله تعالى على عمارة ~~بيت المقدس، وإحياء الموتى {قال أعلم} يقرأ بقراءتين: على الخبر، وعلى ~~الأمر، أما على الخبر فمعناه: علمت أن الله على كل شيء قدير، وأما على ~~الأمر قال لنفسه: {أعلم أن الله على كل شيء قدير} . # PageV01P265 # قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى} قيل: سبب سؤاله ~~ذلك: أن إبراهيم مر على حيوان على شط البحر مزقته السباع والوحش، وكان يأكل ~~منه حيتان البحر، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى. # وفيه قول آخر: أنه لما حجه نمروذ في إحياء الموتى؛ أراد أن يعرف بالعيان ~~ما آمن به بالخبر والاستدلال. # وقوله تعالى: {قال أو لم تؤمن} يعني: قد آمنت فلم تسأل؟ وهذا مثل قول ~~الشاعر: # (ألستم خير من ركب المطايا ... ) # يعني: أنتم كذلك. # وقوله: {قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} فإن قال قائل: أكان إبراهيم شاكا فيه # PageV01P265 # {ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل ~~منهن} حتى احتاج إلى السؤال، وما معنى قوله عليه السلام: " نحن أحق بالشك ~~من إبراهيم "؟ والجواب: أنه لم يكن شاكا فيه، ولكنه إنما آمن بالخبر ~~والاستدلال، فأراد أن يعرفه عيانا. # قال ms0160 عكرمة: ليزداد يقينا على يقين؛ لأن العيان فوق الخبر في ارتفاع ~~العلم. وقد قال عليه السلام: " ليس الخبر كالمعاينة ". # وأما قوله: {ولكن ليطمئن قلبي} ؛ وذلك أنه لما سأل ذلك تعلق به قلبه، ~~فقال: ولكن ليطمئن قلبي عن ذلك التعلق. # وقيل: إنما قال ذلك لأن الله تعالى لما اتخذه خليلا، قال ملك الموت: يا ~~رب، ائذن لي حتى أبشره؛ فبشره بأن الله اتخذك خليلا فأراد أن يريه الله ~~إحياء الموتى تخصيصا له بكرامته؛ ليطمئن قلبه بالخلة. # وقيل معناه: ولكن ليطمئن قلبي، فأعرف أني إذا سألتك أعطيتني، وإذا دعوتك ~~أجبتني. وأما قوله: " نحن أحق بالشك من إبراهيم " إنما قاله على سبيل ~~التواضع، يعني: نحن دونه، وأحق بالشك منه، فإذا لمن نشك نحن فكيف يشك ~~إبراهيم؟ # وقوله تعالى: {قال فخذ أربعة من الطير} قيل: هي الطاووس، والديك، ~~والحمامة، والغراب. # PageV01P266 # {جزاءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260) مثل الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة ~~حبة والله} # وقوله تعالى: {فصرهن إليك} أي: فضمهن إليك. وقرأ حمزة بكسر الصاد. # وفيه تقديم وتأخير، وتقديره: فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن، أي: فقطعن، # وقوله: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} قيل: جعلها على أربعة أجبل. # وقال السدى: على سبعة أجبل، وقال ابن عباس: على أربعة أرباع العالم، جزءا ~~على جبل بجانب الشرق، وجزءا على جبل جانب الغرب، وجزءا على الشمال، وجزءا ~~على الجنوب. # وفيه قول آخر: أنه أراد بقوله: {اجعل على كل جبل منهن جزءا} أي: عشرا، ~~وكان على عشرة أجبل؛ حتى ذهب بعض العلماء من هذا إلى أنه لو أوصى الإنسان ~~بجزء من ماله ينصرف إلى العشر. # وقوله: {ثم ادعهن يأتينك سعيا} وفي القصة: أنه جزء تلك الطيور الأربعة، ~~وخلط اللحم باللحم، والريش بالريش، والعظم بالعظم، وجعلها على الأجبل. # وقيل: دقه بالهاون وأخذ رءوسهن بين أصابعه، وقيل: مناقيرهن، ثم دعاهن؛ ~~فكان يطير الريش إلى الريش، واللحم إلى اللحم، والدم إلى الدم، ويركب بعضها ~~على ms0161 بعض، وأتين ساعيات إلى رءوسهن. # وقوله تعالى: {واعلم أن الله عزيز حكيم} ظاهر المعنى. # PageV01P267 # قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} قيل: سبيل الله: ~~الجهاد. # PageV01P267 # {يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم} # وقيل: جميع أبواب الخير سبيل الله. # وقوله: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة} ضربه مثلا ~~للمتقين وما وعد من الثواب على الإنفاق. # فإن قال قائل: كيف ضرب المثل به، وهل يتصور في كل سنبلة مئة حبة؟ # قيل: لما كان ذلك متصورا في الجملة، صح ضرب المثل به وإن لم يعرف، ومثله ~~ما قاله امرؤ القيس: # (ومسنونة زرق كأنياب أغوال ... ) # وناب الغول لا يعرف، ولكن لما تصور وجوده بالجملة مثل به. وقيل: هو يتصور ~~في سنبلة الدخن ونحوه. # وقوله: {والله يضاعف لمن يشاء} قيل: معناه: يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء. ~~وقيل: معناه يضاعف على هذا ويزيد لمن يشاء. # وقوله: {والله واسع} أي: واسع الفضل والرحمة والقدرة، يعطي عن سعة. # وقوله: {عليم} أي: عليم بنية من يعطي. # PageV01P268 # قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا ~~منا ولا أذى} أما المن: فهو أن يقول للفقير: أعطيتك كذا، وصنعت بك كذا، ~~فيعدد عليه نعمه، وأما الأذى: فهو أن يعير الفقير، فيقول له: إلى كم تسأل، ~~وكم تؤذيني فلا زلت فقيرا ونحو ذلك. # وقيل: من الأذى: أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يريد أن يعرف. # وقوله: {لهم أجرهم عند ربهم} أي: ثوابهم، وقوله: {ولا خوف عليهم} # PageV01P268 # {يحزنون (262) قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم ~~(263) يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله ~~رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه ~~وابل} ولا يخافون فوات الثواب، وقوله: {ولا هم يحزنون} أي: على ما أنفقوا ~~إذا رأوا الثواب. ms0162 # PageV01P269 # قوله تعالى: {قول معروف} قال الحسن: هو القول الجميل. # وقيل: هو أن يعطيه ويبرك له، فيقول: بارك الله لك فيه، أو يمنعه ويدعو ~~له. # وقوله: {ومغفرة} هو: أن تستر خلته، ولا تهتك ستره. # وقيل: هو أن تعفو عن الفقير إن بدرت منه مساءة أو أذى. # وقوله: {خير من صدقة يتبعها أذى} يقول: ذلك القول المعروف، وتلك المغفرة، ~~خير من صدقة يتبعها أذى. # وقوله: {والله غني} أي: مستغن عن صدقاتكم. وقوله: {حليم} أي: لا يعجل ~~بالعقوبة إذا منعتم الصدقة. # PageV01P269 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} قد ~~ذكرنا معناهما. # وقيل: المن في الصدقة بمنزلة الحدث في الصلاة، يبطلها ويحبطها. # وقوله: {كالذي ينفق ماله رئاء الناس} أي: كإبطال الذي ينفق ماله رئاء ~~الناس؛ لأن الرياء يبطل الصدقة ويحبطها. # وقوله: {ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} يعني: النفقة مع الرياء ليس من فعل ~~المؤمنين. # وفي الجملة كل من أتى بالصدقة تقربا إلى مخلوق فلا يكون مؤمنا. # PageV01P269 # {فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ~~(264) ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل ~~جنة} # وقوله: {فمثله كمثل صفوان عليه تراب} الصفوان: الحجر الصلد الأملس. # وقوله: {فأصابه وابل} الوابل: المطر الشديد العظام القطر. # وقوله: {فتركه صلدا} أي: أملس {لا يقدرون على شيء مما كسبوا} ومعنى هذا ~~المثل: أن الذي يرائي بالإنفاق يفرق نفقته، ولا يفوز بشيء من الثواب، ~~كالتراب الذي يكون على الحجر فيصيبه الوابل؛ فيفوت الذي عليه، ويبقى أملس، ~~بحيث لا يقدر على شيء منه. # وقوله: {والله لا يهدي القوم الكافرين} ظاهر المعنى. # PageV01P270 # قوله تعالى: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله} أي: خالصا ~~لوجه الله. # وقوله: {وتثبيتا من أنفسهم} قال قتادة: هو أن يكون محتسبا بالإنفاق. # وقال الحسن: هو أن يثبت من نفسه حتى إن كانت نيته أن يتصدق لله يفعل، وإن ~~كانت نيته غيره يمسك، وقال الكلبي، والشعبي: هو أن يتصدق على يقين بالثواب، ~~وتصديق بوعد الله فيه. # وقوله: {كمثل جنة ms0163 بربوة} الجنة: البستان. والربوة: المكان المرتفع. # وقوله: {أصابها وابل} كما ذكرنا. وقوله: {فآتت أكلها ضعفين} أي: ثمرها ~~ضعف ما تؤتى غيرها. قوله: {فإن لم يصبها وابل فطل} الطل: المطر الخفيف ~~الصغار القطر، ويكون دائما. # ومعنى هذا المثل: أن الذي ينفق خالصا لوجه الله تعالى لا تخلف نفقته، بل ~~تنمو وتزكو بكل حال: كما أن الجنة التي على الربوة لا تخلف، بل تنمو وتزكوا ~~بكل حال سواء أصابها الوابل، أو أصابها الطل؛ وذلك أن الطل إذا كان يدوم ~~يعمل عمل # PageV01P270 # {بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما ~~تعملون بصير (265) أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها ~~الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار ~~فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) يا أيها ~~الذين} # الوابل الشديد. # وقوله: {والله بما تعملون بصير} ظاهر المعنى. # PageV01P271 # قوله تعالى: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها ~~الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء} أي صغارا. # {فأصابها إعصارا فيه نار فاحترقت} الإعصار: ريح ترتفع كالعمود نحو ~~السماء، تسميه العرب، وسائر الناس: زوبعة، ومنه قول الشاعر: # (إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا ... ) # وأما معنى الآية: روى أن عمر - رضي الله عنه - سأل الصحابة عن معنى هذه ~~الآية، فقالوا: الله أعلم، فغضب عمر، وقال: قولوا: نعلم، أو لا نعلم، ونحن ~~نعلم أن الله يعلم؛ فسكتوا، وكان ابن عباس فيهم فقال: في قلبي شيء، فقال له ~~عمر: قل، ولا تحقر نفسك، ضرب مثلا لعمل. وروى تمام الكلام فيه. - ثم ~~اختلفوا، منهم من قال: تمام الكلام من عمر، ومنهم من قال: تمام الكلام من ~~ابن عباس - # وتمامه: أن الله تعالى ضرب هذا مثلا للذي يعمل طول عمره عملا، ثم يحبطه ~~برياء أو بشيء في آخر عمره، فيفوته ذلك، ولا ينفعه في أحوج حال يكون إليه؛ ~~كالذي له بستان ذات أشجار، وثمار وأنهار، ms0164 فيدركه الكبر، وله عيلة كبيرة ~~وأولاده صغار، فلما قرب إدراكه واحتاج إليه، أصابته نار فأحرقته، فيفوته ~~ذلك (ولا ينفق) في أحوج حال يكون إليه. # PageV01P271 # {آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني ~~حميد (267) } # قوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} . ظاهر المعنى. # PageV01P272 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} أي: من حلال ~~ما كسبتم، وفي هذا دلالة على أن الكسب يتنوع إلى الطيب، والخبيث. # وقوله: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} قيل: هو الأمر بإخراج العشور. # وقيل: هو أمر بإخراج الحقوق التي كانت واجبة في نبات الأرض في الابتداء، ~~ثم صارت منسوخة بآيات الزكاة. # وقيل: هو في صدقات التطوع. # وقوله: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} أم، وتيمم: إذا قصد. وأراد ~~بالخبيث: الرديء هاهنا، أي: ولا تقصدوا الرديء منه تنفقون. # وسبب نزول الآية: " ما روى أن أصحاب النخيل على عهد رسول الله كانوا ~~يأتون بقنو فيعلقونه في المسجد؛ ليأكله الفقراء، فجاء رجل بقنو حشف أراد ما ~~يكون، وعلقه، فلم يرضه رسول الله ونزلت الآية: {ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون} ". # وقوله: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} إلا أن تسامحوا وتساهلوا في ~~أخذه، ومعناه: أن الحق لو كان لكم على غيركم، فجاء به رديئا لا تأخذونه إلا ~~بإغماض فيه، فتعتقدون أنكم تركتم بعض حقكم وأغمصتم. # وقوله: {وأعلموا أن الله غني} يعطي عن غنى (حميد) محمود الغنى، وفيه دليل ~~على أن الغنى لغير الله مذموم. # وقيل: الحميد: المستحق للحمد. # PageV01P272 # {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ~~والله واسع عليم (268) يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا} # PageV01P273 # قوله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر} يخوفكم بالفقر، والباء محذوفة. # وقوله: {ويأمركم بالفحشاء} أي: بأن لا تتصدقوا وتبخلوا، ومنه قول طرفة: # (عقيلة مال الفاحش المتشدد ... ) # أي: البخيل المتشدد. # والبخل داء عظيم، قال " ولا داء أدوى من البخل ". # وقوله: {والله يعدكم ms0165 مغفرة منه وفضلا} مغفرة، أي: عفو الله، وفضلا: ~~بالثواب. # وقوله: {والله واسع عليم} وقد ذكرنا معناهما. # PageV01P273 # وقوله تعالى: {يؤتي الحكمة من يشاء} قال ابن عباس: وهو حكمة القرآن، وهو ~~أن يعرف ناسخه ومنسوخه، ومقدمه ومؤخره، ومحكمه ومتشابهه، وحرامه وحلاله، ~~وأمثاله. # وقيل: هو الفقه في الدين. # وقال إبراهيم النخعي: هو معرفة معاني الأشياء وفهمها. # وفيه قول رابع: هو الإصابة، فعلا وقولا. # وقوله: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب} ~~. # قرأ يعقوب: " ومن يؤت " بكسر التاء يعني: ومن يؤته الله الحكمة. # PageV01P273 # {كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب (269) وما أنفقتم من نفقة أو أنذرتم ~~من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار (270) إن تبدوا الصدقات فنعما ~~هي وإن تخفوها} # قيل: هذه الحكمة: هي الكتابة، ومعرفة الخط. # وقيل: هي العقل. وقيل الأمانة. # {وما يذكر إلا أولوا الألباب} أي: وما يتفكر إلا أولوا العقول. # PageV01P274 # قوله تعالى: {وما أنفقتم من نفقة أو أنذرتم} فيه قولان: أحدهما: أن ~~المراد بالنفقة: الزكاة المفروضة، وأما النذر: هو أن ينوي عمل الخير، وصدقة ~~التطوع. # والقول الثاني: أن النفقة هي صدقة التطوع، وأما النذر هو ما عرف من نذر ~~اللسان؛ وهو أن يوجب التصدق على نفسه. # وقوله: {فإن الله يعلمه} أي: يجازي. وقال مجاهد: يحصيه. # وقوله: {وما للظالمين} أي: الذين يتصدقون من الغصب والنهب. {من أنصار} ~~جمع النصير، أي: ما لهم من ينصر ويمنع من العذاب. # PageV01P274 # قوله تعالى: {أن تبدوا الصدقات} معناه: إن تظهروا. {فنعما هي} يقرأ ~~بالقراءات بفتح النون، وكسر العين، ويقرأ: بكسرهما، وقرأ أبو عمرو: بكسر ~~النون وجزم العين، ولم يرض ذلك منه نحاة البصرة، وقالوا فيه التقاء ~~الساكنين، واستشهد أبو عمرو بقوله لعمرو بن العاص: " نعم المال الصالح ~~للرجل الصالح " والكل في المعنى سواء، ومعناه: نعم خلة، هي أو نعم شيء هو. # قوله: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} قيل: هذا في صدقات # PageV01P274 # {وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون ~~خبير} # التطوع، والإخفاء فيها أفضل، وقد ms0166 روى عن النبي " أنه قال: صدقة السر تفضل ~~صدقة العلانية بسبعين ضعفا ". # وإما الزكاة المفروضة: فالإظهار فيها أفضل، وقد قال " صدقة العلانية تفضل ~~صدقة السر بخمس وعشرين "، وهذا في الزكاة، والأول في التطوعات. # وقيل: الآية في الزكاة المفروضة، وكان الإخفاء خيرا في الكل على عهد رسول ~~الله فأما في زمننا فالإظهار خير في الزكاة لسوء الزمان، كيلا يساء الظن ~~به. # وقوله: {ويكفر عنكم} يقرأ: بالنون، والياء: ويقرأ: بالرفع، والجزم {من ~~سيئاتكم} قيل: من صلة فيه. وتقديره: ويكفر عنكم سيئاتكم، فعلى هذا يكون ~~شاملا للصغائر، والكبائر. # وفيه قول آخر: أن " من " على التحقيق، والتفكير بالصدقات يكون من الصغائر ~~فأما الكبائر فإنما تكفرها التوبة. # والأول أقرب إلى أهل السنة، وقد قال النبي: " صدقة السر تطفئ غضب الرب ". # وقوله: {والله بما تعملون خبير} هذا ظاهر المعنى. # PageV01P275 # ( {271) ليس عليكم هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون (272) للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا ~~في} # PageV01P276 # قوله تعالى: {ليس عليكم هداهم} ليس المراد به: هداية الدعوة، فإنها عليه ~~حتم، وإنما المراد به: هداية التوفيق. # قال سعيد بن جبير: " سبب نزول الآية ما روى: أن النبي نهى عن التصديق على ~~المشتركين، وإنما كان نهى عنه، كي تحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام ~~فنزلت الآية فأمر النبي - بالتصدق على أهل الأديان كلها ". # ومعناه: ليس عليك هداهم، بأن تلجئهم وتحملهم على الدخول في الإسلام، ~~{ولكن الله يهدي من يشاء} أي يوفق من يشاء، ويخذل من يشاء. # قوله: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} أي: تعلمونه لأنفسكم. # قوله: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} هذا خبر بمعنى الأمر، أي: أنفقوا ~~لوجه الله، ومعناه: ابتغاء مرضاة الله. # وقيل: هو على المبالغة، فإن قول الرجل: عملت لوجه فلان. أبلغ وأشرف من ~~قوله: عملت لفلان، فذكرنا شرف اللفظين. # وقوله: {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} أي: يوفر عليكم ثوابه. # {وأنتم لا تظلمون} ظاهر. ms0167 # PageV01P276 # قوله تعالى: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} يعني: تلك الصدقات التي ~~سبق ذكرها للفقراء. # قال مجاهد: أراد به فقراء المهاجرين من مكة. # وأما قوله: {أحصروا في سبيل الله} فيه ثلاثة أقوال: # [أحدها] : قال ابن عباس: يعني: حبسهم العدو والفقر عن سبيل الله والجهاد، ~~فصاروا محصورين عنه. # PageV01P276 # {الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس ~~إلحافا} # وقال سعيد بن المسيب: أراد به: أنهم خرجوا إلى الحرب، فأصابتهم جراحات، ~~فصاروا محصرين عن الجهاد بسبب الجراحات. # وقال قتادة - وهو أحسن الأقوال -: معناه: أنهم حبسوا أنفسهم على الجهاد ~~في سبيل الله، وتركوا الخروج للتجارة والمعاش، ووقفوا أنفسهم على الحرب. # وقد ورد ذلك في أهل الصفة، كانوا قريبا من أربعمائة نفر، اجتمعوا في مسجد ~~رسول الله وكانوا لا يأوون إلى أهل ولا إلى مال، وكان يبعث الناس إليهم ~~بفضل قوتهم، وكانوا وقفوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، وقالوا: لا تخرج ~~سرية إلا ونخرج معها، فهذا معنى قوله: {أحصروا في سبيل الله} . # وقوله: {لا يستطيعون ضربا في الأرض} هذا على القولين الأولين يرجع إلى ~~الضرب في الأرض للجهاد. # وعلى القول الثالث: هو الضرب في الأرض للمعاش والتجارة. # وقوله: {يحسبهم الجاهل} قال قال مجاهد: ليس المراد بهذا الجاهل خلاف ~~العالم وإنما هو الذي لا خبرة له ولا معرفة بحالهم. # وقوله: {أغنياء من التعفف} يعني: من القناعة التي لهم يظنهم من لم يعرفهم ~~أغنياء. # قوله: {تعرفهم بسيماهم} قيل: بالتخشع الذي كان لهم. # وقال الضحاك: بصفرة الألوان. # وقال ابن زيد: برثاثة الثياب. # وقيل: أثر الجوع والجهد. # وقوله: (لا يسألون الناس إلحافا) أي: إلحاحا. # PageV01P277 # {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم (273) الذين ينفقون أموالهم بالليل ~~والنهار سرا} # وقيل: أصله من إلحاف؛ فالإلحاف: السؤال على العموم، كأنه يسأل كل من ~~يلقى. # وفيه قول آخر: أنه أراد به ترك السؤال أصلا؛ فإنه إذا سأل فقد ألحف، ~~يعنى: لا يسألون أصلا. # والدليل عليه أنه قال: {أغنياء من التعفف} وإذا سأل لا يكون متعففا، وقد ~~روى عن النبي ms0168 أنه قال: " من سأل وعنده أوقية فقد ألحف ". يعني: عنده أربعون ~~درهما. # وروى عن النبي أنه قال: " لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره، خير له ~~من يسأل الناس أعطى أو منع ". # وقوله: {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} ظاهر المعنى. # PageV01P278 # وقوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} . # قال ابن عباس: هذا في علي ابن أبي طالب، كانت له أربعة دراهم، فتصدق ~~بدرهم بالليل، ودرهم بالنهار، ودرهم في السر، ودرهم في (العلن) ؛ فنزلت ~~الآية رضا بفعله، وثناء عليه. # وقيل: أراد بالنفقة هاهنا: النفقة على الخيل في سبيل الله؛ فإنها تعتلف ~~من تلك النفقة ليلا ونهارا، وسرا وعلانية؛ والنفقة على الخيل في سبيل الله ~~باب عظيم في # PageV01P278 # {وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) الذين ~~يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك ~~بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} # الخير. وقد ورد في الحديث: " أنه يؤجر بأوراثها وأبوالها ". # وقوله تعالى: {فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ظاهر ~~المعنى. # PageV01P279 # قوله تعالى: {الذين يأكلون الربا} أي: يأخذون، فعبر بالأكل عن الأخذ؛ ~~لأنه يؤخذ ليؤكل. # وقوله: {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} . # الخبط: ضرب على غير استواء، يقال: فلان يخبط خبط عشواء، إذا كان يسلك ~~طريقا لا يهتدي إليه. ومنه قول الشاعر: # (رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطيء يعمر فيهرم) # ومعناه: أن آكل الربا يحشر يوم القيامة كمثل السكران، يقوم تارة، ويقع ~~أخرى. # وقيل: هو من تخبط الشيطان، وذلك [أن] يدخل الإنسان فيصرعه. # والمس: الجنون، والخبط: أول الجنون، ومعناه: أنه يحشر يوم القيامة كمثل ~~المصروع؛ وذلك علامة أكلة الربا يوم القيامة. # وقوله: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} . أراد بهم ثقيف؛ فإنهم ~~قالوا إنما البيع مثل الربا. # PageV01P279 # {وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار ms0169 هم فيها خالدون (275) يمحق ~~الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (277) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن} # {وأحل الله البيع وحرم الربا} هذا جوابهم. # وقوله: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى} يعني من أكل الربا. # {فله ما سلف} أي: مغفورا له ما سلف منه {وأمره إلى الله ومن عاد} إلى أكل ~~الربا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} . # PageV01P280 # قوله تعالى: {يمحق الله الربا} أي: يذهب بركة المال؛ فإن للحلال بركة، ~~وليست للحرام بركة. # وقيل: معناه: يبطل الصدقة من الربا {ويربي الصدقات} ويكثر الصدقات {والله ~~لا يحب كل كفار أثيم} فالكفار: عظيم الكفران، والأثيم: كثير الإثم. # PageV01P280 # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وقد سبق تفسيره. # PageV01P280 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين} . نزل هذا في ثقيف وبنى مخزوم تنازعوا إلى عتاب بن أسيد قاضي ~~مكة فقالت ثقيف إنما أسلمنا على أن ما علينا من الربا موضوع وما لنا باقي ~~فكتب بذلك عتاب إلى رسول الله فنزلت الآية، فبعث رسول الله بالآية إلى عتاب ~~ليقرأ عليهم ". # وقوله: {إن كنتم مؤمنين} يعني: ترك الربا من فعل المؤمنين ". # PageV01P280 # {لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير ~~لكم إن كنتم} # وقيل: معناه: إذا كنتم مؤمنين. # والآية في إبطال ربا الجاهلية؛ وذلك أنهم كانوا يدينون الناس بشرط أن ~~يزيدوا في الدين عند الأداء، وكان يقرض الرجل غيره، ويضرب له أجلا، ثم عند ~~حلول الأجل يقول له: زدني في الدين حتى أزيدك في الأجل، فهذا كان ربا ~~الجاهلية وهو حرام. # PageV01P281 # وقوله تعالى: {فإن لم ms0170 تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} أي: فأيقنوا ~~به. # ويقرأ ممدودا: " فآذنوا بحرب من الله " أي: أعلموا غيركم أن يتركوا ~~الربا، إنكم حرب الله ورسوله، فإذا علمتم فقد علمتم. # {وإن تبتم} أي: تركتم استحلال الربا، ورجعتم عنه {فلكم رءوس أموالكم} ~~أبطال الزيادة، وجعل لهم أصل المال. # وإنما قال: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} لأنهم ما داموا على استحلال ~~الربا كان ما لهم فيئا ليس لهم أصله ولا فرعه. # {لا تظلمون ولا تظلمون} أي: لا تظلمون بطلب الزيادة، ولا تظلمون بنقصان ~~حقكم في أصل المال. # PageV01P281 # قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظر إلى ميسرة} قرأ: أبي بن كعب: " وإن ~~كان من عليه الدين ذا عسرة ". وقرأ عطاء: " فناظرة إلى ميسرة ". # والمعروف: {وإن كان ذو عسرة} أي: وإن وقع ذو عسرة، أو وإن كان ذو عسرة ~~غريما لكم، فنظر إلى ميسرة، أي: فأنظروه إلى اليسار. # وقرأ نافع: " إلى ميسرة " بضم السين، وهو مثل الأول في المعنى. # PageV01P281 # {تعلمون (280) واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون (281) يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه وليكتب} # وروى أبو اليسر عن النبي - عليه السلام - أنه قال: " من أنظر معسرا أظله ~~الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ". # وروى أبو هريرة عن النبي أنه قال: " كان فيمن قبلكم رجل يداين الناس فقال ~~لفتاه: إذا كان معسرا فتجاوز عنه؛ لعل الله يتجاوز عنا، فلقى الله فتجاوز ~~عنه ". # والخبر في الصحاح. # {وإن تصدقوا} يعني بترك أصل المال الذي أعطيتموه قرضا. {خير لكم إن كنتم ~~تعلمون} . # PageV01P282 # قوله - تعالى: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} . قال ابن عباس: هذه ~~آخر آية نزلت على رسول الله. # قال ابن جريج: إنما عاش بعدها سبع ليال، وفي رواية تسع ليال. # ويروى أن جبريل - صلوات الله عليه - لما نزل بهذه الآية قال: ضعها على ~~رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة، وهذه الآية مسجلة سجلها الله على ~~الخلق كافة. # {ثم توفى كل نفس ms0171 ما كسبت وهم لا يظلمون} وهو ظاهر المعنى. # PageV01P282 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} قال ابن عباس: أشهد ~~أن السلف المضمون المؤجل في كتاب الله، قد أنزل فيه أطول آية، وتلا هذه ~~الآية. # وقوله: {تداينتم بدين} أي: تعاملتم بالدين، يقال: داينته، إذا عاملته ~~بالدين. # فإن قيل: قوله: {تداينتم} يغني عن المعاملة بالدين، فلم قال: تداينتم ~~بدين؟ قيل: لأن العرب تقول: تداينا - أي: تعاطينا وتجازينا، وإن لم يكن في ~~الدين؛ فقال: # PageV01P282 # ( {بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل ~~الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق ~~سفيها أو ضعيفا أو لا} تداينتم بدين) ليعرف المعنى المراد من اللفظ، ويحتمل ~~أنه قاله تأكيدا. {إلى أجل مسمى} الأجل: مدة معلومة الأول والآخر، وهذا ~~يشتمل على الأجل في السلم، والأجل في الثمن، والأجل في القرض، ولم يجوز ~~أكثر العلماء الأجل في القرض، وجوزه بعضهم. # {فاكتبوه} قيل: هو على الوجوب، وهو قول مجاهد. # وقال الشعبي: إنما يجب الكتب إذا وجد ممن يكتب، والأصح أنه على الندب. # وقال أبو سعيد الخدري: هذا الأمر منسوخ بقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا ~~فليؤد الذي أؤتمن أمانته} . # وقوله: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} . الكتابة بالعدل هو: أن يكتب من غير ~~زيادة ولا نقصان، ولا تقديم في الأجل ولا تأخير. # {ولا يأب كاتب أن يكتب} قيل: الكتابة واجبة على الكتبة لظاهر الآية، ~~والأصح أنه على الندب. # {كما علمه الله فليكتب} أي: كما شرعه الله، فليكتب. # {وليملل الذي عليه الحق} الإملال والإملاء بمعنى واحد. # والإملال لغة قريش وبني أسد، والإملاء: لغة قيس وتميم، وهما مذكوران في ~~القرآن. فالإملال ها هنا والإملاء في قوله: {فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} . # {وليتق الله ربه} يعنى المملى {ولا يبخس منه شيئا} ، ولا ينقص من الحق ~~شيئا. # وقوله: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا} أما السفيه: قال مجاهد: # PageV01P283 # {يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم ms0172 فإن لم ~~يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تظل إحداهما فتذكر ~~إحداهما} # الجاهل. # وقال الزجاج: هو خفيف العقل، ويشتمل هذا على: المرأة، والصغير ونحوه، ~~ومنه قول الشاعر: # (مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم) # وقيل: السفيه: الصغير ومذهب الشافعي: أنه المبذر المفسد لماله. # وأما الضعيف: هو ضعيف العقل من عته، أو جنون. # {أو لا يستطيع أن يمل هو} أي: لا يقدر على الإملال من خرس، أو عمى. # {فليملل وليه بالعدل} يعنى: ولى هؤلاء. # أما من لم يجوز الحجر على السفيه - كالنخعي، وابن سرين، وغيرهما - قالوا: ~~أراد بالولى: صاحب الحق، يعني: إن عجز من عليه الحق من الإملال فليملل الذي ~~له الحق. # {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} أي: وأشهدوا. # {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} يعني: فإن لم يكن الشاهدان رجلين ~~فرجل وامرأتان. # {ممن ترضون من الشهداء} وهم أهل الفضل والدين، قاله ابن عباس. {أن تضل ~~إحداهما} أن تنسى وتغفل إحداهما، وذلك بأن يغيب حفظها عن الشهادة، أو تغيب ~~الشهادة عن الحفظ. # {فتذكر إحداهما الأخرى} وذلك بأن تقول: ألسنا حضرنا مجلس كذا؟ ألم نسمع ~~كيت وكيت؟ # PageV01P284 # {الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو ~~كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن ~~تكون تجارة حاضرة} # وقرأ حمزة: " إن تضل فتذكر إحداهما الأخرى " على الشرط. # قال سفيان بن عيينة: فتذكر إحداهما الأخرى، معناه: تجعل إحداهما الأخرى ~~ذكرا، أي: يقومان مقام الذكر، والأول أصح. # {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} قيل: أراد به: إذا ما دعوا للتحمل، وإنما ~~سماهم شهداء على معنى أنهم يكونوا شهداء. وقيل: هو الدعاء إلى الشهادة. # {ولا تسأموا} أي: لا تملوا {أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله} يعنى: ~~الذي قل أو كثر. # {ذلكم أقسط عند الله} أعدل عند الله {وأقوم للشهادة} لأن الكتبة تذكر ~~الشهود. # {وأدنى ألا ترتابوا} أي: أن لا تشكوا {إلا أن تكون تجارة حاضرة} قرأ: بضم ~~التاء على اسم كان، ms0173 وقرأ بفتح التاء، يعني: إلا أن تكون التجارة تجارة ~~حاضرة، ومثله قول الشاعر: # (فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا) # يعني: إذا كان اليوم يوما. # {تديرونها بينكم} يعني: إذا كانت التجارة يدا بيد. # PageV01P285 # {تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا ~~يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله ~~والله بكل شيء عليم (282) وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ~~فإن آمن بعضكم بعضا} # {فليس عليكم جناح ألا تكتبوا وأشهدوا إذا تبايعتم} أمر به استحبابا. # {ولا يضار كاتب ولا شهيد} قرأ عمر: " ولا يضارر " وقرأ ابن مسعود " ولا ~~يضارر " والمعروف: {ولا يضار} ، وهذا يحتمل أن يكون نهيا للكاتب والشاهد عن ~~الإضرار، ويحتمل أن يكون نهيا للمملى والداعي. # فأما إضرار الشهود والكاتب: أن يأبى الكتابة والشهادة إذا دعي إليها. ~~وأما الإضرار بالكاتب والشهود: أن يدعوه وهو مشغول، فيمنعه من شغله. # قوله تعالى: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} أي: معصية منكم (واتقوا الله ~~ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم) . # PageV01P286 # قوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا} . قرأ عطاء: " ولم تجدوا ~~كتابا " وهو جمع الكاتب، كما يقال: قائم وقيام، ونائم ونيام. # {فرهن مقبوضة} ويقرأ: " فرهان " مقبوضة والمعنى واحد. # وحكم الرهن معلوم، وليس ذكر السفر، وعدم الكاتب على سبيل الشرط في جواز ~~الرهن؛ وإنما خرج الكلام على الأعم الأغلب. # {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} يعني: إن ائتمنه في الدين ~~فليقضه على الأمانة. # {وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة} نهى الشهود عن كتمان الشهادة، وهو # PageV01P286 # {فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها ~~فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم (283) لله ما في السموات ما في الأرض ~~وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء والله على كل} # حرام. # {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} قيل: ما أوعد الله تعالى على شيء كإيعاده على ms0174 ~~كتمان الشهادة، فإنه قال: {فإنه آثم قلبه} وأراد به مسخ القلب، ونعوذ بالله ~~{والله بما تعملون عليم} # PageV01P287 # قوله تعالى: {لله ما في السموات وما في الأرض} ملكا وملكا. {وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} هذا منسوخ؛ فإنه روى: لما نزلت هذه ~~الآية شق ذلك على المسلمين وقالوا: يحاسبنا الله بما نحدث به أنفسنا؟ ! ~~وبقوا في ذلك حولا كاملا؛ فنزل قوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ~~فصار هذا منسوخا به. # هذا قول أبي هريرة، وابن مسعود، (وابن عمر) ، وفي إحدى الروايتين عن أبن ~~عباس. # وقد قال النبي: " إن الله تعالى عفى عن أمتي ما حدثت به أنفسها؛ ما لم ~~تعمل أو تكلم به " أي: تتكلم به ". # وقال أهل الأصول: هذا ليس بمنسوخ؛ لأن قوله: {يحاسبكم به الله} خبر، ~~والنسخ لا يرد على الأخبار، وإنما يرد على الأوامر والنواهي. # وقد روى الوالبي، عن ابن عباس - في الرواية الثانية - أن معنى قوله: ~~{يحاسبكم به الله} أي: يعلمكم به، أي: لا يخفي عليه شيء من ذلك. # PageV01P287 # {شيء قدير (284) أمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير (285) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ~~ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا ~~كما حملته على الذين من قبلنا} # {فيغفر لمن يشاء} أي: يغفر للمؤمنين {ويعذب من يشاء} يعني: الكافرين ~~{والله على كل شيء قدير} . # PageV01P288 # قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} لأنه ذكر ~~الآيات والأحكام، ثم قال: آمن الرسول بذلك كله. # {والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} ~~وقرأ يعقوب: " لا يفرق " بالياء، أي لا يفرق الرسول بين أحد من رسله. # {وقالوا سمعنا وأطعنا} أي: قبلنا {غفرانك ربنا} أي: اغفر غفرانك، أو ~~أعطنا غفرانك ربنا {وإليك المصير} أي: المرجع. # PageV01P288 # قوله تعالى: (لا ms0175 يكلف الله نفسا إلا وسعها) أي: طاقتها. # وقيل: ما (يشق) عليها. وهو مثل قول الرجل: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان، ~~أي: يشق علي أن أنظر إليه، فكذلك ذكر الوسع بمعنى: السهولة، أي: لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما يسهل عليها. # وهذه الآية هي الناسخة لما بينا. # {لها ما كسبت} أي: من الخير {وعليها ما اكتسبت} أي: من الشر. # {ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا} أي: تركنا، وقيل: هي على حقيقة النسيان. # {أو أخطأنا} الخطأ: يكون بمعنى: العمد، ويكون على حقيقة الخطأ، يقال: ~~أخطأ يخطىء وخطأ يخطأ [والمراد] بقوله ها هنا (أو أخطأنا) أي: تعمدنا. # PageV01P288 # {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا وأغفر لنا وارحمنا أنت ~~مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) } # {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} # قيل: هو العهد الثقيل الذي حمل من قبلنا. # وقيل: لا تحمل علينا ما يشق علينا. # وقيل: الإصر: هو ذنب لا توبة له، أي: اعصمنا من ذنب لا تقبل له توبة. # {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} في هذا دليل على أن الله تعالى يجوز ~~أن يحمل العباد مالا يطيقونه؛ لكنه إنما حمل الكفار ما لا يطيقونه ولم يحمل ~~المؤمنين. {واعف عنا} أي: امح عنا {واغفر لنا} أي: استر علينا. {وارحمنا} ~~أي: ارحم علينا. # {أنت مولانا} أنت ناصرنا والقيم بأمورنا. {فانصرنا على القوم الكافرين} ~~وقد ورد في فضل الآيتين أخبار، منها: ما روى عن النبي أنه قال: " من قرأ في ~~ليلة بآيتين من آخر سورة البقرة كفتاة ". # وروى أنه قال - عليه السلام -: " هما آيتان أنزلتا على من كنز تحت العرش ~~". # و [وآله أجمعين] . # PageV01P289 # تفسير سورة آل عمران # وهي مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الإمام الأجل - رضي الله عنه - لقد ورد في فضل هذه السورة ~~وسورة البقرة أخبار منها: ما روي عن رسول الله [أنه] قال: " تعملوا البقرة ~~وآل عمران فإنهما الزهروان تظلان صاحبهما يوم القيامة ". # وروى عنه أنه قال: " تجيء البقرة وآل عمران ms0176 يوم القيامة كأنهما غمامتان ~~أو غيايتان أو فرقان من طير صواف ". # PageV01P290 # {الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان إن} # PageV01P291 # قوله تعالى: {آلم الله} # فالألف: هو الله، واللام: جبريل، والميم: محمد، وفيه إشارة لما أنزل ~~الله، على لسان جبريل، على محمد. # وقد ذكرنا الأقوال في حروف التهجي. # وإنما فتح الميم عند الوصل، وإن كان الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر؛ لأنهم ~~استثقلوا الكسرة بعد [الجزم، والياء فيه جزم] . # {لا إله إلا هو} لا معبود سواه. {الحي القيوم} فالحي: الدائم الذي لا ~~يزل. . # وأما القيوم فقد سبق تفسيره، وقيل: هو الذي لا يزول ولا يحول. وقال جعفر ~~بن محمد [بن] الزبير: هو دائم الوجود. وقرأ عمر، وابن مسعود {الحي القيام} ~~وهو في الشواذ. # PageV01P291 # قوله تعالى: {نزل عليك الكتاب بالحق} الكتاب: القرآن، وسمى كتابا؛ لأنه ~~يجمع الآي والحروف، وهو من الكتب وهو: الجمع، ومنه: الكتيبة و [هي] السرية ~~لاجتماعهم. # ومنه يقال: كتبت البغلة، إذا جمع بين شفريها بحلقة. وقوله: {بالحق} أي: ~~بالصدق في الدلالات والإخبارات، والوعد والوعيد. # وقوله: {مصدقا لما بين يديه} يعني: القرآن مصدق لما قبله من التوراة ~~والإنجيل. # وإنما قال: {لما بين يديه} ؛ لأنه في تصديق ما قبله، وإظهار صدقه، كالشيء ~~الحاضر بين يديه. # {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس} # PageV01P291 # {الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) إن الله ~~لا} # فذكر ها هنا {أنزل} وذكر في الابتداء {نزل الكتاب} ، لأنه أنزل التوراة ~~جملة والإنجيل جملة، ونزل القرآن مفصلا. # وأما التوراة أصلها وورية من الورى، من قولهم ورى الزند إذا أضاء، وخرجت ~~ناره، ويقال: ورى زندي عند فلان؛ إذا أضاء أمره عنده. # فسمى وورية؛ لضيائها وكونها نورا، وقلبت الواو تاء فصارت تورية. وأما ~~الإنجيل من " النجل " وهو الأصل فسمى به؛ لأنه كان أصلا من الأصول في ~~العلم. # {وأنزل الفرقان} قيل: هو القرآن، وهو المفرق بين الحلال والحرام، وقيل: ~~كل ms0177 ما أنزل الله فهو فرقان؛ لكونه مفرقا بين الحلال والحرام، وفي الآية ~~تقديم وتأخير، وتقديره وأنزل التوراة والإنجيل من قبل، وأنزل الفرقان هدى ~~للناس. # قوله تعالى: {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد} " نزلت في وفد ~~نجران من النصارى، قدموا على رسول الله، وفيهم السيد والعاقب: كانا رجلين ~~منهم، وهم ستون راكبا، وقيل قريبا من عشرين راكبا، فدخلوا المسجد، والنبي ~~قد صلى العصر، فوقفوا يصلون نحو المشرق صلاتهم، فلما فرغوا سألهم رسول الله ~~عن عيسى، فاختلفوا فيه، فقال بعضهم: الله. وقال بعضهم: ابن الله، وقال ~~بعضهم: ثالث ثلاثة، فقال: أسلموا، فقالوا نحن مسلمون، فقال: كذبتم؛ يمنعكم ~~من ذلك قولكم عيسى ولد الله. فأنزل الله تعالى فيهم بضع وثمانين آية، من ~~أول سورة آل عمران في الحجاج، والدلالة عليهم، ورد قولهم، وهذه الآية من ~~جملها نزلت فيهم ". # {والله عزيز ذو انتقام} فالعزيز: المنيع الذي لا يقدر عليه، ومنه: الأرض ~~العزاء، # PageV01P292 # {يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) هو الذي يصوركم في الأرحام ~~كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه # وهي الصلبة الشاقة المسلك، وقيل: العزيز: الغالب الذي لا يفوته شيء، ~~ومنه: يقال: من عز بز أي من غلب سلب، والمنتقم المعاقب على (الجناية} ، ~~والنقمة: العقوبة. # PageV01P293 # قوله تعالى: {إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء} وهذا لا ~~شك فيه. # PageV01P293 # {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} هذا في الرد على وفد نجران؛ حيث ~~قالوا: عيسى ولد الله، فكأنه يقول: هو الذي صوره في الرحم، (فكيف يكون ولد ~~له) ؟ ! # وقد روى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: إن النطفة إذا وقعت في الرحم ~~تكون أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما مضغة، ثم يبعث ~~الله تعالى ملكا يأخذ ترابا بين أصبعيه فيخلطه بالمضغة، ثم يصوره بإذن الله ~~كيف (شاء) ، أحمر أو أسود أو أبيض، طويلا أو قصيرا، حسنا أو قبيحا، ثم يكتب ~~رزقه وعمله وأثره وأجله ms0178 وشقى أو سعيد، ثم إذا مات يدفن في التربة التي أخذ ~~منها التراب. (6 لا إله إلا هو العزيز) في أمره {الحكيم} في سلطانه. # PageV01P293 # قوله تعالى {هو الذي أنزل عليكم الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات} اختلفوا في المحكمات والمتشابهات، قال ابن عباس: المحكمات ~~هي الآيات الثلاث التي في آخر سورة الأنعام، وذلك قوله: {قل تعالوا} إلى # PageV01P293 # {آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون} # آخر الآيات الثلاث، وأما المتشابهات: حروف التهجي في اوائل السور. وقال ~~عكرمة ومجاهد: المحكمات: الحلال والحرام، وما سواه كله من المتشابهات؛ لأنه ~~يشبه بعضها بعضا في الحق، والتصديق، يصدق بعضه بعضها. # وقال الضحاك: المحكمات: الناسخات، والمتشابهات: المنسوخات. # وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: المحكمات ما أوقف الله تعالى الخلق على ~~معناها، والمتشابهات ما لا يعقل معناها، ولا يعلمها إلا الله. وفيه قولان ~~آخران: أحدهما: أن المحكمات ما لا يشتبه معناها، والمتشابهات ما يشتبه ~~ويلتبس معناها. والقول الثاني: أن المحكمات ما يستقل بنفسه في المعنى، ~~[والمتشابهات] ما لا يستقل بنفسه في المعنى إلا بنوع استدلال، أو رد إلى ~~غيره؛ وإنما سميت محكمات من الإحكام؛ (كأنه) أحكمها؛ فمنع الخلق من التصرف ~~فيها؛ لظهورها (ووضوح) معناها. # {هن أم الكتاب} أي: أصل الكتاب، فإن قال قائل: لم لم يقل: هن أمهات ~~الكتاب؟ قيل: قال الفراء: تقديره: هن الشيء الذي هو أصل الكتاب. وقال غيره: ~~معناه: كل واحدة منهن أصل الكتاب، كما يقال: القوم أسد على، أي: كل واحد ~~منهم أسد على، ومعناه: هن أصل الكتاب؛ لأن الخلق يفزعون إليه، كما تفزع ~~الفروع إلى الأصول، فإن قال قائل: كيف فرق ها هنا بين المحكمات ~~والمتشابهات، وسمى كل القرآن متشابها في قوله تعالى {الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها} . وسمى الكل محكما حيث قال: {الر. كتاب أحكمت آياته} ؟ ~~قلنا: لما ذكر هنالك {كتابا متشابه} على معنى: أنه يشبه بعضه بعضا في الحق ~~والصدق، وإنما ذكر في الموضع الآخر {أحكمت آياته} على معنى أن ms0179 الكل حق وجد، ~~ليس فيه # PageV01P294 # عبث ولا هزل، ثم ذكر تفصيلا آخر بعده، فجعل البعض محكما والبعض متشابها. # {فأما الذين في قلوبهم زيغ} قال مجاهد: الزيغ: اللبس. وقيل: هو الشرك، ~~وقيل: هو الشبهات التي تتعلق بالقلب {فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله} يعني: أن الذين في قلوبهم زيغ يغلون في طلب التأويل ~~للمتشابه؛ فيقعون على التأويل المظلم؛ فذلك ابتغاء الفتنة؛ لأن من غلا في ~~الدين، وطلب تأويل ما لا يعلمه إلا الله، يقع في الفتنة، ويكون مفتونا، ~~وخير الدين: النمط الأوسط الذي ليس فيه غلو ولا تقصير. # ثم اختلفوا في الذين يتبعون ما تشابه من هم؟ قيل: هم اليهود الذين قالوا: ~~مدة أمة محمد على حروف التهجي، وقيل: هم النصارى من وفد نجران، حيث قالوا ~~لرسول الله: ما تقول في عيسى؟ فقال: عبد الله ورسوله، قالوا: فهل تقول: أنه ~~كلمة الله وروح منه؟ فقال: نعم، قالوا: حسبنا الله. واتبعوا ما تشابه من ~~قوله: كلمة الله وروح منه. وقيل: هم الغالون في طلب التأويل واتباع ~~المتشابه، وروت عائشة " أن النبي قرأ هذه الآية، ثم قال: إذا رأيتم الذين ~~يجادلون في الآيات فاحذروهم فهم هم ". # قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} استأثر الله تعالى بعلم التأويل، ~~وقطع أفهام العباد عنه، والفرق بين التأويل والتفسير: أن التفسير: هو ذكر ~~المعنى الواضح، كما تقول في قوله: {لا ريب فيه} أي: لا شك فيه، وأما ~~التأويل: هو ما يؤول المعنى إليه، ويستقر عليه. ثم الكلام في الوقف، فاعلم: ~~أن أبي بن كعب وعائشة # PageV01P295 # {ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو ~~الألباب (7) ربنا لا تزغ} # وابن عباس - في رواية طاوس عنه - (رأو) الوقف على قول {إلا الله} ، وهو ~~قول الحسن، وأكثر التابعين، وبه قال الكسائي، والفراء، والأخفش، وأبو عبيد، ~~وأبو حاتم، قالوا: إن الواو في قوله: {والراسخون} واو الإبتداء؛ والدليل ~~على صحته قراءة ابن ms0180 عباس " ويقول الراسخون في العلم آمنا به " وروى ابن ~~جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس - في رواية أخرى -: الواو للنسق، ولا وقف (على ~~قوله) {إلا الله} (وأن الراسخون) في العلم يعلمون التأويل، قال ابن عباس: ~~وأنا ممن يعلم تأويله، وقد ثبت عن النبي أنه قال: " اللهم فقهه في الدين ~~وعلمه التأويل "، قالوا: والصحيح رواية طاوس، عن ابن عباس، كما ذكرنا، ~~وعليه إجماع القراء؛ ولأن على قضية قول مجاهد لا يستقيم. # قوله: {والراسخون في العلم يقولون} قال النحاة: وإنما يستقيم أن تقول: ~~وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم قائلين {أمنا به} (و) لأنه ~~قال: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} ؛ ولو علموا ~~التأويل لم يكن لقولهم هذا معنى، وقد روى عن ابن عباس أنه قال: " أنزل ~~القرآن على أربعة أوجه " الحلال والحرام، وعربية تعرفها العرب، ومما يعلم ~~العباد تأويله، وما لا يعلم تأويله إلا الله " وهذا يشهد لما قلنا؛ فدل أن ~~الوقف على قوله: {إلا الله} . والواو: واو الابتداء في قول {والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} قالوا: ومن رسوخهم في العلم يقولون ~~ذلك {وما يذكر إلا أولوا الألباب} . # PageV01P296 # قوله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا} أي: لا تمل قلوبنا {بعد إذ هديتنا} ~~وهذا # PageV01P296 # {قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (8) ربنا إنك ~~جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9) إن الذين كفروا لن ~~تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار (10) ~~كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله ~~شديد} # دعاء للتثبيت والإدامة عليه، وقد روت أم سلمة عن النبي أنه كان يقول: " ~~يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " {وهب لنا من لدنك رحمة} نصرة ومعونة ~~{إنك أنت الوهاب} . # PageV01P297 # قوله تعالى: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} أي: لا شك فيه عند ~~أهل الحق، وقيل: أراد لا ريب فيه: يوم القيامة ms0181 إذا قامت وظهرت. # {إن الله لا يخلف الميعاد} فلا تزغ قلوبنا، وارحمنا، ولكنه أوجزه ولم ~~يذكر تمام الدعاء. # PageV01P297 # قوله تعالى {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا} هو قول الكافرين يوم القيامة: شغلتنا عن الحق أموالنا وأهلونا، يقول ~~لا عذر لهم فيه، ولا يغنيهم ذلك {وأولئك هم وقود النار} . # PageV01P297 # قوله تعالى: {كدأب آل فرعون} الدأب: الشأن، والدأب: العادة، ومعنى الآية: ~~أن هؤلاء الكفار في تكذيب الرسول، وجحد الحق، والتظاهر على الكفر؛ كعادة آل ~~فرعون، وآل فرعون: فرعون وقومه. # {والذين من قبلهم} يعني: عادا وثمود {كذبوا بآيتنا فأخذهم الله بذنوبهم} ~~، عاقبهم بجرائمهم، {والله شديد العقاب} لأنه دائم، عقابه لا ينقطع؛ وكل ~~دائم شديد. # PageV01P297 # قوله تعالى: {قل للذين كفروا} قال ابن عباس: وسبب نزول الآية ما روى: " ~~أنه لما فرغ رسول الله من قتال المشركين يوم بدر جمع اليهود بقينقاع، وقال # PageV01P297 # {العقاب (11) قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) ~~قد كان لكم آية في فئتين التقيا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة} # لهم: أسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بالمشركين من بأس الله، فقالوا: إنك ~~لقيت قوما أغمارا لا يعرفون القتال، فلو قاتلتنا لوليت " فنزل قوله تعالى: ~~{قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} يعني: ستغلبون في ~~الدنيا، وتحشرون في الآخرة إلى جهنم، {وبئس المهاد} وقال مقاتل وجماعة: هو ~~خطاب لأولئك المشركين يوم بدر، يقول الله: قا للمشركين: ستغلبون، وتحشرون ~~إلى جهنم، وقد غلبوا وحشروا إلى جهنم، ويقرأ: " سيغلبون ويحشرون " بالياء - ~~وهو بمعنى الأول، قال الفراء: وهو مثل قول الرجل: قل لزيد: إنك قائم. هو ~~بمعنى قوله: قل لزيد: إنه قائم؛ فهما في المعنى سواء، ويحتمل أن يكون هذا ~~خطاب لليهود، يعني: قل للذين كفروا من اليهود: سيغلب المشركون، ويحشرون إلى ~~جهنم، وبئس المهاد، أي: بئسما مهدوا لأنفسهم، أو بئسما مهد لهم. # PageV01P298 # قوله تعالى: {قد كان لكم آية} أي: معجزة وعلامة، {في فئتين} في فرقتين ~~{التقتا} أجتمعتا، من الالتقاء: وهو الإجتماع، ms0182 ومنه: " يوم التلاق "؛ لأنه ~~يجتمع فيه أهل السماء وأهل الأرض {فئة تقاتل في سبيل الله} يعني: المسلمين ~~يوم بدر {وأخرى كافرة} يعني المشركين {يرونهم مثليهم رأى العين} يعني ~~المسلمين رأو المشركين مثلى عددهم، وكانوا ثلاثة أمثالهم؛ لأن عدد المسلمين ~~يوم بدر كان ثلثمائة وثلاثة عشر نفرا أو أربعة عشر نفرا، وكان عدد المشركين ~~تسعمائة وخمسين # PageV01P298 # {يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة ~~لأولي # نفرا، وعن علي وابن مسعود: أن عدد المشركين كانوا ألفا، فرآهم المسلمون ~~نيفا وستمائة. قال ابن مسعود: رأيناهم ضعفى عددنا، ثم رأيناهم مثل عددنا؛ ~~رجل [برجل] وهذا معنى قوله تعالى في سورة الأنفال {وإذا يريكهم إذ التقيتم ~~في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا} فرآهم ~~المسلمون أقل من عددهم، وكذلك المشركون رأوا المسلمين أقل من عددهم، وكانت ~~الحكمة فيه إذا رأوهم أقل مما كانوا لا يحجمون، ولا يفترون عن القتال؛ لأن ~~الله تعالى قد أخبرهم أن الواحد منهم يقاوم اثنين من المشركين، وكذلك ~~المشركون إذا رأوا المسلمين أقل مما كانوا لا يمتنعون عن القتال؛ {ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا} ، وذلك من قتل رؤسائهم وقادتهم، بإذن الله تعالى. # قال الفراء: إنما رأوهم على عددهم كما كانوا، وإنما قال: {يرونهم مثليهم} ~~يعني: مثليهم سوى عددهم، وهذا مثل قول الرجل - وعنده درهم -: أنا أحتاج إلى ~~مثلى هذا الدرهم، يعني إلى مثليه سواه. والأول أصح. # وقرىء: " ترونهم " بالتاء فيكون خطابا لليهود، وكان جماعة منهم حضروا ~~قتال بدر؛ لينظروا على من الدبرة، فرأو المشركين مثلى عدد المسلمين، ورأو ~~النصرة مع ذلك للمسلمين، وكان ذلك معجزة، وآية للرسول في أعينهم. وعلى ~~القراءة الأولى يكون الخطاب مع المسلمين في قوله: ( {قد كان لكم آية في ~~فئتين} والله يؤيد بنصره من يشاء) ؛ لأنه نصر المؤمنين يومئذ. # {إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار} أي: علامة لأولى البصائر في الدين، ~~ولذوي العقول أجمعين. # PageV01P299 # {الأبصار (13) زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة والخيل ms0183 المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة ~~الدنيا والله عنده حسن المآب (14) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ~~ربهم جنات} # PageV01P300 # قوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} قال الحسن: ~~المزين: هو الشيطان؛ لأن الله تعالى ذم الدنيا بأبلغ ذم، فلا يزينه في ~~الأعين. وقال عامة المفسرين: المزين: هو الله تعالى، وتزيينه: أنه حبب في ~~قلوبهم شهوة النساء والبنين {والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} ، ~~فالقناطير: جمع القنطار، وهو مال كثير، ثم اختلفوا؛ قال معاذ وأبي بن كعب: ~~القنطار: ألف ومائتا أوقية، وقال ابن عباس والضحاك: هو ألف دينار أو اثنا ~~عشر ألف درهم. وقال سعيد بن المسيب: هو ثمانون ألف درهم. وقال مجاهد: هو ~~سبعون ألف دينار. وقال قتادة: هو مائة رطل من ذهب أو فضة. وقال أبو نضرة: ~~هو ملء مسك ثور من ذهب أو فضة. وسمى قنطارا؛ من الأحكام والتوثيق، وأما ~~المقنطرة: فهي المجموعة المملكة. قال الفراء: القناطير ثلاثة، والمقنطرة ~~تسعة. # قوله: {والخيل المسمومة} قال مجاهد: هي الحسان المطهمة، وقال سعيد ابن ~~جبير: المسومة: الراعية. يقال: أسام الخيل من الرعى. وفيه قول ثالث، ~~المسومة: المعلمة من السيما، وهي العلامة. منهم من قال: سيماها: الشبه. ~~ومنهم من قال: سيماها الكي {والأنعام} : هي الإبل والبقر والغنم {والحرث} : ~~هي الأراضي المهيأة للزراعة {ذلك متاع الحياة الدنيا} فيه إشارة إلى أنه ~~متاع يفنى. # {والله عنده حسن المآب} فيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة، ثم أكده # PageV01P300 # بقوله تعالى: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله} وقرىء " رضوان ~~" بضم الراء، وهما في المعنى سواء يقال: رضى يرضى رضاء ورضوانا. ورضوانا، # PageV01P300 # {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله ~~بصير بالعباد (15) الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب ~~النار (16) الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ~~(17) شهد الله} # وفي الخبر عن النبي: " أن أهل الجنة؛ إذا دخلوا الجنة يقول الله تعالى: ~~إن ms0184 لكم عندي موعدا، وأنا منجزكموه، فيقولون: قد أعطيتنا كل ما نتمنى، فما ~~هو يارب؟ فيقول: أنزل عليكم رضواني ولا أسخط عليكم أبدا ". # قوله تعالى: {والله بصير بالعباد الذين يقولون} # PageV01P301 # فقوله: {الذين يقولون} يحتمل أن يكون في موضع الخفض، وتقديره: بالعباد ~~الذين يقولون، ويحتمل أن يكون في موضع الرفع، وتقديره: يقولون على ~~الابتداء، ويحتمل أن يكون في موضع النصب، وتقديره: أعنى: الذين يقولون: ~~{ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار} . # PageV01P301 # {الصابرين} يحتمل أن يكون في موضع الخفض، ويحتمل في موضع النصب، يعني: ~~الصابرين على الشدائد والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي {والصادقين} ~~الذين استقامت أحوالهم وأفعالهم {والقانتين} : المقيمين على الطاعة، ~~المداومين عليها {والمنفقين} يعني: المتصدقين، قيل في الجهاد، وقيل: في كل ~~أبواب البر {والمستغفرين بالأسحار} قال ابن عباس: هم المصلون بالليل. وقال ~~أنس: هم السائلون بالمغفرة. وقال زيد بن أسلم: المصلون صلاة الصبح في ~~الجماعة، وإنما قيده {بالأسحار} لقرب صلاة الصبح من السحر. # PageV01P301 # قوله تعالى: {شهد الله} أي: بين وأعلم؛ وكل شاهد مبين ومعلم {أنه لا إله ~~إلا هو} لنفسه بالوحدانية؛ وذلك أن وفد نجران قد أنكروا وحدانيته، وهذه ~~الآية من الآيات التي نزلت في شأنهم، والحجاج عليهم {والملائكة} أي: وشهدت ~~الملائكة، {وأولوا العلم} قيل: هم علماء بني إسرائيل، وذلك مثل: عبد الله ~~بن سلام، ومن # PageV01P301 # {أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب ~~والأميين} # آمن معه، وقيل: هم المهاجرون والأنصار، وقيل: هم جميع علماء الأمة. # {قائما} نصب على الحال، فهو الله تعالى قائم بتدبير الخلق {بالقسط} : ~~بالعدل، يقال: قسط يقسط إذا جار. وأقسط يقسط؛ إذا عدل، فالقاسط: الجائر، ~~ومنه قوله تعالى {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} والمقسط: العادل، ومنه ~~قوله تعالى: ( {إن الله يحب المقسطين} لا إله إلا هو العزيز الحكيم) # PageV01P302 # {إن الدين عند الله الإسلام} ويقرأ: " أن الدين " بفتح الألف، فمن قرأ ~~بكسر الألف؛ فهو على الابتداء وقرأ الكسائي ms0185 بالنصب، وتقديره: شهد الله أن ~~الدين عند الله الإسلام؛ فإنه لا إله إلا هو والإسلام: هو الأنقياد ~~والإستسلام، وقد يكون مجرد الاستسلام من غير العقيدة فرقا بينه وبين ~~الإيمان على ما سيأتي. # والإسلام المعروف في الشرع: هو الإتيان بالشهادتين مع سائر الأركان ~~الخمس، وفي الأخبار: " أنه يؤتى بالأعمال يوم القيامة، فيؤتى بالصلاة على ~~صورة، فتقول: يا رب، إني الصلاة، فيقول الله تعالى: إنك بخير، ويؤتى ~~بالزكاة على صورة، فتقول: يا رب، إني الزكاة، فيقول الله: إنك بخير، وهكذا ~~الصوم والحج، ثم يؤتى بالإسلام على أحسن الصور، فيقول يا رب، إني الإسلام، ~~فيقول الله تعالى: إنك إلى خير، بك أخذ اليوم وبك أعطي ". # وحكي عن غالب القطان أنه قال: أتيت الكوفة للتجارة فنزلت قريبا من ~~الأعمش، فكنت أختلف إليه وأسمع منه الحديث، فقصدت منه ليلة أن أنحدر منه ~~إلى البصرة، فوجدته يتجهد في المسجد، فمر بهذه الآية {شهد الله انه لا إله ~~إلا هو والملائكة # PageV01P302 # {إن الدين عند الله الإسلام وما أختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) ~~فإن} {وألوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} ثم قال: ~~وأشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة؛ لتكون وديعة لي عنده، ثم ~~قال: {إن الدين عند الله الإسلام} كرره مرارا، فقلت في نفسي: لقد سمع فيه ~~شيئا، فمكث، وصليت معه الصبح، ثم قلت له: مررت بهذه الآية، وكنت تكررها ~~{فقال: أما بلغك ما ورد فيها؟} # قلت: أنا عندك منذ سنتين ولم تحدثني، وقد قصدت الإنحدار إلى البصرة، ~~فقال: والله لا أحدثك سنة، فمكثت بالكوفة وكتبت على بابه ذلك اليوم، فلما ~~تمت السنة أتيته، فقلت: يا أبا محمد، قد تمت السنة. فقال: حدثني أبو وائل، ~~عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - أنه قال: " يجاء بصاحبها يوم القيامة، ~~فيقول الله تعالى: إن لعبدي هذا عندي عهدا (وأنا) أحق من وفى بالعهد، ~~أدخلوا عبدي الجنة ". # قوله تعالى: ms0186 {وما أختلف الذين أوتوا الكتاب} يعني: اليهود والنصارى {إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} أي: حسدا بينهم. {ومن يكفر بآيات الله ~~فإن الله سريع الحساب} ظاهر المعنى. # PageV01P303 # قوله تعالى: {فإن حاجوك} أي: فإن جادلوك {فقل أسلمت وجهي لله ومن أتبعن} ~~أي: قصدت بعبادتي الله تعالى {وقل للذين أوتوا الكتاب} يعني: اليهود ~~والنصارى {والأميين} يعني: المشركين. # PageV01P303 # {ءأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد (20) إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبين بغير حق ويقتلون ~~الذين} # {أأسلمتم يعني: أسلموا، وقيل: ذكره على التهديد؛ كما يقال: أقبلت هذا ~~مني؟ على وجه التهديد {فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~والله بصير بالعباد} أي: عليك تبليغ الرسالة وليس عليك الهداية (والله بصير ~~بالعباد) بالضال منهم والمهتدي. # وتلخيص معنى الآية: أن الله تعالى يقول: " فإن جادلوك بالباطل، فقل: ~~أسلمت وجهي لله، أي: أخلصت عملي لله، أو قصدت بعبادتي إلى الله الذي لا ~~تقرون له بالخلق والتربية؛ فإنهم كانوا مقرين بأن الله خالقهم ومربيهم، ~~فأنا أقصد إليه بعبادي ولا أتبع هواى كما تتبعون أهواءكم. # ثم قال: {وقل للذين أوتو الكتاب والأميين أأسلمتم} أي: أسلموا. كما قال: ~~{فهل أنتم منتهون} أي: انتهوا، وإنما سمى المشركين أميين؛ لأنهم لم يكونوا ~~قراء، وقيل: نسبهم إلى أم القرى وهي مكة لسكونهم فيها. # PageV01P304 # قوله تعالى: {إن الذين يكفرون بآيات الله} أراد به اليهود م بني إسرائيل. ~~{ويقتلون النبيين بغير حق} إنما قال: بغير حق تأكيدا، لأن قتل النبيين لا ~~ينقسم إلى الحق والباطل. # وروى أبو عبيدة بن الجراح، عن النبي أنه قال: " أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي ". ثم روى في هذا الخبر أنه قال: " قتلت ~~بنو إسرائيل اثنين وأربعين نبيا في ساعة واحدة، فقام إليهم مائة واثنا عشر ~~رجلا من زهادهم وعبادهم، وأمروا بالمعروف، فقتلوهم " فهذا قوله تعالى: ~~(ويقتلون الذين # PageV01P304 # {يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) أولئك الذين حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم ms0187 من ناصرين (22) ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم} # يأمرون بالقسط من الناس) أي: بالعدل {فبشرهم بعذاب أليم} وإنما خاطب ~~أبناءهم به، مع أن (الجناية) وجدت من آبائهم؛ (لأنهم) رضوا بفعلهم، ودانوا ~~بدينهم، فاستوجبوا هذا (العذاب) . # PageV01P305 # قوله تعالى: {أولئك الذين حبطت أعمالهم} أي: بطلت، والحبوط والبطلان، في ~~الدنيا والآخرة، وبطلان العمل في الدنيا: ألا يقبل، وفي الآخرة: أنه لا ~~يجازى عليه بالثواب، {وما لهم من ناصرين} من يمنع عنهم العذاب. # PageV01P305 # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} قيل: ورد هذا في ~~يهود بني قريظة والنضير؛ " فإن النبي أتى بيت مدارسهم، فقال له نعيم بن ~~عمرو الحارث بن يزيد: على أي ملة أنت؟ فقال: على ملة إبراهيم. فقال نعيم: ~~إن إبراهيم كان يهوديا. فقال: بيني وبينكم التوراة، أخرجوا التوراة. فأبوا ~~أن يخرجوها "، فهذا هو قوله {يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم} يعني: ~~التوراة. # وفيه قول آخر: أن الآية في نصارى وفد نجران، وقوله {يدعون إلى كتاب الله} ~~يعني: القرآن ليحكم بينهم. # {ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون} وذلك أن بعضهم قد أسلموا. # PageV01P305 # قوله - تعالى -: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} ~~يرجع هذا # PageV01P305 # {معرضون (23) ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في ~~دينهم ما كانوا يفترون (24) فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ~~ما كسبت وهم لا يظلمون (25) قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وننزع ~~الملك ممن يشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على} # إلى اليهود، وقد ذكرناه من قبل. {وغرهم في دينهم} الغرور: هو الإطماع ~~فيما لا يحصل منه شيء، والغرور: الشيطان، وغر الثوب: طيه، فيقال: أعد الثوب ~~إلى غره، أي: إلى طيه، والغرور: ركوب الخطر. {ما كانوا يفترون} الافتراء: ~~اختلاق الكذب؛ ومنه الفرية: تسوية الكذب، قال الشاعر: # (ولا أنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى) # أي: لا ms0188 يكذب ولا يسوى. # PageV01P306 # قوله تعالى: {فكيف إذا جمعناهم} أي: فكيف حالهم {إذا جمعناهم ليوم لا ريب ~~فيه ووفيت كل نفس ما كسبت} من الجزاء {وهم لا يظلمون} . # PageV01P306 # قوله تعالى: {قل اللهم مالك الملك} في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: أنه ~~لما فتح مكة وعد أصحابه ملك الفرس: فسمعه اليهود، وقالوا: هيهات الفرس ~~والروم أعز وأمنع جانبا مما تظنون؛ فنزلت هذه الآية. # وقال الحسن: إنه سأل ربه لأصحابه ملك فارس والروم. # فأما قوله: {قل اللهم} فأصله: يا الله؛ فلما حذف حرف النداء زيدت الميم ~~في آخره، قال الفراء: للميم فيه معنى، ومعناه: يا الله، أعنا بالمغفرة أي: ~~اقصدنا. # {مالك الملك} تقديره يا مالك الملك، ومعناه: مالك العباد؛ وما ملكوه، ~~وقيل: أراد بالملك: النبوة، وقيل: ملك السموات والأرض. {تؤتي الملك من ~~تشاء} أي: من تشاء أن تؤتيه من المسلمين. {وتنزع الملك ممن تشاء} أي: ممن ~~تشاء أن تنزعه، وهم فارس والروم. {وتعز من تشاء وتذل من تشاء} فيه ثلاثة ~~أقوال: # PageV01P306 # {كل شيء قدير (26) تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج ~~الحي من} # أحدهما: تعز من تشاء بالنصر، وتذل من تشاء بالقهر. والثاني: تعز من تشاء ~~بالغنى، وتذل من تشاء بالفقر. # والثالث: تعز من تشاء بالهداية، وتذل من تشاء بالضلالة. # {بيدك الخير} أي بيدك الخير والشر، كما قال: {سرابيل تقيكم الحر} أي: ~~تقيكم الحر والبرد، فاكتفى بأحد المذكورين عن الآخر. # {إنك على كل شيء قدير} ، وقد ورد في فضل هذه الآية من الأخبار: ما روى عن ~~جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن على، عن النبي أنه قال: " فاتحة الكتاب، ~~وآية الكرسي، وآيتان من آل عمران - شهد الله، وهذه الآية - متشفعات لمن ~~قرأها يوم القيامة، ليس بينهما وبين الله حجاب ". وروى في هذا الخبر: أنه ~~قال: " لما أنزل الله تعالى هذه الآيات تعلقن بالعرش، وقلن: يا رب، تهبطنا ~~إلى أرضك وعبادك، فقال الله تعالى: " وعزتي وجلالي ما قرأكن عبد من عبادي ~~إلا أسكنته جنتي؛ على ما كان عليه، وقضيت له كل ms0189 يوم سبعين حاجة، أدناها ~~المغفرة ". # PageV01P307 # قوله تعالى: {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} الإيلاج: ~~الإدخال، ومعناه: تنقص من أحدهما وتزيد في الآخر، وقيل معناه: تغطي الليل ~~بالنهار، والنهار بالليل. # {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} قال الحسن: معناه: تخرج # PageV01P307 # {الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) لا يتخذ ~~المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في ~~شيء} # الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر، والقول الثاني: تخرج النطفة من ~~الحي، والحي من النطفة، وفيه قول غريب: تخرج الفطن الكيس من البليد الفاجر، ~~والبليد من الفطن؛ لأن البليد ميت فهما؛ والفطن حي فهما. ويقرأ {من الميت} ~~: مخففا ومشددا، وفرق نحاة الكوفة بين الميت والميت، فقالوا: الميت - ~~بالتشديد -: هو الحي الذي لا يموت، والميت مخففا: هو الذي مات؛ واستدلوا ~~بقوله تعالى {إنك ميت وأنهم ميتون} وأنكر ذلك نحاة البصرة وقالوا: هما ~~بمعنى واحد. # وأنشد المبرد لبعض الشعراء: # (ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء) # (إنما الميت من يعيش كئيبا ... كاسفا باله قليل الرجاء) # فجمع بين الميت والميت على معنى واحد. # {وترزق من تشاء بغير حساب} : من غير تضييق ولا تقتير. # PageV01P308 # قوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} هذا في ~~قوم مخصوصين، أسلموا على موالاة اليهود والمشركين، فنهاهم الله عن ذلك، وهو ~~معنى قوله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله} . # {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} أي: ليس من حزب الله {إلا أن # PageV01P308 # {إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (28) قل إن ~~تخفوا} وقرىء: تقية، ومعناهما واحد، يعني: إلا أن يقع في أيديهم، فيخافهم، ~~فيوافقهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا بأس به، ولكن لو صبر حتى قتل، ~~فله من الأجر العظيم، ما الله به عليم. # وقد روى: " أن مسيلمة الكذاب - لعنة الله - أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ~~وقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ ms0190 قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول ~~الله؟ قال: نعم، تقية منه، فخلى سبيله. ثم قال للآخر: أتشهد أن محمد رسول ~~الله فقال: نعم نعم نعم، قال أتشهد أني رسول الله، فقال: أنا أصم، فقتله؛ ~~فبلغ ذلك رسول الله، فذكر درجة الذي صبر على القتل، وقال: إن الأول أخذ ~~برخصة الله ". # وقد صح عن رسول الله: أنه قال: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ". ~~وقال: " إن فضل الشهداء بعد شهداء أحد: من قام إلى سلطان جائر وأمره ~~بالمعروف، فقتله عليه ". # قوله - تعالى -: {ويحذركم الله نفسه} أي: يخوفكم إياه {وإلى الله # PageV01P309 # {أما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض ~~والله على كل شيء قدير (29) يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت ~~من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف ~~بالعباد (30) قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم} # لمصير) أي: المرجع. # PageV01P310 # قوله تعالى: {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله} أي: يجازى ~~عليه {ويعلم ما في السموات وما في الأرض والله على كل شيء قدير} ظاهر ~~المعنى. # PageV01P310 # قوله تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا} أي: محضر لها ما عملت ~~من الخير والشر، فتسر بما عملت من الخير. # {وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} أي: غاية مديدة، قال ~~السدي: ما بين المشرق والمغرب. وفي الأخبار: أن الأعمال يؤتى بها يوم ~~القيامة على صور فما كان منها حسنا، فعلى الصورة الحسنة، وما كان قبيحا، ~~فعلى الصورة القبيحة. # {ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد} ومن رأفته أن حذرهم، ورغبهم ~~ورهبهم، ووعدهم وأوعدهم. # PageV01P310 # قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} في سبب نزول ~~هذه الآية قولان: أحدهما: أنه خطاب لليهود والنصارى من وفد نجران، وذلك ~~أنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فنزل قوله: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحبكم} والثاني: ms0191 أنه خطاب لمشركي قريش؛ فإنه رآهم يعبدون الأصنام؛ ~~فقال لهم: " خالفتم ملة أبيكم إبراهيم، فقالوا: إنما نعبدهم تقربا إلى ~~الله؛ فإنا نحبه؛ فنزل قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله ويغفر لكم ذنوبكم # PageV01P310 # {والله غفور رحيم (31) قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب ~~الكافرين (32) إن الله أصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ~~(33) } # والله غفور رحيم) ". # واعلم أن محبة الله العبد، ومحبة العبد الله لا يكون بلذة شهوة، ولكن ~~محبة العبد في حق الله: هو إتيان طاعته، وابتغاء مرضاته، واتباع أمره، ~~ومحبة الله في حق العبد: هو العفو عنه، والمغفرة، والثناء الحسن، وأكده # PageV01P311 # قوله تعالى: {قل أطيعوا الله والرسول} ؛ بين أن محبته في طاعته وطاعة ~~رسوله. # {فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين} ، فإن قال قائل: لم كرر اسم الله ~~مرارا، وكان يكفيه: أن يقول فإنه لا يحب الكافرين؟ قيل: هو على عادة العرب؛ ~~فإن من عادتهم أنهم إذا عظموا شيئا كرروا ذكره، وأنشد سيبويه في مثل ذلك: # (لا أرى الموت سبق الموت شيء ... نغص الموت زلته الغني والفقير) # PageV01P311 # وقوله تعالى: {إن الله أصطفى آدم ونوحا} الاصطفاء: الاختيار. والصفوة: ~~الخيرة: ولم اختار آدم؟ اختلفوا؛ فمنهم من قال: اختاره للدين، ومنهم من ~~قال: اختاره للنبوة. فإن قال قائل: إلى من كان مبعوثا؟ قيل: الملائكة؛ حتى ~~علمهم الأسماء، وإلى أولاده. قال: وآل إبراهيم: هم إسماعيل وإسحاق ويعقوب. # وآل عمران: موسى وهارون، وآل عمران من آل إبراهيم، وقيل: أراد به عيسى؛ ~~لأنه ابن مريم بنت عمران {على العالمين} على عالمي أهل زمانهم. # PageV01P311 # قوله تعالى: {ذرية بعضها من بعض} قيل: هو مشتق من ذرأ بمعنى: خلق، وقيل: ~~هو من الذر، لأنه خلقهم؛ واستخرجهم من صلب آدم كالذر، والأبناء يسمون ذرية، ~~وكذلك الأباء، قال الله تعالى {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في # PageV01P311 # ( {33) ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34) إذ قالت امرأت عمران رب ~~إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ms0192 (35) فلما ~~وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ~~وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) فتقبلها ~~ربها بقبول حسن} # الفلك المشحون) يعني: آباءهم، والأبناء: ذرية، لأنه ذرأهم، والآباء ذرية؛ ~~لأنه ذرأ الأبناء منهم، (بعضها من بعض) في التفاضل، وقيل: في التناسل. ~~{والله سميع} بما قالوا {عليم} بما اضمروا. # PageV01P312 # قوله تعالى: {إذ قالت امرأت عمران} وهي: حنة زوجة عمران، وكانت أختها تحت ~~زكريا {رب إني نذرت لك ما في بطني محررا} قال الشعبي: معناه مخلصا لعبادة ~~الله تعالى. وقال مجاهد معناه: مسمى لخدمة البيت، مفرغا لها عن سائر ~~الأشغال. {فتقبل مني إنك أنت السميع العليم} ظاهر المعنى. # PageV01P312 # قوله تعالى: {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى} وذلك أن زوجها عمران ~~كان قد (عاتبها) . على ما نذرت، وقال لها: لا تدرين أنه يخلق ولدك ذكرا أو ~~أنثى، وقد نذرت مطلقا. # {والله أعلم بما وضعت} هذا إخبار من الله تعالى عن علمه ويقرأ " والله ~~أعلم بما وضعت " على الخبر؛ وذلك من قول المرأة {وليس الذكر كالأنثى} فإن ~~الذكر أقوم وأقوى لخدمة البيعة من الأنثى، وقيل: لأنه أبعد عن الموانع من ~~العبادة بخلاف الأنثى، يمنعها الحيض والنفاس. # {وإني سميتها مريم} ، فإن قال قائل: ما معنى قولها: وإني سميتها مريم؟ ~~قيل: حتى تعرف هل وقع ذلك الاسم برضا الله تعالى حتى يغير أو يقرر. # PageV01P312 # {وأنبتها نباتا حسنا وكلفها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد ~~عندها رزقا قال} # {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} فالشيطان: المطرود، والرجيم: ~~المرجوم بالشهب، وروى أبو هريرة عن النبي أنه قال: " ما من ولد يولد إلا ~~ويطعن الشيطان في خاصرته؛ فيستهل صارخا إلا مريم وابنها، فإنه ضربهما فوقع ~~الضرب في الحجاب، وقرأ قوله تعالى {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم} ". # PageV01P313 # قوله تعالى: {فتقبلها ربها بقبول حسن} أي: رضى بها وقبلها {وأنبتها نباتا ~~حسنا} ، أي وأنبتها فنبتت نباتا حسنا. # قال أبو العباس بن عطاء الصوفي: لما أنبتها الله نباتا حسنا، ms0193 فانظروا إلى ~~ثمرته كيف أثمر النبات؟ يعني: عيسى صلوات الله عليه. # {وكفلها} - مشدد - {زكريا} بنصب الألف، وتقرأ مخففا " وكفلها زكريا " بضم ~~الألف، ومعنى الكفالة: الضم، يعني: وضمها زكرياء إلى نفسه، ومن قرأ ~~بالتشديد، معناه: ضمها الله إلى زكريا، وقال النبي: " أنا وكافل اليتيم ~~كهاتين ". # ومن الأسباب التي خص بها زكريا بكفالة مريم؛ أن خالتها كانت تحته، وهي ~~أخت حنة امرأة عمران، ولكفالة زكريا مريم قصة معروفة ستأتي في سورة مريم إن ~~شاء الله تعالى. # {كلما دخل عليها زكريا المحراب} يقرأ " زكريا " بالمد والقصر، والمحراب: # PageV01P313 # {يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ~~(37) هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك أنت سميع ~~الدعاء (38) } # غرفة يرتقي إليها بالسلم، وكان زكريا قد اتخذ لمريم مثل تلك الغرفة، وكان ~~يرقى إليها بالسلم، قال الشاعر في معناه: # (ربة محراب إذا جئتها ... لم ألقها أو أرتقى سلما) # إي: ربة غرفة، وقيل: المحراب: أشرف المجالس، وقيل: هو المحراب المعروف. # {وجد عندها رزقا} والرزق: ما يؤكل، قال قتادة: فاكهة الشتاء في الصيف، ~~وفاكهة الصيف في الشتاء، كان قد رآها عندها، قال الحسن: حين ولدت مريم لم ~~تلقم ثديا، وكان يأتيها الله تعالى برزقها. # {قال يا مريم أنى لك هذا} قال أبو عبيدة: معناه: من أين لك هذا؟ {وأنكرت ~~النحاة هذا، وقالوا: هذا تساهل من أبي عبيدة، وبينهما فرق، ف " أنى " ~~للسؤال عن الجهة، و " أين " للسؤال عن المكان، وأنشد المبرد لبعضهم. # (أنى ومن أين آنك الطرب ... ) # فرق بينهما، قوله: {أني لك هذا} أي: من أي جهة لك هذا؟} {قالت هو من عند ~~الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} . # PageV01P314 # قوله تعالى: {هنالك دعا زكريا ربه} وذلك أن زكريا لما رأى مريم يأتيها ~~رزقها في غير حينه نحو فاكهة الصيف في الشتاء - طمع أن يرزق الولد في غير ~~حينه - على الكبر - فدعا الله أن يرزقه ولدا، وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة، ~~وبلغت ms0194 امرأته ثمان وتسعين سنة. # {قال رب هب لي من لدنك} من عندك {ذرية طيبة} أي: ولدا صالحا تقيا نقيا، ~~والذرية تشتمل على الذكر والأنثى، وإنما قال: {طيبة} بنعت المؤنث على لفظ # PageV01P314 # {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا ~~بكلمة من} # الذرية. # {إنك سميع الدعاء} # PageV01P315 # {فنادته الملائكة} ، ويقرأ: " فناداه الملائكة " بالألف واختلفوا في ~~المنادى، منهم من قال: كان جبريل. ومنهم من قال: جمع من الملائكة {وهو قائم ~~يصلي في المحراب أن الله يبشرك} يقرأ " أن " بكسر الألف وفتحها، فمن قرأ ~~بالكسر، فتقديره: فنادته الملائكة وقالوا: إن الله يبشرك، ومن قرأ بالفتح، ~~فهو على النسق، {يبشرك} يقرأ مخففا ومشددا، وهما في المعنى سواء. # والبشارة: خبر سار يظهر أثره على بشرة الوجه، {يبشرك بيحيى} سماه يحيى ~~قبل أن يولد، {مصدقا بكلمة من الله} قيل: مصدقا بكتاب الله وكلامه. وقيل: ~~معناه مصدقا بعيسى، وهو كلمة الله فإن قال قائل: " كلمة الله " لا يكون ~~مخلوقا، وقد أنكرنا على النصارى قولهم: " المسيح ابن الله "، وقولهم: " إن ~~الله ثالث ثلاثة "، فكيف نعرف أن عيسى كلمة الله؟ قيل: فيه ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنه كلمة الله على معنى: أنه يكون بكلمة من الله حيث قال له: " ~~كن فكان "، من غير سبب ولا علة، وصنع بشر وإلقاء نطفة. # الثاني: أنه كلمة الله على معنى: أنه يهتدى به، كما يهتدى بكلام الله. # والثالث: أن الله تعالى كان قد أخبر سائر الأنبياء، ووعدهم في كتبه أنه ~~يخلق نبيا بلا أب، ووعد مريم أنه يولد لها ولد بلا أب، فلما تكون عيسى سماه ~~كلمة؛ لأنه حصل بتلك الكلمة، وذلك الوعد، وهو كما تقول العرب: أنشدني ~~كلمتك، أي: قصيدتك، وقيل لحسان: إن الحوديرة أنشأ قصيدة، فقال: لعن الله ~~كلمته، أي: # PageV01P315 # {الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) قال رب أنى يكون لي غلام وقد ~~بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء (40) قال رب اجعل لي ~~آية قال} # قصيدته، فلما حصلت القصيدة بكلمته سمى ذلك كلمة. # قوله: {وسيدا ms0195 وحصورا ونبيا من الصالحين} أما السيد: قال سعيد بن جبير: ~~السيد: التقي، وقال مجاهد: هو الكريم، وقيل: هو العليم الذي لا يغضبه شيء، ~~وقيل: هو الذي يفوق قومه في جميع خصال الخير. # والحصور: قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وعطاء وجماعة: هو الذي لا يأتي ~~النساء، والحصور بمعنى: المحصور، وكان ممنوعا من النساء، وهو مثل قول ~~الشاعر # (فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم) # فالحلوبة بمعنى: المحلوب، وقال سعيد بن المسيب: كان له مثل هدبة الثوب، ~~وقد تزوج مع ذلك؛ ليكون أغض لبصره، وقال الشعبي: الحصور العنين، وفيه قول ~~آخر: الحصور: هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه، وهذا يوافق قول الشافعي ~~في مسألة التخلي لعبادة الله. # واختاروا هذا القول لوجهين: أحدهما: أنه يكون أقرب إلى استحقاق الثناء، ~~لأن الكلام خرج مخرج الثناء. # والثاني: أنه يكون أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء؛ لبعدهم عن الآفات. # PageV01P316 # قوله تعالى: {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر} ~~وإنما قال: {بلغني الكبر} ؛ لأن الكبر في طلب الإنسان، فإذا أصابه فقد ~~بلغه. # وأما العاقر: فهي التي عقم رحمها من الكبر، فإن قيل: كان شاكا في وعد ~~الله تعالى حين قال: {رب أنى يكون لي غلام} قيل: إنما قاله على سبيل ~~التواضع، يعني: مثلي على هذا الكبر من مثل هذه العجوز يكون له الولد، وقيل ~~معناه: كيف يكون لي هذا الغلام؟ أتردني لحالة الشباب، أم يكون الغلام على ~~حال الكبر؟ . # {قال كذلك يفعل الله ما يشاء} . # PageV01P316 # {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى ~~والإبكار (41) وإذا قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك ~~على نساء} # PageV01P317 # قوله تعالى: {قال ربي اجعل لي آية} أي: علامة. قيل: إنما سأل العلامة؛ ~~لأن إبليس وسوس إليه أن الذي ناداك هو الشيطان، دون الملك وكان يديم عليه ~~وسوسته، فسأل العلامة؛ دفعا لتلك الوسوسة. وقيل: إنما سأل العلامة؛ لمعرفة ~~وقت الولادة حتى يزداد لله شكرا. # {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة ms0196 أيام} وقيل: [إن الله أمسك] لسانه وحبس ~~عنه الكلام ثلاثة أيام، وهو سوى صحيح؛ وعليه دل قوله تعالى في سورة مريم ~~{ثلاث ليال سويا} . # {إلا رمزا} أي: إشارة، والإشارة تكون باللسان، وتكون باليد، وتكون بالعين ~~والمراد ها هنا: الإشارة بالإصبع المسبحة، قال قتادة: إنما أمسك لسانه عن ~~الكلام عقوبة له على ما سأل من الآية بعدما أوحى الله تعالى إليه، وشافهته ~~الملائكة بالبشارة. # {واذكر ربك كثيرا} قيل: إنما أمسك لسانه عن الكلام مع الناس، ولم يمسكه ~~عن ذكر الله تعالى، فأمره بالذكر. # {وسبح بالعشى والإبكار} المراد بالتسبيح: الصلاة، وأما العشى: ما بين ~~زوال الشمس إلى غروب الشمس، ومنه صلاة الظهر والعصر صلاتي العشى، وأما ~~الإبكار: ما بين طلوع الفجر إلى الضحى الأعلى. # PageV01P317 # قوله تعالى: {وإذ قالت الملائكة يا مريم} أي: واذكر إذ قالت الملائكة: ~~{يا مريم إن الله اصطفاك} اختارك وطهرك من الحيض والنفاس، وقيل: من الذنوب. ~~{وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} منهم من قال: على نساء عالمي زمانها، ~~ومنهم من قال: # PageV01P317 # {العالمين (42) يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) ذلك ~~من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت} # على (جميع نساء) العالمين؛ في أنها ولدت بلا أب، ولم يكن ذلك لأحد من ~~نساء العالم. # PageV01P318 # قوله تعالى: {يا مريم اقتني لربك} أي: أطيعي ربك، وقومي لطاعته. والقنوت: ~~طول القيام، قال مجاهد: معناه أطيلي القيام لربك، وقيل: إنها قامت حتى ~~انتفخت قدماها وتورمت. وسمى القنوت في الصلاة؛ لأنه في حال القيام، وعن ~~النبي " أنه سئل عن أفضل الصلاة، فقال: طول القنوت " أي: طول القيام. # {واسجدي واركعي مع الراكعين} قيل: إنما قدم السجود على الركوع؛ لأنه كان ~~كذلك في شريعتهم، وقيل لا، بل الركوع قبل السجود في جميع الشرائع، وليست ~~الواو للترتيب، بل للجمع، ويجوز أن يقول الرجل: رأيت زيدا وعمرا، وإن كان ~~قد رأى عمرا قبل زيد، ويجوز أن نقول: رأيت عمرا وزيدا أي زيدا وعمرا، قال ~~الشاعر: # (ألا يا نخلة من ms0197 ذات عرق ... عليك ورحمة الله والسلام) # أي: عليك السلام ورحمة الله، فكذلك قوله: {واسجدي واركعي} أي: واركعي ~~واسجدي، وإنما قال: مع الراكعين، ولم يقل مع الراكعات؛ ليكون أعم وأشمل، ~~وقيل معناه: مع المصلين في الجماعة. # PageV01P318 # قوله - تعالى -: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} يقول لمحمد: ذلك من ~~أخبار الغيب نوحيه إليك {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت لديهم إذ يختصمون} فالأقلام: السهام، وإنما سمى قلما؛ لأنه يقطع ~~ويبرى. وأصل القلم: القطع، ومنه قلم الظفر. # PageV01P318 # {لديهم إذ يختصمون (44) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة ~~منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) ~~ويكلم الناس} # والقصة في ذلك: أنهم تشاحنوا واختصموا في كفالة مريم، فقال زكريا: أنا ~~أولى بكفالتها منكم، لأن خالتها عندي، وقال أحبارهم - وقيل أولياؤهم -: نحن ~~أولى بكفالتها؛ لأن أباها كان إمامنا وحبرنا، فاقترعوا واستهموا، على أن من ~~يثبت قلمه في الماء وصعد، فهو أولى بكفالتها، فألقوا الأقلام على الماء ~~وعلى كل قلم اسم واحد منهم، فانحدرت أقلامهم تجري في الماء، وجرى قلم زكريا ~~مصعدا إلى أعلى الماء، قيل: غرقت أقلامهم، وارتد قلم زكريا، وبقي فوق ~~الماء، وقيل إنما اختصموا في كفالتها؛ لأنه كان قد أصابهم قحط وأزمة، وكانت ~~تضيق بهم النفقة؛ فاستهموا على كفالتها تدافعا حتى أن من خرج سهمه هو الذي ~~يعولها، وينفق عليها، والأول أصح وأشهر. # PageV01P319 # قوله تعالى: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه} قيل: أن ~~الملائكة قالوا لها ذلك مشافهة وعيانا. # {أسمه المسيح عيسى ابن مريم} قال ابن عباس: إنما سمي مسيحا؛ لأنه ما مسح ~~ذا عاهة إلا برئ، وقال الحسن وقتادة: سمي مسيحا؛ لأنه مسح بالبركة، وقيل: ~~المسيح: الصديق، ويكون المسيح بمعنى: الكذاب، وهو من الأضداد، وقيل: سمى ~~مسيحا؛ لأنه كان يمسح وجه الأرض، ويسيح فيها، وقيل: إنما سمى مسيحا؛ لأنه ~~ممسوح القدم لأخمص قدميه، ومنه قول الشاعر: # (بات يقاسيها غلام كالزلم ... خديج الساقين ممسوح القدم) # ومن ذلك سمى ms0198 الدجال مسيحا؛ لأنه مسح أحد شقى وجهه، لا عين له. # {وجيها في الدنيا والآخرة} أي: رفيعا ذا جاه عند الله ( {ومن المقربين} # PageV01P319 # ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين) أما كلامه في المهد هو قوله في ~~سورة # PageV01P319 # {في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني ~~بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47) ~~ويعلمه الكتاب والحكمة والتوارة والإنجيل (48) ورسولا إلى بني إسرائيل أني ~~قد جئتكم بآية} # مريم {إني عبد الله} وأنكر النصارى كلامه في المهد سيأتي بيانه، وأما ~~كلامه وهو كهل، قيل: هو إخباره عن الأشياء المعجزة، وقيل: هو كلامه بعد ~~نزوله من السماء. # والكهل: قيل: هو ما فوق الغلام، ودون الشيخ، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، ~~وأصله: الطول، ومنه: اكتهل النبات إذا طال. # PageV01P320 # قوله تعالى: {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} قالت ذلك تعجبا؛ ~~إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ولد بلا أب {قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له: كن، فيكون} أي: لا يعسر عليه شيء، يفعل ما يشاء، ~~ويحكم ما يريد. # PageV01P320 # قوله تعالى: {ويعلمه الكتاب} يقرأ: بالياء والنون، والكتاب: الخط ~~{والحكمة} : العلم والفقه، {والتوراة والإنجيل} علمه الله التوراة ~~والإنجيل، # PageV01P320 # {ورسولا إلى بني إسرائيل} . منهم من قال: كان رسولا في حالة الصبا، ومنهم ~~من قال: إنما كان رسولا بعد البلوغ. # {أني قد جئتكم بآية من ربكم} معناه: بآيات من ربكم، وإنما اكتفى بذكر ~~الآية؛ لأن الكل دال على شيء واحد. # {أني أخلق لكم من الطين} أي: أقدر وأصور {كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون ~~طيرا بإذن الله} قيل: إن عيسى قال لهم: أي شيء أشد خلقا؟ قالوا: الخفاش، ~~فقدر من الطين خفاشا وصوره، ونفخ فيه؛ فقام يطير بإذن الله. # PageV01P320 # ( {من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن ~~الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما ~~تدخرون في بيوتكم} ms0199 وأبرىء الأكمه) قال أبو عبيد: الأكمه الذي ولد أعمى، ~~وقيل: هو الأعمش الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل {والأبرص} : الذي به ~~وضح {وأحيى الموتى بإذن الله} قال ابن عباس: قد أحيا أربعة: عازر وابن ~~العجوز وبنت العاشر وسام بن نوح عليه السلام. # فأما عازر: فكان صديقا لعيسى، فأخبر بموته، فدعا الله تعالى فأحياه ~~[الله] ، وأما ابن العجوز: كان على السرير يحمل إلى المقبرة، فرآه عيسى، ~~فأمر بوضع السرير، ودعا فأحياه، فأخذ كفانه، ولبسها ورجع إلى البيت، وأما ~~بنت العاشر: فقد كان رجل يأخذ العشور، ماتت له ابنة فدعا الله فأحياها، ~~وأما سام بن نوح فإن عيسى جاء إلى قبره ودعا (الله فأحياه) ، فقام إليه ~~وقال: أقامت القيامة؟ ! وقد شاب نصف رأسه خوفا من قيام الساعة. # فقال: لا، أنا عيسى بن مريم؛ فكلمه؛ ومات من ساعته، وأما الثلاثة الذين ~~أحياهم عاشوا، وولد لهم. # {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} كان عيسى يخبر الرجل بما أكل ~~في بيته البارحة، وما يأكل اليوم، وما أدخره للعشاء، وقيل أنه كان في ~~المكتب يخبر الصبي بما أكل، وما خبأت له أمه من الطعام، حتى كان الصبي يأتي ~~إلى أمه، فيبكي حتى تعطيه الطعام، فيحمله إلى عيسى، فحبسوا الصبيان عن ~~المكتب، فجاء عيسى في طلبهم، وكانوا في دار، فقال: من هؤلاء الذين في ~~الدار؟ فقيل: خنازير، فقال عيسى: يكونون كذلك؛ فصاروا خنازير بأمر الله - ~~تعالى - {إن في ذلك لآية # PageV01P321 # {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (499 ومصدقا لما بين يدي من التوراة ~~ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ~~(50) إن الله ربي وربكم فاعبدواه هذا صراط مستقيم (51) فلما أحس عيسى منهم ~~الكفر قال من} # لكم إن كنتم مؤمنين) . # PageV01P322 # قوله تعالى: {ومصدقا لما بين يدي من التوراة} يعني: وأكون مصدقا، {ولأحل ~~لكم بعض الذي حرم عليكم} قال أبو عبيدة: أراد بالبعض: الكل، يعني: كل الذي ~~حرم عليكم، ومثله قول الشاعر: # (أو يرتبط بعض النفوس حمامها ... ) # أي: كل النفوس، ms0200 وقيل: هو على حقيقته، وقد كان أحل لهم بعض ما حرم عليهم ~~في التوراة من لحوم الإبل وثروبها. # {وجئتكم بآية من ربكم} يعني: بآيات كما بينا، {فاتقوا الله وأطيعون # PageV01P322 # إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) أي: طريق واضح. # PageV01P322 # قوله تعالى: {فلما أحس عيسى منهم الكفر} أي: أبصر ووجد منهم الكفر؛ قال: ~~{قال من أنصارى إلى الله} قيل معناه: من أنصارى مع الله، وقال النحويون: " ~~إلى " في موضعها، وليست بمعنى " مع "، وإنما معناه: من يضم نصرته إلى نصرة ~~الله لي {قال الحواريون نحن أنصار الله} قال ابن أبي نجيح: الحواريون: ~~كانوا قوما قصارين، سموا بذلك لأنهم كانوا يقصرون الثياب. # وقيل: كانوا صيادين يصطادون السمك. والصحيح أن الحوارى: صفوة كل شيء ~~وخالصته ومنه قوله في الزبير: " هو ابن عمتي وحواريي من أمتي "، أي: # PageV01P322 # {أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا ~~مسلمون (52) ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) ~~ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ~~ورافعك إلي ومطهرك من الذين} # صفوتي وخالصتي. # وأصل الحوارى: النقاء والنظافة؛ فسموا حواريين؛ لنقاء قلوبهم، ومنه يقال ~~لنساء الأمصار: حواريات. قال الشاعر: # (فقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكينا إلا الكلاب النوابح) # ومنه الخبز الحوارى؛ لنقاوته وبياضه. # وأما قوله: {نحن أنصار الله} لأنهم إذا نصروا عيسى، فكأنهم نصروا الله ~~{آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون} . # PageV01P323 # قوله تعالى: {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} ~~قيل: مع الشاهدين من أمة محمد؛ لأنهم يشهدون للرسل بالبلاغ، وقيل: من ~~الشاهدين على نبوة عيسى. # PageV01P323 # قوله تعالى: {ومكروا ومكر الله} المكر من العبد: الخبث والخداع، ومن الله ~~تعالى: أن يأخذ العبد بغتة من حيث لا يعلم، وإنما سماه مكرا - على المقابلة ~~- لأنه جزاء مكرهم: كما قال: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} والمراد بمكرهم ها ~~هنا: أنهم احتالوا لقتل عيسى، فقال رجل: ألا أدلكم على البيت الذي فيه ~~عيسى، فجاءوا معه البيت الذي كان فيه عيسى، فرفعه الله إلى ms0201 السماء، وألقى ~~شبه عيسى على من دلهم عليه، فأخذوه، وهو يصيح: لست بعيسى، فقتلوه، وقيل: إن ~~الدال كان واحد من الحواريين؛ فذلك مكر الله {والله خير الماكرين} . # PageV01P323 # قوله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك} أي: واذكر قول الله لعيسى: ~~إني متوفيك {ورافعك إلي} . فإن قال قائل: ما معنى التوفي، وعيسى في الأحياء # PageV01P323 # {كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي ~~مرجعكم فأحكم} # على زعمكم؟ قلنا: فيه أقوال، قال الحسن البصري: معناه: إني قابضك من ~~الأرض، وهو صحيح عند أهل اللغة، فيقال: توفيت حقي من فلان. أي: قبضت. # قال الازهري: كأنه يقول: إني متوفى عدد آبائك في الأرض، وكل شيء تم فهو ~~متوفى، ومستوفى، وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، وتقديره: إني رافعك إلى ~~ومتوفيك " أي: بعد النزول من السماء. # وقد ثبت عن رسول الله أنه قال: " ليهبطن عيسى بن مريم حكما مقسطا يكسر ~~الصليب ويقتل الخنزير "، وفي رواية: " أنه يقتل الدجال بباب لد " من دمشق، ~~وفي الأخبار: أنه يعيش بعد ذلك في الأرض سبع سنين، ويتزوج، ويولد له. ثم ~~يموت، ويصلوا عليه المؤمنون من هذه الأمة. # وهذا التقديم والتأخير الذي ذكرنا في الآية محكى عن ابن عباس وله قول ~~آخر: أن الآية على حقيقة الموت، وأن عيسى قد مات، ثم أحياه الله تعالى ~~ورفعه إلى السماء. # قال وهب بن منبه: أماته الله ثلاث ساعات من النهار، ثم أحياه الله، ورفعه ~~إليه، وقال الربيع ابن أنس: التوفي: هو النوم، وكان عيسى قد نام، فرفعه ~~الله نائما إلى السماء، والمعروف: القولان الأولان. # وقد روى عن رسول الله أنه قال: " رأيت ابني الخالة: عيسى، ويحيى في ~~السماء الثانية ليلة المعراج "، وروى أيضا: " أنه رآهما في السماء الدنيا " ~~والأول # PageV01P324 # {بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55) فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا ~~في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56) وأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم} # أصح، وقال عليه الصلاة والسلام: " رأيت المسيح بن مريم يطوف بالبيت " فدل ~~على أن الصحيح أنه ms0202 في الأحياء، وفي أخبار المعراج: " أن النبي لقى آدم في ~~السماء الأولى وعيسى في السماء الثانية ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في ~~السماء الرابعة وهارون في السماء الخامسة وموسى في السماء السادسة، - وفي ~~رواية السماء السابعة - وإبراهيم في السماء السابعة ". # قوله: {ومطهرك من الذين كفروا} أي: مخرجك من أرجاسهم وأنجاسهم، {وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} . # وقيل: أراد به النصارى، وهم فوق اليهود إلى يوم القيامة، واليهود أذل ~~الفريقين؛ قد ذهب ملكهم، فلا يعود أبدا، وملك النصارى دائم إلى قريب من ~~قيام الساعة، وقيل: أراد بالذين اتبعوه: أمة محمد؛ حيث صدقوه ووافقوه على ~~دين التوحيد، فهم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. # وفيه قولان: أحدهما: أنهم فوقهم بالحجة. # والثاني: بالعز والغلبة، وقد قال: " أنا أولى بعيسى بن مريم، ليس بيني ~~وبينه نبي ". # {ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} . # PageV01P325 # قوله تعالى: {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة} # PageV01P325 # {أجورهم والله لا يحب الظالمين (57) ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر ~~الحكيم (58) إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون (59) } # والعذاب في الدنيا: القتل والأسر والجزية، والعذاب في الآخرة: عذاب ~~النار. # قوله تعالى: {وما لهم من ناصرين # PageV01P326 # وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم) أي: جزاء أعمالهم ~~{والله لا يحب الظالمين} أي: لا يرحم الكافرين، ولا يثني عليهم بالجميل. # PageV01P326 # قوله تعالى: {ذلك نتلوه عليك من الآيات} يعني: القرآن {والذكر الحكيم} ~~أي: الذكر ذي الحكمة، وقيل: الذكر المحكم الذي لا يتخلله الفساد. # PageV01P326 # قوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} ؛ سبب نزول الآية ما روى: ~~أن وفد نجران لما قدموا على النبي قال لهم: " أسلموا، فقالوا: نحن مسلمون، ~~قال: كذبتم؛ يمنعكم من ذلك ثلاث: قولكم إن الله اتخذ ولدا، وسجودكم للصليب، ~~وأكلكم الخنزير، فقالوا: من أبو عيسى؟ فنزلت هذه الآية "، وفي الآية دليل ~~عليهم، ورد لقولهم، فقوله: {إن مثل عيسى} أي: صفة عيسى {عند الله كمثل آدم ~~خلقه ms0203 من تراب ثم قال له كن فيكون} ، يعني: إن خلق عيسى بلا أب مثل خلق آدم ~~بلا أب، ولا أم، وخلق عيسى بلا أب ليس بأبدع من خلق آدم بلا أب ولا أم. # فأما قوله: {ثم قال له كن فيكون} راجع إلى آدم، فإن قال قائل: لما ذكر ~~أنه خلقه من تراب، فما معنى قوله بعده {ثم قال له كن فيكون} بعد الخلق؟ ~~قيل: معناه: خلقه من تراب، ثم أخبركم أني قلت له: كن، فكان من غير ترتيب في ~~الخلق: كما يكون في أولاده، وهو مثل قول الرجل: أعطيتك اليوم درهما، ثم ~~أعطيتك أمس درهما، أي: ثم أخبرك أني أعطيتك أمس درهما. # PageV01P326 # قوله تعالى: {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} ، فإن قيل: أكان شاكا في ~~الحق حتى نهاه عن الشك؟ قيل: الخطاب مع النبي، والمراد به: الأمة، وقيل ~~معناه: قل للشاك فيه: الحق من ربك فلا تكن من الشاكين. # PageV01P326 # {الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من} # واعلم أن فيما سبق من التمثيل على جواز القياس دليل، على أن القياس هو رد ~~فرع إلى أصل بنوع شبه، وقد رد الله تعالى عيسى إلى آدم بنوع؛ فدل على جواز ~~القياس. والمثل: هو ذكر سائر يستدل به على غيره في معناه. # PageV01P327 # قوله تعالى: {فمن حاجك فيه} أي: جادلك في الحق {من بعد ما جاءك من العلم ~~فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ~~فنجعل لعنة الله على الكافرين} . # هذا في دعاء النبي بني نجران إلى المباهلة، روى سعد بن أبي وقاص: " أن ~~النبي أخذ بيد الحسن والحسين وفاطمة وعلى، ثم دعاهم إلى المباهلة ". # فقوله: {ندع أبناءنا} أراد به: الحسن والحسين، وقوله: {ونساءنا} يعني: ~~فاطمة، وأنفسنا يعني: نفسه وعلى، فإن قال قائل: كيف قال: {وأنفسنا} وعلي - ~~رضي الله عنه - غيره؟ قيل: العرب تسمى ابن عم الرجل نفسه، وعلي كان ابن ~~عمه، وقيل: ذكره على العموم لجماعة أهل الدين. والإبتهال: الإلتعان، ومنه ms0204 ~~البهلة: وهي اللعنة، يقال: # عليك بهلة الله، أي: لعنة الله، والابتهال: الاجتهاد في دعاء اللعنة. # واللعنة: الإبعاد والطرد عن الرحمة بطريق العقوبة، قال لبيد: # (وكهول سادة من عامر ... نظر الدهر إليهم فابتهل) # أي: نظر الدهر إليهم بالهلاك فأفناهم باجتهاد فيه. # وفي القصة وكهول " أن النبي لما دعاهم إلى الإبتهال، وجعل اللعنة على # PageV01P327 # {العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا نساءكم وأنفسنا وأنفسكم ~~ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (61) إن هذا لهو القصص الحق وما من ~~إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم (62) فإن تولوا فإن الله عليم ~~بالمفسدين (63) قل يا أهل} # الكاذب من الفريقين، فقال الأسقف لهم: لا تباهلوا؛ فإنكم لو ابتهلتهم؛ ~~لاضطرم عليكم الوادي نارا، فقالوا للنبي: وهل غير المباهلة؟ قال الإسلام أو ~~الحرب أو الجزية، فقبلوا الجزية، وانصرفوا "، وقال النبي: " لو تلاعنوا ~~لصاروا قردة وخنازير " وفي رواية " لو تلاعنوا لم يبق في الدنيا نصراني ولا ~~نصرانية إلى يوم القيامة ". # PageV01P328 # قوله تعالى: {إن هذا لهو القصص الحق} أي: النبأ الحق {وما من إله إلا ~~الله} " من " صلة، وتقديره: وما إله إلا الله {وإن الله لهو العزيز الحكيم} ~~. # PageV01P328 # {فإن تولوا} أي: أعرضوا {فإن الله عليم بالمفسدين} أي: بمن يفسد منهم. # PageV01P328 # قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب} الخطاب مع اليهود والنصارى {تعالوا إلى ~~كلمة} العرب تسمى كل قصة لها شرح: كلمة، ومنه سميت القصيد: كلمة. # {سواء بيننا وبينكم} أي: عدل، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: # PageV01P328 # {الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون (64) يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة ~~والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون} # (أروني خطة لا ضيم فيها ... يسوى بيننا فيها السواء) # (فإن ترك السواء فليس بيني ... وبينكم بني عمرو لقاء) # وأراد بالسواء: العدل. # {ألا نعبد إلا الله} سبب هذا: أن اليهود قالوا: لا يريد محمد منا إلا أن ~~نعبده، وكذلك ms0205 قالت النصارى؛ فنزلت الآية {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم} ، معناه: تعالوا إلى أمر نستوي فيه: وهو أن لا نعبد إلا ~~الله، ولنتفق جميعا على عبادته {ولا نشرك به شيئا} . # {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} قال عكرمة: أي: لا يسجد بعضنا ~~لبعض؛ فإن من سجد لغيره فقد اتخذه ربا. # وقيل: هو طاعة الخلق في معصية الخالق {فإن تولوا} أي: فإن أعرضوا {فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون} أي: بهذه الكلمة وهذا الأمر. # PageV01P329 # قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} سبب نزول الآية: أن ~~اليهود والنصارى اختصموا [إلى] النبي في إبراهيم، فقالت اليهود: هو منا، ~~وقالت النصارى: لا، بل منا؛ فنزل قوله: {لم تحاجون} لم تجادلون {في إبراهيم ~~وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون} ، معناه أن اليهودية ~~محرفة من التوراة، والنصرانية محرفة من الإنجيل، والتوراة والإنجيل أنزلتا ~~بعد إبراهيم. # فكيف تدعون أنه على اليهودية أو على النصرانية؟ وأما التوراة والإنجيل ~~فقد ذكرنا # PageV01P329 # ( {65) ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به ~~علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم ~~للذين اتبعوه وهذا النبي} # اشتقاقها، وقيل ليس لهما اشتقاق، وهما اسمان بالسريانية. # PageV01P330 # قوله تعالى: {ها أنتم هؤلاء} " ها " للتنبيه، ومعناه: يا هؤلاء، أنتم ~~{حاججتم} جادلتم {فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} أي: ~~جادلتم في أمر موسى وعيسى، وادعيتم أنا على دين موسى وعيسى، وقد أنزلت أمره ~~عليكم، فلم تجادلون في أمر إبراهيم، ولم أنزله عليكم، ولا علم لكم به؟ ! ~~{والله يعلم وأنتم لا تعلمون} . # PageV01P330 # قوله تعالى: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا} أخبر الله تعالى أنه ~~ليس على ما ادعوا من اليهودية و [لا] النصرانية، {ولكن كان حنيفا مسلما} . # والحنيف: هو المائل إلى الدين، والمستقيم عليه، ومنه: الأحنف: وهو المائل ~~القدم، وقال مجاهد: الحنيف: المتبع، وقال ms0206 الضحاك: الحنيف: الحاج. فإن قال ~~قائل: لم قال {حنيفا مسلما} والمسلم: هو الذي يكون على جميع ما أتى به محمد ~~رسول الله، وإبراهيم لم يكن على جملة شريعته؟ # قيل: قد كان على بعض شريعته؛ فيكون بذلك مسلما؛ كمن مات من هذه الأمة في ~~بدء الأمر، كان مسلما ببعض شريعته؛ فإنها إنما تمت، واستقرت في آخر الأمر، ~~ويحتمل أن يكون قوله: {مسلما} بمعنى: الانقياد من قوله: {أسلم قال أسلمت ~~لرب العالمين} ؛ فلذلك قال: {حنيفا مسلما وما كان من المشركين} . # PageV01P330 # قوله تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} : من اتبعه في زمانه. ~~{وهذا النبي} يعني محمدا (والذين آمنوا) يعني: من هذه الأمة {والله ولي ~~المؤمنين} . # PageV01P330 # قوله تعالى: {ودت طائفة من أهل الكتاب} أي: تمنت طائفة من أهل # PageV01P330 # {والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (68) ودت طائفة من أهل الكتاب لو ~~يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون (69) يا أهل الكتاب لم تكفرون ~~بآيات الله وأنتم تشهدون (70) يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل ~~وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} # الكتاب. {لو يضلونكم} لو يردونكم إلى الضلالة، وما هم عليه من اليهودية ~~والنصرانية {وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون} . # PageV01P331 # قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} فيه ~~قولان: أحدهما: معناه: لم تكفرون بنعت محمد وصفته، وأنتم تشاهدونه في ~~التوراة والإنجيل؟ {. # والثاني معناه: لم تكفرون بما ياتي [به] محمد من الدلالات والمعجزات، ~~وأنتم تقرون بمثلها مما اتى به موسى وعيسى؟} # PageV01P331 # قوله - تعالى -: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق ~~وأنتم تعلمون} معناه: لم تخلطون الإيمان بعيسى - وهو الحق - بالكفر بمحمد - ~~وهو الباطل -؟ وقيل معناه: لم تغطون " الحق " من نعت محمد بالتغيير " ~~الباطل "؟ ! . # PageV01P331 # قوله تعالى: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا وجه النهار، واكفروا آخره لعلهم يرجعون} أما وجه النهار: أوله، ومنه ~~قول الشاعر: # (من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار) # أي: أول النهار، وهذا في اليهود، قالوا: نؤمن بمحمد في أول النهار، ثم ~~نكفر به ms0207 آخر النهار؛ حتى (يتهمه) الناس (ويقولوا) : قد ظهر منه شيء؛ حتى ~~كفروا به، وقيل: إنهم قالوا: نصدقه في البعض، ونكذبه في البعض؛ حتى يقول ~~الناس: صدقوه فيما كان صادقا، وكذبوه فيما كان كاذبا (فيستريبون) بحاله. # PageV01P331 # {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~وأكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى ~~هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من} # {لعلهم يرجعون} أي: من تبعه في دينه، ويكون وجه النهار وآخره بمعنى: ~~البعض على القول الثاني. # PageV01P332 # قوله - تعالى -: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} أي: لا تصدقوا إلا من ~~تبع دينكم، " واللام " فيه زائدة كما قال: {قال عسى أن يكون ردف لكم} أي: ~~ردفكم. وهذا في اليهود أيضا، قالوا: لا تصدقوا إلا من وافقكم في ملتكم. # ثم ابتدأ الله تعالى فقال: {قل إن الهدى هدى الله} أي: إن البيان بيان ~~الله. # {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} أي: ولا يحاجونكم عند ربكم؛ فإن الحجة لكم ~~عليهم، وليست لهم عليكم عند الله. # وقتا محمد بن يزيد المبرد: في الآية تقديم وتأخير: قوله: {ولا تؤمنوا} ~~أي: لا تصدقوا {أن يؤتى أحد مثل مل أوتيتم} من الدلالات والآيات من المن ~~والسلوى ونحوه. # {إلا لمن تبع دينكم} إلا لمن وافقكم في اليهودية {أو يحاجوكم عند ربكم} ~~أي إن صدقتموهم، يحاجونكم يوم القيامة عند ربكم، فيقولون: نحن مثلكم، أو ~~خير منكم، فلا تصدقوهم حتى لا يحاجوكم عند ربكم. إلى ها هنا كلام اليهود ثم ~~ابتدأ الله تعالى فقال: {قل: أن الهدى هدى الله} وقيل: معناه {ولا تؤمنوا ~~إلا لمن تبع دينكم} أي: ولا تصدقوا أن النبوة في غير بني إسحاق، وأنها في ~~بني إسماعيل. # [قوله تعالى] {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم # PageV01P332 # يختص # PageV01P332 # {يشاء والله واسع عليم (73) يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~(74) ومن أهل الكتاب من إن ms0208 تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في ~~الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) } # برحمته من يشاء) قال ابن عباس: هو الدين. وقال مجاهد: هو النبوة. وقال ~~ابن جريج: هو القرآن والإسلام (والله ذو الفضل العظيم) . # PageV01P333 # قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} قد ذكرنا ~~الأقوال في القنطار، وقال عطاء بن أبي رباح: هو ست آلاف دينار. # وهذا في عبد الله بن سلام؛ أودعه رجل ألفين ومأتي أوقية من الذهب فأدى ~~الأمانة فيه. # {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} هذا في فنحاص بن عازوراء ~~اليهودي؛ أودعه رجل دينارا فخان فيه. # {إلا ما دمت عليه قائما} أي: لا يؤده إليك إلا ما دمت على رأسه قائما ~~تطالبه. وقيل: أراد بالقيام: الإلحاح والمطالبة. # {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} قالت اليهود: ليس علينا في ~~أخذ أموال العرب حرج، كأنهم استحلوا أموال الأميين: وهم العرب، محمد ~~وأصحابه. # {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} # PageV01P333 # {بلى} عليهم سبيل؛ ذكره جوابا لقولهم. # قالت النحاة: وهو وقف تام، ثم ابتدأ، فقال: {من أوفى بعهده واتقى} قال ~~ابن عباس: واتقى الشرك {فإن الله يحب المتقين} الموحدين. # PageV01P333 # قوله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا} روى أبو ~~وأئل - وهو شقيق بن سلمة - عن ابن مسعود، عن رسول الله أنه قال: " من حلف ~~على يمين كاذبة؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان، # PageV01P333 # {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم يوم} # وتلا هذه الآية قال: وكان الأشعث بن قيس حاضرا، فقال: في نزلت الآية، ~~وذكر قصة " وهذا حديث في الصحيحين، ورواه مسلم في صحيحه برواية أخرى، وزاد ~~فيه أنه: " قيل: يا رسول الله، وإن كان في شيء يسير؟ ms0209 قال: وإن كان في قضيب ~~من أراك ". # وروى مسلم أيضا في كتابه برواية ثالثة عن النبي أنه قال: " ثلاثة لا ~~يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم [ولهم عذاب أليم] : ~~المنان بما أعطى والمسبل إزاره، والمنفق سلعته باليمن الكاذبة ". # فقوله: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} أي: شيء قليل من ~~حطام الدنيا {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} أي: لا حظ لهم فيها. # {ولا يكلمهم الله} أي: ولا يكلمهم كما يكلم المؤمنين؛ وقد صح أنه جل ~~جلاله - يكلم المؤمنين يوم القيامة من غير ترجمان، وقيل: هو بمعنى: الغضب، ~~كما يقال: أنا لا أكلم فلانا، إذا كان غضبانا عليه {ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة} يعني: لا ينظر إليهم بالرحمة. # {ولا يزكيهم} لا يثني عليهم بالجميل، ولا يطهرهم من الذنوب {ولهم عذاب ~~أليم} . # PageV01P334 # {القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (77) وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم ~~بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو ~~من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (78) ما كان لبشر أن يؤتيه ~~الله الكتاب والحكم} # PageV01P335 # قوله تعالى: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب} أي: يغيرون، ~~ويحرفون الكتاب بألسنتهم. وقيل: يعدلون بألسنتهم عن الكتاب {لتحسبوه} ~~لتظنوه {من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند ~~الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} . # قوله تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة} سبب نزول ~~الآية: " أن اليهود والنصارى اجتمعوا عند النبي واختصموا في إبراهيم، فقالت ~~كل فرقة: هو منا، فقال: كذبتم؛ فغضبوا، وقالوا: يا محمد، لا تريد منا إلا ~~أن نتخذك ربا؛ فنزلت الآية ". # PageV01P335 # {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب} يعني: القرآن، {والحكم} الأحكام، ~~والحكمة: السنة {والنبوة} المنزلة الرفيعة بالأنبياء. # {ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله} أي: عبيدا لي من دون الله ~~وقيل: أراد بالبشر: عيسى - صلوات الله عليه - لأنهم كانوا يدعون أن عيسى ~~أمرهم أن يعبدوه، ms0210 ويتخذوه ربا، فقال: {ما كان لبشر} يعني: عيسى. # {أن يؤتيه الله الكتاب} يعني: الإنجيل {والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب} . # قال سعيد بن جبير: الرباني: الفقيه العالم الذي يعمل بعلمه. وقال الضحاك: ~~الرباني: العالم الحكيم. وفي الخبر: " كونوا علماء حلماء ". # والرباني من طريق المعني: هو أن يكون على دين الرب وعلى طريق الرب. # PageV01P335 # {والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين ~~بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم} # وقيل هو من التربية، فالرباني هو الذي ربي بصغار العلم حتى بلغ كباره، ~~وروى: أن ابن عباس لما توفي، قام محمد بن الحنفية على قبره، وقال: اليوم ~~مات رباني هذه الأمة. # وقال مجاهد: الربانيون فوق الأحبار؛ فالأحبار: العلماء، والربانيون: ~~الذين جمعوا مع العلم البصيرة بسياسة الناس. # {بما كنتم تعلمون} - بالتشديد - من تعليم القرآن، وبالتخفيف من العلم. # {وبما كنتم تدرسون} تقرءون. # PageV01P336 # قوله تعالى: {ولا يأمركم} يقرأ بالرفع على الابتداء، أي: ولا يأمركم ~~الله، ويقرأ بنصب الراء على النسق، أي: ولا يأمركم ذلك البشر {أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا} فالنصارى: هم الذين اتخذوا النبيين أربابا، ~~والصائبون: هم الذين اتخذوا الملائكة أربابا. # {أيامركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} أي: لا يأمركم بالكفر بعد الإسلام. # PageV01P336 # قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} قرأ ابن مسعود: " وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب " {لما آتيتكم من كتاب وحكمة} : هو أحد القولين ~~في معنى القراءة المعروفة، قال ابن عباس: معنى الآية: وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب مع النبيين. قال ابن عباس: لما استخرج الله الذرية من ~~صلب آدم كالذر، # PageV01P336 # {بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80) وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم ~~من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) ~~فمن تولى بعد ذلك ms0211 فأولئك هم الفاسقون (82) أفغير دين الله يبغون وله أسلم ~~من في السموات والأرض طوعا وكرها} # والأنبياء كانوا فيهم كالمصابيح والسرج، أخذ الميثاق على النبيين أن ~~يؤمنوا بمحمد وأن يصدقوه، وينصروه إن أدركوه. فهذا معنى قوله: {وإذ أخذ ~~الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} ، وقرأ حمزة " لما آتيتكم " ~~مخففا بكسر اللام، وقرأ غيره: " لما آتيتكم " بفتح اللام مشددا، والقراءة ~~المعروفة: بفتح اللام مخففا، ومعناه: للذي آتيتكم بمعنى الخبر. # وقيل: معناه: لئن آتيتكم بمعنى: الشرط، {ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه} يعني: محمدا. # {قال أأقررتم} أي: أقروا {وأخذتم على ذلكم إصري} أي: عهدي. والإصر: العهد ~~الثقيل {قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} . # وقال الضحاك: إنما أخذ الميثاق على النبيين خاصة كما نطقت به الآية، فأخذ ~~الميثاق على كل نبي أن يؤمن بالذي يأتي بعده من الأنبياء وينصره، فأخذ ~~الميثاق على موسى - صلوات الله عليه وسلم - أن يؤمن بعيسى، وعلى عيسى أن ~~يؤمن بمحمد ونحو ذلك. # PageV01P337 # ثم قال: {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون أفغير دين الله يبغون} ~~يطلبون، يقرأ بالياء والتاء. # {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها} قال ابن عباس: لما خاطبهم ~~بقوله: {ألست بربكم} أسلم الكل، وقالوا: بلى، ولكن بعضهم قالوا: بلى، # PageV01P337 # {وإليه يرجعون (83) قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (84) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85) كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ~~وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات} طوعا وبعضهم كرها. وقيل: أسلم من في ~~السموات طوعا، وأسلم من في الأرض كرها وطوعا، وبعضهم طوعا، وبعضهم كرها؛ ~~لخوف السيف {وإليه ترجعون} . # PageV01P338 # قوله تعالى: {قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} لما ذكر الملك والأديان، واضطراب الناس ~~فيها، أمر رسوله أن يقول: {آمنا بالله} ms0212 الآية، وقد ذكرنا معنى الأسباط وما ~~قيل فيه {وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن ~~له مسلمون} . # PageV01P338 # قوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين} وحق لمن يبتغي غير دين الإسلام أن يصبح غدا من الخاسرين. # PageV01P338 # قوله تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ~~وجاءهم البينات} يعني: لا يهديهم الله، وهو مثل قول عبد الله بن قيس ~~الرقيات: # (كيف نومي على الفراش ... ولما تشتمل السآم غارة شعواء؟) # أي: لا نوم لي على الفراش. # والآية نزلت في الحارث بن أوس بن الصامت؛ فإنه ارتد عن الإسلام، ولحق ~~بمكة، وأقام مدة، ثم أرسل إلى المسلمين في أن يرجع إلى الإسلام؛ فنزلت ~~الآية {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} . # قال الزجاج: يعني: أنهم يستحقون الضلالة، ولا يستحقون الهداية {والله لا ~~يهدي القوم الظالمين # PageV01P338 # أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) . # PageV01P338 # {والله لا يهدي القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) ~~إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم ~~الضالون (90) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل} # فإن قال قائل: لم قال: {والناس أجمعين} فكذلك يتناول نفسه أيضا، فكيف ~~يلعن على نفسه؟ قيل: أراد في القيامة يلعن بعضهم بعضا، ويلعنون أنفسهم. ~~وقيل: إنهم يلعنون الظالمين والكافرين؛ فذلك لعنهم على أنفسهم؛ لأن من لعن ~~الظالمين والكافرين، وهو ظالم وكافر فقد لعن نفسه. # PageV01P339 # {خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} يعني بهذا: الحارث بن أوس؛ فإنه تاب وأسلم ~~فقبلت توبته. # PageV01P339 # قوله - تعالى -: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل ~~توبتهم} هذا في قوم كانوا مع الحارث بن أوس وارتدوا، ms0213 فلما رجع هو إلى ~~الإسلام أمسكوا عن الإسلام أولئك القوم، وقالوا: نتربص الدهر بمحمد، فإن ~~ساعده الزمان، ونفذ أمره نرجع إلى دينه؛ فنزلت الآية. # {إن الذين كفروا بعد إيمانهم} أي: ارتدوا عن الإسلام بعد إيمانهم {ثم ~~ازدادوا كفرا} بقولهم: إنا نتربص بمحمد ريب المنون {لن تقبل توبتهم} قال ~~أبوالعالية: لأنهم لم يكونوا محققين للتوبة، بل كانوا متربصين {وأولئك هم ~~الظالون} وقيل: أراد به: الذين كفروا بعد إيمانهم بعيسى؛ ازدادوا كفرا ~~بمحمد {لن تقبل توبتهم} عند الناس {وأولئك هم الظالون} . # PageV01P339 # قوله تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض ذهبا ولو افتدى به) يعني: لو افتدى به، و " الواو " زائدة مقحمة، ~~وقيل: تقدير الآية: فلن يقبل من أحدهم أن يتبرع بملء الأرض ذهبا، ولو افتدى ~~به أيضا لا يقبل {أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين} . # PageV01P339 # قوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قال ابن مسعود وعمرو ~~بن ميمون # PageV01P339 # {من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ~~ناصرين (91) لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن ~~الله به عليم (92) كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا} # ومسروق بن الأجدع أبو عائشة: البر: الجنة ها هنا. وقيل: هو العمل الصالح. ~~وقيل: هو الثواب، وفي الخبر: " عليكم بالصدق؛ فأنه يهدي إلى البر، والبر ~~يهدي إلى الجنه، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي ~~إلى النار ". # {حتى تنفقوا مما تحبون} قيل: أراد بالإنفاق: أداء الزكاة. وقيل: أداء ~~جميع الصدقات. وقيل: كل إنفاق يبتغي به مرضات الله تعالى ينال به هذا البر. # وروى أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة: " يا رسول الله، إني أرى الله ~~يسألنا أموالنا، فأشهدك أني جعلت حائط كذا لله تعالى فقال: اقسمه بين ~~الفقراء قرابتك، فقسمه بين أبي وحسان ". # وروى أن ابن عمر - رضي الله عنه ms0214 - اشترى جارية كان قد هويها، فلما نظر ~~إليها أعتقها، وزوجها رجلا، وتلا قوله تعالى ( {لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون} وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) أي: يعلمه، أي: يجازى ~~عليه. # PageV01P340 # قوله تعالى: (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل) سبب نزول الآية: أن اليهود ~~قالوا لرسول الله: إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم، وكان لا يأكل لحوم الإبل ~~وألبانها وأنت تأكلها، فلست على ملة إبراهيم؛. فنزلت الآية {كل الطعام كان ~~حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} ~~يعني: ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على إبراهيم، بل ~~كان (الكل) # PageV01P340 # {بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) فمن افترى على الله الكذب من بعد ~~ذلك فأولئك هم الظالمون (94) قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين (95) إن أول بيت وضع للناس ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) ~~فيه آيات بينات مقام إبراهيم} # حلالا له ولبني إسرائيل، وإنما حرمها يعقوب على نفسه قبل نزول التوراة، ~~يعني: أن حرمتها ليست في التوراة، ولا في شرع إبراهيم، وإنما هو شيء حرمه ~~إسرائيل على نفسه، وسبب تحريمه ذلك على نفسه: أنه أشتكى عرق النسا، وكان له ~~من ذلك زقاء - أي صياح - فقال: إن شفاني الله منه لأحرمن أحب الطعام إلي ~~لحوم الإبل وألبانها، فشفاه الله؛ فحرمها على نفسه. # {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} طالبهم بالإتيان بالتوراة ~~حجة على ما ادعوا فلم يأتوا بها؛ إذ لم يكن تحريمها في التوراة، فعجزوا عن ~~الإتيان بالتوراة وكان ذلك كالمعجزة للرسول عليهم. # PageV01P341 # قوله تعالى: {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون} ~~وقد ذكرنا معنى الافتراء والظلم. # PageV01P341 # قوله تعالى: {قل صدق الله} يعني: فيما أخبر وأنزل {فاتبعوا ملة إبراهيم ~~حنيفا} وإنما دعاهم إلى إتباع ملة إبراهيم؛ لأن في اتباع ملته اتباعه، وفي ~~اتباعه اتباع ملته، {وما كان من المشركين} . # PageV01P341 # قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس ببكة مباركا} روى أبو ذر: ms0215 " أنه سأل ~~رسول الله أي المساجد وضع أولا؟ فقال: المسجد الحرام. (قلت) : ثم أي؟ قال: ~~المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عاما، ثم قال: أينما أدركتك ~~الصلاة، فصل؛ فإنه لك مسجد ". # وروى خالد بن عرعرة عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: أراد به: أن أول ~~بيت وضع للناس مباركا مع الرحمة والبركة، والآيات البينات للذي ببكة. # وقيل: أول ما خلق الله تعالى من الأرض موضع البيت، ثم منه خلق جميع ~~الأرض، # PageV01P341 # {ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن ~~كفر فإن الله غني} # وأول ما خلق من الجبال جبل أبي قبيس. # وفي القصص: أن الله تعالى أمر الملائكة ببناء البيت قبل خلق آدم بألفي ~~عام، وكانت الملائكة يحجونه، فلما حجه آدم، قالت الملائكة: بر حجك، حججنا ~~هذا البيت قبلك بألفي عام. وأما بكة فالصحيح: أن بكة ومكة بمعنى واحد، وهو ~~قول ابن عباس، ومثله: طين لازب ولازم، وسمل رأسه وسبل بمعنى واحد. # وقيل: (أنه) موضع البيت، ومكة جميع القرية. وقيل: إنما سميت ببكة، لأن ~~الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون، ومنه قول الشاعر: # (إذا الشريب أخذته أكه ... فخله حتى يبك بكة) # وقوله: {مباركا وهدى للعالمين} أي: وضع ذلك البيت ذا بركة وهدى للعالمين. # PageV01P342 # {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} قرىء: " فيه آية بينة " على الوحدان، وهي ~~مقام إبراهيم، والمعروف: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} . # من تلك الآيات: مقام إبراهيم: وهو الحجر الذي فيه أثر أصابع قدم إبراهيم، ~~وكان قد بقي أثره فيه، فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، وقيل مقام إبراهيم: ~~جميع الحرم. # ومن الآيات في البيت أيضا: أن الطير يطير فلا يعلو فوقه، كذا قيل، ومنها: ~~أن الجارحة إذا قصدت صيدا، فإذا دخل الصيد الحرم كفت عنه، ومنها: أنه ما ~~قصده جبار إلا قصمه الله - تعالى -، ومنها: أن المطر إذا أصاب الركن ~~اليماني؛ (كان الخصب باليمن، وإن أصاب جانب الشام) ؛ كان الخصب بالشام، وإن ~~أصاب جميع الجوانب كان الخصب جميع الجوانب. # وسبب هذا أن ms0216 اليهود قالوا: قبلتنا أولى من قبلتكم؛ فبين الله تعالى ~~للمسلمين شرف قبلتهم؛ فإنها خصت بأشياء ليست تلك لقبلتهم، وأن بيت المقدس ~~قد حرق وهدم، وأما الكعبة فما قصدها جبار إلا قصمه الله تعالى. {ومن دخله ~~كان آمنا} قال ابن عباس: هو (الجاني) يدخله، فيصير آمنا عن القتل فيه، ~~ولكنه لا يؤاكل # PageV01P342 # {عن العالمين (97) قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ~~ما تعملون} # ولا يشارب، ولا يباع ولا يشاري حتى يخرج فيقتل. # وقال الحسن وقتادة وعامة المفسرين - وهو الأصح -: إنه أراد الأمن عن تخطف ~~الكفار بالقتل والغارة. وقيل: أراد به: ومن دخله كان آمنا في القيامة من ~~العذاب. # قوله - تعالى -: {ولله على الناس حج البيت} قد ذكرنا معنى الحج. # {من استطاع إليه سبيلا} روى الحسن مرسلا عن النبي " أنه سئل عن ~~الاستطاعة، فقال: الزاد والراحلة "، وروى ابن عمر " أنه سئل أي الحاج أفضل؟ ~~فقال: الشعث، التفل. فقيل: أي الحج أفضل؟ العج، والثج. قيل: ما السبيل؟ ~~قال: الزاد والراحلة ". # وقال مالك: الاستطاعة بقوة البدن، فمتى وجد الزاد، وقوى على المشي لزمه ~~الحج، والأصح أن الاستطاعة: هي القدرة على ما يوصله إلى الحج، فمنها: ~~الزاد، والراحلة، ومنها: أمن الطريق، ونفقة الأهل، ونحو ذلك. # {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} الأصح: أنه أراد بالكفر: إنكار وجوب ~~الحج، وقيل: " إنه لما نزل (قوله: {ولله} على الناس حج البيت) جمع رسول ~~الله # PageV01P343 # ((98} قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم ~~شهداء وما الله بغافل عما تعملون (99) يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا ~~من الذين أوتوا الكتاب) # من جمع الأديان، وقال: إن الله كتب عليكم الحج أيها الناس فحجوا، فصدقه ~~المؤمنون، وكذبه الكافرون؛ فنزل قوله: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} ~~". # PageV01P344 # قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما ~~تعملون} أي: لا يخفي عليه ما تعملون، ويجازيكم عليه. # PageV01P344 # قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل ms0217 الله من آمن} أي: (لم ~~تمنعون من آمن عن سبيل الله) بكتمان نعت محمد {تبغونها عوجا} أي: تطلبون ~~الزيغ عن السبيل، والعدول عنها بتغيير صفة محمد {وأنتم شهداء} يعني: أنتم ~~عالمون أنه حق؛ على ما ورد نعته وصفته {وما الله بغافل عما تعملون} . # PageV01P344 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب ~~يردوكم بعد إيمانكم كافرين} يعني: يردونكم إلى اليهودية والنصرانية. # PageV01P344 # قوله تعالى: {وكيف تكفرون} قال الأخفش سعيد بن مسعدة: على أي حال تكفرون؟ ~~! {وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} . # فإن قال قائل: منعه إياهم عن الكفر؛ يكون الرسول فيهم، يوهم إباحة الكفر ~~في حال لا يكون الرسول فيهم، قيل: ولا يخلو حال من كون الرسول فيهم، فإنه ~~اليوم وإن كان خارجا من بينهم، فشرعه قائم بينهم، فيكون كأنه فيهم. # {ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم} أي: ومن يمتنع بالله، قيل: ~~ومن يثق بالله، فقد أرشد إلى طريق مستقيم. # PageV01P344 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} قال ابن مسعود: ~~هو أن # PageV01P344 # {يردوكم بعد إيمانكم كافرين (100) وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات ~~الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (101) يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله} # يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. وقال قتادة: (الآية) ~~منسوخة بقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} قال أهل المعاني: لا يستقيم النسخ ~~فيه، وقوله {فاتقوا الله ما استطعتم} تفسير لهذه الآية؛ لأن من أطاع الله ~~في وقت وجوب الطاعة، وذكره في وقت وجوب الذكر، وشكره في موضع وجوب الشكر، ~~فقد اتقى الله حق تقاته. # وهذا لم يصر منسوخا، وقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} موافق له؛ لأن ~~التقوى إن كان في موضع الأمر والوجوب، والأوامر والواجبات على قدر ~~الاستطاعة، فتكون إحدى الآيتين موافقة للأخرى، فلا يستقيم فيه النسخ. # {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ، فإن قال قائل: كيف نهاهم عن الموت على ~~الكفر، والموت لا يدخل تحت الأمر والنهي؟ ! قيل: معناه: دوموا ms0218 على الإسلام، ~~حتى إذا وافاكم الموت ألفاكم على الإسلام، هذا كما يقول الرجل لغيره: لا ~~أريتك تفعل كذا. معناه: لا تفعل كذا، حتى إذا رأيتك (لا) أراك على فعله. # PageV01P345 # قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا} قال ابن عباس: حبل الله: هو ~~العهد. وقال قتادة (والسدى) : حبل الله: القرآن. وفي الخبر " القرآن: حبل ~~ممدود (طرف) بيد الله وطرف بأيديكم " وقيل: الحبل: الطريق، حبل الله: طريق ~~الله، وأنشدوا في ذكر الناقة قول الشاعر: # PageV01P345 # {حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله ~~لكم آياته لعلكم تهتدون (103) ولتكن} # (وإذا أجوزها حبال قبيلة ... نزلت من الأخرى إليك حبالها) # أي: طريقها. وأصل الحبل كل ما يوصلك إلى الشيء، فتفوز به، والعهد: حبل، ~~والقرآن: حبل، (ومنه) الحبل المعروف؛ لأنه يوصل إلى المقصود. # {ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم} سبب نزول الآية ما روى " أن رجلين: ~~أحدهما من الأوس، والآخر من الخزرج تسابا، فدعا كل واحد منهما قبيلته؛ فثار ~~الحيان، وضربوا بأيديهم إلى السيوف، وكاد يكون بينهم قتال، فبلغ ذلك رسول ~~الله فخرج عليهم وهو على حمار، وقام بينهم؛ فنزلت الآية، وتلا عليهم، ~~فبكوا، ومشى كل واحد إلى صاحبه وتعانقوا، واصطلحوا وكفوا عن القتال "، قال ~~جابر: ما كان يوما أقبح أولا من ذلك اليوم، ولا أحسن آخر من ذلك اليوم. ~~فقوله: {ولا تفرقوا} الخطاب معهم (واذكروا نعمة الله عليكم) يعني: بالإسلام ~~وبعث الرسول وإنزال الكتاب. # {إذ كنتم أعداء} لأن الأوس والخزرج كان بينهم قتال [دام] مائة وعشرين سنة ~~{فألف بين قلوبكم} يعني: بالإسلام {فأصبحتم بنعمته إخوانا} (أي: في الدين) ~~. # {وكنتم على شفا حفرة} أي: طرف حفرة {من النار فأنقذكم منها} . # وقيل: نزلت الآية في مشركي العرب، والأول [أصح وهو] قول عكرمة. {كذلك ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} أي: ترشدون، وتسلكون طريق الحق. # PageV01P346 # {منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ms0219 بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون (104) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب عظيم (105) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد} # PageV01P347 # قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة} أي: كونوا أمة، وكلمة " من " - فيه - ~~للجنس، لا للتبعيض، وهو مثل قوله: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} والمراد به ~~الاجتناب من جنس الأوثان كلها لا من بعض الأوثان، كذلك قوله: {ولتكن منكم ~~أمة} أي: كونوا أمة {يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون} أي: وأنتم المفلحون. # PageV01P347 # قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} يعني: اليهود والنصارى. # {من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه} يعني: ~~وأولئك لهم عذاب عظيم يوم القيامة، ثم وصف ذلك اليوم، فقال: {يوم تبيض ~~وجوه} يعني: بالتوحيد {وتسود وجوه} بالشرك. وقيل: تبيض وجوه بالسنة، وتسود ~~وجوه بالبدعة. وقيل: أراد به: في الدنيا تبيض وجوه بالقناعة، وتسود وجوه ~~بالطمع. والأول أصح، ويشهد لذلك قوله تعالى: {وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة} ~~الآية. # وفي رواية أبي أمامة عن النبي " تسود وجوه الخوارج ". {فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} أي: يقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ ! فإن قال ~~قائل: كيف كفروا بعد الإيمان ولم يكونوا مؤمنين قط؟ قيل أراد به إيمان يوم ~~الميثاق، وكفروا بعده. # PageV01P347 # {إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأما الذين ابيضت وجوههم ~~ففي رحمة الله هم فيها خالدون (107) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما ~~الله يريد ظلما للعالمين (108) ولله ما في السموات وما في الأرض وإلى الله ~~ترجع الأمور (109) كنتم خير أمة أخرجت} # وقيل: أراد به: اليهود؛ آمنوا بما كان في التوراة من نعت محمد، ثم كفروا، ~~وغيروا. {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} . # PageV01P348 # قوله تعالى: {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله} أي: في ثواب الله ~~{هم فيها خالدون} . # PageV01P348 # {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين} لأنه ~~يعاقب من يعاقب عن استحقاق بالعدل {ولله ما في السموات وما في ms0220 الأرض وإلى ~~الله ترجع الأمور} . # PageV01P348 # قوله تعالى: {كنتم خير أمة} فإن قال قائل: ما معنى قوله: {كنتم خير أمة} ~~ومتى كانوا بتلك الصفة؟ قيل: أراد به: كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ. ~~وقيل: أراد به صرتم خير أمة إذا آمنتم. وقيل: يقال لهم يوم القيامة: {كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} فالمعروف: ما عرفه ~~الشرع، والمنكر: ما أنكره الشرع. وفي الحديث: " لتأمرون بالمعروف، ولتنهون ~~عن المنكر، أو يوشك أن يعمكم الله بعقابه "، وقال: " أفضل الشهداء بعد ~~شهداء أحد: رجل قام إلى إمام جائر، فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله ~~عليه ". # قوله: {وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم} وهذا لاشك فيه. ~~{منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} لأنه آمن بعضهم، وكفر أكثرهم. # PageV01P348 # {للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل ~~الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) لن يضرركم إلا ~~أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) ضربت عليهم الذلة أين ~~ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم ~~المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون (112) ليسوا سواء من أهل الكتاب} # PageV01P349 # {لن يضروكم إلا أذى} يعني: لا يضرونكم بأكثر من أذى وهو إضرار يسير، وأذى ~~توقيعه باللسان. # {وإن يقاتلونكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون} أي: يهزمون وتكون النصرة ~~لكم عليهم. # PageV01P349 # قوله تعالى: {ضربت عليهم الذلة} يعني: ذل الكفر: بالقتل، والسبي، ~~والاغتنام {أين ما ثقفوا} أي: وجدوا. # {إلا بحبل من الله} يعني: عهد الذمة {وحبل من الناس} وهو عهد الأمان، ~~يعني: أنهم يقتلون، ويؤسرون، إلا أن تكون لهم ذمة أو أمان. # {وباءوا بغضب من الله} رجعوا واحتملوا غضب الله، (وقيل: لزمهم غضب الله) ~~من قولهم تبوأ مكان كذا أي: لزمه {وضربت عليهم المسكنة} أي: ذل الكفر، بزي ~~الفقر، وذلك على اليهود، حتى لا يرى يهودي إلا على زي الفقر، وإن كان غنيا ~~{ذلك بأنهم كانوا يكفرون ms0221 بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون} . # PageV01P349 # {ليسوا سواء} يعني: (المؤمنين والكافرين) ليسوا سواء، وهذا وقف تام، ثم ~~ابتداء {من أهل الكتاب أمة قائمة} أي: عادلة، وقيل قائمة: مستقيمة على ~~الحق، وقيل الأمة الطريقة المستقيمة، وهي طريقة الحق، وتقديره: من أهل ~~الكتاب ذو أمة قائمة، ومنه قول النابغة: # (أكفلتني ذنب امرئ وتركته ... وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع) # PageV01P349 # {أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات ~~وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم ~~بالمتقين (115) إن الذين كفروا لن تغني عنهم} # أي: ذو دين وطريقة. {يتلون آيات الله آناء الليل} : ساعات الليل، وأحدها: ~~إنا، وأنا {وهم يسجدون} قال ابن مسعود: يعني: يصلون صلاة العتمة، وقيل أراد ~~به الصلاة ما بين المغرب والعشاء وهو في آناء الليل. # PageV01P350 # {يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون ~~في الخيرات وأولئك من الصالحين} وصفهم الله تعالى وشكرهم # PageV01P350 # {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} أي: يجازون عليه. والله تعالى إذا جازى ~~العبد على صنيعه، فقد شكره {والله عليم بالمتقين} . # PageV01P350 # قوله تعالى: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا} أي: لا تدفع أموالهم بالفدية، ولا أولادهم بالنصرة من عذاب الله؛ ~~وذلك أن الإنسان يدفع عن نفسه بفداء المال، وتارة بالاستعانة بالأولاد ~~{وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} . # PageV01P350 # (قوله) : {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر} الصر في ~~الريح: البرد، وقول الشاعر: # (أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صر) # (عسى [ما] نرى نارا لمن يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر) # {أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} شبه إنفاقهم بزرع اجتاحته جائحة أو ~~أصابته ريح باردة فأهلكته. # واختلفوا في تلك النفقة: قال بعضهم: أراد به: إنفاق أبي سفيان يوم بدر ~~وأحد على المشركين في قتال المسلمين، وقيل أراد به: إنفاق المرء الذي ينفق ~~ماله ms0222 رياء # PageV01P350 # {أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(116) مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ~~ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يأولونكم خبالا ودوا ما عنتم قد ~~بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم ~~تعقلون (118) ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب} # وسمعة، لا يبتغي وجه الله {وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} . # PageV01P351 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} أي: خواص من ~~غير أهل ملتكم، وبطانة الرجل: خاصته، والذين يستنبطون أمره، ومنه: البطانة ~~في الثوب؛ لأنه يلي البطن والباطن، وهذا في النهي عن موالاة الكفار {لا ~~يأولونكم خبالا} أي: يقصرون في (أمركم) ، فيفسدون عليكم أمركم، والخبال: ~~الفساد {ودوا ما عنتم} أي: يودون ما يشق عليكم، والعنت: المشقة، ومنه ~~الأكمه العنوت وهي الشاقة الصعود، قال السدي: أراد به: أنهم يودون ردكم إلى ~~الكفر والضلالة. # {قد بدت البغضاء من أفواههم} يعني: الوقيعة باللسان، {وما تخفي صدورهم ~~أكبر} (يعني: الذي: في صدورهم) من الغيظ أعظم من الوقيعة باللسان {قد بينا ~~لكم الآيات إن كنتم تعقلون} . # PageV01P351 # قوله تعالى: {ها أنتم أولاء} يعني: أنتم يا هؤلاء، {تحبونهم} أي: تحبون ~~إيمانهم، {ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا} يعني: ~~باللسان. # {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم} وهو عبارة عن ~~شدة الغيظ {إن الله عليم بذات الصدور} . # PageV01P351 # قوله تعالى: {إن تمسسكم حسنة} أبي: خصب ونصرة (تسؤهم) {وإن تصبكم سيئة} ~~أي: قحط وبلاء {يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا} يعني: على # PageV01P351 # {كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل ~~موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (119) إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن ~~تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا أن الله بما ~~يعملون محيط (120) وإذ غدوت من ms0223 أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع ~~عليم (121) إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون (122) ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله} الشدة ~~والبلاء {لا يضركم كيدهم شيئا} ويقرأ " لا يضركم " بكسر الضاد مخففا، ~~والمعنى واحد {إن الله بما يعملون محيط} . # PageV01P352 # قوله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك} يعني: واذكر إذ غدوت، ومعناه: خرجت غدوة ~~من اهلك) ، أي: من بيت عائشة {تبوئ المؤمنين} أي: تنزل المؤمنين {مقاعد ~~للقتال} يعني: تنزلهم في مواضع القتال ومراكزه، يقال: بوأ فلانا مكان كذا، ~~إذا أنزله فيه، قال ابن عباس: كان النبي يسمى لكل واحد من المسلمين مكانا ~~من [القتال] ، ويقيمه ". # وهذا كان في حرب أحد، وهذه الآية إلى قريب من آخر السورة في حرب أحد ~~{والله سميع عليم} أي: سميع بما قاله المنافقون، عليم بما أضمروا؛ فيكون ~~على وجه التهديد، وقيل: معناه: {والله سميع} بما قال المؤمنون، عليهم بما ~~أضمروا؛ فيكون على وجه المدح. # PageV01P352 # قوله تعالى: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} يعني: أرادت، وقصدت، والهم: ~~القصد، وأما الطائفتان، فقد صح عن جابر أنه قال: أراد به: بني سلمة، وبني ~~حارثة. والقصة في ذلك: ما روى " أن رسول الله شاور أصحابه في الخروج إلى ~~حرب أحد، فأشار بعضهم بالخروج، وبعضهم بالمكث بالمدينة، فاختار الخروج، ~~وكان جيش المسلمين ألفا، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش فهمت ~~هاتان # PageV01P352 # {لعلكم تشكرون (123) إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ~~آلاف من الملائكة منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ~~يمددكم ربكم بخمسة} # الطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة أن يرجعوا معهم، فثبتهما الله تعالى على ~~المضي معه، فلم يرجعوا "، فهذا معنى قوله: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} ~~أي: أن تضعفا: وتجبنا {والله وليهما} أي: ناصرهما ومثبتهما على الحرب. # قال جابر: ما وددنا أن تفشلا، وقال الله: {والله وليهما وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون} . # PageV01P353 # قوله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر} يذكر عليهم منته بالنصرة يوم بدر، ~~وهو موضع ms0224 بين مكة والمدينة، وسمى بدرا باسم الموضع، وقيل: سمى بدرا بإسم ~~رجل، وقيل بإسم بئر {وأنتم ذلة} أي: قليل العدد؛ لأنهم كانوا يوم بدر ~~ثلثمائة وثلاثة عشر نفرا، قال علي: ولم يكن فينا فارس إلى المقداد، وكان ~~منهم سبعة وسبعون من المهاجرين والباقون من الأنصار، وكان صاحب راية ~~المهاجرين أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -، وصاحب راية الأنصار قيس بن ~~سعد بن عبادة. # وكان لهم يومئذ قليل سلاح، فمن الله عليهم بالنصرة لهم؛ مع قلة عددهم ~~وعدتهم، {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} . # PageV01P353 # قوله تعالى: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم} قيل: أراد به: في يوم بدر، ~~وقيل: في يوم أحد، قال ابن عباس: ما قاتلت الملائكة في المعركة إلا يوم ~~بدر. # أي: يكفيكم {أن يمدكم ربكم} الإمداد: هو إعانة الجيش بالجيش، ومنه: المدد ~~{بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} . # PageV01P353 # قوله تعالى: {بلى إن تصبروا} يعني: بلى وعدكم إن تصبروا على لقاء العدو، ~~{وتتقوا} أي: وتحذروا مخالفة الرسول {ويأتوكم من فورهم هذا} قال ابن عباس ~~والحسن وأكثر المفسرين: معناه: ويأتوكم من وجوههم هذا، وقيل معناه: من ~~غضبهم هذا؛ لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر. # PageV01P353 # {آلاف من الملائكة مسومين (125) وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن ~~قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفا من ~~الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا} # {يمددكم ربكم بخمسة آلاف} لم يرد به خمسة آلاف سوى ما ذكر من ثلاثة آلاف؛ ~~لأنهم أجمعوا على أن عدد الملائكة يومئذ خمسة آلاف، وهذا نظير قوله تعالى: ~~{بالذي خلق الأرض في يومين} ، ثم قال بعده: {وجعل فيها رواسي من فوقها ~~وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام} ولم يرد به أربعة أيام سوى ~~ذلك اليومين؛ لأنه قال بعده: {فقضاهن سبع سموات في يومين} وأجمعوا على أن ~~خلق الكل كان في ستة أيام لا في ثمانية أيام، بل أراد به أربعة أيام مع ذلك ~~اليومين كذا هذا. # {من الملائكة مسومين} يقرأ بفتح الواو، والمراد به المعلمين، ms0225 ويقرأ بكسر ~~الواو فيكون فعل التسويم: من الملائكة، والتسويم الإعلام بالعلامة، وهو من ~~السومة، والسماء: وهو العلامة، واختلفوا في علامة الملائكة يومئذ كيف كانت؟ ~~قال عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خيل يلق عليهم عمائم صفر. # وقال الحسن: كانت عمائم بيض مرسلة خلف الظهور. وقال مجاهد: كانوا قد ~~أعلموا من الصوف على أذناب الخيل ونواصيها؛ وذلك سنة في خلق الشجعان، وقد ~~قال: " سوموا فإن الملائكة قد سومت ". # PageV01P354 # قوله تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى لكم} أي: بشارة لكم {ولتطمئن قلوبكم ~~به " أي: بوعده النصرة {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} يعني: ~~(لا) تختلوا بالنصرة عن الملائكة والجند، واعرفوا [أن] النصر من عند الله. # PageV01P354 # {خائبين (127) ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ~~(128) ولله} # PageV01P355 # {ليقطع طرفا من الذين كفروا} أي: قطعة منهم، ومنه أطراف الإنسان؛ لأنها ~~قطع النفس، ثم من حمل الآية على حرب بدر، فقد كان ذلك القطع منهم يوم بدر؛ ~~فإنه قتل منهم سبعون وأسر سبعون؛ أكثرهم رؤساؤهم، ومن حمل الآية على حرب ~~أحد، فقد قتل منهم ستة عشر فيهم أصحاب الرايات، فكانت النصرة للمسلمين مالم ~~يخالفوا أمر رسول الله، فلما خالفوا أمره ذهبت النصرة عنهم. # قوله: {أو يكبتهم} قال أبو عبيدة: أي: يهلكهم، وقيل معناه: يخزيهم، وهو ~~أصح، وقيل معناه: أو يصرعنهم، والكب والكبت: الصرع على الوجه، وفيه قول ~~رابع: يكبتهم بمعنى: يكبدهم، وذلك أن يحزنهم حتى وصل الحزن إلى أكبادهم؛ ~~والعرب تسمي الحزين: أسود الكبد من تأثير الحزن فيه [ومنه] قول الشاعر: # (الأعداء والأكباد سود ... ) # {فينقلبوا خائبين} أي: لا يدركون ما أملوا، يقال: رجع فلان من الغيبة ~~بالخيبة، إذا لم يدرك أمله. # PageV01P355 # قوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} روى الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد ~~الله بن عمر: " {ليس لك من الأمر شيء} فترك اللعن في القنوت "، وروى أنس " ~~أنه شج رأسه يوم أحد، وكسرت رباعيته، وأدمي وجهه، وكان يأخذ الدم بكفه ~~ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم؟ ! فنزل ms0226 قوله: {ليس لك من الأمر # PageV01P355 # {ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور ~~رحيم (129) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار} # شيء) وقيل: أراد رسول الله أن يدعوا عليهم بدعاء الاستئصال؛ فنزل قوله: ~~{ليس لك من الأمر شيء} وذلك أنه تعالى علم أن فيهم من يسلم [أو يتوب] {أو ~~يتوب عليهم أو يعذبهم} إنما نصبه على نصب قوله: {ليقطع طرفا} ومعناه: ليس ~~لك من الأمر شيء؛ فإن تبت عليهم، أو عذبتهم، فأمرك متابع لأمري، أي: إن تبت ~~عليهم، فبرحمتي، وإن عذبتهم، فبظلمهم. # فإن قال قائل: أي اتصال لقوله: {أو يتوب عليهم} بقوله {ليس لك من الأمر ~~شيء} ؟ قيل: معناه: ليس لك من الأمر شيء، حتى يتوب عليهم، أو إلى أن يتوب ~~عليهم، ومثله قول امرئ القيس: # (فقلت لها لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا) # أي: حتى نموت، فنعذرا، ويحتمل أنه على نسق قوله: ليقطع طرفا من الذين ~~كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر ~~شيء. # والأمر أمري في ذلك كله. # PageV01P356 # قوله تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء والله غفور رحيم} . # PageV01P356 # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) قد ذكر الربا في ~~سورة البقرة، وأعاد ذكره ها هنا تأكيدا، والأضعاف المضاعفة: هو ما كانوا ~~يفعلونه من تبعيد الأجل بزيادة الدين. # {واتقوا الله لعلكم تفلحون} أي: كونوا على رجاء الفلاح، يعني: من ترك ~~الربا # PageV01P356 # {التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) ~~وسارعوا إلى} # وفيه الفلاح، وفي عطاء الربا الهلاك. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: " ما هلك قوم إلا وقد فشا فيهم الربا ~~والزنا "، [و] عنه أيضا: " [كثير] الربا إلى قلة ". # PageV01P357 # قوله تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} وهي معدة للكافرين؛ فإنها ~~دار الخلود لهم # PageV01P357 # {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} أي: كونوا على رجاء الرحمة. # PageV01P357 # قوله تعالى: ms0227 {وسارعوا إلى المغفرة} أي: بادروا إلى مغفرة {من ربكم} ، قال ~~ابن عباس: معناه: بادروا إلى التوبة التي هي سبب المغفرة. وقيل: أراد به: ~~سؤال المغفرة. وفيه قول غريب أنه التكبيرة الأولى. # {وجنة عرضها السموات والأرض} أي: سعتها كسعة السموات والأرض. # [وفي الخبر: " أن النبي: سئل إذا كانت الجنة عرضها السموات والأرض] فأين ~~النار؟ قال - عليه الصلاة السلام -: فإذا جاء الليل، فأين يذهب النهار؟ ~~[وإذا] جاء النهار فأين يذهب الليل؟ " ومعناه - والله أعلم - أنه حيث يشاء ~~الله. # فإن قيل: قد قال الله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} ، وأراد ~~بالذي وعدنا الجنة، فإذا كانت في السماء، فكيف يكون عرضها السموات والأرض؟ ~~قيل: إن باب الجنة في السماء وعرضها السموات والأرض كما أخبر. # PageV01P357 # {مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين (133) الذين ~~ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب ~~المحسنين (134) والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} # وقيل: أراد به في القيامة، فإن الله يزيد فيها، فيصير عرضها السموات ~~والأرض إذا (وصلت السموات والأرض) بعضها ببعض، وأما طولها [فلا يعلمه] إلا ~~الله. # PageV01P358 # {أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء} أي: في (اليسر والعسر) ~~{والكاظمين الغيظ} كظم الغيظ: هو أن يمتلئ غيظا؛ فيمنع نفوذه، من قولهم: ~~كظم البعير بجرته إذا ردها إلى جوفه، وفي الخبر: " من امتلأ غيظا، وكظمه ~~خيره الله في الحور العين ". # {والعافين عن الناس} قيل: عن المماليك سوء الأدب، وقيل: على العموم عن ~~كافة الناس، {والله يحب المحسنين} . # PageV01P358 # قوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} ما دون الزنا من ~~القبلة، والمعانقة، واللمس، والضم، ونحوه {ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} ~~سبب نزول الآية ما روى: أن رجلا بالمدينة - يقال له: نبهان - كان تمارا ~~فجاءته امرأة تشتري منه التمر، فأعجبه جمالها فقبلها، فذكر الله، وندم ~~واستغفر؛ فنزلت الآية. # {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله} أي: ذكروا وعيد ~~الله {فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا ms0228 الله ولم يصروا على ما فعلوا} ~~الإصرار هو المقام على المعصية من غير توبة، فقوله: {ولم يصروا} أي: ولم ~~يقيموا، ولم يمضوا {على ما فعلوا وهم يعلمون} أن الله لا يتعاظمه العفو عن ~~الذنب، وإن أكثر # PageV01P358 # {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ~~وجنات} # الذنب، وقد روى عن معبد بن صبيحة أنه قال: صليت خلف عثمان، فلما أنصرف من ~~صلاته قال: إن الله تعالى يقول: {ولم يصروا على ما فعلوا} وأنا قد صليت من ~~غير طهارة ناسيا، وها أنا أتوضأ، فذهب (وتوضأ) وأعاد الصلاة. # PageV01P359 # {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ونعم أجر العالمين} ذكر في هذه الآية جزاء الذاكرين، والمستغفرين، وقد ورد ~~في الاستغفار أخبار: منها ما روى مرفوعا: " ما أصر من استغفر، وإن عاد في ~~اليوم سبعين مرة ". # وروى أسماء بن الحكم الفزازي عن علي أنه قال: إذا سمعت من رسول الله ~~حديثا، ينفعني الله به ما شاء، وإذا سمعت من غيره (حلفته) عليه، فإذا حلف ~~صدقته وحدثني أبو بكر - وهو صادق -: أن رسول الله قال " ما من عبد يذنب ~~ذنبا، فيتوضأ، وصلى ركعتين واستغفر (الله) إلا غفر الله له ". # واعلم أن الاستغفار تسهيل للأمر على هذه الأمة، فإن الذين قبلنا كان ~~الواحد منهم إذا أذنب ذنبا يطهر على بابه (أن اقطع) من نفسك عضو كذا، وكان ~~لا بد له منه، وقد أخرج الله - تعالى - هذه الأمة عن الذنوب بالاستغفار؛ ~~كرامة لهم؛ وتيسيرا عليهم. # PageV01P359 # {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (136) قد خلت من ~~قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (137) هذا بيان ~~للناس وهدى} # وسئل ابن المعتز: إذا كان الله - تعالى - واسع المغفرة، وسعت رحمته كل ~~شيء فما يمنعه أن يرحم الكافر؟ فقال: إن رحمته لا تغلب حكمته. # PageV01P360 # قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن} قرأ ابن مسعود: " قد مضت "، وهو بمعنى ~~خلت. السنة: هي الطريقة المتبعة في الخير والشر. # وقد قال ms0229 في المجوس: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " وكانت شرا لهم. وقال ~~الشاعر: # (وإن الآلى بالطف من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا) # قال ابن عباس: سنن [الذين] من قبلكم، وهي وقائع الله على الكفار. وقال ~~غيره: هي الأعلام والآثار التي كانت. وحقيقة المعنى: أنها طرائق الله في ~~الكفار، وبقتلهم، وسبيهم وتخريب ديارهم، ونحوه، قال الزجاج: {قد خلت من ~~قبلكم سنن} أي: أهل سنن. {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} ~~. # PageV01P360 # قوله تعالى: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} قال الشعبي: بيان من ~~العمى، وهدى من الضلالة، وموعظة من الجهل؛ فالبيان: هو إظهار معنى الكلام، ~~والموعظة: هي الدعاء إلى الحق بالترغيب والترهيب. # PageV01P360 # قوله تعالى: {ولا تنهوا ولا تحزنوا} أي: ولا تضعفوا، ولا تجبنوا، ولا ~~تحزنوا، {وأنتم الأعلون} أي: تكون لكم العاقبة والنصرة. # وقيل: إنما قال {وأنتم الأعلون} ؛ لأن المسلمين كانوا على الجبل، ~~والمشركين في # PageV01P360 # {وموعظة للمتقين (138) ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين (139) إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس وليعلم الله} # أسفل الجبل، وقوله: {إن كنتم مؤمنين} أي: لا تهنوا إن كنتم مؤمنين؛ لأن ~~الإيمان يزيد القوة فلا يورث الوهن. # PageV01P361 # قوله - تعالى -: {إن يمسسكم قرح} تقرأ: بفتح القاف، وضمنها، وقال الفراء: ~~القرح - بالفتح -: الجراحة، والقرح: الألم، وقال الكسائي: هما عبارتان عن ~~معنى واحد. والأكثرون على القول الأول، وقوله: {إن يمسسكم قرح} خطاب ~~للمسلمين فيما مسهم يوم أحد {فقد مس القوم قرح مثله} أي: مس الكفار يوم بدر ~~(قرح) مثل ما مسكم يوم أحد. # {وتلك الأيام نداولها بين الناس} فتارة تكوم الدولة للمسلمين على الكفار، ~~وتارة للكفار على المسلمين، قال الزجاج: الدولة تكون للمسلمين على الكفار، ~~وقد كانت الدولة للكفار على المسلمين؛ لما خالفوا أمر الرسول، فإن لم ~~يخالفوا أمره كانت الدولة للمسلمين أبدا؛ لقوله تعالى: {وإن جندنا لهم ~~الغالبون} ؛ وقوله تعالى: {فإن حزب الله هم الغالبون} . # {وليعلم الله الذين آمنوا} قرأ ابن مسعود: " وليبلي الله الذين آمنوا "، ~~والقراءة المعروفة: {وليعلم} ، فإن ms0230 قال قائل: ما معنى قوله: {وليعلم الله ~~الذين آمنوا} ، وهو عالم بهم أبدا؟ قيل: معناه: وليعلم الصابرين على الجهاد ~~في مواطن الجهاد ليعاملهم معاملة من يبتليهم؛ فيعلمهم، والعلم بالجهاد في ~~مواطن الجهاد إنما يقع بعد وقوع الجهاد، وقيل: العلم الأول: علم الغيب، ~~وقوله: {وليعلم} يعني: علم المشاهدة، والوقوع والمجازة على علم الوقوع لا ~~على علم الغيب. # {ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} يعني: أنه ما جعل اليد للكفار ~~يوم أحد لحبه إياهم؛ ولكن ليبتليكم، ويجعلكم شهداء. # PageV01P361 # {الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) وليحمص الله ~~الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا} # PageV01P362 # قوله تعالى: {وليحمص الله الذين آمنوا} وكل هذا على نسق قوله: {ليقطع ~~طرفا} (وكذلك) قوله: {وليعلم الله الذين آمنوا} وأما التمحيص: قيل: هو ~~[التخليص] وهو قول الحسن، وقال مجاهد: هو بمعنى: الابتلاء، وحقيقة معنى ~~التمحيص: التطهير من الذنوب، تقول العرب: محص عنا ذنوبنا أي: طهرنا من ~~الذنوب. # {ويمحق الكافرين} [معنى] الآية: أنهم إن قتلوكم؛ فذلك تطهير لكم، وإن ~~قتلتموهم فذلك محق لهم واستئصال. # PageV01P362 # قوله تعالى: {أم حسبتم} أي: [أحسبتم] {أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم} أي: ولم يعلم الله الذين وقع منهم الجهاد، {ويعلم ~~الصابرين} . # PageV01P362 # قوله تعالى: {ولقد كنتم تمنون الموت} سبب نزول الآية أن الذين تخلفوا من ~~حرب بدر من المسلمين قالوا لما انقضت حرب بدر: لو كان لنا يوم مثله فنقاتل ~~ونقتل ونستشهد، فلما كان يوم أحد انهزموا، وهربوا؛ فنزلت الآية. # {ولقد كنتم تمنون الموت} أي: سبب الموت وهو الجهاد؛ إذ لا يجوز أن يتمنى ~~الموت بقتل الكافر إياه {من قبل أن تلقوه} أي: تلقون سببه من الجهاد {فقد ~~رأيتموه وأنتم تنظرون} ، فإن قيل: ما معنى قوله: {وأنتم تنظرون} ، وقد قال: ~~{فقد رأيتموه} ؟ (قيل) : يحتمل [أن تكون] الرؤية بمعنى العلم؛ فقال: # PageV01P362 # {منكم ويعلم الصابرين (142) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد ~~رأيتموه وأنتم تنظرون (143) وما محمد إلا رسول قد خلت من ms0231 قبله الرسل أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ~~وسيجزي الله الشاكرين (144) وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا ~~مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته} # {وأنتم تنظرون} ليعلم أن المراد بالرؤية ها هنا: التفكر، قاله الأخفش، ~~وقيل: إنما قاله تأكيدا، وقيل: معناه: وأنتم تنظرون إلى محمد. # PageV01P363 # قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} سبب نزول الآية أن ~~المسلمين يوم أحد لما وقعت الهزيمة عليهم، ووقع القتل فيهم؛ صاح الشيطان - ~~عليه ما يستحق -: ألا إن محمدا [قد] قتل، فقال المسلمون: خذوا لنا الأمان ~~من أبي سفيان، وقال من كان في قلبه نفاق: ارجعوا إلى دينكم الأول، فإن ~~محمدا قد قتل؛ فنزل قوله: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} يعني: هو على رسالته ونبوته مات أو قتل، ~~فلم انقلبتم على أعقابكم؟ ! {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا} أي: ~~إنما ضر نفسه، {وسيجري الله الشاكرين} . # وروى: أن [أنس بن النضر] " لما سمع قول الشيطان: إن محمدا قتل، اخترط ~~سيفه وتوجه إلى الكفار، وقال: إن قاتل محمد وقتل، ووصل إلى ما وصل، فأنا ~~أقاتل حتى أقتل، وأصل إلى ما وصل إليه، فقاتل حتى قتل ". # وقال كعب بن مالك: أنا أول من رأى رسول الله يوم أحد بعد صياح الشيطان، ~~عرفته بعينيه تحت المغفر، فقلت: هذا رسول الله حي، فأشار إلى أن اسكت ". ~~{منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) وكأين من نبي ~~قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا والله يحب الصابرين (146) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر ~~لنا ذنوبنا وإسرافنا في} # PageV01P363 # قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} تقديره: وما كانت نفس ~~لتموت إلا بإذن الله بقضائه وقدره {كتابا مؤجلا} تقديره: كتب كتابا مؤجلا. # (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها) فإن قيل: ms0232 نحن نرى من يريد الدنيا، فلا ~~يؤتى؟ قيل: معناه: لا يمنع عنه ما قدر له من ثواب الدنيا بسبب كفره. # {ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} فإن قيل: وهل يؤتى ثواب الآخرة بمجرد ~~الإرادة؟ قيل معناه: ومن يرد بالعمل، وهذا كما يقال: فلان يريد الجنة، أي: ~~يعمل للجنة {وسنجزي الشاكرين} يعني: المؤمنين، قال علي - رضي الله عنه -: ~~أبو بكر إمام الشاكرين. أي: إمام المؤمنين، رضي الله عنه. # PageV01P363 # قوله تعالى: {وكأين من نبي [قاتل] معه ربيون كثير} أي: وكم من نبي قتل ~~قال جرير: # (وكأين بالأباطح من صديق ... يراني إن أصبت هو المصابا) # قال عكرمة: هذا وقف تام، ومعناه: كم نبي قتل ومعه أصحابه. # {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله} أي: ما جبنوا {وما ضعفوا وما ~~استكانوا} أي: ما ذلوا، وما خضعوا، وقال الحسن: ما قتل نبي في معركة قط، ~~وإنما معنى الآية: وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير، وأما القراءة الأخرى: ~~" قاتل معه فمعناه ظاهر، وأما الربيون قال ابن مسعود: هم ألوف، وقيل: هم ~~عشرة آلاف. قال الحسن: الربيون من العلماء مأخوذ من الرب؛ لأنهم على دين ~~الرب وطريقه. # قوله تعالى: {والله يحب الصابرين # PageV01P363 # وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا أغفر لنا ذنوبنا) أي: الصغائر {وإسرافنا ~~في أمرنا} أي: الكبائر، {وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} . # PageV01P363 # {أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ثواب ~~الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) يا أيها الذين آمنوا إن ~~تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل الله ~~مولاكم وهو خير الناصرين (150) سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا} # PageV01P365 # قوله تعالى: {فآتاهم الله ثواب الدنيا} يعني: (النصرة) والغنيمة. # {وحسن ثواب الآخرة} قال ابن عباس: هو أن الله ينزل النبي وأصحابه في قباب ~~من در وياقوت حتى يفصل بين الخلق، وقيل، حسن ثواب الآخرة: أن يجازيهم على ~~عملهم ويزيدهم من فضله {والله يحب المحسنين} . # PageV01P365 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن ms0233 تطيعوا الذين كفروا} يعني: اليهود ~~والنصارى {يردوكم على أعقابكم} يعني: إلى اليهودية والنصرانية. # وقيل: أراد به المنافقين الذين قالوا يوم أحد: ارجعوا إلى دينكم الأول؛ ~~فإن محمدا قد قتل، فهذا معنى قوله تعالى: {يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين} أي: مغبونين. {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} . # PageV01P365 # قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب) يعني: الخوف، قال: " نصرت ~~بالرعب مسيرة شهر " {بما أشركوا بالله} أي: بشركهم بالله {ما لم ينزل به ~~سلطانا} أي: الذي لم ينزل به حجة، والسلطان: الحجة، قال الله تعالى (هلك ~~عني سلطانيه) أي: حجتي. # {ومأواهم النار} مكانهم النار {وبئس مثوى الظالمين} سبب نزول الآية: أن ~~الهزيمة لما وقعت على المسلمين يوم أحد، ووقع القتل فيهم، تشاور المشركون ~~فيما بينهم، وأجمعوا على أن يعودوا للقتال، فيستأصلوا محمدا وأصحابه فألقى ~~الله تعالى الرعب في قلوبهم، فمروا على وجوههم لا يلوون على شيء حتى بلغوا ~~مكة، فذلك قوله تعالى: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} . # PageV01P365 # {ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) ولقد صدقكم الله وعده إذ ~~تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما ~~تحبون منكم من يريد} # PageV01P366 # قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده} أي: وعده صدقكم بالظفر والنصرة؛ وقد ~~كانت النصرة في الابتداء للمسلمين يوم أحد {إذ تحسونهم بإذنه} أي: تقتلونهم ~~بقضاء الله وقدره، وألحس: القتل، ومنه قول الشاعر: # (تحسهم السيوف كما تسامى ... لهيب النار في أجم الحصيد) # {حتى إذا فشلتم} أي: جبنتم، {وتنازعتم في الأمر} تقديره: حتى إذا فشلتم، ~~تنازعتم في الأمر، و " الواو " زائدة قاله الفراء، وقيل: فيه تقديم وتأخير ~~وتقديره: حتى إذا تنازعتم في الأمر، فشلتم {وعصيتم من بعد ما أراكم ما ~~تحبون} يعني: من الظفر والغنيمة. # {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} ؛ لأنهم اختلفوا على ما ~~سنذكر {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} أي: [كف] أيديكم عنهم؛ ليمتحنكم، وقيل: ~~لينزل البلاء عليكم، {ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} ، والقصة ~~في ذلك: " أن رسول الله رأى في منامه: ms0234 أنه لبس درعا حصينة حين نزل المشركون ~~بأحد؛ فأولها على المدينة، وشاور أصحابه في الخروج إلى أحد، فقالوا: إن هذه ~~بلدة ما دخل علينا فيها أحد، ولا تبع حتى قدم وحتى يخرج إليهم، فلبس رسول ~~الله درعين، ووضع المغفر على رأسه، وخرج؛ فندموا وعلموا أنه كان مراده أن ~~يقيم، فقالوا: يا رسول الله، (إنا) تبع لرأيك، وطلبوا منه أن يرجع إن شاء، ~~فقال: ما كان لنبي إذا لبس لامته أن ينزعها حتى يقاتل، أو يحكم الله. # ومضى معه ألف نفر، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول [وأصحابه] بثلث الجيش ~~ثلثمائة نفر، وبقي سبعمائة، فلما وصل إلى أحد بعث قوما من الرماة، وأجلسهم ~~على موضع من جبل يخاف منه الكمين، وأمر عليهم عبد الله بن جبير الأنصاري. # PageV01P366 # {الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم ~~والله ذو فضل} # ثم ابتدأ القتال مع المشركين، فظفر عليهم، وقتل جماعة من رؤسائهم، ~~وانهزموا، ولاح الظفر للمسلمين، وساروا في أثرهم للغنيمة، فلما رآه الرماة، ~~فقالوا: إن المشركين قد انهزموا، ولاح الظفر حتى نسير على أثرهم؛ ونغنم، ~~فقال عبد الله بن جبير: لا تفارقوا هذا المكان؛ فإن رسول الله أمركم أن ~~تلزموا هذا المكان، فالزموه، فاختلفوا عليه، وذهب أكثرهم، وبقي عبد الله بن ~~جبير مع نفر قليل من أصحابه. # فلما عرى موضع الكمين عن الرماة، خرج عليهم خالد بن الوليد من الكمين، ~~وحمل عليهم بالقتل، فاستشهد عبد الله بن جبير، ومن بقي معه، وعاد المشركون ~~للقتال، ووقع القتل في المسلمين، وقتل منهم سبعون نفرا، وانهزم الباقون، ~~وبقي مع رسول الله نفر قليل، فذلك قوله {ولقد صدقكم الله وعده} أي: في ~~الابتداء بالظفر والنصرة {إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في ~~الأمر} يعني: أولئك الرماة الذين اختلفوا، {وعصيتم} يعني: عصيتم الرسول، ~~وخالفتم أمره {من بعد ما أراكم} يعني: من بعد أن أراكم الله تعالى {ما ~~تحبون} من الظفر {منكم من يريد الدنيا} هم الذين ذهبوا للغنيمة، {ومنكم من ~~يريد الآخرة} : الذين ms0235 صبروا مع عبد الله بن جبير. # قال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدا منا يريد الدنيا حتى أنزل الله هذه ~~الآية. # {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} يعني: في الوقعة الثانية حين عاد المشركون، ~~وهذا دليل لأهل السنة على: أن أفعال العباد مخلوقة؛ حيث نسب الله تعالى ~~هزيمة المسلمين إلى نفسه مع وقوع الفعل منهم، فقال: {ثم صرفكم عنهم} . # قوله تعالى: {إذ تصعدون} ويقرأ: بفتح التاء والعين. فالإصعاد: هو المشي ~~في مستو من الأرض، والصعود: المشى في مرتفع من الأرض. # PageV01P367 # {على المؤمنين (152) إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في ~~أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله ~~خبير بما تعملون} # والخطاب مع المسلمين الذين انهزموا، # PageV01P368 # بقوله: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد} أي: لا تعرجون، ولا تلتفتون إلى ~~أحد، ثم منهم من قال: {أراد بالأحد} : الرسول، ومنهم من قال: معناه: لا ~~تلوون على أحد من الناس. # {والرسول يدعوكم في أخراكم} يعني: في آخر الجيش، وكان يدعوهم: " عباد ~~الله، إلي إلي، أنا رسول الله، فلم يلتفتوا إليه، ومضوا ". # {فأثابكم غما بغم} أي: جازاكم، ثم اختلفوا، منهم من قال: الغم الأول: هو ~~القتل، والهزيمة التي وقعت على المسلمين، والغم الثاني: هو الإرجاف من قول ~~الشيطان: إن محمدا قد قتل. وقيل: [إن] الغم الأول: هو القتل والهزيمة، ~~والغم الثاني: هو فوات الظفر على العدو. # وقال الزجاج: معناه: أنهم غموا الرسول بمخافة أمره؛ فجازاهم الله تعالى ~~بذلك الغم غم القتل والهزيمة؛ وإنما سماه ثوابا؛ لأنه وضعه موضع الثواب، ~~كما قال: {فبشرهم بعذاب أليم} سمى العذاب: بشارة؛ لأنه وضعه موضع البشارة ~~{ليكلا تحزنوا على مل فاتكم ولا ما أصابكم} من القتل والهزيمة، منعهم الله ~~تعالى من الحزن على شيء ابتلاهم الله به، ووعد الثواب عليه {والله خبير بما ~~تعملون} . # PageV01P368 # قوله تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة} قيل: الأمن والأمنة بمعنى # PageV01P368 # ( {153) ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد ~~أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير ms0236 الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من ~~شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا ~~من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم ~~القتل إلى مضاجعهم وليبتلي} # واحد، وقيل: يكون مع (زوال سبب الخوف) ، فأما ها هنا فقال: {أمنة نعاسا ~~يغشى طائفة منكم} قيل: فيه تقديم وتأخير، وتقديره: نعاسا أمنة، وقيل: هو ~~على نظمه مستقيم، ومعنى الآية: أن الله تعالى أراد تميز المؤمنين من ~~المنافقين، فأوقع النعاس على المؤمنين أمنة لهم، حتى أمنوا، ولم يوقع على ~~المنافقين فبقوا على الخوف. # قال أبو طلحة: أوقع الله تعالى علينا النعاس ونحن تحت الحجر. # وقيل: أوقع النعاس عليهم حتى كان يسقط السيوف من أيديهم، وكذلك عبد ~~الرحمن بن عوف والزبير أخبرا عن ذلك النعاس، كما أخبر أبو طلحة. # وعن الزبير أنه قال: لما أوقع الله النعاس علينا، سمعنا معتب بن قشير ~~يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، وكنت كأني في النوم أسمع، ~~فذلك قوله: {يغشى طائفة منكم} يعني: المؤمنين {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} ~~يعني: المنافقين {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر ~~من شيء} قال: {قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك} . # ثم فسر ذلك فقال: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو ~~كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} . # أي: خرج الذين كتب عليهم القتال إلى مصارعهم للموت، وفي هذا دليل على أن ~~الأجل في القتل والموت واحد، كما قال أهل السنة. # قوله تعالى: (وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم ~~بذات الصدور) . # PageV01P369 # {الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (154) إن ~~الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما لستزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ~~ولقد عفا} . # PageV01P370 # قوله تعالى: {إن الذين تولوا منكم ms0237 يوم التقى الجمعان} . يعني: الذين ~~انهزموا من المسلمين يوم أحد؛ فإنه لما وقعت الهزيمة على المسلمين انهزم ~~أكثرهم، ولم يبقى مع رسول الله إلا أربعة عشر نفرا: سبعة من المهاجرين ~~وسبعة من الأنصار، وقيل: ثلاثة عشر، ستة من المهاجرين وهم أبو بكر، وعمر، ~~وعلي، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. # وفي الرواية الأولى: كان السابع الزبير، وكان طلحة أشد نكاية في الكفار ~~يومئذ. # وقيل: إن يوم أحد لطلحة، وقيل: إنه كان وقاية رسول الله وكان قد ضرب على ~~يده فشلت وبقيت كذلك. # وأما سعد وهو رامية، وكان يرمي بين يديه، ويقول له رسول الله: " ارم، ~~فداك أبي وأمي " # وأما الذين انهزموا، فقد لحق بعضهم بالمدينة منهم عثمان، ورجع بعضهم على ~~الطريق منهم عمر؛ فذلك قوله: {إنما استزلهم الشيطان} أي: طلب زلتهم، يقال: ~~استعجل فلانا، أي: طلب عجلته، ومعناه: أن الشيطان استزلهم حتى انهزموا. # وقوله {ببعض ما كسبوا} يعني: من مخالفة الرسول {ولقد عفا الله عنهم إن ~~الله غفور حليم} قال الزجاج: كان سبب انهزامهم: أن الشيطان وسوس إليهم: إن ~~عليكم ذنوبا؛ فكرهوا القتل قبل أن يتوبوا من الذنوب؛ فذلك قوله: {إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} . # PageV01P370 # {الله عنهم إن الله غفور حليم (155) يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا ~~عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل} # روى: " أن رجلا جاء إلى ابن عمر - وقيل: إلى ابن عباس، [و] الأصح إلى ابن ~~عباس، وقال: أليس عثمان لم يشهد بدرا؟ قال: نعم. فقال: أليس لم يشهد بيعة ~~الرضوان؟ قال: نعم، قال: أليس انهزم يوم أحد؟ قال: نعم. # فقال الرجل الله أكبر. # فعرف ابن عباس أنه أراد النقص؛ فدعاه، قال: أما يوم بدر؛ فإن النبي كان ~~قد خلفه على ابنته، وكانت مريضة وقال له: لك أجر واحد ممن شهد، وسهم واحد ~~مما شهد، وهو بدري بقول الرسول. # وأما بيعة الرضوان، فقد ms0238 كان الرسول بعث عثمان إلى مكة رسولا، ولو كان ~~بينهم في الوادي أعز منه لبعثه، ولما بايعهم ضرب رسول الله بشماله على ~~يمينه، وقال: هذه يد عثمان، وهذه يدي، أما انهزامه يوم أحد، فقد عفا الله ~~عنه، ولا عيب في شيء عفا الله عنه ". # فصل # " وأما ما أصاب رسول الله يوم أحد، فإنه كان قد هشمت البيضة التي كانت ~~على رأسه، وأدمي وجهه، وكسر [ثنيته] ؛ فجاء إلى المدينة فكانت فاطمة تغسل ~~وجهه، وعلي - رضي الله عنه - يأتي بالماء في المجن، وكان يغلب الدم، حتى ~~أحرقت حصيرا، فلما صار رمادا، جعلوه في الجراحة فاستمسك الدم ". # PageV01P371 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} يعني: ~~المنافقين # PageV01P371 # {الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) ~~ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (157) ~~ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) فبما رحمة من الله لنت لهم ولوا ~~كنت فظا غليظ القلب لنفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ~~فإذا عزمت فتوكل} # {وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض} أراد: إخوانهم في النسب، لا في ~~الدين {ضربوا في الأرض} أي: سافروا {أو كانوا غزى} جمع غاز {لو كانوا عندنا ~~ما ماتوا وما قتلوا} وهذا قول المعتب بن قشير، وعبد الله بن أبي بن سلول، ~~وجد بن قيس؛ {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما ~~تعملون بصير} . # PageV01P372 # قوله تعالى: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم} أي: لئن خرجتم، فقتلتم، أو ~~لم تخرجوا، فمتم {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} من الدنيا ويطلبون ~~الحياة لأجله. # PageV01P372 # قوله تعالى: {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون} يعني: كيفما خرجتم من ~~الدنيا، فحشركم إلى الله تعالى. # PageV01P372 # قوله تعالى: {فبما رحمة من الله} أي: فبرحمة، و " ما " للصلة، {لنت لهم} ~~وهذه صفة المؤمنين، وقد قال: " المؤمنون هينون لينون، كالجمل الأنف، إن قيد ~~انقاد، وإن أنخ على صخرة استناخ ". # {ولو كنت ms0239 فظا} وهو الجافي {غليظ القلب} أي: قاسي القلب {لا نفضوا} ~~لتفرقوا {من حولك} . # PageV01P372 # {على الله إن الله يحب المتوكلين (159) إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن ~~يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (160) وما ~~كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون} # {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} المشاورة هي استخراج الرأي، ~~وكانت المشاورة جائزة للنبي في أمور الدنيا، فأما في أمور الدين فعلى ~~التفصيل إن كان في شيئين يجوز كلاهما، جازت المشاورة، كما شاورهم في أسارى ~~بدر، حيث كان يجوز القتل والفداء. # والثاني: في أمور ثبتت نصا، كالصوم والصلاة، لا تجوز فيها المشاورة. # والثالث: في شيء لا نص فيه، فهو بناء على أن اجتهاده هل كان سائغا أم لا؟ ~~فإن ساغ اجتهاده، جازت مشاورته، وإلا فلا. # ولأي كان يشاور؟ قال الضحاك: ليقتدى به، وليستن بسنته، وهو قول سفيان ~~الثوري، وقال قتادة: تطييبا لقلوبهم. # {فإذا عزمت فتوكل على الله} أي: لا تتوكل على المشاورة، وإنما توكل على ~~الله {إن الله يحب المتوكلين} . # PageV01P373 # {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده} ~~الخذلان: الامتناع عن النصرة عند الحاجة {وعلى الله فليتوكل المؤمنين} . # PageV01P373 # قوله تعالى: {وما كان لنبي أن يغل} يقرأ بقراءتين، فمن قرأه: بفتح الياء ~~وضم الغين، فمعناه: أن يخون. # قال ابن عباس: سبب نزول الآية: أنه يوم بدر فقدت قطيفة حمراء، فقال بعض ~~أصحاب رسول الله: الرسول أخذها؛ فنزل قوله: {وما كان لنبي أن يغل} . # وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: وما كان لنبي أن يكتم شيئا من الوحي، ~~ويخون فيه. # وفيه قول ثالث: " أن النبي كان قد بعث طلائع، فهم ألايعطيهم من الغنائم # PageV01P373 # ( {161) أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير} # شيئا؛ فنزل قوله: {وما كان لنبي أن يغل} " قال قتادة: أن يخان منه، أي: ~~لا تخونوه، وقيل معناه: أن ينسب إلى ms0240 الغلول، وقيل معناه: أن يلقى غلا، وهذا ~~غريب من معنى القراءة الأولى. والغلول: الخيانة، والغل: الحقد، والغلل: ~~الماء الذي يجري بين الشجر، ومنه قول الشاعر: # (لعب [السيول] به فأصبح ماؤه ... غللا [يخلل] في أصول الخروع) # وفي الخبر: أن النبي قال: " ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص ~~العمل لله، ونصيحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ~~ورائهم ". # {ومن يغلل} أي: ومن يخن {يأت بما غل يوم القيامة} قيل: يأتي ما غل بعينه ~~يوم القيامة، وذلك معنى قوله فيما روى عنه: " لألقين أحدكم يوم القيامة، ~~وعلى رقبته فرس له حمحمة قد غله، فيقول: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أغني ~~عنك من الله شيئا، ألا قد بلغت، ولألقين أحدكم يأتي يوم القيامة، وعلى ~~رقبته شاة لها ثغاء، قد غلها، فيقول يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أغني عنك ~~من الله شيئا، ألا قد بلغت، ولألقين أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته بعير له ~~رغاء، قد غله، فيقول: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أغني عنك من الله شيئا ~~ألا قد بلغت ". # PageV01P374 # ((162} هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163) لقد من الله على ~~المؤمنين إذ) # والقول الثاني: أنه أراد به: يأتي بإثم ما غل يوم القيامة، وفي الخبر: " ~~أن رجلا كان على ثقل رسول الله، فاستشهد فقال الناس هو في الجنة، فقال ~~النبي هو في النار؛ فطلب، فإذا هو قد غل عباءة عن المغنم ". # {ثم توفى كل نفس ما كسبت} أي: جزاء ما كسبت، فالجزاء مضمر فيه {وهم لا ~~يظلمون} . # PageV01P375 # قوله تعالى: {أفمن اتبع رضوان الله} يعني: ترك الغلول {كمن باء بسخط من ~~الله} يعني: بالغلول، وقيل معناه: أفمن اتبع رضوان الله بموافقة الرسول، ~~كمن باء بسخط من الله بمخالفة الرسول {ومأواه جهنم وبئس المصير} . # PageV01P375 # قوله تعالى: {هم درجات عند الله} قال مجاهد: لهم درجات عند الله، يعني: ~~المؤمنين، وقال غيره: تقديره: هم ذووا درجات عند الله، يعني: المؤمنين ~~والمنافقين، فالمؤمنون ذووا الدرجات الرفيعة، والمنافقون ذووا الدرجات ~~الخسيسة، ms0241 ومثله قول الشاعر: # (أنصب للمنية تعتريهم ... رجالي، أم همو درج السيول) # أي: ذووا درج السيول. {والله بصير بما يعملون} # PageV01P375 # قوله - تعالى -: {لقد من الله على المؤمنين} أي: أنعم، والمنه: النعمة، ~~والمن: القطع؛ ومنه قوله - تعالى -: {لهم أجر غير ممنون} أي: غير مقطوع، ~~وسميت النعمة منة، لأنها مقطوعة عن المحن والشدائد. # وقوله تعالى: {إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} قيل: هذا في العرب خاصة؛ # PageV01P375 # {بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) أو لما أصابتكم مصيبة قد ~~أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ~~(165) وما أصابكم يوم التقى} # لأن الرسول بعث من بني إسماعيل إلى العرب، وقيل: هو على العموم في حق ~~الكافة؛ فإنه بعث بشر مثلهم. # وموضع المنة في بعثه من أنفسهم للعرب: أنه كان شرفا لهم، حيث بعث الرسول ~~منهم، وأيضا فإن القرآن نزل بلسان العرب؛ إذ كان الرسول عربيا، وكان التعلم ~~أسهل عليهم؛ لكونه أقرب إلى أفهامهم، فالمنة في السهولة عليهم، ولأنه لما ~~نشأ فيهم، وعرفوا صدقة وأمانته، وكان أميا مثلهم ما كان يحسن الخط، ولا ~~يعلم شيئا، ولا سافر، ثم أتى بكتاب يخبر عن القرون الماضية وقصص الأولين، ~~ووافق الكتب المنزلة قبله، كان أقرب إلى قلوبهم، فكان يسهل طريق الإيمان ~~عليهم. # وقوله: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم} أي: يشهد بتزكية سائر الأمم، ويجعلهم ~~أزكياء، وقيل: يطهرهم من الذنوب {ويعلمهم الكتاب} يعني: القرآن {والحكمة} ، ~~قال ابن عباس: الفقه والشرائع، وقال غيره: الحكمة: السنة. {وإن كانوا من ~~قبل لفي ضلال مبين} أي: ما كانوا من قبل إلا في ضلال مبين. # PageV01P376 # قوله تعالى: {أو لما أصابتكم مصيبة} يعني: يوم أحد {قد أصبتم مثليها} ~~يعني: يوم بدر: نزلت الآية في تسلية المؤمنين، وذلك: أن يوم أحد قتل من ~~المسلمون سبعون، وقد أصاب المسلمون منهم يوم بدر سبعين بالقتل، وسبعين ~~بالأسر، فذلك مثليهم، فجعل الأسر مثل القتل؛ حيث جعل القتلى والأسرى يوم ~~بدر ms0242 مثلي قتلى أحد. # {قلتم أنى هذا} من أين هذا؟ {قل هو من عند أنفسكم} أي: بمخالفة الرسول ~~منكم ". وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في تفسير قوله تعالى: {قل هو من ~~عند أنفسكم} أي: باختياركم الفداء؛ وذلك أن النبي خير المسلمين يوم بدر في ~~الأسارى بين القتل والفداء، وقال لهم: " إن اخترتم الفداء أصيب # PageV01P376 # {الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم ~~تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لأتبعناكم هم ~~للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} # منكم بعدتهم في العام القابل، فاختاروا الفداء، وقالوا: نتقوى به على ~~العدو، ويستشهد منا " فذلك قوله: {قل هو من عند أنفسكم} أي: باختياركم، وهو ~~قول علي - رضي الله عنه - {إن الله على كل شيء قدير} . # PageV01P377 # قوله تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} يعني: يوم أحد {فبإذن الله} ~~أي: بعلم الله، وروى " أنه - لما نزل المشركون بأحد رأى في منامه أن بقرا ~~ينحر، فأوله على أن يستشهد بعض أصحابه. ورأى أن سيفه ذا الفقار انقصم فأوله ~~على قتل حمزة، ورأى كأن كبشا أغبر قتل فأوله على قتل مبارز الكفار، فقتل ~~يوم أحد مبارزهم عثمان بن طلحة العبدري من بني عبد الدار ". # PageV01P377 # {وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا} يعني: علم المشاهدة، وإن كان ~~علمهم علم الغيب. # {وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا} قائل ذلك القول: عبد ~~الله بن حرام أبو جابر، قال للمنافقين: قاتلوا في سبيل الله، وإن لم ~~تقاتلوا لأجل الدين، فادفعوا عن الأهل والحريم. # {قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم} فرجعوا وهم يقولون: لا قتال، لا قتال، ~~حتى يفشل المسلمون {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} يعني: بعد رجوعهم ~~ومقالتهم تلك؛ لأنهم كانوا من قبل من المؤمنين في الظاهر؛ وإن كانوا ~~منافقين في الباطن، فلما فارقوا المؤمنين صاروا أقرب إلى الكفر منهم ~~للإيمان. # PageV01P377 # {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) الذين ~~قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت ms0243 إن ~~كنتم صادقين (168) ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون (169) } # {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون} . # PageV01P378 # قوله تعالى: {الذين قالوا لإخوانهم} يعني: في النسب لا في الدين، وهم ~~المنافقون، قالوا للمسلمين: لو قعدوا قتلوا) ، كما لم نقتل، فذلك قوله: ~~{الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين} يعني: إن قدرتم على دفع القتل، وتقدرون على دفع ~~الموت، فادفعوا الموت عن أنفسكم. والدرء: الدفع، ومنه قول الشاعر: # (أقول وقد درأت لها وضيني ... أهذا دينكم أبدا وديني؟) # PageV01P378 # قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} سبب نزول ~~الآية: أن أصحاب رسول الله لما استشهدوا يوم أحد، كان الناس يقولون: مات ~~فلان؛ ومات فلان، فنزل قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم} قيل معناه: يؤولون أحياء يوم القيامة. إلا أن ~~هذا ضعيف؛ لأنه لا يبقى لهم فيه تخصيص، والأصح: أنه على معنى ما روى عن ~~رسول الله أنه قال: " إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلف من ثمار ~~الجنة - وفي رواية: تأكل، وفي رواية: تسرح في الجنة فترد مياهها - ثم تأوى ~~إلى قناديل من ذهب معلقة من العرش " ورواه مسلم في صحيحه، وزاد " إن الله ~~تعالى اطلع عليهم اطلاعة، فيقول: تمنوا علي، فيقولون: ماذا نتمنى وقد ~~أعطيتنا هذا؟ {فيقول: تمنوا على، فيقولون: وماذا نتمنى وقد أعطيتنا هذا؟} ~~فيقول: تمنوا على، فيقولون: نتمنى أن نرد إلى الدنيا ونقتل في سبيلك ثانيا ~~" الحديث. # PageV01P378 # {فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله ~~لا يضيع أجر} # وفي رواية ثالثة: " أن النبي رأى جابرا حزينا، وقتل أبوه عبد الله بن ~~حرام يوم أحد، فقال: ما لي أراك حزينا، إن الله تعالى لم يكلم أحدا، إلا من ~~وراء حجاب، وقد كلم أباك كفاحا، ms0244 فقال: تمن علي " الحديث. # وروى: " أن شهداء أحد قالوا: من يبلغ نبينا وإخواننا ما وصلنا إليه؟ فقال ~~الله تعالى: أنا أبلغهم - وفي رواية: أنا رسولكم - وأنزل هذه الآية ". # {بل أحياء عند ربهم يرزقون # PageV01P379 # فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) ~~قيل معناه: أنه يدفع إليهم كتاب فيه أسماء إخوانهم الذين يستشهدون من ~~بعدهم، فيستبشرون بهم. # وقوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} وقدر عليهم أن يلحقوا ~~بهم. فيه قول آخر، أن الشهداء يقولون: ياليت إخواننا أصيبوا مثل ما أصابنا؛ ~~فيصلون إلى ما وصلنا؛ فذلك قوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~أي: بأن لا خوف عليهم {ولاهم يحزنون} . # PageV01P379 # {يستبشرون بنعمة من الله وفضل} وقيل: أراد بالنعمة: قدر الكفاية، ~~وبالفضل: ما زاد على الكفاية، ومعناه: لا يضيق عليهم، بل يوسع في العطاء، ~~وقيل: ذكر الفضل تأكيدا للنعمة، {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} قرأ ابن ~~مسعود: # " والله لا يضيع أجر المؤمنين ". # PageV01P379 # قوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول} قيل: سبب نزول الآية: أن أبا ~~سفيان # PageV01P379 # {المؤمنين (171) الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ~~للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172) الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم} # لما رجع إلى مكة يوم أحد، قال الكفار بعضهم لبعض في الطريق: نرجع؛ ~~فنستأصل محمدا وأصحابه، فبلغ ذلك رسول الله، فقال: من ينتدب إلى الخروج، ~~فانتدب سبعون نفرا فيهم أبو بكر والزبير. # وقد قالت عائشة لعروة: إن أبويك من الذين استجابوا لله والرسول، وأرادت ~~أن أبا بكر والزبير كانا في السبعين، فخرجوا إلى حمراء الأسد [وهم] على ~~ثمانية أميال من المدينة، فلما وصلوا (فإذا الله كان قد ألقى) الرعب في ~~قلوب المشركين، وكانوا مضوا إلى مكة ". # وقال ابن عباس (قولا آخر) : أن أبا سفيان لما أراد أن يرجع يوم أحد، قال: ~~موعدنا وموعدكم العام القابل ببدر، ثم لم يتفق له الخروج في العام القابل، ~~وخرج رسول الله لموعده إلى بدر مع أصحابه، فأولئك ms0245 الذين استجابوا لله ~~والرسول ". # {من بعد ما أصابهم القرح} يعني: الألم يوم أحد، {للذين أحسنوا منهم} ~~باستجابة الرسول، {واتقوا} يعني مخالفة الرسول {أجر عظيم} . # PageV01P380 # قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} هذا ~~قول نعيم بن مسعود الأشجعي، والقصة في ذلك: " أن أبا سفيان لما لم يتفق له ~~الخروج لموعده ببدر بعث بنعيم بن مسعود الأشجعي إلى المدينة، وقال له: ثبط # PageV01P380 # {فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من ~~الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174) إنما ~~ذلكم الشيطان} # أصحاب محمد عن الخروج؛ كيلا يظنوا أن بنا فشلا ولك عشر من الإبل، فجاء ~~إليهم، وكان النبي وصاحبته يتهيئون للخروج، فقال لهم: تخرجون إليهم! قد ~~خرجوا إليكم في العام الماضي، وفعلوا بكم ما فعلوا في بيوتكم، والله لو ~~خرجتم إليهم لا يعود أحد منكم، فقال وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل، ولم ~~يمتنعوا من الخروج ". # فقوله: {الذين قال لهم الناس} هو نعيم بن مسعود وحده، هذا قول عكرمة ~~ومجاهد ومقاتل والكلبي، وقال ابن عباس: هو قول نفر قليل من عبد القيس، ~~وقوله: {فزادهم إيمانا} منهم من قال معناه: زادهم إيمانا بتفويضهم، وقولهم: ~~حسبنا الله ونعم الوكيل، وقيل معناه: زادهم يقينا بما وعدهم الله من النصر، ~~{وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} ، قال ابن عباس: وهذا قول إبراهيم حين ~~ألقى في النار، فإنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV01P381 # قوله تعالى: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} معنى الآية: " أن النبي ~~وأصحابه خرجوا لموعد أبي سفيان إلى بدر، وهو مجمع سوق العرب، فلم يلقوا ~~هنالك (أحدا) إذ لم يتفق (خروجهم) ، فاتجروا هنالك، وربحوا، وانصرفوا " ~~فذلك قوله: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} فالنعمة: العافية، والفضل: ربح ~~التجارة {لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} . # PageV01P381 # قوله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} فالشيطان: كل عات متمرد من ~~الجن والإنس، والمراد بالشيطان ها هنا: نعيم بن مسعود، وقيل: هو الشيطان # PageV01P381 # {يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون ms0246 إن كنتم مؤمنين (175) ولا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في ~~الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله ~~شيئا ولهم عذاب أليم (177) ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم} # المعروف؛ فإنه وسوس إليهم: أن لا تخرجوا لذلك الوعد. # وقوله: {يخوف أولياءه} قال إبراهيم النخعي: تقديره: يخوفكم أولياءه أي: ~~من أولياءه، وهم الكفار، وقال أهل المعاني: هو قول حسن. # وقال الفراء: معناه: يخوفكم بأوليائه، وكذا قرأ أبي بن كعب. (ومثله) قوله ~~تعالى: {لينذر بأسا شديدا} أي: ببأس شديد، وقال الشاعر: # (أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نسب) # أي: أمرتك بالخير، فنزع الباء {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} # PageV01P382 # قوله تعالى: {ولا يحزنك} ويقرأ: " ولا يحزنك) بضم الياء، ومعناهما واحد. # {الذين يسارعون في الكفر} يعني: قول الذين يسارعون في الكفر. # {إنهم لن يضروا الله شيئا} أي: لن ينقصوا الله شيئا {يريد الله ألا يجعل ~~لهم حظا في الآخرة} أي: نصيبا في الآخرة {ولهم عذاب عظيم} . # PageV01P382 # قوله تعالى: {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان} أي: استبدلوا وكل شراء ~~استبدال، وليس كل استبدال شراء {لن يضروا الله شيئا} أي: لن ينقصوا الله ~~شيئا {ولهم عذاب أليم} . # PageV01P382 # قوله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا} أي: لا يظنن، من الحسبان: الظن ~~{أنما نملي لهم خير لأنفسهم} الإملاء: إطالة العمر، والإمهال: التأخير، ~~ويقال لليل والنهار: ملوان. # PageV01P382 # {ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين (178) ما كان الله ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن ~~الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر ~~عظيم (197) ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل ~~هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا} # {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} أي: إنما نطيل عمرهم ليزدادوا إثما. روى ~~الأسود عن أبن مسعود: " ما من ms0247 أحد إلا والموت خير له؛ برا كان أو فاجرا: ~~أما البر، لقوله تعالى -: {وما عند الله خير للأبرار} وأما الفاجر؛ لقوله ~~تعالى: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} ؛ وذلك أنه إذا ازداد إثما اشتدت ~~عقوبته " {ولهم عذاب مهين} . # PageV01P383 # قوله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه} يعني: على ~~اختلاط المنافقين بكم؛ فإنهم كانوا مختلطين بالمؤمنين {حتى يميز الخبيث من ~~الطيب} قال مجاهد: حتى يميز الكافر من المؤمن، وقال قتادة: حتى يميز، ~~المنافق من المؤمن، ويقرأ: حتى " يميز " مشددا يقال: ماز يميز، وميز يميز، ~~بمعنى واحد. وفي الحديث: " من ماز أذى من الطريق، فهو له صدقة " {وما كان ~~الله ليطلعكم على الغيب} سبب نزوله: أن أصحاب رسول الله قالوا: يا رسول ~~الله، أخبرنا بمن يموت على الإيمان، ومن يموت على الكفر؛ فنزل قوله: {وما ~~كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} يعني: فيطلعه ~~على الغيب بما شاء، وهذا كما قال في آخر سورة الجن: {فلا يظهر على غيبه ~~أحدا إلا من ارتضى من رسول} {فآمنوا بالله ورسوله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم ~~أجر عظيم} . # PageV01P383 # قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا ~~لهم} يعني: هو يكون خيرا لهم {بل هو شرا لهم} في معنى الآية قولان: أحدهما: ~~أنه في اليهود، حيث كتموا نعت محمد، وبخلوا به؛ فعلى هذا معنى قوله: ~~{سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} أي: إثم ما بخلوا به يوم القيامة، ~~والقول الثاني: أن الآية في # PageV01P383 # {به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير (180) ~~لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق} # ما نعى الزكاة، وقوله: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} على حقيقته، ~~وهو معنى ما روى عن رسول الله أنه قال: " من منع الزكاة جاء يوم القيامة، ~~فيمثل له ماله شجاعا أقرع فيطوق في رقبته، [فينهسه] من قرنه إلى قدميه ثم ~~قرأ هذه ms0248 الآية ". {ولله ميراث السموات والأرض} فإن قال قائل: كيف يكون له ~~ميراث السموات والأرض؟ قيل: العرب تسمى كل ما انتقل من أحد إلى غيره ميراثا ~~بأي سبب كان، فلما خلصت السموات والأرض لله تعالى بعد هلاك العباد، سماه ~~ميراثا، كأنه انتقل منهم إليه {والله بما تعملون خبير} . # PageV01P384 # قوله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} ~~قيل: سبب نزول الآية: أنه لما نزل قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا} قالت اليهود: إن الله يستقرض منا أموالنا؛ فإذن هو فقير ونحن أغنياء ~~وما قالوا ذلك عن اعتقاد، ولكن تمويها على المسلمين، وتشكيكا لهم فيما جاء ~~به محمد رسول الله، فنزل قوله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ~~ونحن أغنياء} وفيه قول آخر: أنه عليه [الصلاة و] السلام لما استعان بيهود ~~بني قينقاع في الحرب، قالوا: إن الله فقير إذن؛ حيث يستعين بنا في نصرة ~~دينه، ونحن أغنياء؛ فنزلت الآية. # {سنكتب ما قالوا} : هو الكتابة في صحائف الأعمال، وقيل: معناه: نحصي ما ~~قالوا نجازى عليه، ويقرأ: " سيكتب ما قالوا " بضم الياء. {وقتلهم الأنبياء} ~~بالرفع أي: ويكتب قتلهم الأنبياء {بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق} أي: # PageV01P384 # {ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد (182) الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم ~~قتلتموهم إن كنتم صادقين (183) فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا ~~بالبينات والزبر والكتاب المنير (184) كل} # بعذاب النار؛ لأن عذاب النار محرق. # PageV01P385 # {ذلك بما قدمت أيديكم} يعني: بما قدمتم، وذكر أيديكم تأكيدا. # {وأن الله ليس بظلام للعبيد} يعني: أنه يفعل ما يفعل بهم؛ مجازاة لهم على ~~أعمالهم. # PageV01P385 # قوله تعالى: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار} الآية في اليهود، قال السدي: كان الله تعالى عهد إلى ~~اليهود: أن لا يؤمنوا لرسول حتى ms0249 يأتيهم بقربان تأكله النار سوى عيسى ومحمد، ~~فأنه أمرهم أن يؤمنوا بهما من غير هذه الشريطة. # وقال غيره: كانوا يتقربون بالقربان، ثم يأخذون أطايب لحمه، فيضعونها في ~~بيت، ثم يقوم نبيهم في ذلك البيت يناجي ربه، فتأتي نار بيضاء لها حفيف من ~~السماء، فتأكله، ويكون ذلك علامة قبول القربان. # {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} أي: بالدلالات والمعجزات {وبالذي ~~قلتم} يعني: من الإتيان بقربان تأكله النار. # {فلم قتلتموهم} أي: فلم كذبتموهم، وقتلتموهم {إن كنتم صادقين} في دعوتكم ~~ذلك العهد. # PageV01P385 # قوله تعالى: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات} أي: ~~بالدلالات والمعجزات {والزبر} : جمع الزبور وهو كتاب فيه الحكمة، وبه سمى ~~كتاب داود: زبورا، وفي مصحف أهل الشام " وبالزبر ". # فإن قال قائل: أي فرق بين الزبر والكتاب؟ وقد قال: {والزبر والكتاب ~~المنير} # PageV01P385 # {نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار ~~وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185) لتبلون في ~~أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا ~~أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا} # قيل: الكتاب اسم لما كتب، وضم بعض الكلمات فيه إلى بعض من الكتب (وهو) ~~الضم، وأما الزبر: مأخوذ من الزبر وهو الزجر، فالزبور: كتاب فيه مزاجر. # PageV01P386 # قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} والذوق في الموت مجاز، وحقيقة الذوق: ~~هو الإحساس بالشيء؛ فلما كان يحس بالموت، سماه ذوقا مجازا، قال الشاعر: # (من لم يمت عبطة يمت هرما ... الموت كأس وكل الناس ذائقها) # فإن قال قائل: لا يخفي أن كل نفس تموت، فأيش الفائدة في قوله: {كل نفس ~~ذائقة الموت} ؟ قيل: أراد به: التزهيد بالدنيا، يعني: أن النفوس إلى ~~الفناء؛ فتزهدوا بالدنيا، {وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} . # {فمن زحزح عن النار} أي: نجى، وبعد عن النار {وأدخل الجنة فقد فاز} أي: ~~نجا {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} لأنها تغر الإنسان، وهي الإنقطاع. # PageV01P386 # قوله تعالى: {لتبلون} أي: لتختبرن، وقيل: لتصابن {في أموالكم وأنفسكم} في ~~أموالكم بالإنفاق، وأنفسكم ms0250 بالجهاد، وقيل: في أموالكم (وأنفسكم بالمصائب ~~والأمراض، وقال بعض أصحاب الخواطر: في أموالكم) بالمنع عن الحق، وأنفسكم ~~باتباع الهوى. # {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} ~~قال الزهري: هذا في كعب بن الأشرف، كان يهجو النبي ويسمع المسلمين هجاه "، ~~وقيل: هو قول اليهود: عزيز ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، وقيل: ~~هو قول أولئك الذين قالوا: إن الله فقير. # PageV01P386 # {فإن ذلك من عزم الأمور (186) وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبينه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ~~ما يشترون (187) لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) ولله ملك ~~السموات والأرض والله على كل شيء} # {وإن تصبروا} يعني: على الأذى {وتتقوا} يعني: من مخالفة الرسول {فإن ذلك ~~من عزم الأمور} أي: من حقائق الأمور، وشدائدها. # PageV01P387 # قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~يكتمونه. وقيل: هو في جميع العلماء، أخذ الله ميثاق العلماء: أن يبينوا ~~العلم للناس ولا يكتمونه، وفي الحديث: " من سئل عن علم، فكتمه، ألجم بلجام ~~من نار ". # {فنبذوه وراء ظهورهم} أي: تركوه وراء ظهورهم (واشتروا به ثمنا قليلا) ~~يعني: الرشاء {فبئس ما يشترون} . # PageV01P387 # قوله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا} يعني: اليهود، بما أوتوا ~~أي: العلم والكتاب، ولم يقوموا بموجبه وما يقتضيه، وقيل: هو في المنافقين ~~يفرحون بما أتوا من التخلف عن رسول الله. # {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} (يعني) : بالأعذار الكاذبة، {فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب} أي: بمنجاة من العذاب {ولهم عذاب أليم} . # وروى أن مروان بعث إلى عائشة: هلكنا إذن؛ فإنا نفرح بما نأتي، ونحب أن ~~نحمد بما لم نفعل؛ والله تعالى يقول: {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} فذكرت ~~عائشة أن الآية في اليهود # PageV01P387 # {قدير (189) إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب (190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في ms0251 خلق ~~السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) ربنا ~~إنك} # PageV01P388 # قوله تعالى: {ولله ملك السموات والأرض والله على كل شيء قدير} ذكر هذا رد ~~لقولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء. # PageV01P388 # قوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات ~~لأولي الألباب) يعني: أن فيها دلالات على وحدانيته لذوي العقول. # PageV01P388 # قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} روى ابن مسعود ~~وعمران بن الحصين أن النبي قال: " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم ~~تستطع فعلى جنبك تومىء إيماء " فهذا معنى الآية. # وقيل: معناه: الذين يوحدون الله على كل حال. # {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} فيستدلون به على وحدانيته، وفي الحديث: ~~" تفكروا في الخلق، ولا تتفكروا في الخالق ". # {ربنا ما خلقت هذا باطلا} أي: عبثا، وقيل: (باطلا) أي: بباطل. # {سبحانك} : هو للتنزيه عن كل سوء {فقنا عذاب النار} روى عن ابن عباس: أنه ~~قال: " بيت عند خالتي ميمونة، فنام رسول الله وأهله على عرض الوسادة، وأنا # PageV01P388 # {من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) ربنا إننا سمعنا ~~مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا ~~سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا ~~يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} # على طولها، ثم قام من الليل، وقرأ هذه الآيات العشر " وفي رواية قال: " ~~سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، وقرأ هذه الآيات العشر إلى آخر ~~السورة ". # PageV01P389 # قوله تعالى: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} أي: أهلكته. فإن قال ~~قائل: ألستم تقولون: إن المؤمنين يخلدون النار، ولا يدخلون فيها، فكيف يكون ~~ذلك إهلاكا؟ قيل: قال قتادة: معنى الآية: إنك من تدخل النار للخلود فقد ~~أخزيته أي: أهلكته، وقال الضحاك: معنى الآية {إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته} أي: فضحته، وهتكت ستره؛ فعلى هذا يستوي فيه كل من دخل النار وإن لم ~~يخلد فيها {وما للظالمين من أنصار} . # PageV01P389 # {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ms0252 آمنوا بربكم فآمنا} أكثر ~~المفسرين على أن المنادي: هو الرسول، وقيل: هو القرآن قاله محمد بن كعب ~~القرظي. لأن كثيرا من الناس لم ير الرسول ولم يسمعه. # {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} أي: كبائرنا {وكفر عنا سيئاتنا} أي: صغائرنا، ~~وقيل: الذنوب: المعاصي، والسيئات: التقصير في الطاعات. # {وتوفنا مع الأبرار} البر المطيع، وفي الآثار: إن البر لا يؤذي الذر. ~~يعني: النمل الصغار الحمر. # PageV01P389 # {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} أي: على ألسنة رسلك {ولا تخزنا يوم ~~القيامة} أي: لا تفضحنا، ولا تهلكنا. # {إنك لا تخلف الميعاد} وهو على سبيل المدح له؛ لأنا على القطع نعلم أنك ~~لا تخلف الميعاد. # PageV01P389 # ( {194) فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا ~~وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من ~~عند الله والله عنده حسن الثواب (195) لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ~~(196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم ~~لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله ~~خير للأبرار (198) وإن من أهل} # PageV01P390 # قوله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو ~~أنثى} روى أن أم سلمة قالت لرسول الله: إني أرى الله لا يذكر النساء في ~~القرآن، فنزل قوله: ( {من ذكر أو أنثى} بعضكم من بعض) أي: كلكم كنفس واحدة، ~~فلا أضيع عمل واحد منكم. # {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا} وقرأ ~~حمزة والكسائي: " وقتلوا وقاتلوا " {لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله} أي: جزاء من عند الله، {والله ~~عنده حسن الثواب} . # PageV01P390 # قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} يعني: على مرادهم، ~~فإن مصيرهم إلى النار # PageV01P390 # {متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد} وفيه دليل على أن أقل القليل من ~~الجنة خير من الدنيا، وفي الحديث: " لموضع ms0253 سوط من الجنة خير من الدنيا وما ~~فيها ". # PageV01P390 # قوله تعالى: {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها نزلا من عند الله} النزل هو ما يعد للضيف من النعمة؛ فسمى الله ~~تعالى ما # PageV01P390 # {الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا ~~يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع ~~الحساب (199) يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون (200) } # أعده للمؤمنين من نعيم الجنة: نزلا من عند الله {وما عند الله خير ~~للأبرار} # PageV01P391 # قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} قيل: أراد النجاشي، وروى ~~أنه لما مات قال النبي لأصحابه: " صلوا على أخ لكم مات، وهو أصحمة النجاشي ~~" فقال المنافقون: انظروا يصلي على علج من النصارى ويدعوا له؛ فنزلت الآية. # وقيل: هو في عبد الله بن سلام، ومن أسلم معه؛ فذلك قوله: {لمن يؤمن بالله ~~وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} أي: متواضعين لله {لا يشترون ~~بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب} . # PageV01P391 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا} يعني: على الجهاد، {وصابروا} ~~أي: مع الأعداء {ورابطوا} أي: في الثغور بالملازمة، وقيل: اصبروا على ~~دينكم، وصابروا مع الأعداء، ورابطوا بالمحافظة على الصلوات، وفي الحديث: ~~قال رسول الله: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به السيئات، ويرفع الله به ~~الدرجات، قيل: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء في السبرات، ونقل ~~الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم، الرباط، فذلكم ~~الرباط، فذلكم الرباط ". # {واتقوا الله لعلكم تفلحون} أي: كونوا على رجاء الفلاح. # PageV01P391 # تفسير سوره النساء # بسم الله الرحمن الرحيم # قال: اعلم أن هذه السورة تسمى: سورة النساء، وتسمى سورة الأحكام، وهي ~~مدنية على قول أكثر المفسرين، إلا قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها} ؛ فإن هذه الآية نزلت بمكة في مفاتيح الكعبة، وأورد ~~النحاس أن السورة مكية. # وفي الحديث: " من ms0254 قرأ سورة البقرة، وآل عمران، والنساء في ليلة؛ كتب من ~~القانتين "، وعن عمر - رضي الله عنه - قال: تعلموا سورة البقرة، والنساء، ~~والمائدة، وسورة النور، والأحزاب؛ فإن فيهن الفرائض. # PageV01P392 # {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحده وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا} # PageV01P393 # قوله - تعالى -: {يا أيها الناس} قال علقمة: كل ما نزل في القرآن: {يا ~~أيها الناس} فإنما نزل بمكة، وكل ما ورد في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا} ~~فإنما نزل بالمدينة. # وقوله: {يا أيها} " يا " للنداء، و " أي " للإشارة، و " ها " للتنبيه ~~{اتقوا ربكم} وقرأ ابن مسعود: " اتقوا (الله) ربكم ". # بدأ من السورة بالوعظ والتحذير، فقال: {اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ~~واحدة} ، وأراد بالنفس الواحدة آدم - صلوات الله عليه - وإنما قال: {واحدة} ~~على التأنيث؛ لأجل اللفظ؛ لأن النفس مؤنثة، وهذا مثل قول الشاعر: # (أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال) # وإنما قال: ولدته للفظ الخليفة، وإن كان معناه الذكر {وخلق منها زوجها} ~~يعني: حواء، وسميت حواء؛ لأنها خلقت من حي، وفي القصص: أن الله تعالى خلق ~~حواء من ضلع لآدم في جنبه الأيسر يسمى: " القصيراء " وفي الخبر المعروف " ~~أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن أردت أن تقيمها كسرتها، وإن تركتها ~~استمتعت بها على اعوجاج " وقيل: إن حواء خلقت من التراب. # وقوله: {وخلق منها زوجها} معناه: وخلق من جنسها زوجها، يعني: التراب، ~~والأصح الأول. وفي الخبر: أن الله تعالى لما خلق آدم ألقى عليه النوم، ثم ~~أخذ ضلعا من أضلاعه، وخلق منه حواء، فجلست بجنبه، فلما انتبه رآها جالسه ~~بجنبه، وقيل: إنه لم يؤذه أخذ الضلع شيئا، ولو آذاه لما عطف رجل على امرأة ~~أبدا. # وعن ابن عباس: أن الله تعالى خلق الرجل من التراب؛ فهمه في التراب، وخلق # PageV01P393 # {ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ~~(1) وآتوا اليتامى أموالهم} المرأة من الرجل، فهمها في الرجل؛ فاحبسوا ~~نساءكم. # {وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} ذكر هذا كله لبيان القدرة؛ وإظهار المنة ms0255 ~~{واتقوا الله الذي تساءلون به} أي: تسألون به، وذلك مثل قول الرجل: أسألك ~~بالله، ونشدتك بالله، وقيل: معناه: واتقوا الله الذي تعاهدون به، وذلك أن ~~تقول: عليك عهد الله، وعلي عهد الله، ونحو ذلك. # وأما قوله: {والأرحام} قرأ حمزة: " الأرحام " بكسر الميم وتقديره: ~~تساءلون به وبالأرحام، قال إبراهيم النخعي: تقول العرب: نشدتك بالله ~~وبالرحم. وضعفوا هذه القراءة، والقراءة المعروفة: بنصب الميم، وتقديره: ~~واتقوا الأرحام أن تقطعوها. # وفي الخبر: يقول الله تعالى: " أنا الرحمن، وخلقت الرحم، واشتققت لها ~~اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ". # وروى عن رسول الله أنه قال: " إن الله تعالى يعمر الكفار، ويكثر أموالهم، ~~ولم ينظر إليهم منذ خلقهم؛ بغضا لهم، فقيل: مم ذاك يا رسول الله؟ قال: بصلة ~~الأرحام ". # {إن الله كان عليكم رقيبا} أي: حفيظا. # PageV01P394 # قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} أراد به: دفع المال إليهم بعد ~~البلوغ، # PageV01P394 # {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا ~~كبيرا (2) وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا} وسماهم بعد البلوغ يتامى؛ لقرب ~~عهدهم باليتيم، وكانت قريش تسمي رسول الله يتيم أبي طالب لذلك. # {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} وفي قراءة شاذة: " ولا تشتروا الخبيث بالطيب ~~" فالخبيث: الحرام، والطيب الحلال، ومعنى الكلام: ولا تأكلوا أموال اليتامى ~~حراما، وتدعوا أموالكم الحلال، وقال مجاهد: معناه: لا تستعجلوا أكل الحرام؛ ~~فإن الحلال يأتيكم. # {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} قال الفراء: معناه: مع أموالكم، وقال ~~غيره: " إلى " لا تكون بمعنى " مع "، وهي على حقيقتها، ومعناه: ولا تأكلوا ~~أموالهم مضافة إلى أموالكم. # {إنه كان حوبا كبيرا} فالحوب: الإثم، وفي الخبر: " أن أبا أيوب الأنصاري ~~أراد أن يطلق امرأته أم أيوب، فقال النبي: إن طلاق أم أيوب لحوب " # PageV01P395 # قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} أي: ألا تعدلوا، يقال: ~~أقسط، إذا عدل، وقسط، إذا جار، وفي معنى الآية قولان: أحدهما أورده البخاري ~~في الصحيح، وهو ما روى الزهري ms0256 عن عروة أنه سأل عائشة عن شأن هذه الآية، ~~فقالت: يا ابن أختي، نزلت الآية في يتيمة تكون في حجر وليها، ويرغب في ~~مالها وجمالها، ولا يقسط في صداقها؛ فنهوا عن نكاحهن، وأمروا أن ينكحوا ~~غيرهن " # فعلى هذا تقدير الآية: وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى؛ {فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} . # وقال ابن عباس: قصر نكاح النساء على الأربع من أجل أموال اليتامى، فإن ~~قيل: # PageV01P395 # {فواحده أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (4) ولا ~~تؤتوا} كيف يعرف هذا، وكيف يلتئم بذاك هذا؟ قيل: معناه: أن الله تعالى لما ~~شدد في أموال اليتامى، تحرج المسلمون عنها غاية التحرج، وشرعوا في نكاح ~~النساء، واستهانوا به؛ فنزلت الآية، وأراد: إنكم كما تحرجتم عن أموال ~~اليتامى؛ خوفا من الجور، فتحرجوا عن الزيادة على الأربع أيضا؛ خوفا من ~~الجور والميل، فهذا معنى قوله: {فانكحوا ما طاب لكم} أي: ما حل لكم {من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع} أي: لا تجاوزوا الأربع. # وذهب بعض الناس إلى أن نكاح التسع جائز بظاهر هذه الآية؛ لأن الاثنين ~~والثلاث والأربع يكون تسعا ليس بصحيح، بل فيه قولان: أحدهما: قال الزجاج: ~~مثنى مثنى، ثلاث ثلاث، رباع رباع، يعني: لكل الناس، وقيل: " الواو " بمعنى: ~~" أو " يعني: مثنى، أو ثلاث، أو رباع؛ ولأن على التقدير الذي ذكروا [عي] في ~~الكلام؛ لأن من أراد أن يذكر التسع فيقول: مثنى وثلاث ورباع، عد ذلك عيبا ~~في الكلام وقد قال: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} ؛ لأنه أخف مؤنه {أو ما ~~ملكت أيمانكم} لأن حقوق ملك اليمين أدنى من حقوق ملك النكاح، وهو معنى ~~قوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا} أي: ذلك أقرب أن لا تجوروا، يقال: عال، يعول ~~إذا جار، وأعال يعيل إذا كثر عياله، قال الشاعر: # (إنا اتبعنا الرسول واطرحوا ... أمر الرسول وعالوا في الموازين) # أي جاروا، وروى: أن أهل الكوفة عتبوا على عثمان في شيء، ms0257 فقال: لست ~~بقسطاء، فلا أعول، أي لست بقسطاس؛ فلا أجور. # وقال الشافعي: معناه: ذلك أدنى ألا تكثر عيالكم. وحكى الأزهري عن الكسائي # PageV01P396 # {السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها وأكسوهم وقولوا ~~لهم قولا معروفا (5) وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها} إنه حكى عن العرب: عال يعول: إذا ~~كثر عياله، وهذا يؤيد قول الشافعي. # PageV01P397 # {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} الصدقة والصداق واحد {نحلة} أي: تدينا، وقال ~~ابن عباس: معناه: فريضة، والخطاب مع الأزواج على الأصح وقيل: هو خطاب مع ~~الأولياء، وكان أهل الجاهلية لا يعطون المرأة صداقها، وإنما يأخذ الأولياء؛ ~~فخطاب الأولياء بإعطاء المرأة صداقها نحلة، أي: هو عطية لها من الله. # {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} أي: فإن أعطين عن طيب نفس من الصداق شيئا. ~~و " من " للتخيير هاهنا، لا للتبعيض؛ حتى يجوز للمرأة هبة كل الصداق، ~~{فكلوه هنيئا مريئا} الهنيء: ما أكلت من غير تنغيص، والمريء: هو المحمود ~~العاقبة؛ وذلك ألا يورث تخمة. وعن علي رضي الله عنه أنه قال: إذا مرض ~~أحدكم، فليستقرض من امرأته ثلاثة دراهم من صداقها، وليشتري بها عسلا، ~~وليخلطه بماء السماء، ثم ليأكل؛ فإنه الشفاء المبارك والهنيء المريء. # PageV01P397 # قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} أكثر المفسرين على أن المراد ~~بالسفهاء: الصبيان والنساء هاهنا، وقال الشعبي: المرأة أسفه من كل سفيه. # قال سعيد بن جبير: معنى الآية: أن لا تجعلوا المرأة قيمة البيت في ~~المعاش، بل كونوا أنتم قوامين على النساء في المعاش، وقوله: {التي جعل الله ~~لكم قياما} فالقيام والقوام واحد، يعني: أموالكم التي جعلها الله قواما ~~لمعاشكم، وقال الزجاج: تقديره: الأموال التي تقيمكم فتقومون به قياما ~~{وارزقوهم فيها وأكسوهم} قيل: معناه: وارزقوهم منها، وقيل كلمة في ~~حقيقتهما، ومعناه: اجعلوا وظائفهم من الرزق والكسوة فيها. # {وقولوا لهم قولا معروفا} قيل: معناه: تعليم الدين والشرائع، وقيل: أراد ~~به: وعد الجميل؛ وذلك أن تقول لهم: إن سافرت وربحت، أعطيكم كذا، وإن غزوت # PageV01P397 # {إسرافا وبدارا ms0258 أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيب (6) ~~للرجال نصيب مما ترك الوالدان} فغنمت، أعطيكم كذا، فهذا هو القول المعروف. # PageV01P398 # قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} يعني: واختبروا اليتامى، ثم منهم من قال: ~~إنما نختبرهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى؛ لقرب عهدهم باليتيم، والصحيح أنه ~~أراد به: الاختبار قبل البلوغ، ثم اختلفوا، فأما الفقهاء قالوا: يدفع إليه ~~شيئا يسيرا، ويبعثه إلى السوق، حتى يستام السلعة، ثم إذا آل الأمر إلى ~~العقد يعقد الولي، ومنهم من قال: يعقد الصبي، ويجوز ذلك في الشيء اليسير؛ ~~لأجل الاختبار. # وأما الذي قاله المفسرون: أنه يدفع إليه مالا، ويجعل إليه نفقة البيت، ~~ويختبره فيها، {حتى إذا بلغوا النكاح} أي: أوان الحلم {فإن آنستم} أي: ~~أحسستم، ووجدتم {منهم رشدا} قال مجاهد: عقلا، وقال سفيان الثوري: عقلا ~~وإصلاحا في المال. ومذهب الشافعي: أن الرشد: هو الصلاح في الدين، والإصلاح ~~في المال. # {فادفعوا إليهم أموالهم} أمر الأولياء بدفع المال إليهم عند البلوغ ~~والرشد. {ولا تأكلوها إسرافا} أي: لا تأكلوها مسرفين {وبدارا أن يكبروا} ~~أي: لا تبادروا إلى أكل أموال اليتامى، خوفا من أن يكبروا؛ فيأخذوا ~~أموالهم. # {ومن كان غنيا فليستعفف} أي: فليستعفف بماله عن مال اليتيم {ومن كان ~~فقيرا فليأكل بالمعروف} قال عمر رضي الله عنه إذا كان الولي فقيرا، يأكل من ~~مال اليتيم بقدر الحاجة، وقال أيضا: أنا في هذا المال: كولي اليتيم، إن ~~استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت. وإلى هذا ذهب قوم من العلماء، أن له أن ~~يأكل بقدر ما يسد به الخلة، وقال بعضهم: عباءا غليظا، وخبز الشعير، وقال ~~الشعبي وجماعة: يأكل من مال اليتيم على سبيل القرض، وقال مجاهد: لا يأكل ~~أصلا، لا قرضا، ولا غير قرض، قال: والآية منسوخة بقوله تعالى: {لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل} # PageV01P398 # {والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر ~~نصيبا مفروضا (7) وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين ~~فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (8) } {إلا ms0259 أن تكون تجارة عن تراضي} ~~وإلى هذا ذهب أكثر العلماء، وعليه الفتوى، أنه لا يأكل أصلا، ومن قال: إنه ~~يأكل، يقول: يأخذ بقدر أجرته على القيام، وقد روى أن رجلا (جاء) إلى ابن ~~عباس، وقال: (إن) لي يتيما وله إبل، فماذا أصيب منها؟ فقال: أتلوط حوضها ~~وتهنأ جرباها؟ قال: نعم، فقال ابن عباس: أصب من رسلها غير مضر بنسل، ولا ~~ناهك في حلب. # وفيه قول رابع: أن معنى قوله: {فليأكل بالمعروف} يعني: يأكل الفقير من ~~قوت نفسه بالمعروف، ولا يستكثر منه حتى ينفذ ماله؛ فيحتاج إلى مال اليتيم. # {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} ندب إلى الإشهاد؛ كيلا يجحدوا. # {وكفى بالله حسيبا} أي: شهيدا. # PageV01P399 # قوله - تعالى -: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب ~~مما ترك الوالدان والأقربون} سبب نزول الآية أن أوس بن ثابت الأنصاري مات ~~وخلف ثلاث بنات وامرأة يقال لها: أم كجة وابني عم: عرفجة، وسويد، فجاء ابنا ~~عمه وأخذا جميع المال، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء من الميت، ~~ويقولون: لا يرث أموالنا إلا من طاعن بالرماح، وضارب بالسيوف؛ فنزلت الآية، ~~وهذه أول آية نزلت في توريث النساء المال. # {مما قل منه أو كثر نصيب مفروضا} وقد بين الأنصبة المفروضة في آيات ~~المواريث. # PageV01P399 # قوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم ~~منه} يعني: قسمة التركة في مواريث إذا حضرها من لا يرث الميت من أقاربه، أو ~~اليتامى، والمساكين {فارزقوهم منه} فأعطوهم شيئا {وقولوا لهم قولا معروفا} ~~أي: قولوا لهم: بورك فيكم. # PageV01P399 # {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا (9) إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون ~~في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (10) يوصيكم} # ثم اختلفوا، فقال بعضهم: الآية منسوخة، فيجوز أن يعطوا، ويجوز أن لا ~~يعطوا، وقيل: هو على الندب، ويستحب أن يعطيهم شيئا، ومنهم من قال: إن قسموا ~~العين والورق ونحوه يوضح لهم، وإن قسموا الدور والعقار، والعبيد، والثياب، ~~ونحوها، يقول لهم: بورك فيكم. # PageV01P400 # قوله تعالى: ms0260 {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ~~فليتقوا الله} سبب نزول الآية: أن أصحاب رسول الله كان الرجل منهم إذا حضره ~~الموت، يأتون إليه، ويقولون له: انظر لنفسك أيها الرجل، وأوصي بمالك، وإن ~~ورثتك لا يغنون عنك من الله شيئا، وربما يحملونه على أن يوصي بجميع المال ~~فنزلت الآية {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم} أي: إن تركوا من خلفهم {ذرية ~~ضعافا} أي: أولاد صغارا {خافوا عليهم} أو على أولادهم؛ فليخافوا على أولاد ~~الناس كما يخافون على أولادهم؛ فإن أولاد الميت أحق بماله من الأجانب، فهذا ~~معنى قوله: {فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا} أي: عدلا. # PageV01P400 # قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} نزلت الآية في حنظلة ~~ابن الشمردل، كان قد ولى يتيما، فأكل جميع ماله، وقيل: الآية نزلت ابتداء ~~في حق الكافر {إنما يأكلون في بطونهم نارا} لأنه لما كان أكلهم ذلك يؤدي ~~إلى النار، سماهم آكلين للنار، وهذا كقول النبي ": الذي يشرب في آنية الذهب ~~والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ". وفى الحديث: " يخرج لهيب النار من ~~جوفهم يوم القيامة ". وفى رواية: " أن الملك يأتيهم، فيفتح أفواههم، ~~ويلقمهم الجمر، # PageV01P400 # {الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ~~ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ~~ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد} ويقول: هذا بأكلكم مال اليتيم " # وقال: " من أبكى يتيما، فحق على الله أن يبكى عينيه يوم القيامة ". # {وسيصلون سعيرا} أي: سيدخلون جهنم، وقيل: يعاينون سعيرا، والسعير: النار ~~المستعرة، وهو اسم من أسماء جهنم. # PageV01P401 # قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} معناه: يفرض الله عليكم في ~~أولادكم، وذلك مثل قوله - تعالى -: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصاكم به} أي: فرض عليكم {للذكر مثل حظ الأنثيين} . # سبب نزول الآية: " أن سعد بن الربيع لما استشهد يوم أحد خلف ابنتين ~~وامرأة وأخا، فجاء الأخ وأخذ جميع المال، فجاءت ms0261 المرأة تشكوا إلى رسول ~~الله؛ فنزلت الآية ". فدعا رسول الله الأخ، وقال: اعط الابنتين الثلثين ~~والمرأة الثمن، وخذ الباقي ". # وقوله: {للذكر مثل حظ الأنثيين} يعني: إذا خلف ابنا وابنه، فالمال من ~~ثلاثة أسهم: سهمان للإبن، وسهم للبنت {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ~~ترك} أكثر الصحابة والعلماء على أن للابنتين، والثلاث: الثلثين. # وقال ابن عباس: للابنتين النصف، وإنما الثلثان للثلاث وما زاد؛ تمسكا ~~بظاهر الآية. والأول أصح. # PageV01P401 # {وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي ~~بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن ~~الله كان عليما حكيما (11) ولكم} # ومعنى قوله: {فإن كن نساء فوق اثنتين} يعني: كن نساء اثنتين فما فوقهما، ~~وهذا كقوله: {فاضربوا فوق الأعناق} أي: فاضربوا الأعناق فما فوقها، وقيل: " ~~فوق " فيه صلة، وتقديره: فإن كن نساء اثنتين، واسم الجمع ينطلق على ~~الاثنين؛ لأن الجمع عبارة عن جمع الشيء، ويستوي فيه الاثنان والثلاث، ولأنا ~~أجمعنا على أن الأختين ترثان الثلثين، وهما ابنتا أب الميت، فالابنتان لأن ~~يرثا الثلثين أولى، وهما ابنتاه للصلب. # {وإن كانت واحدة فلها النصف} وفيه إجماع {ولأبويه لكل واحد منهما السدس ~~مما ترك وإن كان له ولد} يعني: للميت، {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث} وهذا لا خلاف فيه. # {فإن كان له إخوه فلأمه السدس} أكثر الصحابة والعلماء على أن الأخوين ~~والثلاثة يردون الأم من الثلث إلى السدس. # وقال ابن عباس: الثلاثة يردون، فأما الأخوان فلا يردان، لأنه ذكر بلفظ ~~الجمع وأقله ثلاثة. # وقد بينا أن اسم الجمع ينطلق على اثنين والثلاثة. # وقرأ حمزة والكسائي: " فلأمه السدس " بكسر الهمزة، وهو لغة في الأم، ~~والمعروف بالضم {من بعد وصية يوصى بها أو دين} يقرأ بقرآتين " يوصى " بكسر ~~الصاد على معنى: يوصيها الموصى، ويقرأ: " يوصى " بفتح الصاد، على ما لم يسم ~~فاعله. # PageV01P402 # {نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لها ولد فلكم الربع مما ~~تركن ms0262 من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ~~فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما} # وعن علي رضى الله عنه أنه قال: إنكم تقرءون الوصية قبل الدين، والدين قبل ~~الوصية، يعني: في القضاء، ثم اختلفوا، منهم من قال: " أو " بمعنى " الواو " ~~والمراد الجمع بينهما، وبيان أن الإرث مؤخرا عنهما جميعا، ومنهم من قال " ~~أو " على حقيقته، ومعناه: من بعد وصية، إن كانت وصية، أو دين إن كان دين، ~~فالإرث مؤخر عن كل واحد منهما؛ من ذلك عرف تأخيره عنهما إذا اجتمعنا بطريق ~~الأولى. # وقوله: {آباؤكم وأبناؤكم} يعني: الذين يرثونكم آباؤكم وأبناؤكم {لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا} أي: لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا. # فمنهم من يظن أن الآباء تنفع فتكون الأبناء أنفع، ومنهم من يظن أن ~~الأبناء أنفع، فتكون الأباء أنفع، وأنتم لا تعلمون، وأنا أعلم بمن هو أنفع ~~لكم؛ وقد دبرت أمركم على ما فيه الحكمة والمصلحة، فخذوه، واتبعوه. وفي ~~الأخبار " أن في الجنة يكون الأب على الدرجة العالية، والابن في الدرجة ~~السافلة، فيسأل الابن الله تعالى فيرفعه إلى درجة أبيه. ويكون الابن على ~~الدرجة العالية، والأب في الدرجة السافلة، فيسأل الأب الله تعالى فيرفعه ~~إلى درجة الابن " فهذا معنى الآية لا تدرون أيهم أنفع لكم في الآخرة، وأرفع ~~درجة، فتصلون إلى درجته. # {فريضة من الله} يعني: ما قدر من المواريث {إن الله كان عليما} بأمر ~~العباد {حكيما} بنصب الأحكام. # PageV01P403 # {تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ~~وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في ~~الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين} # PageV01P404 # قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد ~~فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين} هذا في ميراث الأزواج، ~~وفيه إجماع {ولهن الربع مما تركتم إن لم ms0263 يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن ~~الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين} وهذا في ميراث الزوجات، ولا ~~خلاف فيه. # قوله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة} يعنى: أو امرأة تورث ~~كلالة، قال بعض العلماء: الكلالة لا يعلم معناها، وعن عمر - رضي الله عنه - ~~قال: خرج رسول الله من الدنيا ولم يبين لنا ثلاثة: الكلالة، والخلافة، ~~والربا. # والصحيح أنها معلومة المعنى، ثم اختلفوا، قال ابن عباس في رواية وهي إحدى ~~الروايتين عن عمر: إن الكلالة اسم لميت لا ولد له، وورث الاخوة مع الأب. # وقال الحكم بن عتيبة: والكلالة: اسم لميت لا ولد له، وورث الاخوة مع ~~الوالد، وهما قولان في شواذ الخلاف، والصحيح فيه قولان: # أحدهما قول لأهل المدينة والكوفة أن الكلالة اسم لورثة ليس فيهم ولد ولا ~~والد؛ مأخوذ من الإكليل، وهو الذي على جانبي الوجه، فالكلالة اسم لمن يحيط ~~بجانبي الميت من الاخوة والأخوات، والأعمام، ونحوهم، ولم يكن أعلى ولا ~~أسفل. # واستدلوا عليه بحديث جابر " كان مريضا؛ فدخل عليه رسول الله يعوده، فقال: ~~إنما يرثني كلالة ". ولم يكن في ورثته ولد ولا والد، وجعل الكلالة اسما ~~للوارث، ويشهد لهذا ما قرئ في الشواذ: " وإن كان رجل يورث كلالة " مشددا ~~بكسر الراء. # PageV01P404 # {غير مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) تلك حدود الله ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ~~(13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد} # وقال البصريون: وهو قول أبى بكر، وعلي، وابن مسعود، وزيد، وفى أصح ~~الروايتين عن ابن عباس: أن الكلالة: اسم للميت الذي ليس له ولد ولا والد، ~~وهو ظاهر الآية، وتشهد له القراءة الأخرى في الشواذ: " وإن كان رجل يورث ~~كلالة " مشددا بفتح الراء. قال الشاعر: # (وإن أبا المرء أحمى له ... ومولى الكلالة لا يغضب) # فيجعل الكلالة اسما للميت. # وفيه قول آخر: أن الكلالة اسم للتركة، قاله عطاء. وقوله: {وله أخ أو أخت ~~فلكل واحد منهما السدس} أجمعوا على ms0264 أن المراد بالأخ والأخت هاهنا أولاد ~~الأم، وفرض لكل واحد منهم السدس ذكرا كان أو أنثى. # {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} وفيه إجماع، أن فرضهم الثلث ~~إذا تعددوا، وإن كثروا {من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار} يعني: ~~الموصي لا يضر بالورثة بمجاوزة الثلث، ونحوه {وصية من الله} أي: فريضة من ~~الله {والله عليم حليم} # PageV01P405 # {تلك حدود الله} يعني: ما ذكر من الفروض المحدودة، (ومن يطع الله ورسوله ~~يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) ذكر ثواب ~~من أطاعه، ولم يجاوز حدوده # PageV01P405 # {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} ~~ذكر عقاب من عصاه، وجاوز حدوده. # PageV01P405 # قوله - تعالى -: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} اللاتي، والتي، # PageV01P405 # {حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) واللاتي يأتين الفاحشة ~~من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى ~~يتوفاهن الموت أو يجعل الله} واللواتي: اسم لجماعة النساء، قال الشاعر: # (هن اللواتي والتي واللاتي ... زعمن أنى قد كبرت لداتي) # ومثله: اللائي أيضا، قال الشاعر: # (من اللائي لم يحججن تبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا) # وقوله: {يأتين الفاحشة} أراد بالفاحشة هاهنا الزنا: {فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم} هو خطاب للحكام، يعني: فاطلبوا عليهن أربعة من الشهود، وهذه ~~الآية هي الحجة على أن شهود الزنا أربعة {فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى ~~يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} وكان هذا هو الحكم في ابتداء ~~الإسلام، وأن المرأة إذا زنت حبست في البيت إلى أن تموت. ثم نسخ ذلك في حق ~~البكر بالجلد والتغريب، وفي حق الثيب بالجلد والرجم، وهو بيان السبيل ~~المذكور في الآية، والحجة عليه: حديث عبادة: " خذوا عني خذوا عني، قد جعل ~~الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام؛ والثيب بالثيب جلد مائة ~~ورجم بالحجارة ". # ثم نسخ الجلد في حق الثيب، واستقر أمرها على الرجم. # وقال بعض العلماء: الجلد مع الرجم باق على الحكم، ms0265 والأول أصح. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: التغريب أيضا منسوخ في حق البكر، والخلوف مذكور ~~في الفقه. # واختلفوا في أن ذلك الإمساك في البيت كان على سبيل الحد أم كان حبسا؛ ~~ليظهر الحد؟ على قولين: أحدهما: أنه كان حدا، والثاني: أنه كان حبسا ليظهر ~~الحد. # PageV01P406 # {لهن سبيلا (15) واللذان يأتيانها منكم فأذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا ~~عنهما إن الله كان توابا رحيما (16) إنما التوبة على الله للذين يعملون ~~السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب} # PageV01P407 # قوله تعالى: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما} اختلفوا في المراد من ~~الآيتين، قال مجاهد: الآية الأولى في النساء، وهذه الآية في الرجال إذا ~~زنوا. # وقال غيره: الأولى في الثيب، وهذه الآية في الأبكار. # وفيه قول ثالث: أن الآية الأولى في المرأة إذا أتت المرأة سحقا، والآية ~~الثانية في الرجل إذا أتى الرجل. # وقد قال: " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان؛ وإذا أتت المرأة المرأة ~~فهما زانيتان ". # والمراد بالإيذاء في هذه الآية: هو السب باللسان، وإسماع المكروه، ~~والتعبير، والضرب بالنعال. # فإن قيل: ذكر الحبس في الآية الأولى، والإيذاء في الآية الثانية، فكيف ~~وجه الجمع؟ قيل: أما على قول من قال: إن الآية الأولى في صنف، والآية ~~الثانية في صنف آخر، يستقيم الكلام. # وقال بعضهم: أراد به: الجمع بين الإيذاء والحبس في حق الزاني فيؤذى أولا، ~~ثم # PageV01P407 # يحبس، والآية الثانية وإن كانت في التلاوة متأخرة، فهي في المعنى متقدمة، ~~كأنه قال: واللذان يأتيان الفاحشة منكم فآذوهما وأمسكوهما في البيت {فإن ~~تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} أي: أعرضوا عن الإيذاء {إن الله كان توابا ~~رحيما} . # PageV01P408 # قوله - تعالى -: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة} قال ~~قتادة: أجمع أصحاب رسول الله على أن من عصى الله فهو جاهل، وقيل: أراد به: ~~الجهال بكنه عقوبة الله، وقيل: الجهالة في المعصية: أنه اختار اللذة ~~الفانية على اللذة الباقية. # {ثم يتوبون من قريب} يعني: قبل الموت، قال الضحاك: كل ما بينك وبين الموت ~~فهو قريب، وقيل: أراد به: التوبة قبل أن يعاين ملك الموت، ms0266 وقيل: أراد به: ~~ثم يتوبون قبل أن يغرغروا. # وفي الخبر: أن النبي قال: " من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه، ثم قال: ~~إن السنة (لكثيرة) ، ثم قال: من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه، ثم قال: ~~إن الشهر لكثير، ثم قال: من تاب قبل موته بجمعة، تاب الله عليه، ثم قال: إن ~~الجمعة (لكثيرة) ، ثم قال: من تاب قبل موته بيوم، تاب الله عليه، ثم قال: ~~إن اليوم لكثير، (من تاب قبل موته بنصف يوم تاب الله عليه، ثم قال: إن نصف ~~اليوم لكثير) من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه، ثم قال: إن الساعة ~~لكثيرة، من تاب قبل أن يغرغر تاب الله عليه ". رواه عبادة بن الصامت، فهذا ~~معنى قوله: {ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما ~~حكيما} . # PageV01P408 # قوله - تعالى -: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات} قيل: أراد # PageV01P408 # {الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضر} بالسيئات: الشرك، وقال ابن عباس: هو النفاق، وقيل: كل ~~المعاصي. # {حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} يعني: حالة الموت، يتوب حين ~~يساق، ووجه ذلك: مثل توبة فرعون حين أدركه الغرق، قال: آمنت أنه لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنو إسرائيل، يقول الله تعالى ليس لهؤلاء توبة. # {ولا الذين يموتون وهم كفار} يعني: ولا الذين يموتون كفارا لهم توبة ~~{أولئك اعتدنا لهم} أي: أعددنا لهم ( {عذابا أليما} # PageV01P409 # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) نزلت الآية في ~~الأنصار، كان الرجل منهم إذا مات أبوه؛ ورث امرأة أبيه، ثم إن شاء أمسكها ~~لنفسه زوجة، وإن شاء زوجها من غيره، وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها عن ~~الأزواج، حتى تضجر [فتفدي] نفسها بمال، حتى مات أبو قيس بن الأسلت الأنصاري ~~عن امرأته كبيشة بنت معن الأنصاري، فجاء [ابنه] حصن وورث المرأة؛ فجاءت ~~المرأة تشكو إلى النبي فنزل قوله - تعالى -: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء ~~كرها} ويقرأ: ms0267 " كرها " بضم الكاف، فالكره بالفتح: الإكراه، والكره بالضم ~~المشقة. {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} أي: تمنعوهن من الأزواج ~~حتى يضجرن؛ فيفتدين ببعض مالهن، فيكون خطابا لأولياء الميت. # والصحيح أنه خطاب للأزواج، يعني: إذا لم تكن الزوجة بموافقة، فلا تمسكها # PageV01P409 # {أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا ~~لهم عذابا أليما (18) } ضرارا؛ لتفتدى ببعض مالها {إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة} قال ابن عباس: هو النشوز، وقيل: هو الزنا، يعني: إذا نشزت أو زنت، ~~فحينئذ يحل أن يفاديها، ويأخذ مالها، وكان في ابتداء الإسلام إذا زنت ~~المرأة أخذ الزوج جميع صداقها منها ثم نسخ {وعاشروهن بالمعروف} أي: الإجمال ~~في المبيت، والقول، والنفقة {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله ~~فيه خيرا كثيرا} . # PageV01P410 # قوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} أراد بالزوج هاهنا: ~~الزوجة، وهو اسم للرجل والمرأة {وآتيتم إحداهن قنطارا} يعني: من الصداق، ~~{فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا} أي: ظلما {وإثما مبينا} . # PageV01P410 # {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} أي: وصل بعضكم إلى بعض بالدخول، ~~وحكى عن الزجاج: أنه الخلوة، والأول أصح. # {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} هو قول الولي: زوجتكها على أن تمسكها بمعروف، ~~أو تسرحها بإحسان، وقيل: هو معنى ما روى: " اتقوا الله في النساء؛ فإنهن ~~عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " فهذا هو ~~الميثاق الغليظ. # PageV01P410 # قوله - تعالى -: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} كان أهل الجاهلية ~~ينكحون أزواج آبائهم؛ فورد الشرع بالنهى عنه {إلا ما قد سلف} يعنى: بعدما ~~سلف، وقال المبرد: ومعناه: لكن ما سلف في الجاهلية؛ فهو مغفور. # {إنه كان فاحشة ومقتا} قيل " كان ": فيه صلة، وتقديره: إنه فاحشة، وهذا ~~كما # PageV01P410 # {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا} يقول الشاعر: # (فكيف إذا رأيت ديار قومي ... وجيران لنا كانوا كرام) # وقيل: " كان " في موضعه، ومعناه: أنه كان في الجاهلية يعدونه فاحشة ~~ومقتا، وكانوا يسمون ولد ms0268 امرأة الأب: مقيتا، والفاحشة: أقبح معصية، وأما ~~المقت: قال أبو عبيدة هو المبغضة من الله، وقال ابن عباس: أراد به المقت من ~~الملائكة {وساء سبيلا} أي: بئس المسلك. # PageV01P411 # قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} قال ابن عباس: حرم الله تعالى سبعا ~~بالنسب، وسبعا بالمهر، وقال الفقهاء: سبعا بالنسب، وسبعا بالسبب. # أما السبع بالنسب: منهن الأمهات: وهي كل امرأة تنسب إليها بالولادة، سواء ~~قربت أو بعدت، سواء كان بينك وبينها ذكر أو أنثى، أو لم يكن أحد، فالكل ~~حرام. # قال: {وبناتكم} ومنها البنات: وهى كل امرأة تنسب إليكم بالولادة، سواء ~~قربت أو سلفت، سواء كان بينك وبينها ذكر أو أنثى، أو لم يكن أحد، فالكل ~~حرام. # قال {وأخواتكم} ومنها الأخوات: وهي كل امرأة تنسب إلى من تنسب إليه ~~بالولادة، فالكل حرام. قال: {وعماتكم} ومنها العمات، والعمة: أخت كل ذكر ~~تنسب إليه بالولادة، فالكل حرام، قرب أم بعد، قال: {وخالاتكم} ومنها ~~الخالات، والخالة: أخت كل امرأة تنسب إليها بالولادة، قربت أم بعدت. # PageV01P411 # {أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا ~~شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ~~وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} # قال: {وبنات الأخ وبنات الأخت} ومنها بنات الأخ وبنات الأخت: وهي بنت كل ~~من تنسب إلى من تنسب إليه، فهذه السبعة بالنسب. # وأما السبع بالسبب: فإحداهن مذكورة قبل هذه الآية في قوله: {ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم من النساء} ، والثانية في قوله: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} ، ~~والثالثة: {وأخواتكم من الرضاعة} ، ولا خلاف أن الأم والأخت من الرضاعة ~~حرام على الرجل نكاحها، فأما ما عدا الأمهات والأخوات من الرضاعة حرام أيضا ~~عند أكثر العلماء؛ لقوله " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". # قال داود، وأهل الظاهر: لا يحرم ما عدا الأمهات والأخوات بالرضاع؛ تمسكا ~~بظاهر القرآن. # قال {وأمهات نسائكم} الرابعة: أم الزوجة، تحرم على الإطلاق بنفس العقد ~~على قول الأكثرين، وحكى خلاس عن علي رضى الله عنه أنه قال: " لا تحرم أم ~~الزوجة ms0269 إلا بعد الدخول بالزوجة لقوله تعالى: {وربائبكم اللاتى في حجوركم من ~~نسائكم اللاتي دخلتم بهن} قال: فقوله: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ينصرف ~~إليهما جميعا. والأول أصح. # قال ابن عباس: أبهموا ما أبهمه الله، أي: أطلقوا ما أطلقه الله، ولأن ~~قوله: {وأمهات نسائكم} مستقل بنفسه، معتد بحكمه، فيستغني عن الإظهار؛ ولأن ~~قوله: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن على هذا التقدير يكون عيا ~~في الكلام، فلا يليق بكلام الله تعالى الذي هو أفصح أنواع الكلام. # قال: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} . # PageV01P412 # {أتأخذونه بهتانا وأثما مبينا (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما ~~قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا} # الخامسة: الربيبة؛ وهي ابنة الزوجة، وسميت ربيبة؛ لأن الزوج يربها في ~~حجره على الأغلب، فهي حرام بعد الدخول بالزوجة، وسواء كانت في حجره، أو في ~~حجر غيره. # وقال داود: يختص التحريم بالتي في حجره؛ لقوله: {وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم} ، وهذا لا يصح؛ لأن الكلام خرج على لأغلب. # {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} يعني: في نكاحهن. # وقال: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} السادسة: حليلة الابن، وهي ~~حرام، وسميت حليلة؛ لأنها مع الابن يحلان فراشا واحدا، وقيل: لأنها تحل ~~إزار الابن، والابن يحل إزارها، وقيل: سميت حليلة؛ لأنها تحل له. # وقوله {الذين من أصلابكم} إنما قيد بالصلب، وإن كان حليلة ولد الولد ~~حراما، ليبين أن حليلة ولد التبني حلال. وقد تزوج رسول الله زينب بنت جحش ~~امرأة زيد بن حارثة، وكان قد تبنى زيدا، حتى قال عبد الله بن أبى بن سلول: ~~انظروا إلى هذا الرجل، كيف وثب على امرأة ابنه وتزوجها: فقال الله تعالى: ~~{وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} بذلك السبب. # {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} السابعة: الجمع بين الأختين حرام ~~بالنكاح، وكذلك بالوطء في ملك اليمين؛ وقال أهل الظاهر: لا يحرم الجمع ~~بينهما إلا في النكاح؛ لأن الآية ms0270 في التحريم بالنكاح، قال عثمان: حرمتها ~~آية وأحلتها آية، فآية التحريم هذه؛ وآية التحليل قوله: {إلا ما ملكت ~~أيمانكم} {إلا ما قد سلف} أي: بعدما سلف وقد [بينا لك] {إن الله كان غفورا ~~رحيما} . # قوله تعالى: {والمحصنات من النساء} أراد به: ذوات الأزواج {إلا ما ملكت ~~أيمانكم} اختلفوا فيه، فقال علي، وابن عباس: أراد به: إلا ما ملكت أيمانكم ~~من # PageV01P413 # {وساء سبيلا (22) حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ~~وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن ~~لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل} سبايا أو طاس، وفيه نزلت ~~الآية، قال أبو سعيد الخدري: " لما سبا رسول الله سبايا أو طاس، هرب ~~الرجال؛ فتحرج المسلمون من وطء النساء بمكان الأزواج؛ فنزلت الآية، وأذن ~~رسول الله في وطئهن ". # وقال ابن مسعود، وأبى بن كعب: إن قوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} هو أن يبيع ~~الجارية المزوجة، فتقع الفرقة بينها وبين زوجها، ويحل للمشترى وطأها، ويكون ~~بيعها طلاقا لها. # PageV01P414 # وقيل: معنى الآية {والمحصنات من النساء} يعني: ذوات الأزواج يحرم ~~الاستمتاع بهن، {إلا ما ملكت أيمانكم} من مهرهن، فيحل الاستمتاع به، فكأنه ~~حرم الاستمتاع ببعضهن وأباح الاستمتاع بمهرهن. # {كتاب الله عليكم} أي: فرض الله عليكم، ويقرأ: " كتب الله عليكم " أي: ~~فرض الله عليكم {وأحل لكم ما وراء ذلكم} يعني: أحل لله لكم، ويقرأ: " أحل ~~لكم " - بضم الألف - على نظم قوله: ( {حرمت عليكم أمهاتكم} أن تبتغوا ~~بأموالكم) قيل: الإحلال: بالابتغاء بالأموال، وفيه دليل على أن استحلال ~~البضع لا يخلو عن عوض {محصنين} أي: متزوجين متعففين {غير مسافحين} غير ~~زانين، مأخوذ من سفح الماء، وهو الصب، ومنه قول امرئ القيس: # (وإن شفائي عبرة إن سفحتها ... فهل عند رسم دارس من معول) # PageV01P414 # {أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله ~~كان غفورا رحيما (23) والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله ~~عليكم وأحل لكم ما ms0271 وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} # أي: صببتها {فما استمتعتم به منهن} قيل: أراد به: فما استمتعتم به ~~بالنكاح منهن، {فأتوهن أجورهن فريضة} أي: مهورهن، وقال ابن عباس: هو المتعة ~~المعروفة. # وكانت المتعة حلالا في ابتداء الإسلام، وصورتها: أن يقول الرجل للمرأة: ~~أجرتك أو عقدت عليك لأستمتع بك عشرة أيام بكذا، وكان هذا حلالا، ثم نسخ، ~~وكان ابن عباس يفتى بإباحتها، والصحيح أنه منسوخ. # وروى علي، والربيع عن سبرة، عن النبي ": أنه نهى عن نكاح المتعة " # وقال علي لابن عباس: إنك رجل تائه نهى رسول الله عن نكاح المتعة. وقيل: ~~إن ابن عباس رجع عن إباحة المتعة، وتاب. وقال بعض السلف: لولا أن عمر نهى ~~عن المتعة؛ مازنى أحد في العالم. # {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} فمن حمل ما قبله على ~~المتعة، قال: المراد بهذا: أن يزيد الرجل في المهر، وتزيد المرأة في الأجل، ~~ومن حمل ذلك على الاستمتاع بالنكاح؛ فالمراد بقوله: {ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به} يعنى: من الإبراء، والاعتياض عن المهر {إن الله كان عليما ~~حكيما} . # PageV01P415 # قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ~~ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} قال مجاهد: الطول: السعة، والغنى. # وأصل الطول الفضل، ومنه الطول؛ لفضل القامة، ويقال: لا طائل تحته أي، لا ~~معنى تحته. # PageV01P415 # {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم ~~به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما (24) ومن لم يستطيع منكم طولا ~~أن ينكح المحصنات} # ومعنى الآية: ومن لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة؛ فليتزوج بالأمة ~~المؤمنة، وفيه دليل على أن نكاح الأمة الكتابية باطل. # قال الشعبي: نكاح الأمة مع القدرة على مهر الحرة حرام، كالميتة والدم، ~~وقال عطاء: الطول الهوى، ومعنى الآية: ومن لم يستطيع من هواه أن ينكح ~~الحرة؛ بأن كان يهوى الأمة دون الحرة، فليتزوج بالأمة؛ فعلى هذا يجوز نكاح ~~الأمة، وإن كان قادرا على مهر الحرة، والفتى: العبد، والفتاة ms0272 الجارية، ~~فمعنى قوله تعالى: {من فتياتكم المؤمنات} أي: من جواريكم. # {والله أعلم بإيمانكم} أي: لا تتعرضوا للباطن في الإيمان، وخذوا بالإيمان ~~الظاهر؛ فإن الله أعلم بإيمانكم {بعضكم من بعض} أي: كلكم من نفس واحدة؛ فلا ~~تستنكفوا من نكاح الإماء، وقيل: معناه بعضكم أخوة لبعض. # {فانكحوهن} أي: الإماء {بإذن أهلهن} أي: إذن مواليهن {وآتوهن أجورهن} أي: ~~مهورهن {بالمعروف محصنات} يعني: عفائف بالتزويج {غير مسافحات} أي: غير ~~زانيات {ولا متخذات أخدان} فالمسافحة: هي أن تمكن منها كل أحد، قال الحسن: ~~المسافحة: هي امرأة كل من أوى إليها تبعته، وذات الخدن: هي أن تختص بصديق، ~~والعرب كانت تحرم الأولى وتستبيح الثانية. # قوله تعالى: {فإذا أحصن} قال ابن مسعود: فإذا أسلمن. وقال ابن عباس: فإذا ~~تزوجن، ويقرأ فإذا " أحصن " بضم الآلف، ومعناه: زوجن. # {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} ومعنى الآية على ~~قول ابن عباس، وهو الأصح: أن الإماء إذا تزوجن وصرن ثيبا {فعليهن نصف} # PageV01P416 # ( {المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم ~~بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات ~~غير مسافحات ولا متخذات} ما على المحصنات) يعني: الحرائر {من العذاب} أي: ~~من عذاب الحد، وحد الحرائر: يكون بالجلد؛ ويكون بالرجم، والرجم لا ينتصف؛ ~~فكان المراد تنصيف الجلد. وذهب بعض العلماء إلى أن الأمة البكر إذا زنت، لا ~~حد عليها؛ لظاهر هذه الآية، وهذا لا يصح. # قال الزهري: حد الأمة الثيب ثابت بهذه الآية، وحد الأمة البكر ثابت ~~بالسنة، والسنة المعروفة فيه: قوله: " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها " {ذلك ~~لمن خشي العنت منكم} العنت: الزنا، وقد يكون بمعنى المشقة، كما بينا {وأن ~~تصبروا} يعني: عن نكاح الإماء {خير لكم} كيلا يخلق الولد رقيقا {والله غفور ~~رحيم} . # PageV01P417 # قوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم} يعني: أن يبين لكم، ومثله قول الشاعر: # (أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل) # يعني: أريد أن أنسى ذكرها. # قوله: {ليبين لكم} أي: يوضح لكم الأحكام {ويهديكم} أي: يرشدكم {سنن ms0273 الذين ~~من قبلكم} أي: طرائق الذين من قبلكم من النبين، والصالحين، وقيل: من قوم ~~موسى، وعيسى، الذين هدوا بالحق؛ وذلك أنه حرم عليهم ما حرم على المسلمين من ~~المحارم المذكورات، وقيل: معناه: ويهديكم إلى الملة الحنيفية، ملة إبراهيم، ~~{ويتوب عليكم} قال ابن عباس: بداء من الله، ومعناه: يوفقكم للتوبة، وقيل: ~~يرشدكم إلى السبيل الذي يدعوكم إلى التوبة {والله عليم} بمصالح أمركم # PageV01P417 # {أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ~~ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) يريد الله ~~ليبين لكم} {حكيم} فيما دبر. # PageV01P418 # قوله تعالى: {والله يريد أن يتوب عليكم} هو ما ذكرنا. {ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات} قال مجاهد: هم الزناة، وقيل: أراد به: اليهود، والنصارى، ~~قال مقاتل بن حيان: اليهود خاصة؛ لأنهم استحلوا نكاح الأخت من الأب {أن ~~تميلوا ميلا عظيما} الميل العظيم: هو أن يفعل فعلا لا يخاف الله فيه، ولا ~~يرقب الناس، وقيل: الميل العظيم باتباع الشهوات. # PageV01P418 # قوله تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم} أي: يسهل عليكم، وقد سهل هذا ~~الدين؛ قال: " بعثت بالسمحة السهلة الحنيفية "، وروى: " بالحنيفية السمحة ~~السهلة " وقال الله تعالى: ( {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} ~~وخلق الإنسان ضعيفا) قال طاوس، ومجاهد: وخلق ضعيفا في أمر النساء؛ لا يصبر ~~عنهن، وقال وكيع: يذهب عقله عندهن؛ فهو ضعيف، وقال الزجاج: يستميله هواه ~~وشهوته. # PageV01P418 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} قال ~~السدى: هو القمار، والربا، ونحوه، وقال غيره: كل العقود الباطلة {إلا أن ~~تكون تجارة} يقرأ: بالضم والفتح، قد ذكرنا وجه القرائتين في سورة البقرة. # {عن تراض منكم} أي: بطيبة نفس منكم {ولا تقتلوا أنفسكم} أي: لا يقتل ~~بعضكم بعضا، وقرأ الحسن: {ولا تقتلوا أنفسكم} مشددا على التكثير. # PageV01P418 # {ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26) والله ~~يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) ~~يريد الله أن يخفف عنكم} # وقيل: معناه: ولا تقتلوا ms0274 أنفسكم بأكل المال الباطل، وقيل: أراد به: قتل ~~الرجل نفسه على الحقيقة {إن الله كان بكم رحيما} . # PageV01P419 # قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك} يعني: ما سبق من الحرام {عدوانا وظلما} ~~فالعدوان: مجاوزة الحد، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. # {فسوف نصليه نارا} : ندخله نارا، يصلى بها {وكان ذلك على الله يسيرا} أي ~~هينا، وروى عن ابن عمر أنه قال: كنا نشهد لمن ارتكب الكبائر بالنار بهذه ~~الآيات؛ حتى نزل قوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فتوقفنا. # PageV01P419 # قوله تعالى {إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه} سئل رسول الله فقيل له: " أي ~~الكبائر أكبر؟ فقال: أن تدعو لله ندا وهو خلقك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ~~ولدك مخافة أن يأكل معك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك، ثم قرأ ~~{والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون} " وروى عن رسول الله أنه قال: " أكبر الكبائر: الإشراك ~~بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وكان متكئا فاستوى جالسا، وقال: ~~وشهادة الزور، وشهادة الزور، فما زال يردده حتى قلنا: ليته سكت ". # وقال ابن مسعود: الكبائر: ما ذكر الله تعالى في هذه السورة إلى هذه ~~الآية: {إن تجتنبوا كبائر} . # PageV01P419 # {وخلق الإنسان ضعيفا (28) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم ~~رحيما (29) ومن يفعل ذلك} # وعن ابن مسعود أيضا أنه قال: الكبائر أربعة: الإشراك بالله، والقنوط من ~~رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. # وقال ابن عباس: الكبائر سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير نفس، وقذف ~~المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، والتعرب بعد ~~الهجرة، يعني: إلى دار الحرب. # وقال ابن عمر: الكبائر تسع فذكر هذه السبع وزاد شيئين أحدهما: السحر، ~~والثاني: الإلحاد في الحرم بالميل والظلم. # وسئل ابن عباس، فقيل له: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب منها ~~إلى السبع، وقال المغيرة ms0275 بن مقسم الضبي: شتم أبي بكر، وعمر من الكبائر. # والجملة أن الكبائر: كل جريمة أوعد الله تعالى عليها النار، وقال أبو ~~صالح: الكبيرة كل ما أوجب الحد؛ غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة ~~مع الإصرار. # وقوله: {نكفر عنكم سيئاتكم} قال السدى: أراد بالسيئات: الصغائر {نكفر ~~عنكم سيئاتكم} إن شئت؛ فالمشيئة مضمرة فيه، وروى عن رسول الله أنه قال: " ~~الجمعة إلى الجمعة، والصلوات الخمس، كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ". # وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله قال: " ما من مسلم يصيبه وصب، أو نصب، ~~إلا كفر عنه خطاياه حتى الشوكة يشاكها " # PageV01P420 # {عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31) ولا تتمنوا ~~ما فضل الله به بعضكم} # وقيل: باجتناب الكبائر، تقع الصغائر مكفرة، ومذهب أهل السنة: أن تكفير ~~الصغائر معلقة بالمشيئة؛ فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر، ويأخذ بالصغائر، ~~ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر. # {وندخلكم مدخلا كريما} وتقرأ: " مدخلا " - بفتح الميم فالمدخل: الجنة ~~والمدخل بضم الميم: الإدخال، يعني: إدخالا كريما. # PageV01P421 # قوله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} سبب نزول الآية: ~~ما روى عن أم سلمة، قالت: يا رسول الله: إن الرجال يغزون ولا نغزوا، ولهم ~~ضعف مالنا من الميراث، فلو كنا رجالا غزونا كما غزوا، وأخذنا من الميراث ~~مثل ما أخذوا؛ فنزل قوله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} وقيل: ~~سبب نزول الآية: أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء؛ فلما نزلت الآية ~~بتوريث النساء، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، قالت النساء: لو كنا رجالا ~~لأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا، وقال الرجال: كما فضلنا عليكن في الدنيا، ~~نفضل عليكن في الآخرة؛ فنزلت الآية. # قال الفراء: هذا نهي تأديب وتهذيب، وقال غيره: إنه نهي تحريم {للرجال ~~نصيب مما اكتسبوا} يعني: من الأجر {وللنساء نصيب مما اكتسبن} يعني: من ~~الأجر، ومعنى الآية: أن الرجال والنساء في الأجر ms0276 في الآخرة سواء، وإن فضل ~~الرجال على النساء في الدنيا، فالحسنة بعشر أمثالها يستوي فيها الرجل ~~والمرأة، وقيل: معناه: للرجال نصيب مما اكتسبوا من أمر الجهاد، وللنساء ~~نصيب مما اكتسبن من طاعة الأزواج، وحفظ الفروج، يعني: إن كان للرجل فضل ~~الجهاد، فللنساء فضل طاعة الأزواج، وحفظ الفروج. # PageV01P421 # {على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله ~~من فضله إن الله كان بكل شئ عليما (32) ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون والذين} # {واسألوا الله من فضله} وفي هذا دليل على أن الحسد حرام؛ والحسد: هو أن ~~يتمنى زوال النعمة عن صاحبه، ويتمناها لنفسه، والغبطة: هو أن يتمنى لنفسه ~~مثل ما لصاحبه، فالحسد حرام، والغبطة لا بأس بها، ثم اختلفوا في معنى الفضل ~~هاهنا، قال ابن عباس: واسألوا الله من فضله، أي: من رزقه. # وقال سعيد بن جبير: معناه: {واسألوا الله من فضله} أي: من عبادته، وقيل: ~~هو سؤال التوفيق على الطاعة {إن الله كان بكل شئ عليما} . # PageV01P422 # قوله تعالى: {ولكل جعلنا موالى} ولكل من الرجال والنساء جعلنا ورثة، قال ~~مجاهد: الموالى هاهنا: بنو الأعمام، وقال الشاعر: # (مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... لا تنشبوا بيننا ما كان مدفونا) # وقيل: هم جميع الأقارب، ومعنى الآية: ولكل جعلنا موالي يعطون {مما ترك ~~الوالدان والأقربون} {والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} عاقدت، وعقدت، ~~وحالفت بمعنى واحد، وهو من الحلف والعهد: وهو أن يقول الرجل لصاحبه: دمي ~~دمك، ومالي مالك، وترثني وأرثك، وكان في الجاهلية يورث بالحلف، وأقر عليه ~~في الإسلام، وكان للحليف السدس، ثم نسخ ذلك بقوله تعالي: {وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض} وقيل: هذا في التوريث بالتبني، وكان ثابتا، ثم نسخ {إن ~~الله كان على كل شئ شهيدا} . # PageV01P422 # قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض} سبب ~~نزول الآية: أن امرأة سعد بن الربيع جاءت إلى النبي وقالت: " إن زوجي # PageV01P422 # {عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدا (33) الرجال ~~قوامون على النساء بما فضل ms0277 الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ~~فالصالحات قانتات حافظات} لطمني على وجهي، وهذا أثره، فقال: اذهبي فاقتصي ~~منه؛ فنزل قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله} يعني: ~~بالتأديب. # قال الحسن: لما قال لها: اذهبي فاقتصي منه؛ نزل قوله: {ولا تعجل بالقرآن ~~من قبل أن يقضى إليك وحيه} أي: لا تحكم قبل أن ينزل حكم الله. # والقوام والقيم بمعنى واحد، والقوام أبلغ: وهو القائم بالمصالح والتدبير، ~~قال الشاعر: # (الله بيني وبين قيمها ... يفر مني وأتبع) # {بما فضل الله بعضهم على بعض} يعني: الرجال على النساء بالعقل، والعلم، ~~والحلم. {وبما أنفقوا من أموالهم} يعني: بإعطاء المهر، والنفقة. # {فالصالحات قانتات} يعني: مطيعات، وقيل: مصليات {حافظات للغيب} أي: ~~حافظات للفروج في غيبة الأزواج {بما حفظ الله} يعني: بما حفظهن الله من ~~إيصاء الأزواج بأداء حقهن من المهر والنفقة، وقيل: معناه: حافظات للغيب ~~بحفظ الله، وقرأ أبو جعفر المدني " بما حفظ الله " بفتح الهاء يعني: بما ~~حفظ الله من طاعتهن وعبادتهن. # {واللاتي تخافون نشوزهن} النشوز: هو الشقاق (فعظوهن) أي: بالتخويف من ~~الله، والوعظ بالقول، {واهجروهن في المضاجع} قال ابن عباس: ومعناه: ولوهن ~~ظهوركم في المضاجع؛ وذلك بأن يوليها ظهره في الفراش، ولا يكلمها، وقيل: ~~معناه: أن يعتزل عنها في فراش آخر. # PageV01P423 # {للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (34) ~~وإن خفتم شقاق بينهما} # {واضربوهن} يعنى: ضربا غير مبرح، وذلك ضرب، ليس فيه جرح ولا كسر، قال ~~عطاء: ضرب بالسواك ونحوه. {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} يعني: ~~بالتعلل، والتجني، وقيل: فلا تكلفوهن محبتكم؛ فإن القلب ليس بأيديهن {إن ~~الله كان عليا كبيرا} أي: متعاليا عن أن يكلف العباد ما لا يطيقونه، وفي ~~الخبر: " لو جاز أن يسجد أحد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها؛ لما له ~~عليها من الحقوق ". # وروى مرفوعا: " خير النساء من إذا دخلت عليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك ~~وإن غبت عنها حفظتك ". # PageV01P424 # {وإن ms0278 خفتم شقاق بينهما} : هو النشوز، قال أبو عبيدة: أراد به: إن تيقنتم ~~شقاق بينهما، فالخوف بمعنى: اليقين، ومنه قول الشاعر: # (إذا مت فارميني إلى جنب كرمة ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها) أي: ~~أتيقن. # PageV01P424 # {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ~~إن الله كان عليما خبيرا (35) واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين ~~إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب ~~والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت} وأنكر الزجاج ذلك عليه، وقال: إذا ~~تيقن الشقاق، فلا معنى لبعث الحكمين، بل الخوف بمعنى الظن، يعني: إن ظننتم ~~شقاق بينهما {فابعثوا حكما من أهله} يعني من أهل الزوج، {وحكما من أهلها} ~~يعني: من أهل الزوجة. {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما ~~خبيرا} وهل يجوز للحكمين التفريق؟ فللسلف فيه قولان: أحدهما: أنه يجوز ~~التفريق، كما يجوز الجمع من غير رضا الزوج، وروى عن علي: أنه بعث الحكمين، ~~فقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: لا حتى ترضى بكتاب الله تعالى؛ فعلى ~~هذا معنى قوله: {يوفق الله بينهما} يعني: يوفق الله بين الحكمين بما فيه ~~الصلاح من الفرقة أو الجمع، والصحيح وعليه الفتوى: أنه لا يجوز التفريق، ~~وهو ظاهر الآية. # PageV01P425 # قوله - تعالى -: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} روى عن معاذ أنه قال: ~~" كنت رديف رسول الله، فقال لي: يا معاذ. فقلت: لبيك وسعديك. فقال: أتدري ~~ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم. فقال: حق الله على العباد: ~~أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، ثم قال: يا معاذ، قلت: لبيك وسعديك، قال: ~~أتدري ما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. فقال: حق العباد على ~~الله إذا فعلوا ذلك أن يدخلهم الجنة، ولا يعذبهم ". # {وبالوالدين إحسانا} أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، ومن الإحسان ~~بالوالدين: لين الجانب، وألا يرفع صوته فوق صوتهما، ولا يجبه بالرد، ويكون ~~لهما كالعبد الذليل لسيده {وبذي القربى} أي: أحسنوا بذي القربى {واليتامى ~~والمساكين # PageV01P425 # {أيمانكم إن ms0279 الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابا مهينا ~~(37) والذين ينفقون أموالهم} {والجار ذي القربى} فيه قولان: أحدهما: انه ~~الجار الذي له قرابة. والثاني: أنه الجار الذي بقرب داره، وهو الملاصق، ~~{والجار الجنب} فيه قولان: أحدهما: أنه الجار الغريب الأجنبي، والثاني: أنه ~~الجار الذي يبعد داره. # وقد ورد في حق الجار أخبار، منها: ما روى عن النبي أنه قال: " ما زال ~~جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه " وقال: " من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يؤذ جاره "، وقال لمناديه حتى نادى: " ألا إن الجيران ~~أربعون دارا، ولم يؤمن بالله من آذى جاره ". # وقالت عائشة لرسول الله: " إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ فقال: إلى ~~أقربهما بابا " فحق الجار القريب المسلم ثلاثة حقوق: حق القرابة، وحق ~~الإسلام، وحق الجوار، وللجار الغريب المسلم حقان: حق الإسلام، وحق الجوار، ~~وللجار الذمي حق واحد، وهو حق الجوار. # قوله تعالى: {والصاحب بالجنب} قال علي، وابن مسعود: هي المرأة، وقال ~~الحسن، ومجاهد، وقتادة، وجماعة: هو الرفيق في السفر، {وابن السبيل} فيه # PageV01P426 # {رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا ~~فساء قرينا (38) } قولان: أحدهما: أنه الملازم للطريق، قاله ابن عباس، وقال ~~غيره: هو الضيف، وقال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " وقال ~~" الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة ". # {وما ملكت أيمانكم} يعني: أحسنوا إلى المماليك، وآخر ما حفظ عن رسول الله ~~أنه قال: " الصلاة، وما ملكت أيمانكم " أي: الزموا الصلاة، وحق ما ملكت ~~أيمانكم. # {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} المختال: المتكبر، والفخور: الذي ~~يفخر بنفسه تكبرا، قال الشاعر: # (وإن كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل) # يعنى: إن كنت للخيلاء فاذهب فخل، فإن قيل: أي معنى لهذا بعد هذه الأحكام؟ ~~قيل: لأن الآدمي قد يقصر في أداء الحقوق تكبرا؛ فنهى عنه، وفي الخبر: " أن ~~رجلا كان يتبختر في حلة له، فخسف ms0280 الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم ~~القيامة ". # PageV01P427 # قوله تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} قيل: هو عام في كل # PageV01P427 # {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان ~~الله بهم عليما (39) إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت ~~من لدنه أجرا عظيما (40) فكيف} بخيل في العالم، وقيل أراد به: اليهود ~~والنصارى بخلوا بنعت محمد، وأمروا سفلتهم بذلك، {ويكتمون ما آتاهم الله من ~~فضله اعتدنا} أي: أعددنا {للكافرين عذابا مهينا} . # PageV01P428 # قوله تعالى: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر} قال إبراهيم النخعي: هم اليهود والنصارى، وقال غيره: هم ~~المنافقون. # {ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا} أي: فبئس القرين، قال الشاعر: # (عن المرء لا تسأل وبصر قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي) # PageV01P428 # قوله تعالى: {وماذا عليهم} أي: وأي شئ عليهم {لو آمنوا بالله} وهو مثل ما ~~يحاسب الرجل نفسه، فينظر فيما له، وفيما عليه؛ يقول الله تعالى أي: شئ ~~عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر {وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم ~~عليما} . # PageV01P428 # قوله - تعالى -: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} قرأ ابن مسعود: " مثقال ~~نملة " والذرة: هي النملة الحمراء، {وإن تك حسنة يضاعفها} وقرئ: " يضعفها " ~~وهما في المعنى سواء. {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} . # PageV01P428 # قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} ~~معناه: فكيف الحال إذا جئنا من كل أمة بشهيد؟ وأراد بالشهيد من كل أمة ~~نبيها، وشهيد هذه الأمة: نبينا. # وأختلفوا على أن شهادتهم على ماذا؟ منهم من قال: يشهدون على تبليغ ~~الرسالة، ومنهم من قال: يشهدون على الأمة بالأعمال. # PageV01P428 # {إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) يومئذ يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (42) يا ~~أيها الذين آمنوا لا} # واختلفوا في أن النبي هل يشهد على من لم يره؟ منهم من قال: إنما يشهد على ~~من رآه، والصحيح: أنه يشهد ms0281 على الكل، على من رأى، وعلى من لم ير. # وروى عن ابن مسعود: " أن النبي قال لي: اقرأ علي القرآن " فقلت: كيف أقرأ ~~عليك القرآن، وعليك أنزل؟ ! فقال: أريد أن أسمعه من غيري. قال ابن مسعود: ~~فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت قوله: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} غمزني رسول الله بيده، وقال: حسبك، فنظرت إليه، ~~فإذا عيناه تذرفان "، وفي رواية: " لما قرأت هذه الآية، قرأ رسول الله: ~~{وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} " وفي ~~رواية ثالثة: " هذا يا رب فيمن رأيته، فكيف بمن لم أره؟ " وأصل الحديث ~~صحيح. # PageV01P429 # قوله تعالى: {يومئذ} يعني: يوم القيامة {يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو ~~تسوى بهم الأرض} ويقرأ: " لو تسوى بهم الأرض " أي: تستوي، يعني: يودون أن ~~يصيروا ترابا، وهذا مثل قوله تعالى: {ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} ، ~~وذلك حين تحشر البهائم ثم يقول الله تعالى لهم: كونوا ترابا، فيكونون ~~ترابا؛ فيود الكفار هنالك أن يصيروا مثل البهائم ترابا، وقيل: يودون أن # PageV01P429 # {تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء} تنخرق الأرض؛ فساخوا فيها وهلكوا، وتسوى بهم ~~الأرض، أي: عليهم الأرض. # {ولا يكتمون الله حديثا} فإن قيل: قد أخبر هاهنا أنهم لا يكتمون الله ~~حديثا، وذكر في موضع آخر قولهم: {والله ربنا ما كنا مشركين} فقد كتموا، ~~فكيف وجه الجمع؟ قيل: قال الحسن البصري: وهذا في موطن وذاك في موطن، آخر، ~~وفي القيامة مواطن، وهذا جواب معروف أورده القتيبي في مشكل القرآن. وقيل: ~~معناه: يودون أن لا يكتمون الله حديثا، وذلك أنهم يقولون: {والله ربنا ما ~~كنا مشركين} ونحو ذلك، فيختم الله على أفواههم، وينطق جوارحهم؛ فيودون أنهم ~~لم يكتموا الله حديثا فهو راجع إلى قوله: {يود الذين كفروا} وقيل: معناه: ~~لا يقدرون أن يكتموا ms0282 الله حديثا. # PageV01P430 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} يعني: ~~لا تقربوا موضع الصلاة، {وأنتم سكارى} فالأصح وعليه أكثر المفسرين أنه أراد ~~به: السكر من الشراب، وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك: أراد به: السكر من ~~النوم. # والسكر من السكر فهو أشد، فالسكر يسد العقل والمعرفة، والصحيح أنه في ~~السكر من الشراب. # وسبب نزول الآية ما روى: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما، واتخذ شرابا، ~~ودعا رهطا من أصحاب رسول الله، فأكلوا، وشربوا حتى ثملوا، فدخل وقت المغرب، ~~فقاموا إلى الصلاة، وقدموا واحدا منهم، فقرأ سورة {قل يا أيها الكافرون} ~~وقرأ: أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، قرأ هكذا إلى آخر السورة بطرح ~~" لا "؛ # PageV01P430 # {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ~~(43) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن ~~تضلوا السبيل (44) والله أعلم} فنزل قوله: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون} " أي: حتى تميزوا، وتعرفوا ما تقولون. # فإن قيل: كيف خاطب السكارى، والسكران لا يخاطب؟ قيل أراد به لا تتعرضوا ~~للسكر في أوقات الصلاة، فكانوا يشربون بعد ذلك بعد صلاة الصبح، ويصحون عند ~~الظهر، ويشربون بعد العشاء الآخرة، ويصحون عند الصبح. # {ولا جنبا إلا عابري سبيل} يعني: ولا تقربوا المسجد موضع الصلاة جنبا، ~~إلا عابري سبيل، اختلفوا فيه: قال جماعة من التابعين وهو قول الشافعي: إنه ~~أراد به عبور: الجنب في المسجد من غير أن يجلس؛ فرخص فيه، وقال بعضهم إنه ~~يتيمم للعبور، ثم يعبر إذا لم يكن له بد من العبور، والآية في قوم من ~~الأنصار كانت أبواب بيوتهم في المسجد: فرخص لهم في العبور بالتيمم، فهذا ~~معنى قوله: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} . # {وإن كنتم مرضى} أراد به: المرضى من القروح والجروح، وفيه تفاصيل تذكر في ~~الفقه، {أو على سفر} وحد السفر: مسيرة يوم وليلة، وقال أصحاب الرأي: مسيرة ~~ثلاثة أيام {أو جاء أحد منكم من الغائط} قال الفراء: ms0283 معناه: وجاء أحد منكم ~~من الغائط؛ حتى يستقيم الكلام، والغائط: اسم للمطمئن من الأرض؛ فلما جرت ~~عادة العرب بإتيان الغائط للحدث؛ سمى الحدث غائطا باسم المكان. # {أو لمستم النساء} ويقرأ: " أو لامستم النساء " قال علي، وابن عباس: أراد ~~به الجماع، قال ابن عباس: إن الله حيى كريم، يكنى بالحسن عن القبيح؛ فكنى ~~باللمس عن الجماع، وقال ابن مسعود، وابن عمر: هو اللمس باليد، وهو قول ~~الشافعي، فمن قال بالأول قال: إن التيمم للجنب ثابت بنص الكتاب، ومن قال # PageV01P431 # {بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) من الذين هادوا يحرفون ~~الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم ~~وطعنا في الدين ولو} بالثاني قال: إن التيمم للمحدث ثابت بالكتاب، وللجنب ~~ثابت بالسنة. # وقال عمر، وابن مسعود: ليس للجنب أن يتيمم أصلا، وحملوا الآية على اللمس ~~باليد، وتمسكوا بظاهر الآية. # والأصح أن اللمس والملامسة واحد، وقال بعضهم: ومن قرأ: {أو لامستم} ففيه ~~دليل على انتقاض طهارة اللامس والملموس جميعا. ومن قرأ (أو لمستم) ففيه ~~دلالة على انتقاض طهارة اللامس فحسب. # {فلم تجدوا ماء فتيمموا} أي: اقصدوا، وتعمدوا، والتيمم: القصد، قال ~~الشاعر: # (تيممت قيسا وكم دونه ... من الأرض من مهمة ذي شزن) # {صعيدا} قال أبو عبيدة: الصعيد: التراب، وهو قول الشافعي، وقال ابن ~~الأعرابي: الصعيد: ما يصعد من وجه الأرض، وهو اختيار الزجاج، وقال الزجاج: ~~لو ضرب يده على صخرة صماء حصل التيمم، وإن لم يعلق به شئ، واستدلوا بقوله: ~~{صعيدا زلقا} وأراد به: وجه الأرض، والأول أصح؛ لأنه قال في آية أخرى: ~~{فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} يعني: من الصعيد؛ فدل أنه التراب حتى يكون ~~التيمم منه وقوله: {طيبا} أي: طاهرا، وقال بعضهم: حلالا (فامسحوا بوجهكم ~~وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) فالعفو المسهل والغفور: الساتر. # PageV01P432 # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} فإن قال قائل: كيف ~~يسمي اليهود والنصارى: " أهل الكتاب "، وهو اسم مدح، وهم يستحقون الذم؟ # قيل: قال ذلك لإلزام الحجة، وقيل: سماهم بذلك ms0284 على زعمهم أنهم أهل الكتاب. # PageV01P432 # {أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم ~~الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (46) يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا ~~بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن} # {يشترون الضلالة} لأنهم لما استبدلوا الضلالة بالهدى، فكأنهم اشتروا ~~الضلالة بالهدى، وكل مشتر مستبدل. # {ويريدون أن تضلوا السبيل # PageV01P433 # والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا) قال الزجاج: ~~معناه: اكتفوا بالله وليا واكتفوا به نصيرا؛ لتكون " الباء " في موضعها، ~~وقال غيره: الباء صلة، وتقديره: وكفى الله وليا وكفى الله نصيرا. # PageV01P433 # قوله تعالى: {من الذين هادوا يحرفون} قيل تقديره: ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب من الذين هادوا يحرفون، وقيل معناه: من الذين هادوا فريق ~~يحرفون {الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا} لأنهم لما سمعوا ولم ~~يطيعوا، فكأنهم قالوا: سمعنا وعصينا. # {واسمع غير مسمع} قال ابن عباس: كانوا يقولون لرسول الله: اسمع، ثم ~~يقولون في أنفسهم: لا سمعت، فهذا معناه، وقال الحسن: اسمع غير مسمع منك، ~~يعني: اسمع منا، ولا نسمع منك {وراعنا} كانوا يقولون ذلك، ويريدون به: ~~النسبة إلى الرعونة، فذلك معنى قوله: {ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} ؛ لأن ~~قولهم: راعنا من المراعاة، فلما حرفوه إلى الرعونة، فذلك معنى قوله: ( {ليا ~~بألسنتهم} ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا) أي: انظر إلينا ~~{لكان خيرا لهم وأقوم} أي: أعدل (ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا) فيه قولان: أحدهما فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، لا يستحقون به اسم ~~الإيمان؛ وذلك أنهم يؤمنون بالله، والآخرة، وموسى، وقيل: معناه: فلا يؤمنون ~~إلا نفر قليل منهم، وأراد به: عبد الله بن سلام، وقوما منهم أسلموا. # PageV01P433 # {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا} يعني: من القرآن (مصدقا ~~لما # PageV01P433 # {نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر ~~الله مفعولا (47) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~ومن يشرك بالله فقد افترى} {معكم} من ms0285 التوراة والإنجيل {من قبل أن نطمس ~~وجوها فنردها على أدبارها} الطمس: المحو، ومعناه: من قبل أن نطمس الوجه، ~~ونرده إلى القفا، وقيل: معناه: نبات الشعر عليه، حتى يصير كالقردة، وقيل: ~~يجعل عينيه على القفا ليمشي بقهقرى، وروى: أن عبد الله بن سلام لما سمع هذه ~~الآية، جاء إلى النبي ويده على وجهه، فأسلم، وقال: خفت أن يطمس وجهي قبل أن ~~أصل إليك، وكذلك كعب الأحبار لما سمع هذه الآية أسلم في زمن عمر رضي الله ~~عنه. # فإن قال قائل: قد أوعد اليهود بالطمس إن لم يسلموا، ولم يطمس وجوههم، ~~فكيف ذلك؟ قيل: هذا كان في قوم معدودين أسلموا، وذلك: عبد الله بن سلام، ~~وثعلبة بن سعيد، وأوس بن سعيد، والمحيريق، وجماعة، ولو لم يسلموا لطمسوا. # وقيل: أراد به: الطمس في القيامة، قال مجاهد: أراد بقوله {نطمس وجوها} ~~أي: نتركهم في الضلالة؛ فيكون المراد طمس القلب {أو نلعنهم كما لعنا أصحاب ~~السبت} أي: نجعلهم قردة كما جعلنا أصحاب السبت قردة {وكان أمر الله مفعولا} ~~. # PageV01P434 # قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~قيل: هذه أرجى آية في القرآن، قال ابن عمر: كنا نطلق القول فيمن ارتكب ~~الكبائر بالخلود في النار، حتى نزلت هذه الآية، فتوقفنا {ومن يشرك بالله ~~فقد افترى إثما عظيما} أي: اختلق إثما عظيما، فإن قال قائل: قد قال الله ~~تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} وقال في موضع آخر: {إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا} فكيف وجه الجمع؟ # قيل أراد به: يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك. # PageV01P434 # {إثما عظيما (48) ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ~~ولا يظلمون فتيلا (49) انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ~~(50) ألم تر إلى الذين أوتوا} # وفي الخبر: " أنه لما قرأ قوله تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعا} فقال ~~رجل: والشرك يا رسول الله؟ فنزل قوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به} . # PageV01P435 # قوله تعالى: {ألم تر إلى ms0286 الذين يزكون أنفسهم} نزلت الآية في رحبي بن ~~عمرو، ومرحب بن زيد، جاءا إلى النبي بأطفالهما، وقالا: هل على هؤلاء ذنب؟ ، ~~فقال: لا. فقالا: نحن مثلهم؛ ما فعلنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما فعلنا ~~بالنهار يكفر عنا بالليل، فنزل قوله: ( {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} بل ~~الله يزكي من يشاء) " يطهر من يشاء. # {ولا يظلمون فتيلا} أي: لا ينقص من أجورهم شئ إن أسلموا، ولا من أوزارهم ~~إن لم يسلموا. والفتيل والقطمير والنقير: ثلاثة أسامي مذكورة في القرآن ~~فالفتيل: اسم لما يكون في شق النواة، والقطمير: اسم للقشرة التي تكون على ~~النواة، والنقير: اسم للنقطة التي تكون على ظهر النواة، هذا قول ابن عباس، ~~وقال غيره: الفتيل من الفتل، وهو اسم لما يحصل من الوسخ بين الإصبعين عند ~~الفتل، قال الشاعر: # (تجمع الجيش ذا الألوف وتغزو ... ثم لا ترزأ العدو فتيلا) # قاله النابغة، وأنشده الأزهري. # PageV01P435 # قوله تعالى: {أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به} أي: بالكذب ( ~~{إثما مبينا} # PageV01P435 # ألم تر إلي الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت) قال عمر ~~رضي الله عنه: الجبت: السحر والطاغوت: الشيطان، وبه قال الشعبي، وقال # PageV01P435 # {نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى ~~من الذين آمنوا سبيلا (51) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد ~~له نصيرا (52) أم لهم} قتادة: الجبت: الشيطان والطاغوت: الكاهن، وعن ابن ~~عباس في رواية الكلبي عنه أنه قال: هما اسما رجلين من اليهود، فالجبت: حيى ~~بن أخطب والطاغوت: كعب بن الأشرف، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أن الجبت: ~~الساحر بلغة الحبشة فعرب، وذكر عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس رحمة الله ~~أنه قال: الطاغوت: كل ما يعبد من دون الله، وقرأ قوله تعالى: {واجتنبوا ~~الطاغوت أن يعبدوها} فقيل له: ما " الجبت "؟ ، فقال سمعت أنه الكاهن. # {ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} هذا قول جماعة من ~~اليهود وحضروا موسم الحج، فقال لهم المشركون: نحن أحسن طريقة أم ms0287 محمد ~~وأصحابه؟ فقالوا: أنتم. وهذا دليل على شدة معاندة اليهود؛ حيث فضلوا ~~المشركين على المسلمين، مع علمهم أنهم لم يؤمنوا بشيء من الكتب، وأن ~~المسلمين آمنوا بالكتب المتقدمة. # PageV01P436 # {أولئك الذين لعنهم الله} هم اليهود {ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} . # PageV01P436 # قوله تعالى: {أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا} فالنقير: ~~اسم تلك النقطة على ظهر النواة، ومنها تنبت النخلة، وفي الآية قولان: ~~أحدهما: أنه: استفهام بمعنى الإنكار والنفي، يعنى: ليس لهم نصيب من الملك؛ ~~إذ لو كان الملك لهم، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا، وقد ذكرنا نزع الملك من ~~اليهود، والقول الثاني: إنه بمعنى الإثبات، يعني: لهم نصيب من الملك: وأراد ~~بالملك المال، ثم هم إذا لا يؤتون الناس نقيرا، وصفهم بشدة البخل، وهذا على ~~طريق ضرب المثل؛ إذ من اليهود من يؤتي المال. # PageV01P436 # قوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} أي: بل يحسدون، ~~واختلفوا في الناس هاهنا، من المراد به؟ قال ابن عباس، والحسن، # PageV01P436 # {نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) أم يحسدون الناس على ما ~~آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا ~~عظيما (54) فمنهم من آمن به} ومجاهد، وجماعة: أراد به: محمدا وحده، وقال ~~قتادة: أراد به العرب؛ حسدهم اليهود ببعث النبي منهم، وفيه قول ثالث: أراد ~~به: محمدا وأصحابه، وقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: نحن الناس؛ وذلك ~~أنهم حسدوا، فإذا قلنا بالقول الأول: أنه محمد وحده؛ فاختلفوا في الفضل ~~المذكور في الآية ما هو؟ قال بعضهم: هو النبوة حسد الرسول بها، وقال بعضهم: ~~هو تحليل الزوجات فيما زاد على الأربع، حسده اليهود عليه؛ فقالوا: ما بال ~~هذا الرجل همه في النكاح، ينكح، وينكح. {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة} أراد بآل إبراهيم: داود، وسليمان، والكتاب: هو الكتاب الذي أنزل ~~عليهم، وأما الحكمة: قيل: هي النبوة، وقيل هي السنة. # ومعنى الآية: أنهم إن حسدوا الرسول بما أوتى من الفضل، فليحسدوا آل ~~إبراهيم؛ ms0288 فإنهم قد أوتوا الكتاب والحكمة {وآتيناهم ملكا عظيما} اختلفوا في ~~الملك العظيم: فمن فسر الفضل بتحليل الزوجات، فسر الملك العظيم به أيضا، ~~وقد كان لداود تسع وتسعون امرأة، ولسليمان مائة امرأة، وقيل: كان لسليمان ~~سبعمائة امرأة، وثلثمائة سرية، وقيل: أعطى نبينا صلوات الله عليه قوة سبعين ~~شابا في المباضعة. # وقيل: الملك العظيم: ملك سليمان، وقيل: المراد به تأييدهم بالجنود من ~~الملائكة. # PageV01P437 # قوله تعالى: {فمنهم من آمن به} يعنى: بالكتاب {ومنهم من صد عنه} أي: أعرض ~~عنه، وقيل: معناه: فمنهم من آمن بمحمد، ومنهم من صد عنه {وكفى بجهنم سعيرا} ~~والسعير: هي النار المسعرة. # PageV01P437 # {ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) إن الذين كفروا بآياتنا سوف ~~نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله ~~كان عزيزا حكيما} # PageV01P438 # قوله تعالى {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا} أي نلقيهم في ~~النار، ويقال: صلى النار، إذا قرب منها، قال الشاعر يصف امرأة: # (تجعل المسك واليلنجوج والند ... صلاء لها على الكانون) # {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب} قيل: قرئت هذه ~~الآية عند عمر رضي الله عنه وكان عنده معاذ بن جبل، فقال: تبدل جلودهم في ~~كل ساعة سبعين مرة، قال عمر: كذا سمعت رسول الله ". # وقال الحسن: في كل يوم سبعين ألف مرة. # فإن قيل: إذا بدلت جلودهم، فكيف يعذب غير الجلد الذي كان في الدنيا؟ قيل: ~~إنما يعذب الشخص في الجلد دون الجلد، وقيل: يعاد الجلد الأول في كل مرة، ~~إلا أنه سماه جلدا غيره، ومثله جائز، تقول العرب: صغت من خاتمي خاتما غيره، ~~وإن كان الثاني إعادة للأول، وفي الخبر: " أن بصر جلد الكافر في النار ~~أربعون ذراعا يعني: غلظه وضرسه مثل جبل أحد، وما بين منكبيه مسيرة ثلاثة ~~أيام ". # PageV01P438 # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى} # وفي الأخبار: " يكون عليه مائة جلد، بين كل جلدين ms0289 لون من العذاب " {إن ~~الله كان عزيزا حكيما} عزيزا: غالبا. حكيما: فيما دبر، # PageV01P439 # قوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة} وقد ذكرنا معنى الجميع، {وندخلهم ~~ظلا ظليلا} وهو الكن الذي يقي من الحر والبرد. # PageV01P439 # قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} فيه ثلاثة ~~أقاويل: أحدها: أن المراد منه: جميع الأمانات، وعن ابن مسعود رضي الله عنه ~~أنه قال: يجاء بالذي خان في الأمانة يوم القيامة، فيقال له: رد الأمانة. ~~فيقول: ذهبت الدنيا أنى لي الأمانة، فتمثل له الأمانة في النار، ويقال له: ~~خذ الأمانة وردها، فيأتي ليأخذ الأمانة؛ فيهوي في النار، ثم يعود ليأخذ ~~فيهوي فيها أبدا. # وفي الخبر أنه قال: " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ". وروى ~~عن ابن عباس، عن النبي أن قال: " لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا ~~عهد له # PageV01P439 # {أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن ~~الله كان سميعا بصيرا (58) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم} والقول الثاني: أنه أراد به: تفويض الأمر ~~إلى الولاة بالطاعة لهم، والقول الثالث - وهو قول عامة المفسرين -: أن ~~المراد منه رد مفاتيح الكعبة. # وسبب نزول الآية ما روى: " أن رسول الله لما فتح مكة، أخذ مفتاح الكعبة ~~من عثمان بن طلحة، وفتح الباب، ودخل الكعبة، فلما خرج، قال العباس: بأبي ~~أنت وأمي يا رسول الله، اجمع لي بين السدانة والسقاية فهم رسول الله أن ~~يدفع المفتاح إليه؛ فنزل قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها} ، فدعا رسول الله عثمان بن طلحة، ودفع إليه المفتاح، وقال: ~~خذوها يا بني طلحة، خالدة تالدة، لا ينزعها عنكم إلا ظالم " وكان مع عثمان ~~حياته، فلما توفي دفعه إلى أخيه شيبة، فهو في بني شيبة إلى قيام الساعة. # {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} أي: بالقسط ms0290 {إن الله نعما يعظكم ~~به إن الله كان سميعا بصيرا} . # PageV01P440 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى ~~الأمر منكم} اختلفوا في أولى الأمر، قال ابن عباس، وجابر - وهو قول جماعة ~~-: هم العلماء والفقهاء، وقال أبو هريرة: هم الولاة والسلاطين، وقيل: هم ~~أمراء السرايا الذين بعثهم رسول الله في الحروب، وقد صح أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال: " من عصى أميري فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع ~~أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله ". # PageV01P440 # {في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك ~~خير وأحسن تأويلا (59) ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك يريدون} # وقال عكرمة: أراد به: أبا بكر وعمر. # {فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول} التنازع: هو التشاجر، سمى ~~تنازعا؛ لأن كل واحد من الخصمين ينزع بحجة وآية. # وقوله: {فردوه إلى الله} يعنى: إلى الكتاب، وإلى الرسول إن كان حيا، وإلى ~~سنته إن كان ميتا. # والرد إلى الكتاب والسنة واجب، ما دام في الحادثة شئ من الكتاب والسنة، ~~فإن لم يكن فالسبيل فيه الاجتهاد، وروى أن مسلمة بن عبد الملك قال لرجل: ~~إنكم أمرتم أن تطيعونا، فقال الرجل: قد نزعها الله منكم؛ حيث قال: {فإن ~~تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول} وقد تنازعتم، فقال مسلمة: أين الله؟ ~~فقال: الكتاب، وقال: أين الرسول؟ فقال: السنة. # وقيل: الرد إلى الله والرسول: أن يقول الرجل فيما لا يدرى: الله ورسوله ~~أعلم، وهذا قول حسن {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا} أي: أحسن مآل وعاقبة. # PageV01P441 # قوله - تعالى -: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} . # في الآية قولان: أحدهما: أنه في جماعة من المنافقين منهم خلاس بن الصامت، ~~كانت لهم خصومة مع جماعة من المسلمين، فقال ms0291 المسلمون: نتحاكم إلى الرسول، ~~وقال المنافقون: نتحاكم إلى الكهنة. # والقول الثاني - وهو الأصح: " أن رجلا من اليهود خاصم رجلا من المنافقين، # PageV01P441 # {أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ~~ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا (61) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم ~~جاءوك يحلفون بالله إن} فقال اليهودي: نتحاكم إلى أبي القاسم إذ عرف أنه لا ~~يأخذ الرشوة على الحكم فيحكم بالحق، وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن ~~الأشرف، فتحاكما إلى النبي فحكم لليهودي، وكان الحكم له، فقال المنافق: لا ~~أرضى بحكمه، نتحاكم إلى أبي بكر، فتحاكما إلى أبي بكر، فحكم لليهودي بمثل ~~ما حكم رسول الله فقال المنافق: لا أرضى بحكمه، نتحاكم إلى عمر، فتحاكما ~~إلى عمر، فقال عمر: هل تحاكمتما إلى أحد؟ فقال اليهودي: نعم إلى أبي ~~القاسم، وإلى أبي بكر، وقد حكما لي، وهو لا يرضى، فقال عمر: مكانكما حتى ~~أخرج إليكما، فدخل البيت، واشتمل على السيف، ثم خرج، وضرب عنق المنافق، ~~فبلغ ذلك رسول الله، فقال: أنت الفاروق ". # PageV01P442 # قوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا} هو ما ذكرنا، أن المنافقين دعوا إلى التحاكم ~~إلى الرسول، فأعرضوا عنه، وتحاكموا إلى الطاغوت. # PageV01P442 # قوله تعالى {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم} قيل: هذا في ~~المنافقين الذين تحاكموا إلى الطاغوت، وقوله: {أصابتهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم} قيل: هو قتل عمر رضي الله عنه ذلك المنافق؛ فإنهم جاءوا يطلبون ~~دمه، وقيل: هو في جميع المنافقين، والمصيبة: كل مصيبة تصيبهم في الدنيا ~~والعقبى. # يقول الله تعالى: فكيف الحال إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم {ثم ~~جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} قيل: هو إحسان بعضهم إلى ~~بعض، وقيل أرادوا بالإحسان: تقريب الأمر من الحق، لا القضاء على مر الحكم. # PageV01P442 # {أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ~~فأعرض عنهم ms0292 وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (63) وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} # وأما التوفيق: موافقة الحق، وقيل: هو التأليف والجمع بين الخصمين. ومعنى ~~الآية: أن المنافقين يحلفون ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك إلا إحسانا ~~وتوفيقا. # وقي الآية قول آخر: أنها في المنافقين، حلفوا في المسجد الذي بنوا ضرارا ~~على ما هو مذكور قي سورة التوبة {وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى} . # PageV01P443 # قوله تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} خلاف ما على ألسنتهم ~~{فأعرض عنهم وعظهم} فإن قال قائل: كيف يتصور الجمع بين الإعراض والوعظ وقد ~~أمر الله تعالى بهما؟ # قيل معناه: فأعرض عن عقوبتهم، وعظهم. # وقيل: معناه: فأعرض عن قبول عذرهم، وعظهم {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} ~~القول البليغ: هو ما يبلغ الإنسان بلسانه كنه ما في قلبه، وقيل: هو التخويف ~~بالله تعالى وقيل: هو أن يقول: إن رجعتم إلى هذا، فأمركم القتل. # PageV01P443 # قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} قال أهل المعاني: ~~قوله {إلا ليطاع} كلام كاف مفيد بنفسه، وقوله: {بإذن الله} كلام آخر ومعناه ~~بعلم الله وقضاء الله يعنى: أن طاعته تقع بإذن الله. # {ولو أنهم} يعني: المنافقين {إذا ظلموا أنفسهم} يعنى: بالتحاكم إلى ~~الطاغوت {جاءوك فاستغفروا الله} لأنهم ما جاءوا مستغفرين، وإنما جاءوا ~~معتذرين بالأعذار الكاذبة. # قوله: {فاستغفروا الله} أي: سألوا مغفرة الله، {واستغفر لهم الرسول} أي: ~~دعا لهم الرسول بالاستغفار {لوجدوا الله توابا رحيما} . # PageV01P443 # {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا قي أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ~~أو اخرجوا من دياركم} # PageV01P444 # قوله تعالى: {فلا ربك لا يؤمنون} قوله: {فلا} : رد لقول المنافقين ~~وعذرهم، ثم ابتداء بقوله: {وربك لا يؤمنون} والمراد به: الإيمان الكامل، ~~أي: لا يكمل إيمانهم، {حتى يحكموك فيما شجر بينهم} أي: اختلف، والاشتجار: ~~الاختلاف، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه ms0293 بعضها على بعض، قال الشاعر: # (هم الحكام أرباب الندي ... وسراة الناس إذ الأمر شجر) أي: اختلف، (ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) أي: ضيقا، ومنه الحرجة، روى أن عمر - رضي ~~الله عنه - قال لبعض العرب: ما الحرجة عندكم؟ قال: هي شجرة ملتفة، لا يصل ~~الماء إليها. # ومن ذلك قوله - تعالى -: {يجعل صدره ضيقا حرجا} أي: يضيق مسلكه بحيث لا ~~تصل إليه الهداية {ويسلموا تسليما} ومعنى الآية: لا يكمل إيمانهم حتى يرضوا ~~بحكمك، وينقادوا لك، قيل: هذه أبلغ آية في كتاب الله - تعالى - في الوعيد. # واختلفوا في سبب نزول الآية، قال عطاء، ومجاهد: الآية في المنافقين الذين ~~تحاكموا إلى الطاغوت، وقال عبد الله بن الزبير، وعروة بن الزبير، وجماعة: " ~~الآية نزلت في رجل من الأنصار يقال له: حاطب بن أبي بلتعة - وكان من أهل ~~بدر - خاصم الزبير بن العوام في ماء أرض عند النبي، فقال - عليه الصلاة ~~والسلام - للزبير: اسق أرضك الماء ثم أرسله إلى جارك، وكانت أرض الأنصاري ~~دون أرضه؛ فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه النبي، وقال للزبير: ~~اسق أرضك، واحبس الماء حتى يبلغ الجدر " - وفي رواية - حتى يبلغ الكعبين ثم ~~سرحه يمر " # PageV01P444 # {ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا ~~مستقيما (68) ومن يطع الله} # كان النبي ساهل في حق الزبير في ابتداء الأمر، فلما أغضبه الأنصاري ~~استوعب جميع حقه، وكلا الحكمين كان حقا، وفي الخبر: قال الزبير: " احسب أن ~~قوله: {فلا وربك لا يؤمنون} نزل في هذا. # وروى أن اليهود لما بلغهم ذلك، قالوا: انظروا إلى أصحاب محمد كيف ~~يخالفونه، وإن موسى عتب علينا، فأمرنا بقتل أنفسنا، فقتلنا أنفسنا حتى بلغ ~~القتلى سبعين ألفا. # PageV01P445 # قوله - تعالى -: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ~~دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم} معناه: لو كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، ~~أو اخرجوا من دياركم، بدل ما أمرناهم به من ms0294 طاعة الرسول، والانقياد لحكمه ~~{ما فعلوه إلا قليل منهم} قال ثابت بن قيس بن شماس: لو أمرني رسول الله ~~بقتل نفسي لقتلت، وفي الخبر: أن ابن مسعود وعمار بن ياسر، وثابت بن قيس بن ~~شماس، من ذلك القليل، وروى أن النبي أشار إلى عبد الله بن رواحه، فقال له: ~~" أنت من ذلك القليل ". # ويقرأ " إلا قليلا منهم " فمن قرأ بالرفع؛ فلأنه معطوف على قوله: {ما ~~فعلوه} وذلك في محل الرفع، وتقديره: ما فعلوه إلا نفر قليل منهم فعلوه. ومن ~~قرأ بالنصب، فعلى الاستثناء. # {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} يعنى: من طاعة الرسول، والرضا لحكمه (لكان ~~خيرا لهم وأشد تثبيتا) أي: تصديقا # PageV01P445 # (وإذ لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما) هو الجنة # PageV01P445 # {ولهديناهم صراطا مستقيما} قيل: هو القرآن، وقيل: الإسلام. # PageV01P445 # {والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (70) ~~يا أيها الذين آمنوا} # PageV01P446 # قوله - تعالى -: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} ~~سبب نزول الآية، ما روى: أن بعض أصحاب رسول الله قالوا: يا رسول الله، كيف ~~يكون الحال في الجنة، وأنت في الدرجات العلي، ونحن أسفل منك، وكيف نراك؟ ~~فنزلت الآية. وذكر النقاش في تفسيره: أن ذلك القائل كان عبد الله بن زيد بن ~~عبد ربه الأنصاري. # وروى: أن رجلا قال: لرسول الله أنت أحب إلى من أهلي ومالي وولدي، وإذا ~~غبت عنى يصيبني شبه الجنون، حبا لك، فكيف حالي معك في الجنة؟ فنزلت الآية " ~~{فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين} قيل: ذلك بأن ينزل إليهم ~~النبيون؛ حتى يروهم، لا أن يرفعوا إلى درجاتهم، وقيل: معناه: أنهم لا ~~يفوتهم رؤية النبيين ومجالستهم، وقوله: {والصديقين} يعنى: أصحاب رسول الله، ~~والصديق المبالغ في الصدق، {والشهداء} الذين استشهدوا يوم أحد. # واختلفوا في أنهم لم سموا شهداء؟ قال بعضهم: لأنهم قاموا بشهادة الحق حتى ~~قتلوا، وقيل: لأن أرواحهم تشهد الجنة عقيب القتل، {والصالحين} الصالح: من ~~استوت سريرتيه ms0295 علانيته {وحسن أولئك رفيقا} الرفيق: الواحد، وهو بمعنى الجمع ~~هاهنا {ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما} . # PageV01P446 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} أي: عدتكم، والحذر: ما ~~يتقى به من العدو، نحو العدة والسلاح، (فانفروا ثبات) جمع " ثبة " قال ابن ~~عباس: " الثبة ": ما فوق العشرة، وقال أبو عمرو بن العلاء: " الثبة " ~~النفر، ومعناه: انفروا جماعات، نفرا نفرا (أو انفروا جميعا) . # وهذا دليل على أن الجهاد فرض على الكفاية، وقيل إن الآية صارت منسوخة؛ # PageV01P446 # {خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) وإن منكم لمن ليبطئن فإن ~~أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا (72) ولئن أصابكم ~~فضل من الله} لقوله - تعالى -: {وما كان المؤمنين لينفروا كافة} . # PageV01P447 # قوله - تعالى -: {وإن منكم لمن ليبطئن} أي: ليتأخرن، والبطء: التأخير. # وقيل: هذا في عبد الله بن أبي بن سلول {فإن أصابتكم مصيبة} يعنى: بالقتل ~~والجرح في الجهاد {قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا} أي: حاضرا # PageV01P447 # {ولئن أصابكم فضل من الله} أي: الغنيمة (ليقولن) - بنصب اللام - ويقرأ في ~~الشواذ: برفع اللام والمعنى واحد {كأن لم تكن بينكم وبينه مودة} قيل: في ~~الآية تقديم وتأخير، وتقديره: فإن أصابتكم مصيبة، قال: قد أنعم الله على؛ ~~إذ لم أكن معهم شهيدا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة، أي: معاقدة ومعاهدة ~~على الجهاد، وقيل: أراد به: مودة الصحبة. ثم ابتدأ {ولئن أصابكم فضل من ~~الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} . # PageV01P447 # قوله - تعالى -: {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا} أي: ~~يبيعون {بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما} وهو معنى قوله في سورة التوبة: {فيقتلون ويقتلون} . # PageV01P447 # قوله - تعالى -: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله} عتب على أصحاب رسول ~~الله بترك القتال {والمستضعفين} وهم الذين أسلموا بمكة وسكنوا بأعذار، ~~وبعضهم منعوا من الهجرة، قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين. # قال الأزهري: معنى الآية: لا تقاتلون في سبيل الله، ms0296 وفي سبيل المستضعفين؛ ~~بتخليصهم من أيدي المشركين {من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا ~~أخرجنا من هذه القرية} وهي مكة باتفاق المفسرين {الظالم أهلها} أي: المشرك ~~أهلها {واجعل لنا من لدنك وليا} أي: من يلي أمرنا {واجعل لنا من لدنك # PageV01P447 # {ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ~~(73) فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في ~~سبيل الله فيقتل أو يغلب} {نصيرا} أي: من يمنع العدو عنا؛ فاستجاب الله ~~دعوتهم، حتى فتح رسول الله مكة، وولى عليها عتاب بن أسيد، فكان ينصف ~~المظلوم، وينتصف من الظالم. # PageV01P448 # قوله - تعالى -: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون ~~في سبيل الطاغوت} قد بينا معنى الطاغوت {فقاتلوا أولياء الشيطان} أي: ~~الكفار {إن كيد الشيطان كان ضعيفا} قيل كان ضعيفا بمعنى: أنه لا يرد أحدا ~~عن الإسلام والهداية، وقيل: أراد به أن كيده كان ضعيفا يوم بدر، حين رأى ~~الملائكة، وخاف أن يأخذوه، فهرب، فكيده ضعيف بأحد هذين المعنيين. # PageV01P448 # قوله - تعالى -: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} قيل: هذا في قوم ~~أسلموا بمكة فآذاهم المشركون؛ " فقالوا: يا رسول الله، ائذن لنا نقاتلهم، ~~فقال لهم: {كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ؛ فإني لم أؤمر ~~بالقتال، ثم لما هاجر إلى المدينة، فأمر بالقتال، فكرهوا القتال " قيل: ~~أولئك الذين أسلموا وقالوا ذلك، منهم: عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي ~~وقاص، وقدامة بن مظعون، والمقداد بن الأسود الكندي، وجماعة. # {فلما كتب عليهم القتال} يعنى: بعد الهجرة {إذا فريق منهم يخشون الناس ~~كخشية الله أو أشد خشية} أي: يخشون الناس كخشيتهم من الله، أو أشد خشية، ~~قال الحسن البصري: ما كانوا يخشون أمر الله بالقتال، وإنما ذلك: خشية طبع ~~البشرية. # {وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} أي: هلا ~~أخرتنا إلى أجل قريب؛ فنموت بآجالنا، قيل: هذا قول المنافقين، وقيل: كان ~~ذلك قول بعض # PageV01P448 # {فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) وما لكم لا ms0297 تقاتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه ~~القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك} أصحاب رسول الله: قالوا ذلك خوفا و ~~(جبنا) لا اعتقادا. وقال بعضهم: هو قول طلحة بن عبيد الله؛ قال ذلك خوفا ثم ~~تاب عنه. # {قل متاع الدنيا قليل} يعنى: أن ما تستمتعون به من الدنيا فهو قليل، وفي ~~الخبر المعروف: " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم المخيط في البحر، ~~فلينظر بم يرجع؟ ! " {والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} أي: لا ينقص ~~من أجرهم شئ، ولا مقدار الفتيل. # PageV01P449 # قوله - تعالى -: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} ~~معناه: أينما كنتم يأتيكم الموت، وإن كنتم في بروج مشيدة، والبروج: الحصون، ~~قال السدي: وهي قصور بيض في السماء، قوله: {مشيدة} قال ابن عباس - في القول ~~المعروف -: هي المعروفة المطولة، وقال عكرمة: المشيدة: المجصصة، والشيد: ~~الجص. وقال بعضهم: المشيد: المجصص، والمشيدة: المرفوعة، وفيه قول آخر عن ~~ابن عباس: أنه أراد: في بروج من حديد. # {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من ~~عندك} فالحسنة: الخصب، والسيئة: الجدب، وقيل الحسنة: النصر، والظفر يوم ~~بدر، والسيئة: الهزيمة والقتل يوم أحد، ومعنى الآية: أن المسلمين إذا ~~أصابتهم حسنة، فقال الكفار: هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة قالوا هذا من ~~عندك أي: بشؤمك؛ وذلك أن النبي لما قدم المدينة أصاب أهلها نوع سوء؛ فقالت ~~اليهود: ما رأينا أشأم # PageV01P449 # {وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ~~والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد ~~الشيطان كان ضعيفا (76) ألم تر} من هذا الرجل؛ منذ دخل ديارنا، قد غلت ~~أسعارنا، ونقصت ثمارنا؛ وذلك بلية للمسلمين، وهذا نحو ما قالوا لصالح عليه ~~السلام {اطيرنا بك وبمن معك} وفي قصة موسى: {يطيروا بموسى ومن معه} وفي ~~سورة " يس ": {إنا تطيرنا بكم} . # {قل كل من عند الله} أي: الخصب، والجدب، والنصر، والهزيمة، ms0298 كل من عند ~~الله، {فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} أي: ما لهم لا يعلمون ~~حديثا. والحديث: القرآن هاهنا، أي: لا يعلمون معاني القرآن. # PageV01P450 # قوله - تعالى -: {ما أصابك من حسنة فمن الله} يعني: ما أصابك من خصب، فمن ~~فضل الله، {وما أصابك من سيئة} أي: من جدب {فمن نفسك} أي: بذنبك. # والخطاب وإن كان مع الرسول، فالمراد به: الأمة؛ وذلك معنى قوله - تعالى ~~-: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} قيل معناه: وما أصابك من حسنة ~~أيها الإنسان فمن الله، وما أصابك من سيئة، فمن نفسك؛ فيكون الخطاب مع كل ~~أحد من الناس، وقيل: معناه {ما أصابك من حسنة} أي: من النصر، والظفر فمن ~~فضل الله {وما أصابك من سيئة} أي: من هزيمة، وقتل يوم أحد {فمن نفسك} أي: ~~بذنب نفسك من مخالفة النبي كما سبق. # فإن قيل: كيف وجه الجمع بين الآيتين، فإنه قد قال - في الآية الأولى -: ~~{قل كل من عند الله} قيل: معنى الآية الأولى: أن الخصب والجدب والنصر ~~والهزيمة # PageV01P450 # {إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب ~~عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لولا} كلها تقع من عند الله، ومعنى الآية ~~الثانية {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} أي: ما أصابك من سيئة من الله، فبذنب ~~نفسك؛ عقوبة لك. # واعلم أنه ليس في الآية متعلق لأهل القدر أصلا؛ فإن الآية فيما يصيب ~~الناس من النعم والمحن، لا في الطاعات والمعاصي؛ إذ لو كان المراد ما ~~توهموا، لقال: ما أصبت من حسنة، فمن الله وما أصبت من سيئة؛ فلما قال: ما ~~أصابك من حسنة وما أصابك من سيئة؛ دل أنه أراد: ما يصيب العباد من النعم ~~والمحن، لا في الطاعات والمعاصي، وحكى عبد الوهاب بن مجاهد، عن مجاهد، أن ~~ابن عباس قرأ: " وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك " وكذا حكى ~~عن ابن مسعود أنه قرأ كذلك، وهو ms0299 معروف عن ابن عباس، وهو يؤيد قولنا: إن ~~المراد: بذنب نفسك. # وفي الآية قول آخر: مضمر فيه، وتقديره: فمال هؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا؛ يقولون: ما أصابك من حسنة، فمن الله، وما أصابك من سيئة، فمن ~~نفسك فيكون حكاية لقول الكفار {وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} . # PageV01P451 # قوله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} روى: " أن النبي قال: " من ~~أطاعني فقد أطاع الله تعالى ومن أحبني فقد أحب الله، فقالت اليهود: إن هذا ~~الرجل يريد أن نتخذه ربا وحنانا، كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم؛ فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية على وفاق قول الرسول " {ومن تولى فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا} أي: كل أمره إلى. # PageV01P451 # قوله تعالى: {ويقولون طاعة} يعني: المنافقين يقولون باللسان: مرنا، فإن ~~أمرك طاعة {فإذا برزوا} أي: خرجوا {من عندك بيت طائفة منهم غير الذي # PageV01P451 # {أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا ~~تظلمون فتيلا (77) أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن ~~تصبهم حسنة يقولوا هذه من} {تقول} قال أبو رزين: بيت أي: ألف. وقال غيره: ~~بيت، أي: بدل؛ والأصح أنه من التبييت، وهو فعل الشيء ليلا، يقال: هذا أمر ~~بيت ليلا، قيل: أي: فعل بالليل، ويجوز أن يقال لما فعل بالنهار: تبييتا؛ ~~لأن الفعل بالليل إنما سمى تبييتا؛ لأن الإنسان بالليل يكون أفرغ لتدبير ~~أمره، فعلى هذا المعنى يجوز أن يقال لما فعل بالنهار: تبييتا، قال الشاعر: # (بيتوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحوا على ضوضاء) # ومعنى {بيت طائفة منهم غير الذي تقول} أي: خالفوا بالليل ما قالوا ~~بالنهار {والله يكتب ما يبيتون} أي: يحصى ويحفظ؛ ليجازى عليه، وقيل: يأمر ~~الكتبة حتى يكتبوا (فأعرض عنهم) قال الضحاك: معناه: لا تخبر بأسمائهم، وكان ~~- عليه الصلاة والسلام - يعرف المنافقين، وما كان يخبر بأسمائهم {وتوكل على ~~الله وكفى بالله وكيلا} أي: اتخذه وكيلا. # PageV01P452 # قوله - تعالى -: {أفلا يتدبرون القرآن} التدبر: النظر في الأمر إلى آخره، ~~وهو من دبر الشيء: آخره، وفي الخبر: ms0300 " من أشراط الساعة: ولا يأتون الصلاة ~~إلا دبرا " أي: آخرا ومنه قوله: " لا تدابروا " أي: لا يول بعضكم ظهره إلى ~~بعض عداوة. # PageV01P452 # {عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال ~~هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك} فقوله {أفلا يتدبرون القرآن} أي: أفلا يتفكرون في ~~القرآن {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} قال ابن عباس: ~~ليس في القرآن تناقض ولا تفاوت؛ فهذا معنى الآية. # وقال الزجاج: ما أخبر عن الغيب فكله صدق، ليس بعضه صدقا، وبعضه كذبا، ~~وقيل: معناه: أن كله بليغ صحيح، ليس فيه مرذول ولا فاسد. # PageV01P453 # قوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} يعني: ~~المنافقين إذا جاءهم أمر وخبر من أمر السرايا الذين بعثهم رسول الله، فإن ~~كان بالأمن والنصر، كتموا، وقصروا في الأخبار، وإن كان بالخوف والهزيمة ~~أذاعوا به، وزادوا. # وفي الآية إضمار، وتقديرها: وإذا جاءهم أمر من الأمن قصروا في الإخبار ~~به، وكتموا، [وإذا] جاءهم أمر من الخوف أذاعوا به {ولو روده إلى الرسول} ~~قيل أراد بقوله: {ولو ردوه} يعني: ضعفة المسلمين الذين سمعوا تلك الأخبار ~~من المنافقين قالوا مثل قولهم؛ فقال الله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول} ~~ويحتمل أن يكون المراد به في الكلام المؤمنين والمنافقين، لو ردوه إلى ~~الرسول. # {وإلى أولي الأمر منهم} يعني: إلى أمراء السرايا {لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم} يعني: لو طلبوا تلك الأخبار من عند أمراء السرايا، ووكلوا الإخبار ~~بها إليهم؛ لعلمه الذين يحبون أن يعلموه على حقيقته كما هو، والاستنباط: هو ~~استخراج العلم ومنه النبط، وهم قوم يستخرجون الماء، وقيل: أراد به العلماء ~~يعني: ولو ردوه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم لعلم الذين يستنبطونه ~~منهم ما ينبغي أن # PageV01P453 # {وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا (79) من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (80) ويقولون طاعة فإذا برزوا من ~~عندك بيت ms0301 طائفة منهم غير} يكتم، ويعلمون ما ينبغي أن يفشي، يعني: العلماء. # {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} فإن قال قائل: ~~كيف استثنى القليل، ولولا فضله لاتبع الكل الشيطان؟ قيل: اختلفوا فيه، قال ~~الفراء: هذا الاستثناء راجع إلى قوله: {أذاعوا به} إلا قليلا، وقوله: ~~{ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان} ، كلام تام، وقيل: هو راجع ~~إلى قوله: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ثم قال: {ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته لا تبعتم الشيطان} وقيل: هو على نظمه، ومعناه: ولولا ما تفضل الله ~~عليكم به من البيان لما ينبغي أن يفعل وما ينبغي أن يجتنب {لاتبعتم الشيطان ~~إلا قليلا} . # وفيه قول رابع: أنه أراد بالقليل: قوما اهتدوا بالحق قبل بعث الرسول، ~~وإنزال القرآن، وأقروا بالتوحيد، وذلك مثل: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن ~~نوفل، وجماعة، وقد قال في زيد بن عمرو بن نفيل: " إنه يبعث أمة على حدة ". # PageV01P454 # قوله تعالى {فقاتل في سبيل الله} كذا يتصل بما سبق من قوله: {وما لكم لا ~~تقاتلون} لما عاتبهم على ترك القتال، قال للرسول: إن لم يقاتل هؤلاء، فقاتل ~~أنت وحدك {لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين ~~كفروا} يعني: عذاب الذين كفروا، وعسى من الله واجب، والمراد به: تطميع ~~المؤمنين، {والله أشد بأسا} أي: أشد عذابا {وأشد تنكيلا} التنكيل من النكل، ~~وهو المنع، ومنه النكال: وهو ما يفعل بالإنسان، فيمنع غيره عن فعله. # PageV01P454 # قوله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع} # PageV01P454 # {الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله ~~وكيلا (81) أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا (82) وإذا جاءهم} {شفاعة سيئة يكن له كفل منها} قال ابن ~~عباس: الشفاعة الحسنة: هي الإصلاح بين الناس، والشفاعة السيئة: هي المشي ~~بالنميمة بين الناس، وقيل: هو في كل الشفاعات، فالشفاعة الحسنة: هي أن يقول ~~قولا حسنا؛ ينال به الخير، والشفاعة السيئة: هي أن ms0302 يقول قولا قبيحا؛ يلحق ~~به سوء. # قوله: {يكن له نصيب منها} أي: من أجرها، وقوله: {يكن له كفل منها} أي: من ~~وزرها، والكفل: النصيب، قال الله تعالى: {يؤتكم كفلين من رحمته} أي نصيبين. # واعلم أن الإنسان يؤجر على الشفاعة، وإن لم يشفع؛ لأن الله تعالى يقول: ~~{من يشفع} ، ولم يقل: من يشفع، وقد روى أبو موسى الأشعري عن رسول الله أنه ~~قال: " اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء ". # واعلم أن الشفاعة مستحبة في كل الحقوق إلا في حدود الله تعالى؛ فإنه لا ~~يجوز فيها الشفاعة ليترك الحد، وقد قال: " من شفع في حد من حدود من الله ~~تعالى فقد ضاد الله في ملكه " أي: نازعه في ملكه. # {وكان الله على كل شيء مقيتا} قال ابن عباس: المقيت: المقتدر، قال ~~الشاعر: # (وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتا) # والقول الثاني عن ابن عباس: المقيت: الحافظ، وفي الخبر: " كفى بالمرء ~~إثما أن # PageV01P455 # {أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم ~~الشيطان إلا قليلا (83) فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ~~عسى الله أن يكف بأس الذين كفرا والله} يضيع من يقوته " أي: من قوته، وفي ~~رواية: " من يقيت " أي: من في حفظه، وفيه قول ثالث: أن الله تعالى على كل ~~حيوان مقيت، أي: يوصل القوت إليه؛ فهذا معنى قوله: {وكان الله على كل شيء} ~~أي: حيوان {مقيتا} . # PageV01P456 # قوله - تعالى -: {وإذا حييتم بتحية} أكثر المفسرين على أن المراد بالتحية ~~هاهنا: السلام، وأصل التحية: هو دعاء بالحياة، وهو في الشريعة عبارة عن ~~السلام، والسلام: دعاء السلامة، وقد تكون التحية بمعنى: الملك والبقاء، ~~ومنه: التحيات لله، وقال الشاعر: # (ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية) # يعني: إلا الملك، وعلى معنى السلام أنشدوا قول الشاعر: # (إنا محيوك يا سلمى فحيينا ... وإن سقيت كرام الناس فاسقينا) # {فحيوا بأحسن منها أو ردوها} ms0303 أراد به: رد السلام بأحسن مما سلم، أو ترد ~~كما سلم، فإذا قال: السلام عليك، فالمستحب أن تقول: وعليك السلام ورحمة ~~الله، وإذا قال: السلام عليك ورحمة الله، تقول: وعليكم السلام ورحمة الله ~~وبركاته، وهو الأحسن. # وفي الخبر: " أن رجلا جاء، فسلم على النبي، فقال: وعليكم السلام ورحمة ~~الله، فدخل آخر وقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال: وعليكم السلام ورحمة ~~الله # PageV01P456 # {أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن ~~يشفع شفاعة} وبركاته، فدخل ثالث، وقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ~~فقال: وعليكم؛ فقيل له في ذلك، فقال - عليه السلام - إن الأول والثاني تركا ~~من التحية شيئا؛ فأجبت بأحسن، وإن الثالث لم يترك من التحية شيئا فرددت ~~عليه ". # واعلم أن السلام، سنة ورد السلام فريضة، لكنه فرض على الكفاية، حتى إذا ~~سلم على جماعة فرد أحدهم؛ سقط الفرض عن الباقين، وكذلك السلام سنة على ~~الكفاية، حتى إذا كانت جماعة، فسلم أحدهم كفى في السنة. وروى الحسن مرسلا ~~عن النبي أنه قال: " السلام سنة ورده فريضة ". # وقال بعض المفسرين: أراد بالتحية: الهبات والهدايا، وقوله: {فحيوا بأحسن ~~منها} أراد به: الثواب على الهدية، وهو سنة، " وكان عليه السلام يقبل ~~الهدية، ويثيب عليها "، والأصح هو القول الأول. # {إن الله كان على شئ حسيبا} أي: محاسبا، وقيل كافيا، ومنه قوله تعالى: ~~{جزاء من ربك عطاء حسابا} أي: كافيا. # PageV01P457 # {سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شئ مقيتا (85) وإذا حييتم بتحية ~~فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شئ حسيبا (86) الله لا إله ~~إلا هو ليجمعنكم إلى يوم} # PageV01P458 # قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} " ~~اللام " لام القسم، وتقديره: والله ليجمعنكم الله إلى يوم القيامة، ~~واختلفوا: أنه فيم يجمعهم؟ قال بعضهم: يجمعهم في الإهلاك والموت إلى ~~القيامة، وقال بعضهم: يجمعهم في القبور إلى القيامة. # واختلفوا: لم سميت القيامة قيامة؟ قال بعضهم: لأن الناس يقومون فيها إلى ~~رب العالمين، كما ms0304 قال الله تعالي: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} وقيل: إن ~~الناس يقومون فيها إلى الحساب. {ومن أصدق من الله حديثا} أي: قولا وخبرا. # PageV01P458 # قوله - تعالى -: {فما لكم في المنافقين فئتين} اختلفوا في سبب نزول الآية ~~على ثلاثة أقوال: قال زيد بن ثابت: هذا في الذين تخلفوا عن رسول الله يوم ~~أحد، فقال بعض الصحابة لرسول الله: اعف عنهم؛ فإنهم تكلموا بالإسلام. وقال ~~بعضهم: اقتلهم؛ فإنهم منافقون؛ فنزلت الآية {فما لكم في المنافقين فئتين} " ~~أي: ما لكم افترقتم فيهم فرقتين؟ عتب عليهم بالاختلاف بينهم، وحكم بنفاقهم. # وقال مجاهد: الآية في جماعة من أهل مكة هاجروا إلى المدينة، وأسلموا، ثم ~~استأذنوا رسول الله في الرجوع إلى مكة، بعلة أن لهم بها بضائع؛ فرجعوا، ~~وارتدوا فقال بعض أصحابه: هم مسلمون؛ لأنهم تكلموا بالإسلام، وقال بعضهم: ~~هم قد نافقوا؛ فنزل قوله تعالى: {فما لكم في المنافقين فئتين} وحكى مجاهد ~~هذا عن ابن عباس. # والقول الثالث وهو الرواية الثانية عن ابن عباس: أن الآية في قوم من ~~المشركين أسلموا بمكة، وكانوا يعاونون المشركين، ويظاهرونهم؛ فاختلف ~~الصحابة فيهم # PageV01P458 # {القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا (87) فما لكم في المنافقين ~~فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله ~~فلن تجد له سبيلا (88) } فرقتين؛ فنزل قوله - تعالى -: {فما لكم في ~~المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا} أركسهم وركسهم بمعنى واحد. # وقرأ ابن مسعود {والله ركسهم} قال الزجاج: معناه: نكسهم، وقال النضر بن ~~شميل: معناه: أعادهم، يعنى: إلى الكفر بما كسبوا، ومنه: الركس؛ لأنه كان ~~طعاما فصار رجيعا. # {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} يعنى: أتريدون أن ترشدوا من أضله الله ~~{ومن يضلل الله} يعنى: ومن يضلله {فلن تجد له سبيلا} أي: طريقا إلى الحق. # PageV01P459 # قوله - تعالى -: {ودوا لو تكفرون كما كفروا} يعنى: الذين عادوا إلى الكفر ~~ودوا أن تعودوا إلى الكفر {فتكونون سواء} يعنى: في الكفر. # {فلا تتخذوا منهم أولياء} منعهم من الموالاة معهم {حتى يهاجروا في سبيل ~~الله} أي: ms0305 حتى يسلموا {فإن تولوا} يعنى: في الكفر {فخذوهم} أي: فأسروهم، ~~والأخذ هاهنا: الأسر، ويقال للأسير: أخيذ {واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا ~~تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا} . # PageV01P459 # قوله - تعالى -: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} قال أبو ~~عبيده: معناه إلا الذين ينتسبون إلى قوم، وأنشد فيه قول الشاعر: # (إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل ... وبكر سباها والأنوف رواغم) # يعنى: إذا انتسبت تلك القبيلة. # وأنكر أهل المعاني هذا على أبى عبيده، وقالوا: هذا لا يستقيم في معنى هذا ~~الاستثناء المنع من القتل، وما كان المنع لأجل النسبة، فإن النبي كان يقاتل ~~المشركين من قريش، وإن كانوا من نسبه، بل معنى قوله: {إلا الذين يصلون} أي: # PageV01P459 # {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا (89) } يخالطون، ويتصلون بقوم كان بينهم وبين النبي ~~موادعة وعهد. # وذلك هلال بن عويمر الأسلمي، وقومه، وكان الله - تعالى - منع من قتل ~~أولئك ممن اتصل بهم، وفي ذمامهم {أو جاءوكم} أو يصلون بقوم جاءوكم للمعاهدة ~~والموادعة، {حصرت صدورهم} ضاقت، فضاقت صدورهم من القتال معكم، ومن معاونتكم ~~على القتال مع قومهم؛ لأجل الرعب الذي ألقى الله - تعالى - في قلوبهم، وقرأ ~~الحسن - وهو قراءة يعقوب وسهل - " حصرة صدورهم " على الحال، أي: ضيقة ~~صدورهم، قال المبرد: حصرت صدورهم على سبيل الدعاء، كقوله: {قاتلهم الله} ~~كأن الله - تعالى - يقول: {حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم} على ~~سبيل الدعاء. # {ولو شاء الله لسلطهم عليكم} معنى هذا: أن الله - تعالى - هو الذي ألقى ~~الرعب في قلوبهم، وكفهم عن قتالكم، حتى جاءوا معاهدين، ولو شاء الله لسلطهم ~~عليكم {فلقاتلوكم} ؛ فإذا لا تقاتلوهم ومن اتصل بهم {فإن اعتزلوكم فلم ~~يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم} يعنى: الصلح فانقادوا، واستسلموا {فما جعل ~~الله لكم عليهم سبيلا} أي: طريقا عليهم بالقتل والقتال. # PageV01P460 # قوله - تعالى -: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم} قال ابن ~~عباس: أراد به: أسد وغطفان، جاءوا إلى ms0306 النبي وأسلموا؛ فلما رجعوا إلى قومهم ~~قالوا: إنا آمنا بالعقرب والخنفساء ورجعوا إلى الكفر. # وقال قتادة: أراد به: سراقة بن مالك بن جعشم، لما جاء إلى النبي، وقال: ~~أنا منكم، ثم رجع إلى قومه، فقال أنا منكم. # PageV01P460 # {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن ~~يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا} # {يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم} أي: يريدون أن يأمنوا منكم، ومن ~~قومهم. {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} أي كلما دعوا إلى الشرك دخلوا ~~فيه. # {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم} يعني: القيادة والاستسلام {ويكفوا ~~أيديهم فخذوهم} أي: فأسروهم {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} وجدتموهم، {وأولئكم ~~جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا} حجة بينة بالقتل والقتال. # PageV01P461 # قوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} سبب نزول الآية: ما ~~روى أن عياش بن أبي ربيعة قتل الحارث بن يزيد، وكان الحارث يؤذي عياشا في ~~الجاهلية، حتى أسلم عياش؛ فنذر أن يقتله متى ظفر به، فظفر بالحارث وقد أسلم ~~الحارث، ولم يعلم هو بإسلامه، فنزلت الآية: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا} ~~وهذا نهى عن قتل المؤمن على الإطلاق، وقوله: {إلا خطأ} استثناء منقطع، ~~ومعناه: لكن إن وقع خطأ. وقال بعضهم: " إلا " بمعنى " ولا " يعنى: ولا خطأ، ~~ولا يعرف في كلام العرب " إلا " بمعنى " ولا "؛ ولأنه يقتضي النهي عن قتل ~~الخطأ، والخطأ لا يدخل تحت النهي والأمر، والأول أصح، ثم ذكر حكم القتل ~~الخطأ، فقال: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} أي: فاعتقوا رقبة ~~مؤمنة، ثم اختلف العلماء، فقال الحسن، والشعبي، والنخعي: أراد به: رقبة ~~بالغة ولا تجزئ الرقبة الصغيرة، وإن كانت مؤمنة، وقال عطاء وهو الذي أخذ به ~~الفقهاء: إنه تجزئ الصغيرة. # {ودية مسلمة إلى أهله} يعني: سلموا الدية إلى أهله، وظاهر الآية يقتضي أن ~~تكون الدية قي قتل الخطأ في مال القاتل، كالكفارة، لكن عرفنا بالسنة أن ~~الكفارة في مال القاتل والدية على العاقلة. # وقوله: ms0307 {إلا أن يصدقوا} يعني: أن يتصدقوا، وقرأ أبي بن كعب كذلك، ومعنى ~~التصدق: العفو عن الدية {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة} # PageV01P461 # {إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (90) ستجدون آخرين يريدون أن ~~يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ~~ويلقوا إليكم السلم} {مؤمنة} أكثر المفسرين وهو قول الحسن، وقتادة، ومجاهد ~~وجماعة: أن المراد به: وإن كان من [نسب] قوم عدو لكم وهو مؤمن، ومعناه ~~المؤمن يكون في دار الإسلام، وقرابته في دار الحرب، فيقتل خطأ، قالواجب ~~بقتله الكفارة، ولا دية؛ لأنها إذا سلمت إلى قرابته يقووا بها على ~~المسلمين، والأصح والذي عرفه الفقهاء أن المراد به: المؤمن الذي أسلم في ~~دار الحرب، فيقتله من لم يعلم إسلامه، فالواجب فيه الكفارة، دون الدية. # {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} هذا في أهل الذمة والمعاهدين {فدية ~~مسلمة إلى أهله} يعني: على القدر الذي اختلف فيه {وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم ~~يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله} يعني: ليتوبوا إلى الله {وكان الله ~~عليما حكيما} . # PageV01P462 # قوله تعالى {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} نزلت الآية في مقيس بن ~~ضبابة الليثي، أسلم وأخوه هشام، ثم وجد أخاه مقتولا في بني النجار؛ فجاء ~~إلى النبي في ذلك، فبعث معه رجلا فهربا إلى بني النجار، وأمرهم أن يدفعوا ~~إليه قاتل أخيه، أو يسلموا الدية، فجاءا إليهم، وبلغا الرسالة فقالوا: سمعا ~~وطاعة لرسول الله، والله ما نعرف القاتل، وساقوا الدية إليه مائة من الإبل؛ ~~فلما رجعا أقبل مقيس وقتل الفهري، واستاق الإبل، ولحق بمكة وارتد، وقال ~~الشعر: # (قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع) # (فأدركت ثأري واضطجعت موسرا ... وكنت إلى الأوثان أول راجع) # فنزلت الآية فيه، وهو الذي أمر النبي بقتله؛ فجاء الجماعة الذين عينهم # PageV01P462 # {ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولائكم جعلنا لكم عليهم ~~سلطانا مبينا (91) وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير ms0308 رقبة مؤمنة ودية} للقتل يوم فتح مكة؛ فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة ~~فقوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} فالقتل المتعمد عند أكثر العلماء: هو الذي ~~يحصل بكل ما يقصد به القتل، وقال سعيد بن المسيب، وطاوس: القتل العمد لا ~~يكون إلا بالحديد {فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه} أي: طرده ~~عن الرحمة {وأعد له عذابا عظيما} وقال ابن عباس: الآية مدنية لم ينسخها شئ؛ ~~فكان يقول: ليس لقاتل المؤمن توبة، وسئل عن توبته؛ فقال: أنى تكون له ~~التوبة، فقيل له: أليس قد قال الله تعالى: {ولا يقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا إلا من تاب} فقال ابن عباس: تلك آية مكية، وهذه آية مدنية ~~لم تنسخ بشيء حتى قبض رسول الله. # وقال زيد بن ثابت: الشديدة بعد الهينة بستة أشهر، يعني بالهينة آية ~~الفرقان، وبالشديدة هذه الآية. # وروى حميد، عن أنس، عن النبي أنه قال: " أبى الله تعالى أن يكون لقاتل ~~المؤمن توبة " وفي الخبر عن النبي: " لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال ~~الدنيا ". # والأصح، والذي عليه الأكثرون وهو مذهب أهل السنة: أن لقاتل المؤمن عمدا ~~توبة، والدليل عليه قوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن} وقوله: {ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء} ولأن القتل العمد ليس بأشد من الكفر، ومن # PageV01P463 # {مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير ~~رقبة مؤمنة فمن لم يجد} الكفر توبة؛ فمن القتل أولى، وأما الذي روى عن ابن ~~عباس، فعلى سبيل التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل، وهو مثل ما روى عن ~~سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل يقال له: لا توبة لك، منعا له عن ~~القتل، وإن قتل يقال له: لك توبة، حتى يتوب. وروى أن رجلا جاء إلى ابن عباس ~~وسأله: ms0309 هل لقاتل المؤمن توبة، قال: لا، فجاءه آخر، وسأله عن ذلك، فقال: ~~نعم، له توبة، فقيل له في ذلك، فقال: إن الأول لم يكن قتل؛ فمنعته عن ~~القتل، وإن الثاني؛ قتل؛ فأرشدته إلى التوبة. # واعلم أن لا متعلق في هذه الآية لمن يقول بالتخليد في النار لأهل الكبائر ~~من المسلمين؛ لأنا إن نظرنا إلى سبب نزول الآية، فالآية نزلت في قاتل كافر ~~كما بينا، وقيل: إنه فيمن يقتل مستحلا، والأولى أن تقول فيه ما قاله أبو ~~صالح: إن معنى قوله: {فجزاؤه جهنم خالدا فيها} إن جازى، وبه نقول: إن الله ~~تعالى إن جازاه ذلك خالدا، فهو جزاؤه، ولكنه ربما لا يجازي، وقد وعد أن لا ~~يجازى ويغفر لمن يشاء، وهو لا يخلف الميعاد، وحكى عن قريش بن أنس رحمه الله ~~أنه قال: كنت في مجلس فيه عمرو بن عبيد، فقال: لو قال الله لي يوم القيامة: ~~لم قلت بتخليد القاتل المتعمد في النار؟ فأقول له: أنت الذي قلت: {فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها} قال قريش: وكنت أصغر القوم، فقلت له: أرأيت لو قال الله ~~تعالى لك: ألست قلت {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فمن أين علمت أنى لم أشأ ~~مغفرة القاتل؟ فسكت ولم يستطع الجواب. # وحكى أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء رحمه الله وقال له: هل ~~يخلف الله وعده؟ فقال: لا، فقال: أليس قد قال الله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها} فأنا على هذا؛ لأنه لا يخلف وعده، فقال أبو ~~عمرو: ومن العجمة أتيت يا أبا عثمان؛ إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد ~~خلفا # PageV01P464 # {فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما (92) ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا ~~عظيما (93) يا أيها الذين} وذما، وإنما ذلك في الخلف في الوعد، وأنشد له ~~قول القائل فيه: # (إني إذا أوعدته وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي) # فقد تمدح بالخلف في الوعيد، وقال آخر: ms0310 # (وإذا وعد السراء أنجز وعده ... وإن وعد الضراء فالعفو مانعه) # فالله تعالى يجوز أن يخلف في الوعيد، وإنما لا يخلف الميعاد. # PageV01P465 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله} أي: سافرتم في ~~سبيل الله، يعني: الغزو {فتبينوا} ويقرأ: " فتثبتوا " ومعناهما: ترك ~~العجلة. # وفي الخبر: " التأني من الله، والعجلة من الشيطان " {فتبينوا ولا تقولوا ~~لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} يقرأ " إليكم السلام " ويقرأ " إليكم ~~السلم "، فالسلام: هو التسليم المعهود، والسلم: المقادة والاستسلام، ~~والسلم: الصلح، وقرأ أبو جعفر المدني يزيد بن القعقاع: " لست مؤمنا " من ~~الأمان {تبتغون عرض الحياة الدنيا} يعني: تبتغون الدنيا، وفي الآثار: " ~~الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، يقضي فيها ملك ~~قادر ". # PageV01P465 # ( {آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك ~~كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله} فعند الله مغانم كثيرة) أي: ~~غنائم كثيرة. {كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم} أي: تفضل الله عليكم، وفيه ~~قولان: قال سعيد بن جبير: معناه كذلك كنتم من قبل تكتمون الإيمان، فمن الله ~~عليكم، وفيه قولان بالإظهار، وقال قتادة: معناه: كذلك كنتم من قبل ضلالا، ~~فمن الله عليكم بالهداية {فتبينوا} إعادة تأكيد {إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا} وسبب نزول الآية ما روى: " أن النبي بعث سرية، فلقوا رجلا يقال له: ~~مرداس بن عمرو من فدك، له غنيمات، فانحاز بها إلى الجبل لما أحس بالسرية، ~~ثم تقدم إليهم، فقال: السلام عليكم أنا مؤمن، فبادر إليه أسامة بن زيد وهو ~~يقول: لا إله إلا الله، وقتله، وأخذ سلبه، والغنيمات التي له، فلما رجعوا ~~إلى النبي قال لأسامة: أقتلت رجلا يقول: لا إله إلا الله، فقال: إنه إنما ~~أسلم متعوذا، وقال: إنما أسلم، ليحرز نفسه وماله، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: هلا شققت عن قلبه؟ فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فقال كيف ~~لك بلا إله إلا الله ms0311 يوم القيامة؟ فقال: استغفر لي يا رسول الله، فقال عليه ~~الصلاة والسلام: كيف بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ هكذا حتى أعاده ثلاثا - ~~فنزلت الآية فيه. {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} " ولأن ذلك الرجل كان ~~قد سلم عليهم، وأسلم لهم {لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا} يعنى: ~~تبتغون بقتله غنيمات كانت له. # وفي رواية أن النبي استغفر لأسامة، وأمره بإعتاق رقبة وكان أسامة من علية ~~الصحابة، وعاش إلى زمان على - رضى الله عنه - فدعاه على إلى المقاتلة معه ~~في الحروب، فقال لعلى: أنت أعز على من كل أحد، ولو قاتلت المسلمين مع أحد ~~لقاتلت معك، ولكني منذ سمعت رسول الله قال لي: كيف بلا إله إلا الله يوم ~~القيامة، امتنعت من القتال، فإن أعطيتني سيفا يميز المسلم من الكافر حتى ~~أقاتل فتركه على. # PageV01P466 # {كان بما تعملون خبيرا (94) لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى ~~الضرر والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين ~~بأموالهم وأنفسهم على} # وكان ممن اعتزل الفريقين هو وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وعبد الله ~~بن عمر رضي الله عنهم أجمعين. # وقيل: إن قاتل صاحب الغنيمات، كان المقداد بن عمرو الكندي - هو ابن ~~الأسود - هذا هو القول المعروف في سبب نزول الآية، وفي الآية قول آخر: " ~~أنها نزلت في محلم بن جثامة الليثي، قتل رجلا وهو يقول: لا إله إلا الله، ~~ثم جاء إلى النبي، وقال: يا رسول الله، استغفر لي، فقال: لا غفر الله لك، ~~فقام يبكي، وانصرف، فلما مات دفن في الأرض، فلفظته الأرض، ثم دفن فلفظته ~~الأرض، ثم دفن فلفظته الأرض - هكذا ثلاثا - فأمر النبي حتى ألقي عليه ~~الحجارة، قال: إن الأرض لتنطبق على من هو شر منه - يعنى من محلم -، ولكن ~~الله - تعالى - أراد أن يريكم الآية ". # PageV01P467 # قوله - تعالى -: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر} اعلم أن ~~الذي نزل في الابتداء من هذه الآية قوله: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم " قال ms0312 زيد بن ثابت: " كان النبي ~~يملى على هذه الآية، وفخذه على فخذي، فدخل عبد الله بن أم مكتوم، وقال يا ~~رسول الله، أنا رجل ضرير، ولو استطعت أن أقاتل لقاتلت معك؛ فتغشى رسول الله ~~الوحي؛ فثقل فخذه على فخذي حتى كاد يرضه؛ فلما سرى عنه، قال لي: اكتب {غير ~~أولى الضرر} فنزل هذا القدر في ابن أم مكتوم، وكان ضريرا من أولى الضرر، ~~وقوله: # PageV01P467 # {القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~أجرا عظيما (95) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) إن ~~الذين توفاهم الملائكة} # {غير أولي الضرر} يقرأ على وجوه: " غير " - برفع الراء - وتقديره: لا ~~يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر، ويقرأ: بفتح الراء، على ~~الاستثناء، يعنى: إلا أولي الضرر، وقيل: هو نصب على الحال، يعنى: في حال ~~الصحة، وانتفاء الضرر، كأنه قال: لا يستوي القاعدون من المؤمنين أصحاء، ~~وهذا أشهر القراءتين، وكذلك قرأ النبي " غير أولي الضرر " - بكسر الراء ~~يعنى -، من المؤمنين غير أولي الضرر، {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم ~~على القاعدين درجة} أراد بالقاعدين هاهنا: أولى الضرر، فضل المجاهدين عليهم ~~بدرجة؛ لأن المجاهدين باشروا الجهاد مع النية، وأولوا الضرر كانت لهم نية ~~الجهاد، ولكن لم يباشروا؛ فنزلوا عنهم بدرجة {وكلا وعد الله الحسنى} يعنى: ~~الجنة {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} وأراد بالقاعدين هنا: ~~غير أولي الضرر، فضل الله المجاهدين عليهم أجرا عظيما # PageV01P468 # {درجات منه ومغفرة ورحمة} قال ابن محيريز: هي سبعون درجة، ما بين كل ~~درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة، وفي الخبر " في الجنة مائة درجة، ما ~~بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله "، ~~وقيل: أراد بالدرجات: الإسلام، والهجرة، والجهاد، والشهادة في الجهاد، وفاز ~~بتلك الدرجات المجاهدون {وكان الله غفورا رحيما} . # PageV01P468 # قوله - تعالى -: {إن الذين توفاهم الملائكة} قرأ عيسى بن عمر النحوي: " ~~تتوفاهم " - بالتائين - والمعروف " توفاهم " وأصله: تتوفاهم، فأدغمت إحدى ~~التائين تخفيفا، على القراءة المشهورة، فإن قال قائل: لم قال: تتوفاهم ~~الملائكة والمتوفى ملك ms0313 واحد، كما قال: {قل يتوفاكم ملك الموت} ؟ قيل: ذكره ~~بلفظ # PageV01P468 # {ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن ~~أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) إلا ~~المستضعفين من الرجال} # الجمع، والمراد به الواحد، ومثله شائع في كلام العرب، وقيل: إن لملك ~~الموت أعوانا، فلعله أراده مع أعوانه؛ فلذلك ذكر بلفظ الجمع. # قال عكرمة والضحاك: الآية في قوم أسلموا بمكة قبل الهجرة، فلما هاجر ~~النبي إلى المدينة، تخلفوا عن الهجرة، فلما كان يوم بدر حملهم الكفار مع ~~أنفسهم إلى بدر كرها، فقتلوا بين الكفار. # وقوله {ظالمي أنفسهم} يعنى: بالشرك؛ فإنهم قتلوا مشركين؛ إذ ما كان يقبل ~~الإسلام بعد هجرة النبي إلا بالهجرة، ثم أبيح ذلك بقوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: " لا هجرة بعد الفتح ". # {قالوا فيم كنتم} يعنى: الملائكة قالوا لأولئك الذين أسلموا ولم يهاجروا: ~~{فيم كنتم} يعنى: في أي الفريقين كنتم، في المسلمين أم المشركين؟ وهذا سؤال ~~توبيخ، لا سؤال استعلام {قالوا كنا مستضعفين في الأرض} يعنى: كنا بمكة ~~مستضعفين بين المشركين {قالوا} يعنى: الملائكة {ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها} يعنى: إلى المدينة {فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} حكم ~~لهم بالنار؛ لأنهم ماتوا مشركين # PageV01P469 # {إلا المستضعفين} وهم أصحاب الأعذار {من الرجال والنساء والولدان} منهم ~~الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة. # قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين بمكة، وهم الذين دعا لهم النبي ~~في القنوت، فقال: " اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعياش بن ~~أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، وأشدد وطأتك على مضر، هكذا كان يدعوا لهم # PageV01P469 # {والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) فأولئك عسى ~~الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) ومن يهاجر في سبيل الله يجد ~~في الأرض مراغما كثيرا} شهرا، حتى نجوا، وقدموا؛ فترك ذلك الدعاء، فقيل له ~~في ذلك فقال: ألا ترونهم قد قدموا ". {لا يستطيعون حيلة} يعنى: للخروج {ولا ~~يهتدون سبيلا} أي: طريقا إلى المدينة # PageV01P470 # {فأولئك عسى ms0314 الله أن يعفو عنهم} " وعسى " من الله واجب؛ لأنه للإطماع، ~~والله - تعالى - إذا أطمع عبدا أوجب له وأوصله إليه. # {وكان الله عفوا غفورا} روى: أنه لما نزلت هذه الآية، كتب بها أصحاب رسول ~~الله إلى المستضعفين بمكة، وكان فيهم شيخ كبير يقال له: جندع بن ضمرة ويقال ~~له حبيب بن ضمرة فقال: لست من المستضعفين، وأنا أعرف طريق المدينة، وقال ~~لبنيه: احملوني إلى المدينة، فحملوه يأتون به، فلما بلغ التنعيم؛ أدركه ~~الموت، فبلغ ذلك أصحاب رسول الله فقالوا: لو وصل إلى المدينة لأتمم الله ~~أجره؛ فنزل قوله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه ~~الموت فقد وقع أجره على الله} يعنى: تم أجره. # PageV01P470 # وقوله: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعه} ~~المراغم: المهاجر، والمراغمة: المهاجرة، المهاجر، قال أبو عمر بن العلاء: ~~وإنما سميت المهاجرة مراغمة؛ لأنه من هاجر مراغم قومه وقرابته، وقال ~~الشاعر: # (كطود يلوذ بأركانه ... عزيز المراغم والمهرب) # وقال ابن عباس: مراغما، أي: متحولا يتحول إليه، وقال مجاهد: مراغما، أي: ~~متزحزحا، وقوله: {وسعة} قال ابن عباس: معناه: وسعة في الرزق، قال قتادة: # PageV01P470 # {وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع ~~أجره على الله وكان الله غفورا رحيما (100) وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من} ومعناه: وسعة من الضلالة إلى الهدي. # {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره ~~على الله} قد ذكرنا أنه فيم نزل {وكان الله غفورا رحيما} . # PageV01P471 # قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض} أي: سافرتم {فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} . # قصر الصلاة في السفر لا خلاف في جوازه في حال الخوف، وأما في حال الأمن: ~~قال سعد بن أبي وقاص: إنه لا يجوز، وبه قال داود، وأهل الظاهر؛ تمسكا بظاهر ~~القرآن، وقال جمهور العلماء وهو قول أكثر الأمة -: إنه يجوز القصر في حال ~~الأمن؛ لما روى ms0315 عن يعلي بن أمية أنه قال لعمر - رضي الله عنه -: " ما بالنا ~~نقصر، وقد أمنا، والله - تعالى - يقول في كتابه: {أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم} قال عمر: عجبت مما تعجبت أنت، فسألت النبي، فقال: صدقة تصدق الله بها ~~عليكم، فاقبلوا صدقته " وروى " أن رسول الله سافر من مكة إلى المدينة - لا ~~يخاف إلا الله - وقصر الصلاة " وكان - عليه السلام - يقصر الصلاة في جميع ~~أسفاره، ولم ينقل أنه أتم في سفر ما؛ ولذلك قال الشافعي: القصر أولى؛ وإن ~~جاز الإتمام. # وروى عن جابر، والحسن - وهو قول ابن عباس -: أن صلاة الحضر أربع ركعات، ~~وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الخوف ركعة، وروى عن ابن عباس أنه قال: " فرض ~~الله - تعالى - الصلاة على لسان نبيه في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ~~ركعتين، وفي # PageV01P471 # {الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبنيا ~~(101) وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا ~~أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا} الخوف ركعة " وأكثر الأمة على أن القصر في ~~الخوف ركعتان، مثل قصر السفر، ثم اختلفوا في القصر على قولين: أنه إباحة، ~~أم واجب، قال بعضهم: هو إباحة، وهو اختيار الشافعي، وهو أصح؛ لقوله عز ~~ذكره: {فليس عليكم جناح} وهو مثل قوله: {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} . # وقال بعضهم: هو واجب. والخلاف بين السلف مشهور فيه. # وقوله: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} أي: يقتلكم، والفتنة بمعنى: ~~القتل هاهنا، وقرأ أبى بن كعب: " أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين ~~كفروا " - من غير قوله: {إن خفتم} - ويروى عن أبى أيوب الأنصاري أنه قال: ~~نزل قوله: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} هذا القدر فحسب، ثم مضى ~~حول، ولم ينزل شئ؛ فسئل رسول الله عن صلاة الخوف، ثم نزل قوله: ( {إن خفتم ~~أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا} وإذا كنت فيهم ~~فأقمت لهم الصلاة) فأشار إلى أنه راجع إلى صلاة الخوف، لا إلى صلاة السفر. # PageV01P472 # قوله - تعالى -: {وإذا كنت ms0316 فيهم فأقمت لهم الصلاة} بين في هذه الآية ~~كيفية صلاة الخوف، وأعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد رسول الله على قول أكثر ~~العلماء، وقال بعضهم: صلاة الخوف لا تجوز لأحد بعده، وهو قول أبى يوسف؛ ~~تمسكا بظاهر الآية، قوله: {وإذا كنت فيهم} فشرط كونه فيهم، والأصح هو ~~الأول. وقوله: {وإذا كنتم فيهم} ليس على سبيل الشرط، وإنما خرج الكلام على ~~وفق الحال، وقد ورد أن أصحاب رسول الله صلوا بعده صلاة الخوف. # PageV01P472 # ( {من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة ولا جناح عليكم} فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم) وسبب نزول ~~الآية: ما روى أبو عياش الزرقي: " أن رسول الله نزل بعسفان، وكان على خيل ~~المشركين خالد بن الوليد، فصلى النبي مع أصحابه صلاة الظهر، فقال المشركون: ~~قد وجدنا منهم غرة إن قصدناهم، وحملنا عليهم، فقال بعضهم: ستأتيهم صلاة هي ~~أحب إليهم من أولادهم، وأهاليهم - يعنون صلاة العصر - فنزل جبريل، وأخبره ~~بمقالتهم، وأمر بصلاة الخوف ". # وقد روى عن رسول الله صلاة الخوف بروايات شتى، وأخذ الشافعي برواية صالح ~~بن خوات بن جبير عن أبيه عن النبي: " أنه صلى صلاة الخوف، فجعل أصحابه ~~فرقتين، وصلى بإحدى الطائفتين ركعة، فقاموا، وأتموا ركعتين، وذهبوا إلى وجه ~~العدو؛ وجاءت الطائفة الثانية والنبي ينتظرهم، فصلى بهم الركعة الثانية ~~وانتظرهم جالسا حتى قاموا وأتموا ركعتين، ثم سلم بهم " فهذا معنى قوله: ~~{فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم} . # واختلفوا في أنهم متى يأخذون أسلحتهم؟ قال بعضهم: يأخذونه في الصلاة؛ ~~ليكونوا أهيب في عين العدو؛ فعلى هذا يأخذون من السلاح ما لا يمنعهم من ~~الإتيان بأركان الصلاة، وقال آخرون: يأخذون السلاح إذا ذهبوا إلى وجه ~~العدو. # {فإذا سجدوا} يعنى: فإذا صلوا {فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم # PageV01P473 # {إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن ~~الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا ms0317 الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم فإذا} يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) ~~والحذر: ما يتقى به للحذر من العدو {ود الذين كفروا لو تغفلون} لو وجدوكم ~~غافلين {عن أسلحتكم وأمتعتكم} يعني: بالصلاة {فيميلون عليكم ميلة واحدة} ~~أي: فيحملون عليكم حملة واحدة. # {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} ~~رخص لهم في وضع السلاح في حال المطر، والمرض؛ لأن السلاح يثقل حمله في ~~هاتين الحالتين. {وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا} . # PageV01P474 # قوله تعالى: {فإذا قضيتم الصلاة} يعني: صلاة الخوف، {فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم} يعني: الذكر بالتسبيح والتهليل، والتحميد، والتمجيد. ~~{فإذا إطمأننتم} يعني: فإذا سكنتم وأقمتم وأمنتم {فأقيموا الصلاة} يعني على ~~أركانها وهيئتها كما عرفتم {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} قال ~~مجاهد: أي: فرضا مؤقتا يؤدى (في) أوقاته، وقال زيد بن أسلم: أراد به: فرضا ~~منجما يأتي نجم بعد نجم. # PageV01P474 # قوله تعالى: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون ~~كما تألمون} سبب نزول الآية: " أن الكفار يوم أحد لما انهزموا، بعث النبي ~~طائفة من أصحابه على إثرهم، فشكوا ألم الجراحات؛ فنزلت الآية " {ولا تهنوا ~~في ابتغاء القوم} أي: لا تضعفوا في طلب القوم. {إن تكونوا تألمون} أي: ~~توجعون وتشكون الألم، فإنهم يألمون، أي: يوجعون ويشكون الألم كما تألمون، ~~قال الشاعر في معناه: # (قاتل القوم يا خزاع ولا يدخلنكم ... ) # PageV01P474 # {اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ~~(103) ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون وكان} # (من قتالهم، فشد القوم أمثالكم لهم ... شعر في الرأس لا ينشرون إن قتلوا) # {وترجون من الله ما لا يبرجون} أي: وتأملون من الله مالا يأملون، من ~~الظفر في الدنيا، والثواب في الآخرة، وقال الفراء والكسائي: الرجاء بمعنى ~~الخوف، وكل راج خائف؛ لأنه يخاف ألا يدرك المأمول، ومنه قوله تعالى: {ما ~~لكم لا ترجون لله وقارا} وأجمعوا على أن ms0318 معناه: لا تخافون لله عظمة، قال ~~الشاعر: # (لا ترتجي إذا تلاقى الزائدا ... أسبعة تلقى معا أم واحدا) # {وكان الله عليما حكيما} # PageV01P475 # قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} سبب نزول الآية: ما روى " أن ~~طعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعا، فلما أتاهم به ألقاه في دار ~~يهودي، وقال: إنه سرق وفي رواية: أودعه عند يهودي فلما ظهر، قال: إن ~~اليهودي سرقه؛ فجاء قومه إلى النبي وهم بنو ظفر بن الحارث؛ ليدافعوا عنه، ~~وهم النبي بدفع السرقة عنه، وقطع يد اليهودي، وكان عند قومه أنه السارق؛ ~~فنزل قوله: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي: لتحكم بالحق. {لتحكم بين ~~الناس بما أراك الله} أي: بما علمك، وحكى عن ابن عباس أنه قال: إياك والرأي ~~فإن # PageV01P475 # {الله عليما حكيما (104) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ~~بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان ~~غفورا رحيما (106) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من ~~كان خوانا أثيما (107) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ ~~يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا} الله تعالى يقول: ~~{بما أراك الله} ولم يقل: بما رأيت، {ولا تكن للخائنين خصيما} يعني: طعمة ~~من الخائنين، فلا تكن مدافعا عنه # PageV01P476 # {واستغفر الله} أمره بالاستغفار؛ لأنه كان قد هم أن يدافع عنه {إن الله ~~كان غفورا رحيما} . # PageV01P476 # قوله تعالى: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} أي: يخونون أنفسهم ~~والاختيان: افتعال من الخيانة {إن الله لا يحب} قال أهل التفسير: معناه: إن ~~الله لا يقرب {من كان خوانا أثيما} الخوان: الخائن والأثيم: ذو الإثم. # PageV01P476 # قوله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم} بشكوى بني ~~ظفر بن الحارث، معناه: يستترون من الناس، ولا يستترون من الله، وهو معهم ~~{إذ يبيتون مالا يرضى من القول} قد بينا أن التبييت: تدبير الفعل ليلا؛ ~~وذلك التبييت منهم أن قوم طعمة قالوا: ندفع أمره إلى ms0319 النبي؛ فإنه يسمع ~~يمينه، وقوله؛ لأنه مسلم، ولا يسمع من اليهودي؛ لأنه كافر، فلم يرض الله ~~تعالى قولهم {وكان الله بما تعملون محيطا} . # PageV01P476 # قوله تعالى: {ها أنتم هؤلاء} يعني: أنتم يا هؤلاء، قال الزجاج: معناه: ها ~~أنتم الذين {جادلتهم عنهم في الحياة الدنيا} أي: خاصمتم، وأصل الجدال: ~~الجدل، وهو الفتل، ويقال: شخص أجدل، إذا كان وثيق الخلق، ويقال للصقر: ~~أجدل؛ لأنه أقوى الطيور على الصيد. # {فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا} يعني: من الذي ~~يتولى أمرهم، ويذب عنهم يوم القيامة؟ # PageV01P476 # قوله تعالى: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما} عرض التوبة على طعمة وقومه في هذه الآية، وأمرهم بالاستغفار. # PageV01P476 # ( {108) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم ~~يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (109) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم ~~يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على ~~نفسه وكان الله عليما حكيما (111) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا ~~فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (112) ولولا فضل الله} # PageV01P477 # قوله تعالى: {ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه} سبب هذا أن قومه قالوا ~~له: تب إلى الله، فحلف أنى ما سرقته، وإنما سرقه اليهودي؛ فذلك الذي يقول ~~الله - تعالى - ومن كسبه الإثم {وكان الله عليما حكيما} . # PageV01P477 # قوله - تعالى -: {ومن يكسب خطيئة أو إثما} هو سرقته التي ذكرنا، {ثم يرم ~~به بريئا} هو نسبته السرقة إلى اليهودي الذي كان بريئا عنها {فقد احتمل ~~بهتانا وإثما مبينا} فالبهتان: الكذب الذي يتحير منه الإنسان، وهو البهت، ~~وأراد بالإثم المبين: اليمين الفاجرة. # PageV01P477 # قوله - تعالى -: {ولولا فضل الله عليك ورحمته} هذا خطاب للرسول {لهمت ~~طائفة منهم أن يضلوك} يعنى: قوم طعمه، هموا أن يلبسوا عليك؛ لتدافع عنه ~~{وما يضلون إلا أنفسهم} أي: يرجع وباله عليهم {وما يضرونك من شئ} يعنى: ~~ضرره عائد عليهم، ولا يضرك؛ لأنك معصوم {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} ~~قيل: أراد ms0320 به: وأنزل الله عليك الكتاب بالحكمة، وقيل: أراد بالكتاب: ~~القرآن، وبالحكمة: السنة {وعلمك ما لم تكن تعلم} يعنى: من أحكام القرآن، ~~وقيل: من علم الغيب، وقيل: علمك قدرك، ولم تكن تعلمه {وكان فضل الله عليك ~~عظيما} . # PageV01P477 # قوله - تعالى -: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة} . النجوى: ~~السرائر في التدبير، قال الزجاج: كل ما انفرد بتدبيره قوم يخوضون فيه؛ فهو ~~نجوى: سرا كان أو علانية، وأراد هاهنا: نجوى قوم طعمه وتدبيرهم، وقيل: هو ~~في جميع الحوادث. # {إلا من أمر بصدقة} قيل: أراد به إلا نجوى من أمر بصدقة، وقيل: هو ~~استثناء منقطع، يعنى: لكن من أمر بصدقة {أو معروف} وهو كل ما عرفه الشرع ~~{أو # PageV01P477 # {عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك ~~من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله ~~عليك عظيما (113) لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ~~(114) ومن يشاقق الرسول من بعد} إصلاح بين الناس) وفي الخبر: " كل كلام ابن ~~آدم عليه إلا ثلاثة: أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، أو ذكر الله " وقيل ~~لسفيان بن عيينة - حين روى هذا الحديث؛ فقالوا -: ما أشد هذا الحديث؟ ! ~~فقال: اقرءوا قوله - تعالى -: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقه} ~~الآية. # وروى: أن رسول الله قال لأبى أيوب الأنصاري: " ألا أدلك على صدقة هي خير ~~لك من حمر النعم - أي: من الصدقة بحمر النعم؟ - قال: بلى يا رسول الله، ~~فقال: أن تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وأن تقرب بينهم إذا تباعدوا ". # {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} . # PageV01P478 # قوله - تعالى -: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين} أراد به: طعمه، جادل النبي، ثم لحق بمكة، وارتد حين ظهر ~~عليه الحكم بالقطع. # قال سعيد بن جبير: ms0321 إنه لما لحق بمكة سرق هنالك، فوجد في نقب يسرق، فقتل. # PageV01P478 # {ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا (115) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (116) إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن ~~يدعون إلا شيطانا مريدا (117) لعنه الله وقال} # وفي بعض القصص: أنه حين لحق بمكة نزل على الحجاج بن غلاط الأسلمي، فقام ~~في بعض الليل يسرق، فأحسوا به، فأخذوه واجتمعوا عليه، وقالوا: إنه ضيف، ~~وتركوه؛ فلحق بحرة بني سليم، وكان يعبد الأصنام، ومات عليه؛ ففيه نزلت ~~الآية {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين} ~~لأنه لما ارتد، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين. # واستدل أهل العلم بهذه الآية على أن الإجماع حجة. # قوله: {نوله ما تولى} أي: نوله ما اختاره، وقيل: نكله إلى (من) تولاه ~~{ونصله جهنم وساءت مصيرا} . # PageV01P479 # قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقد ~~ذكرنا معنى الآية فيما سبق {ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا} روى أبو ~~عيسى الترمذي بإسناده عن علي رضي الله عنه انه قال: هذه أحب آية إلي في ~~القرآن. # PageV01P479 # قوله تعالى: {إن يدعون من دونه} أي: ما يدعون من دونه {إلا إناثا} قيل: ~~معناه الأوثان، وإنما سميت الأوثان إناثا؛ لأنهم كانوا يسمونها باسم ~~الإناث، فيقولون: اللات، والعزى، ومناة، وكانوا يقولون لصنم كل قبيلة: أنثى ~~بني فلان، قال أبي بن كعب: كان مع كل صنم جنية من الشياطين، وقيل: معناه: ~~الموات وإنما سمي الموات إناثا؛ لأن الإناث أرذل الجنسين، وأدونهما، فكذلك ~~الموات أرذل من الحيوان، وكانت أصنامهم من الموات والجماد. # قال الضحاك: أراد به: الملائكة، وكانوا يقولون: الملائكة إناث، وكان ~~بعضهم # PageV01P479 # {لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من ~~دون الله فقد خسر خسرانا} يعبدون الملائكة، ms0322 ويصورون الأصنام على صور ~~الملائكة، وقرأ ابن عباس: " إلا أنثا " جمع الأوثان، وقرأ في الشواذ أيضا " ~~إلا أنثا " جمع الإناث؛ فيكون على جمع الجمع كالمثل. {وإن يدعون إلا شيطانا ~~مريدا} ؛ لأنهم إذا عبدوا الأصنام، فقد أطاعوا الشيطان، وأراد به: إبليس، ~~والمريد العاتي المتمرد، وحقيقته: العاري من كل خير، ومنه الأمرد، ويقال: ~~شجرة مرداء، إذا تساقطت أغصانها. # PageV01P480 # {لعنه الله} أي: أبعده الله من الرحمة؛ معاقبة، ولذلك لا يجوز لعن ~~البهائم؛ لأنها لا تستوجب العقوبة، والطرد عن الرحمة. {وقال لأتخذن من ~~عبادك نصيبا مفروضا} أي: مقدارا معلوما، قيل في التفسير: من كل ألف تسعمائة ~~وتسعة وتسعون للشيطان وواحد لله. وأصل الفرض: الحز والقطع، ومنه فرض القوس: ~~وهو الشق الذي يجعل فيه الوتر. ومنه فرض السواك: وهو الموضع الذي يجعل فيه ~~الخيط، ومنه فرضة البحر: وهو المشرع الذي توقف إليه السفينة، والفرض: نوع ~~من التمر يكون بعمان، قال الشاعر: # (إذا أكلت سمكا وفرضا ... ذهبت طولا وذهبت عرضا) # PageV01P480 # قوله تعالى: {ولأضلنهم} أي: لأغوينهم، فإن قال قائل: كيف نسب إليه ~~الإضلال، وليس إليه الضلالة؟ قلنا: معناه: التزيين والدعوة إلى الضلالة، ~~وقد قال: " بعثت داعيا، وليس إلى من الهداية شئ، وبعث الشيطان مزينا، وليس ~~إليه من الضلالة شئ ". {ولأمنينهم} قيل: معناه: أمنينهم ركوب الأهواء، وقيل # PageV01P480 # {مبينا (119) يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) أولئك ~~مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (121) والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سندخلهم جنات تجري من} معناه: أمنينهم طول العمر في النعيم؛ ليؤثروا الدنيا ~~على الآخرة، وقال الزجاج: معناه: أمنيهم إدراك الآخرة مع ركوب المعاصي. # {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} أراد به: البحيرة التي تأتي في سورة ~~المائدة، والبتك: القطع، والمراد به: شق الآذان، {ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله} قال ابن عباس في إحدى الروايتين، وهو قول مجاهد: معناه: فليغيرن دين ~~الله، أي: وضع الله في الدين: بتحليل الحرام، وتحريم الحلال، ونحو ذلك، ~~والرواية الثانية عن ابن عباس وهو قول أنس، وعكرمة: أراد به: إخصاء ~~الأنعام، وكان أنس يكره إخصاء البهائم من أجل هذا، وكان يجيزه ms0323 الحسن، وقال ~~ابن مسعود: أراد به الوشم، ويحتمل أن يكون المراد به تغير الأنساب؛ وذلك أن ~~ينتقل من نسب إلى نسب، ويحتمل أن يكون المراد به: الخضاب بالسواد، وهو منهي ~~عنه، وإنما الخضاب المباح بالحمرة، والصفرة {ومن يتخذ الشيطان وليا من دون ~~الله} أي: يواليه باتباعه {فقد خسر خسرانا مبينا} . # PageV01P481 # قوله تعالى: {يعدهم} وعده قد يكون بالتخويف كما قال الله تعالى {الشيطان ~~يعدكم الفقر} وقيل: أنه يتمثل في صورة الآدمي، فيعد، ويمنى، وكان قد ظهر ~~يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وظهر في اليوم الذي اجتمعت فيه ~~قريش، وتشاوروا في إخراج النبي، في صورة شيخ من نجد. # وقوله {ويمنيهم} قد ذكرنا، ومن ذلك تمنى الإنسان قضاء الشهوات. # واعلم أن الإنسان لا يؤاخذ بغلبة الشهوة، واشتهاء الشهوات؛ لأن ذلك شئ ~~جبل عليه، ويؤاخذ بالتمني، وذلك أن يتمنى خمرا ليشربه، أو امرأة؛ ليزني ~~بها، فذلك من المعصية، ويؤاخذ به {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} الغرور: ~~إيهام الوصول إلى النفع من موضع الضر # PageV01P481 # {أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا} أي: معدلا. # PageV01P481 # {تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا ~~(122) ليس بأمانيكم} # PageV01P482 # قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا} فإن قيل: ما الفائدة في تكرار ~~الوعد والوعيد في القرآن؟ قيل: فائدته: التوكيد، قطعا من سواء التأويل، ~~وقيل إنما كرر الوعد على تفاصيل الإيمان، وكرر الوعيد على تفاصيل الكفر، ~~{ومن أصدق من الله قيلا} أي: قولا. # PageV01P482 # قوله تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} قال مسروق هو أبو عائشة ~~مسروق بن الأجدع الهمداني: أراد به: ليس بأمانيكم أيها المسلمون، ولا أماني ~~أهل الكتاب، وهم اليهود، والنصارى. # وقال مجاهد: أراد بقوله: {ليس بأمانيكم} مشركي العرب، {ولا أماني أهل ~~الكتاب} يعني: اليهود، والنصارى، فعلى القول الأول معنى الآية: أن اليهود ~~قالوا: نحن أولى؛ لأن ديننا أقدم وكتابنا أقدم. # وقالت النصارى: نحن أولى؛ لأنا على دين عيسى، وهو ms0324 روح الله، وكلمته، وكان ~~يحيي الموتى. # وقال المسلمون: نحن أولى؛ لأن نبينا خاتم النبيين، وكتابنا ناسخ للكتب، ~~وقد آمنا بكتابكم، ولم تؤمنوا بكتابنا؛ قال الله تعالى: {ليس بأمانيكم ولا ~~أماني أهل الكتاب} يعني: ليس الأمر بالأماني، وإنما الأمر بالعمل الصالح، ~~وقد قال: " ليس الدين بالتمني، ولا بالتحلي. . " الخبر. # وأما على القول الثاني: معنى الآية: أن اليهود والنصارى قالوا: نحن أهل ~~الجنة، # PageV01P482 # {ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ~~ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة ولا يظلمون} وذلك قول الله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصارى} وقال المشركون: لا جنة، ولا نار، ولا بعث؛ قال الله ~~تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} أي: ليس كما قال المشركون، ولا ~~كما قال اليهود والنصارى. # {من يعمل سوءا يجز به} قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتاده، وجماعة ~~المفسرين: إن الآية على العموم في حق كل عامل. وقال الحسن: أراد به: أهل ~~الشرك. # وفي حديث أبي هريرة: " أن هذه الآية لما نزلت، قالت الصحابة: أينا لم ~~يعمل سوءا؟ وشقت عليهم الآية، فرجعوا إلى رسول الله في ذلك، فقال: ما منكم ~~من أحد تصيبه مصيبة، إلا كفر عنه، حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها ". # وروى: " أن أبا بكر دخل على رسول الله، فقال له رسول الله: " ألا أقرئك ~~آية أنزلت علي؟ قال: بلى فقرأ: {من يعمل سوءا يحز به} قال أبو بكر: فوجدت ~~انقصاما في ظهري، فقال - عليه السلام -: مالك يا أبا بكر؟ فقلت: كيف النجاة ~~بعد هذه الآية، هلكنا، وأينا لم يعمل سوءا؟ فقال: أما أنت يا أبا بكر، ~~والمؤمنون تجزون به في الدنيا، فتلقون الله تعالى وما عليكم ذنب، وأما ~~الكافرون يجمع عليهم، ثم يجزون به في الآخرة " وفي رواية قال له عليه ~~السلام: # PageV01P483 # {نقيرا (124) ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله ms0325 إبراهيم خليلا (125) ولله ما في السموات وما في ~~الأرض وكان الله بكل شيء} " ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تمرض؟ أليس تصيبك ~~اللأواء؟ فذلك الذي تجزون به " فهذا معنى قوله تعالى: {من يعمل سوءا يجز به ~~ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} . # PageV01P484 # قوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا} أي: مقدار النقير، وذلك أن الله تعالى لما ~~أحال الخلق على العمل بين العمل في هذه الآيات، وجزاء العمل. # PageV01P484 # قوله تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله} أي: أخلص عبادته لله، ~~وقيل: توجه عبادته إلى الله، والوجه يذكر بمعنى: الدين والعبادة، ومنه قول ~~المصلى: وجهت وجهي، أي: ديني وهو الصلاة. # {وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا} وإنما خص إبراهيم؛ لأنه كان مقبول ~~الأمم أجمع، وقيل: لأنه بعث على ملة إبراهيم؛ وزيد له أشياء. # {واتخذ الله إبراهيم خليلا} يعني: حبيبا، لا خلل في حبه، والخلة: صفاوة ~~المودة، فمعناه: أنه اتخذه حبيبا، وجعله صفيه، وخاص نفسه، كما يكون الحبيب ~~مع الحبيب، قال الشاعر: # (قد تخللت مسلك الروح منى ... وبذا سمى الخليل خليلا) # وقيل: المحتاج من الخلة، وهي الحاجة، يعني: جعل حاجته إلى نفسه، دون ~~غيره، وقال الشاعر: # (وإن أتاه خليل يوم مسألة ... فقال لا غائب مالي ولا حرم) # PageV01P484 # {محيطا (126) ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ~~والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن ~~الله كان به عليما (127) وإن} يعني: وإن أتاه محتاج، والأول أصح؛ لأن قوله ~~{واتخذ الله إبراهيم خليلا} يقتضي الخلة من الجانبين. ولا يتصور الحاجة من ~~الجانبين. وفي الخبر قال: " إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ~~ولو كنت متخذا خليلا، لاتخذت أبا بكر؛ ولكن ود وإخاء إيمان، وإن صاحبكم ~~خليل الله ". # PageV01P485 # قوله تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل ms0326 شئ محيطا} ~~المحيط: هو العالم بالشيء بجميع ما يتصور العلم به. # PageV01P485 # قوله تعالى: {ويستفتونك في النساء} أي: يطلبون فتواك في النساء، قيل: هذا ~~في أم كجة وقد بينا قصتها، وأن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ~~والصبيان. # {قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} قال الزجاج: يعنى: ~~ويفتيكم كما يتلى عليكم في الكتاب {في يتامى النساء} هذا إضافة الشيء إلى ~~نفسه؛ لأنه أراد باليتامى: النساء {اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن} قال ~~الحسن، وجماعة: أراد به: لا تؤتونهن حقهن من الميراث {وترغبون أن تنكحوهن} ~~به، بمعنى: عن أن تنكحوهن لدمامتهن، وحملوا الآية على الميراث. # وقالت عائشة: أراد به: لا تؤتونهن ما كتب لهن من الصداق. وقوله: {وترغبون ~~أن تنكحوهن} يعني: في أن تنكحوهن، {والمستضعفين من الولدان} يعني: # PageV01P485 # {امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما ~~صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا (128) ولن} ويفتيكم في المستضعفين من الوالدان، وهم الصغار ~~{وأن تقوموا لليتامى بالقسط} أي: بالعدل {وما تفعلوا من خير فإن الله كان ~~به عليما} . # PageV01P486 # قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا} النشوز: هو الارتفاع، ~~والمراد به، ارتفاع الزوج، والتكبر بنفسه على الزوجة، ومنه النشز. {أو ~~إعراضا} يعنى: أو خافت إعراضا من الزوج {فلا جناح عليهما أن يصلحا} وقرئ: " ~~أن يصالحا بينهما صلحا " يعني: بين الزوجين، واختلفوا فيمن نزلت الآية، قال ~~بعضهم: نزلت في امرأة رافع بن خديج، فإنها كبرت، وتزوج رافع عليها شابة ~~وخافت أن يعرض عنها؛ فنزلت الآية. # وقوله: {أن يصلحا بينهما صلحا} يعني: أن يترك شيئا من القسم، وترضى بأن ~~يكون القسم للشابة أكثر، وقيل: هو الصلح عن المهر بالإبراء، ونحوه، والقول ~~الثاني: أن الآية نزلت في سودة بنت زمعة؛ أراد النبي أن يطلقها؛ فقالت: لا ~~تطلقني، قد وهبت ليلتي لعائشة، فلا تطلقني حتى أحشر يوم القيامة في زمرة ~~نسائك. # {والصلح خير} قيل: أراد به: الصلح خير من الفرقة، وقيل: أراد ms0327 به: الصلح ~~خير من النشوز، والإعراض {وأحضرت الأنفس الشح} والشح: البخل، وقيل: هو أقبح ~~البخل، وحقيقته: الحرص على منع الخير، وأراد به: شح الزوجين على حقيهما ~~{وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} . # PageV01P486 # {تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها ~~كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) وإن يتفرقا يغن ~~الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (130) ولله ما في السموات وما في ~~الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب} # PageV01P487 # قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} قال عمر، ~~وعلي، وابن عباس، أراد بالعدل: المحبة في القلب {فلا تميلوا كل الميل} ~~يعنى: إن ملتم في المحبة، فلا تميلوا في القسم، وقد قال: " اللهم هذا قسمي ~~فيما أملك، فلا تؤاخذاني فيما لا أملك " {فتذروها كالمعلقة} يعني لا أيما ~~ولا ذات بعل، وقيل: كالمحبوسة {وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا ~~رحيما} . # PageV01P487 # قوله - تعالى -: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} يعني: الزوجين إذا ~~تفرقا، فالزوج يجد الزوجة، والزوجة تجد الزوج {وكان الله واسعا حكيما} أي: ~~واسع الفضل والرحمة والقدرة. # PageV01P487 # قوله تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} هذه وصية الله العباد بالتقوى، ( ~~{وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا} # PageV01P487 # ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا) فإن قيل: أي فائدة في ~~تكرار قوله: {ولله ما في السموات وما في الأرض} قيل: لكل واحد منها وجه: ~~أما الأول: فمعناه: ولله ما في السموات وما في الأرض، وهو يوصيكم بالتقوى، ~~فاتقوه، واقبلوا وصيته. # PageV01P487 # {من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في ~~الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى ~~بالله وكيلا (132) إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك ~~قديرا (133) من كان يريد ثواب} ms0328 # وأما الثاني: يقول: فإن لله ما في السموات وما في الأرض، وكان الله غنيا ~~حميدا؛ فاطلبوا منه ما تطلبون. # وأما الثالث يقول: ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا، ~~أي: اتخذوه وكيلا ولا تتكلوا على غيره. # PageV01P488 # قوله تعالى: {إن يشاء يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين} روى: " أن النبي ~~كان يضرب بيده كتف سلمان، ويقرأ: {ويأت بآخرين} ويقول: سلمان وأصحابه " ~~{وكان الله على ذلك قديرا} . # PageV01P488 # قوله تعالى: {من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} ~~أراد به: الكفار؛ فإنهم يعملون ابتغاء ثواب الدنيا، وطلبا لنعيمها، ولا ~~يطلبون ثواب الآخرة، ولا يؤمنون بها؛ فقال الله تعالى: {من كان يريد ثواب ~~الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا} . # PageV01P488 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} القوام: مبالغة ~~من القائم، والقسط: العدل، ومعناه: كونوا قائلين بالعدل {شهداء لله} لأنهم ~~إذا شهدوا بالحق وقاموا بالعدل، كانوا شهداء لله {ولو على أنفسكم} فإن قيل: ~~كيف يشهد على نفسه؟ قيل: شهادته على نفسه: هو الإقرار، وهو معنى ما روى عن ~~ابن عباس: " قولوا الحق ولو على أنفسكم ". # {أو الوالدين والأقربين} أي: قولوا الحق، ولو على الوالدين والأقربين، ~~قيل: نزلت الآية في رجل كانت عنده شهادة على أبيه، فهم أن يمتنع عنها؛ فنزل ~~قوله: # PageV01P488 # {الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا (134) يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} # {أو الوالدين والأقربين} ، {إن يكن غنيا أو فقيرا} قال السدي: نزل ذلك في ~~رجلين اختصما إلى النبي، أحدهما غني، والآخر فقير، وكان ضلع النبي عليه ~~السلام إلى الفقير، وكان عنده أن الفقير لا يخاصم بالباطل، وكان الحق للغني ~~في الباطن؛ فنزلت الآية {إن يكن غنيا أو فقير} . # قال ابن عباس: معناه: لا تجادلوا الغني لغناه، ولا ms0329 ترحموا الفقير لفقره، ~~وقال عطاء: لا تحيفوا على الفقير، ولا تعظموا الغني؛ فهذا معنى الآية، ~~وحقيقة المعنى: قوموا بالشهادة، سواء كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا، ~~وسواء كان المشهود له غنيا أو فقيرا، ولا تمتنعوا عن الشهادة للغني لغناه، ~~ولا عن الشهادة على الفقير لفقره. # وقوله: {إن يكن غنيا أو فقيرا} : يعني: إن يكن المشهود عليه غنيا، أو ~~فقيرا {فالله أولى بهما} أي: كلوا أمرهما إلى الله، قال الحسن: معناه: ~~فالله أعلم بهما. {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} قيل: معناه: فلا تتبعوا ~~الهوى بأن تعدلوا، أي: لتكونوا عادلين، كما يقال: لا تعص فترضى ربك، وقيل: ~~معناه: لا تتبعوا الهوى لتميلوا من الحق إلى الباطل {وإن تلووا} وهي من ~~اللي قال الشاعر: # (وكنت داينت به حسانا ... مخافة الإفلاس والليانا) # وفي معناه قولان: أحدهما: أنه خطاب للحكام، ومعنى {وإن تلووا} أي: تميلوا ~~إلى أحد الخصمين، أو تعرضوا عنه. # والثاني وهو قول أكثر المفسرين أنه خطاب للشهود، واللي منهم: تحريف ~~الشهادة " والإعراض: كتمان الشهادة والأول: قول ابن عباس، وأما القراءة ~~الثانية: " وإن تلوا " فيه قولان: أحدهما: أن أصله: " وإن تلووا " فإدخلت ~~إحدى الواوين # PageV01P489 # ( {135) يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على ~~رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (136) إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ~~ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم} في الأخرى تخفيفا، ~~والمعنى ما بينا، والثاني: أنه من الولاية، يعني: وإن تلوا القيام بأداء ~~الشهادة {أو تعرضوا} فتتركوا أداء الشهادة {فإن الله كان بما تعملون خبيرا} ~~. # PageV01P490 # قول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} أكثر المفسرين علي ~~أنه في المؤمنين، ومعناه: يا أيها الذين آمنوا آمنوا، أي اثبتوا على ~~الإيمان، كما يقال: قف حتى أرجع إليك للرجل الواقف أي: أثبت واقفا. # وقال مجاهد: هو خطاب للمنافقين، ومعناه: يا أيها الذين آمنوا باللسان ~~آمنوا بالقلب، وقال الضحاك وهو رواية الكلبي عن ابن عباس: ms0330 هو خطاب لأهل ~~الكتاب، ومعناه: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد {والكتاب ~~الذي نزل على رسوله} يعني: القرآن {والكتاب الذي أنزل من قبل} يعني: الكتب ~~المنزلة من قبل القرآن. # {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} ~~أي: بعيدا عن الحق. # PageV01P490 # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا} قال قتادة: هذا في اليهود، آمنوا بموسى، ثم كفروا به بعبادة العجل، ~~ثم آمنوا بموسى بالتوبة، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفروا بمحمد، وقيل: هو ~~في جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ آمنوا بنبيهم، ثم كفروا به، وآمنوا ~~بكتابهم، ثم كفروا به ثم ازدادوا كفرا بمحمد. وقال مجاهد: هو في قوم مرتدين ~~آمنوا، ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا. # ومثل هذا هل تقبل توبته؟ # قال علي: لا تقبل توبته؛ فإنه إذا آمن، ثم كفر، ثم آمن، ثم كفر، فلو أراد ~~أن يؤمن # PageV01P490 # {ولا ليهديهم سبيلا (137) بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) الذين ~~يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله ~~جميعا (139) وقد نزل عليكم في} لا يقبل منه، ويقتل؛ لقوله - تعالى -: {لم ~~يكن الله ليغفر لهم} . # وأكثر أهل العلم على أنه: تقبل توبته، ويحتمل أن تكون الآية في ~~المنافقين، وقوم من أهل الكتاب، كانوا يؤمنون باللسان، ثم يرجعون إلى ~~الكفر، ثم يأتون، فيؤمنون، ثم يرجعون إلى الكفر. # {لم يكن الله ليغفر لهم} فإن قيل: أيش معنى قوله - تعالى -: {لم يكن الله ~~ليغفر لهم} ، ومعلوم أن الله لا يغفر الكفر؟ قيل: أجاب النقاش في تفسيره أن ~~معناه: أن الكافر إذا أسلم، يغفر له كفره السابق، فهذا الذي أسلم، ثم كفر ~~ثم أسلم، ثم كفر، لا يغفر كفره السابق الذي كان يغفر لو ثبت على الإسلام ~~{ولا يهديهم سبيلا} أي: طريقا إلى الحق. # PageV01P492 # قوله - تعالى -: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما} فإن قيل: ما معنى ~~البشارة بالعذاب الأليم؟ قيل: أصل البشارة: كل خبر تتغير به بشرة الوجه، ms0331 ~~سارا كان أم مكروها، لكنه في الغالب إنما يستعمل في الخبر السار، فإذا ~~استعمل في الخبر السيء كان على الأصل، وقيل: أراد به: ضع هذا موضع البشارة، ~~كما تقول العرب: تحيتك السوط، وعقابك السيف. # يعنى: وضعت السوط مع التحية، قال الشاعر: # (وخيل قد دلفت بها لخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع) # PageV01P492 # قوله - تعالى -: {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} هذا في ~~المنافقين، كانوا يوالون الكفار، ويظنون أن النصرة والغلبة لهم {أيبتغون ~~عندهم العزة} يعنى: أيطلبون عندهم القوة والغلبة {فإن العزة لله جميعا} أي: ~~القوة والغلبة كلها لله - تعالى -. # PageV01P492 # {الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين ~~في جهنم جميعا (140) الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم ~~نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا} فإن قال قائل: قد نرى في بعض ~~الأحوال الغلبة للكفار؛ فما معنى قوله: {فإن العزة لله جميعا} ؟ قيل: ~~معناه: أن المقوى هو الله - تعالى - في الأحوال كلها. # وقيل: معناه: الغلبة بالحجة لله جميعا. # PageV01P492 # قوله - تعالى -: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} ~~. # هذا إشارة إلى ما أنزل في سورة الأنعام {وإذا رأيت الذين يخوضون في ~~آياتنا فأعرض عنهم ... .} الآية. نهى عن القعود معهم، وما حكم القعود معهم؟ ~~أما إذا قعد معهم ... ورضى بما يخوضون فيه، فهو كافر مثلهم، وهو معنى قوله: ~~{إنكم إذا مثلهم} . وإن قعد، ولم يرض بما يخوضون فيه، فالأولى أن لا يقعد، ~~ولكن لو قعد كارها، فلا يكفر، وهذا هو الحكم في كل بدعة يخاض فيها، فلو ~~تركوا الخوض فيه وخاضوا في حديث غيره، فلا بأس بالقعود معهم وإن كره؛ لقوله ~~{حتى يخوضوا في حديث غيره} قال الحسن: وإن خاضوا في حديث غيره لا يجوز ~~القعود معهم؛ لقوله في سورة الأنعام: {وإما ينسينك الشيطان ms0332 فلا تقعد بعد ~~الذكرى مع القوم الظالمين} والأكثرون على أنه يجوز، وآية الأنعام مكية وهذه ~~الآية مدنية، والمتأخر أولى. # {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا # PageV01P492 # الذين يتربصون بكم) يعنى: المنافقين ينتظرون أمركم (فإن كان لكم فتح من ~~الله) يعنى: ظفر {قالوا ألم نكن معكم} يعنى: كنا معكم، فاجعلوا لنا نصيبا ~~من الغنيمة {وإن كان للكافرين نصيب} يعنى: وإن كانت القوة للكافرين {قالوا ~~ألم نستحوذ عليكم # PageV01P492 # {ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) إن المنافقين يخادعون الله ~~وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون ~~الله إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك لا إلى} ونمنعكم من المؤمنين) ~~الاستحواذ: الاستيلاء والغلبة ومنه قوله - تعالى -: {استحوذ عليهم الشيطان} ~~قال المبرد: معنى هذا: قالوا: ألم نغلبكم على رأيكم، ونمنعكم من المؤمنين، ~~والدخول في جملتهم، وتخذيل المؤمنين عنكم. # وقال غيره: معناه: ألم نستول عليكم بالنصرة لكم من جهة مراسلتنا إياكم ~~بأخبار المؤمنين، وأمورهم، وتخذيلنا إياهم عنكم. ( {فالله يحكم بينكم يوم ~~القيامة} ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) قال على، وابن عباس: ~~أراد به: في القيامة، وقيل: هو سبيل الحجة، أي: لا تكون الحجة للكافرين على ~~المؤمنين أبدا. # PageV01P493 # قوله - تعالى -: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} يخادعون الله، ~~أي: يعاملون الله معاملة المخادعين حيث أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر، وهو ~~خادعهم، أي: يعاملهم معاملة المخادعين، وذلك على وجهين: أحدهما: أنه حكم ~~بإيمانهم في الظاهر، وكفرهم في الباطن، كما فعلوا هم والثاني: أنه في ~~القيامة يعطيهم نورا، كما يعطى المؤمنين، ثم إذا كانوا على الصراط طفئ ~~نورهم، وذهب المؤمنون بنورهم، وهذا معنى قوله: {وهو خادعهم} وقيل: معناه: ~~يخادعون رسول الله، وهو خادعهم، أي: يجازيهم على مخادعتهم الرسول، وسمى ~~الثاني خداعا على الازدواج، كما قال: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} وفي حديث عدى ~~بن حاتم أن النبي قال: " يؤتى بناس من الناس يوم القيامة إلى الجنة، حتى ~~إذا دنوا منها، واستنشقوا رائحتها، ورأوا ms0333 فيها من النعيم، يأمر الله - ~~تعالى - بصرفهم عنها، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها، ~~فيقولون: يا رب، لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا، ~~فيقول الله - تعالى -: ذاك أردت لكم، # PageV01P493 # {هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا ~~لله عليكم سلطانا مبينا (144) إن} وكنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، ~~وإذا لقيتم الناس، لقيتموهم مخبتين، هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس، ~~ولم تجلوني، تركتم للناس، ولم تتركوا لي؛ فاليوم أذيقكم العذاب، مع ما ~~حرمتم من الثواب ". # وقوله: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} يعنى: متثاقلين، وهذا دأب ~~المنافقين؛ لقلة الدواعي لهم، وأما المؤمنين ينشطون إلى القيام إلى الصلاة؛ ~~لكثرة الدواعي لهم، {يراءون الناس} أي: يعملون ما يعملون، مراءه للناس، لا ~~اتباعا لأمر الله. # واعلم أن الرياء لا يوجب الكفر، وهو عيب عظيم، وأما النفاق كفر محض. # {ولا يذكرون الله إلا قليلا} قال الحسن: لأنه لما لم يتقبل عملهم، كان ~~قليلا # PageV01P494 # {مذبذبين بين ذلك} أي: متذبذبين وكذلك قرأ أبى بن كعب، ومعناه: مضطربين ~~متحيرين {لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} ، يعنى: لا إلى الكفار بالتصريح ~~بالشرك، ولا إلى المؤمنين باعتقاد الإيمان. # وروى ابن عمر عن النبي أنه قال: " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين ~~ربيضين، إن جاءت إلى هذه، نطحتها، وإن جاءت إلى هذه نطحتها " {ومن يضلل ~~الله فلن تجد له سبيلا} أي: ومن يضلله الله، فلن تجد له طريقا إلى الحق. # PageV01P494 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون # PageV01P494 # {المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا الذين ~~تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف ~~يؤت الله المؤمنين أجرا} المؤمنين) في الآية نهى عن موالاة المؤمنين مع ~~الكفار {أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} السلطان: الحجة، ومنه ~~يقال: للأمير سلطان؛ لأنه ذو الحجة، ومعناه: أتريدون أن تجعلوا لله ms0334 عليكم ~~حجة بينة في عذابكم، بحيث لا يبقى لكم عذر عنده؟ ! . # PageV01P495 # قوله - تعالى -: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} ويقرأ: " في ~~الدرك " بجزم الراء - قال أبو عبيده، والأخفش: النار دركات، والجنة درجات، ~~قال أهل العلم: يجوز أن يكون فرعون وهامان أشد عذابا من المنافقين، وإن كان ~~المنافقون في الدرك الأسفل. قال ابن مسعود: الدرك الأسفل: تابوت من حديد ~~مقفل عليهم، وقيل: تابوت من النار. قال أبو هريرة: والدرك الأسفل: بيت مطبق ~~عليهم، تتوقد النار فيه من فوقهم، ومن تحتهم {ولن تجد لهم نصيرا} مانعا من ~~العذاب. # PageV01P495 # قوله - تعالى -: {إلا الذين تابوا} أي: أسلموا {وأصلحوا} أي: داموا على ~~التوبة {واعتصموا بالله} الاعتصام: هو الامتناع بالشيء مما يخاف، فالاعتصام ~~بالله: هو الامتناع بطاعته من كل ما يخاف عاجلا، وآجلا {وأخلصوا دينهم لله} ~~شرط الإخلاص بالقلب؛ لأن الآية في المنافقين، والنفاق: كفر القلب، فزواله ~~بالإخلاص {فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} ، وإنما ~~لم يقل: فأولئك هم المؤمنون، وسوف يؤتيهم الله أجرا عظيما؛ غيظا على ~~المنافقين. # PageV01P495 # قوله - تعالى -: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} هذا استفهام ~~بمعنى التقرير، ومعناه: لا يعذب الله المؤمن الشاكر، وتقدير قوله: {إن ~~شكرتم وآمنتم} أي: إن آمنتم وشكرتم، والشكر ضد الكفر، والكفر: ستر النعمة ~~والشكر: إظهار النعمة {وكان الله شاكرا عليما} الشكر من الله قبول العمل، ~~ومعناه: وكان # PageV01P495 # {عظيما (146) ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا ~~عليما (147) لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا ~~عليما (148) إن تبدوا خيرا أو} الله قابلا للطاعات، عليما بالنيات. # PageV01P496 # قوله - تعالى -: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} قال ابن ~~عباس: معناه: إلا من ظلم، فيجوز له أن يجهر بالسوء بالإخبار عن ظلم الظالم، ~~والدعاء عليه، قال الحسن: دعاؤه عليه: أن يقول: اللهم اعني عليه، اللهم ~~استخرج حقي منه. # وقيل: يجوز له أن يشتم، ولكن بمثل ما شتم، لا يزيد عليه، بما لم يكن ~~قذفا، وقد ورد ms0335 في الحديث: " السبتان بالسبة ربا " قال مجاهد: هو في الضيف ~~يأتي قوما، فلم يقروه، ولم يحسنوا ضيافته، يجوز له أن يجهر بالسوء لهم. # ويقرأ: " إلا من ظلم " بفتح الظاء واللام. # قال الزجاج: معناه: إلا من ظلم، فأجهر قوله بالسوء، وقيل: هو راجع إلى ~~الآية المتقدمة، وتقديره: ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم إلا من ظلم ~~وقيل: هو استثناء منقطع، يعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن ~~يجهر بالسوء من ظلم {وكان الله سميعا عليما} سميعا لأقوالكم: عليما ~~بنياتكم. # PageV01P496 # قوله - تعالى -: {إن تبدوا خيرا أو تخفوه} معناه: إن تبدوا شيئا من ~~الصدقات؛ ليقتدي بكم، أو تخفوه؛ مخافة الرياء {أو تعفوا عن سوء} تصابون به ~~{فإن الله كان عفوا قديرا} . # PageV01P496 # قوله - تعالى -: {إن الذين يكفرون بالله ورسله} أراد به اليهود لما كفروا ~~بمحمد فكأنهم كفروا بالله {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} يريدون أن ~~يؤمنوا بالله، ويكفروا بالرسول {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} يؤمنون ~~بموسى، ويكفرون بعيسى، ومحمد {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} أي: مذهبا ~~يذهبون إليه. # PageV01P496 # {تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) إن الذين يكفرون ~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك هم الكافرون حقا واعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا (151) والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد ~~منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما (153) يسئلك عن أهل ~~الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من} # PageV01P497 # {أولئك هم الكافرون حقا} إنما حقق كفرهم، ليعلم أنهم كفار مطلقا لئلا يظن ~~ظان أنهم لما آمنوا بالله وبعض الرسل لا يكون كفرهم مطلقا {اعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا} . # PageV01P497 # قوله - تعالى -: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم ~~أولئك سوف يؤتيهم أجورهم} إنما سماه أجرا مجازا؛ لأنه ذكره بإزاء العمل، ~~لأن العمل يوجبه، وهذا نحو قوله - تعالى - في قصة موسى: {إن أبي يدعوك ~~ليجزيك أجر ما سقيت لنا} سماه أجرا على مقابلة العمل؛ لأن ms0336 موسى عمل؛ ليؤجر ~~عليه {وكان الله غفورا رحيما} . # PageV01P497 # قوله - تعالى -: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء} هم ~~اليهود، قالوا للنبي لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا من السماء جملة، كما ~~أنزلت التوراة على موسى جملة. # قال الحسن: ولم يكن ذلك سؤال انقياد، وإنما ذلك سؤال تحكم، واقتراح؛ ~~فإنهم لو أنزل عليهم الكتاب جملة، كما سألوا؛ لم يؤمنوا، والله - تعالى - ~~لا ينزل الآيات على اقتراح العباد، وإنما ينزلها على مشيئته {فقد سألوا ~~موسى أكبر من ذلك} أي: أعظم من ذلك {فقالوا أرنا الله جهرة} أي: عيانا، ~~وذلك أن العرب كانت تعد العلم بالقلب رؤية؛ فقال: {جهرة} ليعلم أنه أراد ~~العيان، وقال أبو عبيده: معناه: # PageV01P497 # {السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم ~~الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك ~~وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ~~ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ~~(154) فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق ~~وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا} # فقالوا جهرة: أرنا الله {فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} ، {ثم اتخذوا العجل} ~~يعنى: إلها {من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك} فيه استدعاء للتوبة، ~~ومعناه: أن أولئك الذين اجترموا ذلك الإجرام، عفونا عنهم؛ فتوبوا أنتم، حتى ~~نعفو عنكم {وآتينا موسى سلطانا مبينا} حجة بينة من المعجزات. # PageV01P498 # قوله - تعالى -: {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} الطور: جبل الطور، وقيل: ~~كل جبل ينبت شيئا، فهو طور، فإن لم ينبت، لا يسمى طورا، والميثاق: العهد ~~المؤكد باليمين. # {وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا} قيل: إنهم سجدوا على أنصاف وجوههم، حتى ~~دخلوا الباب، وفي القصة: أنهم قالوا: بهذا السجود رفع العذاب عنا، فلا نترك ~~هذا السجود، وكانوا يسجدون بعد ذلك على أنصاف وجوههم. # {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} وقرأ نافع - برواية قالوا -: {لا تعدوا} - ~~بجزم العين، مشددة الدال وفي رواية ورش ms0337 عنه {لا تعدوا} - بفتح العين مشددة ~~الدال ومعنى الكل: لا يتعدوا في السبت {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} . # PageV01P498 # قوله - تعالى -: {فبما نقضهم ميثاقهم} وما للصلة، وإنما تدخل في الكلام؛ ~~لتفخيمه، وتجزيله {وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم ~~قلوبنا غلف} قد ذكرنا كل هذا {بل طبع الله عليها بكفرهم} الطبع: الختم، ~~وقال # PageV01P498 # {اقليلا (155) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) وقولهم إنا ~~قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ~~وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما ~~قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه} لزجاج: جعل قلوبهم، كالمطبوع لا ~~يفلح، ولا يصلح أبدا، ولا يدخلها خير؛ فلا يؤمنون إلا قليلا # PageV01P499 # {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما} أراد به: نسبتهم مريم إلى الزنا. # PageV01P499 # قوله - تعالى -: {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما ~~قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} . # قيل: إن الله - تعالى - ألقى شبه عيسى على الذي دلهم عليه؛ فقتلوه وقيل: ~~إنهم كانوا حبسوا عيسى في بيت، وجعلوا عليه رقيبا، فألقى الله تعالى شبه ~~عيسى على الرقيب؛ فقتلوه، وقيل: إنهم ما كانوا يعرفون عيسى بعينه، وكانوا ~~يعرفونه باسمه، وكانوا يطلبونه؛ فقال لهم يهوذا - وهو واحد من أصحاب عيسى ~~-: أعطوني شيئا، أدلكم على عيسى؛ فأعطوه ثلاثين درهما؛ فدلهم على غيره، ~~فقتلوا ذلك الغير؛ فهذا قوله: {ولكن شبه لهم} ، {وإن الذين اختلفوا فيه لفي ~~شك منه} وذلك أن الرجل الذي قتلوه على ظن أنه عيسى، كان يشبهه بوجهه، ولا ~~يشبهه بجسده، فوقع فيهم الاختلاف، فقال بعضهم: الذي قتلناه كان عيسى، وقال ~~بعضهم: لم يكن عيسى. وقيل: هو الاختلاف بين علمائهم، وأغتامهم؛ فإن علماءهم ~~كانوا يعلمون أنهم لم يصلبوا عيسى وكان عند جهالهم وأغتامهم أنهم قتلوا ~~عيسى، {وما لهم به من علم} يعنى: من حقيقة علم {إلا اتباع الظن وما قتلوه ~~يقينا} قال ابن الأنباري: قوله: {وما قتلوه} كلام تام، وقوله: {يقينا} راجع ~~إلى ما بعد، وتقديره: " بل ms0338 رفعه الله إليه يقينا، قال الفراء: معناه: وما ~~قتلوا # PageV01P499 # {وكان الله عزيزا حكيما (158) وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ~~ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (159) فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ~~وأكلهم أموال الناس} الذي ظنوا أنه عيسى يقينا أنه عيسى، وقيل: الهاء كناية ~~عن عيسى، أي: وما قتلوا عيسى يقينا {بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا ~~حكيما} . # PageV01P500 # قوله - تعالى -: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} معناه: وأن ~~من أهل الكتاب أحدا إلا ليؤمن به، وهو مثل قوله: {وإن منكم إلا واردها} أي: ~~وأن منكم أحد. # واختلفوا في قوله: {قبل موته} قال الحسن - وهو إحدى الروايتين عن ابن ~~عباس -: إنه كناية عن الكتابي، وقال: ما من كتابي من اليهود، إلا وهو يؤمن ~~بعيسى قبل موته في وقت اليأس، حين لا ينفعه، حتى قيل لابن عباس: وإن مات ~~حرقا أو غرقا أو هدما؟ قال: نعم. # وقال قتادة - وهو رواية أخرى عن ابن عباس -: إن " الهاء " كناية عن عيسى، ~~يعنى: ما من كتابي إلا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل من السماء، ~~وقال عكرمة: هذا في محمد ما من كتابي إلا ويؤمن به قبل الموت، وهذا قول ~~ضعيف؛ لأنه لم يجر ذكر محمد في الآية {ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} ~~يعنى: عيسى. # PageV01P500 # قوله - تعالى -: {فبظلم من الذين هادوا} يعنى: ما ذكر من إجرامهم {حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم} هو ما ذكرنا في سورة الأنعام {وعلى الذين هادوا ~~حرمنا # PageV01P500 # {بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما (161) لكن الراسخون في العلم ~~منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة ~~والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ~~(163) إنا أوحينا} كل ذي ظفر) الآية على ما سيأتي {وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا # PageV01P501 # وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل) يعنى: الرشا ~~{اعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما} . # PageV01P501 # قوله ms0339 - تعالى -: {ولكن الراسخون في العلم منهم} لكن للإضراب عن كلام، ~~والدخول في كلام آخر، {والراسخون} : المبالغون في العلم أولوا البصائر فيه، ~~وأراد به: الذين أسلموا من علماء اليهود: مثل عبد الله بن سلام، ويمين بن ~~يمين، وأسد وأسيد ابني كعب، وجماعة {والمؤمنون} أراد به: المهاجرين، ~~والأنصار {يؤمنون بما أنزل إليك} يعنى: القرآن {وما أنزل من قبلك} يعنى: ~~سائر الكتب المنزلة {والمقيمين الصلاة} في هذا إشكال من حيث النحو، قيل: إن ~~هذا ذكر لعائشة، وأبان بن عثمان، فادعيا الغلط على الكاتب، وقالا: ينبغي أن ~~يكتب: " والمقيمون الصلاة " وليس هكذا؛ بل هو صحيح في النحو، وهو نصب على ~~المدح، وتقديره: واذكروا المقيمين الصلاة، أو أعنى: المقيمين الصلاة، وهم ~~المؤتون الزكاة، ومثله قول الشاعر: # (النازلين بكل معترك ... والطيبون [معاقد] الأزر) # أي: أعنى النازلين بكل معترك، وهم الطيبون معاقد الأزر؛ فيكون نصبا على ~~المدح، وقيل تقديره: وما أنزل على المقيمين الصلاة، قوله: {والمؤتون ~~الزكاة} رجوع إلى نسق الأول {والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم ~~أجرا عظيما} . # PageV01P501 # {إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود ~~زبورا (163) ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله ~~موسى} # PageV01P502 # قوله - تعالى -: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} ~~هذا بناء على ما [سبق] من قوله {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء} يقول الله - تعالى -: قد جعلناك رسولا بالطريق الذي [قد] جعلنا ~~سائر الأنبياء رسلا، وهو الوحي، {وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان} ذكر عدة من الرسل الذين ~~أوحى إليهم. # فإن قال قائل: لم قدم ذكر عيسى، وهو متأخر؟ قيل: " الواو " لا توجب ~~الترتيب، وإنما هي للجمع، وقيل: ذكره اهتماما بأمره، وكان أمر عيسى أهم ~~{وآتينا داود زبورا} قرأ حمزة: " زبورا " - بضم الزاي - فالزبور: فعول ~~بمعنى المفعول، وهو الكتاب الذي أنزل الله - تعالى - على داود، فيه ~~التحميد، والتمجيد، وثناء الله ms0340 - تعالى -، والزبور: الكتابة، والزبرة قطعة ~~الحديد، ويقال: ما له زبر أي: ما له عقل، وأما الزبور: جمع الزبر. # PageV01P502 # قوله - تعالى -: {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل} وأرسلنا رسلا قد قصصناهم ~~عليك من قبل {ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما} إنما كلمه بنفسه ~~من غير واسطة، ولا وحي، وفيه دليل على من قال: إن الله خلق كلاما في ~~الشجرة؛ فسمعه موسى؛ وذلك لأنه قال: {وكلم الله موسى تكليما} # PageV01P502 # {تكليما (164) رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل وكان الله عزيزا حكيما (165) لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ~~بعلمه والملائكة يشهدون} # قال الفراء، وثعلب: إن العرب تسمى ما توصل إلى الإنسان: كلاما، بأي طريق ~~وصل إليه، ولكن لا تحققه بالمصدر، فإذا حقق الكلام بالمصدر، لم تكن إلا ~~حقيقة الكلام، وهذا كالإرادة، يقال: أراد فلان إرادة، فيكون حقيقة الإرادة، ~~ولا يقال: أراد الجدار أن يسقط إرادة، وإنما يقال: أراد الجدار، من غير ذكر ~~المصدر؛ لأنه مجاز، فلما حقق الله كلامه موسى بالتكليم، عرف أنه حقيقة ~~الكلام من غير واسطة، قال ثعلب: وهذا دليل من قول الفراء أنه ما كان يقول ~~بخلق القرآن. # فإن قال قائل: بأي شئ عرف موسى أنه كلام الله؟ قيل: بتعريف الله - تعالى ~~- إياه، وإنزال آية عرف موسى بتلك الآية أنه كلام الله - تعالى -، وهذا ~~مذهب أهل السنة أنه سمع كلام الله حقيقة، بلا كيف، وقال وائل بن داود: معنى ~~قوله: {وكلم الله موسى تكليما} أي: مرارا، كلاما بعد كلام. # PageV01P503 # قوله - تعالى -: {رسلا مبشرين ومنذرين} أي: أرسلنا رسلا {لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل} وهذا دليل على أن الله - تعالى - لا يعذب الخلق ~~قبل بعثه الرسل، وهذا معنى قوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقال - ~~تعالى - {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} . # {وكان الله عزيزا} أي: مقتدرا على معاونة الخلق (حكيما) ببعث الرسل. وفي ~~حديث أبي الدرداء أنه ms0341 قال: " سألت رسول الله عن عدد الأنبياء فقال: مائة ~~وأربعة وعشرون ألفا، فقلت: كم الرسل منهم؟ قال: ثلثمائة وخمسة عشر [جما ~~غفيرا] ". # PageV01P503 # {وكفى بالله شهيدا (166) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ~~ضلالا بعيدا (167) إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم طريقا (168) إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله ~~يسيرا (169) يا أيها الناس قد جاءكم} # PageV01P504 # قوله - تعالى - {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} سبب نزول الآية: أن قوما ~~من علماء اليهود حضروا عند النبي، فقال لهم: " أنتم تعلمون أنى رسول الله؟ ~~فقالوا: لا نعلم ذلك؛ فنزل قوله: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ~~بعلمه} " أي: مع علمه، كما يقال: جاءني فلان بسيفه، أي: مع سيفه، وفيه دليل ~~على أن لله علما، هو صفته، خلاف قول المعتزلة خذلهم الله. # {والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا} فإن قيل: إذا شهد الله له بالرسالة، ~~فأي حاجة إلى شهادة الملائكة؟ قيل: لأن الذين حضروا عند النبي، كان عندهم ~~أنهم علماء الأرض؛ فقالوا: نحن علماء الأرض، ونحن ننكر رسالتك، فقال الله ~~تعالى: إن أنكره علماء الأرض، يشهد به علماء السماء، وهم الملائكة، على ~~مقابلة زعمهم وظنهم؛ لا للحاجة إلى شهادتهم؛ فإنه قال: {وكفى بالله شهيدا} ~~. # PageV01P504 # قوله - تعالى -: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} صدهم عن سبيل الله ~~كان بكتمان نعت محمد {قد ضلوا ضلالا بعيدا} أي: هلكوا، والضلال: الهلاك. # PageV01P504 # قوله - تعالى -: {إن الذين كفروا وظلموا} فإن قال قائل: أي معنى لقوله: ~~{وظلموا} وقد قال: {كفروا} وظلمهم كفرهم؟ قيل: معناه: كفروا بالله، وظلموا ~~محمدا بكتمان نعته. # وقيل: ذكره تأكيدا {لم يكن الله ليغفر لهم} في هذا إشارة إلى أن الله - ~~تعالى - لو غفر للكافرين أجمع، كان يسع ذلك رحمته، لكنه قطع القول بأن لا ~~يغفر لهم، # PageV01P504 # {الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السموات ~~والأرض وكان الله عليما حكيما (170) يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا ~~تقولوا على الله ms0342 إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا} # {ولا ليهديهم طريقا} يعنى: الإسلام # PageV01P505 # {إلا طريق جهنم} يعنى: اليهودية {خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله ~~يسيرا} . # PageV01P505 # قوله - تعالى -: {يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا ~~خيرا لكم} تقديره: يكن الإيمان خيرا لكم {وإن تكفروا فإن لله ما في السموات ~~والأرض وكان الله عليما حكيما} . # PageV01P505 # قوله - تعالى -: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} الغلو: مجاوزة الحد، ~~والآية في النصارى، قال الحسن: يجوز أن تكون في اليهود والنصارى؛ فإنهم ~~غلوا في أمر عيسى، أما اليهود بالتقصير في حقه، وأما النصارى بمجاوزة الحد ~~فيه. # الغلو غير محمود في الدين، روى ابن عباس عن النبي أنه قال: " إياكم ~~والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو ". # {ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته} وقد بينا أقوال العلماء في كونه " كلمة " وجملته ثلاثة أقاويل: ~~أحدها: أنه بكلمته، وهي قوله: كن، فكان، والثاني: أنه يهتدي به، كما يهتدي ~~بكلمة الله، الثالث: كلمته: بشارته التي بشر بها في الكتب " يكون عيسى " ~~فهذا معنى قوله: ( {وكلمته} ألقاها إلى مريم وروح منه) وفي تسميته " روحا " ~~ثلاثة أقاويل: # PageV01P505 # {بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ~~(171) لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف ~~عن عبادته ويستكبر} أحدها: أنه كان له روح كسائر الأرواح، إلا أن الله - ~~تعالى - أضافه إلى نفسه تشريفا. # والثاني: أنه تحيا به القلوب، كما تحيا الأبدان بالروح. # الثالث: أن الروح: هو النفخ الذي نفخ في مريم جبريل بإذن الله؛ فسمى ذلك ~~النفخ روحا. # (فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة) وكانت النصارى يقولون بالثلاثة، ~~كانوا يقولون: ابن، وآب، وروح القدس، وهذا معنى قوله - تعالى -: {لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} وقوله: {انتهوا ms0343 خيرا لكم} تقديره: يكن ~~الانتهاء خيرا لكم. # {إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد} واعلم أن الله - تعالى - كما ~~لا يجوز له أن يتخذ ولدا، لا يجوز عليه التبني؛ فإن التبني إنما يكون حيث ~~يكون به الولد، فإذا لم يتصور لله ولد ولم يجز عليه التبني {له ما في ~~السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} . # PageV01P506 # قوله - تعالى -: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله} الاستنكاف: التكبر ~~مع الأنفة، ومعناه: لن يأنف المسيح أن يكون عبدا {ولا الملائكة المقربون} ~~واستدل بهذه الآية من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر؛ لأن الله تعالى ~~ارتقى من عيسى إلى الملائكة، وليس في الآية مستدل، وإنما قال: (ولا ~~الملائكة المقربون) [لا] لامتناع مكانهم ومقامهم على مقام البشر، وإنما قال ~~ذلك على ما عند النصارى، # PageV01P506 # {فسيحشرهم إليه جميعا (172) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ~~ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (173) يا أيها الناس قد جاءكم ~~برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) فأما الذين آمنوا بالله ~~واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (175) ~~يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} ولعله كان عندهم أن الملائكة أفضل ~~من البشر، فقال ذلك على ما في زعمهم. # وقوله: {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} الفرق بين ~~الاستنكاف والاستكبار: أن الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار: هو ~~الغلو، والتكبر من غير أنفة. # PageV01P507 # {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} قيل: ~~زيادة فضله: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. # وقيل: هو الشفاعة، وفي الحديث: " يشفع الصالحون يوم القيامة لمن يعرفون ~~". # {وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا} . # PageV01P507 # قوله - تعالى -: {يا أيها الناس ms0344 قد جاءكم برهان من ربكم} قيل: هو محمد، ~~على هذا أكثر المفسرين. وقيل: هو القرآن. # والبرهان في اللغة: هو الحجة {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} هو القرآن. # PageV01P507 # قوله تعالى: {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه ~~وفضل} يعنى الجنة {ويهديهم إليه صراطا مستقيما} . # PageV01P507 # قوله - تعالى -: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} روى عن البراء بن ~~عازب أنه قال: آخر سورة أنزلت كاملة: سورة براءة، وآخر آية أنزلت هذه ~~الآية. # PageV01P507 # {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وأن كانوا اخوة رجالا ونساء ~~فللذكر مثل حظ} # وسبب نزول الآية ما روى: " أن النبي دخل على جابر وهو مريض، وكان قد أغمى ~~عليه، فدعا بماء وتوضأ، ثم رشه عليه، فأفاق، فقال جابر: يا رسول الله، ماذا ~~أصنع في مالي، وإنما ترثني كلالة؟ فنزلت الآية "، وقد سبق الكلام في ~~الكلالة. # وتلك الآية في توريث الاخوة والأخوات من الأم، وهذه الآية في توريث ~~الاخوة والأخوات من الأب والأم، ومن الأب {إن امرؤ هلك ليس له ولد} تقديره: ~~ليس له ولد، ولا والد، وعلى هذا أكثر العلماء، أن الكلالة: هذا، وأن الأخوة ~~والأخوات لا يرثون مع الأب، إلا ما يحكى عن عمر - رضى الله عنه -: أنه ~~ورثهم مع الأب، وقد سبق. # قوله - تعالى -: {ليس له ولد} أراد به: الذكر، وعلى هذا أكثر العلماء: أن ~~الاخوة والأخوات إنما لا يرثون مع الابن، ويرثون مع البنت، وحكى عن ابن ~~عباس، وبه قال داود وأهل الظاهر -: أن الإخوة والأخوات لا يرثون مع البنت، ~~تمسكا بظاهر الآية، وقد بينا أن المراد به: الابن، والآية في نفي الفرض مع ~~الولد وعندنا: إنما يرثون بالتعصيب، فإن الأخوات مع البنات عصبة. # قوله - تعالى -: {وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ~~فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر ~~مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا} . # قال الفراء: معناه: يبين الله لكم أن لا تضلوا، وهو قول أبي عبيده، قال ms0345 ~~أبو عبيده: وذكر الكسائي حديثا في معناه؛ فأعجبه ذلك، وذلك ما روى عن النبي ~~أنه قال: " لا يدعون أحدكم على ابنه أن يوافق قدرا " أي: أن لا يوافق قدرا. # PageV01P508 # {الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيئا عليم (176) } # وقال البصريون: معناه: يبين الله لكم كراهية أن تضلوا {والله بكل شئ ~~عليم} . # والله أعلم، صدق الله وصدق رسول الله وعلى آله أجمعين. # PageV01P509 # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير} # تفسير سورة المائدة # القول في تفسير سورة المائدة قال الشيخ الإمام - رضي الله عنه - سورة ~~المائدة مدنية كلها إلا قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} فإنه نزل بعرفات على ما سنبين، وقال الحسن ~~البصري: كلها محكمة لم ينسخ منها شيء. وقال الشعبي: لم ننسخ منها شيء. إلا ~~قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} على ما سنبين. # وروى عن أبي ميسرة أنه قال: أنزل الله - تعالى - في هذه السورة ثمانية ~~عشر حكما لم ينزلها في سائر القرآن. # PageV02P005 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} قد ذكرنا أن كل ما في ~~القرآن من قوله: {يا أيها الذين آمنوا} فإنما نزل بالمدينة، وكل ما نزل من ~~قوله: {يا أيها الناس} فإنما أنزل بمكة، وعن ابن مسعود أنه قال: إذا سمعت ~~الله - تعالى - يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فارعه سمعك، فإنه خير تؤمر به ~~أو سوء تنهى عنه. # وقوله: {أوفوا بالعقود} يقال: " أوفى " و " وفى " بمعنى واحد، وأما ~~العقود: قال علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس أنه قال: أراد بالعقود: ~~ما أحل الله وحرم، وفرض وحد. # وقال مجاهد: أراد بالعقود: العهود، وقيل الفرق بين العقد والعهد: أن ~~العهد: هو الأمر بالشيء، ويقال: عهدت إلى فلان كذا، أي: أمرته به، والعقد: ~~هو الأمر مع الإستيثاق، ويدخل في العقود النذور، وسائر العقود اللازمة يجب ~~الوفاء بكل إلا # PageV02P005 # {محلي الصيد وأنتم حرم ms0346 إن الله يحكم ما يريد (1) يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحلوا} اليمين على شيء مباح، لا يجب الوفاء به؛ للسنة، وهي ما روى عن رسوله ~~الله أنه قال: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها؛ فليكفر عن يمينه، ~~وليأت الذي هو خير ". # قوله - تعالى -: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} قال الحسن: أراد به الإبل، ~~والبقر والغنم، وحكى قطرب عن يونس: هي الإبل، والبقر، والغنم، والخيل ~~والبراذين، وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: بهيمة الأنعام ~~وهي: بقر الوحش، وحمر الوحش، وظباء الوحش، - وسميت البهيمة بهيمة لاستبهام ~~فيها، حيث لا نطق لها يفهم، وبذلك سميت عجماء أيضا. # والمراد: ببهيمة الأنعام: هي الأنعام، لكن أضافه إلى نفسه، كما يقال: نفس ~~الإنسان، وحق اليقين، ونحو ذلك، وروى قابوس بن أبي ظبيان عن ابن عباس أنه ~~قال: بهيمة الأنعام: هي الأجنة: {إلا ما يتلى عليكم} يعني ما ذكر في قوله: ~~{حرمت عليكم الميتة} {غير محلى الصيد} قيل هو نصب على الاستثناء، وقيل على ~~الحال ويعنى " لا محلي الصيد " كما قال - تعالى -: {غير ناظرين إناه} أي: ~~لا ناظرين إناه، {وأنتم حرم} فيه تحريم الصيد في حال الإحرام {إن الله يحكم ~~ما يريد} . # PageV02P006 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} قال أبو ~~عبيدة: الشعائر الهدايا المشعرة، وهي المعلمة بالإشعار، وكانوا (ينخسون) ~~شيئا في سنام البعير حتى يتطلخ بالدم، فذلك إشعار الهدى، وهو سنة، وقال ~~مجاهد: أراد بالشعائر # PageV02P006 # {شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت ~~الحرام يبتغون} مشاعر الحرم من الصفا والمروة وغيرهما، والمراد به النهي عن ~~القتل في الحرم. # {ولا الشهر الحرام} قال عكرمة: أراد به: ذا القعدة، وقال غيره: رجب، ~~وقيل: هو عبارة عن جميع الأشهر الحرم، وقوله: {ولا الهدي ولا القلائد} ~~فالهدي: جمع الهدية، والمراد به: إبل الهدي، وأما القلائد: هي الإبل ~~المقلدة، وكانوا يقلدون إبل الهدي، وقال عطاء: أراد به: أصحاب القلائد، ~~وكانت عادة أهل الحرم أن يقلدوا أنفسهم، وإبلهم بشيء من ms0347 لحاء شجر الحرم إذا ~~أرادوا الخروج؛ لكيلا يتعرض لهم؛ فنهى الشرع عن التعرض لهذه الأشياء. # {ولا آمين البيت الحرام} أي: ولا تتعرضوا للقاصدين إلى البيت الحرام، ~~وسبب نزول هذا: ما روي: " أن الحطم بن ضبيعة جاء في نفر إلى رسول الله ~~بالمدينة، فعرض عليهم الإسلام، فلم يقبلوا وتعللوا وانصرفوا؛ حتى قال - ~~عليه السلام - فيه: لقد أقبل بوجه كافر وأدبر بقفا غادر. # فذهب واستاق سرح المدينة؛ فتبعوه فلم يدركوه وهو يستاق الإبل، ويرتجز ~~ويقول: # (قد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم) # (ولا بجزار على ظهر وضم ... ) # فلما كان بعد فتح مكة، لقيه المسلمون في الموسم حاجا، ومعه إبل معشره ~~وقلائد؛ فقصدوه، ولقيه النبي فأشار إلى أصحابه، وقال: دونكم الرجل؛ ~~ليأخذوه؛ فنزلت الآية " منعا للتعرض له ولشعائره وقلائده، قال الشعبي: كان ~~هذا # PageV02P007 # {فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن ~~صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا} ~~كذلك، ثم نسخ بقوله: (اقتلوا المشركين) . # وقوله: {يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} قال ابن عمر: أراد به فضل التجارة، ~~وقيل: هو الأجر {وإذا حللتم فاصطادوا} وهذا أمر إباحة؛ أباح للحال ~~الاصطياد. # {ولا يجرمنكم شنآن قوم} قال أبو عبيدة: جرم أي: كسب ويقال: فلان جارم ~~أهله، أي: كاسب أهله، و (أنشد) # (ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا) # أي: كسبت، وقرأ الأعمش: {ولا يجرمنكم} بضم الياء، وهو صحيح في العربية، ~~يقال: جرم وأجرم، بمعنى واحد، وقيل: معناه: ولا يحملنكم شنآن قوم، أي: ~~عداوة قوم. # {أن صدوكم} أي: لأن صدوكم، وقرأ أبو عمرو: " إن صدوكم " على الشرط ومعنى ~~الآية: لا يحملنكم عداوة قوم صدوكم {عن المسجد الحرام أن تعتدوا} عليهم. # (وتعاونوا على البر والتقوى) البر: الصدق، وقيل البر: الاجتناب عن كل ~~منهي. وفيه قول آخر: أن البر الإسلام، والتقوى: السنة. # {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} الإثم: الكفر، والعدوان: البدعة، وقيل: ~~الإثم الكفر، والعدوان: الظلم {واتقوا الله إن الله شديد العقاب} . # PageV02P008 # قوله - تعالى ms0348 -: {حرمت عليكم الميتة والدم} فالميتة: هي الحيوان الميت، ~~والدم: دم الحيوان يراق ويسفح فهو حرام، وكان أهل الجاهلية يجعلون الدم في # PageV02P008 # {على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب (2) حرمت عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن ~~تستقسموا} المباعر، ويسوونها ثم يأكلون؛ فجاء الشرع بتحريمه، وسئل ابن عباس ~~عن الطحال، فقال: كلوه، فقيل: أليس بدم؟ قال: إن الله - تعالى - إنما حرم ~~الدم المسفوح. # {ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} يعني: سمى على ذبحه غير الله، وقيل: ~~هو ما يذبح على الأصنام؛ فهذه الأربعة حرام، وقيل: إنها ما أبيحت في شرع ~~ما، حتى قيل: إن آدم - صلوات الله عليه - نزل إلى الأرض ومعه تحريم هذه ~~الأربعة. # {والمنخنقة} هي الشاة التي تخنق بحبل فتموت {والموقوذة} هي التي كانت ~~يضربونها عند الصنم، حتى إذا ماتت أكلوها (والمتردية) التي تتردى من موضع ~~عال فتموت. # {والنطيحة} هي التي تنطحها أخرى فتموت {وما أكل السبع} ويقرأ بجزم الباء ~~على التخفيف، ومعناه وما بقى مما أكل السبع {إلا ما ذكيتم} حرم هذه ~~الأنواع، واستثنى المذكاة، وأصل التذكية: الإتمام، يقال: ذكيت النار، إذا ~~أتممت إيقادها، ويقال: فلان ذكى، إذا كان تام الفهم، والزكاة في الشرع ~~معروفة. # {وما ذبح على النصب} يعني: على الأصنام، والنصب: نوع من الأصنام، والفرق ~~بينها وبين الأصنام: أن الأصنام: هي المصورة المنقوشة، والنصب: لا تكون ~~منقوشة، ولا مصورة، وقيل: كانت لهم أحجار منصوبة حول الكعبة، كانوا ~~يعبدونها، ويتقربون إليها بالذبائح، ويلطخونها بالدماء؛ فحرمه الشرع. # {وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق} الاستقسام: طلب النصيب والأزلام: ~~الأقداح واحدها: " زلم " وقيل: " زلم " أيضا وهي سهام كانت عند سدنة ~~الكعبة، وكان مكتوبا على واحد اخرج، وعلى آخر: لا تخرج، وعلى واحد: أمرني ~~ربي وعلى آخر: نهاني ربي، وكان فيها واحد غفل، ويسمى منتحا، ليس عليه شيء ~~مكتوب، # PageV02P009 # {بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون ms0349 ~~اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن} ~~وكان الرجل منهم إذا أراد سفرا يأتي سادن البيت حتى يجيل الأقداح؛ فإن خرج ~~الغفل يجيله ثانيا، حتى يخرج آخر، فإن خرج الذي عليه: " اخرج " خرج إلى ~~السفر، وإن خرج: " لا تخرج " لم يخرج؛ فنهى الشرع عنه، ومن ذلك الحكم ~~بالنجوم وضرب الحصا والطيرة والكهانة، وكل ذلك منهي عنه، قال: " من تطير أو ~~تكهن أو تعرف؛ لم ينظر إلى الجنة يوم القيامة " وقال الشعبي، وغيره: ~~الأزلام للعرب، والكعاب للعجم. # وقوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون} وذلك أن ~~الكفار كانوا يطمعون في عود المسلمين إلى دينهم، حتى فتحت مكة، وأظهر الله ~~الإسلام؛ أيسوا من ذلك؛ فهذا معنى قوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} ~~أن يذهب، وتراجعوا إلى دينهم. # قوله - تعالى -: {اليوم أكملت لكم دينكم} نزل هذا بعرفات، ورسول الله على ~~ناقته العضباء؛ فبركت من ثقل الوحي، وروى " أن رجلا من اليهود قال لعمر رضي ~~الله عنه: إنكم تقرءون آية لو علينا أنزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، يعني ~~اليوم الذي أنزلت فيه، فقال عمر: أنا أعلم أنها أي يوم أنزلت، أنزلت يوم ~~الجمعة عشية عرفة، وأشار إلى أن ذلك اليوم لنا عيد ". # PageV02P010 # ومعنى قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} أي: في الشرائع والأحكام؛ لأنها ~~نزلت بعد استقرار الشرائع والأحكام، وقيل: لم ينزل بعد هذه الآية شيء من ~~الأحكام حتى قيل: إن قوله: {يستفتونك} في آية الكلالة، إنما نزل قبل هذه ~~الآية، وقيل: بعدها. # واعلم أن الشرائع لم تنزل جملة، وإنما نزلت شيئا فشيئا، فإن في الابتداء ~~حين كان بمكة كان الواجب الإتيان بالشهادتين، والإيمان بالبعث، والجنة ~~والنار، وركعتين غدوة، وركعتين عشية، وأن يكفوا أيديهم عن القتال، ويصبروا ~~على أذى المشركين، فلما كان ليلة المعراج - وهي قبل الهجرة بثمانية عشر ~~شهرا - فرض الله عليه وعلى أمته خمسين صلاة، ثم ردت إلى خمس صلوات، كما عرف ~~في القصة، ثم لما هاجر إلى المدينة، فرض الله عليه الجهاد، والزكاة، ms0350 ثم ~~الصوم سنة الثالث من الهجرة، وفرض الحج سنة السابع من الهجرة، ثم فتح مكة، ~~فلما حجة الوداع؛ أنزلت هذه الآية سنة عشر من الهجرة، ولم ينزل بعدها شيء ~~من الأحكام كما بينا، وعاش بعد ذلك رسول الله إحدى وثمانين ليلة، وتوفي في ~~اليوم الثاني من ربيع الأول، وقيل: توفي في الثاني عشر من ربيع الأول، وهذا ~~أصح. # وكانت هجرته في الثاني عشر من ربيع الأول أيضا، واستكمل عشر سنين، وخرج ~~من الدنيا. # وفيه قول آخر: أن معنى قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} أي: أمنتكم من ~~العدو، وأظهرت دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا، روت ~~عائشة عن النبي أنه قال: " يقول الله - تعالى -: إني نظرت في الأديان ~~فارتضيت لكم الإسلام دينا؛ فأكرموه بالسخاء، وحسن الخلق ما صحبتموه، فإن # PageV02P011 # {اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) يسألونك ماذا أحل ~~لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما} البخيل ~~بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار ". # {فمن اضطر في مخمصة} : المخمصة: خلاء الجوف عن الغذاء، وفي المثل: " ~~البطنة بعدها الخمصة " {غير متجانف لإثم} أي: غير مائل إلى إثم، وهو مجاوزة ~~الشبع في أكل الميتة، أو يأكلها تلذذا {فإن الله غفور رحيم} . # PageV02P012 # قوله - تعالى -: {يسألونك ماذا أحل لهم} سبب نزول الآية: أن زيد بن الخيل ~~الطائي، وعدي بن حاتم الطائي سألا رسول الله وقالا: إنا نصطاد بالكلاب، ~~فماذا يحل (منه) وما يحرم منه؟ فنزلت الآية، وقيل: سبب نزول الآية: أن ~~النبي # PageV02P012 # {علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن ~~الله} لما أمر بقتل الكلاب، وقالوا يا رسول الله: ماذا يحل لنا من هذه ~~الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت الآية، والأول أصح. # {قل أحل لكم الطيبات} فالطيبات: كل ما تستطيبه العرب، وتستلذه من غير أن ~~يرد بتحريمه كتاب أو سنة {وما علمتم من الجوارح} أي: الكواسب، يقال: جرح، ~~واجترح، إذا كسب، ومنه سميت اليد جارحة؛ ms0351 لأنها كاسبة، قال الشاعر: # (ذات حل حسن ميسمها ... يذكر الجارح وما كان جرح) # أي: ما كان كسب {مكلبين} وقرئ في الشواذ " مكلبين " يقال: كلبه فهو مكلب، ~~وأكلب فهو مكلب: إذا كثر كلابه، وهو مثل قولهم: أمشى إذا كثرت ماشيته، قال ~~الشاعر: # (وكل فتى وإن أمشى وأثرى ... [سيخلجه] عن الدنيا المنون) قال الأزهري: ~~ومعنى الكلام: وأحل لكم ما علتم من الجوارح في حال تكليبكم وتضريتكم إياها ~~على الصيد، واعلم أن حل الصيد لا يختص بصيد الكلب على قول جمهور العلماء. # وقال طاووس: يختص به؛ تمسكا بقوله: {مكلبين} وهذا خلاف شاذ، ومعنى قوله: ~~{مكلبين} أي: محرشين، ومغرين على الصيد، ويستوي في ذلك كل الجوارح ~~{تعلمونهن مما علمكم الله} تؤدبونهن مما أدبكم الله. # PageV02P013 # {سريع الحساب (4) اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا} # {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} أباح صيد الجوارح إذا ~~أمسكن على المالك، ولا خلاف فيه، فأما إذا أكل من الصيد، هل يكون ممسكا على ~~المالك، وهو يحل؟ فيه اختلاف بين الصحابة، قال سعد بن أبي وقاص، وسلمان ~~الفارسي: إنه يحل، حتى قال سعد: كل ما أخذ كلبك، وإن بقيت منه جدية أي: ~~قطعة، وهذا أحد قولي الشافعي - رضي الله عنه - وقال ابن عباس، وعدي بن ~~حاتم: إنه لا يحل، وهو القول الثاني للشافعي، وبه قال أكثر المفسرين، وأما ~~الكلام في التسمية سيأتي في الأنعام {واتقوا الله إن الله سريع الحساب} . # PageV02P014 # قوله - تعالى -: {اليوم أحل لكم الطيبات} ذكر اليوم هاهنا صلة، وقد بينا ~~معنى الطيبات، وفيه قول آخر: أن الطيبات عن طاهرات، وكل طاهر حلال. # {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} قال مجاهد، وإبراهيم النخعي: أراد به: ~~ذبائح أهل الكتاب {وطعامكم حل لهم} فإن قال قائل: كيف أحل لهم طعامنا وشرع ~~لهم ذلك وهم كفار، وليسوا من أهل الشرع؟ أجاب الزجاج فقال: معناه: حلال لكم ~~أن تطعموهم؛ فيكون خطاب الحل مع المسلمين، قال غيره: وإنما قال ms0352 ذلك لأنه ~~ذكر عقيبه (حكم) النساء، ولم يذكر حل المسلمات لهم فكأنه قال: حلال لكم أن ~~تطعموهم، حرام لكم أن تزوجوهم. # {والمحصنات من المؤمنات} هذا راجع إلى النسق الأول، ومنقطع عن قوله: ~~{وطعامكم حل لهم} {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} قال الحسن: ~~أراد به: العفائف، وقال مجاهد: أراد به: الحرائر، ومنه إباحة الحرة ~~الكتابية للمسلم وقضية تحريم الأمة الكتابية، وعليه أكثر العلماء، وهو قول ~~علماء الكوفة مثل الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير وجماعة. وهذا في الكتابية ~~الذمية؛ فأما الحرة الكتابية # PageV02P014 # {الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي ~~أخذان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) يا} ~~الحربية، فعلى قول أكثر العلماء تحل للمسلم، وقال ابن عباس: لا تحل، وقرئ ~~{المحصنات} بكسر الصاد، وإحصان الكتابية أن تستعفف عن الزنا، وتغتسل [من] ~~الجنابة {إذا آتيتموهن أجورهن} أي: مهورهن: {محصنين غير مسافحين ولا متخذي ~~أخذان} . # {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} قال مجاهد: أراد به: من يكفر بالله ~~الذي يؤمن به، وقال الكلبي: أراد به: ومن يكفر بكلمة الشهادة، وقال الربيع ~~بن أنس: أراد به: ومن يكفر بالقرآن، قال الزجاج: معنى قوله: {ومن يكفر ~~بالإيمان} يعني: بتحليل الحرام، وتحريم الحلال، أي: ومن يستحل الحرام، أو ~~يحرم الحلال {فقد حبط عمله} وهذا أقرب إلى نظم الآية في الإباحات، وتحليل ~~المحرمات، وقوله {فقد حبط عمله} أي: بطل عمله {وهو في الآخرة من الخاسرين} ~~. # PageV02P015 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} يعني: إذا ~~أردتم القيام إلى الصلاة، وذلك مثل قوله: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} ~~أي: فإذا أردت القراءة. تقول: إذا اتجرت فاتجر إلى البر، وإذا جالست، فجالس ~~فلانا، أي: إذا أردت المجالسة. # وظاهر الآية يقتضي أنه يجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة، ولكن بالسنة ~~عرفنا جواز الجمع بين الصلوات بوضوء واحد، فإن رسول الله جمع بين أربع ~~صلوات يوم الخندق بوضوء واحد وجمع بين خمس صلوات يوم فتح مكة # PageV02P015 # {أيها الذين ms0353 آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق} بوضوء واحد، وحكى عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: الوضوء لكل ~~صلاة مكتوبة. وقيل: هو على الاستحباب. وقال زيد بن أسلم: تقدير الآية: إذا ~~قمتم إلى الصلاة من المضاجع - يعني: من النوم - فيكون إيجاب الوضوء بالحدث؛ ~~لأن النوم حدث. # {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} يعني: مع المرافق، قال المبرد: إذا ~~مد الشيء إلى جنسه تدخل فيه الغاية، وإذا مد إلى خلاف جنسه، لا تدخل فيه ~~الغاية، فقوله: {إلى المرافق} مد إلى جنسه، فتدخل فيه الغاية. # وأما قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} مد إلى خلاف جنسه، فلا تدخل فيه ~~الغاية. والمرفق سمى بذلك؛ لارتفاق الإنسان به بالاتكاء عليه. # {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، ~~وحفص: بالنصب؛ فيكون تقديره: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم، وقرأ الباقون ~~{وأرجلكم} بالكسر. # واختلف العلماء في وجوب غسل الرجل، فأكثر العلماء - وعليه الإجماع اليوم ~~- أن غسل الرجل واجب، ويحكى عن علي أنه قال: يجوز المسح على الرجل، وهو ~~الواجب، وحكى خلاف عنه، قال الشعبي: نزل القرآن بغسلين ومسحين، وقال محمد ~~بن جرير الطبري: يتخير بين المسح والغسل؛ لاختلاف القراءة. # والأصح أنه يجب الغسل، وقد دلت السنة عليه، فروى عن النبي أنه قال: # PageV02P016 # {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم} " ~~ويل للأعقاب من النار " وروي مرفوعا: " لا يقبل الله - تعالى - صلاة أحدكم ~~حتى يضع الطهور مواضعه؛ فيغسل وجهه، ثم يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه ~~". # وقال: " ما من رجل يتوضأ فيغسل وجهه إلا (خرجت) خطاياه التي نظر إليها ~~بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر من الماء - إلى أن قال -: وإذا غسل رجليه، ~~خرجت خطاياه التي مشت بها قدمه مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء "، وروى: ~~" أنه رأى رجلا توضأ، وبقي من رجله قدر ظفره لم يصبه الماء؛ فقال: ارجع ~~فأحسن الوضوء " وأمره بالرجوع دليل وجوب. # فأما قوله: {وأرجلكم إلى الكعبين} من قرأ بالنصب فهو ظاهر ms0354 في وجوب الغسل، ~~وأما من قرأ بالخفض فتقديره: فامسحوا برءوسكم، واغسلوا أرجلكم. ويجوز أن ~~يعطف الشيء على الشيء وإن كان يخالفه في الفعل، قال الشاعر: # (ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا) # أي: متقلدا سيفا، ومتنكبا رمحا، وقال آخر: # (علفتها تبنا وماء باردا ... ) # PageV02P017 # {مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) } # أي: وسقيتها ماءا باردا؛ فكذلك قوله - تعالى -: {وامسحوا برءوسكم ~~وأرجلكم} أي: واغسلوا أرجلكم؛ إلا أنه خفض على الاتباع والمجاورة كما قالت ~~العرب: " جحر ضب خرب "، ونحو ذلك. # وقال أبو زيد الأنصاري - وهو إمام اللغة - العرب قد تسمي الغسل الخفيف: ~~مسحا، تقول العرب: تمسح يا هذا، يريدون به: اغتسل، فعطفه على المسح لا ينفي ~~الغسل؛ فيجوز أن يكون المراد بهذا المسح في الرأس حقيقة المسح، وفي الرجل ~~الغسل؛ ولأن غسل الرجل على الأغلب لا يخلو عن مسح؛ [ولذلك] فساغ أن يسمى ~~غسلها: مسحا، وقوله: {إلى الكعبين} يعني: مع الكعبين، كما بينا في المرافق، ~~والكعبان: هما العظمان الناتئان على جانبي القدم. # {وإن كنتم جنبا فاطهروا} أي: فاغتسلوا {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء ~~أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} ~~وقد بينا الكلام فيه. {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} وقوله: منه. دليل على ~~أن الصعيد هو التراب؛ لتحقق المسح منه {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} ~~أي: ضيق {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} قال محمد ابن ~~كعب القرظي: أراد بإتمام النعمة: تكفير الخطايا بالوضوء على ما روينا، وهذا ~~مثل قوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك} يعني: ~~بغفران الذنب، وفي الوضوء تكفير الخطايا التي ارتكبها في الدنيا، ونور يوم ~~القيامة قال: " أمتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة؛ فمن استطاع ~~منكم أن يطيل ms0355 غرته فليفعل ". # PageV02P018 # {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى واتقوا} # PageV02P019 # قوله - تعالى -: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به} قال ~~مجاهد: أراد به: الميثاق الذي أخذه الله - تعالى على ذرية آدم قبل كون ~~الخلق. وقال ابن عباس: أراد به الميثاق الذي أخذه رسول الله على كل من أسلم ~~بالسمع والطاعة في اليسر والعسر، والمنشط والمكره {إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور} أي: [بما] في الصدور. # PageV02P019 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} ~~أي: كونوا قوامين بالعدل، قوالين، للصدق {ولا يجرمنكم} أي: ولا يحملنكم ~~{شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير ~~بما تعملون} . # PageV02P019 # قوله - تعالى -: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة} قيل ~~هذا في موضع النصب، وفعل الوعد واقع عليه، ومثله قول الشاعر: # (رأيت الصالحين لهم جزاء ... وجنات وعينا سلسبيلا) # ومنهم من قال: {لهم مغفرة} : ابتداء كلام، أي: لهم مغفرة موعودة، وموضع ~~الرفع ( {لهم مغفرة وأجر عظيم} والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~الجحيم) . # PageV02P019 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم ~~أن يبسطوا إليكم أيديهم} الهم: حديث النفس بالفعل، ويقال: أهم بالشيء واهتم ~~به، إذا عنى به. # وفي سبب نزول الآية قولان: قال جابر: سببه " أن رسول الله كان في بعض ~~الأسفار، فتفرق أصحابه في العضاة في منزل؛ فنزل رسول الله تحت شجرة # PageV02P019 # {الله إن الله خبير بما تعملون (8) وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم مغفرة وأجر عظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ~~(10) يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا ~~إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) ~~ولقد} منها، وعلق سيفه ms0356 بها، فجاء أعرابي، وسل سيفه، وقام على رأسه، وقال: ~~من يمنعك مني؟ فقال: الله تعالى؛ فسقط سيفه وذهب، فنزلت الآية ". # وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وجماعة: نزلت الآية على سبب آخر، وذلك: " ~~أن النبي كان بينه وبين بني قريظة عهد على أن يستعينوا به، وهو يستعين بهم ~~على المشركين؛ فجاء يوما إليهم ليستعين بهم في دية العامريين (ونزل) تحت ~~حائط؛ فهموا أن يفتكوا به، فقال واحد منهم - يقال له عمرو بن حجاش -: أنا ~~ألقي عليه حجرا؛ لتستريحوا منه؛ فنزل جبريل وأخبره بذلك " فهذا معنى قوله: ~~{إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون} . # PageV02P020 # قوله - تعالى -: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر ~~نقيبا} النقيب للقوم مثل الرئيس، وقال أبو عبيدة: النقيب: الكفيل، وقال ~~غيره: هو الأمين، والنقيب فوق العريف، والمنكب عون العريف، وسمى نقيبا؛ ~~للبحث والاستخراج الذي يكون منه. # PageV02P020 # {أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني ~~معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله ~~قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن ~~كفر بعد} # والقصة في ذلك: أن موسى - صلوات الله عليه - جعل على قومه اثنى عشر نقيبا ~~على كل سبط نقيبا، فروى أنه بعثهم إلى مدينة الجبارين ليتعرفوا ويستخبروا ~~عن حالهم، فلما رجعوا، خوفوا بني إسرائيل من قتالهم، وقالوا: أنتم لا ~~تقاومونهم، وخالفوا أمر موسى إلا (رجلان) منهم، أحدهما: يوشع بن نون، ~~والآخر: كالب بن يوقنا، وستأتي قصتهم مشروحة. # {وقال الله} تعالى {إني معكم} يعني: بالنصر {لئن أقمتم الصلاة وآتيتم ~~الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم} قال أبو عبيدة: معناه: عظمتموهم، وقال ~~غيره: نصرتموهم، والتعزير: التأديب في اللغة، وأصل التعزير: المنع؛ ولذلك ~~سمى التأديب. تعزيرا؛ لأنه يمنع المؤدب عن فعل ما أدب عليه وعن سعد بن أبي ~~وقاص: أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام. أي: تؤدبني. # {وأقرضتم الله قرضا حسنا} وهو إخراج الزكاة، وقال زيد بن أسلم: ms0357 معناه ~~النفقة على الأهل، وعن بعض السلف أنه سمع رجلا يقول: {من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا} فقال: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر. # {لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ~~ذلك [منكم] فقد ضل سواء السبيل} أي: أخطأ طريق الحق. # PageV02P021 # قوله - تعالى -: {فبما نقضهم} " ما " صلة، أي: فبنقضهم {ميثاقهم لعناهم} ~~أبعدناهم عن الرحمة {وجعلنا قلوبهم قاسية} أي: جافة غير لينة لا تدخلها ~~الرحمة، وتقرأ: " قسية " قيل: معناه: قاسية، فعيل بمعنى فاعل، وقيل: معناه: ~~أن قلوبهم ليست بخالصة الإيمان؛ عاشوا بها بين الكفر والنفاق، ومنه " ~~الدراهم القسية " وهي المغشوشة، قال الشاعر: # PageV02P021 # {ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا ~~قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع ~~على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين} # (لها صواهل في صم الخيل ... كما صاح القسية في كف الصارف) # شبه صواهل الخيل في صم الحجارة بصوت الدراهم في كف الصيرفي {يحرفون الكلم ~~عن مواضعه} تحريفهم الكلم: هو تبديلهم نعت الرسول، وقيل المراد به: تحريفهم ~~بسوء التأويل {ونسوا حظا ما ذكروا به} أي: ونسوا نصيبا مما ذكروا به، ~~والحظ: النصيب. # {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} قيل الخائنة: الخيانة، فاعل بمعنى ~~المصدر، مثل القائلة بمعنى القيلولة، هذا قول قتادة، وقال مجاهد: معناه: ~~فرقة خائنة؛ لأن الآية في اليهود؛ فيستقيم هذا التقدير {ولا تزال تطلع} على ~~قوله: {خائنة منهم} {إلا قليلا منهم} يعني: الذين أسلموا مثل: عبد الله بن ~~سلام، وجماعة. # {فاعف عنهم واصفح} أي: أعرض عنهم، ولا تتعرض لهم، وقيل: صار هذا منسوخا ~~أيضا بقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} في سورة التوبة {إن الله يحب ~~المحسنين} . # PageV02P022 # قوله - تعالى -: {ومن الذين قالوا إنا نصارى} ومن اليهود، والصحيح أن ~~الآية في النصارى خاصة؛ لأنه قد تقدم ذكر اليهود، وقال الحسن البصري - رحمه ~~الله -: في هذا دليل على أنهم نصارى بتسميتهم؛ لا ms0358 بتسمية الله - تعالى - ~~{أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به} هو كما بينا في اليهود {فأغرينا} ~~أي: أوقعنا {بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} والإغراء: أصله ~~الإلصاق، ومنه الغراء، # PageV02P022 # ( {13) ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغيرنا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما ~~كانوا يصنعون (14) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) يهدي ~~به} ومعناه: ألصقنا بهم العداوة حتى صاروا فرقا، وأحزابا، منهم اليعقوبية ~~والملكائية، والنسطورية. {وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} . # PageV02P023 # قوله - تعالى -: {يا أهل الكتاب} والمراد به: أهل الكتابين: التوراة، ~~والإنجيل، لكن ذكر الكتاب، وهو اسم الجنس، فينصرف إلى الفريقين {قد جاءكم ~~رسولنا يبين لكم كثيرا مما (كنتم} تخفون من الكتاب) يعني: اللذين أخفوا من ~~نعت محمد وآية الرجم، ونحو ذلك {ويعفو عن كثير} يعني: يعرض عن كثير مما ~~أخفوا، فلا يتعرض له. # {قد جاءكم من الله نور} قيل: هو الإسلام، (وسمي نور لأنه يهتدى به كما ~~يهتدي بالنور، وقيل محمد) وسمي نورا لأنه يتبين به الأشياء، كما يتبين ~~بالنور. {وكتاب مبين} هو القرآن. # PageV02P023 # قوله - تعالى -: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} أي: يهدي به ~~الله سبل السلام من اتبع رضوانه، قال السدي: السلام هو الله - تعالى - وسبل ~~السلام: طريق الله - تعالى - وقال: السلام: هو السلامة، كاللذاذ واللذاذة ~~بمعنى واحد، والمراد به: طرق السلامة. # {ويخرجهم من الظلمات إلى النور} يعني: من الكفر إلى (الإسلام) ، وسمي ~~الكفر ظلمة؛ لأنه يتحير في الظلمة، [وسمي] الإسلام نورا لما بينا {ويهديهم ~~إلى صراط مستقيم} قيل: هو الإسلام، وقيل: [هو] القرآن. # PageV02P023 # وقوله - تعالى -: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} قيل: ~~هذا قول اليعقوبية من النصارى، قالوا: إن المسيح إله، وقيل: إنهم لما ~~قالوا: المسيح ابن # PageV02P023 # {الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم ms0359 (16) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن ~~في الأرض جميعا ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على ~~كل شيء} الله، ابن كل أحد يكون من جنسه، فكأنهم قالوا: المسيح هو الله. # {قل فمن يملك من الله شيئا} أي: فمن يقدر أن يدفع أمر الله ( {إن أراد أن ~~يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} ولله ملك السموات والأرض ~~وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير) فيه إشارة إلى أن المستحق ~~للألوهية من له ملك السموات، ومن له هذه القدرة فإياه فاعبدوا. # PageV02P024 # قوله - تعالى -: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} يعني: ~~أن الله كالأب لنا في الحنو، والعطف، ونحن كالأبناء في القرب، والمنزلة، ~~وقال إبراهيم النخعي - في اليهود -: إنهم وجدوا في التوراة: " يا أبناء ~~أحبارى " فبدلوا، وقرءوا: " يا أبناء أبكارى "؛ فمن ذلك قالوا: نحن أبناء ~~الله. وأحباؤه، وأما في النصارى فإنهم حكوا عن عيسى انه قال: " أذهب إلى ~~أبي وأبيكم "؛ فمن ذلك قالوا: نحن أبناء الله. # {قل فلم يعذبكم بذنوبكم} يعني: أن الأب لا يعذب ابنه، والحبيب لا يعذب ~~حبيبه، أي: فلم يعذبكم الله بذنوبكم، وهو على زعمكم أبوكم وحبيبكم، ثم قال: ~~{بل أنتم بشر ممن خلق} أي: آدميون من جملة الخلق {يغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير} . # PageV02P024 # قوله - تعالى -: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من ~~الرسل} أي: على انقطاع من الرسل، واختلفوا في زمان الفترة، قال أبو عثمان ~~النهدي: زمان الفترة: بين عيسى ومحمد، وكان ستمائة سنة، وقيل خمسمائة سنة، ~~وإنما سماه زمان الفترة، لأن الرسل كانوا بعد موسى تترى من غير انقطاع، ولم ~~يكن بعد عيسى رسول سوى محمد {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير} قال ~~الكوفيون: معناه: أن لا تقولوا: وقال البصريون معناه: كراهة أن ms0360 تقولوا، وهو # PageV02P024 # {قدير (17) وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات ~~والأرض وما بينهما وإليه المصير (18) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين ~~لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ~~ونذير والله على كل شيء قدير (19) وإذ قال موسى لقومه يا قوم} كالقولين في ~~قوله: {يبين الله لكم أن تضلوا} ، {فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء ~~قدير} . # PageV02P025 # قوله - تعالى -: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~جعل فيكم أنبياء} أي: منكم أنبياء {وجعلكم ملوكا} قال ابن عباس: يعني أصحاب ~~خدم وحشم، قال قتادة: لم يكن لمن قبلهم خدم وحشم، فلما كان لهم خدم كانوا ~~ملوكا، قال مجاهد: معناه: لا يدخل عليكم إلا بإذنكم، ومن لا يدخل عليه إلا ~~بإذنه فهو ملك، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي أنه قال: " من كان له في بني ~~إسرائيل خادم، وامرأة، ودابة، كان ملكا " وروى أن رجلا جاء إلى عبد الله بن ~~عمرو بن العاص، قال: أنا من فقراء المهاجرين، فقال: ألك مسكن تأوي إليه؟ ~~قال: نعم، فقال: ألك امرأة تسكن إليها؟ قال: نعم، فقال: أنت من الأغنياء. ~~قال الرجل: ولي خادم يخدمني، فقال: أنت من الملوك. # وقال السدي - في المتقدمين - معناه: وجعلكم ملوكا تملكون أمر أنفسكم، ~~وخلصكم من استعباد فرعون. وقال المؤرج: أراد به: وجعلكم أخيارا، والملوك: ~~الأخيار بلغة هذيل وكنانة. # {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} يعني: من المن والسلوى، وانفجار ~~الحجر وتظليل الغمام، ونحو ذلك. # PageV02P025 # {اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم ~~يؤت أحدا من العالمين (20) يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ~~ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21) قالوا يا موسى إن فيها قوما ~~جبارين} # PageV02P026 # قوله - تعالى -: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} قيل: ~~هي دمشق، ms0361 وفلسطين وبعض الأردن، وقال قتادة: هي جميع الشام، وقيل: هي بيت ~~المقدس، وأرض الطور. # وقوله {كتب الله لكم} أي: وهب الله لكم، وقيل: فرض الله لكم أن تدخلوها ~~{ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} # PageV02P026 # قوله - تعالى -: {قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين} الجبار: هو كل عات ~~يجبر الناس على مراده، والله - تعالى - جبار، يجبر الخلق على مراده، وذلك ~~منه حق وله مدح، وأما الجبروت للخلق ذم، وأصل الجبار: المتعظم الممتنع عن ~~الذل والقهر، ومنه يقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة على وصول الأيدي ~~إليها، وسمى أولئك القوم جبارين؛ لطولهم، وامتناعهم بقوة أجسادهم، والقصة ~~في ذلك: أن هؤلاء كانوا في مدينة " أريحا " بالشام، وكان فيها ألف قرية في ~~كل قرية، ألف بستان، وكان فيها العمالقة، وبقية من قوم عاد وهي مدينة ~~الجبارين. # روى عكرمة عن ابن عباس: أن موسى صلوات الله عليه كان قد بعث أولئك ~~النقباء، وهم اثنا عشر نقيبا إلى تلك المدينة؛ ليتعرفوا أحوالهم، فلما ~~وصلوا إليها لقيهم رجل منهم، فأخذهم جملة في كمه وأتى بهم إلى الملك، ~~ونثرهم بين يديه، وقال هؤلاء الذين جاءوا ليقاتلونا؛ فقال الملك: ارجعوا ~~وأخبروهم بما لقيتم، فرجعوا. # وفي بعض التفاسير: أنهم أخذوا عنقودا من العنب، وجعلوه على عمود بين ~~رجلين حتى قدروا على حمله، وأخذوا رمانتين، وحملوهما على دابة كادت تعجز عن ~~حملهما فلما رجعوا إلى بني إسرائيل خوفوهم، وقالوا: إنكم لا تقاومونهم إلا ~~رجلين منهم: يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، وذكرهما في الآية الأخرى، وأما ~~الباقون من بني إسرائيل خالفوا وامتنعوا من قتالهم، وقالوا: يا موسى إن ~~فيها قوما جبارين {وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا ~~داخلون} . # PageV02P026 # {وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22) قال ~~رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه ~~فإنكم غالبون} # PageV02P027 # قوله - تعالى -: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} هما يوشع ~~وكالب (قالا) : {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} وذلك ms0362 باب ~~كانوا عرفوا أنهم إذا دخلوا من ذلك الباب غلبوا، (ويقرأ) في الشواذ: " قال ~~رجلان من الذين يخافون " - ضم الياء - فيكون معناه: رجلان من أولئك ~~العمالقة، قيل: أسلم رجلان منهم، وقالا هذه المقالة {وعلى الله فتوكلوا إن ~~كنتم مؤمنين} . # PageV02P027 # قوله - تعالى - {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها} وهذا ~~معلوم {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} قال الحسن: كفروا بهذه ~~المقالة، وقال غيره: بل فسقوا بمخالفة أمره، وتقدير قوله: {فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا} أي: فاذهب أنت، وليعنك ربك على القتال، وفيه قول آخر: أن معنى ~~قوله: {فاذهب أنت وربك} أي: وكبيرك، وأرادوا أخاه الأكبر هارون، والعرب ~~تسمي الكبير ربا، قال الله - تعالى - في قصة يوسف: {إنه ربي أحسن مثواي} ~~أي: كبيري وأراد به " عزيز مصر " ويحتمل أنهم قالوا ذلك لموسى؛ جهلا ~~وغباوة، ففسقوا به، وروى ابن مسعود عن النبي " أنه لما خرج يوم بدر، قال له ~~المقداد بن عمرو: لا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول: سر أنت حيث شئت [فإنا] معك سائرون " ~~وروى: " أن الأنصار قالوا يا رسول الله: لو ضربت بأكبادها إلى برك الغماد ~~سرنا معك " يعني: بأكباد الإبل إلى برك الغماد، وهو موضع. # PageV02P027 # قوله - تعالى -: {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} معناه: لا أملك إلا # PageV02P027 # {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) قالوا يا موسى إنا لن ندخلها ~~أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون (24) قال رب ~~إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) } نفسي، ~~وأخي لا يملك إلا نفسه، وقيل معناه: لا تطيعني إلا نفسي، ولا يطيعني إلا ~~أخي {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} أي: فافصل بيننا، و (قيل) معناه: ~~فاقض بيننا وبين القوم الفاسقين. # PageV02P028 # قوله - تعالى - {قال فإنها محرمة عليهم} قيل ها هنا تم الكلام، ومعناه: ~~أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أبدا، ولم يرد به: تحريم تعبد، وإنما أراد ~~به: تحريم ms0363 منع، فإنهم منعوا عنها، فلم يدخلوها أبدا، وإنما دخلها أولادهم، ~~وقيل الآية متصلة بعضها بالبعض. # وإنما حرمت عليهم أربعين سنة كما قال: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة} # (يتيهون في الأرض) وقد أوقفهم الله - تعالى - في التيه؛ عقوبة لهم على ما ~~خالفوا، وقيل: إن أرض التيه التي تاه فيها بنو إسرائيل كانت: ستة فراسخ في ~~طول اثنى عشر فرسخا، وكان عدد التائهين فيها: ستمائة ألف، قاموا فيها، ~~وكانوا كلما أمسوا من موضع للمسير، فإذا أصبحوا (أصبحوا) على ذلك الموضع، ~~وكلما أصبحوا من موضع للمسير، فإذا أمسوا أمسوا على ذلك الموضع، وهكذا كل ~~يوم إلى أن ماتوا فيها، وقيل: كان موسى وهارون فيهم، وإنما توفيا في التيه، ~~وقيل: لم يكونا فيهم، وإنما كان ذلك عقوبة عليهم، فلما ماتوا في التيه ونشأ ~~أولادهم، أقبل يوشع بن نون بأولادهم إلى الأرض المقدسة، وحارب العمالقة ~~ونصره الله تعالى عليهم حتى فتح تلك المدينة، وكان يوم الجمعة وضاق النهار ~~بهم فحبس الله - تعالى - الشمس ساعة حتى فتح المدينة ثم غربت الشمس من ليلة ~~السبت، إذ ما كان يجوز لهم عمل في السبت؛ ففزع الله قلوبهم يوم الجمعة؛ ~~فهذا جملة الكلام في قوله: ( {أربعين سنة يتيهون في الأرض} فلا تأس) أي فلا ~~تحزن {على القوم الفاسقين} . # PageV02P028 # {قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين (26) واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من ~~أحدهما ولم يتقبل من} # PageV02P029 # قوله - تعالى -: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا} قال ابن ~~عباس، وابن عمر، ومجاهد: أراد به ابنى آدم من صلبه هابيل، وقابيل، وقال ~~الحسن: أراد به رجلين من بني إسرائيل، والأصح هو الأول. # والقصة في ذلك: قيل: إن حواء كانت تلد كل بطن غلاما وجارية، فولدت بطنا ~~هابيل وأخته، وولدت بطنا قابيل وأخته، فأمر الله - تعالى - آدم أن يزوج أخت ~~هابيل من قابيل، وأخت قابيل من هابيل، ولم يرض قابيل، (وقال) : أنا أحق ~~بأختي، وكانت أحسن من أخت هابيل، ms0364 وفي بعض التفاسير: أن قابيل قال: أنا أحق ~~بأختي؛ لأني من نسل الجنة، وهابيل من نسل الأرض، وقيل: إن حواء علقت به في ~~الجنة؛ فمن ذلك قال: إني من نسل الجنة، فأمرهما آدم أن يقربا قربانا، فكل ~~من يقبل قربانه فهو أولى بتلك الأخت. # وكان هابيل صاحب غنم، وقابيل صاحب زرع، فعمد هابيل إلى كبش من أحسن غنمه، ~~وعمد قابيل إلى أخبث زرعه، ووضعاه موضعا، فجاءت النار، وأكلت قربان هابيل، ~~وكان ذلك علامة القبول يومئذ، ولم تأكل قربان قابيل؛ (فهذا) معنى قوله: {إذ ~~قربا قربانا فتقبل من أحدهما} يعني هابيل {ولم يتقبل من الآخر} يعني: قابيل ~~{قال لأقتلنك} حسده قابيل، وقصده ليقتله؛ فأجاب هابيل، وقال: {إنما يتقبل ~~الله من المتقين} عن المعاصي، وعن أبي الدرداء أنه [قال] : " لأن أعلم [أن] ~~الله - تعالى - قبل صلاة من صلاتي أحب إلي من الدنيا وما فيها؛ لأن الله - ~~تعالى - يقول: {إنما يتقبل الله من المتقين} قال قتادة: المتقون: أهل لا ~~إله إلا الله. # PageV02P029 # {الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) لئن بسطت إلي ~~يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (28) ~~إني أريد أن تبوء بإثمي} # PageV02P030 # قوله - تعالى -: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ~~إني أخاف الله رب العالمين} قال الحسن، ومجاهد: كان [من شرع آدم أن] : من ~~قصد بالقتل؛ فواجب عليه الكف عن الدفع، والصبر على الأذى، وكذا كان في شرع ~~نبينا في الابتداء، فأما قوله: {ما أنا بباسط يدي إليك} يعني: بالدفع. ~~وقيل: لم يكن ذلك شرعا، وإنما قال ذلك؛ استسلاما للقتل؛ وطلبا للأجر، وهذا ~~جائز لكل من يقصد قتله، أن يستسلم وينقاد، وكذا فعل عثمان رضي الله عنه - ~~وهو أحد قولي الشافعي، وفيه قول ثالث: أن المراد به: لئن ابتدأت بقتلي ما ~~أنا بمبتدئ بقتلك، والصحيح [آخر] القولين. # PageV02P030 # قوله - تعالى -: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ~~وذلك جزاء الظالمين} قال ابن عباس، وابن مسعود: معناه: ms0365 أن ترجع بإثم قتلي ~~وإثم معاصيك التي سبقت، فإن قابيل كان رجل سوء، وقيل: كان كافرا، وقيل: هو ~~أحد اللذين ذكرهما الله - تعالى - في " حم السجدة ": {وقال الذين كفروا ~~ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس} فالذي من الجن إبليس، والذي من ~~الإنس قابيل، وقال مجاهد: معنى قوله: {أن تبوء بإثمي وإثمك} : أن ترجع بإثم ~~قتلي، وإثم معصيتك التي لم يتقبل لأجلها قربانك، أو إثم حسدك إياي، وهذا ~~اختيار الزجاج، وقال ابن كيسان: إنما قال ذلك؛ على طريق التمثيل، يعني: لو ~~قتلت أنا كان علي الإثم، ولو قتلت أنت كان عليك الإثم، فأنا لا أقتل حتى ~~تقتل أنت؛ فتبوء بالإثمين، فيكون كلا الإثمين عليك، فإن قال قائل: كيف قال: ~~أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، وإرادة القتل والمعصية لا تجوز؟ أجابوا عنه من ~~وجوه: أحدها: قالوا: ليس ذلك بحقيقة إرادة، ولكنه لما علم أنه يقتله لا ~~محالة، ووطن نفسه على الاستسلام؛ طلبا للثواب، # PageV02P030 # {وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين (29) فطوعت له نفسه قتل ~~أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه ~~كيف} فكأنه مريد لقتله مجازا وإن لم يكن مريدا حقيقة، وقيل معناه: إني أريد ~~أن تبوء بعقاب قتلي، وعقاب قتلك؛ فتكون إرادة على موافقة حكم الله - تعالى ~~- فيه، ولا تكون إرادة للقتل بل لموجب القتل من الإثم والعقاب، وفيه قول ~~ثالث: أن معناه: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك؛ فكأنه كان يمنعه عن القتل، ~~وأراد ترك القتل؛ كيلا يبوء بالإثم. # PageV02P031 # قوله - تعالى -: {فطوعت له نفسه قتل أخيه} قال مجاهد: فشجعت له نفسه، ~~وقال قتادة: زينت له نفسه، وقيل: سهلت، وانقادت له نفسه، ومنه يقال: ظبية ~~أطاعت لها أصول الشجرة، أي: انقادت لأكلها. # (فقتله فأصبح من الخاسرين) أي: خسر بقتله الدنيا والآخرة، أما الدنيا: ~~لأنه أسخط والديه، وبقي بلا أخ، وأما الآخرة: لأنه أسخط ربه، واستوجب ~~النار. # والقصة في قتله إياه: أنه لما أراد قتله لم يعرف كيف يقتله، فجاء إبليس ~~بحجر، وقال: اشدخ به ms0366 رأسه، ففي رواية أنه رماه بذلك الحجر، وهو مستسلم له؛ ~~فشدخ رأسه، وفي رواية أخرى: اغتاله في النوم، وشدخ رأسه؛ فقتله، وشربت ~~الأرض دمه فلما جاء إلى آدم، قال له: أين هابيل؟ فقال: أجعلتني رقيبا عليه، ~~ما أدري! قال له آدم: إن الأرض تصرخ بدمه إلي، ثم لعن الأرض التي شربت دمه، ~~فلا تشرب الأرض بعد ذلك دما إلى يوم القيامة، وبكى آدم عليه كثيرا، وأنشأ ~~يقول: # (تغيرت البلاد ومن عليها ... ووجه الأرض مغبر قبيح) # (تغير كل ذي لون وطعم ... وقل بشاشة الوجه المليح) # وهذا أول قتل جرى في بني آدم، وفي الخبر " ما من رجل يقتل إلى يوم ~~القيامة؛ إلا وعلى ابن آدم كفل منه؛ فإنه أول من سن القتل ". # PageV02P031 # {يواري سوءة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة ~~أخي فأصبح من النادمين (31) من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل ~~نفسا بغير} # PageV02P032 # قوله - تعالى -: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض} في القصص: أن قابيل لما ~~(قتله رجع إليه) ، وأخذه، وجعله في جراب وحمله على عاتقه أربعين يوما، وقال ~~ابن عباس، سنة كاملة، قال مجاهد: مائة سنة حتى أنتن على عاتقه، وما كان ~~يعرف مواراته: فبعث الله غرابين فاقتتلا، [فقتل] أحدهما الآخر، ثم إن ~~القاتل منهما بحث في الأرض ليواري الثاني، وقيل: كان ملكا على صورة غراب ~~{يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه} أي: جيفة أخيه، وقيل: عورة ~~أخيه؛ لأنه كان قد سلبه ثيابه. # {قال يا ويلتي} وهذه كلمة دعاء الهلاك {أعجزت أن أكون} أضعفت أن أكون ~~{مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} فإن قال قائل: هل كان ~~ندمه على القتل توبة منه؟ # قيل: لم يكن ندم على القتل، وإنما معناه: أنه أصبح من النادمين على حمله ~~على عاتقه، (والتطواف) به؛ لما (لحقه) من التعب فيه، وقيل: إنما ندم لقلة ~~النفع بقتله؛ فإنه أسخط والديه، وما نفع بقتله شيئا؛ فندم على ذلك، لا أنه ~~ندم على القتل، ms0367 وفي القصة أنه لما قتله استوحش من الناس، وكان كلما لقي ~~إنسانا ظن أنه يأتي ليقتله فهرب منه، وكان هكذا أبدا حتى قتله بعض أولاده. # PageV02P032 # قوله - تعالى -: {من أجل ذلك} أي: من خيانة ذلك {كتبنا على بني إسرائيل ~~أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض} قرأ الحسن: " أو فساد في الأرض ~~" تقديره بغير نفس، وبغير أن عمل فسادا في الأرض، والمعروف: أو فساد في ~~الأرض، وتقديره: بغير نفس، وبغير فساد في الأرض: من كفر، أو زنا، ونحوه، # PageV02P032 # {نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا ~~الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض ~~لمسرفون (32) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~أن يقتلوا أو يصلبوا أو} يوجب إباحة قتله على ما قاله: " لا يحل دم امرئ ~~مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس ~~". # {فكأنما قتل الناس جميعا} قال ابن عباس: معناه: من قتل نفسا بغير نفس فقد ~~أوبق نفسه كما إذا قتل الناس جميعا؛ (فقد أوبق نفسه) {ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا} أي: ومن امتنع عن قتل واحد من الناس؛ فيكون كأنه أحيا ~~الناس جميعا، وقال قتادة: معناه من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا من ~~الإثم، ومن أحياها، أي: تعفف وامتنع عن قتلها، فكأنما أحيا الناس جميعا في ~~الثواب، وقيل: معناه: من قتل نفسا، فكأنما قتل الناس جميعا على معنى أن ~~جميع الناس خصماؤه فيه، ومن أحياها، فكأنما أحيا الناس جميعا، على معنى ~~أنهم يشكرونه، ويحمدونه على العفو، أو ترك القتل. # {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} ~~. # PageV02P033 # قوله - تعالى -: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من ~~الأرض} . # قال ابن عباس: الآية في قوم من المشركين، كان بينهم وبين النبي ms0368 عهد، ~~فنقضوا العهد، وسعوا في الأرض بالفساد، وقال أنس: " الآية في رهط من عرينة، ~~أتوا النبي ووجوههم مصفرة، وبطونهم منتفخة؛ فبعثهم رسول الله إلى إبل ~~الصدقة؛ ليشربوا من أبوالها، وألبانها، ففعلوا فلما صحوا، قتلوا الراعي، ~~واستاقوا الذود؛ فبعث سول الله في طلبهم، فأدركوهم، فأتي بهم إلى النبي، ~~فقتل بعضهم (وقطع) بعضهم من خلاف وسمل أعين بعضهم، وتركهم في الحرة حتى # PageV02P033 # {تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ~~ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~فاعلموا أن الله} ماتوا " وفيهم نزلت الآية {إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله} . # قيل: معناه يحاربون أولياء الله، وقيل: هو صحيح في العربية، فإن من عصى ~~غيره فقد حاربه، فهؤلاء إذا عصوا الله ورسوله، فكأنهم حاربوا الله ورسوله، ~~ويدخل في جملتهم كل العاصين، وقطاع الطريق، وغيرهم. # وقوله: {أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم} اختلفوا فيه، أنه على ~~الترتيب، أم على التخيير؟ قال ابن عباس - في رواية، وهو قول الحسن، وقتادة، ~~وإبراهيم النخعي، ومجاهد -: إنها على التخيير، فيخير الإمام في فعل هذه ~~الأشياء. # القول الثاني: - وهو الرواية الثانية عن ابن عباس، وبه قال أبو مجلز لاحق ~~بن حميد -: إنه على الترتيب، فإن قتلوا: قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال: ~~قطعوا من خلاف، وإن جمعوا بين الأخذ والقتل: قطعوا، وقتلوا، إن أخافوا ~~السبيل ولم يأخذوا المال ولم يقتلوا: ينفوا من الأرض. # ثم اختلفوا في النفي، قال الزهري: إن الإمام يطلبه في كل بلد يؤخذ، وينفى ~~عنه، وهكذا في كل بلد يذكر به، يطلب؛ فينفى عنه، وهذا قول الشافعي. # وقال عمر بن عبد العزيز: إنه ينفى من جميع بلاد الإسلام، وقال أهل ~~الكوفة: النفي من الأرض هو الحبس، والحبس نفي من الأرض، قال الشاعر يصف ~~قوما محبوسين: # (خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى) # (إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا) # {ذلك لهم خزي في الدنيا} أي: ms0369 فضيحة: ونكال ( {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} # PageV02P034 # إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) قال ابن عباس: معناه: إلا # PageV02P034 # {غفور رحيم (34) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ~~وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا} الذين أسلموا؛ لأنه حمل الآية الأولى على ~~المشركين، وقيل: هو على حقيقة التوبة، فإذا تاب قطاع الطريق قبل الظفر بهم؛ ~~أمنهم الإمام، وهذا محكي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فإنه أمن ~~[حارثة] بن بدر لما قطع الطريق، ثم تاب قبل قدرته عليه، وقيل: إنما تنفعه ~~التوبة من حقوق الله - تعالى - فأما حق الآدمي: من القود، والمال فلا يسقط ~~بالتوبة، وهذا قول الشافعي. # وقوله {من قبل أن تقدروا عليهم} خطاب للأئمة، أي: من قبل الظفر بهم ~~{فاعلموا أن الله غفور رحيم} . # PageV02P035 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} ~~الوسيلة: القربة، وقيل: هو معنى ما ورد في الخبر " الوسيلة: درجة في الجنة ~~ليس فوقها درجة " وقال زيد بن أسلم: أراد به تحببوا إلى الله - تعالى - ~~فالوسيلة بمعنى المحبة. {وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون} . # PageV02P035 # قوله - تعالى -: {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به} أي: لو كانوا مفتدين به من عذاب يوم القيامة {ما تقبل منهم ~~ولهم عذاب أليم} وفي الخبر: " يقول الله - تعالى - للكافر يوم القيامة: لو ~~كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتديا به اليوم؟ فيقول بلى يا رب، فيقول الله ~~- تعالى - سئلت أهون من هذا ". # PageV02P035 # {به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) يريدون أن ~~يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37) والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم (38) فمن تاب ~~من بعد ظلمه وأصلح} # PageV02P036 # قوله - تعالى -: {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم ~~عذاب مقيم} فإن قيل: إذا لم يكونوا خارجين منها، ms0370 كيف يريدون الخروج؟ قيل: ~~يريدون ذلك جهلا؛ ظنا أنهم يخرجون. # وقيل: يتمنون ذلك، فهي إرادة بمعنى التمني، وليس بحقيقة الإرادة. # PageV02P036 # قوله - تعالى -: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وفي مصحف ابن مسعود: ~~فاقطعوا أيمانهما، وهو معنى القراءة المعروفة، فإن قال قائل: كيف قال ~~{أيديهما} والمذكور اثنان، ولم يقل: يديهما؟ قيل: لم يرد به سارقا واحدا، ~~أو سارقة واحدة، وإنما ذكر الجنس؛ فلذلك ذكر الأيدي. قال الفراء، والزجاج: ~~كل ما يوحد في الإنسان، فإذا ذكر منه اثنان يجمع؛ يقول الله - تعالى - {فقد ~~صغت قلوبكما} وتقول العرب: ملأت ظهورهما وبطونهما ضربا، ولكل واحد ظهر وبطن ~~واحد، فكذلك اليمين للإنسان واحدة؛ فيجمع عند التثنية، فإن قيل: قد أمر هنا ~~بقطع آلة السرقة، ولم يأمر في الزنا بقطع آلة الزنا، فما الحكمة فيه؟ قيل: ~~كلاهما ثبت شرعا، غير معقول المعنى. وقيل: الحكمة فيه: أن من قطع الذكر قطع ~~النسل، وليس ذلك في قطع اليد؛ أو لأن اليد إذا قطعت، وانزجر عن السرقة، ~~تبقى له اليسار؛ عوضا عن اليمين، وأما الذكر إذا قطع، وحصل الانزجار، لا ~~يبقى له عوض عن الذكر [فلذلك] افترقا {جزاء بما كسبا نكالا من الله} ~~النكال: كل عقوبة تمنع الإنسان عن فعل ما عوقب عليه {والله عزيز حكيم} ~~ومعناه: مقتدر على معاقبة الخلق، {حكيم} فيما أوجب من العقوبة، وحكى عن ~~الأصمعي أنه [قال] : قد كنت أقرأ هذه الآية وبجنبي أعرابي، فقرأت: نكالا من ~~الله والله غفور رحيم؛ فقال الأعرابي: هذا كلام من؟ فقلت: كلام الله، فقال ~~الأعرابي: ليس هذا من كلام الله. # PageV02P036 # {فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) ألم تعلم أن الله له ملك ~~السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير (40) يا ~~أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ~~ولم تؤمن} فتنبهت وقرأت {نكالا من الله والله عزيز حكيم} فقال الأعرابي: ~~هذا كلام الله، ثم سألته عن ذلك، فقال: إن الله لا يذكر العقوبة على العبد ~~ثم يقول: " والله ms0371 غفور رحيم "، وإنما يليق بذكر العقوبة: العزيز الحكيم. # PageV02P037 # قوله - تعالى -: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله ~~غفور رحيم) قال مجاهد: قطع السارق توبته، فإذا قطع، فقد حصلت التوبة، ~~والصحيح: أن القطع للجزاء على الجناية، كما قال: {جزاء بما كسبا} فلا بد من ~~التوبة بعده، وتوبته: الندم على ما مضى، والعزم على تركه في المستقبل. # PageV02P037 # قوله - تعالى -: {ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} الخطاب مع ~~الرسول، والمراد به الجميع، وقيل (معناه) : ألم تعلم أيها الإنسان؛ فيكون ~~خطابا لكل واحد من الناس. {يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء} قال ابن عباس: ~~يعذب من يشاء على الصغيرة، ويغفر لمن يشاء الكبيرة، وقال غيره: يعذب من ~~يشاء: من مات مصرا، ويغفر لمن يشاء: من مات تائبا {والله على كل شيء قدير} ~~. # PageV02P037 # قوله - تعالى -: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} أي: ~~لا يحزنك مسارعتهم في الكفر؛ فإن قيل: كيف لا يحزنه كفرهم، والإنسان يحزن ~~على كفر الغير ومعصيته؛ شفقة على الدين؟ قيل: معناه: لا يحزنك فعل الذين ~~يسارعون في الكفر، على (معنى: أن) فعلهم لا يضرك. # {من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} يعني: المنافقين. # {ومن الذين هادوا سماعون للكذب} يعني: اليهود {سماعون للكذب} أي: وهم ~~سماعون للكذب، أي: قائلون للكذب، كقول المصلي: سمع الله لمن حمده. أي: قبل ~~الله لمن حمده. وقال الزجاج: معناه: سماعون لأجل الكذب؛ فإنهم كانوا # PageV02P037 # {قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون ~~الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن ~~يرد} يسمعون من الرسول، ويخرجون، ويكذبون {سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} أي: ~~جواسيس لقوم آخرين لم يأتوك، وهم أهل خيبر، يصف المنافقين واليهود، وأما ~~المنافقون: كانوا جواسيس اليهود، وأما اليهود كانوا جواسيس لأهل خيبر، وسئل ~~سفيان: هل في القرآن للجاسوس ذكر؟ # فقال: (بلى) وقرأ هذه الآية. # {يحرفون الكلم من بعد مواضعه} أي: من بعد ما وضعه الله ms0372 مواضعه، وتحريفهم ~~الكلم: هو كتمان آية الرجم. # {ويقولون إن أويتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} . # سبب نزول الآية [هذه] : أن يهوديين زنيا من أشراف اليهود، فكرهوا رجمهما؛ ~~فقالوا: نبعث إلى محمد نسأله، فإن أفتى بالجلد وتحميم الوجه، نأخذ به، وإن ~~أفتى بغيره، لا نأخذ به، فهذا معنى قوله: {إن أوتيتم هذا} يعني: ما توافقوا ~~عليه من الجلد والتحميم {فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} أي: إن أفتى بالرجم ~~فلا تأخذوا به، وقيل: " إن هذا كان في يهود خيبر، فبعثوا إلى يهود المدينة ~~حتى يسألوه، فسألوا رسول الله، فأفتى بالرجم " وتمام القصة: " أنه - عليه ~~السلام - دعا ابن صوريا الأعور، وقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على ~~موسى، ما حد الزنا في كتابكم؟ فقال: أما إنك إذا أنشدتني بالله، فحد الزنا ~~في كتابنا: الرجم، لكن كثر الزنا في أشرافنا؛ فكنا إذا زنى الشريف منا ~~تركناه، وإذا زنا الوضيع رجمناه، ثم اتفقنا على أمر يستوي فيه الشريف ~~والوضيع، وهو الجلد والتحميم، فقال: أنا أحق بإحياء سنة أماتوها، ودعا ~~باليهوديين اللذين زنيا وأمر برجمهما " والحديث في # PageV02P038 # {الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41) سماعون للكذب ~~أكالون للسحت} صحيح مسلم. # وفي الآية قول آخر: أنها في القتل، والقصة في ذلك: أن بني النضير كان لهم ~~قتل على بني قريظة، وكان القرظي إذا قتل يسأل محمدا؛ فإن أفتى بالدية يأخذ ~~به، وإن أفتى بغيرها يحذره، فسألوه. فأفتى بالقود. فهذا معنى قوله: {إن ~~أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} والأول أصح {ومن يرد الله فتنته} ~~قال السدي: ضلالته، وقال الحسن: عذابه، وقال الزجاج: فضيحته {فلن تملك له ~~من الله شيئا} أي: فلن تقدر على دفع أمر الله فيه. # {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} وفيه دليل على من ينكر القدر ~~{لهم في الدنيا خزي} ويرجع هذا إلى المنافقين، واليهود، أما خزي المنافقين: ~~أنه أظهر نفاقهم في ms0373 الدنيا، وأما خزي اليهود: أنه بين تحريفهم {ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم} . # PageV02P039 # قوله - تعالى -: {سماعون للكذب} (ذكره) ثانيا مبالغة وتأكيدا {أكالون ~~للسحت} قال ابن مسعود: هو الرشوة، والسحت: الحرام، قال: (كل لحم نبت من سحت ~~فالنار أولى به " وأصل السحت: الاستئصال؛ فالحرام سحت؛ لأنه يستأصل البركة، ~~قال الشاعر: # PageV02P039 # {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن ~~حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين (42) وكيف يحكمونك وعندهم ~~التوارة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (43) إنا} # (وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحت أو مجلف) # يعني: إلا مال لا بركة فيه، وأشياء قلائل {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم} قال ابن عباس: هو منسوخ بقوله: {وان احكم بينهم بما أنزل الله} وبه ~~قال مجاهد، وعكرمة. وقال الشعبي: والنخعي - وهو قول الحسن - إنها ليست ~~بمنسوخة. قال الحسن: ليس في المائدة آية منسوخة، وقالوا: معنى قوله: {وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله} يعني إن حكمت واخترت الحكم، وليس بأمر حتم هذا ~~التخيير بين الحكم والإعراض فيما إذا تحاكم ذميان، فأما إذا تحاكم مسلم ~~وذمي يجب الحكم. # وقيل: هذا التخيير في الحكم بحقوق الله - تعالى - وأما في حقوق الآدميين ~~فلا بد من الحكم. # {وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} أي: بالعدل ~~{إن الله يحب المقسطين} . # PageV02P040 # قوله - تعالى -: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} هذا تعجيب ~~للرسول، يعني: كيف يتحاكمون إليك، وفي زعمهم أن عندهم التوراة وهي الحق، ~~وأنك كاذب؟ # {ثم يتولون من بعد ذلك} أي: لا يرضون بحكمك {وما أولئك بالمؤمنين} أي: ~~بمصدقين لك. # PageV02P040 # قوله - تعالى -: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا} أي: أسلموا لأمر الله، كما قال لإبراهيم: {أسلم قال أسلمت ~~لرب # PageV02P040 # {أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ~~فلا تخشوا ms0374 الناس واخشون} العالمين) أي: سلمت لأمر رب العالمين، وأراد به: ~~النبيين الذين بعثوا بعد موسى؛ ليحكموا على حكم التوراة، وقوله: {للذين ~~هادوا} فيه تقديم وتأخير، وتقديره: فيها هدى، ونور للذين هادوا، ثم قال: ~~{يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون} وقيل: هو على موضعه، ومعناه: ~~يحكم بها النبيون الذين أسلموا على الذين هادوا، وهو مثل قوله: {أولئك لهم ~~اللعنة} أي: عليهم اللعنة، وقال لعائشة: " اشترطي لهم الولاء " أي: عليهم ~~الولاء كذا قال النحاس، وقيل: فيه حذف، كأنه قال: للذين هادوا على الذين ~~هادوا؛ فحذف أحدهما؛ اختصارا {والربانيون} قال أبو رزين: هم العلماء ~~الحكماء، وأصل الرباني: رب العلم، فزيد فيه الألف والنون؛ للمبالغة، وقيل: ~~الربانيون من النصارى، والأحبار من اليهود، وقيل: كلاهما من اليهود، ~~والربانيون فوق الأبار. قال المبرد: والأحبار: مأخوذ من التحبير، وهو ~~التحسين، ومنه الحديث: " يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره " أي حسنه ~~وجماله، وقيل: هو من التحبير بمعنى التأثير، ومنه الحبر، فسمى العالم: ~~حبرا؛ لتأثير علمه فيه وفي غيره، كأنه العالم العامل، والحبر والحبر واحد، ~~وجمعه الأحبار، قال الفراء: وأكثر ما سمعت: الحبر - بكسر الحاء - وجمعه ~~أحبار. # {ما استحفظوا} أي: بما استودعوا {من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا ~~تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} . # PageV02P041 # {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون (44) وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف ~~بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة ومن ~~لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45) } # {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال البراء بن عازب - ~~وهو قول الحسن -: الآية في المشركين. قال ابن عباس: الآية في المسلمين، ~~وأراد به كفر دون كفر، واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية، ويقولون: من ~~لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم، ~~وللآية تأويلان: أحدهما معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا وجحدا فأولئك ~~هم ms0375 الكافرون. والثاني معناه: ومن لم يحكم بكل ما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون، والكافر هو الذي يترك الحكم بكل ما أنزل الله دون المسلم. # PageV02P042 # قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف ~~بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} ويقرأ بقراءتين من قوله: ~~{والعين بالعين} فيقرأ بالنصب إلى آخره، ويقرأ بالرفع. # شرع القصاص في النفس والأطراف في هذه الآية، وأشار إلى أنه كان حكم ~~التوراة {فمن تصدق به} يعني: بالعفو عن القصاص {فهو كفارة له} اختلفوا في ~~أن كناية الهاء راجعة إلى من؟ قال ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص: ~~هو راجع إلى المجروح، يعني: العفو، وقال ابن عباس: هو راجع إلى الجارح، ~~كأنه جعل العفو كالاستيفاء منه؛ فيكون كفارة له كما لو اقتص منه {ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} . # PageV02P042 # قوله - تعالى -: {وقفينا على آثارهم} يعني: أتبعنا على آثارهم، وأراد به: ~~النبيين الذين أسلموا {بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوارة} ~~يعني: عيسى مصدقا بالتوراة. # PageV02P042 # {وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة ~~وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة ~~للمتقين (46) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الفاسقون (47) وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم} # {وآتينا الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا} يعني: الإنجيل {لما بين يديه من ~~التوراة وهدى وموعظة للمتقين} . # PageV02P043 # قوله - تعالى -: {وليحكم أهل الإنجيل} يعني: وقلنا: وليحكم أهل الإنجيل ~~{ما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} . # PageV02P043 # قوله - تعالى -: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق} يعني: القرآن {مصدقا لما ~~بين يديه من الكتاب} يعني: سائر الكتب المنزلة قبله {ومهيمنا عليه} قال ابن ~~عباس: أي: أمينا عليه. قال (المبرد) : أصله: مؤيمنا، فقلبت الهمزة هاء، كما ~~يقال: أرقت الماء وهرقته. ومعناه: الأمين، وقيل: معناه: شاهدا عليه، وقال ~~أبو عبيدة: أي: ms0376 رقيبا حافظا، والمعاني متقاربة، ومعنى الكل أن كل [كتاب] ~~يصدقه القرآن، ويشهد بصدقه، فهو كتاب الله، وما لا فلا. وقرأ مجاهد " ~~ومهيمنا " بفتح الميم، يعني: محمد مؤيمنا عليه، وفي الأثر أن عمر - رضي ~~الله عنه - قال: إذا دعوت الله فهيمنوا أي أمنوا " قال الشاعر: # (ألا إن خير الناس بعد محمد ... مهيمنه تاليه في العرف والنكر) # أراد أبا بكر أمينة وحافظه، يتلوه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~{فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} أي: لا ~~تعرض عما جاءك وتتبع أهواءهم. # {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} فالشرعة: الطريق الواضح، وكذلك المنهاج. ~~قال المبرد: الشرعة: ابتداء الطريق، والمنهاج: الطريق المستمر. واعلم أن ~~الشرائع مختلفة، ولكل قوم شريعة، فلأهل التوراة شريعة، ولأهل الإنجيل ~~شريعة، ولأهل الإسلام شريعة، وأما الدين في الكل واحد، وهو التوحيد. # PageV02P043 # {بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا ~~الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل ~~الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما} # {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم} أي: ليختبركم. {فيما آتاكم ~~فاستبقوا الخيرات} فبادروا إلى الخيرات {إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما ~~كنتم في تختلفون} . # PageV02P044 # قوله - تعالى -: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم ~~أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} قيل: سبب نزول الآية: " أن قوما من ~~رؤساء اليهود جاءوا إلى النبي وقالوا: يا محمد، لو آمنا بك آمن بك غيرنا، ~~ولنا خصومات بين الناس؛ فاقض لنا عليهم؛ نؤمن بك، ويتبعنا غيرنا "، ولم يكن ~~قصدهم الإيمان به، وإنما قصدوا التلبيس، ودعوته إلى الحكم بالميل؛ فنزلت ~~الآية. # {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا} فإن أعرضوا ~~{فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} وقيل: ms0377 معناه: بكل ذنوبهم، ~~فعبر بالبعض عن الكل، وقيل: معناه: يصيبهم ببعض ذنوبهم في الدنيا {وإن ~~كثيرا من الناس لفاسقون} . # PageV02P044 # وقوله: {أفحكم الجاهلية يبغون} يقرأ بالياء والتاء ومعناهما واحد يعني ~~أنهم إذا لم يرضوا بحكم الله، وأرادوا خلاف حكم الله، فقد طلبوا حكم ~~الجاهلية، وقرأ الحسن، وقتادة والأعمش، والأعرج: أفحكم الجاهلية بمعنى: ~~الحاكم. يبغون: يطلبون {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} # PageV02P044 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~بعضهم أولياء بعض} قيل: نزلت في عبادة بن الصامت، وعبد الله بن أبي سلول # PageV02P044 # {يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) أفحكم ~~الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50) يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم إن} اختصما فقال عبادة: أنا أتبرأ من اليهود ولا أتولاهم، وقال ~~عبد الله بن أبي: أنا أتولاهم ولا أتبرأ منهم؛ فإني أخشى الدوائر، فنزلت ~~الآية وقيل: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر بعثه النبي إلى بني قريظة حين ~~حاصرهم، فاستشاروا في النزول، وقالوا: ماذا يصنع بنا إذا نزلنا؟ فأشار ~~إليهم بالقتل، وجعل أصبعه على حلقه يعني: يقتلكم؛ متنصحا لهم، وقيل: نزلت ~~في يوم أحد، فإنه لما انقضى حرب أحد، وأصاب المسلمين ما أصابهم، قال بعض ~~أهل المدينة: نحن نتولى اليهود، وقال بعضهم: نتولى النصارى؛ فإنا نخشى أن ~~لا يتم أمر محمد، وأن يدور الأمر علينا؛ فنزلت الآية: {لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين} . # PageV02P045 # قوله - تعالى -: {فترى الذين في قلوبهم مرض} أي: نفاق {يسارعون فيهم} ~~يعني: في معونتهم وموالاتهم، وفيه حذف، كما قال الله - تعالى -: {واسأل ~~القرية} أي: أهل القرية {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} قال ابن عباس: ~~معناه: نخشى أن لا يتم أمر محمد؛ فيدور الأمر علينا، وقال غيره: معناه: ~~نخشى أن يكون قحط؛ فلا يتفضلوا علينا بالثمار؛ [إذ] كانت اليهود أصحاب ms0378 ~~النخيل والثمار، والأول أصح. # {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده} قيل: أراد به فتح مكة. وقيل ~~(هو فتح) قرى اليهود مثل خيبر، وفدك، وتيما ووادي القرى. {أو أمر من عنده} ~~قيل: هو إتمام أمر محمد، وقيل: هو إجلاء بني النضير، وقيل: قتل بني قريظة، ~~وقيل: # PageV02P045 # {الله لا يهدي القوم الظالمين (51) فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون ~~فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعس الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء ~~الذين أقسموا بالله جهد} هو الإخبار بأسماء المنافقين؛ ليفتضحوا. {فيصبحوا ~~على ما أسروا في أنفسهم نادمين # PageV02P046 # ويقول الذين آمنوا) يعني: [لليهود] حين انكشف حال المنافقين: {أهؤلاء ~~الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} . # PageV02P046 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} وقرأ أهل ~~المدينة والشام: " من يرتدد " والمعنى واحد {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه} قال علي، والحسن: نزل هذا في أبي بكر وأصحابه. وكان الحسن يحلف ~~على هذا، أنه نزل في أبي بكر وأصحابه، وذلك أن النبي لما خرج إلى رحمة الله ~~ارتدت العرب، ولم يبق الإسلام إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد ~~المدينة، ومسجد البحرين؛ فهم أبو بكر بالقتال، وكره الصحابة ذلك، وقالوا: ~~إن بعضهم منع الزكاة، ولم يتركوا الصلاة، وقال أبو بكر: والله (لأقاتلن من) ~~فرق بين الصلاة والزكاة، وقيل: إنه سل سيفه، وخرج وحده، وقال: أقاتل وحدي، ~~ثم وافقه الصحابة، قال ابن مسعود: كرهنا ذلك لك في الابتداء، ثم حمدناه ~~عليه في الانتهاء، قال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد مولود ~~بعد النبيين أفضل من أبي بكر، لقد قام مقام نبي من الأنبياء، يعني: في قتال ~~أهل الردة، وردهم إلى الإسلام. # وروى عياض الأشعري: " أن النبي قرأ هذه الآية {فسوف يأتي الله بقوم} ~~وأشار إلى أبي موسى الأشعري، وقال: هذا وأصحابه " وكانوا من أهل اليمن، # PageV02P046 # {أيمانهم إنهم لمعكم حبطت ms0379 أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) يا أيها الذين ~~آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على} ولأهل اليمن أمر عظيم في الفتوح التي وقعت في الإسلام، ~~وقد صح عن النبي أنه قال: " الإيمان يمان، والحكمة يمانية " وقيل: أراد ~~بالآية: قوما كان أكثرهم من أهل اليمن؛ فتحوا القادسية في زمان عمر. والأول ~~أصح {أذلة على المؤمنين} ليس من الذل، وإنما هو من الذلة، وهي اللين. # وقوله: {أعزة على الكافرين} ليس من العز وإنما هو من العزة؛ وهي: الشدة، ~~يعني: أن جانبهم لين على المؤمنين، شديد على الكافرين، وقرأ ابن مسعود: " ~~أذلة على المؤمنين غلظاء على الكافرين " وهي معنى القراءة المعروفة. # {يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم} يعني: لا يخافون في الله لوم ~~الناس، وروى ابن مسعود عن النبي أنه قال: " من أراد الجنة لا شك، فلا يخاف ~~في الله لومة لائم " {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} . # قوله - تعالى -: {إنما وليكم الله ورسوله} هذا راجع إلى قوله: {لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء} لما منعهم من موالاة اليهود والنصارى، دعاهم إلى ~~موالاة الله ورسوله. # {والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} يعني: ~~مصلون؛ إلا أنه خص الركوع تشريفا، وقيل: معناه: خاضعون، وقال السدي: - وهو ~~رواية عن مجاهد - إن هذا أنزل في علي بن أبي طالب، كان في الركوع، ومسكين # PageV02P047 # {الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء والله واسع عليم (54) إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين ~~آمنوا فإن حزب الله} يطوف في المسجد فنزع خاتمه، ودفع إليه، فهذا معنى ~~قوله: {ويؤتون الزكاة وهم راكعون} وعن أبي جعفر محمد بن علي الباقر أنه ~~قال: نزلت الآية في المؤمنين، فقيل له: إن قوما يقولون: إن الآية نزلت في ~~علي بن أبي طالب، فقال أبو جعفر: علي من المؤمنين. # PageV02P048 # وقوله: {إنما وليكم ms0380 الله ورسوله} أراد به: الولاية في الدين، لا ولاية ~~الإمارة والسلطنة، وهم فوق كل ولاية، قال أبو عبيدة: وكذلك معنى قوله: " من ~~كنت مولاه فعلي مولاه " يعني: من كنت وليا له، أعينه وأنصره، فعلي يعينه ~~وينصره في الدين. # PageV02P048 # قوله: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} أي: ~~جند الله هم الغالبون، # PageV02P048 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هذوا ~~ولعبا} هذا في اليهود، كانوا إذا سمعوا المؤذن ضحكوا، وتغامزوا بينهم {من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني: اليهود {والكفار} : سائر الكفرة ~~{أولياء} أي: لا تتخذوا هؤلاء أولياء. وقرأ الكسائي، وأبو عمرو: " والكفار ~~" بكسر الراء، يعني: ومن الكفار، وكذا في حرف أبي بن كعب " ومن الكفار ~~أولياء " ( {واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} # PageV02P048 # وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا) هذا بيان لاتخاذهم الدين ~~هزوا في الآية الأولى {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} . # PageV02P048 # {هم الغالبون (56) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ~~هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين (57) وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم ~~لا يعقلون (85) قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم} # و (في) الحكايات: أن واحدا من المنافقين يقال له: ضمرة، سمع المؤذن يؤذن، ~~فقال: حرق الله الكاذب؛ فجاءه خادمه بسراج في بعض تلك الليالي، فوقعت شرارة ~~من السراج، ولم (يشعر) به، فاحترق هو وما في البيت. # PageV02P049 # قوله - تعالى -: {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا} أي: هل تكرهون منا ~~{إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون} أي: ~~هل تنقمون منا إلا بإيماننا وفسقكم، قال الشاعر: # (ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم (يحملون) إن غضبوا) # (وأنهم سادة الملوك ... ولا يصلح إلا عليهم العرب) # أي: كرهوا من بني أمية. # PageV02P049 # قوله - تعالى -: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك ms0381 مثوبة عند الله} أي: قل: [هل] ~~أخبركم بشر من ذلك ثوابا وعاقبة عند الله؟ {من لعنه الله وغضب عليه} يعني: ~~اليهود {وجعل منهم القردة والخنازير} قيل: جعل القردة القردة من اليهود، ~~والخنازير من النصارى، فالذين جعلهم قردة من اليهود: أصحاب السبت، والذين ~~جعلهم خنازير من النصارى: أصحاب المائدة، وقيل: كلاهما من اليهود، فجعل ~~شبانهم قردة وشيوخهم خنازير {وعبد الطاغوت} أي: ومن عبد الطاغوت، يعني من ~~لعنه الله ومن عبد الطاغوت وقرأ حمزة: " وعبد الطاغوت " بضم الباء في عبد، ~~وكسر التاء في الطاغوت، والمعنى واحد، قل الشاعر: # (أبني لبينى إن أمكم ... أمة وإن وإني أباكم عبد) # PageV02P049 # فاسقون (59) قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب ~~عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء ~~السبيل (60) وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ~~والله أعلم بما كانوا يكتمون (61) وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم ~~والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون (62) لولا ينهاهم الربانيون ~~والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63) وقالت ~~اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم) أي: كأعبد، وقيل: هذا خطأ من حمزة، ~~والأول أصح، ويقرأ في الشواذ: " وعباد الطاغوت " ويقرأ: " وعبدة الطاغوت " ~~وتقديره: وجعل منهم عباد الطاغوت، والكل في المعنى سواء. # {أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل} أي: عن طريق الحق. # PageV02P050 # قوله - تعالى -: {وإذا جاءوكم قالوا آمنا} قيل: نزلت الآية في قوم من ~~اليهود، دخلوا على النبي، وقالوا: إنا آمنا بك، وصدقناك فيما قلت، وهم ~~يسرون الكفر؛ فنزلت الآية {وإذا جاؤكم} يعني: أولئك قالوا: آمنا {وقد دخلوا ~~بالكفر وهم قد خرجوا به} يعني: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين {والله أعلم ~~بما كانوا يكتمون} . # PageV02P050 # قوله - تعالى -: {وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان} قيل: ~~الإثم: المعاصي، والعدوان: الظلم، وقيل: الإثم: كتمان أمر محمد وما كتموا ~~من التوراة، والعدوان ما زادوا في التوارة. {وأكلهم السحت} قد بينا معنى ~~السحت، والسحت لغتان، وقيل: أراد به أكلهم ms0382 الربا {لبئس ما كانوا يعملون} . # PageV02P050 # قوله: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} ~~يعني: هلا ينهاهم الربانيون، وقد ذكرنا معنى الربانيين، وقيل: هو منسوب إلى ~~الرب، كالبحراني منسوب إلى البحرين، والنجراني منسوب إلى نجران {لبئس ما ~~كانوا يصنعون} وفي حرف ابن مسعود: " يعملون " وكلاهما واحد. # PageV02P050 # قوله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة} سبب هذا: أن اليهود كانوا في ~~خصب وسعة رزق قبل هجرة النبي، فلما هاجر إلى المدينة، ضيق الله الرزق عليهم ~~فقالت اليهود: يد الله مغلولة: أي ممسكة لا ينفق، كأنهم نسبوه إلى البخل، # PageV02P050 # {ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما ~~أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله ~~لا يحب المفسدين (64) ولو أن} وقال الحسن: أرادوا به: يد الله مغلولة لا ~~يعذبنا [بها] {غلت أيديهم} يجيبهم الله تعالى؛ فيقول: أنا الجواد، وهم ~~البخلاء، وأيديهم هي المغلولة الممسكة، قاله الزجاج، وقيل: معناه: أنهم ~~يعذبون يوم القيامة. # {ولعنوا بما قالوا} فمن عنهم أنهم: مسخوا قردة وخنازير، ومن لعنهم: أنهم ~~ضربت عليهم الذلة والجزية. # {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} يعني: [يدا] الله مبسوطتان، يرزق وينفق ~~على مشيئته كيف يشاء، قال أهل العلم: ليس في هذا رد على اليهود في إثباتهم ~~اليد لله - تعالى - وإنما الرد عليهم في نسبته إلى البخل، وأما اليد: صفة ~~لله - تعالى - بلا كيف، وله يدان، وقد صح عن النبي أنه قال: " كلتا يديه ~~يمين ". والله أعلم بكيفية المراد. # {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} على معنى أنه ~~كلما نزلت آية كفروا بها، وازدادوا طغيانا وكفرا {وألقينا بينهم العداوة ~~والبغضاء} قيل: بين فرق اليهود، وقيل (بين) اليهود والنصارى، وقوله: {إلى ~~يوم القيامة} دليل على أن اليهودية والنصرانية تبقى إلى قريب من قيام ~~الساعة {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} معنى هذا: كلما اجتمعوا ~~ليفسدوا أمر محمد، شتت الله # PageV02P051 # {أهل ms0383 الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ~~(65) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66) يا ~~أيها الرسول بلغ ما} جمعهم، وبدد شملهم. {ويسعون في الأرض فسادا والله لا ~~يحب المفسدين} . # PageV02P052 # قوله - تعالى -: {ولو أن أهل الكتاب آمنوا} بمحمد {واتقوا} يعني: عن ~~المعاصي {لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم} . # PageV02P052 # قوله - تعالى -: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل، وما أنزل إليهم من ~~ربهم} يعني: ولو أنهم قاموا وعملوا ما في التوراة، وما في الإنجيل وما في ~~القرآن {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} قيل: من فوقهم من مطر السماء، ومن ~~تحت أرجلهم من نبات الأرض. وقيل: من فوقهم ومن تحت أرجلهم معناه: أنه يوسع ~~عليهم الرزق، قال الزجاج، وهو نظير قول القائل: فلان في الخير من الفرق إلى ~~القدم، أي: وسع عليه الخير، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بقوله {من فوقهم} ~~من الأشجار {ومن تحت أرجلهم} من النبات، ويحتمل أن يكون المراد به {من ~~فوقهم} من كسب آبائهم {ومن تحت أرجلهم} من كسب أبنائهم، وهذا نظير قوله - ~~تعالى -: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض} ونظير قوله تعالى: {ولو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا} ~~{منهم أمة مقتصدة} أي: عادلة {وكثير منهم ساء ما يعملون} . # PageV02P052 # قوله - تعالى -: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} قالت عائشة: " ~~من قال: إن محمدا كتم شيئا من الوحي؛ فقد أعظم الفرية، ومن قال: إن محمدا ~~رأى ربه ليلة المعراج؛ فقد أعظم الفرية؛ فإن الله - تعالى - يقول: {لا ~~تدركه الأبصار} " والخبر في الصحيح. # PageV02P052 # {أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن ~~الله لا يهدي القوم الكافرين (67) قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى ~~تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما ~~أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على ms0384 القوم الكافرين (68) إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئون} # {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} فيه معنيان: أحدهما: معناه: إن لم تبلغ ~~الجميع، وتركت واحدا، فما بلغت شيئا، يعني: جرمك في ترك التبليغ في واحد ~~كجرمك في ترك الكل، وقيل: معناه: بلغ ما أنزل إليك أي: أظهر تبليغه، وهذا ~~مثل قوله - تعالى -: ( {فاصدع بما تؤمر} وإن لم تفعل) يعني: وإن لم تظهر ~~تبليغه ( {فما بلغت رسالته} والله يعصمك من الناس) . قالت عائشة - رضي الله ~~عنها -: " كان النبي قبل نزول هذه الآية يأتيه قوم فيحرسونه؛ فلما نزلت هذه ~~الآية؛ أخرج رأسه، وقال: انصرفوا، فإن الله يعصمني ". قال محمد بن كعب ~~القرظي: نزلت الآية في كافر سل سيفه، وهم (بقتل النبي) ، فسقط السيف من ~~يده، وجعل يضرب رأسه على شجرة حتى [انتثر] دماغه {إن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين} . # PageV02P053 # قوله - تعالى -: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} أي: تعملوا بالكل {وليزيدن كثيرا منهم ما ~~أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} هو ما ذكرنا {فلا تأس} أي فلا تحزن {على ~~القوم الكافرين} . # PageV02P053 # قوله - تعالى -: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى} قال # PageV02P053 # {والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (69) لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم ~~رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) وحسبوا ألا تكون ~~فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير ~~بما يعملون (71) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال ~~المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي} الكسائي، ونحاة الكوفة: تقديره: هم ~~والصابئون. وقال سيبويه: في الآية تقديم وتأخير وتقديره: إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون، والصابئون كذلك. # وقوله: {من آمن بالله} يعني: الذين آمنوا باللسان، من آمن منهم بالقلب، ~~وقيل: إن الذين آمنوا على حقيقة ms0385 الإيمان. # وقوله: {من آمن بالله} أي: من ثبت على الإيمان بالله، وأما في حق اليهود ~~والنصارى والصابئين، فهو محمول على حقيقة الإيمان. # PageV02P054 # قوله - تعالى -: (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل) قد ذكرنا الميثاق ~~{وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا} ~~يعني: عيسى ومحمد {وفريقا يقتلون} يعني: زكريا ويحيى، # PageV02P054 # وقوله: {وحسبوا ألا تكون فتنة} أي: عذاب {فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم} ~~يعني: عموا وصموا بعد موسى، ثم تاب الله عليهم؛ ببعث عيسى، {ثم عموا وصموا ~~كثيرا منهم} بالكفر بمحمد {والله بصير بما يعملون} . # PageV02P054 # قوله - تعالى -: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} قد ~~ذكرنا معنى المسيح، قال النخعي: سمي مسيحا؛ لأنه كان يمسح الأرض، (وأما) ~~الدجال: يسمى مسيحا، وقد ورد الخبر بكونه مسيحا مطلقا؛ فإنه - عليه الصلاة ~~السلام - قال: " [يقبل] المسيح من قبل المشرق وهمه المدينة ". وورد في ~~الخبر: المسيح الدجال. وقال - عليه الصلاة والسلام -: " لا يدخل رعب المسيح ~~الدجال المدينة أبدا ". # PageV02P054 # {وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما ~~للظالمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله ~~إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ~~(73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول قد خلت من قبله} # {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله ~~فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} روى أبو سفيان طلحة بن نافع عن ~~جابر: " أن النبي سئل ما الموجبتان؟ فقال: من وحد الله؛ لا يشرك به شيئا؛ ~~وجبت له الجنة، ومن أشرك بالله؛ وجبت له النار " {وما للظاليمن من أنصار} . # PageV02P055 # قوله - تعالى -: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} فيه حذف، أي: ~~ثالث ثلاثة آلهة، ولا بد من هذا التقدير؛ لأنه يجوز أن يقال: هو ثالث ~~ثلاثة، كما قال: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} ms0386 ، وقوله: {ثالث ~~ثلاثة} هو قولهم: أب، وابن وروح القدس، وهذا قول اليعقوبية منهم، وقالوا: ~~روح القدس لا هو ولا غيره، وكذلك الابن، والله مجموع الكل {وما من إله إلا ~~إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا} أي: ليصيبن الذين ~~{كفروا منهم عذاب أليم} . # PageV02P055 # قوله تعالى: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه} أرشدهم إلى التوبة ~~والإسلام {والله غفور رحيم} . # PageV02P055 # قوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله} أي: مضت، ~~وسميت الأيام الماضية خالية؛ لخلوها، ومعنى هذا: أنا أرسلنا عيسى كما ~~أرسلنا غيره [وأعطيناه] من المعجزات ما أعطينا غيره من الرسل {وأمه صديقة} ~~والصديق: كثير الصدق، وهو للمبالغة، ومنه سمى أبو بكر [الصديق]- رضي الله ~~عنه -: صديقا، وقيل: سمي صديقا؛ لأنه قيل له: إن صاحبك يقول: أسرى بي إلى ~~السماء فقال: إن (هو قال) ذلك فقد صدق. # PageV02P055 # {الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر ~~أنى يؤفكون (75) قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله ~~هو السميع العليم (76) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) ~~لعن الذين كفروا} # {كانا يأكلان الطعام} أي: يتغذيان بالطعام، ومعناه: أن من يتغذى بالطعام ~~لا يكون إلها يعبد، وقال ابن قتيبة: هو كناية عن الحدث، يعني: أنهما ~~يأكلان، ويشربان، ويبولان، ويتغوطان، ومثل هذا لا يكون إلها يعبد {انظر كيف ~~نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} قال ابن قتيبة: وهذا من ألطف البيان، ~~وقوله: {يؤفكون} أي: يصرفون، ومنه سمي الكذب: إفكا؛ لأنه مصروف عن الحق. # PageV02P056 # قوله - تعالى -: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا} ~~يعني: عيسى ومثله. {والله هو السميع العليم} . # PageV02P056 # قوله - تعالى -: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق} الغلو: ~~مجاوزة الحد، وهو مذموم، وكذلك التقصير، ودين الله بين الغلو، والتقصير ~~{ولا تتبعوا أهواء قوم} الأهواء: ms0387 جمع الهوى، وهو مقصور، وأما الهواء ~~الممدود: فهو الجو، والهوى: كل ما تدعو إليه شهوة النفس، لا الحجة {قد ضلوا ~~من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} . فإن قيل: ما معنى هذا ~~التكرير، قال الزجاج: معنى قوله: {ضلوا عن سواء السبيل} يعني: بالإضلال، ~~والأول من الضلالة، وقيل: ضلوا من قبل الإضلال، وضلوا بعد الإضلال؛ فكأنهم ~~ضلوا مرتين. # PageV02P056 # قوله - تعالى -: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ~~ابن مريم} فالذين لعنوا على لسان داود: هم أصحاب السبت، والذين لعنوا على ~~لسان عيسى: أصحاب المائدة، وأولئك الذين جعلهم الله قردة، وهؤلاء الذين ~~جعلهم الله خنازير {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} . # PageV02P056 # قوله - تعالى -: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} ~~التناهي: تفاعل من النهي، والمنكر: كل ما أنكره الشرع، وفي الخبر قال: أول ~~ما # PageV02P056 # {من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) ترى ~~كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم ~~وفي العذاب هم خالدون (80) ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما ~~اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~آمنوا اليهود والذين} دخل النقص في بني إسرائيل: أن الرجل منهم كان إذا نهى ~~صاحبه عن منكر، كان لا يمنعه بعد ذلك أن يكون جليسه، وأكيله، وشريبه، فضرب ~~الله - تعالى - قلب بعضهم بالبعض، وعمهم بالعقاب، ثم قال: والذي نفسي بيده، ~~حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق أطرا " أي: تعطفوه. # PageV02P057 # قوله: (ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا) أي: يوالونهم {لبئس ما قدمت ~~لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون # PageV02P057 # ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) يعني: ~~الكفار {ولكن كثيرا منهم فاسقون} فإن قيل: لم سماهم فاسقين وهم كافرون؟ ~~قيل: معناه: (خارجون) عن أمر الرب، والكفار خارجون عن كل أمره، وقيل: ms0388 ~~معناه: متمردون، أي: هم مع كفرهم متمردون. # PageV02P057 # قوله - تعالى -: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين ~~أشركوا} يعني: مشركي مكة، {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا ~~نصارى} قيل: إن الآية في قوم من النصارى، (أربعين) نفرا: اثنان وثلاثون من ~~الحبشة، وثمانية من رهبان الشام، جاءوا إلى النبي، وأسلموا، وفيهم نزلت ~~الآية لا في النصارى الكفرة؛ لأنهم في عداوة المسلمين مثل اليهود، وقيل: إن ~~الذين أسلموا من الحبشة كان فيهم النجاشي؛ فقدم جعفر الطيار الحبشة، فدعاه ~~النجاشي، فقرأ عليه # PageV02P057 # أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ~~ترى) سورة مريم، وعنده الأساقفة والرهبان؛ فبكوا حتى أخضلوا لحاهم، وأخذ ~~النجاشي قذاة بيده، وقال: لم يعد عيسى ما قلت، ولا قدر هذا، وأسلموا. # وقيل: نزلت الآية في قوم من النصارى كانوا متمسكين بدين عيسى، لم يحرفوا، ~~فآمنوا بمحمد. # وقيل: هو في كل النصارى، ومعناه: أنهم ألين عداوة من اليهود. # {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} قال قطرب: القسيس ~~العابد بلغة الروم، وهو التمام في اللغة، قال الشاعر: # (يمسين من قس (الحديث) غوافلا ... إلا جعبر يات ولا [طهاملا] ) # والرهبان جمع الراهب، وروى سلمان: " أن النبي قرأ: " ذلك بأن منهم صديقين ~~ورهبانا " وهذا في الغرائب. # PageV02P058 # قوله - تعالى -: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} يعني: القرآن، فإن ~~النبي كان قد قرأ عليهم القرآن؛ فبكوا وأسلموا، فذلك معنى قوله: {ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين} يعني: من أمة محمد؛ فإنهم الشاهدون على سائر الأمم. # PageV02P058 # قوله - تعالى - {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق} وذلك أن ~~اليهود قالوا: لو لم آمنتم؟ فأجابوا: وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من ~~الحق {ونطمع أن يدخلنا # PageV02P058 # {أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين (83) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من ms0389 الحق ونطمع أن يدخلنا ~~ربنا مع القوم الصالحين (84) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~أولئك أصحاب الجحيم (86) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب} ربنا مع القوم الصالحين) الطمع: هو تعلق ~~النفس بالشيء مع قوة. # PageV02P059 # قوله - تعالى -: {فأثابهم الله بما قالوا جنات} أي: أعطاهم الله بما ~~قالوا جنات {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين} . # فإن قيل: هذا أول قوله - تعالى -: {فأثابهم الله بما قالوا} على أن ~~الإيمان قول فرد. # قيل: قد ذكر في الآية الأولى {مما عرفوا من الحق} فذكر المعرفة في تلك ~~الآية، والقول في هذه الآية، ومجموعهما إيمان {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~أولئك أصحاب الجحيم} . # PageV02P059 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~قال (ابن عباس) ، وعطاء [وسعد] ، وسعيد بن جبير، والسدي: سبب نزول الآية: " ~~أن عليا، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون، تشاوروا في أن يترهبوا، ويلبسوا ~~المسوح، ويقطعوا المذاكير، ويصوموا الدهر؛ فبلغ ذلك رسول الله فقال: أما ~~إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وآكل وأشرب، وأنكح، فمن رغب عن سنتي فليس مني ~~ونزلت الآية {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} وروي: أن عثمان بن مظعون ~~قال: " يا رسول الله، ائذن لي في الرهبانية. فقال: رهبانية أمتي الجلوس في ~~المساجد. فقال: ائذن لي في السياحة في الأرض. فقال سياحة أمتي الجهاد في ~~سبيل الله. فقال: ائذن لي في الإخصاء. فقال: إخصاء أمتي الصوم ". وقيل: سبب ~~نزول الآية: " أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أصيب اللحم؛ فأنتشر واشتهي ~~النساء فحرمت اللحم على نفسي " فنزل قوله [تعالى] : {لا تحرموا طبيات ما ~~أحل الله # PageV02P059 # {المعتدين (87) وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم ~~به مؤمنون (88) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان فكفارته} لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) رواه عكرمة عن ms0390 ~~ابن عباس، والاعتداء: هو مجاوزة ماله إلى ما ليس له # PageV02P060 # {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} أكد ~~ذلك النهي بهذا الأمر. # PageV02P060 # قوله - تعالى -: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} إنما عقب تلك الآية ~~بهذه؛ لأن القوم الذين تشاوروا أن يترهبوا كانوا قد حلفوا؛ فبين حكم ~~الإيمان، واللغو: هو المطرح الذي لا يعبأ به، وعن عائشة: أن لغو اليمين: ~~قول الإنسان: لا والله، وبلى والله، واختاره الشافعي، وقال ابن عباس، وأبو ~~هريرة: لغو اليمين: هو أن يحلف على شيء على ظن أنه كذلك فإذا هو على خلافه، ~~واختلف العلماء في وجوب الكفارة في يمين اللغو، قال إبراهيم النخعي: تجب ~~فيها الكفارة، وقوله: {لا يؤاخذكم} يعني: في القيامة. وسائر العلماء على أن ~~لا كفارة في يمين اللغو؛ لظاهر القرآن {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} ~~فيه ثلاث قراءات: {عقدتم} بالتخفيف قراءة الكسائي وحمزة وأبو بكر. و ~~{عقدتم} بالتشديد قرأه أبو عمرو ومن بقي، غير ابن ذكوان، و {عاقدتم} قراءة ~~ابن عامر برواية ابن ذكوان. # قال الكسائي: عقدتم، أي: أوجبتم، وقال أبو عمرو: عقدتم، أي: وكدتم، ~~واختلفوا في هذا التوكيد، قال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: {عقدتم} أنه ~~ماذا؟ فقال: هو قول القائل: والله الذي لا إله إلا هو؛ كأنه فسر التوكيد ~~به، وروى نافع عن ابن عمر: أن توكيد اليمين بالتكرار، قال نافع: وكان ابن ~~عمر إذا وكد اليمين أعتق رقبة، وإذا لم يوكد: أطعم المساكين في كفارته. ~~{فكفارته إطعام عشرة مساكين} على قول النخعي يرجع هذا إلى يمين اللغو، وعلى ~~قول الباقين يرجع إلى اليمين المعقودة، وهي المقصودة، وعقد اليمين: هو ~~القصد بالقلب، والذكر باللسان. {من أوسط ما تطعمون أهليكم} قال ابن عمر: ~~الأوسط هو الخبز والزيت، أو الخبز # PageV02P060 # {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ~~فمن لم} والتمر، وقال عبيدة السلماني: هو الخبز والسمن، وقال أبو رزين: (هو ~~الخبز والخل وأما الأعلى) : هو الخبز واللحم، والأدنى: هو الخبز ms0391 البحت، ~~والكل مجزئ، والأوسط في القدر، قال زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمر - رضي ~~الله عنهم - هو المد، وبه قال الشافعي - رضي الله عنه - وذلك رطل وثلث، ~~وقال عمر، وعلي - وهو رواية ابن عباس - أنه مدان، نصف صاع، وبه قال ~~العراقيون. # {أو كسوتهم} قال عطاء، وطاووس: لكل مسكين ثوب، وقال مجاهد: ما ينطلق عليه ~~اسم الكسوة، وقال إبراهيم: لكل مسكين ثوب جامع يصلح [لليل] والنهار مثل ~~الكساء، الملحفة ونحوهما. وقال ابن عمر: ثلاثة أثواب. وقيل: ثوبان، وهو قول ~~الحسن، وابن سيرين، مثل إزار ورداء، أو إزار وعمامة. وقيل: ما يستر العورة، ~~وتجزئ به الصلاة. # والصحيح: أن الواجب لكل مسكين ما يصلح به الكسوة في العرف {أو تحرير ~~رقبة} هو عتق الرقبة، وفيه كلام في الفقه. # {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} ظاهرة: أنه يجوز متفرقا، وهو الأصح، وقرأ ~~ابن مسعود، وأبي بن كعب: " ثلاثة أيام متتابعات " فعلى هذا يجب التتابع ~~فيه، وبه قال مالك، والأوزاعي، وهو أحد قولي الشافعي {ذلك كفارة أيمانكم ~~إذا حلفتم} قيل: الحنث مضمر فيه، يعني: إذا حلفتم وحنثتم، ولا تجب الكفارة ~~إلا بعد الحنث، وأما جواز التكفير قبل الحنث عرفنا بالسنة {واحفظوا ~~أيمانكم} ظاهره للنهي عن الحنث، وقيل: أراد به حفظ اليمين لا أن يحلف، ~~والأول أصح {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} . # PageV02P061 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} أما الخمر فقد ~~سبق الكلام فيه، وكذلك الميسر، قال الأصمعي: كان ميسرهم على الجزور، فكانوا ~~يشترون جزورا وينحرونه، ويجعلونه على ثمانية وعشرين سهما، وقيل: على عشرة # PageV02P061 # {يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب} أسهم، ثم يقامرون عليه، فكل من خرج عليه قدر نصيبه ~~مجانا، ويكون الثمن على الباقين، وهكذا يقامرون على كل سهم منه، إلى أن ~~يبقى واحد، فيكون كل الثمن عليه، ويفوز الآخرون بسهامهم مجانا. وسئل القاسم ~~بن محمد عن النرد والشطرنج: أهو ms0392 من الميسر؟ قال: كل ما صد عن ذكر الله، وعن ~~الصلاة، فهو من الميسر، وقوله: {والأنصاب والأزلام رجس} أما الأنصاب ~~والأزلام فقد بينا، وقوله: {رجس} أي: خبيث مستقذر، وفي الخبر: " أعوذ بالله ~~من الرجس النجس " {من عمل الشيطان} أي: من تزيين الشيطان {فاجتنبوه لعلكم ~~تفلحون} . # PageV02P062 # قوله - تعالى -: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر} أما وقوع العداوة في الخمر: أن [شاربيه] إذا سكروا عربدوا، ~~وتشاجروا، (وتشاحجوا) . # وأما العداوة في الميسر: قال قتادة: هو أنهم كانوا يقامرون على الأهل ~~والمال، ثم إذا لم يبق له شيء، يجلس زينا، مسلوبا، مغتاظا على قرنائه ~~{ويصدكم عن ذكر الله # PageV02P062 # {والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله عن الصلاة} وعن الصلاة) يعني: الشيطان يمنعكم بهما عن ذكر الله (وعن ~~الصلاة) {فهل أنتم منتهون} معناه: انتهوا، قال الفراء: سمعت بعض الأعراب ~~يقول لغيره: هل أنت ساكت؟ (هل أنت ساكت) ؟ يريد به: اسكت، وهذا كلام العرب ~~العاربة. # وسبب نزول الآية: " أن عمر - رضي الله عنه - قال: اللهم بين لنا في الخمر ~~بيانا شافيا؛ فنزل (قوله) في سورة البقرة: {يسألونك عن الخمر والميسر} فدعا ~~عمر، وقرأ عليه، فقال ثانيا: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا؛ فنزل ~~قوله في سورة النساء: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} فقرأ عليه؛ فدعا ~~ثالثا، وقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا؛ فنزلت هذه الآية، فدعا ~~وقرأ عليه؛ فلما بلغ قوله: {فهل أنتم منتهون} قال: انتهينا يا رب "، وقيل: ~~سبب نزول الآية: " أن قدامة بن مظعون اتخذ دعوة، وشوى رأس بعير، ودعا سعد ~~بن أبي وقاص، وجماعة، فأكلوا، وشربوا، فلما سكروا تفاخروا، فقام رجل من ~~الأنصار إلى لحى البعير، وضرب به وجه سعد، # PageV02P063 # {فهل أنتم منتهون (91) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم ~~فاعلموا أنما} فضرب أنفه، فذكر ذلك لرسول الله؛ فنزلت هذه الآية " [وقيل: ~~نزلت] في قبيلتين من الأنصار تخاصمتا في ms0393 حال السكر، وقد ورد في الخمر أخبار ~~منها: قوله: " مدمن الخمر كعابد الوثن " وقال: " الخمر أم الخبائث، من ~~شربها لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما، من مات وفي بطنه شيء من الخمر؛ ~~حرم الله عليه الجنة ". # PageV02P064 # قوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} لما حرم الخمر، وأمر ~~بالاجتناب عنها؛ ندبهم إلى طاعة الله والرسول، والتوقي {فإن توليتم فاعلموا ~~أنما على رسولنا البلاغ المبين} . # PageV02P064 # قوله - تعالى -: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} ~~سبب نزول الآية هذه أن الصحابة قالوا لما ورد تحريم الخمر: يا رسول الله ~~كيف حال من مات منا وهو يشرب الخمر؟ فنزلت الآية: وقيل: إنهم قالوا: إن ~~حمزة بن عبد المطلب، # PageV02P064 # {على رسولنا البلاغ المبين (92) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم ~~اتقوا وأحسنوا والله} ومصعب بن عمير استشهدوا يوم أحد، وكانا يشربان الخمر، ~~فكيف حالهما؟ فنزلت الآية وبين الله تعالى أنه لا جناح عليهم فيما طعموا في ~~حال الإباحة {إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم ~~اتقوا وأحسنوا} (في هذا مقدم معنى مؤخر أقوال) : أحدها: أن معنى الأول: إذا ~~ما اتقوا الشرك وآمنوا، أي: صدقوا، وعملوا الصالحات {ثم اتقوا} أي: داموا ~~على ذلك التقوى {وآمنوا} أي ازدادوا إيمانا {ثم اتقوا وأحسنوا} أي: اتقوا ~~بالإحسان في كل محسن، وكل مطيع متق. # والقول الثاني: أن التقوى الأول: اجتناب الشرك، والتقوى الثاني: اجتناب ~~الكبائر والتقوى الثالث: اجتناب الصغائر، وهذان قولان معروفان في الآية، ~~وفي الآية قول ثالث: أنه أراد به: إذا ما اتقوا قبل تحريم الخمر، ثم اتقوا ~~بعد تحريم الخمر، وقيل هذا لا يصح؛ لأن قوله: {إذا ما اتقوا} إنما يصلح ~~للمستقبل لا للماضي؛ فإن حرف " إذا " للمستقبل. # {والله يحب المحسنين} ، روى أن قدامة بن مظعون شرب الخمر؛ فدعاه عمر ~~ليحده، فقال: أليس يقول الله - تعالى -: {ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا} فقال: أخطأت التأويل، لقد قال: ms0394 {إذا ما اتقوا ~~وآمنوا} وأنت لم تتق النهي. # وروى: " أن النبي قرأ هذه الآية، ثم قال ابن مسعود: وأينا من هؤلاء؟ ! " # PageV02P065 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد} أي: ~~ليختبرنكم الله بشيء من الصيد، وفائدة البلوى والاختبار: إظهار المطيع من ~~العاصي، وإلا فلا حاجة له إلى البلوى، وسبب هذا: أن رسول الله لما نزل ~~بالحديبية مع # PageV02P065 # {يحب المحسنين (93) يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ~~تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله ~~عذاب أليم (94) يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله ~~منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من} أصحابه، وكانوا محرمين، كان يدنوا منهم ~~الصيود والوحوش؛ فهموا بالأخذ؛ فنزلت الآية. # {تناله أيديكم} يعني: في صغار الصيود {ورماحكم} يعني: من كبار الوحوش، ~~قال مجاهد {تناله أيديكم} يعني: الفرخ والبيض {ورماحكم} يعني: الصيود ~~الكبار. # {ليعلم الله من يخافه بالغيب} قيل: معناه: ليعلم الله من يخافه بالغيب، ~~فيعامله معاملة من يطلب العلم للعمل؛ إظهار للعدل، وقيل: معناه: ليرى من ~~يخافه بالغيب، وقوله: {من يخافه بالغيب} هو أن يخاف الله وهو لا يراه {فمن ~~اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} . # PageV02P066 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} سبب ~~هذا أن رجلا يقال له: أبو اليسر، شد على حمار وحش؛ فقتله وهو محرم؛ فنزلت ~~الآية {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ، والحرم: يكون من الإحرام، ويكون من ~~دخول الحرم، يقال: أحرم، إذا عقد الإحرام، وأحرم إذا دخل الحرم، ويقال أيضا ~~لمن أدرك الشهر الحرام: محرم. # {ومن قتله منكم متعمدا} ذكر حالة العمد لبيان الكفارة، فاختلف العلماء، ~~قال سعيد بن جبير: لا تجب كفارة الصيد في قتل الخطأ، بل تختص بالعمد، وبه ~~قال داود. # وسائر العلماء على أنها تجب في الحالين، قال الزهري: على المتعمد ~~بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة. # {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قرأ الأعمش " فجزاؤه مثل ما قتل من النعم "، ~~والمعروف فيه قراءتان " فجزاء ms0395 مثل " على الإضافة، وقرأ بعضهم " فجزاء مثل " ~~بتنوين # PageV02P066 # {النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو ~~عدل ذلك} الجزاء، ورفع اللام من المثل، ومعنى الكل واحد، والمثلية معتبرة ~~في الجزاء؛ فيجب فيما قتل مثله من النعم شبها؛ فيجب في النعامة: بدنة، وفي ~~الأروى: بقرة، وفي الطير والضبع والحمامة: شاة، وفي الأرنب: عناق، وفي ~~اليربوع: جفرة، وكل هذا مروي عن الصحابة. # {يحكم به ذوا عدل منكم} وفيه دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام {هديا ~~بالغ الكعبة} نصب على التمييز، قوله: {بالغ الكعبة} يقتضي أن يكون إعطاء ~~الهدي في الحرم، يفرق على مساكين الحرم، وهو الواجب {أو كفارة طعام مساكين} ~~وذلك أن يقوم (المثل) من النعم بالدراهم، ويشتري بالدراهم طعام مساكين، وبه ~~قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يقوم بالصيد المقتول أبدا {أو عدل ذلك صياما} ~~قرأ عاصم الجحدري، وطلحة بن، مصرف: {أو عدل ذلك} بكسر العين، ثم قال بعضهم: ~~لا فرق بينهما، ومعناه: المثل، وفرق الفراء بينهما، فقال: العدل - بالكسر ~~-: المثل من جنسه، والعدل: المثل من غير جنسه، وقد قيل: العدل - بالفتح -: ~~هو المثل، والعدل بالكسر -: الحمل، والأول أصح، وصوم العدل: أن يصوم بدل كل ~~- صلى الله عليه وسلم - مد يوما، وقيل: يومان، ثم هذا على التخيير أم على ~~الترتيب؟ # قال الشعبي، والنخعي - وهو رواية عن مجاهد -: إنه على الترتيب، وقال ~~غيرهم - وبه قال ابن عباس -: إنه على التخيير؛ لأنه قال: {أو كفارة طعام ~~مساكين أو عدل ذلك صياما} وكلمة " أو " للتخيير {ليذوق وبال أمره} أي: شدة ~~أمره {عفا الله عما سلف} يعني: في الجاهلية {ومن عاد فينتقم الله منه والله ~~عزيز ذو انتقام} . # واختلف العلماء في العامد إلى قتل الصيد ثانيا، هل تجب عليه الكفارة ~~ثانيا، أم # PageV02P067 # {صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله ~~عزيز ذو انتقام (95) أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) جعل ms0396 الله ~~الكعبة البيت الحرام قياما} لا؟ قال ابن عباس: لا تجب، ويقال له. أسأت، ~~وينتقم الله منك. وعامة العلماء على أنه تجب الكفارة ثانيا، وقوله: {فينتقم ~~الله منه} يعني: في الآخرة. # PageV02P068 # قوله - تعالى -: {أحل لكم صيد البحر وطعامه} قال عمر، وعلى: صيد البحر ما ~~صيد منه، وطعامه ما قذف، وهو رواية عن ابن عباس. وعنه رواية أخرى: أن طعامه ~~ما نضب عنه الماء. وقال مجاهد: صيده: الطري وطعامه: المالح، وهو مروي عن ~~ابن عباس أيضا. {متاعا لكم} أي: منفعة لكم {وللسيارة} قال ابن عباس: متاعا ~~لكم: خطاب مع أهل القرى، والسيارة أهل الأمصار، وقال مجاهد: السيارة: ~~المسافرون. # {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} حرم الاصطياد على المحرم، وقد ذكرنا ~~{واتقوا الله الذي إليه تحشرون} واختلف العلماء في صيد الحلال: هل يحل ~~للمحرم، وأن يأكل منه؟ قال عمر، وعثمان: يحل. وبه أخذ اكثر الفقهاء، وقال ~~علي، وابن عباس: إنه لا يحل، وبه قال جماعة من التابعين. # PageV02P068 # قوله - تعالى -: {جعل الله الكعبة البيت الحرام} قال ثعلب أبو العباس ~~أحمد ابن يحيى: إنما سميت كعبة؛ لتربيعها {البيت الحرام} وهو الكعبة، وفي ~~الخبر: " إن الله - تعالى - حرم مكة منذ خلق السموات والأرض " {قياما ~~للناس} القيام والقوام واحد، قال الله - تعالى -: {أموالكم التي جعل الله ~~لكم قياما} أي: قواما لمعايشكم، وقال الشاعر: يمدح النبي. # (ونشهد أنك عبد المليك ... أتيت بشرع ودين قيم) # PageV02P068 # {للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في ~~السموات وما} # وأراد به: أن البيت الحرام قوام للناس لدينهم ومعايشهم، أما في الدين؛ ~~لأن به تقوم المناسك والحج، وأما في المعايش؛ فلأن (أهل الحرم) كانوا ~~يأمنون أهل (الغارة) ، حتى كان يغير بعضهم على بعض، ثم لا يتعرضون لأهل ~~الحرم، ويقولون: هم أهل الله. # {والشهر الحرام} أراد به: جنس الأشهر الحرم، وهي أربعة أشهر: ثلاثة سرد، ~~وواحد فرد كما سبق، والمراد به: أنه جعل الشهر الحرام قواما للناس؛ يأمنون ~~فيه القتال؛ فإنهم كانوا يكفون عن القتل والقتال في الأشهر الحرم. ms0397 # {والهدي والقلائد} وقد بينا كيف يكون الهدي والقلائد، وكونه قواما للناس: ~~أنهم كانوا يأمنون بتقليد الهدي، وكان أهل الحرم يتعيشون بالهدي والقلائد. # {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات والأرض وأن الله بكل شيء عليم} ~~فإن قال قائل: أي اتصال لهذا بما سبق من الكلام في الآية؟ قال المبرد أبو ~~العباس محمد بن يزيد: معناه: أن ألهمتهم ذلك الاحترام، وأن لا يتعرضوا لأهل ~~الحرم؛ فكأنه بين في الآية صنعة مع أهل الحرم، قال: ذلك لتعلموا أن كل ذلك ~~بعلمي، وإلهامي إياهم. # وقال الزجاج: [قد سبق] في هذه السورة من الله - تعالى - الإخبار عن ~~الغيوب، والكشف عن الأسرار، مثل قوله: {سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم ~~يأتوك} ومثل إخباره بتحريفهم الكتب، ونحو ذلك؛ فقوله: {ذلك لتعلموا أن الله ~~يعلم ما في السموات وما في الأرض} راجع إليه. # PageV02P069 # {في الأرض وأن الله بكل شيء عليم (97) اعلموا أن الله شديد العقاب وأن ~~الله غفور رحيم (98) ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما ~~تكتمون (99) قل لا} # PageV02P070 # قوله - تعالى -: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} وفي ~~الخبر: " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العذاب لم يطمع في جنته أحد، ولو ~~يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة لم يقنط من جنته أحد ". # PageV02P070 # وقوله: {ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} معلوم ~~المعنى. # PageV02P070 # قوله - تعالى -: {قل لا يستوي الخبيث والطيب} قال السدي: يعني الكافر ~~والمؤمن. وقال غيره: الخبيث: الحرام، والطيب: الحلال، وفي الخبر: " حلوان ~~الكاهن خبيث ومهر البغي خبيث " أي: حرام {ولو أعجبك} معناه: ولو سرك {كثرة ~~الخبيث} . # {فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} وفي المثل: حرام يأتي جزفا ~~(والحلال) يأتي قوتا. وعن أبي هريرة أنه قال: " درهم من الحلال خير من مائة ~~ألف [درهم] وقر من الحرام ". # PageV02P070 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم} سبب نزول الآية: أن الصحابة أكثروا السؤال على النبي حتى غضب، ms0398 وقام # PageV02P070 # {يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب ~~لعلكم تفلحون (100) يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم وإن تسألوا} خطيبا، وقال: " إنكم لا تسألوني عن شيء في مقامي هذا إلا ~~أنبأتكم به، فقال رجل: يا رسول الله، من أبى؟ - وكان السائل عبد الله بن ~~حذافة السهمي، وكان يقال في نسبه شيء، فلما قال: من أبى؟ - قال - عليه ~~الصلاة والسلام -: أبوك حذافة، فقام آخر، وقال: من أبى؟ فنسبه إلى غير أبيه ~~- كأنه كان من حرام - وسأله رجل، فقال: أين أكون غدا؟ فقال: في النار، فقام ~~آخر، وقال أين أكون غدا؟ فقال: في الجنة؛ فبكوا، وقال عمر: استر علينا يا ~~رسول الله؛ فإنا حديث عهد بالجاهلية، وجثا على ركبتيه، وقال: رضينا بالله ~~ربا، وبالإسلام دينا؛ ونزلت الآية ". # وروى أبو البختري عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " (لما) نزل قوله: ~~{ولله على الناس حج البيت} قام رجل، وقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: ~~لا، ولو قلت: نعم لوجبت، ولم تطيقوه، ثم قال: ذروني ما تركتم، فإنما هلك من ~~كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فما أمرتكم به فأتوا منه ~~ما استطعتم، وما نهيتكم عنه، فانتهوا، ونزلت الآية ". # {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} معناه: وإن صبرتم حتى ينزل ~~القرآن؛ وجدتم فيه بيان ما تحتاجون إليه {عفا الله عنها والله غفور حليم} . # PageV02P071 # {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} قال بعضهم: أراد به أصحاب # PageV02P071 # {عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) قد ~~سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) ما جعل الله من بحيرة ولا ~~سائبة ولا وصيلة ولا} المائدة، وسألوا المائدة ثم كفروا، وقال بعضهم: أراد ~~به: قوم صالح، سألوا الناقة، ثم كفروا بها، وقال بعضهم: أراد به الكفار في ~~الجاهلية، سألوا رسول الله أن يجعل الصفا ذهبا. # PageV02P072 # قوله - تعالى -: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ms0399 ولا حام} # قال سعيد بن جبير: كان سؤالهم الذي تقدم عن هذه الأوضاع، وهذه الآية ~~لبيان ما سألوا ردا عليهم، وقال ابن عباس في بيان هذه الأوضاع الأربعة، ~~قال: # أما البحيرة: هي الناقة كانت إذا ولدت خمسة أبطن شقوا أنها، وتركوها ولم ~~يحملوا عليها، ولم يمنعوها الكلأ؛ وبذلك سميت بحيرة من البحر، وهو الشق، ثم ~~نظروا إلى خامس ولدها، فإن كان ذكرا نحروه، وأكله الرجال دون النساء، وإن ~~كانت أثنى تركوها كالأم، وإن كان ميتا، أكله الرجال والنساء؛ فهذا معنى ~~البحيرة. # وأما السائبة: كان الرجل من أهل الجاهلية إذا مرض له مريض، أو غاب له ~~قريب، يقول: إن رد الله غائبي، أو إن شفى الله مريضي؛ فناقتي هذه سائبة، ثم ~~يسيبها، تذهب حيث تشاء، (أو) يقول: إن كان كذا؛ فعبدي عتيق سائبة. يعني: من ~~غير ولاء، ولا ميراث؛ فهذا معنى السائبة. # وأما الوصيلة: فكانت في الغنم، كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، نظروا إلى ~~البطن السابع، فإن كان ذكرا ذبحوه وأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى ~~تركوها، وإن كان ميتا أكله الرجال والنساء، وإن كان ذكرا وأنثى في بطن واحد ~~تركوهما، وقالوا: وصلت أخاها، فهذه هي الوصيلة. # وأما الحام: كان بعضهم إذا ولدت ناقته عشرة أبطن؛ تركوها ولم يركبوها، ~~وقالوا: حمى ظهرها، وكذلك إذا ركب ولد ولدها؛ يقولون: حمى ظهرها وتركوها، ~~وربما تركوها لآلهتهم على ما سيأتي في سورة الأنعام؛ فهذا هو الحام، وهذه ~~أوضاع وضعها أهل الجاهلية على آرائهم، فجاء الشرع برفعها، وقد ثبت عن النبي ~~أنه قال: # PageV02P072 # {حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) ~~وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104) يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا} " رأيت النار؛ فرأيت فيها عمرو بن لحي يجر ~~قصبة في النار " أي: أمعاءه، وكان أول من سيب السوائب {ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا ms0400 يعقلون} # PageV02P073 # {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} يعني: إذا دعوا إلى ~~الكتاب والسنة {قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} يعني: كفانا دين آبائنا ~~{أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} . # PageV02P073 # قوله: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} يعني: تخليصها من النار {لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم} فإن قال قائل: كيف يقول: " عليكم أنفسكم " وقد ~~أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قيل: قال مجاهد، وسعيد بن جبير: ~~الآية في اليهود والنصارى، يعني: عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل من اليهود ~~والنصارى إذا اهتديم؛ فخذوا منهم الجزية، ولا تتعرضوا لهم، واتركوهم وما ~~يزعمون؛ فإنه لا يضركم. # (وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: " أنه خطب وقال: إنكم تقرءون هذه ~~الآية {عليكم أنفسكم لا يضركم} من ضل إذا اهتديتم) ، وإني سمعت رسول الله ~~يقول: إذا رأيتم الظالم فخذوا على يديه، أو يوشك أن [يعمكم] الله (بعقاب) " ~~وعن ابن مسعود أنه قال في هذه الآية: " مروا بالمعروف، وانهوا عن # PageV02P073 # {يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ~~(105) يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} المنكر؛ فإن قيل منكم؛ فذاك وإن رد ~~عليكم أنفسكم "، [ويرد] هذا ما روى عن أبي أمية الشيباني أنه قال: " سألت ~~أبا ثعلبة الخشني، فقلت: إن الله - تعالى - يقول: {عليكم أنفسكم} وقد أمرنا ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: لقد سألت عنها خبيرا، سمعت رسول ~~الله - وقد سئل عن هذه الآية - يقول: مروا بالمعروف وانهو عن المنكر؛ فإذا ~~رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ي رأي برأيه، فعليك ~~بخويصة نفسك، ودع أمر العامة " {إلى الله مرجعكم ميعا فينبئكم بما كنتم ~~تعلمون} . # PageV02P074 # قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} سبب نزول الآية: " أن ~~تميم الداري وعدي (بن بداء) ؟ خرجا إلى التجارة، وكانا نصرانيين، ومعهما ~~بديل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما؛ فمرض، وكتب ما معه من المتاع في ~~صحيفة، وألقها بين المتاع، ثم أوصى إلى هذين النصرانيين ms0401 أن يردا متاعه إلى ~~مولاه إن مات هو، وكان بين المتاع جام [مخوص] بالذهب منقوش به؛ فخانا في ~~ذلك الجام، وأديا سائر المتاع إلى أهله، فوجدوا تلك الصحيفة بين المتاع؛ ~~فطلبوا الجام، فافتقدوه؛ فسألوا عديا، وتميما عن ذلك فأنكرا، وقالا: لا ~~ندري، وحلفا عليه، ثم إن ذلك الجام وجد عند رجل بالمدينة، فسئل الرجل عنه؛ ~~فقال: إنما أعطانيه عدي وتميم؛ فاختصموا إلى النبي؛ فأصر على الإنكار، ~~وحلفا عليه؛ فحلف عمرو بن العاص والمطلب بن أبي # PageV02P074 # {إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ~~إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة ~~فيقسمان} وداعة على أنهما قد خانا في الجام، فأخذ الجام ثم إن تميما أسلم ~~بعد ذلك؛ وأقر بتلك الخيانة " فهذه قصة الآية وعليها نزلت الآية. # فقوله: {شهادة بينكم} يقرأ في الشواذ " شهادة بينكم " وقرأ الأعرج " ~~شهادة بينكم " بالرفع والتنوين، والمعروف " شهادة بينكم " {إذا حضر أحدكم ~~الموت} أي: أسباب الموت {حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} ذكر اثنان على ~~الرفع؛ لأنه خبر الابتداء، ومعنى هذا الكلام: أن الشهادة فيما بينكم على ~~الوصية عند الموت: اثنان ذوا عدل منكم. # {أو آخران من غيركم} قال أبو موسى الأشعري، وابن عباس، وهو قول شريح، ~~والنخعي، وسعيد بن جبير، وجماعة -: أن معناه من غير أهل ملتكم، يعني: من ~~أهل الذمة، وقال الحسن، والزهري: معناه: من غير قبيلتكم. # {إن أنتم ضربتم في الأرض} أي: سافرتم {فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من ~~بعد الصلاة} أكثر العلماء على أنه أراد به: صلاة العصر، (وقال الحسن: بعد ~~صلاة الظهر، والأول أصح؛ وإنما خص به صلاة العصر؛ لأن وقت العصر) معظم ~~محترم عند (جميع) أهل الأديان، وكأن الناس بعد العصر يكون أجمع في الأسواق ~~والمساجد. والمراد به: حبس الحالفين بعد العصر. # PageV02P075 # {بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله ~~إنا إذا لمن الآثمين (106) فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان ~~مقامهما من ms0402 الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من ~~شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا} # {فيقسمان بالله إن ارتبتم} يعني: إن وقعت لكم ريبة في قول الحالفين أو ~~الشاهدين يحلفان أنا {لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى} أي: لا نقول إلا ~~الصدق ولو كان على القريب {ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين} وإنما ~~قال: شهادة الله؛ لأن الشهادة تكون بأمر الله # PageV02P076 # {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} يعني: فإن اطلع، وأظهر خيانتهما {فآخران ~~يقومان مقامهما من الذين لستحق عليهم الأوليان} يقرأ هذا على ثلاثة أوجه: ~~أحدها: " من الذين استحق عليهم الأوليان ". وقرأ (حفص عن عاصم) " من الذين ~~استحق " بنصب التاء والحاء {عليهم الأوليان} وقرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة: ~~" من الذين استحق " - بضم التاء وكسر الحاء - عليهم الأولين. # فأما معنى القراءة الأولى فقوله: {استحق عليهم} يعني: استحق فيهم، أو ~~استحق منهم كقوله: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي: على جذوع النخل، يعني: ~~الذين وقعت الخيانة في حقهم، وهم أولياء الميت، و {الأوليان} تثنية: ~~الأولى، والأولى: هو الأقرب، ومعناه: إن عثر على خيانة الحالفين؛ يقوم ~~الأوليان من أولياء الميت؛ فيحلفان، وأما قوله: {من الذين استحق عليهم} أي ~~حق ووجب فيهم، ومعناه ومعنى القراءة الأولى سواء. # وأما القراءة الثالثة: {من الذين استحق عليهم الأولين} فهو بدل عن قوله: ~~{من الذين} أو عن الاسم المضمر تحت قوله: {عليهم} ؛ فيكون المراد به أيضا ~~أولياء الميت ويكون المعنى ما بينا. # PageV02P076 # {لمن الظالمين (107) ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ~~ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين ~~(108) يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب (109) إذ قال الله يا} # ثم بين كيفية قسهما؛ فقال: {فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما ~~اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين} # PageV02P077 # {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} يعني: ذلك أقرب وأحرى أن تؤدوا ~~الشهادة على وجهها {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} ms0403 يعني: وإن يخافوا ~~رد اليمين بعد يمينهم على المدعين؛ فلا يحلفوا على الكذب؛ خوفا من أن يرد ~~اليمين عليهم، ويكون يمينهم أولى. # {واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين} قال النخعي، وشريح: ~~الآية منسوخة، وقوله: {أو آخران من غيركم} لقد كانت شهادة أهل الذمة مقبولة ~~على الوصية ثم نسخ، وقد جوز بعضهم شهادة أهل الذمة في الوصية؛ خاصة من لا ~~يرى نسخ الآية منهم، وقال الحسن: الآية محكمة، وقد حمل قوله: " أو آخران من ~~غيركم " على غير قبيلتكم كما بينا. # PageV02P077 # قوله: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} فإن قال ~~قائل: كيف يقولون: لا علم لنا، وقد علموا ما أجابوا؟ قيل: إن جهنم تزفر ~~زفرة تذهل (بها) عقولهم؛ فيقولون من شدة الفزع: لا علم لنا؛ ثم يرد الله - ~~تعالى - عليهم عقولهم، فيخبرون بالجواب، وقيل: معناه: لا علم لنا إلا العلم ~~الذي أنت أعلم به منا، أو إلا ما علمتنا، وقيل: معناه: لا علم لنا بوجه ~~الحكمة في سؤالك إيانا عن أمر أنت أعلم به منا، وقيل: معناه: لا علم بعاقبة ~~أمرهم، وبما أحدثوا من بعد، وأن أمرهم على ماذا ختم، وعلى هذا دل شيئان: ~~أحدهما: من الآية قوله {إنك أنت علام الغيوب} ، والثاني: ما روى صحيحا عن ~~رسول الله أنه قال: " يسلك بطائفة من أصحابي ذات الشمال - يعني يوم القيامة ~~- فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي، فيقول الله - تبارك وتعالى -: إنك لا تدري ~~ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. فأقول ما ~~قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت # PageV02P077 # {عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم ~~الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق ~~من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه ~~والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم ~~بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (110) وإذ أوحيت ms0404 إلى ~~الحواريين أن آمنوا بي} فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على ~~كل شيء شهيد) ". # PageV02P078 # قوله - تعالى -: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى ~~والدتك} أمره بشكر النعمة، ثم عد عليه نعمة؛ فقال: {إذ أيدتك بروح القدس ~~تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} ~~وقد ذكرنا الكلام فيه. # {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني} وقد ~~بينا فيما سبق كيفيته. {وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني ~~وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا ~~إلا سحر مبين} . # PageV02P078 # قوله - تعالى -: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي} هذا ~~الوحي بمعنى الإلهام، أو بمعنى الأمر، أي: ألهمتهم وأمرتهم، قال العجاج: # (الحمد لله الذي استقلت به السماء فاطمأنت # (أوحى) لها القرار فاستقرت) # أي: أمرها بالقرار. # {قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} وقد ذكرنا معنى الحواريين. # PageV02P078 # {وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون (111) إذ قال الحواريون يا عيسى ~~ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين (112) } # PageV02P079 # قوله - تعالى -: {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل تستطيع ربك} وقرأ ~~الكسائي: " هل يستطيع " - بالتاء - " ربك " بفتح الباء، وهذه قراءة علي، ~~ومعاذ وعائشة، وكانت عائشة تحلف أن الحواريين أعرف بالله من أن يقولوا: هل ~~يستطيع ربك. # ولقراءتهم معنيان: أحدهما: أن المراد به هل تسأل ربك، والثاني: هل تستدعي ~~طاعة ربك بإجابته سؤالك إياه؟ وأما القراءة المعروفة ففي معناها أقوال: # أحدها معناه: هل يفعل ربك. وقال الفراء: يقول الرجل لغيره: هل تستطيع أن ~~تفعل كذا، يريد به: هل تفعل كذا؟ . # والثاني معناه: هل يطيع ربك استطاع بمعنى أطاع، كقولهم: استجاب، يعني: ~~أجاب، فيكون معناه: هل يطيعك ربك؛ بإجابة سؤالك، وفي الآثار: " من أطاع ~~الله أطاعه الله " أي: يجيب دعاءه. # وقيل: إن الحواريين قالوا ذلك قبل استحكام المعرفة، وأراد به: القدرة، ~~ولو استحكمت معرفتهم لم يقولوا ذلك، ms0405 والصحيح أحد القولين الأولين، وهذا لأن ~~الاستطاعة لا تنسب إلى الله غالبا؛ وإنما يوصف بالقدرة، وأما الاستطاعة ~~تكون للعبد. # وقوله: {أن ينزل علينا مائدة من السماء} اعلم أن المائدة: اسم لما يكون ~~عليه طعام؛ فإذا لم يكن عليه طعام لا يسمى مائدة، واختلفوا في اشتقاق ~~المائدة: منهم من قال: هي من الميد، بمعنى الإعطاء، ومنه: قالوا لأمير ~~المؤمنين: الممتاد، يعني: الذي يطلب عطاؤه؛ فعلى هذا سميت مائدة؛ لأنها ~~تعطي من عليها الطعام. # وقيل: هو من [الميد] بمعنى الحركة؛ فعلى هذا سميت مائدة؛ لأنها تتحرك بما # PageV02P079 # {قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها ~~من الشاهدين (113) قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من ~~السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ~~(114) قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين (115) وإذ قال الله يا} عليها من الطعام. # {قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} نهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان، ~~وقيل: أراد به أي: اكتفوا بطعام الأرض عن طعام السماء. # PageV02P080 # قوله - تعالى: {قالوا نريد أن نأكل منها} يعني: أكل تبرك لا أكل حاجة ~~{وتطمئن قلوبنا} أي: يزداد إيمانها، وهو مثل قوله: ( {ولكن ليطمئن قلبي} ~~ونعلم أن قد صدقتنا) أي: نزداد إيمانا بصدقك، وفي بعض التفاسير: أن عيسى - ~~صلوات الله عليه - كان قد أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوما لما سألوه أن يسأل ~~المائدة، قال لهم: صوموا ثلاثين يوما؛ فإذا أفطرتم لا تسألون الله شيئا إلا ~~أعطاكم، ففعلوا ذلك، فلما أعطوا المائدة، عرفوا صدقه؛ فذلك معنى قوله: ~~{ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين} . # PageV02P080 # قوله - تعالى -: {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من ~~السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} قيل: إنه لما أراد سؤال المائدة ~~اغتسل، وصلى ركعتين، فطأطأ رأسه، وغض بصره، وبكى، ثم قال: " اللهم ربنا ~~أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا " والعيد: المراد ~~به: ms0406 يوم السرور لهم {وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين} . # PageV02P080 # قوله - تعالى -: {قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني ~~أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} أي: جنس عذاب لم أعذب به أحدا، ~~وقيل: إن ذلك العذاب (أنه) مسخهم خنازير على ما سنبين في القصة. # ثم اختلفوا، قال الحسن، ومجاهد: إن المائدة لم تنزل أصلا، فإن الله - ~~تعالى - # PageV02P080 # لما أوعد على كفرهم بعد نزول المائدة؛ خافوا أن يكفر بعضهم؛ فاستعفوا عن ~~إنزال المائدة؛ فعلى هذا تقدير قوله: {إني منزلها عليكم} يعني: إن سألتم، ~~إلا أنهم استعفوا فلم ينزل، والصحيح - والذي عليه الأكثرون - أنها منزلة؛ ~~لأن الله تعالى لا يعد شيئا ثم يخلف، وقد قال: {إني منزلها عليكم} . # والقصة في ذلك: أن عيسى لما سأل المائدة؛ نزلت من السماء سفرة حمراء بين ~~غمامتين كانوا يرونها، بسطت بين أيديهم، وكانت مغطاة، فقام عيسى إليها، ~~ورفع عنها الغطاء، فإذا عليها سبعة أرغفة، وسبعة أحوات، وفي رواية: كان ~~عليها خمسة أرغفة، وسمكة مشوية ليس فيها فلوس ولا شوك كما يكون في سمك ~~الأرض، وكان حولها من كل بقل إلا الكرات، وكان عند رأسها الملح وعند ذنبها ~~الخل، وكان عليها خمس رمانات وتميرات، وقيل: كانت الأرغفة من خبز الأرز، ~~وقال عطية: كانت عليها سمكة لها طعم جميع الأرض، وقيل: كان عليها ثمر من ~~ثمار الجنة. وفي بعض الروايات أن عيسى سئل: أهذا من طعام الجنة؟ فقال: لا ~~من طعام الجنة، ولا من طعام الأرض، إنما هو طعام خلقه الله - تعالى - لكم. ~~وفي القصة: أن هذا المائدة لما نزلت؛ دعا عيسى لها الفقراء، والزمني، ~~والمساكين، حتى يأكلوا، وكانت تنزل عليهم أربعين يوما، يأكل منها كل يوم ~~أربعة آلاف، أو خمسة آلاف نفر، فكانوا يأكلون، ولا ينقص منها شيء، ثم تصعد، ~~ثم تنزل، هكذا كل يوم حتى خانوا فيها، فمسخوا قردة وخنازير، ورفعت المائدة. ~~ثم اختلفوا في تلك الخيانة، فروى عمار بن ياسر عن النبي أنه قال: " أنزلت ~~عليهم المائدة، وعليها الخبز واللحم، وأمروا أن ms0407 لا يدخروا منها للغد، ~~فادخروا وخانوا؛ فأصبحوا قردة وخنازير " وفي رواية: " أصبحوا خنازير ". ~~وقيل: كانت خيانتهم أن اليهود قالوا لهم: إن عيسى سحركم بالمائدة، ولم يكن ~~ثم مائدة؛ فشكوا فيه؛ فمسخوا خنازير، وقيل: كانت خيانتهم أن في الابتداء ~~كان يأكل منها الأغنياء والفقراء؛ فأمرهم الله - تعالى - أن يدعو لها ~~الفقراء دون # PageV02P081 # {عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في ~~نفسي ولا أعلم} الأغنياء؛ ابتلاهم؛ فأكل الأغنياء وخالفوا، فأصبحوا خنازير. # PageV02P082 # قوله - تعالى -: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم} اختلفوا في أن هذا ~~القول متى يكون؟ قال السدي: إنما قال الله - تعالى - ذلك حين رفعه إلى ~~السماء؛ لأن قوله: " إذ للماضي، والصحيح أنه يكون في القيامة، والقيامة وإن ~~لم تكن بعد، ولكنها في علم الله، فلما كانت كائنة لا محالة فهي كالكائنة؛ ~~فصح قوله: {وإذ قال الله} وقيل: إذا بمعنى إذ ويجوز مثل ذلك قال الشاعر: # (لم يجزه به الإله إذ جزا ... جنات عدن في السموات العلا) # يعني: إذا جزى {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} قيل: هذا ~~سؤال توبيخ والمراد به: قومه، وكانت الحكمة في سؤاله عنه؛ حتى يسمع قومه ~~إنكاره؛ لأنهم كانوا يدعون أن عيسى أمرهم (باتخاذه إلها) ؛ فإن قال قائل: ~~هم لم يتخذوا أمه إليها؛ فما معنى قوله: {اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} ~~؟ قيل: إنه - جل وعز - لما أراد ذكر عيسى مع أمه، قال: إلهين، وهذا كما ~~يقال عند ذكر أبي بكر وعمر معا: عمران، وقالوا: هذا سنة عمرين، ويقال للشمس ~~والقمر: قمران، قال الفرزدق: # (لنا قمراها والنجوم طوالع ... ) # يعني: الشمس والقمر، وقيل: إن عيسى كان بعضا لمريم، فلما اتخذوه إلها؛ ~~فكأنهم اتخذوا أمه إلها؛ فقال: {إلهين من دون الله} {قال سبحانك ما يكون لي ~~أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته} اشتغل أولا بالثناء عليه ~~والتنزيه، ms0408 ونسبه إلى القدس والطهارة {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} ~~قال # PageV02P082 # {ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن ~~اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت ~~الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت} الزجاج: نفس النبي: جملته وحقيقته، فمعناه: تعلم حقيقة أمري، ~~ولا أعلم حقيقة أمرك، وقيل: معناه: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، ~~وعليه دل قوله: {إنك أنت علام الغيوب} وهو معنى الأول، # PageV02P083 # {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله بي وربكم وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم فلما توفيتني} أي: رفعتني {كنت أنت الرقيب عليهم} وقد بينا ~~معنى التوفي فيما سبق {وأنت على كل شيء شهيد} . # PageV02P083 # قوله - تعالى -: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم} فإن قال قائل: كيف طلب المغفرة لهم، وهم كفار؟ {وكيف قال: وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وهذا لا يليق بسؤال المغفرة؟} قيل: أما الأول ~~فمعنى قوله: وإن تغفر لهم، يعني: بعد الإيمان، وهذا إنما يستقيم على قول ~~السدي؛ لأن الإيمان لا ينفع في القيامة، والصحيح آخر القولين، قال بعضهم: ~~هذا في فريقين منهم فقوله: {إن تعذبهم فإنهم عبادك} يعني: من كفر منهم {وإن ~~تغفر لهم} يعني: من آمن منهم. وقال أهل المعاني من أرباب النحو: ليس هذا ~~على وجه طلب المغفرة، وإنما هذا على تسليم الأمر إليه، وتفويضه إلى مراده؛ ~~ألا تراه يقول: " فإنك أنت العزيز الحكيم " ولو كان على وجه طلب المغفرة ~~لقال: " فإنك أنت الغفور الرحيم ". # وأما السؤال الثاني: اعلم أن في مصحف ابن مسعود: " وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~الغفور الرحيم " وكان ابن شنبوذ يقرأ كذلك زمانا ببغداد؛ فمنع عنه، وفيه ~~قصة، (وقيل) : فيه تقديم وتأخير، وتقدير الآية: إن تغفر لهم فإنهم عبادك، ~~وإن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم. وقيل: معناه: إن ms0409 تغفر لهم لا ينقص من ~~(عزك) # PageV02P083 # {العزيز الحكيم (118) قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز ~~العظيم (119) لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير (120) } ~~شيء ولا يخرج من حكمتك. ويدخل في حكمة الله - تعالى - وسعة رحمته أن يغفر ~~للكفار، ولكنه أخبر أن لا يغفر، وهو لا يخلف خبره ومن قال: إنه على تسليم ~~الأمر لا على وجه طلب المغفرة، استقام النظم على قوله، كما بينا. # PageV02P084 # قوله - تعالى -: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} يقرأ: " يوم " ~~بالرفع على الإبتداء، ويقرأ: " يوم " على بالنصب، كأنه أراد في يوم؛ فحذف ~~في ونصب يوم. # فإن قال قائل: كيف ينفع الصادقين صدقهم بالقيامة، وليست بدار النفع؟ قيل: ~~معناه: ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا لا صدقهم في القيامة، وقيل: نفعهم ~~بالصدق في القيامة: أنهم لو كذبوا؛ نطقت جوارحهم فافتضحوا، فإذا صدقوا لم ~~يفتضحوا ( {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم} لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل ~~شيء قدير) والله أعلم بالصواب. # PageV02P084 # تفسير سورة الأنعام # قال - رضي الله عنه -: اعلم أن سورة الأنعام مكية، روى يوسف بن مهران عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: سورة الأنعام نزلت جملة بمكة ليلا، ~~معها سبعون ألف ملك يحدونها بالتسبيح. وقد روى هذا مرفوعا إلى النبي، وفي ~~تمام الخبر عن النبي أنه قال: " من قرأها في ليلة استغفر له السبعون ألف ~~ملك أولئك ليله ونهاره إلى أن يصبح "، وفي بعض الروايات: " أن تلك الملائكة ~~كان لهم زجل بالتسبيح، وكانت الأرض ترتج، والنبي يقول: سبحان ربي العظيم ~~حتى نزلت " وفي رواية الكلبي عن [أبي] صالح عن ابن عباس أنه قال: نزلت سورة ~~الأنعام جملة بمكة إلا آيتين: قوله - تعالى -: {قل تعالوا} الآية. وقوله: ~~{ما قدروا الله حق قدره} الآية وفي بعض الروايات: " إلا ثلاث آيات: من ~~قوله: ms0410 {قل تعالوا} إلى آخر الآيات الثلاث، وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: ~~سورة الأنعام من نجائب القرآن، وعن علي رضي الله عنه أنه قال: من قرأ سورة ~~الأنعام فقد انتهى في رضا ربه. # PageV02P085 # بسم الله الرحمن الرحيم # {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا} # قوله - تعالى -: {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض} حكي عن كعب الأحبار ~~أنه قال: هذه الآية أول آية في التوراة، وآخر آية في التوراة: # PageV02P086 # قوله - تعالى -: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا} الآية. # فقوله: {الحمد لله} معناه: احمدوا الله، ذكر الخبر بمعنى الأمر، وفائدته: ~~الأمر بالحمد وتعليم الحمد؛ فإنه لو قال: احمدوا الله؛ دعت الحاجة إلى بيان ~~كيفية الحمد، وقوله: {الذي خلق السموات والأرض} إنما خصهما بالذكر؛ لأنهما ~~أعظم المخلوقات فيما يرى العباد؛ ولأن فيهما العبر والمنافع للعباد. # {وجعل الظلمات والنور} والجعل: بمعنى الخلق، ثم اختلفوا، قال بعضهم: ~~الظلمات: الليل، والنور: النهار، وقال بعضهم: أراد بالظلمات: الكفر، ~~وبالنور: الإيمان، ويدخل في الظلمات جميع الظلمات، حتى ظلمة القلب، وظلمة ~~الشك، ونحو ذلك. # ويدخل في النور جميع الأنوار، حتى نور القلب، ونور اليقين، ونحو ذلك، ~~وقيل: أراد بالظلمات: الجهل، وبالنور: العلم، وقيل: أراد بالظلمات: ~~المعصية، وبالنور: الطاعة. # وروى عن قتادة أنه قال: إن الله - تعالى - خلق السماء قبل الأرض، والليل ~~قبل النهار، والجنة قبل النار، وقد قال غيره: خلق الأرض قبل السماء، ~~وسيأتي. # {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} قال الكسائي: عدل الشيء بالشيء: إذا ساواه ~~به، ومنه العدل. ومعناه: يعدلون بالله غير الله، وقال مجاهد: معناه: ثم ~~الذين كفروا بربهم يشركون، والمعنيان متقاربان؛ لأن من ساوى غير الله ~~بالله؛ فقد أشرك. وقيل: قوله: {ثم الذين كفروا} معنى لطيف، وهو مثل قول ~~القائل: أنعمت عليك كذا، وتفضلت عليك بكذا ثم لا تشكرني، ثم تكفر بنعمتي. # PageV02P086 # {بربهم يعدلون (1) هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم ~~أنتم تمترون (2) وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما ms0411 ~~تكسبون (3) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد} # PageV02P087 # قوله - تعالى -: {هو الذي خلقكم من طين} هو ما بينا أن الله - تعالى - ~~أمر ملك الموت حتى قبض قبضة من تراب؛ فخلق منها آدم - صلوات الله عليه - ~~فهذا معنى قوله: ( {هو الذي خلقكم من طين} ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده) قال ~~ابن عباس: الأجل الأول: من الولادة إلى الموت، والأجل الثاني: من الموت إلى ~~البعث وقال أيضا: لكل أحد أجلان: أجل إلى الموت، وأجل من الموت إلى البعث، ~~فإن كان برا وصولا للرحم؛ زيد له من أجل البعث في أجل العمر، وإن كان غير ~~ذلك، نقص من أجل العمر، وزيد ذلك في أجل البعث. # وقيل: الأجل الأول: أجل الدنيا كما بينا، والأجل الثاني من ابتداء ~~الآخرة، وذلك مسمى عند الله لا يعلمه غيره {ثم أنتم تمترون} تشكون. # PageV02P087 # قوله - تعالى -: {وهو الله في السموات والأرض يعلم سركم وجهركم} قال ابن ~~الأنباري: معناه: وهو الله المعبود في السموات وفي الأض، وقال غيره: ~~تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات والأرض، وهو قول الزجاج ~~{ويعلم ما تكسبون} الكسب: كل عمل يعمله الإنسان بكده؛ لجلب نفع، أو دفع ضر، ~~ولذلك لا يوصف فعل الله بالكسب؛ لأنه فعله برئ عن جلب المنافع ودفع المضار. # PageV02P087 # قوله - تعالى -: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} ~~أراد بهذه الآية: انشقاق القمر؛ فإن الكفار سألوا رسول الله أن يأتيهم ~~بآية؛ فقال عليه [الصلاة و] السلام - ماذا تريدون؟ فاقترحوا انشقاق القمر، ~~فأتاهم به، فكفروا وأعرضوا. # PageV02P087 # قوله - تعالى -: {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} يعني: ما ذكرنا {فسوف # PageV02P087 # {كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (5) ألم ~~يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض، ما لم نمكن لكم وأرسلنا ~~السماء عليهم} يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون) معناه: فسوف يؤول إليه ~~وبال ما كانوا به يستهزءون. # PageV02P088 # قوله - تعالى -: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن} قيل: ms0412 ثمانون سنة، ~~وقيل: ستون سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، والقرن عند حفاظ ~~الحديث: مائة سنة؛ فإنه روى عن النبي أنه قال لعبد [الله] بن (بسر) ~~المازني: " إنك تعيش قرنا "، فعاش مائة سنة، فاستدلوا به على أن القرن مائة ~~سنة، وفي الأخبار: كان بين آدم ونوح: عشرة قرون، وبين نوح وإبراهيم: عشرة ~~قرون، والقرن في الحقيقة: هو أهل كل زمان، سواء بعث فيهم نبي أو لم يبعث؛ ~~وعليه دل قوله: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين بلونهم " ~~يعني: ثم القرن الذين يلونهم. # PageV02P088 # {مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من ~~بعدهم قرنا آخرين (6) ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ~~ملكا لقضي الأمر ثم لا} # وقوله: {مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} أي: أعطيناهم ما لم نعطكم. # {وأرسلنا السماء عليهم مدرارا} أي: متتابعا، قال الشاعر: # (وسقاك من نوء الثريا ... مزقة عن الحلب وابلا مدرارا) # أي: متتابعا، قال ابن عباس: معناه: وأرسلنا السماء عليهم مدرارا: أي: ~~متتابعا في أوقات الحاجات، ولم يرد به: التوالي على الدوم {وجعلنا الأنهار ~~تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} . # PageV02P089 # قوله - تعالى -: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} سبب هذا: أن عبد الله ~~بن أبي أمية المخزومي أخا أم سلمة، قال لرسول الله: لن نؤمن بك حتى تنزل ~~علينا صحيفة من السماء جملة فنزل قوله: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} . ~~والقرطاس: ما يكون مكتوبا، فإذا لم يكن مكتوبا سمي: طرسا {فلمسوه بأيديهم} ~~فإن قال قائل: لم لم يقل: فرأوه بأعينهم؟ قيل: لأن اللمس أبلغ في إيقاع ~~العلم من الرؤية؛ لأن السحر يجري على المرئي، ولا يجري على الملموس؛ لأن ~~الملموس يصير مرئيا، والمرئي لا يصير ملموسا؛ فذكر اللمس ليكون أبلغ. # {لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} ومعناه: أنه لا ينفع معهم شيء ~~فإنا وإن أنزلنا عليهم ما اقترحوا ms0413 قالوا إن هذا إلا سحر مبين. # PageV02P089 # قوله - تعالى -: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} وهذا قول عبد الله بن أبي ~~أمية المخزومي (اقترح) إنزال ملك {ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} قال مجاهد: ~~معناه: لقامت القيامة، وقيل: معناه: لاستؤصلوا بالعذاب، وهذه سنة الله في ~~الكفار؛ أنهم # PageV02P089 # {ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) ~~ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ~~(10) قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) قل لمن ما ~~في السموات} متى اقترحوا آية، فإذا أعطاهم الله لك؛ فكفروا بها، استأصلهم ~~بالعذاب، كدأب قوم نوح، وعاد وثمود، وقوم لوط، وأمثالهم { [ثم] لا ينظرون} ~~أي: ثم لا يمهلون. # PageV02P090 # قوله - تعالى -: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} أي: في صورة رجل؛ لأن ~~الرجل أأنس بالرجل، وأفهم منه، وقد جاء جبريل إلى النبي في صورة دحية ~~الكلبي وجاء الملكان إلى داود في صورة رجلين {وللبسنا عليهم ما يلبسون} قال ~~ابن عباس، والضحاك، وجماعة: معناه: خلطنا عليهم ما يخلطون، وفي معناه ~~قولان: أحدهما: أنهم شبهوا على ضعفائهم فتشبه عليهم كما شبهوا، وينزل الملك ~~في صورة رجل (حي) يشتبه عليهم؛ فيقول بعضهم: هو ملك، ويقول بعضهم: ليس ~~بملك، والقول الثاني: أن معناه: أضللناهم بإنزال الملك في صورة رجل، كما ~~ضلوا من قبل، أي: لو حسبوا أن يهتدوا بإنزال الملك، فإنزال الملك لا يعجزنا ~~من إضلالهم به. # PageV02P090 # قوله - تعالى -: {ولقد استهزئ برسل من قبلك} سبب هذا: " أن رسول الله مر ~~على الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبي جهل، فضحكوا هزوا به؛ فنزلت ~~الآية تسلية له " {فحاق بالذين} أي: فنزل بالذين {سخروا منهم ما كانوا} أي: ~~وبال ما كانوا {به يستهزءون} . # PageV02P090 # قوله - تعالى -: {قل سيروا في الأرض} يحتمل هذا السير بالفكرة والعقول، ~~ويحتمل السير بالأقدام {ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} يعني: ممن سبق ~~من الأمم. # PageV02P090 # {والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ~~الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ms0414 (12) وله ما سكن في الليل والنهار وهو ~~السميع العليم (13) قل أغير الله اتخذ وليا فاطر السموات والأرض وهو يطعم ~~ولا يطعم قل إني} # PageV02P091 # قوله - تعالى -: {قل لمن ما في السموات والأرض قل لله} أمر بالجواب عقيب ~~السؤال؛ ليكون أبلغ في التأثير، وآكد في الحجة؛ لأن من سأل غيره عن شيء ثم ~~عقبه بالجواب كان ذلك أبلغ تأثيرا {كتب على نفسه الرحمة} أي: (قضى) ، وقد ~~صح برواية أبي هريرة: أن رسول الله قال: " إن الله كتب كتابا قبل خلق ~~السموات والأرض، فهو عنده فوق عرشه: سبقت رحمتي غضبي ". # {ليجمعنكم} اللام لام القسم أي: والله ليجمعنكم. {إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه} أي: لا شك فيه {الذين خسروا أنفسهم} غبنوا أنفسهم {فهم لا يؤمنون} . # PageV02P091 # قوله - تعالى -: {وله ما سكن في الليل والنهار} وقيل: فيه حذف، وتقديره: ~~وله ما سكن وما تحرك، وقيل: هو السكون خاصة، وإنما خص السكون؛ لأن النعمة ~~في السكون أكثر منها في الحركة {وهو السميع العليم} . # PageV02P091 # قوله - تعالى -: {قل أغير الله اتخذ وليا فاطر السموات والأرض} الفاطر: ~~الخالق، المنشئ للخلق، قال الأصمعي: ما كنت أعرف معنى الفاطر، حتى أختصم ~~إلى أعربيان في بئر؛ فقال أحدهما: أنا فطرته، وقال الآخر: أنا فطرته؛ فعرفت ~~أنه [إنشاء] الخلق {وهو يطعم ولا يطعم} قرأ الأعمش: " وهو يطعم ولا يطعم " ~~بفتح الياء، أي: يؤكل ولا يأكل، وأما القراءة المعروفة، فمعناه: وهو يرزق ~~ولا يرزق. # {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} يعني: من هذه الأمة، والإسلام يعني ~~الاستسلام لأمر الله - تعالى - {ولا تكونن من المشركين} وهو وإن كان معصوما # PageV02P091 # {أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) قل إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ~~(16) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على} عن ~~الشرك، لكن الأمر (بالثبات) على الإيمان، وترك الإشراك يجوز أن يكون متوجها ~~عليه، وقيل: الخطاب معه، والمراد به: الأمة. # PageV02P092 # {قال إني ms0415 أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} أي: عذاب القيامة # PageV02P092 # {من يصرف عنه} يعني: العذاب، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ~~بفتح الياء، يعني: من يصرف الله عنه العذاب {يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز ~~المبين} . # PageV02P092 # قوله - تعالى -: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} الضر: خلاف ~~النفع ومعناه: إن يصبك الله بضر فلا كاشف له إلا هو {وإن يمسسك بخير فهو ~~على كل شيء قدير} وروى عن ابن عباس أنه قال: " كنت رديف النبي، فقال: ألا ~~أعلمك كلمات تنتفع بهن في الدنيا والآخرة؟ قلت: (نعم) ؛ (فقال) : احفظ الله ~~يحفظك ... " الخبر إلى أن قال: " فلو اجتمع الخلق على أن ينفعوك بشيء لم ~~يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا على أن يمنعوك شيئا كتبه الله ~~لك لم يقدروا عليه ... " - الخبر. # PageV02P092 # {كل شيء قدير (17) وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) قل أي ~~شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ~~ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله ~~واحد وإنني بريء مما تشركون (19) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم الذين خسروا} # PageV02P093 # قوله - تعالى -: {وهو القاهر فوق عباده} القاهر: الغالب الذي لا يغلب، ~~وقيل: هو المنفرد بالتدبير، يجبر الخلق على مراده، وقوله: {فوق عباده} هو ~~صفة الاستعلاء الذي لله - تعالى - الذي يعرفه أهل السنة {وهو الحكيم ~~الخبير} . # PageV02P093 # قوله - تعالى -: {قل أي شيء أكبر شهادة} سبب هذا: أن الكفار قالوا: يا ~~محمد، من يشهد لك بالصدق؟ فنزلت الآية: {قل أي شيء أكبر شهادة} يعني: من ~~الله، واستدلوا بهذا على أن الله شيء. {قل الله شهيد بيني وبينكم} أي: يشهد ~~لي بالحق، وعليكم بالباطل. # {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} أي: ومن بلغه القرآن إلى قيام ~~الساعة، وفي الخبر عن النبي: " نضر الله وجه امرئ سمع مني مقالة، فوعاها، ~~ثم بلغها؛ فرب مبلغ أوعى من سامع " وقيل: معناه: لأنذركم به، يعني: العرب، ~~ومن ms0416 بلغ، يعني: العجم. # {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد ~~وإنني بريء مما تشركون} أمره بالجواب عقيب السؤال لما بينا. # PageV02P093 # {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه} قيل: أراد به: محمدا، وقيل: أراد به: ~~القرآن يعرفونه {كما يعرفون أبناءهم} . # PageV02P093 # {أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا ~~أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ~~ربنا ما كنا مشركين} # {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} أي: غبنوا أنفسهم، وغبنهم: أنهم ~~خسروا رأس المال، وفي الخبر: أن الله - تعالى - خلق لكل آدمي منازل في ~~الجنة، فإن كفر خسر تلك المنازل، وجعلها الله - تعالى - لمؤمن. # PageV02P094 # قوله - تعالى -: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} أي: قال عليه ما لم ~~يقله {أو كذب بآياته} يعني: آيات القرآن {إنه لا يفلح الظالمون} . # PageV02P094 # قوله - تعالى -: {ويوم نحشرهم جميعا} أراد به: حشر القيامة {ثم [نقول] ~~للذين أشركوا أين شركاءكم الذين كنتم تزعمون} يعني أين الشركاء الذين كنتم ~~تزعمون أنهم شركاء الله، والزعم قول الكذب، قال ابن عباس: الزعم الكذب في ~~كل موضع، وفي الآثار: " زعموا مطية الكذب ". # PageV02P094 # قوله - تعالى -: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا ~~مشركين} قال قتادة: معناه: ثم لم تكن معذرتهم - وقال غيره: ثم لم يكن ~~كلامهم - إلا أن قالوا. # قال الزجاج: في قوله: {ثم لم تكن فتنتهم} معنى لطيف، وذلك مثل الرجل يفتن ~~(بمحبوب) ثم تصيبه في ذلك محنة؛ فيتبرأ من محبوبه؛ فيقال: لم تكن فتنته إلا ~~هذا، كذلك الكفار لما فتنوا بمحبة الأصنام، ثم إذا رأوا العذاب يتبرءون ~~منها. # يقول الله - تعالى -: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا ~~مشركين # PageV02P094 # ( {23) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) ومنهم ~~من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا ~~كل ms0417 آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين} # PageV02P095 # انظر كيف كذبوا على أنفسهم) كذبهم عل أنفسهم: تبرئهم من الشرك {وضل} أي: ~~ذهب {عنهم ما كانوا يفترون} . # PageV02P095 # قوله - تعالى -: {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة} هذا في ~~رؤساء المشركين، مثل: أبي سفيان بن حرب - حين كان مشركا - وأبي جهل بن ~~هشام، وعتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن المغيرة، وغيرهم، كانوا يستمعون ~~القرآن؛ فقالوا: لأبي سفيان: ما هذا؟ فقال: أرى فيه حقا وباطلا. فقال أبو ~~جهل: حتى تفاخرنا واستوينا في المجد، واستوت بنا الركب، تزعمون أن منكم ~~نبيا يا بني عبد مناف، والله لا نقر بهذا، وفي رواية: [للموت] أهون علينا ~~من هذا. # {وجعلنا على قلوبهم أكنة} هي جمع " الكنان " كالأعنة جمع العنان وهي ~~الأغطية {أن يفقهوه} قال بعضهم: كراهة أن يفقهوه، وقال آخرون: أن لا يفقهوه ~~{وفي آذانهم وقرا} أي: وجعلنا في آذانهم صمما، قال ابن عباس: والوقر: أصله ~~الثقل؛ ومن ثقل الأذن جاء الصمم. # {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} هذا في معجزات النبي، وما أراهم من ~~الآيات. # يقول الله - تعالى -: وإن يروا جميع تلك الآيات لا يؤمنوا بها، وقيل: ~~إنهم اقترحوا آية؛ فنزل قوله: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} وهذا في قوم ~~مخصوصين، علم الله أنهم لا يؤمنون. # {حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين} ~~مجادلتهم: أنهم قالوا للنضر بن الحارث بن كلدة، وكان قد نظر في الكتب ~~المنزلة، # PageV02P095 # ( {25) وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (26) ~~ولو} وكان ممن يستمع القرآن؛ فقالوا له: ما تقول في هذا؟ قال: إن هذا إلا ~~أساطير الأولين، مثل أقاصيص رستم واسفنديار، وصحف الأولين، قال ثعلب: ~~الأساطير: جمع الأسطورة، وهي المكتوبة. # PageV02P096 # قوله - تعالى -: {وهم ينهون عنه وينئون عنه} أي: ينهون الناس عن اتباع ~~محمد، وتباعدون عنه بأنفسهم، وقيل: معنى قوله {ينهون عنه} أي: يذبون عنه، ~~ويمنعون الناس عن أذاه {وينئون عنه} أي: ms0418 يتباعدون عن الإيمان به، وذلك مثل ~~أبي طالب، كان يذب عنه حال حياته، قال ابن عباس: هو في أبي طالب. حتى روى ~~أنه اجتمع عليه رؤساء قريش، وقالوا له: اختر شابا من أصحابنا وجيها، واتخذه ~~ابنا لك، وادفع إلينا محمدا؛ فقال أبو طالب: ما أنصفتموني، أدفع إليكم ولدي ~~ليقتل، وأربي ولدكم؟ ! # وروى أنه قال لرسول الله: " لولا أن قريشا تعيرني لأقررت عينك بالإيمان ~~"، وكان يذب عنه إلى أن توفي، وروى: " أنه قرأ عليه قوله - تعالى -: {وهم ~~ينهون عنه وينئون عنه} فقال أبو طالب: أما أن أدخل في دينك فلا أدخل أبدا، ~~ولكني أذب عنك ما حييت "، وله فيه أبيات: # (والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا) # (فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وأبشر بذاك وقر منك عيونا) # (ودعوتني وعلمت أنك ناصحي ... وصدقتني ولكنت ثم أمينا) # PageV02P096 # {ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون ~~من المؤمنين (27) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه وإنهم} # (ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا) # (لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا) # {وإن يهلكون إلا أنفسهم} أي: لا يرجع وبال فعلهم إلا إليهم {وما يشعرون} ~~. # PageV02P097 # قوله - تعالى -: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} أي: دخلوا النار، (وقيل: ~~عرضوا على النار) ، والوقوف: الاطلاع على حقيقة الشيء {فقالوا يا ليتنا ~~نرد} إلى الدنيا {ولا نكذب بآيات ربنا} قال سيبويه: هو ابتداء كلام، يعني: ~~لا نكذب أبدا، رددنا أو لم نرد، وقال غيره: هو على نسقه، أي: يا ليتنا نرد ~~ولا نكذب بآيات ربنا، أي: لا نكفر بعد الرد إلى الدنيا {ونكون من المؤمنين} ~~ويقرأ " ونكون " بنصب النون، وتقديره: ولنكون من المؤمنين. # PageV02P097 # قوله - تعالى -: {بل بدا لهم} قوله: " بل " بحتة، رد لما قالوا، وقوله: ~~{بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} أي: ظهر لهم ما أخفوا من قبل من تبرئهم عن ~~الشرك بقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين؛ ms0419 وذلك أنهم إذا قالوا ذلك؛ يختم ~~الله على أفواههم، وتنطق جوارحهم بشركهم؛ فيبدو لهم ما كانوا يخفون من قبل. # {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} أي: ولو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى ~~الكفر، والشرك بالله {وإنهم لكاذبون} يعني: في قولهم {يا ليتنا نرد لا نكذب ~~بآيات ربنا} وفي الأخبار: " أن الله تعالى يعتذر إلى آدم يوم القيامة بثلاث ~~معاذير، أحدها هذا بقوله: إني لا أدخل من ذريتك النار إلا من أعلم أني لو ~~رددته إلى الدنيا سبعين # PageV02P097 # {لكاذبون (28) وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) ولو ~~ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون (30) قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم ~~الساعة بغتة قالوا يا} مرة لكفر (بي) ". # PageV02P098 # قوله - تعالى -: {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} هذا ~~في إنكارهم البعث والقيامة، # PageV02P098 # قوله - تعالى -: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} أي: عرضوا على ربهم، {قال ~~أليس هذا بالحق} وذلك حين تكشف [لهم] الغيوب والسرائر. # {قالوا بلى وربنا} فيقرون بها، قال ابن عباس: هذا في موقف، وقوله: {والله ~~ربنا ما كنا مشركين} في موقف آخر، وفي القيامة مواقف، ففي موقف ينكرون، وفي ~~موقف يقرون، {قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} . # PageV02P098 # قوله - تعالى -: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي: خسروا أنفسهم ~~بتكذيبهم بالمصير إلى الله؛ فاللقاء ها هنا بمعنى المصير إليه {حتى إذا ~~جاءتهم الساعة بغتة} أي: فجأة {قالوا يا حسرتنا} هذا على المبالغة، كقولهم: ~~يا عجبا، وقول القائل: يا عجبا، أبلغ من قوله: أنا متعجب؛ فكذلك قوله: {يا ~~حسرتنا} أبلغ من قوله: أنا متحسر، قال سيبويه: هذا على وجه النداء، كأنه ~~يقول: أيتها الحسرة هذا أوانك وأيها العجب جاء أوانك. # {على ما فرطنا فيها} أي: قصرنا فيها، أي: في أمر القيامة {وهم يحملون # PageV02P098 # {حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما ~~يزرون (31) وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار ms0420 الآخرة خير للذين يتقون ~~أفلا تعقلون (32) قد} أوزارهم على ظهورهم) الأوزار: الأثقال، واحدها: وزر، ~~ومنه الوزر، وهو الحبل في قوله - تعالى -: {كلا لا وزر} أي: لا حبل ولا ~~ملاذ، وحملهم الأوزار بيانه في الخبر، وهو ما روى عن النبي أنه قال: " يحشر ~~الناس يوم القيامة، فمن كان منهم برا تلقاه صورة حسنة طيبة الريح، فتقول: ~~أما تعرفني؟ أنا عملك الصالح، فاركبني فقد طال ما ركبتك، ومن كان فاجرا ~~تلقاه صورة قبيحة منتنة الريح، فتقول: أما تعرفني؟ أنا عملك الخبيث، وقد ~~طال ما ركبتني فأنا اليوم أركبك ". فهذا معنى قوله: ( {وهم يحملون أوزارهم ~~على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} # PageV02P099 # وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون) وصف كلا الدارين في هذه الآية. # PageV02P099 # قوله - تعالى -: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون} سبب هذا: " أن رسول الله مر على أبي جهل، ~~فقال: يا محمد، أنت صادق عندنا، وإنما نكذب بما جئت به " فهذا معنى الآية. ~~وقيل: إنما نزل هذا تسلية للرسول، يقول الله - تعالى -: لا تحزن؛ فإنهم لا ~~يكذبونك، ويقرأ: " فإنهم لا يكذبونك " مخففا، والفرق بين التكذيب والإكذاب: ~~أن التكذيب: هو أن يقول له: كذبت، والإكذاب: هو أن يجده كاذبا. # PageV02P099 # قوله تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا} فيه # PageV02P099 # {نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون (33) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم ~~نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين (34) وإن كان كبر ~~عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم ~~بآية ولو شاء الله} حذف، وتقديره: ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذيت، فصبروا ~~على ما كذبوا وأوذوا {حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله} أي: لعلم الله ~~وأحكامه {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} أي: أخبار المرسلين. # PageV02P100 # قوله - تعالى -: {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن ms0421 استطعت أن تبتغي نفقا في ~~الأرض} النفق: السرب في الأرض، ومنه: " النافقاء " وهو جحر اليربوع؛ ومنه: ~~النفاق، لأن المنافق يدخل نفقين {أو سلما في السماء [فتأتيهم بآية] } أي: ~~درجا في السماء فتأتيهم بآية، سبب هذا: أن الكفار كانوا يقترحون الآيات؛ ~~وود النبي أن (يعطيهم) الله ما اقترحوا من الآيات (طمعا) في أن يروا ~~الآيات؛ فيسلموا فنزل قوله: {فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السماء فتأتيهم بآية} وتقديره: إن استطعت ذلك فافعل، وفيه حذف. # {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} أي: بأن يريهم آية؛ يضطرون إلى الإيمان ~~بها، والصحيح: أن المراد به: ولو شاء الله لطبعهم وخلقهم على الإيمان؛ فهذا ~~أقرب إلى قول أهل السنة؛ لأن إيمان الضرورة لا ينفع، وإنما ينفع الإيمان ~~بالغيب اختيارا {فلا تكونن من الجاهلين} أي: بهذا الحرف، وذلك قوله: {ولو ~~شاء الله لجمعهم على الهدى} . # PageV02P100 # قوله - تعالى -: {إنما يستجيب الذين يسمعون} هاهنا الوقف، ومعناه: إنما ~~يستجيب الذين يسمعون سماع القبول {والموتى يبعثهم الله} يعني: الكفار {ثم # PageV02P100 # {لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (35) إنما يستجيب الذين يسمعون ~~والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ~~قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون (37) وما من دابة ~~في الأرض ولا طائر إليه يرجعون} . # PageV02P101 # قوله - تعالى -: {وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على ~~أن ينزل آية} يعني: أنه قادر على إنزال الآيات، وقد أنزل كثيرا من الآيات ~~والمعجزات، ولكن لا ينزل الآيات على اقتراح الكفار {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ~~. # PageV02P101 # قوله - تعالى -: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} إنما قيد ~~الطيران بالجناح تأكيدا {إلا أمم أمثالكم} أي: أصناف أمثالكم، وفي الخبر: " ~~لولا أن الكلاب أمة؛ لأمرتكم بقتلها؛ فاقتلوا منها كل أسود بهيم، فإنه ~~شيطان "، ومعنى الآية: أنها أمثالكم في الخلق، والموت، والبعث، يعني: ~~يخلقها كما يخلقكم، ويميتها كما يميتكم ويبعثها كما يبعثكم، وقيل: معنى ~~قوله: {أمم أمثالكم} يعني: ms0422 في العلم بالضار والنافع، والتوقي عن الهلاك، ~~ومعرفة العدو. # {ما فرطنا في الكتاب من شيء} فإن قال قائل: نرى كثيرا من الأحكام ليست في ~~الكتاب، فما معنى قوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ؟ قيل: ما من شيء إلا ~~وأصله في الكتاب، وقيل: ما قاله الرسول، فإنما قاله من الكتاب؛ لأنه قد قال ~~في خبر معروف: " أوتيت القرآن ومثله " وقد قال الله - تعالى - {وما ينطق عن # PageV02P101 # {يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم ~~يحشرون (38) والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ~~ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (39) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة أغير الله} لهوى إن هو إلا وحي يوحى) فكل ما ثبت بالسنة؛ ~~فكأنه ثابت في الكتاب، وقيل: [معناه] : ما فرطنا في الكتاب من شيء تقع ~~الحاجة إليه. # {ثم إلى ربهم يحشرون} ولا شك في حشر البهائم والحيوانات يوم القيامة، حتى ~~روى: أن الله - تعالى - يحشرها ويقتص للجماء من القرناء، وروى أبو ذر: " أن ~~النبي رأى شاتين تنتطحان؛ فقال: يا أبا ذر، أتدري فيما نتطحان؟ فقلت: لا. ~~فقال لكن الله يدري، وسيقضي بينهما وأمثال هذا كثير "، وسبيل الناس أن ~~يؤمنوا به، ويكلوا علمه إلى الله - تعالى - فإنه شيء لا تهتدي إليه العقول، ~~وعلى هذه الآية حكاية: حكي أن بهلول المجنون رأى أبا يوسف القاضي في ~~الطريق؛ فسأله وقال: إن الله - تعالى - يقول: {وما من دابة في الأرض ولا ~~طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} ثم يقول: {وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير} فما نذير الكلاب؟ فتحير أبو يوسف عن الجواب، فأخذ بهلول حجرا من ~~الأرض، وقال: هذا نذير الكلاب. # PageV02P102 # قوله - تعالى -: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات} أي: صم عن ~~سماع الحق، وبكم عن قول الحق {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم} . # PageV02P102 # قوله - تعالى -: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله} قيل: عذاب الله: هو # PageV02P102 # {تدعون إن كنتم صادقين ms0423 (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ~~وتنسون ما تشركون (41) ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ~~والضراء لعلهم يتضرعون (42) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ~~وزين لهم} الموت {أو أتتكم الساعة} يعني: القيامة {أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين} هذا استفهام بمعنى التقرير، يعني: لا تدعون إلا الله، وأراد به في ~~أحوال الضرورات؛ فإن الكفار في حال الضرورات يدعون الله - تعالى - كما قال: ~~{وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين} . # PageV02P103 # قوله - تعالى -: {بل إياه تدعون} هذا تقرير لما استفهم منه في الآية ~~الأولى، يعني: بل تدعون الله، ولا تدعون غيره {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} ~~قيد إجابة الدعوة بالمشيئة ها هنا، وأطلقها في قوله: {ادعوني أستجب لكم} . # قال أهل العلم: وذلك مقيد بالمشيئة أيضا، بدليل هذه الآية. # {وتنسون ما تشركون} وذلك أنهم لما تركوا الأصنام في حال الضرورات إلى ~~دعاء الله؛ فكأنهم نسوا ما يشركون، وفي الآية مجاز، وتقدير قوله: {فيكشف ما ~~تدعون إليه} أي: فيكشف ضر ما تدعون إليه. # PageV02P103 # وقوله - تعالى -: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ~~والضراء} البأساء: الجوع، والفقر، والضراء: المرض، والبلوى في النفس ~~والمال. # {لعلهم يتضرعون} التضرع: السؤال بالتذلل، وحكى أبو عبيد عن الفراء: فلان ~~يتضرع، ويتصدى [أي] أنه سأل متذللا وبتضرع. # PageV02P103 # قوله - تعالى -: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} أي: فهلا تضرعوا ( {إذ ~~جاءهم بأسنا} ولكن قست قلوبهم) قال الزجاج معناه: بلغت قلوبهم في # PageV02P103 # {الشيطان ما كانوا يعملون (43) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع ~~دابر القوم الذين} القساوة أنا أرسلنا إليهم الرسل، وأريناهم الآيات، ~~وأخذناهم بالبأساء والضراء، فلم يتضرعوا، ولم يعودوا عما كانوا عليه {وزين ~~لهم الشيطان ما كانوا يعملون} يعني: حتى مضوا على عملهم وكفرهم. # PageV02P104 # قوله - تعالى -: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء} هذا ~~فتح استدراج ومكر، وفي الآثار: " من فتح عليه باب نعمة، فلم ms0424 ير أنه مكر به ~~فلا رأي له، ومن أصابته شدة فلم ير أنه نظر له، فلا رأي له " يعني: في ~~الدين. # {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} هذا فرح بطر، وهو منهي عنه، وذلك مثل فرح ~~قارون بما أصاب من الدنيا حتى قال له قومه: " لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين ". # {أخذناهم بغتة} أي: فجأة {فإذا هم مبلسون} قال ابن عباس: آيسون من حمل ~~خير، وقال أبو عبيدة: المبلس: النادم الحزين، وقال الفراء: هو الساكت ~~المنقطع عن الحجة، وأنشدوا: # (يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... قال نعم أعرفه وأبلسا) # وقال آخر: # (ملك إذا طاف الغفاة ببابه ... غبطوا وأنجي منهم المتبلس) # PageV02P104 # قوله - تعالى -: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} الدابر: الأصل ها هنا؛ ~~فيكون الدابر بمعنى: الآخر؛ ومنه قوله: " من أشراط الساعة كذا وكذا، ولا ~~يأتون الصلاة إلا دبرا "، أي: آخرا {والحمد لله رب العالمين} حمد الله نفسه ~~على إهلاكهم واستئصالهم، وفيه تعليمنا الحمد لله على هلاك الكفار. # PageV02P104 # قوله - تعالى -: {قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم # PageV02P104 # {ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ~~ثم هم يصدفون (46) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا ~~القوم الظالمون (47) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح ~~فلا خوف عليهم ولا} من إله غير الله يأتيكم به) ذكر أشياء، ثم قال: {يأتيكم ~~به} فاختلفوا؛ فقال (بعضهم) معناه: يأتيكم بما (أخذ. و) قال آخرون: قوله: ~~{يأتيكم به} يرجع إلى السمع خاصة، واندرج فيه الأبصار والقلوب. ومن هذا ذهب ~~بعض العلماء إلى أن السمع أفضل من سائر الحواس؛ حيث خصه بالكناية، وقالوا: ~~هو مثل قوله - تعالى -: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} و " الهاء " راجعة إلى ~~الله - تعالى - واندرج فيه الرسول {انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون} أي: ~~يعرضون. # PageV02P105 # قوله - تعالى -: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله} حكى الفراء عن ms0425 العرب ~~أنهم يقولون: أرأيتك بمعنى أخبرني، [وأرأيتكما] بمعنى أخبراني، وأرأيتكم ~~يعني: أخبروني وأرأيتك بمعنى: للمرأة بمعنى: أخبريني، هكذا {بغتة أو جهرة} ~~معناه: ليلا أو نهارا وقيل: معناه: فجأة أو عيانا {هل يهلك إلا القوم ~~الظالمون} . # PageV02P105 # قوله - تعالى -: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين} وقد بينا هذا ~~{فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} يعني: يوم القيامة. # PageV02P105 # {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب} أي: يصيبهم عذاب النار {بما كانوا ~~يفسقون} . # PageV02P105 # قوله - تعالى -: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} أنزل هذا حين اقترحوا ~~الآيات، وكانوا يقولون: لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا من السماء، وسائر ~~ما # PageV02P105 # {هم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا مسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) ~~قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن ~~اتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) وأنذر ~~به الذين يخافون} اقترحوا من الآيات؛ فنزل قوله: {قل لا أقول لكم عندي ~~خزائن الله} فأعطيكم ما تريدون (ولا أعلم الغيب) . والغيب. كل ما غاب عنك ~~ويكون ماضيا، ويكون في المستقبل، والماضي منه يجوز أن يعلمه الإنسان بخبر ~~مخبر ونحوه. فأما المستقبل فلا يعلمه إلا الله، ورسول ارتضاه، كما قال في ~~سورة الجن، وقوله: {ولا أعلم الغيب} فيه إضمار، أي: ولا أعلم الغيب إلا ما ~~أعلمنيه الله {ولا أقول لكم إني ملك} إنما أمره بذلك؛ لأن الملك يقدر على ~~ما لا يقدر عليه الآدمي، وقيل: لأن الملك يشاهد ما لا يشاهد الآدمي، واستدل ~~بهذا من فضل الملائكة على الآدميين، وليس فيه مستدل، ومعناه: ما بينا. # {إن اتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير} قال قتادة: الكافر ~~والمؤمن، وقال مجاهد: الضال والمهتدي، وقيل: الجاهل والعالم {أفلا تتفكرون} ~~. # PageV02P106 # قوله - تعالى -: {وانذر به} أي: خوف به {الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم} قيل: هم المسلمون، وقيل: كل من يؤمن بالبعث من المسلمين وأهل الكتاب. # {ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} فإن ms0426 قيل: أليس يشفع الأنبياء ~~والأولياء يوم القيامة، فما معنى قوله: {ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} ؟ ~~قلنا: معناه: لا شفاعة إلا بإذنه، وهم إنما يشفعون [بإذنه، أو هذا رد لما ~~زعموا أن الملائكة والأصنام يشفعون] لنا. # PageV02P106 # قوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} سبب نزول الآية: " أن ~~المشركين بمكة أتوا رسول الله، وقالوا: إنك تجالس الفقراء، وأرادوا به: ~~بلالا، # PageV02P106 # {أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51) ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من ~~شيء وما} وصهيبا، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، ومهجع، ~~ونحوهم من فقراء أهل الصفة، وقالوا: لو طردتهم آمنا بك؛ كأنهم استنكفوا ~~الجلوس معهم فهم النبي بذلك طمعا في إيمانهم؛ فنزلت الآية ". قال سعد بن ~~أبي وقاص: " في نزلت الآية وابن مسعود ... " وعد جماعة، وقال مجاهد: نزلت ~~الآية في بلال وجماعة، وفيه قول آخر: أن الآية نزلت بالمدينة، وروى: " أن ~~الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري أتيا رسول الله، كانا من ~~أكابر الكفار؛ فقالا: إنا نستنكف من الجلوس مع هؤلاء، فلو اتخذت لنا مجلسنا ~~منك؛ آمنا بك؛ فهم بذلك، طمعا في إيمانهم؛ فنزلت الآية " فعلى هذا تكون ~~الآية من الآيات المبينة التي نزلت بالمدينة. # قوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} اختلفوا في هذه الدعوة، قال ابن عباس: ~~معناه: يصلون الصلوات الخمس، وقال إبراهيم النخعي: هو ذك الله، وقال ~~الضحاك: كل الطاعات. # PageV02P107 # {من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (52) وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ~~(53) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة أنه من عمل} # وقوله: {يريدون وجهه} قال ابن عباس: أي: يريدون إياه بالطاعة، ويريدون ~~خالص وجهه، والوجه صفة لله - تعالى - بلا كيف؛ وجه لا كالوجوه. # {فتطردهم فتكون من الظالمين} يعني: إن طردتهم، وقيل: في الآية تقديم ~~وتأخير، وتقديره: ولا تطرد ms0427 الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ~~فتكون من الظالمين، (ثم قال) : {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك ~~عليهم من شيء} # PageV02P108 # قوله - تعالى -: {وكذلك فتنا بعضهم بعض} هو فتنة الأغنياء بالفقراء، ~~[والله - تعالى - يفتن الأغنياء بالفقراء] ، ويفتن الفقراء بالأغنياء، ~~والمراد هاهنا: فتنة أكابرهم بفقرائهم؛ حيث امتنعوا عن الإيمان بسببهم؛ ~~وذلك كان فتنة لهم. # {وليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} يقول الأغنياء: أهؤلاء الفقراء ~~سبقونا بالإيمان، ثم يقول الله - تعالى -: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} ~~يعني: أليس الله بأعلم من هو أهل للإسلام؛ فيدخل في الإسلام؟ ! . # PageV02P108 # قوله - تعالى -: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} هم الفقراء الذين ~~ذكرنا {فقل سلام عليكم} أمر رسوله ببدائتهم بالسلام، وقد ذكرنا معنى السلام ~~فيما سبق، وقيل: معناه: [سلمكم] الله في دينكم، وقيل: معناه السلامة لكم. # {كتب ربكم على نفسه الرحمة} أي قضى بالرحمة لكم {أنه من عمل منكم سواء ~~بجهالة} أي خطيئه، وقد بينا أن كل عاص جاهل {ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم} يقرأ: أنه، وفأنه، كلاهما بنصب الألف؛ فيكون بدلا عن قوله: # PageV02P108 # {منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) وكذلك نفصل ~~الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) قل إني نهيت أن اعبد الذين تدعون من ~~دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين (56) قل إني ~~على بينة من} {كتب ربكم على نفسه الرحمة} ويقرأ: كلاهما بكسر الألف على ~~الابتداء، ويقرأ: الأول بالفتح والثاني بالكسر. # PageV02P109 # قوله - تعالى -: {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} يقرأ بثلاثة ~~أوجه ولتستبين - بالتاء، سبيل: بنصب اللام. ومعناه: ولتستبين يا محمد سبيل ~~المجرمين؛ فإن قيل: ألم يكن مستبينا له؟ قيل: معناه: لتزداد بيانا، وقال ~~الزجاج: الخطاب مع الرسول، والمراد بالآية: الأمة. # ويقرأ وليستبين: بالياء والتاء سبيل: برفع اللام، وقالوا: لأن السبيل ~~يذكر ويؤنث؛ قال الله - تعالى -: {قل هذه سبيلي} ومعناه: وليظهر سبيل ~~المجرمين؛ (فإن قيل: لم خص سبيل المجرمين؟) قيل: تقديره: ولتستبين سبيل ~~المجرمين وسبيل المؤمنين؛ فحذف أحدهما اختصارا، ms0428 والأصح أن تقديره: ولتستبين ~~سبيل المجرمين عن سبيل المؤمنين. # PageV02P109 # قوله - تعالى -: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} هو النهي ~~عن الشرك {قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين} يعني: إن ~~اتبعت أهواءكم، # PageV02P109 # قوله - تعالى -: {قل إني على بينة من ربي} على بيان من ربي {وكذبتم به} ~~أي: بما [جئت] به {ما عندي ما تستعجلون به} قيل: أراد به استعجالهم الآيات ~~والمعجزات، وقيل: أراد به استعجالهم القيامة، قال الله - تعالى - {يستعجل ~~بها الذين لا يؤمنون بها} وقيل: أراد به استعجال العذاب، قال الله - # PageV02P109 # {ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو ~~خير الفاصلين (57) قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم ~~والله أعلم بالظالمين (58) وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في ~~البر والبحر وما} تعالى -: " ويستعجلونك بالعذاب " وكانوا يقولون: {إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} . # {إن الحكم إلا لله يقضي الحق وهو خير الفاصلين} ويقرأ: يقص بالصاد، ~~واستدل بالكتابة في المصاحف؛ فإن هذه الكلمة تكتب بغير الياء. # PageV02P110 # قوله تعالى: {قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم} ~~معناه: لقامت القيامة، وقيل: هو في العذاب، ومعناه: لو كان العذاب بيدي ~~لعجلته؛ حتى أتخلص منكم {والله أعلم بالظالمين} . # PageV02P110 # قوله - تعالى -: {وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو} روى ابن عمر عن ~~النبي أنه قال: " مفاتح الغيب خمسة " وذكر (الخمس) المذكورة في قوله - ~~تعالى -: {إن الله عنده علم الساعة} ثم قرأ الآية. {ويعلم ما في البر ~~والبحر} قال مجاهد: البحر: القرى والأمصار هاهنا، (والبر: المفاوز) ، يقال: ~~هذا المصر بحر، وهذه القرية بحر؛ لاجتماعها وكثرة أهلها، وقيل: هو البر ~~والبحر المعروف. # {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} فإن قال قائل: لم خص [الورق] الساقط # PageV02P110 # {تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا ~~في كتاب ms0429 مبين (59) وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم ~~يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم عليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) ~~وهو القاهر فوق عباده} وهو يعلم الساقط والثابت؟ قيل: هذا معناه: أي: وما ~~تسقط من ورقة إلا يعلمها ساقطة وثابتة، قال جعفر بن محمد الصادق: أراد ~~بالورقة الساقطة: السقط. # {ولا حبة في ظلمات الأرض} هو الحب المعروف، وقال جعفر الصادق: هو الولد ~~{ولا رطب ولا يابس} قيل: معناه: ولا حي ولا موات، وقيل: هو عبارة عن كل شيء ~~{إلا في كتاب مبين} يعني: أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مثل قوله - ~~تعالى -: {وكل صغير وكبير مستطر} . # PageV02P111 # قوله - تعالى -: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} أي: يقبض أرواحكم بالليل إذا ~~نمتم، وهذا نظير قوله: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها} . فإن قال قائل: أليس من نام فروحه معه؛ فما معنى هذا القبض؟ قيل: ~~هو قبض النفس المميزة المتصرفة {ويعلم ما جرحتم بالنهار} أي: كسبتم بالنهار ~~{ثم يبعثكم فيه} قال قتادة: البعث اليقظة هاهنا، أي: ثم يوقظكم في النهار ~~{ليقضي أجل مسمى} القضاء: هو فصل الحكم على التمام، ومعناه هاهنا: استيفاء ~~أجل العمر على التمام. # (ثم إليه مرجعكم ثم ينئكم بما كنتم تعملون) . # PageV02P111 # قوله - تعالى -: {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة} أما معنى ~~القاهر، وصفة الفوق، فقد ذكرنا؛ وأما إرسال الحفظة: هو إرسال الملائكة ~~الحفاظ، وهو ما قال في آية أخرى {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين} وقال: ~~{له معقبات # PageV02P111 # {ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ~~(61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) قل ~~من ينجيكم} من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) وحفظهم: أن [يحفظوا] ~~على العباد العمل والأجل والرزق {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا} ~~ويقرأ: " توفيه " بالياء {وهم لا يفرطون} أي: لا يؤخرون. # فإن قيل: قد قال في آية أخرى: {قل يتوفاكم ملك الموت} وقال هاهنا: {توفته ~~رسلنا} ms0430 فكيف وجه الجمع؟ قيل: قال إبراهيم النخعي: لملك الموت أعوان من ~~الملائكة، يتوفون عن أمره؛ فهو معنى قوله: {توفته رسلنا} ويكون ملك الموت ~~هو المتوفى في الحقيقة؛ لأنهم يصدرون عن أمره، ولذلك نسب الفعل إليه في تلك ~~الآية، وقيل: معناه: ذكر الواحد بلفظ الجمع، والمراد به: ملك الموت، وفي ~~القصص أن الله - تعالى - جعل الدنيا بين يديه كالمائدة الصغيرة؛ فيقبض من ~~هاهنا ومن هاهنا؛ فإذا كثرت الأرواح يدعو الأرواح فتجيب له. # PageV02P112 # قوله - تعالى -: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} فإن قال قائل: الآية في ~~المؤمنين والكفار، فكيف قال: {مولاهم الحق} وقد قال في آية أخرى: {وأن ~~الكافرين لا مولى لهم} ؟ قيل: المولى في تلك الآية بمعنى: الناصر، ولا ناصر ~~للكفار، والمولى هاهنا بمعنى: المالك، والله مالك الكل، وقيل: أراد به رد ~~المؤمنين إليه، ويدخل الكفار فيه تبعا. # {ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين} أي: يحاسب الكل في لحظة. # PageV02P112 # قوله تعالى: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} يعني: من شدائد البحر ~~والبر، تقول العرب: يوم مظلم. إذا كان يوم شدة، ويسمونه أيضا: يوما ذا ~~كوكب. كأنهم جعلوه كالليل لشدته، قال الشاعر: # PageV02P112 # {من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) قل هو ~~القادر على} # (بني أسد هل تعلمون (بلاءنا) # إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا) # وقال آخر: # (فدا لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا) # {تدعونه تضرعا وخفية} أي: علانية وسرا، وقيل: معناه: أن يكون السر مع ~~الجهر في الدعاء بحيث يدعو باللسان وسره معه، ويقرأ " وخفية " بكسر الخاء ~~ومعناهما واحد {لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} والشكر: [هو] معرفة ~~النعمة مع القيام [بحقها] ، ولا بد من هذين حتى يتحقق الشكر. # PageV02P113 # قوله - تعالى -: {قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون} الكرب: ~~غاية الهم. # PageV02P113 # قوله - تعالى -: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من ms0431 ~~تحت أرجلكم} قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، وجماعة: نزلت الآية في أهل ~~الإيمان وأهل الصلاة. وقال غيرهم: نزلت في المشركين، وقوله: {عذابا من ~~فوقكم أو من تحت أرجلكم} قال مجاهد، وسعيد بن جبير: عذابا من فوقكم: هو ~~الرمي بالحجارة، كما كان في قوم لوط. أو من تحت أرجلكم هو الخسف والرجفة. # وحكي عن ابن عباس أنه قال: عذابا من فوقكم: تسليط أئمة السوء، ومن تحت ~~أرجلكم: تسليط الخدم السوء، وقيل: عذابا من فوقكم: الطوفان والغرق، ومن تحت # PageV02P113 # {أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق ~~بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) وكذب به قومك وهو} ~~أرجلكم: الريح، كما كان في قوم عاد {أو يلبسكم شيعا} قال الزجاج: معناه: ~~يخلطكم خلط اضطراب لا خلط اتفاق، وحقيقة المعنى: أن يبث فيكم الأهواء ~~المتفرقة؛ فتصيرون فرقا وأحزابا. # (ويذيق بعضكم بأس بعض) هو وقوع القتل بينهم؛ وقد صح عن النبي أنه لما ~~نزلت هذه الآية، وسمع الأولين؛ قال: " أعوذ بوجهك؛ فلما سمع الآخرين؛ قال: ~~هاتان أيسر " وفي الخبر المعروف: " أنه لما نزلت هذه الآية؛ دعا لأمته ~~وناجى طويلا؛ حتى نزل جبريل أن الله رفع الأولين، وأجاب دعوتك فيهما، ولم ~~يجب في الآخرين ". فبثت الأهواء والقتال في هذه الأمة، وقد سل السيف من ~~زمان عثمان، فلا يغمد إلى قيام الساعة، وقد روى أن الدعاء المعروف الذي كان ~~يدعو به رسول الله، دعا به حيث نزلت هذه الآية، وقال: " اللهم إني أعوذ ~~بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك " أي: بقضاءك من قضاءك ~~{انظر كيف نصرف الآيات} يعني: مرة هكذا، ومرة هكذا {لعلهم يفقهون} . # PageV02P114 # {الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون (67) وإذا رأيت ~~الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك ~~الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) وما على الذين يتقون ~~من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا} ms0432 # PageV02P115 # قوله - تعالى -: {وكذب به قومك وهو الحق} يعني: القرآن {قل لست عليكم ~~بوكيل} أي: بمسلط؛ فألزمكم الإسلام شئتم أو أبيتم، قال ابن جريج: كان هذا ~~في الابتداء ثم نسخ بقوله: {فاقتلوا المشركين} . # PageV02P115 # {لكل نبأ مستقر} قال مجاهد: معناه: لكل خبر من أخبار القرآن حقيقة إما في ~~الدنيا، وإما في الآخرة {وسوف تعلمون} . # PageV02P115 # قوله - تعالى -: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} أراد به: ~~يخوضون فيها بالرد والاستهزاء، قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: ويدخل في ~~هذا: الخوض في كل الآيات لا على وفق الكتاب والسنة. # {فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد ~~الذكرى مع القوم الظالمين} يعني: قوله: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم} قالت الصحابة: إذا كيف تقعد في المسجد الحرام وكيف نطوف ~~بالبيت، وهم يخوضون أبدا؟ فنزلت هذه الآية: # PageV02P115 # {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} يعني: إذا لقوهم، ولم يخوضوا ~~فيما يخوضون {ولكن ذكرى لعلهم يتقون} أمر [بتذكيرهم] ومنعهم عن ذلك، وقيل: ~~معناه: في حال الذكر، وليس عليهم شيء في حال ما يذكرونهم إذا لم يرضوا بما ~~خاضوا فيه. # PageV02P115 # قوله - تعالى -: {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة ~~الدنيا} . # قال الفراء في كتابه: عيد [أهل كل ملة] يوم لهو ولعب إلا عيد المسلمين؛ # PageV02P115 # {ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من ~~دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا ~~بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (70) قل أندعوا من ~~دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي ~~استهوته الشياطين في} فإنه (يوم) الصلاة وفعل الخير والتكبير. # {وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت} قال مجاهد: أن تسلم للهلاك، وقال قتادة: ~~أن تحبس، وقال الفراء: أن ترتهن، وقال الكسائي، والأخفش: أن تجزي. والصحيح ~~هو الأول، يقال: فلان مستبسل إذا استسلم للهلاك، قال ms0433 الشاعر: # (وإبسالي بني بغير جرم ... [بعوه ولا بغير دم مراق] ) # وحقيقة المعنى: وذكر به، لأن لا تسلم نفس للهلاك بعملها {ليس لها من دون ~~الله ولي ولا شفيع} وقد ذكرنا {وإن تعدل كل عدل} هو الفدية {لا يؤخذ منها ~~أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا} هو ما ذكرنا {لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون} . # PageV02P116 # قوله - تعالى -: {قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} فإن ~~قيل: كيف لا يضرهم وفي الأصنام ضرهم؟ قيل: معناه: لا يجلب نفعا، ولا يدفع ~~ضرا، قيل: معناه: ليس بيدهم شيء. # {ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله} أي: مرتدين على أعقابنا بعد ~~الهداية به والإسلام {كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران} أضلته ~~الشياطين وغلبته حتى هوى، والحيران: المتردد بين شيئين لا يدري كيف يفعل. # PageV02P116 # {الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى ~~وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه ~~تحشرون (72) وهو الذي حلق السموات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله ~~الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ~~(73) وإذ قال إبراهيم} # {له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا} ضرب مثلا للذي يرتد عن الإسلام برجل ~~يكون في الطريق مع رفقة؛ فيضل به الغول، ويدعوه أصحابه من أهل الرفقة إلى ~~الطريق، فيبقى حيران، لا يدري أين يذهب. ( {قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا ~~لنسلم لرب العالمين} # PageV02P117 # وأن أقيموا الصلاة واتقوه) أي: وأمرنا بإقامة الصلاة والتقوى ( {وهو الذي ~~إليه تحشرون} # PageV02P117 # وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق) أي: لإظهار الحق؛ لأنه جعل صنعه ~~دليلا على وحدانيته {ويوم يقول كن فيكون} قيل: هو راجع إلى قوله: {خلق ~~السموات} يعني: وخلق يوم يقول، فإن قيل: كيف يصح هذا التقدير، والقيامة غير ~~مخلوقة بعد؟ قيل: هي كائنة في علم الله - تعالى -[فتكون] كالمخلوقة؛ إذ ~~الحلق بمعنى: القضاء والتقدير، وهي مقضية مقدرة، وقيل: تقديره: واذكر يوم ~~يقول: كن فيكون ( {قوله الحق} وله ms0434 الملك يوم ينفخ في الصور) قرئ في الشواذ: ~~" يوم ينفخ في الصور " وهي جمع الصورة، قال أبو عبيدة: الصور: هو الصور في ~~كل موضع، وقال ابن مسعود في تفسير الآية: الصور: قرن ينفخ فيه، وهو معروف ~~في الأخبار. {عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير} . # PageV02P117 # قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} يقرأ " آزر " برفع الراء، وهو ~~في الشواذ، ومعناه: يا آزر، وكذلك في حرف أبي بن كعب: يا آزر، والمعروف " ~~آزر " بنصب # PageV02P117 # {لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (74) وكذلك ~~نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين (75) فلما جن عليه ~~الليل} الراء، وهو اسم أعجمي غير منصرف؛ فينصب في موضع الخفض. # قال الفراء، والزجاج: اسم أبيه: تارخ، أجمع عليه النسابون، وآزر لقب له، ~~قال الفراء: واللقب قد غلب على الاسم، وقيل: كان له اسمان: آزر، وتارخ، قال ~~الحسن: اسمه: آزر لا غير، كما نص عليه في الكتاب، وقال مجاهد: آزر: اسم ~~صنم، وتقدير الآية: وإذ قال إبراهيم لأبيه: {أتتخذ} آزر إلها {أصناما آلهة ~~إني أراك وقومك في ضلال مبين} . # PageV02P118 # قوله - تعالى -: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} الملكوت ~~والملك واحد، وإنما أدخل التاء فيه للمبالغة، مثل: رهبوت ورحموت، واختلفوا ~~في معناه، منهم من قال: أراه أبواب السموات والأرض، ومنهم من قال: فرج له ~~السموات حتى رآها كلها وما فيها، وخرق له الأرضين حتى رآها كلها، وقيل: ~~رفعه إلى السماء حتى رأى السموات والأرض. # وفي الخبر: " أنه لما رفعه إلى السماء رأى في الأرض رجلا على المعصية، ~~فدعا الله حتى أهلكه، ثم رأى آخر، فدعا الله حتى أهلكه، ثم رأى ثالثا كذلك؛ ~~فدعا الله حتى أهلكه فقال الله - تعالى -: أهبطوه، ثم أوحى الله - تعالى -: ~~إليه: مهلا يا إبراهيم؛ فإن عبادي مني على ثلاث خصال: إما أن يتوبوا فأغفر ~~لهم، وإما أن يتركوا ولدا يدعو لهم فأغفر لهم، وإن لم يكن [لهم] فجهنم من ~~ورائهم " {وليكون من الموقنين} . # PageV02P118 # قوله - تعالى -: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا} . # PageV02P118 # {رأى ms0435 كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (76) فلما رأى القمر ~~بازغا قال} # وفي القصة: أن واحدا من الكهنة، قال لنمروذ: إن ملكك يهلك على (يدي) ولد ~~في زمانك، فكان يقتل البنين ممن يولد في زمانه؛ فلما أتت أم إبراهيم ~~بإبراهيم، جاء به أبوه إلى سرب الأرض شبه مغار، ووضعه في موضع يقال له: ~~كوثاء؛ فقيل: إنه كان فيه سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وقيل سبع عشرة ~~سنة، ثم إنه لما شب، قال لأمه: من ربي؟ فقالت له: اسكت، ثم جاءت وأخبرت ~~أباه ما قال؛ فجاء أبوه؛ فقال له إبراهيم: من ربي؟ فقال: أمك، قال: ومن رب ~~أمي،؟ قال: أنا، قال: ومن ربك؟ قال: اسكت، وتركوه، ثم لما جن عليه الليل ~~خرج من السرب، ولم يكن رأى شيئا قط، فرأى كوكبا، قيل: هو المشتري. # قال السدي: كان الكوكب: زهرة، وهي أضوأ كوكب في السماء. {قال هذا ربي} ~~قيل: إنه قال ذلك في صغره حين لا يعبأ بقوله، وقيل: إنما كان مستدلا به؛ ~~فقال ذلك في حال الاستدلال؛ فلم يضره هذا القول، وهذان القولان ضعيفان، ~~وفيه ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: قال قطرب: قوله: هذا ربي. على وجه ~~الاستفهام، وتقديره أهذا ربي؟ ومثله قول الشاعر: # (رفوني وقالوا يا خويلد (لم ترع) # فقلت وأنكرت الوجوه هم هم) # وإنما قال: هم على طريق الاستفهام، وتقديره: أهم هم؟ وأما الزجاج وغيره ~~لم يرضوا منه هذا، وقالوا: ليس في كلام العرب " هذا " بمعنى الاستفهام. # وذكر الزجاج قولين آخرين فيه: أحدهما: قال: " هذا ربي " على زعم قومه، ~~فإن قيل: هم كانوا يعبدون الكواكب، فكيف قاله على زعمهم؟ قيل: كان منهم أهل ~~نجوم، وكانوا يرون أنه إلى الكواكب الأمور؛ وكأنهم يعبدون الكواكب. # والقول الثاني: أن القول مضمر فيه، وتقديره: يقولون: هذا ربي. # PageV02P119 # {هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) ~~فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء ~~مما تشركون (78) إني وجهت ms0436 وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين (79) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن} # PageV02P120 # {فلما أفل قال لا أحب الآفلين} . # قوله - تعالى -: {فلما رأى القمر بازغا} أي: طالعا: {قال هذا ربي} وكان ~~ذلك في ليلة قد تأخر طلوع القمر فيها قليلا {فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين} والأفول: الغروب. # PageV02P120 # قوله - تعالى -: {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر} أي: أضوأ ~~وأنور فإن قال قائل: لم قال: هذا ربي، والشمس مؤنثة، ولم يقل هذه؟ قيل: لأن ~~ما ليس عليه علامة التأنيث يجوز أن يذكر، كما قال الشاعر: # (فلا مزنة وقد دقت ... ودقها ولا أرض ذا بقل أبقالها) # ولم يقل [أبقلت] ، وإن كانت الأرض مؤنثة؛ إذ لم يكن عليها علامة التأنيث، ~~وقيل: إن قوله: هذا ربي، يرجع إلى المعنى، وهو الضياء والنور {فلما أفلت ~~قال يا قومي إني بريء مما تشركون} . # PageV02P120 # قوله - تعالى -: {إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا ~~من المشركين} الحنيف: الثابت على الدين، المائل إليه بالكلية. # PageV02P120 # قوله - تعالى -: {وحاجه قومه قال أتحاجوني} (أي) : جادله قومه؛ قال: ~~أتجادلوني {في الله وقد هدان} . # PageV02P120 # {يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تذكرون (80) وكيف أخاف ما ~~أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي ~~الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم أولئك لهم الأمن وهم} # {ولا أخاف ما تشركون به} لأنهم كانوا يخوفونه بالأصنام، وكانوا يقولون: ~~احذر الأصنام؛ فإنا نخاف عليك الخبل والجنون؛ فقال: {ولا أخاف ما تشركون به ~~إلا أن يشاء ربي شيئا} قوله: إلا أن يشاء ربي شيئا. ليس باستثناء عن الأول؛ ~~إذ لا يجوز أن يشأ الله أن يصيبه شيء من الأصنام، وما يشركون به، وإنما هذا ~~استثناء منقطع، ومعناه: لكن إن شاء ربي أن يأخذني بشيء، أو يعذبني بجرمي؛ ~~فله ذلك. # {وسع ربي كل شيء علما ms0437 أفلا تتذكرون} . # PageV02P121 # قوله - تعالى -: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما ~~لم ينزل به عليكم سلطانا} الإشراك: هو الجمع بين الشيئين في معنى؛ فالإشراك ~~بالله: هو أن يجمع مع الله غير الله فيما لا يجوز إلا لله، ومعنى الآية: ~~وكيف أخاف الأصنام وما أشركتم، وأنتم أحق بالخوف مني حيث أشركتم بالله، ولا ~~تخافون الله بشرككم أو فعلكم الذي لم ينزل به الله حجة وسلطانا؟ {فأي ~~الفريقين أحق بالأمن} يعني الموحد أو المشرك {إن كنتم تعلمون} . # PageV02P121 # قوله - تعالى -: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} اختلفوا فيه، قال ~~بعضهم: هذا من قول الله - تعالى -، وقيل: هو من قول إبراهيم، ومعناه: الذين ~~آمنوا، ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، هذا هو قول أبي بكر، وعلي، وحذيفة، وسلمان ~~أن المراد بالظلم الشرك، وقد صح برواية ابن مسعود: " أنه لي نزلت هذه ~~الآية؛ شق ذلك على الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ ! فقال: ليس الأمر ~~كما تظنون، إنما الظلم هاهنا بمعنى الشرك، وقرأ قوله تعالى: {لا تشرك بالله ~~إن الشرك لظلم عظيم} ". ومعنى الآية: الذين آمنوا بالله ولم يشركوا به ~~{أولئك لهم الأمن # PageV02P121 # {مهتدون (82) وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ~~ربك حكيم عليم (83) ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ~~ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين ~~(84) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع} هم ~~مهتدون) . # PageV02P122 # قوله - تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} اختلفوا فيه، قال ~~بعضهم: هي احتجاجه عليهم بقوله: {فأي الفريقين أحق بالأمن} ، وحجته في ذلك ~~أن الذي يعبد الله لا يشرك به شيئا أحق بالأمن من الذي يعبد الله ويشرك به. ~~وقيل: أراد به الحجاج الذي حاج به نمروذ، على ما سبق في سورة البقرة. # {نرفع درجات من نشاء} يعني: (بالحجاج) ، والاستدلال، ويقرأ: " نرفع درجات ~~" منونا، وتقديره: نرفع من نشاء درجات {إن ربك حكيم عليم} . # PageV02P122 # قوله - تعالى -: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من ms0438 قبل ~~ومن ذريته} اختلفوا فيه، قال بعضهم: أراد به: ذرية إبراهيم، والصحيح أنه ~~أراد به: ومن ذرية نوح؛ لأنه عد في الجملة يونس ولوطا، وهما من ذرية نوح لا ~~من ذرية إبراهيم {ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك ~~نجزي المحسنين} وليس هذا على ترتيب الأزمان؛ إذ كان هؤلاء على أزمان ~~مختلفة، بعضهم سابق على البعض، (فالواو لا) تقتضي الترتيب وإنما هي للجمع. # PageV02P122 # قوله - تعالى -: {وزكريا ويحيى وعيس} هذا دليل على أن عيسى من ذرية آدم، ~~وإن كان انتماؤه إلى الأم؛ لأنه عده من ذرية نوح؛ فيكون آدم أباه من قبل ~~الأم {وإلياس كل من الصالحين} قال ابن مسعود: إلياس هو إدريس، والصحيح أنه ~~رجل آخر. # PageV02P122 # {ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ~~واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من ~~عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (88) أولئك الذين آتيناهم ~~الكتاب} # PageV02P123 # قوله - تعالى -: {وإسماعيل واليسع} ويقرأ: " والليسع " وهو اسم أعجمي ~~مثل: زيد، ويزيد، ونحوه، وإنما وصل فيه الألف واللام نادرا، ومثله قول ~~الشاعر: # (وجدنا (الوليد بن اليزيد) مباركا ... شديدا (بأعباء) الخلافة كاهله) # {ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين} . # PageV02P123 # قوله - تعالى -: {ومن آبائهم} " من " فيه للتبعيض؛ لأن آباء بعضهم كانوا ~~مسلمين ومهتدين {وذرياتهم} أي: ومن ذرياتهم، وأراد به: ذرية بعضهم أيضا؛ ~~لأن عيسى ويحيى لم يكن لهما ذرية، وكان في ذرية بعضهم من كان كافرا ~~{وإخوانهم واجتبيناهم} أي: اصطفيناهم {وهديناهم} أرشدناهم {إلى صراط ~~مستقيم} . # PageV02P123 # قوله - تعالى -: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء} أي: يرشد به من يشاء من ~~عباده {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} أي: لبطل عنهم، والحبوط: ~~البطول وهذا مثل قوله - تعالى -: ( {لئن أشركت ليحبطن عملك} # PageV02P123 # أولئك الذين أتيناهم الكتاب) الكتاب: اسم الجنس، وأراد به: الكتب المنزلة ~~عليهم {والحكم} يعني: العلم والفقه {والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين} يعني: أهل المدينة، ومن كان بها من المهاجرين ~~والأنصار، وقال قتادة: ms0439 فإن يكفر بها هؤلاء يعني: الكفار، فقد وكلنا بها ~~قوما [يعني] # PageV02P123 # {والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين (89) أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إن هو إلا ذكرى للعالمين (90) وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل ~~الله على بشر من شيء قل من} الأنبياء الذين سبق ذكرهم، وقال أبو رجاء ~~العطاردي: معناه: فإن يكفر بها أهل الأرض، فقد وكلنا بها أهل السماء، وهم ~~الملائكة {ليسوا بها بكافرين} . # PageV02P124 # قوله - تعالى -: {أولئك الذين هدى الله} أي: هداهم الله {فبهداهم اقتده} ~~وهذه هاء الوقف، كما في قوله: {ماليه} و {سلطانيه} ، ونحو ذلك، ويقرأ: " ~~فبهديهم اقتده " بكسر الهاء، وتقديره: فبهديهم اقتد اقتداء، هكذا قيل: إن ~~المصدر مقدس فيه {قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكر للعالمين} أي: ~~تذكره. # PageV02P124 # قوله - تعالى -: {وما قدروا الله حق قدره} قال ابن عباس: ما عظموا الله ~~حق عظمته، وقال أبو عبيدة: ما عرفوا الله حق معرفته، وقال الخليل بن أحمد: ~~ما وصفوا الله حق وصفته، يقال: قدرت الشيء، وقدرته؛ إذا عرفت حقيقته. # {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} قيل: هذا قول مالك بن الصيف، كان ~~حبر اليهود، فحاج النبي، فجرى على لسانه في المحاجة: ما أنزل الله على بشر ~~من شيء، وكان ذلك بمكة؛ فنزلت الآية. # {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} أي: أجبه يا محمد، ~~وقل: من أنزل التوراة على موسى وأنتم تؤمنون به؟ . # وفي القصة: أن اليهود سمعوا منه تلك المقالة؛ فعتبوا عليه، وقالوا: أليس ~~أن الله قد أنزل التوراة على موسى؟ فلم قلت ما أنزل الله على بشر من شيء؟ ! ~~فقال مالك بن الصيف: أغضبني محمد؛ فقلت ما قلت؛ فقالوا: وأنت إذا غضبت تقول ~~على الله # PageV02P124 # {أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها ~~وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في ~~خوضهم ms0440 يلعبون (91) وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم ~~القرى ومن حولها والذين} غير الحق؛ فنزعوه عن الحبرية، وأجلسوا مكانه كعب ~~بن الأشرف. # {تجعلونه قراطيس تبدونها} أي: تكبون منها كتبا تبدونها {وتخفون كثيرا} ~~أي: تخفون ما فيه نعت محمد، وتبدون منها ما ليس فيه نعت محمد {وعلمتم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا (آباؤكم} ) قيل: هو راجع إلى اليهود، وقيل: هو خطاب ~~للصحابة. # قال الله - تعالى -: (يعني: قل من أنزله) وهو راجع إلى ما تقدم {قل الله ~~ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} وكل من خاض فيما لا ينفح به فهو لاعب. # PageV02P125 # قوله - تعالى -: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} يصف القرآن بالبركة: وأصل ~~البركة الثبوت، ومنه بروك البعير إذا ثبت واستقر، ومنه قوله: {تبارك الذي ~~بيده الملك} أي: ثبت له ما يستحقه من التعظيم والجلال فيما لم يزل ولا ~~يزال. # {مصدق الذي بين يديه} يعني: من الكتب المنزلة قبله {ولتنذر أم القرى} ~~يعني: أهل أم القرى {ومن حولها} وأم القرى مكة: وسميت أم القرى؛ لأن سائر ~~القرى [يقصدونها ويأتونها] ، وقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها، (وقيل: لأنها) ~~معظمة تقصد بالتعظيم، ومنه سميت الأم أما؛ لأنها تعظم، وقد قال: " إن ~~المدينة قرية تأكل سائر القرى " يعني: أن أهل المدينة يقتحمون سائر القرى # PageV02P125 # {يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ~~ما أنزل الله} بالسيف. # {والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون} . # فإن قيل: اليهود والنصارى يؤمنون بالآخرة، ولا يؤمنون به، فما معنى قوله ~~" والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به "؟ قيل: أراد به المؤمنين؛ لأنهم الذين ~~يؤمنون بالآخرة حقيقة، فأما الذين يؤمنون بالآخرة، ولا يصدقون محمدا، وما ~~جاء به؛ فكأنهم لم يؤمنوا بالآخرة على الحقيقة. # PageV02P126 # قوله - تعالى -: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم ~~يوح إليه شيء} قال ابن عباس: " [نزل] هذا في عبد الله بن سعد بن ms0441 أبي سرح، ~~وكان قد أسلم؛ فجعله النبي كتابا للوحي، وكان يملي عليه الوحي؛ فيكتب، ~~فقيل: إنه كان يملي عليه: " إن الله سميع عليم "، فيكتب: " إن الله غفور ~~رحيم " ويملي عليه: إن الله غفور رحيم " فيكتب: " إن الله عليم حكيم " هكذا ~~كان يبدل؛ فروى أنه لما نزل قوله - تعالى -: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ~~من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} الآية فأملى النبي ذلك؛ فلما رأى ~~تفضيل خلق الله تعجب، وقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال له النبي: هكذا ~~أنزل {فتبارك الله أحسن الخالقين} فشك الرجل في الوحي، وقال: أوحي إلي كما ~~يوحى إليه، وارتد عن الإسلام " فقوله: {أو قال أوحي إلي} هو هذا. # وقيل: نزلت الآية في مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، خرجا باليمن، وادعيا # PageV02P126 # {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا ~~أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ~~آياته تستكبرون (93) ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء} النبوة والوحي إليهما، وقد روى عن النبي أنه قال: " رأيت في ~~المنام سوارين من ذهب في يدي، فنفخت فيهما، فطارا، فأولتهما عل كذابين ~~يخرجان بعدي " مسيلمة الكذاب كان باليمامة، والأسود العنسي كان بصنعاء ~~اليمن. # {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} هذا في النضر بن الحارث بن كلدة، ادعى ~~معارضة القرآن، فروى أنه قال في معارضة القرآن: والطاحنات طحنا، فالعاجنات ~~عجنا، والخابزات خبزا فاللاقمات لقما. # {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} يعني: في شدائد الموت، قال الشاعر: # (الغمرات ثم تنجلينا ... ثمة تذهبن فلا تجينا) # {والملائكة باسطوا أيديهم} قيل: للعذاب، وقيل: لقبض الأرواح {أخرجوا ~~أنفسكم} أي: أرواحكم، فإن قال قائل: الروح إنما تخرج كرها؛ فما معنى قوله: ~~أخرجوا أنفسكم؟ قيل: إنما قال ذلك تغليظا عليهم، كمن يخرج من الدار كرها، ~~ويقال له: اخرج. # {اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ~~آياته تستكبرون} الهون: من الهوان، والهون: من اللين والرفق، كما ms0442 في قوله: ~~{يمشون على الأرض هونا} . # PageV02P127 # قوله - تعالى -: {ولقد جئتمونا فرادى} أي وحدانا فردا فردا {كما خلقناكم ~~أول مرة} بلا أهل ولا مال {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} أي: ملكناكم، ~~والخول: المماليك. {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء} # PageV02P127 # {ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع ~~بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون (94) إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من ~~الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون (95) فالق الإصباح وجعل ~~الليل} أراد به: ما زعموا من أن الأصنام والملائكة شفعاؤنا عند الله {لقد ~~تقطع بينكم} أي: وصلكم، وهو مثل قوله: {وتقطعت بهم الأسباب} أي: الموصلات، ~~ويقرأ: " لقد تقطع بينكم " - بفتح النون - ومعناه: تقطع الأمر بينكم {وضل ~~عنكم ما كنتم تزعمون} . # PageV02P128 # قوله - تعالى -: {إن الله فالق الحب والنوى} الفلق: الشق، ومعناه: أنه ~~يشق الحبة؛ فيستخرج السنبلة من الحبة، ويشق النواة؛ فيستخرج النخلة من ~~النواة، [ويدخل] في قوله: {فالق الحب} جميع البذور والحبوب، ويدخل في قوله: ~~{والنوى} نواة جميع الأشجار؛ مثل نواة المشمش، ونواة الخوخ، ونواة ~~الغبيراء، ونحو ذلك، وقيل: فالق الحب والنوى بمعنى: خالق الحب والنوى. # {يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} وقد ذكرنا هذا واختلاف القراءة ~~فيه، والفرق بين الميت والميت {ذلكم الله فأنى تؤفكون} أي تصرفون. # PageV02P128 # قوله - تعالى -: {فالق الإصباح} معناه: أنه يستخرج الصبح من الليل، ~~والإصباح: مصدر، وهو بمعنى: الصبح هاهنا، أي: فالق الصبح، وقرأ إبراهيم ~~النخعي: " فلق الإصباح " وقرأ الحسن: " فالق الإصباح " - بنصب القاف - وهما ~~في الشواذ. # {وجعل الليل سكنا} أي: يسكن فيه، ويقرأ: " وجعل الليل سكنا "، أي: جعل ~~الله الليل سكنا {والشمس والقمر حسبانا} أي: بحساب علوم، والحسبان: هو ~~الحساب هاهنا بمعنى أنهما يدوران بحساب معلوم مقدر. وحكى منصور بن # PageV02P128 # {سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (96) وهو الذي جعل ~~لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ~~(97) وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات ms0443 لقوم ~~يفقهون (98) المعتمر - وهو الثقة من رواة النخعي - عن إبراهيم النخعي أنه ~~قال: يجوز أن يتعلم الإنسان من النجوم بقدر ما يعرف منازل القمر، وسير ~~الكواكب لمعرف القبلة وأوقات الصلاة {ذلك تقدير العزيز العليم} . # PageV02P129 # قوله - تعالى -: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر ~~والبحر} هذه إحدى فوائد النجوم، والله - تعالى - خلق النجوم لفوائد: منها ~~تزيين السماء، كما قال - عز وعلا -: {وزينا السماء دينا بمصابيح} ومنها رمى ~~الشياطين بها كما قال: {وجعلناهم رجوما للشياطين} ومنها الاهتداء في ظلمات ~~البر والبحر كما قال هاهنا. # وحكى أبو الحسين بن فارس عن بعض التابعين أنه أراد بالنجوم هاهنا: ~~الصحابة، يهتدي بهم في ظلمات الشرك، وهذا مثل قوله: " أصحابي [كالنجوم] ~~بأيهم اقتديتم اهتديتم "، {قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} . # PageV02P129 # قوله - تعالى -: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} يعني: آدم - صلوات الله ~~عليه - {فمستقر ومستودع} قال عطاء، ومجاهد: أراد بالمستقر: أرحام الأمهات، ~~وبالمستودع: أصلاب الآباء، وحكى ذلك عن ابن عباس أيضا، ويروى عن ابن عباس ~~أنه قال - على عكسه -: المستقر: أصلاب الآباء، والمستودع: أرحام # PageV02P129 # {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا ~~نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ~~والزيتون والرمان} الأمهات، وعن ابن مسعود أنه قال: المستقر: أرحام ~~الأمهات، والمستودع: القبور، وفيه قول ثالث: أن المراد بالمستقر الدنيا ~~والمستودع: الآخرة، ويقرأ: " فمستقر " بكسر القاف، وتقديره: فمنكم مستقر، ~~ومنه مستودع {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} . # PageV02P130 # قوله - تعالى -: {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء، ~~فأخرجنا منه خضرا} هو الغصن الطري {نخرج منه حبا متراكبا} أي: متراكما بعضه ~~على بعض {ومن النخل من طلعها قنوان دانية} الطلع: ما يخرج من شجر النخل، ~~والقنوان: العذوق، واحدها: قنو، والعذق: أصل الشجرة، والعذق: الكباسة، ~~والعذق والقنو واحد، وقال الشاعر: # (أثيث كقنو النخلة المتعثكل ... ) # وقال أيضا: # (فأثت أعاليه (ودقت) أصوله # (يميل به قنو) من البسر أحمرا) # وأما " الدانية " قال البراء بن عازب: {قنوان ms0444 دانية} أي: قريبة المتناول، ~~وفيه حذف وتقديره: قنوان دانية وغير دانية أي: قريبة، المتناول وبعيدة ~~المتناول، فحذف أحدهما اختصارا؛ لسبقه إلى الأفهام، ومثله قوله: {سرابيل ~~تقيكم الحر} وتقديره: تقيكم الحر والبرد، قوله: {وجنات من أعناب} يقرأ بكسر ~~التاء، ورفعها {والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه} أي: مشتبها يشبه بعضه ~~بعضا في الورق، وغير متشابه في الثمر والطعم، وهكذا يكون الزيتون مع ~~الرمان، فإن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان، وقيل: تكون أوراقه إلى أصل ~~الشجرة كأوراق الرمان، ثم يخالف # PageV02P130 # {مشتبها وغير تشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات ~~لقوم يؤمنون (99) وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم سبحانه وتعالى عما يصفون (100) بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ~~ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) ذلكم الله ربكم لا ~~إله إلا هو خالق} الرمان في الطعم، فهذا معنى قوله: {مشتبها وغير متشابه} ، ~~{انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} أي: في نضجه، ومنه قول الحجاج حيث خطب، ~~وقال: إني أرى رءوسا قد أينعت، وآن قطافها، وأنا والله صاحبها، ورأى دماء ~~ترقرق بين اللحى والعمائم {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} . # PageV02P131 # قوله - تعالى -: {وجعلوا لله شركاء الجن} وذلك أنهم كانوا يقولون: إن ~~الملائكة بنات الله من سروات الجن {وخلقهم} قيل: إن الآية راجعة إلى الجن، ~~وقيل: راجعة إلى الكفار يعني: أنهم يقولون ذلك {وخلقهم} وقرأ يحيى بن يعمر: ~~" وخلقهم " بجزم اللام، وهو في الشواذ. # {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} يقرأ مخففا ومشددا والخرق: الاختلاق، ~~والتخريق: التكثير منه، يعني: واختلقوا له بنين وبنات، وذلك مثل قول ~~اليهود: عزير ابن الله، ومثل قول النصارى: المسيح ابن الله، ومثل قول ~~بعضهم: الملائكة بنات الله {سبحانه وتعالى عما يصفون} . # PageV02P131 # قوله - تعالى -: {بديع السموات والأرض} أي: مبدع السموات والأرض، وهو ~~الخالق لا على مثال سبق، ومنه المبتدعة، ولا يكون الولد إلا من الصاحبة؛ ~~فهذا معنى قوله: {أنى يكون له ولد ولم يكن له صاحبة وخلق كل ms0445 شيء} وفيه أيضا ~~دليل على أن لا ولد له؛ لأنه إذا كان خلق كل شيء؛ لم يصلح شيء أن يكون ولد ~~له؛ إذ المخلوق لا يصلح ولدا للخالق؛ فإن ولد كل أحد يكون من جنسه {وهو بكل ~~شيء عليم} . # PageV02P131 # قوله - تعالى -: {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء} أكد ما سبق # PageV02P131 # {كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) لا تدركه الأبصار وهو يدرك} ~~ذكره من نعت الوحدانية {فاعبدوه} أي: فأطيعوه {وهو على كل شيء وكيل} قيل: ~~هو الكفيل بالأرزاق، وقيل: الوكيل هاهنا بمعنى: القائم بخلق كل شيء ~~وتدبيره. # PageV02P132 # قوله - تعالى 0: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} واستدل بهذه الآية ~~من يعتقد نفي الرؤية، قالوا: لما (تمدح) بأنه لا تدركه الأبصار؛ فمدحه يكون ~~على الأبد في الدنيا والآخرة. واعلم أن الرؤية حق على مذهب أهل السنة، وقد ~~ورد به القرآن والسنة. # قال الله - تعالى -: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} وقال: {كلا إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون} . # وقال: {فمن كان يرجو لقاء ربه} ونحو هذا، وروى جرير بن عبد الله البجلي، ~~وغيره بروايات صحيحة عن النبي أنه قال: " إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ~~ليلة البدر ليس دونه سحاب، لا تضامون في رؤيته " ويروون: " لا تضارون في ~~رؤيته ". # فأما قوله - تعالى -: {لا تدركه الأبصار} فالإدراك غير الرؤية؛ لأن ~~الإدراك: هو الوقوف على كنه الشيء وحقيقته، والرؤية: هي المعاينة، وقد تكون ~~الرؤية بلا إدراك، قال الله - تعالى - في قصة موسى: {فلما ترآء الجمعان قال ~~أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا} فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، وإذا كان ~~الإدراك غير الرؤية، فالله - تعالى - يجوز أن يرى، ولكن لا يدرك كنهه؛ إذ ~~لا كنه له حتى يدرك؛ وهذا # PageV02P132 # {الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر ~~فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ (104) وكذلك نصرف الآيات ~~وليقولوا درست} كما انه يعلم ويعرف ولا يحاط به، كما قال: {ولا يحيطون به ~~علما} فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم، ms0446 وقال ابن عباس - حكاه مقاتل عنه، والأول ~~قول الزجاج -: معنى قوله: {لا تدركه الأبصار} يعني: في الدنيا، هو يرى ~~الخلق، ولا يراه الخلق في الدنيا بدليل قوله - تعالى -: {وجوه يومئذ ناضرة ~~إلى ربها ناظرة} فكما أثبتت الرؤية بتلك الآية في الآخرة؛ دل أن المراد ~~بهذه الآية الإدراك في الدنيا؛ ليكون جمعا بين الآيتين {وهو اللطيف الخبير} ~~اللطيف: موصل الشيء باللين والرفق، ويقال في الدعاء: " رب الطف بي " أي: ~~أوصل إلي الرفق، وقيل: معناه: وهو اللطيف بأوليائه وعباده الخبير بهم. # PageV02P133 # قوله - تعالى -: {قد جاءكم بصائر من ربكم} البصائر: البينات {فمن أبصر ~~فلنفسه} يعني: نفع بصره له {ومن عمي فعليها} أي: وبال العمى عليها {وما أنا ~~عليكم بحفيظ} أي: ما أمرت أن ألازمكم حتى تسلموا لا محالة، قيل: هذا كان في ~~الابتداء، ثم صار منسوخا بآية السيف. # PageV02P133 # قوله - تعالى -: {وكذلك نصرف الآيات} أي: نفصل الآيات، مرة هكذا، ومرة ~~هكذا {وليقولوا درست} قيل: هذه " لام العاقبة " أي: عاقبة أمرهم أن يقولوا: ~~درست، وهذا مثل قوله - تعالى -: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا} ومعلوم ~~أنهم لم يلتقطوه لهذا، ولكن أراد أن عاقبة أمره معهم أن كان عدوا لهم؛ ~~فيسمون ذلك لام العاقبة، كذلك ها هنا، وقوله: {درست} يقرأ على وجوه: " درست ~~" أي: تعلمت من غيرك، وكانوا يقولون: إنه تعلم أخبار القرون الماضية من ~~جبر، ويسار، وكان عبدين سبيا من الروم، ويقرأ " دارست " أي تاليت وقاربت، ~~وهو # PageV02P133 # {ولنبينه لقوم يعلمون (105) اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو ~~وأعرض عن المشركين (106) ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ~~وما أنت عليهم بوكيل (107) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله ~~عدوا بغير علم كذلك} من المدارسة بين اثنين يدرس أحدهما على الآخر، وقرأ ~~ابن عامر " درست " أي: تلك أخبار قد درست ومحيت، ويقرأ في الشواذ " ~~وليقولوا درست " بمعنى: محيت، قرأه قتادة، وفي حرف أبي بن كعب وابن مسعود " ~~وليقولوا درس " يعني: درس محمد، وهو بمعنى: تعلم، كما بينا {ولنبينه لقوم ms0447 ~~يعلمون} . # PageV02P134 # قوله - تعالى -: {اتبع ما أوحي إليك من ربك} يعني: القرآن {لا إله إلا هو ~~وأعرض عن المشركين} . # PageV02P134 # قوله - تعالى -: {ولو شاء الله ما أشركوا} وهذا دليل على القدرية {وما ~~جعلناك عليهم حفيظا} قد بينا معناه {وما أنت عليهم بوكيل} . # PageV02P134 # قوله: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} ~~ويقرأ: " عدوا بغير علم " ومعناهما واحد أي: اعتداء بغير علم، وسبب نزول ~~الآية: أن الكفار كانوا يقولون لرسول الله: ذرنا وآلهتنا؛ حتى نذرك وإلهك - ~~وكان يذكر آلهتهم بالسوء - فنزلت الآية وروى: " أن قوما من كفار قريش من ~~رؤسائهم جاءوا إلى أبي طالب، وقالوا: مر ابن أخيك يذرنا وآلهتنا حتى نذره ~~وإلهه، فدعا رسول الله، وقال: إن قومك جاءوا يطلبون منك النصفة، فقال: ~~وماذا يريدون؟ فقال أبو طالب: يقولون: ذرنا وآلهتنا، ونذرك وآلهك؛ فقال ~~رسول الله: هل أنتم معطي كلمة إن أنتم قلتموها دانت لكم العرب، وأدت إليكم ~~العجم الجزية؟ فقالوا: وما [هي] ؟ قال: كلمة لا إله إلا الله. فنفروا، ~~وقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء # PageV02P134 # {زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند ~~الله وما يشعركم أنها} عجاب) " فقوله: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} ~~وإن كان ظاهره للنهي عن سب الأصنام، ولكن معناه: النهي عن سب الله - تعالى ~~- حتى لا تسب اللهتهم، فيسبوا الله. وهذا مثل قوله: " لا يسب أحدكم والديه؟ ~~قيل: يا رسول الله، ومن يسب والديه؛ قال: يسب والدي غيره؛ فيسب والداه " ~~{كذلك زينا لكل أمة عملهم} للمؤمنين إيمانهم وللكافرين كفرهم {ثم إلى ربهم ~~مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} . # PageV02P135 # قوله - تعالى -: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها} ~~كانوا يطلبون الآيات، ويحلفون أنها لو جاءت آمنوا بها. # {قل إنما الآيات عند الله} أي: الآيات (بيدي) الله، والله قادر على ~~إنزالها. # {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} فقوله: " أنها " يقرأ على وجهين: ms0448 ~~بكسر الهمزة، وفتحها؛ فمن قرأ: " إنها " فعلى الإبتداء، واختلفوا في معنى ~~قوله: {وما يشعركم} أنه خطاب لمن؟ قال بعضهم: هو خطاب للكفار، ومعناه: وما ~~يشعركم أيها الكفار أنها لو جاءت آمنتم؟ ثم ابتدأ، فقال: إنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون. # وقيل: إنه خطاب للمؤمنين، ومعناه: وما يدريكم أنها لو جاءت آمنوا بها، إذ ~~كان # PageV02P135 # {إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة ونزرهم في طغيانهم يعمهون (110) ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى} المؤمنون يسألون رسول الله أن يدعو الله - تعالى - حتى يريهم آية؛ ~~كي يؤمنوا، فقال: وما يشعركم أنها لو جاءت آمنوا بها؟ ثم ابتدأ، وقال: إنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون، وهذا في قوم مخصوصون علم الله أنهم لا يؤمنون. # وأما من قرأ " أنها " بفتح الهمزة؛ فاختلفوا في معناه، قال الكسئي: لا ~~صلة هاهنا وتقديره: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، وقيل: " أنها " ~~بمعنى: " لعلها " كما قال الشاعر: # (أريني جوادا مات هزلا (فإنني) # أرى ما [ترين] أو بخيلا مخلدا) # ومعناه: لعلي أرى ما تريني، كذلك هذا، ومعناه: وما يشعركم لعلها إذا جاءت ~~لا يؤمنون، وقيل: فيه حذف، وتقديره: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون أو لا ~~يؤمنون. # PageV02P136 # قوله - تعالى -: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} أي: تقلب أفئدتهم كيلا يدركوا، ~~وأبصارهم؛ كيلا يبصوا؛ فلا يؤمنون {كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون} . # PageV02P136 # قوله - تعالى -: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى} نزلت ~~الآية على ما اقترحوا من الآيات، فكانوا قد اقترحوا هذا كله، قالوا لن نؤمن ~~بك حتى تنزل علينا كتابا من السماء يحمله أربعون من الملائكة، وسألوا إحياء ~~الموتى، وقالوا: ادع الله حتى يحشر قصيا - يعنون قصي بن كلاب - فإنه شيخ ~~مبارك؛ حتى نشهد لك بالنبوة، فنزلت الآية {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا} قال مجاهد: القبل. جمع القبيل، ~~ومعناه: فوجا فوجا، وقال غيره: قبلا # PageV02P136 # {وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن ms0449 ~~أكثرهم يجهلون (111) وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ~~(112) ولتصغى إليه} أي: مقابلة، ويقرأ: " قبلا " بكسر القاف وفتح الباء أي: ~~عيانا {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} وفي الآية ~~دليل واضح على أهل القدر. # PageV02P137 # قوله - تعالى -: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا} أي: أعداء، والعدو: اسم ~~للواحد والجمع {شياطين الإنس والجن} وقرأ الأعمش: " شياطين الجن والإنس " ~~والشيطان كل عات متمرد، سواء كان من الإنس أو من الجن، وروى أن النبي قال ~~لأبي ذر: " تعوذ بالله من شياطين الإنس. قال أبو ذر: قلت: ومن الإنس ~~شياطين؟ فقال - عليه السلام - نعم، وتلا هذه الآية ". # وحكى عن مالك بن دينار أنه قال: خوفي من شيطان الإنس أكبر من خوفي من ~~شيطان الجن؛ لأن الجني يذهب إذا ذكرت الله، (والإنسي) يجرني إلى المعاصي. # {يوحي بعضهم إلى بعض} أي: يلقي بعضهم إلى بعض. # {زخرف القول غرورا} زخرف القول: هو قول مزين لا معنى تحته، والغرور: ~~القول الباطل {ولو شاء ربك ما فعلوه} أي: ما ألقت الشياطين الوسوسة في ~~القلوب. {فذرهم وما يفترون} . # PageV02P137 # قوله - تعالى -: {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} وهذا يرجع ~~إلى ما سبق من قوله: {زينا لكل أمة عملهم} {لتصغى إليه} والهاء كناية عن ~~زخرف القول؛ يعني: لتميل إليه قلوب الذين لا يؤمنون الآخرة، وقيل: اللام ~~فيه لام العاقبة، كما بينا. # PageV02P137 # {أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون (113) ~~أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) وإن تطع أكثر ~~من في الأرض يضلوك عن} # {وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} قال الزجاج: أي: ليعلموا من الذنوب ما ~~كانوا عاملين. # PageV02P138 # قوله - تعالى -: {أفغير الله أبتغي حكما} لأنهم كانوا يقولون للنبي أجل ~~بيننا وبينك حكما؛ وأجابهم بقوله: ms0450 أفغير الله ابتغي حكما؟ ! . # {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} يعني: خمسا خمسا، وعشرا عشرا، وهذا ~~مثل قوله - تعالى -: {وقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت ~~به فؤادك ورتلناه ترتيلا} أي: فصلناه؛ لنثبت به فؤادك. # {والذين آتيناهم الكتاب} يعني: اليهود والنصارى {يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق} يعني: القرآن {فلا تكونن من الممترين} # PageV02P138 # {وتمت كلمة ربك} يعني بالكلمة: أمره ونهيه، ووعده ووعيده، والأحكام ~~والآيات. {صدقا وعدلا} صدقا في الوعد والوعيد، وعدلا في الأمر والنهي. # قال قتادة: صدقا فيما وعد، وعدلا فيما حكم {لا مبدل لكلماته وهو السميع ~~العليم} . # PageV02P138 # قوله - تعالى -: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} وذلك أن ~~أكثر أهل الأرض كانوا في الضلالة، وقيل: أراد به: إن تطعهم فيما يجادلون من ~~تحليل الميتة وأكلها {يضلوك عن سبيل الله} على ما سيأتي. # {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يرخصون} أي: يكذبون. # PageV02P138 # قوله - تعالى -: {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله} قيل: هذا في عمرو # PageV02P138 # {سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (116) إن ربك هو أعلم ~~من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن ~~كنتم بآياته مؤمنين (118) وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد ~~فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير ~~علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين} ابن لحي، وهو أول من غير دين إبراهيم {وهو ~~أعلم بالمهتدين} . # PageV02P139 # قوله - تعالى -: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين} ~~أي: كلوا ما ذبح على اسم الله # PageV02P139 # {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} وذلك أن المشركين كانوا ~~يجادلون المسلمين، ويقولون: إنكم تأكلون مما تقتلون، ولا تأكلون مما قتله ~~الله، وكانوا يدعونهم إلى أكل الميتة واستحلالها؛ فنزلت هذه الآيات ". # {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} هو تفصيل ما عد من المحرمات: من الميتة، ~~والدم، ولحم الخنزير، ونحوه في القرآن، وقرأ عطية: " وقد ms0451 فصل لكم " مخففا؛ ~~أي: ظهر لكم، وهو مثل ما يقرأ في قوله: {أحكمت آياته ثم فصلت} مخففا {وقد ~~فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير ~~علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين} . # PageV02P139 # قوله - تعالى -: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} قيل: ظاهر الإثم: هو الزنا ~~علنا، وباطنه هو الزنا سرا، وكان أشراف العرب يتكرمون من الزنا علانية ~~ويزنون سرا، (فالآية) في النهي عنهما جميعا، قال قتادة: أراد به: النهي عن ~~كل المعاصي سرا وجهرا، وفي الآية سوى هذا أقوال ثلاثة: # أحدها: أن ظاهر الإثم هو: نكاح المحارم، وباطنه: الزنا. # والثاني: أن ظاهر الإثم: كشف العورة، وباطنه: الزنا. # والثالث: أن ظاهر الإثم: هو الذي تقترفه الجوارح، وباطنه الذي يعقد القلب # PageV02P139 # ( {119) وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا ~~يقترفون (120) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) ~~أو من كان ميتا فأحييناه} عليه، كالمصر على الذنب القاصد له. # {إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون} أي: جزاء ما كانوا ~~يقترفون، والإقتراف: اكتساب الذنب. # PageV02P140 # قوله {ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه} قال ابن عباس: الآية في ~~الميتات، وما في معناها من المنخنقة وغيرها، وقال عطاء: الآية في الذبائح ~~التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام لا على اسم الله - تعالى -. # وفيه قول ثالث: أن الآية: في متروك التسمية كما يقتضيه الظاهر، ثم اختلف ~~العلماء في متروك التسمية، قال الشعبي، وابن سيرين: لا تحل، سواء ترك ~~التسمية عامدا أو ناسيا، وقال عطاء، وسعيد بن جبير: إن ترك التسمية عامدا ~~لا تحل، وإن تركها ناسيا تحل، والأول قول مالك، والصحيح أن الآية في ~~الميتات؛ لأنه قال: {وإنه لفسق} وإنما يفسق أكل الميتة. # وقال: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} ومجادلتهم كانت في ~~أكل الميتة؛ فإنهم كانوا يقولون: إنكم تأكلون مما قتلتموه، ولا تأكلون مما ~~قتله الله - تعالى فنزلت الآية. # {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} ms0452 يعني: باستحلال الميتة، قال الزجاج: في هذا ~~دليل على أن استحلال الحرام، وتحريم الحلال يوجب الكفر، وفي الآثار: " أن ~~ابن عباس سئل، فقيل له: إن المختار بن أبي عبيد يزعم أنه يوحى إليه، فقال ~~ابن عباس: صدق؛ فإن الله - تعالى - يقول: {وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم} . # وفي الخبر أن النبي قال: " يخرج من ثقيف رجلان: كذاب، ومبير مهلك " # PageV02P140 # {وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ~~كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) كذلك جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها ليمكروا} فالكذاب: هو المختار، والمبير: هو الحجاج. # PageV02P141 # قوله - تعالى -: {أو من كان ميتا فأحييناه} قال مجاهد: معناه: من كان ~~ضالا فهديناه {وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} أي: نور الإسلام، يعيش به ~~بين المسلمين {كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} المثل صلة هاهنا، ~~وتقديره: كمن هو في الظلمات، أي: في ظلمات الشرك لا يخرج منها أبدا، قال ~~الضحاك: هذا في عمر وأبي جهل، وقال ابن عباس: في عمار بن ياسر وأبي جهل، ~~وقيل: هو في حمزة وأبي جهل. # وفي الآية قول آخر: أن معناه: أو من كان ميتا بالجهل؛ فأحييناه بالعلم، ~~وكل جاهل ميت، وكل عالم حي، قال الشاعر: # (وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم قبل القبور قبور) # (وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت ... وليس له قبل النشور نشور) # {كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} . # PageV02P141 # قوله - تعالى -: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} تقديره: جعلنا ~~في كل قرية مجرميها أكابر، ومعناه: إنا كما جعلنا مجرمي مكة أكابر، فكذلك ~~جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، وهذه سنة الله في كل قرية، ومن سننه: أنه ~~جعل ضعفاءهم أتباع الأنبياء، كما قال في قصة نوح: {واتبعك الأرذلون} وروى: ~~" أن هرقل سأل أبا سفيان بن حرب - حين قدم عليه - عن حال النبي، فكان فيما ~~سأله عنه أنه قال: من أتباعه ضعفاؤهم أم العلية؟ فقال أبو سفيان: بل ~~ضعفاؤهم؛ فقال هرقل: هم أتباع الأنبياء " وفي الخبر ms0453 قصة، وهو في الصحيح. # PageV02P141 # {فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون (123) وإذ جاءتهم آية قالوا لن ~~نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين ~~أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124) فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره} # {ليمكروا فيها} وكان من مكر أهل مكة أنهم جعلوا على كل طريق من طرق مكة ~~أربعة نفر؛ حتى يقولوا لكل من يقدم: [إياك] وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب ~~{وما يمكرون إلا بأنفسهم} أي: وباله يرجع إليهم {وما يشعرون} . # PageV02P142 # قوله تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل ~~الله} أي: لا نؤمن حتى يوحى إلينا كما يوحى إليه، وينزل علينا جبريل كما ~~ينزل عليه، حتى روى أن الوليد بن المغيرة قال: إن كان الله يريد أن يبعث ~~نبيا فأنا أولى بالنبوة؛ لأني أكثر مالا، وأقدم سنا، وكذا كان يقول أكابرهم ~~ورؤساؤهم؛ فنزلت الآية. # قوله - تعالى -: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} يعني: الله أعلم من أهل ~~النبوة، وأن محمدا أهل الرسالة، ولستم بأهل الرسالة. # {سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله} فيه معنيان: # أحدهما: قال الفراء: معناه: صغار من عند الله، و " من " محذوف. # قال البصريون: " من " لا تحذف ومعناه: صغار ثابت دائم عند الله {وعذاب ~~شديد بما كانوا يمكرون} . # PageV02P142 # قوله - تعالى -: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} . # أي: يفتح قلبه حتى يدخل الإسلام {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} . # ويقرأ: حرجا - بفتح الراء - يعني: ذا حرج، وأما بالكسر فللمبالغة في ~~الضيق، وعن عمر أنه قال: سألت أعرابيا: ما الحرجة عندكم؟ فقال: شجرة ملتفة ~~لا تصل إليها راعية ولا سائمة، فعلى هذا معنى الآية. # PageV02P142 # {للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) وهذا صراط ربك مستقيما قد ~~فصلنا} # {يجعل صدره ضيقا حرجا} بحيث لا يصل إليه الإيمان، ولا يدخله الإسلام ~~{كأنما يصعد في ms0454 السماء} يقرأ على وجوه: " يصعد " بتشديدين، ومعناه يتصعد، ~~وكذا يقرأ في الشواذ، وقرئ: " يصاعد " بتشديد الصاد بمعنى يتصاعد، وقرئ: " ~~يصعد مخففا من الصعود، ومعنى الكل واحد. # وفي معناه قولان: أحدهما: أن معناه: كأنما يكلف الصعود فلا يستطيعه، وأصل ~~الصعود: المشقة، وهو قوله - تعالى - {سأرهقه صعودا} أي: عقبة شاقة، ومنه ~~قول عمر - رضي الله عنه -: ما تصعدني شيء كما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما ~~شق علي شيء كما (شقت) علي خطبة النكاح. # والقول الثاني: معنى قوله: {كأنما يصعد في السماء} نبوة من الحكمة، ~~وفرارا من القرآن. # (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) الرجس: هو النتن، والرجز: ~~العذاب، وفي الخبر: " أن النبي كان إذا دخل الخلاء يقول: اللهم إني أعوذ بك ~~من الرجس النجس الخبيث المخبث من الشيطان الرجيم " وقيل: اللعنة في الدنيا، ~~والعذاب في الآخرة. # PageV02P143 # قوله - تعالى -: {وهذا صراط ربك مستقيما} يعني: الإسلام {قد فصلنا الآيات # PageV02P143 # {الآيات لقوم يذكرون (126) لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا ~~يعملون (127) ويوم يحشرهم جميعا ما معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال ~~أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين} لقوم يذكرون) . # PageV02P144 # {لهم دار السلام عند ربهم} السلام: هو الله - تعالى - ودار السلام الجنة، ~~قال الزجاج: أراد بالسلام: السلامة، أي: لهم دار السلامة من الآفات. # {وهو وليهم بما كانوا يعملون} . # PageV02P144 # قوله - تعالى -: (ويوم نحشرهم جميعا) أما حشر الجن والإنس: حق يجب ~~الإيمان به {يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس} يعني: استكثرتم من الإنس ~~بالإغواء والإضلال {وقال أولياؤهم من الإنس} يعني: الكفار وأولياء الشياطين ~~يقولون يوم القيامة: {ربنا استمتع بعضنا ببعض} يعني: استمتع الجن بالإنس، ~~والإنس بالجن، قيل: استمتاع الجن بالإنس: تزيينهم لهم، وتسهيلهم طريق ~~الغواية عليهم. # وأما [استمتاع] الإنس بالجن: طاعتهم، والجملة أن استمتاع الجن: بالأمر ~~واستمتاع الإنس: بالقبول، وقيل: معناه: أن الرجل من العرب كان إذا نزل بواد ~~يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، ثم يبيت آمنا من تخبيل ms0455 الجن، ~~وهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس: أن ذلك الجني الذي ~~تعوذ به الإنسي يقول لقومه: إن الإنس يتعوذون بنا؛ (فنحن سادات الجن ~~والإنس) ، وهذا مبين في قوله - تعالى - في سورة الجن {وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} أي: نخوة وتكبرا. # {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} يعني: أجل القيامة. # {قال النار مثواكم} يعني: يقول الله: النار مثواكم {خالدين فيها إلا ما ~~شاء # PageV02P144 # {فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) وكذلك نولي بعض الظالمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون (129) يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون ~~عليكم} الله) فإن قال قائل: أليس أن الكافرين خالدون في النار بأجمعهم، فما ~~هذا الاستثناء؟ # الجواب: قال الفراء: هو مثل قوله: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ~~إلا ما شاء ربك} يعني: من الزيادة على مدة دوام السموات والأرض؛ فهذا هو ~~المراد بهذه الآية أيضا، وقيل: الاستثناء في العذاب يعني: خالدين في نوع من ~~العذاب إلا ما شاء الله من سائر العذاب. # وقيل: هو استثناء مدة البعث والحساب، لا يعذبون في وقت البعث والحساب {إن ~~ربك حكيم عليم} . # PageV02P145 # قوله - تعالى -: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} يعني: يجعل بعضهم على ~~إثر بعض في القيامة إلى النار. وقيل: هذا في الدنيا، ومعناه: نأخذ من ~~الظالم بالظالم، وذلك بتسليط بعضهم على البعض {بما كانوا [يكسبون] } أي: ~~جزاء بما كانوا يعملون. # PageV02P145 # قوله - تعالى -: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} فإن قال قائل: ~~ومن الجن رسل، كما يكون من الإنس؟ # الجواب: قال الضحاك: بلى من الثقلين رسل، كما نطق به الكتاب. وقال مجاهد: ~~الرسل من الإنس، وأما الجن فمنهم النذر، كما قال الله - تعالى -: {ولوا إلى ~~قومهم منذرين} فعلى هذا للآية معنيان: أحدهما أن قوله: {رسل منكم} ينصرف ~~إلى أحد الصنفين، وهو الإنس، ومثله قوله - تعالى -: {يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان} والمراد: أحد البحرين، المالح دون العذب. # PageV02P145 # {آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة ~~الدنيا ms0456 وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) ذلك أن لم يكن ربك مهلك ~~القرى بظلم وأهلها غافلون (131) ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما ~~يعملون (132) وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ~~كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ~~(134) قل يا} # والثاني: أن الرسل من الصنفين، إلا أنه عبر بالرسل عن النذر من الجن ~~بطريق المعنى؛ لأن النذير في معنى الرسول. # {يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا} ~~وذلك حين تنطق جوارحهم {وغرتهم الحياة الدنيا} هذا من قول الله - تعالى - ~~اعترض في - البين - {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} . # PageV02P146 # قوله تعالى: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} يعني: ~~ذلك من إرسال الرسل وإنزال الكتب؛ إنما كان لأن الله - تعالى - لا يهلك ~~قرية قبل بعث الرسول إليها، وإنذارها بالوحي؛ وذلك لأن الله - تعالى - أجرى ~~سنته: أن لا يأخذ أحدا الذنب إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنبا إذا أمر ~~فلم يأتمر، ونهى فلم ينته، ودعي فلم يجب. # PageV02P146 # قوله - تعالى -: {ولكل درجات مما عملوا} أي: درجات في الجزاء مما عملوا ~~{وما ربك بغافل} - أي: بساه - {عما يعملون} . # PageV02P146 # قوله - تعالى -: {وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ~~ما يشاء} يعني: إن يشأ يهلككم، ويستخلف [من] بعدكم من يشاء {كما أنشأكم من ~~ذرية قوم آخرين} بأن (أهلكهم) وأنشأكم من بعدهم # PageV02P146 # {إن ما توعدون لآت} أي: كل موعود كائن {وما أنتم بمعجزين} أي: فائتين ~~عنه. # PageV02P146 # (قوله تعالى) : {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم} يعني: على تمكنكم، # PageV02P146 # {قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ~~إنه لا يفلح الظالمون (135) وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ~~فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ~~وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136) وكذلك زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم} وقيل: على ms0457 ما أنتم عليه، وهذا أمر تهديد، كقوله: ~~{اعملوا ما شئتم} فكذلك قوله ( {اعملوا على مكانتكم إني عامل} فسوف تعلمون ~~من تكون له عاقبة الدار) أي: من يكون له الأمر في العاقبة {إنه لا يفلح ~~الظالمون} . # PageV02P147 # قوله - تعالى -: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} وكانوا ~~يقسمون الحرث، فيجعلون لله نصيبا، وللأصنام نصيبا، ويقسمون الأنعام، ~~فيجعلون لله نصيبا، وللأصنام نصيبا، ثم ما جعلوا لله، صرفوه للفقراء ~~والمساكين، وما جعلوا للأصنام أنفقوه على الأصنام، وعلى خدم الأصنام؛ فهذا ~~معنى قوله: {فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} فأما قوله: {فما كان ~~لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} معنى هذا: ~~أنهم كانوا إذا قسموا الحرث والأنعام كما وصفنا، فإذا سقط مما جعلوا لله من ~~الحرث شيء فيما جعلوه للأصنام تركوه، وإذا سقط شيء من نصيب الأصنام، فيما ~~جعلوه لله ردوه إلى نصيب الأصنام، وكان إذا هلك أو انتقص مما جعلوا لله من ~~الأنعام شيء؛ لم يبالوا به، وكان إذا هلك أو انتقص من نصيب الأصنام، جبروه ~~مما جعلوه لله، وقالوا: الله غني، والصنم محتاج، وكانوا إذا أجدبوا وقحطوا؛ ~~أكلوا مما جعلوه لله، ولم يأكلوا من نصيب الأصنام. # وقوله: {ساء ما يحكمون} أي: لم يأتهم فيه وحي، ولا يقتضيه عقل؛ فإن ~~القياس يقتضي التسوية - على زعمهم - بين الشريكين، لا ما حكموا به. # PageV02P147 # قوله - تعالى -: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} ~~يعني: كما زين هذا لأولئك القوم، فقد زين لكثير من المشركين قتل أولادهم # PageV02P147 # {شركاؤكم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون (137) وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ~~وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم ~~بما كانوا يفترون (138) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم ~~على أزواجنا وإن يكن} شركاؤهم من وأد البنات على ما سنبين {ليردوهم} ~~ليهلكوهم. {وليلبسوا عليهم دينهم} أي: ليخلطوا عليهم دينهم؛ إذ كانوا على ~~بقية من ms0458 ملة إبراهيم فلبسوا عليهم دينهم بما ليس منه {ولو شاء (الله} ما ~~فعلوه فذرهم وما يفترون) . # PageV02P148 # قوله - تعالى -: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر} أي: حرام {لا (يطعمها} إلا ~~من نشاء بزعمهم) ثم بين (تحريمهم) ؛ فقال {لا يطعمها إلا من نشاء} يعني: من ~~خدم الأصنام، وقيل: هو تحريم البحيرة والسائبة على الإناث، ولا يطعمها إلا ~~الذكور. # {وأنعام حرمت ظهورها} هي الحوامي التي ذكرنا في المائدة، كانوا يقولون: ~~حمت ظهورها {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} قيل: ذبائح كانوا يذبحونها ~~باسم الأصنام لا باسم الله - تعالى - وقيل معناه: أنهم لا يركبون عليها ~~لفعل الخير. قال أبو وائل شقيق بن سلمة: معناه: أنهم لا يحجون عليها ولا ~~يركبونها لفعل الحج، إلا أنه جرت العادة بذكر اسم الله على فعل الخير، فعبر ~~بذكر اسم الله عن فعل الخير؛ فقال: {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ~~افتراء عليه} يعني: افتراء على الله {سيجزيهم بما كانوا يفترون} أي: جزاء ~~ما كانوا (يكذبون) . # PageV02P148 # قوله - تعالى -: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا} يعني: ~~الأجنة حلال لذكورنا، وقرأ الأعمش: " خالص لذكورنا " قال الكسائي: خالص ~~وخالصة واحد، كما يقال: وعظ موعظة، وله نظائر {ومحرم على أزواجنا} أي: على ~~نسائنا أرادوا به ما سبق ذكره من أولاد البحيرة والوصيلة. # {وإن يكن ميتة} يعني: وإن يكن ما في البطن ميتة {فهم فيه شركاء} يعني: # PageV02P148 # {ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) قد خسر الذين ~~قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا ~~وما كانوا مهتدين (140) وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل ~~والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا ~~أثمر وآتوا حقه} الذكور والإناث، ويقرأ " وإن تكن ميتة " {فهم فيه شركاء} ~~{سيجزيهم وصفهم} . أي: جزاء كذبهم {إنه حكيم عليم} . # PageV02P149 # {قد خسر الذين قتلوا أولا دهم} أي: هلك وغبن الذين قتلوا أولادهم وذلك من ~~وأد البنات، وكانوا في الجاهلية يدفنون البنات حية، حتى كان الرجل منهم ~~يقتل ms0459 ولده، ويربي كلبه. وكان البعض يفعل ذلك دون البعض، وقيل: كان ذلك في ~~قبيلتين: ربيعة، ومضر، كانا يدفنان البنات وهن حيات، فأما بنو كنانة ~~وسائرهم ما كانوا يفعلون ذلك. # {سفها بغير علم} أي: جهلا لا عن بصيرة {وحرموا ما رزقهم الله} (وهو) ما ~~ذكرنا من تحريم أولاد البحيرة، والوصيلة ونحو ذلك (من) الحوامى، حرموها ~~تدينا {افتراء على الله} لأنهم كانوا يدعونه دينا من الله - تعالى - وقد ~~كذبوا في ذلك عليه {قد ضلوا وما كانوا مهتدين} . # PageV02P149 # قوله - تعالى -: {وهو الذي أنشأ جنات} الجنات: البساتين {معروشات} أي: ~~ذات عروش، والعرش: السقف، والكروم ذات سقوف {وغير معروشات} ومنها ما لا سقف ~~له، وكذلك سائر الأشجار {والنخل والزرع مختلفا أكله} أي: ثمره. # {والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه} أي: متشابها في [المنظر] ، يشبه ~~أحدهما الآخر في الورق، وغير متشابه في الثمر والطعم، وقد بينا هذا، وقيل: ~~هو # PageV02P149 # {يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) ومن الأنعام حمولة ~~وفرشا كلوا} راجع إلى ما سبق ذكره من الكرم، والنخل، والأشجار، فإن بعضها ~~يشبه بعضا في الورق والثمر والطعم، ومنها ما يخالف بعضه بعضا. # {كلوا من ثمره إذا أثمر} هذا أمر إباحة {وآتوا حقه يوم حصاده} والقطاف، ~~ويقرأ: " حصاده " بكسر الحاء، قيل: الحصاد والحصاد واحد، كالجزاء والجزاء، ~~والقطاف والقطاف، ثم اختلف العلماء في هذا الحق ما هو؟ قال ابن عمر، وأبو ~~الدرداء - وهو قول عطاء ومجاهد -: إن هذا الحق كان حقا في المال سوى العشر ~~المفروض، وأمر بإتيانه. # قال ابن عباس، وأنس - وهو قول الحسن في إحدى الروايتين عنه -: إنه أراد ~~به إيتاء العشر المفروض، وعن الحسن - في رواية أخرى وهو قول النخعي، وسعيد ~~بن جبير -: أن هذا حق كان يؤمر بإتيانه في ابتداء الإسلام، ثم صار منسوخا ~~بإيجاب العشر، والقول الأول أولى؛ لأن الآية مكية، والزكاة فرضت من بعد ~~بالمدينة، فحمله على حق سوى الزكاة أولى. # {ولا تسرفوا} أي: لا تنفقوا الأموال في معصية الله، وكل من أنفق في معصية ~~فهو مسرف، وقيل: هو إعطاء الكل، ms0460 وذلك أن يعمد الرجل إلى جميع زرعه ونخله ~~فيعطي الكل، ويترك عياله عالة. وروى: " أن ثابت بن قيس بن شماس صرم خمسمائة ~~نخلة كانت له، فأعطى الكل؛ فنزلت الآية {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} . # PageV02P150 # قوله - تعالى -: {ومن الأنعام حمولة وفرشا} أي: وأنشأ من الأنعام حمولة ~~وفرشا، قال مجاهد: الحمولة: الإبل الكبار التي يحمل عليها، والفرش: الصغار، ~~وقال الضحاك: الحمولة: الإبل والبقر، والفرش: [الغنم] ، قال الشاعر: # PageV02P150 # {مما رزقكم الله ولا تبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (142) ثمانية ~~أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) ومن الإبل ~~اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله} # (أورثني حمولة وفرشا ... أمسها في كل يوم مسا) # أي: أمسحها في كل يوم {كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان} ~~أي: آثار الشيطان، وخطاياه، وهو تخطية من الحلال إلى الحرام ( {إنه لكم عدو ~~مبين} # PageV02P151 # ثمانية أزواج) إنما نصب ثمانية؛ لأن قوله {ثمانية} بدل عن قوله: {حمولة ~~وفرشا} ، وقوله: ( {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} ومن ~~الإبل اثنين ومن البقر اثنين) . # هذا في الحقيقة أربعة أزواج، كل زوج اثنان، لأن العرب تسمي الواحد زوجا ~~إذا كان لا ينفك عن غيره، قال الله - تعالى -: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} . # {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} هذا في ~~تحريمهم الوصيلة والبحيرة ونحوها، والآية في الاحتجاج عليهم، ومعنى هذا: أن ~~الذي تدعون على الله من تحريمها إن كان بسبب الذكورة، فينبغي أن تحرم كل ~~الذكور، وإن كان التحريم بسبب الأنوثة؛ فينبغي أن تحرم كل الإناث، وإن كان ~~باشتمال الرحم عليه فينبغي أن يحرم كل ما اشتملت عليه الرحم، فأما تخصيص ~~التحريم بالولد السابع والخامس فمن أين؟ ! {نبؤني بعلم} أخبروني بعلم (إن ~~كان لكم به علم) {إن كنتم صادقين} . # PageV02P151 # {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ms0461 آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين} هذا في تحريمهم أولاد البحيرة من البطن الخامس، كما ~~سبق، ووجه الاحتجاج عليهم ما بينا. # PageV02P151 # {بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين (144) قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ~~إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير ~~الله به فمن اضطر غير باغ} # {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} فمعناه: أنكم قلتم ذلك عن علم لكم؟ ~~فأخبروني به {أم نزل [عليكم] به وحي؟ أم أمركم الله به عيانا؟ # {فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم} فبين الله يعني: ~~أنهم كاذبون به {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} . # وفي الخبر: " أن عوف بن مالك الأشجعي جاء، وقال: يا محمد، أبحت ما حرمنا} ~~وحرمت ما أبحنا - يعني: الميتة - فقرأ عليه هذه الآيات؛ فعرف الحجة، وسكت ~~عنه ". # PageV02P152 # قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} سبب هذا أنهم قالوا: فما ~~المحرم إذا؟ فنزل قوله: قل يا محمد: لا أجد فيما أوحي إلي محرما {على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} . # واختلف العلماء في هذا؛ فذهبت عائشة، وابن عباس إلى أن التحريم مقصور على ~~هذه الأشياء، وبه قال مالك، وقالوا: قوله: {إلا ان يكون ميتة} دخل فيه ~~المنخنقة والموقوذة، وما عد في سورة المائدة، ومالك يعد ما سواها مكروها ~~ولا يعده حراما، وجمهور العلماء على أن التحريم [يعدو] هذه الأشياء؛ إلا أن ~~البعض ثبت بالكتاب، والبعض بالسنة، والكل حرام. وقد ثبت: " أنه نهى عن كل ~~ذي ناب من السباع و [عن] كل ذي مخلب من الطير " {فإنه رجس} أي: نتن {أو ~~فسقا أهل لغير الله به} وهو المذبوح على اسم الصنم، سمى ذلك فسقا؛ # PageV02P152 # {ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر ms0462 والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما ~~اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (146) فإن كذبوك فقل ربكم ذو ~~رحمة واسعة ولا} للخروج عن أمر الله - تعالى -. # {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم} وقد ذكرنا هذا. # PageV02P153 # قوله - تعالى -: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} يعني: حرمنا على ~~اليهود كل ذي ظفر، قيل: هو البعير والنعامة، ويدخل فيه الأوز والبط. # {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما} أما تحريم ~~الشحوم عليهم: كان ذلك عن الثروب وشحم الكليتين، وقد قال " لعن الله اليهود ~~حرم عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها ". # وقوله: {إلا ما حملت ظهورهما} أي: شحم ما حملت ظهورهما لم يحرم عليهم {أو ~~الحوايا} تقديره: والحوايا، أي: شحم المباعر {أو ما اختلط بعظم} أي: وشحم ~~ما اختلط بعظم، قيل: هو الإلية، وقيل: هو شحم الجنب، ثم اختلفوا، أن الكل ~~هل يدخل في الاستثناء؟ قال بعضهم: إنما يدخل في الاستثناء شحم الظهور فحسب، ~~فأما قوله: {أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} راجع إلى التحريم، والصحيح: أن ~~الكل يدخل في الاستثناء، وهو ظاهر الآية. {ذلك جزيناهم ببغيهم} أي: ~~[بظلمهم] {وإنا لصادقون} . # PageV02P153 # قوله - تعالى -: {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة} فإن قيل: ما معنى ~~هذا، وإنما يليق بتكذيبهم وعيد العذاب لا وعد الرحمة؟ قال ثعلب: هو الرحمة # PageV02P153 # {يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا ~~بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا ~~تخرصون (148) قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) قل هلم ~~شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع ~~أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون} بتأخير العذاب عنهم، لا بترك ~~أصل العذاب، وهذا حسن، بدليل قوله: {ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} يعني: ~~في القيامة، ms0463 إذا [جاء] وقته؛ فسئل ثعلب: أليس أن الله - تعالى - قد عذب ~~الكفار في الدنيا؟ فقال: هذا في الكفار من قوم نبينا محمد لم يعذبهم الله؛ ~~ببركته فيهم، كما قال: ( {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعاملين) . # PageV02P154 # قوله - تعالى -: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا} استدل أهل ~~القدر بهذه الآية؛ فإنهم لما قالوا: لو شاء الله ما أشركنا؛ كذبهم الله - ~~تعالى - ورد قولهم فقال: {كذلك كذب الذين من قبلهم} قيل: معنى الآية: أنهم ~~كانوا يقولون الحق إلا أنهم كانوا (يعدون) ذلك عذر لهم، ويجعلونه حجة ~~لأنفسهم في ترك الإيمان، فالرد عليهم كان في هذا بدليل # PageV02P154 # قوله - تعالى - بعده: {قل فلله الحجة البالغة} أي: الحجة بالأمر والنهي ~~باقية له عليهم، وإن شاء أن يشركوا. # {فلو شاء لهداكم أجمعين} ولو لم يحمل على هذا؛ لكان هذا مناقضة للأول، ~~وقيل: إنهم كانوا يقولون: إن الله أمرنا بالشرك، كما قال في الأعراف: {وإذا ~~فعلوا # PageV02P154 # {بالآخرة وهم بربهم يعدلون (150) قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به} فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) وكأن قوله: ~~{لو شاء الله ما أشركنا} أي: هو الذي أمرنا بالشرك؛ فالرد في هذا لا في ~~حصول الشرك بمشيئته، فإنه حق وصدق، وبه يقول أهل السنة. # {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} أي: من كتاب، فتخرجوه لنا حتى يظهر ما ~~تدعون على الله (من أمره بالشرك) {إن تتبعون إلا الظن} يعني: أنكم تقولون ~~ما تقولون ظنا لا عن بصيرة {وإن أنتم إلا تخرصون} أي: تكذبون {قل فلله ~~الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} . # PageV02P155 # قوله - تعالى -: {قل هلم شهداءكم} أي: ائتوا بشهدائكم {الذين يشهدون أن ~~الله حرم هذا} هذا راجع إلى ما تقدم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم بغير ~~أمر الله، وادعوا أنه من أمر الله. # {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} يعني: فإن شهدوا كاذبين، فلا تشهد معهم ms0464 {ولا ~~تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم ~~يعدلون} أي: يشركون. # PageV02P155 # قوله - تعالى -: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} ~~لأنهم سألوه أيش الذي حرم الله - تعالى -؟ فنزل قوله - تعالى -: {قل تعالوا ~~أتل ما حرم ربكم عليكم} فإن قال قائل: الله - تعالى - ما حرم ترك الشرك بل ~~أمر ربه، فما معنى قوله: {ألا تشركوا به شيئا} ؟ . # فيه جوابان: أحدهما: أن قوله " لا " صلة، وتقديره ": أن تشركوا؛ فعلى هذا ~~استقام الكلام. # والثاني: أن قوله: { [تعالوا] أتل ما حرم ربكم} كلام تام. (ثم) قوله: # PageV02P155 # {شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ~~ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (151) ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} {عليكم ألا تشركوا} ابتداء كلام. وإذا قدر ~~هكذا استقام الكلام أيضا، ثم قوله {وبالوالدين إحسانا} أي: وأحسنوا ~~بالوالدين إحسانا. # {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} قال المؤرج: الإملاق: الجوع بلغة حمير، ~~والمعروف في اللغة أن الإملاق: الفقر {نحن نرزقكم وإياهم} أي: رزق الكل ~~علينا؛ فلا تقتلوهم خوف الجوع والفقر. # {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} هذا نهي عن أنواع الزنا سرا ~~وعلنا، وكانت الزواني في الجاهلية على نحوين: كانت لبعضهم رايات على ~~الأبواب، علما لمن أراد الزنا؛ كن يزنين علنا، وأخريات كن يزنين سرا. فهذا ~~المراد بالفواحش ما ظهر منها وما بطن. # {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} نهى عن القتل بالظلم، وأباح ~~القتل بالحق، وهو مفسر في قول النبي: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ~~ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس " {ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تعقلون} . # PageV02P156 # قوله - تعالى -: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} قد سبق ~~الكلام على قربان مال اليتيم في سورة النساء. {حتى يبلغ أشده} قال السدي: ~~أشده ثلاثون سنة. وقال ms0465 غيره: أوان الحلم. وقيل: هو استكمال القوة، وسيأتي ~~شرحه في موضع بعده. # {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} أي: بالعدل {لا نكلف نفسا إلا وسعها} أي: # PageV02P156 # {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ~~ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تتقون (153) ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا ~~لكل شيء وهدى} طاقتها {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} أي: فاصدقوا، ~~ولو كان على القريب {وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} . # PageV02P157 # قوله - تعالى -: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} يقرأ: وأن - بالتشديد - ~~فيكون راجعا إلى قوله: {أتل ما حرم ربكم عليكم} يعني: وأتل عليكم: أن هذا ~~صراطي، ويقرأ: وأن - بالتخفبف - فيكون صلة، وتقديره هذا صراطي مستقيما. # {فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} بمعنى: سائر الملل سوى ملة الإسلام وقيل: هو ~~الأهواء والبدع {فتفرق بكم عن سبيله} أي: فتفرق بكم عن سبيله. # {ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} وقد صح برواية ابن مسعود عن النبي: " انه خط ~~خطا، وخط حواليه خطوطا، ثم أشار إلى الخط الأوسط؛ فقال: وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه، ثم أشار إلى الخطوط حوله؛ فقال: لا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله ". # PageV02P157 # قوله - تعالى -: {ثم آتينا موسى الكتاب} فإن قيل: كيف قال: {ثم آتينا ~~موسى الكتاب} بعد ذكر محمد، وموسى أوتي الكتاب قبله، وكلمه " ثم " # PageV02P157 # {ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه ~~واتقوا لعلكم ترحمون (155) أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من ~~قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156) أو تقولوا لو أنا أنزل علينا ~~الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينه من} للتعقيب؟ قيل: معناه: ثم أخبركم ~~أنا آتينا موسى الكتاب. # {تماما على الذي أحسن} قيل: أراد بالذي أحسن: موسى، ومعناه: انه كما أحسن ~~بطاعة ربه واتباع أمره؛ أتممنا عليه النعمة والإحسان بإعطائه التوراة. # وقال الحسن: معناه تماما على المحسنين ms0466 من قومه، وكان منهم محسن ومسيء، ~~وهذا معنى قراءة ابن مسعود: تماما على الذين أحسنوا، وقرأ يحيى بن يعمر: " ~~على الذي أحسن " أحسن، برفع النون، أي: على الذي هو أحسن. # {وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة} هذا في وصف التوراة {لعلهم بلقاء ربهم ~~يؤمنون} . # PageV02P158 # قوله - تعالى -: {وهذا كتاب} ثم وصف القرآن {أنزلناه مبارك فاتبعوه} وقد ~~بينا معنى المبارك ( {واتقوا لعلكم ترحمون} # PageV02P158 # أن تقولوا) أي: كراهة أن تقولوا، على قول الكوفيين، وأما على قول ~~البصريين: تقديره: أن لا تقولوا: {إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} ~~يعني: اليهود والنصارى {وإن كنا} أي: وقد كنا {عن دراستهم لغافلين} ومعنى ~~الآية: أنا إنما أنزلنا عليكم القرآن؛ لئلا تقولوا: إن الكتاب أنزل على من ~~قبلنا بلغتهم ولسانهم فلم نعرف ما فيه، وغفلنا عن دراسته؛ فتمهدون بذلك ~~عذرا لأنفسكم، وحجة على الله # PageV02P158 # {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} . # وقد كان جماعة من الكفار، قالوا ذلك: لو أنزل علينا ما أنزل على اليهود ~~والنصارى كنا خيرا منهم وأهدى، يقول الله - تعالى -: {فقد جاءكم بينة من ~~ربكم وهدى ورحمة} يعني: قد جاءكم القرآن؛ فكذبتم به، ثم قال: {فمن أظلم ممن ~~كذب بآيات الله وصدف عنها} أي: أعرض عنها {سنجزي الذين يصدفون} # PageV02P158 # {ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين ~~يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك ~~لا ينفع نفسا} أي: يعرضون {عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون} قوله - ~~تعالى -: { [هل ينظرون] } أي: بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن. # PageV02P159 # {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة} قيل: بالعذاب، وقيل: بقبض الأرواح ~~(أو يأتي ربك) يعني: في القيامة، كما قال في سورة البقرة: {هل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} وقد بينا هنالك {أو يأتي بعض آيات ربك} ~~أجمع المفسرون على أنه أراد به طلوع الشمس من مغربها، إلا ms0467 في رواية: شاذة ~~عن معاذ بن جبل أنه: خروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج. وقد ثبت برواية ابن ~~مسعود عن النبي أنه قال فيه: " هي طلوع الشمس من مغربها " وكذلك رواه أبو ~~سعيد الخدري مرفوعا بلفظه. # وقال ابن مسعود: إن الشمس والقمر يطلعان يومئذ أسودين، وروى صفوان بن ~~عسال المرادي عن النبي أنه قال: " إن للتوبة بابا قبل المغرب، عرضه سبعون ~~ذراعا؛ فهو مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها، ثم يغلق فلا تقبل التوبة ~~بعده " فهذا معنى قوله تعالى: ( {يوم يأتي بعض آيات ربك} لا ينفع نفسا # PageV02P159 # {إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا ~~منتظرون (158) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما ~~أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) (من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا} أي: لا يقبل توبة كافر بالإيمان، ولا توبة فاسق بالرجوع عن ~~الفسق {قل انتظروا إنا منتظرون} . # PageV02P160 # قوله - تعالى -: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} . # وروى أبو أمامة الباهلي صدى بن عجلان، عن النبي قال: " هم الخوارج " قال ~~مجاهد: هم أهل الأهواء والبدع، وقيل: هم أهل سائر الملل من اليهود، ~~والنصارى، والمجوس، ونحوهم، وعن ابن مسعود أنه قال: " أصدق الحديث كتاب ~~الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل ~~بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار " ويروى هذا مرفوعا، وقوله: {لست منهم في ~~شيء} أي: ليسوا منك، ولست منهم {إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا ~~يفعلون} . # PageV02P160 # قوله - تعالى -: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون} وهذا فضل من الله - تعالى - حيث يجازي ~~الحسنة بعشر # PageV02P160 # {إلا مثلها وهم لا يظلمون (160) قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (161) قل إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ms0468 ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول ~~المسلمين (163) قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون (164) وهو الذي جعلكم خلائف} أمثالها، والسيئة بمثلها، قال ابن ~~عمر: هذا في غير الصدقات من الحسنات، فأما الصدقات: تضاعف بسبعمائة ضعف، ~~وقال أبو صالح: الحسنة: قول لا إله إلا الله، " وسئل رسول الله عن كلمة لا ~~إله إلا الله أهي من الحسنات؟ فقال: هي أحسن الحسنات ". # PageV02P161 # قوله - تعالى -: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما} هو دين ~~الإسلام أي: دينا مستقيما {ملة إبراهيم} نصب على الإغراء، أي: اتبع ملة ~~إبراهيم {حنيفا وما كان من المشركين} # PageV02P161 # {قيل إن صلاتي ونسكي} أما الصلاة: معلومة، وأما النسك: العبادة، وقيل: ~~أراد به: الذبيحة، وقوله: {ومحياي ومماتي لله} أي: طاعتي في حياتي لله، ~~وجزائي بعد مماتي من الله {رب العالمين # PageV02P161 # لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) يعني: من هذه الأمة. # PageV02P161 # قوله - تعالى -: {قل أغير الله أبغي ربا} لأنهم كانوا يقولون له: ارجع ~~إلى ديننا فإن خفت الله فنحن نكفل لك العذاب؛ قاله كفار قريش؛ فنزل: {قل ~~أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء} {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى} أي: ليس هذا بأمر تنفع فيه الكفالة، (ويقوم) أحد مقام أحد ~~فيه. {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} . # PageV02P161 # قوله - تعالى -: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} أي: يخلف بعضكم # PageV02P161 # {الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب ~~وإنه لغفور رحيم (165) } بعضا {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} يعني: في الدنيا ~~بالفقر والغنى، والمرض والصحة، ونحو هذا {ليبلوكم فيما آتاكم} أي: ~~ليختبروكم فيما أعطاكم. # {إن ربك سريع العقاب} وكل ما هو آت فهو سريع {وإنه لغفور رحيم} . # PageV02P162 # بسم الله الرحمن الرحيم # {المص (1) كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك ms0469 حرج منه لتنذر به وذكرى} # سورة الأعراف # قال الشيخ الإمام - رضي الله عنه -: اعلم أن سورة الأعراف مكيه إلا قوله ~~- تعالى -: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} إلى قوله - تعالى -: ~~{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} فإن هذا القدر نزل بالمدينة، و ~~(قد) روى " أن النبي قرأ في المغرب بطول الطولين " يعني: سورة الأعراف، ~~وإنما سميت طول الطولين؛ لأن أطول السور التي نزلت بمكة سورة الأنعام، ~~وسورة الأعراف، والأعراف أطولهما. # PageV02P163 # قوله تعالى {المص} معناه: أن الله أعلم وأفصل، وقيل: معناه: أنا الله ~~الملك الصادق، وقال الشعبي: لكل كتاب سر، وسر القرآن: حروف التهجي في فواتح ~~السور. # PageV02P163 # {كتاب أنزل إليك} قال الفراء: تقديره: هذا كتاب أنزل إليك {فلا يكن في ~~صدرك حرج منه} أي: شك، والخطاب للرسول، والأمة هم المراد. # والحرج بمكان الشك، قاله الفراء، وأنشدوا: # (لولا حرج يعزوني ... جئتك أغزوك ولا تغزوني) # وقيل الحرج: هو الضيق، ومعناه: لا يضيقن صدرك بالإبلاغ، وذلك أن النبي # PageV02P163 # {للمؤمنين (2) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما} لما بعث إلى الكفار، قال: " يا رب إني أخاف أن يثلغوا رأسي، ~~ويجعلوه كالخبزة؛ فقال الله تعالى: لا يكن في صدرك ضيق من الإبلاغ؛ فإني ~~حافظك وناصرك ". # قوله: {لتنذر به وذكرى للمؤمنين} فيه تقديم وتأخير، وتقدير الآية: كتاب ~~أنزل إليك؛ لتنذر به، وذكرى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه. # PageV02P164 # قوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} يعني: القرآن، وقيل: القرآن ~~والسنة لأمر الله تعالى لأن الله تعالى يقول: {وما أتاكم الرسول فخذوه} ~~فالسنة وإن لم تكن (منزلة) ، فهي كالمنزلة بحكم تلك الآية، قال الحسن في ~~هذه الآية: يا ابن آدم، أمرت باتباع القرآن، فما من آية إلا وعليك أن تعلم ~~فيما نزلت، وماذا أريد بها، حتى تتبعه، وتعمل به. # {ولا تتبعوا من دونه أولياء} يعني: من عاند الحق، وخالفه، فلا تتبعوه، ~~وإنما قال: {من دونه أولياء} لأن من اتخذ مذهبا، فكل من سلك طريقه واتبعه ~~كان ms0470 من أوليائه، فهذا معنى قوله: {ولا تتبعوا من دونه أولياء} وقال مالك بن ~~دينار: ولا تبتغوا، يعني: الطلب، والمعنى: ولا تبتغوا من دونه أولياء. ~~{قليلا ما تذكرون} ، وقرأ ابن عامر: " يتذكرون " والمراد بهما واحد، أي: ~~قليلا ما تتعظون. # PageV02P164 # قوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها} " كم " للتكثير، و " رب " للتقليل. # قال الشاعر: # (كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت على عشارى) # PageV02P164 # {تذكرون (3) وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) ~~فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) فلنسئلن ~~الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين (6) فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ~~(7) والوزن يومئذ} # قاله الفرزدق. # {فجاءها بأسنا بياتا} أي: عذابنا بياتا {أو هم قائلون} وتقديره: ليلا وهم ~~نائمون، أو نهارا وهم قائلون، من القيلولة. # قال الزجاج: " أو هم قائلون " أو لتصريف العذاب، يعني: مرة بالليل، ومرة ~~بالنهار كما بينا، فإن قال قائل: قد قال: {وكم من قرية أهلكناها} فما معنى ~~قوله: {فجاءها بأسنا} وكيف يكون مجيء البأس بعد الإهلاك؟ قيل: معنى قوله: ~~{أهلكناها} أي: حكمنا بإهلاكها؛ فجاءها بأسنا، وقيل: قوله: {فجاءها بأسنا} ~~هو بيان قوله: {أهلكناها} ، وقوله: {أهلكناها} هو قوله: {فجاءها بأسنا} ~~وهذا مثل قول القائل: أعطيتني فأحسنت إلي، لا فرق بينه وبين قوله: أحسنت ~~إلى ما أعطيتني، وأحدهما بيان للآخر، كذلك هذا. # PageV02P165 # قوله - تعالى -: {فما كان دعواهم} أي: دعاؤهم، قال سيبويه: تقول اللهم ~~اجعلني في دعوى المسلمين، أي: في دعاء المسلمين فقوله: {فما كان دعواهم إذ ~~جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} معناه: لم يقدروا على رد العذاب ~~حين جاءهم العذاب، وكان حاصل أمرهم أن اعترفوا بالخيانة حين لا ينفع ~~الاعتراف. # PageV02P165 # قوله - تعالى -: {فلنسألن الذين أرسل إليهم} هذا سؤال توبيخ، لا سؤال ~~استعلام، يعني: نسألهم عما عملوا فيما بلغهم {ولنسألن المرسلين} عن الإبلاغ # PageV02P165 # {فلنقصن عليهم بعلم} أي: نخبرهم بما عملوا عن بصيرة وعلم. # {وما كنا غائبين} فإنه - جل وعلا - مع كل أحد بالعلم والقدرة. # PageV02P165 # قوله - تعالى -: {والوزن يومئذ الحق} قال مجاهد: ms0471 معناه: القضاء يومئذ ~~بالحق والعدل، وأكثر المفسرين على أنه أراد به: الوزن بالميزان المعروف، ~~وهو حق، وكيف # PageV02P165 # {الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ومن خفت موازينه فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) ولقد مكناكم في الأرض ~~وجعلنا لكم} يوزن؟ اختلفوا، قال بعضهم: توزن صحائف الأعمال، وقيل: يوزن ~~الأشخاص؛ وعليه دل قول عبيد بن عمير أنه قال: " يؤتى بالرجل العظيم الطويل، ~~الأكول والشروب، يوم القيامة، فيوزن فلا يزن عند الله جناح بعوضة " وقد روى ~~هذا مرفوعا. # وقيل: توزن الأعمال، فإن الأعمال الحسنة تأتي على صورة حسنة، والأعمال ~~السيئة تأتي على صورة قبيحة؛ فذلك الذي يوزن، وفي الخبر " أن ذلك الميزان ~~له كفتان، كل كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب "، والميزان للكل واحد، وقيل ~~لكل واحد ميزان. {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} . # PageV02P166 # {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم} أي: غبنوا أنفسهم {بما ~~كانوا بآياتنا يظلمون} قال الحسن: إنما ثقل ميزان من ثقل ميزانه باتباع ~~الحق، وحق لميزان وضع فيه الحق أن يثقل، وإنما خف ميزان من خف ميزانه ~~باتباع الباطل، وحق الميزان لم يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. # ويروى عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: " كان رسول الله نائما ذات ~~يوم، ورأسه في حجري، فبكيت، فقطرت دموعي على خده؛ فانتبه رسول الله فقال: ~~مالك؟ قلت: ذكرت القيامة وأهوالها، فهل يذكر أحد أحدا يومئذ؟ فقال: أما في ~~ثلاثة مواطن فلا: عند الميزان حتى يعلم أيثقل ميزانه أم يخف، وعند تطاير ~~الصحف حتى يعلم أن صحيفته توضع في يمينه أو [في] شماله، وعلى # PageV02P166 # {فيها معايش قليلا ما تشكرون (10) ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة} الصراط ". # PageV02P167 # قوله - تعالى -: {ولقد مكناكم في الأرض} التمكين هاهنا بمعنى: التمليك ~~{وجعلنا لكم فيها معايش} أي: أسباب تعيشون بها، وقيل: جعلنا لكم ما تصلون ~~به إلى المعاش {قليلا ما تشكرون} . # PageV02P167 # قوله - تعالى -: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} قال ابن عباس: خلقناكم في صلب ~~آدم، ثم صورناكم في أرحام الأمهات، وقال مجاهد: خلقناكم في ms0472 ظهر آدم، ثم ~~صورناكم يوم الميثاق، حين أخرجهم كالذر، وقيل: هذا في حق آدم - صلوات الله ~~عليه - يعني: خلقنا أصلكم آدم، ثم صورناه؛ فذكر بلفظ الجمع، والمراد به ~~الواحد، وقال الأخفش - وهو أحد قولي قطرب -: إن ثم بمعنى الواو، أي: ~~وصورناكم. # {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} فإن قال قائل: الأمر بسجود الملائكة كان ~~قبل خلق بني آدم، فما معنى قوله: {ثم قلنا للملائكة} عقيب ذكر الخلق ~~والتصوير؟ # والجواب: أما على قول مجاهد، وقول من صرفه إلى آدم، يستقيم الكلام. # وأما على قول ابن عباس، يرد هذا الإشكال، والجواب عنه من وجوه: # أحدها: أن المراد به: ثم أخبركم أنا قلنا للملائكة: اسجدوا [لآدم] ، وقيل ~~فيه: تقديم وتأخير، وتقديره: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا، ثم ~~صورناكم، # PageV02P167 # {اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11) قال ما منعك ألا ~~تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12) قال فاهبط ~~منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) قال أنظرني إلى ~~يوم يبعثون} وقيل " ثم " بمعنى " الواو " أي: وقلنا للملائكة: اسجدوا، ~~والواو لا توجب الترتيب، وهو قول الأخفش، وأحد قولي قطرب، ولم يرضوا منهم ~~ذلك، فإن كلمة " ثم " لا ترد بمعنى الواو، وهي للتعقيب. # {فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} وقد ذكرنا سجود الملائكة في سورة ~~البقرة، وأن سجودهم كان لآدم. # PageV02P168 # قوله - تعالى -: {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} " لا " زائدة، والمراد: ~~ما منعك أن تسجد؟ وقد سبق نظائره. # {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} فإن قيل: لم يكن هذا منه ~~جوابا عما سئل عنه؟ قيل: تقديره قال: لم أسجد لأني خير منه، وقيل: السؤال ~~مقدر فيه، كأنه قيل له: أنت خير أم هو؟ فقال: أنا خير منه. # قال محمد بن جرير الطبري: ظن الخبيث، ورأى أن النار خير من الطين، ولم ~~يعلم أن الفضل لما جعل الله له الفضل، وقد فضل الله الطين على النار، ولأن ~~في ms0473 طبع النار طيشا، وخفة، وإحراقا، وفي الطين رزانة، وحلم، وتواضع، وأمانة، ~~فيجوز أن يكون خيرا من النار، وقد قال ابن عباس: أول من قاس: إبليس، كما ~~بينا. # PageV02P168 # وقوله - تعالى -: {قال فاهبط منها} أي: فاخرج منها، واختلفوا في هذه ~~الكناية، قيل: أراد به: فاهبط من الجنة، وقيل: أراد به: من الدرجة التي ~~جعله الله عليها من قبل، وقيل: أراد به: من الأرض؛ فإن الله - تعالى - لما ~~طرده؛ أخرجه من الأرض إلى جزائر البحر، وكان من قبل له ملك الأرض، حتى قيل: ~~إنه لا يدخل الأرض إلا خائفا، سارقا، على هيئة شيخ عليه أطمار {فما يكون لك ~~أن تتكبر فيها} يعني: بترك السجود {فاخرج إنك من الصاغرين} أي: الأذلة. # PageV02P168 # ( {14) قال إنك من المنظرين (15) قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ~~ولا تجد} # PageV02P169 # {قال أنظرني} أي: أمهلني {إلى يوم يبعثون} سأل المهلة إلى القيامة، # PageV02P169 # {قال إنك من المنظرين} فأنظره الله - تعالى - وهذا الإنظار إلى النفخة ~~الأولى، كما قال في موضع آخر مقيدا: {إلى يوم الوقت المعلوم} وأراد به: ~~النفخة الأولى، فإن قيل: وهل يجوز أن يجيب الله دعوة الكافر؛ حيث أجاب دعوة ~~اللعين؟ قيل: يجوز على طريق الاستدراج والمكر والإملاء لا على سبيل ~~الكرامة. # PageV02P169 # {قال فبما أغويتني} قال ابن عباس: بما أضللتني، وقيل: بما خيبتني، ~~فالإغواء بمعنى: الخيبة، قال الشاعر: # (فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما) # أي: ومن يخب لا يعدم على الخيبة لائما، وقيل: معناه: بما دعوتني إلى ما ~~ضللت به {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} أي: على صراطك المستقيم، وهو صراط ~~الدين. # PageV02P169 # قوله تعالى: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم} # روى سفيان الثوري عن منصور عن الحكم بن عتيبة أنه قال: {لآتينهم من بين ~~أيديهم} يعني: من قبل الدنيا بأن أزينها في قلوبهم، فيغتروا بها {ومن ~~خلفهم} أي: من قبل الآخرة، بأن أقول: لا بعث، ولا جنة، ولا نار {وعن ~~أيمانهم} من قبل ms0474 الحسنات {وعن شمائلهم} من قبل السيئات، وقال ابن عباس - في ~~رواية الوالبي عنه -: لآتينهم من بين أيديهم يعني: من قبل الآخرة، ومن ~~خلفهم (أي) من قبل الدنيا، وعن أيمانهم: أشبه عليهم أمر الدنيا، وعن ~~شمائلهم: أشهى لهم ارتكاب المعاصي، قال مجاهد: أراد به لآتينهم من كل ~~الجوانب، قال قتادة: لم يقل الخبيث: من فوقهم؛ لأن الرحمة تنزل عليهم من ~~فوقهم. # PageV02P169 # {أكثرهم شاكرين (17) قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن ~~جهنم منكم أجمعين (18) ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا ~~تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (19) فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ~~ما} # {ولا تجد أكثرهم شاكرين} أي: مؤمنين فإن قيل: بأيش علم الخبيث أنه لا يجد ~~أكثرهم شاكرين؟ قيل: قرأ من اللوح المحفوظ، وقيل: قال ذلك ظنا؛ فأجاب كما ~~قال الله - تعالى -: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} . # PageV02P170 # قوله - تعالى -: {قال اخرج منها مذءوما} وقرأ الأعمش: " مذموما "، ~~والمعروف. مذءوما من الذأم: وهو العيب، وقيل: معناه مقيتا من المقت. # {مدحورا} أي: مطرودا {لمن تبعك منهم لأملان جهنم منكم أجمعين} اللام فيه ~~للقسم، يعني: أقسم لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين. # PageV02P170 # قوله - تعالى -: {ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} وقد بينا هذا {فكلا من ~~حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} وقد بينا على قول ابن ~~عباس: أنها كانت شجرة السنبلة، وقيل: شجرة التين، وقال علي بن أبي طالب: ~~كانت شجرة الكافور، وقيل: كانت شجرة تأكل منها الملائكة تسمى: شجرة الخلد. # PageV02P170 # قوله - تعالى -: {فوسوس لهما الشيطان} الوسوسة: حديث يلقيه الشيطان في ~~قلب الإنسان، واختلفوا كيف وسوس لهما وهما في الجنة، وهو في الأرض؟ # فقيل: وسوس لهما من الأرض؛ لأن الله - تعالى - أعطاه قوة بذلك حتى وسوس ~~لهما بتلك القوة من الأرض إلى الجنة، وقيل: حين وسوس لهما كان في السماء؛ ~~فالتقيا على باب الجنة هو وآدم، فوسوس، وقيل: إن الحية خبأته في [أنيابها] ~~وأدخلته الجنة، فوسوس من بين [أنيابها] ؛ فمسحت الحية، وأخرجت من الجنة. # {ليبدي ms0475 لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما} اللام فيه لام العاقبة؛ فإنه لم # PageV02P170 # {ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ~~(21) فدلاهما بغرور} يوسوس لهذا، لكن عاقبة أمرهم في وسوسته أنه أبدى لهما ~~ما ستر من عورتيهما. # {وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين} وهذه كانت وسوسته؛ وقرأ يحيى بن أبي كثير والضحاك: " إلا أن ~~تكونا ملكين " بكسر اللام، والمعروف: " ملكين " بفتح اللام، قال أبو عمرو ~~بن العلاء: لم يكن في الجنة ملك لغير الله حتى يقول: ملكين من الملك، وكان ~~فيها الملائكة، ومعناه: ما نهاكما الله عن أكل هذه الشجرة إلا أنكما إذا ~~اكلتما صرتما ملكين أو تكونا من الخالدين. # PageV02P171 # {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} وسوس لهما، وحلف عليه، وهو أول من حلف ~~بالله كاذبا، فكل من حلف بالله كاذبا؛ فهو من أتباع إبليس، وفي الحديث: # " إن المؤمن يخدع بالله " فلما حلف إبليس على ما وسوسه به؛ ظن آدم أنه لا ~~يحلف أحد بالله إلا صادقا؛ من سلامة قلبه، فاغتر به. # وفيه قول آخر: أن قوله: {وقاسمهما} من القسمة، كأن إبليس قال لهما: كلا ~~من هذه الشجرة، فما كان من خير فلكما، وما كان من شر وسوء فعلي. # وقوله: {إني لكما لمن الناصحين} يعني: المرشدين، المريدين للخير. # فإن قال قائل: قوله: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} ~~دليل على أن الملائكة أفضل من الآدميين، قيل: معناه - والله أعلم -: أنهما ~~رأيا الملائكة في أحسن صورة، وأرفع منزلة، وفي تسبيح دائم من غير تعب ولا ~~شهوة؛ فتمنيا أن يصلا إلى تلك المنزلة لو أكلا من تلك الشجرة، ويتخلصا من ~~التعب، ومن شهوة البشرية، وليس في هذا دليل على أن الملك أفضل من الآدمي. # PageV02P171 # وقوله: {فدلاهما بغرور} أي: حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية، قال # PageV02P171 # {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما ms0476 من ورق الجنة ~~وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو ~~مبين (22) قالا} الشاعر: # (ويوسف إذ دلاه أولاد علة ... فأصبح في قعر البريكة ثاويا) # وأما الغرور: فهو إظهار النصح مع إبطان الغش. # قوله - تعالى -: {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما} في هذا دليل على ~~أنهما لم يمتعا في الأكل، قال ابن عباس: قيل: إن إزدادا؛ أخذتهما العقوبة، ~~وكانت عقوبتهما أن تهافت عنهما لباسهما، وبدت عورتهما. # {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} قال ثعلب: جعلا يلصقان بعض الورق ~~بالبعض، ويستران العورة به، ويقال: خصف النعل؛ إذا جعل طبقا على طبق، ~~واختلفوا في ذلك الورق، قال ابن عباس - وبه قال أكثر المفسرين -: إنه ورق ~~التين والزيتون، وقيل: كان ورق الموز. # {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} يعني: عن الأكل منها {وأقل ~~لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} أي: بين العداوة، ويحكى عن أبي بن كعب، ~~ويذكر عن عطاء أيضا، أنهما قالا: لما بدت سوتهما في الجنة، هرب آدم في ~~الجنة؛ فتعلقت شجرة بشعره، وناداه الرب: أفرارا مني يا آدم؟ فقال: لا بل ~~حياء منك يا رب. # PageV02P172 # قوله - تعالى -: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن ~~من الخاسرين} اعترف آدم بالذنب، وسأل المغفرة، وهذا هو الفرق بين معصيتة ~~ومعصية إبليس، أن إبليس عصى وأصر على المعصية، وآدم عصى وتاب عن المعصية، ~~وأن إبليس كان متعمدا، وآدم كان ساهيا، واختلفوا في أن آدم هل عرف عند ~~الأكل أنه معصية؟ قال بعضهم: عرف ذلك، لكن الله غفر له، وتاب عليه، وقيل: ~~دخل عليه شبهة من وسوسة إبليس، ولم يكن متعمدا؛ إذ كان معصوما نبيا. # PageV02P172 # قوله - تعالى -: {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو} فإن قال قائل: ألم يكن # PageV02P172 # {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) قال ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) قال فيها ~~تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25) يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يواري سوءاتكم} خاطب ms0477 إبليس بالهبوط من قبل، فما معنى هذه الإعادة؟ قيل: إن ~~هذا الثاني خطاب لآدم وحواء والحية، قاله أبو صالح، وإبليس خارج من الخطاب، ~~وقيل: الخطاب للكل؛ لأنهم وإن اقترفوا في وقت الإخراج والإنزال، (لكن) لما ~~اجتمعوا في الإنزال جمع بينهم في الخطاب، والأول خاص لإبليس، والخطاب ~~الثاني عام للكل. # {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} وفي القصص: أن آدم وقع بأرض الهند، ~~وحواء بجدة، والحية بميسان، وإبليس بأيلة، وقيل: بمداد، وقيل: وقع إبليس ~~بأرض البصرة، ثم خرج إلى أرض مصر وباض وفرخ فيه. # وعن ابن عمر أنه قال: لما أخرج الله - تعالى - إبليس إلى الأرض، قال: يا ~~رب، أين مسكني؟ قال: الحمامات؛ فقال: أين مجلسي؟ قال: الأسواق، فقال: وأيش ~~مطعمي؟ قال: كل طعام لم يذكر عليه اسمي، فقال: وماذا شرابي؟ فقال: كل مسكر. ~~قال: وما حبالتي؟ فقال: النساء، فقال: وما كتابتي؟ قال: الوشم، فقال: ومن ~~رسلي؟ قال: الكهنة. # PageV02P173 # قوله - تعالى -: {قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} يعني: الأرض ~~فيها حياتكم وموتكم، ومنها بعثكم. # PageV02P173 # قوله - تعالى -: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم} فإن ~~قال قائل: كيف قال: أنزلنا. ولم ينزل اللباس من السماء؟ قيل: قد أنزل ~~المطر، وكل نبات من المطر؛ فكأنه أنزله، وقيل: معناه: أن كل ما في الأرض ~~فهو من بركات السماء؛ فيكون كالمنزل من السماء، وعلى هذا معنى قوله - تعالى ~~-: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} وإنما يستخرج من الأرض، لكن نسبه إلى ~~السماء، كذا هذا. # PageV02P173 # {وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) يا بني ~~آدم لا} # وسبب نزول الآية: أنهم في الجاهلية، كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويقولون ~~لا نطوف في (أثواب) عصينا الله - تعالى - فيها، وكان الرجال يطوفون عراة ~~بالنهار، والنساء بالليل؛ فنزلت الآية في المنع عن ذلك. قال الزهري: كانت ~~العرب يطوفون كذلك عراة إلا الحمس، وهم قريش وأحلاف قريش، كانوا يطوفون في ~~ثيابهم، وسموا حمسا؛ بشدتهم في دينهم، ومنه الحماسة لشدتها، وقال مجاهد: ~~كانت النساء يطفن وعليهن ms0478 رهاط، والرهط: قطعة من صوف لا تستتر تمام العورة، ~~وربما كانت من سيورة، وقال قتادة: كانت المرأة منهم تطوف تضع يدها على ~~فرجها تستر بها عورتها، وتقول: # (اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله) # فقوله: {قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم} معناه: قد أنزلنا عليكم ما ~~تسترون به عورتكم؛ فلا تطوفوا بالبيت عراة، وقوله: {وريشا} وقرئ: " ورياشا ~~" منهم من فرق بينهما. # قال مجاهد: الريش: المال، وقال الكسائي: الريش: اللباس. # وأما الرياش: قيل: هو المعاش، يقال: تريش فلان إذا وجد ما يعيش به، وقيل: ~~الرياش: أثاث البيت، وقال أبو عبيدة: الريش والرياش واحد، وهو ما يبدو من ~~اللباس، والشعرة وأنشد سيبويه: # (وريشي منكم وهواي فيكم ... وإن كانت زيارتكم لماما) # أي: قليلا، وقوله: {ولباس التقوى} يقرأ بالنصب، (يعني) : وأنزلنا عليكم ~~لباس التقوى، ويقرأ: " ولباس التقوى " بالرفع، يعني: هو لباس التقوى. # PageV02P174 # {يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما ~~سوءاتهما} # قال القتيبي: يعني: الثياب لباس التقوى؛ فإن من اتقى الله يطوف لابسا لا ~~عاريا، وفي الحديث: " إن لباس التقوى هو الحياء " لأنه يبعث على التقوى، ~~وهو قول الحسن، # قال الشاعر: # (إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط الناس عريانا) # قال عكرمة: الحياء والإيمان في قرن واحد، فإذا ذهب أحدهما؛ تبعه الآخر، ~~وقال قتادة: لباس التقوى: هوالإيمان، وقال عثمان بن عفان: لباس التقوى: هو ~~السمت الحسن، وقال عروة: هو خشية الله، وقيل: لباس التقوى ها هنا: لباس ~~الصوف، والثوب (الخشن) الذي يلبسه أهل الورع، وقيل: هو العمل الصالح. # {ذلك خير} قيل: " ذلك " حيلة وتقديره: ولباس التقوى خير، وهكذا قرأه ~~الأعمش، وقيل: " ذلك " في موضعه، ومعناه: ذلك الذي ذكر من اللباس والريش، ~~وكل ما ذكر خير {ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} . # PageV02P175 # قوله - تعالى -: {يا بني آدم لا يفتنتكم الشيطان كما أخرج أبويكم من ~~الجنة} أي: لا يضلنكم الشيطان، كما فتن أبويكم فأخرجهما من الجنة. # {ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما} هو ما ذكرنا من تهافت اللباس ms0479 عند ~~أكلها من الشجرة، وفيه دليل على أنهما ما كانا يريان عورتهما من قبل؛ حيث ~~قال: ليريهما سوءاتهما واختلفوا في ذلك اللباس الذي كان عليهما ما هو؟ قال ~~ابن عباس: لباسهما كان من الظفر؛ كأن الله - تعالى - ألبسهما من جنس ~~ظفرهما، وقال وهب بن منبه: كان لباسا من النور. # PageV02P175 # {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين ~~لا يؤمنون (27) وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ~~قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) قل أمر ~~ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم ~~تعودون (29) فريقا هدى} # {إنه يراكم هو وقبيله} أي: وجنوده {من حيث لا ترونهم} يعني: أن الشيطان ~~وجنوده يرونكم، وأنتم لا ترونهم {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا ~~يؤمنون} يعني: أن الشياطين يوالون الكفار، وهذا قوله: {أنا أرسلنا الشياطين ~~على الكافرين تؤزهم أزا} . # PageV02P176 # قوله - تعالى -: {وإذا فعلوا فاحشة} قيل: الفاحشة ها هنا هي طوافهم عراة، ~~وقيل: هي الشرك ( {قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} قل) يا محمد: ~~{إن الله لا يأمر بالفحشاء} وهي كل فعل قبيح بلغ النهاية في القبح {أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون} . # PageV02P176 # قوله - تعالى -: {قل أمر ربي بالقسط} أي: بالعدل والصدق {وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد} فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن معناه: أقيموا الصلاة في كل مسجد ~~تدرككم فيه الصلاة، ولا تقولوا نؤخرها إلى مسجدنا، والثاني معناه: استقبلوا ~~القبلة بوجوهكم في كل صلاة، والثالث معناه: أخلصوا صلاتكم وعبادتكم لله - ~~تعالى -. # {وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون} يعني: تعودون فرادى بلا أهل ~~ولا مال، كما خلقكم فرادى بلا أهل ولا مال، وهذا معنى قوله - تعالى -: ~~{ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} قال الزجاج: معناه: إن إعادتكم ~~أحياء كخلقكم ابتداء، كلاهما علي هين، والصحيح أن المراد به: انه كما خلقكم ~~أشقياء وسعداء، ومؤمنين وكافرين، تعودون كذلك؛ وعليه دل # PageV02P176 # قوله - تعالى -: {فريقا # PageV02P176 # {وفريقا حق عليهم الضلالة ms0480 إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ~~ويحسبون أنهم مهتدون (30) يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا إنه} هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) أي: فريقا هداهم ~~الله، وفريقا أضلهم الله [تعالى] ؛ فوجبت عليهم الضلالة، وقد صح الحديث عن ~~ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: " حدثني الصادق المصدوق - يعني رسول ~~الله -: أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبين الجنة إلا ~~ذراعا؛ فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار؛ فيدخل النار، وإن الرجل ~~ليعمل بعمل أهل النار، حتى لا يبقى بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه ~~الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة؛ فيدخل الجنة ". # {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} وفي هذا ~~دليل على أن المستبصر بالكفر الذي يحسب أنه على الحق مثل المعاند سواء. # PageV02P177 # قوله - تعالى -: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} هو في الأمر ~~بالطواف والصلاة لابسا، وفي شواذ التفاسير: أنه المشط، ولبس النعل، وقيل: ~~أراد به: السكينة، والوقار، وذلك معنى ما روى عن رسول الله أنه قال: " إذا ~~أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون، وعليكم ~~بالسكينة والوقار ". # {وكلوا واشربوا} قال الفراء: إنما أمرهم بالأكل والشرب؛ لأنهم كانوا في ~~الجاهلية يتركون أكل اللحم والدسم في وقت الموسم، كما يتركون اللباس عند ~~الطواف ويقولون: نترك اللحم والدسم لله - تعالى -. # {ولا تسرفوا} أي: بتحليل ما حرم الله، وبتحريم ما أحل الله، وكل مال أنفق # PageV02P177 # {لا يحب المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعلمون (32) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون (33) } في معصية الله؛ فهو سرف، وأصل الإسراف: هو ~~مجاوزة الحد بغلو أو تقصير {إنه لا يحب المسرفين} . # PageV02P178 # قوله - تعالى -: {قل ms0481 من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} يعني: اللباس ~~عند الطواف {والطيبات من الرزق} يعني: ما حرموا على أنفسهم من أكل اللحم في ~~أيام الموسم، مع سائر ما حرموا من البحيرة، والسائبة ونحوها. {قل هي للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} قال أكثر المفسرين - وهو قول ~~الضحاك -: فيه حذف، وتقديره: هي للذين آمنوا وللمشركين في الحياة الدنيا، ~~خالصة للمؤمنين يوم القيامة: وقيل: معناه: خالصة يوم القيامة من التنغيص ~~والغم، فإنها لهم في الدنيا مع التنغيص والغم. {كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون} . # PageV02P178 # قوله - تعالى -: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} قال ~~قتادة: هي الزنا سرا وعلنا، وقال غيره: ما ظهر منها: نكاح المحارم، وما ~~بطن: الزنا {والإثم والبغي يغير الحق} أما الإثم ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: قال الفراء: كل ما دون الحد، وقيل: هو كل المعاصي، وقيل: الإثم ~~الخمر، وقد ورد ذلك في الشعر: # (شربت (الإثم) حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول) # وأما البغي، قيل: هو الاستطالة على الناس، وقيل هو الفساد، وقال ثعلب: هو ~~أن يقع في الناس بغير الحق {وأن تشركوا بالله} وتقديره: وحرم أن تشركوا ~~بالله {ما لم ينزل به سلطانا} أي: حجة {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ~~لأنهم كانوا # PageV02P178 # {ولكل أمة اجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) يا بني ~~آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ~~ولا هم} ينسبون كل ما ارتكبوا من الفواحش والإشراك إلى الله - تعالى - ~~ويقولون: نفعله بأمر الله؛ فهذا قولهم على الله ما لا يعلمون. # PageV02P179 # قوله - تعالى -: {ولكل أمة أجل} يعني: مدة العمر {فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} فإن قيل: لم خص الساعة، وهم لا يستأخرون دون ~~الساعة، ولا يستقدمون؟ قيل: إنما خصها لأنها أقل الأوقات المعلومة. # PageV02P179 # قوله - تعالى -: {يا بني آدم إما يأتينكم} فقوله: " إما " كلمتان: " إن " ~~و " ما " فأدغمت إحداهما في الأخرى، ومعناه: متى يأتكم، وإن يأتكم {رسل ~~منكم} ms0482 قيل: أراد به رسولنا خاصة، وقيل: كل الرسل {يقصون عليكم آياتي فمن ~~اتقى وأصلح} أي: اتقى الشرك، وأصلح ما بينه وبين ربه {فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} . # PageV02P179 # قوله - تعالى -: {والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها} وإنما ذكر ~~الاستكبار؛ لأن كل مكذب وكل كافر مستكبر، وإنما كذب وكفر تكبرا، قال الله - ~~تعالى - {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} أي: استكبروا ~~عن الإقرار بالوحدانية {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} . # PageV02P179 # قوله - تعالى -: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} وقد ~~بينا هذا الافتراء {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} فيه خمسة أقوال: # أحدها - وهو قول ابن عباس: ينالهم ما قدر لهم من خير وشر. # والثاني: قول مجاهد: ينالهم ما وعدوا من خير وشر. # والثالث: قول سعيد بن جبير: ينالهم ما قضى لهم من الشقاوة والسعادة. # والرابع: قول محمد بن كعب القرظي: أراد به: الأجل والعمل والرزق. # PageV02P179 # {يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون (36) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم ~~تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ~~(37) قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها حتى إذا} # وفيه قول خامس معروف: ينالهم نصيبهم من العذاب المذكور في الكتاب؛ فإنه ~~ذكر في الكتاب عذاب الفرق من الكفار مثل: المنافقين واليهود، والنصارى، ~~والمشركين. # {حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} يعني: ملك الموت وأعوانه {يتوفونهم} أي: ~~يتوفون عدد آجالهم {قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله} يعني: الرسل ~~يقولون للكفار: أين الذين كنتم تدعون من دون الله من الأصنام؟ {قالوا ضلوا ~~عنا} أي: ذهبوا وفاتوا عنا {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} . # PageV02P180 # قوله - تعالى -: {قال ادخلوا في أمم} يعني: مع أمم، وهو مثل قول امرئ ~~القيس: # (وهل ينعمن من كان أقرب ms0483 عهده ... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال) # أي: مع ثلاثة أحوال: وقيل: معناه: ادخلوا بين أمم (قد خلت) أي: مضت {من ~~قبلكم من الجن والإنس في النار} وفيه دليل على أن الجن يموتون كالإنس؛ ~~خلافا لقول الحسن، حيث قال: لا يموتون. # {كلما دخلت أمة لعنت أختها} قال الفراء: يعني: أختها في الدين لا في ~~النسب، يعني: يلعن اليهود اليهود، والنصارى النصارى. # {حتى إذا اداركوا} أي: تداركوا وتتابعوا واجتمعوا {فيها جميعا قالت ~~أخراهم لأولاهم} أراد به: أخرى كل أمة، وأولى كل أمة، وقيل: أراد به: آخرهم ~~دخولا، وأولهم دخولا، وهم القادة مع الأتباع؛ فإن القادة يدخلون أولا. # PageV02P180 # {فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون (39) إن الذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل ~~في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ~~وكذلك نجزي الظالمين} # {ربنا هؤلاء أضلونا} يعني: القادة أضلونا {فآتهم عذابا ضعفا من النار} ~~أي: ضاعف لهم العذاب {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} بالتاء فقوله {ولكن لا ~~تعلمون} يعني: أيها الناس لا تعلمون، أما من قرأ بالياء فمعناه: لا يعلم ~~القادة ما للأتباع ولا الأتباع الأتباع ما للقادة. # PageV02P181 # قوله - تعالى -: {وقالت أولاهم} يعني: القادة {لأخراهم} يعني: الأتباع ~~{فما كان لكم علينا من فضل} قال السدي: معناه: أنكم كفرتم، كما كفرنا، ~~وجحدتم كما جحدنا، فليس لكم علينا من فضل، وقيل: معناه: ما كان لكم علينا ~~من فضل في تخفيف العذاب {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} . # PageV02P181 # قوله - تعالى -: {إن الذين كفروا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم ~~أبواب السماء} اعلم أن أبواب السماء تفتح لثلاثة: للأعمال، والأدعية، ~~والأرواح، وفي الخبر. " أن الملك يصعد بروح المؤمن، ولها ريح طيبة؛ فتفتح ~~لها أبواب السماء، ويصعد بروح الكافر، ولها ريح منتنة؛ فتغلق لها أبواب ~~السماء، ويؤمر بطرحها في السجين فذلك قوله - تعالى -: ( {كلا إن كتاب ~~الأبرار لفي عليين} كلا إن كتاب الفجار لفي سجين) " ومعنى الآية: أنه لا ~~تفتح أبواب السماء لأعمال الكفار ms0484 وأدعيتهم وأرواحهم. # PageV02P181 # ( {41) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب ~~الجنة} # وقيل: معناه: لا تفتح لهم أبواب الجنة، لكن عبر عنها بأبواب السماء؛ لأن ~~أبواب الجنة في السماء. # {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} وقرأ ابن عباس: " يلج ~~الجمل " برفع الجيم وتشديد الميم، وقرأ سعيد بن جبير: " حتى يلج الجمل " ~~برفع الجيم مخففة الميم، وقرأ ابن سيرين: " في سم الخياط " برفع السين، ~~والمعروف {حتى يلج الجمل في سم الخياط} وهو الجمل المعروف، وسئل ابن مسعود ~~عن هذا الجمل فقال: هو زوج الناقة، كأنه استحمق السائل حين سأله عما لا ~~يخفى، ويحكى عن الحسن أنه قال: هو الأشطر الذي عليه جولقان أسودان، وأما ~~الجمل الذي قرأه ابن مسعود: فهو قلس السفينة، وأما الجمل بالتخفيف، قيل: هو ~~أيضا قلس السفينة، وقيل: هو حبل السفينة، وأما السم والسم واحد، وهو ثقبة ~~المخيط، والمراد بالآية: تأكيد منع دخولهم الجنة، وذلك سائر في كلام العرب، ~~وهو مثل قولهم: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب، وحتى يبيض القار، وقال ~~الشاعر: # (إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب) # والقار والقير: شيء أسود، يضرب به المثل، يقال: شيء كالقير والقار في ~~السواد {وكذلك نجزي المجرمين} . # PageV02P182 # قوله - تعالى -: {لهم من جهنم مهاد} أي: فرش {ومن فوقهم غواش} أي: لحف ~~وهذا مثل قوله: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} . # قال سيبويه - رحمه الله -: التنوين في قوله {غواش} غير أصلي، وإنما هو ~~بدل عن الياء وأصله: " غواشي " ومثله كثير ( {وكذلك نجزي الظالمين} # PageV02P182 # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها) أي: طاقتها {أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون} . # PageV02P182 # {هم فيها خالدون (42) ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار ~~وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد ~~جاءت رسل ربنا} # PageV02P183 # قوله - تعالى -: {ونزعنا ما في صدروهم من غل تجري من تحتهم الأنهار} . ~~الغل الغش والحقد، وعن علي - رضي الله عنه - أنه ms0485 قال: أرجو أن أكون أنا ~~وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله - تعالى -: {ونزعنا ما في صدروهم ~~من غل} . # وروى مسلم في الصحيح بإسناده عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن ~~النبي أنه قال: " إذا خلص المؤمنون عن الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة ~~والنار، فيقتص بعضهم من بعض، حتى إذا نقوا وهذبوا، أذن لهم في دخول الجنة؛ ~~فوالذي نفسي بيده، لأحدهم أهدى إلى منزله في الجنة منه إلى منزله في الدنيا ~~". وفي بعض الأخبار: " أن على باب الجنة عينا يشرب منها أهل الجنة ~~ويغتسلون؛ فيذهب الغل والحقد من قلوبهم، ثم يدخلون الجنة ". # {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} ، ~~وفي هذا دليل على القدرية {لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون} تلك تأنيث ذلك، ومعنى الآية: كأنهم إذا رأوا ~~الجنة من بعيد نودوا: أن تلكم الجنة، وقيل: هذا النداء يكون في الجنة، ~~فينادون: هذه الجنة التي أورثتموها، وفي الخبر: " أن لكل واحد منزلا في ~~الجنة ومنزلا في النار، ثم يرث المؤمن من الكافر منزله في الجنة، ويرث ~~الكافر من المؤمن منزله في النار ". # PageV02P183 # {بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون (43) ونادى أصحاب ~~الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل جدتم ما وعد ربكم حقا ~~قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) الذين يصدون عن ~~سبيل الله} # PageV02P184 # قوله - تعالى -: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ~~ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا} وهذا قبل التطبيق على جهنم {قالوا ~~نعم} وقد بينا أن جواب الاستفهام الذي فيه جحد: " بلى "، وجواب الاستفهام ~~الذي ليس فيه تجحد: " نعم " {فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين} . # PageV02P184 # {الذين يصدون عن سبيل الله} أي: يعرضون عن الدين {ويبغونها عوجا} أي: ~~يطلبون الدين بالزيغ، والعوج بمعنى الزيغ ها هنا ( {وهم بالآخرة كافرون} # PageV02P184 # وبينهما حجاب) وهو حجاب بين الجنة والنار. ms0486 {وعلى الأعراف رجال} قيل: ~~الأعراف: سور بين الجنة والنار، وذلك قوله: {فضرب بينهم بسور} وقيل: هو ~~مكان مرتفع، والأول أصح، وعليه الأكثرون. # وأما الرجال الذين على الأعراف، اختلفوا فيهم، قال ابن مسعود، وحذيفة، ~~وعطاء: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقال أبو مجلز لاحق بن حميد، هم قوم ~~من الملائكة في صورة رجال من الإنس، وحكى مقاتل بن سليمان في تفسيره عن ~~النبي أنه قال: " هم قوم غزوا بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فبقوا على ~~الأعراف تمنع شهادتهم دخولهم النار، ويمنع عصيانهم الآباء دخولهم الجنة ". # PageV02P184 # {ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال ~~يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم ~~يطمعون (46) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين (47) ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما ~~أغنى عنكم جمعكم} # وقال الحسن: هم أهل الفضل من المؤمنين، جعلوا على الأعراف؛ فيطلعون على ~~أهل الجنة والنار، يطالعون أحوال الفريقين {يعرفون كلا بسيماهم} أي: يعرفون ~~أهل الجنة ببياض وجوههم، وأهل النار بسواد وجوههم. # {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم} فإذا رأوا أهل الجنة قالوا: سلام ~~عليكم {لم يدخلوها} يعني: أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة {وهم يطمعون} ~~يعني: في دخول الجنة، قال الحسن: الذي جعل الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما ~~يطمعون. وقال حذيفة - رضي الله عنه: لا يخيب الله أطماعهم. # PageV02P185 # قوله - تعالى -: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين} يعني: إذا اطلعوا على أهل النار، وما هم فيه؛ ~~استعاذوا بالله من النار. # PageV02P185 # قوله - تعالى -: {ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم} قيل: إنهم ~~يرون الكفار؛ فيعرفونهم، مثل: الوليد بن المغيرة، وأبي جهل، وأبي لهب، ~~ونحوهم فينادونهم {قالوا ما أغنى عنكم جمعكم} يعني: ما نفعكم اجتماعكم ~~وتظاهركم في الدنيا {وما كنتم تستكبرون} . # PageV02P185 # قوله - تعالى -: {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} وذلك حين ~~قالوا # PageV02P185 # {وما كنتم تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ~~ادخلوا الجنة لا خوف ms0487 عليكم ولا أنتم تحزنون (49) ونادى أصحاب النار أصحاب ~~الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما ~~على الكافرين (50) الذين} للكفار ما قالوا، ثم ينظرون إلى أهل الجنة؛ فيرون ~~خبابا، وعمارا، وبلالا، وصهيبا ونحوهم، فيقول أصحاب الأعراف لأولئك الكفار: ~~{أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} يعني: أهؤلاء الذين حلفتم أنهم ~~لا يدخلون الجنة، وقد دخلوا، يعني: خبابا، وعمارا، ونحوهما. # ثم يقول الله - تعالى -: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} ~~وفيه قول آخر: أن أصحاب الأعراف إذا قالوا لأولئك الكفار ما قالوا؛ يقول ~~الكفار لهم: إن دخلوا أولئك الجنة ونحن في النار فأنتم لم تدخلوا الجنة ~~بعد، فيعيرونهم على ذلك، ويحلفون أنهم (لا يدخلون) الجنة؛ فيقول الله - ~~تعالى - لأولئك الكفار: {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا ~~الجنة لا خوف عليكم} يقوله لأصحاب الأعراف؛ فيدخلهم الجنة {ولا أنتم ~~تحزنون} . # PageV02P186 # قوله - تعالى -: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من ~~الماء أو مما رزقكم الله} في هذا دليل على أنهم كما يعذبون بالنار؛ فيكون ~~عليهم عذاب الجوع والعطش مع عذاب النار؛ حتى يسألوا الطعام والشراب. # وفي الخبر " أن الرجل من أهل النار يرى أخاه أو قرينه في الجنة؛ فيقول له ~~من النار: يا أخي أغثني بشربة ماء فقد احترقت. فيقول: إن الله حرمه على ~~الكافرين؛ فذلك قول الله - تعالى -: {قالوا إن الله حرمهما على الكافرين} ~~يعني: الطعام والشراب، وهذا تحريم منع لا تحريم تعبد، واعلم أن لسقي الماء ~~أجر عظيم، وفي الخبر عن النبي أنه قال: " من سقى مؤمنا شربة ماء؛ بعده الله ~~من جهنم شوط فرس ". # PageV02P186 # {اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا ~~لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ~~على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ~~يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا ~~لنا أو نرد فنعمل غير ms0488 الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون (53) إن ربكم الله الذي خلق} # PageV02P187 # قوله - تعالى -: {الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا} ~~معناه: أكلا وشربا، قاله عبد الله بن الحارث، وقيل: معناه: الذين كانت ~~همتهم الدنيا، واشتغالهم بها؛ فهم الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، وغرتهم ~~الحياة الدنيا. # {فاليوم ننساهم} أي: نتركهم {كما نسوا لقاء يومهم هذا} أي: كما تركوا ~~العمل للقاء يومهم هذا {وما كانوا بآياتنا يجحدون} . # PageV02P187 # قوله - تعالى -: {ولقد جئناهم بكتاب} أي: أتيناهم بالقرآن {فصلناه} أي: ~~بينا ما فيه من الحلال والحرام {على علم} أي: على علم بما يصلحهم، وقيل: ~~معناه: على علم بالثواب والعقاب {هدى} أي: هاديا {ورحمة} أي: ذو رحمة {لقوم ~~يؤمنون} . # PageV02P187 # قوله - تعالى -: {هل ينظرون} أي: هل ينتظرون {إلا تأويله} قال مجاهد: ~~(معناه) إلا جزاءه، وقال قتادة: إلا عاقبته، وحقيقة المعنى: أنهم هل ~~ينتظرون إلا ما يؤول إليه أمرهم من مصير أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار ~~إلى النار {يوم يأتي تأويله} أي: جزاؤه، وما يؤول إليه أمرهم. # {يقول الذين نسوه} أي: تركوه من قبل {قد جاءت رسل ربنا بالحق} اعترفوا به ~~حين لا ينفعهم الاعتراف {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد} يعني: إلى ~~الدنيا {فنعمل غير الذي كنا نعمل} {قد خسروا أنفسهم} أي: نقصوا حق أنفسهم ~~{وضل عنهم} أي: ذهب وفات عنهم {ما كانوا يفترون} . # PageV02P187 # {السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه ~~حثيثا} # PageV02P188 # قوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} . # قال مجاهد: هي من يوم الأحد إلى الجمعة، فإن قيل: كيف قال: في ستة أيام، ~~ولم تكن أيام حين خلق السموات والأرض؟ قيل: وما يدرينا أنها لم تكن، بل ~~كانت؛ فإن الله - تعالى - أخبر، وقوله وخبره صدق، وقيل: يجوز أن يكون ~~المراد به على تقدير ستة أيام، فإن قيل: وما الحكمة في خلقها في ستة أيام، ~~وكان قادرا على خلقها في طرفة عين؟ قيل: لأن خلقها على التأني ms0489 أدل على ~~الحكمة، فخلقها على التأني ليكون أدل على حكمته، ولطف تدبيره، وفيه أيضا ~~تعليم الناس، وتنبيه العباد على التأني في الأمور، وفي الخبر " التأني من ~~الله، والعجلة من الشيطان ". # {ثم استوى على العرش} أول المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأنشدوا فيه: # (قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق) # (وأما أهل السنة فيتبرءون من هذا التأويل، ويقولون: إن الاستواء على ~~العرش صفة لله - تعالى - بلا كيف، والإيمان به واجب، كذلك يحكى عن مالك بن ~~أنس، وغيره من السلف، أنهم قالوا في هذه الآية: الإيمان به واجب، والسؤال ~~عنه بدعة. # {يغشى الليل النهار} أي: يغطي الليل على النهار، وفيه حذف، وتقديره: يغشي ~~الليل النهار، ويغشي النهار الليل؛ كما قال في آية أخرى: ( {يكور الليل على ~~النهار ويكور النهار على الليل} يطلبه حثيثا) أي: سريعا، وذلك أنه لما كان # PageV02P188 # {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العالمين (54) ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ولا تفسدوا ~~في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين ~~(56) وهو} يعقب أحدهما الآخر، ويخلفه على أثره فكأنه في طلبه. # {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} أي: مذللات بما أريد منها {ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} أي: تعالى بالوحدانية. # PageV02P189 # قوله - تعالى -: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} أي: ضارعين متذللين خاشعين، ~~وخفية أي: سرا {إنه لا يحب المعتدين} قال ابن جريج: الجهر بالدعاء عدوان، ~~وفي الخبر عن النبي أنه قال: " سيكون أقوام يعتدون في الطهور والدعاء " ~~وروى: " أنه رأى أقواما يصيحون بالدعاء، فقال لهم: أربعوا على أنفسكم، ~~فإنكم لا تدعون [أصما] ولا غائبا، وإنما تدعون سميعا قريبا، وهو معكم " ~~بالعلم والقدرة وقيل: من الاعتداء في الدعاء: أن يسأل لنفسه درجة ليس من ~~أهلها؛ بأن يسأل درجة الأنبياء، وليس بنبي، ودرجة الشهداء، وليس بشهيد. # PageV02P189 # قوله - تعالى -: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أي: بعد إصلاح الأرض ~~بالدين والشريعة، وقال الضحاك: من الفساد في الأرض تغوير المياه، وقطع ms0490 ~~الأشجار المثمرة، وكسر الدراهم والدنانير. # {وادعوه خوفا وطمعا} أي: خوفا من الله وطمعا لثوابه {إن رحمة الله قريب # PageV02P189 # {الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاب اثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون} من المحسنين) فإن قيل: القريب نعت المذكر، والرحمة مؤنثة، ~~والله - تعالى - قال: قريب، ولم يقل: قريبة؛ قيل: قال الزجاج: الرحمة هاهنا ~~بمعنى العفو والغفران، وقال الأخفش: هي بمعنى الإنعام؛ فيكون النعت راجعا ~~إلى المعنى دون اللفظ، قال الفراء: إذا كان القرب في النسب؛ فنعت المؤنث ~~منه يكون على التأنيث، وأما القرب في غير النسب؛ فالنعت منه يذكر ويؤنث، ~~وانشدوا فيه: # (عشية لا عفراء منك قريبة ... فتدنو ولا عفراء منك بعيد) # فذكر النعت مرة على التأنيث، ومرة على التذكير. # PageV02P190 # قوله - تعالى -: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا} يقرأ: " بشرا " من البشارة، ~~ويقرأ: " نشرا " وهو جمع النشور، كالرسول والرسل، وذلك ريح طيبة، ويقرأ: " ~~نشرا " بجزم الشين، وهو جمع النشور أيضا كالرسول والرسل والكتاب والكتب. # {بين يدي رحمته} يعني: المطر {حتى إذا أقلت} أي: حملت: {سحابا ثقالا} ~~يعني: بالماء {سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} استدل بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء ~~الموتى، وفي ذلك دليل بين، وفي بعض الأخبار: " أن بين النفختين أربعين عاما ~~فيرسل الله - تعالى - مطرا من السماء كمثل منى الرجال، فيدخل الأرض؛ فينبت ~~منه الناس، ثم يحشرون بالنفخة الثانية ". # PageV02P190 # ( {57) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ~~كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58) لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال ~~الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (60) قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني ~~رسول من رب العالمين (61) أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون (62) أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ms0491 ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ~~ولعلكم ترحمون (63) } # PageV02P191 # قوله - تعالى -: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} {والذي خبث} يعني: ~~الأرض السبخة {لا يخرج إلا نكدا} أي: نزرا قليلا، قال الشاعر: # (فأعط ما أعطيته طيبا ... لا خير في المنكود والناكد) # وهذا مثل ضربه الله - تعالى - للمؤمنين وللكافرين؛ فإن المؤمن يخرج ما ~~يخرج من نفسه من الإيمان والخيرات سهلا سمحا، والكافر يخرج ما يخرج من ~~الخيرات نزرا قليلا {كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون} . # PageV02P191 # قوله - تعالى -: {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} ذكر في هذه الآية قصة نوح ~~وقومه، وسيأتي. # PageV02P191 # {قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين، قال يا قوم ليس بي ضلالة ~~ولكني رسول من رب العالمين} علم الله - تعالى - الناس بذكر قوله حسن ~~الجواب، حيث قال: " ليس بي ضلالة " ولم يقل: أنتم الضلال، كما جرت عادتنا. # PageV02P191 # قوله - تعالى -: {أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم} النصح: هو أن يريد لغيره ~~من الخير مثل ما يريد لنفسه، ومعناه: أرشدكم أني أريد لنفسي ما أريد لكم ~~{وأعلم من الله ما لا تعلمون} . # PageV02P191 # قوله - تعالى -: {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم} ~~العجب: هو تغيير النفس عند رؤية أمر خفي عليه باطنه {ولتتقوا ولعلكم ترحمون # PageV02P191 # فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك) أي: في السفينة. # PageV02P191 # {فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم ~~كانوا قوما عمين (64) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره أفلا تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في ~~سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من ~~رب العالمين (67) أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) أو عجبتم أن ~~جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم ~~نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا} # {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} وستأتي ms0492 القصة {إنهم كانوا قوما عمين} أي: ~~عن الحق. # PageV02P192 # قوله - تعالى -: {وإلى عاد} أي: وأرسلنا إلى عاد {أخاهم هودا} قال ~~الفراء: كان أخاهم في النسب لا في الدين، وقيل: أراد به: كان آدميا مثلهم ~~{قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} . # PageV02P192 # {قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة} أي: في حمق وجهالة ~~{وإنا لنظنك من الكاذبين # PageV02P192 # قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين) وهو أيضا من حسن ~~الجواب # PageV02P192 # {أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} وقد بينا معنى النصح. # PageV02P192 # قوله - تعالى -: {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ~~واذكروا إذ جعلكم خلفاء} يعني: في الأرض {من بعد قوم نوح} أي: من بعد ~~إهلاكهم. # (وزادكم في الخلق بسطة) وأراد به: البسطة في الطول، قال محمد بن إسحاق ~~ابن يسار والسدي: كانت قامة الطويل من قوم عاد مائة ذراع، وقامة القصير ~~منهم ستين ذراعا {فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون} . # PageV02P192 # {آلاء الله لعلكم تفلحون (69) قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان ~~يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (70) قال قد وقع عليكم من ~~ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها ~~من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) فأنجيناه والذين معه برحمة ~~منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين (72) وإلى ثمود ~~أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ~~ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء ~~فيأخذكم عذاب أليم (73) واذكروا إذ جعلكم خلفاء # PageV02P193 # قوله - تعالى -: {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا} ~~يعني: من الأصنام {فأتنا بما تعدنا} أي: من العذاب {إن كنت من الصادقين} . # PageV02P193 # قوله - تعالى -: {قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب} الرجس والرجز: هو ~~العذاب، والغضب: السخط {آأتجادلونني في أسماء} أي: لأجل أسماء {سميتموها ~~أنتم وآباؤكم} ms0493 أي الأصنام نحتموها وسميتموها أنتم وآباؤكم {ما أنزل الله ~~بها من سلطان} أي: برهان ( {فانتظروا إني معكم من المنتظرين} # PageV02P193 # فأنجيناه والذين معه) هودا وقومه {برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا ~~بآياتنا وما كانوا مؤمنين} أي: قطعنا أصلهم، واستأصلناهم بالعذاب. # PageV02P193 # قوله - تعالى - {وإلى ثمود أخاهم} أي: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم {صالحا قال ~~يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة ~~الله لكم آية} سألوه أن يخرج من الصخرة ناقة، وأشاروا إلى صخرة صماء ملساء؛ ~~فدعا صالح - عليه السلام - فتمخضت الصخرة كما تتمخض الحبلى، وأخرجت الناقة؛ ~~فخرجت ألفت " سقبا " من ساعتها {فذروها تأكل في أرض الله} قيل: كان لهم واد ~~يشربون منه فجعلوا يوما للناقة، ويوما لهم؛ فتشرب الناقة يومها جميع ماء ~~الوادي، وتبدلهم بذلك لبنا {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم} . # PageV02P193 # (من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال ~~بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (74) قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ~~ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم ~~به كافرون (76) فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما ~~تعدنا إن كنت من المرسلين (77)) # PageV02P194 # قوله - تعالى -: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض} ~~أي: أنزلكم، قال الشاعر: # (فبوئت في صميم معشرها ... فتم في قومها مبوؤها) # {تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا} كانوا في الصيف يسكنون في ~~بيوت من الطين، وفي الشتاء يسكنون في بيوت نحتوها في الجبل، وقيل: إنما ~~كانوا ينحتون البيوت في الجبل؛ لأن بيوت الطين ما كانت تبقى مدة أعمارهم؛ ~~لطول أعمارهم. {فاذكروا آلاء الله} أي نعم الله {ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين} العيث: أشد الفساد. # PageV02P194 # قوله - تعالى -: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن ~~آمن منهم} يعني: قال الكفار منهم للمؤمنين {أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه} ~~وهذا استفهام ms0494 أريد به الجحد؛ لأنهم كانوا يجحدون إرساله {قالوا إنا بما ~~أرسل به مؤمنون # PageV02P194 # قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون فعقروا الناقة وعتوا عن ~~أمر ربهم) العتو الغلو في الباطل {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا} أي: من ~~العذاب {إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة} الرجفة: زلزلة الأرض وحركتها، ~~وكانوا قد أهلكوا بالصيحة والرجفة {فأصبحوا في دارهم جاثمين} أي: خامدين ~~ميتين، ومنه الرماد الجاثم، وقيل: جاثمين أي: خارين على ركبهم ووجوههم، ~~وقيل: إنهم احترقوا بالصاعقة حتى صاروا كالرماد الجاثم. # PageV02P194 # {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) فتولى عنهم وقال يا قوم ~~لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين (79) ولوطا إذ قال ~~لقومه} # PageV02P195 # قوله - تعالى -: {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت ~~لكم ولكن لا تحبون الناصحين} فإن قال قائل: كيف خاطبهم وقد هلكوا؟ قيل: هو ~~كما خاطب الرسول الكفار القتلى يوم بدر حين ألقاهم في القليب؛ جاء إلى رأس ~~البئر، وقال: " يا عتبة، يا شيبة، ويا أبا جهل، قد وجدت ما وعدني ربي حقا؛ ~~فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله، كيف تخاطب قوما قد ~~جيفوا؟ فقال: ما أنتم بأسمع منهم؛ ولكنهم لا يقدرون على الإجابة " وقيل: ~~إنما خاطبهم به؛ ليكون عبرة لمن خلفهم، وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ~~وتقديرها: فتولى عنهم، فأخذتهم الرجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين، وذلك أن ~~الله - تعالى - ما كان ليعذب قوما ونبيهم بينهم. # وروى أبو الزبير عن جابر: " أن النبي مر بمنازل ثمود في أراضي تبوك، فقال ~~لأصحابه: يا أيها الناس، لا تسألوا الله الآيات؛ فإن هؤلاء سألوا الناقة؛ ~~فأخرجها الله لهم؛ فكانت ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعقروها؛ ~~فأنزل الله عليهم العذاب فلم ينج منهم أحد إلا رجل كان في الحرم؛ فلما خرج ~~أصابه ما أصابهم من العذاب وكان ذلك الرجل يكنى أبا رغال ". # PageV02P195 # قوله - تعالى -: {ولوطا إذ قال لقومه} أي: وأرسلنا لوطا، واذكر لوطا إذ ~~قال لقومه {أتأتون الفاحشة} الفاحشة: ms0495 الفعلة القبيحة التي هي في غاية القبح ~~{ما سبقكم بها من أحد من العالمين} قال الضحاك عن ابن عباس: إن تلك الفعلة ~~لم # PageV02P195 # {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (80) إنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) وما كان جواب قومه إلا ~~أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (82) فأنجيناه وأهله إلا ~~امرأته كانت من الغابرين (83) وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة ~~المجرمين (84) وإلى} يفعلها أحد قبلهم # PageV02P196 # {إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء} فسر تلك الفاحشة {بل أنتم قوم ~~مسرفون} أي: مجاوزون حد الأمر. # PageV02P196 # قوله - تعالى -: {وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم ~~أناس يتطهرون} معناه: يتنزهون عن أدبار الرجال، قال قتادة: ذموهم من غير ~~ذم، وعابوهم من غير عيب. # PageV02P196 # قوله - تعالى -: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} أي: من ~~الباقين في العذاب؛ يقال: غبر إذا بقى. وأنشدوا: # (ولست يا معد في الرجال ... أسائل هذا وذا ما الخبر) # (ولكني مدده الأصفر بن قيس ... بما قد مضى وما غبر) # وقيل معناه: من الغابرين عن النجاة. # PageV02P196 # قوله - تعالى -: {وأمطرنا عليهم مطرا} في القصة: أن الله - تعالى - أرسل ~~جبريل - صلوات الله عليه - حتى قلع مدينتهم، وقيل: كانت مدائن قلعها ورفعها ~~إلى السماء ثم قلبها؛ وبذلك سموا مؤتفكة؛ لأنهم قلبوا وأفكوا، وأما الإمطار ~~بالحجارة، كان على من شذ منهم في الطرق، وقيل: بعدما قلبهم أمط عليهم ~~بالحجارة {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} . # PageV02P196 # قوله - تعالى -: {وإلى مدين} أي: وأرسلنا إلى مدين، قيل: هو مدين بن ~~إبراهيم الخليل - صلوات الله عليه - وكان أولئك من نسله، وقيل: ليس بذاك، ~~وإنما هو اسم قبيلة. # PageV02P196 # {مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله من لكم من إله غيره قد جاءتكم ~~بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا ~~في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) ولا تقعدوا بكل ~~صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها ms0496 عوجا واذكروا إذ كنتم ~~قليلا فكثركم} # وقوله: {أخاهم شعيبا} أي: في النسب لا في الدين {قال يا قوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم} فإن قال قائل: ما معنى قوله ~~{قد جاءتكم بينة من ربكم} ولم تكن لهم آية؟ قيل: بل كانت لهم آية، إلا أنها ~~لم تذكر في القرآن، وليست كل الآيات مذكورة في القرآن {فأوفوا الكيل ~~والميزان} وكانوا يعبدون الأصنام، ويبخسون في الموازين {ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم} أي: لا تنقصوهم من حقوقهم. # {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} يعني: إصلاحها ببعث الرسول والأمر ~~بالعدل {ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين} يعني: إن آمنتم فذلك خير لكم، وقيل: ~~معناه: ما كنتم مؤمنين. # PageV02P197 # قوله - تعالى -: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} أي: طريق، قال الشاعر: # (حشونا قومهم بالخيل حتى ... جعلناهم أذل من الصراط) # يعني: من الطريق. # {توعدون وتصدون عن سبيل الله} قيل: إنهم كانوا يبعثون إلى الطرق من يهدد ~~الناس، فكان الرجل إذا أراد الإيمان بشعيب وقصده يهددونه ويقولون: إن آمنت ~~بشعيب نقتلك؛ فهذا معنى قوله: {توعدون} أي: تهددون. والإيعاد: التهديد، ~~وأما الوعد فيذكر في الخير والشر؛ إذا ذكر الخير والشر مقرونا به، فأما إذا ~~أطلق فلا يذكر إلا في الخير، أما في الشر عند الإطلاق، يقال: أوعد. # {وتصدون عن سبيل الله من آمن} أي: تمنعون عن الدين من قصد الإيمان ~~{وتبغونها عوجا} أي: تطلبون الاعوجاج في الدين، والعدول عن القصد؛ قاله ~~الزجاج؛ وذكر الأزهري في التقريب: أنه يقال: في الدين عوج، وفي العود عوج. # PageV02P197 # {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي ~~أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ~~(87) قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك ~~من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين (88) قد افترينا على ~~الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود ~~فيها إلا أن يشاء ms0497 الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما} # {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم} أي: في العدد، وقيل معناه: إذ كنتم قليلا ~~أي: بالمال؛ فكثركم بالغنى {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} أي: ممن كان ~~قبلكم. # PageV02P198 # قوله - تعالى -: {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم ~~يؤمنوا} وذلك أن بعضهم آمن، وبعضهم كفر {فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو ~~خير الحاكمين} . # PageV02P198 # قوله - تعالى -: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا} قاله كفار قومه {قال أو لو ~~كنا كارهين} يعني: تفعلون هذا، وإن كنا كارهين # PageV02P198 # {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها} فإن ~~قيل: كيف يصح لفظ العود من شعيب، ولم يكن على ملتهم قط؟ قيل معناه: إن صرنا ~~في ملتكم، وعاد بمعنى صار وكان، كما قال الشاعر: # (لئن كانت الأيام أحسن مرة ... [إلي] فقد عادت لهن ذنوب) # أي: كانت لهن ذنوب. # وقوله: {بعد إذ نجانا الله منها} يعني: من الدخول في ملتهم ابتداء، وقيل ~~المراد به: قوم شعيب {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} ~~فإن قيل: وهل يشاء الله عودهم إلى الكفر؟ قيل: وما المانع منه؟ وإنما الآية ~~على وفق قول أهل السنة، وكل ذلك جائز في المشيئة، ويدل عليه قوله: {وسع ~~ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} أي: ~~اقض بالحق، فإن قيل: كيف طلب # PageV02P198 # {على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ~~(89) وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ~~(90) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن ~~لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) فتولى عنهم وقال ~~يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (93) وما ~~أرسلنا في قرية من نبي إلا} القضاء من الله بالحق، وهو لا يقضي إلا بالحق، ~~وقيل: ms0498 ليس ذلك على طريق طلب القضاء الحق، وإنما هو على نعت قضائه بالحق؛ ~~فإن صفة قضائه الحق، وهو مثل قوله - تعالى -: {قال رب احكم بالحق} في سورة ~~الأنبياء {وأنت خير الفاتحين} . # PageV02P199 # قوله - تعالى -: {وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا} ~~يعني: في دينهم {إنكم إذا لخاسرون # PageV02P199 # فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) وقد بينا هذا في قصة ثمود. # PageV02P199 # قوله - تعالى -: {الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها} أي: كأن لم ~~يقيموا فيها، يقال: غنيت بموضع كذا، أي أقمت، والمغاني: المنازل؛ قاله ~~ثعلب، وقال الشاعر، وهو حاتم الطائي: # (عنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر) # (فما زادنا بأوا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر) # وقال الأخفش: معنى قوله: {كأن لم يغنوا فيها} أي: كأن لم يتنعموا فيها ~~{الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين # PageV02P199 # فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى) أي: ~~أحزن {على قوم كافرين} . # PageV02P199 # قوله - تعالى -: {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء ~~والضراء} . # قال ابن مسعود: البأساء: الفقر، والضراء: المرض، وهذا معنى قول من قال: # PageV02P199 # {أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون (94) ثم بدلنا مكان السيئة ~~الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (95) ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) أفأمن أهل القرى أن ~~يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون} البأساء في المال، والضراء في النفس، وقيل: ~~البأساء: الجوع، والضراء: الفقر، وقيل: أخذنا أهلها بالبأساء يعني: بالحروب ~~{لعلهم يتضرعون} أي: لكي (يتضرعوا) . # PageV02P200 # قوله - تعالى -: {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة} قال مجاهد: السيئة: ~~الشدة، والحسنة: الخصب {حتى عفوا} أي: حتى كثروا، ومنه قول النبي: " قصوا ~~الشوارب واعفوا اللحى " أي: كثروا اللحى، وقيل: حتى عفوا: حتى سمنوا. # {وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء} أي: هذا كان عادة الدهر قديما لنا ~~ولآبائنا؛ فلم ينتبهوا لما أصابهم من الشدة {فأخذناهم بغتة} أي: فجأة ms0499 {وهم ~~لا يشعرون} . # PageV02P200 # قوله - تعالى -: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض} يعني: من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات، وقيل: بركات ~~السماء: إجابة الدعوات، وبركات الأرض: تسهيل الحاجات {ولكن كذبوا فأخذناهم ~~بما كانوا يكسبون} . # PageV02P200 # قوله - تعالى -: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو ~~أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون} يعني: أن يأتيهم عذابنا ~~ليلا ونهارا # PageV02P200 # ( {97) أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) أفأمنوا ~~مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم لخاسرون (99) أو لم يهد للذين يرثون ~~الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا ~~يسمعون (100) تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ~~(101) وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) ثم بعثنا ~~من بعدهم موسى بآيتنا إلى فرعون وملئه} {وهم يلعبون} وكل من اشتغل بما لا ~~يجزى عليه؛ فهو لاعب. # PageV02P201 # قوله - تعالى -: {أفأمنوا مكر الله} أي: عذاب الله، ومكر الله أخذه فجأة ~~{فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} . # PageV02P201 # قوله - تعالى -: {أو لم يهد للذين يرثون الأرض} يعني: أو لم يتبين للذين ~~يرثون الأرض من بعد هلاك قومها {أن لو نشاء أصبناهم} يعني: أنا لو نشاء ~~أخذناهم ( {بذنوبهم} ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون) أي: نختم على قلوبهم ~~حتى لا يفقهوا ولا يسمعوا. # PageV02P201 # قوله - تعالى -: {تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} هذا في قوم مخصوصين، علم ~~الله أنهم لا يؤمنون {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} . # PageV02P201 # قوله - تعالى -: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} أي: من وفاء بالعهد، قل ~~السدي: هو العهد يوم الميثاق، لم يوفوا به {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} أي: ~~ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين، قيل: أراد بالفسق ها هنا الخروج عما يقتضيه ~~دينهم من الوفاء بالعهد، وكان هذا من ms0500 بعضهم دون بعض. # PageV02P201 # قوله - تعالى -: {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا ~~بها} وقد بينا أن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وظلمهم: وضع الكفر موضع # PageV02P201 # {فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (103) وقال موسى يا فرعون إني ~~رسول من رب العالمين (104) حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ~~ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (105) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن ~~كنت من الصادقين (106) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) ونزع يده فإذا ~~هي بيضاء للناظرين (108) قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (109) ~~يريد أن} الإيمان {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} . # PageV02P202 # قوله - تعالى -: {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين حقيق على ~~أن لا أقول} أي: حقيق بأن لا أقول، وهكذا قرأ ابن مسعود، ومعناه: حريص بأن ~~لا أقول على الله إلا الحق، وقرئ: " حقيق علي " أي: واجب على أن لا أقول ~~على الله إلا الحق. # {قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل} وذلك أنه أراد موسى أن ~~يخرج بهم إلى الشام {قال} ي - يعني: فرعون - {إن كنت جئت بآية فأت بها إن ~~كنت من الصادقين} . # PageV02P202 # قوله - تعالى -: {فألقى عصاه} قيل: إن ملكا أعطاه تلك العصا، وللعصا قصة، ~~ستأتي في قصة شعيب في سورة القصص إن شاء الله. # {فإذا هي ثعبان مبين} الثعبان: الحية الذكر، وفي القصص: أن موسى - صلوات ~~الله عليه - لما ألقى العصا، صارت ثعبانا عظيما، ملأ قصر فرعون، وقيل: كان ~~بين شدقيه ثمانون ذراعا، وقيل: إنه أخذ قصر فرعون بين نابيه؛ فهرب منه ~~فرعون وأخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرة. # PageV02P202 # قوله - تعالى -: {ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} قيل: إنه نزع يده من ~~جيبه، وقيل: من تحت إبطه {فإذا هي بيضاء} لها شعاع كالشمس يتلألأ، وكان ~~موسى آدم اللون. # PageV02P202 # قوله - تعالى -: {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم} يعني: موسى # PageV02P202 # {يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (110) قالوا أرجه وأخاه ms0501 وأرسل في المدائن ~~حاشرين (111) يأتوك بكل ساحر عليم (112) وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا ~~لأجرا إن كنا نحن الغالبين (113) قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) قالوا ~~يا موسى إما أن} # PageV02P203 # {يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون} أي: بماذا تشيرون؟ قاله فرعون ~~لقومه، وقيل: إن هذا من قول الملأ، قالوا لفرعون وخاصته: ماذا تأمرون وقيل: ~~إنهم قالوا ذلك لفرعون خاصة؛ لكن ذكروا بلفظ الجمع تفخيما وتعظيما. # PageV02P203 # قوله - تعالى -: {قالوا أرجه وأخاه} أي: أرجئه، والإرجاء: التأخير، يقال: ~~أرجأت أمر كذا، أي أخرت، ومنه المرجئة، سموا بذلك؛ لتأخيرهم العمل في ~~الإيمان، فإنهم زعموا أن العمل ليس من الإيمان، ويقرأ: " أرجه " من غير ~~همز، قيل معناه: التأخير أيضا، قال المبرد: معناه: اتركه يرجو، ومعنى الكل ~~واحد؛ فإنهم أشاروا عليه بتأخير أمره، وترك التعرض له، وذكر النقاش في ~~تفسيره: أنهم أشاروا بتأخيره؛ لأنه لم يكن فيهم ولد عاهر، إذ لو كان فيهم ~~ولد عاهر لأشاروا بالقتل. # {وأرسل في المدائن حاشرين} هي مدائن الصعيد، وهو فوق مصر # PageV02P203 # {يأتوك بكل ساحر عليم} وفي القصة: أن فرعون أرسل أصحاب الشرط إلى تلك ~~المدائن ليجمعوا السحرة ويأتوا بهم. # PageV02P203 # قوله - تعالى -: {وجاء السحرة فرعون} وفيه حذف، يعني: فأرسل؛ فجاء ~~السحرة، واختلفوا في عددهم، قال ابن عباس: كانوا اثني وسبعين رجلا، وقال ~~كعب الأحبار: كانوا (اثني) عشر ألفا، وقال محمد بن المنكدر: كانوا ثمانين ~~ألفا. والمعروف أنهم كانوا سبعين ألفا. # {قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم} لكم الأجر {وإنكم لمن ~~المقربين} أي: لكم المنزلة الرفيعة مع الأجر. # PageV02P203 # {تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين ~~الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم (116) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ~~فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا ~~هنالك} # PageV02P204 # قوله - تعالى -: {قالوا يا موسى إما أن تلقى} يعني: العصا {وإما أن نكون ~~نحن الملقين} يعني: عصينا # PageV02P204 # {قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس} أي: صرفوا أعين الناس عن إدراك ~~حقيقتها؛ فعلوا من التمويه ms0502 والتخييل، وهذا هو السحر. # {واسترهبوهم} أي: السحرة طلبوا رهبة الناس؛ فرهبوهم، وقال المبرد: السين ~~فيه زائدة، ومعناه: أرهبوهم {وجاءوا بسحر عظيم} . # PageV02P204 # قوله - تعالى -: {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون} ~~ويقرأ: " تلقف ما يأفكون " مخففا، ويقرأ في الشواذ " تلقم " وقرأ سعيد بن ~~جبير: " تلقم " مخففا، ومعنى الكل واحد. والتلقف: الأخذ بسرعة، ومعناه: ~~تتلقم ما يأفكون أي: ما يكذبون من التخاييل الكاذبة، وفي القصص: أن السحرة ~~كانوا سبعين ألف، مع كل واحد منهم عصا، فألقوا عصيهم؛ فإذا هي تتحرك ~~كالحيات، ثم ألقى موسى عصاه؛ فصارت ثعبانا، وتلقف كل ذلك، وقصد الناس الذين ~~حضروا؛ فوقع الزحام عليهم؛ فهلك خمسة وعشرون ألفا في الزحام، ثم أخذه موسى؛ ~~فصارت عصا كما كانت؛ فذلك قوله {فإذا هي تلقف ما يأفكون} قال الشاعر: # (أنت عصا موسى التي لم تزل ... تلقف ما يأفكه الساحر) # وقال آخر: # (إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطل السحر والساحر) # PageV02P204 # قوله - تعالى -: {فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون} قال الحسن، ومجاهد: ~~معناه: ظهر الحق أي: ظهر عصا موسى على عصيهم، وقيل معناه: ظهرت نبوة موسى ~~على دعوى فرعون الربوبية # PageV02P204 # {فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين} أي: ذليلين. # PageV02P204 # {وانقلبوا صاغرين (119) وألقي السحرة ساجدين (120) {قالوا آمنا برب ~~العالمين (121) رب موسى وهارون (122) قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن ~~هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا ~~منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ ~~علينا صبرا وتوفنا مسلمين (126) وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ~~ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال} # PageV02P205 # قوله - تعالى -: {وألقي السحرة ساجدين} واختلفوا في سجودهم، قال بعضهم: ~~ألهمهم الله - تعالى - أن يسجدوا فسجدوا، وقيل: إن موسى وهارون سجدا شكرا ~~لله - تعالى - فوافقهم السحرة # PageV02P205 # {قالوا آمنا برب العالمين} قيل: إن فرعون لما سمع ذلك منهم قال: آمنتم ~~بي؟ فقالوا: # PageV02P205 # {رب موسى وهارون} وقال فرعون: {آمنتم به قبل ms0503 أن آذن لكم إن هذا لمكر ~~مكرتموه في المدينة} قال السدي: كان موسى قد قال لرئيس السحرة: إن غلبتك ~~غدا لتؤمنن بي؟ فقال: لآتينك بسحر أغلبك، وإن غلبتني آمنت بك فهذا معنى قول ~~فرعون: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة} أي: تدبير دبرتموه في المدينة ~~{لتخرجوا منها أهلها} أي: لتغلبوا أهلها ( {فسوف تعلمون} # PageV02P205 # لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين) هددهم بهذه العقوبات، ~~وهي معلومة # PageV02P205 # {قالوا إنا إلى ربنا منقلبون} فهذا قالوه تسلية لقلوبهم. # PageV02P205 # {وما تنقم منا} أي: وما تكره منا، وقيل معناه: وما تعيب علينا ( {إلا أن ~~آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا} ربنا أفرغ) أي: أنزل {علينا صبرا وتوفنا ~~مسلمين} . # PageV02P205 # قوله - تعالى -: {وقال الملأ من قوم فرعون} وإنما سموا ملأ لمعنيين: ~~أحدهما: أنهم كانوا يملئون صدور الناس هيبة، وقيل: لأنهم كانوا مليئين بما ~~فوض إليهم. {أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض} أرادوا بهذا الفساد: مخالفة ~~أمر فرعون {ويذرك وآلهتك} وقرأ ابن عباس: " وإلاهتك " أي: عبادتك، وقيل: ~~الإلاهة: # PageV02P205 # {سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) قال موسى لقومه ~~استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين (128) قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم} الشمس، وكان فرعون يعبد الشمس، قال الشاعر: # (تروحنا من اللعباء عصرا ... فأعجلنا الإلاهة أن تؤوبا) # أي: أعجلنا الشمس أن ترجع، والمعروف {ويذرك وآلهتك} . # قال سليمان التيمي: وكان فرعون يعبد البقر، وقال السدي: كان قد اتخذ ~~أصناما، وقال لقومه: هذه آلهتكم، وأنا إله الآلهة، وقال الحسن: كان قد علق ~~على عنقه صليبا - وكان يعبده - فلذلك قالوا: " ويذرك وآلهتك " وهذا كان ~~إغراء منهم لفرعون على موسى {قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم} وكان من ~~قبل يفعل ذلك ثم تركه، ثم عاد إليه ثانيا فقال: {سنقتل أبناءهم ونستحيي ~~نساءهم وإنا فوقهم قاهرون} . # PageV02P206 # قوله - تعالى -: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله ~~يورثها} وفي الشواذ: " يورثها " {من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} أي: ~~في ms0504 النصر والظفر. # PageV02P206 # قوله - تعالى -: {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} فيه ~~أقوال: # قال الحسن: كان الإيذاء بأخذ الجزية؛ كان فرعون يأخذ الجزية منهم قبل ~~مجيء موسى وبعده، وقيل: هو من قتل الأبناء؛ كان يقتل أبناءهم، ويستحيي ~~نساءهم قبل مجيء موسى؛ ثم عاد إليه، وذكر جويبر في تفسيره: أن المراد به أن ~~فرعون كان يسخرهم ويستعملهم إلى نصف النهار، فلما جاء موسى استسخرهم كل ~~النهار بلا أجر ولا شيء، وذكر الكلبي: أنهم كانوا يضربون له اللبن بتبن ~~فرعون قبل مجيء # PageV02P206 # {في الأرض فينظر كيف تعملون (129) ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات لعلهم يذكرون (130) فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم ~~سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~(131) وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) ~~فأرسلنا عليهم} موسى، فلما جاء موسى أجبرهم على أن يضربوه بتبن من عندهم. # {قال عسى ربكم} وهي كلمة التطميع {أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ~~فينظر كيف تعملون} يعني: حتى يجازيكم على ما يرى واقعا منكم لا على ما علم ~~في الغيب منكم. # PageV02P207 # قوله - تعالى -: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} أي: بالقحط والجدب. # تقول العرب جاءتنا سنة أي: سنة جدب، فأخذهم الله - تعالى - بالسنين {ونقص ~~من الثمرات لعلهم يذكرون} أي: يتعظون، وذلك: أن الشدة ترقق القلوب وترغبها ~~إلى الله - تعالى -. # PageV02P207 # قوله - تعالى -: {فإذا جاءتهم الحسنة} أي: الخصب {قالوا لنا هذه} أي: هذا ~~كان عادة الدهر بنا {وإن تصبهم سيئة} أي: جدب {يطيروا بموسى ومن معه} أي: ~~يقولون: هذا من شؤم موسى ومن معه {ألا إنما طائرهم عند الله} أي: الشؤم ~~والبركة والخير والشر كله من الله - تعالى - وقيل معناه: الشؤم العظيم هو ~~الذي لهم عند الله - تعالى - في الآخرة، تقول العرب: طار لفلان سعد، وطار ~~لفلان شؤم {ولكن أكثرهم لا يعلمون} . # PageV02P207 # قوله - تعالى -: {وقالوا مهما} أي: متى ما {تأتنا به من آية لتسحرنا بها ~~فما نحن لك بمؤمنين ms0505 # PageV02P207 # فأرسلنا عليهم الطوفان) قال عطاء: أراد بالطوفان: الموت الذريع، وقيل: ~~السيل العظيم، وفي القصة: أنهم مطروا من السبت إلى السبت، حتى بلغ الماء ~~تراقيهم، فكان الرجل إذا أراد أن يجلس غرق في الماء؛ فاستغاثوا بموسى ~~وقالوا: ادع الله حتى يمسك ونؤمن لك؛ فدعا الله - تعالى - فأمسك عنهم ~~المطر، فأخرجت # PageV02P207 # الأرض تلك السنة نباتا كثيرا وأخصبت، فقالوا: هذا كان خيرا لنا، فلم ~~يؤمنوا وكفروا به؛ فأرسل الله عليهم الجراد؛ فأكل زرعهم ونباتهم إلا قليلا؛ ~~فاستغاثوا بموسى حتى يدعو الله - تعالى - فيدفع عنهم ذلك. # وفي أخبار عمر - رضي الله عنه -: أنه قل الجراد في زمانه سنة، فبعث راكبا ~~قبل اليمن وراكبا قبل الشام وراكبا قبل العراق؛ ليطلبوا الجراد؛ فجاء راكب ~~اليمن بكف من جراد، فقال عمر - رضي الله عنه - الله أكبر، إن لله - تعالى - ~~ألف أمة: ستمائة في البر، وأربعمائة في البحر، وأول أمة تهلك الجراد، ثم ~~تتبعهم سائر الأمم الباقيين ". # وفي الأخبار: أن مريم سألت [ربها] ، وقالت: يا رب أطعمني لحما بلا دم؛ ~~فأطعمها الجراد. وفي الخبر " مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم ". # رجعنا إلى القصة، فلما رفع عنهم الجراد لم يؤمنوا أيضا؛ فأرسل الله عليهم ~~القمل، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: القمل صغار الجراد، وهي: الدبي التي ~~ليست لها أجنحة، وعن ابن عباس - في رواية أخرى - أن القمل: سوس الحنطة. ~~وقال أبو عبيدة: هو كبار القراد، وسمى القراد الكبير: حمنان أيضا، وقيل: ~~القمل هو القمل، وقيل: هو الرعاف. فاستغاثوا بموسى، فدعا الله فرفع عنهم ~~فلم يؤمنوا؛ فسلط عليهم الضفادع. # وفي القصة: أن موسى جاء إلى شط البحر وأشار بعصاه إلى أدنى البحر وأقصاه، ~~فخرجت الضفادع حتى امتلأت بيوتهم - وكانت قوافز - وكان الرجل منهم إذا فتح ~~فاه ليتكلم تثب في فيه، وكل من نام منهم فإذا انتبه من النوم يرى على بدنه ~~منها قدر ذراع، وكان إذا تكلم الرجل تقفز في فمه، ثم رفع عنهم فلم يؤمنوا؛ ~~فجعل الله نيل مصر عليهم دما - وكان كل ذلك للقبط خاصة - وكان ms0506 القبطي يأخذ ~~من النيل الدم، وبنو إسرائيل يأخذون الماء، حتى كان الكوز الواحد يشرب ~~القبطي منه دما عبيطا، # PageV02P208 # {الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا ~~قوما مجرمين (133) ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد ~~عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) فلما ~~كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم ~~فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136) وأورثنا ~~القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت ~~كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما} والإسرائيلي ماء؛ فذلك معنى قوله: ~~{فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات مفصلات} ~~وتفصيلها أن كل عذاب منها يمتد أسبوعا، وكان بين كل عذابين شهر {فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين} . # PageV02P209 # قوله تعالى: {ولما وقع عليهم الرجز} قيل: أراد به ما سبق من العذاب، ~~وقيل: هو عذاب الطاعون، قال سعيد بن جبير: مات منهم بالطاعون سبعون ألفا في ~~يوم واحد، والرجز الرجس: العذاب. # {قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك} يعني: من إجابة دعوتك {لئن ~~كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل} فإنه أراد أن يخرج بهم ~~إلى الشام # PageV02P209 # {فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه} وذلك الغرق في اليم {إذا هم ~~ينكثون} أي: ينقضون العهد # PageV02P209 # {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها ~~غافلين} وللغرق قصة ستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى # PageV02P209 # {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها} قيل أراد بها أرض مصر والشام، وقيل: أراد بها الشام وحده، وقيل: أراد ~~به الأردن وفلسطين، وقوله {باركنا فيها} أي: بالخصب والسعة. # {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} وتلك الكلمة: وعده ~~الذي وعدهم، وذلك في قوله: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} فلما أورثهم تلك الأراضي وانجزهم ذلك # PageV02P209 # {صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا ms0507 يعرشون (137) وجاوزنا ~~ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل ~~لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون (138) إن هؤلاء متبر ما هم فيه ~~وباطل ما كانوا يعملون (139) قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على ~~العالمين (140) وإذ أنجيناكم من آل} الوعد؛ قال: تمت كلمة ربك، أي: تم وعده ~~لهم، وإنما سماها: حسنى لأنها كانت على وفق ما يحبون {ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه} أي: أهلكنا ذلك عليهم {وما كانوا يعرشون} (أي يبنون ويسقفون ~~تجبرا وتكبرا. # PageV02P210 # قوله - تعالى -: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على ~~أصنام لهم} أي: يلازمون عبادة تلك الأصنام، وهم قوم من العمالقة رآهم بنو ~~إسرائيل عاكفين على أصنام لهم {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} ~~ولم يكن ذلك من بني إسرائيل شكا في وحدانية الله - تعالى - وإنما معناه: ~~اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله - تعالى - وظنوا أن ذلك لا ~~يضر الديانة، وكان ذلك من شدة جهلهم. # {قال إنكم قوم تجهلون # PageV02P210 # إن هؤلاء متبر ما هم فيه) أي: مدمر ما هم فيه ( {وباطل ما كانوا يعملون} # PageV02P210 # قال) يعني: موسى {أغير الله أبغيكم إلها} أي: أطلب لكم إلها تعظمونه غير ~~الله {وهو فضلكم على العالمين} وفي الخبر المعروف: " أن رسول الله لما رجع ~~من حنين مر على شجرة يقال لها: ذات أنواط، وقد عكف حولها قوم من الأعراب ~~يعظمونها، وقد علقوا عليها أسلحتهم، فقال أصحابه: يا رسول الله، لو جعلت ~~لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: عليه - الصلاة والسلام - الله أكبر، ~~هذا مثل ما قال قوم موسى لموسى: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} . # PageV02P210 # {فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم ~~بلاء من ربكم عظيم (141) وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ~~ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا ~~تتبع سبيل المفسدين} # PageV02P211 # قوله - تعالى -: {وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} ms0508 أي: ~~يذيقونكم شر العذاب، وقد ذكرنا معنى هذا في سورة البقرة. # {يقتلون أبناءكم} يعني: صغار أبناءكم {ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم} قيل معناه: في تعذيبهم إياكم بلاء من ربكم عظيم، وقيل: في ~~إنجائنا إياكم {بلاء من ربكم عظيم} أي: نعمة. # PageV02P211 # قوله - تعالى -: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتتمناها بعشر} قال ~~المفسرون: هي أيام ذي القعدة وعشر من ذي الحجة {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} ~~فإن قيل: ذكر الثلاثين والعشر يغني عن ذكر الأربعين، فما معنى هذا التكرار؟ ~~قيل: كرره تأكيدا، وقيل: فائدة قوله: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} قطع ~~الأوهام عن الزيادة؛ لأنه لما وقت الثلاثين أولا، ثم زاد عليه عشرا، ربما ~~يقع في الأوهام زيادة أخرى، فذكره لقطع الأوهام عن الزيادة، وذكر الثلاثين ~~في الابتداء والعشر مفصلا: ليعلم أن الميقات كان كذلك مفصلا ثلاثين ذي ~~القعدة وعشرا من ذي الحجة. # وفي القصة: أن الله تعالى أمر موسى أن يصوم ثلاثين يوما ثم يأتي الطور ~~يكلمه؛ فصام ثلاثين يوما ليلا ونهارا. # وفي بعض التفاسير: صام ثلاثين يوما فتغيرت رائحة فمه، فأخذ ورق الخرنوب ~~وتناوله؛ لتزول رائحة فمه، فأمره الله تعالى أن يصوم عشرا أخر؛ لتعود ~~الرائحة، وتمام القصة في الآية الثانية. # {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي} استخلفه على قومه {وأصلح} أي: ~~ارفق {ولا تتبع سبيل المفسدين} أي: لا تتبع آراءهم وأهواءهم. # PageV02P211 # ( {142) ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن ~~تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل ~~جعله دكا وخر} # PageV02P212 # قوله - تعالى -: {ولما جاء موسى لميقاتنا} يعني الوقت الذي وقت له على ما ~~بينا {كلمه ربه} وفي القصة: أن الله - تعالى - لما استحضره بجانب الطور [و] ~~أنزل ظلمة على سبعة فراسخ، وطرد عنه الشيطان، ونحى عنه الملكين، وكلمه حتى ~~أسمعه وأفهمه. وفي القصة: كان جبريل معه فلم يسمع ما كلمه ربه. # {قال رب أرني أنظر إليك} قال الزجاج: فيه حذف، وتقديره أرني نفسك أنظر ~~إليك. ms0509 فإن قال قائل: كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله عز وجل لا يرى في ~~الدنيا؟ قال الحسن: هاج به الشوق؛ فسأل الرؤية. وقيل: سأل الرؤية ظنا منه ~~أنه يجوز أن يرى في الدنيا. # {قال لن تراني} يستدل من ينفي الرؤية بهذه الكلمة، وليس لهم فيها مستدل؛ ~~وذلك لأنه لم يقل: إني لا أرى؛ متى يكون حجة لهم؛ ولأنه لم ينسبه إلى الجهل ~~في سؤال الرؤية، كما نسب إليه قومه بقولهم: " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " ~~لما لم يجز ذلك، وأما معنى قوله {لن تراني} يعني: في الحال أو في الدنيا. # {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} معناه: اجعل الجبل ~~بيني وبينك؛ فإنه أقوى منك، فإن استقر مكانه فسوف تراني؛ وفي هذا دليل على ~~أنه يجوز أن يرى؛ لأنه لم يعلق الرؤية بما يستحيل وجوده؛ لأن استقرار الجبل ~~مع تجليه له غير مستحيل، بأن يجعل له قوة الاستقرار مع التجلي. # {فلما تجلى ربه للجبل} أن ظهر للجبل: قيل: إنه جعل للجبل بصرا وخلق فيه ~~حياة، ثم تجلى له فتذكرك على نفسه. وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن ~~النبي أنه قال: " إن الله - تعالى - تجلى للجبل بقدر أنملة الخنصر، ثم وضع ~~ثابت إبهامه على أنملة خنصره، فقيل له: أتقول بهذا؟ فقال: يقول به أنس ~~ورسول الله، ولا # PageV02P212 # {موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) قال ~~يا موسى} أقول به أنا! : وضرب في صدر القائل " وفي بعض الروايات " أنه تجلى ~~للجبل بقدر جناح بعوضة أو أقل ". # {جعله دكا} قال ابن عباس: صار ترابا. وقال الحسن وسفيان: ساخ في الأرض، ~~وفي بعض التفاسير: أنه صار ستة أجبل: ثلاثة بمكة: وذلك ثور وثبير وحراء، ~~وثلاثة بالمدينة: رضوى وأحد وورقان، وقيل: انقلع الجبل من أصله، ووقع في ~~البحر، فهو يذهب فيه إلى يوم القيامة. # وأما من حيث اللغة: قال الزجاج: معنى قوله: {جعله دكا} أي: مدكوكا ~~مدقوقا، وقرأ حمزة والكسائي: " جعله دكاء " ممدودا، يقال: ms0510 أرض دكاء إذا كان ~~فيها ناتئ ومواضع مرتفعة كالقلال، والدكاوات: الرواسي من الأرض، ومعناه: ~~أنه جعله كالأرض المرتفعة، وخرج من كونه جبلا. # وقوله: {وخر موسى صعقا} قال قتادة: أي ميتا، وكان قد مات تلك الساعة. ~~وقال الحسن وابن عباس: خر مغشيا عليه. وهذا أليق بالنظم؛ لأنه قال {فلما ~~أفاق قال سبحانك} وهذا التنزيه. {تبت إليك} يعني: من سؤال الرؤية قبل الإذن ~~{وأنا أول المؤمنين} يعني أنا أول المؤمنين بأن من يراك متجليا في الدنيا ~~لا يستقر مكانه، وقيل معناه: أنا أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا. # PageV02P213 # {إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ~~(144) وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتصفيلا لكل شيء فخذها بقوة ~~وأمر قومك} # PageV02P214 # قوله تعالى: {يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} فإن قال ~~قائل: قد أعطى غيره الرسالات، فما معنى قوله: {اصفيتك على الناس برسالاتي} ~~؟ قيل: لما لم يكن إعطاء الرسالة على العموم في حق الناس، استقام قوله: ~~{اصطفيتك على الناس برسالاتي} وإن شاركه فيها غيره، وهذا مثل قول الرجل: ~~خصصتك بمشورتي، وإن شاور غيره، لكن لما تكن المشاورة على العموم؛ استقام ~~الكلام. {فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} لما أنعمت عليك من إعطاء الرسالة ~~والكلام، وهذه الآية في تسلية موسى - صلوات الله عليه - حيث سأل الرؤية فلم ~~يحظ بها. # PageV02P214 # قوله تعالى: {وكتبنا له في الألواح} وأراد به التوراة، وفي الخبر: " أن ~~الله - تعالى - خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده ". # واختلفوا في تلك الألواح، قال الحسن: كانت الألواح من خشب، وقال مجاهد: ~~كانت من زبرجد أخضر، وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوتة حمراء، وقال أبو ~~العالية: كانت من برد. وقيل: نزلت الألواح والتوراة مكتوبة عليها كنقش ~~الخاتم. # {من كل شي موعظة} أي: تذكرة، وحقيقة الموعظة: هي التذكير والتحذير مما ~~يخاف عاقبته. {وتفصيلا لكل شيء} أي: بيانا للحلال والحرام وما أمروا به، ~~وما نهو عنه {فخذها بقوة} أي: بجد واجتهاد، وقيل معناه: بقوة ms0511 القلب. # {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} قال قطرب: أي: بحسنها. واعلم أن الأحسن ما # PageV02P214 # {يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون ~~في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا ~~يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين (146) والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم ~~هل يجزون إلا ما كانوا} كان فيه من الفرائض المكتوبة والنوافل المندوب ~~إليها فإنها الأحسن، وأما الحسن: ما كان مباحا، وقيل: معنى قوله: {يأخذوا ~~بأحسنها} أي: بأحسن الأمرين في كل شيء، كالعفو أحسن من الاقتصاص، والصبر ~~أحسن من الانتصار {سأريكم دار الفاسقين} وقرأ قسامة بن زهير: " سأورثكم " ~~من التوريث، فعلى هذا معناه: سأورثكم أرض مصر، وأما القراءة المعروفة " ~~سأريكم " قال مجاهد وجماعة: سأريكم جهنم، وقيل: أراد به مصارع الكفار. قال ~~قتادة: دار الفاسقين أراد بها الشام؛ على معنى: أريكم فيها ما أهلكت من قرى ~~الكفار قبلكم؛ لأن موسى خرج بهم إلى الشام. # PageV02P215 # قوله - تعالى -: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} قال ~~سفيان بن عيينة معناه: سأمنعهم فهم القرآن، قال الزجاج تقديره: سأصرفهم عن ~~قبول آياتي، وأما التكبر: هو طلب الفضل من غير استحقاق. # {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا} ~~وقرأ أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ: " سبيل الرشاد " المعدوف: " ~~سبيل الرشد " ويقرأ أيضا: " سبيل الرشد " والرشد والرشد واحد، وهو الصلاح. # {وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا} يعني: سبيل الضلالة {ذلك بأنهم كذبوا ~~بآياتنا وكانوا عنها غافلين} لأنهم لما لم يتدبروا القرآن فكأنهم عنه ~~غافلين # PageV02P215 # {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم} أي: بطلت أعمالهم {هل ~~يجزون إلا ما كانوا يعملون} . # PageV02P215 # قوله تعالى: {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم} ويقرأ: " من حليهم " # PageV02P215 # {يعملون (147) } واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) ولما ms0512 سقط ~~في يديهم) {عجلا جسدا له خوار} أي: جسد له خوار، ويقرأ في الشواذ: " له ~~جؤار " وهو بمعنى الخوار، وفي القصة: أن موسى - صلوات الله عليه - لما أراد ~~الخروج إلى الطور قال لقومه: أرجع إليكم بعد ثلاثين يوما، فلما لم يرجع ~~إليهم بعد الثلاثين ظنوا أنه مات، كان السامري في بني إسرائيل مطاعا بينهم، ~~وكان صائغا، فقال لهم: اجمعوا لي ما أخذتم من الحلي من آل فرعون أصنع لكم ~~شيئا، فدفعوا إليه ما أخذوا من الحلي فصاغ منه العجل، قال الحسن: كان ~~السامري قد رأى جبريل يوم غرق فرعون على فرس، فأخذ قبضة من أثر قدم فرسه. # قال عكرمة: ألقي في روعه أنه في أي شيء ألقى تلك القبضة من التراب يحيا ~~بها ذلك الشيء، وذلك أنه رأى مواضع قدم الفرس تحضر في الحال وتنبت، فلما ~~صاغ العجل ألقي في روعه أن يلقي تلك القبضة في فمه فألقاها في فم العجل ~~فحيي، فصار لحما ودما من ذهب، وله خوار فإنه خار، ثم قال السامري: {هذا ~~إلهكم وإله موسى فنسي} على ما سيأتي في قصته في سورة طه، وقيل: إنه ما خار ~~إلا مرة، وقيل كان يخور كثيرا، كما تخور البقرة، وكان كلما خار سجدوا له، ~~وكلما سكت رفعوا رءوسهم. # وقال بعض المفسرين: لم تنبت فيه حياة أصلا، ولم يكن له خوار حقيقة، وإنما ~~الذي سمعوا من الخوار كان بحيلة، والصحيح هو الأول. ثم اختلفوا في عدد ~~الذين عبدوا العجل، قال الحسن: كلهم عبدوه إلا هارون وحده، وقيل: - وهو ~~الأصح -: عبده كلهم إلا هارون واثنا عشر ألف رجل منهم. # {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} وهذا دليل على أن الله متكلم ~~لم يزل ولا يزال؛ لأنه استدل بعدم الكلام من العجل على نفي الإلهية. # PageV02P216 # {ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من ~~الخاسرين (149) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من ~~بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره ms0513 إليه قال ابن أم ~~إن القوم استضعفوني} # {ولا يهديهم سبيلا} أي: طريقا {اتخذوه وكانوا ظالمين} بوضع الإلهية في ~~غير موضعها. # PageV02P217 # قوله تعالى: {ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا} قال الفراء: تقول ~~العرب: سقط فلان في يده إذا بقي نادما متحيرا على ما فاته، كأنه حصل الندم ~~في يده {قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} . # PageV02P217 # قوله تعالى: {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا} قال أبو الدرداء: ~~الأسف: شديد الغضب، وقيل: الأسف: أشد الحزن، وكأن موسى رجع نادما حزينا ~~يقول: ليتني كنت فيهم فلم يقع لهم ما وقع. # {قال بئسما خلفتموني من بعدي} أي: (بئسما فعلتم خلفي) {أعجلتم أمر ربكم} ~~معناه: أسبقتم أمرربكم، يعني: بفعلكم الذي فعلتم من غير أمر ربكم، وقيل ~~معناه: استعجلتم وعد ربكم. # {وألقى الألواح} وكان حاملا لها، فألقاها على الأرض من شدة الغضب، وفي ~~التفسير: أنه لما ألقاها رجع بعضها إلى السماء وبقي منها لوحان، فرجع ما ~~كان فيه أخبار الغيب، وبقي ما كان فيه الموعظة والأحكام من الحلال والحرام، ~~وقيل: لما ألقى الألواح انكسر بعضها، فشدها موسى بالذهب {وأخذ برأس أخيه} ~~يعني: هارون، وفيه حذف، وتقديره: وأخذ بشعر رأس أخيه {يجره إليه قال ابن ~~أم} يعني هارون قال لموسى: ابن ام، ويقرأ بكسر الميم ونصبها، فأما بكسر ~~الميم معناه يا ابن أمي، قال الشاعر: # PageV02P217 # {وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم لظالمين (150) ~~قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين (151) إن الذين ~~اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي ~~المفترين (152) } # (يا ابن امي ويا شقيق نفسي ... أنت خلفتني لأمر كؤود) # واما بنصب الميم، فوجه النصب فيه أن قوله: " ابن ام " كلمتان، لكنهما ~~ككلمة واحدة، مثل قولهم: " حضرموت " و " بعلبك " ركب أحد الاسمين في الآخر، ~~فبقي على النصب تبيينا. # {إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني} وفي القصة: أن هارون كان لما مضى ~~ميقات الثلاثين يقوم بينهم خطيبا، فيخطب كل يوم ويبكي، ms0514 ويقول: أنشدكم بالله ~~لا تعبدوا العجل، فإن موسى راجع غدا - إن شاء الله - فهكذا كان يفعل ثلاثة ~~أيام، فلما لم يرجع بعد الثلاث قالوا: إنه قد مات، فخلوه، وأقبلوا على ~~عبادة العجل، فهذا معنى قوله: {إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا ~~تشمت بي الأعداء} والشماتة فعل ما يسر به العدو {ولا تجعلني مع القوم ~~الظالمين} أي: لا تجعلني مع الكافرين ومن جملتهم. # PageV02P218 # قوله تعالى: {قال رب اغفر لي ولأخي} يعني ما فعلت بأخي من أخذ شعره، ~~وجره، وكان بريئا، قوله: {ولأخي} يعين: ما وقع له من تقصيره إن قصر ~~{وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين} . # PageV02P218 # قوله تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل} فيه حذف، وتقديره: اتخذوا العجل ~~إلها {سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا} قيل: أراد بالذلة ~~الجزية، وقيل: أراد قيل بعضهم بعضا مع علمهم أنهم قد ضلوا {وكذلك نجزي ~~المفترين} أي: كل مفتر على الله، ومن القول المعروف في الآية عن سفيان بن ~~عيينة أنه قال: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة. # PageV02P218 # {والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم (153) ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين ~~هم لربهم يرهبون (154) واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم ~~الرجفة قال} # PageV02P219 # قوله تعالى: {والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من ~~بعدها} أي: من بعد التوبة {لغفور رحيم} . # PageV02P219 # قوله تعالى: {ولما سكت عن موسى الغضب} وقرأ معاوية بن قرة: " ولما سكن عن ~~موسى الغضب " وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب: " ولما سير عن موسى الغضب " ~~وفي مصحف حفصة: " وإنما أسكت عن موسى الغضب " ومعنى الكل واحد أي: سكن عن ~~موسى الغضب. والسكوت والإسكات معروف، ويقال: رجل سكيت إذا كان كثير السكوت. # {أخذ الألواح} وذلك أنه كان ألقاها فأخذها {وفي نسختها} اختلفوا فيه، قال ~~بعضهم: أراد بها الألواح؛ وذلك أن لها أصل نسخت منه، وهو اللوح المحفوظ، ~~وقيل: إن موسى لما ألقى الألواح انكسرت، ms0515 فنسخ منها نسخة أخرى، فذلك المراد ~~به من قوله: {وفي نسختها هدى ورحمة} أي: هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب ~~{للذين هم لربهم يرهبون} . # PageV02P219 # قوله تعالى: {واختار موسى قومه} فيه حذف، أي: من قومه {سبعين رجلا ~~لميقاتنا} وفي هذا دليل على أن كلهم لم يعبدوا العجل - وهو الأصح - ~~واختلفوا أنه لأي شيء اختارهم؟ قال بعضهم: إنما اختارهم ليعتذروا إلى الله ~~من عبادة أولئك الذين عبدوا العجل، وقيل: إنما اختارهم ليسمعوا كلام الله؛ ~~فإنهم سألوا ذلك موسى {فلما أخذتهم الرجفة} قال مجاهد: رجفت بهم الأرض؛ ~~فماتوا، وقيل: وقعت رعدة وزلزلة في أعضائهم، حتى كاد ينفصل بعضها من بعض، ~~وقيل: إنما أهلكهم عقوبة على ما سألوا من رؤية الله جهرة. # PageV02P219 # {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين (155) واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال ~~عذابي أصيب به من} # (قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي) وذلك أن موسى ظن أن الله - تعالى - ~~إنما أهلكهم بعبادة أولئك القوم العجل، وخاف أن بني إسرائيل يتهمونه، ~~ويقولون: إن موسى قتلهم؛ قال: {رب لو شئت أهلكتهم من قبل} يعني: عندعبادة ~~العجل قبل أن آتي بهم {وإياي} بقتل القبطي الذي كان موسى قتله، وقيل: أراد ~~به المشيئة الأزلية، كأنه فوض إهلاكهم إلى مشيئته، أي: لو شئت في الأزل ~~أهلكتهم وإياي ومن في العالم، فلا اعتراض لأحد عليك. # {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} اختلفوا فيه أنه كيف قال: أتهلكنا بما فعل ~~السفهاء منا، وكان يعلم أن الله - تعالى - لا يهلك أحدا بذنب غيره؟ فقال ~~بعضهم: هذا استفهام بمعنى الجحد، وهو قول ابن الأنباري أي: لا تهلكنا بفعل ~~السفهاء، وهذا مثل قول الرجل لصاحبه: أتجهل علي وأنا أحلم؟ ! أي: لا أحلم، ~~ويقال في المثل: أغدة كغدة البعير؟ وموت في بيت السلولية؟ أي: لا يكون هذا ~~قط، وقال الشاعر: # (أتنسى ms0516 حين تصقل عارضيها ... بعود بشامة سقي البشام) # أي: لا تنسى، وقيل: هو استفهام بمعنى الإثبات، والمراد منه السؤال، كأنه ~~يسأله أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ . # {إن هي إلا فتنتك} أي: بليتك {تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} . # PageV02P220 # قوله تعالى: {واكتب لنا} أي: أوجب لنا {في هذه الدنيا حسنة} وهي # PageV02P220 # {أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون (156) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم في} النعمة والعافية {وفي الآخرة} أي: وفي الآخرة حسنة، فحذف. # {إنا هدنا إليك} أي: تبنا إليك، وقرأ أبو وجزة السعدي: " هدنا إليك " ~~بكسر الهاء، أي: ملنا إليك {قال عذابي أصيب به من أشاء} وهذا على وفق قول ~~أهل السنة؛ فإن لله - تعالى - أن يصيب بعذابه من يشاء من عباده أذنب أو لم ~~يذنب، وصحف بعض القدرية، فقرأ: " عذابي أصيب به من أساء " من الإساءة، وليس ~~بشيء. # {ورحمتي وسعت كل شيء} قال الحسن وقتادة: وسعت رحمته البر والفاجر في ~~الدنيا، وهي للمتقين يوم القيامة، وفي الآثار: الرحمة مسجلة للبر والفاجر ~~في الدنيا. # {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون # PageV02P221 # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) وهذه فضيلة عظيمة لهذه الأمة، وذلك أن ~~موسى - صلوات الله عليه - سأل أن يكتب الرحمة له ولأمته، فكتبها لأمة محمد ~~وفي الأخبار: " أن موسى - صلوات الله عليه - قال: يا رب، إني أجد في ~~التوراة أمة يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، فاجعلهم من ~~أمتي، قال الله - تعالى -: تلك أمة أحمد. فقال: يا رب إني أجد في التوراة ~~أمة صدقاتهم في بطونهم - يعني: يأكلها فقراؤهم، وكانت صدقات قومه ومن قبلهم ~~تأكلها النار - فاجعلهم من أمتي، فقال - تعالى -: تلك أمة احمد. فقال: يا ~~رب، إني أجد في التوراة أمة هم آخر الناس خروجا، وأول الناس في الجنة ~~دخولا، فاجعلهم من أمتي. فقال: تلك أمة أحمد. فقال: يا رب، إني أجد في ~~التوراة أمة أناجيلهم في ms0517 صدورهم، يراعون الشمس والأوقات لذكرك، فاجعلهم من ~~أمتي. فقال: تلك أمة أحمد. فقال: يا رب، إني أجد # PageV02P221 # {التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ~~(157) قل يا أيها} في التوراة أمة إذا هم أحدهم بحسنة كتبتها له حسنة، وإن ~~عمل بها كتبتها له عشرا إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة لم تكتبها (عليه) ، ~~فإن عمل بها كتبتها عليه واحدة، اجعلهم من أمتي، فقال: تلك أمة أحمد. فألقى ~~الألواح، وقال: اللهم اجعلني من أمة محمد ". وهذا قول آخر، ذكر في سبب ~~إلقائه الألواح، والأول أظهر. # قوله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} هو محمد وقد بينا معنى ~~الأمي فيما سبق. # {الذي يجدونه مكتوبا} أي: موصوفا {عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات} يعني: ما حرمه الكفار من ~~السوائب والوصائل والبحائر والحوامي، ونحو ذلك {ويحرم عليهم الخبائث} وذلك ~~مثل: الميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه {ويضع عنهم إصرهم} الإصر: كل ما يثقل ~~على الإنسان من قول أو فعل، والإصر: العهد الثقيل: وإصرهم: أن الله - تعالى ~~- جعل توبتهم بقتلهم أنفسهم {والأغلال التي كانت عليهم} وذلك مثل ما كان ~~عليهم من قرض موضع النجاسة عن الثوب بالمقراض، ولا يجزئهم غسلها، وأنه كان ~~لا تجوز صلاتهم إلا في الكنائس، وأنه لا يجوز لهم أخذ الدية عن القتيل بل ~~كان يتعين القصاص، وكان يجب عليهم قطع الجوارح الخاطئة لا يسعهم غير ذلك، ~~فسماها أغلالا؛ لأنها كانت كالطوق في عنقهم. # {فالذين آمنوا به} أي: بمحمد {وعزروه} أي: عظموه {ونصروه واتبعوا # PageV02P222 # {الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا ~~هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ~~واتبعوه لعلكم تهتدون (158) ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) ~~وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه ms0518 أن اضرب ~~بعصاك الحجر} النور الذي أنزل معه) وهو القرآن {أولئك هم المفلحون} . # PageV02P223 # قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السموات والأرض لا إله لا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته} يعني: محمدا يؤمن بالله وبالقرآن ويقرأ: " وكلمته ~~" قيل: هي القرآن أيضا، وقال بعضهم: أراد بالكلمة: عيسى - صلوات الله عليه ~~- {واتبعوه لعلكم تهتدون} . # PageV02P223 # قوله تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} روى الكلبي عن ~~أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: هؤلاء قوم بأقصى الشرق وراء الصين عند مطلع ~~الشمس، كانوا على شريعة موسى - صلوات الله عليه - إلى أن بعث محمد فلما بعث ~~محمد آمنوا به، وكانوا على الحق من لدن موسى إلى زمان محمد عليهما السلام - ~~وقيل: هم الذين أسلموا في زمن النبي من اليهود مثل (ابن) صوريا، وابن سلام، ~~ونحوهما، والأول أظهر. # وقوله: {وبه يعدلون} أي: يقومون بالحق والعدل. # PageV02P223 # قوله تعالى: {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما} أي: فرقناهم فرقا، وقوله: ~~{اثنتي عشرة} يقال في اللغة: اثنتي عشرة بكسر الشين وبجزم الشين، والجائز ~~في القرآن بجزم الشين، فإن قيل: لم لم يقل: اثني عشر أسباطا على التذكير؟ ~~قيل: إنما ذكره على التأنيث لأنه يرجع إلى الأمم. # PageV02P223 # {فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام ~~وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون (160) وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث ~~شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين ~~(161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من ~~السماء بما كانوا يظلمون (162) } # قالوا: وفي الآية تقديم وتأخير، وتقديرها. وقطعناهم أسباطا أمما اثنتي ~~عشرة، وقيل فيه حذف، وتقديره: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أسباطا أمما، فيكون ~~بدلا عن الفرقة، وقد بينا أن الأسباط في بني إسحاق كالقبائل في بني ~~إسماعيل، وأنشدوا في السبط: # (علي والثلاثة من بنيه ms0519 ... هم الأسباط ليس بهم خفاء) # (فسبط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء) # أي: كرب وبلاء. # {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر} وقد بينا هذا في ~~سورة البقرة. # {فانبجست منه اثنتا عشرة عينا} أي: انفجرت {قد علم كل أناس مشربهم وظللنا ~~عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ~~ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} وقد سبق تفسيره في سورة البقرة. # PageV02P224 # وقوله تعالى: {وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا ~~حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم} ويقرأ: " خطيئاتكم " وكلاهما ~~واحد {سنزيد المحسنين} وقد بينا هذا أيضا في سورة البقرة. # PageV02P224 # {فبدل الذين ظلموا} قد بينا معنى هذا التبديل {منهم قولا غير الذي قيل # PageV02P224 # {واسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون (163) وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا قالوا معذرة إلى} لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء) أي عذابا من ~~السماء {بما كانوا يظلمون} . # PageV02P225 # قوله تعالى {واسألهم عن القرية} هذا سؤال توبيخ وتقريع لا سؤال استعلام، ~~واختلفوا في تلك القرية، قال ابن عباس: هي الأيلة. وقال الزهري: هي طبرية ~~الشام. وقيل: إنها مدين {التي كانت حاضرة البحر} أي: مجاورة البحر {إذ ~~يعدون في السبت} أي: يجاوزون أمر الله في السبت، وكان الله - تعالى - حرم ~~عليهم أن يعملوا في السبت عملا سوى العبادة. # {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا} أي: ظاهرة، قاله ابن عباس، ومنه ~~الشوارع لظهورها، وقيل: هو من الشروع، وهو الدخول، فيكون معناه أن تلك ~~القرية كان بجنبها خليج البحر، فتدخله الحيتان يوم السبت ولا تدخله في سائر ~~الأيام. وفي القصة: أنها كانت تأتيهم مثل الكباش السمان البيض يوم السبت ~~تشرع إلى أبوابهم، ثم لا يرى شيء منها في غير يوم السبت فذلك قوله: {ويوم ~~لا يسبتون لا تأتيهم} وقرأ الحسن: " لا يسبتون " بضم ms0520 الياء، أي: لا يدخلون ~~في السبت، والمعروف: " لا يسبتون " ومعناه: لا يعظمون السبت، يقال: (أسبت) ~~إذا دخل السبت، وسبت إذا عظم السبت، يعني: ويوم لا يعظمون السبت {لا ~~تأتيهم} وعلى قراءة الحسن: ويوم لا يدخلون السبت لا تأتيهم، وكان ذلك ~~ابتلاء من الله - تعالى - لهم كما قال: {كذلك نبلوهم} أي: نختبرهم {بما ~~كانوا يفسقون} . # PageV02P225 # قوله تعالى: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما} وفي القصة: أنهم احتالوا ~~بحيلة الاصطياد؛ فكانوا يضعون الحبال يوم الجمعة حتى تقع فيها الحيتان يوم ~~السبت، ثم يأخذونها يوم الأحد، وقيل: إن الشيطان وسوس إليهم أن الله - ~~تعالى - # PageV02P225 # {ربكم ولعلهم يتقون (164) فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن ~~السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) فلما عتوا عن ~~ما نهوا عنه قلنا لهم} لم ينهاكم عن الاصطياد في هذا اليوم وإنما نهاكم عن ~~الأكل، فاصطادوا يوم السبت، ثم افترقوا على ثلاث فرق: فرقة اصطادت، وفرقة ~~نهت وأمرت بالمعروف، وفرقة سكتت؛ فقالت الفرقتان للفرقة العاصية: لا ~~نساكنكم قرية عصيتم الله فيها؛ فاعتزلنا القرية وخرجوا، فلما أصبحوا جاءوا ~~إلى باب القرية، فلم يفتحوا لهم الباب؛ فجاءوا بسلم، فلما صعدوا بالسلم، ~~رأوهم قد مسخوا قردة، قال قتادة: كانت لهم أذناب يتعادون. # فقوله: {وإذ قالت أمة منهم} هي الفرقة الساكتة، قالت للفرقة الناهية: {لم ~~تعظون قوما} يعني: الفرقة العاصية {الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ~~قالوا معذرة إلى ربكم} أي: موعظتنا معذرة، وذلك أنا قد أمرنا بالأمر ~~بالمعروف، فنأتهم هذا الأمر وإن لم يقبلوا؛ حتى يكون ذلك لنا عذرا عند الله ~~- تعالى - ويقرأ " معذرة " بالنصب، أي: نعتذر معذرة إلى ربكم {ولعلهم ~~يتقون} . # PageV02P226 # قوله تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به} أي: تركوا ما ذكروا به، قيل: كانوا ~~يصطادون سبعة أيام، وقيل: كانوا قد اصطادوا يوما واحدا. # {أنجينا الذين ينهون عن السوء} يعني: الفرقة الناهية {وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس} يعني: الفرقة العاصية، فأخذناهم بعذاب بئيس على وزن فعيل. وبئس ~~على وزن فعل، وبئس على وزن فعلل، والكل ms0521 واحد، ومعناه: بعذاب شديد، قال ابن ~~عباس: بعذاب لا رحمة فيه. # {بما كانوا يفسقون} قال ابن عباس: أدري أن الفرقة العاصية قد هلكت، وأن ~~الفرقة الناهية قد نجت، ولا أدري ما حال الفرقة الساكتة. # قال عكرمة: ما زلت أنزله - يعني: من الآيات درجة درجة - وأبصره - يعني: ~~ابن عباس - حتى قال: نجت الفرقة الساكتة، وكساني بذلك حلة. فإن عكرمة كان # PageV02P226 # {كونوا قردة خاسئين (166) وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من ~~يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) وقطعناهم في ~~الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون} يكلمه في الآية، ويستدل بظاهرها؛ حتى ظهر الدليل لابن عباس على ~~نجاة الفرقة الساكتة، ومن الدليل عليه في ظاهر الآية أنه قال: {فلما نسوا ~~ما ذكروا به} وتلك الفرقة لم ينسوا ذلك، والثاني أنه قال: {أنجينا الذين ~~ينهون عن السوء} والفرقة الساكتة قد نهوا نهي تحذير بقولهم: لم تعظون قوما ~~الله مهلكهم. # والثالث أنه قال: {وأخذنا الذين ظلموا} يعني: بالاصطياد يوم السبت؛ وهم ~~ما ظلموا بالاصطياد، قال الحسن البصري: نجت الفرقتان، وهلكت واحدة. # PageV02P227 # وقوله تعالى: {فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} وهذا ~~أمر تكوين، وقوله: {خاسئين} أي: مبعدين. # PageV02P227 # قوله تعالى: {وإذ تأذن ربك} أي: أعلم ربك، قال الشاعر: # (تأذن إن شر الناس حي ... ينادي من شعارهم يسار) # وقال الزجاج: معناه: تألى ربك وحلف {ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من ~~يسومهم سوء العذاب} أي: يذيقهم سوء العذاب، وهو الجزية، وقيل: هو قتل ~~بختنصر إياهم فإن قال قائل: كيف يبعث عليهم العذاب، وقد أهلكهم؟ وقيل: أراد ~~به على أبنائهم، ومن يأتي بعدهم {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} . # PageV02P227 # قوله تعالى: {وقطعناهم في الأرض أمما} أي: فرقناهم فرقا، ومعناه: شتتنا ~~أمر اليهود فلا يجتمعون على كلمة واحدة {منهم الصالحون} يعني: الذين أسلموا ~~منهم {ومنهم دون ذلك} يعني الذين بقوا على الكفر. # {وبلوناهم} أي: اختبرناهم {بالحسنات والسيئات} أي: بالخصب والجدب والخير ~~والشر {لعلهم يرجعون} ms0522 . # PageV02P227 # ( {168) فخلف من بعدهم خلف ورثوا لكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون ~~سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون ~~أفلا تعقلون (169) } # PageV02P228 # قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف} اعلم أن الخلف يقال في الذم والمدح ~~جميعا، لكن عند الإطلاق الخلف للمدح، والخلف للذم، قال الشاعر: # (لنا لقدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة لله تابع) # وهاهنا للذم، وأراد به أبناء الذين سبق ذكرهم من أصحاب السبت {ورثوا ~~الكتاب} يعني: انتقل إليهم الكتاب {يأخذون عرض هذا الأدنى} أي: حطام ~~الدنيا، وإنما سميت الدنيا دنيا؛ لأنها أدنى إلى الخلق من الآخرة؛ ولذلك ~~قال: ( {عرض هذا الأدنى} ويقولون سيغفر لنا) وهذا اغترار منهم بالله - ~~تعالى - وفي الحديث: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر من ~~أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله المغفرة " {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} ~~قال مجاهد: وصفهم بالإصرار على الذنب، وقيل معناه: إنهم يأخذون أخذا بعد ~~أخذ لا يبالون من حلال كان أو من حرام، بل يأخذون من غير تفتيش. # {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق} أي: أخذ ~~عليهم العهد ألا يقولوا على الله الباطل في التوارة {ودسوا ما فيه} أي: ~~علموا ذلك فيه بالدرس، قاله الضحاك، ودرس الكتاب: قراءته مرة بعد أخرى ~~{والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} . # PageV02P228 # {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) ~~وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم} # PageV02P229 # قوله تعالى: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة} قيل: هذا في أمة ~~محمد وقيل: هو فيمن أسلم من اليهود، يمسكون بالقرآن، وأقاموا الصلاة {إنا ~~لا نضيع أجر المصلحين} . # PageV02P229 # قوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة} نتقنا أي: رفعنا الجبل ~~فوقهم، وقد ذكر هذا في ms0523 سورة البقرة {وظنوا أنه واقع بهم} يعني: وأيقنوا، ~~والظن: اليقين: وقيل: غلب على ظنهم أنه واقع بهم {خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} وقد ذكرنا القصة في سورة البقرة. # PageV02P229 # قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} في الآية نوع ~~إشكال، وشرحها وتفسيرها في الأخبار، روى مالك في الموطأ بإسناده عن مسلم بن ~~يسار الجهني عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سئل عن هذه الآية، ~~فقال: سمعت رسول الله يقول: " إن الله - تعالى - مسح ظهر آدم، فاستخرج منه ~~ذرية، وقال: هؤلاء في الجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهر آدم ~~فاستخرج ذرية، وقال: هؤلاء أهل النار، وبعمل أهل النار يعملون، فقيل: يا ~~رسول الله، ففيم العمل إذا؟ فقال: إن الله - تعالى - إذا خلق للجنة أهلا ~~استعملهم بعمل أهل الجنة حتى يدخلهم الجنة، وإذا خلق للنار خلقا استعملهم ~~بعمل أهل النار حتى يدخلهم النار " والمعروف والذي عليه جماعة المفسرين في ~~معنى الآية أن الله - تعالى - # PageV02P229 # {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين (172) أو} مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر ~~يتحركون، ثم مسح صفحة ظهر آدم اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، ~~فقال: يا آدم، هؤلاء ذريتك، ثم قال لهم: {ألست بربكم} ؟ قالوا: بلى، فقال ~~للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي ولا أبالي، وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: ~~هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال، ثم أعادهم جميعا في صلبه، ~~فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام ~~النساء. # قال الله تعالى فيمن نقض العهد: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} وروى أبو ~~العالية عن أبي بن كعب في هذه الآية، قال: جمعهم الله جميعا، فجعلهم أرواحا ~~ثم صورهم، ثم استنطقهم، فقال: {ألست بربكم} ؟ قالوا: بلى، شهدنا أنك ربنا ~~وإلهنا، لا رب لنا غيرك، قال الله - تعالى -: فأرسل إليكم رسلي، وأنزل ~~عليكم كتبي، فلا تكذبوا رسلي، وصدقوا ms0524 كلامي، فإني سأنتقم ممن أشرك ولم يؤمن ~~بي، فأخذ عهدهم وميثاقهم. # وفي بعض الأخبار: أن الله استخرج ذرية آدم، فنثرهم بين يدي آدم، ثم كلمهم ~~قبلا - أي: عيانا - فقال: {ألست بربكم} ؟ قالوا: بلى. وقيل: جعل لهم عقولا ~~يفهمون بها، وألسنة ينطقون بها، ثم خاطبهم وألهمهم الجواب. # وقال بعض المفسرين عن علماء السلف: إن الكل قالوا: بلى، لكن المؤمنين ~~قالوا: بلى طوعا، وقال الكافرون كرها، وهذا معنى قوله - تعالى -: {وله أسلم ~~من في السموات والأرض طوعا وكرها} . # رجعنا إلى قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} فإن ~~قال قائل: لما كان الاستخراج من ظهر آدم، فكيف قال: {أخذ ربك من بني آدم من # PageV02P230 # {تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون (173) } ظهورهم) ؟ قال بعض العلماء في جوابه: إن الله - تعالى - ~~استخرجهم من صلب آدم على الترتيب الذي يخرجه من بني آدم من ظهورهم إلى يوم ~~القيامة، فلذلك قال: {أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} . # واعلم أن المعتزلة تأولوا هذه الآية، فقالوا: أراد به الأخذ من ظهور بني ~~آدم على الترتيب الذي مضت به السنة من لدن آدم إلى فناء العالم. # وقوله: {وأشهدهم على أنفسهم} يعني كما نصب من دلائل العقول التي تدل على ~~كونه ربا، ويلجئهم إلى الجواب بقولهم: بلى، وأنكروا الميثاق. وهذا تأويل ~~باطل، وأما أهل السنة مقرون بيوم الميثاق، والآية على ما سبق ذكره. # {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة ~~إنا كنا عن هذا غافلين} واختلفوا في قوله: {شهدنا} قل بعضهم: هذا من قول ~~الله والملائكة قالوا: شهدنا، وقيل: هو قول المخاطبين، قالوا: بلى شهدنا، ~~وقيل: فيه حذف، وتقديره: أن الله تعالى قال للملائكة: اشهدوا، فقالوا: ~~شهدنا. # وأما قوله تعالى: {أن تقولوا يوم القيامة} يقرأ بالياء والتاء، فمن قرأ ~~بالياء فتقدير الكلام: وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا ~~كنا عن هذا غافلين، ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام: أخاطبكم ألست ms0525 بربكم؟ ~~لئلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. فإن قال قائل: الحجة إنما ~~تلزم في الدنيا إذا رجعوا عن ذلك العهد الذي كان يوم الميثاق واحد لا يذكر ~~ذلك الميثاق حتى يكون بالرجوع معاندا، فتلزمه الحجة، وقيل: إن الله - تعالى ~~- قد أوضح الدلائل ونصبها على وحدانيته، وصدق قوله، وقد أخبر عن يوم ~~الميثاق، وهو صادق في الأخبار، فكل من نقض ذلك العهد كان معاندا ولزقته ~~الحجة. # PageV02P231 # قوله تعالى: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل} يعني: إنما أخذت ما ~~أخذت # PageV02P231 # {وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) واتل عليهم نبأ الذي آتيناه ~~آياتنا فانسلخ} من العهد والميثاق عليكم جميعا؛ لئلا تقولوا: {إنما أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} يعني: أن الجناية من الآباء، وكنا ~~أتباعا لهم؛ فيجعلوا لأنفسهم حجة وعذرا عند الله، وفي هذا دليل على أن ~~أولاد الكفار يكونون مع الكفار. # {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أي: تأخذنا بجناية آبائنا المبطلين؟ . # PageV02P232 # قوله تعالى: {وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون} . # PageV02P232 # قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} قال ابن ~~عباس وابن مسعود: في بلعم بن باعور، ويقال: بلعام بن باعر، كان في مدينة ~~الجبارين، وكان معه الاسم الأعظم، فلما قصدهم موسى بجنده، قالوا لبلعم: إن ~~موسى رجل فيه حدة، فادع الله حتى يرد عنا موسى، وقيل: إن ملكهم دعاه إلى ~~نفسه وقال له ذلك، فقال بلعم: لو فعلت ذلك ذهب ديني ودنياي، فألحوا عليه ~~حتى دعا الله - تعالى - فاستجيبت دعوته، ورد عنهم موسى، وأوقعهم في التيه، ~~فلما وقعوا في التيه، قال موسى: يا رب بم حبستنا في التيه؟ قال: بدعاء ~~بلعم. قال موسى: اللهم فكما استجبت دعوته فينا فاستجب دعوتي فيه، ثم دعا ~~الله - تعالى - حتى ينزع عنه اسمه الأعظم والإيمان، ففعل، وقيل: نزع الله ~~عنه الاسم الأعظم والإيمان، معاقبة له على ما دعا، ولم يكن ذلك بدعوة موسى؛ ~~فهذا معنى قوله تعالى: {فانسلخ منها} . # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: الآية في أمية بن أبي ms0526 الصلت الثقفي كان ~~يطلب الدين قبل مبعث النبي، وكان يطمع أن يكون نبيا، فلما بعث النبي حسده ~~وكفر به، وكان أمية صاحب حكمة وموعظة حسنة. # وقال الحسن: الآية في منافقي اليهود. وقال مجاهد: الآية في نبي من ~~الأنبياء بعثه الله - تعالى - إلى قومه، فرشاه قومه. وهذا أضعف الأقوال؛ ~~لأن الله تعالى يعصم أنبياءه عن مثل ذلك، وعن ابن عباس - في رواية أخرى - ~~أن الآية في رجل من بني إسرائيل كانت له ثلاث دعوات مستجابة أعطاه الله ~~تعالى ذلك، وكانت له امرأة # PageV02P232 # {منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه ولكنه أخلد ~~إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ~~ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) ساء ~~مثلا القوم الذين} دميمة؛ فقالت له: ادع الله أن يجعلني من أجمل نساء ~~العالم، فدعا الله تعالى فاستجاب دعوته؛ فتمردت واستعصت عليه؛ فدعا الله ~~تعالى أن يجعلها كلبة؛ فجعلت، فقال له بنوها: ادع الله أن يردها، فدعا الله ~~تعالى فعادت كما كانت، فذهبت فيها دعواته الثلاثة، والقولان الأولان أظهر. # وقوله: {فأتبعه الشيطان} أي: أدركه الشيطان، يقال: تبعه إذا سار في أثره، ~~واتبعه إذا أدركه {فكان من الغاوين} أي: من الضالين. # PageV02P233 # قوله تعالى: {ولو شئنا لرفعناه بها} أي لرفعنا درجته ومنزلته بتلك الآيات ~~وأمتناه قبل أن يكفر، وقيل معناه: لو شئنا [لحلنا] بينه وبين الكفر {ولكنه ~~أخلد إلى الأرض} أي: مال إلى الدنيا، {واتبع هواه} وهذه أشد آية في حق ~~العلماء، وقلما يخلوا عن أحد هذين عالم من الركون إلى الدنيا، ومتابعة ~~الهوى. # {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} ضرب له مثلا بأخس ~~حيوان في أخس الحال؛ فإنه ضرب له المثل بالكلب لاهثا، وحقيقة المعنى: أنك ~~إن حملت على الكلب وطردته يلهث، وإن تتركه يلهث، فكذلك الكافر، إن وعظته ~~وزجرته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال، واللهث: إدلاع اللسان. # {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} ضرب المثل ثم بين أنه ms0527 مثل ذلك ~~(الذي) سبق ذكره، وقيل: هذا كله ضرب مثل للكفار مكة؛ فإنهم كانوا يتمنون أن ~~يكون منهم بني، فلما بعث النبي حسدوه وكفروا؛ فكانوا كفارا قبل بعثته ~~وكفارا (بعد بعثته) {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} . # PageV02P233 # {كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) من يهد الله فهو المهتدي ومن ~~يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم ~~قلوب لا} # PageV02P234 # قوله تعالى {ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا} أي: بئس المثل مثلا ~~القوم ( {وأنفسهم كانوا يظلمون} # PageV02P234 # من يهد الله) أي: من يهده الله {فهو المهتد ومن يضلل} أي: ومن يضلله الله ~~{فأولئك هم الخاسرون} وهذا دليل على القدرية؛ حيث نسب الهداية والضلالة إلى ~~فعله من غير سبب. # PageV02P234 # قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} أي: خلقنا لجهنم ~~كثيرا، وهذا على وفق قول أهل السنة، وروت عائشة - رضي الله عنها - عن النبي ~~أنه قال: " إن الله تعالى خلق الجنة، وخلق لها أهلا؛ خلقهم لها وهم في ~~أصلاب بائهم، وخلق النار، وخلق لها أهلها، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم " ~~وهذا في الصحيح، وفي رواية أخرى: " إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا ~~بأسمائهم وأسماء آبائهم وأسماء قبائلهم، وخلق النار، وخلق لها أهلا ~~بأسمائهم وأسماء آبائهم وأسماء قبائلهم - وهذا الحديث ليس في الصحيح - لا ~~يزاد فيهم ولا ينقص " وقيل معنى قوله: {ولقد ذرأنا لجهنم} أي: ذرأناهم، ~~وعاقبة أمرهم إلى جهنم، واللام لام العاقبة، وهذا مثل قول القائل: # (يا أم سليم فلا تجزء عن ... فللموت ما تلد الوالدة) # وقال آخر: # (وللموت تغذوا الوالدات سخالها ... كما لخراب الدهر تبنى المساكن) # PageV02P234 # {يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون (179) ولله الأسماء الحسنى فادعوه ~~بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180) وممن خلقنا ~~أمة يهدون بالحق} # والأول أصح، وأقرب إلى مذهب أهل السنة، وقوله: {لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون ms0528 بها} ومعناه: أنهم لما لم ~~يفقهوا بقلوبهم ما انتفعوا به، ولم يبصروا بأعينهم، ولم يسمعوا بآذانهم؛ ما ~~انتفعوا به؛ فكأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون شيئا، وهذا كما قال ~~مسكين الداري: # (أعمى إذا ما جارتي برزت ... حتى توارى جارتي الخدر) # (أصم عما كان بينهما سمعي ... وما بالسمع من وقر) # {أولئك كالأنعام} يعني: في أن همتهم من الدنيا الأكل والتمتع بالشهوات ~~{بل هم أضل} وذلك أن الأنعام تميز بين المضار والمنافع، وأولئك لا يميزون ~~ما يضرهم عما ينفعهم {أولئك هم الغافلون} . # PageV02P235 # قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} الأسماء الحسنى هي ما وردت ~~في الخبر، روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: " إن لله تسعة وتسعين اسما - ~~مائة غير واحد - من أحصاها دخل الجنة "، وقوله: {الحسنى} يرجع إلى ~~التسميات، وقوله {فادعوه بها} وذلك بأن يقول: يا عزيز، يا رحمن، ونحو هذا، ~~واعلم أن أسماء الله تعالى على التوقيف؛ فإنه يسمى جوادا ولا يسمى سخيا، ~~وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيما ولا يسمى رقيقا، ويسمى عالما ولا يسمى ~~عاقلا، وعلى هذا لا يقال: يا خادع، يا مكار، وإن ورد في القرآن ( {يخادعون ~~الله وهو خادعهم} ويمكرون ويمكر الله) لكن لما لم يرد الشرع بتسميته به لم ~~يجز ذلك له. # {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} قال يعقوب بن السكيت صاحب الإصلاح: # PageV02P235 # {وبه يعدلون (181) والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~(182) وأملي لهم إن كيدي متين (183) أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو ~~إلا نذير} الإلحاد: هو الميل عن الحق، وإدخال ما ليس في الدين، قيل: ~~والإلحاد في الأسماء هاهنا: كانوا يقولون في مقابلة اسم الله: اللآت، وفي ~~مقابلة العزيز: العزى، ومناة في مقابلة المنان، وقيل: هو تسميتهم الأصنام ~~آلهة، وهذا أعظم الإلحاد في الأسماء، فهذا معنى قوله: {وذروا الذين يلحدون ~~في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} . # PageV02P236 # قوله تعالى: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} روى قتادة مرسلا عن ~~النبي أنه قال: " هؤلاء من هذه الأمة، وقد كان ms0529 فيمن قبلكم " وأشار به إلى ~~قوم موسى، كما قال تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} . # PageV02P236 # قوله تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} قال ~~الأزهري: الاستدراج: هو الأخذ قليلا قليلا، ومنه درج الكتاب، وقيل: ~~الاستدراج من الله هو أن العبد كلما ازداد معصية زاده الله - تعالى - نعمة، ~~وقيل: هو أن يكثر عليه النعم وينسيه الشكر، ثم يأخذه بغتة؛ فهذا هو ~~الاستدراج من حيث لا يعلمون. # PageV02P236 # قوله تعالى: {وأملي لهم} أي: أمهل لهم وأؤخر لهم {إن كيدي متين} أي: ~~شديد. # PageV02P236 # قوله تعالى {أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين} سبب ~~نزول هذه الآية ما روي: " أن النبي ذات ليلة صعد الصفا، وهو ينادي طول ~~الليل: يا بني فلان، يا بني فلان، إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فلما ~~أصبحوا قالوا: إن محمدا قد جن، يصيح طول الليل؛ فنزلت هذه الآية " {أو لم ~~يتفكروا} " يعني: في حال محمد أنه لا يليق بحاله الجنون. # PageV02P236 # {مبين (184) أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء ~~وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل الله ~~فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186) يسألونك عن الساعة أيان مرساها ~~قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا ~~تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون (187) # PageV02P237 # قوله تعالى: {أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض} يعني: استدلوا بها ~~على وحدانية الله تعالى {وما خلق الله من شيء} أي: أو لم ينظروا إلى ما خلق ~~الله من شيء {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} يعني: لعل قد اقترب أجلهم ~~فيموتوا قبل أن يؤمنوا {فبأي حديث بعده يؤمنون} أي: بأي نبي بعد محمد، وبأي ~~كتاب بعد كتاب محمد يؤمنون. # PageV02P237 # قوله تعالى: {من يضلل الله} أي: من يضلله الله {فلا هادي له ويذرهم في ~~طغيانهم ms0530 يعمهون} أي: في غلوهم في الباطل {يعمهون} يتحيرون ويترددون. # PageV02P237 # قوله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} أي: مثبتها، يقال: أرسى، ~~أي: أثبت، ومعناه: يسألونك عن الساعة متى قيامها {قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها} لا يظهرها لوقتها ( {إلا هو} ثقلت في السموات والأرض) أي: ~~خفي علمها في السموات والأرض، فكأنما ثقلت، وكل خفي ثقيل، ومعناه: ثقيل ~~وصفها على أهل السموات والأرض؛ بما يكون فيها من تكوير الشمس والقمر، ~~وتكوير النجوم، وتسيير الجبال، وطي السموات والأرض، وقيل معناه: عظم وقوعها ~~على أهل السموات والأرض. # {لا تأتيكم إلا بغتة} أي: فجأة. # {يسألونك كأنك حفي عنها} أي كأنك مسرور بسؤالهم عنها، يقال: تحفيت فلانا ~~في المسألة إذا سألته وأظهرت السرور في سؤالك، فعلى هذا تقدير الآية: # PageV02P237 # {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) ~~هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت ~~حملا خفيفا فمرت به} يسألونك عنها كأنك حفي بسؤالهم، وقيل معناه: يسألونك ~~كأنك حفي عنها أي: عالم بها، يقال: أحفيت فلانا، إذا ما بالغت في المسألة ~~عنه حتى علمت، فعلى هذا معنى الآية: كأنك حفي عنها، أي: كأنك بالغت في ~~السؤال عنها، حتى علمت {قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~. # PageV02P238 # قوله تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: معناه: ولو كنت أعلم الخصب من الجدب لأعددت من الخصب للجدب وما ~~مسني الجوع، قاله ابن عباس. # وقال ابن جريج: معناه: لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من الخيرات ~~والطاعات، وما مسني السوء أي: ما بي جنون؛ لأنهم كانوا نسبوه إلى الجنون. # القول الثالث: معناه: ولو كنت أعلم متى الساعة لأخبرتكم بقيامها حتى ~~تؤمنوا، وما مسني السوء يعني: بتكذيبكم {إن أنا إلا ms0531 نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون} . # PageV02P238 # قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني: آدم {وجعل منها زوجها} ~~يعني: حواء ( {ليسكن إليها} فلما تغشاها) أي: وطئها، والغشيان أحسن كناية ~~عن الوطء، يقال: تغشاها وتخللها، إذا وطئها. # {حملت حملا خفيفا} هو أول ما تحمل المرأة من النطفة {فمرت به} وقرأ يحيى ~~بن يعمر: " فمرت به " خفيفا من المرية أي: شكت، وقرئ في الشواذ: " فمارت ~~به: " أي: تحركت به من المور، وقرأ ابن عباس: " فاستمرت به " وهو معنى ~~القراءة المعروفة، ومعناه: فمرت بالحمل حتى قامت وقعدت ودخلت وخرجت، وقيل: ~~هو مقلوب، وتقديره فمر الحمل بها حتى قامت وقعدت {فلما أثقلت} أي: حان # PageV02P238 # {فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (189) ~~فلما آتاهما} وقت الولادة {دعوا الله ربهما} . # وفي القصة: أن إبليس جاء إلى حواء حين حبلت، وقال لها: أتدرين ما في ~~بطنك؟ قالت: لا. فقال: لعله بهيمة، وإني أخشى أن تكون لها قرنان تشق بهما ~~بطنك؛ فخافت حواء، وجلست حزينة، ثم عاد إليها اللعين، وقال: أتريدين أن ~~أدعو الله تعالى حتى يجعله إنسانا متكلما؟ قالت: نعم. إني قد وسوست إليكما ~~مرة فأطيعاني حتى أدعو، فقالت: ماذا نصنع؟ قال اللعين: إذا ولدت تسميه عبد ~~الحارث - وكان اسم إبليس من قبل الحارث - فذكرت ذلك لآدم، فتوافقا على ذلك، ~~فلما ولدت سمياه عبد الحارث، وقيل: إنها ولدت مرة فسمياه عبد الله فمات، ثم ~~ولدت ولد آخر فسمياه عبد الله فمات، فجاء اللعين، وقال: أما علمتما أن الله ~~تعالى لا يدع عبده عندكما، فإذا ولدت ولدا فسميه عبد الحارث، حتى يحيا، ~~فلما ولدت الثالث سمياه عبد الحارث فعاش وحيا. # وفي الخبر: قال النبي: " خدعهما إبليس مرتين: مرة في الجنة، ومرة في ~~الأرض " وأراد به هذا ". قوله {فلما أثقلت دعوا الله ربهما} يعني: آدم ~~وحواء {لئن آتيتنا صالحا} أي: ولدا سوى الخلق، إذ كانا [يدعوان] أن يجعله ~~الله إنسانا مثلهما خوفا من وسوسة إبليس ( {لنكونن من الشاكرين} # PageV02P239 # فلما آتاهما صالحا) أي: سوى الخلق {جعلا له ms0532 شركاء فيما آتاهما} يعني ~~سمياه عبد الحارث، فإن قال قائل: كيف يقول: {جعلا له شركاء} وآدم كان نبيا ~~معصوما عن الإشراك بالله؟ # قيل: لم يكن هذا إشراكا في التوحيد، وإنما ذلك إشراك في الاسم، وذلك لا ~~يقدح في التوحيد، وهو مثل تسمية الرجل ولده عبد يغوث وعبد زيد وعبد عمرو، ~~وقول الرجل لصاحبه: أنا عبدك، وعلى ذلك قول يوسف - صلوات الله عليه -: {إنه ~~ربي أحسن مثواي} ومثل هذا لا يقدح، وأما قوله: {فتعالى الله عما يشركون} # PageV02P239 # {صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون (190) أيشركون ~~ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون ~~(192) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم ~~صامتون (193) إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا ~~لكم إن كنتم صادقين} ابتداء كلام بعد الأول، وأراد به: إشراك أهل مكة، ولئن ~~أراد به الإشراك الذي سبق استقام الكلام؛ لأنه كان الأولى ألا يفعل ما أتى ~~به من الإشراك في الاسم، وكان ذلك زلة منه، فلذلك قال: {فتعالى الله عما ~~يشركون} وفي الآية قول آخر: أن هذا في جميع بني آدم. قال عكرمة: وكأن الله ~~يخاطب به كل واحد من الخلق بقوله: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني: خلق ~~كل واحد من أبيه {وجعل منها زوجها} أي: جعل من جنسها زوجها {ليسكن إليها} ~~يعني: كل زوج إلى زوجته {فلما تغشاها} أي: وطئها {حملت حملا خفيفا فمرت به} ~~وهذا قول حسن في الآية. # وقيل: إنما عبر بآدم وحواء عن جميع أولادهما؛ لأنهما أصل الكل، والأول ~~أشهر وأظهر، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير. وجماعة المفسرين ~~كلهم قالوا: إن الآية في آدم وحواء كما بينا. # PageV02P240 # قوله تعالى: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} يعني: الأصنام لا ~~يخلقون شيئا بل هم مخلوقون # PageV02P240 # {ولا يستطيعون لهم نصرا} أي: منعا {ولا أنفسهم ينصرون} . # PageV02P240 # قوله تعالى: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم} هذا في قوم مخصوصين علم ~~الله ms0533 أنهم لا يؤمنون {سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون} أي: سواء ~~دعوتموهم أو لم تدعوهم لا يؤمنون) # PageV02P240 # قوله تعالى: {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} . فإن قال قائل: ~~كيف تكون الأصنام عبادا أمثالنا؟ قيل: قال مقاتل: أراد به الملائكة. ~~والخطاب مع قوم كانوا # PageV02P240 # ( {194) ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون ~~بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195) إن ~~وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) والذين تدعون من دونه ~~لا يستطيعون} يعبدون الملائكة، وقيل: أراد به الشياطين. والخطاب مع قوم ~~كانوا يعبدون الكهنة والشياطين، والصحيح أنه في الأصنام، وهم عباد أمثال ~~الناس في العبادة، وعبادتهم التسبيح، وللجمادات تسبيح كما نطق به الكتاب. ~~{وإن من شيء إلا يسبح بحمده} وقوله {أمثالكم} يعني: أن الأصنام مذللون ~~مسخرون لما أريد منهم مثلكم، وهذا مثل قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ~~ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} ومعناه: أمثالكم في شيء دون شيء ~~كذلك هاهنا وقيل: إنما قال: {أمثالكم} لأنهم صوروها على صورة الأحياء، ~~وطلبوا منها ما يطلب من الأحياء. # {فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} وهذا لبيان عجزهم، ثم أكده ~~فقال: # PageV02P241 # {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم ~~لهم آذان يسمعون بها} وذلك أن قدرة المخلوقين إنما تكون بهذه الآلات ~~والجوارح، وليست لهم تلك الآلات، بل أنتم أكبر قدرة منهم لوجود هذه الأشياء ~~فيكم. # {قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون} أي: فلا تمهلون. # PageV02P241 # قوله تعالى: (إن وليي الله الذي نزل الكتاب) يعني: ناصري ومعيني الله ~~الذي نزل الكتاب، وقرئ في الشواذ: " إن ولي الله " بكسر الهاء، ومعناه: ~~جبريل ولي الله الذي نزل الكتاب أي: نزل بالكتاب {وهو يتولى الصالحين} ~~يعني: جبريل ولي الصالحين، وهذا مثل قوله تعالى: {فإن الله هو مولاه ~~وجبريل} . # PageV02P241 # قوله تعالى {والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم # PageV02P241 # {نصركم ولا أنفسهم ينصرون ms0534 (197) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ~~ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين} ~~ينصرون) وهذا لبيان عجزهم أيضا # PageV02P242 # {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا} يعني: الأصنام {وتراهم ينظرون إليك وهم ~~لا يبصرون} فإن قيل: كيف يتصور النظر من الأصنام؟ قال الكسائي: تقول العرب: ~~داري تنظر إلى دار فلان، إذا كانت مقابلة لما، فكذلك قوله: {وتراهم ينظرون ~~إليك} يعني: نظر المقابلة. # PageV02P242 # قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} روى: " أن جبريل - ~~صلوات الله عليه - لما نزل بهذه الآية، قال: يا رسول الله، أتيتك بمكارم ~~الأخلاق، فروى أن النبي سأل جبريل عن معنى هذه الآية، فقال له: حتى أسأل ~~ربي، ثم رجع وقال: صل من قطعك، وأعط من حرمك واعف عن من ظلمك ". # ثم اختلفوا في معنى هذا العفو، فقال عطاء: هو الفضل من أموال الناس. وكان ~~في الابتداء يجب التصدق بما فضل من الحاجات، ثم صار منسوخا بآية الزكاة، ~~وهذا معنى قوله تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} وقال ابن الزبير: ~~العفو: ما تيسر من أخلاق الناس، أي: خذ الميسور من أخلاق الناس مثل: قبول ~~الاعتذار، والعفو والمساهلة في الأمور، وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك. # وقوله: {وأمر بالعرف} هو الأمر بالمعروف، وهو ما يعرفه الشرع. # وقوله: {وأعرض عن الجاهلين} يعني: إذا سفه عليك الجاهل فلا تكافئه ولا ~~تقابله بالسفه، وذلك مثل قوله: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} وذلك # PageV02P242 # ( {199) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) ~~وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) وإذا لم تأتهم بآية قالوا ~~لولا اجتبيتها قل إنما} سلام المنازعة، قال: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} ~~يعني: أكرموا أنفسهم عن الخوض فيه. # وروى أن عيينة بن حصن - وكان سيد غطفان - لما قدم المدينة قال للحر بن ~~قيس: لك وجه عند أمير المؤمنين؛ فاستأذن لي عليه، فاستأذن له فدخل على عمر ~~- رضي الله عنه - فقال ms0535 له: إنك لا تقضي فينا بالحق، ولا تقسم فينا بالعدل، ~~فغضب عمر وهم أن يؤديه، فقال الحر بن قيس: إن الله تعالى يقول: {وأعرض عن ~~الجاهلين} وهذا من الجاهلين، فسكت عمر - رضي الله عنه -. # PageV02P243 # قوله تعالى {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} النزغ من الشيطان: الوسوسة ~~{فاستعذ بالله} أي: استجر بالله {إنه سميع عليم} . # PageV02P243 # قوله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان} وتقرأ: " طائف " ~~ومعناهما واحد. # قال سعيد بن جبير: هو الغضب. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو الوسوسة. وأصل ~~الطيف: الجنون. # {تذكروا فإذا هم مبصرون} وفي معناه قولان: أحدهما: أنهم إذا وسوسهم ~~الشيطان بالمعصية ذكروا عقاب الله؛ فإذا هم كافون عن المعصية. # والقول الثاني معناه: ذكروا الله؛ فإذا هم يبصرون الحق عن الباطل. # PageV02P243 # قوله تعالى: {وإخوانهم} أي: أشباههم من الشياطين {يمدونهم} أي: يردونهم ~~{في الغي} في الضلالة {ثم لا يقصرون} أي: لا يكفون. # PageV02P243 # {أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ~~(203) وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) واذكر ربك ~~في نفسك تضرعا} # PageV02P244 # قوله تعالى: {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبتها} كانوا يسألون النبي ~~الآيات (تعنتا) ويستكثرون منها، فإذا لم يقرأ عليهم آية قالوا: لولا ~~اجتبيتها، أي: هلا اختلقتها وقلتها من تلقاء نفسك. قال: {قل إنما أتبع ما ~~يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم} يعني: القرآن {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} ~~. # PageV02P244 # قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} قال ~~الحسن، والزهري، والنخعي: هذا في القراءة في الصلاة. وقال عطاء ومجاهد: هو ~~في الخطبة. ولم يرضوا من مجاهد هذا القول؛ لأن الآية مكية، والجمعة إنما ~~وجبت بالمدينة، ولأن الاستماع في جميع الخطبة واجب، ولا يختص بالقراءة في ~~الخطبة. فالأول أصح. # وليس لمن يرى ترك القراءة خلف الإمام مستدل (في الآية) ؛ لأن القراءة خلف ~~الإمام لا تنافي الاستماع؛ لأنه يتبع سكتات الإمام، ولأن الآية فيما وراء ~~الفاتحة؛ بدليل حديث عبادة بن الصامت، عن النبي أنه قال: " إذا كنتم ms0536 خلفي ~~فلا تقرءوا إلا بأم القرآن ". # وفي الآية: قول ثالث: أن المراد به النهي عن الكلام في الصلاة. قاله أبو ~~هريرة. وهذا قول حسن. # PageV02P244 # قوله تعالى {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفه} قيل: هذا في الدعاء أي: ادع ~~الله بالتضرع والخيفه. وقيل: هو في صلاة السر. # PageV02P244 # {وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين (205) إن ~~الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206) . # {ودون الجهر من القول} أراد به: في صلاة الجهر لا تجهر جهرا شديدا ~~{بالغدو والأصال} فالغدو: أوائل النهار، والآصال: أواخر النهار {ولا تكن من ~~الغافلين} عن ذكر الله. # PageV02P245 # قوله تعالى: {إن الذين عند ربك} يعني: الملائكة؛ ذكرهم بالتقريب والكرامة ~~{لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} يعني: إن كان هؤلاء يستكبرون ~~عن عبادة الله تعالى؛ فالذين عنده لا يستكبرون عنها. # وقد ورد في السجود أخبار منها: ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن ~~النبي أنه قال: " إذا سجد ابن آدم؛ اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلاه، ~~أمر ابن آدم بالسجود فسجد؛ فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت؛ فلي النار ". # وفي حديث ربيعة بن كعب الأسلمي: " أنه أتى النبي بوضوئه لحاجته فقال: ~~سلني. فقلت: أريد مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ فقلت: هو ذاك، فقال: ~~أعني على نفسك بكثرة السجود " أخرجه مسلم في الصحيح. # وروى أبو فاطمة عن النبي أنه قال: " ما من عبد يسجد لله سجدة؛ إلا رفعه ~~الله بها درجة ". والله أعلم. # PageV02P245 # بسم الله الرحمن الرحيم # {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا} # تفسير سورة الأنفال # قال الشيخ الإمام رضي الله عنه: سورة الأنفال مدنية إلا سبع آيات؛ وذلك ~~من قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} إلى آخر الآيات السبع؛ فإنها نزلت ~~بمكة، وأكثر السورة في غزوة بدر. # PageV02P246 # قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال} والسؤال سؤالان: سؤال استخبار، وسؤال ~~طلب؛ فقوله: {يسألونك عن الأنفال} سؤال استخبار؛ فإنهم سألوه عن حكم ~~الأنفال. # وقرأ ابن مسعود وسعد ms0537 بن أبي وقاص: " يسألونك الأنفال " وهذا سؤال طلب. ~~روى مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص أنه قال: " سألت رسول الله سيفا ~~يوم بدر فقلت: نفلنيه يا رسول الله، فنزل قوله: {يسألونك عن الأنفال} ". # و ### | الأنفال # : الغنائم. والنفل في اللغة: الزيادة، قال لبيد بن ربيعة العامري شعرا: # (إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل) # ومنه صلاة النافلة؛ لأنها زيادة على الفريضة. فسميت الغنائم أنفالا؛ ~~لأنها زيادة كرامة من الله تعالى لهذه الأمة على الخصوص. # وسبب نزول الآية ما روى " أن أصحاب النبي افترقوا يوم بدر فرقتين: فرقة ~~كانت تقاتل وتأسر، وفرقة تحرس رسول الله، ثم تنازعوا، فقالت الفرقة ~~المقاتلة: # PageV02P246 # {الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم} الغنائم لنا؛ قاتلنا وأسرنا، وقال الآخرون: كنا ردءا لكم، ونحرس ~~رسول الله، فالغنيمة بيننا؛ فنزل قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال} . # وفي رواية: " أن النبي قال يومئذ: من قتل قتيلا فله كذا، ومن أسر أسيرا ~~فله كذا، فتسارع الشبان وقاتلوا وأسروا، وبقي الشيوخ مع الرسول - عليه ~~السلام - يحرسونه ثم تنازعوا في الغنيمة، فقال الشبان: الغنيمة لنا؛ لأنا ~~قاتلنا. وقال الشيوخ: كنا نحرس رسول الله، وكنا ردءا لكم. وكان الذي تكلم ~~من الشبان أبو اليسر والذي تكلم من الشيوخ سعد بن معاذ، فنزلت الآية، فقسم ~~النبي الأنفال بين الكل. # وقوله: {قل الأنفال لله والرسول} واختلفوا فيه قال مجاهد، وعكرمة: الآية ~~منسوخة بقول تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة وللرسول} فهذه ~~الآية ردت من الكل إلى الخمس، فكانت ناسخة للأولى. # وقيل: الآية غير منسوخة، ومعنى قوله: {قل الأنفال لله والرسول} أي: حكمها ~~لله والرسول؛ فتكون موافقة لتلك الآية. # {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} قال: ثعلب: يعني: أصلحوا الحالة التي ~~بينكم، ومعناه: الإصلاح بترك المنازعة وتسليم أمر الغنيمة إلى الله والرسول ~~{وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} . # PageV02P247 # قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} قال ابن أبي ~~نجيح: # PageV02P247 # {وإذا تليت عليهم آياته ms0538 زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات ~~عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون} أي: خافت وفرقت، قال الشاعر: # (لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول) # {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} أي: يقينا وتصديقا؛ وذلك أنه كلما ~~نزلت آية فآمنوا به ازدادوا إيمانا وتصديقا، وهذا دليل لأهل السنة على أن ~~الإيمان يزيد وينقص {وعلى ربهم يتوكلون} التوكل هو الاعتماد على الله ~~والثقة به. # PageV02P248 # (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) إقامة الصلاة هي أداؤها في ~~أوقاتها بشرائطها وأركانها. # PageV02P248 # {أولئك هم المؤمنون حقا} قال مقاتل: يعني: إيمانا لا شك فيه. وقيل: برأهم ~~من الكفر والنفاق. # وفيه دليل لأهل السنة على انه لا يجوز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنا ~~حقا؛ لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قوما مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد ~~لا يتحقق في نفسه وجود تلك الأوصاف. # {لهم درجات عند ربهم} قال الربيع بن أنس: الدرجات سبعون درجة، ما بين كل ~~درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة {ومغفرة ورزق كريم} أي: كامل لا نقص ~~فيه. # PageV02P248 # قوله تعالى: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} الأكثرون على أنه في إخراجه ~~من المدينة إلى بدر للقتال مع المشركين. وقيل: هو في إخراجه من مكة إلى ~~المدينة. # PageV02P248 # ( {5) يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ~~(6) وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم} # واختلفوا في أن قوله: {كما أخرجك} إلى ماذا ترجع كاف التشبيه؟ قال ~~المبرد: تقديره: الأنفال لله وللرسول وإن كرهوا، كما أخرجك ربك من بيتك وإن ~~كرهوا. وقول الفراء قريب من هذا، وهكذا قول الزجاج؛ فإنهما قالا: تقديره: ~~امض لأمر الله في الأنفال وإن كرهوا كما مضيت لأمر الله عند إخراجك من بيتك ~~وإن كرهوا. # وقيل: هو راجع إلى قوله تعالى: {فاتقوا الله} وتقديره: كما أخرجك ربك ms0539 من ~~بيتك بالحق فاتبعت أمره فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. وقيل: هو راجع إلى ~~قوله تعالى: {لهم درجات عند ربهم} وتقديره: وعد الدرجات حق كما أخرجك ربك ~~من بيتك بالحق؛ فأنجز والوعد بالنصر والظفر. وقال أبو عبيدة: " ما " هاهنا ~~بمعنى: " الذي " أي: كالذي أخرجك ربك. # {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين} وذلك أن ~~أصحاب رسول الله كرهوا خروجه إلى بدر، وجادلوا فيه، فقالوا: لا نخرج؛ فإنا ~~لم نستعد للقتال، وليس معنا أهبة الحرب. # وقوله: {بعد ما تبين} معناه: ما تبين لهم صدقه في الوعد بما وعدهم مرة ~~بعد أخرى فصدقهم في وعده. # {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} فيه تقديم وتأخير، وتقديره: وإن ~~فريقا من المؤمنين لكارهونه كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، يجادلونك ~~في الحق بعد ما تبين. # PageV02P249 # قوله تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} سبب هذا: ما روي ~~أن أبا سفيان قدم على عير من قبل الشام فيها أموال قريش، فبلغ ذلك رسول ~~الله وأصحابه بالمدينة، فخرجوا في طلب العير، فبعث أبو سفيان رجلا إلى مكة ~~يستنفرهم ويستغيث بهم، فخرج أبو جهل ورءوس المشركين في سبعمائة وخمسين # PageV02P249 # {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) ليحق الحق ~~ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف} رجلا، وكان المسلمون يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر نفرا، ولم يكن لهم ~~كثير سلاح، وكان معهم فرسان فحسب، أحدهما للمقداد بن عمرو، والآخر لأبي ~~مرثد الغنوي، وكان معهم ستة أدرع، وكان أكثرهم رجاله، وبعضهم على الأبعرة، ~~فوعدهم الله - تعالى - إحدى الطائفتين: إما العير (أو) النفير، وكان أبو ~~سفيان صاحب العير، وأبو جهل صاحب النفير، فالتقى الجمعان، ووقعوا في ~~القتال، وأخذ العير طريق الساحل وذهبوا، وكان المسلمون يودون أن يظفروا ~~بالعير ويفوزوا بالمال من غير القتال " فهذا معنى قوله: {وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم} والشوكة: السلاح. # {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} أي: يظهر الحق ويعلى كلمته {ويقطع دابر ~~الكافرين} ms0540 أي: أصل الكافرين. # PageV02P250 # {ليحق الحق ويبطل الباطل} أي: يثبت الحق وينفي الباطل {ولو كره المجرمون} ~~. # PageV02P250 # قوله تعالى: {إذ تسغيثون ربكم} الاستغاثة: طلب الغوث {فاستجاب لكم أني ~~ممدكم بألف من الملائكة مردفين} سبب هذا ما روى: " أنه لما التقى الجمعان ~~ببدر استقبل النبي القبلة ورفع يديه وقال: اللهم أنجزني ما وعدتني، اللهم ~~إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض، وعلا به صوته فقال له أبو بكر: خفض ~~من صوتك يا رسول الله؛ فإن الله منجزك ما وعدك " فنزلت الآية واستجاب ~~دعاءه، وأمدهم الله تعالى بالملائكة؛ فروى: " أنه نزل جبريل في خمسمائة، ~~وميكائيل في خمسمائة، وكان على رءوسهم عمائم بيض قد أرخوا أطرافها بين ~~أكتافهم، وهم على صور البشر # PageV02P250 # {من الملائكة مردفين (9) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما ~~النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (10) إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ~~وينزل عليكم من} على خيل بلق " فهذا معنى قوله: {فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف من الملائكة مردفين} يقال: ردفه وأردفه إذا (أتبعه) ، قال الشاعر: # (إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا) # فمعنى قوله {مردفين} أي: متتابعين بعضهم في إثر بعض. وهذا معنى القراءة ~~الثانية بفتح الدال. ومنهم من فرق بينهما وقال: مردفين أي: ممدين بعضهم ~~لبعض. ومن قرأ بفتح الدال فمعناه: ممدين من قبل الله. # PageV02P251 # قوله تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى} أي: بشارة {ولتطمئن به قلوبكم} أي: ~~تسكن به قلوبكم {وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} # PageV02P251 # قوله تعالى: {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} ويقرأ: " إذ يغشاكم النعاس " ~~وقرأ ابن محيصن: " أمنة " ساكنة الميم في الشواذ. # والقصة في ذلك: أن الكفار يوم بدر نزلوا على الماء، ونزل المسلمون على ~~غير ماء، فأجنب بعضهم وأحدثوا، فلم يجدوا ماء يتطهرون به، وكانوا في رمل ~~تسوخ فيه أرجلهم، فوسوس إليهم الشيطان: إنكم تزعمذسون أنكم على الحق وأولئك ~~على الباطل وإذا هم على الماء، فلو كنتم على الحق لكنتم أنتم على الماء، ~~وما بقيتم مجنبين ms0541 محدثين، فوقع فيهم خوف شديد، فألقى الله تعالى عليهم ~~النعاس حتى أمنوا، وأنشأ سحابة فتمطرت عليهم حتى سال الوادي وتطهروا ~~واغتسلوا، وتلبدت الرمال حتى ثبتت عليها الأقدام. فهذا معنى قوله: {إذ ~~يغشيكم النعاس أمنة} . # PageV02P251 # {السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت ~~به الأقدام (11) إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ~~سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ~~(12) ذلك} # قال ابن مسعود: النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان. # {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} وهو ما ذكرنا {ويذهب عنكم رجز ~~الشيطان} أي: وسوسة الشيطان {وليربط على قلوبكم} أي: يشدد قلوبكم وتثبت ~~بإزالة الخوف {ويثبت به الأقدام} يعني: على الرمل حين تلبد بالمطر. # PageV02P252 # {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم} أي: بالنصر والظفر {فثبتوا الذين ~~آمنوا} وروى " أن الملك كان يمشي بين أيديهم وينادي: أيها المسلمون، أبشروا ~~بالظفر والنصر ". وقيل: كان يلهمهم الملك ذلك؛ وللملك إلهام. # {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق} أي: على الأعناق، ~~وقيل: " فوق " فيه صلة، ومعناه: فاضربوا الأعناق، وقيل: هو على موضعه، ~~ومعناه: فاضربوا على اليافوخ. # {واضربوا منهم كل بنان} قيل: البنان: مفاصل الأطراف، وقيل: الأصابع، كأنه ~~عبر به عن الأيدي والأرجل. # قال ابن الأنباري: ما كانت الملائكة تعلم كيف يقتل الآدميون، فعلمهم ~~الله. # وقيل: إن الملائكة لم يقاتلوا إلا في غزوة بدر. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه لما أراد أن يحز رأس أبي جهل - وكان ~~قد علاه ليقتله - فقال له أبو جهل: كنا نسمع الصوت ولا نرى شخصا، ونرى ~~الضرب ولا نرى الضارب، فمن هم؟ قال: هم الملائكة: فقال أبو جهل: أولئك ~~غلبونا لا انتم. # PageV02P252 # {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} أي: نازعوا الله ورسوله. # PageV02P252 # {بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ~~(13) ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) يا أيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ms0542 (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى} # {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ذلكم فذوقوه وأن للكافرين ~~عاب النار} إنما قال ذلك مبالغة في التعذيب والانتقام، والعرب تقول للعدو ~~إذا أصابه المكروه: ذق. قال الله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} . # وروي أن أبا سفيان بن حرب لما مر بحمزة بن عبد المطلب وهو مطروح مقتول ~~يوم أحد فقال له: ذق يا عقق، يعني: ذق أيها العاق. # وفي القصة: أن المسلمين لما فرغوا من قتال بدر وانهزم الكفار قصدوا طلب ~~العير وأن يتبعوهم - وكان العباس بن عبد المطلب في وثاق المسلمين وأسرهم - ~~فقال لهم: ليس لكم إلى ذلك سبيل؛ فإن الله - تعالى - وعدكم إحدى الطائفتين، ~~وقد ظفرتم بالجيش؛ فليس لكم العير، فسكتوا. # PageV02P253 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} أي: ~~متزاحفين والتزاحف: التداني من القتال، ومعناه: إذا تزاحفتم وتوافقتم {فلا ~~تولوهم الأدبار} أي: لا تنهزموا؛ فإن المنهزم يولي دبره إذا انهزم # PageV02P253 # {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال} التحرف للقتال هو أن يرى ~~الانهزام ويقصد به طلب الغرة والغيلة، وانتهاز الفرصة {أو متحيزا إلى فئة} ~~أي: مائلا إلى فئة {فقد باء بغضب من الله} أي: رجع بغضب من الله {ومأواه ~~جهنم وبئس المصير} واستدلت المعتزلة بإطلاق قوله: {ومأواه جهنم} في وعيد ~~الأبد، ولا حجة لهم فيه؛ لأن معنى الآية: ومأواه جهنم إلا أن تدركه الرحمة؛ ~~بدليل سائر الآي المقيدة. # قال الحسن البصري: الآية في أهل بدر خاصة، ما كان يجوز لهم الانهزام ~~بحال؛ لأن النبي كان معهم ولم يكن لهم فئة يتحيزون إليها، فأما في حق غيرهم ~~فالفرار من الزحف لا يكون كبيرة؛ لأن المسلمين بعضهم فئة لبعض، فيكون الفار ~~متحيزا إلى فئة. # PageV02P253 # {فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) فلم تقتلوهم ~~ولكن الله} # وهذا مروي عن أبي سعيد الخدري - من الصحابة - ويشهد لذلك: قول عمر - رضي ~~الله عنه - أنه قال: لما أصاب المسلمين يوم الجسر ما أصابهم ms0543 وصبروا حتى ~~قتلوا، قال عمر: هلا رجعوا إلي وكان إذا بعث جيشا بعد ذلك يقول: أنا فئة ~~لكل مسلم. # ويدل عليه ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: " غزونا غزو ~~فحصنا حيصة، فقلنا: يا رسول الله، نحن الفرارون؟ فقال لا؛ بل أنتم ~~العكارون، وأنا فئتكم ". # وفي الآية قول آخر - وهو المذهب اليوم وعليه عامة الفقهاء - أنه إن كان ~~الكفار أكثر من مثليهم جاز الفرار من الزحف؛ لقوله: {الآن خفف الله عنكم} ~~ولقوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ولو صبروا جاز، اللهم أن يعلموا ~~قطعا أنه لا يمكنهم مقاومتهم، فحينئذ لا يجوز الصبر؛ لأنه يكون إلقاء لنفسه ~~في التهلكة، وإن كان الكفار مثلي المسلمين أو دون المثلين لا يجوز الفرار ~~من الزحف إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة - يعني: إلى فئة قريبة من ~~الجيش مثل السرايا - والفرار من الزحف إنما يكون كثيره من هذه الصورة. # PageV02P254 # قوله تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} سبب هذا: أن المسلمين لما ~~انصرفوا من قتال بدر، كان الواحد منهم يقول: أنا قتلت فلانا، ويقول الآخر: ~~أنا قتلت فلانا؛ فلم يرض الله تعالى منهم ذلك، ونزلت الآية: {فلم تقتلوهم} ~~يعني: بقوتكم وعدتكم {ولكن الله قتلهم} (بنصره) إياكم ومعونته لكم. وقيل ~~معناه: ولكن الله قتلهم بسوقهم إليكم حتى ظفرتم بهم. # PageV02P254 # {قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن ~~الله سميع عليم (17) ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) إن تستفتحوا فقد ~~جاءكم الفتح} # وقيل معناه: ولكن الله قتلهم ببعث الملائكة لكم مددا، فقتلهم الله ~~بالملائكة. # {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} روى: " أن النبي أخذ كفا من الحصباء ~~يوم بدر ورمى به إلى وجوه المشركين وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق منهم أحد ~~إلا وأصاب عينيه من ذلك، وشغل بعينيه ". # {وما رميت إذ رميت} يريد به ذلك الرمي بالحصباء التي أصابت عيونهم؛ إذ ~~ليس هذا في قدرة البشر أن ترمي الحصباء إلى وجوه جيش بحيث لا تبقى عين إلا ms0544 ~~ويصيبها منها؛ {ولكن الله رمى} بقوته وقدرته. وقيل معناه: وما بلغت إذ ~~رميت؛ ولكن الله بلغ، وقيل معناه: وما رميت بالرعب في قلوبهم. # {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} أي: نعمة حسنة ينعم بها على المؤمنين، ~~وذلك نعمة النصر والظفر، والشدة بلاء، والنعمة بلاء، والله تعالى يبتلي ~~عبده تارة بالنعمة وتارة بالشدة {إن الله سميع عليم} . # PageV02P255 # قوله تعالى: {ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين} يقرأ مخففا ومشددا ~~ومعناه: مضعف كيد الكافرين. # PageV02P255 # قوله: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} قال الضحاك: سبب هذا أن أبا جهل # PageV02P255 # {وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو ~~كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ~~ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا ~~يسمعون (21) إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو ~~علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) يا أيها ~~الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا} قال يوم بدر: اللهم انصر أحب ~~الفئتين إليك وأكرمهم عليك. وفي رواية أخرى: اللهم أقطعنا للرحم، وأفسدنا ~~للجماعة، وأتانا بما لا نعرف؛ فاخزه اليوم، فأجابه الله تعالى يقوله: {إن ~~تستفتحوا} أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. # {وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد} أي: إن تعودوا إلى الدعاء نعد ~~إلى الإجابة، وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى النصر {ولن تغني عنكم فئتكم ~~شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين} . # PageV02P256 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله} أمر الصحابة ~~بطاعته وطاعة رسوله {ولا تولوا عنه} أي: لا تعرضوا عنه {وأنتم تسمعون # PageV02P256 # ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون) يعني: أنهم لما لم ينتفعوا ~~بما سمعوا فكأنهم لم يسمعوا، فلا تكونوا مثلهم. # PageV02P256 # قوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} سمى ~~الكفار صما بكما؛ لأنهم لما لم يسمعوا الحق، ولم ينطقوا بالحق، ولم يعقلوا ~~الحق سماهم بذلك، وعدهم من جملة الأنعام. # PageV02P256 # {ولو علم ms0545 الله فيهم خيرا لأسمعهم} أي: لأسمعهم سماع التفهم والقبول لو ~~علم أنهم يصلحون لذلك. # {ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} فإن قيل: كيف يستقيم قوله: {لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا} ؟ قيل معناه: لو علم فيهم خيرا لأسمعهم سماع التفهم، ولو # PageV02P256 # {دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه ~~تحشرون (24) } أسمعهم سماع الآذان لتولوا. وقيل معناه: ولو أسمعهم سماع ~~التفهم لتولوا؛ لما سبق لهم من الشقاوة، وأنهم لا يصلحون لذلك ولا خير ~~فيهم. وقيل: معناه: أنهم كانوا يقولون للنبي: أحيي لنا قصيا؛ فإنه كان شيخا ~~مباركا حتى نشهد لك بالنبوة فنؤمن بك، فقال الله تعالى: {ولو أسمعهم} كلام ~~قصي {لتولوا وهم معرضون} . # PageV02P257 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم} قال السدي في قوله: {لما يحييكم} : أراد به الإيمان. وسمى السدي ~~بذلك؛ لأنه كان يجلس في سدة مسجد الكوفة. # وقال قتادة: هو القرآن. وقال الفراء: هو الجهاد. وقال ابن قتيبة: هو ~~الشهادة. # وروى أبو هريرة " أن النبي دعا أبي بن كعب وهو في الصلاة، فأسرع القراءة ~~وأتم الصلاة وأجابه، فقال النبي: ما منعك أن تجيبني؟ فقال: كنت في الصلاة، ~~فقال - عليه السلام -: أما سمعت قوله الله تعالى: {استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم} ؟ فقال: علمت، لا أعود ". # {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} قال سعيد بن جبير وجماعة: يحول ~~بين المؤمن والكفر وبين الكافر، والإيمان. قال الضحاك: يحول بين المؤمن ~~والمعصية، وبين الكافر والطاعة. # وفيه قول ثالث: أن معناه: يحول بين المؤمن والخوف، وبين الكافر والأمن؛ ~~وذلك أن الكفار كانوا آمنين، والمسلمين كانوا خائفين؛ فأبدل الله تعالى خوف ~~هؤلاء بالأمن، وأمن هؤلاء بالخوف، وعبر بالقلب؛ لأنه محل الخوف والأمن ~~{وأنه إليه تحشرون} . # PageV02P257 # {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد ~~العقاب (25) واذكروا إذ انتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم ~~الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ms0546 وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (27) ~~واعلموا أنما أموالكم} # PageV02P258 # قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} أكثر المفسرين ~~على أن الآية في أصحاب النبي ومعناها: اتقوا عذابا يصيب الظالم وغير ~~الظالم. # قال الزبير حين رأى ما رأى يوم الجمل: ما علمت أن هذه الآية نزلت فينا ~~أصحاب رسول الله حتى كان هذا اليوم. وقال ابن عباس في معنى الآية: لا تقروا ~~المنكر بينكم، ومروا بالمعروف؛ كي لا يعمكم الله بعقاب، فيصيب الظالم وغير ~~الظالم. # وقيل: أراد بالفتنة: تفريق الكلمة واختلاف الآراء، واتقوا فتنة تفريق ~~الكلمة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، فيكون العذاب مضمرا فيه {واعلموا ~~أن الله شديد العقاب} . # PageV02P258 # قوله تعالى: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم ~~الناس} قال وهب بن منبه: يعني: تتخطفكم فارس. وقال عكرمة: يتخطفكم كفار ~~العرب {فآواكم} يعني: إلى المدينة {وأيدكم بنصره} أي: قواكم بنصره {ورزقكم ~~من الطيبات} يعني: الغنائم {لعلكم تشكرون} . # PageV02P258 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا ~~أماناتكم} ولا تخونوا أماناتكم {وأنتم تعلمون} قال الكلبي: نزلت الآية في ~~أبي لبابة بن عبد المنذر؛ فإن النبي لما حاصر بني قريظة بعثه إليهم - وكان ~~منهم - فقالوا له: ماذا يفعل بنا لو نزلنا على حكيه؟ فوضع أصبعه على حلقه ~~وأشار إليهم بالذبح - يعني: يقتلكم - قال أبو لبابة: فما برحت قدماي حتى ~~عرفت أني خنت الله ورسوله، ونزلت الآية ". # PageV02P258 # {وأولادكم فتنة وان الله عنده أجر عظيم (28) يا أيها الذين آمنوا إن ~~تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل ~~العظيم (29) وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ~~ويمكر الله والله خير} # وقيل: الآية في جميع الأمانات، نهي العباد عن الخيانة في الأمانات، وتدخل ~~في الأمانات الطاعات؛ فإن الطاعات أمانات عند العباد على معنى أنها بينهم ~~وبين ربهم أدوها أو لم يؤدوها. # PageV02P259 # قوله تعالى: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر ~~عظيم} قيل: هذا أيضا في أبي لبابة، ms0547 وكان فيهم أهله وأولاده وأمواله، فقال ~~ما قال خوفا عليهم. وقيل: هو في سائر الخلق. وفي الحديث: " الولد مجبنة ~~مبخلة ومجهلة ". # وروي أن النبي رأى الحسن والحسين فقال: " إنكم لتجبنوني وتبخلوني ~~وتجهلوني، وإنكم لمن ريحان الله " وأشار إلى الحسن والحسين يعني: توقعون ~~الأباء في الجبن والبخل والجهل. وقوله: " لمن ريحان الله " أي: من رزق ~~الله. # PageV02P259 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} قال ~~ابن عباس: أي: مخرجا. وقال جاهد: منجاة {ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم ~~والله ذو الفضل العظيم} . # PageV02P259 # قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} سبب ~~نزول الآية أن المشركين اجتمعوا في دار الندوة ليدبروا أمر رسول الله، فدخل # PageV02P259 # {الماكرين (30) وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا إن هذا إلا} عليهم إبليس في صورة شيخ، فقالوا له: ما الذي أدخلك علينا؟ ~~قال: أنا شيخ من نجد، ولست من تهامة، وقد بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل، ~~وأنه لا يعدمكم مني رأي، فقالوا: اتركوه، ثم تشاوروا، فقال عتبة: اربطوه ~~على جمل وأخرجوه من بلدكم تكفكموه العرب، فقال إبليس: ليس هذا برأي، أما ~~ترون حلاوة منطقه وأخذه القلوب، فلو فعلتم به ذلك يذهب فيستميل قلوب قوم ثم ~~يغزوكم ويفرق جمعكم، فتركوا ذلك، فقال أبو البختري بن هشام: نحبسه في بيت ~~ونتربص به ريب المنون، فقال إبليس: ليس هذا برأي، فإن له عشيرة وقوما لا ~~يرضون به ويخرجونه، فتركوا ذلك، فقال أبو جهل: عندي رأي، هذه خمسة أحياء من ~~قريش، نختار من كل حي شابا قويا ونضع في يده سيفا حادا، ونأمرهم أن يضربوه ~~دفعة واحدة حتى يتفرق دمه في القبائل، ويعجز قومه عن القتال فيرضون بالدية، ~~فقال إبليس: هذا هو الرأي، وتفرقوا عليه، فأخبره الله تعالى يمكرهم، ونزلت ~~الآية، فروى أن النبي بعث أبا بكر ليتفحص عن حالهم، فلما جاء إليهم فإذا ~~إبليس قد خرج من بينهم، فماشاه ساعة ثم لما أراد أن يفارقه قال له ms0548 أبو بكر: ~~أين تريد؟ فقال [له] اللعين: لي قوم بهذا الوادي، فعلم أبو بكر أنه إبليس، ~~فقال الحمد لله الذي أخزاك واظهر دينه، فاختفى منه؛ فقوله {وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا} هو مكرهم ذلك، والمكر: التدبير {ليثبتوك} أي: ليحبسوك كما قال ~~أبو البختري {أو يقتلوك} كما قال أبو جهل {أو يخرجوك} كما قال عتبة. # {ويمكرون ويمكر الله} والمكر من الله: التدبير بالحق، وقيل: هو الأخذ ~~بغتة. قال الزجاج معناه: يجازيهم جزاء المكر. # {والله خير الماكرين} أي: خير المدبرين. # PageV02P260 # قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا} هذا قول النضر بن الحارث بن كلدة، وكان قد خرج إلى الحيرة من أرض ~~العراق # PageV02P260 # {أساطير الأولين (31) وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان} واشترى أخبار رستم، واسفنديار، وأحاديث العجم، وجاء بها إلى ~~مكة، وقال: لو شئت لقلت مثل القرآن؛ فذلك قوله: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} . # {إن هذا إلا أساطير الأولين} أي: أكاذيب الأولين؛ والأساطير: جمع ~~الأسطورة، وهي المكتوبة. فإن قيل: إذا كان القرآن معجزا كيف يستقيم قوله: ~~{لو نشاء لقلنا مثل هذا} وهل يقول أحد: لو شئت قلبت الحجر ذهبا والعصا حية ~~وهو عاجز عنه؟ # قيل: إن القرآن مطمع ممتنع، فقد يتوهم صفوهم أنه يقول مثله، ويمتنع عليه ~~ذلك فيخطئ ظنه. وقيل: إنه توهم بجهله أنه يمكنه الإتيان بمثله وكان عاجزا. # PageV02P261 # قوله تعالى: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} أكثر المفسرين على أن هذا قول النضر ~~بن الحارث، وفي الصحيح برواية أنس أن هذا قول أبي جهل عليه اللعنة. # وهذا يدل على شدة بصيرتهم في الكفر، وأنه لم تكن لهم شبهة وريبة في كذب ~~الرسول؛ لأن العاقل لا يسأل العذاب بمثل هذا متردد في أمره؛ وهذا دليل على ~~أن العارف ليست بضرورته. # وحكى ms0549 عن معاوية أنه قال لرجل من أهل اليمن: ما أجهل قومك حيث قالوا: ربنا ~~باعد بين أسفارنا، فقال الرجل وأجهل من قومي قومك؛ حيث قالوا: إن كان هذا ~~هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. # PageV02P261 # قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} يعني: أهل مكة {وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون} وفي معناه أقوال: # أحدها: أن هذا في قوم من المسلمين بقوا بمكة بعد هجرة الرسول، وما كان ~~الله ليعذبهم وفيهم من يستغفر. # PageV02P261 # {الله معذبهم وهم يستغفرون (33) وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن ~~المسجد} # وقيل: في قوم علم الله تعالى أنهم يؤمنون ويستغفرون من أهل مكة، وذلك ~~مثل: أبي سفيان، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وحكيم ~~بن حزام، ونحوهم، فلما كان في علم الله تعالى أنهم لأصحابه يسلمون ~~ويستغفرون؛ عدهم مستغفرين في الحال. # وقيل معناه: وما كان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر؛ إذ كان لبعضهم ~~أولاد قد أسلموا. # وقيل: إنما قال: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} دعوة لهم إلى ~~الإسلام والاستغفار، كالرجل يقول: لا أعاقبك وأنت تطيعني، أي: أطعني حتى لا ~~أعاقبك. # وفي الخبر: " أن النبي قال: أنزل الله على أمانين لأمتي: {وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم وما كان معذبهم وهم يستغفرون} فإذا مضيت تركت لهم ~~الاستغفار إلى يوم القيامة ". وهو في جامع أبي عيسى بطريق أبي موسى ~~الأشعري. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: من قال في كل يوم: أستغفر الله ~~الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، ثلاث مرات، غفر له ذنوبه وإن ~~كان فارا من الزحف. # واستدل بهذا الأثر من عد الفرار من الزحف من جملة الكبائر. # PageV02P262 # قوله تعالى: {وما لهم ألا يعذبهم الله} فإن قال قائل: كيف التلفيق بين ~~هذا وبين قوله: {وما كان الله [ليعذبهم] } ؟ قيل: أراد بالأول: عذاب ~~الاستئصال، وبهذا: عذاب السيف. وقيل: أراد بالأول: عذاب الدنيا، وبالثاني: ~~عذاب الآخرة. # PageV02P262 # {الحرام وما كانوا ms0550 أولياءه إن أولياءه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~(34) وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون (35) إن} # وقيل: المراد به أولئك الذين ترك تعذيبهم؛ لكون النبي بينهم، ومعناه: وما ~~لهم ألا يعذبهم الله بعد خروجك من بينهم. # {وهم يصدون عن المسجد الحرام} أي: يمنعون عنه {وما كانوا أولياءه} وذلك ~~أنهم كانوا يدعون: إنا أولياء البيت {إن أولياؤه إلا المتقون} يعني: ~~المؤمنين {ولكن أكثرهم لا يعلمون} . # PageV02P263 # قوله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} قال ابن عمر، ~~وابن عباس - رضي الله عنهم - والحسن المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق. ~~والمكاء في اللغة: اسم طائر له صفير فكأنه قال: إلا صوت مكاء، وقال مجاهد: ~~والمكاء أن يجعل أصابعه في شدقيه، والتصدية: الصفير؛ فجعلهما شيئا واحدا. ~~وقال سعيد بن جبير: التصدية: هي صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام. والأول ~~أصح، قال الشاعر: # (وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم) # أي: تصفر فريصته كشدق الأعلم. # والقصة في ذلك: أن أربعة من بني عبد الدار كانوا إذا صلى النبي في المسجد ~~الحرام وقف اثنان عن يمينه، واثنان عن يساره، فيصفر اللذان عن يمينه ويصفق ~~اللذان عن يساره حتى يخلطوا عليه القراءة. # قال ابن الأنباري: إنما سماه صلاة؛ لأنهم أمروا بالصلاة في المسجد، فلما ~~وضعوا ذلك موضع الصلاة سماه صلاة {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} . # PageV02P263 # قوله تعالى: {إن الذيك كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ~~فيسنفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون} فيه قولان: # PageV02P263 # {الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون ~~عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) ليميز الله الخبيث ~~من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم ~~الخاسرون (37) قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد ~~مضت سنت} # أحدهما: أن الآية في المطمعين يوم بدر، وهم اثنا عشر نفرا من رؤس ~~المشركين: أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام، وأبي ms0551 بن خلف، وعتبة وشيبة ~~ابنا ربيعة، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن ~~حزام، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، والعباس بن عبد المطلب؛ لأن كل ~~واحد منهم كان كل يوم ينحر عشرة أبعرة ويطعم الجيش. # والقول الثاني: أن هذا في أبي سفيان بن حرب استأجر ثلاثة آلاف رجل من ~~الأحابيش يوم أحد لقتال النبي - عليه السلام - فنزل قوله تعالى: {إن الذين ~~كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ثم تكون حسرة عليهم يوم القيامة ~~ثم يغلبون} . # قال الحسن: أشد الناس حسرة يوم القيامه من يرى ماله في ميزان غيره ~~{والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} . # PageV02P264 # قوله تعالى: {ليميز الله الخبيث من الطيب} أي: ليفرق الله الخبيث من ~~الطيب؛ الخبيث: ما أنفق من الحرام، والطيب: ما أنفق من الحلال. وقيل: ~~الخبيث ما أنفق في المعصية، والطيب ما أنفق في الطاعة. # {ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا} أي: يجمعه جميعا؛ يقال: سحاب ~~مركوم إذا كان بعضه على بعض {فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} . # وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: إن الله تعالى يجمع الدنيا ~~يوم القيامة، فيأخذ ماله ويطرح الباقي في النار. ولأي معنى يطرحه في النار؟ ~~قيل: ليضيق المكان على الكفار، وقيل: لتكون الحسرة أشد عليهم إذا نظروا ~~إليها. # PageV02P264 # قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} قال يحيى بن # PageV02P264 # {الأولين (38) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا ~~فإن الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم ~~المولى ونعم النصير (40) واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى} معاذ الرازي - رحمه الله - إيمان لم يعجز عن هدم كفر ~~قبله فمتى يعجز عن هدم ذنب بعده! # {وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين} قيل: سنة الأولين: أن يصل عذاب الدنيا ~~بعقوبة الآخرة. # PageV02P265 # قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أي: لا يكون شرك {ويكون الدين ~~كله لله فإن انتهوا فإن الله ms0552 بما تعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله ~~مولاكم نعم المولى ونعم النصير} فالمولى: القيم بالأمور، والنصير: الناصر. # PageV02P265 # قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} الآية. # اختلف العلماء في الغنيمة والفيء؛ فأحد القولين: أنهما سواء، وهو المال ~~المأخوذ من الكفار على وجه القهر. # والقول الثاني - وهو الأصح -: أنهما مختلفان، والفرق بينهما: أن الغنيمة: ~~هي المال المأخوذ من الكفار على وجه العنوة بإيجاف الخيل والركاب، والفيء: ~~هو المال المأخوذ من غير إيجاف خيل ولا ركاب. # وهذا القول منقول عن سفيان الثوري، والشافعي - رضي الله عنهما - وغيرهما. # {فأن الله} أكثر المفسرين على أن قوله: {لله} افتتاح كلام، وليس لله سهم ~~منفرد؛ بل سهم الله وسهم الرسول واحد. # وفيه قول آخر: أن لله سهما يصرف إلى الكعبة. وقد روي أن الحسن بن محمد بن ~~الحنفية سئل عن هذه الآية فقال: قوله {فأن لله خمسة} افتتاح كلام، لله ~~الدنيا والآخرة. وعن أبي العالية الرياحي قال: " كان رسول الله يقسم ~~الغنيمة على # PageV02P265 # خمسة أسهم، فيفرز الخمس منه، ثم يأخذ منه قبضة فيجعله للكعبة، ثم يقسم ~~الباقي على ما ذكر الله ". # وأما قوله: {وللرسول} أكثر المفسرين على أن للرسول سهما مفردا. وقال ~~بعضهم: ليس للرسول سهم أصلا؛ وإنما هو افتتاح كلام، ومعنى ذكر الرسول أن ~~التدبير إليه. # ثم اختلفوا على القول الأول أن ذلك السهم بعد موته لمن يكون؟ # قال قتادة: هو للخليفة بعده. وقال بعضهم: يرد إلى الأسهم الأربعة. وأما ~~مذهب الشافعي: أن ذلك السهم يصرف إلى المصالح. # وفيه قول رابع: أنه يصرف إلى الكراع والسلاح في سبيل الله. وهذا مروي عن ~~إبراهيم النخعي وغيره. # وأما قوله: {ولذي القربى} اختلفوا في هذا على ثلاثة أقاويل: # فمذهب الشافعي: أن لهم سهما مفردا بعد رسول الله إلى قيام الساعة، يشترك ~~فيه أغنياؤهم وفقراؤهم على ما هو المعروف. وهذا قول أحمد وغيره. # وقال مالك: الأمر فيه إلى الإمام إن شاء أعطاهم، وإن شاء لم يعطهم، وكذلك ~~في الباقي، وإنما ذكروا لجواز الصرف إليهم لا ms0553 للاستحقاق. # والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن سهم ذوي القربى ~~يرد إلى الباقين، وليس لهم سهم مفرد، فيقسم على ثلاثة أسهم لليتامى ~~والمساكين وابن السبيل. ويروون هذا عن الخلفاء الأربعة أنهم قسموا على هذا ~~الوجه، والله أعلم بالصواب. # ثم اختلفوا في ذوي القربى من هم؟ قال مجاهد. هم بنو هاشم خاصة؛ وروي عن ~~ابن عباس أنه قال: جميع قريش. وحكى عنه أنه سئل عن سهم ذوي القربى فقال: ~~نزعم أنه لنا، ويأبى قومنا ذلك علينا. # PageV02P266 # {والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى} # والقول الثالث: أن ذوي القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب، وهذا قول الشافعي ~~- رحمه الله - وقد دل عليه الخبر المروي بطريق جبير بن مطعم - رضي الله عنه ~~- عن النبي: " قسم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، فمشيت أنا ~~وعثمان إلى رسول الله وقلنا: يا رسول الله، إنا لا ننكر فضيلة بني هاشم ~~لمكانك الذي وضعك الله فيهم؛ ولكننا وإخواننا بني المطلب في القرابة منك ~~سواء، وقد أعطيتهم وحرمتنا، فقال: أنا وبني المطلب شيء واحد - وشبك بين ~~أصابعه - وإنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإسلام ". # وأما قوله تعالى: {واليتامى} فاليتامى لهم سهم مفرد بالإنفاق، واليتيم ~~الذي يستحق السهم هو الذي لا أب له فيكون صغيرا فقيرا. # وقوله: {والمساكين} فالمساكين هم أهل الحاجة، وسيرد الفرق بين المسكين ~~والفقير في سورة براءة. # وأما قوله: {وابن السبيل} فهو المنقطع الذي بعد عن ماله. # وقوله: {إن كنتم آمنتم بالله} معناه: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه وللرسول، على ما ذكر، إن كنتم آمنتم بالله. وقيل معناه: يأمران فيه ~~بما يريدان فاقبلوا إن كنتم آمنتم بالله. # قوله تعالى: {وما أنزلنا} يعني: إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا {على ~~عبدنا} . # وفيه قول آخر: أن هذا راجع إلى قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ~~إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا على عبدنا {يوم الفرقان} يوم بدر، فرق ~~الله تعالى فيه ms0554 بين الحق والباطل {يوم التقى الجمعان} معناه: التقى حزب ~~الله وحزب الشيطان # PageV02P267 # {الجمعان والله على كل شيء قدير (41) إذ إنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة ~~القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع ~~عليم (42) إذ} # {والله على كل شيء قدير} . # وروي عن الشعبي أنه قال: يوم الفرقان يوم السابع عشر من رمضان أخبر الله ~~تعالى بتمام قدرته. # PageV02P268 # قوله تعالى: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} الآية، العدوة: شفير الوادي؛ ~~والغدوة والعدوة واحد، وقوله {الدنيا} يعني: الأدنى من المدينة؛ فهي تأنيث ~~الأدنى {وهم بالعدوة القصوى} يعني: الأقصى من مكة؛ وهي تأنيث الأقصى ~~{والركب أسفل منكم} قالوا معناه: والركب بمنزل أسفل منكم. والركب: هو العير ~~الذي كان عليه أبو سفيان، وكانوا بساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر {ولو ~~تواعدتم لاختلفتم في الميعاد} معناه: ولو تواعدتم الاتفاق والاجتماع للقتال ~~لاختلفتم لقلتكم وكثرتهم {في الميعاد ولكن} الله جمع من غير ميعاد {ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا} . # قوله تعالى: {ليهلك من هلك عن بينة} الآية فيها قولان: # أحدهما - وهو الأظهر -: أن الهلاك هو الكفر، والحياة هي الإيمان، ومعناه: ~~ليكفر من كفر عن حجة بينة فيما له وعليه {ويحيا من حي} يعني: ويؤمن من آمن ~~على مثل ذلك. # والقول الثاني: أن الهلاك هو الموت، والحياة هي العيش، ومعناه: ليموت من ~~يموت عن حجة بينة، ويعيش من يعيش على مثل ذلك. # {وإن الله لسميع عليم} سميع لأقوالكم، عليم بأموركم. # PageV02P268 # قوله تعالى: {إذ يريكهم الله في منامك قليلا} الآية فيها قولان: # أظهر القولين: أن المنام حقيقة النوم؛ فرآهم رسول الله في نومه أقل مما ~~كانوا # PageV02P268 # {يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ~~ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) وإذ يريكموهم إذا التقيتم في ~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع ~~الأمور (44) يا أيها الذين آمنوا} في العدد. # والقول ms0555 الثاني وهو قول الحسن البصري: أنه قوله تعالى: {في منامك} أي: في ~~عينك قليلا؛ وسمى العين مناما؛ لأنها موضع النوم. # {ولو أراكهم كثيرا لفشلتم} لجبنتم {ولتنازعتم في الأمر} يعني: في الإحجام ~~والإقدام {ولكن الله سلم} أي: سلمكم من الفشل والجبن {إنه عليم بذات ~~الصدور} . # وقد صح عن النبي أنه كان يستعيذ بالله من الجبن. # PageV02P269 # قوله تعالى: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور} معنى الآية: أن الله ~~تعالى قلل المشركين في أعين المؤمنين؛ ليقدموا ولا يجبنوا، وقلل المؤمنين ~~في أعين الكفار؛ لئلا يهربوا. # وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قلت يوم بدر لبعض من كان بجنبي: ~~تراهم سبعين رجلا، فقال: أراهم مائة، ثم إنا أسرنا منهم فقلنا لهم: كم ~~كنتم؟ فقالوا: كنا ألفا {ليقضي الله} يعني: ليقضي الله من إعلاء الإسلام ~~وإذلال الشرك ونصرة المؤمنين وقتل المشركين. # PageV02P269 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة} الآية، الفئة: الجماعة. # PageV02P269 # {إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45) وأطيعوا ~~الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ~~(46) ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل ~~الله والله بما يعلمون} # قوله: {فاثبتوا واذكروا الله كثيرا} ومعنى ذكر الله: هو الدعاء بالنصرة ~~والظفر {لعلكم تفلحون} وكونوا على رجاء الفلاح. # PageV02P270 # قوله تعالى: {وأطيعوا الله ورسوله} الآية، وقوله: {ولا تنازعوا فتفشلوا} ~~معناه: ولا تختلفوا فتضعفوا {وتذهب ريحكم} معناه: جدكم وجهدكم. # وقال قتادة: الريح هاهنا: ريح النصرة. وقد صح عن النبي أنه قال: " نصرت ~~بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ". # والقول الثالث، قول الأخفش وغيره: وتذهب ريحكم أي: دولتكم {واصبروا إن ~~الله مع الصابرين} معلوم التفسير. # وفي الآية فضيلة عظيمة لأهل الصبر؛ فإن الله تعالى قال: {إن الله مع ~~الصابرين} قال الشاعر: # (إني رأيت في الأيام تجربة ... للصير عاقبة محمودة الأثر) # قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس} ~~الآية، البطر: الطغيان ms0556 في النعمة وترك الشكر، والرياء: إظهار الجميل وإبطان ~~القبيح. # والآية نزلت في المشركين حين أقبلوا إلى بدر، # PageV02P270 # فقال تعالى للمؤمنين: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء ~~الناس} . # {ويصدون عن سبيل الله} معناه: يمنعون عن سبيل الحق {والله بما يعلمون ~~محيط} روي عن النبي أنه قال حين أقبل المشركون: " اللهم هذه قريش أقبلت # PageV02P270 # {محيط (47) وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم وإني ~~أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) إذ يقول المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض} بفخرها وخيلائها تحادك وتحاد رسولك " الخبر إلى ~~آخره. # PageV02P271 # قوله تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس} الآية. روي أن إبليس - عليه ما يستحق - تمثل في صورة سراقة بن مالك ~~وقال للمشركين: {وإني جار لكم} معناه: مجير لكم من بني كنانة، فلا يصيبكم ~~منهم سوء، ثم جعل يحرضهم على القتال {فلما تراءت الفئتان} أي: تلاقت ~~الفئتان، المؤمنون والمشركون {نكص على عقبيه} رجع القهقري على عقبيه {وقال ~~إني بريء منكم} في القصة: أنه كان آخذا بيد الحارث بن هشام أخي أبي جهل، ~~فلما رأى الملائكة ينزلون من السماء يقدمهم جبريل - عليه السلام - نزع يده ~~من يد الحارث وهرب، فقال له الحارث: أفرارا من غير قتال؟ وجعل يمسكه، فدفع ~~في صدره وقال: {إني أرى ما لا ترون} وهرب {إني أخاف الله} . # فإن قال قائل: كيف قال إني أخاف الله وقد ترك السجود لآدم وهو لم يخف ~~الله؟ الجواب فيه قولان: # أحدهما: أنه قال هذا كذبا، والقول الثاني: أنه خاف أن يؤخذ فيفتضح بين ~~الإنس. ومنهم من قال: خاف أنه قد حضر أجله {والله شديد العقاب} . # PageV02P271 # قوله تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم} ~~هؤلاء قوم كانوا أسلموا بمكة ولم يهاجروا، فكان في قلوبهم بعض الريب، ~~فخرجوا مع المشركين وقالوا: إن نرى مع محمد قوة انتقلنا ms0557 إليه، فلما رأوا ~~قلة المؤمنين وضعف شوكتهم قالوا هذا القول، فأنزل الله تعالى هذه الآية {إذ ~~يقول المنافقون} الآية. # قوله تعالى: {ومن يتوكل على الله} ومن يثق بالله {فإن الله عزيز حكيم} قد # PageV02P271 # {غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49) ولو ترى إذ ~~يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ~~(50) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) كدأب آل فرعون ~~والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد ~~العقاب (52) ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم وأن الله سميع عليم} بينا معنى العزيز الحكيم من قبل. # PageV02P272 # قوله تعالى: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} فيه قولان: # أحدهما: أن هذا عند الموت، وقوله: {يضربون وجوههم وأدبارهم} يضربون ~~وجوههم بأسواط النار، وأدبارهم سوقا إلى العذاب. # والقول الثاني: أن التوفي هاهنا هو القتل، ومعناه: قتل الملائكة المشركين ~~ببدر، وقوله {يضربون وجوههم وأدبارهم} معناه: يضربونهم بالسيف إذا أقبلوا. ~~وقوله {وأدبارهم} ويضربونهم بالسيف إذا أدبروا، ويقولون: {وذوقوا عذاب ~~الحريق} . # روي عن الحسن البصري أنه قال: مع الملائكة مقامع من حديد يضربون بها ~~الكفار، فتلتهب النار في جراحاتهم؛ فهذا معنى قوله: {وذوقوا عذاب الحريق} . # PageV02P272 # قوله تعالى: {ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد} ومعناه ~~ظاهر. # PageV02P272 # قوله تعالى: {كدأب آل فرعون} الآية، الدأب هاهنا بمعنى العادة، ومعناه: ~~عادتهم في الكفر كعادة آل فرعون {والذين من قبلهم كفروا بآيات الله} الآية، ~~ومعنى الآية ظاهر. # PageV02P272 # قوله تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم} الآية، فيه ~~قولان: # أحدهما: معناه: {لم يكن مغيرا نعمة} يعني: لم يكن مبدلا النعمة بالبلية # PageV02P272 # ( {53) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) إن شر الدواب عند الله ~~الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل ~~مرة وهم لا يتقون} {حتى يغيروا ما بأنفسهم} ms0558 يعني: حتى يتركوا الشكر، ويؤتوا ~~الكفران. # والقول الثاني: أن هذا في أهل مكة؛ فإن الرسول كان نعمة أنعمها الله ~~تعالى عليهم، فكفروا بهذه النعمة، فغيرها الله تعالى، ومعناه: أنه نقلها ~~إلى أهل المدينة {وأن الله سميع عليم} معلومان. # PageV02P273 # قوله تعالى: {كدأب آل فرعون} ومعناه: ما بينا، وإعادة الذكر للتأكيد، ~~ويجوز أن هذا كان في قوم آخرين سوى الأولين. # قوله تعالى: {والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم} يعني: ~~نهلك هؤلاء كما أهلكنا أولئك. # قوله تعالى: {وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين} يعني: الأولين ~~والآخرين. # PageV02P273 # قوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا} الآية. هذه الآية مثل ~~قوله تعالى: {أولئك كالأنعام بل هم أضل} سماهم الله تعالى دواب وأنعاما؛ ~~لقلة انتفاعهم بعقولهم وألبابهم وأسماعهم وأبصارهم {فهم لا يؤمنون} معناه ~~ظاهر. # PageV02P273 # قوله تعالى: {الذين عاهدت منهم} هذه الآية نزلت في قوم من المشركين ~~عاهدوا مع رسول الله ثم نقضوا العهد، فقال الله تعالى: {الذين عاهدت منهم ~~ثم ينقضون عهدهم في كل مرة} يعني: كلما عاهدوا نقضوا {وهم لا يتقون} معناه: ~~لا يتقون نقض العهد. # PageV02P273 # قوله تعالى: {فإما تثقفنهم في الحرب} معناه: فإما تصادفنهم في الحرب ~~{فشرد بهم من خلفهم} قال سعيد بن جبير: أنذر بهم من خلفهم، قال الشاعر: # (أطوف في الأباطح كل يوم ... مخافة أن يشرد بي حكيم) # PageV02P273 # ( {56) فإما تثقفهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) وإما ~~تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (58) ولا ~~يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ~~ومن رباط الخيل} # قوله تعالى: {لعلهم يذكرون} يعني: يتذكرون. # ومعنى الآية: أي نكل بهؤلاء الذين جاءوا لحربك أو نقضوا عهدك تنكيلا يفرق ~~بينهم من خلفهم من جماعاتهم. # PageV02P274 # فقوله تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة} الآية، معنى المخافة هاهنا: هو ~~الإحساس بالخيانة {فانبذ إليهم على سواء} يعني: فانبذ العهد إليهم {على ~~سواء} يعني: على حالة تستوي أنت وهم في العلم به. # والمراد من الآية: ms0559 ألا تقاتلهم قبل نبذ العهد، وقبل علمهم بالنبذ حتى لا ~~تنسب إلى نقض العهد، وهذه الآية تعد من فصيح القرآن. # قوله تعالى: {إن الله لا يحب الخائنين} والمعنى معلوم. # PageV02P274 # قوله تعالى (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا) الآية في القوم الذين انهزموا ~~يوم بدر من المشركين، قوله: {سبقوا} يعني: فاتوا. # قوله {إنهم لا يعجزون} يعني: لا يفوتوني. وقرأ ابن محيصن: " لايعجزون " ~~والصحيح القراءة الأولى. وقد قرئت الآية بقراءتين: " أنهم " و " إنهم " ~~فقوله: " إنهم " على طريق الابتداء، وقوله: " أنهم " يعني: لأنهم لا ~~يفوتون. ومعنى الفوات منقول عن أبي عبيدة، وعن الحسن البصري أنه قال: {لا ~~يعجزون} معناه: إن فاتهم عذاب الدنيا لا يفوتهم من عذاب الآخرة. # PageV02P274 # وقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} الآية، ~~الإعداد: اتخاذ الشيء لوقت الحاجة، وقوله: {من قوة} فيه أقوال: # PageV02P274 # {ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما ~~تنفقوا} # أحدها: ما روى عقبة بن عامر: " أن النبي قرأ هذه الآية على المنبر ثم ~~قال: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ". أورده مسلم في " الصحيح ". # والقول الثاني: وهو أن القوة: ذكور الخيل، والرباط: إناثها. هذا قول ~~عكرمة. # وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يركب في القتال إلا الإناث؛ لقلة ~~صهيلها. # وعن أبي محيريز قال: كانوا يستحبون ركوب ذكور الخيل عند الصفوف، وركوب ~~إناث الخيل عند الثبات والغارات. # والقول الثالث: أن القوة: هي جميع الأسلحة. وقد قيل: إن القوة: الحصون؛ ~~والحصون: الخيول، قال الشاعر: # (ولقد علمت على تجنبي الردى ... أن الحصون الخيل لا مدر القرى) # وقوله: {ترهبون به} معناه: تخيفون به {عدو الله وعدوكم} أي: أعداء الله ~~وأعداءكم واحد بمعنى الجمع. وقوله: {وآخرين من دونهم} أي: ترهبون به آخرين ~~من دونهم، واختلفوا في معناه: # روي عن مجاهد أنه قال: هم بنو قريظة. وفيه قول آخر: أنهم المنافقون. # وفيه قول ثالث: أنهم الجن. وعن السدى أنه قال: أهل فارس. # وروي عن النبي أنه قال: " لن يخبل الجن آدميا ms0560 في داره فرس عتيق ". أورده ~~النقاش في تفسيره. # PageV02P275 # {من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) وإن جنحوا للسلم ~~فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) وإن يريدوا أن يخدعوك ~~فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم لو ~~أنفقت ما في الأرض} # وفي الآية قول رابع: روي عن معاذ بن جبل أنه قال: {وآخرين من دونهم} ~~يعني: الشياطين. # وقوله: {لا تعلمونهم الله يعلمهم} ظاهر. # قوله: {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} أي: ~~لا ينقص أجوركم. # PageV02P276 # قوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} السلم والسلم والسلم: الصلح، ~~ومعناه: وإن مالوا إلى الصلح فمل إليه. # وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: هذه الآية منسوخة بآية السيف. # قوله تعالى: {وتوكل على الله} معناه: ثق بالله {إنه هو السميع العليم} . # PageV02P276 # قوله تعالى: {وإن يريدوا أن يخدعوك} الخداع: أن يظهر خلاف ما يبطن. # قوله: {فإن حسبك الله} يعني: فإن كافيك هو {هو الذي أيدك بنصره} هو الذي ~~قواك بنصره {وبالمؤمنين} أي: قواك بالمؤمنين # PageV02P276 # {وألف بين قلوبهم} أكثر المفسرين أن هذا في الأوس والخزرج؛ وقد كانت ~~بينهم إحن وتراث في الجاهلية، وكان القتال بينهم قائما مائة سنة، فألف الله ~~بين قلوبهم بالنبي قال الزجاج: كان الرجل منهم يلطم اللطمة فكان يقاتل ~~بقوته إلى أن يستفيد منها، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام، حتى صار الرجل ~~يقاتل أخاه وقريبه على الإسلام. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: نزلت الآية في المتحابين في ~~الله. # وفي الأخبار عن النبي أنه قال: " المؤمن مألفة، ولا خير فيمن لا يؤلف ولا # PageV02P276 # {جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) يا ~~أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) يا أيها النبي حرض ~~المؤمنين على القتال إن} يألف. # وعن خالد بن معدان أنه قال: إنه لله ملكا في السماء؛ نصفه من ثلج ونصفه ~~من نار، وتسبيحه: اللهم كما ألفت بين الثلج والنار فألف ms0561 بين قلوب عبادك ~~الصالحين. # قوله {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف ~~بينهم إنه عزيز حكيم} أي منيع في ملكه، حكيم في خلقه. # PageV02P277 # قوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} روي عن ابن ~~عباس برواية الوالبي أنه قال: أسلم تسعة وثلاثون رجلا وثلاث وعشرون امرأة، ~~ثم أسلم عمر رضي الله عنه تمام الأربعين، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وفي الآية قولان: أحدهما: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك} أي: يكفيك ~~الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين، فتكون " من " في موضع النصب. # والقول الثاني: {حسبك الله} وحسبك تباعك من المؤمنين؛ فتكون " من " في ~~موضع الرفع، قال الشاعر: # (إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند) # وهذا استشهاد للقول الأول. # وقرأ الشعبي: " حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " ومعناه قريب من الأول. # PageV02P277 # قوله تعالى: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} قرئ في الشاذ: " ~~حرص # PageV02P277 # {يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من ~~الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ~~بإذن الله والله مع} المؤمنين " بالصاد غير معجمة، والمعروف بالضاد معجمة؛ ~~والتحريض: هو الحث على المبادرة إلى الشيء. # قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة ~~يغلبوا ألفا من الذين كفروا} هذا خبر بمعنى الأمر، وكان الله تعالى أمر ~~المؤمنين ألا يفر الواحد منهم عن عشرة، ولا تفر المائة منهم عن ألف. فإن ~~قال قائل: أيش معنى {بأنهم قوم لا يفقهون} وأي اتصال لهذا بمعنى الآية؟ # جوابه: معناه: أنهم يقاتلون على جهالة لا على حسبة وبصيرة، وأنتم تقاتلون ~~على بصيرة وحسبة، فلا يثبتون إذا ثبتم، ثم إن المسلمين سألوا الله التخفيف، ~~فأنزل الله تعالى الآية الأخرى، وأمر ألا يفر الواحد من أثنين، والمائة من ~~المائتين. # فإن قال قائل: الله تعالى ms0562 قال: {يغلبوا مائتين} ونحن رأينا القتال على ~~هذا العدد بلا غلبة، فكيف يستقيم معنى الآية، والخلف في خبر الله لا يجوز؟ # قلنا: إن معنى قوله: {يغلبوا} أي: يقاتلوا؛ كأنه أمرهم بالقتال على رجاء ~~الظفر والنصرة من الله تعالى. # PageV02P278 # وأما قوله: {الآن خفف الله عنكم} هذه الآية ناسخة للآية الأولى، وقرأ أبو ~~جعفر يزيد بن القعقاع: " وعلم أن فيكم ضعفاء " والمعروف: " ضعفا " و " ضعفا ~~" ومعناهما واحد. # {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ~~بإذن الله والله مع الصابرين} وباقي الآية معناه معلوم. # PageV02P278 # {الصابرين (66) ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون ~~عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) لولا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيما} # PageV02P279 # قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} قرئ: " أسرى، وأسارى ". قال ~~أهل اللغة: أسرى جمع أسير، وأسارى جمع الجمع. وحكى الأصمعي عن أبي عمرو بن ~~العلاء أنه قال: الأسرى هم المأخوذون من غير شد، والأسارى هم الذين أخذوا ~~وشدوا. والأصح عند أهل اللغة أنه لا فرق بينهما، قاله الأزهري. # وقوله تعالى: {حتى يثخن في الأرض} الإثخان: القتل، وقيل: المبالغة في ~~التنكيل. # {تريدون عرض الدنيا} بالإفداء. # قوله تعالى: {والله يريد الآخرة} معناه: يرغبكم في الآخرة، وقوله: {والله ~~عزيز حكيم} قد ذكرنا معنى العزيز الحكيم. # واعلم أن الآية نزلت في أسارى بدر؛ فإنه روي: " أن النبي قتل سبعين يوم ~~بدر، وأسر سبعين من المشركين، ثم إنه استشار أصحابه في الأسارى، فقال أبو ~~بكر - رضي الله عنه -: هؤلاء قومك وأسرتك وأهلك، استبقهم لعل الله أن ~~يهديهم بك، وخذ منهم الفداء؛ فيكون معونة للمسلمين. وقال عمر: هؤلاء آذوك ~~وأخرجوك وكفروا بما جئت به فاضرب أعناقهم. فمال الرسول إلى قول أبي بكر ~~وأحب ما ذكره ". # وروي " أنه قال لأبي بكر: مثلك مثل إبراهيم حين قال: {فمن تبعني فإنه مني ~~ومن عصاني فإنك غفور رحيم} وقال لعمر: مثلك مثل نوح حين قال: {رب لا تذر ~~على الأرض من الكافرين ms0563 ديارا} " ثم قال لأصحابه: لا يخلين أحد منكم # PageV02P279 # {أخذتم عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله ~~غفور رحيم} عن أسير إلا بفداء أو بضرب عنقه ففادوا وكان الفداء لكل أسير ~~أربعين أوقية، الأوقية أربعون درهما، فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى ~~آخرها. # PageV02P280 # قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} روي عن ~~النبي برواية أبي هريرة أنه قال: " لم تحل الغنائم لأحد سود الرءوس قبلكم؛ ~~كانت نار تنزل من السماء فتأكلها. قال أبو هريرة: فلما كان يوم بدر ووقعوا ~~فيما وقعوا من الغنائم فادوا الأسارى قبل أن ينزل الوحي بالجواز، أنزل الله ~~تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم} الآية ". وفي معنى الآية أقوال: # أحدها: لولا كتاب من الله سبق في تحليل الغنائم لمسكم فيما أخذتم عذاب ~~عظيم. هذا قول سعيد بن جبير وجماعة. # والثاني: لولا كتاب من الله سبق من مغفرته لأهل بدر ما صنعوا؛ لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم، هذا قول الحسن البصري. # والثالث: لولا كتاب من الله سبق أنهم لم يقدم إليكم ألا تأخذوا؛ لمسكم ~~فيما أخذتم عذاب عظيم؛ فإنه لا يعذب من غير تقدمة. # وقد صح عن النبي أنه قال: " أريت عذابكم دون هذه الشجرة، وأشار إلى شجرة ~~قريبة منه ". وروي أنه قال لعمر: " لو نزل العذاب ما نجا أحد سواك ". # وروي أنه قال له: " كاد يصيبنا ". # PageV02P280 # ( {69) يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) وإن يريدوا ~~خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) إن الذين ~~آمنوا وهاجروا وجاهدوا} # وروي أنه لما نزلت الآية الأولى كف أصحاب رسول الله أيديهم عما أخذوا من ~~الفداء، فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى آخرها. # PageV02P281 # قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} نزلت هذه الآية ~~في العباس بن عبد المطلب، فإنه أسر يوم بدر، وكانت معه عشرون ms0564 أوقية من ~~الذهب فأخذت منه، ثم قال له النبي: " افد نفسك وابني أخيك - يعني عقيلا ~~ونوفلا - فقال: مالي شيء، وقد أخذتم ما كان معي، قال: أين المال الذي دفعته ~~إلى أم الفضل وقلت: إن أصبت في هذا الوجه فلعبد الله كذا، وللفضل كذا، ~~ولقثم كذا؟ فقال: والله ما كان معنا أحد، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأنك رسول الله؛ ثم إنه فادى نفسه وابني أخيه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~إلى آخرها ". # قوله تعالى: {إن يعلم الله في قلوبكم خيرا} معناه: إن يعلم في قلوبكم ~~إيمانا. # قوله تعالى: {يؤتكم خير مما أخذ منكم} قال العباس: فقد آتاني الله خيرا ~~مما أخذ مني، وكان له عشرون عبدا يتجر كل عبد في عشرين ألف درهم. # وقوله: {ويغفر لكم والله غفور رحيم} قال العباس: وأنا أرجو من الله ~~المغفرة. # PageV02P281 # قوله تعالى: {وإن يريدوا خيانتك} الخيانة: ضد الأمانة؛ ومعناه: إن أرادوا ~~أن يكفروا بك {فقد خانوا الله من قبل} أي: قد كفروا بالله من قبل. # قوله: {فأمكن منهم} يعني: مكن منهم {والله عليم حكيم} . # PageV02P281 # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله} الآية، الهجرة: هي الخروج من الوطن إلى غيره، وقد كانت فرضا في ~~ابتداء # PageV02P281 # {بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء ~~بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن ~~استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما ~~تعملون بصير (72) والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير (73) } الإسلام، فلما كان يوم فتح مكة قال النبي: " لا ~~هجرة بعد اليوم ". # وروي عن الحسن البصري أنه قال: الهجرة قائمة إلى قيام الساعة، فعلى أهل ~~البوادي إذا أسلموا أن يهاجروا إلى الأمصار. # قوله: {والذين آووا ونصروا} هؤلاء أهل المدينة؛ ومعنى الإيواء: ضمهم ~~المهاجرين إلى أنفسهم في الأموال والمساكن. # قوله: {أولئك بعضهم أولياء بعض} فيه قولان: # أحدهما: أولئك أعوان بعض. # والقول ms0565 الثاني معناه: يرث بعضهم من بعض. # قوله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا} قطع الموالاة بين المسلمين وبينهم حتى يهاجروا، وكان المهاجر لا ~~يرث من الأعرابي، ولا الأعرابي من المهاجر، ثم قال: {وإن استنصروكم في ~~الدين فعليكم النصر} يعني: وإن استنصروكم الذين لم يهاجروا فعليكم النصر، ~~ثم استثنى وقال: {إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي: موادعة، فلا تنصروهم ~~عليهم. قوله: {والله بما تعملون بصير} معناه ظاهر. # PageV02P282 # قوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} يعني: أن بعضهم أعوان بعض. # والقول الثاني: إن بعضهم يرث من البعض. # وقوله {إلا تفعلوه} يعني: إن لم تقبلوا هذا الحكم {تكن فتنة في الأرض ~~وفساد كبير} الفتنة في الأرض: قوة الكفر، والفساد الكبير: ضعف الإيمان. # PageV02P282 # {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم ~~المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) والذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن ~~الله بكل شيء عليم (75) } # PageV02P283 # قوله تعالى: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا} (الآية) ، فإن قيل: أي معنى في هذا التكرار؟ # قلنا: المهاجرون كانوا على طبقات، وكان بعضهم أهل الهجرة الأولى، وهم ~~الذين هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا ~~بعد الحديبية قبل فتح مكة، وكان بعضهم ذا هجرتين، وهما الهجرة إلى الحبشة ~~والهجرة إلى المدينة؛ فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى، والمراد من ~~الثانية الهجرة الثانية. # قوله تعالى: {أولئك هم المؤمنون حقا} يعني: لا مرية ولا ريب في إيمانهم. # قوله: {لهم مغفرة ورزق كريم} روى في الرزق الكريم أن المراد منه: رزق ~~الجنة لا يصير بخوى؛ بل يصير رشحا له ريح المسك. # PageV02P283 # قوله تعالى: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} ~~الآية، أراد به: فأولئك معكم، فأنتم منهم وهم منكم. # قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} أكثر ~~المفسرين على أن هذه الآية ناسخة لما سبق ms0566 من إثبات الميراث بالهجرة، فنقل ~~الميراث من الهجرة إلى الميراث بالقرابة. # قوله تعالى: {في كتاب الله} أي: في حكم الله. # قوله: {إن الله بكل شيء عليم} قال أهل العلم: ليس المراد من أولي الأرحام ~~الأقرباء الذين ليس لهم عصوبة ولا فرض؛ وإنما المراد من أولي الأرحام [أهل ~~العصابات] ثم ميراث الأقرباء مذكور في موضع آخر، وهو آية الميراث، والله ~~أعلم. # PageV02P283 # تفسير سورة التوبة # اعلم أن هذه السورة مدنية، وقد صح عن النبي برواية البراء بن عازب: " ~~أنها آخر سورة أنزلت كاملة " ولها أسماء كثيرة. # وروي عن ابن عباس أنه سئل عن هذه السورة، فقال: هي الفاضحة؛ مازال ينزل ~~قوله [تعالى] : ومنهم، ومنهم، حتى طننا أنه لا يترك منا أحدا. وقال حذيفة ~~بن اليمان: هي سورة العذاب. # ومن المعروف أنها تسمى سورة البحوث، ومن أسمائها: المبعثرة، ومن أسمائها: ~~المنيرة، ومن أسمائها: الحافرة، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين. وروى النقاش ~~عن ابن عمر أنها تسمى المقشقشة. وعن عمران بن حدير أنه قال: قرأت هذه ~~السورة على أعرابي، فقال: هذه السورة أظنها آخر ما أنزلت، فقلت له: ولم؟ ~~فقال: أرى عهودا تنبذ، وعقودا تنقض. # وعن سعيد بن جبير: أن هذه السورة كانت تعدل سورة البقرة في الطول. # وأما الكلام في حذف التسمية: روي عن ابن عباس أنه قال: " قلت لعثمان - ~~رضي الله عنه -: ما بالكم عمدتم إلى سورة التوبة وهي من المئين، وإلى سورة ~~الأنفال وهي من المثاني، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر {بسم الله الرحمن ~~الرحيم} ؟ فقال: " كان إذا أنزل على رسول الله الشيء من القرآن دعا بعض من ~~يكتب، فيقول له: ضعه في سورة كذا، ضعه في سورة كذا، وكانت الأنفال من أول ~~ما أنزلت بالمدينة، والتوبة من آخر ما أنزلت، وكان قصتيهما شبيهة بعضها ~~ببعض، وخرج رسول الله من الدنيا ولم يبين لنا شيئا فظننا أنهما سورة واحدة؛ ~~فلذلك قرنا بينهما ولم نكتب {بسم الله الرحمن الرحيم} . # PageV02P284 # {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض ~~أربعة ms0567 أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2) وأذان} # وهذا خبر في " الصحيح " أورده مسلم، وروى أن الصحابة اختلفوا، فقال ~~بعضهم: هما سورتان، وقال بعضهم: هما سورة واحدة؛ فاتفقوا أن يفصلوا ببياض ~~بين السورتين، ولا يكتبوا: " بسم الله الرحمن الرحيم ". # والقول الثالث: ما حكى عن سفيان بن عيينة من المتقدمين، والمبرد من ~~المتأخرين: أن السورة سورة نقض العهد والبراءة من المشركين؛ والتسمية أمان ~~وافتتاح خير؛ فلهذا لم يكتبوا " بسم الله الرحمن الرحيم ". # PageV02P285 # قوله تعالى: {برآءة من الله ورسوله} قوله: {براءة} هذه براءة، والبراءة: ~~نقض العصمة، ومعنى الآية: تبرؤ من الله ورسوله. # {إلى الذين عاهدتم من المشركين} وقال بعضهم: برىء الله ورسوله من ~~المشركين. # PageV02P285 # قوله تعالى: {فسيحوا في الأرض} معناه: أقبلوا وأدبروا واذهبوا وجيئوا ~~{أربعة أشهر} اختلفوا في الأشهر الأربعة: # قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: ابتداؤه من يوم النحر، وآخره العاشر من ~~شهر ربيع الآخر. وقال الزهري: هو شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. # والقول الأول هو الصواب. # قوله تعالى: {واعلموا أنكم غير معجزي الله} أي: غير فائتي الله، ومعناه: ~~أنه # PageV02P285 # وإن أجلكم هذه المدة فلا يعجز عن عذابكم، كما يعجز من يفوته الشيء {وأن ~~الله مخزي الكافرين} أي: مذل الكافرين. # وسبب نزول الآية: " أنه كان بين رسول الله وبين المشركين عهود ومدد، فلما ~~غزا غزوة تبوك أرجف المنافقون بالنبي، فجعل المشركون ينقضون العهود - وقيل: ~~إن هذا كان قبل غزوة تبوك - فلما كانت سنة تسع من الهجرة بعث أبا بكر - رضي ~~الله عنه - للحج بالناس، وبعث عليا - رضي الله عنه - ليقرا على الناس هذه ~~الآيات من أول هذه السورة. ويروى أنه بعث أبا بكر أولا، ثم إنه بعث عليا في ~~إثره، وقال: " لا يبلغ هذه الآيات إلا رجل منى " يعني: من رهطي فكان أبو ~~بكر أميرا على الموسم، وكان علي ينادي في الناس بهذه الآيات. # وروى أن عليا سئل: بم بعثك رسول الله؟ فقال: بعثني بأربعة أشياء: أولها: ~~من كان بينه وبين رسول الله عهد فمدته إلى أربعة أشهر، ms0568 والثاني: لا يحجن ~~بعد هذا العام مشرك، والثالث: لا يطوفن بالبيت عريان، والرابع: لا يدخل ~~الجنة إلا نفس مسلمة ". # فإن قال قائل: كيف بعث أبا بكر بهذه الآيات ثم عزله وبعث عليا، وقال: " ~~لا يبلغ عني إلا رجل مني "، فإن كان لا يبلغ هذا إلا رجل من رهطه، فكذلك ~~سائر الأشياء؟ # والجواب عنه: ذكر العلماء أن رسول الله لم يعزل أبا بكر عن الموسم، وكان ~~هو الأمير، وإنما بعث عليا لينادى بهذه الآيات؛ لأن العرب كانوا تعارفوا ~~أنه لا يعقد على القوم إلا سيدهم، ولا ينقض إلا سيدهم أو رجل من أهله، فبعث ~~عليا على ما تعارفوا؛ ليزيح العلل بالكلية، فلا تبقى لهم علة، فكان المعنى ~~هذا، والله أعلم. # PageV02P286 # {من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر ~~الذين} # PageV02P287 # قوله تعالى: {وأذان من الله ورسوله} معناه: إعلام من الله ورسوله، قال ~~الحارث بن حلزة: # (آذنتنا بينهماأسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء) # معناه: أعلمتنا. # قوله تعالى: {إلى الناس يوم الحج الأكبر} اختلفوا في يوم الحج الأكبر على ~~أقوال: # روى يحيى بن (الجزار) أن عليا - رضي الله عنه - خرج يوم العيد على دابة، ~~فأخذ رجل بلجام دابته، وقال: ما يوم الحج الأكبر؟ فقال: هو اليوم الذي أنت ~~فيه، خل عنها. # وروى مثل هذا عن ابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن أبي أوفى. # والقول الثاني: قول ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: هو يوم عرفة. وهو ~~قول مجاهد والشعبي والنخعي وجماعة. # وقال ابن سيرين - وهو القول الثالث -: يوم الحج الأكبر هو اليوم الذي حج ~~فيه رسول الله، اتفق فيه حج أهل المل كلها. # والصحيح هو أحد القولين الأولين. # واختلفوا في الحج الأكبر: # فأحد القولين: أن الحج الأكبر هو القرآن، والحج الأصغر هو الإفراد. # والقول الثاني: أن الحج الأكبر: هو الحج، والأصغر هو العمرة. # قوله: {أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو ms0569 خير لكم وإن توليتم ~~فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} معناه: ورسوله ~~بريء # PageV02P287 # {كفروا بعذاب أليم (3) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ~~ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ~~(4) فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم} أيضا. # PageV02P288 # {إلا الذين عاهدتم من المشركين} وقع الاستثناء على قوم من بني ضمرة أمر ~~الله رسوله أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر؛ ~~والسبب في الإتمام: أنهم لم ينقضوا العهد، وهذا معنى قوله تعالى: {ثم لم ~~ينقصوكم شيئا} ، وقرأ عطاء بن يسار: " ثم لم ينقضوكم شيئا " بالضاد ~~المعجمة. # قوله تعالى: {ولم يظاهروا عليكم أحدا} ومعناه: ولم يعاونوا عليكم أحدا ~~{فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} يعني: المتقين عن نقض ~~العهد. وروى عن الحسن البصري - رحمه الله - أنه قال: المتقي: من يدع مالا ~~بأس به حذرا مما به بأس. # PageV02P288 # قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} روي في التفاسير ~~" أن النبي أجل المشركين الذين كان بينهم وبين النبي عهد أربعة أشهر، وأجل ~~الذين لم يكن بين رسول الله وبينهم عهد باقي ذي الحجة والمحرم وهو خمسون ~~ليلة " فهذا معنى الآية. # فإن قيل: قال تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} وما ذكرتم بعض الأشهر ~~الحرم. # قلنا: هذا القدر كان متصلا بما مضى؛ فأطلق عليه اسم الجميع، ومعناه: هو ~~مضى المدة المعروفة التي تقع بعد انسلاخ الأشهر الحرم. # قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} معناه معلوم. # قوله {وخذوهم} ظاهر. أي: خذوهم أسرا؛ والعرب تسمي الأسير أخيذا، وفي ~~المثل: أكذب من أخيذ. # قوله تعالى: {واحصروهم} يعني: واحبسوهم، يعني: حولوا بينهم وبين # PageV02P288 # {واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) كيف يكون ~~للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ms0570 إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما} ~~المسجد الحرام، هذا هو معنى الحبس هاهنا. # وقوله: {واقعدوا لهم كل مرصد} قال أبو عبيدة: المرصد: الطرق. يعني اقعدوا ~~لهم بطرق مكة حتى لا يصلوا إلى المسجد الحرام قال الشاعر: # (ولقد علمت [ولا أخالك ناسيا] ... أن المنية للفتى بالمرصد) # قوله: {فإن تابوا} يعني: آمنوا {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم} يعني: خلوا سبيلهم ليصلوا إلى المسجد الحرام {إن الله غفور رحيم} ~~معلوم. # PageV02P289 # قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره} الإستجارة: طلب الأمان. ~~ومعنى الآية: وإن أحد من المشركين طلب منك الأمان فأجره، أي: أمنه {حتى ~~يسمع كلام الله} يعني: فيما له وعليه من العقاب والثواب والوعد والوعيد {ثم ~~أبلغه مأمنه} يعني: الموضع الذي يأمن فيه {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} ~~ومعناه: أنهم يحتاجون إلى أن يسمعوا كلام الله تعالى لجهلهم. # PageV02P289 # قوله تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله} قال الفراء: ~~كلمة " كيف " هاهنا كلمة استفهام بمعنى الجحد، ومعناه: لا يكون للمشركين ~~عهد عند الله وعند رسوله، يعني: ولا عند رسوله. # قوله تعالى: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} هؤلاء قوم من بني ضمرة ~~على ما ذكرنا. # قوله تعالى: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} يعني: إذا وفوا بعهدكم ~~وفوا # PageV02P289 # {استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) كيف وإن يظهروا ~~عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم ~~فاسقون (8) اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما ~~كانوا} بعهدهم {إن الله يحب المتقين} قيل معناه: إن الله يحب المؤمنين، ~~وقيل: يحب المتقين نقض العهد. # PageV02P290 # قوله تعالى: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} يعني: ~~كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة؟ اختلفت ~~الأقوال في " إلا ": # روي عن مجاهد أن " إلا " هو الله تعالى. وفي الشاذ قرئ: " لا يرقبوا فيكم ~~إيلا ولا ذمة "، وإيل: هو الله. # وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال في ms0571 كلمات مسيلمة الكذاب - لعنه ~~الله - حين سمع أنه يقول: يا ضفدع نقي نقي، كم تنقين، لا الماء تكدرين ولا ~~الشراب تمنعين. فقال أبو بكر: إن هذا كلام لم يخرج من إل يعني: من الله. # والقول الثاني قول أبي عبيدة: الإل هو العهد، والذمة: التذمم. # والثالث: قول الضحاك - وهو أولى الأقاويل وأحسنها - قال: إن الإل هو ~~القرابة، والذمة: العهد، قال حسان بن ثابت: # (لعمرك إن إلك من قريش ... كإل السقب من رأل النعام) # قوله تعالى: {يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم} يعني: يعدون الوفاء بالقول، ~~وتأبى قلوبهم إلا الغدر {وأكثرهم فاسقون} فإن قال قائل: هذا في المشركين ~~وهم كلهم فاسقون، فكيف قال: {وأكثرهم} ؟ # قلنا: الفسق هاهنا: نقض العهد، وكان في المشركين من وفى بعهده؛ فلهذا قال ~~{وأكثرهم فاسقون} . # PageV02P290 # قوله تعالى: {اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا} الآية. قال الحسن البصري: ~~الدنيا # PageV02P290 # {يعملون (9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم ~~يعلمون (11) وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة ~~الكفر} بحذافيرها ثمن قليل. ومعنى الآية: أنهم اختاروا الدنيا على رضا الله ~~وعلى الإيمان بآيات الله {فصدوا عن سبيله} يعني: منعوا الناس عن سبيله ~~{إنهم ساء ما كانوا يعملون} ظاهر المعنى. # PageV02P291 # قوله تعالى: {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} المراقبة: الحفظ، والإل ~~والذمة قد ذكرنا معناهما {وأولئك هم المعتدون} المجاوزون للحدود. # PageV02P291 # وقوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ~~ونفصل الآيات لقوم يعلمون} ظاهر المعنى. # PageV02P291 # قوله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم} هذا في العهد الذي كان بين ~~رسول الله وبين قريش، فنقضوا العهد، وكان نقضهم: أنهم عاونوا بني بكر على ~~خزاعة، وكانت بنو بكر حلفاء قريش، وخزاعة حلفاء النبي، فجاء رجل من خزاعة ~~إلى النبي بالمدينة، وأنشده: # (لاهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا) # (وإن قريشا نقضوك الموعدا ... وبيتونا بالوثير هجدا) # (وقتلونا ركعا وسجدا ... ) # في أبيات كثيرة، فقال رسول الله: " لانصرت ms0572 إن لم أنصركم ". # PageV02P291 # {إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ~~وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن ~~كنتم مؤمنين (13) قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف} # وروى أنه رأى سحابة تبرق، فقال رسول الله: " إن هذه السحابة لتستهل بنصر ~~خزاعة "، وكان هذا ابتداء القصد لفتح مكة. # قوله تعالى: {وطعنوا في دينكم} هذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين ~~الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد، ويجوز قتله. # قوله: {فقاتلوا أئمة الكفر} يعني: رءوس الكفر، ورءوس الكفر هم: أبو ~~سفيان، وسهيل بن عمرو، وأمية بن صفوان، وعكرمة بن أبي جهل {إنهم لا أيمان ~~لهم} يعني: لا عهود لهم. وقرأ الحسن البصري: " إنهم لا إيمان لهم " وهو ~~اختيار ابن عامر، ويجوز أن تكون الأيمان هاهنا بمعنى الإيمان، تقول العرب: ~~أمنته إيمانا، فذكر المصدر وأراد به الاسم {لعلهم ينتهون} . # PageV02P292 # قوله تعالى: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم} معناه معلوم. # قوله {وهموا بإخراج الرسول} معلوم {وهم بدءوكم أول مرة} أراد به أنهم ~~بدءوا بالقتال في حرب بدر. قال أبو جهل - لعنه الله -: لا نرجع حتى نستأصل ~~محمدا وأصحابه {أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين} معناه: ظاهر. # PageV02P292 # قوله تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم} معنى ~~الآية ظاهر. # وقوله: {ويشف صدور قوم مؤمنين} يعني: خزاعة. # PageV02P292 # {ويذهب غيظ قلوبهم} أي: خزاعة {ويتوب الله على من يشاء والله عليم # PageV02P292 # {صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله ~~عليم حكيم (15) أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم ~~يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ~~(16) ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ~~أولئك} حكيم) روي عن النبي أنه قال يوم فتح مكة: " ارفعوا السيف إلا خزاعة ~~عن بني بكر إلى العصر ". # PageV02P293 # قوله تعالى: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} ~~الآية، قال أهل التفسير: ms0573 لما أمر الله تعالى نبيه بالقتال ظهر المنافقون، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم} والمراد من العلم هاهنا: العلم الذي يقع الجزاء عليه، وهو ~~العلم بعد الوجود لاعلم الغيب الذي لا يقع الجزاء عليه {ولما يعلم الله} ~~يعني: ولم يعلم الله {ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين ~~وليجة} قال الفراء: الوليجة: البطانة، وهو خاصة الإنسان الذي يفشي سره ~~إليه، فصار معنى الآية {ولما يعلم الله} ولم يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ~~ولم يعلم الذين امتنعوا أن يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين ~~وليجة {والله خبير بما تعملون} ظاهر. # PageV02P293 # قوله تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} معنى الآية: نفي ~~أهلية عمارة المسجد الحرام عن المشركين. # قوله {شاهدين على أنفسهم بالكفر} و " شاهدين " نصب على الحال، وأما ~~شهادتهم على أنفسهم بالكفر: هي سجودهم للأصنام، وقولهم في التلبية: لبيك ~~اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملكك. # PageV02P293 # {حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك ~~أن يكونوا من المهتدين (18) أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ~~آمن بالله} # وفيه قول آخر: أن معنى قوله: {شاهدين على أنفسهم بالكفر} هو أنك تقول ~~لليهودي: ما أنت؟ فيقول: يهودي، وتقول للنصراني: ما أنت؟ فيقول: نصراني، ~~وكذلك المجوسي والمشرك. # قوله تعالى: {أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون} الحبوط: هو ~~البطلان، وخالدون: دائمون. # PageV02P294 # قوله تعالى: {إنما يعمر مساجد الله} سبب نزول الآية: أن العباس - رضي ~~الله عنه - لما أسر يوم بدر عيره أصحاب رسول الله بترك الإسلام والهجرة، ~~فقال: نحن عمار المسجد الحرام وسقاة الحجيج. # وفي رواية: أنه لما أسلم قال للمسلمين: لئن سبقتمونا بالإسلام فقد كنا ~~نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحجيج، فأنزل الله تعالى هذه الآية {إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ms0574 ولم يخش ~~إلا الله} معناه: لم يترك الإيمان بالله من خشية أحد {فعسى أولئك أن يكونوا ~~من المهتدين} وعسى من الله واجب. فإن قال قائل: أتقولون: إن كل من عمر ~~مسجدا بكون هكذا على ما قال الله تعالى؟ # قلنا: معنى الآية - والله أعلم - أن من كان بهذه الأوصاف كان أهل عمارة ~~المسجد الحرام، ولا يعمر المسجد الحرام إلا من استجمع هذه الأوصاف، وعمارة ~~المسجد الحرام بذكر الله، والرغبة إليه، والدعاء، والصلاة وغيره. # PageV02P294 # قوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله} أكثر المفسرين على أن ~~هذه الآية نزلت في علي والعباس - رضي الله عنهما - وكان الذي عير العباس ~~بترك الإسلام # PageV02P294 # والهجرة هو علي - رضي الله عنه - فقال العباس: نحن عمار المسجد الحرام، ~~وسقاة الحجيج، فقال الله تعالى {أجعلتم سقاية الحاج} ومعناه: أجعلتم أهل ~~سقاة الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله. وقرىء: " أجعلتم سقاة ~~الحاج وعمرة المسجد الحرام " وعلى هذه القراءة لا يحتاج إلى تقدير الأهل ~~{لا يستوون عند الله} معناه: لا يستوي من عبد الله وهو مؤمن، ومن عمر ~~المسجد وهو مشرك {والله لا يهدي القوم الظالمين} وقد وردت أخبار في الترغيب ~~في عمارة المساجد: # روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي قال: " من رأيتموه يعتاد ~~المساجد؛ فاشهدوا له بالإيمان، ثم قرأ قوله تعالى: {إنما يعمر مساجد الله ~~من آمن بالله} . # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي قال: " من غدا أو راح إلى ~~المسجد أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح ". # وروى جابر - رضي الله عنه - أن النبي قال: " المسجد سوق من أسواق الجنة، ~~من دخله كان ضيف الله، قراه: المغفرة، وتحيته: الكرامة؛ فإذا دخلتم ~~فارتعوا. قيل: يا رسول الله، وما الرتاع؟ قال: الابتهال إلى الله والرغبة ~~". # وقد صح عن النبي أنه قال: " من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة ~~". # PageV02P295 # {واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون ms0575 عند الله والله لا يهدي ~~القوم الظالمين (19) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) يبشرهم ربهم برحمة ~~منه} # وفي رواية عائشة - رضي الله عنها - أن النبي قال " من بنى مسجدا ولو ~~كمفحص قطاة؛ بنى الله له بيتا في الجنة ". # PageV02P296 # قوله تعالى: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله} فإن قال قائل: كيف يستقيم قوله: {أعظم درجة عند الله} ~~وليس للمشركين درجة أصلا؟ الجواب من وجهين: # أحدهما: أعظم درجة من درجتهم على تقديرهم في أنفسهم؛ وهذا مثل قوله ~~تعالى: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا} ومعناه: على تقديرهم في ~~أنفسهم. # والثاني: أن هؤلاء الصنف من المؤمنين أعظم درجة عند الله من غيرهم. # ثم قال تعالى: {وأولئك هم الفائزون} الفائز: الذي ظفر بأمنيته. # PageV02P296 # ثم قال تعالى: {يبشرهم ربهم برحمة} الآية. والبشارة: خبر سار صدق؛ يسمى ~~بشارة لأنه تتغير به بشرة الوجه. # PageV02P296 # {ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) خالدين فيها أبدا إن الله عنده ~~أجر عظيم (22) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) قل إن ~~كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة} # قوله {برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} النعيم هو العيش ~~اللذيذ، والمقيم: الدائم، وهو من لا يظعن أبدا # PageV02P297 # {خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم} معناه ظاهر. # PageV02P297 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء} ~~الآية: نزلت الآية في قو م أسلموا بمكة، فلما هاجر المسلمون لم يهاجروا. ~~قال ابن عباس: كان الرجل إذا أراد أن يهاجر تعلق به أهله وولده، وقالوا: ~~أتضيعنا وتتركنا، فيقيم شفقة عليهم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: {إن استحبوا الكفر على الإيمان} معناه: أي: اختاروا الكفر ~~على الإيمان. # قوله: {ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} وكان في ذلك الوقت لا يقبل ~~الإيمان إلا من مهاجر؛ فهذا معنى ms0576 قوله تعالى: {فأولئك هم الظالمون} . # PageV02P297 # قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم} روي أن الآية ~~الأولى لما نزلت قال أولئك الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت ~~أموالنا وخربت دورنا، وقطعنا أرحامنا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: {وعشيرتكم} قرئت بقراءتين: " عشيرتكم " و " عشيراتكم " ~~والأصح: " عشيرتكم " فإن جمع العشيرة هو عشائر، والعشيرات قالوا: ضعيف في ~~اللغة. # قوله تعالى: {وأموال اقترفتموها} أي: اكتسيتموها، ومثله قوله تعالى: {ومن # PageV02P297 # {تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24) لقد نصركم ~~الله} يقترف حسنة) يعني: يكتسب. # قوله: {وتجارة تخشون كسادها} معناه ظاهر. # وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال في قوله: {وتجارة تخشون كسادها} ~~قال: هي الأخوات والبنات إذا لم يوجد لهن خاطب. حكاه النقاش في تفسيره. # قوله: {ومساكن ترضونها} يعني: تستطيبونها. # قوله: {أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا} معناه: ~~فانتظروا. # قوله {حتى يأتي الله بأمره} أكثر المفسرين على أن المراد منه: فتح مكة، ~~وهذا أمر تهديد وليس بأمر حتم ولا ندب ولا إباحة. # قوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} معناه ظاهر. # PageV02P298 # قوله تعالى: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم ~~كثرتكم} الآية. حنين واد بين مكة والطائف {إذ أعجبتكم كثرتكم} روي أن النبي ~~كان في اثني عشر ألفا، والمشركون أربعة آلاف، عليهم مالك بن عوف النصري، ~~فقال رجل من الأنصار يقال له: سلمة بن سلامة وقش: لن نغلب اليوم عن قلة، ~~فلم يرض الله تعالى قوله، ووكلهم إلى أنفسهم، فحمل المشركون حملة انهزم ~~المسلمون كلهم سوى نفر يسير بقوا مع رسول الله فيهم العباس بن عبد المطلب، ~~وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ". # وذكر البخاري في " الصحيح " برواية البراء بن عازب: " أن أبا سفيان بن ~~الحارث # PageV02P298 # {في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل ms0577 الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذاب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين} ~~كان آخذا برأس بغلة النبي يوم حنين، والنبي يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ~~ابن عبد الله بن عبد المطلب "، ثم إن العباس - رضي الله عنه - نادى ~~المسلمين بأمر رسول الله - وكان رجلا صيتا - فجعل ينادي يا أصحاب سورة ~~البقرة، يا أنصار الله وأنصار رسول الله، يا أصحاب الشجرة، هذا رسول الله، ~~فرجعوا وقاتلوا ووقعت الهزيمة على الكفار ... القصة إلى آخرها " فهذا معنى ~~قوله: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا} يعني: أن الظفر ليس ~~بالكثرة، بل بنصرة الله تعالى. # قوله تعالى: {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} قال الفراء: الباء هاهنا بمعنى ~~" في " معناه: في رحبها وسعتها. وقيل المعنى: برحبها وسعتها. # قوله تعالى: {ثم وليتم مدبرين} أي: متفرقين، أي: منهزمين. # PageV02P299 # قوله تعالى: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} الآية. ~~السكينة: الرحمة. وقيل: السكينة: الآمنة، وهي فعيلة من السكون، وهاهنا هي ~~بمعنى النصر، قال الشاعر: # (لله قبر بالبسيطة غالها ... ماذا أجن سكينة ووقارا) # قوله تعالى: {وأنزل جنودا لم تروها} يعني: الملائكة، ونزلت لا للقتال، ~~ولكن لتجبين الكفار وتشجيع المسلمين، فإن المروي أن الملائكة لم تقاتل إلا ~~في يوم بدر. # PageV02P299 # {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27) يا أيها ~~الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ~~وإن} # قوله تعالى: {وعذب الذين كفروا} يعني: بالقتل والأسر، {وذلك جزاء ~~الكافرين} معناه ظاهر. # PageV02P300 # قوله تعالى: {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم} ~~معناه ظاهر وهذا في الذين كفوا عن القتل. # PageV02P300 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} معنى قوله {نجس} ~~قذر، فإذا ضم إلى غيره قيل: رجس نجس، وإذا أفرد قيل: نجس. # روي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: نجاستهم كنجاسة الكلب والخنزير. # وعن الحسن البصري قال: إذا صافح مسلم كافرا يجب عليه غسل يده. # والصحيح أن ms0578 المراد من الآية: أنه يجب الاجتناب منهم كما يجب الاجتناب من ~~النجاسات. وقيل إن معنى قوله {نجس} : أنهم يجنبون فلا يغتسلون، ويحدثون فلا ~~يتوضئون. # قوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} هذا خبر بمعنى ~~أمر، ومعناه: لا تخلوهم أن يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا. # ومذهب المدنيين: أن المسجد الحرام هو جميع الحرم، ولا يترك كافر يدخله، ~~وإن كان معاهدا أو عبدا، وهذا قول عمر بن عبد العزيز وجماعة. # ومذهب الكوفيين: أنه يجوز أن يدخله المعاهد والعبد، وهذا مروي عن جابر. # وقوله: {وإن خفتم عيلة} يعني: فقرا. وفي مصحف عبد الله بن مسعود - رضي ~~الله عنه -: " وإن خفتم عائلة " يعني: أمرا شاقا، يقال: عالني الأمر، أي: ~~شق علي. # وسبب نزول الآية: أن أهل مكة إنما كانت معايشهم من التجارات والأرباح، ~~فلما أمر الله تعالى المسلمين أن لا يخلوا الكفار أن يدخلوا المسجد الحرام، ~~قالوا: فكيف # PageV02P300 # {خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (28) ~~قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم} أمر معايشنا؟ وخافوا الفقر وضيق العيش، فقال الله تعالى لهم: {وإن ~~خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} فروي أنه أسلم أهل جرش - ~~بالجيم معجمة - وصنعاء، وسائر نواحي اليمن، وجلبوا الميرة الكثيرة إلى أهل ~~مكة، ووسع الله عليهم {إن الله عليم حكيم} ومعناه ظاهر. # PageV02P301 # قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله} فإن قال قائل: إن أهل الكتابين يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر، فكيف معنى الآية؟ # الجواب من وجهين: # أحدهما: أنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر كإيمان المؤمنين؛ فإنهم ~~قالوا: عزير ابن الله، وقالوا: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: لا أكل ولا ~~شرب في الجنة. # والجواب الثاني: أن كفرهم ككفر من لا يؤمن بالله واليوم الآخر في عظم ~~الجرم. # قوله تعالى: {ولا يدينون ms0579 دين الحق} قال أبو عبيدة: ولا يطيعون الله كطاعة ~~أهل الحق. # قوله: {من الذين أوتوا الكتاب حتى يطعوا الجزية عن يد وهم صاغرون} قال ~~قتادة: " عن يد ": عن قهر وذل. وقال غيره: " عي يد " أي يعطي بيده. وفيه ~~قول ثالث: " عن يد " أي: عن إقرار بإنعام أهل الإسلام عليهم {وهم صاغرون} ~~روي عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: معناه: وهم مذمومون. وعن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: يؤخذ ويوجأ في عنقه، فهذا معنى الصغار. ~~وقال غيره: يؤخذ منه وهو قائم، والآخذ جالس. وقيل: إنه يلبب ويجر إلى موضع ~~الإعطاء بعنف. وعند الشافعي - رضي الله عنه - معنى الصغار: هو جريان أحكام ~~الإسلام # PageV02P301 # {صاغرون (29) وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} ~~عليهم. وهذا معنى حسن. # PageV02P302 # قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله} هذا في قوم بأعيانهم كانوا ~~بالمدينة أفناهم السيف، منهم: سلام بن مشكم، ومالك بن " الضيف "، وفنحاص ~~اليهودي، وأما الآن فلا يقول منهم أحد هذا. ويقال: إن القائلين لهذه ~~المقالة قوم من سلفهم ومتقدميهم. # وكان السبب في ذلك أن اليهود لما بدلوا وخالفوا شريعة التوراة نسخ الله ~~تعالى التوراة من صدورهم، فخرج عزير يسيح في الأرض يطلب العلم، فلقيه جبريل ~~- عليه السلام - فعلمه التوراة. وروي أنه نزل نور فدخل جوفه فقرأ التوراة ~~عن ظهر قلبه، فرجع وأملى التوراة على اليهود، فقال جماعة منهم هذه المقالة ~~يعني: عزير ابن الله. # {وقالت النصارى المسيح ابن الله} هم على ذلك الآن. # قوله: {ذلك قولهم بأفواههم} فإن قال قائل: الإنسان لا يقول قولا إلا ~~بفمه، فكيف يكون معنى هذا الكلام؟ # الجواب: أن معناه: أنهم قالوا هذا القول بلا حجة ولا بيان ولا برهان، ~~وإنما كان مجرد قول بلا أصل. # قوله تعالى: {يضاهئون} قرئ بقراءتين، و {يضاهئون} يعني: يشابهون، ~~والمضاهاة: المشابهة والمماثلة، تقول العرب: امرأة ضهياء إذا كانت لا تحيض، ~~فهي تشبه الرجال. # قوله تعالى: {قول الذين كفروا من قبل} فيه معنيان: # أحدهما: قول الذين أشركوا من قبل؛ فإن المشركين ms0580 كانوا يقولون: مناة ~~واللات والعزى بنات الله. # PageV02P302 # {ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون (30) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ~~وما أمروا} # والقول الثاني: أن النصارى قالوا في المسيح ما قالت اليهود في عزير، فهذا ~~معنى قوله: {يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} . # {قاتلهم الله} قال أبو عبيدة: لعنهم الله، وقيل: قتلهم الله، كما تقول ~~العرب: عافاه الله، أي: أعفاه الله. # وفيه قول ثالث: أن هذه كلمة تعجب، قال الشاعر: # (فيا قاتل الله ليلى كيف تعجبنى ... وأخبر الناس أنى لا أباليها) # وليس المعنى تحقيق المقاتلة؛ ولكنه كلمة تعجب. # قوله تعالى: {أنى يؤفكون} معناه: أنى يصرفون، يقال: أرض مأفوكة إذا صرف ~~عنها المطر، وقول مأفوك إذا كان مصروفا عن الحق. # PageV02P303 # قوله تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} يقال: الأحبار ~~من اليهود، والرهبان من النصارى، وقد بينا فيها أقوالا من قبل. فإن قال ~~قائل: إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان، فأيش معنى قوله {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله} ؟ # قلنا: معناه: أنهم استحلوا ما أحلوا، وحرموا ما حرموا؛ فهذا معنى ~~عباداتهم لهم. وقد صح هذا المعنى برواية عدي بن حاتم، عن النبي. # PageV02P303 # {إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) يريدون أن ~~يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ~~(32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33) يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في} # قوله: {والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون} معناه ظاهر. # PageV02P304 # قوله تعالى: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} معناه: يريدون أن ~~يخمدوا نور الله، والمراد من النور: القرآن، وقيل: هو محمد. # وقوله: {بأفواههم} معناه: بتكذيبهم. # قوله: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} ms0581 ظاهر المعنى. # PageV02P304 # قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون} قال المفسرون: هذا عند نزول عيسى ابن مريم - عليه السلام ~~لا يبقى في الأرض أحد إلا أسلم. # وفي قوله: {ليظهره على الدين كله} قول آخر: وهو أنه الإظهار بالحجة؛ فدين ~~الإسلام ظاهر على كل الأديان بالدليل والحجة. # PageV02P304 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} الآية، وقد بينا معنى الأحبار ~~والرهبان من قبل وقوله: {ليأكلون أموال الناس بالباطل} قال أهل التفسير: إن ~~المراد منه أخذ الرشاء في الأحكام والمآكل التي كانت لعلمائهم على سفلتهم ~~{ويصدون عن سبيل الله} معناه: أنهم يمنعون الناس عن الإسلام، وقوله: ~~{والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} الكنز هو المال ~~المجموع، قال الشاعر: # PageV02P304 # {سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) # (لا در درى إن أطعمت نازلهم ... قرف الحتى وعندي البر مكنوز} # والحتى قالوا: هو المقل. # واختلف أهل العلم في من نزلت هذه الآية، قال بعضهم: نزلت في أهل الكتاب، ~~والأكثرون أنها نزلت في الكل. # واختلفوا في الكنز، روي عن ابن عمر، وجماعة: أن الكنز كل مال لم تؤد ~~زكاته، وأما الذي أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا. وعن علي - رضي ~~الله عنه - أنه قال: أربعة آلاف درهم نفقة وما فوقها كنز. وقال بعضهم: ما ~~فضل عن الحاجة فهو كنز. # وقوله: {ولا ينفقونها في سبيل الله} فإن سأل سائل وقال: إنه تقدم ذكر ~~الذهب والفضة جميعا، فكيف قال: ولا ينفقونها، ولم يقل: ولا ينفقونهما؟ # الجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أن المعنى: ولا ينفقون الكنوز في سبيل الله. # والثاني: أن معنى الآية: يكنزون الذهب ولا ينفقونه، ويكنزون الفضة ولا ~~ينفقونها، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، قال الشاعر: # (نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف) # معناه: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض. وفي مثل هذا قول الشاعر: # (إن شرخ الشباب والشعر الأسود ... ما لم يعاض ms0582 كان جنونا) # يعني: ما لم يعاضيا. # قوله: {فبشرهم بعذاب أليم} معناه: ضع هذا الوعيد موضع البشارة، وإلا ~~فالوعيد لا يكون بشارة حقيقة. # PageV02P305 # {يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) # PageV02P306 # قوله تعالى: {يوم يحمى عليها في نار جهنم} أي: يوقد عليها حتى تصير نارا. # قوله تعالى: {فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} قال أهل التفسير: لا ~~يوضع درهم مكان درهم، ولا دينار مكان دينار؛ ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل ~~دينار ودرهم في موضعه. وفي حديث أبي أمامة الباهلي (رضي عنه) : " أن رجلا ~~من أهل الصفة مات وترك دينارا، فقال النبي: كيه. ومات آخر وترك دينارين ~~فقال: كيتان ". # وقد صح عن النبي أنه قال: " يجعل الذهب والفضة صفائح، فيكوى بها في كل ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ~~". # وروى ثوبان: " أن الله تعالى لما أنزل هذه الآية شق على المسلمين مشقة ~~شديدة فقالوا: يا رسول الله، أي المال نتخذ، وقد أنزل في المال ما أنزل؟ ~~فقال: ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة تعينه على دينه ". # PageV02P306 # {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا ~~المشركين كافة} # وفي الأخبار - أيضا - عن النبي: " أن الكنز يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ~~ثم يتبع سائر جسده ". # وقد روي عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - أنه قال: الآية منسوخة بآية ~~الزكاة. وقال سائر العلماء: ليست بمنسوخة. وعن أبي بكر الوراق - رحمه الله ~~- أنه قال: إنما ذكر الجبهة والجنب والظهر؛ لأن الغني إذا رأى الفقير قبض ~~جبهته، وزوى ما بين عينيه، وولاه ظهره، وأعرض عنه كشحه. # قوله تعالى: {هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} وعيد وتهديد. # PageV02P307 # قوله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله} قال ~~أهل التفسير: معنى الآية: هو أن ms0583 الشهور التي تعبد بها المسلمون في صيامهم ~~وحجهم وأعيادهم وسائر أمورهم، هي الشهور بالأهلة، وقد كان أهل الجاهلية ~~يحسبون السنة بالشهور الشمسية، ويجعلون السنة ثلثمائة وخمسة وستين يوما ~~وربع يوم. وأما في الشريعة فالسنة ما بينا، ولهذا يكون الصوم تارة في ~~الشتاء وتارة في الصيف. # قوله: {في كتاب الله} أي: في حكم الله، وقيل: في اللوح المحفوظ. {يوم خلق ~~السموات والأرض} ظاهر المعنى. # قوله: {منها أربعة حرم} هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. واحد ~~فرد وثلاثة سرد. # PageV02P307 # {كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) إنما النسيء زيادة ~~في الكفر # وقد صح عن النبي برواية أبي بكرة أنه قال: " ألا إن الزمان قد استدار ~~كهيئته يوم خلق السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم 000 " ~~الخبر. # قوله: {ذلك الدين القيم} أي: ذلك الحساب الصحيح. # قوله: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} اختلفوا في هذا على قولين: # أحدهما: أن قوله: {فلا تظلموا فيهن} ينصرف إلى الأشهر الأربعة. # والثاني أنه منصرف إلى جميع أشهر السنة، وهذا محكي عن ابن عباس. # وأما الظلم في هذا الموضع: فهو ترك الطاعة وفعل المعصية. # وقوله: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلوكم كافة} أي: قاتلوا جميع ~~المشركين كافة كما قاتلوا جميعكم. # قوله: {واعلموا أن الله مع المتقين} من الظلم بالنصرة والظفر. # PageV02P308 # قوله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} قرىء بغير الهمز، والمشهور ~~بالهمزة. قال أهل العربية: وهو الأصح، والنسيء: هو التأخير، يقال نسأ الله ~~في أجلك أي: أخر. # وسبب نزول الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يجعلون المحرم مرة حلالا ومرة ~~حراما، فإذا أحلوا المحرم أبدلوا الصفر بالتحريم، وكان السبب في ذلك أن ~~عامة معايشهم كانت بالغارات والقتال والسيوف، فكان يشق عليهم أن يكفوا عن ~~القتال ثلاثة أشهر متوالية، وكان الذي يتولى التحليل والتحريم رجل من بني ~~كنانة يقال له: أبو ثمامة، ورثه عن آبائه، وكان يقوم على ناقة ويقول: أيها ~~الناس، أنا لا أعاب ولا أحاب ولا يرد قضاء قضيته، أما إني قد أحللت المحرم ~~وحرمت الصفر ms0584 العام، قال رجل منهم: ألسنا الناسئين على معد شهور الحل يجعلها ~~حراما. فهذا هو معنى النسىء المذكور في الآية. # PageV02P308 # {يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله ~~فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين (37) ~~يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم} # وقوله تعالى: {زيادة في الكفر} معناه: زيادة كفر على كفرهم. # قوله تعالى: {يضل به الذين كفروا} أي: يضل الله به الذين كفروا، وقرىء " ~~يضل به الذين كفروا " على ما لم يسم فاعله، وقرىء " يضل به الذين كفروا " ~~وهو الأشهر، وهو ظاهر المعنى. # قوله تعالى: {يحلونه عاما ويحرمونه عاما} قد ذكرنا المعنى. قوله: ~~{ليواطئوا} ليوافقوا، والمواطأة: الموافقة، ومعناه: ليوافقوا {عدة ما حرم ~~الله} يعني: عدد ما حرم الله {فيحلوا ما حرم الله} فيقولوا: أربعة وأربعة. ~~قوله: {زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين} ظاهر المعنى. # وفي الآية قول آخر: وهو أن النسىء: تأخير الحج كل عام شهرا. قالوا: وحج ~~أبو بكر سنة تسع في ذي القعدة، وحج رسول الله سنة عشر في ذي الحجة، وهو ~~معنى قوله: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته " الخبر الذي ذكرنا. # PageV02P309 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض} نزلت الآية في غزوة تبوك، وكانت الغزوة في حارة القيظ ~~حين أينعت الثمار وطابت الظلال فشق على المسلمين مشقة شديدة وتخلف بعضهم ~~بالعذر، وتخلف بعضهم بلا عذر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {اثاقلتم إلى الأرض} أي: تثاقلتم؛ وحقيقة المعنى: قعدتم عن الغزو ~~وكرهتم الخروج. # PageV02P309 # {بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ~~(38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا ~~والله على كل شيء قدير (39) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ~~ثاني اثنين إذ} # وقوله: {إلى الأرض} أي: إلى الدنيا، وسمى الدنيا أرضا، ms0585 لأنها في الأرض. # قوله: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} أي: بنعيم الدنيا من نعيم ~~الآخرة. # قوله {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} . روى عن سعيد بن جبير ~~أنه قال: جميع الدنيا جمعة من جمع الآخرة. وقد صح عن النبي أنه قال: " ما ~~الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع ". # PageV02P310 # قوله تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} هذا تهديد ووعيد لمن ترك ~~النفر في سبيل الله، والنفر ضد الهدوء والسكون. # قوله: {ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا} معناه: إن ضره راجع إليكم لا ~~إليه {والله على كل شيء قدير} ظاهر المعنى. # PageV02P310 # قوله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله} معناه: إن لم تنصروه فقد نصره ~~الله {إذ أخرجه الذين كفروا} قد بينا قصة إخراجهم في قوله تعالى: {وإذ يمكر ~~بك الذين كفروا} الآية. قوله: {ثاني اثنين} معناه: أحد اثنين، تقول العرب: ~~خامس خمسة أي: أحد الخمسة، ورابع أربعة أي: أحد الأربعة. # قال المفسرون: عاتب الله جميع الناس بترك نصرة الرسول سوى أبي بكر - رضي ~~الله عنه - وقيل: نصرته عن خلقي إلا عن أبي بكر - رضي الله عنه - فإنه قد ~~نصره. # قوله تعالى: {إذ هما في الغار} الغار: ثقب في الجبل، وهذا الجبل هو جبل ~~ثور، جبل قريب من مكة. # PageV02P310 # {هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته ~~عليه وأيده} # قوله: {إذ يقول لصاحبه} أي: لأبي بكر - رضي الله عنه - باتفاق أهل العلم. # وروي أن النبي قال: " أبو بكر صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض ". # وعن الحسين بن الفضل البجلي أنه قال: من قال: إن أبا بكر ليس بصاحب رسول ~~الله فهو كافر، لإنكاره نص القرآن، وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا ~~ولا يكون كافرا. # قوله: {لا تحزن إن الله معنا} روي " أن النبي لما خرج مع أبي بكر - رضي ~~الله عنه - أمر عليا حتى اضطجع على فراشه، وذكر له أنه لا يصيبه سوء، وخرج ~~مع أبي ms0586 بكر قبل الغار، وجاء المشركون يقصدون النبي فقام علي - رضي الله عنه ~~- من مضجعه فقالوا له: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فخرجوا في طلبه يقتفون ~~أثره حتى وصلوا إلى الغار، فلما أحس أبو بكر - رضي الله عنه - بهم خاف خوفا ~~شديدا، وقال: يا رسول الله، إن أقتل يهلك واحد، وإن تقتل تهلك هذه الأمة، ~~فقال له النبي: لا تحزن إن الله معنا ". وقد ثبت أن النبي قال له: " يا أبا ~~بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". وفي القصة: أن الله تعالى أنبت ثمامة ~~على فم الغار، وهي شجرة صغيرة، وألهم حمامة حتى فرخت، وألهم عنكبوتا حتى ~~نسجت. # قوله تعالى: {فأنزل الله سكينته عليه} فيه قولان: أحدهما: على النبي. وهو ~~اختيار الزجاج. # والآخر: أنه على أبي بكر، وهو قول الأكثرين؛ لأن السكينة هاهنا ما يسكن ~~به # PageV02P311 # {بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ~~والله عزيز حكيم (40) انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في ~~سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41) لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا ~~لاتبعوك} # القلب؛ وأبو بكر - رضي الله عنه - كان هو الخائف والحزين دون رسول الله. # وفي الآية قول ثالث: أن السكينة نزلت عليهما؛ ونقل في مصحف حفصة - رضي ~~الله عنها - " فأنزل الله سكينته عليهما وأيدهما بجنود لم تروها " قوله: ~~{وأيده بجنود لم تروها} الجنود هاهنا: الملائكة، نزلوا فألقوا الرعب في ~~قلوب الكفار حتى رجعوا. قوله: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} كلمتهم: ~~الشرك؛ وهي السفلى إلى يوم القيامة {وكلمة الله هي العليا} يعني: لا إله ~~إلا الله، وهي العليا إلى يوم القيامة. قوله: {والله عزيز حكيم} قد بينا ~~معنى العزيز الحكيم. # PageV02P312 # قوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} يقال: إن هذه الآية أول آية أنزلت من ~~سورة التوبة. # قوله: {خفافا وثقالا} فيه أقوال: روي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: ~~نشاطا وغير نشاط. قال الأزهري: النشاط جمع النشيط. # والقول الثاني: قول الحسن البصري: انفروا في اليسر والعسر. وهذا قول حسن. ~~وعن الحكم بن ms0587 عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل. وعن أبي طلحة صاحب النبي: # شيوخا وشبابا. وفيه قول خامس: رجالة وركبانا. {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ~~في سبيل الله 000} إلى آخر الآية، معناه ظاهر، وقيل: إن هذه الآية منسوخة ~~بقوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الآية، والله أعلم. # PageV02P312 # قوله تعالى: {لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك} أي: لو كانت غنيمة ~~قريبة المتناول {وسفرا قاصدا} أي: سفرا قصيرا سهلا [قريبا] {لاتبعوك} أي: # PageV02P312 # {ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون ~~أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين ~~لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) إنما يستئذنك ~~الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت فهم في ريبهم يترددون (45) ولو ~~أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل} لخرجوا ~~معك {ولكن بعدت عليهم الشقة} أي: بعد عليهم السفر، والشقة في اللغة: هي ~~الغاية التي يقصد إليها. # قوله {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم} هذا في المنافقين. # قوله تعالى: {يهلكون أنفسهم} يعني: باليمين الكاذبة. قوله: {والله يعلم ~~إنهم لكاذبون} ظاهر المعنى. # PageV02P313 # قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} روي عن عمرو بن ميمون الأودي أنه ~~قال: فعل رسول الله شيئين بغير إذن من الله: فداء أسارى بدر، وأذن ~~للمتخلفين في غزوة تبوك، فعاتبه الله تعالى فيهما جميعا. وفي تقديم قوله ~~تعالى: {عفا الله عنك} معنى لطيف في حفظ قلب النبي. # قوله: {حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} ظاهر المعنى. # PageV02P313 # قوله تعالى: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر} معناه: لا ~~يستأذنك في التخلف. # قوله {أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} الآية، معلوم، ثم قال # PageV02P313 # : {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم} أي: ~~شكت قلوبهم {فهم في ريبهم يترددون} يتحيرون. # ثم قال: # PageV02P313 # {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} يعني: لو قصدوا الخروج لأعدوا له # PageV02P313 # {اقعدوا مع القاعدين (46) لو خرجوا فيكم ms0588 ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) لقد} ~~عدة أي: أهبة السفر من الزاد والراحلة وغيرهما {ولكن كره الله انبعاثهم} ~~معناه: خروجهم {فثبطهم} معناه: فكسلهم وكفهم عن الخروج {وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين} قال مقاتل بن سليمان: وحيا إلى قلوبهم. وقال غيره: قال بعضهم ~~لبعض: اقعدوا مع القاعدين. # PageV02P314 # قوله تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} هذه الآية نزلت في شأن ~~المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ومعنى قوله: {خبالا} أي: فسادا وشرا، ~~ومعنى الفساد: هو إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين. # وقوله {ولأوضعوا خلالكم} الإيضاع: هو سرعة السير. قال الراجز شعر: # (يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع) # قال الزجاج: معنى الآية: أسرعوا فيما يخل بكم. وقال غيره: أسرعوا بينكم ~~بايقاع البغضاء والعداوة بالنميمة، ونقل الحديث من بعض إلى بعض، وعلى هذا ~~قوله: {خلالكم} : وسطكم {يبغونكم الفتنة} يطلبون لكم الفتنة، وفي الفتنة ~~معنيان: أحدهما: أنها الشرك، والآخر: أنها تفريق الكلمة. # {وفيكم سماعون لهم} فيه قولان: # أحدهما: أن فيكم جواسيس لهم ينقلون الحديث إليهم، وسئل ابن عيينة: هل في ~~القرآن ذكر للجواسيس؟ قال: نعم. وذكر هذه الآية. # والقول الثاني: {وفيكم سماعون لهم} قائلون لهم أي: يقبل ما يقولون، ومنه ~~ما ورد في الصلاة: " سمع الله لمن حمده " قبل الله لمن حمده. وعن أبي ~~عبيدة: وفيكم سماعون لهم: مطيعون لهم. والمعنى قريب من القول الثاني. # PageV02P314 # {ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم ~~كارهون (48) ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين (49) إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا} # {والله عليم بالظالمين} معناه معلوم. فإن قال قائل: قد قال في أول الآية: ~~{مازادوكم إلا خبالا} وكان النبي وأصحابه في خبال حتى يزيدوا؟ # الجواب: إن معنى الآية: مازادوكم قوة؛ بل طلبوا لكم الخبال. # PageV02P315 # قوله تعالى: {لقد ابتغوا الفتنة من قبل} الآية، الابتغاء: الطلب، ~~والفتنة: إيقاع الاختلاف المؤدي إلى تفريق الكلمة. ms0589 وقوله {وقلبوا لك ~~الأمور} ومعناه: صرفوا لك الأمور وأرادوها ظهرا لبطن وبطنا لظهر، وحقيقة ~~المعنى: أنهم طلبوا بكل حيلة إفساد أمرك {حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم ~~كارهون} معناه معلوم. # PageV02P315 # قوله تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} أكثر المفسرين أن هذه ~~الآية نزلت في رجل من المنافقين يقال له: الجد بن قيس قال له رسول الله: " ~~هل لك في جلاد بني الأصفر - يعني الروم - لعلك تصيب منهم سرارى. قال رسول ~~الله حثا له على الخروج، فقال: يا رسول الله، ائذن لي - يعني: في التخلف - ~~ولا تفتني - يعني: بنساء الروم - قال: قومي علموا أني بالنساء مغرم، يعني: ~~معجب ". # وهذا أحد القولين في قوله: {ولا تفتني} . # والقول الثاني: إن معناه: لا تؤثمني، قال قتادة، ومعناه: لا تسمنى ~~للخروج، والخروج عسير علي فأتخلف فأقع في الإثم. # PageV02P315 # {أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ~~هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) قل هل تربصون بنا إلا إحدى ~~الحسنيين} # قوله: {ألا في الفتنة سقطوا} فيه معنيان: # أحدهما: ألا في جهنم سقطوا، والآخر: ألا في الشرك سقطوا. # {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} محدقة بالكافرين. # PageV02P316 # قوله تعالى: {إن تصبك حسنة تسؤهم} الحسنة هاهنا هي النعمة التي تطيب بها ~~نفس الإنسان، وتلذ عيشه. وفي غير هذا الموضع الحسنة بمعنى الطاعة. . # {وإن تصبك مصيبة} المصيبة هاهنا هي البلية في القتال بإصابة الكافرين من ~~المسلمين، يقال: إن الحسنة المذكورة كانت يوم بدر، والمصيبة المذكورة كانت ~~يوم أحد. # وقوله: {يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل} يعني: حذرنا من قبل، ومعناه: ~~احترزنا من الوقوع في المصيبة {ويتولوا وهم فرحون} معناه معلوم. # PageV02P316 # قوله تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا} أمر الله تعالى المؤمنين ~~بأن يجيبوهم بهذا. # وقوله: {إلا ما كتب الله لنا} أي: علينا، وقيل: معناه: ما أخبر الله لنا ~~{هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وهو حافظنا وناصرنا وعليه يعتمد ~~المؤمنون، وفي الخبر المعروف برواية أبي الدرداء أن النبي قال: " لا يبلغ ms0590 ~~العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم ~~يكن ليصيبه ". # PageV02P316 # قوله تعالى: {قل هل تربصون بنا} هل تنتظرون بنا {إلا إحدى الحسنيين} # PageV02P316 # {ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا ~~معكم متربصون (52) قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما ~~فاسقين (53) وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ~~ولا يأتون} تثنيه الحسنى: الحسنيان، أحدهما: الظفر، والأخرى: الشهادة. # وروى أبو هريرة عن النبي أنه قال: " ضمن الله لمن خرج في سبيله إيمانا ~~واحتسابا أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه مع ما نال من ~~أجر أو غنيمة ". # وقوله: {ونحن نتربص بكم} أي: ننتظر بكم {أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو ~~بأيدينا} العذاب من عنده هو القارعة تنزل من السماء، والعذاب بأيدي ~~المؤمنين هو العذاب بالسيف {فتربصوا إنا معكم متربصون} فانتظروا إنا معكم ~~منتظرون. # PageV02P317 # قوله تعالى: {قل أنفقوا طوعا أو كرها} هذا أمر بمعنى الشرط، ومعناه: إن ~~أنفقتم طوعا أو كرها {لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين} لأنكم كنتم ~~قوما فاسقين، والفسق هاهنا هو الكفر. # PageV02P317 # قوله تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله} معناه: أن المانع من قبول نفقاتهم كفرهم بالله وبرسوله. # وقوله: {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} أي: متثاقلين. فإن قيل: كيف ذكر ~~الكسل في الصلاة ولا صلاة أصلا؟ # قلنا: الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل؛ فإن الكفر مكسل والإيمان ~~منشط، ويقال: أصل كل كفر الكسل، وفي المثل: الكسل أحلى من العسل {ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون} معلوم المعنى. وحقيقة المعنى في الكل: أنهم لا ~~يصلون ولا ينفقون إلا خوفا، فأما تقربا إلى الله فلا. # PageV02P317 # {الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) فلا تعجبك أموالهم ~~ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون (55) ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم ms0591 قوم يفرقون} # PageV02P318 # قوله تعالى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم} الإعجاب بالشيء هو السرور ~~به. # وقوله: {إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} فيه سؤال، وهو أنه ~~يقال: كيف يكون التعذيب بالمال والولد وهم يتنعمون بالأموال والأولاد؟ # الجواب من وجوه: # أحدهما: أن في الآية تقديما وتأخيرا، كأنه تعالى قال: فلا تعجبك أموالهم ~~ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. # والقول الثاني: أن التعذيب بالمصائب الواقعة في المال والولد. # الثالث: أن معنى التعذيب هو التعب في الجمع، وشغل القلب بالحفظ، وكراهة ~~الإنفاق مع الإنفاق، وتحليفه عند من لا يحمده، وقدومه على من لا يعدله. # وقوله {وتزهق أنفسهم وهم كافرون} تخرج أنفسهم وهم كافرون. # وفي الآية رد على القدرية، وهو ظاهر. # PageV02P318 # قوله تعالى: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم} يعني: من جملتكم {وما هم منكم} ~~يعني: ليسوا من جملتكم {ولكنهم قوم يفرقون} أي: يخافون. # وفي الحكايات: أن بعض الملحدين رئي يصلي صلاة حسنة، فسئل عن ذلك فقال: ~~عادة أهل البلد، وصيانة المال والولد. # PageV02P318 # قوله تعالى: {لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا} قال قتادة: والملجأ: ~~الحصون، والمغارات: الغيران، والمدخل: الأسراب. وهذا قول حسن. فمعنى الآية: ~~لو يجدون مخلصا منكم ومهربا لفارقوكم، وهذا معنى قوله تعالى: {لولوا إليه ~~وهم يجمحون} يعني: يسرعون، يقال: فرس جموح إذا لم يكن رده عن وجهه بشيء. # PageV02P318 # ( {56) لو يجدون ملجئا أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) ~~ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون (58) ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) } # قال الشاعر: # (لقد جمحت جماحا في دمائهم ... حتى رأيت ذوي الأشراف قد خمدوا) # وروي عن أنس أنه قرأ: " وهم يجمرون " والمعنى قريب في الأول. # PageV02P319 # قوله تعالى: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} يعني: يعيبك في إعطاء الصدقات، ~~ويقال: الهمزة واللمزة بمعنى واحد، ويقال: اللمزة الذي يعيب الناس بقوله، ~~والهمزة: الذي يشير بطرفه [هزاء] ms0592 . # سبب نزول الآية: " أن ذا الخويصرة التميمي - واسمه: حرقوش بن زهير - أتى ~~رسول الله وهو يقسم، فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال: فمن يعدل إن لم أعدل. ~~ثم قال: يخرج من ضئضىء هذا أقوام تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند ~~صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " الخبر فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: {فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} هذا ~~في ثعلبة بن حاطب وأصحابه، كانوا يرضون إن أعطوا كثيرا، وإن أعطوا القليل ~~سخطوا وعابوا. # PageV02P319 # قوله تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله} ~~كافينا الله {سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} يعني: لو ~~رضوا بما فعلت # PageV02P319 # {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب} ورغبوا في الزيادة كان خيرا لهم من سخطهم وعيبهم. # PageV02P320 # قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية، الفقير في اللغة: ~~هو المحتاج الذي كسرت الحاجة فقار ظهره، والمسكين: الذي ضعفت نفسه عن ~~الحركة في طلب القوة فسكنت، وأما الكلام ففي الفقير والمسكين نفى الآية ~~أقوال كثيرة. # أحدها: روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري أنهم قالوا: الفقير: الذي ~~لا يسأل، وقال بعضهم على خلاف ذلك. # والثاني: قول قتادة، وهو أن الفقير الذي به زمانة ولا شيء له، والمسكين: ~~الذي لا شيء له وليس به زمانة، وقال بعضهم على ما قاله قتادة. # والثالث: أن الفقراء هم المهاجرون، والمساكين هم الأعراب، وهذا قول ~~إبراهيم النخعي. # والرابع: أن الفقراء هم المسلمون المحتاجون، والمساكين هم أهل الحاجة من ~~أهل الذمة. # وفيه قول خامس: أن الفقير والمسكين واحد. واختلفوا أيهما أحوج، فمذهب ~~الشافعي - رحمه الله - أن الفقير أحوج من المسكين، واستدل بقوله تعالى: ~~{أما السفينة فكانت لمساكين} فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة. وزعم الأصمعي ~~وجماعة من أهل اللغة أن المسكين أحوج من الفقير، وأنشدوا: # (أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم تترك له [سبد] ) # قال يونس النحوي: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: ms0593 بل مسكين - يعني: أدون من ~~الفقير. # PageV02P320 # {والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ~~(60) } # قوله تعالى: {والعاملين عليها} يعني: السعادة، ولهم سهم من الصدقات ~~معلوم. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن لهم بقدر أجر المثل. # وقوله: {والمؤلفة قلوبهم} قال أهل العلم: المؤلفة قلوبهم صنفان: مسلمون، ~~ومشركون، وكل صنف على صنفين: أما المسلمون قوم كان إيمانهم ضعيفا مثل: أبي ~~سفيان بن حرب، وعيينة بن حصن الفزارى، والأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس ~~وأمثالهم، كان رسول الله يعطيهم ليتألفوا على الإيمان فيقوي إيمانهم، وصنف ~~كان إيمانهم قويا مثل: عدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر وغيرهما، كان يعطيهم ~~ليتألف عشيرتهم. # وأما المشركون فصنفان: صنف كان يدفعهم ليدفع أذاهم عن المسلمين، مثل عامر ~~ابن الطفيل وغيره، وصنف كان يعطيهم ليؤمنوا ويميلوا إليه مثل صفوان بن أمية ~~بن خلف، ومالك بن عوف النصري وغيرهما. # واختلفوا أن سهم المؤلفة قلوبهم هل بقي بعد النبي؟ # قال الشعبي وجماعة: قد سقط. وهو قول أكثر أهل العلم. وقال الزهري: هو ~~باق. وقد حكى عن الشافعي كلا القولين، والصحيح هو الأول. # وقوله: {وفي الرقاب} فيه قولان: # أحدهما: أنهم المكاتبون. وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. # وقال مالك: يشترى بذلك السهم رقاب فيعتقون. الصحيح هو الأول. # قوله: {والغارمين} قال مجاهد: هؤلاء قوم أحرقت النار دورهم، وأذهب السيل ~~أموالهم فادانوا لنفقاتهم. وقال غيره: هو كل من لحقه غرم بسبب لا معصية ~~فيه. # PageV02P321 # {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب ~~أليم (61) يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا ~~مؤمنين} # وقوله: {وفي سبيل الله} هؤلاء الغزاة والحجاج، وقوله: {في سبيل الله} : ~~في طاعة الله {وابن السبيل} فيه قولان: # أحدهما: أنه الذي قطع عليه الطريق فبقي فقيرا لا مال له. والذي عليه ~~الفقهاء أنه الذي بعد عن ماله؛ فيصرف إليه سهم من الصدقات وإن صار غنيا في ms0594 ~~بلده. # وحكى ابن الأنباري قولا ثالثا: أن ابن السبيل هو الضيف. # قوله تعالى: {فريضة من الله} أي: افترض الله ذلك فريضة {والله عليم حكيم} ~~عليم بما يصلح خلقه، حكيم فيما دبره. # PageV02P322 # قوله تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن} الأذن هاهنا: هو ~~من يسمع كل ما قيل له. قال الشاعر: # (أيها القلب تعلل بددن ... إن همي في سماع وأذن) # وسبب نزول الآية: أن المنافقين قالوا: قولوا ما تريدون ثم أنكروا ~~واحلفوا؛ فإن محمدا أذن يسمع كل ما قيل له ويقبله. # {قل أذن خير لكم} يعني: هذه الخلة خير لكم، فكأنه قال: مستمع خير خير ~~لكم، ومستمع شر شر لكم {يؤمن بالله} يصدق بالله {ويؤمن للمؤمنين} ويصدق ~~المؤمنين {ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} ~~معناه ظاهر. وقرئ: " أذن خير لكم " أي: أصلح لكم. # PageV02P322 # قوله تعالى: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن ~~كانوا مؤمنين} معناه ظاهر. # وقوله: {إن كانوا مؤمنين} قيل: يعني: ما كانوا مؤمنين. # PageV02P322 # ( {62) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ~~ذلك الخزي العظيم (63) يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في ~~قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون (64) ولئن سألتهم ليقولن إنما ~~كنا} # PageV02P323 # قوله تعالى: {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله} يحادد الله: يعني: من ~~يكون في حد وجانب من الله ورسوله {فإن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي ~~العظيم} الفضيحة العظيمة والنكال العظيم. # PageV02P323 # قوله تعالى: {يحذر المنافقون} فيه قولان: # أحدهما: أنه خبر بمعنى الأمر، ومعناه: ليحذر المنافقون. # والآخر: أنه بمعنى الإخبار عنهم؛ إذ كانوا يستهزئون ويخافون الفضيحة ~~بنزول القرآن في شأنهم. # قوله تعالى: {أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم} وقد بينا أن هذه ~~السورة تسمى المبعثرة والفاضحة؛ فهذه الآية تشير إلى ما قدمنا. # وقد روي عن عبد الله بن عباس قال: أنزل الله تعالى ذكر سبعين رجلا من ~~المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم، ثم نسخ ذكر الأسماء ms0595 رحمة ورأفة ~~على المؤمنين؛ لأن أولادهم كانوا مؤمنين، فنسخ ذلك لئلا يعير بعضهم بعضا. # قوله تعالى: {قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون} معناه ظاهر. # PageV02P323 # قوله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} . # سبب نزول الآية: " أن النبي كان يسير في غزوة تبوك وقدامه ثلاثة من ~~المنافقين، اثنان يستهزئان، والثالث يضحك " وقيل: إن استهزاءهم: أنهم كانوا ~~يقولون: إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم، ما أبعده عن ذلك. # وقيل: إنهم كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه نزل القرآن في شأن أصحابنا ~~المقيمين # PageV02P323 # {نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون (65) لا تعتذروا قد ~~كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ~~(66) المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن} ~~بالمدينة، وإنما هو قوله وكلامه. فهذا معنى الآية؛ فإنه روي أن النبي أرسل ~~إليهم: ماذا كنتم تقولون؟ فقالوا: إنا كنا نخوض فيما يخوض فيه الركب، فقال ~~الله تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} . # وروي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: " رأيت عبد الله بن ~~أبي ابن سلول يشتد قدام النبي والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ~~ونلعب؛ ورسول الله يقول: {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} ". # PageV02P324 # قوله تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} فإن قال قائل: قد كفرتم ~~بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين. # الجواب عنه: أن معناه: أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان. # وقوله تعالى: {إن نعف عن طائفة منكم} قرئ: " نعف " ومعناهما واحد، ~~والطائفة هاهنا رجل واحد كان يسمى مخشى بن حمير، وكان هو الذي يضحك ولا ~~يخوض معهم، وروى أنه جانبهم فقال: {إن نعف عن طائفة منكم} يعني: هذا الواحد ~~{نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} معناه معلوم. # PageV02P324 # قوله تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} الآية، قوله: {بعضهم من ~~بعض} فيه قولان: # أحدهما: أن بعضهم على دين البعض. # PageV02P324 # {المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) ~~} # والآخر: أن أمرهم واحد، وهذا كالرجل يقول لغيره: ms0596 أنا منك، يعني: أمري ~~وأمرك واحد. # {يأمرون بالمنكر} فيه قولان: # أحدهما: أن المنكر: هو الشرك، والمعروف: هو الإيمان بالله. # وعن أبي العالية الرياحي أنه قال: كل ما ذكر من المنكر في القرآن فهو ~~عبادة الأوثان والشرك بالله. # والقول الثاني: أن المنكر: هو معصية الله تعالى، والمعروف: هو طاعة الله. # وقوله تعالى: {وينهون عن المعروف} القول المعروف أن معنى قوله: {ويقبضون ~~أيديهم} يمسكون عن الإنفاق في سبيل الله. # والقول الثاني: يقبضون أيديهم أي: عن الجهاد في سبيل الله. # وقال بعض المتأخرين: يعني: لا يبسطونها للدعاء والرغبة إلى الله. # قوله تعالى: {نسوا الله فنسيهم} أي: تركوا أمر الله فتركهم من رحمته. ~~وروي عن قتادة أنه قال: نسوا من الخير ولم ينسوا من الشر. # قوله تعالى: {إن المنافقين هم الفاسقون} يعني: هم الخارجون عن طاعة الله. # وقد صح عن النبي أنه قال: " علامة المنافق ثلاثة: إذا قال كذب، وإذا ~~ائتمن خان، وإذا وعد (خلف) ". وفي بعض الروايات: " إذا عاهد غدر ". وفي بعض ~~الأخبار: " لايأتون الصلاة إلا دبرا ولا يقرءون القرآن إلا هجرا ". وفي بعض ~~الروايات عن ابن عباس: أن عدد المنافقين من الرجال في زمان رسول الله كان ~~ثلثمائة، وعدد النساء مائة وسبعون. # PageV02P325 # {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ~~ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكر قوة وأكثر ~~أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من ~~قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك هم الخاسرون (69) ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود} # PageV02P326 # قوله تعالى: {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين ~~فيها} معلوم. وقوله: {هي حسبهم} أي: كافيتهم {ولعنهم الله} أي: أبعدهم الله ~~من رحمته {ولهم عذاب مقيم} أي: دائم. # PageV02P326 # قوله تعالى: {كالذين من قبلكم} معناه: أنتم يا معشر المنافقين كالذين من ~~قبلكم. قوله: {كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم} ~~الخلاق: النصيب، وقيل: الحظ الوافر. ومعنى الآية: استمتعوا باتباعهم ~~الشهوات ms0597 {كما استمتعتم بخلاقكم} باتباعكم الشهوات، وقيل: معنى الآية: رضوا ~~بنصيبهم من الدنيا عن نصيبهم من الآخرة. وقوله تعالى: {وخضتم كالذي خاضوا} ~~يعني: لعبوا واستهزءوا كما فعلتم. قوله تعالى: {أولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون} معناه: كما حبطت أعمالهم وخسروا كذلك ~~حبطت أعمالكم وخسرتم. وقد روي عن النبي أنه قال: " لتتبعن سنن من قبلكم حتى ~~لو دخل أحدهم في جحر ضب ليدخلنه أحدكم ". وعن عمر - رضي الله عنه - قال: ما ~~أشبه الليلة بالبارحة في الدنيا والآخرة. # PageV02P326 # قوله تعالى: {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم} أي: خبر الذين من قبلهم {قوم ~~نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين} ومدين اسم قرية شعيب. قوله: ~~{والمؤتفكات} هي: قريات لوط؛ سميت مؤتفكة؛ لأن الله تعالى قلبها بهم. قوله: # PageV02P326 # {وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ~~ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (70) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (71) وعد الله ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة ~~في} {أتتهم رسلهم بالبينات} بالحجج {فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون} معناه: ما نقص الله حظهم؛ ولكن نقصوا هم حظهم، وضروا ~~بأنفسهم. # PageV02P327 # قوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} هذه الولاية هي ~~ولاية الدين واتفاق الكلمة. ويقال في تفسير الآية: المهاجرون والأنصار ~~بعضهم أولياء بعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض. # قوله تعالى: {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة} إلى آخر الآية معناه معلوم. وقوله: {ويطيعون الله ورسوله أولئك ~~سيرحمهم الله} قال عطاء بن أبي رباح: هو اتباع الكتاب والسنة. وقوله: {إن ~~الله كان عزيزا حكيما} أي: عزيز في نصره، حكيم في تدبيره. # PageV02P327 # قوله تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها} الجنات: البساتين {تجري من تحتها الأنهار} هذه الأنهار هي ~~الأنهار التي ذكر الله تعالى في سورة محمد. ms0598 # قوله: {ومساكن طيبة} روي عن عبد الله بن عباس أنه قال: {ومساكن طيبة} هي ~~قصر من لؤلؤ فيها سبعون دارا من الزبرجد، في كل دار سبعون بيتا من الياقوت، ~~في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش ~~زوجة من الحور العين. وفي الآثار - أيضا - أن قوله: {في جنات عدن} قال: إن ~~جنة عدن هي مأوى الأنبياء والصديقين والشهداء، وسائر الجنان حواليها. وقيل: ~~إن جنة عدن في السماء السابعة لا يدخلها إلا نبي أو صديق أو إمام عدل أو ~~رجل محكم في نفسه. ومعنى قوله " محكم في نفسه " يعني: خير بين الكفر والقتل ~~فاختار # PageV02P327 # {جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم (72) يا أيها النبي ~~جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (73) يحلفون ~~بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} القتل. وأما جنة المأوى فهي في ~~السماء الدنيا. وقوله: {عدن} أي: موضع الإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام ~~به، قال الشاعر: # (فإن تستضيفوا إلى حلمه ... تضيفوا إلى راجح قد عدن) # وقوله تعالى: {ورضوان من الله أكبر} معناه: رضا الله أكبر من هذه التحف. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي قال: " إن الله تعالى يقول: يا أهل الجنة. ~~فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم عني؟ فيقولون: ~~وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا أفضل ما تعطي أحدا من خلقك؟ ! فيقول: وأنا ~~أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وما أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل - أي: أنزل - ~~عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا ". خرجه البخاري ومسلم في كتابيهما. # قوله {ذلك هو الفوز العظيم} معناه ظاهر. # PageV02P328 # {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} قال أهل التفسير: ~~معناه: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان. وروي عن عبد الله بن مسعود ~~أنه قال: لا تلق المنافق إلا بوجه مكفهر. وروي عنه أنه قال: يجاهد بيده، ~~فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وقوله تعالى: {واغلظ عليهم} ~~الغلظة ها هنا: هو الانتهار الشديد. ms0599 قوله: {ومأواهم جهنم وبئس المصير} ~~معناه ظاهر. # PageV02P328 # قوله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} الآية نزلت ~~في المنافقين أيضا. واختلف القول في كلمة الكفر. # قال بعضهم: كلمة الكفر: هي سب محمد. وقال بعضهم: كلمة الكفر: هي قول ~~الجلاس بن سويد؛ فإنه قال: لئن كان ما يقول محمد حق فنحن شر من الحمير. # PageV02P328 # {وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ~~ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما ~~في الدنيا} وفيه قول ثالث: أن كلمة الكفر هي قولهم: لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل، وعنوا بالأعز: عبد الله بن أبي بن سلول، وقالوا: ~~نتوجه بالتاج خلافا على محمد. # وقوله تعالى: {وكفروا بعد إسلامهم} معناه: وأظهروا الكفر بعد إظهارهم ~~الإسلام. # وقوله تعالى: {وهموا بما لم ينالوا} يعني: قصدوا ما لم يدركوه؛ فإنه روي ~~أن اثني عشر نفرا من المنافقين اجتمعوا في غزوة تبوك ليغتالوا النبي. وروي ~~أنهم قصدوا أن يوقعوه من العقبة في الوادي، فدفع الله شرهم عن النبي؛ فهذا ~~معنى قوله: {وهموا بما لم ينالوا} . وقوله تعالى: {وما نقموا إلا أن أغناهم ~~الله ورسوله من فضله} نقموا أي: كرهوا، قال الشاعر في مدح بني أمية شعرا: # (ما نقموا من بني أمية ... إلا أنهم (يحلمون) إن غضبوا) # (وأنهم سادة الملوك ... ولا يصلح إلا عليهم العرب) # وقوله تعالى: {إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} يعني: بالغنائم. وروي: ~~" أن الجلاس بن سويد كان تحمل بحمالة فأداها عنه رسول الله ". وروي أن عبد ~~الله بن أبي بن سلول كانت له دية على قوم فأمر النبي أن يوفر عليه. فهذا ~~كله معنى قوله تعالى: {إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} . # قوله تعالى: {فإن يتوبوا يك خيرا لهم} روي أنه لما نزلت هذه الآية قال ~~الجلاس بن سويد: إني أرى الله يعرض علي التوبة، وإني قد تبت إلى الله مما ~~كنت فيه؛ فروي # PageV02P329 # {والآخرة وما لهم في الأرض ms0600 من ولي ولا نصير (74) ومنهم من عاهد الله لئن ~~آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا} ~~أنه صح إيمانه واستشهد يوم اليمامة. # قوله تعالى: {وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما ~~لهم في الأرض من ولي ولا نصير} إلى آخر الآية، معناه ظاهر. # ويقال في قوله تعالى: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله} يعني: ليست لهم ~~كراهة ولا نقمة، وهذا مثل قول الشاعر: # (ولا عيب فينا غير أن سيوفنا ... بهن فلول من قراع الكتائب) # يعني: لا عيب فينا أصلا. # PageV02P330 # قوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين} أي: لنتصدقن، وأدغمت التاء في الصاد وشددت، أي: لنصدقن في وجوه ~~الخير من الجهاد وغيره، ولنكونن من الصالحين. قيل: مثل عثمان بن عفان وعبد ~~الرحمن بن عوف وغيرهما في البذل والعطاء. # في الآية قولان: أحدهما: أنها نزلت في رجل من الأنصار كان له مال غائب، ~~فقال: إن رد الله على مالي لأفعلن كذا وكذا، فرد الله عليه ماله فلم يفعل ~~شيئا، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية. # والقول الثاني: أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب. روى أبو أمامة الباهلي: " أن ~~ثعلبة ابن حاطب جاء إلى النبي وقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني ~~مالا، فقال: قليل يكفيك خير من كثير لا تقوم بحقه فقال: يا رسول الله، ادع ~~الله أن يرزقني مالا، فقال: أما ترضى أن تكون مثل رسول الله، فوالله لو ~~أردت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن ~~يرزقني مالا، فوالله لاؤدين إلى كل ذي حق حقه، فدعا رسول الله وقال: اللهم ~~ارزق ثعلبة مالا، قال: فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت بها أزقة ~~المدينة، فخرج بها إلى الصحراء # PageV02P330 # {به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما ~~أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ألم يعلموا أن الله يعلم ~~سرهم} وجعل يحضر الصلوات ms0601 الخمس، ثم نمت حتى ضاقت بها مراعي المدينة، فقال ~~فبعد بها وجعل لا يحضر إلا الجمعة، ثم ترك حضور الصلوات والجمعة جميعا. ~~قال: فبعث رسول الله مصدقه ليأخذ الزكاة، فمر عليه وطالبه بالزكاة، فقال: ~~ما أرى هذا إلا أخت الجزية، اذهب حتى تعود إلي، فلما عاد إليه لم يعط شيئا، ~~وقال: حتى ألقى رسول الله، فرجع المصدق وأخبر النبي بأمره، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، فروي أنه ذكر له أنه نزلت فيه هذه الآية فحضر المدينة ~~وقال: يا رسول الله، خذ مني الزكاة، فأبى أن يأخذ، فلما توفي رسول الله جاء ~~إلى أبي بكر وطلب أن يأخذ منه الزكاة، فقال: ما أخذ رسول الله؛ فلا آخذ ~~أنا، وهكذا في زمان عمر وزمان عثمان، وتوفي في زمان عثمان ". # PageV02P331 # وقوله تعالى: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم} فيه معنيان: # أحدهما: فعاقبهم نفاقا في قلوبهم، يقال: أعقبه وعاقبه بمعنى واحد. # والمعنى الثاني: أخلفهم نفاقا في قلوبهم. # {إلى يوم يلقونه} يوم القيامة. # قوله تعالى: {بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} . # PageV02P331 # ثم قال: {ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم} يعني: ما أضمروا في ~~قلوبهم # PageV02P331 # {ونجواهم وأن الله علام الغيوب (78) الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين ~~في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم ~~عذاب أليم (79) استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن} ~~وما تناجوا به بينهم {وأن الله علام الغيوب} معناه ظاهر. # PageV02P332 # قوله تعالى: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} يلمزون: ~~يعيبون. # وسبب نزول الآية: " أن النبي حث الناس على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن ~~عوف بأربعة آلاف دينار - وكان ذلك نصف ماله - وجاء عاصم بن عدي بثلثمائة ~~وسق من تمر - والوسق حمل بعير - وجاء أبو عقيل - رجل من الأنصار - بصاع من ~~تمر، وقال: كان لي صاعان من تمر فجئت بأحدهما، فقال المنافقون: أما عبد ~~الرحمن ابن عوف وعاصم بن عدي: فأعطيا ما أعطيا رياء، وأما أبو عقيل: فما ~~كان أغنى الله من صاع أبي ms0602 عقيل، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ". ~~{والمطوعين} المتطوعين من المؤمنين، هو عبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عدي ~~{والذين لا يجدون إلا جهدهم} هو أبو عقيل. والجهد: الطاقة {فيسخرون منهم} ~~يستهزئون منهم {سخر الله منهم} جازاهم جزاء السخرية {ولهم عذاب أليم} . # PageV02P332 # قوله سبحانه وتعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة فلن يغفر الله لهم} الآية. أراد به إثبات اليأس عن طمع المغفرة لهم. # وروي عن الحسن البصري أنه روى عن النبي مرسلا أنه قال: " والله لأزيدن ~~على السبعين " فأنزل الله عز وجل: {سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم} وذكر عدد السبعين للمبالغة في إثبات اليأس {إن الله ~~لا يهدي القوم الفاسقين} معناه معلوم. # PageV02P332 # {يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين (80) فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد ~~حرا لو كانوا يفقهون (81) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا ~~يكسبون (82) فإن} # PageV02P333 # قوله تعالى: {فرح المخلفون} الفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى، والغم: ~~ضيق في القلب بفوات المشتهى. وأما المخلفون فهم الذين قعدوا عن الغزو، ~~وتركوا الخروج مع رسول الله. والمخلف: المتروك. وقوله: {بمقعدهم} يعني: ~~بقعودهم. وقوله: {خلاف رسول الله} فيه معنيان: أحدهما: مخالفة لرسول الله. ~~والثاني: بمقعدهم خلاف رسول الله أي: بعد رسول الله، قاله أبو عبيدة ~~{وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} المجاهدة بالمال: هي ~~الإنفاق، والمجاهدة بالنفس: هي مباشرة القتال، وقوله: {وكرهوا} يعني: لم ~~يحبوا {وقالوا لا تنفروا في الحر} الحر: هو وهج الشمس، والبرد ضده. {قل نار ~~جهنم أشد حرا} يعني: أشد وهجا {لو كانوا يفقهون} قرأ ابن مسعود: " لو كانوا ~~يعلمون ". والمعنى واحد. # PageV02P333 # قوله تعالى: {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} الضحك: حالة تكون في الإنسان ~~من التعجب والفرح، والبكاء حالة تعتري الإنسان من الهم وضيق القلب مع جريان ~~الدمع على الخد، ويقال: ms0603 إن الضحك في بني آدم كالصهيل في الخيل. # وفي الآية قولان: أحدهما: أن معنى قوله: {فليضحكوا قليلا} أي: في الدنيا ~~{وليبكوا كثيرا} في الآخرة {جزاء بما كانوا يعملون} قاله أبو رزين، والحسن ~~وجماعة. # والقول الثاني: أن هذا أمر بمعنى الخبر، فكأنه قال: يضحكون قليلا، ويبكون ~~كثيرا، يعني: في الآخرة. # فإن قال قائل: كيف قال: يضحكون قليلا وهم لا يضحكون أصلا في الآخرة؟ # الجواب: قلنا: معنى قوله: يضحكون قليلا يعني: لا يضحكون أصلا، وهذا مثل # PageV02P333 # {رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن ~~تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا} قوله تعالى: {فقليلا ما يؤمنون} أي: لا يؤمنون شيئا. # وروي عن الحسن البصري أنه قال: إن أهل النار ليبكون لا يرقأ لهم دمع حتى ~~إن السفن لو أجريت في دموعهم جرت. # PageV02P334 # قوله تعالى: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم} يعني: لو ردك الله إلى طائفة ~~منهم {فاستئذنوك للخروج} ليخرجوا معك في القتال {فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا} قال أهل التفسير: العدو ها هنا: أهل الكتاب؛ فإنه لم ~~يكن بقي بجزيرة العرب مشرك في ذلك الوقت. قوله: {إنكم رضيتم بالقعود أول ~~مرة فاقعدوا مع الخالفين} والخالفون هاهنا هم النساء والصبيان، وقيل: هم ~~أهل الزمانة والضعف. # PageV02P334 # قوله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} الآية. نزلت الآية في شأن ~~عبد الله بن أبي بن سلول؛ فإنه روي: " أنه لما حضره الموت جاء ابنه إلى ~~رسول الله برسالته يطلب منه قميصه ليكفنه فيه، فأعطاه رسول الله قميصه. وفي ~~بعض الروايات: أنه أعطاه قميصه الذي فوق قميصه وهو الأعلى، فرد وطلب قميصه ~~الذي يلي جلده، فلما توفي قدم ليصلي عليه رسول الله بطلب ابنه ذلك ووصيته، ~~فلما تقدم رسول الله ليصلي عليه أخذ عمر بثوبه وقال: يا رسول الله، أتصلي ~~على هذا المنافق؟ فقال رسول ms0604 الله: إن ربي خيرني. وقرأ قوله تعالى: {استغفر ~~لهم أو لا تستغفر لهم} وقد اخترت أن أصلي عليه قال: فصلي عليه، فأنزل الله ~~تعالى قوله {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} . # وفي رواية أنس: " أن النبي لما وقف ليصلي عليه أخذ جبريل - عليه السلام # PageV02P334 # {وهم فاسقون (84) ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم ~~بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) وإذا أنزلت سورة أن آمنوا ~~بالله} بطرف ثوبه ومنعه من الصلاة، فترك الصلاة ". # والرواية الأولى هي في " الصحيحين ". # وقوله: {ولا تقم على قبره} وفي رواية: " أن النبي كان إذا صلى على ميت ~~وقف على قبره ودعا " فمنعه الله تعالى عن ذلك في حق المنافقين. # فإن قيل: كيف يجوز أن يصلي النبي على المنافق وهو يعلم أنه كافر بالله؟ # الجواب عنه: أنه رأى ذلك مصلحة؛ وقد قيل حين صلى عليه: " إن صلاتي عليه ~~لا تغني عنه من عذاب الله شيئا ". # وفي بعض الروايات: " أن عبد الله بن أبي بن سلول لما طلب منه قميصه ~~ليتبرك به ويكفن فيه، أسلم ألف رجل من قومه لم يكونوا أسلموا من قبل لما ~~رأوا من تبركه بالنبي. [ {إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} ] ~~وباقي الآية معلوم. # PageV02P335 # قوله تعالى: {ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم} قد بينا معناها فيما سبق؛ ~~فإن قيل: أيش معنى التكرار؟ # وفي هذه الآية الجواب من وجهين: أحدهما: أنه للتأكيد. # والثاني: أن الآيتين نزلتا في طائفتين من المنافقين دون طائفة واحدة. # PageV02P335 # {وجاهدوا مع رسوله استئذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين ~~(86) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) لكن ~~الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات ~~وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين} # PageV02P336 # قوله تعالى: {وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله} معنى ~~الآية ظاهر. # وقوله: {استأذنك أولوا الطول منهم} الطول: هو السعة والغنا بإجماع ~~المفسرين، وقيل: إنه إنما سميت السعة طولا؛ لأن ms0605 الإنسان يتطاول بها الناس. # وقوله: {وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين} يعني: مع القاعدين عن الجهاد. # PageV02P336 # ثم قال: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} قال قتادة: الخوالف: هم النساء. ~~وقال غيره: هم أدنياء الناس وسفلتهم، يقال: فلان خالفه قومه إذا كان دونهم. ~~قوله: {وطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون} طبع: ختم، ويقال: الطبائع نكت ~~سوداء تقع على القلب، يعرف بها الملك المنافق من المؤمن. # PageV02P336 # قوله تعالى: {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} ~~معناه معلوم. # وقوله: {وأولئك لهم الخيرات} فيه أقوال: # أحدها: أن الخيرات: هي الغنائم، والآخر: أن الخيرات: هي الحور في الجنة، ~~وواحدتها: خيرة؛ قال الله تعالى: {فيهن خيرات حسان} يعني: الحور. # والقول الثالث: أن الخيرات لا يعلم معناها إلا الله. حكي هذا عن ابن ~~عباس، ومثل هذا: قوله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين} . # {وأولئك هم المفلحون} قد بينا المعنى. # PageV02P336 # {فيها ذلك الفوز العظيم (89) وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد ~~الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) ليس على ~~الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا} # PageV02P337 # ثم قال: {أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز ~~العظيم} ومعناه ظاهر. # PageV02P337 # قوله تعالى: {وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم} قرىء بقراءتين " ~~المعذرون " و " المعذرون "؛ وفي المعذرين قولان: أحدهما: أن المعذرين هم ~~المعتذرون، أدغمت التاء في الذال. # والقول الثاني: أن المعذرين: هم المقصرون، والتعذير في اللغة: هو ~~التقصير. وأما المعذرون: فهم الذين بالغوا في العذر، يقال في المثل: لقد ~~أعذر من أنذر. يعني: بالغ في إظهار العذر من قدم في النذارة، قال لبيد ~~شعرا: # (إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر) # يعني: بالغ في العذر. # واعلم أن هذه الآية نزلت في المنافقين، وقد اعتذروا ولم يكن لهم عذر. ~~وأما الأعراب: هم الذين يسكنون البادية، والعربي: اسم لمن له نسب من العرب. # وقوله: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} ms0606 هذا في المنافقين؛ ومعنى {كذبوا ~~الله ورسوله} يعني: لم يأتوا بعذر صادق، ثم قال: {سيصيب الذين كفروا منهم ~~عذاب أليم} ومعناه معلوم. # PageV02P337 # قوله تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} اختلفوا في الضعفاء، قال ~~بعضهم: هم المجانين، والضعف: نقصان عقولهم. وقال بعضهم: هم الصبيان. وقال ~~بعضهم: هم النسوان. وأما المرضى: فمعلوم. وقوله: {ولا على الذين لا يجدون ~~ما ينفقون حرج} الذين لا يجدون: هم الفقراء، والحرج: الضيق. وقوله: {إذا ~~نصحوا # PageV02P337 # {لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا على الذين ~~إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم ~~أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ~~(93) } لله ورسوله) يعني: أخلصوا العمل لله ولرسوله، وإخلاص العمل لله ~~بالعبادة، وللرسول بالمتابعة. قوله تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} ~~معناه: ليس على من أحسن بالإخلاص سبيل، والسبيل: هو العقوبة {والله غفور ~~رحيم} . وروي عن ابن عباس أنه قرأ: " والله لأهل الإساءة غفور رحيم ". # PageV02P338 # قوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} معناه: لا سبيل على ~~الأولين ولا على هؤلاء، قال محمد بن إسحاق: نزلت الآية في سبعة نفر، منهم ~~عبد الله بن المغفل المزني، والعرباض بن سارية، وأبو (ليلى) عبد الرحمن بن ~~كعب، سموا البكائين. وروي عن الحسن البصري أنه قال هذا في أبي موسى الأشعري ~~وأصحابه. # واختلف القول في قوله: {لتحملهم} أحد القولين - وهو المعروف -: أنهم ~~طلبوا الإبل ليركبوها. والقول الثاني: أنهم طلبوا النعال. هذا قول الحسن بن ~~صالح. # وقوله: {قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا ~~يجدوا ما ينفقون} معناه ظاهر. وفي بعض الأخبار: أن النبي قال: " لا يزال ~~أحدكم راكبا مادام متنعلا ". # PageV02P338 # ثم قال {إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف} الخوالف: النساء والصبيان؛ يقال: خالف وخوالف، كما يقال: فارس ~~وفوارس، وهالك ms0607 وهوالك. {طبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون} ظاهر المعنى. # PageV02P338 # {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله ~~من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (94) سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا ~~عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين} # PageV02P339 # قوله تعالى: {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم} روي أن المنافقين الذين ~~تخلفوا كانوا بضعة وثمانين نفرا، فلما رجع رسول الله من غزوة تبوك جاءوا ~~يعتذرون، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية {قل لاتعتذروا لن نؤمن لكم قد ~~نبأنا الله من أخباركم} يعني: فيما سلف {وسيرى الله عملكم ورسوله} يعني: في ~~المستأنف {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} . # PageV02P339 # ثم قال في شأنهم: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم} ~~الانقلاب: هو الرجوع إلى المكان الذي خرجوا منه {فأعرضوا عنهم إنهم رجس} ~~الرجس: هو النتن والقذر {ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون} فإن قيل: كيف ~~قال في الآية: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم} إذا كان ~~المؤمنون مقبلين عليهم حتى يقول: {لتعرضوا عنهم} ؟ # والجواب عنه: ذكر الأزهري في كتابه " التقريب " معنى الآية: سيحلفون ~~بالله لكم لإعراضكم عنهم لتقبلوا عليهم؛ فأعرضوا عنهم. # PageV02P339 # ثم قال: {يحلفون لكم لترضوا عنهم} الرضا ضد الكراهة {فإن ترضوا عنهم فإن ~~الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} . # وفي القصة: " أن أبا خيثمة رجل من أصحاب رسول الله كان قد تخلف، وكانت له ~~امرأتان، فذهب إليهما وقد هيأت كل واحدة منهما طعاما، وبردت شرابا وبسطت له ~~في الظل، فنظر إلى ذلك وقال: رسول الله في الضح والذبح، وأبو خيثمة في ~~الظل! ما هذا بنصف، ثم ركب ناقته واتبع رسول الله، فأدرك النبي وقد نزل # PageV02P339 # ( {96) الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله والله عليم حكيم (97) ومن ms0608 الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم} ~~بتبوك، فقال الناس: يا رسول الله، هذا راكب قد أقبل، فقال رسول الله: كن ~~أبا خيثمة فقال الناس: هو أبو خيثمة ". # PageV02P340 # قوله تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل ~~الله} معنى أجدر: أخلق وأحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله {على رسوله} ~~وهذا لبعدهم من سماع القرآن ومعرفة السنن. وفي بعض الأخبار: " أهل الكفور ~~هم أهل القبور ". وفي آثار التابعين عن إبراهيم النخعي: أن أعرابيا جلس عند ~~زيد بن صوحان - وكانت شماله أصيبت يوم نهاوند في حرب العجم - فجعل يكلمه ~~ويذكر له العلم، فقال له الأعرابي: إنه ليؤنسني علمك وتريبني يدك، فقال له ~~زيد: وما يريبك مني وإنها الشمال؟ فقال الأعرابي: إني ما أدري الشمال تقطع ~~أم اليمين؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا} ~~. # وزيد بن صوحان من كبار التابعين، وهو الذي ذكر رسول الله في شأنه أن يده ~~تسبقه إلى الجنة. {والله سميع عليم} . # PageV02P340 # قوله تعالى: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما} المغرم: التزام ما لا ~~يلزم، قال الشاعر: # (فمالك مسلوب العدا كأنما ترى ... هجر ليلى مغرما أنت غارمه) # قوله: {ويتربص بكم الدوائر} أي: ينتظر بكم الدوائر، والدوائر: جمع ~~الدائرة، # PageV02P340 # {الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) ومن الأعراب من يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها ~~قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم (99) والسابقون الأولون ~~من} والدائرة: انتقال المحبوب إلى المكروه، وقيل: الدوائر: صروف الدهر. # ثم قال: {عليهم دائرة السوء} وقرىء: " دائرة السوء " ومعناه: أن المكروه ~~العظيم ما يلحقهم. وقوله: {والله سميع عليم} . # PageV02P341 # قوله تعالى: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر} معناه معلوم ~~{ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول} القربات جمع القربة، ~~والصلوات جمع الصلاة؛ ومعنى القربات: أنه يطلب القربة إلى الله تعالى، ~~ومعنى الصلوات: أنه يطلب الدعاء من رسول الله. # واعلم أن الصلاة من الله ms0609 الرحمة، ومن المؤمنين الدعاء، ومن الملائكة ~~الاستغفار، قال الأعشى: # (تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبى الأوصاب والوجعا) # (عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... عينا فإن لجنب المرء مضطجعا) # ثم قال: {ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته} أي: في جنته {إن الله ~~غفور رحيم} معلوم. # PageV02P341 # قوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} هذه الآية في ~~السابقين الأولين، وفيهم أقوال: # أحدها: قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وجماعة، أنهم قالوا: هم الذين صلوا ~~إلى القبلتين. # PageV02P341 # {المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~وأعد} # وقال عطاء: هم أهل بدر. # وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان، وبيعة الرضوان كانت بالحديبية. # والقول الرابع: السابقون الأولون من المهاجرين: هم الذين أسلموا قبل ~~الهجرة، والسابقون الأولون من الأنصار: هم الذين بايعوا مع رسول الله ليلة ~~العقبة. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قرأ: " والأنصار " بالرفع. وفي هذه ~~القراءة السابقون الأولون من المهاجرين خاصة. والمعروف " والأنصار " ~~ومعناه: ومن الأنصار: والمهاجرين هم الذين هاجروا من أوطانهم وقدموا ~~المدينة مع رسول الله، والأنصار هم أهل المدينة الذين أنزلوا رسول الله ~~والمهاجرين في دورهم. # وأما قوله: {والذين اتبعوهم بإحسان} فيه قولان: أحدهما: أنهم بقية ~~المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين منهم. # والقول الثاني: أنهم المؤمنون إلى قيام الساعة. # وعن أبي صخر حميد بن زياد قال: أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك ~~في أصحاب رسول الله؟ فقال: جميع أصحاب رسول الله في الجنة، مسيئهم ومحسنهم، ~~فقلت له: من أين تقول هذا؟ فقال: اقرأ قوله تعالى: {والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار} إلى أن قال: {رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات} ~~ثم قال: شرط للتابعين شريطة، وهو قوله: {اتبعوهم بإحسان} ومعناه: أنهم ~~اتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة. قال أبو صخر: وكأني لم أقرأ هذه ~~الآية قط. # وفي الخبر المعروف برواية أبي سعيد الخدري أن النبي قال: " لا تسبوا ~~أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا لم يدرك مد ms0610 أحدهم # PageV02P342 # {لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (100) ~~وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم ~~نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) وآخرون اعترفوا} ~~ولا نصيفه " # قوله: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} أي: رضي الله عنهم بطاعتهم {ورضوا عنه} ~~بثوابه، وباقي الآية معلوم {وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك هو الفوز العظيم} . # PageV02P343 # قوله تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون} قال أهل التفسير: هم مزينة ~~وجهينة وأشجع وغفار وأسلم {ومن أهل المدينة} قوم من الأوس والخزرج {مردوا ~~على النفاق} قال الفراء: مرنوا على النفاق. وقال ثعلب: استنمروا على ~~النفاق. وفي الآية تقديم وتأخير، كأنه قال: وممن حولكم من الأعراب منافقون ~~مردوا على النفاق ومن أهل المدينة، هكذا قاله أهل المعاني {لا تعلمهم نحن ~~نعلمهم} هذا دليل على أن الرسول لم يعلم جميع المنافقين. # وقوله تعالى: {سنعذبهم مرتين} فيه أقوال: # أحدها: أنها الفضيحة في الدنيا، والعذاب في الآخرة. # وفي الخبر " أن النبي قام خطيبا على المنبر، وقال: اخرج يا فلان، فإنك ~~منافق، اخرج يا فلان، فإنك منافق " هكذا حتى أخرجهم جميعا من المسجد. # PageV02P343 # {بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله ~~غفور} # والقول الثاني: قو مجاهد، وهو الخوف في الدنيا، والعذاب في الآخرة. # والقول الثالث: أن العذاب الأول: هو القتل، والعذاب الثاني: هو عذاب ~~القبر. # والرابع: قال ابن قتيبة: العذاب الأول: هو السبي، والعذاب الثاني: هو ~~القتل. # {ثم يردون إلى عذاب عظيم} يعني: إلى جهنم. # PageV02P344 # قوله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} الآية نزلت في قوم من المؤمنين ~~تخلفوا عن رسول الله بغير عذر، فيهم أو لبابة بن عبد المنذر وغيره، فلما ~~قفل رسول الله من الغزو، وقرب من المدينة جاءوا فربطوا أنفسهم بسوارى ~~المسجد وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى يتوب الله علينا، فدخل رسول الله المسجد، ~~وكان من عادته أنه كان إذا خرج إلى سفر صلى ركعتين في المسجد، ثم يخرج، ms0611 ~~وإذا رجع بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يدخل منزله، فلما دخل المسجد ~~ورأى هؤلاء النفر قد ربطوا أنفسهم بالسوارى سأل وقال: " ما شأنهم؟ فقيل: ~~إنهم حلفوا ألا يحلوا أنفسهم حتى يتوب الله عليهم، فقال رسول الله: وإني ~~أحلف أن لا أحلهم حتى يقضي الله فيهم بأمره، فأنزل الله تعالى هذه الآية ". # وقوله تعالى: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} العمل السيء هو التخلف عن ~~الغزو بلا إشكال، وأما العمل الصالح ففيه معنيان: # أحدهما: ندامتهم وربطهم أنفسهم بالسوارى. # والثاني: العمل الصالح: هو غزواتهم مع رسول الله من قبل. # وفي الأخبار، عن سمرة بن جندب أن النبي قال: " أتاني الليلة آتيان ~~فانطلقا بي إلى مدينة مبنية لبنة من الذهب ولبنة من الفضة، فتلقاني رجال ~~شطر خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر خلقهم كأقبح ما أنت راء، فقيل لهم: قعوا ~~في ذلك # PageV02P344 # {رحيم (102) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك ~~سكن لهم والله سميع عليم (103) } النهر، فوقعوا في النهر، فخرجوا وقد ذهب ~~عنهم السوء، فسألت عن أولئك القوم، فقيل لي: أما المدينة فهي الجنة، ~~[وهذاك] منزلك، وهؤلاء القوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا؛ فتجاوز الله عنهم ~~". # وأما قوله تعالى: {عسى الله أن يتوب عليهم} قال الحسن البصري وغيره: عسى ~~من الله واجب. فلما نزلت هذه الآية أمر رسول الله أن يحل أولئك القوم من ~~السوارى. # وروي عن أبي عثمان النهدي أنه قال: أرجي آية في القرآن هذه الآية. # {إن الله غفور رحيم} . # PageV02P345 # قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} قال أهل التفسير: ~~لما تاب الله على أولئك القوم جاءوا بأموالهم إلى النبي وقالوا: خذها صدقة ~~لله، فأبى أن يأخذها، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {خذ من أموالهم} . ~~وقوله: {تطهرهم} أي: من الذنوب. وقوله: {وتزكيهم بها} أي: وترفعهم بها من ~~منازل المنافقين إلى منازل المخلصين {وصل عليهم} وادع لهم {إن صلاتك سكن ~~لهم} أي: دعاؤك سكن لهم، أي: سكون لهم، أي: دعاؤك سكن لهم وطمأنينة وتثبيت. # وقد قال ms0612 بعض أهل العلم: إنه يجب على الإمام أن يدعو للذي جاء بالصدقة. ~~وقال بعضهم: يستحب، ولا يجب. وقال بعضهم: يجب في الفرض ويستحب في النفل. ~~وقال بعضهم: يجب على الإمام أن يدعو للمعطي، ويستحب للفقير أن يدعو. ومنهم ~~من قال: إن التمس المعطي أن يدعو له يجب؛ وإلا فلا يجب. # PageV02P345 # {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو ~~التواب الرحيم (104) } # وقد ثبت الخبر برواية عبد الله بن أبي أوفى قال: " كان الرجل إذا جاء ~~بصدقته إلى النبي دعا له؛ فجاء أبي بصدقته فقال النبي: أللهم صل على آل أبي ~~أوفى. # {والله سميع عليم} معناه معلوم. # PageV02P346 # قوله تعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} هذا ظاهر. ~~وقوله: {ويأخذ الصدقات} معناه: يقبل الصدقات. وقال بعض أهل المعاني قوله: ~~{ألم يعلموا} هو بمعنى الأمر؛ كأنه قال: اعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده. # وفي الخبر المشهور المعروف عن أبي هريرة عن النبي قال: " والذي نفسي ~~بيده، ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا طيبا - إلا ~~أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربى أحدكم فلوه، حتى إن اللقمة تجيء يوم ~~القيامة مثل أحد، ثم قرأ قوله تعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة ~~عن عباده ويأخذ الصدقات} ". والخبر صحيح. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد ~~الفقير. وروي في بعض الروايات مرفوعا إلى النبي. # قوله: {وأن الله هو التواب الرحيم} معلوم المعنى. # PageV02P346 # قوله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} في الآية # PageV02P346 # {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) وآخرون مرجون لأمر الله إما ~~يعذبهم} معنى التهديد. فإن قال قائل: ما معنى رؤية الرسول والمؤمنين؟ # قلنا: رؤية الرسول: هي بإعلام الله إياه عملهم، ورؤية المؤمنين: بإيقاع ~~المحبة في قلوبهم لأهل الصلاح، وإيقاع البغضة في قلوبهم لأهل الفساد. # وفي بعض ms0613 الأخبار: " لو عمل المؤمن في صخرة ليس لها باب [لأظهره] الله إذا ~~عمله ". # قوله تعالى: {وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ... .} الآية، معناه ~~معلوم. # PageV02P347 # قوله تعالى: {وآخرون مرجون لأمر الله} الإرجاء: التأخير، ومعناه: مؤخرون ~~لأمر الله، وأمر الله تعالى هنا: حكم الله. # والآية نزلت في كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع؛ وهؤلاء ~~الثلاثة الذين تأتي قصتهم من بعد. # وقوله {إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم} معناه معلوم. # PageV02P347 # قوله تعالى: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا} نزلت الآية في قوم من ~~المنافقين منهم: وديعة بن ثابت، وثعلبة بن حاطب، (وجارية بن يزيد) ، وابنه # PageV02P347 # {وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106) والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا ~~وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن ~~أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون (107) لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس ~~على} مجمع بن جارية، وحزام بن مالك، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد بن حنيث، ~~ورجل يقال له: يخرج إلى تمام اثنى عشر نفرا، بنوا هذا المسجد بقصد ما ذكره ~~الله في كتابه، وهو قوله: {ضرارا} يعني: مضارة بالرسول {وكفرا} بالله ~~{وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله} والإرصاد: الإعداد، ~~والذي حارب الله ورسوله هاهنا هو أبو عامر الراهب، وكان ممن يطلب الدين في ~~الابتداء، ثم تنصر وتحزب الأحزاب على رسول الله، ثم لحق بقيصر يستنجده على ~~رسول الله وأصحابه، فهؤلاء بنوا هذا المسجد وقالوا: نبني هذا المسجد فنخلوا ~~بأمرنا، ونتحدث بما نريد، وننتظر رجوع أبي عامر الراهب. وكان هذا المسجد ~~بني قريبا من مسجد قباء. وقوله: {من قبل} راجع إلى أبي عامر {وليحلفن إن ~~أردنا إلا الحسنى} معناه: إلا الرفق بالمسلمين {والله يشهد إنهم لكاذبون} ~~معناه معلوم. # PageV02P348 # ثم قال: {لا تقم فيه ابدا} روي أنهم طلبوا من النبي أن يأتي فيصلي فيه، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية: {لا تقم فيه أبدا} معناه: لا تصل فيه أبدا ~~{لمسجد أسس على التقوى} اختلفوا في هذا المسجد؛ قال ابن عمر، وزيد ms0614 بن ثابت، ~~وأبو سعيد الخدري: هو مسجد النبي بالمدينة. وروى أبو سعيد الخدري: " أن ~~رجلين تماريا في المسجد الذي أسس على التقوى، فسألا رسول الله فقال - عليه ~~السلام -: هو مسجدي هذا ". وأورده أبو عيسى الترمذي في " جامعه ". # PageV02P348 # {التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين (108) أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس} # والقول الثاني: أنه مسجد قباء. هذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، وجماعة من ~~التابعين. # والقول الثالث: أنه جميع مساجد المدينة والأولى هو القول الأول. # وقوله: {أسس على التقوى} أي: ليتقى فيه من الشرك. وقوله: {من أول يوم} ~~معناه: من ابتداء أيام الإسلام {أحق أن تقوم فيه} أي: أولى أن تقوم فيه، ~~أي: تصلي فيه، قوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} ~~معناه معلوم. # وقد روي أن النبي قال لأهل قباء: " إن الله تعالى قد أحسن الثناء عليكم، ~~فماذا تعملون؟ فقالوا: نتوضأ من الحدث ونغتسل من الجنابة. فقال - عليه ~~السلام -: فهل شيء غير هذا؟ فقالوا: إن أحدنا إذا استنجى أحب أن يتبع أثر ~~الاستنجاء بالماء، فقال عليه السلام: هو ذاك، فعليكم به ". # PageV02P349 # ثم قال: {أفمن أسس} وقرىء: " أفمن أسس " {بنيانه على تقوى من الله ورضوان ~~خير} أي: على طلب التقوى وطلب الرضا من الله خير {أم من أسس بنيانه على # PageV02P349 # {بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم ~~الظالمين (109) لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع ~~قلوبهم والله عليم} شفا جرف) الشفا: هو الحرف والحد، والجرف: هو ما تجرف من ~~السيل، أي: تقطع من السيل، فصار لرخاوته لا يثبت عليه بناء. قوله: {هار} ~~معناه: هائر، والهائر: الساقط {فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم ~~الظالمين} معناه معلوم. # واعلم أن المراد من الآية: هو التمثيل والتشبيه في قلة الثبات والقرار ~~وسوء العاقبة. واختلفوا في الذي كانت عاقبة مسجد الضرار؛ فالأكثرون على أن ms0615 ~~النبي دعا مالك بن الدخشم، وعاصم بن عدي، وأمرهما أن يهدما ذلك المسجد ~~ويحرقاه ففعلا ذلك. # والقول الآخر: أن ذلك المسجد انهار بنفسه من غير أن يمسه أحد. وفي بعض ~~التفاسير أنه خسف به. وروي أنه لما خسف به سطع منه دخان في السماء، والله ~~أعلم. # PageV02P350 # قوله تعالى: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم} يعني: شكا ~~واضطرابا في قلوبهم. وقال السدى: حرازة في قلوبهم. وقوله: {إلا أن تقطع ~~قلوبهم} فيه قولان: # أحدهما: حتى يموتوا. وقرىء في الشاذ: " إلى أن تقطع قلوبهم ". # والقول الثاني: حتى يتوبوا، فجعل الندامة في القلب بمنزلة تقطع في القلب. # {والله عليم حكيم} عليم بخلقه، حكيم في تدبيره. # PageV02P350 # قوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} ~~معنى الآية: أن الله تعالى أمر (المسلمين) بأن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله، وجعل لهم الجنة ثوابا عليه، فجعل هذا بمنزلة الشراء والبيع. # قوله: {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا} معناه: أن ~~ثواب الجنة وعد حق. ثم قال: {في التوراة والإنجيل والقرآن} وهذا دليل على ~~أن أهل # PageV02P350 # {حكيم (110) إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم} الملل كلهم أمروا بالجهاد وجعل ثوابهم الجنة، وقد بينا معنى ~~التوراة والإنجيل والقرآن. # وقوله: {ومن أوفى بعهده من الله} معناه معلوم {فاستبشروا ببيعكم الذي ~~بايعتم به} معناه: فافرحوا ببيعكم الذي بايعتم به {وذلك هو الفوز العظيم} . # روي في الأخبار أن هذه الآية: لما نزلت قال أصحاب رسول الله: ربح البيع، ~~لا نقيل ولا نستقيل. وعن عمر - رضي الله عنه - قال: إن الله بايعك وجعل ~~الصفقتين لك. وعن بعض التابعين أنه قال: ثامن فأغلى في الثمن، وبايع فأغلى ~~في العوض. وعن الحسن البصري أنه قال: إن الله تعالى أعطاك الدنيا فاشتر ~~الجنة ببعضها من الله. # PageV02P351 # قوله تعالى: ms0616 {التائبون العابدون} الآية التائبون: هم الذين تابوا من ~~الشرك. وقيل: هم الذين تابوا من جميع المعاصي. والعابدون: هم الذين عبدوا ~~الله بالتوحيد، وقيل: بسائر الطاعات. و {الحامدون} فيه قولان: # أحدهما: أنهم [هم] الذين يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء. # والقول الثاني: أنهم الذين يحمدون الله على الإسلام. # وقوله: {السائحون} فيه أقوال: # (أحدهما) : أنهم الصائمون. هكذا روي عن ابن مسعود، وابن عباس. وفي بعض ~~الأخبار أن النبي قال: " سياحة أمتي: الصيام ". (وقال) سفيان بن عيينة: سمى ~~الصائم سائحا؛ لأنه ترك المطعم والمشرب والمنكح. # والقول الثاني: أن السائحين: هم المجاهدون في سبيل الله. وفي بعض الأخبار ~~أن # PageV02P351 # ( {111) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) ما ~~كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانون أولي قربى من بعد ~~ما} النبي قال: " سياحة أمتي: الجهاد ". # والقول الثالث: أن السائحين: هم طلبة العلم، روي عن بعض التابعين. # وقوله {الراكعون الساجدون} يعني: المصلين. وقوله: {الآمرون بالمعروف} أي: ~~الآمرون بالإيمان {والناهون عن المنكر} يعني: عن الشرك. وقوله: {والحافظون ~~لحدود الله} معناه: القائمون بأوامر الله {وبشر المؤمنين} معناه معلوم. # PageV02P352 # قوله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} اختلفوا في سبب نزول هذه ~~الآية على ثلاثة أقوال: # الأول: ما رواه سعيد بن المسيب، عن أبيه: " أن أبا طالب لما حضرته الوفاة ~~دخل عليه النبي وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال له النبي: أي عم ~~{قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال له أبو جهل وعبد ~~الله بن [أبي] أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟} فما زالا يكلمانه حتى كان ~~آخر كلمة قالها: على ملة عبد المطلب، فقال النبي: لأستغفرن لك ما لم أنه ~~عنه؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ما كان للنبي ... .} إلى آخر الآية ". # والثاني: روى مسروق، عن عبد الله بن مسعود: " أن النبي ms0617 خرج إلى المقابر ~~فاتبعناه، فأتى قبرا وقعد عنده، وناجاه طويلا، ثم بكى وبكينا لبكائه، فقلنا ~~له: يا رسول الله من صاحب هذا القبر؟ فقال: هذه أمي آمنة بنت وهب، استأذنت ~~ربي # PageV02P352 # {تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدها إياه} في زيارتها فأذن لي، ثم استأذنته في أن أستغفر لها فلم ~~يأذن لي، قال: فأخذني عليها الشفقة ما يأخذ الولد للوالدة فبكيت، وأنزل ~~الله تعالى هذه الآية: {ما كان للنبي} إلى آخر الآية ". # والقول الثالث: روي عن علي - رضي الله عنه -: " أنه سمع رجلا يستغفر ~~لأبويه وهما مشركان، فقال له علي: أتستغفر للمشركين؟ فقال ذلك الرجل: قد ~~استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فأتى النبي وأخبره بذلك، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية إلى آخرها ". # PageV02P353 # قوله تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} ~~وفي هذه الآية قولان: # أحدهما: أن إبراهيم - عليه السلام - قال لأبيه: لأستغفرن لك، قال هذا ~~رجاء أن ينقله الله تعالى من الكفر إلى الإسلام ببركة دعائه واستغفاره. # والقول الثاني: أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم وقال: لأسلمن، فاستغفر لي، ~~فاستغفر له إبراهيم لهذا المعنى. # {فلما تبين له أنه عدو لله} بموته على الكفر {تبرأ منه} فإن قال قائل: ~~كيف يجوز أن يستغفر إبراهيم للمشرك؟ # PageV02P353 # {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114) } # الجواب عنه: قال بعض أهل المعاني: يحتمل أن أبا إبراهيم كان أظهر الإسلام ~~وهو يبطن الكفر، فاستغفر له إبراهيم لإظهاره الإسلام {فلما تبين له أنه عدو ~~لله} مصر على الكفر في الباطن {تبرأ منه} هكذا قاله بعض أهل المعاني. # والذي عليه عامة المفسرين ما بينا من قبل. # وقد قرأ الحسن البصري: " إلا عن موعدة وعدها إياه " وهذا صريح في أن ~~الوعد كان من إبراهيم، والدليل على أن إبراهيم استغفر له وهو مشرك: أن الله ~~تعالى قال في سورة الممتحنة: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه. .} إلى أن قال: {إلا قول إبراهيم ms0618 لأبيه لأستغفرن لك} فقد صرح أن ~~إبراهيم ليس بقدوة في هذا الاستغفار؛ وإنما استغفر له وهو مشرك لمكان ~~الوعد؛ رجاء أن يسلم. # وقوله: {إن إبراهيم لأواه حليم} اختلفوا في " الأواه " على أقاويل. # روي عن عبد الله بن مسعود. وعبد الله بن عباس: أن الأواه: هو الدعاء. وعن ~~ابن مسعود في رواية أخرى: أنه الرحيم، وعن ابن عباس في رواية أخرى: أنه ~~المؤمن التواب، وعن مجاهد أنه الفقيه، وعن كعب الأحبار: أنه الذي يتأوه من ~~الذنوب، فيقول: أوه أوه. وروى أبو ذر " أن رجلا كان يطوف ويقول: أوه أوه، ~~فقلت للنبي: إن هذا الرجل ليؤذينا، فقال: لا تقل هذا؛ فإنه أواه ". قال ~~الشاعر: # (إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين) # وعن سعيد بن جبير قال الأواه: المسبح. وقيل: إنه الموقف. وقيل: إنه ~~الموقن. # وأما الحليم: فهو: الصفوح عن الذنوب. # PageV02P354 # قوله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم} معناه: ما كان الله ~~ليحكم بالضلالة بترك الأوامر {حتى يبين لهم ما يتقون} فيتركوا. # PageV02P354 # {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل ~~شيء عليم (115) إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير (116) لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ~~الذين} # وعن أبي عمرو بن العلاء قال: معناه: حتى يحتج عليهم بالأمر. # سبب نزول الآية: أن قوما كانوا أتوا النبي فأسلموا، ولم تكن الخمر حرمت ~~ولا القبلة صرفت، فرجعوا إلى قومهم وهم على ذلك، ثم حرمت الخمر (و) صرفت ~~القبلة ولم يكن لهم علم بذلك، فلما قدموا بعد ذلك للمدينة وجدوا الخمر قد ~~حرمت والقبلة قد صرفت، فقالوا للنبي: قد كنت على دين ونحن على (غيره) فنحن ~~ضلال؟ فأنزل الله {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون} . # وفي الآية قول آخر؛ وهو: أن الآية في الاستغفار للمشركين؛ فإن جماعة من ~~الصحابة كانوا استغفروا لآبائهم ولم يعلموا أن ذلك ms0619 لا يجوز، فلما أنزل ~~النهي عنه خافوا على أنفسهم خوفا شديدا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} ، وكذا الآية التي تليها معلوم ~~المعنى إلى آخرها. # PageV02P355 # قوله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار} معنى قوله: ~~{لقد تاب الله} لقد تجاوز الله. وقيل: لقد صفح الله. وقوله {الذين اتبعوه ~~في ساعة العسرة} معناه: في وقت العسرة، وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة، ~~وكذلك ذلك الجيش يسمى جيش العسرة؛ والعسرة: الشدة، وكانت عليهم عسرة في ~~الظهر والزاد والماء، فروي أن الاثنين والثلاثة فما زاد كانوا يعتقبون ~~البعير الواحد. وروي أنهم كانوا فني زادهم حتى كان الرجلان يقتسمان التمرة ~~بينهما. هكذا حكي عن # PageV02P355 # {اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم ~~إنه بهم رءوف رحيم (117) وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم ~~الأرض} ابن عباس. وروي: " أنهم عطشوا عطشا شديدا حتى نحروا الإبل وعصروا ~~كرشها وشربوا ما فيها، ثم إن النبي استسقى الله تعالى فسقوا. هكذا رواه عمر ~~- رضي الله عنه - فهذا هو معنى العسرة. # وقوله: {من بعد ما كاد يزيغ} قرئ: " تزيغ ويزيغ " فقوله: " تزيغ " منصرف ~~إلى القلوب، وقوله: يزيغ منصرف إلى الفعل؛ كأنه قال: يزيغ الفعل {قلوب فريق ~~منهم} . # وأما الزيغ في اللغة: هو الميل، وليس المراد من الميل هنا هو الميل عن ~~الدين، إنما المراد من الميل هو الميل عن متابعة رسول الله ونصرته في ~~الغزو، واختيار التخلف من شدة العسرة. # {ثم تاب عليهم} فإن قال قائل: ما هذا التكرار، فقد قال في أول الآية: ~~{لقد تاب الله على النبي} ؟ . # الجواب عنه: أنه ذكر التوبة في أول الآية قبل ذكر الذنب - وهو محض [تفضل] ~~من الله، فلما ذكر الذنب أعاد ذكر التوبة، والمراد منه: القبول. # {إنه بهم رءوف رحيم} معلوم المعنى. # PageV02P356 # قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} قرأ عكرمة بن عمار: " وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا " مخفف، وفي بعض القراءات: " وعلى الثلاثة الذين ~~خالفوا ". # واعلم أن ms0620 هؤلاء الثلاثة هم الذين أنزل الله في شأنهم قوله تعالى: {وآخرون ~~مرجون لأمر الله} وأما أسماؤهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن # PageV02P356 # {بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم} الربيع، وكانوا مؤمنين مخلصين تخلفوا بغير ~~عذر، فلما قدم النبي المدينة قافلا من غزوة تبوك، حضروا وأقروا عنده ~~بالذنب، وأنه لم يكن لهم عذر، فأخر أمرهم ولم يستغفر لهم، ونهى المسلمين عن ~~مخالطتهم ومكالمتهم. # وفي الآية قصة طويلة مذكورة في " الصحيحين "؛ فروي أنهم مكثوا على ذلك ~~أربعين ليلة، ثم إن رسول الله أمرهم أن يعتزلوا نساءهم إلى تتمة خمسين ~~ليلة، وكانوا يسلمون على أصحاب رسول الله فلا يردون عليهم السلام. قال كعب ~~بن مالك: فكنت أدخل المسجد وأصلي وأنظر هل ينظر إلي رسول الله فكنت إذا ~~نظرت إليه صرف عني بصره، قال: فاقتحمت يوما على أبي قتادة حائطه - وكان ابن ~~عمي - فسلمت عليه فلم يرد علي الجواب، فقلت له: يا ابن عمي، أتعلم أني أحب ~~الله ورسوله؟ فسكت عني، فرددت الكلام ثلاثا، فقال في الثالثة: الله ورسوله ~~أعلم، قال: فبكيت بكاء شديدا وخرجت، قال: فلما كان تتمة خمسين ليلة من يوم ~~نهى رسول الله عن كلامنا، كنت على ظهر بيتي وقد صليت الصبح، وأنا كما ذكر ~~الله تعالى: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} أي: برحبها وسعتها {وضاقت ~~عليهم أنفسهم} أي: من جفوة القوم وغلظة رسول الله عليهم، إذ سمعت مناديا ~~ينادي على ذروة سلع - والسلع: الجبل -: أبشر يا كعب بن مالك، قال: فخررت ~~لله ساجدا، وجاء البشير فأعطيته ثوبي ولبست ثوبين غيرهما، وأتيت رسول الله ~~وجلست بين يديه ووجهه يستنير كاستنارة القمر، فقال: أبشر يا كعب بن مالك ~~بخير يوم مر عليك منذ أسلمت فقلت: يا رسول الله، أمن عندك أم من عند الله؟ ~~فقال: لا، بل من عند الله وقرأ على الآية، فقلت: يا رسول الله، إن من توبتي ~~أن أخلع من (جميع) مالي صدقة لله ولرسوله، فقال: أمسك عليك بعض مالك؛ فهو ~~خير لك " القصة إلى آخرها. ms0621 # PageV02P357 # {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم (118) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ~~(119) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ~~ولا يرغبوا بأنفسهم} # وقوله تعالى: {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} معناه: وظنوا: تيقنوا ~~أن لا مفزع ولا منجا من الله إلا إليه. وقوله تعالى: {ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا} يعني: ليستقيموا على التوبة ويثبتوا عليها، فإن توبتهم قد سبقت ~~{إن الله هو التواب الرحيم} معلوم المعنى. # PageV02P358 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} قال ~~الضحاك: مع محمد وأصحابه. # وروي عن بعضهم أنه قال: مع الصادقين أي: مع أبي بكر وعمر. وعن بعضهم: مع ~~الخلفاء الأربعة. وقال بعضهم: إن الصادقين هاهنا الثلاثة الذين سبق ذكرهم؛ ~~فإنهم صدقوا النبي بالاعتراف بالذنب، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة مثل ~~المنافقين. فروي عن كعب بن مالك قال: ما أبلاني الله ببلاء أعظم عندي من ~~صدقي رسول الله فإنه من شكري عليها أن لا أكذب أبدا. وروي عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال: لا يصلح الكذب في جد ولا هزل، وقرأ هذه الآية. ويقال: إن في ~~قراءته: " وكونوا من الصادقين ". # PageV02P358 # قوله تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله} الآية، معناها: هو النهي عن التخلف. وقوله: {ولا يرغبوا بأنفسهم ~~عن نفسه} معناه: ما كان لهم أن يختاروا الخفض والدعة، ويتركوا رسول الله في ~~شدة السفر ومقساة التعب. ثم قال: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ} الظمأ: العطش ~~{ولا نصب} النصب: التعب {ولا مخمصة} وهي المجاعة {في سبيل الله} في الجهاد. ~~وقوله: {ولا يطئون موطئا} يعني: لا يضعن قدما {يغيظ الكفار} أي: يغضبهم ~~{ولا ينالون من عدو نيلا} يعني: لا يصيبون منهم شيئا في نفس أو مال {إلا ~~كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين} معلوم المعنى. # PageV02P358 # {عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ms0622 ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا ~~يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ~~إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا ~~يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121) وما كان ~~المؤمنون} # PageV02P359 # ثم قال: {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة} يعني: قليلا ولا كثيرا، قيل ~~في التفسير: حتى التمرة {ولا يقطعون واديا} أي: لا يعبرون واديا مقبلين ~~ومدبرين {إلا كتب لهم} أي: أثيبوا على ذلك {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا ~~يعملون} معناه معلوم. # PageV02P359 # قوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الآية، وفيها قولان: # أحدهما: " أن النبي كان يبعث بالسرايا بعد غزوة تبوك، فكان الناس يخرجون ~~جميعهم لعظم ما أصابهم من التعيير والملامة في التخلف، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية ". قال قتادة: هذا في السرايا، فأما إذا خرج الرسول بنفسه فعليهم ~~أن يخرجوا جميعا معه. # والقول الثاني: أن النبي كما دعا على مضر، وقال: " اللهم اجعل سنيهم كسني ~~يوسف، قال: فأصابهم قحط شديد وجدب، فجعلت القبيلة تقبل إلى المدينة بأجمعهم ~~ويقولون: أسلمنا، فكانوا يضيقون على أهل المدينة منازلهم ويلوثون الطرقات، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، فردهم رسول الله إلى قبائلهم ". وقوله: {فلولا ~~نفر من كل فرقة منهم طائفة} معناه: هلا نفر من كل فرقة منهم طائفة، فعلى ~~الأول معنى الآية: هو النهي عن ترك رسول الله وحده. وقوله: {ليتفقهوا في ~~الدين} يعني: ليحضروا نزول القرآن وبيان السنن {ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم} معناه: ليعلموا السرية إذا رجعوا إليهم ما نزل من القرآن والسنن. # وعلى القول الثاني معنى الآية: ما كان لأهل القبائل أن ينفروا جميعا إلى ~~المدينة # PageV02P359 # {لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) } ويتركوا مواضعهم؛ ~~ولكن لينفر من كل فرقة طائفة أي: من كل قبيلة طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم وليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم {لعلهم يحذرون} . # وأما ms0623 الطائفة: فهو اسم لثلاثة فما زاد، وقد ورد في القرآن ذكر الطائفة، ~~والمراد منه: الواحد، وقد ذكرناه في قوله تعالى: {إن نعف عن طائفة منهم} من ~~قبل. # واستدل أهل الأصول بهذه على وجوب قبول خبر الواحد، والمسألة في الأصول ~~(كبيرة) . # وأما الفقه فهو في اللغة: عبارة عن الفهم، وفي الشرع: عبارة عن علم مخصوص ~~وهو علم الأحكام. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ". # وروي عن النبي أنه قال: " الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في ~~الإسلام إذا فقهوا ". وفي بعض الأخبار: " أفضل العبادة: الفقه، ولفقيه واحد ~~أشد على الشيطان من ألف عابد ". وعن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال: طلب # PageV02P360 # {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ~~واعلموا أن الله مع المتقين (123) وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) أولا ~~يرون أنهم يفتنون في} العلم أفضل من صلاة النافلة. # PageV02P361 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} يعني: ~~يقربون منكم. وعن عمر: هم الديلم، وعن غيره: هم الروم {وليجدوا فيكم غلظة} ~~قال ابن عباس: شجاعة. وقال الحسن: صبرا على الحرب {واعلموا أن الله مع ~~المتقين} ظاهر. # PageV02P361 # قوله تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا} ~~هذا في المنافقين الذين كانوا يقولون هذا القول استهزاء، فقال الله تعالى: ~~{فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} وهم يفرحون. # PageV02P361 # ثم قال: {وأما الذين في قلوبهم مرض} أي: شك ونفاق {فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم وماتوا وهم كافرون} أي: كفر إلى كفرهم. فإن قال قائل: كيف يزيد إنزال ~~السورة لهم كفرا؟ # الجواب: أنهم كانوا يكفرون بكل سورة أنزلها الله تعالى، فلما كفروا عند ~~إنزال السورة نسب كفرهم إليها، وهذا كما تقول العرب: كفى بالسلامة داء؛ لأن ~~الداء يكون عند طول السلامة، قال ms0624 الشاعر: # (أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما) # PageV02P361 # وقوله تعالى: {أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} معناه: ~~يبتلون في كل عام بالأمراض والشدائد، وقيل: بالجهاد مع الأعداء {ثم لا ~~يتوبون} لا يرجعون إلى الله {ولا هم يذكرون} ولا هم يتعظون. # PageV02P361 # قوله تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض} الآية، كان ~~المنافقون إذا نزلت السورة أو شيء من القرآن يومئ بعضهم إلى بعض، ويخافون ~~مع ذلك أن # PageV02P361 # {كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) وإذا ما أنزلت ~~سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم ~~قوم لا يفقهون (127) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص} ~~يراهم المؤمنون، فهذا معنى قوله: {هل يراكم من أحد} ثم قال: {ثم انصرفوا} ~~فيه معنيان: أحدهما: انصرفوا عن مواضعهم، والآخر: انصرفوا عن الإيمان، أي: ~~لم يؤمنوا ولم يقبلوا. # وقوله: {صرف الله قلوبهم} قال أبو إسحاق الزجاج: أضلهم الله مجازاة على ~~كفرهم {بأنهم قوم يفقهون} معلوم المعنى. # PageV02P362 # قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} قرىء في الشاذ: من أنفسكم، ~~ويقال: إن هذه القراءة قراءة فاطمه - رضي الله عنها - قال يعقوب الحضرمي: ~~طلبت هذا الحرف خمسين سنة فلم أجد له راويا. ومعنى هذا: أشرفكم وأفضلكم. # والقراءة المعروفة: {من أنفسكم} قال قتاده: ومعناه: إن نسبه معروف بينكم # والقول الثاني: حكى عن جعفر بن محمد - رضي الله عنه - أنه قال: {من ~~أنفسكم} معناه: أنه لم يولد إلا من نكاح صحيح إلى زمان آدم. # والقول الثالث: حكى عن ابن عباس أنه قال: معناه: أنه ليس بطن من بطون ~~العرب إلا وقد ولدت النبي. # والقول الرابع: أن معنى هذا هو معنى قوله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم} ~~وإذا كان الرسول بشرا مثل القوم؛ فيكون أقرب للألفة وأدنى لفهم الحجه. # وقوله: {عزيز عليه ما عنتم} أي: شديد عليه عنتكم، والعنت: هو المكروه ~~ولقاء الشده، كانه قال: شديد ms0625 عليه ما يضركم ويهلككم، وهو الكفر الذي أنتم ~~عليه. # وقوله تعالى: {حريص عليكم} الحرص: شدة طلب الشىء، ومعناه: حريص # PageV02P362 # {عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (128) فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو ~~عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129) } على إيمانكم {بالمؤمنين رءوف رحيم} ~~عطوف رفيق. # وقد أعطاه الله تعالى في هذه الآيه اسمين من أسمائه، وهو في نهاية ~~الكرامه. # PageV02P363 # قوله تعالى: {فإن تولوا} معناه: فإن أعرضوا عن الإيمان أو عنك {فقل حسبي ~~الله} كافي الله أي: يكفيني الله {لا إله إلا هو عليه توكلت} عليه اعتمدت ~~وبه وثقت {وهو رب العرش العظيم} قرأ ابن محيصن: " رب العرش العظيم " ~~بالرفع، فرجع إلى الله تعالى، والقراءة المعروفة بالكسر، وهو يرجع إلى ~~العرش. وعن بعض التابعين: لا يعرف أحد قدر العرش سوى الله تعالى. وفى بعض ~~الأخبار عن النبي أنه قال: " العرش من ياقوتة حمراء ". وعن وهب بن منبه: أن ~~الله تعالى خلق العرش من نوره. وعن كعب الأخبار: أن السموات في العرش ~~كقنديل معلق من السماء. وعن مجاهد: أن السموات في العرش كحلقة. وحكى عن أبي ~~بن كعب أنه قال في هاتين الآيتين: هما أحدث الآيات بالله عهدا. فعلى قوله: ~~هاتان الآيتان آخر ما أنزل من القرآن. وهو رواية أيضا عن ابن عباس وقد ~~ذكرنا غير هذا برواية البراء بن عازب، والله أعلم بالصواب. # PageV02P363 # بسم الله الرحمن الرحيم # {آلر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) أكان للناس عجبا} # تفسير سورة يونس # وهي مكية إلا ثلاث آيات، وهو قوله تعالى {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} ~~إلى آخر الآيات الثلاث. # وحكى عن محمد بن سيرين أنه قال: هذه السورة كانت بعد السورة السابقة. # PageV02P364 # قوله تعالى {آلر} روى أبو الضحى عن ابن عباس قال: {آلر} أنا الله أرى. ~~وروى عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الر، وحم، ونون هو تمام اسم الرحمن. # وفي الحروف المهجيات أقوال ذكرناها في أول سورة البقرة. # وقوله: {تلك آيات الكتاب} قال أبو عبيدة: معناه: هذه آيات الكتاب. قال ~~الشاعر: # (تلك ms0626 خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب) # وقال الزجاج: معنى الآية: وهو أن الآيات التي أنزلتها عليك من قبل {تلك ~~آيات الكتاب الحكيم} والكتاب: هو القرآن، والحكيم: هو المحكم، على قول أكثر ~~المفسرين، فعيل بمعنى مفعل، مثل قوله: {هذا ما لدى عتيد} أي: معتد. وقال ~~بعضهم: الحكيم على وضعه، وسمى القرآن حكيما؛ لأنه كالناطق بالحكمة. # PageV02P364 # قوله تعالى: {أكان للناس عجبا} العجب: حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء ~~على خلاف العادة. # وسبب نزول هذه الآية: أن الله تعالى لما بعث محمدا قال المشركون: أما وجد # PageV02P364 # {أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق ~~عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين (2) } الله نبيا سوى يتيم أبى ~~طالب، فأنزل الله تعالى هذه الآية وهى قوله: {أكان للناس عجبا} ومعناه: ~~أعجب الناس، يعنى: المشركين {أن أوحينا إلى رجل منهم} والرجل ها هنا: ~~النبي، وقوله: {منهم} قالوا: معناه: إنه رجل يعرفونه باسمه ونسبه، لا يكتب، ~~ولا يشعر، ولا يتكهن، ولايكذب. # وقوله: {أن أنذر الناس} الإنذار: هو الإعلام مع التخويف. وقوله: {وبشر ~~الذين آمنوا} قد بينا معنى البشارة. وقوله: {أن لهم قدم صدق عند ربهم} فيه ~~أربعة أقوال: # القول الأول - وهذا قول الأكثرين - أن القدم الصدق: هو الأعمال الصالحة، ~~يقال: لفلان قدم في الشجاعة، وقدم فى العلم، ويقال: فلان وضع قدمه فى كذا، ~~إذا شرع فيه بعمله. # والقول الثاني: أن القدم الصدق: هو الثواب. # والقول الثالث: حكى عن ابن عباس أنه قال: القدم الصدق: هو السعادة في ~~الذكر الأول. # والقول الرابع: أن المراد منه: هو الرسول، وقدم صدق: شفيع صدق، قاله ~~مقاتل بن حيان. # قوله تعالى: {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} وقرىء بقراءتين: " لساحر ~~مبين "، و " إن هذا لسحر مبين "؛ فالساحر ينصرف إلى الرسول، والسحر ينصرف ~~إلى القرآن. # PageV02P365 # {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا ms0627 تذكرون ~~(3) إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا} # PageV02P366 # قوله تعالى: {إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض في ستة أيام} في ~~الأيام قولان: # أحدهما: أنها كأيام الآخرة، كل يوم ألف سنة. والآخر أنها كأيام الدنيا. # قوله {ثم استوى على العرش} قد بيينا مذهب أهل السنة في الاستواء؛ وهو أنه ~~نؤمن به ونكل علمه إلى الله تعالى من غير تأويل ولا تفسير. # وأما المعتزلة: فإنهم أولوا الاستواء بالاستيلاء، وهو باطل عند أهل ~~العربية. # حكى عن أحمد بن أبي داود - وكان من رؤساء المعتزلة - أنه قال لابن ~~الأعرابي: أتعرف العرب الاستواء؟ بمعنى الإستيلاء فقال. لا. ويحكى أن هذه ~~المسألة جرت في مجلس المأمون، فقال بشر المريسي: الاستواء بمعنى الاستيلاء، ~~فقال له أبو السمراء - وهو رجل من أهل اللغة - اخطأت يا شيخ؛ فإن العرب لا ~~تعرف الاستيلاء إلا بعد عجز سابق. # قوله تعالى {يدبر الأمر} قال مجاهد: يقضي الأمر {ما من شفيع إلا من بعد ~~إذنه} معناه: أن الشفعاء لا يشفعون إلا بإذنه، وهذا رد على النضر بن ~~الحارث، فإنه كان يقول: إذا كان يوم القيامة يشفعني اللات والعزى. قوله ~~تعالى {ذلكم الله ربكم} يعنى: ذلك الذي فعله هذا ربكم {فاعبدوه أفلا ~~تذكرون} أفلا تتعظون. # PageV02P366 # قوله تعالى {إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا} نصب وعد الله حقا يعنى: وعد ~~الله وعدا حقا {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} معناه معلوم {ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات بالقسط} قال ابن عباس: بالعدل {والذين كفروا لهم شراب من ~~حميم} الحميم هو الماء الذي انتهى حره. وفي القصص: أن النار أوقدت عليه منذ ~~يوم خلقها إلى أن يدخل الكفار [في] (1) النار. قوله: {وعذاب أليم بما كانوا # PageV02P366 # {الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون (4) هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) إن ~~في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله ms0628 في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون ~~(6) إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم ~~عن أياتنا غافلون} أي: عذاب موجع بكفرهم. # PageV02P367 # قوله تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} الآية، الشمس والقمر ~~جسمان نيران، أحدهما أضوأ من الآخر، وقوله: {جعل الشمس ضياء} أي: ذات ضياء ~~{والقمر نورا} أي: ذا نور. وقوله: {وقدره منازل} منهم من قال: هذا ينصرف ~~إلى القمر خاصة، ومنهم من قال: ينصرف إليهما، إلا أنه اكتفى بذكر أحدهما عن ~~الآخر. # ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا، أساميها معلومة عند العرب، تكون أربعة ~~عشر منها ظاهرة أبدا، وأربعة عشر منها غائبة أبدا، وكلما طلع واحد غاب ~~واحد، والقمر ينزل كل ليلة منزلا منها. # وقوله تعالى: {لتعلموا عدد السنين والحساب} يعني: قدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين وحساب الشهور والأيام. وقوله: {ما خلق الله ذلك إلا بالحق} أي: ~~للحق. # قوله: {يفصل الآيات لقوم يعلمون} معلوم المعنى. # PageV02P367 # قوله تعالى: {إن في اختلاف الليل والنهار} معناه معلوم إلى آخر الآية، ~~وقد ذكرنا من قبل. # PageV02P367 # قوله تعالى: {إن الذين لا يرجون لقاءنا} قوله: " لا يرجون " فيه قولان: # أحدهما: لا يخافون، والآخر: لا يطمعون. # وقوله: {لقاءنا} قد بينا من قبل. وقوله تعالى: {ورضوا بالحياة الدنيا} ~~قال قتادة: لها يطلبون وبها يفرحون. وقوله تعالى: {واطمأنوا بها} سكنوا ~~إليها. قوله تعالى: {والذين هم عن آياتنا غافلون} الغفلة سهو يعتري القلب ~~يصرفه عن وجد # PageV02P367 # ( {7) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم (9) ~~دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين (10) العلم. # PageV02P368 # ثم قال: {أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} معناه معلوم. # PageV02P368 # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم} قال ~~مجاهد: هذا هو معنى قوله تعالى: {نورا يمشي به} . وقال غيره: يهديهم ربهم: ~~يرشدهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة {تجري من تحتهم الأنهار} أي: من تحت ~~الأشجار. قوله: {في جنات النعيم} . # PageV02P368 # ثم قال: ms0629 {دعواهم فيها} معناه: دعاؤهم فيها {سبحانك اللهم} هذا كلمة تنزيه ~~وتبرئة الرب عن السوء. وفي الأخبار: " أن قوله: {سبحانك اللهم} علامة بين ~~أهل الجنة والخدم، وإذا أرادوا الطعام قالوا: سبحانك اللهم، فيدخل الخدم ~~بالموائد، كل مائدة ميل في ميل، قوائمها من اللؤلؤ، على كل مائدة سبعون ألف ~~صحفة، في كل صحفة لون من الطعام لا يشبه بعضه بعضا، ثم تجىء الطير كأمثال ~~البخت، قوائمها لون، وأجنحتها لون، وبطونها وظهورها لون، فيقع بين أيدى أهل ~~الجنة فيأكلون منها ما يشاءون، ثم تطير كما كانت ". # وقوله تعالى: {وتحيتهم فيها سلام} يعنى: تحية بعضهم بعضا يكون بالسلام، ~~ويقال معناه: إن تحية الملائكة لهم بالسلام، ويقال: إن تحية الله لهم ~~بالسلام. # قوله تعالى: {وآخر دعواهم} معناه: وآخر قولهم: {أن الحمد لله رب ~~العالمين} فيكون ابتداء أمرهم بالتسبيح، وانتهاء أمرهم بالحمد والشكر. # PageV02P368 # {يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا ~~يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو ~~قاعدا أو} # PageV02P369 # قوله تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} قال ابن عباس: ~~هذا في قول الرجل يقول عند الغضب لأهله وولده: لعنكم الله، لا بارك الله ~~فيكم، ومعناه: ولو يعجل الله للناس الشر - يعنى: المكروه - استعجالهم ~~بالخير أي: كما يحبون استعجالهم بالخير {لقضى إليهم أجلهم} فهلكوا جميعا ~~وماتوا. وقوله: {فنذر الذين لا يرجون لقاءنا} أي: لا يخافون لقاءنا {في ~~طغيانهم} أي: في ضلالتهم. قوله {يعمهون} يترددون، وقيل: يتمادون، وقد ثبت ~~الخبر عن النبي أنه قال: " اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما [رجل] ~~سببته أولعنته فاجعلها له طهرة ورحمة ". وفي الباب روايات كثيرة كلها ~~صحيحة. # PageV02P369 # قوله تعالى {وإذا مس الإنسان الضر} أي: المكروه {دعانا لجنبه أو قاعدا أو ~~قائما} قال أهل التفسير: هذا يحتمل معنيين: # أحدهما: إذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعدا أو قائما دعانا. # والآخر: يحتمل إذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما، يعني: ~~على هذه الأحوال كلها. # قوله تعالى: {فلما ms0630 كشفنا عنه ضره مر} فيه معنيان: # أحدهما: مر طاغيا كما كان من قبل، والآخر: استمر على ما كان من قبل. قال ~~بعضهم في هذا المعنى: # (كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم تك صعلوكا إذا ما تمولا) # قوله تعالى: {كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} معناه: كأن لم يطلب منا كشف ~~ضرمسه. قوله {كذلك زين للمسرفين} قال ابن جريج: كذلك زين للمسرفين {ما # PageV02P369 # {قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ~~ما كانوا يعملون (12) ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) ثم جعلناكم ~~خلائف في الأرض من} كانوا يعملون) من الدعاء عند البلاء، وترك الشكر عند ~~الرخاء. وفيه معنى آخر: وهو أنه كما زين لكم أعمالكم، كذلك زين للمسرفين ~~الذين كانوا من قبلكم أعمالهم. # PageV02P370 # قوله تعالى: {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات} معناه معلوم. وقوله: {وما كانوا ليؤمنوا} قال الزجاج: هذا في قوم ~~علم الله أنهم لا يؤمنون. وقال ابن الأنباري: منعهم الله من الإيمان جزاء ~~على كفرهم. قوله: {كذلك نجزي القوم المجرمين} وهذا دليل على أن قول ابن ~~الأنباري أصح. # PageV02P370 # قوله تعالى: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم} يعني: خلفاء في الأرض ~~من بعدهم {لننظر كيف تعملون} ومعناه: ليختبركم فينظر كيف تعملون. # روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: يا ابن أم عمر، لقد استخلفت، فانظر ~~كيف تعمل. # وروي أنه قال في موعظته: أيها المؤمنون، إن الله استخلفكم لينظر كيف ~~تعملون، فأروا الله أعمالكم الحسنة، وكفوا عن الأعمال القبيحة. # PageV02P370 # قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ~~ائت بقرآن غير هذا أو بدله} روي في التفاسير أن المشركين قالوا للنبي: يا ~~محمد، إن كنت تريد أن نؤمن لك فأت بقرآن ليس فيه سب آلهتنا، وليس فيه ذكر ~~البعث والنشور وإن لم ينزله الله هكذا، فقله من عند نفسك، فأنزل الله تعالى ms0631 ~~هذه الآية. فإن قال قائل: أيش الفرق بين قوله: {ائت بقرآن غير هذا} [وقوله] ~~: {أو بدله} أليس معناهما واحد؟ # PageV02P370 # {بعدهم لننظر كيف تعملون (14) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا ~~يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء ~~نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) قل ~~لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا ~~تعقلون (16) فمن أظلم ممن} # الجواب: أن معناهما مختلف، وقوله: {ائت بقرآن غير هذا} يجوز أن يأتي ~~بغيره معه، وقوله: {أو بدله} لا يكون إلا أن يترك هذا ويأتي بغيره. # قوله تعالى: {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى ~~إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} معلوم المعنى، وكأنه قال: لم أقل ~~هذا من تلقاء نفسي حتى أقول غيره من تلقاء نفسي. # PageV02P371 # ثم قال: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم} يعني: لو شاء الله ما أنزل ~~القرآن علي، {ولا أدراكم به} أي: ولا أعلمكم الله به {فقد لبثت فيكم عمرا ~~من قبله} العمر والعمر بمعنى واحد، قال الشاعر: # (بان الشباب وأخلف العمر ... وتنكر الإخوان والدهر) # وقدر العمر الذي لبث فيهم من قبله: هو أربعون سنة باتفاق أهل العلم؛ فإن ~~النبي بعث إليهم وهو ابن أربعين سنة، ولبث بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة ~~عشرا، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. وفي رواية عن أنس " أن النبي مكث بمكة ~~عشرا، وبالمدينة عشرا وتوفاه الله على رأس ستين سنة. والرواية الأولى أظهر ~~وأشهر. # قوله {أفلا تعقلون} معناه: أفلا تفقهون. # PageV02P371 # قوله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا ~~يفلح المجرمون} معلوم المعنى. # PageV02P371 # قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم} فإن قال قائل: # PageV02P371 # {افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون (17) ويعبدون ~~من دون ms0632 الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما ~~يشركون (18) وما كان الناس} كيف قال: {ولا يضرهم} ولا شك أنه ضرهم؟ # الجواب عنه معناه: لا يضرهم إن تركوا عبادته، ولا ينفعهم إن عبدوه. ~~وقوله: {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} فإن قال قائل: كيف قالوا: هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله وهم لا يؤمنون بالبعث؟ . # الجواب: أنهم كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله في مصالح معايشنا في ~~الدنيا. # وقوله تعالى: {قل أتنبئون الله} أي: أتخبرون الله؟ {بما لا يعلم في ~~السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} معلوم المعنى. # وحقيقة الآية: الرد أو الإنكار عليهم. # PageV02P372 # قوله تعالى: {وما كان الناس إلا أمة واحدة} فيه قولان: # أحدهما: قول مجاهد وهو: أن الناس كانوا على الإسلام في زمان آدم إلى أن ~~قتل أحد ابنيه الآخر {فاختلفوا} . # والقول الثاني: أن العرب كانوا على دين إبراهيم حتى اختلفوا. ومن المعروف ~~أن أول من غير دين إبراهيم من العرب هو عمرو بن لحي. وثبت أن النبي قال: " ~~رأيت [عمرو] بن لحي يجر قصبه في النار ". # ويقال في الآية: إن المراد من " الأمة " أهل سفينة نوح عليه السلام. # قوله تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك} يعني: في التأجيل والإمهال {لقضى ~~بينهم فيما فيه يختلفون} أي: لحكم بينهم فيما فيه يختلفون. # PageV02P372 # {إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه ~~يختلفون (19) ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين (20) وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء ~~مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل} # PageV02P373 # قوله تعالى: {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه} فإن قال قائل: أليس ~~الرسول قد أتى بالآيات على زعمكم؟ # الجواب عنه: بلى، ومعنى الآية: هلا أنزل عليه آية من ربه على ما نقترحه. # {فقل إنما الغيب لله} يعني: علم الغيب لله، إن شاء أتى بالآية التي ~~تسألونها وإن ms0633 شاء لم يأت {فانتظروا إني معكم من المنتظرين} يعني: انتظروا ~~الغيب إني معكم من المنتظرين. # PageV02P373 # قوله تعالى: {وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم} الذوق: تناول ~~ماله طعم بفمه ليجد طعمه، فأما الرحمة هاهنا فيها قولان: # أحدهما: أنها العافية، والآخر: أنها الخصب والنعمة. # والضراء فيها قولان: # أحدهما: أنها الشدة، والآخر: أنها الجدب والقحط. # {مستهم} أي: أصابتهم. وقوله تعالى: {إذا لهم مكر في آياتنا} المكر: صرف ~~الشيء عن وجهه بطريق الحيلة. قال مجاهد: {إذا لهم مكر في آياتنا} أي: تكذيب ~~واستهزاء. # وقوله تعالى: {قل الله أسرع مكرا} يعني: أشد أخذا. ويقال: معناه: إن ما ~~يأتي من العذاب من قبله أسرع في إهلاككم مما يأتي منكم في دفع الحق ~~وتكذيبه. # وقوله: {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} معناه معلوم. # PageV02P373 # قوله تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر} قرئت بقراءتين: " يسيركم " ~~و " ينشركم "، والمعروف: " يسيركم " ومعناه: تسهيل طريق السير عليكم في ~~البر والبحر. وأما من قرأ: " ينشركم " معناه: يبثكم. وروي عن الضحاك أنه ~~قال: البحر هو الأمصار، والبر هو البوادي. وقوله تعالى: {حتى إذا كنتم في ~~الفلك} قال أهل # PageV02P373 # {الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح ~~عاصف} اللغة: الفلك تؤنث وتذكر. قال الله تعالى: {في الفلك المشحون} وقال ~~هاهنا: {وجرين بهم} وقالوا أيضا: إن الفلك يكون بمعنى الواحد وبمعنى الجمع. ~~وقوله: {بريح طيبة} أي: هينة لينة. # وقد روي عن النبي أنه قال: " الريح من روح الله، فسألوا الله من خيرها، ~~وتعوذوا بالله من شرها ". # فإن قال قائل: كيف قال: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} فهذا تغيير ~~الكلام عن وجهه؟ # والجواب عنه: أن العرب تقيم المعاينة مقام المخاطبة، والمخاطبة مقام ~~المعاينة، قال الشاعر: # (وشطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسيرا على طلابك ابنة مخرم) # ومنهم من قال: معنى الآية: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة يا ~~محمد. وقوله: {وفرحوا بها جاءتها ms0634 ريح عاصف} وهي الشديدة المهلكة، قال ~~الشاعر: # (في فيلق شهباء ملمومة ... تعصف بالحاسر والدارع) # وقوله: {وجاءهم الموج من كل مكان} الموج: ما يظهر على البحر من الريح. # PageV02P374 # {وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ~~لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} # وقوله: {وظنوا} وتيقنوا {أنهم أحيط بهم} يقال لمن كان في بلاء وشدة: إنه ~~قد أحيط به. وقوله: {دعوا الله مخلصين له الدين} معناه: أنهم أخلصوا في ~~الدعاء، ولم يدعوا أحدا سوى الله. وقوله: {لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين} معناه معلوم. # PageV02P375 # ثم قال تعالى: {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} البغي: هو ~~قصد الاستعلاء على الغير بالظلم، والبغي ها هنا بمعنى الفساد، ويقال: بغي ~~الجرح إذا أدى إلى الفساد، وبغت المرأة إذا فجرت. # وقد روي عن النبي أنه قال: " لا يؤخر الله صاحب بغي " أي: لا يمهله. وفي ~~الأخبار - أيضا -: " البغي مصراعة ". # ثم قال: {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} أي: وبال بغيكم عليكم. # قوله {متاع الحياة الدنيا} وقرىء: " متاع الحياة الدنيا "؛ فمن قرأ ~~بالرفع معناه: هو متاع الحياة الدنيا، ومن قرأ بالنصب معناه: يمتعون متاع ~~الحياة الدنيا. وعن الأعمش قال: المتاع: زاد الراكب. وقال أهل المعاني: ~~حقيقة معنى الآية: أن البغي متاع الحياة الدنيا. # PageV02P375 # {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ~~(23) إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ~~مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت بها وظن أهلها ~~أنهم قادرون عليها} # قوله تعالى: {ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون} أي: نخبركم بما ~~كنتم تعملون. # PageV02P376 # قوله تعالى: {إنما مثل الحياة الدنيا} معناه: إنما صفة الحياة الدنيا ~~{كماء أنزلناه من السماء} أي: من السحاب {فاختلط به نبات الأرض} يعني: ~~اختلط المطر بالنبات، والنبات بالمطر {مما يأكل الناس والأنعام} ظاهر ~~المعنى، ms0635 وقوله: {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} الزخرف: كمال الحسن، والذهب ~~زخرف؛ لكماله في الحسن، ومعنى الزخرف هاهنا: البهجة والنضرة. وقوله: ~~{وازينت} أي: تزينت، وقالوا معناه: أنبتت وأثمرت وأينعت. # وقوله: {وظن أهلها أنهم قادرون عليها} معناه: وظن أهلها أنهم قادرون على ~~جذاذها وقطافها وحصادها. وقوله: {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا} أي: عذابنا ~~ليلا أو نهارا. وقوله: {فجعلناها حصيدا} الحصيد: المحصود، والمعنى ها هنا: ~~هو الاستئصال بالعذاب. وقوله: {كأن لم تغن بالأمس} قال مجاهد: معناه: كأن ~~لم تعمر بالأمس. وقال غيره: كأن لم يكن قائما بالأمس، يقال: غنى فلان ~~بالمكان إذا قام فيه، والمغاني هي المنازل، قال لبيد: # (ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد) # (وغنيت سبتا قبل مجرى داحس ... لو كان للنفس اللجوج خلود) # ومعنى غنيت: أقمت، والسبت: الدهر هاهنا. # قال قتادة: معنى الآية: هو أن المتشبث بالدنيا يأتيه أمر الله وعذابه ~~أغفل ما يكون وأعجب بها. # وقوله {كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} ظاهر المعنى. # PageV02P376 # {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس} # PageV02P377 # قوله تعالى {والله يدعو إلى دار السلام} في الأخبار أن النبي قال: " ما ~~من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبتيها ملكان يسمعان الخلائق إلا الثقلين: ~~ألا هلموا إلى ربكم، ثم قرأ قوله تعالى: {والله يدعوا إلى دار السلام} . ~~وفي الآثار - أيضا -: " أنه ما من يوم ولا ليل إلا وينادى مناد: يا طالب ~~الخير هلم، ويا طالب الشر أقصر. # وأما دار السلام: فالدار هي الجنة، وفي السلام قولان: # أحدهما: أنه هو الله. والآخر: أن السلام بمعنى السلامة؛ كأنه قال: يدعو ~~إلى دار السلام من الآفات. # وروى أبو جعفر محمد بن علي الباقر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي ~~الله عنهما - أن النبي قال: " رأيت في منامي كأن على رأسي جبريل، وكأن # PageV02P377 # {كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم (25) } على رجلي ميكائيل، فقال أحدهما لصاحبه: اضرب ~~له مثلا، فقال الآخر: مثلك يا محمد مثل ms0636 ملك بنى دارا ثم بنى في دار بيتا، ~~ثم وضع في البيت مأدبة، ثم دعا إليها الناس، فمنهم التارك ومنهم المجيب، ~~فالملك: هو الله تعالى، والدار: هو الإسلام، والبيت: الجنة، والداعي: أنت، ~~فمن أجاب دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها ". # وقوله: {ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} الصراط المستقيم: هو الإسلام، ~~وفيه أقوال أخر، ذكرناها من قبل. # PageV02P378 # قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} الإحسان هاهنا: الإسلام، ~~والإحسان: هو قول لا إله إلا الله. واختلفوا في الحسنى وزيادة، فروي عن أبي ~~بكر الصديق وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وحذيفة، وقتادة، وجماعة من ~~التابعين أنهم قالوا: الحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى الله عز ~~وعلا. وروى أبو القاسم بن بنت منيع، عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، عن ~~ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب - رضي الله عنهم - أن النبي قال: ~~" إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله - تعالى -: يا أهل الجنة، إن لكم عندي ~~موعدا وأنا منجزكموه، فقالوا: وما ذلك؟ ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تثقل ~~موازيننا؟ ألم تدخلنا الجنة وتخلصنا من النار؟ قال: فيتجلى لهم فينظرون إلى ~~وجهه، فما أعطوا شيئا هو أحب (إليهم) من النظر إليه، ثم قرأ قوله تعالى: ~~{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} ". # PageV02P378 # {للذين أحسنوا بالحسنى وزيادة} # قال الإمام أبو المظفر: أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسين أحمد بن محمد بن ~~النقور بالتخفيف ببغداد قال: أخبرنا أبو القاسم بن حبابة قال: أخبرنا أبو ~~القاسم بن بنت منيع ... الخبر خرجه مسلم في " الصحيح ". # وفي الآية أقوال آخر. # وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: الزيادة: غرفة من اللؤلؤ لها أربعة ~~آلاف باب. وروى عن الحسن البصري أنه قال: الحسنى: هي المثل من الثواب، ~~والزيادة: هي الزيادة على المثل إلى سبعمائة ضعف. وقال مجاهد: الحسنى، هي ~~المثل، والزيادة: رضوان الله تعالى. # قوله ا \ تعالى: {ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة} القتر: سواد الوجه، وأصل ~~(القتار) : هو الدخان. # قوله: {ولا ذلة} أي: هوان. # قوله: {أولئك أصحاب ms0637 الجنة هم فيها خالدون} معناه ظاهر. # PageV02P379 # قوله تعالى: {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها} الآية، هذا هو معنى ~~قوله تعالى: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها} . قوله: { [و] ترهقهم ~~ذلة} أي: تغشاهم ذلة، أي: ذل. {ما لهم من الله من عاصم} أي: مانع. وقوله: ~~{كأنما أغشيت وجوههم قطعا} قرئت بقراءتين: " قطعا " و " قطعا "، فالقطع # PageV02P379 # {ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (26) ~~والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم ~~كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(27) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا ~~بينهم وقال} بتحريك الطاء - جمع القطعة، والقطع - بسكون الطاء - واحد. # فإن قيل: كيف لم يقل: " قطعا من الليل مظلمة "؟ # قلنا: تقدير الآية: قطعا من الليل في حال ظلمته، هكذا قاله أهل اللغة. # {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ظاهر. # PageV02P380 # قوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم} الآية. معنى الآية: ثم نقول للذين أشركوا: الزموا أنتم وشركاؤكم ~~مكانكم. # قوله: {فزيلنا بينهم} معناه: ميزنا بينهم يعني: فرقنا بين المشركين ~~والأصنام؛ وهو من قوله: زلت، لا من قوله: ذلت {وقال شركاؤكم ما كنتم إيانا ~~تعبدون} الشركاء: هي الأصنام التي جعلوها شركاء لله تعالى على زعمهم. ~~وقوله: {ما كنتم إيانا تعبدون} معناه: كنتم إيانا تعبدون بطلبنا ودعوتنا. # PageV02P380 # قوله تعالى: {فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين} ~~معلوم المعنى. # PageV02P380 # قوله تعالى: {هنالك تبلو} الآية، قرئت بقراءتين: " تتلو " و " تبلو " ~~فقوله: " تبلو " قال مجاهد: تختبر، معناه: تجده وتقف عليه، وقوله " تتلو " ~~قال الأخفش: يقرأ، فيكون في معنى قوله: {يخرج له يوم القيامة} إلى قوله: ~~{اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} . # PageV02P380 # {شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن ~~كنا عن عبادتكم لغافلين (29) هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله ~~مولاهم الحق} # والقول الثاني: أن معنى " تتلو ": تتبع، ms0638 قال الشاعر: # (أرى المريب يتبع المريبا ... كما رأيت الذيب يتلوا الذيبا) # قوله تعالى: {كل نفس ما أسلفت} أي: ما قدمت. قوله تعالى: {وردوا إلى الله ~~مولاهم الحق} فإن قال قائل: قد قال في موضع آخر: {وأن الكافرين لا مولى ~~لهم} وقال هاهنا: {وردوا إلى الله مولاهم الحق} فكيف وجه الآيتين؟ . # الجواب عنه: أن المولى هناك بمعنى الناصر والحافظ، والمولى هاهنا بمعنى ~~المالك، فلم يكن بين الآيتين اختلاف. # وقوله [تعالى] {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: فات عنهم ما كانوا يكذبون. # PageV02P381 # قوله تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض} الرزق من السماء بالمطر، ~~ومن الأرض بالنبات. وقوله: {أم من يملك السمع والأبصار} معناه: ومن أعطاكم ~~الأسماع والأبصار. وقوله {ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} ~~معناه: ومن يخرج النطفة من الحي، والحي من النطفة، والسنبلة من الحب، والحب ~~من السنبلة، والبيض من الطير والطير من البيض، والشجر من النواة، والنواة ~~من الشجر، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. # وقوله {ومن يدبر الأمر} ومن يقضي الأمر. وقوله: {فسيقولون الله فقل أفلا ~~تتقون} معناه: أفلا تتقون الشرك مع هذا الإقرار. # PageV02P381 # قوله تعالى: {فذلكم الله ربكم الحق} معناه: فذلكم الذي صفته هذا هو ربكم ~~الحق. وقوله: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} معناه: فماذا بعد الحق إلا ~~الباطل. # PageV02P381 # {وضل عنهم ما كانوا يفترون (30) قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (31) فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال فأنى تصرفون (32) } # وروي عن حرملة أنه قال: سألت (مالك بن أنس) عن الغناء، فقرأ هذه الآية: ~~{فماذا بعد الحق إلا الضلال "} # وروي عن القاسم بن محمد من التابعين نحوا من هذا في هذا المعنى. وقوله ~~{فأنى تصرفون} أي: كيف يعدل بكم عن وجه الحق؟ . # PageV02P382 # قوله تعالى: {كذلك حقت} أي: وجبت {كلمة ربك} أي: حكمة ربك {على الذين ~~فسقوا} أي: كفروا {أنهم لا يؤمنون} قال ms0639 أهل التفسير: هذا في أقوام بأعيانهم ~~علم الله أنهم لا يؤمنون. # PageV02P382 # قوله تعالى: {قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده} معناه: ينشىء ~~الخلق ثم يعيده. وقوله: {قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده} معناه: ينشىء الخلق ~~ثم يعيده، ومعنى الإعادة: هي الإحياء للبعث يوم القيامة. وقوله {فأنى ~~تؤفكون} معناه: فكيف تصرفون؟ . # PageV02P382 # قوله تعالى: {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق} ~~معناه ظاهر. وقوله: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن ~~يهدى} قرئت بقراءات كثيرة قال أهل العربية: أصحها: " أمن لا يهدي " أو " ~~يهدي " على وجه الإدغام؛ لأن معناه: يهتدي. ثم قال: {إلا أن يهدى} فإن قيل: ~~كيف قال: {إلا أن يهدى} والأصنام لا يتصور فيها أن تهدى ولا أن تهتدي؟ ~~الجواب من وجهين: # أحدهما أن معنى الهداية هاهنا هي النقل، يعنى: لا ينتقل من مكان إلى مكان ~~إلا أن ينقل. # PageV02P382 # {كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) قل هل من ~~شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون ~~(34) قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي أي ~~الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) وما ~~يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون ~~(36) وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من} # والوجه الثاني: أن هذا مذكور على وجه المجاز؛ فإن المشركين كانوا يعتقدون ~~في الأصنام أنها تسمع وتعقل وتهدي، فذكر ذلك في الأصنام على وفق ما ~~يعتقدون، وجعلها بمنزلة من يعقل في هذا الخطاب، وأثبت عجزها عن الهداية. ~~قوله: {فما لكم كيف تحكمون} معناه ظاهر. # PageV02P383 # قوله سبحانه وتعالى: {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا} الآية، الظن: حالة بين ~~الشك واليقين. وقوله: {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} ms0640 معناه: إن الظن لا ~~يقوم مقام الحق بحال. وقوله: {إن الله عليم بما يفعلون} معناه ظاهر. # PageV02P383 # قوله تعالى: {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} الآية، وفيه ~~وجهان من المعنى: # أحدهما: وما كان هذا القرآن افتراء من دون الله. # والوجه الثاني: وما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يفترى من دون الله لقوله ~~تعالى: {وما كان لنبي أن يغل} معناه: وما ينبغي لمثل النبي أن يغل. # وقوله: {ولكن تصديق الذي بين يديه} فيه قولان: # أحدهما: تصديق الذي بين يديه من التوراة والإنجيل. # والثاني: تصديق الشيء الذي القرآن بين يديه من القيامة والبعث. # وقوله: {وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} التفصيل: التبيين، # PageV02P383 # {رب العالمين (37) أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ~~ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ~~(39) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40) وإن ~~كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم} ومعنى باقي الآية معلوم. # PageV02P384 # قوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله} معنى الآية: هو ~~الاحتجاج على الكفار بمعجزة القرآن؛ فإنهم كانوا يقولون: إن محمدا قد ~~افتراه، فقال لهم: إن كان افتراه وأتى به من عند نفسه فأتوا أنتم بمثله. # فإن قيل: قال: {فأتوا بسورة مثله} فللقرآن مثل يؤتى بسورة منه؟ # الجواب: أن معناه: فأتوا بسورة من مثله في البلاغة والنظم وصحة المعنى. ~~وقيل: إن معناه: فأتوا بسورة مثل سورة القرآن. # وقوله: {وادعوا من استطعتم من دون الله} معناه: واستعينوا بمن استطعتم من ~~دون الله {إن كنتم صادقين} . # PageV02P384 # قوله: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} الإحاطة بعلم الشيء هي: المعرفة به ~~من جميع وجوهه، ومعنى الآية: بل كذبوا بالقرآن ولم يحيطوا بعلمه، يعني: لم ~~يعلموه. # وقوله: {ولما يأتهم تأويله} أي: ولم يأتهم تأويله، ومعناه: ولم يعلموا ما ~~يؤول إليه عاقبة أمرهم. ثم قال تعالى: {كذلك كذب الذين من قبلهم ms0641 فانظر كيف ~~كان عاقبة الظالمين} ظاهر المعنى. # PageV02P384 # قوله تعالى: {ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين} ~~معناه: ومنهم من يؤمن به - بالقرآن - كأصحاب النبي من المهاجرين والأنصار، ~~ومنهم من لا يؤمن به كأبي جهل ومن (تابعه) ، ومنهم من قال: ومنهم من يؤمن # PageV02P384 # {أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون (41) ومنهم من يستمعون إليك ~~أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي ~~العمي ولو} به سرا وعلانية كالمؤمنين المخلصين، ومنهم من لا يؤمن به سرا ~~كالمنافقين. # {وربك أعلم بالمفسدين} ظاهر المعنى. # PageV02P385 # قوله تعالى: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم} الآية، معناه: لي عملي ~~وجزاؤه ولكم عملكم وجزاؤه. قوله: {أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون} هذا مثل قوله: {لكم دينكم ولي دين} ومثل قوله تعالى: {لنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم} . # PageV02P385 # قوله تعالى: {ومنهم من يستمعون إليك} الآية، الاستماع: طلب السمع، وقد ~~كانوا يطلبون سماع القرآن للرد والتكذيب به، لا للتفهم والإيمان به. وقوله: ~~{أفأنت تسمع الصم} الصمم: آفة تمنع من السماع، والمراد من الصمم هاهنا: صمم ~~القلب؛ فإنهم لما لم يسمعوا القرآن للإيمان به وقبوله كأنهم لم يسمعوا، ~~وجعلهم بمنزلة الصم، والصم: جمع الأصم. وقال الزجاج: قد كانوا يسمعون ~~حقيقة؛ ولكن لشدة بغضهم وعداوتهم للنبي لم يستمعوا ليفهموا، فجعلهم كأن لم ~~يسمعوا. قوله: {ولو كانوا لا يعقلون} معناه: ولو كانوا جهالا. # PageV02P385 # قوله تعالى: {ومنهم من ينظر إليك} النظر: طلب الرؤية بتقليب البصر، وأما ~~نظر القلب: هو طلب العلم بالفكرة. وقوله: {أفأنت تهدي العمي} جعلهم بمنزلة ~~العمي؛ لأنهم لم ينظروا لطلب الحق، والمراد من العمى هاهنا: عمى القلب. ~~ومنهم من قال: جعلهم بمنزلة العمى كما جعلهم بمنزلة الصم حيث لم ينتفعوا لا ~~بأسماعهم ولا بأبصارهم. # وذكر ابن الأنباري حاكيا عن ابن قتيبة أنه استدل بهذه الآية على أن السمع ~~أفضل # PageV02P385 # {كانوا لا يبصرون (43) إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون (44) ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة ms0642 من النهار يتعارفون بينهم ~~قد خسر الذين} من البصر، فإن الله تعالى قال في الصمم: {لو كانوا لا ~~يعقلون} ، وقال في العمى: {ولو كانوا لا يبصرون} . # قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن المراد من الآية عمى القلب لا عمى ~~العين، وكذلك صمم القلب لا صمم الأذن؛ فعلى هذا لا يقع التفضيل. # قال ابن الأنباري: ولأن حاسة البصر أفضل من حاسة السمع، ألا ترى أن ~~الجمال فيها أكثر، والنقصان بفوتها أعظم، وسماها الرسول كريمتى الإنسان؛ ~~فإنه قال: " يقول الله تعالى: من أخذت كريمتيه فصبر واحتسب، لم يكن له جزاء ~~إلا الجنة ". # وإذا كان الرجل أعمى فإنه لا يبصر إقباله من إدباره، ولا طريق غيه من ~~طريق رشده، ويكون أسيرا في نفسه، (ويتعطل) عليه منافع عامة جوارحه. # PageV02P386 # قوله تعالى: {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} ظاهر ~~المعنى. # PageV02P386 # قوله تعالى: {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار} معنى الآية: ~~تقريب وقت مماتهم من وقت بعثهم، وهذا كقوله تعالى: {كأن لم يلبثوا إلا ساعة ~~من نهار} . وقوله: {يتعارفون بينهم} يعني: يعرف بعضهم بعضا. وفي بعض # PageV02P386 # {كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) وإما نرنيك بعض الذين نعدهم أو ~~نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون (46) ولكل أمة رسول فإذا ~~جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (47) ويقولون متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين (48) قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة ~~أجل إذا جاء أجلهم فلا} الآثار: أن الإنسان يوم القيامة يعرف من بجنبه، ولا ~~يكلمه هيبة وخشية. وقوله: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا ~~مهتدين} الخسران هاهنا: خسران النفس، ولا شيء أعظم من خسران النفس. وفي بعض ~~الآثار: يا بان آدم، أنت في دار التجارة فاربح فيها نفسك. # PageV02P387 # قوله تعالى: {وإما نرينك بعض الذي نعدهم} قال مجاهد: بعض الذي نعدهم هو: ~~القتل يوم بدر. وقال غيره: معنى الآية: إما نعذبهم في حياتك {أو نتوفينك} ~~قبل تعذيبهم {فإلينا مرجعهم} ms0643 ومرجعهم إلينا. وقوله: {ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون} ظاهر المعنى، و " ثم " هاهنا بمعنى الواو. # PageV02P387 # وقوله تعالى: {ولكل أمة رسول} الأمة: هي الجماعة إذا كانوا على منهج واحد ~~ومقصد واحد. والرسول: كل من حمل رسالة ليؤديها على الحق. وقوله تعالى: ~~{فإذا جاء رسولهم} قال مجاهد: فإذا جاء رسولهم شاهدا عليهم يوم القيامة ~~{قضى بينهم بالقسط} أي: بالعدل {وهم لا يظلمون} يعني: لا ينقص من حقهم. # وفي الآية معنى آخر: وهو أن معنى قوله: {فإذا جاء رسولهم} يعني: إذا جاء ~~رسولهم بالإعذار والإنذار قضى بينهم بالقسط أي: بالحق، ومعناه: أنه قبل ~~مجيء الرسل لا يتوجه ثواب ولا عقاب. # PageV02P387 # قوله تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} يعني: وعد الساعة. # PageV02P387 # ثم قال تعالى: {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله} الآية. ~~الملك: قوة يتصرف بها في الشيء، وقوله: {ضرا ولا نفعا} يعني: دفع ضر ولا ~~جلب نفع لم يقدره الله تعالى. وقوله: {لكل أمة أجل} الأجل: مدة مضروبة ~~لحلول أمر. # PageV02P387 # {يستئخرون ساعة ولا يستقدمون (49) قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو ~~نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن وقد ~~كنتم به تستعجلون (51) ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا ~~بما كنتم تكسبون (52) ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم ~~بمعجزين (53) ولو أن} # وقوله: {إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} ظاهر المعنى. # PageV02P388 # قوله تعالى {قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا} والبيات: ما يحصل ~~ليلا. # وقوله: {ماذا يستعجل منه المجرمون} معناه: ماذا يستعجل من الله المجرمون؟ ~~وقيل: ماذا يستعجل من العذاب المجرمون؟ وحقيقة المعنى: أنهم كانوا يستعجلون ~~العذاب؛ مثل قول النضر بن الحارث، فإنه قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فقال الله تعالى ~~في هذه الآية: {ماذا يستعجل منه المجرمون} يعني: وأيش يعلم المجرمون ماذا ~~يستعجلون ويطلبون؟ كالرجل يقول لغيره: ماذا ms0644 جنيت على نفسك؟ إذا فعل فعلا ~~قبيحا. # PageV02P388 # قوله تعالى: {ثم إذا ما وقع آمنتم به} قيل في التفسير: معنى قوله: (أثم) ~~: هنالك إذا ما وقع - أي: العذاب {آمنتم به} يعني: آمنتم بالله؟ من وقع ~~العذاب؟ أي: نزل. ثم قال: {الآن} وفيه حذف ومعناه: الآن آمنتم به {وقد كنتم ~~به تستعجلون} تكذيبا واستهزاء. # PageV02P388 # قوله تعالى: {ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم ~~تكسبون} ظاهر المعنى. # PageV02P388 # قوله تعالى: {ويستنبئونك أحق هو} معناه: ويستخبرونك أحق هو؟ والحق ضد ~~الباطل، ويقال: الحق ما قام عليه الدليل. وقوله: {قل إي وربي} معناه: قل ~~نعم وربي {إنه لحق وما أنتم بمعجزين} معناه: وما أنتم بفائتين من العذاب؛ ~~لأن من عجز عن الشيء فقد فاته. # PageV02P388 # قوله تعالى: {ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به} الافتداء # PageV02P388 # {لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ~~وقضي بينهم بالقسط وهو لا يظلمون (54) ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا ~~إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحيي ويميت وإليه ترجعون ~~(56) يا أيها} هاهنا: بذل ما ينجو به عن العذاب. وقوله: {وأسروا الندامة ~~لما رأوا العذاب} فيه قولان: # أحدهما: قول أبي عبيدة، وهو: أن معناه: وأظهروا الندامة. # والقول الثاني: وأسروا الرؤساء منهم الندامة من الضعفاء خوفا من مذامتهم ~~وتعييرهم. # وقوله: {وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} قد بينا المعنى. # PageV02P389 # قوله تعالى: {ألا إن لله ما في السموات والأرض} فإن قال قائل: أليس أن ~~عندكم السموات سبع، والأرضون سبع، فكيف ذكر السموات بلفظ الجمع والأرض بلفظ ~~(الوحدان) ؟ # الجواب: أن الواحد هاهنا بمعنى الجمع، والعرب قد تذكر الواحد بلفظ الجمع، ~~والجمع بلفظ الواحد، وقيل: إن الأرضين وإن كانت سبعا ولكن لما لم تظهر سوى ~~هذه الواحدة وكانت الباقون مخفية، ذكر بلفظ الوحدان. # وقوله: {ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون} ظاهر المعنى. # PageV02P389 # قوله تعالى: {هو يحيي ويميت وإليه ترجعون} معلوم المعنى. # PageV02P389 # قوله تعالى: {يا أيها ms0645 الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم} الآية، الموعظة: ~~قول على طريق العلم يؤدي إلى صلاح العباد. وقوله: {وشفاء لما في الصدور} ~~الشفاء هاهنا هو الدواء لذي الجهل. وقال أهل العلم: لا داء أعظم من الجهل، ~~ولا دواء أعز من دواء الجهل، ولا طبيب أقل من طبيب الجهل، ولا شفاء أبعد من ~~شفاء الجهل. # PageV02P389 # {الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ~~(57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) قل ~~أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم ~~أم على الله تفترون} # وأما قوله {لما في الصدور} الصدر موضع القلب، وهو أعز موضع في الإنسان؛ ~~لجوار القلب. وقوله: {وهدى} يعني: وهدى من الضلالة. وقوله: {ورحمة ~~للمؤمنين} الرحمة: هي النعمة على المحتاج، فإنه لو أهدى ملك إلى ملك شيئا ~~لا يقال: قد رحمه، وإن كان هذا نعمة على الحقيقة؛ لأنه لم يضعها في محتاج. # PageV02P390 # قوله تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته} قال الحسن البصري: فضل الله: القران، ~~ورحمته: الإسلام. وعن بعضهم: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن. وعن أبي ~~سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلنا من ~~أهله. وهذا مروي أيضا عن عكرمة. # وقوله: {فبذلك فليفرحوا} وقرأ الحسن: " فبذلك فلتفرحوا " معناه: فبذلك ~~فلتعجبوا. # وقوله: {هو خير مما يجمعون} أي: مما يجمع الكفار من الدراهم والدنانير. # PageV02P390 # قوله تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما ~~وحلالا} قال أهل التفسير: معنى هذا هي السوائب والحوامي التي جعلها أهل ~~الشرك حراما عليهم، وقد ذكرنا هذا في تفسير سورة الأنعام، وما أحلوا من ذلك ~~وما حرموا في تفسير قوله: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزواجنا} فإن قيل: كيف يستقيم هذا المعنى، وقد قال في آخر الآية: ~~{قل الله أذن لكم أم على الله تفترون} ؟ # وليس المراد من الآية الاستفهام؛ وإنما المراد منها الرد والإنكار عليهم. # PageV02P390 # قوله تعالى: {وما ظن ms0646 الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة} قالوا: ~~معناه: # PageV02P390 # ((59} وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل ~~على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) وما تكون في شأن وما تتلو منه من ~~قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك ~~من مثقال ذرة في وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة، أيلقاهم ~~الخير أم يلقاهم الشر؟ وحقيقة المعنى: أن الشر يلقاهم؛ لأنه الذي يليق ~~بافترائهم. # وقوله: {إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون} في التفاسير: ~~من ألف واحد شاكر. # PageV02P391 # قوله تعالى: {وما تكون في شأن} الشأن: اسم مبهم، وهو مثل قول القائل ~~لغيره: ما حملك وما بالك؟ وما شانك؟ وقوله: {في شأن} يعني: في شأن من ~~الشؤون. # وقوله: {وما تتلو منه من قرآن} فإن قيل: [أيش معنى] قوبه: {وما تتلو منه} ~~ولم يسبق ذكر القرآن؟ الجواب عنه من وجهين: أحدهما أن معناه: وما تتلو من ~~الشأن، من قرآن، والآخر: أنه راجع إلى القرآن أيضا، فأبطن في قوله: {منه} ~~وأظهر في قوله {من قرآن} تفخيما له. وقوله: {ولا تعلمون من عمل إلا كنا ~~عليكم شهودا} الشهود هاهنا: جمع شاهد. # وقوله: {إذ تفيضون فيه} قال ابن الأنباري: إذ تندفعون فيه، والإفاضة هي ~~الدفع بالكثرة. وقوله: {وما يعزب عن ربك} معناه: وما يغيب عن ربك {من مثقال ~~ذرة} من وزن ذرة؛ والذرة: هي النملة الصغيرة، وقيل: ما يظهر في شعاع الشمس. ~~والأول هو المعروف. # PageV02P391 # {الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) ~~ألا إن} # وقوله: {في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك} يعني: أصغر من الذرة. ~~{ولا أكبر} معناه: ولا أكبر من الذرة إلى ما لا يعلم قدره إلا الله تعالى. ~~قوله: {إلا في كتاب مبين} معناه: إلا هو مبين في الكتاب، يعني: اللوح ~~المحفوظ. # وفي الأخبار المشهورة: " أن الله تعالى لما خلق القلم قال: اكتب، قال: ~~وما ms0647 أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ". وقد ثبت برواية عبد ~~الله بن عمرو بن العاص أن النبي قال: " إن الله قدر المقادير قبل خلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف سنة ". خرجه مسلم في " صحيحه ". # PageV02P392 # قوله تعالى: {ألا إن أولياء الله} اختلفوا في أولياء الله على أقوال: # أحدهما: أنهم الذين آمنوا وكانوا يتقون، والآخر: أنهم الذين يرضون ~~بالقضاء، ويشكرون عند الرخاء، ويصبرون على البلاء، والثالث: هم المتحابون ~~في الله تعالى. # وقد روى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن النبي قال: " إن من عباد الله ~~عبادا ليسوا بأنبياء، يغبطهم النبيون والشهداء لمكانهم عند الله. فقال رجل: ~~يا رسول الله، ومن هم؟ فقال رسول: قوم تحابوا بروح الله من غير أرحام ~~يصلونها، ولا أموال يتعاطونها، وإن على وجوههم لنورا، وإنهم على منابر من ~~نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: {ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم} ". ذكره أبو داود في " سننه " قريبا من هذا. # PageV02P392 # {أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون ~~(63) لهم} # والرابع: هو أن أولياء الله من إذا رؤوا [ذكر] الله. # وفي بعض الأخبار المرفوعة إلى النبي: " سئل من أولياء الله؟ فقال الذين ~~إذا رؤوا [ذكر] الله ". وفي رواية: " الذين [يذكر] الله برؤيتهم ". # وقوله: {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} الخوف: انزعاج في النفس من توقع ~~مكروه، والحزن: هم يقع في القلب لنوع عارض. # PageV02P393 # قوله تعالى: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} ظاهر المعنى. # PageV02P393 # ثم قال تعالى: {لهم البشرى} اختلفوا في هذه البشرى على أقوال: # الأول: روى (أبو الدرداء) - رضي الله عنه - عن النبي أنه قال: " هي ~~الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أوترى له ". # ورواه - أيضا - عبادة بن الصامت أبو الوليد - رضي الله عنه -. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من # PageV02P393 # {البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز ~~العظيم (64) ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو ms0648 السميع العليم (65) ألا ~~إن لله من في السموات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ~~إن يتبعون إلا} النبوة ". # والقول الثاني: روى أبو ذر - رضي الله عنه - عن النبي: " إن البشرى في ~~الحياة الدنيا: هو الثناء الحسن، وفي الآخرة: الجنة ". # والثالث: البشرى: هي نزول نزول ملائكة الرحمة بالبشارة من الله تعالى عند ~~الموت. # والرابع: البشرى: هي علم المؤمن بمكانه من الجنة قبل أن يموت. قاله قوم ~~من التابعين. # وقوله تعالى: {لا تبديل لكلمات الله} معناه: لا خلف لوعد الله. وقوله: ~~{ذلك هو الفوز العظيم} أي: النجاة العظيمة. # PageV02P394 # قوله تعالى: {ولا يحزنك قولهم} وقف تام. ثم قال: {إن العزة لله جميعا} ~~يعنى: إن الغلبة لله جميعا {هو السميع العليم} معلوم المعنى. # PageV02P394 # قوله تعالى: {ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض} معناه معلوم. # وقوله: {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} معناه: وما يتبع الذين ~~يدعون من دون الله شركاء على الحقيقة؛ لأنه ليس لله شريك. وقيل: معناه: وما ~~يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء علما ويقينا؛ بل يتبعون على الظن كما ~~قال: {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} ومعنى قوله: {يخرصون} : ~~يكذبون؛ لقوله: {قتل الخراصون} أي: الكذابون. # PageV02P394 # {الظن وإن هم إلا يخرصون (66) هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (67) قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو ~~الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على ~~الله ما لا تعلمون (68) قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) ~~متاع في الدنيا ثم إلينا} # PageV02P395 # قوله تعالى: {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} معناه معلوم. قوله: ~~{والنهار مبصرا} أي: مبصرا فيه. وقيل: معناه: والنهار ذا إبصار، وهذا مثل ~~قوله تعالى: {في عيشة راضية} يعني: ذات رضا. وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون} ظاهر المعنى. # PageV02P395 # قوله تعالى: {قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه} فإن قال قائل: أيش الفرق بين ~~اتخاذ ms0649 الولد واتخاذ الخليل؟ # الجواب عنه: أن الحقيقة الخلة مقصورة على الله تعالى؛ لأن الخلة: تصفية ~~الود، وهذا يجوز على الله تعالى. وأما حقيقة الولد: لا يجوز على الله ~~تعالى؛ فاتخاذه لا يجوز، ولأنه إنما يتخذ الولد ليرثه ملكه أو ليسر به، أو ~~ليعنه على أمر، أو ليخلفه في أموره، والله تعالى منزه عن هذا كله، ولا يجوز ~~عليه، فلم يجز اتخاذ الولد له. # وقوله تعالى: {هو الغني} إشارة إلى ما قلنا من عدم الحاجة. وقوله: {له ما ~~في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا} أي: من حجة بهذا؟ . # وقوله: {أتقولون على الله ما لا تعلمون} ظاهر المعنى. # PageV02P395 # قوله تعالى: {قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} أي: لا ~~ينجون. # PageV02P395 # وقوله {متاع في الدنيا} معناه: إن الذين يفترون على الله حاصلهم متاع في ~~الدنيا. # وقوله: {ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} ~~معناه معلوم. # PageV02P395 # {مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) واتل عليهم نبأ ~~نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى ~~الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ~~ولا تنظرون} # PageV02P396 # قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ نوح} معناه: واتل عليهم خبر نوح {إذ قال ~~لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري} معناه: إن كان ثقل عليكم ~~مقامي أي: طول مكثي فيكم وتذكيري {بآيات الله} وتحذيري إياكم بآيات الله ~~{فعلى الله توكلت} قالوا هذا اعتراض في الكلام وفي المعنى. قوله: {فأجمعوا ~~أمركم} هو متصل بما سبق كأنه قال: إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات ~~الله فأجمعوا أمركم. وفي الشاذ: " فاجمعوا أمركم " قرأه عاصم الجحدري. # قوله: {فاجمعوا} قال الفراء: فاعزموا على أمركم وادعوا {شركاءكم} وقال ~~الزجاج: فاجمعوا أمركم مع شركائكم، إلا أنه لما ترك كلمة " مع " فانتصب، ~~قال الشاعر: # (يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... حتى أرى أمري وأمري مجمع) # أي: معزم عليه. وقوله: {ثم لا يكن ms0650 أمركم عليكم غمة} أي: ملتبسا، ومنه ~~الغمام، والغم. وقوله تعالى: {ثم اقضوا إلي} قرىء في الشاذ: " ثم أفضوا إلي ~~" بالفاء، والمعروف بالقاف. قال مجاهد معناه: ثم اعلموا ما في أنفسكم. وقيل ~~معناه: توجهوا إلي بالقتل والمكروه، وهذا على طريق التعجيز، فإنه قال هذه ~~المقالة وعجزوا عن إيصال مكروه إليه، فهذا كان (نوع) معجزة له، ومنهم من ~~قال: قوله: {اقضوا إلي} أي: ثم اقضوا ما أنتم قاضون، واعملوا ما أنتم ~~عاملون، وهذا مثل قول السحرة: {فاقض ما أنت قاض} ، معناه: فاعمل ما أنت ~~عامل. وحقيقة # PageV02P396 # ( {71) فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون ~~من المسلمين (72) فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) ثم بعثنا من بعده ~~رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ~~كذلك نطبع على قلوب} القضاء: هو إحكام الأمر والفراغ عنه، ومنه يقال للرجل ~~إذا مات: قد قضى فلان، أي: فرغ من أمره. # قوله تعالى: {ولا تنظرون} أي: لا تمهلون. # PageV02P397 # قوله تعالى: {فإن توليتم فما سألتكم من أجر} معناه: فإن أعرضتم فما ~~سألتكم من ثواب على تبليغ الرسالة. قوله: {إن أجري إلا على الله} أي: إن ~~ثوابي إلا على الله {وأمرت أن أكون من المسلمين} أي: من الموحدين. ومنهم من ~~قال: معنى قوله: {من المسلمين} أي: من المستسلمين لأمر الله. # PageV02P397 # قوله تعالى: {فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك} قال أهل التفسير: كان معه ~~في الفلك ثمانون رجلا، وكان أول من حمله: الذرة، وآخر من حمله: الحمار، ~~وتعلق الشيطان بذنب الحمار، وجعل يقول: نوح للحمار، ادخل فلا يدخل حتى قال: ~~ادخل يا شيطان فدخل وإبليس معه. # وقوله تعالى: {وجعلناهم خلائف} أي: وجعلنا الذين معه في الفلك خلفاء ~~القوم الذين أغرقناهم في دورهم ومساكنهم ومنازلهم. وقوله تعالى: {وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} الغرق: هلاك بالماء ~~والغامر. ويقال: إن مدة الإغراق كانت أربعين يوما، وكان من ms0651 وقت إرسال الماء ~~من السماء إلى أن (نضب) الماء ستة أشهر وعدة أيام. # PageV02P397 # وقوله تعالى: {ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات} يعني: ~~من بعد نوح رسلا إلى قومهم {فجاءهم بالبينات} أي: بالدلالات الواضحات {فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل} أي: فما كانوا ليؤمنوا بما كذب به قوم ~~نوح من # PageV02P397 # {المعتدين (74) ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا ~~لسحر مبين (76) قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح ~~الساحرون (77) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما ~~الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) وقال فرعون ائتوني بكل ساحر ~~عليم (79) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (80) فلما ~~ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن} قبل {كذلك يطبع الله ~~على قلوب المعتدين} يعني: يختم على قلوب المعتدين. # PageV02P398 # قوله تعالى: {ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين} معناه ظاهر. والآية التي تليها كذا معلوم ~~المعنى. # PageV02P398 # قوله تعالى: {قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا} معناه: ~~لتصرفنا. وقال قتادة: لتلفتنا: لتلوينا، وقاله ثعلب من المتأخرين. وقوله: ~~{وتكون لكما الكبرياء في الأرض} قال مجاهد: الكبرياء: الملك؛ وإنما سمي ~~الملك الكبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب في الدنيا. وقيل: معنى الكبرياء: هو ~~العظمة. وقيل: معناه: الغلبة. # قوله: {وما نحن لكما بمؤمنين} أي: بمصدقين. # PageV02P398 # قوله تعالى: {وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم} في القصص: أنه جمع سبعين ~~ألف ساحر. # PageV02P398 # وقوله: {فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون} أي: اطرحوا ~~ما أنتم طارحون. # PageV02P398 # وقوله: {فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر} وقد بينا معنى السحر من ~~قبل. {إن الله سيبطله} أي: سيذهبه {إن الله لا يصلح عمل المفسدين} معناه ~~معلوم. وفي القصص أنهم كانوا سبعين ألفا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، فألقوا ~~تلك الحبال والعصي، فجعلت ms0652 تخيل في أعين الناس كأنها ثعابين وحيات. # PageV02P398 # {الله لا يصلح عمل المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلماته ولو كره ~~المجرمون (82) فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن ~~يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) وقال موسى يا قوم ~~إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) فقالوا على الله ~~توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم} # PageV02P399 # وقوله تعالى: {ويحق الله الحق بكلماته} معناه: يعلي الله الحق بآياته ~~{ولو كره المجرمون} . # PageV02P399 # قوله تعالى: {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} معناه: فما آمن لموسى إلا ~~قليل في قومه، واختلفوا في الذرية هاهنا، قال بعضهم: إنهم قوم كانت آباؤهم ~~في القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل. وقال بعضهم: إنهم قوم نجوا من قتل ~~فرعون، فإن فرعون لما أمر بقتل أبناء بني إسرائيل كانت المرأة من بني ~~إسرائيل إذا ولد لها ابن سلمته إلى امرأة قبطية، وتقول: وهبته لك خوفا عليه ~~من القتل، فنشأ أولئك الأولاد عند القبط، وأسلموا في ذلك اليوم، يعني: يوم ~~السحرة الذين غلبوا. وقوله: {على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم} قال بعض ~~أهل المعاني: في الآية حذف؛ كأنه قال: على خوف من آل فرعون وملئهم، وهذا ~~مثل (قوله) : {واسأل القرية} أي: أهل القرية. # ومنهم من قال: لما ذكر فرعون دخل قومه معه كالرجل يقول: قدم الخليفة أو ~~الأمير بكذا وكذا، فضاقت المنازل على الناس، معناه: قدم الخليفة ومن معه. # ثم قال: {أن يفتنهم} معناه: أن يعذبهم. وقوله: {وإن فرعون لعال في الأرض} ~~أي: لطاغ في الأرض {وإنه لمن المسرفين} معلوم. # PageV02P399 # قوله تعالى: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين} التوكل: هو الثقة بالله والاعتماد عليه في الأمور. وقوله: {إن كنتم # PageV02P399 # {الظالمين (85) ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (86) وأوحينا إلى موسى ~~وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة ~~وبشر المؤمنين (87) وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في ~~الحياة الدنيا ربنا ليضلوا ms0653 عن} مسلمين) أي: إذا كنتم مسلمين. # PageV02P400 # قوله تعالى: {فقالوا على الله توكلنا} أي: على الله اعتمدنا. وقوله: ~~{ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} فيه قولان: # أحدهما: لا تهلكنا بأيدي الظالمين فيفتتنوا أو يظنوا أنا لم نكن على ~~الحق، قاله أبو مجلز. # والثاني: لا تعذبنا بعذاب من عندك فيظنوا أنهم خير منا، فيصير ذلك فتنة ~~لهم # PageV02P400 # وقوله تعالى: {ونجنا برحمتك من القوم الكافرين} ظاهر المعنى. # PageV02P400 # قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا} معنى قوله: {تبوءا} ~~اتخذا. # قال الشاعر: # (نحن بنو عدنان ليس شك ... تبوأ المجد بنا والملك) # وقوله {لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة} ذكر أهل ~~التفسير أن فرعون أمر بتخريب كنائس بني إسرائيل وبيعهم لما جاء موسى ودعاه ~~إلى الله، فأمرهم الله تعالى أن يأمرا بني إسرائيل أن يتخذوا في بيوتهم ~~المساجد، فهذا معنى قوله: {واجعلوا بيوتكم قبلة} يعني: مسجدا. # وحكي عن ابن عباس أنه قال أمرهم الله تعالى أن يتوجهوا إلى الكعبة. ومنهم ~~من قال: إنهم خافوا من إظهار الصلاة، فأمرهم الله تعالى أن يقيموا الصلاة ~~في البيوت. وقوله تعالى: {وبشر المؤمنين} ظاهر المعنى. # PageV02P400 # قوله تعالى: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه} الآية. قوله: {زينة # PageV02P400 # {سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم (88) قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين ~~لا يعلمون (89) } وأموالا في الحياة الدنيا) قيل في التفسير: إنه كان من ~~فسطاط مصر إلى العريش إلى قريب من الحبشة معادن الذهب والفضة والياقوت ~~والزبرجد، فهذا معنى قوله: {زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك} قال أهل التفسير: هذه " اللام " لام الصيرورة، ويقال: هي لام ~~العاقبة، وهذا كما قال الشاعر: # (وللموت ما تلد الوالدة ... ) # فلما كانت عاقبة أمرهم الضلال والكفر قال: ليضلوا عن سبيلك {ربنا اطمس ~~على أموالهم} الطمس: تغيير صورة الشيء، وقيل: هو الإنمحاء، ودروس الأثر. ~~قال قتادة: صارت أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم حجارة كلها. وفي بعض ~~الروايات: إن عبيدهم وإماءهم صاروا حجارة. # وقوله: ms0654 {واشدد على قلوبهم} قال مجاهد: بالضلالة. وقال السدي: أمتهم على ~~الكفر. # وقوله: {فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} قيل: هذا بمعنى الدعاء ~~(كأنه) قال: فلا آمنوا حتى يروا العذاب الأليم. وقيل: معناه معنى الخبر. # PageV02P401 # قوله تعالى: {قال قد أجيبت دعوتكما} في القصص: أنه كان بين دعاء موسى ~~وإجابته أربعون سنة، وكذلك كان بين دعاء يعقوب وإجابته أربعون سنة. فإن قال ~~قائل: إن الداعي كان موسى، وقال: {قد أجيبت دعوتكما} . # الجواب المروي: أن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، والتأمين: دعاء؛ فإن معنى ~~التأمين: اللهم استجب. # قوله: {فاستقيما} يعني: على الطاعة والدين. وقوله: {ولا تتبعان سبيل ~~الذين لا يعلمون} معلوم المعنى. # PageV02P401 # {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا ~~أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من ~~المسلمين (90) آلآن وقد} # PageV02P402 # قوله تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} الآية، معناه: عبرنا ببني ببني ~~إسرائيل البحر. وقوله: {فأتبعهم فرعون وجنوده} قال الأصمعي: يقال: اتبعه ~~إذا سار في أثره، وأتبعه إذا أدركه ولحقه. وقوله: {بغيا وعدوا} ظلما ~~واعتداء، قرىء: " عدوا " و " عدوا " والمعنى واحد. # وقوله: {حتى إذا أدركه الغرق} يعني: حتى إذا غمره الماء وقرب هلاكه {قال ~~آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت بن بنو إسرائيل} ومعناه: آمنت بالإله الذي ~~آمنت به بنو إسرائيل {وأنا من المسلمين} . # PageV02P402 # وقوله: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} في القصص " أن جبريل كان ~~واقفا حين قال هذا القول، فقال له: آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، ~~وقال له هذا القول بأمر الله تعالى، آلآن وقد عصيت. # وروى يوسف بن مهران، عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي " أن جبريل - ~~عليه السلام - قال: يا محمد، لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر، وأدسه في فم ~~فرعون خشية أن تدركه الرحمة ". وفي رواية أخرى: " أن جبريل قال: يا محمد، ~~ما أبغضت أحدا من خلق الله مثل ما أبغضت فرعون لما قال لقومه: ما علمت لكم ~~من، إله غيري، ms0655 فلما قال ما قال حين غرق فجعلت أدس الطين في فمه لئلا يقول # PageV02P402 # {عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم تنجيك ببدنك لتكون لمن خلقك آية ~~وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (92) ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ ~~صدق} لا إله إلا الله ". وفي رواية: " لئلا يثنى مخافة أن يغفر الله له ". # قال أبو عيسى: والحديث صحيح في الجملة. # PageV02P403 # وقوله تعالى: {فاليوم ننجيك ببدنك} في البر، قرىء: " ننحيك ببدنك " ~~بالحاء [من التنحية] ، والمعروف بالجيم أي: نلقيك على نجوة من الأرض. ~~والنجوة: المكان المرتفع. في القصص: أن فرعون لما غرق قالت بنو إسرائيل: هو ~~أجل من أن يغرق، فلم يصدقوا موسى أنه قد غرق، فأمر الله تعالى الماء حتى ~~ألقاه على وجهه؛ وهذا معنى قوله: {ننجيك ببدنك} وقوله: {ببدنك} فيه قولان: # أحدهما: بدرعك، وكان له درع مشهور من اللؤلؤ مرصع من الجواهر، فرأوه في ~~درعه فصدقوا. # والقول الثاني: ببدنك يعني: بجسد لا روح فيه. # قوله: {لتكون لمن خلفك آية} أي: عبرة. وقوله: {وإن كثيرا من الناس عن ~~آياتنا لغافلون} ظاهر المعنى. # PageV02P403 # وقوله تعالى {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} أي: أنزلنا بني إسرائيل ~~مبوأ صدق أي: أنزلنا بني إسرائيل منازل صدق. وقيل: إن تلك المنازل هي مصر. ~~وقيل: إنها الشام. وقوله: {مبوأ صدق} يعني: بصدقهم وإيمانهم. وقوله: ~~{ورزقناهم من الطيبات} معلوم. وقوله: {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} يعني: ~~التوراة، فإنهم اختلفوا بعد نزول التوراة وذهاب موسى اختلافا شديدا. ثم ~~قال: {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} ظاهر المعنى. # PageV02P403 # {ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (93) فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسئل ~~الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ~~(94) ولا تكونن} # PageV02P404 # قوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} في الآية سؤال معروف، وهو: ~~أنه قال: {فإن كنت في شك} كيف يجوز أن يكون الرسول في الشك حتى ms0656 يقول له: ~~فإن كنت في شك؟ . # الجواب من وجوه: أحدها: أن الخطاب معه والمراد منه قومه، وهذا مثل قوله ~~تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} وأمثالها كثيرة. # وقال بعضهم: تقديره: فإن كنت في شك أيها الشاك فأسأل الذين يقرءون الكتاب ~~من قبلك. # والوجه الثاني: أن معنى الآية: ما كنت في شك. # وقوله: {فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} زيادة تثبيت؛ والذين يقرءون ~~الكتاب: هم الذين أسلموا من اليهود، مثل عبد الله بن سلام، وابن يامين ~~وغيرهما. # والوجه الثالث: هذا على عادة كلام العربي، فإن الرجل يقول لابنه: افعل ~~كذا إن كنت ابني، ولا يكون هذا على الشك، وكذا يقول لغلامه: أطعمني إن كنت ~~عبدي، ولا يكون على الشك. # وقوله: {فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} فقال: مرهم {فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} من ~~الشاكين، ومعناه: دم على اليقين الذي أنت عليه. # الوجه الأول اختيار الزجاج وغيره من أهل المعاني. # PageV02P404 # وقوله تعالى: {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله} إلى آخر الآية ظاهر # PageV02P404 # {من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) إن الذين حقت عليهم ~~كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (97) ~~فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي في الحياة} المعنى. # PageV02P405 # قوله تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك} معناه: وجب عليهم عذاب ربك. # ويقال: معنى الكلمة: هو قوله تعالى: " هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء ~~في النار ولا أبالي " كما روي في الأخبار. # وقوله: {لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} يعني: ~~الإيمان عن البأس. # PageV02P405 # قوله تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس} معناه: ~~فلم تكن قرية آمنت - أي أهل قرية آمنت - فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس، وهذا ~~الإيمان هو عند نزول العذاب. والمنقول في القصص: أن يونس - صلوات الله عليه ~~- أنذر قومه بالعذاب وخرج من بينهم، فلما رأوا ms0657 العذاب شبه النيران في ~~السماء خرجوا من بلدهم إلى الصحراء، وفرقوا بين الأولاد والأمهات والبهائم ~~والأجنة، وضجوا إلى الله تعالى ضجة واحدة، فكشف الله عنهم العذاب بعد أن ~~رأوه عيانا، ولم يفعل هذا بأحد غيرهم، فهذا معنى قوله تعالى: {إلا قوم يونس ~~لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} أي: ~~إلى أجل معلوم. # وفي بعض التفاسير: أن الدعاء الذي دعا به قوم يونس هو: يا حي حين لا حي، ~~يا حي يا محيي الموتى، يا حي لا إله إلا أنت. # PageV02P405 # {الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن ~~الله ويجعل} # واختلف القول في أنهم هل رأوا العذاب عيانا أو رأوا دليل العذاب؟ ~~فالأكثرون على أنهم رأوا العذاب عيانا. قال قتادة: تدنى عليهم العذاب حتى ~~صار بينهم وبين العذاب قدر ميل. وقال بعضهم: رأوا دليل العذاب، ولم يروا ~~عين العذاب. # والقول الأول أصح؛ بدليل قوله: {كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} ~~والكشف إنما يكون بعد وقوع العذاب أو قرب العذاب. فإن قال قائل: كيف قبل ~~إيمانهم عند المعاينة، ولم يقبل إيمان غيرهم، وقد قال في موضع آخر: {يؤمنون ~~بالغيب} دل أن الإيمان المقبول هو الإيمان بالغيب؟ # الجواب: أن قوم يونس استثنوا من هذا الأصل بنص القرآن، والله تعالى يفعل ~~ما يشاء ولا سؤال عليه فيما يفعل. وزعم الخليل وسيبويه: أن الاستثناء هاهنا ~~منقطع، ومعنى الآية: لكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: الحذر لا يرد القدر، والدعاء يرد القدر؛ ~~فإن الله تعالى كشف العذاب عن قوم يونس بالدعاء. وعن علي - أيضا - أنه قال: ~~كان كشف العذاب يوم عاشوراء. # وقيل في تقدير ابتداء الآية: " فهلا " كانت قرية آمنت حين ينفعها ~~إيمانها؛ لكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب، ومعنى قرية: أهل قرية. ~~وقيل: اسم تلك القرية ms0658 كان نينوى، من بلاد الجزيرة. # PageV02P406 # قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} في الآية رد على ~~القدرية؛ فإنه تعالى أخبر أنه لم يشأ إيمان جميع الناس، وعندهم أنه شاء ~~إيمان جميع الناس. وقوله: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} هذا تسلية ~~للنبي # PageV02P406 # {الرجس على الذين لا يعقلون (100) قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما ~~تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (101) فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين ~~خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين (102) ثم ننجي رسلنا ~~والذين آمنوا كذلك حقا} أنى لو أردت لأكرهتهم على الإيمان، ولم أرد، فلا ~~ترد أنت - أيضا - أن تكرههم على الإيمان. # PageV02P407 # قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} قال عطاء: إلا بتوفيق ~~الله. وقال غيره: إلا بعلم الله. وقيل: إلا بإطلاق الله ذلك بدفع الموانع، ~~وهذا مثل قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} منهم من قال: " ~~بإذن الله " أي: بقضائه وتقديره وحكمه، والمعاني كلها صحيحة. وقوله تعالى: ~~{ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} قال الفراء: الرجس بمعنى الرجز، والرجز ~~هو العذاب. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - إن الرجس هو السخط. وقيل: إنه ~~الإثم. وقيل: إنه الهلاك. وأما قوله: {على الذين لا يعقلون} معناه: لا ~~يؤمنون. وقيل: معنى قوله: {لا يعقلون} أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه. # PageV02P407 # قوله: {قل انظروا ماذا في السموات والأرض} معناه: قل انظروا ماذا في ~~السموات والأرض من الدلائل والعبر والحجج. وقوله: {وما تغني الآيات والنذر ~~عن قوم لا يؤمنون} هذا في قوم بأعيانهم علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون وإن ~~نظروا في الآيات. # PageV02P407 # قوله تعالى: {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} الانتظار هو ~~الثبات لتوقع أمر. وقوله: {إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} يعني: مثل ~~أيام الهلاك في الذين خلوا من قبلهم من الأمم المكذبة. قوله: {قل فانتظروا ~~إني معكم من المنتظرين} ظاهر المعنى. # PageV02P407 # قوله تعالى: {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا} ms0659 قوله: " ننجي " مستقبل بمعنى # PageV02P407 # {علينا ننج المؤمنين (103) قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا ~~أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون ~~من المؤمنين (104) وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ~~ولا تدع من دون} الماضي، ومعناه: أنجينا رسلنا والذين آمنوا. قوله {كذلك ~~حقا علينا ننجي المؤمنين} يعني: محمدا وأصحابه. # PageV02P408 # قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني} فإن قال قائل: كيف ~~قال: إن كنتم في شك من ديني، وهم كانوا يعتقدون بطلان ما جاء به على بصيرة؟ # الجواب: أنه قد كان فيهم قوم شاكوك، فالمراد من الآية أولئك القوم. # والثاني: أنهم لما رأوا الآيات اضطربوا وشكوا في أمرهم وأمر النبي. # قوله: {فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم} ~~ظاهر المعنى. فإن قال قائل: ما معنى قوله: {إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد ~~الذين تعبدون من دون الله} وهو لا يعبد الذين من دون الله شكوا أو لم ~~يشكوا؟ وما معنى قوله: {ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم} ولأي شيء خص الوفاة ~~بالذكر؟ # الجواب: أما الأول معناه: إن كنتم في شك فلست في شك، ولا أعبد إلا الله ~~على يقين وبصيرة. وأما ذكر الوفاة في قوله: " يتوفاكم " بمعنى التهديد، فإن ~~العذاب يقع على الكافر حتى تدركه الوفاة. # {وأمرت أن أكون من المؤمنين} أي: من المخلصين. # PageV02P408 # قوله تعالى: {وأن أقم وجهك للدين حنيفا} معناه: وأمرت أن أستقيم لله على ~~الدين مخلصا. ويقال معناه: واستقم على الدين الذي أمرت به بوجهك. قوله ~~تعالى: {حنيفا} قد بينا من قبل، ويقال: إن الآية في التوجه إلى القبلة، وهي ~~الكعبة؛ وهي في معنى قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} . وقوله: ~~{ولا تكونن من المشركين} ظاهر المعنى. # PageV02P408 # {الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد ms0660 لفضله يصيب به من ~~يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ~~ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم ~~بوكيل (108) واتبع ما يوحى} # PageV02P409 # قوله تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك} الدعاء يكون ~~بمعنيين: أحدهما: بمعنى النداء، كقولك: يا زيد، ويا عمرو، والآخر: بمعنى ~~الطلب. # وقوله: {ما لا ينفعك ولا يضرك} معناه: لا ينفعك إن دعوته، ولا يضرك إن ~~تركت دعاءه. وقوله: {فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} يعني: ممن وضع الدعاء ~~في غير موضعه. # PageV02P409 # قوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} معناه: إن يصبك ~~الله بضر، والضر: هو الخوف والمرض والجوع ونحوه. # وقوله: {فلا كاشف له إلا هو} أي: لا كاشف لذلك الضر إلا الله. # وقوله: {وإن يرك بخير} أي: يصبك بخير، والخير: هو الخصب والسعة والعافية ~~ونحوه. # وقوله: {فلا راد لفضله} أي: لا مانع لفضله. # قوله: {يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} ظاهر المعنى. # PageV02P409 # قوله تعالى: {قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم} الحق هاهنا: هو ما ~~ينجو به الإنسان، وضده: الباطل، وهو الذي يهلك به الإنسان. وقيل: معناه: ~~الإسلام. وقيل: معناه: القرآن. وقوله: {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} " ~~يعني ": يحتاط لنفسه. {ومن ضل فإنما يضل عليها} يعني: من كفر وترك الإيمان؛ ~~فإنما وباله وضلاله عليه. # قوله: {وما أنا عليكم بوكيل} أي: بمسلط، ومعناه: أنكم تسألون عن # PageV02P409 # {إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (109) } أعمالكم ولا أسأل ~~أنا عن أعمالكم، كما يسأل من وكل بالشيء. # PageV02P410 # قوله تعالى: {واتبع ما يوحي إليك} الوحي: إلقاء الشيء في قلب الإنسان على ~~الخفية. وقوله: {واصبر} الصبر: تجرع المرارة بالامتناع عن الشيء المشتهى ~~لتوقع المحبوب في العاقبة، ومما يعين الإنسان على الصبر علمه بحقيقة الأمر، ~~وما ينال من الثواب، والثقة بموعود الله تعالى. وقوله {حتى يحكم الله} أي: ~~حتى يقضي الله {وهو خير الحاكمين} أي: خير ms0661 القاضين. # PageV02P410 # بسم الله الرحمن الرحيم # {آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) ألا تعبدوا إلا ~~الله} # تفسير سورة هود # سورة هود مكية، إلا قوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل} إلى آخر الآية؛ فإنها مدنية. # PageV02P411 # قوله تعالى: {الر} معناه: أنا الله أرى. وقوله: {كتاب} أي: هذا كتاب. # وقوله: {أحكمت آياته} فيه أقوال: # قال قتادة: معناه: أحكمها الله فليس فيها اختلاف ولا تناقض. # والثاني: أن معنى قوله: (أحكمت آياته) يعني: هي محكمة غير منسوخة. # والثالث: {أحكمت أياته} يعني: بالأمر والنهي، والحلال والحرام. # وقوله: {ثم فصلت} فيه أقوال: أحدها: ثم فصلت بالوعد والوعيد. وقال مجاهد: ~~فصلت أي: فسرت وبينت. والثالث: ثم فصلت أي: أنزلها الله شيئا فشيئا. # وقيل: أحكمت آياته للمعتبرين، ثم فصلت أحكامه للمتقين. # وقيل: أحكمت آياته للقلوب، ثم فصلت أحكامه على الأبدان. # وقرئ في الشاذ: " ثم فصلت " ومعناه: أنها جاءت. # {من لدن حكيم خبير} أي: من عند حكيم خبير. # PageV02P411 # قوله تعالى: {ألا تعبدوا إلا الله} فيه قولان: # أحدهما: بأن لا تعبدوا إلا الله. # والقول الثاني: أمركم أن لا تعبدوا إلا الله. # وقوله: {إنني لكم منه نذير وبشير} معناه: نذير للعاصين، وبشير للمطيعين. # PageV02P411 # {إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم ~~متاعا حسنا} # PageV02P412 # قوله تعالى: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} قال أهل المعاني: إنما ~~قدم المغفرة على التوبة؛ لأنها هي المطلوبة بالتوبة. # وفي بعض الأخبار: " ما أصر من استغفر وإن عاد سبعين مرة ". وفي بعض ~~الأخبار: " لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ". # وفي الآية قول آخر: أن معنى قوله: {وأن استغفروا ربكم} يعني: في الماضي ~~{ثم توبوا إليه} يعني: في المستأنف. # قوله: {يمتعكم متاعا حسنا} معناه: يعيشكم عيشا حسنا. وقيل: يعمركم عمرا ~~حسنا. وأما العيش الحسن: قال بعضهم: هو الرضا بالميسور، والصبر على ~~(المقدر) . وقيل: العيش الحسن: هو طيب النفس وسعة الرزق. ويقال: العيش ~~الحسن: هو الكفاية بالحلال. وقوله {إلى أجل مسمى} أي: إلى حين الموت. # وقوله: {ويؤت كل ms0662 ذي فضل فضله} فيه قولان: # PageV02P412 # {إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4) ألا إنهم يثنون صدورهم} # أحدهما: أن معناه يؤت كل ذي عمل حسن في الدنيا ثوابه في الآخرة. # والقول الثاني: أن قوله: {يؤت كل ذي فضل فضله} يعني: من عمل لله تعالى ~~وفقه الله تعالى فيما يستقبل على طاعته ويهديه إليها. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: كل ما يحتسب الإنسان فيه ~~من قول أو عمل هو داخل فيها، حتى الكلمة الواحدة يقولها. # قوله: (وإن تولوا) أي: فإن أعرضوا. قوله: {فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير} أي: يوم القيامة. # PageV02P413 # ثم قال الله تعالى: {إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير} ظاهر المعنى. # PageV02P413 # قوله تعالى {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه} الآية، قال عبد الله بن ~~شداد: كان الرجل الكافر يمر بالنبي فيثني صدره، ويستغشي بثوبه بغضا للنبي ~~حتى لا يراه النبي ولا يرى هو النبي. وعن بعضهم: أن الرجل من الكفار كان ~~يدخل بيته ويرخي ستره، ويتغشى بثوبه ويحني ظهره ويقول: هل يعلم الله ما في ~~قلبي؟ وعن أبي رزين قريبا من القول الأول، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # ومعنى قوله: {يثنون صدورهم} أي: يعطفون ويطوون، ومنه ثني الثوب، قال ~~الشاعر في التغشي: # (أرعى النجوم ولم أؤمر برعيتها ... وتارة أتغشى فضل أطمار) # وقوله: {ليستخفوا منه} أي: ليستخفوا من الله تعالى. وقيل: ليستخفوا من ~~النبي. وفي الشاذ أن ابن عباس - رضي الله عنهما - قرأ: " ألا إنهم يثنوني ~~صدورهم " على وزن يفعوعل، وكما يقال: يحلولي. # {ألا حين يستغشون ثيابهم} يعني: يتغشون بثيابهم. قوله تعالى: {يعلم ما # PageV02P413 # {ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثبابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم ~~بذات الصدور (5) وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل في كتاب مبين (6) وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ~~وكان عرشه} يسرون وما يعلنون ms0663 إنه عليم بذات الصدور) قال الأزهري وغيره: ~~معنى الآية من أولها إلى آخرها: إن الذين أضمروا عداوة النبي لا يخفى علينا ~~حالهم. وفي بعض التفاسير: أن رجلا كان يبطن عداوة النبي وكان يختلف إليه ~~ويظهر المحبة له، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية. # PageV02P414 # قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} الآية. الدابة: ~~كل ما يدب على الأرض من الحيوانات. وقوله: {إلا على الله رزقها} أي: إن ~~الله يسبب ويسهل رزقها. # قال أهل المعاني: هذا على المشيئة، لأنه قد يرزق وقد لا يرزق. وقوله: ~~{ويعلم مستقرها ومستودعها} في الآية أقوال: # روى مقسم عن ابن عباس أنه قال: المستقر: هو المكان الذي يأوي إليه، ~~والمستودع: هو المكان الذي يدفن فيه. # وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: المستقر: هو أرحام ~~الأمهات، والمستودع: هو الموضع الذي يدفن فيه. # وقال بعضهم: المستقر: هو الذي يستقر عليه عمله، والمستودع: هو الذي يصير ~~إليه أمره في العاقبة. # ويقال: المستقر: أرحام الأمهات، والمستودع: هو أصلاب الآباء. وهذا مروي ~~عن ابن عباس أيضا. # وقوله: {كل في كتاب مبين} في اللوح المحفوظ. # PageV02P414 # قوله تعالى: {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} قد بينا من قبل. # PageV02P414 # {على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ~~ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى ~~أمة معدودة ليقولن ما يحسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزءون} # وقوله: {وكان عرشه على الماء} قال ابن عباس: كان العرش على الماء، والماء ~~على متن الريح، أي: صلب الريح. وروى يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن ~~وكيع ابن حدس، عن أبي رزين العقيلي أنه قال: " يا رسول الله، أين كان ربنا ~~قبل أن يخلق خلقه؟ قال: في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، وكان عرشه على ~~الماء ". قال يزيد بن هارون: معنى قوله: " في عماء " أي: ليس معه غيره. ~~أورده ms0664 ابو عيسى في كتابه على هذا الوجه. # قوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} معناه: ليختبركم أيكم أعمل بطاعة الله ~~تعالى، وأسرع إلى طلب مرضات الله، وأورع عن محارم الله، ومعناه: الابتلاء ~~من الله وقد بينا من قبل. # وقوله: {ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين} أي: إلا خدع ظاهر. # PageV02P415 # قوله تعالى: {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} معناه: إلى أجل ~~معدودة. قوله: {ليقولن ما يحبسه} معناه: ليقولن الذين كفروا: أي شيء يحبسه؟ ~~يعني: العذاب. وقوله: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم} معناه: ألا يوم ~~يأتيهم العذاب لا يكون العذاب مصروفا عنهم. # وقوله {وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون} معناه: ونزل بهم جزاء استهزائهم. # PageV02P415 # قوله تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة} الرحمة هاهنا: هي سعة الرزق. # PageV02P415 # ( {8) ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور (9) ~~ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ~~(10) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) ~~فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ~~أو جاء معه ملك إنما أنت} # وقوله: {ثم نزعناها منه} يعني أخذناها منه، قوله: {إنه ليئوس كفور} أي: ~~قنوط من رحمة الله تعالى، كفور بنعمة الله. # PageV02P416 # قوله تعالى: {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني} ~~يعني: يقول الإنسان: ذهب السيئات عني باستحقاقي لذلك، ولا يراه من الله ~~تعالى. # وقوله: {إنه لفرح فخور} الفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى، والفخر: هو ~~التطاول على الناس بتعديد المناقب، وهو منهي عنه في القرآن في مواضغ كثيرة. # PageV02P416 # وقوله: {إلا الذين صبروا} قال الفراء والزجاج: هذا استثناء منقطع، ~~ومعناه. ولكن الذين صبروا {وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} ~~معناه ظاهر. # PageV02P416 # قوله تعالى: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك} قال أهل ~~التفسير: سبب نزول الآية: أن الكفار لما قالوا: يا محمد، أئت بقرآن غير هذا ~~أو بدله، ms0665 يعنون: ائت بقرآن ليس فيه سب آلهتنا - على ما ذكرنا في سورة يونس ~~- هم النبي أن يدع سب آلهتهم ظاهرا، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {فلعلك ~~تارك بعض ما يوحى إليك} يعني: سب الآلهة ظاهرا {وضائق به صدرك} يعني: ولعلك ~~يضيق صدرك {أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك} أي: هلا أنزل ~~عليه كنز أوجاء معه ملك. وقوله: {إنما أنت نذير} معناه: إن عليك الإنذار ~~والإبلاغ، وليس عليك أن تأتي بالآيات التي يقترحونها. # وقوله {والله على كل شيء وكيل} أي: حافظ. # PageV02P416 # قوله تعالى: {أم يقولون افتراه} معناه: بل يقولون: افتراه، وافتراه: ~~اختلقه {قل # PageV02P416 # {نذير والله على كل شيء وكيل (12) أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (13) فإن لم ~~يستجيبوا} فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) ومعني مثله: أي: مثله في البلاغة. # قال علي بن عيسى النحوي: البلاغة على ثلاث مراتب: المرتبة العليا: معجزة، ~~والوسطى والأدنى ممكنه. والقرآن في المرتبة العليا من البلاغة. # فإن قيل: قد قال في سورة يونس: {فأتوا بسورة مثله} وقد عجزوا عن أن يأتوا ~~بسورة، فكيف يصح أن يقول لهم {فأتوا بعشر سور مثله} ، وما هذا إلا كرجل ~~يقول لغيره: أعطني درهما، فيعجز عنه فيقول: أعطني عشرة دراهم، وأيضا فإنه ~~قال: {مفتريات} وهل يجوز أن يأمر الله تعالى أن يأتوا بالافتراء؟ # الجواب عنه: عنه منهم من قال: إن سورة هود نزلت أولا وإن كانت في الترتيب ~~آخرا، وأنكر المبرد هذا، وقال: لا، بل نزلت سورة يونس أولا. وأجاب عن ~~السؤال وقال: معنى قوله: {فأتوا بسورة مثله} في سورة يونس يعني مثله في ~~الخبر عن الغيب والأحكام. والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في سورة هود: ~~إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثل القرآن في أخباره وأحكامه ووعده ووعيده، ~~فأتوا بعشر سور مثله مفتريات يعني: مختلقات من غير خبر عن غيب ولا حكم ولا ~~وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة. وهذا جواب صحيح. # وأما السؤال الثاني ms0666 فالجواب: قلنا: الله سبحانه وتعالى لم يأمرهم ~~بالإفتراء، وإنما تحدى، ومعناه: أن إصراركم في تكذيب محمد وزعمكم أنه افترى ~~القرآن يوجب عليكم أن تأتوا بمثله افتراء، ليظهر كذب محمد كما زعمتموه، ~~فلما عجزتم دل أنه صادق. # وقوله: {وادعوا من استطعتم من دون الله} معناه: واستعينوا بمن استطعتم من ~~دون الله {إن كنتم صادقين} . # PageV02P417 # {لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ~~(14) من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها ~~لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها وباطل ما كانوا يعملون (16) أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ~~ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك} # PageV02P418 # قوله تعالى: {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} يجوز أن ~~يكون قوله: {فاعلموا} خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون خطابا للمشركين. وقوله ~~{بعلم الله} بمعنى أنزله وفيه علمه، وهذا رد على المعتزلة حيث قالوا: لا ~~علم لله. # وقوله: {وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} يعني: فاعلموا أن لا إله إلا ~~هو، فهل أنتم مسلمون؟ أي: مخلصون. # PageV02P418 # قوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} ~~قال الضحاك: نزلت الآية في المشركين. وقال مجاهد وجماعة: نزلت الآية في كل ~~من عمل عملا وأراد به غير الله. وقوله: {نوف إليهم أعمالهم فيها} يعني: ~~نجازيهم على أعمالهم في الدنيا، وذلك بسعة الرزق ودفع المكاره وما أشبه ~~ذلك. وقوله: {وهم فيها لا يبخسون} فيها أي: في الدنيا، لا يبخسون يعني: لا ~~ينقص حظهم. ثم قال: # PageV02P418 # {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها} وبطل ما ~~صنعوا فيها. وقوله: {وباطل ما كانوا يعملون} أي: وما حق ما كانوا يعملون. # PageV02P418 # قوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه} في الآية حذف، ومعناه: أفمن كان ~~على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها. وعامة أهل التفسير على أن ~~المراد به النبي، وقيل: ms0667 إن المراد منه: النبي وكل مؤمن في العالم. والأول ~~هو الصحيح. # وقوله: {على بينة من ربه} أي: على بيان من ربه. وقوله {ويتلوه شاهد منه} ~~فيه أقوال: # الأول: عليه أكثر أهل التفسير: أن المراد منه: جبريل - عليه السلام - ~~وهذا قول # PageV02P418 # ابن عباس، ومجاهد، ومنصور بن المعتمر تلميذ النخعي، والنخعي، وغيرهم. # والقول الثاني: أن قوله: {ويتلوه شاهد منه} يعني: لسان محمد. حكى هذا عن ~~الحسن البصري، ورواه بعضهم عن [الحسين] بن علي رضي الله عنهما. # والثالث: أن قوله {ويتلوه شاهد منه} هو علي - رضي الله عنه - روي عن علي ~~- رضي الله عنه - أنه قال: ما من قرشي إلا ونزلت فيه آية من القرآن، فقيل ~~له: وهل نزل فيك شيء؟ فقال: {وتيلوه شاهد منه} . # والرابع: {ويتلوه شاهد منه} ملك من الملائكة نزل يحفظه ويسدده ويشهد له. # وقيل: إن قوله: {شاهد منه} هو الإنجيل، ومعناه: يتبعه مصدقا له، يعني: ~~وهو مصدقه. وقوله: {ومن قبله كتاب موسى إماما} أراد به: التوراة، وقوله ~~{إماما ورحمة} يعني: كانت إماما ورحمة لمن اتبعها، وهي مصدقة للقرآن، شاهدة ~~للنبي. وقوله: {أولئك يؤمنون به} قال بعضهم: أراد به المهاجرين والأنصار. ~~وقال بعضهم: أراد به الذين أسلموا من أهل الكتاب. وقوله: {ومن يكفر به} ~~يعني: بالرسول {من الأخزاب} وهم تحزبوا على النبي أي: تفرقوا من قبائلهم ~~واجتمعوا عليه من قريش وغيرهم. وفي بعض التفاسير: أنهم بنو أمية وبنو ~~المغيرة وبنوأبي طلحة بن عبد العزى، والمراد هو: الكفار منهم دون المسلمين. # والقول الثاني في الآية: أن الأحزاب أهل الملل كلها. روى أبو موس الأشعري ~~- رضي الله عنه - أن النبي قال: " ما من أحد يسمع بي فلا يؤمن إلا أدخله ~~الله النار ". قال سعيد بن جبير: طلبت مصداق هذا من القرآن فوجدته في قوله ~~تعالى {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} . # PageV02P419 # {يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه ~~الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا ms0668 أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا ~~لعنة الله على الظالمين (18) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم ~~بالآخرة هم كافرون} # وقوله: {فلا تك في مرية منه} يعني: فلا تك في شك منه. وقيل معناه: فلا تك ~~في شيء منه أيها الشاك. قوله: {إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} ~~ظاهر المعنى. # PageV02P420 # قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} معناه: لا ~~أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا. ثم قال: {أولئك يعرضون على ربهم} العرض: ~~هو إظهار الشيء ليرى ويوقف على حاله، ومنه قولهم: عرض السلطان الجند. ~~وقوله: {ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} اختلف القول في ~~الأشهاد، روي عن ابن عباس أنه قال: هم الأنبياء والمرسلون. وقال مجاهد: هم ~~الملائكة. وقال بعضهم: الخلائق كلهم. وقوله: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ~~ألا لعنة الله على الظالمين} ظاهر المعنى. # وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي قال: " يدنى المؤمن ربه يوم ~~القيامة حتى يضع كنفه عليه، فيقرره بذنوبه ويقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: ~~أعرف. هل تعرف كذا؟ فيقول: أعرف. فيسأله ما سأله، ثم يقول: سترته عليك في ~~الدنيا، وأنا أغفره لك اليوم، ثم يعطى كتابه بيمينه، وأما الكفار فينادى ~~على رءوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين ~~". # وهذا الحديث هو حديث النجوى، اتفقوا على صحته عن النبي. # PageV02P420 # قوله تعالى: {الذين يصدون عن سبيل الله} معناه: الذين يمنعون عن دين ~~الله. # وقوله: {ويبغونها عوجا} يعني: ويطلبون الأعوجاج في دين الله. وقوله {وهم # PageV02P420 # ( {19) أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من ~~أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) ~~أولئك} بالآخرة هم كافرون) قال ثعلب: تكرير " هم " على طريق التأكيد لدخول ~~الآخرة بينهما. # PageV02P421 # قوله تعالى: {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض} معناه: أولئك لم يكونوا ~~فائتين، وقيل: أولئك لم يكونوا هاربين من عذابنا؛ فإن من ms0669 هرب عن الشيء وقع ~~العجز عنه. وقوله: {وما كان لهم من دون الله من أولياء} يعني: من ناصرين ~~وحافظين عن عذابنا. وقوله: {يضاعف لهم العذاب} فإن قيل: ما معنى تضعيف ~~العذاب وقد قال في موضع آخر: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} ؟ # الجواب من وجهين: # أحدهما: أن مضاعفة العذاب بمضاعفة الجرم. # والآخر: أن الآية في رؤساء أهل الشرك، وتضعيف العذاب عليهم بتضليل ~~الإتباع ودعائهم إياهم إلى شركهم. # وقوله: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} قال ابن عباس: حال ~~الله بينهم وبين اإيمان. وذكر الفراء عن بعض أهل المعاني: أن معنى الآية: ~~يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يستمعون. # وسائر النحاة أنكروا تقدير " الباء " هاهنا. والاستطاعة: قوة تنطاع بها ~~الجوارح للعمل. # وفي الآية قول ثالث: وهو أنهم لما يسمعوا استماع (التفهم) والانتفاع به، ~~ولم يبصروا بصر الحقيقة؛ جعلهم كمن لا يستطيع السمع والبصر. # PageV02P421 # قوله تعالى: {أولئك الذين خسروا أنفسهم} معناه: غبنوا أنفسهم. وقيل إن # PageV02P421 # {الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا جرم أنهم في ~~الآخرة هم الأخسرون (22) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (23) مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع هل} أعظم الخسران، خسران النفس، وأعظم الربح: ربح النفس. ~~وقوله: {وضل عنهم ما كانوا يفترون} يعني: فات عنهم ما كانوا يزعمون من ~~شفاعة الملائكة والأصنام. # PageV02P422 # قوله تعالى: {لا جرم} فيه قولان: # أحدهما: لاجرم يعني: حقا {أنهم في الآخرة هم الأخسرون} # والقول الثاني: أن قوله: {لا} رد لما قالوا، وقوله: {جرم} ابتداء كلام، ~~وجرم بمعنى: كسب، قال الشاعر: # (ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا) # يعني: كسبتهم الغضب. وقال آخر: # (نصبنا رأسه في رأس جذع ... بما جرمت يداه وما اعتدينا.) # فمعنى الآية: جرم أي: كسب لهم كفرهم التباب والخسران. # PageV02P422 # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم} قال ~~مجاهد: يعني: خشعوا. وقال بعضهم: اطمأنوا. وروي عن ابن عباس: خافوا. وقوله: ~~{إلى ربهم} أي: لربهم، ms0670 مثل قوله تعالى {بأن ربك أوحى لها} أي: إليها، فكذلك ~~هاهنا: إلى ربهم. # وقوله: {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} ظاهر المعنى. # PageV02P422 # قوله تعالى: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} الآية، ~~الفريقان هاهنا: فريق الكفار، وفريق المؤمنين. وقوله: {كالأعمى والأصم} فيه ~~قولان: # أحدهما: أن " الواو " صلة، ومعناه: كالأعمى الأصم، كما يقول القائل: رأيت ~~العاقل والظريف أي: رأيت العاقل الظريف. # PageV02P422 # {يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير ~~جين (25) أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) فقال ~~الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما} # والقول الثاني: أن " الواو " لتعميم التشبيه، ومعناه: حال الكافر كحال ~~الأعمى، وحاله كحال الأصم، وحاله كحال الأعمى والأصم. # وقوله: {والبصير والسميع} الكلام فيه مثل هذا، والمراد منه: حالة المؤمن. ~~وقوله {هل يستويان مثلا} روي أن الكفار لما سمعوا هذا قالوا: لا يستويان، ~~فأنزل الله تعالى: {أفلا تذكرون} يعني: أفلا تتعظون؟ ! # PageV02P423 # قوله: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين} قرئ بقراءتين؛ ~~بالنصب والخفض؛ فمعنى النصب: بأني لكم نذير مبين. # PageV02P423 # قوله تعالى: {ألا تعبدوا إلا الله} معناه: آمركم ألا تعبدوا إلا الله، ~~والعبادة: التوحيد، وإنما بدأ بالتوحيد لأنه من أهم الأمور. # وقوله: {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} أي: مؤلم، والمؤلم: الموجع. # PageV02P423 # قوله تعالى: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} الملأ هم الأشراف ~~والرؤساء. # وقوله: {ما نراك إلا بشرا مثلنا} ظاهر المعنى. وقوله: {وما نراك اتبعك ~~إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} والأراذل: جمع الرذل، والرذل: الخسيس ~~الدون. وقيل: الأراذل: الأسافل، والرذل: السفلة، وفي السفلة أقوال كثيرة ~~لأهل العلم. # قال مالك بن أنس: السفلة: هو الذي يسب أصحاب النبي. وروى عن الحسن بن ~~زياد اللؤلؤي أنه قال: السفلة: الذي لا دين له. # وعن الأصمعي أنه قال: السفلة: الذي لا يبالي ما قال وما قيل له. # وعن ابن المبارك قال: هم الذين يتقلسون ويأتون أبواب القضاة يطلبون ms0671 ~~الشهادات. # وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: السفلة: هو الذي يأكل بدينه، وسفلة ~~السفلة هو # PageV02P423 # {نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (27) قال يا قوم أرأيتم إن كنت ~~على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها ~~كارهون (28) ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا ~~بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا} # الذي يسوي دنيا غيره بدينه. وفي بعض الآثار: أشقى الأشقياء من باع دينه ~~بدنيا غيره. وقيل: إن السفلة هم أصحاب الصناعات الدنية مثل: الكناسين، ~~والدباغين، والسماكين، والحجامين، والحاكة، وغيرهم. وروي أن بعض العلماء ~~ببغداد سئل عن امرأة قالت لزوجها: يا سفلة، فقال: إن كنت سفلة فأنت طالق، ~~فقال له ذلك العالم: ما صناعتك؟ فقال: سماك، فقال: سفلة والله سفلة. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: هم الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا ~~تفرقوا لم يعرفوا. # وقوله: {بادي الرأي} قرئ بقراءتين: بالهمز، وترك الهمز فأما بالهمز ~~فمعناه: أول الرأي؛ كأنهم قالوا: إنهم اتبعوك في أول الرأي ولم يتفكروا ولو ~~تفكروا، لم يتبعوك. وأما بادي الرأي بترك الهمز فمعناه: ظاهر الرأي. قال ~~الزجاج: يعني: اتبعوك ظاهرا لا باطنا. # وقوله: {وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين} ظاهر المعنى. # PageV02P424 # قوله تعالى: {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} يعني: على بيان ~~من ربي. وقوله: {وآتاني رحمة من عنده} الرحمة هاهنا هي النبوة والهدى. قوله ~~{فعميت عليكم} أي: فخفيت عليكم؛ لأن من عمي عن الشيء فقد خفى ذلك الشيء ~~عليه. وقرئ: " فعميت عليكم " معناه: فأخفيت عليكم. وقوله: {أنلزمكموها} ~~معناه: أنلزمكم الدعوة {وأنتم لها كارهون} قال قتادة: لو قدر الأنبياء أن ~~يلزموا قومهم لألزموا [قومهم] ؛ ولكن لم يقدروا. # PageV02P424 # قوله تعالى: {ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله} معناه: ~~ما # PageV02P424 # {ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم ~~أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا ms0672 أقول ~~إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في ~~أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (31) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ~~فأتنا بما تعدنا إن كنت من} ثوابي إلا على الله. وقوله: {وما أنا بطارد ~~الذين آمنوا} فيه دليل أنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين. وقوله: {إنهم ~~ملاقوا ربهم} يعني: إنهم صائرون إلى ربهم فيجزي من طردهم. وقوله: {ولكني ~~أراكم قوم تجهلون} ظاهر المعنى. # PageV02P425 # قوله تعالى: {ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم} معناه: من يمنعني من ~~عذاب الله إن طردتهم {أفلا تذكرون} أي: أغلا تتعظون؟ . # PageV02P425 # قوله تعالى: {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} معناه: ليس عندي خزائن الله ~~فآتي ما تطلبون. وقوله: {ولا أعلم الغيب} يعني: لا أعلم الغيب فأخبركم بما ~~تريدون. وقوله: {ولا أقول إني ملك} هذا جواب لقولهم: {ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا} . وقوله: {ولا أقول للذين تزدري أعينكم} تزدري أي: تحتقر وتستخس، ~~هذا جواب لقولهم: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} . # وقوله {لن يؤتيهم الله خيرا} أي: لن يؤتيهم أجرا {الله أعلم بما في ~~أنفسهم} . [يعني: في صدورهم، في أن يأتيهم الله خيرا] # وقوله: {إني إذا لمن الظالمين} يعني: إني إذا لمن الظالمين لو قلت هذا أو ~~طردتهم. # PageV02P425 # قوله تعالى: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} روي عن ابن عباس ~~أنه قرأ: " فأكثرت جدالنا " بالفتح؛ والمجادلة خصومة على وجه المبالغة، ~~وأصل الجدل: هو الفتل، والعرب تسمى الصقر: الأجدل؛ لشدته في الجوارح. # والفرق بين الحجاج والمجادلة: أن المطلوب من الحجاج ظهور الحق في ~~المطلوب، ومن المجادلة هو رجوع الخصم إلى قوله. # PageV02P425 # {الصادقين (32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) ~~ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم ~~وإليه ترجعون (34) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء ~~مما تجرمون (35) } # والفرق بين المراء والمجادلة: أن المرء مذموم؛ لأنه خصومة بعد ظهور الحق، ~~والجدال ms0673 غير مذموم، اللهم إلا أن يبالغ فيه من غير قصد طلب الحق. # وقوله تعالى: {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} هذا دليل على أنه كان ~~وعدهم العذاب إن لم يؤمنوا. # PageV02P426 # قوله تعالى: {قال إنما يأتيكم به الله إن شاء} يعني: بالعذاب. وقوله: ~~{وما أنتم بمعجزين} أي: بفائتين ولا هاربين. # PageV02P426 # قوله تعالى: {ولا ينفعكم نصحي} والنصح: إخلاص العمل عن الفساد. وقيل: إنه ~~بيان موضع الغي ليجتنب، وبيان موضع الرشد ليطلب. وقوله: {إن أردت أن أنصح ~~لكم} أراد موافقة لأمر الله. وقوله: {إن كان الله يريد أن يغويكم} أكثر ~~المفسرين على أن معناه: يضلكم. وقيل: يخلق الغي في قلوبكم، والغي ضد الرشد. ~~وذكر محمد بن جرير الطبري أن معنى قوله: {يغويكم} : يهلككم. ولم يرض ابن ~~الأنباري هذا من حيث اللغة، وقال: لا يستقيم في اللغة أن يذكر الإغواء ~~بمعنى الإهلاك. وقال بعضهم: يخيبكم من رحمته. # وقوله: {هو ربكم وإليه ترجعون} ظاهر المعنى، وفي الآية رد على القدرية. # PageV02P426 # قوله تعالى: {أم يقولون افتراه} بل يقولون: افتراه أي: اختلقه. وقوله: ~~{قل إن افتريته فعلي إجرامي} قرئ في الشاذ: " قعلي أجرامي " بالفتح، ~~والأجرام: جمع الجرم، والإجرام: هو كسب الذنب، ومعنى الآية: فعلي وبال ذنبي ~~وجرمي. وقوله: {وأنا برئ مما تجرمون} يعني: أنا برئ مما تكتسبون من الذنب. # PageV02P426 # قوله تعالى: {وأوحى إلى نوح} روى الضحاك عن ابن عباس: أن قوم نوح كانوا ~~يضربون نوحا حتى [يسقط] ، فيلقونه في لبد ويلقونه في بيته ويظنون أنه قد # PageV02P426 # {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون (37) } # مات، فيخرج في اليوم الثاني ويدعوهم إلى الله؛ فروي أن شيخا جاء يتوكأ ~~على عصا ومعه ابنه فقال: يا بني لا يغرنك هذا الشيخ المجنون، فقال: يا ابة، ~~أمكني من العصا، فدفع إليه العصا، فضرب نوحا على رأسه وشجمة شجة منكرة حتى ~~سالت الدماء منه، وهو يدعوهم إلى الإيمان، فأنزل الله تعالى: ms0674 {أنه لن يؤمن ~~من قومك إلا من قد آمن} فحينئذ استجار بالدعاء وقال: {رب لا تذر على الأرض ~~من الكافرين ديارا} . وقوله: {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} قال مجاهد ~~وقتادة: فلا تحزن. قال أهل اللغة: الابتئاس: حزن مع استكانة، قال الشاعر: # (ما يقسم الله فاقبل غير مبتئس ... منه واقعد كريما ناعم البالي) # PageV02P427 # قوله تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا} عن ابن عباس قال: بمرأى منا. # وعن الضحاك: بمنظر منا. وقيل: برؤيتنا وحفظنا. وفي القصة: أن جبريل - ~~عليه السلام - أتى نوحا - عليه السلام - فقال: إن ربك يأمرك أن تصنع الفلك. ~~قال: كيف أصنع ولست بنجار؟ ! فقال: إن ربك يقول: اصنع الفلك فأنت بعيني. ~~فأخذ القدوم وجعل يصنع الفلك فلا يخطيء موضعا. # وقوله: {ووحينا} أي: وأمرنا. وقوله: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون} فيه قولان: # أحدهما: ولا تخاطبني في إمهال الكفار، فإني قد حكمت بإغراقهم. # والثاني: لا تخاطبني في ابنك؛ فإنه هالك مع القوم. # PageV02P427 # قوله تعالى: {ويصنع الفلك} روي عن زيد بن أسلم أنه قال: مكث نوح مائة سنة ~~يغرس الأشجار ويقطع، ومكث مائة سنة يعمل الفلك. وعن كعب الأحبار أنه قال: ~~إن نوحا عمل السفينة في ثلاثين سنة. وروي عن سلمان الفارسي: أن نوحا # PageV02P427 # {ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا ~~فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه ~~عذاب} عمل السفينة في أربعمائة سنة. ذكر في بعض التفاسير، والمعروف الأول. # وقوله: {وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} قال أهل التفسير: كانوا ~~إذا مروا عليه قالوا: إن هذا الذي كان يزعم أنه نبي قد صار نجارا. # وروي أنهم كانوا يقولون له: يا نوح، ما تصنع؟ فيقول: أصنع بيتا يمشي على ~~الماء، فيضحكون ويتعجبون منه. # وفي بعض التفاسير عن ابن عباس: أنهم لم يكونوا رأوا بحرا قط ولا سفينة، ~~وإنما البحار الآن من بقايا الطوفان. # وقوله: {قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون} فإن قيل: كيف يجوز ms0675 ~~أن يسخر نبي من الأنبياء من قومه؟ # الجواب: إن هذا على وجه ازدواج الكلام، ومعناه: إن تستجهلوني فإني ~~أستجهلكم إذا نزل العذاب. وقيل معناه: إن تسخروا مني فسترون عاقبة سخريتكم. # PageV02P428 # قوله تعالى: {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} هذا متصل بقوله: {فسوف ~~تعلمون} ومعناه: فسوف تعلمون أينا {يأتيه عذاب يخزيه} وقيل: فسوف تعلمون ~~الذي يأتيه عذاب يخزيه، هذا ومعنى قوله: " يخزيه ": يهلكه، وقيل: يذله. ~~وقوله {ويحل عليه عذاب مقيم} معناه: ينزل عليه عذاب دائم، وهو الغرق. # PageV02P428 # قوله تعالى: {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور} اختلفوا في التنور على ~~أقوال: الأكثرون على أنه تنور الخابزة، هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وجماعة. # وعن عكرمة قال: هو وجه الأرض. وحكي هذا عن ابن عباس أيضا. وقالوا: كأن ~~الله تعالى جعل بينه وبين نوح علامة، وقال: إذا رأيت الماء قد فار على وجه ~~الأرض فاركب السفينة. # PageV02P428 # {مقيم (39) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك} # والقول الثالث: ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " وفار التنور " ~~يعني: انفجر الصبح؛ وهو من قولهم: نور الصبح تنويرا. وقال بعضهم: التنور ~~هاهنا: تنور من حجارة كانت حواء تخبز فيه فورثه نوح، وقال الله تعالى لنوح: ~~إذا فار الماء من آخر موضع في دارك فهو العلامة، واسم التنور اسم وافقت ~~العربية فيه العجمية. # واختلفوا في موضع التنور: # روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: كان بالكوفة، وأشار إلى باب كندة ~~للمسجد، ومثله عن الشعبي أن التنور فار من ناحية الجانب الأيمن من مسجد ~~الكوفة. وحكي أن رجلا جاء إلى علي - رضي الله عنه - وقال: يا أمير ~~المؤمنين، إني اشتريت راحلة وأعددت زادا لأذهب وأصلي في مسجد بيت المقدس، ~~فقال: بع راحلتك، وكل زادك، وصل في هذا المسجد - يعني: مسجد الكوفة -؛ فإنه ~~صلى فيه سبعون نبيا، ومنه فار التنور. # وقال بعضهم: كان التنور بالشام. وقال بعضهم كان بأرض الهند. # وقال بعضهم: التنور عين بالجزيرة تسمى عين الوردة. # وقوله: {قلنا احمل ms0676 فيها من كل زوجين اثنين} " فيها " ينصرف إلى الفلك، ~~واختلفوا في قدر الفلك: # روي عن الحسن البصري أنه قال: كان طول السفينة ألفا ومائتين ذراع، وعرضها ~~ستمائة ذراع. والمعروف أن طولها كان ثلثمائة ذراع، وعرضها كان (خمسين) ~~ذراعا، وارتفاعها إلى السماء كان ثلاثين ذراعا، وقد قيل غير هذا، والله ~~أعلم. # قال قتادة: وكان بابها في عرضها. قالوا: وكانت ثلاث طبقات: الطبقة العليا ~~للطير، والطبقة السفلى للسباع والوحوش، والوسطى للنساء والرجال، والحاجز ~~بين النساء والرجال جسد آدم؛ فإنه كان حمله مع نفسه في السفينة. # PageV02P429 # {إلا من سبق عليه القول ومن آمن معه إلا قليل (40) وقال اركبوا فيها بسم ~~الله} # وقوله: {من كل زوجين اثنين} الزوج كل واحد لا يستغني عن مثله، يقال: زوج ~~خف، وزوج نعل، والمراد من الزوجين هاهنا: الذكر والأنثى، ومعناه: من كل ذكر ~~وأنثى اثنين. # وفي القصة: أن نوحا - عليه السلام - قال: يا رب، كيف أحمل من كل زوجين ~~اثنين؟ فحشر الله تعالى السباع والطير إليه، فجعل يضرب بيديه في كل جنس، ~~فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى فيحملها في السفينة. وذكر ~~وهب بن منبه أن الناس شكوا الفأر إلى نوح في السفينة، فأمره الله تعالى أن ~~يمسح جبهة الأسد، فخرج من منخريه سنوران فأكلا الفأر، وشكوا إليه أيضا كثرة ~~العذرة فأمره أن يمسح على مؤخر الفيل، فخرج منه خنزيران فأكلا العذرة. # وقوله تعالى: {وأهلك} معناه: واحمل أهلك {إلا من سبق عليه القول} يعني: ~~ابنه وامرأته. وقوله: {ومن آمن} معناه: وأحمل من آمن. # وقوله: {وما آمن معه إلا قليل} اختلفوا في عددهم، روي عن ابن عباس أنه ~~قال: كانوا ثمانين نفرا. وعن بعضهم: كانوا اثنين وسبعين نفرا. وعن الأعمش ~~قال: كانوا سبعة نفر: ثلاثة بنين لنوح وهم: سام، وحام، ويافث وثلاث كنائنهم ~~- يعني: نساؤهم -، ونوح. وقال قتادة: كانوا ثمانية نفرا. # PageV02P430 # قوله تعالى: {وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها} بفتح الميمين، ~~وقرأ أبو رجاء العطاردي: " مجريها ومرسيها " بالرفع. # أما معنى قوله: {مجريها ومرسيها} يعني: بسم ms0677 الله إجراؤها وإرساؤها، ومعنى ~~مجريها ومرسيها بالنصب يعني: بسم الله جريها ورسوها. وقال بعضهم: كان إذا ~~قال نوح: بسم الله وأراد الجري جرت، وإذا قال: بسم الله وأراد الرسو رست. # وأما مدة لبث نوح في السفينة: قالوا: استقلت السفينة على وجه الماء لعشر ~~خلون من رجب، وجرت مائة وخمسين يوما، وأرست لعشر خلون من ذي الحجة، وهبطوا # PageV02P430 # {مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) وهي تجري بهم في موج كالجبال ~~ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (42) ~~قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من ~~رحم وحال بينهما الموج} يوم عاشوراء إلى الأرض، فصام ذلك اليوم وأمر القوم ~~بصومه. # وفي القصص: أن السفينة طافت جميع الدنيا، وحين وصلت إلى الكعبة طافت بها ~~أسبوعا، وكانت الكعبة قد رفعت وبقي الموضع. # وقوله: {إن ربي لغفور رحيم} معناه ظاهر. # PageV02P431 # قوله تعالى: {وهي تجري بهم في موج كالجبال} معنى الموج: قطعة من البحر ~~ترتفع عند شدة الريح. # وقوله: {ونادى نوح ابنه وكان في معزل} قيل: في معزل من السفينة، وقيل: في ~~معزل من قومه. # وقوله: {يا بني اركب معنا} قرىء بقراءتين: " يا بني " و " يابني "، ~~ومعناهما واحد. وقوله: {ولا تكن مع الكافرين} أي: من الكافرين، معناه ظاهر. # واختلفوا في أنه هل كان ابنه من صلبه أولا؟ # فروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، ~~وجماعة أنهم قالوا: كان ابنه من صلبه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما بغت ~~امرأة نبي قط. وكان عكرمة بحلف أنه كان ابن نوح لصلبه. وأما الحسن ومجاهد: ~~فإنهما قالا: كان ابن امرأته، ولم يكن ابنه، واستدلا بقوله سبحانه وتعالى ~~{فلا تسألن ما ليس لك به علم} ، قالا: كان يظن أنه ابنه ولم يكن ابنه. ~~والأول هو الأصح. وقيل: إن اسمه كان كنعان. وقيل: إن اسمه كان " يام ". # PageV02P431 # قوله تعالى: {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} يعني: ألتجىء إلى الجبل ms0678 ~~يمنعني من الغرق. ف {قال} له نوح: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} # PageV02P431 # {فكان من المغرقين (43) وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض ~~الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) ونادى ~~نوح ربه فقال رب} ففيه قولان: # أحدهما: أن العاصم بمعنى المعصوم، ومعناه: لا معصوم اليوم من أمر الله ~~إلا من رحم. # والقول الثاني: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا الله. # قوله تعالى: {إلا من رحم} هو الله تعالى. وقوله {وحال بينهما الموج فكان ~~من المغرقين} أي: صار من المغرقين. # وفي القصة: أن الماء علا على رءوس الجبال بقدر أربعين ذراعا. وقيل: دونه، ~~والله أعلم. # PageV02P432 # قوله تعالى: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك} معناه: اشربي ماءك، ويقال: ابلعي ~~أي: غيبي ماءك في جوفك. وقوله: {ويا سماء أقلعي} أي: أمسكي. وقوله: {وغيض ~~الماء وقضى الأمر} معناه: ونقص الماء ونضب. وقوله: {وقضي الأمر} أي: فرغ من ~~الأمر، وهو هلاك القوم. وقوله: {واستوت على الجودى} معناه: واستقرت على ~~الجودى، قيل: إنه جبل بناحية آمد. وقال الفراء: جبل بناحية نصيبين. وقوله: ~~{وقيل بعدا للقوم الظالمين} أي: هلاكا للقوم الظالمين. # وفي مصحف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " وغيض الماء واستوت على الجودي ~~وقضي الأمر ". # وروي أن نوحا - صلوات الله عليه - بعث بالغراب ليأتيه بخبر الأرض، فوقع ~~على جيفة ولم يرجع، فبعث بالحمامة فجاءت بورق زيتونة في منقارها ولطخت ~~رجليها بالطين؛ ليعلم نوح أن الماء قد نضب، فأعطيت الطوق [وخضاب] الرجلين ~~من ذلك الوقت. # وهذه الآية تعد من فصيحات القرآن، وحكي أنها قرئت عند أعرابي فقال: هذا # PageV02P432 # {إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (45) قال يا نوح إنه ~~ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون ~~من} كلام قادر. # PageV02P433 # قوله سبحانه وتعالى: {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك ~~الحق وأنت أحكم الحاكمين} يعني: أنت وعدتني أن تنجي أهلي وأنت أحكم ms0679 ~~الحاكمين يعني: وأنت أحكم الحاكمين بالعدل. # PageV02P433 # قال الله تعالى: {يا نوح إنه ليس من أهلك} معناه: ليس من أهلك الذين ~~وعدتك أن أنجيهم. وعلى قول الحسن، ومجاهد يعني: ليس بابنك. # وقوله: {إنه عمل غير صالح} معناه: إنه ذو عمل غير صالح. # والقول الثاني: أن سؤالك إياي إنجاءه؛ عمل غير صالح. # وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه - " إنه عمل غير صالح ". # {فلا تسألن ما ليس لك به علم} وهذا يؤيد المعنى الثاني. وقرىء: " إنه عمل ~~غير صالح " ومعناه: إن ابنك عمل غير صالح. # وقوله تعالى: {فلا تسألن ما ليس لك به علم} فيه قولان: # أحدهما: أن نوحا كان يظن أنه مسلم وهو يبطن الكفر من أبيه، فهذا معنى ~~قوله: {لا تسألن ما ليس لك به علم} # والثاني: معناه: أنه ليس بابن لك على ما ذكرنا. # وقوله: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} معناه: إني أحذرك أن تكون من ~~الآثمين، وذنب المؤمن جهل، وذنب الكافر كفر. # والقول الثاني: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} - يعني: أن تدعو بهلاك ~~الكفار ثم تطلب نجاة كافر. # PageV02P433 # {الجاهلين (46) قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر ~~لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك ~~وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) تلك من أنباء ~~الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة ~~للمتقين (49) وإلى عاد أخاهم هودا} # PageV02P434 # قوله تعالى: {قال} أي: قال نوح: {رب إني أعوذ بك أن أسألك} # غير أني أمتنع بك أن أسألك {ما ليس لي به علم} ومعناه: سؤال العصمة. # وقوله: {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} ظاهر المعنى. # PageV02P434 # قوله تعالى: {قيل يا نوح اهبط بسلام منا} معناه: انزل بسلامة لك من ~~قبلنا. # وقوله: {وبركات عليك} البركة: ثبوت الخير، ومنه بروك البعير. وقيل: إن ~~البركة هاهنا هو أن الله سبحانه وتعالى جعله آدم الأصغر، فأهلك سائر من معه ~~من ms0680 غير نسل، وجعل النسل من ذريته إلى قيام الساعة. وقوله: {وعلى أمم ممن ~~معك} معناه: على ذرية أمم ممن معك. قال محمد بن كعب القرظي: دخل فيه كل ~~مؤمن إلى قيام الساعة كان في صلب نوح. وقوله {وأمم سنمتعهم} ابتداء كلام، ~~ومعناه: وأمم سنمتعهم وهم الكفار. وقوله {ثم يمسهم منا عذاب أليم} ظاهر ~~المعنى. # PageV02P434 # قوله تعالى: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك} أي: نلقيها إليك. قوله: ~~{ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} يعني: من قبل انزال القرآن. قوله: ~~{فاصبر إن العاقبة للمتقين} ظاهر المعنى. # PageV02P434 # قوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا} عاد قوم كانوا بالأحقاف، وهي رمال بين ~~اليمن والشام. وقيل: إنهم كانوا بنفس اليمن، وكانوا أعطوا زيادة في الجسم ~~والقوة على سائر الخلق. وقوله: {أخاهم} يعني: أخاهم في النسب لا في الدين، ~~ومعنى الآية: وأرسلنا إلى عاد أخاهم وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا. # PageV02P434 # {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50) يا ~~قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) ويا ~~قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ~~آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين} # قوله: {قال يا قوم اعبدوا الله} أي: وحدوا الله. قوله: {مالكم من إله ~~غيره إن أنتم إلا مفترون} والافتراء: الكذب، وكان كذبهم على الله تعالى. # PageV02P435 # قوله تعالى: {يا قوم لا أسألكم عليه أجرا} أي: ثوابا، يعني: لا أسألكم ~~على الإبلاغ أجرا. وقوله: {إن أجري إلا على الذي فطرني} معناه: إن ثوابي ~~إلا على الذي فطرني، أي: خلقني {أفلا تعقلون} ظاهر [المعنى] . # PageV02P435 # قوله تعالى: {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} قدم الاستغفارعلى ~~التوبة لما بينا من المعنى. وقوله: {يرسل السماء عليكم مدرارا} معناه: يرسل ~~السماء عليكم مدرارا بالمطر مرة بعد أخرى في أوقات الحاجة، والمدرار على ~~طريق المبالغة، يقال: امرأة معطار مذكار. ms0681 وقوله: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} ~~روي أن الله تعالى حبس عنهم المطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام الأمهات فلم ~~يلدن، فمعنى قوله: {يزدكم قوة إلى قوتكم} يعني: يرسل عليكم المطر فتزدادون ~~مالا، ونعيد أرحام الأمهات إلى ما كان فيلدن فتزدادون قوة بالأموال ~~والأولاد. وقيل: " ويزدكم قوة إلى قوتكم " أي: شدة إلى شدتكم. وقيل: يزدكم ~~قوة في دينكم إلى قوتكم في أبدانكم. وقوله: {ولا تتولوا مجرمين} أي: ولا ~~تعرضوا. # PageV02P435 # قوله تعالى: {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة} أي: بحجة واضحة. وقوله: {وما ~~نحن بتاركي آلهتنا عن قولك} أي: بسبب قولك: {وما نحن لك بمؤمنين} أي: ~~بمصدقين. # PageV02P435 # قوله تعالى: {إن نقول إلا اعتراك} معناه: إلا أصابك، قال الشاعر: # (أتيتك عاريا خلقا ثيابي ... على خوف تظن بي الظنونا) # PageV02P435 # ( {53) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا ~~أني بريء مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إني ~~توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط ~~مستقيم (56) فإن} # والعاري هاهنا هو السائل؛ سمي عاريا لأنه يطلب الإصابة. # وقوله: {بعض آلهتنا بسوء} أي: بلمم وخبل، كأنهم قالوا: إنك سببت آلهتنا ~~فانتقموا منك بالتخبيل واللمم. وقوله: {قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء ~~مما تشركون من دونه} فإن قيل: كيف قال للمشركين: {واشهدوا} ولا شهادة لهم؟ ~~قلنا: هذا مذكور على طريق المبالغة في الحجة، لا على طريق إثبات الشهادة ~~لهم. # وقوله: {فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} الكيد: احتيال بشر. وهذا القول ~~معجزة لهود صلوات الله عليه فإنه أمرهم أن يحتالوا بكل حيلة لإيصال مكروه ~~إليه، ومنعهم الله تعالى عن ذلك فلم يقدروا عليه، وهذا مثل قول نوح في سورة ~~يونس: {فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا ~~تنظرون} وقد بينا تفسيره. # PageV02P436 # قوله تعالى: {إني توكلت على الله ربي وربكم} معناه: اعتمدت على الله ربي ~~وربكم. وقوله: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} معناه: ما من دابة إلا ms0682 وهي ~~في قبضته وتنالها قدرته، وخص الناصية بالذكر؛ لأن الإذلال والإقماء في أخذ ~~الناصية. # وقوله: {إن ربي على صراط مستقيم} فيه أقوال: # أحدها: أن معناه: إن ربي يعمل بالعدل، وإن كان قادرا على كل شيء، فلا ~~يعمل إلا بالإحسان والعدل. # والثاني: {إن ربي على صراط مستقيم} معناه: إن دين ربي على صراط مستقيم. # والثالث: قوله {إن ربي على صراط مستقيم} هو في معنى قوله: {إن ربك ~~لبالمرصاد} يعني: إنه على طريق الخلق أجمع. # PageV02P436 # {تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه ~~شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا ~~رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة ألا إن عادا} # PageV02P437 # قوله تعالى: {فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم} معناه: فإن ~~أعرضوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم. وقوله: {ويستخلف ربي قوما غيركم} ~~معناه: إن أعرضتم يهلككم ويستخلف قوما غيركم هم أطوع لله منكم. وقوله {ولا ~~تضرونه شيئا} يعني: ولا تنقصونه شيئا. وقوله: {إن ربي على كل شيء حفيظ} أي: ~~حافظ لأمور خلقه على ما دبر وقدر. # PageV02P437 # قوله تعالى {ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه} الآية. قوله: ~~{أمرنا} أي: عذابنا، {نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا} أي: بما ~~هديناهم وبيناهم طريق الهدى حتى آمنوا. وقوله: {ونجيناهم من عذاب غليظ} ~~العذاب الغليظ: هو العذاب الذي أهلك به عادا وقومه وهو الريح العقيم، فكانت ~~الريح تدخل في مناخرهم وأفواههم، وتخرج من أدبارهم فتقطعهم تقطيعا أي: قطعة ~~قطعة. # PageV02P437 # وقوله تعالى: {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم} معناه: أنكروا آيات ربهم. ~~وقوله: {وعصوا رسله} أي: بالتكذيب. وقوله: {واتبعوا أمر كل جبار عنيد} قيل: ~~الجبار هو الذي يقتل على الغضب، والعنيد هم هو المعاند. قال الشاعر: # (إني لشيخ لا أطيق العندا ... ولا أطيق البكرات الشردا) # PageV02P437 # قوله تعالى: {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنه} اللعنة: ms0683 هي الإبعاد عن الرحمة. ~~قال أهل العلم: ولا يجوز لعن البهائم؛ لأنها غير مستحقة للبعد من رحمة ~~الله. وقد ثبت " أن رجلا لعن بعيره في سفره فأمره النبي أن ينزل عنه ويخليه ~~وقال: لا يصحبنا ملعون ". وهذا على طريق الزجر والردع للاعن. وقوله: {ويوم ~~القيامة ألا إن عادا # PageV02P437 # {كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60) وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا ~~قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ~~فاستغفروه ثم توبوا} كفروا ربهم) أي: كفروا بربهم. وقوله: {ألا بعدا لعاد ~~قوم هود} معناه: ألا سحقا وخزيا وهلاكا لعاد قوم هود. # PageV02P438 # قوله تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحا} معناه: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم ~~صالحا، وقوله: {أخاهم} على ما قدمنا، وثمود قوم كانوا بحجر بين الحجاز ~~والشام. # وقوله: {قال يا قوم اعبدوا الله} أي: وحدوا الله {مالكم من إله غيره} أي: ~~مالكم من معبود غيره. # وقوله: {هو أنشأكم من الأرض} فيه قولان: # أحدهما أنشأكم في الأرض، والآخر وهو: أنه أنشأكم من الأرض؛ لأنه خلقهم من ~~آدم، وخلق آدم من الأرض. # وقوله {واستعمركم فيها} ] فيه [قولان: # أحدهما: أطال عمركم فيها وكان الواحد منهم يعيش من ثلثمائة سنه إلى ألف ~~سنة، وهكذا قوم عاد. # والقول الثاني: جعلكم عمارا فيها، ببناء المساكن وغرس الأشجار. ذكره ~~الفراء والزجاج. # وقوله: {فاستغفروه ثم توبوا إليه} قد بينا المعنى. وقوله: {إن ربي قريب # PageV02P438 # {إليه إن ربي قريب مجيب (61) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ~~أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) ~~قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من ~~الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية ~~فذروها تأكل في أرض الله ولا} مجيب) قريب من المؤمنين، مجيب لدعائهم. # PageV02P439 # قوله تعالى: {قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} أي: قد كنا نرجوا ~~فيك الخير، والآن قد يئسنا من ms0684 خيرك وفلاحك. وقوله: {أتنهانا أن نعبد ما ~~يعبد آباؤنا} ظاهر المعنى. وقوله: {وإننا لفي شك} لفي ريب {مما تدعونا إليه ~~مريب} أي: مرتاب. وهذا على طريق التأكيد. # PageV02P439 # قوله تعالى: {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} أي: على حجة من ~~ربي. وقوله تعالى: {وآتاني منه رحمة} الرحمة هاهنا: بمعنى النبوة. # وقوله: {فمن ينصرني من الله إن عصيته} أي: فمن يمنع مني عذاب الله إن ~~عصيته. # وقوله: {فما تزيدونني غير تخسير} فيه قولان: # أحدهما: إن اتبعتكم ما كنت إلا كمن يزداد خسارا وهلاكا. # والقول الثاني: فما تزيدونني غير تخسير لكم، وحقيقته: أني أطلب منكم ~~الرشد، وأنتم تعطونني الخسار والهلاك، يعني: لأنفسكم. # هذا كله جواب عن سؤال من سأل في هذه الآية: كيف قال {فما تزيدونني غير ~~تخسير} ولم يك صالح في خسار؟ # PageV02P439 # وقوله تعالى: {ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية} روى أن قومه طلبوا منه أن ~~يخرج ناقة عشراء من هذه الصخرة الصماء، وأشاروا إلى صخرة أمامهم، قال: فدعا ~~صالح ربه فتمخضت الصخرة وسمع لها أنين كأنين الناقة، ثم خرجت منها ناقة ~~كأعظم ما # PageV02P439 # {تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة ~~أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه ~~برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا ~~الصيحة} يكون من النوق، وولدت في الحال ولدا مثالها، فهذا معنى قوله: {هذه ~~ناقة الله لكم آية} . # وقوله: {فذروها تأكل في أرض الله} أي: فدعوها تأكل في أرض الله. وقوله: ~~{ولا تمسوها بسوء} أي: بإهلاك. وقوله {فيأخذكم عذاب قريب} معناه: قريب من ~~إهلاك الناقة. # PageV02P440 # قوله تعالى: {فعقروها} العقر ها هنا: جراحة تؤدي إلى الهلاك. # وقوله {فقال تمتعوا في داركم} معناه: عيشوا في داركم، والدار بمعنى ~~الديار. # وقوله: {ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} فروي أنه قال لهم: يأتيكم العذاب ~~بعد ثلاثة أيام، فتصبحون اليوم الأول ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون اليوم ~~الثاني ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون اليوم ms0685 الثالث ووجوهكم مسودة؛ فكان كما ~~قال، وأتاهم العذاب اليوم الرابع. # PageV02P440 # قوله تعالى: {فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا} في ~~بعض التفاسير: أنه آمن معه أربعة آلاف نفر. وقوله: {ومن خزي يومئذ} معناه: ~~ومن هلاك يومئذ. وقوله: {إن ربك هو القوي العزيز} قد بينا معنى القوي ~~والعزيز من قبل. # PageV02P440 # قوله تعالى: {وأخذ الذين ظلموا الصيحة} المعروف انه صاح بهم جبريل صيحة ~~واحدة فهلكوا عن آخرهم، وقال بعضهم: خلق الله تعالى صياحا في جوف بعض ~~الحيوانات فأهلكهم، فإن قيل: الصيحة مؤنثة، وقد قال: {وأخذ الذين ظلموا ~~الصيحة} ؟ # والجواب عنه: أن الصيحة ها هنا بمعنى الصياح، وهو جائز في اللغة. # PageV02P440 # {فأصبحوا في ديارهم جاثمين (67) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ~~ربهم إلا بعدا لثمود (68) ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال ~~سلام فما لبث أن} # وقوله: {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} أي: ميتين. ويقال: إنهم سقطوا على ~~وجوههم موتى عن آخرهم، ومنه جثم الطائر. ومنه الخبر المروي: " نهى عن ~~المجثمة ". # PageV02P441 # وقوله تعالى: {كأن لم يغنوا فيها} معناه: كأن لم يقيموا فيها منعمين ~~مسرورين. # وقوله: {ألا إن ثمودا كفروا ربهم} أي: بربهم. وقوله: {ألا بعدا لثمود} ~~معناه كما قدمنا من قبل. # PageV02P441 # قوله تعالى: {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} قال السدي: كانوا اثنى ~~عشر ملكا. وقال غيره: كانوا تسعة من الأملاك. # ويقال: إنهم ثلاثة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل. وقيل: جاءوا على صورة ~~البشر. # وفي القصة: أن إبراهيم - صلوات الله عليه - كان لا يأكل إلا مع الضيف، ~~ومكث خمس عشرة ليلة ولم يأته ضيف، ثم جاءه هؤلاء الملائكة. وقوله: ~~{بالبشرى} فيه قولان: # أحدهما: بالبشرى بإسحاق، والآخر: بالبشرى بإهلاك قوم لوط. # وقوله: {قالوا سلاما} معناه: قالوا سلمنا سلاما {قال سلام} قرئ بقراءتين: ~~إحداهما: " سلام " وهو المعروف، والآخر: " سلم " قراءة حمزة والكسائي. أما ~~قوله: {سلام} معناه: جوابي سلام، أو قولي سلام. أما قوله: " سلم " قيل: إن ~~السلم والسلام بمعنى واحد، كالحل، والحلال، والحرم والحرام. ويقال: إن " ~~السلم " بمعنى # PageV02P441 # {جاء بعجل حنيذ (69) فلما رأى ms0686 أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ~~قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70) وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها ~~بإسحاق ومن} الصلح، فمعناه: أنا أطلب السلامة منكم. # وقوله: {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} فهذا دليل على ان الضيف ينبغي أن يعجل ~~له [بشيء] يأكله، وهو سنة إبراهيم - صلوات الله عليه - وقوله: {أن جاء بعجل ~~حنيذ} العجل: ولد البقرة، والحنيذ: هو المحنوذ، وهو المشوي على الحجارة ~~المحماة يخد له في الأرض خدا فيشوى فيه. وروي أنه كان سمينا يسيل دسما. # PageV02P442 # قوله تعالى: {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه} أي: لما رآهم لا يأكلون؛ فإن ~~الملائكة لا تأكل. قوله: {نكرهم} أي: أنكرهم، قال الشاعر: # (فأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا) # وقوله: {وأوجس منهم خيفة} كان إبراهيم - صلوات الله عليه - نازلا على طرف ~~من الناس، فلما دخل عليه هؤلاء القوم ولم يأكلوا خاف انهم جاءوا لبلية وقصد ~~مكروه، وعادة العرب أن القوم إذا أكلوا من الطعام أمنوا منهم، وإذا لم ~~يأكلوا استشعروا خوفا، فهذا معنى قوله: {وأوجس منهم خيفة} وقوله: {وأوجس} ~~أي: فاضمر منهم خوفا. وقوله: {قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط} معناه: ~~إنا ملائكة أرسلنا ربنا إلى قوم لوط. # PageV02P442 # وقوله: {وامرأته قائمة} في مصحف ابن مسعود: " وامرأته قائمة وهو قاعد " ~~وهي سارة بنت هاران، فيقال: إن سارة كانت تخدمهم وإبراهيم يتحدث معهم. ~~ويقال: إن سارة كانت قائمة وراء الستر. # قوله: {فضحكت} الأكثرون على أن الضحك هاهنا هو الضحك المعروف، وقال مجاهد ~~وعكرمة: فضحكت، أي: حاضت. يقال: ضحكت الأرنب، إذا حاضت. # PageV02P442 # {وراء إسحاق يعقوب (71) قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن ~~هذا} # وأما الضحك المعروف فاختلف القول في أنها لم ضحكت؟ # فالأكثرون على أنها ضحكت سرورا بما زال من الخوف عنها وعن إبراهيم. وقيل: ~~ببشارة إسحاق. وعلى هذا القول: الآية على التقديم والتأخير، فكأنه قال: ~~وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فضحكت. # والقول الثالث: ضحكت تعجبا من غفلة قوم لوط، ms0687 وقد نزلت الملائكة بعذابهم. # وقوله {فبشرناها بإسحاق} ظاهر المعنى. وقوله {ومن وراء إسحاق يعقوب} أي: ~~من بعد إسحاق يعقوب. قال أبو عبيدة: الوراء: ولد الولد. # وقوله {يعقوب} قرئ بقراءتين: " يعقوب " و " يعقوب " بالرفع والنصب أما ~~الرفع معناه: ويحدث يعقوب من بعد إسحاق. وأما النصب فمعناه: بشرناها بإسحاق ~~وبشرناها بيعقوب. وأنشد الشاعر في الوراء: # (حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب) # وهذا شعر الأعشى. # PageV02P443 # قوله تعالى: {قالت يا ويلتي أألد وانا عجوز وهذا بعلي شيخا} قالوا: أصل ~~قوله: {يا ويلتي} : يا ويلتي؛ إلا أن ها هنا أبدل الألف عن الياء. ومعنى ~~قوله: {يا ويلتي} هاهنا: اعجبا؛ وهذه كلمة يقولها الإنسان عند رؤية ما ~~يتعجب منه، وليس على حقيقة الدعاء بالويل. # وقوله تعالى: {أألد وأنا عجوز} اختلفوا في سن إبراهيم وسارة في ذلك ~~الوقت. # قال محمد بن إسحاق: كان سن إبراهيم مائة وعشرين سنة، وسن سارة تسعين سنة. ~~وقال بعضهم: كان سن إبراهيم مائة سنة، وسن سارة تسعة وتسعين سنة. وقيل غير ~~هذا، والله أعلم. # PageV02P443 # {لشيء عجيب (72) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت إنه حميد مجيد (73) فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا ~~في قوم} # قوله تعالى {وهذا بعلي} يعني: هذا زوجي {شيخا} نصب على القطع، وقيل: على ~~الحال. # وفي قراءة ابن مسعود: " وهذا بعلي شيخ " على الخبر. قوله تعالى {إن هذا ~~لشيء عجيب} يعني: إن هذا لشيء مستعجب بخلاف العادة. # PageV02P444 # قوله: {قالوا أتعجبين من أمر الله} معناه: لا تعجبي من أمر الله؛ فإن ~~الله إذا أراد شيئا كان. # وقوله تعالى: {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} فيه معنيان: # أحدهما: أن هذا على معنى الدعاء من الملائكة. # والآخر: أنه على معنى الخبر، و {رحمة الله} أي: نعمة الله {وبركاته} ~~والبركات: جمع البركة، والبركة: ثبوت الخير. وقيل: وبركاته: سعاداته. # وقوله: {عليكم أهل البيت} هذا دليل على أن الأزواج يجوز أن يسمين أهل ~~البيت. # وزعمت الشيعة في قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ms0688 أهل ~~البيت} أن الأزواج لا يدخلن في هذا. وهذه الآية دليل على أنهن يدخلن فيها. # قوله: {إنه حميد مجيد} الحميد: هو المحمود في أفعاله، والمجيد: هو ~~الكريم، وأصل المجد هو الرفعة والشرف. # PageV02P444 # قوله تعالى: {فلما ذهب عن إبراهيم الروع} قال قتادة: الروع: الفزع؛ وأما ~~الروع بالرفع هو النفس، ومنه قوله: " ألقى روح القدس في روعي: (أن لن) تموت # PageV02P444 # {لوط (74) إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه ~~قد جاء} نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله واجملوا في الطلب ". وقوله: ~~{وجاءته البشرى} قيل: إن البشرى بإسحاق ويعقوب. وقيل: إنها بإهلاك قوم لوط. ~~وقوله: {يجادلنا} معناه: جعل إبراهيم يجادلنا، والمجادلة هاهنا كما قال في ~~سور الذاريات والحجر: {قال فما خطبكم أيها المرسلون} فإن قيل: كيف يجوز أن ~~يجادل إبراهيم ربه في شيء قضاه وأمر به؟ # الجواب: أن هذه المجادلة كانت مع اللائكة لا مع الرب، وإنما قال: ~~{يجادلنا} على توسع الكلام. وفي التفسير: أن مجادلته كانت أنه قال ~~للملائكة: أرأيتم لو كان في مدائن قوم لوط خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟ ~~قالوا: لا. قال: أفرأيتم إن كان فيهم أربعون أتهلكونهم؟ قالوا: لا، فما زال ~~ينقص عشرة عشرة حتى بلغ خمسة نفر وكان عند إبراهيم أن امرأة لوط مؤمنة. ~~وكانت هي الخامسة، ولم يعلم أنها كافرة، فما بلغ عدد المؤمنين خمسة {في قوم ~~لوط} . # PageV02P445 # وقوله تعالى {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} قد بينا من قبل. وروي عن بكر ~~بن عبد الله المزني قال: المنيب هو الذي يكون قلبه مع الله تعالى. وحقيقة ~~الإنابة: هي الرجوع، يقال: ناب وآب وأناب، إذا رجع. # PageV02P445 # قوله تعالى {يا إبراهيم أعرض عن هذا} معنى الآية: أن الملائكة قالوا: يا ~~إبراهيم أعرض عن المجادلة. # قوله: {إنه قد جاء أمر ربك} أي: قضاء ربك وحكم ربك. وقوله: {وإنهم # PageV02P445 # {أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم ~~وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل ~~كانوا} آتيهم عذاب غير ms0689 مردود) أي: غير مصروف عنهم. # PageV02P446 # قوله: {لما جاءت رسلنا لوطا} هؤلاء الرسل هم الذين كانوا عند إبراهيم ~~جاءوا لوطا على صورة غلمان مرد، حسن وجوههم، نظيف ثيابهم، طيب [روائحهم] . # وفي القصة: أنهم لقوا لوطا وهو يحتطب واستضافوه، فحمل الحطب وتبعه ~~الملائكة، فمر معهم على جماعة من قومه فغمزوا فيما بينهم، فقال لوط لهم: إن ~~قومي شر خلق الله، ثم إنه مر معهم على قوم آخرين منهم، فغمزوا - أيضا - ~~فيما بينهم، فقال لوط - ثانيا -: إن قومي شر خلق الله تعالى، ثم إنه مر ~~معهم على قوم آخرين، فتغامزوا فيما بينهم - أيضا - فقال لوط - ثالثا -: إن ~~قومي شر خلق الله، وكان الله تعالى قال لجبريل: لا تهلكهم حتى يشهد لوط ~~عليهم ثلاث مرات، فكان كلما قال لوط هذا القول قال جبريل للملائكة الذين ~~معه: اشهدوا. # وقوله: {سيء بهم} معناه: ساءه مجيئهم. وقوله: {وضاق بهم ذرعا} يقال: ضاق ~~ذرعا فلان بكذا إذا وقع في مكروه لا يطيق الخلاص عنه. # ومعنى الآية هاهنا: أنه ضاق ذرعا في حفظهم ومنع القول منهم. # قوله تعالى {وقال هذا يوم عصيب} أي: شديد. قال الشاعر: # (فإنك إن لم ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب) # أي: شديد. وقال آخر: # (يوم عصيب يعصب الأبطالا ... عصب القوى السلم الطوالا) # PageV02P446 # قوله تعالى: {وجاءه قومه يهرعون إليه} الآية، يهرعون إليه معناه: يسرعون ~~ويهرولون؛ وقد بينا أن لوطا قد مر معهم بهم. وفي رواية أخرى: أن الملائكة ~~جاءوا إلى بيت لوط - عليه السلام - وكان لوط في داره، فذهبت امرأته السوء ~~الكافرة إلى قومه وأخبرتهم مجيء هؤلاء فلما سمعوا جاءوا لقصد الفاحشة. # PageV02P446 # {يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا ~~تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من ~~حق وإنك لتعلم ما} # وقوله: {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} يعني: الفواحش؛ وهي: إتيان ~~الرجال. # وقوله: {قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} فيه قولان: # أحدهما: أنه عرض عليهم بنات نفسه ms0690 تزويجا ونكاحا؛ فإن قال قائل: كيف يجوز ~~للمشرك أن يتزوج بمسلمة؟ # والجواب: أن ذلك كان جائزا في شريعتهم. ومنهم من قال: عرض عليهم بشرط ~~الإسلام. # والقول الثاني - وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما -: أنه عرض عليهم ~~نساءهم، وسماهن بنات نفسه؛ لأن النبي للأمة بمنزلة الأب؛ وفي قراءة أبي بن ~~كعب: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ". ~~ومنهم من قال: إنما قال هذا على طريق الدفع، لا على طريق التحقيق، ولم ~~يرضوا هذا القول؛ لأنه كان معصوما من الكذب. وقوله: {هن أطهر لكم} معناه: ~~أحل لكم. # قوله: {فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي} معناه: خافوا الله ولا تفضحوني في ~~أضيافي. {أليس منكم رجل رشيد} معناه: أليس منكم رجل يأمر بالمعروف ويدفع ~~القوم عن أضيافي. وروي عن عكرمة أنه قال: معنى قوله: {أليس منكم رجل رشيد} ~~معناه: أليس فيكم رجل يقول: لا إله إلا الله. # PageV02P447 # قوله: {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} فيه معنيان: أحدهما: ما ~~لنا في بناتم من حق، أي: حاجة وشهوة. # والثاني: ما لنا في بناتك من حق، أي: من نكاح. وقوله {وإنك لتعلم ما ~~نريد} معناه: إنا نريد أدبار الرجال. # PageV02P447 # {نريد (79) قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يا لوط ~~إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد ~~إلا امرأتك إنه} # PageV02P448 # قوله تعالى: {قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} القوة هاهنا: هي ~~القوة في البدن، أو القوة بالأتباع. والركن الشديد: المنعة بالعشيرة. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " رحم الله أخي لوطا؛ لقد كان يأوي إلى ركن ~~شديد " أي: إلى الله. رواه أبو هريرة. # وعن أبي هريرة أنه قال: ما بعث الله بعد ذلك نبيا إلا في منعة من قومه. # PageV02P448 # قوله تعالى: {قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} . روى أنهم جاءوا ~~وكسروا باب لوط وقصدوا الدخول. وفي رواية أخرى: أنهم ms0691 كانوا ينازعون مع لوط ~~على الباب، فقال جبريل: يا لوط، افتح الباب ودعهم يدخلوا، فلما دخلوا ضرب ~~بجناحه وجوههم فعموا كلهم، وهذا معنى قوله تعالى: {ولقد راودوه عن ضيفه ~~فطمسنا أعينهم} فقالوا: يا لوط، لقد جئتنا بقوم سحرة، سترى ما تلقى منا ~~غدا، وكانوا جاءوا مساء. وقوله: {لن يصلوا إليك} معناه معلوم. وقوله: {فأسر ~~بأهلك بقطع من الليل} قرئ: " فسر " من السرى، و " فأسر " من الإسراء؛ ~~والسرى: هو السير بالليل. وقال الشاعر: # (عند الصباح يحمد القوم السرى ... وتنجلي عني غيابات الكرى) # وقوله: {أسر} من الإسراء، والمعنيان واحد. وقوله: {بقطع من الليل} أي: ~~بآخر الليل. وقيل: إنه السحر الأول. قال الشاعر: # (ونائحة تنوح بقطع ليل ... على ميت بقارعة الصعيد) # PageV02P448 # {مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) فلما جاء أمرنا ~~جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود} # وقوله تعالى: {ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك} بالرفع، وقرئ: " إلا ~~امرأتك " بالنصب؛ فقوله بالنصب معناه: فأسر بأهلك إلا امرأتك. ومن قرأ ~~بالرفع معناه: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك؛ فإنها تلتفت؛ فروي أنها لما ~~سمعت الهدة في هلاك القوم التفتت وراءها فأصابها حجر فماتت، وقد كان الله ~~أمر لوطا وأهله أن لا يلتفتوا. وقوله: {إنه مصيبها ما أصابهم} ظاهر المعنى. ~~قوله: {إن موعدهم الصبح} روي أن لوطا - عليه السلام - لما سمع هذا من جبريل ~~قال: يا جبريل، أريد أن تهلكهم الآن فقال له مجيبا: {أليس الصبح بقريب} ؟ # PageV02P449 # قوله تعالى: {فلما جاء أمرنا} أي: عذابنا. وقوله: {جعلنا عاليها سافلها} ~~روي أن جبريل جعل جناحه تحت مدائ لوط، وهي خمس مدائن، وفيها أربعمائة ألف، ~~وقيل: فيها أربعة آلاف ألف - ثم رفع المدائن حتى قربت من السماء وسمع أهل ~~السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، وروي أنه لم يكفأ لهم إناء ولا انتبه لهم ~~نائم، ثم قلبها وأتبعهم الله تعالى بالحجارة، هذا معنى قوله تعالى: {جعلنا ~~عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} . # وقوله: {من سجيل} قال ابن عباس: سنك وكل؛ وكلمة سجيل فارسية ms0692 معربة. # وقيل: إنه كان طينا مطبوخا كالآجر. # والقول الثاني: أن السجيل هو السماء الدنيا. # والقول الثالث: أن السجيل هو السجين؛ أبدلت النون باللام. وقيل: إن ~~السجيل: مأخوذ من السجل؛ وهو سجل الدلو. قال الشاعر: # (وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة من بيت العرب) # PageV02P449 # {مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83) وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ~~يا قوم} # (من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب) # ومعنى السجيل في الآية: هو الإرسال، يعني: إرسال الحجارة. # وقوله: {منضود} معناه: يتبع بعضها بعضا. # PageV02P450 # وقوله: {مسومة} أي: معلمة. وفي القصة: أنه كان عليها خطوط حمر في سواد. # والقول الثاني: " مسومة " أي: عليها أسماء القوم. وعن الحسن البصري: أنه ~~كان عليها شبه الخواتيم. # قوله: {عند ربك} ظاهر المعنى. # وقوله: {وما هي من الظالمين ببعيد} يعني: من ظالمي أهل مكة ببعيد. # وقد روي في بعض الآثار: أن على رأس كل ظالم حجرا معلقا في السماء ينتظر ~~أمر الله تعالى. وهذا من الغرائب، والله أعلم. # وفي بعض القصص: أنه كان منهم رجل في الحرم، فبقي الحجر معلقا في السماء ~~أربعين يوما حتى خرج الرجل [وأصابه الحجر] . وروي أن الحجر اتبع شرادهم ~~ومسافريهم أين كانوا في البلاد حتى هلكوا. # وأورد بعضهم أن الله تعالى أهلك مدائن لوط سوى زعر، فإنه أبقاها للوط ~~وأهله. # PageV02P450 # قوله تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيبا} قد بينا أن الأخوة هاهنا هي الأخوة ~~في النسب لا في الدين. وقال بعضهم: إنه لم يكن بين شعيب وأهل مدين أخوة في ~~النسب - أيضا - وكان غريبا فيهم، وإنما أراد بالأخوة المجانسة في البشرية. ~~والصحيح هو الأول. # PageV02P450 # {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم ~~بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (84) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان ~~بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) بقيت الله ~~خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) قالوا يا شعيب أصلاتك ~~تأمرك أن نترك ما} # وقوله: {قال يا قوم اعبدوا الله ms0693 ما لكم من إله غيره} ظاهر المعنى. قول: ~~{ولا تنقصوا المكيال والميزان} معناه: ولا تبخسوا المكيال والميزان. وكانوا ~~مع شركهم يطففون في المكيال والميزان. وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا ~~مر بالسوق قال: أيها الباعة، أوفوا الكيل وأوفوا الوزن، وقد سمعتم ما فعل ~~الله بقوم شعيب. # وعن ابن عباس قريب من هذا. # وقوله: {إني أراكم بخير} قال مجاهد: أي: بخصب وسعة. # وقوله: {وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} أي: محيط بكم فيهلككم. # PageV02P451 # قوله تعالى: {ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط} أي: بالعدل. # وقيل: تقويم لسان الميزان. وقوله: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أي: لا ~~تنقصوا الناس أشياءهم. وقوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} . # PageV02P451 # قوله تعالى: {بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين} معناه: ما أبقى الله لكم ~~من الحلال خير مما تأخذون بالبخس في المكيال والميزان. وقيل: بقية الله: ~~طاعة الله. وقوله: {إن كنتم مؤمنين} أي: إن كنتم مؤمنين أن ما عندكم من رزق ~~الله تعالى وعطائه. # قوله: {وما أنا عليكم بحفيظ} قيل معناه: لم أؤمر بقتالكم. وقيل: ما أنا ~~عليكم بحفيظ أي: بوكيل. # PageV02P451 # قوله تعالى: {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك} فيه قولان: # أحدهما: أدينك يأمرك؟ ، والثاني: أقرآنك يأمرك أن نترك {ما يعبد آباؤنا ~~أو أن # PageV02P451 # {يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد (87) ~~قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد ~~أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي ~~إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم ~~مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم} نفعل في أموالنا ما نشاء) يعني: من النقصان ~~والزيادة: وقيل: من قرض الدراهم والدنانير، وكان قد نهاهم عن ذلك، وزعم أنه ~~محرم عليهم. # وقوله: {إنك لأنت الحليم الرشيد} فيه قولان: # أحدهما: إنك لأنت الحليم الرشيد في زعمك؛ قالوا ذلك استهزاء. # والثاني معناه: إنك لأنت السفيه الأحمق. # PageV02P452 # وقوله ms0694 تعالى: {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} معناه: على ~~بيان من ربي. # وقوله: {ورزقني منه رزقا حسنا} معناه: رزقا حلالا. وفي القصة: أن شعيبا ~~كان كثير المال. وقيل: الرزق الحسن هاهنا: هو النبوة. # وقوله تعالى: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} معناه: ما أريد أن ~~آمركم بشيء وأعمل خلافه. # وقوله: {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} ظاهر المعنى. # وقوله: {وما توفيقي إلا بالله} دليل على أن الطاعة لا يؤتى بها إلا ~~بتوفيق الله، والتوفيق من الله: هو التسهيل والتيسير والمعونة. # قوله تعالى: {عليه توكلت} أي: عليه اعتمدت. # وقوله: {وإليه أنيب} معناه: إليه أرجع. # PageV02P452 # قوله: {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي} معناه: لا يكسبنكم ولا يحملنكم شقاقي ~~أي: خلافي على فعل {أن يصيبكم} فيصيبكم {مثل ما أصاب قوم نوح} من # PageV02P452 # {هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه إن ربي رحيم ودود (90) قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا} الغرق {أو قوم هود} من الريح {أو قوم صالح} من الصيحة ~~الصعقة. وقوله {وما قوم لوط منكم ببعيد} قيل: إنهم كانوا جيران قوم لوط في ~~الديار، وكانت مدائنهم قريبا بعضها من بعض. # PageV02P453 # قوله تعالى: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه} قد بينا المعنى. وقوله: {إن ~~ربي رحيم ودود} في الودود معنيان: # أحدهما: أن الودود هو المحب لعباده. # والثاني: أو الودود بمعنى المودود أي: يحبه العباد لفضله وإحسانه. # وفي الخبر المعروف أن النبي قال: " أحبوا الله بما يغذوكم به منه نعمه، ~~وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي ". # وفي بعض الأخبار عن النبي قال: " كان شعيب خطيب الأنبياء ". # PageV02P453 # قوله تعالى: {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} معناه: ما نفهم ~~كثيرا مما تقول. وقوله: {وإنا لنراك فينا ضعيفا} في الضعيف أقوال، أكثر ~~المفسرين أن الضعيف هاهنا: هو ضرير بالبصر. ويقال: إنه لغة حمير. # والقول الثاني: أن الضعيف هو الضعيف في البدن. # والثالث: أنه قليل الأتباع. # PageV02P453 # {ولولا رهطك ms0695 لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) قال يا قوم أرهطي أعز ~~عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) ويا قوم ~~اعملوا على} # وقوله: {ولولا رهطك لرجمناك} أي: ولولا عشيرتك لرجمناك، والرجم أقبح ~~القتلات. وقوله: {وما أنت علينا بعزيز} يعني: ما أنت عندنا بعزيز، وإنما ~~نتركك لمكان رهطك. # PageV02P454 # قوله تعالى: {قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله} معناه: أمكان رهطي ~~عندكم أهيب وأمنع من الله تعالى؟ وحقيقة المعنى: أنكم تركتم قتلي بمكان ~~رهطي فأولى أن تحفظوني في الله تعالى. # وقوله: {واتخذتموه وراءكم ظهريا} معناه: وألقيتم أمر الله تعالى وراء ~~ظهوركم. يقال: فلان جعل كذا منه ظهريا أي: ألقاه وراء ظهره. # وقوله: {إن ربي بما تعملون محيط} ظاهر المعنى. # وذكر الأزهري في تقدير الآية ومعناها قال: إنكم تزعمون أنكم تتركون قتلي ~~لكرامة رهطي، فأولى أن تكرموا أمر الله وتتبعوه؛ وحقيقة المعنى: هو الإنكار ~~على من اتقى الناس ولم يتق الله. قال: وقوله: {واتخذتموه وراءكم ظهريا} ~~تقول العرب: فلان جعل كذا بظهر إذا تركه ولم يلتفت إليه. قال الشاعر: # (تميم بن قيس لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيا على جوابها) # PageV02P454 # قوله تعالى: {ويا قوم اعملوا على مكانتكم} قيل: المكانة: هي الحالة التي ~~يتمكن فيها المرء من الفعل) . # ومعنى الآية: اعملوا على تمكنكم ومنزلتكم {إني عامل} على تمكني ومنزلتي ~~{سوف تعلمون} من ينجو ومن يهلك. # والآية فيها تهديد ووعيد شديد، وليس في القرآن {سوف تعلمون} إلا في هذه ~~الآية. # PageV02P454 # {مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا ~~إني معكم رقيب (93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ~~وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) كأن لم يغنوا فيها ~~ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين ~~(96) إلى} # وقوله تعالى: {من يأتيه عذاب يخزيه} يذله ويفضحه {ومن هو كاذب} فيه حذف، ~~وتقدير الآية: سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه، ومن هو كاذب يخزى أيضا. # وقوله: {وارتقبوا إني معكم ms0696 رقيب} يعني: انتظروا إني معكم منتظر. # PageV02P455 # قوله تعالى: {ولما جاء أمرنا} معناه: لما جاء وقت عذابنا {نجينا شعيبا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة} والصيحة: الهلاك، ~~تقول العرب: صاح فلان في مال فلان أي: أهلكه، قال امرؤ القيس: # (فدع عنك نهبا صيح في حجراته ... ولكن حديثا ما حديث الرواحل) # روي أن عليا - رضي الله عنه - تمثل بهذا البيت في بعض أموره. # ويقال: إن الصيحة هاهنا صيحة جبريل - عليه السلام - صاح بهم صيحة واحدة ~~فماتوا عن آخرهم، فهذا معنى قوله: {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} أي: ميتين ~~خامدين، لا يتحركون. # PageV02P455 # قوله: {كأن لم يغنوا فيها} معناه: كأن لم يكونوا يقيمون فيها منعمين ~~مسرورين. # وقوله: {ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود} معناه: ألا خيبة وهلاكا لمدين كما ~~خابت وهلكت ثمود. # PageV02P455 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين} معناه: بآياتنا ~~التسع، وسلطان مبين أي: حجة بينة، وكل سلطان ذكر في القرآن فهو بمعنى ~~الحجة. وقيل: # PageV02P455 # {فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه يوم ~~القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) وأتبعوا في هذه لعنة ويوم ~~القيامة بئس الرفد المرفود (99) ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم ~~وحصيد (100) وما} # السلطان مأخوذ من السليط، وهو الزيت الذي يستضاء به. # PageV02P456 # قوله: {إلى فرعون وملئه} وملأه معلوم. قوله: {فاتبعوا أمر فرعون وما أمر ~~فرعون برشيد} معناه: اتبعوا أمر فرعون في اتخاذه إلها وترك الإيمان بموسى ~~{وما أمر فرعون برشيد} أي: بمرشد إلى خير وصلاح. # PageV02P456 # قوله تعالى: {يقدم قومه يوم القيامة} معناه: يتقدم قومه يوم القيامة ~~{فأوردهم النار} فأدخلهم النار. {وبئس الورد المورود} معناه: بئس الداخل ~~وبئس المدخل. # وفي بعض المسانيد: عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن ~~النبي قال: " إذا كان يوم القيامة جمع الله الخلائق في صعيد واحد، ثم يرفع ~~لكل قوم آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، فيوردونهم النار، ويبقى ~~المؤمنون، فيقول الله عز وعلا لهم: ماذا تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربا كنا ~~نعبده ms0697 بالغيب، فيقول لهم: هل تعرفونه؟ فيقولون: إن شاء عرفنا نفسه. قال: ~~فيتجلى لهم، فيخرون له سجدا، فيقول الله سبحانه وتعالى: يا أهل التوحيد، ~~ارفعوا رءوسكم؛ فقد أوجبت لكم الجنة، وجعلت مكان كل واحد منكم يهوديا أو ~~نصرانيا ". # PageV02P456 # وقوله تعالى: {وأتبعوا في هذه لعنة} معناه: في الدنيا لعنة بعذاب التفريق ~~{ويوم القيامة} لعنة بعذاب النار. وقوله: {بئس الرفد المرفود} يعني: بئست ~~اللعنة بعد اللعنة. وقال أبو عبيدة: أي: بئس العون (المعان) ، ومعناه ~~هاهنا: أن اللعنة جعلت لهم في موضع المعونة. وقيل: بئس العطاء المعطي. # PageV02P456 # قوله تعالى: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك} معناه: من أخبار القرى نقصه # PageV02P456 # {ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله ~~من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب ~~الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (103) وما نؤخره إلا لأجل ~~معدود (104) يوم} عليك {منها قائم وحصيد} أي: منها معمور وخراب. وقيل ~~معناه: منها قائم أي: بقيت الحيطان، وسقطت السقوف. ومنها حصيد: أي: انمحى ~~أثره. # PageV02P457 # قوله تعالى: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} قد بيناه من قبل. وقوله: ~~{فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر بك} ~~يعني: بالعذاب. وقوله: {وما زادوهم غير تتبيب} أي: غي تخسير. وقيل: غير ~~تدمير. # PageV02P457 # قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى وهي ظالمة} وجه التشبيه أن أخذه ~~هؤلاء في حال الظلم والشرك كأخذه أهل القرى حين كانوا في مثل حالهم من ~~الظلم والشرك. وقوله: {إن أخذه أليم شديد} ظاهر المعنى. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " إن الله بمهل الظالم - أو يملي الظالم - حتى ~~إذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ~~ظالمة} والخبر في " الصحيحين " برواية أبي موسى الأشعري. # PageV02P457 # قوله تعالى: {إن في ذلك لآية} معناه: لعبرة {لمن خاف عذاب ms0698 الآخرة} ظاهر ~~المعنى {ذلك يوم مجموع له الناس} يعني: يوم القيامة يجمع الله فيه الأولين ~~والآخرين {وذلك يوم مشهود} يعني: يشهده جميع الخلق. وقيل: أهل السماء وأهل ~~الأرض. # PageV02P457 # قوله تعالى: {وما نؤخره إلا لأجل معدود} يعني: إلا لوقت معلوم عند الله ~~لا # PageV02P457 # {يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) } عند الناس. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما أنه قال: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، ~~لا يدري أحدكم ما مضى منها وكم بقي. # PageV02P458 # وقوله: {يوم يأت} وقرئ: " يوم يأتي " بالياء. وحكى الخليل وسيبويه أن ~~العرب تقول: لا أدر، أي: لا أدري. وذكر الفراء أن العرب تجتزيء بالكسرة عن ~~الياء بعدها. وقوله: {لا تكلم نفس إلا بإذنه} في الآية سؤال معروف وهو: أن ~~الله تعالى قد قال في (موضع) آخر: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} وقال ~~هاهنا: {لا تكلم نفس إلا بإذنه} فكيف وجه التوفيق بينهما؟ # الجواب: قد ذكرنا أن في القيامة مواقف؛ ففي موقف يتكلمون ويتساءلون، وفي ~~موضع يسكتون ولا يتكلمون، وفي موقف يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم، وقيل ~~غير هذا، وقد بينا. # وقوله: {فمنهم شقي وسعيد} الشقاوة: قوة أسباب البلاء، والسعادة: قوة ~~أسباب النعمة. ومعنى الآية هاهنا عند أهل السنة: فمنهم شقي سبقت له ~~الشقاوة، ومنهم سعيد سبقت له السعادة. # وفي الأخبار المسندة: أن عبد الرحمن بن عوف لما حضرته الوفاة أغمي عليه، ~~فلما أفاق قال: أتاني ملكان فظان غليظان وجراني وقالا: تعال نحاكمك إلى ~~العزيز الأمين، قال: فلقيهما ملك وقال: أين تريدان به؟ قالا: نحاكمه إلى ~~العزيز الأمين، فقال لهما: خليا عنه، فإنه ممن سبقت له السعادة في الذكر ~~الأول. # PageV02P458 # {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) } # وقد صح عن النبي أنه قال في خبر ملك الأرحام: " إنه إذا كتب أجله وعمله ~~ورزقه يقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيقول الله تعالى، ويكتب الملك ". خرجه ~~مسلم. # وروى ابن عمر عن عمر - رضي الله عنهما - " أنه لما نزل قوله تعالى: ~~{فمنهم شقي وسعيد} قال عمر: ms0699 يا رسول الله: فيم العمل؟ أنعمل في أمر قد فرغ ~~منه وجرت به الأقلام، أو في أمر لم يفرغ منه؟ فقال: بل في أمر قد فرغ منه ~~وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له ". أورده أبو عيسى في ~~جامعه. # وقال بعضهم: إن السعادة والشقاوة هاهنا في الرزق والحرمان. وقال بعضهم: ~~الشقاوة: بالعمل السيء، والسعادة: بالعمل الحسن. والمأثور الصحيح هو الأول. # PageV02P459 # قوله تعالى: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق} هذه الآية ~~تعد من مشكلات القرآن، وقد أكثر العلماء فيها الأقوال، ونذكر ما يعتمد ~~عليه: # أما الزفير: قيل: إنه صوت في الحلق، والشهيق: صوت في الجوف. ويقال: إن ~~الزفير: أول نهاق الحمير، والشهيق: آخر نهاق الحمير. # PageV02P459 # وقوله: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} أما بالمعنى المأثور: روى ~~الضحاك، عن ابن عباس: أن الآية نزلت في قوم من المؤمنين يدخلهم الله تعالى ~~النار، ثم يخرجهم منها إلى الجنة، ويسمون الجهنميين. وقد ثبت برواية جابر ~~أن النبي # PageV02P459 # {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما ~~يريد (107) وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ~~إلا} قال: " يخرج الله قوما من النار قد صاروا (حمما) فيدخلهم الجنة ". # وفي الباب أخبار كثيرة. # فعلى هذا القول معنى الآية: فأما الذين شقوا: هؤلاء الذين أدخلهم النار ~~{لهم فيها زفير وشهيق} ظاهر المعنى {خالدين فيها} مقيمين فيها {ما دامت ~~السموات والأرض} عبر بهذا عن طول المكث. # وقوله: {إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} الاستثناء وقع على ما بعد ~~الإخراج من النار بشفاعة الأنبياء والمؤمنين. # PageV02P460 # وأما قوله: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة} أراد به المؤمنين الذين أدخلهم ~~الجنة من غير أن يدخلوا في النار. وقوله: {خالدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض} أي: مقيمين فيها ما دامت السموات والأرض، كنى بهذا عن طول المكث، ~~والعرب تقول مثل هذا وتريد به الأبد، فإنهم يقولون: لا آتيك ما دامت ~~السموات والأرض يعني: لا آتيك ms0700 أبدا، ولا آتيك ما كان لله في البحر قطرة ~~يعني: لا آتيك أبدا. فخرج هذا الكلام على مخرج كلام العرب. وقوله: {إلا ما ~~شاء ربك} الاستثناء وقع على المدة التي كانوا في النار قبل إدخالهم الجنة. # وفي الآية قولان آخران معروفان سوى هذا عند أهل المعاني: # أحدهما: أن معنى قوله: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} هو على ~~ظاهره، أي: مدة بقاء السموات والأرض. وقوله: {إلا ما شاء ربك} معناه: سوى ~~ما شاء ربك من الزيادة على مدة بقائهما. وحكى الفراء عن العرب أنهم يقولون: ~~لك علي ألف إلا الألفين يعني: سوى الألفين الذين تقدما. # PageV02P460 # {ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما ~~يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) ~~ولقد آتينا} # والقول الثاني: أن معنى قوله: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} أي: ~~ما دام سموات الجنة وأرضها. وقوله: {إلا ما شاء ربك} الاستثناء واقف على ~~زمان الوقوف في القيامة ومدة المكث في القبر. # وقيل في الاستثناء قول ثالث وهو: أنه قال: {إلا ما شاء ربك} معناه: ولو ~~شاء لقطع التخليد عليهم، ولكن لا يشاء، وهو مثل قوله تعالى: {وما [يكون] ~~لنا ان نعود فيها إلا أن يشاء الله رب العالمين، ولكن لا يشاء الله. وقوله: ~~{إن ربك فعال لما يرد} يعني: لا يمتنع عليه شيء، وقال في الآية الثانية: ~~{عطاء غير مجذوذ} غير مقطوع. # وفي بعض التفاسير عن أبي هريرة أنه قال: يأتي على جهنم زمان لا يبقى فيها ~~أحد. وعن الحسن البصري قريبا من هذا. # ومعنى هذا عند أهل السنة - إن ثبت - أن المراد منه الموضع الذي فيه ~~المؤمنون من النار، ثم يخرجون عنه فلا يبقى فيها أحد، وأما مواضع الكفار ~~فهي ممتلئة بهم أبد الأبد على ما نطق به الكتاب والسنة، نعوذ بالله من ~~النار. # PageV02P461 # قوله تعالى: {فلا تك في مرية} في شك {مما يعبد هؤلاء} يقال: إن الخطاب ~~معه والمراد منه الأمة. وقوله: {ما ms0701 يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل} ~~ظاهر المعنى. وقوله: {وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص} قال ابن عباس معناه: ~~لموفوهم نصيبهم من الخير والشر بلا نقصان. # PageV02P461 # {موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك ~~منه مريب (110) وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعلمون خبير ~~(111) فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) } # PageV02P462 # قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} المراد من الآية: تسلية ~~النبي، كأنه قال: إن اختلفوا عليك ولم يؤمنوا بك فقد اختلفوا على موسى ولم ~~يؤمنوا به. وقوله: {ولولا كلمة سبقت من ربك} يعني: لولا ما سبق من حكم الله ~~بتأخير العذاب إلى يوم القيامة. وقوله: {لقضي بينهم} أي: لعذبوا في الحال ~~وأهلكوا. وقوله: {وإنهم لفي شك منه مريب} ظاهر المعنى. # PageV02P462 # قوله تعالى: {وإن كلا} قرئ: " وإن " و " إن " - بالتخفيف والتشديد -، أما ~~" إن " و " إن " قالوا: هما بمعنى واحد، قال الشاعر: # ((ووجه) حسن النحر ... كأن ثدييه حقان) # معناه: كأن ثدييه حقان. # وقوله: {لما} بالتخفيف قيل: " لما " بمعنى " لمن "، ويقال: إن اللام ~~للقسم، كأن الله تعالى قال: وإن كلا لمن الله ليوفينهم ربك أعمالهم. وأما ~~قوله: " لما " بالتشديد قيل: معنى " لما " بالتشديد هو معناها بالتخفيف. ~~ذكره المازني. # وقال الأزهري: أصح المعاني أن " لما " بمعنى " إلا " أي: وإلا ليوفينهم ~~ربك أعمالهم {إنه بما يعملون خبير} ظاهر المعنى. # PageV02P462 # وقوله تعالى: {فاستقم كما أمرت} معنى الاستقامة: هو المداومة على موجب ~~الأمر والنهي. وقد روي عن النبي برواية أبي مسلم الخولاني، عن عمر بن ~~الخطاب - والصحيح عن أبي ذر - أنه قال: " لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، ~~وصمتم حتى تكونوا كالحنائر - ومعناه: كالأوتاد - ثم كان الاثنان أحب إليكم # PageV02P462 # من الواحد لم تبلغوا حد الاستقامة ". روى هذا الخبر جماعة من الزهاد؛ ~~رواه حاتم الأصم، عن شقيق، عن إبراهيم بن أدهم، عن مالك بن دينار، عن أبي ~~مسلم بهذا الإسناد. # وفي الخبر المعروف: أن النبي قال: " استقيموا ولن تحصوا، ولن يحافظ على ~~الوضوء ms0702 إلا مؤمن ". وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: الاستقامة: أن ~~تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب. وهذا أثر مشهور. # وقد روي غير هذا في الاستقامة، يذكر في موضعها. # وفي الخبر المعروف أيضا: أن النبي قال: " شيبتني هود " وفيه معنيان: # أحدهما: قال هذا لكثرة ما ذكر الله تعالى في هذه السورة من إهلاك القرون ~~الماضية (و) الأمم السالفة. # والمعنى الثاني: أنه قال؛ لقوله تعالى {فاستقم كما أمرت} . # وقوله: {ومن تاب معك} معناه: ومن أسلم معك. وقوله: {ولا تطغوا} فيه ~~معنيان: # PageV02P463 # {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ~~ثم لا تنصرون (113) } # أحدهما: ولا تطغوا في الاستقامة يعني: لا تزيدوا على ما أمرت ونهيت، ~~فتحرموا ما أحل الله، وتكلفوا أنفسكم ما لم يشرعه الله ولم يفعله الرسول ~~وأصحابه. # والمعنى الثاني: الطغيان هو البطر لزيادة النعمة. وقيل: الطغيان والبغي ~~بمعنى واحد. # {إنه بما تعملون بصير} ظاهر المعنى. # PageV02P464 # قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فمسكم النار} الركون: هو المحبة ~~والمودة والميل بالقلب. وعن أبي العالية الرياحي قال: هو الرضا بأعمالهم. ~~وعن السدي قال: هو المداهنة معهم. وعن عكرمة قال: هو طاعتهم. وقوله: ~~{فتمسكم النار} أي: فتصيبكم النار. # وقوله: {وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} ظاهر المعنى. # PageV02P464 # قوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار} قال الحسن البصري: طرفي النهار: ~~الصبح والعصر، {وزلفا من الليل} : المغرب والعشاء. # وقال مجاهد: طرفي النهار: الصبح والظهر والعصر، وزلفا من الليل: المغرب ~~والعشاء. # وعلى هذا القول: الآية جامعة للصلوات الخمس. وعن بعضهم: طرفا النهار: ~~الصبح والمغرب، وزلفا من الليل: العتمة. # ومعنى قوله: {زلفا من الليل} ساعات الليل. وقيل: ساعة من الليل. وقرأ ~~مجاهد: " وزلفى من الليل " وقرأ ابن محيصن: " وزلفا من الليل ". والمعروف: ~~زلفا من الليل. قال الشاعر: # (طي الليالي زلفا فزلفا ... سماوة الهلال حتى احقوقفا) # PageV02P464 # {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين (114) } # وسبب نزول الآية: ما روي عن عبد ms0703 الله بن مسعود - رضي الله عنه - " أن ~~رجلا أتى النبي فقال: يا رسول الله، إني دخلت بستانا فأصبت امرأة، فنلت ~~منها ما ينال الرجل من امرأته، إلا أني لم أجامعها، وها أنا ذا بين يديك ~~فاصنع ما شئت، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وأقم الصلاة} إلى ان قال: {إن ~~الحسنات يذهبن السيئات} . قال معاذ بن جبل: يا رسول الله - وفي رواية قال: ~~جاء رجل من القوم فقال: يا رسول الله - هذا له خاصة أو للمسلمين عامة؟ فقال ~~رسول الله: بل للمسلمين عامة ". # وروى أبو أمامة الباهلي: " أن رجلا أتى رسول الله وقال: يا رسول الله: ~~إني أصبت حدا فأقمه علي، فقال: هل شهدت معنا هذه الصلاة وقد تطهرت؟ فقال: ~~نعم. قال عليه السلام: اذهب فقد غفر الله لك ما أصبت ". وروت عائشة - رضي ~~الله عنها - أن النبي قال: " لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه خمس مرات في ~~اليوم، هل يبقى من درنه شيئا؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فذلك مثل ~~الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا ". وهذا خبر صحيح. # وفي تكفير الخطايا بالصلوات الخمس خبر عثمان - رضي الله عنه - وذكر فيه: ~~" أن كل صلاة تكفر ما بينها وبين الصلاة الأخرى ". وعن سلمان - رضي الله ~~عنه # PageV02P465 # {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115) } - أنه كان قاعدا في ظل ~~شجرة فأخذ منها غصنا يابسا وهزه فتحات عنه الورق، ثم قال: هل تدرون لم فعلت ~~هذا؟ قالوا: لا. فقال: من تطهر وصلى الصلوات الخمس تحاتت عنه الذنوب كما ~~تحات هذا الورق من هذا الغصن. وعن أبي اليسر - رجل من الأنصار - " أن امرأة ~~أتت إليه تطلب تمرا تشتريه، فقال: في الدكان تمر أجود مما ترينه، قال: ~~فدخلت الدكان فقبلها والتزمها، وأصاب منها ما يصيب الرجل من امرأته إلا أنه ~~لم يجامعها، ثم جاء إلى النبي - عليه السلام - وذكر له ذلك، وقال: افعل بي ~~ما شئت، فسكت النبي ساعة، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وأقم الصلاة طرفي ~~النهار} إلى أن قال: {إن الحسنات ms0704 يذهبن السيئات} . # وروي عن معاذ أنه قال: يا رسول الله، أوصني، فقال: " اتق الله حيثما كنت، ~~وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ". # فهذه الأخبار كلها دالة على معنى الآية. # وفي بعض التفاسير: أن رجلا جلس إلى سعيد بن المسيب، فسمعه ابن المسيب ~~يقول: اللهم وفقني للباقيات الصالحات، فقال له سعيد: وما الباقيات ~~الصالحات؟ قال: الصلوات الخمس، فقال سعيد: لا، إنما الباقيات الصالحات: ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم، وإنما الصلوات الخمس هي الحسنات. # وقوله: {ذلك ذكرى للذاكرين} يعني: ذلك عظة للمتعظين. # PageV02P466 # {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ~~(116) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) ولو شاء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) } # PageV02P467 # قوله تعالى: {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} ظاهر المعنى، حث على ~~الصبر على هذه الصلوات، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. # PageV02P467 # قوله: {فلولا كان من القرون من قبلكم} الآية، قوله: " فلولا " معناه: ~~فهلا، وقيل: فلم لا، والآية للتوبيخ والتعجيب. وقوله: {أولوا بقية} قيل: ~~أولوا طاعة. وقيل: أولوا تمييز. وقيل: أولو بقية من خير. ويقال: فلان على ~~بقية من الخير إذا كان على طاعة، أو مسكة من عقل، أو على خصلة محمودة. ~~وقوله: {ينهون عن الفساد في الأرض} يعني: يقومون بالنهي عن الفساد. وقوله: ~~{إلا قليلا} هذا استثناء منقطع، ومعناه: لكن قليلا ممن أنجينا من القرون ~~(نهوا) عن الفساد. # وقوله: {ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} المترف: هو ~~المتنعم. وقيل: هو المعود بالسعة واللذة. وقيل: المترف: هو الذي أبطره ~~الغنى والنعمة. # فمعنى الآية: واتبع الذين ظلموا ما عودوا من ركوب الشهوات واللذات. # {وكانوا مجرمين} ظاهر. # PageV02P467 # قوله تعالى: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} في الآية ~~قولان: # أحدهما: أنه لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا تعاطوا الإنصاف ms0705 فيما بينهم، ولم ~~يظلم بعضهم بعضا. # والثاني: هو أن الله لا يظلم أهل قرية فيهلكهم بلا جناية. والأول أشهر. # PageV02P467 # قوله تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} أي: ولو شاء ربك لجعل # PageV02P467 # {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين (119) وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في} ~~الناس على دين واحد. # وقوله: {ولا يزالون مختلفين} المراد منه: أهل الباطل كاليهود والنصارى ~~والمجوس وأهل الشرك، وكذلك من خالف السنة من أهل القبلة. # PageV02P468 # وقوله: {إلا من رحم ربك} أي: لكن من رحم ربك، وهم أهل الحق لا يختلفون. ~~وقوله: {ولذلك خلقهم} فيه أقوال: # أحدها: ما روي عن مجاهد أنه قال: وللرحمة خلقهم. وهو مروي عن ابن عباس. ~~وقال الحسن البصري: وللاختلاف خلقهم. وهو أيضا مروي عن ابن عباس، وعن الحسن ~~البصري في رواية أخرى: خلق أهل الجنة للجنة، وخلق أهل النار للنار، وخلق ~~أهل الشقاء للشقاء، وخلق أهل السعادة للسعادة. # وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: إن الذي أختاره في معنى الآية: أنه خلق ~~فريقا للرحمة وفريقا للعذاب. قال: وعليه أهل السنة. # وذكر بعضهم: أن مقصود الآية هو أن أهل الباطل مختلفون، وأهل الحق متفقون، ~~وخلق أهل الباطل للاختلاف، وخلق أهل الحق للاتفاق. # قال النحاس: وهذا أبين الأقوال وأسرحها. # واستدل أبو عبيد على ما زعم من المعنى بقوله تعالى: {وتمت كلمة ربك ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} قال: ومعناه: وتم حكم ربك لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين. # وقد ثبت عن النبي أنه قال - حاكيا عن الله محاجة الجنة والنار، فقال ~~للجنة: " أنت رحمتي أرحم بك من شئت من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب ~~بك من شئت، ولكل واحدة منكما ملؤها ". # PageV02P468 # {هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين (120) وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على ~~مكانتكم إنا عاملون (121) وانتظروا إنا منتظرون (122) ولله غيب السموات ~~والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ~~(123) } # PageV02P469 # وقوله تعالى: {وكلا ms0706 نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} معناه: ~~وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقصها عليك؛ لثبت بها فؤادك. فإن قيل: ~~قد كان فؤاده ثابتا فأيش معنى قوله: {لنثبت به فؤادك} ؟ # قلنا معناه: لتزداد ثباتا، وهذا مثل قوله تعالى في قصة إبراهيم: {ولكن ~~ليطمئن قلبي} . # وقوله: {وجاءك في هذه الحق} الأكثرون أن معناه: وجاءك في هذه السورة ~~الحق. وقال بعضهم: وجاءك في هذه الدنيا الحق. # فإن قيل: أي فائدة في تخصيص هذه السورة وقد جاءه الحق في كل سورة؟ # قلنا: فائدته: تشريف السورة، وتشريفها بالتخصيص لا يدل على انه لم يأته ~~الحق في غيرها، ألا ترى أن الإنسان يقول: فلان في الحق إذا حضره الموت، وإن ~~كان في الحق قبله وبعده. # قوله: {وموعظة} معناه: وجاءتك موعظة {وذكرى للمؤمنين} أي: وتذكير ~~للمؤمنين. # PageV02P469 # قوله تعالى: {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون} معنى ~~الآية: هو التهديد والوعيد على ما بينا من قبل. # PageV02P469 # وقوله: {وانتظروا إنا منتظرون} في معنى الآية. # PageV02P469 # قوله تعالى: {ولله غيب السموات والأرض} أي: ولله علم ما غاب في السموات ~~والأرض. # وقوله: {وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه} معناه: إليه يرجع أمر ~~العباد فيجازيهم على الخير والشر {وما ربك بغافل عما تعملون} يعني: أنه لا ~~يغيب عنه شيء من أعمال العباد وإن صغر، والله أعلم. # PageV02P469 # تم بحمد الله تعالى المجلد الثاني من تفسير أبي المظفر السمعاني ويتلوه ~~المجلد الثالث إن شاء الله تعالى وأوله تفسير سورة يوسف # PageV02P471 # بسم الله الرحمن الرحيم # تفسير سورة يوسف # وهي مكية باتفاق القراء، وفي الأخبار: أن الله تعالى أنزل ما أنزل من ~~القرآن فقرأه المسلمون مدة، ثم قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؛ فأنزل ~~الله تعالى هذه السورة، وفيها: {نحن نقص عليك أحسن القصص} ثم قالوا بعد ~~ذلك: لو حدثتنا يا رسول الله، فأنزل {الله نزل أحسن الحديث} ، ثم قالوا: ~~(لو ذكرتنا) يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله} كل ms0707 ذلك يحيلهم على القرآن. # وعن خالد بن معدان أنه قال: سورة يوسف وسورة مريم يتفكه (بهما) أهل الجنة ~~في الجنة. # وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: " إن الكريم ابن الكريم ابن ~~الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - ولو ~~لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم دعيت إلى ما دعى إليه لأجبت " - وعنى حين ~~دعاه الملك من السجن. والخبر صحيح. # PageV03P005 # {الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~(2) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين} # PageV03P006 # قوله تعالى: {الر} معناه: أنا الله أرى؛ وقد بينا من قبل سوى هذا من ~~المعنى في معنى [الحروف] المقطعة، فلا نعيد. # وقوله: {تلك آيات الكتاب المبين} يعني: هذه الآيات التي أنزلتها عليك هي ~~تلك الآيات التي وعدت إنزالها في التوراة والإنجيل. وقوله: {المبين} معناه: ~~البين حلاله وحرامه. وقيل: البين رشده وغيه. # PageV03P006 # قوله تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا} أكثر المفسرين على أن المراد منه: ~~إنا أنزلنا القرآن عربيا. وفي مسانيد ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ~~أنه قال: " أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة ~~بالعربية ". وقوله {لعلكم تعقلون} أي: تفهمون. # PageV03P006 # قوله تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص} قال أهل التفسير: معناه: نحن نبين ~~لك أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان؛ والقاص: هو الذي يأتي ~~بالخبر على وجهه. وقيل: إن المراد من الآية قصة يوسف خاصة؛ سماها أحسن ~~القصص لزيادة التشريف. (وقيل) : أعجب القصص. وقيل: أحكم القصص. والأول هو ~~القول المشهور. وحكي عن ابن عطاء أنه قال: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا ~~استروح إليها # PageV03P006 # ( {3) إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين (4) قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ~~إن} # وقوله: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} معناه: بوحينا إليك هذا القرآن. ~~وقوله: {وإن كنت من قبله لمن الغافلين} ms0708 أي: لمن الساهين عن هذه القصة ~~وغيرها. # PageV03P007 # قوله تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه} معناه: اذكر إذ قال يوسف لأبيه: {يا ~~أبت} قرىء بقراءتين: " يا أبت " و " يا أبت " بالكسر والفتح؛ أما بالكسر ~~فالأصل: " يا أبتي " ثم حذف الياء واجتزىء بالكسرة. وأما بالفتح: فالأصل: " ~~يا أبتا " ثم أسقط الألف واكتفى بالنصب. قال الأعشى: # (فيا أبتا لا تزل عندنا ... فإنا نخاف بأن نخترم) # وقوله: {إني رأيت أحد عشر كوكبا} في القصة: أن يوسف كان له اثنتا عشرة ~~سنة حين رأى هذه الرؤيا. وقد قيل غير ذلك، والله أعلم. وروى (أنه رأى هذه) ~~الرؤيا ليلة الجمعة ليلة القدر. وقوله {أحد عشر كوكبا} يعني: أحد عشر نجما ~~من نجوم السماء، وكان المراد منها إخوته، وكانوا أحد عشر رجلا، يستضاء بهم ~~كما يستضاء بالكواكب. وقوله {والشمس والقمر} تأويل الشمس: أبوه، وتأويل ~~القمر: أمه. هكذا قال قتادة وغيره. وقال بعضهم: كانت أمه في الموتى، وهذه ~~خالته راحيل. وقال ابن جريج: القمر: أبوه، والشمس: أمه؛ لأن الشمس مؤنثة ~~والقمر مذكر. وقوله: {رأيتهم لي ساجدين} قال بعضهم: عندي ساجدين لله. ~~والأصح: أنهم سجدوا له تحية وكرامة. فإن قال قائل: (قد قال) : {ساجدين} ولم ~~يقل " ساجدات " وحق العربية في النجوم أن يقال: " ساجدات ". # الجواب: أن الله تعالى لما أخبر عنهم بفعل من يعقل وهو السجود ألحقهم بمن ~~يعقل في إعراب الكلام فقال: ساجدين، ولم يقل: " ساجدات " بهذا. # PageV03P007 # {الشيطان للإنسان عدو مبين (5) وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل ~~إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6) لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ~~(7) إذ قالوا} # PageV03P008 # وقوله تعالى: {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك} قال أهل التفسير: إن ~~رؤيا الأنبياء وحي، فعلم يعقوب أن الإخوة لو سمعوا (بهذه) الرؤيا عرفوا ~~أنها حق فيحسدونه (فأمره بالكتمان) لهذا المعنى. وقوله: {فيكيدوا لك كيدا} ~~معناه: فيحتالوا لك حيلة. {إن الشيطان للإنسان عدو مبين} ومعناه: إن ~~الشيطان يزين لهم ذلك ويحملهم عليه ms0709 لعداوته. للعداوة القديمة. # PageV03P008 # قوله تعالى {وكذلك يجتبيك ربك} معناه: وكما رفع منزلتك وأراك هذه الرؤيا ~~فكذلك يجتبيك أي: يصطفيك ربك. {ويعلمك من تأويل الأحاديث} تأويل [ما تؤول ~~إليه عاقبة أمره] . وأكثر المفسرين على أن المراد من هذا علم التعبير وما ~~تؤول إليه الرؤيا، قالوا: وكان يوسف أعلم الناس بالرؤيا وأعبرهم لها. ~~وقوله: {ويتم نعمته عليك} يعني: يجعلك نبيا، وذلك تمام النعمة على الأنبياء ~~{وعلى آل يعقوب} وعلى أولاد يعقوب؛ فإن أولاد يعقوب كلهم كانوا أنبياء. ~~وقوله: {كما أتمها على أبوك من قبل إبراهيم وإسحاق} يعني: كما جعلهما نبيين ~~من قبل كذلك يجعلك نبيا. # وقوله: {إن ربك عليم حكيم} ظاهر المعنى. # وقد قيل: إن المراد من تمام النعمة على إبراهيم: هو إنجاؤه من النار، ~~والمراد من تمام النعمة على إسحاق: هو إنجاؤه من الذبح. وهذا قول مشهور. ~~وذكر الحسن البصري أنه كان بين هذه الرؤيا وبين هذا القول وبين تحقيقها، ~~ثمانون سنة. وذكر عبد الله بن شداد أنه كان بينهما أربعون سنة. وهذا أشهر ~~القولين. # PageV03P008 # {ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين (8) ~~اقتلوا} # PageV03P009 # قوله تعالى: {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين} وفي بعض المصاحف: " ~~عبرة للسائلين "، والآيات: جمع الآية؛ والآية: هي الدلالة على أمر عظيم. ~~وفي معنى الآية قولان: # أحدهما: أن اليهود سألوا رسول الله عن قصة يوسف - عليه [الصلاة] السلام - ~~وفي بعض الروايات (أنهم سألوه) عن سبب انتقال ولد يعقوب من كنعنان إلى مصر، ~~فذكر لهم قصة يوسف فوجدوها موافقة لما في التوراة؛ فهذا معنى قوله: {آيات ~~للسائلين} أي: دلالة على نبوة الرسول. # والقول الثاني: أن (نعنى) قوله: {آيات للسائلين} يعني: أنها غبر ~~للمعتبرين فإنها تشتمل على ذكر حسد إخوة يوسف له وما آل إليه أمرهم في ~~الحسد، وتشتمل على ذكر رؤياه وما حقق الله منها، وتشتمل على ما صبر يوسف عن ~~قضاء الشهوة، وعلى العبودية في السجن، وما آل إليه أمره من الملك، وتشتمل ~~أيضا على ذكر حزن يعقوب وما آل إليه ms0710 أمره من الوصول إلى المراد، وذهاب ~~الحزن عنه، وغير هذا مما يذكر في السورة؛ فهذه عبر للمعتبرين. # PageV03P009 # قوله: {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا} الآية، كان يوسف وأخوه ~~بنيامين من أم واحدة، وكان يعقوب شديد الحب ليوسف، وكان إخوة يوسف يرون منه ~~من الميل إليه ما لا [يرونه] لأنفسهم، فقالوا هذه المقالة. وقوله: {ونحن ~~عصبة} قال الفراء: العصبة هي: العشرة فما زادت. (قال القتيبي) ومن العشرة ~~إلى الأربعين. وقال غيرهما: " ونحن عصبة " أي: جماعة يتعصب بعضنا لبعض. ~~وقوله: {إن أبانا لفي ضلال مبين} معناه: إن أبانا لفي خطأ ظاهر. فإن قال ~~قائل: كيف وصفوا رسولا من رسل الله مثل يعقوب بالضلالة؟ # الجواب عنه: ليس (المعنى) من الضلال هاهنا هو الضلال في الدين، ولو # PageV03P009 # {يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين (9) ~~} أرادوه صاروا كفارا؛ وإنما المراد من الضلال هاهنا: هو الخطأ (في تدبير) ~~أمر الدنيا، وعنوا بذلك: أنا أولى بالمحبة في تدبير أمر الدنيا؛ لأنا أنفع ~~له وأكبر من يوسف، ونصلح له أمر معايشه، ونرعى له مواشيه؛ فهو مخطىء من هذا ~~الوجه. # PageV03P010 # قوله تعالى: {اقتلوا يوسف} القتل: تخريب البنية على وجه لا يصح معها وجود ~~الحياة. # وقوله: {أو اطرحوه أرضا} أي: اطرحوه في أرض تأكله السباع، وقيل: اطرحوه ~~إلى أرض يبعد عن أبيه ويبعد أبوه عنه. وقوله: {يخل لكم وجه أبيكم} يعني: ~~يخلص لكم وجه أبيكم. وقوله: {وتكونوا من بعده قوما صالحين} يعني: توبوا بعد ~~أن فعلتم هذا، ودوموا على الصلاح يعف الله عنكم. # واستدل أهل السنة بهذه الآية على أن توبة القاتل عمدا مقبولة؛ فإن الله ~~تعالى ذكر عزم القتل [منهم] وذكر التوبة ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل؛ ~~دل أنها مقبولة. # قال ابن إسحاق - يعني: محمد بن إسحاق -: وقد اشتمل فعلهم على جرائم، ~~منها: قطيعة الرحم، وعقوق (الوالد) ، وقلة الرأفة بالصغير الطريح الذي لا ~~ذنب له، والغدر بالأمانة، وترك العهد بالحفظ، والكذب الذي عزموا عليه مع ~~أبيهم يعقوب عليه الصلاة والسلام، ms0711 ثم عفا الله عنهم مع هذا كله؛ لئلا ييأس ~~أحد من رحمته. وقال بعض أهل العلم: إنهم عزموا على قتله؛ ولكن الله تعالى ~~حبسهم عن قتله رأفة ورحمة بهم، ولو مضوا على قتله لهلكوا أجمعين. # PageV03P010 # قوله تعالى: {قال قائل منهم} الأكثرون على أن هذا كان يهوذا، وكان أكبرهم # PageV03P010 # {قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة ~~إن كنتم} # في العقل لا أكبرهم في السن. هذا قول ابن عباس، قال: وكان ابن خالة يوسف. # وقال قتادة: هو روبيل. # وقال سفيان بن عيينة: هو شمعون. وأصح الأقوال هو الأول. # وقوله: {لا تقتلوا يوسف} أشار عليهم أن لا ترتكبوا هذه الكبيرة العظيمة. ~~وقوله {وألقوه في غيابة الجب} يعني: أسفل الجب، والغيابة: كل موضع ستر عنك ~~الشيء (وغيبه) . قال الشاعر: # (بني إذا ما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل) # وعنى بالغيابة: القبر؛ لأنه يغيب الميت ويستره. والجب: هو البئر التي لم ~~تطو لأنه قطع قطعا ولم تطو بعد، والجب: هو القطع. # قوله: {يلتقطه بعض السيارة} أي: يجده بعض السيارة، والالتقاط: هو أخذ ~~الشيء من حيث لا يحتسبه، والسيارة: هم المسافرون. قوله: {إن كنتم فاعلين} ~~يعني: إن عزمتم على فعلكم. # واختلف أهل العلم أنهم كانوا بالغين أو لم يكونوا بالغين حين عزموا على ~~هذا وفعلوا؟ # فالأكثرون أنهم كانوا رجالا بالغين، إلا أنهم لم يكونوا أنبياء بعد، ~~والدليل عليه: أنهم قالوا: وتكونوا من بعده قوما صالحين؛ وهذا إنما يستقيم ~~بعد البلوغ ويدل (عليه) أنهم قالوا: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين، والصغير لا ذنب له، دل أنهم كانوا رجالا. # ومنهم من قال: كانوا صغارا. وهذا القول غير مرضي. واستدل من قال بهذا ~~القول # PageV03P011 # {فاعلين (10) قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ~~(11) أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قال إني ليحزنني أن ~~تذهبوا به وأخاف} بأنهم قالوا: " أرسله معنا غدا نرتع ونلعب "، واللعب فعل ~~الصغار لا فعل الكبار. # وأجابوا عن هذا: أنهم ms0712 لم يذكروا لعبا حراما، وإنما عنوا لعبا مباحا. # وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه سئل عن قوله: {نلعب} فقيل له: كيف قالوا: ~~" نلعب " وقد كانوا أنبياء؟ فقال: هذا قبل أن نبأهم الله تعالى. # PageV03P012 # قوله تعالى {قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف} بدءوا أولا ~~(بالإنكار) عليه في ترك إرساله معهم وحفظه مع نفسه من بينهم، كأنهم قالوا ~~له: إنك لا ترسله معنا أتخافنا عليه؟ ! # قوله: {وإنا له لناصحون} النصح هاهنا: هو القيام بمصلحه، وقيل: إنه البر ~~والعطف، ومعناه: إنا عاطفون عليه، بارون به، قائمون بمصلحته. # PageV03P012 # قوله تعالى: {أرسله معنا غدا نرتع ونلعب وإنا له لحافظون} قوله: {نرتع} ~~الرتع: هو الاتساع في الملاذ في طلب وجوهها يمينا وشمالا. وقيل معنى الآية: ~~نأكل ونشرب وننشط ونلهو. وقرىء: " يرتع ويلعب " بالياء، وهو في معنى الأول، ~~إلا أنه ينصرف إلى يوسف خاصة، وقرىء: " يرتعي " وهو يفتعل من الرعي، ~~ومعناه: إنه يرعى الماشية كما نرعى. وقوله: {وإنا له لحافظون} . # PageV03P012 # قوله تعالى: {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به} معناه: إني ليغمني أن تذهبوا ~~به؛ والحزن هاهنا: ألم القلب بفراق المحبوب. وقوله: {وأخاف أن يأكله الذئب} ~~في القصة: أن يعقوب صلوات الله عليه كان رأى في المنام كأن ذئبا شد على ~~يوسف - وكان يخاف من ذلك - فقال ما قال بذلك الخوف. وقد قال بعضهم: إنه ~~أراد بالذئب إياهم. وليس هذا بشيء؛ لأنه لو خافهم عليه لم يدفعه إليهم، وما ~~كان يجوز له ذلك، ولأنه معنى متكلف مستكره، فلا يجوز أن يصار إليه. وقوله: ~~{وأنتم عنه غافلون} # PageV03P012 # {أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة ~~إنا إذا لخاسرون (14) فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوا في غيابت الجب ~~وأوحينا إليه} أي: ساهون. # PageV03P013 # قوله تعالى: {قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة} أي: جماعة يتقوى بعضنا ~~ببعض. وقوله: {إنا ذا لخاسرون} يعني: إنا إذا لعاجزون. # PageV03P013 # قوله تعالى: {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب} الإجماع: ~~هو العزم على الشيء، والواو هاهنا مقحمة، والمعنى: ms0713 فلما ذهبوا به أجمعوا أن ~~يجعلوه في غيابة الجب. قال الشاعر: # (أجمعوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحوا علي لصوصا) # وقوله { [وأجمعوا] أن يجعلوه في غيابة الجب} معناه: بأن يلقوه في غيابة ~~الجب. وذكر وهب بن منبه، وغيره أنهم لما أخذوا يوسف أخذوه بغاية الإكرام ~~وجعلوا يحملونه إلى أن أصحروا به، فلما أصحروا به ألقوه وجعلوا يضربونه وهو ~~يستغيث حتى كادوا يقتلونه، ثم إن يهوذا منعهم منه. وذكروا أنه كان من أبناء ~~[اثنتى عشرة] سنة. هذا هو المعروف. # وفي بعض الروايات: أنه كان ابن ست سنين. وفي بعض الروايات: أنه كان ابن ~~سبع عشرة سنة. وهذا معروف أيضا. # ثم أنهم أجمعوا (على أن) يطرحوه في البئر، فجاءوا إلى بئر على غير الطريق ~~واسع الأسفل، ضيق الرأس، فطرحوه فيها، فروي أنه كان يتعلق بجوانب البئر، ~~فشدوا # PageV03P013 # {لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) وجاءوا أباهم عشاء يبكون (16) ~~قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما ~~أنت بمؤمن لنا ولو كنا} يديه ثم ألقوه. وفي بعض الروايات: (أنهم) جعلوه في ~~دلو وأرسلوه في البئر، فلما بلغ الماء فإذا صخرة فقام عليها. وروي أنهم ~~قالوا له: اقعد في ذلك الطاق من البئر، فإذا جاء من يستقي فتعلق بالدلو حتى ~~تخرج. # قال محمد بن مسلم الطائفي: لما صار يوسف في البئر دعا الله تعالى فقال: ~~يا شاهدا غير غائب، ويا غالبا غير مغلوب، ويا قريبا غير بعيد، اجعل لي مما ~~أنا فيه فرجا ومخرجا. # ثم اختلفت الرواية أنه كم بات في البئر؟ فالأكثرون: أنه بات فيها ثلاث ~~ليالي والقول الآخر: أنه بات فيها ليلة. # وقوله تعالى: {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا} [قول] أكثر أهل التفسير ~~على أن هذا الوحي إلى يوسف، وبعث الله جبريل يؤنسه ويبشره بالخروج ويخبره: ~~أنه ينبئهم بما فعلوا ويجازيهم عليه وهم لا يعرفون أنه يوسف، وسيأتي بعد ~~هذه القصة. وقيل: {وهم لا يشعرون} أنه أوحى إليه. # وفي الآية قول آخر: وهو أن الوحي هاهنا هو الإلهام؛ وهو ms0714 مثل قوله تعالى: ~~{وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} وأما إتيان جبريل كان بعد هذا. # PageV03P014 # قوله تعالى: {وجاءوا أباهم عشاء يبكون} قال أهل المعاني: جاءوا في ظلمة ~~العشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب؛ فروي أن يعقوب سمع صياحهم ~~وعويلهم فخرج وقال: ما لكم؟ هل أصاب الذئب من غنمكم شيئا؟ قالوا: لا؛ وإنما ~~الذئب أكل يوسف. وقرأ الحسن: " غشاء يبكون "، ومعناه: قد غشيت أبصارهم من ~~البكاء. # PageV03P014 # وقوله: {قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق} أي: ننتضل وننظر لمن السبق. ~~وقيل: # PageV03P014 # {صادقين (17) وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ~~فصبر} نستبق على أقدامنا. وقد ثبت أن النبي سابق عائشة رضي الله عنها ~~مرتين، فسبقته عائشة في المرة الأولى، وسبقها النبي في المرة الثانية، فقال ~~لها: " هذه بتلك ". # وقوله: {وتركنا يوسف عند متاعنا} يعني: عند ثيابنا وأقمشتنا {فأكله الذئب ~~وما أنت بمؤمن لنا} يعني: بمصدق لنا {ولو كنا صادقين} يعني: وإن كنا ~~صادقين. # فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقولوا لنبي الله: أنت لا تصدق الصادق؟ { # الجواب معناه: أنا لو كنا صادقين عندك كنت تتهمنا في هذا الأمر بشدة حبك ~~له وميلك إليه، فكيف وقد خفتنا في الابتداء واتهمتنا في حقه؟} # وفيه معنى آخر: وهو أن معنى قوله {وما أنت بمؤمن لنا} : أنك لا تصدقنا ~~لأنه لا دليل لنا على صدقنا، وإن كنا صادقين عند الله. # PageV03P015 # قوله تعالى: {وجاءوا على قميصه بدم كذب} هذا دليل على أنهم نزعوا قميصه ~~عنه حين ألقوه في البئر، فروى أنه قال لهم: دعوا لي قميصي أتستر به، فقالوا ~~له: ادع الشمس والقمر والكواكب تسترك - يعنون: ما رأى من الرؤيا. # وقوله: {بدم كذب} وقيل: بدم يعني: بدم ذي كذب. وقيل: مكذوب فيه. وعن ~~الحسن البصري أنه قرأ: " بدم كدب " بالدال غير المعجمة وهو الدم المتغير. # وفي القصة: أنهم لطخوا القميص بالدم ولم يشقوه، فقال يعقوب صلوات الله ~~عليه: كيف أكله الذئب ولم يشق قميصه؟ ! ما عهدت الذئب حليما. حكى عن الحسن ~~البصري. # PageV03P015 # {جميل والله المستعان ms0715 على ما تصفون (18) وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم ~~فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون (19) ~~وشروه بثمن} # وروي أن بعضهم قالوا: قتله اللصوص، فاختلفوا على يعقوب فاتهمهم به و {قال ~~بل سولت لكم أنفسكم} يعني: كذبتم، بل زينت لكم أنفسكم {أمرا} والتسويل: ~~التزيين، وقوله: {فصبر جميل} معناه: فأمري صبر جميل. وقيل: فصبر جميل ~~أختاره. والصبر الجميل: هو الذي لا شكوى فيه ولا جزع. وقوله: {والله ~~المستعان على ما تصفون} معناه: والله المستعان على الصبر على ما تكذبون. # وفي القصة: أنهم ذهبوا وجاءوا بذئب وقالوا: هذا الذي أكل ولدك، فقال له ~~يعقوب: يا ذئب! أكلت ولدي وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله تعالى وقال: بالله ما ~~رأيت وجه ابنك قط، فقال: فكيف وقعت بأرض كنعان؟ فقال: جئت لصلة قرابة. ~~أورده النقاش في تفسيره، والله أعلم. # واختلفوا في موضع البئر الذي أدلي فيها يوسف؛ قال قتادة: هي بئر بيت ~~المقدس. وقيل: إنها بئر بأرض الأردن، وقال مقاتل: بئر معروفة، كانت بين ~~منزل يعقوب وبينها ثلاثة فراسخ، والله أعلم. # PageV03P016 # قوله تعالى: {وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه} السيارة: هم القوم ~~المسافرون، سموا سيارة لأنهم يسيرون في الأرض. وقوله: {فأرسلوا واردهم} ~~والوارد: هو الذي يقدم القوم ليستقي الماء من البئر. قال الأصمعي: تقول ~~العرب: أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر، ودليتها إذا نزعتها من البئر. ~~وقوله {قال (يا بشراي} هذا غلام) فيه قولان: أحدهما - وهو أظهر القولين -: ~~أن معنى قوله: {يا بشراي} أي: أبشروا، هذا غلام. ذكره الفراء والزجاج. # والقول الثاني: أنه نادى صاحبه - وكان اسمه بشرى - فقال: يا بشراي، هذا ~~غلام أي: يا فلان، هذا غلام. ذكره الأعمش والسدي. # PageV03P016 # وفي القصة: أن البئر كانت على غير الطريق، ولكن القوم ضلوا الطريق حتى ~~وقعوا عليها، فلما جاء الوارد وأرسل الدلو لطلب الماء، تعلق به يوسف، نزعوا ~~على ظن أنه الماء. وروى ابن مجاهد، عن أبيه أن جدران البئر كانت تبكي على ~~يوسف حتى أخرج منها. وفي القصة أيضا أن صاحب السيارة ms0716 كان مالك بن دعر، رجل ~~من خزاعة. وقوله: {وأسروه بضاعة} معناه: أن الوارد ومن كان معه أسروه بضاعة ~~عن أهل الرفقة، مخافة أن يطلبوا المشاركة فيه. # وقوله: {بضاعة} معناه: أنهم قالوا: نقول للقوم: إن أهل الماء استبضعونا ~~هذا الغلام. والبضاعة: هي القطعة من المال، والبضع: هو القطع. ومنه قوله في ~~فاطمة رضي الله عنها: " إنها بضعة مني " أي: قطعة مني. وهذا خبر ثابت. # وقوله: {والله عليم بما يعملون} ظاهر. # PageV03P017 # قوله تعالى: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} أكثر أهل التفسير على أن ~~الذين باعوه إخوته، وهو قول ابن عباس وعامة المتقدمين. وقوله " شروه " هو ~~بمعنى: باعوه. # قال الشاعر: # (وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامة) # وفي القصة: أن القوم لما استخرجوا يوسف من البئر جاء إخوته وقالوا: هذا ~~غلام أبق منا وهددوا يوسف حتى لم يعرف (حاله) وأقر ما قالوه ثم إنهم باعوه ~~منهم. # والقول الثاني في الآية: أن الذين باعوا يوسف هم الذين استخرجوه من ~~البئر. والصحيح هو الأول. # وقوله: {بثمن بخس} البخس في اللغة: هو النقص، ومعنى البخس هاهنا: هو ~~الحرام؛ سمي الحرام بخسا لأنه مبخوس البركة. هذا قول الشعبي وغيره. وقال ~~بعضهم: {بثمن بخس} أي: ذي ظلم. وعن ابن مسعود، وابن عباس أنهما قالا: # PageV03P017 # {بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) وقال الذي اشتراه من مصر ~~لامرأته أكرمي مثواه} بثمن بخس: زيوف. وقيل: بثمن بخس أي: قليلا. # اختلفوا، كم كان الثمن؟ قال مجاهد: كان [اثنين وعشرين] درهما، والإخوة ~~أحد عشر رجلا، فاقتسموا وأخذ كل واحد درهمين سوى يهوذا فإنه لم يأخذ شيئا. ~~وعن ابن عباس قال: باعوه بعشرين درهما. وقيل: [باعوه] بأربعين. # قوله {دراهم معدودة} يعني: أنهم عدوها عدا ولم يزنوها وزنا لقلتها. وقال: ~~إنهم كانوا لا يزنون ما دون الأوقية وهو أربعون درهما. # وقوله: {وكانوا فيه من الزاهدين} يعني: (أنهم) لم يكن لهم رغبة في يوسف؛ ~~لأنهم لم يعرفوا كرامته على الله. وقيل: إنهم كانوا في الثمن من الزاهدين ~~على معنى أنه لم يكن قصدهم الثمن؛ ms0717 إنما قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه. # PageV03P018 # وقوله تعالى: {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه} في القصص: ~~أن مالك بن دعر قدم به مصر وعرضه على البيع فاشتراه قطيفير صاحب أمر الملك ~~وخازنه، وقيل: قنطور، وكان يسمى العزيز ولم يك أحد بمصر يسمى باسمه كرامة ~~وتشريفا، فروى أنه اشتراه بعشرين دينارا ونعلين وحلة. وذكر وهب بن منبه أنه ~~لما عرض على البيع تزايد الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه: وزنه ذهبا ووزنه فضة ~~ووزنه مسكا ووزنه حريرا، وكان وزنه أربعمائة رطل ومائتا (من) ". قال وهب: ~~وكان ابن ثلاث عشرة سنة في ذلك الوقت. وقد بينا أن على قول بعضهم: كان ابن ~~سبع عشرة سنة. قال كعب وغيره: كان من أحسن الناس وجها، كان على صورة آدم ~~حين خلقه # PageV03P018 # {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من} ~~الله تعالى قبل أن يواقع المعصية. وفي بعض الآثار: " أن يوسف أعطي شطر ~~الحسن ". وهو غريب، وقيل: إنه انتزع إلى جدته سارة، وكانت سارة أعطيت سدس ~~الحسن. # وقوله: {لامرأته} قيل: كان اسمها: راغيل. وقيل: كان اسمها: زليخة. # وقوله: {أكرمي مثواه} معناه: أكرميه في المطعم والملبس والمقام. والمثوى ~~في اللغة: موضع الإقامة، ويقال: ثوى بالمكان إذا أقام. # وقوله {عسى أن ينفعنا} يعني: نبيع بالربح إن أردنا البيع، أو ينفعنا ~~بالخدمة إن لم نبعه. وقوله {أو نتخذه ولدا} يعني: أو نعتقه ونتبناه. وقد ~~ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه برواية أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، ~~عنه أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز في يوسف حين قال لامرأته: " أكرمي ~~مثواه عسى أن ينفعنا " وابنة شعيب في موسى - عليه السلام - حيث قالت: " يا ~~أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين " [وأبو بكر في عمر رضي الله ~~عنهما] حيث استخلفه. # وقوله: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} معناه: كما خلصناه من الهلاك ونجيناه ~~من ظلمة البئر كذلك مكناه في الأرض؛ والأرض هاهنا: أرض مصر، وقوله: ( ~~{مكناه} ) أي (بالتهليل) وبسط اليد ms0718 ورفع المنزلة إلى أن بلغ ما بلغ. # وقوله: {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} قد بينا من قبل. وقوله: {والله غالب ~~على أمره} فيه قولان؛ أحدهما: أن الله غالب على أمره لا يمنعه منه مانع، ~~ولا يرده عما يريد راد. # PageV03P019 # {تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) ~~ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) وراودته التي هو ~~في بيتها عن} # والقول الثاني: والله غالب على أمر يوسف بالتدبير والحياطة حتى يبلغه ~~منتهى علمه فيه. وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ظاهر. # PageV03P020 # قوله تعالى: {ولما بلغ أشده} الأكثرون على أن الأشد: ثلاث وثلاثون سنة ~~وإليها تنتهي، يعني: قوة الشباب. وقيل: ثلاثون سنة. وقيل: من تمام [ثماني ~~عشرة] سنة إلى أربعين. وسئل مالك عن الأشد، فقال: هو الحلم. # وقوله {آتيناه حكما وعلما} أي: فقها وعقلا. وقيل: الحكم: النبوة، والعلم: ~~هو الفقه في الدين. والفرق بين الحكيم والعالم: أن العالم هو الذي يعلم ~~الأشياء، والحكيم: هو الذي يعلم بما يوجبه العلم. وقيل: هو الذي يمنع نفسه ~~عما يجهله ويسفهه، ومنه حكمة الدابة؛ لأنها تمنع الدابة عن الفساد. قال ~~الشاعر: # (أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا) # يعني: امنعوا سفهاءكم. # وقوله: {وكذلك نجزي المحسنين} ظاهر المعنى. # PageV03P020 # قوله تعالى: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} معنى المراودة: طلب ~~الفعل، والمراد هاهنا: هو الدعاء إلى الفاحشة. وقوله: {وغلقت الأبواب} ~~يعني: أطبقت الأبواب واستوثقت منها، ويقال: إنها غلقت سبعة أبواب. وقوله: ~~{وقالت هيت لك} معناه: هلم، وعلى هذا أكثر المفسرين. وقيل: معناه: تعال أنا ~~لك. وقريء: " هيت لك " أي: تهيأت لك. وأنكر الكسائي هذه القراءة. قال ~~الشاعر في قوله هيت: # (أبلغ أمير المؤمنين ... أخا العراق إذا أتينا) # (أن العراق وأهله ... عنق إليك فهيت هيتا) # PageV03P020 # {نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه ~~لا يفلح الظالمون (23) ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} # وقوله: {قال معاذ الله} معناه: قال: أعوذ بالله أي: ms0719 أعتصم به إنه ربي. # [و] الأكثرون أنه أراد به العزيز؛ ومعناه: إنه سيدي. وقوله: {إنه ربي ~~أحسن مثواي} أي: أكرم مثواي. وقوله: {إنه لا يفلح الظالمون} أنه لا يسعد ~~الزناة ولا العصاة. # PageV03P021 # قوله تعالى: {ولقد همت به وهم بها} [الآية] ، الهم: هو المقاربة من الفعل ~~من غير دخول فيه. وقوله: {ولقد همت به} همها: هو عزمها على المعصية والزنا، ~~وأما هم يوسف: فاعلم أنه قد ثبت عن عبد الله بن عباس أنه سئل عن قوله {وهم ~~بها} قال: جلس منها مجلس الخاتن وحل هميانه. رواه ابن أبي مليكة، وعطاء ~~وغيرهما. وعن مجاهد أنه قال: حل سراويله وجعل يعالج ثيابه. وهذا قول أكثر ~~المتقدمين؛ منهم: سعيد بن جبير، والحسن البصري، والضحاك وغيرهم. # [و] قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وقد أنكر قوم هذا القول؛ والقول ما ~~قاله متقدمو هذه الأمة وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء من غير ~~علم. وكذلك قال ابن الأنباري، وزعم بعض المتأخرين أن الهم (كان منها) : هو ~~العزيمة على المعصية، وأما الهم منه: كان خاطر القلب وشدة المحبة بالشهوة. # وفي القصة: أن المرأة قالت له: ما أحسن عينيك، فقال: هي أول ما تسيل من ~~وجهي في قبري، فقالت: ما أحسن شعرك، فقال: هو أول ما ينشر في قبري، فقالت ~~إن فراش الحرير مبسوط فقم فاقض حاجتي، فقال: إذا يذهب نصيبي من الجنة، ~~فقالت: إن الجنينة عطشة فقم فاسقها، فقال: إن المفتاح بيد غيري، قال: فجاء # PageV03P021 # الشيطان ودخل بينهما وأخذ يحنكه وحنكها حتى همت به وهم بها، ثم إن الله ~~تعالى تدارك عبده ونبيه بالبرهان الذي ذكره. وقال قطرب: معنى قوله: {وهم ~~بها} أي: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه. # وأنكر سائر النحاة عليه هذا القول، وقالوا إن العرب لا تؤخر لولا عن ~~الفعل، وإنما كلام العرب هو التقديم فحسب، فإنهم يقولون: لولا كذا لفعلت ~~كذا، ولا يقولون، فعلت كذا لولا كذا. وقال بعضهم: " وهم بها " أي: بضربها ~~ودفعها عن نفسه، وهو تأويل بعيد. وقال ms0720 بعض أهل التفسير: يحتمل أن ذلك القدر ~~الذي فعله يوسف من الهم كان في تلك الشريعة من الصغائر يجوز على الأنبياء. ~~قال الحسن البصري: إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء في القرآن ليعيرهم ~~بها؛ ولكن ذكرها ليبين موقع النعمة عليهم بالعفو، ولئلا ييأس أحد من رحمته ~~وقيل: إنه ابتلاهم بالذنوب ليتفرد بالطهارة والعزة، ويلقاه جميع الخلق يوم ~~القيامة على انكسار المعصية. وقوله: {لولا أن رأى برهان ربه} أكثر أهل ~~التفسير: أنه رأى يعقوب صلوات الله عليه [صكه] في صدره وهو يقول له: أتعمل ~~عمل السفهاء وأنت في ديوان الأنبياء؟ ! # وروى ليث، عن ابن عباس أنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته فرأى كفا بلا ~~معصم ولا عضد مكتوب عليها:: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين} ففزع وهرب، ~~ثم إنه عاد، فظهر ذلك الكف مكتوبا عليها: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ~~وساء سبيلا} ففزع وهرب، ثم إنه عاد فرأى ذلك الكف أيضا مكتوبا عليها: ~~{واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} ففزع وهرب، ثم إنه عاد؛ فقال الله ~~لجبريل: أدرك عبدي قبل أن يواقع الخطيئة، فجاء ومسحه بجناحه حتى خرجت شهوته ~~من أنامله. # PageV03P022 # {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) واستبقا ~~الباب} # وقال جعفر بن محمد الصادق: معنى البرهان: أنه كان في البيت صنم فقامت ~~المرأة وسترته بثوب، فقال لها يوسف: لم فعلت هذا؟ فقالت: استحييت منه أن ~~يراني وأنا أواقع المعصية، فقال يوسف: أنا أحق أن أستحي من ربي، وهرب. # وقال محمد بن كعب القرظي: البرهان: هو أن الله تعالى أخطر بقلب يوسف حرمة ~~الزنا، وشدة العقوبة عليه، فهرب وترك. وأورد النقاش أنه لما قرب منها رأى ~~شعرة بيضاء في أنفها فعافها وتركها. وهذا قول بعيد؛ والأصح من هذه الأقوال: ~~الأول. # وقد روي أن يعقوب صلوات الله عليه لما تمثل له صك في صدره وقال: يا يوسف ~~أنت قبل أن تزني كالطير في جو السماء [ولا تطاق] ، فإذا زنيت فأنت كالطير ~~يسقط ويموت، وأنت قبل أن تزني كالثور ms0721 لا يطاق، فإذا زنيت صرت كالثور يهلك ~~فيدخل النمل في (أصول) قرنه. # وقوله: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} السوء: هو الثناء القبيح، ~~والفحشاء: هو مواقعة الزنا. فإن قيل: هذا دليل على أنه لم يهم بالزنا ولم ~~يقصده، قلنا: لا، هذا بعد الهم. فإن قيل: أليس قد قال في أثناء السورة: ~~{ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} ؟ قلنا: قد ثبت عن النبي: " أن يوسف لما ~~قال هذا، قال له جبريل: ولا حين هممت؟ فقال: وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء ". # قوله: {إنه من عبادنا المخلصين} قرئ: " المخلصين " و " المخلصين " ومعنى ~~المخلص: هو الذي يخلص الطاعة لله، ومعنى المخلص: هو الذي أخلصه الله ~~واختاره. # PageV03P023 # {وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من ~~أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) وإن كان قميصه قد ~~من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من ~~كيدكن إن} # PageV03P024 # قوله تعالى: { [واستبقا] الباب} روي أن يوسف بادر الباب ليفتح ويخرج، ~~والمرأة بادرت الباب لتمسك الباب فلا يخرج يوسف، فسبق يوسف وأدركته المرأة ~~وأخذت بثوبه وشقته من دبر؛ وهذا معنى قوله: {وقدت قميصه من دبر} أي: شقت. ~~وقوله: {وألفيا سيدها لدا الباب} يعني: وجدا زوج المرأة عند الباب فبادرت ~~المرأة {قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا} ثم خافت عليه أن يقتل فقالت: ~~{إلا أن يسجن أو عذاب أليم} ضرب بالسياط، فلما سمع يوسف مقالتها # PageV03P024 # {قال هي راودتني عن نفسي} يعني: هي طلبت مني الفاحشة. وقوله: {وشهد شاهد ~~من أهلها} فيه قولان: أحدهما: أن الشاهد كان صبيا في المهد قال هذا القول، ~~وهذا قول أبي هريرة وسعيد بن جبير والضحاك، وهو إحدى الروايتين عن ابن ~~عباس. قال أبو هريرة: " تكلم ثلاثة من الصبيان في المهد: عيسى ابن مريم ~~صلوات الله عليه (وصاحب) جريج وشاهد يوسف " والقول ms0722 الثاني أن الشاهد كان ~~رجلا حكيما من قرابات المرأة وكان قائما مع زوجها فسمع الجلبة من وراء ~~الباب ورأى شق القميص فقال القول وهو قوله تعالى: {إن كان قميصه قد من قبل ~~فصدقت وهو من الكاذبين} الآية. # PageV03P024 # وقوله: {فلما رأى قميصه قد من دبر} عرف أن الذنب لها {قال إنه من كيدكن ~~إن كيدكن عظيم} وفي القصة: أنه كان قليل الحمية والغيرة، ثم قال ليوسف: # PageV03P024 # {يوسف أعرض عن هذا} يعني: لا تذكر هذا حتى يشيع، ثم قال للمرأة: ~~{واستغفري لذنبك} توبي إلى الله تعالى {إنك كنت من الخاطئين} ظاهر المعنى. # PageV03P024 # {كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ~~(29) وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا ~~إنا} # PageV03P025 # قوله تعالى: {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه} ~~المدينة هاهنا: مدينة مصر، وقيل: إنها مدينة عين شمس. # وأما النسوة قالوا: هن خمس نسوة: امرأة حاجب الملك، وامرأة صاحب الدواب، ~~وامرأة صاحب الطعام، وامرأة صاحب الشراب، وامرأة صاحب السجن. وقال بعضهم: ~~هن نسوة من أشراف نسوة مصر. # وقوله: {امرأة العزيز} قيل العزيز: هو الممتنع بقدرته عن أن يضام في ~~أمره. وقوله: {تراود فتاها عن نفسه} فتاها هاهنا بمعنى: عبدها، والمعنى: ~~أنها تطلب من عبدها [أن] يرتكب الفاحشة. وقوله {قد شغفها حبا} روي عن ابن ~~عباس - رضي الله عنها - أنه قال: " شغفها حبا " أي: غلبها. وروي عنه أيضا ~~أنه قال: " شغفها حبا " أي: دخل الحب في شغاف قلبها، وشغاف القلب: داخل ~~القلب. وقيل: شغاف القلب: جلدة القلب؛ كأن الحب خرق الجلدة وأصاب القلب ~~وغلب عليه. وقيل: شغاف القلب: [سويداء] القلب. وقيل: حبة القلب. قال ~~الشاعر: # (ولا [وجد] إلا دون وجد وجدته ... أصاب شغاف القلب فالقلب مشغف) # قرئ في الشاذ: (شعفها) حبا " ومعناه: ذهب الحب بها كل مذهب، ومنه: شعف ~~الجبال أي: رءوسها. # وقوله: {إنا لنراها في ضلال مبين} أي: في خطأ ظاهر. ويقال: في ضلال مبين ~~يعني: أنها تركت ما يكون عليه ms0723 أمثالها من الستر والعفاف. # PageV03P025 # {لنراها في ضلال مبين (30) فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ ~~وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن ~~أيديهن} # PageV03P026 # قوله: {فلما سمعت بمكرهن} أي: بتدبيرهن. وقد روي أنها أفشت إليهن سرها ~~واستكتمتهن فأفشين ذلك؛ فلهذا سماه مكرا. وقوله: {وأرسلت إليهن} أي: دعتهن. ~~وقوله: {وأعتدت لهن متكئا} قال ابن عباس ومجاهد: المتكأ يتكئون على ~~الوسائد. وقد روي عن النبي أنه قال: " أما أنا فلا آكل متكئا " وهذا مما ~~اختاره الله تعالى له من التواضع، وأما الجبارون والعظماء فقد اعتادوا ~~الأكل متكئين. وقيل: " وأعتدت لهن متكئا " أي: طعاما وشرابا واتكاء. # وقرىء في الشاذ: " وأعتدت لهن متكا " والمتك: هو الأترج. ذكره ابن عباس ~~ومجاهد. وقيل: إنه البزماورد. أورده الضحاك. وقيل: هو كل ما يحز بالسكين. ~~وفي القصة: أنها دعت أربعين امرأة من أشراف [نساء] مصر وزينت بيتا بألوان ~~الفواكه والوسائد وفرشت البسط. وقوله: {وآتت كل واحدة منهن سكينا} أي: ~~وأعطت كل واحدة منهن سكينا؛ وقد كانوا يأكلون اللحم جزا بالسكين؛ والسنة هو ~~النهش. # وقوله: {وقالت اخرج عليهن} أمرت يوسف بأن يخرج عليهن فخرج وقد أخذن ~~السكاكين ليقطعن المأكول. وقوله: {فلما رأينه أكبرنه} فيه قولان: أحدهما: ~~أعظمنه. والآخر: حضن. قال الشاعر: # (نأتي النساء لدى أطهارهن ولا ... نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا) # يعني: إذا حضن. والأولى هو الأول. وأنكر أبو عبيدة أن يكون " أكبرن " ~~بمعنى: # PageV03P026 # {وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلكن الذي ~~لمتنني فيه} حضن. # وقوله {وقطعن أيديهن} الأكثرون على أن هذا خدش وجرح بلا إبانة. وقال ~~بعضهم: إنهن قطعن أيديهن على (تحقيق) قطع اليد جملة. والأول أصح. يقال: قطع ~~فلان يده إذا خدشها وجرحها. # وفي القصة: أنهن بهتن وذهبت عقولهن [و] قطعن أيديهن ولم يعلمن بذلك حتى ~~سالت الدماء منهن وقوله: {وقلن حاش الله} وقرىء: " حاشا لله " ومعناه: ~~[معاذ] الله أن يكون {ما هذا بشرا} ومعناه: بشرا مثل سائر البشر. وقرىء: " ~~ما هذا مشتريا " أي: بعبد مشترى. ms0724 وقوله: {إن هذا إلا ملك كريم} يعني: ملك ~~كريم على ربه. وقد روى أنس، عن النبي أنه قال: " أعطي يوسف شطر الحسن ". ~~وعن ابن إسحاق - صاحب المعاني - قال: ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن. # وروى أبو سعيد الخدري، عن النبي في قصة المعراج " أنه رأى يوسف في السماء ~~الثالثة، قال: فرأيت وجهه كالقمر ليلة البدر ". وروي أنه كان إذا مشى في ~~سكك مصر رئي لوجهه ضوء على الجدران. وروي أنه لما ملك، وكان إذا دخلت عليه ~~امرأة غطى وجهه لئلا تفتتن به. # PageV03P027 # قوله تعالى: {قالت فذلكن الذي لمتنني فيه} الملامة هو الوصف بالقبيح على ~~وجه التحقير، ومعنى قولها " فذلكن الذي لمتنني فيه " أن هذا هو الذي لمتنني ~~فيه، # PageV03P027 # {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من ~~الصاغرين (32) قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن ~~أصب} ثم صرحت بما فعلت (وقالت) : {ولقد راودته عن نفسه} وإنما صرحت بذلك ~~لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهن بعد ذلك وقد أصابهن ما أصابهن من ~~رؤيته. وقوله تعالى: {فاستعصم} أي: امتنع. وقوله: {ولئن لم يفعل ما آمره ~~ليسجنن} يعني: ليعاقبن بالحبس. وقوله: {وليكونا من الصاغرين} أي: (ليكونن) ~~من المستحقرين والمستذلين. وعن وهب بن منبه: أن أولئك النسوة عشقنه وماتت ~~جماعة منهن من عشقه. # PageV03P028 # قوله تعالى: {قال رب السجن أحب إلي} وقرىء في الشاذ: " رب السجن " وهو ~~الحبس، والسجن موضع الحبس {مما يدعونني إليه} يقال: لو لم يقل هذا لم يبتل ~~بالسجن. وفي بعض الأخبار: " البلاء موكل بالمنطق "، والأولى بالمرء أن يسأل ~~الله العافية. # وقوله: {مما يدعونني إليه} فيه قولان: أحدهما: أن الدعاء كان منها خاصة؛ ~~لكنه أضاف إلى جميع النسوة خروجا من التصريح إلى التعريض. # والقول الثاني: أنهن جميعا دعينه إلى أنفسهن. # وقوله: {وإلا تصرف عني كيدهن} معناه: وإلا تصرف عنى شرهن {أصب إليهن} أي: ~~أمل إليهن. قال الشاعر: # (حتى متى تصبو ورأسك أشمط ... أظننت أن الموت باسمك يغلط) # وقوله: {وأكن من الجاهلين} هذا دليل ms0725 على أن المؤمن إذا ارتكب ذنبا يرتكب ~~عن جهالة، وقيل معناه: وأكن من المذمومين كما يذم الإنسان بفعل ما يقدم ~~عليه جاهلا. # PageV03P028 # {إليهن وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو ~~السميع العليم (34) ثم بدا لهن من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) ~~ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني ~~أحمل فوق} # PageV03P029 # قوله تعالى: {فاستجاب له ربه} أي: أجاب له ربه. وقوله: {فصرف عنه كيدهن} ~~أي: شرهن {إنه هو السميع العليم} ظاهر المعنى. # PageV03P029 # قوله: {ثم بدا لهم} أي: ظهر لهم. وقوله: {من بعد ما رأوا الآيات} هاهنا ~~شق القميص، وكلام الطفل، وجز النساء أيديهن بالسكاكين، وذهاب عقولهن بما ~~رأين من جماله. وقوله: {ليسجننه حتى حين} أي: ليحبسنه إلى مدة. قال عطاء: ~~إلى حين: إلى أن تنقطع مقالة الناس. # PageV03P029 # قوله تعالى: {ودخل معه السجن فتيان} في القصة: أن المرأة قالت لزوجها: قد ~~فضحني هذا الغلام العبراني (في الناس) ، فإما أن تأذن [لي] أخرج وأعتذر من ~~الناس، وإما أن تحبسه، فحبسه، ولما حبس حبس الملك بعد ذلك رجلين من خاصته؛ ~~أحدهما: صاحب طعامه، والآخر: صاحب شرابه، ويقال: كان يسمى أحدهما: سرهم، ~~والآخر: شرهم. وكان سبب حبسهما: أن الملك اتهم صاحب الطعام [أنه] : قصد ~~سمه، وظن أيضا أن صاحب الشراب مالأه على ذلك؛ وكان الملك هو الوليد بن ~~مروان العمليقي، وقيل غير هذا الاسم. # وقوله: {قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا} وروي أن يوسف - عليه السلام - ~~لما دخل السجن جعل يدعو إلى الله وينشر علمه، فرأى هذين الرجلين وهما ~~مهمومان فسألهما عن شأنهما فذكرا أنهما صاحبا الملك، وأن الملك حبسهما، وقد ~~رأيا رؤيا وقد غمهما ذلك، فقال لهما: قصا علي ما رأيتما، فقصا عليه ~~رؤياهما؛ وهذا معنى قوله: {قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا} . وفي القصة: ~~أنه قال: رأيت حبلة عليها ثلاثة عناقيد فجنيتهن وعصرتهن خمرا وسقيت منه ~~الملك. # PageV03P029 # {رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين (36) قال ~~لا ms0726 يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما ~~علمني ربي إني تركت ملة} # وقوله: {أعصر خمرا} العصر: هو الاعتماد باليد على ما فيه مائية ليحلب عنه ~~الماء. وقوله {خمرا} : قيل: عنبا، قيل: هذا بلغة عمان، قال المعتمر: لقيت ~~أعرابيا معه سلة فيها [عنب] فقلت: ما معك؟ قال: الخمر. وقال الشاعر: # (ينازعني به ندمان صدق # (شواء) الطير والعنب الحقينا) # وأراد بالعنب: الخمر. ويقال: معنى قوله: {أعصر خمرا} أي: عنب خمر. ويقال: ~~معنى قوله: {أعصر خمرا} أي: عنبا؛ سماه خمرا باسم ما يؤول إليه؛ تقول ~~العرب: فلان يعصر الدبس ويطبخ الآجر يعني: يعصر العنب للدبس، ويطبخ اللبن ~~للآجر، قال الشاعر: # (الحمد لله الجليل المنان ... صار الثريد في رءوس العيدان) # وقوله: {وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه} روي أن ~~الآخر قال: إني أراني كأني أحمل ثلاث سلال من الخبز على رأسي وسباع الطير ~~ينهش منه. # وقوله: {نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين} قال: كان يوسف عليه السلام ~~إذا مرض في السجن مريض عاده وقام عليه، وإذا افتقر إنسان جمع له شيئا، وإذا ~~رأى مظلوما نصره، وإذا رأى حزينا سلاه، وكان مع هذا يقوم الليل كله ~~بالصلاة. # والقول الثاني: {إنا نراك من المحسنين} يعني: من المحسنين لعبارة الرؤيا، ~~والإحسان بمعنى العلم؛ يقال: فلان يحسن كذا، أي: يعلمه. # PageV03P030 # قوله تعالى: {قال لا يأتيكما طعام} الآية، بدأ يوسف - صلوات الله عليه - ~~قبل تعبير الرؤيا بإظهار المعجزة والدعاء إلى توحيد الله؛ فقوله: {لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه # PageV03P030 # {قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون (37) واتبعت ملة آبائي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله ~~علينا وعلى} إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما) فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~لا تدعوان بطعام من منازلكما إلا نبأتكما بقدره ولونه وطعمه والوقت الذي ~~يصل إليكما فيه قبل أن يصل إليكما؛ وهذه المعجزة مثل معجزة عيسى - عليه ~~السلام - وقوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} . # والقول ms0727 الثاني: أنه كان من رسم الملك إذا أراد أن يقتل إنسانا يبعث إليه ~~بطعام معروف عندهم، وإذا أراد أن يكرم إنسانا بعث إليه بطعام معروف عندهم؛ ~~فهذا معنى قوله: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} . # والقول الثالث: لا يأتيكما طعام ترزقانه في المنام إلا نبأتكما بتأويله ~~في اليقظة، فقالوا: من أين لك ذلك، أتتكهن أم تتنجم؟ فقال: لا؛ ولكن مما ~~علمني ربي. فهذا معنى قوله {ذلكما مما علمني ربي} . وقوله: {إني تركت ملة ~~قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} ظاهر. # PageV03P031 # ثم قال: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} أظهر أنه نبي وأنه من ~~ولد الأنبياء. وقوله: {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} معناه: أن الله قد ~~عصمنا من الإشراك به. وقوله: {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس} يعني به: ~~ما أقام من الدليل وبين من الهدى. وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} ظاهر ~~المعنى. # ثم زاد في الدلالة على التوحيد فقال: # PageV03P031 # {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون} وسماهما: صاحبي السجن؛ لأنهما كانا في ~~السجن، وقوله {أأرباب متفرقون} أي: أملاك متباينون هذا [من] ذهب، وهذا من ~~فضة، وهذا من نحاس، وهذا من خشب، وقيل: هذا أعلى، وهذا أوسط، وهذا أدنى، ~~وقوله: {خير أم الله الواحد القهار} الواحد الغالب على كل شيء، والمراد، ~~نفي الخيرية منهم أصلا، وقد ذكرنا # PageV03P031 # {الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون ~~خير أم الله الواحد القهار (39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (40) يا صاحبي السجن أما ~~أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر} من قبل ثم زاد وقال: # PageV03P032 # {ما تعبدون من دونه} أي: من دون الله {إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} ~~يعني: هذه الأصنام أسماء مجردة خالية عن المعنى. وقوله: {ما أنزل الله بها ~~من سلطان} أي: حجة {إن الحكم إلا لله} ما الحكم إلا الله ms0728 {أمر ألا تعبدوا ~~إلا إياه} ظاهر المعنى. قوله: {ذلك الدين القيم} أي: الطريق المستقيم {ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون} ظاهر المعنى. # وفي القصة: أن صاحب السجن لما سمع منه ما سمع، ورأى منه ما رأى أحبه حبا ~~شديدا وجعله على أهل السجن، وكذلك أهل السجن أحبوه حتى كان الرجل يخلى من ~~السجن فيعود إليه، فروي أن صاحب السجن قال له: أنا أحبك فقال: أنشدك الله ~~أن تحبني - يعني: أن لا تحبني - فإن من أحبني يوقعني في البلاء، أحبتني ~~عمتي فوقعت في بلاء، وأحبني والدي فألقيت في الجب، وأحبتني امرأة العزيز ~~فحبست. وروي أن صاحبي الملك قالا له هذه المقالة فأجابهما بهذا. # PageV03P032 # قوله: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا} روي أنه قال لصاحب ~~الشراب: أما تأويل رؤياك: فإنك تدعى بعد ثلاثة أيام وترد إلى منزلتك من ~~الملك. # وقوله: {وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} قال: وأما أنت يا صاحب ~~الطعام فتدعى بعد ثلاثة أيام وتصلب وتأكل الطير من رأسك؛ فروي أنهما جميعا ~~قالا: كذبنا ما رأينا شيئا، فقال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} يعني: فرغ ~~من الأمر وما قلت كائن؛ رأيتما أو لم ترياه. وقال أبو مجلز: الذي قال له: ~~أنا لم أر شيئا هو صاحب الطعام خاصة. وقد روي أنهما قد رأيا ما قالا حقيقة. ~~قوله: {قضي الأمر} تتميم الكلام. # PageV03P032 # {فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) وقال للذي ~~ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع ~~سنين} # PageV03P033 # قوله تعالى: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما} معناه: أنه (أيقن) أنه ناج ~~منهما {اذكرني عند ربك} أي: عند سيدك، فروي أنه قال له: قل للملك: إن في ~~السجن رجلا مظلوما قد طال حبسه. وقوله: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} الأكثرون: ~~معناه: فأنسى يوسف الشيطان ذكر ربه حتى استغاث بمخلوق مثله، وهذا قول ابن ~~عباس وغيره. # والقول الثاني: أن الشيطان أنسى الرجل الذي خلي من السجن ذكر يوسف لسيده. # وقوله: ms0729 {فلبث في السجن بضع سنين} الأكثرون: على أن بضع سنين هاهنا: سبع ~~سنين وقد كان لبث من قبل خمس سنين؛ فمكث فيه [اثنتي عشرة] سنة. وقال ~~الأخفش: البضع: من الواحد إلى العشرة، وقيل: من ثلاث إلى التسع؛ فروي: أن ~~الله تعالى بعث جبريل إليه، فقال له: قل يا يوسف من حببك إلى أبيك؟ فقال: ~~أنت يا رب، فقال: من خلصك من الجب؟ قال: أنت يا رب، قال: من صرف عنك السوء ~~والفحشاء؟ قال: أنت يا رب، قال: فما استحييت مني أن استعنت بمخلوق؟ {وعزتي ~~لأطيلن مكثك في السجن. وروي أنه قال: يا رب بحق آبائي اغفر لي ذنبي، فجاء ~~جبريل وقال له: وأي حق لآبائك علي؟} أما جدك إبراهيم: فقد جعلت النار عليه ~~بردا وسلاما، وأما إسماعيل: ففديته بكبش عظيم، وأما أبوك يعقوب: (فأعطيته) ~~اثني عشر ابنا وأخذت منهم واحدا، فما زال يبكي حتى ابيضت عيناه وجعل ~~يشكوني، فقال يوسف: إلهي بمنك القديم وفضلك العظيم وأياديك الكثيرة اغفر لي ~~ذنبي، فغفر له. وروي عن الحسن البصري أنه قال: دخل جبريل على # PageV03P033 # ( {42) وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون (43) ~~قالوا} يوسف عليهما السلام في السجن، فقال له: يوسف، يا أخ المنذرين ما ~~تعمل بين المذنبين؟ فقال [له] جبريل: يا طيب ابن الطيبين يقول لك ربك: أما ~~(استحييت) مني أن استعنت بمخلوق مثلك؟ ! وعزتي لأطيلن حبسك، فقال له يوسف ~~عليه السلام: أهو راض عني؟ فقال: نعم. فقال: إذا لا أبالي. وروي أنه قال ~~لجبريل: ما بلغ حزن أبي يعقوب؟ فقال: حزن سبعين ثكلى، فقال: وكيف أجره؟ ~~فقال: أجر مائة شهيد. # PageV03P034 # قوله تعالى: {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان [يأكلهن سبع عجاف] } ~~الملك هاهنا: ملك مصر، والملك هو القادر الواسع المقدور فيما يرجع إلى ~~السياسة والتدبير. وقوله: {إني أرى} معناه: إني أرى في المنام. وقوله: ~~{بقرات} : البقر: حيوان معروف يصلح للكراب، ومنه (المثل) : الكراب ms0730 على ~~البقر؛ لأنه أقوم به. # وقوله: {سمان} معلوم المعنى. # وروي أن الملك رأى سبع بقرات سمان خرجن من البحر كأسمن ما يكون من البقر، ~~ثم خرج عقيبه سبع بقرات عجاف في غاية الهزال والعجف، ثم إن العجاف ابتلعت ~~السمان وأكلتها حتى لم يتبين على العجاف منها شيء، ثم رأى [ {وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات} أي:] سبع سنبلات يابسة التوت على الخضر حتى غلبت عليها ~~فلم يبق من خضرتها شيء. وقوله: {يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم ~~للرؤيا تعبرون} الرؤيا (هو) ما يتخيله الإنسان في المنام، وقد بينا أن ~~النبي قال في الرؤيا الصادقة: " تلك عاجل بشرى المؤمن " وروي عن النبي أنه ~~قال: # PageV03P034 # {أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) وقال الذي نجا منهما ~~وادكر} " إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب " وله معنيان: أحدهما: ~~أن تقارب الزمان هو استواء الليل والنهار؛ والطباع عند استواء الليل ~~والنهار أصح؛ فالرؤيا أصدق. والمعنى الثاني: أن تقارب الزمان هو تقارب ~~الساعة. وقد روي في بدء وحي النبي: " أنه كان إذا رأى الرؤيا جاءت مثل فلق ~~الصبح ". # وقوله: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} يقال: عبرت الرؤيا: إذا فسرتها، والتعبير ~~هو التفسير هاهنا. # PageV03P035 # قوله تعالى {قالوا أضغاث أحلام} الضغث: كل ما قبض عليه من الأخلاط من ~~الحشيش وغيره. ومعنى الآية: روي عن قتادة أنه قال: أضغاث أحلام أي: أخلاط ~~أحلام. وعن مجاهد قال: أهاويل أحلام، وقيل: أباطيل أحلام. وقوله: {وما نحن ~~بتأويل الأحلام بعالمين} (ومعناه) : وما نحن بتأويل الأحلام (التي) وصفتها ~~هذه بعالمين. # PageV03P035 # قوله: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة} أي: مدة، [و] في القصة: أن ~~الملك جمع السحرة والكهنة والمعبرين وقص عليهم رؤياه، فلما عجزوا عن ~~تعبيرها اهتم هما شديدا، فتذكر الغلام الساقي حال يوسف عليه السلام، وقد ~~كان فجىء بقوله، فجثى بين يدي الملك وقال: إن في السجن رجلا محبوسا وهو ~~يعبر الرؤيا، وذكر قصته؛ فهذا معنى قوله: {وقال الذي نجا منهما واذكر بعد ~~أمة} والأمة هاهنا بمعنى الحين؛ وقد بينا ms0731 أنه حبس سبع سنين بعد ما عبر رؤيا ~~صاحب الملك. وعن وهب # PageV03P035 # {بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع ~~بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى ~~الناس لعلهم يعلمون (46) قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في ~~سنبله إلا قليلا} بن منبه قال: مكث يوسف في السجن سبع سنين، ومكث أيوب في ~~البلاء سبع سنين. وقرىء في الشاذ: " وادكر بعد أمة " بالهاء؛ ومعناه: بعد ~~نسيان. وقوله: {أنا أنبئكم بتأويله} معناه: أنا آتيكم بتأويله {فأرسلون} ~~يعني: أرسلني أيها الملك إليه. # PageV03P036 # وقوله: {يوسف أيها الصديق} في الآية اختصار، ومعناه: أن الملك أرسله إلى ~~يوسف، وهو قال: يوسف أيها الصديق، والصديق: (الكثير للصدق) . وقوله: ~~{أفتنا} معناه: أجبنا {في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر ~~وأخر يابسات} هذا ذكر تقصيص الرجل رؤيا الملك على يوسف. # وقوله: {لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون} فيه قولان: أحدهما: لعلي أرجع ~~إلى الناس لعلهم يعلمون تأويل الرؤيا. والثاني [معناه] : لعلي أرجع إلى ~~الناس لعلهم يعلمون منزلتك ودرجتك في العلم. # PageV03P036 # قوله تعالى: {قال تزرعون سبع سنين دأبا} هذا خبر بمعنى الأمر؛ ومعناه: ~~ازرعوا سبع سنين، يعني: على عادتكم؛ والدأب: العادة. وقوله {فما حصدتم} ~~الحصاد معلوم. وقوله: {فذروه في سنبله} أمرهم أن يتركوا الحنطة في السنابل ~~ليكون أبقى على الزمان. وقوله: {إلا قليلا مما تأكلون} يعني: مما تدرسون ~~وتأكلون؛ فكأنه أمرهم أن يحفظوا الأكثر ويأكلوا بقدر الحاجة. # PageV03P036 # وقوله: {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن} سمى السنين المجدبة شدادا ~~لشدتها على الناس. وقوله: {يأكلن ما قدمتم لهن} معناه: (يفنين) ويهلكن # PageV03P036 # {مما تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا ~~قليلا مما تحصنون (48) ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ~~(49) وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما ~~بال النسوة اللاتي} ما قدمتم لهن، وهذا على طريق التوسع والمجاز؛ فإن ~~السنين ms0732 لا تأكل شيئا، وإن القوم في السنين يأكلون. وقوله: {إلا قليلا مما ~~تحصنون} يعني: تحرزون؛ ومعناه: تحرزون للبذر. # PageV03P037 # وقوله: {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس} الغياث هاهنا: هو الخصب ~~والسعة. وقوله {وفيه يعصرون} قرىء بقراءتين: " يعصرون " و " تعصرون " ~~ومعناه: يعصرون الزيت من الزيتون، ومن العنب العصير، ومن السمسم الدهن. هذا ~~قول ابن عباس ومجاهد. # وقيل: يعصرون: ينجون. قال الشاعر: # (وصاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود) # ولقد كان عصرة المنجود يعني: المنجاة. وقيل: يعصرون: ينزل عليهم المطر من ~~السحاب، قال الله تعالى {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا} . # PageV03P037 # قوله تعالى {وقال الملك ائتوني به} في الآية اختصار أيضا فإن الرجل رجع ~~إلى الملك وقص عليه تأويل الرؤيا ثم قال الملك: ائتوني به. وقوله: ( {فلما ~~جاءه الرسول قال} ارجع إلى ربك) إلى سيدك {فاسأله ما بال النسوة اللاتي} ~~أي: ما حال النسوة اللاتي {قطعن أيديهن} على ما بينا من قبل، ولم يصرح بذكر ~~امرأة العزيز أدبا واحتراما. وقوله: {إن ربي بكيدهن عليم} أي: بحيلهن ~~ومكرهن عليم. # واعلم أنه قد صح عن النبي أنه قال: " لو لبثت في السجن مثل ما لبث يوسف ~~ثم جاءني الداعي لأجبت " وفي بعض الروايات أن النبي قال: " رحم الله أخي ~~يوسف؛ لقد كان ذا حلم وأناة، ولو كنت مكانه ثم دعيت لبادرت ". # PageV03P037 # {قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن ~~نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق ~~أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51) ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ~~وأن الله لا يهدي} فإن قيل: أيش قصد يوسف عليه السلام من رد الرسول وذكر ~~النسوة، وقد مضى على ذلك الزمان الطويل؟ # الجواب: المراد أنه أن لا ينظر إليه الملك بعين التهمة ويصير إليه وقد ~~زال الشكوك عن أمره فقال ما قال هذا. # PageV03P038 # قوله (تعالى) {قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف} روي أن الملك بعث إلى النسوة ~~وفيهن امرأة العزيز ms0733 فدعا بهن وقال لهن هذه المقالة، وقوله: {ما خطبكن} أي: ~~ما (حالكن) ؟ وقيل: ما أمركن؟ وقوله: {إذ راودتن يوسف عن نفسه} خاطبهن بهذه ~~المقالة، والمراد: امرأة العزيز خاصة، وقيل: إن امرأة العزيز راودته عن ~~نفسه وسائر النسوة أمرنه بالطاعة لها؛ فلهذا قال: إذ راودتن يوسف عن نفسه. ~~وقوله: {قلن حاش لله} معاذ الله {ما علمنا عليه من سوء} يعني: ما علمنا ~~عليه من تهمة ولا خيانة. وقوله: {قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا ~~راودته عن نفسه} وفي القصة: أن النسوة لما أخبرن ببراءة يوسف عما قرن به ~~أقبلن على امرأة العزيز يقرونها. وروي أنها خافت أن يقبلن عليها ويشهدن ~~عليها فأقرت وقالت: الآن حصحص الحق. معناه: تبين الحق. وقيل: معناه: الآن ~~ظهر الأمر بعد الانكتام. قال الشاعر: # (ألا مبلغ عني خداشا بأنه ... كذوب إذا ما حصحص الحق ظالم) # {أنا راودته عن نفسه} ظاهر المعنى. # قوله: {وإنه لمن الصادقين} # PageV03P038 # قوله تعالى: {ذلك ليعلم} اختلفوا على أن هذا قول من؟ الأكثرون أنه قول ~~يوسف؛ ومعناه: ذلك ليعلم العزيز {أني لم أخنه بالغيب # PageV03P038 # {كيد الخائنين (52) وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ~~ربي إن ربي غفور رحيم (53) وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه ~~قال إنك اليوم} وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) ومعناه: إنه لا يوضح ولا ~~يرشد كيد الخائنين. فإن قال قائل: كيف دخل قول يوسف في وسط هذا الكلام، ~~وإنما المذكور كلام جرى بين الملك والنسوة؟ ! # قلنا: اعتراض كلام آخر بين كلام. جائز على لغة العرب؛ قال الله تعالى في ~~قصة سليمان حكاية عن بلقيس: {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا ~~أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون} كلام الله تعالى اعتراض في الوسط ومنهم من ~~قال: وفي [الآية] تقدير من التقديم والتأخير، معناه: ارجع إلى ربك فاسأله ~~ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم؛ ذلك ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، ثم يرتب على هذا في ms0734 المعنى ~~قوله: {ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه} . # PageV03P039 # قوله تعالى: {وما أبرىء نفسي} الآية. روي: " أن جبريل عليه السلام قال ~~ليوسف حين قال: ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب. [فقال له] : ولا حين هممت ". ~~وروي أنه قال: حين حللت التكة. فقال يوسف: (وما أبرىء نفسي) {إن النفس ~~لأمارة بالسوء} يعني: إن النفس كثيرة الأمر بالسوء: السوء هاهنا هو ~~المعصية. وقوله: {إلا ما رحم ربي} قيل: إلا من رحم ربي، وفيه معنيان؛ ~~أحدهما: أنه أشار إلى حالة العصمة عند رؤية البرهان. والقول الثاني: إلا من ~~رحم ربي: هم الملائكة؛ فإن الله تعالى لم يركب فيهم الشهوة وخلقهم على ~~العصمة من الهم وغيره. # PageV03P039 # {لدينا مكين أمين (54) قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) ~~وكذلك} # وقوله: {إن ربي غفور رحيم} ظاهر. # PageV03P040 # قوله تعالى: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي} معناه: أجعله خاصا ~~لنفسي لا يشركني فيه أحد {فلما كلمه} في الآية اختصار أيضا فروي أنه ذهب ~~الرسول ودعاه فقام واغتسل ولبس ثيابا (نضافا) وجاء إلى الملك. وقوله: {فلما ~~كلمه} في القصة أن الملك طلب منه أن يعيد تعبير الرؤيا ليسمع منه شفاها، ~~فقص عليه، فهذا معنى قوله: {فلما كلمه} وقيل: إن الملك كان يعلم سبعين لغة ~~من لغات الناس فكلم يوسف بتلك اللغات فأجابه يوسف بها كلها وزاد (لسان) ~~العبرية والعربية ولم يكن الملك يعلم ذلك، فقال: {إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين} والمكانة: هي الجاه والحشمة والدرجة الرفيعة، وقوله: {أمين} أي: ~~صادق. # PageV03P040 # قوله تعالى: {قال اجعلني على خزائن الأرض} اختلفوا أن يوسف عليه السلام ~~لم طلب هذا؟ قال (بعضهم) : إنما طلب ذلك لأنه عرف أن ذلك؛ وصله إلى وصول ~~أهله إليه من أبيه وإخوته وغيرهم، ومنهم من قال: إنما طلب ذلك لأنه عرف أنه ~~أقوم الناس بالقيام بمصالح الناس في السنين الشداد، فطلب لهذا المعنى. # وقوله: {اجعلني على خزائن الأرض} الأرض هاهنا: أرض مصر، والخزائن: هي ~~خزائن الطعام والأموال. وقال ربيع بن أنس: " اجعلني على خزائن الأرض " أي: ~~على خراج مصر ms0735 ودخلها. # {إني حفيظ عليم} أي: حفيظ للخزائن، عليم بوجوه مصالحها. وفي بعض ~~التفاسير: " إني حفيظ عليم " أي: كاتب حاسب. فإن قيل: هل يجوز أن يتولى ~~المسلم من يد كافر عملا؟ # قلنا قد قالوا: إنه إذا علم أن الكافر يخليه والعمل بالحق يجوز أن يتولى. ~~وقد # PageV03P040 # {مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع ~~أجر} روي أن ملك مصر لم يكن طاغيا ظالما، وإنما كان رجلا عفيفا في دينه، ~~وإنما الطاغي الظالم كان فرعون موسى. وفي القصة: أن الملك مكث سنة لا يوليه ~~ثم ولاه. وفي بعض الغرائب من الأخبار برواية أنس عن النبي: " أن يوسف لو لم ~~يطلب يوليه في الحال، ولكنه لما طلب أخر الملك سنة ". فإن قال قائل: أيجوز ~~للإنسان أن يزكي نفسه وقد قال يوسف عليه السلام: " إني حفيظ عليم "؟ # قلنا: يجوز إذا كان في ذلك مصلحة عامة. وقيل: إنه يجوز (إذا عرف أنه) لا ~~يلحقه بذلك آفة وأمن العجب على نفسه. وعن بعض الأئمة: لا يضر المدح من عرف ~~نفسه. وقد قال عليه السلام: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " والخبر بطوله. # PageV03P041 # قوله تعالى: {وكذلك مكنا} روي أن الملك ولاه ما طلب بعد سنة وتوجه بتاج ~~مرصع بجواهر وأجلسه على سرير الذهب واعتزل الأمر كله، وفوض إليه، ودانت له ~~الملوك وسمي بالعزيز. وفي القصة أيضا أن امرأة العزيز مات زوجها فزوجها ~~الملك من يوسف - عليه السلام - وولدت له ولدين. وفي بعض الروايات: أنها ~~وقفت على طريق يوسف عليه السلام ونادت: سبحان من جعل الملوك عبيدا ~~بمعصيتهم، وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم. # قوله تعالى: { [مكنا] } ومعناه: ملكنا وبسطنا {ليوسف في الأرض} يعني: أرض ~~مصر {يتبوأ منها حيث يشاء} أي: ينزل منها حيث يشاء {نصيب # PageV03P041 # {المحسنين (56) ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) وجاء ~~إخوة يوسف} برحمتنا) معناه: (نصيب بنعمتنا) {من نشاء ولا نضيع أجر ~~المحسنين} ظاهر المعنى. # PageV03P042 # قوله: {ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا} معناه: ثواب الآخرة خير للذين ~~آمنوا. وقوله: {وكانوا يتقون} ms0736 ظاهر المعنى. # PageV03P042 # قوله تعالى: {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه} قال أصحاب الأخبار: لما نصب ~~الملك يوسف - عليه السلام - للقيام بالأمر، وتدبير مال مصر دبر في جمع ~~الطعام أحسن التدبير بنى الحصون والبيوت الكبيرة، وجمع فيها طعاما للسنين ~~المجدبة، وأنفق منها بالمعروف حتى مضت السنون المخصبة ودخلت سنون القحط، ~~فروي أنه كان دبر في [طعام] الملك وحاشيته مرة واحدة وهو نصف النهار، فكلما ~~دخلت سنة القحط كان أول من أخذ الجوع هو الملك فنادى بنصف الليل: يا يوسف، ~~الجوع، الجوع. وفي بعض الأخبار أنه كان يقدر لكل اثنين طعام اثنين وكان ~~يقدم جميعه بين يدي الواحد فلا يأكل إلا نصفه، فلما دخلت سنة القحط (قدم ~~طعام اثنين بين يدي واحد فقدم فأكل جميعه وطلب زيادة فعرف يوسف عليه السلام ~~أنه دخلت سنة القحط) ، والله أعلم. قالوا: ودخلت السنة الأولى بهول وشدة لم ~~يعهد الناس مثله، وكان كلما جاءت سنة أخرى كانت أهول وأشد، فلما كانت السنة ~~الثانية وصل القحط إلى كنعان - وهو منزل يعقوب وأولاده - فاحتاجوا إلى ~~الطعام حاجة شديدة فدعا بنيه وقال لهم: بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع ~~الطعام فتجهزوا واذهبوا إليه لتشتروا منه الطعام، قال: فأرسلهم وهم عشرة ~~نفر وحبس [ابنه بنيامين] عنده فقدموا مصر، فهذا معنى قوله: {وجاء إخوة ~~يوسف} . وقوله: {فعرفهم} # PageV03P042 # {فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني ~~بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (59) فإن لم} # قال ابن عباس ومجاهد: عرفهم بأول ما نظر إليهم، وقال الحسن: لم يعرفهم ~~حتى تعرفوا إليه. ومعنى الآية: فعرفهم بالتعريف؛ والمعرفة: تبين الشيء بما ~~لو شوهد لميز بينه وبين غيره. وقوله: {وهم له منكرون} يعني: أنهم لم ~~يعرفوه؛ والإنكار إبطال المعرفة بالقول، فإن قال قائل، كيف عرفهم ولم ~~[يعرفوه] وهم إخوة؟ ! # والجواب من وجوه: قال عطاء بن أبي رباح: كان عليه تاج الملك وكان قاعدا ~~على سرير الملك فلم يعرفوه. وذكر الكلبي أنه كان على زي ملوك مصر والأعاجم. # والقول ms0737 الثاني: أنه كلمهم من وراء ستر فلم يعرفوه لهذا وعرفهم؛ لأنه ~~أبصرهم ولم يعرفوه؛ لأنهم لم يبصروه، وهذا أضعف الأقوال. # والقول الثالث: أنهم كانوا تركوه صغيرا، وكان بين أن باعوه وبين أن دخلوا ~~عليه أربعون سنة فلم يعرفوه لهذا. وهذا قول حسن. وأما هو فكان تركهم رجالا. # والقول الرابع: أن يوسف كان يتوقع قدومهم عليه فلما [جاءوا] عرفهم، وأما ~~الإخوة ما ظنوا أنه يصل إلى ما وصل إليه [فأنكروه] لهذا. # PageV03P043 # قوله {ولما جهزهم بجهازهم} الآية، الجهاز: هو فاخر المتاع الذي ينقل من ~~بلد إلى بلد؛ ومعنى التجهيز هاهنا: هو أنه باع منهم الطعام وسلمه إليهم ~~وسهل لهم الرجوع إلى بلدهم. # وقوله: {قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم} في القصة: أنهم لما دخلوا عليه خلا ~~بهم في البيت وقال: إني استربت بحالكم فأخبروني من أنتم؟ فقالوا: نحن بنو ~~رجل صديق، فقال: ومن هو؟ قالوا: يعقوب، فاستخبرهم عن حاله، فذكروا أنه كان ~~له اثنا # PageV03P043 # {تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) قالوا سنراود عنه أباه وإنا ~~لفاعلون (61) وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا ~~عشر ابنا وأنه هلك واحد منهم في البرية (وحبس} واحدا وهو أخوه لأمه ليستأنس ~~به، فقال: أنا مستريب بكم، فإن كنتم صادقين فاحملوا ذلك الأخ معكم لتزول ~~الريبة عن حالكم. وقيل: إنه قال لهم لما قصت القصة عليه، قصتي مثل قصتكم ~~أيها القوم وقد فقدت أخا لي من أمي وأنا شديد الحزن عليه وقد نغص فراقه علي ~~ملكي فأحب أن تحملوه إلي لأشكو إليه حزني ويشكو إلي حزنه، فبهذا الطريق ~~قال: ائتوني بأخ لكم من أبيكم. # وفي بعض (التفاسير) : أنهم ذكروا إيثار يعقوب بنيامين) و (أخاه) في ~~المحبة فأحب أن يرى بنيامين لينظر هل هو موضع الإيثار؟ # وقوله: {ألا ترون أني أوفي الكيل} يعني: أتم الكيل ولا أبخسه. وقوله: ~~{وأنا خير المنزلين} قال مجاهد: أنا خير المضيفين، وكان قد أحسن ضيافتهم. # PageV03P044 # قوله تعالى: {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي} قال الحسن: إن لم ms0738 ~~تأتوني به فلا طعام لكم عندي إن جئتم. وقوله: {ولا تقربون} أي: لا تقربوا ~~بلادي ولا داري. # PageV03P044 # قوله تعالى: {قالوا سنراود عنه أباه} معناه: سنطلب إلى أبيه أن يرسله ~~معنا. وقوله: {وإنا لفاعلون} أي: مجتهدون. # PageV03P044 # قوله: {وقال لفتيته} قرىء بقراءتين: " لفتيانه " و " لفتيته " والفتى: هو ~~الشباب الكامل في القوة، والفتية والفتيان هاهنا: الغلمان. وقوله: {اجعلوا ~~بضاعتهم في رحالهم} يقال: إن بضاعتهم كانت دارهم حملوها لشراء الطعام. وعن ~~بعضهم: أن بضاعتهم كانت ثمانية جرب من سويق المقل. والأصح هو الأول. وقوله: ~~{في رحالهم} الرحل هاهنا: وعاء المتاع. وقيل: في جواليقهم. وقوله: {لعلهم ~~يعرفونها # PageV03P044 # {انقلوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62) فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا ~~أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون (63) قال هل ~~آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم ~~الراحمين (64) } إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) فيه قولان: أحدهما: ~~لعلهم يعرفون كرامتهم علينا، وإحساننا إليهم فيحملهم ذلك على الرجوع. # والقول الثاني: لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم - يعني: البضاعة - ~~فيرجعون لرد البضاعة نفيا للغلط. واختلف القول في أنه لم رد بضاعتهم عليهم؟ # فأحد الأقوال: ما بينا، وهو أن يكون ذلك حثا لهم على الرجوع. والثاني: ~~أنه عرف أن الدراهم كانت قليلة عندهم فرد الدراهم عليهم ليكون عونا لهم على ~~شراء الطعام. والثالث: أنه استحيا أن يعطي أباه وإخوته بالثمن مع شدة ~~حاجتهم وسعة الأمر عليه. # PageV03P045 # قوله تعالى: {فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل} إن لم ~~نحمل أخانا معنا. والثاني: أنه كان أعطى باسم كل واحد منهم وقرا، ولم يعط ~~باسم بنيامين شيئا، وقال: احملوه لأعطي باسمه؛ فهذا معنى قوله: {منع منا ~~الكيل} أي: منع منا الكيل لبنيامين؛ والمعنى بالكيل هو الطعام؛ لأنه يكال. ~~وقوله: {فأرسل معنا أخانا نكتل} أي: نكيل الطعام، وقيل: نكتل له. وقوله: ~~{وإنا له لحافظون} ظاهر. # PageV03P045 # قوله تعالى: {قال هل ءآمنكم عليه} الآية، معنى هذا: كيف آمنكم عليه وقد ~~فعلتم بيوسف ما ms0739 فعلتم. وقوله: {فالله خير حافظا} قرىء: " حفظا " و " حافظا ~~" ومعناه: حفظ الله خير من حفظكم، وحافظ الله خير من حافظكم. # قوله: {وهو أرحم الراحمين} ظاهر. # PageV03P045 # قوله تعالى: {ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم} يعني: ما حملوا ~~من الدراهم {قالوا يا أبانا ما نبغي} فيه قولان: أحدهما: أي شيء نطلب؟ على ~~طريق الاستفهام؛ قاله قتادة. وحقيقته: أنهم ذكروا ليعقوب عليه السلام إحسان ~~الملك # PageV03P045 # {ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه ~~بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ~~(65) قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط} ~~إليهم وإكرامه إياهم، [وحثوه] بذلك على إرسال بنيامين، فلما فتحوا المتاع ~~ووجدوا البضاعة قالوا: أي شيء نطلب بالكلام، هذا هو العيان في الإحسان ~~والإكرام. # والقول الثاني: أن " ما " هاهنا للنفي؛ ومعناه: لا نطلب منك مالا لنشري ~~به الطعام {هذه بضاعتنا ردت إلينا} هذا المال قد رد إلينا فنحمله ونشتري به ~~الطعام. والقول الأول أصح. # وقوله: {ونمير أهلنا} يقال: مار أهله إذا حمل لهم الطعام من بلد إلى بلد؛ ~~والميرة: هو الطعام المحمول. وقوله: {ونحفظ أخانا} يعني: مما تخاف عليه. ~~وقوله: {ونزداد كيل بعير} قال مجاهد: البعير هاهنا: هو الحمار، قال: هو ~~لغة، وكانوا أصحاب حمر ولم يكن لهم إبل. والأصح أنه البعير المعروف. وقوله: ~~{ونزداد} إنما قالوا هذا لأنه كان يعطى حمل بعير باسم كل رجل ولا يزيد؛ ~~فهذا معنى قوله: {ونزداد كيل بعير} . قوله: {ذلك كيل يسير} فيه معنيان: ~~أحدهما: ذلك كيل قليل؛ يعني: ما حملناه قليل لا يكفينا وأهلنا، فأرسل معنا ~~أخانا [نكتل] ليكثر ما نحمله من الطعام. والمعنى الثاني: ذلك كيل يسير أي: ~~هين على من يكتاله. # PageV03P046 # قوله تعالى: {قال لن أرسله معكم} في القصة: أن الإخوة جهدوا أشد الجهد ~~وضاق الأمر على يعقوب وقومه في الطعام فلم يجد بدا من إرسال [بنيامين] معهم ~~فقال: {لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله} الموثق: ms0740 هو العهد المؤكد ~~بالقسم، وقيل: المؤكد بإشهاد الله على نفسه. وقوله: {لتأتنني به إلا أن ~~يحاط بكم} فيه قولان، أحدهما: إلا أن تهلكوا جميعا. والآخر: إلا أن يأتيكم ~~أمر من السماء ليس لكم به قوة. # PageV03P046 # {بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) وقال يا بني لا ~~تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من} # وقوله: {فلما آتوه موثقهم} يعني: أعطوه {قال الله} تعالى {على ما نقول ~~وكيل} قال يعقوب: الله على ما نقول وكيل؛ والوكيل هو القائم بالتدبير، ~~وقيل: وكيل أي: شاهد [وقيل: شهيد، أي: شاهد] وقيل: حفيظ. # PageV03P047 # قوله تعالى: {وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد} أكثر المفسرين [على] ~~أنه خاف العين: لأنه كانوا أعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة، هذا قول ابن ~~عباس وغيره من المفسرين؛ والعين حق. وقد روي عن النبي أنه كان يعوذ الحسن ~~والحسين فيقول: (أعيذكما بكلمات الله [التامة] من كل شيطان [و] هامة، ومن ~~كل عين لامة " (3) . # وفي الباب أخبار كثيرة، وفي بعض الآثار. " العين حق، تدخل الجمل القدر ~~والرجل القبر ". # وفي الآية قول آخر: وهو أنه خاف عليهم ملك مصر إذا رأى قوتهم واجتماعهم ~~أن يحبسهم أو يقتلهم. وحكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كان يرجو يعقوب أن ~~يروا يوسف ويجدوه فقال: {وادخلوا من أبواب متفرقة} لعلكم (تجدون) يوسف [أو] ~~تلقونه. والصحيح هو الأول. # وقوله: {وما أغنى عنكم من الله من شيء} معناه: إن كان الله قضى فيكم ~~[قضاء] فيصيبكم [قضاؤه] مجتمعين كنتم أو متفرقين؛ ومعنى " أغنى " # PageV03P047 # {شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) ولما ~~دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس ~~يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (68) ولما ~~دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما} أي: أدفع. ~~وفي الخبر: الحذر لا يرد القدر. وقوله: {إن الحكم إلا لله} ms0741 هذا تفويض يعقوب ~~عليه السلام أموره إلى الله؛ والحكم: هو الفصل بين الخصوم بموجب العلم من ~~البشر، ومن الله صنع بموجب الحكمة {عليه توكلت} يعني: به وثقت وعليه ~~اعتمدت. # {وعليه فليتوكل المتوكلون} معناه: وبه يثق الواثقون. # PageV03P048 # قوله تعالى: {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم} يعني: من الأبواب المتفرقة ~~قيل: إن المدينة مدينة الفرما، و (كانت) لها أربعة أبواب، كانت مدينة ~~العريش. وقوله {ما كان يغني عنهم من الله من شيء} معناه: ما كان يدفع عنهم ~~من الله من شيء، وهذا الحق تحقيق لما ذكره يعقوب من قوله: {وما أغنى عنكم ~~من الله من شيء} . وقوله: {إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها} يعني: إلا مرادا ~~ليعقوب عليه السلام ذكره وجرى الأمر على ذلك. وقوله: {وإنه لذو علم لما ~~علمناه} قال أهل التفسير: معناه: وأنه كان يعمل ما يعمل عن علم، لا عن جهل. ~~ومنهم من قال: وإنه لذو علم بسبب تعليمنا إياه {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~لأنهم لم يسلكوا طريق العلم. # PageV03P048 # قوله: {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه} آوى إليه: ضم إليه، ومعناه: ~~أنزله مع نفسه. وفي القصة: أنه أنزل كل أخوين من أم بيتا، فبقي بنيامين ~~وحده فقال: انزل معي، وكان كل أخوين من أم على حدة. وقوله: {قال إني أنا ~~أخوك} # PageV03P048 # {كانوا يعملون (69) فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن ~~مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون} فيه ~~قولان: أحدهما: أنه أسر إليه أنه أخوه. والآخر: أنه قال: أنا لك مكان أخيك ~~الهالك. ذكره وهب وغيره. وقوله: {فلا تبتئس بما كانوا يعملون} معناه: فلا ~~تحزن بما عملوا مع أخيك، فإني لك بدل أخيك، فروي أنه قال له بنيامين: ومن ~~يجد أخا مثلك أيها الملك؛ ولكنك لست من يعقوب؛ فحينئذ ذكر أنه أخوه حقيقة. # PageV03P049 # قوله تعالى: {فلما جهزهم بجهازهم} قد ذكرنا. وقوله: {وجعل السقاية} ~~السقاية: هي الإناء الذي يشرب به. واختلفوا أنها من أيش كانت؟ قال ابن ~~عباس: كانت من زبرجد. وقال ms0742 مجاهد: كانت من فضة مرصعة بالجوهر، وقيل: كان من ~~ذهب. وعن بعضهم: أنه كان (إناء) مستطيلا شبه المكوك وله رأسان وفي وسطه ~~مقبض، فكان يكال من أحد الرأسين ويشرب من (الرأس) الآخر، وكان لا يكال إلا ~~به لعزة الطعام، وكان يسمع لها صوت: قد كيل في كذا. # وقوله: {في رحل أخيه} أي: في وعاء أخيه بين طعامه. وقوله: {ثم أذن مؤذن} ~~روي أنه تركهم حتى ذهبوا منزلا، وقيل: حتى أصحروا وخرجوا من العمارة، ثم ~~بعث من خلفهم من استوقفهم وقال: {أيتها العير إنكم لسارقون} والعير: هم ~~أصحاب الحمير. وقيل: قد يذكر ويراد به الإبل. فإن قال قائل: كيف استجاز ~~يوسف أن ينسبهم إلى السرقة ولم يسرقوا؟ # الجواب عنه من وجوه: أحدها معناه: إنكم لسارقو يوسف من أبيه، وعملتم كما ~~يعمل السراق. والثاني: أن الرجل قال من غير أمر يوسف، فإنه حين فقد الصاع ~~ظن أنهم سرقوا. والثالث: أن هذه هفوة من يوسف عليه السلام. وقد قالوا: إنه ~~عير ثلاث عيرات: الأولى: حين هم بامرأة العزيز إلى أن رأى البرهان، والثاني ~~حين قال للساقي: اذكرني عند ربك، والثالث: هذا؛ وهو أنه نسب إخوته إلى ~~السرقة. # والقول الأول أجود الأقاويل، ويقال: إنه كان واضع مع بنيامين، وقال ما ~~قال بالمواضعة، والله أعلم. # PageV03P049 # ( {71) قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) ~~قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا ~~فما} # PageV03P050 # قوله: {قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون} روي أنهم وقفوا وقالوا للقوم: ~~ماذا تطلبون؟ # PageV03P050 # قوله: {قالوا نفقد صواع الملك} قرأ يحيى بن يعمر: " صوغ الملك " بالغين ~~المعجمة [و] الصوغ من الذهب أو الفضة، والصواع يذكر ويؤنث، [و] الصواع: هو ~~السقاية التي ذكرها في الآية الأولى. وقيل: إنه كان يكون بين يدي الملك، ~~فإذا احتيج إليه أخذ. # وقوله: {ولمن جاء به حمل بعير} يعني: ولمن رده حمل بعير من الطعام. # وقوله: {وأنا به زعيم} أي: كفيل، والزعيم والكفيل والضمين بمعنى واحد، ~~ويسمى الرئيس زعيما؛ لأنه كفل ms0743 أمور القوم زعيم يقوم بمصالحهم ويتكلم عنهم. ~~فإن قيل: أتجوز الكفالة بالمجهول عندكم وهذه كفالة بالمجهول؟ قلنا: لا ~~تجوز، ويحتمل أن حمل البعير كان معلوما قدره عندهم. والثاني: أن هذه جعالة ~~ولم تكن كفالة، وعندنا تجوز مثل هذه الجعالة. # PageV03P050 # قوله تعالى: {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض} يعني: والله ~~ما جئنا لنفسد في الأرض أي: لنسرق في ملك مصر {وما كنا سارقين} في بلادنا ~~فنسرق في بلادكم. فإن قال قائل: كيف قالوا: لقد علمتم وكان (من جوابهم) أن ~~يقولوا: نحن لا نعلم؟ (قلنا) : إنما قالوا ذلك؛ لأنهم كانوا جماعة لهم قوة ~~وشدة ولم يكونوا يظلمون أحدا من الطريق ولا يتركون دوابهم تدخل في حرث أحد، ~~وروي أنهم دخلوا مصر حين دخلوا وقد جعلوا الأكمة على رءوس دوابهم لئلا تفسد ~~شيئا. # وجواب آخر: أنهم إنما قالوا هذا لأنهم ردوا البضاعة المحمولة في رحالهم ~~قالوا: فلو # PageV03P050 # {جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك ~~نجزي الظالمين (75) فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من} كنا ~~سارقين ما رددنا البضاعة؛ لأن من يطلب شيئا ليسرقه لا يخلي شيئا وقع في ~~يده. # فإن قيل: كيف جاز في العربية أن يقول القائل: (تالله، ولا يجوز أن يقول: ~~تالرحمن وتالرحيم) ؟ قلنا: لأن التاء بدل الباء؛ فإن الأصل في القسم حرف ~~الباء ثم أبدلت الواو بالتاء فلما كانت بدل البدل ضعفت عن التصرف واقتصرت ~~على الاسم الذي هو الأصل في القسم عادة ولسانا وهو " الله ". # PageV03P051 # قوله تعالى: {قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين} معناه: فما جزاء السارق إن ~~كنتم كاذبين بقولكم إنا لم نسرق؟ # PageV03P051 # قوله: {قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه} استعباد السارق من وجد في ~~رحله (فهذا) الجزاء جزاؤه؛ فيكون الثاني تأكيدا للأول. وفي الأول حذف على ~~عادة كلام العرب، والقول الثاني: قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فالسارق ~~جزاؤه؛ فهو كناية عن السارق، ومعنى جعله جزاء: أنه يسترق ويستعبد. واعلم ~~أنه كان من سنة يعقوب: ms0744 أن من سرق شيئا استرق سنة، وكان حكم ملك مصر أن يضرب ~~ويغرم ضعفي قيمته، [فمراد] يوسف أن يحبس أخاه عنده فرد الحكم في السرقة ~~إليهم فذكروا من حكم السرقة بما عرفوه في شريعة يعقوب عليه السلام، فأخذ ~~يوسف عليه السلام بذلك وحصل مراده من حبس أخيه. # وقوله: {كذلك نجزي الظالمين} يعني: أن إخوة يوسف قالوا: كذلك نجزي السراق ~~عندنا. # PageV03P051 # قوله تعالى: {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه} روي ~~أن المؤذن فتش عن أوعيتهم، وروي أنه رد جماعتهم إلى يوسف - عليه السلام - # PageV03P051 # {وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء ~~الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) قالوا إن يسرق} فأمر ~~بتفتيش أوعيتهم بين يديه. وفي القصة: أن ذلك الرجل كان كلما فتش وعاء ولم ~~يجد الصاع استغفر الله وأظهر التوبة فلما بقي رحل بنيامين قال: ما أظن أن ~~هذا أخذ شيئا قالوا: والله لا نتركك حتى تفتش وعاءه فتطيب أنفسنا ونفسك، ~~ففتش وعاءه واستخرج الصاع فبقوا منكسرين مستحيين ونكسوا رءوسهم خجلا وقالوا ~~لبنيامين: ما هذا يا ابن راحيل؟ {فقال: والله ما سرقت، فقالوا: كيف وقد وجد ~~الصاع في رحلك؟} فقال: وضع الصاع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم. قال: ~~وأخذوا بنيامين رقيقا عبدا. وفي القصة: أن ذلك الرجل أخذ برقبته ورده إلى ~~يوسف كما يرد السراق. وقوله: {كذلك كدنا ليوسف} معناه: دبرنا ليوسف، وقيل: ~~صنعنا ليوسف. وقال ابن الأنباري: أردنا ليوسف؛ وأنشد قول الشاعر # (كادت وكدت وذاك خير إرادة ... لو عاد من لهو الصبابة ما مضى) # فإن قيل: ما معنى قوله: {كذلك} وأيش هذه الكاف، والكاف للتشبيه؟ الجواب ~~عنه: أن هذا منصرف إلى قول يعقوب في أول السورة: {فيكيدوا لك كيدا} وكان ~~كيدهم: أنهم أخذوه من أبيه بحيلة وألقوه في الجب فقال الله تعالى: كما ~~كادوا في أمر يوسف: {كدنا ليوسف} في أمرهم؛ والكيد من الخلق هو: الحيلة، ~~ومن الله: التدبير بالحق. وقوله: {ما ms0745 كان ليأخذ أخاه في دين الملك} معناه: ~~ما كان يوسف ليجازي أخاه في حكم الملك، وقيل: في عادة الملك. قال الشاعر: # (أقول وقد درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني) # و" ما " هاهنا للنفي. وقوله: {إلا أن يشاء الله} معناه: إلا بمشيئة الله ~~يعني: فعل ما فعل بمشيئة الله تعالى. وقوله: {نرفع درجات من نشاء} قال هذا ~~في هذا الموضع؛ لأنه رفع درجة يوسف على درجتهم في العلم والملك والعقل ~~وغيره. وقيل: # PageV03P052 # {فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر ~~مكانا والله أعلم بما تصفون (77) قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا ~~كبيرا} نرفع درجات من نشاء بالتوفيق والعصمة. وقوله: {وفوق كل ذي علم عليم} ~~قال ابن عباس: وفوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله. وقرأ ابن ~~مسعود: وفوق كل عالم عليم ". # PageV03P053 # قوله تعالى: {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} أرادوا بأخيه من قبل: ~~يوسف - عليه السلام - واختلف القول في أنه أيش سرق؟ # قال سعيد بن جبير وقتادة: كان عند جده إلى أمه صورة تعبد فأخذها سرا ~~وألقاها لئلا تعبد. والقول الثاني: أنه كان يأخذ الطعام من مائدة أبيه سرا ~~فيعطيه المساكين. # والقول الثالث: أنه كان عند عمته تربيه، فأراد يعقوب أن ينتزعه منها فشدت ~~عمته تحت ثيابه منطقة، وادعت أنه سرقها لتحبسه عند نفسها ويترك عندها؛ ~~فإنها كرهت أن يؤخذ منها وكانت أحبته حبا شديدا، ذكره ابن إسحاق. # وقوله: {فأسرها يوسف في نفسه} فإن قال قائل: إلى أين يرجع قوله: {فأسرها ~~يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} ؟ قلنا: ليس لهذا مذكور سابق، ومعناه: أسر ~~الكلمة في نفسه، وتلك الكلمة أنه قال: {أنتم شر مكانا} ، ولم يصرح بهذا ~~القول. وقوله: {شر مكانا} يعني: شر صنيعا. وحقيقة معناه: أنه لم يكن من ~~يوسف سرقة صحيحة، وقد كانت منكم سرقة صحيحة؛ وهو سرقتكم يوسف من أبيه. # وقوله: {والله أعلم بما تصفون} يعني: والله أعلم أن أخاه قد ms0746 سرق أو لم ~~يسرق # PageV03P053 # قوله تعالى: {قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا} في القصة: أنهم ~~غضبوا غضبا شديدا لهذه الحالة، وكان يهوذا إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وإذا ~~صاح [فكل] امرأة حامل سمعت صياحه ألقت ولدها، وكان مع هذا إذا مسه أحد من # PageV03P053 # {فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين (78) قال معاذ الله أن نأخذ إلا ~~من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا ~~قال} ولد يعقوب [سكن] غضبه، وقيل: إن هذا كان صفة شمعون من أولاد يعقوب؛ ~~فروي أنه قال لإخوته: كم يكون من عدد الأسواق بمصر؟ فقالوا: عشرة أسواق، ~~فقال: اكفوني أنتم الأسواق وأنا أكفكم الملك، أو قال: اكفوني أنتم الملك ~~وأنا أكفكم الأسواق، قال: فدخلوا على يوسف فقال له يهوذا: أتردن علينا ~~أخانا أو لأصيحن صيحة تلقي كل حامل ولدها في هذه البلدة، وكان عند يوسف ابن ~~له صغير قائم عنده فقال: اذهب وخذ بيد ذلك الرجل وائتني به، فذهب وأخذ بيده ~~فسكن غضبه، فقال لإخوته: والله إن هاهنا بذرا من بذر يعقوب، فقال له الابن ~~الصغير: ومن يعقوب وأنا لا أدري يعقوب ولا ولده؟ . وروي أنه غضب ثانيا فقام ~~إليه يوسف وركضه برجله وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض وقال: معشر العبرانيين ~~تظنون أن لا أحد أشد منكم، ذكر هذا كله السدي وغيره، فلما صار أمرهم إلى ~~هذا خضعوا وذلوا وقالوا: {يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا} . # والعز: منع الضيم أو الضير بسعة السلطان والقدرة، والعزيز: هو المنيع بما ~~حصل له من واسع المقدور. # قوله: {إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه} معناه: خذ أحدنا بدله، ~~ونصب شيخا على نعت قوله: {أبا} . # وقوله: {إنا نراك من المحسنين} يعني: إنا نراك من المحسنين إلينا، ~~وإحسانه إليهم بتوفية الكيل، وحسن الضيافة، ورد البضاعة، وغيره. # PageV03P054 # قوله تعالى: {قال معاذ الله} أعتصم بالله {أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا ~~عنده إنا إذا لظالمون} معلوم المعنى، ومعناه: أن نأخذ البرىء بدل ms0747 الجاني، ~~فإن أخذنا فإنا ظالمون. # PageV03P054 # قوله تعالى: {فلما استيأسوا منه} في القصة: أنه لما استخرج الصاع وعاد ~~الإخوة إليه دعا بالصاع ونقره بقضيب في يده فطن الصاع. # PageV03P054 # {كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما ~~فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير} # فقال: يا قوم إن هذا الصاع ليخبرني بخبر، قالوا: وما يخبرك أيها الملك؟ ~~فقال: إنه يخبرني أنكم كنتم (اثنى) عشر إخوة وأنكم أخذتم أخا لكم من أبيكم ~~وألقيتموه في الجب وبعتموه من بعد، قال: فجعل ينظر بعضهم إلى بعض فقام ~~بنيامين وسجد له، وقال: صدق صاعك (أيها الملك) ، سله: أحي أخي أو لا؟ ، ~~فنقر الصاع ثانيا وطن فقال: إنه يقول: هو حي، وستراه. فقال: سله من سرق ~~الصاع؟ فقال: هو غضبان - يعني الصاع - ويقول كيف تسألني وقد رأيت في يد من ~~كنت؟ ! أورده النقاش وأبو الحسن بن فارس وغيرهما، والله أعلم. # ومعنى قوله: {فلما استيأسوا منه} أي: تيأسوا منه، وقال أبو عبيدة: ~~استيأسوا استيقنوا أن الأخ لا يرد إليهم، وأنشد: # (أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ... ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم) # يعني: ألم تعلموا. وقوله {خلصوا نجيا} يعني: انفردوا يتناجون، ويتشاورون ~~في أمر أخيهم، ومعنى {خلصوا} : أنه لم يكن معهم غيرهم. تقول العرب: قوم ~~نجى. قال الشاعر: # (حتى إذا ما القوم كانوا أنجية ... واختلطت أحوالهم كالأرشية) # وقوله: {قال كبيرهم} قال ابن عباس: هو يهوذا ولم يكن أكبرهم في السن، ~~ولكن كان في العقل أكبرهم، وقال مجاهد: هو شمعون وكانت له الرئاسة على ~~إخوته، وقال قتادة: هو الروبيل وكان أكبرهم في السن. # وقوله: {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله} قد بينا معنى ~~الموثق. وقوله: {ومن قبل ما فرطتم في يوسف} يعني: قصرتم وتركتم عهد أبيكم. # PageV03P055 # {الحاكمين (80) ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا ~~إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (81) واسأل القربة التي كنا فيها ~~والعير ms0748 التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ~~فصبر} وقوله: {فلن أبرح الأرض} يعني: لن أبرح أرض مصر {حتى يأذن لي أبي} ~~يعني: يدعوني أبي {أو يحكم الله لي} أي: يرد أخي إلي، وقيل: يحكم الله لي ~~بالسيف فأقاتلهم وأسترد أخي {وهو خير الحاكمين} يعني: وهو خير الفاصلين. # PageV03P056 # قوله تعالى: {ارجعوا إلى أبيكم} الآية: امضوا إلى أبيكم {فقولوا يا أبانا ~~إن ابنك سرق} وحكي عن ابن عباس أنه قرأ: " أنه إن ابنك سرق " وفيه معنيان: ~~أحدهما: اتهم بالسرقة. والآخر: علم منه السرقة. وقوله: {وما شهدنا إلا بما ~~علمنا} يعني: إلا بما رأينا فإنا رأينا إخراج الصاع من متاعه. وقوله: {وما ~~كنا للغيب حافظين} فيه قولان: أحدهما: ما كنا لليله ونهاره وذهابه ومجيئه ~~حافظين، وإنما كنا نعلم من حاله مادام عندنا، والقول الثاني يعني: أنا لو ~~علمنا أنه سيسرق ما حملناه مع أنفسنا فنحن لم نعلم هذا الغيب. # PageV03P056 # قوله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها} يعني: أهل القرية التي كنا ~~فيها. {والعير التي أقبلنا فيها} يعني: وأهل العير التي أقبلنا فيها، أي: ~~كنا فيها. # وقوله: {وإنا لصادقون} ظاهر. فإن قال قائل: كيف استجاز يوسف - عليه ~~السلام - أن يعمل كل هذا بأبيه ولم يخبره بمكانه ولم يرسل إليه أحدا، ثم ~~حبس أخاه عنده وقد عرف شدة وجده عليه، وهذا أعظم من كل عقوق، وفيه قطع ~~الرحم وقلة الشفقة؟ الجواب عنه: قد أكثر الناس في هذا، والصحيح أنه عمل ما ~~عمل بأمر الله تعالى، وأمره الله تعالى بذلك ليزيد في بلاء يعقوب ويضاعف له ~~الأجر، ويرفع درجته [فيلحقه] في الدرجة بآبائه الماضين. وقيل: إنه لم يظهر ~~نفسه للإخوة؛ لأنه لم يأمن عليهم أن يدبروا، في ذلك تدبيرا ويكتموا عن ~~أبيهم، والصحيح هو الأول. # PageV03P056 # قوله تعالى: {قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا} في الآية اختصار؛ لأنهم رجعوا # PageV03P056 # {جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العلم الحكيم (83) وتولى عنهم ~~وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ms0749 (84) } وذكروا ~~لأبيهم بما علمهم كبيرهم، ثم إن يعقوب قال ما قال، ومعنى التسويل هاهنا: أن ~~زينت لكم أنفسكم حمل أخيكم إلى مصر لتطلبوا نفعا عاجلا. # قوله تعالى: {فصبر جميل} أي: فصبري صبر جميل. والصبر: حبس النفس عما ~~تنازع إليه النفس وقد بينا معنى الجميل. وقوله: {عسى الله أن يأتيني بهم ~~جميعا} يعني: يوسف وأخاه بنيامين ويهوذا. وفي القصة: أن ملك الموت - عليه ~~السلام - زار يعقوب فقال له: أيها الملك الطيب ريحه، الحسن صورته هل قبضت ~~روح ولدي في الأرواح؟ فقال: لا. فسكن يعقوب على ذلك، وعلم أنه حي وطمع في ~~رؤيته. وقوله: {إنه هو العليم الحكيم} معناه: العليم بمكانهم، الحكيم في ~~تدبيرهم. # PageV03P057 # قوله تعالى: {وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف} الآية. روي أن بنيامين ~~لما حبسه يوسف اشتد الأمر على يعقوب غاية الشدة وبلغ الحزن [به نهايته] ، ~~ولم يملك بعد ذلك الصبر، فجزع، فهذا معنى قوله: {وتولى عنهم} أي: أعرض عنهم ~~{وقال يا أسفى} وروى أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي: " أن بعض ~~إخوان يعقوب زاره فقال له: يا يعقوب، ما الذي أعمى عينيك وقوس ظهرك؟ فقال: ~~أعمى عيني كثرة البكاء على يوسف، وقوس ظهري شدة الحزن على بنيامين، فبعث ~~الله تعالى إليه جبريل - عليه السلام - وقال: يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟ ! ~~فبعد ذلك دخل بيته ورد بابه، و {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} " ومعنى # PageV03P057 # {قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) قال ~~إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) يا بني} ~~قوله: {يا أسفى} يا حزن على يوسف، والأسف: شدة الحزن. وقوله: {وابيضت عيناه ~~من الحزن} يعني: غلب البياض على الحدقة وذهبت الرؤية. ونسبه إلى الحزن؛ ~~لأنه كان يبكي لشدة الحزن وعمي لشدة البكاء. وقوله: {فهو كظيم} أي: ممسك ~~على حزنه لا يبثه ولا يذكره للناس. فهذا بعد أن نهاه الله عن ذلك على ما ~~بينا. # PageV03P058 # قوله تعالى: {قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف} يعني: ms0750 لا تزال تذكر يوسف، و " ~~لا " محذوفة، وقوله: {حتى تكون حرضا} قال ثعلب - أحمد بن يحيى - الحرض: كل ~~شيء لا ينتفع به، قال مجاهد: الحرض ما دون الموت، وقال الفراء: الحرض هو ~~الذي فسد جسمه وعقله، وقال أبو عبيدة: الحرض هو الذي أذابه الحزن. وقيل: هو ~~المدنف البال، والأقوال متقاربة. # وعن أنس بن مالك أنه قرأ: " حتى تكون حرضا " والحرض: الأشنان، ومعناه: ~~حتى تصير كعود [الأشنان] ، وقوله: {أو تكون من الهالكين} أي: من الميتين. # PageV03P058 # قوله تعالى: {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون} قد بينا الخبر [الوارد] في هذا برواية أنس. والبث: الهم، {وحزني ~~إلى الله} ، وروى أنه قال: يا رب، أما ترحمني، قد أخذت مني كذا وكذا - وجعل ~~يعدد - رد إلي ريحانتي (فأشمها شمة ثم افعل) بي ما أردت ولا أبالي، فأوحى ~~الله - تعالى - إليه: أن اسكن وفرغ روعك فسأردهما إليك. وفي الآثار المسندة ~~عن الحسن البصري أنه قال: بكى يعقوب ثمانين سنة وما جف له دمع، ولم يكن على ~~وجه الأرض أحد أكرم على الله منه. قوله: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} ~~يعني: أعلم من حياة يوسف ما لا تعلمون، وقيل: أعلم من تحقيق رؤيا يوسف ما ~~لا تعلمون، فإن قال قائل: # PageV03P058 # كيف بكى يعقوب كل هذا البكاء وحزن هذا الحزن، وهل أصيب إلا بفقد ولد ~~واحد، أفما كان عليه أن يسلم الأمر إلى الله تعالى ويصبر؟ الجواب عنه: أنه ~~امتحن في هذا بما لم يمتحن به غيره، ولم يسأل عن يوسف مع طول الزمان، وكان ~~[ابتلاؤه] فيه أنه لم يعلم حياته فيرجو رؤيته، ولم يعلم موته فيسأل عنه، ~~وكان يوسف من بين سائر الإخوة خص بالجمال الكامل (والعقل) وحسن الخلق وسائر ~~ما يميل القلب إليه. وروي عن الحسن البصري أنه مات أخوه فبكى عليه بكاء ~~شديدا فسئل عن ذلك؟ فقال: سبحان من لم يجعل الحزن عارا على أهله، وقرأ قوله ~~تعالى: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} . وروى حبيب بن ms0751 أبي ثابت قال: لما ~~كبر يعقوب وطال عليه الحزن سقط حاجباه على عينيه من الكبر فكان يرفعهما ~~بخرقة، فدخل عليه بعض جيرانه وقال: ما الذي بلغ بك ما بلغ ولم تبلغ سن أبيك ~~بعد؟ قال: طول الزمان وكثرة [الأحزان] ، فبعث الله إليه جبريل - عليه ~~السلام - وقال: يا يعقوب، شكوتني إلى خلقي؟ ! فقال: خطيئة فاغفرها لي يا ~~رب. فغفرها الله له، وكان بعد ذلك إذا سئل عن حاله قال: " إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله " وعن وهب بن منبه: أن الله تعالى أوحى إلى يعقوب - عليه ~~السلام - فقال: أتدري لم عاقبتك وفرقت بينك وبين ولدك؟ قال: يا رب لا، ~~فقال: لأنك ذبحت شاة وشويتها وقترت على جارك وأكلت ولم تطعمه؛ وقد روى أنس، ~~عن النبي قريبا من هذا أورده الحاكم أبو عبد الله. وفي خبر أنس: " أن الله ~~تعالى قال ليعقوب: اتخذ طعاما وادع إليه المساكين، ففعل وكان بعد ذلك إذا ~~تغد أمر من ينادي: من أراد الغداء فليأت يعقوب، وإذا أفطر أمر من ينادي: من ~~أراد أن يفطر فليأت يعقوب، فكان يتغدى معه القوم الكثير، ويتعشى معه القوم ~~الكثير من المساكين ". # وفي القصة: أن سبب ابتلاء يعقوب أنه ذبح عجلا بين يدي أمها وهي تخور. وعن ~~عبد الله بن يزيد وابن أبي فروة: أن يعقوب - عليه السلام - كتب كتابا إلى # PageV03P059 # {اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من ~~روح الله إلا القوم الكافرون (87) فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ~~مسنا} يوسف حين حبس بنيامين: بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله ~~بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى ملك مصر أما بعد: فإنا أهل ~~بيت (وكل) بنا البلاء، أما جدي إبراهيم فشدت يداه ورجلاه وألقي في النار ~~فجعلهما الله عليه بردا وسلاما؛ وأما أبي إسحاق فشدت يداه ورجلاه ووضع ~~السكين على حلقه ففداه الله بكبش، وأما أنا فابتليت بفراق أحب أولادي إلي ~~وكنت أتسلى بأخيه من أمه وقد حبسته وزعمت ms0752 أنه سرق، والله ما أنا بسارق ولم ~~ألد سارقا فإن رددته إلي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك. فلما ~~بلغ (إليه الكتاب) بكى بكاء شديدا وأظهر نفسه على ما يرد. # PageV03P060 # قوله تعالى: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف} التحسس: طلب الشيء بالحاسة، ~~ومعناه: اطلبوا وابحثوا عن خبر يوسف وأخيه. # وقوله: {ولا تيأسوا من روح الله} في الشاذ قرىء: " من روح الله " (وعن ~~أبي بن كعب أنه قرأ: " من رحمة الله " والروح مأخوذ من الريح، وهو في ~~الحقيقة ما يستراح به. وقيل: من روح الله) أي: من فرج الله، قاله أبو عمرو ~~بن العلاء، وقيل: من رحمة الله، وقيل: من فضل الله. # وقوله: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} ظاهر المعنى. # PageV03P060 # قوله تعالى: ( {فلما دخلوا عليه} قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر) ~~يعني: الجوع والحاجة. وقوله: {وجئنا ببضاعة مزجاة} قال ابن عباس: كانت ~~دراهمهم زيوفا في هذه الكرة، ولم تك تنفق في الطعام فهذا معنى المزجاة، وعن ~~مجاهد وقتادة: مزجاة: قليلة يسيرة، وقال مقاتل: كانت بضاعتهم حبة الخضراء، ~~وعن الكلبي قال: كانت بضاعتهم الحبال وخلق الغرائر، وقيل: كانت سويق المقل. # PageV03P060 # {وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله ~~يجزي المتصدقين (88) قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ~~(89) قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه} # وقال (كعب: كانت عشرة دنانير. وقيل: كان متاع الأعراب من الصوف والأقط ~~وغيره. وقوله: {فأوف لنا الكيل} معناه: أتم كما كنت تتم كل مرة. وقوله: ~~{وتصدق علينا} أي: بما بين النافق والكاسد. وقيل: تصدق علينا بالتجوز. قال ~~الشاعر: # (تصدق علينا يا ابن عفان واحتسب ... وأمر علينا الأشعري لياليا) # يعنون: أبا موسى الأشعري، وقيل: وتصدق علينا بإطلاق أخينا، وعن مجاهد ~~قال: يكره أن يقول الرجل: اللهم تصدق علي؛ لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي ~~الثواب. فإن قال قائل: كيف قالوا: وتصدق علينا، والصدقة لا تحل للأنبياء؟ ~~الجواب: أن ms0753 سفيان ابن عيينة قال: قد كانت حلالا لهم، ولأنا بينا أن المراد ~~منه التجوز والمحاباة، وهذا جائز بالاتفاق. وقوله: {إن الله يجزي ~~المتصدقين} لم يقولوا: يجزيك؛ لأنهم لم يثقوا بإيمانه، فقالوا: إن الله ~~يجزي المتصدقين على الإطلاق لهذا. # PageV03P061 # قوله تعالى: {قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه} روي أنهم [لما] قالوا ~~هذا وسمعه يوسف أدركته الرقة، فقال لهم هذا القول: هل [علمتم] ما فعلتم أي: ~~ما صنعتم بيوسف وأخيه، والذي فعلوا بأخيه هو التفريق بينهما ولم يذكر ما ~~فعلوا بيعقوب دفعا لحشمته وتعظيما له. وقوله: {إذ أنتم جاهلون} معناه: إذ ~~أنتم آثمون عاصون، وعن ابن عباس قال: إذ أنتم صبيان، وعن الحسن قال: إذ ~~أنتم شبان ومعكم جهل الشبان، وفي القصة: أنه لما قال هذا القول تبسم فرأوا ~~ثناياه منظوما كاللؤلؤ فعرفوه وقالوا: # PageV03P061 # {أئنك لأنت يوسف} وقال بعضهم: قالوا هذا على التوهم ولم يكونوا تيقنوا ~~بعد حتى قال لهم: أنا يوسف. وقوله: {أنا يوسف وهذا أخي} # PageV03P061 # {من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) قالوا تالله لقد آثرك ~~الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ~~وهو أرحم الراحمين (92) اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ~~وأتوني بأهلكم} # حكى الضحاك أن في قراءة ابن مسعود: " وهذا أخي بيني وبينه قربى ". وقوله: ~~{قد من الله علينا} أي: أنعم الله علينا {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين} معناه: من يتق عن المعاصي ويصبر على الطاعات والمصائب. ~~وعن إبراهيم النخعي قال: من يتق الزنا ويصبر على العزوبة. # PageV03P062 # قوله تعالى: {قالوا تالله لقد آثرك الله علينا} يعني: فضلك الله علينا ~~{وإن كنا لخاطئين} وما كنا إلا خاطئين، وقيل: وقد كنا خاطئين، والفرق بين ~~خطأ وأخطأ أن خطأ: خطأ إذا تعمد، وأخطأ: خطأ إذا كان غير متعمد. # PageV03P062 # قوله تعالى: {قال لا تثريب عليكم اليوم} التثريب هو التعيير ذكره ثعلب ~~وغيره، وقيل: لا تثريب عليكم اليوم أي: لا عقوبة عليكم اليوم بعد اعترافكم ~~بالذنب، ms0754 قال الشاعر: # (فعفوت عنكم عفو غير مثرب ... وتركتكم لعقاب يوم سرمد) # وقوله: {اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} ظاهر المعنى. # PageV03P062 # قوله تعالى: {اذهبوا بقميصي هذا} روي أن الله تعالى لما جعل النار على ~~إبراهيم بردا وسلاما أنزل عليه قميصا من حرير الجنة فأعطاه إبراهيم إسحاق، ~~وأعطاه إسحاق يعقوب فجعله يعقوب في (قصبة) وشد رأسها وعلقها في عنق يوسف - ~~عليه السلام - وكان يكون في عنقه، فلما كان هذا الوقت بعث الله جبريل - ~~عليه السلام - أن افتح القصبة: وابعث إليه بالقميص فإنه لا يمسه مبتلى إلا ~~عوفي، ولا سقيم إلا صح وبرأ، فبعث بذلك القميص إلى يعقوب، فهذا معنى قوله ~~تعالى: {اذهبوا بقميصي هذا} وفي القصة أن يهوذا قال: أنا أذهب بالقميص إليه ~~فإني # PageV03P062 # {أجمعين (93) ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن ~~تفندون} ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إليه، فأعطاه وخرج حافيا [حاسرا] يعدو ~~ومعه سبعة أرغفة فلم يستوفها حتى بلغ كنعان، وقيل: إنه بعث على يد غيره، ~~[وقال] : {فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا} قال الفراء: يرجع بصيرا، وقال ~~غيره: يعد بصيرا؛ قال الحسن: لم يعلم أنه يعود بصيرا إلا بعد أن أعلمه الله ~~ذلك. # وقوله: {وأتوني بأهلكم أجمعين} أي: جيئوني بأهلكم أجمعين. # PageV03P063 # قوله تعالى: {ولما فصلت العير} يعني: انفصلت من مصر وخرجت. قوله: {قال ~~أبوهم إني لأجد} في القصة: أن ريح الصبا استأذنت من ربها أن تأتي بريح يوسف ~~إلى يعقوب - عليهما السلام - فهي التي جاءت بريح يوسف، والصبا: ريح تأتي من ~~قبل المشرق إذا هبت على الأبدان لينتها ونعمتها وطيبتها، وهيجت الأشواق إلى ~~الأحباب والحنين إلى الأوطان، قال الشاعر: # (أيا جبلي نعمان بالله خليا ... سبيل الصبا يخلص إلى نسيمها) # (فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على قلب محزون تجلت همومها) # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " وروي أن ~~القميص لما نشر هاجت منه ريح الجنة [فشمها] يعقوب - عليه السلام - فعلم ~~أنها جاءت من قبل قميص يوسف؛ لأنه لم يكن في ms0755 الأرض شيء من الجنة سواه. # وقوله: {لولا أن تفندون} معناه: لولا أن تضعفوا رأي، وقيل: لولا أن ~~تسفهوني، وقيل: لولا أن تنسبوني إلى الخوف والجهل. # قال الشاعر: # PageV03P063 # {قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) فلما أن جاء البشير ألقاه على ~~وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون (96) ~~قالوا يا أبانا استغفر} # (يا صاحبي دعا الملامة واقصرا ... طال الهوى وأطلتما التفنيدا) # PageV03P064 # قوله تعالى: {قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم} هذا قول بني بنيه، فإن ~~بنيه كانوا بمصر، ومعناه: تالله إنك لفي خطئك القديم، والخطأ: هو الذهاب عن ~~طريق الصواب؛ فإنه كان عندهم أن يوسف قد مات، وكانوا يرون يعقوب قد لهج ~~بذكره فإنه كان يخرج من بيته فيلقاه الرجل ومعه شيء يحمله فيقول: ضعه واسمع ~~مني حديثي، وكان يلقاه الخادم والجارية فيقول معه مثل هذا القول؛ وكانوا ~~يظنون به خرفا وخطأ عظيما، فهذا معني قولهم: إنك لفي ضلالك القديم، وقيل: ~~إنك لفي [شقائك] القديم، والشقاء هاهنا بمعنى التعب، وقيل: في غفلتك ~~القديمة، وقيل: في محبتك القديمة؛ قال الحسن البصري: فكان هذا عقوقا ~~(عظيما) منهم. # PageV03P064 # قوله تعالى: {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه} ومعناه: ألقى القميص ~~على وجهه. وقوله: {فارتد بصيرا} أي: عاد بصيرا ورجع بصيرا، فروي أنه عادت ~~قوته في الحال، وذهبت [الغشاوة] وزال البياض الذي كان بعينه، وفتح عينيه ~~كأحسن ما يكون، و {قال} لبنيه وبني بنيه: {ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما ~~لا تعلمون} وهذا دليل على أنه قد كان قال لهم: إن يوسف حي، وإني أرجو ~~رؤيته. (وقيل) : {إني أعلم من الله ما لا تعلمون} يعني: من تحقيق رؤيا يوسف ~~ما لا تعلمون، وفي بعض الأخبار أنه قال للبشير: ليس عندي شيء أعطيك ولكن ~~هون الله عليك سكرات الموت. وروي أنه لما جاءه خبر يوسف قال للبشير: على أي ~~دين تركت يوسف؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت النعمة. # PageV03P064 # قوله تعالى: {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا ms0756 كنا خاطئين} هذا دليل ~~على أنهم عملوا ما عملوا وكانوا بالغين. # PageV03P064 # {لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور ~~الرحيم (98) فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء ~~الله آمنين} # PageV03P065 # قوله تعالى: {قال سوف أستغفر لكم ربي} روي عن عبد الله بن مسعود - رضي ~~الله عنه - وجماعة من التابعين أنهم قالوا: أخر الدعاء إلى السحر وهو الوقت ~~الذي يقول الله تعالى: هل من داع (فيستجاب) له؟ هل من سائل فيعطى سؤله "؟ ~~(الخبر) " هل من مستغفر فيغفر له؟ " والقول الثاني: أنه أخر إلى ليلة ~~الجمعة حكى هذا عن ابن عباس، وقد روي في بعض الأخبار مرفوعا إلى النبي. وعن ~~عطاء بن ميسرة الخراساني قال: الحاجة إلى الشباب أسرع إجابة من الحاجة إلى ~~الشيوخ، فإن يوسف - عليه السلام - قال: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله ~~لكم ولم يؤخر، وحين طلبوا من يعقوب سوف وأخر. وفي القصة: أن يعقوب كان يصلي ~~من الليل ويقوم يوسف خلفه ويقوم بنوه خلف يوسف ويستغفرون لهم هكذا عشرين ~~سنة إلى أن نزل الوحي بمغفرتهم، وقوله: {إنه هو الغفور الرحيم} ظاهر ~~المعنى. # PageV03P065 # قوله تعالى {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه} روي أن يوسف بعث بمائتي ~~راحلة وجهاز كثير ليأتوا بيعقوب وقومه، قال مسروق: كانوا ثلاثة وتسعين من ~~بين رجل وامرأة، وروي: اثنان وسبعين وهو الأشهر. قال أهل الأخبار: ولما خرج ~~موسى ببني إسرائيل من مصر كان قد (بلغ) عددهم ستمائة ألف مقاتل وسبعين ~~ألفا، والذرية ألف ألف وسبعمائة ألف وكذا في القصة أنهم جاءوا فلما قربوا ~~من مصر # PageV03P065 # {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من ~~قبل} خرج يوسف ليلقاهم مع الجند، وروي أنه حمل الملك الأكبر مع نفسه، فلما ~~وصلوا إلى يعقوب قالوا ليعقوب: هذا ابنك قد جاء، قال: فأراد يوسف أن يبدأه ~~بالسلام، فقال جبريل: لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام، فقال (يعقوب:) السلام ~~عليك يا مذهب الأحزان، وقد روي أنهما ms0757 نزلا وتعانقا، وفي بعض القصص أنهما ~~مشيا فتقدمه يوسف بخطوة فجاء جبريل وقال له: أتتقدم على أبيك لا أخرج من ~~ذريتك نبيا أبدا، وفي بعض القصص: أن يوسف كان في أربعة آلاف من الجند، وقد ~~قيل غيره. وقوله: {آوى إليه أبويه} أي: ضم إليه أبويه، والأكثرون أن أبويه ~~أي: أباه وخالته، وقال الحسن البصري: هو أبوه وأمه وقد كانت حية، وفي بعض ~~التفاسير: أن الله تعالى بعث أمه وأحياها حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر، والله ~~أعلم. # وقوله: {وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} اختلفوا في [معنى] المشيئة ~~هاهنا، قال بعضهم: ادخلوا آمنين من الجواز {إن شاء الله} ، وقد كانوا لا ~~يدخلون قبل ذلك لمصر إلا بجواز، وقيل: في الآية تقديم وتأخير ومعناه: سوف ~~أستغفر لكم ربي إن شاء الله وقال: ادخلوا مصر آمنين. # PageV03P066 # قوله تعالى: {ورفع أبويه على العرش} الرفع: هو النقل إلى العلو، وضده ~~الوضع، والعرش: سرير الملك، وقد روي عن النبي أنه قال: " اهتز العرش لموت ~~سعد بن معاذ " قيل: أراد به سريره (الذي حمل عليه وليس بشيء؛ لأن الكلام ~~خرج على وصف التكريم، ولا كرامة في اهتزاز سريره الذي حمل عليه) ، وفي بعض ~~الروايات: " اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ " فالعرش في هذا الخبر هو ~~العرش المعروف واهتزازه استبشاره لإقبال روح سعد بن معاذ. ويجوز أن يكون ~~المراد # PageV03P066 # {قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من ~~بعد} بذكر العرش أهل العرش من الملائكة، والله أعلم. # وقوله: {وخروا له سجدا} معناه: وقعوا له ساجدين، واختلفوا في هذه السجدة ~~فالأكثرون أنهم سجدوا له، [و] كانت السجدة سجدة المحبة لا سجدة العبادة، ~~وهو مثل سجود الملائكة لآدم - عليه السلام - قال أهل العلم: وكان ذلك جائز ~~في الأمم السالفة، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك في هذه الشريعة وأبدل بالسلام، ~~وقال بعضهم: أنهم سجدوا لله لا ليوسف، وإنما خروا له سجدا؛ لأنه كان قدامهم ~~فحصل سجودهم إليه كما يسجد إلى ms0758 المحراب والجدار، والصحيح هو الأول، هكذا ~~قاله أهل العلم، والدليل عليه أنه كان في رؤياه: {إني رأت أحد عشر كوكبا ~~والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} ، فالشمس والقمر أبواه، وأحد عشر كوكبا هم ~~إخوته. # فإن قال قائل: كيف جاز السجود لغير الله؟ وإذا جاز السجود لغير الله فلم ~~لا تجوز العبادة لغير الله؟ والجواب: أن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية ~~التعظيم لا تجوز إلا لله؛ وأما السجود: نوع تذلل وخضوع بوضع الخد على الأرض ~~وهو دون العبادة، فلم يمتنع جوازه للبشر كالانحناء. # وقال بعضهم: {وخروا له سجدا} السجود هاهنا هو الانحناء وعبر عنه بالسجود، ~~وأما حقيقة السجود فلم تكن. وأولى الأقاويل هو الأول والله أعلم. # قوله: {وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} [تفسير] رؤياي من قبل {قد ~~جعلها ربي حقا} أي: صدقا {وقد أحسن بي} أي: أنعم علي {إذ أخرجني من السجن} ~~فإن قال قائل: كيف لم يقل: إذ أخرجني من الجب، وكانت المحنة عليه والبلية ~~في الجب أكثر منها في السجن؟ الجواب عنه: أنه أعرض عن ذكر # PageV03P067 # {أن نزغ الشيطان يبني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم ~~الحكيم (100) رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر ~~السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ~~(101) ذلك من أنباء الغيب} الجب تكرما لأن لا يخجل الإخوة عنه، وكان قد ~~قال: {لا تثريب عليكم اليوم} وفي إعادته تثريب وملامة، ولأن النعمة عليه في ~~الإخراج من السجن كانت أكثر؛ لأنه أخرج من الجب وجعل عبدا، وأخرج من السجن ~~وجعل ملكا. قوله: {وجاء بكم من البدو} البدو: بسيط من الأرض يسكنه أهل ~~الماشية بماشيتهم، وقد كان يعقوب وأولاده أهل مواشي وعمد، والعمد: الخيام، ~~فلهذا قال: وجاء بكم من البدو. وقوله: {من بعد أن نزغ الشيطان} معناه: من ~~بعد أن أفسد الشيطان {بيني وبين إخوتي} بالحسد. وقوله: {إن ربي لطيف لما ~~يشاء} اللطيف هو: الرفيق، ويقال معنى الآية: إن ربي لطيف (بمن) يشاء. ~~وحقيقة اللطيف هو ms0759 الذي يوصل الإحسان إلى غيره برفق. وقوله: {إنه هو العليم ~~الحكيم} ظاهر المعنى. # PageV03P068 # قوله تعالى: {رب قد آتيتني من الملك} الملك هو: اتساع المقدور لمن له ~~السياسة والتدبير، وأدخل كلمة " من " وهي للتبعيض؛ لأنه كان من يد ملك مصر، ~~وقيل: " من " للتجنيس هاهنا، قال محمد بن علي الباقر: ملك يوسف اثنتين ~~وسبعين سنة. وقال غيره: ثمانين سنة. وقوله: {وعلمتني من تأويل الأحاديث} ~~يعني: علم الرؤيا. وقوله {فاطر السموات والأرض} معناه: يا فاطر السماوات ~~والأرض. وقوله: {أنت ولي في الدنيا والآخرة} يعني: أنت تلي أمري في الدنيا ~~والآخرة. وقوله: {توفني مسلما} معناه: ثبتني على الإسلام عند الوفاة. # قال قتادة: ولم يسأل نبي من الأنبياء الموت سوى يوسف عليه السلام، وقد ~~ثبت عن النبي أنه قال: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل: ~~اللهم # PageV03P068 # أحيني ما دامت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي " وفي ~~القصة: أن يوسف لما جمع له شمله وأوصل الله إليه أبويه وأهله اشتاق إلى ربه ~~فقال هذا القول. وقد قال الحسن البصري: عاش بعد هذا سنين كثيرة. وقال غيره: ~~لما قال هذا القول لم يمض عليه أسبوع حتى توفي. وأما خبر وفاة يعقوب - ~~صلوات الله عليه - فقد قال أصحاب الأخبار: إن يعقوب عاش عند يوسف أربعا ~~وعشرين سنة بأغبط حال وأهنأ عيش ثم أدركته الوفاة فدعا بنيه وقال: يا بني، ~~{ما تعبدون من بعدي} الآية، وقد ذكرنا في سورة البقرة، وأوصى يوسف - عليه ~~السلام - أن يحمله إلى الأرض المقدسة ويدفنه بجنب أبيه إسحاق ففعل ذلك. ~~وقالوا: عاش يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، وأما يوسف فإنه عاش بعد أبيه ~~سنتين، وقيل: أكثر من ذلك، والله أعلم، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة ~~فدفنوه في نيل مصر: (لأن أهل مصر تشاحنوا عليه وطلب أهل كل محلة أن يدفن في ~~محلتهم رجاء بركته، ثم اتفقوا أن يدفن في نيل مصر) ليجري الماء عليه وتصل ~~بركته إليهم كلهم. وعن عكرمة: أنه دفن في [الجانب] الأيمن من النيل ms0760 فأخصب ~~ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر فاتفقوا على أن جعلوه في تابوت من حديد - ~~وقيل: من رخام - ودفنوه في وسط النيل، وقدروا ذلك بسلسلة عندهم فأخصب ~~الجانبان، وكان يوسف أوصى إخوته أنهم إذا خرجوا من مصر أخرجوه مع أنفسهم، ~~فلما كان زمن موسى أخرجه موسى مع نفسه إلى الأرض المقدسة ودفته بقرب آبائه؛ ~~وفي القصص أن عجوزا دلتهم على قبر يوسف وأن تلك العجوز سألت موسى مرافقته ~~في الجنة به حتى دلت، فنزل الوحي على موسى بأن يعطيها ذلك. # وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن الله تعالى لما جمع بين يعقوب ~~ويوسف قال له يوسف: يا أبتاه حزنت علي حتى انحنى ظهرك، وبكيت علي حتى # PageV03P069 # {نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (102) وما أكثر ~~الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر ~~للعالمين (104) } عمى بصرك، أما علمت أنا كنا نلتقي يوم القيامة؟ فقال: يا ~~بني، خشيت أن يسلب دينك فلا نلتقي يوم القيامة. وقوله: {وألحقني بالصالحين} ~~يعني: من آبائي وهم: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. # PageV03P070 # قوله تعالى: {ذلك من أنباء الغيب} يعني: من أخبار الغيب. # قوله: {نوحيه إليك} أي: نلقيه إليك بالوحي. وقوله: {وما كنت لديهم إذ ~~أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} هذا منصرف إلى إخوة يوسف ومكرهم حين أخذوه من ~~أبيه، وفائدة الآية: أنك إذا علمت هذا بتعليمنا إياك ووحينا إليك. # PageV03P070 # وقوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} روي أن قريشا واليهود ~~سألوا النبي عن قصة يوسف، فلما أخبرهم بها على ما كان يوافق التوراة، ولم ~~يكن في نفسه قارئا طمع أن يسلموا فلم يسلموا؛ فحزن لذلك فقال الله تعالى: ~~{وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} معناه: وما أكثر الناس بمؤمنين وإن حرصت ~~على إيمانهم. # PageV03P070 # قوله تعالى: {وما تسألهم عليه} أي: على التبليغ {من أجر} أي: من جعل ~~وقوله: {إن هو إلا ذكر للعالمين} أي: عظة للعالمين. # PageV03P070 # قوله - تعالى -: {وكأين من آية} معناه: وكم من آية. وقوله: {في السموات} ms0761 ~~السموات: سقوف الأرض بعضها على بعض طبقا طبقا {والأرض} هي موضع سكنى ~~الآدميين، وأما الآيات في السموات (كما) بينا من قبل، وذلك من شمسها وقمرها ~~ونجومها ودوران الفلك بها، واستوائها من غير عمد وغير ذلك، وقد زعم بعض أهل ~~العلم أنه يجوز للإنسان أن يتعلم علم النجوم بقدر ما يعرف به # PageV03P070 # {وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب ~~الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (107) قل هذه سبيلي أدعو إلى ~~الله على بصيرة أنا ومن} من آيات السماء، وأما آيات الأرض معلومة أيضا ~~[وهي] : شجرها ونباتها وجميع ما فيها وما يخرج منها. وقوله: {يمرون عليها ~~وهم عنها معرضون} معناه: أنهم يعرضون عنها مع مشاهدتها ولا يستدلون بها على ~~وحدانية الله. # PageV03P071 # قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} فإن قيل: كيف يجوز ~~اجتماع الإيمان مع الشرك في الواحد؟ الجواب من وجوه: أحدها: أن معناه {وما ~~يؤمن أكثرهم بالله} أي: وما يقر أكثرهم بالله إلا وهم مشركون بقلوبهم ~~وضمائرهم. # والثاني: أن مشركي مكة كانوا إذا قيل لهم: من خلقكم؟ قالوا: الله، وإذا ~~قيل لهم: من يرزقكم؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: من خلق السموات والأرض؟ ~~قالوا: الله ثم مع ذلك يعبدون الأصنام، وبعضهم يقولون: إن الملائكة بنات ~~الله، وبعضهم يقول: الأصنام شفعاؤنا عند الله، فالقول الأول: هو الإيمان، ~~[وليس] المراد من الإيمان هو حقيقة الإيمان الذي يصير به الإنسان مؤمنا، ~~وإنما المراد ما بينا. # والقول الثالث: أن معنى شركهم هو شركهم في التلبية، فإنهم كانوا يقولون: ~~لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. # PageV03P071 # قوله تعالى: {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله} قيل: قطعة من عذاب ~~الله، وقيل: عقوبة محللة من عذاب الله. وقوله: {أو تأتيهم الساعة بغتة} أي: ~~فجأة، والبغتة: وقوع الشيء من غير توقع سابق. قال الشاعر: # (ولكنهم باتوا ولم أدر بغتة ... وأفظع شيء ms0762 حين يفجؤك البغت) # وقوله: {وهم لا يشعرون} أي: لا يعلمون # PageV03P071 # {اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين (108) وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) حتى إذا ~~استيأس الرسل وظنوا أنهم} # PageV03P072 # قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله} أي: طريقي، والسبيل يذكر ~~ويؤنث، قال الشاعر: # (تمنى رجال أن أموت وإن مت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد) # وقوله: {على بصيرة} أي: على (يقين) ، والبصيرة هي المعرفة التي يميز بها ~~بين الحق والباطل. وقوله: {أنا ومن اتبعني} معناه: أدعو إلى الله أنا، ومن ~~اتبعني يدعون أيضا إلى الله، وقال بعضهم: تم الكلام عند قوله {أدعو إلى ~~الله} ثم استأنف وقال: {على بصيرة أنا ومن اتبعني} . وقوله: {وسبحان الله ~~وما أنا من المشركين} يعني أقول: سبحان الله، وما أنا من المشركين. # PageV03P072 # قوله تعالى: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} قال ~~الحسن البصري: لم يبعث الله نبيا من بدو، وإنما بعث الله الأنبياء من ~~الأمصار والقرى. وقال أيضا: لم يبعث الله نبيا من الجن ولا من النساء، ~~وقيل: لم يبعث الله نبيا من البادية لغلظهم وجفائهم، وأما أهل الأمصار فهم ~~[أحن] قلوبا وأذكى وأفطن في الأمور؛ فلهذا بعث الله الأنبياء منهم. وقوله: ~~{أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} ظاهر المعنى. # وقوله: {ولدار الآخرة} معناه: والحال في الدار الآخرة، وللإنسان حالان: ~~الحال الأولى، والحال الآخرة، وقيل: " ولدار الآخرة " هذا إضافة الشيء إلى ~~نفسه كقولهم: {خير للذين اتقوا} يوم الخميس، ويوم الجمعة، قال الشاعر: # (أتمدح فقعسا وتذم عبسا؟ { ... ألا لله أمك من هجين} !) # (ولو فزت عليك ديار عبس ... عرفت الذل عرفان اليقين) # PageV03P072 # {قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ~~(110) لقد} # أضاف العرفان إلى اليقين: وقوله: {أفلا تعقلون} أفلا تفقهون. # PageV03P073 # قوله تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا} ms0763 قرىء بقراءتين ~~بالتشديد والتخفيف، قرأ أهل الكوفة بالتخفيف، والآية مشكلة إذا قرئت ~~بالتخفيف؛ لأن القائل يقول: كيف ظن الرسل أنهم قد كذبوا، ولا يجوز هذا على ~~الأنبياء. وكانت عائشة تنكر هذه القراءة، وتقول: إنما هو " كذبوا " ~~بالتشديد، يعني: أن الرسل ظنوا أن من آمن بهم كذبوهم لشدة المحنة والبلاء ~~عليهم، وتطاول المدة بهم، هذا رواه الزهري عن عروة عن عائشة. وعن قتادة: أن ~~الظن هاهنا بمعنى اليقين، ومعناه: وأيقن الرسل أن القوم كذبوهم تكذيبا لا ~~يرجى بعده إيمانهم، وهو تأكيد لقوله: {حتى إذا استيأس الرسل} لأن معناه: ~~حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، أي: أيسوا، وأما القراءة بالتخفيف ~~هذه قراءة صحيحة، وهي منقولة عن علي وعن عبد الله بن مسعود وابن عباس وكثير ~~من الصحابة. # وفي معناه قولان: أحدهما: ما روي عن ابن عباس أنه قال: ضعفت قلوب الرسل - ~~وقد كانوا بشرا - بتطاول الزمان وكثرة الإمهال، وقد قال الله تعالى في موضع ~~آخر: {وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} وقوله: {متى ~~نصر الله} : استبطاء، أو قالوا هذا من ضعف البشرية. # والقول الثاني - وهو الصحيح - وهو منقول أيضا عن ابن عباس أن معنى الآية: ~~وظن من آمن بالرسل، أن الرسل قد كذبوا بالتخفيف، أو ظن القوم الذين بعث ~~إليهم أن الرسل قد كذبوا بالتخفيف، وقرأ مجاهد: " وظنوا أنهم قد كذبوا " ~~ومعناه كما ذكرنا في القول الثاني: أن ظن القوم أن الرسل قد كذبوا. # وقوله: { [جاءهم] نصرنا} ظاهر المعنى. وقوله: {فنجي من نشاء} المشيئة ~~واقعة على المؤمنين. وقوله: {ولا يرد بأسنا} أي: عذابنا {عن القوم ~~المجرمين} أي: # PageV03P073 # {كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي ~~بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) } عن القوم الكفار. # PageV03P074 # قوله - تعالى -: {لقد كان في قصصهم عبرة} أي: دلالة وآية. # قوله: {لأولي الألباب} أي: لأولي العقول. # وقوله: {ما كان حديثا يفترى} أي: [يختلق] يعني: قصة يوسف. # وقوله: {ولكن تصديق الذي بين يديه} يعني: من التوراة ms0764 والإنجيل. # وقوله: {وتفصيل كل شيء} يعني: من الحلال والحرام، والأمر والنهي، والوعد ~~والوعيد. وقوله: {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} (معناه: بيان ونعمة لقوم يؤمنون) ~~. والله أعلم بالصواب. # PageV03P074 # بسم الله الرحمن الرحيم # {المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون (1) الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ~~وسخر} # سورة الرعد # تفسير سورة الرعد، وهي مكية إلا آيتين: قوله تعالى: {ولا يزال الذين ~~كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} وقوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لست مرسلا} ~~الآية، فإنهما مدنيتان. # PageV03P075 # قوله تعالى: {المر} قالوا: معناه أنا الله أعلم وأرى، وقيل: إن الألف من ~~الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، والراء من إرسال الله إياه - يعني ~~محمدا - وقد بينا من قبل غير هذا. # وقوله: {تلك آيات الكتاب} قد بينا في سورة يوسف. وقوله: {والذي أنزل إليك ~~من ربك الحق} الإنزال هو النقل من العلو إلى الأسفل، ومعنى الآية أن ما ~~أهبط الله به جبريل عليك هو الحق، والحق ضد الباطل، وقيل: وضع الشيء في ~~موضعه على ما توجبه الحكمة. وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} يعني من ~~اليهود والنصارى والمشركين. # PageV03P075 # قوله تعالى: {الله الذي رفع السموات بغير عمد} العمد: جسم مستطيل يمنع ~~المرتفع من الميلان، وفي معنى قوله: {بغير عمد} قولان: أحدهما، وهو الأصح: ~~أن معناه: رفع السموات بغير عمد {ترونها} كذلك. # وقد قال أهل المعاني: لو كان للسموات عمد لرأيناها؛ لأن عمد الجسم الغليظ ~~يكون بالجسم الغليظ، فلا بد أن ترى، وهذا قول مجاهد وقتادة وأكثر المفسرين. # وروي عن ابن عباس أنه قال: معنى الآية رفع السموات بغير عمد ترونها. # PageV03P075 # {الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ~~ربكم توقنون (2) وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات ~~جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) ~~وفي} # وقوله: {ترونها} راجع إلى العمد، كأنه قال: لها عمد لا ترونها، وزعم أن ~~لها ms0765 عمدا على جبل قاف، وأن السماء عليها مثل القبة، وجبل قاف محيط بالدنيا، ~~وهو من زبرجدة خضراء، والصحيح ما بينا. # وقوله: {ثم استوى على العرش} قد بينا المعنى. وقوله: {وسخر الشمس والقمر} ~~معناه: ذلل الشمس والقمر فهما مذللان مقهوران يجريان على ما يريد الله. ~~وقوله: {كل يجري لأجل مسمى} أي: لمدة مضروبة. وقوله: {يدبر الأمر} التدبير ~~من الله تعالى فعل الأشياء على ما يوجب الحكمة. وقوله: {يفصل الآيات} معناه ~~يبين الدلالات. وقوله: {لعلكم بلقاء ربكم توقنون} تؤمنون. # PageV03P076 # قوله تعالى: {وهو الذي مد الأرض} الآية قد كانت الأرض مدرة مدورة، فبسطها ~~الله تعالى ومدها. وقوله: {وجعل فيها رواسي} أي: جبالا ثوابت. # وقوله: {وأنهارا} الأنهار: مجاري الماء الواسعة. وقوله: {ومن كل الثمرات ~~جعل فيها زوجين اثنين} أي: صنفين اثنين أحمر وأصفر وحلو وحامض، وقيل: إن ~~قوله {اثنين} تأكيد لقوله: {زوجين} . # وقوله: {يغشي الليل النهار} معناه: يلبس النهار بظلمة الليل، ويلبس ظلمة ~~الليل بضوء النهار. وقوله: {إن في ذلك لآيات} لدلالات {لقوم يتفكرون} ~~التفكر تصرف القلب في طلب معاني الأشياء. # PageV03P076 # قوله تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات} فيه قولان: أحدهما: أن فيه حذفا؛ ~~فكأنه قال: " وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات، وهذا مثل قوله تعالى: ~~{وسرابيل تقيكم الحر} يعني: وسرابيل تقيكم الحر والبرد. # PageV03P076 # {الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى ~~بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) } # والقول الثاني: أنه ليس في الآية حذف، وهو صحيح المعنى، وفي المتجاورات ~~قولان: أحدهما: أن معناه أنها متجاورة في الظاهر مختلفة في المعنى، هذه ~~سبخة وهذه عذبة، وهذه قليلة الريع، وهذه كثيرة الريع، وهذه مزرعة، وهذه ~~مغرسة، وهذه لا مزرعة ولا مغرسة. # والقول الثاني: أن معناه: هذه عامرة، وهذه غامرة، وهذه صحاري وبراري، ~~وهذه جبال وأودية، فعلى هذا إذا قدرنا في الآية متجاورات وغير متجاورات، ~~فالمتجاورات هي الأرض العامرة المتصل بعضها ببعض، وغير المتجاورات هي الأرض ~~الخربة التي فيها الأودية والدكادك. # وقوله: {وجنات من أعناب} ms0766 يعني: بساتين من أعناب. وقوله: {وزرع ونخيل} ~~معلوم المعنى. وقوله: {صنوان وغير صنوان} قرىء: " صنوان " بالضم: والمعروف ~~" صنوان " بالكسر، وفي الآثار المسندة عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - ~~أنه قال: الصنوان هو النخل المجتمع، وغير الصنوان هو المتفرق، والمعروف في ~~اللغة أن الصنوان هي النخلات أصلها واحد، وغير صنوان هي النخلة الواحدة ~~بأصلها. # وقوله: {يسقى بماء واحد} الماء جسم رقيق مائع يشرب، به حياة كل نام، قال ~~الله تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} وفي الآية رد على أصحاب الطبيعة، ~~فإن الماء واحد، والهواء واحد، والتراب واحد، والحرارة واحدة، والثمار ~~مختلفة في اللون والطعم، وقلة الريع وكثرة الريع، والطبيعة واحدة يستحيل أن ~~توجب شيئين مختلفين؛ فدل هذا أن الجميع من الله تعالى. # في جامع أبي عيسى الترمذي برواية أبي هريرة عن النبي في قوله: {ونفضل # PageV03P077 # {وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين ~~كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(5) } بعضها على بعض في الأكل) قال: " هذا حلو وهذا حامض، وهذا دقل وهذا ~~فارسي ". # وقوله: {إن في ذلك لآيات} يعني: الدلالات {لقوم يعقلون} يفهمون. وأنشدوا ~~في الصنوان: # (العلم والحلم خلتا كرم ... للمرء زين إذا هما اجتمعا) # (صنوان لا يستتم حسنهما ... إلا بجمع ذا وذاك معا) # وقد روي عن النبي أنه قال: " عم الرجل صنو أبيه ". معناه: أنه وأبوه من ~~أصل واحد. # PageV03P078 # قوله تعالى: {وإن تعجب فعجب قولهم} العجب: تغير النفس برؤية المستبعد في ~~العادات، والخطاب للرسول ومعناه: أنك تعجب؛ فعجب من إنكارهم النشأة الآخرة ~~مع إقرارهم ابتداء الخلق من الله، وقد تقرر في القلوب أن الإعادة أهون من ~~الابتداء؛ فهذا موضع التعجب. وفي الأمثال: لا خير فيمن لا يتعجب من العجب، ~~وأرذل منه من يتعجب من غير عجب. # وقوله: {أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد} هذا هو المعنى في إنكارهم ~~البعث. # وقوله: {أولئك الذين كفروا بربهم} جحدوا بربهم. # وقوله: {وأولئك الأغلال في أعناقهم} الغل طوق تجمع به ms0767 اليد إلى العنق ~~وهذه الأغلال من نار. وقوله: {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ظاهر ~~المعنى. # PageV03P078 # قوله تعالى: {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} الاستعجال طلب تعجيل الأمر ~~قبل مجيء (وقته) ، وقد كان الله تعالى أخر عقوبة الاصطلام عن المشركين # PageV03P078 # {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا لولا ~~أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى وما تغيض} كرامة للنبي. والسيئة هاهنا هي العقوبة، والحسنة: العافية، ~~ومعناه: أنهم يطلبون العقوبة بدلا من العافية، وقد دل على هذا قوله تعالى: ~~{وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} ~~وقوله تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع} . # وقوله: {وقد خلت من قبلهم المثلات} روي عن مجاهد أنه قال: المثلات ~~الأمثال، والأكثرون أن المثلات العقوبات، وقرأ الأعمش: " المثلات " بفتح ~~الميم وكسر التاء، وحكي عنه أنه قرأ: " المثلات " بضم الميم وتسكين الثاء، ~~والمعاني متقاربة. # وقوله: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} معناه: لذو تجاوز عن الناس ~~على ظلمهم {وإن ربك لشديد العقاب} وفي بعض المسانيد عن سعيد بن المسيب " أن ~~النبي قال لما نزلت هذه الآية: لولا فضل الله وتجاوزه ما هنىء أحد العيش، ~~ولولا وعيده وعقوبته لا تكل كل أحد ". # PageV03P079 # قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} معناه: لولا ~~أنزل عليه آية مما نقترحها، وإلا فالآيات قد كانت نازلة عليه. # وقوله: {إنما أنت منذر} مخوف أو مبلغ للوحي بالإنذار. # وقوله: {ولكل قوم هاد} فيه أقوال، الأكثرون أن معناه: ولكل قوم نبي ~~يدعوهم إلى الله، والقول الثاني: ولكل قوم هاد، يعني: محمدا وقيل: الهادي ~~هو الله. # PageV03P079 # قوله تعالى: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} معناه: الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى # PageV03P079 # {الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار (8) عالم الغيب والشهادة الكبير ~~المتعال (9) سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ms0768 ومن هو مستخف بالليل وسارب ~~بالنهار} من ذكر أو أنثى، أو سوى الخلق أو غير سويه، أو واحد أو اثنين أو ~~أكثر. # قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} الغيض هو النقصان، هكذا قال مجاهد ~~وغيره، وفي بعض الأخبار أن النبي قال: " إذا كان المطر قيظا، والولد غيضا، ~~وغاض الكرام غيضا، وفاض اللئام فيضا " الخبر. # وفي غيض الأرحام وزيادتها ثلاثة أقوال: الأول: أنه النقصان عن سبعة أشهر، ~~والزيادة على تسعة أشهر، والثاني أنه: النقصان بإسقاط السقط، والزيادة ~~بتمام الخلق، والثالث: أنه النقصان بالحيض على الحمل، والزيادة بعدم الحيض ~~على الحمل؛ فإن الولد ينتقص إذا أهراقت المرأة الدم على الحمل وتتم إذا لم ~~تهرق. وعن مكحول أنه قال: دم الحيض غذاء الولد في الرحم. # وقوله: {وكل شيء عنده بمقدار} أي: بتقدير. # PageV03P080 # وقوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال} يعني: المتعال عما ~~يقوله المشركون. # PageV03P080 # قوله تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} الآية معناه: يستوي في ~~علم الله المسر بالقول والجاهر به. # وقوله: {ومن هو مستخف بالليل} أي: مستتر بظلمة الليل وقوله: {وسارب ~~بالنهار} أي: ظاهر ذاهب بالنهار، والسرب: الطريق، تقول العرب: خل له سربه ~~أي: # PageV03P080 # ((10) له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا ~~يغير ما بقوم) طريقه، وزعم بعض أهل المعاني أن قوله: {ومن هو مستخف بالليل} ~~أي: ظاهر بالليل، يقال: خفيت إذا ظهرت، وأخفيت إذا كتمت، قال الشاعر: # (خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من سحاب مركب) # وقوله: {وسارب بالنهار} أي مستكن بالنهار، يقال: أسرب الوحش إذا استكن، ~~والقول الأول هو الأصح. # PageV03P081 # قوله تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} الآية، في الآية أقوال، ~~أظهرها: أن المعقبات: الملائكة، والمعقبات المتداينات، يعني: يذهب بعضها ~~ويأتي البعض في عقبها، وقد صح برواية أبي هريرة عن النبي أنه قال: إن لله ~~ملائكة يتعاقبون بينكم، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر فيعرج الذين ~~باتوا فيكم؛ فيقول الله لهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، ~~وتركناهم ms0769 وهم يصلون. # القول الثاني هو ما روي عن عكرمة قال: الآية في الأمراء وحرسهم. # والقول الثالث: ما روي عن ابن جريج أنه قال: الآية في الذي يقعد عن ~~اليمين والشمال يكتب، وذلك في قوله تعالى: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين ~~وعن الشمال قعيد} . # وقوله: {يحفظونه من أمر الله} الأكثرون على أن قوله: {من أمر الله} ~~ومعناه: أنهم يحفظونه بإذن الله، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه، وفي بعض ~~الآثار: أن الله تعالى يوكل ملائكة بالنائم يحفظونه من الحي والهوام فإذا ~~قصده شيء، قالوا: وراءك وراءك إلا شيئا قدر أن يصيبه. # PageV03P081 # {حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من ~~دونه من وال (11) هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السحاب الثقال ~~(12) ويسبح الرعد} # وروي عمرو بن أبي جندب: كنا عند سعيد بن قيس الهمداني، فجاء علي يتوكأ ~~على عنزة له، فقلنا له: يا أمير المؤمنين، أما تخاف أن يغتالك أحد؟ فقال: ~~إن الله تعالى قد وكل بابن آدم ملائكة يحفظونه، فإذا جاء القدر خلوا بينه ~~وبينه. # وفي قوله: {من أمر الله} قول آخر، وهو أنه على المعنى التقديم والتأخير، ~~وكأن الله تعالى قال: له معقبات من أمره يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ~~وقيل: من أمر الله: مما أمر الله به من الحفظ عنه. وعن ابن عباس أنه قرأ: " ~~له معقبات من بين يديه ورقباء من خلفه ". وقرى في الشاذ: " له معاقيب من ~~بين يديه ومن خلفه ". # وقوله: {إن الله لا يغير ما بقوم} معناه: لا يغير شيئا بقوم من النعمة ~~{حتى يغيروا ما بأنفسهم} بالمعصية. # وقوله: {وإذا أراد الله بقوم سوءا} في الآية رد على القدرية صريحا، ~~ومعناه: بلاء وعذابا {فلا مرد له} أي: لا راد له. {وما لهم من دونه من وال} ~~أي: من ولي يمنعهم وينصرهم، قال الشاعر: # (ما في السماء سوى الرحمن من وال ... ) # PageV03P082 # قوله تعالى: {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا} البرق: نور مضىء شبه عمود ~~من نار من ms0770 اتقاد السحاب، والتفسير المعروف عن السلف أن البرق مخاريق بأيدي ~~الملائكة من نار يسوقون بها السحاب إلى حيث شاء الله تعالى. # وقوله {خوفا وطمعا} فيه أقوال: أحدها أن الخوف من الصاعقة، والطمع في نفع ~~المطر. # والثاني: أن الخوف للمسافر، فإن عادة المسافر أن يتأذى بالمطر، والطمع ~~للمقيم، لأن المقيم يرجو الخصب بالمطر. # PageV03P082 # {بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون ~~في} # والثالث: أن الخوف من المطر في غير إبانة، وفي غير مكانه، والطمع إذا كان ~~في إبانه ومكانه من البلدان [فمنهم] إذا مطروا قحطوا، مثل مصر وغيره، وإذا ~~لم يمطروا أخصبوا. # وفي بعض الأخبار عن النبي " أن الله تعالى يقول: لو أن عبادي أطاعوني ~~أسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد ~~". # وقوله: {وينشىء السحاب الثقال} يعني: الثقال بالماء، وعن علي رضي الله ~~عنه أنه قال: السحاب غربال السماء. وعن ابن عباس أنه قال: إن الله تعالى ~~خلق السحاب كل سبع سنين مرة. # PageV03P083 # وقوله: {ويسبح الرعد بحمده} أكثر المفسرين أن الرعد ملك، والمسموع من ~~الصوت تسبيحه، وهذا مروي عن النبي حين سأله اليهود عن الرعد، وذكر فيه أن ~~الصوت هو زجره للسحاب، وقد حكي هذا عن ابن عباس وعلي ومجاهد وسعيد بن جبير ~~والحسن. وعن قتادة قال: هذا عبد لله تعالى سامع مطيع. # PageV03P083 # وفي الآثار: أن الإنسان إذا سمع الرعد ينبغي أن يقول: سبحان من سبحت له. ~~روي هذا عن ابن الزبير وغيره، وعن عبد الله بن عباس قال: من قال إذا سمع ~~صوت الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء ~~قدير؛ فإن أصابته صاعقة فعلى ديته. # وعن محمد بن علي الباقر قال: الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب ~~الذاكر. # وفي الرعد قول آخر، وهو أنه صوت اصطكاك الأجرام العلوية. والصحيح هو ~~الأول، وقيل أيضا: إن الرعد نطق السحاب، والبرق ضحكه. # وقوله {والملائكة من خيفته} يعني: وتسبح الملائكة من خيفته. وعن ابن عباس ~~أن لله تعالى ms0771 ملائكة يبكون من خشيته من يوم خلقهم، وملائكة في الركوع، ~~وملائكة في السجود، وملائكة في التسبيح لا يشغلهم عن ذلك شيء. # وقوله: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء} الصاعقة: هي العذاب المهلك، ~~وهي تنزل من البرق في بعض الأحوال فتحرق ما تصيبه، والآية نزلت في شأن أربد ~~بن ربيعة حين جاء إلى النبي فقال: مم ربك؟ أمن در أو ياقوت أو من ذهب [أو ~~من فضة] ؟ فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته، ورثاه أخوه لبيد بن ربيعة، فقال: # (أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد) # (فجعني البرق والصواعق بالفارس ... يوم الكريهة النجد) # ويقال: إنه جاء مع عامر بن طفيل، وقصد الفتك بالنبي فجفت يده على قائمة ~~السيف، فلما خرج من عند رسول الله أصابته صاعقة في يوم صحو قائظ، فأما عامر ~~فأصابته غدة، ومات في بيت سلولية، وجعل يقول: أغدة كغدة البعير وموت في بيت ~~سلولية. # وروي " أن يهوديا أتى النبي وسأله: مم ربك؟ فنزلت صاعقة وأحرقته ". # PageV03P084 # {الله وهو شديد المحال (13) له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا ~~يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما ~~دعاء الكافرين إلا في} # وقوله: {وهم يجادلون في الله} يعني: يخاصمون ويقولون في الله ما لا ~~يعلمون وقيل: وهم يجادلون في الله: يكذبون بعظمة الله. # وقوله: {وهو شديد المحال} قال ابن عباس: شديد الحول، ومنه قوله: لا حول ~~ولا قوة إلا بالله، وقيل: شديد المحال شديد الانتقام. وعن علي - رضي الله ~~عنه - شديد الأخذ. وقيل: شديد الإهلاك. وقيل: شديد المكر. وقال الشاعر: # (فرع نبع يهتز في غصن المجد ... عزيز الندى شديد المحال) # وقرىء في الشاذ: " شديد المحال " بنصب الميم. # PageV03P085 # قوله تعالى: {له دعوة الحق} هي شهادة أن لا إله إلا الله، هذا روي عن ابن ~~عباس وغيره، وقيل: دعوة الحق هو الدعاء بالإخلاص، والدعاء بالإخلاص لا يكون ~~إلا لله، ألا ترى أن الله تعالى قال: { [فادعوا] الله مخلصين له الدين} . # قوله: {والذين يدعون من دونه} يعني: ms0772 الأصنام {لا يستجيبون لهم بشيء} ~~يعني: لا يجيبون لهم شيئا. وقوله: {إلا كباسط كفيه إلى الماء} . فيه قولان: ~~أحدهما: أنه كالقابض على الماء، ومن قبض على الماء لم يبق في يده شيء. قال ~~الشاعر: # (فأصبحت (فيما) كان بيني وبينها ... من الود مثل القابض الماء باليد) # والقول الثاني - وهو المعروف - أن قوله: {كباسط كفيه إلى الماء} يعني: ~~كالعطشان المشير بكفه إلى الماء، وبينه وبين الماء مسافة لا يصل إليه؛ فهو ~~يشير بكفه ويدعو بلسانه، ولا يصل إليه؛ فكذلك من يدع الأصنام بدفع أو نفع ~~لا يصل إلى شيء بدعائه. وقوله: {ليبلغ فاه} يعني: ليناله فاه {وما هو ~~ببالغه} وما هو بنائله. # PageV03P085 # {ضلال (14) ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والآصال (15) قل من رب السموات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء ~~لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي ~~الظلمات} # وقوله: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} يعني: إلا في خطأ وبطلان. # PageV03P086 # قوله تعالى: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها} يعني: يسجد من ~~في السموات طوعا، ويسجد من في الأرض بعضهم طوعا وبعضهم كرها. والسجود هو ~~الخضوع بالتذلل، وقيل: إن سجود الأشياء [هو] تذللها وتسخيرها لما أريد له ~~وسخر له. وقوله: {وظلالهم} قالوا: ظل الكافر يسجد طوعا، والكافر يسجد كرها، ~~وظل المؤمن يسجد طوعا، وكذا المؤمن يسجد طوعا، هذا هو القول المنقول عن ~~السلف. وقيل: إن سجود الظل هو تسخيره وتذليله لما أريد له. وقيل: إن معنى ~~قوله: {وظلالهم} أشخاصهم {بالغدو والآصال} بالبكر والعشايا. # PageV03P086 # قوله تعالى: {قل من رب السموات والأرض} معناه: قل يا محمد: من رب السموات ~~والأرض؟ ثم أمره بالإجابة، وقال: {قل الله} وروي أنه إنما قال هذا ~~للمشركين، عطفوا عليه، وقالوا: أجب أنت، فأمره الله، وقال: {قل الله} وإنما ~~صحت هذه الإجابة معهم؛ لأنهم كانوا يقرون أن الله خالقهم وخالق السموات ~~والأرض. # وقوله: {قل أفاتخذتم من دونه أولياء} معناه: أنكم مع إقراركم أن الله ~~خالقكم وخالق ms0773 السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء يعني: الأصنام. {لا ~~يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا} يعني: أنهم عجزة، فإذا لم يملكوا لأنفسهم ~~نفعا ولا ضرا، فكيف يملكون لكم؟ . # وقوله: {قل هل يستوي الأعمى والبصير} ضرب مثلا للمؤمن والكافر والإيمان ~~والكفر؛ فقال: ( {قل هل يستوي الأعمى والبصير} أم هل تستوي الظلمات # PageV03P086 # {والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق ~~كل شيء وهو الواحد القهار (16) أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع ~~زبد مثله كذلك يضرب الله} والنور) أي: كما لا يستوي الأعمى والبصير ~~والظالمات والنور؛ فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر والإيمان والكفر. # وقوله: {أم جعلوا لله شركاء} يعني: أجعلوا لله شركاء {خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم} أي: اشتبه ما خلقوه بما خلقه الله، ومعنى الآية: أنهم كما ~~عرفوا أن الأصنام لا تخلق كخلق الله؛ فلا ينبغي أن تعبد كعبادة الله. # وقوله: {قل الله خالق كل شيء} ظاهر المعنى. وقوله {وهو الواحد القهار} ~~الواحد: هو الشيء الذي لا ينقسم، وقد يكون شيئين لا ينقسم في معنى، ويسمى ~~واحد، مثل قولهم: دينار واحد؛ لأنه لا ينقسم في الدينارية. والقهار: الغالب ~~الذي لا يغلبه شيء، وفي بعض الأخبار: " سبحان من تعزز بقدرته وقهر عباده ~~بالموت ". # PageV03P087 # قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء} هذا مثل ضربه الله في القرآن، وضرب ~~الأودية مثلا للقلوب، فقوله: {أنزل من السماء ماء} أي: مطرا {فسالت أودية ~~بقدرها} قرئ: " بقدرها "، قرأها أبو الأشهب العقيلي، والمعنى: بقدرها من ~~الصغر والكبر، وكذلك القلوب تحمل القرآن بقدرها من الضيق والسعة. # وقوله: {فاحتمل السيل زبدا رابيا} الزبد: هو الخبث الذي يظهر على وجه ~~الماء، وكذلك على وجه القدر، وكذلك على فم البعير. وقوله: {رابيا} أي: ~~طافيا عاليا تم المثل الأول هاهنا. ثم ذكر مثلا ثانيا، وهو قوله تعالى ~~{ومما يوقدون عليه في النار} ومن الذي توقدون عليه، الإيقاد: جعل النار تحت ~~الشيء ليذوب. # وقوله: {ابتغاء حلية} معناه: لطلب ms0774 الحلية، والذي أوقد عليه هاهنا هو ~~الذهب والفضة؛ لأن الحلية تطلب منهما. وقوله: {أو متاع} معناه: أو طلب ~~متاع، وذلك من الصفر والنحاس وغيره يوقد عليها، والمتاع: هو الأواني ~~المتخذة من هذه الأشياء. # PageV03P087 # {الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ~~كذلك يضرب الله الأمثال (17) للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم ~~يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم ~~سوء الحساب ومأواهم} # وقوله: {زبد مثله} أي: زبد مثل زبد الماء {كذلك يضرب الله الحق والباطل} ~~أي: كذلك يبين الله الحق والباطل بضرب المثل، ثم قال: {فأما الزبد فيذهب ~~جفاء} يعني ضائعا باطلا، يقال: أجفأت القدر، إذا زبدت من جوانبها، وذهب ~~الزبد. وذكر أبو زيد اللغوي أن رؤبة بن العجاج قرأ: " فأما الزبد فيذهب ~~جفالا " والمعنى قريب من الأول. # وقوله: {وأما ما ينفع الناس فيمكث} يعني: الماء والذهب والفضة والحديد ~~والرصاص والصفر والنحاس. قوله: {فيمكث في الأرض} أي: يبقى ولا يذهب. # وقوله {كذلك يضرب الله الأمثال} جعل هذا مثلا للحق والباطل في القلوب، ~~يعني: أن الباطل كالزبد يذهب ويضيع ويهلك، والحق كالماء وكهذه الأشياء يمكث ~~ويبقى في القلوب، وقال بعضهم: هذا تسلية للمؤمنين، يعني أن أمر المشركين ~~كذلك الزبد، يرى في الصورة شيئا ثابتا وليس له حقيقة. وأمر المؤمنين كالماء ~~المستقر في مكانه، فله الثبات والبقاء، يقال: للباطل جولة، وللحق دولة. # PageV03P088 # قوله تعالى: {للذين استجابوا لربهم الحسنى} الآية، قد بينا أن الاستجابة ~~والإجابة بمعنى واحد. وقوله: {الحسنى} الأكثرون أنها الجنة، وقيل: هو الرزق ~~والعافية في الدنيا والنعيم في الآخرة، والحسنى فعلى من الحسن. # وقوله: {والذين لم يستجيبوا له} أي: لم يجيبوا له. وقوله: {لو أن لهم ما ~~في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به} يعني: لبذلوا ذلك افتداء من النار. # وقوله: {أولئك لهم سوء الحساب} روي عن إبراهيم النخعي أنه قال لفرقد: يا ~~فريقد، أتدري ما سوء الحساب؟ هو أن يحاسب على جميع الذنوب ولا يغفر منها ~~شيئا. وقد ms0775 صح عن النبي برواية عائشة - رضي الله عنها -: " من نوقش الحساب # PageV03P088 # {جهنم وبئس المهاد (18) أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو ~~أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب (19) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون ~~الميثاق (20) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء ~~الحساب (21) والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية} عذب " وفي رواية " هلك " وقيل: إن سوء الحساب هو أن ~~لا يقبل حسنة، ولا يعفو عن سيئة. وقوله: {ومأواهم جهنم} أي: مستقرهم جهنم. # وقوله: {وبئس المهاد} أي: بئس ما مهدوا لأنفسهم أي: بئس ما مهد لهم. # PageV03P089 # قوله تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} نزلت ~~الآية في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل بن هشام، فالأول حمزة والثاني أبو ~~جهل، وقيل: في عمار بن ياسر وأبي جهل. # وقوله: {إنما يتذكر أولو الألباب} أي: يتعظ أولو الألباب، ومعنى الآية: ~~أن من يبصر الحق ويتبعه، ومن لا يبصر الحق ولا يتبعه لا يستويان أبدا. # PageV03P089 # قوله تعالى: {الذين يوفون بعهد الله} ظاهر المعنى، وقيل: عهد الله تعالى ~~ما أخذه الله تعالى من العهد على ذرية آدم حين أخذهم من صلبه. # وقوله: {ولا ينقضون الميثاق} هو تحقيق الوفاء السابق. # PageV03P089 # وقوله: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} يعني: يؤمنون بجميع ~~الأنبياء، وقيل: يصلون الرحم ولا يقطعونه. # وقوله: {ويخشون ربهم} أي: يخافون ربهم {ويخافون سوء الحساب} أي: يرهبون ~~سوء الحساب، وسوء الحساب قد بينا. # PageV03P089 # وقوله: {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} يعني: صبروا على أمر الله [طلبا ~~لرضا] ربهم، وقيل: صبروا على الفقر، وعلى المصائب والبلايا، وقيل: صبروا عن # PageV03P089 # {ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات عدن يدخلونها ~~ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ~~(23) } المعاصي وقيل: صبروا عن شهوات الدنيا ولذاتها. # وقوله: {يدرءون بالحسنة السيئة} يعني: يدفعون السيئة بالحسنة، وهو معنى ~~قوله: {إن الحسنات يذهبن السيئات} ومعنى قوله عليه السلام: " إذا عملت ms0776 سيئة ~~فاعمل بجنبها حسنة تمحها ". وفي الآية قول آخر وهو أن السيئة: الذنب. ~~والحسنة: التوبة. ومعناه: يدفعون الذنب بالتوبة وفي الخبر: " ما من شيء ~~أدرك لشيء من توبة حديثة لذنب قديم ". # قوله: {أولئك لهم عقبى الدار} أي: الجنة، ومعناه: لهم عاقبة دار الثواب. # PageV03P090 # قوله: {جنات عدن يدخلونها} أي: بساتين [للإقامة] . # وقوله: {يدخلونها} معناه معلوم. وقوله: {ومن صلح من آبائهم} أي: ويدخلها ~~من صلح من آبائهم {وأزواجهم وذرياتهم} وفي الخبر: أن المؤمن يدخل الجنة، ~~فيرى ذريته فيها، فيقول: متى دخلتم فيها؟ فيقولون: نحن منذ قديم ننتظرك، ~~والله أعلم. # وقوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} يعني: من أبواب الجنة، وقيل: ~~من أبواب القصور. # PageV03P090 # وقوله: {سلام عليكم} يعني: يسلمون عليهم سلاما، وقيل: يقولون: قد سلمكم ~~الله من الآفات التي كنتم تخافونه منها، وفي الآثار أنهم - يعني: الملائكة ~~- يأتون بالتحف والهدايا من الله تعالى بقدر كل يوم من أيام الدنيا [ثلاث] ~~عشرة مرة. وقوله: {بما صبرتم} قد بينا. وقوله: {فنعم عقبى الدار} أي: نعم ~~عاقبة الدار. # PageV03P090 # {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) والذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أو يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم ~~اللعنة ولهم سوء الدار (25) الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة ~~الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع (26) ويقول الذين كفروا لولا ~~أنزل عليه آية من ربه قل إن} # PageV03P091 # قوله تعالى: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} ظاهر، وهذا وارد في ~~الكفار. وقوله تعالى: {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} يعني: يؤمنون ببعض ~~الأنبياء، ويكفرون بالبعض، وقيل: يقطعون الرحم. # وقوله: {ويفسدون في الأرض} يعني: يعملون فيها بالمعاصي. وقوله: {أولئك ~~لهم اللعنة} أي: البعد من رحمة الله. وقوله: {ولهم سوء الدار} أي: سوء ~~المنقلب لأن المنقلب: منقلب الناس إلى الدار. # PageV03P091 # قوله: {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} يعني: يوسع على من يشاء، ويضيق ~~على من يشاء. وقوله: {وفرحوا بالحياة الدنيا} الفرح: لذة في القلب بنيل ~~المشتهى، وهذا دليل ms0777 على أن الفرح بالدنيا حرام منهي عنه. # قوله: {وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} يعني: إلا قليل، ويقال: ~~كمتاع الراكب، وقد صح عن النبي أنه قال: " ما الدنيا في الآخرة إلا كما ~~يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ". # PageV03P091 # وقوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} يعنون الآية ~~المقترحة؛ فإن قال قائل: لم لا يجوز أن يجيبهم إلى الآية المقترحة، ولعلها ~~تكون سببا لإيمانهم؟ والجواب: أن الآية المقترحة لا نهاية لها، وإن وجب في ~~المصلحة أن يجيب واحدا، وجب أن يجيب آخر، إلى ما يتناهى. # وقوله: {قل إن الله يضل من يشاء} ظاهر المعنى. وقوله: {ويهدي إليه من ~~أناب} معناه: ويهدي إليه من يشاء بالإنابة، وفي الآية رد على القدرية، ~~والله الهادي إلى الصواب بمنه. # PageV03P091 # {الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (27) الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~طوبى لهم وحسن} # PageV03P092 # وقوله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} أي: تسكن قلوبهم ~~بذكر الله، وقيل: تستأنس قلوبهم بذكر الله، والسكون باليقين، والاضطراب ~~بالشك، قال الله تعالى في شأن المشركين: {إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: اضطربت، وقال في المؤمنين {الذين آمنوا ~~وتطمئن قلوبهم بذكر الله} . # وقوله: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} معناه: ألا بذكر الله تسكن القلوب، ~~وطمأنينة القلب بزوال الشك منه واستقرار اليقين فيه، فإن قال قائل: أليس ~~الله تعالى قال: {وجلت قلوبهم} فكيف توجل وتطمئن في حالة واحدة؟ والجواب: ~~أن الوجل بذكر الوعيد والعقاب، والطمأنينة بذكر الوعد والثواب، فكأنها توجل ~~إذا ذكر عدل الله وشدة حسابه، وتطمئن إذا ذكر فضل الله وكرمه. # PageV03P092 # قوله تعالى: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} معناه: وعملوا الطاعات. ~~وقوله: {طوبى لهم} فيه أقوال: روي عن أبي هريرة وأبي أمامة وأبي الدرداء ~~وعن ابن عباس برواية الكلبي أنهم قالوا: طوبى شجرة في الجنة تظلل الجنان ~~كلها. # وفي بعض الأخبار أن أصلها في منزل النبي وقصره، ms0778 وفي كل قصر من قصور الجنة ~~غصن منها، وعليها من جميع أنواع الثمر، وتقع عليها طيور كالبخت إذا رآها ~~المؤمن واشتهى منها سقطت بين يديه، فيأكل منها ما شاء ثم تطير، وفي بعض ~~الأخبار: أن رجلا لو ركب حقا أو جذعا، وجعل يطوف بأصلها لقتله الهرم، ولم ~~يبلغ إلى الموضع الذي ابتدأ منه. # والقول الثاني: أن طوبى اسم الجنة، قال مجاهد: هي اسم الجنة بالحبشية. ~~وعن عكرمة: طوبى لهم أي نعماء لهم، وعن إبراهيم النخعي: أي خير وكرامة لهم، ~~وعن # PageV03P092 # {مئاب (29) كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي ~~أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه ~~متاب (30) } الضحاك: طوبى لهم أي: غبطة لهم. والأقوال متقاربة في المعنى، ~~قال الزجاج: طوبى فعلى من الطيب، ومعناها: العيش الطيب لهم. # وقوله: {وحسن مآب} أي: حسن منقلب. # PageV03P093 # قوله تعالى: {كذلك أرسلناك في أمة} الآية. معنى كاف التشبيه هاهنا: إنا ~~كما أرسلنا الأنبياء إلى سائر الأمم؛ كذلك أرسلناك إلى هذه الأمة. # قوله: {قد خلت من قبلها أمم} أي: قد مضت من قبلها أمم. قوله: {لتتلوا ~~عليهم الذي أوحينا إليك} أي. لتقرأ عليهم الذي أوحينا إليك. # وقوله: {وهم يكفرون بالرحمن} فيه قولان: أحدهما: قال ابن جريج: الآية ~~مدنية في قصة الحديبية فإن سهيل بن عمرو لما جاء واتفقوا على أن يكتبوا ~~كتاب الصلح، كتب علي رضي الله عنه بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: لا نعرف ~~الرحمن، اكتب كما نكتب نحن: باسمك اللهم ... القصة، فهذا معنى قوله: {وهم ~~يكفرون بالرحمن} . # والقول الثاني - وهو المعروف - أن الآية مكية، وسبب نزولها أن أبا جهل ~~سمع النبي وهو في الحجر يدعو ويقول: " يا الله، يا رحمن ". فرجع إلى ~~المشركين، وقال: إن محمدا يدعو إلهين يدعو الله، ويدعو آخر يسمى الرحمن ولا ~~نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل أيضا ~~قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} . # وقوله: {قل هو ربي} يعني قل: الرحمن ms0779 ربي {لا إله إلا هو عليه توكلت} عليه ~~اعتمدت وبه وثقت {وإليه متاب} يعني: وإليه التوبة، والتوبة هي الندم على ما ~~سلف من الجرائم مع الإقلاع عنها في المستقبل. # PageV03P093 # {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله ~~الأمر جميعا أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا ~~يزال الذين كفروا} # PageV03P094 # قوله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} روي أن المشركين قالوا لرسول ~~الله: سل ربك أن يسير هذه الجبال التي بمكة فتتسع أرضنا ونتخذ فيها ~~المزارع، وسل ربك أن يقرب إلينا الشام، فإن إليه متاجرنا وقد أبعد عنا، ~~وقالوا أيضا: سل ربك أن يخرج لنا الأنهار ويشق العيون في الأرض لنغرس ~~الأشجار، ونتخذ البساتين، وسل ربك أن يبعث لنا جماعة من الموتى فنسألهم عن ~~أمرك، وأحى لنا قصيا؛ فإنه كان شيخا مباركا حتى نسأله عن أمرك. وفي بعض ~~الروايات أنهم قالوا: سل ربك بالقرآن الذي أنزل عليك أن يفعل هذا فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} معناه: ولو قضيت أن ~~أسير الجبال بكتاب أو أقطع الأرض به أو أحيي به الموتى لفعلت بهذا القرآن. # فإن قيل: هذا الجواب الذي تقولون غير مذكور في القرآن، وهذا زيادة؟ # الجواب عنه، أن الجواب محذوف، والعرب تفعل مثل هذا، قال الشاعر: # (فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا) # ومعناه: ولو أنها نفس واحدة لتسليت بها، ولكنها أنفس كثيرة. وذكر الفراء ~~أن الجواب هو: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به ~~الموتى} لم يؤمنوا؛ لما سبق في علمنا من تركهم الإيمان. # معناه: أنا لو فعلنا بالقرآن الذي أنزل إليك ما سألوا، لم يؤمنوا أيضا. ~~وقوله: {بل لله الأمر جميعا} معناه: بل لله الأمر جميعا في هذه الأشياء؛ إن ~~شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها. # وقوله: {أفلم ييئس الذين آمنوا} أكثر أهل المعاني على أن معناه: أفلم ~~يعلم الذين آمنوا، ms0780 وفي قراءة ابن عباس هكذا: " أفلم يتبين للذين آمنوا " ~~وقد ورد هذا اللفظ بمعنى العلم في لغة العرب، قال الشاعر: # PageV03P094 # {تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن ~~الله لا يخلف الميعاد (31) ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم ~~أخذتهم فكيف} # (أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ... ألم تيئسوا أني ابن فارس زهدم) # وقال آخر: # (ألم ييئس الأبطال أني أنا ابنه ... وإن كنت عن أرض العشيرة تائيا) # وأنكر الكسائي أن يكون هذا بمعنى العلم، وقال: إن العرب لا تعرف اليأس ~~بمعنى العلم، قال: وإنما معنى الآية: أن أصحاب رسول الله لما سمعوا هذا من ~~المشركين طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا ويؤمنوا؛ فأنزل الله هذه الآية: ~~{أفلم ييئس الذين آمنوا} يعني: من الصحابة من إيمان هؤلاء القوم، وكل من ~~علم شيئا فقد يئس عن خلافه وضده، وبعضهم قال معناه: أفلم يعلم الذين آمنوا ~~من حال هؤلاء الكفار علما يوجب يأسهم عن إيمانهم، وقوله: {أن لو يشاء الله ~~لهدى الناس جميعا} ظاهر المعنى. # وقوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} أي نازلة وبلية، ~~وقيل: إن القارعة هاهنا: سرايا رسول الله {أو تحل قريبا من دارهم} يعني: أو ~~تحل السرية قريبا من دارهم، وقيل: أو تنزل أنت قريبا من دارهم. # {حتى يأتي وعد الله} فيه قولان: أحدهما: أنه يوم القيامة، والقول الثاني: ~~أنه يوم بدر. # وقوله: {إن الله لا يخلف الميعاد} ظاهر المعنى. # PageV03P095 # قوله: {ولقد استهزئ برسل من قبلك} الاستهزاء: طلب الهزء، وقد كان الكفار ~~يسألون هذه الأشياء عن طريق الاستهزاء، فأنزل الله تعالى هذه الآية تسلية ~~للنبي، معناه: ولقد استهزئ برسل من قبلك يعني: كما استهزءوا بك، فقد استهزئ ~~برسل من قبلك. {فأمليت للذين كفروا} معناه: فأمهلت وأطلت المدة لهم، ومنه ~~الملوان وهو الليل والنهار. وقوله: {ثم أخذتهم فكيف كان عقاب} معناه: ثم ~~أخذتهم في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار فكيف كان [عقابي] لهم. # PageV03P095 # {كان عقاب (32) أفمن هو قائم على كل ms0781 نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل ~~سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين ~~كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) لهم عذاب في ~~الحياة} # PageV03P096 # قوله تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} أكثر المفسرين أن قوله: ~~{أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} هو الله، والله تعالى لا يجوز أن يسمى ~~قائما على الإطلاق؛ لأن الشرع لم يرد به، ولأن القائم هو المنتصب، ويجوز أن ~~يوصف بالقيام على التقييد، وهو أنه قائم على كل نفس بما كسبت، ومعنى قوله: ~~{قائم على كل نفس} : أنه المتولي لأحوالها وأعمالها وأرزاقها، وغير ذلك، ~~وكذلك هو المتولي للمجازاة بكسب الخير والشر. # وقال بعضهم: معنى قوله: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} أي: عالم ~~بكسب كل نفس، قال الشاعر: # (فلولا رجال من قريش أعزة ... سرقتم ثياب البيت والله قائم) # أي: عالم. وقوله: {أفمن} معناه: أفمن كان هكذا كمن ليس بهذا الوصف. ~~وقوله: {وجعلوا لله شركاء} أي: وصفوا لله شركاء، وقوله: {قل سموهم} معناه: ~~قل صفوهم بالصفات التي هي مستحقة لها، ثم انظروا هل هي أهل أن تعبد أو لا؟ # قوله: {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} معناه: أم أنتم تنبئون الله بما ~~لا يعلم. يعني: تذكرون له شريكا وإلها آخر، وهو لا يعلمه. # وقوله: {أم بظاهر من القول} يعني أم تتعلقون بظاهر من القول لا معنى له، ~~شبه المتجاهل الذي لا يطلب حقيقة الأمر، وقيل: بظاهر من القول بباطل من ~~القول: قال الشاعر: # (وعيرني الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها) # أي: زائل، وحكي أن عبد الله بن الزبير أنشد هذا حين قيل له: يا ابن ذات ~~النطاقين، وقصد القائل تعبيره وذمه؛ فقال عبد الله بن الزبير: # (وتلك شكاة ظاهر عنك عارها ... ) . # قوله: {بل زين للذين كفروا مكرهم} أي: كفرهم. وقوله: {وصدوا عن السبيل} ~~وقرئ: " وصدوا " برفع الصاد، أي: فعل بهم ذلك. وقوله: {وصدوا} ms0782 # PageV03P096 # {الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق (34) مثل الجنة التي ~~وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا ~~وعقبى الكافرين النار (35) والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن ~~الأحزاب من} معناه: فعلوا هم ذلك، وقوله: {ومن يضلل الله فما له من هاد} ~~ظاهر المعنى. # PageV03P097 # وقوله: {لهم عذاب في الحياة الدنيا} قد بينا العذاب في الدنيا. # {ولعذاب الآخرة أشق} يعني: أشد. وقوله: {وما لهم من الله من واق} أي: من ~~يقي. # PageV03P097 # وقوله: {مثل الجنة التي وعد المتقون} قرئ في الشاذ: " أمثال الجنة التي ~~وعد المتقون " [و] المعروف: {مثل الجنة} وفيه قولان: أحدهما: صفة الجنة ~~التي وعد المتقون، والقول الثاني: مثل الجنة التي وعد المتقون جنة {تجري من ~~تحتها الأنهار أكلها دائم} أي: لا ينقطع ثمرها ونعيمها. # فإن قال قائل: قد قال هاهنا: {أكلها دائم} وقال في موضع آخر: {ولهم رزقهم ~~فيها بكرة وعشيا} فكيف التوفيق بين الآيتين؟ # الجواب: أن الدوام بمعنى عدم الانقطاع، فإذا لم ينقطع ورزقوا بكرة وعشيا، ~~فهو دائم. وقوله: {وظلها} هذا في معنى قوله تعالى: {وظل ممدود} . # وفي الأخبار: " أن ظل شجرة واحدة في الجنة يسير الراكب فيها مائة عام لا ~~يقطعه ". وقوله تعالى: {تلك عقبى الذين اتقوا} معناه: تلك عاقبة الذين ~~اتقوا. وقوله: {وعقبى الكافرين النار} أي: عاقبة الكافرين النار. # PageV03P097 # {ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مئاب ~~(36) وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما ~~لك من الله من ولي ولا واق (37) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية وما كان} # PageV03P098 # قوله تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك} الآية. روي أن ~~[اليهود] الذين أسلموا كانوا يستقلون ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في ~~التوراة، فلما كرر الله ذكر الرحمن في القرآن فرحوا فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون} الآية. # وقوله: {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} الأحزاب: هم ms0783 الذين تحزبوا على النبي. ~~وقوله: {من ينكر بعضه} يعني: ذكر الرحمن؛ لأنهم كانوا لا ينكرون ذكر الله، ~~وقوله: {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب} ظاهر ~~المعنى. # PageV03P098 # قوله تعالى: {وكذلك أنزلناه حكما عربيا} فيه قولان: أحدهما: قرآنا عربيا؛ ~~لأن فيه الأحكام، والآخر نبيا عربيا؛ لأن النبي كان منهم، والقرآن نزل ~~بلغتهم. # وقوله: {ولئن اتبعت أهواءهم} الهوى: ميل الطبع لشهوة النفس. وأكثره ~~مذموم. قوله: {بعد ما جاءك من العلم} يعني: من القرآن {مالك من الله من ولي ~~ولا واق} يعني: من ناصر ولا حافظ. # PageV03P098 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك} الآية، روي أن اليهود ذموا النبي ~~باستكثاره من النساء، وقالوا: هذا الرجل ليس له همة إلا في النساء، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية: وقيل: إن المشركين قالوا هذا؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} ويقال: إنه كان ~~لداود مائة امرأة، وقد صح الخبر فيه عن النبي، ودل عليه الكتاب. وكان ~~لسليمان [ألف] امرأة # PageV03P098 # {لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت} في الصحيح، ثلثمائة امرأة، وسبعمائة سرية؛ فهذا معنى قوله: {وجعلنا ~~لهم أزواجا وذرية} وكذلك عامة الأنبياء تزوجوا وولد لهم. # وقوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} أي: إلا بأمر الله ~~{لكل أجل كتاب} معناه: لكل أجل أجله الشرع كتاب أثبت فيه. وقيل: هذا على ~~التقديم والتأخير، ومعناه: لكل كتاب أجل ومدة، ومعناه الكتب المنزلة وقيل: ~~لكل أجل كتاب، أي: لكل قضاء قضاه الله تعالى وقت يقع فيه، وكتاب أثبت فيه. # PageV03P099 # قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} فيه أقوال: روي عن ابن عباس أنه ~~يمحو الله ما يشاء من الشريعة، أي: ينسخ. ويثبت ما يشاء، فلا ينسخ. وحكي ~~عنه أيضا برواية سعيد بن جبير قال: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} إلا الشقاوة ~~والسعادة والحياة والموت، وعن عمر وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - ~~أنهما ms0784 قالا: يمحو الشقاوة والسعادة أيضا، ويمحو الأجل والرزق، ويثبت ما ~~يشاء. وكان عمر يقول: اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحه واكتبني ما تشاء ~~سعيدا، فإنك قلت: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} . وفي بعض الآثار أن الرجل ~~يكون قد بقي له من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه، فيرد إلى ثلاثة أيام، ~~والرجل يكون قد بقي له من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمد إلى ثلاثين سنة. ~~وقد ورد خبر يؤيد قول ابن عباس في أنه لا يمحى الشقاوة والسعادة والأجل ~~والرزق، روى حذيفة بن أسيد عن النبي أنه قال: " إذا وقعت النطفة في الرحم، ~~ومضى عليها خمس وأربعون ليلة، قال الملك: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله، ~~ويكتب الملك، فيقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله تعالى، ويكتب الملك، ~~فيقول: يا رب ما الأجل؟ وما الرزق؟ فيقضي الله تعالى ويكتب الملك ثم لا ~~يزاد فيه ولا ينقص. ذكره مسلم في الصحيح. # PageV03P099 # {وعنده أم الكتاب (39) وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما ~~عليك البلاغ وعلينا الحساب (40) أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله} # وفي الآية قول آخر، وهو قول الحسن: {يمحو الله ما يشاء} أي: يمحو من حضر ~~أجله ويثبت ما يشاء من لم يحضر أجله، وفي الآية قول رابع: أن المراد منه أن ~~الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم، فيمحو الله منها ما يشاء، وهو ما لا ~~ثواب عليه ولا عقاب، ويثبت ما يشاء وهو الذي يستحق عليه الثواب والعقاب، ~~وقيل: {يمحو الله ما يشاء} أي: يمحو ما يشاء لمن عصاه فختم أمره بالطاعة، ~~ويثبت بالمعصية لمن أطاع، وختم أمره بالمعصية. والمنقول عن السلف هي ~~الأقوال التي ذكرناها قبل هذا القول. # وقوله: {وعنده أم الكتاب} معناه: وعنده أصل الكتاب، وأصل الكتاب: هو ~~اللوح المحفوظ. وفي بعض الأخبار " أن الله تعالى ينظر في الكتاب الذي عنده ~~لثلاث ساعات يبقين من الليل؛ فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ويبدل ما يشاء ~~ويقرر ما يشاء ". # PageV03P100 # وقوله تعالى: {وإما ms0785 نرينك بعض الذي نعدهم} الآية. بعض الذين نعدهم، أي: ~~قبل وفاتك {أو نتوفينك} وقبل أن نريك ذلك {فإنما عليك البلاغ} أي: التبليغ ~~{وعلينا الحساب} يوم القيامة. # PageV03P100 # قوله تعالى: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} أكثر المفسرين ~~على أن المراد من هذا هو فتح ديار الشرك، وسمي ذلك نقصانا؛ لأنه إذا زاد في ~~دار الإسلام فقد نقص من دار الشرك، وهذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة. وعن ~~ابن عباس - في رواية أخرى - قال: هو موت الأخيار والعلماء. وحكي ذلك عن ~~مجاهد. وقيل: ننقصها من أطرافها بخرابها، والساعة تقوم وكل الأرض خربة، ~~ويقال في منثور # PageV03P100 # {يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (41) وقد مكر الذين من قبلهم فلله ~~المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (42) ويقول ~~الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ~~(43) } الكلام: الأشراف على الأطراف ليقرب منهم الأضياف. وقوله: {والله ~~يحكم لا معقب لحكمه} أي: لا راد ولا ناقص لحكمه {وهو سريع الحساب} معلوم. # PageV03P101 # قوله تعالى: {وقد مكر الذين من قبلهم} المكر: إيصال المكروه إلى الإنسان ~~من حيث لا يشعر. قوله {فلله المكر جميعا} أي عند الله جزاء مكرهم جميعا. ~~وقيل إن الله خالق مكرهم جميعا. وقوله: {يعلم ما تكسب كل نفس} ظاهر المعنى ~~{وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} لمن عاقبة الدار، والآية تهديد ووعيد. ~~وقوله: {ويقول الذين كفروا لست مرسلا} ظاهر المعنى. وقوله: {قل كفى بالله ~~شهيدا} أي: شاهدا {بيني وبينكم} . # وقوله: {ومن عنده علم الكتاب} قال قتادة: هو عبد الله بن سلام، وقيل: عبد ~~الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري، وعلى هذا جماعة من التابعين، ~~وأنكر الشعبي وعكرمة وجماعة هذا القول، وقالوا: السورة مكية، وعبد الله بن ~~سلام أسلم بالمدينة، وأيضا فإن الله تعالى كيف يستشهد بمخلوق، وإنما المراد ~~منه هو الله تعالى. وقد قرأ ابن عباس: " ومن عنده علم الكتاب " وهذا يبين ~~أن المراد [منه] هو الله تعالى. # وعنى عبد الله بن ms0786 سلام نفسه، قال: أنا المراد بالآية. # وعن الحسن ومجاهد أن المراد هو الله. # وسعيد بن جبير قال: هو جبريل - عليه السلام - والصحيح أحد القولين ~~الأولين، والله أعلم. # PageV03P101 # بسم الله الرحمن الرحيم # {الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى ~~صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في السموات وما في الأرض وويل ~~للكافرين من} # تفسير سورة إبراهيم # وهي مكية إلا قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا} إلى ~~قوله: {فإن مصيركم إلى النار} والله أعلم. # PageV03P102 # قوله تعالى: {الر} معناه: أنا الله أرى، وقيل معناه: أنا الله الرحمن. # وقوله: {كتاب أنزلناه إليك} معناه: هذا كتاب أنزلناه إليك. # وقوله: {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} معناه: من الضلالة إلى الهدى، ~~ومن الكفر إلى الإيمان ومن الغواية إلى الرشد، وقيل: من البدعة إلى السنة. # والظلمة اسوداد الجو بما يمنع من البصر، والنور: بياض شعاعي يحصل به ~~الإبصار. قوله: {بإذن ربهم} أي: بأمر ربهم، وقيل: بعلم ربهم. # وقوله {إلى صراط العزيز الحميد} الصراط هو الدين، والعزيز الحميد هو الله ~~تعالى. ومعنى العزيز: الغالب، ومعنى الحميد: هو المستحق للحمد في أفعاله؛ ~~لأنه إنما متفضل أو عادل. # PageV03P102 # وقوله: {الله الذي} قرئ بالرفع والخفض، فمن قرأ بالخفض فهو مسبوق على ~~قوله: {العزيز الحميد} ، ومن رفع فعلى تقدير هو الله. # وقوله: {له ما في السموات وما في الأرض} يعني: له ملك السموات والأرض. ~~وقوله: {وويل للكافرين} الويل: واد في جهنم، وقيل: إنه دعاء الهلاك. {من # PageV03P102 # {عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل ~~الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين} عذاب شديد) أي: عذاب عظيم. # PageV03P103 # قوله: {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} معناه: الذين يؤثرون ~~الحياة الدنيا على الآخرة، ومعنى الإيثار: هو طلب الدنيا من غير نظر ~~للآخرة، وذلك بأن يأخذ من حيث يجد، ولا يبالي أنه حرام أو حلال. وقد روي عن ~~النبي أنه قال: " يأتي على الناس ms0787 زمان لا يبالي المرء أخذ الدنيا بحلال أو ~~بحرام ". # وقوله: {ويصدون عن سبيل الله} يعني: يمتنعون عن قبول دين الله، ويمنعون ~~الناس عن قبوله. {ويبغونها عوجا} العوج في الدين، والعوج في الرمح والحائط، ~~ومعنى الآية: ويطلبون دين الله زيغا، وقيل: ويطلبون سبيل الله جائرين عن ~~القصد، وقيل: يطلبون لمحمد الهلاك، ويقال: إن الكناية راجعة إلى الدنيا، ~~ومعناه: يطلبون الدنيا على طريق الميل عن الحق، وذلك هو بجهة الحرام على ما ~~قلناه. # وقوله: {أولئك في ضلال بعيد} أي: في خطأ طويل. # PageV03P103 # قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} والحكمة في هذا: هو أنه ~~إذا أرسله بلسان قومه عقلوا قوله، وفهموا عنه، فإن قال قائل: إن الله تعالى ~~بعث النبي إلى كل الخلق على ما قال: " بعثت إلى الأحمر والأسود " ولم يبعث ~~بلسان كل الخلق؟ . # والجواب عنه: أن سائر الخلق تبع العرب في الدعوة، وقد بعث بلسانهم ثم إنه ~~بعث بالرسل إلى الأطراف يدعونهم إلى الله، وترجم لهم قوله. # PageV03P103 # {لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4) لقد أرسلنا ~~موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ~~وفي} # وقوله: {ليبين لهم} معناه ما بينا. وقوله: {فيضل الله من يشاء ويهدي من ~~يشاء} ظاهر المعنى. # وقوله: {وهو العزيز الحكيم} قد بينا. # PageV03P104 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى ~~النور} يعني: من الكفر إلى الإيمان. # وقوله: {وذكرهم بأيام الله} روي عن أبي بن كعب أنه قال: معناه: بنعم ~~الله. وفي بعض المسانيد نقل هذا مرفوعا إلى النبي. والقول الثاني: بأيام ~~الله أي: بنقم الله. وقال بعضهم: بوقائع الله، يعني: بما أوقع بالأمم ~~الماضية، يقال: فلان عارف بأيام العرب، أي: بوقائعهم. # وقوله: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} الصبار: كثير الصبر، والصبر: حبس ms0788 ~~النفس عما تنازع إليه النفس، وقد روي عن الشعبي أنه قال: الصبر نصف ~~الإيمان، والشكر نصفه، واليقين هو الإيمان كله. والشكور: هو الكثير الشكر. # PageV03P104 # وقوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم} الآية أي: منة ~~الله عليكم. # قوله: {إذ نجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} قد بينا في سورة ~~البقرة. # وقوله تعالى: {ويذبحون أبناءكم} قال في موضع بغير الواو، وقال هاهنا ~~بالواو، وذكر الواو يقتضي أنه سبق الذبح عذاب آخر، وترك ذكر الواو يقتضي أن # PageV03P104 # {ذلكم بلاء من ربكم عظيم (6) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن ~~كفرتم إن عذابي لشديد (7) وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن ~~الله لغني حميد (8) ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من} العذاب هو الذبح. # وقوله: {ويستحيون نساءكم} يعني: يتركون قتل النساء، وفي الخبر: " اقتلوا ~~شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم ". {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} قيل: إن ~~البلاء هو المحنة، وقيل: إن البلاء هو النعمة، وموضع النعمة في الإنجاء من ~~البلاء، وقيل معناه: اختبار من الله عظيم. # PageV03P105 # وقوله تعالى: {وإذ تأذن ربكم} أي: أعلم ربكم، والتأذين: الإعلام، والأذين ~~والمؤذن هو المعلم، قال الشاعر: # (ولم (تشعر) بضوء الصبح حتى ... سمعنا في مساجدنا الأذينا) # وقوله: {لئن شكرتم لأزيدنكم} الشكر هو الاعتراف بالنعمة على وجه الخضوع ~~للمنعم. وقد حكي عن داود صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا رب، كيف أشكرك ولم ~~أؤد شكرك إلا بنعمة جديدة علي. فقال: يا داود، الآن شكرتني. # وروي أن النبي قال له رجل: أوصني يا رسول الله، فقال: " عليك بالشكر فإنه ~~زيادة ". ومعنى الآية: لئن شكرتموني بالتوحيد لأزيدنكم نعمة الآخرة على ~~نعمة الدنيا. وقيل: لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في الثواب. # وقوله: {ولئن كفرتم} جحدتم. {إن عذابي لشديد} لعظيم. # PageV03P105 # قوله تعالى: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني ~~حميد} أي: غني عن خلقه، حميد في فعله. # PageV03P105 # قوله تعالى: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم} أي: خبر ms0789 الذين من قبلكم. # PageV03P105 # ( {بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في ~~أفواههم وقالوا إنا} قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله) روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قرأ هذه الآية، ثم ~~قال: كذب النسابون، ونقل بعضهم هذا مرفوعا إلى النبي ". وعن عبد الله بن ~~عباس أنه قال: بين إبراهيم وبين عدنان جد الرسول ثلاثون قرنا لا يعلمهم إلا ~~الله. وعن عروة بن الزبير قال: وما وراء عدنان إلى إبراهيم - عليه السلام - ~~لا يعلمهم إلا الله، وعن مالك بن أنس أنه كره أن ينسب الإنسان نفسه أبا أبا ~~إلى آدم، وكذلك في حق الرسول كان يكره؛ لأنه لا يعلم أولئك الآباء أحد إلا ~~الله. # وقوله: {جاءتهم رسلهم بالبينات} أي: بالدلالات الواضحات. وقوله: {فردوا ~~أيديهم في أفواههم} روي عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود قال: عضوا ~~أيدهم غيظا، قال الشاعر: # (لو أن سلمى أبصرت التخددي ... ورقة في عظم ساقي ويدي) # (وبعد أهلي وجفاء عودي ... عضت من الوجد أطراف اليد) # وقال آخر: # (قد أفنى أنامله غيظه ... فأمسى يعض على الوظيفا) # والقول الثاني في الآية: أن الأنبياء لما قالوا: نحن رسل الله، وضع ~~الكفار أيديهم على أفواههم أن اسكتوا، نقله الكلبي وغيره. # والقول الثالث: أن معنى الآية أنهم كذبوا الرسل في أقوالهم، يقال: رددت ~~قول فلان في فيه إذا كذبته. # والقول الرابع: أن الأيدي هاهنا هي النعم، ومعناه: ردوا ما لو قبلوا كانت ~~آيادي ونعما. # PageV03P106 # {كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) قالت رسلهم ~~أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى ~~أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ~~آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن ~~الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون} # وقوله: {في ms0790 أفواههم} يعني: بأفواههم، ومعناه: بألسنتهم تكذيبا. وأشرق ~~الأقاويل هو القول الأول، والقول الثالث محكي عن ابن عباس. # وقوله: {وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به} أي: جحدنا بما أرسلتم به. # وقوله: {وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} أي: مرتاب، والشك هو التردد ~~بين طرفي نقيض. # PageV03P107 # قوله تعالى: {قالت رسلهم أفي الله شك} معناه: ليس في الله شك، وهذا ~~استفهام بمعنى نفي ما اعتقدوه. وقوله: {فاطر السموات والأرض} خالق السموات ~~والأرض. وقوله: {يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم} قال أبو عبيدة: " من " صلة، ~~ومعناه: ليغفر لكم ذنوبكم. # وقوله: {ويؤخركم إلى أجل مسمى} إلى حين استيفاء آجالكم. وقوله: {قالوا إن ~~أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا} أي: تمنعونا. {عما كان يعبد آباؤنا} ~~ظاهر المعنى. وقوله: {فأتونا بسلطان مبين} أي: بحجة [ومعجزة] بينة، ~~والسلطان هاهنا: هو البرهان الذي يرد المخالف إلى الحق. # PageV03P107 # قوله تعالى: {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم} أي: ما نحن إلا بشر ~~مثلكم. {ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} يعني: ينعم على من يشاء من ~~عباده بالنبوة، وقيل: بالتوفيق والهداية. # وقوله: {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان} أي: بحجة ومعجزة. {إلا بإذن الله} # PageV03P107 # ( {11) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) وقال الذين كفروا لرسلهم ~~لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ~~(13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) واستفتحوا ~~وخاب كل جبار عنيد (15) من} أي: بأمر الله. {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ~~ظاهر المعنى. # PageV03P108 # قوله تعالى: {وما لنا ألا نتوكل على الله} معناه: وأي شيء لنا في ألا ~~نتوكل على الله؛ وقد عرفنا أنه لا ينال شيء بجهد إلا بعد أن يقضيه الله ~~تعالى ويقدره. وقوله: {وقد هدانا سبلنا} أي: أرشدنا إلى سبل الحق. # وقوله: {ولنصبرن على ما آذيتمونا} والآية تعليم المؤمنين وإرشادهم إلى ~~الصبر على أذى مخالفي الحق. قوله: {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} ظاهر ~~المعنى. # PageV03P108 # وقوله: {وقال الذين ms0791 كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا} ~~قد بينا هذا في سورة الأعراف، وهو في قوله تعالى: {أو لتعودن في ملتنا} . # وقوله: {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} أي: المشركين. # PageV03P108 # وقوله: {ولنسكننكم الأرض من بعدهم} يعني: نجعل ديارهم موضع سكناكم، وهذا ~~في معنى قوله تعالى: {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} . # وقوله: {ذلك لمن خاف مقامي} الفرق بين المقام والمقام: أن المقام موضع ~~الإقامة، والمقام فعل الإقامة. فإن قيل: كيف يكون لله مقام، وقد قال: {ذلك ~~لمن خاف مقامي} ؟ قلنا: أجمع أهل التفسير أن معناه: ذلك لمن خاف مقامه بين ~~يدي، وهو مثل قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} . # وقوله: {وخاف وعيد} أي: عقابي. # PageV03P108 # قوله تعالى: {واستفتحوا} معناه: واستنصروا، وفي الخبر: " أن النبي يستفتح ~~بصعاليك المهاجرين " أي: يستنصر من الله بحقهم. # PageV03P108 # {ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت ~~من} # وقوله: {وخاب كل جبار عنيد} وخاب أي: خسر، وقيل: وهلك كل جبار. والجبار ~~هو الذي لا يرى فوقه أحد، والجبرية طلب العلو بما لا غاية وراءه، وهو وصف ~~لا يصح إلا لله، وأما في وصف الخلق فهو مذموم، وقيل: الجبار هو الذي يجبر ~~الخلق على مراده. وأما العنيد: هو المعاند للحق. # قوله تعالى: {من ورائه جهنم} الأكثرون معناه: من أمامه جهنم. قال الشاعر: # (ومن ورائك يوم أنت بالغه ... لا حاضر معجز عنه ولا باد) # يعني: من أمامك، وقال أبو عبيدة: # PageV03P109 # قوله: {ومن ورائه جهنم} يعني: من بعده جهنم. وقوله: {ويسقى من ماء صديد} ~~معناه: من ماء هو صديد. والصديد ما يسيل من الكفار من القيح والدم، والأصل ~~في الصديد هو الماء الذي يخرج من الجرح مختلطا بالدم والقيح، وقيل: من ماء ~~صديد أي: من ماء كالصديد. # PageV03P109 # وقوله: {يتجرعه} أي: يشربه جرعة جرعة من مرارته وشدته. وفي الحديث أن ~~النبي قال: " إذا أدناه من وجهه شوى وجهه وسقطت فروة رأسه، وإذا شربه تقطعت ~~أمعاؤه، وخرجت الأمعاء من دبره ". # وقوله: {ولا يكاد يسيغه} يعني: لا يسيغه، ms0792 وقيل معناه: يكاد لا يسيغه، ~~ويسيغه؛ ليغلي في جوفه. وقوله: {ويأتيه الموت من كل مكان} قال إبراهيم ~~التيمي: من كل شعرة من جسده، وقيل: يأتيه الموت من قدامه ومن خلفه، ومن ~~فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله. # وقوله: {وما هو بميت} يعني: عليه شدة الموت ولا يموت، وهو في معنى قوله # PageV03P109 # {كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (17) مثل الذين كفروا بربهم ~~أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصم لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك ~~هو الضلال البعيد (18) ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق إن يشأ ~~يذهبكم} تعالى: {لا يموت فيها ولا يحيى} . وقوله: {ومن ورائه عذاب غليظ} ~~أي: شديد، والعذاب الغليظ هو الخلود في النار. # PageV03P110 # قوله تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم} وموضع المثل في قوله: ~~{كرماد اشتدت به الريح} يعني: ذهبت الريح المشتدة به. # وقوله: {في يوم عاصف} فيه معنيان. # أحدهما: أنه وصف اليوم بالعاصف؛ لأن فيه العصوف، كما يقال: يوم حار ويوم ~~بارد، أي: فيه الحر والبرد، قال الشاعر: # (يومين غيمين ويوما شمسا ... ) # والمعنى الثاني: في يوم عاصف أي: في يوم عاصف الريح، قال الشاعر: # (ويضحك عرفان الدروع جلودنا ... إذا جاء يوم مظلم الشمس (كاسف)) # أي: كاسف الشمس. # وقوله {لا يقدرون مما كسبوا على شيء} لأن أعمالهم قد ذهبت وبطلت كالرماد ~~الذي ذهبت به الريح العاصف. # وقوله: {ذلك هو الضلال البعيد} الخطأ الطويل. # PageV03P110 # قوله تعالى: {ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق} معنى خلق السموات ~~والأرض بالحق: ما نصب فيها من الدلائل على وحدانيته وسائر صفاته. # وقوله: {إن يشأ يذهبكم} يعني: إن يشأ يهلككم. {ويأت بخلق جديد} أي: بقوم ~~آخرين، وهو في معنى قوله تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} . # PageV03P110 # {ويأت بخلق جديد (19) وما ذلك على الله بعزيز (20) وبرزوا لله جميعا فقال ~~الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله ~~من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما ms0793 لنا من ~~محيص (21) وقال} # قيل في التفسير: قوما أطوع لله منكم. # PageV03P111 # وقوله: {وما ذلك على الله بعزيز} أي: شديد؛ وذلك لأن الأشياء كلها سهلة ~~هينة في القدرة، ولا يصعب على الله شيء من الأشياء وإن جل وعظم. # PageV03P111 # قوله تعالى: {وبرزوا لله جميعا} أي: خرجوا من قبورهم إلى الله جميعا. # وقوله: {فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا} معنى الذين ~~استكبروا: يعني تكبروا على الناس، وتكبروا عن الإيمان، وهم القادة ~~والرؤساء. # وقوله: {إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون} كنا لكم تبعا، أي: أتباعا {فهل ~~أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} أي: دافعون عنا من عذاب الله من شيء. ~~وقوله: {قالوا لو هدانا الله لهديناكم} معناه: لو هدانا الله لدعوناكم إلى ~~الهدى، فلما أضلنا دعوناكم إلى الضلالة. # وقوله: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} في الآثار أنهم يقولون: قد جزع ~~أقوام في الدنيا؛ فنجوا فنحن نجزع لننجوا، فيجزعون مدة مديدة فلا يرون ~~نجاة، فيقولون: قد صبر أقوام في الدنيا، فنحن نصبر للنجوا، فيصبرون مدة ~~مديدة، فلا يرون نجاة فيقولون بعد ذلك: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا. # قوله: {ما لنا من محيص} أي: منجي ومخلص، ويقال: يجزعون مائة سنة، ويصبرون ~~مائة سنة، ويقال: فلان وقع في حيص بيص، وحاص وباص إذا وقع في أمر لا مخلص ~~عنه. # PageV03P111 # قوله تعالى: {وقال الشيطان لما قضى الأمر} قوله: {لما قضى الأمر} دخل أهل ~~الجنة الجنة وأهل النار النار. وفي بعض الآثار: " أنه يوضع لإبليس منبر من ~~نار فيصعد عليه ويخطبهم " وذلك حين يتعلقون به، ويقولون: أنت فعلت بنا هذا. # PageV03P111 # {الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان ~~لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما ~~أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين ~~لهم عذاب أليم (22) وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها} # وقوله: {إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم} ووعد الحق هو الذي ms0794 يقع ~~الوفاء [به] . وقوله: {ووعدتكم فأخلفتكم} هو ما لا يقع به الوفاء، وقيل: ~~إنه يقول لهم: قلت لكم لا بعث ولا جنة ولا نار، وغير ذلك. # وقوله: {وما كان لي عليكم من سلطان} معناه: أني لم آتكم بحجة فيما دعوتكم ~~إليه. وقوله: {إلا أن دعوتكم} هذا استثناء منقطع، ومعناه: ولكن دعوتكم أي: ~~زينت لكم. قوله: {فاستجبتم لي} أي: أجبتم لي. وقوله: {فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم} يعني: لا تعودوا باللائمة علي، وعودوا باللائمة على أنفسكم. # وقوله: {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي} معناه: ما أنا بمعينكم وما أنتم ~~بمعيني، وقيل [معناه] : ما أنا بمنجيكم وما أنتم بمنجي، وقرأ حمزة: " وما ~~أنتم بمصرخي " بكسر الياء، وأهل النحو لا يرضون هذه القراءة، وذكر الفراء ~~شعرا يدل على قراءة حمزة. قيل: إنه لغة بني يربوع. والشعر: # (قال لها هل أنت يا باغي ... قالت له ما أنت بالمرضي) # وقوله: {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} فيه قولان: أحدهما: إني كفرت ~~بجعلكم إياي شريكا في عبادة الله وطاعته، والقول الثاني: إني كفرت قبل أن ~~أشركتموني في عبادته، يعني: كفرت قبل كفركم. # وقوله: {إن الظالمين لهم عذاب أليم} أي: وجيع. # PageV03P112 # {الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) ألم تر كيف ضرب ~~الله مثلا} # PageV03P113 # قوله تعالى: {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار} قد بينا. {خالدين فيها} مقيمين فيها أبدا. {بإذن ربهم} بأمر ربهم. # قوله: {تحيتهم فيها سلام} وفي المحيي بالسلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المحيي بالسلام هو الله تعالى، والآخر: هم الملائكة، والثالث: ~~أن المحيي بالسلام بعضهم على بعض. # PageV03P113 # قوله تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة} المثل قول سائر لتشبه ~~شيء بشيء في المعنى. وقوله: {كلمة طيبة} أجمع المفسرون على أن الكلمة ~~الطيبة هاهنا: لا إله إلا الله. # وقوله: {كشجرة طيبة} أكثر أهل التفسير على أن الشجرة الطيبة هاهنا: هي ~~النخلة، وقد بينت برواية ابن عمر عن النبي أنه قال لأصحابه: " أخبروني عن ~~شجرة هي مثل المؤمن؟ فوقعت الصحابة في ms0795 شجر البوادي. قال ابن عمر: ووقع في ~~نفسي أنها النخلة، ثم إن النبي قال: هي النخلة. قال ابن عمر: فذكرت لأبي ~~أنه كان وقع في نفسي كذا، فقال: لو كنت قلته كان أحب إلي من حمر النعم ". # وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: " أكرموا النخلة فإنها عمتكم ". # ومعناه: أنها خلقت من فضل طينة آدم. # PageV03P113 # {كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل ~~حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) ومثل كلمة ~~خبيثة كشجرة} # والقول الثاني: أن الشجرة الطيبة شجرة في الجنة، وقد حكي هذا عن ابن ~~عباس، وقيل: إن الشجرة الطيبة شجرة جوز الهندي. # وقوله: {أصلها ثابت} أي: ثابت في الأرض. وقوله: {وفرعها في السماء} أي: ~~أعلاها في السماء. # PageV03P114 # وقوله: {تؤتي أكلها كل حين} الحين في اللغة هو الوقت، وفي معنى الحين ~~أقوال: قال ابن عباس: ستة أشهر؛ لأنها من حين ضرابها إلى حين إطلاعها، وقال ~~مجاهد: الحين هاهنا هو سنة كاملة؛ لأن النخلة تثمر كل سنة. # وعن سعيد بن المسيب قال: أربعة أشهر لأنها من حين ظهورها إلى حين ~~إدراكها، وقال بعضهم: شهران؛ لأنه من حين يؤكل إلى حين يصرم. # والقول الخامس: أنه غدوة وعشية؛ لأن ثمر النخلة يؤكل منها أبدا، إما ~~رطبا، وإما تمرا وإما بسرا. # وقوله: {بإذن ربها} أي: بأمر ربها. وقوله: {ويضرب الله الأمثال للناس} ~~موضع المثل أن الإيمان ثابت في القلب، والعمل صاعد إلى السماء، كالنخلة ~~ثابت أصلها في الأرض، وفروعها مرتفعة إلى السماء، موضع المثل في قوله: ~~{تؤتي أكلها كل حين} لأن فائدة الإيمان وبركته لا تنقطع أبدا، بل تصل إلى ~~المؤمن في كل وقت، كما أن نفع النخلة وبركتها تصل إلى حاجتها في كل وقت. # واستدل بعضهم على أن النخلة تشبه الآدمي؛ لأنها محتاجة إلى اللقاح، ~~كالآدمي لا يولد له حتى يلقح. قوله: {لعلهم يتذكرون} أي: يتعظون. # PageV03P114 # قوله تعالى: {ومثل كلمة خبيثة} الكلمة الخبيثة هي الشرك. وقوله: {كشجرة ~~خبيثة} اختلفوا فيها، قال أنس بن مالك: هي ms0796 الحنظلة، وعن ابن عباس قال: هي ~~الثوم، وقيل: إنها الكشوثا، وهي العشقة. # PageV03P114 # {خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت} # وقوله: {اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} أي: اقتلعت من فوق الأرض. ~~وقوله: {ما لها من قرار} أي: ما لها من ثبات، وحقيقة المعنى أنه ليس لها ~~أصل ثابت في الأرض، ولا فرع يصعد إلى السماء، وموضع المثل معلوم. # PageV03P115 # قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} القول الثابت: كلمة ~~التوحيد وهي لا إله إلا الله، وقال: {يثبت الله} لأنه هو المثبت للإيمان في ~~قلوب المؤمنين. # وقوله: {في الحياة الدنيا} يعني: قبل الموت. وقوله { [و] في الآخرة} أي: ~~في القبر، وعليه أكثر أهل التفسير، وقد ثبت ذلك عن النبي برواية البراء بن ~~عازب، وهو قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجماعة من الصحابة. # واعلم أن سؤال القبر ثابت في السنة، والإيمان به واجب، وقد وردت فيه ~~الأخبار الكثيرة، روى أبو سعيد الخدري: " أن النبي كان في جنازة، فذكر ~~لأصحابه أنه يدخل على الرجل في قبره ملكان ويسألانه، فيقولان: من ربك؟ وما ~~دينك؟ ومن نبيك؟ قال: فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي ~~محمد. فيفتح له باب إلى النار، فيقال له: هذا كان مكانك لو قلت غير هذا، ثم ~~يفتح له باب إلى الجنة، ويفسح له في قبره مد البصر. وأما الكافر فيقول ~~الملكان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان: لا دريت ~~ولا تليت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقولان: هذا مكانك لو أجبت، ثم يفتح ~~له باب إلى النار، ويضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، ويضربانه بمطرقة من ~~نار فيصيح صيحة يسمعها كل الخلائق إلا الثقلين ". # PageV03P115 # {في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ~~(27) ألم تر إلى} # وفي بعض الأخبار: " أن النبي قال: لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا سعد بن ~~معاذ، ولقد ضمه القبر ضمة ms0797 أو ضمتين " وروي أن النبي قال لعمر: " كيف بك إذا ~~أتاك ملكان ... " الخبر. فقال: يا رسول الله، ومعي عقلي؟ قال: نعم. قال: ~~أكفيهما إذا ". # وقيل: إن عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من ترك الاستنزاه من البول، وثلث ~~من الغيبة، وثلث من المشي بالنميمة. والله أعلم. # وفي الآية قول آخر: أن الحياة الدنيا هي القبر، وفي الآخرة هي القيامة، ~~والقول الأول أصح. # وقوله: {ويضل الله الظالمين} معناه: أنه لا يهدي المشركين إلى هذا ~~الجواب، ولا يلقنهم إياه. وقوله: {ويفعل الله ما يشاء} من التوفيق والخذلان ~~والتثبيت وترك التثبيت. # PageV03P116 # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا} الآية [فيها] ثلاثة # PageV03P116 # {الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) جهنم يصلونها ~~وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم ~~إلى النار} أقوال: أحدها: أنهم كفار قريش، والآخر: أنهم قادة المشركين ~~ببدر، قاله ابن عباس، والثالث: روي عن علي - رضي الله عنه - أنه سئل عن هذه ~~الآية فقال: هم الأفجران بنو المغيرة وبنو أمية: فأما بنو المغيرة فقتلوا ~~يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. # وقوله: {وأحلوا قومهم دار البوار} أي: دار الهلاك، وهي جهنم قال الشاعر: # (إن لقيما وإن قتلا ... وإن لقمان حيث باروا) # يعني: هلكوا. # PageV03P117 # وقوله: {جهنم يصلونها [وبئس] القرار} ظاهر المعنى. # PageV03P117 # قوله تعالى: {وجعلوا لله أندادا} أي: شركاء وأمثالا، قال حسان بن ثابت: ~~شعرا: # (أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخير كما الفداء) # واعلم أن الله ليس له ضد ولا ند. أما الند الذي هو المثل فمعلوم، وأما ~~الضد فلأن فيه معنى من المثلية، والله ليس له مثل بوجه ما. # وقوله: {ليضلوا عن سبيله} إنما نسب إليهم الضلالة، لأنهم سبب في (الضلال) ~~، وهذا كما يقول القائل: فتنتني الدنيا؛ نسب الفتنة إلى الدنيا، لأنها سبب ~~في الفتنة. وقوله: {ليضلوا عن سبيله} ظاهر المعنى. # وقوله: {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} قال ابن عباس: لو أن كافرا كان ~~في أشد بؤس وضر لا يهدأ ليلا ولا ms0798 نهارا، كان ذلك نعيما في جنب ما يصير إليه ~~في الآخرة، ولو أن مؤمنا كان في أنعم عيش، كان ذلك بؤسا في جنب ما يصير ~~إليه في الآخرة. # وقوله: {فإن مصيركم إلى النار} أي: مرجعكم إلى النار. # PageV03P117 # ( {30) قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) الله الذي خلق ~~السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم ~~الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس والقمر ~~دائبين وسخر لكم الليل والنهار} # PageV03P118 # وقوله تعالى: {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة} هذا خبر بمعنى ~~الأمر، أي: أقيموا الصلاة. وقوله: {وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية} يعني: ~~جهرا وغير جهر. وقيل: نفلا سرا، وفرضا جهرا. # وقوله: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} قال أبو عبيدة: يعني لا فداء فيه ~~{ولا خلال} أي: لا مخالة ولا صداقة، وهذا معنى قوله تعالى: {الأخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} . # PageV03P118 # قوله تعالى: {الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم} ظاهر المعنى. # وقوله: {وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره} أي: بعلمه وإذنه. # وقوله: {وسخر لكم الأنهار} أي: ذلل لكم الأنهار تجرونها حيث شئتم. # وقوله: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} وذلك لكم، وتسخير الشمس والقمر هو ~~جريانهما على وتيرة واحدة فيما يعود إلى مصالح العباد. # وقوله: {دائبين} معناه: أنهما لا يفتران ولا يقفان، والدأب في الشيء هو ~~الجري على عادة واحدة. # PageV03P118 # وقوله: {وسخر لكم الليل والنهار} ظاهر المعنى. # PageV03P118 # وقوله: {وآتاكم من كل ما سألتموه} قرىء بقراءتين، المعروف: {من كل ما ~~سألتموه} ، ويقرأ: " من كل ما سألتموه " بالتشديد والتنوين، فالقول المعروف ~~معناه: يعني من كل الذي سألتموه. # فإن قال قائل: نحن نسأله أشياء ولا يعطينا؟ والجواب: أن جنسه يعطي ~~الآدميين # PageV03P118 # ( {33) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن ~~الإنسان لظلوم كفار (34) وإذ قال إبراهيم ms0799 رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام} وإن لم يعطه على التعيين؛ فاستقام الكلام على هذا، ~~وقيل معناه: من كل ما سألتموه، ولم تسألوه. وأما القراءة الثانية، فمعنى " ~~ما " هو النفي، ومعناه: أعطاكم أشياء لم تسألوها، فإن الله تعالى أعطانا ~~الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والرياح، وما أشبه ذلك ولم نسأله شيئا ~~منها. # وقوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} قال أبو العالية: معناه: لا ~~تطيقوا عدها، وقيل: لا تطيقون شكرها. # وقوله: {إن الإنسان لظلوم كفار} يعني: ظالم لنفسه كافر بربه، ويقال: إن ~~هذه الآية نزلت في أبي جهل خاصة، ويقال: إنها نزلت في جنس الكفار، ويجوز أن ~~يذكر الإنسان ويراد به جنس الناس، قال الله تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي ~~خسر} وقيل: [الظالم] هو الذي يشكر غير من أنعم عليه، والكافر هو الذي يجحد ~~منعمه. # PageV03P119 # قوله: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا} أجمعوا أن البلد هو مكة، ~~وقوله: {آمنا} أي: ذا أمن. # وقوله: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} معناه: بعدني وبني من عبادة ~~الأصنام، فإن قال قائل: قد كان إبراهيم معصوما عن عبادة الأصنام، فكيف ~~يستقيم سؤاله لنفسه، وقد عبد كثير من بنيه الأصنام، فأين الإجابة؟ # الجواب: أما في حق إبراهيم، فالدعاء لزيادة العصمة والتثبيت، وأما في حق ~~البنين فيقال: إن الدعاء لبنيه من الصلب، ولم يعبد أحد منهم الصنم، وقيل: ~~إن دعاءه لمن كان مؤمنا من بنيه. # PageV03P119 # ( {35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم (36) ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ~~ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ~~لعلهم} # PageV03P120 # وقوله: {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} نسب الضلالة إليهن لما بينا من ~~المعنى. وقوله: {فمن تبعني فإنه مني} أي: من أهل ديني. # وقوله: {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه قال هذا قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك. # والآخر: أن المراد ms0800 من العصيان هو ما دون الشرك. # PageV03P120 # قوله تعالى: {ربنا إني أسكنت} يعني: أنزلت. قوله تعالى: {من ذريتي} ~~الذرية هاهنا إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر. # وفي القصة: أنه حمل هاجر وإسماعيل وهو طفل يرضع، وكانوا ثلاثتهم على ~~البراق، فجاء بهم إلى موضع البيت، وهي مدرة حمراء، فقال له جبريل: هاهنا ~~أمرت. فأنزل إسماعيل وأمه في موضع الحجر، ومضى راجعا إلى الشام، فنادته ~~هاجر، يا خليل الله، إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله تعالى. قالت: قد قبلنا ~~ذلك، والقصة في هذا معروفة. # وقوله: {بواد غير ذي زرع} قال هذا لأن مكة بين جبلين، وهي واد. # وقوله: {عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة} سماه محرما؛ لأنه يحرم ~~عنده ما لا يحرم عند غيره. # وقوله: {فاجعل أفئدة من الناس} الأفئدة جمع الفؤاد، قال ابن عباس: لو قال ~~" أفئدة الناس " لزاحمتكم [فارس] والروم، وفي رواية: الترك والديلم، وفي ~~رواية عن غيره: لحجت اليهود والنصارى والمجوس. # وقوله: {تهوي إليهم} أي: تحن إليهم، قال السدي معناه: أمل قلوبهم إلى هذا # PageV03P120 # {يشكرون (37) ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء ~~في الأرض ولا في السماء (38) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا ~~وتقبل دعاء} لموضع؛ فإن الإنسان يميل مع قلبه حيث مال. # وقوله: {وارزقهم من الثمرات} في بعض الأخبار: أن الله تعالى قلع قرية من ~~الشام بأشجارها وأرضها فوضعها بمكان الطائف. وقوله: {لعلهم يشكرون} ظاهر ~~المعنى. # PageV03P121 # قوله تعالى: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء ~~في الأرض ولا في السماء} ظاهر المعنى. # PageV03P121 # وقوله: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} . في القصة: أن ~~إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وإسحاق ولد له بعد ذلك بثلاث عشرة ~~سنة. ويقال: إن إسماعيل ولد له بعد أن بلغ سنة مائة [وسبع] عشرة سنة. ~~وقوله: {إن ربي لسميع الدعاء} ظاهر المعنى. # PageV03P121 # قوله: {رب اجعلني ms0801 مقيم الصلاة ومن ذريتي} يعني: ممن يقيم الصلاة بحدودها ~~وأركانها، ويحافظ عليها. قوله: {ومن ذريتي} معناه: واجعل من ذريتي من ~~يقيمون الصلاة. قوله: {ربنا وتقبل دعاء} أي: واستجب دعائي. # PageV03P121 # قوله: {ربنا اغفر لي ولوالدي} قرأ سعيد بن جبير: {ولوالدي} ، وقرأ ~~إبراهيم النخعي ويحيى بن يعمر: " ولوالدتي "، والمعروف: {ولوالدي} . # فإن قال قائل: كيف استغفر لوالديه ولم يكونا آمنا؟ # والجواب عنه: قد قيل: إن أمه قد أسلمت، وأما الوالد فإنما استغفر له قبل ~~أن يتبين له أنه مقيم على الشرك، وقد بينا هذا من قبل، وقيل: ولوالدي آدم ~~وحواء، وقيل: نوح وأم إبراهيم. # PageV03P121 # ( {40) ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) ولا تحسبن ~~الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (42) ~~مهطعين مقنعي} # وفي تفسير الدمياطي: أن قوله: {ولوالدي} أي: لولدي، قال ابن فارس: ويجوز ~~هذا في اللغة، وهو أن يذكر الوالد بمعنى المولود، كما يقال: ماء دافق أي: ~~مدفوق. وقوله: {وللمؤمنين} ظاهر المعنى. # وقوله: {يوم يقوم الحساب} أي: يوم يحاسب الله الخلق. # PageV03P122 # قوله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} الآية. الغفلة ~~معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~هذه الآية تعزية للمظلوم وتسلية له، وتهديد للظالم. # وقوله: {إنما يؤخرهم} معناه: إنما يمهلهم. وقوله: {ليوم تشخص فيه ~~الأبصار} يعني: من الدهش والحيرة وشدة الأمر، ومعنى تشخص أي: ترتفع وتزول ~~عن أماكنها. # PageV03P122 # وقوله {مهطعين} الأكثرون أن معناه مسرعين، وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ~~الثعلب: الإهطاع هو النظر في (الذل والخضوع) . وقيل: مهطعين أي: مديمي ~~النظر لا يطرفون. ومعنى الإسراع الذي ذكرنا هو أنهم لا يلتفتون يمينا ولا ~~شمالا، ولا يعرفون مواطن أقدامهم، وليس لهم همة ولا نظر إلى ما يساقون ~~إليه. # وقوله: {مقنعي رءوسهم} يقال: أقنع رأسه أي: رفعه، وأقنع رأسه إذ خفضه، ~~فإن كان المراد هو الرفع فمعناه: أن أبصارهم إلى السماء ينظرون ماذا يرد ~~عليهم من الله تعالى، وإن حمل الإقناع على خفض الرأس فمعناه: مطرقون ~~ناكسون، قال ms0802 الشاعر: # (نغض رأسي نحوه وأقنعا ... كأنما يطلب شيئا أطمعا) # وقال المؤرج: رفعوا رءوسهم حتى كادوا يضعونها على أكتافهم. # PageV03P122 # {رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) وأنذر الناس يوم يأتيهم ~~العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ~~أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) وسكنتم في مساكن الذين ~~ظلموا أنفسهم} # وقوله {لا يرتد إليهم طرفهم} يعني: لا يرجع إليهم طرفهم، فكأنه ذهلهم ما ~~بين أيديهم فلا ينظرون لشيء سواه. # وقوله: {وأفئدتهم هواء} قال أبو عبيدة: متخرقة لا تعي شيئا، وقال قتادة: ~~خرجت قلوبهم عن صدورهم حتى بلغت الحناجر من شدة ذلك اليوم وهوله فهذا معنى ~~قوله: {وبلغت القلوب الحناجر} ، فعلى هذا قوله: {وأفئدتهم هواء} أي: خالية، ~~ومنه سمي الجو هواء لخلوه، وقيل: خالية عن العقول؛ فكأنها ذهبت من الفزع ~~والخوف. # وقال سعيد بن جبير: " وأفئدتهم هواء " أي: مترددة لا تستقر في مكان، ~~وقيل: هواء أي: متخربة من الجبن والفزع. قال حسان بن ثابت: # (ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء) # حقيقة المعنى من الآية أن القلوب زائلة عن أماكنها، والأبصار شاخصة من ~~هول ذلك اليوم. # PageV03P123 # وقوله: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} يعني: خوف الناس. # قوله: {فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب} معناه: أمهلنا. # وقوله: {إلى أجل قريب} هذا سؤال الرجعة، كأنهم سألوا ردهم إلى الدنيا. # وقوله: {نجب دعوتك ونتبع الرسل} ظاهر المعنى. وقوله: {أو لم تكونوا ~~أقسمتم} أي حلفتم في الدنيا. وقوله: {من قبل ما لكم من زوال} يعني: ليس لكم ~~بعث ولا جزاء ولا حساب. # PageV03P123 # وقوله: {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} أي: ظلموا أنفسهم # PageV03P123 # {وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (45) وقد مكروا مكرهم وعند ~~الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) فلا تحسبن الله مخلف وعده ~~رسله} فأهلكناهم. وقوله: {وتبين لكم كيف فعلنا بهم} يعني: عرفتم عقوبتنا ~~إياهم. # وقوله: {وضربنا لكم الأمثال} أي: الأشباه، ومعناه: بينا أن مثلكم كمثلهم. # PageV03P124 # قوله تعالى: {وقد مكروا ms0803 مكرهم} أي: كادوا كيدهم. # وقوله: {وعند الله مكرهم} أي: عند الله جزاء مكرهم. # وقوله: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} قرئ بقرائتين: " لتزول " و " ~~لتزول " قرأه الكسائي وحده بنصب اللام. # أما قوله: {لتزول} - بكسر اللام وعليه الأكثرون - معناه: وما كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال، يعني: أن مكرهم لا يزيل أمر محمد الذي هو ثابت كثبوت ~~الجبال. # وقيل: إن معنى الآية بيان ضعف كيدهم ومكرهم، وأنه لا يبلغ هذا المبلغ، ~~وأما قوله: " وإن كان مكرهم لتزول " بنصب اللام الأول ورفع الثاني معناه: ~~أن مكرهم لو بلغ في العظم بمحمد يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة أمر محمد. ~~وقرأ عمر وابن مسعود وابن عباس وجماعة: " وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال:. ~~وعن أبي بن كعب أنه قرأ: " ولولا كلمة الله لزال بمكرهم الجبال ". # وعن علي رضي الله عنه في معنى الآية: وهو أنها نزلت في نمروذ حين قال: ~~لأصعدن السماء، واتخذ النسور وجوعها ثم اتخذ تابوتا، ونصب خشبات في ~~أطرافها، وجعل على رءوسها اللحم، ثم ربط قوائم النسور على الخشبات وخلاها، ~~فاستعلت النسور، وقد جلس نمروذ في التابوت مع حاجبه، وقيل: مع غلام له، ~~وللتابوت بابان: باب من أعلى، وباب من أسفل، وقال: فلما صعدت النسور في ~~السماء، ومضى على ذلك يوم، قال لغلامه: افتح الباب السفلى، فإذا الأرض # PageV03P124 # {إن الله عزيز ذو انتقام (47) يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا ~~لله} كاللجة، فقال: افتح الباب الأعلى فإذا السماء كما هي، ثم مر [يوم] آخر ~~فقال: افتح الباب الأسفل ففتح فإذا الأرض كالدخان، فقال: افتح الباب الأعلى ~~ففتح فإذا السماء كما هي، فأمر غلامه حتى يصوب رءوس النسور والخشبات، فجاء ~~التابوت إلى جانب الأرض وله هدة عظيمة، فخافت الجبال أنه جاء من السماء ~~أمر، وكادت تزول عن أماكنها، فهذا معنى قوله: {وإن كان مكرهم لتزول} - بنصب ~~اللام الأولى ورفع الثاني - {منه الجبال} . # وفي الآية قول آخر - وهو قول قتادة - أن معناها: وإن كان شركهم لتزول منه ~~الجبال، وهو معنى قوله تعالى {تكاد ms0804 السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا} . # PageV03P125 # قوله تعالى: {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} قيل: هذا من المقلوب ~~ومعناه: مخلف رسله وعده. قوله: {إن الله عزيز ذو انتقام} قد بينا المعنى. # PageV03P125 # قوله تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا} قال ابن مسعود: ~~تبدل هذه الأرض بأرض بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم، ولم يعمل فيها بخطيئة، ~~وأما السماء تبدل بسماء من ذهب. # والقول الثاني: قاله أبو جعفر محمد بن علي الباقر ومحمد بن كعب: أنه تبدل ~~الأرض بأرض من خبزة يأكلون منها، وقرأ أبو جعفر: {وما جعلناهم جسدا لا ~~يأكلون الطعام} والقول المعروف في الآية أن تبديل الأرض هو تغييرها من هيئة ~~إلى هيئة، كالرجل يقول لغيره: تبدلت بعدي، أي: تغيرت هيئتك وحالك. وتغيير ~~الأرض بتسيير جبالها، وطم أنهارها، وتسوية أوديتها، وقلع أشجارها وجعلها ~~قاعا # PageV03P125 # {الواحد القهار (48) وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) ~~سرابيلهم من} صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وأما تبديل السموات بتغيير ~~حالها، وذلك بتكوير شمسها وقمرها، وانتثار نجومها، وكونها مرة كالدهان، وهو ~~الأديم الأحمر، ومرة كالمهل، وقيل: إن معنى التبديل هو أنه يجعل السموات ~~جنانا والأرضين نيرانا، وقد صح عن النبي برواية مسروق عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت: " يا رسول الله، قوله تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} ~~أين يكون الناس حينئذ؟ فقال عليه السلام: على الصراط " وإذا ثبت هذا ~~فالأولى هو هذا القول. # أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الحسن بن عبد الرحمن الشافعي، قال أبو الحسين ~~بن فارس، قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن يزيد ~~المقريء قال: حدثنا جدي محمد بن عبد الله، قال: نا سفيان بن عيينة، عن داود ~~بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة عن النبي ... الخبر. # وقوله: {وبرزوا لله الواحد القهار} معناه: وخرجوا من قبورهم لله الواحد ~~القهار يحكم فيهم بما أراد. # PageV03P126 # قوله: {وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد} يقال: صفده ms0805 إذا قيده، ~~وأصفده إذا أعطاه، قال الأعشى: # (تضيفته يوما فأكرم مقعدي ... وأصفدني على الزمانة قائدا) # أصفدني أي: أعطاني. وقوله: {مقرنين} أي: مجعولين بعضهم مع بعض في السلاسل ~~والأقياد، وقيل: إنه يقرن كل كافر مع شيطان في كل سلسلة وقيد، ذكره الكلبي، ~~ويقال: تجمع رجلاه إلى عنقه ويغل، فهو معنى قوله: {مقرنين في الأصفاد} . # PageV03P126 # {قطران وتغشى وجوههم النار (50) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع ~~الحساب (51) هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر ~~أولوا الألباب (52) } # PageV03P127 # وقوله: {سرابيلهم من قطران} أي: قميصهم من قطران، والقطران ما تهنأ به ~~الإبل، وقرأ ابن عباس وعكرمة: " من قطرآن " أي: من صفر مذاب، (قال) : انتهى ~~حره. وقيل: من نحاس مذاب قد انتهى حره. قال أهل المعاني: وإنما ذكر أن ~~قميصهم من قطران؛ لأن النار إليه أسرع اشتعالا. # وقوله: {وتغشى وجوههم النار} معناه: وتعلو وجوههم النار، وقيل: تصلى. # PageV03P127 # وقوله: {ليجزي الله كل نفس بما كسبت} يعني: ما كسبت من خير وشر. # وقوله: {إن الله سريع الحساب} معناه: سريع المجازاة، وحقيقة الحساب إحصاء ~~ما عمله الإنسان من خير أو شر ليجازي عليه. # PageV03P127 # قوله تعالى: {هذا بلاغ للناس} يعني: هذا القرآن، وهذا الذي أنزلته عليك ~~بلاغ للناس، أي: فيه تبليغ للناس. قوله: {ولينذروا به} أي: [و] ليخوفوا به. # وقوله: {وليعلموا أنما هو إله واحد} أي: ليستدلوا بهذه الآيات على ~~وحدانية الله تعالى. # وقوله: {وليذكر أولو الألباب} معناه: وليتعظ أولو الألباب - أي أولو ~~العقول -، وفي بعض التفاسير: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه. والله أعلم. # PageV03P127 # بسم الله الرحمن الرحيم # {الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) ربما يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين} # تفسير سورة الحجر وهي مكية # PageV03P128 # قوله تعالى: {الر} معناه: أنا الله أرى، وقيل: " الر "، و " حم " و " ن " ~~هو الرحمن. {تلك آيات الكتاب} معناه: هذه آيات الكتاب. # {وقرآن مبين} معناه: أنه يبين الحلال من الحرام، والحق من الباطل، فإن ~~قال قائل: القرآن هو الكتاب، والكتاب هو القرآن، ms0806 فأيش فائدة الجمع بينهما؟ # الجواب: أن كل واحد منهما يفيد معنى لا يفيده الآخر، فإن الكتاب هو ما ~~يكتب، والقرآن هو ما يجمع بعضه إلى بعض، وقيل: إن المراد من الكتاب هو ~~التوراة والإنجيل، والقرآن هو الذي أنزله الله تعالى على محمد. # PageV03P128 # قوله تعالى: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} اعلم أن كم للتكثير، ~~ورب للتقليل، ويقال: ربما للتشديد، وربما بالتخفيف، وربتما بالتاء بمعنى ~~واحد. قال الشاعر: # (ماوي يا ربتما غارة ... شعواء كاللذعة بالميسم) # وقد فصل بعضهم بين رب وربما، قال: رب تدخل على الاسم، وربما على الفعل، ~~فقال: رب رجل جاءني، ويقال: ربما جاءني. # واختلف القول في الحال الذي يتمنى الكفار هذا، - والود هو التمني ~~-[فالقول] الأول: أنه في حال المعاينة، وهذا قول الضحاك. # والقول الثاني: أنه يوم القيامة، والقول الثالث - وهو الأشهر -: أنه حين ~~يخرج # PageV03P128 # {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) وما أهلكنا من قرية} ~~الله المؤمنين من النار. وفي الأخبار المسندة برواية أبي موسى الأشعري عن ~~النبي قال: " يدخل الله قوما - من أهل القبلة النار مع الكفار فيمكثون فيها ~~ما شاء الله؛ فيقول الكفار لهم: أنتم مسلمون، فيقولون: نعم، فيقول الكفار: ~~ما أغنى عنكم إسلامكم شيئا، وأنتم معنا في النار، فيقولون: نحن أذنبنا ~~ذنوبا فأخذنا بها، فيسمع الله تعالى ذلك كله، فيقول: أخرجوا من النار من ~~كان مسلما - وفي رواية: من قال لا إله إلا الله - فيخرجون، فحينئذ يتمنى ~~الكفار لو كانوا مسلمين ". وفي بعض الروايات: " أن الكفار إذا قالوا ~~للمسلمين هذه المقالة؛ يغضب الله تعالى لقولهم، فيقول: أخرجوا ... ، على ما ~~بينا. # فإن قال قائل: إذا كانت ربما للتقليل، فكيف يقل تمنيهم هذا، ونحن نعلم ~~حقيقة أن كلهم يتمنون هذا، وأن هذا التمني منهم يكثر؟ # والجواب: أن العرب قد تذكر هذا اللفظ وتريد به التكثير، يقول القائل ~~لغيره: ربما تندم على هذا الفعل، وهو يعلم أنه يكثر منه الندم عليه، ويكون ~~المعنى: إنك لو ندمت قليلا لكان القليل من الندامة يكفيك للاجتناب عنه، ~~فكيف الكثير؟ ms0807 ! . # والجواب الثاني: أن شغلهم بالعذاب لا يفرغهم للندامة، وفي بعض الآحايين ~~ربما يقع لهم هذا الندم، ويخطر ببالهم. # PageV03P129 # قوله تعالى: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} الآية. هذا تهديد ووعيد، والأكل ~~معلوم، وأما التمتع هو التلذذ بطلبه حالا بعد حال (كالتعرب) هو طلبه حالا ~~بعد حال. قوله: {ويلههم الأمل} أي: يشغلهم الأمل عن الآخرة. # PageV03P129 # {إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5) وقالوا ~~يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت ~~من الصادقين (7) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (8) إنا ~~نحن نزلنا الذكر} # قوله: {فسوف يعلمون} تهديد آخر، وقد قال بعض أهل العلم: " ذرهم " تهديد. ~~وقوله: {فسوف يعلمون} تهديد آخر، فمتى يهنأ العيش بين تهديدين؟ . # PageV03P130 # قوله تعالى: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} أي: أجل مضروب لا ~~يتقدم عليه ولا يتأخر عنه. # PageV03P130 # وقوله: {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} معناه: أن العذاب المضروب لا ~~يتقدم على وقته، ولا يتأخر عن وقته، وقيل: هذا في الموت أنه لا يتقدم ولا ~~يتأخر عن وقته. # PageV03P130 # قوله تعالى: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} الذكر هو ~~القرآن. وقوله: {إنك لمجنون} خطابهم مع النبي. # وقوله " {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} إنما قالوه على طريق الاستهزاء؛ ~~لأنهم لو قالوا ذلك على طريق التحقيق لآمنوا به. # PageV03P130 # قوله تعالى: {لو ما تأتينا بالملائكة} أي: هلا تأتينا بالملائكة، قال ~~الشاعر: # (تعدون (قعر) النيب أفضل مجدكم ... بنى (طوطبري) لولا الكمي المقنعا) # أي: هلا تعدون الكمي المقنعا. # وقوله: {إن كنت من الصادقين} معناه: أنك نبي. # PageV03P130 # قوله تعالى: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق} الحق الذي تنزل به الملائكة هو ~~الوحي، وقبض [أرواح] العباد، وإهلاك الكفار، وكتبة الأعمال، وما أشبه ذلك. # وقوله: {وما كانوا إذا منظرين} أي: مؤخرين، وقد كان الكفار يطلبون إنزال # PageV03P130 # {وإنا له لحافظون (9) ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) وما ~~يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون (11) كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ~~(12) لا} ms0808 الملائكة عيانا، فأجابهم الله تعالى بهذا، ومعناه: أنهم لو نزلوا ~~عيانا زال الإمهال عن الكفار وعذبوا في الحال. # PageV03P131 # قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر} يعني: القرآن {وإنا له لحافظون} فيه ~~قولان: أحدهما: أنا نحفظ محمدا، والآخر: أنا نحفظ القرآن، وهو الأليق بظاهر ~~اللفظ، ومعنى حفظ القرآن أنه يمنع من الزيادة فيه أو النقصان عنه، قال الله ~~تعالى {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} والباطل هو إبليس، ~~ومعناه: أن إبليس لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه، ولا أن ينقص عنه ما هو ~~منه. # PageV03P131 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين} الشيعة: هم القوم ~~المجتمعة المتفقة كلمتهم، ومعناه هاهنا: في أمم الأولين. # PageV03P131 # وقوله: {وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} هذا تسلية للنبي، ~~ومعناه: أنهم كما استهزءوا بك فقد استهزىء بالأنبياء من قبلك. # PageV03P131 # وقوله تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} قال الحسن: كذلك نسلك الشرك ~~في قلوب المجرمين، ونسلك، أي: ندخل، وقال مجاهد: نسلك التكذيب، ومعنى كاف ~~التشبيه، أي: كما فعلنا بالكفار من قبل هؤلاء، كذلك نفعل بهؤلاء الكفار. ~~وقد قال بعضهم: إن معنى قوله: {كذلك نسلكه} أي: نسلك القرآن، ومعناه: أنه ~~لما أعطاهم ما يفهمون به القرآن، فكأنه سلك القرآن في قلوبهم. والمنقول عن ~~السلف هو القول الأول، وهو رد على القدرية صريحا. # PageV03P131 # وقوله: {لا يؤمنون به} يعني بالنبي والقرآن. {وقد خلت سنة الأولين} أي: ~~مضت سنة الأولين، وسنة الأولين: هو الإهلاك عند تكذيب الأنبياء. # PageV03P131 # {يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (12) ولو فتحنا عليهم بابا من السماء ~~فظلوا فيه يعرجون (14) لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) ~~ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم (17) إلا من} # PageV03P132 # قوله تعالى: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء} ظاهر المعنى. وقوله: ~~{فظلوا فيه يعرجون} يقال: ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا، وبات يفعل كذا إذا ~~فعله ليلا. # وقوله: {يعرجون} يصعدون، يقال: عرج يعرج إذا صعد، وعرج يعرج إذا صار ~~أعرج، واختلف ms0809 القول في المعنى بقوله: {فظلوا} الأكثرون على أنهم الملائكة، ~~والقول الآخر أنهم المشركون. # PageV03P132 # وقوله: {لقالوا إنما سكرت أبصارنا} قرىء بقراءتين " سكرت " " سكرت " ~~مخفف، فمعنى التخفيف أي: سحرت، ومعنى التشديد أي: سدت وأخذت، وقيل: عميت، ~~قال عمرو بن العلاء: هو مأخوذ من السكر، يعني: كما أن السكر يغطي على ~~عقولنا، كذلك هذا غطي على أبصارنا. وقوله: {بل نحن قوم مسحورون} أي: ~~مخدوعون، وقيل معناه: عمل فينا السحر. # PageV03P132 # قوله تعالى: {ولقد جعلنا في السماء بروجا} البروج: هي النجوم الكبار، وهو ~~مأخوذ من الظهور، يقال: تبرجت المرأة إذا ظهرت. ويقال: إنها المنازل، ~~ويقال: إنها البروج الإثنا عشر، ويقال: إنها السبع السيارة، وعن عطية ~~العوفي: أنها قصور في السماء عليها الحرس. قوله: {وزيناها للناظرين} ظاهر ~~المعنى. # PageV03P132 # قوله تعالى: {وحفظناها من كل شيطان رجيم} ذكر الكلبي أن السموات لم تكن ~~محفوظة من الشياطين قبل عيسى، فلما بعث عيسى - عليه السلام - حفظت ثلاثة من ~~السموات، فلما بعث محمد حفظت السموات كلها. وقوله: {رجيم} أي: مرجوم، وقيل: ~~أي: ملعون، وقيل: شتيم. # PageV03P132 # وقوله تعالى: {إلا من استرق السمع} في الأخبار: أن الشياطين يركب بعضهم ~~بعضا إلى السماء الدنيا، ويسترقون السمع من الملائكة؛ فترجمهم الكواكب ~~فتقتل # PageV03P132 # {استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ~~وأنبتنا فيها} البعض وتخبل البعض ". واختلف القول في أنهم متى يسترقون ~~السمع؟ فأحد القولين: أنهم يسترقون السمع من الملائكة في السماء، والقول ~~الآخر: أنهم يسترقون السمع من الملائكة في الهواء. وأما معرفة ملائكة ~~السماء بالأمر فباستخبارهم ملائكة أهل السماء الثانية، هكذا يستخبر أهل كل ~~سماء من أهل السماء [التي] فوقهم، حتى يصلوا إلى حملة العرش فيخبرون بما ~~قضاه الله تعالى من الأمر، ويرجع الخبر من سماء إلى سماء حتى يصل إلى ~~السماء الدنيا، ثم الشياطين يسترقون على ما قلنا من قبل. # وقوله: {فأتبعه شهاب مبين} الشهاب هو الشعلة من النار، فإن قال قائل: نحن ~~لا نرى نارا، وإنما نرى نورا أو نجما ينقض. # والجواب: أنه يحتمل أنه ينقض نورا، فإذا وصل إليه صار ms0810 نارا، أو يحتمل أنه ~~يرى من بعد المكان أنه نجم وهو نار، وقيل: إن النجم ينقض فيرمي الشيطان ثم ~~يعود إلى مكانه. واعلم أن هذا لم يكن ظاهرا في زمن الأنبياء قبل الرسول، ~~ولم يذكره شاعر من العرب قبل زمان النبي، وإنما روي هذا في ابتداء أمر ~~النبي، وكان ذلك أساسا لنبوته، وإنما ذكر الشعراء ذلك في زمانه، قال ~~الشاعر: # (كأنه كوكب في إثر عفرية ... مسوم في سواد الليل منقضب) # PageV03P133 # قوله تعالى: {والأرض مددناها} معناه: بسطناها، ويقال: إنها مسيرة خمسمائة ~~سنة في مثلها، دحيت من تحت الكعبة. # وقوله: {وألقينا فيها رواسي} أي: جبالا ثوابت، وقد كانت الأرض تميل إلى ~~أن أرساها الله بالجبال. # PageV03P133 # {من كل شيء موزون (19) وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) ~~وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) وأرسلنا الرياح ~~لواقح فأنزلنا} # وقوله: {وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} أي: معلوم، ويقال: من كل شيء ~~موزون معناه: من الحديد والرصاص والنحاس والذهب والفضة وكل ما يوزن. # PageV03P134 # وقوله: {وجعلنا لكم فيها معايش} قيل: إنها المطاعم والمشارب والملابس، ~~وقيل: إنها ما يعش به المرء في الدنيا، قال جرير شعرا: # (تطالبني معيشة آل زيد ... ومن لي (بالمرقق والصناب)) # الضباب من الآجار، وغير ذلك من (اللوامخ) {ومن لستم له برازقين} معناه: ~~جعلنا فيها معايش لكم، وجعلنا فيها من لستم (فيها) برازقين، وهي الدواب ~~والطيور والوحوش. وفي الآية قول آخر: وهو أنا جعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا ~~لكم أيضا الدواب والطيور والأنعام، وكفيناكم رزقها، فإن قال قائل: قد قال: ~~" ومن لستم له برازقين "، و " من " إنما تقال فيمن يعقل لا فيمن لا يعقل؟ . # والجواب عنه: أن العبيد والمماليك قد دخلوا في هؤلاء، والعرب إذا جمعت ~~بين من يعقل وبين من لا يعقل غلبت من يعقل. # PageV03P134 # قوله تعالى: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} يعني: مفاتيح خزائنه، وقيل: ~~إنها نفس الخزائن، ومعنى الخزائن أنه إذا قال: كن كان. # قوله: {وما ننزله إلا بقدر معلوم} أي: إلا بقدر معلوم ms0811 في وقت معلوم، ~~ويقال: إنه لا تنزل قطرة من السماء إلا ومعها ملك يسوقها حيث يريد الله، ~~والله أعلم. # PageV03P134 # {من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (22) وإنا لنحن نحيي ~~ونميت ونحن} # PageV03P135 # قوله تعالى: {وأرسلنا الرياح لواقح} قال أبو عبيدة: ملاقح واحدتها ملقحة، ~~وقال غيره: هي لواقح واحدها لاقح، ومعنى اللاقح أنها تحمل الماء، ومعنى ~~الملقح أنها تمر على السحاب والأرض فتلقحه، وإلقاح السحاب هو أن يلقي إلى ~~السحاب ما يحمل به الماء، وقيل: إنها تلقح الأشجار أيضا. # وقال ابن مسعود: إن الريح تحمل الماء فتجريه السحاب؛ فتدر السحاب، كما ~~تدر اللقحة، وعن عبيد بن عمير أنه قال: تجىء الريح المبشرة فتقم الأرض قما، ~~ثم تجىء الريح المنشأة فتنشىء السحاب نشئا، ثم تجيء الريح المؤلفة فتؤلف ~~السحاب بعضه إلى بعض، ثم تجيء الريح اللاقحة فتلقح السحاب. (وفى) : أن لقح ~~الرياح؛ الجنوب. # وفي بعض الآثار: " ما هبت ريح الجنوب إلا وأنبعت عينا غرقة غدقة "، وأما ~~الريح العقيم هي التي لا تلقح وتأتي بالعذاب. # وقوله: {وأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه} يعني: أعطينا لكم بها سقيا، ~~يقال: أسقى فلانا إذا جعل له سقيا، وسقى فلانا إذا أعطاه ما يشرب. # وقوله: {وما أنتم له بخازنين} يعني: أنه في خزائننا، وليس في خزائنكم، ~~وقيل: وما أنتم له بمانعين ولا دافعين (أي: أردتموه) . # PageV03P135 # قوله تعالى: {وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون} ظاهر المعنى. وقوله: ~~والوارث في صفات الله أنه الباقي بعد هلاك الخلق أجمعين، وقيل معناه: أن ~~مصير # PageV03P135 # {الوارثون (23) ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) ~~وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25) ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ ~~مسنون} الخلق إليه. # PageV03P136 # قوله تعالى: {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} قال ~~الشعبي: معناه: ولقد علمنا الأولين منكم والآخرين، ويقال معناه: علمنا ~~المتقدمين منكم بالطاعة، والمتأخرين منكم بالمعصية، وقيل: علمنا من خلقنا ~~منكم ومن سنخلقه من بعد. وعن الربيع بن أنس " أن النبي حض الناس على ~~الجماعة فتقدم بعضهم، وتأخر البعض لكثرة الجمع؛ فأنزل الله ms0812 تعالى: {ولقد ~~علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} ". # ويقال معناه: ولقد علمنا المستقدمين منكم في حق القتال، وعلمنا ~~المستأخرين عنه. وفي الآية خبر مسند برواية أبي الجوزاء عن ابن عباس: " أن ~~امرأة كانت تحضر الجماعة، وهي من أحسن النساء وجها، فكان قوم يتقدمون لئلا ~~يرونها، وقوم يتأخرون. فإذا ركعوا نظروا إليها من تحت آباطهم؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية ". أورده أبو عيسى الترمذي في جامعه. # PageV03P136 # قوله تعالى: {وإن ربك هو يحشرهم} يعني: يحشرهم إلى القيامة. وقوله: {إنه ~~حكيم عليم} أي: حكيم في تدبيره، عليم بخلقه. # PageV03P136 # قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون} الصلصال هو # PageV03P136 # ( {26) والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) وإذ قال ربك للملائكة ~~إني خالق} الطين اليابس الذي إذا حرك صلصل أي: صوت، قال الشاعر: # (وقاع ترى الصلصال فيه ودونه ... بقاع تلال بالعرى والمناكب) # ويقال: الصلصال المنتن، يقال: صل اللحم إذا أنتن، وذكر الكلبي عن ابن ~~عباس: أن الصلصال هو الطين الرطب، ويقال: إذا جرى الماء على الأرض الطينة، ~~ثم انحسر الماء وتشققت الأرض حتى يرى مثل الخزف، فهو صلصال. # وقوله: {من حمأ مسنون} الحمأ: الحمأة، وهي الطين الأسود، والمسنون: ~~المتغير المنتن، كذلك قاله مجاهد. وقال بعضهم: المسنون المصبوب، وهذا يشبه ~~القول الذي بينا أن الصلصال هو الطين الرطب، وفي الآثار: أن الحسن كان يسن ~~الماء على وجهه سنا، أي: يصب. # وفي الآية قول ثالث: وهو أن المسنون هو المصبوب على قالب وصورة، وفي بعض ~~(التفاسير) : أن الله تعالى خمر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيرا أسود ~~منتنا، ثم خلق آدم منها. # PageV03P137 # قوله: {والجآن خلقناه من قبل من نار السموم} يقال: الجآن هو إبليس، ~~ويقال: الجآن أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، وأما إبليس هو أبو الشياطين، ~~وفي الجن مؤمنون وكافرون، ويحيون ويموتون. # وأما الشياطين فليس فيهم مسلم، ويموتون إذا مات إبليس، وذكر وهب بن منبه: ~~أن من الجن من يولد لهم، ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هم ~~بمنزلة الريح لا يتوالدون، ms0813 ولا يأكلون، ولا يشربون، والله أعلم. # وقوله: {من نار السموم} أي: من الريح الحارة، والسموم: ريح حارة تدخل في ~~مسام الإنسان فتقتله، ويقال: إن السموم بالنهار والحرور بالليل، ويقال: إن ~~السموم # PageV03P137 # {بشرا من صلصال من حمأ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين (29) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع} ~~بالليل والنهار جميعا، وقيل: نار السموم لهيب النار. # وفي بعض الآثار عن عبد الله بن مسعود: أن هذا السموم الذي نراه جزء من ~~سبعين جزءا من سموم جهنم. ويقال: من نار السموم أي: من نار جهنم. # PageV03P138 # قوله تعالى: {وإذا قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ ~~مسنون} قد ذكرنا. # PageV03P138 # قوله تعالى: {فإذا سويته} أي: صورته. وقوله: {ونفخت فيه من روحي} الروح: ~~جسم لطيف يحيا به الإنسان، [وأضافها] إلى نفسه تشريفا وتكريما. # وقوله: {فقعوا له ساجدين} أي: أسقطوا له ساجدين. # PageV03P138 # قوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} في بعض التفاسير: أنه قال ~~لجماعة من الملائكة: اسجدوا لآدم فلم يفعلوا؛ فجاءت نار وأحرقتهم جميعا، ثم ~~قال لجماعة آخرين: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس. # وقوله: {كلهم أجمعون} فيه سؤال معروف، وهو أنه يقال: لما قال {فسجد ~~الملائكة} ؟ فأيش فائدة قوله: {كلهم أجمعون} ؟ . # والجواب: أن الخليل وسيبويه زعما أن هذا تأكيدا بعد تأكيد، (وذكر) المبرد ~~أن قوله: {فسجد الملائكة} كان من المحتمل أن بعضهم سجد؛ فذكر كلهم ليزيل ~~هذا الإشكال، ثم كان يحتمل أنهم سجدوا في أوقات مختلفة؛ فذكر أجمعون ليزيل ~~الالتباس. # PageV03P138 # وقوله: {إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين} ظاهر المعنى. # PageV03P138 # قوله تعالى: # PageV03P138 # {الساجدين (31) قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن ~~لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون (33) قال فاخرج منها فإنك رجيم ~~(34) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ~~(36) } {قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين} معناه: لم لم تسجد وقد ~~أمرتك؟ # PageV03P139 # قوله: {قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال ms0814 من حمأ مسنون} معناه: أني ~~أفضل منه؛ لأنه طيني، وأنا ناري، والنار تأكل الطين. # وفي بعض الآثار: " أن الله تعالى خلق الملائكة من نور العزة، وخلق الجآن ~~من النار، وخلق آدم من التراب ". # فإن قال: إذا كان عندكم أن إبليس من الملائكة، وقد خلقوا من النور، فكيف ~~قال إبليس خلقتني من نار؟ # الجواب عنه: أن إبليس كان من قبيلة من الملائكة خلقوا من النار، وقد ~~ذكرنا في سورة البقرة. # PageV03P139 # قوله: {قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين} ظاهر ~~المعنى، ويقال: إن إبليس ملعون السماء والأرض، وإن أهل السماء يلعنونه، كما ~~أن أهل الأرض يلعنونه. # PageV03P139 # قوله تعالى: {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} أي: فأمهلني إلى يوم البعث، ~~وأراد الملعون ألا يموت؛ فأجابه الله تعالى وقال: # PageV03P139 # {إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} أي: الوقت الذي يموت فيه ~~الخلائق، ويقال: إن مدة موت إبليس أربعون سنة، وهو ما بين النفختين. وقال ~~أهل المعاني: إن إبليس لما سأل الإمهال لم تكن إجابة الله إياه كرامة له، ~~بل كانت زيادة له في شقائه وبلائه. # PageV03P139 # {قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38) قال رب بما ~~أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم ~~المخلصين (40) قال هذا صراط علي مستقيم (41) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من} # PageV03P140 # قوله تعالى: {قال رب بما أغويتني} الأكثرون على أن معناه: بما أضللتني، ~~وقيل: بما خيبتني من رحمتك، وقيل: بما أهلكتني، ويقال: بما نسبتني إلى ~~الغواية، وهو تأويل باطل عند أهل السنة. # وقوله: {لأزينن لهم في الأرض} معناه: لأزينن لهم حب الدنيا والغواية. ~~وقوله: {ولأغوينهم أجمعين} أي: لأضلنهم أجمعين، والمراد من إغواء إبليس ~~تسببه إلى الغواية. # PageV03P140 # قوله تعالى: {إلا عبادك منهم المخلصين} والمخلصين: ظاهر المعنى، وقد بينا ~~من قبل. # PageV03P140 # قوله تعالى: {قال هذا صراط علي مستقيم} أكثر أهل المعاني على أن الآية ~~للتهديد والوعيد، كالرجل يقول لغيره: طريقك علي، مسيرك إلي، أي: لا تفلت ~~مني. وهذا في معنى قوله ms0815 تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} أي: على طريق الخلق. # والقول الثاني في الآية: أن معنى قوله: {هذا صراط علي} أي: إلي. # وقوله {مستقيم} أي: بأمري وإرادتي. # والقول الثالث: صراط علي مستقيم أي: علي استقامته بالبيان والبرهان ~~والتوفيق والهداية، وقرأ الحسن وابن سيرين: " هذا صراط علي مستقيم " أي: ~~رفيع، وعبروا عنه: رفيع من أن ينال، مستقيم من أن يمال، وقال الشاعر في ~~الصراط بمعنى الطريق: # (أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم) # PageV03P140 # قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} هذا ~~تحقيق لقوله تعالى فيما سبق: {إلا عبادك منهم المخلصين} . # PageV03P140 # {الغاوين (42) وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب لكل باب منهم ~~جزء مقسوم (44) إن المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلام آمنين (46) } # PageV03P141 # قوله تعالى: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} يعني: موعد إبليس ومن تبعه للخلود ~~فيها. # PageV03P141 # قوله تعالى: {لها سبعة أبواب} روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: سبعة ~~أبواب بعضها فوق بعض، وقال ابن جريج: النار سبعة دركات: أولاها جهنم، ثم ~~لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. # وقوله: {لكل باب منهم جزء مقسوم} أي: لكل دركة قوم يسكنونها بقدر ذنوبهم. ~~وفي بعض الآثار: أن في الدركة الأولى [المسلمين]- يعني: الذين أدخلوا النار ~~بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها - وفي الثانية النصارى، وفي الثالثة اليهود، ~~وفي الرابعة [الصابئين] ، وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي ~~السابعة [المنافقين] . # PageV03P141 # قوله تعالى: {إن المتقين في جنات وعيون} أي: في بساتين وأنهار. # PageV03P141 # قوله: {ادخلوها بسلام أمنين} يعني: يقال لهم: ادخلوها بسلام آمنين، ~~والسلام هو السلامة، والأمن من الموت والخروج. # PageV03P141 # قوله تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} في الأخبار المسندة عن النبي ~~قال: " يحبس المؤمنون على قنطرة بين النار والجنة فيقتص لبعضهم من بعض، حتى ~~إذا هذبوا ونقوا، وخرج الغل من قلوبهم، أمر بهم إلى الجنة ". وأما الغل فقد ~~قيل: إنه الشحناء والعداوة، وقيل: إنه الحقد والحسد والخيانة، قال الشاعر: # (جزى الله عنا جمرة ابنة نوفل ... جزاء ms0816 مغل بالأمانة كاذب) # PageV03P141 # {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا يمسهم فيها ~~نصب وما هم منها بمخرجين (48) نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) وأن ~~عذابي هو} أي: خائن. وفي بعض الآثار: أن أهل الجنة يصلون إلى باب الجنة ~~والغل في صدورهم، فإذا دخلوا يذهب الغل كله عن صدورهم. ومن المعروف عن علي ~~- رضي الله عنه - أنه قال: إني أرجو أن أكون وطلحة والزبير من الذين قال ~~الله تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} . # وقوله: {على سرر متقابلين} أي: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وفي بعض ~~الأخبار عن النبي: " أن المؤمن في الجنة إذا ود أن يلقاه أخاه المؤمن سار ~~سرير كل واحد منهما إلى صاحبه، ويلتقيان ويتحدثان، ثم ينصرف كل واحد منهما ~~إلى منزله ". # PageV03P142 # قوله تعالى: {لا يمسهم فيها نصب} أي: تعب. قوله: {وما هم منها بمخرجين} ~~هذا أنص آية في القرآن على الخلود؛ هكذا قال أهل العلم. # PageV03P142 # قوله تعالى: {نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم} روي أن النبي خرج على ~~الصحابة، وهم يضحكون، فقال لهم: " أتضحكون، وبين أيديكم النار؛ فجاء جبريل ~~بهذه الآية وقال: يقول لك ربك: يا محمد، لم تقنط عبادي؟ " # PageV03P142 # {العذاب الأليم (50) ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا ~~سلاما قال إنا منكم وجلون (52) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) ~~قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرناك بالحق فلا ~~تكن من القانطين} # وقوله: {أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} ظاهر المعنى. ~~وروى أبو هريرة عن النبي أنه قال: " لو يعلم المؤمن ما عند الله من الرحمة ~~ما تورع عن ذنب، ولو يعلم الكافر ما عند الله من العقوبة لنخع نفسه ". ~~وأورد مسلم في صحيحه ما هو قريب من هذا. # PageV03P143 # قوله تعالى: {ونبئهم عن ضيف إبراهيم} قيل معناه: عن أضياف إبراهيم، وقد ~~بينا عدد الملائكة الذين كانوا أضيافه. # PageV03P143 # وقوله: {إذا دخلوا عليه فقالوا سلاما} أي: سلموا سلاما. # وقوله: {قال إنا ms0817 منكم وجلون} وسبب وجل إبراهيم منهم؛ أنه قرب إليهم ~~الطعام فلم يأكلوه، وقد كانوا إذا لم يأكل الضيف استرابوا به. # PageV03P143 # {قالوا لا توجل} أي: لا تخف، قال الشاعر: # (لعمرك لا أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول) # وقوله: {إنا نبشرك بغلام عليم} معناه: غلام في صغره، عليم في كبره، وهو ~~إسحاق. # PageV03P143 # وقوله تعالى: {قال أبشرتموني} الأصل: أبشرتمونني؛ فأسقط إحدى النونين ~~واكتفى بالكسرة. وقوله: {على أن مسني الكبر} يعني: على حال الكبر، وهذا على ~~طريق التعجب، وكذلك قوله: {فبم تبشرون} على طريق التعجب، وليس على طريق ~~الشك والإنكار. # PageV03P143 # قوله تعالى: {قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القاطنين} الحق: وضع الشيء ~~في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة، والقنوط هو اليأس، ومعنى الحق هاهنا هو ~~الصدق. # PageV03P143 # ( {55) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) قال فما خطبكم أيها ~~المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (60) فلما جاء آل ~~لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئناك بما كانوا فيه ~~يمترون (63) وأتيناك بالحق وإنا} # PageV03P144 # قوله تعالى: {قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} يعني: إلا الكافرون، ~~والقنوط من رحمة الله كبيرة من الكبائر كالأمن من مكر الله. # PageV03P144 # قوله تعالى: {قال فما خطبكم أيها المرسلون} قد ذكرنا معناه في سورة هود. # PageV03P144 # قوله تعالى: {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} أراد به قوم لوط. # PageV03P144 # وقوله: {إلا آل لوط} المراد منه لوط وبناته ومن آمن به، وقد ذكرنا. ~~وقوله: {إنا لمنجوهم أجمعين} هذا استثناء من الاستثناء، فالاستثناء الأول ~~من المهلكين، والثاني من المنجين، فبقي المستثنى بالاستثناء الثاني في ~~المهلكين وهو امرأته، وهذا مثل ما يقول الرجل لك: على عشرة إلا أربعة إلا ~~ثلاثة، فالمستثنى بالاستثناء الثاني (بقي) في المقر به بالإقرار الأول، ~~فيصير كأنه استثنى درهما، ويجب تسعة دراهم. # وقوله: {قدرنا} أي: حكمنا. وقوله: {إنها لمن الغابرين} أي: من الباقين في ~~العذاب، قال الشاعر: # (لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري ms0818 من الناتج) # أي: ببقاياها، وفي الأحاديث: " يذهب أهل العلم وتبقى غبرات في أوعية سوء ~~" أي: بقايا. # PageV03P144 # قوله تعالى: {فلما جاء آل لوط المرسلون} ظاهر المعنى. # PageV03P144 # قوله تعالى: {قال إنكم قوم منكرون} لأنه لم يعرفهم. # PageV03P144 # قوله تعالى: {قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} أي: يشكون، وفي ~~القصة: أن لوطا كان يتوعدهم بالعذاب، فلا يصدقونه فهو في معنى قوله: {بما ~~كانوا فيه يمترون} . # PageV03P144 # {لصادقون (64) فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم ~~أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ~~مصبحين (66) وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ~~(68) واتقوا الله ولا تخزون (69) قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) قال ~~هؤلاء بناتي إن} # PageV03P145 # وقوله: {وآتيناك بالحق وإنا لصادقون} ظاهر المعنى. # PageV03P145 # قوله تعالى: {فأسر بأهلك} سرى وأسرى بمعنى واحد. وقوله: {بقطع من الليل} ~~أي: بقطعة من الليل. وقوله: {واتبع أدبارهم} هذا دليل على أن الله تعالى ~~أمره أن يقدم أهله، ثم يمضي في إثرهم. # وقوله: {ولا يلتفت منكم أحد} أمرهم بترك الإلتفات حتى لا يرتاعوا من ~~العذاب إذا نزل بقومهم، وقيل: إن الله تعالى جعل ذلك علامة لمن ينجو من آل ~~لوط، فإن المرأة التفتت لما سمعت الهدة فهلكت. # وقوله: {وامضوا حيث تؤمرون} يقال: أمروا أن يمضوا إلى " زغر "، وهي بلدة ~~بالشام، وقيل: إلى أرض الأردن وفلسطين. # PageV03P145 # قوله تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر} قد ذكرنا أن القضاء بمعنى الفراغ ~~ومعناه: أنا حكمنا وأبرمنا الأمر الذي أمرناه في قوم لوط. وقوله: {أن دابر ~~هؤلاء} أي: أصل هؤلاء، وقيل: آخر هؤلاء {مقطوع مصبحين} يعني: حين يدخلون في ~~الصبح. # PageV03P145 # قوله تعالى: {وجاء أهل المدينة يستبشرون} يعني: يبشر بعضهم بعضا لما ~~يرجون من ارتكاب الفاحشة. # PageV03P145 # قوله تعالى: {قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون} الفضيحة: فعل يفعل بالمرء ~~يلزمه به العار (والأنفة) # PageV03P145 # {فاتقوا الله ولا تخزون} فالخزي بمعنى الفضيحة. # PageV03P145 # قوله تعالى: {قالوا أولم ننهك عن العالمين} معناه: أولم ننهك أن تضيف # PageV03P145 # {كنتم فاعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) فأخذتهم الصيحة ms0819 ~~مشرقين (73) فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) إن في ~~ذلك لآيات} أحدا، وقيل: أولم ننهك عن العالمين، يعني: إدخال الغرباء في ~~المدينة، فإنك إن أدخلتهم (نركب منهم) الفاحشة. # PageV03P146 # {قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين} قد بينا. # PageV03P146 # وقوله: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} قال ابن عباس: وعيشك، وقيل: ~~وحياتك. وعن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد، فإن ~~الله تعالى لم يقسم بحياة أحد إلا بحياة محمد. وقوله: {لفي سكرتهم يعمهون} ~~أي: في ضلالتهم يترددون. # PageV03P146 # قوله تعالى: {فأخذتهم الصيحة مشرقين} يقال: أشرقت الشمس إذا طلعت، فإن ~~قيل: قد قال قبل هذا: {مصبحين} ، وقال هاهنا: {مشرقين} فكيف وجه الجمع؟ # الجواب من وجهين: أحدهما: أن ابتداء العذاب كان من الصبح، وتمامه عند ~~الإشراق. # والجواب الثاني: أن الإشراق هاهنا بمعنى الإصباح، وهو جائز في كلام ~~العرب. # PageV03P146 # وقوله: {فجعلنا عاليها سافلها} قد بينا. # وقوله: {وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل} قد بينا. # PageV03P146 # وقوله: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} أي: للناظرين المعتبرين. # وقيل للمتفرسين، وهم الذين يعلمون الناس [بسيماهم] على ما يريهم الله ~~منها. # PageV03P146 # {للمتوسمين (75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) ~~وإن كان} وقد روي عن النبي: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " ~~رواه عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي، ذكره أبو عيسى الترمذي في جامعه. # وروى ثابت عن أنس عن النبي أنه قال: " من أمتي قوم يعلمون الناس بالتوسم ~~" # PageV03P147 # وقوله: {وإنها لبسبيل مقيم} أي: بطريق واضح لا يخفى ولا يندرس، وسماه ~~مقيما لثبوت الآيات فيه، وقد كانوا يمرون عليها عند مضيهم إلى الشام ~~ورجوعهم. # PageV03P147 # وقوله: {إن في ذلك لآية للمؤمنين} ظاهر المعنى. # PageV03P147 # قوله تعالى: {وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين} قال أهل المعاني: " إن " ~~للتأكيد، وكذا اللام في قوله {لظالمين} ومعنى الآية: وقد كان أصحاب الأيكة ~~ظالمين. والأيكة هي الغيضة، وقيل: هي الشجر الملتف، وقال قتادة: كان شجرهم ~~دوما، وقال بعضهم: كانت أشجارهم مثمرة يأكلون منها رطبا بالصيف ويابسا ~~بالشتاء، وقد قال في موضع آخر: {ليكة} ms0820 فيه قولان: أحدهما: أن الأيكة وليكة ~~بمعنى واحد. # والآخر: أن الأيكة اسم البلاد، وليكة اسم القرية، قال أهل التفسير: وكان ~~رسولهم شعيب النبي، وبعث إلى أهل مدين وإلى أهل الأيكة، فأما أهل مدين # PageV03P147 # {أصحاب الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) ولقد ~~كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (81) ~~وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) فما ~~أغنى عنهم} أهلكوا بالصيحة، وأما أهل الأيكة فأهلكوا بعذاب [الظلة] . # وفي القصة: أنه أصابهم حر شديد في منازلهم، ومنع الله تعالى الريح عنهم، ~~وشدد الحر عليهم، وكانوا كذلك أياما، ثم اضطرم عليهم الوادي نارا فهلكوا ~~أجمعين. ويقال: إنهم هلكوا غما؛ وهذا معنى قوله: {فانتقمنا منهم} . # وقوله: {وإنهما لبإمام مبين} أي: بطريق واضح، وسمى الطريق إماما؛ لأنه ~~يؤتم به وتبع، والكناية في قوله: {وإنهما} تنصرف إلى قرية قوم لوط وقرية ~~أصحاب الأيكة، وهذه البلاد بين الحجاز والشام، وقد كانت قريش يمرون عليها ~~في أسفارهم. # PageV03P148 # قوله تعالى: {ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين} " الحجر ": ديار ثمود. ~~وقوله: {المرسلين} المراد به صالح - عليه السلام # PageV03P148 # - وقوله: {وآتيناهم آياتنا} قال ابن عباس: الآيات في الناقة: خروجها من ~~الصخرة، وكبرها وقرب ولادتها وغزارة لبنها، فقد كانوا يحلبونها ما يكفيهم ~~يوما. وقوله: {فكانوا عنها معرضين} ظاهر المعنى. # PageV03P148 # قوله: {وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين} أي: آمنين من الوقوع عليهم، ~~وقيل: (عليهم) آمنين من الخراب، وقيل: آمنين من العذاب. # PageV03P148 # وقوله: {فأخذتهم الصيحة مصبحين} أي: حين دخلوا في الصبح. # PageV03P148 # وقوله: {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} أي: ما دفع عنهم ما كانوا ~~يكسبون. # PageV03P148 # {ما كانوا يكسبون (84) وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلاق العليم (86) ~~ولقد آتيناك سبعا} # PageV03P149 # قوله تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي: لإظهار ~~الحق، ووجه اتصال هذا بما قبله في المعنى أنهم لما كذبوا بالحق أهلكناهم؛ ~~لأنا ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وقيل: معنى الحق هو ~~جزاء المحسن بإحسانه، ms0821 وجزاء المسيىء بإساءته. # قوله تعالى: {وإن الساعة لآتية} أي: فيظهر الجزاء بالإحسان والإساءة. # وقوله: {فاصفح الصفح الجميل} أي: أعرض عنهم من غير جزع ولا شكوى. # قال ابن عباس: هذا قبل نزول آية السيف، ثم نسخ بآية السيف. # PageV03P149 # وقوله: {إن ربك هو الخلاق العليم} يعني: الخالق العليم بخلقه. # PageV03P149 # قوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} اختلف القول ~~في هذا، فروي عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود - في إحدى الروايتين - ومجاهد ~~وقتادة أنهم قالوا: هي فاتحة الكتاب، وقد ثبت هذا عن النبي برواية آدم بن ~~أبي إياس عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن النبي قال: " ~~الحمد لله: أم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم ". # قال الشيخ الإمام الأجل شيخ الإسلام أبو المظفر: أخبرناه المكي بن عبد ~~الرزاق الكشميهني قال: أنا جدي أبو الهيثم محمد بن المكي، قال: أنا ~~الفربري، قال: أنا محمد بن إسماعيل البخاري عن آدم بن أبي إياس ... " ~~الخبر. # وقد اختلفوا في بسم الله الرحمن الرحيم، فقال علي وابن عباس: إنها الآية ~~السابعة، وقال أبو هريرة ومجاهد وقتادة: إنها ليست بآية منها، والآية ~~السابعة قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} . # وروى أبي بن كعب أن النبي قال: " أنزلت علي سورة ما أنزلت في التوراة # PageV03P149 # والإنجيل مثلها، وهي أم القرآن، والسبع المثاني، والقرآن العظيم الذي ~~أعطيته " ذكره أبو عيسى الترمذي في جامعه. # والقول الثاني في الآية: أن السبع المثاني هي السبع (الطول) وواحدة الطول ~~طولى، وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس وهذا ~~هو المنقول، وهو قول عبد الله بن عباس - في رواية سعيد بن جبير - وهو قول ~~الحسن البصري وجماعة من التابعين. # وفي الآية قول ثالث: وهو أن السبع المثاني: الأمر، والنهي، والبشارة، ~~والنذارة، وضرب الأمثال، وتعداد النعم، وأنباء القرون السالفة. # وأما معنى المثاني: فإذا حملنا الآية على الفاتحة، فمعناه: أنها تثنى في ~~كل ركعة، وقيل: لأن فيها الثناء على الله تعالى، فهنا تكون " من " للتجنيس ~~لا للتبعيض، فهذا مثل قوله تعالى: ms0822 {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} وذكر بعضهم ~~أن معنى الآية: ولقد آتيناك سبعا من القرآن الذي هو مثاني، وسمي القرآن ~~مثاني؛ لأنه تثنى [فيه] الأحكام والقصص والأمثال والعبر؛ فتكون على هذا " ~~من " للتبعيض، وأما على القول الذي قلنا أن سبع المثاني هي السبع (الطول) ~~فإنما سماها مثاني؛ لأنه يثني فيها الأخبار والأمثال والعبر والقصص. # وأما قوله: {والقرآن العظيم} المراد منه سائر القرآن سوى الفاتحة، وفي ~~هذا شرف عظيم للفاتحة؛ لأنه خصها بالذكر والإمتنان عليه بها، ثم ذكر سائر ~~القرآن، وعلى القول الثاني: القرآن العظيم هو السبع (الطول) وغيرها، وخص ~~السبع # PageV03P150 # {من المثاني والقرآن العظيم (87) لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم ولا} (الطول) بالذكر تشريفا لها، قال الشاعر: # (نشدتكم بمنزل الفرقان ... أم الكتاب السبع من المثاني) # ((ثنتين) من آي من القرآن ... ) # PageV03P151 # قوله تعالى: {لا تمدن عينيك إلا ما متعنا به أزواجا منهم} وجه اتصال هذا ~~بما قبله أنه لما من عليه بالقرآن، نهاه عن الرغبة في الدنيا والنظر إلى ~~زينتها، ومزاحمة أهلها عليها، وروى أبو عبيد أن سفيان بن عيينة قال في معنى ~~قوله: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " أي: لم يستغن بالقرآن، ثم تأول هذه ~~الآية {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، لا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم} على هذا. # وفي الخبر عن النبي أنه قال: " من أوتي القرآن فظن أن أحدا أعطى أفضل مما ~~أعطى فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". # وقوله: {أزواجا منهم} معناه: أصنافا منهم، وهم اليهود والنصارى وسائر ~~المشركين، وقيل: إنهم الأغنياء. # وقوله: {ولا تحزن عليهم} يعني: لا تغتم على ما فاتك من مشاركتهم في ~~الدنيا، # PageV03P151 # {تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (88) وقل إني أنا النذير المبين (89) ~~كما} وفي بعض التفاسير عن أبي رافع: " أن رسول الله أتاه ضيف فلم يك عنده ~~ما يقدمه إليه؛ فبعث إلى يهودي يستقرض منه طعاما إلى هلال رجب، فقال ~~اليهودي: والله لا أعطينه إلا برهن، فقال رسول الله: أنا أمين الله في ~~السماء والأرض، ولو ms0823 باعني أو أسلفني لقضيته ثم بعت بدرعه فرهنها منه؛ فأنزل ~~الله تعالى: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به} . # وقوله: {واخفض جناحك للمؤمنين} أي: ألن جانبك للمؤمنين. # PageV03P152 # وقوله تعالى: {وقل إني أنا النذير المبين} للحق. # PageV03P152 # قوله تعالى: {كما أنزلنا على المقتسمين} فإن قال قائل: ما معنى الكاف ~~هاهنا، وهي للتشبيه؟ والجواب عنه: أن معناه أنذركم عذابا ينزل بكم، كما ~~أنزلنا على المقتسمين من العذاب، ويقال: إن الكاف صلة، ومعناه: وقل إني أنا ~~النذير المبين ما أنزلنا على المقتسمين. # وأما معنى المقتسمين فيه أقوال: أحدها: أنهم اليهود والنصارى، ومعنى ~~الاقتسام منهم أنهم آمنوا ببعض الكتب وكفروا بالبعض، وهذا قول ابن عباس. # والقول الثاني: أنهم قريش، ومعنى الاقتسام أنهم فرقوا القول في رسول الله ~~فقال بعضهم: هو كاهن، وقال بعضهم: هو ساحر، وبعضهم: هو شاعر. # والقول الثالث: ذكر الفراء أن أهل مكة بعثوا بقوم في طرق الواردين إلى ~~مكة أيام الموسم حتى يقولوا لمن لقيهم من الواردين إلى مكة: لا تقربوا ~~محمدا، وكانوا يسألونهم عن حاله؛ فيقول بعضهم: هو كاهن، ويقول بعضهم: هو ~~مجنون، ويقول # PageV03P152 # {أنزلنا على المقتسمين (90) الذين جعلوا القرآن عضين (91) فوربك ~~لنسألنهم} بعضهم: هو ساحر، وبعضهم يقول: هو شاعر، ومعنى الاقتسام: أنهم ~~اقتسموا طرق مكة، وهذا قول معروف ذكره مجاهد وقتادة وغيرهما. # PageV03P153 # وقوله: {الذين جعلوا القرآن عضين} قال أبو عبيدة: عضين مأخوذ من الإعضاء، ~~(وزعم) الفراء: أنه من العضاة. وقال الكسائي: يجوز أن يكون منهما، ومعنى ~~الآية أنهم جعلوا القرآن أبعاضا وأجزاء، فقال بعضهم: إنه أساطير الأولين، ~~وقال بعضهم: إنه كهانة، وما أشبه هذا. # وفي الآية قول آخر: وهو أن معنى قوله: {عضين} يعني: سموه سحرا، والعضة هي ~~السحر، فتكون العضة والعضين بمعنى واحد، مثل عزة وعزين، قال الشاعر: # (وليس دين الله بالمعضي ... ) # أي: بالمتفرق. # PageV03P153 # قوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} روى أنس عن النبي ~~أنه قال: " هو قول لا إله إلا الله "، وعن أبي العالية الرياحي قال: إن ~~جميع (الخلق) يسألون عن شيئين: عن التوحيد، وعن إجابة ms0824 المرسلين. وقيل: إن ~~معنى قوله: {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} يعني: جميع الأعمال ~~التي يعملونها الداخلة تحت التكليف. # PageV03P153 # قوله تعالى: [ {فاصدع بما تؤمر} ] قال القتيبي معناه: اظهر بما تؤمر، ~~وأبن # PageV03P153 # {أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ~~(94) إنا كفيناك المستهزئين (95) } غير مراقب لأحد، وقد كان رسول الله ~~مختفيا إلى [أن] أنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالظهور، وقال بعضهم: ~~معنى قوله: {فاصدع بما تؤمر} أي: أفرق بالقرآن بين الحق والباطل، وذكر ~~مجاهد أن معنى قوله: {فاصدع} أي: اجهر بالقرآن، وقد كان يقرأ (مسرا) خوفا ~~من المشركين؛ فأمره الله تعالى بالجهر وألا يبالي بهم. # والصدع في اللغة مأخوذ من الظهور، ومنه الصديع اسم للصبح، قال الشاعر: # (كأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع) # قوله تعالى: {وأعرض عن المشركين} أي: عن جوابهم؛ لأن السفيه لا يسافه معه ~~إلا سفيه. # PageV03P154 # قوله تعالى: {إنا كفيناك المستهزئين} قال ابن عباس: المستهزئون خمسة نفر: ~~وهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن ~~المطلب، وعدي بن قيس، وقد ضم بعضهم إلى هؤلاء الحارث بن الطلاطلة، والحارث ~~بن غيطلة، والمروي عن ابن عباس ما بينا، فروي: " أن جبريل كان واقفا مع ~~النبي فمر بهما هؤلاء القوم رجلا رجلا، وكان جبريل يقول للنبي: ما قولك في ~~هذا # PageV03P154 # {الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) ولقد نعلم أنك يضيق ~~صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) واعبد ربك حتى ~~يأتيك} الرجل؟ فيقول النبي: بئس عبد الله هذا، فيقول جبريل: كفيناكه ~~فهلكوا، أما الوليد بن المغيرة فمر بسهم فتعلق بردائه فذهب يجلس فقطع أكحله ~~فنزف فمات، وأما العاص بن وائل فمر على شوكة فخدشت ساقه، فتساقط من ذلك ~~لحمه ومات، وأما الأسود بن عبد يغوث فضرب بغصن من شوك على وجهه فسالت ~~حدقتاه ومات، وجعل يقول: استجيبت في دعوة محمد، وأما عدي بين قيس، والأسود ~~بن المطلب، فإن أحدهما قام من الليل فلسعته حية فمات، وأما الآخر فأصابه ms0825 ~~عطش، فما زال يشرب حتى انشق بطنه وهلك "؛ فهذا هو معنى كفاية المستهزئين. # PageV03P155 # قوله تعالى: {الذين يجعلون مع الله إلها آخر} وصفهم بالشرك وعبادة ~~الأوثان. وقوله: {فسوف يعلمون} تهديد ووعيد. # PageV03P155 # قوله تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} فهذا تسلية [للنبي] ، ~~قد روي في بعض التفاسير: أن الله تعالى لما أنزل في القرآن سورة العنكبوت ~~وسورة النمل وسورة الذباب وسورة النحل، وكانوا يجتمعون ويقولون # PageV03P155 # {اليقين (99) } استهزاء: يقول هذا إلى سورة النمل، ويقول هذا إلى سورة ~~الذباب، ويقول هذا إلى سورة العنكبوت، ويقول هذا إلى سورة النحل، وما أشبه ~~ذلك؛ فأنزل الله تعالى {ولقد نعلم أنه يضيق صدرك بما يقولون} وهذا هو ~~الاستهزاء المذكور في الآية المتقدمة. # PageV03P156 # وقوله: {فسبح بحمد ربك} والتسبيح: هو الثناء على الله بالتبرئة والتنزيه ~~من العيوب، وقيل: فصل بأمر ربك، وفي رواية عائشة - رضي الله عنها -: " أن ~~النبي كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ". وقوله: {وكن من الساجدين} أي: من ~~المصلين. # PageV03P156 # قوله تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} أي: الموت. # فإن قال قائل: أما كان يكفي قوله: {واعبد ربك} فما فائدة قوله: {حتى ~~يأتيك اليقين} ؟ . # قلنا: لو اقتصر على قوله: {واعبد ربك} لكان إذا عبد مرة خرج عن موجب ~~الأمر، فقال: {حتى يأتيك اليقين} ليدوم عليها إلى أن يموت، وهذه الآية في ~~معنى الآية التي ذكرها من بعد، وهي في مريم، وهي قوله تعالى: {وأوصاني ~~بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} . # PageV03P156 # وفي الأخبار المسندة برواية جبير بن نفير عن النبي أنه قال: " ما أمرني ~~الله بجمع المال، وأن أكون من التاجرين، ولكن أمرني بالصلاة، وأن أكون من ~~الساجدين، وأن أعبد ربي حتى يأتيني اليقين ". # PageV03P157 # بسم الله الرحمن الرحيم # {أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ينزل الملائكة ~~بالروح} # تفسير سورة النحل # وهي مكية سوى ثلاث آيات من آخرها، وهي قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به} إلى آخر السورة، وقيل: إن قوله: {ثم إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد فتنوا} الآية مدنية ms0826 أيضا، وهذه السورة تسمى سورة النعم، ~~وقيل: سورة الآلاء. # PageV03P158 # قوله تعالى: {أتى أمر الله} أي: دنا وقرب، كالرجل يقول لغيره: أتاك ~~الخبر، أو أتاك الغوث إذا دنى منه، ويقال: إن معناه سيأتي أمر الله، وهذا ~~مثل ما يقول القائل: إذا أكرمتني أكرمتك أي: أكرمك. واختلفوا في معنى قوله: ~~{أمر الله} فالأكثرون على أن المراد منه عقوبته وعذابه للمكذبين الجاحدين. # والقول الثاني: أن المراد من أمر الله هو الفرائض والأحكام، ذكره الضحاك، ~~وهذا قول ضعيف. وزعم الكلبي وغيره أن المراد منه القيامة. # وقوله: {فلا تستعجلوه} الاستعجال طلب الشيء قبل حينه، ومعناه: لا تطلبوه ~~قبل وقته، وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: لما نزل قوله: ~~{أتى أمر الله} رفع الكفار رءوسهم، وظنوا أنها قد أتت حقيقة، لما قال: {فلا ~~تستعجلوه} خفضوا رءوسهم. وفي بعض الأخبار: " أنه لما نزل قوله تعالى: {أتى ~~أمر الله} قام رسول الله فزعا، فقال جبريل: فلا تستعجلوه "، قد ذكره مقاتل ~~في تفسيره. # وقوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} معناه: تعاظم بالأوصاف الحميدة عما ~~يصفه به (المشركون) . # PageV03P158 # قوله تعالى: {ينزل الملائكة بالروح من أمره} روى # PageV03P158 # {من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون (2) ~~خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) خلق الإنسان من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين (4) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) ~~ولكم} مجاهد عن ابن عباس: أن الروح خلق من خلق الله تعالى على صور بني آدم، ~~وليسوا بالملائكة، لا ينزل الله ملكا إلا ومعه روح، والقول الثاني: أن ~~الروح هو الوحي؛ لأنه تقع به حياة القلوب، كالروح تقع بها حياة الأبدان، ~~وقيل: إنها النبوة، وقيل: إنها الرحمة. # وقوله: {على من يشاء من عباده} يعني: من النبيين والمرسلين. # وقوله: {أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} معناه: مروهم بقول لا إله ~~إلا الله منذرين ومخوفين لهم بالعذاب؛ يقولوا أو لم يقولوا. فقوله: ~~{فاتقون} أي: فخافون. # PageV03P159 # قوله تعالى: {خلق السموات والأرض بالحق} أي: لإظهار ms0827 الحق. وقوله تعالى: ~~{تعالى عما يشركون} أي: ارتفع عما يشركون. # PageV03P159 # قوله تعالى: {خلق الإنسان من نطفة} يقال: إنه نزلت هذه الآية في أبي بن ~~خلف، والصحيح أنها عامة في الكل. وقوله: {من نطفة فإذا هو خصيم مبين} أي: ~~مخاصم مفصح عما في ضميره بالخصومة، والخصومة: قد تكون حسنة، وقد تكون ~~قبيحة؛ فالحسن منها ما كان لإظهار الحق، والقبيح ما كان لدفع الحق، ومعنى ~~الآية بيان القدرة، وهي أن الله تعالى خلق النطفة من كائن بهذه الحالة، ~~وقيل: إن المراد من الآية بيان النعمة، وقيل: إن المراد من الآية كشف قبيح ~~ما فعلوا من جحدهم نعمة الله مع ظهورها عليهم. # PageV03P159 # قوله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء} الدفء هو الحر المعتدل الذي ~~يكون في بدن الإنسان من الدثار. وأما معنى الآية: قال ابن عباس: الدفء هو ~~اللباس، وقال قتادة: ما يستدفأ به من الأصواف والأوبار، وما أشبه ذلك. # وقال بعضهم: الدفء هو النسل، وذكر الآمدي أن هذا من كلام العرب. # PageV03P159 # {فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم (7) والخيل والبغال والحمير} # وقوله: {ومنافع} المنافع هي الركوب والنتاج، وسائر ما ينتفع به. وقوله: ~~{ومنها تأكلون} هو التناول من لحمها ولبنها. # PageV03P160 # قوله تعالى: {ولكم فيها جمال} أي: زينة، قال السدي: الجمال: أنها إذا ~~خرجت ورئيت قيل: هذه إبل فلان. # وإنما خص [بقوله] : {حين تريحون وحين تسرحون} الرواح في الأنعام هو إذا ~~جاءت من مراعيها إلى أفنية ملاكها عشيا، والسراح هو إذا خرجت من الأفنية ~~إلى المراعي بكرة؛ فإن قال قائل: لم قدم الرواح، والسراح هو المقدم؟ قلنا: ~~لأن المالك يكون أعجب بها إذا راحت؛ ولأن المنافع منها إنما تؤخذ بعد ~~الرواح. # PageV03P160 # وقوله: {وتحمل أثقالكم} الثقل: هو المتاع الذي يثقل حمله. وقوله: {إلى ~~بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} أي: بجهد الأنفس ومشقتها، وقرئ: " ~~بشق الأنفس ". واختلفوا في البلد المذكور، قال بعضهم: هي مكة، وقال بعضهم: ~~أي بلد كان في العالم، ms0828 فإن قال قائل: أي مشقة في أن يركب دابة وطية ويسير ~~عليها من بلد إلى بلد مع الزاد التام وأمن الطريق؟ # والجواب أن السفر لا يخلو عن مشقة في الجملة، والثاني: أن معنى الآية لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، لولا هذه الدواب. # وقوله: {إن ربكم لرءوف رحيم} ظاهر المعنى. # PageV03P160 # قوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير} الآية حكي أن أبا عمرو بن العلاء ~~سئل: لم سميت الخيل خيلا؟ فلم يذكر شيئا، وكان ثم أعرابي حاضرا، فقال: سميت ~~الخيل خيلا لاختيالها. # وقوله: {لتركبوها} زعم بعضهم أن ركوب الحمر الغرة الحسان أبلغ في الزينة ~~من الخيل والبغال؛ لأن الله تعالى قال: {لتركبوها وزينة} عقيب ذكر الحمر، ~~وهذا # PageV03P160 # {لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) } كقوله تعالى: {قالوا ادع لنا ~~ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها} دل أن ~~البصل أرذل من هذه الأشياء حيث ذكر قوله: {أتستبدلون الذي هو أدنى} عقيب ~~ذكر البصل، وقيل: شر الحمر الأسود القصير. # والأولى أن يقال: إن الجمال في الخيل أكثر للحسن والعيان؛ ولأن الله ~~تعالى بدأ بها بالذكر. # وقيل لخالد بن صفوان: ما لك لا تركب الحمر؟ قال: هي بطيئة الغوث كثيرة ~~الروث، إذا سار أبطأ وإذا وقف أدلى. ورؤي مرة على حمار؛ فسئل عن ذلك فقال: ~~أدب عليه دبيبا، وألقى عليه حبيبا، ويمنعني أن أكون جبارا عنيدا. # وقد ثبت أن رسول الله ركب الفرس والبغل والحمار. وفي الآثار: أن الأنبياء ~~من بني إسرائيل كانوا يركبون الأتن. وعن ابن عباس أنه كره لحم الخيل؛ قال: ~~لأن الله تعالى قال: {لتركبوها وزينة} . وقد ثبت برواية جابر أن النبي أذن ~~في لحوم الخيل "، وثبت أيضا عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت: " ~~أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله " فالأولى هو الإباحة، وعليه أكثر أهل ~~العلم. # وقوله: {ويخلق ما لا تعلمون} قيل معناه: ويخلق ما لا يخطر ببال أحد، # PageV03P161 # {وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) هو الذي ~~أنزل من السماء ms0829 ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت لكم به ~~الزرع والزيتون} والإنسان قل ما يخلو في يوم وليلة أن يرى شيئا من خلق الله ~~تعالى لم يره من قبل. وروى ابن السدي عن أبيه أن معنى قوله: {ويخلق ما لا ~~تعلمون} أي: السوس في النبات والحبوب. وفي بعض التفاسير: أن النبي قال في ~~هذه الآية: " إن لله تعالى أرضا بيضاء خلقها، ومسافتها قدر مسيرة الشمس ~~ثلاثين ليلة، وقد ملأها من خلق لم يعصوا الله طرفة عين؛ فقيل له: أهم من ~~بني آدم؟ # فقال: إنهم لا يعلمون أن الله تعالى خلق آدم، فقيل له: فكيف لا يفتنهم ~~إبليس؟ قال: إنهم لا يعلمون أن لله في خلقه إبليس " وهذا خبر غريب، والله ~~أعلم. # PageV03P162 # قوله تعالى: {وعلى الله قصد السبيل} قيل معناه: وعلى الله بيان الهدى من ~~الضلالة، وقيل: بيان الحق بالآيات والبراهين، وهذا بحكم الوعد، ويقال: وعلى ~~الله قصد السبيل أي: على الله الحكم بالعدل بين الخلق. # وقوله: {ومنها جائر} معناه: ومن السبيل جائر، وقرأ علي وابن مسعود: " ~~ومنكم جائر ". أي: عادل عن الحق، قال الشاعر: # (لما خلطت دماؤنا بدمائهم ... وقف الثقال بها (وجار) العادل) # الثقال: البطر. # وقوله: {ولو شاء لهداكم أجمعين} ظاهر المعنى، وفيه رد على القدرية. # PageV03P162 # قوله تعالى: {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب} أي: لكم منه ما ~~تشربون. # وقوله: {ومنه شجر فيه تسيمون} أي: تسيمون المواشي فيها، والإسامة هي # PageV03P162 # {والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (11) وسخر ~~لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون (12) وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم ~~يذكرون (13) وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها} تخلية المواشي للرعي. # PageV03P163 # وقوله تعالى: {ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} الآية. ظاهر المعنى. # PageV03P163 # وقوله تعالى: {وسخر لكم الليل والنهار} أي: ذلل لكم الليل ms0830 والنهار، وقيل: ~~سخر ضوء الشمس بالنهار ونور القمر بالليل. # وقوله: {والنجوم مسخرات بأمره} أي: مذللات بأمره. وقوله: {إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون} ظاهر المعنى. # PageV03P163 # {وما ذرأ لكم في الأرض} أي: ما خلق لكم في الأرض. وقوله: {مختلفا ألوانه} ~~أي: صورته وهيئته. وقوله: {إن في ذلك لآية لقوم يذكرون} أي: يعتبرون. # PageV03P163 # قوله تعالى: {وهو الذي سخر البحر} أي: ذلل البحر {لتأكلوا منه لحما طريا} ~~أي: السمك. وقوله: {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} يعني: درأ تتخذون منه ~~لباسا للتحلي. # وقوله: {وترى الفلك مواخر فيه} قال الحسن البصري: مواقر - أي مملوءة - ~~ويقال: مواخر أي: مقبلة مدبرة بريح واحدة، والمخر هو الشق، والسفينة تمخر ~~الماء أي: تشقه، وفي الخبر أن النبي قال: " إذا أراد أحدكم البول فليتمخر ~~الريح " أي: # PageV03P163 # {وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) وألقى في ~~الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) وعلامات وبالنجم ~~هم يهتدون (16) أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18) والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ~~(19) والذين} لينظر موضع هبوبها فليستدبرها، والمخر: صوت هبوب الريح عند ~~شدتها. # وقوله: {ولتبتغوا من فضله} يعني: للتجارة. وقوله: {ولعلكم تشكرون} يعني: ~~إذا رأيتم صنع الله فيما سخر لكم، وروي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى ~~عمرو بن العاص يسأله عن البحر؛ فقال: خلق عظيم يركبه خلق ضعيف، دود على ~~عود، ليس إلا السماء والماء، إن مال غرق، وإن نجا برق، أي: دهش وتحير. # PageV03P164 # قوله تعالى: {وألقى في الأرض رواسي} أي: جبالا ثوابت، وفي الآثار: أن ~~الله تعالى لما خلق الأرض كانت تكفأ؛ فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرة على ~~ظهرها أحد؛ فأصبحوا وقد خلق الجبال فاستقرت وثبتت. # وقوله: {أن تميد بكم} أي: أن تميل بكم. وقوله: {وأنهارا وسبلا} يعني: ~~طرائق. وقوله: {لعلكم تهتدون} أي: لعلكم تهتدون بالطريق والجبال. # PageV03P164 # وقوله: {وعلامات} أي: ودلالات، وقيل: إن هذه العلامات هي الجبال. وقوله: ~~{وبالنجم هم يهتدون} قال الفراء: بالجدي والفرقدين، وقيل: ms0831 وبالنجوم هم ~~يهتدون، وعن قتادة قال: خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: لزينة السماء ~~الدنيا، ولرجم الشياطين، وليهتدي بها في البحر والبر، فمن طلب منها علما ~~غير هذا فقد أخطأ، وهذه الأشياء الثلاثة مذكورة في القرآن. # PageV03P164 # قوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} قيل: أفمن ينعم كمن لا ينعم. وقوله: ~~{أفلا تذكرون} أي: أفلا تعتبرون. # PageV03P164 # قوله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} أي: تطيقوا عدها، وقيل: لا ~~تطيقوا شكرها. وقوله: {إن الله لغفور رحيم} ظاهر المعنى. # PageV03P164 # {يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) أموات غير أحياء وما ~~يشعرون أيان يبعثون (21) إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم ~~منكرة} # PageV03P165 # قوله تعالى: {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين يدعون من دون الله ~~لا يخلقون شيئا} أراد به الأصنام. وقوله: {وهم يخلقون} معناه: أن المخلوق ~~لا يكون إلها. # PageV03P165 # قوله تعالى: {أموات غير أحياء} فإن قيل: الصنم كيف يكون ميتا ولم يكن حيا ~~قط؟ الجواب: أن معناه: أنها كالأموات في أنها لا تعقل. # وقوله: {غير أحياء} تأكيد للأول. وقوله: {وما يشعرون أيان يبعثون} أي: ~~متى يبعثون؟ فإن قيل: هل للأصنام بعث؟ والجواب: أنه قد ذكر في بعض ~~التفاسير: أن الأصنام تبعث، وتجعل فيها الحياة، وتتبرأ من عابديها، وقد دل ~~على هذا القرآن في مواضع، وقيل في معنى الآية: وما تشعر الأصنام متى يبعث ~~الكفار؟ وفي الآية قول ثالث: وهو أن معناها: وما يشعر الكفار متى يبعثون؟ . # PageV03P165 # قوله تعالى: {إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة} أي: ~~جاحدة، وهذا دليل على أن العبرة بجحد القلب وإنكاره. # وقوله: {وهم مستكبرون} أي: متكبرون، ويقال: إنه لا ينكر الدين إلا متكبر. # قال الله تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} وقد ~~ثبت عن النبي أنه قال: " لا يدخل الجنة أحد في قلبه ذرة من كبر ". # PageV03P165 # قوله تعالى: {لا جرم} معناه: حقا {أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه # PageV03P165 # {وهم مستكبرون (22) لا جرم أن الله يعلم ما يسرون ms0832 وما يعلنون إنه لا يحب ~~المستكبرين (23) وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ~~ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ~~ساء ما يزرون (25) } لا يحب المستكبرين) أي: المتكبرين. # PageV03P166 # قوله تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم} معناه: وإذا قيل للكفار الذين ~~تقدم ذكرهم: " ماذا أنزل ربكم "؟ ما الذي أنزل ربكم؟ # وقوله: {قالوا أساطير الأولين} يعني: أكاذيب الأولين، والأساطير واحدها ~~أسطورة، وقيل: أقاصيص الأولين. # PageV03P166 # وقوله: {وليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة} الأوزار هي الذنوب. # وقوله: {كاملة} إنما ذكر الكمال؛ لأن البلايا والمحن التي تلحقهم في ~~الدنيا لا تكفر عنهم شيئا، وكذلك ما يفعلونه بنية الحسنات. # وقوله: {ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} ومن ذنوب الذين يضلونهم، وهم ~~الأتباع. # فإن قال قائل: كيف يحملون أوزار الأتباع، والله تعالى يقول: {ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى} ؟ والجواب عنه: يحملوا ذنوبهم بحكم الإغواء والدعاء إلى ~~الضلال؛ فإنه روي عن النبي أنه قال: " أيما داع دعا إلى الهدى (فاتبع) ؛ ~~فله أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ~~وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ". # PageV03P166 # {قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من ~~فوقهم} # وقوله: {بغير علم} معناه: أنهم رجعوا إلى محض التقليد من غير دليل، ومنهم ~~من قال معناه: أنهم دعوهم إلى الضلال من غير حجة. وقوله: {ألا ساء ما ~~يزرون} معناه: ألا بئس ما يحملون من الذنوب. # PageV03P167 # قوله تعالى: {قد مكر الذين من قبلهم} معناه: قد أشرك الذين من قبلهم، ~~وقيل: المكر هو التدبير الفاسد. # وقوله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} وهذا مذكور على طريق التمثيل، ~~يعني: قلع الله مكرهم من أصله، ورد وبال مكرهم وضرره عليهم، وإلا فليس ثم ~~بنيان ولا أساس ولا سقف. # والقول الثاني في الآية: أن الآية نزلت في نمروذ بن كنعان لما بنى الصرح ~~ليصعد ms0833 إلى السماء، وفي القصة: أنه بنى قصرا طوله في السماء فرسخان، وقيل: ~~كان خمسة آلاف ذراع وزيادة شيء، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع؛ فبعث الله جبريل - ~~عليه السلام - فرمى برأسه في البحر، ثم خرب الباقي؛ فسقط عليهم وهم تحته، ~~فهذا معنى قوله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم} ~~وهذا محكي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. # فإن قيل: قال: {فخر عليهم السقف من فوقهم} فأيش معنى قوله: {من فوقهم} ~~وقد فهم المعنى بقوله: {فخر عليهم السقف} ؟ والجواب: أن ذلك مذكور على طريق ~~التأكيد مثل قوله تعالى: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} ، ومثل قوله: ~~{فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} . # جواب آخر ذكره ابن الأنباري وغيره: أن العرب تقول: خر على فلان بيوته، ~~إذا سقطت، وإن لم يكن تحتها، فإذا قالت: خر على فلان بيته من فوقه يفهم أنه ~~كان # PageV03P167 # {وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين ~~شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم ~~والسوء على الكافرين (27) الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا ~~السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن} تحته. وقوله: {وأتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون} معناه: من الجهة التي كانوا آمنين منها. # PageV03P168 # قوله تعالى: {ثم يوم القيامة يخزيهم} يعني: يذلهم ويهينهم فيها. وقوله: ~~{ويقول أين شركاءي الذين كنتم تشاقون فيهم} أي: تعادون المؤمنين فيهم. # فإن قيل: أين شركائي؟ وليس لله شريك، فكيف معنى الآية؟ والجواب أن ~~معناها: أين شكائي في زعمكم؟ {ومنهم من قال: أين الذين كنتم تدعونهم ~~شركاء؟} # وقوله: {قال الذين أوتوا العلم} يعني: المؤمنين. # وقوله: {إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين} معناه: أن العذاب اليوم ~~والهوان على الكافرين. # PageV03P168 # قوله تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} قال أهل التفسير: هذه ~~نزلت في قوم أسلموا بمكة، فلما هاجر النبي لم يهاجروا، ثم إن المشركين لما ~~هاجروا إلى بدر أخرجوهم مع أنفسهم، فلما رأوا النبي وقلة من معه ظنوا أنهم ~~يهلكوا على أيدي المشركين، فمكثوا ms0834 مع الكفار فقتلوا يومئذ فأنزل الله تعالى ~~فيهم هذه الآية: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} معناه: في حال ~~ظلمهم أنفسهم بتركهم المهاجرة مع النبي وخروجهم مع الكفار. # قوله: {فألقوا السلم} أي: استسلموا وانقادوا لملك الموت. # وقوله: {ما كنا نعمل من سوء} أي: ما كنا مشركين. وقوله: {بلى إن الله ~~عليم بما كنتم تعملون} معناه: أن الله عليم بأنكم عملتم عمل الكفار - وعمل ~~الكفار هو ترك المهاجرة والخروج مع المشركين - وقد كان في ابتداء الإسلام ~~لا يقبل # PageV03P168 # {الله عليم بما كنتم تعملون (28) فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس ~~مثوى المتكبرين (29) وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) جنات ~~عدن يدخلونها تجري} الإسلام إلا مع الهجرة، فهؤلاء أسلموا ولم يهاجروا، فلم ~~يقبل إسلامهم. # PageV03P169 # وقوله: {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} أي: مقيمين دائمين فيها، وها ~~هنا إضمار، وهو أنه يقال لهم: ادخلوا أبواب جهنم. وقوله: {فلبئس مثوى ~~المتكبرين} يعني: منزل الكافرين. # PageV03P169 # قوله تعالى: {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم} فإن قيل: قد قال من قبل: ~~{وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} بالرفع وقال ها هنا: ~~{ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} بالنصب، فكيف وجه الآيتين؟ # والجواب: أن معنى قوله: {أساطير الأولين} أي: المنزل أساطير الأولين، ~~وقوله: {قالوا خيرا} معناه: أنزل ربنا خيرا. وقوله: {للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة} إحسانهم هو قول: لا إله إلا الله، وقوله: {حسنة} اختلف القول ~~فيها: # قال ابن عباس: هي تضعيف الأجر إلى العشر فما زاد، وقال الضحاك: الحسنة هو ~~النصر والفتح، وقال مجاهد: هو الرزق الحسن، وقال غيره: ما فتح الله على ~~المسلمين من البلدان، وأفاء عليهم من الغنائم. # وقوله: {ولدار الآخرة خير} معناه: ولحال دار الآخرة خير. # وقوله: {ولنعم دار المتقين} أكثر المفسرين على أن المراد [منها] الجنة، ~~وروي عن الحسن البصري أنه قال: هي الدنيا، والدنيا دار المتقين، ومنها ~~يتزود إلى الآخرة، [و] فيها يطلب رضا الله تعالى، وروي عن ms0835 عمر - رضي الله ~~عنه - أنه كان إذا فرق العطايا بين المهاجرين والأنصار قال: هذا لكم في ~~الدنيا وما ادخر الله لكم في الآخرة. # PageV03P169 # {من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين (31) الذين ~~تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ~~(32) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من ~~قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به} # PageV03P170 # قوله تعالى: {جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما ~~يشاءون كذلك يجزي الله المتقين} ظاهر. # PageV03P170 # قوله تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} يعني: طاهرين زاكين من ~~الشرك، وقيل: معناه: أن وفاتهم تقع طيبة سهلة. # قوله: {يقولون سلام عليكم} يقال: إن المراد منه تسليم الملائكة، يبلغون ~~سلام الله إليهم، وفي الأخبار: " أنهم يقولون لكل واحد منهم: السلام عليك ~~يا ولي الله ". وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن الميت المؤمن يزف إلى ~~الله كما تزف العروس. وقوله: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} يعني: يقال ~~لهم: ادخلوا الجنة بإيمانكم وطاعتكم. # PageV03P170 # قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة} معناه: هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة بالموت؟ {أو يأتي أمر ربك} القيامة. # وفي بعض الآثار: أن أعوان ملك الموت ستة أملاك: ثلاثة يقبضون أرواح ~~المؤمنين، وثلاثة يقبضون أرواح الكفار، وقيل: هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة بالعذاب والقتل للكفار، أو يأتي أمر ربك؟ يعني: الموت. وقوله: ~~{كذلك فعل الذين من قبلهم} يعني: كذلك كفر الذي من قبلهم. وقوله: {وما ~~ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ظاهر المعنى. # PageV03P170 # قوله تعالى: {فأصابهم سيئات ما عملوا} معناه: فأصابهم وبال السيئات التي # PageV03P170 # {يستهزءون (34) وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ~~نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على ~~الرسل إلا} عملوا، وقيل: جزاء السيئات التي عملوا. وقوله: {وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون} معناه: نزل ms0836 بهم، وأحاط بهم ما كانوا به يستهزئون. # PageV03P171 # قوله تعالى: {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء} . # ومعنى التحريم المذكور في الآية هو ما حرموا من البحيرة والوصيلة ~~والسائبة والحام، وقد احتجت القدرية بهذه الآية، ووجه احتجاجهم أن المشركين ~~قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، [ {ولا حرمنا من دونه من شيء} ] ~~ثم إن الله تعالى قال في آخر الآية: {كذلك فعل الذين من قبلهم} ردا وإنكارا ~~عليهم، فدل على أن الله تعالى لا يشاء الكفر، وأنهم فعلوا ما فعلوا بغير ~~مشيئة الله. # والجواب عنه: ذكر الزجاج وغيره أنهم قالوا هذا القول على طريق الاستهزاء ~~لا على طريق التحقيق، ولو قالوا على طريق التحقيق لكان قولهم موافقا لقول ~~المؤمنين، وهذا مثل قوله تعالى في قصة شعيب: {إنك لأنت الحليم الرشيد} ~~فإنهم قالوا هذا على طريق الاستهزاء لا على طريق التحقيق، وكذلك قوله تعالى ~~في سورة يس، {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين ~~آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} وهذا إنما قالوه على طريق الاستهزاء؛ ~~لأنه في نفسه قول حق يوافق قول المؤمنين، كذلك هاهنا قالوا ما قالوا على ~~طريق الاستهزاء؛ فلهذا أنكر الله تعالى عليهم، ورد قولهم، والدليل على أن ~~المراد من هذا ما ذكر من بعد وسنبين. # وقوله: {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} يعني: ليس إليهم الهداية ~~والإضلال، وإنما عليهم التبليغ. # PageV03P171 # {البلاغ المبين (35) ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36) إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي ~~من يضل وما لهم من ناصرين (37) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت بلى وعدا عليه} # PageV03P172 # قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} أي: وحدوا الله واجتنبوا الأصنام. وقوله: {فمنهم من ms0837 هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة} معناه: فمنهم من هداه الله للإيمان، ومنهم من ~~وجبت عليه الضلالة، وتركه في الكفر بالقضاء السابق، فهذه الآية تبين أن من ~~آمن بمشيئة الله، وأن من كفر، كفر بمشيئة الله. # وقوله: {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} معناه: مآل أمر ~~المكذبين ومرجعهم. # PageV03P172 # قوله تعالى: {إن تحرص على هداهم} الحرص: طلب الشيء بالجد والاجتهاد: ~~وقوله: {فإن الله لا يهدي من يضل} قرأ بقراءتين: قرأ أهل الكوفة: " لا يهدي ~~من يضل " بفتح الياء الأولى وضم الثانية، وقرأ الباقون: " لا يهدي من يضل " ~~بضم اليائين، أما القراءة الأولى فمعناه: لا يهدي الله من أضله، وأما ~~القراءة الثانية فمعناه: فإن من يضله الله لا يهدى، وقيل: لا يقدر أحد على ~~هدايته، قالوا: وهذا أولى القراءتين. وقوله: {وما لهم من ناصرين} أي: ~~مانعين من العذاب. # PageV03P172 # قوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} جهد اليمين هو أن يحلف بالله ~~الذي لا إله غيره. وقوله: {لا يبعث الله من يموت} هذا دليل على أنهم كانوا ~~مستبصرين في كفرهم. # وقوله: {بلى وعدا عليه حقا} معناه: ليس الأمر كما قالوا، ولكن الله ~~يبعثهم، ثم قال: {وعدا عليه حقا} أي: واجبا. # وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يعني: أن وعد الله حق؛ فإنه إنما ~~يعلمه # PageV03P172 # {حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم ~~الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له ~~كن فيكون (40) والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا ~~حسنة ولأجر الآخرة} المؤمنون دون الكفار. # PageV03P173 # قوله تعالى: {ليبين لهم الذي يختلفون فيه} يعني: ليظهر لهم الحق فيما ~~يختلفون فيه. وقوله: {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} يعني: في ~~الدنيا. # PageV03P173 # قوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه} فإن قيل: قد قلتم بأن المعدوم ~~ليس بشيء، وقد جعل الله هاهنا المعدوم شيئا حيث قال: {إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه} ومعناه: أردنا تكوينه. # والجواب: أن الأشياء التي قدر الله كونها هي ms0838 في علم الله كالكائنة ~~(القائمة) ؛ فاستقام قوله: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه} وقيل: إن هذا على ~~طريق المجاز، ومعناه: إنما يكون شيئا إذا أردنا تكوينه. # وقوله: {أن نقول له} معناه: أن نقول لأجله: {كن فيكون} أي: كن فكان، ~~وقرىء بقرائتين. " فيكون " بالنصب، " ويكون " بالرفع. # أما بالرفع معناه: فهو يكون، وأما بالنصب فهو منسوق على قوله: {أن نقول} ~~وذلك يقتضي النصب. # PageV03P173 # قوله تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا} قال أهل التفسير: ~~نزلت الآية في عمار، وبلال، وصهيب بن سنان، وخباب بن الأرت، وسالم مولى أبي ~~حذيفة. وقوله: {من بعد ما ظلموا} يعني: من بعد ما عذبوا وأوذوا. # وقوله: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} قال ابن عباس والشعبي والحسن: هي ~~المدينة، ويقال: هي قدم الصدق، وقيل: التوفيق والهداية. # PageV03P173 # {أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~(43) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون (44) أفأمن} # وقوله: {ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} أي: أعظم لو كانوا يعلمون. ~~وقوله: {لو كانوا يعلمون} منصرف إلى المشركين دون هؤلاء النفر، فإنهم كانوا ~~يعلمون أن أجر الآخرة أكبر. # PageV03P174 # وقوله: {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} ظاهر المعنى، وهي نازلة في هؤلاء ~~الخمسة. # PageV03P174 # قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} معناه: إلا رجالا ~~من البشر نوحي إليهم، فإن المشركين كانوا ينكرون إرسال الآدميين، ويطلبون ~~إرسال الملائكة على ما ذكر الله تعالى ذلك في غير موضع. وقوله: {فاسألوا ~~أهل الذكر} يعني: مؤمني أهل الكتاب، وقيل: حملة أهل الكتابين، فإنهم كانوا ~~لا ينكرون هذا. وقوله: {إن كنتم لا تعلمون} ظاهر المعنى. # PageV03P174 # قوله تعالى: {بالبينات والزبر} اختلفوا في أن قوله: {بالبينات والزبر} ~~إلى ماذا يرجع؟ # قال بعضهم معناه: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا بالبينات والزبر، ومنهم ~~من قال معناه: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم بالبينات والزبر. ~~ثم قال: {فاسألوا أهل الذكر إن ms0839 كنتم لا تعلمون} . # قوله: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} . وقد كان الرسول ~~مبينا للوحي، وقد قال أهل العلم: إن بيان الكتاب في السنة. وقوله: {ولعلهم ~~يتفكرون} يعني: يتدبرون ويعتبرون. # PageV03P174 # قوله سبحانه وتعالى: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض} ~~" مكروا السيئات " يعني: فعلوا السيئات، وذلك جحدهم التوحيد وعبادتهم غير ~~الله، وعملهم بالمعاصي، وقد قالوا: إن المكر في هذا الموضوع هو السعي ~~بالفساد، وما قلناه أفسد الفساد. # PageV03P174 # {الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو يأخذهم على تخوف} # وقوله: {أن يخسف الله بهم الأرض} الخسف معلوم المعنى، وقد ثبت عن النبي ~~أنه قال: " بينما رجل يتبختر في حلة له فخسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى ~~يوم القيامة ". # وحكى النقاش عن بعض أهل العلم مسندا: أن قوما تدافعوا الإمامة بعد ما ~~أقيمت الصلاة فخسف الله بهم الأرض. # وفي بعض المسانيد عن أبي هريرة أن النبي قال: " يفتح للناس معدن، ويبدو ~~من الذهب أمثال البخت؛ فيميل الناس إليه فيخسف الله بهم وبالمعدن، فهم ~~يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة ". # وقوله: {أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} أي: لا يعلمون. # PageV03P175 # قوله تعالى: {أو يأخذهم في تقلبهم} قال ابن جريج: في إقبالهم وإدبارهم، ~~وقيل: في ليلهم ونهارهم، وقيل: في أسفارهم. وقوله: {فما هم بمعجزين} أي: ~~بفائتين. # PageV03P175 # قوله تعالى: {أو يأخذهم على تخوف} قال ابن عباس: على تنقص، ومعنى التنقص ~~في هذا الموضع أنه يأخذهم الأول فالأول حتى يهلكهم. # والقول الثاني: أن معنى التخوف هو أن يأخذ قوما ولا يأخذ آخرين، وتخوفهم ~~بأخذ هؤلاء، قول الحسن والضحاك. # والقول الثالث: حكى عن الليث بن سعد أنه قال: سمعت أنه على عجل. # PageV03P175 # {فإن ربكم لرءوف رحيم (47) أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله ~~عن اليمين والشمائل سجدا لله} # وقوله: {فإن ربكم لرءوف رحيم} رحمته للكفار هي إمهالهم في العذاب. # PageV03P176 # قوله تعالى: (أولم يروا إلى ms0840 ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله) يتحول ~~ظلاله، وأما الفرق بين الفيء والظل: فيقال: إن الظل بالغداة، والفيء ~~بالعشي، ويقال: إن معناهما واحد. # وقوله: {عن اليمين} أي: عن الأيمان؛ لأنه قد قال عقيبه: {والشمائل} والظل ~~دائر من جوانب الإنسان، فمرة يكون عن يمينه، ومرة يكون عن شماله، ومرة يكون ~~قدامه، ومرة يكون خلفه. # وقوله: {سجدا لله} أكثر السلف أن السجود هاهنا: هو الطاعة لله، وأن كل ~~الأشياء ساجدة لله مطيعة من حيوان وجماد، وهذا محكي عن ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والحسن البصري، قال الحسن: يا ابن آدم، ظلك يسجد لله تعالى، وأنت لا ~~تسجد، فبئس ما صنعت. # وذكر أبو عيسى الترمذي في جامعه برواية ابن عمر عن عمر - رضي الله عنهما ~~- أن النبي قال: أربع بعد الزوال قبل الظهر يعدلن مثلهن من السحر، وما من ~~شيء إلا ويسجد لله في تلك الساعة، ثم تلا قوله تعالى: {أولم يروا إلى ما ~~خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله} الآية. # قال الضحاك: المراد من سجود الظلال سجود الأشخاص، وذكر بعضهم أن معنى ~~قوله: {سجدا لله} أي: خاضعة ذليلة خادمة فيما أريد لها بأصل الخلقة، ~~والأشياء. # PageV03P176 # {وهم داخرون (48) ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ~~والملائكة وهم لا يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ~~(50) وقال الله} كلها مجبولة على ما أريد لها في أصل الخلقة. # وذكر بعضهم: أنه إنما أضاف السجود إلى هذه الأشياء؛ لأنها تدعو إلى ~~السجود، فكأنها في أنفسها ساجدة، والأصح هو القول الأول ثم الثاني. # وقوله: {وهم داخرون} أي: صاغرون. # PageV03P177 # قوله تعالى: {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة} المراد من ~~الدابة هاهنا قالوا: هي الحيوان؛ لأن الحيوان من شأنه الدبيب، ويقال: ولله ~~يسجد ما في السموات من الملائكة، وما في الأرض من دابة. # فإن قال قائل: كيف يستقيم هذا المعنى، وقد قال بعده: {والملائكة} ؟ # والجواب من وجهين: أحدهما: أنه خصهم بالذكر تشريفا لهم. # والآخر: أن المراد من الملائكة المذكورين أخيرا هم ms0841 ملائكة الله في الأرض، ~~يعبدون الله تعالى ويسبحونه. وقوله: {وهم لا يستكبرن} الاستكبار: طلب الكبر ~~بترك الإذعان للحق. # PageV03P177 # قوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} قال بعضهم معناه: يخافون عذاب ربهم ~~من فوقهم، والقول الثاني - وهو الأصح - أن هذه صفة العلو [التي] تفرد الله ~~بها، وهو كما وصف به نفسه من غير تكييف. # وقوله: {ويفعلون ما يؤمرون} يعني: أن الملائكة لا يعصونه. # PageV03P177 # قوله تعالى: {وقال الله لا تتخذوا إليهن اثنين} فإن قال قائل: أيش معنى ~~قوله: {اثنين} وقد قال: {إلهين} ؟ # الجواب من وجهين: أحدهما: على طريق التأكيد، وهو مثل قوله تعالى: {فصيام # PageV03P177 # {لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51) وله ما في ~~السموات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) وما بكم من نعمة فمن ~~الله ثم إذا} ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا أرجعتم تلك عشرة كاملة) . # والجواب الثاني: أن الآية على التقديم والتأخير، ومعناها: وقال الله: لا ~~تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد. {فإياي فارهبون} يعني: فخافون. # PageV03P178 # قوله تعالى: {وله ما في السموات والأرض} معلوم المعنى. وقوله: {وله الدين ~~واصبا} أي: دائما، هكذا قاله ابن عباس، والدين بمعنى الطاعة. # وحقيقة المعنى أن [طاعة] غير الله تنقطع وتزول، وطاعة الله لا تزول ولا ~~تنقطع، وقيل: واصبا أي: خالصا، والوصب في اللغة هو التعب، فيقال على هذا: ~~أن معنى الآية أن الطاعات كلها لله، وإن كان فيها الوصب والتعب. # وقوله: {أفغير الله تتقون} أي: تخافون، وهذا استفهام على طريق الإنكار. # PageV03P178 # قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} معناه: وما يكن لكم من نعمة فمن ~~الله، وفي بعض المسانيد برواية ابن عمر عن النبي أنه قال: " ما مس عبدا ~~نعمة فعلم أنها من الله إلا وقد [شكر] الله، وإن لم يحمده ". # وقوله: {ثم إذا مسكم الضر} قيل: القحط، وقيل: المرض. وقوله: {فإليه ~~تجأرون} الجؤار هو الصوت على وجه الاستغاثة، ومنه جؤار البقر، ومعنى الآية ~~أنكم تدعون الله مستغيثين. قال الشاعر: # PageV03P178 # {مسكم الضر فإليه تجأرون (53) ثم إذا كشف ms0842 الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم ~~يشركون (54) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55) ويجعلون لما لا ~~يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون (56) ويجعلون لله ~~البنات} # (يراوح في صلوات المليك ... فطورا سجودا وطورا وجؤارا) # PageV03P179 # قوله تعالى: {ثم إذا كشف الضر عنكم} يعني: ما يضركم. وقوله: {إذا فريق ~~منكم بربهم يشركون} أي: يكفرون. # PageV03P179 # قوله تعالى: {ليكفروا بما آتيناهم} معناه: أن حاصل أمرهم هو كفرهم بما ~~آتيناهم من النعمة، وهذه اللام وأمثالها تسمى لام العاقبة، وقيل: إن النعمة ~~هي الآيات التي أراها خلقه على وحدانيته. # وقوله: {فتمتعوا} أي: عيشوا المدة التي ضرب لكم في طلب اللذة {فسوف ~~تعلمون} عاقبة أمركم. # PageV03P179 # قوله تعالى: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم} معناه: ويجعلون ~~للأصنام نصيبا مما رزقناهم، وهو معنى قوله تعالى: {فقالوا هذا لله بزعمهم ~~وهذا لشركائنا} . وقوله: {لا يعلمون} يعني: لا يعلمون أنها تضرهم ولا ~~تنفعهم. # وقوله: {تالله لتسألن عما كنتم تفترون} معناه: والله لتسألن، والسؤال ~~سؤال إلزام الحجة، لا سؤال الاستعلام والاستفهام. # PageV03P179 # قوله تعالى: {ويجعلون لله البنات} هذا معنى قولهم: إن الملائكة بنات ~~الله. وقوله: {سبحانه} هو بيان تنزيهه عن قولهم. # وقوله: {ولهم ما يشتهون} أي: البنين، فإنهم كانوا يقولون له البنات، ولنا ~~البنون. # PageV03P179 # وقوله: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى} كان أهل الجاهلية يودون الذكور من ~~الأولاد، ويكرهون الإناث، ويقولون: إنهن لا يقاتلن، ولا يركبن الخيل، وكان ~~الرجل منهم إذا دنت ولادة امرأته توارى من نادى قومه، فإن بشر بالابن ظهر، ~~ويهنئه القوم، # PageV03P179 # {سبحانه ولهم ما يشتهون (57) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو ~~كظيم (58) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في ~~التراب ألا} وإن بشر بالأنثى تغير واستخفى وربما يئدها؛ فهذا معنى # PageV03P180 # قوله: {يتوارى من القوم من سوء ما بشر به} يعني: من كراهة ما بشر به. # وأما قوله: {ظل وجهه مسودا وهو كظيم} معناه: تغير وجهه من الغم، تقول ~~العرب: اسود وجه فلان، إذا تغير بما أصابه من الغم. # وقوله: {وهو ms0843 كظيم} أي: ممتلىء حزنا، وقال ابن عباس: حزين، وقال غيره: ~~امتلأ حزنا، فهو يكظمه، أي: يمسكه ولا يظهره. # وأما قوله: {أيمسكه على هون} قرأ الجحدري: " على هوان "، وقال الكسائي: ~~الهون والهوان بمعنى واحد، وقالت الخنساء شعرا: # (نهين النفوس ووهن النفوس ... ليوم الكريهة أبقى لها) # وقرأ عيسى بن عمر: " أم يدسها في التراب " ويلزمه على هذه القراءة أن ~~يقرأ: " أيمسكها "، وأما على القراءة المعروفة فإنها تنصرف إلى لفظة " ما " ~~وما بمعنى الذي. # وقوله: (أم يدسه في التراب) أي: يدفنه حيا، وعن قتادة قال: رب أنثى خير ~~لأهلها من غلام، وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: " ما وضعت امرأة بنتا ~~إلا وضع الملك يده على رأسها وقال: ضعيفة خرجت من ضعيفة، المنفق عليها معان ~~إلى يوم القيامة ". # PageV03P180 # {ساء ما يحكمون (59) للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل ~~الأعلى وهو العزيز الحكيم (60) ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها ~~من دابة ولكن} # وقوله: {ألا ساء ما يحكمون} أي: بئس ما يحكمون، وحكمهم: وأد البنات وترك ~~البنين. # PageV03P181 # قوله تعالى: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} أي: صفة السوء، وقيل: ~~عاقبة السوء. وقوله: {ولله المثل الأعلى} أي: الصفة العليا، وذلك مثل ~~قولهم: عالم وقادر ورازق وحي، وغير هذا. # وقال مجاهد: " ولله المثل الأعلى " شهادة أن لا إله إلا الله، فإن قيل: ~~قد قال في موضع آخر: {فلا تضربوا لله الأمثال} وقال هاهنا: {ولله المثل ~~الأعلى} فكيف وجه الجمع؟ والجواب أن معنى قوله: {فلا تضربوا لله الأمثال} ~~أي: الأمثال التي هي الأشباه فإن الله تعالى لا شبه له، وأما قوله: {ولله ~~المثل الأعلى} أي: الصفة العليا، وهذا جائز لكل أحد أن يقوله، بل واجب. ~~وقوله: {وهو العزيز الحكيم} قد بينا. # PageV03P181 # قوله تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} أي: بكفرهم. وقوله: {ما ترك ~~عليها من دابة} روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن الجعل في جحره يعذب ~~بذنب بني آدم، وعن أبي هريرة أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا ms0844 ~~نفسه، فقال له: بئسما قلت، إن الحبارى تموت هزلا من ظلم الظالم. # وقال بعض أهل المعاني معنى الآية: لو أخذ الظالمين فأهلك الآباء انقطع ~~النسل، ولم يوجد الأبناء فيهلك من في الأرض. # PageV03P181 # {يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ~~ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم ~~النار وأنهم مفرطون (62) تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم ~~الشيطان أعمالهم} # وقوله: {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} يعني: إلى يوم القيامة. وقوله: {فإذا ~~جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} ظاهر المعنى. # PageV03P182 # قوله تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون} يعني: البنات. وقوله: {وتصف ألسنتهم ~~الكذب} معنى الكذب المذكور هو قولهم: {أن لهم الحسنى} . # وفي الحسنى قولان: أحدهما: أنها البنون، والآخر: أنها الجنة. وقوله: {لا ~~جرم أن لهم النار} " لا " رد لقولهم. وقوله: {جرم} أي: حقا، وقيل: لا محالة ~~أن لهم النار، وقيل: لا بد، وقد بينا أن رجم بمعنى كسب، وذكرنا عليه ~~الاستشهاد. # وقوله: {وأنهم مفرطون} أكثر القراء قرأوا بفتح الراء، وقرأ نافع: " ~~مفرطون " بالكسر، وقرأ أبو جعفر المدني: " مفرطون " بتشديد الراء. # واختلف القول في معنى قوله: {مفرطون} بفتح الراء، قال سعيد بن جبير ~~ومجاهد: منسيون، وعنهما: متروكون، وقيل: مضيعون، وعن الحسن البصري، مقدمون ~~إلى النار، ومنه الفارط، وهو الذي يتقدم إلى الماء، قال الشاعر: # (استعجلونا فكانوا من صحابتنا ... كما تقدم فراط لوراد) # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " أنا فرطكم على الحوض " أي: متقدمكم، واختار ~~الكسائي وأبو عبيدة والفراء معنى قول مجاهد. # وأما قوله: " مفرطون " بكسر الراء، هو من الإفراط، يعني: مبالغون في ~~الإساءة، وأما قوله: " مفرطون " هو من التفريط، يعني: أنهم مقصرون. # PageV03P182 # قوله تعالى: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} يعني: والله لقد أرسلنا ~~إلى أمم # PageV03P182 # {فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين ~~لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) والله أنزل من السماء ~~ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن ms0845 في ذلك لآية لقوم يسمعون (65) وإن لكم في ~~الأنعام لعبرة} من قبلك. وقوله: {فزين لهم الشيطان أعمالهم} يعني: كفرهم ~~وجحودهم. وقوله: {فهو وليهم اليوم} سماه وليا لهم لطاعتهم إياه. وقوله: ~~{ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم. # PageV03P183 # قوله: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه} الفرق ~~بين التبيين والتمييز، أن في التبيين طلب العلم، وليس في التمييز طلب ~~العلم، فإن الرجل يميز بين الجيد والردىء (مع علمه) بهما. # وقوله: {اختلفوا فيه} أي: في الكتاب. وقوله: {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} ~~معناه: أن الكتاب هدى ورحمة للمؤمنين، وقيل: إن الرسول هدى ورحمة للمؤمنين. # PageV03P183 # قوله تعالى: {والله أنزل من السماء ماء} أي: المطر. وقوله: {فأحيا به ~~الأرض بعد موتها} أي: بالنبات. وقوله: {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} يعني: ~~يسمعون سماع التفهم. # PageV03P183 # قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم} قرىء بالنصب والرفع، أما ~~بالنصب فمعلوم المعنى، وأما بالرفع فهو أن يجعل لكم سقيا، قال الشاعر في ~~الفرق بينهما: # (سقى قومي بني مجد وأسقي ... نميرا والقبائل من هلال) # قوله: {مما في بطونه} فإن قيل: كيف لم يقل: مما في بطونها، والأنعام جمع؟ ~~والجواب عنه: أن معناه: مما في بطون كل واحد منهما أو كل نوع منها، والعرب ~~قد تحذف مثل هذا، قال الشاعر: # (ألا يا سهيل فالقطيخ قد فسد ... وطاب ألبان اللقاح فبرد) # PageV03P183 # {نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ومن ~~ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} # أي بردت. # وقوله: {من بين فرث ودم} الفرث هو ما يحصل في الكرش من الثقل، ويقال: إن ~~العلف الذي تأكله الدابة يتغير في الكرش فيتحول لبنا وفرثا ودما فأعلاه دم، ~~وأوسطه لبن، وأسفله فرث، ثم يميز الله تعالى بينهما، فيجري كل واحد منهما ~~في مجراه على حدة، (فيجعل) اللبن في الضرع، ويجعل الدم في العروق، ويبقى ~~الفرث في الكرش، فهذا معنى قوله: {من بين فرث ودم} . # وقوله: {لبنا خالصا} أي: ليس عليه لون الدم ولا رائحة الفرث. وقوله: ms0846 ~~{سائغا} السائغ: ما يجري في الحلق على السهولة، وفي بعض الأخبار: ما غص أحد ~~بلبن؛ لقوله: {سائغا} . وقوله: {للشاربين} ظاهر المعنى. # PageV03P184 # قوله: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا} اختلفوا في السكر، ~~فالمروي عن ابن عباس: أن السكر ما حرم من الثمر، والرزق الحسن ما حل من ~~الثمر، وعن مجاهد وقتادة وإبراهيم النخعي والشعبي: أن الآية منسوخة، وهذا ~~قبل تحريم الخمر ثم حرمت. # وروي عن الشعبي أنه قال: السكر هو النبيذ، والرزق الحسن هو التمر ~~والزبيب، وهذا قول من يبيح (النبيذ) ، وأما على قول ابن عباس فالمراد من ~~الآية هو الإخبار عنهم، لا الإحلال لهم، وأولى الأقاويل أن قوله: {تتخذون ~~منه سكرا} منسوخ. # وفي بعض المسانيد أن النبي قال: " لكم من العنب خمسة حلال: العصير، ~~والزبيب، والخل، والرب، وأن تأكلوه عنبا " والله أعلم بصحته. وقال الشاعر ~~في # PageV03P184 # {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من ~~الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ~~ربك دللا} السكر: # (بئس الضجيع وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى فيهم المزاء والسكر) # أي: المسكر. وقوله: {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} ظاهر المعنى. # PageV03P185 # قوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} الآية، وأوحى ربك أي: ألهم ربك، ~~والوحي في اللغة هو إعلام الشيء في السترة، وقد يكون ذلك بالكتابة، وقد ~~يكون بالإشارة وقد يكون بالإلهام، وقد يكون بالكلام الخفي، وقال بعضهم معنى ~~قوله: {وأوحى ربك إلى النحل} أي: جعل في غرائزها ذلك، وقيل: أوحى بمعنى ~~سخر، وذلل، وأصح الأقاويل هو الأول. وقوله: {إلى النحل} والنحل: ذباب ~~العسل، وفي رواية ابن عمر عن النبي أنه قال: " كل الذباب في النار إلا ~~النحل " والخبر غريب. # وقوله: {أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر} أي: خلايا، وهي الأمكنة ~~التي يضع النحل فيها العسل، ويقال: إنما يضع العسل في أجواف الأشجار، وقد ~~يضع على أغصان الأشجار، وقوله: {ومما يعرشون} يعني: يبنون، وقد جرت عادة ~~أهلها أنهم يبنون لها الأماكن فهي تأوي إليها ms0847 بتسخير الله إياها لذلك. # PageV03P185 # قوله تعالى: {ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك} أي: طرق ربك، قال ~~مجاهد: هي تسلك سبلها لا يتوعر عليها مكان. # PageV03P185 # {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون} # وقوله: {ذللا} يحتمل وجهين: # يحتمل أنه راجع إلى الطرق، يقال: سبيل ذلول، وسبل ذلل، إذا كانت سهلة ~~المسلك، ويحتمل أنه ينصرف إلى النحل، ومعناه: أنها مطيعة منقادة لما خلقت ~~له، ويقال: إن للنحل يعسوبا - وهو سيد النحل - إذا وقفت وقفت، وإذا سارت ~~سارت، ويقال: " ذللا " يعني لأربابها؛ فإنه قد جرت العادة أن أربابها ~~ينقلونها من مكان إلى مكان، فهي مسخرة لذلك. # وقوله: {يخرط من بطونها} . فإن قال قائل: إنما يخرج من أفواهها لا من ~~بطونها؟ ، والجواب عنه أنه إنما ذكر بطونها لأن الاستحالة تقع في بطونها؛ ~~ولأنه يخرج من بطونها إلى أفواهها، ثم تسيل من أفواهها كهيئة الريق، وروي ~~أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مر على عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ~~وهو مقتول يوم الجمل؛ فقال: هذا يعسوب قريش شفيت نفسي، وقتلت قومي، أشكو ~~إلى الله عجري وبجري، أي: همومي وأحزاني. # وقوله: {شراب مختلف ألوانه} يعني: أحمر، وأصفر، وأبيض. وقوله: {فيه شفاء ~~للناس} لا يشكل على أحد أن في العسل شفاء لبعض الأمراض، وقد يجعل في ~~المعجونات وكثير من الأدوية، وروي عن ابن عباس أنه قال: فيه شفاء للناس، ~~أي: في القرآن، والأظهر في الآية هو القول الأول. # وروى أبو سعيد الخدري: " أن رجلا أتى النبي وذكر أن أخاه اشتكى بطنه ~~فقال: اسقه عسلا، فسقاه، فزاد الوجع، فعاد وذكر له؛ فقال: اسقه عسلا، فسقاه ~~فازداد وجعا، فعاد وذلك له ذلك؛ فقال: اسقه عسلا، فسقاه فبرأ، فعاد وذكر ~~ذلك للنبي فقال: صدق الله، وكذب بطن أخيك ". # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: من اشتكى شيئا فليأخذ من امرأته أربعة # PageV03P186 # ( {69) والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم ~~بعد علم شيئا ms0848 إن الله عليم قدير (70) والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما ~~الذين فضلوا} دراهم من مهرها وليشتر بها عسلا، وليخلطه بماء المطر وليشربه؛ ~~فإن فيه شفاء. # وكان ابن عمر إذا أصابه وجع طلى على موضع الوجع بالعسل حتى الدمل: وعن ~~أبي حرة أنه كان يكتحل بالعسل. وقوله: {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} أي: ~~يتدبرون. # PageV03P187 # قوله تعالى: {والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} يعني: ~~الهرم، وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: إنه خمس وسبعون سنة، وقيل: ~~ثمانون سنة، حكاه قطرب. وقيل: تسعون سنة، وعن عكرمة قال: من قرأ القرآن لم ~~يرد إلى أرذل العمر، ومعناه: أنه لا يذهب عقله ولا يخرف، وقيل: إن الرد إلى ~~أرذل العمر للكافرين؛ فإن الله تعالى قال: {ثم رددناه أسفل سافلين إلا ~~الذين آمنوا} . # وقوله: {لكيلا يعلم بعد علم شيئا} يعني: ينتقص علمه وعقله، وهذا دليل على ~~أنه قد يذكر الشيء، ويراد به الأغلب، فإنه إذا رد إلى أرذل العمر لا يذهب ~~جميع علمه إذا، وإنما يذهب أكثر علمه. وقوله: {إن الله عليم قدير} ظاهر ~~المعنى. # PageV03P187 # قوله تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} معناه: بسط لهذا وضيق ~~على هذا، وأكثر لهذا وقلل. # وقوله: {فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} في الآية رد ~~على المشركين في اتخاذهم الأصنام آلهة مع الله، ومعنى الآية: أن الأحرار ~~المالكين منكم لا تسخو أنفسهم بدفع أموالهم إلى عبيدهم ليشاركوهم في الملك، ~~فيكونوا وهم سواء؛ فإذا لم ترضوا هذا لأنفسكم؛ فأولى أن تنزهوا ربكم عنه، ~~ونظير هذا ما ذكر في سورة الروم: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} إلى قوله: ~~{فأنتم فيه سواء} . # PageV03P187 # {برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) ~~والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من ~~الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) ويعبدون من دون الله ~~ما لا} # وقوله: {أفبنعمة الله يجحدون} يعني: بأن أنعم عليكم جحدتموه، ms0849 واتخذتم ~~غيره إلها معه. # PageV03P188 # قوله تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} فيه قولان: أحدهما: أن هذا ~~في آدم - عليه السلام - فإن الله تعالى خلق حواء من بعض أضلاعه. # والقول الثاني: خلق من أنفسكم أزواجا أي: من جنسكم أزواجا. # وقوله: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} في الحفدة أقوال: روي عن عبد ~~الله بن مسعود أنه قال: هم الأختان، وعنه أيضا أنه قال: هم الأصهار، ومعنى ~~الآية على هذا القول: وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهم؛ فيحصل لكم ~~بسببهم الأختان والأصهار. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - ومجاهد وغيرهما أنهم قالوا: الخدم، وعن ~~الحسن البصري قال: الأعوان، وقيل: [أولاد] الأولاد، وقيل: بنو المرأة من ~~غيره. # والحفد في اللغة: هو الإسراع في العمل، وفي دعاء القنوت: وإليك نسعى ~~ونحفد أي: نسرع، وقال الشاعر: # (حفد الولائد حولهن وأسلمت ... بأكفهن أزمة الأجمال) # وقيل: إن البنين هم الكبار، والحفدة هم الصغار، ويقال: في الآية تقديم ~~وتأخير، ومعناه: وجعل لكم حفدة ومن أزواجكم بنين. وقوله: {ورزقكم من ~~الطيبات} يعني: من النعم الحلال. # وقوله: {أفبالباطل يؤمنون} وهذا على طريق الإنكار. وقوله: {وبنعمة الله ~~هم # PageV03P188 # {يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون (73) فلا تضربوا لله ~~الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا ~~يقدر على شيء ومن} يكفرون) يعني: بالإسلام هم يكفرون، وقيل: بمحمدهم ~~يكفرون. # PageV03P189 # وقوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات ~~والأرض شيئا ولا يستطيعون} المراد من الآية ذكر عجز الأصنام عن إيصال نفع ~~أو دفع ضر. # PageV03P189 # وقوله: {فلا تضربوا لله الأمثال} أي: الأشباه، ومعناه: فلا تجعلوا لله ~~شبها. ولا مثلا؛ فإنه لا شبه له، ولا مثل له. وقوله: {إن الله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون} ظاهر المعنى. # PageV03P189 # قوله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا} قال مجاهد والضحاك: ضرب المثل لنفسه ~~وللصنم الذي عبد من دونه، فقوله: {عبدا مملوكا} ms0850 أراد به الصنم. وقوله: {ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا} ضرب مثلا لنفسه على معنى أنه الجواد الرازق الذي ~~يعطي من حيث يعلمه العبد ومن حيث لا يعلمه. # وقال قتادة - وهو القول الثاني - هو ضرب مثلا للكافر والمؤمن، فقوله: ~~{عبدا مملوكا} أراد به الكافر، وقوله: {ومن رزقناه منا رزقا حسنا} أراد به ~~المؤمن، وقيل: إن القول الأول أليق بظاهر الآية؛ لأنه إنما سبق ذكر ~~الأصنام، (وتأخر ذكر الأصنام) . # ومن نصر القول الثاني استدل على صحته بقوله: {عبدا مملوكا} والصنم لا ~~يسمى عبدا، وفي بعض الروايات عن ابن عباس أن الآية في رجلين بأعيانهما: أما ~~الذي رزقه الله رزقا حسنا، فهو ينفق منه سرا وجهرا، هو عمرو بن هشام، وأما ~~[العبد] المملوك فهو هو مولاه أبو الجواب، وكان يأمره بالإيمان ويمتنع، ~~أورده # PageV03P189 # {رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ~~وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو ~~على صراط} النحاس في تفسيره بإسناده. # وقوله: {هل يستوون} فإن قال قائل: كيف قال: {هل يستوون} ، وإنما ضرب ~~المثل لاثنين؟ والجواب عنه: أن المراد منه الجنس لا واحد بعينه. وقوله: ~~{الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} ظاهر المعنى. أي: حمد نفسه على علمه ~~وجهلهم، وقيل: معناه: قل الحمد لله على ما أوضح من الدليل. وبين من الحق بل ~~أكثرهم لا يعلمون، ويقال: الحمد لي فإني أنا المستحق للحمد لا ما يشركون ~~بي، بل أكثرهم لا يعلمون أني أنا المستحق للحمد. # PageV03P190 # قوله تعالى: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم} الأبكم: هو الذي لا ~~ينطق، ولا يعقل، ولا يفهم. وقوله: {لا يقدر على شيء} أي: لا يقدر على ~~النطق. # وقوله: {وهو كل على مولاه} أي: ثقل على مولاه. وقوله: {أينما يوجهه لا ~~يأت بخير} يعني: أينما يبعثه لا يهتدي إلى خير. وقوله: {هل يستوي هو ومن ~~يأمر بالعدل} عنى ms0851 به نفسه، والله تعالى يأمر بالعدل، ويفعل العدل. # وقوله: {وهو على صراط مستقيم} أي: على طريق قويم، والمراد من الآية: ضرب ~~مثلا آخر لنفسه وللأصنام، فالأول هو الصنم، والمراد من قوله: {ومن يأمر ~~بالعدل} هو الله تعالى. وقوله: {على صراط مستقيم} لأن الله تعالى على طريق ~~الحق، وليس عنه معدل. # وفي الآية قول آخر: وهو ما روى عن ابن عباس أنه قال: الآية في رجلين ~~بأعيانهما: أما الأول: فهو أسيد بن أبي العيض. وقوله: {ومن يأمر بالعدل} هو ~~عثمان بن عفان، وكان عثمان يأمره بالإسلام فلا يسلم. # PageV03P190 # قوله تعالى: {ولله غيب السموات والأرض} يعني: علم غيب السموات # PageV03P190 # {مستقيم (76) ولله غيب السموات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو ~~هو أقرب إن الله على كل شيء قدير (77) والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) ألم يروا ~~إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون (79) } والأرض. وقوله: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر} معناه: أنه ~~إذا قال له: كن فيكون. # وقوله: {أو هو أقرب} يعني: أدنى من لمح البصر، فإن قيل: كيف قال: {أو هو ~~أقرب} ، و " أو " للشك ولا يجوز على الله هذا؟ # والجواب من وجهين: أحدهما: أن قوله: {أو هو أقرب} يعني: بل هو أقرب قال ~~الشاعر: # (بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وبهجته أو أنت في العين أملح) # يعني: بل أنت في العين أملح. # والجواب الثاني: أن المراد منه: أو هو أقرب في علمكم. وقوله: {إن الله ~~على كل شيء قدير} ظاهر المعنى. # PageV03P191 # قوله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} يعني: لا ~~تعلمون شيئا مما علمتم الآن. # وقوله: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} أي: الأسماع والأبصار ~~والأفئدة، وهي جمع الفؤاد. وقوله: {لعلكم تشكرون} أي: نعمتي عليكم. # PageV03P191 # قوله تعالى: {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء} أي: مذلالات في ~~كبد السماء، وعن كعب الأحبار أن الطير يرتفع اثنى ms0852 عشر ميلا ولا يرتفع فوق ~~هذا. وفوق الجو السكاك وفوق السكاك السماء. # وقوله: {ما يمسكهن إلا الله} يعني: في حال طيرانهن وقبضهن وبسطهن. # PageV03P191 # {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين (80) والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر} وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} أي: لعبرا. # PageV03P192 # قوله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا} أي: مواضع تسكنون فيها. ~~وقوله: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا} يعني: الفساطيط والخيم والقباب من ~~الأدم. # وقوله: {تستخفونها} يعني: يخف عليكم حملها. وقوله: {يوم ظعنكم} يعني: يوم ~~سفركم. وقوله: {ويوم إقامتكم} أي: حال إقامتكم. # وقوله: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} الأصواف للغنم، والأوبار للإبل، ~~والأشعار للمعز. وقوله: {أثاثا} الأثاث: متاع البيت، وهو ما يتأثث به أي: ~~ينتفع به، قال الشاعر: # (أهاجتك الظعائن يوم بانوا ... على الزي الجميل من الأثاث) # وقيل: الأثاث اللباس. وقوله: {ومتاعا إلى حين} أي: متعة إلى حين آجالكم. # PageV03P192 # قوله تعالى: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا} أي: ما يظلكم من الشمس من ~~الأشجار والحيطان والسقوف والجبال وأشباه ذلك. # وقوله: {وجعل لكم من الجبال أكنانا} أي: الغيران والأسراب، والأكنان جمع ~~الكن. وقوله: {وجعل لكم سرابيل} أي: قمصا، وقد تكون من الصوف، وقد تكون من ~~القطن، وقد تكون من الكتان. # وقوله: {تقيكم الحر} هاهنا حذف، ومعناه: تقيكم الحر والبرد. قال الشاعر: # (ولا أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني) # قال النحاس: أريد الخير وأتقي الشر؛ لأن كل من يريد الخير فيتقي الشر، ~~وقوله: أيهما يليني أي: الخير والشر. # PageV03P192 # {وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) فإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم ~~الكافرون (83) } # وقوله: {وسرابيل تقيكم بأسكم} أي: الدروع، والبأس هو ما يقع به البأس، ~~وهو السلاح. وقوله: {كذلك يتم نعمته عليكم} يعني: منته عليكم. وقوله: ~~{لعلكم تسلمون} أي: تؤمنون، ms0853 وعن ابن عباس أنه قرأ: " لعلكم تسلمون " ~~والقراءة غريبة. # فإن قيل: كيف ذكر هذه النعم من الجبال والظلال والسرابيل والقمص والأوبار ~~والأصواف، ولله تعالى نعم كثيرة فوق هذا لم يذكرها؟ فما معنى تخصيص هذه ~~النعم وترك ما فوقها؟ # والجواب عنه: أن العرب كانوا أصحاب أنعام، وكانوا أهل جبال، وكانت بلادهم ~~حارة؛ فذكر من النعم ما يليق بحالهم، وكانت هذه النعم عندهم فوق كل نعمة؛ ~~فخصها بالذكر لهذا المعنى، وعن قتادة: أن هذه السورة تسمى سورة النعم. # PageV03P193 # قوله تعالى: {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين} هذه تسلية للنبي ~~ومعناه: أنهم إن أعرضوا فلا يلحقك في ذلك عتب ولا سمة تقصيرا؛ فإنما عليك ~~البلاغ وقد بلغت. # PageV03P193 # قوله تعالى: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} قال السدي: هو محمد، وعلى ~~هذا جماعة من أهل التفسير، ويقال: إن معناه الإسلام. وروي عن ابن عباس أن ~~معنى الآية: أنه كان إذا قيل لهم: من أعطاكم هذه النعم؟ فيقولون: الله، ~~فإذا قيل لهم: فوحدوه؛ فيقولون: أعطينا بشفاعة آلهتنا. # وعن قتادة: أنهم يقرون أن النعم من الله، ثم إذا قيل لهم: تصدقوا، ~~وامتثلوا فيها أمر الله تعالى، قالوا: ورثناها من آبائنا. # وعن عون بن عبد الله قال: إنكار النعمة هو أن يقول: لولا كذا لأصبت كذا، ~~ولولا فلان لأصابني كذا. وعن الحسن البصري قال: النعم ستة: محمد، # PageV03P193 # {ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (84) ~~وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) وإذا رأى ~~الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون} والقرآن، والإسلام، والعافية، والستر، والاستغناء عن ~~الناس. # وقوله: {وأكثرهم الكافرون} يعني: وكلهم الكافرون؛ لأن الآية في الكفار. # PageV03P194 # قوله تعالى: {ويوم نبعث من كل أمة شهيدا} هذا في معنى قوله تعالى: {فكيف ~~إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} . # وقوله: (ثم لا يؤذن للذين ms0854 كفروا) يعني: في الاعتذار، وقيل: في الكلام ~~أصلا. وقوله: {ولا هم يستعتبون} يعني: لا يردون إلى الدنيا ليتوبوا، وحقيقة ~~المعنى في الاستعتاب: هو التعريض لطلب الرضا، وهذا الباب منسد على الكفار ~~في الآخرة. # PageV03P194 # قوله تعالى: {وإذا رأى الذين ظلموا العذاب} يعني: جهنم. وقوله: {فلا يخفف ~~عنهم} أي: لا يسهل عليهم. وقوله: {ولا هم ينظرون} أي: لا يمهلون. # PageV03P194 # قوله تعالى: {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم} هذا في الوقت الذي يبعث ~~الله الأصنام ويحضرها، فإذا رآها الكفار {قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين ~~كنا ندعوا من دونك} . # وقوله: {فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون} فيه قولان: # الأظهر أن هذا قول الأصنام يقولون للمشركين: إنكم لكاذبون، يعني: في أنا ~~دعوناكم إلى عبادتنا، أو في قولكم: إن هؤلاء آلهة، أو في قولكم: إنا نستحق ~~العبادة. # والقول الثاني: أن الملائكة يقولون: إنكم لكاذبون. # PageV03P194 # قوله تعالى: {وألقوا إلى الله يومئذ السلم} أي: استسلم العابد والمعبود ~~لله # PageV03P194 # ( {87) الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما ~~كانوا يفسدون (88) ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك ~~شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين (89) إن} تعالى. وقوله: {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: بطل عنهم ~~ما كانوا يكذبون، وحقيقة المعنى: أنه فات عنهم ما زعموه؛ فإنه كان فرية ~~وكذبا. # PageV03P195 # قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} يعني: منعوا الناس من طريق ~~الحق. وقوله: {زدناهم عذابا فوق العذاب} روى مسروق عن عبد الله بن مسعود ~~أنه قال: عقارب كالبغال، وفي رواية أخرى عنه: أفاعي كالفيلة، وعقارب ~~كالنخيل الطوال، وعن أبي الزاهرية قال: [ما] من عذاب يعرفه الناس، أو لا ~~يعرفونه إلا ويعذب الله به أهل النار. وروي أنهم يهربون من النار، فيخرجون ~~إلى زمهرير في جهنم، هو أشد عليهم من النار؛ فيعودون إلى النار مستغيثين ~~بها، وقوله: {بما كانوا يفسدون} أي: [يشركون] . # PageV03P195 # وقوله تعالى: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا ~~على هؤلاء} قد ms0855 بينا المعنى. # وقوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} أي: بيانا للثواب والعقاب، ~~والحلال والحرام. وعن الأوزاعي قال: تبيانا بالسنة. # وقوله: {وهدى} أي: من الضلالة. وقوله: {ورحمة} أي: عطفا على من أنزل ~~عليهم. وقوله: {وبشرى} أي: بشارة {للمسلمين} . # PageV03P195 # قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} في الآية أقوال: أحدها: أن ~~العدل هو شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: ~~إنه التوحيد، وهو في معنى الأول. # PageV03P195 # {الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي} # والقول الثاني: أنه الإنصاف وترك [الجور [، وعن محمد بن كعب القرظي أنه ~~دعاه عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة، فقال له: صف لي العدل، فقال: كن ~~للصغير أبا، وللكبير ابنا، ولمثلك أخا، وعاقب الناس على قدر ذنوبهم، وإياك ~~أن تضرب أحدا (بغضبك) والقول الثالث: وهو أن العدل هو أن تستوي سريرة المرء ~~وعلانيته. # وقوله تعالى: {والإحسان} أن تكون سريرة المرء أفضل من علانيته عند الله، ~~وقوله: {والإحسان} فيه أقوال: # أحدها: أن الإحسان هو العفو، والآخر: هو أداء الفرائض والثالث: (أنه) أن ~~تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والرابع: أنه التفضل، ~~وقيل: الإحسان أن تكون سريرة المرء أفضل من علانيته. # وقوله: {وإيتاء ذي القربى} أي: صلة ذوي الأرحام، وقيل: إنه يدخل في هذا ~~جميع بني آدم؛ لأن بينه وبين الكل وصلة بآدم - صلوات الله عليه - وأدنى ما ~~يقع في الصلة ترك الأذى، وأن يحب له ما يحبه لنفسه، ويكره له ما يكره ~~لنفسه. # وقوله: {وينهى عن الفحشاء} الفحشاء: كل ما استقبح من الذنوب، وقيل: إنه ~~الزنا، وقيل: إنه البخل، وقيل الفحشاء: أن تكون علانية المرء أفظع من ~~سريرته. # وقوله: {والمنكر} يعني: كل ما يكون منكرا في الدين، وقيل: إنه الشرك، ~~فإنه أعظم المناكير. # وقوله: {والبغي} يقال: إنه الظلم والاستطالة على الناس، وقيل: إنه الكبر، ~~وقيل: إنه الغيبة، وعن قتادة قال: جمع الله تعالى كل ما يحب، وكل ما يكره ~~في هذه الآية. # PageV03P196 # {يعظكم ms0856 لعلكم تذكرون (90) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ~~(91) ولا تكونوا كالتي} # وفي بعض المسانيد: أن شتيرا جاء إلى مسروق، فقال له: إما أن تحدثني عن ~~عبد الله فأصدقك، أو أحدثك عن عبد الله فتصدقني، فقال: حدث أنت، فقال: سمعت ~~عبد الله يقول: أجمع آية في القرآن للخير والشر قوله تعالى: {إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان} فقال له مسروق: صدقت. # ويقال: إن العدل زكاة الولاية، والعفو زكاة القدرة، والإحسان زكاة ~~النعمة، والكتب إلى الإخوان زكاة الجاه؛ يعني: كتب الوسيلة. # وقوله تعالى: {يعظكم لعلكم تذكرون} يعني: تعتبرون. # PageV03P197 # قوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} الآية، قال: العهد هاهنا هو ~~اليمين، وعن جابر بن زيد والشعبي أنهما قالا: العهد يمين، وكفارته كفارة ~~اليمين. # وعن عمر قال: الوعد من العهد، ومثله عن ابن عباس. # وقوله: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} أي: بعد إحكامها {وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا} أي: شهيدا، وقيل: توثقتم باسمه كما يتوثق بالكفيل. ~~وقوله: {إن الله يعلم ما تفعلون} وعيد وتهديد. # PageV03P197 # قوله تعالى: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها} هذه امرأة كانت تسمى ريطة بنت ~~سعد، وكانت بها وسوسة؛ فكانت تجلس بجانب الحجر، وتغزل طول نهارها بمغزل ~~كبير، فإذا كان العشي نقضته. # وقيل: كانت تأمر جواريها بنقضه، فشبه الله من نقض العهد بها، ومعناه: ~~أنها لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت عن النقض، فكذلك أنتم لا كففتم عن ~~العهد، ولا حين عهدتم وفيتم. # وقوله: {من بعد قوة} أي: بعد إحكام. وقوله: {أنكاثا} أي: إنقاضا وقطعا. # PageV03P197 # {نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي ~~أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه ~~تختلفون (92) ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء ولتسألن عما كنتم} وقوله: {تتخذون أيمانكم دخلا بينكم} أي: غشا ~~وخديعة. # والدخل: ما تدخل في الشيء للفساد، ويقال: إن ms0857 (الدغل) هو أن يظهر الوفاء، ~~ويبطن النقض، وكذلك الدخل. # وقوله: {أن تكون أمة هي أربى} أي: أكثر، وأما معناه: فروى عن مجاهد أنه ~~قال: كانوا يعاهدون مع قوم، فإذا رأوا أقواما أعز منهم وأكثر، نقضوا عهد ~~الأولين، وعاهدوا مع الآخرين؛ فعلى هذا قوله: {أن تكون أمة هي أربى من أمة} ~~يعني: طلبتم العز بنقض العهد بأن كانت أمة أكثر من أمة. # وفي الآية قول آخر: وهي نزلت في قوم عاهدوا مع النبي ثم نقضوا العهد معه، ~~وعاهدوا مع قوم من الكفار، فظنوا أن قوتهم أكثر، لأن عددهم أكثر، ويقال: إن ~~الآية نزلت في المؤمنين، نهاهم الله تعالى عن نقض العهد؛ فكأنه تعالى قال: ~~إذا عاهدتم مع قوم لمخافة، فإذا أمنتم فلا تنقضوا، ليكون جانبكم أقوى ~~وأكثر. # وقوله: {إنما يبلوكم الله به} يعني: بالكثرة والقلة، وقيل: يبلوكم الله ~~به يعني: بالأمر بالوفاء بالعهد. وقوله: {وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم ~~فيه تختلفون} ظاهر المعنى. # PageV03P198 # قوله تعالى: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} أي: على دين واحد، وهو ~~الإسلام. وقوله: {ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء} والآية صريحة في الرد ~~على القدرية. # وقوله: {ولتسألن عما كنتم تعملون} يعني: يوم القيامة، وحقيقة المعنى أني ~~لا أسأل عما أفعل من الإضلال والهداية، وأنتم تسألون عما تعملون من الخير ~~والشر. # PageV03P198 # وقوله تعالى: {ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم} أي: سبب فساد بينكم، وقد # PageV03P198 # {تعملون (93) ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا ~~السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) ولا تشتروا بعهد الله ~~ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد ~~وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) من ~~عمل صالحا من ذكر} بينا معنى الدخل. # وقوله: {فتزل قدم بعد ثبوتها} يعني: تزل عن الإسلام بعد ثبوتها على ~~الإسلام قال: # (النحو صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه) # (زلت به إلى الحضيض قدمه ... ) # وقوله: {وتذوقوا السوء} بالعذاب. وقوله: ms0858 {بما صددتم عن سبيل الله} يعني: ~~سهلتم طريق نقض العهد على الناس بنقضكم العهد. وقوله: {ولكم عذاب عظيم} أي: ~~كبير. # PageV03P199 # قوله تعالى: {ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا} يعني: شيئا يسيرا من عرض ~~الدنيا. وقوله: {إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون} ظاهر المعنى. # PageV03P199 # قوله تعالى: {ما عندكم ينفد} يعني: أن الدنيا وما فيها تفنى. وقوله: {وما ~~عند الله باق} يعني: الآخرة، وعلى العاقل أن يؤثر ما يبقى، وفي بعض الآثار: ~~للدنيا بنون، وللآخرة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء ~~الدنيا. # وقوله: {ولنجزين الذين صبروا أجرهم} يعني: صبروا عن الدنيا. وقوله: ~~{أجرهم} أي: ثوابهم وجزاءهم. وقوله: {بأحسن ما كانوا يعملون} أي: بأحسن ~~الذي كانوا يعملون. # PageV03P199 # قوله تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} ~~اختلفوا في الحياة الطيبة على أقاويل: # PageV03P199 # {أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون (97) فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) } # روي عن ابن عباس أنه قال: الحياة الطيبة هي الرزق الحلال. وعن مجاهد ~~وعكرمة: أنها القناعة، وفي بعض دعاء النبي: " اللهم قنعني بما رزقتني " وفي ~~منثور الكلام: القناعة ملك خفي. # والقول الثالث: روي عن الحسن البصري قال: الحياة الطيبة في الجنة، قال ~~الحسن: وليس في الدنيا حياة طيبة، وعنه أنه قال: الدنيا كلها بلاء، فما كان ~~فيها من خير فهو ريح، وروي أنه سمع رجلا يقول لآخر: لا أراك الله مكروها ~~أبدا، فقال له: دعوت الله له بالموت، فإن الدنيا لا تخلو عن المكروه. # وعن سعيد بن جبير قال: الحياة الطيبة رزق يوم بيوم، وقيل: إنه حلاوة ~~العبادة وأكل الحلال، ويقال: إنها عيش الإنسان في بلده مع الكفاية ~~والعافية، وقيل: مطلق الكفاية والعافية. # وقوله: {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} قد بينا المعنى. # PageV03P200 # قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن} روي عن أبي هريرة أنه قال: فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم بعد القراءة؛ لأن الله تعالى قال: {فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ ms0859 بالله} وحكى بعضهم عن مالك مثل هذا. # والأصح أن الاستعاذة قبل القراءة، وقد روي ذلك بروايات كثيرة عن النبي ~~وقد روي عن النبي برواية أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ~~أنه قال له: " إذا افتتحت القراءة فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". ~~وثبت # PageV03P200 # {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه ~~على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100) وإذا بدلنا آية مكان آية ~~والله أعلم بما ينزل} أن النبي قال: " اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من ~~همزه ونفثه ". # وأما معنى الآية: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ~~وهذا مثل قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} ~~يعني: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وفي بعض الآثار: أنه لا شيء أشد على ~~إبليس من الاستعاذة، والاستعاذة بالله هي الاعتصام بالله. # وقوله: {من الشيطان الرجيم} أي: الشيطان المرجوم. # PageV03P201 # وقوله تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا} أي: ليس له ولاية على ~~الذين آمنوا. وقوله: {وعلى ربهم يتوكلون} يقال معناه: أنه لا يقدر على ~~إيقاعهم في ذنب ليس لهم منه توبة، وقيل: إنه لا يقدر على إدخالهم في الشرك ~~وإغوائهم. # PageV03P201 # قوله تعالى: {إنما سلطانه على الذين يتولونه} يعني: الذين يدخلون في ~~ولايته ويتبعونه. # وقوله: {والذين هم به مشركون} قال بعضهم: برب العالمين مشركون، وقال ~~ثعلب: والذين هم به مشركون أي: لأجله مشركون أي: لأجل إبليس، وهذا معنى ~~صحيح؛ لأن من يشرك بإبليس يكون مؤمنا بالله، فالمعنى هذا. # PageV03P201 # قوله تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية} قال أهل التفسير: كان النبي إذا ~~نزلت عليه آية شدة، ثم نسخت، وأنزلت عليه آية لين، قال المشركون: انظروا ~~إلى # PageV03P201 # {قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ~~ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) ولقد نعلم أنهم ~~يقولون إنما يعلمه} هذا الرجل يبدل كلام الله من قبل نفسه، وكانوا يقولون ~~على طريق الاستهزاء: وتبدل الشيء بالشيء؛ فأنزل الله ms0860 تعالى هذه الآية: ~~{وإذا بدلنا آية مكان آية} " أي: وضعنا آية مكان آية. # وقوله: {والله أعلم بما ينزل} يعني: والله أعلم بمنفعة العباد فيما ينزل. # وقوله: {قالوا إنما أنت مفتر} أي: مختلق. وقوله: {بل أكثرهم لا يعلمون} ~~يعني: كلهم لا يعلمون أني أنا المنزل لجميع الآيات الناسخ والمنسوخ. # PageV03P202 # قوله تعالى: {قل نزله روح القدس} أي: جبريل. وقوله: {من ربك بالحق} أي: ~~بالصدق وقوله: {ليثبت الذين آمنوا} أي: ليثبت قلوب الذين آمنوا. # وقوله: {وهدى وبشرى للمسلمين} قد بينا المعنى. # PageV03P202 # قوله: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر} الآية، اختلفت الأقاويل في ~~معنى قوله: {بشر} روي عن ابن عباس أنه قال: هو غلام لعامر بن الحضرمي، وكان ~~يقرأ الكتب، وكان المشركون يزعمون أن رسول الله يتعلم منه، وقال مجاهد: هو ~~غلام لحويطب، وقال غيره: كان اسمه جبر، ومنهم من قال: غلامان من عين التمر ~~يسمى أحدهما: جبر، والآخر: يسار، وكانا يقرآن الكتب بلسانهما، وقال بعضهم: ~~كان اسمه: أبو (فكيهة) ، وقيل: كان اسمه: عايش، قالوا: كان النبي يجلس ~~إليهما، ويدعوهما، إلى الإسلام، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {لسان الذي يلحدون إليه} قرئ: " يلحدون إليه " و " يلحدون "، ~~والإلحاد: الميل، والملحد هو الذي مال عن الحق إلى التعطيل؛ فقوله: {يلحدون ~~إليه} أي: يميلون إليه. # وقوله: {يلحدون إليه} أي: يميلون القول إليه، وقال ابن قتيبة: يومئون ~~إليه، # PageV03P202 # {بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103) إن الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) إنما يفتري الكذب ~~الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105) } وقوله: {أعجمي} ~~الأعجمي: هو الذي لا يفصح بالعربية. # وقوله: {وهذا لسان عربي مبين} أي: كلام عربي مبين، ومعنى الآية: أنه كيف ~~يأخذ منهم، وهم لا يفصحون بالعربية؟ وقد روي أن ذلك الرجل الذي كانوا ~~يشيرون إليه أسلم، وحسن إسلامه. # PageV03P203 # قوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله} يعني: لا ~~يرشدهم الله إلى الحق، وقد قال في موضع آخر: {ومن يؤمن بالله يهد ms0861 قلبه} . # وقوله: {ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم. # PageV03P203 # قوله تعالى: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم ~~الكذبون} فإن قال قائل: قد قال: {إنما يفتري الكذب} فأيش معنى قوله: ~~{وأولئك هم الكاذبون} ؟ # والجواب عنه: أن قوله: {إنما يفتري الكذب} هذا إخبار عن فعل الكذب، ~~وقوله: {وأولئك هم الكاذبون} نعت لازم، ومعناه: أن هذا صفتهم ونعتهم، وهذا ~~كالرجل يقول لغيره: كذبت، وأنت كاذب أي: كذبت في هذا القول، ومن صفتك ~~الكذب. وفي بعض المسانيد عن يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد أنه قال: " ~~قلت يا رسول الله: المؤمن يزني؟ قال: قد يكون ذلك، فقلت: المؤمن يسرق؟ قال: ~~قد يكون ذلك، فقلت المؤمن يكذب؟ فقال: لا، وقرأ قوله تعالى: {إنما يفتري ~~الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} " وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~أنه قال # PageV03P203 # {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) ذلك بأنهم ~~استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (107) ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108) ~~لا جرم أنهم في الآخرة هم} : الكذب مجانب للإيمان. # PageV03P204 # قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه} نزلت الآية في عمار بن ياسر - ~~رضي الله عنه - أخذه المشركون، وأكرهوه على سب النبي فطاوعهم في بعض القول، ~~ثم جاء إلى النبي، فقال له النبي: " ما وراءك؟ فقال: شر يا رسول الله، لم ~~يتركني الكفار حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، فقال: وكيف وجدت قلبك؟ ~~فقال: مطمئنا بالإيمان؛ فقال: إن عادوا فعد؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية " ~~وتقدير الآية: من كفر بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب من الله ولهم عذاب ~~أليم إلا من أكره، وقلبه مطمئن بالإيمان {ولكن من شرح بالكفر صدرا} فحكمه ~~ما بينا. وقوله: {شرح} أي: فتح قلبه لقبول الكفر. # PageV03P204 # قوله تعالى: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة} يعني: آثروا ~~الحياة الدنيا ms0862 على الآخرة. واعلم أن المؤمن يجوز أن يطلب الدنيا، ويطلب ~~الآخرة، ولكن لا يؤثر الدنيا على الآخرة إلا الكافر. وقوله: {وأن الله لا ~~يهدي القوم الكافرين} لا يرشد القوم الكافرين. # PageV03P204 # قوله تعالى: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم ~~الغافلون} أي: عما يراد بهم. # PageV03P204 # قوله تعالى: {لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} أي: حقا أنهم في الآخرة ~~هم المغبونون. # PageV03P204 # {الخاسرون (109) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ~~وتوفى كل} # PageV03P205 # قوله تعالى: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد فتنوا} نزلت الآية في قوم ~~كانوا بقوا بمكة من المسلمين، وعذبهم المشركون حتى ذكروا كلمة الكفر ~~بلسانهم، منهم عمار وخباب وصهيب وغيرهم. # وقوله: {من بعد ما فتنوا} أي: عذبوا حتى وقعوا في الفتنة، ثم إنهم بعد ~~ذلك هاجروا، ولحقوا بالنبي. وقوله: {ثم جاهدوا وصبروا} يعني: على الجهاد ~~والإيمان. # وقوله: {إن ربك من بعدها لغفور رحيم} أي: من بعد فعلتهم التي فعلوها من ~~إعطاء الكفار بعض ما أرادوا منهم. # فإن قال قائل: إذا كان ذلك رخصة، فلا يحتاج إلى المغفرة والرحمة؟ ~~والجواب: أنه يحتمل أنهم فعلوا ما فعلوا ذلك قبل نزول الرخصة. # PageV03P205 # قوله تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} . فإن قيل: كيف قال: ~~تجادل، وقد سبق ذكر كل، ولفظ كل مذكر؟ # والجواب عنه: أنه عاد كلمة كل على المؤنث؛ فلهذا المعنى أنث، وهذا كما ~~يقال: كل امرأة قائمة، وما أشبه هذا. # وقوله: {تجادل عن نفسها} أي: تخاصم عن نفسها، ومجادلتهم هي قولهم: والله ~~ربنا ما كنا مشركين، وقولهم: ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك، ~~وما أشبه هذا من الأقوال التي ذكرت في القرآن. # وقيل: تجادل عن نفسها: تدفع عن نفسها. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: تزفر ~~جهنم يوم القيامة زفرة، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا خر وجثى على ~~ركبتيه، ويقول: نفسي نفسي حتى ms0863 إبراهيم خليل الرحمن فيقول: ربي لا أريد إلا ~~نجاة نفسي، قال كعب: وهو في كتاب الله تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن ~~نفسها} . # PageV03P205 # {نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف بما كانوا} # وروي أنه قال هذا بين يدي عمر - رضي الله عنه - وقد كان عمر قال له: ~~حدثنا، ذكرنا. وقوله: {وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون} ظاهر المعنى. # PageV03P206 # قوله تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة} الآية. أكثر أهل ~~التفسير: أن القرية ها هنا هي مكة - وقوله: {يأتيها رزقها رغدا من كل مكان} ~~هو معنى قوله تعالى: {وارزقهم من الثمرات} . # وقوله: {فكفرت بأنعم الله} الأنعم: جمع النعمة. وقوله: {فأذاقها الله ~~لباس الجوع والخوف} ذكر الذوق، لأن المراد من لباس الجوع والخوف التعذيب، ~~ويستقيم أن يقال في التعذيب: ذق، كما قال تعالى: {ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم} . # والمعنى: أن العذاب يتجدد إدراكه كل ساعة كالذوق. # روي أن الله تعالى سلط عليهم القحط سبع سنين حتى أكلوا (الطعام) المحترقة ~~والعلهز، وهو الوبر بالدم، حتى كان ينظر أحدهم إلى السماء فيرى كشبه الدخان ~~من الجوع ". # {والخوف} هو الخوف من القتل، ومن سرايا النبي. # والمراد من القرية: أهل القرية، وهو مثل قوله تعالى: {واسأل القرية} ~~وكذلك قوله: {آمنة} أي: آمن أهلها، وكذلك مطمئنة. # وفي الآية قول آخر: وهو أنه كل بلد من بلدان الكفار. # PageV03P206 # {يصنعون (112) ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ~~(113) فكلوا مما رزقكم الله حلال طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه ~~تعبدون (114) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله ~~به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا} # وفي الآية قول ثالث: وهو أنها المدينة، وكفران أهلها بأنعم الله هو ما ~~فعلوا بعد النبي من قتل عثمان، وما يعقبه من ms0864 الأمور، وهو قول ضعيف. وأما ~~ذكر اللباس في الآية، فلأن من جاع لحقه من الهزال والشحوب والتغير ما يزيد ~~ظاهره عما كان من قبل؛ فجعل ذلك كاللباس لجلوده. # وقوله: {بما كانوا يصنعون} أي: يكفرون. # PageV03P207 # قوله تعالى: {ولقد جاءهم رسول منهم} أي: محمد، وقوله: {منهم} أي: نسبهم، ~~وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن ~~مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن ~~مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. # وقوله: {فكذبوه} أي: كفروا به. وقوله: {فأخذهم العذاب وهم ظالمون} أي: ~~كافرون. # PageV03P207 # قوله تعالى: {فكلوا مما رزقكم الله حلال طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم ~~إياه تعبدون} قد بينا المعنى. # PageV03P207 # قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير ~~الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد} معنى قوله: {باغ} أي: طالب بذلك ليتقوى ~~على المعصية {ولا عاد} أي: لا يتعدى القدر الذي جوز له من التناول، وهذا ~~دليل على أن العاصي في السفر لا يترخص بهذه الرخصة. # وقوله: {فإن الله غفور رحيم} ظاهر المعنى. # PageV03P207 # قوله: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب} يعني: لوصف ألسنتكم الكذب. ~~وقوله: {هذا حلال وهذا حرام} المراد منه: ما ذكروه في البحيرة والسائبة # PageV03P207 # {حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ~~(116) متاع قليل ولهم عذاب أليم (117) وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا ~~عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118) ثم إن ربك للذين ~~عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم (119) إن} والوصيلة والحام، وقد كانوا يحلونها لقوم، ويحرمونها على ~~قوم. وقوله: {لتفتروا على الله الكذب} أي: لتختلقوا على الله الكذب. وقوله: ~~{إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} أي: لا يفوزون. # PageV03P208 # قوله تعالى: {متاع قليل ولهم عذاب أليم} أي: عيشهم في الدنيا متاع ms0865 قليل، ~~{ولهم عذاب أليم} أي: وجيع. # PageV03P208 # قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} معناه: ما ~~ذكره في سورة الأنعام، وهو قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} ~~. وقوله: {وما ظلمناهم} أي: ما نقصنا من حقهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ~~أي: هم الذين نقصوا من حقوقهم. # PageV03P208 # قوله تعالى: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} قال أهل العلم: وكل من ~~عمل بمعصية، فهو من داعي الجهالة. وقوله: {ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} ~~شرط الصلاح هاهنا، ومعناه: الاستقامة على التوبة. وقوله: {إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم} أي: من بعد الفعلة التي تابوا عنها. # PageV03P208 # قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة} في الأمة أقوال، أحسن الأقاويل ما حكاه ~~مسروق عن ابن مسعود أنه المعلم للخير، وهو الذي يقتدى به ويؤتم؛ وروي أن ~~عبد الله بن مسعود قال بعد موت معاذ بن جبل: كان معاذ بن جبل أمة، وأراد به ~~هذا المعنى. # القول الثاني: كان أمة، أي: إمام هدى، والقول الثالث: كان أمة أي: كان ~~مؤمنا # PageV03P208 # {إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) شاكرا لأنعمه ~~اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين (122) ثم أوحينا إليك أن ابتع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (123) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم ~~يوم القيامة فيما} بالله، وجميع الناس كافرون. وقوله: {قانتا لله} قال ابن ~~مسعود: مطيعا لله، وقال غيره: قائما بأوامر الله، وقيل: دائما على العبادة. # وقوله: {حنيفا} أي: مخلصا، وقيل: مستقيما على الدين. # قوله: {ولم يك من المشركين} أي: ممن يعبد الأصنام، وقال بعض أهل المعاني: ~~كان يرى العطاء والمنع من الله. # PageV03P209 # قوله: {شاكرا لأنعمه} أي: لنعمه. وقوله: {اجتباه وهداه} أي: اختاره ~~وأرشده. وقوله: {إلى صراط مستقيم} أي: إلى دين الحق. # PageV03P209 # قوله: {وآتيناه في الدنيا حسنة} قيل: هي النبوة، وقيل: لسان الصدق، وقيل: ~~التنويه لذكره بطاعته لربه، وقيل: قبول كل أهل الملل له، ms0866 وقيل: ضيافته ~~ودعاء الناس له إلى يوم القيامة. وقوله: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} ~~ظاهر المعنى. # PageV03P209 # قوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} هذا دليل على ~~أنه يجوز للفاضل أن يتبع المفضول. وقوله: {وما كان من المشركين} ظاهر ~~المعنى. # وقد قال بعض أهل الأصول: إن النبي كان مأمورا بشريعة إبراهيم إلا ما نسخ ~~في شريعته بدليل هذه الآية، وقد قيل غير هذا، والصحيح أنه كان مأمورا ~~باتباع شريعته في بعض الأشياء، وصار ذلك شريعة له. # PageV03P209 # قوله تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} معناه: إنما جعل ~~السبت لعنة على الذين اختلفوا فيه. وقوله: {اختلفوا فيه} أي: خالفوا فيه، ~~وقال # PageV03P209 # {كانوا فيه يختلفون (124) ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ~~(125) وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} ~~بعضهم: اختلفوا فيه أي: حرم بعضهم، وأحل بعضهم يعني: السبت. # وقال مجاهد: كان الله تعالى أمرهم بالجمعة فأبوا، وطلبوا السبت فشدد ~~عليهم فيه، وكذلك النصارى أمروا بالجمعة فأبوا، وطلبوا الأحد، وأعطى الله ~~تعالى الجمعة لهذه الأمة فقبلوا، وبورك لهم فيها، وفي الباب خبر صحيح قد ~~بيناه من قبل. # قوله: {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} ظاهر ~~المعنى. # PageV03P210 # قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك} إلى دين ربك. وقوله: {بالحكمة} أي: ~~بالقرآن، وقيل: الحكمة معرفة الأشياء على مراتبها في الحسن والقبح، وقيل: ~~الدعاء بالحكمة هو الرد عن القبيح إلى الحسن بشرط العلم. # وقوله: {والموعظة الحسنة} الموعظة هي الدعاء إلى الله بالترغيب والترهيب، ~~وقيل: الموعظة الحسنة هي القول اللين الرقيق من غير غلظة ولا تعنيف. # وقوله: {وجادلهم بالتي هي أحسن} أي: مع الإعراض عن أذاهم لك والصبر على ~~مكروههم، وقد نسخ هذا بآية السيف. # وقوله: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} ظاهر ~~المعنى. # PageV03P210 # قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} أكثر أهل ms0867 التفسير أن ~~هذه الآية نزلت فيما فعله المشركون بحمزة وأصحابه؛ فإنه يروى: " أن النبي - ~~مر عليه، وقد بقر بطنه، وأخذ كبده، وقطعت مذاكيره وجعلت في فيه؛ فرأى أمرا ~~فظيعا؛ فقال: لئن قدرت عليهم لأمثلن بسبعين منهم، وروي أن الصحابة قالوا ~~قريبا # PageV03P210 # {واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ~~(127) إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128) } من هذا القول فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية ". # وقد قال زيد بن أسلم والضحاك: إن الآية مكية، وليست في حمزة وأصحابه، ~~والأصح هو الأول. # وقوله: {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} يعني: لئن عفوتم {لهو خير ~~للصابرين} أي: خير للعافين، وقد تحقق هذا العفو في حق وحشي قاتل حمزة بعدما ~~أسلم، وكذلك هذا في كل المشركين الذين أسلموا. # PageV03P211 # قوله تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله} أي: بمعونة الله. وقوله: {ولا ~~تحزن عليهم} أي: لا تحزن على أفعالهم وإبائهم للإسلام. # وقوله: {ولا تك في ضيق مما يمكرون} قرئ: " في ضيق " ومعنى القراءتين: لا ~~يضيقن صدرك {مما يمكرون} أي: يشركون، وقيل: مما فعلوا من الأفاعيل. # PageV03P211 # قوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} يعني: اتقوا ~~المناهي {والذين هم محسنون} بأداء الفرائض، [وقوله] : {مع} بالحفظ والنصرة ~~والمعونة، والله أعلم. # PageV03P211 # بسم الله الرحمن الرحيم # {سبحان الذي أسرى} # تفسير سورة بني إسرائيل # وهي مكية إلا خمس آيات، سنذكرها في مواضعها. # وروي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سورة بني إسرائيل ~~والكهف ومريم وطه من تلادي، وهن من العتاق الأول. # PageV03P212 # قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده} سبحان: تنزيه الله من كل سوء، ~~وحقيقته تعظيم الله بوصف المبالغة، ووصفه بالبراءة من كل نقص. # وكلمة سبحان؛ كلمة ممتنعة لا يحوز أن يوصف بها غير الله؛ لأن المبالغة في ~~التعظيم لا تليق لغير الله، ولا تنصرف حسب ما ينصرف كثير من المصادر؛ لأنه ~~لما لم يستقم الوصف به لغير الله، ولم تتصرف جهاته لزم أيضا منهاجا واحدا ~~في الصرف. # وأما التسبيح في ms0868 القرآن على وجوه: قد ورد بمعنى الصلاة، قال الله تعالى: ~~{فلولا أنه كان من المسبحين} أي: من المصلين. # وورد بمعنى الاستثناء، قال الله تعالى: {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا ~~تسبحون} أي: تستثنون. # وورد بمعنى التنزيه. وهو قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده} ، وورد في ~~الخبر بمعنى النور، وهو في الخبر الذي قال: " لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه ~~بصره " أي: نور وجهه، وقد ورد في الخبر عن النبي " أنه فسر سبحان الله # PageV03P212 # {بعبده ليلا من المسجد الحرام} بتنزيه الله من كل سوء ". # وقوله: {أسرى بعبده} يقال: أسرى به إذا سيره ليلا، وكذا سرى به. قال ~~الشاعر: # (وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت) # وقوله: {بعبده} أي: بمحمد، وقد روي عن النبي أنه قال: " إن الله اتخذني ~~عبدا قبل أن يتخذني رسولا ". # وقوله: {ليلا} ذكر ليلا؛ لينبه أنه كان في طائفة منه. # وقرأ ابن مسعود: " أسرى بعبده من الليل ". وقوله: {من المسجد الحرام} ~~اختلفوا في الموضع الذي أسري منه برسول الله؛ فأحد القولين: أنه من المسجد ~~الحرام، وعليه يدل ظاهر الآية. # وعن محمد بن علي الباقر: أن النبي قال: " كنت نائما في الحجر، فأتاني ~~جبريل - عليه السلام - وحركني حركة لطيفة، وقال: يا محمد، قم وافدا إلى ربك ~~". # والقول الثاني: أنه أسرى به من بيت أم هانيء بنت أبي طالب، وهذا في رواية ~~أبي صالح عن ابن عباس. # PageV03P213 # {إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع ~~البصير (1) } # واختلف القول في الوقت الذي أسرى به؛ قال مقاتل: كان قبل الهجرة بسنة، ~~ويقال: إنه كان في رجب، ويقال: في رمضان. وقال بعضهم أسرى به وهو ابن إحدى ~~وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوما، والله أعلم. # وقوله {إلى المسجد الأقصى} يعني: إلى مسجد بيت المقدس، وسماه الأقصى ~~لبعده من المسجد الحرام. # وقوله: {الذي باركنا حوله} يعني: بالماء والشجر، وقيل: باركنا حوله؛ لأنه ~~(مواضع) الأنبياء ومهبط الملائكة. # قوله: {لنريه من آياتنا} أي: من عجائب قدرتنا، وقد رأى هناك الأنبياء، ms0869 ~~ورأى آثارهم. # وقوله: {إنه هو السميع البصير} - ذكر السميع ها هنا لينبه على أنه المجيب ~~لدعائه، وذكر البصير لينبه على أنه كان الحافظ له في ظلمة الليل. # وأما الكلام في الإسراء فاختلف القول على أنه أسري بجسمه وروحه أم بروحه؟ ~~فالأكثرون على أنه أسري بجسمه وروحه جميعا. وعن عائشة - رضي الله عنها - ~~أنها قالت: ما فقد جسم رسول الله وإنما أسري بروحه؟ # وقد تواترت الأخبار الصحيحة على ما يوافق القول الأول، وأتمها حديث أنس ~~عن مالك بن صعصعة، عن النبي، وفيه: أنه أسري به إلى بيت المقدس ثم منه إلى ~~السماء، واستفتح جبريل السماء الدنيا، فقيل له: ومن معك؟ فقال: محمد عليه ~~السلام. # فقالوا: أوبعث؟ قال: نعم. # PageV03P214 # قالوا: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، وهكذا في كل سماء، وذكر فيه: أنه رأى ~~في السماء الدنيا آدم - عليه السلام - وفي السماء الثانية ابني الخالة عيسى ~~ويحيى، وفي السماء الثالثة يوسف، وفي السماء الرابعة إدريس عليه السلام، ~~وفي السماء الخامسة هارون، وفي السماء السادسة موسى، وفي السماء السابعة ~~إبراهيم، وفيه أنه قال: " رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا أوراقها كآذان ~~الفيلة، وإذا نبقها كقلال هجر، ورأيت أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ~~باطنان ونهران ظاهران؛ فأما الباطنان في الجنة، وأما الظاهران: فالنيل ~~والفرات وذكر فيه أن الله تعالى فرض عليه خمسين صلاة. . القصة بطولها إلى ~~أن ردت إلى الخمس. # وقد روى شبها بهذه القصة جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس، وأبو موسى ~~الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وأبو هريرة، وغيرهم. # وروى معمر عن قتادة عن أنس عن النبي " أن جبريل عليه السلام جاء بالبراق ~~مسرجا ملجما، فأراد الرسول أن يركبها فاستعصت عليه، فقال لها جبريل: والله ~~ما ركبك أحد أكرم على الله منه فارفض به عرقا ". ذكره أبو عيسى في جامعه. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " أتيت بدابة دون البغلة وفوق الحمار، خطوها ~~عند منتهى بصرها ". وثبت أيضا عن النبي أنه قال: " رأيت موسى ليلة أسري بي، ~~كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ربعة ms0870 أحمر، كأنه خرج من ديماس، ورأيت # PageV03P215 # {وآتينا موسى الكتاب} إبراهيم وصاحبكم أشبه الناس به ". # وفي هذا الخبر أنه قال: " أتيت بإناءين في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، ~~فأخذت اللبن وشربته، فقال جبريل: أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت ~~أمتك ". # وفي القصة: أنه لما أصبح تحدث الناس بمسراه، [ففتن] كثير من الناس، وارتد ~~جماعة ممن آمن به وصدق، وجاء المشركون إلى أبي بكر - رضي الله عنه - وقالوا ~~له: ألا ترى إلى صاحبك يحدث أنه أسري به إلى بيت المقدس ورجع من ليلته، ~~ونحن نضرب أكباد الإبل شهرا حتى نصل إليه! فقال أبو بكر: إن كان قال ذلك ~~فقد صدق، فقالوا له: أتصدق بمثل هذا؟ قال: نعم، وأكثر منه، فأنا أصدقه أنه ~~يأتيه خبر السماء في غدوة أو روحة. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " كنت قائما في الحجر، فرفع لي بيت المقدس ~~(فجعلت أنعته) لهم " وهذا حين سألوه عن وصفه. # وفي القصة: أن المشركين سألوه عن ركب لهم في الطريق فقال: قد بلغ موضع ~~كذا، ويقدمه جمل أورق، قالوا: ومتى يصل؟ قال: مع طلوع الشمس، فخرج بعضهم ~~يرتقبون العير، وبعضهم يرتقبون طلوع الشمس، فقال أولئك: هذا العير قد أقبل، ~~وقال هؤلاء: هذه الشمس قد طلعت. # PageV03P216 # {وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا (2) ذرية من حملنا ~~مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض} # وروي أنه قال: " مررت بإناء مغطى وهو ملآن ماء فشربت بعضه وتركته " فسئل ~~الركب عن ذلك فأخبروا بصورته. # PageV03P217 # قوله تعالى: {وآتينا موسى الكتاب} الآية يعني: أعطينا موسى الكتاب، وهو ~~التوراة. # وقوله: {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} أي: يهتدي به بنو إسرائيل. وقوله: ~~{ألا تتخذوا} قرئ بقراءتين: بالتاء، والياء، فمن قرأ بالتاء فمعناه: وآتينا ~~موسى الكتاب آمرين ألا تتخذوا، ومن قرأ بالياء فمعناه: وعهدنا إليهم ألا ~~يتخذوا. قوله: {من دوني وكيلا} أي: شريكا، وقيل معناه: أمرناهم أن لا ~~يتوكلوا على غيري، ولا يتخذوا أربابا دوني. # PageV03P217 # قوله تعالى: {ذرية من ms0871 حملنا مع نوح} معناه: يا ذرية من حملنا مع نوح، ~~وقرأ مجاهد بنصب الذال. وعن زيد بن ثابت في بعض الروايات: " ذرية من حملنا ~~مع نوح " بكسر الذال. وإنما قال: {ذرية من حملنا مع نوح} لأن الخلق الآن من ~~أولاد نوح على ما بينا من قبل. # وقوله: {من حملنا} أي: في السفينة. # وقوله: {إنه كان عبدا شكورا} سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وقيل: كان ~~اسمه عبد الغفار. ذكره النقاش في تفسيره. # وأما شكره: فروي أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد ~~الله، # PageV03P217 # {مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولي بأس} وإذا لبس قال: الحمد الله، وفي بعض الروايات: أنه إذا دخل ~~قال: الحمد الله، وإذا خرج قال: الحمد الله، وكذا في القيام والقعود. # وروي أنه لم يخط خطوة إلا ذكر الله تعالى، فقال: {إنه كان عبدا شكورا} ~~أي: كثير الشكر. # PageV03P218 # قوله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب} الآية. القضاء: فصل ~~الأمر بالأحكام، ومعنى قضينا ها هنا أي: أوحينا، وأعلمنا. # وقيل معناه: وقضينا على بني إسرائيل في الكتاب. # وقوله: {لتفسدن في الأرض مرتين} أي لتعصن في الأرض مرتين. وقوله: ~~{ولتعلن} أي: لتتعظمن وتبغن وتتكبرن. # وقوله: {علوا كبيرا} أي: كبرا عظيما. # PageV03P218 # قوله تعالى: {فإذا جاء وعد أولاهما} يعني: أولى المرتين. وفي القصة: أن ~~فسادهم في المرة الأولى وكان بقتل إشعيا النبي - عليه السلام - وارتكابهم ~~المعاصي، ورفضهم ما أمروا به. وفي بعض التفاسير: أنهم عبدوا الأوثان. # والأرض المذكورة: أرض الشام، وأرض بيت المقدس. وقوله: {بعثنا عليكم عبادا ~~لنا} هذا البعث هو مثل قوله تعالى: {أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين} ~~فيجوز أن تكون بمعنى التسليط، ويجوز أن تكون بمعنى التخلية بينهم وبين ~~القوم، [واختلفت] الأقاويل في أنهم من كانوا؟ # قال ابن عباس: هم جالوت وقومه، وقال سعيد بين المسيب: بخت نصر الفارسي، # PageV03P218 # {شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم ms0872 أحسنتم لأنفسكم ~~وإن} وقال غيره: سنحاريب الملك، وقال بعضهم: العمالقة. وأظهر الأقاويل أنه ~~بخت نصر، وروي عن مجاهد أنه قال: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران؛ أما ~~المؤمنان: فسليمان، وذو القرنين - عليهما السلام - وأما الكافران: فنمروذ، ~~وبخت نصر. # قال الشيخ الإمام الأجل: أخبرنا بهذا أبو على الشافعي بمكة قال: أخبرنا ~~أبو الحسن بن فراس قال: أنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الديبلي وقال: أنا ~~سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال: أنا [سفيان] بن عيينة عن داود بن شابور ~~عن مجاهد. # وقوله: {أولي بأس شديد} أي: أولي قوة شديدة. # وقوله: {فجاسوا خلال الديار} والجوس: طلب الشيء بالاستقصاء. # قال الزجاج: طلبوا خلال الديار هل بقي أحد فيقتل؟ وخلال الديار وسط ~~الديار. # وقوله: {وكان وعدا مفعولا} أي: وعدا لا بد منه. قال الشاعر: # (في الجوس جسنا إليك الليل بالمطي ... ) # PageV03P219 # قوله تعالى: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} أي: الدولة عليهم، وفي القصة: أن ~~هذا التخريب كان بعد ملك سليمان، وأن بخت نصر قتل المقاتلة، وسبى الذرية، ~~وخرب بيت المقدس، وألقى الجيف في مسجده، وكان من موت عزير النبي مائة سنة ~~في هذا التخريب، وما قص الله من أمره في سورة البقرة، ثم إن الله تعالى رد ~~الدولة إلى بني إسرائيل حتى عمروا ما خرب. # وفي بعض القصص: أن الله تعالى أرسل ملكا إليهم حتى رد العمارات، واستنقذ # PageV03P219 # {أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما ~~دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) } الأسارى، وعاد البلد أفضل مما ~~كان. فهذا معنى قوله: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} وفي تعذيب بخت نصر ومسخه ~~قصة طويلة ليس هذا موضعه. # وقوله: {وأمددناكم بأموال وبنين} ظاهر المعنى. وقوله: {وجعلناكم أكثر ~~نفيرا} أي: أكثر عددا. # قال الشاعر: # (وأكرم بقحطان من معشر ... وحمير أكرم بقوم نفيرا) # PageV03P220 # قوله تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} يعني: جلبتم النفع إليها. # وقوله: {وإن أسأتم فلها} أي: فعليها. # وقوله: {فإذا جاء وعد الآخرة} يعني: وعد الكرة الآخرة. وقوله: {ليسوءوا ~~وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول ms0873 مرة} قرئ هكذا، وقرئ: " ليسوء وجوهكم ~~" مقصور، وعن علي - رضي الله عنه -: " لنسوء وجوهكم " بالنون، وهو اختيار ~~الكسائي، وفي الشاذ: " لنسوء وجوهكم " بفتح اللام. أما قوله: {ليسوء ~~وجوهكم} بالياء يعني: أولئك القوم يسوءوا وجوهكم: وقوله: {ليسوءوا وجوهكم} ~~أي: ليسوء الوعد وجوهكم. # وقوله: " لنسوء " بالنون ظاهر المعنى، وسوء الوجه بإدخال الغم والحزن. # وقوله: {وليتبروا ما علو تتبيرا} أي: ليخربوا، ويدمروا ما علوا عليه - ~~أي: ما ظهروا - تخريبا. # قال الشاعر: # (وما الناس إلا عاملان فعامل ... يتبر ما يبني وآخر رافع) # وفي القصة: أن فسادهم الثاني كان بقتل يحيى بن زكريا - عليهما السلام - # PageV03P220 # {عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} وكان سبب قتله، أن بغية من بغايا بني ~~إسرائيل طلبت من الملك أن يقتله فقتله، فلما قتله، ووقع دمه على الأرض، جعل ~~يغلي فلا يسكن بشيء، وسلط الله عليهم عدوهم. # فقيل: إن العدو في الكرة الثانية كان بخت نصر، وفي الأولى جالوت. وقيل: ~~إن العدو في المرة الثانية كان ملكا من الروم، جاء وخرب بيت المقدس، وقتل ~~المقاتلة، وسبى الذرية. # فروي أنه استصعب عليه فتح المدينة، فقالت عجوز: أيها الملك، أتريد أن ~~تفتح هذه المدينة؟ فقال: نعم، فقالت: قل اللهم إني أستفتحك هذه المدينة بدم ~~يحيى بن زكريا، فقال هذا القول، فتساقطت حيطان المدينة؛ فدخل بالسيف يقتل، ~~ووصل إلى المكان الذي يغلي فيه دم يحيى. فقال: لأقتلن عليه الناس حتى يسكن ~~الدم؛ فقتل عليه أربعين ألفا فلم يسكن، فقتل خمسين ألفا فلم يسكن، فقتل ~~ستين ألفا فلم يسكن، فقال: والله لا أزال أقتل عليه حتى يسكن، فاستكمل ~~سبعين ألفا فسكن، وقيل: ثمانين ألفا. # PageV03P221 # وقوله تعالى: {عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا} قال مجاهد: عسى من الله ~~واجب. # وقوله: {أن يرحمكم} أي: يرد الدولة إليكم بعد زوالها. وفي القصة: أن الله ~~تعالى رد إليهم الدولة، وعمر بيت المقدس بعد ما خرب، [و] عاد ملكم على ما ~~كان. # وقوله: {وإن عدتم عدنا} معناه: ms0874 وإن عدتم إلى المعصية عدنا إلى الانتقام. ~~فروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: عادوا إلى المعصية، فانتقم الله منهم ~~بالعرب، فهم مقهورون مستذلون إلى يوم القيامة، وقيل: بمحمد. والقولان ~~متقاربان في المعنى. # PageV03P221 # {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) وأن الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10) ويدع الإنسان بالشر دعاءه ~~بالخير وكان} وقوله: {وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} قال مجاهد: محبسا، وقيل: ~~حصيرا أي: حاصرا، فعيل بمعنى فاعل، قاله ابن قتيبة. # والحصر هو الحبس، والسجن يسمى حصيرا في اللغة. # PageV03P222 # قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} فيه قولان: أحدهما: ~~للكلمة التي هي أقوم، وأقوم أي: أعدل، والكلمة هي شهادة أن لا إله إلا ~~الله. # والقول الثاني: قاله الزجاج {يهدي للتي هي أقوم} أي: للحال التي هي أقوم، ~~والحال التي هي أقوم: توحيد الله، واتباع رسله، وطواعيته في أوامره. # وقوله: {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات} يعني: القرآن يبشر الذين ~~يعملون الصالحات. # وقوله: {أن لهم أجرا كبيرا} أي: عظيما. # PageV03P222 # وقوله: {وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة} معناه: ويبشر الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة أنا {أعتدنا لهم عذابا أليما} أي: أعددنا. والبشارة هاهنا بمعنى ~~الخبر؛ لأن العرب لا تضع البشارة إلا في موضع السرور. # وحقيقة المعنى أي: ضع هذا الخبر لهم موضع البشارة. # PageV03P222 # قوله تعالى: {ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا} دعاء ~~الإنسان بالشر هو أن يدعو على نفسه وأهله وولده حالة الغضب، فيقول: اللهم ~~أهلكهم، اللهم العنهم، وربما يقول لنفسه هذه المقالة. # وقوله: {دعاءه بالخير} أي: كدعائه بالخير، ويقال: إن هذه الآية نزلت في ~~النضر بن الحارث فإنه قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. # PageV03P222 # {الإنسان عجولا (11) } # فاستجاب الله له، وضربت عنقه صبرا يوم بدر. # وروي عن النبي أنه قال: " اللهم إني بشر، أغضب كما يغضب البشر، وأيما ~~مسلم لعنته، أو سببته فاجعلها له صلاة ورحمة ". # وفي بعض الأخبار: " أتى النبي بأسير فسلمه إلى سودة بنت ms0875 زمعة لتحفظه، ~~وكان الأسير أتى مشدودا فجعل جميع الليل يئن، فقامت سودة، وأرخت من وثاقه؛ ~~فهرب الأسير، فلما دخل رسول الله قال لها: أين الأسير؟ فذكرت له ذلك فقال: ~~قطع الله يدك، وبعث خلف الأسير من رده، فأخرجت سودة يدها؛ ليجيء من يقطعها ~~بدعاء النبي؛ فدخل عليها النبي، ورآها على تلك الحالة، فسألها: ممن هذا؟ ~~فقالت: لدعائك يا رسول الله؛ فقال رسول الله: " اللهم إني بشر أغضب كما ~~يغضب البشر. . " الخبر. # وقوله: {وكان الإنسان عجولا} يعني: أنه يعجل بدعاء الشر، والله لا يعجل ~~بالإجابة. # وفي الآية قول وهو أن هذا في آدم صلوات الله عليه، وفي القصة: أن الله ~~تعالى أدخل الروح في رأسه، فجعل ينظر إلى نفسه كيف يخلق! فلما بلغ الروح ~~وسطه أراد أن يقوم فلم يقدر، فقال الله تعالى: " وخلق الإنسان عجولا ". # هذا محكي عن قتادة وغيره، وعن سلمان الفارسي أن الله خلق آدم في آخر ساعة # PageV03P223 # {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب} من يوم الجمعة، فجعل ~~الروح تجري في جسده، ويحيى آدم فنظر إلى الشمس، وهي تغرب، فقال: يا رب، قبل ~~الليل - أي أتم خلقي قبل الليل - فقال الله تعالى: " وخلق الإنسان عجولا ". # وفي أصل الآية قول آخر؛ وهو أن معنى قوله: {ويدعو الإنسان بالشر} أي: ~~يدعو بفعل المعصية كما يدعو بفعل الطاعة. قال الشاعر: # (عسى فارج الهم عن يوسف ... يسخر لي ربة المحمل) # والصحيح ما قدمنا من قبل. # PageV03P224 # قوله: {وجعلنا الليل والنهار آيتين} أي: علامتين دالتين على أن لهما إلها ~~واحدا. # وقيل: علامتين على الليل والنهار، والمراد من الليل والنهار: هو الشمس ~~والقمر. # وقوله: {فمحونا آية الليل} روي عن علي وابن عباس أنهما قالا: المحو هو ~~السواد الذي في القمر. # وفي بعض الآثار أن ابن الكواء قام إلى علي فسأله عن هذا فقال: أعمى - ~~أراد عمى القلب - يسأل عن عمياء! ثم قال: هو السواد الذي في القمر، وقيل: ~~إن معنى قوله: {فمحونا ms0876 آية الليل} أي: جعلنا الليل بحيث لا يبصر فيه كما ~~[لا] يبصر الكتاب إذا محي. # وقال قتادة وجماعة من المفسرين، وهو محكي أيضا عن ابن عباس قالوا: إن ~~الله تعالى خلق الشمس والقمر مضيئين نيرين كل واحد منهما مثل الآخر في ~~الضياء، فلم يكن يعرف الليل من النهار، والنهار من الليل، فأمر جبريل حتى ~~مسح بجناحه # PageV03P224 # {وكل شيء فصلناه تفصيلا (12) وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له ~~يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا (13) اقرأ كتابك} وجه القمر. # قال مقاتل: انتقص مما كان تسعة وستون جزءا، وبقي جزء واحد. # وقوله: {وجعلنا آية النهار مبصرة} أي: مضيئة نيرة، وقيل: ذات أبصار أي: ~~يبصر بها. # وقوله: {لتبتغوا فضلا من ربكم} بالنهار. # وقوله: {ولتعلموا عدد السنين والحساب} أي: عدد السنين وحساب الشهور ~~والأيام. # وقوله: {وكل شيء فصلناه تفصيلا} أي: بيناه تبيينا. # PageV03P225 # قوله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} روى عطاء عن ابن عباس قال ~~معناه: ما قدر له من خير وشر. # وعن مجاهد: عمله من خير وشر، وعن الضحاك: أجله ورزقه وسعادته وشقاوته. ~~وعن أبي عبيدة قال: حظه. وقيل: كتابه. # وعن مجاهد في رواية أخرى: ورقة (متعلقة) في عنقه مكتوب فيها شقي أو سعيد. ~~والأقوال متقاربة، وإنما سمي طائرا أي: ما طار له من خير أو شر، وهذا على ~~جهة التمثيل والتشبيه، ومن ذلك السوانح والبوارح، فالسانح: هو الذي يطير من ~~قبل اليمين، فيتبرك به الإنسان، والبارح: هو الذي يطير من قبل الشمال، ~~فيتشاءم به الإنسان. قال الشاعر: # (تطير غدائر الإشراك شفعا ... ووترا والزعامة للغلام) # وقوله: {ونخرج له يوم القيامة} وقرىء: " ويخرج له " بالياء أي: الطائر ~~يخرج له، # PageV03P225 # {كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~(15) وإذا أردنا} وقرىء: " ويخرج له يوم القيامة كتاب " على ما لم يسم ~~فاعله، وقرىء " ويخرج " بفتح الياء يعني: عمله يخرج {كتابا} يوم القيامة، ~~كأنه يتحول العمل كتابا في القيامة. ms0877 # وقوله: {يلقاه} قرأ الحسن: " يلقاه " بضم الياء من التلقية، وهذا في ~~الشاذ. # وقوله: {منشورا} في الآثار أن الله تعالى يأمر الملكين بطي الصحيفة، إذا ~~تم عمر العبد، فلا ينشر إلى يوم القيامة، وهذا في معنى قوله تعالى: {وإذا ~~الصحف نشرت} . # PageV03P226 # قوله: {اقرأ كتابك} فيه إضمار، وهو أنه يقال له: اقرأ كتابك. قال قتادة: ~~يقرأ كل إنسان سواء كان قارئا في الدنيا، أو لم يكن قارئا. # وقوله: {كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} أي: شاهدا قال الحسن: عدل معك من ~~جعلك حسيب نفسك. # وقال بعضهم: يقال له هذا كتاب كان لسانك قلمه، وريقك مداده، وجوارحك ~~قرطاسه، وكتب المملي على كاتبيك، فاقرأ ما أمليت، والله أعلم. # PageV03P226 # قوله تعالى: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} أي: نفع اهتدائه له. # وقوله: {ومن ضل فإنما يضل عليها} أي: وبال ضلالته عليه. # وقوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} يقال: نزلت هذه الآية في الوليد بن ~~المغيرة، فإنه قال لمن أسلم: ارجعوا إلى دينكم القديم، فإني أحمل أوزاركم؛ ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومعناه: أنه لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، وقيل: ليس ~~لأحد أن يذنب، فيقول: فلان قد أذنب فأنا أتبعه، فإني لا آخذ أحدا بذنب أحد. # وقوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} هذا دليل على أن ما وجب وجب # PageV03P226 # {أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها ~~تدميرا (16) } بالسمع لا بالعقل، فإن الله تعالى نص أنه لا يعذب أحدا حتى ~~يبعث الرسول. # وفي بعض المسانيد عن أبي هريرة أنه قال: إن الله تعالى يبعث يوم القيامة ~~أهل الفترة و [المعتوه] والأصم والأبكم والأخرس والشيوخ الذين لم يدركوا ~~الإسلام (فيؤجج) لهم نارا، فيقول: ادخلوها، فيقولون: كيف ندخلها، ولم تبعث ~~إلينا رسولا؟ ! ولو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما، فيرسل الله إليهم ~~رسولا، فيطيعه من علم الله أنه يطيعه، ويعصيه من علم الله أنه يعصيه، فيفصل ~~بينهم على ذلك. # PageV03P227 # قوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية} أي: أهل قرية، وقرىء {أمرنا ~~مترفيها} والمعروف هذا، وقرىء: " آمرنا " - بالمد ms0878 -، " مترفيها " وهذل محكي ~~عن علي، وقرئ " أمرنا " بالقصر والتشديد، وقرئ: " أمرنا - بكسر الميم - ~~مترفيها " وهذا محكي عن ابن عباس. # أما قوله: {أمرنا} فيه قولان: أحدهما: معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا ~~وعصوا. # وهكذا روي عن ابن عباس وجماعة من التابعين منهم ابن جريج وغيره. # والقول الثاني: أمرنا أي: أكثرنا، يقال: أمر القوم: إذا كثروا، قال ~~الشاعر: # (إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوما يصيروا للهلك والنكد) # وأنكر الكسائي أن يكون أمرنا بمعنى أكثرنا، وقال: هو آمرنا بمعنى أكثرنا، ~~وهذا هو اللغة الغالبة. # وأما أبو عبيدة فقال: تقول العرب: أمرنا بمعنى أكثرنا، وإنما احتجنا إلى ~~هذا التأويل؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالمعاصي. # وهذا باتفاق الأمة وفي الآية سؤال معروف، وهو أنه يقال: كيف يأمر مترفيها ~~بالفسق، والله تعالى يقول: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} ، ويقول: {إن ~~الله # PageV03P227 # {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ~~(17) من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا (19) } لا يأمر بالفحشاء) ؟ والجواب ما سبق. # وفي الآية قول ثالث وهو أنه معنى قوله: {أمرنا مترفيها} أي: بعثنا، وفي ~~قراءة أبي بن كعب: " وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا مترفيها "، وأما قوله: ~~" أمرنا " بالتشديد أي: سلطنا. # وقيل: أمرنا أي: جعلناهم أمراء؛ فيجوز أن يكون بعثنا على هذا المعنى. # وأما " أمرنا " - بكسر - الميم فقد ذكروا أنه ضعيف في اللغة. # وقوله: {مترفيها} أي: منعميها، والمترف: الملك المنعم، أورده ثعلب. # وقوله: {ففسقوا فيها} أي: عصوا فيها. {فحق عليها القول} أي: وجب عليها ~~العذاب. # وقوله: {فدمرناها تدميرا} أي: أهلكناها إهلاكا. # PageV03P228 # قوله تعالى: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} . اختلفوا في القرن، فقال ~~بعضهم: القرن مائة وعشرون سنة، وقال بعضهم: مائة سنة، وقال بعضهم: ثمانون ~~سنة، وقال بعضهم: أربعون سنة، والمراد من القرون أهل القرون. # وقوله: {وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا} ظاهر المعنى. # PageV03P228 # قوله تعالى: {من ms0879 كان يريد العاجلة} أي: الدنيا، وهذا وصف الكفار؛ لأنهم ~~الذين يريدون الدنيا، ولا يريدون الآخرة، والآية في قوم أرادوا العاجلة ~~فحسب. # وقوله: {عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} يعني: لمن نريد إهلاكه. # وقوله: {ثم جعلنا له جهنم يصلاها} أي: يدخلها، وقيل: يقاسي حرها. # وقوله: {مذموما مدحورا} والمذموم من الذم، والمدحور هو المطرود والمبعد ~~من # PageV03P228 # {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) انظر ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21) } رحمة ~~الله، يقال: (دحره) عن كذا أي: أبعده. # PageV03P229 # قوله تعالى: {ومن أراد الآخرة} أي: طلب الآخرة {وسعى لها سعيها وهو مؤمن} ~~أي: عمل لها عملها، وهو مؤمن. # وقوله: {فأولئك كان سعيهم مشكورا} أي: مقبولا. # ويقال: إن الشكر من الله هو قبول الحسنات، والتجاوز عن السيئات، وقيل ~~معنى الآية: أنه وضع أعمالهم الموضع الذي يشكر عليها. # PageV03P229 # قوله تعالى: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء} يعني: المؤمنين والكفار. # وقوله: {من عطاء ربك} أي: من رزق ربك. # وقوله: {وما كان عطاء ربك محظورا} أي: ممنوعا. # وأجمع أهل التفسير أن معنى عطاء ربك في هذه السورة هو الدنيا، فإن الآخرة ~~للمتقين، وليس للكفار فيها نصيب. # وفي بعض المسانيد عن النبي أنه قال: " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم ~~بينكم أرزاقكم، وإن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي ~~الدين إلا من يحب ". # PageV03P229 # قوله تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} يعني: الدنيا، ومعنى # PageV03P229 # {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22) } لتفضيل هو التقتير ~~والتوسيع، والتقليل والتكثير، والقبض والبسط، وقد روي في بعض الآثار أن ~~الله تعالى عرض ذرية آدم على آدم فرأى فيهم تفاوتا شديدا! فقال: رب هلا ~~سويت بين خلقك؟ فقال: يا آدم، أردت أن أشكر. # وقوله: {وللآخرة أكبر درجات} قد بينا أن الدرجة ما بين السماء والأرض. # وفي بعض المسانيد عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: " الجنة مائة درجة؛ ما ~~بين كل درجتين خمسمائة سنة ". # وقوله: {وأكبر تفضيلا} ms0880 أي: أعظم تفضيلا. # وفي الأخبار أن النبي قال: " إن المؤمنين يدخلون الجنة بإيمانهم؛ ~~ويقتسمون الدرجات بأعمالهم ". # PageV03P230 # قوله تعالى: {لا تجعل مع الله إلها آخر} فيه قولان: أحدهما: أن الخطاب مع ~~الرسول، والمراد فيه الأمة، وقد بينا نظير هذا من قبل. # والقول الآخر: لا تجعل أيها الإنسان مع الله إلها آخر، وهذا الخطاب مع كل ~~أحد. # وقيل: إن المراد منه النبي على ما هو الظاهر، وهو وإن كان معصوما، فلم ~~يسقط عنه الخطاب بالاحتراز والمباعدة عن الكفر. # وقوله: {فتقعد مذموما مخذولا} أي: مذموما من غير حمد، ومخذولا من غير ~~نصر. # PageV03P230 # {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو} # وقيل: مخذولا أي: متروكا من العصمة، والله تعالى إذا ترك العبد فقد ~~أهلكه. # ومعنى قوله: {فتقعد} أي: فتكون مأفوكا، وتبقى مخذولا. # PageV03P231 # قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} قرأ عبد الله بن مسعود: " ~~ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه "، وقال الضحاك: كان في الأصل " ووصى " إلا ~~أنه اتصل الواو بالصاد في الكتابة فقرىء: " وقضى ". والمعروف هو قوله: ~~{وقضى} . وعليه اتفاق القراء؛ ومعناه: وأمر ربك؛ وحقيقة القضاء هو إحكام ~~الشيء وإمضاؤه على وجه الفراغ منه، ومنه قولهم: قضى القاضي بين الخصمين، ~~ومنه قوله تعالى: {ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} أي: أفرغوا ما في أنفسكم ~~وامضوه، فعلى هذا معنى قوله: {وقضى ربك} أي: حكم عليهم ربك حكم تعبد. # ومعنى الفراغ هاهنا: هو إتمام التعبد. وفي بعض التفاسير: أن رجلا أتى ~~الحسن البصري وقال: إني طلقت امرأتي ثلاثا، فقال: عصيت ربك، وبانت منك ~~امرأتك، فقال الرجل: كذلك كان قضاء الله؟ فقال الحسن: كذبت، ما قضى الله. ~~أي: ما أمر الله، وكان الحسن فصيحا فلم يفهم الناس قوله؛ فذكروا أنه ينكر ~~القدر. # وفي بعض الروايات أنه قيل له: إن بني أمية يقتلون الناس، ويقولون: كذا ~~قضاء الله، فقال الحسن: كذب أعداء الله؛ ومعناه ما بينا. # وقيل: إنه أنكر جعلهم ذلك علة لقتلهم، ذكره ابن قتيبة في المعارف. # وقوله: {ألا تعبدوا ms0881 إلا إياه} يعني: أن توحدوه ولا تشركوا به. وقوله: ~~{وبالوالدين إحسانا} أي: أمر أن تحسنوا بالوالدين إحسانا. # وقد ثبت عن النبي برواية ابن مسعود، أنه سأل رسول الله فقال: " أي الذنوب ~~أعظم؟ فقال: الإشراك بالله. قال: ثم أي؟ قال: عقوق الوالدين ". # PageV03P231 # {كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) } # وقوله:: {إما يبلغان} وقرئ: " إما يبلغن عندك الكبر " فقوله: {يبلغان} ~~ينصرف إليهما؛ فعلى هذا قوله: {أحدهما أو كلاهما} على وجه الاستئناف. # وقوله: {يبلغن} ينصرف إلى أحدهما، فقوله: {أو كلاهما} على البدل منه. # وقوله: {فلا تقل لهما أف} قرئ: " أف " بكسر الفاء، و " أف " بفتح الفاء، ~~و " أف " بكسر الفاء والتنوين. قالوا: وفيه ست لغات: أفا وأف وأف الثلاثة ~~بالتنوين، وأف وأف وأف بغير التنوين. # قال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار، وقيل: الأف وسخ ~~الأظفار، والتف الشيء الحقير، وحقيقته أنه كلمة تقال عند الضجر من الشيء ~~واستثقاله، وقيل: الأف بأدنى ما يتبرم به، فمنى الآية: لا يتبرم بهما، ولا ~~يستثقل معالجة أذاهما. وذكر مجاهد أنه عند الحدث وذكر البول وصاحبه أنه لا ~~يستثقل معالجتهما في ذلك؛ كما لم يستثقلا معالجته. # وقوله: {ولا تنهرهما} الانتهار من النهر، [و] هو الزجر بالإغلاظ والصياح. # وقوله: {وقل لهما قولا كريما} أي: قولا لينا. # وعن محمد بن علي الباقر قال: شر الآباء من يحمله البر على الإفراط، وشر ~~الأبناء من يحمله التقصير على العقوق. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: لو علم الله شيئا أبلغ في الزجر من قوله: ~~{أف} ، لنهى عن ذلك، ثم قال علي: ليعمل البار ما شاء فلن يدخل النار، ~~وليعمل العاق ما يشاء فلن يدخل الجنة. # وفي الأخبار، عن النبي أنه قال: " البر يزيد في العمر ". وذكر مسلم في # PageV03P232 # {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) ~~ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين} الصحيح برواية سهيل عن أبيه عن ~~أبي هريرة أن النبي قال: " رغم أنفه. رغم أنفه، رغم أنفه! فقيل: من ms0882 يا رسول ~~الله؟ قال: من أدرك أبويه على الكبر أو أحدهما فلم يدخل الجنة ". # وروى عامر بن ربيعة أن رجلا أتي النبي فقال: " إن أبوي قد توفيا، فهل بقي ~~شيء أبرهما به؟ فقال: نعم، إنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، والاستغفار لهما، ~~والصدقة عنهما ". # PageV03P233 # قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} معناه: وألن جانبك لهما. # وعن عائشة - رضي الله عنها - أطعهما ما أمراك. والخفض هو التواضع، وجناح ~~الذل: ترك الاستعلاء. مأخوذ من استعلاء الطائر [بجناحيه] . # وقوله: {من الرحمة} أي: من الشفقة والعطف. # وقرأ عاصم الجحدري ويحيى بن دثار: " واخفض لهما جناح الذل " - بكسر الذال ~~- فالذل - بضم الذال - من التذلل، أي: كن لهما كالذليل المقهور، والذل - ~~بكسر الذال - من الانقياد والطاعة. # وعن سعيد بن المسيب قال: كن بين يديهما كالعبد المذنب بين يدي السيد الفظ ~~الغليظ. # PageV03P233 # {فإنه كان للأوابين غفورا (25) وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ~~ولا تبذر تبذيرا (26) } # وقوله: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} أي: كما رحماني بتربيتي صغيرا. # PageV03P234 # قوله تعالى: {ربكم أعلم بما في نفوسكم} أي: بما في قلوبكم. وقوله: {إن ~~تكونوا صالحين} أي: مطيعين. # وقوله: {فإنه كان للأوابين غفورا} ووجه اتصال الآية بما قبلها، هو أن ~~الله تعالى قال: {ربكم أعلم بما في نفوسكم} من العقوق والبر، فإن بدرت من ~~بار بدرة من العقوق، فإن الله كان للأوابين غفورا يعني: [للتوابين] غفورا. # وفي الأواب أقوال كثيرة، روي عن ابن عباس أنه قال: هو الذي يرجع من الشر ~~إلى الخير، وعن سعيد بن المسيب: هو الذي كلما أذنب تاب وإن كثر، وعن عبيد ~~بن عمير: هو الذي لا يقوم من مجلس حتى يستغفر الله من ذنوبه، وقيل: إن ~~الأواب هو المسبح، قال الله تعالى: {يا جبال أوبي معه} وعن محمد بن المنكدر ~~قال: الأواب الذي يصلي بين المغرب والعشاء، وتسمى الصلاة في ذلك الوقت صلاة ~~الأوابين، وعن عون العقيلي قال: الأواب هو الذي يصلي الضحى، وعن السدي قال: ~~هو الذي يذنب سرا ويتوب سرا. # وأصل الأواب: هو الراجع، ms0883 قال الشاعر: # (يومان يوم مقامات وتفدية ... ويوم سير على الأعداء تأويب) # PageV03P234 # قوله تعالى: {وآت ذا القربى حقه} الأكثرون على أن ذا القربى ها هنا قرابة ~~الإنسان، ومعنى الآية: الأمر بصلة ذوي الأرحام. # وعن علي بن الحسين قال: ذا القربى ها هنا قرابة الرسول. وقوله: ~~{والمسكين} # PageV03P234 # {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) وإما ~~تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) } أي: ~~السائل الطواف. # وقوله: {وابن السبيل} قيل: المنقطع به، وقيل: الضيف. وقوله: {ولا تبذر ~~تبذيرا} أي: لا تسرف إسرافا. # والتبذير: هو الإنفاق في غير طاعة الله تعالى. وعن عثمان بن الأسود قال: ~~كنت أطوف مع مجاهد بالبيت فقال: لو أنفق عشرة آلاف درهم في طاعة الله ما ~~كان مسرفا، ولو أنفق درهما واحدا في معصية الله، كان من المسرفين. # PageV03P235 # قوله تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} أي: أشباه الشياطين، ~~وقيل: سماهم إخوان الشياطين؛ لأنهم اتبعوا ما سول لهم الشياطين، [وقيل] لمن ~~اتبع إنسانا في شيء هو أخوه. # وقوله: {وكان الشيطان لربه كفورا} أي: بربه كافرا. # PageV03P235 # قوله تعالى: {وإما تعرضن عنهم} الإعراض صرف الوجه عن الشيء ( ... .) أو ~~إلى من هو أولى منه، أو لإذلال من يصرف عنه الوجه. # وقوله: {ابتغاء رحمة من ربك} أي: طلب رزق من ربك. # وقوله: {ترجوها} الرجاء: تعليق النفس بمن تطلب منه الخير. وعن علي رضي ~~الله عنه قال: لا ترجون إلا ربك، ولا تخافن إلا من ربك. # PageV03P235 # {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~(29) } # وقوله: {فقل لهم قولا ميسورا} اليسر: ضد العسر، والميسور ها هنا هو العدة ~~في قول أكثر المفسرين. وهو أن يقول: يأتينا شيء فنعطيه. وعن سفيان الثوري ~~قال: عدة النبي دين، وقيل: القول الميسور هو أن تقول: يرزقنا الله وإياك، ~~أو يقول: بارك الله فيك. # واعلم أن الآية خطاب مع النبي، وقد كان هؤلاء القوم يسألونه، وكان يكره ~~الرد وليس عنده شيء يعطى، فجعل يمسك من القول، فأنزل الله تعالى هذه ms0884 الآية ~~{فقل لهم قولا ميسورا} . # PageV03P236 # قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} الآية. روى ابن مسعود: " أن ~~امرأة بعثت غلاما إلى رسول الله تسأله شيئا، فقال النبي: ليس عندي شيء، ~~فرجع الغلام وذكر لها؛ فردت الغلام وقالت: سله قميصه الذي هو لابسه، فسأله ~~فأعطاه ذلك، وبقي في البيت بلا قميص، فأنزل الله تعالى هذه الآية ". # وقوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} أي: لا تبخل، والكلام على وجه ~~التمثيل فجعل البخيل الممسك كمن يده مغلولة إلى عنقه. # وقوله: {ولا تبسطها كل البسط} أي: لا تسرف في الإعطاء. # وقوله: {فتقعد ملوما محسورا} والملوم: هو الذي أتى بما يلوم به نفسه ~~ويلومه غيره، والمحسور هو المنقطع به الذي قد ذهب ماله، وبقي ذا حسرة، ~~يقال: دابة حسير إذا أعيت من السير فقامت بالراكب. فمعنى الآية لا تحمل على ~~نفسك كل الحمل في الإعطاء، فتصير بمنزلة من بلغت به النهاية في التعب ~~والإعياء. # قال قتادة: محسورا أي: نادما. وأنشدوا في الدابة الحسير: # PageV03P236 # {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا (31) ~~ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) } # (له ديك حسري ... فأما عظامها فبيض ... وأما جلدها فصليب) # PageV03P237 # قوله تعالى: {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا} ظاهر المعنى، وقد بينا معنى البسط والقدر من قبل. # PageV03P237 # قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} أي: خشية الفقر، وقد كانوا ~~يئدون البنات خشية الفقر. # وقوله: {نحن نرزقهم وإياكم} أي: نحن المعطي للزرق لا أنتم. # وقوله: {إن قتلهم كان خطأ كبيرا} المعروف: " خطأ " بالكسر والقصر. وقرأ ~~ابن كثير " خطاء كبيرا " بالكسر والمد، وقرأ ابن عامر: " خطأ " بفتح الخاء ~~والطاء والقصر، وقرئ: " خطآء " بالفتح والمد، فأما قوله: " خطأ " بالكسر ~~والقصر أي: إثما كبيرا. وأما قوله: " خطأ " بالكسر والمد، وقال الأزهري: ~~أهل اللغة لا يعرفون هذا! ولعله لغة. # وأما قوله: " خطاء " بالفتح والقصر مصدر مثل قوله: ms0885 أخطا، والفرق بين ~~الخطأ والخطأ كلاهما بالقصر أن الخطأ - بالكسر - ما يتعمد بالفعل وآثم ~~فاعله. والخطأ - بالفتح - ما لم يتعمد. وأنشدوا: # (عباد يخطئون وأنت رب ... كريم لا يليق بك الذموم) # PageV03P237 # قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا} ظاهر المعنى. # وقوله: {إنه كان فاحشة} الفاحشة: فعل قبيح على أقبح الوجوه. # وقوله: {وساء سبيلا} أي: ساء طريقا، ومعناه بئس السلك هذا الفعل. # وفي بعض الأخبار برواية علي - رضي الله عنه - عن النبي أنه قال: " في ~~الزنا # PageV03P237 # {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33) } ست خصال: (ثلاث) في ~~الدنيا، (وثلاث) في الآخرة؛ أما الثلاث في الدنيا: يذهب نور الوجه، ويورث ~~الفقر، وينقص العمر، وأما الثلاث في الآخرة: فغضب الرب، وسوء الحساب، ودخول ~~النار ". # PageV03P238 # وقوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} قد ثبت عن ~~النبي أنه قال: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الكفر بعد الإيمان، ~~والثيب الزاني، والقاتل نفسا بغير حق ". # فقوله: {إلا بالحق} فالقتل بالحق أن يقع بأحد هذه الأشياء الثلاثة. # وقوله: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} أي: سلطان القود، هكذا ~~قاله قتادة وغيره. وعن الضحاك أن السلطان ها هنا هو تخيير ولي القتيل بين ~~أن يقتل أو يعفو، أو يأخذ الدية. # وأصل السلطان هو الحجة، فلما ثبت هذا لولي القتيل بحجة ظاهرة سماه ~~سلطانا، وقيل: معنى الآية أن الولي يقتل؛ فإن لم يكن ولي، قتله السلطان. # وقوله: {فلا يسرف في القتل} أكثر المفسرين على أن السرف في القتل أن يقتل ~~غير القاتل، وقيل: إن السرف في القتل أن يمثل بالمقتول، وعن سعيد بن جبير ~~قال: السرف في القتل أن يطلب قتل الجماعة بالواحد، وقد كانت الجاهلية لا ~~يرضون بقتل القاتل وحده؛ إذا كان المقتول شريفا ويطلبون قتل القاتل وجماعة ~~معه من أقربائه وقومه. # PageV03P238 # {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد ~~إن العهد كان مسئولا (34) } وقرئ: ms0886 " فلا تسرف " " بالتاء " على خطاب ولي ~~القتيل، وأما " بالياء " على المغايبة. وفي الآية قول آخر وهو أن معنى ~~قوله: {فلا يسرف في القتل} بالياء أي: القاتل الأول المتعدي. # وقوله: {إنه كان منصورا} على هذا يعني أن القاتل الأول لو تعدى فولي ~~القتيل منصور من قبلي، وقد قال أهل المعاني: أن معنى قوله: {إنه كان ~~منصورا} معناه أي: القتيل منصور في الدنيا والآخرة؛ أما النصرة في الدنيا ~~ففي إيجاب القود له. وأما النصرة في الآخرة فبتكفير خطاياه، وبإيجاب الثأر ~~لقاتله، وقيل: إنه كان منصورا؛ أي: ولي القتيل. # وقرأ أبي بن كعب: " فلا تسرفوا في القتل إن ولي القتيل كان منصورا ". # PageV03P239 # قوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} معناه: إلا ~~بالعفة التي هي أحسن. واختلفوا في معناه على أقاويل: أحدها: أن القربان ~~بالأحسن هو حفظ الأصول، وتثمير الفروع، والآخر: أن القربان بالأحسن هو ~~التجارة في ماله، وهذا قريب من الأول، والقول الثالث: أن القربان بالأحسن ~~هو أن لا يخالط مال اليتيم بمال نفسه. # فروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه لما نزلت هذه الآية ميز الأوصياء ~~طعامهم من طعام اليتامى، وشرابهم من شراب اليتامى، وكانوا يمسكون طعام ~~اليتيم حتى يأكل أو يفسد، فأنزل الله تعالى: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} . # وعن مجاهد أنه قال: القربان بالأحسن أن يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج ~~إليه، فإذا استغنى رد. # PageV03P239 # {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ~~(35) } # وقال سعيد بن المسيب: لا يقرب ماله أصلا، ولا يشرب الماء من ماله. # وذهب بعض العلماء منهم أبو يوسف إلى أن قوله تعالى: {ومن كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} منسوخ بقوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم} . وقد ذكرنا في هذا المعنى من قبل ما هو أكثر من هذا. # وقوله: {حتى يبلغ أشده} الأكثرون على أن الأشد هو الحلم، ومنهم من قال: ~~(ثمان) عشرة سنة، ومنهم من قال: ms0887 ثلاث وثلاثون سنة، وهذا وقت منتهى القوة ~~وتمام العقل بالحنكة والتجارب. # وقوله: {وأوفوا بالعهد} قال قتادة: العهد: كل ما أمر الله تعالى به ونهى ~~عنه. # وقوله: {إن العهد كان مسئولا} فيه أقوال: أحدها: أنه كان مظلوما، وهو قول ~~السدي. # والآخر: كان مسئولا عنه، وهو أحسن الأقاويل، والثالث: أن العهد يسأل عن ~~صاحب العهد. فيقال له: فيم نقضت، كالموءودة تسأل فيم قتلت؟ . # وفي معنى العهد قول آخر: وهو أنه كل ما يلتزمه الإنسان على نفسه. # PageV03P240 # قوله تعالى: {وأوفوا الكيل إذا كلتم} ظاهر المعنى. # وقوله: {وزنوا بالقسطاس المستقيم} فيه قولان: أحدهما: أنه القبان، ~~والآخر: أنه كل ميزان يكون. ذكره الزجاج. # واختلفوا أن القسطاس رومي أو عربي؟ قال مجاهد: هو رومي معرب، وقال غيره: # PageV03P240 # {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد} هو عربي مأخوذ من ~~القسط، والقسط هو العدل، فعلى هذا معنى الآية وزنوا بالعدل المستقيم. # وقوله: {ذلك خير} يعني: ذلك خير لكم في الدنيا بحسن الذكر. {وأحسن ~~تأويلا} وأحسن عاقبة في الآخرة. # PageV03P241 # قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} قالوا: معناه ولا تقل ما ليس لك ~~به علم، وقرئ: " ولا تقف ما ليس لك به علم " برفع القاف؛ معناه ما ذكرنا، ~~ومنهم من قال: معنى قوله: {ولا تقف} أي: لا ترم بالظن ما ليس لك به علم. ~~وأصل القيافة اتباع الأثر، يقال: قفوت فلانا، إذا [اتبعت] أثره. وحقيقة ~~المعنى: ولا تتبع لسانك ما ليس لك به علم فيتكلم بالحدس والظن. # وروي عن النبي أنه قال: " نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا، ولا ~~ننتفي من أبينا ". # وفي بعض الأخبار أن النبي قال: " من تقوف ما ليس له به علم حبس في ردغة ~~الخبال حتى يخرج مما قال ". # وقوله: {إن السمع والبصر والفؤاد} روي عن قتادة أنه قال: لا تقل سمعت ولم ~~تسمع، ولا رأيت ولم تر، ولا علمت ولم تعلم. واختلف القول في سؤال السمع ~~والبصر والفؤاد؛ ففي أحد القولين: يسأل المرء عن سمعه وبصره ms0888 وفؤاده. # PageV03P241 # {كل أولئك كان عنه مسؤولا (36) ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ~~ولن تبلغ الجبال طولا (37) كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) ذلك مما} # والقول الثاني: أن السمع والبصر والفؤاد يسأل عما فعله المرء. فإن قيل: ~~قد قال: {كل أولئك كان عنه مسئولا} ، وأولئك لا يقال إلا للعقلاء؟ والجواب: ~~قلنا: يجوز أن يقال لغير العقلاء. قال جرير: # (ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام) # PageV03P242 # قوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا} المرح هو الفرح بالباطل، ويقال: هو ~~الأشر والبطر، ويقال: هو البأو والعظمة، وقيل: الخيلاء. # وقوله: {إنك لن تخرق الأرض} أي: لن تثقب الأرض، وقيل: لن تقطع الأرض ~~بالسير. # وقوله: {ولن تبلغ الجبال طولا} أي: لا يقدر أن يتطاول الجبال، وفي المعنى ~~وجهان: أحدهما: أن الإنسان إذا مشى مختالا، فمرة يمشي على عقبيه، ومرة يمشي ~~على صدور قدميه. فقال: لن تثقب الأرض إن مشيت على عقبيك، ولن تبلغ الجبال ~~طولا إن مشيت على صدور قدميك. # والوجه الثاني: أن من أراد أن يخرق الأرض أو يطاول الجبال لا يحصل على ~~شيء، فكذلك من مشى مختالا لا يحصل باختياله على شيء. # PageV03P242 # وقوله: {كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها} قرى: " سيئه " وقوله: " سيئة " ~~بالتنوين أي: كل ما نهيت عنه في هذه الآيات فهي سيئة مكروهة عند ربك، ومن ~~قرأ " سيئه " بالرفع فمعناه على التبعيض؛ لأنه قد تقدم بعض ما ليس بسيئة ~~مثل قوله: {وآت ذا القربى حقه} ، وكذلك قوله: {واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة وقل رب ارحمهما} وغير ذلك. فمعناه أن ما تقدم في هذه الآيات من ~~السيئة مكروهة عند ربك. # PageV03P242 # {أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما ~~مدحورا (39) أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون ~~قولا عظيما (40) ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا ~~(41) قل لو كان معه} # PageV03P243 # قوله تعالى: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} كل ما أمر الله ms0889 به ونهاه ~~فهي حكمة. # وقوله: {ولا تجعل مع الله إلها آخر} قد بينا هذا من قبل، وهو أن الخطاب ~~معه، والمراد منه الأمة. # وقوله: {فتلقى في جهنم ملوما مدحورا} أي: مطرودا. # PageV03P243 # قوله تعالى: {أفأصفاكم ربكم} معناه: أفجعل لكم الصفوة، وجعل لنفسه ما ليس ~~بصفوة؟ وهذا على طريق الإنكار فإنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله. # وقوله: {بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا} هذا معناه. # وقوله: {إنكم لتقولون قولا عظيما} أي: فظيعا كبيرا. # PageV03P243 # قوله تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن} فيه قولان: أحدهما: تكرير الأمر ~~والنهي والمواعظ والقصص، والآخر: تبيين القول بجميع جهاته. # وقوله: {ليذكروا} معناه: ليتعظوا. # وقوله: {وما يزيدهم إلا نفورا} أي: ما يزيدهم التبيين إلا نفورا. وقيل: ~~تصريف القول في الأمر والنهي. # PageV03P243 # قوله تعالى: {قل لو كان معه} أي: مع الله {آلهة} . # وقوله: {كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} فيه قولان: أحدهما: ~~إذا لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا بالتقرب إليه، والآخر: وهو الأصح إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا بالمفازة والمغالبة وطلب الملك، وهذا مثل قوله ~~تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} . # PageV03P243 # {آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا (43) تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء ~~إلا يسبح} # PageV03P244 # قوله تعالى: {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} ظاهر المعنى. # PageV03P244 # قوله تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن} قد بينا من قبل. # وقوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال عكرمة: وإن من شيء حي إلا يسبح ~~بحمده وعن عكرمة أيضا قال: الشجرة تسبحه. # وعن مجاهد قال: كل الأشياء تسبح لله حيا كان أو جمادا، وتسبيحها (بسبحان ~~الله وبحمده) . # وعن أبي صالح أنه سمع صرير باب فقال: هو تسبيحه. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا تضربوا الدواب على رءوسها فإنها ~~تسبح الله، وعن ابن عباس: إن تسبيح هذه الأشياء: يا حليم، يا غفور. # وروى منصور بن المعتمر أبو غياث عن إبراهيم النخعي قال: " وإن من ms0890 شيء ~~جماد أو حي إلا يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السقف. # واعلم أن لله في الجماد علما لا يعلمه غيره، ولا يقف عليه غيره، فينبغي ~~أن يوكل علمه إليه. وقال بعض أهل المعاني: تسبيح السماوات والأرض والجمادات ~~وسائر الحيوانات سوى العقلاء، هو ما دلت بلطيف تركيبها وعجيب هيئاتها على ~~خالقها، فيصير ذلك بمنزلة التسبيح منها. # والمنقول عن السلف ما قلنا من قبل، والله أعلم. # وقوله تعالى: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أي: لا تعلمون تسبيحهم. # وعن الحسن البصري أن موضع هذه الآية في التوراة ألف آية كان الله تعالى ~~قال: # PageV03P244 # {بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44) وإذا قرأت ~~القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (45) وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة أن} سبح لي كذا، وسبح لي كذا، وسبح لي كذا، وعلى القول ~~الأخير قوله: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أي: لا تستدلون بمشاهدة هذه الأشياء ~~على تعظيم الله. وهذا ليس بمعتمد، والصحيح ما بينا. # وقوله: {إنه كان حليما غفورا} قد بينا معنى الحليم والغفور. # PageV03P245 # وقوله تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا} روي في الأخبار أنه لما نزلت سورة {تبت يدا أبي لهب} جاءته ~~امرأته أم جميل، ومعها فهر، وقصدت النبي وهي تقول: مذمما أبينا، ودينه ~~قلينا، وأمره عصينا، وكان النبي جالسا مع أبي بكر في الحجر، فقال أبو بكر ~~للنبي: هذه المرأة قد جاءت، فقال النبي: إنها لا تراني؛ وقرأ هذه الآية؛ ~~فجاءت المرأة، وقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه هجاني، وهجا ~~أبا لهب، وقد علمت قريش أني بنت سيدها. فلم يقل أبو بكر شيئا، ورجعت وهي ~~تقول: قد كنت جئت بهذا الحجر؛ لأرضخ رأسه ". روته عائشة رضي الله عنها. # ومنهم من قال: كان النبي يصلي ويقرأ القرآن، وكان المشركون يقصدونه ~~بالأذى، فكانوا يجيئون ولا يرونه. # وقوله: {حجابا مستورا} فيه قولان: أحدهما: حجابا ساترا، والآخر: مستورا ~~به. وقيل: إن الحجاب الذي جعله الله هو الأكنة التي ms0891 خلقها على قلوبهم. # PageV03P245 # قوله تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنة} أي: أغطية، وحكى بعض السلف أنه # PageV03P245 # {يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم ~~نفورا (46) نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول ~~الظالمون} سمع رجلا يقرأ: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذا جاءهم الهدى} فقال: ~~الأكنة. # وقوله: {أن يفقهوه} معناه: كراهة أن يفقهوه، وقيل: لئلا يفقهوه. # وقوله: {وفي آذانهم وقرا} أي: ثقلا، ومعناه: لئلا يسمعوه. وفي الآية رد ~~على القدرية صريحا. # وقوله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده} هو قوله: لا إله إلا الله. # وقوله: {ولوا على أدبارهم نفورا} أي: نافرين. # ومثل هذا قوله تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة} . # PageV03P246 # قوله تعالى: {نحن أعلم بما يستمعون به} قال أهل التفسير: " به " صلة، ~~ومعناه نحن أعلم بما يستمعون، أي: يطلبون سماعه، وهو في معنى قوله تعالى: ~~{وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} . # وقوله تعالى: {إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى} أي: ذووا نجوى. وفي القصة: ~~أن النبي كان يقرأ، والمشركون قد اجتمعوا، وكانوا يتناجون فيما بينهم، ~~فيقول هذا: كاهن، ويقول هذا: ساحر، ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون؛ ~~ويريدون به الرسول. # وقوله: {إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} قال مجاهد: مخدوعا، ~~وقال أبو عبيدة: رجلا له سحر، وهو الرئة، يعني: أنه بشر. قال الشاعر: # (أرانا موضعين (لحتم) غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب) # PageV03P246 # {إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا (48) وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا (49) قل كونوا حجارة أو حديدا (50) } # أي: نعلل ونخدع، وهو على تأويل الخدع، وهو الأصح. # وقيل: مسحورا أي: مصروفا عن الحق. # PageV03P247 # وقوله تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} أي: الأشباه. # وقوله: {فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} أي: وصولا إلى طريق الحق. # PageV03P247 # قوله تعالى: {وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا} قال الفراء: رفاتا، أي: ~~ترابا، وقال غيره: رفاتا: أي: حطاما. يعني: إذا ms0892 تحطمنا. # وقوله: {أءنا لمبعوثون خلقا جديدا} قالوا ذلك على طريق الإنكار. # PageV03P247 # قوله تعالى: {قل كونوا حجارة أو حديدا} فإن قيل: كيف يأمرهم بأن يكونوا ~~حجارة أو حديدا، وهم لا يقدرون عليه قطعا؟ والجواب: أن هذا أمر تعجيز، وليس ~~بأمر إلزام، ومعنى الآية أي: استشعروا في قلوبكم أنكم حجارة أو (حديد) ، ~~فلو كنتم كذلك لم تفوتوني، وقيل معناه: لو كنتم خلقتم من الحجارة والحديد ~~بدل اللحم والعظم لمتم ثم بعثتم. قاله أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. # PageV03P247 # قوله تعالى: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} قال ابن عباس، وابن عمر، وعبد ~~الله بن عمرو بن العاص: هو الموت. ومعناه: لو كنتم الموت بعينه لأدرككم ~~الموت. # وقد ثبت الخبر عن النبي أنه قال: " يجاء بالموت يوم القيامة على هيئة كبش ~~أغبر، فيوقف بين الجنة والنار؛ فيعرفه كلهم، فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة، ~~خلود لكم ولا موت، ويا أهل النار، خلود ولا موت ". # PageV03P247 # {أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ~~فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) يوم يدعوكم ~~فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) } # وعن مجاهد أن معنى قوله: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} هو السماوات ~~والأرض والجبال. أي: لو كنتم كذلك لمتم وبعثتم. # وقال قتادة: هو كل ما يعظم في عين الإنسان وصدره. وعن الكلبي قال: هو ~~القيامة. # وقوله: {فسيقولون من يعيدنا} ظاهر المعنى. # وقوله: {قل الذي فطركم أول مرة} أي: أنشأكم أول مرة، ومن قدر على الإنشاء ~~فهو على الإعادة أقدر. # وقوله: {فسينغضون إليك رءوسهم} أي: يحركون إليك رءوسهم، وهذا على طريق ~~الاستهزاء. # وقوله: {ويقولون متى هو} أي: متى الساعة؟ وهذا أيضا قالوه استهزاء. # وقوله: {قل عسى أن يكون قريبا} معناه: أنه قريب، " وعسى " من الله واجب ~~على ما بينا. # PageV03P248 # قوله تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} أي: حامدين له. فإن قيل: كيف ~~يصح هذا؟ والخطاب مع الكفار؛ والكافر كيف يبعث حامدا لربه؟ # والجواب من وجهين: أحدهما: أنه ms0893 خطاب للمؤمنين، وقد انقطع خطاب الكفار إلى ~~هذه الآية. # والقول الثاني: أن الخطاب مع الكفار، ومعنى قوله: {فتستجيبون بحمده} أي: ~~مقرين أنه خالقكم وباعثكم. # وقوله: {وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} هذا في جنب مدة القيامة (والخلود) ~~فلو مكث الإنسان في قبره الألوف من السنين، يعد ذلك قليلا في جنب ما يصل ~~إليه من # PageV03P248 # {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان ~~للإنسان عدوا مبينا (53) ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما ~~أرسلناك} الخلود. # وعن قتادة قال: إنهم يستحقرون مدة الدنيا في جنب القيامة. # وعن سعيد بن أبي عروبة قال: يقومون فيقولون: سبحانك اللهم وبحمدك. ~~والأولى أن يكون هذا في المؤمنين. # وقال الكلبي: إن الله تعالى يرفع العذاب عن الكفار بين النفختين، وهو ~~أربعون سنة، فإذا حشروا وقد استراحوا تلك المدة قالوا: ما لبثنا إلا قليلا. # PageV03P249 # قوله تعالى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} في الآية قولان: الأشهر ~~والأظهر أن قوله: {يقولوا التي هي أحسن} أي: الكفار، وهذا قبل نزوله آية ~~السيف. # قال أهل التفسير: كان المشركون يؤذون المؤمنين، وكان المؤمنون يستأذنون ~~رسول الله في القتال فينهاهم عن ذلك، ويأمرهم بالإحسان في القول، والإحسان ~~في القول هو قولهم للكفار: يهديكم الله. وفي بعض الروايات: أن عمر شتمه بعض ~~الكفار، فأراد أن يقاتله، فأمره رسول الله بالصفح والعفو. # والقول الثاني: في الآية: أن المراد به المؤمنون، وأراد به: أن يقولوا ~~ويفعلوا التي هي أحسن. أي: الخلة التي هي أحسن. # وقيل: المراد منه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. # وقوله: {إن الشيطان ينزغ بينهم} أي: يفسد بإيقاع العداوة. وقوله: {إن ~~الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا} أي: عدوا ظاهر العداوة. # PageV03P249 # قوله تعالى: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم} قال: يرحمكم ~~بالتوفيق والهداية، ويعذبكم بالإضلال، وقيل: يرحمكم بالإنجاء من النار، أو ~~يعذبكم بالإيقاع فيه. وقوله: {وما أرسلناك عليهم وكيلا} أي: كفيلا. قال ~~الشاعر: # ( [ذكرت] أبا أروى فبت كأنني ... برد الأمور الماضيات وكيل) # PageV03P249 # {عليهم وكيلا ms0894 (54) وربك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضلنا بعض ~~النبيين على بعض وآتينا داود زبورا (55) قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم} أي: كفيل. # ومنهم من قال معناه: لم يسلطك عليهم بمنعهم من الكفر. # PageV03P250 # قوله تعالى: {وربك أعلم بمن في السموات والأرض} أي: وربك العالم بمن في ~~السموات والأرض، وهو العالم بأحوالهم وأفعالهم ومقاصدهم. # وقوله: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} معناه: أنه اتخذ بعضهم خليلا، ~~وكلم بعضهم، وسخر الجن والإنس والطير والريح لبعضهم، وأحيا الموتى لبعضهم، ~~فهذا معنى التفضيل. # وقوله: {وآتينا داود زبورا} قالوا: الزبور كتاب يشتمل على مائة وخمسين ~~سورة، كلها تحميد وتمجيد وثناء على الله، ليس فيها أمر ولا نهي ولا حلال ~~ولا حرام. ومعنى الآية: أنكم لما لم تنكروا تفضيل سائر النبيين وإعطائهم ~~الكتب، فلا تنكروا فضل النبي وإعطائه القرآن. فيجوز أن يكون هذا الخطاب مع ~~أهل الكتاب، ويجوز أن يكون مع قوم كانوا مقرين بهذا من مشركي العرب. ~~والزبور مأخوذ من الزبر؛ والزبر هو الكتابة. # PageV03P250 # وقوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه} روي أن المشركين لما قحطوا ~~حتى أكلوا الكلاب والجيف استغاثوا بالنبي، ليدعو لهم؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية: {قل ادعوا الذين زعمتم} أنهم آلهة {من دونه} أي: من دون الله. # وقوله: {فلا يملكون كشف الضر عنكم} أي: كشف الجوع والقحط عنكم. # وقوله: {ولا تحويلا} أي: لا يملكون نقل الحال، وتحويلا من السقم إلى ~~الصحة، ومن الجدب إلى الخصب، ومن العسر إلى اليسر. # PageV03P250 # قوله تعالى: {أولئك الذين يدعون} قرأ ابن مسعود: " أولئك الذين تدعون " # PageV03P250 # {أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) وإن من ~~قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في ~~الكتاب} وعنه أنه قال: كان قوم من المشركين يعبدون قوما من الجن، فأسلم ~~الجنيون الذين كانوا يعبدون، وبقي هؤلاء على شركهم؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. معناه: إن الذين ms0895 كنتم تدعونهم وتعبدونهم {يبتغون} أي: يطلبون {إلى ~~ربهم الوسيلة} والوسيلة هي الدرجة الرفيعة في الجنة، وقيل: الوسيلة كل ما ~~يتوسل به إلى الله تعالى أي: يتقرب. # وقوله: {أيهم أقرب} معناه: ينظرون أيهم أدنى وسيلة، وقيل: أيهم أقرب إلى ~~الله فيتوسلون به، وقيل: الآية في عزير والمسيح وغيرهما، وقيل: الآية في ~~الملائكة؛ فإن المشركين كانوا يعبدون الملائكة، والملائكة عبيد يطلبون إلى ~~الله الوسيلة، وهذا في نفر من المشركين دون جميعهم. # وقوله: {ويرجون رحمته ويخافون عذابه} يعني: الجنيين الذين أسلموا ~~والملائكة، أو عزيرا والمسيح. # وفي بعض الأخبار عن النبي: " لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ". # وقوله: {إن عذاب ربك كان محذورا} أي: يطلب منه الحذر. # PageV03P251 # قوله تعالى: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة} معناه: وما ~~من قرية إلا نحن مهلكوها فإهلاك المؤمنين بالإماتة، وإهلاك الكفار ~~بالاستئصال والعذاب، وقيل قوله: {مهلكوها} هذا في حق المؤمنين بالإماتة. # قوله: {أو معذبوها عذابا شديدا} في حق الكفار. # PageV03P251 # {مسطورا (58) } # وذكر النقاش في تفسيره بإسناده عن مقاتل بن سليمان قال: وجدت في كتاب ~~ضحاك بن مزاحم - وهو الكتاب المخزون - وقد ذكر فيه ما يهلك الله به أهل كل ~~بلدة، أما مكة فيهلكها الحبشان، وأما المدينة فالجوع، وأما البصرة فالفرق، ~~وأما الكوفة فعدو [سلطه] الله عليهم، وأما الشام ومصر فويل لها من عدوها، ~~وقيل: تخربها الرياح، وأما أصفهان وفارس وكرمان فبالظلمات والصواعق، وكذلك ~~ذكر في أرمينية وأذربيجان، وأما الري، فيغلب عليهم عدوهم من الديلم، وأما ~~الهمذان فيهلكهم عدو لهم فلا همذان بعده، وأما النيسابور فالرعود والبروق ~~والريح، وأما مرو فيغلب عليه الرمل وبهما العلماء الكثير، وأما هراة ~~فيمطرون حيات فتأكلهم، وأما سجستان فتهلك بالريح، وأما بلخ فيغلب عليه ~~الماء فتهلك، وأما بخارى فيغلب عليهم الترك، وأما سمرقند وفرغانة والشاش ~~وإسبيجاب وخوارزم فيغلب عليهم بنو قنطورا بن كركرى فيهلكون عن آخرهم، ~~والخبر غريب جدا. وفي بعض الروايات: " ويل لأهل بغداد يخسف بهم " والأثر ~~غريب. # وفي بعض المسانيد عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا يهلك الله ms0896 قوما حتى ~~يظهر فيهم الزنا والربا. # وقوله: {كان ذلك في الكتب مسطورا} أي: مكتوبا، ومعنى الكتاب: هو اللوح ~~المحفوظ. # وفي الأخبار المشهورة عن النبي أنه قال: " أول ما خلق الله القلم فقال ~~له: اكتب، فقال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ". # يقال: سطر إذا كتب. # PageV03P252 # {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) وإذ قلنا لك إن ربك ~~أحاط بالناس وما جعلنا} # PageV03P253 # قوله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} الآية. ~~فإن قال قائل: كيف يجوز ألا يرسل الله الآيات لأن الأولين كذبوا بها؟ وما ~~وجه الإمتناع عن إرسال الآيات بتكذيب الأولين؟ والسؤال معروف، وهو مشكل. ~~والجواب من وجهين: أحدهما: أن " إلا " محذوف، ومثله قول الشاعر: # (وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمرو أبيك إلا الفرقدان) # ومعناه: وما منعنا من إرسال الآيات وإن كذب بها الأولون، يعني: أن تكذيب ~~الأولين لا يمنعنا من إرسال الآيات. # والجواب الثاني - وهو المعروف - وما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحها ~~الكفار، فإنه قالوا للنبي: اجعل لنا الصفا ذهبا، أو بعد عنا هذه الجبال ~~لنزرع الأراضي. # وقوله: {إلا أن كذب بها الأولون} معنى الاستثناء في إهلاك الأولين حين ~~كذبوا بالآيات المقترحة، وقد حكمنا أن هذه الأمة ممهلة في العذاب، قال الله ~~تعالى: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} وتلخيص الجواب: أن الأولين ~~اقترحوا الآيات فلما أعطوا كذبوها فأهلكوا، فلو أعطينا هؤلاء الآيات ~~المقترحة وكذبوا بها عاجلناهم بالعذاب، وقد حكمنا بإمهالهم، والدليل على ~~صحة هذا الجواب أنه قال: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} أي: آية نيرة مضيئة، ~~أو آية يبصر بها الحق، وقوله: {فظلموا بها} أي: كذبوا بها، فعوجلوا ~~بالعقوبة. فهذا هو المراد، وإن كان غير مذكور. # وقوله: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} أي: تحذيرا. # PageV03P253 # قوله تعالى: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} قال مجاهد أي هم في قبضته. ~~قال الحسن: حال بينهم وبين أن يقتلوك أو ms0897 يكيدوك بغير القتل. فهذا معنى ~~الإحاطة. # PageV03P253 # {الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم ~~فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (60) } # وقوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} الأكثرون أن هذه ~~الرؤيا هي ليلة المعراج، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والحسن، وسعيد بن ~~جبير، والضحاك، وغيرهم. # فإن قال قائل: ليلة المعراج كانت رؤية عين لا رؤيا نوم؟ والجواب: أنه قد ~~صح عن عبد الله بن عباس أنه قال في هذه الآية: هي رؤيا عين، أسرى بالنبي ~~تلك الليلة. # {والشجرة الملعونة} هي شجرة الزقوم. # قال الشيخ الإمام الأجل أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني: أخبرنا أبو ~~علي الشافعي بمكة قال: أنا أبو الحسن بن فراس، قال: أنا أبو جعفر الديبلي، ~~قال: أنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ~~عن عكرمة عن ابن عباس، ذكره البخاري في صحيحه. # وأما ذكر الرؤيا بمعنى الرؤية هاهنا يجوز؛ لأنهما أخذا من معنى واحد. ~~ومنهم من قال: كان له معراجان: معراج رؤية، ومعراج رؤيا. # وأما معنى الفتنة على هذا القول: أن قوما من الذين آمنوا ارتدوا حين ~~سمعوا عن النبي هذا، وفي أصل الآية قول آخر: (وهو) أن الرؤيا المذكورة في ~~الآية هي " أن النبي رأى في النوم أنه قد دخل مكة، فاستعجل، وسار إلى مكة ~~عام الحديبية محرما بالعمرة، وذكر الصحابة أنه رأى هذه الرؤيا، فلما صد عن ~~مكة حتى احتاج إلى الرجوع افتتن بذلك قوم. # PageV03P254 # وفي الخبر المشهور، أن عمر قال لأبي بكر: أليس قد رأى أنه يدخل مكة؟ فقال ~~له أبو بكر: هل قال: إنه يدخل العام؟ قال: لا. قال: سيدخلها. . الخبر إلى ~~آخره. # والقول الثالث في الآية: ما حكاه الدمياطي في تفسيره عن ابن عباس قال: " ~~رأى النبي في منامه كأن أولاد الحكم بن أبي العاص ينزون على منبره نزو ~~القرود - وفي رواية (يتداولون منبره تداول الكرة) - فساءه ذلك، فدعا أبا ~~بكر وعمر وأخبرهما بذلك، ثم سمع أن الحكم بن أبي العاص ms0898 يحكي الرؤيا، فلم ~~يتهم أبا بكر، واتهم عمر فدعاه، وقال له: لم أفشيت سري؟ فقال: والله ما ~~ذكرته لأحد؟ فقال رسول الله، كيف والحكم يحكي هذا للناس؟ ! فقال عمر: نجتمع ~~ثانيا حتى أخبرك من أفشاه. قال: فجاء هو وأبو بكر، وقعدا مع الرسول في ذلك ~~الموضع، وجعلوا يذكرون هذا، ثم إن عمر خرج مبادرا، فإذا هو بالحكم يستمع، ~~فذكر ذلك للنبي، فطرده رسول الله من المدينة، ولم يأوه أبو بكر ولا عمر، ~~وما زال طريدا إلى زمن عثمان " القصة إلى آخرها. هذا هو الرؤيا التي ذكر في ~~الآية. # وقد روي " أن النبي ما روى مستجمعا [ضاحكا] منذ رأى هذه الرؤيا إلى أن ~~مات. # وأما الشجرة الملعونة فالأكثرون أنها شجرة الزقوم، فإن قيل: أين لعنها في ~~القرآن؟ والجواب: أن المراد من الشجرة الملعونة، أي: الملعون آكلها. وقال ~~الزجاج: العرب تقول لكل طعام كريه: طعام ملعون. فعلى هذا تقدير الآية: {وما ~~جعلنا الرؤيا التي # PageV03P255 # {وإذ قلنا للملائكة اسجوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ~~(61) } أريناك) ، وكذلك ما جعلنا الشجرة الملعونة {في القرآن} إلا فتنة ~~للناس. # وأما الفتنة في شجرة الزقوم من وجهين: أحدهما: أن أبا جهل قال: إن النار ~~تأكل الشجر، وأن محمدا يزعم أن النار تنبت الشجرة. والوجه الثاني: أن عبد ~~الله بن الزبعري قال: يا قوم، إن محمدا يخوفنا بالزقوم، وما نعرف الزقوم ~~إلا الزبد والتمر، فقال أبو جهل: يا جارية، هلمي فزقمينا. # والقول الثاني: في شجرة الزقوم أنها شجرة الكشوثا التي تلتوي على الشجر ~~فتجففه. والقول الثالث: أن الشجرة الملعونة في القرآن أولاد الحكم بن أبي ~~العاص، وهو مروان وبنوه. # ذكره سعيد بن المسيب، وأنكر جماعة من أهل التفسير هذا القول، والله أعلم. # وقوله: {ونخوفهم} أي: نحذرهم {فما يزيدهم} أي: ما يزيدهم التخويف {إلا ~~طغيانا كبيرا} أي: تمردا وعتوا عظيما. # PageV03P256 # قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} قد ذكرنا معنى السجود في ~~سورة البقرة، واختلاف الناس فيه. وقوله: {فسجوا إلا إبليس قال أأسجد لمن ~~خلقت طينا} ms0899 معناه: لمن خلقته طينا. وقوله: {طينا} نصب على الحال أي: في حال ~~طينته، وفي الآية حذف، ومعناه: أأسجد لمن خلقته من طين، وخلقتني من نار، ~~وللنار فضل على الطين، فإن النار تأكل الطين. ولم يعلم الخبيث أن الجواهر ~~كلها من جنس واحد؛ والفضل لما فضله الله تعالى. وفي الطين من المنافع ما ~~يقادم منافع النار، أو يرقى عليها، وللطين من كرم الطبع ما ليس للنار. # PageV03P256 # {قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ~~إلا قليلا (62) } # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن الله بعث إبليس حتى أخذ من الأرض قبضة ~~من التراب، وكان فيها المالح والعذب فخلق منها آدم، فمن خلقه من العذب كان ~~سعيدا وإن كان من أبوين كافرين، ومن خلقه من المالح كان شقيا، وإن كان من ~~صلب (بني آدم) . # قال ابن عباس فقوله: {أأسجد لمن خلقت طينا} أي: أأخضع لمن خلقته من طين، ~~وأنا جئت به؟ . # PageV03P257 # قوله تعالى: {قال أرأيتك هذا الذي} قوله: " أرأيت " أي: أخبرني، والكاف ~~لتأكيد المخاطبة. وقوله تعالى: {هذا الذي كرمت علي} أي: كرمته علي وفضلته. # وقوله: {لئن أخرتن} أي: أمهلتني {إلى يوم القيامة} فطمع الخبيث أن ينطر ~~إلى يوم القيامة، وينجو من الموت، فأبى الله تعالى ذلك عليه، على ما قال في ~~سورة الحجر: {فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} . # وقوله: {لأحتنكن ذريته} قالوا: لأستأصلنهم؛ يقال: احتنك الجراد الزرع إذا ~~استأصله. ومنهم من قال: هو مأخوذ من حنك الدابة إذا شد في حنكها الأسفل ~~حبلا (رسنا) يسوقها به. # ومعناه: لأسوقنهم إلى المعاصي سوقا، ولأميلنهم إليه ميلا، وقيل: لأستولين ~~عليهم بالإعواء، وقيل: لأضلنهم. # وقوله: {ذريته} أولاده {إلا قليلا} والقليل هم الذين قال الله تعالى: {إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان} فإن قيل: كيف عرف إبليس أن # PageV03P257 # {قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) واستفزز من ~~استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال} أكثر ذرية ~~آدم يتبعونه؟ قلنا: الجواب من وجهين: أنه ms0900 لما رأى انقياد آدم لوسوسته طمع ~~في ذريته. # والثاني: أنه رأى ذلك في اللوح مكتوبا، وعرف كما عرف الملائكة حين قالوا: ~~{أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} . # PageV03P258 # قوله تعالى: {قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا} أي: ~~موفرا ومعنى موفرا أي: مكملا وقال الشاعر: # (ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفسره ومن لا يتق الشتم يشتم) # PageV03P258 # قوله تعالى: {واستفزز} قال الأزهري معناه: وادعوهم دعاء تستفزهم إلى ~~إجابتك، أي: فتستخفهم. # وقيل: استفزز بهم أي: أسرع بهم، وقيل: احملهم على الإغواء. وقوله: {من ~~استطعت منهم} بينا معنى الاستطاعة، وأنشد الشاعر في معنى الاستفزاز: # (فقلت لها هي فلا تستفزي ... ذوات العيون والبيان المحصب) # وقوله: {بصوتك} قال مجاهد: الغناء واللهو، وقال الحسن: الدف والمزمار، ~~وقيل: كل صوت يدعو إلى غير طاعة الله، وقيل: كل كلام يتكلم به في غير ذات ~~الله. # وقوله: {وأجلب عليهم} أي: اجمع عليهم مكائدك وحيلك، يقال: جلب على العدو ~~إذا جمع عليهم الجيش. وفي المثل: " إذا لم تغلب فأجلب " وقيل معناه: أجمع ~~عليهم جيشك وجندك. # وقوله: {بخيلك ورجلك} كل راكب في معصية فهو من خيل إبليس، وكل ماشي في ~~معصيته فهو في رجل إبليس. والخيل: الراكب، والرجل: المشاة، وفي الخبر: # PageV03P258 # {والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) } " يا خيل الله، ~~اركبي ". # وقوله: {وشاركهم في الأموال} كل كسب من حرام، وكل ما أنفق [في] معصية ~~الله، فهو الذي شارك فيه إبليس، وقيل: ما زين لهم من البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام. # وقوله: {والأولاد} فيه أقوال: قال ابن عباس: الموءودة. # قال مجاهد: أولاد الزنا، وقال غيره: هو تهويدهم وتنصيرهم وتمجيسهم. # وعن ابن عباس في رواية أخرى هو: تسميتهم الأولاد: عبد العزى، وعبد الدار، ~~وعبد مناف، وما أشبه ذلك. # وفي بعض المسانيد عن ابن عباس أن رجلا أتاه، وقال: إن امرأتي استيقظت، ~~وكأن في فرجها شعلة نار، قال: ذاك من وطىء الجن. قال: فمن أولادهم؟ قال: ~~هؤلاء المخنثون. # وعن جعفر بن محمد: إن الشيطان يقعد على ذكر الرجل؛ فإذا لم ms0901 يسم الله أصاب ~~امرأته معه، وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل. وروي قريبا من هذا عن مجاهد. ~~وفي بعض الأخبار عن النبي قال: " إن فيكم مغربين. قيل: ومن المغربون؟ قال: ~~الذين شارك فيهم الجن ". # وقوله: {وعدهم} أي: قل لهم: لا جنة ولا نار، وقيل: قل لهم: أن لا بعث. # وقوله: {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} الغرور: تزيين الباطل بما يظن أنه ~~حق. وفي بعض التفاسير برواية أنس عن النبي: " أن إبليس قال: يا رب، لعنتني، ~~وأخرجتني من الجنة لأجل آدم؛ فسلطني عليه وعلى ذريته، فقال الله تعالى: أنت ~~مسلط، فقال: إني لا أستطيعه إلا بك فزدني، فقال: {واستفزز من استطعت منهم} # PageV03P259 # {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) } إلى آخر الآية. ~~فقال آدم: يا رب، أنت سلطت إبليس علي وعلى ذريتي، وإني لا أستطيعه إلا بك ~~فمالي، فقال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظونه، فقال: زدني، فقال: ~~الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، فقال: زدني. فقال: التوبة معروضة ~~مادام الروح في الجسد، فقال: زدني، فقال: {يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم} الآية ". وفي هذا الخبر " أن إبليس قال: يا رب، بعثت أنبياء، ~~وأنزلت كتبا، فما قرآني؟ قال: الشعر. قال: فما كتابي؟ قال: الوشم. قال: فما ~~طعامي؟ قال: كل طعام ما لم يذكر عليه اسم الله. قال: فما شرابي؟ قال: كل ~~مسكر. قال: فما حبائلي؟ قال: النساء. قال: فما آذاني؟ قال المزمار. قال: ~~فما بيتي؟ قال: الحمام. قال: فما منتصبي؟ قال: السوق ". والخبر غريب جدا، ~~والله أعلم. # فإن قال قائل: كيف يأمر الله تعالى بهذه الأشياء، وهو يقول: {إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء} والجواب: أن هذا أمر تهديد ووعيد، وهو مثل قوله تعالى: ~~{اعملوا ما شئتم} وكالرجل يقول لغيره: افعل ما شئت فسترى، ومثل هذا يكثر. # PageV03P260 # قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} قد بينا، وقد قيل إن معناه: ~~ليس لك عليهم سلطان في أن تحملهم على ذنب لا أقبل توبتهم منه. # وقوله: {وكفى بربك وكيلا} ms0902 أي: حافظا، أو من يوكل إليه الأمر. # PageV03P260 # {ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما ~~(66) وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم} # PageV03P261 # قوله تعالى: {ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر} أي: يسوق ويسير، قال ~~الشاعر: # (يا أيها الراكب المزجى مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت) # وقوله: {لكم الفلك في البحر} أي: السفينة في البحر. # {ولتبتغوا من فضله} أي: لتطلبوا من رزقه. # وقوله: {إنه كان بكم رحيما} ظاهر. # PageV03P261 # قوله تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر} أي: الشدة في البحر، وإنما خص ~~البحر بالذكر؛ لأن اليأس عند وقوع الشدة فيه أغلب. # وقوله: {ضل من تدعون إلا إياه} أي: بطل وسقط. # وقوله: {من تدعون} أي: من تدعونه {إلا إياه} أي: إلا الله، وهذا في معنى ~~قوله تعالى: {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين} . # وقوله: {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم} يعني: عن الإخلاص والالتجاء إلى ~~الله. # وقوله: {وكان الإنسان كفورا} أي: كافرا. # PageV03P261 # قوله تعالى: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر} الخسف بالشيء: هو تغييبه في ~~الأرض، وقيل: هو ابتلاع الأرض إياه. # وقوله {جانب البر} أي: طرفا من البر. # وقوله: {أو يرسل عليكم حاصبا} أي: ريحا ذات حصباء، والحصباء الحجارة. ~~معناه: ريحا ترمي بالحجارة. # PageV03P261 # {حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ~~فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا (69) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم} # وقال بعض أهل اللغة الحاصب: البرد، وقال بعضهم الحاصب: الثلج. قال ~~الفرزدق: # (مستقبلين شمال الريح بطردهم ... ذو حاصب كنديف [القطن] منثور) # وقوله: {ثم لا تجدوا لكم وكيلا} أي: من تكلون أمركم إليه فينجيكم؟ . # PageV03P262 # قوله تعالى: {أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى} أي: في البحر كرة أخرى. ~~وقوله: {فيرسل عليكم ms0903 قاصفا من الريح} القاصف: هو الريح التي تكسر كل شيء ~~وصلت إليه. # وقوله: {فيغرقكم بما كفرتم} أي: بكفركم. # وقوله: {ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا} أي: ثائرا، وهو طالب الثأر، ~~هكذا قاله الفراء، وقيل: من يتبعنا بالإنكار. # PageV03P262 # قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} فيه أقوال: روي عن ابن عباس أنه قال: ~~هو أكلهم باليد، وسائر الحيوانات يأكلون بأفواههم، وقيل: امتداد القامة ~~وانتصابها، والدواب منكبة على وجوهها، وقيل: بالعقل والتمييز، وقيل: بأن ~~سخر جميع الأشياء لهم، وقيل: بأن جعل فيهم خير أمة أخرجت للناس، وقيل: ~~بالخط والقلم. # وقوله: {وحملناهم في البر والبحر} أي: حملناهم في البر على الدواب، وفي ~~البحر على السفن. # وقوله: {ورزقناهم من الطيبات} التي رزقها الله تعالى بني آدم في الدنيا ~~معلومة، وقيل: الحلال، وقيل. # PageV03P262 # {على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) يوم ندعو كل أناس بإمامهم} # {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} قال أبو النضر محمد بن السائب ~~الكلبي: على كل الخلق سوى طائفة من الملائكة منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~وعزرائيل، وفي تفضيل البشر على الملائكة أو الملائكة على البشر كلام كثير ~~ليس هذا موضعه. وظاهر الآية أنه فضلهم على كثير من خلقه لا على الكل، ويجوز ~~أن يذكر الأكثر، ويراد به الكل، والأولى أن يقال: إن البشر أفضل من ~~الملائكة على تفصيل معلوم، وهو أن عوام المؤمنين الأتقياء أفضل من عوام ~~الملائكة، وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة. وقد قال الله تعالى: {إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} والبرية كل من خلق الله ~~على العموم. # PageV03P263 # وقوله تعالى: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} فيه أقوال: أحدها: بنبيهم، ~~والآخر: بكتابهم، والثالث: بأعمالهم، وعن ابن عباس: إمام هدى وإمام ضلالة، ~~وعن سعيد بن المسيب: كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في الخير والشر. وفي الخبر: ~~ينادى يوم القيامة: قوموا يا متبعي موسى، يا متبعي عيسى، يا متبعي محمد، يا ~~متبعي شيطان، يا متبعي كذا وكذا. # وفي جامع [أبي] عيسى الترمذي في هذه الآية: " أن النبي قال: يعطى المؤمن ms0904 ~~كتابه بيمينه، ويمد في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه، ويوضع على رأسه تاج من ~~لؤلؤ، فيقبل إلى أصحابه، ويقول لهم: أبشروا؛ فلكل رجل منكم مثل هذا. وأما ~~الكافر فيعطى كتابه بشماله، ويمد في جسمه ستون ذراعا، ويسود وجهه، ويوضع ~~على رأسه تاج من نار، فيقبل (إلى) أصحابه ويقول لهم: أبشروا؛ فلكل رجل منكم ~~مثل هذا ". # PageV03P263 # {فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا (71) ومن ~~كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72) وإن كادوا ليفتنونك ~~عن} # وقوله تعالى: {فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم} والكتاب: هو ~~صحيفة الحسنات والسيئات. # وقوله: {ولا يظلمون فتيلا} أي: لا ينقص من حقهم بقدر الفتيل. # والفتيل: هو الذي في شق النواة، وقيل: ما فتل بين الأصابع. # PageV03P264 # قوله تعالى: {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} ليس ~~العمى هاهنا هو عمى البصر؛ لأن الناس يحشرون بأتم خلق مصححة الأجساد لخلود ~~الأبد. وفي الخبر عن النبي قال: " تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما ~~" وقوله: بهما: أي: مصححة الأجساد للخلود. فعلى هذا معنى قوله: {ومن كان في ~~هذه أعمى} أي: أعمى القلب عن رؤية [الحق] {فهو في الآخرة أعمى} أي: أشد ~~عمى. # وقيل معناه: من كان في هذه الدنيا بعيدا عن الحق، فهو في الآخرة أبعد، ~~وقيل: من كان في هذه الدنيا أعمى من الاعتبار، فهو في الآخرة أعمى عن ~~الاعتذار. # وقوله: {وأضل سبيلا} أي: أخطأ طريقا. # PageV03P264 # قوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك} معناه: ليصرفونك ~~عن الذي أوحينا إليك. وسبب نزول الآية أن المشركين قالوا للنبي: اطرد هؤلاء ~~الفقراء عنك حتى نجلس معك ونسلم؛ فهم أن يفعل ثم يدعوهم من بعد، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنهما قالا: طلبوا من النبي أن ~~يمس آلهتهم حتى يسلموا ويتبعوه، فقال النبي في نفسه: وما علي أن أفعل ذلك ~~إذا علم الله مني أني كاره له، وكان ذلك خاطر قلب، ولم يكن عزما ms0905 - فأنزل # PageV03P264 # {الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73) ولولا أن ~~ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) } الله تعالى هذه الآية " ~~والقول الثالث: أن أهل الطائف لما جاءوا إلى النبي ليسلموا، وكان استصعب ~~عليه أمرهم، وحاصرهم بضع عشرة ليلة، ولم يفتح، فلما جاءوا قالوا للنبي: ~~نسلم بشرط أن لا نركع، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها، وذكروا غير ~~هذا، فقال: " أما ترك الركوع فلا خير في دين لا ركوع فيه، وأما اللات فلا ~~أترك وثنا بين المسلمين؛ فراجعوه في أمر اللات، وقالوا: لتتحدث العرب زيادة ~~كرامتنا عليك، فسكت النبي، فطمع القوم عند سكوته، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية " وهذا قول معروف. # وقوله: {لتفتري علينا غيره} أي: تقول علينا غير ما أنزلناه عليك. وقوله: ~~{وإذا لاتخذوك خليلا} أي: صاحبا ووديدا. # PageV03P265 # قوله تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهن شيئا قليلا} معنى كاد ~~أي: قرب، وكدت أي: قربت من الفعل. # وقوله: {شيئا قليلا} في موضع المصدر كأنه قال: لقد كدت تركن إليهم ركونا. ~~فإن قيل: النبي كان معصوما من الشرك والكبائر، فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه ~~منه؛ والذي طلبوه منه كفر؟ # الجواب من وجهين: أحدهما: أنا نعتقد أن الرسول معصوم من الشرك والكبائر، ~~ونحمل على أن ما وجد منه كان هما من غير عزم، وقد قال النبي: " إن الله ~~تعالى وضع عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تتكلم به أو تعمل " وفي الجملة ~~الله # PageV03P265 # {إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) } ~~أعلم برسوله من غيره، وقد قال قتادة: لما وقع هذا كان رسول الله يقول بعد ~~ذلك: " اللهم، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ". # والجواب الثاني: وهو أنه قال: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن} وقد ثبته ~~ولم يركن، وهذا مثل قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} إلى أن قال: ~~{إلا قليلا} وقد تفضل الله، ورحم، ولم يتبعوا الشيطان. # PageV03P266 # قوله تعالى: {وإذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} قال ms0906 ابن عباس: ضعف ~~عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات. # وقيل: ضعف عذاب الدنيا، وضعف عذاب الآخرة، وقيل: إن الضعف بمعنى العذاب، ~~فكأنه قال: لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، وإنما سمي العذاب ضعفا ~~لتضاعف الألم فيه. # فإن قيل: لم يضاعف العذاب له؟ قلنا: لعلو مرتبته كما يضاعف الثواب له عند ~~الطاعة. وقد قال الله تعالى: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين} والمعنى ما بينا. # وقوله: {ثم لا تجد لك علينا نصيرا} أي: لا تجد من يمنعنا من عذابك. # PageV03P266 # قوله تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} الاستفزاز: هو ~~الإزعاج بسرعة. واختلفوا في معنى هذه الآية، فقال بعضهم: إنها نزلت ~~بالمدينة، وسبب نزولها أن يهود قريظة والنضير وبني قينقاع أتوا النبي، ~~وقالوا: يا أبا القاسم، قد علمت أن بلاد الأنبياء هي الشام وهي الأرض ~~المقدسة، ومتى سمعت # PageV03P266 # {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا ~~قليلا (76) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77) } ~~بنبي من تهامة؟ ! فاخرج معنا إلى الشام نؤمن بك وننصرك؛ فهم النبي بالخروج ~~معهم، وضرب بقبته على ثلاثة أميال من المدينة ليخرج؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، والأرض هاهنا هي المدينة، وهذا قول معروف. # وعن قتادة قال: الآية مكية، ومعنى الأرض: أرض مكة، وكان المشركون قد هموا ~~أن يخرجوه منها أو يقتلوه، فأمره الله تعالى بالهجرة، وأن يخرج بنفسه. # وقيل: الأرض جميع الأرض، والإخراج منها هو القتل. # وقوله: {وإذا لا يلبثون خلفك} وقرىء: " خلافك " ومعناه: بعدك {إلا قليلا} ~~ومعنى القليل على القول الثاني: ما بين خروج رسول الله إلى أن قتلوا ببدر، ~~وعلى القول الأول مدة الحياة. # PageV03P267 # قوله تعالى: {سنة من قد أرسلناك قبلك من رسلنا} الآية. [انتصبت] السنة؛ ~~لأن معناه: [هذه] السنة كسنة من قد أرسلنا، ثم حذفت الكاف فانتصبت السنة، ~~ومعنى سنة الله هو استئصال القوم بالهلاك إذا أخرجوا الرسول أو قتلوه. # وقوله تعالى: {ولا تجد لسنتنا تحويلا} أي: تبديلا، وقيل: لعادتنا، ~~ومعناه: ms0907 ما أجرى الله تعالى من العادة في خلقه. # PageV03P267 # قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} اختلفوا في الدلوك: قال ابن ~~[مسعود] : هو الغروب، وقال ابن عباس: هو الزوال، وقد حكي عنهما كلا ~~القولين، وكذلك اختلف التابعون في هذا. وأصل الدلوك من الميل، والشمس تميل ~~إذا زالت أو غربت، وقيل: من الدلك، والإنسان عند الزوال يدلك عينيه لشدة ~~ضوء # PageV03P267 # {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا (78) } الشمس، ويدلك عينيه عند الغروب، فتبين الشمس لمعرفة جرمها. ~~قال الشاعر: # (مصابيح ليست باللواتي تقودها ... نجوم ولا بالآفلات الدوالك) # تقول العرب: طريق دوالك إذا كانت ذات شعب. وأولى القولين أن يحمل على ~~الزوال لكثرة القائلين به، فإن أكثر التابعين حملوه عليه، ولأنا إذا حملنا ~~عليه تناولت الآية جميع الصلوات الخمس، فإن قوله: {لدلوك الشمس} يتناول ~~الظهر والعصر. # وقوله: {إلى غسق الليل} يتناول المغرب والعشاء. # وغسق الليل: ظهور ظلمته، وقيل: اجتماع سواده. # وقله: {وقرآن الفجر} أي: صلاة الفجر، واستدل العلماء بهذا على وجوب ~~القراءة في الصلاة حيث سمى الصلاة قرآنا. وقوله: {إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا} أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. ومعنى تشهده: تحضره. وقد ~~صح برواية الأعمش رحمه الله عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن ~~النبي قال في هذه الآية: " إن قرآن الفجر - صلاة الفجر - تشهده ملائكة ~~الليل وملائكة النهار ". وقيل معنى قوله: {مشهودا} أي: أمر الناس بشهودها ~~ليصلوها جماعة. والصحيح هو القول الأول. # PageV03P268 # قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به} يقال: تهجد إذا قام بعد النوم للصلاة، ~~وهجد إذا نام. قال الأزهري: التهجد: إلقاء الهجور، وهو النوم، وعن علقمة ~~والأسود وغيرهما: أنه لا يكون التهجد إلا بعد النوم. # وقوله: {نافلة لك} أي: زيادة لك، قيل: هي زيادة لكل أحد فما معنى # PageV03P268 # {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79) } ~~تخصيص النبي بذلك؟ قلنا: لأنه هي تكفير الذنوب لغيره وزيادة له، لأن ذنوبه ~~مغفورة، وقيل: نافلة لك أي: فريضة عليك، وقد ms0908 كان عليه القيام بالليل فريضة، ~~وقيل: نافلة لك أي: فضيلة لك، وخص بالذكر، ليكون له السبق في هذه الفضيلة؛ ~~وليقتدي الناس به فيها. # وقوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} أجمع المفسرون أن هذا مقام ~~الشفاعة، وقد ثبت هذا عن النبي. وفي رواية أبي هريرة أن النبي قرأ قوله: ~~{عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} قال: " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي " ~~وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: " أنا سيد الأنبياء إذا بعثوا، وأنا ~~وافدهم إذا تكلموا، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا، وأنا إمامهم إذا سجدوا؛ أقول ~~فليسمع، وأشفع فأشفع، وأسأل فأعطي ". # وعن مجاهد أنه قال: يجلسه على العرش، وعن غيره: يقعده على الكرسي بين ~~يديه، وقال بعضهم: يقيمه عن يمين العرش. # وعن حذيفة أنه قال: يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد يسمعهم ~~الداعي، وينفذهم البصر، وهم حفاة عراة قيام، لا يسمع منهم حس، فيقول الله ~~تعالى: يا محمد، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والمهتدى من هديت، ~~تباركت وتعاليت، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، وأنا عبدك بين يديك. قال: ~~فهذا # PageV03P269 # {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ~~(80) } هو المقام المحمود. # وعن بعضهم أن المقام المحمود: هو لواء الحمد الذي يعطى النبي وقد ثبت عن ~~النبي، أنه قال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ". وقال: " إن لكل نبي دعوة ~~مستجابة، وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ". وعنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال: " لا أزال أشفع حتى يسلم إلي صكاك بأسماء قوم وجبت لهم ~~النار، وحتى يقول مالك خازن النار: ما تركت للنار في أمتك من نقمة ". ~~والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو بن عبيد، وهو ضال مبتدع ~~بإجماع أهل السنة. # PageV03P270 # قوله تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} فيه أقوال: ~~أحدها: أدخلني المدينة مدخل صدق، وأخرج من مكة مخرج صدق، وذكر الصدق لمدح ~~الإخراج، كقوله: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق} فالصدق لمدح القدم، ~~وكذلك ms0909 قوله: {في مقعد صدق} لمدح المقعد. وإنما مدح لما يؤول إليه الخروج ~~والدخول من النصر والعز ودولة الدين. # والقول الثاني: أخرجني من مكة، وأدخلني مكة، قاله الضحاك. والقول الثالث: ~~أدخلني في الدين، وأخرجني من الدنيا، والقول الرابع: أدخلني في الرسالة، ~~وأخرجني من الدنيا، وقد قمت بما وجب على من حقها. والقول الخامس: أخرجني ~~يعني من المناهي وأدخلني يعني في الأوامر. # والمشهور هو القولان الأولان. والمخرج بمعنى الإخراج، والمدخل بمعنى ~~الإدخال. # PageV03P270 # {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) } # وقوله: {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} قال مجاهد: حجة بينة، وقال غيره: ~~ملكا عزيزا، والملك العزيز: هو المؤيد بالقدرة والحجة. # PageV03P271 # قوله تعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل} قال قتادة: الحق: القرآن، ~~والباطل: الشيطان. وقيل: الحق: عبادة الله، والباطل: عبادة الأصنام. وقد ~~ثبت برواية ابن مسعود: " أن النبي دخل مكة، وحول الكعبة ثلثمائة وستون ~~صنما، فجعل يطعنها ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " ذكره ~~البخاري في الصحيح، قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد أبو المظفر منصور بن ~~محمد السمعاني: أخبرنا به المكي بن عبد الرزاق الكشميهني قال: أنا جدي أبي ~~الهيثم قال: أخبرنا محمد بن يوسف الفربري قال: أخبرنا البخاري قال: أخبرنا ~~علي بن [المديني] قال: أنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي ~~معمر، عن عبد الله بن مسعود الخبر ". # وفي بعض التفاسير: أن النبي كان يشير بيده إلى الصنم فيستلقي الصنم من ~~غير أن يمسه. # وقوله: {إن الباطل كان زهوقا} أي: ذاهبا. يقال: زهقت نفسه إذا خرجت. # PageV03P271 # قوله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة} الآية قيل: إن " من " ها ~~هنا للتجنيس لا للتبعيض. ومعناه: وننزل القرآن الذي منه الشفاء، وقيل: ~~وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة أي: ما كله شفاء فيكون المراد من البعض ~~هو الكل، كما قال الشاعر: # (أو يعتلق بعض النفوس حمامها ... ) # PageV03P271 # {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ~~(82) وإذا أنعمنا على ms0910 الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا ~~(83) } # أي: كل النفوس، الحمام: هو الموت. # وأما المراد من الشفاء هو الشفاء من الجهل بالعلم، ومن الضلالة بالهدى، ~~ومن الشك باليقين، وقيل: المراد من الشفاء هو الشفاء من المرض بالتبرك به، ~~وقيل: إن معنى الشفاء هو ظهور دليل الرسالة منه بالإعجاز وعجيب النظم ~~والتأليف. # وقوله: {ورحمة للمؤمنين} أي: هو بركة وبيان وهدى للمؤمنين. # وقوله: {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} معنى زيادة الخسار في القرآن ~~للظالمين: ما كان يتجدد منهم بالتكذيب عند نزوله آية آية، فذلك زيادة ~~الخسار والكفر. # PageV03P272 # قوله تعالى: {وإذا أنعمنا على الإنسان} أي: بالصحة، وسعة الرزق، وطيب ~~الحياة، وما أشبه ذلك. # وقوله: {أعرض} أي: تولى. وقوله: {ونأى بجانبه} أي: تباعد بجانبه. وقرئ " ~~وناء بجانبه " وهذا يقرب معناه من الأول. ومعنى الآية: هو ظهور التضرع ~~والإخلاص في الدعاء والالتجاء إلى الله عند المحنة والشدة، وترك ذلك عند ~~النعمة والصحة. ومعنى التباعد: هو ترك التقرب إلى الله، وما كان يظهره من ~~ذلك عند الضر والشدة. # وقوله: {وإذا مسه الشر كان يؤسا} أي: آيسا. ومعناه أنه يتضرع ويدعو عند ~~الضر والشدة، فإذا خرت الإجابة يئس، ولا ينبغي للمؤمن أن ييئس من إجابة ~~الله، وإن تأخرت الإجابة مدة طويلة. # وعن بعض التابعين أنه قال: إني أدعو الله بدعوة منذ عشرين سنة ولم يجبني ~~إليها وما آيست منها. قيل: وما تلك الدعوة؟ قال: ترك ما لا يعنيني. # PageV03P272 # قوله تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته} أي: على جديلته وطبيعته، ومعناه: ما ~~يشاكل خلقه. وصحف بعضهم كل يعمل على جديلته - وهو تصحيف قريب من المعنى - ~~والتصحيف في التفسير. # PageV03P272 # {قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) ويسألونك عن} # وقوله: {فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا} أي: أوضح طريقا، وأبين مسلكا. # PageV03P273 # قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح} الآية. روى علقمة عن عبد الله بن مسعود ~~قال: " كنت مع رسول الله في حرث، وهو متوكئ على عسيب فجاءه قوم من اليهود، ~~وسألوه عن الروح فوقف رسول ms0911 الله ينظر إلى السماء فعرفت أنه يوحى إليه، ~~وتنحيت عنه، ثم قال: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا} وهذا خبر صحيح ". # وعن ابن عباس برواية عطاء " أن قريشا اجتمعت وقالوا: إن محمدا نشأ فينا ~~بالأمانة والصدق، وما أتهمناه بكذب، وقد ادعى ما ادعى، فابعثوا بنفر إلى ~~اليهود، واسألوهم عنه، فبعثوا بقوم إلى المدينة؛ ليسألوا يهود المدينة عنه، ~~فذهبوا وسألوهم، فقالوا: سلوه عن ثلاثة أشياء: إن أجاب عن اثنين، ولم يجب ~~عن الثالث، فهو نبي، وإن أجاب عن الثلاث، أو لم يجب عن شيء من الثلاثة فليس ~~بنبي، سلوه عن ذي القرنين، وعن فتية فقدوا في الزمن الأول، وعن الروح، - ~~وأرادوا بالذي لا يجيب عنه الروح - فرجعوا وسألوا النبي عن ذلك، وقد اجتمعت ~~قريش فقال: سأجيبكم غدا. ولم يقل: إن شاء الله، فتلبث الوحي أربعين يوما ~~لما أراد الله تعالى، ثم إنه نزل بعد أربعين يوما قوله تعالى: {ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} ونزل الوحي بقصة (أصحاب) الكهف ~~وقصة ذي القرنين، ونزل بالروح قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من ~~أمر ربي} . # واختلفوا في الروح على أقاويل: فروي عن ابن عباس أنه جبريل عليه السلام. ~~وقد قال في موضع آخر {نزل به الروح الأمين} . وعنه أنه قال: خلق في السماء ~~من # PageV03P273 # {الروح قل الروح من أمر ربي} جنس بني آدم لهم أيدي وأرجل ليسوا من ~~الملائكة. . وذكره أبو صالح أيضا، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ~~الروح ملك ذو سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان - وفي رواية سبعون ~~لسانا يسبح الله بألسنته كلها. # وعن الحسن البصري: إن الروح ها هنا: هو القرآن. وقيل: إنه عيسى عليه ~~السلام. ومعناه أنه ليس كما قال اليهود ولا كما قال النصارى، ولكنه روح ~~الله وكلمته تكون بأمره. # وأصح الأقاويل: أن الروح ها هنا هو الروح الذي يحيا به الإنسان، وعليه ~~أكثر المفسرين. واختلفوا فيه: منهم من ms0912 قال: هو الدم؛ ألا ترى أن الإنسان ~~إذا مات لم يغب منه إلا الدم، ومنهم من قال: هو تنفس الإنسان من الهواء؛ ~~ألا ترى أن المخنوق يموت لاحتباس النفس عليه، ومنهم من قال: إنه عرض، وقال ~~بعضهم: جسم لطيف يشبه الريح، يجري في تجاويف الإنسان. واستدل من قال إنه ~~جسم [إن] الله تعالى قال: {بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله} ~~وإنما يتصور رزق الأجسام لا رزق الأعراض وتدل عليه أن النبي قال: " أرواح ~~الشهداء في حواصل طير خضر تعلف من ثمر الجنة أو تأكل ". # وروي عن النبي أنه قال: " إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بأربعة ~~آلاف سنة " وهذا كله دليل على أن الروح جسم وليس بعرض، وهذا أولى القولين. # PageV03P274 # {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85) } # وذكر بعض أهل المعاني: أن الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلم ~~والعلو والبقاء، ألا ترى أنه إذا كان موجودا رأت العين وسمعت الأذن، فإذا ~~ذهب الروح فات السمع والبصر، وإذا كان موجودا فالإنسان طيب فإذا خرج أنتن ~~وإذا كان موجودا فيوجد في الإنسان العلم بالأشياء، فإذا فات صار جاهلا، ~~وكذلك توجد فيه الحياة فإذا فات صار الإنسان ميتا، ويوجد فيه العلو ~~واللطافة فات تسفل وكنف. # وأولى الأقاويل في الروح أن يوكل علمه إلى الله. # ويقال: هو معنى يحيا به الإنسان لا يعلمه إلا الله. وذكر القرآن أن الله ~~تعالى لم يخبر أحدا بمعنى الروح، ولا يعلمه غيره. وعن عبد الله بن بريدة ~~أنه قال: إن الله تعالى لم يطلع على معنى الروح ملكا مقربا، ولا نبيا ~~مرسلا، وخرج رسول الله من الدنيا، ولم يعلم معنى الروح، والله أعلم. # وقوله: {قل الروح من أمر ربي} معناه: من علم ربي، وقد قال بعضهم: إن رسول ~~الله علم معنى الروح إلا أنه لم يخبرهم به؛ لأن ترك إخبارهم به كان علما ~~على نبوته. وأيضا لم يخبرهم به؛ لئلا يكون إخباره ذريعة إلى سؤالهم عما لا ~~يعنيهم. # وقوله: {وما أوتيتم من العلم إلا ms0913 قليلا} يعني: في جنب علم الله، ويقال: ~~إن هذا خطاب لليهود على معنى أنه قال للنبي: قل لليهود. # وقيل: إنه خطاب للرسول. وقد روي أن اليهود قالوا: قد أوتينا التوراة، ~~وفيها العلم الكثير؛ فأنزل الله تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} ~~الآية معناه: أن ما أوتيتم من العلم الذي في التوراة قليل في جنب علم الله. # PageV03P275 # بسم الله الرحمن الرحيم # {كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء خفيا (3) } # (تفسير) سورة مريم مكية # (و) قد روينا عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: " سورة بني إسرائيل ~~والكهف ومريم وطه من تلادي، وفي رواية: من العتاق الأول ". # PageV03P276 # وقوله تعالى: {كهيعص} . روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: هذا اسم من ~~أسماء الله تعالى، وحكي عنه أنه قال: (يا الله يا عين صاد) ، اغفر لي. وعن ~~الحسن وقتادة: اسم من أسماء السورة. وأما ابن عباس فالمروي عنه: أن كل حرف ~~مأخوذ من اسم، فالكاف مأخوذ من الكافي، ومنهم من قال: من كبير، ومنهم من ~~قال: من كريم، وأما الهاء قال ابن عباس: مأخوذ من الهادي، وأما الياء مأخوذ ~~من حليم، ومنهم من قال: من يمين، ومنهم من قال: من أمين، وقال بعضهم: الياء ~~من ياء النداء، وأما العين فقال ابن عباس: من عليم، وعن غيره: من عزيز. ~~وأما الصادق، قال ابن عباس: من الصادم. وقد بينا قبل هذا أقوالا في الحروف ~~المهجاة في أوائل السور. # PageV03P276 # وقوله: {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} يعني: هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا، ~~وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير؛ يعني: هذا ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة. # PageV03P276 # وقوله: {إذ نادى ربه نداء خفيا} أي: دعا ربه دعاء خفيا. وفي بعض الأخبار: ~~" خير الدعاء الخفي، وخير الرزق ما يكفي ". وفي بعض الأخبار أيضا: " دعوة ~~السر # PageV03P276 # {قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) ~~وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) } ~~تفضل ms0914 دعوة العلانية بسبعين درجة ". # فإن قيل: لم أخفى؟ والجواب من وجوه: أحدها: أنه أفضل، والآخر: لأنه ~~استحيا من الناس أن يدعو جهرا، فيقولون: انظروا إلى هذا الشيخ يسأل على ~~كبره الولد! . ويقال: إنه أخفى، لأنه دعا في جوف الليل، وهو ساجد. # PageV03P277 # قوله تعالى: {قال رب إني وهن العظم مني} يعني: رق وضعف من الكبر. قال ~~قتادة: اشتكى سقوط الأضراس. # قوله: {واشتعل الرأس شيبا} أي: شعر الرأس. والعرب تقول إذا كثر الشيب في ~~الرأس: اشتعل رأسه، وهذا أحسن استعارة، لأنه يشتعل فيه كاشتعال النار في ~~الحطب. # وقوله: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} فيه قولان: أحدهما: أنك عودتني الإجابة، ~~ولم تخيبني، والآخر: ولم أكن بدعائك لي شقيا يعني: لما دعوتني إلى الإيمان ~~آمنت، ولم أشق بترك الإيمان. # PageV03P277 # وقوله: {وإني خفت الموالي من ورائي} قال أبو صالح: المراد منه الكلالة. ~~وعن أبي عبيدة: بنو العم. # وقوله: {ورائي} أي بعدي، وقال أبو عبيدة: ورائي أي: أمامي. والقول الأول ~~أصح. # وفي الشاذ: " وإني خفت الموالي من ورائي " أي: قلت. # وقوله: {وكانت امرأتي عاقرا} . العاقر: هي التي لا تلد. # وقوله: {فهب لي من لدنك وليا} . # PageV03P277 # وقوله: {يرثني} أي: ولدا يرثني. فإن # PageV03P277 # {يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) } قيل: كيف يخاف نبي الله أن ~~يرثه بنو العم والعصبة؟ وأيش معنى هذا الخوف؟ ! وعن قتادة قال: أي شيء كان ~~على نبي الله زكريا أن يرثه غير ولده؟ # والجواب: أنه اختلف الأقوال في الإرث: فعن ابن عباس: أنه أراد به إرث ~~المال، وهو قول جماعة، وعنه أيضا أن المراد منه: إرث العلم، وهو قول الحسن ~~البصري، وفيه قول ثالث: أنه ميراث الحبورة، فإنه كان رأس الأحبار. # قال الزجاج: والأولى أن يحمل على ميراث غير المال؛ لأنه يبعد أن يشفق ~~زكرياء عليه السلام - وهو نبي من الأنبياء - أن يرثه بنو عمه وعصبته مالا، ~~وقد ثبت عن النبي أنه قال: " كان زكريا نجارا ". قال الشيخ الإمام الأجل: ~~أخبرنا به أبو الحسن أحمد بن محمد بن النقور، قال أبو القاسم ms0915 بن حبابة، قال ~~عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال هدبة بن خالد، عن حماد بن ~~سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ... الخبر. خرجه مسلم في ~~الصحيح، ولم يخرجه البخاري؛ لأنه لا يروى عن حماد بن سلمة. # والمراد من الخوف أنه أراد أن يكون وارثه في النبوة والحبورة ولده، وقد ~~قال النبي: " إذا مات ابن آدم انقطع [عمله] إلا من ثلاثة. . وقال فيها: ولد ~~صالح يدعو له ". # وقوله: {ويرث من آل يعقوب} قيل: النبوة، وقيل: الملك؛ لأن زكريا كان من ~~بيت الملك. # وقوله: {واجعله رب رضيا} أي: مرضيا. # PageV03P278 # {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب ~~أنى} # PageV03P279 # قوله تعالى: {يا زكريا إنا نبشرك بغلام} معناه: قلنا: زكريا إنا نبشرك. # وقوله: {بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا} يعني: من تسمى باسمه. ~~فإن قيل: وأي فضيلة له في هذا؟ قلنا: فضيلة التخصيص، وقيل: فضيلة تسمية ~~الله إياه بهذا الاسم. وفي الآية قول آخر: هو أن قوله: {لم نجعل له من قبل ~~سميا} أي: شبها ومثلا؛ فإنه لم يذنب، ولم يهم بذنب، وما من أحد إلا وقد ~~أذنب أو هم بذنب. وقد روي هذا عن النبي في خبر مسند أنه قال: " ما من أحد ~~يأتي الله يوم القيامة إلا وقد أذنب أو هم بذنب غير يحيى بن زكريا، ثم أخذ ~~عودا صغيرا من الأرض وقال: ما كان له إلا مثل هذا " والخبر غريب. # PageV03P279 # {يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك ~~قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) قال رب اجعل لي آية ~~قال} # وقيل في منع الشبهة: أنه لم تلد عاقر من النساء مثله. # PageV03P280 # قوله تعالى: {قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من ~~الكبر عتيا} أي: يأسا وجفوفا، كأنه شكى نحولة العظم والفحل. # وقرأ ابن مسعود: " عسيا " بالسين، والمعنى واحد. ms0916 # وقيل: كيف سأل الله الولد فلما أجيب قال: {أنى يكون لي غلام} ؟ # والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه كان قال حال الشباب، ثم إنه أجيب في ~~حال الكبر. وهذا قول ضعيف. # القول الثاني: أن معناه: أنى يكون لي غلام؟ يعني: كيف يكون لي غلام؟ ~~أفتردني إلى حال الشباب أو تهب لي الغلام وأنا شيخ؟ وقيل: إنه سأل الولد ~~مطلقا لا من هذه المرأة، فقال: كيف يكون لي الغلام؟ أمن هذه المرأة أو من ~~غيرها؟ # PageV03P280 # قوله تعالى: {قال كذلك قال ربك هو علي هين} أي: يسير. # وقوله: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} قد بينا. # PageV03P280 # قوله تعالى: {قال رب اجعل لي آية} أي: دلالة. فإن قيل: لم سأل الآية؟ أما ~~صدق الله تعالى حتى يسأل الآية؟ . والجواب: أن في القصة: أن الشيطان تمثل ~~له، وقال: إن الذي يجبك ليس هو الله، وإنما هو شيطان يستهزئ بك، فحينئذ سأل ~~الله # PageV03P280 # {آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) فخرج على قومه من المحراب ~~فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) يا يحيى} الآية، وقد سأل الآية ليكون ~~زيادة في سكون القلب. # وقوله: {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} أي: متتابعات، وقيل: ~~فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ألا يتكلم الناس سويا يعني: وأنت سوي لا آفة بك ~~ثلاث ليال. # وفي القصة: أنه لم يقدر أن يتكلم مع الناس، وكان إذا أراد التسبيح وذكر ~~الله يطلق لسانه. # PageV03P281 # قوله تعالى: {فخرج على قومه من المحراب} قد بينا معنى المحراب. # وقوله: {فأوحى إليهم} أي: أومأ إليهم {أن سبحوا بكرة وعشيا} # وروي أنه كان يدور على الأحبار كل يوم بكرة وعشيا، ويأمرهم بالعبادة ~~والصلاة، فلما كان في هذه الأيام جعل يشير، ويقال: إنه كتب حتى قرءوا منه. # وقال بعض أهل العلم: إن أخذ لسانه عن الكلام كان عقوبة عليه لما سأل الله ~~تعالى عن الآية بعد أن سمع وعد الله إياه، والله أعلم. # PageV03P281 # قوله تعالى: {يا يحيى} قيل: يحيى مأخوذ من قوله: (يا) حي ". وحكى النقاش ~~في ms0917 تفسيره: أن " سارة " كان اسمها " يسارة " فسماها جبريل " سارة "، فقالت: ~~لم نقصت من اسمي حرفا؟ فقال: هو لولد لك يأتي من بعدك، وكان اسم يحيى: " حي ~~" في اللوح المحفوظ على معنى أنه حي من كبيرين أيسا من الولد، ثم زيد فيه ~~الياء فصار " يحيى ". وفي الآية حذف، ومعناه: وهبنا له الولد ثم قلنا: يا ~~يحيى. # PageV03P281 # {خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا ~~(13) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ~~ويوم يبعث} # وقوله: {خذ الكتاب بقوة} أي: بجد واجتهاد. # وقوله: {وآتيناه الحكم صبيا} أي النبوة. هذا قول أكثر المفسرين، وقال ~~قتادة: أعطى النبوة وهو ابن ثلاث سنين. وقيل: المراد من الحكم هو العلم، ~~فقرأ التوراة، وهو صغير. وعن بعض السلف قال: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ، ~~فهو ممن أوتي الحكم صبيا. وفي الآية قول ثالث رواه أبو وائل: وهو أن يحيى ~~قيل له وهو صغير: تعال نلعب، فقال: ما للعب خلقت ". فهو معنى قوله تعالى: ~~{وآتيناه الحكم صبيا} . # PageV03P282 # قوله تعالى: {وحنانا من لدنا} أي: رحمة من عندنا، قال الشاعر: # (أبا منذر (أفنيت فاستبق بعضنا) # حنانيك بعض الشر أهون من بعض) # هو مأخوذ من التحنن وهو التعطف. # وقوله: " وزكاة " أي " طهارة وتوفيقا، وقيل: إخلاصا. # وقوله: {وكان تقيا} . وصفه بالتقوى؛ لأنه لم يذنب، ولم يهم بذنب. # PageV03P282 # وقوله: {وبرا بوالديه} أي: عطوفا. # وقوله: {ولم يكن جبارا عصيا} الجبار هو الذي يقتل على # PageV03P282 # وقوله تعالى: {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} خص هذه ~~الأحوال بهذه الأشياء، لأن هذه الأحوال أوحش شيء فإنه عند الولادة يخرج من ~~بطن # PageV03P282 # {حيا (15) واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) ~~فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت ~~إني أعوذ} الأم على وحشة شديدة، ويموت على وحشة شديدة، ويبعث على وحشة ~~شديدة. ومعنى السلام هو: الأمان في هذه المواضع. # PageV03P283 # قوله تعالى: {واذكر في الكتاب مريم إذا انتبذت من أهلها} ms0918 أي: تنحت ~~واعتزلت. وقوله: {من أهلها} أي: من قومها. # وقوله: {مكانا شرقيا} أي: من جانب المشرق، ويقال: كان يوما شاتيا شديد ~~البرد، فذهبت إلى مشرقه تفلي رأسها. وروي أنها كانت طهرت من الحيض فذهبت ~~لتغتسل. # PageV03P283 # قوله تعالى: {فاتخذت من دونهم حجابا} اختلف القول في هذا الحجاب: أحد ~~الأقوال: أنه وراء جدار، وقيل: وراء جبل، والقول الثالث: وراء ستر. وروي ~~أنها كانت تجردت لتغتسل. # وقوله: {فأرسلنا إليها روحنا} الأكثرون على أنه جبريل عليه السلام، وفيه ~~قول آخر: أن المراد من الروح عيسى عليه السلام، جاء في صورة بشر، وحملت به، ~~والصحيح هو القول الأول. # قوله تعالى: {فتمثل لها بشرا سويا} في القصة: أنه جبريل جاء في صورة غلام ~~أمرد وضىء الوجه، (له) جعد قطط. # PageV03P283 # قوله تعالى: {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} يعني: أستجير ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا. فإن قيل: إنما يستعاذ بالرحمن من الشخص إذا كان ~~فاجرا، فأما إذا كان متقيا لا يكون محل الاستعاذة منه؛ لأنه متقي لا يقدم ~~على الفجور، والجواب عنه: أن هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلمني، ~~يعني أنه ينبغي أن # PageV03P283 # {بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ~~(19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) قال كذلك قال ~~ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21) فحملته ~~فانتبذت به} يكون إيمانك مانعا من الظلم. كذلك هاهنا معناه: ينبغي أن يكون ~~تقواك مانعا من الفجور وقيل: إنها شكت في حاله، فقالت ما قالت على الشك، ~~والقول الثالث: إن كنت متقيا يعني: ما كنت متقيا جئت دخلت علي في هذه ~~الحالة، وهذا مثل قوله تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد} أي: ما كان للرحمن ~~ولد. وعن بعض السلف أنه قال: إن كنت متقيا علمت أن التقى ذو نهية أي: ذو ~~عقل؟ فلهذا قالت: إن كنت تقيا. # PageV03P284 # قوله تعالى: {قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك} . وقرىء: " ليهب لك ms0919 " ~~فقوله: {لأهب} أضاف إلى نفسه، لأنه أرسل بالموهوب على يده، وقوله: " ليهب " ~~أي: ليهب الله لك. وقوله: {غلاما زكيا} أي: طاهرا صالحا. # PageV03P284 # قوله: {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر} أي: زوج. {ولم أك بغيا} ~~أي: زانية ومعناه: إن الولد يكون من نكاح أو سفاح، وليس هاهنا واحد منهما. # PageV03P284 # قوله تعالى: {قال كذلك قال ربك هو علي هين} أي: يسير. # وقوله: {ولنجعله آية للناس} أي: علامة للناس ودلالة. # قوله: {ورحمة منا} أي: ونعمة منا. # وقوله: {وكان أمرا مقضيا} أي: محكوما [محتما] لا يرد ولا يبدل. # PageV03P284 # قوله تعالى: {فحملته} في القصة: أن جبريل عليه السلام نفخ في جيب درعها، ~~وفي رواية: في كم قميصها، وفي رواية: في فيها، فحملت بعيسى في الحال، وأخذ ~~يتحرك في البطن. # PageV03P284 # {مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل ~~هذا وكنت} # وقوله: {فانتبذت} أي: فتنحت وتباعدت {به مكانا قصيا} أي: شاسعا بعيدا. # قال ابن عباس: كان الحمل والولادة في ساعة واحدة. # وقال غيره: حملت به ثمانية أشهر، وولدت لها، ولا يعيش ولد في العالم يود ~~لثمانية أشهر، وكان هذا معجزة لعيسى. # وفي القصة عن مريم أنها قالت: كنت إذا خلوت جعل عيسى يحدثني، وأنا أحدثه ~~وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس، وتكلمت معهم أخذ يسبح وأسمع تسبيحه. # PageV03P285 # قوله تعالى: {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة} وقال أهل اللغة: جاءها ~~وأجاءها بمعنى واحد، كما يقال: أذهبته وذهبت به. قال مجاهد: فأجاءها أي: ~~فألجأها. وفي حرف ابن مسعود: " فأداها المخاض إلى جذع النخلة ". وفي بعض ~~القراءة: " فاجأها " من المفاجئة، قال الشاعر: # (وجار سار معتمدا عليكم ... فاجاءته المخافة والرجاء) # والمخاض: وجع الولادة. فإن قال قائل: لم التجأت إلى جذع النخلة؟ والجواب ~~عنه: لتستظل بها، والأصح أنها التجأت إلى النخلة، لتستند إليها، أو لتتمسك ~~بها، فتستعين بذلك على وجع الولادة. والدليل على أن هذا القول أصح، أو أنه ~~من المشهور أن النخلة كانت يابسة لا رأس لها، وقيل: كانت نخرة مجوفة، ومثل ~~هذا لا يستظل ms0920 بها والصحيح هو القول الثاني. وعن السدي أنه قال: كانت النخلة ~~يابسة، فلما هزت النخلة حييت، وأورقت وأطلعت ثم صار الطلع بلحا، ثم زهوا ثم ~~أرطبت، وتساقطت عليها. # وقوله تعالى: {قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} # PageV03P285 # {نسيا منسيا (23) فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) ~~وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) فكلي واشربي وقري عنيا ~~فإما ترين} # النسي في اللغة: كمل ما (إذا) ألقي لم يذكر ونسي؛ لحقارته وخساسته. ~~وقوله: {نسيا} أي: متروكا. وعن ابن عباس قال: معناه: يا ليتني لم أخلق، ولم ~~أك شيئا. وعن قتادة: لم أعرف ولم أذكر. وعن مجاهد قال: دم حيضة ملقاة. # فإن قيل: لم تمنت الموت؟ . والجواب: أنها تمنت الموت استحياء من قومها. ~~ويقال: إنها تمنت الموت، لأنها علمت أن الناس يكفرون بسبب ابنها وبسببها، ~~فتمنت الموت حتى لا يعصى الله بسببها وبسبب ابنها. # PageV03P286 # قوله تعالى: {فناداها من تحتها} قرىء: " من " بالفتح والكسر، فأما من قرأ ~~بالفتح فحمل الآية على أن المنادي كان جبريل. وهذا قول ابن عباس وقتادة ~~وجماعة، وأما من قرأ بالكسر فحمل على أن المنادي هو عيسى. وهذا قول الحسن ~~ومجاهد، وأظهر القولين أن المنادي هو جبريل، ويجوز أن تحمل القراءتان على ~~ذلك. # وفي القصة: أن مريم كانت على أكمة، فكان جبريل وراء الأكمة تحتها. # وقوله: {ألا تحزني} . ألا تغتمي بالولادة من غير زوج وبالوحدة. # وقوله: {قد جعل ربك تحتك سريا} أكثر المفسرين أن السري هاهنا هو: النهر، ~~ويسمى سريا؛ لأنه يسري فيه الماء، وقال إبراهيم النخعي: هو نهر صغير. # وفي القصة: أنه كان هناك نهر يابس فأجرى الله تعالى فيه الماء، والدليل ~~على صحة هذا القول أن الله تعالى قال في الآية الأخرى: {فكلي واشربي} أي: ~~كلي من الرطب، واشربي من النهر، وقال الشاعر في السري بمعنى النهر: # (سهل الخليفة ماجد ذي نائل ... مثل السري عدة الأنهار) # وفي السري قول آخر، وهو أنه بمعنى: الشريف، والمراد به. عيسى. قال بعض ~~المتأخرين: # PageV03P286 # {من ms0921 البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) ~~فأتت به} # (إن السري إذا سرى بنفسه ... وابن السري إذا سرى أسراهما) # PageV03P287 # قوله تعالى: {وهزي إليك بجذع الخلة} قد بينا هذا من قبل، وذكرنا أنها هزت ~~وأورقت وأثمرت. # وقوله: {تساقط عليك رطبا} أي: تتساقط، فأدغمت إحدى التاءين في الأخرى. # والجني: هو الذي بلغ الغاية، وجاء أوان اجتنائه. # قال الكلبي: رطبا بغباره. وعن ابن المسيب بن دارم قال: كان برنيا، وهي ~~أشبع التمر. وعن محمد بن كعب قال: كان عجوة. # PageV03P287 # قوله تعالى: {فكلي واشربي} أي: كل من الرطب، واشربي من النهر. # وقوله: {وقري عينا} أي: طيبي نفسا. ومنه قولهم: أقر الله عينك، وقيل: ~~[أن] العين إذا بكت من السرور بالدمع يكون باردا، وإذا بكت من الحزن يكون ~~حارا، فمن هذا: أقر الله عينك، وأسخن الله عينه. # وقوله: {فإما ترين} معناه: فإما ترين، وذكر النون للتأكيد. # وقوله: {من البشر أحدا} معلوم المعنى. # وقوله: {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} قرىء في الشاذ: " صمتا ". والمعروف: ~~" صوما " ومعناه هو: صمت، ويقال: إنها صامت عن الكلام والطعام جميعا، وقيل: ~~كان الرجل من بني إسرائيل إذا اجتهد في العبادة صام عن الكلام والطعام ~~جميعا. # والنذر عقد على البر لو تم أمر. # وقوله: {فلن أكلم اليوم إنسيا} أي: أحدا. فإن قيل: هي تكلمت بهذا، فكيف ~~تكون صائمة عن الكلام؟ # قلنا: أذن لها في هذا القدر من الكلام. # PageV03P287 # {قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ما كان ~~أبوك امرأ} # PageV03P288 # قوله تعالى: {فأتت به قومها تحمله} في القصة أنها ولدت ثم (حملته) في ~~الحين إلى قومها، وفي بعض الروايات: أنها حملته إلى قومها بعد أربعين يوما ~~من ولادتها. # وقوله: {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} قال مجاهد: عظيما منكرا، وقال ~~أبو عبيدة: عجبا. وقيل: مختلقا مفتعلا. وقد روي أنها لما أتت بعيسى إلى ~~قومها وأهل بيتها حزنوا حزنا شديدا - وكانوا أهل بيت صالحين - وظنوا بها ~~الظنون. # PageV03P288 # قوله تعالى: {يا أخت هارون} يا شبيهة ms0922 هارون. قال قتادة: وكان هارون رجلا ~~عابدا في بني إسرائيل، وليس هو هارون أخو موسى، فشبهوها به على معنى أنا ~~ظننا وحسبنا (أنك في) الصلاح مثل هارون، وهذا مثل قوله تعالى: {إن المبذرين ~~كانوا إخوان الشياطين} أي: أشباه الشياطين. # وعن كعب: أن هارون كان من أعبد بني إسرائيل وأمثلهم، قال: ولما توفي صلى ~~على جنازته أربعون ألفا، كلهم يسمون هارون سوى سائر الناس، وكانوا يسمون ~~أولادهم باسمه لحبهم إياه. # وروى المغيرة بن شعبة " أن النبي لما (بعثه) إلى نجران قال له نصارى ~~نجران: إنكم تقرءون: يا أخت هارون! بين مريم وهارون كذا وكذا من السنين، ~~فلم يدر المغيرة كيف يجيب، فلما رجع إلى النبي ذكر ذلك له، فقال: ألا قلت ~~لهم: كانوا يسمون باسم أنبيائهم وصالحيهم ". رواه مسلم في صحيحه. # وفي الآية قول آخر: وهو أن المراد بهارون: أخو موسى، وهذا كما يقول ~~القائل: # PageV03P288 # {سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد ~~صبيا} أخا تميم، أو يا أخا ثعلب، إذا كان من أولاده، وقد كانت مريم من ~~أولاد هارون. والقول الثالث: أن هارون كان رجلا فاسقا في بني إسرائيل عظيم ~~الفسق، فشبهوها به. # وفي الآية قول رابع: أن هارون كان أخا مريم لأبيها، فعلى هذا المراد من ~~الأخوة في النسب. # وقوله: {ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} أي: زانية. ومعناه: كيف ~~جئت مفسدة زانية من أبوين صالحين؟ # PageV03P289 # قوله تعالى: {فأشارت إليه} معناه: فأشارت إليه أي: كلموه. قال ابن مسعود: ~~لما لم يكن لها حجة أشارت إليه؛ لتبرىء ساحتها، ويكون كلامه حجة (لها) . # وفي القصة: أنها لما أشارت إليه غضب القوم، وقالوا: مع ما فعلت تهزئين ~~وتسخرين بنا. # وقوله تعالى: {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} فإن قيل: أيش معنى ~~قوله: {كان في المهد صبيا} ، وما من رجل من العالم إلا كان في المهد صبيا؟ ~~! والجواب عنه: قال أبو عبيدة: كان صلة، ومعنى الآية: كيف نكلم صبيا في ~~المهد؟ . وقال ms0923 الزجاج: هذا على طريق الشرط، أي: من هو صبي في المهد كيف ~~نكلمه؟ . # ومعنى " كان ": هو، أو معنى " كان ": صار، وهذا اختيار [ابن] الأنباري. # PageV03P289 # قوله تعالى: {قال إني عبد الله} في التفسير: أن مريم لما أشارت إليه فكان ~~يرتضع من ثديها فترك الثدي، وأقبل على (القوم، واتكأ على) يساره، وجعل يشير ~~بيمينه، وقال هذا القول. # وقوله: {إني عبد الله} أقر بالعبودية أولا؛ لئلا يتخذ إلها. # PageV03P289 # ( {29) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا ~~أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم ~~يجعلني جبارا شقيا} # وقوله: {آتاني الكتاب} . أي: الإنجيل. والأكثرون على أنه أوتي الإنجيل ~~وهو صغير طفل؛ إلا أنهم قالوا: كان يعقل عقل الرجال. هذا قول الحسن وغيره ~~من السلف، وعن الحسن أنه قال: جعل نبيا، وأوتي الإنجيل، وهو في بطن أمه. # وقال بعضهم: {آتاني الكتاب} أي: سيؤتيني الكتاب، ويجعلني نبيا إذا صرت ~~رجلا. والصحيح هو الأول. وقال بعضهم: كان في ذلك الوقت على وصف آدم في ~~العقل والعلم دون القامة والجثة. # وعن سعيد بن جبير قال: أسلمته أمه إلى المعلم، فقال المعلم: قل بسم. ~~فقال: الله. فقال: قل: الرحمن. قال: الرحيم. فجعل كلما ذكر اسما ذكر هو ~~الذي يليه، فقال المعلم: هذا أعلم مني، ثم جعل يخبر الصبيان بما خبأت ~~أمهاتهم في البيوت، فجعل الصبيان يرجعون إلى بيوتهم ويأخذونها، فضجت ~~الأمهات من ذلك. # PageV03P290 # فقوله: {وجعلني مباركا} أي: نفاعا معلما للخير، وقال الضحاك: قضاء ~~للحوائج. # وقال الثوري: آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر. # وقوله: {أينما كنت} أي: حيث كنت. # وقوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة} أي: أمرني بالصلاة والزكاة. فإن قيل: ~~لم يكن لعيسى مال، فكيف يؤمر بالزكاة؟ والجواب: أن معناه أمرني بالزكاة لو ~~كان لي مال، وقيل: أمرني بالزكاة أي: بالطهارة من الذنوب، ويقال: ~~بالاستكثار من الخير. # وقوله: {مادمت حيا} أي: ما حييت. # PageV03P290 # قوله تعالى: {وبرا بوالدتي} أي: رءوفا وعطوفا بوالدتي. # PageV03P290 # ( {32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن ~~مريم قول الحق ms0924 الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) } # وقوله: {ولم يجعلني جبارا شقيا} الجبار: المتكبر، والشقي هو الذي يعصي ~~الله، ويقال: الجبار هو الذي يقتل، ويضرب على الغضب، وهذا قول معروف، ~~ويقال: الجبار هو الذي يظلم الناس، والشقي هو الذي يذنب، ولا يتوب من ~~الذنب. # PageV03P291 # قوله تعالى: {والسلام علي يوم ولدت} معناه: التحية والحفظ من الله لي يوم ~~ولدت {ويوم أموت ويوم أبعث حيا} وقال بعضهم: السلام بمعنى السلامة عند ~~الولادة، هو السلامة من طعن الشيطان وهمزه، والسلامة عند الموت هو من ~~الشرك، فإن أكثر الشرك يكون عند الموت، والسلامة يوم القيامة من الأهوال. # وقيل: السلامة عند الموت من ضغطة القبر، وقيل: سلامة عند الموت بالوصول ~~إلى السعادة. # PageV03P291 # قوله تعالى: {ذلك عيسى ابن مريم} يعني: هذا عيسى ابن مريم {قول الحق الذي ~~فيه يمترون} . يعني: هذا القول هو القول الحق، وقوله {الذي فيه يمترون} أي: ~~يختلفون. # PageV03P291 # قوله تعالى: {ما كان لله أن يتخذ من ولد} معناه: ما يصلح لله، وما ينبغي ~~أن يتخذ من ولد. فإن قيل: هلا قال ولدا؟ قلنا: قال من ولد للمبالغة؛ فإن ~~الرجل قد يقول: ما اتخذ فلان فرسا يريد العدد، وإن كان قد اتخذ واحدا. فإذا ~~قال: ما اتخذ فلان من فرس، يكون ذلك نفيا للواحد والعدد. وقد بينا أن الولد ~~يكون من جنس الوالد، والله لا جنس له. # وقوله سبحانه: {إذا قضى أمرا} قد بينا معنى القضاء. # وقوله: {فإنما يقول له كن فيكون} قد ذكرنا أيضا. # PageV03P291 # {وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من ~~بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ~~لكن} # PageV03P292 # قوله تعالى: {وإن الله ربي وربكم} . أكثر المفسرين أن هذا بناء على قول ~~عيسى عليه السلام، ومعناه: قال إني عبد الله ... إلى آخره، وقال: إن الله ~~ربي وربكم، وأما أن بالفتح معناه: وأخبر بأن الله ربي وربكم، وقيل تقديره: ~~ولأن الله ربي ms0925 وربكم، فاعبده، والعامل قوله: {فاعبدوه} . # وقوله: {فاعبدوه هذا صراط مستقيم} ظاهر المعنى. # PageV03P292 # قوله تعالى: {فاختلف الأحزاب من بينهم} قال قتادة وابن جريج وغيرهما: لما ~~رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، اختار بنو إسرائيل أربعة من رءوسهم، ~~وسألوهم عن عيسى، فاختلفوا، فقال أحدهم: كان هو الله نزل من السماء، وصار ~~في بطن مريم، وأحيا وأمات، ثم صعد إلى السماء. فقال الآخرون: كذبت، وهذا ~~قول اليعقوبية من النصارى. # وقال الثاني: كان هو ابن الله، فقال الآخران: كذبت. وهذا قول النسطورية ~~من النصارى. # وقال الثالث: كان ثالث ثلاثة: الله ومريم وعيسى، فعيسى أحد الأقانيم ~~الثلاثة، وهذا قول الملكانية من النصارى، قال الرابع: كذبت. ثم إن الرابع ~~قال: هو عبد الله ورسوله، وتبع كل واحد جماعة فاقتتلوا، وظهر على المسلمين، ~~وبقي الأقوال الثلاثة من النصارى. فهذا معنى قوله تعالى: {فاختلف الأحزاب ~~من بينهم} . # وقوله: {فويل للذين كفروا} . قد بينا معنى الويل. # وقوله: {من مشهد يوم عظيم} يعني: يوم القيامة. # PageV03P292 # قوله تعالى: {أسمع بهم وأبصر} يعني: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة. ~~وإنما # PageV03P292 # {الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم ~~في غفلة} وصفهم بهذا؛ لأنه تعالى كان وصفهم بالبكم والعمي والصمم في ~~الدنيا، فأخبر أنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة، ما لم يسمعوا ويبصروا في ~~الدنيا. ويقال: وصفهم بشدة السمع والبصر في الآخرة بحصول الإدراك بغير رؤية ~~ولا فكر. # وقوله: {يوم يأتوننا} ظاهر المعنى. # وقوله: {لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين} أي: خطأ بين. # ويقال قوله: {أسمع بهم وأبصر} تهديد ووعيد ومعناه: أنهم يسمعون ما تصدع ~~قلوبهم، ويرون ما يهلكهم. # PageV03P293 # وقوله تعالى: {وأنذرهم يوم الحسرة} معناه: يوم الندامة، ويقال: كل الناس ~~يندمون يوم القيامة؛ أما المسيء فيندم هلا أحسن، وأما المحسن فيندم هلا ~~ازداد (حسنا) . وأما قول أكثر المفسرين في الآية: هذه الحسرة حيث يذبح ~~الموت على الصراط، وقد صح الخبر برواية أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري عن ~~النبي، أنه قال: # " إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ينادي مناد: ms0926 يا أهل ~~الجنة، فيشرفون وينظرون، وينادي: يا أهل النار، فيشرفون وينظرون؛ فيؤتى ~~بالموت على صورة كبش أملح، فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعرفه، هذا ~~هو الموت فيذبح ". وفي رواية أبي هريرة: " يذبح على الصراط " ثم يقال: يا ~~أهل الجنة خلود (ولا موت) ، ويا أهل النار، خلود فلا موت ". وفي بعض ~~الروايات: " لو مات أهل الجنة لماتوا فرحا، ولو مات أهل النار لماتوا حزنا، ~~ثم قرأ النبي: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} . . الآية ". # PageV03P293 # {وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) ~~واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من ~~العلم ما لم يأتك فاتبعني} # وقوله: {قضي الأمر} أي: فرغ من الأمر. # وقوله: {وهم في غفلة} معناه: وهم في غفلة في الدنيا عما يعمل بهم في ~~الآخرة. # وقوله: {وهم لا يؤمنون} أي: لا يصدقون. # PageV03P294 # قوله تعالى: {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها} الآية. معناه: إنا نميت سكان ~~الأرض، ونهلكهم، فتكون الأرض ومن عليها لنا وفي حكمنا. ومعنى الإرث: هو أنه ~~لا يبقى لأحد ملك ولا سبب سوى الله. # قوله: {وإلينا يرجعون} أي: يردون. # PageV03P294 # قوله تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا} الصديق هو: الكثير ~~الصدق، القائم عليه. ويقال: من صدق الله في وحدانيته، وصدق أنبياءه ورسله، ~~وصدق بالبعث، وقام بالأوامر فعمل بها؛ فهو صديق. # وقوله: {نبيا} النبي هو: العالي في الرتبة بإرسال الله إياه، وإقامة ~~الدليل على صدقه. # PageV03P294 # قوله تعالى: {إذ قال لأبيه يا أبت} معناه: يا أبي، فأقيمت التاء مقام ياء ~~الإضافة. # وقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} أي: لا يسمع إن ~~دعوته، ولا يبصر إن أتيته {ولا يغني عنك شيئا} لا يدفع عنك، ومعناه: لا ~~يغيثك إن استغثت به. # PageV03P294 # قوله تعالى: {يا أبت إني قد جاءني ما لم يأتك} أي: من العلم والمعرفة ~~بالله ما لم ms0927 يأتك. # PageV03P294 # {أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن ~~عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) ~~قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) ~~قال سلام} # {فاتبعني أهدك} أرشدك {صراطا سويا} مستقيما. # PageV03P295 # قوله تعالى: {يا أبت لا تعبد الشيطان} معناه: لا تطع الشيطان فيما يزين ~~لك من الكفر والشرك. # وقوله: {إن الشيطان كان للرحمن عصيا} أي: عاصيا. # PageV03P295 # قوله تعالى: {يا أبت إني أخاف} الخوف ها هنا بمعنى: العلم، ومعناه: إني ~~أعلم أنه {يمسك عذاب من الرحمن} إن أقمت على الكفر. # {فتكون للشيطان وليا} يعني: يلزمك ولاية أي: موالاة الشيطان وتكون مثله. ~~وقيل: فتوكل إلى الشيطان، ويخذلك الله. # PageV03P295 # قوله تعالى: {قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم} # في القصة: أن أبا إبراهيم كان ينحت الصنم ويعبده، وكان يعطي الأصنام بنيه ~~يبيعونها، فكان إذا أعطى إبراهيم صنما يبيعه، فيقول إبراهيم: من يشتري مني ~~ما يضره ولا ينفعه؟ ! فيرجع وما باع، ويرجع سائر البنين وقد باعوا. # وقوله: {قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم} يقال: رغب عن الشيء إذا ~~تركه، ورغب (في الشيء إذا طلبه) . # وقوله: {لئن لم تنته} يعني: عن عملك. {لأرجمنك} . قال الحسن البصري: ~~لأقتلنك بالحجارة، وقال غيره: لأشتمنك، ولأبعدنك عن نفسي بالشتم والقبح من ~~القول "، وهذا أعرف القولين. وقوله: {واهجرني مليا} قال الحسن: زمانا ~~طويلا. وقال عكرمة: دهرا. # PageV03P295 # {عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون من دون ~~الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48) فلما اعتزلهم وما يعبدون ~~من دون} # قال مهلهل شعرا: # (فتصدعت صم الجبال لموته ... وبكت عليه المرملات مليا) # ومنه: الملوان هو الليل والنهار. ويقال: مليا أي: سليما سويا من عقوبتي ~~وإيذائي، وحكي هذا عن ابن عباس، ومنه: فلان ملي بأمر كذا، إذا كان كاملا ~~فيه. # PageV03P296 # قوله تعالى: {قال سلام عليك} . # قال بعضهم: هذا سلام هجران ومفارقة. وقال بعضهم: هو سلام بر ولطف، وهو ~~جواب حليم لسفيه، ms0928 قال الله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} . # ويقال: معنى قوله: {سلاما} أي: سلامة لك مني؛ لأنه لم يكن أمر بقتاله. # وقوله: {سأستغفر لك ربي} . فيه قولان: أحدهما: سأستغفر لك ربي إن آمنت، ~~والقول الثاني: سأسأل الله لك التوبة التي توجب المغفرة، وقد كانت توبته هي ~~الإيمان. وقوله: {إنه كان بي حفيا} أي: عودني الإجابة لدعائي. وقيل: محبا. # PageV03P296 # قوله تعالى: {وأعتزلكم} [هذا الاعتزال] هو: تركهم في مهاجرته إلى الشام ~~على ما قال في موضع آخر: {وقال إني مهاجر إلى ربي} . # وقوله: {وما تدعون من دون الله} أي: تعبدون من دون الله. # وقوله: {وأدعو ربي} أي: وأعبد ربي. # وقوله: {عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} عسى من الله واجب، والدعاء بمعنى ~~العبادة، والشقاوة: الخيبة من الرحمة. # PageV03P296 # قوله تعالى: {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق} # PageV03P296 # {الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا ~~وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان ~~رسولا نبيا} {ويعقوب} هو ابن إسحاق. # ومعناه: أنا أعطيناه أولادا كراما بررة عوض الذين كان يدعوهم إلى عبادة ~~الله فلم يجيبوا. # وقوله: {وكلا جعلنا نبيا} يعني: إسحاق ويعقوب. # PageV03P297 # {ووهبنا لهم من رحمتنا} يعني: أنعمنا عليهم، وأعطيناهم من كرامتنا ~~ونعمنا. # وقوله: {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} أي: ثناء حسنا إلى يوم القيامة، وقد ~~بينا أن كل أهل الأديان يتولون: إبراهيم، فهو الثناء الحسن إلى يوم ~~القيامة. # PageV03P297 # قوله تعالى: {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا} وقرئ: " مخلصا " " ~~مخلصا " بالفتح والكسر، فبالكسر أي: موحدا لله وبالفتح أي: مختارا من الله ~~تعالى. وقيل: مخلصا أي: خالصا، وهو مثل قوله تعالى: {ورجلا سلما لرجل} أي: ~~خالصا لرجل. # وقوله: {وكان رسولا نبيا} . قيل: الرسول والنبي واحد، وقد فرق بينهما، ~~وقد بينا من قبل. # PageV03P297 # قوله تعالى: {وناديناه من جانب الطور الأيمن} الطور: جبل بين مصر ومدين، ~~ويقال: اسمه الزبير. # وقوله: {الأيمن} وقيل: يمين الجبل، وقيل: يمين موسى، والأصح يمين موسى؛ ~~لأن الجبل ليس له ms0929 يمين ولا شمال. # PageV03P297 # ( {51) وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من ~~رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد ~~وكان رسولا نبيا} # وقوله: {وقربناه نجيا} قال ابن عباس: أدناه حتى سمع صرير القلم، وقيل: ~~صريف القلم. وفي رواية: رفعه على الحجب. # ويقال: قربناه نجيا أي: كلمناه، والتقريب ها هنا هو التكلم، وأما النجي ~~فهو المناجي، وكأن معناه على هذا القول: أن الله يكلمه، وهو يكلم الله. # PageV03P298 # قوله تعالى: {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} قال أهل التفسير: ~~إنما سمى نبوة هارون هبة لموسى؛ لأن موسى كان قال: {واجعل لي وزيرا من أهلي ~~هارون أخي} . # PageV03P298 # قوله تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل} . الأكثرون أن هذا: إسماعيل بن ~~إبراهيم أبو النبي، وقال بعضهم: هو إسماعيل بن حزقيل، نبي آخر؛ فإن إسماعيل ~~بن إبراهيم توفي قبل إبراهيم. والصحيح هو القول الأول، وقد كان بعث إلى ~~جرهم [وهي] قبيلة، وأما وفاته قبل إبراهيم لا تعرف. # وقوله: {إنه كان صادق الوعد} قال سفيان: لم يعد الله شيئا من نفسه إلا ~~وفى به، ومن المعروف أنه وعد إنسانا شيئا فأنتظره ثلاثة أيام في مكان واحد، ~~فسمي صادق الوعد، ويقال: انتظره حولا. # وعن سفيان الثوري أنه قال: إن للكذاب أطرافا، وأعظم الكذب إخلاف ~~المواعيد، واتهام الأبرياء. # وفي بعض الأخبار: " أن النبي بايع رجلا قبل الوحي، فقال له ذلك الرجل: ~~مكانك يا محمد، حتى أرجع إليك، وذهب ونسي، ثم مر بذلك المكان بعد ثلاثة ~~أيام، فوجد النبي جالسا، فقال له النبي: أتعبتني أيها الرجل، أنا أنتظرك # PageV03P298 # ( {54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) واذكر في ~~الكتاب} منذ ثلاث ". # وقد ثبت عن النبي أنه جعل إخلاف الوعد ثلث النفاق. # وعن زيد بن أرقم، أن من وعد إنسانا ومن نيته أن يفي به، ثم لم يتفق ~~الوفاء، فإنه لا يدخل في هذا الوعيد. # وروى [قباث] بن أشيم أن النبي قال: " العدة عطية ". هو خبر غريب. # وقوله: {وكان رسولا نبيا} قد بينا. # PageV03P299 # قوله: ms0930 {وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة} قرأ ابن مسعود: " وكان يأمر قومه ~~بالصلاة ". # وقال أهل التفسير: إن معنى قوله: {وكان يأمر أهله} أي: أمته، وإن أمة كل ~~نبي أهلوه. # وقوله: {وكان عند ربه مرضيا} أي: مختارا ومعناه: رضيه الله لنبوته ~~ورسالته. # PageV03P299 # {إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا عليا (57) أولئك الذين ~~أنعم الله} # PageV03P300 # قوله تعالى: {واذكر في الكتاب إدريس} . قيل: إدريس هو أبو جد نوح. يسمى ~~إدريس لكثرة درسه الكتب. # وقال محمد بن إسحاق: هو أول من خط بالقلم، وأول من لبس الثياب، وكان من ~~قبله يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار. # قوله: {إنه كان صديقا نبيا} قد بينا. # PageV03P300 # وقوله: {ورفعناه مكانا عليا} قد ثبت برواية أنس أن النبي قال: " رأيت ~~إدريس ليلة المعراج في السماء الرابعة ". فهو قوله تعالى: {ورفعناه مكانا ~~عليا} في الجنة يعني: رفعه. # وقيل: هي الرفعة بعلو المرتبة. واختلف القول في أنه في السماء الرابعة حي ~~أم ميت: أحد القولين: أنه حي. # قال قوم من أهل العلم: أربعة من الأنبياء في الأحياء، اثنان في السماء، ~~واثنان في الأرض، أما اللذان في السماء: فإدريس، وعيسى، وأما اللذان في ~~الأرض: فالخضر، وإلياس. # والقول الثاني: إن إدريس ميت. قال كعب الأحبار: كان لإدريس صديق من ~~الملائكة، فقال له: إني أحب أن أعرف متى أموت؛ لأزداد من العمل، فهل لك أن ~~تسأل ملك الموت؟ فقال: أسأله وأنت تسمع، ثم رفعه تحت جناحه إلى السماء، ~~وجاء إلى ملك الموت، فقال: هل تعرف أن إدريس متى يموت؟ فقال: حتى أنظر، ثم # PageV03P300 # {عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم ~~وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ~~(58) فخلف من} استخرج كتابا، ونظر فيه، فقال: بقي من عمره ست ساعات - وفي ~~رواية لحظة - وقبض روحه ثمة، فهو معنى قوله: {ورفعناه مكانا عليا} وهذا قول ~~معروف. # PageV03P301 # قوله: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم} والمراد من ~~ذرية آدم: إدريس. # وقوله: {وممن ms0931 حملنا مع نوح} . أي: ومن ذرية من حملنا مع نوح، والمراد ~~منه: إبراهيم؛ لأنه كان من ولد سام بن نوح. # وقوله: {ومن ذرية إبراهيم} المراد منه: إسماعيل وإسحاق ويعقوب. # وقوله تعالى: {وإسرائيل} . أي: من ذرية إسرائيل، والمراد منه: موسى وداود ~~وسليمان ويوسف وعيسى، وكل أنبياء بني إسرائيل. # وقوله: {وممن هدينا واجتبينا} هذا يرجع إلى الأولين، ومعناه: أنا ~~هديناهم، واختبرناهم، وهؤلاء ذريتهم. # وقوله: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا} أي: سقطوا، وقيل: وقعوا ~~بوجوههم ساجدين، والسجد جمع ساجد. # وقوله: {وبكيا} أي: باكين. # وروي أن النبي مر على رجل، وهو ساجد يدعو، فقال: " هذا السجود وأين ~~البكاء "؟ ! . # PageV03P301 # قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف} الخلف: الرديء من القوم. والخلف # PageV03P301 # (بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) إلا من ~~تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) جنات عدن ~~التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61)) الصالح في القوم. ~~والخلف هو الذي يخلف غيره، وذكر الفراء والزجاج أنه يجوز أن يستعمل أحدهما ~~مكان الآخر. # وقوله: {أضاعوا الصلاة} . فيه قولان: أحدهما: أخروها عن وقتها، والآخر: ~~تركوها أصلا. وعن ابن شوذب: هو التأخير عن الوقت، ولو تركوها أصلا لكفروا. # وقال عمر بن عبد العزيز: هو شربهم الخمر، وتركهم الصلاة. # وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزوا بعضهم على بعض في ~~الأسواق والأزقة، وقيل: هم الزناة. ويقال: أضاعوا الصلاة باتباع الشهوات. # وقوله: {فسوف يلقون غيا} قيل: الغي واد في جهنم، وقيل: غيا: هلاكا، وقيل: ~~غيا: جزءا غيهم. شعر: # (ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما) # PageV03P302 # قوله تعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~شيئا} . أي: لا ينقصون شيئا. # PageV03P302 # قوله: {جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب} معناه: جنات إقامة، يقال: ~~عدن بالمكان إذا أقام. # وقوله: {التي وعد الرحمن عباده بالغيب} أي: بالمغيب. # وقوله: {إنه كان وعده مأتيا} . مفعول في الإتيان، وكل ما أتيته فقد أتاك، ~~والعرب لا ms0932 تفرق بين أن يقول القائل: أتيت على خمسين سنة أو يقول: أتت على ~~خمسون سنة، وكذلك لا تفرق بين أن يقول القائل: وصل الخير إلي، وبين أن ~~يقول: # PageV03P302 # {لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك ~~الجنة التي} وصل إلي الخير: # ويقال معنى قوله: (" آتيا " أي: " مأتيا ") مفعول بمعنى الفاعل. # PageV03P303 # قوله تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما} # الغغو: هو الفاسد من الكلام، وما لا معنى له، وقيل: هو الهذر من القول، ~~وقيل: القبيح منه، وقيل: هو الحلف الكاذبة. # وقوله: {إلا سلاما} . معناه: لكن يسمعون سلاما. فإن قيل: أيجوز استثناء ~~السلام من اللغو؛ وهو ليس من جنسه؟ قلنا: هو استثناء منقطع كما بينا. وذكر ~~الأزهري أن تقديره: لا يسمعون فيها لغوا، لا يسمعون إلا سلاما. وأما السلام ~~فهو تسليم بعضهم على بعض، وقيل: تسليم الله عليهم. ويقال: هو قول يسلمون ~~منه. والسلام اسم لكلام جامع للخيارت، ومنهم من قال: هو اسم لكلام يتصل به ~~السلامة. # وقوله: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} فإن قيل: ما معنى قوله: {بكرة ~~وعشيا} ، وليس في الجنة ليل ولا نهار؟ ! والجواب عنه أن معناه: بكرة وعشياء ~~أي: على مقادير البكر والعشايا. # ويقال: إنه يعرف وقت النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، ووقت الليل بإسبال ~~الحجب وغلق الأبواب. # والقول الثاني: أن معنى قوله: {بكرة وعشيا} أي: لهم فيها رفاهة العيش؛ ~~الرزق الواسع من غير تضييق ولا تقتير. # وكان الحسن البصري إذا قرأ هذه الآية قال: لقد علمت العرب أن أرفه العيش ~~هو الرزق بالبكرة والعشية، ولا يعرفون من الرفاهية فوق هذا. # PageV03P303 # {نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين ~~أيدينا وما خلفنا} # PageV03P304 # قوله تعالى: {تلك الجنة التي نورث من عبادنا} فيه قولان: أحدهما: يعطى ~~وينول، والقول الآخر: أنه ما من أحد من الكفار إلا وله منزل في الجنة وأهل ~~لو أسلم، فإذا لم يسلم ورثه المؤمنون. # وقوله: {من كان تقيا} قيل: مخلصا. # PageV03P304 # قوله تعالى: {وما نتنزل إلا بأمر ms0933 ربك} . قد ثبت برواية عمر بن ذر، عن ~~أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن جبريل، أبطأ على النبي، فلما نزل، ~~قال: " يا جبريل لو زرتنا أكثر مما تزورنا، فقال جبريل: وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك ". # وفي بعض الروايات أن النبي قال له: " يا جبريل، قد كنت مشتاقا إليك، ~~(فقال: يا محمد، وأنا والله قد كنت مشتاقا إليك) ، ولكن ما نتنزل إلا بأمر ~~ربك ". # وروي أنه أبطا [اثنتا عشرة] ليلة، وروي أكثر من هذا، والله أعلم. # وقوله: {له ما بين أيدينا وما خلفنا} . يعني: له علم ما بين أيدينا وما ~~خلفنا. وفي الآية أقوال: # أحدها: ما بين أيدينا يعني: الآخرة، وما خلفنا: ما مضى من الدنيا، وما ~~بين ذلك: من الساعة إلى النفخة. # والقول الثاني: ما بين أيدينا: ما قابلناه وواجهناه، وما خلفنا: ما ~~استدبرناه وجاوزناه # PageV03P304 # {وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده ~~واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65) ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج ~~حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فوربك ~~لنحشرنهم} (بين) الوقت وما بين ذلك، الحال. # والقول الثالث: ما بين أيدينا: الأرض، وما خلفنا: السموات، وما بين ذلك: ~~الهواء. # والقول الرابع: ما بين أيدينا: بعد أن نموت، وما خلفنا: قبل أن نخلق، وما ~~بين ذلك. مدة الحياة. # وقوله: {وما كان ربك نسيا} . أي: ما نسيك ربك، ومعنى نسيك أي: تركك. # PageV03P305 # قوله تعالى: {رب السموات والأرض وما بينهما} ظاهر المعنى. # وقوله: {فاعبده} أي: وحده. # وقوله: {واصطبر لعبادته} أي: اصبر على عبادته. # وقوله: {هل تعلم له سميا} قال ابن عباس: هل تعلم أحدا يسمى " الرحمن " ~~غير الله؟ وقيل: يسمى " الله " غير الله، وقال قتادة: هل تعلم له سميا؟ أي: ~~مثلا، وقال بعضهم: سميا أي: ولدا. # PageV03P305 # قوله تعالى: {ويقول الإنسان أإذا ما مت} قالوا: نزلت الآية في أبي بن ~~خلف. # وقوله: {لسوف أخرج حيا} أي: أسوف أخرج حيا؟ # PageV03P305 # قوله تعالى: {أولا يذكر} قرأ أبي بن كعب: ms0934 " أولا يتذكر الإنسان " ومعناه: ~~أولا يتفكر، ولا ينظر {الإنسان} . # وقوله: {أنا خلقناه من قبل ولم [يك] شيئا} . ومعناه: أنا لما قدرنا على ~~إنشاء خلقهم، فنحن على الإعادة أقدر. # PageV03P305 # {والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم ~~أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) وإن ~~منكم إلا واردها} # PageV03P306 # قوله تعالى: {فوربك لنحشرنهم والشياطين} . في الخبر: أنه يحشر كل كافر ~~مسلسلا مع شيطان. # وقوله: {ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا} أي: جاثين على الركب. قال السدي: ~~قاعين على الركب من ضيق المكان، " وحول جهنم " هو عين جهنم. # PageV03P306 # قوله تعالى: {ثم لننزعن من كل شيعة} أي: لنستخرجن ونأخذن من كل شيعة، أي: ~~من كل أمة وأهل دين من الكفار. # وقوله: {أيهم أشد على الرحمن عتيا} أي: الأعتى فالأعتى، ومعنى الآية: أنا ~~نقدم في إدخال النار من هو أكثر جرما، وأشد أمرا، وقال أهل اللغة: وقوله: ~~{عتيا} أي: افتراء بلغة تميم. ويقال: هؤلاء هم قادة الكفر ورؤساؤه، وفي بعض ~~الآثار: أنهم يحضرون جميعا حول جهنم مسلسلين مغلولين، ثم يقدم الأكفر ~~فالأكفر. # PageV03P306 # قوله تعالى: {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا} أي: أحق دخولا. ~~ويقال: الذين هم أشد عنوا أولى بها صليا، فهذا تقدير الآية. # PageV03P306 # قوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها} معناه: وما منكم إلا واردها. واختلفوا ~~فيما ينصرف إليه قوله: {واردها} قال ابن عباس: هي النار، قال: والورود هو ~~الدخول، وقال: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجو البر، ويبقى الفاجر. وروى ~~سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: تمارا ابن عباس ونافع بن الأزرق في ~~الورود، فقال ابن عباس: هو الدخول، وتلا قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من ~~دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} ثم قال: يا نافع، أنا وأنت داخلها، ~~وأرجو أن ينجيني الله منها، ولا # PageV03P306 # ينجيك منها، لأنك كذبت به. # قال الشيخ الإمام الأجل أبو المظفر السمعاني: أخبرنا أبو علي الشافعي ~~بمكة، قال: أخبرنا أبو الحسن بن [فراس] قال: أخبرنا أبو محمد ms0935 عبد الله بن ~~عبد الرحمن بن محمد المقرىء قال: حدثنا جدي محمد بن عبد الله بن يزيد، عن ~~سفيان. # وروى قرة عن ابن مسعود أن الناس يردون النار، ويصدر المؤمنون عنها ~~بأعمالهم، فأولهم كلمح البصر، ثم كالريح ثم كحضر الفرس، ثم كشد الرجل، ثم ~~كالماشي. # وعن ابن ميسرة أنه كان يدخل داره فيبكي، فيقال له: ما يبكيك؟ فيقول: الله ~~تعالى أنبأنا أنا نرد النار، ولم ينبئنا أنا صادرون عنها. # وعن الحسن البصري أنه قال: " حق لابن آدم أن يبكي ... وذكر نحوا من هذا ~~". # والقول الثاني: أن المراد من الآية هم الكفار. هذا قول عكرمة وسعيد بن ~~جبير. وقرىء في الشاذ: " وإن منهم إلا واردها ". وعلى هذا كثير من أهل ~~العلم، واستدلوا بقوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم من الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون لا يسمعون حسيسها} . # والقول الثالث: أن المراد من الورود هو الحضور والرؤية دون الدخول. وهذا ~~قول الحسن وقتادة، وقد يذكر الورود بمعنى الحضور، قال الله تعالى: {ولما ~~ورد ماء مدين} أي: حضر. وقال زهير شعرا: # (ولما وردن الماء زرقا جمامه ... تركن عصي الحاضر المتخيم) # PageV03P307 # والقول الرابع، وروي عن ابن مسعود قال: وإن منكم إلا واردها: القيامة. ~~وقد استحسنوا هذا القول لتقدم ذكر القيامة. # والقول الخامس: أن الصراط. # وفي الآية قول سادس: روي عن مجاهد أنه قال: ورود النار هو الحمى في ~~الدنيا. # وفي بعض المسانيد عن النبي أنه عاد رجلا من وعك - أبي: الحمى - به، فقال: ~~" يقول الله تعالى: هي ناري أسلطها على من شئت من المؤمنين، ليكون حظه من ~~نار جهنم ". # وفي بعض الأخبار: " الحمى (كي) من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار ". # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء ". # وأولى الأقاويل هو القول الأول، وقد صح عن النبي أنه قال: " من قدم من ~~الولد لم يلج النار، إلا تحلة القسم ". # وفي بعض الأخبار: " أنها تستعر على الكفار، وتخمد تحت أقدام المؤمنين ". # روى خالد بن معدان عن النبي أنه قال: " يدخل الله ms0936 قوما من المؤمنين ~~الجنة، # PageV03P308 # {كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا (72) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ~~ورءيا (74) قل من كان} فيقولون: ألم تعدنا ربنا أن ندخل النار؟ فقال لهم: ~~قد وردتموها وهي خامدة ". # وقوله: {كان على ربك حتما مقضيا} أي: لازما يصيب به. # PageV03P309 # قوله تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا} استدل بهذا من قال: إن الورود هو ~~الدخول؛ لأن التنجية إنما تكون بعد الدخول. وقال أيضا: {ونذر الظالمين فيها ~~جثيا} وهذا دليل على أن الكل قد دخلوها، وأما من قال: إن الورود هو الحضور ~~قال: يجوز أن تذكر التنجية لأجل الإشراف على الهلاك. # PageV03P309 # قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} معناه: واضحات. # وقوله: {قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما} أي: مكانا. ~~وقوله: {وأحسن نديا} قال ثعلب: مجلسا، قال الكسائي: الندي والنادي بمعنى ~~واحد، ومنه دار الندوة؛ لأنهم كانوا يجتمعون فيها. # وسبب نزول الآية: أن المشركين كانوا يقولون لفقراء المؤمنين: نحن أعز ~~مجلسا، وأحسن مكانا، وأكثر مالا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. والمقام: ~~موضع الإقامة، والمقام: فعل الإقامة. قال الشاعر: # (ومقام حسن فرقته ... بحسامي ولساني وجدل) # (لو يكون الفيل أو فياله ... زل عن مثل مقامي ورحل) # PageV03P309 # قوله تعالى: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا} وقرىء: " ~~وريا " بغير همز، وفي الشاذ: " وزيا " بالزاء، حكي هذا عن سعيد بن جبير. ~~أما قوله # PageV03P309 # {في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب ~~وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) ويزيد الله الذين ~~اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا (76) أفرءيت ~~الذي كفر بآياتنا} {ورئيا} بالهمز هو المنظرة، وأما بغير الهمز هو من ~~النعمة. وأما الزي هو الهيأة. وعن الحسن البصري قال: [وأحسن رئيا] هو حسن ~~الصورة. وقيل: الري من الارتواء، والمتنعم يظهر فيه ارتواء النعمة، ms0937 والفقير ~~يظهر عليه ذبول البؤس والفقر. # PageV03P310 # قوله تعالى: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} هذا أمر بمعنى ~~الخبر، ومعناه: أن الله تعالى يتركهم في الكفر، ويمهلهم فيه. # وقوله: {حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة} العذاب: هو ~~القتل والأسر في الدنيا، والساعة: القيامة. ومعناه: لو نصر عليهم المؤمنون ~~في الدنيا فقتلوا وأسروا، أو جاءتهم الساعة، فأدخلوا النار {فسيعلمون} عند ~~ذلك {من هو شر مكانا} أي: منزلا {وأضعف جندا} أي: ناصرا. # وقوله: {وأضعف جندا} يرجع إلى الدنيا، وقوله: {شر مكانا} يرجع إلى ~~الآخرة. # PageV03P310 # {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} يعني: يقينا على يقينهم، ورشدا على رشدهم. # وقوله: {والباقيات الصالحات} قيل: إنها الصلوات الخمس، وقيل: هي الأذكار ~~التي قلناها، وقد بينا. # وقوله: {خير عند ربك ثوابا} أي: جزاء {وخير مردا} أي: مرجعا. ونقل الكلبي ~~عن ابن عباس [أن] زيادة الهدى هوالإيمان بالناسخ والمنسوخ. # PageV03P310 # قوله تعالى: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} سبب نزول ~~الآية ما روى مسروق عن خباب [بن] الأرت قال: " كنت قينا وحدادا بمكة، فعملت ~~للعاص بن وائل السهمي، فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئته أتقاضاه، فقال: لا # PageV03P310 # {وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) ~~كلا} أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر حتى تموت ثم تبعث. فقال العاص: ~~أو مبعوث أنا؟ ! فقلت: نعم. قال: فإذا بعثت فيكون لي هناك مال وولد، فأقضيك ~~حقك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قال الشيخ الإمام رضي الله عنه: أخبرنا بهذا المكي بن عبد الرزاق، قال: ~~أخبرنا جدي أبو الليث، قال الفربري، قال: ثنا البخاري، قال: ثنا الحميدي، ~~عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق ... الحديث. # PageV03P311 # وقوله: {أطلع الغيب} أي: اللوح المحفوظ، وقيل: علم الغيب، فعلم أن له ~~مالا وولدا بعلم الغيب؟ . # وقوله: {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} قال سفيان: عملا صالحا، وقال غيره: لا ~~إله إلا الله. # وروى الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: إذا كان يوم ~~القيامة ms0938 يقول الله تعالى: " من كان له عندي عهد (فليقم) . فقيل: يا أبا عبد ~~الرحمن، وما ذلك العهد؟ فعلمنا، فقال: قال: " أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ~~ومساء عهدا؟ قالوا: وكيف؟ قال: يقول: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة، إني أتخذ عندك عهدا في الحياة الدنيا، وإنك إن تكلني إلى نفسي ~~تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاحفظ عهدي ~~تؤديه إلي يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد ". # PageV03P311 # {سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا ~~(80) واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ~~ويكونون} # PageV03P312 # قوله تعالى: {كلا سنكتب ما يقول} قوله: {كلا} يعني: ليس الأمر على ما زعم ~~العاص بن وائل، ثم قال: {سنكتب ما يقول} أي: يأمر الملائكة حتى يكتبوا. # وقوله: {ونمد له من العذاب مدا} أي: نطيل مدة عذابه. # PageV03P312 # وقوله: {ونرثه ما يقول} قرأ ابن مسعود: " ونرثه ما عنده " فإن قيل: القول ~~كيف يورث والمعروف {ونرثه ما يقول} ؟ ! والجواب عنه قال ثعلب: معناه: ونرثه ~~ما زعم أن له مالا وولدا، أي: لا يعطيه، ويعطي غيره، فيكون الإرث راجعا إلى ~~ما تحت القول، لا إلى نفس القول. # ويجوز أن يكون معنى قوله: {ونرثه ما يقول} أي: ونرثه ما عنده، على ما قرأ ~~ابن مسعود. # وفي الآية قول ثالث: وهو أن معنى قوله: {ونرثه ما يقول} أي: نحفظ ما يقول ~~حتى يجاز به. # وقوله: {ويأتينا فردا} أي: فردا لا أنصار له، ولا أعوان، وقيل: هو في ~~معنى قوله: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} الآية وحقيقته: أنه ~~يأتينا ولا مال له ولا ولد. # PageV03P312 # قوله تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة} يعني: آلهة يعبدونها. # وقوله: {ليكونوا لهم عزا} أي: منعة، ومعنى المنعة: أنهم يمتنعون بها من ~~العذاب. # PageV03P312 # قوله تعالى: {كلا} أي: ليس الأمر كما زعموا. # وقوله: {سيكفرون بعبادتهم} فيه قولان: أحدهما: أن الأصنام والملائكة # PageV03P312 # {عليهم ضدا (82) ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) ~~فلا تعجل ms0939 عليهم إنما نعد لهم عدا (84) يجحدون عبادتهم، والقول الآخر: أن ~~المشركين ينكرون عبادة الأصنام والملائكة. # فإن قيل: ما عرف في المشركين أحد كان يعبد الملائكة؟ قلنا: ليس كذلك، ~~فإنه كان بطن من العرب يسمون: بني المليح، كانوا يعبدون الملائكة. # وقوله: {ويكونون عليهم ضدا} أي: بلاء. وقيل: أعداء. # PageV03P313 # قوله تعالى: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين} فإن قيل: ~~أتقولون: إن الشياطين مرسلون، والله قال: {وسلام على المرسلين} فإذا كانوا ~~مرسلين وجب أن يدخلوا في جملتهم؟ والجواب عنه: أنه ليس معنى الإرسال هاهنا ~~هو الإرسال الذي يؤجد في الأنبياء، ولكن معنى الإرسال هاهنا أحد الشيئين: ~~إما التخلية بينهم وبين الكفار، وإما التسليط على الكفار. # وقوله: {تؤزهم أزا} قال ابن عباس: تزعجهم إزعاجا، كأنه يحركهم ويحثهم ~~ويقول: اقدموا على الكفر. والهز والأز: هو التحريك، وفي الخبر: " أن النبي ~~كان يصلي، وبجوفه أزيز كأزيز المرجل " أي: حركة. # PageV03P313 # قوله تعالى: {فلا تعجل عليهم} يعني: لا تعجل بطلب عقوبتهم. # وقوله: {إنما نعد لهم عدا} قال الكلبي: هو عد الأيام. وقال غيره: عد ~~الساعات. # وعن الحسن: عد الأنفاس. وقيل لبعض الصالحين: إنما أيامك أنفاس معدودة، ~~فقال: من صحة العدد أخاف. # وروى الأصمعي عن أبيه أنه قال: رأيت رجلا على باب البصرة أيام الطاعون ~~يعد # PageV03P313 # {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ~~(86) لا} الموتى، وقدامه كوز، كلما مر عليه بميت، يلقي فيه حصى. فعد في ~~اليوم الأول ثمانين ألفا، وفي اليوم الثاني مائة وعشرين ألفا. قال: فمررنا ~~عليه بجنازة، ثم عدنا، فإذا عند الكوز غيره. قلنا له: أين ذهب الرجل؟ قال: ~~وقع في الكوز. # PageV03P314 # قوله تعالى: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} الحشر: جمع الأقوام من ~~كل (صقع) في موضع واحد. # وقوله: {وفدا} معناه: ركبانا، وعن علي - رضي الله عنه - أنه قرأ هذه ~~الآية، وقال: يؤتون بنوق من نوق الجنة عليها أرحلة من الذهب، ولها أزمة من ~~الزبرجد، فيركبون عليها حتى يقرعوا باب الجنة. وفي بعض الأخبار عن أبي ~~هريرة أن النبي قال: ms0940 " يحشر الأنبياء على دواب في الجنة، وأحشر على البراق، ~~ويحشر الحسن والحسين على العضباء والقصواء، ويحشر بلال على ناقة من نوق ~~الجنة فيؤذن، فإذا بلغ قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول ~~الله، شهد بها جميع الخلق، قبل ممن قبل، ورد على من رد ". # وقيل: {وفدا} أي: مكرمين. وفي الآية قول ثالث: وهو ما روي في الأخبار عن ~~النبي: " أن المؤمن إذا بعث يؤتى بعمله على أحسن صورة، فيقول: من أنت؟ ~~فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك فاركبني اليوم. وأما الكافر يؤتى بعمله ~~على أقبح صورة، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، قال: طالما ركبتني، ~~وأنا أركبك اليوم ". # PageV03P314 # وقوله: {ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا} أي: مشاة. وقيل: عطاشا. # PageV03P314 # {يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (87) وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ~~ولدا (92) } # PageV03P315 # قوله تعالى: {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} قال بعض ~~أهل التفسير: هذا راجع إلى الملائكة. وقال بعضهم: هو راجع إلى المؤمنين. # وقوله: {إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} يعني: لا يشفعون إلا لمن اتخذ عند ~~الرحمن عهدا، فالعهد هو " لا إله إلا الله ". ويقال: لا يشفع إلا من اتخذ ~~عند الرحمن عهدا يعني: لا يشفع إلا مؤمن. # PageV03P315 # وقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا} أي: منكرا ~~عظيما، (والإد) والاتخاذ إعداد الشيء لأمر في العاقبة. # PageV03P315 # قوله تعالى: {تكاد السموات يتفطرن منه} الانفطار: الانشقاق، وتكاد أي: ~~تقرب، وفي التفسير: أن الكافرين لما قالوا: اتخذ الله ولدا غضبت السموات ~~والأرض، وتسعرت جهنم، فطلب الجميع أن ينتقموا من القائلين بهذا القول، فهذا ~~معنى الآية. # وقوله: {وتنشق الأرض} أي: تخسف بهم، أما الانفطار في السماء فمعناه على ~~هذا: أن [تسقط] عليهم. # وقوله: {وتخر الجبال هدا} أي: تنكسر انكسارا، ومعناه على ما ذكرنا أي: ~~تنطبق عليهم. # PageV03P315 # وقوله: {أن دعوا للرحمن ولدا} ms0941 أي: حين دعوا للرحمن ولدا. # PageV03P315 # وقوله: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} قد بينا. # PageV03P315 # {إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم ~~عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سيجعل} # PageV03P316 # وقوله: {إن كل من في السموات والأرض} أي: ما كل من في السموات والأرض. # وقوله: {إلا آت الرحمن عبدا} # وقد أجمع أهل العلم أن البنوة مع العبودية لا يجتمعان، ومن اشترى ابنه ~~يعتق عليه؛ لأنه لا يصلح أن يكون ابنا وعبدا. # PageV03P316 # قوله تعالى: {لقد أحصاهم وعدهم عدا} أي: يعلمهم، وعلم عددهم. # PageV03P316 # وقوله: {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} قد بينا. # PageV03P316 # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} أي: ~~محبة. قال مجاهد: يحبهم الله، ويحببهم إلى المؤمنين. وقيل: يحب بعضهم بعضا. ~~وفي بعض الآثار: أن الله تعالى جعل مع الإيمان المحبة [والشفقة] والألفة ". # وقد ثبت عن النبي برواية أبي هريرة أنه قال: " إذا أحب الله عبدا ينادي ~~جبريل، فيقول: أنا أحب فلانا فأحبه، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب ~~فلانا فأحبوه، ثم يوضع له المحبة في الأرض - وفي رواية " القبول " - وإذا ~~أبغض عبدا ينادي جبريل فيقول: أنا أبغض فلانا فأبغضه، فينادي في أهل ~~السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، ثم يوضع له البغض في الأرض ". خرجه ~~مسلم في الصحيح. # وحكى الضحاك عن ابن عباس: أن الآية نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، والمراد منه: مودة أهل الإيمان له. # PageV03P316 # {لهم الرحمن ودا (96) فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به ~~قوما لدا (97) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ~~ركزا (98) } # وقد روي عن النبي أنه قال لعلي: " لا يحبك إلا مؤمن تقي، ولا يبغضك إلا ~~منافق شقي ". خرج مسلم في الصحيح. # PageV03P317 # قوله تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك} يعني: سهلنا القرآن بلسانك. # وقوله: {لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا} اللد جمع الألد، والألد: ~~المخاصم بالباطل. وقال أبو عبيدة: هو الذي لا ms0942 ينقاد للحق ولا يقبله. وقال ~~الحسن البصري: لدا أي: صما عن الحق. وقيل: الألد هاهنا هو الظالم. قال ~~الشاعر: # (أبيت نجيا للهموم كأنني ... أخاصم أقوما ذوي جدل لدا) # PageV03P317 # قوله تعالى: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد} معناه: هل ترى ~~منهم من أحد؟ . # وقوله: {أو تسمع لهم ركزا} أي: صوتا. قال أهل اللغة: الركز: الصوت الخفي. ~~قال الحسن: بادوا جميعا، فلم يبق منهم عين ولا أثر. # PageV03P317 # بسم الله الرحمن الرحيم # تفسير سورة طه # وهي مكية # وفي بعض الغرائب من الأخبار برواية أبي هريرة، أن النبي: قال: " إن الله ~~تعالى قرأ سورة طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فقالت الملائكة: طوبى ~~لأمة نزلت عليهم هذا، وطوبى لقلوب حملت هذه، وطوبى لألسن تكلمت بهذا ". # PageV03P318 # قوله تعالى: { ### | طه # } روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن رجلا اقرأ عليه: " طه " ~~- بالإمالة - فقال: اقرأ {طه} ، فقال الرجل: أليس معناه طيء الأرض بقدميك؟ ~~فقال: " هكذا أقرأنيه رسول الله ". # واختلفت الأقاويل في معنى طه، فروي عن ابن عباس أنه قال: هو بالسريانية: ~~يا رجل. ونقل الكلبي: أنه يا إنسان بلغة عك. قال الشاعر: # (إن السفاهة طه من خليقتكم ... لا قدس الله أرواح الملاعين) # وقال آخر: # (هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت عليه أن يكون مواليا) # PageV03P318 # {طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا} # ويقال: إن طه اسم للسورة، وقيل: إنه قسم أقسم الله به. # ومن المعروف أن معناه: طىء الأرض بقدميك، وهذا منقول عن ابن عباس أيضا، ~~وسببه أن النبي اجتهد في العبادة حتى جعل يراوح بين الرجلين، فيقوم على ~~واحد، ويرفع واحدا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ونقل بعضهم: أنه قام بمفرد ~~قدم. # ومنهم من قال: إن الطاء من الطهارة، والهاء من الهداية، فالطاء: إشارة ~~إلى طهارة قلبه من غير الله، والهاء: إشارة إلى اهتداء قلبه إلى الله. # PageV03P319 # وقوله: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} أي: لتتعب وتنصب، وروي أنه لما ~~اجتهد في العبادة، قال ms0943 المشركون: يا محمد، ما أنزل القرآن إلا لشقاوتك، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. ومعناه: اجتهد، ولا كل هذا التعب حتى تنسب إلى ~~الشقاوة. # PageV03P319 # وقوله: {إلا تذكرة لمن يخشى} معناه: لكن تذكرة، أي: تذكيرا ووعظا لمن ~~يخشى، والخشية والخوف بمعنى واحد، وفرق بعضهم بينهما، فقال: الخشية ما لا ~~يعرف سببه، والخوف ما يعرف سببه، وهو ضعيف. # وذكر الأزهري أن تقدير الآية: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ما أنزلنا إلا ~~تذكرة لمن # PageV03P319 # {ممن خلق الأرض والسموات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5) له ما في ~~السموات وما في الأرض وما بينهما} يخشى. # PageV03P320 # وقوله: {تنزيلا} أي: منزل تنزيلا من الله (الذي) {خلق الأرض والسموات ~~العلى} والعلى: جمع العليا. # PageV03P320 # وقوله: {الرحمن على العرش استوى} اعلم أن مخارج الاستواء في اللغة كثيرة: ~~وقد يكون بمعنى العلو، وقد يكون بمعنى الاستقرار، وقد يكون بمعنى الاستيلاء ~~- على بعد - وقد يكون بمعنى الإقبال. # والمذهب عند أهل السنة أنه يؤمن به ولا يكيف، وقد [رووا] عن جعفر بن عبد ~~الله، وبشر الخفاف قالا: كنا عند مالك، فأتاه رجل وسأله عن قوله: {الرحمن ~~على العرش استوى} كيف استوى؟ فأطرق مالك مليا، وعلاه الرحضاء، ثم قال: ~~الكيف غير معقول، والاستواء مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ~~وما أظنك إلا ضالا، ثم أمر به فأخرج. # ونقل أهل الحديث عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان بن ~~عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في الآيات المتشابهة: أمروها كما ~~جاءت. # وقال بعضهم: تأويله الإيمان به، وأما تأويل الاستواء بالاستقبال، فهو ~~تأويل المعتزلة. # وذكر الزجاج، والنحاس، وجماعة [من] النحاة من أهل السنة: أنه لا يسمى ~~الاستواء استيلاء في اللغة إلا إذا غلب غيره عليه، وهذا لا يجوز على الله ~~تعالى. # PageV03P320 # قوله تعالى: {له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما} أي: علم ما في ~~السموات، وما في الأرض، وما بينهما. # PageV03P320 # {وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا ~~إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8) } # وقوله: {وما تحت الثرى} ms0944 فيه أقوال: أحدها: أن الثرى هي الأرض السابعة، ~~والآخر: أن الثرى هو التراب المبتل، وهذا معروف في اللغة. # وحكى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن الأرضين على ظهر الحوت، والحوت على ~~البحر، والبحر على الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما تحت ~~الثرى لا يعلمه إلا الله. # PageV03P321 # قوله تعالى: {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى} معناه: إن جهرت أو ~~أسررت فلا يغيب عن علمه. واختلف الأقوال في قوله: {وأخفى} فروي عن ابن عباس ~~أنه قال: " السر " ما تحدث به غيرك، " وأخفى " ما تحدث به نفسك. وفي الآية ~~تقدير، ومعناه: وأخفى منه، أي: من السر. # والقول الثاني: أن " السر " ما تحدث به نفسك، " وأخفى " ما يلقيه الله ~~تعالى في قلبك من بعد ولم تحدث به نفسك. # والقول الثالث: أن السر هو العزيمة، وأخفى هو دون العزيمة، كأنه ما يخطر ~~على القلب، ولم تعزم عليه. # والقول الرابع: يعلم السر وأخفى، أي: والخفي. قال الشاعر: # (تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد) # أي: بالواحد. # والقول الخامس: يعلم السر وأخفى، أي: أخفى سره من عباده، وهذا قول ابن ~~زيد. # PageV03P321 # قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} قيل: فيه إضمار، ~~ومعناه: فادعوا الله بها. وقال: الحسنى للأسماء هو جمع، والحسنى صفة ~~الواحد، وذلك لأن # PageV03P321 # {وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى} هذه تتناول الأسماء لأنها جمع، ~~كما تتناول الواحدة من المؤنثات، يقال: هذه أسماء؛ فلذلك صح أن يقال: حسنى، ~~ولم يقل: حسان، وهكذا قوله تعالى: {مآرب أخرى} ولم يقل: آخر. # PageV03P322 # قوله تعالى: {وهل أتاك حديث موسى} معناه: وقد أتاك حديث موسى، وهو ~~استفهام بمعنى التقرير. # PageV03P322 # وقوله: {إذ رأى نارا} في القصة: أن موسى عليه السلام كان رجلا غيورا، ~~فكان يصحب الرفقة بالليل، ويتنحى عنهم بالنهار؛ لئلا ترى امرأته، فأخطأ مرة ~~الطريق - لما كان في علم الله تعالى - فكان ليلا ms0945 مظلما، فرأى نارا من بعيد ~~{فقال لأهله امكثوا} أي: أقيموا. # وقوله: {إني آنست نارا} أي: أبصرت نارا. # وقوله تعالى: {لعلي آتيكم منها بقبس} القبس: كل ما في رأسه نار من شعلة ~~أو فتيلة. # وقوله: {أو أجد على النار هدى} أو أجد عند النار من يهديني، ويدلني على ~~الطريق، فروي أنه لما توجه إلى النار رأى شجرة خضراء، أطافت به النار، ~~والنار كأضوء ما يكون، والشجرة كأخضر ما يكون، فلا ضوء النار يغير خضرة ~~الشجرة، ولا خضرة الشجرة تغير ضوء النار. # ويقال: إن الشجرة كانت شجرة العناب، ويقال: شجرة من عوسج، وقيل: من ~~العليق. # وفي القصة: أن موسى أخذ شيئا من الحشيش اليابس، ودنا من الشجرة، فكان ~~كلما دنا من الشجرة نأت منه النار، وإذا نأى هو دنت النار، فبقي واقفا ~~متحيرا، # PageV03P322 # {فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد ~~المقدس طوى (12) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله ~~إلا أنا فاعبدني وأقم} فنودي: يا موسى. # PageV03P323 # قوله تعالى: {فلما أتاها نودي يا موسى} قد بينا. # PageV03P323 # وقوله: {إني أنا ربك} روي أن موسى لما سمع قوله: {يا موسى} قال: من الذي ~~يكلمني؟ قال: {إني أنا ربك} . # فإن قيل: بم عرف كلام الله عز وعلا؟ قلنا: سمع كلاما لا يشبه كلام ~~المخلوقين، وروي أنه سمع من جميع جوانبه. # وقوله: {فاخلع نعليك} اختلف القول أنه لم أمره بخلع نعليه؟ وروي عن علي - ~~رضي الله عنه - أنه قال: كانتا من جلد حمار ميت، وهذا قول كعب. # والقول الثاني: أنه أمره بخلع نعليه: ليباشر الوادي بقدميه، وهذا قول ~~مجاهد، وقد جرت عادة المسلمين أنهم يخلعون نعالهم إذا بلغوا المسجد الحرام ~~للحج، ويطوفون حفاة. # وقوله: {إنك بالوادي المقدس} أي: المطهر، قال الشاعر: # (وأنت وصول للأقارب مدرة ... تراءى من الآفات إني مقدس) # أي: مطهر. # وقيل: معنى المقدس، أي: المبارك فيه. # وقوله: {طوى} عامة المفسرين أنه اسم الوادي، وقيل: طوى أي: قدس مرتين. # PageV03P323 # قوله تعالى: {وأنا اخترتك} أي: اصطفيتك. # وقوله: {فاستمع لما ms0946 يوحى} أي: لما يوحى إليك. # PageV03P323 # قوله تعالى: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} أي: لا أحد يستحق ~~العبادة سواي. # PageV03P323 # {الصلاة لذكري (14) إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ~~(15) } # وقوله: {وأقم الصلاة لذكري} فيه أقوال: أحدها: لتذكرني فيها. والآخر: ~~تذكرني، وهو قوله: الله أكبر. والثالث: أقم الصلاة لذكري أي: صل إذا ذكرت ~~الصلاة، وهذا قول معروف. روى حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ~~قال: " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها، وقرأ قوله تعالى: ~~{وأقم الصلاة لذكري} ". # قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسين بن النقور، قال: أخبرنا ~~أبو القاسم بن حبابة، قال: حدثنا ابن بنت منيع، قال: حدثنا هدبة، عن حماد ~~بن سلمة. . الحديث. خرجه مسلم في الصحيح عن هدبة. # PageV03P324 # قوله تعالى: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} في الآية أقوال، وهي مشكلة. # روي عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب أنهما قرآ: " أكاد أخفيها من نفسي ~~". وبعضهم نقل: " فكيف أظهرها لكم " فهذا هو أحد الأقوال في معنى الآية. # فإن قال قائل: كيف يستقيم قوله " أكاد أخفيها من نفسي "؟ قلنا: هذا على ~~عادة العرب، والعرب إذا بالغت في الإخبار عن إخفاء الشيء، قالت: كتمته حتى ~~من نفسي. والقول الثاني: أن قوله: {أكاد} أي: أريد، ومعناه: إن الساعة آتية ~~أريد أخفيها. وهذا قول الأخفش. والقول الثالث: أن قوله: {أكاد} صلة، ~~ومعناه: إن الساعة آتية أخفيها. والقول الرابع: إن الساعة آتية أكاد، ومعنى ~~أكاد: تقريب الورود والإتيان، كما قال ضبائي البرجمي: # (هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله) # فقوله: كدت لتقريب الفعل، ثم استأنف قوله: {أخفيها لتجزى كل نفس بما ~~تسعى} أي: تأتيكم بغتة، لتجزى كل نفس بما عملت من خير وشر، هذا اختبار # PageV03P324 # {فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) وما تلك بيمينك يا ~~موسى (17) قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب آخرى ~~(18) } ابن الأنباري. # والقول الخامس: {أكاد أخفيها} ms0947 أي: أظهرها، وقرئ: " أخفيها " بفتح الألف. ~~ومعنى الإظهار في هذه القراءة أظهر في اللغة. قال الشاعر: # (فإن تدفنوا الداء لم نخفه ... وإن تأذنوا بحرب لا نقعد) # ومعنى لا نخفه: لم نظهره. # PageV03P325 # قوله تعالى: {فلا يصدنك عنها} أي: فلا يمنعنك عن التصديق بها. {من لا ~~يؤمن بها} أي: من لا يصدق بها. # وقوله: {واتبع هواه فتردى} أي: تهلك. # PageV03P325 # قوله تعالى: {وما تلك بيمينك يا موسى} هذا سؤال تقرير، وليس بسؤال ~~استفهام، والحكمة فيه تثبيته وتوثيقه على أنها عصا، حتى إذا قلبها الله ~~حية، يعلم أنها معجزة عظيمة. وهذا قول على عادة العرب أيضا؛ يقول الرجل ~~لغيره: هل تعرف هذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد به أن ينضم إقراره بلسانه ~~إلى معرفته بقلبه. # PageV03P325 # قوله تعالى: {قال هي عصاي أتوكأ عليها} أي: أعتمد عليها. # وقوله: {وأهش بها على غنمي} أي: أخبط بها (ورق الشجر؛ لترعاه غنمي، وقرأ ~~عكرمة: " وأهش بها) على غنمي " بالسين غير المعجمة، والفرق بين الهش والهس؛ ~~أن الهش هو خبط الشجر، وإلقاء الورق عنه، والهس زجر الغنم. # وقوله: {ولي فيها مآرب أخرى} أي: حاجات أخر، ومن تلك الحاجات؛ قال # PageV03P325 # {قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا ~~تخف} أهل المعاني: كان يقتل بها الحيات، ويحارب بها السباع، ويحمل بها ~~الزاد والنفقة، ويصل الحبل إذا استقى من البئر، ويستظل بها إذا قعد، وعن ~~الضحاك: كانت تضئ له بالليل بمنزلة السراج، وقال وهب: كانت العصا من آس ~~الجنة، وطولها اثنا عشر ذراعا، ولها شعبتان، وعليها محجن. وعن سعيد بن ~~جبير، قال: كان اسم العصا ما شاء. وأنشدوا في الهش: # (أهش بالعصا على أغنامي ... من ناعم الأراك والبشام) # PageV03P326 # قوله تعالى: {قال ألقها يا موسى} أي: انبذها. # PageV03P326 # وقوله: {فألقاها} أي: نبذها. # وقوله: {فإذا هي حية تسعى} أي: تجئ وتذهب، وذكر محمد بن إسحاق أن موسى ~~عليه السلام نظر فإذا العصا صارت حية من أعظم ما يكون من الحيات، وصارت ~~شعبتاها شدقين، والمحجن صار عرفا يهتز كالبتارك وعيناها تتقدان كالنار، ms0948 وهي ~~تمر بالحجر كالجمل البارك فتبتلعه، ولها أنياب تقصف الشجر، فرأى موسى أمرا ~~عظيما فهرب، ثم تذكر أمر ربه، فوقف مستحيا. # PageV03P326 # قوله تعالى: {قال خذها ولا تخف} لما هرب موسى، قال الله تعالى له: {أقبل ~~ولا تخف} ، فلما أقبل، قال: {خذها} . # وفي القصة: أنه كان على موسى مدرعة من صوف، قد خللها بعيدان، فلما قال ~~الله له: {خذها} ، لف طرف كم المدرعة على يده، فأمره الله أن يكشف يده، ~~فكشف يده، ووضعها في شدق الحية، فإذا هي عصا كما كانت، وإذا يده في شعبتها. # وذكر بعضهم: أنه لما لف كم المدرعة على يده، قال له ملك: أرأيت لو أذن ~~الله لمن تحذره، أكانت تغني عنك مدرعتك؟ فقال أنا ضعيف، خلقت من ضعف. # PageV03P326 # {سنعيدها سيرتها الأولى (21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء ~~آية أخرى (22) لنريك من آياتنا الكبرى (23) اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) ~~قال} # وقوله: {سنعيدها سيرتها الأولى} . إلى هيئتها الأولى، وإنما انتصب؛ لأن ~~معناه: إلى هيئتها الأولى، فحذف إلى فانتصب. # PageV03P327 # قوله تعالى: {واضمم يدك إلى جناحك} . فيه قولان: أحدهما: إلى جنبك، ~~والآخر: إلى عضدك. والجناح هو العضد إلى أصل الإبط، قال الشاعر: # (خفضت لهم مني جناح مودة ... على كتف عطفاه أهل ومرحب) # وقوله: {تخرج بيضاء من غير سوء} أي: نيرة مشرقة من غير مكروه وعيب، السوء ~~ها هنا بمعنى البرص. # وقال قتادة: كانت اليد لها نور ساطع كضوء الشمس والقمر، تضئ بالليل ~~والنهار. # وقوله: {آية أخرى} أي: دلالة أخرى. # PageV03P327 # وقوله: {لنريك من آياتنا الكبرى} . أي: الكبيرة. قال ابن عباس: أكبر ~~الآيتين يده؛ فكان إذا أخرجها من تحت عضده، رأوا لها شعاعا وضياء تحار ~~الأعين فيها، فإذا ردها إلى إبطه، وأخرجها عادت إلى ما كانت. # PageV03P327 # وقوله: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} أي: جاوز الحد في العصيان والتمرد، ~~ويقال: كان اسمه: وليد بن مصعب، وكان أغنى الفراعنة الذين كانوا بمصر. # PageV03P327 # قوله تعالى: {قال رب اشرح لي صدري} أي: وسعه للحق، وكان موسى يخاف من ~~فرعون خوفا شديدا؛ لشدة شوكته، ms0949 وكثرة جنده، فضاق قلبه لما بعث إلى فرعون من ~~الخوف؛ فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق؛ فيعلم أنه لا يقدر أحد أن يعمل ~~به شيئا إلا بإذن الله، أو يناله بمكروه إلا بمشيئته. # PageV03P327 # وقوله: {ويسر لي أمري} أي: سهل علي الأمر الذي بعثتني له. # PageV03P327 # {رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) ~~يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هرون أخي (30) اشدد به أزري ~~(31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك} # PageV03P328 # قوله: {واحلل عقدة من لساني} قال أهل التفسير: كانت على لسان موسى عقدة ~~من أخذه الجمر، ووضعه إياه في فمه، وسببه أن أمرأة فرعون جاءت بموسى إلى ~~فرعون، فوضعته في حجره، فأخذ بلحية فرعون، وفي رواية: لطم وجه فرعون لطمة، ~~فغضب فرعون، وقال: هذا هو عدوي، وأراد أن يقتله، فقالت امرأة فرعون: إنه ~~صبي، لا يعقل ولا يميز، وهو لا يميز بين الجوهر والجمر، فدعي له بطبق من ~~جمر، وطبق من جوهر، فأخذ الجمر، ووضعه في فيه، فاحترق لسانه، وصارت عليه ~~عقدة. وذكر بعضهم: أنه أراد أن يأخذ الجوهر، فصرف جبريل يده إلى الجمر. # PageV03P328 # وقوله: {يفقهوا قولي} أي: يفهموا قولي. # PageV03P328 # {واجعل لي وزيرا من أهلي} الوزير من يؤازرك على الشئ، أي: يعينك، ويتحمل ~~عنك بعض ثقله، ووزير الأمير من يتحمل عنه بعض ما عليه. # PageV03P328 # وقوله: {هارون أخي} كان هارون أكبر منه بأربع سنين، فكان أفصح منه لسانا، ~~وأجمل منه وجها، وأوسم وأبيض، وكان موسى أدم، أقنى جعدا. # PageV03P328 # وقوله {اشدد به أزري} أي: قو به ظهري، ويقال: إنه لم يكن أحد على أخيه ~~أسعد ولأخيه أنفع من موسى لهارون. # PageV03P328 # وقوله: {وأشركه في أمري} أي: النبوة وأداء الرسالة. # PageV03P328 # وقوله: {كي نسبحك كثيرا} أي: نصلي لك كثيرا. # PageV03P328 # {ونذكرك كثيرا} نتعاون على ذكرك. # PageV03P328 # {إنك كنت بنا بصيرا} أي: خبيرا عليما. # PageV03P328 # {كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) ولقد مننا عليك مرة ~~أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في ~~اليم ms0950 فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ~~ولتصنع على عيني} # PageV03P329 # قوله تعالى: {قال قد أوتيت سؤلك يا موسى} أي: أعطيت جميع ما سألت. # PageV03P329 # وقوله: {ولقد مننا عليك مرة أخرى} أي: أنعمنا عليك مرة أخرى سوى هذه ~~المرة. # PageV03P329 # قوله تعالى: {إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى} ذكر نعمه وعددها عليه؛ ليعرفها، ~~ويزيد في شكره. # وقوله: {إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى} أي: ألهمنا أمك ما يوحى، أي: ما ~~يلهم. # PageV03P329 # وقوله تعالى: {أن اقذفيه} أي: ألهمناها أن أقذفيه. # قوله تعالى: {في التابوت} هو شيء يتخذ من الخشب. # وقوله: {فاقذفيه في اليم} اليم: هو البحر، ويقال: إن اليم ها هنا هو ~~النيل، والعرب تسمي الماء الكثير بحرا. # روي أن المسلمين لما وصلوا إلى دجلة يوم فتحوا المدائن، فقالوا: كيف ~~نفعل، وهذا البحر بيننا وبينهم؟ ثم إنهم ارتطموا دجلة بخيولهم، وخاضوا ~~القصة إلى آخرها. # وقوله: {فليلقه اليم بالساحل} في القصة: أن الماء ألقاه إلى مشرعة دار ~~فرعون، وروي أنها ألقته في النيل، وألقاه النيل في البحر، ثم إن البحر ~~ألقاه بالساحل. # وقوله: {وألقيت عليك محبة مني} قال عكرمة: لم يره أحد إلا أحبه، وقال ~~قتادة: ملاحة في عينيه تأخذ (بالقلوب) . # وقوله: {ولتصنع على عيني} أي: تربى وتغذى على نظر مني، وهو مثل قوله # PageV03P329 # ( {39) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر ~~عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا} تعالى: {واصنع ~~الفلك بأعيننا} فإن قيل: ما من أحد في العالم إلا وهو يربى ويغدى بمرأى من ~~الله ونظر منه، فأي معنى لتخصيص موسى؟ والجواب: أن الله تعالى فعل في اللطف ~~في تربية موسى ما لم يفعل في تربية غيره، فالتخصيص إشارة إلى ذلك اللطف. # PageV03P330 # وقوله: {إذ تمشي أختك} سنذكر هذا في سورة القصص، إن شاء الله تعالى. # وقوله: {فتقول هل أدلكم على من يكفله} يعني: على امرأة ترضعه، وتضمه ~~إليها. # وقوله: {فرجعناك إلى أمك} أي: فرددناك. # وقوله: {إلى أمك كي تقر ms0951 عينها} قد بينا معنى قرة العين، وهو إشارة إلى ~~فرحها وسرورها بوجوده. # وقوله: {ولا تحزن} أي: يذهب عنها الحزن. # وقوله: {وقتلت نفسا} أي: القبطي، وسنذكره من بعد إن شاء الله تعالى. # وقوله: {فنجيناك من الغم} أي: من القتل، وقيل: من غم التابوت، وغم البحر. # وقوله: {وفتناك فتونا} أي: ابتليناك مرة بعد مرة، وقيل: بلاء بعد بلاء، ~~ويقال: أخلصناك إخلاصا. من المشهور المعروف أن سعيد بن جبير، سأل عبد الله ~~بن عباس عن قوله: {وفتناك فتونا} فقال: تغدو على غدا، فلما جاءه من الغد، ~~أخذ معه في قصة موسى من أولها، وجعل يعد عليه شيئا فشيئا من ولادته في سنة ~~قتل الأبناء، ومن إلقائه في الماء، وجعله في التابوت، ووقوعه في يد فرعون، ~~ولطمه وجهه، وأخذه # PageV03P330 # {فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) واصطنعتك لنفسي ~~(41) اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) اذهبا إلى فرعون إنه طغى ~~(43) } الجمرة، ثم من قتله القبطي، ثم فراره إلى مدين ... إلى آخر القصة ~~على ما يرد، وجعل يقول كلما ذكر شيئا من هذا: ذلك (من) الفتون يا ابن جبير، ~~حتى عد عليه الجميع. # وقوله: {فلبثت سنين في أهل مدين} يعني: تراعي الأغنام. # وقوله: {ثم جئت على قدر يا موسى} أي: على قدر النبوة والرسالة. قال ابن ~~عباس: ولم يبعث الله نبيا إلا على رأس أربعين سنة، وجاء موسى ربه، وهو ابن ~~أربعين سنة؛ فنبأه الله وأرسله، فهذا معنى قوله: {ثم جئت على قدر يا موسى} ~~. وقيل معناه: جئت على موعد يا موسى، ولم يكن هذا الموعد مع موسى، وإنما ~~كان موعدا في تقدير الله تعالى. ويقال: وافيت في الوقت الذي قدرت أي: توافى ~~فيه، قال الشاعر: # (نال الخلافة إذ كانت له قدرا ... كمثل موسى الذي وافى على قدر) # PageV03P331 # وقوله: {واصطنعتك لنفسي} قال الزجاج معناه: اخترتك لأمري، وجعلتك القائم ~~بحجتي، والمخاطب بيني وبين خلقي، كأني الذي أقمت عليهم الحجة وخاطبتهم، ~~وقال بعضهم معناه: استكفيتك طلب كفاية أمر من خاص أمري، وصنيعة ms0952 الإنسان ~~خاصته وتربيته إذا أعده لأمر من مهم أمره. # PageV03P331 # وقوله: {اذهب أنت وأخوك بآياتي} أي: بدلائلي. # وقوله: {ولا تنيا في ذكري} . أي: ولا تضعفا في ذكري، وقرأ ابن مسعود: " ~~ولا تهنا في ذكري ". # PageV03P331 # وقوله: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} قد بينا. # PageV03P331 # قوله تعالى: {فقولا له قولا لينا} . معناه: دارياه [بالرفق] ، وارفقا ~~معه، ويقال # PageV03P331 # {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن ~~يفرط علينا أو أن} معناه: كنياه. واختلفوا في كنيته: منهم من قال: كنيته ~~أبو الوليد، ومنهم من قال: أبو مرة ومنهم من قال: أبو العباس، والله أعلم. # وقوله: {لعله يتذكر أو يخشى} . أي: يتعظ ويخاف. فإن قيل قوله {لعله} ~~تطميع، فكيف يطمعهما في إسلامه، وقد قدر أنه لا يسلم؟ قلنا معناه: اذهبا ~~على رجائكما وطمعكما، وقضاء الله وراء أمركما، وقال بعضهم: قد تذكر وخاف، ~~إلا أنه حين لم تنفعه التذكرة والخوف، وقد بينا في سورة يونس. # وفي قوله: {فقولا له قولا لينا} كلمات معروفة؛ قال بعضهم: هذا رفقك بمن ~~يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله، وهذا رفقك بالكفار، فكيف ~~رفقك بالأبرار؟ وهذا رفقك بمن جحدك، فكيف رفقك بمن وحدك. وهذه تحببك إلى من ~~تعاديه، فكيف إلى من تواليه وتناديه؟ . # PageV03P332 # قوله تعالى: {قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى} يعني: أن ~~يبادر ويعجل بعقوبتنا قبل أن نريه الآيات. وحكي عن سعيد بن جبير أنه قال: ~~كان موسى يخاف من فرعون خوفا شديدا، وكان إذا دخل عليه، يقول: اللهم إني ~~أعوذ بك من شره، وأدرأك في نحره، فحول الله تعالى ذلك الخوف إلى فرعون؛ ~~فكان إذا رأى موسى بال في ثيابه كما يبول الحمار. # وفي بعض المسانيد برواية ابن مسعود، عن النبي أنه قال: " إذا دخل أحدكم ~~على سلطان يخاف تغطرسه، فليقل: اللهم إني أعوذ بك من شره، وشر أحزابه؛ أن ~~يفرط أحد منهم علي أو يطغى، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك ". # PageV03P332 # {يطغى (45) قال لا تخافا إنني معكما ms0953 أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا ~~رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام ~~على من اتبع الهدى (47) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) ~~قال فمن ربكما} # PageV03P333 # وقوله تعالى: {قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} أي: أسمع دعاءكما ~~فأجيب، وأرى أمركما مع فرعون فأدفعه عنكما. # PageV03P333 # قوله تعالى: {فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل} أي: ~~خلهم، وأطلقهم من أعمالك، وقد بينا أنه كان يكلفهم الأعمال الشاقة، وقد ضرب ~~عليهم الضرائب. # وقوله: {ولا تعذبهم} قد بينا. # وقوله: {قد جئناك بآية من ربك} بدلالة من ربك. # وقوله: {والسلام على من اتبع الهدى} . ليس المراد منه تحية فرعون، وإنما ~~المراد منه أن من اتبع الهدى فقد سلم من عذاب الله، ومنهم من قال: معناه: ~~(من) أسلم سلم. # وفي بعض الآثار عن السدي: أن موسى عليه السلام قال لفرعون: " آمن بالله، ~~ولك شباب لا تهرم فيه، وملك لا ينزع منك، ولذة في المطعم والمشرب والمنكح ~~إلى أن تموت، ثم إذا مت دخلت الجنة، فأعجبه هذا الكلام، وكان لا يقطع أمرا ~~دون هامان، فقال: حتى أنظر في ذلك؛ فلما دخل عليه هامان، قال له: ألم تر أن ~~هذا الرجل الذي أتانا قال كذا وكذا، وكان قبل ذلك يسميه الساحر، فلم يسمه ~~الساحر في ذلك اليوم، فقال له هامان: كنت أظن أن لك رأيا وعقلا! تريد أن ~~تصير مربوبا بعد أن كنت ربا، وعبدا بعد أن كنت معبودا، فغلبه عن رأيه، فأبى ~~على موسى ما أراد منه. # PageV03P333 # قوله تعالى: {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى} . أي: كذب ~~بآيات الله، وتولى عن طاعة الله. # PageV03P333 # {يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) قال فما بال ~~القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) ~~الذي} # PageV03P334 # قوله تعالى: {قال فمن ربكما يا موسى} ظاهر المعنى. # PageV03P334 # وقوله تعالى: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم ms0954 هدى} قال الحسن: أعطى ~~كل شيء ما يصلحه، ثم هداه إليه. وقال مجاهد: معناه أعطى كل شيء صورة، ثم ~~هداه إلى منافعه من المطعم والمشرب والمنكح. # وفيه قول ثالث: وهو أنه أعطى كل حيوان زوجه، ثم هداه إلى مأتاه، وكل ذكر ~~يهتدي كيف يأتي الأنثى. وروي عن أبس سابط أنه قال: أبهمت البهائم إلا عن ~~أربع: تعرف خالقها، وتطلب رزقها، وتدفع عن نفسها، وتعرف كيف يأتي (أنثاه) . # PageV03P334 # قوله تعالى: {قال فما بال القرون الأولى} معناه: فما حال القرون الأولى، ~~وأراد به ما حالهم فيما دعوتني إليه؟ # وقيل: لما دعاه موسى إلى الإقرار بالبعث سأل وقال: ما حال القرون الأولى ~~في البعث؟ ويقال: إنه انصرف إلى هذا الكلام تعنتا، وعدولا عن الجواب. # PageV03P334 # قوله تعالى: {قال علمها عند ربي} أي: علم القرون الأولى عند ربي. # [قوله: {في كتاب} قال الكلبي: هو اللوح المحفوظ] . # وقوله: {لا يضل ربي} أي: لا يخطىء ربي، وقال ثعلب: لا يذهب عليه موضعه، ~~وقيل: لا يغيب عن ربي، وقرأ الحسن: " لا يضل ربي " برفع الياء، من الإضلال، ~~ويقال: لا يضل ربي: لا يغفل عنه ربي. # وقوله: {ولا ينسى} أي: لا يتركه، فينتقم من الكافر، ويجازي المؤمن، ~~ويقال: # PageV03P334 # {جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به ~~أزواجا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ~~(54) منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجم تارة أخرى (55) ولقد أريناه ~~آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ~~(57) } . هو النسيان حقيقة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: " ولا ينسى " على ~~ما لم يسم فاعله. # PageV03P335 # قوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض مهادا} وقرىء: " مهدا " إلى هذا الموضع ~~انتهى كلام فرعون مع موسى وجوابه إياه. وقوله: {الذي جعل لكم الأرض مهدا} ~~ابتداء كلام من الله ومعناه: مستقرا. # وقوله: {وسلك لكم فيها سبلا} أي: سهل ووطأ لكم فيها طرقا. # وقوله: {وأنزل من السماء ماء} أي: المطر. # وقوله: {فأخرجنا به أزواجا} أي: أصنافا: الأحمر، والأصفر، ms0955 والأخضر. # وقوله: {من نبات شتى} أي: من نبات متفرقة. # PageV03P335 # وقوله: {كلوا وارعوا أنعامكم} أي: كلوا، وأسيموا أنعامكم ترعى. # وقوله: {إن في ذلك لآيات لأولي النهى} قال ثعلب: لأولي العقول، وقيل: ~~للذين ينتهي إلى رأيهم، وقيل: للذين يتناهون عن المعاصي وينزجرون عنها ~~بعقولهم. # PageV03P335 # قوله تعالى: {منها خلقناكم} أي: من الأرض. # وقوله: {وفيها نعيدكم} أي: عند الموت. # وقوله: {ومنها نخرجكم تارة أخرى} أي: عند الحشر. فإن قيل: في الابتداء لم ~~نخرج عن الأرض، فكيف قال: {تارة أخرى} ؟ . قلنا معناه: ومنها نخلقكم تارة ~~أخرى، فيصح المعنى على هذا. # PageV03P335 # قوله تعالى: {ولقد أريناه آياتنا كلها} هي الآيات التسع التي أعطيها موسى ~~عليه السلام. # وقوله: {فكذب وأبى} أي: كذب بالتوحيد، وأبى عن الإيمان. # PageV03P335 # قوله تعالى: {قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى} معناه: لتأخذ ~~رمنا أرضنا؛ فيكون لك الملك والسلطان، وتخرج من تشاء، وتدخل من تشاء. # PageV03P335 # {فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا ~~سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى فرعون فجمع ~~كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب} # PageV03P336 # قوله: {فلنأتينك بسحر مثله} يعني: مثل سحرك. # وقوله: {فاجعل بيننا وبينك موعدا} أي: موعدا للاجتماع. # وقوله: {لا نخلفه نحن ولا أنت} أي: لا نتخلف نحن ولا أنت. # وقوله: {مكانا سوى} قرىء بالرفع، وقرىء بالكسر. ومعناه: مكانا عدلا، ~~وقيل: منصفا ويقال: في مكان مستوى لا يغيب عن أحد فيها ما يفعل بعضنا ببعض. # قال ابن فارس: وهذا قول الحسن، ويقال: مكانا سوى أي: يستوي في المسافة ~~إليه. # PageV03P336 # قوله تعالى: {قال موعدكم يوم الزينة} قال ابن عباس: يوم الزينة يوم عيد ~~لهم؛ كانوا يجتمعون له، ويقال: يوم الفيروز. وعن عطاء: أنه كره الزينة ~~للأعياد؛ قال: هو من عمل الكفار. # وقوله: {وأن يحشر الناس ضحى} أي: في صدر النهار، وقد جرت العادة أن ~~الأعياد تكون في أول النهار، وكذلك اجتماع الناس في الأمور أكثر ما يكون في ~~أول النهار. # PageV03P336 # وقوله تعالى: {فتولى ms0956 فرعون} معناه: فأعرض، وقيل: ولى الأمر فرعون. # وقوله: {فجمع كيده} أي: مكره وحيلته. # وقوله: {ثم أتى} أي: ثم أتى بالموعد. # PageV03P336 # قوله تعالى: {قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا} قال الضحاك، ~~عن ابن عباس: جمع فرعون سبعين ألفا من السحرة، وذكر مقاتل: حمس عشرة ألفا، ~~وذكر بعضهم: نيفا وسبعين رجلا، وهو قول معروف. # PageV03P336 # {وقد خاب من افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا ~~إن} # وقوله: {ويلكم لا تفتروا علي كذبا} أي: لا تختلقوا على الله كذبا، معناه: ~~لا تكذبوا على الله. # وقوله: {فيسحتكم بعذاب} بنصب الياء، وقرىء: " فيسحتكم " برفع الياء، ~~ومعناه: الاستئصال أي: يستأصلكم بالعذاب، قال الفرزدق شعرا: # (وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف) # وفرق بعضهم بين الرفع والفتح؛ فقال: هو بالنصب أن لا يبقى شيء، وبالرفع ~~أن يبقى بقية، والأصح أن لا فرق. وقيل: فيسحتكم، أي: (شهد) لكم. # وقوله: {وقد خاب من افترى} أي: خسر وهلك من افترى. # PageV03P337 # قوله تعالى: {فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى} قال قتادة: هذا ينصرف ~~إلى السحرة، وإسرارهم النجوى أنهم قالوا: إن كان ما يأتي به موسى سحرا، ~~فسنغلبه، وإن غلبنا فله أمر، وروي أنهم قالوا: إن غلبنا اتبعناه. # PageV03P337 # قوله تعالى: {قالوا إن هذان لساحران} اعلم أن هذه الآية مشكلة في ~~العربية، وفيها ثلاث قراءات: # قرأ أبو عمرو: " إن هذين لساحران "، وقرأ حفص: " إن هذان لساحران "، وقرأ ~~الباقون: " إن هذان لساحران ". # أما قراءة أبي عمرو: فهي المستقيمة على ظاهر العربية، وزعم أبو عمرو أن " ~~هذان " غلط من الكاتب في المصحف. # PageV03P337 # وعن عثمان - رضي الله عنه - أنه قال: أرى في المصحف لحنا، (تستقيمه) ~~العرب بألسنتها. ومثله عن عائشة - رضي الله عنها -. # وأما قراءة حفص: فهي مستقيمة أيضا على العربية؛ لأن إن مخففة يكون ما ~~بعدها مرفوعا، ومعناه: ما هذان إلا ساحران. # وأما قراءة الأكثرين - وهو الأصح - قال الزجاج: لا نرضى قراءة أبي عمرو ~~في هذه الآية؛ لأنها خلاف المصحف، وأما وجه قوله: {إن هذان} فله وجوه في ms0957 ~~العربية: أما القدماء من النحويين فإنهم قالوا: " هو على تقدير: إنه هذان، ~~فحذف الهاء، ومثله كثير في العربية، والوجه الثاني: أن هذا لغة كنانة وخثعم ~~(وزبيد) ، وقال الكسائي: لغة بلحارث بن كعب من كنانة، وأنشد الكسائي شعرا: # (تزود مني بين أذناه ضربة ... دعته إلى هذه التراب عقيم) # وأنشد غيره: # (إن أباها وأبا أباها قد ... بلغا في المجد غايتاها) # وأنشدوا أيضا: # (أي قلوص راكب تراها ... طاروا علاهن فطر علاها) # أي: عليهن. # قال الكسائي: على هذه اللغة يقولون: أتاني الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت ~~بالزيدان، ولا يتركون ألف التثنية في شيء منها. # وأما الوجه الثالث، هو أصح الوجوه، فإن القرآن لا يحمل على اللغة ~~البعيدة؛ وهو أن معنى قوله: {إن هذان} أي: نعم هذان، قال الشاعر: # (بكر العواذل في الصباح ... يلمنني وألومهن) # (ويقلن شيب قد علاك ... وقد كبرت فقلت إنه) # PageV03P338 # {هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم ~~المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا} # أي: نعم # وروي أن أعرابيا أتى عبد الله بن الزبير يطمع شيئا، فلم (يحصل) له طمعه، ~~فقال الأعرابي: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن، وصاحبها، ~~أي: نعم. وفي قراءة أبي بن كعب: " إن ذاك إلا ساحران "، وهي شاذة. # وقوله: {يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما} قد بينا. # وقوله: {ويذهبا بطريقتكم المثلى} أي: بالطريقة المستقيمة التي أنتم ~~عليها، وكانوا يظنون أنهم على دين مستقيم، والمثلى تأنيث الأمثل. وأما ابن ~~عباس قال: بطريقتكم المثلى أي: الرجال الأشراف. # وقال قتادة: أراد به بني إسرائيل، وكانوا أهل يسار (وعزة) . # فقالوا: يريدان أن يذهبا بهؤلاء. والعرب تقول: هؤلاء طريقة القوم أي: ~~أشرافهم. # ومنهم من قال: معناه أهل طريقتكم المثلى. # PageV03P339 # وقوله: {فأجمعوا كيدكم} وقرىء بالوصل: " فاجمعوا ". أما قوله: {فأجمعوا} ~~بالقطع فمعناه: العزيمة والإحكام. قال الأزهري: تقديره: اعزموا كلكم على ~~كيده مجتمعين له، ولا تختلفوا فيختل أمركم. وأما قوله: " فاجمعوا " بالوصل، ~~معناه: جيئوا بكل كيد لكم؛ لتعارضوا موسى. # وقوله: {ثم ائتوا صفا} قال أبو عبيدة: مصطفين، وقال غيره: الصف هو # PageV03P339 # {وقد ms0958 أفلح اليوم من استعلى (64) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون ~~أول من ألقى (65) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها ~~تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) [المصلى] ، ومعناه: ثم ائتوا ~~المكان الموعود. # وقوله: {وقد أفلح اليوم من استعلى} أي: سعد وفاز من كانت له الغلبة في ~~اليوم. # PageV03P340 # قوله تعالى: {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى} ~~معناه: اختر، إما أن تلقي أنت أولا، أو نلقي نحن أولا. # PageV03P340 # قوله تعالى: {قال بل ألقوا} يعني: ابتدءوا أنتم بالإلقاء. فإن قال قائل: ~~إلقاؤهم كان كفرا وسحرا، فهل يجوز أن يأمرهم موسى بالإلقاء الذي هو سحر ~~وكفر؟ الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن هذا أمر بمعنى الخبر، ومعناه: إن ~~كان إلقاؤكم عندكم حجة فألقوا، والثاني: أنه أمرهم بالإلقاء على قصد إبطال ~~سحرهم بما يلقى من عصاه، وهذا جائز. # وقوله: {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} وقرىء بالياء ~~والتاء " تخيل "، فمن قرأ بالتاء، فهو راجع إلى العصي والحبال، فأنثت لأنها ~~جمع، وأما بالياء فينصرف إلى الإلقاء. وفي القصة: أنهم لما ألقوا الحبال ~~والعصي رأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيات، وهي تسعى أي: تذهب وتجيء. ~~واعلم أن التخايل ما لا أصل له. ويقال: إنهم أخذوا بأعين الناس، فظنوا ~~وحسبوا أنها حيات، وقيل: إن حبالهم وعصيهم أخذت ميلا من هذا الجانب، وميلا ~~من ذلك الجانب. # PageV03P340 # قوله تعالى: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} أي: وجد في نفسه خيفة، واختلفوا ~~في هذا الخوف على قولين: # PageV03P340 # {قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما ~~صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا ~~برب} # أحدهما: أنه خوف البشرية، والآخر: خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر، ~~فلا يؤمنوا، ويقال: خاف على قومه أن يشكوا، فيرجعوا عن الإيمان. # PageV03P341 # قوله تعالى: {قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى} أي: الغلبة والظفر لك. # PageV03P341 # قوله تعالى: {وألق ما في ms0959 يمينك تلقف ما صنعوا} أي: تلتقم وتبتلع. # وفي القصة: أنها فتحت فاها، فابتلعت كل ما كان يمر من العصي والحبال، ~~وفرعون يضحك ويظن أنه سحر، ثم قصدت قبة فرعون، وكان طولها في الهواء ~~[أربعين] ذراعا، ففتحت فاها على قدر ثمانين ذراعا، وأرادت أن تلتقم القبة، ~~فنادى فرعون: يا موسى، بحق التربية، قال: فجاء فأخذها، فعادت عصا على ما ~~كانت. # وقوله: {إنما صنعوا كيد ساحر} قرىء " ساحر "، وقرىء " سحر "، فقوله: {كيد ~~ساحر} أي: حيلة ساحر. # وقوله: {كيد سحر} أي: حيلة من سحر. # وقوله: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} في التفسير أن معناه: أين وجد قتل. # وفي بعض المسانيد عن جندب بن عبد الله، أن النبي قال: " إذا أخذتم الساحر ~~فاقتلوه، وقرأ قوله تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} ". # PageV03P341 # قوله تعالى: {فألقي السحرة سجدا} قد بينا من قبل. # وقوله: {قالوا آمنا برب هارون وموسى} أي: بإله هارون وموسى، وقدم هارون ~~على موسى على وفق رءوس الآي. # PageV03P341 # {هرون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن ~~أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي ~~فطرنا فاقض ما أنت} # PageV03P342 # قوله تعالى: {قال آمنتم له قبل أن آذن لكم} ظاهر المعنى. # وقوله: {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} أي: معلمكم الذي علمكم السحر. ~~وحكى الكسائي أن العرب تقول: رجعت من عند كبيري أي: معلمي. # وقوله: {فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} ظاهر المعنى. # وقوله: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} معناه: على جذوع النخل، وذكر كلمة في؛ ~~لأن المصلوب يصلب مستطيلا على الجذع؛ فالجذع يشتمل عليه. # وقوله: {ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى} أي: أنا أقوى أو رب موسى؟ وذكر ~~الكلبي: أن فرعون قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم، وذكر غيره: أنه لم يقدر ~~عليهم، واستدل بقوله تعالى: {لا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما ~~الغالبون} . # PageV03P342 # قوله تعالى: {قالوا لن نؤثرك} أي: لن نختارك. {على ما جاءنا من البينات} ~~أي: الدلالات؛ وكان ms0960 استدلالهم أنهم قالوا: إن كان هذا سحر، فأين حبالنا ~~وعصينا؟ وقيل: من البينات أي: اليقين والعلم. # وقوله: {والذي فطرنا} . فيه قولان: أحدهما: (وقوله) ولن نؤثرك على الذي ~~فطرنا، والآخر: أنه قسم. # وقوله: {فاقض ما أنت قاض} أي: فاصنع ما أنت صانع. # وقوله: {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} أي: أمرك وسلطانك في هذه الحياة ~~الدنيا، وسيزول عن قريب. # PageV03P342 # {قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ~~وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه مجرما فإن ~~له جهنم لا يموت فيها} # PageV03P343 # وقوله: {إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا} أي: ذنوبنا. # وقوله: {وما أكرهتنا عليه من السحر} فإن قيل: كيف يستقيم هذا وقد جاءوا ~~مختارين، وحلفوا بعزة فرعون أن لهم الغلبة على ما ذكر في موضع آخر؟ والجواب ~~عنه: أنه روي عن الحسن البصري أنه قال: كان فرعون يجبر قوما على تعلم ~~السحر؛ لكيلا يذهب أصله، وكان قد أكرههم في الابتداء على تعلمه، فأرادوا ~~بذلك. # وقوله: {والله خير وأبقى} قال محمد بن كعب معناه: والله خير ثوابا إن ~~أطيع، وأبقى عقابا إن عصي. يقال: إن أمر السلطان إكراه؛ فلهذا قالوا: وما ~~أكرهتنا عليه من السحر، لما سجدوا أراهم الله تعالى مواضعهم في الجنة، وما ~~أعد لهم من الثواب والكرامة، فلما رفعوا رءوسهم وقد [رأوا] قالوا ما قالوا. # وعن عكرمة: أصبحوا وهم سحرة، وأمسوا وهم شهداء. # وروي أن الحسن كان إذا بلغ إلى هذه الآية قال: عجبا لقوم كافرين سحرة من ~~أشد الناس كفرا، رسخ الإيمان في قلوبهم حين قالوا ما قالوا، ولم يبالوا ~~بعذاب فرعون، وترى الرجل من هؤلاء يصحب الإيمان ستين سنة، ثم يبيعه بثمن ~~يسير. # وفي القصة: أن امرأة فرعون كانت تستخبر في ذلك اليوم لمن الغلبة، فلما ~~أخبرت أن الغلبة كانت لموسى، أظهرت الإيمان لله، فذكر ذلك لفرعون، فبعث ~~قوما، وقال: انظروا إلى أعظم صخرة، فإن أصرت على قولها، فألقوا عليها ~~الصخرة، فأراها الله تعالى موضعها من الجنة، وقبض روحها، فجاءوا ms0961 وألقوا ~~الصخرة على جسد ميت. # PageV03P343 # قوله تعالى: {إنه من يأت ربه مجرما} قال بعضهم: هذا من قول السحرة، وقال ~~بعضهم: هو ابتداء كلام من الله تعالى. قوله: {مجرما} أي: مشركا. # وقوله: {فإن له نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيى} أي: لا يحيا حياة ينتفع ~~بها، # PageV03P343 # {ولا يحيى (74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ~~(75) جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) ~~ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا} ولا ~~يموت فيستريح، ويقال: إن أرواحهم تكون معلقة بحناجرهم، لا تخرج فيموتون، ~~ولا تستقر في موضعها فيحيون، قال الشاعر: # (ألا من لنفس تموت فينقضي ... شقاها ولا تحيا حياة لها طعم) # PageV03P344 # قوله تعالى: {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات} أي: أدى الفرائض. قال ~~الحسن: من أدى الفراض فقد استكمل الإيمان، ومن لم يؤد الفرائض فلم يستكمل ~~الإيمان. # وقوله: {فأولئك لهم الدرجات العلى} جمع العليا، والعليا تأنيث الأعلى. # PageV03P344 # قوله تعالى: {جنات عدن} قد بينا هذا من قبل، وفي بعض التفاسير عن عمر - ~~رضي الله عنه - قال: جنة عدن قصر له عشرة آلاف باب، لا يعلم سعتها إلا الله ~~ويقال: نهر في الجنة على حافتيه قصور الجنان. # وقوله: {تجري من تحتها الأنهار} قد بينا. # وقوله: {خالدين فيها} أي: مقيمين فيها. # وقوله: {وذلك جزاء من تزكى} أي: تطهير من الذنوب، وقيل: جزاء من قال: لا ~~إله إلا الله. # PageV03P344 # قوله تعالى: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي} أي: سر بهم ليلا. # وقوله: {فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا} أي: ذا يبس، وقيل: يابسا، أي: لا ~~ندوة فيه، ولا بلل. # PageV03P344 # {تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ~~(78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ~~وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) كلوا} # وقوله تعالى: {لا تخاف دركا ولا تخشى} روي أنهم لما بلغوا البحر قالوا: ~~يا موسى، هذا البحر أمامنا، ms0962 وفرعون وجنده وراءنا، فقال الله تعالى: {لا ~~تخاف دركا ولا تخشى} . أي: لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك، ولا تخشى أن ~~يغرقك البحر أمامك، وقرأ حمزة: " ولا تخف " على الأمر. # PageV03P345 # قوله تعالى: {فأتبعهم فرعون بجنوده} قرىء: " فأتبعهم "، وقرىء: " فاتبعهم ~~" أما قوله: {فأتبعهم} أي: بعث في إثرهم جنوده. # وقوله: {فاتبعهم} أي: اتبعهم بجنده. # وقوله: {فغشيهم من اليم ما غشيهم} معناه: غشيهم من البحر ما غرقهم، ~~ويقال: غشيهم من اليم ما غشي قوم موسى فنجا قوم موسى، وغرقوا هم، ويقال: ~~غشيهم من اليم ما أهلكهم. # PageV03P345 # وقوله: {وأضل فرعون قومه وما هدى} أي: وما أرشد، وهو جواب لقول فرعون: ~~{وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} . # PageV03P345 # وقوله تعالى: {يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم} أي: من أعدائكم، ~~ويقال: أراد به فرعون وحده. # وقوله: {وواعدناكم جانب الطور الأيمن} في التفسير: أن الله تعالى وعد ~~موسى أن يؤتيه كتابا من عنده، وهو التوراة، فهو معنى قوله تعالى: ~~{وواعدناكم جانب الطور الأيمن} أي: لإعطاء الكتاب. # وقوله: {ونزلنا عليكم المن والسلوى} قد بيناه في سورة البقرة. # PageV03P345 # وقوله: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} أي: من حلال ما رزقناكم. # PageV03P345 # {من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي ~~فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك ~~عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب} وقوله: {ولا ~~تطغوا فيه} . أي: لا تكفروا النعمة، ويقال: لا تخلطوا الحرام بالحلال، وعن ~~ابن عباس: لا تدخروا ثم لا تدخروا فتدود، ولولا ما صاموا لم يتود طعام. # وقوله: {فيحل عليكم غضبي} قرىء بالكسر والرفع، أما بالكسر فيجب، وأما ~~بالرفع فينزل. # وقوله: {ومن يحلل عليه غضبي} أي: ينزل عليه، وقرىء: " ومن يحلل " أي: ~~يجب. # وقوله: {فقد هوى} أي: هلك، وعن شفي بن ماتع الأصبحي قال: هوى واد في جهنم ~~يهوي فيه أربعين خريفا، ومعنى الآية أي: وقع فيه. # PageV03P346 # قوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب} أي: من الشرك. {وآمن} أي: آمن بالله. ms0963 # وقوله: {وعمل صالحا} أي: أدى الفرائض. # وقوله: {ثم اهتدى} فيه أقوال: قال ابن عباس: لم يشك في إيمانه وعن قتادة ~~قال: مات على الإيمان. وعن سعيد بن جبير: لزم السنة والجماعة. وقال بعضهم: ~~أخلص، وقال بعضهم: عمل (بعمله) وعن ثابت البناني قال: تولى أهل البيت. # PageV03P346 # قوله تعالى: {وما أعجلك عن قومك يا موسى} في القصة: أنه لما جاء مع ~~السبعين الميعاد تعجل بنفسه، وخلف السبعين وراءه، فقال الله تعالى له: {وما ~~أعجلك عن قومك يا موسى} أي شيء حملك على العجلة؟ # PageV03P346 # وقوله: {قال هم أولاء على أثري} أي: يأتوني خلفي. # وقوله: {وعجلت إليك رب لترضى} أي: لتزداد رضا، وعن بعض السلف: أنه # PageV03P346 # {لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع ~~موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم ~~العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) قالوا ما} ~~تعجل شوقا. # PageV03P347 # قوله تعالى: {قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك} أي: أوقعناهم في الفتنة. # قوله: {وأضلهم السامري} أي: ضلوا بسببه، وقد بينا طرفا من هذه القصة في ~~سورة الأعراف. وحكي عن وهب بإسناده عن راشد بن سعد أن الله تعالى لما قال ~~له هذا القول قال: يا رب، من صاغ العجل؟ قال: السامري، قال: فمن أحياه ~~وأظهر منه الخوار؟ قال: أنا، قال: فأنت أضللتهم يا رب، فقال الله تعالى له: ~~يا (رأس) النبيين، أنا رأيت ذلك في قلوبهم فسهلته عليهم. # PageV03P347 # وقوله: {فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا} أي: شديد الحزن لما أصاب قومه من ~~الفتنة. # قوله تعالى: {قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا} معناه: ما وعد من ~~إنزال الكتاب، ومن التنجية من فرعون وقومه، وغير هذا مما وعد وحقق. # وقوله: {أفطال عليكم العهد} كان موسى وعد أن يعود بعد أربعين يوما، فلما ~~مضت عشرون يوما، عدوا النهار عشرين، والليل عشرين، وقالوا قد مضى الوعد. # وقوله: {أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم} . أي: أردتم أن ms0964 تفعلوا فعلا ~~يجب عليكم الغضب من ربكم. # وقوله: {فأخلفتم موعدي} (أو) وعدي. # PageV03P347 # {أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ~~ألقى} # PageV03P348 # قوله تعالى: {قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا} . # قرىء: " بملكنا "، وقرىء: " بملكنا "؛ فقوله: " بملكنا " أي: بطاقتنا، ~~وقوله: " بملكنا " أي: بسلطاننا. وكذلك " بملكنا " بفتح الميم. وأحسن ما ~~قيل في هذا هو أن المرء إذا وقع في البلية والفتنة لم يملك نفسه. وقد ثبت ~~عن النبي في بعض دعواته: " اللهم إذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير ~~مفتون ". # وقوله: {ولكنا (حملنا} ) وقرىء: " حملنا ". في القصة: أنهم استعاروا حلي ~~نساء القبط، ثم لم يردوا حتى خرجوا إلى جانب البحر، فهو معنى قوله: {حملنا ~~أوزارا من زينة القوم} . أي: من حلي القوم، والأوزار: الأثقال، وسمى الحلي ~~أوزارا، لأنهم كانوا أخذوها على وجه العارية، ولم يردوها، فكانت بجهة ~~الخيانة. # ويقال: إن الله تعالى لما أغرقهم نبذ البحر حليهم، فأخذها، ولم تكن ~~الغنيمة حلالا لهم في ذلك الزمان، فسماها أوزارا لهذا المعنى، وقال الشاعر ~~في الأوزار: # (وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا) # وقوله تعالى: {فقذفناها} (روي أن) هارون - عليه السلام - أمر أن يحفر ~~حفرة، ثم أمرهم أن يلقوا تلك الحلي فيها، وأضرم عليها نارا، وفي قول آخر: ~~أن السامري أمرهم بذلك، فهو معنى قوله: {فقذفناها} . # وقوله: {فكذلك ألقى السامري} يعني: ألقى السامري أيضا ما عنده من الحلي. # PageV03P348 # {السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى ~~فنسي (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) } # PageV03P349 # وقوله: {فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار} في القصة: أن النار لما أخلصت ~~الذهب والفضة جاء السامري، وألقى فيه قبضة من التراب، أخذها من تحت حافر ~~فرس جبريل - عليه السلام - وقال: كوني عجلا له خوار، فصار عجلا يخور. # وقوله: {جسدا} قيل: جسدا لا رأس له، وقيل: جسدا لا يضر ولا ينفع، وقال ~~الخليل: العرب تسمي كل ما لا يأكل ولا يشرب جسدا، وكان العجل لا يأكل ولا ~~يشرب ويصيح، والقول ms0965 الأول أضعف الأقوال، واختلفوا في الخوار: فالأكثرون أنه ~~صوت عجل حي، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة وجماعة، وقال مجاهد: هو صوت ~~حفيف الريح، كانت تدخل في جوفه وتخرج، وهو قول ضعيف. # وقوله: {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي} فيه قولان: أحدهما: أن هذا ~~إلهكم وإله موسى، تركه موسى هاهنا، وذهب يطلبه. # والثاني: معناه: فنسي السامري الإيمان بالله، أي: ترك. وقيل: فنسي موسى ~~أن يذكر لكم أن هذا هو الإله. # PageV03P349 # وقوله: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا} في بعض التفاسير: أن العجل خار ~~خوارا واحدا، ولم يعد، فهو معنى قوله: {ألا يرجع إليهم قولا} وقال بعضهم: ~~لا يجيبهم إذا دعوه. # وقوله: {ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} ظاهر المعنى. # فإن قيل: السامري كان كافرا، وهذا الذي ظهر على يده معجزة، فكيف يجوز أن ~~تظهر المعجزة على يد كافر؟ والجواب: أن ذلك كان لفتنة بني إسرائيل ~~وابتلائهم. # وعند أهل السنة هذا جائز، ولا نقول: هو معجزة، ولكنه محنة وفتنة. # وفي بعض الآثار: أن هارون مر على السامري، وهو يصوغ العجل، فقال له: # PageV03P349 # {ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ~~(91) قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) ~~قال يا} ما هذا؟ فقال: هو [شي] ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون: اللهم ~~أعطه على ما في نفسه، فألقى التراب في فم العجل، وقال: كن عجلا يخور، فكان ~~كذلك بدعوة هارون. # وقد قال أهل العلم: إنه ليس من عجل من ذهب يخور بشبهة تقع في أنه إله ~~ومعبود. # PageV03P350 # قوله تعالى: {ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به} أي: ~~ابتليتم به. # {وإن ربكم الرحمن} أي: معبودكم الرحمن، لا ما اتخذتموه معبودا. # وقوله: {فاتبعوني} أي: اتبعوني في عبادة الله. {وأطيعوا أمري} في ترك ~~عبادة العجل. # PageV03P350 # قوله تعالى: {قالوا لن نبرح عليه عاكفين} أي: لن نزل مقيمين على ms0966 عبادته ~~{حتى يرجع إلينا موسى} . # PageV03P350 # قوله تعالى: {قال يا هارون} فيه تقدير، وهو أن موسى رجع، وقال: يا هارون. # وقوله: {ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن} لا زائدة، ومعناه: أن تتبعني. # وقوله: {أفعصيت أمري} أي: خالفت أمري. فإن قال قائل: هل تقولون إن هارون ~~خالف موسى فيما طلب منه، وأنه داهن عبدة العجل، ولم يشدد في منعهم عنها؟ ~~والجواب: أن موسى لم يطلب من هارون إلا أن يخلفه في قومه، وأن يرفق بهم، ~~فرأى هارون أن لا يقاتلهم، وأن الإمساك عن قتالهم أصلح، ورأى موسى أن ~~يقاتلهم، ورأى أن القتال أصلح، فهذا رأي مجتهد خالف رأي مجتهد، ولا عيب ~~فيه، وإنما # PageV03P350 # {بنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بين إسرائيل ~~ولم ترقب قولي (94) } عاتبه موسى في تركه القتال، يعني: لو كنت أنا مكانك ~~كنت أقاتلهم، فهلا فعلت مثل ذلك. # PageV03P351 # قوله تعالى: {قال يابن أم} . قرىء: " يا بن أم " بالنصب و " يابن أم " ~~بالكسر، وقد بينا هذا من قبل. # وقوله: {لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} قال ابن عباس: أخذ رأسه بيمينه، وأخذ ~~لحيته بيساره، ويقال: إن المراد من الرأس شعر الرأس، ويقال: أراد بالرأس ~~الأذن، فإن قال قائل: هذا تهاون بنبي من أنبياء الله، فتكون كبيرة من ~~الكبائر، فكيف وجه فعل هذا من موسى؟ والجواب عنه: أنه يحتمل أنه لم يكن مثل ~~هذا الفعل تهاونا في عادتهم، فكان الأخذ باللحية شبه الأخذ بالكف عندهم، ~~وقال بعضهم: أنه أخذ بلحيته كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه عند الغضب فجعله ~~كنفسه، وقد روي أن عمر - رضي الله عنه - كان إذا غضب جعل يفتل شاربه، وأولى ~~الأجوبة أن هذا فعل الإنسان بمثله وشكله عند الغضب، فتكون صغيرة لا كبيرة، ~~والصغائر جائزة على الأنبياء، وإنما ذكر هارون " الأم "، ولم يذكر " الأب ~~"، ليرققه على نفسه. # وقوله: {إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل} هذا بيان ما رأي من ~~الرأي، يعني: خشيت أن تقول: جعلتهم أحزابا، فحزب عبدوا العجل، وحزب قاتلوا، ms0967 ~~وحزب أمسكوا عن القتال، والتبس عليهم أنه هل يجوز القتال أو لا؟ ، وحزب ~~أنكروا لم يقاتلون؟ فكل هذا التفرق كان جائزا لو قاتل هارون. # وقوله: {ولم ترقب قولي} أي: لم تحفظ قولي، وهذا منصرف إلى قوله: {واخلفني ~~في قومي وأصلح} (وقد بينا أن معنى قوله: {وأصلح} ) أي: ارفق، فرأى أن الرفق ~~أن يكف يده. # PageV03P351 # {قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من ~~أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) قال فاذهب فإن لك في} # PageV03P352 # قوله تعالى: {قال فما خطبك يا سامري} قال أهل التفسير: لما اعتذر هارون ~~بما اعتذر به أقبل موسى على السامري، فقال: {ما خطبك يا سامري} والخطب هو: ~~الجليل من الأمر، ومعنى الآية: ما هذا الأمر العظيم الذي جئت به؟ # PageV03P352 # وقوله: {قال بصرت بما لم يبصروا به} رأيت بما لم يروا، ويقال: فطنت بما ~~لم يفطنوا به. # وقوله: {فقبضت قبضة من أثر الرسول} المعروف: بالضاد المعجمة، وقرأ الحسن ~~البصري: " فقبصت " بالصاد غير المعجمة، والفرق بينهما أن القبض: هو الأخذ ~~بملء الكف، والقبص هو الأخذ بأطراف الأصابع. # وقوله: {من أثر الرسول} يعني: من تراب حافر فرس جبريل، فإن قال قائل: كيف ~~عرف هذا؟ وكيف رأى جبريل من بين سائر الناس؟ والجواب عنه من وجهين: أحدهما: ~~أن أمه لما ولدته في السنة التي كان يقتل فيها الأنبياء، وضعته في كهف حذرا ~~عليه، فبعث الله جبريل ليربيه ويغذيه لما قضى الله على يده من الفتنة، فلما ~~رآه عرفه وأخذ التراب، والوجه الثاني: أن جبريل كان على فرس حصان أبلق، ~~وكان ذلك الفرس تسمى فرس الحياة، وكان كلما وضع (الفرس) حافره على موضع ~~أخضر ما تحت حافره، فعرف أنه فرس الحياة، وكان سمع بذكره، وأن الذي عليه ~~جبريل، فأخذ القبضة. # وقوله: {فنبذتها} أي: ألقيتها في فم العجل، وقد قال بعضهم: إنما خار ~~العجل لهذا؟ وهو أن التراب كان مأخوذا من تحت فرس الحياة. # وقوله: {وكذلك سولت لي نفسي} أي: زينت لي نفسي. # PageV03P352 # قوله تعالى: {قال ms0968 فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس} أي: لا أمس لا # PageV03P352 # {الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت ~~عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذي لا ~~إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد ~~آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) ~~خالدين} أمس، وفي القصة: أن موسى دعا عليه فصار يهيم مع الوحش، وروي أنه ~~كان إذا مس أحدا أو مسه أحد حما جميعا، قال الشاعر: {تميم كرهط السامري ~~وقوله ... ألا لا يريد السامري مساسا} # وقال سعيد بن جبير: كان السامري رجلا من أهل كرمان، ويقال: من باجرما، ~~والأكثرون أنه كان من بني إسرائيل من رهط يقال لهم: السامري. # وقوله: {وإن لك موعدا لن تخلفه} أي: لن تكذبه، ومعناه: أن الله يكافئك ~~على فعلك ولا تفوته، وقرئ: " لن تخلفه " بكسر اللام أي: توافى يوم القيامة ~~لميعاد العذاب ولا تخلف. # وقوله: {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا} أي: ظلت عليه مقيما. # وقوله: {لنحرقنه} وقرئ: " لنحرقنه " من الإحراق، وهما في المعنى واحد، ~~وهو التحريق بالنار، وعن علي وابن عباس - رضي الله عنهما - أنهما قرآ: " ~~لنحرقنه " وهي قراءة أبي جعفر، ومعناه: لنبردنه بالمبرد، وفي قراءة أبي بن ~~كعب: " لنذبحنه ثم لنحرقنه ". # وقوله: {ثم لننسفنه في اليم نسفا} يعني: لنذرينه في البحر تذرية. # PageV03P353 # قوله تعالى: {إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما} أي: ~~وسع علمه كل شيء، وقالوا هذا من فصيح القرآن. # PageV03P353 # قوله تعالى: {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق} أي: من أخبار من تقدم. # وقوله: {وقد آتيناك من لدنا ذكرا} الذكر ها هنا هو: القرآن. # PageV03P353 # قوله تعالى: {من أعرض عنه} أي: عن القرآن. # وقوله: {فإنه يحمل يوم القيامة وزرا} أي: ثقلا، ومعناه: إثما يثقله. # PageV03P353 # {فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (101) يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين ~~يومئذ ms0969 زرقا (102) يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما ~~يقولون} # PageV03P354 # وقوله: {خالدين فيها} أي: مقيمين في عذاب الوزر. # وقوله: {وساء لهم يوم القيامة حملا} أي: بئس الوزر حملهم يوم القيامة. # PageV03P354 # وقوله تعالى: {يوم ينفخ في الصور} وقرأ أبو عمرو: " ويوم ننفخ في الصور " ~~واستدل بما عطف عليه من قوله: {ونحشر المجرمين} وقرأ الباقون: {يوم ينفخ في ~~الصور} وهذا هو الأولى، وقد بينا معنى الصور من قبل. # وقوله تعالى: {ونحشر المجرمين يومئذ زرقا} قال الحسن وقتادة وجماعة: ~~عميا. فإن قال قائل: كيف يستقيم هذا، وقد قال الله تعالى: {ولقد جئتمونا ~~فرادى كما خلقناكم أول مرة} والله تعالى إنما خلقهم بصرا؛ والجواب: أنه حكي ~~عن ابن عباس أن في القيامة تارات وحالات فيحشرون بصرا ثم يعمون. والقول ~~الثاني في قوله: {زرقا} : أنه خضرة العين، فيحشر الكفار زرق الأعين سود ~~الوجوه، والقول الثالث: عطاشا، ومعناه: وقد تغيرت أعينهم من شدة العطش، ~~والقول الرابع: {زرقا} أي: شاخصة أبصارهم من عظم الخوف، قال الشاعر: # (لقد زرقت عيناك يابن مكعبر ... كذا كل ضبي من اللؤم أزرق) # والقول الخامس: {زرقا} أي: أحد البصر؛ لأن الأزرق يكون أحد بصرا. # PageV03P354 # وقوله: {يتخافتون بينهم} أي: يتساررون، ويتكلمون خفية. # وقوله: {إن لبثتم إلا عشرا} أي: ما لبثتم إلا عشرا، وقد قال بعضهم: هذا ~~في " القبر "، وقال بعضهم: في الدنيا، فإن قال قائل: هذا كذب صريح، وقد ~~لبثوا في الدنيا والقبر سنين كثيرة! ، والجواب عنه: أن من شدة هول القيامة ~~يظنون أنهم ما # PageV03P354 # {إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104) ويسألونك عن الجبال فقل ~~ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ~~(107) يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا ~~همسا} لبثوا إلا هذا القدر، وقال بعضهم: إن الله تعالى يرفع العذاب عنهم ~~بين النفختين فيستريحون، فقولهم: {إن لبثتم إلا عشرا} راجع إلى هذا. # PageV03P355 # قوله تعالى: {نحن أعلم بما يقولون} معناه: أني عالم بقولهم وإن خافتوا. # وقوله: {إذ يقول أمثلهم طريقة} تقول ms0970 العرب: فلان أمثل قومه أي: أعدل ~~قومه، ومعنى الآية ها هنا: أعقلهم وخيرهم طريقة في نفسه. # وقوله: {إن لبثتم إلا يوما} أي: ما لبثتم إلا يوما. # PageV03P355 # قوله تعالى: {ويسألونك عن الجبال} قال الحسن البصري: سأل المشركون رسول ~~الله ما يفعل الله بهذه الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {فقل ينسفها ربي نسفا} النسف هو القلع من الأصل، ومعنى النسف في ~~الآية: هو تسيير الجبال أو جعلها هباء جعلها رملا سائلا. # PageV03P355 # وقوله: {فيذرها قاعا صفصفا} أي: يذر أماكن الجبال قاعا صفصفا، والقاع هو ~~المكان الواسع المستوي، والصفصف هو الأملس الذي لا نبات فيه. # PageV03P355 # وقوله: {لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} أي: حدبا ونبكا، ومعناه: انخفاضا ~~وارتفاعا. # PageV03P355 # قوله تعالى: {يومئذ يتبعون الداعي} قال أهل التفسير: الداعي ها هنا هو ~~إسرافيل يضع الصور في فيه، ويقول: أيتها العظام البالية، والجلود المتمزقة، ~~واللحوم المتفرقة، هلموا إلى عرض الرحمن، أو لفظ هذا معناه. # وقوله: {لا عوج له} أي: لا يزيغون يمينا ولا شمالا، وقيل: لا يمكنهم ألا ~~يتبعوه. # وقوله: {وخشعت الأصوات للرحمن} أي: سكنت وخضعت، وقال قتادة: # PageV03P355 # ( {108) يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحي ~~القيوم} ذلت. قال الشاعر: # ((فما) أتى خبر الزبير تصدعت ... سور المدينة والجبال الخشع) # وقوله: {فلا تسمع إلا همسا} الهمس هو الصوت الخفي، ويقال: صوت وطء ~~الأقدام كهمس الإبل، قال الشاعر: # (فباتوا يذبحون وبات يسري ... بصير بالدجى هار هموس) # PageV03P356 # قوله تعالى: {يومئذ لا تنفع الشفاعة} أي: لا تنفع الشفاعة لأحد. # وقوله: {إلا من أذن له الرحمن} أي: إلا لمن أذن الرحمن في الشفاعة له. # وقوله: {ورضي له قولا} أي: قول لا إله إلا الله، وهو القول المرضي عند ~~الله. # PageV03P356 # قوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي: يعلم ما بين أيديهم من ~~الآخرة، وما خلفهم من الأعمال، ويقال: يعلم ما بين أيديهم أي: (لم يخلقهم ~~وهو يريد أن يخلقهم) . # وقوله: ms0971 {وما خلفهم} أي: الذين خلفهم من قبلهم فخلفوهم. # وقوله: {ولا يحيطون به علما} أي: لا يحيطون بالله علما، والله يحيط ~~بالأشياء، ولا يحاط به؛ لأن الإحاطة بالشيء هي العلم بالشيء من كل جهة يجوز ~~أن يعلم، والله تعالى لا يقدر قدره، ولا يبلغ كنه عظمته، وأما سائر الأشياء ~~فإن الله يعلم كل شيء بكل جهة يجوز أن تعلم. # PageV03P356 # قوله تعالى: {وعنت الوجوه للحي القيوم} أي: ذلت الوجوه، وقال طلق بن أبي ~~حبيب: خرت الوجوه للسجود. # وقوله: {للحي القيوم} هو الدائم الذي لم يزل، والقيوم هو القائم بتدبير ~~الخلق، # PageV03P356 # {وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ~~ولا هضما (112) وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم ~~يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من} ~~والقائم على كل نفس بما كسبت. # وقوله: {وقد خاب من حمل ظلما} أي: هلك من حمل شركا، وحمل الشرك هو نفس ~~الإشراك. # PageV03P357 # قوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} ظاهر المعنى. # وقوله: {فلا يخاف ظلما ولا هضما} قوله: {ظلما} أي: يحمل عليه ذنب غيره. ~~{ولا هضما} أي: لا يخاف أن ينقص من حقه، وقيل: ظلما أي: لا يقبل طاعته، و ~~{هضما} أي: ينقص من ثوابه. # PageV03P357 # قوله تعالى: {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا} أي: بلسان العرب. وقوله: ~~{وصرفنا فيه من الوعيد} أي: صرفنا القول فيه بذكر الوعيد. قال قتادة: هو ~~ذكر وقائع الله في الأمم الخالية. # وقوله: {لعلهم يتقون} أي: يتقون الشرك والمعاصي. # وقوله: {أو يحدث لهم ذكرا} أي: يحدث لهم القرآن اعتبارا؛ فيعتبرون به، ~~وقال بعضهم: يحدث لهم الوعيد ذكر العذاب؛ فينزجرون عن المعاصي. وقال بعضهم: ~~أو يحدث لهم ذكرا أي: شرفا لإيمانهم به. # PageV03P357 # قوله تعالى: {فتعالى الله الملك الحق} ارتفع الملك الحق ذو الحق. # وقوله: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} فيه أقوال: المشهور ~~ما ذكره ابن عباس وغيره، أن النبي كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن، تلا أول ~~الآية ms0972 قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ مخافة التفلت منه والنسيان؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية " ومعناها: لا تعجل بقراءة القرآن قبل أن يفرغ جبريل من ~~الإبلاغ. والقول # PageV03P357 # {قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114) ولقد عهدنا إلى آدم من ~~قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس} الثاني: معناها: ولا تطلب الإنزال من الله تعالى، واصبر حتى يأتيك ~~جبريل بما ينزله الله تعالى. والقول الثالث: معناها: ولا تبين للناس ما لم ~~يصلي إليك تأويله، ومعناه: ولا تبين من قبل نفسك. والقول الأول هو المعروف. # وقوله: {وقل رب زدني علما} أي: علما إلى ما علمت، فكان ابن مسعود إذا قرأ ~~هذه الآية قال: اللهم زدني إيمانا ويقينا. وعن مالك بن أنس قال: من شأن ابن ~~آدم ألا يعلم كل شيء، ومن شأن ابن آدم أن يعلم ثم ينسى، ومن شأن ابن آدم أن ~~يطلب من الله علما إلى علمه. # PageV03P358 # قوله تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل} العهد ها هنا هو الأمر. # وقوله: {فنسي} معناه: فترك، وعن ابن عباس: أن الإنسان سمي إنسانا؛ لأنه ~~ينسى. # وقوله: {ولم نجد له عزما} معناه: صبرا، وقيل: حزما، وقال عطية: حفظا لما ~~أمر به والعزم هو توطين النفس على الفعل. # وعن الحسن البصري قال: لو قوبل عقل آدم بعقل جميع ولده لرجحهم، وقد قال ~~الله تعالى: {ولم نجد له عزما} . وعن أبي أمامة الباهلي قال: لو وزن حلم ~~آدم بحلم جميع ولده لرجح حلمه، وقد قال الله تعالى: {ولم نجد له عزما} فإن ~~قيل: أتقولون أن آدم - عليه السلام - كان ناسيا لأمر الله تعالى حين أكل من ~~الشجرة؟ قلنا: يجوز أنه نسي، ومنهم من قال: نسي عقوبة الله تعالى، وظن أنه ~~نهي تنزيه، لا نهي تحريم، ومنهم من قال: ظن أنه إنما نهى عن شجرة بعينها، ~~ولم ينه عن جنس الشجرة. # PageV03P358 # قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى} ظاهر ~~المعنى. # PageV03P358 # {أبى (116) فقلنا يا ms0973 آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة ~~فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا ظمأ فيها ولا ~~تضحى} # PageV03P359 # وقوله: {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} ~~أي: تتعب وتنصب. وقال السدي: بالحرث والحصد والطحن والخبز. وعن سعيد بن ~~جبير: أن الله تعالى أنزل عليه ثورا أحمرا، فجعل يحرث، ويرشح العرق عن ~~جبينه، فذلك شقاؤه. وروي عن سعيد أنه قال: جعل آدم يسوق الثور، وقد تعب، ~~وعرق، فقال: يا حواء، هذا من قبلك، فبقي ذلك في ولده إلى يوم القيامة، ~~فيقولون عند الحراثة: حوحو. ذكره ابن فارس في تفسيره. # قال أبو الحسين بن فارس في تفسيره. وعليه الخبر المعروف برواية أبي هريرة ~~- رضي الله عنه -، عن النبي قال: " لقي آدم موسى - صلوات الله عليهما - ~~فقال: يا آدم، أنت الذي أشقيتنا، وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: يا موسى، ~~أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق. . الخبر بطوله. إلى أن قال: ~~فحج آدم موسى ثلاثا ". وفي بعض الحديث: أن الله تعالى لما أهبط آدم إلى ~~الأرض قال: " لأطعمنك حتى يعرق جبينك، ويتعب بدنك، وفهو معنى قوله: {فتشقى} ~~. فإن قال قائل: كيف لم يقل: فتشقيا، وقد قال من قبل: {فلا يخرجنكما} ؟ # والجواب من وجهين: أحدهما: أن معناه: فتشقيا، ولكنه اكتفى بذكر أحدهما عن ~~الآخر، ونظير هذا قوله تعالى: {عن اليمن وعن الشمال قعيد} أي: قعيدان. # والآخر: أنه قال: {فتشقى} ؛ لأنه هو الكاد والساعي على المرأة، فالتعب ~~عليه. # PageV03P359 # قوله تعالى: {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} ظاهر المعنى. # PageV03P359 # وقوله: {وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} . أي: لا تعطش، ولا يصيبك أذى # PageV03P359 # ( {119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) } الشمس. فإن قيل: ليست في الجنة شمس، فكيف ~~يستقيم هذا الكلام؟ والجواب: أنه مستقيم؛ لأن أهل الجنة في ظل ms0974 ممدود، فلا ~~يصيبهم أذى الشمس مثل ما يصيبهم في الدنيا، وقيل معناه: لا يصيبك حر يؤذيك، ~~ولا تضحى: لا تعرق، والعرب تقول: أضحى فلان إذا بدر للشمس. وفي بعض الآثار: ~~اضح لمن أخدمت له. وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي أبو الخطاب - وولد ليلة ~~مات عمر - رضي الله عنه -: # (رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر) # PageV03P360 # قوله تعالى: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك ~~لا يبلى} أي: لا يخلق ولا يفنى، وقد بينا معنى [شجرة] الخلد من قبل. # PageV03P360 # قوله تعالى: {فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما} أي: عوراتهما. وقال بعض أهل ~~المعاني: بدت عورتهما لهما دون غيرهما؛ لأن الله تعالى قال: {فبدت لهما ~~سوءاتهما} . # وقوله: {وطفقا يخصفان} أي: طلبا. يقال: طفق يفعل كذا، إذا جعل يفعله. # وقوله: {يخصفان} أي: يلصقان الورق بالورق للباسهما. # وقوله: {عليهما من ورق الجنة} أي: للباسهما. # وقوله: {وعصى آدم ربه} قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال: عصى آدم، ولكن لا ~~يقال: آدم عاص؛ لأنه إنما يقال: عاص إذا اعتاد فعل المعصية؛ وهذا كالرجل ~~يخيط ثوبه، يقال: خاط ثوبه، ولا يقال: خياط إلا إذا اعتاد الخياطة. # وأما قوله: {فغوى} معناه: ضل وخاب، والضلال ها هنا بمعنى: أخطأ طريق ~~الحق، والخيبة: فوات ما طمع فيه من الخلود. # PageV03P360 # {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضهم لبعض ~~عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض ~~عن ذكري فإنه له معيشة ضنكا} # وقال ابن الأعرابي: غوى أي: فسد عيشه، وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة ~~إلى التعب. # PageV03P361 # قوله تعالى: {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} أي: اختاره ربه وتاب عليه، ~~أي: قبل توبته. وهدى أي: أرشده إلى الإنابة. # PageV03P361 # قوله تعالى: {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو} وقد بينا من قبل. # وقوله: {فإما يأتينكم مني هدى} أي: بيان. # وقوله: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} أي: لا يضل في الدنيا، ولا ms0975 يشقى ~~في الآخرة. وعن الشعبي أنه قال: أجار الله تعالى من تبع القرآن، وعمل بما ~~فيه أن يضل أو يشقى، ثم تلا هذه الآية. # PageV03P361 # قوله تعالى: {ومن أعرض عن ذكري} أي: عن وحيي. # وقوله: {فإن له معيشة ضنكا} فيه أقوال: # روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا: عذاب القبر. ~~قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: يضغط حتى تختلف أضلاعه. وفي بعض ~~المسانيد هذا عن النبي، ولفظه: " يلتئم عليه القبر، حتى تختلف أضلاعه، ولا ~~يزال كذلك حتى يبعث ". قاله في هذه الآية. # والقول الثاني: قال الضحاك: هو أكل الحرام، وقال بعضهم: هو أن يكسب دون ~~ما يكفيه، والضنك هو الضيق، وقال الحسن: معيشة ضنكا: عذاب جهنم، وقال # PageV03P361 # {ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ~~(125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من ~~أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) أفلم يهد لهم} ~~بعضهم: هو الضريع، والزقوم (في النار) . # وقوله: {ونحشره يوم القيامة أعمى} فقال: أعمى عن الحجة، ويقال: أعمى ~~العين، وقد بينا أنه روي عن ابن عباس أنه قال: يحشرهم بصيرا ثم يعمى، وقيل: ~~أعمى عن الحق، وقيل: أعمى عن كل شيء إلا عن عذاب جهنم. # PageV03P362 # قوله تعالى: {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} معناه: ولم حشرتني ~~أعمى عن الحجة، وقد كنت بصيرا بالحجة؟ وقيل: أعمى العين، وقد كنت بصير ~~العين. # PageV03P362 # قوله تعالى: {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها} أي: تركتها. # وقوله: {وكذلك اليوم تنسى} أي: تترك. قال قتادة: نسوا من الخير، ولم ~~ينسوا من العذاب. # PageV03P362 # قوله تعالى: {وكذلك نجزي من أسرف} أي: من أشرك. # وقوله تعالى: {ولم يؤمن بآيات ربه} ظاهر المعنى. # وقوله: {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} . أي: أعظم وأدوم. # PageV03P362 # قوله تعالى: {أفلم يهد لهم} وقرئ: " نهد " بالنون، فقوله: {يهد} بالياء ~~أي: يهدي القرآن، ومعنى نهدي: نبين، وقوله: " نهدي " أي: نبين نحن، وصلته ~~باللام دليل على أنه بمعنى التبين. # وقوله: {كم أهلكنا قبلهم من ms0976 القرون يمشون في مساكنهم} قال أهل التفسير: # PageV03P362 # {كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي ~~النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) فاصبر على ~~ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح} ~~هذا الخطاب لقريش، وقد كانوا يسافرون إلى الشام، فيرون ديار المهلكين من ~~أصحاب الحجر وثمود وقريات لوط. # وقوله: {إن في ذلك لآيات} أي: لدلالات وعبرا. # وقوله: {لأولي النهى} أي: لأولي العقول، يقال: فلان ذو نهية أي: ذو عقل. # PageV03P363 # قوله تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك} فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ولولا ~~كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى {لكان لزاما} أي: العذاب لزاما، والكلمة هي ~~الحكم بتأخير العذاب، والأجل المسمى هو وعد القيامة، قال الله تعالى: {بل ~~الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} . # وقوله تعالى: {لزاما} أي: العذاب لا يفارقهم. # PageV03P363 # قوله تعالى: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك} أي: صل بأمر ربك. # وقوله: {قبل طلوع الشمس} هو الفجر. {وقبل غروبها} هو العصر {ومن آناء ~~الليل} المغرب والعشاء. والآناء جمع إنى، والإنى: الساعة. # وقوله: {وأطراف النهار} هو الظهر. فإن قيل: كيف سمي أطراف النهار؟ قلنا: ~~لأنه طرف النصف الأول انتهاء، وطرف النصف الثاني ابتداء، وهذا قول قتادة ~~وأكثر المفسرين. وقال بعضهم: أطراف النهار: ساعات النهار للتطوع، وعلى هذا ~~قوله: قبل غروب الشمس دخل فيه الظهر والعصر، وقال بعضهم: أطراف النهار ~~المراد منه الصبح والعصر، وهو مذكور لتأكيد ما سبق. وقد ثبت برواية جرير بن ~~عبد الله البجلي قال: " كنا جلوسا مع النبي، فنظر إلى القمر ليلة البدر، ~~فقال: " إنكم سترون ربكم مثل هذا، وأشار إلى القمر، لا تضامون في رؤيته، ~~فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة # PageV03P363 # {وأطراف النهار لعلك ترضى (130) ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه وزرق ربك خير وأبقى (131) وأمر أهلك ~~بالصلاة} قبل غروب الشمس، وقبل طلوعها فافعلوا، ثم قرأ هذه الآية: {فسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس ms0977 وقبل غروبها} . قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا ~~المكي بن عبد الرزاق، قال: أخبرنا جدي أبو الهيثم، قال: حدثنا الفربري، ~~قال: نا البخاري رضي الله عنه، قال: نا إسحاق بن إبراهيم، عن جرير بن عبد ~~الحميد الضبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عن جرير ... ... ~~الحديث. # قوله: {لعلك ترضى} أي: لعلك ترضى ثوابه، وقرىء: " لعلك ترضى " على ما لم ~~يسم فاعله، أي: تعطى ثوابه. # PageV03P364 # قوله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم} روي عن أبي ~~رافع " أن النبي نزل به ضيف، ولم يكن عنده شيء، فبعث إلى يهودي يستقرض منه ~~طعاما، فأبى إلا برهن، فرهن منه درعه وحزن منه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~". # وقوله: {أزواجا منهم} أي: رجالا، وقيل: أضيافا منهم. # وقوله: {زهرة الحياة الدنيا} . (زينة الحياة الدنيا، وقيل: زهرة الحياة ~~الدنيا) بهجتها وحسنها، وما تروق الناظر منهما. # وقوله: {لنفتنهم فيه} أي: نوقعهم في الفتنة بسببه. # وقوله: {ورزق ربك خير وأبقى} أي: خير لك في الآخرة، وأبقى بركة في ~~الدنيا. # وروي عن أبي بن كعب أنه قال: من لم يتعز بعز الله تعالى تقطعت نفسه ~~حسرات، ومن يتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه، ومن ظن أن نعمة الله ~~تعالى # PageV03P364 # {واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132) وقالوا ~~لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (133) ولو أنا ~~أهلكناهم بعذاب} في مطعمه ومشربه وملبسه، فقد قل عمله وحضر عذابه. # وعن يزيد بن ميسرة، أنه قال: كانوا يسمون الدنيا: خنزيرة، ولو علموا اسما ~~أسوء منه لسموها به، فكانت إذا أقبلت على أحدهم، قال: إليك يا خنزيرة. # PageV03P365 # قوله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} في قوله: {أهلك} قولان: ~~أحدهما: أهل دينك، والآخر: قرابتك وقومك. # وفي بعض المسانيد عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي كان إذا أصاب ~~أهله خير أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} ~~. # وقوله: {لا نسألك رزقا} أي: لا نسألك أن ms0978 ترزق أحدا من خلقي، ولا أن ترزق ~~نفسك، وقيل: ثوابا. # وقوله: {نحن نرزقك} . أي: نوصل إليك رزقك، وقيل: ننشئك. # وقوله: {والعاقبة للتقوى} أي: (لأهل) التقوى. # PageV03P365 # قوله تعالى: {وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه} أي: الآية المقترحة، فإنه ~~كان قد أتاهم بآيات كثيرة. # وقوله: {أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} أي: بيان ما في الصحف ~~الأولى من أنباء الأمم، فإنهم اقترحوا الآيات، فأعطوا ولم يؤمنوا، فأهلكهم ~~الله تعالى، ولو أعطينا هؤلاء أيضا، ولم يؤمنوا ألحقنا إهلاكهم. # PageV03P365 # {من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ~~ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى ~~(135) } # PageV03P366 # قوله تعالى: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله} أي: من قبل إرسال الرسل ~~وإنزال القرآن. # قوله: {لقالوا لولا أرسلت إلينا رسولا} أي: لقالوا يوم القيامة. # وقوله: {فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} أي: نذل في الدنيا، ونخزى في ~~الآخرة. والذل: الهوان، والخزي: الافتضاح. # PageV03P366 # قوله تعالى: {قل كل متربص} روي أن المشركين قالوا: نتربص بمحمد حوادث ~~الدهر، فإذا مات تخلصنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية {قل كل متربص} أي: ~~منتظر. # وقوله: {فتربصوا} أي: فانتظروا. # وقوله: {فستعلمون من أصحاب الصراط السوي} في الشاذ: " من أصحاب الصراط ~~السوى " على وزن فعلى، والمعروف: " السوى ". ومعنى الصراط السوى: الدين ~~القويم. # وقوله {ومن اهتدى} أي: من هدى ورشد، والمهتدون نحن أم أنتم؟ # PageV03P366 # بسم الله الرحمن الرحيم # {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر من ربهم} # تفسير سورة الأنبياء # وهي مكية، قال ابن مسعود: سورة بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء ~~من العتاق الأول، وهن من تلادي. # PageV03P367 # قوله تعالى: {اقترب للناس حسابهم} قوله: {اقترب} : افتعل، من القرب. ~~وقوله: {للناس حسابهم} أي: وقت حسابهم، وقيل: عذابهم، وقد ثبت عن النبي أنه ~~قال: " من نوقش في الحساب عذب. والآية في المشركين دون المؤمنين، وهذا قوله ~~بعضهم، وإنما سمى الساعة قريبة؛ لأنها كانت لا محالة، وكل ما هو كائن لا ~~محالة فهو قريب، ms0979 وأيضا فإن ما بقي من الدنيا في جنب ما مضى (قليل) ، فسمى ~~الساعة قريبة؛ على هذا المعنى، وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية ارتدع ~~المشركون عن بعض ما هم عليه، ثم لما لم يروا للقيامة أثرا انهمكوا فيما ~~كانوا، وهكذا روي أيضا في قوله تعالى: {أتى أمر الله} ، والله أعلم. # وقوله: {وهم في غفلة معرضون} أي: هم غافلون معرضون، وقيل: في اشتغال ~~بالباطل عن الحق، ويقال: وهم في غفلة عما يراد بهم وأريدوا به. # PageV03P367 # قوله تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} استدل المعتزلة بهذا على أن ~~القرآن مخلوق، وقالوا: كل محدث مخلوق، والجواب عنه: أن معنى قوله: {محدث} ~~أي: محدث تنزيله، ذكره الأزهري وغيره، ويقال: أنزل في زمان بعد زمان، قال ~~الحسن البصري: كلما جدد لهم ذكرا استمروا على جهلهم، وذكر النقاش في ~~تفسيره: أن الذكر المحدث هاهنا ما ذكره النبي، وبينه من السنن والمواعظ # PageV03P367 # {محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ~~ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربي يعلم ~~القول في السماء} والدلائل سوى ما في القرآن، وأضافه إلى الرب؛ لأنه قاله ~~بأمر الرب تعالى. # وقوله: {إلا استمعوه وهم يلعبون} أي: استمعوه لاعبين. # PageV03P368 # وله تعالى: {لاهية قلوبهم} أي: غافلة، وقيل: مشتغلة بالباطل عن الحق. قال ~~امرؤ القيس: # (فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول) # أي شغلتها. # وقوله: {وأسروا النجوى} فيه قولان: أحدهما: وأخفوا النجوى، والآخر: ~~وأظهروا النجوى، والعرب تقول: أسر إذا أخفى، وأسر إذا أظهر، وقال بعض أهل ~~اللغة: أسر إذا أخفى بالسين غير المعجمة، وأشر إذا أظهر بالشين المعجمة. ~~قال الشاعر: # (ولما رأى الحجاج جرد سيفه # (أسر) الحروري الذي كان أضمرا) # وقوله: {الذين ظلموا} أي: أشركوا. # وقوله: {هل هذا إلا بشر مثلكم} أنكروا إرسال البشر، وطلبوا إرسال ~~الملائكة. # وقوله: {أفتأتون السحر} أي: تحضرون السحر وتقبلونه. # وقوله: {وأنتم تبصرون} أي: تعلمون أنه سحر. # PageV03P368 # قوله تعالى: {قال ربي يعلم القول في السماء والأرض} يعني: القول يسر ms0980 به، ~~ويجهر به في السماء والأرض. # وقوله: {وهو السميع العليم} ظاهر المعنى. # PageV03P368 # {والأرض وهو السميع العليم (4) بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو ~~شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (5) ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناهم ~~أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون (7) وما} # PageV03P369 # قوله تعالى: {بل قالوا أضغاث أحلام} أي: تهاويل أحلام، ويقال: أخلاط ~~أحلام، ويقال: ما لا تأويل له ولا تفسير. # قال الشاعر: # (أحاديث [طسم] أو سراب بقيعة ... ترقرق للساري وأضغاث حالم) # وقوله: {بل افتراه} أي: اختلقه. # وقوله: {بل هو شاعر} أي: مثل أمية بن الصلت ومن أشبه، والمراد من الآية: ~~بيان تناقضهم في قولهم، وأنهم غير مستقرين على شيء واحد. # وقوله: {فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} بالآيات، وطلبوا آية مثل الناقة ~~أو عصا موسى، ويد موسى، وما أشبه ذلك، وقد كان الله تعالى بين الآيات سوى ~~ما طلبوا. # PageV03P369 # قوله تعالى: {ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها} معناه: ما آمنت قبلهم من ~~أهل قرية طلبوا آية فأعطوا، أي: أعطيناهم الآية، ولم يؤمنوا. وقوله: ~~{أهلكناها} أي: حكمنا بهلاكها. # وقوله: {أفهم يؤمنون} معناه: كما لم يؤمن أولئك، فلا يؤمن هؤلاء. # PageV03P369 # قوله تعالى: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} يعني: أنا لم نرسل ~~الملائكة قبلك إلى الأولين، فنرسل ملكا إلى قومك. # وقوله: {فاسألوا أهل الذكر} الأكثرون على أن المراد بأهل الذكر مؤمنو أهل # PageV03P369 # {جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد ~~فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ~~أفلا تعقلون (10) وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين ~~(11) فلما أحسوا} الكتاب، وعن علي - رضي الله عنه - أنهم علماء هذه الأمة. # وقوله: {إن كنتم لا تعلمون} ظاهر المعنى. # PageV03P370 # قوله تعالى: {وما جعلناهم جسدا} أي: ذوي أجساد. # وقوله: {لا يأكلون الطعام} معلوم. وقوله: {وما كانوا خالدين} أي: في ~~الدنيا، وهذا رد لقولهم: {وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام} الآية. # PageV03P370 # قوله تعالى: {ثم صدقناهم الوعد} ms0981 معناه: صدقناهم الوعد في العقاب والثواب. # وقوله: {فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين} أي: أنجينا المؤمنين، ~~وأهلكنا المكذبين، وكل مكذب مشرك مسرف على نفسه، والسرف: مجاوزة الحد. # PageV03P370 # وقوله تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم} فيه أقوال: أحدها: ~~ذكركم أي: حديثكم، وقيل ذكركم أي: ذكركم ما تحتاجون إليه من دينكم، وقال ~~مجاهد: ذكركم أي: شرفكم، وهو شرف لمن يؤمن به، لا لمن يكفر به. # وقوله: {أفلا تعقلون} أي: أفلا تعتبرون. # PageV03P370 # قوله تعالى: {وكم قصمنا} القصم: الكسر، والفصم - بالفاء - الصدع، وفي ~~الخبر: " يرفع أهل الدرجات العلا إلى غرفة من در ليس فيها قصم ولا فصم ". # وقوله: {من قرية كانت ظالمة} أي: ظلم أهلها. # وقوله: {وأنشئنا بعدها قوما آخرين} أي: فريقا آخرين. # PageV03P370 # وقوله تعالى: {فلما أحسوا بأسنا} أي: (وجدوا عذابنا) ، وقيل: وصل إليهم # PageV03P370 # {بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ~~ومساكنكم لعلكم تسألون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت ~~تلك دعواهم حتى} عذابنا. # وقوله: {إذا هم منها يركضون} أي: يهربون ركضا، يقال: ركض الدابة إذا أسرع ~~في سيرها. # PageV03P371 # قوله تعالى: {لا تركضوا} أي: لا تهربوا. # وقوله: {وارجعوا إلى ما أترفتم فيه} أي: نعمتم فيه، والمترف: المنعم، ~~وقيل: إلى دنياكم {ومساكنكم} التي نعمتم فيها. قال أكثر أهل التفسير: هذه ~~الآيات نزلت في أهل مدينة كفروا، فسلط الله عليهم بعض الجبابرة - وقيل: كان ~~بختنصر - فلما أصابهم عذاب السيف هربوا، فقال لهم الملائكة، والسيوف قد ~~أخذتهم: لا تهربوا، وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم. {لعلكم تسألون} من ~~دنياكم، فتعطون من شئتم، وتمنعون من شئتم، قالوا هذا لهم استهزاء، وقد قيل: ~~هذا في أهل مدينة أصابهم عذاب من السماء، فخرجوا هاربين، وقال لهم الملائكة ~~هذا القول، ويقال في قوله: {لعلكم تسألون} أي: تسألون لم تركتم ما يصلح ~~دينكم وأمر آخرتكم، واشتغلتم بما يوجب العذاب عليكم؟ ويقال: لعلكم تسألون ~~عما عاينتم من العذاب، قالت الملائكة هذا توبيخا لهم. # PageV03P371 # قوله تعالى: {قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين} الويل: دعاء الهلاك. # وقوله: {ظالمين} ms0982 أي: ظالمين لأنفسنا. # PageV03P371 # قوله تعالى: {فما زالت تلك دعواهم} أي: دعاؤهم وقولهم. # وقوله: {حتى جعلناهم حصيدا خامدين} الحصيد: هو المستأصل. # وقوله: {خامدين} أي: ميتين، ومعنى الآية: جعلناهم كأن لم يكونوا. # PageV03P371 # قوله سبحانه وتعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين} أي: # PageV03P371 # {جعلناهم حصيدا خامدين (15) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ~~(16) لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من في ~~السموات والأرض} للعب. # PageV03P372 # قوله تعالى: {لو أردنا أن نتخذ لهوا} اختلفوا في اللهو هاهنا على قولين: ~~أحدهما: أن اللهو هو المرأة، والآخر: أن اللهو هو الولد، وهو في المرأة ~~أظهر؛ فإن الوطء يسمى لهوا في اللغة، والمرأة محل الوطء، قال الشاعر: # (ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي) # وعن بعضهم: أن اللهو هو الغناء، وهو ضعيف في هذا الموضع. # وقوله: {لاتخذناه من لدنا} أي: لاتخذناه من عندنا لا من عندكم، ويقال: ~~اتخذناه بحيث لا ترون) . # وقوله: {إن كنا فاعلين} أي: ما كنا فاعلين، ويقال: إن كنا فاعلين، ولم ~~نفعله؛ لأنه لا يليق بنا. # PageV03P372 # قوله سبحانه وتعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل} الحق هاهنا: قول الله ~~تعالى: " إنه لا ولد له " والباطل قولهم: إن الله اتخذ ولدا، ويقال: إن ~~الحق هو القرآن، والباطل هو الشيطان. # وقوله: {نقذف} أي: نلقي. # وقوله: {فيدمغه} أي: يزيله، يقال: دمغت فلانا إذا كسرت دماغه وقتلته. # وقوله: {فإذا هو زاهق} أي: ذاهب، وهذا من حيث بيان الدليل والحجة، لا من ~~حيث إزالة الكفر أصلا، فإن الكفر والباطل في العالم كثير. # وقوله: {ولكم الويل مما تصفون} قال قتادة: مما تكذبون، وقال الحسن: هو ~~لكل واصف كذبا إلى يوم القيامة. # PageV03P372 # {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل والنهار ~~لا يفترون (20) أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله} # PageV03P373 # قوله تعالى: {وله من في السموات والأرض} أي: من في السموات والأرض ms0983 عبيدا ~~وملكا. # وقوله: {ومن عنده} أي: الملائكة. # وقوله: {لا يستكبرون عن عبادته} . أي: لا يتعظمون عن عبادته، وذكر ابن ~~فارس في تفسيره في خبر: أن الله تعالى لما استوى على عرشه، سجد ملك فلا ~~يرفع رأسه من السجود إلى يوم القيامة، فإذا رفع رأسه يوم القيامة قال: ~~سبحانك، ما عبدتك حق عبادتك غير أني لم أشرك بك، ولم أتخذ لك ندا. # وقوله: {ولا يستحسرون} أي: لا يعيون، يقال: دابة حسيرة إذا كانت عيية، ~~قال كعب الأحبار: التسبيح لهم كالتنفس لبني آدم. # PageV03P373 # قوله تعالى: {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} يعني: يسبحون دائما، لا ~~يضعفون ولا يفنون، واعلم أنه ليس عند الملائكة ليل ولا نهار؛ وإنما المراد ~~بذكر الليل والنهار هاهنا: هو الدوام على التسبيح. # PageV03P373 # قوله تعالى: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون} معنى قوله: {من الأرض} ~~أي: من الخشب والحجارة، (وقد كانت عامة أصنام المشركين من الخشب والحجارة) ~~، وهما من الأرض. # وقوله: {هم ينشرون} أي: يحيون، ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على ~~الإحياء والإيجاد من العدم؛ لأنه الإنعام بأبلغ وجوه النعم، وهذا لا يليق ~~بوصف البشر وكل محدث. وأنشدوا للأعشى في الانتشار: # (لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر) # (حتى يقول الناس مما رأوا ... أيا عجبا للميت الناشر) # PageV03P373 # {لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون} # وقرىء: " ينشرون " بفتح الياء أي: يحيون أبدا، ومعنى الآية هو الإنكار ~~على متخذ الأصنام آلهة، وبيان أنه لا يليق بها الإلهية. # PageV03P374 # قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} قال أكثر أهل التفسير: ~~" إلا " هاهنا بمعنى " غير "، قال الشاعر: # (وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمرو أبيك إلا الفرقدان) # يعني: غير الفرقدين، وهذا على ما اعتقدوا من دوام السماء والأرض. # وقال بعضهم: {إلا الله} " إلا " بمعنى " الواو " هاهنا، ومعناه: لو كان ~~فيهما آلهة والله (أيضا) لفسدتا، ومعنى الفساد في السماء والأرض إذا كان ~~الإله اثنين، هو فساد التدبير وعدم انتظام الأمور بوقوع المنازعة والمضادة، ~~وهو أيضا ms0984 معنى قوله تعالى: {ولعلا بعضهم على بعض} . # وقوله: {فسبحان الله رب العرش عما يصفون} نزه نفسه عما يصفه به المشركون ~~من الشريك والولد. # PageV03P374 # قوله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم (يسألون} ) يعني: لا يسأل عما يحكم ~~على خلقه، والخلق يسألون عن (أفعالهم وأعمالهم) ، وقيل: لا يسأل عما يفعل؛ ~~لأنه كله حكمة وصواب، وهم يسألون عما يفعلون لجواز الخطأ عليهم، وقيل: معنى ~~لا يسأل عما يفعل: لا يقال له: لم؟ ، ولماذا؟ بخلاف الخلق، وفي الآية رد ~~على القدرية، وقطع شبهتهم بالكلية. # وقد روى أبو الأسود الدؤلي أن عمران بن حصين قال له: أرأيت ما يسعى فيه ~~الناس ويكدحون، أهو أمر قضي عليهم أو شيء يستأنفونه؟ فقلت: لا، بل أمر قضي ~~عليهم، قال: أفلا يكون ظلما؟ قلت: سبحان الله {لا يسأل عما يفعل وهم # PageV03P374 # ( {23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من ~~قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي} يسألون) فقال لي: أصبت يا أبا الأسود، وقد أجزت عقلك، ثم روى ~~عمران أن رجلا من جهينة - أو مزينة - أتى النبي قال له: عما يفعل الناس أو ~~يكدحون فيه، أهو شيء قضي عليهم؟ أم شيء يستأنفونه؟ فقال النبي: " هو شيء ~~قضي عليهم، فقال ذلك الرجل: يا رسول الله، أفلا يكون ظلما؟ قال: لا، ثم تلا ~~قوله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} " قال الشيخ: وقد ذكرنا هذا ~~الخبر في كتاب " مسند القدر ". # PageV03P375 # قوله تعالى: {أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم} أي: حجتكم. # وقوله: {هذا ذكر من معي} أي: ذكر من معي (بما) أمروا من الحلال والحرام. # وقوله: {وذكر من قبلي} أي: من يحيى منهم بالطاعة وهلك بالمعصية، وعن ابن ~~عباس قال: ذكر من معي فهو القرآن، وذكر من قبلي هو التوراة والإنجيل، ~~ومعناه: راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب، هل تجدون فيها أن ~~الله اتخذ ولدا؟ # وقوله: {بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون} ظاهر ms0985 المعنى. # PageV03P375 # قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون} أي: وحدون. # PageV03P375 # قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} قال قتادة: قال طائفة من ~~المشركين: إن الله تعالى صاهر الجن، فالملائكة بناته. # PageV03P375 # {إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ~~بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن ~~يقل منهم إني} # وقوله: {سبحانه} نزه نفسه عما قالوا. # وقوله: {بل عباد مكرمون} أي: عبيد مكرمون. # PageV03P376 # قوله تعالى: {لا يسبقونه بالقول} هذا ثناء من الله على الملائكة، ومعنى ~~قوله: {لا يسبقونه بالقول} أنهم لا يقولون قولا بخلافه، وهذا مثل قوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} أي: لا تقولوا ~~قولا بخلاف الكتاب والسنة، وقد ثبت برواية عائشة - رضي الله عنها - عن ~~النبي أنه قال: " من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد ". والإحداث في الدين ~~أن يقول بخلاف الكتاب والسنة. # وقوله: {وهم بأمره يعملون} معناه: أنهم لا يخالفونه، لا قولا، ولا عملا، ~~ويقال معناه: إذ أمر بأمر أطاعوا، فإذا قال لهم: افعلوا قالوا: طاعة. # PageV03P376 # قوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي: ما قدموا وأخروا، وقيل: ~~ما بين أيديهم هو الآخرة، وما خلفهم أعمالهم. # وقوله: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} معناه: إلا لمن قال: لا إله إلا الله، ~~ويقال: إلا لمن رضي الله عنه عمله. # وقوله: {وهم من خشيته مشفقون} أي: من عذابه. # PageV03P376 # قوله تعالى: {ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي ~~الظالمين} . فإن قيل: هل قال أحد من الملائكة إني إله من دونه؟ (قلنا) ~~معناه: لو # PageV03P376 # {إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) أو لم ير الذين ~~كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي ~~أفلا يؤمنون} قالوا، ولم يقولوا، والجواب المعروف: أن المراد ms0986 منه إبليس ~~لعنه الله؛ فإنه دعا الناس إلى طاعته، فهو معنى قوله: {ومن يقل منهم إني ~~إله} وهذا دليل على أن من دعا إنسانا إلى طاعته في معصية الخالق فكأنه قال: ~~اعبدني أو اتخذني إلها. # PageV03P377 # قوله تعالى: {أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما} فإن قال قائل: قد قال: أو لم ير الكفار، [و] لم يروا شيئا من ~~هذا ولا المسلمون! والجواب عنه: أن معناه أو لم يعلموا بإخبارك إياهم، ~~وقيل: أو لم يخبروا. وأما الرتق في اللغة هو السد، والفتق هو الشق، قال ~~الشاعر: # (يهون عليهم إذا يغضبون ... سخط العداة وإرغامها) # (ورتق الفتوق وفتق الرتوق ... ونقض الأمور وإبرامها) # وأما معنى الآية: قال ابن عباس: قوله: {كانتا رتقا} أي: كان السماء ~~والأرض ملتصقين، ففتقناهما بالهواء، وقال غيره: معناه: كان السماء شيئا ~~واحدا، ففتقناها، وجعلناها سبع سموات، وكانت الأرض شيئا واحدا ففتقناها، ~~وجعلناها سبع أرضين، والقول الثالث قاله مجاهد: فتقنا السماء بالمطر، ~~والأرض بالنبات. # وقوله: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} فإن قال قائل: قد خلق بعض ما هو حي ~~من غير الماء، فكيف يستقيم قوله: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} ؟ وأيضا فإن ~~الإنسان قد يموت بالماء، والشجر والنبات قد يهلك بالماء؟ والجواب من وجهين: ~~أحدهما: أن الماء هاهنا هو النطفة، والحي هو الآدمي، ومعناه: كل شيء حي من ~~الآدمي. والجواب الثاني: أن هذا على وجه التكثير، وأكثر الأحياء في الأرض ~~إنما هو مخلوق من الماء أو بقاؤه بالماء، فاستقام معنى الآية من هذا الوجه. # PageV03P377 # ( {30) وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم ~~يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) وهو الذي ~~خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) } # وقوله: {أفلا يؤمنون} ظاهر المعنى. # PageV03P378 # قوله تعالى: {وجعلنا في الأرض رواسي} أي: جبالا ثوابت، وقيل: ثقالا، قال ~~الشاعر: # (رسا أصله تحت الثرى وسمائه ... إلى النجم فرع لا ينال طويل) # وقوله: {أن تميد بهم} . أي: كراهة أن تميد بهم، والميد: ms0987 الحركة. # وقوله: {وجعلنا فيها فجاجا سبلا} الفج هو الواسع بين الجبلين. # وقوله: {سبلا} أي: طرقا مسلوكة. # وقوله: {لعلهم يهتدون} أي: يهتدون إلى الحق. # PageV03P378 # قوله تعالى: {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} أي: محفوظا من وقوعه على الأرض، ~~وهو معنى قوله تعالى: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} ويقال معناه: ~~محفوظا عن الشياطين بالشهب. # وقوله: {وهم عن آياتها معرضون} آياتها: شمسها وقمرها ونجومها وارتفاعها ~~واستمساكها بغير عمد، وغير ذلك. # PageV03P378 # قوله تعالى: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر} المعروف عن ابن ~~عباس برواية عكرمة أنه قال: إن الله تعالى خلق الليل قبل النهار، وقرأ قوله ~~تعالى: {أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا} أي: كانتا ~~مظلمة بالرتق ففتقتا بالضياء. # وقوله: {والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} أي: يجرون، ويقال يدور # PageV03P378 # {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة ~~الموت} بهم فلك دون السماء، ويقال: يدور بهم السماء، والله أعلم؛ وإنما ذكر ~~{يسبحون} ولم يقل: يسبح على ما يقال لما لا يعقل؛ لأنه ذكر عنهم ما يذكر من ~~العقلاء، وهو الجري والسبح، فذكر على ما يعقل. # PageV03P379 # قوله تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} كانوا يقولون: نتربص بمحمد ~~ريب المنون، فقال تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} يعني: أن الموت ~~طريق معهود مسلوك لا بد منه لكل حي. # وقوله: {أفإن مت فهم الخالدون} معناه: أفهم الخالدون إن مت؟ وقد روي " أن ~~النبي لما توفي دخل أبو بكر - رضي الله عنه - ووضع فمه بين عينيه ويده على ~~جانب رأسه، وقال: يا رسول الله، طبت حيا وميتا، ثم قرأ قوله تعالى: {وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون} وقد كان عمر يقول: إنه لم ~~يمت، فلما تلا أبو بكر هذه الآية، فكأن الناس لم يسمعوا هذه الآية إللا ذلك ~~الوقت، وأعرضوا عن عمر (وقوله) ، وعلموا أنه قد مات ". # PageV03P379 # قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} قد بينا من قبل. # وقوله: {ونبلوكم بالشر والخير} أي: ms0988 بالرخاء والشدة، والصحة والسقم، ~~وبالإشقاء والإسعاد، وغير ذلك مما يختلف على الإنسان، وقيل: بالشر والخير ~~أي: بما يحبون ويكرهون، ويقال: الشر غلبة الهوى على الإنسان، والخير العصمة ~~من المعاصي، قاله سهل بن عبد الله. # PageV03P379 # {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) وإذا رآك الذين كفروا إن ~~يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36) ~~خلق الإنسان} # وقوله: {فتنة} أي: محنة وخبرة. # وقوله: {وإلينا ترجعون} أي: تردون. # PageV03P380 # قوله تعالى: {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا} أي: ما يتخذونك ~~إلا هزوا. # وقوله: {أهذا الذي يذكر آلهتكم} أي: يعيب آلهتكم، يقال: فلان يذكر فلانا ~~أي: يعيبه، وفلان يذكر الله أي: يعظمه ويجله. # وقوله: {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} قال هذا؛ لأنهم كانوا يقولون: لا ~~نعرف الرحمن إلا مسيلمة، وهم " الثانية صلة. # PageV03P380 # قوله تعالى: {خلق الإنسان من عجل} فيه أقوال: أحدها: سرعة وتعجيل، ~~والإنسان هو آدم - صلوات الله عليه - وقد خلقه الله تعالى من غير ترتيب خلق ~~سائر الآدميين من النطفة، والعلقة، والمضغة، وغيره، وهذا قول حسن. والقول ~~الثاني: من عجل أي: عجولا، ويجوز أن يكون المراد من الإنسان جميع بني آدم، ~~وأما ابن عباس فإنه قال: هو آدم لما نفخ الله فيه الروح وبلغ صدره، أراد أن ~~يقوم، فهو عجلته. وذكر الكلبي: أنه لما نفخ فيه الروح نظر إلى الشمس فإذا ~~هي تغرب، فقال: اللهم أتم خلقي قبل أن تغرب الشمس، فهو عجلته. والقول ~~الثالث: خلق الإنسان والعجلة منه، وقيل: والعجلة فيه، وهذا على طريق ~~المبالغة، والعرب تقول للشرير: خلقت من الشر، وكذلك تقول: خلق فلان من ~~الخير إذا ذكر على طريق المبالغة. # والقول الرابع: قوله: {خلق الإنسان من عجل} أي: من طين. قال الشاعر: # (والنبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل) # أي: الطين. # PageV03P380 # {من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ~~ظهورهم ولا هم ينصرون (39) بل تأتيهم ms0989 بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا ~~هم ينظرون (40) } # وقوله: {سأريكم آياتي فلا تستعجلون} هذا في المشركين، فإنهم كانوا ~~يستعجلون القيامة على ما قال الله تعالى في موضع آخر: {يستعجل بها الذين لا ~~يؤمنون بها} وقال بعضهم: {سأريكم آياتي} أي: مواعدي. وقوله: {فلا تستعجلون} ~~أي: لا تطلبوا العذاب مني قبل وقته، وإنما نزلت هذه الآية؛ لأن النضر بن ~~الحارث كان قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء أو ائتنا بعذاب أليم. # PageV03P381 # قوله تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} ظاهر المعنى. # PageV03P381 # قوله تعالى: {لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون} أي: لا يدفعون. # وقوله: {عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم} ظاهر المعنى. # وقوله: (ولا هم ينصرون) . أي: لا يمنعون من العذاب، وفي الآية جواب محذوف ~~ومعناه: لعلموا صدق وعدنا. # وقوله: {لو يعلم} في ابتداء الآية معناه: لو يرى. # PageV03P381 # قوله تعالى: {بل تأتيهم بغتة} أي: القيامة فجأة. # وقوله: {فتبهتهم} . أي: تحيرهم، يقال: فلان مبهوت أي: متحير، وهو معنى ~~قوله تعالى: {فبهت الذي كفر} . # وقوله: {فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون} أي: يمهلون. # PageV03P381 # قوله تعالى: {ولقد استهزىء برسل من قبلك} ظاهر المعنى. # PageV03P381 # {ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ~~(41) قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) ~~أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون ~~(43) بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها} # وقوله: {فحاق بالذين سخروا منهم} أي: نزل بالذين سخروا منهم. {ما كانوا ~~به يستهزئون} أي: جزاء استهزائهم. # PageV03P382 # وقوله تعالى: {قل من يكلؤكم} أي: يحفظكم. قال الشاعر: # (إن سليمى فالله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها) # وقوله: {بالليل والنهار من الرحمن} أي: من عذاب الرحمن، والله تعالى يحفظ ~~العباد من عذاب نفسه. # وقوله: {بل هم عن ذكر ربهم معرضون} ظاهر المعنى. # PageV03P382 # قوله تعالى: {أم لهم آلهة تمنعهم من ms0990 دوننا} أي: تمنع العذاب عنهم من ~~دوننا. # وقوله: {فلا يستطيعون نصر أنفسهم} أي: منع أنفسهم. # وقوله: {ولا هم منا يصحبون} أي: يجارون، يقال: أجارك الله أي: حفظك، ~~وتقول العرب: صحبك الله أي: حفظك ونصرك، وقد قيل: يصحبون أي: ينصرون. # PageV03P382 # قوله تعالى: {بل متعنا هؤلاء وآباءهم} أي: أملينا وأمهلنا، ويقال: متعنا ~~أي: أعطيناهم النعمة. # وقوله: {حتى طال عليهم العمر} أي: امتد بهم الزمان. # وقوله: {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} الأكثرون: أن هذا ~~هو ظهور النبي، وفتحه ديار الشرك أرضا أرضا وبلدة بلدة، والدليل على صحة ~~هذا # PageV03P382 # {أفهم الغالبون (44) قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ~~ينذرون (45) ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين ~~(46) ونضع} التأويل أنه قال: {أفهم الغالبون} أي: ليست الغلبة لهم؛ إنما ~~الغلبة لي ولرسولي، وعن ابن جريج قال: ما ينقص من سائر الأرضين يزاد في ~~الشام، وما ينقص من الشام يزاد في أرض فلسطين، وبها المحشر. وقال عكرمة: لو ~~نقص من الأرض ما وجد أحد مكانا يقعد فيه، ولكن المراد من الآية ذهاب خيارها ~~وعلماؤها، ويقال: هو موت أهلها، وقيل: خرابها. # PageV03P383 # قوله تعالى: {قل إنما أنذركم بالوحي} أي: بالقرآن. # وقوله: {ولا يسمع الصم الدعاء} وقرىء: " لا يسمع الصم الدعاء "، وقرأ عبد ~~الرحمن المقرىء: " لا تسمع الصم الدعاء "، وأما المعروف هو ظاهر المعنى، ~~والصم هم الكفار، وسماهم صما، لأنهم لم يسمعوا ما ينفعهم. # وقوله: {إذا ما ينذرون} أي: يخوفون بالوحي. # PageV03P383 # قوله تعالى: {ولئن مستهم نفحة} النفحة هي: الدفعة اليسيرة، تقول العرب: ~~نفح فلان بالسيف على هذا المعنى، وهي بخلاف ... والنفخة لا بد فيها من خروج ~~الريح من الخوف، ومعنى {ولئن مستهم نفحة} أي: طرف من عذاب ربك، وقيل: أدنى ~~شيء من عذاب ربك. # وقوله: {ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين} معناه: يا هلاكنا، إنا كنا ~~مشركين، كأنهم أقروا على أنفسهم باستحقاق العقوبة. # PageV03P383 # قوله تعالى: {ونضع الموازين القسط} معناه: ذوات القسط، والقسط، العدل، ~~وفي المشهور في الأخبار: أن الميزان ms0991 له لسان وكفتان، وفي بعض المأثور: أن ~~داود - عليه السلام - قال: يا رب: أرني الميزان الذي يوزن به أعمال العباد، ~~فأراه إياه، # PageV03P383 # {الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من ~~خردل أتينا بها} وكل كفة منه مثل ما بين المشرق والمغرب، فقال: يا رب: ومن ~~يملأ هذا من الحسنات؟ فقال: باداود، إذا رضيت عن عبدي ملأته بكسرة أو تمرة ~~والله أعلم. # وأما كيفية الوزن فقد قال بعضهم إنه يوزن الحسنات والسيئات، وقيل: يوزن ~~خواتيم الأعمال، وقال بعضهم: الميزان علامة يعرف بها مقادير استحقاق الثواب ~~والعقاب، والصحيح هو الميزان حقيقة، فإن قيل: قد قال في موضع آخر: {فلا ~~نقيم لهم يوم القيامة وزنا} فكيف التوفيق بين الآيتين؟ والجواب عنه: أن ~~معنى قوله: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} أي: لا يستقيم وزنهم على الحق، ~~فإن ميزانهم شائل ناقص خفيف، ويقال: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} أي: ~~ثوابا، قال بعض الخوارج في ضربة ابن ملجم لعلي رضي الله عنه: - # (يا ضربة من تقى ما أراد بها ... إلا ليدرك من ذي العرش رضوانا) # (إني لأذكر يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا) # أي ثوابا، ونحن نبرأ من معنى هذا الشعر ومن قائله. # وقوله تعالى: {فلا تظلم نفس شيئا} أي: [لا] يزاد في سيئاته، ولا ينقص من ~~حسناته. # وقوله: {وإن كان مثقال حبة من خردل} أي: زنة حبة خردل. # وقول: {أتينا بها} أي: أحضرناها؛ لنجازى عليها. # وقرىء في الشاذ: " آتينا بها " بمد الألف، من الإيتاء أي: جازينا بها أو ~~أعطينا بها. # وقوله: {وكفى بنا حاسبين} أي: محاسبين، وقيل: حافظين عالمين، وقيل: ~~محصين. # PageV03P384 # {وكفى بنا حاسبين (47) ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا ~~للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر ~~مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا ~~به عالمين (51) إذ قال} # PageV03P385 # قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} فيه قولان: أحدهما: أنه ~~التوراة، والآخر: أنه البرهان الذي فرق به بين ms0992 حق موسى وباطل فرعون. # وقوله: {وضياء} وقرىء بغير الواو، فأما بالواو فهو صفة أخرى للتوراة، إذا ~~حملنا الفرقان على التوراة، وإن حملناه على البرهان، فمعناه: أعطيناه ~~البرهان، وأعطيناه التوراة التي هي ضياء، فأما بغير الواو فمعنى الفرقان ~~على هذا ليس إلا التوراة، وقوله: {وضياء} صفة لها. # وقوله: {وذكرا للمتقين} أي: تذكيرا للمتقين. # PageV03P385 # قوله تعالى: {الذين يخشون ربهم بالغيب} إنما قال: {بالغيب} ؛ لأن ~~المؤمنين يخشونه ولا يرونه، فأما هو يراهم وليسوا بغيب عنه. وقوله: {وهم من ~~الساعة مشفقون} أي: خائفون. # PageV03P385 # قوله تعالى: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} قد بينا معنى المبارك، وقيل: يتبرك ~~به أي: يطلب منه الخير. # وقوله: {أفأنتم له منكرون} مذكور على وجه التوبيخ والذم لإنكارهم. # PageV03P385 # قوله تعالى: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل} في الرشد قولان: أحدهما: ~~أنه الهداية، والآخر: أنه النبوة. # وقوله: {من قبل} فيه قولان: أحدهما: من قبل البلوغ، وهو حين خرج من ~~السرب، وهو صغير، ونظر إلى النجوم والشمس والقمر فاستدل، كما ذكرنا في سورة ~~الأنعام، والقول الثاني: من قبل أي: من قبل موسى وهارون. # وقوله: {وكنا به عالمين} أي: عارفين. # PageV03P385 # {لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا ~~آباءنا لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا ~~أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي ~~فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا ~~مدبرين (57) فجعلهم جذاذا} # PageV03P386 # قوله تعالى: {إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} ~~أي: الأصنام التي أنتم عليها مقيمون للعبادة. # PageV03P386 # قوله تعالى: {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} معناه: وجدناهم كذلك ~~فاتبعناهم. # PageV03P386 # قوله تعالى: {قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} أي: في خطأ بين، ~~والبين الواضح، والمبين الموضح. # PageV03P386 # قوله تعالى: {قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين} أي: بالصدق والجد، ~~أم أنت من الهازئين؟ # PageV03P386 # قوله تعالى: {قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن} أي: خلقهن. # وقوله: {وأنا على ذلكم من الشاهدين} أي: ms0993 على أنه الإله الذي لا يستحق ~~العبادة غيره، وأن الأصنام ليست بآلهة، وقيل: وأنا من الشاهدين على أنه ~~خالق السموات والأرض. # PageV03P386 # قوله تعالى: {وتالله لأكيدن أصنامكم} الكيد: إيصال ضر بالغير بضرب من ~~التدبير، وقيل: الكيد شبه المحاربة. # وفي مغازي الرسول غزا موضع كذا، فلم يلق كيدا، أي: حربا. # وقوله: {بعد أن تولوا مدبرين} أي: بعد أن تدبروا منطلقين إلى عيدكم، فإن ~~قيل: كيف يتصور كيد الأصنام، وهي لا تعقل؟ قلنا: سنبين وجه كيده لها. # PageV03P386 # قوله: {فجعلهم جذاذا} قرىء: " جذاذا " و " جذاذا " وفي الشاذ " جذاذا "، ~~فقوله: " جذاذا " بالرفع هو مثل الحطام والرفات، وقوله: " جذاذا " بالكسر ~~فهو جمع # PageV03P386 # {إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن ~~الظالمين} الجذيذ، مثل الخفيف والخفاف، ومعناه: أنه قطعها وكسرها، أي: ~~جعلها قطعة قطعة، وكسرة كسرة. # وفي القصة: أنهم لما مروا إلى عيدهم قالوا له: ألا تخرج معنا؟ فقال: لا، ~~إني سقيم، ومعناه: ما برد بعد، ثم قال في نفسه: تالله لأكيدن أصنامكم، ~~فسمعه رجل منهم، ومروا ولم يبق في البلد أحد، فجاء إلى بيت أصنامهم، ومعه ~~فأس، وكان في البيت اثنان وسبعون صنما، بعضها من حجر، وبعضها من فضة، ~~وبعضها من ذهب، وغير ذلك، والصنم الكبير من الذهب، وهو مكلل بالجوهر، ~~وعيناه ياقوتتان تتقدان، وهو على هيئة عظيمة، فأخذ الفأس، وكسر الكل إلا ~~الكبير، فإنه تركه وعلق الفأس في عنقه، وقيل: ربطه بيده، فهذا هو كيد ~~الأصنام، ومعناه: [أنه] كادهم على ما يعتقدون فيهم، فهذا معنى قوله: ~~{فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم} ، وأنشدوا في الجذاذ شعرا: # (جذذ الأصنام في محرابها ... ذاك في الله العلي المقتدر) # وقوله: {لعلهم إليه يرجعون} فيه قولان: أحدهما: لعلهم عنده يرجعون من ~~الشرك أي: عند هذا الفعل، والقول الثاني: لعلهم إلى الكبير يرجعون، ومعناه: ~~أنهم إذا رأوا أمثال الصنم الكبير مقطعة مكسرة، وعرفوا أنه مثلهم، ولم يكن ~~عندهم دفع، عرفوا أنه لا دفع عنده أيضا، وأما قول من قال: إن معنى الآية: ~~{لعلهم إليه يرجعون} : أن الكبير ms0994 هو الذي فعل بهم ذلك حمية وأنفة، فهو قول ~~باطل؛ لأنه لا يدخل في عقل أحد أن الصنم الكبير يكسر الأصنام الصغيرة، ~~وإنما علق الفأس في عنق الكبير تعييرا لهم وتبكيتا، وقيل: على طريق إلزام ~~الحجة، فإن اعتقادهم يوجب هذا، وهو أن الكبير لا يرضى بالأصنام الصغار مع ~~هو لو كانوا يعقلون. # PageV03P387 # قوله تعالى: {قالوا من فعل هذا بآلهتنا} فيه تقدير، وهو أنهم رجعوا ~~ودخلوا على الأصنام، فلما رأوها قالوا كذلك. # PageV03P387 # ( {59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) قالوا فأتوا به على ~~أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) ~~قال بل فعله} # وقوله: {إنه لمن الظالمين} أي: من المجرمين. # PageV03P388 # قوله تعالى: {قالوا سمعنا فتى} أي: شابا {يذكرهم} أي: يعيبهم، وفي القصة: ~~أن ذلك الرجل الذي سمع منه ذكر كيد الأصنام قال هذا. # وقوله: {يقال له إبراهيم} معلوم. # PageV03P388 # قوله تعالى: {قالوا فأتوا به على أعين الناس} في القصة: أن الملك - وهو ~~نمروذ - قال هذا القول، ومعناه: جيئوا به على مشهد الناس. # وقوله: {لعلهم يشهدون} فيه قولان: أحدهما: أنهم يشهدون عذابه إذا عذبناه، ~~والقول الآخر: لعلهم يشهدون أي: يسمعون قول الرجل أنه قال كذا في الأصنام، ~~قال السدي: كره الملك أن يعاقبه بغير بينة. # PageV03P388 # قوله تعالى: {قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم} طلبوا منه الإقرار ~~والاعتراف بما فعل. # PageV03P388 # قوله تعالى: {قال بل فعله كبيرهم هذا} اعلم أنه قد ثبت عن النبي برواية ~~أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي قال: " إبراهيم كذب ثلاث ~~كذبات " - وفي رواية: " في الله " - قوله: {بل فعله كبيرهم} ، وقوله: {إني ~~سقيم} ، وقوله لسارة: هذه أختي ". قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الحديث ~~أبو علي الشافعي قال أبو الحسن بن [فراس] ، قال: نا أبو جعفر الديبلي، قال: ~~نا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: نا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد. . ~~الحديث. # PageV03P388 # {كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا ~~إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ms0995 ينطقون ~~(65) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ~~ولما تعبدون من} قال أهل المعاني: قال إبراهيم ما قال بإذن الله تعالى لقصد ~~الصلاح، وهو مثل ما أذن ليوسف أن يقول للإخوة: " أيتها العير إنكم لسارقون، ~~وقال بعضهم، هو قول يخالف لفظه معناه، ولكل تأويل، أما قوله: {بل فعله ~~كبيرهم} أي: على زعمكم واعتقادكم، وهو على وجه إلزام الحجة، كما بينا على ~~تحقيق الخبر، وقال بعضهم معناه: بل فعله كبيرهم هذا {فسألوهم إن كانوا ~~ينطقون} ، قاله على سبيل الشرط، قال النحاس: وفي هذا التأويل بعد، وهو ~~مخالف للأخبار الثابتة، وأما قوله: {إني سقيم} أي: سأسقم وقيل معناه: سقيم ~~أي: مغتم بضلالتكم، فكأنه سقيم القلب بذلك، وأما قوله لسارة: هذه أختي أي: ~~أختي في الدين، والأولى ما ذكرناه من المعنى الأول، وهو قول أهل السنة، وهو ~~أن الله تعالى أذن له فيه. # PageV03P389 # قوله تعالى: {فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون} معناه: رجعوا ~~إلى فكرهم وعقولهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون يعني: بعبادتكم ما لا يدفع ~~عن نفسه شيئا. # PageV03P389 # قوله تعالى: {ثم نكسوا على رءوسهم} قال أهل التفسير: أجرى الله تعالى حقا ~~على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، فهو معنى قوله: {ثم نكسوا ~~على رءوسهم} ومعناه: رجعوا إلى شركهم، ويقال: نكس المريض إذا رجع إلى حاله ~~الأول، وقيل: نكسوا على رءوسهم أي: رجعوا، ومعناه: إلى الاحتجاج عن ~~الأصنام. # وقوله: {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} ومعناه: فكيف نسألهم؟ . # PageV03P389 # قوله تعالى: {قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم} ~~معناه: لا ينفعكم إن عبدتموه، ولا يضركم إن تركتم عبادته. # PageV03P389 # وقوله: {أف لكم} أي: نتنا وقذرا لكم. وقوله: {ولما تعبدو من دون الله} # PageV03P389 # {دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ~~(68) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) } أي: الأصنام. # وقوله: {أفلا تعقلون} أي: أليس لكم عقل تعرفون هذا؟ . # PageV03P390 # قوله تعالى: {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم} التحريق هو التقطيع بالنار، ~~واختلفوا أن ms0996 القائل لقوله: {حرقوه} من كان؟ فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - ~~قال: هو رجل من أكراد فارس، وقال غيره: هو نمروذ الجبار، وعن بعضهم: أنه ~~رجل يقال له: (هيرون) خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. # وقوله: {وانصروا آلهتكم} قال الأزهري معناه: عظموا آلهتكم بإحراقه، وقيل: ~~وادفعوا عن آلهتكم. # وقوله: {إن كنتم فاعلين} يعني: إن كنتم ناصرين لها أي: للآلهة. # قوله تعالى: {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما} في القصة: أنهم بنوا أتونا ~~بقرية من قرى كوثى، وجمعوا الأحطاب مدة. وعن السدي قال: كان الرجل منهم ~~يمرض فيوصي بشراء الحطب وإلقائه فيه، والمرأة تغزل فتشتري الحطب بغزلها ~~فتلقيه فيه، ثم أوقدوا عليها سبعة أيام، ثم ألقوا فيها إبراهيم. وروي أنهم ~~لم يعلموا كيف يلقونه فيها؟ فجاء إبليس - عليه ما يستحق - وعلمهم عمل ~~المنجنيق، فوضعوه فيه، وطرحوه في النار. # وعن بكر بن عبد الله المزني قال: لما طرح إبراهيم في النار ضجت الخليقة، ~~وقالت: يا رب، إن خليلك يلقى في النار، فقال الله تعالى: إنه خليلي، ليس لي ~~خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه، فلم يستغث ~~بأحد. ومن المعروف أنه قال حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل. وروي ~~أنه قال: سبحانك لا إله إلا أنت رب العالمين، ولك الحمد لا شريك لك. وعن ~~كعب الأحبار # PageV03P390 # وقتادة أنهما قالا: جعل كل شيء يطفيء عنه النار إلا الوزغة، فإنه جعل ~~ينفخ في النار، فأمر الرسول بقتله. # وفي بعض الأخبار عن النبي: " من قتل وزغا فكأنما قتل كافرا ". # PageV03P391 # وقوله: {قلنا يا نار كوني بردا} أي: ذات برد، قال أهل المعاني: يحتمل أنه ~~خلق بردا في النار بدل الحر، ويحتمل أنه أحال بين النار وبين إبراهيم. # وقوله {وسلاما} (روي) عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لو لم يقل: ~~{وسلاما} لقتلته البرد ومثله عن كعب. # وعن قتادة قال: لم تحرق منه إلا وثاقه. # ومن المعروف في الآثار: أنه لم ينتفع في ذلك اليوم بنار ms0997 في العالم. # وقوله: {على إبراهيم} لو لم يقل: {على إبراهيم} بقيت ذات برد أبدا، وفي ~~القصة: أنهم لما طرحوه في النار، وجعلها الله عليه بردا وسلاما، قال نمروذ ~~وأصحابه: إنه قد سحر النار، فقال أبو لوط - وكان كافرا - اطرحوا فيه رجلا ~~آخر وجربوه، فطرحوا فيها رجلا آخر فأكلته النار في الحال. # وفي بعض الغرائب من المسانيد عن النبي: " أنه لما طرح إبراهيم في النار ~~بعث الله جبريل إليه، وبعث معه بطنفسة من طنافس الجنة، وقميص من قمص الجنة، ~~فأقعده على الطفنسة، وألبسه القميص وقعد معه يحدثه ". وروي: " أنهم نظروا ~~فإذا هو في روضة تهتز ". # PageV03P391 # {وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي ~~باركنا فيها للعالمين (71) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين ~~(72) وجعلناها أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وكانوا لنا} # PageV03P392 # وقوله {وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} فمعنى الأخسرين ها هنا: أنهم ~~خسروا السعي والنفقة، ولم يحصل لهم مرادهم، وقال بعضهم: معناه: أن الله ~~تعالى أرسل على نمروذ وقومه البعوض، فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم، ودخلت ~~بعوضة في رأس نمروذ حتى أهلكته، ذكره مقاتل وغيره. # PageV03P392 # قوله تعالى: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} يعني: ~~الشام، وبركتها كثرة مياهها وأشجارها، وعموم الخصب بها، حتى يعيش فيها ~~الفقير والغني بعيش طيب، ويقال: بركتها كثرة الأنبياء بها، وفي الآية قول ~~آخر: هو أن المراد من الأرض التي بارك فيها هي مكة، وقيل: مصر، والأصح هو ~~الأول؛ لأنه مشهور أنه خرج وامرأته - يعني: إبراهيم - إلى حران، ثم من حران ~~إلى الشام، وأما لوط فإنه ابن أخي إبراهيم، وكان خرج معه. # PageV03P392 # قوله تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} قال ابن عباس: النافلة هو ~~يعقوب، وأما إسحاق فليس بنافلة؛ لأن الله تعالى أعطاه إسحاق بدعائه، وإنما ~~زاد يعقوب على ما دعا، والنافلة هي الزيادة، وقال مجاهد: كلاهما نافلة، ~~والأصح هو الأول. # وقوله: {وكلا جعلنا صالحين} ظاهر المعنى. # PageV03P392 # وقوله تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} يعني: يرشدون بأمرنا. # وقوله: ms0998 {وأوحينا إليهم فعل الخيرات} معناه: العمل بالشرائع. # وقوله: {وإقام الصلاة} أي: المحافظة عليها. # {وإيتاء الزكاة} معناه: وإعطاء الزكاة. # وقوله: {وكانوا لنا عابدين} أي: موحدين. # PageV03P392 # {عابدين (73) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من ~~الصالحين (75) ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم (76) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء ~~فأغرقناهم أجمعين (77) وداود وسليمان إذ} # PageV03P393 # قوله تعالى: {ولوطا آتيناه حكما وعلما} # وقوله: {ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث} القرية: هي سدوم، ~~وأما الخبائث قيل: إتيانهم الذكور، ويقال هو: [التضارط] في الأندية. # وقوله: {إنهم كانوا قوم سوء فاسقين} ظاهر المعنى. # PageV03P393 # قوله تعالى: {وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين} ظاهر المعنى. # PageV03P393 # قوله تعالى: {ونوحا إذ نادى من قبل} نداؤه هو قوله: {أني مغلوب فانتصر} ، ~~(وقيل هو قوله:) {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} . # وقوله: {فاستجبنا له} أي: أجبناه. # وقوله: {فنجيناه وقومه من الكرب العظيم} في القصة: أنه كان أطول الأنبياء ~~عمرا، وأشد الأنبياء بلاء، وروي أنه كان يضرب في اليوم سبعين مرة. # وقوله: {من الكرب العظيم} أي: من الغرق، وقيل: من الغم والضيق. # PageV03P393 # قوله تعالى: {ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا} أي: منعناه وحفظناه. # {إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين} ظاهر المعنى. # PageV03P393 # قوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} اختلف القول في الحرث: # PageV03P393 # {يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ~~ففهمناها} # قال ابن عباس: كان كرما قد بدت عناقيده، وقال قتادة: كان زرعا، وأما ~~القصة فيه: فروي أنه كان رجلان لأحدهما حرث وللآخر غنم، فدخل الغنم في حرث ~~صاحبه ليلا، فأكلت وأفسدت، حتى لم يبق شيء - وهو معنى قوله: {إذ نفشت فيه ~~غنم القوم} والنفش هو الرعي ليلا، والهمل هو الرعي نهارا - فلما أصبحا جاء ~~صاحب الحرث يخاصم صاحب الغنم عند داود، فقال داود: خذ برقبة الأغنام فهي لك ~~بدل حرثك، وكان سليمان ثم فقال: ms0999 يا نبي الله، أو غير ذلك؟ هذا قول ابن ~~مسعود، أن سليمان ثمه. # وقال غيره: أنهما خرجا فمرا على سليمان، وذكرا له حكم داود، فقال: قد كان ~~ها هنا حكم هو أرفق بالرجلين، فذكر ذلك لأبيه داود، فدعاه وسأله بحق ~~الأبوة، فقال: تسلم الغنم إلى صاحب الحرث، ينتفع بألبانها وسمونها ~~وأصوافها، وتسلم الحرث إلى صاحب الغنم يقوم عليه، حتى إذا عاد إلى ما كان ~~عليه ليلة نفشت فيه الغنم سلمت الحرث إلى صاحبه؛ فهذا معنى قوله تعالى: ~~{ففهمناها سليمان} وأخذ داود بذلك. # وأما قوله: {وكنا لحكمهم شاهدين} أي: لم يغب عنا حكمهما جميعا، وكان ~~بعلمنا ومرامنا. # PageV03P394 # قوله تعالى: {ففهمناها سليمان} قد بينا المعنى. # واختلف العلماء أن داود حكم ما حكم بالاجتهاد أو بالوحي؟ وكذلك سليمان، ~~فقال بعضهم: إنهما فعلا بالاجتهاد، وقالوا: يجوز الاجتهاد للأنبياء؛ ~~ليدركوا ثواب المجتهدين، إلا أن داود أخطأ، وسليمان أصاب، والخطأ يجوز على ~~الأنبياء إلا أنهم لا يقرون عليه، واختلفوا [في] أنه هل يجوز على نبينا ~~الخطأ في الحكم كما يجوز على سائر الأنبياء؟ قال أبو علي بن أبي هريرة: لا ~~يجوز؛ لأن شريعته ناسخة، وليس # PageV03P394 # بعده نبي، وقال غيره: يجوز كما يجوز على سائر الأنبياء. وقد روي " أن ~~امرأة أتت النبي وقالت: إن زوجي توفي فأين أعتد؟ فقال لها: اعتدي أين شئت، ~~فلما ولت دعاها وقال: سبحان الله امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب " والخبر ~~غريب. # وروي أن رجلا أتى النبي وقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت صابرا محتسبا، ~~هل يحجزني من الجنة شيء؟ قال: لا، ثم دعاه وقال: " إلا الدين، سارني به ~~جبريل " وهو خبر معروف، والخبران يدلان على أنه يجوز أنه يخطئ، إلا أنه لا ~~يقرر عليه. # والقول الثاني في أصل الحكومة: هو أن داود وسليمان - عليهما السلام - ~~حكما بالوحي، إلا أن ما حكم به داود كان منسوخا، والذي حكم به سليمان كان ~~ناسخا، وقال هؤلاء القوم: لا يجوز للنبي أن يجتهد في الحوادث؛ لأنه مستغن ~~بالوحي عن الاجتهاد، وقد قال الله تعالى: ms1000 {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي ~~يوحى} ، والأول هو الأصح. # وأما حكم هذه المسألة في شريعتنا: فاعلم أن ما أفسدت الماشية بالليل ~~عندنا مضمون على صاحبها، وما أفسدت بالنهار فلا ضمان، والحجة فيه ما روى ~~الزهري، عن حرام بن محيصة عن أبيه: " أن ناقة البراء بن عازب دخلت حرث قوم ~~فأفسدته، فارتفعوا إلى النبي فقضى بأن حفظ الماشية على أربابها ليلا، وأن ~~حفظ الحرث على أربابها نهارا " وهذا أحسن حكم يكون؛ لأن العادة جرت أن ~~المواشي تحفظ # PageV03P395 # {سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا ~~فاعلين} بالليل، وتسيب بالنهار، وأما الحروث والزروع تحفظ بالنهار، ويتعذر ~~حفظها بالليل. # قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الحديث القاضي الإمام الوالد، قال: نا أبو ~~سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، قال: أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، ~~قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري قال: [حدثنا] عبد الرزاق، عن معمر، عن ~~الزهري ... . الخبر. # وقوله: {وكلا آتينا حكما وعلما} وقد بينا. # فإن قيل: قد كان داود حكم بما حكم به، والحادثة إذا جرى فيها حكم الحاكم ~~لا يجوز أن تنقض بغيره، فكيف وجه هذا؟ والجواب: يحتمل أنه كان طولب بالحكم، ~~ولم يحكم بعد، إلا أنه ذكر وجه الحكم، وقال بعضهم: إنه كان حكم بالاجتهاد، ~~فلما قال سليمان ما قال، نزل الوحي أن الحكم ما قال. # وقوله: {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير} قيل: تسبيحها صلاتها، وقيل: ~~تسبيحها هو الثناء على الله بالطهارة والتقديس، وقد روي أن الجبال كانت ~~تجاوب داود بالتسبيح، وروي أنه كان إذا قرأ سمعه الله تسبيح الجبال والطير؛ ~~لينشط في التسبيح، ويشتاق إليه. # وقوله: {وكنا فاعلين} . أي: قادرين على ما نريد، وقيل معناه: فعلنا ما ~~فعلنا بالتدبير الصحيح. # PageV03P396 # قوله تعالى: {وعلمناه صنعة لبوس لكم} اللبوس ها هنا هو الدرع، وفي اللغة: ~~اللبوس ما يلبس، قال قتادة: لم يسرد الدرع، ولم يحلقه أحد قبل داود، وكان ~~قبله # PageV03P396 # ( {79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) ~~ولسليمان ms1001 الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء ~~عالمين (81) ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم ~~حافظين (82) } يتخذ الدرع من صفائح، فلما عمل هو الدرع جمع الخفة والحصانة. # وقوله: {لتحصنكم من بأسكم} أي: من بأس عدوكم. # وقوله: {لتحصنكم} قرئ بقراءات: بالياء والتاء والنون، أما الياء فمعناه: ~~ليحصنكم اللبوس، وقيل: ليحصنكم الله، وأما التاء فمعناه: لتحصنكم الصنعة، ~~وأما بالنون ينصرف إلى الله. # وقوله: {فهل أنتم شاكرون} يعني: يا دود وأهل بيته، هل أنتم شاكرون؟ . # PageV03P397 # قوله تعالى: {ولسليمان الريح عاصفة} الريح العاصفة هي التي يشتد هبوبها، ~~فإن قيل: قد قال في موضع آخر: {رخاء حيث أصاب} والرخاء: اللين؟ والجواب ~~عنه: أنه كان إذا أراد أن تشتد اشتدت، وإذا أراد أن تلين لانت. # وقوله: {تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها} في القصة: أنه كان يسير ~~من الشام إلى اصطخر تحمله الريح غدوة، ويسير من اصطخر إلى الشام تحمله ~~الريح عشية. # وقوله: {وكنا بكل شيء عالمين} يعني: أنه ما غاب عنا شيء من الأشياء. # PageV03P397 # قوله تعالى: {ومن الشياطين من يغوصون له} الغوص هو النزول في قعر البحر، ~~فكان الشياطين يفعلون ذلك لسليمان؛ لاستخراج الدر والجواهر. # وقوله: {ويعملون عملا دون ذلك} أي: سوى الغوص، وهو معنى: {يعملون له ما ~~يشاء من محاريب وتماثيل} الآية. # وقوله: {وكنا لهم حافظين} . # PageV03P397 # {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) } # قال الفراء والزجاج معنى ذلك: أنا حفظنا الشياطين من أن يفسدوا ما عملوا. ~~وفي القصة: أن سليمان كان إذا بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له: ~~إذ فرغ من عمله قبل الليل، أشغله بعمل آخر؛ لئلا يفسد ما عمل، وكان من عادة ~~الشيطان أنه إذا فرغ من العمل، ولم يشغل بعمل آخر يخرب ما عمل، ويفسده، ~~فهذا معنى قوله تعالى: {وكنا لهم حافظين} على ما ذكرنا من الفراء والزجاج، ~~وروي عن ابن عباس أيضا. # PageV03P398 # قوله تعالى: {وأيوب إذ نادى ربه} أي: دعا ربه. # وقوله: {أني مسني ms1002 الضر} أي: البلاء والشدة، وقيل: الجهد. # وقوله: {وأنت أرحم الراحمين} أي: أرحم من يرحم. # واعلم أن قصة أيوب طويلة، وذكر في التفسير منها، وكذا نذكر بعضها، فروي ~~عن الحسن البصري: أن الله تعالى أعطى أيوب مالا وولدا، ثم أهلك ماله وولده. ~~وذكر وهب بن منبه وغيره: أنه كان ذلك لتسليط إبليس على ماله وولده، قال ~~الحسن: فلما بلغه هلاك ماله وولده، حمد الله حمدا كثيرا وقال: اللهم إنه ~~كان يشغلني مالي وولدي عن عبادتك، والآن قد فرغ لك سمعي وبصري وقلبي وليلي ~~ونهاري. قال وهب: ثم ابتلاه الله تعالى في جسمه، وكان إبليس يحسده في كثرة ~~عبادته وكثرة ثناء أهل السماء عليه فقال: يا رب، لو ابتليته لقصر في ~~عبادتك، فقال الله تعالى له: سلطتك على جسمه سوى قلبه ولسانه وعقله - هذا ~~قول وهب وغيره، والله أعلم - ثم ظهر البلاء في جسم أيوب، واشتد به البلاء ~~غاية الشدة حتى قرح جميع جسده وتدود، واجتنبه جميع قومه، وألقي على مزبلة ~~من مزابل بني إسرائيل، ولم يقربه أحد غير امرأته كانت تتصدق الناس وتطعمه، ~~واختلفوا في مدة بلائه: فقال ابن عباس: سبع حجج، وقال وهب: ثلاث أحوال. # PageV03P398 # وأما قوله: {أني مسني الضر} ففي القصة: أنه لم يدع الله تعالى بكشف الضر ~~في تلك المدة الطويلة إلى أن بلغ وقت الكشف ثم دعا، واختلفوا في سبب دعائه: ~~قال الحسن: كان سبب ذلك أن جماعة من أصدقائه رأوا به ذلك البلاء الشديد ~~فقالوا: لو كانت عبادتك التي كنت تفعل لله تعالى خالصا ما أصابك هذا ~~البلاء. قال حبيب بن أبي ثابت: لم يدع الله تعالى بالكشف حتى ظهرت ثلاثة ~~أشياء أكره ما يكون: أما الأول: فقدم عليه صديقان له من الشام حين بلغهما ~~خبره، فجاءا إليه، ولم يبق منه إلا عيناه، ورأيا أمرا عظيما، فقالا له: لو ~~كان لك عند الله منزلة ما أصابك هذا، والثاني: أن المرأة طلبت طعاما فلم ~~تجد شيئا تطعمه، فباعت ذؤابتها، وحملت إليه طعاما، وذكرت له ذلك، والثالث: ~~أن ms1003 إبليس اللعين لما رأى صبره جزع جزعا شديدا، فاتخذ تابوتا وجع فيه أدوية، ~~وقعد على طريق امرأته يداوي الناس، فمرت عليه امرأته، فلما رأت ذلك قالت: ~~أيها الرجل، إن عندي مريضا أفتداويه؟ قال: نعم، وأشفيه، قالت: ما تريد؟ ~~قال: لا أريد شيئا إلا أن يقول حين أشفيه: أنت شفيتني، فذهبت وذكرت ذلك ~~لأيوب - عليه السلام - فقال: هو إبليس قد خدعك، والله لئن شفاني الله ~~لأضربنك مائة جلدة. # وروي أن إبليس جاء إلى أيوب ووسوس إليه، أن امرأته زنت، وأنه قطعت ~~ذؤابتها لذلك، فحينئذ عيل صبره لهذه الأشياء فدعا وقال: {أني مسني الضر} . # فإن قال قائل: أليس أن الله تعالى سماه صابرا، وقد ترك الصبر حين دعا؟ ~~قلنا: لا، لم يترك الصبر، فإن ترك الصبر بإظهار الشكوى إلى الخلق، فأما ~~بإظهارها إلى الله تعالى فلا يكون تركا للصبر. # وعن سفيان بن عيينة أنه قال: إذا أظهر الشكوى إلى الخلق، وهو راض بقضاء ~~الله، فإنه لا يكون تاركا للصبر أيضا. # وقد روي عن النبي " أن جبريل دخل عليه في مرض الموت فقال: كيف تجد نفسك؟ ~~فقال: يا جبريل، أجدني مغموما، أجدني مكروبا ". # PageV03P399 # {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم} # وروي أنه قال لعائشة - صلوات الله (عليه) -: " بل أنا وارأساه " الخبر ~~بطوله. # وفي القصة: أن الدودتين كانتا [تقتتلان] على جسده، فكان يفرق بينهما، ~~ويقول لهما: كلا من رزق الله. # PageV03P400 # قوله تعالى: {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر} روي أن الله تعالى أنبع له ~~عينا، وأمره أن يغتسل فيها فاغتسل فيها، وخرج كأصح ما يكون. # وقوله: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قال ابن مسعود وابن عباس والحسن: رد ~~إليه أهله وأولاده بأعيانهم، وهذا هو القول المعروف، وظاهر القرآن يدل ~~عليه، وهو أيضا مروي برواية جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي، وذكر ~~في هذا الخبر: أن الله تعالى رد المرأة شبابها، فولدت له ستة وعشرين ولدا ~~بعد ذلك، وفي هذا الخبر أيضا: أن الله تعالى بعث إليه ملكا وقال: ms1004 إن ربك ~~يقرئك السلام بصبرك، فاخرج إلى ضياع أندرك، فخرج إليه، فأرسل الله عليه ~~جرادا من ذهب، قال: فطارت واحدة فاتبعها وردها إلى أندره، فقال له الملك: ~~أما يكفيك ما في أندرك حتى تتبع الخارج؟ فقال: هذه بركة من بركات ربي، لا ~~أشبع من بركته. # قال الشيخ الإمام: أخبرني بهذا أبو علي بن بندار بإسناده عن إسماعيل بن ~~أبي زياد، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. # وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس: أن الله تعالى أمطر على أيوب # PageV03P400 # {رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84) وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من} ~~جرادا من ذهب، فجعل يقبضه في ثوبه ويجمع ذلك، فقيل له: ألا تشبع؟ فقال: إنه ~~من فضل ربي، ولا أشبع من فضله. قال الشيخ الإمام: أنا بهذا أبو علي الشافعي ~~قال: أنا ابن فراس قال: أنا الديبلي قال: أنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ~~قال: أنا سفيان، عن عمرو ... الأثر. # وفي الآية قول آخر: وهو أن معنى قوله: {وآتيناه أهله} أي: ثواب أهله ~~{ومثلهم معهم} أي: مثل ذلك كأنه ضوعف له الثواب، وعن عكرمة قال: " خير أيوب ~~بين أن يرد عليه أهله بأعيانهم، وبين أن يعطى مثل أهله وأولاده، فاختار أن ~~يردوا بأعيانهم ومثلهم معهم فأعطي ذلك. # وقوله: {رحمة من عندنا} أي: نعمة من عندنا. # وقوله: {وذكرى للعابدين} أي: وعظا واعتبارا للعابدين. # PageV03P401 # قوله تعالى: {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل} أما إسماعيل وإدريس فقد ذكرناه، ~~وأما ذو الكفل قال ابن عباس: كان في بني إسرائيل نبي، وكان مع ذلك ملكا، ~~فلما حضرته الوفاة جمع بني إسرائيل فقال: من يكفل لي أن يقوم الليل لا ~~يفتر، وأن يصوم النهار ولا يفطر، وأن يقضي بالحق ولا يغضب؟ فقام شاب وقال: ~~أنا أكفل ذلك، فجعله خليفته، وقبض ذلك النبي، وقام بما كفل به فسمي ذا ~~الكفل. قال ابن عباس فيما روي عنه في هذه القصة: إن إبليس اللعين لما رأى ~~ذلك حسده، فجاء في هيئة شيخ ضعيف نصف النهار، وكان ذو الكفل يقيل ms1005 ساعة في ~~نهاره، فدخل عليه وقال: إن لي غريما، وهو يمطلني فأحب أن تقوم معي، وتستوفي ~~حقي منه، وذكر كلاما كثيرا، فقام وخرج معه، فلما خرج معه ساعة اعتذر إليه ~~وقال: إن صاحبي قد هرب، فرجع ذو الكفل، وقد ذهب وقت القائلة، ففعل هكذا ~~ثلاثة أيام، ولم يره يغضب في شيء من ذلك، وقد ذهب نومه في الأيام الثلاث، ~~فقال إبليس له عند ذلك: أنا إبليس، وقد حسدتك ولم أقدر عليك، وقد وفيت بما ~~قلت. هذا هو القول المعروف. # PageV03P401 # {الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) وذا النون إذ ~~ذهب} # وفي الآية قول آخر: وهو أن ذا الكفل رجل كفل أن يصلي كل ليلة مائة ركعة ~~إلى أن يقبضه الله، فوفي بذلك فسمي ذا الكفل، واختلف القول أنه كان نبيا أو ~~لم يكن نبيا، قال بعضهم: كان نبيا، وقال بعضهم: كان عبدا صالحا، ولم يكن ~~نبيا. # وقوله: {كل من الصابرين} أي: على طاعتنا. # PageV03P402 # قوله تعالى: {وأدخلناهم في رحمتنا} . قال بعض أهل المعاني: إن قوله: ~~{وأدخلناهم في رحمتنا} أبلغ من قوله: ورحمناهم؛ لأن قوله: {وأدخلناهم في ~~رحمتنا} يقتضي أنهم غمروا بالرحمة، وقوله: ورحمناهم يقتضي أنه أصابهم ~~رحمته. # وقوله: {إنهم من الصالحين} ظاهر المعنى، والصلاح اسم يجمع جميع خصال ~~الخير. # PageV03P402 # وقوله تعالى: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا} النون: السمكة. قال الشاعر: # (يا حبذا القصر نعم القصر والوادي ... وحبذا أهله من حاضر بادي) # (ترقى قراقيره والوحش راتعة ... والضب والنون والملاح والحادي) # وقوله: {إذ ذهب مغاضبا} . قال الشعبي، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير: ~~أي: مغاضبا لربه، وأما ابن عباس قال: أراد به مغاضبا لقومه، والقول الثالث: ~~مغاضبا للملك الذي كان في زمانه. # وأما القول الأول فقد كرهه كثير من العلماء؛ لأن من غضب ربه فقد ارتكب ~~كبيرة عظيمة، وذكر بعضهم: أن معنى غاضب ربه أي: أمر ربه، وسبب ذلك أنه وعد ~~قومه أن العذاب يأتيكم يوم كذا، وخرج من بينهم، فلما كان ذلك اليوم، ورأى ~~قوم يونس العذاب، خرجوا وضجوا إلى الله تعالى ms1006 على ما ذكرنا في سورة يونس، ~~فرد الله عنهم العذاب، فلما بلغ يونس أن العذاب لم ينزل على قومه غضب، فما ~~كان غضبه، لا كراهة بحكم الله، ولكن كراهة أن يسمى كذابا، فهذا معنى هذا ~~القول. # PageV03P402 # {مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه} # وأما قول ابن عباس وهو المختار فإنه خرج مغاضبا لقومه حين لم يؤمنوا، وهو ~~حسن صحيح لا اعتراض عليه. # وأما قول من قال: إنه غاضب الملك، فروى عطية العوفي عن ابن عباس أنه كان ~~في بني إسرائيل ملك، وكان مع ذلك نبيا يوحى إليه، وكان قد غزا بني إسرائيل ~~قوم، فدعا الملك يونس، وأرسله إلى أولئك القوم، فقال يونس: أمرك الله بهذا ~~أو سماني لك؟ قال: لا، ولكن أرسلك، فغضب وخرج من بينهم متوجها إلى البحر. # وقوله: {فظن أن لن نقدر عليه} وقرأ ابن عباس: " فظن أن لن نقدر عليه "، ~~وهو شاذ، وقرأ ابن عامر: " فظن أن لن نقدر عليه ". واعلم أن في الآية سؤالا ~~معروفا يعد من مشكلات القرآن، وهو أنه قال: {فظن أن لن نقدر عليه} فكيف يظن ~~هذا بالله، ومن ظن هذا بالله فقد كفر؟ والجواب عنه: أن للآية وجهين: ~~أحدهما: أن معنى قوله: {فظن أن لن نقدر عليه} أي: لن نقدر عليه بمعنى الحكم ~~والقضاء، يقال: قدر وقدر بمعنى واحد، إلا أنه يقال: قدر يقدر، وقدر يقدر، ~~قال الشاعر: # (فليس عشيات اللوى برواجع ... لنا أبدا ما أبرم السلم النضر) # (ولا عائدا ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر) # يعني: يقدره. # ومن هذا قوله: " فإن غم عليكم فاقدروا له " أي: قدروا له، وهو خبر صحيح. # والوجه الثاني من الجواب: وهو [أن] معنى قوله: {فظن أن لن نقدر عليه} أي: ~~لن نضيق عليه، ومن هذا قوله تعالى: {وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه} # PageV03P403 # {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) ~~فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) } أي: ضيق، واعلم أن ~~معنى التضييق والتقدير عليه ms1007 هو الحبس في بطن الحوت. # قال أهل العلم: ولم يكن يونس من أولي العزم من الرسل، وكان ضيق الصدر، ~~فلما وضع عليه أعباء النبوة تفسخ تحتها كما يتفسخ الربع، وهذا القول مأثور ~~عن السلف. # وقوله: {فنادى في الظلمات} في القصة: أنه لما ذهب ركب السفينة، وفي ~~السفينة قوم كثير، فجاء حوت وحبس السفينة، وخشي القوم على أنفسهم الهلاك، ~~وتنبه يونس أنه هو المراد فقال: ألقوني تنجوا، فامتنعوا عن ذلك، ثم إنهم ~~استهموا فخرج السهم عليه مرات، فألقوه فالتقمه الحوت، ومرت السفينة، قال ~~سالم بن أبي الجعد: والتقم الحوت حوت آخر. # وأما قوله: {فنادى في الظلمات} أي: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن ~~الحوت، وفي القصة: أن الحوت مر به إلى الأرض السابعة، وسمع من تسبيح ~~الأرضين والأحجار ودواب البحار أمرا عظيما، فنادى في الظلمات: {أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} قال ابن عباس: مكث فيه أربعين يوما، ~~وعن غيره: ثلاثة أيام، وروي أنه لما دعا بهذه الدعوة سمعت الملائكة صوته، ~~فقالوا: يا رب صوت معروف من مكان مجهول، فقال الله تعالى: هو عبدي يونس ~~جعلت بطن الحوت سجنا له فدعوا. # PageV03P404 # وقوله تعالى: {فاستجبنا له} يعني: أجبناه. # وقوله: {ونجيناه من الغم} أي: من غم البحر وضيق المكان. # وقوله: {وكذلك ننجي المؤمنين} وقرىء: نجى المؤمنين "، والأولى أن يقرأ ~~بنونين، قال الزجاج: بنون واحد لحن، وهو من [الخطأ] روى عاصم عنه. # PageV03P404 # {وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا ~~له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا ~~رغبا ورهبا وكانوا} # وروي عن [سعد بن أبي] وقاص - رضي الله عنه - أنه قال: سمعت النبي يقول: " ~~كلمة أعرفها لا يقولها أحد في كرب إلا فرج عنه، وهي كلمة أخي يونس: لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ". وفي القصة: أن الحوت ألقاه في ساحل ~~البحر: وأنبت الله له شجرة من يقطين، وقصة ذلك تأتي من بعد في سورة: " ~~والصافات "، فإن ms1008 قيل: قوله: {وكذلك ننجي المؤمنين} هو مكتوب في المصحف بنون ~~واحدة فكيف جعلتم أصح القراءتين بنونين؟ والجواب عنه: أنه إنما كتب بنون ~~واحد؛ لأن النون الأولى متحركة، والنون الثانية ساكنة، فخفيت الساكنة في ~~جنب المتحركة، فحذفت، وقد ذكر الفراء وجها لقراءة عاصم، وهو أن معناه: نجى ~~النجاء المؤمنين فخفض المؤمنين على إضمار المصدر. # PageV03P405 # قوله تعالى: {وزكريا إذ نادى ربه} أي: دعا ربه. # وقوله: {رب لا تذرني فردا} أي: وحيدا، ومعناه: هو ما ذكرنا من دعاء ~~الولد. # وقوله: {وأنت خير الوارثين} . # PageV03P405 # قوله تعالى: {فاستجبنا له} أي: فأجبناه. # وأما قوله: {ووهبنا له يحيى} سمي يحيى، لأن رحمها حي بالولد. # وقوله: {وأصلحنا له زوجه} فيه قولان: أحدهما - وهو المعروف - أنه كان ~~عقيما فجعله ولودا، والآخر: ما روي عن عطاء أنه قال: معنى الإصلاح أنه كان ~~في لسان امرأته طول، وفي خلقها سوء فأصلحها. # وقوله: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} ينصرف إلى جميع الأنبياء الذين ~~ذكرهم. # PageV03P405 # {لنا خاشعين (90) والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها ~~وابنها آية للعالمين (91) إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) ~~وتقطعوا أمرهم} وقوله: {يسارعون} أي: يبادرون. # وقوله: {ويدعوننا رغبا ورهبا} أي: رغبا في الطاعات، ورهبا من المعاصي، ~~(وقيل: رغبا في الجنة، ورهبا من النار) . وقال خصيف: رغبا ببطون الأكف، ~~ورهبا بظهورها. # وقوله: {وكانوا لنا خاشعين} أي: متواضعين، وعن ابن عباس قال: هو أن يضع ~~يمينه على شماله في الصلاة، يومىء ببصره إلى موضع السجود، وقال مجاهد: ~~الخشوع هو الخوف اللازم في القلب، وعن الحسن قال: ذللا لأمر الله تعالى. # PageV03P406 # {والتي أحصنت} أي: عفت {فرجها} ، وقيل: منعت من الحرام. # وقوله: {فنفخنا فيها من روحنا} الأكثرون أن هذا جيب الدرع على ما بينا، ~~وفيه قول آخر: أنه نفخ رحمها، وخلق الله المسيح في بطنها، وذكر روحنا ~~تخصيصا وكرامة للمسيح عليه السلام. # وقوله: {وجعلنا وابنها آية للعالمين} . # أي: دلالة للعالمين، فإن قيل: هما كانا آيتين، فهلا قال آيتين؟ والجواب: ~~إنما قال: آية؛ لأن الآية فيهما كانت واحدة، وهي أنها أتت ms1009 به من غير فحل، ~~قال أهل العلم: وفيها آيات: أحدها: (أنه لم (تعتن) قبلها أنثى للتحرز) ، ~~والآخر: إتيانها بعيسى من غير أب، والثالث: مجيىء رزقها من عند الله من غير ~~سبب من مخلوق، ويقال: إنها لم تقبل ثدي أحد سوى أمها. # PageV03P406 # قوله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} أي: ملتكم ودينكم ملة واحدة، # PageV03P406 # {بينهم كل إلينا راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران ~~لسعيه وإنا له كاتبون (94) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) ~~حتى إذا فتحت} والأمة في أصل اللغة: اسم للجماعة، وسمى الدين أمة؛ لأنه ~~يبعث على الاجتماع. # وقوله: {وأنا ربكم فاعبدون} أي: وحدوني، وحقيقة معنى الآية: أن الملة ~~التي دعوتكم إليها هي ملة الأنبياء قبلكم، إذ دين الكل واحد، وهذا في ~~التوحيد، فأما الشرائع يجوز اختلافها، ويقال: معنى الآية: أنكم خلق واحد ~~وكونوا على دين واحد. # PageV03P407 # قوله تعالى: {وتقطعوا أمرهم بينهم} أي: دعوت الخلق إلى دين واحد فتفرقوا، ~~ويقال: صاروا قطعا متفرقين. # وقوله: {كل إلينا راجعون} أي: من تفرق، ومن لم يتفرق. # PageV03P407 # قوله تعالى: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} أي: لا ~~جحود لسعيه، وقيل: لا يخيب سعيه بل يجازى عليه. # وقوله: {وإنا له كاتبون} أي: حافظون، ويقال: إن معنى الشكر من الله هو ~~المجازاة. # PageV03P407 # قوله تعالى: {وحرام على قرية} وقرىء: " وحرم " قال ابن عباس معنى قوله ~~{حرام} أي: واجب، قال الشاعر: # (وإن حراما لا أرى الدهر باكيا ... على (شجوة) إلا بكيت على (عمرو)) # أي: واجبا، فمعنى الآية على هذا: أنه واجب على قرية أهلكناها أنهم لا ~~يرجعون إلى الدنيا، فإن قيل: كيف يوجب عليهم أن لا يرجعوا وليسوا بمحل ~~الإيجاب ولا الإباحة [ولا] غيره؟ . # PageV03P407 # {يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي} ~~والجواب: أن هذا على توسع الكلام، ومعناه: أنا نمنعهم من الرجوع، والتحريم ~~في اللغة هو المنع. # والقول الثاني: أن " لا " صلة، قاله أبو عبيد، فمعناه: حرام على قرية ~~أهلكناها أي: يرجعون، وقال الزجاج: قوله: {وحرام ms1010 على قرية} معناه: وحرام ~~على أهل قرية {أهلكناها} ، أي: حكمنا بهلاكها أن يتقبل أعمالهم؛ ل {أنهم لا ~~يرجعون} أي: لا يتولون، قال والدليل على هذا المعنى أنه قد قال في الآية ~~التي قبلها: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} أي: يتقبل ~~عمله، ثم ذكر عقبه هذه الآية، وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. # PageV03P408 # قوله تعالى: {حتى إذا فتحت} قرىء بالتخفيف والتشديد، ومعنى التشديد على ~~الجمع، ومعنى التخفيف على الوحدان. # وقوله: {يأجوج ومأجوج} قد بينا، والفتح للسد الذي بيننا وبينهم، ويقال: ~~إن الخلق عشرة أجزاء، تسعة أجزاء كلهم يأجوج ومأجوج، وجزء واحد هم سائر ~~الخلق، ويقال: إن جزءا من ألف جزء سائر الخلق، والباقي هم يأجوج ومأجوج. # قوله: {وهم من كل حدب ينسلون} الحدب: المكان المرتفع، فمعناه: يسرعون ~~النزول من الآكام، وهو مكان مرتفع من القلاع، ونسلان الذئب: سرعة مشيه، قال ~~الشاعر: # (نسلان الذنب أمسى باديا ... برد الليل عليه فينسل) # وقيل: من كل حدب أي: من كل جانب، فإن قيل: ما معنى {حتى} في أول الآية؟ ~~وأين جوابه:؟ والجواب عنه: قال بعضهم: معناه: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ~~وهم من كل حدب ينسلون اقترب الوعد الحق، والواو مقحمة، قال امرؤ القيس: # PageV03P408 # {شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين ~~(97) إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان ~~هؤلاء آلهة ما} # (فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل) # والواو في قوله: وانتحى مقحمة. # والثاني: أن معنى قوله: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون} قالوا {يا ويلنا} ويقال: ظهر لهم صدق ما قلناه، وفي بعض الغرائب من ~~الأخبار برواية ابن مسعود: " أن النبي ليلة أسري به اجتمع مع إبراهيم وموسى ~~وعيسى - صلوات الله عليهم - فذكروا أمر الساعة، فبدءوا بإبراهيم وسألوه ~~عنها، فقال: لا علم لي بها، ثم ذكروا لموسى فقال: لا علم لي بها، ثم ذكروا ~~لعيسى فقال عيسى: إن ms1011 الله تعالى عهد إلي أنها دون وحيها ولا يعلم وحيها، ~~إلا الله، ثم قال عيسى: إن الله يهبطني إلى الأرض فأقتل الدجال ". # ورد الخبر " أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا فيغلبون على الأرض، ثم إن المسلمين ~~يجأرون إلى الله، فيرسل الله النغف في رقابهم فيهلكون، وقد تنتن الأرض؛ ~~فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتأخذهم وتلقيهم في البحر ". # وعن أبي سعيد الخدري قال: إن الناس يحجون ويعتمرون بعد خروج يأجوج ومأجوج ~~وهلاكهم. # PageV03P409 # قوله تعالى: {واقترب الوعد الحق} قد بينا. # وقوله: {فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} أي: منزعجة. # PageV03P409 # {وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) } # وقوله: {يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين} ظاهر المعنى. # PageV03P410 # قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} قرأ علي - رضي الله ~~عنه - " حطب جهنم "، وقرأ الجحدري: " حصب جهنم "، وفي الشاذ أيضا: " حضب ~~جهنم " بالضاد المعجمة متحركة، وأما المعروفة {حصب جهنم} وهو ما يرمى به في ~~النار، وأما قوله: {وما تعبدون من دون الله} ، " روي أن النبي لما قرأ هذه ~~الآية على الكفار، قال عبد الله بن الزبعري: خصمت محمدا ورب الكعبة، ثم ~~قال: يا محمد، أتزعم أن ما يعبد من دون الله يدخلون النار؟ قال: نعم - ~~والورود هاهنا: الدخول - قال عبد الله بن الزبعري: فعيسى وعزير والملائكة ~~يعبدون من دون الله، أفهم معنا في النار؟ فأنزل الله تعالى: {إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} ، وأنزل الله أيضا في عبد الله بن ~~الزبعري: {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} " يعني: أنهم قالوا ما ~~قالوا خصومة ومجادلة بالباطل، وإلا قد عرفوا أن المراد هم الأصنام. # وزعم قطرب وجماعة من النحويين أن الآية ما تناولت إلا الأصنام من حيث ~~العربية؛ لأن الله تعالى قال: {وما تعبدون من دون الله} وهذا يقال فيما لا ~~يعقل، فأما فيمن يعقل فيقال: ومن تبعدون من دون الله. # PageV03P410 # قوله تعالى: {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها} أي: ما ms1012 دخلوها. # وقوله: {وكل فيها خالدون} أي: مقيمون. # PageV03P410 # {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها ~~وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم ~~الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوي السماء كطي السجل ~~للكتب كما بدأنا} # PageV03P411 # قوله تعالى: {لهم فيها زفير} قد بينا معنى الزفير. # وقوله: {وهم فيها لا يسمعون} . # قال ابن مسعود: يجعلون في توابيت من نار، وقال بعضهم: والتوابيت في ~~توابيت، فلا يسمعون ولا يبصرون شيئا، ويظن كل واحد أنه لا يعذب غيره؛ لئلا ~~يكون له تسلى الأسوة، وهذا الخبر ليس من قول ابن مسعود. # PageV03P411 # قوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} قد بينا. # ويقال: سبقت لهم منا السعادة، ويقال: وجبت لهم الجنة. # قوله: {أولئك عنها مبعدون} ظاهر المعنى. # PageV03P411 # قوله تعالى: {لا يسمعون حسيسها} أي: حسها. # وقوله: {وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون} أي: مقيمون. # PageV03P411 # قوله تعالى: {لا يحزنهم الفزع الأكبر} قال سعيد بن جبير: الفزع الأكبر هو ~~أن تطبق جهنم، وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه، ويقال: الفزع ~~الأكبر هو ذبح الموت، فيقال لهؤلاء: خلود ولا موت، ولهؤلاء: خلود ولا موت، ~~وقيل الفزع الأكبر: الأمر بالجر إلى النار. # وقوله: {وتتلقاهم الملائكة} أي: تستقبلهم الملائكة. # وقوله: {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} ظاهر المعنى. # PageV03P411 # قوله تعالى: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} وقد ثبت عن النبي أنه ~~قال: " يطوي الله السماء، ويأخذ الأرض بيمينه فيقول: أنا الملك، أين ملوك ~~الأرض؟ ". # PageV03P411 # {أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104) ولقد كتبنا في الزبور من ~~بعد الذكر أن} # وقوله: {كطي السجل للكتب} روي عن ابن إسحاق أن السجل كاتب للنبي، وهو قول ~~غريب. والقول الثاني: أن السجل ملك، والقول الثالث - وهو أصح الأقوال - أن ~~السجل هو الصحيفة. # وقوله: {للكتب} أي: لأجل ما كتب، فمعناه: كطي الصحيفة لأجل المكتوب. # وقوله: {كما بدأنا أول خلق نعيده} أي: قدرتنا على إعادة الخلق كقدرتنا ~~على إنشائه. # وقوله: {إنا كنا فاعلين} أي: قادرين عليه، ms1013 وقد ورد في هذه الآية خبر صحيح ~~وهو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي قال: " يحشر الناس يوم ~~القيامة حفاة عراة غرلا "، وفي رواية: " إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة ~~غرلا " ثم قرأ: {كما بدأنا أول خلق نعيده} ، وأول من يكسى إبراهيم - عليه ~~السلام - ويجاء بقوم من أمتي فيؤمر بهم إلى النار، فأقول: يا رب، أصحابي، ~~فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال ~~العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب ~~عليهم وأنت على كل شيء شهيد} وفي رواية " أقول: سحقا لأهل النار ". قال ~~الشيخ الإمام: أنا بهذا الحديث المكي بن عبد الرزاق، قال: أنا جدي أبو ~~الهيثم، قال الفربري قال البخاري، قال محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، عن ~~المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير ... الخبر. # PageV03P412 # قوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} قال عامر بن شراحيل ~~الشعبي أبو عمرو: الزبور زبور داود، والذكر هو التوراة، وقال سعيد بن جبير: ~~الزبور # PageV03P412 # {الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) ~~وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) } هو التوراة والإنجيل، والذكر هو ~~اللوح المحفوظ، ومعناه: من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ. # وقوله: {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} قال ابن عباس: والأرض أرض الجنة. ~~وعنه أيضا: أن الأرض هي أراضي الكفار، يفتحها الله للمسلمين، ويجعلها لهم، ~~وقيل إن الأرض هي الأرض المقدسة. # PageV03P413 # قوله تعالى: {إن في هذا لبلاغا} يجوز أن يكون قوله: {في هذا} أي: في ~~القرآن، ويجوز أن يكون معناه: في هذه السورة، وقوله: {لبلاغا} أي: سببا ~~يبلغهم إلى رضا الله، وقيل: بلاغا أي: كفاية. # وقوله: {لقوم عابدين} قيل: عالمين، وقيل: مطيعين. # PageV03P413 # قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} من المشهور المعروف عن ~~النبي أنه قال: " إنما أنا رحمة مهداة " أي: هدية من الله، ثم اختلفوا في ~~العالمين على قولين: فأحد القولين: أنهم المسلمون، فهو رحمة للمسلمين، ~~والقول الثاني: أنهم جميع ms1014 الخلق، وهذا القول أشهر، وأما معنى رحمته ~~للكافرين فهو تأخير العذاب عنهم، وقيل: هو رفع عذاب الاستئصال عنهم، وأما ~~رحمته للمؤمنين فمعلومة. # PageV03P413 # {قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا ~~فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) إنه يعلم ~~الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى ~~حين (111) قال رب احكم بالحق} # PageV03P414 # قوله تعالى: {قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون} أي: ~~أسلموا. # PageV03P414 # قوله: {فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء} أي: لتستووا في الإيمان به، وأوضح ~~الأقوال ما ذكره ابن قتيبة، وهو أن معناه: آذنتكم على وجه، نستوي نحن وأنتم ~~في العلم به. # وقوله: {وإن أدري أقريب أم بعيد} يعني: ما أدري أقريب أم بعيد {ما ~~توعدون} ؟ . # PageV03P414 # قوله تعالى: {إنه يعلم الجهر من القول} الآية؟ . ظاهر المعنى. # PageV03P414 # قوله تعالى: {وإن أدري لعله فتنة لكم} اختلفوا في أن الهاء إلى ماذا ترجع ~~في {لعله} على قولين: أحدهما: أنه يرجع إلى قوله: {وإن أدري أقريب أم بعيد ~~ما توعدون} يعني: إن هذا الذي أقول لعله فتنة لكم، والقول الثاني: أنه يرجع ~~إلى ما ذكرنا من تأخير العذاب عنهم، وقوله: {فتنة} أي: محنة واختبار. # وقوله: {ومتاع إلى حين} أي: إلى القيامة، وقيل: إلى الموت. # PageV03P414 # قوله تعالى: {قل رب احكم بالحق} وقرأ حفص عن عاصم: " قال رب احكم بالحق " ~~على الخبر، والأول هو المختار؛ ولأن سواد المصحف متبع لا يجوز خلافه، فإن ~~قيل: قوله: {قل رب احكم بالحق} كيف يجوز هذا الدعاء، والله لا يحكم إلا ~~بالحق؟ والجواب عنه: قلنا روي عن قتادة أنه قال: كان الأنبياء قبل محمد ~~يقولون: ربنا افصل بيننا وبين قومنا بالحق، فأمر الله رسوله أن يقول: رب ~~احكم بالحق، واختلفوا في معناه، قال بعضهم: رب احكم بالحق أي: عجل الحكم ~~بالحق، # PageV03P414 # {وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112) } وقال أبو عبيد: رب احكم ~~بحكمك الحق، والله يحكم بالحق طلب أو لم يطلب، ms1015 ومعنى الطلب هو ظهور الرغبة ~~من الطالب في حكمه بالحق، وهذا الأخير ليس من قول أبي عبيدة، وقال بعضهم: ~~{رب احكم بالحق} تعبد من الله، والله يحكم بالحق سئل أو لم يسأل، أورده ~~النحاس. # وقوله: {وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} أي: تكذبون. ومثله قوله ~~تعالى: {سيجزيهم وصفهم} أي: سيجزيهم جزاء كذبهم، ويقال: على ما تصفون أي: ~~تكذبون. # PageV03P415 # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل ~~كل} # تفسير سورة الحج # قال ابن عباس في أظهر الروايتين: هي مكية إلا قوله تعالى: {هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم} وآيتين بعد هذه الآية، وقوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا. .} الآية، وعن ابن عباس في رواية أخرى: أن هذه السورة مدنية ~~إلا آيات فيها نزلت بمكة. # PageV03P416 # قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} أي: احذروا عن عقوبته بطاعته، ~~ويقال: اتقوا ربكم أي: اتقوا جميع المناهي: وفيها الشرك وغيره. # وقوله: {إن زلزلة الساعة} الزلزلة شدة الحركة على حال هائلة، واختلف ~~القول في هذه الزلزلة، فذكر علقمة والشعبي: أنها قبل يوم القيامة، وذكر ابن ~~عباس الحسن وقتادة والسدي وغيرهم: أنها عند قيام الساعة، وهذه القول أصح ~~القولين لما نذكره من الخبر من بعد. # وقوله: {شيء عظيم} أي: أمر عظيم. # PageV03P416 # قوله تعالى: {يوم ترونها} يعني: الساعة. # وقوله: {تذهل} أي: تغفل وتشتغل، وفيه تسهو وتنسى، قال الشاعر في الذهول. # (أطالت بك الأيام حتى نسيتها ... كأنك عن يوم القيامة ذاهل) # وقال عبد الله بن رواحة بين يدي النبي: # PageV03P416 # {مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد (2) } # (ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله) # وقوله: {كل مرضعة عما أرضعت} يعني: كل أم عن ولدها. # وقوله: {وتضع كل ذات حمل حملها} . فإن قال قائل: كيف تضع المرأة حملها ~~يوم القيامة؟ الجواب: قلنا: أما على قولنا إن الزلزلة قبل قيام الساعة، ~~فمعنى وضع الحمل على ظاهره، وإن قلنا إن الزلزلة ms1016 عند قيام الساعة، فالجواب ~~من وجهين: أحدهما: أن المراد من الآية النساء اللواتي متن وهن حبالى، ~~والوجه الثاني، وهو الأصح: أن هذا على وجه تعظيم الأمر وذكر شدة الهول، لا ~~على حقيقة وضع الحمل، والعرب تقول: أصابنا أمر يشيب فيه الوليد، وهذا على ~~طريق عظم الأمر وشدته، وقد قال الله تعالى: {يوما يجعل الوالدان شيبا} ~~والمراد ما بينا. # وقوله: {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} وقرىء: " سكرى " بغير الألف، ~~والمعنى واحد، والذي عليه أهل التفسير: أن المراد من الآية سكرى من الفزع ~~والخوف، وليسوا سكارى من الشراب وقالوا أيضا: في صورة السكارى، وليسوا ~~بسكارى، والقول الأول أحسن؛ لأن الله تعالى قال: {ولكن عذاب الله شديد} . # وفي الآية خبر صحيح أورده البخاري وغيره، وهو ما رواه الأعمش، عن أبي ~~صالح، عن أبي سعيد الخدري أن النبي قرأها بين الآيتين ثم قال: " إذا كان ~~يوم القيامة يقول الله تعالى لآدم: قم يا آدم، فابعث من ذريتك بعث النار ~~فيقول آدم: لبيك وسعديك، والخير في يديك، وما بعث النار؟ فيقول الله تعالى: ~~من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، [وواحد] إلى الجنة، فقال أصحاب ~~رسول الله: وأينا ذلك الواحد؟ فقال النبي: " سددوا وقاربوا وأبشروا، فإن ~~معكم خليقتين ما كانتا مع قوم إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج وكفرة الجن والإنس ~~من قبلكم "، وفي رواية # PageV03P417 # {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) كتب عليه ~~أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) } قال: " تسعمائة وتسعة ~~وتسعين من يأجوج ومأجوج، وواحد منكم، ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا ربع ~~أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: إني أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبرنا، ثم ~~قال: إني أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة ما أنتم في ذلك اليوم بين الناس إلا ~~كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض " ~~وفي رواية: " ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، وكالرقمة في ~~ذراع الدابة ". قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا ms1017 الحديث المكي بن عبد الرزاق، ~~قال: أخبرنا جدي أبو الهيثم، قال الفربري، قال البخاري: قال عمر بن حفص بن ~~غياث قال: أخبرنا أبي، عن الأعمش ... الخبر. # PageV03P418 # قوله تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} الأكثرون على أن ~~الآية نزلت في النضر بن الحارث، وكان ينكر البعث ويجادل فيه، وعن سهل بن ~~عبد الله في هذه الآية قال: هو من يجادل في آيات الله بالهوى، وعن غيره ~~قال: هو الذي يرد النص بالقياس. # وقوله: {ويتبع كل شيطان مريد} المريد المتمرد، والمتمرد هو المستمر في ~~الشر، يقال: حائط ممرد أي: مطول، وقيل: المريد هو العاري عن الخير، يقال ~~صبي أمرد إذا كان عاريا خده من الشعر. # PageV03P418 # وقوله: {كتب عليه} أي: على الشيطان. # وقوله: {أنه من تولاه فأنه يضله} أي: كتب على الشيطان أن يضل من تولاه. # وقوله: {ويهديه إلى عذاب السعير} أي: إلى عذاب جهنم. # PageV03P418 # {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة} # PageV03P419 # قوله تعالى: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث} ذكر الله تعالى في ~~هذه الآية الدلالة على منكري البعث، والخطاب للمشركين. # وقوله: {إن كنتم في ريب من البعث} أي: في شك من البعث. # وقوله: {فإنا خلقناكم من تراب} ذكر التراب هاهنا؛ لأن آدم خلق من تراب، ~~وهو الأصل. # وقوله: {ثم من نطفة} النطفة هي الماء النازل من الصلب. # وقوله: {ثم من علقة} العلقة هي الدم المتجمد، وقيل: المنعقد. # وقوله: {ثم من مضغة} المضغة هي قطعة لحم كأنها مضغت. # وقوله: {مخلقة وغير مخلقة} . قال ابن عباس {مخلقة} تام الخلق {وغير ~~مخلقة} ناقص الخلق، والقول الثاني: أن المخلقة هو الولد الذي تأتي به ~~المرأة لوقته، وغير المخلقة هو السقط، وفي هذا الموضع أخبار: منها ما روى ~~علقمة عن ابن مسعود أنه إذا استقرت النطفة في الرحم أخذها الملك بيده ~~فيقول: أي رب، مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة ms1018 قذفها الرحم دما، ~~ولم تخلق منها نسمة، وإن قال: مخلقة، قال الملك: أشقي أو سعيد؟ أذكر أو ~~أنثى؟ ما رزقه؟ ما عمله؟ ما أجله؟ وأين الموضع الذي يقبض فيه؟ فيقول الله ~~تعالى له: اذهب إلى أم الكتاب ففيه كل ذلك، فيذهب إلى أم الكتاب فيجد فيه ~~أنه شقي أو سعيد، ذكر أو أنثى، فيكتب ذلك، فيسعى الرجل في عمله، ويأكل ~~رزقه، ويمضي في أجله حتى يتوفاه الله تعالى في المكان الذي قدر أين يقبض ~~فيه. # وقد ورد خبران صحيحان عن النبي في هذا، أحدهما ما روى الأعمش عن زيد بن ~~وهب عن عبد الله بن مسعود قال: أخبرني الصادق المصدوق أبو القاسم: أن خلق ~~أحدكم يجمع في رحم أمه أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، # PageV03P419 # {لنبين لكم} ثم أربعين يوما مضغة، ثم يؤمر الملك بأربع كلمات؛ فيكتب ~~رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح ". والخبر متفق على ~~صحته. # والخبر الثاني: هو ما روى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي ~~الطفيل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، ~~والسعيد من وعظ بغيره. قال أبو الطفيل: فقلت ثكلتني! أنشقى ولم نعمل؟ فأتيت ~~حذيفة بن أسيد، فذكرت له قول ابن مسعود، فقال: ألا أخبرك بأعجب من هذا، ~~سمعت رسول الله يقول: " إذا مكثت النطفة في رحم الأم أربعين يوما - أو خمسة ~~وأربعين - جاء الملك فيقول: يا رب، أذكر أو أنثى؟ فيقول الرب، ويكتب الملك، ~~فيقول: أشقي أو سعيد؟ فيقول الرب، ويكتب الملك، فيقول: ما رزقه، ما عمله، ~~ما أجله، ما أثره، ما مصيبته؟ فيقضي الله ما شاء، ويكتب الملك، ثم يطوي ~~الصحيفة، فلا يزاد ولا ينقص إلى يوم القيامة " قال الشيخ الإمام أخبرنا ~~بهذا الحديث أبو علي الشافعي بمكة حرسها الله تعالى، قال: أبو الحسن بن ~~[فراس] قال: أخبرنا أبو جعفر الديبلي قال سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال ~~سفيان ... الخبر. أخرجه مسلم في الصحيح. # وأنشدوا في المخلقة: # (أفي غير ms1019 المخلقة البكاء ... فأين العزم ويحكم والحياء) # وقوله: {لنبين لكم} أي: نبين لكم أمر الخلق في الابتداء؛ لتستدلوا (بقدرة # PageV03P420 # {ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ~~ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} ~~الله) في الابتداء على قدرته على الإعادة. # وقوله: {ونقر في الأرحام ما نشاء} أي: نثبت في الأرحام ما نشاء {إلى أجل ~~مسمى} أي: إلى وقت الولادة: # وقوله: {ثم نخرجكم طفلا} أي: أطفالا، واحد بمعنى الجمع. # وقوله: {ثم لتبلغوا أشدكم} قد بينا معنى الأشد. # وقوله: {ومنكم من يتوفى} وحكى أبو حاتم أن في قراءة بعضهم: " ومنكم من ~~يتوفى " بفتح الياء، ومعناه يستوفى أجله، والمعروف {يتوفى} بالرفع يعني: ~~يتوفى قبل بلوغ الكبر. # وقوله: {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} أي: إلى أخس العمر، والمراد منه ~~حالة الخرف والهرم، قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يخرف. # وقوله: {لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} أي: لا يعقل من عبد عقله شيئا. # وقوله: {وترى الأرض هامدة} وهذا ذكر دليل آخر على إحياء الموت. # وقوله: {هامدة} أي: جافة يابسة لا نبات فيها، وقال قتادة: (هامدة) غبراء ~~منهشمة، وقيل: هامدة: دارسة، قال الشاعر: # (قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا ... وأرى ثيابك باليات همدا) # وقال آخر: # (رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بنازلة همدن لها همودا) # (فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا) # PageV03P421 # {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج ~~بهيج (5) ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير} # وقوله: {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت} أي: تحركت، قال الشاعر: # (تثنى إذا قامت وتهتز إن ما مشت ... كما اهتز غصن البان في (ورق) خضر) # وقوله: {وربت} أي: انتفخت للنبات، وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: ~~وربت واهتزت، ويقال اهتزت أي: النبات، وربت أي: ارتفع، وإنما أنث لذكر ~~الأرض، وقرأ أبو جعفر: " وربأت " بالهمز، وهو في معنى الأول. # وقوله: {وأنبتت من كل زوج ms1020 بهيج} أي: صنف حسن، فهذا أيضا دليل على إعادة ~~الخلق، وفي بعض ما ينقل عن السلف: إذا رأيتم الربيع فاذكروا والنشور. # PageV03P422 # وقوله: {ذلك بأن الله هو الحق} يعني: هذا الذي ذكرته لكم [دليل] بأن الله ~~هو الحق. # وقوله: {وأنه يحيى الموتى} يعني: هو دليل على أنه يحيي الموتى. # وقوله: {وأنه على كل شيء قدير} أي: لما قدر على ابتداء الخلق، وعلى إحياء ~~الأرض الميتة، فاعلم أنه على كل شيء قدير، وفي بعض الأخبار عن النبي: " من ~~جاء يوم القيامة (بثلاث) لم يصد وجهه عن الجنة شيء، من علم أن الله وحده لا ~~شريك له، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ". # PageV03P422 # ( {6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل ~~عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9) ذلك بما ~~قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) ومن الناس من يعبد الله على حرف} # PageV03P423 # وقوله: {وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} قد ~~بينا. # PageV03P423 # قوله تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى} أي: ولا حجة. # وقوله: {ولا كتاب منير} أي: ولا كتاب له نور، وفي بعض الأخبار: أن النبي ~~قال: " إن على الباطل ظلمة، وإن على الحق نورا ". # وعن بعضهم قال: ما عز ذو باطل، وإن طلع من جيبه القمر، وما ذل ذو حق، وإن ~~أصفق العالم. # واعلم أن الآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة، ومجادلته إنكاره البعث ~~وضربه لذلك الأمثال. # PageV03P423 # وقوله: {ثاني عطفه} أي: لاوى عنقه، وقال ابن جريج: يعرض عن الحق تكبرا. # وقوله: {ليضل عن سبيل الله} أي: ليضل الناس عن دين الله. # وقوله: {له في الدنيا خزي} أي: هوان، وقد قتل النضر يوم بدر صبرا، ولم ~~يقتل صبرا غيره وغير عقبة بن أبي معيط. # وقوله: {ونذيقه يوم القيامة ms1021 عذاب الحريق} أي: المحرق. # PageV03P423 # وقوله: {ذلك بما قدمت يداك} الآية، ظاهر المعنى. # PageV03P423 # قوله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف} قال مجاهد: على شك، وقال ~~الزجاج: على حرف أي: الطريقة في الدين، لا يدخل فيها دخول متمكن، ولا يدخل ~~بكليته فيه، ويقال: ومن الناس من يعبد الله على حرف أي: على ضعف، كالقائم ~~على حرف الشيء يكون قدمه ضعيفا غير مستقر، ومنهم من قال: على # PageV03P423 # {فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا ~~والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ~~ينفعه ذلك} حرف أي: على جهة، ثم فسر الجهة فقال: {فإن أصابه خير اطمأن به} ~~أي: ثبت على الإيمان، ورضي به، وسكن إليه. # وقوله: {وإن أصابته فتنة} أي: محنة وبلية. # وقوله: {انقلب على وجهه} أي: رجع على عقبه وارتد. # وقوله: {خسر الدنيا والآخرة} الخسران في الدنيا فوات ما أمل وطلب، ~~والخسران في الآخرة هو الخلود في النار، ويقال: الخسران في الدنيا هو القتل ~~على الكفر، والخسران في الآخرة ما بينا، وقرأ مجاهد: " خاسر الدنيا والآخرة ~~". # وقوله: {ذلك هو الخسران المبين} أي: البين. # قال أهل التفسير: نزلت الآية في قوم من المشركين كان يؤمن أحدهم، فإن كثر ~~ماله، وصح جسمه، ونتجت فرسه، قال: هذا دين حسن، وقد أصبت فيه خيرا، وسكن ~~إليه، وإن أصابه مرض أو مات ولده، أو قل ماله، قال: ما أصابني من هذا الدين ~~إلا شر فيرجع. # وفي بعض الأخبار: " أن رجلا من اليهود أسلم فعمي بصره، وهلك ماله، ومات ~~ولده، فأتى النبي وقال: يا رسول الله، أقلني، فقال: إن الإسلام لا يقال، ~~فقال: منذ دخلت في هذا الدين لم أصب إلا شرا؛ أصابني كذا وكذا، فقال النبي: ~~" إن الإسلام ليسبك الرجل، كما تسبك النار خبث الذهب والفضة والحديد ". ~~والخبر غريب. # PageV03P424 # قوله تعالى: {يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه} أي: لا يضر إن ~~لم # PageV03P424 # {هو الضلال البعيد (12) يدعو لمن ضره أقرب ms1022 من نفعه لبئس المولى ولبئس ~~العشير (13) يعبده، ولا ينفعه إن عبده. # وقوله تعالى: {ذلك هو الضلال البعيد} أي: الضلال المستمر. # PageV03P425 # قوله تعالى: {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} هذه الآية من مشكلات القرآن، ~~وفيها أسئلة: أولها قال: قالوا في الآية الأولى: {ما لا يضره} وقال هاهنا: ~~{لمن ضره} . # (فكيف وجه التوفيق؟ الجواب عنه: أن معنى قوله: {يدعو لمن ضره} ) . # أي: لمن ضر عبادته، وقوله في الآية الأولى: {ما لا يضره} أي: (لا يضر) إن ~~ترك عبادته على ما بينا. # السؤال الثاني: قالوا: قال في هذه الآية: {أقرب من نفعه} والجواب: أن هذا ~~على عادة العرب، وهم يقولون مثل هذا اللفظ، ويريدون أنه لا نفع له أصلا، ~~وهذا مثل قوله تعالى: {ذلك رجع بعيد} أي: لا رجع أصلا. # السؤال الثالث: وهو المشكل أنه قال: {لمن ضره} فأيش هذا الكلام؟ الجواب: ~~أنه اختلف أهل النحو في هذا، فأكثر النحويين ذهبوا إلى أن هذا على التقديم ~~والتأخير ومعناه: يدعو من بضره أقرب من نفعه، وأما المبرد أنكر هذا وقال: ~~لا يجوز هذا في اللغة، والجواب عن السؤال على هذا: قال بعضهم: معنى {يدعو} ~~: يقول. # قال الشاعر: # (يدعون [عنترا] (والسيوف) كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم) # يعني: يقولون. فعلى هذا معنى الآية: يدعو أي: يقول لمن ضره أقرب من نفعه: # PageV03P425 # {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~إن الله يفعل ما يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة ~~فليمدد} هو إله أو مولى، ومنهم من قال: يدعو لمن ضره يعني: إلى الذي ضره ~~أقرب من نفعه، ومنهم من قال معناه: ذلك هو الضلال البعيد يدعو أي: في حال ~~دعائه ثم استأنف فقال: {لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} ، ~~ومنهم من قال: ذلك هو الضلال البعيد يدعو يعني: الذي هو الضلال البعيد ~~يدعو، وذلك بمعنى " الذي "، ثم استأنف قوله: {لمن ضره أقرب من نفعه} اختاره ~~الزجاج. وقال ابن فارس حين حكى أكثر هذه ms1023 الأقاويل: ونكل الآية إلى عالمها. # وقوله: {لبئس المولى} أي: الناصر، وقيل: المعبود. # وقوله: {ولبئس العشير} أي: المخالط والصاحب، والعرب تسمى الزوج: عشيرا؛ ~~لأجل المخالطة. # قال النبي: " إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير " أي: الزوج. # PageV03P426 # قوله تعالى: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية إلى آخرها ~~ظاهر المعنى. # PageV03P426 # قوله تعالى: {من كان يظن أن لن ينصره الله} قال ابن عباس: معناه من كان ~~يظن أن لن ينصر الله محمدا. # وروي عنه أنه قال: لما دعا رسول الله أسدا وغطفان إلى الإسلام - وكان ~~بينهم وبين أهل الكتاب حلف - فقالوا: لا يمكننا أن نسلم ونقطع الحلف؛ لأن ~~محمدا ربما لا يظهر ولا يغلب؛ فينقطع الحلف بيننا وبين أهل الكتاب فلا ~~يميروننا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # والقول الثاني: من كان يظن أن لن ينصره الله، أي: لن يرزقه الله، وهذا ~~فيمن # PageV03P426 # {بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك ~~أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة إن} أساء الظن بربه، وخاف أن لا يرزقه. # قال أبو عبيدة: تقول العرب: أرض منصورة أي: ممطورة، وعن بعض الأعراب أنه ~~سأل وقال: انصرني ينصرك الله أي: أعطني أعطاك الله. # وقوله: {في الدنيا والآخرة} ظاهر المعنى. # وقوله: {فليمدد بسبب إلى السماء} المراد من السماء: سماء بيته في قول ~~جميع المفسرين، وهو السقف. # والسبب: الحبل، ومعناه: فليمدد حبلا من سقف بيته {ثم ليقطع} أي: ليختنق ~~به. # وقوله: {فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ} أي: هل له حيلة فيما يغيظه ليدفع ~~عن نفسه؟ ويقال: ثم لينظر هل ينفعه ما فعله؟ . # قال أهل المعاني: وهو مثل قوله القائل: إن لم ترض بكذا فمت غيظا. # PageV03P427 # قوله تعالى: {وكذلك أنزلناه آيات بينات} الآية. ظاهر المعنى. # PageV03P427 # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا} قد بينا هذا في سورة البقرة. # وقوله: {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} فإن ms1024 قيل: ما معنى إعادة " إن " ~~في آخر الآية، وقد ذكرها في أول الآية؟ والجواب: أن العرب تقول مثل هذا ~~للتأكيد. قال الشاعر: # (إن الخليفة إن الله سربله ... سربال ملك به ترجى الخواتيم) # وقوله: {إن الله على كل شيء شهيد} أي: شاهد. # PageV03P427 # قوله تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض} الآية، ~~قال الزجاج: السجود هاهنا بمعنى الطاعة أي: يطيعه، واستحسنوا هذا القول؛ ~~لأنه موافق للكتاب، وهو قوله تعالى: {ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين} وأيضا # PageV03P427 # {الله على كل شيء شهيد (17) ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في ~~الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير ~~حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) } ~~فإن من اعتقاد أهل السنة أن الحيوان والموات مطيع كله لله تعالى، وقال ~~بعضهم: إن سجود الحجارة هو بظهور أثر الصنع فيه، على معنى أنه يحمل على ~~السجود والخضوع لمن تأمله وتدبر فيه، وهذا قول فاسد، والصحيح ما قدمنا، ~~والدليل عليه أن الله تعالى وصف الحجارة بالخشية، فقال: {وإن منها لما يهبط ~~من خشية الله} ولا يستقيم حمل الخشية على ظهور أثر القدرة فيه، وأيضا فإن ~~الله تعالى قال: {يا جبال أوبي معه} أي: سبحي معه، ولو كان المراد ظهور أثر ~~الصنع لم يكن لقوله: {مع داود} معنى؛ لأن داود وغيره في رؤية أثر الصنع ~~سواء، وأيضا فإن الله تعالى قال: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} أي: يطيع ~~الله بتسبيحه {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} ولو كان المراد بالتسبيح ظهور أثر ~~الصنع فيه لم يستقم قوله: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} ذكر هذه الدلائل أبو ~~إسحاق الزجاج إبراهيم بن السري، وأثنى عليه ابن فارس فقال: ذب عن الدين ~~ونصر السنة. # وقوله: {والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب} أي: هذه الأشياء ~~(كلها تسبح الله تعالى) . # وقوله: {وكثير من الناس} أي: المسلمون. # وقوله: {وكثير حق عليه العذاب} هم الكافرون، وإنما ms1025 حق عليهم العذاب هاهنا ~~بترك السجود، ومعنى الآية: وكثير من الناس أبو السجود فحق عليهم العذاب. # وقوله: {ومن يهن الله فما له من مكرم} أي: ومن يشقي الله فما له من مسعد، ~~وقال بعضهم: ومن يهن الله: ومن يذله الله، فما له من إكرام أي: لا يكرمه ~~أحد. # PageV03P428 # {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من} # وقوله: {إن الله يفعل ما يشاء} أي: يكرم ويهين، ويشقي ويسعد، بمشيئته ~~وإرادته، وهو اعتقاد أهل السنة. # PageV03P429 # قوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} في الآية أقوال: أحدها: أنها ~~نزلت في أهل الكتاب (والمسلمين، قال أهل الكتاب) : ديننا خير من دينكم، ~~ونحن أحق بالله منكم؛ لأن نبينا وكتابنا أقدم، وقال المسلمون: نحن أولى ~~بالله منكم، وديننا خير من دينكم؛ لأن كتابنا قاض على الكتب؛ ولأن نبينا ~~خاتم النبيين، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا قول قتادة وجماعة. # والثاني: ما روي عن محمد بن سيرن أنه قال: نزلت الآية في الذين بارزوا ~~يوم بدر من المسلمين والمشركين، فالمسلمون هم: حمزة، وعلي، وعبيدة بن ~~الحارث، والمشركون هم: شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ~~فالآية نزلت في هؤلاء الستة، وكان أبو ذر يقسم بالله أن الآية نزلت في ~~هؤلاء، ذكره البخاري في الصحيح. # والقول الثالث: أن الآية نزلت في جملة المسلمين والمشركين. # والقول الرابع: أنها نزلت في الجنة والنار اختصمتا، فقالت الجنة: خلقني ~~الله؛ ليرحم بي، وقالت النار: خلقني الله؛ لينتقم بي، وهذا قول عكرمة، ~~والمعروف القولان الأولان. قال ابن عباس: ذكر الله تعالى ستة أجناس في ~~قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} الآية وجعل خمسة في النار وواحد للجنة ~~فقوله: {هذان خصمان} ينصرف إليهم، فالمؤمنون خصم، وسائر الخمسة خصم. # وقوله: {اختصموا في ربهم} أي: جادلوا في ربهم. # وقوله: {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} أي: نحاس مذاب، ويقال: # PageV03P429 # {فوق رءوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع ~~من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها ms1026 من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب} ~~سمى النار التي يعذبون بها لباسا؛ لأنها تحيط بهم كإحاطة اللباس، وقال ~~بعضهم: يلبس أهل النار مقطعات من النار، وهذا أولى الأقاويل. # وقوله: {يصب من فوق رءوسهم الحميم} وهو الماء الذي انتهت حرارته، وفي ~~التفسير: أن قطرة منه لو وضعت على جبال الدنيا لأذابتها. # PageV03P430 # وقوله: {يصهر به} أي: يذاب به، وفي الأخبار: أنه يثقب رأس الكافر، ويصب ~~على دماغه الحميم، فيصل إلى جوفه، فتسليه جميع ما في جوفه. # وقوله: {والجلود} أي: ويذيب الجلود وينضجها. # PageV03P430 # وقوله: {ولهم مقامع من حديد} المقمعة هي المرزبة من حديد، ويقال: هي ~~الحرز من حديد، وقيل: إن مقمعة منها لو وضعت في الدنيا، واجتمع الإنس والجن ~~عليها لم يقلوها. # PageV03P430 # وقوله: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم} أي: رجوا وفي التفسير: أن ~~النار تجيش بهم، فترفعهم إلى أعلاها، فيريدون الخروج، فيضربهم الزبانية ~~بالمقامع من الحديد، فيهوون فيها سبعين خريفا. # وقوله: {وذوقوا عذاب الحريق} أي: تقول لهم الملائكة: ذوقوا عذاب الحريق. # PageV03P430 # قوله تعالى: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار} ظاهر المعنى. # وقوله: {يحلون فيها من أساور من ذهب} الأساور جمع السوار. # وقوله: {من ذهب} معلوم المعنى. # وقوله: {ولؤلؤ} أي: ومن لؤلؤ. # PageV03P430 # {الحريق (22) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) ~~وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) إن الذين كفروا} # وقرئ: " لؤلؤا " أي: يحلون لؤلؤا. # وقوله: {ولباسهم فيها حرير} أي: من الديباج، وروى شعبة عن خليفة بن كعب، ~~عن ابن الزبير قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله " من لبس ~~الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، (ومن لم يلبسه في الآخرة) ، لا يدخل ~~الجنة؛ لأن الله تعالى قال: {ولباسهم فيها حرير} ". # وفي بعض الأخبار: " ولو دخل الجنة لم يلبسه في الجنة ". # PageV03P431 # وقوله: {وهدوا إلى الطيب من القول} قال ابن عباس: هو شهادة أن لا إله إلا ms1027 ~~الله، ويقال هو: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ~~وقيل: هو قول أهل الجنة: {الحمد لله الذي صدقنا وعده} وعن قطرب: أنه ~~القرآن، ويقال: هو الأمر بالمعروف، وقيل: هو القول الذي يثنى به الخلق، ~~ويثيب عليه الخالق. # وقوله: {وهدوا إلى صراط الحميد} أي: صراط الله، وصراط الله هو الإسلام، ~~ويقال: إلى المنازل الرفيعة. # PageV03P431 # قوله تعالى: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} (تقدير الآية: إن ~~الكافرين والصادين عن سبيل الله، وقال بعضهم معناه: إن الذين كفروا فيما ~~تقدم # PageV03P431 # {ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه ~~والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) } ويصدون عن سبيل ~~الله) في الحال. # وقوله: {والمسجد الحرام} أي: يصدون عن المسجد الحرام. # وقوله: {الذي جعلناه للناس} أي: جعلناه للناس قبلة لصلاتهم، ومنسكا ~~لحجهم. # وقوله: {سواء العاكف فيه والبادي} وقرئ: " سواء العاكف فيه والباد " ~~بالنصب والتنوين، فقوله: {سواء} بالرفع معلوم المعنى، وقوله: {سواء} بالنصب ~~أي: سويتهم سواء، وقوله: {العاكف فيه والبادي} المقيم فيه، والجائي. # واختلفوا أن المراد من هذا هو جميع الحرم أو المسجد الحرام؟ فأحد ~~القولين: أن المراد منه هو مسجد الحرام، وهذا قول الحسن وجماعة، ومعنى ~~التسوية هو التسوية في تعظيم الكعبة، وفضل فيه، وفضل الطواف وسائر العبادات ~~وثوابها، والقول الثاني: أن المراد من الآية جميع الحرم، ومعنى التسوية: أن ~~المقيم بمكة والجائي من مكة سواء في النزول، فكل من وجد مكانا فارغا ينزل، ~~إلا أنه لا يزعج أحدا، وهذا قول مجاهد وعمر بن عبد العزيز وعطاء وجماعة من ~~التابعين، وكان عمر - رضي الله عنه - ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في زمان ~~الموسم، وفي رواية: منعهم أن يتخذوا الأبواب فاتخذ رجل بابا فضربه بالدرة، ~~وفي الخبر: أن دور مكة كانت تدعى السوائب، من شاء سكن، ومن استغنى أسكن، ~~وعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها، وعلى القول الأول يجوز. # وقوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} (فيه قولان: أحدهما: أن الباء زائدة، ms1028 ~~ومعناه: ومن يرد فيه إلحادا بظلم) قال الشاعر: # ( [نحن بني جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج] ) # PageV03P432 # {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين} # أي: تدعو الفرح، وهذا قول الفراء ونحاة الكوفة، وأما المبرد أنكر أن تكون ~~الباء زائدة وقال معنى الآية: من يكون إرادته فيه بأن يلحد بظلم، قال ~~الشاعر: # (أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل) # ومعناه: أراد في أن أنسى. # وقوله: {نذقه من عذاب أليم} أي: يوصل إليه العذاب الأليم، وأما الإلحاد ~~فهو الميل، يقال: لحد وألحد بمعنى واحد، ومنهم من قال: ألحد إذا جادل، ولحد ~~إذا عدل عن الحق، وأما معنى الإلحاد ها هنا، قال بعضهم: هو الشرك، وقال ~~بعضهم: هو كل سيئة حتى شتم الرجل غلامه، وقال عطاء: الإلحاد في الحرم هو أن ~~يدخل غير محرم، أو يرتكب محظور الحرم بأن يقتل صيدا، أو يقلع شجرة. فإن قال ~~قائل: أيش معنى تخصيص الحرم بهذا كله؛ وكل من عمل سيئة، وإن كان خارج الحرم ~~استحق العقوبة؟ . والجواب: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: من هم بخطيئة في ~~غير الحرم لم تكتب عليه، ومن هم بخطيئة في الحرم كتب عليه، وعنه أنه قال: ~~وإن كان بعدن أبين، ومعناه: أنه وإن كان بعيدا من الحرم فإذا هم بخطيئة في ~~الحرم أخذ به، وهذا معنى الإرادة المذكورة في الآية. # PageV03P433 # قوله تعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} أي: بينا وأعلمنا، وإنما ~~ذكر {مكان البيت} ؛ لأن الكعبة رفعت إلى السماء من الطوفان، ثم إن الله ~~تعالى لما أمر إبراهيم ببناء البيت، بعث ريحا خجوجا فكنس موضع البيت حتى ~~أبدى عن موضع البناء. وفي رواية أخرى: أن الله تعالى بعث سحابة بقدر البيت ~~فيها رأس تكلم فقال: يا إبراهيم، ابن بقدري، فهذا معنى قوله: {وإذ بوأنا ~~لإبراهيم مكان البيت} . # وقوله: {ألا تشرك بي شيئا} يعني: وقلنا له: لا تشرك بي شيئا. # PageV03P433 # {والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ms1029 يأتين ~~من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} # وقوله: {وطهر بيتي للطائفين} أي: الطائفين بالبيت. # وقوله: {والقائمين} أي المقيمين. {والركع السجود} أي: المصلين. # وقوله: {وطهر بيتي} أي: ابن بيتي طاهرا. # PageV03P434 # قوله تعالى: {وأذن في الناس بالحج} وقرأ ابن أبي إسحاق: " بالحج " بخفض ~~الحاء، وكذلك في جميع القرآن، وفي القصة: أن إبراهيم - عليه السلام - صعد ~~المقام، فارتفع المقام حتى صار كأطول جبل في الدنيا، وفي رواية: صعد أبا ~~قبيس ثم نادى: يا أيها الناس، إن الله تعالى كتب عليكم الحج فأجيبوا ربكم، ~~فأجابه كل من يحج من أرحام الأمهات وأصلاب الآباء، قال ابن عباس: وأول من ~~أجابه أهل اليمن، فهم أكثر الناس حجا، فالناس يأتون ويقولون: لبيك اللهم ~~لبيك، فهو إجابة إبراهيم، وروي أن إبراهيم - صلوات الله عليه - لما أمره ~~الله تعالى بدعاء الناس قال: يا رب، كيف يبلغهم صوتي؟ قال: عليك الدعاء ~~وعلي التبليغ. # وقوله: {يأتوك رجالا} أي: رجالة، وهم المشاة، وفي بعض الأخبار: أن آدم - ~~صلوات الله عليه - حج أربعين حجة ماشيا. # وقوله: {وعلى كل ضامر} أي: وعلى كل بعير ضامر، والضامر هو المهزول، قال ~~ابن عباس: ما أتأسف على شيء، تأسفي أني لم أحج ماشيا؛ لأن الله تعالى قدم ~~المشاة على الركبان. # وقوله: {يأتين من كل فج عميق} أي: من كل طريق بعيد. # PageV03P434 # وقوله: {ليشهدوا منافع لهم} قال أبو جعفر محمد بن علي: هي المغفرة، وقال ~~غيره: منافع لهم أي: التجارة، والقول الأول أحسن، ويقال: منافع الدنيا ~~والآخرة. # وقوله: {ويذكروا اسم الله عليه في أيام معلومات} قال ابن عباس: الأيام # PageV03P434 # {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) ~~ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) } المعلومات ~~هي العشر، وقال علي وابن عمر: هي يوم النحر وثلاثة أيام بعده. # وقوله: {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} أي: إذا ذبحوها. # وقوله: {فكلوا منها} هذا أمر إباحة، وليس بأمر إيجاب، وقال بعضهم: هو أمر ~~(ندب) ، ويستحب أن يأكل منها. # وقوله: {وأطعموا ms1030 البائس الفقير} البائس هو الذي اشتد بؤسه، والبؤس: ~~العدم، وقيل: البائس هو الذي به زمانه، والفقر معلوم المعنى. # PageV03P435 # قوله تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم} التفث ها هنا هو حلق الرأس، وقلم الظفر ~~ونتف الإبط وإزالة الوسخ، وقيل: إن التفث ها هنا رمي الجمار، وقال الزجاج: ~~ولا يعرف التفث ومعناه إلا من القرآن، فأما قطرب حكاه عن أهل اللغة بمعنى ~~الوسخ. # وقوله: {وليوفوا نذورهم} فيه قولان: أحدهما: أنه الوفاء بما نذره على ~~ظاهره، والقول الآخر: أن معناه الخروج عما وجب عليه نذرا ولم ينذر، والعرب ~~تقول لكل من خرج عن الواجب عليه: وفى بنذره. # وقوله: {وليطوفوا بالبيت العتيق} هذا الطواف هو طواف الإفاضة، وعليه أكثر ~~أهل التفسير. # وقوله: {بالبيت العتيق} في العتيق قولان: أحدهما: أن الله تعالى أعتقه عن ~~أيدي الجبابرة، فلم يتسلط عليه جبار، والثاني: {العتيق} أي: القديم، وهو ~~قول الحسن، وفي العتيق قول ثالث: وهو أن معنى {العتيق} أن الله تعالى أعتقه ~~عن الغرق أيام الطوفان، وهذا قول معتمد يدل عليه قوله تعالى: {وإذ بوأنا ~~لإبراهيم مكان البيت} فلما قال: {مكان البيت} دل أن البيت رفع أيام ~~الطوفان. # PageV03P435 # {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم فاجتنوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) } # PageV03P436 # قوله تعالى: {ذلك ومن يعظم حرمات الله} قال مجاهد: حرمات الله الحج ~~والعمرة، وقال عطاء: حرمات الله ما نهى عنه، والحرمة كل ما نهى عن ~~انتهاكها، قال زيد بن أسلم: حرمات الله ها هنا خمسة: البيت الحرام، والبلد ~~الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام، وقال بعضهم: تعظيم حرمات ~~الله أن يفعل الطاعة، ويأمر بها، ويترك المعصية، وينهى عنها. # وقوله: {فهو خير له عند ربه} . معناه: أن تعظيم الحرمات خير له عند الله ~~في الآخرة. # وقوله: {وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم} ما يتلى عليكم هو قول الله ~~تعالى في سورة المائدة: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} الآية. # وقوله: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} " من " ها هنا للتجنيس، ms1031 ومعناه: ~~اجتنبوا الأوثان التي هي رجس، ويقال: إن الرجس والرجز هو العذاب، ومعنى ~~قوله: {فاجتنبوا الرجس} أي: اجتنبوا سبب العذاب. # وقوله: {واجتنبوا قول الزور} أي: الكذب، قال عبد الله بن مسعود: أشهد لقد ~~عدلت شهادة الزور بالشرك، وتلا هذه الآية: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور} . # وروي هذا اللفظ مرفوعا إلى النبي. # PageV03P436 # {حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها ~~من تقوى} # وفي الآية قول آخر: وهو أن قول الزور هو الشرك، والقول الثالث: أن قول ~~الزور هو تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ~~ملك. # PageV03P437 # وقوله: {حنفاء لله غير مشركين به} . قال أهل التفسير: كانت قريش يقولون: ~~من حج واحتنف وضحى، فهو حنيف، فقال الله تعالى: {حنفاء لله غير مشركين به} ~~يعني أن (الحنيفة) إنما يتم بترك الشرك، ومن أشرك لا يكون حنيفا، وقد بينا ~~معنى الحنيف من قبل. # وقوله: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء} أي: سقط من السماء، وفي بعض ~~الأخبار عن بعض الصحابة أنه قال: " بايعت رسول الله أن لا أخر إلا مسلما " ~~أي: لا أسقط ميتا إلا مسلما. # وقوله: {فتخطفه الطير} أي: تسلبه الطير وتذهب به. # وقوله: {أو تهوي به الريح في مكان سحيق} . أي: تسقط به الريح في مكان ~~بعيد، ومعنى الآية: أن من أشرك فقد هلك، وبعد عن الحق بعدا لا يصل إليه ~~بحال ما دام مشركا. # PageV03P437 # قوله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله} في الشعائر قولان: قال ابن عباس: ~~هي البدن، وتعظيمها استسمانها واستحسانها، وعن عطاء: أن شعائر الله هي ~~الجمار، وعن [زيد] بن أسلم قال: شعائر الله: الصفا والمروة، والركن، ~~والبيت، # PageV03P437 # {القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ~~(33) ولكل أمة جعلنا منسكا} وعرفة، والمشعر الحرام، والجمار، وقال بعضهم: ~~شعائر الله: معالم دينه. # وقوله: {فإنها من تقوى القلوب} أي: هذه ms1032 الفعلة، وهي التعظيم من تقوى ~~القلوب. # PageV03P438 # وقوله: {لكم فيها منافع} قال عروة بن الزبير: يعني المنافع من البدن قبل ~~النحر، وذلك ركوبها والشرب من لبنها، وغير ذلك، وقال مجاهد: المنافع التي ~~فيها قبل أن يسمى للهدي، فإذا سميت للهدي فلا ينتفع بها، وهذا قول ابن عباس ~~وطائفة من الصحابة، والقول الأول اختاره الشافعي - رحمة الله عليه - ~~استدلوا (على صحة القول) الأول بما روي: أن النبي رأى رجلا يسوق بدنة، ~~فسأله عنها فقال: إنها بدنة، فقال: اركبها ويلك. # وقوله: {إلى أجل مسمى} على القول الأول: الأجل المسمى هو النحر، وعلى ~~القول الثاني: الأجل المسمى تسميتها بدنة، وأما إذا حملنا الشعائر على غير ~~البدن فقوله: {لكم فيها [منافع] } ينصرف إلى ما ذكر الله تعالى من الثواب ~~في تعظيم الشعائر التي ذكرناها. # وقوله: {ثم محلها إلى البيت العتيق} المحل ها هنا هو وقت النحر ومكانه. # وقوله: {إلى البيت العتيق} قد بينا. # PageV03P438 # قوله تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسكا} قال ابن عباس: عيدا، وقال غيره: # PageV03P438 # {ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله ~~أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ~~ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) والبدن جعلناها لكم ~~من} مذبحا، ويقال: متعبدا. # وقوله: {ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} يعني: ليذكروا ~~اسم الله تعالى على نحر ما رزقهم الله من بهيمة الأنعام. # وقوله: {فإلهكم إله واحد} يعني: سموا على الذبائح اسم الله تعالى وحده، ~~فإن إلهكم إله واحد. # وقوله: {فله أسلموا} أي: فله أخلصوا. # وقوله: {وبشر المخبتين} فيه أقوال: أحدها: أنه بمعنى المتواضعين، وقال ~~إبراهيم النخعي: بمعنى المخلصين، وقال غيره: بمعنى الصالحين، ويقال: بمعنى ~~المسلمين، وعن عمرو بن أوس قال: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ~~ينتصروا، وذكر الكلبي أن المخبتين هم الرقيقة قلوبهم، والخبت هو المكان ~~المطمئن من الأرض، قال امرؤ القيس شعرا: # (فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي خفاف عقنقل) # PageV03P439 # وقوله: {الذين إذا ذكر الله ms1033 وجلت قلوبهم} أي: خافت قلوبهم. # وقوله: {والصابرين على ما أصابهم} أي: وبشر الصابرين على ما أصابهم. # وقوله: {والمقيمي الصلاة} أي: المقيمين للصلاة. # وقوله: {ومما رزقناهم ينفقون} ظاهر المعنى. # PageV03P439 # قوله تعالى: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} البدن جمع البدنة، وسميت ~~البدنة لضخامتها، والبعير والبقر يسمى: بدنة، فأما الغنم لا تسمى بدنة. # وقوله: {جعلناها لكم من شعائر الله} قد بينا، ومعناه: من أعلام دين الله، ~~وسمي البدن شعائر؛ لأنها تشعر، وإشعارها هو أن تطعن في سنامها على ما هو # PageV03P439 # {شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها ~~فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشركون (36) لن ~~ينال} المعروف في الفقه، وفي الآثار: أن عمر - رضي الله عنه - حج آخر حجة ~~في آخر سنة، فكان يرمي جمرة العقبة، فأصابت جمرة صلعته فسال الدم منها، ~~فقال رجل: أشعر أمير المؤمنين فلما رجع إلى المدينة قتل. # وقوله: {لكم فيها خير} قد بينا. # وقوله: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} وعن ابن مسعود أنه قرأ: " صوافي "، ~~وعن الحسن البصري أنه قرأ: " صوافن "، والمعروف {صواف} ومعناه: مصطفة، وأما ~~" صوافي " معناه: خالصة، وأما " صوافن " فهو أن يقام على ثلاث قوائم، ويعقل ~~يده اليسرى، وهذا هو الصفون. قال الشاعر: # (ألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسير) # وقوله: {فإذا وجبت جنوبها} أي: سقطت على جنوبها. # وقوله: {فكلوا منها} قد بينا. # وقوله: {وأطعموا القانع والمعتر} المعروف أن القانع هو السائل، والمعتر ~~هو الذي يتعرض ولا يسأل، قال مالك: أحسن ما سمعت في هذا أن القانع هو ~~المعتر والمعتر، الرائي، قال الشاعر: # (على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل) # ويقال: القانع هو الذي يقنع بما أعطي، والمعروف هو القول الأول أن القانع ~~هو السائل، ويقال: المسكين الطواف. # وقوله: {كذلك سخرناها لكم} أي: ذللناها لكم. # وقوله: {لعلكم تشكرون} ظاهر المعنى. # PageV03P440 # قوله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} روي أن المشركين كانوا إذا # PageV03P440 # {الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ms1034 كذلك سخرها لكم لتكبروا ~~الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن ~~الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على ~~نصرهم} ذبحوا، أنضحوا بالدم حول البيت، فأراد المسلمون أن يفعلوا مثل ذلك، ~~فأنزل الله تعالى قوله: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى ~~منكم} ، ومعناه: لا يصل الدم واللحم إلى الله تعالى؛ وإنما تصل التقوى، ~~وقيل: لا تصل الدماء واللحوم إلا بالتقوى، ويقال: لا يرضى إلا بالتقوى. # وقوله: {كذلك سخرها لكم} أي: ذللناها لكم. # وقوله: {لتكبروا الله على ما هداكم} معناه: لتعظموا الله على ما هداكم. # وقوله: {وبشر المحسنين} قد بينا معنى المحسنين من قبل. # PageV03P441 # قوله تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} وقرىء: " يدفع "، والمدافعة ~~عنهم بحفظهم ونصرتهم، ويقال: يدافع الكفار عن الذين آمنوا، ويقال: يدافع ~~المؤمنين وساوس الشيطان وهواجس النفوس، ويقال: يدافع عن الجهال بالعلماء، ~~وعن العصاة بالمطيعين. # وقوله: {إن الله لا يحب كل خوان كفور} الخوان هو كثير الخيانة، والكفور ~~هو الذي كفر النعمة. # PageV03P441 # قوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} قال أهل التفسير: هذه أول ~~آية نزلت في إباحة القتال، وقد رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقرىء: " ~~أذن للذين يقاتلون " بنصب الألف والتاء، وإنما ذكر " أذن " و " أذن " ~~بالرفع والنصب؛ " لأن المسلمين قبل الهجرة كانوا قد استأذنوا من النبي أن ~~يقاتلوا الكفار فلم يأذن لهم، فلما هاجروا إلى المدينة أنزل الله تعالى ~~آيات القتال ". # PageV03P441 # {لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها ~~اسم} {ظلموا} أي: لأنهم ظلموا. # وقوله: {وإن الله على نصرهم لقدير} أي: قادر. # PageV03P442 # قوله تعالى: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} أي: ظلما. # وقوله: {إلا أن يقولوا ربنا الله} قال سيبويه: هذا استثناء منقطع، ~~ومعناه: لكن أخرجوا؛ لأنهم قالوا: ربنا الله، وقال بعضهم: لكن أخرجوا ~~لتوحيدهم. # وقوله: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ms1035 ببعض} القول المعروف أن الدفع هاهنا ~~هو دفع المجاهدين عن الدين، وعن سائر المسلمين، وعن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - قال: عمن لا يصلي بالمصلى، وعمن لا يجاهد بالمجاهد، وعمن لا يعلم ~~بمن يعلم. # وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: هذا هو الدفع عن التابعين بأصحاب رسول ~~الله، وقال بعضهم: هو الدفع عن الحقوق بالشهود، وعن قطرب - واسمه محمد بن ~~الحسين - قال: هو الدفع عن النفوس بالقصاص. # وقوله: {لهدمت صوامع وبيع} أي: صوامع الرهبان، وبيع النصارى، {وصلوات} ~~اليهود أي: مواضع صلاتهم، وقرىء: " وصلوات " برفع الصاد واللام قراءة عاصم ~~الجحدري، وعن الضحاك أنه قرأ: " وصلوات ". # وقوله: {ومساجد} أي: مساجد المؤمنين، وقال بعضهم: الصوامع للنصارى، ~~والبيع لليهود، والصلوات هي المساجد في الطرق للمسافرين من المؤمنين، وأما ~~المساجد هي المساجد في الأمصار. # وقال بعضهم: الصوامع للصابئين، والبيع للنصارى، والصلوات لليهود، فإن قال ~~قائل: هذه المواضع التي للكفار ينبغي أن تهدم، فكيف قال: لهدمت؟ والجواب ~~عنه: أن معنى الآية: لولا دفع الله لهدمت هذه المواضع في زمان كل نبي؛ ~~فهدمت الصوامع في زمن موسى، والبيع في زمن عيسى، والصلوات في زمن داود ~~وغيره، والمساجد # PageV03P442 # {الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) الذين إن ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور (41) وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد ~~وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت ~~للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة ~~فهي خاوية} في زمن محمد. # وقوله: {يذكر فيها اسم الله كثيرا} معلوم المعنى. # وقوله: {ولينصرين الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} ظاهر المعنى. # PageV03P443 # قوله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض} هذه الآية تنصرف إلى قوله: ~~{ولينصرن الله من ينصره} . # وقوله: {أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} ~~الآية نازلة في هذه الأمة، وروي عن ابن عباس أنه قال: الآية نزلت في طلقاء ~~من بني هاشم، وهذا قول غريب. # وقوله: ms1036 {ولله عاقبة الأمور} أي: عواقب الأمور. # PageV03P443 # قوله تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح} أنزل الله تعالى هذه ~~الآية في تعزية النبي وتسليته، فكأنه قال: إن كذبوك قومك {فقد كذبت قبلهم ~~قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى} يعني: أن ~~هؤلاء الأنبياء قد كذبوا أيضا. # وقوله: {فأمليت للكافرين} أي: أمهلت للكافرين، والإمهال من الله هو ~~الاستدراج والمكر. # وقوله: {ثم أخذتهم فكيف كان نكير} أي: إنكاري، وإنكاره بالعقوبة. # PageV03P443 # قوله: {فكأين من قرية أهلكناها} أي: فكم من قرية أهلكناها. # PageV03P443 # {على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45) } # وقوله: {وهي ظالمة} أي: أهلها ظالمون. # وقوله: {فهي خاوية على عروشها} أي: ساقطة على سقوفها، والخاوية في اللغة ~~هي الخالية، وذكر الخاوية هاهنا؛ لأن الدور إذا سقطت خلت عن أهلها. # وقوله: {وبئر معطلة} . وقوله: {وقصر مشيد} أي: وكم من قصر مشيد ذهب ~~أهلوه، وهلكوا. وفي المشيد قولان: أحدهما: أن المشيد هو المطول، والآخر: أن ~~المشيد هي المبني بالشيد، والشيد هو الجص، قال الشاعر: # (شاده مرما وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكور) # وقال بعضهم: إن البئر المعطلة والقصر المشيد باليمن، أما القصر على قلة ~~جبل، وأما البئر في سفحه، وكان لكل واحد منهما قوم في نعمة عظيمة، فكفروا ~~فأهلكهم الله تعالى، وبقي البئر والقصر خاليتين عن الكل، وحكي أن سليمان بن ~~داود - صلوات الله عليهما - كان إذا مر بخربة قال: أيتها الخربة، أين ذهب ~~أهلوك؟ # وعن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال في خطبته: أين الذين بنوا المدائن ~~ورفعوها؟ وأين الذين بنوا القصر وشيدوها؟ وأين الذين جمعوا الأموال؟ ثم ~~يقرأ {هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا} فإن قال قائل: أيش فائدة ذكر ~~البئر المعطلة والقصر المشيد، وفي العالم من هذا كثير، فلا يكون لذكر هذا ~~فائدة؟ والجواب عنه: أنه قد جرت عادة العرب بذكر الديار للاعتبار، وقد ~~ذكروا مثل هذا كثيرا في أشعارهم، فكذلك هاهنا ذكر الله تعالى القصور ~~الخالية والديار [المعطلة] ؛ ليعتبر المعتبرون بذلك. # قال الأسود بن ms1037 يعفر: # (ماذا أومل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد) # PageV03P444 # {أفلم يسروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) ويستعجلونك ~~بالعذاب} # (أهل الخورنق والسرير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سداد) # (نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد) # (وأرى النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد) # PageV03P445 # قوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها} أي: ~~يعلمون بها، ويقال: إن العقل علم غريزي، واستدل من قال: إن محله القلب بهذه ~~الآية. # وقوله: {أو آذان يسمعون بها} يعني: ما يذكر لهم من أخبار القرون الماضية ~~فيعتبروا بها. # وقوله: {فإنها لا تعمى الأبصار} وقد روي عن النبي أنه قال: " ألا إن ~~العمى عمى القلب ". # وقال بعضهم: عينان في الوجه وعينان في القلب؛ فالعينان في الوجه للنظر، ~~والعينان في القلب للاعتبار، وعن قتادة أنه قال: البصر الظاهر بلغة ومنفعة، ~~وأما بصر القلب فهو البصر النافع. # وقوله: {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} معناه: أن العمى الضار هو عمى ~~القلوب، وأما عمى البصر فليس بضار في أمر الدين، ومن المعروف في كلام ~~الناس: ليس الأعمى من عمي بصره، وإنما الأعمى من عيت بصيرته. # وحكي عن ابن عباس [أنه] دخل على معاوية بعدما عمي، وكان أبوه قد عمي # PageV03P445 # {ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) وكأين من ~~قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) قل يا أيها الناس ~~إنما أنا} في آخر عمره، وكذلك جده عبد المطلب، فقال له معاوية: ما لكم يا ~~بني هاشم، تصابون في أبصاركم؟ فقال له ابن عباس: وما لكم يا بني أمية، ~~تصابون في بصائركم. # وقوله: {تعمى القلوب التي في الصدور} هاهنا على طريق التأكيد مثل قوله ~~تعالى: {يقولون بأفواههم} ومثل قول القائل: نظرت بعيني ومشيت بقدمي. # PageV03P446 # قوله تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده} نزلت الآية في ~~النضر بن الحارث حين قال: ms1038 {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء} الآية. # وقوله: {ولن يخلف الله وعده} أي: وعد العذاب. # وقوله: {وإن يوما عند ربك كألف سنة} فيه قولان: أحدهما: وإن يوما من ~~الأيام التي خلق فيها الدنيا كألف سنة، والقول الثاني: أن معناه: وإن يوما ~~من أيام عذابهم كألف سنة {مما تعدون} والقول الثاني هو الأولى؛ لأنه قد سبق ~~ذكر العذاب. # PageV03P446 # قوله تعالى: {وكأين من قرية أمليت لها} أي: أمهلت لها. # وقوله: {وهي ظالمة} يعني: أهلها ظالمون. # وقوله: {ثم أخذتها وإلي المصير} أي: المرجع. # PageV03P446 # قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين} أي: منذر مرشد. # PageV03P446 # وقوله: {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم} الرزق الكريم ~~هو الذي لا ينقطع أبدا، وقيل: هو الجنة. # PageV03P446 # وقوله: {والذين سعوا في آياتنا معاجزين} أي: معاندين مشاقين، وقرىء: " ~~معجزين " أي: مثبطين الناس عن اتباع النبي، ويقال: ظانين أنهم يعجزوننا ~~بزعمهم أن لا بعث، ولا جنة، ولا نار، ومعنى يعجزوننا أي: يفوتون منا. # وقوله: {أولئك أصحاب الجحيم} أي: النار، والجحيم عبارة عن معظم النار. # PageV03P446 # {لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم ~~(50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم (51) وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما ~~يلقي} # PageV03P447 # وقوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} وقرأ ابن عباس: " ولا ~~محدث " قال الشيخ الإمام - رضي الله عنه - أخبرنا بهذا أبو علي الشافعي ~~قال: أخبرنا أبو الحسن بن [فراس] قال: أخبرنا أبو محمد بن عبد الله بن يزيد ~~المقرىء، عن جده محمد، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ~~أنه قرأ هكذا. # فقوله: " ولا محدث " يعني: ملهم، كأن الله حدثه في قلبه، ومن المعروف أن ~~النبي قال: " قد كان في الأمم السابقة محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، ~~فهو عمر ". # وأما الكلام في الرسول والنبي، فقال بعضهم: هما سواء، ms1039 وفرق بعضهم بينهما ~~فقال: الرسول هو الذي يأتيه جبريل - عليه السلام - بالوحي، والنبي هو الذي ~~يأتيه الوحي في المنام، أو يلهم إلهاما، ومنهم من قال: الرسول الذي له ~~شريعة يحفظها، والنبي هو الذي بعث على شريعة غيره فيحفظها، وقد قالوا: كل ~~رسول نبي، وليس كل نبي برسول. # وقوله: {إلا إذا تمنى} الأكثرون على أن معناه: إذا قرأ: {ألقى الشيطان في ~~أمنيته} أي: في قراءته، قال الشاعر في عثمان: # (تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر) # أي: تلا، وقال بعضهم: تمنى هو حديث النفس، والقصة في الآية: هو ما روي عن ~~ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، والزهري، والضحاك، وغيرهم أن # PageV03P447 # النبي قرأ سورة " والنجم " في صلاته، وعنده المسلمون والمشركون، ويقال: ~~قرأ في الصلاة، فلما بلغ قوله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى} ألقى الشيطان على لسانه: " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ~~" ومر في السورة حتى سجد في آخرها، ففرح المشركون وسروا، وقالوا: قد ذكر ~~آلهتنا بخير، ولا نريد إلا هذا، وسجدوا معه. قال ابن مسعود: ولم يسجد ~~الوليد بن المغيرة، ورفع ترابا إلى جبهته، وقال: سجدت - وكان شيخا كبيرا - ~~قال: فجاء جبريل - عليه السلام - وقال: اقرأ علي سورة " والنجم " فقرأ، ~~وألقى الشيطان على لسانه هكذا، فقال: هذا لم آت به، وأخرجه من قراءته، فحزن ~~رسول الله حزنا شديدا، فأنزل الله تعالى هذه الآية عليه: {وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} . # فإن قال قائل: كيف يجوز هذا على النبي، وقد كان معصوما من الغلط في أصل ~~الدين؟ وقال الله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} ، وقال الله تعالى: ~~{لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} أي: إبليس؟ # والجواب عنه: اختلفوا في الجواب عن هذا، قال بعضهم: إن هذا ألقاه بعض ~~المنافقين في قراءته، وكان المنافق هو القارىء فظن المشركون أن الرسول قرأ، ~~وسمى ذلك المنافق شيطانا؛ لأن كل كافر متمرد بمنزلة الشيطان، وهذا جواب ms1040 ~~ضعيف. # PageV03P448 # {الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) ليجعل ما يلقي الشيطان ~~فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) ~~} # ومنهم من قال: إن الرسول لم يقرأ، ولكن الشيطان ذكر هذا بين قراءة النبي، ~~وسمع المشركون ذلك، وظنوا أن الرسول قرأ، وهذا اختيار الأزهري وغيره. # وقال بعضهم: إن الرسول أغفأ إغفأة ونعس، فجرى على لسانه هذا، ولم يكن به ~~خبر بإلقاء الشيطان، وهذا قول قتادة، وأما الأكثرون من السلف ذهبوا إلى أن ~~هذا شيء جرى على لسان الرسول بإلقاء الشيطان من غير أن يعتقد، وذلك محنة ~~وفتنة من الله (وعادة) ، والله تعالى يمتحن عباده بما شاء، ويفتنهم بما ~~يريد، وليس عليه اعتراض لأحد وقالوا: إن هذا وإن كان غلطا عظيما، فالغلط ~~يجوز على الأنبياء، إلا أنهم لا يقرون عليه. # وعن بعضهم: أن شيطانا يقال له: الأبيض عمل هذا العمل، وفي بعض الروايات: ~~أنه تصور بصورة جبريل، وأدخل في قراءته هذا، والله أعلم. # وقوله: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} أي: يزيل الله ما يلقي الشيطان. # وقوله: {ثم يحكم الله آياته} أي: يثبت الله آياته. # وقوله: {والله عليم حكيم} ظاهر المعنى. # PageV03P449 # قوله تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض} أي: محنة ~~وبلية. # وقوله: {والقاسية قلوبهم} أي: الجافة قلوبهم عن قبول الحق. # وقوله: {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} أي: في ظلال طويل، وقيل: مستمر، وهو ~~الأحسن. # PageV03P449 # {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ~~وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) ولا يزال الذين كفروا في ~~مرية منه} # PageV03P450 # قوله تعالى: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك} يعني: ما أثبته ~~ولم ينسخه. # وقوله: {فيؤمنوا به} (أي: يعتقدون به من قبل الله تعالى) . # وقوله: {فتخبت له قلوبهم} أي: تسكن إليه قلوبهم. # وقوله: {وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} أي: إلى طريق قويم، ~~وهو الإسلام. # PageV03P450 # قوله تعالى: {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه} أي: في شك منه. ms1041 # وقوله: {حتى تأتيهم الساعة بغتة} قيل: هي الموت، وقيل: هي القيامة. # وقوله: {أو يأتيهم عذاب يوم عقيم} فيه قولان: أحدهما: أن اليوم العقيم هو ~~يوم القيامة، والقول الثاني: أن اليوم العقيم هو يوم بدر، وعليه الأكثرون، ~~وعن أبي بن كعب أنه قال: أربع آيات في يوم بدر: أحدها: هو قوله: {عذاب يوم ~~عقيم} ، والآخر: قوله تعالى: {يوم نبطش البطشة الكبرى} ، والثالث: قوله ~~تعالى: {فسوف يكون لزاما} ، والرابع: قوله تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب ~~الأدنى دون العذاب الأكبر} . فالقتل يوم بدر هو العذاب الأدنى، وأما العقيم ~~في اللغة هو المنع، يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم إذا منعا من الولد، وريح ~~عقيم إذا لم تمطر، ويوم عقيم إذا لم يكن فيه خير ولا بركة، (فيوم بدر يوم ~~عقيم؛ لأنه لم يكن فيه خير ولا بركة) للكفار. # قال الشاعر: # PageV03P450 # {حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (55) الملك يومئذ لله ~~يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) والذين هاجروا في سبيل الله ثم ~~قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58) ~~ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب ~~به ثم} # (عقم النساء فلا يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله لعقيم) # PageV03P451 # قوله تعالى: {الملك يومئذ لله يحكم بينهم} أي: يقضي بينهم. # وقوله: {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم} ظاهر المعنى. # PageV03P451 # وقوله: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين} أي: مذل مخز. # PageV03P451 # قوله تعالى: {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم ~~الله رزقا حسنا} الرزق الحسن هو الذي لا ينقطع أبدا، وذلك رزق الجنة. # وقوله: {وإن الله لهو خير الرازقين} أي: أفضل الرازقين. # PageV03P451 # وقوله: {ليدخلنهم مدخلا يرضونه} . وقرىء: " مدخلا " بفتح الميم، والمدخل ~~بالرفع من الإدخال، والمدخل بالفتح الموضع. # وقوله: {وإن الله لعليم حليم} أي: عليم بأعمال العباد، حليم عنهم. # PageV03P451 # قوله تعالى: {ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به} روي أن قوما ms1042 من المسلمين ~~لقوا قوما من المشركين في آخر المحرم، وقد بقيت ليلتان منه، فتصد المشركون ~~المسلمين فقال لهم المسلمون: كفوا، فإن هذا شهر حرام، فلم يكفوا؛ فقاتلهم ~~المسلمون على وجه الدفع، وظفروا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # ويقال: إن قوما من المشركين قتلوا قوما من المسلمين، فظفر بهم النبي # PageV03P451 # {بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (60) ذلك بأن الله يولج الليل ~~في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (61) ذلك بأن الله هو ~~الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير (62) ألم تر ~~أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير (63) له ~~ما في السموات} وقتلهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وإنما سمي الفعل الأول ~~عقوبة، وإن كان في الحقيقة اسم العقوبة يقع على ما يكون جزاء للجناية على ~~ازدواج الكلام؛ لأنه ذكره في مقابلة العقوبة، وهذا كقوله تعالى: {وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها} . # وقوله تعالى: {ثم بغى عليه} البغي هاهنا ما فعله المشركون بالمسلمين من ~~الظلم والإخراج من الديار وأخذ الأموال. # وقوله: {لينصرنه الله} ظاهر المعنى. # وقوله: {إن الله لعفو غفور} أي: ذو تجاوز وعفو عن المسلمين. # PageV03P452 # قوله تعالى: {ذلك بأن الله يولج الليل في النهار} الآية. ظاهر المعنى. # PageV03P452 # وقوله: {ذلك بأن الله هو الحق} أي: ذو الحق. # وقوله: {وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} يعني: ليس بحق. # وقوله: {وأن الله هو العلي الكبير} أي: المتعالي المتعظم، ويقال: إن ~~العلي هاهنا ينصرف إلى الدين أي: دينه يعلو الأديان، والكبير صفته تبارك ~~وتعالى، ويقال: الحق اسم من أسماء الله تعالى، ذكره يحيى بن سلام، وأما ~~الباطل فيقال: إنه إبليس، ويقال: إنه الأوثان. # PageV03P452 # قوله: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} أي: ذات ~~خضرة، كما يقال: مسبعة ومبقلة أي: أرض ذات بقل وذات مسبع. # قال عكرمة: الآية نزلت في مكة خاصة، فإن المطر هناك يقع بالليل، وتخضر # PageV03P452 # {وما في الأرض وإن الله لهو الغني ms1043 الحميد (64) ألم تر أن الله سخر لكم ما ~~في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا ~~بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم (65) وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم} الأرض بالنهار، وعن الخليل قال: " ألم تر " تنبيه ثم ابتداء، وقال: ~~ينزل الله المطر فتصبح الأرضين مخضرة، فلهذا رفع تصبح. # وقوله: {إن الله لطيف خبير} أي: لطيف باستخراج النبات من الأرض وبرزق ~~العباد، خبير بما في قلوبهم أي: بما يعرض في قلوبهم عند نقصان الرزق أو ~~عدمه، وقيل: عند جدوبة الأرض. # PageV03P453 # قوله: {له ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد} أي: ~~الغني عن أعمال الخلق، المحمود في أفعاله. # PageV03P453 # قوله تعالى: {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر ~~بأمره} أي: وسخر الفلك تجري في البحر بأمره، ويقال: ما في الأرض هي الدواب ~~التي تركب في البر، وأما الفلك هو الذي يركب في البحر. # وقوله: {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} في بعض الآثار: أنه ~~إذا أظهرت الصلبان في الأرض، وضربت بالنواقيس، ارتجت السماء والأرض، وكادت ~~السماء أن تقع، فيرسل الله (ملائكة) فيمسكون بأطراف السماء والأرض، ويقرءون ~~سورة الإخلاص حتى تسكن، وأما المعروف في معنى الآية أن الله يمسك السماء ~~بغير عمد، على ما ذكرنا من قبل. # وقوله: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} قد بيناه. # PageV03P453 # قوله تعالى: {وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} الإحياء الأول هو ~~الإنشاء، والإحياء الثاني هو البعث من القبور. # وقوله: {إن الإنسان لكفور} أي: لكفور (لنعمة الله) . # PageV03P453 # {إن الإنسان لكفور (66) لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في ~~الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) وإن جادلوك فقل الله أعلم بما ~~تعملون (68) الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم ~~تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله ~~يسير} # PageV03P454 # قوله تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكا} بفتح السين، وقرىء: ms1044 " منسكا " بكسرها، ~~فالمنسك بالكسر موضع النسك، كالمجلس موضع الجلوس، وأما المنسك بالفتح هو ~~على المصدر للنسك، قال الفراء: المنسك بالفتح موضع العبادة، والمناسك مواضع ~~أركان الحج، ويقال: المنسك: المذبح، وعن ابن عباس: منسكا أي: عيدا، وقيل: ~~منسكا أي: شريعة وملة. # وقوله: {هم ناسكوه} أي: عاملون بها. # وقوله: {فلا ينازعنك في الأمر} منازعتهم أنهم قالوا: أتأكلون مما ~~قتلتموه، ولا تأكلون مما قتله الله؟ # وقال الزجاج: معنى قوله: {فلا ينازعنك في الأمر} أي: فلا تنازعهم، قال: ~~وهذا مستقيم في كل ما لا يكون إلا بين اثنين، يجوز أن يقال: لا يخاصمنك ~~فلان أي: لا تخاصمه، ولا يجوز أن يقال: لا يضربنك فلان بمعنى لا تضربه؛ لأن ~~الضرب إنما يكون من الواحد، وإنما قال الزجاج هذا؛ لأن قوله: {فلا ينازعنك} ~~إخبار، وقد نازعوه، ولا يجوز الخلاف في خبر الله تعالى، فذكر أن المعنى: ~~فلا تنازعهم؛ ليكون أمرا لا خبرا، وقرىء: " فلا ينزعنك في الأمر " أي: لا ~~يغلبنك. # وقوله: {وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم} أي: دين مستقيم. # PageV03P454 # قوله تعالى: {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم} ~~الآية ظاهر المعنى. # PageV03P454 # قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض} معنى قوله: ~~{ألم تعلم} أي: قد علمت. # وقوله: {إن ذلك في كتاب} هو اللوح المحفوظ. # PageV03P454 # ( {70) ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما ~~للظالمين من نصير (71) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين ~~كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ~~ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72) يا أيها الناس ضرب ~~مثل} # وقوله: {إن ذلك على الله يسير} أي: هين. # PageV03P455 # قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله مالم ينزل به سلطانا} أي: حجة. # وقوله: {وما ليس لهم به علم} يعني: أنهم فعلوا ما فعلوا عن جهل لا عن ~~علم. # وقوله: {وما للظالمين من نصير} أي: مانع من العذاب. # PageV03P455 # قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ms1045 تعرف في وجوه الذين كفروا ~~المنكر} أي: الإنكار. # وقوله: {يكادون (يسطون} ) أي: يقعون. # وقوله: {بالذين يتلون عليهم آياتنا} يعني: المؤمنين، وقيل: يتناولون ~~بالشتم والمكروه. # وقوله: {قل أفأنبئكم بشر من ذلكم} أي: بشر عليكم وأكره لكم. # وقوله: {النار} كأنهم سألوا ما ذلك؟ فقال: أجب، وقل: النار. # وقوله: {وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير} أي: بئس المرجع. # PageV03P455 # قوله: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له} فإن قال قائل: أين المثل؟ ~~قلنا معناه: ضرب لي مثل أي: شبه لي مثل، على معنى أن المشركين اتخذوا ~~الأصنام معي آلهة {فاستمعوا له} أي: استمعوا خبر الأصنام وحالها، ثم قال: ~~{إن الذين تدعون من دون الله} الأصنام. # وقوله: {لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} ذكر الذباب لخسته ومهانته ~~وضعفه، # PageV03P455 # {فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73) ما قدروا ~~الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس} وعن بعض السلف قال: خلق الله تعالى الذباب ليذل؛ به الجبابرة، وهو ~~حيوان مستأنس ممتنع؛ لأنه يستأنس بك فيقع عليك، ثم إذا أردت أن تأخذه امتنع ~~منه. # وقوله: {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه} قال ابن عباس: كانوا ~~يطلون الأصنام بالزعفران، فإذا جف جاء الذباب واستلب منه شيئا، فأخبر الله ~~تعالى أن الأصنام لا يستنقذون من الذباب ما استلبه، وعن السدي: أنهم كانوا ~~يأتون بالطعام، ويضعون بين يدي الأصنام، فيجيء الذباب ويقعن عليه، ويأكلن ~~منه، فهو معنى قوله تعالى: {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه} . # وقوله: {ضعف الطالب والمطلوب} (الطالب الذباب، والمطلوب الصنم، ويقال: ~~الطالب الصنم، والمطلوب) الذباب. # وقيل: {ضعف الطالب والمطلوب} أي: العابد والمعبود. # PageV03P456 # وقوله: {ما قدروا الله حق قدره} أي: ما عظموا الله حق عظمته، ويقال: ما ~~عرفوا الله حق معرفته، وقيل: ما وصفوا الله حق صفته، وعن ابن عباس: أن ~~اليهود قالوا: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، واستراح يوم ms1046 السبت، ~~فأنزل الله تعالى: {ما قدروا الله حق قدره} . # وقوله: {إن الله لقوي عزيز} أي: قوي على ما يريد، عزيز أي: منيع في ملكه. # PageV03P456 # قوله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} أما من الملائكة ~~فهم: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وغيرهم، وأما من الناس فهم: ~~آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وغيرهم صلوات الله عليهم. # وقوله: {إن الله سميع بصير} سميع لأقوال العباد، بصير بهم. # PageV03P456 # قوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} قد بينا هذا من قبل، ويقال: # PageV03P456 # {إن الله سميع بصير (75) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع ~~الأمور (76) يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون (77) وجاهدوا في الله حق جهاده} ما بين أيديهم: ما ~~قدموا من العمل، وما خلفهم: ما أخروها فلم يعملوها. # وقوله: {وإلى الله ترجع الأمور} تصير الأمور. # PageV03P457 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} والركوع والسجود ~~معلومان، ولا تقبل صلاة إلا بهما سوى صلاة الجنازة. # وقوله: {واعبدوا ربكم} أي: وحدوا ربكم، ويقال: أخلصوا في ركوعكم وسجودكم. # وقوله: {وافعلوا الخير} أي: صلة الأرحام ومكارم الأخلاق وسائر وجوه البر. # وقوله: {لعلكم تفلحون} (وتفوزون) . # وفي هذه الآية سجدة للتلاوة منقولة عن جماعة من الصحابة، وروى مشرح بن ~~هاعان، عن عقبة بن عامر أن النبي قال: " في الحج سجدتان، من لم يسجدهما فلا ~~يقرأها "، وفي رواية: " من لم يسجدهما فلم يقرأها ". # PageV03P457 # قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده} اعلم أن الجهاد يكون بالنفس، ~~وبالقلب، وبالمال؛ فأما الجهاد بالنفس فهو فعل الطاعات واختيار الأشق من ~~الأمور، وأما الجهاد بالقلب فهو دفع الخواطر الردية، وأما الجهاد بالمال ~~فهو البذل (والإيثار) . # وقوله: {حق جهاده} قال بعضهم: " هو أن يطيع الله (ولا يعصيه) ، ويذكره # PageV03P457 # {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم} ~~فلا ينساه، ويشكره فلا يكفره، وقال بعضهم: حق جهاده: هو أن لا يخل بفرض ما. # وعن بعض أهل التحقيق قال: حق جهاده هو أن ms1047 لا يترك جهاد نفسه طرفة عين. ~~وفي بعض الغرائب من الأخبار: أن النبي لما رجع من غزوة تبوك قال: " رجعنا ~~من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وعنى بالجهاد الأصغر هو الجهاد مع ~~الكفار، وبالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس، وأنشد بعضهم. # (يا رب إن جهادي غير منقطع ... وكل أرضك لي ثغر وطرسوس) # وقوله: {هو اجتباكم} أي: اختاركم. # وقوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (فإن قال قائل: في الدين حرج ~~كثير بلا إشكال فما معنى قوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ) ؟ قلنا: ~~فيه أقول: أحدها: أن الحرج هو الضيق، ومعنى الآية هاهنا: أنه لا ضيق في ~~الدين بحيث لا خلاص عنه، فمعناه: أن المذنب وإن وقع في ضيق من معصيته، فقد ~~جعل الله له خلاصا بالتوبة، وكذلك إذا حنث في يمينه جعل الله له الخلاص ~~بالكفارة، والقول الثاني: أن معنى الآية أن الله تعالى لم يكلف نفسا فوق ~~وسعها، وقد ذكرنا هذا من قبل، والقول الثالث: أن المراد من الآية أنه إذا ~~كان مريضا فلم يقدر على الصلاة قائما صلى قاعدا، فإن لم يقدر على الصلاة ~~قاعدا صلى بالإيماء، ويفطر إذا شق عليه الصوم بسفر أو مرض أو هرم، وكذلك ~~سائر وجوه الرخص. # وقوله: {ملة أبيكم إبراهيم} فيه قولان: أحدهما: أن الآية خطاب مع العرب، ~~وقد كان إبراهيم أبا لهم، والقول الثاني: أن الآية خطاب مع جميع المسلمين، ~~وجعل # PageV03P458 # {المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على ~~الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} إبراهيم أباهم على معنى وجوب احترامه، ~~وحفظ حقه كما يجب احترام الأب وحفظ حقه، وإنما نصب ملة على معنى: ابتغوا ~~ملة إبراهيم. # وقوله: {هو سماكم المسلمين} فيه قولان: أحدهما: أن الله سماكم المسلمين ~~{من قبل} أو في التوراة والإنجيل. # وقوله: {وفي هذا} أي: في القرآن، والقول الثاني: أن إبراهيم سماكم ~~المسلمين، والدليل على هذا القول أن الله تعالى قال خبرا عن إبراهيم: {ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} الآية. ms1048 # وقوله: {ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} ذكرنا هذا في ~~سورة البقرة والنساء، وفي الخبر: " أن الله تعالى أعطى هذه الأمة ثلاثا مثل ~~ما أعطى الأنبياء: كان يقال للنبي: اذهب فلا حرج عليك، وقال الله تعالى ~~لهذه الأمة: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ، وكان يقال للنبي: أنت شاهدا ~~على أمتك، فقال الله تعالى لهذه الأمة: {لتكونوا شهداء على الناس} ، وكان ~~يقال للنبي: سل تعطه، فقال الله تعالى لهذه الأمة: {ادعوني أستجب لكم} ". # وقوله: {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ظاهر المعنى، وروى ابن مسعود عن ~~النبي أنه قال: " لا تقبل الصلاة إلا بالزكاة ". # وقوله: {واعتصموا بالله} أي: تمسكوا بدين الله، ويقال معناه: ادعوا الله # PageV03P459 # {واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) } ليثبتكم على ~~دينه، وفيه قول ثالث: أن الاعتصام بالله هو التمسك بالكتاب والسنة، وعن ~~الزهري أنه قال: الاعتصام بالسنة نجاة. # وقوله: {هو مولاكم} أي: حافظكم {فنعم المولى} أي: الحافظ {ونعم النصير} ~~أي: الناصر. # PageV03P460 # بسم الله الرحمن الرحيم # {قد أفلح المؤمنون (1) } # تفسير سورة المؤمنين وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # PageV03P461 # قوله تعالى: {قد أفلح ### | المؤمنون} # روى عبد الرزاق، عن يونس بن سليم، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن ~~عبد القاري، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: " كنا إذا نزل الوحي ~~على رسول الله سمع عند وجهه دوي كدوي النحل، فأنزل عليه مرة فمكثنا ساعة، ~~فلما سري عنه، استقبل القبلة وقال: اللهم أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا ~~تحرمنا، وارضنا وارض عنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، ثم قال: لقد أنزل علي عشر ~~آيات من أقامهن دخل الجنة، وقرأ: {قد أفلح المؤمنون} إلى آخر العشر ". قال ~~الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الحديث عبد الرحمن بن عبيد الله بن أحمد قال: ~~أخبرنا أحمد بن محمد بن سراج قال: أخبرنا محمد بن محمد بن محبوب قال: ~~أخبرنا محمد بن عيسى بن سورة أخبرنا عبد بن حميد عن عبد الرزاق. الحديث. # وقوله: {قد أفلح} أي: فقد سعد وفاز وظفر، وقال ms1049 بعضهم: نال البقاء الدائم ~~والبركة. قال الشاعر: # (نحل بلادا كلها حل قبلنا ... ونرجوا الصلاح بعد عاد وحميرا) # PageV03P461 # {الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) } وقرئ " " قد أفلح المؤمنون " أي: ~~اصيروا إلى ما فيه الصلاح. # وقال لبيد شعرا: # (فاعقلي إن كنت (مما تعقلي) # ولقد أفلح من كان عقل) # وقال غيره: # (لو كان حي مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح) # قال ابن عباس: نالوا ما إياه طلبوا، ونجوا مما عنه هربوا. # وقوله: {المؤمنون} المصدقون. # PageV03P462 # وقوله: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} أي: خاضعون خائفون، يقال: الخشوع خوف ~~القلب، وحقيقته هو الإقبال في الصلاة على معبوده، والتذلل بين يديه، ويقال: ~~هو جمع الهمة، ودفع العوارض عن الصلاة، وتدبر ما يجري على لسانه من القراءة ~~والتسبيح والتهليل والتكبير، وعن علي - رضي الله عنه - قال: الخشوع أن لا ~~يلتفت عن يمينه ولا عن شماله في الصلاة. # وعن أبي هريرة قال: كان أصحاب رسول الله يرفعون أبصارهم إلى السماء في ~~الصلاة، فلما نزل قوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون} رموا بأبصارهم إلى مواضع السجود، وعن إبراهيم النخعي قال: هو السكن ~~في الصلاة. # PageV03P462 # {والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم ~~لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} # PageV03P463 # وقوله: {والذين هم عن اللغو معرضون} قال ابن عباس: يعني الشك، وقال ~~الحسن: المعاصي كلها. ذكر الزجاج أن اللغو هو كل كلام باطل مطرح، ويقال: إن ~~اللغو ها هنا هو معارضة الكفار بالسب والشتم، وهذا قول حسن؛ لأن الله تعالى ~~قال: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} أي: إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا ~~أنفسهم عن الدخول فيه. # PageV03P463 # قوله تعالى: {والذين هم للزكاة فاعلون} أي: مؤدون. # قال الشعبي: هي زكاة الفطر، وقال بعضهم: الزكاة ها هنا هي العمل الصالح ~~فكأنه قال: والذين هم للعمل الصالح فاعلون. # PageV03P463 # قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} حفظ الفرج هو التعفف عن الحرام. # PageV03P463 # وقوله: {إلا على أزواجهم} يقال: إن الآية في الرجال بدليل أن الله تعالى ~~قال: {أو ms1050 ما ملكت أيمانهم} والمرأة لا يجوز لها أن تستمتع بملك يمينها، ~~وقيل: إن أول الآية في الرجال والنساء جميعا، وقوله: {أو ما ملكت أيمانهم} ~~إلى الرجال دون النساء {فإنهم غير ملومين} أي: غير معاتبين، فإن قيل: إذا ~~أصاب امرأته في حال الحيض أو النفاس وما أشبهه، وكذلك الجارية فقد أتى ~~حراما، وإن كان قد حفظ فرجه عن غير زوجته وملك يمينه ويكون ملوما؟ والجواب ~~عنه: أن تقدير الآية في هذا: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم على وجه يجوز في الشرع فإنهم غير ملومين، وكذلك الجواب عن ~~قول من استدل بهذه الآية في جواز إتيان المرأة في غير مأتاها أو الجارية. # PageV03P463 # وقوله تعالى: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} (أي: سوى ذلك، # PageV03P463 # ( {6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لآماناتهم ~~وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم} وابتغى أي: ~~طلب، وقوله: {فأولئك هم العادون} أي: الظالمون المتجاوزون عن الحلال إلى ~~الحرام، واستدل العلماء بهذه الآية على أن الاستمناء باليد حرام، وعن ابن ~~عباس سئل عنه فقال: هو نائك نفسه، وعن ابن جريج أنه قال: سألت عطاء عنه ~~فقال: هو مكروه، فقلت أفيه حد؟ فقال: ما سمعت. وعن سالم بن عبد الله بن عمر ~~أنه سئل عن هذا الفعل فقال: " أف أف! سمعت أن قوما يحشرون وأيديهم حبالى، ~~فأظن أنهم هؤلاء. وعن سعيد بن جبير قال: عذب الله أمة من الأمم كانوا ~~يعبثون بمذاكيرهم. وكرهه مالك والشافعي، وحكى أبو عاصم النبيل عن أبي حنيفة ~~أنه كرهه، فإن جعل بين يديه وبين ذكره حريرة قال: لا بأس به، وذكر النقاش ~~في تفسيره عن عمر بن الخطاب أنه قال: أولئك أقوام لا خلاق لهم. # PageV03P464 # وقوله تعالى: {والذين هم لآمانتهم وعهدهم راعون} يقال: رعى كذا إذا قام ~~بالمصلحة فيه، ومنه قوله: " وكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته "، ويقال ~~للوالي: هو راع؛ لأنه يقوم بمصلحة الرعية، ومعنى قوله: {راعون} ها هنا أداء ~~الأمانة والوفاء بالعهد. ms1051 # PageV03P464 # قوله تعالى: {والذين هم على صلاتهم يحافظون} قد بينا معنى المحافظة، وعن ~~ابن مسعود أنه سئل عن المحافظة فقال: حفظ الوقت، فقيل له: فمن تركها أصلا؟ ~~قال: ذلك الكفر. وأعاد ذكر الصلاة ها هنا؛ ليبين أن المحافظة واجبة كما أن ~~الخشوع واجب. # PageV03P464 # قوله تعالى: {أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس} روي الأعمش، عن أبي ~~صالح، عن أبي هريرة أن النبي قال: " ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل ~~في النار، فإذا دخل النار ورث أهل الجنة منزله ". # PageV03P464 # وعن مجاهد قال: إذا دخل الجنة هدم منزله في النار، وعنه أنه قال: إن الله ~~غرس جنة عدن بيده ثم قال: {قد أفلح المؤمنون} وأغلق عليها، فلا يدخلها إلا ~~من شاء الله، ويفتح بابها في كل سحر، وكانوا يرون أن نسيم السحر منه. # وفي بعض المسانيد: عن ابن عباس عن النبي: " إن الله خلق جنة عدن، وخلق ~~فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها: تكلمي ~~فقالت: {قلد أفلح المؤمنون} أنا محرمة على كل بخيل ومرائي ". # وفي رواية: " أن الله تعالى قال: {قد أفلح المؤمنون} ثم قال: وعزتي لا ~~يجاورني فيك بخيل ". # وفي بعض المسانيد أيضا عن النبي قال: " إن الله تعالى خلق آدم بيده، وغرس ~~جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، ثم قال لجنة عدن وعزتي لا يسكنك بخيل ولا ~~ديوث ". # وفي بعض التفاسير: أن النبي قال: " أن الله تعالى خلق الفردوس وجعل لها # PageV03P465 # {الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا} ~~لبنة من ذهب ولبنة من فضة (وحبالها) المسك الأفر "، والأخبار كلها غرائب. ~~{هم فيها خالدون} أي: مقيمون لا يظعنون أبدا. # PageV03P466 # قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} قال أهل اللغة: ~~السلالة صفوة الماء المسلول من الصلب، وقوله: {من طين} الطين ها هنا هو ~~آدم، وعليه الأكثرون، والمراد من الإنسان ولده، ومنهم من قال: المراد ms1052 من ~~الإنسان هو آدم. وقوله: {من سلالة} أي: سل من كل تربة، وقال الكلبي: ~~السلالة ها هنا هو الطين الذي إذا قبض عليه الإنسان خرج الماء من جانبي ~~يده، وعن مجاهد قال: هو منى بني آدم. قال الشاعر: # (وهل هند إلا مهرة عربية ... [سليلة] أفراس تجللها بغل) # (فإن نتجت مهرا [فلله درها ... وإن ولدت بغلا فجاء به البغل] ) # PageV03P466 # وقوله: {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} أي: في مكان استقر فيه، وعن مجاهد ~~قال: ما من نطفة إلا ويذر عليها من التربة التي خلق منها. # PageV03P466 # وقوله: {ثم خلقنا النطفة علقة} العلقة هي القطعة من الدم. # PageV03P466 # {النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ~~ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ثم إنكم بعد ذلك ~~لميتون} # وقوله: {فخلقنا العلقة مضغة} المضغة هي القطعة من اللحم. # وقوله: {فخلقنا المضغة عظما} وقري: " عظاما "، والمعنى واحد. قال الشاعر: # (في حلقهم عظم وقد شجينا ... ) # أي: في حلوقهم عظام. # ويقال: إن بين كل خلقين أربعين يوما. # وقوله: {فكسونا العظام لحما} أي: ألبسنا. # وقوله: {ثم أنشأناه خلقا آخر} الأكثرون أن المراد منه نفخ الروح فيه، ~~وقال الضحاك: استواء الشباب، وعن قتادة قال: نبت الأسنان، وعن الحسن: ذكرا ~~أو أنثى. وفي بعض التفاسير أن الله ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر وعشرا من ~~يوم وقعت النطفة في الرحم، ولهذا تقدرت عدة الوفاة بهذا القدر من الزمان. # وقوله: {فتبارك الله أحسن الخالقين} روي أن عمر - رضي الله عنه - لما سمع ~~هذه الآية (قال: فتبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي: " هكذا أنزل ". فإن ~~قيل: هذه الآية) تدل على أنا نخلق أفعالنا؛ لأن الله تعالى قال: {فتبارك ~~الله أحسن الخالقين} ، فذكر الخالقين على وجه الجمع؟ الجواب أن معناه: أحسن ~~المقدرين، وقد ورد الخلق بمعنى التقدير، قال الشاعر: # (ولأنت تفري ما خلقت وبعض ... القوم يخلق ثم لا يفري) # PageV03P467 # ( {15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما ~~كنا عن الخلق غافلين (17) وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه ms1053 في الأرض ~~وإنا على ذهاب به لقادرون (18) فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم ~~فيها فواكه} # [أي] : يقدر. # ويقال: إن معناه: يصنعون وأصنع، وأنا أحسن الصانعين. # PageV03P468 # قوله تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} قال بعضهم: الميت والميت (واحد، ~~وقال بعضهم: الميت هو الذي قد مات، والميت هو الذي يموت في المستقبل، ومثله ~~المائت، وهذا كما قالوا: سيد وسائد هو الذي يسود في المستقبل. # PageV03P468 # قوله تعالى: {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} البعث هو الإطلاق فكأنهم حبسوا ~~مدة ثم أطلقوا. # PageV03P468 # قوله: {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} الطرائق ها هنا هي السموات، وفي ~~تسميتها طرائق وجهان: أحدهما: أنها سميت طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض، يقال: ~~طارقت النعل إذا جعلت بعضها فوق بعض. # والوجه الثاني: أنها سميت طرائق؛ لأنها طرائق الملائكة. # وقوله: {وما كنا عن الخلق غافلين} أي: نحن حافظون لهم، يقال: حفظنا ~~السماء أن تقع عليهم، ويقال: ما تركناهم سدى بغير أمر ولا نهي. # PageV03P468 # قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر} في الخبر: " أن الله تعالى ~~أنزل أربعة أنهار من الجنة: سيحان، وجيحان، ودجلة، والفرات ". # وروي أنه أنزل خمسة أنهار من عين في الجنة، وذكر مع الأربعة التي ذكرناها ~~نيل مصر، وفي هذا الخبر أن الله أودعها الجبال ثم أجراها لمنفعة العباد، ~~وفي هذا الخبر أيضا: " أنه إذا كان خروج يأجوج ومأجوج رفع الله القرآن ~~والكعبة والركن والمقام وتابوت موسى والأنهار الخمسة فلا يبقى شيء من خير ~~الدنيا والآخرة فهو قوله تعالى: # PageV03P468 # {كثيرة ومنها تأكلون (19) وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ ~~للآكلين (20) } {وإنا على ذهاب به لقادرون} ". # PageV03P469 # قوله تعالى: {فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ~~ومنها تأكلون} ظاهر المعنى، وخص النخيل والأعناب بالذكر؛ لأنهما كانتا أكثر ~~فواكه العرب. # PageV03P469 # قوله تعالى: {وشجرة تخرج من طور سيناء} ، معناه: وأنشأنا شجرة تخرج من ~~طور سيناء، وهي شجرة الزيتون، وإنما خصها بالذكر؛ لأنها لا تحتاج إلى ~~معاهد، فالمنة فيها أكثر؛ ولأنها مأكول (ومستصبح) بها، وقوله: {سيناء} ~~بالحبشية هو الحسن، ms1054 وأما المروي عن ابن عباس معنيان: أحدهما: أن المراد من ~~سيناء هو البركة ومعناه: جبل البركة، والآخر: أن معناه الشجر، يعني الجبل ~~المشجر، أورده الكلبي. # وقوله: {تنبت بالدهن} . وقرئ " تنبت " واختلفوا في هذا: منهم من قال: ~~أنبت ونبت بمعنى واحد، قال الشاعر: # (رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل) # يعني: حتى إذا نبت البقل، فالمعنى على هذا تنبت بالدهن أي: ومعها الدهن، ~~أو فيها الدهن، وقال أبو عبيدة: الباء زائدة، فالمعنى على هذا: تنبت ثمر ~~الدهن. # وأما من فرق بين تنبت وتنبت، فقال معناه: تنبت ثمرها بالدهن، وتنبت ثمر ~~الدهن. # وأنشدوا في زيادة الباء شعرا: # PageV03P469 # {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ~~ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه} # (سود المحاجر لا يقرأن بالسور ... ) # أي: لا يقرأن السور. # وقوله: {وصبغ للآكلين} . وقرئ: " وصباغ للآكلين "، وهو في الشاذ، مثل لبس ~~ولباس، ومعناه: (وإدام) للآكلين، فإن الخبز إذا غمس فيه أي: في الزيت انصبغ ~~به بمعنى تلون، والإدام كل ما يؤكل مع الخبر عادة، سواء انصبغ به الخبر أو ~~لم ينصبغ، روي عن النبي أنه أخذ لقمة وتمرة، وقال: " هذه إدام هذه ". # وعنه أنه قال: " سيد إدام أهل الجنة اللحم ". # PageV03P470 # قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة} يعني الآية: تعتبرون بها. # وقوله: {نسقيكم مما في بطونها} أي: اللبن. # وقوله: {ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون} يعني: من لحومها # PageV03P470 # {وعليها وعلى الفلك تحملون} ظاهر المعنى. # PageV03P470 # {فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) فقال الملأ ~~الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء ~~الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24) إن هو إلا رجل به ~~جنة فتربصوا به حتى حين (25) قال رب انصرني بما كذبون (26) فأوحينا إليه أن ~~اصنع الفلك} # PageV03P471 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله} أي: ~~وحدوا الله. # {ما ms1055 لكم من إله غيره} أي: معبود سواه. وقوله: {أفلا تتقون} معناه: أفلا ~~تخافون عقوبته إذا عبدتم غيره. # PageV03P471 # قوله تعالى: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم} قد ~~ذكرنا معنى الملأ، وذكرنا إنكارهم إرسال البشر. # وقوله: {يريد أن يتفضل عليكم} يتفضل أي: يظهر الفضل، ولا فضل له، كما ~~يقال: فلان يتحلم أي: يظهر الحلم، ولا حلم له، ويتظرف أي: يظهر الظرافة، ~~ولا ظرافة له. # وقوله: {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} يعني: بإبلاغ الوحي، وقوله: {ما ~~سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} . أي: بإرسال بشر رسولا، وقيل: بدعوة مثل ~~دعوته. # PageV03P471 # قوله تعالى: {إن هو إلا رجل به جنة} أي: جنون. # وقوله: {فتربصوا به حتى حين} قال ابن عباس: إلى وقت ما، ويقال: إلى أن ~~يموت. # PageV03P471 # قوله تعالى: {قال رب انصرني بما كذبون} يعني: أهلكهم نصرة لي جزاء ~~تكذيبهم. # PageV03P471 # قوله تعالى: {فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيينا ووحينا} . قد بينا من ~~قبل، ويقال: غرس الشجر أربعين سنة، وجففه أربعين سنة. # وقوله: {فإذا جاء أمرنا وفار التنور} المراد من الأمر هاهنا: وقت ~~إغراقهم، والتنور تنور الخابزة، وقد بينا غير هذا. # وقوله: {فاسلك فيها من كل زوجين اثنين} قال ابن عباس معناه: من كل صنف # PageV03P471 # {بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون (27) فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا ~~من القوم الظالمين (28) وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) ~~إن في} اثنين اثنين. # وقوله: {وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم} أي: سبق عليه الحكم بإهلاكه، ~~وهو ابن نوح. قال الحسن: كانوا سبعة وثامنهم نوح، وقيل: ستة وسابعهم نوح. # وقوله: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} قد بينا. # PageV03P472 # قوله تعالى: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} أي: استقررت وجلست، وقد ~~يكون الاستواء بمعنى الارتفاع، قال الخليل: دخلنا على أبي ربيعة الأعرابي، ~~(فقال لنا: استووا) ms1056 أي: ارتفعوا. وقوله: {فقل الحمد لله الذي نجانا من ~~القوم الظالمين} أي: الكافرين، وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: " مثل ~~أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها سلم، ومن لم يركبها (هلك) ". # PageV03P472 # قوله تعالى: {وقل رب أنزلني منزلا مباركا} وقرىء: " منزلا "، فالمنزل ~~موضع النزول، والمنزل بمعنى الإنزال، وفي موضع النزول قولان: أحدهما: أنه ~~السفينة بعد الركوب، والآخر: أنه الأرض بعد النزول من السفينة، والبركة بعد ~~النزول هو كثرة النسل من أولاده الثلاثة، والبركة قبل النزول هو النجاة. ~~وفي بعض أخبار النبي: " من نزل منزلا فقال: رب أنزلني منزلا مباركا وأنت ~~خير المنزلين، كان ضمانا على الله أن يحفظه من كل شيء يهوله، وإن توفي في ~~ذلك المنزل دخل الجنة ". ذكره ابن فارس # PageV03P472 # {ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) ~~فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ~~(32) وقال الملأ} في تفسيره برواية أبي هريرة، والخبر غريب. # PageV03P473 # قوله تعالى: {إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين} قال ابن عباس: مبتلين من ~~أطاع ومن عصى، وعن غيره قال معناه: ما من أمة إلا ونحن قد ابتليناها. # PageV03P473 # قوله: {ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} (أي: قوما آخرين) . # PageV03P473 # قوله تعالى: {فأرسلنا فيهم رسولا منهم} في التفسير: أن القرن هم قوم هود، ~~وهم عاد، والرسول هو هود، ويقال: قوم صالح وصالح، والأول أصح وأظهر. # وقوله: {أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} قد ذكرنا. # PageV03P473 # {من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما ~~هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم ~~بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما ~~أنكم} # PageV03P474 # قوله تعالى: {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة} . أي: ~~بالمصير إلى الآخرة. # وقوله: {وأترفناهم في الحياة الدنيا} أي: وأغنياهم في الحياة الدنيا، ~~ويقال: وسعنا عليهم المعيشة في الحياة الدنيا حتى أترفوا، والإتراف هو ~~التنعم بملاذ العيش. ms1057 قال القتيبي: والترفة كالتحفة. # وقوله: {ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} ~~يعني: منه. # PageV03P474 # وقوله تعالى: {ولئن أطعتم بشرا مثلكم} أي: من لحم ودم مثلكم. # وقوله: {إنكم إذا لخاسرون} أي: المغبونون، ويقال: تاركون طريقة العقلاء، ~~فتكونون بمنزلة من خسر عقله. # PageV03P474 # قوله تعالى: {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخروجون} # تحصيل المعنى: أيعدكم أنكم إذا متم وقبرتم ثم خرجتم من قبوركم، وفي قراءة ~~ابن مسعود: " أيعدكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخروجون " وأما على ~~القراءة المعروفة فنصب الأول بتقدير الباء أي: بأنكم، وأما إنكم الثانية ~~للتأكيد، قال الزجاج: ونظير هذا في القرآن قوله تعالى: {ألم يعلموا أنه من ~~يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم} . # PageV03P474 # قوله تعالى: {هيهات هيهات لما توعدون} قال ابن عباس معناه: بعيد بعيد ما ~~توعدون أي: لا يكون ذلك أبدا، هيهات وأيهات بمعنى واحد، قال الشاعر: # (أيهات أيهات العقيق وأهله ... أيهات خل بالعقيق نواصله) # PageV03P474 # {مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون (36) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له ~~بمؤمنين (38) قال رب انصرني بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن نادمين ~~(40) فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (41) ثم} # PageV03P475 # قوله تعالى: {إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا} فإن قيل: كيف يستقيم ~~قوله: {ونحيا} ولم يكونوا مقرين بالبعث؟ والجواب من وجوه: أحدها: أنه على ~~التقديم والتأخير يعني: نحيا ونموت، والآخر: يموت الآباء، ويحيا الأبناء، ~~والثالث: يموت قوم، ويحيا قوم. # قوله: {وما نحن بمبعوثين} أي: بمنشرين. # PageV03P475 # وقوله: {إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين} أي: ~~بمصدقين. # PageV03P475 # قوله تعالى: {قال رب انصرني بما كذبون} قد بينا. # PageV03P475 # قوله: {قال عما قليل ليصبحن نادمين} أي: ليصبحون نادمين، ومعنى يصبحون: ~~يصيرون. # PageV03P475 # قوله تعالى: {فأخذتهم الصيحة بالحق} في القصة: أن جبريل - عليه السلام - ~~صاح بهم صيحة فتصدعت قلوبهم. # ويقال: إن المراد من الصيحة الهلاك. قال امرؤ القيس: # (فدع عنك ms1058 نهيا صيح في حجراته ... ولكن حديث ما حديث الرواحل) # وتمثل بهذا البيت علي رضي الله عنه في بعض حروبه. # وقوله: {بالحق} أي: بالعدل، ويقال: بما استحقوا. # وقوله: {فجعلناهم غثاء} . الغثاء: ما يبس من الشجر والحشيش، وعلا فوق ~~السيل، ويقال: الغثاء هو الزبد، فالزبد لا ينتفع به، ويذهب باطلا، فشبههم ~~بعد الهلاك به. # وقوله: {فبعدا للقوم الظالمين} أي: هلاكا للقوم الظالمين. # PageV03P475 # {أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ~~(43) ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا ~~وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون ~~بآياتنا وسلطان} # PageV03P476 # قوله: {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين} أي: قوما آخرين. # PageV03P476 # قوله: {ما تسبق من أمة أجلها} أي: وقت هلاكهم. # وقوله: {وما يستأخرون} أي: يتأخرون عن وقت هلاكها. # PageV03P476 # قوله تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترى} وقرئ: " تترى " بالتنوين، والمعنى: ~~متواترين بعضهم على إثر بعض، ويقال: بين كل نبيين قطعة من الزمان، والأصل ~~في {تترى} وترى إلا أن الواو قلبت تاء، فكأنه قال: بعثنا الرسل وترا وترا. # وقوله: {كلما جاء أمة رسولها كذبوه} أي: جحدوه وأنكروه. # وقوله: {فأتبعنا بعضهم بعضا} أي: في الهلاك. # وقوله: {وجعلناهم أحاديث} أي: سمرا وقصصا، قال بعضهم شعرا. # (فكن حديثا حسنا ذكره ... فإنما الناس أحاديث) # وقوله: {فبعدا لقوم لا يؤمنون} قد بينا. # PageV03P476 # قوله تعالى: {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين} أي: بحجة ~~بينة، وهي الآيات التسع. # PageV03P476 # قوله تعالى: {إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين} أي: طالبين ~~للعلو بغير الحق، والاستكبار طلب التكبر، ويقال: {عالين} قاهرين (لمن) ~~تحتهم بالظلم. # PageV03P476 # وقوله تعالى: {فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا} أي: لموسى وهارون. وقوله: ~~{وقومهما لنا عابدون} قال أبو عبيدة: تقول العرب لكل من أطاع إنسانا قد ~~عبده. # PageV03P476 # {مبين (45) إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا ~~أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين ~~(48) ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ms1059 (50) } وفي بعض التفاسير: أن القبط ~~كانوا يعبدون فرعون، وفرعون كان يعبد الصنم. # PageV03P477 # قوله تعالى: {فكذبوهما فكانوا من المهلكين} أي: بالغرق. # PageV03P477 # قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون} أي: التوراة. # PageV03P477 # قوله: {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} قد بينا. # وقوله: {وآويناهما إلى ربوة} وقرىء: " ربوة "، وقرأ أبو الأشهب العقيلي: ~~" رباوة ". وأما الربوة فيها أقوال: عن أبي هريرة قال: هي رملة فلسطين، ~~وروي هذا مرفوعا إلى النبي. # وقال سعيد بن المسيب: هي غوطة دمشق، (ويقال: أنزه المواضع في الدنيا ~~[أربعة] مواضع: غوطة دمشق) في الشام، والإيلة بالعراق، وشعب بران بفارس، ~~وسعد سمرقند، وعن كعب قال: {ربوة} هي بيت المقدس، وعن وهب بن منبه قال: هي ~~مصر، وفي اللغة: الربوة هو المكان المرتفع. # وقوله: {ذات قرار} أي: أرض مستوية يستقرون فيها، وقيل: مستوية مرتفعة ~~منبسطة. # وقوله: {ومعين} أي: ذات ماء جار، ويقال: ذات عيون تجري فيها، يقال: ~~(عانت) البركة إذا جرى فيها الماء، وأنشدوا في المعين شعرا: # (إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وسلا بعينك لا يزال معينا) # PageV03P477 # قوله تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} قال مجاهد # PageV03P477 # {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51) ~~} وقتادة والسدى وجماعة: إن المراد من قوله: {يا أيها الرسل} هو محمد، ~~والعرب تذكر الجمع، وتريد به الواحد، فإنهم يقولون للرجل: أيها القوم، كف ~~عنا أذاك ومنهم من قال: إن المراد منه جميع الرسل. وقال بعضهم المراد: عيسى ~~- عليه السلام - كأنه قال: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل، وقد روى أبو هريرة ~~أن النبي قال: " يا أيها الناس، إن الله لا يقبل إلا الطيب، وإن الله تعالى ~~أمر المسلمين بما أمر به المرسلين فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا} وقال للمؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات من ~~رزقناكم واشكروا لله} ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يمد يده إلى السماء، فيقول: ~~يا رب، مطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذى بالحرام، فأنى يستجاب له "؟ ! # وفي القصة: أن عيسى كان يأكل من ms1060 غزل أمه، والأكل هو أخذ الشيء بالفم؛ ~~ليوصله إلى البطن بالمضغ، وأما قوله: {من الطيبات} أي: من الحلال. وقوله: ~~{واعملوا صالحا} الصلاح هو الاستقامة على ما توجبه الشريعة. # وقوله: {إني بما تعملون عليم} هذا حث على فعل الطاعة، يعني: اعملوا ~~الصالحات، فإني مجازيكم على عملكم. # PageV03P478 # قوله تعالى: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة} أي: دينكم دين واحد، وقيل: ~~شريعتكم شريعة واحدة، ويقال: أمرتكم بما أمرت به من قبلكم من الأنبياء ~~والمرسلين، فأمركم واحد. # وقوله: {وأنا ربكم فاتقون} فاحذروني. # PageV03P478 # قوله تعالى: {فتقطعوا أمرهم بينهم} أي: تفرقوا هودا ونصارى وصابئين ~~ومجوسا. {زبرا} أي: قطعا. قال مجاهد: {زبرا} كتبا أي: جعلوا كتبهم قطعا ~~ومعناه: آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض، وحرفوا البعض، ولم يحرفوا البعض. # وقوله: {كل حزب بما لديهم فرحون} أي: مسرورون. # PageV03P478 # {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) أيحسبون ~~أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56) } # ويعني أن كل فريق مسرورون بما عندهم: فأهل الإيمان مسرورون بالإيمان ~~وبمتابعة النبي، والكفار مسرورون بكفرهم وبمخالفة النبي. # PageV03P479 # قوله تعالى: {فذرهم في غمرتهم} أي: في ضلالتهم، وقيل: في عمايتهم. # وقوله: {حتى حين} معناه: إلى أن يموتوا، والآية للتهديد. # PageV03P479 # قوله تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال} الآية. معناه: أيحسبون أن ~~الذي نجعله مددا لهم من المال والبنين # PageV03P479 # {نسارع لهم في الخيرات} أي: نعجل لهم في الخيرات، ونقدمها ثوابا لهم رضا ~~بأعمالهم، وحقيقة المعنى أن: ليس الأمر على ما يظنون أن المال والبنين خير ~~لهم، بل هو استدراج لهم، ومكر بهم، فهو معنى قوله تعالى: {بل لا يشعرون} . # PageV03P479 # قوله تعالى: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} . الخشية: انزعاج النفس ~~لما يتوقع من المضرة، والإشفاق هاهنا هو الخوف من العذاب، فمعنى الآية: أن ~~المؤمنين من خشية ربهم لا يأمنون عذابه. قال الحسن البصري: المؤمن جمع ~~إحسانا وخشية، والمنافق إساءة وأمنا. # PageV03P479 # قوله: {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} أي: يصدقون. ms1061 # PageV03P479 # قوله تعالى: {والذين هم بربهم لا يشركون} معلوم المعنى. # PageV03P479 # قوله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا} روي عن النبي أنه قرأ: " والذين ~~يأتون ما أتوا به "، وهو قراءة عائشة - رضي الله عنها. # (وقوله: {يؤتون ما آتوا} أي: يعطون ما أعطوا. وقوله: " يأتون ما آتوا " ~~أي: # PageV03P479 # {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) ~~والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} يفعلون ~~ما فعلوا) . # وقوله: {وقلوبهم وجلة} أي: خائفة. # وقوله: {أنهم إلى ربهم راجعون} . أي: لأنهم إلى ربهم راجعون، ومعناه: ~~خافوا لأنهم علموا أن رجوعهم إلى ربهم، وروى عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن ~~عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت للنبي: يا رسول الله، قول الله تعالى: ~~{والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} أهم الذين يسرقون، ويشربون الخمر، ~~وقلوبهم وجلة؟ قال: لا يا ابنة الصديق، بل هم الذين (يصلون، ويصومون) ، ~~ويتصدقون، وقلوبهم وجلة أنها لا تقبل منهم " وفي رواية: " ويخشون أن لا ~~تقبل منهم ". قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الشافعي قال: ~~أبو الحسن ابن [فراس] : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن ~~عبد الله المقرىء، أخبرنا جدي محمد، عن سفيان بن عيينة، أخبرنا مالك بن ~~مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب ... الخبر. وقال الحسن البصري: عملوا ~~والله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم. هذا هو القول المعروف ~~في الآية، # PageV03P480 # {أنهم إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ~~(61) ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) ~~بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} والقول ~~الثاني: أن المراد من الآية أنهم عملوا بالمعاصي، وخافوا من الله. # PageV03P481 # قوله تعالى: {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} أي: إليها ~~سابقون. # قال الشاعر: # (تجانف عن جو اليمامة ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا) # أي: إلى سوائكا. ويقال: " لها سابقون " أي: من أجلها سابقون، يقول ms1062 ~~الإنسان لغيره: قصدت هذه البلدة لك أي: لأجلك، وعن ابن عباس أنه قال: {وهم ~~لها سابقون} أي: سبقت لهم السعادة من الله. # PageV03P481 # قوله تعالى: {ولا نكلف نفسا إلا وسعها} قد بينا المعنى، ويقال: لم نكلف ~~المريض الصلاة قائما، ولا الفقير الزكاة والحج، ولا المسافر الصوم، وأشباه ~~هذا. # وقوله: {ولدينا كتاب ينطق بالحق} أي: عندنا كتاب ينطق بالحق، وهو اللوح ~~المحفوظ، واستدل بعضهم بهذه الآية أن من كتب إلى إنسان كتابا فقد كلمه. # وقوله: {ينطق بالحق} أي: يخبر بالصدق. # وقوله: {وهم لا يظلمون} أي: لا ينقص حقهم. # PageV03P481 # قوله تعالى: {بل قلوبهم في غمرة من هذا} أي: في غطاء، يقال: فلان غمره ~~الماء، أي: غطاه. # وقوله: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} (فيه قولان: أن للكفار ~~أعمالا خبيثة محكومة عليهم سوى ما عملوا {هم لها عاملون} ) هذا قول مجاهد ~~وجماعة، وقال قتادة: الآية تنصرف إلى أصحاب الطاعات، ومعناه: أن المؤمنين ~~لهم أعمال سوى ما عملوا من الخير {هم لها عاملون} ، والقول الأول أظهر. # PageV03P481 # ( {63) حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) لا تجأروا ~~اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم ~~تنكصون (66) مستكبرين به سامرا تهجرون (67) } # PageV03P482 # قوله تعالى: {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب} قد بينا معنى المترف. # وقوله: {بالعذاب} وهو السيف يوم بدر، ويقال: هو القحط الذي أصابهم بدعاء ~~الني. # وقوله: {إذا هم يجأرون} أي: يصيحون ويستغيثون. # PageV03P482 # قوله تعالى: {لا تجأروا اليوم} لا تصيحوا اليوم، والجؤار هو رفع الصوت. # وقوله: {إنكم منا لا تنصرون} أي: ليس أحد يمنعنا من عذابكم، وقيل: {لا ~~تنصرون} لا ترزقون، يقال: أرض منصورة أي: ممطورة. # PageV03P482 # قوله تعالى: {قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون} أي: ~~ترجعون قهقري على أعقابكم، ويقال: أقبح المشي هو الرجوع على عقبيه قهقري. # PageV03P482 # قوله تعالى: {مستكبرين به} اختلف القول في قوله، فأظهر الأقاويل: أن ~~المراد منه الحرم، ويقال: البيت أي: متعظمين بالبيت الحرام، وتعظيمهم أنهم ~~كانوا يقولون: نحن أهل الله وجيران بيته، وكان سائر ms1063 العرب في خوف، وهم في ~~أمن، هذا قول ابن عباس ومجاهد وجماعة، والقول الثاني: {مستكبرين به} أي: ~~بالقرآن، على معنى أنهم استكبروا فلم يؤمنوا به، والقول الثالث: أنه الرسول ~~على المعنى الذي ذكرنا في القرآن. # وقوله: {سامرا} وقرىء في الشاذ: " سمارا "، والسامر والسمار في اللغة ~~بمعنى واحد. والآية في أنهم كانوا يقعدون بالليل حول البيت يسمرون. قال ~~الثوري: السمر ظل القمر تقول العرب: لا أكلمك السمر والقمر، أي: الليل ~~والنهار. # وقوله: {تهجرون} أي: تعرضون عن النبي والإيمان به والقرآن والإيمان، # PageV03P482 # {أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) أم لم يعرفوا ~~رسولهم فهم له منكرون (69) أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق ~~كارهون (70) ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل ~~أتيناهم} وقيل: {تهجرون} أي: تهذون. وقرىء: " تهجرون " من الهجر في الكلام ~~وهو القبيح، وفي الروايات: أنهم كانوا يقعدون عند البيت في ظل القمر ويسبون ~~النبي. # PageV03P483 # قوله تعالى: {أفلم يدبروا القول} يعني: ما جاءهم من القول، وهو القرآن. # وقوله: {أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} (يعني: أيظنون أنه جاءهم ما ~~لم يأت من قبلهم، ومعناه: أنا بعثنا إليهم رسولا كما بعثنا إلى الأولين) . # PageV03P483 # قوله تعالى: {أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون} . يعني: أنهم عرفوه ~~صغيرا وكبيرا، وعرفوا نسبه، وعرفوا وفاءه بالعهد، وأداءه للأمانات، وصدقه ~~في الأقوال، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، على ما ذكرنا من قبل. # PageV03P483 # قوله تعالى: {أم يقولون به جنة} أي: جنون. # وقوله: {بل جاءهم بالحق} أي: بالصدق. وقوله: {وأكثرهم للحق كارهون} أي: ~~ساخطون. # PageV03P483 # قوله تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم} أي: لو اتبع ما نزل من القرآن ~~أهواءهم. # {لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} وإنما قال هذا؛ لأنهم كانوا يودون أن ~~ينزل الله تعالى ذكر أصنامهم على ما يعتقدونها، ولأنه هو في معنى قوله ~~تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} وفي قراءة ابن مسعود: " لفسدت ~~السموات والأرض ومن فيهن ومن خلق ". # والقول الثاني في الآية: أن ms1064 المراد من {الحق} هو الله تعالى، ومعناه: لو ~~اتبع (الله) أهواءهم لسمى لنفسه شريكا وولدا، ولفسدت السموات والأرض ومن # PageV03P483 # {بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71) أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير ~~الرازقين (72) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) } فيهن. # وقوله: {بل أتيناهم بذكرهم} أي: بما يذكرهم، ويقال: بشرفهم، وهو معنى ~~قوله تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك} أي: شرف لك ولقومك. # وقوله: {فهم عن ذكرهم معرضون} أي: عن شرفهم وعما يذكرهم معرضون. # PageV03P484 # قوله تعالى: {أم تسألهم خرجا} وقرىء: (" خراجا ") ، وكلاهما بمعنى الجعل ~~والأجر، وعن أبي عمرو بن العلاء قال: الخراج في الأرض، والخرج في الرقاب. # وقوله: {فخراج ربك} أي: ثوابه ( {خير} أي: أجر ربك) خير. # وقوله: {وهو خير الرازقين} أي: المعطين. # PageV03P484 # قوله تعالى: {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} أي: إلى دين الحق. # PageV03P484 # قوله تعالى: {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون} . أي: عن ~~طريق الحق لعادلون. # PageV03P484 # قوله تعالى: {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر} روي أن النبي دعا على ~~قريش فقال: " اللهم اجعل عليهم سنين كسني يوسف؛ فأصابهم الجدب والقحط حتى ~~أكلوا العلهز، وهو الدم بالوبر، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ولو # PageV03P484 # {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) ولقد ~~أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) } رحمناهم وكشفنا ما ~~بهم من ضر) " أي: الجوع والقحط. # وقوله: {للجوا في طغيانهم يعمهون} أي: مضوا في طغيانهم يعمهون، ولم ~~ينزعوا عنه. # PageV03P485 # قوله تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب} فيه قولان: أحدهما: أنه السيف يوم ~~بدر، والآخر: أنه الجوع والقحط، وروي " أن النبي لما دعا على قومه قدم أبو ~~سفيان عليه، فقال: يا محمد، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: نعم، ~~فقال له: قتلت الآباء بالسيف، وأهلكت الأبناء بالجوع، فادع لنا يكشف عنا ~~هذا القحط، فدعا فكشف عنهم ". # وقوله: {فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} أي: ما خضعوا وما ذلوا لربهم، ~~والاستكانة طلب السكون. # وقوله: {وما يتضرعون} أي: لم يتضرعوا إلى ربهم، ms1065 بل مضوا إلى عتوهم ~~وتمردهم. # PageV03P485 # {حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) وهو الذي ~~أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) وهو الذي ذرأكم في ~~الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار ~~أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا أئذا متنا وكنا ~~ترابا} # PageV03P486 # قوله تعالى: {حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد} يقال: بالموت، ~~ويقال: بقيام الساعة. # وقوله: {إذا هم فيه مبلسون} . أي: متحيرون آيسون، وعن السدي قال: {حتى ~~إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد} هو فتح مكة. ويقال: العذاب الشديد هو ~~الأمراض والشدائد، وعن مجاهد قال: هو القتل يوم بدر. # PageV03P486 # قوله تعالى: {وهو الذي أنشأ لكم السمع} أي: الأسماع لتسمعوا، وهذا واحد ~~بمعنى الجمع. وقوله: {والأبصار} أي: لتبصروا. وقوله: {والأفئدة} لتعقلوا. ~~وقوله: {قليلا ما تشكرون} أي: لم تشكروا هذه النعم. # PageV03P486 # قوله تعالى: {وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون} أي: خلقكم وأنشركم ~~وكثركم في الأرض. وقوله: {وإليه تحشرون} أي: تبعثون. # PageV03P486 # قوله تعالى: {وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار} أي: تدبير ~~الليل والنهار في الزيادة والنقصان، ويقال: ومنه اختلاف الليل والنهار. # وقوله {أفلا تعقلون} . معناه: أفلا تعقلون الآيات التي وضعتها فيها. # PageV03P486 # قوله تعالى: {بل قالوا مثل ما قال الأولون} معناه: كذبوا كما كذب ~~الأولون. # PageV03P486 # قوله تعالى: {قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} أي: ~~محشورون، وقالوا ذلك على طريق الإنكار والتعجب. # PageV03P486 # قوله تعالى: {لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير ~~الأولين} أي: أكاذيب الأولين، ويقال: أسمار الأولين وأقاصيصهم، وقيل: ما ~~سطره الأولون في # PageV03P486 # {وعظاما أئنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا ~~أساطير الأولين (83) قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون ~~لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم (86) ~~سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير} كتبهم ~~ولا حقيقة له. # PageV03P487 # قوله تعالى: {قل ms1066 لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} ظاهر المعنى. # PageV03P487 # قوله تعالى: {سيقولون لله} يعني: هو ملك لله وملكه. # وقوله: {أفلا تذكرون} أي: تتعظون. # PageV03P487 # قوله تعالى: {قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم} أي: السرير ~~الضخم. # PageV03P487 # قوله تعالى: {سيقولون لله} وقرئ: " سيقولون الله ". # أما قوله تعالى: " سيقولون الله " هذا راجع إلى اللفظ، فالمعنى كالرجل ~~يقول لغيره: من مالك هذا الدار؟ فيقول: زيد. # وأما قوله: {سيقولون لله} يرجع إلى المعنى دون اللفظ، كما يقول القائل ~~لغيره: من مالك هذه الدار؟ فيقول: هي لزيد. # وقوله: {قل أفلا تعقلون} أي: أفلا تحذرون. # PageV03P487 # قوله تعالى: {قل من بيده ملكوت كل شيء} . أي: مالك كل شيء، والتاء ~~للمبالغة، وكذلك فعلوت تذكر للمبالغة مثل قولهم: جبروت ورهبوت، من كلامهم: ~~رهبوت خير من رحموت، ومعناه: أن ترهب خير من أن ترحم. # وقوله: {وهو يجير ولا يجار عليه} أن يؤمن على كل الناس، ولا يؤمن عليه ~~أحد، ومعناه: أن من أمنه الله لا يقدر عليه أحد، ومن لم يؤمنه الله لم ~~يؤمنه أحد، وقيل: من أراد الله عذابه لا يقدر أحد على منع العذاب عنه، ومن ~~أراد أن يعذب غيره من الخلق قدر الله على منعه منه. وقوله: {إن كنتم ~~تعلمون} ظاهر المعنى. # PageV03P487 # {ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) بل ~~أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ~~إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91) ~~عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (92) قل رب إما تريني ما يوعدون} # PageV03P488 # قوله تعالى: {سيقولون لله قل فأنى تسحرون} أي: تخدعون، وقيل: تصرفون عن ~~الحق، قال الحسن: معناه: أين ذهبت (عقولكم) ؟ ، وقال أبو عبيدة: {فأنى ~~تسحرون} أي: تعمهون. # PageV03P488 # قوله تعالى: {بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون} أي: بالصدق، إنهم لكاذبون ~~فيما يدعون لله من الشريك والولد. # PageV03P488 # قوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله} أي: من شريك. ~~وقوله: {إذا لذهب كل إله ms1067 بما خلق} أي: تفرد بما خلقه، فلم يرض أن يضاف خلقه ~~ونعمته إلى غيره. وقوله: {ولعلا بعضهم على بعض} . أي: طلب بعضهم الغلبة على ~~البعض، كما يفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، ثم نزه نفسه فقال: {سبحان الله ~~عما يصفون} . # PageV03P488 # قوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة} أي: السر والعلانية. # وقوله: {فتعالى عما يشركون} أي: تعظم عما يشركون، ومعناه: أنه أعظم أن ~~يوصف بهذا الوصف. # PageV03P488 # قوله تعالى: {قل رب إما تريني ما يوعدون} يعني: إن أريتني ما وعدتهم من ~~العذاب # PageV03P488 # {رب فلا تجعلني في القوم الظالمين} أي: اجعلني خارجا منهم، ولا تعذبني ~~معهم، هكذا ذكره الزجاج. قال أهل التفسير: وهذا دليل على أنه يجوز للعبد أن ~~يسأل الله تعالى ما هو كائن لا محالة. # PageV03P488 # قوله تعالى: {وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون} أي: ما نعدهم من ~~العذاب. # PageV03P488 # ( {93) رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (94) وإنا على أن نريك ما نعدهم ~~لقادرون (95) ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) وقل رب ~~أعوذ بك من همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) حتى إذا جاء ~~أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) } # PageV03P489 # قوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} أكثر أهل التفسير أن المراد منه ~~هو الدفع بالصبر، واحتمال الأذى، والكف عن المقاتلة، وهذا قبل آية السيف، ~~وعن جماعة من التابعين أنهم قالوا: هو أن يسلم على من يؤذيه، فالدفع هو ~~بالسلام عليه، وعن الضحاك، عن ابن عباس قال: هو دفع الشرك بلا إله إلا ~~الله، وعن بعضهم: هو دفع المنكر بالموعظة. # قوله تعالى: {نحن أعلم بما يصفون} أي: بوصفهم وكذبهم. # PageV03P489 # قوله تعالى: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} وساوسهم، والهمز في ~~اللغة مأخوذ من الدفع، ودفع الشياطين غيره إلى المعصية يكون بوسوسته، فعرف ~~أن الهمزات هي الوساوس، وقيل: همز الشيطان إغراؤه على المعصية. # PageV03P489 # وقوله: {وأعوذ بك رب أن يحضرون} أي: يحضروا أمري، وإنما ذكر الحضور؛ لأنه ~~يغريه على المعصية، ويوسوسه إذا حضر. # PageV03P489 # قوله تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت} أي: حضر أحدهم الموت. ms1068 وقوله: {قال ~~رب ارجعون} فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب للملائكة، وهم الملائكة الذين ~~يحضرون بقبض الروح، وهذا قول ضعيف؛ لأنه قد قال: {رب} . # وأما القول الثاني - وهذا المعروف - أن الخطاب مع الله، وكأن الكافر يسأل ~~ربه عند الموت أن يرده إلى الدنيا، فإن قيل: كيف يستقيم هذا، وقد قال: ~~{ارجعون} ، والواحد لا يخطاب بخطاب الجمع، ولا يستقيم أن يقول القائل: ~~اللهم اغفروا لي؟ والجواب عنه: أنه إنما ذكر بلفظ الجمع على طريق التفخيم ~~والتعظيم، فإن الله تعالى أخبر عن نفسه بلفظ الجمع فقال: {إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون} ومثل هذا كثير في القرآن، فذكر قوله: {ارجعون} على ~~موافقة هذا كما يخاطب الجمع، # PageV03P489 # {لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى ~~يوم يبعثون (100) فإذا نفخ في الصور} وعن الخليل أنه سئل عن هذه الآية - ~~وكان شديد التوقي في كلام القرآن - وقال: {رب ارجعون} معناه: اجعلني ~~مرجوعا. # PageV03P490 # وقوله تعالى: {لعلي أعمل صالحا فيما تركت} أي: أقول لا إله إلا الله، ~~وقيل: هو العمل بالطاعة، قال قتادة: طلب الرجوع ليعمل صالحا، لا ليجمع ~~الدنيا، ويقضي الشهوات، فرحم الله امرءا عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى ~~العذاب. # قوله تعالى: {كلا إنها كلمة هو قائلها} يعني: سؤال الرجعة، وقد قال أهل ~~العلم من السلف: لا يسأل الرجعة عبد له عند الله ذرة من خير؛ لأنه إذا كان ~~له خير عند الله فهو يحب القدوم عليه، واتفقوا أن سؤال الرجعة يكون للكافر ~~لا للمؤمن. # وقوله: {ومن وراءهم برزخ} أي: حاجز، وهو القبر. # وقوله: {إلى يوم يبعثون} فالبرزخ هو ما بين الموت إلى البعث، ويقال: ما ~~بين الدنيا والآخرة. # PageV03P490 # قوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور} حكي عن الحسن البصري أنه قال: أي: في ~~الصور. وهذا قول ضعيف، والصحيح أن الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل، ومن المشهور ~~أن النبي قال: " كيف أنعم، وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى ~~بأذنه متى يؤمر فينفخ ". # فمن العلماء من يقول: ينفخ ثلاث ms1069 نفخات: نفخة للصعق، ونفخة للموت، # PageV03P490 # {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) } ونفخة للبعث. والأكثرون أنه ~~ينفخ نفختين: نفخة للموت، ونفخة للبعث، والصعق هو الموت، ويكون بين ~~النفختين أربعون سنة. # قوله تعالى: {فلا أنساب بينهم يومئذ} أي: لا أنساب يتفاخرون ويتواصلون ~~بها، وأما أصل الأنساب فباقية. # وأما قوله عليه الصلاة والسلام: " كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي " ~~أي: لا ينفع سبب ولا نسب يوم القيامة إلا سببي ونسبي، ويقال: سببه القرآن، ~~ونسبه الإيمان. # وقوله: {ولا يتساءلون} أي: لا يسأل بعضهم بعضا سؤال تواصل، فإن قيل: أليس ~~أن الله تعالى قال: {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} ؟ # الجواب: ما روي عن ابن عباس أنه قال: يوم القيامة مواطن وتارات، ففي موطن ~~يشتد عليهم الخوف (فتذهل) عقولهم، فلا يتساءلون، وفي موضع يفيقون إفاقة ~~فيتساءلون. # PageV03P491 # قوله تعالى: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} أي: الفائزون ~~والناجون. # PageV03P491 # قوله تعالى: {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم} أي: غبنوا # PageV03P491 # {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) ومن خفت موازينه فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) تلفح وجوههم النار وهم فيها ~~كالحون (104) ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) } أنفسهم ~~بهلاك (الآية) . وقوله: {في جهنم خالدون} أي: مقيمون. # PageV03P492 # قوله تعالى: {تلفح وجوههم النار} . اللفح أكبر من النفح، ومعناه: يصيب ~~وجوههم حر النار، وقيل: تحرق وجوههم النار وتنضجها. # وقوله: {وهم فيها كالحون} الكالح في اللغة: هو العابس، وأما المروي في ~~التفسير: هو الذي تقلصت شفتاه، وظهرت أسنانه. # وعن ابن مسعود أنه قال: كالرأس النضيج قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه. وذكر ~~أبو عيسى الترمذي في جامعه برواية أبي سعيد الخدري عن النبي قال في هذه ~~الآية: " هو أن تتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى ~~حتى تضرب سرته ". وفي بعض التفاسير: وتخرج أسنانه عن شفتيه [أربعين] ذراعا. # وعن بعض التابعين من الخائفين: أنه مر على شواء، فرأى رءوس الغنم وقد ~~أبرزت، فلما نظر إليها غشي عليه، كأنه يذكر هذه الآية. # PageV03P492 # وقوله تعالى: {ألم تكن آياتي ms1070 تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون} أي: تجحدون ~~وتنكرون. # PageV03P492 # وقوله: {قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا} وقرىء: " شقاوتنا " وهما بمعنى ~~واحد، والمراد منه: إنما أدخلنا النار بما غلب علينا من حكمك وقضائك ~~بشقاوتنا. وقوله: # PageV03P492 # {قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا أخرجنا منها ~~فإن عدنا فإنا ظالمون (107) قال اخسئوا فيها ولا تكلمون (108) إنه كان فريق ~~من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109) ~~فاتخذتموهم سخريا} {وكنا قوما ضالين} أي: عن الحق. # PageV03P493 # قوله تعالى: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} فيتركهم مقدار عمر ~~الدنيا، وفي رواية: مثلي عمر الدنيا. # PageV03P493 # ثم يقول: { [قال] اخسئوا فيها ولا تكلمون} قال: فينقطع رجاؤهم حينئذ، ولا ~~يسمع بعد ذلك منهم إلا الزفير والشهيق، وأما قوله: {اخسئوا} أي: ابعدوا، ~~وهو مثل قولهم: خسأت الكلب أي: أبعدته. # PageV03P493 # قوله تعالى: {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا ~~وأنت خير الراحمين} . قال أهل التفسير: هذا في بلال وسلمان وعمار وصهيب ~~والفقراء من أصحاب الرسول. # PageV03P493 # وقوله: {فاتخذتموهم سخريا} وقرىء: " سخريا " فقوله: {سخريا} من ~~الاستهزاء، وقوله: " سخريا " من التسخير. # وقوله: {حتى أنسوكم ذكري} أي: اشتغلتم بالاستهزاء والسخرية عليهم، وتركتم ~~ذكري، وكان الواجب عليكم أن تذكروني بدل استهزائكم بهم. # وقوله: {وكنتم منهم تضحكون} وفي الآية دليل على أن الاستهزاء بالناس ~~كبيرة، وهو موعود عليه، وعن جعفر بن محمد - رضي الله عنه - قال: من ضحك ~~ضحكة مج مجة من العلم لا يعود إليه أبدا. # PageV03P493 # قوله تعالى: {إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون} أي: بصبرهم ~~{أنهم هم الفائزون} أي: الناجون. # PageV03P493 # {حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) إني جزيتهم اليوم بما صبروا ~~أنهم هم الفائزون (111) قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم فاسأل العادين (113) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم ~~تعلمون (114) أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) } # PageV03P494 # قوله تعالى: {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين} . يعني: قال الله تعالى ~~للكفار: {كم لبثتم في الأرض عدد ms1071 سنين} (أي: في الدنيا، ويقال: في القبور، ~~وقرىء: " قل كم لبثتم في الأرض عدد سنين ") ومعناه: قل يا أيها الكافر. # PageV03P494 # قوله تعالى: {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} إنما ذكروا يوما أو بعض يوم؛ ~~لأنهم نسوا عدد ما لبثوا من هول ما يلقاهم يوم القيامة، فإن قال قائل: هذه ~~الآية تدل على أن عذاب القبر ليس بثابت للكفار؛ لأنه لو كان ثابتا لم ~~يقولوا: لبثنا يوما أو بعض يوم؟ والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه ذهب عن ~~قلوبهم عذاب القبر من هول ما يلقاهم يوم القيامة، والثاني: أن الله تعالى ~~يرفع العذاب عن أهل القبور بين النفختين، فينسون عذاب القبر، ويستريحون، ~~وإنما يقولون لبثنا يوما أو بعض يوم لهذا. # وقوله: {فاسأل العادين} أي: الملائكة الذين يعرفون عدد ما لبثوا. # PageV03P494 # قوله تعالى: {قال إن لبثتم إلا قليلا} يعني: ما لبثتم إلا قليلا {لو أنكم ~~كنتم تعلمون} أي: لو تعلمون عدد ما لبثتم، وإنما ذكر قليلا؛ لأن الواحد من ~~أهل الدنيا وإن لبث في الدنيا سنين كثيرة، فإنه يكون قليلا في جنب ما يلبث ~~في الآخرة. # PageV03P494 # قوله تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} أي: لتلعبوا أو تعبثوا، وقد سمى ~~الله تعالى جميع الدنيا لعبا ولهوا فقال: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ~~ولهو} فالآية تدل على أن الآدمي لم يخلق لطلب الدنيا والاشتغال بها، وإنما ~~خلق ليعبد الله ويقوم بأوامره، وعن بعضهم قال: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} ~~هو في معنى قوله # PageV03P494 # {فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع مع ~~الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ~~(117) وقل رب} تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} ومعناه: أنه لا يهمل ~~أمره وقال بعضهم: خلق (لهلاك) الأبد أو لملك الأبد. # وقوله: {وأنكم إلينا لا ترجعون} ظاهر المعنى. # PageV03P495 # قوله تعالى: {فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} أي: ~~المرتفع، وقيل: الحسن، وقد بينا معنى {تعالى} من قبل. # PageV03P495 # قوله تعالى: {ومن ms1072 يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به} أي: لا بينة ولا ~~حجة له به، قال أهل العلم: لا حجة لأحد في دعوى الشرك، وإنما الحجة عليهم. # وقوله: {فإنما حسابه عند ربه} هذا في معنى قوله تعالى: {ثم إن علينا ~~حسابهم} ، وروي " أن أعرابيا أتى النبي وقال: ومن يحاسبنا يوم القيامة؟ ~~قال: الله. قال: نجونا ورب الكعبة، إن الكريم إذا قدر غفر " والخبر غريب. # وقوله: {إنه لا يفلح الكافرون} أي: لا يسعد ولا يفوز. # PageV03P495 # قوله تعالى: {وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين} # {اغفر} استر {وارحم} اعطف، والغفور: الستور، والرحيم هو العطوف. # PageV03P495 # {اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118) } # قوله: {وأنت خير الراحمين} . أي: خير من رحم. # PageV03P496 # بسم الله الرحمن الرحيم # {سورة أنزلناها وفرضناها} # تفسير سورة النور # وهي مدنية، وروى الحاكم أبو عبد الله الحافظ فيما خرجه من الزيادة على ~~الصحيحين برواية شعيب بن إسحق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي الله ~~عنها - أن النبي قال في النساء: " لا تسكنوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، ~~وعلموهن الغزل وسورة النور ". # PageV03P497 # قوله تعالى: {سورة أنزلناها} وقراءة الأعرج ومجاهد " سورة أنزلناها "، ~~والسورة: مجموع آيات مما أنزل الله تعالى معلوم الابتداء والانتهاء، وإنما ~~رفع سورة؛ لأن معناها: هذه سورة، وقوله: " سورة " بالنصب فتقديره أنزلنا ~~سورة. # وقوله: {وفرضناها} قرىء بالتشديد والتخفيف، أما بالتخفيف ففي معناه ~~وجهان: أحدهما: ألزمناكم العمل بما فرض فيها، والآخر: فرضناها أي: قدرنا ما ~~فيها من الحدود، والفرض هو التقدير، ومنه قوله تعالى: {فنصف ما فرضتم} أي: ~~ما قدرتم، وأما بالتشديد ففي معناه وجهان: # أحدهما: فرضنا فرائضها، وشدد لما فيها من الكثرة. # والوجه الثاني: فرضناها أي: بيناها وفصلناها. # قال مجاهد: هو الأمر بالحلال والنهي عن الحرام. # PageV03P497 # {وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة} # وقوله: {وأنزلنا فيها آيات بينات} أي: دلالات واضحات. # وقوله: {لعلكم تذكرون} أي: تتعظون. # PageV03P498 # قوله تعالى: {الزانية والزاني} قال أهل العلم: إنما بدأ بالمرأة، لأن رقة ~~القلب عليهن أكثر، فبدأ بهن لئلا يترك إقامة ms1073 الحد عليها، ويكون أمرها لهم، ~~ومنهم من قال: لأن الشهوة فيهن أكثر، والزنا نتيجة الشهوة، وبدأ في حد ~~السرقة بالرجل؛ لأن القوة والجراءة في الرجال أكثر، والسرقة نتيجة القوة ~~والجراءة، وهذا قول حسن. # وقوله: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} الجلد: ضرب الجلد، يقال: جلدته ~~إذا ضربت جلده، وبطنته إذا ضربت بطنه، وظهرته إذا ضربت ظهره، وفي الآية ~~قولان: أحدهما: أن الآية عامة في الأبكار والثيب، فتجلد الثيب مع الرجم. ~~روي عن علي - رضي الله عنه - " أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس مائة، ~~ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ". # وأما قول عامة العلماء فهو: أن الآية مخصوصة للأبكار، وأن الثيب يرجم ولا ~~يجلد، واتفق أهل العلم أن هذه الآية ناسخة؛ لأن المذكورة في الإمساك في ~~سورة النساء. # وقد روي عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن النبي نزل عليه الوحي ~~ونحن عنده، وكان إذا نزل عليه الوحي تغير وجهه، وصرفنا أبصارنا عنه، فلما ~~سرى عنه قال: " لتأخذوا عني فقلنا: نعم يا رسول الله، فقال: قد جعل الله ~~لهن سبيلا، الثيب بالثيب الرجم، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ". # PageV03P498 # {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (2) } # وذكر النقاش أن في حرف أبي بن كعب في سورة الأحزاب، " الشيخ والشيخة إذا ~~زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ". # وكان عمر - رضي الله عنه - قد هم أن يكتب هذا على حاشية المصحف ثم ترك ~~لئلا يلحق بالقرآن ما ليس منه. # وقوله: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} وقرىء: " رافة " بغير همز، ~~وقرىء في الشاذ: " رآفة " يعني: رحمة. واعلم أن الرحمة والرأفة معنى في ~~القلب لا ينهى عنه؛ لأنه يوجد في القلب من غير اختيار إنسان، وإنما معنى ~~الآية: استعمال الرحمة في (تعطيل الحد) وتخفيفه. # وروي عن عبد الله بن عمر أنه ضرب أمة له الحد، وكانت قد زنت، فجعل يضرب ~~رجلها وظهرها، فقال ms1074 له سالم ابنه: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} ~~فقال: يا بني: إن الله لم يأمرني بقتلها، ولا بضرب رأسها، وقد ضربت فأوجعت. ~~وقد قال أهل العلم: يجتهد في جلدة الزاني ما لا يجتهد في جلدة شارب الخمر ~~لنص الكتاب. # (وقوله: {في دين الله} أي: في حكم الله) . # وقوله: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} ظاهر المعنى. # وحقيقة معناه: أن المؤمن لا تأخذه رحمة ورقة إذا جاء أمر الرب. # وقوله: {وليشهد عذابها طائفة من المؤمنين} قال ابن عباس: واحد فما فوقه. ~~وعن عطاء: رجل إلى ألف رجل. وعن سعيد بن جبير وعكرمة: رجلان. وعن الزهري ~~وقتادة: ثلاثة نفر. وقال مالك: أربعة نفر، وهو قول الشافعي وجماعة من أهل ~~العلم. # PageV03P499 # قوله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} في الآية أقوال: ~~أحدهما: أن # PageV03P499 # {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم} الآية نزلت في امرأة تسمى أم مهزول، وكانت بغية، وإذا تزوجت برجل ~~شرطت عليه أن تنفق عليه، فأراد رجل من أصحاب رسول الله أن يتزوج بها، فسأل ~~النبي [] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {الزاني لا ينكح إلا زانية} ويقال: ~~إن اسم المرأة كان عناق. وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص. # والقول الثاني: قال مجاهد وقتادة وغيرهما: " كان بالمدينة بغايا على ~~أبوابهن رايات يعرفن بها، وكن مخاصيب الرجال، فلما هاجر أصحاب رسول الله ~~إلى المدينة أراد ناس من فقراء المهاجرين أن يتزوجوا بهن لينفقن عليهم، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # والقول الثالث: روي عن الحسن البصري أنه قال: معنى الآية: " الزاني ~~المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة، والزانية المجلودة لا ينكحها إلا زان ~~مجلود وفي بعض المسانيد: روى هذا القول عن النبي بطريق أبي هريرة. # PageV03P500 # والقول الرابع: روي عن علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس أن معنى ~~الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية، ومعنى النكاح [هو الوطء] ، قال الزجاج: ~~وهذا القول ضعيف؛ لأنه لم يرد في القرآن ذكر ms1075 النكاح بمعنى الوطء. # والقول الخامس - وهو أحسن الأقاويل - قول سعيد بن المسيب: أن الآية ~~منسوخة، وقد كان في حكم الإسلام لا يجوز أن يتزوج الزاني بالمزني بها. قال ~~عبد الله بن مسعود. إذا تزوج الزاني بالزانية فهما زانيان أبدا. قال سعيد ~~بن المسيب: ثم نسخ هذا بقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} والزانية أيم، ~~فيجوز التزوج بها للزاني وغيره، والدليل على أن الحكم الآن هذا، ما روي عن ~~أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه كان جالسا في المسجد وعنده عمر، فجاء ~~رجل وقد دهش، وكان به لوث، فقال أبو بكر: قد جاء هذا لأمر، سله يا عمر، ~~فقال له عمر: ما شأنك؟ فذكر أنه جاءه ضيف، وأن الضيف زنى بابنته، فقال له ~~عمر: قبحك الله، ودق على صدره، وقال: هلا سترت على ابنتك، ثم دعا بالرجل ~~والمرأة، فأمر أبو بكر - رضي الله عنه - أن يجلد الجلد، (ثم زوج المرأة من ~~الرجل) وذكر أبو عبيد - رحمه الله - أنه يكره للرجل أن يتزوج بالفاجرة، وإن ~~فجرت امرأته استحب له طلاقها، قال: وأما الخبر الذي روي عن النبي " أن رجلا ~~أتاه وقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال: طلقها فقال: إني أحبها. قال: ~~استمتع بها. قال أبو [عبيد] هذا الخبر نقل # PageV03P501 # {ذلك على المؤمنين (3) والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم} بروايتين كل ~~واحد منهما مرسل، فليس يثبت هذا عن النبي ولئن يثبت فيحتمل أن قوله: " إن ~~امرأتي لا ترد يد لامس " تنفق ما وقع بيدها وتعطي، وكأنه شكا منها الخرق ~~وتضييع ماله، وليس المراد هو أنها تزني، فإنه لا يجوز أن يذكر ذلك عند ~~النبي، ثم يأمره بإمساكها. # وقوله: {وحرم ذلك على المؤمنين} ظاهر المعنى، وقد بينا أن ذلك منسوخ. # PageV03P502 # قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات} والمحصنات هن اللواتي أحصن أنفسهن. # وقوله: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} أي: على زناهن، والمراد من الرمي ~~المذكور في الآية هو القذف بالزنا. # وقوله: {فاجلدوهم ms1076 ثمانين جلدة} أي: اضربوهم ثمانين سوطا. # وقوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} اختلف السلف في هذا، فروي عن شريح ~~والحسن وإبراهيم النخعي وجماعة أنهم قالوا: شهادة القاذف لا تقبل أبدا إذا ~~حد وإن تاب، وهذا قول أهل العراق. # وقال عمر بن عبد العزيز والزهري وسعيد بن المسيب والشعبي وجماعة: أنه إذا ~~تاب قبلت شهادته، وهذا قول أهل الحجاز. # وقال الشعبي: يقبل الله توبته، ولا تقبلون شهادته؟ ! وحكى سعيد بن المسيب ~~أن عمر قال لأبي بكرة: تب تقبل شهادتك، فلم يتب، والمسألة معروفة. # وقوله: {وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا} فمن قال: إن شهادة القاذف # PageV03P502 # {الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ~~(5) والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) } تقبل بعد التوبة ذهب إلى أن # PageV03P503 # قوله: {إلا الذين تابوا} ينصرف إلى الكل سوى الحد، وعن الشعبي: أن الحد ~~يسقط أيضا بالتوبة، وأما من ذهب إلى أن شهادة القاذف لا تقبل بعد التوبة ~~قال: إن قوله: {إلا الذين تابوا} ينصرف إلى قوله: {وأولئك هم الفاسقون} فإن ~~قيل: إذا قبلتم شهادة القاذف بعد التوبة، فما معنى قوله تعالى: {أبدا} ؟ ~~والجواب عنه: قال الزجاج في كتابه: أبد كل إنسان مدته على ما يليق بقصته، ~~فإذا قيل: لا تقبل شهادة الكافر أبدا يراد به مادام كافرا، وإذا قيل: لا ~~تقبل شهادة القاذف أبدا يراد به مادام قاذفا، وأما توبة القاذف فبإكذابه ~~نفسه، ويقال: بندامته على ما وجد منه. # قوله: {وأصلحوا} أي: استقاموا على التوبة. # وقوله: {فإن الله غفور رحيم} قد بينا من قبل. # PageV03P503 # قوله: {والذين يرمون أزواجهم} . يعني: يقذفون نساءهم بالزنا. # وقوله: {ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} أي: غير أنفسهم. # وقوله: {فشهادة أحدهم أربع} بالرفع، وقرىء بالنصب " أربع "، فأما بالرفع ~~فتقديره: فشهادة أحدهم التي تدرأ الحد أربع، فيكون رفعا على خبر الابتداء، ~~وأما بالنصب فتقديره: فشهادة أحدهم أن يشهد أربع. # وقوله: {شهادات بالله إنه لمن الصادقين} يعني: فيما رميتها ms1077 به من الزنا. # PageV03P503 # قوله تعالى: {والخامسة أن لعنة الله عليه} وقرىء: " أن لعنة الله عليه " ~~بسكون # PageV03P503 # {والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين (7) ويدرأ عنها العذاب ~~أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8) والخامسة أن غضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين (9) } النون، ومعناه: أنه لعنة الله عليه، وأنشد ~~سيبويه شعرا: # (في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يخفى وينتعل) # يعني: أنه هالك. # وقوله: {إن كان من الكاذبين} يعني: فيما رماها به من الزنا. # PageV03P504 # قوله تعالى: {ويدرأ عنها العذاب} في العذاب قولان: أحدهما: أنه الحد، ~~والآخر: أنه الحبس، وتأويل الحد أظهر؛ لأن الله تعالى قال: {وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين} أي: الحد. # وقوله: {أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين} يعني: فيما رماها ~~به من الزنا. # PageV03P504 # قوله تعالى: {والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} وقرىء: " ~~أن غضب الله عليها "، وقرىء: " أن غضب الله عليها " بكسر الضاد فقوله: {أن ~~غضب الله عليها} هذا فعل، وقوله: {أن غضب الله عليها} اسم، وقوله: {أن # PageV03P504 # غضب الله) هو (فعل) أيضا، يعني: أنه غضب الله. # وقوله: {إن كان من الصادقين} أي: فيما رماها به من الزنا، وسبب نزول ~~الآية، ما روى ابن عباس " أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء عند ~~النبي، فقال له النبي: البينة، (وإلا) فحد في ظهرك فقال هلال: يا رسول ~~الله، والذي بعثك بالحق إني لصادق، وسينزل الله ما يبرىء ظهري من الحد، ~~فنزلت هذه الآية، فدعا رسول الله هلالا وامرأته، ولاعن بينهما، فبدأ هلال، ~~والتعن أربع مرات، فلما بلغ الخامسة قال له النبي: أمسك فإنها موجبة. فقال ~~هلال إن الله يعلم أني صادق وشهد بالخامسة، ثم قامت المرأة فالتعنت أربع ~~مرات، فلما بلغت الخامسة قال لها النبي: أمسكي فإنها موجبة. قال ابن عباس: ~~فتلكت تلكؤا ساعة، حتى ظننا أنها سترجع ثم قالت: لا أفضح قومي اليوم، وشهدت ~~بالخامسة، فقال النبي: " إن جاءت بالولد أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج ms1078 ~~الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به على هذا النعت، فقال النبي: " لولا ~~الأيمان لكان لي ولها شأن ". والخبر صحيح. # وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: " كنا جلوسا في المسجد ~~ليلة جمعة، ومعنا رجل فخرج منا ودخل بيته، فوجد مع امرأته رجلا، فجاء إلى ~~النبي، وشكا إليه فقال: عليك بالشهود فقال: وأنى لي بالشهود؟ فقال: قد حرت ~~في هذا الأمر، فإن الرجل إن قتل قتلتموه، وإن تكلم حددتموه، وإن سكت سكت ~~على # PageV03P505 # {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) إن الذين جاءوا ~~بالإفك عصبة منكم} غيظ، اللهم فاحكم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات ". وفي ~~رواية ثالثة: أنه لما أنزل الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربع شهداء ... الآية} قال [سعد] بن عبادة: يا رسول الله، أرأيت أني وجدت ~~لكاعا (يتفخذ) رجل، فلا أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فإلى أن آتي ~~بالشهداء قد قضى الرجل حاجته، فقال النبي: " انظروا يا معشر الأنصار ما ~~يقول سيدكم "، فقالوا: يا رسول الله، إنه لرجل غيور، وإنه ما تزوج امرأة قط ~~إلا عذراء، وما طلق امرأة فأحب أحد منا أن يتزوجها، فقال سعد: إني أعلم أن ~~ما أنزل الله حق، ولكني تعجبت، فأنزل الله تعالى آية اللعان " على ما بينا. # وفي الباب أخبار كثيرة، وفيه حديث عاصم بن عدي [وعويمر] العجلاني ~~وغيرهما، وذلك مذكور في كتب الحديث. # PageV03P506 # قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب رحيم} . # جواب الآية محذوف، ومثله قول الرجل إذا شتمه إنسان: أيها الرجل لولا كذا ~~أي: لولا كذا لشتمتك، فعلى هذا معنى قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم # PageV03P506 # ورحمته) لنال الكاذب منكما العذاب في الحال، ومنهم من قال: {ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته} بتأخير العذاب وإمهاله لعجل عذابه. # PageV03P507 # قوله تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} هذه الآيات في قصة عائشة ~~- رضي الله عنها - وكان سبب نزولها ما رواه الزهري، عن عروة وسعيد بن ~~المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد ms1079 الله بن عبد الله بن عتبة كلهم عن عائشة - رضي ~~الله عنها - أنها قالت: " كان رسول الله إذا خرج إلى سفر أقرع بين نسائه، ~~فخرج إلى غزوة غزاها، وأقرع بين نسائه، فخرجت قرعتي " وفي رواية: أن الغزوة ~~كانت غزوة مريسيع، وفي رواية أخرى: أن الغزوة كانت غزوة بني المصطلق، ~~وقالت: فلما رجعنا قبل المدينة عرس رسول الله ليلة، ثم إنهم آذنوا بالرحيل، ~~فخرجت لحاجتي فلما قضيت شأني رجعت فالتمست صدري، فوجدت عقدا لي من جزع ظفار ~~سقط، فرجعت، وجاء القوم الذين يرحلون هودجي، ووضعوا الهودج على البعير، ~~وظنوا أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا، فإنما يأكلن العلقة من الطعام، ~~فرجعت وقد مر الجيش، فلا داع ولا مجيب، وكان صفوان بن المعطل السلمي كان ~~تأخر عن الجيش، وفي رواية: أنه كان يعتاد التأخر، حتى إن كان سقط من أحد ~~شيء، أو ترك إنسان شيئا يأخذه، ويرده عليه، فجاء ورائي، فاسترجع وما كلمني ~~بكلمة وقد استدلت جلبابي، فأناخ بعيره ووطأه لي حتى ركبته، وجاء يقودني حتى ~~لحقنا بالجيش، وقد نزلوا موغرين في حر الظهيرة، قالت: فلما وصلنا إلى الجيش ~~تكلم الناس، وهلك من هلك " الخبر بطوله. # قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الحديث المكي بن عبد الرزاق الكشميهني، ~~أخبرنا # PageV03P507 # جدي أبو الهيثم بن محمد بن يوسف الفربري [أخبرنا] محمد بن إسماعيل ~~البخاري أخبرنا أبو الربيع الزهراني عن فليح بن سليمان، عن الزهري ... ~~الخبر. # ويروى أنه ... تلبث الوحي [سبعة] وثلاثين يوما. # وفي هذا الخبر أن عائشة اشتكت واستأذنت رسول الله، ورجعت إلى بيت أبيها، ~~وكان رسول الله يدخل قبل رجوعها إلى بيت أبيها، وهي مشتكية، فيقول: " كيف ~~تيكم؟ " ثم لما رجعت إلى بيت أبيها عرفت الخبر من قبل أم مسطح فازدادت ~~وبقا، وجعلت تبكي، ولا يرقأ لها دمع، حتى كاد البكاء يصدع قلبها، وذكرت ~~لذلك لأمها، فقالت لها أمها: هوني عليك فقلما تكون امرأة وضيئة عند رجل، ~~ولها ضرائر إلا تكلموا فيها. # وفي هذا الخبر أن النبي دعا عليا وأسامة بن زيد، واستشارهما، ms1080 فأما علي ~~فقال يا رسول الله، إن في النساء كثرة، وأما أسامة فقال: لا أعلم منها إلا ~~خيرا، وسل الجارية - يعني: بريرة - فسأل بريرة فقالت: لا أعلم منها إلا ~~أنها جارية حديثة السن تعجن، فتدخل الداجن فتأكل عجينها. # وفي هذا الخبر أن النبي جاء إلى بيت أبي بكر - رضي الله عنه - بعد أن مضت ~~المدة التي ذكرناها، فقال: " يا عائشة، إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله، ~~فإن الله يقبل التوبة: قالت: فقلص دمعي حتى ما أجد منه قطرة، ثم قلت: إن ~~قلت أني فعلت، والله يعلم أني ما فعلت ليصدقنني، وإن قلت: لم أفعل، والله ~~يعلم أني لم أفعل ليكذبنني، وما أعرف مثلي ومثلكم إلا ما قال أبو يوسف، ~~ونسيت اسمه {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} ثم تنحيت، فأخذ رسول ~~الله [] الوحي، قالت: وكنت أحقر في نفسي أن أظن أن الله ينزل في قرآنا ~~يتلى، # PageV03P508 # {لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم ~~والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) } ولكني كنت أظن أنه يرى رؤيا، ~~فلما تغشاه الوحي لم أفزع لما علمت أني بريئة، والله يعلم ذلك ". # وفي بعض الروايات: أن أبوي كادت نفسهما تخرج خوفا، فلما سرى عن رسول الله ~~قال: " أبشري يا عائشة قد أنزل الله تعالى براءتك، وتلا الآيات: {إن الذين ~~جاءوا بالإفك عصبة منكم} فقال لي أبي: قومي إلى رسول الله، وقالت أمي: قومي ~~إلى رسول الله، فقلت: لا أقوم ولا أحمد إلا الله، فإن الله تعالى أنزل ~~براءتي ". # قوله تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} الإفك هو أشد الكذب، ~~وإنما سمي إفكا لأنه مصروف عن الحق. وقوله: {عصبة منكم هؤلاء العصبة هم: ~~عبد الله بن أبي بن سلول، ومسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر، وحسان بن ثابت، ~~وحمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبد الله أخت زينب، ونفر آخرون، والعصبة العشرة ~~فما فوقها. # وقوله: {لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم} ms1081 هذا خطاب لعائشة وصفوان بن ~~معطل فإنهم قذفوهما جميعا، وقال بعضهم: هو خطاب لعائشة ولأبويها والنبي ~~وصفوان، ومعنى الآية: لا تحسبوه شرا لكم، يعني: هذا الإفك هو خير لكم لأجل ~~الثواب، وما ادخر الله لهم من ذلك. # وقوله: {لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم} أي: من الإثم بقدر ما اكتسب. # وقوله: {والذي تولى كبره} . وقرىء: " كبره "، وقرأ الأعرج: " كبره ". ~~فقوله: {كبره} أي: إثمه. وقوله: " كبره ". أي: معظمه، قال الشاعر: # PageV03P509 # {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك ~~مبين (12) لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون (13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة} # (تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت [رويدا] تكاد تنغرف) # وأما الذي تولى كبره فالأكثرون أنه عبد الله بن أبي بن سلول، وأما العذاب ~~العظيم فهو النار في الآخرة. # وقد روى مسروق أن حسان بن ثابت استأذن على عائشة فأذنت له، فقال مسروق: ~~أتأذنين له، وقد قال ما قال، فقالت: قد أصابه العذاب العظيم، وكان قد عمى، ~~وقد تاب حسان من تلك المقالة ومدح عائشة فقال: # (حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل) # ( [فإن كان ما بلغت أني قلته] ... فلا رفعت سوطي إلى أناملي) # وعن أبي عمرو بن العلاء أنه أنكر الكبر وقال: إنما الكبر في الولاء ~~والنسب. وقد ذكر غيره أن كل واحد منهما صحيح، وقد بينا. # PageV03P510 # قوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} أي: ~~بمن هو مثل أنفسهم، وهو مثل قول النبي: " المؤمنون كنفس واحدة "، وقد قال ~~الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} أي: لا يقتل بعضكم بعضا، ويقال: إن معنى ~~ظن هاهنا أيقن. # وقوله: {وقالوا هذا إفك مبين} أي: كذب ظاهر. # PageV03P510 # {لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون ~~بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) ولولا إذ ~~سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16) } # PageV03P511 # قوله: ms1082 {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} أي: على ما زعموا. # وقوله: {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} فإن قال ~~قائل: كيف يصيرون عند الله كاذبين إذا لم يأتوا بالشهداء، (ومن كان كاذبا ~~فهو كاذب عند الله سواء أتى بالشهداء) ، أو لم يأت بهم؟ الجواب: قلنا: قال ~~بعضهم: {عند الله} أي: في حكم الله، وقال بعضهم: {عند الله هم الكاذبون} ~~أي: كذبوهم بما أمركم الله، والجواب الثالث: أن هذا في حق عائشة - رضي الله ~~عنها - فمعناه: أولئك هم الكاذبون في غيبي وعلمي. # PageV03P511 # قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما ~~أفضتم فيه عذاب عظيم} أفضتم أي: خضتم، وقوله: {عذاب عظيم} أي: عذاب لا ~~انقطاع له، هكذا قاله ابن عباس، وفسر بهذا لأن الله تعالى قد ذكر أنه أصاب ~~الذي تولى كبره عذاب عظيم، وكذلك العذاب العظيم هو في الدنيا، وقد أصابه، ~~فإنه قد جلد وحد، وأما العذاب الذي لا انقطاع له لم يصبه في الدنيا، وإنما ~~يصيبه في الآخرة. # وروت عمرة عن عائشة: " أن النبي لما نزلت هذه الآيات حد أربعة نفر: عبد ~~الله بن أبي، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ". # PageV03P511 # قوله تعالى: {إذا تلقونه بألسنتكم} أي: يلقيه بعضكم، ويرويه بعضكم عن ~~بعض، وعن عائشة أنها قرأت: " إذ تلقونه بألسنتكم الكذب " ويقال: هو الإسراع ~~في # PageV03P511 # {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم ~~الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم (20) يا أيها الذين آمنوا ~~لا} الكذب. # وقوله: {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا} أي: خفيفا. # {وهو عند الله عظيم} أي: كبير. # PageV03P512 # قوله تعالى: {ولولا إذ سمعتموه} ومعناه: هلا إذ سمعتموه. # {قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} البهتان هو ~~الكذب على المكابرة، يقال: بهته ms1083 إذا أخبرته بكذبه، وفي بعض الأخبار: أن أم ~~أيوب الأنصاري قالت لأبي أيوب: أما بلغك كذا، وهو ما نسب إلى عائشة؟ فقال ~~أبو أيوب: ما كان لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، قال هذا قبل أن ~~تنزل الآية، ثم نزلت الآية على وفق قوله. # PageV03P512 # قوله: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا} قال مجاهد: ينهاكم الله أن ~~تعودا لمثله أبدا. # {إن كنتم مؤمنين ويبين لكم الآيات} : أي: الدلالات. # {والله عليم حكيم} عليم بخلقه، حكيم في فعله. # PageV03P512 # قوله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة} يعني: أن تذيع وتشتهر. # {في الذين آمنوا} أي: عائشة وصفوان وآل أبي بكر، وكانت إشاعتهم أن بعضهم ~~كان يلقى بعضا فيقول له: أما بلغك كذا وكذا من خبر عائشة. # وقوله: {لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة} العذاب في الدنيا هو الحد، ~~والعذاب في الآخرة هو النار. # وقوله: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} يعني: براءة عائشة وأنه خلقها طيبة ~~طاهرة # PageV03P512 # {تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء ~~والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله ~~يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة} من ~~الفواحش. # PageV03P513 # قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم} محذوف ~~الجواب، وجوابه: لنالكم العذاب الشديد في الحال. # PageV03P513 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} أي: خطايا ~~الشيطان، وقيل: آثاره، ويقال: تخطيه من الحلال إلى الحرام، ومن الطاعة إلى ~~المعصية. # وقوله: {ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء} أي: القبائح من ~~الأفعال. # {والمنكر} أي: كل ما يكرهه الله. # وقوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا} أي: ما ~~صلح منكم من أحد أبدا. # {ولكن الله يزكي من يشاء} أي: يصلح من يشاء. قال الشاعر: # (إنما نحن كشيء فاسد ... فإذا أصلحه الله صلح) # وقوله: {والله سميع عليم} ظاهر المعنى. # PageV03P513 # وقوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة} هو مأخوذ من الألية، ms1084 ~~والألية اليمين. قال الشاعر: # (قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن بدرت منه الألية برت) # نزلت الآية في شأن أبي بكر ومسطح، وكان ابن خالة أبي بكر وفي نفقته، وهو # PageV03P513 # {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22) إن الذين يرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب} رجل من أهل ~~بدر من المهاجرين الأولين، فلما ذكر في عائشة ما ذكر أنزل الله تعالى ~~براءتها من السماء، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه، وكان مسكينا لا شيء له، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقرىء: " ولا يتأل " (قرأه أبو جعفر) ، ~~فالأكثرون أن معنى قوله: {ولا يأتل} ما بينا، ومنهم من قال معناه: لا يقصر ~~من قول القائل: لا آلوا في أمركم كذا أي: لا أقصر، وقوله: {أولو الفضل منكم ~~والسعة} أي: الغنى والسعة. # وقوله: {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين} هو مسطح، فإنه كان ~~قريب أبي بكر، وكان مسكينا ومن المهاجرين، فإن قال قائل: كيف ذكر الواحد ~~بلفظ الجمع؟ قلنا: يجوز مثل هذا في اللغة، ويجوز أنه أراده وأراد غيره. # وقوله: {وليعفوا وليصفحوا} أي: ليعفوا عن أفعالهم، وليصفحوا عن أقوالهم. # وقوله: {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} هذا خطاب لأبي بكر - رضي الله عنه - ~~وروي أنه لما نزلت هذه الآية، وقرئت عليه قال: بلى والله نحب أن يغفر لنا. # وقوله: {والله غفور رحيم} أي: ستور صفوح. # PageV03P514 # قوله تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} أي: الغافلات ~~عن الفواحش، والغافلة عن الفاحشة أن لا يقع في قلبها فعل الفاحشة، وكانت ~~عائشة - رضي الله عنها - هكذا. # PageV03P514 # {عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ~~(24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25) ~~الخبيثات للخبيثين} # وقوله: {لعنوا في الدنيا والآخرة} روي عن خصيف قال: قلت لمجاهد: من قذف ~~مؤمنة لعنه الله في الدنيا والآخرة؟ فقال: ذاك لعائشة. ويقال: هذا في جميع ~~أزواج النبي. # وقوله: {ولهم عذاب عظيم} ms1085 قد بينا. # PageV03P515 # قوله تعالى: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم} شهادة الألسنة يوم القيامة بنطقها ~~من غير اختيار الإنسان. # وقوله: {وأيديهم وأرجلهم} يقال: تختم الأفواه ثم تتكلم الأيدي والأرجل. # {بما كانوا يعملون} ظاهر. # PageV03P515 # قوله تعالى: {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} أي: حسابهم العدل. # وقوله: {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} أي: العادل المظهر لعدله. # PageV03P515 # قوله تعالى: {الخبيثات للخبيثين} في الآية قولان معروفان: أحدهما: ~~الخبيثات من الكلام للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من ~~الكلام، والطيبون والطيبات هكذا. # والقول الثاني: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من ~~الرجال للخبيثات من النساء، وهكذا الطيبات والطيبون، والخبيث من الرجال عبد ~~الله بن أبي بن سلول ودونه، والخبيثات من النساء أهل بيته، ويقال: كلامه في ~~عائشة، والطيبات هي عائشة من النساء وأمثالها، والطيبون للنبي وقومه. # واعلم أن عائشة - رضي الله عنها - كانت تفتخر بأشياء منها: " أن جبريل - ~~عليه # PageV03P515 # {والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما ~~يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلك خير لكم لعلكم تذكرون} السلام - ~~أتى بصورتها في سرقة (من) حرير أي: قطعة، وقال: هذه زوجك، (وذلك) بعد وفاة ~~خديجة، ويقال: أتى بصورتها في كفه، ومنها أن النبي لم يتزوج بعذراء إلا ~~بها، ومنها أن النبي قبض ورأسه في حجرها، ودفن في بيتها، ومنها أنه نزل ~~براءتها من السماء، ومنها أنها بنت خليفة رسول الله، وأنها صديقة ". وكان ~~مسروق إذا روى عن عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله ~~المبرأة من السماء. # وقوله: {أولئك مبرءون مما يقولون} أي: مطهرون بما يقولون. # وقوله: {لهم مغفرة ورزق كريم} المغفرة هو العفو عن الذنوب، والرزق الكريم ~~هو الجنة. # PageV03P516 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا} . # قرأ ابن عباس: " حتى تستأذنوا " قال: تستأنسوا غلط من الكاتب، والمعروف ~~تستأنسوا، وفيه ثلاثة أقوال: أشهرها: " تستأذنوا " فالاستئناس بمعنى ~~الاستئذان، والقول الثاني: هو " التنحنح " قاله مجاهد، والقول ms1086 الثالث: " ~~حتى تستأنسوا " هو التعرف والاستعلام حتى يؤذن له أو لا يؤذن. # PageV03P516 # ( {27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم} # وقوله: {وتسلموا على أهلها} . # السنة إذا بلغ الإنسان باب دار يقول: أدخل؟ وقال بعضهم: إذا وقع العين ~~على العين يقدم السلام، وإذا لم تقع العين على العين قدم الاستئذان. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع ~~" فروي أن أبا موسى الأشعري أتى باب عمر، واستأذن ثلاثا فلم يؤذن له فرجع، ~~فقال عمر: أليس قد سمعت صوت عبد الله بن قيس؟ قالوا: استأذن ثلاثا ورجع، ~~فدعاه وقال: لم رجعت؟ فقال: سمعت رسول الله يقول كذا، فقال: لتأتيني بمن ~~يشهد لك، وإلا لأعلونك بالدرة، فجاء أبي بن كعب وذكر له ذلك، فجاء وشهد له، ~~وقيل: غيره شهد له. # قال الحسن: الأول إعلام، والثاني (مؤامرة) ، والثالث استئذان بالرجوع. ~~وعن قتادة قال: إذا لم يؤذن له لا يقعد على الباب، فإن للناس حاجات. وقال ~~بعضهم: إن كان طريقا يجوز أن يقف ويقعد، وإن كان فناء بيته لا يقعد إلا ~~بإذنه. قالوا: وإن كان الباب مردودا فلا ينظر إلى الدار من شق الباب، وإن ~~كان الباب مفتوحا فلا بأس أن ينظر؛ لأنه لما فتح الباب فقد أذن. # PageV03P517 # {ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) ليس عليكم جناح ~~أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} # PageV03P518 # وقوله تعالى: {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} أي: لا ~~تدخلوها بغير إذن المالك. # وقوله: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} يعني: إذا كان في البيت ~~قوم وقالوا: ارجع، فليرجع، والسنة أن لا يتغير أذن أو رد لأنه ربما يكون ~~للقوم معاذير، وكان ابن عباس - رضي الله عنه - يأتي باب الأنصاري لطلب ~~الحديث، فيقعد على الباب حتى يخرج ولا يستأذن، فيخرج ذلك الرجل ويقول: يا ~~ابن عم رسول الله، لو أخبرتني؟ فيقول: هكذا أمرنا ms1087 أن نطلب العلم. # وقوله: {هو أزكى لكم} يعني: هو أصلح لكم. # وقوله: {والله بما تعملون عليم} ظاهر المعنى. # PageV03P518 # قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة} . # فيه أقوال: أحدها: أنها المنازل في طريق المسافرين، والقول الثاني: أنها ~~حوانيت التجار، والقول الثالث: أنها المنازل الخربة، والقول الرابع: أنها ~~الخانات والمنازل في الطرق، فهو الدخول فيها والنزول، وأما في حوانيت ~~التجار فالمنفعة هو البيع والشراء، وأما في الخرابات فالبول والغائط. # وقوله: {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} ظاهر المعنى. # وروي عن شعيب بن الحبحاب قال: كان أبو العالية يأتيني وأنا في دكانتي، ~~فيستأذن ثم يدخل، فأقول له: إنما هو الحانوت، فيقول لي: الإنسان يخلو في ~~حانوته بحسابه ودراهمه، وأما الاستئذان على المحارم فإن كانوا في دار ~~منفردة يستأذن، وإن كانوا في دار واحدة فإذا دخل عليها يتنحنح، ويتحرك أدنى ~~حركة، وقيل لقتادة: لا # PageV03P518 # ( {29) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن ~~الله خبير بما يصنعون (30) } أستأذن على أمي؟ فقال: أتحب أن ترى عورتها؟ ~~قال: لا، قال: استأذن. وعن إبراهيم النخعي أنه قال: ليس على حوانيت السوق ~~إذن. وعن ابن سيرين أنه كان إذا جاء إلى حانوت السوق يقول: السلام عليكم ~~أدخل؟ ثم يلج. وعن أبي موسى الأشعري وحذيفة أنه يستأذن على ذوات المحارم، ~~ومثله عن الحسن البصري. # PageV03P519 # قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} الآية. من صلة ومعناه: يغضوا ~~أبصارهم، حكي هذا عن سعيد بن جبير، وقال بعضهم: من ها هنا للتبعيض، وإنما ~~ذكر من ها هنا؛ لأن غض البصر إنما يجب عن الحرام، ولا يجب عن الحلال. # وقوله: {ويحفظوا فروجهم} هذا أمر بالتعفف. قال أبو العالية: حفظ الفرج في ~~كل القرآن بمعنى الامتناع من الحرام، وأما ها هنا فإنه بمعنى الستر. # وقد روي عن النبي أنه قال لعلي - رضي الله عنه - " إن لك في الجنة كنزا، ~~وإنك ذو قرنيها، فلا تتبع النظرة النظرة؛ فإن الأولى لك، والثانية عليك " ~~رواه على نفسه، وعن بعض السلف قال: إن ms1088 النظر يزرع الشهوة في القلب، ورب ~~شهوة أورثت حزنا طويلا. وعن خالد بن أبي عمران أنه قال: إن الرجل لينظر ~~نظرة فينغل قلبه، كما ينغل الأديم، فيفسد قلبه حتى لا ينتفع به. # وروى أبو أمامة عن النبي أنه قال: " من نظر إلى محاسن امرأة وغض بصره # PageV03P519 # {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها} عنها أعطاه الله عبادة يجد حلاوتها ". # وقوله: {ذلك أزكى لهم} أي: أطهر لهم. # وقوله: {إن الله خبير بما يصنعون} أي: عليم بما يصنعون. # PageV03P520 # قوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} # وروي أن ابن أم مكتوم أقبل إلى النبي وعنده أم سلمة وميمونة فقال لهما ~~رسول الله: " احتجبا. فقالتا: إنه أعمى، فقال: أعمياوان أنتما ". # وقوله: {ولا يبدين زينتهن} الزينة: كل ما تتزين [به] المرأة من الحلي ~~والثياب. # وقوله: {إلا ما ظهر منها} اختلف القول في هذا: قال ابن مسعود: هي الثياب ~~وهذا اختيار أبي عبيد. # والقول الثاني: ما روي عن ابن عباس أنه قال: الكحل. وحكى الكلبي عنه أنه ~~قال: الكحل والخاتم والخضاب، وعنه أنه قال: الوجه والكفان. واعلم أن المراد ~~بالزينة # PageV03P520 # {وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو ~~آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو ~~بني} موضع الزينة ها هنا فعلى هذا يجوز النظر إلى وجه المرأة وكفيها من غير ~~شهوة، وإن خاف الشهوة غض البصر، واعلم أن الزينة زينتان: زينة ظاهرة، زينة ~~باطنة، فالزينة الظاهرة هي الكحل والفتخة والخضاب إذا كان في الكف، وأما ~~الخضاب في القدم فهو الزينة الباطنية، وأما السوار في اليد، فعن عائشة أنه ~~من الزينة الظاهرة، والأصح أنه من الزينة الباطنة، وهو قول أكثر أهل العلم، ~~وأما الدملج [والمخنقة] والقلادة، وما أشبه ذلك فهو من الزينة الباطنة، فما ~~كان من الزينة الظاهرة يجوز للأجنبي النظر إليه من غير شهوة، وما كان من ~~الزينة الباطنة لا يجوز للأجنبي النظر إليها، وأما الزوج ينظر ms1089 ويتلذذ، وأما ~~المحارم ينظرون من غير تلذذ. # وقوله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} يعني: بمقانعهن على جيوبهن، وكان ~~النساء في ذلك الوقت يسدلن خمرهن من ورائهن فتبدوا صدورهن ونحورهن، فأمر ~~الله تعالى أن يضربن بالمقانع على جيوبهن؛ لئلا تظهر صدورهن ولا نحورهن، ~~وروت صفية بنت شيبة عن عائشة - رضي الله عنها - أنه لما نزلت هذه الآية عمد ~~نساء الأنصار إلى حجور مناطقهن، فقطعن منها قطعة، وتخمرن، فأصبحن وكأن على ~~رؤسهن الغربان. # وقوله: {ولا يبدين زينتهن} المراد من هذه الزينة الباطنية. # وقوله: {إلا لبعولتهن} أي: أزواجهن. # وقوله: {أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو ~~إخوانهم أو بني إخوانهم أو بني أخواتهن} . فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى ~~الزينة الباطنة، إلا أنهم لا ينظرون إلى ما بين السرة إلى (الركبة) ، ويحل ~~للزوج النظر إليه، وأما نفس الفرج # PageV03P521 # {أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من} ~~فيه وجهان على ما عرف في الفقه، وقد ورد عن عائشة ما يدل على أنه يكره ~~النظر إلى الفرج، وقيل: إنه يورث العمى. # وقوله: {أو نسائهن} . فيه قولان: أحدهما: أن المراد بهن النساء المسلمات، ~~فعلى هذا لا يجوز للمسلمة أن تبدي محاسنها عند اليهودية ولا النصرانية. # والقول الثاني: أن قوله: {نسائهن} عام في جميع النساء، فيجوز للمرأة أن ~~تنظر إلى المرأة إلا ما بين السرة إلى الركبة. # وقوله: {أو ما ملكت أيمانهن} . اختلف القول في هذا، فروي عن عائشة وأم ~~سلمة أنهما قالت: المراد منه العبيد، فيجوز للعبد أن ينظر إلى مولاته ما ~~ينظر ذو الرحم المرحم من غير شهوة، وهذا إذا كان العبد عفيفا، والقول ~~الثاني قول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أنهم قالوا: لا يجوز للعبد ~~أن ينظر إلى مولاته إلا ما ينظر الأجنبي إلى الأجنبي، فعلى هذا تحمل الآية ~~على الإماء، والقول الأول أظهر في معنى الآية، لأنه قد سبق قوله: {أو ~~نسائهن} فدخل فيه الحرائر والإماء، وفي الآية قول ثالث: وهو أنه يجوز [أن ~~ينظر] ms1090 العبد إلى مولاته ما يظهر عند البذلة والمهنة، مثل الساعدين والقدمين ~~والعنق ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، وإنما جاز ذلك؛ لأنه يشق ستر هذا مع ~~العبيد، وأما مع الأجانب لا يشق، وعن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها كاتبت ~~عبدا لها يقال له نبهان، فكانت لا تحتجب عنه، ثم قالت له يوما: يا نبهان، ~~ما بقي من كتابتك، فقال ألفا درهم، فقالت: أدها إلى محمد بن عبد الله بن ~~أبي أمية والسلام عليك، وأرسلت حجابها. # وقوله: {أو التابعين غير أولي الإربة} اختلف القول فيه: قال مجاهد: هو # PageV03P522 # {الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ~~ليعلم ما يخفين من زينتهن} الصغير، وقال عكرمة: هو العنين، وقال بعضهم: هو ~~الشيخ الهرم، وعن بعضهم: أنه المجبوب، ومن المعروف في التفاسير: أنهم الذين ~~يتبعون الرجال، وليس لهم همة إلا بطونهم، ولا يعرفون أمر النساء، ويقال: ~~إنه المخنث الذي ليس له حاجة إلى النساء، وعن عائشة - رضي الله عنها - أن ~~مخنثا يقال له: هيت كان يدخل على أزواج النبي قالت: وكنا نظن أنه من غير ~~أولي الإربة، يعني: أنه لا يعرف أمر النساء شيئا فوصف يوما امرأة فقال: ~~إنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان، فسمع النبي ذلك، فقال: " ما ظننت أنه يعرف ~~هذا، وأمر بإخراجه ". # وأما الإربة هي الحاجة، مأخوذ من الإرب، ومن هذا حديث عائشة - رضي الله ~~عنها - " أن النبي كان يقبل وهو صائم، وكان أملككم لإربه " ومن قال: لا، ~~فقد أخطأ. # وقوله: {أو الطفل الذين لم يظهروا} أي: الأطفال الذين لم يظهروا، واحد ~~بمعنى الجمع. # وقوله: {لم يظهروا على عورات النساء} أي: لم يطيقوا أمر النساء، ويقال: " ~~لم يظهروا على عورات النساء " أي: لم يعرفوا العورة من غير العورة فلم ~~يميزوا، وقيل: لم يبلغوا حد الشهوة. # PageV03P523 # {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31) وأنكحوا ~~الأيامى} # وقوله: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} روي أن المرأة كانت ~~تمر على الرجال، وفي رجلها الخلخال، وكانت تضرب برجلها؛ ms1091 لتسمعهم صوت ~~خلخالها، فنهين عن ذلك، فإن قال قائل: أيش في ضرب الخلخال ما يوجب النهي؟ ~~والجواب عنه: أن فيه استدعاء الميل وتحريك الشهوة. # وقوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون} فيه قولان: أحدهما: أن ~~المراد منه التوبة من الصغائر؛ لأنه لمم جميع المؤمنين، وإنما الصغائر توجد ~~من جميع المؤمنين، فأما الكبائر فلا، ومنهم من قال: لا بل الآية عامة في ~~الصغائر والكبائر، والتوبة هي الندم على [ما] سلف، والإقلاع في الحال، ~~والعزيمة على ترك العود، وهذا هو معنى النصوح المقرون بالتوبة المذكور في ~~غير هذا الموضع، وذكر بعضهم أن الله تعالى أمر المشركين بنفس التوبة مطلقا ~~فقال: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ، وأمر اليهود ~~والنصارى بالتوبة والإصلاح والبيان؛ وهو بيان صفة النبي فقال تعالى: {إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} ، وأمر المنافقين بالتوبة والإصلاح والاعتصام ~~والإخلاص فقال: {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم ~~لله} ، وقد بينا معنى ذلك من قبل، وأمر جميع المؤمنين بالتوبة في هذه ~~الآية، ولا بد لكل إنسان أن يتوب إما من صغيرة أو كبيرة، وقد ثبت برواية ~~الأغر المزني أن النبي قال: " أيها الناس، توبوا إلى الله فإني أتوب كل يوم ~~مائة مرة " خرجه مسلم في الصحيح. # PageV03P524 # {منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} # وقوله تعالى: {لعلكم تفلحون} أي: تسعدون وتفوزون. # PageV03P525 # قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} . أي: زوجوا الأيامى منكم، والأيم ~~اسم لكل امرأة لا زوج لها ثيبا كانت أو بكرا، قال الشاعر: # (فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... مدى الدهر ما لم تنكحي أتأيم) # وقد ذهب داود وأصحاب الظاهر أن النكاح واجب واستدلوا بهذه الآية، وأما ~~عندنا هو مباح في وقت، سنة في وقت، مباح إذا كانت نفسه لا تتوق إلى النساء، ~~سنة إذا تاقت نفسه إلى النساء، وقد روي عن النبي أنه قال: " من أحب فطرتي ~~فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح ". # وثبت عن النبي أنه قال: " من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض ms1092 ~~للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء ". # وعن بعض السلف أنه قال: من غلبت عليه الشهوة وعنده مال فليتزوج، وإن لم ~~يكن عنده مال فليدم النظر إلى السماء، فإن شهوته تذهب. # وقوله: {والصالحين من عبادكم وإمائكم} . # قرئ في الشاذ: " من عبيدكم وإمائكم " زوجوا الأيامى من الحرائر، وزوجوا ~~الصالحين من العبيد والإماء، والمراد من العباد: العبيد. # وقوله: {إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله} روي عن عمر أنه قال: عجبت # PageV03P525 # {والله واسع عليم (32) وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من ~~فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم} لمن يطلب الغنى بغير النكاح، ~~والله تعالى يقول: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} . وعن بعضهم: أن ~~الله تعالى وعد الغنى بالنكاح، ووعد الغنى بالتفرق، فقال في النكاح: {يغنهم ~~الله من فضله} أي: من الله، وقال في الفراق: {وإن يتفرقا يغني الله كلا من ~~سعته} ويقال: إن الغنى ها هنا هو الغنى بالقناعة، وقيل: باجتماع الرزقين، ~~وقيل في قوله: {ووجدك عائلا فأغنى} أي: بمال خديجة. # وقوله: {والله واسع عليم} أي: واسع الغنى، عليم بأحوال العباد، وعن الحسن ~~بن علي - رضي الله عنهما - أنه كان ينكح ويطلق كثيرا، ويقول: إنما أبتغي ~~الغنى من النكاح والطلاق، ويتلو هاتين الآيتين، وقد ذكر بعضهم: أن الأيم ~~كما ينطلق على المرأة ينطلق على الرجل، يقال: رجل أيم إذا لم يكن له زوجة، ~~وامرأة أيم إذا لم يكن لها زوج، والشعر الذي أنشدنا دليل عليه، وفي الخبر: ~~" أن النبي نهى عن الأيمة " أي: العزبة. # وعن القاسم بن محمد أنه قال: أمرنا بقتل الأيم أي: الحية. وقال بعضهم: ~~{وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين} أي: بالصالحين. وقوله: {من عبادكم} أي: ~~من رجالكم، ثم أمر من بعد بتزويج الإماء، والقول الأول الذي سبق أظهر. # PageV03P526 # قوله: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا} أي: ليطلب العفة الذين لا يجدون ~~ما لا ينكحون به. # وقوله: {حتى يغنيهم الله من فضله} فيه معنيان: أحدهما: أن يجدوا مالا ~~يقدرون به على النكاح، والآخر: ms1093 أن يوفقهم الله للصبر عن النكاح، وعن عكرمة ~~أنه قال: إذا رأى الرجل امرأة واشتهاها فإن كان له امرأة فليصبها، وإن لم ~~يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات والأرض. # PageV03P526 # {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} # وقوله: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم} أي: يطلبون الكتابة مما ~~ملكت أيمانكم، أي: من العبيد والإماء، والكتابة هي أن يعقد مع عبده عقدا ~~على مال بشرط أنه إذا أدى عتق، وسبب نزول هذه الآية: أنه كان لحويطب بن عبد ~~العزى غلام، وطلب منه أن يكاتبه، فأبى فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {فكاتبوهم} أكثر أهل العلم على أنه أمر ندب لا حتم، وذهب جماعة ~~إلى أنه أمر حتم إذا كان للعبد مال يؤدى، فروى (أبو محمد بن سيرين) : كان ~~عبدا لأنس بن مالك، وطلب من أنس أن يكاتبه، فأبى فذكر ذلك سيرين لعمر، فقال ~~لأنس: كاتبه، فأبى، فعلاه الدرة حتى كاتبه. وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ~~أيجب على المولى أن يكاتب عبده إذا طلب؟ قال: نعم، ومثله عن الضحاك قالا: ~~وهذا إذا كان عند (العقد) مال، فإن لم يكن عنده مال لم يجب، وروي أن عبدا ~~لسلمان قال له: كاتبني، قال: عندك مال؟ قال: لا، قال: أتريد أن تطعمني ~~أوساخ الناس؟ ولم يكاتبه. # وقوله: {إن علمتم فيهم خيرا} أي: مالا، قاله ابن عباس، ومثله قوله: {وإنه ~~لحب الخير لشديد} أي: لحب المال. قال الشاعر: # (ماذا ترجى النفوس من طلب ... الخير وحب الحياة كاربها) # أي: المال، وقال الحسن البصري: {إن علمتم فيهم خيرا} أي: دينا # PageV03P527 # {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن ~~تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} وأمانة، وقال النخعي: وفاء وصدقا، وعن ~~بعضهم: قدرة على كسب المال. # وقال الزجاج: لو أراد بالخير المال لقال: إن علمتم لهم خيرا، فلما قال: ~~{فيهم خيرا} دل أنه أراد به الوفاء والصدق. # وقوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} فيه أقوال: روى عبد الله بن ~~بريدة عن أبيه أنه قال: هو ms1094 حث الناس على معونة الكاتبين. فعلى هذا تتناول ~~الآية المولى وغير المولى. # والقول الثاني: أن المراد منه سهم الرقاب، وقد جعل الله تعالى للمكاتبين ~~سهما في الصدقات، والقول الثالث: هو أن قوله: {وآتوهم} خطاب للموالي خاصة. # وقوله: {من مال الله الذي آتاكم} هو بدل الكتابة، روي هذا عن عثمان وعلي ~~والزبير، ثم اختلفوا فقال بعضهم: يعينه بمال الكتابة، وقال بعضهم: يحط عنه ~~من مال الكتابة، وعن علي - رضي الله عنه - أنه يحط عنه الربع، وعن ابن ~~عباس: أنه يحط عنه الثلث، وعن بعضهم: أنه يحط شيئا من غير تحديد، وهذا قول ~~الشافعي، واختلفوا أنه على طريق الندب أم على طريق الإيجاب؟ فعند بعض ~~الصحابة الذي ذكرنا أنه ندب، وعند بعضهم: أنه واجب، والوجوب أظهر. # وقوله: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} يعني: على الزنا. نزلت الآية في ~~عبد الله بن أبي بن سلول وقوم من المنافقين، كانوا يكرهون إماءهم على الزنا ~~طلبا للأجعال، فروي أن عبد الله بن أبي بن سلول كان له أمة يقال لها: مثلة، ~~فأمرها بالزنا فجاءت ببرد، ثم أمرها بالزنا فأبت، وأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # وقوله: {إن أردن تحصنا} أي: تعففا، فإن قيل: الآية تقتضي أنها إذا لم ترد ~~التحصن يجوز إكراهها على الزنا؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أنه إنما ذكر ~~قوله: {إن أردن تحصنا} لأن الإكراه إنما يوجد في هذه الحالة، فإذا لم ترد ~~التحصن بغت بالطوع. # PageV03P528 # {ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) ولقد أنزلنا إليكم ~~آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (34) الله نور} # والجواب الثاني: أن قوله: {إن أردن تحصنا} منصرف إلى الآية السابقة، وهو ~~قوله: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} إن أردن تحصنا. # وقوله: {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} أي: لتطلبوا من أموال الدنيا، وفي ~~بعض الآثار: الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، ~~يحكم فيها ملك قادر، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ~~". # وقوله: {ومن يكرههن فإن الله ms1095 من بعد إكراههن غفور رحيم} أي: لهن، وهكذا ~~روي في قراءة ابن عباس: " فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم ". # PageV03P529 # قوله تعالى: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} أي: للحلال والحرام، وقوله: ~~{مبينات} أي: واضحات لا لبس فيها. # وقوله: {ومثلا من الذين خلوا من قبلكم} معناه: تشبيها لحالكم بحالهم، حتى ~~لا تفعلوا مثل ما فعلوا، فيصيبكم مثل ما أصابهم. # وقوله: {وموعظة للمتقين} أي: تذكيرا وتخويفا. # PageV03P529 # قوله تعالى: {الله نور السموات والأرض} قال ابن عباس: هادي أهل السموات ~~والأرض، (وعنه أنه قال: ضياء السموات والأرض) وعن قتادة وغيره: منور ~~السموات والأرض. فليقال: نور السموات بالملائكة، والأرض بالأنبياء. ويقال: ~~نور السموات بالنجوم والشمس والقمر، ونور الأرض بالنبات والزهر. # وقوله تعالى: {مثل نوره} قرأ أبي بن كعب: " مثل نور المؤمن "، وعن ابن ~~مسعود أنه قرأ: " مثل نوره في قلب المؤمن " (ومن المعروف {مثل نوره} وفيه ~~أقوال: # PageV03P529 # {السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة ~~كأنها كوكب دري} أحدها: أن معناه: مثل نور الله في قلب المؤمن) وهو النور ~~الذي يهتدى به، وهذا في معنى قوله تعالى: {فهو على نور من ربه} ، والقول ~~الثاني: {مثل نوره} أي: نور قلب المؤمن بالإيمان، والقول الثالث: أنه نور ~~محمد، ومنهم من أول على القرآن. # وقوله: {كمشكاة} المشكاة هي الكوة التي ليس له منفذ، ومنهم من قال: ~~المشكاة هي الحديدة التي يعلق بها القنديل، وهي السلسلة، وقيل: الموضع الذي ~~توضع فيه الفتيلة، وهو كالأنبوب. والأول أظهر الأقاويل وأولى، ومعنى ~~المشكاة هاهنا: الصدر، قاله أبي بن كعب. وقوله: {فيها مصباح} أي: شعلة نار. # وقوله: {المصباح في زجاجة} الزجاجة شيء معلوم، وهو جوهر له ضياء، فإن ~~قيل: لم خص الزجاجة بالذكر؟ قلنا: قال أبي بن كعب: المشكاة الصدر، والزجاجة ~~القلب، والمصباح الإيمان، فإنما ذكر الزجاجة؛ لأن المصباح فيها أضواء، وقال ~~بعضهم: ذكر الزجاجة؛ لأنها إذا انكسرت لا ينتفع منها بشيء، كذلك القلب إذا ~~فسد لا ينتفع منه بشيء. # وقوله: {الزجاجة كأنها كوكب دري} شبه الزجاجة بالكوكب، قال ms1096 بعضهم: هذا ~~الكوكب هو الزهرة فإنها أضوء كوكب في السماء، وقال بعضهم: الكواكب الخمسة ~~زحل ومشتري والمريخ وعطارد وزهرة، فإن قيل: لم لم يشبه بالشمس والقمر؟ ~~قلنا: لأن الشمس والقمر يلحقهما الكسوف، والنجوم لا يلحقها الكسوف، وأما ~~قوله: {كوكب دري} منسوب إلى الدر، ونسبه إلى الدر لصفائه ولونه، وقرىء: " ~~درىء " بكسر الدال والهمز والمد، وفيه قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الدراء، # PageV03P530 # {يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية} والدراء هو الدفع، ~~والكوكب يدفع الشياطين عن السماء، فإن قيل: لم شبه به في حالة الدفع؟ قلنا: ~~لأنه في تلك الحالة يكون أصفى، والقول الثاني: " درىء ". أي طالع، يقال: ~~درأ علينا فلان أي: طلع وظهر، وقال الأزهري: وهذا قول حسن، وقرىء: " درىء " ~~برفع الدال مهموزا، قرأه حمزة وأبو بكر، وأهل النحو يخطؤنه في هذه القراءة، ~~وقالوا: لا يوجد فعيل في اللغة، والشاذ: " دري " بفتح الدال. # وقوله: {يوقد} أي: الزجاجة، ومعناه: نار الزجاجة، فحذف النار، وقرىء: " ~~يوقد " بالياء أي: المصباح، وقرىء: " توقد " أي: تتوقد، وفي الشاذ: " يوقد ~~" أي: يوقد الله تعالى. # وقوله: {من شجرة مباركة} أي: من زيت شجرة مباركة، والشجرة المباركة هاهنا ~~هي الزيتون، وفيها من الخير ما ليس في سائر الأشجار، فإنه دهن وإدام وفاكهة ~~تؤكل ويستصبح به، وبفضله يغسل به الثياب وهي شجرة تورق من رأسها إلى ~~أسفلها، واستخراج الدهن منه لا يحتاج إلى عصار كغيره، بل يستخرجه من شاء من ~~غير عسر، وقد روي عن النبي أنه قال: " ائتدموا بالزيت، وادهنوا منه، فإنه ~~من شجرة مباركة " رواه معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر الخبر. # وقوله: {لا شرقية ولا غربية} قال الحسن: ليس هذا من أشجار الدنيا، ولو ~~كانت # PageV03P531 # {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) } من أشجار الدنيا لكانت ~~شرقية أو عربية، وقال غيره: بل هو وصف الزيتون - وهو الأصح - وفيه أقوال: ~~أحدها أن معناه: لا شرقية أي: ms1097 ليست مما تشرق عليها الشمس، ولا تغرب عليها ~~الشمس، فتكون لا شرقية ولا غربية. # وقوله: {ولا غربية} أي: ليست مما تغرب عليها الشمس ولا تشرق عليها الشمس، ~~فتكون لا غربية ولا شرقية فمعنى الآية. أنها ليست بخالصة للشرق، ولا خالصة ~~للغرب، بل هي شرقية غربية، يعني: بين الشرق والغرب، لا خالصا للشرق، ولا ~~خالصا للغرب، والشمس مشرقة عليها في جميع أوقاتها، وإذا كان كذلك فيكون ~~زيتها أضوأ قالوا: وهذا كما يقال: فلان ليس بأسود ولا أبيض أي ليس بأسود ~~خالص ولا أبيض خالص أي: قد اجتمع فيه البياض والسواد، ويقال: هذا الرمان ~~ليس بحلو ولا حامض أي: اجتمع فيه الحلاوة والحموضة ولم يخلص لواحد منهما، ~~وهذا قول الفراء والزجاج وأكثر أهل المعاني، وزعم ابن قتيبة أن معنى قوله: ~~{لا شرقية ولا غربية} أي: ليست في مضحاة، ولا في مقتاة، ومعناه: ليست في ~~مضحاة فتكون الشمس عليها أبدا، ولا في الظل فتكون في الظل أبدا، والقول ~~الثالث: أنها شجرة بين الأشجار لا هي بارزة للشمس عند شروقها، ولا هي بارزة ~~عند غروبها. # وقوله: {يكاد زيتها يضيء} أي: من صفائه ولونه. # وقوله: {ولو لم تمسسه نار} أي: وإن لم تمسسه نار. # وقوله: {نور على نور} أي: نور المصباح على نور الزجاجة. # وقوله: {يهدي الله لنوره من يشاء} أي: نور البصيرة والعقيدة. # وقوله: {ويضرب الله الأمثال للناس} أي: يبين الله الأمثال للناس. # PageV03P532 # وقوله: {والله بكل شيء عليم} معلوم. # واعلم أنه اختلف القول في معنى التمثيل: منهم من قال: التمثيل وقع للنور ~~الذي في قلب المؤمن، ومنهم من قال: التمثيل وقع لنور محمد، ومنهم من قال: ~~التمثيل وقع لنور القرآن، وأما إذا قلنا: إن التمثيل وقع للنور الذي في قلب ~~المؤمن فهو ظاهر المعنى كما بينا. # وقوله: {يكاد زيتها يضيء} أي: يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له ~~لموافقته إياه. # وقوله: {نور على نور} أي: نور العمل على نور الاعتقاد، وعن أبي بن كعب ~~أنه قال: المؤمن بين خمسة أنوار، وقوله نور، ms1098 وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه ~~نور، ومصيره إلى النور. وعن غيره أنه قال: المؤمن بين أربعة أحوال: إن أعطي ~~شكر، وإن ابتلي صبر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل. وإذا قلنا: التمثيل وقع ~~لنور محمد، فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح هو نورة النبوة. # وقوله: {توقد من شجرة مباركة} الشجرة المباركة هو إبراهيم - صلوات الله ~~عليه - وذكر زيتونة، لأنها أبرك الأشجار على ما بينا؛ ولأن إبراهيم نزل ~~الشام، وفي زيتون الشام من البركة ما ليس لغيره من البلاد. # وقوله: {لا شرقية ولا غربية} معناه: أن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ~~ولا إلى المغرب، وهو معنى قوله تعالى: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا} ~~واليهود يصلون إلى المغرب، والنصارى إلى المشرق. وقوله: {يكاد زيتها يضيء ~~ولو لم تمسسه نار} معناه: لو لم يكن إبراهيم نبيا لألحقه الله بالعمل ~~الصالح بالأنبياء في درجاتهم، ويقال معناه: أن محمدا لو لم تأته معجزة لدلت ~~أحواله على صدقه وعلى نبوته. وقوله: {نور على نور} أي: نور محمد على نور ~~إبراهيم، وقوله: {يهدي # PageV03P533 # {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ~~(36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة} الله لنوره من يشاء) يعني: يهدي الله للإيمان بمحمد من يشاء، وهذا ~~كله معنى ما رواه الضحاك عن ابن عباس، وفي الآية كلام كثير ذكره أصحاب ~~الخواطر لا يشتغل به، وهذان القولان هما المعروفان. # PageV03P534 # قوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع} معناه: توقد في بيوت، ويقال: ~~المصابيح في بيوت، والبيوت هاهنا هي المساجد. وقوله: {أذن الله أن ترفع} ~~فيه أقوال: قال مجاهد: تبنى، وقال الحسن: تعظم. يعني: أنه لا يذكر فيها ~~الخنا من القول، وعن بعضهم: تطهر. # وقوله: {ويذكر فيها اسمه} ظاهر المعنى. # وقوله: {يسبح} وقرىء: " يسبح " بكسر الباء، فقوله بكسر الباء أي: يسبح ~~رجال، وقوله: " يسبح " على مال لم يسم فاعله، ومعنى يسبح: يصلي. # وقوله: {بالغدو والآصال} أي: بالبكر والعشايا. قال الشاعر: # (وقفت فيها ms1099 أصيلا لا أسائلها ... أعيت جوابا وما بالربع من أحد) # وإنما خص البكرة والعصر؛ لأن صلاة الغداة وصلاة العصر أول ما فرض على ~~المسلمين، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: صلاة الضحى في القرآن ~~ولا يغوص عليها الأغواص، ثم قرأ هذه الآية وهو قوله: ( {بالغدو والآصال} ~~وزعم أن المراد بالتسبيح بالغدو وهو صلاة الضحى، والمعروف ما بينا، وهو أن ~~المراد منه صلاة الصبح وصلاة العصر) . # PageV03P534 # قوله تعالى: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} وعن عبيد بن ~~عمير أنه # PageV03P534 # {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب} قال: يضع الله يوم القيامة منابر من نور، ويقول: أين الذين لم تلههم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون فيجلسهم عليها. # وقال الفراء: التجارة ما بيع من الجلب، والبيع ما بعت على يدك. # وقوله: {وإقام الصلاة} فإن قيل: إذا حملتم ذكر الله على الصلوات الخمس ~~فما معنى قوله: {وإقام الصلاة} ؟ قلنا: معناه حفظ المواقيت، ومن لم يحفظ ~~المواقيت فلم يقم الصلاة. وقوله: {وإقام الصلاة} أي: وإقامة الصلاة، فحذفت ~~الهاء بحكم الإضافة. قال الشاعر: # (إن الخليط أجدوا البين فانجردوا ... وأخلفوك عدي الأمر الذي وعدوا) # أي: عدة الأمور. # وقوله: {وإيتاء الزكاة} منهم من قال: هي الزكاة المفروضة، ومنهم من قال: ~~الأعمال الصالحة. # وقوله: {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} أي: تتقلب القلوب عما ~~كانت عليه في الدنيا من الشك والكفر، وتنفتح فيه الأبصار من الأغطية، ~~ويقال: يتقلب القلب [بين الخوف] والرجاء، فإنه يخاف الهلاك، ويطمع النجاة، ~~وأما تقلب البصر حتى من أين يؤتى كتابه؛ من شماله أو من يمينه، وقال: تتقلب ~~القلوب في الجوف، وترتفع إلى الحنجرة فلا تزول ولا تخرج، وأما تقلب البصر ~~شخوصه من هول الأمر وشدته. # PageV03P535 # وقوله: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا} يعني: ليجزيهم بما عملوا من الأعمال ~~الحسنة. # PageV03P535 # {بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ms1100 فوفاه ~~حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من} # وقوله: {ويزيدهم من فضله} أي: زيادة على ما يستحقون. # وقوله: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} قد بينا. # PageV03P536 # قوله تعالى: {والذين كفروا أعمالهم} اعلم أن الله تعالى لما ذكر المثل في ~~حق المؤمنين أعقبه بالمثل في حق الكفار. # وقوله: {كسراب} السراب: ما يرى نصف النهار شبه الماء الجاري على الأرض، ~~وأكثر ما يراه العطشان. قال الفراء: السراب ما لزم الأرض، والآل ما ارتفع ~~من الأرض، وهو شعاع بين السماء والأرض شبه الملاة، يرى فيه الصغير كبيرا، ~~والقصير طويلا. # وقال غيره: السراب نصف النهار، والآل بالغدوات، والرقراق بالعشايا، قال ~~الشاعر: # (فلما كففنا الحرب كانت عهودهم ... كلمع سراب بالفلا متألق) # وقوله: {بقيعة} القاع: هو الأرض المنبسطة. # وقوله: {إذا جاءه لم يجده شيئا} أي: لم يجده شيئا مما أمل وحسب. # وقوله: {ووجد الله عنده} أي: عند علمه، ومعناه: أنه لقي الله في الآخرة. # {فوفاه حسابه} أي: جزاء عمله، قال الشاعر: # (فولى مدبرا هوى حثيثا ... وأيقن أنه لاقى الحسابا) # وقوله: {والله سريع الحساب} ظاهر المعنى. # واعلم أن في نزول الآية قولان: أحدهما: أنها نزلت في شيبة بن ربيعة - ~~وكان يطلب الدين قبل أن يبعث النبي - فكان يلبس الصوف، ويأكل الشعير، ثم ~~لما بعث النبي كفر به. # والقول الثاني: أن الآية نزلت في جميع الكفار، والمراد من الآية: تشبيه ~~أعمالهم بالسراب، وأعمالهم هي ما اعتقدوها خيرا، من الحج وصلة الأرحام، ~~وحسن الجوار، # PageV03P536 # {فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ~~ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) ألم تر أن الله يسبح له من في ~~السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} وقرى الضيف، والوفاء ~~بالعهد، وما أشبه ذلك، فذكر الله تعالى أن هذه الأعمال كسراب حين لم يصدر ~~عن مؤمن، فهو يرجو منها الخير والثواب، وإذا وصل إليها أخلفه ظنه، ولم يحصل ~~على شيء. # PageV03P537 # قوله تعالى: {أو كظلمات في ms1101 بحر لجي} قال أهل المعاني: المراد من الآية ~~أنك إن شبهت أعمالهم لما يوجد، فهو كما بينا من السراب بالقيعة، وإن شبهت ~~أعمالهم لما يرى، فهو كالظلمات في البحر اللجي، والبحر اللجي هو العميق ~~الذي بعد عمقه، وفي الخبر: أن النبي قال: " من ركب البحر حين يلج، فقد برئت ~~منه الذمة ". # معناه: حين يتوسط البحر فيصير إلى أعمق موضع، وأما الظلمات: فهي ظلمة ~~البحر، وظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة الموج أيضا. # وقوله: {يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب} هذا هو الظلمات التي ~~ذكرناها. # وقوله: {ظلمات بعضها فوق بعض} معناه: ظلمة الموج على ظلمة البحر، وظلمة ~~السحاب على ظلمة الموج. # وقوله: {إذا أخرج يده لم يكد يراها} أي: لم يرها، وقيل: لم يقارب رؤيتها، ~~ويقال: يكد هاهنا صلة. قال الشاعر: # (وما كادت إذا رفعت سناها ... ليبصر ضوءها إلا البصير) # وقوله: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} . قال ابن عباس معناه: ~~من لم # PageV03P537 # {والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السموات والأرض وإلى الله المصير ~~(42) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق ~~يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء} يجعل ~~الله له دينا فما له من دين " ويقال معناه: من لم يهده الله فلا يهده أحد. # PageV03P538 # وقوله: {ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض} قد بينا. # وقوله: {والطير صافات} أي: صفات أجنحتهن. # وقوله: {كل قد علم صلاته وتسبيحه} قال مجاهد: الصلاة للآدميين، والتسبيح ~~لسائر الخلق، ويقال: إن ضرب الأجنحة صلاة الطير، وصوته تسبيحه. # وقوله: {والله عليم بما يفعلون} ظاهر المعنى. وكذلك قوله: {ولله ملك ~~السموات والأرض وإلى الله المصير} . # PageV03P538 # قوله تعالى: {ألم تر أن الله يزجي سحابا} أي: يسوق سحابا. قال الشاعر: # (إني أتيتك من أرضي ومن وطني ... أزجي حشاشة نفس ما بها رمق) # وقوله: {ثم يؤلف بينه} أي: يجمع بينه. # وقوله: {ثم يجعله ركاما} أي: متراكما بعضه على ms1102 بعض. # وقوله: {فترى الودق يخرج من خلاله} أي: المطر يخرج من خلاله، والخلال جمع ~~الخلل كالجبال جمع الجبل، قال الشاعر في الودق: # (فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها) # وقوله: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} روي عن ابن عباس أنه قال: ~~في السماء جبال من برد فينزل منها البرد. # قال ابن عباس: وإنما خاطب القوم بما يعرفون، وإلا ما الثلج أكثر من ~~البرد، والعرب ما رأوا الثلج قط. وعن ابن عباس أنه قال: الثلج شيء أبيض ~~ينزل من السماء ما رأيته قط. وقال غيره: قوله: {وينزل من السماء من جبال} ~~أي: مقدار الجبال في الكثرة، ويقال: فلان له جبال مال، شبه بالجبال للكثرة. # PageV03P538 # {ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب الله الليل ~~والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} # وقوله: {من} صلة معناه: ينزل من السماء جبالا {من برد} . # وقوله: {فيصيب به من يشاء} يعني: بالبرد من يشاء. {ويصرفه عن من يشاء} . # وقوله: {يكاد سنا برقه} أي: ضوء برقه، وقد ذكرنا شعرا في هذا. # وقوله: {يذهب بالأبصار} يعني: من شدة الضوء. # PageV03P539 # وقوله: {يقلب الله الليل والنهار} أي: يصرف الليل والنهار، وتقليب الليل ~~والنهار اختلافهما، وهو معنى قوله تعالى: {يكور الليل على النهار ويكور ~~النهار على الليل} وقد صح عن النبي برواية سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ~~أنه قال: " يقول الله تعالى يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وإنما أنا الدهر، ~~بيدي الليل والنهار (و) أقلبهما ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك المكي بن عبد الرزاق، قال: أخبرنا جدي أبو ~~الهيثم الفربري، أخبرنا البخاري، أخبرنا الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن ~~الزهري، عن سعيد بن المسيب الخبر. # ويقال: يقلب الله الليل والنهار أي: يدبر أمر الليل والنهار. # وقوله: {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} أي: آية وعظة لأولي الأبصار في ~~القلوب، وزعم أهل النحو أن الله تعالى ذكر " من " ثلاث مرات في الآية ~~الأولى، ولكل واحد منها معنى، فقوله: {من السماء} لابتداء الغاية، وقوله: ms1103 ~~{من جبال} للتبعيض، وقوله: {من برد} للتجنيس، وقد قال بعضهم في الآية ~~الثانية: إن معنى التقليب هو أنه يذهب بالليل ويأتي بالنهار، ويذهب بالنهار ~~ويأتي بالليل. # PageV03P539 # {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع} # PageV03P540 # قوله تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء} فإن قال قائل: كيف يستقيم قوله: ~~{خلق كل دابة من ماء} وقد خلق كثيرا من الحيوانات من غير الماء كالجن ~~والملائكة؟ والجواب عنه: أن الله تعالى خلق جميع الحيوانات من الماء، وزعم ~~أهل التفسير أن الله تعالى خلق ماء ثم جعله نارا، فخلق منها الجن، ثم جعله ~~ريحا، فخلق منها الملائكة، ثم جعله طينا، فخلق منه بني آدم. # وقوله: {فمنهم من يمشي على بطنه} يعني: مثل الحيات والحيتان وما أشبههما، ~~فإن قيل: كيف يتصور المشيء على البطن؟ والجواب: أن المراد منه السير، ~~والسير عام في القوائم وعلى البطن، وقال بعضهم: المشي صحيح في المشي على ~~البطن، يقال: مشى أمر كذا. # وقوله: {ومنهم من يمشي على رجلين} يعني: مثل بني آدم والطير، فإن قيل: ~~أيسمى الطير دابة؟ قلنا: بلى؛ لأن كل ما يدب على الأرض فهو دابة. # وقوله: {ومنهم من يمشي على أربع} يعني: البهائم، فإن قيل: قد نرى ما يمشي ~~على أكثر من الأربع، قلنا: قد ذكر السدي أن في قراءة أبي بن كعب: " ومنهم ~~من يمشي على أكثر من الأربع " فيكون تفسير للقراءة المعروفة، ويصير كأن ~~الله تعالى قال: {ومنهم من يمشي على أربع} وعلى أكثر من الأربع، وأما على ~~القراءة المعروفة فإنما لم يزد على الأربع؛ لأن القوائم وإن زادت فاعتماد ~~الحيوان على جهاته الأربعة، فكأنها تمشي على أربعة، ويقال: إنها وإن مشيت ~~على أكثر من الأربع فهي في الصورة كأنها تمشي على أربع، فإن قيل: قال: ~~{ومنهم من يمشي} وكلمة " من " لمن يعقل ليس لما لا يعقل، والجواب عنه: أنه ~~إنما ذكر بكلمة " من " لأن الكلام إذا جمع من يعقل، ومن لا ms1104 يعقل غلب من ~~يعقل على ما لا يعقل. # PageV03P540 # {يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (45) لقد أنزلنا آيات مبينات ~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (46) ويقولون آمنا بالله وبالرسول ~~وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47) وإذا} # وقوله: {يخلق الله ما يشاء} يعني: يخلق الله ما يشاء سوى ما ذكر. # وقوله: {والله على كل شيء قدير} ظاهر المعنى. # PageV03P541 # قوله تعالى: {لقد أنزلنا آيات مبينات} قد بينا. # وقوله: {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} أي: دين الحق، وهو الصراط ~~المستقيم. # PageV03P541 # قوله تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا} ذكر النقاش أن هذه ~~الآية نزلت في رجل من المنافقين يسمى بشرا ورجل من اليهود، كانت بينهما ~~خصوصة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن ~~الأشرف، فأنزل الله تعالى في هذا المنافق وأشباهه هذه الآية، وأورد أبو بكر ~~الفارسي في " أحكام القرآن " أن النبي لما هاجر إلى المدينة، ترك الأنصار ~~له وللمهاجرين كل أرض لا يصل إليها الماء، فأعطى رسول الله عثمان وعليا من ~~ذلك، فباع علي نصيبه من عثمان، فوجد عثمان الأرض كلها أحجار لا يمكن أن ~~تزرع، فطلب من علي الثمن الذي أعطاه، فقال علي: وما علمي بالأحجار، ولو ~~وجدت كنزا هل كان لي منه شيء؟ فأراد أن يتحاكما إلى النبي، فقال الحكم بن ~~أبي العاص لعثمان: لا تحاكمه إلى محمد، فإنه يقضي لابن عمه، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية في الحكم بن أبي العاص. # وقوله: {ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك} أي: من بعد ما قالوا آمنا بالله ~~وبالرسول. # وقوله: {وما أولئك بالمؤمنين} أي: بالمصدقين. # PageV03P541 # قوله تعالى: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} الحكم فصل الخصومة ~~بما توجبه الشريعة. # PageV03P541 # {دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (48) وإن يكن ~~لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن ~~يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) إنما كان قول المؤمنين ms1105 ~~إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} # قوله: {إذا فريق منهم معرضون} أي: عن الحق، وقيل: عن الإجابة، والآية تدل ~~على أن القاضي إذا دعا إنسان ليحكم بينه وبين خصمه، وجبت عليه الإجابة. # PageV03P542 # قوله تعالى: {وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} أي: مسارعين منقادين ~~خاضعين. # PageV03P542 # وقوله: {أفي قلوبهم مرض} استفهام بمعنى التوبيخ والذم، ومعناه: علة تمنع ~~من قبول الحق. # وقوله: {أم ارتابوا} أي: شكوا. # وقوله: {أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله} الحيف هو الميل بغير حق، ~~ويجوز أن يعبر به عن الظلم. # وقوله: {بل أولئك هم الظالمون} قد بينا. # PageV03P542 # قوله تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم} . # هذا ليس على طريق الخبر، ولكنه تعليم أدب من الشرع، على معنى أن المؤمنين ~~كذا ينبغي أن يكونوا. # وقوله: {أن يقولوا سمعنا وأطعنا} أي: سمعنا الدعاء، وأطعنا بالإجابة. # وقوله: {وأولئك هم المفلحون} أي: الفائزون. # PageV03P542 # قوله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله} أي: من يطع الله فيما أمر، ويطع رسوله ~~فيما سن. # وقوله: {ويخش الله} أي: فيما مضى. # وقوله: {ويتقه} أي: يحذره فيما يستقبل. # PageV03P542 # {وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ~~الفائزون (52) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا ~~طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين (54) } # وقوله: {فأولئك هم الفائزون} أي: الناجون. # PageV03P543 # قوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} جهد اليمين هو أن يحلف بالله، ~~قال أهل العلم: ولا حلف فوق الحلف بالله. # وقوله: {لئن أمرتهم ليخرجن} أي: لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن. # وقوله: {قل لا تقسموا} أي: لا تحلفوا. # وقوله: {طاعة معروفة} فيه أقوال: أحدها: ليكن منكم طاعة معروفة، والآخر: ~~طاعة معروفة أمثل من يمين بالقول لا يوافقها الاعتقاد، والثالث: هذه طاعة ~~معروفة منكم أن تحلفوا كاذبين، وأن تقولوا ما لا تفعلون، ms1106 ومعناه: هذا أمر ~~معروف منكم. # وقوله: {إن الله خبير بما تعملون} ظاهر المعنى. # PageV03P543 # قوله تعالى: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا} أي: فإن تتولوا، ~~وقيل: فإن يتولوا، بصرف خطابه المواجهة إلى المغايبة. # وقوله: {فإنما عليه ما حمل} أي: على الرسول ما حمل من التبليغ. # {وعليكم ما حملتم} من الإجابة أي: إن أجبتم فلكم الثواب، وإن أبيتم ~~فعليكم العقاب. # وقوله: {وإن تطيعوه} يعني الرسول {تهتدوا} . # وقوله: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} أي: التبليغ البين. # PageV03P543 # قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات} قال أبو ~~العالية الرياحي: بعث الله محمدا، فمكث هو وأصحابه بمكة عشر سنين، وأمروا # PageV03P543 # {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا لصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم} بالصبر على أذى الكفار، فكانوا يصبحون خائفين ~~ويمسون خائفين، ثم إنه هاجر إلى المدينة، وأمروا بالقتال وهم على خوفهم، ~~فكان لا يفارق أحد منهم سلاحه، فقال رجل من المسلمين: أما نأمن يوما من ~~الدهر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذكر بعض أهل التفسير: أن أصحاب رسول ~~الله تمنوا أن يظهروا على مكة، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم} قال قتادة: كما استخلف داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء الذين ~~ملكوا. # واستدل أهل العلم بهذه الآية على صحة خلافة الخلفاء الراشدين وهم: أبو ~~بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - رضي الله عنهم - ومن المشهور المعروف برواية ~~حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة أن النبي قال: " الخلافة بعدي ~~ثلاثون سنة ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسين بن النقور ببغداد، ~~أخبرنا أبو القاسم بن حبابة، أخبرنا ابن بنت منيع عبد الله بن محمد بن عبد ~~العزيز البغوي، عن هدبة [بن] خالد، عن حماد بن سلمة ... الخبر. خرجه مسلم ~~في الصحيح. # وقوله: {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} أي: ليظهرن دينهم على جميع ~~الأديان، قال أهل العلم: يعين: فارس والروم ومن أشبههم، وفي بعض ms1107 الغرائب من ~~الأخبار: أن النبي قال: " ما من بيت مدر ولا وبر في الأرض إلا ويدخله الله # PageV03P544 # {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} الإسلام ~~كرها ". # وقوله: {ارتضى لهم} اختار لهم. # وقد ثبت عن النبي أنه قال لعدي بن حاتم: " ليظهرن الله هذا الدين، حتى ~~تخرج الظعينة من الحيرة تؤم بيت الله، لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها ~~". قال عدي بن حاتم: فقلت في نفسي: فأين اللصوص؟ قال عدي: ولقد رأيت ما ~~قاله رسول الله. # وقوله: {وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} . هذا هو الذي قلناه، وقد روي أن ~~أصحاب رسول الله حين كانوا بمكة لم يكونوا يصلون إلا مختفين، وكان الواحد ~~منهم يحفظ صاحبه حتى يصلي، وصاحبه يحفظه حتى يصلي، ثم إنهم لما هاجروا ~~أمنوا وعبدوا الله جهرا، ومازال يزداد الأمن إلى زماننا هذا ... الحديث. # وقوله: {يعبدونني لا يشركون بي شيئا} يعني: يعبدونني آمنين ولا يشركون. # وقوله: {ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} أكثر أهل التفسير على أنه ~~ليس الكفر هاهنا هو الكفر بالله، وإنما المراد به كفران النعمة بترك ~~الطاعة، فلهذا قال: {فأولئك هم الفاسقون} ومنهم من قال: هو الكفر بالله، ~~والأصح هو الأول. # PageV03P545 # قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون} # PageV03P545 # {يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (55) ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن ~~الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) يا أيها ~~الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم} أي: ~~افعلوا ما تفعلوا على رجاء الرحمة. # PageV03P546 # قوله تعالى: {لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض} معناه: لا تظنن ~~الذين كفروا يفوتون عنا فوات من نعجز عنه، وحقيقة المعنى: أنا لا نعجز عن ~~أحدهم، (وليس معهم ما يقولون به غنى، فيكونوا بمنزلة من عجزوا غيرهم عنهم) ~~. # وقوله تعالى: {ومأواهم النار ولبئس المصير} أي: ولبئس المرجع. # PageV03P546 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} فيه ms1108 ~~أقوال: قال مجاهد: الذين ملكت أيمانكم هم العبيد، وعن بعضهم: أنهم الإماء، ~~روي هذا عن ابن عمر، والأصح أنه في العبيد والإماء. # قوله: {والذين لم يبلغوا الحلم منكم} ليس هؤلاء هم الذين لم يظهروا على ~~عورات النساء، فإن الذين لم يظهروا على عورات النساء لا حشمة لأحد منهم؛ ~~لأنا بينا أنهم الذين لا يميزون، ولكن هؤلاء هم الذين ميزوا، وعرفوا أمر ~~النساء، ولكن لم يبلغوا. # قوله: {ثلاث مرات} أي: استأذنوا ثلاث مرات. # وقوله: {من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة ~~العشاء} خص هذه الأوقات الثلاثة بالأمر بالاستئذان؛ لأنها أوقات ينكشف فيها ~~الناس ويبدوا منهم ما لا يحبون أن يراه أحد، فإن قبل الفجر ينتبهون من ~~النوم فينكشفون، وعند الظهيرة يلقون ثيابهم ليقيلوا، وبعد العشاء (الأخير) ~~ينكشفون للنوم، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة لهذا ~~المعنى، والمراد من الآية: استئذان الخدم والصبيان، فأما غيرهم يستأذنون في ~~جميع الأحوال، # PageV03P546 # {منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد ~~صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن} وعن ابن عباس ~~قال: لم يكن للقوم ستور ولا [حجاب] ، وكان الخدم والولائد يدخلون عليهم، ~~فيرون منهم ما لا يحبون أن يرى منهم، فأمر الله تعالى بالاستئذان، ثم إن ~~الله تعالى بسط رزفه، واتخذ الناس ستورا و [حجابا] ، فرأوا أن ذلك قد أغنى ~~من الاستئذان، قال الشعبي وسعيد بن جبير: هذه الآية غير منسوخة لكن تهاون ~~الناس. وحكى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ثلاث آيات من القرآن لا يعمل الناس ~~بها، وذكر هذه الآية وذكر قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} فلا ~~يزال الناس يقولون: أنا ابن فلان، وأكرم من فلان، وأحسن من فلان، قال عطاء: ~~ونسيت الثالثة. # وقوله: {ثلاث عورات لكم} قرئ برفع الثاء ونصبه، فقوله: {ثلاث} بالرفع، ~~أي: هي ثلاث عورات لكم، وقوله: {ثلاث عورات لكم} بالنصب بدل من قوله: " ~~ثلاث مرات " فيكون نصبا على البدل. # وقوله: ms1109 {ليس عليكم ولا عليهم جناح} أي: إثم في ترك الاستئذان فيما سوى ~~هذه الأوقات الثلاثة. # وقوله: {بعدهن} إشارة إلى هذا المعنى. # وقوله: {طوافون عليكم بعضكم على بعض} ابتداء أي: هؤلاء الخدم والولائد ~~طوافون عليكم، يطوفون عليكم ليخدموكم، ومن هذا قوله في الهرة: " إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات ". # PageV03P547 # {طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ~~(58) وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ~~كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) والقواعد من النساء} # وقوله: {بعضكم على بعض} أي: يطوف بعضكم على بعض. # وقوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات} أي: الدلالات، وقيل: الأحكام. # وقوله: {والله عليم حكيم} أي: عليم بأمور خلقه، حكيم فيما دبر لهم. # PageV03P548 # وقوله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا} قوله: {الحلم} ~~أي: الاحتلام، وقوله: {فليستأذنوا} (كما استأذن الرجال البالغون، ويقال) : ~~{كما استأذن الذين من قبلهم} يعني: كما استأذن الذين من قبلهم، (مع إبراهيم ~~وموسى وعيسى) . # وقوله: {كذلك يبين الله لكم آياته} أي: أحكامه. # وقوله: {والله عليم حكيم} قد بينا. # PageV03P548 # قوله تعالى: {والقواعد من النساء} . القواعد جمع قاعد، يقال: امرأة قاعد ~~إذا قعدت عن الأزواج، إذا قعدت عن الحيض بالكبر، وأما القاعدة فهي الجالسة. # وقوله: {اللاتي لا يرجون نكاحا} يعني: لا يردن نكاحا، وقيل: لا يردن ~~الرجال لكبرهن، وقيل: قعدن عن التصرف بالكبر، وإنما قيل: امرأة قاعدة إذا ~~كبرت؛ لأنها تكثر القعود، قاله ابن قتيبة. # وعن ربيعة الرأي قال: هن العجائز اللواتي إذا رآهن الرجال استقذروهن، ~~فأما من كان فيه بقية من جمال، وهي محل الشهوة، فلا تدخل في هذه الآية. # وقوله: {فليس عليهن جناح} أي: إثم. # وقوله: {أن يضعن ثيابهن} في قراءة ابن مسعود: " أن يضعن من ثيابهن "، قال # PageV03P548 # {اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات} ابن ~~مسعود: وثيابهن ها هنا الرداء والجلباب. وعن ابن عباس قال: الجلباب، وأما ~~الخمار لا يجوز لها أن تضعه، وأما الثوب الذي يكون فوق الخمار يجوز أن ms1110 ~~تضعه. # وفي بعض الأخبار: أن للزوج ما تحت الدرع، ولذي المحرم ما فوق الدرع، ~~ولغير المحرم ما فوق الدرع والرداء والجلباب والخمار. # وقوله: {غير متبرجات بزينة} أي: لا يردن بإلقاء الرداء والجلباب إظهار ~~زينتهن ومحاسنهن، وأصل التبرج من الظهور، قال الله تعالى: {ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى} أي: لا تنكشفن تكشف الجاهلية الأولى، وفي التفسير: أن ~~المرأة إذا مشت بين يدي الرجال، فقد تبرجت تبرج الجاهلية الأولى. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ~~" رواه أسامة. # وقيل لبعض الحكماء: ما أحن السباع؟ قال: المرأة. وعن بعضهم أنه قال لآخر: ~~لم يدخل باب داري شر قط، قال: من أين تدخل امرأتك؟ . [وعن] بعضهم أنه رأى ~~امرأة مصلوبة، فقال: لو أن كل شجرة تثمر مثل هذه، لنجى الناس من شر كبير. # وقوله: {وأن يستعففن} يعني: ألا يلقين الرداء والجلباب خير لهن، وعن عاصم ~~الأحول قال: كنا ندخل على حفصة، وهي متجلببة متردية متقنعة، فقلنا لها: يا ~~أم المؤمنين، ألست من القواعد؟ فقرأت قوله تعالى: {وأن يستعففن خير لهن} . # وقوله: {والله سميع عليم} ظاهر المعنى. # PageV03P549 # قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض # PageV03P549 # {بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60) ليس على الأعمى حرج ولا ~~على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من} حرج) ~~اختلف القول في هذه الآية، قال الحسن البصري: الآية نزلت في رخصة هؤلاء ~~للتخلف عن الجهاد، والذي ذكره بعده من الأكل عطف رخصة على رخصة. وعن ابن ~~عباس قال: نزلت الآية في رخصة الأكل من أولها إلى آخرها، وسبب ذلك أن الناس ~~كانوا يتحرجون من الأكل مع العميان والعرج والمرضى، ويقولون: إن الأعمى لا ~~يستوفي الأكل، والأعرج من الجلوس، والمريض يضعف عن التناول، وكان هؤلاء ~~أيضا يتحرجون من الأكل مع الأصحاء، فيقول الأعمى: لا آكل مع بصير، فربما ~~آكل أكثر مما يأكل، والأعرج يقول: ربما آخذ مكان نفسين، والمريض يقول: ms1111 ~~يتقذرني الناس، فأنزل الله تعالى هذه الآية ورفع الحرج. # والقول الثالث: أن الناس كانوا يخرجون إلى الغزو، ويخلفون هؤلاء في ~~بيوتهم، فكانوا يتحرجون من الأكل، فأنزل الله تعالى هذه الآية ورفع الحرج، ~~وهذا قول عائشة، والقول الرابع: أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب ~~الطعام فلا يجدون شيئا، فيذهب ذلك الرجل إلى بيت آخر، ويحملهم مع نفسه ~~ليصيبوا من طعام ذلك الرجل، وهذا قول مجاهد، وعن عبد الكريم الجزري قال: ~~المراد من الآية هو الأعمى الذي معه قائد، فيحمل معه قائده ليأكل معه، ~~وكذلك الأعرج والمريض يحملان إنسانا مع أنفسهما. # وقوله: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} أي: ولا حرج على أنفسكم أن ~~تأكلوا من بيوتكم، وفي معناه قولان: أحدهما: أنه بيوت الأولاد، روي عن ~~النبي أنه قال: " أنت ومالك لأبيك ". # PageV03P550 # {بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم ~~أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت} # والقول الثاني: أن المراد بيوت الأزواج، ويقال: بيت كل إنسان في نفسه، ~~والأولاد أظهر. # وقوله: {أو بيوت آبائكم} الآية إلى آخرها ظاهر المعنى. # وقوله: {أو ما ملكتم مفاتحه} قال ابن عباس: هذا وكيل الرجل وقيمه في ~~ضيعته وغنمه، يأكل من الثمر، ويشرب من اللبن، ولا يحمل ولا يدخر، والقول ~~الثاني: أن المراد من الآية بيوت العبيد، والمفاتح: الخزائن، قال الله ~~تعالى: {وعنده مفاتح الغيب} أي: خزائن الغيب. # وقوله: {أو صديقكم} الصديق هو الذي صدقك في المودة، ويقال: الصديق هو ~~الذي ظاهره مثل ظاهرك، وباطنه مثل باطنك، والصديق ها هنا واحد بمعنى الجمع. # قال الشاعر: # ( [دعون] الهوى [ثم ارتمين] قلوبنا ... بأسهم أعداء وهن صديق) # وعن بعضهم: أن الله تعالى رفع أمر الصديق على أمر الأبوين، قال الله ~~تعالى حكاية عن أمر جهنم: {فمالنا من شافعين ولا صديق حميم} ، وعن جعفر بن ~~محمد الصادق أنه قال: مثل صديقك مثل نفسك. وعن الحسن وقتادة قالا: كانوا ~~يستحبون أن يدخلوا دور إخوانهم فيتناولون من غير استئذان، وكان يقع ms1112 ذلك ~~بطيب من نفوسهم، ومودة في قلوبهم. وعن ابن عمر قال: وما كان أحدنا بأحق ~~بدرهمه وديناره عن صاحبه. وعن بعضهم: أنه ذكر صديقا له فقال: أيأخذ من كيسك # PageV03P551 # {خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا} ~~ودراهمك ما تحب فلا تكرهه؟ قال: لا، قال: ليس لك هو بصديق. # وقوله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} روي أن الله تعالى ~~لما أنزل قوله: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض} توقى الناس غاية التوقي، وقالوا: لا نأكل مع أحد حتى لا نأكل باطلا، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي أن الآية نزلت في مالك بن زيد مع الحارث ~~بن عمرو، وكان الحارث خلف مالك بن زيد في داره، وخرج غازيا، وأباح له ~~الأكل، فلم يأكل شيئا. ومن المعروف في التفسير: أن الآية نزلت في بني بكر ~~من كنانة، وكان لا يأكل أحد منهم وحده حتى يجد ضيفا يأكل معه، وإذا لم يجد ~~وأجهده الجوع نصب خشبة ولف عليها ثوبا وأكل عندها؛ ليظن الناس أنه إنسان ~~يأكل معه، وروي أن واحدا منهم نزل بلقاحه واديا، فجاع فحلب لقحة منها، ~~ونادى في الوادي: من كان ها هنا فليحضر ليأكل، وكان في الوادي رجل فاختفى ~~ولم يجب، وأجهده الجوع، فجلس يأكل وحده، فخرج الرجل، وقال له: يا رضيع، ~~أتأكل وحدك، فأخذ الرجل سيفه وعدى عليه وقتله مخافة أن ينشر في الناس ذلك ~~الفعل منه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأباح للقوم أن يأكلوا منفردين ~~وجماعة، فإن قيل: ما قولكم في هذه الآية، وإذا دخل بيت واحد ممن سبق ذكره، ~~هل يجوز له أن يأكل بغير إذنه؟ والجواب عنه: قال أبو بكر الفارسي: إن كان ~~سبق منه إذن على الإجمال - وإن لم يكن على التعيين - فإنه يجوز له أن يأكل، ~~وفي غير هؤلاء لا يجوز إلا أن يعين. وقال بعضهم: إذا كان الطعام مبذولا غير ~~محرز، جاز له أن يأكل وإن كان محرزا ms1113 في حرز لا يجوز له أن يأكل، وأما حمل ~~الزاد ومباذلة الغير فهو حرام ما لم يؤذن على التعيين، وقد قيل: إذا كان ~~يسيرا فلا بأس به للعبيد والخدم. # وقوله: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} أي: ليسلم بعضكم على بعض، ~~وهذا كقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} أي: ولا يقتل بعضكم بعضا، # PageV03P552 # {أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة ~~طيبة كذلك يبن الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) } ويقال معنى الآية: إذا ~~دخل بيته يسلم على أهله، وهي سنة قد هجرت، قال قتادة " أهلك أحق أن تسلم ~~عليهم. وكان الأوزاعي إذا دخل بيته ونسي السلام خرج ثم رجع وسلم. وأما إذا ~~دخل بيتا خاليا، فيقول: السلام علينا من ربنا، وإذا دخل مسجدا ليس فيه أحد ~~يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقد بينا أن السنة إفشاء ~~السلام على من تعرف ومن لا تعرف، وكان ابن عمر يسلم على النسوان كما يسلم ~~على الرجال، وقالوا: إن كانت عجوزا فلا بأس به، وإن كانت شابة فلا يسلم. # وقوله: {تحية من عند الله مباركة طيبة} أي: حسنة جميلة، قاله ابن عباس، ~~ويقال: ذكر البركة والطيب ها هنا لما فيه من الثواب، ومن أهدى سلاما إلى ~~إنسان، فهي هدية خفيفة المحمل، طيبة الريح، مباركة العاقبة. # وقوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون} ظاهر المعنى. # PageV03P553 # قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على ~~أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} . هذا تعليم أدب من آداب الإسلام، والأمر ~~الجامع كل ما يجمعوا المسلمين، وقد قيل: إنه الجهاد، ويقال: هو الجمعة ~~العيدان، ويقال: كل طاعة يجتمع عليها المسملون مع الإمام. # وفي الأخبار: " أن الرجل من المسلمين كان إذا كان مع النبي في أمر، وأراد ~~الاستئذان لحاجة له، قام وأشار إلى النبي كأنه يستأذن، فيشير إليه النبي ~~أذنت لك ". وقد قالوا: إنما يحتاج إلى الاستئذان إذا لم يكن هناك سبب يمنعه ~~من المقام، فأما إذا عرض سبب يمنعه من ms1114 المقام مثل امرأة تكون في المسجد ~~فتحيض، أو رجل يجنب، أو عرض له مرض وما أشبه، فلا يحتاج إلى الاستئذان. # PageV03P553 # {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور ~~رحيم (62) لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم} # وقوله: {إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله} روي أن عمر ~~استأذن رسول الله في غزوة تبوك أن يرجع إلى أهله فقال: " ارجع فلست بمنافق ~~ولا مرتاب " يعرضه بالمنافقين، وقيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى في ~~سورة التوية: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} . # وقوله: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم} أي: أمرهم. # وقوله: {فأذن لمن شئت منهم} معناه: إن شئت فأذن، وإن شئت فلا تأذن. # {واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم} أي: ادع لهم إذا طلبوا الدعاء منك. # PageV03P554 # قوله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} أي: لا ~~تقولوا: يا محمد، يا أبا القاسم، يا ابن عبد الله، ولكن قولوا: يا أيها ~~الرسول، يا أيها النبي، يا رسول الله، وادعوه على التفخيم والتعظيم. # وقوله: {قد يعلم الله الذين يتسللون} التسلل هو الخروج على خفية، وكان ~~المنافقون يفعلون هكذا، وكان يشق عليهم حضور المسجد والمكث فيه، وسماع خطبة ~~النبي، فكان [يسير] بعضهم ببعض ويخرج من المسجد. # وقوله: {لواذا} أي: يلوذ بعضهم ببعض، وقيل: (رحلا) . # وقوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} أي: أمره. # وقوله: {أن تصيبهم فتنة} معناه: لئلا تصيبهم فتنة أي: بلية. # وقوله: {أو يصيبهم عذاب أليم} يقال: العذاب الأليم في الدنيا، ويقال: في ~~الآخرة. # PageV03P554 # {بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63) ألا إن لله ما في السموات ~~والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل ~~شيء عليم (64) } # PageV03P555 # قوله تعالى: {ألا إن ms1115 لله ما في السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه} أي: ~~يعلم، و " قد " صلة. # وقوله: {ويوم يرجعون إليه} يعني: في الآخرة. # وقوله: {فينبئهم بما عملوا} أي: يخبرهم الله بما عملوا. # وقوله: {والله بكل شيء عليم} أي: عالم. تم بحمد الله تعالى المجلد الثالث ~~من تفسير أبي المظفر السمعاني ويتلوه المجلد الرابع إن شاء الله تعالى ~~وأوله تفسير سورة ### | الفرقان # PageV03P555 # بسم الله الرحمن الرحيم # {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك ~~السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا} . # تفسير سورة الفرقان # وهي مكية، قال الضحاك: هى مدنية. # PageV04P005 # قوله سبحانه وتعالى: {تبارك الذي نزل ### | الفرقان # على عبده} وقرأ عبد الله بن الزبير: " على عباده " على الجمع. قوله: ~~{تبارك} تفاعل من البركة , وقيل: تبارك أي: جل بما لم يزل ولا يزال، وقال ~~الحسن: تبارك صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجئ منه، وقال غيره: ~~لأنه يتبرك باسمه، وأما البركة فهى الخير والزيادة، وقيل: فعل كل طاعة من ~~العباد بركة، والبروك هو الثبوت، ويقال: فلان مبارك أي: ينزل الخير حيث ~~ينزل. # وقوله: {الذى نزل الفرقان} أي: القرآن , وسمى القرآن فرقانا لمعنيين: ~~احدهما: لأنه يفرق بين الحق والباطل، والأخر: أن فيه بيان الحلال والحرام. # وقوله تعالى: {على عبده} أي: محمد. # وقوله: {ليكون للعالمين نذيرا} أي: الجن والأنس، قال أهل العلم: ولم يبعث ~~نبي إلى جميع العالمين غير نوح ومحمد عليهما الصلاة والسلام. # PageV04P005 # قوله تعالى: {الذى له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا} يعنى: كما قاله ~~النصارى. # وقوله: {ولم يكن له شريك في الملك} أي: كما قاله عبدة الأصنام وغيرهم. # وقوله: {وخلق كل شيء} أي: مما يصلح أن يكون مخلوقا. # قوله: (فقدره تقديرا) أي: سواه تسوية على مايصلح للأمر الذى أريد له، ~~ويقال: بين مقادير الأشياء ومنافعها، ومقدار لبثها ووقت فنائها. # PageV04P005 # {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ~~ولا نفعا ولا يملكون موتا ms1116 ولا حياة ولا نشورا وقال الذين كفروا إن هذا إلا ~~إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير ~~الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة} . # PageV04P006 # قوله تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة} يعنى: الأصنام. # وقوله: {لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} ظاهر المعنى. # وقوله: {ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا} أي: دفع ضرا وجلب نفع، وهذا ~~يقع في الأصنام التى عبدها المشركون. # وقوله: {ولا يملكون موتا ولا حياة} أي: إماتة (ولا إحياء) . # وقوله: {ولا نشورا} أي: بعثا بعد الموت. # PageV04P006 # قوله تعالى: {وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه} أي: كذب اختلقه. # وقوله: {وأعانه عليه قوم آخرون} يعنى: جبر، ويسار، وعداس، و (أبو) فكيهة، ~~وهؤلاء عبيد كانوا بمكة من أهل الكتاب، وكانوا يجلسون إلى النبي يسمعون ~~منه، فزعم المشركون أن محمدا يأخذ منهم. # وقوله: {فقد جاءوا ظلما وزورا} أي: بظلم وزور، فلما حذف الباء انتصب. # PageV04P006 # قوله تعالى: {وقالوا أساطير الأولين} قال ابن عباس: كان النضر بن الحارث ~~من شياطين أهل الشرك، وكان قد قدم الحيرة، وقرأ أخبار ملوك الفرس، (وكان ~~يقول للمشركين: (إن الدين يقول) محمد أساطير الأولين، وأنا أحدثكم بمثله، ~~يعنى من أحاديث الفرس) وحديث رستم واسفنديار، فالآية نزلت فيه وفيمن قال ~~بقوله، مثل: عبد الله بن أبى أميه المخزومى وغيره. # PageV04P006 # {وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما ~~وقالوا مالهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا} . # وقوله: {اكتتبها} أي: طلب أن تكتب له؛ لأنه كان لا يكتب. # وقوله: {فهي تملى عليه} أي: تقرأ عليه، إذ كان لا يكتب حتى تملى عليه ~~ليكتب. # وقوله: {بكرة وأصيلا} أي: غدوة وعشيا. # PageV04P007 # {قل أنزله الذي يعلم السر} أي: الغيب في السموات والأرض (إنه كان غفورا ~~رحيما) أي: متجاوزا محسنا. # PageV04P007 # قوله تعالى: {وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق} قالوا ~~هذا على طريق الإنكار، وزعموا أنه إذا كان مثلهم يأكل الطعام ويمشى في ~~الأسواق، فلا يجوز أن ms1117 يمتاز عنهم بالنبوة، وكانوا يقولون: أنت لست بملك ولا ~~ملك؛ فلست بملك لأنك تأكل الطعام، ولست بملك لأنك تتسوق وتتبذل، والملوك لا ~~يتسوقون ولا يتبذلون، وهذا الذي قالوه كله فاسد؛ وذلك لأن أكله الطعام لا ~~ينافى النبوة، ولا مشيه في الأسواق، فإن أكله الطعام يدل على أنه آدمى ~~محتاج، ومشيه في الأسواق يدل على أنه متواضع غير متكبر، وأما اختصاصه بفضلة ~~النبوة من بين الناس فجائز؛ لأن الله تعالى لم يسو بين الناس، بل فاضل ~~بينهم. # وقوله: {لولا أنزل إليه ملك} قالوا هذا لأنهم زعموا أن الرسول إن لم يكن ~~ملكا، فينبغي أن يكون له شريك من الملائكة، هذا أيضا فاسد؛ لأنه مجرد تحكم، ~~ويجوز أن يتفرد الآدمي بالنبوة ولا يكون معه ملك، ولأن يكون النبي آدميا ~~أولى من أن يكون ملكا؛ ليفهموا عنه، ويستأنسوا به. # وقوله: {فيكون معه نذيرا} أي: شريكا. # PageV04P007 # وقوله: {أو يلقى إليه كنز} يعنى: ينزل عليه كنز من السماء، أو يظهر له ~~كنز # PageV04P007 # {أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا (8) أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (9) ~~تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك ~~قصورا (10) بل} في الأرض. # وقوله: {أو تكون له جنة يأكل منها} قالوا: هلا جعل الله لك بستانا تعيش ~~به، أوكنزا يدفعه إليك،: فتستغني به عن التعيش والتكسب والتبذل في الأمور، ~~وهذا أيضا فاسد؛ لأن كسبه وتعيشه لم يكن منافيا نبوته. # وقوله: {وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} أي: مخدوعا، وقيل ~~مصروفا عن الحق، وقيل: معللا بالطعام والشراب. # PageV04P008 # قوله تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} أي: شبهوا لك الأشباه، والأشباه ~~التي ذكروها، قولهم: إنه مخدوع، وقولهم: إنه محتاج متروك في الدنيا، ~~وقولهم: إنه ناقص في التدبير والقيام بأمره. # وقوله: {فضلوا} أي: أخطئوا ويقال: تناقضوا، فإنهم كانوا يقولون مرة: هو ~~مفتر أي: قاله من قبل نفسه، ومرة يقولون: إنه تعلمه من غيره. ms1118 # وقوله: {فلا يستطيعون سبيلا} أي: طريق الحق، وقيل: طاعة الله. # PageV04P008 # وقوله تعالى: {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك} أي: خيرا مما طلبوه ~~لك. # وقوله: {جنات تجرى من تحتها الأنهار} أي: بساتين تجرى من تحت أشجارها ~~الأنهار. # وقوله: {ويجعل لك قصورا} أي: بيوتا مشيدة، والعرب تسمى كل بيت مشيد # PageV04P008 # {كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) إذا رأتهم من مكان ~~بعيد سمعوا لها} . # قصرا، وروى حبيب بن أبى ثابت عن خيثمة " أن الله تعالى عرض مفاتيح خزائن ~~الأرض على محمد فلم يخترها "، وفى بعض الأخبار: " عرض على بطحاء مكة ذهبا ~~فاخترت أن أكون عبدا نبيا ". # PageV04P009 # قوله تعالى: {بل كذبوا بالساعة} أي: بالقيامة. # وقوله: {وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا} أي: نارا مستعرة، والمستعرة ~~المتوقدة. # PageV04P009 # قوله تعالى: {إذا رأتهم من مكان بعيد} الآية. روى عن النبي أنه قال: " من ~~تقول على ما لم أقل فإنه يوم القيامة بين عيني جهنم، فقيل له: ولجهنم ~~عينان؟ قال: نعم، وقرأ قوله تعالى: {إذا رأتهم من مكان بعيد} . # وقال بعضهم: إذا رأتهم أي: رأت زبانيتها إياهم. # PageV04P009 # {تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ~~(13) لا تدعوا} # وقوله: {سمعوا لها تغيظا} فإن قيل: كيف يسمع التغيظ، إنما يعلم التغيظ؟ ~~والجواب عنه: قلنا معناه: سمعوا غليان التغيظ، (وقبله) : سمعوا لها زفيرا ~~أي: علموا لها تغيظا، قال الشاعر: # (رأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا) # أي: متقلدا سيفا وحاملا رمحا، وقال آخر: # (علفتها تبنا وماء باردا ... ) # أي: علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا. وقد ذكرنا معنى الزفير، وعن عبيد بن ~~عمير أنه قال: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة، فلا يبقى ملك ولا نبي مرسل إلا ~~خر بوجهه، حتى إن إبراهيم يجثو على ركبتيه، ويقول: نفسي نفسي، ولا أريد ~~غيرها. # وقوله: {من مكان بعيد} قيل في بعض التفاسير: من مسيرة مائة سنة. # PageV04P010 # قوله تعالى: {وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين} يقال: تضيق الزج في ~~الرمح. # وقوله: {مقرنين} أي: مصفدين، وقيل: مغللين، كأنه غلل أيديهم إلى أعناقهم، ms1119 ~~وقرنوا مع الشياطين، وقد بينا أن كل كافر يقرن مع شيطان في سلسلة. # وقوله: {دعوا هنالك ثبورا} أي: هلاكا، وهو قولهم: وأهلاكاه، وفي بعض ~~الأخبار: أن أول من يكسى حلة من نار إبليس، فيسحبها إلى جهنم، ويتبعه ~~ذريته. # PageV04P010 # وقوله: {لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا} أي: ليس هذا ~~موضع دعاء واحد بالهلاك، بل هو موضع أدعية كثيرة، قال الشاعر: # (إذ أجارى الشيطان في سنن الغي ... ومن مال ميله مثبور) # أي: هالك. # PageV04P010 # قوله: {قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون} فإن قيل: ليس في: ~~جهنم # PageV04P010 # {اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) قل أذلك خيرا أم جنة الخلد ~~التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) لهم فيها ما يشاءون خالدين كان ~~على ربك وعدا مسئولا (16) ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا} . # خير، أصلا، فكيف يستقيم قوله: {أذلك خير أم جنة الخلد} ؟ والجواب عنه: ~~قلنا: العرب قد تذكر مثل هذا، وإن لم يكن في أحدهما خير أصلا، يقال: الرجوع ~~إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وقال الأزهري: إنما ذكر لفظ " الخير " ~~هاهنا لاستواء المكانين في المنزل، على معنى أنهما منزلان ينزل فيهما ~~الخلق، فاستقام أن يقال: هذا المنزل خير من ذلك المنزل لوجود الاستواء في ~~صفة. # وقوله: {كانت لهم جزاء ومصيرا} أي: مجازاة ومرجعا. # PageV04P011 # قوله تعالى: {لهم فيها ما يشاءون خالدين} أي: مقيمين. # وقوله: {كان على ربك وعدا مسئولا} أي: مطلوبا، وهو طلب المؤمنين في قوله: ~~{ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} أي: على ألسنة رسلك، ويقال: الطلب من ~~الملائكة للمؤمنين، وذلك في قوله تعالى: {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم} الآية. # PageV04P011 # وقوله تعالى: {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله} أي: الملائكة، وقيل: ~~عيسى وعزيزا عليهما السلام. # وقوله: {فيقول} أي: يقول الله: {أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل} أي: هم أخطأوا الطريق. # PageV04P011 # قوله تعالى: {قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} ms1120 ~~أي: ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك، ويقال: من اتخذ عدو غيره ~~وليا فقد اتخذ من دونه وليا. # PageV04P011 # {السبيل (17) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ~~ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) فقد كذبوكم بما ~~تقولون فما تستطيعون} # وقوله: {ولكن متعتهم وآباءهم} أي: بكثرة الأموال والأولاد، ويقال: بطول ~~العمر، ويقال: بنيل المراد. # وقوله: {حتى نسوا الذكر} أي: نسوا ذكرك وغفلوا عنك، ويقال: تركوا الحق ~~الذي أنزلت. وقوله: {وكانوا قوما بورا} أي: هلكى، يقال: رجل بائر أي: هالك، ~~وسلعة بائرة أي: كاسدة، وفي الخبر: " أن النبي كان يتعوذ من بوار [الأيم] # قال الشاعر وهو ابن الزبعرى: # (يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور) # أي: هالك # PageV04P012 # قوله تعالى: {فقد كذبوكم بما تقولون} هذا خطاب مع المشركين، فإنهم كانوا ~~يزعمون أن الملائكة وعيسى وعزيزا دعوهم إلى عبادتهم. # وقوله: {فما تستطيعون صرفا ولا نصرا} أي: صرف العذاب عن أنفسهم، وقيل: ~~صرفك عن الحق. # وقوله: {ولا نصرا} أي: لا يستطعيون منع العذاب عن أنفسهم. # وقوله: {ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا} أي: عظيما. # PageV04P012 # قوله تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون في الأسواق} . في الآية جواب عن قولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ~~ويمشى في # PageV04P012 # {صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا (19) وما أرسلنا قبلك من ~~المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة أتصبرون وكان ربك} . الأسواق؟ وهذا في معنى قوله تعالى: {قل ما كنت ~~بدعا من الرسل} إن أنا [إلا] رسول مثل سائر الرسل، فإذا جاز أن يكون سائر ~~الرسل آدميين، فيجوز أن أكون آدميا رسولا. # وقوله: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} . فيه قولان: أحدهما: أن معنى {فتنة} ~~للفقير، فيقول الفقير: مالي لم أكن غنيا مثله؟ والصحيح فتنة للمريض، فيقول: ~~مالي لم أكن صحيحا؟ ومثل الشريف فتنة للوضيع، فيقول: مالي لم أكن شريفا ~~مثله؟ . # والقول الثاني: أن الآية نزلت في ms1121 رءوس المشركين مع فقراء المؤمنين، ~~وفقراء المؤمنين مثل: عمار، وابن مسعود، وبلال، وصهيب، وخباب، وسلمان ~~وغيرهم، وكان المشرك إذا أراد أن يسلم، فكر في نفسه، فيقول: هذا دين سبقني ~~إليه هؤلاء الأرذال، فلا أكون تبعا لهم، فيمتنع من الإسلام. # وقوله: {أتصبرون} أي: فاصبروا. # وفي الخبر أن النبي قال: " فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا "، وهو ~~خبر طويل. # ويقال إن معنى الآية: أتصبرون أو لا تصبرون؟ وعن بعضهم أنه رأى بعض ~~الأغنياء وقد مر عليه في موكبه، فوقف وقرأ قوله تعالى: {وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة أتصبرون} ثم قال: بلى نصبر ربنا، بلى نصبر ربنا، بلى نصبر ربنا، ثلاث ~~مرات. وأورد بعضهم هذه الحكاية للمزني مع الربيع بن سليمان المرادي، وعن ~~داود الطائي أنه # PageV04P013 # {بصيرا وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ~~لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} مر عليه حميد الطوسي في موكبه، ~~وداود في أطمار له، فقال لنفسه: أتطلبين دنيا سبقك بها حميد؟ . وروى أن ~~رجلا مر على الحسن البصري، وهو في هيئة حسنة، وسيادة عظيمة من الدنيا، فسأل ~~من هذا؟ فقيل: هذا صراط الحجاج، فقال: هذا الذي أخذ الدنيا بحقها. # وقوله: {وكان ربك بصيرا} أي: بصيرا بأعمالكم. # PageV04P014 # قوله تعالى: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا} أي: لا يخافون لقاءنا، قال ~~الفراء: والرجاء بمعنى الخوف لغة تهامية، ومنه قوله تعالى: {مالكم لا ترجون ~~لله وقارا} أي: لاتخافون لله عظمة. قال الشاعر: # (لا ترتجي حين تلاقى الذائذا ... أسبعة لاقت معا أم واحدا) # أي: لا تخاف. # وقوله: {لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا} " معناه: هلا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا ". # وقوله: {لقد استكبروا في أنفسهم} أي: تعظموا في أنفسهم، واستكبارهم هو ~~أنهم امتنعوا عن الإيمان، وطلبوا آية لم تطلبها أمة قبلهم. # وقوله: {وعتوا عتوا كبيرا} . أي: علو علوا عظيما، والعتو هو المجاوزة في ~~الظلم إلى أبلغ حده، وعتوهم هاهنا طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا. # PageV04P014 # وقوله تعالى: {يوم يرون الملائكة} ويوم رؤية الملائكة هو ms1122 يوم القيامة. # {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) ~~وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) أصحاب الجنة يومئذ ~~خير مستقرا وأحسن مقيلا} # PageV04P014 # وقوله: {لا بشرى يومئذ للمجرمين} إنما قال هذا؛ لأن الملائكة يبشرون ~~المؤمنين يوم القيامة، فيطلب ظنا منهم أنهم كانوا على الحق، فيقولون: لا ~~بشرى لكم هكذا قال عطية، وقال بعضهم: معنى الآية: أنه لا بشرى للمجرمين حين ~~توجد البشرى للمؤمنين. # وقوله: {ويقولون حجرا محجورا} أي: حراما محرما، قال ابن عباس: حرام محرم ~~الجنة على من لم يقل لا إله إلا الله، قال الشاعر: # (حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها ... حجر حرام ألا إلى تلك الدهاريس) # ويقال معنى الآية: يحرم دخول الجنة على الكافر حين يطلق دخولها للمؤمنين. # PageV04P015 # قوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل} . أي: عمدنا إلى ما عملوا من ~~عمل. # وقوله: {فجعلناه هباء منثورا} قال على - رضى الله عنه -: الهباء المنثور ~~هو ما يرى في الكوة إذا وقع شعاع الشمس فيها. وقال غيره: الهباء المنثور هو ~~ما يسطع من سنابك الخيل عند شدة السير. # وعن يعلى بن عبيد قال: هو الرماد، وفرق بعضهم بين الهباء المنثور وبين ~~الهباء المنبث، فقال: الهباء المنثور ما يرى في الكوة، والهباء المنبث ما ~~يطيره الرياح من سنابك الخيل. # PageV04P015 # قوله تعالى: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا} فإن قيل: كيف ~~يكون في الجنة مقيل، وفي النار مقيل وليسا بموضع النوم؟ والجواب عنه: قال ~~الأزهري: المقيل موضع الاستراحة نام أو لم ينم، وفي المأثور عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال: لا ينتصف يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل ~~النار في النار. فذكر القيلولة لأن نصف النهار وقت القيلولة، ومعناه: ~~النزول هاهنا، وهو أنه ينزل كلا الفريقين في منازلهم، وقد روى أن الله ~~تعالى يقصر اليوم على المؤمنين حتى يرده كأنه من صلاة إلى صلاة. # PageV04P015 # {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق ~~للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) } # PageV04P016 # قوله ms1123 تعالى: {ويوم تشقق السماء بالغمام} قال قتادة: على الغمام، يقال: ~~جاء فلان بدابته أي: على دابته. # والأكثرون على أن السماء تنشق على غمام أبيض ينزل فيه الملائكة، وروى أن ~~السماء الدنيا تنشق، فينزل من الخلق عنها أكثر من عدد الجن والإنس، ثم تنشق ~~السماء الثانية، فينزل من الخلق عنها أكثر من خلق سماء الدنيا ومن الجن ~~والإنس، وهكذا في السماء الثالثة، والرابعة إلى السابعة، ثم ينزل ~~الكروبيون، ثم ينزل حملة العرش، وقد بينا من قبل قوله: {فهل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} . # وقوله: {ونزل الملائكة تنزيلا} أي: وأنزل الملائكة تنزيلا. # PageV04P016 # قوله تعالى: {الملك يومئذ الحق للرحمن} معناه: الملك الحق يومئذ للرحمن. # {وكان يوما على الكافرين عسيرا} أى: شديدا، ومن شدته أن الله يطول عليهم ~~ذلك اليوم كما يقصره على المؤمنين على ما بينا. # وفي بعض الأخبار: أن جهنم تفور يوم القيامة، فيتبدد الناس ويتفرقون، ~~فكلما وصلوا إلى قطر من الأقطار، وجدوا سبعة من صفوف الملائكة أدخلوا ~~أجنحتهم بعضهم في بعض، ثم قرأ: {وكان يوما على الكافرين عسيرا} . # PageV04P016 # وقوله: {ويوم يعض الظالم على يديه} . الظالم هاهنا هو عقبة بن أبي ~~معيطكان قد هم بإجماع أهل التفسير، وسبب نزول الآية: {أن عقبة بن أبى معيط ~~كان قد هم بالإسلام، وروى أنه اتخذ دعوة ودعا النبي، فقال: لا آكل حتى تشهد ~~أن لا إله إلا الله، فشهد عقبة، وكان عقبة صديقا لأمية بن خلف، فقال له # PageV04P016 # {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سيبلا (27) يا ~~ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ~~وكان الشيطان للإنسان خذولا أمية: أصبوت يا عقبة؟ وجهي من وجهك حرام إن لم ~~ترجع، فقال: إنما قلت ما قلت ليأكل من طعامي، وأنا على ديني الأول. وروى ~~أنه قال: لا أكلمك أبدا حتى تجيء فتتفل في وجه محمد، فجاء ففعل، وروى أن ~~التفلة رجعت إلى وجهه - لعنة - الله ? (وفي رواية قال: " لو كنت خارج الحرم ms1124 ~~لضربت عنقك " فضحك الكافر، وأسر يوم بدر} أورد النقاش ذلك، ففيه نزلت هذه ~~الآية. # وقوله: {يعض الظالم على يديه} أي: يأكل يديه ندما، وفي بعض التفاسير: أنه ~~يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه، ثم تنبت ثم يأكل، ثم تنبت هكذا. # فقوله: {يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} أي: أخذت طريقه. # PageV04P017 # وقوله: {يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} . أي: أمية بن خلف، وقيل: ~~الشيطان، والأول هو المعروف. # PageV04P017 # قول تعالى: {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني} أي: عن الهدى بعد إذ ~~جاءني، وقيل: عن القرآن. # وقوله: {وكان الشيطان للإنسان خذولا} أي: تاركا، ومن المعروف في المغازي ~~أن عقبة بن أبي معيط أسر يوم بدر، فقتله النبي صبرا، فقال: أأقتل من بين ~~هؤلاء يا محمد؟ قال: نعم، قال: من للصبية؟ قال: النار ". واختلفوا في ~~قاتله، فقال بعضهم: تولى قتله علي - رضي الله عنه - وقال بعضهم: عاصم بن ~~أبي الأفلح حمى الدبر، ولم يقتل من الأسراء يوم بدر غير عقبة والنضر بن ~~الحارث. # PageV04P017 # ( {29) وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) وقال الذين ~~كفروا لولا نزل عليه # PageV04P018 # قول تعالى: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} أي: ~~متروكا، ويقال: جعلوه بمنزلة الهجر أي: الهذيان. # PageV04P018 # قوله تعالى: {وكذلك جعلنا} هذه الآية أنزلت تعزية للنبي وتسمية له. # وقوله: {لكل نبي عدوا من المجرمين} أي: أعداء من المجرمين، وعن ابن عباس ~~في رواية: أنه أبو جهل خاصة، وهو أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة عليه ~~لعنة الله. # وقوله: {وكفى بربك هاديا ونصيرا} ظاهر المعنى. # PageV04P018 # قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} أي: كما ~~أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى. # وقوله: {كذلك لنثبت به فؤادك} أي: أنزلناه مفرقا كالذي أنزلنا لنثبت به ~~فؤادك أي: لنقوي به فؤادك، وقيل: لتزداد بصيرة في فؤادك، كأنه كلما نزل ~~جبريل بالوحي ازداد هو بصيرة وقوة، وقد أنزل الله تعالى القرآن ms1125 في ثلاث ~~وعشرين سنة، فحين أكمل الله تعالى ما أراد إنزاله عليه من الوحي أدركته ~~الوفاة. # وقوله: {ورتلناه ترتيلا} . أي: فصلناه تفصيلا، وقيل: بيناه تبيينا. # والقرآءة على الترتيل سنة، ويكره أن يقرأ كحدو الشعر ونثر الدقل. # PageV04P018 # قوله تعالى: {ولا يأتونك بمثل} أي: بمعنى يدفعون ما أنت عليه بعثناك به، ~~إلا جئناك بالحق أي: جئناك بما يدفعه ويبطله، فسمى ما يوردون من الشبه ~~مثلا، وسمي ما يدفع الشبه حقا أعطاه إياه. # وقوله: {وأحسن تفسيرا} التفسير تفعيل من الفسر، والفسر: كشف ما قد غطى. # PageV04P018 # {القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) ولا يأتونك ~~بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ~~أولئك شر مكانا # PageV04P019 # قوله تعالى: {الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم} في الأخبار: أن الناس ~~يحشرون ثلاثة أصناف: صنف ركبانا، وصنف مشاة، وصنف على وجوههم ". # وقد ثبت الخبر عن النبي برواية شيبان، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله قيل ~~له: كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: " إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادرا ~~على أن يمشيهم على وجوههم ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا المكي بن عبد الرزاق، أخبرنا جدي، أخبرنا ~~الفربرى، أخبرنا البخاري، أخبرنا عبد الله بن محمد المسندي، عن يونس بن ~~محمد، عن شيبان ... الخبر. # وقوله: {أولئك شر مكانا} أي: شر مكانة ومنزلة. # وقوله: {وأضل سبيلا} أي: أخطأ طريقا. # PageV04P019 # قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا} أي: ~~ناصرا ومعينا. # PageV04P019 # قوله تعالى: {فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا} وهو القبط. # وقوله: {فدمرناهم تدميرا} أي: أهلكناهم إهلاكا. # PageV04P019 # {وأضل سبيلا (34) ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ~~(35) فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) وقوم ~~نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا ~~أليما (37) وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا # PageV04P020 # قوله تعالى: {وقوم نوح لما كذبوا الرسل} أي: الرسول، جمع بمعنى الواحد، ~~ويقال: من كذب رسولا واحدا فقد كذب جميع الرسل؛ فلهذا قال: {كذبوا الرسل} ms1126 . # وقوله: {أغرقناهم وجعلناهم للناس آية} . نزل الماء من السماء أربعين ~~يوما، ونبع من الأرض أربعين يوما، حتى صارت الدنيا كلها بحرا. # وقوله: (وأعتدنا للظالمين عذابا أليما) أي: مؤلما. # PageV04P020 # قوله تعالى: {وعادا وثمود} أى: وأهلكنا عادا وثمود. # وقوله: {وأصحاب الرس} . الأكثرون على أن الرس بئر، فروى أنه لما جاءهم ~~نبيهم جعلوه في البئر، وألقوا عليه ما أهلكه. # وقال الكلبي: بعث الله إليهم نبيا فطبخوه وأكلوه. # وعن ابن عباس في بعض الروايات: أن أصحاب الرس هم قوم حبيب النجار، ألقوه ~~في البئر حتى هلك، وهو بأنطاكية. # وقوله: {وقرونا بين ذلك كثيرا} قد بينا معنى القرون من قبل، وروى عن ~~الربيع ابن خثيم أنه مرض، فقيل له: ألا ندعوا لك طبيبا؟ فقال: أنظروني، ثم ~~تفكر في نفسه، ثم قال: قال الله تعالى: {وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا ~~بين ذلك كثيرا} قد كان فيهم مرضى وأطباء، فما بقى المداوي ولا المداوي، ولا ~~المريض ولا الطبيب، ولا أريد أن تدعوا لي طبيبا. # PageV04P020 # قوله تعالى: {وكلا ضربنا له الأمثال} أي: الأشباه. # {وكلا تبرنا تتبيرا} أي: دمرنا تدميرا، وقيل: أهلكنا إهلاكا. # PageV04P020 # قوله تعالى: {ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء} يقال: هؤلاء ~~قريات # PageV04P020 # {بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (39) ولقد ~~أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا ~~يرجون نشورا (40) وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا ~~(41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب من أضل سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ~~(43) } لوط، ويقال: كان الحجر ينزل على قدر قامة الإنسان فيقع عليه، فيدمغه ~~ويهلكه. # وقوله: {أفلم يكونوا يرونها} ذكر هذا لأن مدائن لوط كانت على طريقهم عند ~~ممرهم إلى الشام ورجوعهم منها. # وقوله: {بل كانوا لا يرجون نشورا} أي: لا يخافون نشورا، ويقال: يرجون على ~~حقيقته أي: لا يرجون المصير إلى الله تعالى. # PageV04P021 # {وإذا رأوك إن يتخذونك} أي: ما يتخذونك) {إلا ms1127 هزوا} . # وقوله: {أهذا الذي بعث الله رسولا} قالوا هذا على طريق الاستهزاء. # PageV04P021 # قوله: {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا} أي: قد قارب أن يضلنا عن آلهتنا. # قال الشاعر: # (هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله) # وقوله: {لولا أن صبرنا عليها} أي: لو لم نصبر عليها لأضلنا عنها. # وقوله: {فسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا} أي: أخطأ سبيلا. # PageV04P021 # قاله تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} قال أهل التفسير: كان من اتخاذهم ~~أهواءهم آلهتهم أن الواحد منهم كان يعبد الحجر، فإذا رأى حجرا أحسن منه طرح ~~الأول، وأخذ الثاني وعبده. # وقوله: {أفأنت تكون عليه وكيلا} . أي: حافظا، وقيل: كفيلا. # وفي بعض الآثار: ما من معبود في السماء والأرض أعظم من الهوى، وعن بعضهم ~~قال: هو الطاغوت الأكبر. # PageV04P021 # {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ~~(44) ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا (45) } # PageV04P022 # قوله تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون} . أي: أتحسب. # وقوله: {إن هم إلا كالأنعام} . أي: ما هم إلا كالأنعام، جعلهم كالأنعام؛ ~~لأنهم لم يدركوا طريق الحق، ولم ينتفعوا بما ميزهم الله به عن البهائم من ~~عقولهم وأسماعهم وأبصارهم. # وقوله: {بل هم أضل سبيلا} أي: أخطأ طريقا، وجعل الكفار أضل من الأنعام؛ ~~لأن الأنعام تسجد وتسبح لله تعالى، والكفار لا يسجدون ولا يسبحون؛ ولأن ~~البهائم لم يعرفوا، ولم يكونوا أعطوا آله المعرفة. وأما الكفار لم يعرفوا ~~وقد أعطوا آله المعرفة، فهم أضل؛ ولأن البهائم لم تفسد ما لها من المعارف؛ ~~فإن الله تعالى أعطاها قدرا من المعارف وهم يستعملونها، وأما الكفار فقد ~~أفسدوا ما لهم من المعارف، فهم أضل وأقل من البهائم. # PageV04P022 # قوله تعالى: {ألم تر إلى ربك} منهم من قال: هذا على التقديم والتأخير، ~~ومعناه: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك؟ وقيل: هو على ظاهره، ومعنى الرؤية هو ~~العلم، قال الشاعر: # (أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ms1128 ما ترين أو بخيلا مخلدا) # واختلفوا في هذا الظل، فالأكثرون على أنه الظل من وقت طلوع الصبح إلى وقت ~~طلوع الشمس، والقول الثاني: أنه من وقت غروب الشمس إلى وقت طلوعها. والظل ~~هو ظل الأرض يقبل عند غروب الشمس، ويدبر عند طلوعها. # وقوله: {ولو شاء لجعله ساكنا} أي: دائما. # وقوله: {ثم جعلناه الشمس عليه دليلا} أي: ثم جعلنا الشمس دليلا على الظل، ~~فإن الظل يعرف بالشمس، والنور يعرف بالظلمة، والليل بالنهار، وكذلك كل ~~الأشياء تعرف بأضدادها. # PageV04P022 # {ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم ~~سباتا وجعل النهار نشورا (47) وهو الذي أرسل الرياح بشرا} # وقيل: جعلنا الشمس عليه دليلا أي: تتلوه وتتبعه فتنسخه. # PageV04P023 # وقوله: {ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا} # القبض: جمع المنبسط من الشيء، ومعناه: أن الظل يعم الأرض مثل طلوع الشمس، ~~فإذا طلعت الشمس قبض الظل بالشمس جزءا فجزءا، فيقال: وقت قبض الظل عند ~~الاستواء، حتى لا يبقى ظل في العالم إلا على موضع لا تكون الشمس مستوية ~~عليه. # وقوله: {يسيرا} أي: هينا. وقال مجاهد: خفيا، وهو أصح القولين. . # PageV04P023 # قوله تعالى: {وهو الذي جعل لكم الليل لباسا} أي: يلبسكم بظلمة الليل عند ~~غشيانه، فكأن الليل لباس الناس، ومنهم من قال: هو في معنى قوله تعالى: {هو ~~الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} وموضع السكن كاللباس للإنسان. # وقوله: {والنوم سباتا} أي: راحة، والسبت: القطع، والنائم مسبوت؛ لأنه ~~انقطع عمله مع بقاء الروح فيه. # وقوله: {وجعل النهار نشورا} أي: زمانا ينشرون فيه. # PageV04P023 # قوله تعالى: {وهو الذي أرسل الرياح بشرا} وقرئ: " نشرا " بضم النون ~~والشين، وقرئ بالباء المضمومة، فقوله: " نشرا " بنصب النون أي: لإنشار ~~النبات، وإنشار النبات إحياؤه، وأما " نشرا " بضم النون جمع " نشر " كالرسل ~~جمع رسول، وأما {بشرا} بالباء من البشارة، وقد ذكرنا الكلام في الرياح. # PageV04P023 # {بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحيي به بلدة ميتا ~~ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) } # وروى عن النبي أنه كان يقول إذا هبت الريح: " اللهم أجعلها رياحا، ولا ~~تجعلها ms1129 ريحا ". # قالوا: وإنما ذكر هكذا؛ لأن البشارة في ثلاث من الرياح: الصبا، والشمال، ~~والجنوب، وأما الدبور فليس فيها بشارة؛ لأنها الريح العقيم. وعن مجاهد قال: ~~إن الريح له جناحان وذنب. وعن ابن عباس أنه قال: الريح والماء جند الله ~~الأعظم. # وقوله: {بين يدي رحمته} أي: المطر. # وقوله: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} قال ثعلب: الطهور هو الطاهر في ~~نفسه المطهر لغيره، فالماء طهور؛ لأنه يطهر الناس من الأحداث، ويطهر الأرض ~~من الجدوبة والقحط. # PageV04P024 # وقوله تعالى: {لنحيي به بلدة ميتا} أي: بلدا ميتا، وإحياؤه بإنبات ~~النبات، وإخراج الأشجار والثمار. # {ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا} أي: نسقى بالماء أنعاما وأناسي ~~كثيرا. والأناسي جمع إنسي وقيل: جمع إنسان، وكان أصله أناسين، مثل بستان ~~وبساتين، ثم حذفت النون، وشددت الياء. # ومعنى الآية: أنا نسقى بالماء الحيوان وغير الحيوان، ننمي به كل ما يقبل ~~النماء. # PageV04P024 # {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50) } # PageV04P025 # قوله تعالى: {ولقد صرفناه بينهم} اكثر أهل التفسير على أنها الهاء راجعة ~~إلى المطر، ومعنى التصريف أنه يسقى أرضا ويمنع أرضا. # قال ابن عباس: " ما عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه بين عباده على ما ~~يشاء. ومثله عن ابن مسعود. # وروى عن النبي أنه قال: " ما من ساعة تمضي إلا والسحاب يمطر فيها، إلا أن ~~الله تعالى يصرفه عن قوم، ويعطيه قوما " والخبر غريب. # وقوله: {ليذكروا} أي: ليتذكروا، ويقال: إن الهاء في قوله: {صرفناه} تنصرف ~~إلى الفرقان المذكور في أول السورة، وهو قول بعيد. # وقوله: {فأبى اكثر الناس إلا كفورا} أي: كفرانا، وكفرانهم هو أنهم إذا ~~أمطروا، يقولون: مطرنا بنوء كذا، وهو في معنى قوله تعالى في سورة الواقعة: ~~{وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} . وقد ثبت عن النبي أنه قال يوما، وقد مطروا ~~في ليلته: " يقول الله تعالى: أصبح الناس فريقين، مؤمن بي وكافر بالكوكب، ~~ومؤمن بالكوكب وكافر بي، فمن قال: مطرنا برحمة الله تعالى وفضله، فهو مؤمن ~~بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، فهو كافر بي مؤمن ms1130 بالكوكب ". # PageV04P025 # {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به ~~جهادا كبيرا (52) وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل ~~بينهما بزرخا وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا ~~وصهرا وكان ربك # PageV04P026 # قوله تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا} ظاهر المعنى. # PageV04P026 # وقوله: {فلا تطع الكافرين} أي: فيما يدعونك إليه. # وقوله: {وجاهدهم به جهادا كبيرا} أي: بالحق، وقيل: بالقرآن. # وقوله: {كبيرا} معناه: شديدا. # PageV04P026 # قوله تعالى: {وهو الذي مرج البحرين} أي: خلط البحرين، وقيل: أرسل ~~البحرين. # وأما البحران فيقال: إنه بحر فارس والروم، ويقال: بحر السماء والأرض، ~~ويقال: البحران هو الملح والعذب. # وقوله: {هذا عذاب فرات} العذب يسمى كل ماء عذب فراتا، ويسمى كل ماء ملح ~~بحرا. # وقوله: {وهذا ملح أجاج} أي: شديد الملوحة، وقيل: مر. # وقوله: {وجعل بينهما برزخا} يقال: باليبس بين البحرين، وقيل: بالهواء بين ~~بحر السماء وبحر الأرض، وقيل: بالقدرة بين الملح والعذب، فلا يختلط الملح ~~بالعذب، ولا العذب بالملح، وهذا في موضع مخصوص بخليج مصر، والبرزخ هو ~~الحاجز. # وقوله: {وحجرا محجورا} أي: مانعا ممنوعا، قال الشاعر: # (فرب ذي سرادق محجور ... سرت إليه من أعالي السور) # PageV04P026 # قوله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا} . # النسب نسبة من قرابة، والصهر خلطة من غير النسب، وقد ذكرنا أن الله تعالى ~~حرم سبعا بالنسب، وسبعا بالسبب، وعددناها في سورة النساء، ويقال: النسب ما ~~يوجب الحرمة، والصهر مالا يوجب الحرمة. # PageV04P026 # {قديرا (54) ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ~~ربه ظهيرا (55) وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل ما أسألكم عليه من ~~اجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) وتوكل على الحي الذي لا يموت ~~وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) الذي خلق السموات والأرض وما ~~بينهما في ستة # وقوله: {وكان ربك قديرا} أي: قادرا. # PageV04P027 # قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا ينفهم ولا يضرهم} قد ذكرنا. # وقوله: {وكان الكافر على ربه ms1131 ظهيرا} أي: عونا للشيطان على المعاصي، ~~ويقال: ظهيرا أي: هينا كما يقول الرجل: جعلتني بظهر أي: جعلتني هينا. قال ~~الشاعر: # (تميم بن [زيد] لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيا على جوابها) # PageV04P027 # قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا} أي: مبشرا ومنذرا. # PageV04P027 # وقوله: (قل ما أسألكم عليه من أجر) أي: من جعل. # وقوله: {إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا} معناه: لكن من شاء أن يتخذ ~~إلى ربه سبيلا سلك طريق الإيمان، وأخذ به. # PageV04P027 # قوله تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} الحي الذي لا يموت هو الله ~~تعالى. # وقوله: {وسبح بحمده} أي: صل بأمره. # وقوله: {وكفى به بذنوب عباده خبيرا} أي: كفى بالله بذنوب عباده عالما، ~~وهذا على طريق التهديد والوعيد. # PageV04P027 # قوله تعالى: {الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام} قد بينا. # وقوله {ثم استوى على العرش الرحمن} قد بينا. # وقوله: {فاسأل به خبيرا} يقال معناه: فاسأل عنه خبيرا أي: عالما، وهو ~~الله تعالى. # قال الشاعر: # PageV04P027 # {أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسئل به خبيرا (59) وإذا قيل لهم ~~اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60) تبارك ~~الذي جعل في # (هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت سائلة بما لم تعلمي} # أي: عما لم يعلم. # ويقال: فاسأل سؤالك إياه للخبير يعني: سلني ولا تسأل غيري، ويقال: إن ~~الخطاب للرسول، والمراد منه الأمة، فإنه كان عالما بهذا، ومصدقا به. # وحقيقة المعنى: أنك أيها الإنسان لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى غيري، ~~قاله الزجاج. # PageV04P028 # وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما للرحمن} . # قال أهل التفسير: إنما قالوا هذا؛ لأنهم كانوا لا يعرفون اسم الرحمن في ~~كلامهم، فسألوا عن " الرحمن " لهذا. # وروى أن رسول الله لما دعاهم إلى " الرحمن "، ويقال: إن أبا جهل قال له: ~~يا محمد، من يعلمك القرآن؟ فأنزل الله تعالى: {الرحمن علم القرآن} قال أبو ~~جهل وغيره: لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة باليمامة، وكان يسمى: رحمان اليمامة. # وقوله: {أنسجد لما تأمرنا} ms1132 يعني: الرحمن الذي تأمرنا بالسجود له. # وقوله: {وزادهم نفورا} أي: تباعدا. # PageV04P028 # قوله: {تبارك الذي جعل في السماء بروجا} هي النجوم العظام، وقيل: هي ~~البروج الاثنا عشر. # وقوله: {وجعل فيها سراجا} أي: الشمس، وقرئ: " سرجا " على الجمع، وعلى هذه ~~القراءة قد دخل القمر في السرج، إلا أنه خصه بالذكر لنوع فضيلة له، وهذا ~~مثل قوله تعالى: {فيها فاكهة ونخل ورمان} . # PageV04P028 # {والسماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) وهو الذي جعل الليل ~~والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا # وقوله: {منيرا} أي: مضيئا. # PageV04P029 # قوله: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} فيه قولان: أحدهما: مختلفين، ~~هذا أسود وهذا أبيض. والثاني: خلفه أي: يخلف أحدهما صاحبه. ويقال: ما فات ~~من الذكر بالليل، فالنهار يخلفه فيه، وما فات من الذكر بالنهار، فالليل ~~يخلفه فيه. قال قتادة: وكذلك في الصلاة، والقول الثالث: خلفه أي: يزداد في ~~هذا ما ينقص من الآخر، ويزداد في الآخر ما ينقص من هذا، وأنشد الشاعر في ~~الخلفة: # (بها العين والآرام يمشين خلفة ... واطلاؤها ينهضن من كل مجثم) # فعلى هذا خلفة أي: كل واحد منهما خلف صاحبه. # وقوله: {لمن أراد أن يذكر} أي: يتذكر. # {أو أراد شكورا} أي: شكرا. # ومعناه: من أراد ذكرا أو شكرا، فالليل والنهار زمانا الذكر والشكر. # PageV04P029 # وقوله تعالى: {وعباد الرحمن} . فإن قال قائل: كل الناس عباد الرحمن، ~~مؤمنهم وكافرهم؟ قلنا: إن هذا كما يقول القائل: ابني فلان، ويخص بذلك ~~الواحد من بينه، وكذلك يقول: صديقي فلان، ويخص بذلك الواحد من أصدقائه، ~~ومعناه: أن من يكون ابني ينبغي أن يكون كفلان، ومن يكون صديقي ينبغي أن ~~يكون كفلان. # وقوله: {الذين يمشون على الأرض هونا} . أي: بالسكينة والوقار. قال الحسن: ~~علماء حكماء، لا يجهلون إذا جهل عليهم. وقال ثعلب: هونا رفقا. # وعن بعضهم: متواضعين لا يتكبرون. # وقوله: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} قال الضحاك: إذا أوذوا صفحوا، ~~وقال بعضهم: قالوا قولا يسلمون منه، وعن بعضهم: قالوا سلاما أي: متاركة لا ~~خير ms1133 # PageV04P029 # {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ~~(64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) ولا ~~شر، وليس المراد من السلام هو السلام المعروف، وإنما معناه ما بينا. # والآية مكية، وكان المسلمون قد أمروا قبل الهجرة بالصفح والإعراض، وألا ~~يقابلوا أذى المشركين بالمجازاة، ثم نسخ حين هاجروا بآية السيف. # PageV04P030 # قوله تعالى: {والذين يبيتون لربهم} يقال: بات فلان سواء نام أو لم ينم. # قال الشاعر: # (فبتنا قياما عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله) # قوله: {سجدا وقياما} . # أي: سجدا على وجوههم، وقياما على أرجلهم. # وعن ابن عباس أنه قال: من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر من ذلك، ~~فهو من الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما. # PageV04P030 # قوله تعالى: {والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم} أي: اعدل عنا عذاب ~~جهنم. # وقوله: {إن عذابها كان غراما} . # أي: ملحا دائما، وقال أبو عبيدة: هلاكا، ويقال: فلان مغرم بالنساء أي: لا ~~صبر له عنهن، ومنه الغريم لأنه يلازم. وقيل غراما أي: شديدا، قال الأعشى: # (إن يعاقب يكن غراما وإن يعط ... جزيلا فإنه لا يبالي) # وعن محمد بن كعب القرظي قال: طالب الله الكفار بثمن النعمة، فلما عجزوا ~~غرمهم النعمة فبقوا في النار. # وعن الحسن قال: كل غريم يفارق غريمه غير جهنم، فإنها لا تفارق غرماءها ~~أبدا. # PageV04P030 # {إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا لم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما (67) # PageV04P031 # قوله تعالى: {إنها ساءت مستقرا ومقاما} أي: بئس موضع القرار، وموضع ~~المقام جهنم، وقد بينا الفرق بين المقام والمقام. # PageV04P031 # قوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا} قال أبو عبد الرحمن الحلي: كل ~~إنفاق في غير طاعة الله فهو إسراف، وكل منع عن طاعة الله فهو إقتار. # وعن إبراهيم النخعي قال: لم يسرفوا أي: لم يجاوزوا الحد في الإنفاق، وذلك ~~بالإكثار في النفقة على وجه التبذير. # وقوله: {ولم يقتروا} أي: لم يقلوا في الإنفاق حتى يعروا أو يجيعوا من يجب ~~عليهم الإنفاق عليهم. # وقال بعضهم: لم يسرفوا أي: ms1134 لم ينفقوا في غير الحق، ولم يقتروا أي: لم ~~يمنعوا من الحق، وهذا القول قريب من القول الأول. # قال النضر بن شميل: وكان بين ذلك قواما: حسنة بين سيئتين، وحكى ثعلب أن ~~عبد الملك بن مروان قال لعمر بن عبد العزيز - وكان قد زوج ابنته فاطمة منه ~~-: كيف نفقتك يا عمر؟ فقال: حسنة بين سيئتين. # وعن وهب بن منبه أنه قال: إذا أخذت بواحد من طرفي العود مال، فإذا أخذت ~~بوسطه اعتدل. # وقوله: {قواما} . أي: عدلا، وهو معنى ما قلناه، والقوام بالفتح من ~~الاستقامة، والقوام بالكسر ما يقيم الأمر به، كأنه ملاكه. # PageV04P031 # قوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} معلوم المعنى. # وقوله: {ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق} . الحق هو ما ثبت عن ~~النبي أنه قال: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ... " وقد بينا. # PageV04P031 # {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا (69) # وقوله: {ولا يزنون} الزنا فعل معلوم، وأما اللواط: هل هو زنا أو ليس ~~بزنا؟ فالأمر فيه على ما عرف في الفقه، وكذلك إتيان البهيمة. # وقد ثبت برواية عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قلت: يا ~~رسول الله، أي الذنب أعظم؟ فقال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: يارسول ~~الله، ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك. قلت: ثم أي يا رسول ~~الله؟ قال: أن تزنى بحلية جارك، ثم قرأ قوله: {والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر} # الآية ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو العباس الأزهري، [أخبرنا أبو ~~الحسين] أحمد بن محمد الخفاف، أخبرنا أبو العباس السراج، أخبرنا إسحاق ~~الحنظلي، أخبرنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل. . الخبر. # وذكر الكلبي: " أن وحشيا أرسل إلى النبي يطلب منه توبة لنفسه، فبعث إليه ~~بهذه الآية، فقال وحشي: إني ms1135 قد أشركت، وقتلت وزنيت، ولا أدري كيف توبتي؟ ~~فأريد آية أوسع من هذه، فأنزل الله تعالى: {إن الله لا يفغر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فبعث بالآية إلى وحشي، فقال: لا أدري، أأدخل في ~~المشيئة أولا؟ أريد آية أوسع من هذه الآية، فأنزل الله تعالى {يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} فبعث إليه بالآية، فأسلم ~~". # PageV04P032 # {إلا من تاب # قال أهل العلم: وهذا مستبعد جدا؛ لأن هذه الآية مكية، ووحشي إنما أسلم ~~بعد غزوة حنين والطائف في آخر عهد النبي، وكل هذه الآيات إنما نزلت (من ~~اسلامه عدة} . # وفي بعض التفاسير: إن هذه الآية نزلت بمكة إلى قوله: {إلا من تاب} ومكث ~~الناس سنتين، ثم نزل قوله تعالى: {إلا من تاب} . إلى آخر الآية بعد ذلك. # وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن قوله: {إلا من تاب} ينصرف إلى الشرك ~~والزنا، فأما قتل النفس فقد أنزل الله تعالى فيه: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا. ~~.} الآية قال ابن عباس: وهذه الآية مدنية، وقوله: {إلا من تاب} مكية، ~~فالحكم في القتل على هذه الآية، ولا توبة لقاتل النفس. # وأما عند غيره من أهل العلم: فالتوبة من الكل مقبولة، وقد بينا هذا من ~~قبل، وظاهر هذه الآية وهو قوله: {إلا من تاب} يدل على هذا؛ لأنه قد سبق قتل ~~النفس. # وقوله: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما} أي: جزاء الإثم، ويقال: أثاما واد في ~~جهنم، قال الشاعر: # {جزى الله ابن عروة حيث أمسى ... عقوقا والعقوق له أثام} # أي: جزاء الأثم. وقال أخر: # (لقيت المهالك في حربنا ... وبعد المهالك تلقى أثاما) # PageV04P033 # قوله تعالى: {يضاعف له العذاب يوم القيامة} أي: يستدام له العذاب، ويقال: ~~يضاعف الله العذاب، يجمع عليه عذاب الكبائر التي ارتكبها. # PageV04P033 # {وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات # وقوله: {ويخلد فيه مهانا} أي: يخلد فيه وقد أصاب الهوان والذلة، وقرئ: " ~~يضاعف " و " يخلد " بالرفع، ورفعه بالاستئناف، وقرئ: يضاعف " و " يخلد " ~~بالجزم، وجزمه على جواب ms1136 الشرط. # PageV04P034 # قوله: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا} معناه: إلا من ندم وآمن بربه، ~~وعمل عملا صالحا في المستقبل. # وقوله: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} قال الحسن البصري ومجاهد ~~وجماعة: هذا في الدنيا. ومعناه: تبديل الكفر بالإيمان، والشرك بالإخلاص، ~~والمعصية بالطاعة. # وقال سعيد بن المسيب وجماعة: هذا في الآخرة، والله تعالى يبدل سيئات ~~التائب بالحسنات في صحيفته. # وقد ورد في القول الثاني خبر صحيح عن النبي، رواه وكيع، عن الأعمش، عن ~~المعرور بن سويد، عن أبي ذر، أن النبي قال: " يؤتى بالمؤمن يوم القيامة ~~فيعرض عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، فيسأل ويعترف، وهو مشفق من ~~الكبائر، فيقول الله تعالى: أعطوه مكان كل سيئة حسنة، فيقول: يا رب، إن لي ~~ذنوبا ولا أراها هاهنا؟ فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ". أخرجه مسلم في ~~صحيحه. # وعن أبي هريرة أنه قال: يعطي المؤمن صحيفته يوم القيامة فيقرأ بعضها، ~~وإذا هي سيئات، فإذا وصل إلى الحسنات ينظر نظرة فيما قبلها، فإذا هي كلها ~~صارت حسنات. # وقد أنكر جماعة من المتقدمين أن تنقلب السيئة حسنة؛ منهم الحسن البصري ~~وغيره، وإذا ثبت الخبر عن النبي لم يبق لأحد كلام. # PageV04P034 # {وكان الله غفورا رحيما (70) ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله ~~متابا (71) والذين لا يشهدون الزور # وقد قال بعضهم: إن الله يمحو بالندم جميع السيئات، ثم يثبت مكان كل سيئة ~~حسنة. # وقوله: {وكان الله غفورا رحيما} قد بينا. # PageV04P035 # قوله تعالى: {ومن تاب وعمل صالحا} قال بعض أهل العلم: هذا في التوبة عن ~~غير ما سبق ذكره، وأما التوبة المذكورة في الآية الأولى، فهي عما سبق ذكره ~~من الكبائر. # وقال بعضهم: هذه الآية واردة أيضا في التوبة عن جميع السيئات، ومعناها ~~على وجهين: أحدهما: أن معنى الآية: ومن أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه ~~الله تعالى، ولا ينبغي أن يريد غيره، كالرجل يقول: من اتجر فليتجر في البر، ~~ومن ناظر فليناظر في الفقه، فيكون قوله: {فإنه يتوب إلى الله متابا} على ~~هذا القول خبرا بمعنى ms1137 الأمر، أي: تب إلى الله توبة، والوجه الثاني: أن معنى ~~الآية: من تاب فليعلم أن توبته إلى الله ومصيره إليه وثوابه منه، كالرجل ~~يقول لغيره: إذا كلمت الأمير فاعلم أنه أمير، وإذا كلمت أباك فاعلم أنه ~~أبوك. # PageV04P035 # قوله: {والذين لا يشهدون الزور} أي: الشرك، ومعناه: لا يشهدون شهادة ~~الشرك، ويقال: الكذب. وعن محمد بن الحنيفة: الغناء، [و] هو قول مجاهد. # (وعن بعضهم) : الغناء رقية الزنا. وقال بعض أهل السلف: الغناء ينبت ~~النفاق في القلب. وقيل: لا يشهدون الزور أي: أعياد الكفار، وقيل: النوح. # وقوله: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} أي: مروا معرضين كما يمر الكرام، ~~وقيل: أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه. قال الحسن: اللغو هو المعاصي كلها. # وقال عمرو بن قيس: مجلس الخنا. واللغو في اللغة كل ما هو باطل، ولا يفيد ~~فائدة. # PageV04P035 # {وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا ~~عليها صما وعميانا (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة ~~أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها ~~تحية وسلاما (75) # PageV04P036 # قوله تعالى: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} . # قال القتيبي معناه: لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها، وكأنهم عمى لم ~~يروها. وقال بعضهم معناه: لم يسقطوا عليها صما وعميانا، بل سمعوا وأبصروا. # PageV04P036 # قوله تعالى: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} ~~أي: أولادا، بررة أتقياء، وقرة العين تذكر عند السرور، وسخنة العين عند ~~الحزن، ويقال: دمع العين عند السرور بارد، وعند الحزن حار. وذكر الأزهري ~~أبو منصور: أن معنى قرة العين أن يصادف قلبه ما يرضاه قلبه، فتقر عينه عن ~~النظر إلى غيره، يعني: لا تنظر إلى غيره. # وعن محمد بن كعب القرظي قال: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى أهله ~~وولده أتقياء بررة. # وقوله: {واجعلنا للمتقين إمام} قال الحسن: نقتدي بالمتقين، ويقتدي بنا ~~المتقون. # واستدل بعضهم بهذا على أنه لا بأس بطلب الإمامة في الدين، ويندب إليه. # وقال بعضهم: ms1138 لا يطلب للرئاسة، ولكن يطلب للدين، ثم حينئذ يقتدي به ~~المتقون، فيصير إماما لهم على ما قال الله تعالى. # PageV04P036 # قوله: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} قال عطاء، عن ابن عباس: الغرفة من ~~الدر والزبرجد والياقوت. ويقال: هي أعلى منازل الجنة. # وقوله: {بما صبروا} عن الشهوات، وقيل: صبروا عن الدنيا، وقيل: صبروا على ~~الطاعة. # وقوله: {ويلقون فيها} وقرئ: " ويلقون " مخففا، والمعنى والمعنى واحد. # وقوله: {تحية} أي: ملكا، وقيل: بقاء [دائما] . # PageV04P036 # {خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ~~فقد كذبتم فسوف يكون إلزاما (77) # وقوله: {وسلاما} أى: يسلم بعضهم على بعض، وقال عطاء عن ابن عباس: يسلم ~~الله عليهم. وقيل: سلامة من الآفات. # PageV04P037 # قوله تعالى: {خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما} أي: مكانا يستقرون فيه. # وقوله: {ومقاما} أي: يقيمون إقامة. # PageV04P037 # قوله تعالى: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} أحسن الأقاويل فيه أن ~~معناه: ما يصنع بكم ربي لولا دعائكم أي: لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد، وهي ~~في معنى قوله تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} . قال القتيبي ~~معناه: ما يعبأ بعذابكم ربي لولا دعاؤكم أي: لولا إيمانكم، يعني: إذا آمنتم ~~لا يعذبكم. وقال بعضهم: أي قدر لكم عند ربي لولا أنه دعاكم إلى الإيمان ~~فتؤمنون، فالآن يظهر لكم قدر وخطر. # وقوله: {فقد كذبتم} قرأ ابن عباس: " فقد كذب الكافرون "، وأما المعروف: ~~{فقد كذبتم} أي: كذبتم أيها الكافرون، ومعناه: قد دعوتكم إلى الإيمان فلم ~~تؤمنوا. # وقوله: {فسوف يكون إلزاما} وعيد معناه: سوف يكون العذاب لزاما. قال ابن ~~مسعود: معنى اللزام وهو يوم بدر. وقال بعضهم: اللزام: الموت. # قال الشاعر: # (تولى عند حاجتنا أنيس ... ولم اجزع من الموت اللزام) # وقرئ في الشاذ " " لزاما " بفتح اللام، وهو في معنى الأول. # PageV04P037 # بسم الله الرحمن الرحيم # {طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ~~(3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين # تفسير سورة الشعراء # وهي مكية إلا أربع آيات في آخر السورة. # PageV04P038 # قوله تعالى: ms1139 {طسم} قال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم ~~السورة. # وعن بعضهم: أن الطاء من الطول، والسين من السناء، والميم من الملك. وقال ~~بعضهم: الطاء شجرة طوبى، والسين سدرة المنتهى، والميم محمد. ويقال: الطاء ~~من اسمه الطاهر، والسين من اسمه السلام، والميم من اسمه المجيد. # PageV04P038 # وقوله: {تلك آيات الكتاب المبين} قد بينا من قبل. # PageV04P038 # قوله تعالى: {لعلك باخع نفسك} أي: قاتل نفسك، وقيل: مهلك نفسك حزنا. # وقوله تعالى: {ألا يكونوا مؤمنين} يعني: إن لم يؤمنوا. # PageV04P038 # قوله: {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية} قال ابن جريج معناه: نريهم أمرا ~~من أمرنا، فلا يعص أحد، وقيل: إن نشأ ننزل من السماء آية فاضطروا إلى ~~الإيمان. # وقوله: {فظلت أعناقهم لها خاضعين} فيع أقوال: أحدها: خاضعين بمعنى خاضعة، ~~والقول الثاني: أن المراد من أعناق أشراف الناس وكبراؤهم، فعلى هذا معنى ~~الآية: فظل كبراؤهم وأشرافهم للآية خاضعين، والقول الثالث: أنه ذكر ~~الأعناق، والمراد منه أصحاب الأعناق، فانصرف قوله: {خاضعين} إلى المضمر في ~~الكلام. # قال الشاعر: # {رأت مر السنين أخذن منى ... كما أخذ السرار من الهلال} # PageV04P038 # ( {4) وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد ~~كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (6) أو لم يرو إلى الأرض كما ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم (8) وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين # فرجع قوله: أخذن إلى السنين، لا إلى قوله: مر السنين. # PageV04P039 # قوله تعالى: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث} أي: محدث إنزاله إلى ~~النبي، وقد بينا هذا من قبل. # وقوله: {إلا كانوا عنه معرضين} أي: عن الإيمان. # PageV04P039 # قوله تعالى: {فقد كذبوا فسيأتيهم} أي: سوف يأتيهم. # وقوله: {أنباء ما كانوا به يستهزءون} أي: عاقبة ما كانوا به يستهزءون، ~~أي: عاقبة ما كانوا يستهزءون، وهذا يدل على أن كل مكذب مستهزئ. # PageV04P039 # قوله تعالى: {أو لم يرو إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم} أي: من ~~كل ms1140 صنف حسن، والزوج مثل: الحامض والحلو، والأبيض والأسود، وما أشبهه. # وقال الشعبي: الخلق نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار ~~فهو لئيم، والعرب تقول: نخلة كريمة إذا طاب ثمرها، ورجل كريم إذا حسن فعله. # PageV04P039 # قوله تعالى: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} أي: مصدقين. # PageV04P039 # وقوله: {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} قد بينا من قبل. # PageV04P039 # قوله تعالى: {وإذ نادى ربك موسى} أي: من جانب الطور الأيمن، على ما ورد ~~به القرآن، وقال ابن جبير: من السماء. # وقوله: {أن ائت القوم الظالمين} أي: الكافرين. # PageV04P039 # وقوله: {قوم فرعون ألا يتقون} معناه: ألا يخافون. # PageV04P039 # قوله تعالى: {قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري} وقرئ: " ويضيق صدري ~~" بنصب القاف أي: أخاف أن يضيق صدري. # PageV04P039 # ( {10) قوم فرعون ألا يتقون (11) قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق ~~صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هرون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون ~~(14) قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا ~~رسول رب العالمين (16) # وقوله: {ولا ينطلق لساني} قال هذه للعقدة التي كانت على لسانه. # وقوله: {فأرسل إلى هارون} معناه: فأرسل إلى هارون مع إرسالي. # PageV04P040 # وقوله: {ولهم علي ذنب} أي: دعوى ذنب، وذلك الذنب هو قتلة القبطي. # وقوله: {فأخاف أن يقتلون} بذلك الرجل وفي القصة: أن فرعون كان يطلبه طول ~~هذه المدة ليقتله بالقبطي. # PageV04P040 # قوله تعالى: {كلا} أي: لا تخف. # وقوله تعالى: {فاذهبا بآياتنا} قد بينا تفسير الآيات من قبل. # وقوله: {إنا معكم مستمعون} ذكر بلفظ الجمع، والمراد منه اثنان، وقيل: إنا ~~معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون، وأما قوله: {مستمعون} قد بينا ~~مثل هذا فيما سبق، وذكرنا أنه قد ذكر نفسه بلفظ الجماعة في مواضع على طريق ~~التفخيم والتعظيم. # PageV04P040 # وقوله تعالى: {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} فإن قيل: كيف لم ~~يقل: إنا رسولا رب العالمين؟ والجواب: أن معنى الرسول هاهنا هو الرسالة. # قال الشاعر: # (لقد كذب الواشون ما فهمت عندهم ... بسوء ولا أرسلتهم برسول) # أي: برسالة، ms1141 فعلى هذا معنى الآية: فقولا إنا ذو رسالة رب العالمين، ~~ويقال: إن قوله: {رسول رب العالمين} رسولا رب العالمين، واحد بمعنى ~~الاثنين. # PageV04P040 # وقوله: {أن أرسل معنا بني إسرائيل} أي: أرسلهم معنا إلى الشام، وكان قد ~~استعبدهم، واستسخرهم في أنواع الأعمال، وقد بينا. # PageV04P040 # وقوله: {قال ألم نربك فينا وليدا} في الآية حذف؛ وهو أنه ذهب وجاء إلى # PageV04P040 # {أن أرسل معنا بني إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من ~~عمرك سنين (18) وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) قال فعلتها ~~إذا فرعون، ودعاه إلى الله، فأجابه بهذا، وفي القصة: أن موسى رجع إلى مصر ~~وعليه جبة صوف، وفي يده عصاه، والمكتل معلق برأس العصا فيه زاده، فروى أنه ~~جاء ودخل دار نفسه، وطلب هارون، وقال له: إن الله أرسلني إلى فرعون، وأرسلك ~~أيضا إليه حتى ندعو فرعون إلى الله تعالى. # فخرجت أمهما وصاحت، وقالت: إن فرعون يطلبك ليقتلك، فلو ذهبتما إليه ~~قتلكما، فلم يلتفت موسى إلى قولها، وذهبا إلى باب فرعون ليلا، ودقا الباب، ~~ففزع البوابون، وقالوا: من بالباب؟ وروى أنه اطلع البواب عليهما، فقال ~~لهما: من أنتما؟ فقال موسى: أنا رسول رب العالمين، فذهب البواب إلى فرعون، ~~وقال: إن مجنونا بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين، فترك حتى أصبح ثم دعاه. ~~وفي بعض القصص: أنهما مكثا سنة لا يصلان إليه، ثم وصلا. # وقوله: {قال ألم نربك فينا وليد} في القصة: أن موسى لما دخل عليه، ونظر ~~إليه فرعون عرفة، فقال: ألم نربك فينا وليدا أي: صغيرا. # وقوله: {ولبثت فينا من عمرك سنين} أي: ثمان عشرة سنة، وقال بعضهم: ثلاثين ~~سنة. # PageV04P041 # وقوله: {وفعلت فعلتك التي فعلت} أي: قتلت الرجل، وهو الذي كان وكزه ~~فقتله، وقرىء في الشاذ: " فعلتك " بكسر الفاء، وقوله: {وأنت من الكافرين} ~~أي: الكافرين لنعمتي، قال الشاعر: # (والكفر (مخبثة) لنفس المنعم ... ) # PageV04P041 # قوله تعالى: {قال فعلتها إذا} أي: فعلت ما فعلت حينئذ {وأنا من الضالين} ~~أي: من الجاهلين. وقيل: من الناسين. # PageV04P041 # قوله تعالى: {ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ms1142 ربي حكما} أي: النبوة والعلم. # PageV04P041 # {وأنا من الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من ~~المرسلين (21) وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22) } # وقوله: {وجعلني من المرسلين} ظاهر المعنى. # PageV04P042 # وقوله تعالى: {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل} فيه أقوال: ~~أحدها: أن ألف الاستفهام محذوفة، ومعناه: أو تلك نعمة تمنها على؟ قال ~~الشاعر: # (تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا يضيرك لو تنتظر) # أي: أتروح من الحي أم تبتكر. # والقول الثاني معناه: وتلك نعمة أي: التربية نعمة تمنها على أن تعتد بها ~~على، وقوله: {أن عبدت بني إسرائيل} أي: استعبدت بني إسرائيل، وعاملتهم من ~~المعاملات القبيحة. # والقول الثالث: وتلك نعمة تمنها على بالتربية، وقوله: {أن عبدت بني ~~إسرائيل} يعني: باستعبادك بني إسرائيل ربيتني وكفلتني، ومعناه: لولا أنك ~~استعبدت بني إسرائيل ما وقعت إليك، (وما) ربيتني؛ فإنه قد كان لي من ~~يربيني، وحقيقة المعنى دفع متنه. # PageV04P042 # قوله تعالى: {قال فرعون وما رب العالمين} وفي بعض الأخبار عن النبي: أن ~~جبريل - عليه السلام - قال: " كنت واقفا عند ربي حين قال فرعون هذا، فنشرت ~~جناحي وتهيأت لعذابه إذا أمرني الرب، فقال: يا جبريل، إنما يعجل من يخاف ~~الفوت ". والخبر غريب. # واعلم أن سؤال المائية - ولا يجوز على الله - وإنما هذا من أوصاف ~~المخلوقين؛ والدليل عليه أن موسى لم يجب سؤال المائية، فلم يقل: ربي لونه ~~كذا، وهو # PageV04P042 # {قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السموات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تسمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم ~~الأولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب المشرق من ~~كذا، وريحه كذا، ولكن أجاب بذكر أفعاله الدالة عليه، فقال: {رب السموات ~~والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} . # واعلم أن سؤال المائية سؤال عن جنس الشيء، والله تعالى منزه عن الجنسية، ~~ويقال: إن جواب موسى عن معنى السؤال، لا عن عين السؤال؛ كان معنى السؤال: ~~ومن رب العالمين؟ قال: رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. ms1143 # ومعنى قوله: {إن كنتم موقنين} هاهنا أنكم كما توقنون الأشياء التي ~~[تعاينونها] ، فأيقنوا أن إله الخلق هو الله تعالى. # PageV04P043 # قوله تعالى: {قال لمن حوله ألا تسمعون} يعنى: لا تستمعون، وقال فرعون هذا ~~على استبعاد جواب موسى - عليه السلام - وقد كان أولئك القوم يعتقدون أن ~~آلهتهم ملوكهم، فزاد موسى - عليه السلام - في البيان فقال: {ربكم ورب ~~آبائكم الأولين} . # PageV04P043 # قوله تعالى: {قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} وقد كان عندهم أن من ~~لا يعتقد ما يعتقدون فليس بعاقل، فزاد موسى في البيان فقال: {رب المشرق ~~والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} فأجاب فرعون، وقال: {لئن اتخذت إلها ~~غيري لأجعلنك من المسجونين} # وفي القصة: أن سجنه كان أشد من القتل، فإنه كان يحبس الرجل وحده في موضع ~~لا يسمع شيئا ولا يبصر شيئا، ويهوى في الأرض، فأجاب موسى، وقال: {أو لو ~~جئتكم بشيء مبين} أي: تحبسني وإن جئتك بشيء مبين أي: بآية بينة. # PageV04P043 # قوله تعالى: {قال فأت به أن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان ~~مبين} والثعبان الذكر من الحيات العظيم منها، فإن قيل: أليس قد قال في موضع ~~آخر: # PageV04P043 # {والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين (29) قال أو لو جئتك بشيء مبين (30) قال فأت به إن ~~كنت من الصادقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) ونزع يده فإذا هي ~~بيضاء # {كأنها جان} والجان الحية الصغيرة؟ والجواب عنه: أن معنى الجان أنها ~~كالحية الصغيرة في اهتزازها وصفة حركتها، وهي في نفسها حية عظيمة. # وذكر السدي وغيره: أن العصا صارت حية صفراء سعراء كأعظم ما يكون من ~~الحيات. # وفي القصة: أنها ارتفعت من الأرض بقدر ميل، فغرت فاها، وقامت على ذنبها، ~~وجعلت تتملظ في وجه فرعون. # وروى أنها أخذت قبة فرعون بين نابها، وصاح فرعون، قول: يا موسى، أنشدك ~~بالذي أرسلك. # وقوله: (مبين) أي: يبين الثعبان أنه حجة عظيمة. # PageV04P044 # قوله تعالى: {ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} قد بينا. # PageV04P044 # وقوله: {قال للملأ حوله إن ms1144 هذا لساحر عليم} أي: عالم حاذق. # PageV04P044 # قوله: {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره} فإن قال قائل: إنما أراد موسى أن ~~يخرج بني إسرائيل [لا] أن يخرج فرعون وقومه، والجواب عنه: أنهم كانوا قد ~~اتخذوا بني إسرائيل عبيدا وخولا، فلما أراد موسى إخراج بني إسرائيل، فكأنه ~~أراد إخراجهم. # وقوله: {فماذا تأمرون} أي: ماذا تشيرون. # PageV04P044 # قوله تعالى: (أرجه وأخاه) أي: أخر أمره وأمر أخيه، ومعناه: لا يتم فصل ~~الأمر حتى تظهر لك الحجة عليه. # وقوله: {وابعث في المدائن حاشرين} قد بينا. # PageV04P044 # {للناظرين (33) قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم (34) يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين ~~(36) يأتوك بكل سحار عليم (37) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) وقيل ~~للناس هل أنتم مجتمعون (39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) ~~فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين} # PageV04P045 # وقوله: {يأتوك بكل سحار عليم} أي: ساحر حاذق، وفي القصة: أنه كان يجري ~~الرزق للسحرة، وقد جمع من السحرة ستة آلاف ساحر، وقيل: اثني عشر ألفا. # PageV04P045 # وقوله: {فجمع السحرة لميقات يوم معلوم} وهو يوم الزينة على ما بينا من ~~قبل. # PageV04P045 # وقوله: {وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم ~~الغالبين} معلوم المعنى. # PageV04P045 # قوله تعالى: {فلما جاء السحرة} يعني لموسى {قالوا لفرعون أئن لنا الأجر ~~أن كنا نحن الغالبين} . # PageV04P045 # قوله: {قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين} أي: في المنزلة، وفي القصة أن ~~موسى قال لكبير السحرة: أتؤمن بي إن غلبتكم؟ قال له كبير السحرة: إن كنت ~~ساحرا، فلأغلبنك، وإن غلبتني لأؤمنن بك. # PageV04P045 # قوله تعالى: {قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون} . # وقوله: {فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون} أي: بعز فرعون وملكه ~~{إنا لنحن الغالبون} . # PageV04P045 # وقوله: {فألقى موسى عصاه} في القصة: أن جميع الأرض ميلا في ميل صارت حيات ~~وأفاعي في رؤية الناس، فلما ألقى موسى العصا صارت ثعبانا، وجعلت تعظم على ~~قدر حبالهم وعصيهم، ثم جعل يلتقط ويلتقم (واحدا واحدا) حتى أكل ms1145 الكل، ثم أن ~~موسى أخذ بذنبه فصار عصا كما كان، فتحيرت السحرة عند ذلك، # PageV04P045 # {قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ~~(43) فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) فألقى ~~موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقي السحرة ساجدين (46) قالوا ~~آمنا برب العالمين (47) رب موسى وهارون (48) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ~~أنه فقالوا: إن كان هذا سحر فأين ذهبت عصينا وحبالنا؟ ! وتيقنوا أن الذي ~~جاء به موسى أمر من عند الله، فوقعوا سجدا وآمنوا، فهو قوله تعالى: {فألقى ~~السحرة ساجدين} . # PageV04P046 # وقوله: {فألقى السحرة ساجدين} يجوز أن يكون معناه: وقعوا ساجدين، ويجوز ~~أن يكون معناه: ألقاهم الحق الذي رأوه (ساجدين. # PageV04P046 # قوله تعالى: {قالوا آمنا برب العالمين} في القصة: أنهم) لما قالوا هكذا، ~~قال فرعون: أنا رب العالمين، فقال السحرة: {رب موسى وهارون} . # PageV04P046 # وقوله: {قال آمنتم له قبل أن آذان لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~فلسوف تعلمون} يعني: سوف تعلمون عاقبة أمركم. # وقوله: {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين} قد بينا معناه. # PageV04P046 # قوله تعالى: {قالوا لا ضير} أي: لا ضرر ولا مكروه. # قال الشاعر: # (وإنك لا يضورك بعد حول ... أظبي كان أمك أم حمار) # وقوله: {إنا إلى ربنا منقلبون} أي: راجعون. # PageV04P046 # قوله تعالى: {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا} أي: ذنوبنا. # {أن كنا أول المؤمنين} قال الفراء: أول المؤمنين من أهل زماننا، وقال ~~الزجاج: هذا ضعيف؛ لأن بني إسرائيل كانوا قد آمنوا بموسى قبلهم، وإنما ~~معناه: أن كنا أول المؤمنين عند ظهور هذه الحجة، ويجوز أن يكون معناه: أن ~~كنا أول المؤمنين من قوم فرعون. # PageV04P046 # {لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم أجمعين (49) قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا نطمع أن ~~يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين (51) وأوحينا إلى موسى أن أسر ~~بعبادي # PageV04P047 # قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي} ذكر " أسر "؛ لأنهم ساروا ~~ليلا. # وقوله: {إنكم متبعون} يعني: ms1146 يتبعكم فرعون وقومه، وعن عمرو بن ميمون قال: ~~لما بلغ فرعون أن موسى وقومه قد ساروا، قال لقومه: إذا صاح الديك فاركبوا، ~~فلم يصح ديك في تلك الليلة، حتى بعد موسى وقومه، فلما أصبح دعا بشاة، وأمر ~~بذبحها، ثم قال: لا تسلخ هذه الشاة إلا وقد اجتمع خمسمائة ألف مقاتل، قال: ~~فلم يفرغ السلاخ عن السلخ إلا وقد كان اجتمع خمسمائة ألف مقاتل عددا. # وذكر غيره: أن الملائكة دخلوا بيوت القبط وقتلوا أبكارهم، فاشتغلوا صبيحة ~~ذلك اليوم بدفن الأبكار. # PageV04P047 # قوله تعالى: {فأرسل فرعون في المدائن حاشرين} يعني: أرسل الشرط المدائن ~~حتى حشروا الناس. وفي التفاسير: أنه كان ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية. # PageV04P047 # وقوله: {إن هؤلاء لشرذمة قليلون} أي: لجماعة قليلة، وأنشدوا في الشرذمة: # (جاء الشتاء وقميصي أخلاق ... شراذم يضحك مني النواق) # وأنشدوا في قوله: {قليلون} : # {فرد قواصي الأحياء منهم ... فقد رجعوا كحى واحدينا} # أي: كحى واحد. # وعن عبد الله بن مسعود: أن موسى كان في ستمائة ألف وسبعين ألفا، فسماهم ~~فرعون شرذمة لكثرة قومه. # وروى أن هامان كان على مقدمته في ألف ألف، وروى أن فرعون كان في سبعة ~~آلاف ألف وروى أنه كان بين يديه مائة ألف ناشب ومائة ألف أصحاب الحراب، ~~ومائة # PageV04P047 # {إنكم متبعون (52) فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة ~~قليلون (54) وإنهم لنا لغائظون (55) وإنا لجميع حاذرون (56) ألف أصحاب ~~الأعمدة. # PageV04P048 # وقوله: {وإنهم لنا لغائظون} يعني: أنهم غاظونا وأغضبونا، وكان غيظه منهم ~~بخروجهم من غير أمره، واستعارتهم الحلي من قومه ومضيهم بها. # PageV04P048 # وقوله: {وإنا لجميع حاذرون} وقرئ: " حذرون " فالحذر هو المتيقظ، والحاذر ~~المستعد. # قال الشاعر: # (وكتب عليه احذر الموت ... وحده فلم يبق حاذر) # وقرأ ابن أبي عامر: " وإنا لجميع حاذرون) بالدال غير المعجمة. ويقال: ~~بعير حادر إذا كان ممتلئا من اللحم، عظيم الجثة، وقيل: {إنا لجميع حاذرون} ~~أي: مؤدون، ومعنى مؤدون أي: معناه الأداة والسلاح. # PageV04P048 # قوله تعالى: {فأخرجناهم من جنات وعيون} في القصة: أن البساتين كانت ممتدة ~~على حافتي النيل من أعلاه إلى آخره، وعن عبد ms1147 الله بن عمرو بن العاص قال: ~~سيد الأنهار هو النيل، فإذا أجراه الله تعالى أمده من جميع الأنهار، وفجر ~~له ينابيع الأرض، فإذا تم إجراؤه رجع كل ماء إلى عنصره. # PageV04P048 # وقوله: {وكنوز} أي: كنوز الأموال، وفي بعض القصص: أنه كان لفرعون ~~ثمانمائة ألف غلام، كل غلام على فرس من عتيق، في عنق كل فرس طوق من ذهب. # وقوله: {ومقام كريم} أي: منازل حسان، وقد قيل: إن المقام الكريم هو ~~المنابر، وكان بمصر ألف منبر في ذلك الوقت، وقيل: {ومقام كريم} أي: مجلس ~~الأشراف، وذكر بعضهم: أنه كان إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة ~~كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف، عليهم أقبية الديباج مخوصة بالذهب. # PageV04P048 # وقوله: {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} . وروى أن بني إسرائيل عادوا إلى ~~مصر # PageV04P048 # {فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) وأقاموا فيها، فهو ~~معنى قوله: {وأورثناها بني إسرائيل} . # PageV04P049 # وقوله: (فأتبعوهم مشرقين) أي: عند شروق الشمس، وشروقها طلوعها، وروى أبو ~~بردة [عن] أبي موسى الأشعري " أن النبي نزل على أعرابي في سفر، فأحسن ~~الأعرابي ضيافته، فلما ارتحل من عنده، قال للأعرابي: لو أتيتنا أكرمناك، ~~فجاءه الأعرابي بعد ذلك، فقال له النبي: ما حاجتك؟ فقال: ناقة برحلها وأخرى ~~أحتلبها، فأمر له النبي بذلك، ثم قال: أيعجز أحدكم أن يكون كعجوز بني ~~إسرائيل؟ فسئل عن ذلك، فقال: لما خرج موسى ببني إسرائيل من مصر ضلوا ~~الطريق، وفي بعض الأخبار: أن القمر خسف، والشمس كسفت، ووقع الناس في ظلمة ~~عظيمة، وتحير موسى، فقال له علماء بني إسرائيل: إن يوسف - عليه السلام - ~~أوصى أن بني إسرائيل إذا خرجوا من مصر فلينقلوا عظامه معهم، فعلم موسى انهم ~~ضلوا الطريق لذلك، فقال لهم: ومن يعرف موضع عظامه؟ فقالوا: لا يعرفه سوى ~~عجوز من بني إسرائيل، فدعا بالعجوز وسألها عن موضع العظام، فقالت: لا حتى ~~تقضي حاجتي، فقال: ما حاجتك؟ قالت: حاجتي أن أكون معك في الجنة أي: في ~~درجتك، فكره موسى ذلك، فنزل الوحي أن أعطها ذلك، فأعطاها، ثم إنها دلت على ms1148 ~~قبر يوسف، فحمل موسى عظام يوسف وانجلت الظلمة ". # PageV04P049 # {كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) فأتبعوهم مشرقين (60) فلما تراءى ~~الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) # PageV04P050 # قوله تعالى: {فلما تراءى الجمعان} أي: التقى الجمعان، ومعنى التلاقي هو ~~أنه رأى هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء. # وقوله: {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} بالتشديد، والمعنى ما بينا. # PageV04P050 # قوله تعالى: {قال كلا} أي: ارتدعوا عن هذا القول ولا تقولوه، فإنهم لا ~~يدركونكم. # وقوله: {إن معي ربي سيهدين} معناه: إن معي ربي بالحفظ والنصرة. # وقوله: {سيهدين} أي: يدلني على طريق النجاة، والهداية هي الدلالة على ~~طريق النجاة. # PageV04P050 # قوله تعالى: {فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر} في القصة: أن مؤمن ~~آل فرعون كان قدام بني إسرائيل، فقال لموسى: يا نبي الله، أين أمرك ربك؟ ~~فقال: أمامك. قال: يا نبي الله، أمامي البحر؟ {} قال موسى: والله ما كذبت ~~ولا كذبت. وروى أن يوشع بن نون قال لموسى: يا نبي الله، أين أمرك ربك؟ قال: ~~البحر. قال: أقتحمه؟ قال: نعم، فاقتحم البحر ومر، فلما جاء بنو إسرائيل ~~واقتحموا انغمسوا في البحر، وأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر. وروى ~~أن موسى اقتحم البحر فرده التيار، فقال للبحر: انفرق، فلم ينفرق، فأمر الله ~~تعالى أن يضربه بالعصا فضربه للمرة الأولى، فأط البحر، ثم ضربه الثانية ~~فأط، ثم ضربه الثالثة فانفرق، وهو معنى قوله تعالى: {فانفلق} . # وقوله: {فكان كل فرق} أي: فلق، والفرق والفلق واحد. # وقوله: {كالطود العظيم} أي: الجبل العظيم، قال الشاعر: # (حلوا بأبقرة تسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد) # والرواية أن ماء البحر (تراكب) بعضه على بعض حتى صار كالجبل، وظهر اثنا ~~عشر طريقا، وضربتها الريح حتى جفت، ومر كل سبط في طريق، فقالوا: لا نرى # PageV04P050 # {قال كلا إن معي ربي سيهيدين (62) فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم الآخرين (64) إخواننا، ~~ولعل إخواننا قد غرقوا، فضرب الله لهم كوى - جمع كوة - على الماء حتى نظر ~~بعضهم إلى بعض، وجعلوا يتحدثون. # PageV04P051 # قوله تعالى: ms1149 {وأزلفنا ثم الآخرين} أزلفنا أي: قربنا، قال الشاعر: # (فكل يوم مضى أو ليلة سلفت ... فيها النفوس إلى الآجال تزدلف) # وقال آخر: # (طي الليالي زلفا فزلفا ... سماوة الهلال حتى احقوقفا) . # وقال أبو عبيدة: أزلفنا أي: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة أي: ليلة الجمع، ~~وقرأ أبي بن كعب: " وأزلفناهم الآخرين " أي: أوقعناهم في موقع زلف، وفي ~~القصة: أن جبريل كان بين بني إسرائيل وبين فرعون وقومه، وكان يسوق بني ~~إسرائيل، فيقولون: ما رأينا سائقا أحسن سياقة من هذا الرجل، وكان يزرع قوم ~~فرعون، فكانوا يقولون: ما رأينا وازعا أحسن زعة من هذا. وعن الحسن البصري ~~قال: لابد للناس من وزعة أي: سلطان يكفهم حصان. # وقد بينا أن جبريل كان على فرس أنثى وديق وفرعون على حصان، فدخل جبريل ~~عليه السلام البحر، وأتبعه فرعون لا يملك نفسه، فلما دخل جمعيهم البحر، ~~وأراد أولهم أن يخرج، وكان بين طرفي البحر [أربعة] فراسخ، وهذا هو بحر ~~القلزم، طرف من بحر فارس، فلما اجتمعوا في البحر جميعا، ودخل آخرهم، وأراد ~~أولهم أن يخرج، أطبق البحر عليهم. # وعن سعيد بن جبير: أن البحر كان ساكنا قبل ذلك، فلما ضربه موسى بالعصا ~~اضطرب، فجعل يمد ويجزر. # PageV04P051 # قوله تعالى: {وأنجينا موسى ومن معه اجمعين ثم أغرقنا الآخرين} ظاهر ~~المعنى، # PageV04P051 # {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) والإغراق إهلاك بغمر الماء. # PageV04P052 # قوله تعالى: {إن في ذلك لآية} أي: لعبرة. # وقوله: (وما كان أكثرهم مؤمنين) أي: بمصدقين، والمارد به قوم فرعون، وروى ~~أنه لم يؤمن [من] قوم فرعون إلا [أسية] امرأته [وحزقيل] ، وماشطة بنت ~~فرعون، والعجوز التي دلت على عظام يوسف. # PageV04P052 # وقوله تعالى: {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} العزيز هو القادر الذي لا ~~يمكنه معازته أي: مغالبته، والله تعالى عزيز، وهو في وصف عزته رحيم. # PageV04P052 # قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون} ~~معناه: أي شيء تعبدون؟ ! . # PageV04P052 # قوله تعالى: {قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} أي: فنقيم على عبادتها، ~~يقال: ظل فلان يفعل كذا أي: أقام عليه يفعله بالنهار. # PageV04P052 # وقوله ms1150 تعالى: {قال هل يسمعونكم} معناه: هل يسمعون صوتكم ودعاءكم؟ وقرئ في ~~الشاذ: " هل يسمعونكم " برفع الياء. # PageV04P052 # وقوله: {أو ينفعوكم} أي: بالرزق. # وقوله: {أو يضرون} أي: يضرونكم إن تركتم عبادتها. # PageV04P052 # قوله تعالى: {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} معناه: أنها لا تسمع ~~أقوالنا، ولا تجلب إلينا نفعا، ولا تدفع عنا ضرا، لكن اقتدينا بآبائنا، ~~واستدل أهل العلم بهذا على أن التقليد لا يجوز. # PageV04P052 # قوله: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآبائكم الأقدمون} أي: الأولون. # PageV04P052 # وقوله: {فإنهم عدو لي} أي: أعداء لي. # PageV04P052 # {ثم أغرقنا الآخرين (66) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم (68) واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه ~~وقومه ما تعبدون (70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل ~~يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ينفعوكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا ~~كذلك يفعلون (74) قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون ~~(76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي ~~هو يطمعني # قوله: {إلا رب العالمين} اختلف القول فيه: فأحد القولين: أنهم كانوا ~~يعبدون الأصنام مع الله تعالى، فقال إبراهيم: كل من تعبدون أعداء لي إلا رب ~~العالمين، والقول الثاني: أن هذا استثناء منقطع، كأنه قال: فإنهم عدو لي، ~~لكن رب العالمين وليي، فإن قيل: كيف تكون الأصنام أعداء له وهي جمادات، ~~والعداوة لا توجد إلا من حي عاقل؟ # والجواب عنه: قالوا: إن هذا من المقلوب ومعناه: فإني عدو لهم، ويجوز أن ~~يكون معناه: فإنهم عدو لي أي: لا أتوهم، ولا اطلب من جهتهم نفعا، كما لا ~~يتولى العدو ولا يطلب من جهته النفع. # PageV04P053 # قوله تعالى: {الذي خلقني فهو يهدين} أي: يرشدني إلى طريق النجاة. # PageV04P053 # وقوله: {والذي هو يطعمني ويسقين} أي: يغدى لي بالطعام والشراب، وحقيقة ~~المعنى: أن طعامي وشرابي من جهته، ورزقي من قبله، وقد قال بعض أصحاب ~~الخواطر: يطعمني طعام المودة، ويسقني بكأس المحبة، وقيل: يطعمني ذوق ~~الإيمان، ويسقيني بقبول الطاعة. # PageV04P053 # وقوله: {وإذا مرضت فهو يشفين} ذكر إبراهيم - عليه السلام - هذا؛ لأنهم ms1151 ~~كانوا يرون المرض من الأغذية، والشفاء من الأدوية، وقوله: {وإذا مرضت} هو ~~استعمال أدب، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين، وقال ~~بعض أصحاب الخواطر: وإذا مرضت بالخوف؛ يشفيني بالرجاء، وقيل: إذا مرضت ~~بالطمع؛ يشفيني بالقناعة. # PageV04P053 # {ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) والذي ~~أطمع أن يفغر لي خطيئتي يوم الدين (82) رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين ~~(83) واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) # PageV04P054 # وقوله: {والذي يميتني} يعني: يميتني في الدنيا، [و] يحييني في الآخرة. ~~وقال بعض أصحاب الخواطر: يميتني برؤية الخلق، ويحييني بشهادة الحق، وقيل: ~~يميتني بالمعصية ويحييني بالطاعة. # PageV04P054 # وقوله: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} أي: أرجو أن يغفر لي ~~خطاياي، وخطاياه ما ذكرنا من كذباته الثلاث، واعلم أن الأنبياء معصومون من ~~الكبائر، فأما الخطايا والصغائر تجوز عليهم. # وقوله: {يوم الدين} أي: يوم الحساب، وذكر مسلم في الصحيح براوية عائشة " ~~أنها قالت: يا رسول الله، إن عبد الله بن جدعان كان يقري الضيف، ويحمل ~~الكل، وذكرت أشياء من أعمال الخير، أهو في الجنة أم في النار؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام: " هو في النار، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين ". # PageV04P054 # قوله تعالى: {رب هب لي حكما} أي: العلم والفهم، وقيل: إصابة الحق. # وقوله: {وألحقني بالصالحين} أي: من الأنبياء والمرسلين. # PageV04P054 # وقوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي: ثناء حسنا إلى قيام الساعة، ~~ويقال: إن المراد منه تولي جميع أهل الأديان له، وقبول كل الناس إياه، ~~ويقال: إن معناه: اجعل في ذريتي من يقوم بالحق إلى قيام الساعة. # PageV04P054 # وقوله: {واجعلني من ورثة جنة النعيم} أي: ممن تعطيه جنة النعيم. # PageV04P054 # {واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) ولا تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ~~ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) وأزلفت الجنة ~~للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون (92) ~~من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هو والغاوون (94) ~~وجنود إبليس ms1152 # PageV04P055 # وقوله: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} قال أهل العلم: هذا قبل أن يتبرأ ~~منه، ويستقين أنه عدو لله، على ما ذكرناه في سورة التوبة، وقال بعضهم: ~~واغفر لأبي أي: جنايته على، كأنه أسقط حقه وعفا عنه. # وعن الحسن البصري: أن إبراهيم - عليه السلام - يتعلق بأبيه يوم القيامة، ~~ويقول: اللهم اغفر له، وأنجز لي ما وعدتني، فيحول الله صورة أبيه إلى صورة ~~ذبح، هو ضبيع قبيح، فإذا رآه إبراهيم تركه، وقال: ليس هذا بأبي. # PageV04P055 # وقوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} أي: لا تفضحني، وذلك بأن لا يغفر خطيئته، ~~وكل من لم يغفر له الله فقد أخزاه. # PageV04P055 # وقوله {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} قال أكثر ~~أهل العلم: سليم من الشرك، فإن الآدمي لا يخلو من ذنب، وقيل: مخلص، وقيل: ~~ناصح، وقيل: قلب فيه لا إله إلا الله. # PageV04P055 # وقوله: {وأزلفت الجنة للمتقين} أي: قربت، وقد ثبت عن النبي أنه قال: " ~~الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك ". # PageV04P055 # وقوله: {وبرزت الجحيم} أي: أظهرت الجحيم. # {للغاوين} أي: للكافرين، والغاوي من وقع في خيبة لا رجاء فيها. # PageV04P055 # قوله تعالى: {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم} أي: ~~يمنعون العذاب عنكم. # PageV04P055 # {أجمعون (95) قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلال مبين ~~(97) إذ نسويكم برب العالمين (98) وما أضلنا إلا المجرمون (99) فما لنا من ~~شافعين (100) ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) ~~إن في ذلك لآية وما # وقوله: {أو ينصرون} أي: يمتنعون. # PageV04P056 # وقوله: {فكبكبوا فيها هم} قال القتيبي: طرح بعضهم على بعض. وقيل: دهوروا، ~~ودهدهوا، ودهدوا، وقيل: نكسوا فيها، ويقال: كان في الأصل كببوا، فأدخلت ~~الكاف فيه فصار كبكبوا. # وقوله: {هو الغاوون} أي: الشياطين معهم، ويقال: من اتبعوهم في الشرك. # PageV04P056 # وقوله: {وجنود إبليس أجمعون} أي: ذريته. # PageV04P056 # قوله تعالى: {قالوا وهم فيها يختصمون} أي: يجادل بعضهم بعضا. # PageV04P056 # وقوله: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} أي: في خطأ بين. # PageV04P056 # وقوله: {إذ نسويكم برب ms1153 العالمين} هذا قولهم للأصنام ومعناه: نعدلكم برب ~~العالمين. # PageV04P056 # وقوله: {وما أضلنا إلا المجرمون} أي: القادة، ويقال: إبليس وابن آدم ~~الكافر، وهو قابيل. # PageV04P056 # وقوله: {فما لنا من شافعين} في الأخبار: أن المؤمنين يشفعون للمذنبين، ~~وكذلك الملائكة والأنبياء. # PageV04P056 # وقوله: {ولا صديق حميم} أي: صديق خاص، وقيل: صديق قريب، وسمى حميما؛ لأنه ~~يحم لك ويغضب لأجلك، وعن الحسن البصري قال: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، ~~فإن لهم شفاعة يوم القيامة. والصديق هو الصادق في المودة على شرط الدين، ~~وفي بعض الأخبار عن النبي برواية جابر: " أن المؤمن يدخل الجنة ويقول: أين ~~صديقي فلان؟ فيقال: هو في النار بذنبه، فيشفع له فيخرجه الله من النار # PageV04P056 # {كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104) كذبت قوم نوح ~~المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح إلا تتقون (106) إني لكم رسول أمين ~~(107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسألكم عليه من اجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين بشفاعته ". # PageV04P057 # وقوله: {فلو أن لنا كرة} أي: رجعة. # وقوله: {فنكون من المؤمنين} وإذا كنا مؤمنين فيكون لنا شفعاء أيضا كما ~~للمؤمنين شفعاء. # PageV04P057 # وقوله: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم} قد بينا معنى الكل. # PageV04P057 # قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال ابن عباس: نوح أول رسول أرسل ~~الله تعالى وهذا محمول على أنه أول رسول أرسله الله تعالى بعد آدم - صلوات ~~الله عليه - وهو صاحب شريعة، وإنما ذكر المرسلين؛ لأن من كذب رسولا فقد كذب ~~جميع الرسل. # PageV04P057 # وقوله: {إذ قال لهم أخوهم نوح} يعنيك أنه أخوهم في النسب. # وقوله: {ألا تتقون} أي: ألا تتقوا الله. # PageV04P057 # وقوله: {إني لكم رسول أمين} أي: أمين فيما بينكم وبين الله تعالى، وفي ~~بعض التفاسير: أن نوحا كان يسمى الأمين قبل أن يبعثه الله. # PageV04P057 # وقوله: {فاتقوا الله وأطيعون} أي: اتقوا الله بترك الشرك، وأطيعون فيما ~~آمركم [به] . # PageV04P057 # وقوله: {وما أسألكم عليه من أجر} أي: من جعل. # وقوله: {إن أجري إلا على رب العالمين} أي: ثوابي، قال أهل العلم: ولا ~~يجوز # PageV04P057 # ( {109) فاتقوا الله ms1154 وأطيعون (110) قالوا نؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) ~~قال وما علمي بما كانوا يعلمون (112) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ~~(113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن ~~لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين (116) قال رب إن قومي كذبون (117) ~~فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه ~~في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا للنبي أن يأخذ جعلا على النبوة؛ لأنه ~~يؤدي إلى تنفير الناس عن قبول الإيمان، ويجوز أن يأخذ الهدية؛ لأنه لا يؤدي ~~إلى التنفير. # PageV04P058 # وقوله: {فاتقوا الله وأطيعون} أعاده تأكيدا. # PageV04P058 # قوله تعالى: {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} في التفسير: أنهم الحاكة، ~~والحجامون، والأساكفة ومن أشبههم، وقيل: إنهم أسافل الناس. # PageV04P058 # قوله تعالى: {وما علمي بما كانوا يعملون} قال الزجاج: الصناعات لا تؤثر ~~في الديانات، ومعنى قول نوح أنه لا علم لي بصناعتهم، وإنما أمرت أن أدعوهم ~~إلى الله، فمن أجاب قبلته فهذا معنى # PageV04P058 # قوله: {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا ~~إلا نذير مبين} . # وقوله: {إن حسابهم} أي: أعمالهم {إلا على ربي لو تشعرون} أي: لو تعلمون. # PageV04P058 # قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن منم المرجومين} أي: ~~المقتولين بالحجارة، وقال السدي وغيره: من المشتومين. # PageV04P058 # قوله تعالى: {قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا} . # أي: اقض بيني وبينهم بقضائك. تقول العرب: أحاكمك إلى الفتاح أي: إلى ~~القاضي، قال الشاعر: # (ألا أبلغ بني حكم رسولا ... بأني عن فتاحتهم غني) # PageV04P058 # {بعد الباقين (120) إن في ذلك للآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم (122) كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا ~~تتقون (124) إني لكم رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) أتبنون بكل ريع آية تعبثون ~~(128) وتتخذون مصانع # وقوله: {ونجني ومن معي من المؤمنين} قد بينا عدد من كان معه من المؤمنين. # PageV04P059 # قوله تعالى: {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} أي: الموفر المملوء، ~~وقد ms1155 بينا صفة الفلك ومن كان فيه. # PageV04P059 # وقوله: {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي: بعد إنجائه أغرقنا الباقين أي: من ~~بقي من قومه. # PageV04P059 # وقوله: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} ظاهر المعنى إلى قوله: ~~{كذبت عاد المرسلين} . # PageV04P059 # وقوله: {إذ قال لهم أخوهم هود} أي: أخوهم في النسب. # وقوله: {ألا تتقون} قد بينا إلى قوله: {إن أجري إلا على رب العالمين} . # PageV04P059 # قوله تعالى: {أتبنون بكل ريع} في الريع قولان: أحدهما: أنه المكان ~~المرتفع، والآخر: أنه الطريق الواسع بين الجبلين. # وقوله: {آية} أي: علامة، وقيل: بنيانا. # وفي القصة: أنهم كانوا يبنون على المواضع المرتفعة ليظهروا قوتهم ~~ويتفاخروا به عن الناس، وعن مجاهد: أن معنى الآية: برج الحمام، وفي القصة: ~~أن قوم فرعون كانوا يلعبون بالحمام، وكذلك قوم عاد. # وقوله: {تعبثون} أي: تلعبون. # PageV04P059 # قوله تعالى: {وتتخذون مصانع} المصانع: جمع مصنعة؛ وهي الحوض وموضع الماء، ~~ويقال: المصانع هاهنا هي الحصون المشيدة، قال الشاعر: # PageV04P059 # {لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون ~~(131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات ~~وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سواء علينا أوعظت أم ~~لم تكن من الواعظين (136) إن هذا إلا خلق الأولين (137) وما نحن بمعذبين ~~(138) فكذبوه # (تركنا (ديارهم منهم قفارا ... وهدمنا المصانع والبروجا} # وقوله: {لعلكم تخلدون} أي: كأنكم تخلدون، وقرئ في الشاذ: " كأنكم خالدون ~~"، ويقال: طامعين في الخلود. # PageV04P060 # قوله تعالى: وإذا بطشتم بطشتم جبارين البطش هو العسف (بالقتل) بالسيف ~~والضرب بالسوط، والجبار هو العاتي على غيره بعظم سلطانه، وهو في ووصف الله ~~مدح، وفي وصف الخلق ذم، ويقال: الجبار من يقتل على الغضب. # PageV04P060 # وقوله: {فاتقوا الله وأطيعون} قد بينا. # PageV04P060 # قوله: {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين} هذا تفسير ما ~~ذكره أولا من قوله: (أمدكم بما تعلمون) . # PageV04P060 # وقوله: (وجنات وعيون) أي: بساتين وأنهار. # PageV04P060 # وقوله: {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} أي: شديد. # PageV04P060 # قوله تعالى: {قالوا سواء علينا} أي: مستو عندنا. # {أوعظت أم لم تكن من الواعظين} الوعظ كلام يلين القلب بذكر الأمر والنهي ms1156 ~~والوعد والوعيد. # PageV04P060 # وقوله: {إن هذا} أي: ما هذا. # {إلا خلق الأولين} أي: اختلاق الأولين وكذبهم. # PageV04P060 # {فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (139) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (140) كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صالح ألا ~~تتقون (142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) أتتركون في ما هاهنا آمنين ~~(146) في جنات وعيون (147) # وقرى: " إن هذا إلا خلق الأولين " بضم الخاء واللام أي: عادتهم ودأبهم، ~~ويقال معناه: أمرنا كأمر الأولين؛ نعيش ونموت. # PageV04P061 # وقوله: {وما نحن بمعذبين} قالوا هذا إنكار لما وعدهم هود من العذاب. # PageV04P061 # وقوله: {فكذبوه فأهلكناهم} ظاهر المعنى إلى قوله: {إن أجري إلا على رب ~~العالمين} . # PageV04P061 # قوله تعالى: {أتتركون فيما هاهنا آمنين} يعني: في الدنيا آمنين من ~~العذاب. # PageV04P061 # وقوله: {في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم} قال الأزهري: الهضيم هو ~~الداخل بعضه في بعض من النضج والنعامة، ويقال: هو اللين الرطب، ويقال: هو ~~الرخو الذي إذا مسه الإنسان تفتت، وقيل: هو المذنب، وهو الذي نضج بعضه من ~~قبل الذنب، ويقال هضيم أي: الهاضم كأنه يهضم الطعام. # وكان الحسن البصري يقول: في وعظه: ابن آدم، تأكل كذا وكذا ثم تقول: يا ~~جارية، هاتي الهاضوم، إنه يهضم دينك لا طعامك. # PageV04P061 # قوله تعالى: {وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين} أي: حاذقين، ويقال: معجبين ~~بما نلتم، وقرئ: " فرهين " أي: فرحين، وقيل: شرهين، قال الشاعر: # (لا أستكين إذا ما أزمة أزمت ... ولن تراني بخير فاره الطلب) # ويقال: الفاره والفره بمعنى واحد. # PageV04P061 # وقوله: {فاتقوا الله وأطيعون} إلى قوله: {لا يصلحون} ظاهر المعنى، ~~والمراد منه: لا تتبعوا قادتكم في الشرك. # PageV04P061 # وزروع ونخل طلعها هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) ~~فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في ~~الأرض ولا يصلحون (152) قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر ~~مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب ~~يوم معلوم (155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها ms1157 ~~فأصبحوا نادمين (157) # PageV04P062 # {قوله تعالى: {قالوا إنما أنت من المسحرين} أي: سحرت مرة بعد مرة، ويقال: ~~{من المسحرين} أي: من البشر وهو الذي له سحر وهو الرئة، ويقال: فلان مسحر ~~أي: معلل بالطعام والشراب، قال الشاعر: # (أرانا موضعين لحتم غيب ... ونسحر بالطعام (والشراب)) # وقال آخر: # (فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر) # أي: المعلل بالطعام والشراب. # PageV04P062 # قوله تعالى: {ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين} قد ~~ذكرنا أنهم طلبوا ناقة حمراء عشراء، تخرج من صخرة وتلد سقيا في الحال. # PageV04P062 # قوله تعالى: {قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} في القصة: أن ~~الناقة كانت تشرب ماء البئر يوما في أول النهار، وتسقيهم لبنا في آخر ~~النهار، وكان عظم الناقة [ميلا] في ميل، وكانت إذا شربت تؤثر أضلاع جنبها ~~في الجبل. # PageV04P062 # وقوله: {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم} ظاهر المعنى. # PageV04P062 # قوله تعالى: {فعقروها فأصبحوا نادمين} وسنبين من عقرها في سورة النمل إن ~~شاء الله تعالى. # PageV04P062 # وقوله: {فأخذهم العذاب} ظاهر إلى قوله تعالى: {إن أجري إلا على رب # PageV04P062 # {فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (159) كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا ~~تتقون (161) إني لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون (163) وما أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (164) أتأتون الذكران من العالمين ~~(165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا ~~لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) قال إني لعملكم من القالين ~~(168) رب نجني وأهلي مما يعملون (169) فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوز ~~في الغابرين (171) ثم دمرنا العالمين} في قصة لوط صلوات الله عليه. # PageV04P063 # قوله تعالى: {أتأتون الذكران من العالمين} في القصة: أنهم كانوا يعملون ~~هذا العمل القبيح مع النساء قبل الرجال أربعين سنة ثم عدلوا إلى الرجال. # PageV04P063 # وقوله: {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} قرأ ابن مسعود: " ما أصلح ~~لكم ربكم من أزواجكم " وفي ms1158 التفسير: أن ما خلق لكم ربكم من أزواجكم معناه: ~~القبل وهو فرج النساء. # قوله: {بل أنتم قوم عادون} أي: ظالمون مجاوزون الحد. # PageV04P063 # قوله: {قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين} أي: من القرية. # PageV04P063 # وقوله تعالى: {قال إني لعملكم من القالين} أي: من المبغضين، وقال بعضهم: # (بقيت مالي وانحرفت عن المعالي ... ولقيت أضيافي بوجه قالي) # قال الصاحب ترجمة لقول الأشتر النخعي: بقيت، وقرئ: وانحرفت عن العلا، ~~ولقيت أضيافي بوجه عبوس أي: لم أشن على أبي هند غارة لم تخل يوما من نهاب ~~نفوس. # PageV04P063 # قوله تعالى: (رب نجني وأهلي مما يعملون) أي: من العمل الخبيث. # PageV04P063 # قوله تعالى: {فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوز في الغابرين فيه قولان: # PageV04P063 # {الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175) كذب ~~أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني لكم رسول ~~أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا ~~على رب العالمين أحدهما: أنها كانت عجوز غابرا، على معنى أن الزمان مضى ~~عليها وهرمت، والقول الثاني: أن الغابرين بمعنى الباقين يعني: أن العجوز من ~~أهل لوط بقيت في العذاب ولم تنج. # PageV04P064 # قوله تعالى: {ثم دمرنا الآخرين} أي: أهلكنا الآخرين. # PageV04P064 # وقوله: {وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين} قد بينا أن الله تعالى ~~أمطر عليهم الحجارة بعد إهلاكهم. # PageV04P064 # وقوله: {إن في ذلك لآية} ظاهر المعنى إلى قوله: {وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم} . # PageV04P064 # قوله تعالى: {كذب أصحاب الأيكة المرسلين} وقرئ: " ليكة المرسلين " بفتح ~~الهاء؛ فمن قرأ: " ليكة " جعلها اسم بلد، وهو لا ينصرف، ومن قرأ: " الأيكة ~~" فصرفه؛ لأن ما لا ينصرف إذا أدخل عليه الألف واللام انصرف. # والأيكة: الغيظة، ويقال: الشجر الملتف، وفي القصة: أن شجرهم كان هو ~~الدوم، ويقال: شجر المقل. # PageV04P064 # قوله تعالى: {إذ قال لهم شعيب ألا تتقون} ولم يذكر أخوهم هاهنا؛ لأنه لم ~~يكن أخا لهم، ولا في النسب ولا في الدين. # PageV04P064 # وقوله: (إني لكم رسول أمين) قد ms1159 بينا إلى قوله: {إن أجري إلا على رب ~~العالمين} # PageV04P064 # قوله تعالى: (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين) أي: الناقصين لحقوق ~~الناس، وقال يزيد بن ميسرة: كل ذنب يرجو له المغفرة إلا لحقوق الناس، ~~فالرجاء فيه أقل. وقد بينا في سورة هود أن قوم شعيب كانوا يخسرون في ~~المكاييل، والمراد من # PageV04P064 # ( {180) أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) ~~واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (148) قالوا إنما أنت من المسحرين (158) ~~وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين (186) فأسقط علينا كسفا من ~~السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ربي أعلم بما تعملون (188) فكذبوه ~~فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه # PageV04P065 # قوله تعالى: {وزنوا بالقسطاس المستقيم} قال الحسن: القسطاس القبان. وقيل: ~~كل ميزان يكون، ويقال: هو العدل. # PageV04P065 # قوله تعالى: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} يعني: لا تنقصوا الناس حقوقهم. ~~وقوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أى: لا تبالغوا في الأرض بالفساد. # PageV04P065 # وقوله تعالى: {واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين} أي: خلقكم وخلق الجبلة ~~الأولين، والجبلة: الخليفة، قال الشاعر: # (والموت أعظم حادث ... فيما يمر على الجبله) # ويقال: الجبلة بضم الجيم والباء، وفي لغة بغير الهاء. # PageV04P065 # قوله تعالى: {قالوا إنما أنت من المسحرين} قد بينا. # PageV04P065 # وقوله: {وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين} ظاهر المعنى. # PageV04P065 # قوله تعالى: {فأسقط علينا كسفا من السماء، إن كنت من الصادقين} وقرئ: " ~~كسفا " بفتح السين، فأما قوله: " كسفا " بسكون السين أي: جانبا من السماء، ~~وأما قوله: كسفا أي: قطعا، ومعناه: قطعة. قال السدي: عذابا من السماء. # PageV04P065 # قوله تعالى: {قال ربي أعلم بما تعملون} يعني: هو عالم بأعمالكم، فإن أراد ~~أن يبقيكم، وإن أراد أن يهلككم أهلككم. # PageV04P065 # قوله تعالى: {فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة} في القصة: أنه أخذهم حر ~~عظيم، فدخلوا الأسراب تحت الأرض، فدخل الحر في الأسراب وأخذ بأنفاسهم. # PageV04P065 # {كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191) وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل ms1160 به ~~الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين ~~(195) وإنه لفي زبر الأولين (196) أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني ~~إسرائيل (197) فخرجوا إلى الصحراء، فجاءت سحابة حمراء، فاجتمعوا تحتها ~~مستغيثين ليستظلوا بها، فأمطرت السحابة عليهم نارا، فاضطرم الوادي عليهم، ~~فكان أشد عذاب يوجد في الدنيا. # PageV04P066 # وقوله: {إن في ذلك لآية} قد بينا إلى آخر الآيتين. # PageV04P066 # قوله تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين} أي: القرآن. # PageV04P066 # وقوله: {نزل به الروح الأمين} وقرئ: " نزل به الروح الأمين " بدون ~~التشديد، والروح الأمين هو جبريل - عليه السلام - وسمي [جبريل] أمينا؛ لأنه ~~أمين الله على وحيه، وفي بعض الآثار: أنه يرفع سبعين ألف حجاب، ويدخل بغير ~~استئذان، فهو معنى الأمين. # PageV04P066 # وقوله: {على قلبك} ذكر القلب هاهنا؛ لأنه كان إذا قرئ عليه وعاه قلبه. # وقوله: {لتكون من المنذرين} أي: المخوفين. # PageV04P066 # وقوله: {بلسان عربي مبين} قال ابن عباس: بلسان قريش، وعن بعضهم: بلسان ~~جرهم، ومنهم أخذ إسماعيل - عليه السلام - العربية. # PageV04P066 # وقوله: {وإنه لفي زبر الأولين} فيه قولان: أحدهما: أن ذكر محمد في زبر ~~الأولين أي: في كتب الأولين. # والقول الآخر: ذكر إنزال القرآن في (زبر) الأولين، وقد قالوا: إن كليهما ~~مارد. # PageV04P066 # قوله تعالى: {أو لم يكن لهم آية} قرئ: آية بالنصب والرفع، فمن قرأ بالنصب ~~جعل آية خبر يكن، ومعناه: أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل آية أي: ~~علامة، ومن قرأ بالرفع فجعل آية اسم يكن، وأما خبره فقوله: {أن يعلمه} وأما # PageV04P066 # {ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ~~(199) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب ~~الأليم (201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون ~~(203) أفبعذابنا يستعجلون (204) علماء بني إسرائيل في هذا الموضع فهم خمسة ~~نفر: عبد الله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد. وفي مصحف ابن ~~مسعود: " أو ليس لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ". # PageV04P067 # وقوله: {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} الفرق بين العجمي والأعجمي، أن ~~العجمي هو الذي ينسب إلى ms1161 العجم وإن كان فصيحا، والأعجمي هو الذي لا يفصح ~~بالعربية وإن كان عربيا، وقال عبد الله بن مطيع في قوله: {على بعض ~~الأعجمين} قال: على دابتي، ومعناه أن الدابة لو تكلمت لما آمنوا، وأكثر ~~المفسرين على أن المراد منه بعض العجم أي: نزل عليه القرآن بغير العربية. # PageV04P067 # وقوله: {فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين} أي: لم يؤمنوا. # PageV04P067 # قوله تعالى: {كذلك سلكناه} قال الحسن ومجاهد: أدخلنا الشرك في قلوبهم. ~~ويقال: أدخلنا التكذيب في قلوبهم. # PageV04P067 # وقوله: {لا يؤمنون به} أي: بالقرآن. # وقوله: {حتى يروا العذاب الأليم} أي: عند نزول البأس. # PageV04P067 # وقوله: {فيأتيهم بغتة} أي: فجأة. # وقوله: {وهم لا يشعرون} أي: لا يعلمون. # PageV04P067 # وقوله: {فيقولوا هل نحن منظرون} أي: مؤخرون. # PageV04P067 # وقوله تعالى: {أفبعذابنا يستعجلون} روى أنه لما نزلت هذه الآيات قالوا: ~~متى هذا العذاب؟ أو آتنا بهذا العذاب، فأنزل الله تعالى: {أفبعذابنا ~~يستعجلون} # PageV04P067 # {أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغني ~~عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى ~~وما كنا ظالمين (209) وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون (211) أنهم عن السمع لمعزولون (212) # PageV04P068 # وقوله تعالى: (أفرأيت إن متعانهم سنين) قال عكرمة: عمر الدنيا: وعن شريك ~~ابن عبد الله النخعي قال: هو أربعون سنة. وأكثر المفسرين على أنه ليس فيه ~~تقدير، ولكن المراد منه سنين كثيرة، والامتاع هو العيش بما يلذ ويشتهي. # PageV04P068 # وقوله: {ثم جاءهم ما كانوا يوعدون} أي: من العذاب. # PageV04P068 # وقوله: {ما أغني عنهم ما كانوا يمتعون} أي: دفع عيشهم وتمتعهم بالدنيا من ~~العذاب عنهم. # PageV04P068 # قوله تعالى: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها منذرون} هذا في معنى قوله ~~تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . # PageV04P068 # وقوله: {ذكرى} أي: بعثنا (المنذرين) تذكرة لهم. # وقوله: {وما كنا ظالمين} معلوم المعنى. # PageV04P068 # قوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين) كان المشركون يقولون: إن شيطانا ~~ينزل على محمد فيلقنه القرآن، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # PageV04P068 # وقوله: {وما ينبغي لهم} أي: ولا يصلح لهم أن ينزلوا بالقرآن؛ لأنهم ليسوا ~~بأهل ذلك. ms1162 # وقوله: {وما يستطيعون} أي: لا يستطيعون إنزال الوحي. # PageV04P068 # وقوله: {إنهم عن السمع لمعزولون} أي: [لمحجوبون] ? فإنهم حجبوا من # PageV04P068 # {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) وأنذر عشيرتك ~~الأقربين (214) } السماء ومنعوا بالشهب على ما ذكرنا من قبل. # PageV04P069 # قوله تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين} روى أن ~~المشركين قالوا له: ارجع إلى دين آبائك، فإن أردت المال جمعنا لك المال، ~~وإن أردت الرئاسة قلدناك الرئاسة علينا، فأنزل الله تعالى: {فلا تدع مع ~~الله إلها آخر فتكون من المعذبين} أي: في النار. # PageV04P069 # وقوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} روى الزهري عن سعيد بن المسيب ~~[وأبى] سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة أنه لما نزل قوله تعالى: ~~{وأنذر عشيرتك الأقربين} قال النبي: " يا معشر قريش، اشتروا انفسكم من الله ~~تعالى، ولا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغنى عنكم من الله ~~شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا صفية بنت عبد ~~المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما ~~شئت، لا أغني عنك من الله شيئا ". قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا المكي بن ~~عبد الرزاق، أخبرنا جدى، أخبرنا الفربري، أخبرنا البخاري، أخبرنا أبو ~~اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري ... الخبر. # وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه لما نزلت هذه الآية صعد رسول الله ~~الصفا ثم قال: يا صباحاه فاجتمع عنده قريش، فقالوا له: مالك؟ فقال: أرأيتم ~~لو قلت: إن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أكنتم تصدقونني؟ قالوا: نعم، قال: إني ~~نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا؟ فأنزل ~~الله تعالى: # PageV04P069 # {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني بريء مما ~~تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يراك حين تقوم (218) {تبت ~~يدا أبي لهب وتب} ". والخبر في الصحيحين. # وفي بعض الأخبار: أن النبي قال لعلي رضي الله عنه: " اجمع لي بني ms1163 عيد ~~مناف، فجمعهم على فخذ شاة وقعب من لبن، فلما أكلوا وشربوا، قال لهم رسول ~~الله ما قال، ودعاهم إلى الله، فقام أبو لهب وقال ما ذكرنا وخرجوا ". # وفي تفسير النقاش: أن النبي خص بني هاشم وبني عبد المطلب بالدعاء، وقال: ~~" أنتم خاصتي ". # PageV04P070 # وقوله: {واخفص جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} أي: ألن جانبك وحسن خلقك. # PageV04P070 # وقوله: {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} ظاهر المعنى. # PageV04P070 # قوله تعالى: {وتوكل على العزيز الرحيم} وفي مصحف المدنيين والشاميين " ~~فتوكل " بالفاء، والفاء فيها بمعنى الجزاء، ومعنى ذلك: أنهم إذا عصوا فقابل ~~عصيانهم بالتوكل علي. # PageV04P070 # قوله: {الذي يراك حين تقوم} أي: تقوم لدعائهم، وقراءة القرآن عليهم، ~~ويقال: تقوم من نومك للصلاة، وقيل: إذا صليت وحدك. # PageV04P070 # {وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم (220) هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم ~~كاذبون (223) . # PageV04P071 # وقوله: {وتقلبك في الساجدين} [أي:] إذا صليت جماعة، وعن ابن عباس معناه ~~قال: أخرجه من صلب نبي إلى صلب نبي إلى صلب نبي هكذا إلى أن جعله نبيا، ~~فهذا معنى التقلب. والساجدون هم الأنبياء - صلوات اللهم عليهم - وعن مجاهد ~~قال: معنى قوله: {وتقلبك في الساجدين} هو تقلب الطرف، وقد كان يرى من خلفه ~~ما كان يرى من قدامه. # PageV04P071 # وقوله: {إنه هو السميع العليم} ظاهر المعنى. # PageV04P071 # قوله تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} أي: هل أخبركم، وهي جواب ~~لقولهم: إن شيطانا ينزل عليه. # PageV04P071 # وقوله: {تنزل على كل أفاك أثيم} أي: تتنزل، والأفاك هو الشديد الكذب، ~~والأثيم هو الذي يأتي بما يأثم به ويقبح فعله. # PageV04P071 # قوله تعالى: {يلقون السمع} قال أهل التفسير: المراد منه الكهنة، ومعنى ~~{يلقون السمع} أي: يستمعون إلى الشياطين. # وقوله: {وأكثرهم كاذبون} أي: كلهم، وروى عن عائشة - رضي الله عنها - أنها ~~قالت: قلت يا رسول الله، إن الكهان يخبرون بأشياء وتكون حقا؟ ! قال: " تلك ~~الخطفة يخطفها الجنى، فيلقيها في سمع الكاهن، فيكذب معها مائة كذب ". # وقد ذكرنا انهم يسترقون من الملائكة، ويعلوا بعضهم بعضا ثم يرمون ms1164 بالشهب. # PageV04P071 # {والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) . # وفي الخبر المشهور المعروف: أن النبي قال: " من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه ~~بما يقولون، فقد كفر بما أنزل على محمد ". # PageV04P072 # قوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون} قال أهل التفسير: المراد من ~~الشعراء هم الشعراء الذين كانوا يهجون المسلمين من الكفار، ويسبون النبي، ~~وهم مثل: عبد الله بن الزبعرى، وأبي عزة الجمحي، وأبي سفيان بن الحارث بن ~~عبد المطلب، وهبيرة بن وهب، ومن أشبههم. # وقوله تعالى: {يتبعهم الغاوون} فيه أقوال: قال ابن عباس: هو الرواة. وروى ~~الضحاك عنه: أن المراد من الآية هو الشاعر أن يتهاجيان فيتبع هذا قوم، ~~ويتبع ذاك قوم. # وعن مجاهد: الغاوون هم الشياطين، وعن بعضهم: هم السفهاء من الناس. # وفي الأخبار: أن النبي قال: " من مشى سبعة أقدام إلى شاعر فهو من الغاوين ~~" والخبر غريب. # PageV04P072 # قوله تعالى: {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} أى: في كل مرة يفتنون، وذكر ~~الوادي على طريق التمثيل، يقال: أنا في واد، وأنت في واد، وعن قتادة قال: ~~في واد يهيمون: أن يمدحون بالباطل ويذمون بالباطل. قال بعضهم: إن الشاعر ~~يمدح بالصلة، ويهجو بالحمية، ويتشبب بالنساء، ويثير خاطره العشيق، وقال ~~بعضهم: في # PageV04P072 # {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} كل واد يهيمون أي: على حرف من حروف ~~الهجاء يصوغون القوافي، والهائم هو الذي ترك القصد في الأشياء؛ يقال: هام ~~فلان على وجهه إذا لم يكن له مقصد صحيح يقصده ويذهب إليه. # PageV04P073 # قوله: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} أي: يكذبون في شعرهم، ويقولون: فعلنا ~~كذا وكذا ولم يفعلوا، وفي بعض الآثار: أن أبا محجن الثقفي قال شعرا وأقر ~~فيه بشرب الخمر، فأراد عمر أن يحده، فقال علي - رضي الله عنه - إن كتاب ~~الله يدرأ عنه الحد، وقرأ هذه الآية: {وأنهم يقولن ما لا يفعلون} فترك عمر ~~حده. # PageV04P073 # وقوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال أهل التفسير: هؤلاء شعراء ~~المسلمين الذين كانوا يجتنبون شعراء الجاهلية ويهجونهم، ويذبون عن النبي ms1165 ~~وأصحابه، وينافحون عنهم، وهم مثل: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب ~~ابن مالك، ومن أشبههم. # وروى عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال: يا رسول الله، ما تقول ~~في الشعر؟ فقال: " إن المسلم ليجاهد بيده ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ~~ترمونهم بالنبال ". # وروى شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب أن النبي قال لحسان بن ~~ثابت: " أهجم - أو هاجهم - وروح القدس معك ". ذكره البخاري في # PageV04P073 # {وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا الصحيح. قال رضي الله عنه: ~~أخبرنا بهذا المكي بن عبد الرزاق، حدثني جدي، أخبرنا الفربري، أخبرنا ~~البخاري، أخبرنا حفص بن عمر عن شعبة ... الخبر. # وعن عائشة - رضي الله عنه - أنها قالت: الشعر كلام، فمنه الحسن ومنه ~~القبيح، فخذ الحسن ودع القبيح. # وروى أبي بن كعب عن النبي أنه قال: " إن من الشعر لحكمة ". # وعن بعضهم قال: الشعر أدنى درجات الرفيع، وأرفع درجات الدنيء. # وعن الشعبي أنه قال " كان أبو بكر - رضي الله عنه - يقول الشعر، وكان عمر ~~- رضي الله عنه - يقول الشعر، وكان علي - رضي الله عنه - أشعر الثلاثة. وفي ~~بعض التفاسير: أن قوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} هم أبو بكر وعمر ~~- رضي الله عنهم - وهو قول غريب. # وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: إذا أرأيت الشيخ ينشد الشعر في المسجد، ~~فاقرع رأسه بالعصا. # وأما عبد الله بن عباس كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشد، فروى أنه دعا ~~عمر بن أبي ربيعة المخزومي واستنشده القصيدة التي أنشدها، في أوله. # (أمن آل نعمى أنت غاد فمبكر ... غداة غد أو رائح فمهجر) # فأنشده ابن أبي ربيعة القصيدة إلى آخرها، وهي قريب من سبعين بيتا، ثم إن ~~ابن عباس أعاد القصيدة جمعيها، وكان حفظها لمرة واحدة ثم قال: ما رأيت أروى ~~من عمر، ولا أعلم من علي. هذه الحكاية أوردها المبرد في مشكل القرآن. # قوله: {وذكروا الله كثيرا} ظاهر المعنى. # PageV04P074 # {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227) # وقوله: {وانتصروا من بعد ما ms1166 ظلموا} يعني: بجواب الكفار عن أشعارهم التي ~~هجوا بها المسلمين، قال حسان بن ثابت: # (هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء) # فإن أبى ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء) # وقوله: {وسيعلم الذين ظلموا} أي: الكفار الذين هجوا المسلمين. # وقوله: {أي منقلب ينقلبون} أي: أي مرجع يرجعون، وقرئ في الشاذ: " أي ~~منفلت ينفلتون بالفاء من الإنفلات والوقوع في الشيء وقد ذكر أبو بكر الصديق ~~- رضي الله عنه - هذه الآية في وصية لعمر - رضي الله عنه - حين استخلفه، ~~فروى أنه قال لعثمان - رضي الله عنه - أكتب: هذا ما عهد أبو بكر عند آخر ~~عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، حين يؤمن الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلف ~~عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وصدق فذلك ظني به، وإن غير وبدل فالخير أردت، ~~ولا يعلم الغيب إلا الله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. # PageV04P075 # بسم الله الرحمن الرحيم # {طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى للمؤمنين (2) الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهو بالآخرة هو يوقنون (3) إن الذين لا # تفسير سورة النمل # وهي مكية # PageV04P076 # قوله تعالى: {طس} قد بينا معناه في السورة المتقدمة. # وقوله: {تلك آيات القرآن} أي: هذه آيات القرآن. # {وكتاب} أي: وآيات كتاب مبين، وأما اشتقاق القرآن والكتاب قد بينا، قال ~~أهل المعاني: أظهر الآيات بالقراءة تارة، وبالكتبة تارة أخرى، فالآيات ~~مظهرة بكونها كتابا، وبكونها قرآنا. # PageV04P076 # قوله تعالى: {هدى وبشرى للمؤمنين} أي: هدى من الضلالة، وبشرى بالثواب وهو ~~الجنة، ويقال: الآيات هادية مبشرة. # وقوله: {للمؤمنين} أي: للمصدقين. # PageV04P076 # قوله تعالى: {الذين يقيمون الصلاة} إقامة الصلاة أداؤها بفرائضها وسننها، ~~وقيل: إقامة الصلاة حفظ مواقيتها. # وقوله: (ويؤتون الزكاة) أي: يعطون الزكاة، والزكاة هي زكاة المال، وقيل: ~~زكاة الفطر. # وقوله: (وهو بالآخرة هو يوقنون) أي: يصدقون. # PageV04P076 # قوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم} الأكثرون على ~~أنها أعمال المعصية، وقيل: أعمال الطاعات وذلك بإقامة الدليل على حسنها. # وقوله: {فهم يعمهون} أي: يتحيرون ويترددون، ويقال: يعمون. # PageV04P076 # {يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) أولئك ms1167 الذين لهم سوء ~~العذاب وهو في الآخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقي القرآن من لدن حكيم عليم ~~(6) إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم # PageV04P077 # قوله تعالى: {أولئك الذين لهم سوء العذاب} أي: أشده. # وقوله: {وهم في الآخرة هم الأخسرون} أي: حظا ونصيبا. # PageV04P077 # قوله تعالى: {وإنك لتلقي القرآن من لدن حكيم عليم} أي: تؤتي القرآن، ~~وقيل: تأخذ القرآن، وقيل: تلقن. # وقوله: {من لدن حكيم عليم} أي: من عنده. # PageV04P077 # قوله تعالى: {إذا قال موسى لأهله إني آنست نارا} أي: أبصرت نارا، ومنه ~~الإنس سموا إنسا؛ لأنهم مرئيون مبصرون، وفي القصة: أن موسى كان أخطأ ~~الطريق، وذكر بعضهم أن موسى - عليه السلام - كان يرعى أغنامه على شفير ~~الوادي، فرأت الأغنام النار ففزعت، وتفرقت ولم يكن موسى راءها، فصاح بها ~~موسى بالأغنام حتى اجتمعت ثم تفرقت ثانيا، فصاح بها حتى اجتمعت ثم تفرقت ~~ثالثا، فنظر موسى فرأى النار فذهب موسى - عليه السلام - في طلبها. # قوله تعالى: {سآتيكم منها بخبر} أي: بخبر عن الطريق. # وقوله: {أو آتيكم بشهاب قبس} قرئ بالتنوين، وقرئ على الإضافة: " بشهاب ~~قبس " والشهاب والقبس معناهما متقاربان، فالعود إذا كان في أحد طرفيه نار، ~~وليس في الطرف الآخر نار سمي: شهابا، ويسمى: قبسا، وقال بعضهم: الشهاب هو ~~شيء ذو نور مثل العمود، والعرب تسمي كل أبيض ذي نور: شهابا، والقبس هو ~~القطعة من النار، قال الشاعر: (في كفه صعدة مثقفة # (لها) سنان كشعلة القبس) وأما قراءة التنوين فقد جعل القبس نعتا للشهاب، ~~وأما قراءة الإضافة هو إضافة # PageV04P077 # {بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن ~~لشيء إلى نفسه، مثل قوله تعالى: {ولدار الآخرة} ومثل قولهم: يوم الجمعة، ~~وما أشبه ذلك. # وقوله: {لعلكم تصطلون} فيه دليل على أنهم كانوا شاتين، وإنه أصابه البرد ~~والعرب تقول: هلم إلى الصلى والقرى. # PageV04P078 # قوله تعالى: {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار} قال أهل التفسير: لم ~~يكن ما رآه نارا، بل كان نورا، وإنما سماه نارا؛ لأن ms1168 النار لا تخلو من ~~النور؛ ولأنه كان في ظن موسى أنه نار. # وقوله: {من في النار} فيه أقوال: أكثر المفسرين على أنه نور الرب، وهو ~~قول ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم، وذكر أبو بكر الهذلي عن الحسن ~~البصري أنه الله تعالى، وذكر الفراء أن من في النار هو الملائكة، ومن حولها ~~الملائكة أيضا (على القول الأول، ومن حولها الملائكة أيضا) . # وفي الآية قوله رابع: وهو أن من في النار موسى، فإن قيل: لم يكن موسى في ~~النار. قلنا: قد كان قريبا من النار، والعرب تسمي من قرب من الشيء في الشيء ~~يقولون: إذا بلغت ذات عرق فأنت في مكة، قالوا هذا لأجل القرب من مكة، وموسى ~~قد كان قرب من النار فجعله كأنه في النار. # وفي الآية قول خامس: وهو أن " من " بمعنى " ما " ومعنى الآية: أن بوركت ~~النار وما حولها، وذكر بعضهم، أن في قراءة أبي: " بوركت النار ومن حولها " ~~والعرب تقول: بارك الله، وبارك الله عليك، وبورك فيك بمعنى واحد. # وقوله: {وسبحان الله رب العالمين} نزه الله نفسه، وهو المنزه عن كل سوء # PageV04P078 # {حولها وسبحان الله رب العالمين (8) يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم ~~(9) وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف ~~إني وعيب. # PageV04P079 # قوله تعالى: {يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم} أي: إني أنا الله ~~العزيز الحكيم. قال الفراء: الهاء عماد في هذا الموضع. # PageV04P079 # قوله تعالى: {وألق عصاك فلما رآها تهتز} أي: تتحرك. # وقوله: {كأنها جآن} الجآن هي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرا بها، وقد ~~بينا التوفيق بين هذه الآية وبين قوله: {فإذا هي ثعبان مبين} . # وقوله: {ولى مدبرا} : أي: هرب، ويقال: رجع إلى الطريق التي جاء منها. # وقوله: {ولم يعقب} أي: لم يلتفت. # وقوله: {يا موسى لا تخف} (في بعض التفاسير: أن موسى لما فزع وهرب قال ~~الله تعالى له: {أقبل} فلم يرجع، فقال: {لا تخف} إنك من الآمنين) فلم يرجع، ~~فقال: {سنعيدها سيرتها الأولى} ms1169 فلم يرجع حتى جعلها عصا كما كانت، ثم رجع ~~وأخذها، والله أعلم. # قوله: {إني لا يخاف لدى المرسلون} يعني: إذا أمنتهم، وقيل: لا يخافون من ~~عقوبتي، فإني لا أعاقبهم. # فإن قيل: أليس أن جميع الأنبياء خافوا الله، وقد كان النبي يخشى الله، ~~وقد قال: " أنا أخشاكم "؟ والجواب عنه: أن الخوف الذي هو شرط الإيمان لا ~~يجوز # PageV04P079 # {لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور ~~رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى أن ~~يخلو أحد منه، فأما هذا الخوف من العقوبة على الكفر والكبائر، والله تعالى ~~قد عصم الأنبياء من الكفر والكبائر. # PageV04P080 # وقوله: {إلا من ظلم} فيه أقوال: أحدها: ولا من ظلم {ثم بدل حسنا بعد سوء} ~~أي: تاب وندم، وهذا القول ضعيف عند أهل النحو، والقول الثاني: أن معنى ~~الآية: إني لا يخاف لدى المرسلون وإنما يخاف غير المرسلين، إلا من ظلم ثم ~~بدل حسنا بعد سوء فإنه لا يخاف، والقول الثالث: أن الاستثناء ها هنا منقطع، ~~ومعناه: لكن من ظلم فخاف فإن بدل حسنا بعد سوء فإنه لا يخاف. وفي بعض ~~التفاسير: أن المراد بقوله: {إلا من ظلم} هو موسى بقتله القبطي، وأما ~~تبديله الحسن بعد السوء توبته وندامته، وذلك في قوله تعالى: {قال رب إني ~~ظلمت نفسي} . # PageV04P080 # قوله تعالى: {وأدخل يديك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} قد بينا، وفي ~~القصة: أنها كانت تلألأ مثل البرق. # وقوله: {في تسع آيات} أي: مع تسع آيات، وقيل: من تسع آيات، قال امرؤ ~~القيس: # [وهل] ينعمن من كان آخر عهده ... [ثلاثين] شهرا في ثلاثة أحوال # أي: من ثلاثة أحوال. # وقوله: {إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين} أي: خارجين من الطاعة. # PageV04P080 # {فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ~~قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا فانظر ~~كيف كان عاقبة المفسدين (14) ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله ~~الذي # PageV04P081 # قوله تعالى: ms1170 {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة} أي: بنية واضحة. # قوله: {قالوا هذا سحر مبين} أى: سحر ظاهر. # PageV04P081 # قوله تعالى: {وجحدوا بها} أي: جحدوها، والباء صلة، وقيل: جحدوا بالدلالة ~~التي ظهرت منهما. # وقوله: {واستيقنتها أنفسهم} يعني: وقد علموا أنها من قبل الله تعالى. # وقوله: {ظلما وعلوا} أي: شركا وتكبرا. # وقوله: {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} ظاهر المعنى. # PageV04P081 # وقوله تعالى: {ولقد آتينا داود وسليمان علما} أي: علم القضاء وعلم منطق ~~الطير ومنطق الدواب، وعن بعضهم: علم الكيمياء، وهو قول شاذ. # وقوله: {وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين} ظاهر ~~المعنى. # PageV04P081 # قوله تعالى: {وورث سليمان داود} قال أهل التفسير: ليس المراد منه وراثة ~~المال، وإنما المراد منه إرث الملك والنبوة، وكان داود ملكا نبيا، [وكذلك] ~~سليمان ملكا نبيا، وأعطى سليمان ما أعطى داود من الملك، وزيد له تسخير ~~الريح، ولم يكن هذا لأبيه، وكذلك تسخير الشياطين. قال الكلبي: كان لداود ~~تسعة عشر ولدا ذكرا، وورث ملكه ونبوته سليمان من بينهم. # وفي بعض المسانيد: عن أبي هريرة أن الله تعالى أمر داود أن يسأل سليمان ~~عن عشر مسائل: فإن أجاب فهو خليفته. وروى أن الله تعالى بعث إلى داود # PageV04P081 # {فضلنا على كثير من عباده المؤمنين (15) وورث سليمان داود وقال يا أيها ~~الناس بصحيفة مختومة فيها جواب المسائل فجمع داود الأحبار والرهبان، وأحضر ~~سليمان وسأله عن المسائل، وكانت المسائل العشر أن داود سأل سليمان - صلوات ~~الله عليهما - فقال: ما أقرب الأشياء؟ وما أبعد الأشياء؟ وما آنس الأشياء؟ ~~وما أوحش الأشياء؟ وما الشيئان القائمان؟ وما الشيئان المختلفان؟ وما ~~الشيئان المتباغضان؟ [وما الذي إذا استعمل في أول الشيء حمد في آخره؟] وما ~~الذي إذا استعمل في أول الشيء ذم في آخره؟ فقال: أما أقرب الأشياء فالآخرة، ~~وأما أبعد الأشياء فالذي فاتك من الدنيا، وأما آنس الأشياء فجسد فيه روحه، ~~وأما أوحش الأشياء فجسد لا روح فيه، وأما الشيئان القائمان فالسماء والأرض، ~~وأما الشيئان المختلفان فالليل والنهار، وأما الشيئان المتباغضان فالحياة ~~والموت، وأما الذي إذا استعمل في ms1171 أول الشيء حمد في آخره، فالحلم عند الغضب، ~~وأما الذي إذا استعمل في أول الشيء ذم في آخره فالحدة عند الغضب، فلما أجاب ~~سليمان بهذه الأجوبة، فك الختم عن الصحيفة التي بعثها الله تعالى، فإذا ~~الأجوبة على وفق ما قال سليمان صلوات الله عليه وسلم. # وفي هذا الخبر: أن سليمان لما أجاب بهذه الأجوبة سألته الأحبار عن مسألة ~~أخرى فقالوا: ما الشيء الذي إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد ~~كله؟ فقال: هو القلب. فقالت الأحبار له: حق لك الخلافة يا سليمان، فحينئذ ~~استخلفه داود عليه السلام. # فإن قيل: إذا كان داود استخلفه، فكيف يستقيم قوله تعالى: {وورث سليمان ~~داود} ؟ قلنا: المراد من الإرث هاهنا هو قيامه مقام داود في الملك والنبوة ~~والعلم، وليس المراد من الإرث الذي يعلم في الأموال، وهذا مثل قولهم: ~~العلماء ورثة الأنبياء، والمراد منه ما بينا. # PageV04P082 # {علمنا منطق الطير # وقوله: {وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير} سمى صوته منطقا لحصول ~~الفهم بمعناه، كما يفهم معنى كلام الناس، إلا أن صوت الطير على صيغة واحدة، ~~وأصوات الناس على صيغ مختلفة، ويحتمل أن ذلك في زمان سليمان خاصة معجزة له ~~أنه جعل لأصواتهم معاني مفهومة كما يفهم الناس بعضهم من بعض. # وقد روى نافع، عن ابن عمر أن النبي قال: " الديك الأبيض صديقي، وصديق ~~صديقي وعدو عدوى، فقيل: يا رسول الله، وماذا يقول؟ قال: يقول اذكروا الله ~~يا غافلين ". وهذا خبر غريب. # وفي بعض المسانيد: أن جماعة من اليهود أتوا عبد الله بن عباس: فقالوا له: ~~إنا سائلوك عن أشياء فإن أجبتنا أسلمنا، فقال: سلوا تفقها، ولا تسألوا ~~تعنتا، فقالوا: ماذا يقول القس في صفيره؟ والديك في صقيعه؟ والضفدع في ~~نقيقه؟ والحمار في نهيقه؟ والفرس في صهيله؟ وماذا يقول الزرزور أو الدراج؟ ~~فقال: أما القس يقول: اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد، وأما الديك يقول: ~~اذكروا الله يا غافلين، وأما الضفدع يقول: سبحان المعبود في لجج البحار، ~~وأما الحمار فيقول: اللهم العن العشارين، وأما ms1172 الفرس إذا حمحم عند التقاء ~~الصفين فإنه يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وأما الزرزور فإنه يقول: ~~اللهم أسألك قوت يوم بيوم يارزاق، وأما # PageV04P083 # {وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) الدراج فيقول: الرحمن على العرش استوى، ~~قال: فأسلم اليهود. # وقد ثبت عن النبي أنه قال في الحمار: " إذا نهق فإنه قد رأى شيطانا ". # وقوله: {وأوتينا من كل شيء} أي: من كل شيء يؤتى الأنبياء والملوك، وقيل: ~~إنه قال هذا على طريق الكثرة والمبالغة، مثل قول القائل: كلمت كل أحد في ~~حاجتك. # وقوله: {إن هذا لهو الفضل المبين} أي: الزيادة الظاهرة على جميع الخلق. # PageV04P084 # قوله تعالى: {وحشر لسليمان جنوده} قال محمد بن كعب القرظي: كان معسكره ~~مائة فرسخ: خمسة وعشرون فرسخا للإنس، وخمسة وعشرون فرسخا للجن، وخمسة ~~وعشرون فرسخا للوحوش، وخمسة وعشرون فرسخا للطيور. # وعن سعيد بن جبير: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي، يجلس الإنس فيما ~~يليه، ثم يليهن الجن، ثم تظلهم الطير ثم تقلهم الريح. قال رضي الله عنه: ~~أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الشافعي، أخبرنا أبو الحسن بن فراس، أخبرنا ~~الديبلي، أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ~~ابن سلام، عن سعيد بن جبير ... الأثر. # وقوله: {فهم يوزعون} أي: يساقون، وقيل: يجمعون، والقول المعروف: يكفون، ~~ومعناه: يكف أولهم حتى يلحق آخرهم، قال الشاعر: # (على حين عاتبت المشيب على الصبا ... فقلت ألما أصح والشيب وازع) # وعن الحسن البصري قال: لابد للناس من وزعة. قال هذا حين ولى القضاء، ~~وازدحم عليه الناس. # وعن عثمان قال: ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن. ومعناه: ما يمتنع ~~الناس منه خوفا من السلطان أكثر مما يمتنع الناس منه خوفا من القرآن. # PageV04P084 # {حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم # وعن بعضهم في الفرق بين عمر وعثمان: أن عمر أساء الظن فشدد في الأمر ~~فصلحت رعيته، وعثمان أحسن الظن فساهل الأمر ففسدت رعيته. ms1173 # وفي القصة: أنه كان على كل صنف من الإنس والجن والطير والدواب لسليمان ~~صلوات الله عليه، وزعة. # PageV04P085 # قوله تعالى: {حتى إذا أتوا على واد النمل} يقال: هو واد بالشام، وقال ~~كعب: واد بالطائف. وقال بعضهم: واد كان سكنه الجن، وأولئك النمل مراكبهم ~~وهي كالذئاب. وقيل: كالبخاتي، والمشهور أنه النمل الصغير، وسميت نملا ~~لتنملها أي: لكثرة حركتها. # وعن عدي بن حاتم انه كان يفت الخبز للنمل. قال رضي الله عنه: أخبرنا به ~~أبو على الشافعي بذلك الإسناد، والذي بينا عن سفيان بن عيينة، عن مسعود، عن ~~رجل، عن عدي بن حاتم. # وقوله: {قالت نملة} يحتمل أن الله تعالى خلق للنمل في ذلك الوقت كلاما ~~مفهوما، والنمل عند العرب من الحكل، والحكل مالا صوت له، قال الشاعر: # (علم سليمان الحكل) # وقوله: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} ولم يقل: ادخلي، وحق اللغة أن ~~يقول: ادخلي، وإنما يقال: ادخلوا لبني آدم، لكنهم لما تكلموا بمثل كلام ~~الآدميين خوطبوا مثل خطاب الآدميين. # وقوله: {لا يحطمنكم} أي: لا يسكرنكم كسر الهلاك , {سليمان وجنوده} (وقيل: ~~لا يطأنكم، فإن قال قائل: كيف يستقيم هذا، وإنما الريح كانت تحمل سليمان # PageV04P085 # {لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكا من قولها ~~وجنوده} ? فإنه روى أن سليمان وجنوده كانوا يجتمعون على بساط، والريح تحمل ~~البساط؛ والجواب: يحتمل أنه كان فيهم مشاة، وكانت الأرض تطوى لهم، ويحتمل ~~أن هذا كان قبل تسخير الريح لسليمان والله أعلم. فإن قيل: لم يكن النمل من ~~الطير، وهو كان تعلم منطق الطير؟ والجواب عنه: قال الشعبي: كانت نملا لها ~~أجنحة فيكون طيرا. # وقوله: {وهم لا يشعرون} قال أهل التفسير: علم النمل أن سليمان ملك ليس له ~~جبرية وظلم، ومعنى الآية: أنكم لو لم تدخلوا المساكن وطئوكم، ولم يشعروا ~~بكم، ولو عرفوا لم يطئوا، وفي القصة [أيضا] : أن سليمان لما بلغ وادي النمل ~~حبس جنده حتى دخل النمل بيوتهم، وفي القصة أيضا: أن سليمان سمع كلام النمل ~~على ثلاثة أميال، وكان الله تعالى أمر الريح أن ms1174 تأتيه بكل خبر وكل كلام، ~~وفي الآية دليل على أن النمل يكره قتلها، وعن الحسن البصري أنه قال في ~~قوله: {إن الأبرار لفي نعيم} قال: هم الذين لا يؤدون الذر، وهو صغار النمل. ~~فإن قيل: كيف يصح أن يثبت للنمل مثل هذا العلم؟ والجواب عنه: يجوز أن يخلق ~~الله تعالى فيه هذا النوع من الفهم والعلم، ويقال: إنه أسرع جسة إدراكا، ~~وهو إذا أخذ الحبة من الحنطة قطعها بنصفين لئلا تنبت، وإذا أخذ الكزبرة ~~قطعها أربع قطع؛ لأن الكزبرة إذا قطعت قطعتين تنبت، فإذا قطعت أربع قطع لم ~~تنبت. # PageV04P086 # قوله تعالى: {فتبسم ضاحكا من قولها} قال الزجاج: ضحك الأنبياء التبسم. # وقوله: {ضاحكا} أي: متبسما، ويقال: كان أوله التبسم وآخره الضحك، فإن ~~قيل: لم ضحك؟ والجواب من وجهين: أحدهما: فرحا بثناء النملة عليه، والآخر: ~~سمع عجبا، ومن سمع عجبا يضحك، وربما يغلب في ذلك. # PageV04P086 # {وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ~~ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19) وتفقد الطير فقال ما # وقوله: {وقال رب أوزعني} أي: ألهمني. # وقوله: {أن أشكر نعمتك التي أنعمت على} يقال: الشكر انفتاح القلب لرؤية ~~المنة، ويقال: هو الثناء على الله تعالى بإنعامه. # قوله: {وعلى والدي} أي: أباه داود وأمه آيسا. # وقوله: {وأن أعمل صالحا ترضاه} أي: من طاعتك. # وقوله: {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} أي: مع عبادك الصالحين الجنة. # PageV04P087 # قوله تعالى: {وتفقد الطير} التفقد هو طلب ما قد فقد. # وقوله: {ما لي لا أرى الهدهد} الهدهد طير معروف، فإن قيل: لم طلبه؟ ~~والجواب من وجهين: أحدهما: أن الطير كانت تظل سليمان وجنده من الشمس، فنظر ~~فرأى موضع الهدهد خاليا تصبيه الشمس منه، فطلب لهذا، والثاني: ما روى عن ~~ابن عباس أن الهدهد كان يعرف موضع الماء في الأرض، وكان يبصر الماء فيها ~~كما يبصر في الزجاجة، وكان يذكر قدر قرب الماء وبعده، فاحتاج سليمان إلى ~~الماء في مسيره، فطلب الهدهد لذلك. فروى أن نافع بن الأزرق كان عند ابن ms1175 ~~عباس وهو يذكر هذا فقال: يا وصاف انظر ما تقول، فإن الصبي منا يضع الفخ ~~ويحثو عليه التراب، فيجئ الهدهد فيقع في الفخ. فقال له ابن عباس: إن القدر ~~يحول دون البصر، وروى أنه قال: إذا جاء القضاء والقدر ذهب اللب والبصر. # وقوله: {أم كان من الغائبين} يعني: أكان من الغائبين؟ والميم فيه صلة، ~~كأنه أعرض عن الكلام الأول، وذكر هذا على طريق الاستفهام، ويقال: إنه لما ~~قال: {مالي لا أرى الهدهد} دخله شك، فقال: أحاضر هو أم غائب؟ . # PageV04P087 # {لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه عذابا شديدا أو ~~لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط ~~به وجئتك # PageV04P088 # قوله تعالى: {لأعذبنه عذابا شديدا} فيه أقوال: أحدها - وهو الأشهر - أنه ~~نتف ريشه وإلقاؤه في الشمس فيأكله النمل، ويقال: هو حبسه مع الضد، ويقال: ~~إخراجه من جنسه إلى غير جنسه، فهو العذاب الشديد. # وقوله: {أو لأذبحنه} معلوم المعنى. # وقوله: {أو ليأتيني بسلطان مبين} أي: بعذر ظاهر، ويقال: بحجة بينة، وفي ~~القصة: أن أمير الطير كان هو الكركر، فسأله سليمان عند الهدهد أنه حاضر أم ~~غائب؟ . # PageV04P088 # قوله تعالى: {فمكث غير بعيد} أي: غير طويل. # وقوله: {فقال أحطت بما لم تحط به} فيه حذف، ومعناه: أن الهدهد جاء وسأله ~~سليمان - عليه السلام - عن غيبته فقال: {أحطت بما لم تحط به} . # وفي القصة: أن الهدهد قال لما أخبر بمقالة سليمان: {لأعذبنه عذابا شديدا ~~أو لأذبحنه} قال الهدهد: هل استثنى نبي الله؟ قالوا: نعم، قد قال: (أو ~~ليأتيني بسلطان مبين) قال: فنجوت إذا. # فإن قال قائل: التعذيب إنما يكون بعد التكليف، والهدهد لم يكن مكلفا، ~~وإذا لم يكن مكلفا لم يكن عاصيا بالغيبة، وإذا لم يكن عصيا لا يستحق ~~العذاب؟ والجواب عنه: يحتمل أن الطير أعطاها الله تعالى في ذلك الوقت ما ~~يعقلون به الأمر، فصح نهيهم عن الغيبة والإخلال بمركز الخدمة، فإذا غبن ~~استحققن العذاب. # وأما قوله: {أحطت بما لم تحط به} الإحاطة هو العلم بالشيء من ms1176 جميع جهاته. # وقوله: {وجئتك من سبأ} وقرئ: " سبأ " بغير صرف، فمن صرف سبأ صرفه على أنه ~~اسم رجل، وفي بعض التفاسير: عن النبي أنه سئل عن سبأ فقال: " هو # PageV04P088 # {من سبأ بنبأ يقين (22) إني وجدت امرأة تملكهم رجل ولد عشرة من البنين ~~تيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة، فأما الذي تيامنوا فهم كندة، والأشعر، ~~والأزد، وحمير، ومذحج، وأنمار، وأما الذين تشاءموا فهم: لخم، وجذام، ~~وعاملة، وغسان ". # ومن لم يصرفه جعله اسما للبقعة، واعلم أن العرب قد صرفت سبأ مرة ولم ~~تصرفه مرة، قال الشاعر في صرف سبأ: # (الواردون وتيم في ذرى سبأ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس} وقال آخر: في ~~ترك صرفه: # (من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما) # وقوله: {بنبأ يقين} أي: بخبر حق. # PageV04P089 # وقوله تعالى: {إني وجدت امرأة تملكهم} هذه المرأة هي بلقيس بنت شراحيل. ~~قال مجاهد: ولدها أربعون ملكا، آخرهم أبوها. وعن قتادة قال: كان أحد أبويها ~~من الجن. وعن الحسن البصري قال: ولوا أمرهم علجة يضطرب ثدياها. # وقد ثبت عنه برواية أبي بكرة حين بلغه أن العجم ولوا عليهم بنت كسرى، # PageV04P089 # {وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون ~~الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون فقال: " لا ~~يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ".} ) . # وعن خالد بن صفوان في ذم اليمن: هم من بين دابغ جلد , وسايس قرد , وحائك ~~برد , ملكتهم امرأة , ودل عليم هدهد وغرقتهم فأرة. # واعلم أن أهل اليمن ممدوحون على لسان النبي، وإنما الذم الذي ذكرنا لأهل ~~الشرك منهم. # وقوله: {وأوتيت من كل شيء} أي: من كل شيء يؤتى مثلها. # وقوله: {ولها عرش عظيم} أي: سرير ضخم، وفي القصة: أنه كان طول السرير ~~[ثمانين] ذراعا في عرض ثمانين، وقيل: أقل من ذلك، والله أعلم. # قالوا: وكان مكللا بالجواهر واليواقيت والزبرجد، وما أشبه ذلك. # PageV04P090 # وقوله: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل} أي: عن سبيل الإسلام. ms1177 # وقوله: {فهم لا يهتدون} أي: الطريق الحق. # PageV04P090 # قوله تعالى: {ألا يسجدوا لله} وقرئ: " ألا يسجدوا " مخففا، فأما من قرأ: ~~{إلا} مشددا فمعناه: فصدهم عن السبيل ألا يسجدوا يعني: لئلا يسجدوا، وقيل ~~معناه: وزين لهم الشيطان أعمالهم ألا يسجدوا، وعلى هذه القراءة لا سجود عند ~~تلاوته، هكذا ذكره أهل التفسير، وأما قراءة التخفيف فمعنى قوله: " ألا ~~يسجدوا " # PageV04P090 # ( {24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون ~~وما تعلنون (25) لله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) قال سننظر أصدقت ~~أم كنت من الكاذبين (27) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم أي: ألا ~~يا هؤلاء اسجدوا. # (ألا يسلمى يادارمي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر} # ومعناه: ألا يا اسلمى يا دار. وقال آخر: # (ألا يسلمى يا هند هند بنى ... بدر وإن كان حيانا غدا آخر الدهر) # ومعناه: ألا يا اسلمى هند، ويحتمل أن يكون هذا من قول الهدهد، ويحتمل أن ~~يكون من قول الله تعالى ابتداء، قال أهل التفسير: وعلى هذه القراءة يسن ~~السجدة؛ لأنه أمر بالسجود وقال بعضهم: على القراءة الأولى يسجد أيضا مخالفة ~~للمشركين. # وقوله: {الله الذي يخرج الخبء} أي: ما غاب في السموات والأرض، والذي غاب ~~في السماء هو المطر، والذي غاب في الأرض هو النبات، وقيل: [كل] ما غاب. # وقوله: {ويعلم ما تخفون وما تعلنون} ظاهر المعنى. # PageV04P091 # قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} ذكر العرش ها هنا، ~~لأنه أخبر أنه كان لها عرش عظيم، وفائدة الذكر [أن] عرشها صغير حقير في جنب ~~عرش الله تعالى. # PageV04P091 # قوله تعالى: {قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين} فيه دليل على أن ~~الملوك يجب عليهم التثبت فيما يخبرون. # وقوله: {أم كنت من الكاذبين} أي: أم أنت من الكاذبين. # PageV04P091 # قوله تعالى: {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم} # PageV04P091 # {فانظر ماذا يرجعون (28) قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) ~~إنه من سليمان # قالوا: فيه تقديم وتأخير ومعناه: ألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ms1178 ثم تول ~~عنهم، وقيل معناه: تول عنهم أي: تنح عنهم ثم أنظر ماذا يرجعون. قال بعضهم: ~~علم الهدهد أدب الدخول على الملوك يعني: إذا دخل الداخل على الملك ينبغي أن ~~لا يقف، بل يذهب في الحال ثم يرجع ويطلب الجواب. # PageV04P092 # قوله تعالى: {قالت يا أيها الملأ} في الآية حذف، وهو أن الهدهد ذهب وحمل ~~الكتاب، وفي القصة: أنه دخل عليها من جهة الكوة، وكانت هي في خلوة مستلقية ~~على سريرها، فطرح الكتاب على صدرها، وقيل: كانت نائمة فوضعه بجنبها، ويقال: ~~ذهب بالكتاب وطرحه على حجرها، في ملأ من الناس، وأما الملأ فهم أشراف القوم ~~وكبراؤهم. ويقال: كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر قائدا، كل قائد على اثني عشر ~~ألفا، ويقال: كان لها اثنا عشر ألف قائد، كل قائد على ألف رجل. # وقوله: {إني ألقي إلي كتاب كريم} أي: حسن، ويقال: مختوم. وفي الأخبار عن ~~النبي برواية ابن عباس: " من كرامة الكتاب ختمه "، والقول الثالث: كتاب ~~كريم أي: كريم كاتبه ومرسله. # PageV04P092 # قوله تعالى: {إنه من سليمان} في التفسير: أن سليمان كان قد كتب: من عبد ~~الله سليمان بن داود إلى بلقيس بنت شراحيل {بسم الله الرحمن الرحيم # PageV04P092 # {وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) } ألا تعلوا على وأتوني مسلمين) . # قال أهل العلم: وهذا الكتاب أوجز ما يكون من الكتب، فإنه جمع العنوان ~~والكتاب والمقصود في سطرين، وكتب الأنبياء على غاية الإيجاز. # وعن الشعبي: " كان رسول يكتب أولا باسمك اللهم، فلما أنزل الله تعالى ~~قوله: {بسم الله مجريها ومرساها} كتب بسم الله، فلما أنزل الله تعالى: {قل ~~ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} كتب بسم الله الرحمن، فلما أنزل الله تعالى في ~~سورة النمل: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} كتب بسم الله ~~الرحمن الرحيم ". # قال عاصم: قلت للشعبي: رأيت كتابا للنبي في ابتدائه بسم الله الرحمن، ~~فقال: ذلك هو الكتاب الثالث. # وعن بريدة - رضي الله عنه - أن رسول الله قال له: " إني أعلم آية أنزلت ~~علي لم تنزل على نبي بعد سليمان بن ms1179 داود، والله لا أخرج من المسجد حتى ~~أخبرك بها. قال: فقام وأخرج إحدى رجليه من المسجد، فقلت في نفسي: إنه قد ~~حلف، فالتفت إلي، وقال لي: بم تفتتح صلاتك ? يعني قراءتك؟ قلت: بسم الله ~~الرحمن # PageV04P093 # {ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما ~~كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد لرحيم ~~قال: هي هي، ثم خرج ". # PageV04P094 # قوله تعالى: {ألا تعلوا علي} أي: لا تتعظموا على، وقيل: لا تتكبروا على، ~~ومعناه: لا تمتنعوا وتتركوا الإجابة، فإن الامتناع وترك الإجابة من العلو ~~والتكبر. # وقوله: {وأتوني مسلمين} فيه قولان: أحدهما: هو من الإسلام، والآخر: من ~~الاستسلام. # PageV04P094 # قوله تعالى: {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري} قالت هذا على طريق ~~الاستشارة؛ لأنها علمت أن ملك سليمان أعظم من ملكها، وقوله: {أفتوني في ~~أمري} . أي: أجيبوني في أمري. # وقوله: {ما كنت قاطعة أمرا} أي: قاضية ومبرمة أمرا {حتى تشهدون} أي: ~~تحضرون، وقرأ ابن مسعود: " ما كنت قاضية أمرا ". # PageV04P094 # قوله تعالى: {قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد} أخبروا بكثرتهم ~~وشجاعتهم. # وقوله: {والأمر إليك} ثم ردوا الأمر إليها لتقاتل أو تترك القتال، فهو ~~معنى قوله: {فانظري ماذا تأمرين} . # PageV04P094 # {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) قالت أن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم بهدية ~~فناظرة # PageV04P095 # وقوله تعالى: {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} أي: خربوها. # وقوله: {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} الأعزة هو القوم الذين يمتنعون من قبول ~~الذل بقوتهم وقدرتهم، فجعلهم أذلة في هذا الموضع إنما هو بالاستعباد ~~والاستسخار. # وقوله: {وكذلك يفعلون} أكثر المفسرين على أن هذا من قول الله تعالى على ~~طريق التصديق لها، لا على طريق الحكاية عنها. # PageV04P095 # قوله تعالى: {وإني مرسلة إليهم بهدية} الهدية هي العطية على طريق ~~المثامنة، والهدايا بين الإخوان مستحبة، وقد روى عن النبي: " تهادوا تحابوا ~~". # وقد ثبت عن النبي: " كان يقبل الهدية، ويرد الصدقة ". # وروى عنه أنه قال: " هدايا الأمراء غلول ". # وروى ms1180 أن رجلا أهدى إلى عمر - رضي الله عنه - رجل جزور، وكان بينه وبين # PageV04P095 # {إبم يرجع المرسلون (35) فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني ~~الله خير مما آتاكم نسان خصومة، فلما ارتفعا إليه قال: يا أمير المؤمنين، ~~افصل بيني وبينه كما يفصل من الجزور رجله، فقال: أنت ذاك، ثم إنه رد عليه ~~رجل الجزور، وقضى عليه. # وقوله: {فناظرة بم يرجع المرسلون} روى أنها قالت: إن كان سليمان ملكا ~~فأرضيه بالمال، وإن كان نبيا فلا يرضى بالمال. # وأما الهدية التي بعثتها إلى سليمان، فعن ابن عباس أنه قال: كانت مائة ~~وصيف ومائة وصيفة. # وعن مجاهد أنه قال: مائتا غلام ومائتا جارية. # وكان بعضهم يشبه البعض في الصورة والصوت والهيئة، وقالت للرسول: قل له: ~~ليميز بين الغلمان [والجواري] . # وعن سعيد بن جبير أنه قال: أهدت إليه لبنة من ذهب ملفوفة في الدبياج. ~~وروى أنها أهدت إليه من الحرير والكافور والمسك والطيب شيئا كثيرا. # وفي القصة: أنها بعثت إليه بخرزتين، أحدهما لا ثقب لها، والأخرى لها ثقب ~~معوج، وطلبت أن يدخل الخيط في الثقب المعوج من غير علاج إنس ولا جن، وأن ~~يثقب الخرزة الأخرى من غير علاج إنس ولا جن، وبعثت إليه بقدح، وطلبت منه أن ~~يملأه من ماء لم ينزل من السماء ولا نبع من الأرض. # PageV04P096 # قوله تعالى: {فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال} الإمداد إلحاق الثواني ~~بالأوائل، وقيل: أن يلحق الثاني بالأول، والثالث بالثاني، والرابع بالثالث ~~إلى أن ينتهي. # وقوله: {فما آتاني الله خير مما آتاكم} ما أعطاني الله من النبوة والملك ~~والمال أفضل مما آتاكم. # PageV04P096 # {بل أنتم بهديتكم تفرحون (36) # وقوله: {بل أنتم بهديتكم تفرحون} معناه: أن بعضكم يفرح بالإهداء إلى بعض، ~~فأما أنا فلا أفرح بهداياكم. # وفي القصة: أن المرأة كانت قالت للرسل: إن كان سليمان ملكا فلا يجلسكم، ~~وإن كان نبيا فيجلسكم، فروى أن (الرسول) لما جاءوا وقربوا من سليمان، جاء ~~جبريل عليه السلام وأخبره بمجيئهم وما معهم، فأمر سليمان بلبنات من ذهب ~~وفضة، حتى جعلت تحت أرجل ms1181 الدواب، وجعلت الدواب تروث وتبول عليها؟ ، فلما ~~رأى الرسل ذلك استحقروا ما عندهم. # وفي القصة: أنهم لما دخلوا قاموا قياما، فقال لهم سليمان عليه السلام: إن ~~الله تعالى رفع السماء وبسط الأرض، فمن شاء جلس ومن شاء قام. # وروى أنه أمرهم بالجلوس ودعا بالغلمان والجواري بأن يتوضئوا، فمن صب ~~الماء على بطن ساعده قال: هي جارية، ومن صب الماء على ظهر ساعده قال: هو ~~غلام. # وروى انه جعل من بدأ بالمرفق في الغسل غلاما، ومن بدأ بالزند في الغسل ~~جارية، وروى أنه جعل من أغرف الأناء غلاما، ومن صب على يده جارية. # ودعا بالخرزتين فجاءت دودة تكون في الرطبة، وقيل: في الصفصاف، فقالت: أنا ~~أدخل الخيط في هذا الثقب على أن يكون رزقي في الصفصاف، فجعل لها ذلك فربط ~~الخيط عليها، وقيل: أخذت الخيط بفيها ودخلت في الثقب [فخرجت] من الجانب ~~الآخر. وأما الخرزة الأخرى فجاءت دودة تكون في الفواكه، وثقبت الخرزة على ~~أن يكون رزقها في الفواكه، فجعل لها ذلك، ثم دعا بالقدح وأمر بإجراء الخيل، ~~وملأ القدح من عرقها، ثم رد الهدايا على الرسل حتى ردوها على المرأة. # PageV04P097 # {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجهم منها أذلة وهو ~~صاغرون (37) قال يا أيها الملأ أيكم يأتني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ~~(38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي ~~أمين (39) # قال أهل العلم: وقد كان الأنبياء لا يقبلون هدايا المشركين. # PageV04P098 # قوله تعالى: {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} . أي: لا طاقة ~~لهم بها. # وقوله: {ولنخرجهم منها أذلة} أي: من بلادهم. وقوله: {وهم صاغرون} أي: ~~نخرجهم على وجه الذلة والصغار، وذلك يكون بالأسر والاستعباد، وما أشبه ذلك. # PageV04P098 # قوله تعالى: {قال يأيها الملأ} أكثر المفسرين على أن سليمان قال هذا بعد ~~أن أرجع الرسول ورد الهدايا، فإن قال قائل: لما رد الهدايا كيف طلب عرشها ~~وسريرها؟ والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه أحب أن يكون ذلك السرير له، وكان ~~قد ms1182 وصف. # والوجه الثاني: أنه أحب أن يراه فإنه كان قيل له: إنه من ذهب وقوائمه من ~~جوهر وهو مكلل باللؤلؤ. # والوجه الثالث: أنه أراد أن يريها معجزة عظيمة، فإنه روى أنها جعلت ذلك ~~العرش في سبعة أبيات بعضها داخل في البعض، وغلقت الأبواب واستوثقت منها، ~~فأراد أن يريها عرشها عنده حتى إذا رأت هذه المعجزة العظيمة آمنت. # وقوله: {أيكم يأتيني بعرشها} قد بينا. وقوله: {قبل أن يأتوني مسلمين} أي: ~~مستسلمين، وقيل: هو من الإسلام. وفي القصة: أن بلقيس أقبلت في جنودها إلى ~~سليمان - عليه السلام - طلبا للصلح ودخولا في طاعته. # PageV04P098 # قوله تعالى: {قال عفريت من الجن} قرئ في الشاذ: " قال عفرية من الجن " ~~والعفريت والعفريت هو الشديد القوي، وفي بعض التفاسير: أنه كان صخر الجني، ~~وروى أنه كان بمنزلة جبل، وكان يضع قدمه عند منتهى طرفه. # وقوله: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} يعني: قبل أن تقوم من مجلسك # PageV04P098 # {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك لذى ~~جلسته للقضاء بين الناس، وقد كان مجلسه غدوة إلى قريب من نصف النهار، وفي ~~القصة: أن المرأة كانت قد وصلت إلى قريب من فرسخ، فلما سمع سليمان ذلك قال ~~في طلب العرش. # وقوله: {وإني عليه لقوي أمين} على حمل العرش، أمين على ما عليه من ~~الجواهر. # PageV04P099 # قوله تعالى: {قال الذي عنده علم من الكتاب} روى أن هذا العفريت لما قال ~~هكذا قال سليمان: أريد أسرع من ذلك، فحينئذ قال الذي عنده علم من الكتاب: ~~{أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} . # واختلف القول في الذي كان عنده علم من الكتاب، فأشهر الأقاويل: أنه آصف ~~ابن برخيا بن سمعيا، وكان رجلا صديقا في بني إسرائيل، وكان يعلم اسم الله ~~الأعظم. # والقول الثاني: أنه الخضر، ذكره ابن لهيعة، والقول الثالث: أنه ملك من ~~الملائكة، أورده ابن بخر، والقول الرابع: أنه سليمان عليه السلام، وهذا قول ~~معروف، والأصح هو القول الأول. # واختلف القول في أنه بماذا ms1183 دعا الله؟ فقال بعضهم: إنه قال: يا إلهي وإله ~~الخلق إلها واحدا، لا إله إلا أنت، ائت به، وروى أنه قال: يا حي يا قيوم، ~~وروى أنه قال: يا ذا الجلال والإكرام، والله أعلم. # وقوله: {قبل أن يرتد إليك طرفك} فيه أقوال: أحدها: أن يرفع بصره إلى ~~السماء، فقبل أن يرده إلى الأرض يرى العرش عنده، وقال بعضهم: هو أن يطرف ~~طرفة، وقال بعضهم: هو أن ينظر إلى رجل يأتي، فقبل أن يصل إليه ذلك الرجل، ~~يكون قد وصل العرش إليه، وقال بعضهم: هو أن ينظر إلى رجل يذهب، فقبل أن # PageV04P099 # {فلما رآه مسقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر ~~فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) قال نكروا لها عرشها ننظر ~~أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت ~~يرتد طرفه من ذلك الذاهب، يكون قد وصل إليه. وفي القصة: أنه لما دعا الله ~~خرق الله الأرض عند عرشها، فساخ العرش في الأرض، وظهر عند سرير سليمان، ~~وكانت المسافة مقدار شهرين، وقال بعضهم: إن الله تعالى أعدم ذلك العرش، ~~وأوجد مثله على هيئته عند سليمان، والقول الأول أولى. # وقوله: {فلما رآه مستقرا عنده} قال السدي: جزع سليمان حين رأى ذلك، وكان ~~جزعه أنه كيف قدر ذلك الرجل على ما لم يقدر هو عليه؟ ثم إنه رجع إلى نفسه، ~~فقال: {هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر} . # وقوله: {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم} أي: غنى عن ~~شكره، كريم في قبول شكره وإثابته عليه. # PageV04P100 # قوله تعالى: {قال نكروا لها عرشها} معناه: غيروا لها عرشها. وقوله: {ننظر ~~أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون} في التفسير: أن الجن كانوا قالوا ~~لسليمان عليه السلام: إن في عقلها شيئا، وقالوا له أيضا: إن قدمها كحافر ~~الحمار، وعلى ساقها شعر كثير. وإنما غير عرشها ليعرف بذلك عقلها، وروى أنه ~~جعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، وروى ms1184 أنه جعل مكان الجواهر الأحمر أخضر، ~~ومكان الأخضر أحمر، وروى أنه زاد فيه ونقص منه. # وقوله تعالى: {ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون} يعني: أتعرف ~~عرشها أم لا تعرف؟ # PageV04P100 # قوله تعالى: {فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو} لم تقل: لا خوفا من ~~الكذب، ولم تقل: نعم خوفا من الكذب، ولكنها قالت: كأنه هو. وقال مقاتل: ~~شبهوا عليها فشبهت عليهم، وقد كانت عرفته. وروى أنه إنما أشبه عليها؛ لأنها ~~كانت خلفت العرش في بيوتها، فرأته أمامها عند سليمان، فاشتبه عليها الأمر، ~~وقالت # PageV04P100 # {كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) وصدها ما كانت تعبد من ~~دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل هلا أدخلي الصرح فلما رأته ~~حسبته ما قالت. # وقوله: {وأوتينا العلم من قبلها} هذا من قول سليمان أي: علمنا حالها ~~وأمرها وحال عرشها قبل أن تعلم. قوله: {وكنا مسلمين} أي: مسلمين لله طائعين ~~له. # PageV04P101 # قوله تعالى: {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} (أي: صدها عن عبادة الله ~~ما كانت تعبد من دون الله) . # وقوله: {إنها كانت من قوم كافرين} ظاهر المعنى. # وقد كانت عربية من ملوك اليمن. وقال بعضهم: قوله: (أنها كانت من قوم ~~كافرين) قال هذا؛ لأنها كانت من قوم مجوس يعبدون الشمس. وعن بعضهم: قال ~~معنى قوله: {وصدها ما كانت تعبد من ودون الله} أي: صدها عن عبادة الله ~~نقصان عقلها، بل ما كانت تعبد من دون الله، لأن الجن كانوا قالوا لسليمان: ~~إن في عقلها [شيئا] . # PageV04P101 # قوله تعالى: {قيل لها ادخلي الصرح} الصرح في أصل اللغة هو المكان ~~المرتفع، ذكره أبو عبيد في غريب المصنف وغيره. # وأما الصرح هاهنا ففيه أقوال: قال مجاهد: هو بركة من الماء ألبس قوارير. # وقال الزجاج: الصرح والصرحة والساحة والباحة بمعنى واحد، وهو الصحن. وعن ~~بعضهم: أن الصرح هو القصر، وقيل: هو البيت. وفي القصة: أن الجن قالوا ~~لسليمان: إن مؤخر رجلها كحافر الحمار، وهي هلباء شعراء، وكانوا خشوا أن ~~يتزوجها سليمان فتطلعه على أسرار ms1185 الجن، وكانت أمها جنية، فأراد سليمان - ~~عليه السلام - أن يرى رجلها، فأمر باتخاذ بركة عظيمة، وجعل فيها من الحيتان ~~والضفادع # PageV04P101 # {لجة وكشفت عن ساقيها قال أنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (44) وما أشبهها شيئا كثيرا، ثم أمر أن ~~يلبس الماء غشاء من قوارير. وفي بعض الروايات: أنه اتخذ صحنا من قوارير، ~~وجعل تحته تماثيل من الحيتان والضفادع، وكان الواحد إذا رآه ظنه ماء. وروى ~~أن سليمان - عليه السلام - أمر بسريره حتى وضع في وسط الصرح، ثم دعاها إلى ~~مجلسه، فلما وصلت إلى الصرح ونظرت ظنت أنه ماء، فكشفت عن ساقيها لتدخل في ~~الماء، فصاح سليمان: {إنه صرح ممرد من قوارير} ورأى ساقيها، وكان عليها شعر ~~كثير. # وذكر بعضهم: أنه رأى قدما لطيفا وساقا حسنا وعليه شعر. # فإن قال قائل: لم طلب سليمان هذه الرؤية؟ والجواب عنه من وجهين: أحدهما: ~~أنه أراد أن يعرف صدق الجن وكذبهم، والآخر: أنه أراد أن يتزوج بها، فقصد أن ~~ينظر إلى ساقيها، وقد كانوا قالوا: إن عليه شعرا. # وقد ذكر أهل التفسير: أن سليمان - عليه السلام - قال للشياطين: ما الذي ~~يذهب الشعر؟ فاتخذوا النورة، وهو أول من اتخذ الحمام والنورة. # [وقوله: {فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح] ممرد} . # أي: مملس، وقيل: الممرد هو الواسع طولا وعرضا، قال الشاعر: # (غدوت صباحا باكرا فوجدتهم ... قبيل الضحا والبابلي الممرد) أي: وقوله: { ~~[من قوارير] . قالت رب إني ظلمت نفسي} أي: بالشرك، ويقال: إنها لما بلغت ~~الصرح وظنته لجة، وهو ماء له عمق، قالت في نفسها: إن سليمان يريد أن ~~يغرقني، وقد كان القتال أهون من هذا. # وقوله: {ظلمت نفسي} يعني، بذاك الظن. # وقوله: {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} ظاهر المعنى. وكل من أسلم # PageV04P102 # {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان ~~يختصمون (45) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون ~~الله لعلكم ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك} ms1186 بنبي فهو مع ذلك النبي ~~في الإسلام بالله. وقد ذكر بعضهم: أنه تزوج بها. وروى أن عبد الله بن عتبة ~~سئل عن ذلك، فقال: انتهى إلى قوله: {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} ~~يعني: أنه لا علم وراء ذلك. # وأما مدة ملك سليمان: اختلفوا فيه، فروى أن الملك وصل إليه وهو ابن ثلاث ~~[عشرة] سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين، وفي بعض الروايات عن أبي جعفر بن ~~محمد بن علي: أنه ملك سبعمائة سنة، وهذه رواية غريبة. # PageV04P103 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله} أي: ~~وحدوا الله. # وقوله: {فإذا هم فريقان يختصمون} أي: مؤمن وكافر، وعن قتادة: مصدق ومكذب. # PageV04P103 # قوله تعالى: {قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة} أي: بالعذاب ~~قبل الرحمة، وقد كانوا قالوا لصالح: إن كنت صادقا فأتنا بالعذاب. # وقوله: {لولا تستغفرون لله} أي: هلا تستغفرون الله، والاستغفار هاهنا ~~بمعنى التوبة. # قوله: {لعلكم ترحمون} ظاهر [المعنى] . # PageV04P103 # قوله تعالى: {قالوا طيرنا بك وبمن معك} أي: تشاءمنا بك وبمن معك، وفي سبب ~~قولهم هذا قولان: أحدهما: أنهم قالوا ذلك؛ لتفرق كلمتهم، والقول الثاني: ~~أنهم قالوا ذلك؛ لأنهم أصابهم الجدب والقحط، فقالوا فقالوا لصالح: هذا من ~~شؤمك. # واعلم أن الطيرة منهي عنها، وفي بعض الأخبار عن النبي: " لا عدوى # PageV04P103 # ولا طيرة ". # وعنه: " أنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة ". # ووفي بعض المسانيد عن النبي قال: " لا ينج ابن آدم من ثلاث: من الظن، ~~والحسد، والطيرة، فإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا تطيرت فامضه ~~". # وفي بعض الأخبار: {لا ينجو من الطيرة أحد، ويذهبها التوكل على الله ". # وقد كان أهل الجاهلية، يتطيرون، وكان الرجل منهم إذا خرج لحاجة فطار ~~طائر، أو لقي شيئا، أو سمع كلاما يتطير بذاك، إما في الامتناع من ذلك ~~الفعل، أو في الدخول في ذلك الفعل، وقد قال بعض الشعراء شعرا: # (لعمرك ما تدرى الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع} # PageV04P104 # {قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) وكان في ms1187 المدينة تسعة رهط ~~يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم ~~لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49) } # وقال الخليل بن أحمد في النجوم: # (أبلغوا عني المنجم أني ... كافر بالذي قضته الكواكب) # (عالم أن ما يكون وما كان ... حتم من المهيمن واجب) # وقوله: {قال طائركم عند الله} أي: ما يصيبكم من الخير والشر من الله، ~~ويسمى ذلك طائرا؛ لسرعة نزوله بالإنسان، فإنه لا شيء أسرع نزولا من قضاء ~~محتوم، وقيل: {طائركم عند الله} أي: عملكم عند الله، وسمي ذلك طائرا، لسرعة ~~صعوده إلى السماء. # وقوله: {بل أنتم قوم تفتنون} أي: تبتلون وتختبرون، وقيل: تعذبون. # PageV04P105 # قوله تعالى: {وكان في المدينة تسعة رهط} هؤلاء التسعة هم الذين اتفقوا ~~على عقر الناقة، وكان رأسهم في ذلك قدار بن سالف وهو الذي تولى عقرها. # وقوله: {يفسدون في الأرض ولا يصلحون} قال سعيد بن المسيب: بكسر الدراهم ~~والدنانير. وعن قتادة: بتتبع عورات الناس. وقيل: بالمعاصي وفعل المناكير. # PageV04P105 # قوله تعالى: {قالوا تقاسموا بالله} أي: احلفوا بالله. # وقوله: {لنبيتنه} أي: لنقتلته بياتا أي: ليلا، قالوا ذلك لصالح. # وقوله: {وأهله} أي: وقومه الذين أسلموا معه. # وقوله: {ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله} وقرئ: " مهلك " بنصب الميم: ~~فيجوز أن يكون بمعنى الإهلاك، ويجوز أن المراد منه موضع الهلاك. # وقوله: {وإنا لصادقون} أي: ننكر قتل صالح، وقالوا ذلك؛ لأنهم خافوا من ~~عشيرته. # PageV04P105 # {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ~~أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك ~~لآية لقوم يعلمون (52) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) ولوطا إذ قال ~~لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) أئنكم لتأتون الرجال شهوة من} # PageV04P106 # قوله تعالى: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا} أي: دبروا تدبيرا ودبرنا تدبيرا، ~~فروي أن الله تعالى بعث بالملائكة حتى شدخوا رءوسهم بالأحجار. وقال الضحاك: ~~كان صالح يدخل كهفا في الجبل يعبد الله، فدبروا أن يدخلوا إليه ويقتلوه ~~غيلة، فذهبوا وجعلوا يترصدون ذلك، فأهوت حجارة من أعلى الجبل، فهربوا ~~ودخلوا، ms1188 فوقع الحجر على باب الغار وأطبق عليهم، فهذا معنى قوله: {ومكرنا ~~مكرا} . # وقوله: {وهم لا يشعرون} أي: لا يعلمون كيف مكرنا بهم. # PageV04P106 # قوله تعالى: {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم} أي: ما آل إليه مكرهم. # وقوله: {أنا دمرناهم وقومهم أجمعين} أي: أهلكنام وقومهم أجمعين. # PageV04P106 # قوله تعالى: {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} أي: خالية بما كفروا. # وقوله: {إن في ذلك لآية لقوم يعلمون} أي: يعلمون تدبيرنا ومكرنا بالكفار. # PageV04P106 # وقوله تعالى: {وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} قد بينا. وفي القصة: أن ~~قوم صالح لما أهلكهم الله تعالى جاء صالح إلى مكة وتوفي بها، وكذلك هود ~~عليه السلام. # PageV04P106 # قوله تعالى: {ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون} أي: ~~تعلمون أنها فاحشة. وقيل معنى قوله: {وأنتم تبصرون} أي: يراها بعضكم من بعض ~~فلا تستترون عنها. # PageV04P106 # وقوله: {أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون} قد ~~بينا. # PageV04P106 # قوله تعالى: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم ~~إنهم أناس يتطهرون} قد بينا. # PageV04P106 # {دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) فما كان جواب قومه إلا ان قالوا ~~أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) فأنجيناه وأهله إلا امرأته ~~قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58) قل ~~الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الله خير أما يشركون (59) أمن خلق ~~السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان ~~لكم أن} # PageV04P107 # قوله تعالى: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين} أي: ~~جعلناها من الباقين في العذاب. # PageV04P107 # قوله تعالى: {فأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين} في القصة: أن قوم ~~لوط خسف بهم، وتتبع الحجر الشذاذ منهم فأهلكهم. # وقوله: {فساء مطر المنذرين} أي: بئس مطر المنذرين، والمنذرون هم الذين ~~خوفوا بالهلاك. # PageV04P107 # قوله تعالى: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} قوله: {عباده ~~الذين اصطفى} . فيه أقوال: روي عن ابن عباس أنه قال: هم أصحاب رسول الله، ~~وعنه أيضا أنه قال: هم أمة محمد، وعنه ms1189 أيضا أنه قال: كل المؤمنين من ~~السابقين والخالفين. # وقوله: {آلله خير أما يشركون} أي: عبادة الله خير أم عبادة ما يشركون؟ ~~فإن قيل: ليس في عبادة غير الله خير أصلا، فكيف يستقيم معنى الآية؟ ~~والجواب: أنهم كانوا يعتقدون أن في ذلك خيرا، فخرجت الآية على ذلك. وقال ~~بعضهم: كانوا يعتقدون أن الأصنام آلهة، ولولا اعتقادهم لم يستقم قوله: ~~{آلله خير أما يشركون} . وقد حكى سيبويه أن العرب تقول: أيها الرجل، ~~الشقاوة خير أم السعادة؟ وهو يعلم أن لا خير في الشقاوة، وأن كل الخير في ~~السعادة. # وقال حسان بن ثابت: # (أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفداء) # وقال بعضهم: آلله خير أما يشركون معناه: الخير في هذا أم في هذا الذي ~~تشركون به مع الله؟ ويجوز أن يكون معناه: ثواب الله خير أو ثواب ما تشركون ~~به؟ . # PageV04P107 # قوله: {أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء} معناه: الخير # PageV04P107 # {تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن جعل الأرض قرارا ~~وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل ~~أكثرهم} فيما تقولون وتدعون من الآلهة، أم فيمن خلق السموات والأرض؟ أي: ~~أنشأهما # وقوله: {وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة} كل بستان ~~محوط عليه فهو حديقة. وقوله: {ذات بهجة} أي: ذات منظر حسن، وقيل: البهجة ما ~~يبتهج به. # وقوله: {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} أي: ما ينبغي لكم أن تفعلوا ذلك؛ ~~لأنكم لا تقدرون عليه. # وقوله: {أإله مع الله} استفهام بمعنى الإنكار أي: لا إله مع الله. # وقوله: {بل هم قوم يعدلون} أي: عن الحق، وقيل: يشركون معه غيره، ويجعلونه ~~عدلا له أي: مثلا # PageV04P108 # قوله تعالى: {أمن جعل الأرض قرارا} أي: موضعا يستقرون عليه. # وقوله: {وجعل خلالها أنهارا} أي: خلال الأرض. # وقوله: {وجعل لها رواسي} أي: جبالا ثوابت. # وقوله: {وجعل بين البحرين حاجزا} اختلف القول في البحرين، (منهم من قال: ~~بحر السماء والأرض) ، ومنهم من قال: بحر فارس والروم، ms1190 ومنهم من قال: البحر ~~المالح والعذب. وقوله: {حاجزا} قد بينا معنى الحاجز، ويقال: يكف الملح عن ~~العذب، والعذب عن المالح بقدرته، وهذا دليل على أنه يجوز أن يكف النار عن ~~الإحراق، والسيف عن القطع. # وقوله: {أإله مع الله} قد بينا. # وقوله: {بل أكثرهم لا يعلمون} أي: لا يعلمون مالهم وعليهم. # PageV04P108 # قوله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} إنما ذكر المضطر، وإن كان يجيب # PageV04P108 # {لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء ~~الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ~~ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون ~~(63) أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ثم ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله ~~قل} دعاء المضطر وغير المضطر؛ لأن رغبة المضطر أقوى، ودعاؤه أخضع. # وقوله: {ويكشف السوء} أي: الضر. # وقوله: {ويجعلكم خلفاء الأرض} أي: يجعل بعضكم خلفاء بعض، وقيل: يجعل ~~أولادكم خلفاءكم، وقال بعضهم معناه: يجعلكم خلفاء الجن في الأرض. # وقوله: {أإله مع الله قليلا ما تذكرون} وقرئ: " يذكرون) فقوله: {تذكرون} ~~، على المخاطبة. وقوله: " يذكرون " على المغايبة. # PageV04P109 # قوله تعالى: {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر} أي: يرشدكم. # وقوله: {ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} أي: مبشرة، قرئ: " نشرا " ~~أي: ناشزة. # وقوله: {بين يدي رحمته} أي: المطر. وقوله: {أإله مع الله تعالى الله عما ~~يشركون} أي: تقدس وارتفع عما يشركون. # PageV04P109 # قوله تعالى: {أمن يبدأ الخلق ثم يعيده} فقوله: {ثم يعيده} أي: يعيدهم ~~أحياء بعد موتهم. # وقوله: {ومن يرزقكم من السماء والأرض} معناه: من السماء بالمطر، ومن ~~الأرض بالنبات. # وقوله: {أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} أي: مع الله إلها ~~آخر؟ . # PageV04P109 # قوله تعالى: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون # PageV04P109 # {هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) قل لا يعلم من في السموات والأرض ~~الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65) بل ادارك علمهم في الآخرة بل ~~هم في شك منها بل هم ms1191 منها عمون (66) } أيان يبعثون) أي متى يبعثون؟ . # PageV04P110 # قوله تعالى: {بل ادارك} وقرئ: " بل أدرك "، فمنهم من قال: معناهما واحد، ~~ومنهم من قال: " ادارك " أي: تتابع وتلاحق، وقوله ((أدرك)) أى: فصل ولحق، ~~وأما معنى الآية: قال السدى: أى صاروا علماء في الآخرة بما لم يعلموا في ~~الدنيا، وهو في معنى قوله تعالى: {أسمع بهم وأبصر} وعن (ابن) سعيد الضرير ~~قال: " بل أدرك " أي: علموا في الآخرة أن الذي كانوا يوعدون حق. وهذا قريب ~~من الأول، وأنشدوا (للأخطل) : # (وأدرك علمي في سواءة أنها ... تقيم على الأوتار والمشرب الكدر) # أي: أحاط علمي بها أنها هكذا. وذكر علي بن عيسى: أن معنى بل هاهنا هو: لو ~~أدركوا في الدنيا ما أدركوا في الآخرة لم يشكوا. وقال الفراء: قوله: {بل ~~أدرك علمهم في الآخرة} أي: غاب علمهم وسقط في الدنيا، على معنى أنهم لم ~~يعلموا. وعن ابن عباس أنه قرأ: " بلى ادارك " على طريق الاستفهام: أي لم ~~يتدارك، وهذا يؤيد قول الفراء. # وقوله: {بل هم في شك منها} أي: هم في شك منها اليوم. # وقوله: {بل هم منها عمون} أي: لا يهتدون إليها، ويقال: بل الأولى بمعنى ~~لو على ما بينا، وبل الثانية على معنى أم، وبل الثالثة على حقيقتها. وذكر ~~بعض أهل العلم أن قوله: {بل ادارك علمهم} أي: تدارك ظنهم في الآخرة ~~(وتتابع) بالقول بالظن والحدس. # وقوله: {بل هم منها عمون} أي: هم جهلة بالآخرة. # PageV04P110 # {وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (67) لقد وعدنا ~~هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما ~~يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) قل عسى أن} # PageV04P111 # قوله تعالى: {وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون} قد ~~بينا. # PageV04P111 # وقوله: {لقد وعدنا} إلى آخر الآية قد سبق. # PageV04P111 # قوله: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} أي: من قوم ~~صالح، وقوم لوط، وأصحاب الحجر، ms1192 وغيرهم. # PageV04P111 # قوله تعالى: {ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق} أي: لا يضيق قلبك مما ~~يمكرون، ومكرهم وحيلتم بالباطل. # PageV04P111 # وقوله تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} أي: القيامة. # PageV04P111 # وقوله: {قل عسى أن يكون ردف لكم} وردفكم بمعنى واحد، ويقال: ردف لكم، ~~وردفكم أي: دنا لكم. قال أبو عبيدة: جاء بعدكم، وقال القتيبي: تبعكم، ومنه ~~ردف المرأة الرجل، قال الشاعر: # (عاد السواد بياضا في مفارقه ... لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا) # وقوله: {بعض الذي تستعجلون} يقال: هو القتل يوم بدر، ويقال: إنه عذاب ~~الآخرة. # PageV04P111 # قوله تعالى: {إن ربك لذو فضل على الناس} أي: أفضال على الناس، وفي بعض ~~الأخبار: أن النبي قال: " يحشر الخلق يوم القيامة فيؤتى بقوم فيقال لهم: لم ~~عبدتم ربكم؟ فيقولون: يا رب، وعدتنا بالجنة فعبدناك طمعا فيها وشوقا إليها، ~~فيدخلهم الجنة، ثم يؤتى بقوم فيقال لهم: لم عبدتم ربكم؟ فيقولون: يا رب، ~~خوفتنا من النار فعبدناك خوفا منها، فينجيكم الله من النار ويدخلهم الجنة، ~~ثم يؤتى بقوم فيقال لهم: لم عبدتم ربكم؟ فيقولون محبة لك، فيتجلى لهم الرب ~~تعالى فينظرون إليه، فذلك قوله: {وإن ربك لذو فضل على الناس} . والخبر غريب ~~جدا. # PageV04P111 # {يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن ~~أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) وما من ~~غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين (75) إن هذا القرآن يقص على بني ~~إسرائيل أكثر الذين هم فيه يختلفون (76) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ~~ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78) فتوكل # وقوله: {ولكن أكثرهم لا يشكرون} أي: نعم الله. # PageV04P112 # قوله تعالى) : {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم} أي: تخفى صدورهم. # وقوله: {وما يعلنون} ظاهر المعنى. # PageV04P112 # قوله تعالى: {وما من غائبة في السماء والأرض} أي: جملة غائبة من جميع ~~الغائبات، وقيل: وما من خبر غائب. # وقوله: {إلا في كتاب مبين} هو: اللوح المحفوظ. # PageV04P112 # قوله تعالى: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه ms1193 ~~يختلفون} أي: يبين لبني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون. # PageV04P112 # قوله تعالى: {وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين} فيه قولان: أحدهما: أنه الرسول، ~~والآخر: أنه القرآن. # PageV04P112 # قوله تعالى: {وإن ربك يقضي بينهم بحكمه} أي: يفصل بينهم بحكمه الحق. # وقوله: {وهو العزيز الحكيم} أي: المنيع في ملكه، العليم بأمر خلقه. # PageV04P112 # قوله تعالى: {فتوكل على الله} أي: ثق بالله. {إنك على الحق المبين} أي: ~~الحق المبين. # PageV04P112 # قوله تعالى: {إنك لا تسمع الموتى} المراد من الموتى هاهنا: هم الكفار، ~~وهو مثل قوله تعالى: {أموات غير أحياء} فسماهم موتى؛ لأنهم ميتوا القلب؛ ~~ولأنهم لم ينتفعوا صاروا كالموتى. # PageV04P112 # {على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم ~~الداء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا} ~~وأنشد بعضهم: # (لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن (أنادي)) # وقوله: {ولا تسمع الصم الدعاء} وقرئ: " لا يسمع الصم الدعاء " فقوله: {لا ~~تسمع} على مخاطبة النبي، وقوله: " لا يسمع الصم الدعاء " على الخبر. # وقوله: {إذا ولوا مدبرين} أي: معرضين، فإن قيل: إذا كانوا صما، فما معنى ~~قوله: {إذا ولوا مدبرين} فإذا كانوا صما فهم لا يسمعون، سواء ولوا مدبرين ~~أو لم يولوا؟ قلنا: الأصم إذا كان حاضرا فقد يسمع إذا شدد في الصوت، وقد ~~يعلم بنوع إشارة؛ فإذا ولى مدبرا لم يسمع أصلا، ويجوز ن يكون ذكره على طريق ~~التأكيد والمبالغة. # PageV04P113 # قوله تعالى: {وما أنت بهادي لعمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن ~~بآياتنا} أي: جاء قاصدا للإيمان بآياتنا، وقيل: لا تسمع إلا المؤمنين. # وقوله: {فهم مسلمون} أي: لله. # PageV04P113 # قوله تعالى: {وإذا وقع القول عليهم} أي: حق العذاب عليهم، وقال قتادة: ~~إذا غضب الله عليهم. وعن ابن عمر: إذا لم يأمروا بمعروف، ولم ينهوا عن ~~منكر. # وقوله: {أخرجنا لهم دابة من الأرض} روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~أنه قال: ليست بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية. كأنه يشير إلى أنه رجل وليست ~~بدابة، والأكثرون على أنها ms1194 دابة، (وهي) تخرج في آخر الزمان. # ويقال: إن أول أشراط الساعة طلوع لشمس من مغربها وخروج دابة الأرض. # وقال ابن عباس: لها زغب وريش وأربع قوائم. # PageV04P113 # {من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة ~~من الأرض} # وعن ابن الزبير قال: هي دابة رأسها من رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها ~~أذن فيل، وقرنها قرن إبل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، وجلدها جلد ~~نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين منها اثنا عشر ~~ذراعا. # وقال ابن مسعود: تخرج من الصفا تجري كجري الفرس ثلاثة أيام لا يخرج إلا ~~ثلثها، ويبلغ رأسها السماء. # وفي بعض المسانيد: عن النبي أنه قال: (" بئس الشعب شعب جياد، قيل: ولم يا ~~رسول الله؟ قال) : تخرج منه الدابة، وتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين ~~الخافقين ". # وعن حذيفة بن أسيد قال: تخرج الدابة ثلاثا، تخرج الخرجة الأولى ببعض ~~الأودية، ثم تكمن، ثم تخرج في قبائل العرب، ثم تخرج في جوف، وأشار إلى أنها ~~تخرج في المسجد الحرام. # وعن عبد الله بن عباس أنه صعد الصفا وقرع بعصاه الحجر وقال: إن الدابة ~~لتسمع قرع عصاي هذه. وروى قريبا من هذا عن عبد الله بن عمرو. # وقد روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن خالد بن أوس، عن أبي هريرة # PageV04P114 # أن النبي قال: " تخرج الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه ~~المؤمن، وتحطم وجه الكافر، حتى إن القوم يجتمعون على الخوان فتقول: هذا ~~لهذا يا كافر، وتقول: هذا لهذا يا مؤمن ". قال الشيخ الإمام رضي الله عنه: ~~أخبرنا بهذا الخبر أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، أخبرنا ~~أبو العباس بن سراج، أخبرنا أبو العباس بن محبوب، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، ~~أخبرنا عبد بن حميد، عن روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، الحديث. # وفي التفسير: أن دابة الأرض تسم وجه المؤمن بنكتة بيضاء، فيبيض بها وجهه، ~~وتسم وجه الكافر بنكتة سوداء، فيسود بها وجهه. وعن ms1195 عبد الله بن مسعود أنه ~~قرأ قوله تعالى: {وإذا وقع لقول عليهم} ثم قال: طوفوا بالبيت قبل أن يرفع، ~~واقرءوا القرآن قبل أن يرفع، وقولوا لا إله إلا الله قبل أن تنسى، ثم ذكر ~~أنه يأتي زمان ينسى الناس فيه قول لا إله إلا الله، وتقع الناس في أشعار ~~الجاهلية. # وقوله: {تكلمهم} وقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير وعاصم الجحدري: " تكلمهم " ~~أي: تجرحهم، والكلم هو الجراحة، ويقال: تسمهم، قال الشاعر: # ((في الكلم مطرقا يكذب عن إعرابه ... بنقص الآية الكلم إذا الكلم التام)) # والقراءة لمعروفة: {تكلمهم} وقال بعض أهل لعلم: ظهور الآية منها كلام، ~~ونطق على وجه المجاز لا أنها تتكلم، والأصح أنها تتكلم، واختلف القول أنها ~~بماذا تتكلم؟ فأحد القولين: أن كلامها أن هذا مؤمن وهذا كافر، والقول ~~الآخر: أنها تتكلم بما قال الله تعالى: {أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} ~~. # وقرئ: " أن " و " إن " بنصب الألف وكسره، فمن قرأ " أن " بنصب الألف ~~فمعناه: بأن، ومن قرأ: " إن " فعلى الاستئناف، وقرأ أبي بن كعب: " دابة ~~تنبئهم "، وفي بعض # PageV04P115 # {تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82) ويوم نحشر من كل أمة فوجا ~~ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم ~~تحيطوا} القراءة: " تحدثهم " وفي قراءة ابن مسعود: " تكلمهم بأن الناس ~~كانوا بآياتنا لا يوقنون ". # PageV04P116 # قوله تعالى: {ويوم نحشر من كل أمة فوجا} له من كل قرن فوجا. وقوله: {ممن ~~يكذب بآياتنا} . أي: من المكذبين، وليس " من " هاهنا للتعبيض؛ لأن جميع ~~المكذبين يحشرون. # وقوله: {فهم يوزعون} أي: يساقون إلى النار، فإن قيل: وغير المكذبين أيضا ~~يحشرون؟ قلنا: الحشر الذي يساق فيه إلى النار إنما يكون للمكذبين. # PageV04P116 # قوله تعالى: {حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما} أي: ~~جاهلين بالأمر، وقيل: بعاقبة لتكذيب. # وقوله: {أماذا كنتم تعملون} استفهام على طريق الإنكار. # PageV04P116 # قوله تعالى: {ووقع القول عليهم بما ظلموا} أي: وجب العذاب عليهم بما ~~أشركوا. # وقوله: {فهم لا ينطقون} قال قتادة: كيف ينطقون ولا حجة لهم؟ # PageV04P116 # قوله تعالى: ms1196 {ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه} قد بينا. # وقوله: {والنهار مبصرا} أي: ذا إبصار، قال الشاعر: # (كلينى لهم [يا أميمة] ناصب ... ) # أي: ذا نصب، وقيل: مبصرا أي: تبصر فيه، كما يقال: ليل نائم أي: ينام فيه ~~قال الشاعر: # PageV04P116 # {بها علما أماذا كنتم تعملون (84) ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ~~ينطقون (85) ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون (86) ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في ~~الأرض إلا من} # (تقول سليمى لا تعرض ببلغة ... وليلك عن ليل الصعاليك نائم) # أي: تنام فيه. # وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} ظاهر المعنى. # PageV04P117 # قوله تعالى: {ويوم ينفخ في الصور} قد بينا. وقوله: {ففزع من في السموات ~~ومن في الأرض} أي: فصعق من في السموات ومن في الأرض، وإنما ذكر الفزع يؤد ~~بهم إلى الصعقة، ويقال: ينفخ إسرافيل عليه السلام ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ~~ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين، وقد ذكر أن الحسن البصري قال: ~~الصور هو الصور، وأول بعضهم كلامه، وقال: إن الأرواح تجعل في [القرن] ثم ~~ينفخ فيه، فتذهب الأرواح إلى الأجساد، وتحيا الأجساد. # وقوله: {إلا من شاء الله} فيه قولان: أحدهما: أن المراد من ذلك جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وملك الموت صلوات الله عليهم، والقول الآخر: أن المراد ~~منه الشهداء. وفي بعض الآثار: الشهداء ثنية الله أي: الذين استثناهم الله ~~تعالى، وإنما صح الاستثناء فيهم؛ لأنهم أحياء كما قال الله تعالى. وفي بعض ~~الأخبار: " هم أحياء متقلدوا السيوف يدورون حول العرش. # وقوله: {وكل آتوه داخرين} أي: صاغرين وقرئ: " وكل أتوه " على الماضي، ~~والمعنى متقارب. # PageV04P117 # قوله تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة} أي: واقفة. # وقوله: {وهي تمر مر السحاب} أي: تسير سير السحاب، وهذا كما أن سير السحاب ~~لا يرى لعظمه، كذلك سير الجبال يوم القيامة لا يرى لكثرتها، قال الشاعر: # PageV04P117 # {شاء الله وكل أتوه داخرين (87) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه ms1197 خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة ~~فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون (89) } # (بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج) # أي: تتهملج. # وقوله: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} أي: أحكم كل شيء. # وقوله: {إنه لخبير بما تفعلون} أي: بما تصنعون. # PageV04P118 # قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله خير منها} أي: له منها خير، وقال بعضهم: ~~له خير يصل إليه منها، ومنهم من قال: خير منها أي: أنفع منها، وأما الحسنة ~~ففي قول عامة المفسرين هي قول لا إله إلا الله، وقيل: هي كل طاعة، وعن أبي ~~ذر أنه سئل وقيل له: قول لا إله إلا الله حسنة؟ فقال: هي أحسن الحسنات. # وقوله: {وهم في فزع يومئذ آمنون} قد بينا معنى الفزع من قبل، وقرئ: " فزع ~~يومئذ " على الإضافة، وقرئ: " فزع يومئذ " على التنوين، قال أبو على ~~الفارسى: ((فزع يومئذ)) على التنوين، يدل على التكثير، و: " فزع يومئذ " ~~على الإضافة لا يدل على التكثير. # PageV04P118 # قوله تعالى: {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} وقوله: {هل تجزون ~~إلا ما كانوا يعملون} ظاهر المعنى. # وقال بعضهم في قوله: {خير منها} : إنما قال هذا؛ لأن جزاء الحسنات مضاعف ~~أي: أن يبلغ العشر وزيادة فقوله: {خير منها} أي: أكثر منها. # PageV04P118 # قوله تعالى: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها} وقرأ ابن ~~مسعود وابن عباس: " التي حرمها " فقوله: {التي حرمها} ينصرف إلى البلدة، ~~(وقوله: {الذي} ينصرف إلى الله، وهو المعروف، وأما التحريم فهو تحريم ~~الصيد، وكان ما ذكرناه من قبل) . # PageV04P118 # {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (90) ~~إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من ~~المسلمين (91) وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل ~~إنما أنا من المنذرين (92) وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك ~~بغافل عما تعملون (93) } # وقوله: {وله كل شيء} أي: ولله كل شيء. وقوله: {وأمرت أن أكون من ~~المسلمين} . أي: ms1198 من المسلمين لله. # PageV04P119 # قوله تعالى: {وأن أتلو القرآن} أي: وأمرت أن أتلو القرآن، قال أهل العلم: ~~نتلوا ونعمل به، وعن الحسن البصري قال: أمر الناس أن يعملوا بالقرآن، ~~فاتخذوا تلاوته عملا. # وقوله: {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} أي: نفع اهتدائه راجع إليه. # وقوله: {ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين} أي: المخوفين. # PageV04P119 # قوله تعالى: {وقل الحمد لله} هو خطاب للنبي وسائر المؤمنين. # وقوله: {سيريكم آياته} أي: دلالاته. # وقوله: {فتعرفونها} أي: تعرفون الدلالات. # وقوله: {وما ربك بغافل عما تعملون} ظاهر المعنى. # وقد ورد خبر في الآية المتقدمة، وهو قوله تعالى: {من جاء بالحسنة} ، فإن ~~أكثر المفسرين على أن المراد من الحسنة الإيمان، ومن السيئة الشرك، وقد روى ~~صفوان بن عسال المرادي، أن النبي قال: " يأتي الإيمان والشرك يوم القيامة ~~(فيجثوان بين يدي الرحمن، ويطلب كل واحد منهما أهله) ، فيقول الله تعالى ~~للإيمان: انطلق بأهلك إلى الجنة، ويقول الله تعالى للشرك: انطلق بأهلك إلى ~~النار، وتلا قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله خير منها} الآية ". والخبر ~~غريب، والله أعلم. # PageV04P119 # بسم الله الرحمن الرحيم # {طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق ~~لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم} # تفسير سورة القصص # وهي مكية إلا قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب} إلى قوله تعالى: {لا ~~نبتغي الجاهلين} . # وفي هذه السورة آية ليست بمكية ولا مدنية، وهي قوله تعالى: {إن الذي فرض ~~عليك القرآن لرادك إلى معاد} نزلت هذه الآية بين مكة والمدينة، ورسول الله ~~بالجحفة، وهو منزل من المنازل، وذلك حين هاجر النبي من مكة إلى المدينة. # PageV04P120 # قوله تعالى: {طسم} قال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعن الحسن أنه قال: ~~هو اسم من أسماء السورة، وعن ابن عباس في رواية قال: هو اسم الله الأعظم، ~~وقد بينا غير هذا. # PageV04P120 # وقوله: {تلك آيات الكتاب المبين} يقال: بان وأبان بمعنى واحد، وكذلك ~~قولهم: بينت الشيء وأبينه. وقال الزجاج: المبين للحلال من الحرام، والحق من ~~الباطل. # PageV04P120 # قوله ms1199 تعالى: {نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق} أي: بالصدق. # وقوله: {لقوم يؤمنون} أي: يصدقون، والنبأ اسم للخبر. # PageV04P120 # قوله تعالى: {إن فرعون علا في الأرض} أي: تكبر وتجبر، ويقال: طغى وقهر، ~~والأرض هي أرض مصر. {وجعل أهلها شيعا} أي: فرقا. # وقوله سبحانه وتعالى: {يستضعف طائفة منهم} المراد من الطائفة: بنو # PageV04P120 # {يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) ونريد أن نمن على} ~~إسرائيل، وتفسير الاستضعاف: ما يذكر من بعد، وهو قوله تعالى: {يذبح أبناءهم ~~ويستحيي نساءهم} وقرئ في الشاذ: " يذبح أبناءهم " بغير التشديد، وسمي هذا ~~استضعافا؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفع هذا عن أنفسهم، وذكر وهب بن منبه ~~وغيره: أن فرعون رأى في منامه كأن نارا خرجت من جانب الشام حتى أحاطت بمصر، ~~وأحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل، فلما أصبح دعا الكهنة، وأخبرهم برؤياه، ~~فقالوا: يخرج رجل من بني إسرائيل يكون هلاكك وهلاك القبط على يده. وبعضهم ~~روى أنهم قالوا: يولد مولود؛ فحينئذ أمر فرعون بذبح الذكور من أولاد بني ~~إسرائيل واستبقاء إناثهم. قال الزجاج: وهذا من حمقه؛ لأنه إن كانت الكهنة ~~صادقين فما يغني القتل، وإن كانوا كاذبين فلا معنى للقتل أيضا. قال وهب: ~~فلما فعلوا ذلك في ولدان بني إسرائيل، وتسارع الموت إلى شيوخهم، فاجتمع ~~الأشراف من القبط إلى فرعون، وقالوا له: إنك تقتل أولاد بني إسرائيل، وقد ~~تسارع الموت إلى شيوخهم، فعن قريب لا يبقى منهم [أحد] ، وترجع الأعمال ~~إلينا، وقد كانوا يستعملون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة. # قال السدي في قوله: {وجعل أهلها شيعا} كانوا جعلوا بني إسرائيل فرقا، ~~ففرقة يبنون، وفرقة يحرثون ويزرعون، وفرقة يغرسون، وفرقة يرعون الدواب، إلى ~~مثل هذا من الأعمال، ومن لم يمكنه أن يعمل عملا كان يؤخذ منه الجزية، فلما ~~سمع فرعون قولهم أمر أن يقتلوا الأولاد سنة ولا يقتلون سنة، فولد هارون ~~عليه السلام في السنة التي لا يقتل فيها الأولاد، وولد موسى في السنة التي ~~يقتل فيها الأولاد. # وقوله: {إنه كان من المفسدين} أي: في الأرض. # PageV04P121 # قوله تعالى: {ونريد ms1200 أن نمن} أي: ننعم. # PageV04P121 # {الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم ~~في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (6) وأوحينا إلى ~~أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا ~~رادوه إليك} # وقوله: {على الذين استضعفوا في الأرض} أي: بني إسرائيل. # وقوله: {ونجعلهم أئمة} أي: ولاة. # وقوله: {ونجعلهم الوارثين} أي: الوارثين لملك فرعون والقبط، وقد روي أن ~~فرعون لما أغرقه الله، رجع بنو إسرائيل إلى مصر، واستعبدوا من بقي من ~~القبط. # PageV04P122 # قوله تعالى: {ونمكن لهم في الأرض} أي: نجعل لهم مصرا مكانا يستقرون فيه. # وقوله: {ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} الحذر هو ~~التوقي من الضرر. # PageV04P122 # قوله تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى} في القصة: أن أم موسى لما حبلت بموسى ~~لم يظهر عليها الحمل كما يظهر على النساء، وولدت ولم يعلم بولادتها أحد، ~~وجعلت ترضعه في خفية، ثم إنها خشيت أن يطلع عليه الناس ويذبح، فألقى الله ~~تعالى في قلبها ما ذكره في هذه الآية. # والوحي هو الإعلام في خفية، فأكثر المفسرين على أن معنى قوله: {وأوحينا ~~إلى أم موسى} هو إلهامها، وألقى هذا المعنى في قلبها، وقال بعضهم: رأت ذلك ~~رؤيا، [وقال] بعضهم: هو الوحي حقيقة، وأتاها الملك بهذا من الله، إلا أنها ~~لم تكن نبية. # وقوله: {أن أرضعيه} اختلف القول في مدة الرضاع، منهم من قال: ثمانية ~~أشهر، ومنهم من قال: أربعة أشهر، ومنهم من قال: ثلاثة أشهر. # وقوله: {فإذا خفت عليه فألقيه في اليم} الخوف عليه هو لخوف من الذبح. # PageV04P122 # {وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن ~~فرعون} # وقوله: {فألقيه في اليم} اليم: البحر، والمراد منه هاهنا على قول جميع ~~المفسرين هو النيل، قال ابن عباس: دعت بنجار واتخذت تابوتا، فذهب ذلك ~~النجار وأخبر فرعون، وجاء بالأعوان، فطمس الله على عينه حتى لم يهتد إلى ~~شيء، فعاهد مع الله إن رد عليه بصره ليصرفن الأعوان عنه، فرد الله بصره ~~عليه، ms1201 فصرف الأعوان، ثم إنه آمن بموسى عليه السلام من بعد، وهو مؤمن آل ~~فرعون، واسمه حزقيل. # وقوله: {ولا تخافي ولا تحزني} أي: لا تخافي عليه من الغرق، وقيل: من ~~الضيعة، وقوله: {ولا تحزني} أي: ولا تحزني على فراقه. # وقوله: {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} ظاهر المعنى، وقد اشتملت ~~الآية على أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين، أما الأمران: فقوله: {أن أرضعيه} ~~، وقوله: {فألقيه في اليم} ، وأما النهيان: فقوله: {ولا تخافي ولا تحزني} ، ~~وأما الخبران: فقوله: {وأوحينا إلى أم موسى} وكذلك قوله: {فإذا خفت عليه} ~~وأما البشارتان: فقوله تعالى: {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} ، ~~الآية تعد من فصيح القرآن. # PageV04P123 # قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون} الالتقاط هو وجود الشيء من غير طلب. وفي ~~القصة: أن أم موسى وضعت موسى في التابوت، وجاءت به وألقته في النيل، فمر به ~~الماء إلى جانب دار فرعون، وقد كانت الجواري خرجن لاستقاء الماء، فرد الماء ~~التابوت في المشرعة التي يستقون منها، ويقال: تعلق التابوت بالشجر التي ~~كانت ثم، وموسى هو بالعبرية موشى، و " مو " هو الماء، و " شى " هو الشجر، ~~وسمي موشى؛ لأنه وجد بين الماء والشجر، فأخذت الجواري التابوت، وذهبن به ~~إلى امرأة فرعون، وهي آسية بنت مزاحم، ويقال: إنها كانت من بني إسرائيل، ~~وكان فرعون نكح منهم هذه المرأة. # وقوله: {ليكون لهم عدوا وحزنا} (هذه اللام لام العاقبة، وقيل: لام ~~الصيرورة، فإنهم ما التقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا) ، ولكن صار أمرهم إلى ~~هذا، فذكر # PageV04P123 # {وهامان وجنودهما كانوا خاطئين (8) وقالت امراة فرعون قرت عين لي ولك لا ~~تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) وأصبح فؤاد أم موسى} ~~اللام على معنى الصيرورة، وهذا كقول الشاعر: # (أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها) # وقوله: {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} أي: تاركين طريق الحق. # PageV04P124 # قوله تعالى: {وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك} في الخبر: أن امرأة ~~فرعون حملت الصبي إلى فرعون، وقالت: قرة عين لي ولك، فقال فرعون: قرة عين ~~لك، ms1202 فأما لي فلا. وفي هذا الخبر أن النبي قال: " لو قال فرعون قرة عين لي، ~~لهداه الله تعالى كما هدى امرأته " والخبر غريب. # وفي بعض التفاسير: أن فرعون قصد قتله، وقال: لعله من الأعداء، فاستوهبته ~~امرأته فوهبه لها. # وقوله: {لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا} روي أن آسية لم يكن لها ~~ولد، وقيل: كان يموت أولادها، فقالت: أو نتخذه ولدا لهذا. # وقوله: {وهم لا يشعرون} أي: لا يعلمون حقيقة الأمر. # PageV04P124 # قوله تعالى: {وأصبح} قيل: وأصبح أي: صار، ويقال: هو على حقيقته، ~~واستعماله في هذا الموضع على طريق المجاز، ومعناه: أصبحت أم موسى وفؤادها ~~فارغا، واختلف القول في قوله {فارغا} الأكثرون على أن المراد به فارغا من ~~كل شيء إلا من ذكر موسى والوجد عليه، هذا قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد # PageV04P124 # {فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين (10) ~~وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون (11) وحرمنا عليه المراضع ~~من} وقتادة والضحاك وغيرهم. # والقول الثاني: أن قوله: {فارغا} أي: فارغا من الحزن عليه لعلمها بصدق ~~وعد الله تعالى، وهذا قول أبي عبيدة، وأنكر القتيبي وغيره هذا القول، ~~وقالوا: كيف يصح هذا والله تعالى يقول: {إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا ~~على قلبها} ؟ والقول الثالث: " فارغا " أي: ناسيا للوحي الذي أنزل عليها، ~~والعهد الذي أخذ عليها بألا تحزني من شدة البلية عليه، وهذا معنى قول ~~الحسن، وقرئ في الشاذ: " فزعا "، وقد بينا أن معنى قوله: {فأصبح} أي: صار، ~~وأنشدوا في هذا شعرا: # (مضى الخلفاء بالأمر الرشيد ... وأصبحت المذمة للوليد) # وقوله: {إن كادت لتبدي به} قال ابن عباس: كادت تقول: يا إبناه. # وقوله: {لولا أن ربطنا على قلبها} أي: بالصبر، وقيل: بالإيمان بالوعد، ~~وقيل: بالعصمة. # وقوله: {لتكون من المؤمنين} أي: من المصدقين، # PageV04P125 # وقوله تعالى: {وقالت لأخته قصيه} في القصة: أن اسم [أخته] كانت مريم، ~~وقوله: {قصيه} أي: اتبعي أثره، ومنه القصص؛ لأنها رواية يتبع بعضها بعضا. # وقوله: {فبصرت به عن جنب} ms1203 أي: [عن بعد] ، وقيل: عن جانب، وفي القصة: أنها ~~كانت تمشي جانبا، وتنظر مختلسة وتري الناس أنها لا تنظر. # وقوله: {وهم لا يشعرون} أي: لا يشعرون أن هلاكهم على يد موسى، وقيل: وهم ~~لا يعلمون أن الصبي موسى، وأن طالبه أمه وأخته، وأنشدوا قول الشاعر عن جنب ~~بمعنى بعد: # PageV04P125 # {قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون (12) فرددناه ~~إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (13) } # (فلا تسألني نائلا عن جنابة ... فإن امرؤ وسط القباب غريب) # PageV04P126 # قوله تعالى: {وحرمنا عليه المراضع من قبل} أي: منعناه من قبول الرضاع، ~~وليس المراد من التحريم هو التحريم الشرعي؛ وإنما المراد من التحريم هو ~~المنع، قال امرؤ القيس شعرا: # (جالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعى عليك حرام) # أي: ممتنع، وفي القصة: أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثديا، ويصيح وهم في ~~طلب مرضعة له. # وقوله: {فقالت هل أدلكم} يعني: قالت أخت موسى: هل أدلكم {على أهل بيت ~~يكفلونه لكم} ؟ . # وقوله: {وهم له ناصحون} أي: عليه مشفقون، والنصح ضد الغش، وقيل: النصح ~~تصفية العمل من شوائب الفساد، ومنه قوله: " إلا إن الدين النصيحة. قيل: ~~لمن؟ قال: لله ولرسوله وكتابه والمؤمنين " والخبر ثابت، رواه تميم الداري. # وفي لقصة: أن قوم فرعون استرابوا بقول أخت موسى فقالوا: [إنك] تعرفينه، ~~وإلا فما معنى نصحك له؟ فألهمها الله تعالى حتى قالت: قلت هذا رغبة في سرور ~~الملك واتصالنا به، وروي أن أم موسى لما أتي بها، ووجد موسى ريحها، (نزا) ~~إلى ثديها فجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريا، وقال السدي: كانوا يعطونها كل ~~يوم دينارا. # PageV04P126 # {ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) ودخل ~~المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا ~~من} # PageV04P127 # وقوله: {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها} أي: تقر عينها برد موسى إليها ~~{ولا تحزن} أي: ولئلا تحزن. # وقوله: {ولتعلم أن وعد الله ms1204 حق} لأنه كان قد وعدها أنه يرده إليها. # وقوله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي: لا يعلمون أن وعد الله حق. # PageV04P127 # قوله تعالى: {ولما بلغ أشده} قال ابن عباس: الأشد: ثلاثون سنة، وعن سفيان ~~الثوري: أربع وثلاثون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون سنة، وقيل خمس وعشرون سنة، ~~وقيل: عشرون سنة، وقيل: [ثماني عشرة] سنة. # وقوله: {واستوى} قال ابن عباس: أربعون سنة، وعن غيره: {استوى} أي: انتهى ~~شبابه. # وقوله: {آتيناه حكما وعلما} أي: الفقه والعقل والعلم. # وقوله: {وكذلك نجزي المحسنين} ظاهر المعنى. # PageV04P127 # قوله تعالى: {ودخل المدينة} في التفسير: أن المدينة كانت مدينة عين شمس، ~~وقيل: مدينة منف، وعن السدي قال: كان موسى يركب من مراكب فرعون، ويلبس من ~~ملابسه، وكان يسمى ابن فرعون، فركب فرعون مرة في حشمه إلى بعض المدائن، ~~وكان موسى غائبا فرجع وقد ركب فرعون، فركب في أثره، فوصل إلى المدينة وقت ~~القائلة، وقد اشتغل الناس بالقيلولة، فهو معنى قوله: {ودخل المدينة على حين ~~غفلة من أهلها} أي: غفلوا عن ذكر موسى. # وقوله: {فوجد فيها رجلين يقتتلان} في القصة: أنه وجد قبطيا يسخر ~~إسرائيليا في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون، وقوله: {يقتتلان} أي: يختصمان ~~ويتنازعان، وقوله: {هذا من شيعته وهذا من عدوه} أى: الإسرائيلي من شيعته، ~~والقبطي من # PageV04P127 # {عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال ~~هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ~~فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين} عدوه، وكانت بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى؛ لأنهم كانوا يعلمون ~~أنه منهم، ويقال: {هذا من شيعته وهذا من عدوه} أي: هذا مؤمن وهذا كافر. # وقوله: {فاستغاثه الذي من شيعته} الاستغاثة: طلب المعونة، وقوله: {فوكزه ~~موسى} قرأ (ابن مسعود) : " فلكزه موسى " واللكز والوكز (واحد، وهو الضرب ~~بجمع الكف، وقيل الوكز هو الضرب في الصدر، واللكز) هو الضرب في الظهر. وفي ~~بعض التفاسير: (أن موسى) عقد ثلاثا وثمانين وضربه ms1205 ضربة به في صدره، وكان ~~شديد البطش، فقتل الرجل، فهو معنى قوله: {فقضى عليه} أي: قتله، يقال: قضى ~~فلان أي: مات. فإن قيل: كيف يجوز هذا على موسى؟ قلنا: وهو لم يقصد القتل، ~~وإنما وقع القتل خطأ، وكان قصده استنقاذ الإسرائيلي من ظلمه. # وقوله: {قال هذا من عمل الشيطان} أي: من تزيينه، وقوله: {إنه عدو مضل ~~مبين} أي: مضل بين الضلالة، # PageV04P128 # قوله تعالى: {قال رب إني ظلمت نفسي} يعني: بقتل القبطي من غير أمره ~~{فاغفر لي} أي: فاغفر لي بما عملت. # وقوله: {فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} أي: غفر الله له، إن الله غفور ~~رحيم. # PageV04P128 # قوله تعالى: {قال رب بما أنعمت علي} مننت علي بالمغفرة. # وقوله: {فلن أكون ظهيرا للمجرمين} أي: معاونا للمجرمين، وفي بعض ~~التفاسير: أن قوله: {فلن أكون ظهيرا للمجرمين} كانت زلة من موسى حين لم ~~يقرن به مشيئة الله أو الاستغاثة من الله، وقلما يقول الإنسان هذا القول، ~~ويطلق هذا الإطلاق إلا ابتلى، فابتلى موسى في اليوم الثاني ما ذكره الله ~~تعالى، وهو قوله تعالى: # PageV04P128 # ( {17) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ~~قال له موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ~~قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون ~~جبارا في الأرض وما تريد} # PageV04P129 # {فأصبح في المدينة خائفا يترقب} . قال سعيد بن جبير: يلتفت ويقال: ينتظر ~~الطلب، وفي القصة: أن موسى حين قتل ذلك الرجل لم يره أحد، ودفن لرجل في ~~الرمل. وروي أن قومه وجدوه قتيلا، فجاءوا إلى فرعون وذكروا له ذلك. فقال: ~~اطلبوا قاتله لأقيده به، فجعلوا يطلبونه وموسى يخاف. # وقوله: {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه} أي: يستغيث به ويصيح به من ~~بعد، وكان ذلك الإسرائيلي سخره قبطي آخر، فبصر به موسى فطلب منه المعونة. # وقوله: {قال له موسى إنك لغوى مبين} الأكثرون أن هذا قاله موسى ~~للإسرائيلي، فإنه كان أغواه أمس أي: أوقعه في الغواية، فمعنى قوله: ms1206 {غوى} : ~~موقع في الغواية. # وقوله: {مبين} أي: بين، ويقال: إن هذا قاله للقبطي، والأصح هو الأول. # PageV04P129 # قوله تعالى: {فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما} في التفسير: إن ~~موسى أدركته الرقة والرحمة للإسرائيلي، فقصد أن يبطش بالقبطي، فظن ~~الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ لأنه كان قال له: " إنك لغوى مبين ". # وقوله: {قال يا موسى أتريد أن تقتلني} يعني: قال الإسرائيلي: {كما قتلت ~~نفسا بالأمس إن تريد} أي: ما تريد {إلا أن تكون جبارا في الأرض} ، أي: تقتل ~~على الغضب، وكل من قتل على الغضب فهو جبار، ويقال: من قتل نفسين بغير حق ~~فهو من جبابرة الأرض. # وقوله: {وما تريد أن تكون من المصلحين} أي: الرافقين بالناس، وفي القصة: ~~أن الإسرائيلي لما قال هذا وسمعه القبطي، عرف أن الذي قتل بالأمس إنما قتله ~~موسى، فمر إلى فرعون وذكر له ذلك، فبعث في طلب موسى ليقتله به. # PageV04P129 # قوله تعالى: {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى} يقال: كان اسمه شمعون، ~~ويقال: شمعان، وقيل: هو (حزقيل) مؤمن [من] آل فرعون. # PageV04P129 # {أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن ~~الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) فخرج منها خائفا ~~يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ~~ربي أن} # وقوله: {قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك} أي: يتشاورون في قتلك، وقيل: ~~يأمر بعضهم بعضا بقتلك، وقيل: إن فرعون قال: أين وجدتموه فاقتلوه. # وقوله: {فاخرج إني لك من الناصحين} أي: من الناصحين لك في الأمر بالخروج، ~~والنصح للإنسان هو الإشارة عليه بما يصلح أمره، وقد كان السلف يطلب هذا ~~بعضهم من بعض. قال أبو بكر رضي الله عنه حين خطب: إن أحسنت فأعينوني، وإن ~~زغت فقوموني. وروي أن رجلا قال لعمر: اتق الله يا عمر، فأنكر عليه بعضهم، ~~فقال عمر: دعه، فما نزال بخير ما قيل لنا هذا. وعن بعضهم أنه قيل له: أتريد ~~أن تنصح؟ قال: أما سرا ms1207 فنعم، وأما جهرا فلا. # PageV04P130 # قوله: {فخرج منها خائفا يترقب} أي: ينتظر الطلب، وفي القصة: أن فرعون بعث ~~لطلبه حين أخبر بهربه، وقال: اركبوا ثنيات الطريق، فإنه لا يعرف كيف ~~الطريق. # وروي أنه خرج متوهجا لا يدري أين ذهب، فبعث الله تعالى ملكا حتى هداه إلى ~~الطريق، وفي بعض التفاسير: أنه خرج حافيا يعدو ثمان ليال ليس معه زاد، قال ~~ابن عباس: وهو أول ابتلاء من الله لموسى يسقط خف قدمه، وجعل يأكل البقل حتى ~~كان يرى خضرته في بطنه. # وقوله: {قال رب نجني من القوم الظالمين} ظاهر المعنى. # PageV04P130 # قوله تعالى: {ولما توجه تلقاء مدين} أي: قبل مدين. # وقوله: {قال عسى ربي أن يهديني} أي: يرشدني ربي {سواء السبيل} أي: وسط ~~الطريق، ووسط الطريق هو السبيل الذي يوصل إلى المقصود، ومدين اسم رجل نسبت ~~البلدة إليه، قال الشاعر في المدائن: # PageV04P130 # {يهديني سواء السبيل (22) ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ~~ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء ~~وأبونا شيخ} # (رهبان مدين لو رأوك تنزلوا ... والعصم من شعف العقول الفادر) # وقال أهل المعاني: التوجه إلى جهة من الجهات. # وقوله: {تلقاء مدين} قال أبو عبيدة: نحو مدين. # وقوله: {عسى ربي أن يهديني سواء السبيل} قال مجاهد: طريق مدين. # PageV04P131 # قوله تعالى: {ولما ورد ماء مدين} يعني: لما ورد موسى ماء مدين، وهو بئر ~~كانوا يسقون منها أغنامهم ومواشيهم. # وقوله: {وجد عليه أمة من الناس يسقون} أي: جماعة. # وقوله: {ووجد من دونهم امرأتين} أي: سوى الجماعة امرأتين، وقيل: بعيدا من ~~الجماعة امرأتين. # وقوله: {تذودان} أي: تحبسان وتكفان أغنامهما من مخالطة أغنام الناس. # وقال قتادة: تزودان أي: تكفان الناس عن أغنامهما، قال الشاعر: # (فقد سلبت عصاك بنو تميم ... فلا أدري بأي عصا تذود) # وأنشد قطرب شعرا: # (أبيت على باب القوافي كأنما ... أذود بها سربا من الوحش نزعا) # وقوله: {ما خطبكما} أي: قال موسى للمرأتين: ما خطبكما؟ أي: ما شأنكما؟ ~~والخطب: الأمر المهم، وإنما سأل هذا عنهما؛ ms1208 لأنهما لا تسقيان الغنم مع ~~الناس. # وقوله: {قالتا لا نسقي} يعني: لا نسقي غنمنا، وقوله: {حتى يصدر الرعاء} ~~(وقرئ: " حتى يصدر الرعاء " فقوله: {حتى يصدر الرعاء} أي: يرجع الرعاء ~~بأغنامهم، وقوله: {حتى يصدر الرعاء} ) . أي: يصدر الرعاء أغنامهم، قال # PageV04P131 # (كبير (23) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير ~~فقير (24) فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ~~ما) قتادة. كانتا تسقيان أغنامهما ما تفضل من مياه القوم. وقال بعضهم: لم ~~تسقيا أغنامهما كراهة مزاحمة الرجال. # وقوله: {وأبونا شيخ كبير} لا يقدر على سقي الغنم، كأنهما جعلتا ذلك عذرا ~~لهما، وقيل: إنما قالتا ذلك استعطافا لقلب موسى حتى يسقيهما، قال ابن عباس: ~~وصل موسى أي: ماء مدين وخضرة البقل يرى في أمعائه من الهزال. # PageV04P132 # وقوله: {فسقى لهما} في القصة: أن القوم رجعوا بأغنامهم، وغطوا رأس البئر ~~بحجر، لا يرفعه إلا عشرة نفر، فجاء موسى ورفع الحجر وحده، وسقى غنم ~~المرأتين. ويقال: إنه نزع ذنوبا ودعا فيه بالبركة، فروى منه جميع الغنم. ~~وذكر ابن إسحاق: أن موسى زاحم القوم وأخرهم، ونحاهم عن رأس البئر وسقى غنم ~~المرأتين. # وقوله: {ثم تولى إلى الظل} يقال: كان ظل شجرة، ويقال: كان ظل حائط بلا ~~سقف. # وقوله: {فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} أجمع المفسرون على أنه ~~طلب من الله الطعام لجوعه، قال ابن عباس فلقة خبز، أو قبضة تمر. وقال سعيد ~~بن جبير: لم يكن على وجه الأرض أكرم منه، وكان محتاجا إلى شق تمرة. وقال ~~مجاهد: طلب الخبز. وفي بعض الآثار: أن الله تعالى أخرج للخبز بركات السموات ~~والأرض. وعن بعضهم: لولا الخبز ما عبد الله. والعرب تسمي الخبز جابرا، قال ~~بعضهم شعرا: # (لا تلوموني ولوموا جابرا ... فجابر كلفني الهواجرا) # يعني: العمل بالهاجرة. # PageV04P132 # قوله تعالى: {فجاءته إحداهما} في الآية حذف، وهو أن المرأتين رجعتا إلى ~~أبيهما، وأكثر أهل التفسير أن أباهما كان هو: شعيب النبي عليه السلام وقال ~~الحسن البصري: هو رجل ms1209 ممن آمن بشعيب، وقال بعضهم: هو ابن أخي شعيب، فلما # PageV04P132 # {سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ~~(25) قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) قال ~~إني أريد} رجعتا إلى أبيهما بسرعة أنكر رجوعهما، فذكرتا له قصة الرجل، فبعث ~~إحداهما في طلبه. # وقوله: {تمشي على استحياء} روى عمرو بن ميمون، عن عمر أنه قال: ليبست ~~بسلفع من النساء، ولا خراجة ولا ولاجة، ولكن وضعت كمها على وجهها استحياء. # وقوله: {قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا} أي: ليطعمك ويثيبك ~~أجر ما سقيت لنا أي: عوض ما سقيت لنا. قال أبو حازم سلمة بن دينار: لما سمع ~~موسى هذا أراد ألا يذهب ولكن كان جائعا، فلم يجد بدا من الذهاب، فمشت ~~المرأة ومشى موسى خلفها، فجعلت الريح تضرب ثوبها، وتصف عجيزتها، فكره موسى ~~ذلك، فقال: يا أمة الله، امشي خلفي وصفي لي الطريق، ففعلت كذلك، فلما وصل ~~موسى إلى دار شعيب، فإذا العشاء تهيأ، فقال: يا شاب، اجلس، فكل، فقال: معاذ ~~الله، إنا أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضا من الدنيا، فقال ~~له شعيب: إن هذا عاداتي وعادات آبائي، نقري الضيف ونطعم الطعام، فجلس وأكل. ~~هذا كله قول أبي حازم. # وقوله: {فلما جاءه وقص عليه القصص} يعني: ما لقي من فرعون وأمره من أوله ~~إلى آخره. # وقوله: {لا تخف نجوت من القوم الظالمين} إنما قال هذا؛ لأنه لم يكن ~~لفرعون سلطان على مدين، والظالمين: فرعون وقومه. # PageV04P133 # قوله تعالى: {قالت إحداهما يا أبت استأجره} أي: استأجره لرعي الغنم. وفي ~~القصة: أن شعيبا قال لابنته: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته ~~فلأنه حمل حجرا لا يحمله إلا عشرة من الرجال، وأما أمانته فإنه قال لي: امش ~~خلفي لئلا تصف # PageV04P133 # {أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) قال ms1210 ذلك ~~بيني} الريح بدنك، ويقال: القوى فيما ما يلي، والأمين فيما يستودع. # PageV04P134 # قوله تعالى: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} أكثر أهل التفسير: أنه ~~زوجه الصغرى منهما، واسمها صفوراء، وهي التي ذهبت لطلب موسى. # وقوله: {على أن تأجرني} أي: تكون أجيري، وقيل: على أن تثيبني. {ثماني ~~حجج} أي: ثمان سنين. # قوله: {فإن أتممت عشرا فمن عندك} يعني: هو تبرع من عندك. # وقوله: {وما أريد أن أشق عليك} أي: ما ألزمك تمام العشرة إلا أن تتبرع. # وقوله: {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} أي: الرافقين بك، وهو مثل قوله ~~تعالى: {قال اخلفني في قومي وأصلح} أي: ارفق. # PageV04P134 # قوله تعالى: {قال ذلك بيني وبينك} أي: هذا الشرط بيني وبينك. {أيما ~~الأجلين قضيت} أي: أي الأجلين قضيت، و " ما " صلة. # وقوله: {فلا عدوان علي} أي: لا أطلب بالزيادة، وقوله: {والله على ما نقول ~~وكيل} أي: شاهد، وقيل: حفيظ. وقد روي عن النبي أنه قال: " أجر موسى نفسه ~~بطعمة بطنه وعفة فرجة ". وفي بعض الأخبار: أن النبي سئل: أي # PageV04P134 # {وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل (28) ~~فلما قضى} الأجلين وفى موسى؟ قال: " أكملهما وأتمهما ". # وروى شداد بن أوس عن النبي: " أن شعيبا بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره، ~~(ثم بكى حتى عمي، فرد الله عليه بصره) ، ثم بكى حتى عمي، فقال الله تعالى: ~~لم تبك يا شعيب؟ أخوفا من النار أو طمعا في الجنة؟ فقال: لا يا رب، ولكن ~~أحبك وقال بعضهم: شوقا إلى لقائك قال: يا شعيب، ولذلك أخدمتك موسى كليمي " ~~والخبر غريب. # وأما قصة العصا: إن شعيبا قال لابنته: أعطي موسى عصا ليتقوى بها على رعي ~~الغنم، وكان عنده عصا أودعها ملك منه، فدخلت بنت شعيب، ووقعت هذه العصا ~~بيدها وخرجت بها، فقال شعيب: ردي هذه العصا، وخذي عصا أخرى، فردتها، وأرادت ~~أن تأخذ عصا أخرى فوقعت بيدها هذه العصا، هكذا ثلاث مرات، فسلم # PageV04P135 # {موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله ms1211 امكثوا إني ~~آنست نارا} شعيب العصا إلى موسى، وخرج موسى بالعصا، ثم إن الشيخ ندم فذهب ~~في أثره، وطلب منه أن يرد العصا إليه، وأبى موسى، فقالا: نتحاكم إلى أول من ~~يلقانا، فلقيهما ملك في صورة رجل، (فحكم بأن يطرح) العصا، فمن أطاق حملها ~~فهي له، فطرح موسى العصا، فجاء شعيب ليأخذها فلم يطق حملها، وجاء موسى ~~فأخذها وذهب بالعصا. أورد هذا وهب وابن إسحاق وغيرهما. # PageV04P136 # قوله تعالى: {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله} في القصة: أن موسى لما أتم ~~الأجل وسلم شعيب ابنته إليه، قال موسى للمرأة: اطلبي من أبيك ليجعل بعض ~~الغنم لنا، فطلبت من أبيها ذلك، فقال شعيب: كل ما ولدت هذا العام على غير ~~شيتها، وقيل: كلما ولدت بلقاء فهي لكما، فجاء موسى إلى الماء الذي تشرب منه ~~الغنم، ووضع العصا في الماء، وروي أنه كلما شربت شاة من الغنم فجعل يضرب ~~جنبها بالعصا، فولدت ذلك العام كلها على غير شيتها، وقال: ولدت بلقاء، ثم ~~إن موسى عليه السلام استأذن من شعيب ليرجع إلى مصر، يزور والدته وأخاه، ~~فأذن له، فسار بأهله إلى جانب مصر. # وقوله: {آنس من جانب الطور نارا} روي أن موسى كان رجلا غيورا، وكان يصحب ~~الرفقة بالليل، ويفارقهم بالنهار، فلما كانت الليلة التي أراد الله كرامته ~~فيها، أخطأ الطريق؛ لأن الظلمة اشتدت واشتد البرد، وانقطع عن الرفقة فجعل ~~يقدح الزند فلا يورى، ثم إنه أبصر نارا من قبل الطور، وكان نورا ولم تكن ~~نارا، فهو معنى قوله تعالى: {آنس من جانب الطور نارا} أي: أبصر. # وقوله: {قال لأهله امكثوا إني آنست نارا} أي: أبصرت نارا. # PageV04P136 # {لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) فلما أتاها ~~نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني ~~أنا الله رب العالمين} # قوله تعالى: {لعلي آتيكم منها بخبر} أي: بخبر عن الطريق؛ لأنه قد أخطأ ~~الطريق، وقوله: {أو جذوة من النار} أي: قطعة من النار، وقيل: عود في رأسه ms1212 ~~نار. # وقوله: {لعلكم تصطلون} أي: (تصطلون) بها فتذهب عنكم البرد، ويقال: أحسن ~~من الصلى في لشتاء. # PageV04P137 # قوله تعالى: {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن} أي: يمين موسى، ~~والشاطئ هو الجانب. # وقوله: {في البقعة المباركة} سمى البقعة المباركة لأن الله تعالى كلم ~~موسى فيها، فإن قيل: فلم لم يسم الشجرة مباركة وقد قال: {من الشجرة} ؟ ~~قلنا: لأنه إذا ذكرت البركة في البقعة، فقد ذكرت في الشجرة، فذكر البقعة؛ ~~لأنها أعم. # وقوله: {من الشجرة} قالوا: كانت شجرة العوسج هي أول شجرة غرست في الأرض، ~~وقيل: شجر العليق. # وقوله: {أن ياموسى إني انا الله رب العالمين} أى: رب الجن والإنس ~~والملائكة والخلائق أجمعين. # وقوله: {من الشجرة} قال الزجاج والنحاس وغيرهما: كلم الله موسى من الشجرة ~~بلا كيف. وعن الضحاك: من نحو الشجرة. وعند المعتزلة: أن الله تعالى خلق ~~كلاما في الشجرة، فسمع موسى ذلك الكلام، وهذا عندنا باطل، وذلك لأن الله ~~تعالى هو الذي كلم موسى على ما ورد به النص، وإذا كان على هذا الوجه الذي ~~قالوا فيكون الله خالقا لا مكلما؛ لأنه يقال: خلق فهو خالق، ولا يقال: خلق ~~فهو مكلم. # وفي القصة: أن موسى لما رأى النار، ترك أهله وولده، وتوجه نحو النار، ~~فبقي أهله # PageV04P137 # ((30} وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى ~~أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) ~~في ذلك المكان ثلاثين سنة، حتى مر بها راع فرآها حزينة باكية، فردها إلى ~~أبيها، ذكره النقاش في تفسيره. # وقوله: {إني أنا الله رب العالمين} قد بينا من قبل، # PageV04P138 # قوله تعالى: {وأن ألق عصاك} وفي القصة: أن العصا كان من آس الجنة، وقعت ~~إلى آدم، ثم من آدم إلى نوح، ثم من نوح إلى إبراهيم، ثم من إبراهيم إلى ~~شعيب، وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته، وكان مكتوبا عليها بالسريانية أنا ~~الأول أنا الآخر أنا الحي الذي لا يموت أبدا. # وقوله: {فلما رآها تهتز} ms1213 أي: تتحرك {كأنها جان} الجان: الحية الصغيرة، ~~والثعبان: الحية العظيمة. # وقد ذكرنا التوفيق بين الآيتين، قد قال بعضهم: كان في ابتداء الأمر حية ~~صغيرة، ثم صارت تعظم حتى صارت ثعبانا. # وقوله: {ولى مدبرا} أي: من الخوف، فإن قيل: لم خاف موسى وهو في مثل ذلك ~~المقام؟ قلنا: لأنه رأى شيئا بخلاف العادة، ومن رأى شيئا بخلاف العادة فخاف ~~عذر، وقد روي أنها لما صارت حية ابتلعت ما حولها من لصخور والأشجار، وسمع ~~موسى لأسنانها صريفا عظيما، فهرب. # وقوله: {ولم يعقب} أي: لم يلتفت، وقوله: {يا موسى أقبل ولا تخف إنك من ~~الآمنين} ظاهر المعنى. # PageV04P138 # قوله تعالى: {اسلك يدك في جيبك} أي: أدخل يدك في جيبك، وفي القصة: أنه ~~كانت عليه مدرعة مصرية من صوف. # وقوله: {تخرج بيضاء من غير سوء} يقال: خرجت ولها شعاع كضوء الشمس. # وقوله: {واضمم إليك جناحك من الرهب} حكى عطاء عن ابن عباس أن # PageV04P138 ### | 3 - # {واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم ~~كانوا قوما فاسقين (32) قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) ~~وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون ~~(34) } معناه: ضع يدك على صدرك. والجناح: اليد، قال: وما من خائف بعد موسى ~~إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وذكر الفراء في كتابه: أن الجناح هاهنا ~~هو لعصا، ومعناه: اضمم إليك عصاك. ومن المعروف أن الجناح هو العضد، وقيل: ~~جميع اليد، وقيل: ما تحت الإبط، والخائف إذا ضم إليه يده خف خوفه. وعن أبي ~~عمرو بن العلاء أن الرهب هو الكم به، فيكون معنى الآية على هذا: واضمم إليك ~~عصاك ويدك التي في كمك فقد جعلناها آيتين لك، ويقرأ: " من الرهب " وقيل: ~~الرهب والرهب بمعنى واحد كالرشد والرشد، والمعنى الظاهر فيه أنه الخوف. # وقوله: {فذاناك برهانان من ربك} أي: آيتان وحجتان من ربك. # وقوله: {إلى فرعون وملئه} يعني: وأتباعه. # وقوله: {إنهم كانوا قوما فاسقين} أي: خارجين عن الطاعة. # PageV00P000 # وقوله تعالى: ms1214 {قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون} يعني: القبطي. # PageV04P139 # وقوله: {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا} قال أهل التفسير: كان في لسان ~~موسى عقدة من الوقت الذي أخذ بلحية فرعون، وأخذ الجمرة بعد ذلك وألقاه في ~~فيه على ما ذكرنا من قبل. # وقوله: {فأرسله معي ردءا} أي: عونا. {يصدقني} أي مصدقا لي، وقرئ: " ~~يصدقني " بسكون القاف أي: إن كذبوني هو يصدقني. # وقوله: {إني أخاف أن يكذبون} يعني: فرعون وقومه. # PageV04P139 # {قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ~~ومن اتبعكما الغالبون (35) فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا ~~سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن ~~جاء بالهدى من} # PageV04P140 # قوله تعالى: {قال سنشد عضدك بأخيك} وهذا على طريق التمثيل؛ لأن قوة اليد ~~بالعضد. وفي الكلام المنقول من العرب أن رجلا قيل له: مات أبوك، قال: ملكت ~~نفسي، قيل له: مات ولدك، قال: تفرغ قلبي، قيل: ماتت زوجتك، قال: تجدد ~~فراشي، قيل: مات أخوك، قال: وانفصام ظهراه، وقال الشاعر: # (أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى لهيجا بغير سلاح) # (وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح؟ !) # وقدم الله الأخ على سائر الأقارب في قوله تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه} ~~لأن الإنسان إلى أخيه أميل، وبه آنس، وإليه أسكن. # وقوله: {ونجعل لكم سلطانا} أي: حجة. # وقوله: {فلا يصلون إليكما بآياتنا} أي: لا يصلون إليكما لمكان آياتنا، ~~ويقال: في الآية تقديم وتأخير، وتقديره: ونجعل لكما سلطانا بآياتنا فلا ~~يصلون إليكما. # وقوله: {أنتما ومن اتبعكما الغالبون} الغالبون لفرعون وقومه. # PageV04P140 # وقوله تعالى: {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات} أي: واضحات. # وقوله: {قالوا ما هذا إلا سحر مفترى} أي: مختلق. # وقوله: {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} أي: الذين مضوا. # PageV04P140 # وقوله تعالى: {وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده} يعني: أعلم # PageV04P140 # {عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) وقال فرعون يا ~~أيها الملأ ms1215 ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي ~~صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) واستكبر هو ~~وجنوده في الأرض بغير الحق} بمن جاء بالهدى، فأنا الذي جئت بالهدى من عنده. # وقوله: {ومن تكون له عاقبة الدار} أي: وأعلم بمن تكون له عاقبة الدار، ~~وهي الجنة. # وقوله: {إنه لا يفلح الظالمون} أي: لا يسعد من أشرك بالله. # PageV04P141 # قوله تعالى: {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} يقال: ~~إنه كان بين قول هذا وبين قوله: {أنا ربكم الأعلى} أربعون سنة. # وقوله: {فأوقد لي يا هامان على الطين} أي: اطبخ لي الطين حتى يصير آجرا، ~~ويقال: إنه أول من اتخذ الآجر. # وقوله: {فاجعل لي صرحا} أي: قصرا عاليا، وقيل: منارة. # وقوله تعالى: {لعلي أطلع إلى إله موسى} أي: أناله وأصيبه. # وفي القصة: أن طول الصرح كان شيئا كبيرا. ذكر في بعض التفاسير: أن صرح ~~فرعون كان طوله خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعا، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع ونيف. # وكان فرعون لا يقدر أن يقوم على أعلاه؛ مخافة أن تنسفه الريح، وذكر السدي ~~أن فرعون علا ذلك الصرح، ورمى بنشابة إلى السماء، فرجعت إليه متلطخة بالدم، ~~فقال: قد قتلت إله موسى. # وقوله: {وإني لأظنه من الكاذبين} أي: لأظنه من الكاذبين في زعمه أن للأرض ~~والخلق إلها غيري. # PageV04P141 # {وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر ~~كيف كان عاقبة الظالمين (40) وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة ~~لا ينصرون (41) وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ~~(42) ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس ~~وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} # PageV04P142 # قوله تعالى: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون} أي: لا ينقلبون. # PageV04P142 # قوله تعالى: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} أي: طرحناهم في البحر. # وقوله: {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} يعني: فرعون وقومه. # PageV04P142 # قوله تعالى: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} ms1216 أي: قادة. # وقوله: {ويوم القيامة لا ينصرون} أي: لا يمنعون من العذاب. # PageV04P142 # وقوله تعالى: {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} أي: أتبعنا العذاب في ~~الدنيا لعنة. # وقوله: {ويوم القيامة هم من المقبوحين} أي: المعذبين، ويقال من المشبوهين ~~أي: بسواد الوجه وزرقة العين. # PageV04P142 # قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب} أي: التوراة، وقوله: {من بعد ما ~~أهلكنا القرون الأولى} وهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وغيرهم. # وقوله: {بصائر للناس} أي: دلالات للآخرين. # وقوله: {وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} أي: يتعظون بالدلالات. # قوله تعالى: {وما كنت بجانب الغربي} أي: ما كنت بناحية الجبل مما يلي ~~الغرب، وقوله: {إذا قضينا إلى موسى الأمر} أي: أحكمنا مع موسى الأمر، وذلك ~~بإرساله إلى فرعون وقومه. # PageV04P142 # ( {43) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من ~~الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل ~~مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا ولكن رحمة من ربك} # PageV04P143 # وقوله: {وما كنت من الشاهدين} أي: الحاضرين ذلك المقام، ومعنى هذا: أنك ~~لم تكن تكن شاهدا ولا حاضرا ذلك المقام، وهذا العلم لك من قبلنا. # PageV04P143 # قوله تعالى: {ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر} روي عن أبي سعيد ~~الخدري أنه قال: ما اهلك الله تعالى أمة من الأمم بعد إنزاله التوراة على ~~موسى غير القرية التي اعتدت في السبت، فمسخوا، يعني: أهل القرية. # وقوله: {وما كنت ثاويا} أي: مقيما {في أهل مدين} . # وقوله: {تتلوا عليهم آياتنا} وقال هذا لأن شعيبا كان يتلوا عليهم آيات ~~الله، وقيل: هذا كان موسى، والأول أظهر، وقوله: {ولكنا كنا مرسلين} أي: نحن ~~الذين أرسلناهم. # PageV04P143 # قوله تعالى: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} روي عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أنه قال في معنى هذه الآية: إن الله تعالى قال: يا أمة محمد، أعطيتكم ~~قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني. فهذا ~~هو معنى النداء، ونقل بعضهم هذا مسندا إلى النبي. ms1217 # وقال مقاتل بن حيان: معنى قوله: {نادينا} هو أنه قال لهذه الأمة، وهم في # PageV04P143 # {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) ولولا أن ~~تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك ونكون من المؤمنين (47) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا مثل ~~أوتي موسى أو لم يكفروا بما} أصلاب آبائهم: آمنوا بمحمد إذا بعثته. # وفي القصة: أن موسى لما سمع هذا من الله تعالى: قال: يا رب، إنما جئت ~~لوفادة أمة محمد. # وقوله: {ولكن رحمة من ربك} قد ثبت عن النبي أنه قال: " إن الله تعالى كتب ~~كتابا قبل أن يخلق آدم بألفي عام، وهو عنده فوق عرشه: سبقت رحمتي غضبي ". # وقوله تعالى: {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} ظاهر ~~المعنى. # PageV04P144 # قوله تعالى: {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين} معنى الآية: أنهم لولا ~~قولهم هذا، واحتجاجهم بترك إرسال الرسل، وإلا لعاجلناهم بالعقوبة، ومنهم من ~~قال: في الآية تقديم وتأخير، وتقدير الآية: ولولا أنهم يقولون: لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك، ونكون من المؤمنين، لأصابتهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم، والمصيبة: العقوبة. # PageV04P144 # قوله تعالى: {فلما جاءهم الحق من عندنا} في الحق قولان: أحدهما: أنه ~~محمد، والآخر: أنه القرآن. # PageV04P144 # {أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم ~~يستجيبوا لك} # وقوله: {قالوا} يعني: قال المشركون {لولا أوتي} أي: هلا أوتي {مثل ما ~~أوتي موسى} أي: من العصا، واليد البيضاء. # وقوله: {أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} يعني: أن المشركين كفروا ~~بموسى. # وقوله: {قالوا ساحران تظاهرا} يعني: موسى ومحمدا، وقال مجاهد: موسى ~~وهارون. وقرئ: " سحران تظاهرا " واختلف القول في لسحرين، أحد القولين: ~~أنهما التوراة والقرآن، والآخر: التوراة والإنجيل. # وقوله: {تظاهرا} أي: تعاونا، وهذا في الساحرين حقيقة، وفي السحرين على ~~طريق التوسع، ms1218 وقوله: {قالوا إنا بكل كافرون} أي: جاحدون. # PageV04P145 # وقوله تعالى: {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} يعني: من ~~التوراة والقرآن. # وقوله: {أتبعه} يعني: اتبع (الكتاب) الذي جئتم به من عند الله. # وقوله: {إن كنتم صادقين} معناه: أن الحق معكم. # PageV04P145 # قوله تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك} أي: لم يأتوا بما طلبت، وقوله: {فاعلم ~~أنما يتبعون أهواءهم} واتفق أهل المعرفة أن الهوى مرد مهلك. # وقد روي عن النبي أنه قال: " إن أخوف ما أخاف عليكم شحا مطاعا، وهوى ~~متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ". # PageV04P145 # {فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين (50) (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ~~(51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم ~~قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا} # وقوله: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} أي: بغير بيان من الله، ~~وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن يكون الهوى موافقا للحق، وإن كان نادرا. ~~وروي أن بعض المشايخ سئل عن هوى وافق حقا، فقال: هو الزبد بالنرسيان، ~~والنرسيان نوع من التمر بالبصرة أجود ما يكون. # وقوله: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} أي: المشركين، وفي الآية دليل ~~على أن النبي طلب منهم أن يأتوا بكتاب مثل كتابه، وتحداهم بذلك مرارا، ولم ~~يأتوا به، ولو قدروا لأتوا به، ولو ببذل النفوس والأموال، ولو أتوا به لعرف ~~ذلك، وسارت به الركبان. # PageV04P146 # قوله: {ولقد وصلنا لهم القول} أي: ذكرنا لهم إهلاك الأمم الماضية، فاتصل ~~بعضهم ببعض من الكفر، واتصل عذاب بعضهم ببعض. # وقوله تعالى: {لعلهم يتذكرون} أي: [يتعظون] . # PageV04P146 # قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله} قال سعيد بن جبير: هؤلاء قوم ~~من مؤمني الحبشة، آمنوا بالنبي، وقدموا المدينة، وجاهدوا معه. # وعن [ابن] عباس قال: نزلت الآية في ثمانين من أهل الكتاب، وأربعون من ~~نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشام. # وقال بعضهم: نزلت الآية في قوم كانوا يطلبون الدين ms1219 قبل لنبي، فلما بعث ~~آمنوا به، وقالوا: كان فيهم عبد الله بن سلام، وسلمان، والجارود العبدري ~~وغيرهم. # وقوله: {هم به يؤمنون} بالكتاب، وقيل: بمحمد. # PageV04P146 # قوله تعالى: {وإذا يتلى عليهم} يعني: القرآن {قالوا آمنا به إنه الحق من ~~ربنا إنا # PageV04P146 # {كنا من قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون ~~بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ~~وقالوا لنا أعمالنا} كنا من قبله مسلمين) أي: موحدين. # PageV04P147 # قوله تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} يعني: أجر الإيمان ~~بالكتاب الأول، وأجر الإيمان بالكتاب الثاني. # وقد ثبت برواية أبي موسى الأشعري عن النبي أنه قال: ((ثلاثة يؤتون أجرهم ~~مرتين: رجل آمن بالكتاب الأول، والثاني عبد أدى حق الله وحق مواليه، ورجل ~~له جارية فأدبها وأحسن تأديبها،، وعلمها وأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها ~~". # وفي التفسير: أن أهل الكتاب الذين آمنوا فاخروا أصحاب النبي بهذه الآية، ~~وقالوا: إن الله تعالى يؤتي أجرنا مرتين، ويؤتيكم الأجر مرة، فأنزل الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته} الآية. # وقوله: {بما صبروا} أي: صبروا على الحق، ولم يزيغوا عنه، وقوله: {ويدرءون ~~بالحسنة السيئة} أي: بقول لا إله إلا الله الشرك، ويقال: بالمعروف المنكر، ~~وبالخير الشر، ويقال: وبالحلم جهل الجاهل. # وقوله: {ومما رزقناهم ينفقون} أي: ينفقون في طاعة الله. # وروي أن القوم الذين آمنوا من الحبشة لما قدموا المدينة، وجاهدوا، ~~واستئذنوا من النبي أن يرجعوا إلى الحبشة، ويحملوا أموالهم، فأذن لهم، ~~فذهبوا وحملوا الأموال، وأنفقوا. # PageV04P147 # وقوله تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} أي: الكلام الباطل، وقيل: إن # PageV04P147 # {ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) إنك لا تهدي من أحببت ~~ولكن} المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون: تبا لكم، تركتم ~~دينكم واتبعتم غلاما منا. فهو معنى اللغو المذكور في الآية. # وقوله: {وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي: لنا ديننا، ولكم دينكم، ~~وقيل: لكم سفهكم، ولنا حلمنا. # وقوله: {سلام عليكم} ليس المراد من السلام هاهنا هو التحية، ولكن هذا ~~السلام ms1220 هو سلام المتاركة، ويقال معناه: سلمتم من معارضتنا لكم بالجهل ~~والسفه. # وعن بعض السلف أنه كان يسب فيقول: سلام سلام، وعن بعضهم: أي قالوا قولا ~~يسلمون منه. # وقوله: {لا نبتغي الجاهلين} أي: لا ندخل في جهل الجاهلين. # PageV04P148 # قوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت} أكثر أهل التفسير أن الآية في أبي ~~طالب، وقد صح برواية أبي هريرة عن النبي أن أبا طالب لما حضره الموت، دخل ~~النبي وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية وغيرهما، فقال رسول الله: " يا ~~عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال له أبو جهل وعبد ~~الله بن [أبي] أمية: أزغت عن ملة الأشياخ؟ فما زال رسول الله يقول ذلك، وهم ~~يقولون، حتى كان كلمة قالها: أنا على ملة الأشياخ)) . والمعنى بالأشياخ: ~~عبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف. وهذا الخبر في الصحيحين، [وروى] مسلم في ~~صحيحه: أن النبي دخل على أبي طالب وقد حضره الموت، فقال: " يا عم، أشهد أن ~~لا إله إلا الله؛ أشفع لك يوم القيامة ". فقال: لولا أن # PageV04P148 # {الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) وقالوا إن نتبع الهدى معك ~~نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرما يجبي آمنا إليه ثمرات كل شيء رزقا من ~~لدنا ولكن} تعيرني نساء قريش، فيقلن: جزع عند الموت، لأقررت بها عينيك ". ~~وفي رواية: " لولا أن تعيرك نساء قريش، ويكون سبه عليك، لأقررت بها عينيك ~~". والأول في الصحيح، فأنزل الله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت} أي: من ~~أحببت أن يهتدي، وقيل: من أحببته لقرابته {ولكن الله يهدي من يشاء} أي: ~~يهدي لدينه من يشاء. # وعن [سعيد بن أبي راشد] : أن هرقل بعث رسولا من تنوخ إلى رسول الله: فجاء ~~إليه وهو بتبوك يحمل كتاب هرقل، فقال له النبي: " يا أخا تنوخ، أسلم. فقال: ~~إني رسول ملك جئت من عنده؛ فأكره أن أرجع إليه بخلاف ما جئت، فضحك النبي، ~~وقرأ قوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ms1221 يشاء} ". # وقوله: {وهو أعلم بالمهتدين} وهو أعلم بمن قدر له الهداية. # PageV04P149 # وقوله تعالى: {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} الاختطاف هو ~~الاستلاب بسرعة. ويقال: إن القائل لهذا القول هو الحارث بن نوفل بن عبد ~~مناف، قال للنبي: إنا نعلم ما جئت به حق، ولكنا إن أسلمنا معك لم نطق ~~العرب؛ فإنا أكلة رأس، ويقصدنا العرب من كل ناحية، فلا نطيقهم. # وقوله: {أو لم نمكن لهم حرما أمنا} أي: ذا أمن، ومن المعروف أنه يأمن فيه ~~الظباء من الذئاب، والحمام من الحدأة. # PageV04P149 # {أكثرهم لا يعلمون (57) وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم ~~تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (58) وما كان ربك مهلك القرى ~~حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ~~ظالمون (59) } # وقوله: {يجبي إليه ثمرات كل شئ} أي: يجمع إليه ثمرات كل شئ؛ يقال: جبيت ~~الماء في الحوض أي: جمعته. # وقوله: {رزقا من لدنا} أي: رزقناهم رزقا من لدنا. # وقوله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي: ما أقوله حق. ومعنى الآية: أنا مع ~~كفركم أمناكم في الحرم، فكيف نخوفكم إذا أسلمتم؟ . # وقال مجاهد: وجد عند المقام كتاب فيه: أنا الله ذو بكة، صغتها يوم خلقت ~~الشمس والقمر، وحرمتها يوم خلقت السموات والأرض، حففتها بسبعة أملاك حنفاء، ~~يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، مبارك لها في اللحم والماء، أول من يحلها ~~أهلها. # وقد بينا من قبل، أن الرجل كان من أهل الحرم يخرج فلا يتعرض له، ويقال: ~~هؤلاء أهل الله. # PageV04P150 # قوله تعالى: {وكم أهلكنا من قرية} أي: من أهل قرية {بطرت معيشتها} أي: ~~بطرت في معيشتها. وقال الفراء: أبطرتها معيشتها. # وقوله: {فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا} أي: خربنا أكثرها. ~~ويقال: معنى القليل هاهنا أن المسافر ينزل مسكنا خرابا، فيمكث فيه يوما أو ~~بعض يوم. # وقوله: {وكنا نحن الوارثين} قد بينا. # PageV04P150 # قوله تعالى: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا} أي: مكة، ~~ويقال: في أمها رسولا ms1222 أي: في أكثرها من سائر الدنيا رسولا. # وقوله: {يتلوا عليهم آياتنا} معلوم المعنى. # وقوله: {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} أي: لم نهلك أهل قرية ~~إلا بعد أن أذنبوا. # PageV04P150 # {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى ~~أفلا تعقلون (60) أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة ~~الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين (61) ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ~~الذين كنتم تزعمون (62) قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا ~~أغويناهم كما غوينا تبرأنا} # PageV04P151 # قوله تعالى: {وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا} المتاع على معنيين: ~~أحد المعنيين: هو المتعة والمعنى الآخر: ما يتأثث به. # وقوله: {وزينتها} أي: وزينة الدنيا. # وقوله: {وما عند الله خير وأبقى أفلا يعقلون} أي: أفلا ينظرون، ليعقلوا ~~أن الباقي خير من الفاني. # PageV04P151 # قوله تعالى: {أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه} قال السدي: هذا ورد في ~~حمزة وأبي جهل، وقال غيره: في النبي وأبي جهل. # وقوله: {فهو لاقيه} أي: ملاقيه وصائر إليه، والوعد الحسن هو الجنة. # وقوله: {كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} أي: متعناه متاع الحياة الدنيا، ~~ثم مرجعه إلى النار؛ فهو معنى قوله: {ثم هو يوم القيامة من المحضرين} أي: ~~من المحضرين النار. # PageV04P151 # وقوله تعالى: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} يعني: ~~أين شركائي الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي؟ . # PageV04P151 # قوله تعالى: {قال الذين حق عليهم القول} أي: وجبت عليهم كلمة العذاب. # وقوله: {ربنا هؤلاء الذين أغوينا} أي: دعوناهم إلى الغي. # وقوله: {أغويناهم كما غوينا} أي: أضللناهم كما ضللنا. # وقوله: {تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} يعني: أنهم لم يعبدونا، ولكن ~~دعوناهم فأجابوا. # PageV04P151 # {إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ~~ماذا أجبتم المرسلين (65) فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) ~~فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) وربك يخلق ما ~~يشاء ويختار ما كان لهم} # PageV04P152 # قوله تعالى: ms1223 {وقيل ادعوا شركاءكم} يعني قيل للكفار: ادعوا شركاءكم أي: ~~الأصنام، ومعنى قوله: {شركاءكم} أي: شركائي في زعمكم. # وقوله: {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} أي: لم يجيبوا لهم. # وقوله: {ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} معناه: لو أنهم كانوا يهتدون ~~ما رأوا العذاب. # PageV04P152 # وقوله تعالى: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} أي: ينادى ~~الكفار. # PageV04P152 # وقوله: {فعميت عليهم الأنباء يومئذ} أي: الحجج؛ فكأنهم لما لم يجدوا حجة ~~فقد عجزوا عنها. # وقوله: {فهم لا يتساءلون} قد بينا أن هذا في بعض المواطن، ويقال: لا ~~يتساءلون سؤال التواصل والعطف، ويقال: لا يسأل بعضهم بعضا أي: لا يحمل غيره ~~ذنبه؛ لأنه لا يجد. # PageV04P152 # وقوله: {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين} أي: من ~~السعداء الناجحين، وفي بعض التفاسير: أن عسى واجب في جميع القرآن، إلا في ~~قوله: {عسى ربه إن طلقكن} . # PageV04P152 # قوله تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} أي: يخلق ما يشاء من الخلق، ~~ويختار من يشاء للنبوة. ويقال: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة حيث ~~قال لولا أنزل القرآن على رجل من القريتين عظيم، فأراد به الوليد بن ~~المغيرة نفسه وعروة بن مسعود الثقفي، والقريتين: مكة والطائف، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # PageV04P152 # {الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما ~~يعلنون (69) وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم ~~وإليه ترجعون (70) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم ~~القيامة من إله غير} # قوله: {ما كان لهم الخيرة} يعني: أن الاختيار إليه، وليس لهم اختيار على ~~الله، وقيل: إن الآية نزلت في ذبائحهم للأصنام، وكانوا يجعلون الأسمن ~~للأصنام، ويجعلون ما هو شر لله. # وقوله: {سبحان الله وتعالى عما يشركون} نزه نفسه عما ينسبه إليه ~~المشركون. # PageV04P153 # قوله تعالى: {وربك يعلم ما تكن صدورهم} أي: ما تخفى صدورهم {وما يعلنون} ~~أي: يظهرون. # PageV04P153 # قوله تعالى: {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة} أي: في ~~الدنيا والآخرة. ويقال: ms1224 في الأولى والآخرة أي: في الأرض والسماء. # وقوله: {وله الحكم} أي: فصل القضاء بين العبيد. # وقوله: {وإليه ترجعون} قد بينا. # PageV04P153 # قوله تعالى: {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة} ~~أي: دائما. # وقوله: {من إله غير الله يأتيكم بضياء} أي: بنهار. # وقوله: {أفلا تسمعون} أي: أفلا تعقلون، ويقال: أفلا تسمعون سمع تفهم. # PageV04P153 # قوله تعالى: {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا} أي: دائما، ~~وقوله: {من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون} معناه: أفلا ~~تعلمون، فإن قال قائل: ما وجه مصلحة الليل في الدنيا، وليس في الجنة ليل؟ ~~والجواب عنه أن الدنيا لا تخلو عن تعب التكاليف والتكليفات، فلا بد له من ~~وقت يفضى فيه إلى الراحة (من التعب وأما الجنة فهو موضع التصرف في الملاذ، ~~وليس فيها تعب أصلا، # PageV04P153 # {الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ~~(72) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (73) ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا ~~من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون (75) إن قارون كان} فلا يحتاج إلى وقت يفضى فيه إلى الراحة) أصلا. # PageV04P154 # قوله تعالى: {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه} أي: لتسكنوا ~~في الليل، وقوله: {ولتبتغوا من فضله} أي: بالنهار. # وقوله: {ولعلكم تشكرون} أي: تشكرون نعم الله. # PageV04P154 # قوله تعالى: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} قد بينا ~~المعنى، ويجوز أن يوجد نداء بعد نداء لزيادة التقريع والتوبيخ. # PageV04P154 # قوله تعالى: {ونزعنا من كل أمة شهيدا} أي: استخرجنا من كل أمة شاهدا يشهد ~~عليهم، والأظهر أن الشهيد على كل أمة نبيهم. # وقوله: {فقلنا هاتوا برهانكم} أي: حجتكم وبينتكم. # وقوله: {فعلموا أن الحق لله} أي: عجزوا عن إظهار الحجة، وعلموا أن الحق ~~لله. # وقوله: {وضل عنهم ما كانوا يفترون} ms1225 أي: ضل عنهم يوم القيامة ما كانوا ~~يفترون في الدنيا، ومعنى ضل: فات وذهب. # PageV04P154 # قوله تعالى: {إن قارون} قال قتادة وابن جريح: كان ابن عم موسى لحا. وقال ~~محمد بن إسحاق: كان ابن أخي موسى غير هارون. # وقوله: {فبغى عليهم} قال الضحاك: أي: بالشرك. وقال شهر بن حوشب: بغى ~~عليهم: زاد في ثيابه شبرا على ثياب الناس. وقال بعضهم: بغى عليهم بالتكبر # PageV04P154 # {من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة ~~أولي القوة إذ} والعلو. ومن المعروف في التفاسير: أن قارون كان أقرأ رجل من ~~بني إسرائيل للتوراة، وكان حسن الصوت، ثم إنه نافق؛ فروى أنه قال لموسى: ~~أنت أخذت النبوة، وهارون أخذ المذبح والحبورة، فأيش لي؟ # وفي القصة: أنه أعطى امرأة بغيا من بني إسرائيل ألفي درهم، وطلب منها أن ~~تأتي نادي بني إسرائيل، وموسى فيهم، فتدعي عليه أنه زنا بها، ومنهم من قال: ~~تدعي عليه أنه دعاها إلى نفسه، فجاءت وادعت عليه ذلك. وروى أنها خافت، ~~وأخبرت أن قارون أعطاها مالا لتدعي ذلك. وفي الرواية الأولى: أنها لما ادعت ~~على موسى ذلك تغير موسى تغيرا شديدا، وقال لها: بالذي أنزل التوراة وفلق ~~البحر اصدقي، فحينئذ خافت، وذكرت الأمر على وجهه، فدعا الله تعالى موسى على ~~قارون، فسلطه الله تعالى عليه، وجعل الأرض طوعا له على ما سنذكره. # وقوله: {وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه} فيه قولان: أحدهما: خزائنه، وهو ~~مثل قوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب} أي: خزائن الغيب، والثاني: أن المفاتح ~~هو مقاليد الخزائن. وعن بعضهم: أن كل مفتاح كان على قدر أصبع، وكان يحملها ~~ستون بغلة، وقيل: أربعون بغلة، ويقال: أربعون رجلا، وقوله {لتنوء} أي: تثقل ~~العصبة. قال أبو عبيدة: هذا من المقلوب، وتقديره: ما إن العصبة لتنوء بها. ~~يقال: ناء فلان بكذا أي: نهض به مثقلا، ويقال معناه: لتنوء بالعصبة. # وأما العصبة ففيها أقاويل: أحدها: أنهم سبعون رجلا، والآخر: أربعون رجلا، ~~وقال بعضهم: من العشرة إلى الأربعين، وقال بعضهم: ستة أو سبعة، ms1226 وقال بعضهم: ~~عشرة؛ لأن إخوة يوسف قالوا: ونحن عصبة، وقد كانوا عشرة. والعصبة في اللغة ~~هم القوم الذين يتعصب بعضهم ببعض. # وقوله: {بالعصبة أولى القوة} أي: أولى الشدة. # PageV04P155 # {قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) وابتغ فيما آتاك الله ~~الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ ~~الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) قال إنما أوتيته على علم ~~عندي أو لم يعلم أن الله قد} # وقوله: {إذ قال له قومه لا تفرح} أي: لا تبطر ولا تأشر، والفرح هاهنا هو ~~السرور بغير حق. # وقوله: {إن الله لا يحب الفرحين} ظاهر. # PageV04P156 # قوله: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} قال الحسن البصري: بطلب ~~الحلال. وقال السدي: بالصدقة وصلة الرحم. وعن بعضهم قال: بالتقرب إلى الله ~~بكل وجوه التقرب. # وقوله: {ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي: طلب الآخرة بالذي تعمل في الدنيا، ~~ومعناه: اعمل في الدنيا لآخرتك، وقال بعضهم: ولا تنس نصيبك من الدنيا أي: ~~بالاستغناء بما أحل الله عما حرم الله. وفي بعض أدعية الصالحين: اللهم ~~أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك. # وقوله: {وأحسن كما أحسن الله إليك} أي: وأحسن بطاعة الله كما أحسن الله ~~إليك بنعمه، ويقال: وأحسن بطلب الحلال كما أحسن الله إليك بالحلال. # وقوله: {ولا تبغ الفساد في الأرض} أي: بالمعصية، وكل من عصى الله فقد طلب ~~الفساد في الأرض. # وقوله: {إن الله لا يحب المفسدين} ظاهر المعنى. # PageV04P156 # قوله تعالى: {قال إنما أوتيته على علم عندي} فيه أقوال: أحدها: إن الله ~~تعالى أعطاني هذا المال لفضل علمه عندي، والقول الثاني: أنه علم الكيمياء. # PageV04P156 # {أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ~~ذنوبهم المجرمون (78) فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة ~~الدنيا يا ليت لنا} # وفي تفسير النقاش: أن موسى - عليه السلام - علم يوشع بن نون ثلث ~~الكيمياء، وعلم قارون ثلث الكيمياء؛ وعلم هارون ثلث الكيمياء؛ فكثر بذلك ~~ماله. ms1227 والقول الثالث: على علم عندي بوجوه المكاسب والتصرفات. # وعن عطاء بن أبي رباح أن قارون وجد كنزا ليوسف، فكان ماله من هذا الوجه. # وقوله: {أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة ~~وأكثر جمعا} أي: للمال. # وقوله: {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} أي: يوم القيامة، فإن قال قائل: قد ~~قال تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين} وأمثال هذا من الآيات، وهاهنا قال: ~~(ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) فكيف وجه التوفيق بين الآيتين؟ والجواب إنا ~~بينا أن في القيامة مواقف؛ ففي موقف يسألون، وفي موقف لا يسألون، ويقال: لا ~~يسألون سؤال استعلام، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، ويقال: لا يسألون ~~سؤال من له عذر في الجواب، وإنما يسألون على معنى إظهار قبائحهم ليفتضحوا ~~على رءوس الجمع. # وعن قتادة قال: الكافر لا يحاسب، بل يؤمر به إلى النار من غير حساب ولا ~~سؤال. وقال بعضهم: ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون؛ لأنهم يعرفون بسيماهم، قال ~~الله تعالى، {يعرف المجرمون بسيماهم} . # PageV04P157 # قوله تعالى: {فخرج على قومه في زينته} الزينة بهجة الدنيا ونضارتها، وعن ~~إبراهيم النخعي قال: خرج قارون وقومه في ثياب حمر وصفر. وعن مقاتل قال: خرج ~~على بغلة شهباء، عليها سرج من ذهب، وللسرج مثبرة من أرجو، ومعه أربعة آلاف ~~من الخيل عليها الفرسان، قد تزينوا بالأرجوانات، ومعه ثلثمائة جارية بيض ~~على # PageV04P157 # {مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ~~ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80) فخسفنا به ~~وبداره الأرض} البغال الشهب، عليهن من الحلى. # وعن بعضهم قال: خرج مع سبعين ألفا، عليهم المعصفرات. # وفي بعض المسانيد عن النبي قال: " أربعة أشياء من خصال قوم قارون: جو ~~نعال السيوف، ولبس الخفاف المتلونة، والثياب الأرجوان، وكان أحدهم لا ينظر ~~إلى وجه خادمه تكبرا " # وعن عطاء قال: كان موسى يقص لبني إسرائيل ويعظهم، فخرج قارون ومعه أربعة ~~آلاف على البغال في الأرجوانات، ومر على موسى، فالتفت بنو إسرائيل إليه، ms1228 ~~وشغلوا عن موسى، فشق ذلك على موسى، فأرسل إليه: لم فعلت ذلك؟ فقال: فضلت ~~بالنبوة، وفضلت بالمال، وإن شئت دعوت ودعوت. ثم إن موسى دعا الله تعالى على ~~قارون، فجعل الأرض في طاعته. # وقوله: {قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ~~إنه لذو حظ عظيم} أي: نصيب عظيم من الدنيا. # PageV04P158 # قوله تعالى: {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير} أي: ثواب الله ~~في الآخرة {خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها} أي: ولا يؤتى العمل الصالح ~~إلا الصابرون، وقيل: لا يؤتى هذه الكلمة، والكلمة قوله: {ويلكم ثواب الله ~~خير لمن أمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون} . # ويقال: الصابرون هم الذين صبروا عما أوتي أعداء الله من زينة، ولم ~~يتأسفوا عليها، ولا تمنوها. # PageV04P158 # قوله تعالى: {فخسفنا به وبداره الأرض} وفي بعض التفاسير: أن قارون قال ~~لموسى: سلمنا لك النبوة، فما بال الحبورة ولهارون؟ وإذا كان لك النبوة، ~~ولهارون الحبورة فمالي؟ فقال موسى: إني لم أعطه الحبورة، ولكن الله تعالى ~~أعطاه الحبورة، فقال: لا أصدقك على ذلك حتى تريني آية، فأمر موسى حتى جمعوا ~~عصيهم، وقال: من اخضرت عصاه فالحبورة له، فاخضرت عصا هارون، وجعلت تهتز من ~~بين العصى، فقال قارون: هذا من سحرك، وليس هذا بأول سحر أتيت به، فحينئذ ~~دعا الله موسى على قارون. # وروى أنه لما واضع المرأة البغي حتى ادعت على موسى أنه زنا بها، أو دعاها ~~إلى الفاحشة، غضب موسى ودعا الله تعالى. وفي بعض القصص: أنه كان مع قارون ~~قوم كثير من بني لاوى، فجاء موسى إليهم، وقال: إن الله بعثني إلى قارون كما ~~بعثني إلى فرعون، فمن أرادني فليعتزله، فاعتزل منه جميع قومه إلا [رجلين] ~~بقيا معه من بني أعمامه، ثم إن موسى خاطب الأرض، وقال: خذيهم، فأخذت الأرض ~~بأقدامهم، ثم قال: خذيهم، فأخذت إلى ركبهم، ثم قال: خذيهم: فأخذت إلى ~~حقوهم، ثم قال: خذيهم، فأخذت إلى أعناقهم. # وفي التفسير: أن قارون في كل ذلك يستغيث بموسى وينشده ms1229 والرحم، ويقول: ~~ارحمني، ثم قال: خذيهم، فأطبقت الأرض عليهم. # قال قتادة: فهم يذهبون في الأرض كل يوم قامة إلى يوم القيامة. # وعن ابن عباس أن الله تعالى قال لموسى: ما أقسى قلبك؛ استغاث بك عبدي، ~~فلم تغثه، ولو استغاث بي مرة لأغثته. # وفي بعض الآثار: لا أجعل الأرض بعدك طوعا لأحد. # وذكر أبو الحسين بن فارس في تفسيره: أن الأرض لما أخذت قارون إلى عنقه ~~نزع موسى نعليه، وضرب بهما وجهه، وقال: اذهبوا بني لاوى، وأطبقت بهم الأرض. # PageV04P159 # {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (81) وأصبح ~~الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ~~ويقدر لولا أن} # وذكر أيضا أن يونس بن متى لقيه في ظلمات الأرض حين يطوف به الحوت، فقال ~~له قارون: يا يونس، تب إلى الله تجد الله تعالى في أول قدم ترجع إليه، فقال ~~له يونس: فأنت لم لا تتوب؟ فقال: جعلت توبتي إلى ابن عمي. # وقوله: {وبداره الأرض} روى أن بني إسرائيل قالوا: إنما أهلك موسى قارون ~~ليأخذ أمواله، وكانت أراضي دوره من فضة، وأثاث الحيطان من ذهب، فأمر موسى ~~الأرض حتى أحضرت دوره، ثم أمرها حتى خسفت بها، فانقطع الكلام. # وقوله: {فما كان له من فئة} أي: من جماعة {ينصرونه} أي: يمنعونه {من دون ~~الله} . # وقوله: {وما كان من المنتصرين} أي: من الممتنعين، ومعناه: لم يكن يمنع ~~نفسه، ولا يمنعه أحد من عذاب الله. # PageV04P160 # قوله تعالى: {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس} يعني: أن يكونوا مكانه، ~~وفي منزلته. # وقوله: {يقولون ويكأن الله} وقوله: {ويكأن} فيه أقوال: قال الفراء: ويكأن ~~عند العرب تقرير، ومعناه: ألم تر أنه؛ وحكى الفراء أن أعرابية قالت لزوجها: ~~أين ابنك؟ فقال لها: ويكأنه وراء البيت، ومعناه: أما ترينه وراء البيت. # وقال بعضهم ويكأنه: معنى " ويك " أي: ويلك، وحذفت اللام، وقوله: {أنه} ~~كلمة تندم، كأن القوم لما رأوا تلك الحالة تندموا على ما تمنوا، ثم قالوا: ~~كان الله يبسط الرزق لمن ms1230 يشاء أي: أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي: ~~يوسع ويضيق. وأنشدوا فيما قلنا من المعاني: # (سالتان الطلاق أن رأتاني ... قل مالي قد جئتماني بنكر) # PageV04P160 # {من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (82) تلك الدار الآخرة ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (83) من ~~جاء بالحسنة} # (وى كأن من يكن له نشب يحبب ... ومن يفتقر يعيش عيش ضر) وأنشدوا أيضا قول ~~عنترة في أن ويك بمعنى ويلك: # (ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قول الفوارس ويك عنتر أقدم) # ومن المعروف في التفاسير عن العلماء المتقدمين: ويكأن الله: ألم تر أن ~~الله، وحكى مثل هذا عن أبي عبيدة. # وقوله: {لولا أن من الله علينا لخسف بنا} أي: لولا أن أنعم الله علينا ~~لخسف بنا مثل ما خسف بقارون. # وقوله: {ويكأنه لا يفلح الكافرون} قد بينا. # PageV04P161 # قوله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض} ~~أي: استكبارا، وأصل التكبر هو الشرك بالله، قال الله تعالى: {إنهم كانوا ~~إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} ومن التكبر الاستطالة على الناس ~~واستحقارهم، والتهاون بهم، ويقال إرادة العلو هو ترك التواضع. # وقيل: {لا يريدون علوا في الأرض} معناه: لا يجزعون من ذلها، ولا ينافسون ~~في عزها. # وقوله: {ولا فسادا} أي: العمل بالمعاصي، وقال عكرمة: هو أخذ مال الناس ~~بغير حق. # وقوله: {والعاقبة للمتقين} أي: الجنة للمتقين، وقيل: العاقبة الحسنة ~~للمتقين، وروى زاذان عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يمشي ويدور في ~~الأسواق، يعين الضعيف، وينصر المظلوم، ويمر بالبقال والبياع فيفتح عليه ~~القرآن، ويقرأ: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض. ~~.} الآية. # وعنه أيضا أنه قال: من أعجبه شسع نعله على شسع أخيه، فهو ممن يريد العلو ~~في # PageV04P161 # {فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما ~~كانوا يعملون (84) إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من ~~جاء بالهدى ومن} الأرض. # PageV04P162 # قوله تعالى: {من جاء ms1231 بالحسنة فله خير منها} ظاهر المعنى. # {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات} أي: المعاصي {إلا ما ~~كانوا يعملون} وعن عبد الله بن عبيد بن عمير أنه قال: ما أحسن الحسنات عقيب ~~السيئات، وما أقبح السيئات عقيب الحسنات، وأحسن الحسنات الحسنات عقيب ~~الحسنات، وأقبح السيئات السيئات عقيب السيئات) . # ومن المعروف عن النبي أنه أوصى معاذا - رضي الله عنه - فقال: " اتق الله ~~حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ". # PageV04P162 # قوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن} ويقال: فرض عليك أي: أوجب عليك ~~العمل به. # وقوله: {لرادك إلى معاد} الأكثرون على أن المراد منه: إلى مكة، وقالوا: ~~هذه الآية نزلت على رسول الله وهو بالجحفة، والجحفة منزل من المنازل بين ~~مكة والمدينة. # فالآية ليست بمكية ولا مدنية، وفي بعض التفاسير: " أن النبي لما هاجر من ~~مكة إلى المدينة سار في غير الطريق خوفا من الطلب، ثم إنه لما أمن عاد إلى ~~الطريق، فوصل إلى الجحفة، ورأى الطريق الشارع إلى مكة فاشتاق إليها، فجاء ~~جبريل عليه السلام فقال: إن ربك يقول: وتشتاق إلى مكة وتحن إليها؟ فال: ~~نعم، إنها أرضي ومولدي، فقال: إن ربك يقول: {إن الذي فرض عليكم القرآن ~~لرادك إلى معاد} يعني: رادك إلى مكة ظاهرا على أهلها ". # PageV04P162 # {هو في ضلال مبين (85) وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ~~فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك ~~وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله ~~إلا هو كل شئ} # وفي الآية قول آخر، وهو أن معنى قوله: {لرادك إلى معاد} أي: إلى يوم ~~القيامة، ويقال: إلى الجنة. # وروى عن علي - رضي الله عنه - كان يمدح جابر بن عبد الله ويذكره بالخير، ~~فسئل عن ذلك، فقال: إنه يحشر معي. قوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن ~~لرادك إلى معاد} # وقوله: {قل ربي أعلم من جاء بالهدى} يعني: يعلم من جاء بالهدى، وأنا ms1232 الذي ~~جئت بالهدى. # وقوله: {ومن هو في ضلال مبين} أي: ويعلم من هو في ضلال مبين أي: الكفار. # PageV04P163 # قوله تعالى: {وما كنت ترجو} أي: تأمل {أن يلقى إليك الكتاب} أي: يوحي ~~إليك القرآن. # وقوله: {إلا رحمة من ربك} هذا استثناء منقطع، ومعناه: لكن ربك رحمك ~~فأعطاك القرآن. # وقوله: {فلا تكونن ظهيرا} أي: معينا {للكافرين} . # PageV04P163 # قوله تعالى: {ولا يصدنك عن آيات الله} يعني: لا يمنعك الكفار عن اتباع ~~سبيل الله، وقال بعضهم معناه: اشدد على الكفار، واغلظ عليهم، ولا تتساهل ~~حتى يطمعوا في صدك عن سبيل الله. # وقوله: {بعد إذ أنزلت إليك} أي: بعد إذ أنزلت إليك الآيات المبينة ~~للسبيل. # وقوله: {وادع إلى ربك} أي: إلى دين ربك. # وقوله: {ولا تكونن من المشركين} أي: اثبت على التوحيد. # PageV04P163 # قوله تعالى: {ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو} أي: لا إله غيره. # PageV04P163 # {هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88) } # وقوله: {كل شئ هالك إلا وجهه} قال سفيان الثوري: إلا ما أريد به وجهه ~~ورضاه من العمل. # ويقال: {إلا وجهه} أي: إلا هو. # وعن سفيان بن عيينة قال: كل ما وصف الله به نفسه في الكتاب فتفسيره ~~قراءته، لا تفسير له غيره. وقد ذكر الله تعالى (الوجه في أحد عشر موضعا من ~~القرآن، قد بينا أنه صفة من صفات الله، يؤمن به على ما ذكره الله تعالى) . # وأنشدوا في الوجه بمعنى التوجه وطلب رضاه قول الشاعر: # (استغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل) # أي: التوجه. # وقوله: {وله الحكم} أي: فصل القضاء. # وحكمه أن يبعث قوما إلى الجنة، وقوما إلى النار، ومن حكمه أيضا أن يبيض ~~وجوه قوم، ويسود وجوه قوم، ويثقل موازين قوم، ويخفف موازين قوم، وأمثال ~~هذا، وهذا في الآخرة، وأما في الدنيا فتنفيذ القضايا والأحكام على ما علم ~~وأراد. # وقوله: {وإليه ترجعون} يعني: في الآخرة. # PageV04P164 # بسم الله الرحمن الرحيم # {الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد ~~فتنا} # تفسير سورة العنكبوت # وهي ms1233 مكية في قول عطاء والحسن، ومدنية في أحد قولى ابن عباس، وعنه في ~~رواية أخرى أنها مكية، فبعضها نزل بالمدينة وبعضها نزل بمكة، وعن الشعبي ~~أنها مكية إلا عشر آيات من أولها مدنية. # وعن علي أنه قال: نزلت بين مكة والمدينة. وهذه رواية غريبة. # PageV04P165 # قوله تعالى: {الم} قد بينا معناه. # PageV04P165 # وقوله: {أحسب الناس} الحسبان والظن قريبان، وهو تغليب أحد النقيضين على ~~الآخر، والشك وقف بين نقيضين، والعلم قطع بوجود أحدهما. # وقوله: {أن يتركوا أن يقولوا آمنا} معناه: أظنوا أن يقنع منهم بأن يقولوا ~~آمنا، وقوله: {وهم لا يفتنون} أي: لا يبتلون. قال مجاهد: لا يبتلون في ~~أموالهم وأنفسهم. ويقال معناه: لا يؤمرون ولا ينهون، وابتلاء الله عباده ~~بالأمر والنهي. # وقال بعضهم: إن الله تعالى أمر الناس أولا بمجرد الإيمان، ثم إنه فرض ~~عليهم الصلاة والزكاة وسائر الشرائع فشق عليهم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وعن الشعبي وغيره أنه قال: لما هاجر أصحاب رسول الله بقي قوم بمكة ~~ممن آمنوا ولم يهاجروا؛ فكتب (إليهم) من هاجر أن الله الله تعالى لا يقبل ~~أيمانكم حتى تهاجروا، فهاجروا، فتبعهم قوم من المشركين وآذوهم، (فقتل من) ~~قتل، وتخلص، من تخلص فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعن بعضهم: أن الآية نزلت ~~في عياش بن أبي ربيعة، وكان قد هاجر إلى المدينة، فجاء أخواه لأمه أبو جهل ~~والحارث ابنا هشام، وقالا له: إن أمنا قد عاهدت إن لم ترجع لا تأكل ولا ~~تشرب، ولا يأويها سقف بيت؛ وإن محمدا يأمر بالبر، فارجع معنا فرجع معهما، ~~فلما كان في بعض الطريق غدراه وأوثقاه وحملاه إلى # PageV04P165 # {الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) أم حسب ~~الذين} مكة، وجلده كل واحد منهما مائة سوط، ثم لما وصل إلى أمه جعلت تضربه ~~بالسياط حتى رجع عن دينه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقد حسن إسلامه بعد ~~ذلك. # ومن المشهور الثابت: " أن النبي كان يدعو في القنوت فيقول: " اللهم، انج ~~سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن ms1234 الوليد والمستضعفين بمكة، ~~واشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف. فدعا (هكذا) شهرا ثم ~~ترك، فقيل له في ذلك، فقال: ألا تراهم قد قدموا ". # PageV04P166 # قوله تعالى: {ولقد فتنا الذين من قبلهم} أي: ابتلينا الذين من قبلهم، ~~يعني الأنبياء والمؤمنين، ويقال: ابتلينا بني إسرائيل بفرعون، وكذلك ~~ابتلينا كل نبي بعدو له. وقد ثبت أن النبي قال: حين شكا إليه أصحابه ما ~~يلقون من الكفار: " إنكم تعجلون، وقد كان فيمن قبلكم ينشر بالمناشير فما ~~يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله أمره ". # وقوله: { [فليعلمن] الله الذين صدقوا} يعني: نبتليهم ابتلاء من يستعلم ~~حالهم، ويقال: وليعلمن الله الذين صدقوا أي: علم الشيء واقعا، وهو الذي ~~يجازي عليه، وقيل: فليعلمن الله الذين صدقوا أي: فليظهرن الله الصادقين من ~~الكاذبين. # وقوله: { [وليعلمن] الكاذبين} قد ذكرنا. # PageV04P166 # قوله تعالى: {أم حسب الذين يعملون السيئات} والسيئة: كل خصلة تسوء ~~عاقبتها، والحسنة: كل خصلة تسر عاقبتها. # PageV04P166 # {يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) من كان يرجو لقاء الله فإن ~~أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله ~~لغني عن العالمين (6) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ~~ولنجزينهم} # وقوله: {أن يسبقونا} أن يفوتونا، ومن سبق شيئا فقد فاته، وقوله: {ساء ما ~~يحكمون} أي: بئس الحكم حكمهم) . # PageV04P167 # قوله تعالى: {من كان يرجو لقاء الله} قال الزجاج: يخشى لقاء الله. وقال ~~غيره: يأمل لقاء الله، وقيل: لقاء الله هو لقاء جزائه، ويقال: لقاء الله هو ~~الرجوع إليه يوم القيامة. # وقوله: {فإن أجل الله لآت} معناه: إن وعد الله لآت، والأجل هو الوعد ~~المضروب، ومعنى الآية: أن من يخشى أو يأمل فليستعد. وقد روى مكحول: " أن ~~النبي قال لما نزلت هذه الآية لعلي وفاطمة: يا علي، ويا فاطمة، قد أنزل ~~الله تعالى قوله: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت} فاستعدوا ". ~~والخبر غريب. # وقوله: {وهو السميع العليم} ظاهر المعنى. # PageV04P167 # قوله تعالى: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} الجهاد هو الصبر على الشدة، ثم ~~قد يكون ms1235 الصبر على الشدة في الحرب على ما أمر به الشرع، وقد يكون الصبر على ~~الشدة في مخالفة النفس بأي معنى كان. # وقوله: {فإنما يجاهد لنفسه} أي: منفعة ذلك راجعة إليه. # وقوله: {إن الله لغني عن العالمين} أي: لا يعود إليه ضر ولا نفع في طاعة ~~ولا معصية. # PageV04P167 # قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرون عنهم سيئاتهم} ~~التكفير إذهاب السيئة بالحسنة، وهو معنى قوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن ~~السيئات} # PageV04P167 # {أحسن الذين كانوا يعلمون (7) ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك ~~لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ~~(8) } والإحباط هو إذهاب الحسنة بالسيئة. # وقوله: {ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعلمون} هذا هو معنى قوله تعالى: {من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ومعناه: ويعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن. # PageV04P168 # قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} معناه: يفعل حسنا، وقرئ: " ~~إحسانا " أي: يحسن إحسانا. # وقوله: {وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} أي: فلا ~~تطعهما في معصيتي، ومن المعروف عن النبي أنه قال " لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق ". # وقوله: {ما ليس لك به علم} إنما قال هذا؛ لأن الشرك كله عن جهل، فإن ~~العالم لا يشرك بالله. # وقوله: {إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} ظاهر المعنى. # أكثر المفسرين (أن) الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك أبو ~~إسحاق الزهري، وأمه حمنة من بني أمية. فروى أنه لما أسلم - وقد كان من ~~السابقين # PageV04P168 # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر ~~من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين (10) ~~وليعلمن الله الذين آمنوا} الأولين في الإسلام - فكان بارا بأمه، فلما سمعت ~~أمه بذلك دعته، وقالت له: ما هذا الدين الذي أحدثته؟ والله لا آكل ولا أشرب ~~حتى ترجع عن دينك أو أموت، فتعير بذلك أبد الدهر، ثم إنها ms1236 مكثت يوما وليلة ~~لم تأكل، فجهدت جهدا شديدا، ثم مكثت يوما وليله أخرى لم تأكل ولم تشرب، ~~فجاء سعد إليها، وقال: يا أماه، لو كان لك مائة نفس فخرجت، لم أرجع عن ~~ديني، فلما أيست منه أكلت وشربت، وأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالبر ~~بوالديه، ونهاه أن يشرك طاعة لهما. وقيل: الآية عامة. # PageV04P169 # قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} أي: في ~~زمرة الصالحين. # PageV04P169 # قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله} أي: جزع من عذاب الناس كما (يجزع] من عذاب الله. # وقوله: {ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم} الآية في القوم الذين ~~تخلفوا بمكة ممن أسلموا، فلما آذاهم المشركون لم يصبروا، وأعطوهم ما طلبوا. # وقوله: {نصر من ربك} أي: فتح من ربك ودولة للمؤمنين. # وقوله: {ليقولن إنا كنا معكم} يعني: كنا مسلمين، وإنما أكرهنا حتى قلنا ~~ما قلنا. # وقوله: {أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} أي: يعلم ما في صدورهم، ~~فيميز صدقهم من كذبهم. # PageV04P169 # قوله تعالى: {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} قد بينا، ~~ويقال: # PageV04P169 # {وليعلمن المنافقين (11) وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ~~ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون (12) وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون (13) ~~ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} آمنوا أي: وفوا بما عهدوا، وحققوا أقوالهم ~~بأفعالهم، وأما المنافقون خالفوا أقوالهم بأفعالهم. # PageV04P170 # قوله تعالى: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا} روى أن أبا سفيان وذويه ~~قالوا للذين أسلموا: اتبعوا سبيلنا أي: الطريق الذي نحن عليه. # وقوله: {ولنحمل خطاياكم} أي: ونحن نحمل خطاياكم إن خفتم من عقوبته، فنحن ~~كفلا بكم، ونتحمل عنكم العقوبة. # وقوله: {وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون} يعني: في ضمان ~~تحمل الخطايا. # PageV04P170 # قوله تعالى: {وليحملن أثقالهم} أي: أوزارهم، والأوزار: الذنوب. # وقوله: {وأثقالا مع أثقالهم} أي: أوزارا مع أوزارهم. # فإن قيل: كيف يستقيم هذا، والله تعالى قال ms1237 في آية أخرى: {ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى} ؟ والجواب عنه: أن معنى قوله: {وأثقالا مع أثقالهم} أي: إثم ~~دعائهم إلى ترك الإيمان، ويقال: إن الأشراف فيهم [يحملون] ذنوب الأتباع؛ ~~لأنهم سنوا لهم الضلالة ودعوهم إليها. وقد روى عن النبي أنه قال: " من دعا ~~إلى ضلالة فاتبع عليها، فعليه وزر من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شئ ~~". # وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي أنه قال: " يؤتى بعبد يوم القيامة وقد ~~ظلم هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، فتؤخذ حسناته ويعطون، فيقال: يا رب، قد ~~بقي # PageV04P170 # {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (14) ~~فأنجيناه} عليه سيئات، ولم تبق له حسنات، فيقول الله تعالى: احملوا ذنوبهم ~~عليه، ثم تلا قوله تعالى: {وليحملن أثقالهم} الآية. # وقوله تعالى: {وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} أي: يكذبون. # PageV04P171 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} روى أنس أن النبي قال: " إن ~~نوحا أول نبي بعث إلى أهل الأرض ". # وقوله: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} روى عن ابن عباس أنه قال: بعث ~~نوح وهو ابن أربعين سنة، ومكث بعد خروجه من السفينة ستين سنة، [وتوفاه] ~~الله تعالى وهو ابن ألف وخمسين سنة، وفي رواية: أن عمر نوح كان ألف ~~وأربعمائة [وخمسين] [سنة] ، بعث وهو ابن مائتي وخمسين سنة، وقد قيل غير ~~هذا، والله أعلم. # وروى أن ملك الموت لما جاء إلى نوح ليقبض روحه قال: يا أطول الأنبياء ~~عمرا، كيف وجدت الدنيا؟ وكان له دار لها بابان، فدخل من أحدهما وخرج من ~~الآخر، وقال: هكذا وجدت. # PageV04P171 # {وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين (15) وإبراهيم إذ قال لقومه ~~اعبدوا الله} # وروى أنه كان له بيت من شعر، وكان [يقال] له: لو بنيت بيتا من طين، فكان ~~يقول: أموت غدا، أو أموت بعد غد. فخرج من الدنيا على ذلك، ولم يبن بيتا. ~~فإن قيل: قوله: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} أيش فائدة الاستثناء في ~~هذه الآية؟ . # وهلا قال: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين ms1238 عاما؟ والجواب عنه: أن فائدة ~~الاستثناء هو التأكيد؛ فإن العرب إذا قالت: جاءني اخوتك، يجوز أن تريد به ~~جميع الاخوة، ويجوز أن تريد به الأكثر، فإذا قال: جاءني اخوتك إلا زيدا ~~فتعلم قطعا أنه جاء كل الاخوة إلا زيدا، فقد أفاد الاستثناء التأكيد من هذا ~~الوجه، وقد قال بعضهم: قد كان الله تعالى جعل عمر نوح ألف سنة، فاستوهب بعض ~~بنيه منه خمسين عاما فوهبها له، ثم لما لما بلغ الأجل طلب تمام الألف فلم ~~يعط، فذكر الله تعالى بلفظ الاستثناء ليدل على أن النقص كان من قبله، وهذا ~~قول غريب. # وقوله: {فأخذهم الطوفان} الطوفان: كل شئ كثير يطيف بالجماعة مثل: غرق، أو ~~موت، أو غير ذلك. قال الراجز: # (أفناهم طوفان موت جارف ... ) # وقوله: {وهم ظالمون} أي: مشركون. # PageV04P172 # قوله تعالى: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} قد بينا عدد من كان في السفينة. # وقوله: {وجعلناها آية للعالمين} أي: جعلنا عقوبتنا إياها بالغرق آية ~~للعالمين، ويقال: جعلنا السفينة آية للعالمين، فإنها كانت ملقاه على الجودى ~~مدة (مديدة) . # PageV04P172 # قوله تعالى: {وإبراهيم} معناه: وأرسلنا إبراهيم {إذ قال لقومه اعبدوا ~~الله واتقوه} أي: أطيعوا الله واحذروا معصيته. # PageV04P172 # {واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (16) إنما تعبدون من دون الله ~~أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ~~فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (17) وإن تكذبون ~~فقد كذب أمم من قبلكم} # وقوله: {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} أي: عبادة الله وتقواه خير لكم إن ~~كنتم تعلمون، وقد قيل: إن قوله: {اعبدوا الله} أي: وحدوا الله، وكل عبادة ~~في القرآن بمعنى التوحيد. # PageV04P173 # قوله تعالى: {إنما تعبدون من دون الله أوثانا} أي: أصناما. # وقوله: {وتخلقون إفكا} أي: وتصنعون كذبا، وقال قتادة: تخلقون إفكا؛ أي: ~~أصناما. وسمى الأصنام إفكا لأنهم سموها آلهة. فإن قيل: قد قال: {وتخلقون} ~~وقال في موضع آخر: {هل من خالق غير الله} أي: لا خالق غير الله، فكيف وجه ~~التوفيق بين الآيتين؟ والجواب عنه: أن الخلق بمعنى التقدير ms1239 هاهنا، قال ~~الشاعر: # (ولأنت تفرى ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى.) # ويقال: وتخلقون إفكا أي: تنحتون الأصنام بأيديكم وتعبدونها. وحكى أن بنى ~~حنيفة اتخذوا صنما من الخيس - وهو التمر مع السمن - ثم إنه أصابتهم مجاعة ~~فأكلوه، قال الشاعر: # (أكلت حنيفة ربها ... زمن التفحم والمجاعة) # (لم يحذروا من ربهم ... سوء العواقب والتباعة) # قوله تعالى: {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا ~~عند الله الرزق} أي: فاطلبوا عند الله الرزق. # وقوله: {واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} ظاهر المعنى. # PageV04P173 # قوله تعالى: {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم} وهم مثل، عاد، وثمود، # PageV04P173 # {وما على الرسول إلا البلاغ المبين (18) أو لم يروا كيف يبدي الله الخلق ~~ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ ~~الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20) يعذب من ~~يشاء ويرحم من يشاء وإليه} وقوم لوط، وغيرهم. # وقوله: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} معناه: إلا الإبلاغ الواضح. # PageV04P174 # قوله تعالى: {أو لم يروا كيف يبدي الله الخلق ثم يعيده} فإن قيل: أيش ~~معنى قوله: {أو لم يروا} وهم لم يروا إعادة الخلق؟ والجواب عنه: أن قوله: ~~{أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق} قد تم الكلام، وقد كانوا يقرون بهذا، ~~(وقوله) : {ثم يعيده} ابتداء كلام. ومنهم من قال: أو لم يروا كيف يبدئ الله ~~الخلق بإنشاء النهار، ثم يعيد بإدخال الليل وإعادة النهار بعده. حكوه عن ~~الربيع بن أنس. ومنهم من قال: أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق بالإحياء ثم ~~يعيدهم بالإماتة وجعلهم ترابا كما كانوا. # وقوله: {إن ذلك على الله يسير} أي: هين. # PageV04P174 # قوله تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} أي: خلق الخلق. # وقوله: {ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} وقرئ: " النشاءة الآخرة "، وهما ~~بمعنى واحد كقولهم: رأفة ورآفة. # وقوله: {إن الله على كل شئ قدير} أي: على النشأة الأولى والنشأة الآخرة. # PageV04P174 # قوله تعالى: {يعذب من يشاء ويرحم من ms1240 يشاء} ظاهر المعنى. وعن بعضهم: يعذب ~~من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة. وقيل: يعذب من يشاء بسوء الخلق، ~~ويرحم من يشاء بحسن الخلق، ويقال: يعذب من يشاء ببعض الناس له، ويرحم من ~~يشاء بمحبة الناس له. # PageV04P174 # {تقلبون (21) وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير (22) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من ~~رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم (23) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو ~~حرقوه فأنجاه الله من} # ويقال: يعذب من يشاء بقبول البدعة، ويرحم من يشاء بملازمة السنة. # وقوله: {وإليه تقلبون} أي: تردون. # PageV04P175 # قوله تعالى: {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} (أي: بمعجز الله ~~عن عذابكم، ومعناه: أنكم لا تفوتونه كما يفوت عن الإنسان ما يعجز، فإن قيل: ~~قد قال: {ولا في السماء} والخطاب مع الآدميين، وليسوا في السماء، فكيف ~~يستقيم هذا الكلام؟ والجواب من وجهين: أحدهما: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ~~ولا في السماء معجز. قال الفراء: وهذا من غامض العربية. قال حسان بن ثابت ~~شعرا: # (ومن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء) # أي: ومن يمدحه وينصره منكم سواء، والجواب الثاني: أن معنى قوله: {ولا في ~~السماء} أي: لو كنتم في السماء لم تعجزوه أيضا كالرجل يقول: ما أنت هاهنا ~~بمعجزي ولا بالبصرة أي: ولو كنت بالبصرة لم تعجزني أيضا. # وقوله: {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} أي: من وال ولا مانع. # PageV04P175 # قوله تعالى: {والذين كفروا بآيات الله ولقائه} قال قتادة: ذم الله أقواما ~~هانوا عليه، فقال: {أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم} أي: موجع ~~مؤلم. # PageV04P175 # قوله تعالى: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا} اعلم أن الآيات التي تقدمت ~~معترضة من قصة إبراهيم ودعائه قومه إلى الله وجوابهم له، وتلك الآيات في ~~النبي وحجاجه مع المشركين، ثم وقع العود في هذه الآية إلى جواب قوم إبراهيم ~~له. # PageV04P175 # {النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما ms1241 اتخذتم من دون الله ~~أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25) فآين له لوط وقال إني ~~مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ~~ذريته النبوة والكتاب} # وقوله: {إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من لنار} قال مجاهد: ~~حرقت النار وثاقه ولم تحرقه. # وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} أي: يصدقون. # PageV04P176 # قوله تعالى: {وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا} أي: أصناما، وقوله: ~~{مودة بينكم} أي: هي مودة (بينكم) ، أو تلك مودة بينكم في الحياة الدنيا، ~~ومعناه: أن تواخيكم وتوادكم في الدنيا خاصة، وينقطع إذا جاءت الآخرة، وقيل: ~~إن كل خلة تنقطع يوم القيامة إلا خلة المتقين. وقرئ: " مودة بينكم " بالنصب ~~بإيقاع الفعل عليه أي: اتخذتموها للمودة، وقرئ على غير هذا، والمعاني ~~متقاربة. # وقوله: {ثم يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} ومعنى الجمع: ~~هو وقوع التبرؤ بين القادة والأتباع. # وقوله: {ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} ظاهر المعنى. # PageV04P176 # قوله تعالى: {فآمن له لوط} وقد تقام اللام مقام الباء. # وقوله: {وقال إني مهاجر إلى ربي} أي: متوجه إلى ربي أطلب رضاه. وقد بينا ~~أن هجرته كانت من كوثى إلى الشام، وكوثى قرية من سواد الكوفة. وفي القصة: ~~أنه هاجر بعد أن مضت [خمس] وسبعون سنة من عمره؛ وهاجر معه لوط وسارة. # وقوله: {إنه هو العزيز الحكيم} أي: الغالب في أمره {الحكيم} في تدبيره. # PageV04P176 # {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (27) ولوطا إذ قال ~~لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (28) أئنكم ~~لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه ~~إلا أن قالوا أئتنا} # PageV04P177 # قوله تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} ~~يقال: إن الله تعالى لم يبعث نبيا بعد إبراهيم إلا من نسله، فإن قيل: كيف ~~لم يذكر إسماعيل، وذكر إسحاق ويعقوب، وقد كان ms1242 إسماعيل نبيا مثل إسحاق؟ ~~قلنا: قد دخل إسماعيل في قوله: {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} وأيضا فإن ~~الله تعالى يذكر البعض، ويترك البعض اختصارا وإيجازا، وإن كان المعنى في ~~الكل واحد. # وقوله: {وآتينا أجره في الدنيا} أي: الثناء الحسن. # وقال قتادة: هو قبول كل أهل الأديان له ورضاهم به. وقال السدى: هو الولد ~~الصالح. وقيل: هو أنه أري مكانه في الجنة، وقيل: إنه جعل الأنبياء من ~~أولاده. # وقوله: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} أي: في زمرة الصالحين. # PageV04P177 # قوله تعالى: {ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين} في التفسير: أنه لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط، # PageV04P177 # قوله تعالى: {أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل} أي: لتأتون الرجال ~~بالفاحشة، وتقطعون السبيل: فيه قولان: أحدهما: تقطعون سبيل النسل بإيثار ~~الرجال على النساء. # والقول الثاني: وتقطعون السبيل أي: الطريق، وكانوا يأخذون الغرباء ~~والمسافرين ويرتكبون منهم الفاحشة. # وقوله: {وتأتون في ناديكم المنكر} النادي هو المجلس، وأما المنكر الذي ~~أتوا به ففيه أقوال: أحدهما: هو ارتكاب الفاحشة من الرجال في مجالسهم، قاله ~~مجاهد. # وعن عائشة قالت: كانوا يتضارطون فيما بينهم. وعن عبد الله بن سلام: كان ~~بعضهم يبزق على بعض. وفي بعض الأخبار مسندا إلى النبي: " أنهم كانوا # PageV04P177 # {بعذاب الله إن كنت من الصادقين (29) قال رب انصرني على القوم المفسدين ~~(30) ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته} يجلسون على الطريق، ويخذفون الناس ويسخرون منهم ". # وعن بعضهم هو لصفير والرمي بالجلاهق، واللعب بالحمام، وبالشرك في الطريق، ~~وحل الإزار. # وقوله: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~لصادقين} أي: فيما تقوله # PageV04P178 # قوله: {قال رب انصرني على القوم المفسدين} وفسادهم كما بينا. # PageV04P178 # قوله تعالى: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} قد بينا معنى البشرى في ~~سورة هود. # وقوله: {إنا مهلكوا أهل هذه القرى} أي: سدوم، ms1243 وفي القصة: أنهم كانوا ~~يجلسون وبين يدي كل واحد منهم قعب فيه حصى فإذا مر بهم إنسان خذفه كل واحد ~~منهم بحصاة، فمن أصابه كان أولى به، فكان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاث ~~دراهم، ولهم قاض يقضي بذلك. # وقوله: {إن أهلها كانوا ظالمين} قد بينا ظلمهم. # PageV04P178 # قوله تعالى: {قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها} أي: قالت ~~الملائكة نحن أعلم بمن فيها. # وقوله: {لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} أي: الباقين في ~~العذاب. # PageV04P178 # {كانت من الغابرين (32) ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا ~~وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) ~~إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) ولقد ~~تركنا منها آية بينة} # PageV04P179 # قوله تعالى: {ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم} أي: سيء بالملائكة، ~~ومعناه: أنه ساءه مجيء الملائكة أضيافا لما علم من خبث قومه. # وقوله: {وضاق بهم ذرعا} أي: ضاق ذرعا بمجيئهم. يقال: ضاق فلان ذرعا بكذا ~~إذا كرهه. # وقوله: {قالوا لا تخف ولا تحزن} لا تخف من قومك علينا، ولا تحزن بإهلاكنا ~~إياهم. # وقوله: {إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين} أي: الباقين في ~~العذاب. # PageV04P179 # قوله تعالى: {إنا منزلون على أهل هذه القرية} أي: سدوم. # وقوله: {رجزا من السماء} أي: عذابا من السماء. # وقوله: {بما كان يفسقون} أي: يعصون. # PageV04P179 # قوله: {ولقد تركنا منها آية بينة} أي: من قريات قوم لوط. # قال قتادة: الآية البينة (هي [الأحجار] التي أهلكوا بها، وقد كان قد بقي ~~بعضها حتى أدركته أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: الآية البينة) : ظهور الماء ~~الأسود من قراهم. # وقوله: {لقوم يعقلون} أي: يتدبرون الآيات تدبر ذوي العقول. # PageV04P179 # {لقوم يعقلون (35) وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا ~~اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا ~~في دارهم جاثمين (37) وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين ms1244 (38) وقارون وفرعون ~~وهامان ولقد جاءهم} # PageV04P180 # قوله تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيبا} معناه: وأرسلنا إلى مدين أخاهم ~~شعيبا. # وقوله: {فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر} أي: وخشوا اليوم ~~الآخر، ويقال: الرجاء على حقيقته، وهو الأمل. # وقوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أي: لا تفسدوا في الأرض. [والعيث] ~~أشد الفساد. # PageV04P180 # وقوله تعالى: {فكذبوه فأخذتهم الرجفة} الرجفة: زعزعة تؤدي إلى الهلاك. # وقوله: {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} أي: ميتين، وقيل: خامدين. # PageV04P180 # قوله تعالى: {وعادا وثمود} أي: وأهلكنا عادا وثمود. # وقوله: {وقد تبين لكم من مساكنهم} أي: المنازل التي سكنوها. # وقوله: {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل} أي: صدهم عن سبيل ~~الحق. # وقوله: {وكانوا مستبصرين} أي: ارتكبوا ما ارتكبوا وقد علموا أن عاقبة ~~أمرهم بوار. # PageV04P180 # قوله تعالى: {وقارون وفرعون وهامان} أي: وأهلكنا قارون وفرعون وهامان. ~~وفي تفسير النقاش: أن فرعون كان يبيع البطيخ في ابتداء أمره، وهامان كان ~~طيانا. # PageV04P180 # {موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا ~~بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به ~~الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40) ~~مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو} # وقوله: {ولقد جاءهم موسى بالبينات} أي: بالدلالات. # قوله: {فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين} أي: فائتين عن عذابنا، ~~كالسابق على الشيء فيكون قد فاته. # PageV04P181 # قوله تعالى: {فكلا أخذنا بذنبه} أي: أخذنا كل هؤلاء بذنبهم. # وقوله: {فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا} الحاصب هي الريح التي تحمل الحصباء، ~~والحصباء: الحصى (الصغار) ، والذين أهلكوا بالحصباء قوم لوط. # وقوله: {ومنهم من أخذته الصيحة} يعني: قوم صالح، وهم ثمود. # وقوله: {ومنهم من خسفنا به الأرض} أي: قارون. # وقوله: {ومنهم من أغرقنا} أي: قوم نوح وقوم فرعون. # وقوله: { [وما] كان الله ليظلمهم} أي: ما ظلمهم الله {ولكن هم اللذين ~~ظلموا أنفسهم} . # PageV04P181 # قوله تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله} المثل: كلام سائر يتضمن ~~تشبيه حال الآخر ms1245 بالأول. # وقوله: {أولياء} أي: الأصنام. # وقوله: {كمثل العنكبوت} العنكبوت: دابة [أعطاها] الله تعالى آلة تنسج # PageV04P181 # {كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز ~~الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) خلق ~~الله السموات} بها بيتا تأوي إليه، (وبيته) في غاية الضعف والوهاء، وإنما ~~مثل عبادة الأصنام ببيت العنكبوت؛ لأن بيت العنكبوت لا يقي حرا ولا بردا، ~~وكذلك عبادة الأصنام لا تجلب نفعا، ولا تدفع ضرا. # وفي بعض الأخبار: أن النبي أنه قال: " العنكبوت شيطان مسخ فاقتلوه " ~~والخبر غريب. # وعن علي رضي الله عنه أنه أمر ألا يترك نسيج العنكبوت في البيت، وقال: ~~تركه يورث الفقر. وقد بينا أن الله تعالى جعل العنكبوت جند النبي في الغار. # وقوله: {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} أي: لو كانوا ~~يعلمون أن عبادة الأصنام لا تغني شيئا، كما علموا أن بيت العنكبوت لا يدفع ~~شيئا. # PageV04P182 # قوله تعالى: {إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء} أي: يعلم ما يدعون ~~من دونه من الأصنام وغيرها. # وقوله: {وهو العزيز الحكيم} أي: العزيز بالانتقام من أعدائه، الحكيم في ~~تدبير خلقه. # PageV04P182 # قوله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس} أي: الأشباه التي يقع بها ~~التمثيل. # وقوله: {وما يعقلها إلا العالمون} (أي: العالمون بمعاني كلامي، وعن بعض ~~السلف قال: يستحب أن يقف عند كل مثل في القرآن، فإن الله تعالى يقول: {وما ~~يعقلها إلا العالمون} . # PageV04P182 # {والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) اتل ما أوحي إليك من الكتاب ~~وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ~~ما تصنعون} # PageV04P183 # قوله تعالى: {خلق الله السموات والأرض بالحق} أي: بالحكمة. # وقوله: {إن في ذلك (لآية} للمؤمنين) أي: لعبرة للمؤمنين. # PageV04P183 # قوله تعالى: {اتل ما أوحى إليك من الكتاب} أي: القرآن. # وقوله: {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} الفحشاء كل قبيح ~~من الأفعال، والمنكر كل ما ينكره الشرع، (فإن قيل: كيف قال: {إن الصلاة ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر} وقد ms1246 رأينا من يصلي ولا ينتهي عن الفحشاء والمنكر؟ ~~قلنا: روي عن حماد بن سلمة أنه قال: تنهى عن الفحشاء والمنكر ما دام في ~~الصلاة، وعن غيره: تنهى عن الفحشاء والمنكر) فيها وبعدها. ومعنى النهي على ~~هذا القول أنه يقرأ القرآن والقراءة، تنهاه عن الفحشاء والمنكر. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لا صلاة لمن لم يطع الصلاة. وفي هذا ~~اللفظ إشارة إلى ما بينا. # وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء ~~والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا ". # PageV04P183 # ( {45) ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ~~وقولوا آمنا} # وعن الحسن وقتادة أنهما قالا: من صلى ولم ينته عن الفحشاء والمنكر، ~~فصلاته وبال عليه. # وقوله: {ولذكر الله أكبر} فيه قولان: أحدهما: ولذكر الله أفضل من كل ~~الطاعات، وروي عن ثابت البناني أن رجلا أعتق أربع رقاب، وجعل آخر يذكر الله ~~بالتسبيح والتحميد والتهليل، ثم سئل عن ذلك جماعة من أهل العلم، فقالوا: ~~ذكر الله تعالى أفضل؛ لأن الله تعالى قال: {ولذكر الله أكبر} . # والقول الثاني أن معناه: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، وهذا قول ~~ابن عباس، وروي إن رجلا قال لابن عباس: إن فلانا (يقول) في قوله: {ولذكر ~~الله أكبر} : إن معناه: إذا ذكره وانتهى عن معاصيه، فقال: هذا كلام حسن. ~~وليس بمعنى الآية؛ وإنما معنى الآية ما ذكرنا عنه، وهو قوله: ولذكر الله ~~إياكم أكبر من ذكركم إياه. ومنهم من قال: ولذكر الله في الثواب أكبر من ~~ذكركم في الطاعة. # وقوله: {والله يعلم ما تصنعون} أي: تفعلون. # PageV04P184 # قوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} فيه قولان: ~~أحدهما: ولا تجادلوا أهل الكتاب الذين قبلوا الجزية إلا بالتي هي أحسن، ~~وقوله: {إلا الذين ظلموا منهم} المراد بهم على هذا القول أهل الحرب. # والقول الثاني: {ولا تجادلوا أهل الكتاب} يعني: المؤمنين منهم، ومعنى ~~النهي عن المجادلة معهم بعد إيمانهم، هو أنهم كانوا يخبرون عن أشياء في ms1247 ~~كتبهم لم يعلمها المؤمنون، [فنهى] عن مجادلتهم فيها، فلعلها صحيحة. # وقوله: {إلا الذين ظلموا منهم} هم الذين لم يؤمنوا. وعن قتادة قال: الآية # PageV04P184 # {بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) ~~وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من ~~يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلو من قبله من كتاب ~~ولا تخطه بيمينك} منسوخة بآية السيف. # وقوله: {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} (روي عن النبي هم أنه ~~قال: " إذا أخبركم أهل الكتاب بشيء لم تعرفوه فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، ~~ولكن قولوا: {آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} وإلهنا وإلهكم واحد ونحن ~~له مسلمون ") ". # PageV04P185 # قوله تعالى: {وكذلك أنزلنا إليك الكتاب} أي: كما بعثناك بالحق أنزلنا ~~إليك الكتاب. # وقوله: {فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به} أي: يصدقون به، وقوله: {ومن ~~هؤلاء من يؤمن به} أي: ومن المشركين من يصدق به، فقوله: {هؤلاء} إشارة إلى ~~المشركين الذين كانوا بمكة. # قوله تعالى: {وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون} ظاهر المعنى. # PageV04P185 # قوله تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب} أي: من قبل بعثنا إياك، ~~وإنزال القرآن عليك. # وقوله: {ولا تخطه بيمينك} أي: لم تكن تقرأ ولا تكتب. # وقوله: {إذا لارتاب المبطلون} أي: إذا لشك الكافرون لو قرأت وكتبت، أما ~~أهل الشرك وكانوا يزعمون أنه قرأ من كتب الأولين وانتسخ منها، وأما أهل ~~الكتاب فقد # PageV04P185 # {إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ~~وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل ~~إنما الآيات عند الله} كان من نعته في كتبهم أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، فلو ~~قرأ وكتب وقع لهم الشك. # وعن الشعبي قال: لم يخرج النبي من الدنيا حتى كتب وقرأ. وهو قول ضعيف لا ~~يعتمد عليه، [وأظن] أنه لا يصح عن الشعبي هذا؛ لأنه كان عالما كبيرا. # PageV04P186 # قوله تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} أي: القرآن ~~آيات بينات في ms1248 صدور الذين أوتوا العلم، ويقال معناه: أن محمدا ذو آيات ~~بينات في صدور الذين أوتوا العلم. وقد صح عن النبي أنه قال: " (إن الله ~~تعالى) قال لي: بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله ~~الماء، تقرأه نائما ويقظانا " وهو إشارة إلى ما بينا أن القرآن في صدور ~~المؤمنين لا ينسخه ولا يغسله شيء. # وقوله: {وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون} أي: الكافرون. # PageV04P186 # قوله: {وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه} يعني: مثل ما أنزل على عيسى من ~~المائدة، وأعطي صالح من الناقة، وموسى من اليد والعصا {قل إنما الآيات عند ~~الله} يعني: إن الآيات عند الله يعطيها بمشيئته وإرادته. # وقوله: {وإنما أنا نذير مبين} قد بينا. واعلم أن الله تعالى قد أعطى ~~رسوله محمدا المعجزات الكثيرة، ولكنه لم يعطه على ما اقترحوا، وقد كانوا ~~يطلبون أن تكون الآيات على وفق إقتراحاتهم. # PageV04P186 # {وإنما أنا نذير مبين (50) أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم ~~شهيدا يعلم ما في السموات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك ~~هم الخاسرون (52) } # PageV04P187 # قوله تعالى: {أو لم يكفهم} الكفاية: بلوغ (غاية) تنافي الحاجة. # وقوله: {إنا أنزلنا عليك الكتاب} أي: القرآن. # وقوله: {يتلى عليهم} أي: يقرأ عليهم. # وقوله: {إن في ذلك لرحمة} أي: لنعمة لمن آمن به. # وقوله: {وذكرى} أي: موعظة وتذكيرا، وقد بينا وجه الإعجاز في القرآن من ~~حيث النظم والمعنى والإخبار عن الغيوب وغيره. # PageV04P187 # قوله تعالى: {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا} الشهادة: خبر عن مشاهدة ~~يبني عليه حكم شرعي، والله تعالى شهيد على أفعال المؤمنين والكفار جميعا. # وقوله: {يعلم ما في السموات والأرض} ظاهر المعنى. # وقوله: {والذين آمنوا بالباطل} أي: بغير الله. وقد ثبت أن النبي قال: " ~~أصدق كلمة قالت العرب قول لبيد: # (ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل) # ثم قال: إلا نعيم الجنة ". # واعلم أن الإيمان إذا أطلق يراد به الإيمان بالله، وإذا ms1249 قيد يجوز أن ~~يقال: آمن بإبليس، وآمن بالطاغوت، وما أشبه ذلك، وهذا كما إذا قيل: فلان ~~قائم، وأطلق يراد # PageV04P187 # {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم} به ~~المتصف، فإذا قيل: يجوز أن يقال: قائم بالتدبير قائم بالملك. وقال يحيى بن ~~سلام: الباطل هاهنا: إبليس. # وقوله: {وكفروا بالله} أي: جحدوا بالله. # وقوله: {وأولئك هم الخاسرون} الخاسرون: من خسر رأس المال، فالكفار لما ~~فعلوا فعلا عرضوا أنفسهم للهلاك سماهم الله خاسرين. # PageV04P188 # قوله تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب} قد بينا أن النضر بن الحارث قال: ~~{اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} الآية ~~فهذا هو الاستعجال بالعذاب. # وقوله: {ولولا أجل مسمى} أي: وعد القيامة، وقيل: النفخة في الصور ويقال: ~~الوقت الذي عين لعذابهم. # وقوله: {لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة} أي: فجأة {وهم لا يشعرون} أي: لا ~~يعلمون بمجيئها. وفي رواية أبي هريرة أن النبي قال: " إن الرجل ليرفع لقمته ~~فلا يضعها في فيه حتى تقوم الساعة ". # PageV04P188 # وقوله تعالى: {يستعجلونك بالعذاب} يقال: المراد به هو المراد بالآية ~~الأولى، أعاده للتأكيد، وقيل: إن هذه الآية نزلت على قوم من جهال هذه ~~الأمة، والقول الأول أولى. # وقوله: {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} أي: جامعة لعذابهم، ويقال معناه: لا ~~بد أن يدخلوها. # PageV04P188 # قوله تعالى: {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم} يعني: يصيبهم العذاب من # PageV04P188 # {يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55) ~~يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة الموت ~~ثم} فوقهم ومن تحت أرجلهم، وهو مثل قوله تعالى في آية أخرى: {لهم من فوقهم ~~ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} # وقوله: {ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} قد بينا معنى الذوق من قبل. # وقوله: {ما كنتم تعملون} أي: جزاء بما كنتم تعملون. # PageV04P189 # قوله تعالى: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة} قال إبراهيم النخعي في ~~هذه الآية: كانوا إذا ظهرت المعصية بأرض خرجوا منها. وعن ms1250 سعيد بن جبير ~~وعطاء أنهما قالا: إذا أمرت بالمعصية في (بلدة) فأخرج منها (وفي رواية: " ~~إذا ظهرت المعصية في بلدة فأخرج منها) . # وذكر أهل العلم أنه إذا لم يمكنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خرج ~~أيضا، والآية نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى إن هاجرنا ~~من الجوع وضيق المعيشة؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولم يعذرهم في ترك ~~الخروج، وفي الآية قول آخر: وهو أن معنى قوله: {إن أرضي واسعة} أي: رزقي ~~واسع، ذكره مطرف ابن عبد الله ابن الشخير. # وقوله: {فإياي فاعبدون} أي: وحدوني وأطيعوني. # PageV04P189 # قوله: {كل نفس ذائقة الموت} معناه: أن تخلفهم (عن) الهجرة لا ينجيهم من ~~الموت، وقد روى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه " أن النبي # PageV04P189 # {إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين صبروا وعلى ~~ربهم يتوكلون} لما توفى سمعوا حس شخص ولم يروه، وقال: السلام عليكم أهل ~~البيت ورحمة الله وبركاته {كل نفس ذائقة الموت} الآية، إن في الله عزاء من ~~كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودرجا من كل فائت، ألا بالله فثقوا، وإياه ~~فارجوا، والمصاب من حرم الثواب ". # وقوله: {ثم إلينا ترجعون} أي: تردون. # PageV04P190 # قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا} أي: ~~لنسكننهم من الجنة غرفا، أي: علالي، وروى أبو مالك الأشعري رضي الله عنه أن ~~النبي قال: " إن لله غرفا في الجنة، يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ~~ظهورها، قيل: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لما أطاب الكلام، وأطعم الطعام، ~~وصلى بالليل والناس نيام ". # وقرئ: " لنثوينهم " والثوى هو الإقامة، والتبوؤ هو النزول في الموضع الذي ~~يسكن فيه، وفي أخبار الجاهلية: أن المهلهل لما قتل ابن الحارث بن عباد في ~~حرب بكر وتغلب قال: تبوء بشسع نعل كليب. # ومن المعروف عن الحسين أنه قال للحسن في قتل أبي ملجم: لا تجعله ثوى ~~بأبينا أي: لا ننزله منزلة أبينا. # وقوله: ms1251 {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين} أي: ~~العاملين بالطاعة. # PageV04P190 # قوله تعالى: { [الذين] صبروا وعلى ربهم يتوكلون} أي: صبروا على # PageV04P190 # ( {59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع ~~العليم} الشدائد، وقوله: {وعلى ربهم يتوكلون} أي: يعتمدون. # PageV04P191 # قوله تعالى: {وكأين من دابة} أي: وكم من حيوان يدب على الأرض. # وقوله: {لا تحمل رزقها} أي: لا تحمل رزقها معها، وقيل: لا تدخر رزقها ~~للغد. # وعن أبي سعيد الخدري والمعروف أنه عن سفيان الثوري: " ليس من الحيوان ما ~~يدخر شيئا للغد سوى ابن آدم والفأرة والنملة والعقعق. وذكر النقاش في ~~تفسيره: أن المراد من قوله: {وكأين من دابة لا تحمل رزقها} أي: محمد: وكان ~~لا يدخر شيئا للغد، وقد ثبت برواية أنس: " أن النبي كان لا يدخر شيئا لغد ~~". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو منصور بكر بن محمد بن حميد ~~النيسابوري ببغداد من لفظه، أخبرنا أبو الحسن الخفاف، أخبرنا أبو العباس ~~السراج، عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت، عن أنس ... الخبر. # وفي بعض الأخبار برواية ابن عمر أنه قال: " دخلت مع رسول الله يلتقط ~~التمر ويأكله، فكدت لا آكله، فقال لي: ألا تأكله يا ابن عمر؟ فقلت: لا ~~أشتهيه. فقال: لكني أشتهيه، وهذا صبح رابع أربعو أيام ولم أذق طعاما، ولو ~~طلبت من الله لأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، ثم قال: كيف بك يا ابن عمر إذا ~~بقيت في قوم يدخرون الرزق لسنتهم، ويضعف اليقين؟ ! قال: فلم نبرح من ذلك ~~الموضع حتى أنزل الله تعالى: {وكأين من دابة لا تحمل رزقها} . " والخبر ~~غريب. # PageV04P191 # ( {60) ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ~~فأنى يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل ~~شيء عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله} # وقوله: {الله يرزقها وإياكم} يعني: يرزق تلك الدابة وإياكم. # وقوله: {وهو السميع العليم} ظاهر المعنى، ومن المشهور ms1252 عن النبي قال: " لو ~~توكلتم على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا ~~". # ومن المعروف أيضا أنه عليه السلام قال: " إن روح القدس نفث في روعي، أن ~~لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ". # PageV04P192 # قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر} أي: ~~وذلل الشمس والقمر. # وقوله: {ليقولن الله فأنى يؤفكون} أي: يصرفون عن الحق. # PageV04P192 # قوله تعالى: {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له} أي: يوسع على ~~من يشاء، ويضيق على من يشاء. # وقوله: {إن الله بكل شيء عليم} ظاهر المعنى. # PageV04P192 # قوله تعالى: {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله قل الحمد لله} يعني: على أن الفاعل لهذه الأشياء هو ~~الله. # PageV04P192 # {قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ~~ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في ~~الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (56) ~~ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) أو لم يروا أنا جعلنا حرما ~~آمنا وينخطف الناس من} # وقوله: {بل أكثرهم لا يعقلون} أي: لا يعلمون أن الفاعل لهذه الأشياء هو ~~الله تعالى. # PageV04P193 # قوله تعالى: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب} اللهو هو الاستمتاع ~~بلذات الدنيا، وسمي لهوا؛ لأنها فانية بخلاف لذات الآخرة. # وقوله: {ولعب} أي: وعبث، ويقال: إنما سمي ذلك لهوا ولعبا؛ لأنه إنما ~~يستعمل بها من لا يتفكر في العواقب. # وقوله: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} أي: لهي الحياة الدائمة. وقال أهل ~~اللغة: الحيوان والحياة بمعنى واحد، يحكى هذا عن أبي عبيدة وأبي. ومعنى ~~الآية: أن في الآخرة الحياة الدائمة. # وقوله: {لو كانوا يعلمون} أي: لو كانوا يعلمون أن الدنيا تفنى، والآخرة ~~تبقى. # PageV04P193 # قوله تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} أي: دعوا ~~الله وتركوا دعاء الأصنام، وحكي عن عكرمة قال: لو كانوا يركبون البحر ~~ويحملون ms1253 أصنامهم معهم، فإذا هاجت البحر وخافوا الغرق، طرحوا أصنامهم في ~~البحر، وقواول: يا رب، يا رب. # وقوله: {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} أي: عادوا إلى ما كانوا ~~عليه. # PageV04P193 # وقوله: {ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون} على طريق التهديد. # PageV04P193 # وقوله: {أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} أي: ذا أمن، وقوله: {ويتخطف ~~الناس من حولهم} الاختطاف هو الاستلاب بسرعة، وقد بينا هذا المعنى من قبل. # PageV04P193 # {حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (68) والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69) } # وقوله: {أفبالباطل يؤمنون} يعني: أفغير الله يؤمنون؟ وهو لفظ استفهام ~~بمعنى الإنكار. # وقوله: {وبنعمة الله يكفرون} أي: يجحدون. # PageV04P194 # قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} أي: كذب على الله، وادعى ~~أنه أنزل ما لم ينزله. # وقوله: {أو كذب بالحق لما جاءه} يعني: القرآن، وقيل: محمدا. # وقوله: {أليس في جهنم مثوى للكافرين} أي: مقام ومستقر للكافرين. # PageV04P194 # قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا} روي عن الحسن أنه قال: أفضل الجهاد ~~مخالفة الهوى. ويقال: الجهاد هاهنا هو العمل بما علمه، وعن سفيان الثوري ~~أنه قال لإبراهيم بن أدهم: ألا تأتينا فتتعلم منا؟ فقال: إني سمعت حديثين ~~فإذا فرغت منهما تعلمت الثالث، ثم روي بإسناد أن النبي قال: " من زهد في ~~الدنيا نور الله قلبه ". # ويقال: المجاهدة: هو الصبر على الطاعات واجتناب المعاصي، ويقال: قتال ~~الكفار، ويقال: تحقيق الإخلاص في الأعمال، وهو حقيقة قوله تعالى: {فينا} . # وقوله: {لنهدينهم سبلنا} لنزيدنهم هدى، ويقال: لنرشدهم إلى (الطرق) ~~المستقيمة، والطرق المستقيمة هي التي توصل إلى رضى الله تعالى. وعن ابن ~~المبارك أنه قال: قال لي سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فعليك بما قاله ~~لأهل الجهاد والثغور، فإن الله تعالى قال: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا} . # وقوله: {وإن الله لمع المحسنين} أي: بالنصرة والمعونة. # PageV04P194 # بسم الله الرحمن الرحيم # {الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ms1254 سيغلبون (3) في} # تفسير سورة الروم # وهي مكية # PageV04P195 # قوله تعالى: {الم} قد بينا، ولأصح أن معناه هاهنا هو القسم. # PageV04P195 # وقوله: {غلبت الروم} أي: قد غلبت الروم، فوقع القسم على هذا، وقد تحذف قد ~~عند أهل اللغة في الكلام، قال الشاعر: # (أكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذى العر [يكوي] غيره وهو راتع) # أي: لقد كلفتني. # PageV04P195 # وقوله: {في أدنى الأرض} الأدنى بمعنى الأقرب، ومعناه: الأدنى إلى أرض ~~فارس من أرض الروم، قال مجاهد. هي لجزيرة، وهي بلاد بين دجلة والفرات تسمى ~~الجزيرة منها حران، ورحبة مالك بن طوق، والرقة، والرهى، وغير ذلك. # وقوله: {وهم من بعد غلبهم سيغلبون} معناه: أن الروم من بعد غلبة فارس ~~عليهم سيغلبون. فإن قيل: قال: {من بعد غلبهم} وهم غلبوا ولم يغلبوا؟ ~~والجواب عنه: ذكر غلبتهم، والمراد منه غلبة غيرهم عليهم، وإنما أضاف الغلبة ~~إليهم لاتصال تلك الغلبة بهم، واتصال الغلبة بهم وقوع الغلبة عليهم، وهذا ~~مثل قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه} والطعام لا يكون صاحب الحب، ~~وإنما الإنسان هو صاحب الحب، ولكن إضافة إلى الطعام لاتصال الحب منه، وكذلك ~~قوله تعالى: {وذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} والمقام للعبد إلا أنه [أضافه] ~~إلى الله؛ # PageV04P195 # {بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ~~ينصر} لأنه يقوم بين يدي الله، فيتصل بالله من هذا الوجه. # PageV04P196 # وقوله: {في بضع سنين} في البضع قولان: أحدهما: من الواحد إلى العشر، ~~والقول الثاني: من الثلاث إلى السبع. # وكذلك اختلف القول في النيف، فمنهم من قال: من الواحد إلى الثلاث، ومنهم ~~من قال: من الواحد إلى العاشر. # وأما سبب نزول الآية فروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " أنه كان بين فارس ~~والروم قتال قائم، فكان المشركون يؤذون أن تغلب فارس الروم، والمسلمون ~~يودون أن تغلب الروم فارس، لأنهم كانوا أهل الكتاب، قال: فغلب فارس الروم ~~مرة، فشمت المشركون بالمسلمين، وقالوا: إنا سنغلبكم كما غلبت فارس الروم، ~~فجاء المسلمون إلى النبي وذكروا له ذلك، فقال: أما إن الروم سيغلبون ms1255 فارس. ~~فقال أصحاب النبي: متى ذلك؟ فقال: إلى بضع سنين، وأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # قال: فجاء أبو بكر إلى أبي بن خلف، وذكر له ذلك، فقال: والله لا تغلب ~~الروم فارس أبدا، ثم قال لأبي بكر: أخاطرك؟ قال: نعم فخاطره على قلائص من ~~الإبل. واختلفوا في عدد القلائص منهم من قال: كان ستا، وقيل: كان سبعا. ~~وقيل: غير ذلك، ووضعا المدة إلى خمس سنين. # قال قتادة: وكان ذلك في وقت لم يكن حوم القمار بعد. # فجاء أبو بكر إلى النبي، وذكر له ذلك، فقال له النبي: يا أبا بكر، زد # PageV04P196 # {من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر ~~الناس لا} في الخطر، وأبعد في الأجل " فزاد في عدد القلائص، وجعل المدة إلى ~~سبع سنين ". ثم إن الروم ظهرت على فارس، واسترجعوا ديار الجزيرة والشام ~~وغير ذلك من فارس، وكان فارس قد استولوا على الكل، وأخذوا صليبهم الأعظم، ~~فاستردوا هذه الديار، واستردوا صليبهم، وهزموا فارس. # واختلفوا في وقت ذلك، منهم من قال: كان يوم بدر، ومنهم من قال: كان عام ~~الحديبية. # وفي بعض التفاسير: أن أبا بكر لما قصد الهجرة جاء إلى أبي بن خلف، وطلب ~~منه كفيلا بالقلائص، فكفل بها ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر، ثم لما خرج أبي ~~بن خلف إلى أحد طلب عبد الرحمن منه كفيلا، فكفل بالقلائص ابنه، ثم انه لما ~~ظهرت الروم على فارس أخذ أبو بكر القلائص. # وفي بعض الروايات: أن المدة كانت إلى خمس سنين لا زيادة، ومضت الخمس ولم ~~تغلب الروم على فارس، واخذ أبي بن خلف القلائص، ثم بعد ذلك ظهرت الروم على ~~فارس. # وهذه الآية من معجزات النبي؛ لأنه أخبر عن غيب لا يعلمه إلا الله، وكان ~~الأمر على ما أخبر. # وقوله: {لله الأمر من قبل ومن بعد} أي: من قبل غلبهم، ومن بعد غلبهم. # وقوله: {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله} أي: ينصر الله أهل الكتاب على ~~غير أهل الكتاب، وإنما فرحوا بذلك لصدق ms1256 وعد الله تعالى؛ ولأنهم قالوا: كما ~~نصر الله أهل الكتاب على غير أهل الكتاب، وكذلك ينصرنا عليكم. # PageV04P197 # وقوله: {ينصر من يشاء} أي: من يشاء من عباده. # وقوله: {وهو العزيز الحكيم} أي: الغالب على أمره، المنعم على عباده. # PageV04P197 # {يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) ~~أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) أو لم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف} # PageV04P198 # قوله تعالى: {وعد الله لا يخلف الله وعده} أي: هذه النصرة من وعد الله، ~~ولا يخلف الله وعده {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أن وعد الله حق. # PageV04P198 # قوله تعالى: {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا} قال ابن عباس: أمر معايشهم ~~ومعالجهم في الدنيا يعني: متى يزرعون ومتى يحصدون، ومتى يغرسون، ومتى ~~يبنون. وقال الضحاك: بنيان الدور، وغرس الأشجار، وتشقيق الأنهار، وعمل ~~التجارات. وروى عن الحسن البصري - رضي الله عنه - قال: إن أحدهم لينقد ~~الدراهم بطرف ظفره، ويذكر وزنه فلا يخطئ، وهو لا يحسن أن يصلي. # وقوله: {وهم عن الآخرة هم غافلون} فهم الأول ابتداء، وهم الثاني ابتداء ~~آخر، ومعناه: أنهم غافلون ساهون عن الآخرة. # PageV04P198 # قوله تعالى: {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق} أي: للعدل، ويقال: لإقامة الحق، وقيل: للحق. وقد روي في ~~بعض الأخبار: " أن النبي مر على قوم وهم يتفكرون، فقال: تفكروا في خلق ~~الله، ولا تتفكروا في الله ". وهذا خبر غريب. # وقوله: {وأجل مسمى} أي: ومدة مسماه، واختلفوا في المدة المسماه، فقال ~~بعضهم: هي الساعة، وقال بعضهم: هو الوقت الذي قدر هلاكهم فيه. # وقوله: {وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون} أي: جاحدون، ولقاء ربهم ~~هو البعث يوم القيامة. # PageV04P198 # قوله تعالى: {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم} يعني: الأمم الذين مضوا. # PageV04P198 # {كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها ~~أكثر مما عمروها وجاءتهم ms1257 رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله ~~وكانوا بها يستهزءون} # وقوله: {كانوا أشد منهم قوة} أي: أكثر منهم قوة. # وقوله: {وأثاروا الأرض} أي: حرثوا الأرض. # وقوله: {وعمروها أكثر مما عمروها} أي: عمروا الأرض أكثر مما عمرها أهل ~~مكة، فإنما قال ذلك؛ لأنه لم يكن لأهل مكة حرث. # وقوله: {وجاءتهم رسلهم بالبينات} أي: بالدلالات. # وقوله: {فما كان الله ليظلمهم} أي: لينقص حقوقهم، ولكنهم نقصوا وبخسوا ~~حقوقهم. # [وقوله تعالى: {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ] . # PageV04P199 # قوله تعالى: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا} أي: كفروا، وقوله: {السوأى} هي ~~جهنم، ونعوذ بالله، وقرأ الأعمش: " ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء ". ~~وقيل: السوأى: قبح العاقبة. # ومنه قوله: " سواء ولود خير من حسناء عقيم ". يعني: قبيحة ولود خير من ~~حسناء عقيم. # PageV04P199 # ( {10) الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة ~~يبلس المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ~~(13) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فهم في} # وقوله: {أن كذبوا بآيات الله} أي: لأن كذبوا بآيات الله. # وقوله: {وكانوا بها يستهزئون} أي: بآيات الله يستهزئون. # PageV04P200 # قوله تعالى: {الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون} ظاهر المعنى، وقد ~~بينا. # PageV04P200 # قوله تعالى: {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} أي: ييأس المجرمون، ويقال: ~~(يسكتون) وتنقطع حجتهم، قال الشاعر: # (يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... قال نعم أعرفه وأبلسا) # وقال مجاهد: يبلس المجرمون: يفتضحون. وقيل: يتحيرون. # PageV04P200 # وقوله: {ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء} أي: الأصنام التي اتخذوها شركاء ~~لله. # وقوله: {وكانوا بشركائهم كافرين} أي: كفروا بالأصنام، وتبرءوا منها يوم ~~القيامة، ومعنى كانوا: صاروا. # PageV04P200 # قوله: {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} يعني: يتميز أهل الجنة من أهل ~~النار، وقيل معناه: أنه يفرق بين أهل المعصية و [أهل] الطاعة؛ فيعاقب أهل ~~المعاصي، وينعم على المطيعين، وعن قتادة قال: هو افتراق لا اجتماع بعده. # PageV04P200 # قوله تعالى: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون} ms1258 ~~الروضة: هي لبستان الذي هو في غاية النضارة والحسن. # قال الطائي: # PageV04P200 # {روضة يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك ~~في العذاب محضرون (16) فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد} # ((إنما البشر روضة فإذا ... كان [ربوة] فروضة وغدير)) # قوله: {يحبرون} أي: يكرمون وينعمون، ومنه ثوب الخبرة لحسنة، وعن يحيى ابن ~~كثير قال: يحبرون: هو السماع في الجنة. وذكر ابن قتيبة معنى قوله: {يحبرون} ~~أي: يسرون. # PageV04P201 # قوله تعالى: {وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء لآخرة} أي: البعث ~~يوم القيامة. # وقوله: {فأولئك في العذاب محضرون} أي: معذبون. # PageV04P201 # قوله: {فسبحان الله} بينا أن سبحان الله: تنزيه الله، وتبرئته عن كل سوء. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: هو اسم ممتنع لا ينتحله مخلوق. # وقوله: {سبحان الله} أي: سبحوا الله، وعن ابن عباس قال: كل سبحة في ~~القرآن فهي في معنى الصلاة. # وفي بعض الأخبار: " أن لنبي سئل عن أفضل الكلام فقال: سبحان الله وبحمده ~~". # وقد ثبت برواية أبي هريرة أن النبي قال: " كلمتان خفيفتان على اللسان، ~~ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله ~~العظيم ". وهذا آخر خبر ذكره البخاري في الصحيح. قال رضي الله عنه: حدثنا # PageV04P201 # {في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج الحي من الميت ويخرج} ~~بهذا الحديث من لفظها كريمة بنت أحمد بمكة، قالت: أخبرنا أبو الهيثم، ~~أخبرنا الفربري، أخبرنا البخاري بإسناده عن أبي هريرة. . الخبر. # وفي بعض الآثار: " أن سبحان الله وبحمده صلاة أهل السموات وصلاة الخلق ~~كلهم ". # وقوله: {حين تمسون} أي: تدخلون في المساء. # وقوله: {وحين تصبحون} أي: تدخلون في الصباح. # PageV04P202 # وقوله: {وله الحمد في السموات والأرض} قال الضحاك: الحمد لله رداء ~~الرحمن. # وقد ثبت عن النبي برواية علي رضي الله عنه أن النبي لما رفع رأسه من ~~الركوع قال: " سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، ~~وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال ~~العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع ms1259 لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد ". # وقوله: {وعشيا} أي: صلوا لله عشيا. # PageV04P202 # {الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (19) ومن آياته أن} # وقوله: {وحين تظهرون} أي: تدخلون في الظهر، وفي الآية إشارة إلى أوقات ~~الصلاة الخمس، فقوله: {حين تمسون} إشارة إلى صلاة المغرب والعشاء، وقوله: ~~{حين تصبحون} إشارة إلى صلاة الصبح، وقوله: {وعشيا} إشارة إلى صلاة العصر. # وقوله: {وحين تظهرون} إشارة إلى صلاة الظهر. # PageV04P203 # قوله تعالى: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} قد بينا معناه من ~~قبل؛ وهو إخراج البيضة من الدجاجة، وإخراج الدجاجة من البيض، وإخراج الكافر ~~من المؤمن، والمؤمن من الكافر، وغير ذلك. # وقوله: {ويحيي الأرض بعد موتها} أي: كما أحيا الأرض بعد موتها كذلك ~~يحييكم بعد موتكم، وهو معنى قوله: {وكذلك تخرجون} . # وقال بعضهم: يخرج البليد من الفطن، والفطن من البليد. # وروى الزهري عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: " أن النبي دخل على بعض ~~نسائه وعندها خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث: فقال: من هذه؟ قالوا: هي خالدة ~~بنت الأسود بن يغوث. فقال: سبحان الله! يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من ~~الحي "، وكانت المرأة صالحة، وأبوها كان كافرا. # PageV04P203 # {خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) من آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون (21) ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ~~ذلك} # PageV04P204 # قوله تعالى: {ومن آياته أن خلقكم من تراب} أي: خلق أصلكم من تراب؛ وهو ~~آدم صلوات الله عليه. # وقوله: {ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} أي: تجيئون وتذهبون، ويقال: (تنتشطون) ~~. # PageV04P204 # قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا} فيه قولان: أحدهما: ~~أن معناه: خلق حواء من ضلع آدم، والقول الثاني: أن معناه: خلق من أمثالكم ~~أزواجا لكم، والنساء من جنس الرجال؛ لأنهم جميعا من بني آدم. # وقوله: {لتسكنوا إليها} هو في معنى قوله تعالى: {وخلق منها زوجها ms1260 ليسكن ~~إليها} أي: ليأنس بها. # وقوله: {وجعل بينكم مودة ورحمة} المودة: الحب والعطف، وقد يتفق بين ~~الزوجين من العطف والمودة ما لا يتفق بين الأقارب. وعن مجاهد والحسن وعكرمة ~~أنهم قالوا: المودة: الوطئ، والرحمة: الولد. # وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} التفكر: هو طلب المعنى من الأشياء ~~فيما يتعلق بالقلب. # PageV04P204 # قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم} ~~فيه قولان: أحدهما: أن اختلاف الألسنة هو اختلاف اللغات؛ فللفرس لغة، ~~وللروم لغة، وللترك لغة، وللعرب لغة، وما أشبه هذا. وذكر كعب الأحبار أن ~~الله تعالى قسم اثنتين وسبعين لغة بين الناس، فلولد سام [تسع عشرة] لغة ~~ولولد حام [سبع # PageV04P204 # {لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله ~~إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل ~~من السماء ماء} عشرة] لغة، والباقي لولد يافث. وأما اختلاف الألوان فهو أن ~~هذا أحمر، وهذا أسود، وهذا أبيض، ما أشبه هذا. # والقول الثاني: أن اختلاف الألسنة هو اختلاف النغمات، فلا يتفق لاثنين ~~نغمة واحدة، واختلاف الألوان معلوم بين الناس، وإن كان كلهم بيضا أو سودا، ~~فلا يتفق لونان من جميع الوجوه. وفيه حكمة عظيمة، وهو أنه لو اتفقت الألوان ~~والأسنة [لبطل] التمييز، فلم يعرف الأب ابنه، والابن أباه، وكذلك في الأخوة ~~والأزواج وجميع الناس. # وقوله: {إن في ذلك لآيات للعالمين} قرأ حفص بن عاصم: " للعالمين " هو جمع ~~عالم، وأما القراءة المعروفة: " للعالمين " يعني: الجن والإنس وجميع الخلق. # PageV04P205 # قوله تعالى: {ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} أي: ~~منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار. ويقال معناه: ومن آياته منامكم ~~[واشتغالكم] من فضل الله بالليل والنهار. # وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} أي: يسمعون ما يذكر لهم من هذه ~~الآيات. # PageV04P205 # قوله تعالى: {ومن آياته يريكم البرق} معناه: من آياته أنه يريكم البرق، ~~وقد بينا وجه القول في البرق. وعن بعضهم قال: إذا أبرقت السماء أربعين برقة ~~فلا يخلفه أي: لا يتأخر المطر، قال الشاعر: ms1261 # (لا يكن (برقا كبرق) خلبا ... إن خير البرق [ما] الغيث معه) # PageV04P205 # {فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ومن آياته ~~أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا انتم تخرجون ~~(25) وله من في السموات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي يبدأ الخلق ثم ~~يعيده وهو أهون} # وقوله: {خوفا وطمعا} أي: خوفا للمسافر، وطمعا للحاضر، ويقال: خوفا من ~~الصواعق، وطمعا في الغيث. # وقوله: {وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون} ظاهر المعنى. # PageV04P206 # قوله تعالى: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} فيه قولان: أحدهما: ~~أن معناه: تكونا بأمره، والقول الثاني: يدوم قيامهما بأمره) . وقد أقام ~~السماء بغير عمد ودام ذلك إلى وقته المسمى، وهو بأمره. # وقوله: {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض} قيل: إن الدعوة من صخرة بيت المقدس، ~~ويقال: هي من السماء. والدعوة: هي دعوة إسرافيل. # وقوله: {من الأرض} أي: يدعوكم أن تخرجوا من الأرض، وهذا على القول الذي ~~يقول إن الدعوة من السماء. # وقوله: {إذا أنتم تخرجون} قد ذكرنا. # PageV04P206 # قوله تعالى: {وله من في السموات والأرض كل له قانتون} أي: مطيعون، ويقال: ~~مقربون بالعبودية. # وقوله: {وله} أي: وله ملكا وخلقا. فإن قيل: إذا حملنا القنوت على الطاعة ~~فليس كل من في السموات والأرض يطيعونه! والجواب: أنه ليست الطاعة هاهنا ~~بمعنى طاعة العبادة، إنما الطاعة هاهنا بمعنى الانقياد بذل كل شيء لما خلق ~~له. # PageV04P206 # قوله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق} أي: ينشئ الخلق {ثم يعيده} أي: # PageV04P206 # {عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم (27) ضرب ~~لكم} يحييكم بعد ما يميتهم. # وقوله: {وهو أهون عليه} فإن قيل: كيف يستقيم قوله: {وهو أهون عليه} والله ~~لا يشتد عليه شيء؟ والجواب عنه: أن معنى قوله: {وهو أهون عليه} أي: هو هين ~~عليه. وفي قراءة ابن مسعود: " وهو عليه هين ". قال الفرزدق شعرا: # (إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول) # ((بيت) زرارة محتب ms1262 بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل) # وقوله: أعز وأطول أي عزيزة طويلة، وقال آخر: # (لعمرك لا أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول) # أي: (لوجل) . والقول الثاني في الآية أن معناه: وهو أهون عليه على ما يقع ~~في عقولهم؛ فإن الذي يقع في عقول الخلق أن الإعادة أهون من الإنشاء، ويقال ~~معناه: هو أهون على الخلق؛ لأن من ابتدأ شيئا مما يشق عليه، فإذا (أعاد) ~~ثانيا يكون أسهل وأهون. # وقوله: {وله المثل الأعلى} أي: الصفة الأعلى، والصفة الأعلى أنه لا شريك ~~له وليس كمثله شيء، قاله ابن عباس. وقال قتادة: الصفة الأعلى أنه لا إله ~~إلا الله. # وقوله: {في السموات والأرض} يعني: هذه صفة له عند أهل السموات والأرض. # وقوله: {وهو العزيز الحكيم} أي: العزيز من حيث الانتقام، الحكيم من حيث ~~التدبير. # PageV04P207 # {مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم ~~فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقم يعقلون (28) بل ~~اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين ~~(29) } # PageV04P208 # قوله تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} أي: شبها من مثالكم، ثم ذكر الشبه ~~فقال: {هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم} ومعناه: هل لكم ~~في أموالكم شركاء من عبيدكم يساونكم فيها؟ فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف ~~ترضونه لي وتصفونني به؟ . # وقوله: {فيما رزقناكم} أي: فيما أعطيناكم من الرزق والمال. # وقوله: {فأنتم فيه سواء} إشارة إلى ما قلنا. # وقوله: {تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} أي: تخافون من مشاركتهم لكم في أموالكم ~~كما تخافون من أمثالكم، وهو الشريك الحر من الشريك الحر، وأنفسكم هنا بمعنى ~~أمثالكم، وفيه قول آخر قاله سعيد بن جبير، وهو أن الآية نزلت في تلبية ~~المشركين، فإنهم كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك، لا شريك لك إلا شريكا ~~هو لك، تملكه وما ملك. # وقوله: {تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} أي: تخافونهم في اللائمة كما تخافون ~~لائمة أمثالكم. # وقوله: {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} أي: ms1263 ينظرون إلى هذه الدلائل ~~بعقولهم. # PageV04P208 # قوله تعالى: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم} الأهواء جمع الهوى، والهوى ما ~~يهواه الإنسان، وعن بعضهم: الهوى أعظم معبود. # وقوله: {بغير علم} أي: اتبعوا أهواءهم جهلا بما لا [يجب] عليهم. # وقوله: {فمن يهدي من أضل الله} أي: أضله الله. # PageV04P208 # {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل} # وقوله: {وما لهم من ناصرين} أي: يمنعهم من عذابنا. # PageV04P209 # قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا} أي: أخلص دينك لله، وإقامة الوجه هو ~~إقامة الدين، وقد بينا معنى الحنيف. # وقوله: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} أما نصب الفطرة على الإغراء أي: ~~الزم فطرة الله التي فطر الناس عليها، واختلفوا في هذه الفطرة، فمنهم من ~~قال: إن الفطرة هاهنا بمعنى الدين. # وقوله: {فطر الناس عليها} أي: خلق الناس عليها، ويقال هذا القول عن ابن ~~عباس والكلبي ومقاتل وغيرهم. وقد ثبت عن النبي أنه قال: " كل مولود يولد ~~على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ". # وثبت أيضا عن النبي أنه قال فيما يحكى عن ربه أنه قال: " خلقت عبادي ~~حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ". # فإن قيل: كيف يستقيم هذا على أصولكم، وعندكم أن الله تعالى خلق الناس ~~صنفين: مؤمنين، وكافرين؟ هذه الآية والأخبار تدل على أن الله تعالى خلق ~~عباده مؤمنين؛ وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أخرج ذرية ~~آدم من صلبه، وخاطبهم بقوله: {ألست بربكم} فأقروا بالعبودية والإيمان، ~~فالناس يولدون على ذلك، والجواب عنه: أن أهل العلم اختلفوا في هذا، فحكى ~~النحاس في تفسيره عن ابن المبارك: أن الآية في المؤمنين خاصة، وحكى أبو ~~(عبيد) في غريب الحديث عن محمد بن الحسن أنه قال: هذا قبل نزول الأحكام ~~والأمر بالجهاد، كأنه أشار إلى أن الآية منسوخة، ثم ذكر النحاس أن كلا ~~المعنيين ضعيف. # PageV04P209 # أما [ما] ذكره ابن المبارك فهو مجرد تخصيص، وليس عليهم دليل، وأما ما ~~ذكره محمد بن الحسن فهو إثبات النسخ في الأخبار، والأخبار لا يرد عليها ~~النسخ، والصحيح في ms1264 معنى الآية والخبر أن معنى الفطرة هو أن كل إنسان يولد ~~على أنه متى سئل: من خلقك؟ فيقول: الله خلقني، هو المعرفة التي تقع في أصل ~~الخلقة. # قال أبو (عبيد) الهروي: وهو معرفة الغريزة والطبيعة، وإلى هذا وقعت ~~الإشارة في قوله: {ولئن سألتهم من خلقكم ليقولون الله} وبهذا القدر لا يحصل ~~الإيمان المأمور به، فالناس خلقوا على هذه الفطرة، وأما حقيقة الإيمان ~~وحقيقة الكفر فالناس من ذلك على قسمين على ما ورد به الكتاب والسنة. قال ~~الزجاج والنحاس: وهذا قول أهل السنة. وهذا القول اختيار ابن قتيبة أيضا. # وقوله: {لا تبديل لخلق الله} على هذا القول أي: لا أحد يرجع إلى نفسه إلا ~~ويعلم أن له إلها وخالقا. # والقول الثاني في الآية: هو أن فطرة الله هاهنا بمعنى دين الله، فالخلق ~~يولدون على العهد الذي أخذ عليهم يوم لميثاق، وهو فطرة الله، وهذا القول ~~حكي عن الأوزاعي وحماد بن سلمة. # وقد ورد في الخبر الذي روينا، وهو قوله: " كل مولود يولد على افطرة ~~فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتج البهيمة بهيمة هل تحسون فيها من جدعاء "؟ ~~! قال: اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} . # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث على الفظ محمد بن. عبد الله بن ~~محمد ابن أحمد، قال: أخبرنا أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، ~~أخبرنا الغدافري، أخبرنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ~~سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي. . الحديث. # PageV04P210 # {لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) منيبين إليه ~~واتقوه} # وفي الآية قول ثالث: وهو ما روى أبو عبيد الهروي في الغريبين عن ابن ~~المبارك قال: قوله: " على الفطرة " أي: على ابتداء الخلقة التي فطر عليها ~~الإنسان في الرحم من سعادة أو شقاوة، فأبواه يهودانه يعني: في حكم الدنيا. ~~وقد صحح كثير من أهل المعاني ما ذكرناه من قبل، وهو أن الآية في المسلمين ~~خاصة، وهو عموم بمعنى الخصوص. # وقوله: {لا تبديل لخلق الله} ms1265 فيه أقوال: أحدها: ما بينا من قبل، والقول ~~الثاني: لا تبديل لخلق الله أي: لا ينقلب السعيد شقيا، ولا الشقي سعيدا إذا ~~خلق على أحدهما. # والقول الثالث: لا تبديل لخلق الله أي: لا أحد يثق مثل خلق الله، ومعناه: ~~أنه لا خالق غيره. # وعن عكرمة قال: لا تبديل لخلق الله: هو تحريم الإخصاء. # وقد اختلف العلماء فيه، منهم من حرم في الكل، ومنهم من أباح في جميع ~~البهائم سوى الآدمي، ومنهم من أباح في جميع البهائم سوى الفرس؛ لأن فيه قطع ~~النسل، والنسل يقصد في الخيل ما لا يقصد في غيره. وروى عن النبي أنه قال: " ~~خير المال سكة مأبورة، وفرس مأمورة ". والسكة المأبورة هي النخل المصطفة ~~التي قد أبرت، والفرس المأمورة كثيرة النتاج. # وأما إذا حملنا الفطرة على الدين فقوله: {لا تبديل لخلق الله} خبر بمعنى ~~الأمر، كأنه قال: لا تبدلوا دين الله. وقد ورد في الخير: الفطرة بمعنى كلمة ~~الإسلام. # روى البراء بن عازب أن النبي قال: " إذا أخذ أحدكم مضجعه ثم قال: اللهم ~~أسلمت نفسي إليك، وفوضت امري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجا منك ~~إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، قال: فإن مات مات ~~على الفطرة ". # وقد وردت الفطرة بمعنى السنة، وذلك في الخبر المعروف عن النبي أنه قال: " ~~عشر من الفطرة " أي: من السنة الخبر. # وقوله: {ذلك الدين القيم} أي: الدين المستقيم، ويقال: الحساب المستقيم. # وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ظاهر المعنى، وأنشدوا في الفطرة قول ~~كعب بن مالك شعرا: (إن تقتلونا فدين الله فطرتنا ... والقتل في الحق عند ~~الله تفضيل) # PageV04P211 # قوله تعالى: {منيبين إليه أي: اتبعوا دين الله {منيبين إليه} أي: راجعين ~~[إليه] . قال الحسن البصري: راجعين إلى الله بصلاتكم وأعمالكم. وعن بكر بن ~~عبد الله المزني أنه قال: المنيب هو الذي يمشي على الأرض وقلبه عند الله. ~~فإن قيل: كيف يستقيم قوله: {منيبين} وقد خاطب غب الابتداء واحدا، وهو ~~الرسول بقوله: {فأقم وجهك للدين حنيفا} ؟ والجواب عنه، ms1266 أن قوله: {فأقم ~~وجهك} أي: فأقم وجهك وأمتك معك منيبين إلى الله، وحقيقة المعنى: اتبعوا ~~الدين القيم منيبين إلى الله. # PageV04P211 # {وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم ~~منيبين إليه ثم إذا} # وقوله: {واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} أي: الجاحدين. # PageV04P213 # قوله تعالى: {من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا} أي: تركوا دينهم، وقرئ: ~~" فرقوا دينهم " أي: تفرقوا في دينهم. وفي الآية أقول، أظهر الأقاويل: أن ~~المراد منهم اليهود والنصارى. # وقد روى في بعض الأخبار: " أن اليهود افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، ~~والنصارى افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ~~فرقة، كلها في النار إلا واحدة ". # والقول الثاني: أن المراد من الآية هم الخوارج، حكى هذا عن أبي أمامة ~~الباهلي. # والقول الثالث: أن المراد من الآية أهل الأهواء والبدع، وقد روى هذا في ~~خبر مسند عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي قال لها: " إن الذين فارقوا ~~دينهم وكانوا شيعا هم أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة، يا عائشة، إن لكل ~~قوم توبة إلا أهل الأهواء والبدع فليس لهم توبة، أنا منهم برئ، وهم مني ~~براء ". # وقوله: {كل حزب بما لديهم فرحون} أي: راضون بما عندهم. وقال بعض أهل # PageV04P213 # {أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم ~~فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا ~~يشركون (35) وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم إذا هم يقنطون} اللغة: الحزب بمعنى الناصر، قال الشاعر: (أم كيف ~~أخنوا وبلال حزبي ... ) أي: ناصري # PageV04P214 # قوله تعالى: {وإذا مس الناس ضر} أي: شدة. # وقوله: {دعوا ربهم منيبين إليه} أي: منقلبين إليه بالدعاء، ومعناه: أنهم ~~إذا وقعوا في الشدة تركوا دعاء الأصنام، ودعوا الله وحده. # وقوله: {ثم إذا أذاقهم منه رحمة} أي: كشف الشدة عنهم برحمته. # وقوله: {إذا فريق منهم بربهم يشركون} أي: عادوا إلى رأس شركهم. # PageV04P214 # قوله ms1267 تعالى: {ليكفروا بما آتيناهم} قد بينا من قبل. # وقوله: {فتمتعوا فسوف تعلمون} صورة أمر بمعنى التهديد، وقرأ ابن مسعود: " ~~وليتمتعوا فسوف يعلمون ". # PageV04P214 # قوله تعالى: {أم أنزلنا عليهم سلطانا} أي: حجة وعذرا، ويقال: أم أنزلنا ~~عليهم سلطانا أي: كتابا ينطق بشركهم، وهذا معنى قوله تعالى: {فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون} . # PageV04P214 # قوله تعالى: {وإذا أذقنا الناس رحمة} أي: الخصب وكثرة المطر، ويقال: ~~الأمن والعافية. # وقوله: {فرحوا بها} الفرح هاهنا فرح البطر وترك الشكر. # وقوله: {إن تصبهم سيئة} أي: الجدب وقلة المطر، ويقال: الخوف والبلاء. # PageV04P214 # ( {36) أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون (37) فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين ~~يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) وما آتيتم من ربا ليربو في أموال ~~الناس فلا يربو عند الله} # وقوله: {بما قدمت أيديهم} يعني: من الذنوب. # وقوله: {إذا هم يقنطون} أي: ييأسون، وهذا علامة غير المؤمنين، فأما علامة ~~المؤمنين فهو شكر الله عند النعمة، ورجاء الكشف عند الشدة. # PageV04P215 # وقوله تعالى: {أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء} . # وقوله: {ويقدر} أي: يضيق. # وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} أي: يصدقون. # PageV04P215 # قوله تعالى: {فآت ذا القربى حقه} أكثر المفسرين على أن المراد من إيتاء ~~ذي القربى هاهنا صلة الرحم بالعطية والهدية، وقال قتادة: من لم يعط قرابته، ~~ويمشي إليه برجليه فقد قطع رحمه. وقد حمل بعضهم الآية على إعطاء ذوي قربى ~~الرسول. # قوله: {والمسكين} أي: الطواف. # وقوله: {وابن السبيل} أي: المسافر، وقيل: الضيف. # وقد صح أن النبي قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". # وروى عنه عليه الصلاة والسلام قال: " الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم ~~وليلة ". # قال مالك: ومعنى الجائزة أنه يتكلف له في يوم وليلة، وأما ما سوى ذلك ~~فيقدم إليه ما حضر. # وقوله: {ذلك خير للذين يريدون وجه الله} أي: يطلبون رضا الله عنه. # وقوله: {وأولئك هم المفلحون} أي: الفائزون. # PageV04P215 # قوله تعالى: {وما آتيتم من ربا ليربوا ms1268 في أموال الناس} أكثر أهل التفسير ~~أن # PageV04P215 # {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله الذي ~~خلقكم ثم} المراد من الآية هو أن يعطي الرجل غيره عطية ليعطيه أكثر منها، ~~وهذا جائز للناس أن يفعلوا غير أنه في القيامة لا يثاب عليه، فهو معنى ~~قوله: {فلا يربوا عند الله} وقد كان هذا الفعل حراما على النبي، قال الله ~~تعالى له: {ولا تمنن تستكثر} أي: لا تعط وتطلب أن تعطى أكثر مما أعطيت. وعن ~~إبراهيم النخعي قال: كان الرجل يعطى صديقه مالا ليكثر مال الصديق، ولا ~~(يرد) به وجه الله، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وقرئ " لتربوا في ~~أموال الناس " من أموال الناس " فلا يربوا عند الله " أي: لا يكثر عند ~~الله. # وقوله: {وما آتيتم من زكاة} أي: صدقة. # وقوله: {تريدون وجه الله} قد بينا. # وقوله: {فأولئك هم المضعفون} أي: ذو الأضعاف. # تقول العرب: القوم مسمنون ومهزلون وملبنون، والمعنى ما بينا. قال الشاعر: ~~((يخبرهم على حذر وقالت ... بنى (معلكم) بظل مسيف) أي: ذو سيف. # PageV04P216 # قوله تعالى: {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم} الآية ظاهر ~~المعنى. # وقوله: {هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ} أي: مثل ذلكم من شئ. # وقوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} قد بينا من قبل. # PageV04P216 # {رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه ~~وتعالى عما يشركون (40) ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ~~ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف} # PageV04P217 # قوله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر} في الآية أقول: أحدها: ما روى ~~عن ابن عباس أنه قال: الفساد في البر هو قتل أحد ابني آدم أخاه، والفساد في ~~البحر هو غصب الملك السفينة، فكلاهما في القرآن. # وعن الضحاك قال: كانت الأرض خضرة زهرة نضرة مؤنقة، وكان لا يأتي ابن آدم ~~شجرة إلا وجد عليها ثمرة، وكان ماء البحر عذبا، وكان لا يقصد الأسد البقر ~~والغنم، ms1269 ولا السنور الفأرة، وما أشبه ذلك، فلما قتل أحد بني آدم أخاه ~~اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار، وصار ماء البحر ملحا زعاقا، وقصد الحيوانات ~~بعضها بعضا. # والقول الثاني في الآية أن المراد من الفساد في البر هو الجدوبة والقحط، ~~والفساد في البحر قلة المطر، فإن قيل: وأي فساد بقلة المطر في البحر والبر؟ ~~قلنا: أما في البر فظهور الشدة والقحط، وأما في البحر فقد قالوا: إنه إذا ~~لم يأت المطر في البحر عميت دواب البحر، ويقال: إذا لم يأت المطر في البحر ~~خلت أجواف الأصداف من اللؤلؤ، فإن الصدف إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه ~~البحر، ويفتح فاه، فما يقع فيه يصير لؤلؤا. # والقول الثالث في الآية - وهو الأظهر - أن البر هو البوادي والمفازة، ~~والبحر هو القرى والأمصار، والعرب تسمى كل قرية أو مصر على ماء جار بحرا. # وقوله: {بما كسبت أيدي الناس} أي: بما أذنبوا، وقد قال الله تعالى: {ولو ~~أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء} . # وقوله: {ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} أي: يرجعون إلى الله ~~بالتوبة. # PageV04P217 # قوله تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} أي: ~~آخر أمر الذين كانوا من قبل. # PageV04P217 # {كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم ~~من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ~~ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~فضله إنه} # وقوله: {كان أكثرهم مشركين} أي: بالله. # PageV04P218 # قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين القيم} أي: اقصد جهة الدين القيم، وقيل: ~~سدد عملك للدين القيم، ويقال: استقم على الدين القيم. # وقوله: {من قبل أن يأتي يوم لا مرد له} أي: القيامة لا يقدر أحد على رده ~~من الله. # وقوله: {يومئذ يصدعون} أي: يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير. # قال الشاعر: # (وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا) # أي: لن يتفرقا. # PageV04P218 # وقوله تعالى: {من كفر فعليه كفره} ms1270 أي: وبال كفره. # وقوله: {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} أي: موطئون المضاجع، ويقال: ~~يبسطون الفرش، قال الشاعر: # (أمهد لنفسك حان السقم والتلف ... ولا تضيعن نفسا ما لها خلف) # PageV04P218 # وقوله: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين} ~~ظاهر المعنى. # PageV04P218 # قوله تعالى: {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات} الريح: جسم رقيق يجري في ~~الجو يمينا وشمالا على ما دبر من حركاته في جهاته ممتنع القبض عليه للطفه. ~~وعن عبد الله بن عمرو قال: الرياح أربعة للرحمة، وأربعة للعذاب، وجملتها ~~ثمانية: فالتي للرحمة: المبشرات، والناشرات، والذاريات، والمرسلات، والتي ~~للعذاب: العقيم، والصرصر في البر، والعاصف، والقاصف في البحر. # PageV04P218 # {لا يحب الكافرين (45) ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من ~~رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا ~~من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان ~~حقا علينا نصر} # وقوله: {وليذيقكم من رحمته} أي: المطر، ويقال: طيب الريح ولذتها. # وقوله: {ولتجري الفلك بأمره} أي: لتجري الفلك في البحر بهذه الرياح ~~بأمره. # وقوله: {ولتبتغوا من فضله} أي: لتطلبوا من فضل الله تعالى بالتجارات في ~~البحر. # وقوله: {ولعلكم تشكرون} يعني: تشكرون الله تعالى. # PageV04P219 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات} أي: ~~بالدلالات. # وقوله: {فانتقمنا من الذين أجرموا} أي: أجرموا بالتكذيب. # وقوله: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} أي: نصرة المؤمنين بإنجائهم، وقيل: ~~نصرة المؤمنين بالذب عنهم، ودفع العذاب [عنهم] . # وفي بعض المسانيد برواية أم الدرداء أن النبي قال: " من ذب عن غرض أخيه ~~المسلم كان حقا على الله أن يرد عنه النار يوم القيامة، ثم تلا قوله تعالى: ~~{وكان حقا علينا نصر المؤمنين} ". # PageV04P219 # وقوله تعالى: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا} أي: ينشر السحاب، وفي ~~بعض التفاسير أن الله تعالى يرسل ريحا فتقم الأرض قما، ثم يرسل ريحا فتدر # PageV04P219 # {المؤمنين (47) الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف ~~يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء ms1271 من عباده ~~إذا هم يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) ~~فانظر إلى} السحاب بالمطر، فهذا معنى الآية. # وقوله تعالى: {فيبسطه في السماء كيف يشاء} أي: مسيرة يوم ومسيرة يومين ~~وأكثر على ما يشاء. # وقوله: {ويجعله كسفا} أي: قطعا. # وقوله: {فترى الودق يخرج من خلاله} قرأ الضحاك " " من خلله "، والودق: ~~المطر، قال الشاعر: # (فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها) # وقيل: الودق: هو البرق، والأول أظهر. # وقوله: {فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون} أي: يبشر بعضهم ~~بعضا. # PageV04P220 # وقوله: {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} أي: آيسين. وفي ~~حرف ابن مسعود: " وإن كانوا من قبل أن ننزل عليهم من قبله لمبلسين ". # فإن قيل: فما معنى تكرار قوله: {من قبل} هاهنا، وأي فائدة فيه؟ والجواب ~~عنه من وجهين: أحدهما: أنه على طريق التأكيد وهو قول أكثر أهل النحو، ~~والعرب تفعل كثيرا مثل هذا. والثاني: أن معناه: من قبل: السحاب، " ومن قبل، ~~إنزال المطر؛ فأحدهما يرجع إلى إنزال المطر، والأخر يرجع إلى إنشاء السحاب. # PageV04P220 # قوله تعالى: {فانظر إلى آثار رحمة الله} وقرئ: " أثر رحمة الله " والآثار ~~جمع # PageV04P220 # {آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على ~~كل شيء قدير (50) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) ~~فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما أنت ~~بهاد العمي عن} الأثر، والأثر بمعنى الآثار. # وقوله: {كيف يحيي الأرض بعد موتها} أي: كيف يحيي الله الأرض بالمطر بعد ~~موتها؟ فهو يحيي الموتى يوم القيامة. وقد قال بعضهم: يحيي الأرض بعد موتها ~~أي: القلوب الغافلة بنور العلم واليقين والتفسير. # وقوله: {وهو على كل شيء قدير} أي: قادر. # PageV04P221 # قوله تعالى: {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا} فيه قولان: أحدهما: رأوا ~~الريح مصفرا، وإذا كان الريح على هذا الوجه لم ينفع. والقول الثاني وهو ~~المعروف فرأوه مصفرا أي: رأوا الزرع مصفرا. # وقوله: {لظلوا من بعده يكفرون} ms1272 يقال: ظل فلان يفعل كذا أي: جعل يفعل كذا ~~وهو مثل قولهم: أضحى فلان يفعل كذا، إلا أن قوله ظل يفعل في العادة تستعمل ~~في جميع النهار، وقوله أضحى تستعمل في أول النهار. # وقوله: {يكفرون} أي: يجحدون، وقيل: يكفرون النعمة. # PageV04P221 # قوله تعالى: {فإنك لا تسمع الموتى} أي: الكفار، وجعلهم بمنزلة الميت؛ ~~لأنهم لم ينتفعوا بحياتهم. # وقوله: {ولا تسمع الصم الدعاء} جعلهم بمنزلة الصم؛ لأنهم لم ينتفعوا ~~بأسماعهم. # وقوله: {إذا ولوا مدبرين} أي: معرضين، فإن قيل: الأصم لا يسمع سواء أقبل ~~أو أدبر، فأيش معنى هذا الكلام؟ والجواب عنه: إذا كان مقبلا إن لم يسمع ~~يفهم بالإشارة، وإذا كان مدبرا لم يسمع ولا يفهم بالإشارة. # PageV04P221 # {ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (53) الله الذي خلقكم ~~من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء ~~وهو العليم} # PageV04P222 # قوله تعالى: {وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم} أي: بصارف العمي عن ~~ضلالتهم، والعمي هم الكفار. ويقال: بمرشد العمى من ضلالتهم. # وقوله: {إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا} أي: ما تسمع إلا من يؤمن بآياتنا. # وقوله: {فهم مسلمون} ظاهر المعنى. # PageV04P222 # قوله تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف} وقرئ: " من ضعف " بالفتح والضم ~~جميعا، وهما بمعنى واحد. والأولى " من ضعف " بالضم لما روي عن عطية أنه ~~قال: " قرأت على عبد الله بن عمر هذه الآية، فقرات: " من ضعف " بالنصب، ~~فقال: " من ضعف " بالضم، وقال: أخذ على رسول الله كما أخذته عليك ". # وقوله: {من ضعف} أي: من ماء مهين، وقيل: من ذي ضعف. # وقوله: {ثم جعل من بعد ضعف قوة} أي: شبابا، وهو وقت القوة. # وقوله: {ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} وهو الهرم والشيب، [والشيب] : ~~نذير الموت، قال الشاعر: # (رأيت الشيب من نذر المنايا ... لصاحبه وحسبك من نذير) # وقوله: {يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} ظاهر المعنى. # PageV04P222 # قوله تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون} أي: يحلف المجرمون. # PageV04P222 # {القدير (54) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما ms1273 لبثوا غير ساعة كذلك ~~كانوا يؤفكون (55) وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع ~~الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن ~~من كل مثل ولئن جئتهم بآية} # وقوله: {ما لبثوا غير ساعة} أي: في قبورهم، وقيل: في الدنيا، وإنما قالوا ~~ذلك من هول ما رأوا من القيامة؛ فنسوا ما كان قبل ذلك. # وقوله: {كذلك كانوا يؤفكون} أي: يصرفون عن الحق. # PageV04P223 # قوله تعالى: {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله} ~~أي: في حكم الله وعلمه، قال الشاعر: # (ومال لولاء بالبلاء فملتم ... وما ذاك قال الله [إذ] هو يكتب) # أي: يحكم، وقيل: في الآية تقديم وتأخير ومعناه: وقال الذين أوتوا العلم ~~في كتاب الله والإيمان لقد لبثتم إلى يوم البعث. # وقوله: {فهذا يوم البعث} أي: القيامة. # وقوله: {ولكنكم كنتم لا تعلمون} أي: لا تعلمون أن القيامة حق. # PageV04P223 # قوله تعالى: {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم} أي: عذرهم، والمعذرة: ~~إظهار ما يسقط اللائمة. # وقوله: {ولا هم يستعتبون} أي: لا يستبانون. وقيل: لا يطلب منهم العتبى. # PageV04P223 # قوله تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي: من كل شبه. # وقوله: {ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} ظاهر ~~المعنى. # PageV04P223 # وقوله تعالى: {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون} الطبع والختم ~~بمعنى واحد، وهو الذي يمنع القلب من البصر. وقد روي عن النبي أنه قال: # PageV04P223 # {ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب ~~الذين لا يعلمون (59) فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ~~(60) } " أعوذ بالله من طمع يدني إلى طبع "، قال الأعشي: # (له أكاليل بالياقوت فضلها) # صواعها لا ترى عيبا ولا طبعا) # PageV04P224 # قوله تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق} يعني: وعد القيامة. # وقوله تعالى: {ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} أي: لا يستهجلنك؛ فإن الخفة ~~تؤدي إلى الجهل، ومعناه: لا ms1274 يحملنك الذين لا يوقنون وأتباعهم في الغي، ~~فأمره الله تعالى بالصبر على الحق وترك أتباعهم في الضلالات، وأن لا يصغي ~~إلى أقوالهم. وقد روي أن عليا رضي الله عنه كان يصلي مرة فناداه رجل، وقال: ~~لا حكم إلا لله، وكان الرجل من الخوارج؛ فقرأ علي في صلاته: {فاصبر إن وعد ~~الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} . # PageV04P224 # بسم الله الرحمن الرحيم # {الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) أولئك على هذى من ~~ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن} # تفسير سورة لقمان # كلها مكية إلا ثلاث آيات نبينها إذا وصلنا إليها، والله أعلم. # PageV04P225 # قوله تعالى: {الم تلك آيات الكتاب الحكيم} أي: المحكم بالحلال والحرام ~~وذكر الأحكام، ويقال: بالوعد والوعيد، والثواب والعقاب. وقال بعضهم: الحكيم ~~الذي يبين الحكمة، كالحكيم الذين ينطق بالحكمة. # PageV04P225 # وقوله: {هدى ورحمة} الأكثرون قرءوا بالنصب، قال الزجاج: هو نصب على ~~الحال. وقرا حمزة: " هدى ورحمة " أي: هو هدى ورحمة، ومعناه: بيان من ~~الضلالة، ورحمة من العذاب. # وقوله: {للمحسنين} أي: للمسلمين، والمسلم محسن إلى نفسه، وقد صح الخبر أن ~~النبي سئل عن الإحسان فقال: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه ~~فإنه يراك ". ويقال: المحسن هو الذي يحب للناس ما يحب لنفسه. # PageV04P225 # وقوله: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون} قد ~~بينا. # PageV04P225 # قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم} وقوله: {وأولئك هم المفلحون} أي: ~~السعداء، ويقال: الناجون، وقيل: هم الذين أدركوا ما أملوا، ونجوا مما عنه ~~هربوا. # PageV04P225 # قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} ذكر الكلبي ومقاتل أن الآية # PageV04P225 # نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة، وكان يأتي الحيرة فيشتري أحاديث العجم، ~~وكان النبي إذا قرأ القرآن، قام وقال: أيها الناس إن محمدا يحدث عن عاد ~~وثمود، وأنا أحدثكم عن رستم واسفنديار والعجم، فأنا أحسن حديثا منه، فأنزل ~~الله تعالى فيه هذه الآية. # وروى أبو أمامة الباهلي عن لنبي ms1275 أنه قال: " حرام تعليم المغنيات وبيعهن ~~وشرائهن وأثمانهن حرام، ثم تلا قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث} وقال: ما من رجل رفع عقيرته بالغناء إلا ويأتي شيطانان، فيقعد ~~أحدهما على كتفه الأيمن، والآخر على كتفه الأيسر، ويضربان برجلهما على ظهره ~~وصدره حتى يكون هو يسكت ". # وعن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة وأكثر ~~المفسرين أن الآية نزلت في الغناء، وكان عبد الله بن مسعود يحلف على ذلك. ~~وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يقولون الغناء ينبت النفاق في القلب. قال ~~إبراهيم: وكانوا يسدون أفواه السكك ويخرقون الدفوف. وعن الضحاك قال: {ومن ~~الناس من يشتري لهو الحديث} هي الشرك بالله. وعن ابن جريج: هو الطبل. وفي ~~الأخبار المسندة أن النبي قال: " هو المعازف والقيان ". وعن سهل بن عبد ~~الله التستري قال: لهو الحديث هو الجدال في الدين، والخوض في الباطل. # وقوله: {ليضل عن سبيل الله} أي: دين الله، وقرئ " ليضل عن سبيل الله ". # PageV04P226 # {سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) وإذا تتلى ~~عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم ~~(7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين فيها وعد ~~الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في ~~الأرض رواسي أن} بفتح الياء، فقوله: {ليضل} أي: ليضل غيره. # وقوله: {ليضل} أي: ليصير إلى الضلال. # وقوله: {بغير علم ويتخذها هزوا} أي: يتخذ آيات الله هزوا، ويقال: يتخذ ~~سبيل الله هزوا، والسبيل يذكر ويؤنث، قال الشاعر: # (تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد) # وقوله: {أولئك لهم عذاب مهين} ظاهر المعنى، وقد بينا من قبل. # PageV04P227 # قوله تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها} أي: كأن ~~لم يسمع الآيات. # وقوله: {كأن في أذنيه وقرا} أي: صمما، وإنما جعله كذلك؛ لأنه لم ينتفع ~~بما يسمع، فصار بمنزلة الأصم، والوقر هو الثقل في الأذن. # وقوله: {فبشرناه بعذاب أليم} أي: مؤلم، ms1276 ومعنى المؤلم: هو الموجع. # PageV04P227 # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا لصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها ~~وعد الله حقا} ومعناه: مقيمين في الجنة كما وعد الله. # وقوله: {وهو العزيز الحكيم} والعزيز هو المنتقم من أعدائه، والحكيم هو ~~المصيب في تدبير خلقه. # PageV04P227 # قوله تعالى: {خلق السموات بغير عمد} أي: بغير عمد كما، ترونها، والمعنمى ~~الثاني: أي بغير عمد ترونه، وثم عمد لا ترونها، وذلك العمد هو قدرة الله ~~تعالى، قال الله تعالى: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} . # وقوله: {وألقى في الأرض رواسي} أي: جبالا ثوابت، وذكر السدي أن الله # PageV04P227 # {تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل ~~زوج كريم (10) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ~~ضلال مبين} تعالى خلق الأرض فجعلت تميل؛ فقالت الملائكة: يا ربنا، هذه ~~الأرض لا يستقر على ظهرها أحد، فأصبحوا وقد أرسى الله تعالى بالجبال. ~~فقالوا: يا ربنا، هل خلقت شيئا أشد من الجبال؟ قال: نعم؛ الحديد. قالوا: يا ~~ربنا، وهل خلقت شيئا أشد من الحديد؟ قال: نعم؛ النار. قالوا: وهل خلقت شيئا ~~أشد من النار؟ قال: نعم؛ الماء. قالوا: وهل خلقت شيئا أشد من الماء؟ قال: ~~نعم؛ الريح. قالوا: وهل خلقت شيئا أشد من الريح؟ قال: نعم؛ الآدمي. وقد ~~أسند هذا بعضهم إلى رسول الله، وفي آخر الخبر: " الآدمي يتصدق فيخفي صدقته ~~حتى لا تعلم شماله ما تصدقت يمينه، فهو أقوى من الجميع ". # وقوله: {أن تميد بكم} أي: لئلا تميد بكم، ويقال: كراهة أن تميد بكم، ~~والميد: هو الميل. # وقوله: {وبث فيها من كل دابة} أي: فرق فيها من كل دابة، والدابة كل حيوان ~~يدب على الأرض. # وقوله: {وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} أي: صنف ~~حسن. # PageV04P228 # قوله تعالى: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} أي: الذين ~~يعبدون من دونه، وهم الأصنام، وقد روي عن بعض السلف قال: ما رأيت شيئا إلا ~~ورأيت الله ms1277 فيه. وذكر بعضهم هذا عن عامر بن عبد قيس وهو عامر بن عبد الله، ~~وهو تلو أويس القرني في زهاد التابعين رضي الله عنهم ورءوس الزهاد من ~~التابعين # PageV04P228 # ( {11) ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ~~ومن كفر} ثمانية نفر: أولهم أويس، ثم عامر بن عبد قيس، ثم هرم بن حيان، ثم ~~أبو مسلم الخولاني، ثم الأسود، ثم مسروق بن الأجدع، ثم الربيع بن خثيم، ثم ~~الحسن. # وقوله: {بل لظالمون في ضلال مبين} أي: في خطأ بين. # PageV04P229 # قوله تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} اختلفوا في لقمان. هل كان نبيا أو ~~لم يكن نبيا؟ فذهب أكثر أهل العلم أنه لم يكن نبيا. # وقال الشعبي وعكرمة: إنه كان نبيا. وعن بعضهم: أن الله تعالى خيره بين ~~النبوة والحكمة، فاختار الحكمة؛ نام نومة فذريت الحكمة على لسانه، فانتبه ~~ينطق بالحكمة. وذكر بعضهم أنه سئل: لم اخترت الحكمة على النبوة؟ فقال: خشيت ~~أن أضعف عنها، ولو كان الله أعطانيها ابتداء ولم يخبرني أعانني عليها، فلما ~~خيرني خشيت الضعف. # وعن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان عبدا أسود من سودان مصر. وعن غيره ~~قال: كان عبدا حبشيا غليظ الشفتين متشقق القدمين، وحكي أن عبدا أسود سأل ~~سعيد بن المسيب عن مسألة فأجاب، ثم قال له: لا يحزنك سوادك، فقد كان قبلك ~~ثلاثة من السودان هم من خير الناس، ثم ذكر لقمان الحكيم، وبلالا مؤذن رسول ~~الله، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، وهو أول شهيد في الإسلام، استشهد يوم بدر. # واختلفوا في صناعة لقمان؛ فقال بعضهم: كان خياطا. وقال بعضهم: كان نجارا. ~~وقال بعضهم: كان راعي غنم. فروي أن بعضهم لقيه وهو يتكلم بالحكمة فقال: ~~ألست فلانا الراعي! فبم بلغت ما بلغت؟ فقال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، ~~وتركي ما لا يعنيني. # ومن (حكمه) المنقولة: أن مولاه دفع إليه شاة وقال: اذبحها وائتني بأطيب ~~مضغتين منها، فجاءه بلسانها وقلبها، فسأله مولاه عن ذلك، فقال: لا شيء أطيب # PageV04P229 # {فإن الله غني حميد (12) وإذا قا ms1278 لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك ~~بالله إن الشرك لظلم عظيم (13) ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على ~~وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) وإن جاهداك على ~~أن تشرك بي ما} منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وعن وهب بن منبه ~~قال: تكلم لقمان باثني عشر ألف باب من الحكمة، أدخلها الناس في كلامهم ~~ووصاياهم. # ومعنى الحكمة المذكورة في هذه الآية هو الفقه والإصابة في القول. ويقال: ~~العقل الكامل. # وقوله: {أن اشكر لله} أي: على نعمه. # وقوله: {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} أي: منفعة الشكر تعود إليه. # وقوله: {ومن كفر فإن الله غني حميد} أي: غني عن خلقه، محمود في فعله. # PageV04P230 # قوله تعالى: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه} يقال: كان اسم ابنه مشكم، ~~ويقال: أنعم، وقيل: غيره. # وقوله: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} أي: لا تعدل بالله ~~أحدا في الربوبية. # وقوله: {إن الشرك لظلم عظيم} الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، من أشرك ~~مع الله غيره فقد وضع الشيء في غير موضعه. # PageV04P230 # قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن} أي: ضعفا ~~على ضعف، ويقال: مشقة على مشقة. قال الزجاج: المرأة اذا حملت توالى عليها ~~الضعف والمشقة. ويقال: الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف. # وقوله: {وفصاله في عامين} أي: فطامه في عامين، والحولان نهاية مدة ~~الفطام. # وقوله: {أن اشكر لي ولوالديك} قال سفيان بن عيينة: من صلى الصلوات الخمس ~~في مواقيتها فقد شكر الله تعالى، ومن استغفر لأبويه في كل صلاة فقد شكر # PageV04P230 # {ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب ~~إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) يا بني إنها إن تك مثقال ~~حبة من خردل} أبويه. # وقوله: {إلى المصير} أي: إلى المرجع. # PageV04P231 # قوله تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم} قد بينا معنى ~~هذه الآية، وذكرنا أنها نزلت في سعد ms1279 بن أبي وقاص، وقال بعضهم: الآية عامة ~~في الجميع. # وقوله: {فلا تطعهما} أي: فلا تطعهما في الشرك ومعصيتي. # وقوله: {وصاحبهما في الدنيا معروفا} أي: صاحبها في الدنيا بالبر والصلة، ~~وهو المعروف من غير أن تطيعهما في معصيتي. # وقوله: {واتبع سبيل من أناب إلي} الأكثرون أنه محمد. # وقوله: {ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} ظاهر المعنى. # وروي [عن] عطاء عن ابن عباس في قوله: {واتبع سبيل من أناب إلي} أن المراد ~~منه أبو بكرالصديق رضي الله عنه قال ابن عباس: لما أسلم أبو بكر، رضي الله ~~عنه جاء عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف إلى أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنهم فقالوا: يا أبا بكر، قد صدقت هذا لرجل، وآمنت به؟ ~~قال: نعم، هو صادق فآمنوا به، [و] حملهم إلى النبي حتى أسلموا، فهؤلاء ~~القوم لهم سابقة الإسلام، وأسلموا بإرشاد أبي بكر رضي الله عنهم وأنزل الله ~~تعالى في أبي بكر، {واتبع سبيل من أناب إلي} . # وقوله: {أناب} أي: رجع إلي، وعلى هذا القول هو أبو بكر رضي الله عنه. # PageV04P231 # قوله تعالى: {يا بني إنها إن تك} فإن قيل: قوله: {إنها} هذه كناية، ~~والكناية لا بد لها من مكنى، فأيش المكنى؟ والجواب عنه: أنه روي أن ابن ~~لقمان قال: يا # PageV04P231 # {فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ~~(16) يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ~~إن ذلك من} (أبه) ، أرأيت لو وقع شيء في مقل البحر ومقل البحر مغاصيه أي: ~~وسطه أيعلم الله تعالى موضعه؟ فقال: يا بني، إنها إن تك مثقال حبة من خردل، ~~يعني: إن وقعت حبة على هذا الوزن على [هذا] البحر فالله تعالى يعلم موضعها. ~~وذكر النقاش في تفسيره: أن لقمان ألقى خردلة في عرض نهر اليرموك، وقعد على ~~شطه وبسط يده، فغاصت ذبابة وحملت الخردلة فوضعتها على كفه. وفي الآية قول ~~آخر: وهو أن قوله تعالى: ms1280 (إنها إن تك) يرجع إلى الخطيئة، يعني: إن تكن ~~الخطيئة كمثقال حبة من خردل يأت بها الله تعالى يوم القيامة أي: يجازك بها. ~~قال الحسن البصري: معنى الآية: هو الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها. # وقوله: {فتكن في صخرة} أي: في جبل، وقال السدي: هي الصخرة التي عليها ~~الأرضون السبع، وهي صخرة خضراء، خضرة السماء منها. # وقوله: {أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله} . # وقوله: {إن الله لطيف خبير} قال أبو العالية: لطيف باستخراج الخردلة، ~~خبير بمكانها، وفي بعض التفاسير: أن هذه الحكمة آخر حكمة تكلم بها لقمان، ~~فلما تكلم بها انشقت مرارته من هيبتها فتوفى. # PageV04P232 # قوله: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر} قد بينا معنى ~~المعروف ومعنى المنكر من قبل. # وقوله: {واصبر على ما أصابك} أي: من الأذى. # وقوله: {إن ذلك من عزم الأمور} أي: من الأمور التي يؤمر بها ويعزم عليها، ~~وقد روى حذيفة عن النبي أنه قال: " ليس للمؤمن أن يذل نفسه، فقيل: وكيف يذل # PageV04P232 # {عزم الأمور (17) ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا ~~يحب} نفسه؟ قال: يتحمل من البلاء ما لا يطيق ". وفي هذا الخبر رخصة في ترك ~~الأمر بالمعروف على السلاطين والظلمة إذا خشي الهلاك، وإن أمر بالمعروف ~~فقتل فهو شهيد. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ". # وروي عن الني أنه قال: " سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب، ثم ~~رجل قام إلى سلطان يخاف منه ويرجو، فأمره بمعروف أو نهاه عن منكر، فقتله ~~على ذلك ". # PageV04P233 # قوله تعالى: {ولا تصعر خدك للناس} أيك لا تعرض عنهم تكبرا. والصعر هو ~~الميل. وفي بعض الأخبار أن النبي قال: " يأتي عل الناس زمان لا يبقى إلا من ~~هو أصعر ". يعني: ما يدعي الدين ". ويقال: إن قوله: {ولا تصعر خدك للناس} ~~نهى عن التشدق في الكلام، وعن الربيع بن أنس قال: ليكن الغني والفقير عندك ~~سواء. # وقوله: {ولا تمش في الأرض مرحا} أي: ms1281 لا تمشي في الأرض مختالا. # وقوله: {إن الله لا يحب كل مختال فخور} أي: مختال على الأرض، فخور # PageV04P233 # {كل مختال فخور (18) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات} ~~بالدنيا. # PageV04P234 # قوله تعالى: {واقصد في مشيك} يعني: أسرع في مشيك، ويقال معناه: واقصد في ~~مشيك أي: لا تسرع في مشيتك، وفي بعض الأخبار عن النبي قال: " سرعة المشي ~~تذهب بها الوجه ". # وقوله: {واغضض من صوتك} أي: لا تجهر، ومعنى اغضض أي: انقص. يقال: غض فلان ~~من فلان أي: نقص من حقه. # وقوله: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} أي: أقبح الأصوات لصوت الحمير. ~~يقال: جاءني فلان بوجه منكر أي: قبيح، فإن قال قائل: لم جعل صوت الحمار ~~أقبح الأصوات؟ والجواب عنه إنما جعله أقبح الأصوات، لأن أوله زفير، وآخره ~~شهيق، والزفير والشهيق: صوت أهل النار. وعن سفيان الثوري قال: كل شيء يسبح ~~إلا الحمار؛ فلهذا جعل صوته أقبح الأصوات. # وذكر النقاش في تفسيره: أن أهل الجاهلية كانوا يتنافسون في شدة الصوت، ~~وكانوا يقولون: من كان أجهر صوتا فهو أعز عند الله. وكانوا يجهرون بأصواتهم ~~ويرفعونها بغاية الإمكان، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومعناه: أنه ليست ~~العزة في شدة الصوت، ولو كان من هو أشد أعز، لكان الحمار أعز من الكل. وعن ~~جعفر بن محمد بن الصادق أنه قال في قوله تعالى: {إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير} : هي العطسة القبيحة المنكرة. # PageV04P234 # {لصوت الحمير (19) ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض} # ومن حكم لقمان سوى ما ذكرنا ما روي أنه قال: لا مال كصحة البدن، ولا نعيم ~~كطيب النفس. ومن حكمه أيضا أنه قال: أدب الوالد لولده كالسماد للزرع. # وحكى عكرمة أن لقمان دخل على داود عليه السلام وهو يصنع درعا، فلم يدر ما ~~يصنع؛ فأراد أن يسأله، وكان (حكمه) تمنعه منه، فلما أتم داود الدرع لبسها، ~~وقال: نعم جبة الحرب هي. فقال لقمان: الصمت حكم وقليل فاعله. # وحكى أيضا عكرمة أن مولاه خاطر قوما على شرب ماء ms1282 البحر في حال سكره، فدعا ~~لقمان وقال: لمثل هذا اليوم كنت أعدك، وذكر له القصة. فقال: اجمع القوم ~~الذين خاطرتهم؛ فجمعهم، فقال لهم: احبسوا مواد البحر حتى يشرب ماء البحر. ~~فقالوا: كيف نحبس مواد البحر؟ فقال: كيف يشرب ماء البحر ومواده غير منقطعة؟ ~~فخلص مولاه. # وحكى أيضا عكرمة أنه كان لمولى لقمان عبيد سواه، ولم يكن فيهم أخس منه ~~عنده، فبعثهم إلى بستان له ليحملوا له فاكهة، فذهبوا وأكلوا الفاكهة؛ فلما ~~رجعوا أحالوا على لقمان أنه هو الذي أكل، وصدقهم مولاه لخسة لقمان عنده، ~~وأراد أن يؤذيه، فقال لقمان لمولاه: إن ذا اللسانين وذا الوجهين لا يكون ~~وجيها عند الله، فاسقني ماء حميما، واسق هؤلاء العبيد ماء حميما؛ فسقاهم، ~~فقاء سائر العبيد ما أكلوا من الفاكهة، وقاء هو ماء بحتا، فعرف صدقه ~~وكذبهم. # PageV04P235 # قوله تعالى: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض} أي: ~~ذلل. # وقوله: {وأسبغ عليهم نعمة} أي: أتم عليكم وأكمل نعمه ظاهرة وباطنة، قال ~~ابن عباس: النعمة الظاهرة هي الإسلام وحسن الخلق، والنعمة الباطنة هي ما ~~يستر من العيوب. وقال بعضهم: النعمة الظاهرة هي الإقرار باللسان، والباطنة ~~هي الاعتقاد # {وأسبع عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منيروإذا قيل لهم إتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا ~~عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ومن يسلم وجهه إلى ~~اللهوهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور ومن كفر ~~فلا} بالقلب. ويقال النعمة الظاهرة: نعمة الدنيا، والباطنة: نعمة العقبى. ~~وقيل النعمة الظاهرة: نعمة الأبدان، والباطنة: نعمة الأديان. ويقال: النعمة ~~الظاهرة: تمام الرزق، والنعمة الباطنة: حسن الخلق، ويقال النعمة الظاهرة: ~~الزى والرياش الحسن. والنعمة الباطنة: ما أخفى من المعصية وسترها. وقال ~~بعضهم: النعمة الظاهرة: الولد، والباطنة: الوطء. # وقوله: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} ~~نزلت هذه الآية في أمية بن خلف وأبي ms1283 بن خلف وأبي جهل بن هشام والنضر بن ~~الحارث وأشباههم؛ كانوا يجادلون النبي بالباطل في الله وفي صفاته. # PageV04P235 # قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا ~~عليه آباءنا} ظاهر المعنى. # وقوله: {أو لو كان الشيطان يدعوهم} هذا جواب عن محذوف , والمحذوف: ~~أيتبعون الشيطان، وإن كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير. # PageV04P235 # وقوله تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله} أى: ومن يخلص دينه لله، وقيل: ~~يسلم نفسه وعمله إلى الله. وقرأ أبو عبد الحمن السلمى: ((يسلم)) بالتشديد، ~~وقوله: {يسلم} من التسليم , وقوله: ((يسلم)) من الإنقياد. # وقوله: { [وهو محسن] فقد استمسك بالعروة الوثقى} : قول لا إله إلا الله. ~~وقيل العروة الوثقى: السبب الذي يوصل إلى رضا الله تعالى. والوثقى تأنيث ~~الأوثق. والعهد الوثيق، هوالعهد المحكم الشديد، والأوثق الأشد. # وقوله: {وإلى الله عاقبة الأمور} أى: خاتمة الأمور. # {يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور ~~نمتعهم قليلا ثم نطرهم إلى عذاب غليظ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون لله ما في السموات والأرض إن ~~الله هو الغني الحميد ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعد ~~سبعة أبحر ما نفدت كلما ت الله إن الله عزيز حكيم ما خلقكم} # PageV04P235 # قوله تعالى: {ومن كفر فلا يحزنك كفره} أى: لا تحزن بكفره. # وقوله: {إلينا مرجعهم} أى: مصيرهم. # وقوله: {فننبئهم بما عملوا} أى: نخبرهم بما عملوا. # وقوله: {إن الله عليم بذات الصدور} أى: عالم بما في الصدور. # PageV04P235 # قوله تعالى: {نمتعهم قليلا} الإمتاع هو التمتع بما في الدنيا من نعيمها. # وقوله: {ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} أى: نلجئهم إلى عذاب غليظ. # PageV04P235 # قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون} قد بينا. # PageV04P235 # قوله تعالى: {لله ما في السموات والأرض إن الله هو الغنى الحميد} أى: ~~الغنى عن خلقه، المحمود في فعله. # PageV04P235 # قوله تعالى: {ولو أن ما في الأرض ms1284 من شجرة أقلام} روى أن المشركين قالوا: ~~إن ما أتى به محمد من الكلام ينقطع ويفنى، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ~~بمعنى: أن جميع أشجار العالم ونباتها لو بريت أقلاما، وصارت البحور مدادا ~~ما نفدت كلمات الله أى: كلام الله وعلمه. # وقوله: {إن الله عزيز حكيم} قد بينا. # PageV04P235 # قوله تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} معناه: ما خلقكم إلا # PageV04P235 # {ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) ألم تر أن الله يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل ~~مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من ~~دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (30) ألم تر أن الفلك تجري في البحر ~~بنعمت الله ليريكم من آياته إن} كخلق نفس واحدة، ولا بعثكم إلا كبعث نفس ~~واحدة، يعني: في قدرته. # وقوله: {إن الله سميع بصير} سميع لأقوال العباد، بصير بأفعالهم. والآية ~~التي تلي هذه الآية إلى آخرها قد بينا معناها، وأما الآيات الثلاث التي ~~نزلت بالمدينة فهي من قوله تعالى: {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} إلى ~~آخر الآيات الثلاث. # قوله تعالى: {ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله} أي: بإنعام ~~الله. # PageV04P236 # وقوله: {ليريكم من آياته} أي: من عجائب صنعه وقدرته. # وقوله: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} روي عن النبي أنه قال: " الصبر ~~نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين هو الإيمان كله ". وفي بعض ~~الأخبار: أن أحب العباد إلى الله من يصبر عند البلاء، ويشكر عند النعماء، ~~ويرضى بالقضاء. # PageV04P236 # {في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله ~~مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ~~ختار كفور (32) يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ~~ولا مولود هو جاز عن} # PageV04P239 # قوله: {وإذا غشيهم موج كالظلل} الظلل: جمع الظلة، والظلة: هي الجبل. # وقوله: {دعوا الله ms1285 مخلصين له الدين} أي: أخلصوا في الدعاء، وفي التفسير: ~~أن الآية نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين هرب من مكة يوم فتحها رسول الله، ~~وكان رسول الله أمن جميع الناس إلا نفرا منهم عكرمة بن أبي جهل، فهرب عكرمة ~~إلى البحر، فجاءهم ريح عاصف، فقال صاحب السفينة: أخلصوا، فإنه لا ينجيكم ~~إلا الإخلاص. وروي أنه قال لهم: لا تدعوا آلهتكم؛ فإن آلهتكم لا تغني عنكم ~~شيئا، وادعوا الله وحده. # فقال عكرمة: إنما هربت من هذا، ولئن نجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد، ~~ولأضعن يدي في يده. ثم سكن الريح، وخرج عكرمة ورجع إلى مكة، وأسلم وحسن ~~إسلامه، واستشهد يوم اليرموك بالشام. # وقوله: {فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} أي: عدل في فعله على معنى ~~الوفاء بما وعده، ومنهم من قال: مقتصد أي: مقتصد في القول لا يسرف، ومنهم ~~من يسرف. # وقوله: {وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور} الختر: هو أشد الغدر. # قال الشاعر: # (فإنك لو رأيت أبا عمير ... ملأت يديك من ختر وغد) # PageV04P239 # قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ~~ولده} أي: # PageV04P239 # {والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله ~~الغرور (33) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في لأرحام وما ~~تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (34) ~~} لا يغني والد عن ولده، قال ابن عباس: كل امرء تهمه نفسه. # وقوله: {ولا مولود هو جاز عن والده شيئا} أي: مغني عن والده شيئا. # وقوله: {إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله ~~الغرور} يعني: الشيطان، وتغريره للإنسان هو تزيينه للمعاصي وتمنيه المغفرة ~~من الله، وعبر عنه بتزيينه له المعاصي وتمنيه المغفرة. وفي الخبر أن النبي ~~قال: " الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت (أي حاسب نفسه) والفاجر من ~~أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله (المغفرة) ". # PageV04P240 # قوله تعالى: {إن الله عنده علم الساعة ms1286 وينزل الغيث} الآية. في التفسير: ~~أن رجلا من بني محارب بن خصفة أتى النبي وقال: يا محمد، إن أرضنا أجدبت، ~~فمتى ينزل الغيث؟ وإني تركت امرأتي حبلى، فماذا تلد؟ وقد علمت ما أعمل ~~اليوم، فماذا أعمل غدا؟ وأخبرني أنى بأي أرض أموت؟ وأخبرني متى الساعة؟ ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى آخرها. # وقد روينا برواية أبي هريرة أن النبي قال: " مفاتيح الغيب خمسة، وقرأ هذه ~~الآية إلى آخرها ". وهو خبر مشهور. # وقوله: { [ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا] وما تدري نفس ~~بأي أرض تموت} يقال معناه: على أي قدم تموت. فإنه ما من قدم يرفعها ويضعها ~~إلا ويجوز أن تموت قبل ذلك {بأي أرض تموت} أي: على أي صفة تموت من الشقاوة ~~والسعادة. # وقوله: {إن الله عليم خبير} ظاهر المعنى. # PageV04P240 # بسم الله الرحمن الرحيم # {الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) أم يقولون افتراه ~~بل هو} # تفسير سورة السجدة # وهي مكية إلا ثلاث آيات نزلت في علي رضي الله عنه سنذكرها. # وقد روى جابر أن النبي كان لا ينام كل ليلة حتى يقرأ. " الم تنزيل " ~~السجدة، و " تبارك الذي بيده الملك ". # وقد ثبت أن النبي كان يقرأ في صلاة الصبح من يوم الجمعة سورة السجدة، ~~وسورة " هل أتى ". # PageV04P241 # قوله تعالى: {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} أي: لا شك ~~فيه، والريب: هو الشك، وقد بينا من قبل # PageV04P241 # قوله: {أم يقولون افتراه} معناه: بل يقولون افتراه، قال الشاعر في أم ~~بمعنى: بل: # (كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام على الرباب جبالا) # PageV04P241 # {الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3) الله ~~الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم ~~من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ~~ثم يعرج إليه} معناه: بل رأيت. # وقوله: {بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم [من ms1287 نذير من قبلك] } # ما ها هنا بمعنى النفي، ومعناه: لتنذر قوما لم [يشاهدوا] وآباؤهم قبلك ~~نبيا، فإن قيل: إذا لم يشاهدوا نبيا ولم ينذروا، كيف يستجوبوا النار بترك ~~الإيمان؟ والجواب: أنه لزمهم الإيمان بالله بإرسال الرسل الذين كانوا من ~~قبل، وقد سمعوا ذلك. # وقال بعضهم: إن إسماعيل كان نبيا إلى العرب، وقد تركوا دينه، ويقال: إنهم ~~تركوا دين إبراهيم صلوات الله عليه. # وقوله: {لعلهم يهتدون} أي: يرشدون. # PageV04P242 # قوله تعالى: {الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام} قد ~~بينا، وعن الحسن أنه قال: هو يوم من أيام الدنيا. فإن قال قائل: حين خلق ~~الله السموات والأرض لم يكن نهارا ولا ليلا، فكيف يستقيم هذا الكلام؟ ~~والجواب: أن معناه: بقدر ستة أيام من أيام الدنيا. # وقوله: {ثم استوى على العرش} قد بينا. # وقوله: {ما لكم من دونه ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} معناه: أفلا تتعظون. # PageV04P242 # قوله تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض} أي: يحكم ويقضي الأمر من ~~السماء إلى الأرض. # PageV04P242 # {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (5) ذلك عالم الغيب والشهادة ~~العزيز} # وقوله: {ثم يعرج إليه} ثم فيه قولان: أحدهما: ثم يعرج الملك إليه بعد ~~نزوله بالأمر. والقول الثاني: ثم يعرج إليه أي: يعرج الأمر إليه، ومعنى ~~عروج الأمر إليه: صيرورة الأمر كله إليه، وسقوط أمر الخلق كلهم. # وقوله: {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} هذه الآية تعد مشكلة، ووجه ~~الإشكال: أن الله تعالى قال في آية أخرى: {في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة} قال مجاهد: {في يوم كان مقداره ألف سنة} معناه: أن من السماء إلى ~~الأرض إذا نزل الملك خمسمائة سنة، وإذا صعد خمسمائة سنة فيكون ألف سنة. # وأما قوله: {خمسين ألف سنة} هو من قرار الأرض إلى العرش. وقال بعضهم: ~~خمسين ألف سنة، وألف سنة كلها في القيامة، فيكون يوم القيامة على بعضهم ألف ~~سنة، وعلى بعضهم خمسين ألف سنة، واليوم واحد. # وفي بعض الأخبار: " أن الله تعالى يقصره على المؤمن ms1288 حتى يكون كما بين ~~صلاتين ". # وقال بعضهم: يعرج بعض الأملاك في مقدار ألف سنة، ويعرج بعض الأملاك في ~~مقدار خمسين ألف سنة، والله أعلم. # PageV04P243 # قوله تعالى: {ذلك عالم الغيب والشهادة} أي: ما غاب عن العباد، وما لم يغب # PageV04P243 # {الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل ~~نسله من سلاسة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9) وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا ~~لفي خلق} عنهم، ويقال: الغيب ما في الآخرة، والشهادة ما في الدنيا. # وقوله: {العزيز الرحيم} أي: المنيع في ملكه، الرحيم بخلقه. # PageV04P244 # قوله تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه} وقرئ: " خلقه " بفتح اللام، فمن ~~قرأ: " خلقه " أي: أحسن خلق كل شيء، ومن قرأ: " خلقه " معناه: حسن كل شيء ~~خلقه. قال ابن عباس: {أحسن كل شيء خلقه} أي: أتقن وأحكم. وقيل: أما إن است ~~القرد ليس بحسن، ولكنه محكم، وقيل: خلق البهائم على صورة البهائم، ~~والآدميين على صورة الآدميين، ولم يخلق الآدميين على صورة البهائم، ولا ~~البهائم على صورة الآدميين، فكل حيوان كامل حسن في خلقته، وهذا معنى قول ~~الحكماء الذين مضوا: كل حيوان كامل في نقصانه؛ يعني: أنه لو قوبل بغيره كان ~~ناقصا، وهو في نفسه وأداته كامل. وذكر بعضهم في معنى الآية: طول رجل ~~البهيمة، وطول عنق الطائر؛ ليصل كل واحد منهما إلى معاشه. # وقوله: {وبدا خلق الإنسان من طين} أي: آدم وذريته. # PageV04P244 # قوله تعالى: {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} قد بينا معنى السلالة. ~~وقوله: {من ماء مهين} أي: ضعيف. # PageV04P244 # قوله تعالى: {ثم سواه ونفخ فيه من روحه} قد ذكرنا. # وقوله: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} أي: الأسماع والأبصار ~~والأفئدة. # وقوله: {قليلا ما تشكرون} أي: قليلا تشكرون. # PageV04P244 # قوله تعالى: {وقالوا أئذا ضللنا في الأرض} أي: هلكنا في الأرض، يقال: ضل # PageV04P244 # {جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون (10) قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ~~ثم} اللبن في الماء أي: هلك، ويقال: ms1289 بلينا وصرنا ترابا، وقرئ في الشاذ: " ~~صللنا " بالصاد غير معجمة. أي: تغيرنا، يقال: صل اللحم إذا أنتن. # وقوله: {أئنا لفي خلق جديد} أي: نرجع أحياء بعد ما متنا، وقالوا هذا على ~~طريق الجحد والإنكار. # وقوله: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} أي: بالبعث بعد الموت جاحدون. # PageV04P245 # قوله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} ملك الموت هو عزرائيل، ~~وقيل: يتوفاكم بنفسه، ويقال: بأعوانه. وفي بعض الأخبار: أن ملك الموت على ~~معراج بين السماء والأرض، فينزع أعوانه روح الإنسان فإذا بلغ ثغرة نحره ~~قبضه ملك الموت. وروى أن الدنيا عند ملك الموت كطست بين رجلي إنسان. # وعن أنس رضي الله عنه أنه قال: لقي جبريل ملك الموت ببحر فارس، فقال: يا ~~ملك الموت، كيف تقبض أرواح الناس إذا وقع الوباء، فيموت من هذا الجانب عشرة ~~آلاف، ومن هذا الجانب عشرة آلاف؟ فقال: تزوي الأرض بين عيني فألتقطهم ~~التقاطا. # وروى جعفر بن محمد عن أبيه: " أن النبي دخل على رجل من الأنصار يعوده، ~~فرأى ملك الموت عند رأسه، فقتال له: ارفق بهذا الرجل من أصحابي، فقال: طب ~~نفسا وقر عينا، فإني بكل مؤمن رفيق، ثم قال: يا محمد، والذي نفسي بيده لو ~~أردت قبض روح بعوضة ما قدرت عليه حتى يأمر الله بقبضه، وإني أتصفح وجوه ~~الناس كل يوم خمس مرات " والخبر غريب. # PageV04P245 # {إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا ~~أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12) ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (13) فذوقوا ~~بما نسيتم} # وفي بعض المسانيد برواية أنس أن النبي قال: " الأمراض والأوجاع رسل ~~الموت، فإذا قبض ملك الموت روح عبد، فتصارخوا عليه قال: ماذا تصرخون؟ والله ~~ما نقصت له رزقا، ولا قدمت له أجلا، ولا ظلمت منكم أحدا، وإنما دعاه الله ~~فأجابه، فليبك كل امرئ على نفسه، وإن لي إليكم عودات ثم عودات حتى لا أبقى ~~منكم أحدا " والخبر من الغرائب أيضا. # وأما ms1290 التوفي فهو استيفاء العدد، ومعناه: أنه يقبض أرواحهم حتى لا يبقى ~~أحد من العدد الذي كتب موتهم، قال الشاعر: # (إن بنى الأدرم ليسوا من أحد ... ولا توفيهم قريش من عدد) # يعني: ما استوفاهم قريش من عددهم. # وقوله: {ثم إلى ربكم ترجعون} أي: تصيرون. # PageV04P246 # قوله تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم} معناه: ولو ترى ~~المجرمين ناكسين رءوسهم من فرط الندم وشدة الوجل، وفي الآية حذف، والمحذوف ~~هو: أنك لو ترى المجرمين ناكسين رءوسهم عند ربهم لرأيت ما يعتبر به. # وقوله: {ربنا أبصرنا وسمعنا} أي: قائلين ربنا أبصرنا وسمعنا أي: أبصرنا ~~صدق وعيدك، وسمعنا منك تصديق رسلك. قال قتادة: أبصروا حين لم ينفعهم البصر. ~~وسمعوا حين لم ينفعهم السمع. ويقال: أبصرنا معاصينا، وسمعنا ما قيل فينا. # وقوله: {فارجعنا نعمل صالحا} أي: ردنا نعمل صالحا. # وقوله: {إنا موقنون} أي: مصدقون بالبعث. # PageV04P246 # قوله تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} أي: هدايتها، ومعناه: لو ~~شئنا # PageV04P246 # {لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) ~~إنما يؤمن} لأدخلناهم في الإيمان. # وقوله: {ولكن حق القول مني} أي: وجب القول مني، ويقال: سبق القول مني. ~~قال الشاعر: # (فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا ... وحقت لك العتبى لدينا وقلت) # وقوله: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} ، # وقوله: {الجنة} هم الجن، والجآن: أب الجن، كآدم أب (الإنس) . # ورفع خارجة خبرا إلى النبي " أنه سئل هل يدخل مؤمنو الجن الجنة؟ فقال: ~~نعم. قيل: هل يصيبون من نعيمها؟ قال: يلهمهم الله تسبيحة وذكره، فيصيبون من ~~لدنه ما يصيبه بنو آدم من نعيم الجنة " حكاه النقاش في تفسيره. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " تحاجت الجنة والنار؛ فقالت النار: أوثرت ~~بالجبابرة والمتكبرين، وقالت الجنة: ما بالي يدخلني سفلة الناس وسقطهم وفي ~~رواية: ضعفاء الناس ومساكينهم، وهو الأشهر فقال الله تعالى للجنة: أنت ~~رحمتي، أرحم بك من شئت، وقال للنار: أنت عذابي، أعذب بك من شئت، ولكل واحدة ~~منكما ملؤها ". # PageV04P247 # قوله تعالى: {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي: بما تركتم ms1291 من التصديق ~~بلقاء يومكم هذا. # وقوله: {إنا نسيناكم} أي تركناكم من الخير والرحمة، وقيل: تركناكم في ~~العذاب. # وقوله: {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} أي: العذاب الدائم جزاء على # PageV04P247 # {بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما ~~رزقناهم ينفقون (16) } عملكم. وحكى عن قتادة أنه قال في قوله: {ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} أي: بذنوبهم. قال الأزهري: ~~وهو كما قال. # PageV04P248 # قوله تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها} أي: إذا دعوا إلى ~~الصلوات الخمس أجابوا إليها، حكاه أبو معاذ النحوي، ويقال: إذا وعظوا بآيات ~~الله اتعظوا. # وقوله: {خروا سجدا} أي: وقعوا سجدا، والخرور في اللغة: هو السقوط، وعن ~~حكيم بن حزام قال: " بايعت رسول الله أن لا أخر إلا قائما " أي: لا أموت ~~إلا وأنا ثابت على الإسلام، وقوله: {وسبحوا بحمد ربهم} أي: وصلوا بأمر ~~ربهم. # ويقال: سبحوا [الله] وحمدوه. # وقوله: {وهم لا يستكبرون} أي: لا يتكبرون، ويقال: من سجد لله فقد طرح ~~التكبر عن رأسه، وفي بعض الأخبار: من سجد لله سجدة رفعه الله بها درجة. # PageV04P248 # قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم} أي: تنبوا وترتفعوا، ومعناه: أنهم يتركون ~~المضاجع ويقومون إلى الصلاة، قال حسان بن ثابت: # (يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع) # واختلف القول في هذه الآية، فروى عن عطاء أنه قال: كانوا لا ينامون حتى ~~يصلوا العتمة، فانزل الله هذه الآية. # وعن الحسن وقتادة قالا: هو الصلاة بين المغرب والعشاء. # وقال الضحاك: إذا استيقظوا ذكروا الله وسبحوه. # وعن أبي الدرداء وأبي ذر وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم أنهم قالوا: هو # PageV04P248 # {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) أفمن ~~كان} صلاة العشاء الآخرة والفجر في جماعة. # وأشهر الأقاويل: أن المراد منه صلاة الليل، قاله مجاهد ومالك والأوزاعي ~~وجماعة. # وعن النبي أنه قال: " عليكم بصلاة الليل، فإنها دأب الصالحين قبلكم ". # وقد ثبت عن ms1292 النبي أنه قال في عبد الله بن عمر: نعم الرجل عبد الله لو كان ~~يصلي بالليل، فلم يترك بعد ذلك صلاة الليل حتى توفاه الله تعالى ". # وفي حديث معاذ بن جبل أن النبي قال: " الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، ~~والصلاة جوف الليل، ثم قرأ قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) ". # وقوله: {يدعون ربهم خوفا وطمعا} أي: خوفا من النار، وطمعا في الجنة. # وقوله: {ومما رزقناهم ينفقون} يقال: إن المراد منها الزكاة المفروضة، ~~ويقال: الصدقة والتطوع. # PageV04P249 # {مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فلهم جنات} # PageV04P250 # قوله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} وقرئ: " قرات أعين ~~". # وقد ثبت عن النبي برواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن ابي هريرة أن النبي ~~قال: " يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إن شئتم قوله تعالى: {فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين} ". # قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا بالحديث أبو علي الشافعي، أخبرنا أبو ~~الحسن بن [فراس] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن المقرئ، أخبرنا ~~جدي محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي ~~الزناد. . الخبر. # وقوله: {من قرة أعين} أي: ما تقر به أعينهم، وحكى النقاش في تفسيره عن ~~موسى بن يسار قال: يمكث المؤمن في الجنة مع زوجته حينا، فتطلع عليه أخرى، ~~فتقول له: أما آن يكون لنا منك دولة؟ فيقول لها: من أنت؟ فتقول: أنا من ~~الذين قال الله تعالى: {فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين} فينتقل ~~إليها ويمكث معها حينا، فتشرف عليه أخرى، وتقول مثل ما قالت الأولى، فيقول ~~لها: من أنت؟ فتقول: أنا من الذين قال الله تعالى: {ولدينا مزيد} . # وعن ابن سيرين قال: ما أخفي لهم من قرة أعين: هو النظر إلى الله تعالى. ~~(وعن بعضهم) قال: أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم. # قال الحسن البصري: الخفية بالخفية، ms1293 والعلانية بالعلانية. # وقوله: {جزاء بما كانوا يعملون} ظاهر المعنى. # PageV04P250 # {المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ~~تكذبون (20) ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ~~(21) ومن أظلم} # PageV04P251 # قوله تعالى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا} أكثر المفسرين أن الآية نزلت ~~في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذكر بعضهم: عقبة، والأصح ~~هو الأول. قال الوليد: أنا أحد منك سنانا، وأبسط منك لسانا، وأملأ منك ~~للكتيبة. فقال له علي: اسكت، إنما انت فاسق، فانزل الله تعالى هذه الآية. ~~وقد بينا أن ثلاث آيات من هذه السورة نزلت بالمدينة، وهي من هذه الآية إلى ~~آخر الثلاث، واستدل أهل الاعتزال بهذه الاية في القول بالمنزلة بين ~~المنزلتين، وأن الفاسق لا يكون مؤمنا، والدليل عليهم ظاهر. وأما الفاسق ها ~~هنا بمعنى الكافر. وقال بعضهم: سماه فاسقا على موافقة قول علي رضي الله عنه ~~وقيل: إن الآية على العموم. # قوله تعالى: {لا يستوون} أي: لا يستوون في الدنيا والآخرة. # PageV04P251 # قوله تعالى: {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما ~~كانوا يعملون} أي: عطاء بما كانوا يعملون، وجنات المأوى هي الجنات التي ~~يأوي المؤمنون إليها. # PageV04P251 # قوله تعالى: {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} أي: [يأوون] إلى النار، ~~ويأوون: ينقلبون. # وقوله: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} في بعض التفاسير: أن ~~لجهنم ساحلا كساحل البحر، فيخرج الكفار إليه فتحمل عليهم حيات لها أنياب ~~كالنخيل، فيرجعون إلى النار ويستغيثون بها. # وقوله: {وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} والأثر الذي ~~ذكرناه أورده أبو الحسين بن فارس في تفسيره. # PageV04P251 # {ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) ولقد ~~آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل (23) ~~وجعلنا منهم أئمة} # PageV04P252 # قوله تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى} قال ابن مسعود: هو الجوع الذي ~~أصاب الكفار حتى ms1294 أكلوا الميتات والجيف، وذلك بما دعا عليهم رسول الله من ~~السنين، وعن ابن عباس قال: هو القتل ببدر، وعن جماعة من التابعين أنهم ~~قالوا: هو المصائب. وعن بعضهم: هو الحدود، وعن جعفر بن محمد: العذاب الأدنى ~~هو غلاء السعر، والعذاب الأكبر هو خروج المهدي بالسيف. وعلى أقوال من ذكرنا ~~من قبل العذاب الأكبر: يوم القيامة، ونعوذ بالله منها. # وقوله: {دون العذاب الكبر} أي: سوى العذاب الأكبر. # وقوله: {لعلهم يرجعون} أي: يرجعون عن الكفر. # PageV04P252 # قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه} أي: وعظ بآيات ربه، وآيات ربه ~~هو القرآن. # وقوله: {ثم أعرض عنها إنا من لمجرمين منتقمون} روى معاذ أن النبي قال: " ~~ثلاث من فعلهن فهو مجرم، من عقد لواء بغير حق فهو مجرم ومن مشى مع ظالم ~~لينصره فهو مجرم، ومن عق والديه فهو مجرم، ثم قرأ قوله تعالى: {إنا من ~~المجرمين منتقمون} ". # PageV04P252 # قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب} أي: التوراة. # وقوله: {فلا تكن في مرية من لقائه} أي: في شك في لقائه، وفي معناه ~~أقاويل: # PageV04P252 # {يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (24) إن ربك هو يفصل ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) أو لم يهد لهم كم أهلكنا من ~~قبلهم من القرون} أحدها: ما روى أبو صالح عن ابن عباس أن معناه: فلا تكن في ~~شك من لقائك موسى، وقد كان لقيه ليلة الإسراء. وفي الخبر ان النبي قال: " ~~رأيت موسى آدم طوالا جعد الشعر كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا ربعة ~~إلى الحمرة سبط الشعر ... " والخبر طويل. والقول الثاني: فلا تكن في مرية ~~من لقائه أي: من لقاء موسى الكتاب، ولقاء موسى الكتاب: تلقيه بالقبول، ذكره ~~الزجاج وغيره، والقول الثالث: فلا تكن في مرية من لقاء موسى ربه، حكاه ~~النقاش، وفي الآية قول رابع: وهو أن معناه على التقديم والتأخير كأنه قال: ~~ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل. # وقوله: {فلا تكن في مرية من لقائه} راجع إلى ما سبق من قوله تعالى: ~~{ولنذيقنهم ms1295 من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} ومعناه: فلا تكن في مرية ~~من لقاء يوم العذاب، والله أعلم. {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} يقال: إنه ~~راجع إلى موسى، ويقال: راجع إلى الكتاب. # PageV04P253 # وقوله: {وجعلنا منهم أئمة} أي: قادة إلى الخير، وقال بعضهم: هم الأنبياء، ~~وقال بعضهم: أتباع الأنبياء. # وقوله: {يهدون بأمرنا لما صبروا} أي: يرشدون بوحينا لما صبروا، وقرئ " ~~لما صبروا " أي: عن المعاصي، وقيل: عن شهوات الدنيا. # وقوله: {وكانوا بآياتنا يوقنون} أي: يصدقون. # PageV04P253 # قوله تعالى: {إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة} أي: يحكم بينهم حكم ~~الفصل. # وقوله: {فيما كانوا فيه يختلفون} ظاهر المعنى. # PageV04P253 # {يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (26) أو لم يروا أنا نسوق ~~الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون ~~(27) ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع ~~الذين كفروا} # PageV04P254 # قوله تعالى: {أو لم يهد لهم} معناه: أو لم يبين لهم محمد؟ وقيل: الكتاب، ~~وقرئ: " أو لم نهد لهم " أي: نبين لهم. # وقوله: {كما أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم} أي: يمشي أهل ~~مكة في مساكنهم. # وقوله: {إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون} أي: سماع قبول. # PageV04P254 # قوله تعالى: {أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز} أي: اليابس ~~الذي لا ينبت شيئا، قال ابن عباس: هو ارض باليمن، وقال مجاهد: بأندلس، ~~ويقال: الأرض الجرز هو الذي أكل زرعها ولم يبق فيها شيء. # وقوله: {فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم} يعني: من العشب والتبن. # وقوله: {وأنفسهم} من الحنطة والشعير وسائر الأقوات. # وقوله: {أفلا يبصرون} ظاهر المعنى. # PageV04P254 # وقوله تعالى: {ويقولون متى هذا الفتح عن كنتم صادقين} فيه أقوال: أحدهما: ~~أن الفتح هو فتح مكة. والآخر: أنه القتل بالسيف. والثالث: هو يوم القيامة. ~~والرابع: هو قضاء الله بين العباد. # PageV04P254 # قوله تعالى: {قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم} يعني: يوم ~~القيامة. ومن حمل الفتح على فتح مكة أو القتل بالسيف يوم بدر، فقال: معنى ~~قوله: ms1296 {لا ينفع الذين كفروا إيمانهم} ، أي: بعد الموت. # وقوله: {ولا هم ينظرون} أي: يمهلون ليتوبوا أو يعتذروا، وقد كانوا يمهلون ~~في # PageV04P254 # {إيمانهم ولا هم ينظرون (29) فاعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) . ~~الدنيا ليتوبوا أو يعتذروا. # PageV04P255 # قوله تعالى: {فأعرض عنهم} هذه الآية قبل آية السيف، وقد نسختها آية ~~السيف، ويقال: فأعرض عن أذاهم وإن أذوك. # وقوله: {وانتظر إنهم منتظرون} أي: وانتظر عذابهم ووعيدنا فيهم فإنهم ~~منتظرون. كذلك فإن قيل: كيف قال: {إنهم منتظرون} العذاب، وما كانوا آمنوا ~~بالعذاب؟ والجواب: لما كان الله تعالى وعدهم بالعذاب، وكان ذلك واصلا إليهم ~~لا محالة؛ سماهم: منتظرين على مجاز الكلام، ويقال: فإنهم منتظرون: أي موتك ~~وحوادث الدهر لك؛ ليستريحوا منك. # PageV04P255 # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما ~~حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) ~~وتوكل على الله} # تفسير سورة الأحزاب # وهي مدنية في قول الجميع # PageV04P256 # {يا أيها النبي اتق الله} فيه أقوال: أحدها: (أي) دم على التقوى، كالرجل ~~يقول لغيره وهو قائم قم ها هنا أي: اثبت قائما، والقول الثاني: أن الخطاب ~~مع الرسول، والمراد أمته. # وقيل أيضا في الآية: {اتق الله} أي: استكثر من أسباب التقوى، والتقوى: هي ~~العمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، وترك معصية الله خوف ~~عذاب الله على نور من الله، وفي الآية قول رابع: وهو ما روي أن أبا سفيان ~~وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا المدينة في مدة الهدنة، وطلبوا ~~من رسول الله أشياء كريهة؛ فهم رسول الله والمسلمون أن يقتلوهم؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية: {يا أيها النبي اتق الله} يعني: لا تنقض العهد الذي بينك ~~وبينهم، ذكره الضحاك. # وقوله: {ولا تطع الكافرين والمنافقين} أى: الكافرين من أهل مكة، ~~والمنافقين من أهل المدينة. # وقوله: {إن الله كان عليما حكيما} أي: عليما بخلقه قبل أن يخلقهم، حكيما ~~فيما دبره لهم. # PageV04P256 # وقوله تعالى: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} ms1297 أي: من القرآن. # وقوله: {إن الله كان بما تعملون خبيرا} أي: خبيرا بأعمالكم. # PageV04P256 # قوله تعالى: {وتوكل على الله} أي: ثق بالله. # PageV04P256 # {وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل ~~أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم ~~بأفواهكم} # وقوله: {وكفى بالله وكيلا} أي: وكفى بالله حافظا لك، ويقال: وكفى بالله ~~كفيلا يرزقك. # PageV04P257 # قوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} في الآية أقوال: أحدها: ~~ما ذكر السدي وغيره: أن رجلا كان يقال له: جميل بن معمر والأصح أبو معمر ~~جميل ابن أسد، وكان أهل الجاهلية يسمونه ذا القلبين لشدة ذكائه وفطنته، ~~فلما هزم الله تعالى المشركين يوم بدر فكان هو معهم انهزم أيضا؛ فلقيه أبو ~~سفيان وإحدى نعليه في رجله والأخرى قد علق بيده. فقال له: ما شأن الناس؟ ~~قال: هزموا. فقال: ما شأن نعلك بيدك؟ فقال: ما علمت إلا أنها في رجلي؛ ~~فعلموا أنه ليس له إلا قلب واحد، وأنزل الله تعالى هذه الآية. # والقول الثاني: أن المنافقين كانوا يقولون: لمحمد قلبان؛ قلب معكم، وقلب ~~مع أصحابه؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية وأخبر أنه ليس له إلا قلب واحد. # والقول الثالث: ما روي عن الحسن البصري أنه قال: كان الواحد منهم يقول: ~~إن لي نفسا تأمرني بالخير، ونفسا تأمرني بالشر؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وأخبر أنه ليس لأحد إلا نفس واحدة وقلب واحد، وإنما الأمر بالخير ~~بإلهام الله، والأمر بالشر بإلهام الشيطان. # والقول الرابع: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه أي: ما جعل لرجل ~~أبوين، وقد احتج به الشافعي في مسألة القائفة، وقال هذا: لأن زيد بن حارثة ~~كان ينسب إلى النبي بالنبوة، فقال الله تعالى: {ما جعل الله لرجل} أبوين ~~أي: هو ابن حارثة، وليس بابن النبي. # وقوله: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} والظهار هو أن ~~يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، وقد كانوا يعدونه طلاقا، فإن قيل: ~~كيف # PageV04P257 # {والله يقول الحق ms1298 وهو يهدي السبيل (4) ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ~~فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به ولكن} وجه الجمع بين هذا وبين ما سبق؟ والجواب عنه: أن معناه ليس ~~الأمر كما زعمتم من اجتماع قلبين لرجل أو أبوين، ولا كما زعمتم من أن ~~المرأة تصير كالأم بالظهار. وأما معنى الظهار وحكمه فسنذكر في سورة ~~المجادلة. # وقوله: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} في الآية نسخ التبني، وقد كان الرجل ~~في الجاهلية يتبنى الرجل ويجعله ابنا له مثل الابن المولود، وعلى ذلك تبنى ~~رسول الله زيد بن حارثة، فنسخ الله تعالى ذلك. # وقوله: {ذلكم قولكم بأفواهكم} أي: هو قول لا حقيقة له. # وقوله: {والله يقول الحق} أي: قوله الحق بما نهى من التبني. # وقوله: {وهو يهدي السبيل} أي: يرشد إلى طريق الحق. # PageV04P258 # قوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} قد ثبت برواية موسى بن عقبة، عن سالم، عن ~~ابن عمر أنه قال: " ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى أنزل ~~الله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} ". # قال الشيخ الإمام: أخبرنا بذلك مكي بن عبد الرزاق، أخبرنا أبو الهيثم، ~~أخبرنا الفربري، أخبرنا البخاري أخبرنا معلى بن أسد، عن عبد العزيز بن ~~المختار عن موسى ابن عقبة. . الحديث. # وقوله: {هو أقسط عند الله} أي: أعدل عند الله. # وقوله: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين} أي: سموهم بأسماء ~~إخوانكم في الدين، وذلك مثل، عبد الله، وعبد الكريم، وعبد الرحمن، وعبد ~~العزيز، وأشباه ذلك. # PageV04P258 # {ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما (5) النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين} # وقوله: {ومواليكم} هذا قول الرجل للرجل: أنا أخوك ومولاك، أو يقول: أنا ~~أخوك ووليك، ويقال: إخوانكم في الدين من كانوا في الأصل أحرارا ومواليكم من ~~أعتقوا، ويقال: مواليكم من أسلم على أيديكم. # وقوله: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} الخطأ في هذا أن يقول لغيره: يا ~~بن فلان، وهو يظن أنه ابنه، ms1299 ثم يتبين أنه ليس بابنه. # والقول الثاني: الخطأ ها هنا هو ما فعلوا قبل النهي، والتعمد ما فعلوه ~~بعد النهي. # وقوله: {وكان الله غفورا رحيما} أي: ستورا عطوفا. # PageV04P259 # قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} أي: من بعضهم ببعض. # وقد ثبت أن النبي قال: " أنا أولى بكل مؤمن ومؤمنة من نفسه، فمن ترك مالا ~~فلورثته ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي ". # وفي الآية قول آخر: وهو أن معناه: أن الرسول إذا دعاه إلى شيء، ونفسه ~~دعته إلى شيء، فيتبع الرسول ولا يتبع النفس، والقول الثالث: هو ما روي أن ~~النبي كان يخرج إلى الجهاد، فيقول قوم: يا رسول الله، نذهب فنستأذن من ~~آبائنا وأمهاتنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {وأزواجه أمهاتهم} أي: في الحرمة خاصة دون النظر إليهن والدخول ~~عليهن، وفي قراءة ابن مسعود وأبي: " وأزواجه امهاتهم وهو أب لهم ". # PageV04P259 # {والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا ~~(6) } # واختلفوا في المرأة التي فارقها النبي قبل الوفاة على ثلاثة أوجه: فأحد ~~الوجوه: أنها محرمة أيضا، والوجه الآخر: أنها ليست بمحرمة، والوجه الثالث: ~~أنها إن كان دخل بها فهي محرمة، وإن لم يكن دخل بها فليست بمحرمة. # واختلف الوجه أيضا في أنهن هل يكن أمهات المؤمنات، فأحد الوجهين أنهن ~~أمهات المؤمنات كما أنهن أمهات المؤمنين، والوجه الآخر: انهن أمهات الرجال ~~دون النساء، وروى أن امرأة قالت لعائشة: يا أماه، فقالت: أنا أم رجالكم دون ~~نسائك. # وأما أخوة أزواج النبي فليسوا بأخوال المؤمنين، وكذلك أخوات أزواج النبي ~~لستن خالات المؤمنين. # وقد روى أنه كانت عند الزبير أسماء بنت أبي بكر، فقالت الصحابة: عند ~~الزبير أخت أم المؤمنين، ولم يقولوا: عنده خالة المؤمنين. # وقوله: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} أي: أولى بعضهم ~~ببعض ميراثا في حكم الله، وقد كانوا يتوارثون بالهجرة، فنسخ الله تعالى ذلك ~~إلى التوارث بالقرابة. وروى أن النبي آخى بين المهاجرين والأنصار، وكان يرث ~~بعضهم بعضا "، ثم نسخ ذلك. # وقوله: {من المؤمنين والمهاجرين} ms1300 دليل على أن المؤمنين لا يرث الكافر، ~~والكافر لا يرث المؤمن. # وقوله: {والمهاجرين} دليل على أن المهاجر لا يرث من غير المهاجرين، ولا ~~غير المهاجر من المهاجر. # وقوله: {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} فيه قولان: أحدهما: إلا أن ~~توصوا وصية لغير الأقرباء الذين هم أهل دينكم، وحقيقة المعنى: أنه نسخ ~~ميراثهم، وأبقى جواز الوصية، والقول الثاني: أن المراد من الآية هو الوصية ~~للكفار، فالمعنى على # PageV04P260 # {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين ~~عذابا} هذا: أن الكفار لا يرثون المسلمين، ولو أوصى لهم جاز. # وقوله: {كان ذلك في الكتاب مسطورا} أي: في اللوح المحفوظ، ويقال: في ~~القرآن وسائر كتب الله. # PageV04P261 # وقوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} الميثاق: العهد الغليظ، وأشد ~~العهد هو التحليف بالله. # وقوله: {ومنك ومن نوح} اختلف القول في تقديم النبي، فأحد القولين: ما ~~رواه أبو هريرة عن النبي أنه قال: " أنا أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا ". # وعن قتادة قال: بدأ به في الخلق، وختم به في البعث، والقول الثاني: أن ~~الواو توجب الجمع، ولا توجب تقديما ولا تأخيرا، فكأنه قال: أخذنا من هؤلاء ~~النبيين ميثاقهم، وخص هؤلاء لأنهم كانوا أصحاب الشرائع وهم: نوح، وإبراهيم، ~~وموسى، وعيسى [ابن مريم] ، ومحمد. وأما معنى الميثاق: قال أهل التفسير: أخذ ~~عليهم أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادة الله، ويصدق بعضهم بعضا، وينصحوا ~~الناس، ويقال: أخذ على نوح أن يبشر بإبراهيم، وعلى إبراهيم أن يبشر بموسى، ~~[وعلى موسى أن يبشر بعيسى] ، وهكذا إلى محمد. # وقوله: {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} قد بينا من قبل. # وروى عن أبي بن كعب أنه قال: أخذ ذرية آدم من ظهر آدم، والنبيون فيهم، # PageV04P261 # {أليما (8) يا أيها وا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فارسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم} كأنهم سرج تزهو، وأخذ عليهم الميثاق. وعن بعضهم: خلق ~~الأرواح قبل الأجساد، وأخذ الميثاق على الأرواح. # PageV04P262 # قوله تعالى: {ليسأل الصادقين عن صدقهم} أي: ms1301 ليسأل النبيين عن تبليغهم ~~الرسالة، فإن قال قائل: وأي حكمة في سؤالهم عن تبليغ الرسالة؟ والجواب عنه: ~~الحكمة في ذلك تبكيت الذين أرسلوا إليهم، وعلى هذا المعنى قوله تعالى: {وإذ ~~قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} ~~. # ويقال: ليسأل الصادقين عن عملهم لله، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن ~~صدقهم في قلوبهم. # وقوله: {وأعد للكافرين عذابا أليما} قد تم الكلام الأول، وهذا ابتداء ~~كلام، ومعناه معلوم. # PageV04P262 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} أى: منة الله ~~عليكم. # وقوله: {إذ جاءتكم جنود} المراد من الجنود هم الأحزاب الذين تحزبوا على ~~رسول الله وهم: قريش عليهم أبو سفيان، وأسد عليهم طليحة بن (خويلد) ، ~~وغطفان عليهم عيينة بن حصن، وكانت عدتهم بلغت اثني عشر ألفا، (ورئيس ~~الجماعة) أبو سفيان، وقصدوا استئصال النبي وأصحابه، ودخل يهود قريظة معهم ~~وأمرهم معهم، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي في قصة طويلة؛ فلما ~~بلغ النبي أمرهم حفر الخندق حول المدينة، [وهذه هي] غزوة الخندق وجمع ~~الأحزاب. # PageV04P262 # {تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ~~وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ~~ابتلي} # وقوله: {فأرسلنا عليهم ريحا} في التفسير: أن الله تعالى أرسل عليهم ريح ~~الصبا حتى هزمتهم، قال عليه الصلاة والسلام: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد، ~~بالدبور ". وكانت الريح تقلع فساطيطهم، وتقلب قدورهم، وتسف التراب في ~~وجوههم، وجالت خيلهم بعضا في بعض؛ فانهزموا ومروا، وكفى الله أمرهم. # وقوله: {وجنودا لم تروها} أي: الملائكة. # وقوله: {وكان الله بما تعملون بصيرا} ظاهر المعنى. # PageV04P263 # قوله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم} في التفسير: أن الذين جاءوا من فوقهم ~~هم أسد وغطفان. # وقوله: {ومن أسفل منكم} هم قريش وكنانة. ويقال: الذين جاءوا من فوقهم ~~قريظة، ومن أسفل منكم قريش وغطفان. # وقوله: {وإذ زاغت الأبصار} أي: شخصت الأبصار، وفي العربية معنى زاغت: ~~مالت، فكأنها مالت شاخصة، فهذا من الرعب والخوف. # وقوله: {وبلغت القلوب الحناجر} أي: ms1302 بنت عن أماكنها وارتفعت، قال قتادة: ~~لو وجدت مسلكها لخرجت من الحناجر، ولكنها ضاقت عليها. والأصح من المعنى أن ~~هذا على طريق التمثيل، والعرب تقول: بلغ قلب فلان حنجرته، أي: من الرعب ~~والخوف والحنجرة حرف الحلقوم وهو كلمة عبارة عن شدة الفزع. # وقوله: {وتظنون بالله الظنونا} أي: ودخلت الألف لموافقة (أواخر) الآيات ~~في السورة. # PageV04P263 # {المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) وإذ يقول المنافقون الذين في قلوبهم ~~مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12) وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب ~~لا مقام لكم} # قال الشاعر: # (أقلى اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا) # أي: أقلى يا عاذلي اللوم والعتاب. # PageV04P264 # قوله تعالى: {هنالك ابتلى المؤمنون} هنالك في اللغة للبعيد، وهنا للقريب، ~~وهناك للوسط، ومعنى هنالك ها هنا أي: عند ذلك ابتلي المؤمنون. # وقوله: {وزلزلوا زلزالا شديدا} أي: حركوا حركة شديدة، وقرئ: " زلزالا " ~~بفتح الزاي، والأشهر بكسر الزاي " زلزالا "، وهو الأصح في العربية. ومن ~~الأخبار المشهورة: أن رجلا قال لحذيفة رضي الله عنه: رأيت رسول الله ~~وصحبته، والله لو رأيناه حملناه على أعناقنا. فقال حذيفة: أخبرك أيها الرجل ~~أنا كنا مع رسول الله في غزوة الخندق، فبلغ بنا الجهد والجوع والخوف ما ~~الله به أعلم، فقال رسول الله من منكم يذهب فيأتي بخبر القوم، والله يجعله ~~رفيقي في الجنة؟ فما أجابه منا أحد من شدة الأمر، ثم قال ثانيا، فما أجابه ~~منا أحد، ثم قال ثالثا، فما أجابه منا أحد فقال: يا حذيفة، فلم أستطع أن لا ~~أجيب فجئته، فقال: اذهب وأتنى بخبر القوم، ولا تحدثن أمرا حتى تأتيني، ~~ودعاني فذهبت، وأتيته بخبر القوم في قصة. . ". # وإنما أراد حذيفة بهذه الرواية أن لا يتمنى ذلك الرجل ما لم يدركه، فلعله ~~لا يصبر على البلوى إن أدركته. # PageV04P264 # قوله تعالى: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا} اختلفوا في القائل لهذا القول، قال بعضهم: هو أوس بن ~~قيظي، وقال # PageV04P264 # بعضهم: عبد الله بن أبي، وقال بعضهم: معتب بن قشير، ms1303 وأما الوعد الذي سموه ~~غرورا فهو ما روي " أن النبي لما أمر بحفر الخندق قسم الحفر على أصحابه، ~~فوقع سلمان مع بني هاشم، فجعل يحفر فبلغ صخرة لا يستطيع حفرها، فأخذ رسول ~~الله المعول من يده، وضرب على الصخرة ضربة فاضاءت كالشهاب، ثم كذلك في ~~الثانية والثالثة، فقال سلمان: يا رسول الله، لقد رأيت عجبا! فقال رسول ~~الله: ولقد رأيتها؟ قال نعم، رأيت في الضربة الأولى قصور اليمن، وفي الضربة ~~الثانية المدائن البيض أي: قصر كسرى، وفي الضربة الثالثة رأيت قصور الشام، ~~فقال:: ليفتحنها الله على أمتي، فانتشر ذلك في الناس؛ فلما بلغ بهم الأمر ~~ما بلغ، قال هؤلاء القوم: إن محمدا يعدنا ملك كسرى وقيصر، وإن أحدنا لا ~~يستطيع أن يفارق رحله (ويذهب) إلى الخلاء، ما هذا إلا الغرور، فأنزل الله ~~تعالى ما ذكرنا من الآية ". # PageV04P265 # قوله تعالى: {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب} هو المدينة، ويقال: يثرب ~~موضع والمدينة منه، قال حسان بن ثابت شعرا: # (سأهدي لها في كل عام قصيدة ... وأقعد مكفيا بيثرب مكرما) . # وفي بعض الأخبار: " أن النبي نهى أن تسمى المدينة يثرب، وقال: هي طابة " ~~كأنه عليه الصلاة والسلام كره هذه اللفظة؛ لأنه من التثريب. # وقوله: {لا مقام لكم} وقرئ " لا مقام لكم " برفع الميم، فقوله: {لا مقام ~~لكم} أي: لا إقامة لكم، وقوله: {لا مقام لكم} بفتح الميم أي: لا منزل لكم. # PageV04P265 # {فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن ~~يريدون إلا فرارا (13) ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها ~~وما تلبثوا بها إلا يسيرا (14) ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون ~~الأدبار وكان عهد الله مسئولا} # وقوله: {فارجعوا} أي: ارجعوا عن أتباع محمد، وخذوا أمانكم من المشركين. # وقوله: {ويستأذن فريق منهم النبي} هؤلاء بنو سلمة وبنو حارثة، وقيل: ~~غيرهم. # وقوله: {يقولون إن بيوتنا عورة} أي: ذات عورة، وقيل: معورة يسهل عليها ~~دخول السراق، ويقال: إن بيوتنا عورة أي: ضائقة، وقال الفراء: عورة ذليلة ~~الحيطان، ms1304 وليست بحريزة، وقرئ في الشاذ: " عورة " بفتح العين وكسر الواو، ~~والمعنى يرجع إلى ما بينا. # وقوله: {وما هي بعورة} يعني: إنهم كاذبون في قولهم، وإنما يريدون الفرار، ~~فهو معنى قوله تعالى: {إن يريدون إلا فرارا} وأنشدوا في العورة: # (حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها) # PageV04P266 # قوله تعالى: {ولو دخلت عليهم من أقطارها} أي: من نواحيها. # وقوله: {ثم سئلوا الفتنة} أي: الشرك، ويقال: القتال في العصبية. # وقوله: {لآتوها} بالمد، وقرئ: " لأتوها "، فقوله " لآتوها " بالمد أي: ~~لأعطوها، وقوله: " لآتوها ". أي: [لقصدوها] . # وقوله: {وما تلبثوا بها إلا يسيرا} أي: ما احتسبوا إلا يسيرا، وأعطوا ما ~~طلب منهم طيبة بها أنفسهم. # PageV04P266 # قوله تعالى: {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار} الأدبار: ~~جمع # PageV04P266 # ( {15) قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون ~~إلا قليلا (16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) قد يعلم الله المعوقين ~~منكن والقائلين} الدبر، أي: لا ينهزمون. وذكر مقاتل وغيره أن هذا في الذين ~~بايعوا مع رسول الله ليلة العقبة، وقالوا: يا رسوا الله، اشترط لربك، فقال: ~~أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، فقالوا: اشترط لنفسك. فقال: أن تمنعوني مما ~~تمنعون منه أنفسكم وأولادكم " وكان الذين بايعوا ليلة العقبة [سبعين] نفرا، ~~وأول من بايع أبو الهيثم بن التيهان، وهذا القول ليس بمرض؛ لأن أصحاب ~~العقبة لم يكن فيهم شاك، ولا من يقول مثل هذا القول، وإنما الآية في قوم ~~عاهدوا أن يقاتلوا ولا يفروا حتى يقتلوا ونقضوا العهد. # وقوله: {وكان عهد الله مسئولا} أي: مسئولا عنه. # PageV04P267 # قوله تعالى: {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت الموت أو القتل} ~~يعني: أن الأجل يدرككم في وقته. # وقوله: {وإذا لا تمتعون إلا قليلا} معناه: إلى منتهى آجالكم، وفي بعض ~~الحكايات: أن رجلا انهزم [في] بعض الحروب، فكان يلام على ذلك، ويقرأ عليه ~~هذه الآية {قل لن ينفعكم ms1305 الفرار إن فررتم من الموت أو القتل إذا لا تمتعون ~~إلا قليلا} فقال: ذلك القليل أطلب. # PageV04P267 # قوله تعالى: {قل من ذا الذي يعصمكم من الله} أي: يجيركم ويمنعكم. # وقوله: {إن أراد بكم سوءا} أي: الهزيمة وظفر عدوكم بكم. # وقوله: {أو أراد بكم رحمة} أي: خيرا ونصرة. # وقوله: {ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} أي: قريبا ينفعهم، ~~وناصرا يمنعهم. # PageV04P267 # قوله تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم} يقال: عاقه واعتاقه وعوقه إذا ~~صرفه # PageV04P267 # {لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم فإذا جاء ~~الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب ~~الخوف عما يريده. ويقال: المعوقين منكم أي: المثبطين منكم. # وقوله: {والقائلين لإخوانكم هلم إلينا} أي: ارجعوا إلينا # وقوله: {ولا يأتون البأس إلا قليلا} أي: لا يقاتلون إلا قليلا رياء وسمعة ~~من غير حسبة، والآية نزلت في قوم من المنافقين قالوا حين أحاط الجنود ~~بالمسلمين: إن محمدا وقومه أكله رأس، والله لو كان محمد وأصحابه لحما ~~لالتهمهم أبو سفيان وحزبه أي: ابتلعهم، وكانوا يقولون لأصحاب محمد من ~~الأنصار: دعوا محمد، فإن محمدا يريد أن يقتلكم جميعا. وقال الكلبي في قوله: ~~{إلا قليلا} يعني: إلا رميا بالحجارة. # PageV04P268 # قوله تعالى: {أشحة عليكم} أي: بخلا بالنصرة والموافقة في القتال، وقال ~~قتادة: بخلاء عند الغنيمة، فكأن الله تعالى قال: هم احسن قوم عند القتال، ~~وأشح قوم عند الغنيمة. # وقوله: {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه ~~من الموت} والمغشي عليه من الموت قد ذهب عقله، وشخص بصره، وهو المحتضر الذي ~~قرب من الموت. # وقوله: {فإذا ذهب الخوف سلقوكم} قال الفراء: وقعوا فيكم بألسنة سليطة ~~ذرية. وعن بعضهم: سلقوكم بألسنة حداد يعني: عند طلب الغنائم، وعند ~~المجادلات بالباطل، وقد روى عن النبي أنه قال: " البذاء (والبيان) شعبتان ~~من النفاق، والحياء والعي شعبتان من الإيمان ". # PageV04P268 # {سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ~~وكان ذلك على الله يسيرا (19) يحسبون الأحزاب ms1306 لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب ~~يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما ~~قاتلوا إلا قليلا (20) # وتقول العرب: خطيب مسلاق وسلاق إذا كان بليغا في الخطابة، وعن ابن عباس ~~قال: سلقوكم أي: عضهوكم وتناولوكم بالنقص والغيبة، قال الأعشى: # (فيهم الخصب والسماحة والنجدة فيهم والخاطب السلاق} # وقوله: {أشحة على الخير} قد بينا أنها عند الغنيمة. # وفي الخبر: " أن النبي قال للأنصار: إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند ~~الطمع " أي: تجمعون عند القتال، وتتفرقون عند أخذ المال، وأما وصف ~~المنافقين على الضد من هذا، فإنهم كانوا جبناء عند القتال، بخلاء عند ~~المال. # وقوله: {أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم} أي: أبطل الله أعمالهم. # وقوله: {وكان ذلك على الله يسيرا} أي: سهلا. # PageV04P269 # قوله تعالى: {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} أي: من الجبن والخوف. # وقوله: {وإن يأت الأحزاب} أي: يرجعوا بعد الذهاب. # وقوله: {يودوا لو أنهم بادون في الأعراب} البادون: خلاف الحاضرين، وهم ~~الذين يسكنون البادية، وقولة: {في الأعراب} أي: مع الأعراب. # وقوله: {يسألون عن أنبأكم} أي: [عن] أخباركم، ومعنى سؤالهم عن الأخبار هو ~~أن الظفر كان للمشركين، أو لمحمد وأصحابه. # وقوله: {ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا} أي: تعذيرا، ومعنى تعذيرا ~~أي: # PageV04P269 # {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ~~وذكر الله كثيرا (21) ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله وصدق الله} يقاتلون شيئا يسيرا يقيمون به عذرهم، فيقولون قد قاتلنا. # PageV04P270 # قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} أي: قدوة حسنة، ~~والتأسي: هو الإقتداء، وإنما ذكر الأسوة ها هنا حتى ينصروا (ويقومون) ~~ويصبروا على ما يصيبهم، كما فعل رسول الله فإنه كسرت رباعيته يوم أحد، وشج ~~في جبهته، وكسرت البيضة على رأسه، وقتل عمه فلم يفتر في أمر الله، وصبر على ~~جميع ذلك. # وقوله: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} أي: يرجو ثواب الله، وقيل: لمن ~~كان يخشى الله واليوم الآخر، والرجاء يكون بمعنى الخشية، وقد ms1307 يكون بمعنى ~~الطمع. # وقوله: {وذكر الله كثيرا} أي: في جميع المواطن على السراء والضراء. # PageV04P270 # قوله تعالى: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ~~وصدق الله ورسوله} قال قتادة: معنى هذه الآية راجع إلى قوله تعالى في سورة ~~البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله} والآية تتضمن أن المؤمنين يلقاهم ويستقبلهم مثل هذا البلاء، فلما ~~رأوا ذلك يوم الخندق قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله. # وعن بعضهم أن النبي قال لأصحابه: " إن المشركين سائرون إليكم فنازلون بكم ~~عشرا " أو كما قال فلما رأى المؤمنون الأحزاب [قالوا: هذا ما وعدنا الله # PageV04P270 ### | 3 - # {ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله ورسوله] وقد ساروا إليهم {وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} أي: ~~تصديقا بالله، وتسليما لأمر الله. # PageV04P271 # قوله تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} أي: قاموا بما ~~عاهدوا الله عليه، ويقال: قاموا بالأمر على الوفاء والصدق. # وقوله: {فمنهم من قضى نحبه} النحب يرد بمعاني كثيرة، وأولى المعاني أنه ~~بمعنى العهد، فمعنى الآية: اتم العهد وقام به، قال الحسن البصري: أي أقام ~~بالوفاء والصدق. وقال ابن قتيبة: النحب هو النذر، ومعنى قضى نحبه ها هنا ~~أي: قتل في سبيل الله، كأن القوم بقبولهم الإيمان نذروا أن يموتوا على ما ~~يرضاه الله، فمن قتل في سبيل الله فقد قضى نذره. # قال محمد بن إسحاق: الآية في الذين استشهدوا يوم أحد، وهم حمزة رضي الله ~~عنه ومن استشهد معه. # وقد ثبت برواية يزيد بن هارون، عن حميد، عن انس رضي الله عنه أن عمه ~~النضر بن أنس كان تخلف عن بدر فقال: تخلفت عن أول غزوة غزاها رسول الله، ~~لئن أراني الله قتالا مع المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد ~~وانهزم المسلمون، ورأى ذلك النضر بن أنس قال: اللهم إني أعتذر إليك ما جاء ms1308 ~~به هؤلاء يعني المسلمين وابرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين ثم مضى ~~بوجوه الكفار، فلقي سعد بن معاذ دون أحد، فقال له سعد: أنا معك، قال سعد: ~~فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فوجد به بضع وثمانون من ضربة سيف، وطعنة برمح، ~~ورمية بسهم. وفي رواية أخرى: فلم تعرفه إلا أخته بثناياه. قال أنس: ففيه ~~وفيمن استشهد نزل قوله: {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر} . # PageV04P271 # {عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) ليجزي ~~الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان ~~غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله ~~المؤمنين القتال وكان} # يعني: من المؤمنين من بقي بعد هؤلاء الذين استشهدوا، وهم ينتظرون أحد ~~الأمرين إما الشهادة في سبيل الله وإما الظفر، وأنشدوا في النحب شعرا: # (قضى نحب الحياة وكل حي ... إذا يدعي لميتته أجابا) # ومن المعروف أيضا أن النحب هو الخطر العظيم. قال جرير في النحب: # (بطخفة جالدنا الملوك وخلينا ... عشية بسطام جرين على نحب) # أي: على الخطر العظيم # وقوله: {وما بدلوا تبديلا} أي: لم يتركوا ما قبلوه وعاهدوا عليه. # PageV04P272 # قوله تعالى: {ليجزي الله الصادقين بصدقهم} أي: جزاء صدقهم، وصدقهم هو ~~وفاؤهم بالعهد. # وقوله: {ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم} فيهديهم للإيمان. # وقوله: {وكان الله غفورا رحيما} أي: ستورا عطوفا. # PageV04P272 # قوله تعالى: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم} أي: ردهم ولم يشتفوا من محمد ~~وأصحابه، وقد كانوا قصدوا قصد الإستئصال. # وقوله: {لم ينالوا} أي: لم يظفروا بما أرادوا. # وقوله: { [خيرا] وكفى الله المؤمنين القتال} أي: بما أرسل من الريح ~~عليهم، وفي بعض الروايات الغريبة عن ابن عباس: وكفى الله المؤمنين القتال ~~أي: لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد كان قتل عمرو بن عبدود في ذلك ~~اليوم، وكان رأسا من رءوس الكفار كبيرا فيهم، وضربه عمرو بن عبدود في ذلك ~~اليوم على رأسه # PageV04P272 # {الله قويا عزيزا (25) وانزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب ms1309 من صياصيهم ~~وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم} ضربة فلما ضربه، ابن ملجم وقعت ضربة ابن ملجم على موضع ~~ضربة عمرو بن عبدود، فهلك في ذلك رضي الله عنه. # وقوله: {وكان الله قويا عزيزا} أي: قويا في ملكه، عزيزا في انتقامه. # PageV04P273 # قوله تعالى: {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب} أي: عاونوهم من أهل ~~الكتاب، وهم قريظة، وقد كانوا في عهد النبي، وسيدهم كعب بن أسد، وأما بنو ~~النضير فسيدهم حيي بن أخطب، فلما أجلى رسول الله بني النضير إلى الشام، ذهب ~~حيي بن أخطب، إلى قريش و (استنصرهم) ، وجمع الأحزاب وجاء بهم لقتال النبي، ~~ثم جاء إلى قريظة وحملهم على نقض العهد في قصة طويلة، وعاهد معهم أن ~~المشركين لو رجعوا ولم يظفروا دخل معهم في حصنهم ليصيبه ما يصيبهم، فلما ~~هزم المشركون دخل معهم في حصنهم، وأما قريظة فنقضوا العهد، وقصدوا حرب ~~النبي مع الأحزاب في قصة مذكورة في المغازي. # وقوله: {من صياصيهم} أي: من حصونهم، ومنه صياصي البقر أي: قرونها لأنها ~~تمتنع بها. # وقوله: {وقذف في قلوبهم الرعب} أي: الخوف. # وقوله: {فريقا تقتلون} قتل رسول الله من قريظة أربعمائة وخمسين، وفي ~~رواية ستمائة، وفيهم حيي بن أخطب وسادتهم، وكانوا يقولون: هذا ذبح كتبه ~~الله على بني إسرائيل. # وقوله: {وتأسرون فريقا} أسر منهم سبعمائة وخمسين، وفي رواية سبعمائة # PageV04P273 # {وأرضا لم تطئووها وكان الله على كل شيء قديرا (27) يا أيها النبي قل ~~لأزواجك إن} # PageV04P274 # {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} أي: أغنمكم. # وقوله: {وأرضا لم تطئوها} أظهر الأقاويل: أنها خيبر، وقال عكرمة: جميع ما ~~فتح الله تعالى ويفتحه من أراضي المشركين إلى يوم القيامة. وعن بعضهم فارس ~~والروم. # وقوله: {وكان الله على كل شيء قديرا} أي: قادرا. # وأما قصة قتل قريظة [فهو على] ما روى " أن النبي لما رجع من الخندق إلى ~~بيته ووضع لامته أي: درعه واغتسل جاء جبريل عليه السلام على فرس ودعاه، ~~فلما خرج من بيته قال: أتضع سلاحك ولم تضع الملائكة أسلحتكم! ms1310 وكان الغبار ~~على وجهه ووجه فرسه، وقال: يا جبريل، إلى أين؟ قال: إلى قريظة "، " فخرج ~~النبي وخرج أصحابه إلى قريظة، ونادى في أصحابه: لا يصلين أحد منكم العصر ~~إلا في [بني] قريظة، فلم يصلوا حتى غربت الشمس، فبعضهم صلى العصر، وبعضهم ~~لم يصل حتى وصل، فلم يعنف واحدا من الفريقين " وحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، ~~ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، وكانوا حلفاءه في الجاهلية وسعد بن معاذ سيد ~~الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج فلما نزلوا على حكمه، وكان سعد مريضا ~~بالمدينة في بيته برمية أصابت أكحله يوم الخندق، وكان الدم لا يرقأ، فدعا ~~الله تعالى وقال: اللهم أبقني حتى تريني ما يقر عيني في قريظة، فرقأ الدم. # PageV04P274 # {كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعتكن وأسرحكن سراحا جميلا ~~(28) وإن} # فلما نزلوا على حكمه استحضره رسول الله، فجاء على حمار موكف وقد حف به ~~قومه، وجعلوا يقولون له: حلفاؤك ومواليك، فقال سعد: قد آن لسعد أن لا تأخذه ~~في الله لومة لائم، فلما جاء إلى النبي قال عليه الصلاة والسلام للأنصار: ~~قوموا إلى سيدكم، ثم إنه حكم بأن يقتل المقاتلة، وتسبى الذرية، ويقسم ~~المال، فقال له النبي: حكمت بحكم الملك. وروى أنه قال: حكمت بحكم الله من ~~فوق عرشه، ثم إنه فعل بهم ما حكم، ثم إن سعدا قال لما قتلوا: اللهم إن كنت ~~أبقيت حربا بين رسولك وبين قريش فأبقني لها، وإن كنت قد وضعت الحرب بين ~~رسولك وبين قريش فاقبضني إليك، فانفجر كلمه في الحال، فلم يرعهم إلا والدم ~~يسيل إليهم، وتوفى في ذلك رضي الله عنه. # PageV04P275 # قوله تعالى: {يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها} الآية. قال المفسرون: سبب نزول الآية أن نساء النبي سألنه شيئا من ~~الدنيا، ولم يكن عنده، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيره بعضهن على ~~بعض؛ فأنزل الله تعالى آية التخيير. # وحكى النقاش في تفسيره عن الضحاك: أن زينت بنت جحش سألته ثوبا ممصرا، وهو ~~البرد المخطط، وميمونة سألته حلة ms1311 يمانية، وأم حبيبة سألته ثوبا من ثياب ~~خضر، وجويرية سألته معجرا، وعن بعضهن: أنها سألته قطيفة، ولم يكن عنده شيء ~~من ذلك. وحكى أنهن قلن: لو كنا عند غيره كان لنا حليا وثيابا، فأنزل الله ~~تعالى آية التخيير. وقد ثبت أن النبي آلى منهن شهرا واعتزل في غرفة في قصة # PageV04P275 # {كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا ~~عظيما (29) يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ~~وكان} طويلة. # وفي بعض الروايات عن ابن عباس أن النبي كان في بيت حفصة فتشاجرا، فقال ~~لها رسول الله: أجعل بيني وبينك رجلا، أتريدين أباك؟ قالت: نعم، فدعا عمر ~~رضي الله عنه فلما دخل قال النبي لحفصة: تكلمي. # فقالت حفصة: يا رسول الله، تكلم ولا تقل إلا حقا. فرفع عمر يده وضرب ~~وجهها، وقال: يا عدوة نفسها، أتقولين هذا لرسول الله؟ ثم إن رسول الله آلى ~~منهن شهرا واعتزل، وأنزل الله تعالى آية التخيير، فلما أنزل الله آية ~~التخيير بدأ بعائشة رضي الله عنها. # وقد ثبت هذا برواية الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة أن النبي بدأ بها لما ~~أنزل الله تعالى آية التخيير، قالت عائشة: فدخل علي وقال: " يا عائشة، إني ~~ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لا ~~يأمرانني بفراقه، ثم تلا على الآية، فقلت: أفي هذا أستأمر أبواي؟ لقد اخترت ~~الله ورسوله والدار الآخرة، ثم عرض ذلك على سائر نسائه؛ فقلن مثل ذلك ". ~~وروى هذا الخبر البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، والإسناد كما ~~بينا من قبل، وأما أزواجه اللاتي خيرهن فكن تسعا، خمسة قرشيات هن: عائشة ~~بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم سلمة بنت أمية، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، ~~وسودة بنت زمعة، وأما غير القرشيات: فزينب بنت جحش الأسدية، وصفية بنت حيي ~~الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. # PageV04P276 # قال المفسرون: فلما اخترنه شكر الله تعالى لهن ذلك، ms1312 فنهى النبي أن يتزوج ~~بسواهن أو يتبدل بهن، وذلك في قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن ~~تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن} وسنذكر حكم ذلك من بعد واختلف العلماء ~~في هذا الخيار، أكان طلاقا؟ وإنما خيرهن على إن اخترن الدنيا فارقهن بلا ~~طلاق، وإن اخترنه أمسكهن، وذهب جماعة إلى أن هذا الخيار كان طلاقا فكأنه ~~خيرهن، ولو اخترن أنفسهن كان طلاقا. # واختلف الصحابة في الرجل يقول لإمرأته: اختاري. فتقول: اخترت نفسي، فذهب ~~عمر إلى أنها لو اختارت زوجها لا تكون شيئا، وإن اختارت نفسها فطلقة واحدة، ~~والزوج أحق برجعتها. # وقال علي: إن اختارت زوجها فطلقة واحدة، والزوج أحق برجعتها، وإن اختارت ~~نفسها فواحدة بائنة، ولا يملك الزوج رجعتها، وذهب إلى أنها إن اختارت زوجها ~~فواحدة رجعية، وإن اختارت نفسها فثلاث، وقد قيل غير هذا. وهذه الأقوال ~~الثلاثة هي المعروفة، وقد ذهب إلى كل قول من هذه الأقوال جماعة من العلماء، ~~والدليل على أنها إذا اختارت زوجها لا تكون طلاقا أن عائشة قالت: خيرنا ~~رسول الله فاخترناه، أفكان طلاقا؟ ! # وقوله: {فتعالين أمتعكن} أي: متعة الطلاق، وقد بينا في سورة البقرة. # وقوله تعالى: {وأسرحكن سراحا جميلا} السراح الجميل هو المفارقة الجميلة، ~~وذلك من غير تعنيف ولا أذى. # PageV04P277 # قوله تعالى: {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد ~~للمحسنات} والمحسنات هي اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وجميع ~~نساء النبي قد اخترن ذلك، فجميعهن محسنات. ويجوز أن تذكر " من " ولا تكون ~~للتبعيض، فلا يدل ذلك على أن منهن من ليست بمحسنة. # PageV04P277 # {ذلك على الله يسيرا (30) ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها ~~أجرها} # وقوله: {أجرا عظيما} وفي التفسير: أن الله تعالى خيرهن بين الدنيا ~~والآخرة، وبين الجنة والنار، فاخترن الآخرة على الدنيا، والجنة على النار. # PageV04P278 # قوله تعالى: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة} فإن قيل: أيدل هذا ~~الخطاب على أن منهن من أتت بفاحشة أو تأتي بفاحشة؟ قلنا: لا، كما أن الله ~~تعالى ms1313 قال للنبي: {لئن أشركت ليحبطن عملك} وهذا لا يدل على أنه قد أتى بشرك ~~أو يأتي. # جواب آخر: أنه قد حكى عن ابن عباس أنه قال: الفاحشة ها هنا بمعنى النشوز ~~وسوء الخلق. # وقوله: {يضاعف لها العذاب ضعفين} وقرئ: " يضعف " من التضعيف، وقرئ: " ~~نضعف " بالنون، فقوله {نضعف} بالنون ظاهر المعنى، وهو نسبة الفعل إلى نفسه، ~~وقوله: " يضعف " و " يضاعف " خبر. # وقوله: {ضعفين من العذاب} أي: مثلي عذاب غيرها، فإن قيل: ولم تستحق مثلي ~~عذاب غيرها؟ قلنا: لشرف حالها بصحبة النبي، وهذا كما أن الحرة تحد مثلي حد ~~الأمة لشرف حالها. وقد استدل أبو بكر الفارسي في أحكام القرآن بهذه الآية ~~على أنهن أشرف نساء العالم. # وقوله: {وكان ذلك على الله يسيرا} أي: هينا، وقد ذكر بعضهم أن قوله: ~~{يضاعف لها العذاب} يقتضى ثلاثة أعذبة؛ لأن ضعف الواحد مثلاه، والأصح هو ~~الأول. # PageV04P278 # قوله تعالى: {ومن يقنت منكن لله ورسوله} القنوت هو المداومة على الطاعة، ~~ومنه القنوت في الصلاة، وهو المداومة على الدعاء. # وقوله: {وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين} أي: مثلي أجر غيرها، وهذا على # PageV04P278 # {مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ~~إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) ~~وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة ~~وأطعن الله ورسوله إنما} طريق مقابلة الثواب بالعقاب. # وقوله: {وأعتدنا لها رزقا كريما} أي: الجنة. # PageV04P279 # قوله تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} فإن قيل: هلا قال ~~كواحدة من النساء؟ والجواب، أنه قال: {كأحد من النساء} ليكون أعم في الكل. # وقوله: {إن اتقيتن} التقوى هي الاحتراز عن المعاصي، والحذر عما نهى الله ~~عنه. # وقوله: {فلا تخضعن بالقول} أي: لا تلن في القول، ولا ترققن فيه. ويقال: ~~الخضوع في القول أن تتكلم على وجه يقع بشهوة المريب. # وقوله: {فيطمع الذي في قلبه مرض} قال قتادة: أي النفاق، وقال عكرمة: شهوة ~~الزنا. # وقوله: {وقلن قولا معروفا} أي: قولا يوجبه الدين والإسلام ms1314 بصريح وبيان. # PageV04P279 # قوله تعالى: {وقرن في بيوتكن} وقرئ بكسر القاف؛ فقوله بالكسر من السكون ~~والهدوء وترك الخروج. والقراءة بالنصب تحتمل هذا، وتحتمل الأمر بالوقار. ~~وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ما تعبدت الله امرأة بمثل تقوى الله ~~وجلوسها في بيتها. وفي بعض الآثار، أنه قيل لسودة: ألا تخرجين كما تخرج ~~أخواتك؟ قالت: قد حججت واعتمرت، وقد أمرني الله تعالى أن أقر في بيتي، فلا ~~أريد أن أعصي الله تعالى، فلم تخرج من بيتها حتى أخرجت على جنازتها. # وقوله: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} قال المبرد: التبرج هو أن تظهر ~~من # PageV04P279 # {يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما ~~يتلى} نفسها ما أمرت بستره. وعن ابن أبي نجيح قال: هو التبختر. وعن قتادة ~~قال: المشي بالتغنج والتكسر. وعن مجاهد قال: هو المشي بين يدي الرجال. # وأما الجاهلية الأولى فقيل: هي زمان نمروذ، وقد كانت المرأة تخرج وعليها ~~قميص من لؤلؤ ثم تخيط جانباه، وعن بعضهم: ما بين نوح وإدريس، وعن الشعبي: ~~مل بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ويقال: إن أول ما ظهر من الفاحشة ~~في بني آدم أنه كان بطنان من بني آدم أحدهما يسكنون الجبل، والآخر يسكنون ~~السهل، وكان رجال الجبل صباحا، وفي النساء دمامة، ونساء السهل صبيحات، وفي ~~الرجال دمامة، فاحتال إبليس حيلة حتى أتخذ عيدا، وجمع بينهم فارتكب بعضهم ~~من بعض الفاحشة. وذكر بعضهم أن في الجاهلية الأولى [كانت المرأة تكون] بين ~~رجلين، فنصفها الأسفل لأحدهما والأعلى للآخر، فيجتمع على المرأة زوجها ~~وحبها، وقال في ذلك بعضهم شعرا: # (أترغب في البدال أبا جبير ... وأرضى بالكواعب والعجوز) # وأما الجاهلية الأخرى فقوم يفعلون مثل فعلهن وذلك في آخر الزمان، وقال ~~بعضهم: يجوز أن يذكر الأولى وإن لم يكن لها أخرى، ألا ترى أن الله تعالى ~~قال: {وأنه أهلك عادا الأولى} ولم يكن لها أخرى. # وقوله: {وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله} ظاهر المعنى. # وقوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} في ms1315 الآية أقوال: روى ~~سعيد بن جبير عن أبن عباس: أنها نزلت في نساء النبي، وقد [قاله] عكرمة ~~وجماعة. # PageV04P280 # وذهب أبو سعيد الخدري وأم سلمة وجماعة كثيرة من التابعين منهم مجاهد ~~وقتادة وغيرهما أن الآية في أهل بيت النبي، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين. # وروت أم سلمة " أن النبي كان في بيتها وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية فجللهم بكساء وقال: اللهم؛ هؤلاء أهل بيتي. ~~قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك، فقال: إنك إلى خير ". ~~ذكره أبو عيسى في جامعه. # وروى أيضا بطريق أنس " أن النبي كان يمر بعد نزول هذه الآية على بيت ~~فاطمة بستة أشهر، ويقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا ". # واستدل من قال بهذا القول أن الله تعالى قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس} ولم يقل: " عنكن "، ولو كان المراد به نساء النبي لقال: " عنكن " ~~ألا ترى أنه في الإبتداء والإنتهاء لما كان الخطاب مع نساء النبي خاطبهن ~~بخطاب الإناث. # والقول الثالث: أن الآية عامة في الكل، وهذا أحسن الأقاويل، فآله قد ~~دخلوا في الآية، ونساؤه قد دخلن في الآية. واستدل من قال: إن نساءه قد دخلن ~~في الآية؛ أنه قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} وأهل بيت ~~الرسول هن نساءه؛ (ولأنه تقدم ذكر نسائه) ، والأحسن ما بينا من التعميم. # PageV04P281 # {في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا (34) إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين ~~والصادقات} # وقد روى أن زيد بن أرقم سئل: من آل النبي. فقال: هم الذين حرم عليهم ~~الصدقة. وأما الرجس فمعناه: ما يدعو إلى المعصية. وقال بعضهم: عمل الشيطان. ~~والرجس في اللغة هو كل مستقذر مستخبث. # وقوله: {ويطهركم تطهيرا} أي: من المعاصي بتقوى الله تعالى، وذهب بعض ~~(أصحاب) الخواطر إلى أن معنى قوله: {ويذهب عنكم الرجس} أي: الأهواء والبدع ~~{ويطهركم تطهيرا} بالسنة، وقال بعضهم: يذهب عنكم الرجس أي: الغل والحسد ~~(ويطهركم تطهيرا) ms1316 بالتوفيق والهداية، وقال بعضهم: يذهب عنكم الرجس: البخل ~~والطمع {ويطهركم تطهيرا} بالقناعة والإيثار، والتفسير ما بينا من قبل. # PageV04P282 # قوله تعالى: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} أي: القرآن ~~والسنة. # وقوله: {إن الله كان لطيفا خبيرا} أي: رحيما بهم، خبيرا بأعمالهم. # PageV04P282 # قوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات} سبب نزول الآية ما روى أن أم سلمة ~~قالت: " يا رسول الله، ما بال الرحال يذكرون في القرآن، ولا يذكر النساء، ~~ونخشى ألا يكون فيهن خير ". # وفي رواية أسماء بنت عميس: قدمت من الحبشة فدخلت على نساء النبي: وقالت ~~لهن: هل ذكر الله تعالى النساء بخير في القرآن؟ قلن: لا. قالت: هذا هو # PageV04P282 # {والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات ~~والصائمين} الخيبة والخسار، أخشى ألا يكون لله فيهن حاجة، ثم أتت النبي ~~وذكرت ذلك له ". # وفي رواية ثالثة: " أن التي قالت ذلك أم عمارة الأنصارية، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، وذكر النساء بخير كما ذكر الرجال ". # قوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} قد بينا معنى ~~الإسلام ومعنى الإيمان، وقد فرق بعض أهل السنة بين الإيمان والإسلام، ولم ~~يفرق بعضهم. والمسألة فيها كلام كثير. # وقوله: {والقانتين والقانتات} المطيعين والمطيعات. # وقوله: {والصادقين والصادقات} أي الصادقين في إيمانهم، والصادقات في ~~إيمانهن. يقال: إن المراد بالصدق هو صدق القول في جميع الأشياء. # وقوله: {والصابرين والصابرات} أي: الصابرين على الطاعة، والصابرين عن ~~المعصية، وكذلك معنى الصابرات. # وقال قتادة: الصبر عن المعصية أفضل من الصبر على الطاعة، وعليه الأكثرون. # وقوله: {والخاشعين والخاشعات} أي: المتواضعين والمتواضعات. ويقال: إن ~~المراد بالخشوع هو الخشوع في الصلاة. # وعن سعيد بن جبير قال: الخشوع في الصلاة ألا يعلم من على يمينه ولا من ~~على # PageV04P283 # {والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ~~أعد الله} يساره. وقال غيره: من الخشوع أن لا تلتفت. # وقوله: {والمتصدقين والمتصدقات} أي: المتصدقين على الفقراء والمتصدقات ~~عليهم. # وقوله: {والصائمين والصائمات} معلوم. وروى عن بعضهم: من صام ثلاثة أيام ~~في كل شهر فهو من الصائمين والصائمات، ومن تصدق في كل ms1317 أسبوع بدرهم فهو من ~~المتصدقين، ومن لم يلتفت في صلاته فهو من الخاشعين، أورده النقاش في ~~تفسيره. # وقوله: {والحافظين فروجهم والحافظات} أي: من ارتكاب الفواحش. # وحكى النقاش: أن من لم يزن فهو من الحافظين لفروجهم. # وقوله: {والحافظات} أي: والحافظاتها. # وقوله: {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} أي: والذاكراته، قال الشاعر: # (فكمتا مدماة كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب) # يعني: جرى فوقها لون مذهب واستشعرته. # وأما الذكر الكثير، فروى عن مجاهد أنه قال: لا يكون العبد من الذاكرين ~~الله كثيرا حتى يذكره قائما وقاعدا ومضطجعا. # وروى الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس أن النبي قال: " من قال سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كتب ~~من الذاكرين الله كثيرا، وتحات عنه خطاياه كما يتحات الورق عن الشجر، ونظر ~~الله إليه، ومن نظر إليه (لم) يعذبه ". # وفي بعض المسانيد برواية أبي سعيد الخدري أن النبي قال: " أيما رجل أيقظ # PageV04P284 # {لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا} امرأته من الليل، فقاما وتوضيا وصليا ركعتين، كتبا من ~~الذاكرين الله كثيرا والذاكرات ". # وقوله: {أعد لهم مغفرة وأجرا عظيما} أي: مغفرة للذنوب، وأجرا عظيما: هو ~~الجنة. # PageV04P285 # قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} الآية نزلت في شأن زينب بنت جحش ~~وأخيها عبد الله بن جحش، وكانا ولدي عمة رسول الله، وهي أميمة بنت عبد ~~المطلب، فكانا من قبل الأب من بني أسد من أولاد غنم بن دودان، فروى " أن ~~النبي خطب زينب لزيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، وقالت: أنا بنت عمتك، ~~أتزوجني من مولاك؟ ! وكذلك كره أخوها، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وما ~~كان لمؤمن} أي: عبد الله بن جحش {ولا مؤمنة} أي: زينب ". # وقوله: {إذا قضى الله ورسوله أمرا} أي: أراد الله ورسوله أمرا، وذلك هو ~~نكاح زيد لزينب. # PageV04P285 # {أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ~~(36) وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ms1318 وأنعمت أمسك عليك عليه زوجك واتق الله ~~وتخفي في} # وقوله: {أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} أي: يكون لهم الاختيار، والمعنى: ~~أن يريد غير ما أراد الله، أو يمتنع مما أمر الله ورسوله به. # وقوله: {ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} أي: أخطأ خطأ ظاهرا؛ ~~فلما سمعا ذلك سلما الأمر، وزوجها رسول الله من زيد بن حارثة. # PageV04P286 # قوله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} أي: أنعم الله عليه ~~بالإسلام. # وقوله: {وأنعمت عليه} أي: بالعتق، وهو زيد بن حارثة، وقد كان جرى عليه ~~سبي في الجاهلية، فاشتراه رسول الله وأعتقه وتبناه على عادة العرب. # وقوله: {أمسك عليك زوجك} أي: امرأتك، وأما سبب نزول هذه الآية: " أن ~~النبي لما زوج زينب من زيد ومضت على ذلك مدة، دخل عليها رسول الله يوما ~~فرآها قائمة، وكانت بيضاء جميلة ذات خلق، وهي في درع وخمار، فلما رآها وقعت ~~في قلبه وأعجبه حسنها، وقال: سبحان مقلب القلوب. وسمعت ذلك زينب، وخرج رسول ~~الله وفي قلبه ما شاء الله، فلما دخل عليها زيد ذكرت ذلك له ". وفي بعض ~~التفاسير: " أن زيدا جاء يشكو زينب، وكانت امرأة لسنة، فذهب رسول الله ~~ليعظها، فكان الأمر على ما ذكرنا، ثم إن زيدا أتى رسول الله وقال: يا رسول ~~الله، إني أشكو إليك سوء خلق زينب، وإن فيها كبرا، وإني أريد أن أطلقها، ~~فقال له رسول الله: أمسك عليك زوجك أي امرأتك واتق الله في أمرها ". # PageV04P286 # {نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها ~~وطرا} # وقوله: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} قال قتادة: هو محبته لها. وقال ~~الحسن: ود النبي طلاقها ولم يظهره. وذكر علي بن الحسين أن معنى الآية: هو ~~أن الله تعالى كان أخبره أن زيدا يطلقها وهو يتزوج بها، فالذي أخفاه هو ~~هذا، وهذا القول هو الأولى وأليق بعصمة الأنبياء. ومنهم من قال: الذي أخفي ~~في نفسه هو أنه لو طلقها زيد تزوج بها، وهذا أيضا قول ms1319 حسن. # وقوله: {وتخشى الناس} أي: تستحي من الناس، ويقال: تخشى مقالة الناس ~~ولائمتهم، وأنهم يقولون إنه تزوج بامرأة ابنه. # وقوله: {والله أحق أن تخشاه} فإن قيل: هذا يدل على أنه لم يخش الله فيما ~~سبق منه في هذه القصة. والجواب من وجهين: أحدهما: أن معنى قوله: {والله أحق ~~أن تخشاه} ابتداء كلام في جميع الأشياء، وقد أمر الله تعالى جميع عباده ~~بالخشية في عموم الأحوال. # والجواب الثاني: أنك أضمرت شيئا ولم تظهره، فإن خشيت الله تعالى في ~~إظهاره فاخشه في إضماره. وحقيقة المعنى: أنه لا خشية إلا من الله فيما تظهر ~~و [إلا] فيما تضمر، فلا تراقب الناس. # فإن قيل: إذا كان قد ود أن يطلقها كيف قال أمسك عليك زوجك؟ والجواب: أن ~~ذاك الود ود طبع وميل نفس، والبشر لا يخلو عنه. # وأما قوله: {أمسك عليك زوجك واتق الله} أمر بالمعروف، وليس عليه إثم فيما ~~يقع في قلبه من غير اختياره، وعلى أنا قد ذكرنا سوى هذا من الأقوال، وقد ~~ثبت برواية مسروق عن عائشة أنها قالت: " لو كتم النبي شيئا من الوحي لكتم ~~هذه الآية "، وروى أنه لم تكن آية أشد عليه من هذه الآية. # وقوله: {فلما قضي زيد منها وطرا زوجناكها} في التفسير: أن زيدا لما أخبر # PageV04P287 # بالأمر طلقها، وقد ذكر بعضهم: أن النبي تركها حتى انقضت عدتها ثم تزوجها ~~". # وليس في أكثر التفاسير ذكر عدة، ولا ذكر تزويج من ولي، وإنما المنقول أن ~~زيدا طلقها، وأن الله زوجها منه، وهو ظاهر. # قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} وقوله: {وطرا} أي: حاجة، ~~وهو بلوغ منتهى ما في النفس، قال الشاعر: # (أيها الرايح المجد ابتكارا ... قد قضى من تهامة الأوطار) # وقال جرير: # (وبان الخليط غداة الجناب ... ولم تقض نفسك أوطارها) # وقد ثبت في الصحيحين: أن زينب كانت تفتخر على سائر زوجات النبي وتقول: ~~زوجكن أهلوكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات ". # وروى " أن النبي لما أراد أن يتزوجها بعث زيدا يخطبها، فدخل عليها زيد ~~وخطبها لرسول ms1320 الله، فقالت: حتى أوآمر ربي، وقامت إلى مسجدها، وأنزل الله ~~تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} " وهذا خبر معروف، قال أهل ~~التفسير: " ولما نزلت هذه الآية جاء رسول الله ودخل عليها بغير إذن، وأولم ~~عليها بالخبز واللحم ". وقد ثبت برواية أنس " أن النبي ما أولم على أحد من ~~نسائه ما أولم على زينب بنت جحش، أشبع الناس من الخبز واللحم ". ومن فضائل ~~زينب " أن النبي قال لنسائه عند الوفاة: " أسرعكن بي لحوقا أطولكن، # PageV04P288 # {زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ~~سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين ~~يبلغون رسالات الله} يدا " فكانت زينب أول من توفيت من أزواج النبي بعده، ~~وكانت امرأة صناعا، تكثر الصدقة بكسب يدها، فعرفوا أن معنى طول اليد هو ~~كثرة الصدقة ". # وهي أيضا أول من اتخذ عليها النعش، فإنه روى أنها لما ماتت في زمن عمر ~~رضي الله عنه وكانت امرأة خليقة، كره عمر أن تخرج كما يخرج الرجال؛ فبعثت ~~أسماء بنت عميس النعش فأمر عمر حتى (اتخذ) ذلك، وأخرجت في النعش، وقال عمر: ~~نعم خباء الظعينة هذا، فجرت السنة على ذلك إلى يومنا هذا. قالوا: وقد كانت ~~أسماء رأت ذلك بالحبشة. # وقوله: {لكيلا يكون على المؤمنين حرج} أي: إثم. # وقوله: {في أزواج أدعيائهم} أي: في نساء يتبنونهم، وقد كانت العرب تعد ~~ذلك حراما، فنسخ الله التبني، وأحل امرأة (المتبنين) . # وقوله: {إذا قضوا منهن وطرا} قد ذكرنا. # وقوله: {وكان أمر الله مفعولا} أي: كان حكم الله نافذا لا يرد. # PageV04P289 # قوله تعالى: {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله} أي: فيما أحل الله. # وقوله: { [له] سنة الله في الذين خلوا من قبل} أي: كسنة الله في الذين ~~خلوا من قبل، فلما نزع (الخافض انتصب) ، وقيل: إنه نصب على الإغراء كأنه ~~قال: الزموا سنة الله. # أما قوله: {في ms1321 الذين خلوا من قبل} أي: داود وسليمان، فقد بينا عدد ما كان # PageV04P289 # {ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ما كان محمد أبا ~~أحد من} لداود وسليمان من النساء. وذكر (بعضهم) ، أن المراد من الآية تشبيه ~~حال النبي بحال داود؛ فإن داود هوى امرأة فجمع الله بينهما على وجه الحلال، ~~وكذلك الرسول هوى امرأة فجمع الله بينهما على وجه الحلال. # قوله: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} أي: قضاء مقضيا. # PageV04P290 # قوله تعالى: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} ~~أي: [خشية] تحول بينهم وبين معصيته، وهذا هو الخشية حقيقة. # وقوله: {ولا يخشون أحدا إلا الله} أي: غير الله، ومعناه: أنهم لا يراقبون ~~أحدا فيما أحل لهم. وفي بعض (الآثار) : من لم يستح مما أحل الله له خفت ~~مؤنته. # وقوله: {وكفى بالله حسيبا} أي: حافظا، ويقال: محاسبا، تقول العرب: ~~(أحسبني) الشيء أي: كفاني. # PageV04P290 # قوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} أكثر المفسرين أن المراد ~~منه زيد بن حارثة، ومعناه: أنه ليس بأبي زيد بن حارثة، فإن قيل: أليس انه ~~قد كان له أولاد ذكور وإناث، وكذلك الحسن والحسين كانا ولديه. # وقد ثبت عن النبي أنه قال للحسن بن علي: " إن ابني هذا سيد يصلح الله به ~~بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". # وفيه إشارة إلى الصلح الذي وقع بين أهل العراق وأهل الشام حين بايع الحسن ~~معاوية وسلم إليه الأمر، والقصة معروفة. والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن # {رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما (40) يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا (42) هو ~~الذي يصلي} معنى قوله: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} أي: أبا رجل لم ~~يلده، ولم يكن ولد زيد بن حارثة؛ فلم يكن أباه، وقد كان له أولاد ذكور ~~ولدهم وهم: القاسم، والطيب، والطاهر، وإبراهيم رضي الله عنهم وجعل بعضهم ~~بدل الطاهر المطهر. # والجواب الثاني: أنه قال: {من رجالكم} وهؤلاء كانوا صغارا، والرجال اسم ms1322 ~~يتناول البالغين. وروى عطاء عن ابن عباس أن الله تعالى لما حكم أنه لا نبي ~~بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا، ولو أعطاه ولدا ذكرا يصير رجلا لجعله ~~نبيا. # وقد قال بعض العلماء: ليس هذا بمستنكر، ويجوز أن يكون له ولد رجل ولا ~~يكون نبيا، وما ذكرناه محكى عن ابن عباس، والله أعلم. # وقوله: {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} وقرئ: " خاتم " بنصب التاء، فأما ~~قوله: {وخاتم النبيين} بالفتح أي: آخر النبيين، وأما بالكسر أي: ختم به ~~النبيين. # وقوله: {وكان الله بكل شيء عليما} أي: عالما، وقد ثبت برواية جابر بن عبد ~~الله أن النبي قال: " مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها ~~وأحسنها إلا موضع لبنة منها، فجعل كل من يدخل الدار يقول: ما أحسنها ~~وأكملها لولا موضع اللبنة، فأنا اللبنة، ولا نبي بعدي ". # وفي بعض الغرائب من الأخبار: أن النبي قال: " لا تقوم الساعة حتى يبعث ~~دجالون كذابون قريبا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه نبي، ولا نبي بعدي ". # PageV04P290 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} فيه قولان: ~~أحدهما: # PageV04P290 # {عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما (43) ~~} أن المراد بالذكر الكثير هو الصلوات الخمس، والثاني: أن المراد بالذكر ~~الكثير هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وأشباهها، وهذه الأذكار هي ~~التي لا يمنع منها مسلم بجنابة ولا حدث ولا بغير ذلك. وقال بعضهم: الذكر ~~الكثير يكون بالقلب، وهو الذكر الذي يستديم به طاعة الله، وينتهي به عن ~~معصيته. # PageV04P292 # وقوله: {وسبحوه بكرة وأصيلا} أي: صلوا لله بكرة وأصيلا، والأصيل: ما بين ~~العصر والمغرب، ويقال: صلاة الأصيل هي الظهر والعصر والمغرب والعشاء ~~الآخرة. # PageV04P292 # قوله تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} اختلفوا في معنى (الصلوات) من ~~الله تعالى؛ قال أبو العالية: هو الثناء من الله على عباده، (وعن) بعضهم: ~~إشاعة الذكر الجميل لهم، وأشهر الأقوال: ان الصلاة من الله تعالى بمعنى ~~الرحمة والمغفرة، وأما صلاة الملائكة بمعنى الاستغفار للمؤمنين. وذكر الحسن ~~البصري: أن بني إسرائيل قالوا لموسى ms1323 عليه السلام: أيصلي ربك؟ فذكر موسى ذلك ~~لله تعالى؛ فقال الله تعالى: إني أصلي، وصلواتي أن رحمتي سبقت غضبي ". # وفي بعض التفاسير: أن الله تعالى لما أنزل قوله تعالى: {إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي} قالت الصحابة: يا رسول الله، هذا لك! فما لنا؟ فأنزل الله ~~تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} . # وقوله: {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} أي: من ظلمة الضلالة إلى نور ~~الهداية، ومن ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، وقيل: من ظلمة النار إلى نور ~~الجنة. # وقوله: {وكان بالمؤمنين رحيما} يعني: لما حكم لهم من السعادة. # PageV04P292 # {تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) ~~وبشر المؤمنين بأن} # PageV04P293 # قوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} وفيه أقوال: أحدها: أن معنى " ~~يلقونه " أي: يلقون الله تعالى، والسلام من الله تعالى لهم إثبات السلامة ~~الأبدية والأمن من الآفات. وقيل: يسلم الله عليهم تسليما. # والقول الثاني: أن معنى قوله: " يلقونه " أي: ملك الموت عليه السلام، وقد ~~وردت الكناية عن غير مذكور في مواضع كثيرة من القرآن. قال البراء بن عازب: ~~ما من مؤمن إلا ويسلم عليه ملك الموت إذا أراد قبض روحه. والقول الثالث: أن ~~المراد منه تسليم الملائكة، ومعناه: أنهم إذا بعثوا سلم عليهم ملائكة الله ~~وبشروهم بالجنة. # وقوله: {وأعد لهم أجرا كريما} أي: الجنة، واعلم أنه قد ورد أخبار في الحث ~~على ذكر الله تعالى؛ منها ما ثبت عن النبي أنه قال: " يقول الله تعالى: أنا ~~عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني ". # وقد ثبت أيضا عن النبي قال: " يقول الله تعالى: إذا ذكرني العبد في نفسه ~~ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. . " الخبر. # وفي بعض المسانيد أن النبي قال: " من عجز عن الليل أن يكابده، وجبن عن ~~العدو أن يجاهده، وبخل بالمال أن ينفقه، فعليه بذكر الله تعالى ". # PageV04P293 # {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا} أي: شاهدا على إبلاغ الرسل ms1324 رسالة ~~ربهم. # وقوله: {ومبشرا} أي: بالجنة، وقوله: {ونذيرا} أي: من النار. # PageV04P293 # {لهم من الله فضلا كبيرا (47) ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (48) يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من} # PageV04P294 # وقوله: {وداعيا إلى الله} أي: إلى الإسلام. وقيل: إلى شهادة أن لا إله ~~إلا الله. # وقوله: {بإذنه} أي: بأمره. وقوله: {وسراجا منيرا} أي: ذا سراج منير، ~~والسراج المنير هو القرآن. وقيل: وسراجا هو الرسول؛ سماه سراجا لأنه يهتدي ~~به كالسراج يستضاء به، قال الشاعر: # (إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول) # PageV04P294 # وقوله: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} روى أن الله تعالى ~~لما أنزل قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر} قالت الصحابة: يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: ~~{وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} . # PageV04P294 # قوله تعالى: {ولا تطع الكافرين والمنافقين} الكافرين: أبو سفيان، وعكرمة ~~بن أبي جهل وقد أسلموا من بعد وأبو الأعور السلمي، والمنافقين: عبد الله بن ~~أبي، وطعمة بن أبيرق، وابن (سفنة) ، وأشباههم. # وقوله: {ودع أذاهم} قال مجاهد: اصبر على أذاهم، ويقال: إن هذه الآية ~~نسختها آية السيف. # وقوله: {وتوكل على الله} أي: ثق بالله. # وقوله: {وفكى بالله وكيلا} أي: حافظا. # PageV04P294 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} في ~~الآية دليل على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح؛ لأنه رتب الطلاق على النكاح ~~فدل [على] أنه لا يتقدمه، وقد حكى هذا المعنى عن ابن عباس. # PageV04P294 # {قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا ~~جميلا (49) يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ~~ملكت يمينك مما} # وقد روي عن النبي أنه قال: " لا طلاق قبل النكاح " وهذا يقوي ما ذكرناه ~~من الاستدلال بالآية. # وقوله: {من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} في الآية دليل ~~على أنه لو ms1325 طلق قبل الدخول لا تجب العدة، وأما إذا خلا بالمرأة ثم طلقها هل ~~تجب العدة؟ في المسألة خلاف معروف على ما عرف. # وقوله: {تعتدونها} أي: تستوفون عدتها. # وقوله: {فمتعوهن} قد بينا المتعة في سورة البقرة. وعن بعضهم: أن هذه ~~الآية منسوخة بقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة فنصف ما فرضتم} ولهذا وجب نصف المفروض قبل الدخول ولم تجب المتعة، ~~وإنما تجب المتعة للمطلقة التي لا تجب لها نصف المفروض. # وقوله: {وسرحوهن سراحا جميلا} والتسريح الجميل هو الطلاق مع قضاء الحقوق. # PageV04P295 # قوله تعالى: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} ~~أي: مهورهن. # قوله: {وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك} أي: أغنمك الله. ويقال: رد ~~الله عليك من الكفار، ومما أفاء الله عليه صفية بنت حيي بن أخطب وجويرية ~~بنت أبي ضرار المصطلقية، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه، وولد له منها ~~إبراهيم ابنه. # وقوله: {وبنات عمك} أي: أولاد عبد المطلب. # PageV04P295 # {أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من} # وقوله: {وبنات عماتك} أي: من أولاد بنات عبد المطلب. # وقوله: {وبنات خالك وبنات خالاتك} أي: من أولاد عبد مناف بن زهرة بن ~~كلاب. # وقوله: {اللاتي هاجرن معك} فيه قولان: أحدهما: أسلمت معك، فيقتضى أن غير ~~المسلمة لا تحل له وإن كانت يهودية أو نصرانية، وهي حلال لأمته. والقول ~~الثاني: هاجرن معك إلى المدينة، فاقتضت الآية أن غير المهاجرة لا تحل له؛ ~~وفي معناه قولان: أحدهما: أن غير المهاجرة لا تحل له من الأجنبيات ~~والقرابات. والقول الثاني: أن غير المهاجرة لا تحل من القرابات واللاتي ~~ذكرهن، فأما من الأجنبيات فحلال. # وروى أبو صالح عن أم هانئ أن رسول الله لما فتح مكة خطبني، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، فلم أحل له لأني لم أكن من المهاجرات، وكنت من الطلقاء. ~~وأم هانئ أخت علي بن ms1326 أبي طالب رضي الله عنه. # وقوله: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} وقرئ: " إن وهبت " بالفتح إذ ~~بالكسر على العموم، وبالفتح على امرأة بعينها. # وعن ابن عباس أنه قال: لم يكن ممن أمسكها النبي من النساء أحد وهبت ~~نفسها. # وعن غيره أن ميمونة بنت الحارث كانت ممن وهبت، وممن وهبت نفسها أم شريك، ~~وكانت امرأة صالحة. وروى أنها عطشت في سفر، فأنزل الله تعالى عليها دلوا من ~~السماء، وعلقت عكة فارغة فأصاب فيها سمنا، فيقال: من آيات الله عكة أم # PageV04P296 # {دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم ~~لكيلا يكون} شريك، " وقد كان رسول الله عهدها جميلة، فسأل عنها يوم فتح مكة ~~فبلغها ذلك، فجاءت ووهبت نفسها للنبي، فلم يرها كما عهدها فتركها ". # وعن عائشة رضي الله عنها أن خولة بنت حكيم ممن وهبت نفسها للنبي. # وعن الشعبي: أن التي وهبت نفسها للنبي زينب بنت خزيمة الأنصارية أم ~~المساكين. # وقوله: {إن أراد النبي أن يستنكحها} أي: يطلب نكاحها. # وقوله: {خالصة لك من دون المؤمنين} فيه قولان: أحدهما: أن معني خالصة: ~~أنها حلال لك بغير صداق، ولا تحل لغيرك بغير صداق، وهذا قول عكرمة وجماعة. ~~والقول الثاني: أن معنى قوله: {خالصة لك} يعني: أن جواز النكاح بلفظ الهبة ~~[خالص] لك، نسب هذا إلى الشافعي رحمه الله. # وقوله: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} أي: أوجبنا عليهم في ~~أزواجهم من الأحكام؛ والأحكام أن النكاح لا يجوز إلا بشهود وولي وصداق ~~وفراغ عن العدة وأشباه ذلك. # وقوله: {وما ملكت أيمانهم} أي: وما أوجبنا من الأحكام فيما ملكت أيمانهم. # وقوله: ( {عليهم و} أيمانهم) ينصرف إلى المؤمنين. # وقوله: {لكيلا يكون عليك حرج} أي: ضيق. معناه: وسعنا عليك الأمر لكي لا ~~يكون عليك حرج. # PageV04P297 # {عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من ~~تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ~~ويرضين} # وقوله: {وكان الله غفورا رحيما} قد بينا. # PageV04P298 # قوله ms1327 تعالى: {ترجى من تشاء منهن} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: تطلق من تشاء ~~منهن، وتؤوي إليك من تشاء أي: تمسك من تشاء منهن، حكي هذا عن ابن عباس. ~~والقول الثاني: ترجى من تشاء منهن: لا تتزوجهن. وقوله: {وتؤوى إليك من ~~تشاء} أى: من تشاء نكاحهن. والقول الثالث: ترجى من تشاء منهن أي: تؤخرهن ~~فيخرجن من القسم. # وقوله: {وتؤوي إليك من تشاء} أي: تدخلهن في القسم، وهذا أشهر الأقاويل، ~~فكأن الله تعالى جوز أن يقسم لمن شاء، ويترك من شاء منهن. ثم اختلف القول ~~في أنه هل أخرج احدا منهن عن القسم؟ فأحد القولين: أنه لم يخرج أحدا منهن ~~عن القسم. والقول الثاني: حكاه أبو رزين أنه أخرج خمسة وقسم لأربعة، ~~فالخمسة التي أخرجهن: سودة، وأم حبيبة، وصفية، وجويرية، وميمونة، وأما ~~اللاتي قسم لهن: فعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، والأظهر هو القول الأول. # وقد روى " أنه كان في مرض موته يدور على نسائه حتى رضين بأن يمرض في بيت ~~عائشة ". # وقوله: {ومن ابتغيت ممن عزلت} أي: ممن رأيت منهن وقد أخرتها {فلا جناح ~~عليك} أي: لا إثم عليك. # وقوله: {ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن} معناه: ~~أنهن إذا علمن أن هذا مما أنزل الله تعالى كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن، ~~وأقرب إلى رضاهن. ويقال: إذا علمن أن لك أن تؤوي من شئت، فمن عزلت كان أقرب ~~إلى # PageV04P298 # {بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) لا ~~يحل لك النساء من بعد ولا من أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ~~ملكت يمينك} ما ذكرنا. وفي بعض التفاسير: " أن النبي أراد أن يطلق جماعة من ~~نسائه، فقلن له: اتركنا على حالنا، واقسم كما شئت ". # وقوله: {والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما} أي: عليما بأمر ~~خلقه، حليما عن فعل خلقه. # PageV04P299 # قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد} قد بينا أن الله تعالى لما أمر ~~رسوله أن يخير أزواجه ms1328 فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ شكر لهن اختيارهن ~~وحرم عليه ما سواهن من النساء، ونهاه عن الاستبدال بهن، ثم اختلف القول أنه ~~هل أحل له النساء من بعد أولا؟ فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " ما ~~توفي رسول الله حتى أحل له النساء ". # والقول الثاني: أن الحرمة بقيت إلى أن توفي النبي. # وقوله: {ولو أعجبك حسنهن} ظاهر المعنى، وفي الآية قول آخر. وهو ما روي عن ~~مجاهد أنه قال: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} أي: ~~ليس لك أن تختار غير المسلمات على المسلمات، ومعناه: أنه لا يجوز له أن ~~يتزوج يهودية ولا نصرانية. وفي بعض التفاسير: أن التي أعجبته هي أسماء بنت ~~عميس الخثعمية، وكانت عند جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد عنها أراد النبي ~~أن يخطبها، فنهى عن ذلك. # وقوله: {إلا ما ملكت يمينك} يعني: سوى ما ملكت يمينك، وقوله {وكان الله ~~على كل شيء وقيبا} أي: حفيظا. # PageV04P299 # {وكان الله على كل شيء رقيبا (52) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا ~~فإذا طعمتم فانتشروا ولا} # PageV04P300 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} سبب نزول الآية: ~~ما روى أن الصحابة كانوا يدخلون بيوت النبي بغير إذن، وينتظرون إدراك ~~الطعام، فإذا فرغوا من الطعام جلسوا يتحدثون وأطالوا الجلوس، وكان النبي ~~يتأذى بهم ويستحي منهم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعلمهم هذا الأدب ~~بينهم وبين النبي. # وقد ثبت برواية أنس " أن النبي أو لم على زينب بنت جحش ودعا أصحابه، فلما ~~فرغوا وخرجوا، جلس رجلان يتحدثان، وأحب النبي أن يخرجا فيخلوا بأهله فلم ~~يخرجا ". وفي رواية: أنه خرج مرات ليتبعاه فلم يخرجا أيضا، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. ومن المعروف أيضا أن نساء النبي لم يكن يحتجبن عن الرجال ~~على عادة العرب، وكان عمر يقول: يا رسول الله، احجب نساءك؛ فإنه يدخل عليك ~~البر والفاجر؛ وكان النساء ms1329 يتزرن بالليل، ويخرجن إلى المناصع لحاجتهن، ~~فخرجت سودة ليلة وكانت امرأة طويلة، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة، ورفع ~~صوته حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله تعالى آية الحجاب ". ومن المعروف ~~أيضا " أن النبي كان يأكل مع عائشة حيسا، فمر عمر فدعاه فجعل يأكل معهما، ~~فوقع أصبعه على أصبع عائشة، فقال عمر: حس لو أطاع فيكن [ما رأتكن] عين، ~~فأنزلت آية الحجاب ". # PageV04P300 # {مستئنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من ~~الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ~~وما كان} # وقوله: {غير ناظرين إناه} أي: إدراكه ونضجه، قال الشاعر: # (تمخضت المنون له بيوم ... أنى ولكل حاملة تمام) # وقوله: {ولكن إذا دعيتم فادخلوا} # وقوله: {فإذا طعمتم فانتشروا} قال الحسن البصري وغيره: نزلت الآية في ~~الثقلاء. وعن إبراهيم النخعي: من عرف أنه ثقيل فليس بثقيل. # وقوله: {ولا مستأنسين لحديث} أي: لا يقعدوا في بيت النبي بعد الفراغ من ~~الطعام يتحدثون مستأنسين بالحديث. # وقوله: {إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم} أي: يستحي من إخراجكم. # وقوله: {والله لا يستحي من الحق} أي: لا يترك بيان الحق [وذكره] حياء. # وقوله: {وإذا سألتموهن متاعا} أي: حاجة. # وقوله: {فاسألوهن من وراء حجاب} أي: من وراء ستر. وفي التفسير: أنه لم ~~يكن يحل بعد آية الحجاب لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء النبي، منتقبة كانت ~~أو غير منتقبة؛ لأن الله تعالى قال: {من وراء حجاب} وروى أن عائشة كانت إذا ~~طافت ستروا وراءها. # وقوله: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} أي: أطهر من الريب. # وقوله: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} قال أهل التفسير: لما نزلت آية ~~الحجاب ومنع الرجال من الدخول في بيوت النبي، قال رجل من الصحابة: ما بالنا ~~نمنع من الدخول على بنات أعمامنا، والله لئن حدث أمر لأتزوجن عائشة، ~~والأكثرون على أن القائل لهذا طلحة بن عبيد الله، وكان من رهط أبي بكر ~~الصديق. # PageV04P301 # {لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه ms1330 من بعده أبدا أن ذلكم كان ~~عند الله عظيما (53) إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما ~~(54) لا جناح} وكان ذلك القول زلة منه؛ فأنزل الله تعالى [قوله هذا] : {وما ~~كان لكم أن تؤذوا رسول الله} . # وقوله: {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} ~~أي: ذنبا عظيما. # PageV04P302 # قوله تعالى: {إن تبدوا شيئا أو تخفوه} والذي أبدى وأظهرهو قول ذلك ~~القائل: ما بالنا نمنع من الدخول على بنات أعمامنا. # وقوله: {أو تخفوه} والذي أخفي هو إضماره نكاح عائشة بعد النبي، وروى أنه ~~لم يقل هذا، ولكنه أضمر. # وقوله: {فإن الله كان بكل شيء عليما} أي: عالما. في تفسير النقاش: أن ~~النبي خطب بعد نزول هذه الآية، وقال: " أيها الناس، إن الله فضلني على سائر ~~الرجال، وفضل نسائي على سائر النساء، وإن الله حرمهن عليكم وجعلهن ~~كأمهاتكم، فلا تعتدوا حدوده فسيحتكم بعذاب أليم، ألا وإن صفوتي من نسائي ~~عائشة بنت أبي بكر إلا ما كان من خديجة بنت خويلد، وإن فاطمة سيدة نساء ~~العالمين إلا ما كان من مريم بنت عمران، والحسن والحسين رضي الله عنهما ~~سيدا شباب أهل الجنة، وإن أبا بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة ما خلا النبيين ~~والمرسلين ". # PageV04P302 # قوله تعالى: {لا جناح عليهن في آبائهن} الآية. روى أن الآية الأولى لما ~~نزلت قام الآباء والأبناء، فقالوا: ما حالنا يا رسول الله أندخل عليهن أم ~~لا؟ فأنزل الله تعالى قوله: {لا جناح عليهن} أي: لا إثم عليهن {في آبائهن ~~ولا أبنائهن، ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن} فإن قيل: ~~لم يذكر الأعمام، وبالإجماع يجوز للأعمام أن يدخلوا عليهن، إنه قد قال: {في ~~آبائهن} وقد دخل الأعمام في جملة # PageV04P302 # {عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء ~~أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل ~~شيء شهيدا (55) إن} الآباء وقد سمى الله تعالى العم أبا في القرآن، قال ~~الله ms1331 تعالى حاكيا عن الأسباط أنهم قالوا ليعقوب: {نعبد إلهك وإله آبائك ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} وقد كان إسماعيل عم يعقوب. # وقوله: {ولا نسائهن} فيه قولان: أحدهما: أن المراد من نسائهن المسلمات، ~~فعلى هذا القول لم يكن يجوز لليهوديات والنصرانيات الدخول عليهن. والقول ~~الثاني: أن قوله: {ولا نسائهن} عام في المسلمات وغير المسلمات، فعلى هذا ~~القول إنما قال: {ولا نسائهن} لأنهن من أجناسهن، وعلى القول الأول قال: ~~{ولا نساءهن} لأن نسائهن المسلمات دون غير المسلمات. # وقوله: {ولا ما ملكت أيمانهن} فيه قولان: أحدهما: أن ما ملكت أيمانهن هن ~~الإماء، قال سعيد بن المسيب: لا يغرنكم قوله: {ولا ما ملكت أيمانهن} فإنما ~~المراد منه الإماء دون العبيد. # والقول الثاني: أن المراد منه العبيد والإماء. # واختلف القول أن العبيد إلى ماذا يحل لهم النظر على هذا القول؟ فأحد ~~القولين: أنه يحل لهم النظر إلى ما يحل للمحارم. # والقول الآخر: أنه يحل [النظر] إلى ما يبدو في العادة من الوجه واليدين ~~والقدمين، ولا يحل النظر إلى ما سوى ذلك، هذا هو الأحوط. # وقوله: {واتقين الله} هذا خطاب لأزواج النبي حتى لا يبرزن ولا يكشفن ~~الستر عن أنفسهن. # وقوله: {إن الله كان على كل شيء شهيدا} أي: شاهدا. # PageV04P303 # {الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما (56) إن} # PageV04P304 # وقوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} الصلاة من الله بمعنى ~~الرحمة والمغفرة، والملائكة والمؤمنين بمعنى الدعاء. # قال ثعلب: قول القائل: اللهم صل على محمد أى: زده بركة ورحمة، وأصل ~~الصلاة في اللغة الدعاء، وقد بينا من قبل. وقد ثبت عن النبي أنه قال: ((صلى ~~على مرة صلى الله عليه عشرا)) . # وفي بعض الأخبار: ((أن جبريل عليه السلام لما نزل بهذا سجد الرسول الله ~~شكرا)) . # وقد ثبت برواية كعب بن عجرة أنه قال: يارسول الله، قد عرفنا السلام عليك، ~~فكيف نصلي عليك؟ فقال: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ~~على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) . # وعن عبد ms1332 الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: إذا صليتم على رسول ~~الله فأحسنوا الصلاة عليه؛ فلعلها تعرض عليه؛ قالوا له: فعلمنا. قال: قولوا ~~اللهم صل على محمد عبدك ونبيك، سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم ~~النبيين، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه المقام ~~المحمود الذي يغبطه به الأولون # {الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا} والآخرون. # وروى الأصمعي قال: سمعت المهدي وهو محمد بن عبد الله بن جعفر المنصوري ~~على منبر البصرة يقول: إن الله تعالى أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى ~~بملائكته، فقال: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما} . # وأما السلام على الرسول فهو أن تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته، هذا في حق أصحاب رسول الله، وكانت السنة لهم أن يواجهوا الرسول ~~على هذا الوجه، فأما في حق سائر المؤمنين ففي التشهد يقول على ما هو ~~المعروف. # وقد ذكر بعض العلماء أنه يقول في التشهد: السلام على النبي ورحمة الله ~~وبركاته. ولا يقول: عليك. # والصحيح ما بينا، وإنما خارج المصلى، فإنه يقول: السلام على النبي ورحمة ~~الله وبركاته. # ويستدل بهذه الآية في وجوب الصلاة على النبي إذا صلى، على ما هو مذهب ~~الشافعي رحمه الله ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أمرنا بالصلاة على النبي، ~~وأولى موضع بوجوب الصلاة فيه هو الصلاة. فوجب في الصلاة، أن يصلي على رسول ~~الله. # PageV04P304 # قوله تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} قد ثبت عن النبي أنه قال: " ~~يقول الله تعالى: يشتمني عبدي، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني عبدي، وما ~~ينبغي له أن يكذبني. أما شتمه إياي هو أن يزعم أني اتخذت ولدا. وأما تكذيبه ~~إياي هو أنه يزعم أني لن أعيد خلقي، وأنا المبدئ المعيد ". # PageV04P304 # {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا (58) يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن} # وقال بعضهم: {إن الذين يؤذون ms1333 الله ورسوله} أي: أولياء الله. # وأصح القولين أن قوله: {يؤذون الله} على طريق المجاز، وأما على الحقيقة ~~فلا يلحقه أذى من قبل أحد. # وقوله: {لعنهم الله في الدنيا والآخرة} أي: طردهم وأبعدهم من رحمته. # وقوله: {وأعد لهم عذابا مهينا} أي: يهينهم ويخزيهم. # PageV04P306 # قوله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} أي: ~~يقعون فيهم، ويعيبونهم بغير جرم وجد من قبلهم. # وذكر [هنا] مقاتل أن الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه وذكر الكلبي أن الآية نزلت في قوم من المنافقين كانوا يمشون في ~~الطريق ويغمزون النساء. # وقوله: {فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} ظاهر المعنى. # PageV04P306 # قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن} ذكر المفسرون أن المدينة كانت ضيقة المنازل، وكان ~~النساء يخرجن إلى البوار بالليالي لقضاء الحاجات، وكان قوم من المنافقين ~~والفاسقين يرصدونهن ويتعرضون لهن، فمن كانت عفيفة منهن صاحت وتركوها، ومن ~~كانت غير عفيفة أعطوها شيئا وواقعوها. # وفي رواية: أنهم كانوا يتعرضون للإماء، ولا يتعرضون للحرائر، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # وقوله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن} أي: يشتملن بالجلابيب، والجلباب # PageV04P306 # {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا} هو الرداء، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق ~~الدرع والخمار. # قال عبيدة السلماني: تتغطى المرأة بجلبابها فتستر رأسها ووجهها وجميع ~~بدنها إلا إحدى عينيها. # وروى أن الله تعالى لما أنزل هذه الآية اتخذ نساء الأنصار أكيسة سوداء ~~واشتملن بها فخرجن كأن رءوسهن الغربان. # وقوله: {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} أي: يعرفن أنهن حرائر {فلا يؤذين} ~~أي: لا يتعرض لهن. # وقوله: {وكان الله غفورا رحيما} قد بينا من قبل. # وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة قد تقنعت وتجلببت علاها بالدرة، ~~ويقول: أتتشبهين بالحرائر. # PageV04P307 # قوله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض} أي: شهوة ms1334 ~~الزنا. # وقوله: {والمرجفون في المدينة} قد كان قوم من المنافقين يكثرون الأراجيف، ~~وكان إذا خرجت سرية أو غازية، قالوا: قد هزموا وقتلوا، ويوقعون بين ~~المسلمين أمثال هذه الأشياء؛ لتضعف قلوبهم ويحزنوا. # وقوله: {لنغرينك بهم} أي: نسلطنك عليهم، ونحملنك على قتلهم. # وفي بعض التفاسير: أن قوما منن المنافقين هموا بإظهار الكفر، فأمر الله ~~تعالى رسوله أن يقتلهم إذا أظهروا. # وقال السدي: من تتبع امرأة في طريق وكابرها قتل محصنا كان أو غير محصن ~~لهذه الآية. # PageV04P307 # (قليلا (60) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61) سنة الله في ~~الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) يسألك الناس عن الساعة قل ~~إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا (63) إن الله لعن ~~الكافرين وأعد لهم سعيرا) # وقوله: {ثم لا يجاورونك فيها} أي: في المدينة. # وقوله: {إلا قليلا} أي: إلا وقتا قليلا. # PageV04P308 # قوله تعالى: {ملعونين} وهو نصب على الحال. # وقوله: {أينما ثقففوا} معناه: أينما صدفوا ووجدوا. # وقوله: {أخذوا وقتلوا تقتيلا} فقوله: قتلوا تقتيلا، قال السدي: (ما قال) # PageV04P308 # قوله تعالى: {سنة الله في الذين خلوا من قبل} وفعلوا مثل هذا الفعل. # وقوله: {ولن تجد لسنة الله تبديلا} أي: تغييرا. # PageV04P308 # قوله تعالى: {يسألك الناس عن الساعة} أي: متى قيامها. # وقوله: {قل إنما علمها عند الله} أي: علم قيامها عند الله. # وقوله: {وما يدريك} أي: وما يعلمك؟ أي: لا تعلم وقت قيامها. # وقوله: {لعل الساعة تكون قريبا} أي: قريبة. # PageV04P308 # قوله تعالى: {إن الله لعن الكافرين} أي: أبعدهم عن الرحمة، وطردهم من ~~الخيرات. # وقوله: {وأعد لهم سعيرا} أي: نارا مسعرة. # PageV04P308 # وقوله: {خالدين فيها أبدا} قد بينا. # قوله تعالى: { [لا يجدون وليا ولا نصيرا] # PageV04P308 # يوم تقلب وجوههم في النار) أي: # PageV04P308 # ( {64) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب وجوههم ~~في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (66) وقالوا ربنا إنا ~~أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلوا السبيلا (67) ربنا آتهم ضعفين من العذاب ~~والعنهم لعنا كبيرا (68) يا أيها} يسحبون على وجوههم في النار. # وقوله: {يقولون يا ليتنا ms1335 أطعنا الله وأطعنا الرسولا} أي: الرسول، وذكر ~~الرسولا على موافقة رءوس الآي على ما بينا من قبل. # PageV04P309 # قوله تعالى: {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} وقرئ: " ساداتنا "، ~~وقوله: {وكبراءنا} هم الأشراف ورءوس الناس. # قوله: {فأضلونا السبيلا} أي: السبيل، ومعناه: صدونا عن طريق الحق. # PageV04P309 # قوله تعالى: {ربنا آتهم ضعفين من العذاب} أي: عذبهم ضعفي عذاب غيرهم. ~~وقيل: عذبهم عذاب الدنيا والآخرة، والأول أولى. # وقوله: {والعنهم لعنا كبيرا} أي: مرة بعد مرة، وقرئ: " كثيرا " بالثاء، ~~والمعنى واحد. # PageV04P309 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى} معناه: لا ~~تؤذوا محمدا فتكونوا كالذين آذوا موسى، وفيما أوذي به الرسول قولان: ~~أحدهما: أنهم آذوه في أمر زيد بن حارثة ونكاحه زينب. # والثاني: ما روى أنه قسم غنيمة فقام رجل وقال: اعدل، فإنك لم تعدل، فقال ~~النبي: " رحم الله موسى؛ لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ". # وأما الذي أوذي به موسى ففيه قولان: أحدهما وعليه أكثر أهل التفسير ما ~~روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: " كان موسى رجلا حييا، وكان لا ~~يغتسل إلا وحده، وكان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى (عورة # PageV04P309 # {الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند ~~الله وجيها (69) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) ~~يصلح لكم أعمالكم} البعض) ، فقالوا: إن موسى لا يغتسل إلا وحده؛ لأن به ~~آفة، وقالوا: إنه آدر، فاغتسل موسى مرة ووضع ثوبه على حجر، فعدا الحجر ~~بثوبه، فأخذ موسى العصا وجعل يقول: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى مر على ~~ملأ من بني إسرائيل فنظروا إليه ولم يروا به بأسا، وقام الحجر فطفق يضربه ~~بالعصا ". # قال أبو هريرة: قال رسول الله: " وكأني بالحجر ندبا من أثر ضربه أربعا أو ~~خمسا ". والخبر في الصحيحين ". # وفي الخبر: " أن الله تعالى أنزل في هذا قوله [تعالى] : {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى} الآية. # وفي بعض الروايات: أن الحجر قال له: يا موسى، ms1336 لم تضربني، إنما أنا عبد ~~مأمور. # والقول الثاني في الآية: ما روى عن علي رضي الله عنه أنه قال: صعد هارون ~~وموسى الجبل، فمات هارون ونزل موسى وحده، فقالت له بنو إسرائيل: أنت قتلت ~~هارون، وقد كان ألين جانبا منك وأحب إلينا، فبعث الله الملائكة حتى حملوا ~~هارون ميتا إليهم، وتكلموا بموته حتى سمعوا بني إسرائيل ذلك، ثم إن ~~الملائكة حملوا هارون ودفنوه فلم يعرف أحد موضع قبره إلا الرخم، فجعله الله ~~تعالى أصم أبكم. # وقوله: {فبرأه الله مما قالوا} أي: طهره الله مما قالوا. # وقوله: {وكان عند الله وجيها} أي: بتكليمه إياه، والوجيه في اللغة هو ذو ~~الجاه. # PageV04P310 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} أي: ~~صوابا، # PageV04P310 # {ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71) إنا ~~عرضنا الأمانة} ويقال: صدقا. # وعن ابن عباس: هو كلمة لا إله إلا الله. وقال بعضهم: سديدا، أي: مستقيما، ~~يقال: سدد أي: استقم، قال زهير: # (فقلت له سدد وأبصر طريقه ... وما هو فيه عن وصاتي شاغله) # أي: عن وصيتي، وقال بعضهم: قولا سديدا أي: قولا يوافق باطنه ظاهره. # PageV04P311 # وقوله: {يصلح لكم أعمالكم} أي: يزك لكم أعمالكم. وقيل: يصلح لكم أعمالكم: ~~يتقبل منكم الحسنات. # وقوله: {ويغفر لكم ذنوبكم} أي: يسترها ويعف عنها. # وقوله: {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} أي: ظفر بالخير كله. # PageV04P311 # قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة} قال ابن عباس: الأمانة الفرائض. وقال ~~الضحاك: الطاعة. وعن أبي العالية الرياحي: ما أمر به ونهى عنه. وقال أبي بن ~~كعب: الأمانة ها هنا حفظ الفرج. # وأولى الأقاويل ما ذكرنا عن ابن عباس، وقول الضحاك وأبي العالية قريب من ~~ذلك. وفي بعض التفاسير: أن أول ما خلق الله تعالى من ابن آدم فرجه وأتمنه ~~عليه، وقال: إن حفظته حفظتك. # وعن أبي حمزة السكري أنه قال: إني أعلم من نفسي أني أؤدي الأمانة في مائة ~~ألف دينار، ومائة ألف دينار، ومائة ألف دينار إلى أن ينقطع النفس، ولو باتت ms1337 ~~عندي امرأة وأتمنت عليها خفت ألا أسلم منها. # وعن ابن مسعود أنه قال: من الأمانة أداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم ~~رمضان، وحج البيت، والصدق في الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكاييل ~~والموازين، قال: وأشد من هذا كله الودائع. وهذا القول قريب من قول ابن ~~عباس. # PageV04P311 # {على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان إنه} # وقال أهل العلم: الأمانة قطب الإيمان، قال النبي: " لا إيمان لمن لا ~~أمانة له ". # ومن الأمانة أن يكون الباطن موافقا للظاهر، فكل من عمل عملا يخالف عقيدته ~~فقد خان الله ورسوله. وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا ~~الله والرسول وتخونوا أماناتكم} نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، وقد كان ~~وضع أصبعه على حلقه، يشير إلى بني النضير إنكم إن نزلتم فهو الذبح، وقد ~~بينا. # وقوله: {على السموات والأرض والجبال} فيه أقوال: # الأول: وهو قول أكثر السلف، وهو المحكي عن ابن عباس وجماعة التابعين: هو ~~أن الله تعالى عرض أوامره على السموات والأرض والجبال عرض تخيير لا عرض ~~إلزام، وقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ ! فقال: إن ~~أحسنتن جوزيتن، وإن عصيتن عوقبتن، فقلن: لا نتحمل الأمانة، ولا نريد ثوابا ~~ولا عقابا، وعرضها على آدم فتحملها بما فيها. وفي بعض التفاسير: أنه قال: ~~بين أذني وعاتقي. # قال ابن جريج: عرض على السماء، فقالت: يا رب، خلقتني وجعلتني سقفا ~~محفوظا، وأجريت في الشمس والقمر والنجوم، ومالي قوة لحمل الأمانة، ثم عرضها ~~على الأرض، فقالت: يا رب، خلقتني وجعلتني بساطا ممدودا، وأجريت في الأنهار، ~~وأنبت في الأشجار، وما لي قوة لحمل الأمانة، وذكر عن الجبال قريبا من هذا، ~~وجملها آدم وأولاده. وعن مجاهد قال: أبت السموات والأرض والجبال أن يحملوا ~~الأمانة، وجملها آدم فما كان بين أن حملها وخان فيها وأخرج من الجنة إلا ما ~~بين الظهر والعصر. # وحكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: مثلت الأمانة كصخرة ملقاة، # PageV04P312 # {كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين ms1338 ~~والمشركات} ودعيت السموات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها، وقالوا: ~~لا نطيق حملها، وجاء آدم من غير أن يدعي وحرك الصخرة، وقال: لو أمرت ~~بحملها. فقلن له: احمل، فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها وقال: والله لو أردت أن ~~أزداد لزدت فقلن: احمل، فحملها حتى بلغ حقوه ثم وضعها وقال: والله لو أردت ~~أن أزداد لزدت، فقلن: احمل، فحملها حتى وضع على عاتقه، وأراد أن يضعها، ~~فقال الله تعالى: مكانك، فهي في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة. # فإن قال قائل: كيف عرضها على السموات والأرض والجبال، وهي لا تعقل شيئا؟ ~~قلنا: قد بينا الجواب عن أمثال هذا من قبل. وقال بعض أهل العلم: يحتمل أن ~~الله تعالى خلق فيها عقلا وتمييزا حين عرض الأمانة عليهن حتى أعقلت الخطاب، ~~وأجابت بما أجابت. # وأما قوله: {فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} أي: لم يقبلوا حمل الأمانة ~~وخافوا منها. # وقوله: {وحملها الإنسان} يعني: آدم عليه السلام. # وقوله: {إنه كان ظلوما جهولا} قال الحسن البصري: ظلوما لنفسه، جهولا ~~بربه، حكاه أبو الحسين بن فارس. والقول الثاني: ظلوما لنفسه بأكل الشجرة، ~~جهولا بعاقبة أمره. # وعن جماعة من العلماء: أن المراد بالظلوم الجهول هو المنافق والمشرك. وقد ~~حكى هذا عن الحسن في رواية. # والقول الثاني، في أصل الآية أن المراد من العرض على السموات والأرض ~~والجبال هو العرض على أهل السموات وأهل الأرض وأهل الجبال وهو مثل قوله: ~~{واسأل القرية} أي: أهل القرية. # PageV04P313 # {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (73) .} # والقول الثالث ذكره الزجاج وغيره من أهل المعاني قالوا: إن الله تعالى ~~ائتمن آدم وأولاده على شيء، وأتمن السموات والأرض والجبال على شيء، فأما ~~الأمانة في حق بني آدم معلومة، وأما الأمانة في حق السموات والأرض والجبال ~~فهو بمعنى الخضوع والطاعة. قال الله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أوكرها قالتا أتينا طائعين} . # وحكى السجود عن السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر ~~والدواب، وذكر في الحجارة قوله: {وإن ms1339 منها لما يهبط من خشية الله} . # وقوله: {فأبين أن يحملنها} أي: أدين الأمانة فيها، يقال: فلان لم يتحمل ~~الأمانة أي: لم يخن فيها. # وقوله: {وأشفقن منها} أي: أدين الأمانة خوفا منها. # وقوله: {وحملها الإنسان} أي: خان فيها وأثم، يقال: فلان حمل الأمانة أي: ~~أثم فيها بالخيانة، قال الله تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} ~~وقوله: {إنه كان ظلوما جهولا} قد بينا، قال الأزهري: وقد أحسن وأجاد أبو ~~إسحاق الزجاج في هذا القول وأثنى عليه، وقول السلف ما بينا من قبل. # PageV04P314 # قوله تعالى: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات} اللام ها هنا لام كي، ~~ومعناه: كي يعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات يعني إذا ~~خانوا. # وقوله: {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} أي: يهديهم ويرحمهم إذا أدوا ~~الأمانة. وعن ابن قتيبة قال معناه: ليظهر المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات، ويعذبهم على الخيانة في الأمانات، ويظهر المؤمنين والمؤمنات ~~بأداء الأمانة. # وقوله: {وكان الله غفورا رحيما} ظاهر المعنى. # PageV04P314 # بسم الله الرحمن الرحيم # {الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو ~~الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج} # تفسير سورة سبأ # وهي مكية. # PageV04P315 # {الحمد لله الذي له ما في السموت وما في الأرض} أي: له ملك السموات ~~والأرض. ويقال: خلق ما في السموات وما في الأرض. # وقوله: {وله الحمد في الآخرة} فيه قولان: أحدهما: أن معناه له الحمد في ~~الأولى والآخرة على ما قال في موضع آخر. وفي الأولى والآخرة وجهان: أحدهما: ~~أنهما الدنيا والآخرة، والآخر: أنهما السموات والأرض. # والقول الثاني: أن قوله: {وله الحمد في الآخرة} وهو ما جاء من ذكر الحمد ~~عن أهل الجنة، وهو في قوله تعالى: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} ~~، وفي قوله: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} ، وفي قوله: {الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده} . # وقوله: {وهو الحكيم الخبير} أي: الحكيم في ملكه، الخبير بخلقه. # PageV04P315 # وقوله تعالى: {يعلم ما يلج في الأرض} أي: يدخل فيها ms1340 من المطر. # وقوله: {وما يخرج منها} أي: من الزرع، ويقال: إن المراد منه الأموات ~~يدخلون إذا قبروا، ويخرجون إذا حشروا. # وقوله: {وما ينزل من السماء} أي: من المطر والملائكة والأحكام والأقضية. # وقوله: {وما يعرج فيها} أي: يصعد إليها من الملائكة والأعمال والأدعية # PageV04P315 # {فيها وهو الرحيم الغفور (2) وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (3) ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك} المقبولة. # وقوله: {وهو الرحيم الغفور} قد بينا. # PageV04P316 # قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة} قالوا هذا تكذيبا ~~بالبعث. # وقوله: {قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب} فيه تقديم وتأخير، ومعناه: قل ~~بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم الساعة، وقرأ حمزة: " علام الغيب ". # وقوله: {لا يعزب عنه} أي: لا يغيب عنه، وقرأ يحيى بن وثاب: " لا يغرب عنه ~~" بالغين المعجمة والراء. # وقوله: {مثقال ذرة في السموات ولا في والأرض} أي: وزن ذرة {ولا أصغر من ~~ذلك ولا أكبر} أي: أصغر من الذرة إلى أن لا يحيط به العقل، وأكبر إلى ألا ~~يحيط به العقل، والمعنى أن كل ذلك في علمه. # وقوله: {إلا في كتاب مبين} أي: بين. # PageV04P316 # قوله تعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: ليثيب الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات. # وقوله: {أولئك لهم مغفرة ورزق كريم} أي: العيش الهنيء. # PageV04P316 # قوله تعالى: {والذين سعوا في آياتنا معاجزين} معناه: اضطربوا وعملوا في ~~التكذيب بآياتنا. # وقوله: {معاجزين} أي: مشاقين، ويقال: مسابقين، ويقال: فائتين، وقرئ: " ~~معجزين " أي: مثبطين، وقيل: ظانين أنا نعجز عنهم، فيكون معنى معجزين أنهم ~~نسبوا العجز إلينا. # PageV04P316 # {لهم مغفرة ورزق كريم (4) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب ~~من رجز أليم (5) ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ~~ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (6) وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ~~ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم ms1341 به ~~جنة بل الذين} # وقوله: {أولئك لهم عذاب من رجز أليم} ظاهر المعنى. # PageV04P317 # قوله تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم} قال بعضهم: هذا في مؤمني أهل ~~الكتاب مثل عبد الله بن سلام وغيره، والصحيح أن الآية في الذين آمنوا ~~بالنبي من أهل مكة وغيرهم، وهو بمكة؛ لأن السورة مكية، وعبد الله بن سلام ~~وأشباهه إنما آمنوا بالمدينة. # وقوله: {الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} يعني: أنه من الله تعالى. # وقوله: {ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} يعني: أن القرآن الذي أنزله الله ~~يهدي إلى صراط العزيز الحميد، وهو الله تعالى. # PageV04P317 # قوله تعالى: {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم} أي: يخبركم. # وقوله: {إذا مزقتم كل ممزق} أي: إذا فرقتم كل تفريق، وقطعتم كل تقطيع، ~~والمعنى: إذا أكلتم الأرض، وصرتم رفاقا وترابا ينبئكم محمد إنكم لفي خلق ~~جديد، قالوا ذلك على طريق الجحد والتكذيب. # PageV04P317 # وقوله: {أفترى على الله كذبا} وقرئ بنصب الألف وكسرها، أما من قرأ بالكسر ~~فهو راجع إلى الحكاية عن الكفار، كأنهم قالوا: افترى محمد على الله كذبا. # وقوله: {أم به جنة} معناه: أو به جنون لا يدري ما يقول. # وأما من قرأ بالنصب ففيه قولان: أحدهما معناه: أفترى على الله كذبا يعني: ~~لم يفتر، ويكون ابتداء كلام من الله تعالى. قال الشاعر: # PageV04P317 # {لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) أفلم يروا إلى ما بين ~~أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم ~~كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب (9) ولقد آتينا داوود منا فضلا ~~يا جبال أوبي} # (استحدث القلب من أشياعهم خبرا ... أم راجع القلب من أطرابهم طرب) # ومعناه: استحدث. والقول الثاني: أن معنى قوله: {أفترى على الله كذبا} أي ~~أفترونه افتراء على الله كذبا. # وقوله: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} فعلى ~~القراءة الأولى وهو بالكسر هذا ابتداء كلام من الله تعالى ردا عليهم، وعلى ~~القراءة الثانية هو مسوق على ما تقدم. # وقوله: {في العذاب ms1342 والضلال البعيد} أي: الشقاء الطويل؛ ذكره السدي، وقال: ~~في الخطأ البعيد من الحق. # PageV04P318 # قوله تعالى: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} ~~قال أهل التفسير: إنما ذكر هذا؛ لأن الإنسان إذا خرج من داره لا يرى إلا ~~السماء والأرض وما فيهما. ويقال: إنما قال هذا؛ لأن السماء والأرض محيطتان ~~بالخلق، فكأن أحدهما بين أيديهم، والأخرى خلفهم بمعنى الإحاطة. # وقوله: {إن نشأ نخسف بهم الأرض} أي: يغيبهم في الأرض. # وقوله: {أو نسقط عليهم كسفا من السماء} أي: جانبا من السماء. وقيل: قطعة ~~من السماء. # وقوله: {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} أي: راجع إلى الله تعالى بقلبه. ~~وقيل: منيب: أي: مجيب. # قال الشاعر: # (أناب إلى قولي فأصبحت مرصدا ... له بالمكافأة المنيبة والشكر) # PageV04P318 # {معه والطير وألنا له الحديد (10) أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا ~~صالحا} # PageV04P319 # قوله تعالى: {ولقد آتينا داود منا فضلا} اختلف القول في الفضل الذي أوتي ~~داود؛ فقال بعضهم: هو النبوة. وقال بعضهم: هو الملك. ويقال: القضاء بالعدل. ~~وقيل: حسن الصوت. وقيل: تليين الحديد له، وجميع ما أعطي وخص به. # وقوله: {يا جبال أوبي معه} أكثر أهل التفسير على أن معناه: سبحي معه؛ وهو ~~عن ابن عباس وغيره، ويقال: رجعي معه. # وقرأ الحسن: " أوبي معه " بضم الألف وسكون الواو، وهو في معنى الأول. # وفي بعض التفاسير: أن داود عليه السلام كان إذا لحقه فتور أسمعه الله ~~تعالى تسبيح الجبال منشطا له. # وقوله: {والطير} أي: وأمرنا الطير أن تسبح معه. # وقوله: {وألنا له الحديد} قال قتادة: كأن الحديد جعل له كالعجين، فيعمل ~~الدرع من غير نار ولا مطرقة. # PageV04P319 # وقوله: {أن اعمل سابغات} أي: الدروع الكوامل. ويقال: الطوال التي تسحب في ~~الأرض. # قال الشاعر: # (وأكثرهم دروعا سابغات ... وأمضاهم إذا طعنوا سنانا) # وقوله: {وقدر في السرد} أي: عدل في السرد، ومعناه: قدر المسامير في حلق ~~الدروع حتى يكون بمقدار لا يغلظ المسمار ويضيق الخلق فتفصم الحلقة، ولا ~~توسع الحلقة وتدقق المسمار فيسلس ويقلق وهذا قول مجاهد، وقال: ms1343 قدر في السرد ~~أي: احكم نسج الدرع. وقال قتادة: السرد: المسامير في الحلق. وهو قريب من ~~قول مجاهد، وأنشدوا: # (أجاد المسدي سردها وأذا لها) # PageV04P319 # {إني بما تعملون بصير (11) ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا ~~له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا ~~نذقه من عذاب} # يقول: وسعها وأجاد حلقها يقال: درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق، ويقال: ~~قدر في السرد أي: اجعله على القصد وقدر الحاجة. # وقوله: {واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير} ظاهر المعنى. # وفي القصة: أن داود عليه السلام كان يعمل كل يوم درعا، ويبيعه بستة آلاف ~~درهم، فينفق ألفين منها على نفسه وعياله، ويتصدق بأربعة آلاف على فقراء بني ~~إسرائيل. وفي بعض التفاسير: أنه عمل ألف درع. # PageV04P320 # قوله تعالى: {ولسليمان الريح غدوها شهر} أي: وسخرنا لسليمان الريح. # وقوله: {غدوها شهر ورواحها شهر} أي: مسيرة غدوها شهر، ومسيرة رواحها شهر، ~~ومعناه: أنه كان يسير مسيرة شهرين في يوم واحد. وفي القصة: أنه كان يسير من ~~بيت المقدس إلى اصطخر مسيرة شهر للراكب المسرع غدوة، ويقيل بها ثم يروح ~~مسيرة شهر إلى بابل مسيرة شهر للركب المسرع. وقيل: كان يتغدى بالري، ويتعشى ~~بسمرقند. وقيل: كان يتغدى بصنعاء، ويتعشى ببابل وهو العراق والله أعلم. # وفي التفسير: أن الريح كانت تحمله وجنوده ولا تثير ترابا ولا تقلب ورقة ~~على الأرض، ولا تؤذي طائرا في السماء. # وقوله: {وأسلنا له عين القطر} أى: أسلنا له عين النحاس. # وفي التفسير: أن الله تعالى أذاب له النحاس، وجعل يسيل ثلاثة أيام من كل ~~شهر مثل الماء. # وقوله: {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} أي: بأمر ربه. # وقوله: {ومن يزغ منهم عن أمرنا} أي: يعدل منهم عن أمرنا فلا يعمل ~~لسليمان. # وقوله: {نذقه من عذاب السعير} أي: في الآخرة، هذا أحد القولين، والقول # PageV04P320 # {السعير (12) يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور} ~~الآخر: أنه كان (يكون) عند سليمان ملك قائم بيده سوط من ms1344 نار، فإذا عصى أحد ~~من الشياطين ضربه فيحرقه، فهو معنى قوله: {نذقه من عذاب السعير} . # PageV04P321 # قوله تعالى: {يعملون له ما يشاء من محاريب} أي: المساجد، ويقال: الأبنية ~~المرتفعة. وفي القصة: أنه أمرهم ببناء الحصون بالصخر، فبنوا باليمن حصونا ~~كثيرة عجيبة، وهي صرواح ومرواح وفلتون وهندة وهنيدة وغمدان وغير ذلك. # وقوله: {وتماثيل} أي: الصور. فإن قال قائل: أليس أن عمل الصور مكروه؟ ~~قلنا: هو في هذه الشريعة، ويحتمل أنها كانت مباحة في شريعته، وقد كان عيسى ~~يصور من الطين وينفخ فيه فيجعله الله طيرا. واختلف القول في الصور التي ~~اتخذتها الشياطين؛ فأحد القولين: أنها صورة السباع والطيور من العقبان ~~والنسور، وما أشبه ذلك. # والقول الثاني: أنه أمرهم باتخاذ صورة الأنبياء والزهاد والعباد، حتى إذا ~~نظرت بنو إسرائيل إليهم ازدادوا عبادة. # وقوله: {وجفان كالجواب} أي: كالحياض، والجفان جمع جفنة. وفي القصة: أن كل ~~جفنة كان يقعد عليها ألف إنسان. وأنشد حسان في الجفنة شعرا: # (لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا من نجدة تقطر الدما) # وأنشدوا في الجابية: # (كجابية الشيخ العراقي تفهق) # أي: تمتلئ. # وحكى عثمان بن عطاء عن أبيه أنه رأى مرة من هذه القصاع الصغار فقال: ~~والله لقد ذهبت البركة من كل شيء، وقرأ قوله: {وجفان كالجواب} . # وفي القصة: أنه كان لسليمان عليه السلام سماط يسع أربعمائة ألف إنسان، # PageV04P321 # {راسيات اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا ~~عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت ~~الجن أن لو كانوا} وكان يأكل خبز الشعير، ويطعم أهله وحاشيته خبز الخشكار ~~ويطعم الفقراء الدرمك، وهو الخبز النقي. # وقوله: {وقدور راسيات} أي: ثابتات مرتفعات، ومنه الجبال الرواسي. وفي ~~القصة، أنه كان يصعد إليها بالسلاليم. # وقوله: {اعملوا آل داود شكرا} قال: تقدر اشكروا الله شكرا، ويقال: إن ~~الشكر هو تقوى الله والعمل بطاعته. وقيل: إن آل داود هو داود نفسه، ويقال: ~~داود وسليمان وأهل بيته. وفي القصة: أنه لما نزل هذا على داود قال: والله ~~لا يزال ms1345 منا بالليل والنهار قائم وصائم، فكان لا يأتي يوم إلا ومن آل داود ~~فيه صائم، ولا تأتي ساعة من الليل إلا ومن آل داود فيها قائم. وروى أنه ~~ناوب ساعات الليل وكان يقوم ما شاء الله، فإذا أراد أن يرقد أيقظ بعض أهله. # وروى أنه قال لسليمان عليه السلام يا بني، اكفني أمر النهار يعني: في ~~العبادة أكفك أمر الليل، فقال سليمان: لا أقدر، فقال: اكفني أول النهار ~~وأكفك الباقي. وروى أنه قال: يا رب، كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك علي؟ ~~فقال: الآن شكرتني. # وقوله: {وقليل من عبادي الشكور} ظاهر المعنى. والفرق بين الشاكر والشكور: ~~أن الشكور هو الذي يتكرر منه الشكر، والشاكر الذي يشكر مرة. وقيل: هما ~~واحد. # PageV04P322 # قوله تعالى: {قلما قضينا عليه الموت} أي: على سليمان الموت. # وقوله: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض} قال بعض المفسرين: كانت الجن ~~تعمل لسليمان عليه السلام في بناء مسجد بيت المقدس؛ فقرب موت سليمان وقد ~~بقي من العمل بقية، فقبض الله روح سليمان وهو متكئ على عصا، وكانوا يظنون ~~أنه حي، ويجتهدون في العمل، فأكلت الأرضة العصا فخر سليمان عليه # PageV04P322 # السلام ميتا بعد حول، وقد فرغوا من العمل؛ فلما عرفوا موته تفرقوا بعد أن ~~بقوا في العمل سنة بعد موته. قال ابن عباس: فشكرت الجن ذلك للأرضة، فهم ~~يأتونه بالطين والماء في جوف الخشب. وذكر بعضهم: أن سليمان عليه السلام كان ~~إذا رأى شجرة نابتة سألها: ما اسمك؟ فتخبره إن كانت للغرس غرست، وإن كانت ~~للدواء كتب اسمها، فصلى مرة فرأى شجرة نبتت في مصلاة، فقال لها: ما اسمك؟ ~~قالت: الخروب، فقال: لم نبت؟ قالت: لخراب هذه الأرض، فعلم أن موته قد قرب، ~~فسأل الله تعالى أن يعمي على الجن موته. فقال أهل التفسير: وكانت الجن تزعم ~~أنهم يعلمون الغيب، فأمر الله تعالى سليمان أن يتخذ عصا ويتوكأ عليها. ~~وقيل: اتخذها من تلك الشجرة فقبض الله تعالى روحه وهو قائم متوكئ على ~~العصا، فكانت الجن ينظرون إليه ويظنون أنه ms1346 حي، ويعملون إلى أن سقط بعد حول. ~~وأراد الله تعالى بذلك أن يعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب، وقيل: ليعلم ~~الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب وكانوا قد شبهوا على الإنس ذلك، فإن قيل على ~~التأويل الأول: كيف يشتبه على أحد أنه يعلم الغيب أو لا يعلم الغيب؟ وإن ~~خفي عليه أمر غيره لا يخفى عليه أمر نفسه؟ والجواب: أن مردة الجن كانوا ~~صوروا لضعفاء الجن أنهم يعلمون الغيب، وكان يقع بعض الاتفاقات، فكانوا ~~يظنون أنهم يعلمون الغيب لغلبة الجهل، وعند بعضهم: أن عملهم لم يكن في بناء ~~مسجد بيت المقدس، فإنه قد كان وقع الفراغ عن فعل ذلك بسنين، وإنما كانوا ~~يعملون غير ذلك من الأعمال. # وقوله: {تأكل منسأته} أي: عصاته، والمنسأة: العصا بلغة الحبشة، وقرئ: " ~~منسأته " بسكون الهمزة، وهي ما بينا. # قال الشاعر: # (إذا ادببت على المنساة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل) # ويقال كلاهما بالعربية. ويقال: نسأت الغنم إذا زجرتها وسقتها ويقال: نسأ ~~الله في أجلك أي: أخره. # وقوله: {فلما خر تبينت الجن} أي: تبينت الجن للإنس أن لو كانوا يعلمون # PageV04P323 # {يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) لقد كان لسبأ في مسكنهم ~~آية جنتان} الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أي: التعب والشقاء الطويل، ~~ذكره الأزهري على هذا التقرير. وأما المتقدمون قالوا معناه: تبينت الإنس أن ~~الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، والقراءة هكذا في ~~مصحف ابن مسعود، وهكذا قرأ ابن عباس أيضا. والتأويل الثالث: أن، معنى ~~الآية: {تبينت الجن} أي: عرفت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في ~~العذاب المهين. وروى الضحاك عن ابن عباس في رواية أخرى: أن سليمان لم يكن ~~متوكئا على العصا، وإنما كان في بيت مغلق وتوفاه الله تعالى، وأكلت الأرضة ~~عتبة الباب، فسقط الباب بعد حول، وظهر للجن موته. # وأشهر القولين هو الأول، وفي القصة: أن سليمان عليه السلام لما فرغ من ~~بناء المسجد ذبح [اثنتي عشرة] ألف بقرة ومائة وعشرين ألف شاة ms1347 تقربا إلى ~~الله تعالى وأطعمها الناس، وكان بناه بالصخر والقار، وزخرف الحيطان، وزين ~~المحراب بالجواهر واليواقيت، وعملوا شيئا عجيبا، ثم إنه قام على الصخرة ~~وقال: اللهم، أنت أعطيتني هذا السلطان العظيم، وسخرت لي ما سخرت، فأوزعني ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وتوفني مسلما، ~~وألحقني بالصالحين، اللهم إني أسألك لمن دخل هذا المسجد ليصلي فيه خمس ~~خصال: إن كان مذنبا تغفر له ذنبه، وإن كان فقيرا أغنيته، وإن كان سقيما ~~شفيته، وإن كان خائفا أمنته، وأسألك ألا تصرف بصرك عمن دخله حتى يخرج منه، ~~إلا من دخله بإلحاد أو ظلم. # PageV04P324 # قوله تعالى: {لقد كان لسبأ} أكثر أهل التفسير على أن سبأ اسم رجل، ونسبت ~~القبيلة إليه، كما أن تميما اسم رجل، ونسبت القبيلة إليه. وروى فروة بن ~~(مسيك الغطيفي) أن رسول الله قال: سبأ اسم رجل ولد عشرة من الذكور # PageV04P324 # {عن يمين وشمال من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) فأعرضوا ~~فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل} ~~فتيامن منهم ستة، وتشام أربعة، وأما الستة الذين تيامنوا: فحيمر، وكندة، ~~ومذحج، والأزد، والأشعر، وأنمار، وأما الأربعة الذين تشاموا: فعاملة، ~~وغسان، ولخم، وجذام ". وأما سبأ فهو ابن يشخب بن يعرب بن قحطان. وقد قيل: ~~إن سبأ اسم بلد، والأصح هو الأول. # وقوله: {في مساكنهم آية} وقرئ: " في مسكنهم " والآية هي العلامة، ~~ومعناها: أنا جعلنا لهم آية تدلهم على أن النعم التي لهم من الله تعالى. # وقوله: {جنتان عن يمين وشمال} في القصة: أنه كان لهم واد يسيل، وعلى يمين ~~الوادي جنات مصطفة أي: البساتين وكذلك على يسار الوادي. # وقوله: {كلوا من رزق ربكم} أي: قلنا لهم كلوا من رزق ربكم. # وقوله: {واشكروا له} أي: واشكروا الله على نعمه. # وقوله: {بلدة طيبة} أي: طيبة الهواء، عذبة الماء، كثيرة الفواكه، وذكر ~~ابن زيد: أنه لم يكن بها بعوض ولا بق ولا ذباب ولا عقرب ولا حية ولا شيء من ~~أمثال هذا، وكان ms1348 الرجل الغريب يدخلها وفي ثيابه القمل، فيموت القمل في ~~ثيابه من صحة الهواء وطيبه. # وقوله: {ورب غفور} أي: ورب غفور للذنوب إن شكرتم نعمه. # فإن قيل: أي فائدة لتخصيصهم بهذا، والله غفور لكل العباد؟ والجواب عنه: ~~أن مغفرة الرب مع طيب البلدة على تلك الغاية لم تكن إلا لهم. # PageV04P325 # قوله تعالى: {فأعرضوا} أي: فأعرضوا عن شكر النعم. # وقوله: {فأرسلنا عليهم سيل العرم} اختلفوا في العرم على أربعة أقاويل: ~~أولها: # PageV04P325 # أنه اسم الوادي، والآخر: أنه اسم المسنأة، وقد كانوا بنوا المسناة بالصخر ~~والقار بينه وبين الماء، وجعلوا على المسناة أبوابا تفتح وتسد، فإذا ~~احتاجوا إلى الماء فتحوا، وإذا استغنوا سدوا. # وذكر النقاش: أنه كان ذلك من عمل بلقيس، وكانت جعلت على المسناة اثني ~~عشرة مخرجا، يخرج منها اثنا عشر نهرا، وكانت المسناة سدا بين جبلين، ~~والمياه وراء السد تجتمع من السيول. والقول الثالث: أن العرم هو السيل ~~الشديد أي: أرسلنا عليهم السيل الشديد. والقول الرابع: أن العرم هو اسم ~~الجرذ، وهو الفأرة، وقيل: كان اسم الخلد، وسلطه الله تعالى على المسناة حتى ~~نقبها، ودخل الماء وغرق البلد والبساتين. قال ابن الأعرابي: العرم والبر من ~~أسماء الفأرة، ومنه قولهم: فلان لا يعرف هرا من برا أي: السنور من الفأرة، ~~وذكر أبو (الحسين) بن فارس في تفسيره: أن القوم كانوا قد سمعوا أن هلاك ~~بلدهم بالفأر من كهانهم، فجاءوا بالسنانير وربطوها عند كل جرف (في المسناة) ~~، فجاءت فأرة حمراء كبيرة وساورت السنور وهزمته ودخلت في الجرف، وتغلغلت ~~المسناة حتى نقبتها وخرقتها. # وقوله: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي} أي: بدلناهم بجنتيهم اللتين كانتا ~~ذواتي فاكهة بجنتين ذواتي {أكل خمط} بتنوين اللام، وقرئ: " أكل خمط " بغير ~~التنوين على الإضافة، والقراءة على الإضافة أظهر القرائتين في المعنى لأن ~~الخمط اسم لشجر له شوك. قال أبو عبيدة: كل شجر له شوك فهو خمط إذا لم يكن ~~له ثمر. وعن بعضهم: أن الخمط شجر له ثمر يسمى فسوة الضبع، لا ينتفع به ~~ويتفرك إذا أدرك من غير أن ينفع ms1349 أحدا، والمعروف في التفسير أن ثمر الخمط هو ~~البربر، والبربر ثمر الأراك، فالخمط هو الأراك، فهو معنى قوله: {أكل خمط} . ~~والأكل هو الثمر. # PageV04P326 # {وشيء من سدر قليل (16) ذلك جريناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) ~~وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير ~~سيروا فيها} # وأما قراءة التنوين: قال الفراء والزجاج: كل نبت له مرارة وعصوفة فهو ~~خمط، فعلى هذا قوله: {خمط} صفة الأكل، ومعناه: ذواتي ثمر على هذا الوصف، ~~وهو المرارة والعفوصة. # وقوله: { [وأثل] وشيء من سدر قليل} السدر: شجر معروف، وهو شجر النبق. ~~وقيل: إن هذا السدر كان بريا لا ينتفع به، وأما السدر الذي ينتفع به لغسل ~~اليد وغيره، فهو الذي كنا نعرف في البساتين، ولم يكن لهم ذلك. # PageV04P327 # وقوله: {ذلك جزيناهم بما كفروا} النعمة. # وقوله: {وهل نجازي إلا الكفور} يقال في العقوبة: نجازي، وفي المثوبة: ~~نجزي، يعني: وهل نجازى مثل هذه المجازاة إلا من كفر النعم؟ ويقال: وهل ~~نجازى إلا الكفور؟ أى: هل نحاسب إلا الكفور؟ وقد ثبت برواية عائشة رضي الله ~~عنها أن النبي قال: " من نوقش الحساب عذب ". قالت عائشة: فقلت يا رسول ~~الله: أليس قال الله تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا} فقال: ذلك العرض، ومن نوقش [الحساب] عذب ". # فإن قيل: قد قال: {بدلناهم بجنتيهم جنتين} والأرض التي فيها أشجار الأثل ~~والخمط لا تسمى جنة؟ والجواب عنه: إنما سمي ذلك على طريق المقابلة، وهو مثل ~~قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} وقوله: ~~{وجزاء سيئة سيئة مثلها} . # PageV04P327 # قوله تعالى: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة} القرى ~~التي # PageV04P327 # {ليالي وأياما آمنين (18) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم ~~فجعلناهم} باركنا فيها (هي) الشام، ومعنى القرى الظاهرة أي: المتصلة، وقيل: ~~ظاهرة يعني: [للرائي] ، على معنى أنهم كانوا إذا نزلوا بقرية رأوا قرية ~~أخرى. # وقوله: {وقدرنا فيها السير} أي: السير أي: قدرنا سيرهم بين هذه القرى، ~~والمعنى: أنهم كانوا إذا غدوا ms1350 يقيلون بقرية، وإذا رجعوا يبيتون بقرية. ~~وقيل: تقدير السير أن سيرهم كان في الرواح والغدو على قدر نصف يوم، فكانوا ~~إذا (جازوا) نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار. قال قتادة: كانوا لا ~~يحتاجون أن يحملوا زادا. وقال أيضا: كانت المرأة تضع مكتلها على رأسها، ~~وتمر تحت الأشجار فيمتلئ المكتل من الثمار من غير اجتناء. # وقوله: {سيروا فيها ليالي وأياما آمنين} أي: قلنا لهم سيروا فيها ~~بالليالي والأيام آمنين من الخوف والجوع والظمأ، ومعنى قوله: {سيروا} أي: ~~مكناهم من السير. ويقال: إن معنى قوله: {سيروا} أي: يسيرون، أمر بمعنى ~~الخبر، ومعناه: يسيرون فيها ليالي وأياما آمنين، وعلى ما ذكرنا. # PageV04P328 # قوله تعالى: {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا} وقرئ: " بعد بين أسفارنا " ~~بغير ألف، وقرأ يحيى بن يعمر: " ربنا باعد بين أسفارنا " بنصب العين ~~والدال، فعلى القراءة المعروفة معنى الآية سؤال، وعلى القراءة الشاذة معنى ~~الآية على وجه الخبر. قال مجاهد: بطروا النعمة وسأموا الراحة. ومثله عن ابن ~~عباس فقالوا: [ربنا] بعد بين القرى لنركب الرواحل، ونحمل الأزواد في ~~الفلوات، وهذا مثل قول بني إسرائيل: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام ~~واحد} الآية. وأما القراءة الشاذة فكأنهم استبعدوا القريب على ما يفعله ~~الجهلة. # وقوله: {وظلموا أنفسهم} أي: بترك الشكر. # PageV04P328 # {أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) ولقد صدق ~~عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له عليهم من ~~سلطان إلا} # وقوله: {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} أي: أحاديث في القرون التي ~~تأتي، وفرقناهم وبددناهم كل مفرق ومبدد. قال الشعبي: تفرقوا في البلاد لما ~~غرقت قراهم وهلكت جناتهم، فمر الأزد إلى عمان، وخزاعة إلى تهامة، وغسان إلى ~~الشام، وآل (خزيمة) إلى العراق، والأوس والخزرج إلى يثرب. وكان الذي قدم ~~المدينة منهم عمرو بن عامر وهو جد الأوس والخزرج. # وفي بعض التفاسير: أن قراهم كانت [أربع] آلاف وسبعمائة قرية، وكانت متصلة ~~من سبأ إلى الشام قرية قرية. وعن بعضهم في معنى قوله: {فجعلناهم أحاديث} ms1351 أن ~~الناس يضربون بهم المثل في التمزق والتفرق، والعرب تقول: صارت بنو فلان ~~أيدي سبأ وأيادي سبأ إذا تفرقوا وتبددوا. وأنشد الأزهري: # (غيبا نرى الناس إليه تنسبا ... من صادر أو وارد أيدي سبا) # وقوله: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} أي: صبار على البلاء، شكور ~~للنعمة. # PageV04P329 # قوله تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} وقرئ: " صدق " بالتخفيف أما ~~بالتشديد فمعناه: أنه ظن ظنا وصدقه، وظنه في قوله تعالى: {ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم} إلى قوله: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} ويقال: إنه ظن ~~أنه إذا أغواهم اتبعوه، وكان كذلك. # وفي التفسير أن إبليس قال: لقد أخرجت آدم من الجنة مع كثرة علمه وأغويته، ~~فأنا على ذريته أقدر. # PageV04P329 # {لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ (21) قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في ~~الأرض وما} # وأما قراءة التخفيف فمعناه: صدق عليهم في ظنه. # وقوله: {فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين} يعني: إلا كل المؤمنين، هكذا ~~قاله أكثر أهل التفسير؛ لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين، وقد قال الله ~~تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} يعني: المؤمنين وعن بعضهم: إلا فريقا ~~من المؤمنين: خواص المؤمنين؛ وهم الذين يطيعون الله ولا يعصونه. # قال الحسن البصري: والله إنه لم يسل عليهم سيفا ولا ضربهم بسوط، وإنما ~~وعدهم ومناهم فاغتروا. # PageV04P330 # قوله تعالى: {وما كان له عليهم من سلطان} أي: من سلطان على المؤمنين. # وقوله: {إلا لنعلم} معناه: لكي نعلم {من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} ~~أي: لنعلم المؤمن من الكافر علم وقوع، وقد علم علم الغيب، وقد بينا هذا من ~~قبل. قال ابن فارس: هذا على عادة كلام العرب مع الجهلة، فإنك لو قلت: ~~السكين تقطع اللحم، أو اللحم يقطع السكين، وقد علم قطعا أن السكين هو الذي ~~يقطع اللحم، ولكن يخرج الكلام على خطاب الجاهل، وتقرير الأمر له. # وقوله: {وربك على كل شيء حفيظ} أي: رقيب. ms1352 # PageV04P330 # قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله} أي: الذين زعمتم [أنهم] ~~آلهة من دون الله. وفي الآية حذف، والمحذوف ادعوهم ليكشفوا عنكم الضر الذي ~~نزل بكم، وذلك في سني الجوع، وكان الله تعالى ضربهم بالجوع حتى أكلوا ~~الميتات يعني قريش ثم قال: {لا يملكون مثقال ذرة} أي: الأصنام لا تملك ~~مثقال ذرة أي: وزن ذرة من النفع والضر، والذرة هي النملة الحمراء. # PageV04P330 # {لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفاعة عنده إلا ~~لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو ~~العلي الكبير (23) قل} # وقوله: {في السموات ولا في الأرض} ظاهر. # وقوله: {وما لهم فيهما من شرك} أي: ما للآلهة التي تدعون من دون الله ~~شركة في السموات والأرض. # وقوله: {وما له منهم من ظهير} أي: معين. # PageV04P331 # قوله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} أي: أذن الله له، ~~وقرئ: " إلا لمن أذن له " أي: إلا لمن أذن له في شفاعته. # وقوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} لا بد أن يكون ها هنا محذوف؛ لأن حتى من ~~ضرورته أن يتصل بما تقدم، ولم يوجد شيء يتصل به، فيجوز أن يكون المحذوف ~~إثبات فزع والملائكة وخوفهم إذا قضى الله تعالى بأمر من السماء إلى الأرض. # وقوله: {فزع عن قلوبهم} أي: كشف الفزع عن قلوبهم. # وقرئ في الشاذ: " فزع عن قلوبهم " أي: فرغت قلوبهم عن الخوف. # وقد ثبت عن النبي برواية أبي هريرة: " أن الملائكة تسمع صوت الوحي شبه ~~السلسلة على الصفوان فيصعقون، ويضربون بأجنحتهم خضعانا لله تعالى ". # وفي رواية: " يخرون على جباههم، فإذا كشف الفزع عنهم {قالوا ماذا قال ~~ربكم} " أي: قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ # وقوله: {قالوا الحق} أي: قالوا: قال الله تعالى الحق أي: الوحي وذكر ~~السدي وغيره: أنه لما كان زمان الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة ~~والسلام وكانت بمقدار ستمائة سنة، فلم تسمع الملائكة وحيا في هذه المدة، ~~فلما بعث محمد # PageV04P331 # {من ms1353 يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال ~~مبين} نزل جبريل بالوحي، ففزعوا لذلك خوفا من قيام الساعة، فلما كشف الفزع ~~عن قلوبهم سألوا عما قضاه الله من أمره، فذكر لهم أن الله تعالى أوحى إلى ~~محمد. # وقوله: {وهو العلي الكبير} أي: المتعالي العظيم في صفاته. # PageV04P332 # قوله تعالى: {قل من يرزقكم من السموات والأرض} فالرزق من السموات هو ~~المطر، ومن الأرض هو النبات. # وقوله: {قل الله} يعني: إن لم يقولوا: إن رازقنا هو الله تعالى، فقل أنت ~~إن رازقكم هو الله تعالى. # وقوله: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} فإن قيل: " أو " في ~~كلام العرب للشك، فكيف تستقيم كلمة أو في هذا الموضع؟ ولا يجوز لأحد أن يشك ~~أنه على الهدى أو على الضلال، والجواب عنه من وجوه: أحدها: ما ذكره الفراء ~~وهو: أو ها هنا بمعنى الواو، والألف صلة، فكأنه قال: " وإنا وإياكم لعلى ~~هدى أو في ضلال مبين " يعني: نحن على الهدى وأنتم في الضلال. قال أبو ~~الأسود الدؤلي شعرا: # (يقول الأرذلون بنو قشير ... طوال الدهر لا تنسى عليا؟) # (أحب محمدا حبا شديدا ... وعباسا وحمزة والوصيا) # (فإن يك حبهم رشدا أصبه ... وفيهم أسوة إن كان غيا) # فقيل: ما شككت، وقرأ قوله تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هذى أو في ضلال ~~مبين} . وروى معنى هذا القول عن عكرمة. # والجواب الثاني: أن قوله: {وإنا أو إياكم} خرج على شدة الاستبصار، وعلى ~~طريق المناصفة في الكلام، كالرجل يقول لغيره: أحدنا كاذب، فهل من سامع؟ وهو ~~متيقن أن الصادق هو، والكاذب صاحبه. وكذلك يقول المولى لعبده عند شدة ~~الغضب: تعال ننظر أينا يضرب صاحبه، وهو يعلم أنه هو الذي يضرب غلامه. # والثالث: ما روي عن قتادة أنه فال معنى الآية: ما نحن وأنتم على طريقة ~~واحدة، # PageV04P332 # ( {24) قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون (25) قل يجمع بيننا ~~ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) قل أروني الذين ألحقتم به ~~شركاء كلا ms1354 بل هو الله العزيز الحكيم (27) وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا ولكن أكثر الناس} بل أحدنا على الهدى، والآخر على الضلالة، ثم ~~المهتدى من الفريقين معلوم، والضال من الفريقين معلوم، وهذا القول قريب من ~~الأول، وهو حسن. # PageV04P333 # قوله تعالى: {قل لا تسألون عما أجرمنا} أي: عن جرمنا. # وقوله: {ولا نسأل عما تعملون} أي: عن عملكم من الكفر والمعاصي. # PageV04P333 # قوله تعالى: {قل يجمع بيننا ربنا} يعني: يوم القيامة. # وقوله: {ثم يفتح بيننا} أي: يحكم بيننا، والعرب تسمي الحاكم فتاحا، وقد ~~ذكرنا. # وقوله: {وهو الفتاح العليم} ظاهر. ويقال: هو الحاكم العالم بوجوه ~~المصلحة. # PageV04P333 # قوله تعالى: {قل أروني الذين ألحقتهم به شركاء} أي: ألحقتموهم بالله ~~شركاء. # وقوله: {أروني} أي: أعلموني ماذا خلقوا؟ وماذا صنعوا؟ # وقوله: {كلا} يعني: فإن لم تجيبوا بالحق، فقل: كلا أي: ليس الأمر على ما ~~زعمتم. # وقوله: {بل هو الله العزيز الحكيم} أي: الغالب على أمره، الحكيم في ~~تدبيره. # PageV04P333 # قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} أي: جامعا بالإنذار والإبلاغ. ~~وقيل: وما أرسلناك إلا للناس كافة، على التقديم والتأخير، وقد ثبت عن النبي ~~أنه قال: " بعثت إلى الأحمر والأسود ". # وعن ابن زيد: كافة للناس أي: كافا للناس عن الكفر، والهاء للمبالغة. # وقوله: {بشيرا ونذيرا} أى: مبشرا ومنذرا. # وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: لا يعلمون أنك نبي. وفي بعض ~~التفاسير: أن أجل فائدة للعباد من الله هو العلم والقدرة؛ لأن بهما يكتسب ~~الإنسان # PageV04P333 # {لا يعلمون (28) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد ~~يوما لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30) وقال الذين كفروا لن نؤمن ~~بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع ~~بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين (31) قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد ~~إذ جاءكم بل كنتم مجرمين} ما يوصله إلى رضا الله تعالى، قال: والعلم أكثر ~~فائدة من القدرة؛ لأن العلم يتمخض نفعا، والقدرة قد يكتسب ms1355 بها المعصية. # PageV04P334 # قوله تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} يعني: القيامة. # PageV04P334 # وقوله: {قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} قد فسر هذا ~~بيوم البعث، وقد فسر بيوم الموت، وكلاهما صحيح. # PageV04P334 # قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن} إي: أشركوا. # وقوله: {ولا بالذي بين يديه} يعني: من التوراة والإنجيل. # وقوله: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم} أي: محبوسون عند ربهم. # وقوله: {يرجع بعضهم إلى بعض القول} أي: يجادل بعضهم بعضا. # وقوله: {يقول الذين استضعفوا} أي: استحقروا، وهم الأتباع. # وقوله: {للذين استكبروا} أي: تجبروا، وهم القادة والأشراف. # وقوله: {لولا أنتم لكنا مؤمنين} أي: لولا أنكم كنتم قادتنا ورؤساءنا ~~لآمنا بالله وبرسوله. # PageV04P334 # قوله تعالى: {قال الذين استكبروا} أي: تكبروا. # وقوله: {للذين استضعفوا} أي: الأتباع. # وقوله: {أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم} أي: منعناكم. # PageV04P334 # ( {32) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ ~~تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ~~وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) ~~وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون (34) ~~وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن} # وقوله: {بل كنتم مجرمين} أي: الجرم كان لكم في اتباعكم أهواءكم. # PageV04P335 # قوله تعالى: {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار} ~~أي: مكركم بنا في الليل والنهار. والعرب قد تضيف الفعل إلى الليل والنهار ~~على توسع الكلام، قال الشاعر: # (لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم) # وقيل: بل مكر الليل والنهار معناه: طول الأمل، وطول الأمل هو مكر الليل ~~والنهار على طريق المجاز، وقرئ في الشاذ: " بل مكر الليل والنهار " أي: ~~كرور الليل والنهار. # وقوله: {إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا} أي: أشباها. # وقوله: {وأسروا الندامة} قد بينا أن قوله: {وأسروا} قد يكون بمعنى أخفوا، ~~وقد يكون بمعنى أظهروا. # قوله: {لما رأوا العاب} أي: عاينوه. # وقوله: {وجعلنا الأغلال ms1356 في أعناق الذين كفروا} هو فرع من عذاب أهل النار. # وقوله: {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} أي: يعملون من الكفر والمعاصي. # PageV04P335 # قوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها} أي: منعموها ~~وأغنياؤها، والترفة: النعمة. # وقوله: {إنا بما أرسلتم به كافرون} أي: جاحدون. # PageV04P335 # قوله تعالى: {وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا} يعني: قال المترفون ~~للفقراء الذين آمنوا نحن أكثر أموالا وأولادا. # PageV04P335 # {بمعذبين (35) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (36) وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن ~~وعمل صالحا} # وقوله: {وما نحن بمعذبين} العذاب الذي يعذبون به في الدنيا، وهو الفقر. ~~والقول الثاني وهو أظهر القولين أن الذي خولنا وأعطانا الأموال والأولاد في ~~الدنيا لا يعذبنا في الآخرة. # PageV04P336 # قوله تعالى: {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} الآية. وردت لرد ~~قولهم، ومعناه: يبسط الرزق امتحانا وابتلاء، ويضيق الرزق (نظرا) . # وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ظاهر. # PageV04P336 # قوله تعالى: {وما أموالكم وأولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} أي: قربى. ~~وروى عن طاوس اليماني أنه كان يدعو، ويقول: اللهم جنبني المال والولد، ~~وارزقني الإيمان والعمل. # وفي الأخبار أن النبي قال: " اللهم من أحبني فارزقه العفاف والكفاف، ومن ~~أبغضني فأكثر ماله وولده ". # وقوله: {إلا من آمن وعمل صالحا} فيه قولان: أحدهما: أن هذا استثناء ~~منقطع، ومعناه: لكن [من] آمن وعمل صالحا. # والقول الثاني: أن معنى الآية {إلا من آمن وعمل صالحا} فأولئك تقربهم ~~أموالهم وأولادهم إلى طاعة الله، وهذا أظهر القولين. # PageV04P336 # {فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) والذين ~~يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) قل إن ربي يبسط الرزق ~~لمن يشاء} # وقوله: {فأولئك لهم جزاء الضعف} أي: التضعيف، ويقال: جزاء المضاعفة. ~~والمضاعفة هو أنه يجزي بالواحد عشرا إلى سبعمائة. # وقوله: {وهم في الغرفات آمنون} أي: (في) غرفات الجنة آمنون من العذاب، ~~وقيل: من الموت، وقيل: من الأحزان. # PageV04P337 # قوله تعالى: {والذين يسعون في آياتنا معاجزين} قد بينا ms1357 معنى قوله: ~~{معاجزين} و {معجزين} . # وقوله: {أولئك في العذاب محضرون} أي: مدخلون. # PageV04P337 # قوله تعالى: {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له} فإن قيل: ~~هذا تكرار للآية الأولى فلا يكون فيه فائدة؟ والجواب عنه: أن فيه فائدة، ~~وهو أن الآية الأولى فيمن لا يعلم؛ لأنه قال: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~والآية الثانية فيمن يعلم حكمة الله تعالى (في) البسط والتقدير. # وقوله: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} أي: يعطي خلفه. واختلف القول في ~~موضع إعطاء الخلف فالأكثرون أن (ذلك) في الآخرة أو الدنيا. # روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: " ما من صباح إلا وينادي ~~ملكان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا ~~تلفا ". # وعن الحسن البصري قال: هو في الدنيا خاصة، ولو لم يكن يخلف في الدنيا ~~لبقي العبد بلا رزق. والقول الأول أحسن. # PageV04P337 # {من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) ~~ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) ~~فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا أو ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار ~~التي كنتم بها} # وقوله: {وهو خير الرازقين} أي: خير من يرزق ويعطي. # PageV04P338 # قوله تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون} يقول الله تعالى ذلك للملائكة توبيخا لمن عبدهم، وهو مثل قوله ~~تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ~~من دون الله} والمعنى على ما بينا. # PageV04P338 # قوله تعالى: {قالوا سبحانك} تسبيح الله: تعظيم له على وجه ينفي عنه كل ~~سوء. # وقوله: {أنت ولينا من دونهم} أي: نحن نتولاك ولا نتولاهم. # وقوله: {بل كانوا يعبدون الجن} (فإن قيل: كيف يصح قوله: {بل كانوا يعبدون ~~الجن} ) وهم عبدوا الملائكة؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أنه قال: {بل كانوا ~~يعبدون الجن} لأن الجن هم الذين زينوا لهم عبادة ms1358 الملائكة، (والمراد من ~~الجن الشياطين، والقول الثاني: أنهم صوروا صور الجن، وقالوا: هؤلاء ~~الملائكة) فاعبدوهم. # وقوله: {أكثرهم بهم مؤمنون} ظاهر المعنى. # PageV04P338 # قوله تعالى: {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا} أي: جلب نفع ودفع ~~ضر. # وقوله: {ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} أي: # PageV04P338 # {تكذبون (42) وإذ تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن ~~يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا ~~للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما ~~أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما ~~آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف} تجحدون. # PageV04P339 # قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} أي: واضحات. # وقوله: {قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم} أي: يمنعكم {غما كان يعبد ~~آباؤكم} أي: من الأصنام. # وقوله: {وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى} يعني: القرآن كذب مختلق. # وقوله: {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} أي: بين. # PageV04P339 # قوله تعالى: {وما آتيناهم من كتب يدرسونها} أي: يقرءونها. # وقوله: {وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} أي: لم يأت العرب قبلك نبي، ولا ~~ينزل عليهم كتاب، والمراد منه قريش. # PageV04P339 # قوله تعالى: {وكذب الذين من قبلهم} معناه: الذين مضوا من قبلهم، وهم عاد ~~وثمود وقوم موسى وقوم إبراهيم وقوم لوط وغيرهم. # وقوله: {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} أكثر أهل التفسير أن المراد من ~~الآية هو أن هؤلاء الكفار وهم قريش ما بلغوا معشار ما آتينا الذين من قبلهم ~~في القوة والمال والآلة. والقول الثاني أن معناه: وما بلغ الذين من قبلهم ~~معشار ما آتينا هؤلاء يعني: أن كتاب هؤلاء أبين كتاب، ورسولهم أفضل رسول، ~~والقول الأول هو المعروف. وأما المعشار فهو العشر، وقيل: عشر العشر، وذلك ~~جزء من مائة (جزء) ، وقيل: هو عشر عشر العشر، وهو جزء من ألف جزء. # PageV04P339 # {كان نكير (45) قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم ms1359 ~~تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قل ~~ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (47) ~~قل إن ربي يقذف} # وقوله: {فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} أي: إنكاري وتغييري. # PageV04P340 # قوله تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة} وقال مجاهد: بطاعة الله. وقيل: ~~بتوحيد الله، وهو قوله لا إله إلا الله. وذكر أهل المعاني مثل الفراء ~~والزجاج وغيرهما أن معنى قوله: {أعظكم بواحدة} أي: آمركم بخصلة واحدة، ثم ~~بين الخصلة (فقال) : {أن تقوموا لله مثنى وفرادى} أي: تجتمعون فتنظرون ~~وتحاورون وتنفردون، وتخلون فتتفكرون والمعنى: انظروا في حال محمد عند ~~الاجتماع وعند الخلوة فتعرفوا أنه ليس بساحر، ولا بكاهن، ولا به جنون، ولا ~~الذي أتى به شعرا. # وقوله: {تقوموا لله} قال أهل التفسير: ليس المراد منه القيام الذي هو ضد ~~الجلوس، وإنما هو مثل قوله تعالى: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} . # وقوله: {ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} أي: جنون. # وقوله: {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} أي: عظيم. # PageV04P340 # قوله تعالى: {قل ما سألتكم من أجر} أي: من جعل فهو لكم أي: تركته لكم. ~~والمعنى: أني ما سألتكم من جعل، لا أنه سأل وترك. # وقوله: {إن أجري إلا على الله} أي: ما ثوابي إلا على الله. # وقوله: {وهو على كل شيء شهيد} أي: شاهد. # PageV04P340 # قوله تعالى: {قل إن ربي يقذف بالحق} أي: يأتي بالحق. # وقوله: {علام الغيوب} منصوب بأن، وقرئ: " علام الغيوب " بالرفع أي: هو ~~علام الغيوب. # PageV04P340 # {بالحق علام الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) قل ~~إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب} # PageV04P341 # قوله تعالى: {قل جاء الحق} أي: القرآن، وقيل: الرسول. # وقوله: {وما يبدئ الباطل} قال قتادة: الباطل هو الشيطان ها هنا أي: ما ~~يبدئ الشيطان شيئا [ {وما يعيد} ] . وفي الآية قول آخر: وهو أن الله تعالى ~~يقذف بالحق على الباطل، فيذهب الباطل ولا يبقى ms1360 منه بقية تبدئ شيئا أو ~~تعيده. وقيل: الباطل هو الأصنام. # PageV04P341 # قوله تعالى: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي} قال المفسرون: لما بعث رسول ~~الله وجعل يعيب الأصنام، قال له المشركون: إنك قد ضللت بتركك دين آبائك؛ ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {فإنما أضل على نفسي} أي: إثم ضلالتي علي. # وقوله: {وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} أي: من القرآن والحجج. # وقوله: {إنه سميع قريب} ظاهر المعنى. # PageV04P341 # قوله تعالى: {ولو ترى إذ فزعوا} معناه: ولو ترى إذ فزعوا حين يبعثون، وفي ~~الآية جواب محذوف، والمحذوف: ولو ترى إذا فزعوا حين يبعثون لرأيت عبرة ~~يعتير بها، ويقال: ولو ترى إذ فزعوا أراد به وقت الموت. # وقوله: {فلا فوت} أى: لا يفوتون من الله، كما قال الله في موضع آخر: ~~{ولات حين مناص} . # وقوله: {وأخذوا من مكان قريب} في التفسير: أخذوا من تحت أقدامهم. ويقال: ~~أخذوا من بطن الأرض (إلى ظهرها) . # PageV04P341 # ( {50) ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقولوا آمنا ~~به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب ~~من مكان} # PageV04P341 # قوله: {وقالوا آمنا به} يعني: في القيامة، وقيل: عند الموت، وهو في معنى ~~قوله تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده} . # وقوله: {وأنى لهم التناوش} قال مجاهد وقتادة وكثير من المفسرين: التناوش ~~هو التناول قال الشاعر: # (وهي تنوش الحوض نوشا من علا # (نوشا به تقطع) أجواز الفلا) # ومعنى الآية على هذا أنهم يريدون أن يتناولوا الإيمان، وقد بعد عنهم ذلك ~~وفاتهم، فأنى لهم ذلك. وقرئ " وأنى لهم التناوش " بالهمز، وذكر أهل اللغة ~~أن النئيش هو الحركة في إبطاء، فالمعنى على هذا أنه من أنى لهم حركتهم فيما ~~لا حيلة لهم فيه. وعن ابن عباس قال: معنى قوله: {وأنى لهم التناوش} أنهم ~~يسألون الرد إلى الدنيا، وأنى لهم الرد. # وقوله: {من مكان بعيد} أى: من الآخرة إلى الدنيا. # PageV04P341 # وقوله تعالى: {وقد كفروا به من قبل} أي: بالقرآن، وقيل: بمحمد. # وقوله: {من قبل} ms1361 أي: في الدنيا. # وقوله: {ويقذفون بالغيب} أي: يظنون ظن الغيب، ومعنى ظن الغيب: أنهم ~~يقولون ما لا يعلمون؛ وقولهم فيما لا يعلمون هو أنهم قالوا: محمد ساحر، ~~وكاذب، وكاهن، وشاعر، ويقال: قولهم فيما لا يعلمون أنهم يقولون: (لا بعث ~~ولا جنة) ولا نار. # PageV04P341 # {بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم ~~كانوا في شك مريب (54) . # وقوله: {من مكان بعيد} أنهم يقولون: ما أبعد هذا، (ويقال) : من مكان بعيد ~~أي: بعيد من (علمهم) . والقذف هو الرجم والرمي، وجملة المعنى أنهم يخوضون ~~فيما لا علم لهم به. # PageV04P343 # قوله تعالى: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} قال الحسن البصري: هو الإيمان ~~وقبول التوبة. ويقال: المال والولد. (وقيل) : نعمة الدنيا وزهوتها. وعن ~~إبراهيم النخعي أنه قال: ما تلوت هذه الآية إلا وذكرت الماء البارد. # وقوله: {كما فعل بأشياعهم من قبل} أي: الأمم الماضية. وقيل: بأصحاب ~~الفيل. والأشياع: جمع شيعة، وهم الفرق. # وقوله: {إنهم كانوا في شك مريب} أي: في شك مرتابين، وفي الآية دليل على ~~أن الشاك كافر بخلاف ما قاله بعض الناس، وهو غلط عظيم في الدين، وقد دلت ~~هذه الآية على أن الشاك كافر وهو في النار، وكذلك دل على هذا قوله تعالى: ~~{وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين ~~كفروا من النار} فقد أوجب لهم الكفر والنار بالظن. وقد روي عن سعيد بن جبير ~~في قوله تعالى: {وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش} قال: هذه الآية نزلت في ~~جيش السفياني، وهو رجل [يخرج] في أخواله من كلب، فخسف الله بهم بالبيداء ~~إلا رجلا واحدا يخبر الناس ما صنع الله بهم، وفيه قصة. # PageV04P343 # بسم الله الرحمن الرحيم # {الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث} # تفسير سورة فاطر # وهي مكية # PageV04P344 # {الحمد لله ### | فاطر # السموات والأرض} قد بينا معنى الحمد، قوله: {فاطر السموات والأرض} أي: ~~مبدعهما ومنشئهما بلا مثال. # (وقوله) : {جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة} أي: ذوي أجنحة. # وقوله: {مثنى ms1362 وثلاث ورباع} أي: مثنى مثنى، وثلاث وثلاث، ورباع ورباع أي: ~~اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. شعر في المثنى: # (أحم الله ذلك من لقاء ... أحاد أحاد في شهرحلال) # قال الضحاك: مثنى جبريل، وثلاث ميكائيل، ورباع إسرافيل، ومن المشهور أن ~~النبي قال: " رأيت جبريل (عليه السلام) وله ستمائة جناح قد سد الأفق ". ~~وروي أنه لما رآه على هذه الصورة صعق ". وفي بعض الأخبار: " أن جبريل عليه ~~السلام يغتسل كل يوم في نهر ثم ينتقضن فما تقع قطرة إلا خلق الله تعالى ~~منها ملكا ". وفي بعض الأخبار أيضا أن الله تعالى خلق ملكا في # PageV04P344 # {ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم (2) يا} السماء شرفه ورفعه، وذلك في الخبر ما شاء الله من عظمه، فهو ~~يسبح الله تعالى، فما ينطق بتسبيحه إلا خلق الله تعالى منها ملكا. # وقوله: {يزيد في الخلق ما يشاء} أظهر الأقاويل: أن الله تعالى يزيد في ~~خلق الملائكة وأجنحتهم ما يشاء على ما ذكرنا. وعن قتادة قال: يزيد في الخلق ~~ما يشاء: هو الملاحة في العيش. وعن الزهري قال: هو حسن الصوت. وحكى النقاش ~~في تفسيره: أنه الشعر الجعد. وعن بعض التفاسير: أنه زيادة العقل والتمييز. ~~وعن بعضهم: هو العلم بالصناعات. # وقوله: {إن الله على كل شيء قدير} أي: قادر. # PageV04P345 # قوله تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} أي: من رزق وغيث. ~~وقيل: من عافية {فلا ممسك لها} أي: لا حابس لها. # وقوله: {وما يمسك فلا مرسل له من بعده} أي: ما يمنع فلا مرسل له من بعد ~~الله أي: سوى الله وقد ثبت أن النبي كان يقول عقيب صلاة الفريضة: " لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم ~~لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك ms1363 الجد ". # وثبت هذه اللفظة عنه أنه قالها في القيام بين الركوع والسجود. # وقوله: {وهو العزيز الحكيم} أي: الغالب في ملكة (الجحيم في تدبير خلقه) . # PageV04P345 # قوله تعالى: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم} أي: منة الله عليكم. # PageV04P345 # {أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من ~~قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (5) إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من} # وقوله: {هل من خالق غير الله} استفهام على وجه التقرير، كأنه قال: لا ~~خالق غير الله. # وقوله: {يرزقكم من السماء والأرض} أي: من السماء المطر، ومن الأرض ~~النبات. # وقوله: {لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} أي: تصرفون عن الحق. # PageV04P345 # وقوله: {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور} أي: ترد ~~الأمور. # PageV04P345 # قوله تعالى: {يا أيها الناس إن وعد الله حق} يعني: وعد القيامة حق. # وقوله: {فلا [تغرنكم] الحياة الدنيا} وفي الأثر: أن الله تعالى ما أعطي ~~أحدا شيئا من الدنيا إلا اغترارا، وما زوى من أحد شيئا من الدنيا إلا ~~اختبارا. # وقوله: {ولا يغرنكم بالله الغرور} أي: لا يغرنكم الغرور، وهو الشيطان. ~~قال الحسن: من الغرور أن تعمل المعصية، وتتنمى على الله المغفرة. # PageV04P345 # قوله تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} أي: عادوه بطاعة الله. # وقوله: {إنما يدعو حزبه} أي: أتباعه. # وقوله: {ليكونوا من أصحاب السعير} أي: ليكونوا في السعير، والسعير هو ~~النار المتوقدة. # PageV04P345 # {أصحاب السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة وأجر كريم (7) أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن ~~الله} # PageV04P347 # قوله تعالى: {الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصلحات لهم ~~مغفرة وأجر كبير} أي: عظيم. # PageV04P347 # قوله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله} نزلت الآية في أبي جهل وأبي بن خلف ~~وعتبة وشيبة ms1364 والعاص بن وائل والأسود بن عبد يغوث وعقبة بن أبي معيط ~~وأشباههم. والقول الثاني: أن الآية نزلت في أهل الأهواء والبدع، والأولى أن ~~يقال: إن الآية نزلت في الكفار؛ لأن عليه أكثر أهل التفسير. وعن قتادة: أنه ~~قال: منهم الخوارج الذين يستحلون الدماء والأموال، قال: وأما أهل الكبائر ~~فليس منهم؛ لأنهم لا يستحلون الكبائر. وكذلك العمال الظلمة، لأنهم يظلمون، ~~ويعلمون أنها ليست بحلال لهم. # وقوله: {فرآه حسنا} (وفي الآية حذف على طريقتين أحدهما: أن معنى الآية ~~أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) كمن هداه الله {فإن الله يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء} والطريق الثاني، أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ذهبت نفسك ~~عليه حسرة، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يضل من يشاء، ويهدي من ~~يشاء، والحسرة هو الندم الشديد على ما فات. # وقوله: {إن الله عليم بما يصنعون} ظاهر المعنى. # PageV04P347 # قوله تعالى: {والله الذي أرسل الرياح فتشير سحابا فسقناه إلى بلد ميت} ~~أى: لا ينبت فيها. # وقوله: {فأحيينا به الأرض بعد موتها [كذلك] النشور} أي: كذلك النشور # PageV04P347 # {يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما ~~يصنعون (8) والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا ~~به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ~~إليه يصعد} في الآخرة. وروى وكيع بن عدس عن أبي رزين العقيلي أنه قال: " يا ~~رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال له: هل مررت قط بأرض قحل أي: يابس ثم ~~مررت بها وهي تهتز خضرا قال: نعم. قال: كذلك يحيي الله الموتى ". # PageV04P348 # قوله تعالى: {من كان يريد العزة} العزة: هي المنعة. # وقوله: {فلله العزة جميعا} قال الفراء: معنى الآية: من كان يريد أن يعلم ~~لمن العزة، فلله العزة جميعا. وقال قتادة معناه: من كان يريد العزة فليتعزز ~~بطاعة الله. قال أهل النحو: هذا مثل ما يقول الإنسان: من كان يريد المال ~~فالمال لفلان أي: ليطلب المال عند ms1365 فلان، كذلك معنى قوله: {من كان يريد ~~العزة فلله العزة جميعا} أي: فليطلب العزة من عنده. وقال بعض أهل التفسير: ~~كان أهل الجاهلية يعبدون الأصنام، ويتقربون بذلك إلى الله تعالى، ويطلبون ~~العز من عند الأصنام، قال الله تعالى {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا ~~لهم عزا} فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمرهم أن يطلبوا العز من الله لا من ~~الأصنام. # وقوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} في الكلم الطيب أقوال أحدها: أنه لا إله ~~إلا الله. والآخر: أنه القرآن، ذكره شهر بن حوشب، والثالث: أنه ذكر الله. ~~وعن قتادة # PageV04P348 # {الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ~~ومكر} قال: إليه يصعد الكلم الطيب [أي] : يقبل الله الكلم الطيب. وعن (ابن ~~مسعود) قال: ما نحدثكم بحديث إلا أتيناكم تصديق ذلك من كتاب الله تعالى، ثم ~~قال: ما من عبد يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~وتبارك الله، إلا قبض عليهن (ملك) وضمهن تحت جناحه، ثم يصعد بها إلى ~~السماء، ثم [لا] يمر بجمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن ~~وجه الرحمن ثم تلا قوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه} وقيل: الكلم الطيب هو الدعاء من العباد. # وفي بعض المسانيد برواية أنس عن النبي أنه قال: " يقول الله تعالى كل ~~يوم: أنا العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز ". # وقوله: {والعمل الصالح يرفعه} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما روي عن الحسن ~~وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك وغيرهم أنهم قالوا: والعمل الصالح يرفعه أي: ~~العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، والقول الثاني: قول قتادة؛ قال: والعمل ~~الصالح يرفعه أي: يرفعه الله. # والقول الثالث: والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب. وأولى الأقاويل هو ~~الأول، # PageV04P349 # {أولئك هو يبور (10) والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما ~~تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب إن} وقد روي عن الحسن البصري أنه قال: ms1366 يعرض القول على العمل، فإن ~~وافقه رفع القول مع العمل، وإن خالفه كان العمل أولى به. وفي بعض الآثار: ~~أن العبد إذا قال: لا إله إلا الله بنية صادقة رفع إلى الله تعالى وله دوى ~~كدوى النحل، حتى يلقى بين يديه فينظر الله تعالى [له] نظرة لا ييأس بعدها ~~أبدا؛ هذا إذا وافقه عمله، وإن خالفه وقف قوله حتى يتوب من عمله. (وإن ~~خالفه وقف) . # قوله تعالى: {والذين يمكرون السيئات} أي: يعملون السيئات، ويقال: نزلت في ~~مكر الكفار برسول الله حتى خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة على ما ذكرنا. # وقوله: {لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} أي: يهلك ويبطل. # PageV04P350 # قوله تعالى: {والله خلقكم من تراب} التراب (جسم) مدقق من جنس الطين. # وقوله: {ثم من نطفة} ذكر السدي أن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل ~~عظم وشعر و (عصب) فإذا مضت أربعون يوما نزلت إلى الرحم، وخلق الله منها ~~العلقة. # وقوله: {ثم جعلكم أزواجا} أي: أصنافا. وفي تفسير ابن فارس: {جعلكم ~~أزواجا} أي: زوج بعضكم من بعض. # وقوله: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} أي: لا يغيب عنه شيء من ~~ذلك. # وقوله: {وما يعمر من معمر} يعني: ما يطول عمر معمر حتى يدركه الهرم. ~~وقوله: {ولا ينقص من عمره} فيرجع إلى الأول، والجواب: أنه يجوز أن يذكر على # PageV04P350 # {ذلك على الله يسير (11) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ~~ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه} ~~هذا الوجه، ويراد به غير الأول، وهذا كما أن الرجل يقول: عندي درهم ونصفه ~~أي: نصف درهم آخر، أورده الزجاج وغيره. والقول الثاني: {وما يعمر من معمر ~~ولا ينقص من عمره} هو منصرف إلى الأول. قال كعب الأحبار حين حضرا [عمر] ~~الوفاة: والله لو دعا عمر ربه أن يؤخر أجله لأخره، فقالوا له: إن الله ~~يقول: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} . فقال: هذا إذا ~~حضره الأجل، فأما قبل ms1367 ذلك فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ هذه الآية. وذكر ~~بعضهم: أن مثال هذا أن الله تعالى يكتب أن عمر فلان مائة سنة إن أطاعني، ~~وعمره خمسون أو ستون إن عصاني، وهذا جائز. # وقوله: {إلا في كتاب} معناه: إلا وهو مكتوب في كتاب. وفي التفسير أن الله ~~تعالى يكتب أجل العبد في كتاب، ثم يكتب في كتاب (آخر) : قد انتقص من عمره ~~يوم، شهر، سنة، إلى أن يستوفى أجله. وذكر بعضهم أنه يكتب تحت ذلك الكتاب ~~الأول. # وقوله: {إن ذلك على الله يسير} أي: هين. # PageV04P351 # قوله تعالى: {وما يستوي البحران هذا عذب فرات} أي: شديد العذوبة. # وقوله: {سائغ شرابه} أي: سهل المدخل. # وقوله: {وهذا ملح أجاج} أي: ملح شديد الملوحة. وفي الآية بيان القدرة في ~~خلق الماء العذب والأجاج. # وقوله: {ومن كل تأكلون لحما طريا} أي: الحيتان. # وقوله: {وتستخرجون حلية تلبسونها} الدر والمرجان والجواهر. قال عكرمة: ما # PageV04P351 # {مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له ~~الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم ولو} قطرت من السماء قطرة إلى الأرض إلا أنبتت عشبة، وما قطرت في ~~البحر قطرة إلا صارت درة، فإن قيل: قد قال: {وتستخرجون حلية تلبسونها} ~~والدر والمرجان والجواهر لا تخرج من الأجاج، وإنما تخرج من العذب؟ وقد قال: ~~{ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون [حلية] } الجواب عنه: يجوز أن ينسب ~~إليهما وإن كان يستخرج من أحدهما، ومثل هذا في كلام العرب كثير. # والثاني: وهو أن في البحر الأجاج تكون عيونا عذبة، فتمتزج بالملح، وتكون ~~من بين ذلك الجواهر. # وقوله: {وترى الفلك فيه مواخر} قال الحسن: مواقير أي: ممتلئة. وعن بعضهم: ~~معترضة تجيء وتذهب. وقيل: جواري. والمخر: هو الشق، فكأن الفلك يشق الماء ~~بصدره، فذكر مواخر على هذا المعنى. # وقوله: {ولتبتغوا من فضله} أي: لتطلبوا من فضله، وفضله هو التجارات في ~~البحر. # وقوله: {ولعلكم تشكرون} أي: ms1368 تشكرون نعم الله. # PageV04P352 # قوله تعالى: {يولج الليل في النهار} قد بينا هذا من قبل. # وقوله: { [ويولج النهار في الليل] وسخر الشمس والقمر} قال قتادة: طول ~~الشمس ثمانون فرسخا، وعرضها ستون فرسخا. وعن عكرمة قال: جرم الشمس كسعة ~~الدنيا (وزيادة ثلث، وجرم القمر كسعة الدني) بلا زيادة. # وقوله: {كل يجري لأجل مسمى} ظاهر المعنى. # وقوله: {ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه} أي: من الأصنام. # PageV04P352 # {سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ~~(14) يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) إن ~~يشأ} # وقوله: {ما يملكون من قمطير} قال مجاهد: القطمير: لفافة النواة، وهو كسحل ~~البصلة، وعن بعضهم: القمطير وسط النواة، والمعنى أنه يملك شيئا قليلا ولا ~~كثيرا. # PageV04P353 # قوله تعالى: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم} يعني: إن تدعوا الأصنام لا ~~يسمعوا دعاءكم. # وقوله: {ولو سمعوا ما استجابوا لكم} أي: ما أجابوكم. # وقوله: {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} أي: يجحدون بشرككم وموالاتكم إياهم. # وقوله: {ولا ينبئك مثل خبير} أي: ولا ينبئك بهذا أحد مثلي، والخبير هو ~~الله تعالى، والمعنى أن الذي أنبأك بهذا خبير بالأمور، عالم بها. # PageV04P353 # قوله تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} أي: إلى فضل الله، ~~والفقير هو المحتاج. # وقوله: {والله هو الغني الحميد} أي: الغني عن خلقه، المحمود في إحسانه ~~بخلقه. # PageV04P353 # قوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم} أي: يهلككم حتى لا يبقى منكم عين تطرف. # وقوله: {ويأت بخلق جديد} أي: خلق لم يكونوا أنشأهم وابتدأهم. # PageV04P353 # وقوله: {وما ذلك على الله بعزيز} أي: بشديد. # PageV04P353 # قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. # وقوله: {وإن تدع مثقلة} أي: مثقلة بالذنوب {إلى حملها} أي: إن دعوت أحدا ~~أن يحمل ذنوبه عنه. # PageV04P353 # {يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما ~~تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى ms1369 فإنما يتزكى لنفسه ~~وإلى الله المصير (18) وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا ~~النور (20) ولا الظل ولا} # وقوله: {لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} أي: لا يجد من يحمل عنه، وإن ~~كان المدعو قريبا أبا أو أبناء. وعن ابن عباس أنه قال: إن الرجل (يلقي) يوم ~~القيامة أباه أو ابنه، فيقول: احمل عني بعض ذنوبي، فيقول: لا أستطيع، حسبي ~~ما علي. وفي بعض التفاسير: أن الوليد بن المغيرة المخزومي قال لمن اسلم من ~~بني مخزوم: ارجعوا عن الإسلام، وأنا أحمل ذنوبكم يوم القيامة إن خفتم من ~~الذنوب؛ فانزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} قد بينا الخشية بالغيب. # وقوله: {وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه} معنى التزكي ها هنا ~~هو العمل الصالح. # وقوله: {وإلى الله المصير} أي: المرجع. # PageV04P354 # قوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} معنى الأعمى: عن الهدى، والبصير ~~بالهدى. وعن بعضهم: الأعمى عن الحق، والبصير بالحق. # PageV04P354 # وقوله: {ولا الظلمات ولا النور} والظلمات هي الضلالات {ولا النور} هو ~~الهداية والبيان من الله تعالى. وقيل: هذا تمثيل الكفر والإيمان. # PageV04P354 # وقوله: {ولا الظل ولا الحرور} أي: الجنة والنار. قال أبو عبيدة: الحرور ~~يكون بالنهار مع الشمس. وعن غيره: السموم بالنهار، والحرور بالليل. وعن ~~بعضهم: الحرور هو الحر الدائم ليلا كان أو نهارا، قال الشاعر: # PageV04P354 # {الحرور (21) وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما ~~أنت بمسمع من في القبور (22) إن أنت إلا نذير (23) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ~~ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (24) وإن يكذبوك فقد كذب الذين من ~~قبلهم جاءتهم} # (وهاجرة يشوي الوجوه حرورها ... ) # PageV04P355 # وقوله: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} أي: المؤمنون والكفار. وعن [ابن] ~~قتيبة قال: العلماء والجهال. # وقوله: {إن الله يسمع من يشاء} أي: من يشاء إسماعه. # وقوله: {وما أنت بمسمع من في القبور} أي: لا تسمع الكفار، وشبههم ~~بالأموات في القبور. # PageV04P355 # وقوله: {إن أنت إلا نذير} أي: منذر. # PageV04P355 # قوله تعالى: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا} أي ms1370 مبشرا ومنذرا. # وقوله: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} أي: منذر. وفي بعض التفاسير: إلا ~~العرب لم يكن لهم نبي سوى النبي. وفي بعض الحكايات: أن بهلول المجنون لقي ~~أبا يوسف القاضي، فقال له: إن الله تعالى يقول: {وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير} وقال النبي: " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها "، فما نذير ~~الكلاب؟ ! فتحير أبو يوسف؛ فأخرج حجرا من كمه وقال: هذا نذير الكلاب. # PageV04P355 # قوله تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات ~~وبالزبر وبالكتاب المنير} أي: الكتاب الواضح، وذكر الكتاب بعد الزبر على ~~طريق # PageV04P355 # {رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير (25) ثم أخذت الذين كفروا فكيف ~~كان نكير (26) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس ~~والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن ~~الله عزيز غفور} التأكيد. # PageV04P356 # قوله تعالى: {ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير} أي: إنكاري وتغييري. # PageV04P356 # قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء} (قوله) : {فأخرجنا به ~~ثمرات مختلفا ألوانها} أي: أبيض وأحمر وأصفر، وما أشبه ذلك. # وقوله: {ومن الجبال جدد} أي: طرائق (وخطط) {بيض} ، والجدد: جمع جدة، وهو ~~الطريق. # وقوله: ( {وحمر} ) أي: طرائق حمرة. # قوله: {مختلف ألوانها وغرابيب سود} أي: سود غرابيب على التقديم والتأخير، ~~يقال: أسود غربيب أي: شديد السواد، وفي بعض الأخبار: " أن الله يكره الشيخ ~~الغربيب " أي الذي يسود لحيته، والخضاب بالحمرة سنة، أما بالسواد مكروه. ~~ومعنى الآية أى: طرائق سود. # PageV04P356 # وقوله: {ومن الناس والدواب والأنعاممختلف ألوانه كذلك} أى: مختلف ألوان ~~هذه الأشياء، كما اختلفت ألوان ما سبق ذكره. # PageV04P356 # ( {28) إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور ~~شكور (30) والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله ~~بعباده} # وقوله: {إنما يخشى الله من ms1371 عباده العلماء} ومن المعروف في الآثار: " رأس ~~العلم خشية الله ". ومن المعروف أيضا: كفى بخشية الله علما، وبالاغترار به ~~جهلا. ويقال: أول كلمة في الزبور رأس الحكمة خشية الله. وعن ابن عباس قال: ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء أي: من يعلم ملكي وعزي وسلطاني. وعن ~~بعضهم: إنما يخشى الله من عباده العلماء الذين يعلمون أن الله على كل شيء ~~قدير، وعن بعض التابعين قال: من لم يخش الله فليس بعالم. ويقال: خف الله ~~بقدر قدرته عليك، واستح من الله بقدر قربه منك. # وقوله: {إن الله عزيز غفور} أي: عزيز في ملكه، غفور (لذنوب عباده) . # PageV04P357 # قوله تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور} أي: لن تهلك ولن تفسد، والمراد ~~من التجارة ما وعده الله من الثواب. # PageV04P357 # قوله تعالى: {ليوفيهم أجورهم} أي: ثواب أعمالهم. # وقوله: {ويزيدهم من فضله} هو تضعيف الحسنات، قال بعضهم: هو الشفاعة لمن ~~أحسن إليهم، فعلى هذا يشفع الفقير للغنى الذي تصدق عليه. # وقوله: {إنه غفور شكور} يقال: يغفر الكثير من الذنوب، ويشكر اليسير من ~~الطاعات. # PageV04P357 # {لخبير بصير (31) ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) ~~جنات} # PageV04P358 # قوله تعالى: {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه} ~~أي: من الكتب المتقدمة. # وقوله: {إن الله بعباده لخبير بصير} أي خبير بما في ضمائرهم، بصير ~~[بأفعالهم] . # PageV04P358 # قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الأكثرون على أن ~~المراد من قوله: {الذين اصطفينا من عبادنا} هذه الأمة، وعن بعضهم: أن ~~المراد منه الأنبياء، وعن بعضهم: أن المراد منه بنو إسرائيل، والقول الأول ~~هو المشهور. # وقوله: {وأورثنا الكتاب} المراد من الكتاب: هو القرآن. # ومعنى الآية: أى انتهى إليهم الأمر بإنزالنا عليهم القرآن، وبإرسالنا ~~محمدا إليهم. # وقوله: {فمنهم ظالم لنفسه} اختلف القول في المراد بالظالم، فقال بعضهم: ~~المراد بالظالم هو الكافر، ذكره الكلبي وغيره. وعن بعضهم: ms1372 أن المراد منه ~~المنافق، فعلى هذا لا يدخل الظالم في قوله: {جنات عدن يدخلونها} وقد روي ~~هذا القول أيضا عن ابن عباس أنه حمل الظالم على الكافر. # والقول المشهور أن الظالم لنفسه من المؤمنين، وعلى هذا يستقيم نسق الآية، ~~وعلى القول الأول يحمل قوله: {الذين اصطفينا من عبادنا} على الاصطفاء في ~~الخلقة وإرسال الرسول وإنزال الكتاب، وعلى القول الثاني يحمل الأصطفاء على ~~الزيادة التي جعلها الله تعالى لهذه الأمة من بين سائر الأمم. وقد روى شهر ~~بن جوشب أن عمر رضي الله عنه قال: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا ~~مغفور. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: السابق هم الذين مضوا على عهد ~~النبي، والمقتصد هم الذين اتبعوهم، والظالم مثلي ومثلك، تقول ذلك للمخاطب. # PageV04P358 # {عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) # وعن أبي الدرداء قال: السابق هو الذي لا يحاسب أصلا يوم القيامة، ~~والمقتصد هو الذي يحاسب حسابا يسيرا ويدخل الجنة، والظالم هو الذي يحاسب ~~حسابا شديدا ويدخل النار ثم ينجو. # وعن بعضهم: أن الظالم لنفسه هم أصحاب المشأمة، والمقتصد هم أصحاب ~~الميمنة، والسابقون هم المقربون، ذكره السدي، فعلى هذا الظالم لنفسه كافر. ~~وعن بعضهم: أن الظالم لنفسه هم أصحاب الكبائر، والمقتصد هم أصحاب الصغائر، ~~والسابق هو الذي لم يرتكب صغيرة ولا كبيرة، وعبر بعضهم عن هذا؛ قال: ~~المقتصد هم أصحاب التوسط في الطاعات، فعلى هذا من غلبت سيئاته على حسناته ~~فهو ظالم، ومن استوت سيئاته وحسناته فهو مقتصد، ومن غلبت حسناته على سيئاته ~~فهو سابق، وهذا قول معروف مأثور [عن رسول الله] . # وعن بعضهم قال: الظالم آدم، والمقتصد إبراهيم، والسابق هو محمد. وقال ~~بعضهم: الظالم هو المريد، والمقتصد هو المحب، والسابق هو الواله. وقال ~~بعضهم: الظالم هو الذي همه نفسه والدنيا، والمقتصد هو الذي همه الجنة، ~~والسابق هو الذي همه ربه. # وعن بعضهم قال: الظالم هو الواقف، والمقتصد هو السائر، والسابق هو ~~الواصل. وفي الآية كلام كثير. # وقوله: { [ومنهم مقتصد ومنهم سابق] بالخيرات بإذن ms1373 الله} أي: بالطاعات: ~~بعلم الله. # وقوله: {ذلك هو الفضل الكبير} أي: الفضل العظيم. # PageV04P359 # قوله تعالى: {جنات عدن يدخلونها} روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه # PageV04P359 # {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذي ~~أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (35) ~~والذين كفروا لهم} أنه قال: أرجى آية في كتاب الله تعالى هذه الآية؛ لأنه ~~جمع بين الظالم والمقتصد والسابق، ثم قال: {جنات عدن يدخلوها} وعن بعضهم ~~قال: إن الواو في قوله: {يدخلونها} أحب إلي من كذا وكذا. وعن كثير من السلف ~~أنهم قالوا: كل هؤلاء من هذه الآية. # وقوله: {يحلون فيها من أساور من ذهب} ظاهر المعنى. والأساور: جمع السوار. # وقوله: {ولؤلؤ} أي: من ذهب ولؤلؤ، وقرئ: " ولؤلؤا " بالنصب أي: يحلون ~~لؤلؤا. # وقوله: {ولباسهم فيها حرير} أي: الديباج. ومن المعروف أن النبي قال: " من ~~لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة "، وقال: " هو لهم في الدنيا، ~~ولنا في الآخرة ". # PageV04P360 # قوله تعالى: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} قال ابن عباس: حزن ~~النار. وعن قتادة: حزن الموت. وعن بعضهم: هم المعيشة. # وقال مجاهد: هم الخبز. والأولى أن يحمل على جميع الأحزان، فهم ينجون عن ~~كلها، ومن المعروف أن الحزن: هو حزن أهوال القيامة. # وقوله: {إن ربنا لغفور شكور} قد بينا. # PageV04P360 # قوله تعالى: {الذي أحلنا دار المقامة من فضله} قد بينا معنى المقامة ~~والمقامة. # وقوله تعالى: {لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} أي: تعب وإعياء. # PageV04P360 # قوله تعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا} أي: لا ~~يقضي عليهم الموت فيموتوا. # وقوله: {ولا يخفف عنهم من عذابها} أي: من عذاب النار. # PageV04P360 # {نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل ~~كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أو ~~لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ~~(37) } # وقوله: {كذلك نجزي كل كفور} ms1374 أي: كفور للنعمة. # PageV04P361 # قوله تعالى: {وهم يصطرخون فيها} يصطرخون يفتعلون من الصراخ، وهو الصياح. # وقوله: {ربنا أخرجنا} أي: يصطرخون ويقولون: {ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير ~~الذي كنا نعمل} أي: نعمل من الصالحات بدل ما كنا نعمل من السيئات. # وقوله: {أو لم نعمركم} أي: يقول الله تعالى لهم: {أو لم نعمركم ما يتذكر ~~فيه من تذكر} معناه: أو لم نعمركم العمر الذي يتذكر فيه من تذكر. واختلف ~~القول في ذلك العمر؛ فالأكثرون على أنه ستون سنة، (وهذا) مروي عن علي رضي ~~الله عنه وقد روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: " من عمره الله ستين سنة فقد ~~أعذر إليه في العمر ". وعن بعضهم: أنه أربعون سنة. وعن بعضهم: ثمانية عشر ~~سنة. وقال الحسن البصري: هو البلوغ. وعن بعضهم: هو سبعون سنة؛ لأنه، عند ~~ذلك يدخل في الهرم. # وقوله: {وجاءكم النذير} أي: محمد. # والقول الثاني: أنه الشيب، حكى ذلك عن وهب بن منبه وغيره. وفي الأثر: ما ~~من شعرة تبيض إلا قالت لأختها: يا أختي، استعدي فقد قرب الموت. وقال بعضهم: ~~الشيب (حطام) المنية. وسماه بعضهم بريد الموت. # PageV04P361 # {إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) هو الذي ~~جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم ~~إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) قل أرأيتم شركاءكم الذين ~~تدعون من دون} # والقول الثالث: أن قوله: {وجاءكم النذير} كل ما ينذر ويخوف بها. وفي غريب ~~التفسير: أنه الحمى. وقيل أيضا: هو العقل. # وقوله: {فذوقوا فما للظالمين من نصير} أي: ناصر. # PageV04P362 # قوله تعالى: {إن الله عالم غيب السموات والأرض} (الآية) ظاهر المعنى. # PageV04P362 # قوله تعالى: {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} أي: يخلف بعضكم بعضا، وكل من ~~تلا إنسانا، وقام بعده فهو خليفته، ولهذا سمي أبو بكر خليفة رسول الله؛ ~~لأنه قام بالأمر بعده، وإلا فعند أهل العلم أن الرسول توفي، ولم يستخلف ~~أحدا. ومن هذا قول عمر رضي الله عنه حين حضرته الوفاة. وقيل له: استخلف. ms1375 ~~فقال: إن لم أستخلف فلم يستخلف رسول الله، وإن استخلف فقد أستخلف أبو بكر، ~~وهذا قو ل ثابت عن عمر. # وقوله: {فمن كفر فعليه كفره} أي: فعليه وبال كفره. # وقوله: {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا} أي: بغضا. وقيل: ما ~~يوجب لهم المقت. # وقوله سبحانه وتعالى: {ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا} أي: خسرانا. # PageV04P362 # قوله تعالى: {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله} أي: الذين ~~جعلتموهم شركائي على زعمكم من الأصنام والملائكة. # وقوله: {اروني ماذا خلقوا من الأرض} أي: أعلموني. # وقوله: {أم لهم شرك في السموات} أي: شركة. # PageV04P362 # {الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم آتيناهم كتابا ~~فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا (40) إن الله ~~يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه ~~كان حليما غفورا (41) } # وقوله: {أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه} أي: على دلائل واضحة منه. # وقوله: {بل إن يعد الظالمون} أي: ما يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا، ~~والغرور كل ما يغر الإنسان مما لا أصل له. # PageV04P363 # قوله تعالى: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} معناه: لئلا تزولا، ~~وقيل: كراهة أن تزولا. # وقوله: {ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} أي: لا يمسكهما أحد سواه، ~~فإن قيل: ما معنى قوله: {ولئن زالتا} وهي لا تزول؟ # والجواب: أن الله تعالى قد قال: {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا} والله تعالى يمسكهما عن هذه الأشياء. ~~وفي بعض الآثار: أن موسى عليه السلام قال: يا رب، كيف أعلم [أنك] لا تنام؟ ~~فوضع في يديه قارورتين على ما ذكرنا. # وفي بعض التفاسير: أن الأرض ثقيلة متسلفة، والسماء خفيفة مستطيرة، وقد ~~ألصق الله تعالى أطراف السموات بأطراف الأرضين، فالسماء تمنع الأرض بتصعدها ~~عن التسفل، والأرض تمنع السماء بثقلها عن الصعود، حكاه النقاش، والله أعلم. # وقوله: {إنه كان حليما غفورا} فإن قيل: ما ms1376 معنى ذكر الحلم ها هنا؟ # قلنا: لأن هذه الأشياء همت بما همت عقوبة للكفار، فأمسكها الله تعالى، ~~ولم يدعها أن تزول تركا للمعالجة في العقوبة، وكان ذلك حلما منه جل جلاله. # PageV04P363 # {وأقسموا بالله جهد أيمانكم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ~~فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا ~~يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله ~~تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين} # PageV04P364 # قوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} هذا في مشركي مكة، فإنهم كانوا ~~قالوا: لو جاءنا نذير لكنا أهدى أي: أقبل للكتاب، وألزم له من اليهود ~~والنصارى، فلم يفوا بما قالوا حين جاءهم الرسول، فأنزل الله تعالى في ~~شأنهم، فهو معنى قوله: {لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم} أي: ~~اليهود والنصارى. # وقوله: {فلما جاءهم نذير} أي: محمد {ما زادهم إلا نفورا} أي: ما زادهم ~~المجيء إلا نفورا. # PageV04P364 # قوله تعالى: {استكبارا في الأرض} يعني: أنهم ردوا ما ردوا استكبارا في ~~الأرض. # وقوله: {ومكر السيئ} أي: وفعل المكر السيئ، وفي قراءة ابن مسعود: " ومكرا ~~سيئا ". وفي المكر السيئ قولان: أحدهما: أنه الشرك، والآخر: أنه المكر ~~برسول الله. # وقوله: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} أي: لا تنزل عقوبة المكر السيئ ~~إلا بأهله، وحقيقة المعنى: أن وبال المكر راجع إليهم. # وقوله: {فهل ينظرون إلا سنة الأولين} (أي: طريقة الأولين) في الإهلاك ~~ونزول العذاب لهم. # وقوله: {فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا} ظاهر ~~المعنى، والمراد من التكرار هو التأكيد. # PageV04P364 # قوله تعالى: {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه} أي: ليفوت عنه. # PageV04P364 # {من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ~~ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ~~ترك ms1377 على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله ~~كان بعباده بصيرا (45) } . # وقوله: {من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا} ظاهر ~~المعنى. # PageV04P365 # قوله تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا} من القبائح والمعاصي. # وقوله: {ما ترك على ظهرها من دابة} أي: على ظهر الأرض بما كسب الناس من ~~الذنوب. وعن ابن مسعود قال: إن الجعل تعذب في حجرها بذنب ابن آدم. # وقوله: {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} أي: إلى مدة معلومة. # وقوله: {فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا} أي: بصيرا بأعمالهم ~~يجازيهم عليها، الحسنة بالحسنة، والسيئة بالسيئة. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | يس # (1) والقرآن الكريم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم} # تفسير سورة يس # وهي مكية، وروى مقاتل بن حيان، عن قتادة، عن أنس، عن النبي قال: " إن لكل ~~شيء قلبا، وإن قلب القرآن سورة يس، ومن قرأ سورة يس أعطاه الله ثواب قراءة ~~القرآن عشر مرات. # والخبر غريب أورده أبو عيسى في جامعه، والله أعلم. # PageV04P365 # قوله تعالى: { ### | يس # } قال ابن عباس: قسم أقسم الله به، وقال قتادة: اسم للسورة، وقال مجاهد: ~~يس من فواتح القرآن، وقال (الحسن) وسعيد بن جبير والضحاك وجماعة معنى قوله: ~~{يس} يا إنسان، وهذا هو أشهر الأقاويل، قال ثعلب: هو يا إنسان بلغة طي، ~~وقال غيره: بلغة كلب، وقرأ عيسى بن عمر: " يسن " بالنصب، ويقال معناه: يا ~~محمد. # PageV04P365 # وقوله: {والقرآن الحكيم} يعني: والقرآن الذي أحكم بالأمر والنهي والثواب ~~والعقاب، # PageV04P365 # وقوله، {إنك لمن المرسلين} على هذا وقع القسم؛ فكأن الله تعالى أقسم ~~بالقرآن أن محمدا من المرسلين. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: سمى الله رسوله محمدا في # PageV04P365 # ( {4) تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) ~~لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ~~فهي إلى} القرآن بسبعة أسماء: محمد، وأحمد، وطه، ويس، والمدثر، والمزمل، ~~وعبد الله. # PageV04P367 # وقوله: {على صراط مستقيم} فيه وجهان: أحدهما: أنه خبر بعد ms1378 خبر، والآخر أن ~~معناه: إنك لمن المرسلين الذين هم على صراط مستقيم. # PageV04P367 # وقوله: {تنزيل العزيز الرحيم} أي: هو تنزيل العزيز الرحيم، وقرئ: " تنزيل ~~" بنصب اللام أي: أنزله الله تنزيل العزيز الرحيم. # PageV04P367 # قوله تعالى: {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم} فيه قولان: أحدهما: أن " ما " ~~للنفي، والمعنى. لم ينذر آباؤهم أصلا؛ فإن الله تعالى ما بعث إلى قريش سوى ~~النبي. # والقول الثاني: أن " ما " ها هنا بمعنى الذي، فمعنى الآية على هذا لتنذر ~~قوما بالذي أنذر آباؤهم. # وقوله: {فهم غافلون} أي: عن الإنذار، وحكى النقاش في تفسيره عن النبي " ~~أن مضر كان قد أسلم ". # وحكى أبو عبيدة أن تميما كان يكنى أبا زيد، وكان له صنم يعبده، فأسلم ~~ودفن صنمه، ثم إن ابنه زيدا استخرج الصنم من ذلك المكان، وعبده فسمى زيد ~~مناة. # PageV04P367 # قوله تعالى: {لقد حق القول} أي: وجب القول على أكثرهم، ومعنى وجوب القول ~~هو وجوب الحكم بالعذاب، وقوله: { [على أكثرهم] فهم لا يؤمنون} أي: لا ~~يصدقون. # PageV04P367 # قوله تعالى: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} فإن قيل: الغل إنما يكون على ~~اليد! والجواب عنه: أن العادة أن اليد تغل إلى العنق، فذكر الأعناق لهذا ~~المعنى، واكتفى # PageV04P367 # {الأذقان فهم مقحمون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم} بذكرها عن ذكر الأيدي، قال الأزهري: معنى الآية: إنا جعلنا في ~~أعناقهم وأيديهم أغلالا، فهي كناية عن الأيدي. # فإن قيل: فكيف يكنى عن الأيدي ولم يجر لها ذكر؟ والجواب عنه: أن العرب ~~تكني عن الشيء وإن لم تجر له ذكرا، إذا كان معلوما. # قال الشاعر: # (ولا أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني) # (أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني) # فقد كنى بقوله: أيهما عن الشر والخير، والشر غير مذكور. # وقوله: {إلى الأذقان} معناه: إلى الأعناق إلا أنه ذكر الأذقان لقرب ~~الأعناق من الأذقان، وقوله: {فهم مقحمون} المقمح: هو الذي رفع رأسه وغض ~~طرفه، والعرب تسمى الكانونين شهري القماح؛ لأن الإبل ترد الماء وتشرب، ~~فترفع رأسها من شدة البرد، قال ms1379 الشاعر: # (ونحن على جوانبه قعود ... نغض الطرف كالإبل القماح) # وقرأ ابن مسعود: " إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا "، وهي قراءة معروفة عنه. # PageV04P368 # قوله تعالى: {وجعلنا من بين أيديهم سدا} وقرئ: " سدا " برفع السين. # قال عكرمة: ما كان من صنع الله فهو سد، وما كان من صنع المخلوقين فهو سد، ~~وقال غيره: السد ما يرى، والسد ما لا يرى، ومنهم من لم يفرق بينهما، وقال ~~هما بمعنى واحد. # قال أهل التفسير: ذكر السد ها هنا على طريق ضرب المثل، وكذلك ذكر الأغلال ~~في الآية الأولى على قول بعضهم، والمعنى من ذكر الأغلال منعهم عن الإنفاق ~~في # PageV04P368 # {فهم لا يبصرون (9) وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10) ~~إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) ~~إنا نحن} سبيل الله. والمعنى من السد هو المنع من الهداية. وذكر بعضهم: أن ~~الآية نزلت على سبب، وهو أن قوما من بني مخزوم تشاوروا في قتل النبي، فجاء ~~أحدهم ليقتله وهو في الصلاة؛ فجعل يسمع صوته ولا يرى شخصه، وجاء آخر فرأى ~~شيئا عظيما يقصده بالهلاك، فخاف ورجع، ويقال: إن الثاني كان أبو جهل عليه ~~لعنة الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية في هذا، وهو قوله " {وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا} . # وقوله: {فأغشيناهم} من التغشية والتغطية، وقرأ ابن عباس وعمر بن عبد ~~العزيز " فأغشيناهم " بالعين غير المعجمة، من قوله تعالى: {ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا [فهو له قرين] } أي: تعمى، فمعنى قوله: [ {أغشيناهم} ~~] أي: أعميناهم. # وقوله: {فهم لا يبصرون} أى: طريق الحق. # PageV04P369 # قوله تعالى: {وسواء عليهم أانذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} هذا في أقوام ~~بأعيانهم، وقد مضوا ولم يؤمنوا على ما قال الله تعالى. # PageV04P369 # قوله تعالى: {إنما تنذر من اتبع الذكر} أي: استمع الذكر، وهو القرآن، ~~واتبع ما فيه، وقوله: {وخشي الرحمن بالغيب} أي: خاف الرحمن بالغيب. # وقوله تعالى: {فبشره بمغفرة وأجر كريم} أي: الجنة. # PageV04P369 # قوله تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى} أي: في الآخرة، ويقال: يحيي القلوب ~~الميتة ms1380 بنور الإيمان، وقوله: {ونكتب ما قدموا} أي: ما عجلوا. # وقوله: {وآثارهم} أي: ونكتب آثارهم، وفي آثارهم قولان: # PageV04P369 # {نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (12) ~~واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذ أرسلنا إليهم ~~اثنين} أحدهما: أن معناها ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة. # والقول الثاني: أن قوله: {وآثارهم} أي: الخطا إلى المساجد، وروى أبو سعيد ~~الخدري: " أن بني سلمة كانت منازلهم في ناحية من المسجد أي: بعيدة؛ فأرادوا ~~أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، وقال لهم النبي: منازلكم، منازلكم، تكتب ~~آثاركم، فتركوا الانتقال ". # وقد ورد في الخبر عن النبي أنه قال: " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من ~~عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة فله ~~وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أوزارهم شيء ". # وقوله: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} أي: جمعناه في كتاب مبين، والإمام ~~المبين هو اللوح المحفوظ. # PageV04P370 # قوله تعالى: {واضرب لهم مثلا} ضرب المثل هو تمثيل المثل، ومعنى الآية: ~~واذكر لهم مثل حالهم من قصة أصحاب القرية. # وأما القرية: فأكثر أهل التفسير أن القرية هي أنطاكية، وقال بعضهم: هي ~~بلد من بلاد الروم، وقوله: {إذ جاءها المرسلون} في القصة: أن عيسى عليه ~~السلام بعث إليهم برجلين من الحواريين، ثم بعث بثالث بعدهما، فهو معنى قوله ~~تعالى: # PageV04P370 # (فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) قالوا ما أنتم إلا ~~بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون (15) قالوا ربنا يعلم ~~إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين (17) قالوا إنا تطيرنا ~~بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) # PageV04P371 # {إذا أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} والثالث كان اسمه شمعون ~~رأس الحواريين، وقوله: {عززنا} أي: شددنا وقوينا، وقرأ عاصم وحده: " فعززنا ~~" بالتخفيف، وهو في معنى الأول. # وفي التفسير: أن القوم كذبوا الرسولين الأولين وهموا بقتلهما، فجاء هذا ~~الثالث وتلطف الدخول على الملك، وكانت قد توفيت ابنته ودفنت، فقال ms1381 للملك: ~~اطلب من [هذين] الرجلين أن يحييا ابنتك، فإن أحيياها فهما [صادقان] فطلب ~~منهما الملك ذلك؛ فقاما وصليا [ودعيا] الله تعالى، ودعا شمعون معهما في ~~السر، فأحيا الله تعالى المرأة، وانشق القرب عنها وخرجت، وقالت للقوم: ~~أسلموا، فإنهما صادقان، ولا أظنكم تسلمون، ثم طلبت من الرسولين أن يرادها ~~إلى مكانها، فذريا ترابا على رأسها، وعادت إلى قبرها كما كانت، ولم يؤمن ~~القوم. # PageV04P371 # قوله تعالى: {قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن ~~أنتم إلا تكذبون} ظاهر المعنى. # PageV04P371 # قوله تعالى: {قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} فإن قيل: كيف يكون علم ~~الله تعالى أنهم رسل الله حجة عليهم؟ # الجواب عنه: أن معناه: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون بما أظهر على أيدينا ~~من الآيات والمعجزات؛ فصارت الحجة قائمة بالآيات والمعجزات، لا بنفس العلم. # PageV04P371 # وقوله: {وما علينا إلا البلاغ المبين} أي: الإبلاغ البين. # PageV04P371 # قوله تعالى: {قالوا إنا تطيرنا بكم} أي: تشاءمنا بكم، وفي التفسير: أنه ~~كان # PageV04P371 # {وليمسنكم منا عذاب أليم (18) قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم ~~مسرفون (19) وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين ~~(20) اتبعوا من} حبس عنهم المطر حين جاءهم هؤلاء الرسل. # واختلف القول في أنهم كانوا رسل الله أو رسل عيسى، فأحد القولين: انهم ~~كانوا رسل عيسى عليه السلام كما بينا، والقول الآخر: أنهم كانوا رسل الله. # قوله: {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم} أي: [لنقتلنكم] بالحجارة، وقيل: نشتمنكم، ~~والأول أولى. # وقوله: {وليمسنكم منا عذاب أليم} أي: مؤلم، والمؤلم هو الموجع. # PageV04P372 # قوله تعالى: {قالوا طائركم معكم} أي: شؤمكم معكم بكفركم وتكذيبكم الرسل. ~~وقيل: طائركم معكم أي: أقداركم وأعمالكم تابعة إياكم، تقول العرب: طار ~~بمعنى صار قال الشاعر: # (تطير غدائر الإشراك شفعا ... ووترا والزعامة للغلام) # وقيل: طائركم معكم أي: ما طار لكم من عمل خير أو شر فهو معكم ولازم ~~إياكم. وقوله: {أئن ذكرتم} معناه: أئن ذكرتم بالله تطيرتم، وقرئ " أن ذكرتم ~~" أي: لأن ذكرتم تطيرتم. وقوله: {بل أنتم قوم مسرفون} أي: مجاوزون الحد. ms1382 # PageV04P372 # قوله تعالى: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} ذهب أكثر المفسرين أنه كان ~~رجل يسمى حبيب النجار، وقال السدي: كان قصارا. وعن بعضهم: أنه كان إسكافا ~~قال قتادة: كان رجلا يعبد الله في غار؛ فسمع بخبر الرسل فجاءهم، وقال: ~~أتطلبون جعلا على رسالتكم؛ قالوا: لا؛ فأقبل على قومه، وقال لهم ما قال ~~الله، وهو قوله: {يا قوم اتبعوا المرسلين} والمدينة: هي القرية التي ~~ذكرناها، وهي الأنطاكية. # PageV04P372 # وقوله: {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} ظاهر المعنى. # وعن بعضهم أنه قال: مسكن الأشراف الأطراف، واستدل بهذه الآية، وهو قوله: # PageV04P372 # {لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (21) وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ~~(22) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون (23) إني إذا لفي ضلال مبين (24) إني آمنت بربكم فاسمعون (25) قيل ~~ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ~~(27) } {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} أي: من أبعد موضع بالمدينة. # PageV04P373 # قوله تعالى: {وما لي لا أعبد الذي فطرني} معناه: ولم لا أعبد الذي فطرني ~~{وإليه ترجعون} . # فإن قيل: كيف أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم؟ # والجواب عنه: أنه أضاف الفطرة إلى نفسه؛ لأن النعمة كانت عليه أظهر، ~~وأضاف الرجوع إليهم؛ لأن الزجر كان بهم أحق، وفي ذكر الرجوع معنى الزجر. # PageV04P373 # قوله تعالى: {أأتخذ من دونه آلهة} استفهام بمعنى الإنكار أي: لا أتخذ، ~~وقوله: {إن يردن الرحمن بضر} أي: بسوء ومكروه، وقوله: {لا تغن عني شفاعتهم ~~شيئا} أي: لا تغني عني الأصنام شيئا؛ لأنه لا شفاعة لهن، وقد كانوا يزعمون ~~الكفار أنها تشفع لهم يوم القيامة. # وقوله: {ولا ينقذون} أي: لا ينقذونني من العذاب لو عذبني الله. # PageV04P373 # قوله: {إني إذا لفي ضلال مبين} أي: في خطأ ظاهر لو فعلت هذا. # PageV04P373 # قوله تعالى: {إني آمنت بربكم فاسمعون} قال أبو عبيدة: مجازه فاسمعوا مني، # PageV04P373 # قوله: {قيل ادخل الجنة} في التفسير: أنه لما قال هذا القول وثب القوم ~~عليه وثبة واحدة فوطئوه بأرجلهم ms1383 حتى قتلوه، وحكى هذا عن ابن مسعود، ويقال: ~~وطئوه حتى خرج قصبه من دبره؛ فأدخله الله الجنة، فهو ثم حي يرزق، وهو معنى ~~قوله: {قيل ادخل الجنة} . # وقوله: {يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي} أي: بمغفرة ربي لي، قال ~~قتادة: # PageV04P373 # {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن ~~كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) يا حسرة على العباد ما يأتيهم من ~~رسول إلا} نصحهم حيا وميتا، وقوله: {وجعلني من المكرمين} أي: ممن دخل ~~الجنة، ومن أدخل الجنة فقد أكرم، ومن أدخل النار فقد أهين. # PageV04P374 # قوله تعالى: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء} أي: من ~~ملائكة، وقوله: {وما كنا منزلين} أي: وما كنا لنفعل هذا، بل الأمر في ~~هلاكهم كان أيسر مما تظنون. # PageV04P374 # قوله تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة} أي: ما كانت إلا صيحة واحدة. وفي ~~القصة: أن جبريل عليه السلام جاء ووقف على باب المدينة وصاح بهم صيحة فخروا ~~ميتين كأن لم يكونوا، وصاروا كرماد خامدين هامدين. # وفي الأخبار: أن عروة بن مسعود الثقفي لما أسلم استأذن من رسول الله أن ~~يذهب لى قومه وهم ثقيف ويدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله: " إني أخشى أن ~~يقتلوك، فقال: لو كنت نائما ما أيقظوني، ثم إنه ذهب إليهم ودعاهم إلى ~~الإسلام، فرماه رجل بسهم فأصاب أكحله ومات، فبلغ النبي فقال: هو في هذه ~~الأمة مثل صاحب يس، وهو حبيب النجار ". # PageV04P374 # قوله تعالى: {يا حسرة على العباد} فإن قيل: كيف يستقيم نداء الحسرة، ~~والحسرة لا تعقل شيئا؟ وأيضا كيف يتحسر الله تعالى على العباد الذين ~~أهلكهم، # PageV04P374 # {كانوا به يستهزءون (30) ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم ~~لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع لدينا محضرون (32) وآية لهم الأرض الميتة ~~أحييناها} ولا يجوز عليه هذه الصفة؟ والجواب عنه: أن معنى قول القائل يا ~~حسرة مثل قوله: يا عجبا، وكذلك قوله: يا حسرتاه، مثل قوله: يا عجباه، ~~والعرب تقول هذا ms1384 على طريق المبالغة، والنداء عندهم بمعنى التنبيه، فيستقيم ~~فيمن يعقل وفيمن لا يعقل، وقوله: يا عجباه أبلغ من قولهم: أنا أتعجب من ~~كذا، فكأنه قال: أيها العجب هذا وقتك، وأيها الحسرة هذا زمانك، وحقيقة ~~المعنى: أن هذا الزمان زمان الحسرة والتعجب. # وأما قوله: إن الحسرة على الله لا تجوز، قلنا: نعم، ومعنى الآية: يا حسرة ~~على العباد من أنفسهم؛ وكأنهم يتحسرون على أنفسهم غاية الحسرة، والحسرة هي ~~التلهف على أمر فائت بأبلغ وجوهه حتى يبقى الرجل حسيرا منقطعا من شدته، ~~وقرئ في الشاذ: " يا حسرة العباد " وجواب آخر: أنه تعالى قال: {يا حسرة على ~~العباد} لأنهم صاروا بمنزلة يتحسر عليهم، ويقال معناه: يا حسرة الرسل ~~والملائكة على العباد، والجواب الأول أحسن الأجوبة. # وقوله: {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون} أي: استهزاء التكذيب. # PageV04P375 # قوله تعالى: {ألم يروا كم أهلكنا} قرأ ابن مسعود " ألم يروا من أهلكنا "، ~~والمعروف كم أهلكنا، وهو للتكثير. # وقوله: {قبلهم من القرون} اختلفوا في مدة القرن، وقد بينا من قبل، وقد ~~روي عن النبي: أنه قال لعبد الله بن بسر المازني: " إنك تعيش قرنا؛ فعاش ~~مائة سنة "، وقوله: {أنهم إليهم لا يرجعون} أي: لا يرجعون إلى الدنيا. # PageV04P375 # قوله تعالى: {وإن كل لما} " إن " ها هنا بمعنى: ما، و " لما " بمعنى: ~~إلا، فمعنى الآية: وما كل إلا جميع لدينا محضرون، وفي مصحف أبي بن كعب على ~~هذا الوجه. # PageV04P375 # {وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب ~~وفجرنا فيها من العيون (34) ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ~~(35) سبحان} # PageV04P376 # قوله تعالى: {وآية لهم الأرض الميتة} وقرئ: " الميتة " بالتشديد. # وقوله: {أحييناها} أي: بالمطر. # وقوله: {وأخرجنا منها حبا} أي: الحنطة والشعير وما أشبه هذا، وقوله: ~~{فمنه يأكلون} أي: من الحب يأكلون. # PageV04P376 # وقوله تعالى: {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب} أي: في الأرض جنات من ~~نخيل وأعناب. # وقوله: {وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره} أي: وفجرنا فيها المياه ~~من العيون؛ ليأكلوا من الثمر الحاصل بالماء. # وقوله: ms1385 {وما عملته أيديهم} أي: وليأكلوا مما عملته أيديهم مما يحرثون ~~ويزرعون ويغرسون، وقرئ: " وما عملت أيديهم " بمعنى الأول. # والقول الثاني في الآية: أن " ما " للنفي ها هنا، ومعناه: أنا رزقناهم ~~مما لم تعمله أيديهم. # وقوله: {أفلا يشكرون} يعني: هذه النعم. # PageV04P376 # قوله تعالى: {سبحان الله الذي خلق الأزواج كلها} أى: الأصناف كلها. # وقوله: {سبحان الذي} أي: سبحوا الله الذي خلق الأزواج كلها. وقوله: {مما ~~تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} أي: من النبات، والحيوان الذي لا ~~يعلمونه. # وذكر بعض أهل التفسير: أن ما لا يعلمون ها هنا هو الروح، والله تعالى خلق ~~الروح في النفس ولا يعلمه أحد، وذكر بعضهم أن قوله: {وما عملته أيديهم} ~~راجع إلى العيون، ومن العيون والأنهار ما لم تعلمها أيدي الخلق مثل: دجلة، # PageV04P376 # {الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) ~~وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقر ~~لها ذلك} والفرات، والنيل، وسيحان، وجيجان. # PageV04P377 # قوله تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} أي: نكشط ونزيل، ومعناه: ~~نذهب بالنهار، ونجيء بالليل، فكأنه استخرج منه، وقوله: {فإذا هم مظلمون} ~~أي: داخلون في الظلمة. # PageV04P377 # قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها} قرأ ابن عباس رضي الله عنهما " ~~والشمس تجري لمستقر لها " أي: تسير وتجري أبدا من غير قرار ولا وقوف. وأما ~~القراءة المعروفة " لمستقر لها " وفيه قولان: أحدهما: أن مستقرها هو نهاية ~~دورانها إذا قامت الساعة. # والقول الثاني: أن مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف، ونهاية ~~هبوطها في الشتاء، وقد ثبت عن النبي برواية الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن ~~أبيه، عن أبي ذر أنه قال: " كنت عند النبي حتى غابت الشمس، فقال: يا أبا ~~ذر، أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: إنها تذهب وتستأذن في ~~السجود ". وفي رواية: " تذهب إلى تحت العرش وتستأذن في السجود؛ فيؤذن لها ~~في السجود، ويقال لها: اطلعي من حيث كنت تطلعين، وكأنها قد قيل لها يوما يا ~~أبا ذر: اطلعي من حيث ms1386 جئت؛ فتطلع من مغربها، ثم قرأ النبي قوله تعالى: " ~~وذلك مستقر لها ". قال: وفي هذا الخبر أنه كذلك في قراءة عبد الله بن ~~مسعود. # قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الخبر عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، ~~أخبرنا أبو العباس الطحان، أخبرنا أبو العباس بن محبوب، أخبرنا أبو عيسى ~~الترمذي، أخبرنا # PageV04P377 # {تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ~~(39) لا} [هناد بن السري، أخبرنا] أبو معاوية الضرير، عن الأعمش. . الخبر. # وقوله: {ذلك تقدير العزيز العليم} ظاهر المعنى، وذكر البخاري في الصحيح ~~برواية أبي ذر أيضا: " أنه سأل النبي عن قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر ~~لها} قال: مستقرها تحت العرش ". # وذكر الأزهري في قوله: {تجري لمستقر لها} أي: تجري للأجل الذي أجل لها، ~~والتقدير الذي قدر لها. # PageV04P378 # قوله تعالى: {والقمر قدرناه منازل} قرئ بالرفع، وقرئ بالنصب، فأما ~~بالنصب: وقدرنا القمر منازل، وأما بالرفع فمعناه: وآية لهم القمر قدرناه ~~منازل. # وروى أن سعيد بن المسيب سمع رجلا ينشد: # (وغاب قمير كنت أرجو أفوله ... وروح رعيان ونوم سمر) # فقال: قاتله الله، لقد صغر ما عظمه الله، قال الله تعالى: {والقمر قدرناه ~~منازل} . # وقوله: {حتى عاد كالعرجون القديم} قال جعفر بن محمد: كعذق النخلة ~~القديمة، والأكثرون أن العرجون هو عود الكباسة إذا دق ويبس وتقوس. # وقوله: {القديم} هو البال، ويقال القديم هو الذي مضى عليه حول. # وأما منازل القمر فهي ثمانية وعشرون منزلا: السرطان، والبطين، والثريا، ~~والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، ~~والصرفة، # PageV04P378 # {الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ~~(40) } والعواء، والسماك، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، ~~والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفزع ~~الدلو المقدم وفزع الدلو المؤخر، وبطن الحوت. # فهذه ثمانية وعشرون منزلا للقمر ينزل كل ليلة منزلا منها، ويكون أربعة ~~عشر منها أبدا ظاهرة، وأربعة عشر منها غائبة، كلما طلع منزل غاب منزل، ~~ويقال: الذي يغرب رقيب الذي يطلع، واثنا عشر منها تكون في سواد الليل ms1387 من ~~وقت غروب الشمس إلى وقت طلوع الصبح، واثنان منها من عند طلوع الصبح إلى ~~طلوع الشمس. # PageV04P379 # قوله تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} أي: لا يدخل الليل على ~~النهار قبل انقضائه، ولا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه. # قوله: {ولا الليل سابق النهار} أي: يتعاقبان بحساب معلوم إلى أن تنقضي ~~الدنيا، ويقول: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، يعني: لا تطلع الشمس ~~بالليل، ولا يطلع القمر بالنهار، ويكون له ضوء، فلا يدخل واحد منهما في ~~سلطان الآخر. # وقيل: لا يذهب واحد منهما بمعنى الآخر، وذكر يحيى بن سلام أن قوله تعالى: ~~{لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} هذا ليلة البدر خاصة؛ فإن الشمس لا ~~تطلع إلا وقد غاب القمر، فلا يجتمعان في رؤية العين، ويقال: لا تدركه أي: ~~لا يجتمع معه في فلك واحد؛ فإنهم قالوا: إن الشمس في السماء الرابعة، ~~والقمر في السماء الدنيا. # وقوله: {ولا الليل سابق النهار} أي: لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما ~~نهار فاصل. # وقوله: {وكل في فلك يسبحون} أي: يجرون ويدورون. # PageV04P379 # {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ~~ومتاعا إلى حين (44) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ~~ترحمون (45) وما} # PageV04P380 # قوله تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم} أي: آباءهم، هكذا قاله ثعلب ~~وغيره، واسم الذرية كما يقع على الأبناء يقع على الآباء. # وقوله: {في الفلك المشحون} أي: الموفر، وقيل: الممتلئ، وعن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه أنه قال: المراد بالآية أنا حملناهم في بطون الأمهات، ~~وشبه بطون الأمهات بالسفن المشحونة. # PageV04P380 # قوله تعالى: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} فيه قولان: أحدهما: أن ~~المراد به الزواريق الصغار والسفن التي تجري في الأنهار، فهي في الأنهار ~~كالسفن الكبار في البحر، وهذا القول قول قتادة والضحاك وغيرهما. # والقول الثاني: وهو ما رواه أبو صالح عن ابن عباس ms1388 أن معنى قوله: {وخلقنا ~~لهم من مثله ما يركبون} أي: الإبل، الإبل في البوادي كالسفن في البحار. # PageV04P380 # قوله تعالى: {وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم} أى: لا مغيث لهم (ولا هم ~~ينقذون) أى: ولا هم ينجون، # PageV04P380 # وقوله: {إلا رحمة منا} معناه: أن إنقاذهم برحمتنا. # وقوله: {ومتاعا إلى حين} وليمتعوا إلى مدة معلومة. # PageV04P380 # قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم} أي: اتقوا ما ~~بين أيديكم أي: القيامة فاحذروها {وما خلفكم} أي: الدنيا فلا تغتروا بها. # والقول الثاني: أن معنى قوله: {اتقوا ما بين أيديكم} أي: اتقوا مثل عذاب ~~الأمم الذين كانوا بين أيديكم؛ لئلا يصيبكم مثل ما أصابهم. # وقوله: {وما خلفكم} أي: اتقوا عذاب النار، وقوله: {لعلكم ترحمون} أي: ~~كونوا على رجاء الرحمة. # PageV04P380 # {تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وإذا قيل لهم ~~أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله ~~أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~(48) ما ينظرون إلا} # PageV04P381 # قوله تعالى: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} أي: ~~معرضين بالجحد والتكذيب. # PageV04P381 # وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله} أي: مما أعطاكم الله. # وقوله: {قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} # قال ابن عباس: كان بمكة زنادقة، فكان إذا قيل لهم: أنفقوا على الفقراء ~~مما (أعطاكم) الله؛ قالوا هذا القول على سبيل الاستهزاء، وعن البصري قال: ~~هذا قول اليهود، وكانوا يقولون: كيف نعطيهم وقد أفقرهم الله تعالى، ولو شاء ~~أن يعطيهم أعطاهم؟ وذكر القتيبي في كتاب " المعارف ": أن أبا الأسود الدؤلي ~~كان من خلقه أغناهم، فهذا حجة البخلاء في البخل، وهي حجة باطلة؛ لأن الله ~~تعالى منع الدنيا من الفقراء لا بخلا ولكن ابتلاء، وأمر الأغنياء بالإنفاق ~~لا بحكم الحاجة إلى أموالهم لكن ابتلاء شكرهم. # وقوله: {إن أنتم إلا في ضلال مبين} أي: في خطأ بين. # PageV04P381 # قوله تعالى: {ويقولون ms1389 متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} أي: وعد القيامة. # PageV04P381 # قوله تعالى: {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون} أي: يختصمون، ~~وهكذا في قراءة أبي بن كعب، ويقال: هم يخصمون أي: يتقاولون في حاجاتهم، وفي ~~الخبر عن النبي: " إن الساعة تقوم والرجل يسقي ماشيته، وتقوم والرجل يلط ~~حوضه، وتقوم والرجل يعرض سلعته على البيع، وتقوم والرجل قد رفع لقمته ~~ليضعها في فيه، فتقوم قبل أن يضعها في فيه ". # PageV04P381 # {صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم ~~يرجعون (50) ونفخ في الصور فإذا همم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا ~~يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت ~~إلا} # PageV04P382 # قوله تعالى: {فلا يستطيعون توصية} أي: إيصاء وقوله: {ولا إلى أهلهم ~~يرجعون} أي: ينقلبون، والمعنى: أن الساعة لا تمهلهم بشيء. # PageV04P382 # قوله تعالى: {ونفخ في الصور} الأول: هي النفخة الأولى، والثاني: هي ~~النفخة الأخرى، وبينهما أربعون سنة. # وقوله: {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} أي: من القبور. # وقوله: {إلى ربهم ينسلون} أي: يسرعون، قال الشاعر: # ((عسلان) الذئب أمسى قاربا ... برد اليل عليه فنسل) # وقال امرؤ القيس: # (فسلى ثيابي من ثيابك تنسل ... ) # والنسلان فوق المشي ودون العدو. # PageV04P382 # وقوله تعالى: {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} قال ابن عباس: يرفع ~~عنهم العذاب ما بين النفختين. وعن أبي بن كعب قال: ينامون نومة قبل البعث. ~~وعن مجاهد قال: يرفع عنهم العذاب فيهجعون ويرقدون. # وعن بعضهم: أن هذا القول من المؤمنين. وأظهر القولين هو القول الأول، ~~وأنه قول الكافرين، وقرأ ابن مسعود: " من أهبنا من مرقدنا ". # وقوله: {هذا ما وعد الرحمن} هو قول المؤمنين إجابة للكفار، وعلى القول ~~الآخر قول المؤمنين، ويجيبون به أنفسهم وقوله: {وصدق المرسلون} ظاهر. # PageV04P382 # وقوله: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} أي: # PageV04P382 # {صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) هم ~~وأزواجهم ms1390 في ظلال على الأرائك متكئون (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون} ~~حاضرون. # PageV04P383 # قوله تعالى: {فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} ~~ظاهر المعنى. # PageV04P383 # قوله تعالى: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل} وقرئ: " في شغل " بالجزم، قال ~~ابن عباس: في افتضاض الأبكار، وعنه أيضا أنه قال: في ضرب الأوتار، والأول ~~هو المعروف بين المفسرين. # والقول الثالث: في شغل عن عذاب أهل النار. # وقوله: {فاكهون} وقرئ: " فكهون " فمنهم من قال: هما بمعنى واحد مثل الحذر ~~والحاذر، ومنهم من فرق بينهما، قال: الفكه هو طيب النفس معجب بحاله، ~~والفاكه هو ذو الفاكهة. والمزاح يسمى فكاهة، قال الحطيئة: # (ودعوتني وزعمت أنك لابن بالضيف تامر) # أي: ذو تمر، وذو لبن، وقال آخر: # (فكه إلى جنب الخوان إذا غدت ... نكبا تقلع ثابت الأطناب) # PageV04P383 # قوله تعالى: {هم وأزواجهم في ظلال} الظلال: جمع الظل، وقوله: {على ~~الأرائك} في التفسير: سرر من الذهب مكللة بالدر والزبرجد والياقوت، عليها ~~حجال. # قال ثعلب: لا تكون الأرائك أريكة حتى تكون تحت حجلة. # وقوله: {متكئون} أي: أنهم ذوو اتكاة، وذكر الاتكاء في الجنة؛ لأنهم لا ~~ينامون. # PageV04P383 # قوله تعالى: {لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون} أي: ما يتمنون، تقول العرب: ~~ادع على ما شئت أي تمن على ما شئت، قال الأعشى: # PageV04P383 # ( {57) سلام قولا من رب رحيم (58) وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) ألم ~~أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) وأن ~~اعبدوني هذا} # (ركا شهي نشأة الذي ... سار ملكه له ما ادعى) # (راح عتيق ما ادعى ... ) # PageV04P384 # قوله تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} أكثر المفسرين أن معناه: يسلم الله ~~عليهم سلاما. وقوله: {قولا} أي: يقول قولا. # وفي رواية جابر عن النبي قال: " بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم ~~نور وأشرف عليهم ربهم جل وعلا فيسلم عليهم " الخبر إلى آخره، ويقال: تسلم ~~عليهم الملائكة من ربهم، وقيل: يعطيهم الله السلامة، ويقول: اسلموا السلامة ~~الأبدية، وقوله: {من رب رحيم} أي: عطوف. # PageV04P384 # قوله تعالى: {وامتازوا اليوم أيها ms1391 المجرمون} أي: امتازوا من المؤمنين. ~~وفي التفسير: اليهود قوم، والنصارى قوم، والمجوس قوم، والصابئون قوم، ~~والمشركون قوم، والمؤمنون قوم، والمعنى أن الله تعالى يميز بين أهل الصلاح ~~وأهل الفساد، وبين المشركين وبين المؤمنين، وبين المنافقين وبين المخلصين. # PageV04P384 # قوله تعالى: {ألم أعهد إليكم} أي: ألم آمركم {يا بني آدم ألا تعبدوا ~~الشيطان} أي: لا تطيعوا الشيطان، وعبادة الشيطان طاعته، وقوله: {إنه لكم ~~عدو مبين} أي: عدو بين العداوة. # PageV04P384 # وقوله: {وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} أي: طريق مستقيم على الحق. # PageV04P384 # {صراط مستقيم (61) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) هذه ~~جهنم التي كنتم توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) اليوم نختم ~~على} # PageV04P385 # قوله تعالى: {ولقد أضل منكم جبلا} وقرئ: " جبلا كثيرا "، وقرئ: " جبلا " ~~برفع الجيم والباء، ومعناه: خلقا كثيرا، قال الضحاك: عشرة آلاف فما زاد، ~~وعن بعضهم: خلقا كثيرا لا يحصى عددهم إلا الله، وقوله: {أفلم تكونوا ~~تعقلون} يعني: أفلم تعقلوا آياتي، وتنظروا فيها نظر من يعقل، # PageV04P385 # قوله تعالى: {هذه جهنم التي كنتم توعدون} أي: توعدون دخولها بكفركم. # PageV04P385 # قوله تعالى: {اصلوها اليوم} أي: ادخلوها وقاسوا حرها [ {بما كنتم تكفرون} ~~] ، # PageV04P385 # قوله تعالى: {اليوم نختم على أفواههم} قال أهل التفسير: هذا حين ينكر ~~الكفار كفرهم وتكذيبهم رسل الله، فيختم الله على أفواههم، ويأذن للجوارح في ~~الشهادة بما عملت، وفي المشهور من الأخبار أن النبي قال: " يقول العبد يوم ~~القيامة: يا رب، لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، فيختم الله على فمه، ~~ويقول لجوارحه: انطقي، فتتكلم الجوارح بما عملت، ثم يخلي بينه وبين لسانه، ~~فيقول لجوارحه: بعدا لكن وسحقا، فعنكن أناضل ". # وفي الخبر أيضا أن النبي قال: " يجاء بالناس يوم القيامة مفدمة أفواههم ~~بالفدام، وتشهد جوارحهم بما عملت، فأول ما يشهد فخذ الإنسان وكفه ". # PageV04P385 # {أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (65) ولو نشاء ~~لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو نشاء لمسخناهم على ~~مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا ~~يعقلون} # وقوله: {وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ms1392 بما كانوا يكسبون} قد بينا. # وقد أنكر بعضهم كلام الجوارح، وقال: معنى الكلام وجود دلالة تدل على أنها ~~قد عملت ما عملت، والصحيح أنها تتكلم حقيقة، وغير مستبعد كلام الجوارح في ~~قدرة الله تعالى. # PageV04P386 # قوله تعالى: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم} أي: أعميناهم، ويقال: أضللناهم ~~عن الهدى. قال المبرد وثعلب: المطموس والطميس هو الذي ليس في عينيه شق. # قوله تعالى: {فاستبقوا الصراط} أى: فتبادروا الطريق، وقوله: {فأنى ~~يبصرون} معناه: من أين يبصرون؟ وقيل: فكيف يبصرون؟ # PageV04P386 # قوله تعالى: {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم} أي: جعلناهم قردة وخنازير ~~في منازلهم، وقيل: أقعدناهم من أرجلهم، وقوله: {فما استطاعوا مضيا} أي: ~~ذاهبا، وقوله: {ولا يرجعون} أي: لا يرجعون إلى أهاليهم. # PageV04P386 # قوله تعالى: {ومن نعمره ننكسه في الخلق} وقرىء: ((ننكسه في الخلق)) أى: ~~ومن نطل عمره ننكسه في الخلق أي: نرده إلى أرذل العمر، ويقال: التنكيس في ~~الخلق هو ضعف الجوارح بعد قوتها، وقوله: {أفلا يعقلون} معناه: أفلا يعقلون ~~آياتي؟ . # PageV04P386 # قوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} قالوا: كان المشركون يزعمون ~~أن محمدا شاعر، وأن القرآن شعر؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له} أي: لا يسهل ولا يتزن له شعر، وفي الخبر: " أن النبي ~~أنشد # PageV04P386 # ( {68) وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) ~~لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) أو لم يروا أنا خلقنا لهم ~~مما عملت أيدينا أنعاما} يوما: # (كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا ... ) # فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله هو: # (كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ... ) # فقال النبي: " كلاهما واحد " فقال أبو بكر: أشهد أنك لا تقول الشعر، ولا ~~ينبغي لك ". # وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي أنشد شعر طرفة: # (ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من [لم] تزود) # فقال النبي: " ويأتيك من لم تزود بالأخبار ". # وقوله: {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} أي: تذكرة وقرآن بين. # PageV04P387 # قوله تعالى: {لينذر من كان حيا} أي: عاقلا، وقيل: ms1393 مؤمنا، وقال قتادة: حي ~~القلب، وقوله: {ويحق القول على الكافرين} أي: تجب حجة العذاب على الكافرين. # PageV04P387 # قوله تعالى: {أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا} أي: مما تولينا ~~خلقه وإبداعه، والأولى في الأيدي أن يؤمن بها ولا تفسر. # وقوله: {أنعاما فهم لها مالكون} أي: ضابطون، وأنشد سيبويه: # PageV04P387 # {فهم لها مالكون (71) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم ~~فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون ~~(74) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ~~ما} # ((لست من أجمل الأنام السلام ... ولا أملك رأس البعير إذ نفرا)) # أي: أضبط. # PageV04P388 # قوله تعالى: {وذللناها لهم} أي: جعلناها ذليلة لهم، وقوله: {فمنها ~~ركوبهم} الركوب: ما يركب، وقوله: {ومنها يأكلون} ظاهر المعنى. # PageV04P388 # قوله تعالى: {ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون} أي: في الأنعام منافع ~~من الأصواف والأوبار والأشعار، وقوله: {ومشارب} أي: من الألبان، وقوله: ~~{أفلا يشكرون} يعني: هذه النعم. # PageV04P388 # قوله تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون} أي: تدفع عنهم ~~العذاب، # PageV04P388 # قوله تعالى: {لا يستطيعون نصرهم} أي: لا تستطيع الأصنام دفع العذاب عنهم. # وقوله: {وهم لهم جند محضرون} فيه قولان: أحدهما: وهم لهم جند أي: الكفار ~~للأصنام جند وأتباع. # القول الثاني: أن هذا في القيامة، وهو أنه يدعا بكل معبود عبد من دون ~~الله، فيجاء به ومعه أتباعه، والذين عبدوه كأنهم جنده، وقوله: {فهم محضرون} ~~أي: يحضرون النار، ومعناه: يدخلونها. # PageV04P388 # قوله: {فلا يحزنك قولهم} أي: قولهم فيك إنه ساحر أو كاذب أو شاعر. # وقوله: {إنا نعلم} هذا ابتداء كلام، وقوله: {ما يسرون} يعني: من # PageV04P388 # {يسرون وما يعلنون (76) أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو ~~خصيم مبين (77) وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم (78) ~~قل يحييها} التكذيب، وقوله: {وما يعلنون} أي: من عبادة الأصنام. # PageV04P389 # قوله تعالى: {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} ~~نزلت الآية في شأن أبي بن خلف، فإنه روي أنه أخذ ms1394 عظما باليا ففتته بين ~~أصابعه، وقال: يا محمد، أتزعم أن هذا يحيي ويبعث. # وفي بعض التفاسير: أن القائل هذا كان هو العاص بن وائل السهمي، والأول ~~أشهر؛ فقال رسول الله: " نعم، وإن الله تعالى يميتك ثم يبعثك ثم يدخلك نار ~~جهنم ". # وقوله: {فإذا هو خصيم مبين} أي: مخاصم بين الخصمومة. وأما وجه الحجة ~~عليهم في خلق الإنسان من نطفة، هو أن إعادة الخلق أهون فيما يعقله الناس من ~~إنشاء الخلق. # PageV04P389 # قوله تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه} ضربه المثل ما بينا من قوله. ~~وقوله: {ونسي خلقه} أي: وترك النظر في إنشاء خلقه. # وقوله: {قال من يحيي العظام وهي رميم} الرمة: من العظام هي التي بليت. # PageV04P389 # قوله تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} أي: عالم. # PageV04P389 # {الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) } # PageV04P390 # قوله تعالى: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا} قال أهل التفسير: ~~والمراد منه هو المرح والعفار، وهما خشبتان توري العرب منهما النار كما ~~يوري الناس من الحديد والحجر، وقوله: يوري أي: يقدح، تقول العرب: في كل شجر ~~نار واستمجد المرح والعفار وعن أبي صالح قال: في الأشجار نار سوى شجرة ~~العفار. # وقوله: {فإذا أنتم منه توقدون} أي: تقدحون وتورون. # وقوله: {أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} على أن ~~ينشىء خلقا مثلهم، وقيل: على أن يعيدهم يوم القيامة؛ فيكونوا خلقا كما ~~كانوا. # وقوله: {بلى وهو الخلاق العليم} معناه: قل: بلى، وهو خطاب للرسول، وقد ~~بينا [الفرق] بين بلى ونعم فيما سبق، ولا يستقيم في جواب النفي إلا بكلمة ~~بلى، وقيل: إن الله تعالى قال مجيبا لنفسه: بلى وهو الخلاق العليم، والخلاق ~~هو الذي يخلق مرة بعد مرة، والعليم هو (العالم) بخلقه. # قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} قد بينا هذا ~~من قبل، قوله: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} أي: ملك ms1395 كل شيء. # وقوله: {وإليه ترجعون} أي: تردون يوم القيامة. # PageV04P390 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد ~~(4) رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) إنا زينا السماء الدنيا} # تفسير سورة الصافات # وهي مكية # PageV04P391 # قوله تعالى: {و ### | الصافات # صفا} روى مسروق عن ابن مسعود، وعكرمة عن ابن عباس: أنهم الملائكة، وروى ~~الضحاك عن ابن عباس: أنهم عباد السماء. # وعن بعضهم: أن المراد منه صفوف المسلمين في الجماعات، وروي عن النبي أنه ~~قال: " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها) . # وأشهر الأقاويل هو القول الأول، والملائكة صفوف في السماء يذكرون الله ~~تعالى ويذكرهم، ويقال: إن معنى الآية أن الملائكة تصف أجنحتها إذا نزلت إلى ~~الأرض. # PageV04P391 # وقوله تعالى: {فالزاجرات زجرا} ذهب أكثر المفسرين أن المراد بهم الملائكة ~~تزجر السحاب لتسوقه إلى الموضع الذي يريده الله تعالى. # والقول الثاني: أنها زواجر القرآن. # PageV04P391 # فأما قوله: {فالتاليات ذكرا} ذهب أكثرهم أن المراد بها الملائكة وهي ~~تتلوا ذكر الله. # والقول الثاني: انهم الأنبياء يتلون ما أنزل الله تعالى والقول الثالث: ~~أنها آيات القرآن تتلى لذكر الله تعالى. # PageV04P391 # وقوله: {إن إلهكم لواحد} هذا هو موضع القسم، فأقسم الله تعالى بما قدم ~~ذكره، وقوله: {والصافات} أي: ورب الصافات صفا، وهكذا فيما بعده. # PageV04P391 # وقوله: {رب السموات والأرض وما بينهما} ومعنى الآية أن إلهكم لواحد، وهو # PageV04P391 # {بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7) لا يسمعون إلى الملأ ~~الأعلى} رب السموات والأرض وما بينهما {ورب المشارق} أي: ورب المسارق ~~والمغارب. # فإن قيل: قد قال في موضع آخر {رب المشرق والمغرب} وقال في موضع آخر: {رب ~~المشرقين ورب المغربين} وقال ها هنا: {رب المشارق} فكيف وجهه التوفيق بين ~~هذه الآية وأخواتها؟ # والجواب عنه: أما قوله: {رب المشرق والمغرب} فالمراد منه الجهة، وللمشرق ~~جهة واحدة، وللمغرب جهة واحدة. # وأما قوله: {رب المشرقين ورب المغربين} فالمراد من المشرقين: مشرق ~~الشتاء، ومشرق الصيف، فأما قوله: {ورب المشارق} فللشمس مشارق تطلع كل يوم ~~من مشرق غير المشرق الذي طلعت فيه أمس، وكذلك ms1396 المغارب، فاستقام على هذا ~~وجوه الآيات. # PageV04P392 # قوله تعالى: {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} أي: بحسن الكواكب ~~وضيائها، وقرأ عاصم: " بزينة الكواكب " أي: بتزيينا الكواكب، وقرأ حمزة: " ~~بزينة الكواكب " بخفض الباء وتنوين الزينة، والكواكب على هذه الرواية تدل ~~على الزينة، والمعنى: إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب. # PageV04P392 # وقوله: {وحفظا} أي: وحفظناها حفظا، وقوله: {من كل شيطان مارد} أي: متمرد، ~~والشيطان: كل متمرد عات من إنس أو جن أو جنة، قال الشاعر: # (ما ليلة القفير إلا شيطان ... ) # والقفير: البئر البعيدة القعر، # PageV04P392 # قوله {لا يسمعون} وقرئ: " لا يسمعون " بنصب السين، وقوله: {لا يسمعون} ~~أي: لا يستمعون، وقوله: {لا يسمعون} أي: لا يستمعون. # PageV04P392 # {ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9) إلا من خطف الخطفة ~~فأتبعه شهاب ثاقب (10) فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من} # وقوله: {إلى الملأ الأعلى} أي: الملائكة، ومعنى الآية: أنهم لا يستطيعون ~~الاستماع إلى الملأ الأعلى. # وقوله: {ويقذفون} أي: يرجمون، وقوله: {من كل جانب} من جوانب السماء، # PageV04P393 # وقوله: {دحورا} قال مجاهد: أي: مطرودين، وقال قتادة: يرمون رميا، والدحر ~~هو الإبعاد، ويقال: دحره الله أي: أبعده الله. # وقوله: {ولهم عذاب واصب} أي: دائم، # PageV04P393 # قوله تعالى: {إلا من خطف الخطفة} قال أهل التفسير: هذا استثناء منقطع، ~~ومعناه: لكن من خطف الخطفة، والخطف هو الاستلاب بسرعة، واختطافهم واستلابهم ~~كلام الملائكة. # وقوله: {فأتبعه شهاب ثاقب} أي: شهاب مضيء، وقيل: محرق، وعن يزيد الرقاشي ~~قال: ثاقب أي: يثقبهم فينفذ من جانب آخر، والشهاب: هو النجم ها هنا. # PageV04P393 # قوله تعالى: {فاستفتهم} أي: فاسألهم {أهم أشد خلقا أم من خلقنا} قال ابن ~~عباس وغيره: المراد منه السموات والأرض والجبال، وزعم أهل المعاني: أنه لا ~~بد أن تكون الملائكة وما خلقه الله من الجن والذين يعقلون مرادا بالآية؛ ~~لأن الله تعالى قال {أم من خلقنا} ومن لا تذكر إلا فيما يعقل. # وقوله: {إنا خلقناهم من طين لازب} أي: لاصق، وقال أبو عبيدة: هو لازم؛ ~~قال الشاعر: {ولا تحسبون الخير لا شر بعده ... ولا تحسبون الشر ms1397 ضربة لازب} # أي: لازم. # PageV04P393 # وقوله: {بل عجبت} وقرأ حمزة والكسائي: " بل عجبت " على إضافة التعجب إلى ~~الله، وهي قراءة علي وابن مسعود وابن عباس. # PageV04P393 # {طين لازب (11) بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا} # وفي بعض الآثار المسندة عن شقيق بن سلمة أنه قال: كنت عند شريح؛ فقرأت " ~~بل عجبت ويسخرون " فقال شريح: بئس القراءة هكذا، والله تعالى لا يتعجب من ~~شيء، وهو عالم بالأشياء كلها؛ فقال شقيق: قد ذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، ~~فقال إبراهيم: إن شريحا رجل معجب بعلمه، وعبد الله بن مسعود أعلم منه. # فأما القراءة بالنصب، فهو خطاب للنبي ومعناه: بل عجبت من وحينا إليك، ~~وقيل: من تكذيبهم إياك مع وضوح الدلائل. # وقوله: {ويسخرون} أي: يسخرون ويستهزءون بك، وأما القراءة بضم التاء ~~فالتعجب من الله ليس هو مثل التعجب من الآدميين، وقد قال الله تعالى في ~~موضع آخر: {فيسخرون منهم سخر الله منهم} وقال تعالى: {الله يستهزئ بهم} ~~فمعنى قوله: {عجبت} أي: عظم حلمي عن ذنوبهم، والمتعجب هو الذي يرى ما يعظم ~~عنده، وقيل: {بل عجبت} أي: حل فعلهم محل ما يتعجب منهم. # وقد روي عن النبي أنه قال: " عجب ربكم من شاب ليس له صبوة)) # وروى عن النبي - أنه قال: ((عجب ربكم من إلكم وقنوطكم وسرعة # PageV04P394 # {رأوا آية يستسخرون (14) وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أئذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون (16) أو آباؤنا الأولون (17) قل نعم وأنتم ~~داحرون (18) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) وقالوا يا ويلنا هذا ~~يوم الدين (20) هذا} إجابته [إياكم] ". # PageV04P395 # وقوله: {وإذا ذكروا لا يذكرون} وإذا وعظوا لا يتعظون. # PageV04P395 # وقوله: {وإذا رأوا آية يستسخرون} أي: يسخرون، ويقال: يستدعى بعضهم من بعض ~~سخريا، # PageV04P395 # وقوله: {وقالوا إن هذا إلا سحر مبين} أي: سحر بين. # PageV04P395 # وقوله: {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما ائنا لمبعوثون} قالوا ذلك على طريق ~~الإنكار، # PageV04P395 # وقوله: {أو آباؤنا الأولون} أي: نبعث ويبعث آباؤنا الأولون. # PageV04P395 # قوله تعالى: {قل نعم} أي: نعم لتبعثون، وقوله: {وأنتم داخرون} أي: صاغرون ~~ذليلون، قال الشاعر: # ((ولم يبق ms1398 إلا داخر في مخيس ... ومنجحر في غير أرضك في جحري)) # PageV04P395 # قوله تعالى: {فإنما هي زجرة واحدة} أي: صيحة واحدة. # قوله: {فإذا هم ينظرون} أي: ينتظرون، وقيل: ينظر بعضهم إلى بعض. # PageV04P395 # قوله تعالى: {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين} أي: يوم الحساب ويوم ~~الجزاء، # PageV04P395 # قوله تعالى: {هذا يوم الفصل} أي: يوم القضاء، وقيل: يوم الفصل بين المحسن ~~والمسيء، وقوله: {الذي كنتم به تكذبون} أي: تجحدون. # PageV04P395 # قوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} الذين ظلموا هم المشركون. # PageV04P395 # {يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما ~~كانوا يعبدون (22) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم ~~مسئولون (24) ما لكم لا تناصرون (25) بل هم اليوم مستسلمون (26) وأقبل} # وقوله: {وأزواجهم} أي: وأشباههم، وقيل: وقرناءهم، ويقال: وأتباعهم. # وقوله: {وما كانوا يعبدون من دون الله} من الأصنام، وقوله تعالى: ~~{فاهدوهم إلى صراط الجحيم} أي: ارشدوهم إلى طريق النار. # PageV04P396 # قوله تعالى: {وقفوهم} فإن قيل: كيف قال: (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) ثم ~~قال: {وقفوهم} قلنا: لأنهم يوقفون على الصراط للمساءلة، ويقال: إن هذا أشد ~~في التعذيب والتوبيخ. وفي الخير عن النبي قال: " لا تزول قدما بني آدم يوم ~~القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ~~ماله من أين اكتسبه وأين وضعه، وعن علمه ماذا فعل به؟ ". # PageV04P396 # قوله تعالى: {ما لكم لا تناصرون} أي: لا تتناصرون؛ فينصر بعضكم بعضا. وفي ~~التفسير: أن أبا جهل هو القائل: نحن جميع منتصر، على ما حكى الله تعالى ~~فقال الله تعالى ردا لقوله: {ما لكم لا تناصرون} أي: لينصر بعضكم البعض ~~اليوم إن كنتم صادقين. # PageV04P396 # قوله تعالى: {بل هم اليوم مستسلمون} يعني: استسلموا وعضوا بأيديهم، ~~وعرفوا أنه لا خلاص لهم من الهلاك والعذاب. # PageV04P396 # وقوله: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} معناه أي: ويتلاومون، قوله تعالى: ~~{قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} قال الفراء والزجاج وغيرهما من أهل ~~المعاني: أي من قبل الذين تلبسونه علينا، وقيل: من قبل الجنة تثبطوننا ~~عنها، وذكر بعضهم: أن رؤساء الكفار ms1399 كان يحلفون [للأتباع] أنهم على الحق. # PageV04P396 # {بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم تأتوننا عن اليمين (28) قالوا ~~بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين ~~(30) فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) ~~فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم ~~كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أئنا لتاركوا ~~آلهتنا لشاعر مجنون (36) بل جاء} # PageV04P397 # فقوله: {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} أي: عن الأيمان التي حلفوا بها ~~أنهم صادقون، واليمين يذكر ويراد به القوة، قال الشاعر: # (إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين) # أي: بالقوة. # PageV04P397 # قوله تعالى: {قالوا بل لم تكونوا مؤمنين} أي: رؤساء يقولون ذلك للأتباع، # PageV04P397 # وقوله: {وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين} يعني: إنكم ~~فعلتم ما فعلتم بأنفسكم، ولم نفعل بكم شيئا. # PageV04P397 # قوله تعالى: {فحق علينا قول ربنا} أي: وجب علينا عذاب ربنا، قال الحسن: ~~الضال والمضل جميعا في النار؛ فهو معنى قوله تعالى: {إنا لذائقون} أي: ~~ذائقون العذاب. # PageV04P397 # قوله تعالى: {فأغويناكم إنا كنا غاوين} أي: أضللناكم إنا كنا ضالين. # PageV04P397 # قوله: {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون} يعني: أنهم جميعا في العذاب. # PageV04P397 # قوله تعالى: {إنا كذلك نفعل بالمجرمين} ظاهر المعنى، والجرم ها هنا هو ~~الشرك. # PageV04P397 # قوله تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} عن كلمة ~~التوحيد، ويمتنعون منها. # PageV04P397 # قوله تعالى: {أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} قالوا ذلك للنبي، فقال ~~الله تعالى ردا عليهم: # PageV04P397 # {بل جاء بالحق وصدق المرسلين} أي: المرسلين الذين سبقوا في الرسالة. # PageV04P397 # {بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم لذائقوا العذاب الأليم (38) وما تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون (39) إلا عباد الله المخلصين (40) أولئك لهم رزق معلوم ~~(41) فواكه وهم مكرمون (42) في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) ~~يطاف عليهم بكأس من معين (45) بيضاء لذة للشاربين (46) لا فيها غول ولا هم ~~عنها ينزفون} # PageV04P398 # قوله تعالى: {إنكم لذائقوا العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} ~~ظاهر المعنى، # PageV04P398 # قوله تعالى: {إلا عباد الله ms1400 المخلصين} أي: الذين أخلصوا في التوحيد. # PageV04P398 # قوله تعالى: {أولئك لهم رزق معلوم} أي: مقدر، ورزقهم المقدر هو رزقهم ~~بكرة وعشيا، # PageV04P398 # وقوله: {فواكه وهم مكرمون} الفواكه جمع الفاكهة. # وقوله: {وهم مكرمون} أي: بإدخالهم الجنة. # PageV04P398 # قوله تعالى: {في جنات النعيم} يعني: إنهم في جنات النعيم. # PageV04P398 # وقوله: {على سرر متقابلين} قال أهل التفسير: لا ينظر بعضهم في قفا البعض. # PageV04P398 # قوله تعالى: {يطاف عليهم بكأس من معين} أي: الخمر الجاري. # PageV04P398 # وقوله: {بيضاء لذة للشاربين} قال الحسن البصري: خمر الجنة أبيض من اللبن، ~~قرأ ابن مسعود: " صفراء لذة للشاربين ". # PageV04P398 # قوله تعالى: {لا فيها غول} أي: لا تغتال عقولهم، قال الشاعر: # (فما زالت الكأس تغتالنا ... وتصرع بالأول الأول) # ويقال: الخمر غول العقل، والحرب غول النفس، ويقال: الغول هو الغائلة، ومن ~~الغائلة ذهاب عقلهم، وسائر المفاسد التي في الخمر، ويقال في الخمر أربعة ~~أشياء: السكر، والصداع، والقيء، و (البول) ، ولا يوجد من هذه الأربع في خمر ~~الجنة. # وقوله: {ولا هم عنها ينزفون} يقال: أنزف الرجل إذا سكر، قال الشاعر: # (لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا) # PageV04P398 # ( {47) وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) فأقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) يقول أئنك لمن} # PageV04P399 # قوله تعالى: {وعندهم قاصرات الطرف} أي: اللاتي قصرن أطرافهن على أزواجهن ~~أي: عينهن أي: حبسن فلا ينظرن إلى غير أزواجهن. # وقوله: {عين} أي: حسان الأعين، وفي التفسير: البياض شديد البياض، والسواد ~~شديد السواد، يعني في العين. # PageV04P399 # وقوله: {كأنهن بيض مكنون} العرب تشبه وجه المرأة في البياض بيضة النعامة، ~~ويقولون: أحسن اللون بياض اللون مشوب بالصفرة، قال ذو الرمة: # (كحلاء في بزخ صفراء في دعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب) # وقوله: {مكنون} أي: مستور مصون من الريش (والخمار) . # وقال بعضهم: في قوله {بيض مكنون} شبههن ببياض البيضة عند خروجها من ~~قشرتها، وقيل: شبه بالسحاء الذي بين القشر الأعلى وبين البياض. # PageV04P399 # قوله تعالى: {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} أي: يسأل بعضهم بعضا عن حاله ~~في الدنيا. # PageV04P399 # قوله تعالى: ms1401 {قال قائل منهم إني كان لي قرين} قال مجاهد: القرين ها هنا: ~~هو الشيطان (يغويه) ، ويقال: القرين ها هنا: قرينه الذي كان يدعوه إلى ~~الكفر. # قال عطاء الخراساني: نزلت الآية في رجلين كانا في بني إسرائيل اكتسبا ~~مالا عظيما، ويقال: ورثا مالا عظيما واقتسماه، فأنفق أحدهما نصيبه على ~~الفقراء، وأما الآخر فاشترى به عقارا ودورا وأثرى، وهما اللذان ذكرهما الله ~~تعالى في سورة الكهف، وقال بعضهم: هما أخوان سواهما. # PageV04P399 # {المصدقين (52) أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون (53) قال هل ~~أنتم مطلعون (54) فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين ~~(56) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا ~~موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا ~~فليعمل العاملون (61) } # PageV04P400 # وقوله: {يقول أئنك لمن المصدقين} أي: المصدقين بالبعث. # PageV04P400 # وقوله: {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون} هذا قول قرينه، ~~وقوله: {لمدينون} أي: محاسبون، وقيل: مجزيون، يقال: كما تدين تدان. # PageV04P400 # قوله تعالى: {قال هل أنتم مطلعون} اختلف القول في هذا، فأحد القولين: أن ~~الله تعالى يقول لهم: {هل أنتم مطلعون} . # والآخر: أن هذا المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة هل أنتم مطلعون؟ # PageV04P400 # قوله تعالى: {فاطلع فرآه في سواء الجحيم} أي: في وسط الجحيم، وإنما سمي ~~وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه. # PageV04P400 # قوله تعالى: {قال تالله إن كدت لتردين} أي: لتهلكني، يقال: كاد يفعل كذا ~~أي: قارب، وقرأ ابن مسعود: " إن كدت لتغويني " من الإغواء. # PageV04P400 # قوله تعالى: {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} أي: ولولا رحمة ربي لكنت ~~من المحضرين النار أي: الذين دخلوا النار. # PageV04P400 # قوله تعالى: {أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} فيقال: ~~أجيبونا فلا يجيبون لاستغراقهم في العذاب، يقولون: {إن هذا لهو الفوز ~~العظيم} وعن بعضهم: " أنه يجاء بالموت على صورة كبش فيذبح على ما ورد به ~~الخبر "، فحينئذ يقولون: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى على طريق ~~الإقرار والتعجب والسرور بذلك. # PageV04P400 # {لمثل هذا فليعمل العاملون} أي: لمثل هذا المنزل، ولمثل هذا ms1402 النعيم، ~~فليعمل # PageV04P400 # {أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها ~~شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رءوس الشياطين (65) فإنهم لآكلون ~~منها} العاملون. # PageV04P401 # قوله تعالى: {أذلك خير نزلا} النزل: هو العطاء الدار، ويقال: النزل هو ~~إصلاح ما ينزل عليهم. # فإن قيل: كيف قال: {أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم} ولا خير في شجرة ~~الزقوم أصلا؟ # الجواب عنه قد سبق وعن مثل هذا، والعرب تقول: تعال ننظر الصلح خير أم ~~الحرب، والفقر خير أم الغنى، والصحة خير أم السقم، وإنما يريد تقرير الأمر ~~للمخاطب أنه لا خير إلا في أحدهما. # وقوله: {أم شجرة الزقوم} اختلفوا في هذه الشجرة، فالأكثرون أنها شجرة لا ~~يعرف لها مثل في الدنيا، وقال قطرب: هي شجرة مرة خبيثة تكون بتهامة، وقال ~~بعضهم: نبت قاتل. # وفي التفسير: أنه لما نزلت هذه الآية؛ قال أبو جهل: هل تعرفون الزقوم؟ ~~فقال عبد الله بن الزبعري: نعم نعرفه؛ هو بلسان البربر الزبدة والتمر وأورد ~~بعضهم: أنه بلغة اليمن فقال أبو جهل لجاريته: ابغي لنا زبدا وتمرا، فجاءت ~~بذلك، فقال: هو الزقوم الذي خوفكم به محمد، فتزقموا؛ فأنزل الله تعالى ~~{إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} أي: في قعر الجحيم. # PageV04P401 # وقوله: {طلعها كأنه رءوس الشياطين} فإن قيل: كيف قال: {طلعها كأنه رءوس ~~الشياطين} ورءوس الشياطين لم يرها أحد، ولا يجوز التعريف إلا بما يعرف؟ # والجواب عنه: أنه كان مستقرا في النفوس قبح رءوس الشياطين، وأن جميعهم ~~على أقبح صورة؛ فشبه بها على ما استقر في النفوس، قال الشاعر: # (يقاتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال) # PageV04P401 # {فمالئون منها البطون (66) ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) ثم إن ~~مرجعهم لإلى الجحيم (68) إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم على آثارهم ~~يهرعون (70) ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) ~~فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) إلا عباد الله المخلصين (74) ولقد ~~نادانا نوح فلنعم المجيبون} # فشبه بأنياب الأغوال، ولم ير الأغوال، ولكن صح التشبيه لما تقرر في ~~النفوس قبحها، وقال بعضهم: الشيطان ms1403 ها هنا حية قبيحة المنظر، فمعناه: كأنها ~~رءوس الحيات، والعرب تسمي كل قبيح مكروه شيطانا، وقال بعضهم: هو اسم لنبت ~~من الثمر خشن اللمس منتن الريح. # وقوله: {إنا جعلناهم فتنة للظالمين} فتنتهم بها هو ما قال أبو جهل، وزعم ~~أنه الزبد والتمر، ومن فتنتهم أيضا بها أنهم قالوا كيف تنبت شجرة في النار، ~~والنار تحرق الشجر؟ # PageV04P402 # قوله تعالى: {فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون} ظاهر المعنى. # PageV04P402 # وقوله: {ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم} أي: لخلطا من حميم. # PageV04P402 # وقوله: {ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم} أي: منقلبهم، ويقال: إن شجرة الزقوم ~~في الباب السادس من أبواب النار؛ فيخرجون من الجحيم إليه حتى يأكلون الزقوم ~~ثم يردون إلى الجحيم؛ فهو معنى قوله تعالى: {قم ثم إن مرجعكم لإلى الجحيم} ~~. # PageV04P402 # قوله تعالى: {إنهم ألفوا آباءهم ضالين} أي: وجدوا آباءهم على الضلالة، # PageV04P402 # وقوله: {فهم على آثارهم يهرعون} أي: يسرعون، والإهراع هو الإسراع، # PageV04P402 # قوله تعالى: {ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر ~~كيف كان عاقبة المنذرين} معلوم المعنى. # PageV04P402 # قوله تعالى: {إلا عباد الله المخلصين} وقرئ: " مخلصين " بكسر اللام، ~~فقوله: {مخلصين} أي: الذين أخلصهم الله واختارهم، وأما بالكسر أي: الذين ~~أخلصوا العمل لله تعالى. # PageV04P402 # ( {75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) وجعنا ذريته هم الباقين (77) ~~وتركنا عليه في الآخرين (78) سلام على نوح في العالمين (79) إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا الآخرين (82) وإن من ~~شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ قال لأبيه وقومه ماذا ~~تعبدون (85) أئفكا آلهة} # PageV04P403 # وقوله تعالى: {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون} أي: نعم المجيب نحن له، ~~وإنما قال: {المجيبون} على ما يقول الملوك والعظماء، ويخبرون عن أنفسهم ~~بلفظ الجماعة. # PageV04P403 # وقوله تعالى: {ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} أي: الغم العظيم، # PageV04P403 # قوله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} قد بينا أن الناس من نسل نوح عليه ~~السلام ولم يبق أحد من نسل غيره. # PageV04P403 # وقوله: {وتركنا عليه في الآخرين} أي: وتركنا عليه الذكر الجميل والثناء ~~الحسن في الآخرين، # PageV04P403 # قوله تعالى: {سلام ms1404 على نوح في العالمين} أي: السلامة له منا في العالمين، ~~ويقال: السلام منا عليه في العالمين، # PageV04P403 # قوله تعالى: {إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين} معلوم ~~المعنى. # PageV04P403 # وقوله: {ثم أغرقنا الآخرين} هم الكفار، وقد سبق ذكر نوح من قبل. # PageV04P403 # قوله تعالى: {وإن من شيعته لإبراهيم} يقال: أن الهاء ها هنا راجع إلى ~~محمد والأصح انه راجع إلى نوح، والشيعة هم الأتباع، وإنما قال من شيعته؛ ~~لأنه كان على مسلكه، ومنهاجه. # PageV04P403 # وقوله: {إذ جاء ربه بقلب سليم} أي: سليم من الشرك، قال عروة بن الزبير: ~~لم يلعن شيئا قط، فهم معنى قوله: {سليم} . # PageV04P403 # قوله تعالى: {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون} معناه: أي شيء تعبدون؟ وهو ~~استفهام بطريق الإنكار والتوبيخ. # PageV04P403 # {دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب العالمين (87) فنظر نظرة إلى النجوم ~~(88) فقال إني سقيم (89) فتولوا عنه مدبرين (90) فراغ إلى آلهتهم فقال ألا ~~تأكلون} # PageV04P404 # قوله تعالى: {أئفكا آلهة} أي: تطلبون آلهة مؤتفكة، ومعنى تطلبون أي: ~~تطلبون منها ما يطلب من الله تعالى، والإفك: الكذب، ومعنى المؤتفكة: أي ~~كذبتم لأجلها على الله، واخترعتموها من قبل أنفسكم. # قوله تعالى: { [أئفكا آلهة دون الله تريدون] # PageV04P404 # فما ظنكم برب العالمين) معناه: فما ظنكم برب العالمين إذا لقيتموه، وأي ~~شيء تتوقعون منه، وقد فعلتم ما فعلتم! # PageV04P404 # قوله تعالى: {فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم} # قال الخليل والمبرد: تقول العرب لكل من نظر في أمره وتدبر ماذا يفعل قد ~~نظر في النجوم، هذا قول، والقول الثاني: أنه كان نجم يطلع في ذلك الزمان، ~~وكان كل من نظر إليه يزعمون أنه يصيبه الطاعون، ويقال: إنه كان زحل؛ فقوله: ~~{فنظر نظرة في النجوم} أي: نظر إلى النجم: {فقال إني سقيم} أي: أصابني ~~الطاعون على ما تزعمون، وكانوا يفرون من المطعون فرارا عظيما، ويزعمون أنه ~~يعدي، ذكره السدي. # والقول الثالث: أن معنى قوله: {فنظر نظرة في النجوم} أي: فيما نجم له من ~~الأمر أي: ظهر. # والقول الرابع: أن قوله: {فنظر نظرة في النجوم} أي: ينظر في النجوم على ~~ما ms1405 ينظر فيه أهل النجوم، وكايدهم بذلك عن دينه، وكانوا أهل نجوم، ويزعمون ~~أن الأحكام تصدر منها، والحوادث تكون عنها؛ فنظر في النجوم، وقال هذه ~~المقالة ليتركوه، ويتوصل بذلك إلى كيد أصنامهم. # وعن عائشة رضي الله عنها أن علم النجوم كان حقا إلى أن حبست الشمس ليوشع ~~بن نون فتشوش الأمر عليهم، والله أعلم. # وقوله: {إني سقيم} قد بينا، سقيم أي: سأسقم، ولا بد لكل صحيح أن يسقم، ~~وقيل: يسقم القلب لقبح أفعالكم، وهذا هو إحدى الكذبات الثلاث التي كذبها # PageV04P404 # ( {91) ما لكم لا تنطقون (92) فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه ~~يزفون (94) قال أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) قالوا ~~ابنوا له} إبراهيم في الله، والخبر في ذلك معروف صحيح، وقد روينا. # وقال بعضهم: كان ذلك من معاريض الكلام، ولم يكن كذبا صريحا. # PageV04P405 # قوله تعالى: {فتولوا عنه مدبرين} أي: تولوا عنه وتركوه. # وقد ذكرنا أنهم خرجوا إلى عيد لهم، فلما خرجوا وبقي إبراهيم وحده عمد إلى ~~بيت أصنافهم ودخله، وكان الطعام موضوعا بين أيديهم؛ فقال: ألا تأكلون؟ فهو ~~معنى # PageV04P405 # قوله: {فراغ إلى آلهتهم} وقوله: " راغ " أي: مال. # وقوله: {ألا تأكلون} هذا على طريق الإنكار على المشركين؛ لأنهم كانوا ~~قدموا الطعام إليهم ليأكلوا. # PageV04P405 # قوله: {ما لكم لا تنطقون} أي: لا تتكلمون، وهو أيضا مذكور على طريق ~~الإنكار، # PageV04P405 # قوله تعالى: {فراغ عليهم} أي: فمال عليهم يضرب ضربا باليمين. # وقوله: {باليمين} فيه أقوال: أحدها أن معناه: يضربهم بيمينه، ومعنى ~~يضربهم أي: يكسرهم، ويقال باليمين أي: بالقوة. # والقول الثالث: باليمين أي: باليمين التي سبقت منه، وهو قوله تعالى: ~~{وتالله لأكيدن أصنامكم} . # PageV04P405 # قوله تعالى: {فأقبلوا إليه يزفون} أي: يسرعون، # PageV04P405 # وقوله: {قال أتعبدون ما تنحتون} أي: تنحتون بأيديكم، # PageV04P405 # وقوله: {والله خلقكم وما تعملون} من هذه الأصنام، فإذا كان الله خلقها ~~فلا يصلح أن تتخذوها آلهة، وفي الآية دليل على أهل الاعتزال في أن أعمال ~~العباد مخلوقة لله تعالى والدليل في ذلك واضح، وهو معلوم في (الكتب) . # PageV04P405 # قوله تعالى: {قالوا ابنوا له بنيانا} أي: حظيرة، وقيل: إيوانا. # PageV04P405 # {بنيانا ms1406 فألقوه في الجحيم (97) فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) ~~وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) رب هب لي من الصالحين (100) فبشرناه ~~بغلام حليم} # وقال ابن عباس: بنوا موضعا وجعلوا حوائطه من حديد، طوله في السماء ثلاثون ~~ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا. # وقوله: {فألقوه في الجحيم} الجحيم كل موضع عظمت فيه النار وكثرت، ويقال: ~~الجحيم نار على نار، وجمر على جمر. # PageV04P406 # وقوله: {فأرادوا به كيدا} كيدهم: هو قصدهم إحراقه بالنار، وقوله: ~~{فجعلناهم الأسفلين} أي: المهلكين، وقيل: الأسفلين في الحجة، كان حجة ~~إبراهيم عليهم، وظهرت عليهم. # PageV04P406 # قوله تعالى: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} . # في القصة: أن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار؛ قال حين ألقي: حسبي ~~الله ونعم الوكيل؛ فجعل الله النار عليه بردا وسلاما، قال كعب: لم تحرق ~~شيئا منه إلا وثاقه، وفي القصة: أن نمروذ اطلع عليه فرآه في روضة خضراء عن ~~يمينه شخص، وكان هو جبريل عليه السلام وعن يساره فراش من حرير أنزله الله ~~عليه من الجنة. # وقوله: {وقال إني ذاهب إلى ربي} فيه قولان: أحد القولين: أنه قال بعد أن ~~خرج من النار، وأمره الله بالهجرة إلى الشام. # والقول الآخر: أنه قال هذا قبل أن [يلقى] في النار، وكان عنده أنه إذا ~~ألقي في النار هلك، ولم يتخلص منها؛ فقال هذا القول إني ذاهب إلى ربي. # وقوله: {سيهدين} على هذا القول معناه: إلى طريق الجنة، وعلى القول الأول ~~سيهدين أي: سيرشدني إلى الموضع الذي أمرت بالهجرة إليه. # PageV04P406 # وقوله تعالى: {رب هب لي من الصالحين} أي: هب لي ولدا صالحا من الصالحين، # PageV04P406 # قوله تعالى {فبشرناه بغلام حليم} أي: غلام حليم في صغره، عليم في # PageV04P406 # ( {101) فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ~~فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ~~(102) فلما أسلما وتله} كبره، وفي الآية دليل على أنه بشره بأنه يكبر، ~~ويعمر حتى يوصف (بالحلم) والوقار. # واختلفوا أن هذا الغلام كان إسماعيل أو إسحاق. # فذهب ms1407 قوم إلى أنه إسحاق عليه السلام وهو قول علي وابن مسعود وكعب وقتادة ~~وجماعة، وذهب جماعة إلى أنه إسماعيل عليه السلام وهو مروي عن ابن عباس ~~وسعيد بن المسيب والحسن وغيرهم. # PageV04P407 # قوله تعالى: {فلما بلغ معه السعي} قال ثعلب: السعي مشي بسرعة، واختلفوا ~~في السعي هاهنا، قال بعضهم: هو العمل معه، كأنه صار يعينه في عمله، وقيل: ~~السعى إلى الجبل، ويقال: بلغ معه السعي أي: العبادة لله تعالى. # وقوله: {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك} أي: أمرت بذبحك، قال ~~ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي، ويقال: رأيت في المنام ما يدل على أني أمرت ~~بذبحك. # وقوله: {فانظر ماذا ترى} وقرأ حمزة: " ماذا ترى " أما قوله: {ماذا ترى} ~~أي: ماذا ترى فيما أمر الله به، فإن قيل: كيف يشاوره فيما أمره الله به، ~~وهو أمر حتم لا يجوز تركه؟ # والجواب عنه على وجهين: أحدهما: أن المراد منه إخباره. # والآخر: أنه أراد امتحانه في التسليم بحكم الله. # وأما القراءة الأخرى، وهي قوله: {ماذا ترى} فيه معنيان أحدهما: ماذا ~~تشير؟ والآخر: ماذا ترى من صبرك؟ ذكره الفراء. # وقوله: {قال يا أبت افعل ما تؤمر} قال ذلك انقيادا لأمر ربه وطواعية، ~~وقوله: # PageV04P407 # {للجبين (103) وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرءيا إنا كذلك ~~نجزي} {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} أي: الصابرين على حكم الله. # PageV04P408 # قوله تعالى: {فلما أسلما} قرأ ابن مسعود: " فلما سلما ". # وقوله: {أسلما} أي: استسلما، ومعناه: أن إبراهيم سلم ابنه للذبح، والولد ~~سلم روحه. # وقوله: {وتله للجبين} أي: صرعه للجبين، والجبهة بين الجبينين، قال ~~الشاعر: # (شككت له بالرمح جنبي قميصه ... فخر تليلا اليدين للفم) # وقال آخر: # (فتله للجبينمنعفرا ... منه مناط الوتين منتصب) # واختلفوا في الموضع الذي أراد ذبحه فيه، فمن قال: إن الذبيح كان إسماعيل ~~قال: كان بمنى، ومن قال: إن الذبيح كان إسحاق قال: كان بالشام. # وفي التفسير: أن إسماعيل عليه السلام قال لإبراهيم: اقذفني على جبيني؛ ~~لئلا ترى وجهي فترحمني، وحتى لا أرى الشفرة فأجزع منها، وفي القصة: ms1408 أن ~~إبراهيم عليه السلام خرج إلى جانب منى، وأمر إسماعيل أن يتبعه بالشفرة ~~والحبل، فرفعهما واتبعه؛ فجاء إبليس عليه اللعنة وقال لإسماعيل: هل تدري ما ~~يريد بك أبوك؟ فقال: لا، قال: إنه يريد أن يذبحك؛ فقال: ولم؟ قال: يزعم أن ~~الله أمره به. فقال: هو أهل أن يطاع، ثم جاء إلى أمه ووسوس كذلك؛ فأجابت ~~كما قلنا، يعني: كما قال إسماعيل عليه السلام. # وفي التفسير: أن إبراهيم عليه السلام جعل يحز ولا يقطع، وروى أن الله ~~تعالى ضرب على عنق إسماعيل عليه السلام صفيحة من نحاس؛ فجعل لا يقطع، وأورد ~~بعضهم: أنه كان يقطع ويلتئم. # PageV04P408 # وقوله: {وناديناه أن يا إبراهيم} فإن قيل: أين جواب قوله: {فلما أسلما ~~وتله # PageV04P408 # {المحسنين (105) إن هذا لهو البلاء المبين (106) وفديناه بذبح عظيم (107) ~~وتركنا} للجبين) ؟ # الجواب: أن جوابه قوله {وناديناه} والواو صلة، وجعل بعضهم الجواب محذوفا، ~~وقوله: {وناديناه أن يا إبراهيم # PageV04P409 # قد صدقت الرؤيا) أي: حققت الرؤيا بما أمرت به. وقوله: {إنا كذلك نجزي ~~المحسنين} أي: الموحدين، فإن قيل: كيف قال: صدقت الرؤيا، ورأى أنه يذبح ولم ~~يذبح؟ # والجواب: أنه قد أتى بما قدر عليه من الذبح؛ فجعله مصدقا بهذا المعنى، ~~والآخر: أن المقصود من الأمر والمطلوب منه كان هو استسلامهما، هذا لولده، ~~وهذا لروحه، فلما فعلا ذلك سماهما مصدقين. # واختلفوا في سن إسماعيل في ذلك الوقت، منهم من قال: كان سنه [ثلاث] عشرة ~~سنة، ومنهم من قال: كان سنه سبع سنين. # PageV04P409 # {إن هذا لهو البلاء المبين} أي: البلاء البين، ومنهم من قال: النعمة ~~البينة، والنعمة في صرف الذبح عنه، والفداء الذي أنزل عليه. # PageV04P409 # قوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} قال ابن عباس: أنزل الله تعالى عليه ~~كبشا من الجنة، وهو الكبش الذي تقبله الله تعالى من هابيل، ويقال: كبش رعى ~~في الجنة أربعين خريفا، وقال الحسن البصري: أروية من الجبل. # وقوله: {عظيم} منهم من قال: المراد منه العظيم في الشخص، وقيل: عظيم في ~~الثواب، وقال مجاهد: عظيم؛ لأنه كان مقبولا من الله. # وفي التفسير: أن الكبش ms1409 نزل عليه من جبل منى؛ فقال لإسماعيل: قم فإن الله ~~تعالى أرسل فداك، وفي القصة: أن الكبش هرب؛ فتبعه إبراهيم حتى أخذه، فلما # PageV04P409 # {عليه في الآخرين (108) سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي المحسنين (110) ~~إنه من عبادنا المؤمنين (111) وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) ~~وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) ولقد ~~مننا على موسى وهارون (114) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (115) ~~ونصرناهم فكانوا هم} كان بين الجمرتين اضطجع، ولم يطق إبراهيم حمله؛ فذبحه ~~هنالك. # PageV04P410 # وقوله: {وتركنا عليه في الآخرين} أي: تركنا له في الآخرين حسنا وذكرا ~~جميلا، # PageV04P410 # وقوله: {سلام على إبراهيم} قد بينا، # PageV04P410 # وقوله: {كذلك نجزي المحسنين} قد بينا. # PageV04P410 # وقوله: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} استدل من قال إن إسماعيل كان ~~هو الذبيح؛ فإنه ذكر قصة الذبيح بتمامه، ثم قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين} دل أنه كان غير إسحاق، وأما من قال: كان الذبيح إسحاق، فقال في ~~هذه الآية: إن البشارة وقعت بالنبوة في إسحاق، والبشارة الأولى بولادته ~~وإعطائه إياه. # PageV04P410 # وقوله: {وباركنا عليه وعلى إسحق} أى: باركنا على إبراهيم وعلى إسحق، ~~والبركة هاهنا: كثرة الولد، ويقال: البركة كثرة الأنبياء [فى] أولادهما. # وقوله: {ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} أي: موحد ومشرك. # PageV04P410 # قوله تعالى: {ولقد مننا على موسى وهارون} أي: أنعمنا. # PageV04P410 # وقوله: {ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم} أي: من الغم العظيم، وهو ~~الغرق والهلاك. # PageV04P410 # وقوله تعالى: {ونصرناهم فكانوا هم الغالبين} أي: ونصرناهما، فذكر الاثنين ~~بلفظ الجمع، وقد يذكر الواحد بلفظ الجمع أيضا، وقد بينا من قبل. # PageV04P410 # وقوله: {وآتيناهما الكتاب المستبين} أي: التوراة. # PageV04P410 # {الغالبين (116) وآتيناهما الكتاب المستبين (117) وهديناهما الصراط ~~المستقيم (118) وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام على موسى وهارون (120) ~~إنا كذلك نجزي المحسنين (121) إنهما من عبادنا المؤمنين (122) وإن إلياس ~~لمن المرسلين (123) إذ قال لقومه ألا تتقون (124) أتدعون بعلا وتذرون أحسن ~~الخالقين (125) الله ربكم} # PageV04P411 # وقوله: {وهديناهما الصراط المستقيم} أي: الإسلام، # PageV04P411 # وقوله: {وتركنا عليهما في الآخرين} قد بينا، # PageV04P411 # وقوله: {سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا ~~المؤمنين} قد بينا. # PageV04P411 # قوله ms1410 تعالى: {وإن إلياس لمن المرسلين} في التفسير: أن إلياس كان من ولد ~~هارون، وبعثه الله إلى بني إسرائيل، وياقل بعثه الله إلى بعلبك، وهي بلدة، ~~وقد كان أهلها يعبدون صنما يسمى بعلا. # PageV04P411 # قوله تعالى: {إذ قال لقومه ألا تتقون} معناه: ألا تخافون الله وتحذرونه. # PageV04P411 # قوله سبحانه: {أتدعون بعلا} هو الصنم الذي قلنا، ويقال: إنه كان من ذهب ~~مزين بالجواهر، وعن ابن عباس أنه قال: أتدعون بعلا أي: ربا، والبعل هو ~~الرب، ومعناه: أتدعون هذا الصنم ربا؟ . # وروى عن ابن عباس أنه كان جالسا، فسئل عن هذه الآية؛ فسكت؛ فمر رجل من ~~الأزد ومعه بقرة؛ فقال له رجل: أتبيعها؟ قال: إنما يبيعها بعلها أي: ربها؛ ~~فعرف ابن عباس أن البعل هو الرب، وكان الأزد من أفصح اليمن، وسمي الزوج ~~بعلا من هذا، قال الشاعر: # (ورأيت بعلك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا) # وقوله: {وتذرون أحسن الخالقين} أي: المقدرين، وهو الله تعالى، # PageV04P411 # قوله تعالى: {الله ربكم} أي: هو ربكم، وقرئ بالنصب: " الله ربكم "، وهو ~~منصرف إلى قوله: {وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين} . # PageV04P411 # قوله تعالى: {فكذبوه فإنهم لمحضرون} أي: لمحضرون النار، وفي القصة: أن ~~ذلك # PageV04P411 # {ورب آبائكم الأولين (126) فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) إلا عباد الله ~~المخلصين (128) وتركنا عليه في الآخرين (129) سلام على إل ياسين (130) إنا ~~كذلك نجزي المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132) وإن لوطا لمن ~~المرسلين (133) إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في الغابرين (135) ~~ثم دمرنا الآخرين (136) الملك كانت له امرأة قتالة للأنبياء، وكانت قد ~~تزوجت سبعة من الملوك، قالوا: هي التي قتلت يحيى بن زكريا عليهما السلام ~~فقصدت قتل إلياس؛ فدعا الله تعالى وسأله أن يرفعه إليه، ويؤخر عنه الموت؛ ~~فبعث الله إليه بفرس من نار، وقيل: لونه كلون النار، وأمره أن يركبه؛ فركبه ~~فألبسه الله النور، وذكر بعضهم: أن الله تعالى أنبت له الريش، وجعله أرضيا ~~سمائيا ملكيا إنسيا، وروى أنه موكل بالفيافي، والخضر موكل بالبحار. # PageV04P412 # وقوله: {إلا عباد الله المخلصين} وقد بينا، # PageV04P412 # وقوله: {وتركنا عليه في الآخرين} قد بينا. ms1411 # PageV04P412 # وقوله تعالى: {سلام على إل ياسين} وقرأ نافع: " آل إلياس ". وقرأ ابن ~~مسعود: " سلام على إدراسين " وعلى هذه القراءة: {وإن إدريس لمن المرسلين} ~~وقد روي أن إلياس هو إدريس. # وأما قوله: {إلياسين} أي: إلياس وأتباعه وذووه؛ فسمي الجميع باسم واحد، ~~مثل قول الرجل: رأيت المحمدين، أي: محمدا وأتباعه وأتباعه. # وأما قوله: {سلام على إل ياسين} وقيل فيه قولان: أحدهما: أنه الرسول ~~وآله، وهذا قول ضعيف؛ لأنه لم يسبق لهم ذكر. # والثاني: إن معنى قوله: {إل ياسين} هو قوله ((إلياسين)) كأنه قال: آل ~~إلياس، فعبر بياسين عن إلياس، وباقي الآيتين قد بينا. # PageV04P412 # قوله تعالى: {وإن لوطا لمن المرسلين} أي: من جملة المرسلين، وهم ~~الأنبياء، # PageV04P412 # وقوله: {إذ نجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين} أي: الباقين في ~~العذاب # PageV04P412 # {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون (138) وإن يونس ~~لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان من ~~المدحضين} والهلاك، ومعنى الآية: أنها لم تنج وبقيت في العذاب مع قوم لوط. # PageV04P413 # وقوله: {ثم دمرنا الآخرين} التدمير: هو الإهلاك بوصف التنكيل. # PageV04P413 # وقوله: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل} أي: تمرون عليهم بالليل ~~والنهار إذا ذهبتم إلى أسفاركم ورجعتم. # PageV04P413 # قوله تعالى: {وإن يونس لمن المرسلين} أي: من جملة رسل الله. # PageV04P413 # وقوله: {إذ أبق إلى الفلك المشحون} أي: السفينة الموفرة المملوءة. # PageV04P413 # وقوله: {فساهم} أي: قارع. # وقوله: {فكان من المدحضين} أي: من المقروعين، وقيل: من المغلوبين، يقال: ~~دحضت حجة فلان إذا بطلت، وأدحض الله حجته إذا أبطلها، والدحض الزلق، قال ~~الشاعر: # (أبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض) # وفي التفسير: أن يونس صلوات الله عليه وعد قومه العذاب، وكان الله تعالى ~~أخبره أنه يرسل عليهم العذاب في يوم كذا؛ فأخبرهم يونس صلوات الله عليه ~~بذلك فلم يصدقوه؛ فخرج من بينهم، وظن أن الله تعالى إذا أرسل العذاب ~~أهلكهم، ولم يصرفه عنهم، وقد كان الله تعالى أخبره بإرسال العذاب عليهم، ~~ولم يخبره بإهلاكهم، ثم إن الله تعالى أرسل العذاب، فلما رأوا ذلك، ولم يكن ~~نزل ms1412 بهم بعد، خرجوا إلى الصحراء، وأخرجوا معهم النساء والصبيان والبهائم، ~~وفرقوا بين الأمهات والأولاد، فضجوا إلى الله ضجة واحدة، واستغاثوا وبكوا ~~ودعوا؛ فصرف الله عنهم العذاب، فلما بلغ يونس عليه السلام أنه لم ينزل بهم ~~العذاب، ولم يهلكوا، خرج من الموضع الذي كان التجأ إليه كالمنشور الخجل من ~~قومه، وظن أنه وعدهم وعدا من الله تعالى، ولم يحصل مصداق ذلك، فتوجه إلى ~~جانب البحر. # PageV04P413 # ( {141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه كان من المسبحين (143) ~~للبث في} # وقوله تعالى: {أبق} أي: ذهب وتباعد، ويقال: شبه بآبق، فعتب الله تعالى ~~عليه في ذلك، وابتلاه ببطن الحوت وسجنه فيه. # وفي القصة: أنه لما وصل إلى البحر كان معه امرأته وابنان له؛ فجاء مركب ~~وأراد أن يركب معهم في السفينة، قدم امرأته في المركب ليركب بعدها؛ فجاءت ~~موجة وحالت بينه وبين المركب، ومر المركب، ثم جاءت موجة أخرى وأخذت ابنه ~~الأكبر، وجاء ذئب وأخذ ابنه الأصغر وبقي فريدا وحيدا، فظهر مركب آخر فلوح ~~لهم ليحملوه فجاء المركب وركب فيه، وقعد ناحية من القوم، فلما مرت السفينة ~~في البحر ركدت ولم تسر، واضطرب البحر، وخافوا الغرق، فقال صاحب السفينة: إن ~~فيكم رجلا مشئوما وفي رواية: مذنبا وقال: لا بد أن نلقيه في البحر حتى يسكن ~~البحر وننجو وفي رواية قال: إن فيكم عبدا آبقا؛ فقام يونس عليه السلام ~~فقال: أنا العبد المذنب، وأنا الآبق، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا يونس بن ~~متي؛ فعرفوه، وقالوا: لا نلقيك يا رسول الله، ولكن نتساهم؛ فتساهموا ثلاث ~~مرات، وخرجت القرعة عليه، وروى أنهم قالوا: نكتب اسم كل واحد منا على خشبة؛ ~~فمن غرق اسمه فهو المطلوب؛ فغرق اسم يونس من بينهم، وأوحى الله إلى حوت ~~عظيم حتى قصد السفينة، قالوا: فلما رآه أهل السفينة وقد فغر فاه، وهو مثل ~~الجبل عظيما؛ خافوا الهلاك، وجعل الحوت ينظر إلى من في السفينة، كأنه يطلب ~~شيئا، ثم إن يونس لما رأى ذلك زج نفسه في الماء، وروى أن القوم ألقوه برضاه ~~فالتقمه الحوت ms1413 ومر به، وسكن البحر وسارت السفينة. # وفي بعض الآثار: أن الله تعالى أوحى إلى الحوت: إني لم أجعله لك رزقا، ~~فإياك أن تكسر له عظما أو تخدش له لحما، وإنما جعلت بطنك له حرزا ومسجدا. # PageV04P414 # قوله تعالى: {فالتقمه الحوت وهو مليم} قد بينا الالتقام. # وقوله: {وهو مليم} أي: أتى بما يلام عليه. # PageV04P414 # {بطنه إلى يوم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) وأنبتنا عليه ~~شجرة من} # PageV04P415 # قوله تعالى: {فلولا أنه كان من المسبحين} أي: من المصلين لله تعالى ~~والذاكرين إياه قبل أن يلتقمه الحوت # PageV04P415 # {للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} أي: جعلنا بطن الحوت له قبرا فيحشر منه، ~~وقيل: فلولا أنه كان من المسبحين في بطن الحوت، وتسبيحه ما ذكرنا من قبل: ~~{إني كنت من الظالمين} . # قال الضحاك: شكر الله تعالى له طاعته القديم، وعن بعضهم قال: العمل ~~الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، ويأخذ بيده إذا صرع. # وفي بعض الآثار: أن يونس صلوات الله عليه لما دعا الله تعالى في بطن ~~الحوت، قالت الملائكة: صوت معروف من بلاد غريبة؛ فقالت الملائكة: يا ربنا ~~من هو؟ قال: عبدي يونس عصاني؛ فسجنته في بطن الحوت. # وذكر النقاش في تفسيره: أن يونس صلوات الله عليه دعا ربه في بطن الحوت، ~~وقال: إلهي من البيوت أخرجتني، وفي البحار سترتني، وفي بطن الحوت حبستني، ~~فإن كنت عملت لك عملا صالحا ففرج عني. # وذكر أيضا: أنه لقي قارون في لجج البحار؛ فسمع قارون صوت يونس عليه ~~السلام فكان في عذاب شديد؛ فطلب أن يمسك عنه العذاب، حتى يسأل يونس؛ فأمر ~~الله تعالى بإمساك العذاب عنه، فسأل قارون يونس عن ابن عمه موسى؛ فقال: قد ~~توفي، وسأل عن هارون؛ فقال: قد توفي قبله؛ فقال: واحزناه فأمر الله تعالى ~~أن يرد عنه العذاب إلى يوم القيانة لما سأل عن ابن عمه. # وذكر أيضا: أن الحوت قر به في لجج البحار مسيرة ستة آلاف سنة، وذكر أنه ~~بلغ به نجوم الأرضين السابعة؛ فسمع من تسبيح الحصى وما في قعر البحر شيئا ms1414 ~~عظيما، وذكر أن البحر تكلم معه، وقال: إلى أين كنت تريد أن تهرب من مولاي ~~أيها العبد الخاطئ؟ {إلى الأرض، أم إلى السماء، أم إلى البحار، أم إلى ~~الجبال} وإنا نسبح الله تعالى منذ خلقنا ونعبده، ونخاف أن يعذبنا، والله ~~أعلم. # PageV04P415 # {يقطين (146) وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) فآمنوا فمتعناهم إلى ~~حين (148) # PageV04P416 # قوله تعالى: {فنبذناه بالعراء وهو سقيم} اختلف القول في مقدار مكث يونس ~~في بطن الحوت، فذكر ابن جريج (والسدي) : أنه مكث أربعين يوما، وذكر مقاتل: ~~أنه مكث ثلاثة أيام، وذكر الضحاك: أنه مكث عشرين يوما وذكر عطاء: أنه مكث ~~سبعة أيام، وذكر الشعبي أنه مكث دون يوم، والتقمه الحوت ثم لفظه بعد ساعات ~~يسيرة. # وعن ابن مسعود قال: ألقاه الحوت، وهو مثل الفرخ، وفي التفسير: أنه ألقاه ~~الحوت وقد بلي لحمه، ورق عظمه، ولم يبق له قوة. # وقوله: {بالعراء} فيه قولان: أحدهما: أن العراء وجه الأرض، والآخر: أنه ~~الموضع الخالي، ذكره أبو عبيدة، قال الشاعر: # (ورفعت رجلي لا أخاف عثارها ... ونبذت بالبلد العراء ثيابي) # قوله: {وهو سقيم} أي: ضعيف، وقيل: بمنزلة السقيم، # PageV04P416 # قوله تعالى: {وأنبتنا عليه شجرة من يقطين} ها هنا هو [الدباء] في قول ~~جميع المفسرين، وقال ثعلب: كل شجرة ليس لها ساق، وهي تنبسط على وجه الأرض ~~فهو يقطين، والقطينة معروف، وجمعه القطاني. # وذكر النقاش: أن ذلك [الدباء] كان من بذر الجنة، وكان عليه ألف ورقة. # PageV04P416 # وفي القصة: أن يونس استظل بتلك الشجرة، وجعل يأكل منها، ويشرب من مائها ~~حتى قوي، ثم إن الله تعالى أيبس الشجرة، وقد نام نومة فاستيقظ، وقد يبست ~~الشجرة؛ فحزن حزنا شديدا، وأصابه أوار الشمس، وجعل يبكي؛ فبعث الله إليه ~~جبريل عليه السلام وقال: أتحزن على شجرة، ولا تحزن على مائة ألف من أمتك، ~~وقد أسلموا وتابوا إلي، ثم إن الله تعالى أمره أن يرجع إلى قومه، فهو معنى ~~قوله: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} . # PageV04P416 # {فاستفهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ~~شاهدون} # قال سعيد بن جبير، ms1415 عن ابن عباس: كانت نبوته بعد أن أخرجه الله تعالى من ~~بطن الحوت، والأصح أنه كان نبيا من قبل، وقد دل على هذا قوله تعالى: {وإن ~~يونس لمن المرسلين إذ أبق} . # وقوله: {إلى مائة ألف أو يزيدون} قال الفراء: بل يزيدون، وقيل: يزيدون، ~~وقال المبرد: كلمة " أو " ها هنا على بابها، ومعناه: أو يزيدون على تقديركم ~~وظنكم، وهو كالرجل يرى فوما؛ فيقول: هؤلاء ألف ثم يقول: ألف أو يزيدون؛ ~~فيكون الشك راجع إلى من رآهم لا إلى الله تعالى، وأما قدر الزيادة فأشهر ~~الأقاويل: أنها عشرون ألفا، وذكره أبو عيسى في جامعه مرفوعا إلى النبي. # والقول الثاني: خمسة وثلاثون ألفا، والقول الثالث: سبعون ألفا. # وأما البلد الذي أرسل إليه فهو " نينوي) من بلاد الموصل. # PageV04P417 # قوله: {فآمنوا فمتعناهم إلى حين} أي: إلى منتهى آجالهم. # فإن قيل: قال ها هنا: {فنبذناه بالعراء وهو سقيم} وقال في موضع آخر {لولا ~~أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء} وهو يدل على أنه لم ينبذ، فكيف وجه ~~التوفيق بين الآيتين؟ # والجواب عنه: أن الله تعالى قال في تلك الآية: {لنبذ بالعراء وهو مذموم} ~~أي: لولا رحمتنا ونعمتنا لنبذ بالعراء وهو مذموم، ولكن تداركته النعمة؛ ~~فنبذ وهو غير مذموم، وأنشد " أو " بمعنى بل. # (بدت مثل عين الشمس في رونق ... الضحى وصورتها أو أنت في العين أملح) # أي: بل أنت. # PageV04P417 # قوله تعالى: {فاستفتهم} معناه: سلهم، وهو سؤال توبيخ وتقرير، وقوله: # PageV04P417 # ( {150) ألا أنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون (152) ~~أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) ~~أم لكم سلطان مبين (156) فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) وجعلوا بينه ~~وبين الجنة نسبا} {ألربك البنات ولهم البنون} معناه: جعلوا لربك البنات، ~~ولأنفسهم البنين، أي: اختاروا كذلك. # PageV04P418 # وقوله: {أم خلقنا الملائكة إناثا} معناه: أخلقنا الملائكة إناثا {وهم ~~شاهدون} خلقنا إناثا، وقد كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله. قال أهل ~~التفسير: ولم يكن يزعم هذا جميع قريش، وإنما قال هذا بعض قريش، وقوم من بني ~~كنانة، وهم بنو مدلج. ms1416 # PageV04P418 # قوله تعالى: {ألا إنهم من إفكهم} أي: من كذبهم، وقوله: {ليقولون ولد الله ~~وإنهم لكاذبون} وهو على ما قال الله تعالى. # PageV04P418 # قوله تعالى: {أصطفى البنات على البنين} معناه: أصطفى البنات على البنين، ~~وهو استفهام بمعنى الزجر والتوبيخ، وقرئ: " إصطفى " بكسر الألف (على) ~~الخبر، ومعناه: إصطفى البنات على البنين في زعمكم وقولكم. # PageV04P418 # وقوله: {ما لكم كيف تحكمون} أي: كيف تقولون أن الله تعالى اختار البنات ~~على البنين، وأنتم لا تختارون إلا البنين. # PageV04P418 # وقوله: {أفلا تذكرون} أي: أفلا تتعظون، # PageV04P418 # قوله تعالى: {أم لكم سلطان مبين} أي: حجة بينة، # PageV04P418 # وقوله: {فأتوا بكتابكم} أي: بكتاب من عندكم يدل على ما قلتموه {إن كنتم ~~صادقين} . # PageV04P418 # وقوله تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} الجنة: ها هنا هم الملائكة ~~في قول أكثر المفسرين، وعن بعضهم: أنهم الجن، وقد كان زعم بعض قريش أن ~~الملائكة بنات الله على ما ذكرنا؛ فقال أبو بكر الصديق لهم: فمن أمهاتهم؟ ~~فقالوا: سروات الجن؛ فهذا معنى قوله تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} ~~. # PageV04P418 # {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحان الله عما يصفون (159) إلا ~~عباد الله المخلصين (160) فإنكم وما تعبدون (161) ما أنتم عليه بفاتنين ~~(162) إلا من هو صال الجحيم (163) وما منا إلا له مقام معلوم (164) وإنا ~~لنحن الصافون (165) وإنا لنحن} # وقوله: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} أي: محضرون الحساب، وقيل: محضرون ~~العذاب، # PageV04P419 # قوله تعالى: {سبحان الله عما يصفون} نزه نفسه عما وصفوه به من هذا القول ~~الشنيع. # وقوله: {إلا عباد الله المخلصين} قد ذكرنا من قبل، فإن قيل: أي: اتصال # PageV04P419 # لقوله: {إلا عباد الله المخلصين} بقوله: {سبحان الله عما يصفون} وكيف يصح ~~الاستثناء في هذا الباب، وكلمة إلا للاستثناء؟ # والجواب عنه: أن في الآية تقديما وتأخيرا، فكأن الله تعالى قال: ولقد ~~علمت الجنة إنهم لمحضرون العذاب إلا عباد الله المخلصين فإنهم لا يحضرون، ~~ثم قال سبحان الله عما يصفون؛ فهذا هو التقدير في الآية. # PageV04P419 # قوله: {فإنكم وما تعبدون} أي: من الأصنام، # PageV04P419 # وقوله: {ما أنتم عليه بفاتنين} أي: ما أنتم على الله بمضلين إلا ms1417 من أضله ~~الله، قال ابن عباس: لا يضلون إلا من كتب الله له الضلال، وروى هذا القول ~~عن الحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي وإبراهيم النخعي والضحاك وغيرهم. # قال الشاعر: # (فرد بنعمته كيده ... عليه وكان لنا فاتنا) # أي: مضلا. # PageV04P419 # وقال بعضهم: لا يضلون إلا من كتب الله أنه يدخل الجحيم، وقيل: إلا من ~~أشقاه الله؛ فهذا معنى قوله: {إلا من هو صال الجحيم} # PageV04P419 # قوله تعالى: {وما منا إلا له مقام معلوم} هذا خبر عن الملائكة، ومعناه: ~~وما منا # PageV04P419 # {المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون (167) لو أن عندنا ذكرا من الأولين ~~(168) لكنا عباد الله المخلصين (169) فكفروا به فسوف يعلمون (170) ولقد ~~سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا ~~لهم الغالبون (173) } ملك إلا وله مقام معلوم، وفي الخبر عن النبي أنه قال: ~~" ليس موضع قدم في السماء إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد ". # ويقال: إن مقام جبريل عند سدرة المنتهى ولا مجاوزة له إلى مأواها. # PageV04P420 # قوله تعالى: {وإنا لنحن الصافون} أي: المصطفون في السماء للعبادة # PageV04P420 # {وإنا لنحن المسبحون} أي: الممجدون لله، والمنزهون إياه عما لا يليق به. # PageV04P420 # قوله تعالى: {وإن كانوا ليقولون} معناه: وقد كانوا يقولون؛ أي: قريش. # PageV04P420 # وقوله: {لو أن عندنا ذكرا من الأولين} أي: كتابا ككتاب الأولين. # أي: كتابا ككتاب الأولين. # PageV04P420 # وقوله: {لكنا عباد الله المخلصين} ظاهر المعنى. # PageV04P420 # قوله تعالى: {فكفروا به} فيه حذف، والمحذوف: أنه قد جاءهم الكتاب والذكر ~~فكفروا به، وقوله: {فسوف يعلمون} تهديد من الله لهم. # PageV04P420 # قوله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا} أي: حكمنا، وقوله: {لعبادنا المرسلين ~~إنهم لهم المنصورون} أي: النصرة تكون لهم، وقد قال [الله] في موضع آخر: ~~{كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} . # PageV04P420 # وقوله: {وإن جندنا لهم الغالبون} أي: الغلبة تكون للمؤمنين، وهذا لقوم ~~دون # PageV04P420 # {فتول عنهم حتى حين (174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون ~~(176) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) ~~} قوم، وفي وقت دون وقت؛ لأن المسلمين قد يغلبون وينصر عليهم غيرهم، وقيل: ~~العاقبة تكون لهم. # PageV04P421 # وقوله تعالى: {فتول عنهم حتى ms1418 حين} أي: أعرض عنهم حتى حين أي: حين الموت، ~~وقيل: إلى أن يأتيهم عذاب الله. # PageV04P421 # وقوله: {وأبصرهم فسوف يبصرون} قال قتادة: أبصروا حين لم ينفعهم البصر، # PageV04P421 # قوله تعالى: {أفبعذابنا يستعجلون} قد بينا أنهم قالوا: {اللهم إن كان هذا ~~هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} على ما قال الله، وقال تعالى ~~في موضع آخر: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} أي: يستعجل بالقيامة الذين ~~لا يؤمنون بها. # PageV04P421 # قوله تعالى: {فإذا نزل بساحتهم} أي: نزل بساحتهم، ومعناه: أصابهم العذاب، ~~وقوله: {فساء صباح المنذرين} أي: فبئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، وقد ثبت ~~أن النبي لما غزا خيبر، ووصل إليها رأى اليهود وقد خرجوا بمكاتلهم ومساحيهم ~~من حصونهم؛ فلما رآوا الجيش، قالوا: محمد والخميس؛ فقال النبي: " الله أكبر ~~خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ". # PageV04P421 # قوله تعالى: {وتول عنهم حتى حين} هو بمعنى الأول، وذكره على التأكيد، # PageV04P421 # وقوله: {وأبصر فسوف يبصرون} أي: انتظر حالتهم وما يؤول إليه أمرهم؛ ~~فينتظرون لحالهم وما ينزل بهم. # PageV04P421 # {وأبصر فسوف يبصرون (179) سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على ~~المرسلين (181) والحمد لله رب العالمين (182) } # PageV04P422 # قوله تعالى: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} أي: ذو العزة، # PageV04P422 # وقوله: {وسلام على المرسلين} أي: الأنبياء الذين أرسلوا إلى الخلق. # PageV04P422 # وقوله: {والحمد لله رب العالمين} على ما ذكرنا، وروى الأ ### | ص # بغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه أنه قال: من أراد أن يكتال الأجر يوم ~~القيامة بالمكيال الأوفى، فليكن آخر كلامه في مجلسه: {سبحان ربك رب العزة ~~عما يصفون} إلى آخر السورة ". # وفي بعض الأخبار برواية أبي سعيد الخدري ((أن النبي كان إذا صلى أو انصرف ~~من مجلسه قال {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} إلى ى خر السورة)) (1) . # PageV04P422 # بسم الله الرحمن الرحيم # {ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) كم أهلكنا من} # تفسير سورة ص # وهي مكية # PageV04P423 # قوله تعالى: { ### | ص # } قرأ الأكثرون: {ص} بالتسكين، وقرأ الحسن: {ص} بخفض الدال، وقرأ عيسى بن ms1419 ~~عمر النحوي: {ص} بفتح الدال، والقراءة المعروفة بالتسكين. # وعلة التسكين أنه حرف من حروف التهجي، وعند العرب أن هذا يكون ساكنا، ~~وأما قراءة الحسن فمعناه: صاد القرآن بعملك أي: عارضه بعملك، واما قراءة ~~الفتح فمعناه: إنك صاد. # وأما معنى " ص ": روى عن ابن عباس أنه قال: صدق محمد، وعن الضحاك: صدق ~~الله، وقال مجاهد: هذا من فواتح السور، وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، ~~وهو قسم، وذكر الكلبي أن معناه: والصادق المعنى على القسم. # وقوله: {والقرآن ذي الذكر} أي: ذي الشرف، وقد قال في موضع آخر: {لقد ~~أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم} أي: شرفكم. # PageV04P423 # وقوله: {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} وقرئ في الشاذ: " في غرة وشقاق " ~~بالغين المعجمة، والمعروف بالعين والزاي. # وقوله: {في عزة} أي: في حمية، قال قتادة: معنى قوله: {عزة} أي: نفروا عن ~~قبول الحق، وتكبروا عن الانقياد، وأما القراءة بالغين فهو من الغرور ~~والغفلة، وقوله: {وشقاق} أي: عداوة واختلاف. # PageV04P423 # قوله تعالى: {كم أهلكنا} اعلم أنه اختلف قول أهل التفسير في جواب القسم؛ ~~فقال بعضهم: جواب القسم هو قوله تعالى: {إن ذلك لحق تخاصم أهل # PageV04P423 # {قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال ~~الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} ~~النار) وهذا قول ضعيف؛ لأنه قد تخلل بين القسم وبين هذا الجواب أقاصيص ~~وأخبار كثيرة، والقول الثاني: أن جواب القسم قوله: {كم أهلكنا} وفيه حذف، ~~ومعناه: لكم أهلكنا. # والقول الثالث: أن جواب القسم محذوف، ومعناه: صاد والقرآن ذي الذكر، ليس ~~الأمر على ما زعموا يعني: الكفار. # وقوله: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} كم للتكثير، والقرن قد بينا من قبل. # وقوله: {فنادوا} أي: استغاثوا عند الهلاك، وقوله: {ولات حين مناص} أي: ~~ليس حين (فرار) ، وقيل: ليس حين (مغاب) ، ويقال: نادوا وليس حين نداء. # " ولات " بمعنى ليس لغة يمانية، وقيل: ضمت " التاء " إلى " لا " للتأكيد، ~~كما يقال: ربت وثمت بمعنى رب وثم، وقال أهل اللغة: ناص ينوص إذا ms1420 تأخر، وباص ~~يبوص إذا تقدم، قال الشاعر: # (أمن ذكر سلمى إن نتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة حين وتبوص) # وقال آخر في ((لات)) بمعنى ليس: # (طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء) # وذكر بعضهم: أنه كان من عادة العرب إذا اشتدت الحرب، يقول بعضهم لبعض: ~~مناص مناص، أي: احملوا حملة واحدة ينجو فيها من نجا، ويهلك [فيها] من # PageV04P424 # ( {5) وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ~~(6) ما} هلك فقالوا ذلك حين أصابهم العذاب من الله تعالى، فقال الله تعالى ~~لهم: " ولات حين مناص " أي: وليس (حين هذا) القول، وأنشد بعضهم شعرا: # (تذكر حب ليلى لات حينا ... ويضحي الشيب قد قطع القرينا) # PageV04P425 # قوله تعالى: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} أي: محمد، وقوله: {وقال ~~الكافرون هذا ساحر كذاب} أي: خادع كذاب. # PageV04P425 # قوله تعالى: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} أي: عجب، وعجيب ~~وعجاب بمعنى واحد، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: " إن هذا لشيء عجاب " ~~بالتشديد، وهو بمعنى الأول. # PageV04P425 # قوله تعالى: {وانطلق الملأ منهم} سبب نزول هذه الآية هو " أنه جاء وجوه ~~قريش إلى أبي طالب، وهم أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وعتبة وشيبة وطعيمة ~~بن عدي، وعقبة بن أبي معيط، وأبي وأمية ابنا خلف، وزمعة بن الأسود، وغيرهم، ~~وشكوا إليه محمدا، وقالوا: إنه يسب آلهتنا ويسفه أحلامنا، ويذكر أن آباءنا ~~في النار؛ فدعا أبو طالب النبي وقال: يا بن أخ، هؤلاء قومك جاءوا يشكونك، ~~ويذكرون كذا وكذا، فماذا تطلب منهم؟ قال: أطلب منهم كلمة واحدة إن قالوها ~~دانت لهم العرب، وأدت إليهم العجم الجزية، فقال القوم: نحن نقول عشر كلمات، ~~فماذا تريد؟ فقال: قولوا لا إله إلا الله، فنفروا وقاموا، وقالوا: لا ~~نقولها أبدا، وجعل بعضهم يقول لبعض: امشوا واصبروا على آلهتكم أي: الزموها، ~~وأقيموا على عبادتها ". # وقوله: {إن هذا لشيء يراد} أي: أمر محمد شيء، يراد بالناس فيه الشر # PageV04P425 # {سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) أؤنزل عليه الذكر من ~~بيننا بل ms1421 هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) أم عندهم خزائن رحمة ~~ربك} والهلاك، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه " وانطلق الملأ يمشون أن اصبروا ~~على آلهتكم "، ويقال: إن هذا لشيء يراد أي: لشيء يراد بأهل الأرض في إرسال ~~محمد ويقال: يراد أي: يراد بمحمد ويملك علينا ويرأس. # وفي الآية قول آخر، وهو أنها نزلت في إسلام عمر رضي الله عنه وما حصل ~~للمسلمين من القوة بمكانه، فقال الكفار لما أسلم عمر: إن هذا لشيء يراد أي: ~~إن أمر محمد لشيء يراد، حيث قوي بإسلام عمر. # PageV04P426 # قوله تعالى: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} أي: النصرانية، هكذا قاله ~~ابن عباس وابن جريج والسدي، وهي آخر الملل، ولم يكونوا موحدين، فإنهم كانوا ~~يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، وقال مجاهد: ما سمعنا هذا في الملة الآخرة أي: ~~في ملة قريش، وقيل: في ملتنا هذه، وعن مؤرج بن عمرو قال: في الملة الآخرة ~~أي: في الملة الأولى، وهو لغة لبعض العرب. # وقوله: {إن هذا إلا اختلاق} أي: افتعال وكذب. # PageV04P426 # قوله تعالى: {أأنزل عليه الذكر من بيننا} معناه: أن أهل مكة قالوا: أأنزل ~~على محمد القرآن من بيننا، وليس بأفضلنا ولا أشرفنا؟ . # وقوله: {بل هم في شك من ذكري} أي: مما أنزلت. # وقوله: {بل لما يذوقوا عذاب} أي: لم يذوقوا عذابي وسيذقونه. # PageV04P426 # قوله تعالى: {أم عندهم خزائن رحمة ربك} معناه: أعندهم خزائن رحمة ربك؟ ~~والخزائن: هي البوت التي تعد فيها الأشياء النفيسة. # وحقيقة المعنى: أنه ليس عندهم خزائن الرحمة والنبوة، فيعطونها من شاءوا، ~~ويمنعونها من شاءوا. # PageV04P426 # (العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما فليرتقوا في ~~الأسباب (10) جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد ~~وفرعون) # وقوله: {العزيز الوهاب} العزيز: هو المنيع في ملكه، الغالب على خلقه، ~~الوهاب: المعطي لخلقه، # PageV04P427 # وقوله تعالى: {أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما} أي: ليس لهم ذلك. # وقوله: {فليرتقوا في الأسباب} أي: فليعلوا في أسباب القوة والمنعة إن كان ~~لهم ذلك على ما ms1422 زعموا، قاله أبو عبيدة، وقيل: فليقعدوا إلى أبواب السماء. ~~والأسباب هي الموصلاة في الغة، والحبل يسمى سببا؛ لأته يوصل به إلى الشيء، ~~فالارتقاء في الأسباب هو التوصل من شيء إلى شيء حتى يبلغ أعلاه، والمراد من ~~الآية إثبات عجزهم، وإبطال زعمهم فيما ادعوه من المنعة والقوة. # PageV04P427 # قوله تعالى: {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} أي: جند هنالك، " وما " ~~صلة، والمعنى أنهم مهزومون مقموعون، واختلف القول في المعنى لهم، فأحد ~~القولين: هم الأصنام، والقول الآخر: أن المعنى هم مشركو قريش، وهم الذين ~~قتلوا وأسروا ببدر، وقيل: إن هنالك إشارة إلى مصارعهم من بدر. # وقوله: {من الأحزاب} أي: من الذين تحزبزا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب، # PageV04P427 # قوله تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد} قد بينا. # وقوله: {وفرعون ذو الأوتاد} في الأوتاد أقوال: أحدها: أنها البنيان، قال ~~الشاعر: # (ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد) # أي: الأبنية، وقيل: الأوتاد جمع الوتد، وكان إذا أراد قتل إنسان وتد في ~~يديه ورجليه أربعة أوتاد وهو مستلقي، ووجهه إلى السماء. # والقول الثالث: أن الأوتاد هي الملاعب بالأرسان المشدودة بالأوتاد، وقد ~~كان # PageV04P427 # {ذو الأوتاد (12) وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أؤلئك الأحزاب (13) إن كل ~~إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ~~(15) وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) اصبر على ما يقولون ~~واذكر} لفرعون ذلك. # PageV04P428 # وقوله: {وثمود وقوم لوط} قد بينا، وحكى عطاء عن ابن عباس: أنه ما من نبي ~~إلا ويكون له أمة يوم القيامة سوى لوط عليه السلام فإنه يأتي وحده، وذكر ~~بعضهم: أن قوم لوط كانوا أربعمائة ألف بيت، في كل بيت عشرة نفر، ولم يسلم ~~أحد منها. # وقوله: {وأصحاب الأيكة} أي: الغيضة، وقوله: {أولئك الأحزاب} يعني: الذين ~~تحزبوا على الأنبياء. # PageV04P428 # قوله تعالى: {إن كل إلا كذب الرسل} أي: ما منهم قوم إلا وقد كذب الرسل، ~~وقوله: {فحق عقاب} أي: فوجب عذابي عليهم. # PageV04P428 # قوله تعالى: {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة} والصيحة ها هنا ms1423 هي نفخة في ~~الصور، وقوله: {ما لها من فواق} قرئ بالنصب والرفع، وقال بعضهم: هما بمعنى ~~واحد. وقال بعضهم: هما مختلفان؛ فقوله بالنصب: من الإفاقة، وقيل: مثنوية، ~~ويقال: رجوع وتأخير، وقوله بالرفع أي: من انتظار، والفواق في اللغة ما بين ~~الحلبتين، والمعنى أن العذاب لا يمهلهم، ولا يلبثهم بذلك القدر. # PageV04P428 # وقوله تعالى: {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا} قال سعيد بن جبير: أي: نصيبنا ~~(من) الجنة، وقال الحسن البصري: قطنا أي: نصيبنا من العذاب، وإنما قالوا ~~ذلك تكذيبا واستهزاء، والقط هو الكتاب الذي يكتب فيه الجائزة، والقطوط كتب ~~الجوائز. وفي الآية قول آخر: وهو أن الله تعالى لما أنزل قوله: {فأما من ~~أوتي كتابه # PageV04P428 # {عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب (17) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق بيمينه) {وأما من أوتي كتابه بشماله} فسمع المشركون ذلك؛ فقالوا: ~~ربنا عجل لنا قطنا أي: صحيفتنا. # وقوله: {قبل يوم الحساب} ظاهر، وإنما قالوا تكذيبا واستهزاء. # PageV04P429 # قوله تعالى: {واصبر على ما يقولون} أي: على ما يقول الكفار. # وقوله: {واذكر عبدنا داود} هو داود بن إيشا، وقد بينا، قوله: {ذا الأيد} ~~أي: ذا القوة، فيقال: ذا القوة في العبادة، ويقال: ذا القوة في الملك. # وأما قوله في العبادة؛ فقد كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان يقوم سدس ~~الليل وينام نصفه، ويقوم ثلثه، وقد ثبت عن النبي أنه قال: " أحب الصيام إلى ~~الله تعالى صيام داود، وأحب القيام إلى الله قيام داود "، وقوله: {إنه ~~أواب} أي: تواب، وقيل: رجاع، فقال: آب يئوب إذا رجع، قال الشاعر: # (وكل ذي غيبة يئوب ... وغائب الموت لا يئوب) # وقيل: أواب معناه: أنه كان كلما ذكر ذنبه استغفر الله تعالى. # PageV04P429 # قوله تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي} العشي: آخر النهار. # وقوله: {والإشراق} هو وقت الضحى، وعن ابن عباس قال: ما كنت أعرف معنى ~~الإشراق حتى أخبرتني أم هانئ رضي الله عنها أن النبي صلى صلاة الضحى # PageV04P429 # ( {18) والطير محشورة كل له أواب (19) وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل ~~الخطاب (20) وهل أتاك نبأ الخصم ms1424 إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على ~~داوود} في بيتها، ثم قال: " هذه صلاة الإشراق " والإشراق: أنه تشرق الشمس ~~حتى تتناهى في ضوئها. # PageV04P430 # قوله تعالى: {والطير محشورة} وسخرنا الطير محشورة، وقوله: {محشورة} ~~مجموعة، وقوله: {كل له أواب} اختلف القول في معنى قوله: {كل له أواب} فأحد ~~القولين معناه: كل لله أواب أي: مسبح. # والقول الثاني: كل له أواب أي: لداود يعني: أواب معه. # والأواب ها هنا هو المسبح، والتسبيح هو عبادة أهل السموات والأرض. # PageV04P430 # قوله تعالى: {وشددنا ملكه} أي: وقوينا ملكه، قال مجاهد: كان له أربعمائة ~~ألف رجل يحرسونه، ومن المعروف ستة وثلاثون ألفا يحرسونه. وعن بعضهم: أربعون ~~ألفا مستلأمة أي: في السلاح، وقد لبس لأمته أي: درعه وسلاحه. # وقوله تعالى: {وآتيناه الحكمة} أي: النبوة، وقيل: الفقه في الدين، ويقال: ~~الفهم في القضاء. # وقوله: {وفصل الخطاب} فيه أقوال: # أحدها: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، وهو فصل الخطاب، وهذا ~~قول مشهور ومعروف. # والقول الثاني: أن فصل الخطاب هو البيان الفاصل بين الحق والباطل. # PageV04P430 # {ففرع منهم قالوا لا تخف خصمان بغي بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا ~~تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ~~واحدة} # والقول الثالث: أن معناه: أما بعد، ذكره الشعبي، وإنما سمي: أما بعد فصل ~~الخطاب؛ لأن الإنسان يذكر الله ويحمده، فإذا شرع في كلام آخر قال: أما بعد، ~~فقد كان كذا، وكان كذا. # وقد ورد في القصة: أن رجلا أتى داود عليه السلام وادعى أن فلانا اغتصب ~~منه بقرا، فدعا المدعي عليه، فجحد؛ فرأى في المنام أنه أمر بقتل المدعى ~~عليه فلم يفعل فرأى ثانيا وثالثا وأنذر بالعذاب إن لم يفعل فدعا المدعى ~~عليه وأخبره أن الله تعالى أمره بقتله؛ فقال: أو حق هو؟ قال: نعم. # فقال: أتقتلني بغير حجة؟ فقال له: والله لأنفذن أمر الله فيك. # فقال: إني لم أقتل بهذا، ولكني كنت اغتلت أبا هذا الرجل وقتلته، وأقر به، ~~فقتله داود عليه السلام فلما رأت بنو إسرائيل ms1425 ذلك هابوه أشد الهيبة، فهي ~~معنى قوله {وشددنا ملكه} . # PageV04P431 # قوله تعالى: {وهل أتاك نبأ الخصم} أي: خبر الخصم، وأنشدوا في النبأ بمعنى ~~الخبر: # (إني أرقت فلم أغمض جاري ... جزعا من النبأ العظيم السار) # والخصم اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، وقيل معناه: ذو خصم ذوا ~~خصم وذوو خصم، فعلى هذا يتناول الكل. # وقوله: {إذ تسوروا المحراب} أي صعدوا وعلوا، والمعنى: أنهم دخلوا من جانب ~~سور المحراب لا من مدخل الذي يدخل الناس. # واتفقت عامة المفسرين على أن الذين دخلوا كانوا ملكين، وقيل: إنه كان ~~أحدهما جبريل والآخر ميكائيل، وذكر تسوروا بلفظ الجمع؛ لأن الجمع يتناول ~~الاثنين فصاعدا. # PageV04P431 # وقوله: {إذ دخلوا على داود ففزع منهم} أي: خاف منهم واختلف القول في علة ~~الخوف، فقال بعضهم: إنه خاف منهم، لأنهم دخلوا في غير وقت الدخول، وقيل: ~~خاف منهم؛ لأنهم دخلوا من أعلى السور. # وقوله: {قالوا لا تخف} يعني: فلا تخف {خصمان بغى بعضهم على بعض} فإن قيل: ~~كيف قال: {خصمان بغى بعضنا على بعض} ولم يكن من الملكين من بغى أحدهما على ~~الآخر؟ # والجواب عنه أن معناه: أرأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر، فهذا من معاريض ~~الكلام، وليس على معنى تحقيق بغي أحدهما على الآخر. # وقيل معناه: قالا: ما قولك في خصمين بغى أحدهما على الآخر؟ وهذا قريب من ~~الأول، وقوله: {فاحكم بيننا بالحق} أي: بالعدل. # وقوله: {ولا تشطط} يقال: أشط يشط إذا جار، وشطا يشط إذا أبعد، قال ~~الشاعر: # (شطت مزار العاشقين، فأصبحت ... عسرا علي طلابك ابنة مخرم) وقال عمر بن ~~أبي ربيعة: {تشط غدا دار جيراننا ... وللدار بعد غد أبعد} # فمعنى قوله: {ولا تشطط} أي: لا تجر، وقرئ بنصب التاء أي: لا تبعد عن ~~الحق، وقوله: {واهدنا إلى سواء الصراط} أي: إلى الطريق المستقيم الصواب ~~والعدل، وقوله: {واهدنا} أي: وأرشدنا. # قوله تعالى: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة} ذكر أهل التفسير أن سبب ~~ابتلاء داود عليه السلام أنه فتن بامرأة أوريا بن حنان، وسبب ذلك أن داود ~~صلوات الله ms1426 عليه كان قسم أيامه، فكان يخلو يوما للعبادة، ويخلو يوما ~~لنسائه، ويجلس للقضاء يوما مع بني إسرائيل فيذاكرهم ويذاكرونه، فجلس يوما ~~مع بني إسرائيل يذاكرهم، فذاكروا فتنة النساء، فأضمر داود في نفسه أنه إن ~~ابتلي اعتصم. # PageV04P432 # وفي بعض التفاسير: أن داود عليه السلام رأى قرينيه من الملائكة، فقال ~~لهما: ما بالكما معي، فقالا: نحفظك ونحرسك، فتفكر في نفسه أنه كان ما يحترز ~~عنه من الأشياء يكون بحفظهما، أو ما يفعل من العبادة فيكون بحفظهما، فهو لا ~~يحمد في ذلك؛ فأمر الله تعالى الملكين أن يخلياه يوما. # وفي بعض القصص: أن الله تعالى حذره يوما، وقال: هو يوم فتنتك، وفي بعضها: ~~أنه سمع بني إسرائيل يقولون في دعواتهم: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ~~فأحب أن يذكر معهم، فذكر ذلك لله تعالى في مناجاته، فقال: يا داود إني ~~ابتليتهم فصبروا. فقال: لو ابتليتني صبرت، فقال: يا داود إني مبتليك يوم ~~كذا، فلما كان ذلك اليوم دخل في متعبده، وتخلى للعبادة، وهذا الوجه الثالث ~~غريب، والمشهور ما ذكرنا من قبل، قالوا: ولما كان في ذلك اليوم وتخلى ~~للعبادة وجعل يصلي ويقرأ التوراة والزبور ويكب على قراءتهما، فبينما هو ~~خلال ذلك؛ إذ سقط طير من ذهب قريبا منه، ويقال: إنه إبليس تصور في صورة ~~طير، وكان جناحاه من الدر والزبرجد، فأعجبه حسن الطير، فقصد أن يأخذه ~~فتباعد منه، وجعل هو يتبعه إلى أن أسرف في اتباعه إلى دار من دور جيرانه، ~~فرأى امرأة تغتسل، فأعجبه حسنها وخلقها، وفتن بها، فلما أحست المرأة بمن ~~ينظر إليها؛ حللت شعرها، فغشاها شعرها؛ فازداد داود فتنة، ورجع وسأل عن ~~المرأة؛ فقيل: إنها امرأة أوريا بن حنان، فكان في ذلك الوقت توجه غازيا إلى ~~بعض الثغور، فأحب أن يقتل ويتزوج بامرأته، فذكر بعضهم أن ذنبه كان هذا ~~القدر. # وذكر بعضهم: انه كتب إلى أمير الجيش أن يجعل أوريا قدام التابوت، وكان من ~~جعل قدام التابوت فإما أن يقتل أو يفتح الله على يديه، فلما جعل قدام ~~التابوت قتل، فتزوج ms1427 داود المرأة بعدما انقضت عدتها. # وروى مسروق عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير عن ابن عباس أنهما قالا: كان ذنب ~~داود انه التمس من الرجل أن ينزل عن امرأته، هذا قول ابن مسعود، وأما لفظ ~~ابن عباس: التمس أن يتحول له عنها. # PageV04P433 # {فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ~~وإن} # قال أهل التفسير: وقد كان ذلك مباحا لهم غير أن الله تعالى لم يرض له ~~بذلك، لأنه كان ذلك رغبة في الدنيا، وازدياد من النساء، وقد أغناه الله ~~تعالى عنها بما أعطاه من غيرها. # وذكر بعضهم: أن ذنبه كان هو أنه خطب امرأة، وقد خطبها غيره، فدخل على ~~خطبة غيره، وكان ذلك منهيا في شريعتهم، كما هو منهي في شريعتنا. # PageV04P434 # قوله تعالى: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة} النعجة ها هنا كناية عن ~~المرأة، والعرب تكنى عن المرأة بالنعجة والشاة، قال الشاعر: # (فرميت غفلة عينه عن شاته ... فأصبت حبة قلبه وطحالها) # والمراد من الشاة ها هنا هي المرأة، وقرأ ابن مسعود: " تسعة وتسعون نعجة ~~أنثى " قال بعضهم: ذكر أنثى على طريق التأكيد. # وقد روي عن النبي أنه قال: " ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر " فقوله: " ~~ذكر " مذكور على وجه التأكيد. # وقيل: يجوز أن يقال: تسعة وتسعون نعجة، وإن كان في خلالها ذكر، فلما قال: ~~تسعة وتسعون نعجة أنثى، عرف قطعا أنه ليس في خلالها ذكر. # وقوله: {ولي نعجة واحدة} في التفسير: أنه كان لأوريا امرأة واحدة، ولداود ~~تسعة وتسعون امرأة، فهذا هو المعني بالنعاج والنعجة. # وقوله: {فقال أكفلنيها} أي: ضمها إلي: وقيل: انزل لي عنها، وقيل: اجعلني ~~قيمها وكفيلا بأمرها. # وقوله: {وعزني في الخطاب} أي: غلبني في الخطاب، وقهرني في الخطاب أي: # PageV04P434 # {كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا ~~له ذلك وإن له} في القول لقوة ملكه. # وحقيقة المعنى: أن الغلبة كانت له لضعفي في يده، ms1428 وإن كان الحق معي، وعن ~~مجاهد قال: تحدث بنو إسرائيل عند داود أنه لا يمضي على ابن آدم يوما إلا ~~ويذنب فيه ذنبا، واعتقد داود صلوات الله عليه أنه يحفظ نفسه من الذنب، وعين ~~يوما، فلما كان ذلك اليوم تخلى في متعبده، وجعل يصلي ويسبح، ويقرأ التوراة ~~والزبور، فابتلي بما ابتلي به على ما ذكرنا. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: من زعم أن داود ارتكب محرما من تلك المرأة ~~جلدته مائة وستين جلدة، يعني ضعف ما يجلد الإنسان في غيره. # PageV04P435 # قوله تعالى: {قال لقد ظلمك} معناه: لقد ظلمك بسؤاله نعجتك إلى نعاجه، فإن ~~قيل: كيف قال: لقد ظلمك بمجرد قوله، ولم يكن سمع قولة صاحبه؟ # الجواب عنه: أن يحتمل لقد ظلمك بمجرد قوله، ولم يكن صاحبه أقر بذلك، ~~ويحتمل أنه قال: إن كان الأمر على ما ذكرت فقد ظلمك بسؤاله نعجتك إلى ~~نعاجه، وفي الآية حذف، والمحذوف بسؤاله أن تضم نعجتك إلى نعاجه، وقد ثبت عن ~~ابن عباس أنه كان سأل زوج المرأة أن ينزل له عن امرأته، رواه سعيد بن جبير ~~عنه. # وقوله: {وإن كثيرا من الخلطاء} أي: من الشركاء، يقال: هذا خليطي أي: ~~شريكي، وقوله: {ليبغي بعضهم على بعض} أي: يظلم بعضهم بعضا. # وقوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} يعني: أنهم لا يظلم بعضهم ~~بعضا، وقوله: {وقليل ما هم} أي: وقيل هم، و " ما " صلة. # وقوله: {وظن داود أنما فتناه} أي: وأيقن داود أنما فتناه أي: ابتليناه، ~~وأوقعناه في الفتنة، وقرئ: " إنما فتناه " بالتخفيف، يعني: أن الملكين ~~فتناه. # PageV04P435 # وقوله: {فاستغفر ربه} أي: طلب المغفرة من ربه (وخر راكعا) أي: ساجدا، ~~فعبر عن السجود بالركوع؛ لأن كل واحد منهما نوع من الانحناء. # وقوله: {وأناب} أي: رجع وتاب، قال مجاهد: مكث داود ساجدا أربعين يوما لا ~~يرفع رأسه. ويقال: مكث في السجود وبكى حتى نبت العشب حول رأسه. # وذكر النقاش في تفسيره: أن الله تعالى بعث إليه ملكا بعد أربعين يوما أن ~~أرفع رأسك، فلم يرفع، فقال له ms1429 الملك: أيها العبد، أول أمرك ذنب وآخره ~~معصية، ارفع رأسك حين أمرك ربك. # وذكر وهب بن منبه: أن داود صلوات الله عليه لم يشرب بعد ذلك ماء، إلا وقد ~~مزجه بدموعه، ولم يأكل طعاما إلا وقد بله بدموعه، ولم ينم على فراش إلا وقد ~~غرقه بدموعه. # وأم حكم السجود في هذه الآية، فذكر بعضهم: أنها سجدة شكر، وذكر بعضهم: ~~أنها سجدة عزيمة، وقد روى الشافعي رحمه الله بإسناده عن عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه أنه كان لا يسجد في " سورة ص " ويقول: إنها توبة نبي. # وفي بعض التفاسير: أن داود عليه السلام لما قال ما قال ضحك أحد الملكين ~~إلى صاحبه، ثم ارتفعا إلى السماء، فعلم داود أنهما أراداه بذلك القول ~~وأنهما ملكان مبعوثان من قبل الله تعالى فحينئذ وقع على الأرض ساجدا. # PageV04P436 # قوله تعالى: {فغفرنا له ذلك} فغفرنا له ذنبه ذلك، وعن [أبي] سليمان ~~الداراني: أن الله تعالى قال: يا داود قد غفرت ذنبك، وأما المودة التي كانت ~~بيني وبينك فقد مضت. # وفي القصة: أن الوحوش والطيور كان تستمع إلى قراءاته وتصغي إليها، فلما ~~فعل ما فعل، [كان] يقرأ الزبور بعد ذلك، ولا تصغي الطيور ولا الوحوش إلى ~~ذلك، # PageV04P436 # {عندنا لزلفى وحسن مآب (25) يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) وما خلقنا} فروى أنها قالت ~~يعني الوحوش والطيور: يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة صوتك. # وقوله: {وإن له عندنا لزلفى} أي: قربى {وحسن مآب} أي: حسن مرجع ومنقلب، ~~وفي بعض التفاسير: أن داود صلوات الله عليه يحشر وخطيئته منقوشة في كفه، ~~فحين يراها؛ يقول: يا رب، ما أرى خطيئتي إلا مهلكي، فيقول الله تعالى له: ~~إلي يا داود، فهو معنى قوله تعالى: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} وأنشدوا ~~في الركوع بمعنى السجود على ما بينا شعرا: # (فخر على وجهه راكعا ... وتاب إلى الله ms1430 من كل ذنب) # PageV04P437 # قوله تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} أي: خليفة عمن سبق، ~~ويقال: خليفتي؛ ومن هذا يجوز أن يسمى الخلفاء خلفاء الله. # وقوله: {فاحكم بين الناس بالحق} أي: بالعدل، وقوله: {ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله} أي: يصدك ويردك عن سبيل الله. # وقوله: {إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} ~~فيه تقديم وتأخير، ومعناه: لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا أي: تركوا ~~أمر الله وغفلوا عن القيامة. # وفي القصة: أن الله تعالى كان قد بعث سلسلة من السماء، وكان يختصم إلى ~~داود، والخصمان والسلسلة قدام مجلسه، فكان يأمر كل واحد منهما أن يأخذ ~~السلسلة، وكان ينالها المحق ولا ينالها المبطل، فاشتدت هيبته في بني ~~إسرائيل لذلك، فاختصم رجلان في عقد لؤلؤ أودعه أحدهما من صاحبه وجحده ~~المودع، فعمد المودع إلى عصا وقورها، وجعل العقد فيها، فلما اختصما إلى ~~داود أمرهما بالتحاكم إلى السلسلة، فذهب المدعي إلى السلسلة، وقال: اللهم ~~إن كنت تعلم أني أودعت هذا # PageV04P437 # {السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار (27) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار (28) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر ~~أولوا الألباب (29) الرجل عقد لؤلؤ، ولم يرده إلى، فأنلني السلسلة، ثم رفع ~~يده ونالها، وجاء صاحبه إلى السلسلة، والعصا في يده، فقال للمدعي: أمسك هذه ~~العصا حتى آخذ السلسلة، فأخذها منه، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد رددتها ~~إليه فأنلني السلسلة، ثم إنه رفع يده، ونال السلسلة؛ فتحير داود وبنو ~~إسرائيل في ذلك. # ورفع الله السلسلة، وأمر داود عليه السلام بأن يقضي بين الناس بالبينة ~~واليمين؛ فجرت السنة على ذلك إلى قيام الساعة. # PageV04P438 # قوله تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا} أي: لعبا، وقيل: ~~لغير حكمة، وقوله: {ذلك ظن الذين كفروا} وهذا دليل على أن الله تعالى يعذب ~~الكفار بالظن الباطل، وقوله: {فويل للذين كفروا من النار} ms1431 أي: من نار جهنم. # PageV04P438 # قوله تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا} معناه: أنجعل الذين آمنوا (وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض) أي: لا نجعل. # وقوله: {أم نجعل المتقين كالفجار} أي: المؤمنين كالكفار، ويقال: المراد ~~بالمتقين ها هنا أصحاب رسول الله، وقيل: بنو هاشم وبنو المطلب، والفجار هم ~~وجوه المشركين وسادتهم. # PageV04P438 # قوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك} أي: هذا كتاب أنزلناه إليك مبارك. # وقوله: {ليدبروا آياته} أي: ليتدبروا ويتفكروا في آياته، وقوله: ~~{وليتذكروا أولو الألباب} أي: يتذكر أولو العقول، قال الحسن في قوله: {أولو ~~الألباب} عاتبهم لأنه أحبهم. # PageV04P438 # قوله تعالى: {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب} قد بينا. # PageV04P438 # {ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد (31) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت ~~بالحجاب (32) } # PageV04P439 # قوله: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} أي: الخيل الجياد، ~~والصافنات: هي الخيل التي قامت على ثلاث قوائم، وثنى إحدى قوائمه، وقام على ~~السنبك. # وقيل: والصافن في اللغة: هو القائم، وقد روى عن النبي أنه قال: " من سره ~~أن يكون الناس له صفونا فليتبوأ مقعده من النار " أي: قياما. قال الشاعر: # (ألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا) # وقوله: {الجياد} أي: السراع، قال إبراهيم التيمي: كانت [عشرين] فرسا لها ~~أجنحة، وقال عكرمة: عشرون ألف فرس لها أجنحة، وقال بعضهم: كانت ألفا من ~~الخيل العتاق أي: الكرام، ويقال أيضا: إن الله تعالى كان أخرجها له من ~~البحر. # PageV04P439 # قوله تعالى: {إني أحببت حب الخير} أي: آثرت حب الخير، وأما الخير؛ فأكثر ~~المفسرين على أنها الخيل في هذه الآية، وكذا قرأ ابن مسعود باللام. # وروى أن زيد الخيل الطائي وفد إلى النبي فقال له النبي: " من أنت؟ فقال: ~~أنا زيد الخيل. فقال: أنت زيد الخير ". # PageV04P439 # {ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) ولقد فتنا سليمان وألقينا على ~~كرسيه} # والقول الثاني: أن الخير ها هنا هو الدنيا أي: آثرت الدنيا على ذكر ربي ~~أي: صلاة العصر. # قوله: {حتى توارت بالحجاب} أي: توارت ms1432 الشمس بالحجاب، فكنى عن الشمس وإن ~~لم يجر لها ذكر، وقد بينا مثال هذا، ويقال: قد سبق ما يدل على ذكر الشمس، ~~فاستقامت الكناية عنها، وذلك قوله تعالى: {إذ عرض عليه بالعشي} والعشي لا ~~يعرف إلا بالشمس. # وأما الحجاب، فيقال: إنه جبل قاف، والشمس تغرب من ورائه، ويقال: إنه جبل ~~من ياقوت أخضر، وخضرة السماء منه. # PageV04P440 # قوله تعالى: {ردوها علي} أي: ردوا الخيل علي، وقوله: {فطفق مسحا بالسوق ~~والأعناق} ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد منه أنه قطع عراقيبها وأعناقها، ~~وهذا مروي عن ابن عباس والحسن وقتادة، وأورده الفراء والزجاج. # قال الحسن: كسف عراقيبها وضرب أعناقها، قال الزجاج: ويجوز أن يكون الله ~~تعالى أباح له في ذلك الوقت وحرم في هذا الوقت علينا ولم يكن ليقدم نبي ~~الله تعالى على ذلك، وهو محرم عليه، وكيف يستغفر من ذنب بذنب؟ ! . # وعن ابن عباس في بعض الروايات: أن سليمان عليه السلام جعل يمسح عراقيبها ~~وأعناقها بيده وثوبه؛ شفقة عليها، وهذا قول ضعيف، ولا يليق هذا الفعل بما ~~سبق، والمشهور هو القول الأول. # وذكر الكلبي: أن الخيل كانت ألفا، فقتل منها تسعمائة وبقيت مائة، فهي أصل ~~الخيل العتاق التي بقيت في أيدي الناس. # ويقال: إنها كانت خيلا أخذها من العمالقة، وكانت تعرض عليه؛ فغفل عن صلاة ~~العصر حتى غربت الشمس، فأمر بردها عليه، وقطع عراقيبها، وضرب أعناقها؛ ~~لأنها ألهته عن ذكر الله، ويقال: ذبحها ذبحا وتصدق بلحومها، وكان الذبح ~~حلالا في شريعته على ذلك الوجه. # PageV04P440 # {جسدا ثم أناب (34) قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ~~إنك} # PageV04P441 # قوله تعالى: {ولقد فتنا سليمان} أي: اختبرنا سليمان فابتليناه، ويقال: ~~فتنا سليمان أي: ألقيناه في الفتنة. # وقوله: {وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب} ذهب أكثر المفسرين إلى أن الجسد ~~الذي ألقي على كرسي سليمان هو صخر الجني. # قال السدي: كان اسمه حبقيق، وعن بعضهم: ان اسمه كان آصف، والمعروف هو ~~الأول، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وأما قصته: فزعموا ms1433 أن صخرا كان شيطانا ماردا لا يقوى عليه أحد، فابتلى ~~الله تعالى سليمان به، وسلبه ملكه، وقعد هذا الشيطان على كرسيه يقضي بين ~~الناس، وكان سبب ذلك فيما زعموا أن ملك سليمان كان في خاتمه، قال وهب: وكان ~~ذلك الخاتم فما ألبسه الله تعالى آدم عليه السلام في الجنة، وكان يضيء كضوء ~~الشمس، فلما أكل آدم من الشجرة، وعصى الله تعالى سلب الخاتم. # ثم إن الله تعالى أنزله على سليمان، وعقد به ملكه، قالوا: وكان الخاتم ~~مربعا له أربعة أركان، في ركن منه مكتوب: أنا الله لم أزل، وفي الركن ~~الثاني مكتوب: أنا الله الحي القيوم، وفي الركن الثالث مكتوب: أنا العزيز ~~لا عزيز غيري، وفي الركن الرابع مكتوب: محمد رسول الله. # ويقال: كان المكتوب عليه آية الكرسي، قالوا: وكان سليمان عليه السلام إذا ~~دخل مغتسله سلم الخاتم إلى جارية له، فدخل مرة وسلم الخاتم إلى الجارية، ~~فجاء صخر في صورة سليمان فأخذ الخاتم من الجارية، وخرج سليمان يطلب الخاتم، ~~فقالت: قد أخذت مني الخاتم مرة، فعلم [سليمان] أن الله تعالى سلبه ملكه. # وذهب سليمان يسيح في الأرض، ولم يعرفه أحد بصورته، وكان يستطعم الناس # PageV04P441 # ويقول: أنا سليمان بن داود، فيكذبونه ويؤذونه ويزعمون أنه مجنون. حتى روى ~~أنه استطعم مرة من قوم وزعم أنه سليمان بن داود، فقام رجل وشج رأسه بعصا في ~~يده، ثم إنهم أعطوه كسرة يابسة، فحمل الكسرة إلى شط نهر ليبليها بالماء، ~~وكان جائعا لم يصب طعاما منذ أيام، فذهب الماء بالكسرة. # ويقال: إنه كان على شط البحر، فجاءت موجة وحملت الكسرة، فدخل هو البحر في ~~إثرها حتى خاف الغرق فرجع ورجعت الكسرة ثم إنه طمع فيها وذهب ليأخذها، ~~فذهبت الكسرة، هكذا مرات؛ فبكى سليمان وتضرع إلى الله تعالى فرحمه الله ~~تعالى ورد إليه ملكه. # وكان سبب رد ملكه إليه أنه مر على قوم صيادين؛ فسألهم شيئا ليأكله فأعطوه ~~سمكة ميتة، فشق جوفها، فوجد خاتمة فيها، فجعله في إصبعه، وعاد إليه ملكه، ~~وعكفت الطير في الوقت ms1434 على رأسه، واجتمع إليه الإنس والجن والشياطين. # وأما مدة ذهاب ملكه كان [أربعين] يوما، وأما حديث صخر الجني فإنه لما أخذ ~~الخاتم، وقد تحول في صورة سليمان، ذهب وقعد على كرسيه، وجعل ينفذ ما كان ~~ينفذه سليمان إلا أن الله تعالى منعه نساء سليمان، هكذا روي عن الحسن. # وقد ذكر غيره أنه كان يصيب من نساء سليمان في الحيض، وذكر أنه يصيب في ~~الحيض وغير الحيض، والله أعلم. # واختلف القول في أنه هل بقي معه الخاتم أولا؟ فأحد القولين: أنه ذهب وطرح ~~الخاتم في البحر. # والقول الآخر: أنه كان معه، والقول الأشهر أولى وأعرف. # وذكر النقاش في تفسيره: أن بني إسرائيل أنكروا أمر صخر الجني؛ لأنه كان ~~يقضي بغير الحق؛ فذهبوا إلى نساء سليمان، وقالوا لهن: تنكرون من أمر سليمان ~~شيئا، فقلن: نعم؛ فحينئذ وقع في قلبهم أن سليمان قد ابتلي، وأن الله تعالى ~~سلبه ملكه، وأن الشخص الذي على الكرسي شيطان. # PageV04P442 # فأخذوا التوراة وجاءوا إلى حول الكرسي وجعل يقرءونها؛ فطار صخر إلى أشرف ~~القصر، ثم طار من شرف القصر ومر فوقع في البحر. # وفي التفسير: أن الله تعالى لما رد على سليمان ملكه، أمر الشياطين يطلب ~~صخر، فوجدوه وحملوه إلى سليمان؛ فصفده بالحديد، وجعله في صندوق، وألقاه في ~~البحر، فهو في البحر إلى يوم القيامة. # وأما السبب [الذي] ابتلي الله لأجله سليمان، ففيه أقوال كثيرة: # أحدها: أن الله تعالى كان أمره ألا يتزوج امرأة من غير بني إسرائيل، ~~فخالف وتزوج امرأة من غيرهم، فابتلاه الله تعالى بما ذكرنا. # والقول الثاني: أنه تزوج بامرأة؛ فعبدت المرأة صنما في داره من غير أن ~~يشعر سليمان بذلك، فابتلاه الله تعالى لغفلته، وهذا قول مشهور. # والقول الثالث: أنه كانت عنده امرأة، وكان يحبها حبا شديدا، فخاصم أخوها ~~إلى سليمان في شيء مع إنسان، فطلبت المرأة من سليمان أن يقضي لأخيها؛ فقال ~~لها: نعم، ولم يفعل ذلك، فابتلاه الله تعالى. # والقول الرابع: أنه احتجب من الناس ثلاثة أيام، ولم ياذن لأحد، ذكره شهر ~~بن ms1435 حوشب، وابتلاه الله تعالى بما ذكرنا، وأوحى الله تعالى يا سليمان، إني ~~إنما بعثتك وأعطيتك هذا الملك؛ لتنصف المظلومين، وتكون عونا للضعفاء على ~~الأقوياء، ولم أعطك لتحتجب عن الناس. # والقول الخامس: أنه قال مرة: والله لأطوفن الليلة على نسائي، وكان له ~~ثلثمائة امرأة، وسبعمائة سرية، ولتحملن كل امرأة منهن، وتلد غلاما يقاتل في ~~سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل، فلم تحمل امرأة منهن ~~إلا امرأة واحدة حملت، فولدت نصف إنسان، وابتلاه الله تعالى. # PageV04P443 # {أنت الوهاب (35) فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) } وهذا ~~خبر مرفوع إلى النبي وعلى هذا القول كان الجسد الذي ألقي على كرسيه هو ~~ولده، وذكر بعضهم: أن سليمان عليه السلام ولدله ابن، فخاف عليه من ~~الشياطين، فأودعه السحاب لتربيه؛ فسقط على كرسيه ميتا، فهو معنى قوله ~~تعالى: {وألقينا على كرسيه جسدا} والله أعلم. # والقول السادس: ما روي عن الحسن قال: إنه كان أصاب من بعض نسائه في حالة ~~الحيض، فابتلاه الله تعالى بما ذكرنا، والله أعلم بما كان، ولا شك أن الآية ~~تدل على أن الله تعالى قد أقعد على كرسيه غيره، وسلبه شيئا كان له. # وقوله: {ثم أناب} أي: رجع إلى ملكه. # PageV04P444 # قوله تعالى: {قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي} فإن قال ~~قائل: كيف قال: {لا ينبغي لأحد من بعدي} وهل كان هذا حسدا منه لغيره، حتى ~~لا ينال غيره ما نال هو؟ # والجواب: أن معنى قوله: {لا ينبغي لأحد من بعدي} أي: لا يكون لأحد من ~~بعدي على معنى انك تسلبه وتعطيه غيره، كما سلبت من قبل ملكي وأعطيت صخرا. . ~~الخبر. # ويقال: إنما طلب ذلك لتظهر كرامته وخصوصيته عند الله تعالى وقد ثبت ~~برواية أبي هريرة عن النبي أنه قال: " عرض لي الليلة شيطان، وأراد أن يفسد ~~علي صلاتي؛ فأمكنني الله تعالى منه، فأخذته وأردت أن أربطه حتى تصبحوا ~~فتنظروا إليه، ثم ذكرت قول أخي سليمان {رب هب لي ملكا لا ينبغي ms1436 لأحد من ~~بعدي} فتركته، ورده الله خائبا خاسئا ". # وقوله: {إنك أنت الوهاب} أي: المعطي. # PageV04P444 # {والشياطين كل بناء وغواص (37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا عطاؤنا ~~فامنن أو أمسك بغير حساب (39) وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) واذكر} # PageV04P445 # قوله تعالى: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء} أي: لينة، وقيل: رخاء ~~مطيعة ليست بعاصية. # وقوله: {حيث أصاب} معناه: حيث أراد، ويقال: إنه كان يغدو بإيلياء، ويقيل ~~بقزوين، ويبيت ببابل، والعرب تقول: أصاب الصواب فاخطأ الجواب أي: أراد ~~الصواب فأخطأ الجواب وقال الشاعر: # (وغيرها ما غير الناس قبلها ... فناءت وحاجات الفؤاد تصيبها) # أي: تريدها، # PageV04P445 # وقوله: {والشياطين كل بناء وغواص} أي: وسخرنا الشياطين له كل بناء وغواص ~~منهم، وتسخير الريح والشياطين له بعد ابتلائه بما ذكرنا. # PageV04P445 # وقوله: {وآخرين مقرنين في الأصفاد} أي: مغلولين في السلاسل، وكان يأخذ ~~[الشيطان] فيقربه بالشيطان ويصفدها في الحديد ويوبقهما في السلاسل ثم ~~يجعلهما في صندوق من حديد، ويلقي الصندوق في قعر البحر. # PageV04P445 # قوله تعالى: {هذا عطاؤنا} فيه أقوال: أحدها وهو الأولى أن الملك عطاؤنا ~~لك {فامنن} أي: أعط من شئت. # وقوله: {أو امسك} أي: امنع من شئت {بغير حساب} أي: بغير حرج. # والقول الثاني: {هذا عطاؤنا} أي: تسخير الشياطين. # وقوله: {فامنن أو أمسك} أي: أرسل من شئت، واحبس من شئت. # والقول الثالث: {هذا عطاؤنا} أي: النسوة عطاؤنا. وقوله: {فامنن أو أمسك} ~~أي: طلق من شئت، واحبس من شئت {بغير حساب} أي: بغير حرج، # PageV04P445 # قوله تعالى: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} أي: حسن مرجع. # PageV04P445 # {عبدنا أيوب إذ نادى ربه إني مسني الشيطان وعذاب (41) اركض برجلك هذا ~~مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي} # PageV04P446 # قوله تعالى: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب} ~~وقرئ: " بنصب وعذاب " بفتح النون والصاد، والنصب والنصيب بمعنى واحد ~~كالحزنن والحزن، ويقال: بنصب في الجسد، وعذاب في المال. # وقد بينا قصة أيوب من قبل وما أصابه من البلاء، وذكرنا مدة بلائه، ويقال: ~~إنه مكث في البلاء سبع سنين ms1437 وسبعة أشهر وسبعة أيام، وكانت الدواب تجري في ~~جسده، وقد ألقى على مزبلة، وتأذى منه قومه غاية الأذى. # PageV04P446 # قوله تعالى: {اركض} أي: اركض الأرض برجلك، فيقال: إنه داس الأرض دوسة، ~~فنبعت عين [ماء] ؛ فأمره الله تعالى أن يغتسل منها، فاغتسل فذهب كل داء كان ~~في جسده، ومشى أربعين خطوة، فأمره الله تعالى أن يدوس الأرض برجله دوسة ~~أخرى؛ ففعل؛ فنبعت عين أعذب ما تكون وأبرده؛ فأمره الله تعالى أن يشرب ~~منها؛ فذهب كل داء كان في باطنه، وصار كأصح ما يكون من الرجال وأكملهم؛ فهو ~~معنى قوله تعالى: {هذا مغتسل بارد وشراب} . # PageV04P446 # قوله تعالى: {ووهبنا له أهله} قد بينا أن الله تعالى رد عليه أهله ~~وأولاده الذين أهلكهم بأعيانهم، وقد قلنا غير هذا، والقول الأول أشبه بظاهر ~~القرآن، ويقال: إن الأرض انشقت؛ فرأى إبله وبقره وغنمه على هيئتها وخرجت ~~إليه، ورأى أيضا أهله وأولاده كهيئتهم وخرجوا إليه. # وقوله: {ومثلهم معهم} يقال: [إنهم كانوا سبعة] بنين، وثلاث بنات فأعطاه ~~الله تعالى مثل عددهم، وردهم الله بأعيانهم. # وقوله: {رحمة منا وذكرى لأولي الألباب} أي: لأولي العقول. # PageV04P446 # {الألباب (43) وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم ~~العبد إنه أواب (44) واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي ~~والأبصار (45) } # PageV04P447 # قوله تعالى: {وخذ بيدك ضغثا} أي: فقلنا له: وخذ بيدك ضغثا، والضغث: كل ما ~~يملأ الكف من خشب أو حشيش أو غيره. # قوله: {فاضرب به ولا تحنث} يعني: فاضرب به امرأتك، ولا تحنث في يمينك، ~~وكان سبب يمينه أن المرأة أتته بطعام يوما أكثر مما كانت تأتيه كل يوم؛ ~~فاتهمها بخيانة في نفسها، وكانت بريئة، فحلف ليضربنها [مائة] سوط إذا برأ ~~من مرضه. # ويقال: إن إبليس قعد على طريق المرأة طبيبا يداوي الناس، فمرت به المرأة، ~~وقالت: إن لي مريضا وأحب أن تداويه، فقال لها: أنا أداويه، فلا أريد شيئا ~~سوى أن يقول إذا شفيته: أنت شفيتني، فجاءت إلى أيوب وذكرت له ذلك، فعرف أنه ~~كان إبليس اللعين، فغضب وحلف على ما ذكرنا. ms1438 # ويقال: إنها باعت ذؤابتيها برغيفين لطعامه، فلما رأى ذلك أيوب عليه ~~السلام غضب وحلف، وهذا قول غريب. # وقوله: {فاضرب به ولا تحنث} يعني: فاضرب بالضغث الذي يشتمل على مائة عود ~~صغار {ولا تحنث} أي: ولا تدع الضرب فتحنث، قال مجاهد: هذا لأيوب خاصة، وقال ~~عطاء: له وللناس عامة. # وقوله: {إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب} أي: رجاع إلى طاعة الله. ~~وفي القصة: أن أيوب قيل له: ما أشد ما مر عليك في بلائك؟ فقال: شماتة ~~الأعداء. # PageV04P447 # قوله تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} ~~إنما خص هؤلاء الثلاثة؛ لأن الله تعالى ابتلاهم فصبروا، أما ابتلاء إبراهيم ~~فكان بالنار، وابتلاء إسحق كان بالذبح، وأما ابتلاء يعقوب بفقد الولد. # وقوله: {أولي الأيدي والأبصار} معناه: أولي القوة في الطاعة، وأولي ~~الأبصار # PageV04P447 # {إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ~~(47) واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) هذا ذكر وإن ~~للمتقين} في المعرفة، وقيل: أولي القوة ظاهرا، وأولي الأبصار باطنا، فالقوة ~~قوة الجوارح، والأبصار أبصار القلوب، قال الله تعالى {فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} . # PageV04P448 # قوله تعالى: {إنا أخلصناكم بخالصة ذكرى الدار} وقرئ: " بخالصة " من غير ~~تنوين، فأما بالتنوين: فمعناه: بخلة خالصة، وهي ذكرى الدار. # وقيل: إن ذكرى الدار بدل عن قوله: {خالصة} على هذه القراءة، وأما القراءة ~~بالإضافة، [فمعناها] : أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة، حكى هذا عن أبي زيد، ~~وقال مجاهد: أخلصناهم ما ذكرنا بالجنة لهم. # وعن مالك بن دينار قال ابن عباس: أزلنا عن قلوبهم حب الدنيا وذكرها ~~وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها، وعن بعضهم: وأخلصناهم عن الآفات والعاهات، ~~وجعلناهم يذكرون الدار الآخرة، والأولى في قوله: {أخلصناهم} أي: جعلناهم ~~مخلصين بما أخبرنا عنهم، # PageV04P448 # وقوله: {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} ظاهر المعنى. # PageV04P448 # قوله تعالى: {واذكر إسماعيل واليسع} إسماعيل: هو إسماعيل بن إبراهيم، ~~وقوله: {واليسع} اليسع: هو نبي من الأنبياء، ويقال: اليسع هو تلميذ إلياس ~~النبي _ عليه السلام _ ولما رفع الله إلياس _ ms1439 عليه السلام _ خلف اليسع في ~~قومه، وقوله: {وذا الكفل} قد بينا، ويقال: إنه رجل كفل لملك بالجنة إن آمن ~~وأطاع الله تعالى وقوله: {وكل من الأخيار} ظاهر المعنى. # PageV04P448 # [قوله تعالى: {هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب} ] . # PageV04P448 # {لحسن مآب (49) جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين فيها يدعون فيها ~~بفاكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) هذا ما توعدون ~~ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) هذا وإن للطاغين لشر ~~مآب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) ~~وآخر} # PageV04P449 # قوله تعالى: {جنات عدن مفتحة لهم الأبواب} أي: أبوابها. # PageV04P449 # قوله تعالى: {متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب} أي: بفاكهة ~~الجنة وشرابها، وذكر كثيرة؛ لأن ما في الجنة كثير لعدم انقطاعه، واتساع ~~وجوده. # PageV04P449 # قوله تعالى: {وعندهم قاصرات الطرف} أي: قصرن أطرافهن على أزواجهن، وقوله: ~~{أتراب} أي: أمثال، ويقال: لدات مستويات الأسنان، وعن مجاهد: أتراب ~~متواخيات لا تتعادين ولا تتباغضن، وقيل: لا تتغايرن، قال يحيى بن سلام: ~~بنات ثلاث وثلاثين سنة، وعن بعضهم: أتراب أي: خلقن على مقادير أزواجهن، ~~وأنشد الشاعر في القاصرات: # (من القاصرات الطرف لو دق محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا) # PageV04P449 # قوله تعالى: {هذا ما توعدون ليوم الحساب} أي: هذا الذي أخبرنا عنه هو ما ~~توعدون ليوم الحساب. # PageV04P449 # قوله تعالى: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاذ} أي: انقطاع، ومعنى قوله: ~~{لرزقنا} أي: إعطاؤنا. # PageV04P449 # قوله تعالى: {هذا وإن للطاغين لشر مآب} أي: مرجع: والمراد من الطاغين هم ~~الكفار. # PageV04P449 # وقوله تعالى: {جهنم يصلونها} أي: يدخلونها، وقيل: يقاسون حرها، وقوله: ~~{فبئس المهاد} أي: فبئس ما مهدوا لأنفسهم، ويقال: بئس الفراش. # PageV04P449 # قوله تعالى: {هذا فليذوقوه حميم وغساق} يقال: في الآية تقديم وتأخير # PageV04P449 # {من شكله أزواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار ~~(59) } ومعناه: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وأما معنى الحميم فقد بينا، وهو ~~الماء الحار الذي انتهى في الحرارة، وأما الغساق فهو القيح الذي يسيل من ~~جلودهم، وعن السدي قال: الدموع التي تسيل من أعينهم، وحكى ms1440 بعضهم عن ابن ~~عباس: أنه الزمهرير يحرقهم ببرده، وحكى النقاش: أن الغساق هو المنتن ~~بالتركية، فعرب، وقد قرئ بالتشديد والتخفيف، فبعضهم قال: لا فرق بينهما في ~~المعنى، وبعضهم فرق بينهما ببعض الوجوه التي ذكرناها. # PageV04P450 # قوله تعالى: {وأخر من شكله أزواج} وقرئ: " وآخر من شكله "، فقوله: {وأخر} ~~يتناول العدد وقوله: {وأخر} بالمد يتناول الواحد. # وقوله: {من شكله} أي: مثله، وقوله: {أزواج} أي: أصناف، وقيل: أنواع. قال ~~الشاعر: # (لما اكتست من ضرب كل شكل ... حمرا وخضرا كاخضرار البقل) # ومعنى الآية: أن لأهل النار أنواعا أخر من العذاب على شكل ما سبق ذكره ~~يعني: في الشدة. # PageV04P450 # قوله تعالى: {هذا فوج مقتحم معكم} أي: فوج مقتحم معكم بعد الفوج الأول، ~~والاقتحام هو الدخول، واختلف القول في الفوج الأول والفوج الثاني. # فأحد القولين: الفوج الأول هم بنو إسرائيل، والفوج الثاني هم بنو آدم، ~~ويقال: الفوج الأول هم الرؤساء والقادة، والفوج الثاني هم الأتباع. # وقوله: {لا مرحبا بهم} الرحب هو السعة، وقول القائل: لا مرحبا بفلان أي: ~~لا رحبت أي: لا اتسعت عليه، قال الشاعر: # (إذا جئت بوابا له قال مرحبا ... ألا مرحبا ناديك غير مضيق) # PageV04P450 # {قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) قالوا ~~ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) وقالوا ما لنا لا نرى ~~رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار (63) ~~إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} # وقوله: {إنهم صالوا النار} أي: داخلوا النار معكم، # PageV04P451 # قوله تعالى: {قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم} يعني: قال الأتباع للقادة بل ~~أنتم لا مرحبا بكم. # وقوله: {أنتم قدمتموه لنا} أي: قدمتم هذا العذاب لنا بدعائكم إيانا إلى ~~الضلالة والكفر، وقوله: {فبئس القرار} أي: فبئس دار القرار النار. # PageV04P451 # وقوله تعالى: {قالوا ربنا من قدم لنا هذا} أي: قال الأتباع: ربنا من قدم ~~لنا هذا؟ وقوله: {فزده عذابا ضعفا في النار} أي: ضاعف عليه العذاب في ~~النار. # PageV04P451 # قوله تعالى: {وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من ms1441 الأشرار} قال ابن ~~عباس: يقول أبو جهل وذووه حين يدخلون النار: أين بلال؟ أين عمار؟ أين خباب؟ ~~وفلان وفلان؟ # وعن بعضهم قال: أهل النار يقولون هذا حين يفقدون أهل الجنة. # وقوله: {كنا نعدهم من الأشرار} قال بعضهم: من الأرذال، وقال بعضهم: كنا ~~نعدهم من شرار قومنا؛ لأنهم قد تركوا دين آبائهم. # PageV04P451 # قوله تعالى: {اتخذناهم سخريا} أي: كنا سنخر منهم، وقرئ: " أتخذناهم سخريا ~~" على الاستفهام، قال أهل المعاني: والقراءة الأولى أولى، لأنهم قد علموا ~~حقيقة الأمور في القيامة، فلا يتصور منهم الاستفهام، وقال الفراء: الألف في ~~قوله: {اتخذناهم} ألف التوبيخ والتعجب، والعرب تذكر مثل هذه الألف على طريق ~~التوبيخ والتعجب. # وقوله: {أم زاغت عنهم الأبصار} أي: مالت عنهم الأبصار، ومعناه: أنهم معنا ~~في النار ولا نراهم. # PageV04P451 # ( {64) قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) رب ~~السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66) قل هو نبأ عظيم (67) أنتم ~~عنه معرضون (68) ما كان} # PageV04P452 # قوله تعالى: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} أي: مراجعة بعضهم بعضا القول ~~بمنزلة المتخاصمين. # PageV04P452 # قوله تعالى: {قل أنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار} أي: ~~أنا الرسول المنذر، والله الواحد القهار [القاهر] عباده بما يريد. # PageV04P452 # قوله تعالى: {رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار} أي: المنيع في ~~ملكه، الغفار لذنوب عباده. # PageV04P452 # قوله تعالى: {قل هو نبأ عظيم} أي: القرآن نبأ عظيم، وقيل: ذو شأن عظيم، ~~وأول بعضهم النبأ العظيم بالقيامة، # PageV04P452 # وقوله: {انتم عنه معرضون} أي: عنه لاهون، وله تاركون. # PageV04P452 # قوله تعالى: {ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصون} ذهب أكثر أهل ~~التفسير إلى أن المراد بالملأ الأعلى هم الملائكة، وهذا قول ابن عباس ~~وغيره. # وقوله: {إذ يختصمون} قال ابن عباس رضي الله عنه هو قولهم لله تعالى في ~~أمر آدم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} الآية إلى آخرها. # وأما المأثور عن النبي في الآية فهو ما رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه " ~~أن النبي احتبس عنا ذات غداة حتى ms1442 كدنا نتراءى عين الشمس، ثم خرج سريعا، ~~وثوب بالصلاة، وصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم قال: هل تدرون بما احتبست عنكم؟ ~~فقلنا: لا. فقال: إني قمت من الليل وتطهرت وصليت ما شاء الله، ثم نعست ~~واستثقلت، # PageV04P452 # {لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير ~~مبين} ) فإذا ربي في أحسن صورة. # فقال: يا محمد، قلت: لبيك. # فقال: اتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا # فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في ثندوتي؛ فتجلى لي كل شيء، ~~وعرفته. # ثم قال لي: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ # فقلت: نعم في الكفارات، قال: ما هن؟ قلت: في مشي الأقدام إلى الجماعات، ~~وإسباغ الوضوء على المكروهات، والجلوس في المساجد بعد الصلاة. # قال: وفيم أيضا؟ # قلت: في إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام. # فقال لي: سل يا محمد. # فقلت: أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي ~~وترحمني، وأسألك حبك، وحب من يجبك وحب عمل يقربني إلى حبك. # ثم قال النبي: " إنهن حق فادرسوهن وتعلموهن " قال أبو عيسى الترمذي: هذا ~~حديث صحيح، وقد روى هذا الخبر بوجوه أخر، ولم يذكر في بعضها النوم، وأصحها ~~هذه الرواية، والله أعلم. # وفي الآية قول آخر: أن الملأ الأعلى هم أشراف قريش واختصامهم أن بعضهم ~~قالوا: الملائكة بنات الله، وبعضهم قالوا غير ذلك، فهو اختصامهم، والأصح هو ~~القول الأول. # PageV04P453 # ( {70) إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) إلا ~~إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي أستكبرت أم كنت من العالين (75) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته ~~من طين} # واختصام الملائكة هو كلامهم في هذه الأعمال، وأقدار المثوبة فيها، وزيادة ~~بعض الأعمال على البعض في الثواب. # PageV04P454 # قوله تعالى: {إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين} أي: ما يوحى إلي إلا ~~أنما أنا نذير ms1443 مبين. # PageV04P454 # قوله تعالى: {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين} يعني: آدم صلوات ~~الله عليه # PageV04P454 # قوله تعالى: {فإذا سويته} أي: جمعت خلقه وأتممته. # وقوله: {ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} ظاهر المعنى. # PageV04P454 # قوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من ~~الكافرين} قد بينا، # PageV04P454 # قوله تعالى: {قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} قد بينا. # وقوله: {أستكبرت} أي: تعظمت، وقوله: {أم كنت من العالين} أي: من القوم ~~المتكبرين، قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة، وكان خازن الجنان، ~~وأمين السماء الدنيا، فأعجبته نفسه، ورأى أن له فضلا على غيره، فلما أمره ~~الله تعالى بالسجود لآدم امتنع لذلك الذي كان في نفسه. # PageV04P454 # قوله تعالى: {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} وإنما قال ~~إبليس هذا لأنه [ظن] أن الدنيا فضلا على الطين، ولم يكن على ما ظن، بل ~~الفضل لمن أعطاه الله الفضل. # PageV04P454 # قوله تعالى: {قال فاخرج منها فإنك رجيم} أي: مرجوم، والمرجوم: هو المبعد # PageV04P454 # ( {76) قال فاخرج منها فإنك رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) ~~قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) إلى يوم ~~الوقت المعلوم (81) قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم ~~المخلصين (83) قال فالحق والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين (85) قل} باللعنة، # PageV04P455 # قوله تعالى: {وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين} أي: إلى يوم القيامة، وقيل: ~~إلى يوم الحساب. # PageV04P455 # قوله تعالى: {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} أي: أمهلني، # PageV04P455 # وقوله: {قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} أي: إلى نفخ الصور، ~~وهو النفخة الأولى، وإنما أراد اللعين أن يمهل إلى النفخة الثانية فينجو من ~~الموت، فعلم الله تعالى مراده، فلم يجبه إلى مراده، وأمهله إلى أن ينفخ في ~~الصور للنفخة الأولى، ويموت الخلق فيموت معهم. # PageV04P455 # قوله تعالى: {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} أي: لأضلنهم أجمعين. # PageV04P455 # وقوله تعالى: {إلا عبادك منهم المخلصين} أي: الذين أخلصتهم لنفسك. # PageV04P455 # قوله تعالى: {قال فالحق والحق أقول} ms1444 وقرئ: " فالحق والحق أقول "، أما ~~القراءة بالنصب فيهما فعلى معنين: # أحدهما: حقا حقا أقول: والمعنى الثاني: أن الأول نصب على معنى أقول الحق، ~~والثاني: نصب على الإغراء كأنه قال: الزموا الحق، ذكره الأزهري، وأما ~~القراءة الثانية قوله: {فالحق} أي: أنا الحق، وقيل: مني الحق، وقوله: ~~{والحق} أي: أقول الحق، # PageV04P455 # وقوله: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} ظاهر المعنى. # PageV04P455 # قوله: {قل ما أسألكم عليه من أجر} أي: من جعل، وقوله: {وما أنا من ~~المتكفلين} أي: لم أقل ما قلته من تلقاء نفسي، وكل من قال شيئا من تلقاء ~~نفسه فقد تكلف له. # PageV04P455 # {ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) إن هو إلا ذكر ~~للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88) .} # PageV04P456 # قوله تعالى: {إن هو إلا ذكر للعالمين} أي: ما هو إلا ذكر للعالمين أي: ~~شرف للعالمين تذكير لهم. # PageV04P456 # قوله تعالى: {ولتعلمن نبأه بعد حين} أي: يوم القيامة، ويقال: بعد الموت، ~~وقيل: يوم بدر، وكان الحسن البصري يقول: يا ابن آدم، عند الموت يأتيك ~~الخبر. # PageV04P456 # بسم الله الرحمن الرحيم # {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء ما} # تفسير سورة الزمر # ويقال: سورة الغرف، وهي مكية إلا قوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث} ~~وإلا قوله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} وعن وهب بن منبه ~~أنه قال: من أحب أن يعرف قضاء الله تعالى بين خلقه، فليقرأ سورة الغرف. # PageV04P457 # قوله تعالى: {تنزيل الكتاب} الآية. معناه: هذا تنزيل الكتاب، ويقال: ~~تنزيل الكتاب، مبتدأ، وخبره " من الله "، وقوله: {العزيز الحكيم} أي: ~~العزيز في ملكه، الحكيم في أمره. # PageV04P457 # قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي: بما حق إنزاله لما حكمت ~~بذلك في كتب المتقدمين، ويقال: بالحق أي: بحقي عليك وعلى جميع خلقي. # وقوله {فاعبد الله مخلصا له الدين} الإخلاص هو التوحيد، ويقال: الإخلاص ~~هو تصفية النية في طاعة الله تعالى. # PageV04P457 # وقوله: {ألا لله الدين ms1445 الخالص} أي: الدين الذي ليس فيه شرك هو لله أي: ~~واقع برضاه، وأما الدين الذي فيه شرك فليس لله، وإنما ذكر هذا؛ لأنه قد ~~يوجد دين ولا توحيد ولا إخلاص منه، ويقال: {ألا لله الدين الخلاص} يعني: هو ~~ينبغي أن يوحد، ولا يشرك به سواه، وهذا لا ينبغي لغيره، وعن قتادة قال: ألا ~~لله الدين الخالص: هو قول القائل لا إله إلا الله. # قوله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء} أي: من دون الله أولياء { ~~[ما] نعبدهم} قرأ ابن عباس [وابن] مسعود ومجاهد قالوا: {ما نعبدهم} ، وفي # PageV04P457 # {عبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه ~~يختلفون إن إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) لو أراد الله أن يتخذ ولدا ~~لأصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار (4) خلق السموات ~~والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو} حرف أبي بن كعب: {ما نعبدكم} ، والمعنى ~~على القراءة المعروفة أي: قالوا ما نعبدهم، أو يقولون: ما نعبدهم أي: ما ~~نعبد الملائكة {إلا ليقربونا إلى الله زلفى} أي: القربة. # ومعنى الآية: انهم يشفعون لنا عند الله. # وقوله: {إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون} يعني: يوم القيامة. # قوله تعالى: {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} أي: كاذب على الله، كفار ~~بنعم الله تعالى. # PageV04P458 # قوله تعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى} أي لاختار {مما يخلق} ثم ~~نزه نفسه، فقال: {سبحانه} يعني: لا ينبغي له أن يفعل، ولا يليق بطهارته. # وقوله: {هو الله الواحد القهار} أي: الواحد في ذاته، القهار لعباده. # PageV04P458 # قوله تعالى: {خلقكم من نفس واحدة} أي: آدم، وقوله: {وخلق منها زوجها} أي: ~~حواء، وقد بينا أنه خلقها من ضلع من أضلاعه. # وقوله: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} أي: وخلق لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج، وهو مثل قوله تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يواري ms1446 سوءاتكم} أي: خلقنا، ومثل قوله: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} أي: # PageV04P458 # {العزيز الغفار (5) خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من ~~الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ~~ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) إن تكفروا فإن ~~الله غني عنكم ولا} خلقنا، وفي بعض التفاسير: أن الله تعالى خلق الأنعام في ~~سماء الدنيا [ثم] . أنزلها إلى الأرض، وهي ثمانية أزواج: جمل وناقة، وثور ~~وبقرة، وكبش ونعجة، وتيس وعنز. # وفي تفسير النقاش: أن الله تعالى أنزل على آدم المعلاة والمطرقة ~~والكلبتين، وكان على جبل، فرأى قضيبا ثابتا من حديد؛ فأخذه وضرب به ~~الأشجار، وكانت يابسة، فتكسرت يعني: الأشجار ثم أورى نارا من الحديد ~~والحجر، وأوقد بالأشجار على الحديد حتى ذاب، ثم ضرب منه مدية، ثم بعد ذلك ~~اتخذ منه تنورا، وهو التنور الخابزة، وذلك أول ما اتخذه آدم. # وقوله: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق} أي: نطفا ثم علقا ثم ~~مضغا ثم عظاما. # وقوله: {في ظلمات ثلاث} قال ابن عباس: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة ~~المشيمة. وعن بعضهم: ظلمة الصلب، وظلمة الرحم، وظلمة البطن، وهذا لأن الولد ~~يخلق حين يخلق في الرحم، ثم يرتفع إلى البطن. # قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون} أي: عن ~~الحق، # PageV04P459 # قوله تعالى: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر} فيه ~~قولان: أحدهما: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر. # والآخر: أنه لا يرضى لجميع عباده الكفر، وعلى هذا القول فرق بين الإرادة ~~وبين الرضا، فقال: إن المعاصي بإرادة الله تعالى وليست برضاه ومحبته، وقد ~~نقل هذا # PageV04P459 # {يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ~~ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) وإذا مس ~~الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل وجعل ms1447 لله} عن قتادة، وكلا القولين محتمل. # والثاني هو الأولى والأقرب بمذهب السلف. # وقوله: {وإن تشكروا يرضه لكم} أي: يختار الشكر لكم، وقوله: {ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى} أي: لا يحمل على أحد ذنب أذنبه غيره، وقوله: {ثم إلى ربكم ~~مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور} . # PageV04P460 # قوله تعالى: {وإذا مس الإنسان ضر} أي: بلاء وشدة {دعا ربه منيبا إليه} ~~راجعا إليه، وقوله: {ثم إذا خوله} أي: أعطاه، قال الشاعر: (أعطى فلم يبخل ~~ولم يبخل ... كوم الذرى من خول المخول) # وقوله: {نعمة منه} أي: عطية منه، وقوله: {نسي ما كان يدعو إليه من قبل} ~~أي: نسي دعاءه الذي كان يدعو من قبل، ويقال: نسي الله الذي كان يدعوه من ~~قبل. # وقوله: {وجعل لله أندادا} أي: وصف الله بالأنداد والأشباه، وقوله: {ليضل ~~عن سبيله} أي: عن سبيل الحق. # وقوله: {قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار} أي: يوم القيامة. قال ~~أهل التفسير: نزلت هذه الآية في أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله ~~المخزومي، وقيل: في كل كافر. # PageV04P460 # قوله تعالى: {أمن هو قانت} وقرئ: " أمن هو قانت " أي: مطيع، وقيل: قائم، ~~وقوله: {آناء الليل} أي: ساعات الليل، وقوله: {ساجدا وقائما} أي: ساجدا على ~~وجهه، قائما على رجليه كمن ليس حاله هذا، وهو ما ذكرنا من قبل، وقيل: أهذا ~~أفضل أو هذا؟ وأما القراءة بالتخفيف ففيه قولان: # PageV04P460 # {أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار (8) أمن ~~هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب (9) قل يا عباد ~~الذين آمنوا اتقوا} # أحدهما أمن هو قانت كمن ليس بقانت، والقول الآخر: معناه: يا من هو قانت ~~عل النداء، قال الشاعر: (أبني لبينى لستم بيد ... إلا يدا ليست لها عضد) # أي: يا بني لبيني، واختلف القول في أن الآية فيمن نزلت، فعن ابن عمر. ~~أنها نزلت في عثمان بن عفان، وعن الضحاك: أنها نزلت ms1448 في أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما وحكى الكلبي: أنها نزلت في ابن مسعود وعمار وسلمان، وفي بعض ~~الروايات: أبو ذر وصهيب معهم. # وقوله: {يحذر الآخرة} أي: يخاف الآخرة (ويرجو رحمة ربه) أي: يطمع في رحمة ~~ربه. # وقوله: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} بمعنى: لا يستوون، ~~ويقال: الذين يعلمون هم المؤمنون، والذين لا يعلمون هم الكفار، ويقال: ~~الذين يعلمون العلماء، والذين لا يعلمون الجهال. # وحكى النقاش في تفسيره عن أبي جعفر محمد بن علي الباقرأنه قال: الذين ~~يعلمون محبونا وشيعتنا، والذين لا يعلمون أعداؤنا، وقوله: {إنما يتذكر أولو ~~الألباب} أي: أولو العقول. # PageV04P461 # قوله تعالى: {قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم} أي: احذروا ربكم ~~وخافوه. # وقوله: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} أحسنوا أي: آمنوا، ويقال: ~~أحسنوا بطاعة الله، وقوله: {في هذه الدنيا حسنة} أي: الصحة والعافية، وقيل: ~~الرزق الواسع، ويقال: العيش في طاعة الله. # PageV04P461 # {ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب (10) قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ~~(11) وأمرت لأن أكون أول المسلمين (12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم ~~عظيم (13) قل} # وقوله: {وأرض الله واسعة} قال سعيد بن جبير: من أمر بالمعاصي فليهرب، وفي ~~الآية أمر بالهجرة عن البلد الذي تظهر فيه المعاصي إلى بلد لا تظهر فيه ~~المعاصي، ويقال فيه: أرض الله واسعة أي: المدينة، فأمر بالمهاجرة من مكة ~~إلى المدينة، ويقال: نزلت الآية في جعفر بن أبي طالب وأصحابه، حيث هاجروا ~~من مكة إلى الحبشة. # وقوله: {إنما يوفى الصابرون} أي: الغربة والخروج من الوطن فرارا بدينهم ~~{أجرهم بغير حساب} أي: بغير تقدير، وفي الخبر أن النبي قال: " لما أنزل ~~الله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} رب زد أمتي، فأنزل الله ~~تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} ~~ثم قال: زد أمتي؛ فأنزل الله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} ~~. # وعن علي رضي ms1449 الله عنه قال: كل مطيع يكال كيلا ويوزن وزنا إلا الصابرون؛ ~~فإنهم يحثى لهم حثيا. # PageV04P462 # قوله تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} أي: مخلصا له ~~التوحيد، وإخلاص التوحيد: أن لا تشرك به غيره. # PageV04P462 # وقوله: {وأمرت لأن أكون أول المسلمين} أي: أول المسلمين من قريش، قوله # PageV04P462 # {الله أعبد مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين ~~الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) ~~لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد ~~فاتقون (16) والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم ~~البشرى فبشر عباد (17) الذين} # PageV04P463 # تعالى {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} أي: عصيت ربي بالشرك. ~~وقيل بالشرك وغيره، ويجوز أن يكون الخطاب معه، والمراد به الأمة. # PageV04P463 # قوله تعالى: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} أي: توحيدي، # PageV04P463 # وقوله: {فاعبدوا ما شئتم من دونه} هذا على طريق التهديد والوعيد. # وقوله: {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} فإن قال ~~قائل: أيش معنى خسران الأهلين؟ # قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: أنه ما من أحد إلا وباسمه أهل في الجنة، ~~فإذا كفر وأدخل النار خسر أهله على معنى أنه يعطي الذي كان باسمه غيره. # والوجه الثاني: أن خسران النفس بإدخاله النار، وخسران الأهل بأن يفرق ~~بينه وبين أهله. # وقوله: {ألا ذلك هو الخسران المبين} أي: البين، # PageV04P463 # قوله تعالى: {لهم من فوقهم ظلل من النار} والظلل: جمع الظلة، والظلة: ~~الجبل، والمراد من قوله: " ظلل " كثرة العذاب، وقوله: {ومن تحتهم ظلل} قد ~~بينا. # وقوله: {ذلك يخوف الله به عباده} أي: يحذرهم. # وقوله: {يا عباد فاتقون} أي: فاحذروا عذابي. # PageV04P463 # قوله تعالى: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} أي: الشيطان، ويقال: ~~الطاغوت اسم أعجمي، وقيل: اسم عربي مشتق من الطغيان. # وقوله: {وأنابوا إلى الله} أي: رجعوا إلى الله. # PageV04P463 # {يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا ~~الألباب (18) أفمن حق عليه كلمة العذاب ms1450 أفأنت تنقذ من في النار (19) لكن ~~الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد ~~الله لا يخلف الله} # وقوله: {لهم البشرى} أي: البشارة بالجنة، وقوله: {فبشر عباد الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه} . # في الآية أقاويل: # أحدها: يستمعون القول أي: القرآن، فيتبعون أحسنه، والأحسن هو العفو، ~~والانتصار على الظالم مذكور في القرآن، والعفو مذكور، والعفو أحسن الأمرين. # والقول الثاني: يستمعون القول أي: يستمعون القرآن وغير القرآن. # وقوله: {فيتبعون أحسنه} أي: القرآن، وقال بعضهم: يستمعون الرخص والعزائم، ~~فيتبعون أحسنها أي: العزائم. # والقول الرابع: يستمعون القول أي: الكلام، فيتبعون أحسنه أي: قول لا إله ~~إلا الله، وقوله: {أولئك الذين هداهم الله} أي: أرشدهم الله إلى الحق. # وقوله: {وأولئك هم أولوا الألباب} أي: أولوا العقول. # PageV04P464 # قوله تعالى: {أفمن حق عليه كلمة العذاب} كلمة العذاب: قوله تعالى: ~~{لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} ويقال: كلمة العذاب: قوله " هؤلاء في ~~النار ولا أبالي ". # وقوله: {أفأنت تنقذ من في النار} أي: لا تنفذه، # PageV04P464 # قوله تعالى: {لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من ~~تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد} أي: ميعاده. # PageV04P464 # قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض} ~~أي: # PageV04P464 # {الميعاد (20) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ~~ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ~~ذلك لذكرى لأولي الألباب (21) أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه فويل للقاسية قلوبهم} أجراه أنهارا في الأرض. # وقوله: {ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه} أي: أصفر وأحمر وأخضر. # وقوله: {ثم يهيج} أي: ييبس، يقال: هاج النبات إذا يبس. # وقوله: {فتراه مصفرا} أي: ترى النبات مصفرا، وقوله: {ثم يجعلهه حطاما} ~~أي: فتاتا، وقوله: {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} ظاهر المعنى، والذكرى ~~هي: التذكرة. # PageV04P465 # قوله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} أي: وسع ms1451 ~~الله صدره للإسلام. # وقوله: {فهو على نور من ربه} في الخبر: أن النبي قال: " إذا دخل النور في ~~قلب المؤمن انشرح وأنفسح، قيل يا رسول الله، وهل لذلك من علامة؟ قال: نعم؛ ~~التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل ~~حلول الموت ". # وقوله: {فهو على نور من ربه} يحتمل أن يكون النور قبل أن يسلم، ويحتمل أن ~~يكون بعد الإسلام، ثمرة إسلامه، وأما شرح الصدر: هو التوطئة للإسلام ~~والتمهيد له. # وقوله: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} أي: الذين لا يذكرون الله، وكل ~~من ترك ذكر الله فقد قسا قلبه، قوله: {أولئك في ضلال مبين} أي: بين. # PageV04P465 # {من ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله ذلك هدى} # PageV04P466 # قوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث} أي: القرآن، وسماه حديثا؛ لأنه حديث ~~إنزاله، وقيل: " الله نزل أحسن الحديث " أي: أحسن الكلام. # وقد ورد في الأخبار: " فضل كلام الله على كلام خلقه كفضله على خلقه ". # وقوله: {كتابا متشابها} أي: يشبه بعضه بعضا في الصدق وصحة المعنى، ويقال: ~~متشابها أي: الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة. # وقوله: {مثاني} أي: ثنى فيه ذكر الوعد والوعيد، وذكر الأمر والنهي، ~~ويقال: مثاني أي: الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة. # وقوله: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم} أي: قلوب الذين يخشون ربهم؛ ~~فكنى بالجلود عن القلوب، ويقال: معنى الجلود هي نفس الجلود، وفي بعض ~~الآثار: " من أخذته قشعريرة من خوف الله تعالى تحاتت عنه خطاياه كما يتحايت ~~ورق الشجر ". # وقوله: {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} أي: بذكر الله، وحقيقة # PageV04P466 # {الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) أفمن يتقي بوجهه ~~سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (24) كذب الذين ~~من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) فأذاقهم الله الخزي في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا ms1452 يعلمون (26) ولقد ضربنا للناس ~~في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم ~~يتقون (28) ضرب الله} المعنى: أن قلوبهم تقشعر عند الخوف، وتلين عند ~~الرجاء. # وقوله: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء} أي: من يشاء من عباده، وقوله: ~~{ومن يضلل الله فما له من هاد} أي: من مرشد. # PageV04P467 # قوله تعالى: {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة} فيه قولان: ~~أحدهما: أنه سحب في النار سحبا على وجهه. # والقول الآخر: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب؛ لأن يد الكافر تكون مغلولة، ~~فيتقي بوجهه العذاب، كما يتقي الرجل بيده. # وقوله: {وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون} ظاهر المعنى. # PageV04P467 # وقوله: {كذب الذين من قبلهم} أي: بالقيامة، وقوله: {فأتاهم العذاب من حيث ~~لا يشعرون} أي: لا يعلمون. # PageV04P467 # قوله تعالى: {فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا} أي: العذاب الذي ~~يخزيهم، وقوله: {ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} أي: عذاب الآخرة وهو ~~عذاب النار أكبر من كل عذاب. # PageV04P467 # قوله تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي: شبه ومثال، ~~وقوله: {لعلهم يتذكرون} أي: يتذكرون ما فيه من الأمثال. # PageV04P467 # قوله تعالى: {قرآنا عربيا غير ذي عوج} أي: أنزلنا قرآنا عربيا غير ذي عوج ~~أي: غير ذي لبس، قال مجاهد: ويقال: غير مختلف؛ لأن بعضه يصدق البعض، وروى ~~الوالبي عن ابن عباس أنه قال: غير ذي عوج أي: غير مخلوق، وحكى سفيان بن # PageV04P467 # {مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم} عيينة عن سبعين من التابعين: أن القرآن ليس بخالق ولا ~~مخلوق، وهذا اللفظ أيضا منقول عن علي بن الحسين زين العابدين، وقوله: ~~{لعلهم يتقون} أي: يتقون الله. # PageV04P468 # قوله تعالى: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون} أي: متعاسرون، ~~وقوله: {ورجلا سلما لرجل} أي: سلما خالصا لرجل، وهذا ضرب مثل للمؤمن ~~والكافر؛ فإن الكافر يعبد أصناما كثيرة، والمؤمن لا يعبد إلا ms1453 الله وحده. # وقوله: {هل يستويان مثلا} أي: شبها، وقوله: {الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون} معناه: الحمد لي على ما بينته من الحق، وقوله: {بل أكثرهم لا ~~يعلمون} أي: الكفار. # PageV04P468 # قوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} أي: ستموت، والميت والميت واحد، وفرق ~~بعضهم بينهما؛ فقال: الميت: هو الذي مات حقيقة، والميت هو الذي سيموت؛ قال ~~الشاعر: # (ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء) # وفائدة الآية أن الله تعالى بين أن محمدا يموت لما علم من اختلاف أصحابه ~~في موته. # PageV04P468 # قوله تعالى: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} ظاهر المعنى. # وفي بعض المسانيد برواية الزبير بن العوام رضي الله عنه انه قال لرسول ~~الله حين نزلت هذه الآية: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} : " يا ~~رسول الله، أيكرر علينا ما كان بيننا من خواص الذنوب؟ قال رسول الله: نعم، # PageV04P468 # {تختصمون (31) فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في ~~جهنم مثوى للكافرين (32) والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) } ~~فقال الزبير: إن الأمر إذا لشديد ". # وعن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت هذه الآية: {ثم إنكم يوم القيامة ~~عند ربكم تختصمون} لم ندر ما هذه الخصومة حتى وقع بين أصحاب رسول الله ما ~~وقع؛ فعرفنا أنها هي. # PageV04P469 # قوله تعالى: {فمن أظلم ممن كذب على الله} قال مجاهد وقتاة: كذبهم على ~~الله: زعم اليهود أن عزيرا ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله. # وقال بعضهم: كذبهم على الله: تكذيب أنبياء الله، وقال السدي: هو الشرك، ~~وزعم قريش أن الملائكة بنات الله. # وقوله: {وكذب بالصدق إذ جاءه} أي: بالقرآن إذ جاءه، ويقال: بالرسول إذ ~~جاءه. وقوله: {أليس في جهنم مثوى للكافرين} استفهام بمعنى التقرير. # PageV04P469 # قوله تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به} أظهر الأقاويل: أن معنى قوله: ~~{والذي جاء بالصدق} محمد {وصدق به} هم المؤمنون. وفي قراءة عبد الله ابن ~~مسعود: " والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به " ومعنى قوله: {والذين جاءوا ~~بالصدق} هم المؤمنون ms1454 {وصدقوا به} أي: صدقوا به في الدنيا، وجاءوا بالصدق في ~~الآخرة، وأول مجاهد القراءة المعروفة على هذا. # قال أهل اللغة: وقد يذكر الذين والذي بمعنى واحد، قال الشاعر: # PageV04P469 # {لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ ~~الذي} # (وإن الذي جاثت بفلح دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد) # والقول الثاني في الآية: أن الذي جاء بالصدق هو جبريل - عليه السلام - ~~وصدق به هو محمد. # والقول الثالث: والذي جاء بالصدق محمد وصدق به أبو بكر - رضي الله عنه - ~~قاله عوف بن عبد الله وغيره. # والقول الرابع: والذي جاء بالصدق محمد، وصدق به علي - رضي الله عنه - ~~حكاه ليث عن مجاهد وقوله: {أولئك هم المتقون} ظاهر المعنى. # PageV04P470 # قوله تعالى: {لهم ما يشاءون عند ربهم} أي: ما يختارون. # هذه الآية تدل على النائم قد خرجت الروح من جسده، ونحن نعلم قطعا أن ~~الروح في جسده، ألا ترى أنه يتنفس ويرى الرؤيا، وذلك لا يكون إلا مع قيام ~~الروح؟ # والجواب عنه: أن النفس على وجهين: أحدهما: النفس المميزة التي تكون لها ~~إدراك الأشياء. # والآخر: هي النفس التي بها الحياة، وفي الخبر: " أن النبي قال: " كما ~~تنامون تموتون، وكما تستيقظون تبعثون ". # ويقال: للإنسان نفس وروح، فعند النوم تخرج النفس وتبقى الروح، وهذا القول ~~قريب من القول الأول. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في ~~الجسد؛ فبذلك ترى الرؤيا، وإذا نبه من النوم عادت الروح إلى جسده بأسرع من ~~اللحظة، والله أعلم. # وقد ثبت عن النبي أنه كان يقول عند النوم: " اللهم إنك تتوفاها؛ فإن # PageV04P470 # {عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35) أليس الله بكاف عبده ~~ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد (36) ومن يهد الله ~~فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) ولئن سألتهم من خلق السموات ~~والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل ~~هن كاشفات ضره أو أرادني ms1455 برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون (38) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39) من ~~يأتيه عذاي يجزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس ~~بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) ~~الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها ~~الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) أم ~~اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو} أمسكتها فاغفر لها وارحمها، وإن ~~أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ". # PageV04P471 # وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} أي: لعبرا لقوم يتفكرون في ~~آياتنا. # PageV04P471 # قوله تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء} أي: أصناما تشفع لهم، وهذا ~~على طريق الإنكار والتوبيخ. # وقوله: {قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} أي: طلبوا الشفاعة ~~ممن لا يملك شيئا ولا يعقل، # PageV04P471 # قوله تعالى: {قل لله الشفاعة جميعا} معناه: أنه لا يشفع أحد إلا بإذنه، ~~فالشفاعة من عنده؛ لأنها لا تكون إلا بإذنه. # وقوله: {له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون} ظاهر المعنى. # وروي أن جبريل - عليه السلام - قال للنبي: لله خلق السموات وما فيهن، # PageV04P471 # {كانوا لا يمكلكون شيئا ولا يعقلون (43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك ~~السموات والأرض ثم إليه ترجعون (44) وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45) قل اللهم ~~فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا ~~فيه يختلفون (46) } وخلق الأرض وما فيهن، وخلق ما بينهم مما يعلم ومما لا ~~يعلم. # PageV04P472 # قوله تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت} أي: نفرت وانقبضت، وقوله: {قلوب ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: الكفار. # وفي التفسير: أن رسول الله كان إذا قال: لا إله إلا الله نفروا جميعا ~~(عن) قوله. # وقوله: {وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} أي: يفرحون، ويقال: إن ~~هذه الآية نزلت ms1456 حين ألقى الشيطان على لسان النبي من ذكر الأصنام بالشفاعة، ~~وهو قوله: تلك الغرانيق العلى على ما ذكرنا، فهو معنى قوله: {إذا هم ~~يستبشرون} لأنهم لما سمعوا ذلك استبشروا وفرحوا، وقالوا للنبي: يا محمد، ما ~~كنا نريد منك إلا هذا، وهو ألا تعيب آلهتنا، ولا تذكرها إلا بالخير، وإلا ~~فنحن نعلم أن الله خالق السموات والأرض. # PageV04P472 # قوله تعالى: {قل اللهم فاطر السموات والأرض} أي: خالق السموات والأرض ~~{عالم الغيب والشهادة} أي: السر والعلانية. # وقوله: {أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون} أي: من أمر دينهم، ~~وعن بعضهم قال: صحبت الربيع بن خثيم كذا كذا سنة، فلم أسمع منه كلاما إلا ~~ذكر الله تعالى، فلما قتل الحسين - رضي الله عنه - قلنا: الآن يتكلم بشيء؛ ~~فأخبر بذلك؛ فلما سمع قرأ هذه الآية: {قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة} الآية. # PageV04P472 # {ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء ~~العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم ~~سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (48) فإذا مس الإنسان ضر ~~دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين} # PageV04P473 # قوله تعالى: {ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا ~~به} قد بينا هذا من قبل، وقد ثبت عن النبي: " أن الله تعالى يقول يوم ~~القيامة للكافر: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا، أكنت مفتديا بها؟ فيقول: ~~نعم. فيقول الله تعالى: سألتك أهون من ذلك وأنت في صلب أبيك أن لا تشرك بي ~~شيئا؛ فأبيت إلا أن تشرك بي ". # وقوله: {من سوء العذاب يوم القيامة} أي: من العذاب القبيح والشديد يوم ~~القيامة، وقوله: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} أي: ظهر لهم من ~~الله ما لم يأملوه، ولم يكن في حسابهم وظنهم، وروى أن محمد بن المنكدر جزع ~~عند الموت؛ فسئل عن ذلك؛ ms1457 فقال: أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أحتسب. # PageV04P473 # وقوله: {وبدا لهم سيئات ما كسبوا} أي: ظهر لهم مساوئ أعمالهم. وقوله: ~~{وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} أي: نزل بهم جزاء ما كانوا به يسخرون. # PageV04P473 # قوله تعالى: {فإذا مس الإنسان ضر} أي: شدة وبلية، وقوله: {دعانا} أي: طلب ~~منا كشفه، وقوله: {ثم إذا خولناه نعمة منا} أي: أعطيناه نعمة منا. # وقوله: {قال إنما أوتيته على علم} أي: أعطيته على علم أي: لعلمي وجهدي، ~~ويقال: أعطيته على علم الله منه - جل جلاله - أني أهل لما أعطانيه، ويقال: ~~على شرف مني وكرامة لي. # وقوله: {بل هي فتنة} أي: اختبار وبلية، وقوله: {ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون} أي: لا يعلمون أن ما نعطي من النعمة اختبار وبلية. # PageV04P473 # {من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم سيئات ما كسبوا ~~والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51) أو لم ~~يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ~~(52) قل يا عبادي} # PageV04P474 # قوله تعالى: {قد قالها الذين من قبلهم} أي: قال هذه الكلمة الذين من ~~قبلهم، وفي التفسير: أن المراد من هذا هو قارون، فإنه قال: إنما أوتيته على ~~علم عندي. # وقوله: {فما أغنى عنهم ما يكسبون} أي: لم يغن عنهم ما اكتسبوا شيئا. # PageV04P474 # قوله تعالى: {فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم ~~سيئات ما كسبوا} أي: يصيب الكفار من هذه الأمة من البلاء والعقوبة ما أصاب ~~الأمم الماضية. # وقوله: {وما هم بمعجزين} أي: بفائتين ولا سابقين. # PageV04P474 # قوله تعالى: {أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} يبسط أي: ~~يوسع، ويقدر أي: يقلل. # وفي بعض الأخبار ((أن الله يخير لعبده، فإن كان الخيرة له في التوسع وسع ~~عليه، وإن كان الخيرة له في التضيق ضيق عليه)) (1) . # وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} أي: يصدقون. # PageV04P474 # قوله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} يقال: نزلت الآية في # PageV04P474 # {الذين أسرفوا على ms1458 أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو} وحشي مولي مطعم بن عدي، ويقال: نزلت في قوم من رؤساء الكفار ~~أسلموا يوم فتح مكة مثل: سهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية، ~~وغيرهم. # وفي التفسير: أنهم قالوا: إن محمدا يقول: من أشرك بالله أو زنا أو قتل ~~نفسا فقد هلك، ونحن قد فعلنا هذا كله؛ فكيف يكون حالنا؟ فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. # وروى أن وحشيا لما أسلم كان النبي لا يطيق أن يراه؛ فظن وحشي أن إسلامه ~~لم يقبل؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وروى ثوبان عن النبي أنه قال: " ما يسرني بهذه الآية الدنيا وما فيها " # وعن زيد بن علي رضي الله عنهما أنه قال: هذه الآية أوسع آية في القرآن. # وعن عبيد بن عمير: أن آدم صلوات الله عليه قال: يا رب، إنك سلطت إبليس ~~علي وعلى ولدي، وإني لا أطيقه إلا بك. # فقال: يا آدم، إنه لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه، فقال: يا رب، ~~زدني فقال: باب التوبة مفتوح على ولدك لا يغلق حتى تقوم الساعة. # قال: يا رب، زدني، قال: الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. # قال: يا رب، زدني، قال: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله} الآية. # PageV04P475 # {الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم ~~العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن ~~يأتيكم العذاب بغتة} # وقرأ ابن مسعود: " لا تأيسوا من رحمة الله "، وهو معنى قوله: {لا تقنطوا} ~~. # وقوله: {إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} ظاهر المعنى، ~~قال أهل التفسير: يغفر الذنوب جميعا إن شاء. # وروى انه لما نزلت هذه الآية؛ قال رجل: " يا رسول الله، ومن أشرك؟ فسكت ~~النبي، ثم قال: ومن أشرك؟ قال: إلا من أشرك ". # وروى أن عبد الله بن مسعود مر بقاص يقص، ويشدد على القوم فقال: أيها ~~الرجل، لا تفعل ms1459 كذلك، وقرأ هذه الآية: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم " الآية. # وروى شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد. " أن النبي قرأ: " قل يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~ولا يبالي " ذكره أبو عيسى في جامعه. # PageV04P476 # قوله تعالى {وأنيبوا إلى ربكم} معناه: وارجعوا إلى ربكم، وقوله: {وأسلموا ~~له} أي: وأخلصوا له، ويقال: واستسلموا له، وقوله: {من قبل أن يأتيكم العذاب ~~ثم لا تنصرون} أي: لا تمنعون. # PageV04P476 # قوله تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} قد بينا معنى الأحسن ~~فيما سبق، ويقال: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} أي: الحسن الذي ~~أنزل إليكم من ربكم. # PageV04P476 # (وأنتم لا تشعرون (55) أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن ~~كنت لمن الساخرين (56) أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو ~~تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك ~~آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59) ويوم القيامة ترى الذين ~~كذبوا على) # وقوله: {من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة} أي: فجأة {وأنتم لا تشعرون} أي: ~~لا تعلمون. # PageV04P477 # قوله تعالى: {أن تقول} معناه: واتبعوا طاعة الله حذرا وحذارا من أن تقول ~~{نفس يا حسرتا} أي: يا ندامتا، ويقال: معنى قوله: {يا حسرتا} أي: يا ~~[أيتها] الحسرة هذا وقتك. # وقوله: {على ما فرطت في جنب الله} أي: ضيعت في ذات الله. # وقال مجاهد: في أمر الله، وقال الحسن: في طاعة الله، وقيل: في ذكر الله، ~~وقال بعضهم: على ما فرطت في الجانب الذي يؤدي إلى رضى الله تعالى، وقيل: " ~~في جنب الله " أي: في قرب الله وجواره، حكاه النقاش وغيره. # وقوله: {وإن كنت لمن الساخرين} أي: من المستهزئين. # PageV04P477 # قوله تعالى: {أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين} معناه: على ~~الوجه الذي بينا من الحذار. # PageV04P477 # قوله تعالى: {أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة} أي: رجعة. # وقوله: {فأكون من ms1460 المحسنين} أي: المحسنين في طاعة الله. # PageV04P477 # قوله تعالى: {بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت} أي: تكبرت، وقوله: ~~{وكنت من الكافرين} أي: الجاحدين لنعمي. # وقوله: {بلى} في الابتداء تقدير تحسراتهم وتأسفهم ونداماتهم على ما سبق. # PageV04P477 # {الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (60) وينجي الله الذين ~~اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) الله خالق كل شيء وهو ~~على كل شيء وكيل (62) له مقاليد السموات والأرض والذين كفروا بآيات الله ~~أولئك هم الخاسرون (63) # PageV04P478 # قوله تعالى: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على وجوههم مسودة} ومعنى ~~كذبوا على الله أي: زعموا أن الله اتخذ ولدا أو شريكا، ويقال: هو عام في كل ~~كذب على الله. # وقوله: {أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} هو استفهام بمعنى التقرير، # PageV04P478 # قوله تعالى: {وينجي الله الذين اتقوا بمفازاتهم} أي بالطرق التي تؤديهم ~~إلى الفوز والنجاة. # وقوله: {لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون} ظاهر. # PageV04P478 # قوله تعالى: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل} أي: حافظ، ويقال ~~مدبر الأمور على مشيئته. # PageV04P478 # قوله تعالى: {له مقاليد السموات والأرض} أي: عنده خزائن السموات والأرض، ~~ويقال: مفاتيح الخزائن، وفي بعض الأخبار برواية عثمان رضي الله عنه أن ~~النبي قال في تفسير المقاليد: " سبحان الله، والله أكبر، ولا إله إلا الله، ~~والحمد لله، وأستغفر الله، ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر، والظاهر ~~والباطن، وهو بكل شيء عليم ". # PageV04P478 # {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) ولقد أوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله ~~فاعبد وكن من الشاكرين (66) وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسموات} # فهذا تفسير المقاليد، وأنشدوا في الإقليد: (لم يؤده الديك بصوت يعريك ... ~~ولم تعالج غلقا بإقليد) # قوله تعالى: {والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون} أي: خسروا ~~الثواب وحل بهم العقاب. # PageV04P479 # قوله تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} روى أن المشركين ~~قالوا للنبي: استلم بعض آلهتنا ونحن نؤمن بك، وروى انهم قالوا: نعبد إلهك ms1461 ~~سنة، وتعبد آلهتنا سنة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله: {أيها الجاهلون} أي: الجاهلون بالله وسلطانه وقدرته وعظمته. # PageV04P479 # قوله تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} ~~يقال: هذا خطاب للرسول، والمراد منه غيره، ويجوز أن يكون تأديبا للرسول، ~~وتخويفا له ليتمسك بما عليه. # وقوله: {ولتكونن من الخاسرين} أي: الذين خسروا جميع ما يأملون. # PageV04P479 # قوله تعالى: {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} خطاب للرسول. # وقوله: {وكن من الشاكرين} أي: الشاكرين لنعمي. # PageV04P479 # قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره} معناه: وما عظموا الله حق عظمته، ~~ويقال: ما وصفوا الله حق صفته. # وقوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} وقد ثبت برواية عبد الله بن ~~مسعود: أن يهوديا أتى النبي وقال: إذا كان يوم القيامة يضع الله السموات ~~على # PageV04P479 # {مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) ونفخ في الصور فصعق من في} ~~إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، وجميع الخلائق على إصبع؛ فضحك ~~النبي، وقرأ قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره} وفي رواية: " فضحك النبي ~~تعجبا وتصديقا له " والخبر على الوجه في الصحيحين. # وفي رواية [ابن عمر] عن النبي: " إن الله يقبض الأرض ويطوي السموات ~~بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ قال ابن عمر: وجعل النبي ~~يتحرك على منبره؛ حتى قلنا: يكاد يسقط ". وفي رواية: " جعل المنبر يتحرك ~~هكذا وهكذا ". # وفي رواية عائشة رضي الله عنها " أن النبي قرأ: {والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسموات مطويات بيمينه} قالت عائشة: فأين يكون الناس؟ قال: على ~~الصراط ". وروى أنه قال: " على جسر جهنم ". # ويقال: إن قبضته ويمينه لا بوصف، قال سفيان بن عيينة: كل ما ورد في ~~القرآن من هذا فتفسيره قراءته، حكاه النقاش وغيره. وقيل: قبضته قدرته، ~~والأول أولى بما بينا من قبل. # وقوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} نزه نفسه عما وصفه به المشركون. # PageV04P480 # قوله تعالى: {ونفخ في الصور} روى عن بعض السلف أنه قال: من أراد أن يشاهد ~~يوم القيامة يعني: بقلبه فليقرأ آخر سورة الزمر. ms1462 # PageV04P480 # {السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون (68) وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء ~~وقضي بينهم} # وأما الصور وقد بينا انه قرن ينفخ فيه، رواه عبد الله بن عمرو عن النبي. # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي أنه قال: " كيف أنعم، والتقم صاحب [القرن] ~~، وحنى جبهته وأصغى سمعه ينظر حتى يؤمر فينفخ ". # وقوله: {فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} في قوله: {إلا ~~من شاء الله} قولان: # أحدهما: أنهم الشهداء، والآخر: أنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. # وفي تفسير الكلبي وغيره: لا يبقى إلا هؤلاء الأربعة بعد ما ينفخ في ~~الصور، ثم إن الله تعالى يقبض روح ميكائيل، ويقبضه ملك الموت، ثم روح ~~إسرافيل، ثم روح ملك الموت، ثم يكون آخرهم موتا جبريل عليه السلام فيسقطون، ~~ويكون فضل جبريل عليه السلام عليهم كفضل الجبل على الظراب. # وقوله: {ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} أي: ينظرون ماذا يؤمر في ~~حقهم، وقد ثبت عن النبي، برواية أبي هريرة أن يهوديا قال في سوق المدينة: ~~لا والذي اصطفى موسى على البشر؛ فرفع رجل من الأنصار يده وصك وجهه، وقال: ~~كذبت، فذكروا ذلك للنبي، فقال النبي: " إن الله تعالى يبعث الخلق فأكون أول ~~من يرفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش؛ فلا أدري أبعث قبلي أو ~~هو ممن استثنى الله تعالى؟ ثم قال: من قال أنا خير من موسى فقد كذب ". # PageV04P481 # قوله تعالى: {وأشرقت الأرض بنور ربها} أي: بنور خالقها ومالكها، وعن ~~الحسن: بعدل ربها، ويقال: يخلق الله نورا؛ فتشرق به أرض القيامة. # PageV04P481 # {بالحق وهم لا يظلمون (69) ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ~~(70) وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم} # وقوله: {ووضع الكتاب} المراد من الكتاب: كتاب الأعمال. وعن عطاء بن ~~السائب أنه قال: إن أول من يحاسب جبريل عليه السلام لأنه كان أمين ms1463 الله على ~~جميع وحيه، وروى أن أول من يحاسب الأنبياء، وثبت في بعض الروايات أن النبي ~~قال: " أول ما يقضي الله تعالى فيه بين الخلق هو الدماء ". # وقوله: {وجيء بالنبيين والشهداء} أي: الذين يشهدون للأنبياء التبليغ، ~~وعلى الأمم بالتكذيب، وقد بينا هذا من قبل. # وقوله: {وقضى بينهم بالحق} أي: بالعدل، وقوله: {وهم لا يظلمون} أي: لا ~~يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم. # PageV04P482 # قوله تعالى: {ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون} أي: يصنعون، وقد ~~روى أبو سعيد الخدري عن النبي " أن الله تعالى يأمر من ينادي يوم القيامة: ~~يا أهل الجنة، إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا، وأن تصحوا فلا تسقموا، وأن ~~تشبوا فلا تهرموا، وأن تنعموا فلا تبأسوا؛ ثم قرأ قوله تعالى: {ووفيت كل ~~نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون} ". # PageV04P482 # قوله تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا} أي: أفواجا زمرة بعد زمرة، ~~وقوله: {حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم ~~يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا} أي: يخوفونكم. # وقوله: {قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب} هو قوله تعالى: {لأملأن جهنم # PageV04P482 # {يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا ~~بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين ~~فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى ~~إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ~~(73) وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث ~~نشاء فنعم أجر} من الجنة والناس أجمعين) وقوله: {على الكافرين} ومعنى حقت: ~~وجبت. # PageV04P483 # قوله تعالى: {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} ~~أي: منزل المتكبرين عن الإيمان بالله. # PageV04P483 # قوله تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت ~~أبوابها} . # واعلم أن عند الكوفيين هذه الواو محذوفة في المعنى، وعند البصريين ليست ~~بمحذوفة، والتقدير على قول البصريين: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها دخلوها. ms1464 # وقوله: {وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم} أي: نعمتم، ويقال: صححتم ~~للجنة، وعن علي رضي الله عنه قال: يكون [على] باب الجنة عينان، يغتسل ~~المؤمن من أحدهما؛ فيظهر ظاهره، ويشرب من الأخرى؛ فيظهر باطنه، ثم يدخله ~~الله الجنة، وقرأ قوله تعالى: {طبتم فادخلوها خالدين} . # PageV04P483 # قوله تعالى: {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده} أي: وفى لنا بوعده ~~وأتمه، وقوله: {وأورثنا الأرض} أي: أرض الجنة {نتبوأ منها} أي: ننزل منها ~~{حيث نشاء فنعم أجر العاملين} بالطاعات. # PageV04P483 # قوله تعالى: {وترى الملائكة حافين من حول العرش} أي: محدقين محيطين # PageV04P483 # {العاملين (74) وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي ~~بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (75) } به، وقوله: {يسبحون بحمد ~~ربهم} أي: بأمر ربهم، وقيل: يسبحون حامدين لربهم، ويقال: إن هذا التسبيح ~~تسبيح تلذذ لا تعبد. # وقوله: {وقضى بينهم بالحق} أي: بالعدل. # وقوله: {وقيل الحمد لله رب العالمين} يعني: وقال أهل الجنة: الحمد لله رب ~~العالمين، وقد ذكر في موضع آخر: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} ~~وقد بينا هذا من قبل. # PageV04P484 # بسم الله الرحمن الرحيم # {حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب ~~شديد} # تفسير سورة المؤمن # ويقال: سورة الطول، وهي مكية # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إذا وقعت في آل حميم وقعت في روضات ~~أتأنق فيهن، وتسمى الحواميم ديابيج القرآن. وفي بعض الأخبار: " أن مثل ~~الحواميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب ". # وفي بعض الأخبار أيضا أن النبي قال: " من قام بالحواميم في ليلة غفر الله ~~له ". # PageV05P005 # قوله تعالى: {حم} قال ابن عباس: قسم أقسم الله به. وقال قتادة: اسم من ~~أسماء القرآن. وعن بعضهم: الحاء من (الحليم) ، والميم من الملك. وعن سعيد ~~بن جبير قال: " الر " و " حم " و " نون والقلم " بمجموعها هو اسم الرحمن. ~~ويقال: " حم " معناه: حم ما هو كائن أي: قضى ما هو كائن. وقرأ عيسى بن عمر: ~~" حم " على نصب الميم على معنى اتل حميم. # قال الأشتر النخعي شعرا: ms1465 # (يذكرني حميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حميم قبل التقدم) # وقال الشاعر في حم بمعنى قضى: # (فحم يومي فسر قوم ... كأن ليس للشامتين يوم) # PageV05P005 # وقوله: {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} أي: المنيع في ملكه، العليم ~~بخلقه. # PageV05P005 # قوله تعالى: {غافر الذنب} أي: ساتر الذنب. # PageV05P005 # {العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) ما يجادل في آيات الله ~~إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) كذبت قبلهم قوم نوح ~~والأحزاب من بعدهم} # وقوله: {وقابل التوب} أي: التوبة. # وقوله: {شديد العقاب} أي: شديد العقاب للكفار. # وقوله: {ذي الطول} أي: القدرة. وقيل: السعة والغنى. ويقال: هو التفضيل. ~~وقال بعضهم: غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله. وروى حماد عن ثابت قال ~~ثابت: كنت في فسطاط مصعب بن الزبير أقرأ هذه الآية {غافر الذنب وقابل التوب ~~شديد العقاب ذي الطول} فمر شيخ على بغلة شهباء، فقال لي: قل يا غافر الذنب ~~اغفر لي، ويا قابل التوب اقبل توبتي، ويا شديد العقاب [اعف] عني، وياذا ~~الطول طل علي بخير، ثم لم أر الشيخ بعد. # وقوله {لا إله إلا هو إليه المصير} أي: المرجع. # PageV05P006 # قوله تعالى: {ما يجادل في آيات الله} أي: في دفع آيات الله بالتكذيب. # وقوله: {إلا الذين كفروا} أي: جحدوا. وقوله: {فلا يغررك تقلبهم في ~~البلاد} أي: تقلبهم سالمين في البلاد. قال ابن جريج: لا يغررك تجارتهم من ~~مكة إلى الشام، ومن الشام إلى اليمن. وفي بعض التفاسير: أن أصحاب رسول الله ~~قالوا متوجعين: نحن فقراء، والكفار مياسير ذو أموال، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. فعلى هذا معنى قوله: {لا يغررك تقلبهم في البلاد} أي لا يغررك ~~يسارتهم وسعتهم. # PageV05P006 # قوله: {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم} وهم الذين تحدثوا على ~~الأنبياء. # وقوله: {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه} أي: ليقتلوه. ويقال: ليأسروه. # PageV05P006 # {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم ~~فكيف كان عقاب (5) وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ~~(6) الذين يحملون العرش ومن حوله ms1466 يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم} # والعرب تسمي الأسير أخيذا، قال الأزهري: ليأخذوه فيتمكنوا من قتله. # وقوله: {وجادلوا بالباطل} أي: بالجدال الباطل ليدحضوا به الحق. والجدال: ~~هو فتل الخصم عما هو عليه بحق أو باطل، وأما المناظرة لا تكون إلا بين ~~محقين، أو بين محق ومبطل، والجدال قد يكون بين المبطلين. # وقوله: {فأخذتهم} أي: أخذتهم بالعقوبة. # وقوله: {فكيف كان عقاب} قال قتادة: شديد والله. # PageV05P007 # قوله تعالى: {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا} أي: وجب حكم ربك على ~~الذين كفروا أنهم {أصحاب النار} ظاهر المعنى. # PageV05P007 # قوله تعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله} ذكر النقاش: أن حملة العرش ~~الكروبيون، وهم سادة الملائكة. وفي بعض التفاسير: أن أقدامهم في تخوم ~~الأرضين، والأرضون والسموات إلى حجزهم، وهم يقولون: سبحان ذي العز ~~والجبروت، سحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبوح قدوس رب ~~الملائكة والروح. # وقوله: {ومن حوله} أي: حول العرش. # وقوله: {يسبحون بحمد ربهم} قد بينا. # وقوله: {ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} أي: وسع ~~[علمك] ووسعت رحمتك كل شيء. # وقوله: {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} أي: دينك وطاعتك. # PageV05P007 # {عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات ~~يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) إن الذين كفروا ينادون لمقت ~~الله} # وقوله: {وقهم عذاب الجحيم} معناه: وادفع عنهم عذاب الجحيم، والجحيم معظم ~~النار. وعن بعض السلف: أنصح الخلق للمؤمنين هم الملائكة، وأغش الخلق ~~للمؤمنين هم الشياطين. # PageV05P008 # قوله تعالى: {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم} بينا أن جنة عدن هي ~~بطنان الجنة. ويقال: مصر الجنة. # وقوله: {ومن صلح من آبائهم} أي: ومن وحد من آبائهم، ويقال: ومن عمل صالحا ~~من آبائهم. # وقوله: {وأزواجهم وذرياتهم} أي: وأهليهم وأولادهم، قال سعيد بن جبير: ~~يدخل المؤمن الجنة فيقول: أين أبي؟ أين أمي؟ أين زوجتي؟ ms1467 فيقال: إنهم لم ~~يعملوا مثل عملك، فيقول: إني عملت لنفسي ولهم، فيدخلهم الله الجنة ويجمعهم ~~إليه. # وعن بعض السلف أنه قال: إن المؤمن يحب أن يجمع شمله، ويضم إليه أهله، ~~فيجمع الله شمله، ويضم إليه أهله في الآخرة. # PageV05P008 # وقوله: {وقهم السيئات} قد بينا. # وقوله: {ومن تق السيئات يومئذ} أي: ومن تق السيئات يومئذ أي: العقوبات، ~~ويقال: جزاء السيئات. # وقوله: {فقد رحمته} أي: أنعمت عليه. # وقوله: {وذلك هو الفوز العظيم} يعني: النجاة العظيمة. # PageV05P008 # قوله تعالى: {إن الذين كفروا ينادون} في التفسير: أن الكافر تعرض إليه ~~أعماله السيئة فيمقت نفسه أشد المقت، فيناديهم الله تعالى: {لمقت الله أكبر ~~من مقتكم # PageV05P008 # {أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون (10) قالوا ربنا ~~أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج في سبيل (11) ~~ذلكم بأنه إذا دعي الله} أنفسكم) أي: مقت الله إياكم في الدنيا أعظم من ~~مقتكم اليوم أنفسكم بما ظهر لكم من أعمالكم السيئة. وقد حكى معنى هذا عن ~~ابن عباس. وقال بعضهم: لمقت الله أياكم في الدنيا أكبر من مقت بعضكم بعضا، ~~وذلك حين يتبرأ بعضهم من بعض. # قوله: {إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} يعني: إن مقت الله إياكم كان لأن ~~الله دعاكم إلى الإيمان فكفرتم. # PageV05P009 # قوله تعالى: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} الإماتة الأولى: ~~هو أنهم كانوا نطفا في أصلاب الآباء موتى، ثم أحياهم بالخلق وإدخال الروح، ~~ثم يميتهم الموت المعلوم الذي لا بد من ذوقه، ثم يحييهم يوم القيامة. هذا ~~قول مجاهد وقتادة وجماعة. # والقول الثاني في الآية: أن الإحياء الأول حين أخرجهم من صلب آدم وأخذ ~~عليهم الميثاق، ثم أماتهم بالرد إلى الأصلاب، ثم أحياهم بالإخراج ثانيا، ثم ~~يميتهم الموت المعروف. فإن قيل: فأين الحياة في الآخرة؟ قلنا: المراد على ~~هذا القول حياتان وموتتان في الدنيا سوى الحياة في الآخرة. # والقول الثالث: أن الإماتة الأولى هو الموت المعروف، والإحياء الأول هو ~~الإحياء في القبر للمسائلة، والإماتة الثانية هي الإماتة بعد الإحياء في ~~القبر، والإحياء الثانية هي ms1468 الإحياء للبعث، هكذا ذكره السدى. # وقوله: {فاعترفنا بذنوبنا} أي خطايانا # وقوله {فهل إلى خروج من سبيل} أي: فهل إلى خروج عن النار من سبيل. # PageV05P009 # قوله تعالى: {ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم} معناه: أن تخليدكم في ~~النار # PageV05P009 # {وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12) هو الذي ~~يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب (13) فادعوا ~~الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) رفيع الدرجات ذو العرش يلقي ~~الروح من أمره على من} ومكثكم فيها كان بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم. # {وإن يشرك به تؤمنوا} أي: يشرك بالله تؤمنوا، أي: تصدقوا بالشرك. # وقوله: {فالحكم لله العلي الكبير} ظاهر المعنى. # PageV05P010 # قوله تعالى: {هو الذي يريكم آياته} أي: عبره ودلائله. # وقوله: {وينزل لكم من السماء رزقا} أي: المطر؛ لأنه سبب الأرزاق. # وقوله: {وما يتذكر إلا من ينيب} أي: وما يتعظ إلا من يرجع إلى الله في ~~جميع أموره. # PageV05P010 # قوله تعالى: {فادعوا الله مخلصين له الدين} أي: مخلصين له التوحيد. ~~ومعناه: وحدوا الله ولا تشركوا به شيئا. # وقوله: {ولو كره الكافرون} أي: سخط الكافرون، وهو مثل قوله تعالى: ~~{ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} وقد بينا هذا من قبل. # PageV05P010 # قوله تعالى: {رفيع الدرجات ذو العرش} قال ابن عباس برواية عطاء: رافع ~~السموات، سماء فوق سماء. وعن بعضهم: رافع درجات الأنبياء والأولياء. وقال ~~بعضهم: رفيع الدرجات أي: عظيم الصفات، وهو راجع إلى الله تعالى، قاله ~~مقاتل. قال: الله فوق كل شيء، وليس فوقه شيء. # وقوله: {ذو العرش} أي: له العرش خلقا وملكا. # وقوله: {يلقي الروح من أمره} قال مجاهد: هو الوحي، وسمي روحا؛ لأنه يحيا ~~به الخلق. وقال قتادة: هو النبوة. وقيل: هو جبريل يرسله على من يشاء من ~~أنبيائه # PageV05P010 # {يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15) يوم هم بارزون لا يخفى على الله ~~منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (16) اليوم تجزى كل نفس بما ~~كسبت لا ظلم} وروح الإنسان ما يحيا به الإنسان. ms1469 # وقوله: {من أمره} أي: بأمره. # وقوله: {على من يشاء من عباده} من النبيين والرسل. # وقوله: {لينذر يوم التلاق} المعروف بالياء، وقرئ بالتاء. # بالياء أي: لينذر الله، وقيل: لينذر الوحي. وأما بالتاء فالمراد به ~~الرسول. # وقوله: {يوم التلاق} قال قتادة: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، ~~الأولون والآخرون. وعن بعضهم: يلتقي فيه الخلق والخالق. وقال ميمون بن ~~مهران: يلتقي فيه الظالم والمظلوم. وعن ابن عباس: يلتقي فيه آدم وآخر ولد ~~من أولاده. # PageV05P011 # وقوله: {يوم هم بارزون} أي: بادون ظاهرون ولا يتسترون بشيء من جبل وغيره. # قوله تعالى: {لا يخفى على الله منهم شيء} أي: من أعمالهم. # وقوله: {لمن الملك اليوم} قال ابن عباس: يقول الله تعالى هذا حين تفنى ~~الخلائق، ولا يكون أحد يجيبه، فيجيب نفسه [بنفسه] ويقول: لله الواحد ~~القهار. وعلى هذا عامة المفسرين. وقد ثبت برواية ابن عمر وغيره أن النبي ~~قال: " يقبض الله السموات والأرض بيمينه، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، أين ~~ملوك الأرض "؟ # وفي الآية قول آخر: وهو أن الله تعالى يبعث الخلائق ويحشرهم، ثم يقول ~~لهم: لمن الملك اليوم؟ فيجيبون: لله [الواحد] القهار. # وقيل: إنهم لا يقدرون على الجواب هيبة، فيجيب الله تعالى نفسه. والقول ~~الأول # PageV05P011 # {اليوم إن الله سريع الحساب (17) وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى ~~الحناجر} هو المشهور. # PageV05P012 # قوله تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} أي: المحسن بإحسانه، والمسيء ~~بإساءته. # قوله: {لا ظلم اليوم} أي: أنه تعالى يفعل ما يفعل بالعدل لا بالظلم. # وقوله: {أن الله سريع الحساب} في التفسير: أن الله تعالى يحاسبهم في ~~مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. وعن الضحاك: ما بين صلاتين. وقيل: بقدر شربة ~~ماء. # وقد ثبت أن النبي [قال] : " أول ما يقضي الله تعالى بين الخلق في الدماء ~~". # وفي بعض الآثار: أن الله تعالى يقول يوم القيامة: " أنا الملك الديان، لا ~~ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولا لأحد من أهل النار أن يدخل ~~النار، وعليه مظلمة لأحد إلا وأقتصه منه ". # PageV05P012 # قوله تعالى: {وأنذرهم يوم ms1470 الآزفة} أي: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها، ~~كأنها قريبة عند الله تعالى، وإن كان الناس يستبعدونها. وقيل: هي قريبة ~~لأنها كائنة لا محالة، وكل كائن قريب. # وقوله: {إذ القلوب لدى الحناجر} وعن عكرمة أنه قال: تضيق للناس أرض ~~القيامة، حتى لا يكون لأحد إلا موضع قدمه، ثم يضيق لهم أيضا حتى يوضع القدم ~~على القدم، ثم يبكون حتى تنفد دموعهم، ثم يبكون الدم حتى ينفد، ثم تشخص ~~قلوبهم إلى حناجرهم، ثم قرأ قوله تعالى: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى # PageV05P012 # {كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (18) يعلم خائنة الأعين وما ~~تخفي الصدور (19) والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن ~~الله هو} الحناجر [كاظمين] ) قال قتادة: ترتفع القلوب من الصدور إلى ~~الحلوق، وتلتصق بها من الخوف والفزع، فلا هي ترجع من أماكنها، ولا هي تخرج. # وقوله: {كاظمين} الكاظم هو الممسك على قلبه بما فيه. وقيل: مغمومين ~~مكروبين. ويقال: باكين. ومن هذا كظم الغيظ إذا أمسكه (وصبر) عليه. # وقوله: {وما للظالمين من حميم ولا شفيع} الحميم: القريب. والشفيع: الذي ~~يدعو فيجاب. وعن الحسن البصري أنه قال: استكثروا من أصدقاء المؤمنين فإن ~~لهم شفاعة عند الله تعالى. # وقوله: {يطاع} أي: يجاب. # PageV05P013 # وقوله: {يعلم خائنة الأعين. أي: خيانة الأعين وخيانة الأعين مسارعة النظر ~~إلى ما لا يحل. # قال ابن عباس: هو الرجل يكون بين الرجال، فتمر بهم امرأة فينظر إليها، ~~فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره. قال السدى: خائنة الأعين هو الرص بالعين. # وقوله: {وما تخفي الصدور} هو شهوة القلب. وقيل: هو أنه لو قدر عليها هل ~~يزنى أو لا؟ # وعن السدى قال: هو وسوسة القلب. وعن بعضهم قال (خيانة العين) أن يقول: ~~رأيت ولم ير، وخيانة القلب هو أن يقول: علمت ولم يعلم. # PageV05P013 # وقوله: {والله يقضي بالحق} أي: بالعدل. # وقوله: {والذين يدعون من دونه} أي: الأصنام وما أشبهها. # PageV05P013 # {السميع البصير (20) أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم ms1471 قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم ~~وما كان لهم من الله من واق (21) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (22) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ~~وسلطان مبين (23) إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) فلما ~~جاءهم بالحق من عندنا قالوا} # وقوله: {لا يقضون بشيء} أي: لا يحكمون بشيء؛ لأنه ليس بأيديهم شيء. # وقوله: {إن الله هو السميع البصير} ظاهر المعنى. # PageV05P014 # قوله تعالى: {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض} الآثار في الأرض: هو الأبنية ~~والمساكن وسائر العمارات. # وقوله: {فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق} أي: لم يكن لهم ~~من يمنعهم من الله. # PageV05P014 # قوله تعالى: {ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} أي: بالدلالات ~~والمعجزات. # وقوله: {فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب} ظاهر المعنى. # PageV05P014 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين} أي: بالمعجزات ~~البينة والحجة الظاهرة. # PageV05P014 # وقوله: {إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب} أي: كثير الكذب. وعن ~~الضحاك قال: لم يكن هامان من بني إسرائيل، ولا من القبط، وكان من غير ~~الفريقين. وقد طعن بعضهم فقال: إن هامان رجل معروف (بين) الفرس، ولم يكن ~~صاحب فرعون. وليس هذا بشيء؛ لأنه يجوز أن يكون في الفرس رجل يسمى هامان، ~~وكان # PageV05P014 # {اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ~~ضلال (25) وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو ~~أن يظهر في} صاحب فرعون هو هامان، فكل ما في القرآن حق وصدق. # PageV05P015 # قوله تعالى: {فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا ~~معه} في القصة: أن فرعون كان رفع القتل عن أولاد بني إسرائيل؛ فلما جاء ~~موسى إليه رسولا أعاد القتل عليهم. # وقوله: {واستحيوا نساءهم} قد بينا. # وقوله: {وما كيد الكافرين إلا في ضلال} أي: في هلاك، وإنما جعل كيدهم ~~هلاكا؛ لأنه يؤدي إلى هلاكهم. # PageV05P015 # قوله تعالى: {وقال ms1472 فرعون ذروني أقتل موسى} فإن قال قائل: ومن الذي كان ~~يمنع فرعون من قتل موسى حتى يقول ذروني أقتل موسى؟ والجواب من وجهين: ~~أحدهما أن معناه: ذروني أقتل موسى أي: أشيروا علي بقتل موسى، كأنه طلب ~~المشورة منهم أيقتله أو لا يقتله؟ # والثاني: كان في جملة قومه من يحذره من قتل موسى خوفا من هلاك فرعون، ~~فقال على هذا: ذروني، لا تمنعوني واتركوني أقتله. # وقوله: {وليدع ربه} أي: وليدع ربه لينصره. قال هذا على طريق الاستبعاد. # وقوله: {إني أخاف أن يبدل دينكم} أي: يبدل دينكم الذي أنتم عليه بغيره. # وقوله: {أو أن يظهر في الأرض الفساد} هذا بأربعة وجوه " أن يظهرا "، و " ~~أن يظهر " بغير ألف، " أو أن يظهرا " مع الألف ونصب الياء، " وأن يظهر " ~~بغير الألف ونصب الياء، ومعنى يظهر أي: يظهر موسى الفساد، ومعنى يظهر بفتح ~~الياء أي: يظهر الفساد كأنه جعل الفعل للفساد بعينه. وقال بعضهم: معنى ~~الفساد هاهنا: أن # PageV05P015 # {الأرض الفساد (26) وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب (27) وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن ~~يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك ~~صادقا يصبكم} موسى إذا ظهر يقتل أبناءكم، ويستحي نساءكم كما فعلتم أنتم ~~بهم، فهو إظهار موسى الفساد في الأرض. # PageV05P016 # قوله تعالى: {وقال موسى إني عذت بربي وربكم} قال أهل التفسير: لما سمع ~~موسى كلام فرعون استعاذ بالله والتجأ إليه، وقال: إني عذت بربي وربكم. # وقوله: {من كل متكبر} أي: من كل متعظم {لا يؤمن بيوم الحساب} ويوم ~~الحساب: يوم القيامة. # PageV05P016 # قوله تعالى: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون} قال الكلبي: هو كان من ولي ~~العهد لفرعون، وكان يكون له من بعده، ويقال: كان ابن عم فرعون. وعن بعضهم: ~~كان من بني إسرائيل، وعلى هذا القول في الآية تقديم وتأخير، فمعناه: وقال ~~رجل يكتم إيمانه من آل فرعون. وأما اسمه قال بعضهم: اسمه حزبيل، وفي معاني ~~الزجاج: ms1473 أن اسمه سمعان، وقيل: حبيب. وفي التفسير: أنه لم يؤمن من القبط إلا ~~ثلاثة نفر: امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، والذي جاء فقال يا موسى إن الملأ ~~يأتمرون بك ليقتلوك. # وقوله: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} أي: لأن قال ربي الله. # وقوله: {وقد جاءكم بالبينات من ربكم} أي: بالدلالات الواضحات. # وقوله: {وإن يك كاذبا فعليه كذبه} أي: وبال كذبه. # وقوله: {وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم} هذه آية مشكلة؛ لأنه قال: ~~{بعض الذي يعدكم} وكل ما وعده الرسل وموسى حق. والجواب عن هذا من وجوه: # أحدها: أن معنى قوله: {يصبكم بعض الذي يعدكم} أي: كل الذي يعدكم، # PageV05P016 # بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) يا قوم لكم الملك ~~اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم ~~إلا ما) فيكون البعض بمعنى الكل، قاله أبو عبيدة، وأنشد: # (أو يرتبط بعض النفوس حمامها ... ) # أي: كل النفوس # وأنشد غيره: # (قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل ... ) # وقوله: بعض حاجته أي: كل حاجته. # والوجه الثاني: أنه قال: {بعض الذي يعدكم} على طريق الاستظهار، كأنه قال: ~~أقل ما في تكذيبكم إن كان صادقا أن يصبكم بعض الذي يعدكم. وفي ذلك البعض ~~هلاككم. وزعم أهل النحو أن هذا أحسن من الأول؛ لأن البعض بمعنى الكل لا ~~يعرف في اللغة. # والوجه الثالث: أن قوله: {يصبكم بعض الذي يعدكم} أي: عذاب الدنيا، وقد ~~كان وعدهم عذاب الدنيا والآخرة. # والوجه الرابع: أن قوله: {يصبكم بعض الذي يعدكم} أي: من العقاب، وقد كان ~~وعد العقاب إن أنكروا، والثواب إن صدقوا، والعقاب بعض الوعيد. # وقوله: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} أي: مشرك كذاب. # PageV05P017 # قوله تعالى: {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض} أي: عالين غالبين. # وقوله: {فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا} أي: من يمنع منا عذاب الله إن ~~جاءنا. # وقوله: {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى} يعني: ما ms1474 أرشدكم إلا إلى ما أنا ~~عليه، # PageV05P017 # {أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف ~~عليكم مثل يوم الأحزاب (30) مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ~~وما الله يريد ظلما للعباد (31) ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} وما ~~رأيت لكم من الحق. # وقوله: {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} أي: طريق الرشد والهدي. وعن معاذ بن ~~جبل أنه قرأ: " إلا سبيل الرشاد " بتشديد الشين أي: سبيل الله، والرشاد هو ~~الله تعالى. # PageV05P018 # قوله تعالى: {وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب} ~~الأحزاب: الأمم الخالية مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود، ومعنى يوم الأحزاب أي: ~~يوم عذابهم. # PageV05P018 # وقوله: {مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود} الدأب في اللغة بمعنى العادة، ومعنى ~~قوله: {مثل دأب قوم نوح} أي: مثل حال قوم نوح وعاد وثمود. ويقال: كذب هؤلاء ~~وتعودوا التكذيب مثل عادة أولئك في التكذيب. # وقوله: {وما الله يريد ظلما للعباد} معناه: أنه لا يعذب أحدا حتى يقيم ~~الحجة عليه. # PageV05P018 # قوله تعالى: {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} يعني: يوم التنادي. وفي ~~معنى التنادي وجوه: أحدها: أنه تنادى كل أمة بكتابها وإمامها، قاله قتادة. # والثاني أن معناه: تنادى أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة، ~~وذلك وذكور في سورة الأعراف، وهو قوله تعالى: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب ~~النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا} الآية، وقوله: {ونادى أصحاب النار ~~أصحاب الجنة} الآية. # PageV05P018 # {يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ~~(33) ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا ~~هلك قلتم لن} # والثالث: أن معنى الآية مناداتهم بالويل والثبور ودعاؤهم على أنفسهم: ~~واهلاكاه، واويلاه، وغير ذلك. وقرئ في الشاذ: " يوم التناد " بتشديد الدال، ~~من ند يند إذا هرب، وحكى هذه القراءة عن الضحاك، وهو معنى قوله تعالى: {أين ~~المفر} وعن بعضهم: يظهر عنق من النار فيفر الناس، فيحيط بهم ms1475 ذلك العنق، ~~حينئذ يعلمون أن لا مفر لهم. # PageV05P019 # وقوله: {يوم تولون مدبرين} في الحديث أن للناس جولة يوم القيامة، فيتبعهم ~~الملائكة ويردونهم. وقيل: إنهم إذا سمعوا زفير النار فروا، فهو معنى قوله ~~تعالى: {يوم تولون مدبرين} وفي الآية قول آخر: أن معنى قوله: {يوم تولون ~~مدبرين} هو انطلاقهم إلى النار بسوق الملائكة. # وقوله: {ما لكم من الله من عاصم} أي: مانع، وقيل: ناصر. # وقوله: {ومن يضلل الله فما له من هاد} ظاهر المعنى. # PageV05P019 # قوله تعالى: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} هو يوسف بن يعقوب نبي ~~الله. وعن بعضهم: أن الله تعالى أرسل إليهم يعني: إلى القبط نبيا من الجن ~~يسمى يوسف، وهذا قول ضعيف، والصحيح هو الأول؛ لأنه أطلق ذكر يوسف، فينصرف ~~إلى يوسف المعروف مثل إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم. وفي القصة: أن الله ~~تعالى بعث يوسف بن يعقوب إليهم رسولا فدعاهم إلى الله تعالى، ومكث فيهم ~~عشرين سنة بعد وفاة يعقوب عليه السلام. # وقوله: {بالبينات} أي: بالدلالات الواضحات. # وقوله: {فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا} وقرأ أبي وابن مسعود: " ألن يبعث الله من بعده رسولا " بزيادة ~~الألف. # PageV05P019 # {يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) وقال فرعون يا هامان ابن لي ~~صرحا لعلي} # وقوله: {كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب} أي: مسرف على نفسه بالكفر ~~والظلم، والمرتاب هو الشاك. # PageV05P020 # قوله تعالى: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} فمعنى ~~المجادلة هو المجادلة بالتكذيب، ومعنى السلطان هو الحجة. # وقوله: {كبر مقتا} أي: كبر جدالهم مقتا، وفي التفسير: أنه يمقتهم الله ~~تعالى، ويمقتهم الملائكة والأنبياء، ويمقتهم المؤمنون، وهو معنى قوله: {عند ~~الله وعند الذين آمنوا} . # وقوله: {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} فالقراءة الأولى على ~~الإضافة، والطبع على ms1476 القلب هو الختم عليه حتى لا يدخله الحق. # وأما القراءة الثانية فهي على وصف القلب بالتكبر، يقال: قلب متكبر أي: ~~صاحبه متكبر، وقرأ ابن مسعود: " على قلب كل متكبر جبار ". # PageV05P020 # قوله تعالى: {وقال فرعون يا هامان} قال الحسن البصري: كان هامان صاحب شرط ~~فرعون، فكان من همدان، أورده أبو الحسن بن فارس في تفسيره. # وقوله: {ابن لي صرحا} أي: قصرا عاليا، ويقال: إن أول من طبخ اللبن حتى ~~صار آجرا هو هامان، فعله لفرعون. وفي تفسير النقاش: أن هامان استعمل خمسين ~~ألف إنسان في البناء سوى من يطبخ الآجر، ومن يعمل في الخشب وغيره. # ويقال: إنه عمل في بناء الصرح سبع سنين، وكان فرعون يصعد عليه راكبا، ثم ~~إن الله تعالى بعث ريحا عاصفا فجعله ثلاث قطع، فألقى قطعة في البحر، وقطعة ~~بالهند، وقطعة ببلاد المغرب. # PageV05P020 # {أبلغ الأسباب (36) أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا ~~وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37) ~~وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) يا قوم إنما هذه ~~الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها ومن عمل صالحا} # وقوله: {لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات} والأسباب هي الأبواب هاهنا. ~~ويقال معناه: الأسباب التي تؤديني إلى السماء، وتبلغني إليها. فإن قيل: كيف ~~يتصور هذا في عقل عاقل أن يقصد صعود السماء، وذلك مستحيل بهذه الحيلة؟ # والجواب: أن الجهل في العالم كثير، وليس هذا بأبدع من ادعائه الربوبية، ~~وهو يعرف حال نفسه ويشاهدها. # وقوله: {فأطلع إلى إله موسى} أي: أنظر إلى إله موسى. # وقوله: {وإني لأظنه كاذبا} في دعواه أن له إلها. # وقوله: {وكذلك زين لفرعون سوء عمله} أي: قبيح عمله. # وقوله: {وصد عن السبيل} وقرئ: " وصد " بنصب الصاد، فقوله بالرفع أي: صد ~~فرعون عن السبيل. وبالنصب أي: وصد فرعون الناس عنة سبيل الله. # وقوله: {وما كيد فرعون إلا في تباب} أي: وما حيلة فرعون ومكره إلا في ~~هلاك ms1477 وخسران، وقال ذلك لأنه أدى إليه. # PageV05P021 # قوله تعالى: {وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد} أي: سبيل ~~الرشد. # PageV05P021 # وقوله: {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع} أي: سريع فناؤه، والتمتع به ~~قليل. # وقوله: {وإن الآخرة هي دار القرار} أي: المستقر. # PageV05P021 # قوله تعالى: {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} أي: بغير ~~انقطاع، # PageV05P021 # {من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ~~(40) ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) تدعونني ~~لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42) ~~لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا ~~إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض ~~أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) } ويقال: بغير حساب أي: لا يحسب ~~عليهم قدر مكثهم في الجنة واستمتاعهم، فيقول: مكثهم كذا، وأكلهم كذا، ~~وفعلهم كذا. وقيل: بغير حساب أي: يزيد في مدة بقائهم في الجنة على مدة ~~أعمالهم إلى ما لا يتناهى من المدة. # PageV05P022 # قوله تعالى: {ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني ~~لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار} ~~العزيز هو المنتقم من أعدائه، والغفار هو الساتر لذنوب عباده. # PageV05P022 # قوله تعالى: {لا جرم} قد بينا معناه فيما سبق، وعن المفضل الضبي الكوفي ~~أنه قال: لا جرم أي: لابد. # وقوله: {أنما تدعونني إليه ليس له دعوة} أي: استجابة دعوة في الدنيا. ~~ويقال: إيصال نفع في الدنيا ولا في الآخرة. ويقال: جواب قوله: {في الدنيا ~~ولا في الآخرة} . # وقوله: {وأن مردنا إلى الله} أي: مرجعنا إلى الله. # وقوله: {وأن المسرفين هم أصحاب النار} أي: المشركين. # PageV05P022 # قوله تعالى: {فستذكرون ما أقول لكم} يعني: حين تعاينون العذاب. # وقوله: {وأفوض أمري إلى الله} أي: أسلم أمري إلى الله، ms1478 وقال يحيى بن ~~سلام: أي: أتوكل على الله. # وقوله: {أن الله بصير بالعباد} ظاهر المعنى. # PageV05P022 # {فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45) النار يعرضون ~~عليها} # PageV05P023 # قوله تعالى: {فوقاه الله سيئات ما مكروا} اختلف القول في نجاته، منهم من ~~قال: نجا حين نجا موسى وبنو إسرائيل، وذلك عند مجاوزة البحر. وفي القصة: ~~أنه كان قدام موسى حين توجهوا إلى البحر، فقال: إلى أين يا نبي الله؟ # قال: أمامك. # فقال: إنما أمامي البحر. # فقال: والله ما كذبت وما كذبت. # والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون لما قال هذه الأقوال، ونصح هذه النصيحة ~~طلبه فرعون ليقتله فهرب، فبعث في طلب جماعة، فوجدوه في حبل يصلي وحواليه ~~السباع يحرسونه ففزعوا ورجعوا. # وقوله: {وحاق بآل فرعون} أي: نزل بآل فرعون، {سوء العذاب} أي: العذاب ~~السيء. # PageV05P023 # قوله تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} أكثر المفسرين أن هذا في ~~القبر. ومن المعروف عن ابن مسعود أنه قال: أرواح آل فرعون في حواصل طير سود ~~يردون النار غدوا وعشيا. وقد ثبت برواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن ~~النبي قال: " إن أحدكم إذا مات يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من ~~أهل فالجنة، وإن كان من أهل النار النار، ويقال: هذا مقعدك يوم القيامة ". ~~قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك المكي بن عبد الرزاق الكشميهني، أخبرنا أبو ~~الهيثم جدي، أخبرنا الفربري، أخبرنا البخاري، أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس، ~~عن مالك ... الحديث. # وفي الآية قول آخر: وهو أنه العرض على النار يوم القيامة. # PageV05P023 # {غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (46) وإذ ~~يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا نصيبا من النار} # قال الفراء: وفي الآية تقديم وتأخير، وكأنه قال: ويوم تقوم الساعة أدخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب، النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، وهذا قول فاسد، ~~والصحيح هو الأول. # وقوله: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} قرئ: " ادخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب ms1479 " على الأمر لآل فرعون بالدخول. # وقرئ: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} على الأمر لخزنة النار. # والدليل على أن الصحيح هو القول الأول أنه قال: {يعرضون عليها غدوا ~~وعشيا} إذا كان يوم القيامة، فهو الإدخال حقيقة لا العرض، وإنما العرض في ~~القبر على ما ورد في الحديث. وفي بعض التفاسير: أن الكافر يحيا في القبر كل ~~غدوة وعشية حتى ينظر إلى مقعده من النار، ثم يميته الله تعالى ثانيا، فيكون ~~نظره إلى مقعده من النار أشد عليه من موته، وهو قول شاذ. # وأما آل فرعون فهو فرعون وقومه، وقيل: فرعون نفسه. # قال الشاعر: # (فلا تبك ميتا بعد ميت أحبة ... علي وعباس وآل أبي بكر) # معناه: وأبي بكر نفسه. وروى عن عبد الله بن أوفى أنه قال: أتيت رسول الله ~~بصدقة بعثها أبي إليه، فقال: " اللهم صل على آل أبي أوفى ". أي: أبي أوفى ~~نفسه. # PageV05P024 # قوله تعالى: {وإذ يتحاجون في النار} أي: يتخاصمون في النار. # وقوله: {فيقول الضعفاء للذين استكبروا} أي: الأتباع قالوا للقادة. # PageV05P024 # {قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48) وقال ~~الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا ~~أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين ~~إلا في ضلال (50) } # وقوله: {إنا كنا لكم تبعا} أي: أتباعا. # وقوله: {فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} أي: هل تتحملون عنا بعض عذاب ~~النار؟ # PageV05P025 # قوله تعالى: {قال الذين استكبروا إنا كل فيها} أي: القادة والأتباع ~~جميعا. # وقوله: {إن الله قد حكم بين العباد} أي: فصل بين العباد فأدخل أهل الجنة ~~الجنة، وأهل النار النار. # PageV05P025 # قوله تعالى: {وقال الذين في النار لخزنة جهنم} في القصة: أنهم يقولون ذلك ~~بعد أن دعوا الله تعالى ألف عام، ولم يروا إجابة. # وقوله: {ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب} أي: يوما واحدا من أيام ~~الدنيا. # PageV05P025 # قوله تعالى: {قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى فادعوا وما ~~دعاء الكافرين إلا في ms1480 ضلال} أي: في هلاك وبطلان، ومعناه: أن دعاءهم غير ~~مستجاب. # PageV05P025 # قوله تعالى: {إنا لننصر رسلنا} قال أبو العالية: بإيضاح الحجة. وقال ~~غيره: بالانتقام من أعدائهم. وعن السدى قال: الأنبياء قد تولى الله نصرتهم، ~~وإن قتلوا في الدنيا، فإن الله يبعث من بعدهم من ينتقم لهم من أعدائهم. # وقوله: {والذين آمنوا في الحياة الدنيا} أي: وينصر الذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا. # وقوله: {ويوم يقوم الأشهاد} يعني: يوم القيامة. # والأشهاد جمع شاهد، كالأصحاب جمع صاحب. ويقال: شهيد وأشهاد مثل: # PageV05P025 # {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) ~~يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) ولقد آتينا ~~موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى لأولي الألباب (54) ~~فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار (55) إن ~~الذين يجادلون في} شريف وأشراف. # PageV05P026 # قوله تعالى: {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} أي: اعتذارهم؛ لأنه لا عذر ~~لهم {ولهم اللعنة} أي: عليهم اللعنة {ولهم سوء الدار} أي: الدار السيئة، ~~وهي النار. # PageV05P026 # قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الهدى} أي: النبوة. # وقوله: {وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} أي: التوراة. # PageV05P026 # وقوله: {هدى وذكرى لأولي الألباب} ظاهر المعنى. # PageV05P026 # قوله: تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك} تمسك من جوز الصغائر ~~على الأنبياء بهذه الآية، فأمرهم بالاستغفار عن الصغائر. ومن لم يجوز ~~الصغائر على الأنبياء [قال] : إنه أمر بالاستغفار تعبدا؛ لينال بذلك رضا ~~الله تعالى، ويقتدي به من يأتي بعده. # وقوله: {وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} أي: صل شاكرا لربك بالعشي ~~والإبكار، والعشي من وقت زوال الشمس إلى الغروب، والإبكار ما بين طلوع ~~الفجر إلى طلوع الشمس. # PageV05P026 # قوله تعالى: {إن الذين يجادلون في آيات الله} أي: في دفع آيات الله ~~بالتكذيب. # وقوله: {بغير سلطان أتاهم} أي: أتاهم بغير حجة. # PageV05P026 # {آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ ~~بالله إنه هو السميع البصير (56) لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس} # وقوله: {إن في صدورهم ms1481 إلا كبر} أي: ما في صدورهم إلا كبر. والكبر الذي في ~~صدورهم هو الاستكبار عن الإقرار بالتوحيد. ويقال: طلب الغلبة والعلو علو ~~محمد. # وقوله: {ما هم ببالغيه} أي: ما هم ببالغي إرادتهم، وكان مرادهم أن يهلك ~~محمد ويهلك أصحابه، ويندرس أثره ويصيروا حكاية. ويقال: كان مرادهم أن ~~يغلبوا محمدا ويعلو أمرهم أمره. وفي الآية قول ثالث، قاله ابن جريج وغيره. # (وهذا أن) الآية نزلت في اليهود فكانوا يقولون: يخرج منا في آخر الزمان ~~من يغلب على جميع الأرض، ويكون البحر إلى ركبتيه، والسحاب على رأسه، ويقتل ~~ويحيي، ومعه جبل من جنة، وجبل من نار. قالوا: يعني أهل العلم وهو الدجال ~~الذي ذكره الرسول، فلما قالوا هذا أنزل الله تعالى هذه الآية. # ومعنى قوله: {ما هم ببالغيه} على هذا القول أن الغلبة لا تكون للدجال على ~~المسلمين، بل تكون للمسلمين على الدجال، فإن عيسى عليه السلام ينزل ويقتل ~~الدجال نصرة للمسلمين. # وقوله: {فاستعذ بالله} أي: من شرك الدجال على هذا القول. # وقوله: {إنه هو السميع البصير} ظاهر المعنى. # PageV05P027 # قوله تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس} أي: رفع السموات ~~بغير عمد، وإجراء الكواكب والشمس والقمر في مجاريها، وبسط الأرض، ونصب ~~الجبال أهول في قلوب الناس من خلق الآدميين. ويقال: لخلق السموات والأرض ~~أكبر من قتل الدجال واحدا وإحيائه، فالناس هاهنا: هو الدجال على هذا القول. # وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: لا يعلمون حقيقة الأمور. # PageV05P027 # {لا يعلمون (57) وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~ولا المسيء قليلا ما تتذكرون (58) إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون (59) وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي} # PageV05P028 # قوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} إلى قوله: {قليلا ما تتذكرون} ~~بالتاء، وقرئ بالياء، والمعنى قريب بعضه من بعض. # PageV05P028 # قوله تعالى: {إن الساعة لآتية لا ريب فيها} أي: لا شك فيها. # وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي: لا يصدقون. # PageV05P028 # قوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} قد ms1482 ثبت برواية نعمان بن بشير ~~أن النبي قال: " الدعاء هو العبادة. وقرأ هذه الآية ". # وعن ثابت قال: قلت لأنس: الدعاء نصف العبادة، قال: هو كل العبادة. # وقوله: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} أي: عن دعائي، ويقال: عن توحيدي. # وقوله: {سيدخلون جهنم داخرين} أي: صاغرين. # وعن كعب الأحبار قال: أعطيت هذه الأمة (ثلاثا) لم يعط أحد من الأمم: قال ~~الله تعالى لكل نبي من الأنبياء السالفة: أنت شاهد على أمتك، وقال لهذه ~~الأمة: أنتم شهداء على الأمم، وقال الله تعالى لكل نبي: ما عليك في الدين ~~من حرج، وقال لهذه الأمة: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقال لكل نبي: ~~ادع أستجب لك، وقال لهذه الأمة {ادعوني أستجب لكم} . # PageV05P028 # {سيدخلون جهنم داخرين (60) الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ~~ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) كذلك يؤفك الذين كانوا ~~بآيات الله يجحدون (63) الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم ~~فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين ~~(64) هو الحي} # PageV05P029 # قوله تعالى: {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} أي: لتسترخوا فيه من ~~الأعمال، وقيل: لتناموا. # وقوله: {والنهار مبصرا} أي: مبصرا فيه، ومعناه: أن الناس يبصرون فيه ~~الأشياء. # وقوله: {إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} ظاهر ~~المعنى. # PageV05P029 # قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} قد ~~بينا. # PageV05P029 # وقوله: {كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون} أي: يصرف عن الحق من ~~كان مشركا بالله جاحدا لآياته. # PageV05P029 # قوله تعالى: {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا} أي: تستقرون فيها، {والسماء ~~بناء} أي: بناءة فوقكم. # وقوله: {وصوركم فأحسن صوركم} في التفسير: أنه لا يأكل بيده [شيء] سوى ~~الآدميين، ولا صورة على هذه الصورة أحسن من الآدميين. # وقوله: {ورزقكم من الطيبات} أي: مما تستلذوها مما هو حلال لكم. # وقوله: {ذلكم ms1483 الله ربكم فتبارك الله رب العالمين} ومعناه: تعالى وتعظم رب ~~العالمين عما يقول الكفار. # PageV05P029 # {لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65) قل ~~إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت ~~أن أسلم لرب العالمين (66) هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم ~~يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ~~ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67) هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون} # PageV05P030 # قوله تعالى: {هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين} والدعاء على ~~الإخلاص ألا يدعوا معه سواه. # وقوله: {الحمد لله رب العالمين} روى عن ابن سيرين أنه قال: من السنة أن ~~يقول العبد لا إله إلا الله، ثم يقول عقيبة: الحمد لله رب العالمين. # PageV05P030 # قوله تعالى: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني ~~البينات من ربي} أي: الحجج الواضحة. # وقوله: {وأمرت أن أسلم لرب العالمين} أي: أستسلم وأنقاد لحكمه. # PageV05P030 # قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم ~~طفلا} أي: أطفالا، واحدا بمعنى الجمع، ويقال: طفلا طفلا. # وقوله: {ثم لتبلغوا أشدكم} قد بينا معنى الأشد. # وقوله: {ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل} أي: من قبل أن صار ~~شيخا. # وقوله: {ولتبلغوا أجلا مسمى} أي: ما قدر لكم من الحياة. # وقوله: {ولعلكم تعقلون} ظاهر المعنى. # PageV05P030 # قوله تعالى: {هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} ~~أي: تكوينه الأشياء يكون بمرة واحدة، لا بمرة بعد مرة. # PageV05P030 # ((68} ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) الذين ~~كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) إذ الأغلال في ~~أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون (72) ثم قيل ~~لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من ~~قبل ms1484 شيئا كذلك يضل الله الكافرين (74) ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تمرحون) # PageV05P031 # وقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله} أي: يجادلون في ~~دفع آياتنا بالتكذيب. # وقوله: {أنى يصرفون} أي: كيف يصرفون عن الحق. # PageV05P031 # قوله تعالى: {الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون} ~~وعيد وتهديد. # PageV05P031 # قوله تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} وقرئ: " والسلاسل " بنصب ~~اللام، فمن قرأ بالرفع، فمعناه: الأغلال في أعناقهم والسلاسل، ومن قرأ ~~بالنصب، فمعناه: ويسحبون السلاسل. # وقوله: {يسحبون في الحميم} أي: يجرون في الحميم. # وقوله: {ثم في النار يسجرون} أي: يوقدون في النار كما توقد التنانير ~~بالخشب. # PageV05P031 # قوله تعالى: {ثم قيل لهم أينما كنتم تعبدون من دون الله قالوا ضلوا عنا} ~~يعني: أين هم لينصروكم؟ فيقولون: قد فاتوا وذهبوا عنا. # وقوله: {بل لم نكن ندعو من قبل شيئا} أي: لم نكن ندعو من قبل شيئا يدفع ~~عنا ضرا، أو يجلب إلينا نفعا. # وقوله: {كذلك يضل الله الكافرين} أي: عن الحق. # PageV05P031 # قوله تعالى: {ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق} هذا دليل على أنه # PageV05P031 # ((75} ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر إن ~~وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77) ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان ~~لرسول أن) قد يكون فرح بحق. # وقوله: {وبما كنتم تمرحون} الفرح: السرور. والمرح والبطر والأشر. وفي بعض ~~الأخبار عن النبي أنه قال: " إن الله تعالى يبغض البذخين الفرحين المرحين، ~~ويحب كل قلب حزين، ويبغض الحبر السمين، ويبغض أهل بيت اللحمين أي: الذين ~~يكثرون أكل اللحم، ويقال: الذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة. والخبر غريب. # PageV05P032 # وقوله: {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} ظاهر ~~المعنى. # PageV05P032 # قوله تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق} إلى آخر الآية. ظاهر المعنى. # PageV05P032 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم ~~نقصص عليك} قال السدى: بعث الله ms1485 تعالى ثمانية آلاف نبيا: أربعة آلاف من بني ~~إسرائيل، وأربعة آلاف من غير بني إسرائيل. وفي بعض التفاسير: أن جميع من ~~ذكرهم الله تعالى [في] القرآن من الأنبياء خمسة وعشرون نبيا، أولهم آدم، ~~وآخرهم محمد، ذكر ثمانية عشر منهم في سورة الأنعام، والباقين في غيرها. وعن ~~علي رضي الله عنه أن الله تعالى بعث نبيا حبشيا لم يذكر اسمه في القرآن. ~~وأما الذي في أفواه الناس أن الله تعالى بعث مائة وأربعة وعشرين ألف نبي. # PageV05P032 # {يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك ~~المبطلون (78) الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ~~ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ~~(80) ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} وهو مروي عن ابن عباس برواية ضعيفة. # وقوله: {وما كان لرسول أن يأتي إلا بإذن الله} هذا جواب للكفار، سألوا ~~النبي معجزة بعينه، وقالوا: افعل كذا وكذا، فرد الله عليهم ذلك بقوله: {وما ~~كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} . # وقوله: {فإذا جاء أمر الله قضى بالحق وخسر هنالك المبطلون} أي: هلك عند ~~ذلك المبطلون. # وقوله: {أمر الله} أراد به القيامة. # PageV05P033 # قوله تعالى: {الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون} قال ~~أهل التفسير: الأنعام هي الإبل والبقر والغنم في اللغة، إلا أنها الإبل ~~خاصة في هذه الآية. # PageV05P033 # وقوله: {ولكم فيها منافع} يعني: سوى الركوب والأكل من الرسل والنسل ~~والوبر وغير ذلك. # وقوله: {ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم} قال قتادة: الانتقال من بلد إلى ~~بلد. قال مجاهد: أي حاجة كانت. # وقوله: {وعليها وعلى الفلك تحملون} ظاهر المعنى، والفلك: السفينة. # PageV05P033 # قوله تعالى: {ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون} يعني: مع ظهورها ~~ووضوحها. # PageV05P033 # قوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض} قال مجاهد: قوله: {وآثارا في # PageV05P033 # {كانوا أكثر منهم وأشد ms1486 قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزئون (83) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا ~~بما كنا به مشركين} الأرض) معناه: المشي فيها بأرجلهم. ويقال: الآثار في ~~الأرض هي العروش والزروع والأبنية. # وقوله: {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} أي: لم يدفع عنهم كسبهم شيئا حين ~~ينزل العذاب بهم. # PageV05P034 # قوله تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} فإن ~~قيل: كيف يستقيم هذا، ولم يكن عندهم [علم] أصلا؟ # قلنا: قد كان في ظنهم أنهم علماء، فسمى ما عندهم علما على ظنهم، وكان ~~الذي ظنوه أن لا بعث ولا جنة ولا نار ولا حياة بعد الموت. # والقول الثاني في الآية: أن قوله: {فرحوا} يرجع إلى الرسل، ومعنى الآية: ~~فرح الرسل بما عندهم من العلم بهلاك أعدائهم. # ويقال: فرحوا بما عندهم من العلم أي: رضوا بما عندهم من العلم، ولم ~~يطلبوا العلم الذي أنزله الله على الأنبياء وقنعوا بما عندهم، وهو كان جهلا ~~على الحقيقة. # وقوله: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} أي: نزل بهم وبال ما كانوا به ~~يستهزئون. # PageV05P034 # قوله تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده} قد ذكرنا معنى ~~البأس. # وقوله: {وكفرنا بما كنا به مشركين} وهكذا جميع الكافرين، يؤمنون عند ~~البأس، ولا ينفعهم ذلك. # PageV05P034 # ((84} فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون (85)) # PageV05P035 # وقوله: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} وقد استثنى منهم قوم يونس ~~في سورة يونس، وقد ذكرنا. # وقوله: {سنة الله التي قد خلت في عباده} أي: مضت في عباده، ومعنى السنة: ~~هو إيمانهم وعدم النفع في إيمانهم. # وقوله: {وخسر هنالك الكافرون} أي: هلك هنالك الكافرون. # فإن قيل: كيف قال {هنالك} وهذا يقتضي ألا يكونوا في الحال خاسرين؟ # والجواب: أن الزجاج قال: كل كافر خاسر، إلا أنه إذا رأى العذاب تبين له ~~الخسران. فبهذا المعنى قال: {هنالك} ms1487 والله أعلم. # PageV05P035 # بسم الله الرحمن الرحيم # {حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون (3) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) وقالوا قلوبنا في ~~أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر} # تفسير سورة حم السجدة # وهي مكية # PageV05P036 # قوله سبحانه وتعالى: {حم} قد ذكرنا معناه. # PageV05P036 # وقوله: {تنزيل من الرحمن الرحيم} منهم من قال: في الآية تقديم وتأخير ~~كأنه: تنزيل كتاب من الرحمن الرحيم فصلت آياته. وقال بعضهم: في الآية مضمر ~~محذوف، والمحذوف هو القرآن، وكأنه قال: تنزيل القرآن من الرحمن الرحيم. قال ~~الزجاج: وقوله: {تنزيل} مبتدأ، قوله: {كتاب} خبره. # PageV05P036 # وقوله: {فصلت آياته} قال مجاهد: فسرت، وقال الحسن البصري: فصلت بالوعد ~~والوعيد، والثواب والعقاب. ويقال: فصلت بالحلال والحرام. # وقوله: {قرآنا عربيا} أي: بلسان العرب. # وقوله: {لقوم يعلمون} أي: يتدبرون ما فيه عن علم. # PageV05P036 # قوله: {بشيرا ونذيرا} معناه: قرآنا بشيرا ونذيرا. فالقرآن بشير للمؤمنين، ~~نذير للكافرين. # وقوله: {فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} أي: لا يستمعون إلى القرآن. # PageV05P036 # وقوله تعالى: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} أي: في أغطية. قال ~~مجاهد: كالجعبة للنبل. # وقوله: {وفي آذاننا وقر} أي: صمم. # PageV05P036 # {ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون (5) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى ~~إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين ~~لا يؤتون} # وقوله: {ومن بيننا وبينك حجاب} أي: حاجز. وقال بعضهم: (تفرق في النحلة ~~حاجز في الطريقة) . وروى بعضهم: أن أبا جهل استغشى بثوب ثم قال: يا محمد، ~~بيننا وبينك حجاب. استهزاء، ومعنى الآية: أنهم لما لم يستمعوا إلى القرآن ~~استماع من يقبله كانوا كأن قلوبهم في أغطية، وفي آذانهم وقر وصمم، وبينه ~~وبينهم حجاب. # وقوله: {فاعمل إننا عاملون} معناه: [فاعمل] بما [تعلم] من دينك إننا ~~عاملون بما نعلم من ديننا، قاله الفراء. وقال بعضهم: فاعمل في هلاكنا فإنا ~~نعمل في هلاكك. وقال بعضهم: فاعمل لمعبودك فإنا نعمل لمعبودنا. # PageV05P037 # قوله: {إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه} ~~أي: توجهوا إليه بالطاعة ms1488 والعبادة. # وقوله: {واستغفروه} أي: من الشرك الذي أنتم عليه. # وقوله: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} أي: لا يرون الزكاة واجبة ~~عليهم كما يراه المسلمون. ويقال: معنى الإيتاء هو على ظاهره، والكافر يعاقب ~~في الآخرة بترك إيتاء الزكاة؛ لأنهم مخاطبون بالشرائع. ذكره جماعة من أهل ~~العلم. وقال بعضهم: لا يؤتون الزكاة أي: لا يفعلون ما يصيرون به أزكياء. ~~وقال بعضهم: لا يؤتون الزكاة أي: لا يقولون لا إله إلا الله، قال ابن عباس، ~~في رواية عطاء، فعلى هذا معناه: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بقبول التوحيد. ~~وعن قتادة قال: الزكاة فطرة الإسلام؛ فمن قبلها نجا، ومن ردها هلك. وأما ~~القول الذي قلناه إنها الزكاة بعينها، # PageV05P037 # {الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~أجر غير ممنون (8) قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~اندادا ذلك رب العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها ~~أقواتها في} # قاله الحسن البصري وجماعة. # وقوله: {وهم بالآخرة هم كافرون} ظاهر المعنى. # PageV05P038 # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} أي: غير ~~مقطوع، ويقال معناه: غر ممنون عليهم. # PageV05P038 # قوله تعالى: {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} قال ابن عباس: ~~يوم الأحد ويوم الاثنين. فإن قال قائل: ما الحكمة في خلقها في يومين، وقد ~~كان قادرا على خلقها في ساعة وأقل من ذلك؟ قلنا: خلق في يومين ليرشد خلقه ~~إلى الإناة في الأفعال؛ وليكون أبعد من توهم اتفاق أو فعل طبع، ولأنه لا ~~سؤال عليه في خلقه فكيفما شاء خلق. # وقوله: {وتجعلون له أندادا} أي: أشباها وأمثالا وشركاء. قال حسان بن ~~ثابت: # (أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخير كما الفداء) # قال أهل المعاني: قوله {وتجعلون له أندادا} أي: تطيعون غيره في معاصيه. ~~وقال بعضهم: من ذلك أن يقول الرجل: لولا كلبة فلان لدخل اللصوص داري، ولولا ~~إرشاد فلان لهلكت، وما أشبه ذلك. # وقوله: {ذلك رب العالمين} أي: الذي فعل ذلك الفعل هو رب ms1489 العالمين. # قوله تعالى: {وجعل فيها رواسي} أي: جبالا رواسي، وسماها رواسي لثبوتها. ~~وفي القصة: أن الله تعالى لما خلق الأرض جعلت تميد ولا تستقر، فخلق الله ~~الجبال عليها فاستقرت، فهو معنى قوله: {وجعل فيها رواسي من فوقها} . # وقوله: {وبارك فيها} أي: أكثر فيها البركة. والبركة: المنافع، ومن ~~بركاتها # PageV05P038 # {أربعة أيام سواء للسائلين (10) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض} الأشجار التي تنبت بغير غرس، والحبوب التي تنبت بغير بذر، وكل ما ~~لم يعمله بنو آدم. وفي بعض الآثار: أن الله تعالى جمع في (الخبز) بركات ~~السماء والأرض. # وقوله: {وقدر فيها أقواتها} في التفسير أن معناه: الحنطة لقوم، والشعير ~~لقوم، والذرة لقوم، والتمر لقوم، والسمك لقوم، واللحم لقوم. ويقال: المصري ~~لمصر، والسابري لسابر، والعربي للعرب، وكل طعام في موضعه. # وقوله: {في أربعة أيام} أي: (في تمام أربعة أيام) . فإن قال قائل: قد قال ~~هاهنا خلق الأرض في يومين فذكر أنه بدأ بخلق الأرض وقال في موضع آخر: ~~{والأرض بعد ذلك دحاها} فكيف وجه الجمع بين الآيتين؟ والجواب: أن معنى ~~قوله: {والأرض بعد ذلك دحاها} أي: مع ذلك، وهذا ضعيف في اللغة، والأصح أن ~~معنى قوله: (والأرض بعد ذلك دحاها) أي: بسطها، وكان الله تعالى خلق الأرض ~~قبل السموات في يومين، وخلق الأرزاق والأقوات فيها، وأجرى الأنهار، وأظهر ~~الأشجار، وخلق البحار في يومين آخرين، فذلك تمام أربعة أيام، ولم يكن بسط ~~الأرض وجعلها بحيث يسكن فيها، فلما خلق السموات بسط الأرض وجعلها بحيث ~~يسكنها الناس. # وقوله: {سواء للسائلين} أي: عدلا للسائلين، ومعناه: من سألك عن هذا فأجبه ~~بهذا، فإنه الحق والعدل. # قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} أي: قصد إلى خلق السماء وهي ~~دخان، وفي القصة ان الله تعالى خلق أول ما خلق ماء يضطرب، فأزبد الماء ~~زبدا، وارتفع من الزبد دخان، فخلق الأرض من الزبد، وخلق السماء من الدخان. # وقوله: {فقال لها وللأرض ائتيا طوع أو كرها} قال بعضهم: معنى قوله: # PageV05P039 # {ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ms1490 طائعين (11) فقضاهن سبع سموات في يومين ~~وأوحى في} # {ائتيا} أي: كونا كما قدرتكما طوعا أو كرها، وعلى هذا يكون هذا القول قبل ~~الخلق، والقول الثاني هو قول الأكثرين أن هذا القول من الله تعالى بعد أن ~~خلقهما، فعلى هذا معنى قوله: (ائتيا طوعا أو كرها) أي: أعطيا الطاعة فيما ~~خلقهما له جبرا واختيارا. # وقوله: {قالتا أتينا طائعين} منهم من قال: هذا كله على طريق المجاز، وليس ~~على طريق الحقيقة، وكأن الله تعالى لما أجرى أمرهما على مراده وتقديره جعل ~~ذلك بمنزلة قول منه وإجابة منهما بالطواعية، والعرب قد تذكر القول في مثل ~~هذا الموضع، قال الشاعر: # (امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني) # وقال بعضهم: إن القول والإجابة على طريق الحقيقة، وركب في السموات والأرض ~~ما عقلا به خطابه وأجاباه بالطواعية، وهذا هو الأولى. وعن ابن السماك في ~~موعظه: سل الأرض: من غرس أشجارك؟ وأجرى أنهارك؟ وأخرج ثمارك؟ فإن لم تجبك ~~اختيارا أجابتك اعتبارا. فإن قيل: كيف قال: {طائعين} وكان من حق اللغة أن ~~يقول: طائعات قلنا: إنما قال: {طائعين} لأنه لما جعلها بمنزلة من يعقل في ~~الخطاب معها وجوابها ذكر الكلام على نعت العقلاء. # قوله تعالى: {فقضاهن سبع سموات} أي: خلقهن سبع سموات {في يومين} وهو يوم ~~الخميس و [يوم] الجمعة. وفي بعض الآثار: " أن الله تعالى خلق الأرض يوم ~~الأحد والاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق الأقوات والأشجار يوم ~~الأربعاء، وخلق السموات يوم الخميس، وخلق فيها البروج والكواكب والشمس ~~والقمر يوم الجمعة، وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة على عجل "، وقد ~~حكيت اللفظة # PageV05P040 # {كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز ~~العليم (12) } الأخيرة عن ابن عباس. # وقوله: {وأوحى في كل سماء أمرها} أي: قدر في كل سماء أمرها، ويقال: خلق ~~في كل سماء ما أراد أن يخلق فيها، وذلك من سكانها وغير ذلك. # وقوله: {وزينا السماء الدنيا بمصابيح} أي: بالكواكب. # وقوله: {وحفظا} أي: حفظنا السماء بالكواكب من الشيطان. # وقوله: {ذلك تقدير ms1491 العزيز العليم} ظاهر المعنى، ويذكر تفسير هذه الآية من ~~وجه آخر على ما نقل في التفاسير. # فقوله تعالى: {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} هو يوم الأحد ~~والاثنين، والاثنان هو العدد العدل؛ لأنه أكثر من الواحد الذي ليس دونه ~~شيء، ولم يبلغ الثلاث الذي هو جمع. وقيل: هو خلق في يومين، ليكون اعتبارا ~~للملائكة في النظر إلى خلقه أكثر، فيكون أدل على وحدانيته. # وقوله: {وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين} قد بينا. # وقوله: {وجعل فيها رواسي من فوقها} روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال: خلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق السماء والأشجار والبحار والأنهار يوم ~~الأربعاء. # وقوله: {وبارك فيها} أي: أكثر فيها الخير. # وقوله: {وقدر فيها أقواتها} في التفسير: أنه جعل في كل بلد ما ليس في ~~غيره، ليتعايش الناس ويتجروا فيها نقلا من بلد إلى بلد. يقال هو اليماني ~~باليمن، # PageV05P041 # والقوهى بقوهستان، والسابري بسابور، والقراطيس بمصر، والمروى بمرو، ~~والبغدادي ببغداد، والهروى بهراة. وعن مجاهد قال: قوله: {قدر فيها أقواتها} ~~هو المطر. # وقوله: {في أربعة أيام} أي: في تمام أربعة أيام، فإن قيل: قد ذكر يومين ~~في الآية الأولى، وأربعة في هذه الآية، ويومين من بعد، فيكون قد خلق الله ~~السموات والأرض في ثمانية أيام؟ قلنا: لا، بل خلقها في ستة أيام. # وقوله: {في أربعة أيام} أي: في تمام أربعة أيام مع اليومين الأولين، وهذا ~~كالرجل يقول: ذهبت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وذهبت من بغداد إلى ~~الكوفة في خمسة عشر يوما أي: في تمام خمسة عشر يوما مع العدل الأول، هذا ~~كلام العرب، ومن طعن فيه فلم يعرف كلام العرب. # وقوله: {سواء للسائلين} قد بينا أحد المعنيين، والمعنى الآخر: وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام للسائلين أي: المحتاجين إلى القوت. # وقوله: {سواء} ينصرف إلى الأيام أي: مستويات تامات. وقيل: (ذوات) سواء. ~~وقد قرئ بالخفض: " سواء للسائلين ". ويقال: استوى سواء على القراءة الأولى. # قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} في التفسير: أن ms1492 الدخان كان ~~من تنفس الماء، ويقال: إنه خلق سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات، وقد ~~ذكرنا من قبل # وقوله: {فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها} قال بعضهم: هو على طريق ~~المجاز مثل: قول الشاعر: # (وقالت له العينان سمعا وطاعة ... وحذرتا كالدر لما تثقب) # وتقول العرب: قال الحائط فمال # وقوله: {ائتيا طوعا أو كرها} أي: أجيبا طوعا وإلا ألجأتكما إلى الإجابة ~~كرها، # PageV05P042 # وإنما ذكروا هذا المعنى؛ لأن الأمر لا يرد إلا بالفعل طوعا. وذكر بعضهم: ~~أن الله تعالى خلق في السموات تمييزا وعقلا، فخاطبهما وأجابا على الحقيقة، ~~وقد ذكرنا. وأورد بعضهم: أن الخطاب لمن في السموات والأرض. وفي تفسير ~~النقاش: أن الموضع الذي أجاب من الأرض هو الأردن، وفيه أيضا: أن الله تعالى ~~خلق سبعة عشر نوعا من الأرض، هذا الذي تراه أصغر الكل، وأسكن تلك الأرضين ~~قوما ليسوا بإنس ولا جن ولا ملائكة، والله أعلم. # وقوله: {قالتا أتينا طائعين} ولم يقل: طائعتين، قالوا: لأن المراد هو ~~السموات بمن فيها، والأرض بمن فيها. ويقال: لأن السموات سبع والأرضون سبع، ~~وهذا مروي عن الحسن البصري في الأرض فقال: طائعين لأجل هذا العدد. # قوله تعالى: {فقضاهن سبع سموات في يومين} أي: خلقهن. وفي التفسير: أن ~~الله تعالى خلق السموات يوم الخميس، وخلق الشمس والقمر والكواكب والملائكة ~~وآدم يوم الجمعة، وسميت الجمعة جمعة؛ لأنه اجتمع فيها الخلق. وفي بعض ~~التفاسير: أن الله تعالى خلق آدم في آخر ساعة من ساعات الجمعة، وتركه ~~أربعين سنة ينظر إليه ويثني على نفسه، ويقول: {تبارك الله رب العالمين} وفي ~~بعض التفاسير أيضا: أن الله تعالى لما خلق الأرض قال لها: أخرجي أشجارك ~~وأنهارك وثمارك فأخرجت، ولما خلق الله السماء قال لها: أخرجي شمسك وقمرك ~~ونجومك فأخرجت. # وقوله: {وأوحى في كل سماء أمرها} أي: ما يصلحها، ويقال: جعل فيها سكانها ~~من الملائكة. # وقوله: {وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا} قد بينا. # وقوله: {وحفظا} أي: وحفظناها حفظا من الشياطين بالشهب والنجوم. # وقوله: {ذلك تقدير العزيز العليم} أي: تقدير القوى ms1493 على ما يريد خلقه، ~~العليم بخلقه وما يصلحهم. # PageV05P043 # {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم الرسل ~~من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ~~ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير ~~الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ~~وكانوا بآياتنا يجحدون (15) } # PageV05P044 # قوله تعالى: {فإن أعرضوا} أي: أعرضوا عن الإيمان بما أنزلت عليك. # وقوله: {فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} الصاعقة نار تنزل من ~~السماء إلى الأرض، وهي في هذا الموضع كل عقوبة مهلكة. # PageV05P044 # وقوله: {إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم} أي: إلى الآباء {ومن خلفهم} أي: ~~الأبناء الذين كانوا خلف الآباء، ويجوز أن يرجع قوله: {ومن خلفهم} إلى خلف ~~الرسل الأولين. # وقوله: {ألا تعبدوا إلا الله} ظاهر. # وقوله: {قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون} أي: ~~جاحدون. # PageV05P044 # قوله تعالى: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا ~~قوة} وفي القصة: أنه كان من قوتهم أن الرجل منهم كان يضرب رجله على الصخرة ~~الصماء فتغوص فيها رجله إلى ركبته، ومن قوتهم أنهم سدوا الفج الذي كان يخرج ~~منه الريح بصدورهم، حتى قويت الريح وأهلكتهم واحدا بعد واحد. # وقوله: {أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا ~~يجحدون} أي: ينكرون. # PageV05P044 # قوله تعالى: {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا} قال مجاهد: شديدة السموم. وقال ~~قتادة: شديدة البرد من الصر وهو البرد ويمكن الجمع بين القولين؛ لأنه قيل: ~~إنها كانت ريحا باردة تحرق كما يحرق السموم، ويقال: صرصرا أي: ذات صيحة، ~~ومنه سمي نهر الصرصر، وهو نهر يأخذ من الفرات. # PageV05P044 # {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الاخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17) ونجينا ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون ms1494 (18) ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ~~(19) حتى إذا} # وقوله: {في أيام نحسات} وقرئ: " نحسات " بجزم الحاء أي: مشئومات، وكانت ~~هذه الأيام مشائيم عليهم؛ لأنهم عذبوا فيها. # وقوله: {لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} أي: عذابا يخزيهم وينكل ~~بهم. # وقوله: {ولعذاب الآخرة أخزى} أي: أشد إخزاء {وهم لا ينصرون} أي: لا ~~يمنعون من عذابنا. # PageV05P045 # قوله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم} حكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~أنه قال: هديناهم أي: دللناهم على الهدى. وقال مجاهد: بينا لهم طريق الهدى. ~~وقيل: طريق الخير والشر. وفي بعض التفاسير: هديناهم أي: دعوناهم. # وقوله: {فاستحبوا العمى على الهدى} أي: آثروا طريق الضلال على طريق ~~الرشد. # وقوله: {فأخذتهم صاعقة العذاب الهون} فصاعقة العذاب: نار نزلت من السماء ~~إلى الأرض فتصيب من يستحق العذاب. # وقوله: {الهون} أي: ذي الهون، والهون والهوان بمعنى واحد، وهو عذاب ~~يهينهم ويهلكهم. # وقوله: {بما كانوا يكسبون} ظاهر المعنى. # PageV05P045 # وقوله تعالى: {ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} أي: يتقون الشرك. # PageV05P045 # قوله تعالى: {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون} أي: يحتبس ~~أولهم على آخرهم. # PageV05P045 # {ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) ~~وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو ~~خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ~~أبصاركم ولا} # PageV05P046 # قوله تعالى: {حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون} أكثر المفسرين أن الجلود هاهنا هي الفروج، وفي بعض الأخبار: ~~" أن الله تعالى يحشر العباد مقدمين بالفدام، فأول ما ينطق من جوارح ~~الإنسان فخذه وكفه " وقيل: إن قوله: {وجلودهم} هي الجلود المعروفة. وفي ~~الخبر المعروف برواية أنس " أن النبي ضحك مرة، فسئل: مم ضحكت؟ فقال: عجبت ~~من مجادلة العبد ربه يوم القيامة فيقول: أي رب، أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ ~~فيقول: نعم. فيقول العبد: فإني لا أجيز اليوم شاهدا علي إلا مني، فحينئذ ~~يختم الله على فمه وتنطق جوارحه بما فعله، فيقول العبد: ms1495 بعدا لكن وسحقا، ~~فعنكن كنت أناضل ". # PageV05P046 # قوله تعالى: {وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شيء} أي: كل شيء ينطق. # وقوله تعالى: {وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} أي: تردون. # PageV05P046 # قوله تعالى: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا ~~جلودكم} في الأخبار المعروفة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كنت ~~مستترا تحت ستر الكعبة، فجاء قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه ~~قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فقال بعضهم لبعض: أسمع الله ما نقول؟ فقال أحدهم: ~~يسمع إذا جهرنا، ولا يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله تعالى: {وما كنتم ~~تستترون} أي: تستخفون. # وقوله: {أن يشهد} معناه: من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم. # PageV05P046 # {جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) وذلكم ظنكم ~~الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) فإن يصبروا فالنار مثوى ~~لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) } # وقوله: {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون} هو قول من قال: إن ~~الله يسمع إذا جهرنا، ولا يسمع إذا أخفينا. # PageV05P047 # قوله تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} هو ما قلناه. # وقوله: {أرداكم} أي: أهلككم. وقد ثبت أن النبي قال: " ... أنا عند ظن ~~عبدي، وأنا معه حين يذكرني ... ". # وفي بعض الأحاديث: " أن الله تعالى يأمر بعبد من عبيده إلى النار، فيقول: ~~أي رب، ما كان هذا ظني بك. فيقول: وما كان ظنك بي؟ فيقول العبد: كان ظني أن ~~تغفر لي وتدخلني الجنة، فيغفر الله له ". # وفي بعض التفاسير: أن العبد إذ ظن الخير فعل الخير، وإذا ظن الشر فعل ~~الشر. # وقوله: {فأصبحتم من الخاسرين} أي: الهالكين. # PageV05P047 # قوله تعالى: {فإن يصبروا فالنار مثوى لهم} المثوى: المنزل. # وقوله: {وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} الاستعتاب طلب الإعتاب، ~~والإعتاب أن يعود الإنسان إلى ما يحبه بعد أن فعل ما يكرهه. تقول العرب: ~~أستعتب فلانا فأعتبني، بمعنى ما قلنا. # وقوله: {فماهم من المعتبين} أي: لا يرجع بهم إلى ما ms1496 كانوا يحبون. وقيل: ~~إن ما يحبون هو أن يعيدهم إلى الدنيا فيعبدوا الله ويطيعوه. # وأما قوله: {فإن يصبروا} معناه: فإن يصبروا أو لا يصبروا. ومعناه: لا ~~ينفعهم # PageV05P047 # {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول ~~في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) وقال الذين ~~كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون (26) فلنذيقن الذين ~~كفروا عذابا شديدا} صبر ولا جزع. # PageV05P048 # قوله تعالى: {وقيضنا لهم} أي: صيرنا لهم، ويقال: سببنا لهم. # وقوله: {قرناء} أي: الشياطين. # وقوله: {فزينوا لهم} أي: الشياطين زينوا لهم. # {ما بين أيديهم} أي: زينوا لهم أن لا بعث ولا جنة ولا نار. # وقوله: {وما خلفهم} أي: زينوا لهم لذات الدنيا، وزينوا لهم جمع المال ~~وإمساكه وترك إنفاقه في سبيل الخير. # وقوله: {وحق عليهم القول} أي: وجب عليهم القول {في أمم} أي: مع أمم. # وقوله: {قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} أي: هالكين، ~~فكل من هلك فقد خسر نفسه. # PageV05P048 # وقوله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} اللغو ~~كل كلام لا وجه له ولا معنى تحته. وقيل: كل مالا يعبأ به فهو لغو. ويقال: ~~اللغو هاهنا هو الصفير والتصفيق اللذان كان يفعلهما المشركون عند سماع ~~القرآن، وذلك المكاء والتصدية. وقد ذكرنا من قبل. وقرئ في الشاذ: " والغوا ~~فيه " بضم الغين، وهو في معنى الأول. وقيل معناه: استعلوا عند سماع القرآن ~~باللغو، وهو الضجيج والصياح لكيلا تسمعوا. # وقوله: {لعلكم تغلبون} أي: تغلبون محمدا. # PageV05P048 # قوله تعالى: {فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا ~~يعملون} أي: جزاء أعمالهم السيئة. # PageV05P048 # {ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) ذلك جزاء أعداء الله النار لهم ~~فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون (28) وقال الذين كفروا ربنا ~~أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين ~~(29) إن الذين قالوا ربنا} # PageV05P049 # قوله تعالى: {ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد} أي: دار ~~الخلود. ms1497 # قوله تعالى: {جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون} أي: ينكرون. # PageV05P049 # قوله تعالى: {وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس} ~~قال أهل التفسير: الذي من الجن هو إبليس، والذي من الإنس قابيل الذي قتل ~~هابيل، وهما أول من سن المعصية من الجن والإنس، وهذا هو القول المشهور، وهو ~~محكي عن علي رضي الله عنه ذكره الأزهري بإسناده. وفي الآية قول آخر: وهو أن ~~المراد كل داع إلى الضلالة من الجن والإنس. وفي بعض الآثار: أنه ما من أحد ~~من الجن يعمل شرا إلا ويلعن إبليس عند موته، وما من أحد من الإنس يعمل شرا ~~إلا ويلعن ابن آدم عند موته، وهو قابيل. ويقال: يلعنهما كل عامل بالشر؛ ~~لأنهما اللذان سنا الشر والمعاصي. # وقوله: {نجعلهما تحت أقدامنا} أي: نجعلهما تحت أقدامنا في النار، وهو ~~الدرك الأسفل. وقالوا ذلك حقدا عليهم وانتقاما منهم. # وقوله: {ليكونا من الأسفلين} أي: أسفل منا في النار وأشد منا في العذاب. # وأما قوله: {ربنا أرنا} قيل معناه: أعطنا، وقيل معنى قوله: {أرنا} أي: ~~دلنا عليهما، وهو الأولى. وعن السدى قال: ما من كافر يدخل النار إلا وهو ~~يلعن إبليس؛ لأنه أول من سن الكفر، وما من عاص يدخل النار إلا ويلعن قابيل؛ ~~لأنه أول من سن المعصية. # PageV05P049 # قوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} وروى عن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه أنه قال: استقاموا أي لم يشركوا بالله شيئا، وعن عمر ~~رضي الله عنه قال: لم يروغوا روغان الثعالب. ومن المعروف أن الاستقامة [هي] ~~طاعة الله، وأداء فرائضه، واتباع سنة نبيه محمد. # PageV05P049 # {الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا ~~بالجنة التي كنتم} # روى ثابت عن أنس: " أن النبي قرأ قوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا} ثم قال: قد قال قوم ولم يستقيموا عليه، فمن قال ومات عليه فقد ~~استقام ". # وعن سفيان بن عبد الله الثقفي انه قال: " قلت يا رسول الله، قل لي في ~~الإسلام قولا ms1498 أثبت عليه، فقال له: قل ربي الله ثم استقم. فقلت له: يا رسول ~~الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: هذا وأشار إلى لسانه ". # ومن المعروف أيضا أن النبي قال: " استقيموا ولن تحصوا، ولا يحافظ على ~~العصر إلا مؤمن ". # وقوله: {تتنزل عليهم الملائكة} أي: عند الموت، ويقال: عند البعث. في ~~التفسير: أنه إذا بعث العبد تلقاه الملكان اللذان كانا يحفظانه ويكتبان ~~عليه، ويقولان له: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد، ولا يهولك ~~الذي تراه، فإنما أريد به غيرك. وعن أبي العالية الرياحي قال: يبشر المؤمن ~~في [ثلاثة] مواطن: عند دخول القبر، وعند البعث، وعند دخوله الجنة. # وقوله: {ألا تخافوا} أي: لا تخافوا ما بين أيديكم. # وقوله: {ولا تحزنوا} على ما خلفتم من أهل وولد وضيعة. # وقوله: {وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} أي: توعدون في كتب الله وعلى ~~ألسنة رسله. # PageV05P050 # {توعدون (30) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} ولكم فيها ما ~~تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم ومن أحسن قولا ممن دعا ~~إلى الله وعمل صالحا # PageV05P051 # قوله: {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} ومعنى الولاية: هو ~~الحفظ والنصرة والمعونة. # وقوله: {في الحياة الدنيا} أي: عند الموت. # {وفي الآخرة} أي: بعد البعث. # وقوله: {ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم} أي: تلذه أنفسكم. ويقال: ما يخطر على ~~قلوبكم. # وقوله: {ولكم فيها ما تدعون} أي: تتمنون، تقول العرب: ادع على ما شئت أى: ~~تمن على ما شئت. # ويقال (ولكم فيها ما تدعون) أى ما ادعيت أنه لك فهو لك. # PageV05P051 # وقوله: {نزلا من غفور رحيم} أي: عطاء من غفور رحيم. ومنه نزل الضيف. أي: ~~عطاؤه. ويقال: منا. # {من غفور رحيم} والغفور الساتر، والرحيم العطوف. # PageV05P051 # قوله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا} قال ابن عباس: ~~من دعا إلى الله هو الرسول. وحكى عن ابن عباس أنه قال: " دعا إلى الله " ~~عام في كل من يدعو إلى الله. وعن مجاهد أنه قال: الآية في المؤذنين. وحكى ms1499 ~~هذا القول عن عائشة رضي الله عنها وقد ضعف بعضهم هذا القول؛ لأن السورة ~~مكية، والأذان كان بعد الهجرة إلى المدينة. # وقوله: {وعمل صالحا} أي: عمل بينه وبين ربه. ويقال: عمل صالحا بأداء ~~الفرائض، وقيل: عمل صالحا بإخلاص الدعوة والعمل. # PageV05P051 # وقال إنني من المسلمين (33) ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي ~~أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34)) # وقوله: {وقال إنني من المسلمين} أي: أقر بالإسلام وثبت عليه. ويقال: من ~~المستسلمين لحكم الله. ومن المعروف عن عائشة رضي الله عنها أن المراد من ~~قوله: {وعمل صالحا} هو ركعتان بين الأذان والإقامة. وهذا على القول الذي ~~قلنا: إنه ورد في المؤذنين. # PageV05P052 # قوله تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} معناه: ولا تستوي الحسنة ~~والسيئة و " لا " صلة. # وأما الحسنة والسيئة ففيهما أقوال: # أحدها: أنهما التوحيد والشرك، والآخر: أنهما العفو والانتصار، والثالث: ~~أنهما المداراة والغلظة. والرابع: أنهما الصبر والجزع. والخامس: أنهما ~~الحلم عند الغضب والسفه. # وقوله: {ادفع بالتي هي أحسن} أي: ادفع السيئة بالخلة التي هي أحسن، ~~والخلة هي أحسن الحلم عند الغضب، والعفو عند القدرة، والصبر عند البلاء، ~~وما أشبه ذلك. # وفي الآية قول آخر: أن معنى قوله: {ادفع بالتي هي أحسن} أي: بالسلام، ~~قاله مجاهد. ومعناه: أنه يسلم على من يؤذيه، ولا يقابله بالأذى، وعن ابن ~~عباس: أن معنى قوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} هو أنه إذا أذاك إنسان ~~وشتمك ونسبك إلى القبيح تقول له: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا ~~فغفر الله لك. # وقوله: {فإذا الذي بينك وبينه عداوة} هذا في الحلم عند الغضب، والعفو عند ~~القدرة. # وقوله: {كأنه ولي حميم} أي: صديق قريب، فالولي هو الصديق، والحميم هو ~~القريب. # PageV05P052 # {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) وإما ينزغنك ~~من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) ومن آياته الليل ~~والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ~~إن كنتم} # PageV05P053 # قوله تعالى: {وما يلقاها ms1500 إلا الذين صبروا} أي: وما يؤتى هذه الخصلة، وهي ~~دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا أي: صبروا على أوامر الله. # وقوله: {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} أي: ذو نصيب وافر من الدين. ويقال: ~~وما يلقاها أي: وما يؤتى الجنة إلا ذو حظ عظيم أي: نصيب وافر. وقيل: ذو جد ~~عظيم، والجد هو البخت. # PageV05P053 # قوله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} أي: غضب. وفي بعض الأخبار: أن ~~الغضب جمرة في الإنسان يوقد فيها الشيطان. ويقال: نزغ أي: (وسوسة) . # وقوله: {فاستعذ بالله} أي: اعتصم بالله. وقد روينا أن النبي كان يقول: " ~~أعوذ بالله من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه ". # وقوله: {أنه هو السميع لعليم} ظاهر المعنى. # PageV05P053 # قوله تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر} فالآية في الليل ~~والنهار في زيادتها ونقصانها، والآية في الشمس والقمر في دورانهما على حساب ~~معلوم. # وقوله: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر} قال عكرمة: الشمس مثل الدنيا وثلثها، ~~والقمر مثل الدنيا مرة واحدة. وعن بعضهم قال: الشمس طولها ثمانون فرسخا، ~~وعرضها ستون فرسخا، والله أعلم. # وقوله: {واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} أي: توحدون. # PageV05P053 # قوله تعالى: {فإن استكبروا} أي: تكبروا. # PageV05P053 # {إياه تعبدون (37) فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار ~~وهم لا يسأمون (38) ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير (39) إن الذين ~~يلحدون في} # وقوله: {فالذين عند ربك} أي: الملائكة. # {يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} أي: لا يملون. وعن كعب الأحبار ~~أنه قال: التسبيح للملائكة كالنفس والطرف لبني آدم، فكما لا يلحق الآدمي ~~تعب في الطرف والنفس، فكذلك لا يلحقهم التعب بالتسبيح. # PageV05P054 # قوله تعالى: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} أي: هامدة متهشمة ميتة ليس ~~عليها شيء. # وقوله: {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت} أي: تحركت للنبات. # وقوله: {وربت} أي: ارتفع النبات. والقول الثاني: أن هذا على التقديم ~~والتأخير، ومعناه: ربت واهتزت، أي: ربت الأرض بخروج النبات منها، ms1501 واهتزت ~~أي: تحركت. # وقوله: {إن الذى أحياها} أى: أحيا الأرض الميتة {المحى الموتى} أي: في ~~القيامة. # وقوله: {إنه على كل شيء قدير} أي: قادر. # PageV05P054 # قوله تعالى: {إن الذين يلحدون في آياتنا} أي: يميلون إلى الحجد و ~~[التكذيب] في آياتنا. وكل من مال من الحق إلى الباطل، ومن التوحيد إلى ~~الشرك فهو ملحد. # وقوله: {لا يخفون علينا} أي لا يخفى كفرهم علينا. # قوله: {أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة} فيه أقوال: ~~أحدها: أن الذي يلقى في النار هو أبو جهل، والذي يأتي آمنا هو عمار، قال ~~عكرمة وغيره. # PageV05P054 # {آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) إن الذين كفروا بالذكر ~~لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأنيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد (42) ما يقال} # والقول الثاني: أن من يلقى في النار هو أبو جهل، ومن يأتى آمنا هو حمزة ~~بن عبد المطلب. # والقول الثالث: أن من يلقى في النار هو كل كافر، والذي يأتي آمنا هو ~~الرسول. ويقال: كل مؤمن قد أمن من الخلود في النار. ويقال: من يلقى في ~~النار هم الذين يبغضون آل النبي، ومن يأتي آمنا هم الذين يحبونهم، وقيل: ~~هذا في الصحابة. والله أعلم. # وقوله: {اعملوا ما شئتم} هذا على طريق التهديد والوعيد. ومعناه: اعملوا ~~ما شئتم فستقدمون عليه. # وقوله: {إنه بما تعملون بصير} ظاهر المعنى. # PageV05P055 # قوله تعالى: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} أي: بالقرآن، وفيه حذف، ~~والمحذوف، سيجازون على ذلك. # وقوله: {وأنه لكتاب عزيز} أي: كريم على الله. ويقال: كتاب أعزه الله. # PageV05P055 # وقوله: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} فيه قولان: أحدهما: لا ~~يأتيه التكذيب من الكتب المتقدمة، ولا يأتيه من بعده كتاب ينسخه ويرفعه، ~~والقول الثاني: أن الباطل هو إبليس عليه اللعنة، ومعناه: أنه لا يأتيه ~~بزيادة ولا نقصان أي: لا سلطان له عليه بواحدة منهما. ms1502 # وقوله: {تنزيل من حكيم حميد} أي: حكيم في فعله، محمود في قوله. # PageV05P055 # قوله تعالى: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} هذا على طريق ~~التعزية والتسلية للنبي، فإن الكفار كانوا يقولون: إنه كافر وساحر وشاعر ~~ومجنون، فقال # PageV05P055 # {لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43) ~~ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي} تعالى معزيا ~~ومسليا له: {ما يقال لك إلا ماقد قيل للرسل من قبلك} أي: لست بأول من قيل ~~له هذا، فقد نسب الأنبياء من قبلك إلى هذه الأشياء. وقد تم الكلام على هذا ~~ثم قال: {وإن ربك لذو مغفرة} أي: لذنوب العباد، لمن أراد أن يغفر له. # وقوله: {وذو عقاب أليم} أي: لمن أراد أن لا يغفر له. # وفي قوله: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} قول آخر: وهو أن ~~معناه: لا يأتيه الباطل قبل تمام نزوله فهو من بين يديه. # وقوله: {من بين يديه} أي: قبل النزول، فإن الرسل بشرت بالقرآن، فلا يأتيه ~~ما يدحضه ويبطله {ولا من خلفه} أي: بعد النزول، ومعناه: أنه لا يأتيه كتاب ~~ينسخه. # PageV05P056 # قوله تعالى: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا} أي: بلسان العجم. ويقال: أعجميا ~~أي: غير مبين، قاله المفضل، والأول هو المشهور. # وقوله: {لقالوا لولا فصلت آياته} أي: بينت آياته {أأعجمي وعربي} معناه: ~~أقرآن أعجمي، ورسول عربي؟ . # وقرأ ابن عباس والحسن: " لولا فصلت آياته عجمي وعربي " لا على وجه ~~الاستفهام أي: هلا جعل بعض آياته عجميا، وبعض آياته عربيا، والمختار هي ~~القراءة الأولى على المعنى الأول. والأعجمي كل من في لسانه عجمة، وإن كان ~~عربيا، ومنه زيادة الأعجمي الشاعر. والعجمي هو الواحد من العجم، والأعرابي ~~كل من يسكن البدو، والعربي الواحد من العرب، قال الشاعر: # (ولم أر مثلي هاجه صوت مثلها ... ولا عربيا هاجه صوت أعجما.) # ويقال: إن الآية نزلت في يسار بن فكيهة غلام ابن الحضرمي، وكان يدخل على ~~رسول الله، وكان يهوديا قد قرأ ms1503 الكتب، فقالوا: علم محمدا يسار أبو فكيهة، # PageV05P056 # {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم ~~عمى أولئك ينادون من مكان بعيد (44) ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ~~ولولا كلمة} # فقال أبو فكيهة: لا، بل أنا أتعلم منه، وهو يعلمني. # وقوله: {قل هو للذين آمنوا} أي: القرآن {هدى وشفاء} أي: هدى للأبصار، ~~وشفاء للقلوب. # وقوله: {والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر} أي: ثقل وصمم، كأنه جعلهم ~~بمنزلة الصم حين لم يسمعوا سماع قابل. # وقوله: {وهو عليهم عمى} قال الفراء: عموا وصموا على القرآن حيث لم ~~ينتفعوا به. وقيل: عميت أبصارهم عن القرآن، فالقرآن عليهم بمنزلة العمى. # وقوله: {أولئك ينادون من مكان بعيد} أي: بعيد من قلوبهم، حكى هذا عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه، ويقال: ينادون من مكان بعيد أي: السماء، قال ~~الفراء: تقول العرب لمن لا يفهم القول: إنه يأخذه من مكان بعيد، وإذا كان ~~يفهم يقولون: إنه يأخذه من مكان قريب. # وذكر بعض النحويين أن قوله: {أولئك ينادون من مكان بعيد} جواب لقوله ~~تعالى: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} والذي ذكرنا أن الجواب محذوف هو ~~الأولى، وقد بينا. أورده النحاس. # PageV05P057 # قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} الكتاب هو التوراة، ~~والاختلاف فيه أنه آمن به بعضهم وكفر بعضهم. # وقوله: {ولولا كلمة سبقت من ربك} أي: تأخير القيامة إلى أجل معلوم عنده. ~~وعن عطاء قال: الكلمة التي سبقت من ربه هي أن آدم صلوات الله عليه لما عطس ~~ألهمه الله تعالى حتى قال: الحمد لله، فقال الله تعالى: يرحمك ربك. فهي ~~الكلمة التي سبقت من الله. # PageV05P057 # {سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (45) من عمل صالحا فلنفسه ~~ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46) إليه يرد علم الساعة وما تخرج ~~من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين ~~شركائي} # وقوله: {لقضي بينهم} أي: لعجل لهم العذاب. # وقوله: {وإنهم لفي شك ms1504 منه مريب} أي: مرتاب. # PageV05P058 # وقوله: {من عمل صالحا فلنفسه} أي: نفع ذلك عائد إلى نفسه. # وقوله: {ومن أساء فعليها} أي: وبال ذلك راجع إليه. # وقوله: {وما ربك بظلام للعبيد} لأن ما يفعله يكون عدلا، ولا يكون ظلما. ~~ويقال: معنى قوله: {وما ربك بظلام للعبيد} أي: لا يعاقب أحدا من غير جرم. # PageV05P058 # قوله تعالى: {إليه يرد علم الساعة} معناه: إلى الله برد علم الساعة، وهذا ~~على العموم، فإن كل من سئل عن الساعة يقول: الله أعلم. # وقوله: {وما تخرج من ثمرة من أكمامها} أي: من أوعيتها وغلفها، والكم: ~~غلافها، ويقال: هو جف الطلع. # وقوله: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعمله} أي: يعلم مدة الحمل، ويعلم ~~وقت وضعه. # وقوله: {ويوم يناديهم} يعني: ينادي الكفار {أين شركائ} على زعمكم؟ # وفي التفسير: أن الله تعالى يقول: أين الملوك؟ أين الجبابرة؟ أين الآلهة؟ ~~أنا الرب، لا رب غيري، أنا الله، لا إله غيري، أنا الملك، لا ملك غيري. # وقوله: {قالوا آنذاك} أي: أعلمناك، ومنه أخذ الأذن والأذان والمؤذن. وهذا ~~من قول الآلهة. # قال الفراء وغيره: ومعناه: أن الآلهة تقول: آذناك أي: أعلمناك يا رب ~~تكذيبهم وكفرهم {ما منا من شهيد} أي: ليس منا أحد يشهد أن قولهم حق، وزعمهم ~~صحيح. # PageV05P058 # {قالوا آذناك ما منا من شهيد (47) وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ~~ما لهم من محيص (48) لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس ~~قنوط (49) ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن ~~الساعة قائمة ولئن} # PageV05P059 # وقوله: {وضل عنهم} أي: بطل عنهم وفات عنهم {ما كانوا يدعون من قبل} . # وقوله: {وظنوا ما لهم من محيص} أي: أيقنوا مالهم من ملجأ ومهرب. # PageV05P059 # قوله تعالى: {لا يسأم الإنسان من دعاء لخير} أي: من دعاء المال. ويقال: ~~هو الغنى بعد الفقر، والعافية بعد السقم. وقيل إن الآية نزلت في الوليد بن ~~المغيرة كان لا يزال يدعو بكثرة المال، وفيه نزل قوله تعالى: {وجعلت له ~~مالا ممدودا وبنين ms1505 شهودا} . # وقوله: {وإن مسه الشر} أي: البلاء الفقر والشدة. # وقوله: {فيئوس قنوط} أي: يئوس من الخير، قنوط من الرحمة. وقيل: قنوط: أي: ~~سيء الظن بربه، كأنه يقول: لا يكشف الله تعالى ما بي من البلاء والشدة. # PageV05P059 # قوله تعالى: {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته} أي: رخاء بعد شدة، ~~وغنى بعد فقر. # وقوله: {ليقولن هذا لي} أي: باجتهادي واستحقاقي. # وقوله: {وما أظن الساعة قائمة} أي: آتية. # وقوله: {ولئن رجعت إلى ربي} أي: رددت. # وقوله: {إن لي عنده للحسنى} أي: للخير الكثير. # قال بعض أهل العلم: الكافر بين منيتين باطلتين في الدنيا والآخرة، أما في ~~الدنيا يقول: لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى، وأما في الآخرة يقول حين ~~رأى ما # PageV05P059 # {رجعت إلى ربي أن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ~~وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض (51) قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم ~~به من أضل ممن هو في} قدمت يداه: يا ليتني كنت ترابا. وفي تفسير النقاش: أن ~~الآية نزلت في شأن عقبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة وأبي ~~بن خلف وأمية بن خلف وغيرهم، وقد كانوا يمنون أنفسهم الأباطيل. # وقوله: {فلننبئن الذين كفروا بما عملوا} هذا على طريق التهديد والوعيد. # وقوله: {ولنذيقهم من عذاب غليظ} أي: شديد. # PageV05P060 # قوله تعالى: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونآى بجانبه} وقرئ: " وناء ~~بجانبه ": ومعنى نائ بجانبه تباعد بجانبه. # وقوله: {وإذا مسه الشر} أي: الشدة والبلاء. # وقوله: {فذو دعاء عريض} أي: كثير. قال النقاش: والآية في الذين سبق ~~ذكرهم. وعن بعض أهل العلم أنه قال: رب عبد يعرف الله في الرخاء، ولا يعرفه ~~في الشدة، ورب عبد يعرف الله في الشدة ولا يعرفه في الرخاء. والمؤمن من ~~يعرفه في الرخاء والشدة جميعا. وفي الخبر المعروف أن النبي قال لابن عباس: ~~" احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك ms1506 ~~في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ... . ". الخبر ~~إلى آخره. # PageV05P060 # قوله تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله} معناه: قل ياأيها الكفار ~~أرأيتم إن كان من عند الله؟ أي: القرآن. # وقوله: {ثم كفرتم به} أي: بالقرآن. # وقوله: {من أضل ممن هو في شقاق بعيد} أي: في عناد للحق كبير، والمعنى: ~~أنكم أيها الكافرون في الشقاق والضلال. # PageV05P060 # قوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} الآيات في الآفاق آيات # PageV05P060 # {شقاق بعيد (52) سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53) ألا أنهم في مرية من لقاء ~~ربهم ألا إنه بكل شيء محيط (54) } السموات والأرضين، وذلك من رفع السماء، ~~وخلق الكواكب، ودوران الفلك، وإضاءة الشمس والقمر، وما أشبه ذلك، وكذلك بسط ~~الأرض، ونصب الجبال، وتفجير الأنهار، وغرس الأشجار، إلى ما لا يحصى. # وقوله: {وفي أنفسهم} أي: من السمع والبصر، وخلق سائر الجوارح وجميع ~~الحواس. وفي بعض التفاسير: أن من الآيات في النفس دخول الطعام والشراب من ~~مكان واحد، وخروجه من مكانين. وقيل: دخول الأطعمة على ألوان كثيرة، وخروجها ~~على لون واحد. وقال السدى: الآيات في الآفاق هي فتح الأمصار، وفي الأنفس ~~فتح الرسول مكة. ويقال: الآيات في الآفاق هي الفتوح التي كانت بعد الرسول، ~~وفي أنفسهم هي التي كانت في زمان الرسول. وقيل: الآيات في الآفاق ما أخبر ~~من الأمم المتقدمة وما نزل بهم، والآيات في الأنفس هي ما أنذرهم من الوعيد ~~والعذاب. وقال مجاهد: الآيات في الآفاق هو إمساك المطر من السماء. والآيات ~~في الأنفس هي البلايا في الأجساد. # وقوله: {حتى يتبين لهم أنه الحق} يعني: أن الرسول حق. وقيل: القرآن حق. # وقوله: {أولم يكف بربك} يعني: أولم يكفك يا محمد من ربك [أنه] على كل شيء ~~شهيد وقيل معناه: أو ليس في شهادة ربك كفاية. وقيل: أو ليس في الدلالة التي ~~أقامها على التوحيد كفاية. # وقوله: {إنه على كل شيء شهيد} أي: لأنه على كل ms1507 شيء شهيد، أو بأنه على كل ~~شيء شهيد. # PageV05P061 # قوله تعالى: {ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم} أي: في شك من البعث ~~والنشور. # وقوله: {ألا إنه بكل شيء محيط} أي: محيط علمه بجميع ذلك. تمت السورة. # PageV05P061 # بسم الله الرحمن الرحيم # {حم (1) عسق (2) كذلك يوحي إليك} # تفسير سورة حم عسق # وهي مكية # (قال مقاتل) : إلا قوله تعالى: {ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا} ~~الآية، وكذلك قوله تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} . # بسم الله الرحمن الرحيم # PageV05P062 # قوله تعالى: {حم عسق} حكى عكرمة عن ابن عباس: أن الر، وحم، ونون نظم قوله ~~الرحمن، وعن الحسن وقتادة: أنه اسم من أسماء القرآن. وعن محمد بن كعب ~~القرظي: الحاء من الحليم والميم من الملك، والعين من العالم، والسين من ~~القدوس، والقاف من القادر، وعن بعضهم: أن هذا قسم فكأنه أقسم بحلمه وملكه ~~وعلمه وسنائه وقدرته، وحكى الضحاك عن ابن عباس: أن " حم عسق " اسم الله ~~الأعظم، وقرأ ابن مسعود وابن عباس: " حم سق " بغير العين، وعن حذيفة رضي ~~الله عنه قال: معناه مضى عذاب سيكون واقعا. وقيل: إن الحاء إشارة إلى حرب ~~سيكون، والميم انتقال ملك من قوم إلى قوم، والعين عدو يغلب العرب، ثم ~~الدولة تكون للعرب، والسين هو [سنو] المجاعة، والقاف قدرة الله النافذة في ~~ملوك الأرض. وفي تفسير النقاش: أن حروف الهجاء التي في أول هذه السورة ~~إشارة إلى فتن تكون في هذه الأمة، قال: وبها كان علي رضي الله عنه يعلمها ~~ويقضي بها. وقوله: {كذلك} في التفسير: أن " حم عسق " أوحى إلى كل نبي من ~~الأنبياء. # PageV05P062 # وقوله: {كذلك يوحى إليك} أي: كما أوحى الله نعالى إلى الأنبياء هذه # PageV05P062 # {وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم (3) له ما في السموات وما في ~~الأرض وهو العلي العظيم (4) تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون ~~بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) ~~الكلمات، كذلك يوحيها إليك. ويقال: المراد منه الوحي على الجملة. # وقوله: {وإلى الذين من ms1508 قبلك الله العزيز الحكيم} يعني: أن الله تعالى ~~يوحي إليك وإلى الذين من قبلك وهو العزيز الحكيم أي: من صفته العزة ~~والحكمة، ومعناه: عزيز في نصرته، حكيم في فعله، وقرئ: " كذلك نوحي إليك " ~~بالنون، ومعناه معلوم. # PageV05P063 # قوله تعالى: {له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم} ظاهر ~~المعنى. # PageV05P063 # قوله تعالى: {تكاد السموات يتفطرن} وقرئ: " ينفطرن " ومعناه: يتشققن. # وقوله: {من فوقهن} أي: من فوق الأرضين، وانفطارها لعظيم ما جاء به ~~الكفار. وقيل: خوفا من الله تعالى. ويقال: هيبة وإجلالا. وقيل: لعظمة الله ~~تعالى. # وقوله: {والملائكة يسبحون بحمد ربهم} أي: يصلون بحمد ربهم، ويقال: ينزهون ~~ربهم. # وقوله: {ويستغفرون لمن في الأرض} معناه: للمؤمنين الذين في الأرض، وهذا ~~محكى عن ابن عباس، واللفظ عام أريد به الخاص، وقيل: إن الذين يستغفرون ~~للمؤمنين حملة العرش خاصة على ما ذكر تعالى في سورة المؤمن. وقيل: هم جميع ~~الملائكة. وفي التفسير: أن استغفارهم لمن في الأرض من الوقت الذي افتتن ~~هاروت وماروت بالمرأة التي تسمى زهرة، وفعلا ما فعلا، واختارا عذاب الدنيا، ~~وقد كانت الملائكة من قبل يدعون على العصاة، فمن ذلك الوقت كانوا يستغفرون ~~للعصاة من المؤمنين. # وقوله: {ألا إن الله هو الغفور الرحيم} أي: الستور لذنوب عباده. # PageV05P063 # {والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (6) ~~وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع ~~لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) } # وقوله: {الرحيم} أي: الرحيم بهم. # PageV05P064 # قوله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء} أي: من دون الله أولياء. # وقوله: {الله حفيظ عليهم} أي: شاهد لأعمالهم، حافظ لها؛ ليجازيهم بها. # وقوله: {وما أنت عليهم بوكيل} أي: بمسلط، وهذا قبل نزول آية السيف. # PageV05P064 # قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك} قد بينا من قبل. # وقوله: {لتنذر أم القرى: أى أهل أم القرى. وهى مكة، وسميت أم القرى، لأن ~~الأرض دحيت من تحتها. # وقوله: {ومن حولها} أي: وتنذر أهل من حولها. # وقوله: {وتنذر يوم الجمع} أي: يوم ms1509 القيامة، وهو اليوم الذي يجتمع فيه أهل ~~السموات وأهل الأرض، وقيل: يجتمع فيه الأولون والآخرون. ومعناه: لتنذر بيوم ~~الجمع. # وقوله: {لا ريب فيه} أي: لا شك في مجيئه. # وقوله: {فريق في الجنة وفريق في السعير} روى عبد الله بن عمرو بن العاص: ~~أن النبي خرج يوما وفي يده كتابان، ثم قال لأصحابه: " هل تدرون ما فيهما؟ ~~قالوا: الله ورسوله أعلم. قال للكتاب الذي في يمينه: هذا كتاب فيه أسماء ~~أهل الجنة وأسماء آبائهم، قد أجمل على آخرهم لا يزداد فيهم ولا ينقص، وقال ~~للكتاب الذي في شماله: هذا كتاب فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم، قد ~~أجمل على آخرهم، لا يزاد فيها ولا ينقص، قالوا: ففيم نعمل إذا؟ قال: ~~اعملوا، فمن كان من أهل الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، ومن كان من أهل ~~النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل # PageV05P064 # {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما ~~لهم من ولي ولا نصير (8) أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي ~~الموتى وهو على كل شيء قدير (9) وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ~~ذلكم الله ربي} أي عمل، ثم قال: فرغ ربكم من خلقه، فريق في الجنة، وفريق في ~~السعير ". # وفي التفسير: أنهم يتفرقون في الجنة والسعير فلا يجتمعون أبدا. # PageV05P065 # قوله تعالى: {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة} أي: أهل دين واحد. # وقوله: {ولكن يدخل من يشاء في رحمته} أي: يدخل من يشاء في الإسلام. # وقوله: {والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير} أي: ولي يشفع لهم، وولي ~~ينصرهم من العذاب. # PageV05P065 # قوله تعالى: {أم اتخذوا من دونه أولياء} أي: بل اتخذوا من دون الله ~~أولياء. # وقوله: {فالله هو المولى} أي: هو المتولي للأشياء. # وقوله: {وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير} ظاهر المعنى. # PageV05P065 # قوله تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} استدل من منع ~~القياس في الحوادث بهذه الآية، قال: الحكم إلى الله لا إلى ms1510 رأى الرجال، ~~وكذلك كان الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله، وأنكروا الحكمين، وهذا ~~الاستدلال فاسد؛ لأن عندنا من قال بالقياس والاجتهاد فهو رجوع إلى الله في ~~حكمه، فإن أصول المقايسات هي: الكتاب، والسنة. # PageV05P065 # {عليه توكلت وإليه أنيب (10) فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم ~~أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ~~(11) له مقاليد} # وقوله: {ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب} أي: به وثقت، وإليه أرجع ~~في أموري. # PageV05P066 # قوله تعالى: {فاطر السموات والأرض} أي: خالق السموات والأرض. # قوله: {جعل لكم من أنفسكم أزواجا} أي: النساء، وقيل: " من أنفسكم أزواجا ~~" أي: أصنافا، ذكورا، وإناثا. # وقوله: {ومن الأنعام أزواجا} أى: أصنافا ذكورا وإناثا. # وقوله: {يذرؤكم فيه} قال الفراء: أي: يكثركم به، وقال مجاهد: نسلا من بعد ~~نسل من الناس والبهائم إلى قيام الساعة. وفي الآية قول آخر: وهو أن معنى ~~قوله: {يذرؤكم فيه} أي: يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكره. # وقوله: {ليس كمثله شيء} قال ثعلب: ليس كهو شيء، وزعم كثير من النحويين أن ~~الكاف هاهنا زائدة، ومعناه: ليس مثله شيء، وزعم بعضهم: أن لغة تهامة أنهم ~~يقولون: أنا كمثلك أو أنت كمثلي أي: أنت مثلي وأنا مثلك. وقال أهل المعاني: ~~ولا يستقيم قول من يقول: ليس كمثله شيء أى: ليس كمثله مثل؛ لأن في هذا ~~(إثبات) المثل، والله تعالى لا يوصف بالمثل، جل وتعالى عن ذلك. # وقوله تعالى: {وهو السميع البصير} ظاهر المعنى، وأنشدوا على القول الأول: # (سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم ... ما إن كمثلهم في الناس من أحد) # PageV05P066 # قوله تعالى: {له مقاليد السموات والأرض} في المقاليد قولان: أحدهما: أنها ~~فارسية، وهي الأكاليد واحدها إكليد. والقول الثاني: وهو الأصح أنها عربية، ~~قال الشاعر في المقاليد: # PageV05P066 # {السموات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم (12) شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى} # (فتى لو تنادى الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقي المقالد) # واختلف ms1511 القول في معنى المقاليد، قال بعضهم: مقاليد السموات هي الأمطار، ~~ومقاليد الأرض هي أنواع النبات. وقيل: مقاليد السموات والأرض هي العيون ~~فيها. وقيل: ما يحدثه بمشيئته. وفي بعض الأخبار عن ابن عمر أن النبي قال في ~~مقاليد السموات والأرض: " لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله ~~وبحمده، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر، ~~والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، فمن قالها ~~عصم من إبليس وجنوده ". # وقوله: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي: يوسع الرزق على من يشاء، ويضيق ~~على من يشاء. # وقوله: {إنه بكل شيء عليم} أي: عالم. # PageV05P067 # قوله تعالى: {شرع لكم من الدين} أي: بين لكم من الدين، والشرع هو البيان، ~~ويقال: أظهر لكم وأمركم. # وقوله: {ما وصى به نوحا} أي: أمر به نوحا، ويقال: إن نوحا عليه السلام ~~أول من جاء بتحريم الأمهات والأخوات والبنات. # وقوله: {والذي أوحينا إليك} أي: وشرع الذي أوحينا إليك. # وقوله: {وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} أي: وما أمرنا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى. # وقوله: {أن أقيموا الدين} أي: اثبتوا على التوحيد، وقيل: أقيموا الدين ~~أي: استقيموا على الدين. ويقال: أقيموا الدين هو فعل الطاعات وامتثال ~~الأوامر. # PageV05P067 # {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله ~~يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) وما تفرقوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم ~~وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14) فلذلك فادع} # وقوله: {ولا تتفرقوا فيه} أي: كما تفرقت اليهود والنصارى أي: آمنوا ~~بالبعض وكفروا بالبعض. # وقوله: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} أي: عظم عند المشركين ما ~~تدعوهم إليه من التوحيد، وهو معنى قوله تعالى: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن ~~هذا لشيء عجاب} . # وقوله: {الله يجتبي إليه من يشاء} أي: يستخلص لدينه من يشاء. # وقوله: {ويهدي إليه من ينيب} أي: يرشد إلى الرجوع إليه ms1512 من اختار الرشد ~~والإنابة. # PageV05P068 # قوله تعالى: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} يعني: ~~اليهود والنصارى، وقوله: {بغيا بينهم} أي: حسدا بينهم. # وقوله: {ولولا كلمة سبقت من ربك} قال أهل التفسير: الكلمة التي سبقت من ~~الله قوله تعالى: {بل الساعة موعدهم} . # وقوله: {إلى أجل مسمى لقضى بينهم} أي: لفصل بينهم الأمر في الحال {وإن ~~الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} أي: من الذين تقدموا، وقوله: {أورثوا} أي: ~~أعطوا. # وقوله: {لفي شك منه مريب} ظاهر المعنى. # PageV05P068 # قوله تعالى: {فلذلك فادع} أي: فإلى هذا فادع، وهو التوحيد، وذكر النحاس: ~~أن في الآية تقديما وتأخيرا، ومعناه: كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~فلذلك فادع [أي] : إلى ذلك فادع، وقد تذكر اللام بمعنى إلى، قال الشاعر: # PageV05P068 # {واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت ~~لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ~~الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) والذين يحاجون في الله} # أوحى لها القرار فاستقرت # أي أوحى إليها. # وقوله: {واستقم كما أمرت} قد بينا. # وقوله: {ولا تتبع أهواءهم} أي: أهواء الكفار. # وقوله: {وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب} أي: التوراة والإنجيل والقرآن ~~وسائر الكتب. # وقوله: {وأمرت لأعدل بينكم} أي: لأقضي بينكم بالعدل. # وقوله: {الله ربنا وربكم} أي: خالقنا وخالقكم. # وقوله: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي: لنا جزاء أعمالنا، ولكم جزاء ~~أعمالكم. # وقوله: {لا حجة بيننا وبينكم} أي: لا محاجة بيننا وبينكم، وقد كان من ~~حجتهم أنهم قالوا: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ومعنى قوله: {لا ~~حجة بيننا وبينكم} أي: لا (حجة) لكم؛ لأن الله تعالى قد أدحض حجتكم، وإذا ~~أدحض حجتهم لا تبقى بينهم وبين المؤمنين محاجة. # وقوله: {الله يجمع بيننا} يعني: يوم القيامة. # وقوله: {وإليه المصير} أي: وإليه المرجع. # PageV05P069 # قوله تعالى: {والذين يحاجون في الله} أي: يخاصمون في الله، وقد بيننا ~~حجتهم التي تعلقوا بها، والمخاصمة في الله أنهم كانوا يقولون: نحن أولى ~~بالله منكم، وهو معنى قوله ms1513 تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} . # PageV05P069 # {من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ~~(16) الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) # وقوله: {من بعد ما استجيب له} أي: من بعد ما استجاب المؤمنون للرسول. # وقوله: {حجتهم داحضة} أي: باطلة. # وقوله: {عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} قد بينا من قبل. فإن قيل: ~~قد قال: من بعد ما استجيب له، فأي معنى لاستجابة الناس له في هذا المحل، ~~وحجتهم داحضة سواء استجاب له الناس أو لم يستجيبوا له؟ والجواب: أن الكفار ~~ظنوا أن أمر محمد سيزول عن قريب، ويعود الأمر إلى ما هم عليه، وأن الناس لا ~~يستجيبون له ولا يدخلون في دينه، فذكر من بعد ما استجيب له أي: قد استجابه ~~الناس، وبطل ظنكم أن أمره يزول عن قريب، وهذا أحسن فائدة. وفيه قول آخر: أن ~~قوله: {من بعد ما استجيب له} أي: من بعد ما استجاب الله بما طلب من إظهار ~~المعجزات علبه. وعن بعضهم: أن المحاجة بالباطل هي نصرة الاعتقاد الفاسد، ثم ~~نصرة الاعتقاد الفاسد تكون على وجهين: بإيراد شبهة، وبمدافعة حجة من غير ~~حجة. # PageV05P070 # قوله تعالى: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق} أي: أنزل القرآن بالأمر ~~والنهي والثواب والعقاب. # وقوله: {والميزان} أي: العدل، وسمي العدل ميزانا؛ لأن الميزان يكون ~~(مناصف) الناس فيما بينهم، وقيل: هو الميزان نفسه، ومعنى الإنزال: أن الله ~~تعالى أنزل الحديد من السماء، ومن الحديد لسان الميزان وصنجاته. # وقوله: {وما يدريك لعل الساعة قريب} فإن قيل: يتم لم يقل قريبة، والساعة ~~مؤنثة؟ والجواب: أن تأنيث الساعة ليس بحقيقي؛ لأنها بمعنى الزمان والوقت، ~~ويجوز أن تكون الساعة بمعنى البعث والنشور، فتكون الكتابة راجعة إلى ~~المعنى. # PageV05P070 # {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقين منها ويعلمون أنها ~~الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) الله لطيف بعباده ~~يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) من كان يريد حرث الآخرة} # PageV05P071 # وقوله: {يستعجل بها الذين ms1514 لا يؤمنون بها} في التفسير: أن الكفار كانوا ~~يأتون النبي ويسألونه عن الساعة متى تكون؟ ويقولون: هلا سألت ربك أن يقيمها ~~الآن؟ وكان بعضهم يقول: اللهم من كان منا على الباطل فأقم عليه القيامة ~~الساعة؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} وكان استعجالهم بها على طريق ~~الاستبعاد لقيامها تكذيبا بها. # قوله: {والذين آمنوا مشفقون منها} أي: خائفون وجلون منها، وخوفهم من ~~المحاسبة الموعودة والجزاء الواقع على الأعمال. # وقوله: {ويعلمون أنها الحق} أي: أنها قائمة لا محالة. # وقوله: {ألا إن الذين يمارون في الساعة} أي: يشكون فيها، وقيل: يختلفون ~~فيها اختلاف الشاكين. # وقوله: {لفي ضلال بعيد} أي: في خطأ طويل. # PageV05P071 # قوله تعالى: {الله لطيف بعباده} أي: بار حفي رحيم بهم، ويقال: معنى ~~اللطيف هاهنا الرزاق أي: لا يهلكهم جوعا بل يرزقهم. وقد قال بعض أهل العلم: ~~إن المعني بعباده في كل موضع ذكره هو المؤمنون خاصة، والهاء للإضافة، وباء ~~التخصيص توجب هذا وتقتضيه. # وقوله: {ويرزق من يشاء وهو القوي العزيز} أي: القوي في نصرة المؤمنين، ~~وقيل: في القدرة على إيصال الرزق إليهم، وقوله: {العزيز} أي: الغالب الذي ~~لا يغالب. # PageV05P071 # قوله تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة} أي: العمل للآخرة، ومنه قول # PageV05P071 # {نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من ~~نصيب (20) أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة ~~الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) ترى الظالمين مشفقين مما ~~كسبوا وهو واقع} عبد الله بن عمرو وقيل: ابن مسعود: احرث لدنياك كأنك تعيش ~~[أبدا] ، واحرث لآخرتك كأنك تموت غدا. # وقوله: {نزد له في حرثه} أي: نضاعف له في الحسنات، وعن قتادة قال: إن ~~الله تعالى يعطي الدنيا بعمل الآخرة، ولا يعطي الآخرة بعمل الدنيا. فهذا ~~قول ثان في معنى الآية، والقول الثالث: أن معنى الآية: {نزد له في حرثه} ~~أي: نعنه [ونوفقه] على زيادة الطاعات والاستكثار منها. # وقوله: {ومن كان ms1515 يريد حرث الدنيا} أي: عمل الدنيا {نؤته منها} أي: على ما ~~نشاء ونريد، على ما قال في آية أخرى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ~~ما نشاء لمن نريد} وقيل: نؤته منها بقدر ما قسم له. # وقوله: {وما له في الآخرة من نصيب} هذا فيمن لم يعمل إلا للدنيا، فأما من ~~عمل للدنيا والآخرة فيجوز أن يؤتيه الله الدنيا والآخرة. # PageV05P072 # قوله تعالى: {أم لهم شركاء} أي: بل لهم شركاء. # وقوله: {شرعوا لهم من الدين} أي: وضعوا. # وقوله: {ما لم يأذن به الله} أي: لم يأمر به الله. # وقوله: {ولولا كلمة الفصل} أي: ما أخر لهم من العذاب (لقضي بينهم) أي: ~~لفصل الأمر بينهم في الحال. # وقوله: {وإن الظالمين لهم عذاب أليم} أي: شديد. # PageV05P072 # قوله تعالى: {ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا} أي: خائفين وجلين. # PageV05P072 # {بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ~~ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} # وقوله: {وهو واقع بهم} ومعناه: أن العذاب الذي يخافونه نازل بهم، وهذا ~~يوم القيامة. # وقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات} أي: البساتين. # وقوله: {لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير} أي: العظيم. # PageV05P073 # قوله تعالى: {ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: ~~هذا الذي يبشر الله عباده. # وقوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} فيه أربعة أقاويل: ~~أظهرها وأشهرها أن معناه: لا أسألكم إلا أن تودوني لقرابتي منكم. وقيل: ~~تصلوا القرابة التي بيني وبينكم بالاستجابة لي إلى ما أدعو إليه، وتكفوا ~~عني أذاكم، وهذا قول ابن عباس أورده البخاري عنه في الصحيح على لفظ معلوم ~~مقبول، وهو قول طاوس ومجاهد وقتادة، وعامة المفسرين. قال قتادة: كانت قريش ~~تصل الأرحام، فطلب منهم النبي أن يصلوا القرابة التي بينه وبينهم، وألا ~~يقطعوها. # وعن ابن عباس قال: ما من بطن من بطون قريش إلا ولرسول ms1516 الله فيهم قرابة، ~~فسألهم أن يصلوها. # والقول الثاني: ما حكى عن الحسن البصري أنه قال: {قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى} معناه: أن يتوددوا إلى الله بما يقربكم إليه من ~~العمل الصالح. # والقول الثالث: ما حكى عن الضحاك أن الآية منسوخة بقوله: {قل ما سألتكم ~~من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله} وهذا القول غير مرضي عند أهل # PageV05P073 # {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور (23) } المعاني؛ لأن ~~قوله: {إلا المودة في القربى} ليس باستثناء صحيح حتى يكون مخالفا لقوله: ~~{إن أجري إلا على الله} بل هو استثناء منقطع، ومعناه: قل لا أسالكم عليه ~~أجرا أي: مالا، وتم الكلام. ومعنى قوله: {إلا المودة في القربى} لكن صلوا ~~قرابتي بالاستجابة لي أو تكفوا أذاكم عني. # وفي بعض التفاسير: أن أهل الجاهلية لما علموا جد النبي ظنوا انه يطلب ~~مالا، فجمعوا له شيئا حسنا من أموالهم، وقالوا: نعطيك هذا المال، وكف عما ~~أنت عليه، فأنزل الله الآية على المعنى الذي قدمنا. # والقول الرابع: ما روى في بعض الغرائب من الروايات برواية سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس أن معنى قوله: {إلا المودة في القربى} أن تودوا أقربائي ~~وتحبوهم. # وحكى بعضهم: أن النبي سئل عن هذه، وعن معنى القربى فقال: " علي وفاطمة ~~وولدهما "، وهذا أغرب الأقاويل وأضعفها. # وقوله: {ومن يقترف حسنة} أي: يكتسب حسنة أي: طاعة {نزد له فيها حسنا} أي: ~~نضاعف له الحسنة. # وقوله: {إن الله غفور شكور} أي: غفور للكثير من الذنوب، شكور لليسير في ~~الطاعات. # PageV05P074 # {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله ~~الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) وهو الذي يقبل التوبة ~~عن عباده ويعفو} # PageV05P075 # قوله تعالى: {أم يقولون افترى على الله كذبا} أي: يقول على الله ما لم ~~يقله ولم ينزله. # وقوله: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} أي: ينسك القرآن حتى لا تذكر منه ~~حرفا، قاله قتادة، والقول الثاني: يختم على ms1517 قلبك أي: يربط بالصبر على ~~أذاهم، وهذا قول معروف أورده الفراء والزجاج وغيرهما. # وقول: {ويمح الله الباطل} قيل: هذا ابتداء كلام، ومعناه: ويمحو الله ~~الكفر ويزيله. # وقوله: {ويحق الحق بكلماته} أي: ينصر دينه بالمعجزات التي يظهرها، وقيل: ~~بتحقيق وعده، وقيل: بنصرة رسوله بإظهار دينه على الدين كله. # وقوله: {إنه عليم بذات الصدور} أي: بما في الصدور. # PageV05P075 # قوله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} أي: ~~الذنوب {ويعلم ما تفعلون} أي: تعملون، وقد ثبت عن النبي برواية الزهري، عن ~~[أبي] سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال: " لله أفرح بتوبة ~~عبده من أحدكم يضل بعيره بفلاة وعليه متاعه وطعامه فيطلبه ولا يجده، ثم ~~ينام نومة فينتبه فإذا هو عند رأسه ". قال الشيخ الإمام أخبرنا أبو محمد ~~عبد الله ابن أحمد أخبرنا أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن الرازي، أخبرنا ~~أبو بكر محمد ابن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد ~~الرزاق، عن معمر، عن الزهري الخبر. # PageV05P075 # {عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد (26) ولو بسط الله الرزق لعباده ~~لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) وهو الذي ~~ينزل} # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن رجل زنى بامرأة ثم تزوجها، هل ~~يجوز؟ قال: نعم، وقرأ قوله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} إلى آخر ~~الآية. # PageV05P076 # قوله تعالى: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: يجيب دعاءهم. # وقوله: {ويزيدهم من فضله} أي: الثناء الحسن في الدنيا، وقيل: الشفاعة في ~~الآخرة، والمعروف مضاعفة الحسنات. # وقوله: {والكافرون لهم عذاب شديد} ظاهر المعنى. # PageV05P076 # قوله تعالى: {ولو بسط الله الرزق لعباده} أي: وسع عليهم الرزق، وقيل: ~~أعطاهم كل ما يتمنونه. # وقوله: {لبغوا في الأرض} أي: عصوا وطغوا في الأرض، والبغي في الأرض هو ~~العمل فيها بغير حق (وقيل: هو) البطر والأشر. # وقوله: {ولكن ينزل بقدر ما يشاء أى بقدر كما ms1518 تشاء. # وقوله: {إنه بعباده خبير بصير} أي: خبير بما يصلحهم، بصير بما يفعلونه ~~ويطلبونه. # PageV05P076 # قوله تعالى: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا} أي: أيسوا، وفي بعض ~~الأخبار، أن رجلا اتى النبي وقال: يا رسول الله، قد اجدبت الأرض، وقنط ~~الناس، فادع الله ينزل الغيث لنا فقال [له] : " ارجع إلى قومك فقد مطرتم ". ~~فكان # PageV05P076 # {الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) ومن آياته خلق ~~السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (29) وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (30) } كما قال. # {وينشر رحمته} أي: بإنزال الغيث. # وقوله: {وهو الولي الحميد} أي: المالك لما يفعله، المستحق للحمد فيما ~~ينزله من الغيث. # PageV05P077 # قوله تعالى: {ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة} فيه ~~قولان: أحدهما: أن المراد به وما بث في الأرض من دابة، فذكر السماء والأرض، ~~والمراد أحدهما، وهو مثل قوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} وإنما ~~يستخرج من أحدهما، وهو المالح دون العذب. # والقول الثاني: أن قوله: {وما بث فيهما من دابة} وهو على حقيقته، والدابة ~~كل ما يدب، والملائكة مما يدب، قاله مجاهد وغيره. # {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} أي: قادر. # PageV05P077 # قوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} فإن ~~قال قائل: قد نرى من تصيبه المصيبة بغير ذنب سبق منه، فكيف وجه الآية؟ ~~والجواب من وجوه: أحدها: أن قوله: {وما أصابكم من مصيبة} هي الحدود تقام ~~إلا على العاصي ولا تقام على العاصين، وهذا قول حسن. # PageV05P077 # {وما انتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) ~~ومن آياته} # والثاني: أن قوله: {وما أصابكم من مصيبة} يراد بها المعاقبة فيما كسبت ~~أيديكم، فعلى هذا يجوز أن يصيب الإنسان مصيبة من غير ذنب ولا كسب إذا لم ~~يرد بها المعاقبة. # والقول الثالث: أن الآية على العموم، ولا يصيب أحدا بلاء وشدة إلا بذنب ~~سبق منه، أو تنبيه ms1519 لئلا يعمل ذنبا، أو ليعتبر به ذو ذنب. # وقد روي عن النبي [أنه] أنه قال: " ما من خدش أو عثرة قدم أو اختلاج عرق ~~إلا بذنب، وما يغفر الله أكثر ". وعن العلاء بن بدر: ما يصيب أحدا مصيبة ~~إلا بذنب منه، فقيل له: كيف هذا، وقد عميت صغيرا، وما كنت أعمى؟ فقال: بذنب ~~والدي. # تعلق بهذه الآية بعض من يقول بالتناسخ، وقال: إنا نرى البلاء يصيب ~~الأطفال ولم يكن منهم ذنب، فدل انه سبق منهم ذنوب من قبل وعوقبوا بها. # وتعلق بهذه الآية أيضا من يقول إن الأطفال لا يألمون أصلا فكذلك البهائم، ~~وإنما صياحهم لأذى قلوب الوالدين. # وكلا القولين باطل، ويجوز عند أهل السنة أن يوجد الله الألم إلى ما يشاء ~~من عباده بغير ذنب سبق منه، وكذلك على جميع الحيوانات، وأما وجه الآية قد ~~بينا، وكذلك قول من يقول: إن الأطفال لا يألمون باطل؛ لأنه دفع الحس ~~والعيان. # PageV05P078 # وقوله: {وما انتم بمعجزين في الأرض} أي: بمعجزين الله في الأرض، وقد بينا ~~معناه فيما سبق. # PageV05P078 # {الجوار في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ~~إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34) ~~} # وقوله: {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} ظاهر المعنى. # PageV05P079 # قوله تعالى: {ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام} أي: السفن، وقوله: ~~{كالأعلام} أي: كالجبال، قالت الخنساء تمدح أخاها صخرا: # (وإن صخرا لتأتم الهداة ... به كأنه علم في رأسه نار) # أي: جبل. # PageV05P079 # وقوله: {إن يشأ يسكن الريح} معناه: إن يشأ تسكين الريح يسكن الريح، قال ~~قتادة: إن السفن تجري بالرياح؛ فإذا هبت سارت، وإذا سكنت وقفت. # وقوله: {فيظللن رواكد على ظهره} أي: ثوابت على ظهر البحر، ومعناه: الريح ~~إذا سكنت بقيت السفن ثوابت على ظهر البحر، لا تجرى. # قوله: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} أي: صبار على البلايا، شكور ~~للنعم، وعن بعضهم: إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أي: المؤمن؛ لأن المؤمن ~~هو الصبار ms1520 الشكور، قال مطرف: نعم العبد المؤمن إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي ~~شكر. وعن عون بن عبد الله قال: رب منعم عليه غير شكور، ومبتلى غير صبور. # PageV05P079 # قوله تعالى: {أو يوبقهن بما كسبوا} أي: يهلك السفن بمن فيها، وقيل: أهل ~~السفن. وقوله: {بما كسبوا} أي: بما كسبوا من الذنوب، وقوله: {أو} معناه: أو ~~إن يشأ يوبقهن. # وقوله: {ويعف عن كثير} أي: يتجاوز عن كثير من الذنوب، وحكى أن شريحا رؤي ~~وفي يده (قرحة) فقيل له: ما هذا يا أبا أمية؟ فقال: وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. # PageV05P079 # {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35) فما أوتيتم من شيء ~~فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ~~(36) والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا وهم يغفرون (37) ~~والذين استجابوا} # PageV05P080 # وقوله: {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا} وقرئ: " ويعلم " بضم الميم، فأما ~~القراءة بنصب الميم فبتقدير أن، وأما بالرفع فمعناه وسيعلم الذين يجادلون ~~في آياتنا. # {ما لهم من محيص} أي: ملجأ ومهرب، قاله السدى وغيره. # PageV05P080 # وقوله: {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا} أي: منفعة الحياة ~~الدنيا. # وقوله: {وما عند الله خير وأبقى} أي: الجنة خير وأدوم. # وقوله: {للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} ظاهر المعنى. # PageV05P080 # قوله تعالى: {والذين يجتنبون كبائر الإثم} وقرئ: " كبير الإثم "، وقد ~~بينا تفسير الكبائر من قبل. # وفي التفسير: أن قتل النفس، وقذف المحصنات، والإشراك بالله، وعقوق ~~الوالدين والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والتأفيف، والسحر، وشرب ~~الخمر؛ من الكبائر، ويقال: كل ما أوعد الله عليه في النار فهو من الكبائر. ~~وأما إضافة الكبائر إلى الإثم فيقال: إنما أضافها إليه؛ لأن في الإثم كبيرا ~~وصغيرا. ويقال: إضافة الكبائر إلى الإثم كإضافة الصفة إلى الموصوف. # وقوله: {والفواحش} الفواحش: هي القبائح من الزنا وغيره. # وقوله: {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} أي: يتجاوزون، وفي الخبر المعروف أن ~~النبي قال: " ألا أنبئكم بالشديد؟ قالوا: نعم. قال: من ملك نفسه عند الغضب ~~". # PageV05P080 # {لربهم وأقاموا الصلاة ms1521 وأمرهم شورى بينهم ومما رزقتاهم ينفقون (38) ~~والذين إذا} # PageV05P081 # قوله تعالى: {والذين استجابوا لربهم} يقال: إن الآية نزلت في الأنصار، ~~ويقال: إنها عامة. # وقوله: {وأقاموا الصلاة} إقامة الصلاة إتيانها بشرائطها وحفظها بحدودها. # وقوله: {وأمرهم شورى بينهم} ذكر النقاش: أن هذا في الأنصار وكانوا ~~يتشاورون في الأمر بينهم؛ فمدحهم الله على ذلك، وذلك دليل على اتفاق ~~الكلمة، وترك الاستبداد بالرأي، والرجوع إلى الرأي عند نزول الحادثة. وقيل: ~~إن الأنصار تشاوروا فيما بينهم حين دعاهم النبي إلى الإيمان، ثم أجابوا إلى ~~الإيمان. # وعن الحسن البصري قال: ما تشاور قوم إلا هدوا إلى ارشد أمورهم. والشورى ~~مأخوذة من قولهم: شرت الدابة أشورها إذا سيرتها مقبلة، ومدبرة لاستخراج ~~السير منها. ويقال: لذلك الموضع المشوار. والعرب تقول: إياك والخطب فإنها ~~مشوار كثير العناد. وفي الخبر برواية [أبي] عثمان النهدي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن النبي قال: " إذا كانت أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياؤكم ~~وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم، من بطنها، وإذا كانت أمراؤكم ~~شراركم، وأغنياؤكم (بخلاؤكم) ، وأمركم إلى نسائكم؛ فبطن الأرض خير لكم من ~~ظهرها ". # واعلم أن هذه السورة تسمى سورة الشورى. # وقوله: {ومما رزقناهم ينفقون} أي: يتصدقون. # PageV05P081 # قوله تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} أي: الظلم، وقوله: # PageV05P081 # {أصابهم البغي هم ينتصرون (39) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على} {ينتصرون} أي: يتناصرون، فينتصر بعضهم بعضا لرفع البغي، وهو من ~~باب الحسبة، ينتصرون بالأمر بالمعروف. وقيل: ينتصرون أي: ينتصرون من ~~الظالم، والانتصار من الظالم هو أخذ الحق منه. وفي التفسير عن الحسن البصري ~~وغيره قال: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم حتى لا يجترئ عليهم الفساق. # وذكر الكلبي: أن الآية نزلت في شأن ابي بكر الصديق، فروى أن رجلا من ~~الأنصار سب أبا بكر عند النبي، فسكت أبو بكر وسكت التبي، ثم إن أبا بكر ~~أجابه، فقام النبي مغضبا، وذهب فتبعه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، إن الذي ~~فعلت بي أشد مما فعله الأنصاري، سبني فسكت، ولم تنكر عليه، ثم لما ms1522 أجبت قمت ~~مغضبا، فقال: كان الملك يرد عليه حين سكت؛ فلما أجبت ذهب الملك؛ فذهبت، ~~وأنزل الله تعالى هذه الآية: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} فيجوز ~~للمظلوم الانتصار من ظالمه. # PageV05P082 # قوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} سمى الثاني [سيئة] على ازدواج ~~الكلام، وعند الفقهاء أن الآية في القتل والجراحات؛ فإذا قتله يقتله وليه، ~~وإذا حرجه. يجرحه، وذهب جماعة من السلف إلى أن هذا في غير القتل والجراحات ~~أيضا فإذا قال: أخزاك الله، يقول: أخزاك الله، وإذا قال: لعنك الله، يقول: ~~لعنك الله، ولا يزيد عليه، وكذلك قالوا: إذا سب سبه، وهذا فيما لا يدخله ~~الكذب، فأما ما يدخله الكذب فلا ينبغي أن يكذب عليه، وما ذكرنا مروي عن ~~مجاهد وغيره. # PageV05P082 # {الله إنه لا يحب الظالمين (40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل (41) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ~~أولئك لهم عذاب أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) ومن ~~يضلل الله} # قوله: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} يعني: عفا عن الظالم وأصلح الأمر ~~بينه وبينه {فأجره على الله} أي: ثوابه على الله، وفي بعض الأخبار: " أن ~~الله تعالى يقول يوم القيامة:: ألا ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من ~~عفا ". # وقوله: {إنه لا يحب الظالمين} أي: من يتجاوز عن الحق إلى غير الحق. # PageV05P083 # قوله تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} أي: من سبيل ~~في القيامة. # PageV05P083 # وقوله: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق} ~~أي: يطلبون زيادة ليست لهم، وقيل: يسعون في الأرض بالمعاصي. # وقوله: {أولائك لهم عذاب أليم} أي: مؤلم موجع. # PageV05P083 # قوله تعالى: {ولمن صبر وغفر} أي: صبر على الأذى، وغفر للمؤذي، ويقال: صبر ~~عن المعاصي وغفر لمن يظلمه. ويقال: صبر عن ظلم الناس، ومن ظلمه عفا عنه. # وقوله: {إن ذلك من عزم الأمور} أي: من حق (الأمور) ، وقيل: من عزائم الله ~~التي ندب إليها عباده. ويقال: من ثابت ms1523 الأمور التي لا تنسخ. قال الزجاج: ~~ندب الله تعالى المظلوم أن (يعفو) عن الظالم، ويصبر عن الظلم؛ لينال الثواب ~~في # PageV05P083 # {فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد ~~من سبيل (44) وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال ~~الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن ~~الظالمين في} الآخرة، فمن كان أرغب في ثواب الآخرة فهو أتم عزما على الصبر. # PageV05P084 # وقوله تعالى: {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده} أي: يضلله الله. # وقوله: {فما له من ولي من بعده} أي: لا يجد من بعد الله من يهديه. # وقوله: {وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل} أي: ~~من رجوع إلى الدنيا ليتوب. # PageV05P084 # قوله تعالى: {وتراهم يعرضون عليها} أي: على النار، ويقال: إن الآية في آل ~~فرعون، ويقال: في آل فرعون وغيرهم. والأصح أن هذا في القيامة، ويعرضون على ~~النار ليدخلوا فيها. # وقوله: {خاشعين من الذل} أي: خاضعين من الذل، ومعناه: [الانكسار] وذلة ~~النفس حين يرون العذاب وتنزل بهم الندامة. # قوله: {ينظرون من طرف خفي} أي: يسارقون النظر إلى النار، ويقال: ينظرون ~~بأنصاف عيونهم، ولا يفتحون أعينهم عليها خوفا منها. وعن بعضهم قال: ينظرون ~~بقلوبهم؛ لأنهم يحشرون عميا، فالطرف الخفي هو رؤية القلب. # وقوله: {وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة} أما خسرانهم أنفسهم فبدخولهم النار، وأما خسرانهم أهليهم فلأنهم ~~لو آمنوا أصابوا أهلا في الجنة، فلما كفروا ودخلوا النار فاتهم أهلوهم في ~~الجنة، فهو خسران الأهل. ويقال: لكل واحد من الكفار أهل مسمى في الجنة لو ~~آمن. # وقوله: {ألا إن الظالمين في عذاب مقيم} أي: دائم. # PageV05P084 # {عذاب مقيم (45) ما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل ~~الله فما له من سبيل (46) استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من ~~الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير (47) فإن أعرضوا ms1524 فما أرسلناك ~~عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها ~~وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم} # PageV05P085 # قوله: {وما كان لهم من أولياء ينصروهم من دون الله} أي: يمنعون عنهم عذاب ~~الله. # وقوله: {ومن يضلل الله فما له من سبيل} أي: من طريق إلى الجنة. # PageV05P085 # قوله تعالى: {استجيبوا لربكم} أي: استجيبوا لربكم بقول: لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله. # وقوله: {من قبل أن ياتي يوم لا مرد له من الله} أي: لا رد له. # وقوله: {ما لكم من ملجأ يومئذ} أي: مهرب وملاذ. # وقوله: {وما لكم من نكير} أي: إنكار، ويقال: ليس لكم من أن تنكروا ~~العقوبة التي تنالكم. وقيل: ما لكم من نكير أي: تغيير. # PageV05P085 # وقوله تعالى: {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا} أي: حافظا. # وقوله: {إن عليك إلا البلاغ} أي: التبليغ. # وقوله: {وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة} أي: النعمة والعافية. # وقوله: {فرح بها} أي: سر بها. # وقوله: {وإن تصبهم سيئة} أي: شدة وبلاء، وقيل: الجدب الذي هو ضد الخصب. # وقوله: {بما قدمت أيديهم} أي: من الذنوب. # وقوله: {فإن الإنسان كفور} معناه: كافر لنعم الله لا يشكرها. # PageV05P085 # {فإن الإنسان كفور (48) لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن ~~يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من ~~يشاء عقيما إنه عليم قدير (50) وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب أو يرسل} # PageV05P086 # قوله تعالى: {لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور} أي: يعطي الإناث دون الذكور، والذكور دون الإناث. # PageV05P086 # وقوله: {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} أي: يجمع الذكور والإناث في العطاء، ~~ومعنى قوله: {يزوجهم} أي: يصنفهم كأنه يجعل الأولاد صنفين: صنفا إناثا، ~~وصنفا ذكورا. # وقوله: {ويجعل من يشاء عقيما} أي: لا يولد له أصلا، وفي التفسير: أن ~~الآية في الأنبياء، فقوله: {يهب لمن يشاء إناثا} هو لوط النبي كان له بنات، ~~ولم يكن له ولد ذكر، وقوله: ms1525 {ويهب لمن يشاء الذكور} هو إبراهيم صلوات الله ~~عليه كان له بنون، ولم تكن له أنثى، وقوله: {أو نزوجهم ذكرانا وإناثا} هو ~~الرسول صلوات الله عليه ولد له أربعة بنين، وأربع بنات، فالبنون: القاسم ~~وبه كني رسول الله، وعبد الله، والطاهر، وكان يسمى الطيب أيضا وإبراهيم، ~~فالثلاثة الأولون من خديجة رضي الله عنها وإبراهيم بن مارية القبطية، وأما ~~البنات: فزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، كلهن من خديجة رضي الله عنها ~~وعنهن، وقوله: {ويجعل من يشاء عقيما} وهو يحيى وعيسى عليهما السلام لم يكن ~~لهما ولد ولا زوجة. # وقوله: {إنه عليم قدير} ظاهر المعنى. # PageV05P086 # قوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا} ذكر النقاش في ~~تفسيره: أن سبب نزول الآية هو ان المشركين قالوا للنبي: هلا كلمك الله ~~ونظرت إليه كما كان موسى؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {إلا وحيا} فيه قولان: أحدهما أنه الإلهام من الله تعالى بالنفث ~~في # PageV05P086 # {رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا} صدره، والآخر: أنه الرؤيا في المنام. وفي بعض الروايات عن ابن عباس: ~~لم ير جبريل من الأنبياء غير أربعة هم: موسى، وعيسى، وزكريا، ومحمد عليهم ~~الصلاة والسلام وأما الباقون فكان لهم وحي وإلهام، وهذه رواية غريبة. # وقوله: {أو من وراء حجاب} أي: كما كلم موسى من وراء حجاب، وقيل: بالحجاب ~~على موضع الكلام لا على الله. [وقيل] : إن موسى عليه السلام لما سمع كلام ~~الله ولم يره كان بمنزلة من يسمع من وراء الحجاب. # وقوله: {أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} يعني: يرسل جبريل بالوحي إلى ~~من يشاء من الأنبياء، [وجملة] الذي وصل إلى الأنبياء من الوحي على ثلاثة ~~وجوه: وحي إلهام، ورؤيا في المنام، ووحي بتكليم الله تعالى، ووحي بلسان ~~جبريل عليه لسلام. وعن مجاهد أنه قال: أوحى الله تعالى الزبور إلى داود ~~فقرأه من قلبه، ولم يكن على لسان جبريل. وفي بعض الآثار: أن الله تعالى وكل ~~بحفظ الوحي جبريل عليه ms1526 السلام، وكذلك بإيصاله إلى الأنبياء، وكذلك وكله ~~بنصرة الأنبياء وعذاب الكفار، ووكل ميكائيل بالقطر والنبات، ووكل إسرافيل ~~بالصور، وهو أيضا من حملة العرش، ووكل ملك الموت بقبض الأرواح؛ فهم موكلون ~~على هذه الأشياء بإذن الله تعالى. # وفي بعض الأخبار أن جبريل عليه السلام كان يلقى النبي في ثياب بياض ~~ملفوفة بالدر والياقوت ورجلاه مغموستان في خضرة. وقد ذكرنا في رواية عن ~~النبي " أن المرسلين من الأنبياء مائة [وخمسة] عشر [جما غفيرا] أولهم آدم # PageV05P087 # {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا} وآخرهم محمد عليهما السلام ". # وقوله: {إنه علي حكيم} أي: متعال مما يصفونه (المشركون) ، حكيم في جميع ~~ما يفعله. # PageV05P088 # قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} الروح هاهنا هو القرآن ~~سماه روحا؛ لأنه تحيا به القلوب كالروح تحيا به النفوس، وقيل: إنه النبوة، ~~والأول أشهر. # وقوله: {من أمرنا} أي: بأمرنا. # وقوله: {وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} الكتاب هو القرآن، وقيل: ما ~~كنت تدري ما الكتاب لولا أنزلنا إياه عليك. وقوله: {ولا الإيمان} المعروف ~~أن المراد به شرائع الإيمان، وهذا قد حكى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة وغيره ~~من أئمة السنة. # وعن بعضهم أن معناه: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان أي: قبل البلوغ. ~~والقول الثالث: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان أي: أهل الإيمان، وهذا ~~حكى عن الحسين بن الفضل البجلي. # وفي بعض المسانيد برواية النزال بن سبرة عن علي رضي الله عنه أنه قال: " ~~قيل لرسول الله: هل عبدت وثنا قط؟ قال: لا. وقيل له: هل شربت خمرا قط؟ قال: ~~لا. وما زلت أعرف أن ما هم عليه باطل، ولم يوح إلى كتاب ولا إيمان " والخبر ~~غريب. # وقوله: {ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم} أي: تدعو، وفي قراءة أبي بن كعب: " وإنك لتدعو إلى صراط مستقيم " # PageV05P088 # {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) صراط الله الذي له ما في ms1527 السموات وما ~~في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (53) هي تبين معنى القراءة المعروفة، ~~وقرأ عاصم الجحدري: " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " على ما لم يسم فاعله، ~~ومعناه بين. # PageV05P089 # قوله تعالى: {صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله ~~تصير الأمور} أي: ترجع الأمور، والله أعلم. # PageV05P089 # بسم الله الرحمن الرحيم # {حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) ~~وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم ~~قوما مسرفين (5) } # تفسير سورة الزخرف # وهي مكية # PageV05P090 # {حم} قد ذكرنا معنى حم. # PageV05P090 # وقوله: {والكتاب المبين} هو القرآن، وسماه مبينا؛ لأنه أبان فيه الهدى من ~~الضلالة، والخير من الشر، وأبان فيه جميع ما يؤتى وجميع ما يتقى. ومعنى ~~الآية هو القسم، فكأنه أقسم بحم وبالقرآن، وجواب القسم قوله: {إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا} وكذلك قوله: {وإنه في ام الكتاب} جواب القسم أيضا. # PageV05P090 # قوله تعالى: {إنا جعلناه} قال السدى: أنزلناه وقال مجاهد: قلناه. وعن ~~بعضهم: بيناه، قاله سفيان الثوري. واستدل بهذا من زعم أن القرآن مخلوق، ~~وذكر أن الجعل بمعنى الخلق بدليل قوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض مهدا} ~~أي: خلق لكم، وعندنا هذا التعلق باطل، والقرآن كلام الله غير ومخلوق، وعليه ~~إجماع أهل السنة، وزعموا أن من قال: إنه مخلوق فهو كافر؛ لأن فيه نفي كلام ~~الله تعالى، وقد بينا وجه الآية عند السلف ومن يعتمد في تفسيره. # وقد ورد الجعل في القرآن لا بمعنى الخلق، قال الله تعالى: {وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} ومعناه: أنهم وصفوهم بالأنوثة وليس ~~المعنى أنهم خلقوهم. # وقوله: {قرآنا عربيا} أي: بلسان العرب. # وقوله: {لعلكم تعقلون} أي: تعقلون ما فيه. # PageV05P090 # قوله تعالى: {وإنه في أم لكتاب} أي: القرآن في اللوح المحفوظ. وفي بعض # PageV05P090 # ((5} وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به ~~يستهزئون (7) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (8) ولئن سألتهم من ~~خلق) التفاسبر: أن أم الكتاب مذكور عند الله تعالى، قد بين ms1528 فيه جميع ~~الأشياء، فإذا كان يوم القيامة عورض ما كان من المكاتبات بذلك الذكر فتوجد ~~على السواء. # وقد ثبت عن النبي [أنه] قال: " إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: ~~اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة ". # وقوله: {لدينا} أي: عندنا. # وقوله تعالى: {لعلى} أي: رفيع لا يناله أحد بتبديل ولا تغيير. # وقوله: {حكيم} أي: أحكمت آياته لا يزاد فيها ولا ينقص. # PageV05P091 # قوله تعالى: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا} معناه: أفنصفح عنكم وقد كذبتم ~~بآياتي وتركتم أوامري. قال القتيبي: وهذا مأخوذ من قولهم: ضرب فلان دابته ~~وصفحت عنه أي: مالت عنه، وحقيقة المراد: أفنضرب عنكم الذكر صافحين أي: ~~نمهلكم ونترككم فلا نأمركم ولا ننهاكم ولا نعرفكم ما يجب عليكم {أن كنتم ~~قوما مسرفين} أى لان كنتم قوما مسرفين. ويقال معناه: نترككم والتكذيب ولا ~~نعاقبكم عليه. # PageV05P091 # قوله تعالى: {وكم أرسلنا من نبي في الأولين} كم للتكثير. # وقوله: {من نبي في الأولين} أي: في القرون الماضية. # PageV05P091 # قوله تعالى: {وما ياتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون} أي: يسخرون، وهذا ~~على الأكثر؛ لأنه قد كان فيهم من آمن. # PageV05P091 # وقوله: {فأهلكنا أشد منهم بطشا} أي: فأهلكنا من هو أشد من قومك بطشا أي: ~~قوة. # وقوله: {ومضى مثل الأولين} أي: عقوبات الأولين، وذكر بلفظ المثل على # PageV05P091 # {السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (9) الذي جعل لكم لأرض مهدا ~~وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) والذي نزل من السماء ماء بقدر ~~فأنشرنا به} معنى أنها سنة المكذبين من قبل. وقرئ: " مثل الأولين " بضم ~~الميم والثاء على الجمع، ومعناه ما بينا. # PageV05P092 # قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض} أي: ولئن سالت المشركين ~~من خالق السموات والأرض {ليقولن خلقهن العزيز العليم} وهذا على طريق ~~التعجيب من حالهم أي: كيف يعبدون الأصنام ويزعمون أن لله شريكا، وقد أقروا ~~أن الله تعالى خالق السموات والرض؟ # PageV05P092 # قوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض مهدا} هذا ابتداء كلام من الله تعالى من ~~غير أن يكون حكاية عن الكفار؛ ms1529 لأن كلامهم قد تم في الآية الأولى. # وقوله: {وجعل لكم الآرض مهدا} قد بينا من قبل. # وقوله: {وجعل لكم فيها سبلا} أي: [طرقا] . # وقوله: {لعلكم تهتدون} أي: تهتدون بسلوكها في أسفاركم. وقيل: في معايشكم ~~وتصرفاتكم. # PageV05P092 # قوله تعالى: {والذي نزل من السماء ماء بقدر} أي: بمقدار معلوم، فلا ينقص ~~عن حاجات الناس فلا ينتفعون به، ولا يزيد فيكون سيلا مهلكا، وهذا على أكثر ~~الأحوال، وقد يكو بخلافه. # وقوله: {فأنشرنا به بلدة ميتا} معناه: أحيينا به أرضا ميتة. # وقوله: {كذلك تخرجون} يعني: تبعثون يوم القيامة. # PageV05P092 # قوله تعالى: {والذي خلق الأزواج كلها} أي: الأصناف كلها، ويقال: لكل ~~شيئين قرينين زوجان، وكل واحد منهما زوج صاحبه، وذلك السماء والأرض، والليل ~~والنهار، والشمس والقمر، والجنة والنار، وما أشبه ذلك. وكذلك ما يعود إلى # PageV05P092 # {بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون (12) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا ~~استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنا ~~إلى ربنا لمنقلبون} أحوال الإنسان من المرض والصحة، والفقر والغنى، والخير ~~والشر، والنوم واليقظة، وما أشبه ذلك. # وقوله: {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} الفلك: هي السفن، واختلف ~~القول في الأنعام، فذهب مقاتل إلى أنها الإبل والبقر، والقول الثاني: أنها ~~الإبل خاصة، وهو الأولى، قال أبو معاذ النحوي: ومتى ركبت البقرة؟ ! وفي بعض ~~الأخبار: أن رجلا ركب بقرة فتكلمت البقرة، وقالت: ما خلقنا لهذا، وإنما ~~خلقنا للحرث. # PageV05P093 # وقوله: {لتستوا على ظهوره} فإن قيل: كيف لم يقل: على ظهورها، وقد تقدم ~~لفظ الجمع؟ والجواب: أن قوله: {على ظهوره} ينصرف إلى كلمة " ما "، ومعناه: ~~لتستووا على ظهور ما تركبونه. # وقوله: {ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر ~~لنا هذا وما كنا له مقرنين} أي: مطيقين، أي: ما كنا نطيق تذليله وتسخيره ~~لولا أن الله تعالى ذلله وسخره لنا. قال عمرو بن معد يكرب: # (وقد علم القبائل ما عقيل ... لنا في النائبات بمقرنينا) # وعن ms1530 بعضهم أنه ركب بعيره وقال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين، فسمعه الحسين بن علي رضي الله عنهما فقال: أهكذا أمرت؟ إنما أمرت ~~أن تذكر نعمة الله تعالى ثم تقول هذا، فإذا ركبت فقل: الحمد لله الذي هدانا ~~للإسلام ومن علينا بمحمد، والحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، ~~ثم قال: " سبحان الذي سخر لنا هذا ". # وقد ثبت برواية ابن عمر أن النبي كان إذا استوى على بعيره متوجها في سفر، # PageV05P093 # {وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) أم اتخذ مما يخلق} ~~كبر الله ثلاثا، ثم قال: " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، ~~اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى والعمل بما ترضى، اللهم هون ~~علينا سفرنا، واطو علينا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في ~~الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في ~~الأهل والمال والولد ". وإذا رجع قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ". ~~خرجه مسلم في الصحيح. # وفي بعض الكتب عن سليمان بن يسار أنه قال: كنا في سفر وكان الناس إذا ~~استووا على دوابهم قالوا: {سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} وكان ~~أعرابي على بعير هزيل فاستوى على بعيره وقال: أما إني لهذا مقرن، [فقمص] ~~به، فوقع واندقت عنقه ومات. # وفي بعض الآثار أيضا: أن رجلا شابا خرج في حلة له، قد رجل شعره، فقيل له: ~~إنك لحميل اليوم، فقال: إن الله يعجب من جمالي؛ فمسخه الله تعالى. # وعن بعضهم أيضا أنه كان يكتب القرآن فانعقد حبره ولم يحضره الماء، فقطر ~~فيه قطرة بول فكتب، فجفت يده. # PageV05P094 # قوله تعالى: {وإنا إلى ربنا لمنقلبون} أي: راجعون. # PageV05P094 # قوله تعالى: {وجعلوا له من عباده جزءا} أي: نصيبا، والنصيب الذي جعلوه ~~لله تعالى هو أنهم قالوا: الملائكة بنات الله تعالى. [يقال] : أجزأت ~~المرأة، إذا # PageV05P094 # {بنات وأصفاكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم (17) أو من ms1531 ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) } ~~ولدت أنثى. # وقوله: {إن الإنسان لكفور مبين} أي: كفور للنعم بين الكفران. # PageV05P095 # قوله تعالى: {أم اتخذ مما يخلق بنات} معناه: أم اتخذ الله مما يخلق بنات ~~{وأصفاكم بالبنين} أي: اختار لكم البنين، وهذا، [على] طريق الإنكار لقولهم. ~~وفي التفسير: أن هذا القول كان يقوله بنو كنانة وبنو عامر وحي ثالث. وعن ~~بعضهم: أن جميع قريش كانت تقوله، فقيل لهم: من أين تقولون هذا؟ فقالت: ~~سمعنا آباءنا يقولون كذلك، ونحن نشهد أنم لم يكذبوا. # PageV05P095 # قوله تعالى: {وإذا بشر أحدكم بما ضرب للرحمن مثلا} أي: وصف الله به. # وقوله: {ظل وجهه مسودا وهو كظيم} أي: حزين مكروب، ويقال مملوء غما وهما. # PageV05P095 # قوله تعالى: {أو من ينشأ في الحلية} أي يربي وينبت. وقرئ: " أو من ينشأ ~~أي: ينبت # وقوله: {في الحلية} أي: في الحلي، والحلية: الزينة، والمعنى: أنها مشغولة ~~بزينتها ليس لها رأي في الأمور، ولا تصرف في الأشياء. # وقوله: {وهو في الخصام غير مبين} أي: في الجدال ضعيف القول. وفي التفسير: ~~قلما تكلمت امرأة بحجة فأمكنها أن تبلغ حجتها، ويقال: قلما تكلمت امرأة ~~بحجة إلا وتتكلم ما يكون حجة عليها، والآية وردت للإنكار عليهم يعني: أنكم ~~جعلتم نصيبي من عبادي مثل هؤلاء، وجعلتم نصيبكم البنين. # PageV05P095 # قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} معناه: وصفوا، # PageV05P095 # {وجعلوا لملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسألون (19) وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا} وليس الجعل هاهنا بمعنى الخلق، إنما هو بمعنى الوصف والتسمية كما يقول ~~القائل: جعل فلان زيدا أعلم الناس أي: وصفه به، وحكم له بذلك، وقرئ: " عند ~~الرحمن " وهو عبارة عن القرب والرفعة. # وقوله: {أشهدوا خلقهم} معناه: أحضروا خلقهم فعرفوا أنهم خلقوا إناثا، ~~وقرئ: (اشهدوا خلقهم) معناه: احضروا. # وقوله: {ستكتب شهادتهم} وقرئ (سنكتب) بالنون يعنى: [أنهم] يجازون ~~بشهادتهم الكاذبة. وقيل سنكتب ليجاوز. # وقوله: {ويسألون} أي: يسألون عن شهادتهم يوم القيامة. # PageV05P096 # قوله تعالى: {وقالوا ms1532 لو شاء الرحمن ما عبدناهم} تعلق بهذه الآية القدرية، ~~وقالوا: حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، ~~ثم عقبه بالإنكار والتهديد فقال: {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} ~~أي: يكذبون، وعندكم أن الأمر على ما قالوا. والجواب من وجهين: أحدهما: أن ~~معنى قوله: {ما لهم بذلك من علم} أى: مالهم بقولهم إن الملائكة بنات الله ~~من علم إن هم إلا يخرصون يعنى: في هذا القول وقد تم الكلام على هذا عند ~~قوله: {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} والإنكار غير راجع إليه، ويجوز أن يحكى ~~من الكفار ما هو حق مثل قوله: {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال ~~الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} وهذا القول حق وصدق، ~~فإن قيل: أول الآية وآخرها خرج مخرج الإنكار عليهم فكيف يحكى عنهم ما هو ~~حق؟ والجواب عنه: أنهم قالوا هذا لا على اعتقاد الحق ولكن لدفع القبول عن ~~أنفسهم، وقد كانوا أمروا # PageV05P096 # {يخرصون (20) أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) وكذلك ما أرسلنا من ~~قبلك في قرية من} بالقبول، فأرادوا أن يدفعوا القبول من أنفسهم بهذا القول، ~~كما أن في الآية الآخرى أرادوا أن يدفعوا الأمر بالإنفاق عن أنفسهم بما ~~قالوه، والقول على هذا القصد غير صحيح. # والوجه الثاني: أن معنى قوله: {ما لهم بذلك من علم} أي: ما لهم في هذا ~~القول من عذر. # وقوله: {إن هم غلا يخرصون} أي: يطلبون ما لا يكون من طلب العذر بهذا ~~الكلام، حكاه النحاس، والأول ذكره الفراء والزجاج وغيرهما. # PageV05P097 # قوله تعالى: {أم أتيناهم كتابا من قبله} أي: بما زعموا ان الملائكة خلقوا ~~إناثا. # وقوله: {فهم به مستمسكون} أي: مستمسكون، وهذا على طريق الإنكار أيضا. # PageV05P097 # قوله تعالى: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة} وقرئ: " إمة " بكسر ~~الألف فقوله: {على أمة} أي: على ملة ودين، قال الشاعر: # (حلفت فلم أترك ms1533 لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع) # أي: ذو ملة. # وأما الإمة بكسر الألف فهي بمعنى الطريقة، قال الشاعر: # (ثم بعد الفلاح والملك وإلامة ... وارتهم هناك القبور) # فقوله: والإمة يعني: الطريقة الحسنة. # وقوله: {وإنا على آثارهم مهتدون} أي: متبعون. # PageV05P097 # قوله تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها} # PageV05P097 # {نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ~~(23) قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به ~~كافرون (24) فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ~~(27) وجعلها كلمة باقية في عقبه} أي: متنعموها. ووجه الإنكار أن الرفه ~~منعهم عن طلب الحق. # وقوله: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} ظاهر المعنى. # وفي الآيتين دليل على ذم التقليد والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة. # PageV05P098 # قوله تعالى: {قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} معناه: ~~أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه. # وقوله: {قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون} أي: جاحدون. # PageV05P098 # قوله تعالى: {فانتقمنا منهم} أي: بالإهلاك والعقوبة. # وقوله: {فانظر كيف كان عاقبة المكذبين} أي: الجاحدين. # PageV05P098 # قوله تعالى: {وإذا قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون} وفي ~~قراءة ابن مسعود: " بريء " فقوله: {براء} بمعنى قوله: " بريء "، ويقال: إنه ~~لغة اهل الحجاز يعني قوله: {براء} وهو مما لا يثنى ولا يجمع. # PageV05P098 # وقوله: {إلا الذي فطرني} فيه قولان: أحدهما: أنه على حقيقة الاستثناء إلا ~~أنهم كانوا يعبدون الله وما دونه، فيستقيم الاستثناء على هذا. والثاني: أنه ~~استثناء منقطع، ومعناه: لكن لذي فطرني أي: جعلني {فإنه سيهدين} أي: يرشدني. # PageV05P098 # قوله تعالى: {وجعلها كلمة باقية} قال مجاهد: هي قول لا إله إلا الله. ~~وقال قتادة: هي الإخلاص والتوحيد. وعن بعضهم: أن الكلمة هي قول إبراهيم: # PageV05P098 # {لعلهم يرجعون (28) بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين ~~(29) ولما جاءهم الحق قالوا هذا ms1534 سحر وإنا به كافرون (30) وقالوا لولا نزل ~~هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا ~~بينهم} {أسلمت لرب العالمين} . وذلك عندما قيل له: {أسلم} . وأما قوله: {في ~~عقبة} أي: في ولده. وفي التفسير: لا يزال في عقب إبراهيم من هو مستقيم على ~~كلمة التوحيد. وقيل: {في عقبه} هو رجل واحد، وذلك محمد. وقال السدى: في ~~عقبه يعني: في آل محمد ورضي عنهم. # وقوله: {لعلهم يرجعون} أي: يرجعون إلى الهدى بعد الضلالة. # PageV05P099 # قوله تعالى: {بل متعت هؤلاء وآباءهم} أي: أمتعتهم بأنفسهم وأموالهم ~~وأولادهم، وأمتعت آباءهم. # وقوله: {حتى جاءهم الحق ورسول مبين} أي: جاءهم القرآن يبين الهدى من ~~الضلالة، والحق من الباطل. # PageV05P099 # وقوله: {ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون} أي: جاحدون. # PageV05P099 # قوله تعالى: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ~~وتقديره: على رجل من رجلي القريتين عظيم. والقريتان هما مكة والطائف، وأما ~~الرجلان اختلفوا فيهما، قال ابن عباس: الذي من مكة هو الوليد بن المغيرة، ~~والذي من الطائف هو حبيب بن عمرو الثقفي. وقيل: الذي من مكة هو عتبة بن ~~ربيعة، والذي من الطائف هو عروة بن مسعود الثقفي، قاله قتادة. وقال مجاهد ~~في الذي من الطائف: هو ابن عبد ياليل الثقفي. وعن السدى أيضا فيه: أنه ~~كنانة بن عدي بن عمرو. # PageV05P099 # وقوله: {أهم يقسمون رحمة ربك} أي: رسالة ربك فيختارون لها من شاءوا. ~~ومعناه: أنه ليس لهم هذا الاختيار. # PageV05P099 # {معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ~~لجعلنا} # وقوله: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} أي: كما قسمنا معيشة ~~الحياة الدنيا فاخترنا للغنى من شئنا، وللفقر من شئنا، فكذلك اخترنا ~~واصطفينا للرسالة من شئنا. وقد روى ابن مسعود أن النبي قال: " إن الله قسم ~~بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا ~~يحب، ولا يعطي الدين إلا ms1535 من يحبه، ومن أعطاه الدين فقد أحبه ". وعن قتادة: ~~رب رجل ضعيف (الجبلة) عيي اللسان [مبسوط له] في الرزق، ورب رجل شديد ~~(الجبلة) ، فصيح اللسان مقتر عليه في الرزق. # وقوله: {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} أي: في الدنيا، فغني وفقير، وفاضل ~~ومفضول، وحر وعبد، وصحيح وسقيم، وأشباه ذلك. # وقوله: {ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} أي: خولا. وقيل: بتسخير الغني الفقير ~~بماله، والقوي الضعيف بفضل قوته. ويقال: تتخذونهم مماليك وعبيدا، وبهذا ~~القيام صلاح العالم، وأنشد بعضهم: # (سبحان من سخر [الأنام] بعضهم ... للبعض حين استوى التدبير واطردا) # (فصار يخدم هذا ذاك من جهة ... وذاك من جهة هذا وإن بعدا) # (كل بما عنده مستبشر فرح ... يرى السعادة فيما نال واعتقدا) # وقوله: {ورحمة ربك خير مما يجمعون} أي: النبوة خير مما يجمعون من الدنيا، ~~وقيل: الآخرة خير من الدنيا. وقرئ: " تجمعون " بالتاء، والأول أشهر. # PageV05P100 # قوله تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} معناه: ولولا أن يكون الناس ~~كلهم كفارا. وقيل: لولا أن الدنيا تميل بالناس عن الدين، لو فعلنا هذا ~~بالكفار لفعلنا # PageV05P100 # {لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) ~~ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون (34) وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع ~~الحياة الدنيا والآخرة} هذا لهوان الدنيا عندنا. # وقوله: {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة} وقرئ: " سقفا " ~~بفتح السين يعني: جعلنا جدرها فضة. # وقوله: {ومعارج عليها يظهرون} أي: جعلنا لهم مراقي من فضة يظهرون عليها ~~على السقف. ومعناه: يظهرون يصعدون ويعلون. وفي الأخبار: أن نابغة بن جعدة ~~أنشد للنبي: # (بلغت السماء عفة وتكرما ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا) # أي: معلا، فقال له النبي: " إلى أين يا أبا ليلى؟ " قال: إلى لجنة. قال: ~~" أجل إن شاء الله ". # PageV05P101 # وقوله: {ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون} أي: جعلنا ذلك لهم من فضة. # PageV05P101 # وقوله: {وزخرفا} فيه قولان: أحدهما: وذهبا أي: (جعلنا) جميع ذلك من ذهب. ~~فإن قال قائل لم أنتصب؟ قلنا: لأن المعنى من فضة ومن ذهب، فنزعت " من " ~~فانتصب. وفي قراءة ابن مسعود: " وذهبا " وهذا ms1536 يبين صحة هذا القول. # والقول الثاني: أن قوله: {وزخرفا} أي: غنى. وعن الحسن قال: الزخرف هي ~~النقوش. وقيل: كل ما هو زينة في الدنيا. # وقوله: {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} أي: تكون مدة ويفنى سريعا. # PageV05P101 # {عند ربك للمتقين (35) ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ~~(36) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) } # وقوله: {والآخرة عند ربك للمتقين} أي: للمتقين من الشرك والمعاصي. # PageV05P102 # قوله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن} قال قتادة: يعرض. ومنه قولهم: فلان ~~يعشو أي: يمشي ببصر ضعيف. [يقال] : عشا يعشو إذا ضعف بصره، وعشى يعشي إذا ~~عمى بصره، ومنه الأعشى. وفي الحديث أن سعيد بن المسيب ذهبت إحدى عينيه وجعل ~~يعشو بالأخرى أي: يبصر بصرا ضعيفا. وقرئ: " يعش " بنصب الشين أي: يعمى. ~~ويقال في معنى قوله: {يعش عن ذكر الرحمن} أي: يذهب عن ذكره؛ فيسير في ظلمة ~~وخبط عن جهالة. # وقوله: {نقيض له شيطانا} أي: نوكل به شيطانا. ويقال: نلقيه شيطانا. وفي ~~التفسير: أن الكافر إذا خرج من القبر لقيه شيطان، فأدخل يده في يده، ولا ~~يزال معه حتى يصير إلى النار، والمؤمن إذا خرج من قبره يلقاه ملك، فيدخل ~~يده في يده، فلا يزال معه حتى يصير إلى الجنة. # وقوله: {فهو له قرين} أي: مقارن. ويقال: يجعلان في سلسلة واحدة. # PageV05P102 # قوله تعالى: {وإنهم ليصدونهم عن السبيل} أي: الشياطين يصدونهم عن طريق ~~الحق. # وقوله: {ويحسبون أنهم مهتدون} أي: الكفار يحسبون أنهم مهتدون بإرشاد ~~الشياطين. # وفي بعض المسانيد برواية أبي بكر رضي الله عنه أن النبي قال: " عليكم بلا ~~إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منها فإن إبليس قال: أهلكت بني آدم ~~بالذنوب، # PageV05P102 # {حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ~~ينفعكم اليوم إذا ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39) } وأهلكوني بلا إله ~~إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، ثم قرأ النبي: ~~{ويحسبون أنهم مهتدون} ". # PageV05P103 # قوله تعالى: {حتى إذا جاءنا} وقرئ: " جاءانا "، فقوله: " جاءنا " هو ~~الكافر وحده، ms1537 وقوله: " جاءانا " هو الكافر وقرينه الشيطان. # وقوله: {قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} فيه قولان: ~~أحدهما: بعد المشرق من المغرب، وسماها مشرقين على عادة العرب، فإنهم يذكرون ~~[شيئين] مختلفين ويسمونهما باسم واحد، قال الشاعر: # (أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع) # أي الشمس والقمر. # وقال آخر: # (وبصرة الأزد لنا والعراق ... والموصلان ومنا مصر والحرم) # وأراد بالموصلين الموصل والجزيرة. # وروى أن أهل البصرة قالوا لعلي رضي الله عنه حين حاربوه مع عائشة يوم ~~الجمل: إنا نطلب منك سنة العمرين يعني: أبا بكر وعمر، وقال جرير: # (ما كان يرضى رسول الله فعلهم ... والعمران أبو بكر ولا عمر) # والقول الثاني: بعد المشرقين أي: مشرق الشتاء ومشرق الصيف. # وقوله: {فبئس القرين} أي: بئس المقارن أنت. # PageV05P103 # قوله تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} أي: لن ~~يسهل عليكم عذابكم رؤيتكم غيركم مشاركين لكم في العذاب، فكأن الله # PageV05P103 # {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) فإما نذهبن بك ~~فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) ~~فاستمسك} تعالى منعهم التأسي بما يسهل على الإنسان المصيبة والعقوبة، فإنه ~~إذا كان في مصيبة فرأى غيره في مثلها سهل عليه. والتأسي [التسلي] . قالت ~~الخنساء في أخيها صخر: # (ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي) # (وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس [عنه] بالتأسي) # PageV05P104 # وقوله تعالى: {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين} أي: ~~لا تسمع ولا تهدي. # PageV05P104 # وقوله تعالى: {فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون} فيه قولان: أحدهما ~~معناه: فإنما نخرجنك من مكة، فإنا منتقمون منهم يوم بدر بالقتل والأسر. # والقول الثاني: {فإما نذهبن بك} يعني: بالوفاة، فإنا منتقمون منهم بعدك، ~~ويقال: يوم القيامة. # PageV05P104 # قوله تعالى: {أو نرينك الذي وعدناهم} قال السدى: هذا في المشركين. وقال ~~الحسن وقتادة: هذا في أمته. " وروى أن النبي أرى في أمته بعض ما يصيرون ~~إليه، فما رؤي ضاحكا نشيطا بعد ذلك إلى أن فارق الدنيا ms1538 ". # وفي بعض التفاسير: أنه ما من نبي إلا وأري النقمة في أمته إلا نبينا، فإن ~~الله تعالى لم يره النقمة في أمته، وقد كان في أمته من النقمات، ويكون إلى ~~قيام الساعة. # وقوله: {فإنا عليهم مقتدرون} أي: قادرون. # PageV05P104 # {بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر لك ولقومك وسوف ~~تسألون (44) واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة} # PageV05P105 # قوله تعالى: {فاستمسك بالذي أوحى إليك} أي: بالقرآن. # وقوله: {إنك على صراط مستقيم} أي: طريق واضح. # PageV05P105 # وقوله: {وإنه لذكر لك ولقومك} أي: القرآن شرف لك ولقومك. # وقوله: {وسوف تسألون} أي: تسألون عن شكر هذه النعمة. وعن قتادة أو غيره ~~في هذه الآية قال: يقال للرجل: ممن أنت؟ فيقول: من العرب. فيقال له: من أي ~~العرب؟ فيقول: من قريش، فهو معنى قوله: {وإنه لذكر لك ولقومك} وروى بعضهم ~~عن مالك بن أنس قال: {وإنه لذكر لك ولقومك} هو قول القائل: حدثني أبي عن ~~جدي، والمعروف هو القول الأول، ومعنى شرف قريش: أن القرآن نزل بلغتهم، ~~والرسول كان منهم. # PageV05P105 # { [واسأل من أرسلنا من قبلك] من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} ~~المعروف من القول في هذه الآية أن معناه: واسأل أمم من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا. قال ابن الأنباري معناه: وسل تباع من أرسلنا من قبلك من رسلنا. وقال ~~بعضهم: واسأل الذين يقرءون الكتاب ممن أرسلنا إليهم رسلا من قبلك. وفي مصحف ~~ابن مسعود: " واسال الذين أرسلنا إليهم رسلا من قبلك هل جعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون " وهي تفسير القراءة المعروفة. # والقول الثاني في الآية: ما رواه عطاء عن ابن عباس: أن الله تعالى جمع ~~المرسلين ليلة الإسراء في مسجد بيت المقدس ثم إن جبريل أذن، ثم أقام، ثم ~~قال للنبي: تقدم وصل بهم، فلما فرغ من صلاته، قال له: " وسل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا # PageV05P105 # {يعبدون (45) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب ~~العالمين (46) فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها ms1539 يضحكون (47) وما نريهم من ~~آية إلا هي أكبر} وزعم بعضهم أنه سألهم فأجابوا وقالوا: ما أمرنا الله ~~تعالى إلا بالتوحيد والإخلاص. وفي بعض التفاسير: أن ميكائيل قال لجبريل: هل ~~سأل محمد الرسل عما أمر به؟ فقال: لا، كان أشد يقينا وأعلم بالله من أن ~~يسال عن ذلك. فإن قال قائل: ما وجه السؤال والجواب في هذه المسالة؟ والسؤال ~~عن هذا إنما يكون من شاك في الأمر أما من مستقين فلا، والجواب: أن المراد ~~من الآية هو تقرير الرسول على ما يعتقده وتوبيخ الكفار وتوقيفهم أن الأمر ~~على ما يقول الرسول. وقال بعضهم: الخطاب للرسول والمراد منه الأمة، ويقال: ~~[إن] الخطاب للمشركين كأنه أمرهم أن يسألوا مؤمني أهل الكتاب، هل أمر الله ~~بما يزعمونه في كتاب من كتبهم، وهو عبادة الأصنام وتعظيمها؟ وقد كانوا ~~يرجعون إلى قول أهل الكتاب في بعض الأشياء، ويعتمدون عليه، والله أعلم. # PageV05P106 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب ~~العالمين} ظاهر المعنى. # PageV05P106 # وقوله: {فلما جاءهم بآياتنا} أي: بالمعجزات والدلالات. # وقوله: {إذا هم منها يضحكون} يعني: ضحك المستهزئين المكذبين، والمراد من ~~الآية تعجيب الرسول من ضحكهم وتكذيبهم مع ورود الآيات الظاهرة مع موسى ~~صلوات الله عليه. # PageV05P106 # قوله تعالى: {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها} أي: أعظم من الآية ~~المتقدمة. وفي تفسير النقاش: أن الآية الأولى من آيات موسى أن فرعون كان قد ~~جعل على قصره سبع حوائط، بين كل حائطين سباغ وغياض، والأبواب على الحيطان ~~كانت تقفل ولا تفتح إلا بإذنه؛ فلما حضر موسى باب فرعون، انفتحت له ~~الأبواب، # PageV05P106 # {من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يا أيها الساحر ادع ~~لنا ربك} وانكسرت الأقفال، وسجدت له السباع حتى وصل إلى قصر فرعون، فهذه ~~الآية الأولى، ثم إنه لما أحضر فرعون السحرة وألقوا العصا والحبال، وهي شبه ~~الحيات الكبار في أعين الناس ثم ألقى موسى العصا التي كانت معه، وتلقفت ~~جميع الحبال والعصي على ما هو المعروف في القصة، فهذه ms1540 الآية أعظم من ~~الأولى. وزعم بعضهم أن الآيات كلها سواء في الإعجاز والدلالة، إلا أنه سمى ~~الآية الحاضرة أكبر من الذاهبة لحضور هذه الآية وذهاب تلك. وهذا كالرجل ~~يقول في علة تصيبه: ما مرت بي علة مثل هذه العلة، وإن كان قد مرت عليه علل ~~هي أكبر منها أو مثلها، ولكنه يقول هذا القول (لحضور) هذه العلة وذهاب تلك ~~العلة. ومنهم من قال: المراد من الآيات قوله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم} وما من آية أظهرها بعد آية إلا وهي أكبر من ~~الأولى، وما ذكرناه من القول الأول هو الأحسن في المعنى. # وقوله: {وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون} أي: إلى الله تعالى. # PageV05P107 # قوله تعالى: {وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا ~~لمهتدون} فإن قيل: كيف قالوا: يا أيها الساحر ثم قالوا: إننا لمهتدون بك ~~[ولا يهتدي أحد] بالساحر؟ والجواب: أن الساحر عندهم هو العالم، ومعنى قوله ~~{يا أيها الساحر} أي: يا أيها العالم، وهذا قول الكلبي وغيره. وقال الزجاج: ~~قالوا يا أيها الساحر على ما (كانوا) من قولهم له. وقال بعضهم: إنما قالوا ~~ذلك على طريق الاستهزاء والسخرية ولم يكونوا اعتقدوا أن يؤمنوا به. # وقوله: {بما عهد عندك} إنما قالوا ذلك لأن موسى قال لهم: إن آمنتم كشف ~~الله عنكم هذه العقوبة، وهذا مذكور في سورة الأعراف على ما سبق. # PageV05P107 # {بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم العذاب إذ هم ينكثون ~~(50) ونادى فرعون فى قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي} # PageV05P108 # قوله تعالى: {فلما كشفنا عنهم العذاب إذ هم ينكثون} أي: ينقضون العهد، ~~ولا يقولون بقولهم. # PageV05P108 # قوله تعالى: {ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر} قال ~~بعضهم: كان ملكه أربعين فرسخا في أربعين. وقال بعضهم: مسيرة أربعين يوما في ~~أربعين يوما. # وقوله: {وهذه الأنهار تجري من تحتي} أي: من تحت قصري، وقال قتادة: بين ~~يدي. وفي تفسيرالنقاش: أنه كان في زمان فرعون خمسة ms1541 أنهار بمصر اندرست من ~~بعد، ولم يبق منها شيء. وفي هذا التفسير أيضا: أنه كان بمصر سبع خلج التي ~~واحدها خليج، واندرست من بعد، وكان فرعون يركب من فيوم إلى دمياط ~~والإسكندرية فلا يسير إلا تحت الأشجار ملتفة وأنهار جارية. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " رأيت ليلة المعراج سدرة المنتهى وإذا يخرج ~~من أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران قال: فسألت جبريل عن ~~الأنهار فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات ". # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن الله تعالى يغذي النيل بجميع ~~الأنهار من بين المشرق والمغرب، وذلك عند زيادته إلى أن تنتهي الزيادة ~~منتهاها، ثم يرجع إلى ما كان عليه. # وقوله: {أفلا تبصرون} يعني: أفلا ترون. وفي بعض التفاسير: أن معنى ~~الأنهار في هذه الآية هي الأموال، وسماها أنهار لكثرتها وظهورها. # وقوله: {تجري من تحتي} أي: أفرقها على من شئت. قالوا: وإظهار الترغيب # PageV05P108 # {أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) ~~فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترين (53) } والقدرة ~~في هذا أكبر منه في الأنهار، ذكره الماوردي أبو الحسن القاضي. # PageV05P109 # قوله تعالى: {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين} قال بعضهم قوله: {أم} متصل ~~بما قبله، ومعناه: أفلا تبصرون أم تبصرون. وقيل: أم أنتم بصراء وتم الكلام ~~على هذا، ثم ابتداء قوله: {أنا خير} وهذا محكي عن الخليل وسيبويه، وقال ~~بعضهم: " أم " صلة زائدة، والكلام في قوله: {أنا خير من هذا الذي هو مهين} ~~وفي بعض القراءات: (أنا خير) على التفخميم. # وقوله: {من هذا الذي هو مهين} أي: ضعيف حقير. # وقوله: {ولا يكاد يبين} قال أهل التفسير: إنما قال هذا للثغة التي كانت ~~في لسانه، وذلك بما كان بقي في لسانه من العقدة بإلقائه الجمرة في فيه. ~~وقال بعضهم: إنه كان بلسانه لا يمكنه تبيين الكلام غاية البيان، وأنشدوا ~~فيما ذكرنا من قوله: {أم} قول الشاعر: # (فيا ظبية الوغا بين خلاخل ms1542 ... وبين النقا أنت أم سالم) # معناه: أنت أحسن أم سالم. # PageV05P109 # قوله تعالى: {فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب} وفي قراءة ابن مسعود: " ~~أساور من ذهب " وفي القصة: أنهم كانوا إذا سوروا [رجلا] سوروه بسوار من ذهب ~~في يده، وطوقوه بطوق من ذهب في عنقه. والمراد من الآية أنهم قالوا: ولو كان ~~موسى نبيا فهلا سوره الله سوارا، أو طوقه بطوق، أو بعث معه لملائكة أعوانا ~~له على أمره، فهو معنى قوله: {أو جاء معه الملائكة مقترنين} أي: متتابعين ~~يتب بعضهم بعضا. # PageV05P109 # {فاستخف قومه فأطاوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) فلما آسفونا انتقمنت ~~منهم فأغرقناهم أجمعين (55) فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) ولما ضرب ابن ~~مريم} # PageV05P110 # وقوله: {فاستخف قومه فأطاعوه} أي: حركهم بدعائه إياهم (إلى) باطله، فخفوا ~~معه وأجابوه، ويقال: استفزهم، فأطاعوه بجهلهم. # وقوله: {إنهم كانوا قوما فاسقين} أي: خارجين عن الطاعة. ويقال: استخف ~~قومه أي: حملهم على خفة الجهل، ومع العقل الوقار، ومع الجهل الخفة. # PageV05P110 # قوله تعالى: {فلما آسفونا} أي: أغضبونا وأسخطونا. فإن قيل: الأسف إنما ~~يكون على شيء فائت، والله تعالى لا يفوته شيء؟ # والجواب [عنه] : أن معناه الغضب كما بينا، وقال بعضهم: آسفونا أي: فعلوا ~~فعلا لو فعلوه مع مخلوق لكان متأسفا حزينا. وفي بعض الآثار: أن عروة بن ~~الزبير كان جالسا مع وهب بن منبه، فجاء قوم فشكوا عاملهم، وكان العامل ~~حاضرا، فغضب وهب بن منبه وأخذ عصا وشج رأس العامل، فضحك عروة بن الزبير ~~فقال: انظروا إلى هذا ينهى عن الغضب ويغضب؟ فقال وهب: لا، لا تلمني، فإن ~~الله تعالى يغضب وهو خالق الأحلام، ثم قرأ قوله تعالى: {فلما آسفونا ~~انتقمنا منهم} ومعنى قوله: {انتقمنا منهم} أي: بالإغراق والإهلاك، وهو معنى ~~قوله: {فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين} أي: سلفا للكبار ومن ~~بعدهم، ومثلا لمن فعل مثل فعلهم. ومعنى " مثلا " أي: عظة وعبرة. وقرئ " ~~سلفا " وهو جمع سليف، وقرئ: " سلفا " والمعنى في الكل واحد. وعن زيد بن ~~أسلم قال: ما من أحد إلا وله سلف في الخيروالشر. # PageV05P110 # قوله تعالى: ms1543 {ولما ضرب ابن مريم مثلا} أكثر المفسرين على أن هذه الآية ~~نزلت في مخاصمة عبد الله بن الزبعري رسول الله في قوله تعالى: {إنكم وما # PageV05P110 # {مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا ~~جدلا بل} تعبدون من دون الله حصب جهنم) ، فإنه لما نزل قوله تعالى: {إنكم ~~وما تعبدون} إلى قوله: {أنتم له واردون} وقرأها رسول الله على كفار قريش، ~~قال عبد الله بن الزبعري: هذا لنا ولآلهتنا خاصة أم لنا ولجميع الأمم ~~وآلهتهم؟ . فقال: بل لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم وآلهتهم، فقال ابن الزعبري: ~~خصمتك ورب الكعبة، ثم ذكر ما أوردنا من قبل في حق عيسى وعزيز والملائكة ~~عليهم السلام، فعلى هذا قوله تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلا} معناه: لما ~~جعلوا ابن مريم مثلا لآلهتهم، وقالوا: إذا كان ابن مريم في النار فرضينا أن ~~نكون نحن وآلهتنا في النار ". # وقوله: {إذا قومك منه يصدون} بكسر الصاد أي: يضجون ضجاج المجادلين، ~~ويقال: يصدون أي: يضحكون ويفرحون بقول ابن الزبعري. وقرئ " " يصدون " بضم ~~الصاد، ومعناه: يعرضون، وفي الآية قول آخر: وهو أن النبي لما ذكر حديث ~~[عيسى] لقريش، وأنه خلقه الله تعالى من غير أب كما خلق آدم من غير أب، وذكر ~~ما أظهر الله على يده من الآيات جعلت قريش يضحكون، وقاوا ما يريد محمد من ~~ذكر عيسى إلا أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى، وهذا قول مجاهد. # PageV05P111 # قوله تعالى: {وقالوا أآلهتنا خير أم هو} على القول الأول معناه: أآلهتنا ~~خير أم عيسى؟ بل عيسى خير من آلهتنا، فإذا كان عيسى في النار فلتكن آلهتنا ~~في النار. وعلى القول الثاني: أآلهتنا خير أم هو؟ يعني: محمدا، فإذا كان ~~محمد يطلب أن نعبده فنحن نعبد آلهتنا. وفي قراءة أبي بن كعب: " أآلهتنا خير ~~أم هذا "؟ وهذا يؤيد القول الثاني. # وقوله: {ما ضربوه لك إلا جدلا} يعني: ما قالوا هذا القول إلا مجادلة ~~بالباطل؛ # PageV05P111 # {هم قوم خصمون (58) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني ms1544 إسرائيل ~~(59) ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60) وإنه لعلم للساعة ~~فلا تمترن} لأنهم علموا أن ابن مريم لا يدخل النار وعلموا أنه غير داخل في ~~الآية؛ لأن الله تعالى قال: {إنكم وما تعبدون} و " ما " لمن لا يعقل، لا ~~لمن يعقل. # وقوله: {بل هم قوم خصمون} أي: مخاصمون بغير الحق، وقد ثبت عن النبي ~~برواية أبي أمامة رضي الله عنه أنه عليه السلام قال: " ما ضل قوم بعد هدى ~~كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ قوله تعالى: {ما ضربوه لك إلا جدلا بل ~~هم قوم خصمون} . والمراد بالآية المجادلة بالباطل لا المجادلة في طلب الحق ~~أو لبيان الحق؛ لأنه تعالى قد قال في موضع آخر: {وجادلهم بالتي هي أحسن} ~~وقال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} . # PageV05P112 # قوله تعالى: {إن هو إلا عبد} يعني: عيسى عليه السلام وما عيسى ابن مريم ~~إلا عبد {أنعمنا عليه} أي: بالنبوة والآيات. # وقوله: {وجعلناه مثلا} أي: عظة وعبرة لبني إسرائيل، ويقال: جعلناه مثلا ~~لهم أي: بشرا مثلهم. # PageV05P112 # وقوله: {ولو نشاء لجعلنا منكم} أي: بدلا منكم {ملائكة في الأرض يخلفون} ~~أي: تخلفكم، ويقال: يخلف بعضكم بعضا. # PageV05P112 # قوله تعالى: {وإنه لعلم للساعة} معناه. أن عيسى عليه السلام شرط من # PageV05P112 # {بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ~~(62) ولما جاء عيسى بلبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون فيه} أشراط الساعة، فيعلم بنزوله علم الساعة، وقد ثبت عن النبي أنه ~~قال: " لينزلن ابن مريم حكما مقسطا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ". الخبر. # وفي بعض الأخبار: أنه " ينزل على ثنية فوق جبل من جبال بيت المقدس وليه ~~ممصرتان وبيده حربة يقتل بها الدجال "، وقرأ ابن عباس: {وإنه لعلم للساعة} ~~أي: آية من آيات حضورها. # قال الفرزدق يمدح علي بن الحسين: # (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والركن يعرفه والحل والحرم) # (هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم) # وقوله: {فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط ms1545 مستقيم} أي: لا تشكن فيها أي: ~~القيامة، والباقي ظاهر المعنى. # PageV05P113 # قوله تعالى: {ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين} قال ابن عباس: من ~~عداوته أنه أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنهم لباس النور. # PageV05P113 # قوله تعالى: {ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم ~~بعض الذي تختلفون فيه} قال أبو عبيدة: كل الذي تختلفون فيه. وقال غيره من ~~أهل اللغة: لا يصح البعض بمعنى الكل، ومعنى الآية: ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون فيه في الإنجيل، وبعض الذي تختلفون فيه في غير الإنجيل. ويقال ~~معناه: ولأبين لكم ما اختلفتم فيه من أمر دينكم لا من أمر دنياكم، فهو بعض ~~ما اختلفتم فيه، والله أعلم. # PageV05P113 # {فاتقوا الله وأطيعون (63) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ~~(64) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (65) هل ~~ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) الأخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدو إلا} # وقوله: {فاتقوا الله وأطيعون} ظاهر المعنى. # PageV05P114 # وقوله: {إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} قد بينا. # PageV05P114 # قوله تعالى: {فاختلف الأحزاب من بينهم} هؤلاء هم الذين اختلفوا في عيسى ~~بعد رفعه إلى السماء، فقال بعضهم: هو ابن الله، وقال بعضهم: هو الله، وقال ~~بعضهم: هو ثالث ثلاثة. # وقوله: {فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم} أي: موجع. # PageV05P114 # قوله تعالى: {هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} أي: فجأة، وقوله: ~~{وهم لا يشعرون} أي: لا يعلمون بمجيئها، قال أهل العلم: وقد أخفى الله ~~تعالى أمر الساعة وزمان قيامها ليكون أبلغ في الإنذار والتخويف. # PageV05P114 # قوله تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو} في التفسير: أنهم أمية بن ~~خلف، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو جهل بن ~~هشام، والنضر بن الحارث، وحفص بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة. وذكر النقاش: أن ~~عقبة بن أبي معيط كان صديقا لأمية بن خلف، وكان غقبة يأتي النبي ويجلس عنده ~~ويسمع كلامه، فقال له أمية بن خلف: لقد صبوت يا ms1546 عقبة، فقال: والله ما صبوت. ~~فقال: وجهي من وجهك حرام إن لم تتفل في وجه محمد، ففعل عقبة ذلك، فقال له ~~الرسول: " لئن قدرت عليك خارج الحرم لأريقن دمك، فضحك عقبة، وقال: يا ابن ~~أبي كبشة، ومن أين تقدر علي خارج الحرم؟ فلما كان يوم بدر وأسر عقبة أمر ~~النبي عليا في بعض الطريق أن يضرب عنقه، فقال: يا معشر قريش، مالي أقتل من ~~بينكم. فقال النبي: بتكذيبك الله وتكذيبك رسوله. فقال: ومن للمصبية؟ فقال: ~~النار ". # PageV05P114 # {المتقين (67) يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68) الذين ~~آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) ~~يطاف عليهم} وفي بعض الأخبار عن النبي، وقيل: هو عن علي، قال: " الأخلاء ~~أربعة: مؤمنان، وكافران، فيتقدم أحد المؤمنين فيقال له: ما تقول في فلان؟ ~~يعني: خليله فيقول: لقد عرفته آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، اللهم بشره ~~كما بشرتني، وارض عنه كما رضيت عني، ويتقدم أحد الكافرين فيقال له: ما تقول ~~في فلان؟ يعني: خليله، فيقول: عرفته آمرا بالمنكر ناهيا عن المعروف، اللهم ~~أدخله النار كما أدخلتني، واخزه كمت أخزيتني "؟ # وفي التفسير: أن كل أخوة تكون في الدنيا عن معصية تصير عداوة يوم ~~القيامة، وكل أخوة تكون عن دين تبقى يوم القيامة. # وعن مجاهد قال: قال لي ابن عباس: أحب لله وأبغض لله، ووال في الله، وعاد ~~في الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بهذا. # وقوله: {إلا المتقين} فقال: إن هذا في أصحاب النبي حين آخى رسول الله ~~بينهم قال: رسول الله وعلى أخوان، وأبو بكر وعمر أخوان، وطلحة والزبير ~~أخوان، وعثمان وعبد الرحمن بن عوف أخوان، إلى غير هذا. # PageV05P115 # قوله تعالى: {يا عباد لا خوف عليكم اليوم} وروى أن الله تعالى يقول يوم ~~القيامة: {يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} فيرفع جميع الخلائق ~~رءوسهم، # PageV05P115 # فيقول: {الذين آمنوا بآياتنا} فيرفع جميع المؤمنين واليهود والنصارى ~~رءوسهم فيقول: {وكانوا مسلمين} فينكس جميع الخلق رءوسهم سوى المسلمين. وذكر ~~بعضهم قوله: {الذين آمنوا ms1547 بآياتنا وكانوا مسلمين} مرة واحدة في النداء. # PageV05P115 # قوله تعالى: {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون} أي: تنعمون، وقيل: # PageV05P115 # {بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها ~~خالدون (71) وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) لكم فيها ~~فاكهة كثيرة منها تأكلون (73) إن المجرمين في عذاب حهنم خالدون (74) لا ~~يفتر عنهم وهم فيه} تكرمون. والحبورة في اللغة هي السرور والفرح. يقال: ما ~~من حبرة إلا وبعدها عبرة، وعن يحيى بن أبي كثير قال: تحبرون هو السماع في ~~الجنة. # PageV05P116 # قوله تعالى: {يطاف عليهم بصحاف من ذهب} الصحاف: القصاع، واحدها [صحفة] . ~~وفي التفسير: سبعون ألف [صحفة] فيها ألوان الأطعمة. # وقوله: {وأكواب} الأكواب واحدها كوب، وهو إناء مستدير ليس له عروة ولا ~~خرطوم. # وقوله: {وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين} أي: تشتهيه الأنفس، وقد قرئ ~~هكذا في بعض القراءة المعروفة. # وقوله: {وتلذ الأعين} إنما نسب اللذة إلى الأعين؛ لأن المناظر الحسنة تلذ ~~النفوس، فنسب اللذة إلى الأعين؛ لأن نسبتها كانت إليها أليق. # وقوله: {وأنتم فيها خالدون} أي: مقيمون لا يخرجون أبدا. # PageV05P116 # قوله تعالى: {وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} قال ابن عباس: ما من ~~أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فيرث المؤمن منزل الكافر في ~~الجنة، ويرث الكافر منزل المؤمن في النار. # PageV05P116 # قوله تعالى: {لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون} ظاهر المعنى. # PageV05P116 # قوله تعالى: {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون} أي: مقيمون. # PageV05P116 # وقوله: {لا يفتر عنهم} أي: لا يخفف عنهم. # PageV05P116 # {مبلسون (75) وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) ونادوا يا مالك ~~ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77) لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق ~~كارهون (78) أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم بلى} # وقوله: {وهو فيه مبلسون} أي: آيسون من الخروج، والملبس في اللغة هو ~~الساكت الذي سكت تحيرا ويأسا. # PageV05P117 # قوله تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} معناه: إنا جازيناهم ~~بعملهم، ولم نزد عليهم شيئا. # PageV05P117 # قوله تعالى: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك} أي: ليمتنا ms1548 ربك. قال عبد ~~الله ابن عمرو بن العاص: ينادون [مالكا] أربعين سنة. وقال ابن عباس: ~~ينادونه ألف سنة ثم يجيبهم فيقول: إنكم ماكثون، ثم ينادون الله تعالى، ~~ويقولون {ربنا غلبت علينا شقوتنا} فلا يجيبهم عمر الدنيا، ثم يقول: {اخسأوا ~~فيها ولا تكلمون} . فلا يسمع منهم بعد ذلك إلا شبه صوت الحمر من الزفير ~~والشهيق. # PageV05P117 # قوله تعالى: {لقد جئناكم بالحق} أي: بالقرآن. # وقوله: {ولكن أكثرهم للحق كارهون} أي: كرهتم مجيء الحق ودعوتكم إليه. # PageV05P117 # قوله تعالى: {أم أبرموا أمرا} الإبرام هو إحكام الأمر، ومعناه: أنهم ~~عزموا وأجمعوا على التكذيب، ونحن أجمعنا على التعذيب، فهذا معنى قوله: ~~{فإنا مبرمون} ويقال: أم أبرموا أي: كادوا كيدا، ومكروا مكرا، وقوله: {فإنا ~~مبرمون} ) أي: نقابل كيدهم ومكرهم بالإبطال، ونجازيهم جزاء مكرهم، وهو في ~~معنى قوله تعالى: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} . # PageV05P117 # قوله تعالى: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم} روى أن الأخنس والأسود ~~بن عبد يغوث كانا عند الكعبة، فقال أحدهما لصاحبه: أترى الله يسمع ما # PageV05P117 # {ورسلنا لديهم يكتبون (80) قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) ~~سبحان} نقول: فقال الآخر: إن جهرنا يسمع، وإن أسررنا لم يسمع؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # وقوله: {بلى ورسلنا} يعني: بلى نسمع {ورسلنا لديهم يكتبون} أي: يكتبون ~~بما يعملون ويقولون. # PageV05P118 # قوله تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} الآية مشكلة، ~~وفيها أقوال: أحدها: قول مجاهد، وهو أن معناه: قل إن كان للرحمن ولد على ~~زعمكم فأنا أول العابدين أنه إله لا ولد له ولا شريك له، وأن ما قلتموه ~~باطل وكذب، وهذا أحسن الأقاويل. # والقول الثاني: أن " إن " هاهنا بمعنى " ما "، ومعناه: قل ما كان للرحمن ~~ولد وتم الكلام، ثم قال: فأنا أول العابدين، وأهل النحو يستبعدون هذا، ~~ويقولون: لا يجوز أن تكون " إن " بمعنى " ما " إلا على بعد عظيم. # والقول الثالث: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أي: الآنفين، ~~يقال: عبد إذا أنف، قال الفرزدق: # (أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... وأعبد أن يهجى ms1549 كليب بدارم) أي: آنف. وحكى ~~بعضهم: أن عليا رضي الله عنه قال: قيل لي: إنك قتلت عثمان فعبدت وسكت أي: ~~أنفت. # وحقيقة المعنى في الآية على هذا القول: أنى غضب (وله غضب) أنف أن ينسب ~~إليه ولد كما تزعمون. # PageV05P118 # {رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون (82) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعون (83) وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو ~~الحكيم العليم (84) وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده ~~علم الساعة وإليه ترجعون (85) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من ~~شهد} # والقول الرابع: أن هذا على النفي من الجانبين بمعنى: إن كان للرحمن ولد ~~فأنا أول العابدين، وليس له ولد ولا أنا أول عابد، وهذا كالرجل يقول لغيره: ~~إن كنت كاتبا فأنا حاسب يعني: لست بكاتب ولا أنا حاسب، وحكى هذا عن سفيان ~~بن عيينة والسدى. # PageV05P119 # قوله تعالى: {سبحان رب السموات والأرض} أي: خالق السموات والأرض. # وقوله: {رب العرش عما يصفون} أي: عما يصفونه بالولد. # PageV05P119 # قوله تعالى: {فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون} أي: ~~يوم القيامة. # PageV05P119 # قوله تعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} أي: معبود في السماء ~~والأرض. # وقوله: {وهو الحكيم العليم} قد بينا. # PageV05P119 # قوله تعالى: {وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده علم ~~الساعة} أي: علم قيام الساعة. # وقوله: {وإليه ترجعون} أي: تردون. # PageV05P119 # قوله تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} قال مجاهد: أي: عيسى ~~وعزيز والملائكة. وقال قتادة: الأصنام لأن للملائكة والنبيين شفاعة. # وقوله: {إلا من شهد بالحق} معناه على القول الأول: إلا لمن شهد بالحق، ~~وهو من شهد بلا إله إلا الله. وعلى القول الثاني: لكن من شهد بالحق وهو ~~يشفع، فعلى # PageV05P119 # {بالحق وهم يعلمون (86) ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون ~~(87) وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) فاصفح عنهم وقل سلام فسوف ~~يعلمون (89) } هذا الأنبياء يشفعون، والمؤمنون يشفعون. # وقوله: {وهو يعلمون} ظاهر المعنى، ومعناه: يشهدون عن علم. # PageV05P120 # قوله ms1550 تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون} أي: يصرفون. # PageV05P120 # قوله تعالى: {وقيله يا رب} فيه قراءتان معروفتان: " وقيله " بنصب اللام، ~~" وقيله " بكسر اللام، والقراءة الثالثة: " قيله " بالضم، وهي قراءة ~~الأعرج، أما بنصب اللام فمعناه: ويسمع قيله، فهو راجع إلى قوله: {أم يحسبون ~~أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى} أي: بلى نسمع سرهم ونجواهم، ونسمع قيله. ~~وقال الزجاج: ونعلم قيله، وهو راجع إلى قوله: {وعنده علم الساعة} ويعلم ~~قيله. وعن بعضهم: " وقيله " أي: وقال: قيله أي: قال: قوله من الشكوى عن ~~الكفار يعني: الرسول صلوات الله عليه. # وأما القراءة بكسر اللام فمعناه: وعنده علم قيله، وهو عطف على قوله ~~تعالى: {وعنده علم الساعة} . # وأما رفع اللام فعلى الابتداء، فكأنه قال: وقوله يارب، إن هؤلاء قوم لا ~~يؤمنون. # PageV05P120 # قوله تعالى: {فاصفح عنهم} أي: أعرض عنهم، وهذا قبل نزول آية السيف. ~~[فنسخت] بآية السيف. # وقوله: {وقل سلام} أي: قل ما تسلم به عن شرهم، قال الحسن: " وقل سلام " ~~أي: احلم عنهم. ويقال: هذا سلام توديع، وليس بسلام تحية. # وقوله: {فسوف يعلمون} تهديد ووعيد. # PageV05P120 # بسم الله الرحمن الرحيم # {حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ~~(3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) } # تفسير سورة حم الدخان # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # PageV05P121 # قوله تعالى: {حم والكتاب المبين} أي: الكتاب الذي بين فيه الحلال ~~والحرام، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد. # PageV05P121 # قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} فيه قولان: أحدهما: أنها ليلة ~~القدر، وهذا قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين. # والقول الثاني: قول عكرمة، وهو أنها ليلة النصف من شعبان، وسماها مباركة ~~لكثرة الخير فيها. والبركة: نماء الخير، ونقيضة الشؤم: نماء الشر. وقيل: ~~مباركة لأنه يرجى فيها إجابة الدعاء. # وقوله: {إنا أنزلناه} أي: القرآن، وفي معنى هذا الإنزال قولان: أحدهما: ~~أنه أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم كان جبريل عليه ~~السلام يأتي به شيئا فشيئا إلى أن أنزل جميعه. # والقول الثاني: أن المراد بالإنزال هاهنا ms1551 ابتداء الإنزال. # ومعنى قوله: {أنزلناه} أي: ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. # وقوله: {إنا كنا منذرين} أي: مخوفين. # PageV05P121 # قوله تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} أي: يقضي كل أمر محكم، وذلك من ~~الأرزاق والآجال والحياة والموت والخير والشر. قال مجاهد: إلا السعادة ~~والشقاوة # PageV05P121 # {أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) ~~رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحيي ويميت ~~ربكم ورب آبائكم الأولين (8) بل هم في شك يلعبون (9) فارتقب يوم تأتي ~~السماء} فإنهما لا يبدلان ولا يغيران، وعن بعضهم: إلا الموت والحياة أيضا، ~~وفي التفسير: أنه يفرق الأحكام في هذه الليلة إلى السنة القابلة عند هذه ~~الليلة. # PageV05P122 # وقوله: {أمرا من عندنا} نصب على المصدر كأنه قال: يفرق فرقا، ثم وضع أمرا ~~مكان قوله: فرقا. # وقوله: {من عندنا إنا كنا مرسلين} أي: منزلين هذه الأشياء. # PageV05P122 # قوله تعالى: {رحمة من ربك} أي: إنزال القرآن رحمة من ربك. # وقوله: {إنه هو السميع العليم} ظاهر المعنى. # PageV05P122 # قوله تعالى: {رب السموات والأرض} وقرئ: " رب السموات " فقوله: " رب " بضم ~~الباء عطف على قوله: {هو السميع العليم} وأما بالكسر بدل عن قوله: {من ربك} ~~. # وقوله: { [وما بينهما] إن كنتم موقنين} اليقين ثلج الصدر بما يعلمه. # PageV05P122 # قوله تعالى: {لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين} أي: ~~المتقدمين. # PageV05P122 # قوله تعالى: {بل هم في شك يلعبون} أي: يسمعون سماع لاعب، ويقولون قول ~~لاعب، ويقبلون قبول لاعب. # PageV05P122 # قوله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} قال ابن مسعود: هذا ~~الدخان في الدنيا، وذلك أن النبي دعا على كفار مضر، وقال: " اللهم اشدد ~~وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " فأصابتهم المجاعة والقحط # PageV05P122 # {بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) ربنا اكشف عنا العذاب ~~إنا مؤمنون (12) أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) } الشديد، وأجدبت ~~الأرض حتى أكلت العظام والميتات، وكان الرجل منهم ينظر إلى السماء فيرى ~~بينه وبين السماء شبه الدخان من الجوع، فروى " أن أبا سفيان ms1552 قدم على النبي، ~~وقال: يا محمد دعوت على قومك يعني قريشا وإنما هم إخوانك وأعمامك وأمهاتك ~~وخالاتك فادع لهم فدعا لهم حتى سقوا ". # وروى أنه بعث معه بذهب إلى فقراء مكة حتى قسمه فيهم. # والقول الثاني: أن الدخان يكون في القيامة، وهذا قول الحسن وقتادة، وقيل: ~~هو الأصح. وفي التفسير: أن الناس يوم القيامة يأخذهم شبه دخان، فأما ~~المؤمنون فيصيبهم مثل الزكام، وأما الكافرون فيدخل الدخان في مسامعهم ~~وأنوفهم، وتصير رؤوسهم مثل الجنابذ، وقيل: إن الدخان شرط من أشراط الساعة، ~~وفي بعض الأخبار: " بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ~~والدابة، والدجال، وخاصة الرجل في نفسه، وأمر العامة " ومعنى خاصة الرجل هو ~~الموت، ومعنى أمر العامة هو القيامة. وكان ابن مسعود يقول: قد مضى خمس: ~~الدخان، والدم، والقمر، والبطشة، واللزام. # PageV05P123 # قوله تعالى: {يغشى الناس هذا عذاب أليم} أي: مؤلم. # PageV05P123 # قوله تعالى: {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} أي: مصدقون بمحمد إن ~~كشفت، وهو حكاية عن الكافرين. # PageV05P123 # قوله تعالى: {أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين} معناه: التذكرة # PageV05P123 # {ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم ة ~~عائدون (15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16) ولقد فتنا قبلهم قوم ~~فرعون وجاءهم رسول كريم (17) أن أدوا إلى عباد الله إني لكم رسول أمين (18) ~~} والاتعاظ، وقوله: {مبين} أي: موضح، {أنى} بمعنى: كيف. # PageV05P124 # قوله تعالى: {ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون} والمعنى: أين لهم الاتعاظ ~~والتذكر، وقد تولوا عن مثل هذا الرسول وأعرضوا عنه، وزعموا أنه معلم مجنون، ~~ومعنى قوله: {معلم} أي: علمه جبر غلام ابن الحصرمي وعداس، وقد ذكرنا من ~~قبل. # PageV05P124 # قوله تعالى: (إنا كاشفوا العذاب قليلا) أي: بدعاء النبي، والعذاب هو ~~الدخان والقحط الذي ذكرنا، وقوله: {قليلا} أي: مدة قليلة. # وقوله: {إنكم عائدون} أي: عائدون إلى الكفر، وقيل: صائرون إلى العذاب وهو ~~النار. # PageV05P124 # وقوله تعالى: {يوم نبطش البطشة الكبرى} فيه قولان أحدهما: أنه يوم بدر، ~~والبطشة الكبرى بالأسر والقتل، والقول الآخر: أنه القيامة، وهو الأصح. # وقوله: {إنا منتقمون} أي: ms1553 منتقمون بالعقوبة من الكفار. # PageV05P124 # قوله تعالى: {ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون} أي: ابتلينا. # وقوله: {وجاءهم رسول كريم} أي: كريم على الله، ويقال: كريم أي: حسن ~~الأخلاق، وهو موسى عليه السلام. # PageV05P124 # قوله تعالى: {أن أدوا إلى عباد الله} أي معناه: أرسلوا معي عباد الله، ~~يعني: بني إسرائيل، وقيل معناه: {أدوا إلى عباد الله} أي: ياعباد الله، ~~كأنه قال: أجيبوا لي وأطيعون ياعباد الله، فهو معنى الأول. # وقوله تعالى: {إني لكم رسول أمين} أي: ذو أمانة، وعن أبي بكر الصديق # PageV05P124 # {وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) وإني عذت بربي وربكم ~~أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) فدعا ربه أن هؤلاء قوم ~~مجرمون (22) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) } رضي الله عنه # PageV05P125 # وألا تعلوا على عباد الله أي: لا تتكبروا ولا تبغوا بالجحود والتكذيب. # وقوله: {إني آتيكم بسلطان مبين} أي: بحجة بينة. # PageV05P125 # قوله تعالى: {وإني عذت بربي وربكم} أي: التجأت إلى ربي وربكم واعتصمت به. # وقوله: {أن ترجمون} أي: تقتلون، وكانوا أوعدوه بالقتل، وقيل: أن ترجمون ~~أي: تسبون، والقول الأول أولى؛ لأنهم وصلوا إليه بالسب، فإن النسبة إلى ~~السحر والكذب أعظم السب، ولم يصلوا إليه بالقتل. # PageV05P125 # قوله تعالى: {وإن لم تؤمنوا لي} أي: تصدقوني {فاعتزلون} أي: اعتزلوا منى، ~~وكونوا كفافا، لا لي ولا علي. # PageV05P125 # قوله تعالى: {فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون} أي: مشركون. # PageV05P125 # قوله تعالى: {فأسر بعبادي} أي: أوحى الله تعالى أن أسر بعبادي {ليلا} أي: ~~بليل. # وقوله: {إنكم متبعون} يعني: أن فرعون وجنده يتبعونكم. # قوله تعالى: {واترك البحر رهوا} في قوله: {رهوا} أقوال: أحدها: ساكنا، ~~والآخر: يبسا، والثالث: طريقا، والرابع: سهلا دمثا، وقال الشاعر: # (يمشين رهوا فلا الأعجاز داخلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل) # وفي القصة: أن موسى لما عبر البحر عطف على البحر ليضربه بعصا فيعود إلى # PageV05P125 # {واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) كم تركوا من جنات وعيون (25) ~~وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوما ~~آخرين (28) فما بكت عليهم السماء والأرض} ما كان، فأوحى ms1554 الله تعالى # PageV05P126 # : {واترك البحر رهوا} أي: ساكنا. # وقوله: {إنهم جند مغرقون} أي: فرعون وقومه، وروى أن جند فرعون كانوا سبعة ~~آلاف ألف رجل، وجند موسى ستمائة ألف و (نيف) ، وقيل: ألف وستمائة ألف: ~~والله أعلم. # PageV05P126 # قوله تعالى: {كم تركوا من جنات} أي: بساتين، وقيل: كان من الفيوم إلى ~~دمياط والإسكندرية بساتين متصلة. # وقوله: {وعيون} أي: أنهار. # PageV05P126 # وقوله: {وزروع} أي: حروث. # وقوله تعالى: {ومقام كريم} أي: المنازل الحسنة، ويقال: المنابر، وقيل: إن ~~فرعون كان قد أمر باتخاذ منابر كثيرة بمصر ليثني عليها فيها. # PageV05P126 # وقوله: {ونعمة كانوا فيها فاكهين} أي: متنعمين، وقرئ: " فكهين " أي " ~~معجبين، والنعمة ما يتنعم به. # PageV05P126 # قوله تعالى: {كذلك وأورثناها قوما آخرين} أي: بني إسرائيل، وفي القصة: أن ~~الله تعالى لما أغرق فرعون وقومه رجعت بنو إسرائيل إلى مصر، ونزلوا منازل ~~آل فرعون وسكنوها. # PageV05P126 # قوله تعالى: {فما بكت عليهم السماء والأرض} فيه أقوال: أحدها: ما روى أنس ~~أن النبي قال: " ما من مسلم إلا وله بابان في السماء باب يصعد منه عمله، ~~وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، ثم تلا قوله تعالى: {فما بكت ~~عليهم # PageV05P126 # السماء والأرض) ". وعن مجاهد قال: إذا مات العبد المسلم بكى عليه مصلاه ~~أربعين صباحا، وفي رواية عن علي رضي الله عنه أنه إذا مات العبد المسلم بكى ~~عليه موضعه الذي كان يصلي فيه، وبابه الذي كان يصعد [منه] عمله. قال أبو ~~يحيى: قلت لمجاهد: كيف تبكي السماء والأرض؟ فقال: ألا تبكي الأرض على من ~~يعمرها بالركوع والسجود، ولا تبكي السماء على مؤمن يصعد عليه عمله الصالح؟ ~~! وعن الحسن البصري قال: فما بكت عليهم السماء والأرض أي: أهل السماء ~~والأرض، مثل قوله تعالى: {واسأل القرية} أي: أهل القرية. وعن بعضهم: أن ~~بكاء السماء حمرة أطرافها، وعن بعض التابعين: أن الحسين بن علي رضي الله ~~عنهما لما قتل احمرت أطراف السماء أربعين صباحا، وكان ذلك لبكائها عليه. ~~وعن بعضهم: أن معنى بكاء السماء والأرض هاهنا هو أنهما لو كانا ممن يبكيان ~~لم يبكيا على ms1555 الكافر لما يعرفان من شدة غضب الله عليه. # والمعروف من الأقوال هو الأول، وهو المنقول عن السلف. وعن بعضهم قال: ~~إنما ذكر بكاء السموات والأرض؛ لأن العرب تقول في المصيبة العظيمة مثل هذا، ~~فيقولون: كسفت الشمس لموت فلان، وبكت السماء عليه، قال الشاعر: # (فالشمس كاسفة ليس بطالعة تبكي ... عليك نجوم الليل والقمرا) # وقوله: {وما كانوا منظرين} أي: مؤخرين ممهلين. # PageV05P127 # {وما كانوا منظرين (29) ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من ~~فرعون إنه كان عاليا من المسرفين (31) ولقد اخترناهم على علم على العالمين ~~(32) وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين (33) إن هؤلاء ليقولون (34) إن ~~هي إلا موتتنا} # PageV05P128 # قوله تعالى: {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين} في التفسير: أن ~~فرعون كان يستحقر بني إسرائيل ويستذلهم، وكان لإسرائيل وأولاده قدر عظيم ~~عند الله تعالى. # PageV05P128 # وقوله: {من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين} أي: جبارا متكبرا من ~~المشركين. # PageV05P128 # قوله تعالى: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} معناه: اخترناهم على ~~علم منا بهم، وقوله: {على العالمين} أي: على عالمي زمانهم، ويقال: على جميع ~~العالمين؛ لأنه خصهم بكثرة الأنبياء منهم، فلهم الفضل على جميع العالمين ~~بهذا المعنى، والمعروف هو الأول. # PageV05P128 # قوله تعالى: {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} الآيات مثل: فلق ~~البحر وإنحراق فرعون، وإنجاء موسى ومن معه، وإنزال المن والسلوى، إلى غير ~~ذلك من الآيات، وقوله: {ما فيه بلاء مبين} أي: نعمة حسنة، تقول العرب: ~~لفلان عندي بلاء حسن أي: نعمة حسنة، وفي القصة: أن فرعون كان يستعمل ~~الأقوياء من بني إسرائيل في العمل حتى دبرت صدورهم وظهورهم من نقل الحجارة، ~~ويذبح الأبناء، ويستحي النساء، ويستعلمهن في الغزل والنسيج، وما أشبه ذلك، ~~وكان قد ضرب على ضعفاء بني إسرائيل على كل واحد منهم ضريبة فيؤديها كل يوم، ~~وكان القبطي يأتي إلى الإسرائيلي فيسخره فيما شاء من العمل، فإذا كان الظهر ~~خلاه، وقال: اذهب واكتسب ما تأكله، ولا يعطيه شيئا يأكله؛ فنجاهم الله ~~تعالى من هذه البلايا. # PageV05P128 # وقوله تعالى: {إن هؤلاء ليقولون} يعني: مشركي ms1556 مكة. # PageV05P128 # وقوله: {إن هي إلا موتتنا الأولى} معناه: أنا نموت مرة ولا نبعث بعد ذلك. # وقوله: {وما نحن بمنشزين} أي: بمبعوثين، قال الشاعر: # PageV05P128 # {الأولى وما نحن بمنشرين (35) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) أهم خير ~~أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) وما خلقنا ~~السموات والأرض} # (يا آل بكر أنشروا لي كليبا ... يا آل بكر أين أين الفرار) # PageV05P129 # قوله تعالى: {فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} قال أهل التفسير: إن أبا جهل ~~قال: يا محمد، أنسر لنا بعض آبائنا وليكن فيهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا ~~صدوقا. وروى أنهم طلبوا منه أن يحيي لهم لؤي بن غالب، ومرة بن كعب، وقصي بن ~~كلاب. # PageV05P129 # قوله تعالى: {أهم خير أم قوم تبع} يعني: أهم أكثر قوة وأعظم نعمة أم قوم ~~تبع. وفي بعض الأخبار: أن النبي قال: " لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم ". # وعن عائشة رضي الله عنها أن تبعا كان مسلما، والتبابعة في ملوك اليمن ~~كالقياصرة في ملوك الروم، والأكاسرة في ملوك العجم. # وفي القصة: أن تبعا خرج إلى العراق فحير الحيرة، وغزا الصين، وهو الذي ~~هدم حصن سمرقند، واستدل من قال: إن تبعا كان قد أسلم، أن الله تعالى ذم قوم ~~تبع، ولم يذم تبعا، وفي القصة: أن إسلامه كان على يد اليهود، وكان أولئك ~~اليهود على الحق. # وقوله: {والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين} أي: ذو جرم. # PageV05P129 # قوله تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين} أي: عابثين. # PageV05P129 # {وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~(39) أن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ولا ~~هم ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) إن شجرة الزقوم ~~(43) طعام الأثيم} # PageV05P130 # قوله تعالى: {وما خلقناهما إلا بالحق} يعني: للثواب العظيم، والعذاب ~~العظيم، والمراد أهل السموات والأرض. # وقوله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} # PageV05P130 # قوله تعالى: {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} يعني: يوم القيامة يفصل فيه ~~بين الخلائق أي: يقضي، ويقال: يقضي ms1557 فيه بين المرء وعمله. # PageV05P130 # وقوله تعالى: {يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا} أي: قريبا عن قريب شيئا، ~~ومعناه: أن المؤمن لا ينصر قريبه الكافر، ويقال: لا يتولى المؤمن الكافر ~~لقرابته منه، ومنه قول النبي: " من كنت مولاه فعلي مولاه " أي: من تولينه ~~انا فعلي مولاه من (موالاة) المحبة والنصرة، ويقال: إن الخبر ورد على سبب، ~~وهو أن عليا قال لأسامة رضي الله عنه: أنت مولاي، فقال أسامة: لست مولاك، ~~إنما أنا مولى رسول الله: فقال رسول الله: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". # وقوله: {لا يغنى} أي: لا يدفع. # وقوله: {ولا هم ينصرون} أي: لا يمنعون من العذاب. # PageV05P130 # قوله تعالى: {إلا من رحم الله} يعني: أن المؤمنين يشفع بعضهم بعضا، ~~ويتولى بعضهم بعضا، فالشفاعة: هو نفع الموالاة. # وقوله: {إنه هو العزيز الرحيم} أي: المنيع في ملكه، الرحيم بخلقه. # PageV05P130 # قوله تعالى: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} أي: الفاجر، وقيل: الكافر، وهو ~~أبو # PageV05P130 # ((44} كالمهل يغلي في البطون (45) كغلي الحميم (46) خذوه فاعتلوه إلى ~~سواء الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم (49) إن هذا ما كنتم به تمترون (50)) جهل في قول أكثر المفسرين، وقد ~~بينا معنى الزقوم، وروى أن المشركين أتوا أبا جهل وقالوا له: إن محمدا ~~توعدنا بالزقوم، فهل تدري ما الزقوم؟ فقال: والله إذا أنزلته غارت، هو ~~الصرفان بالزبد، نوع من التمر الجيد. واعلم أن الزقوم في اللغة كل طعام ~~يتناول على كره شديد. وقال بعضهم: إن الزقوم هو الطعام اللين في لسان ~~البربر لا في لسان العرب. # PageV05P131 # وقوله: {كالمهل} هو عكر الزيت، وقيل: عكر القطران، وقيل: الفضة المذابة. # قوله تعالى: {يغلي في البطون كغلي الحميم} أي: يغلي المهل في البطون، ~~وقيل: القوم في البطون، وهو الأصح. # PageV05P131 # وقوله: {كغلى الحميم} أى: كغلي الماء الحار الذي انتهى حره. # PageV05P131 # قوله تعالى: {خذوه فاعتلوه} أي: جروه، وقيل: سوقوه بعنف. # وقوله: {إلى سواء الجحيم} أي: إلى وسط الجحيم. # PageV05P131 # قوله تعالى: {ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم} في التفسير: أنه ms1558 يثقب وسط ~~رأس أبي جهل ويصب فيه الحميم، فتخرج أمعاؤه من أسفله. # PageV05P131 # قوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} أي: يقال له: ذق، وقوله: {العزيز ~~الكريم} أي: في زعمك، وكان يقول: أنا أعز أهل (الوادي) وأكرمهم. ويقال: إنك ~~أنت العزيز الكريم أي: لست بعزيز ولا كريم. وقيل: إن هذا يقال على طريق ~~الاستهزاء به. # PageV05P131 # قوله: {إن هذا ما كنتم به تمترون} أي: تشكون. # PageV05P131 # {إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون (52) يلبسون من سندس ~~وإستبرق متقابلين (53) كذلك وزوجناهم بحور عين (54) يدعون فيها بكل فاكهة ~~آمنين (55) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم ~~(56) فضلا من ربك} # PageV05P132 # قوله تعالى: {إن المتقين في مقام أمين} أي: في منزل يأمنون فيه من الموت ~~والزوال، قال علي: وأمنوا من الموت فطاب لهم العيش. # PageV05P132 # وقوله: {في جنات وعيون يلبسون من سندس} أي: الرقيق من الديباج، وقيل: ~~الخز الموشى. # وقوله: {وإستبرق} أي: الديباج الغليظ، ويقال: الإستبرق هو الديباج ~~المرتفع الذي له بريق في الأعين. # وقوله: {متقابلين} أي: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وقيل: متقابلين ~~بالمحبة غير متدابرين بالعداوة. # PageV05P132 # قوله تعالى: {كذلك وزوجناهم بحور عين} أي: كما فعلنا بهم ما ذكرنا كذلك ~~نزوجهم بالحور العين، والحور الجواري البيض، والعين: الحسان الأعين، وقيل: ~~سمين الحور؛ لأن الأبصار تحار من جمالهن. وقرأ ابن مسعود: " [وعيس] عين " ~~أي: البيض. # PageV05P132 # قوله: {يدعون فيها بكل فاكهة آمنين} ظاهر المعنى. # PageV05P132 # قوله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} أي: سوى الموتة ~~الأولى. والموتة الأولى لا تكون في الجنة، وإنما قال على طريق التوسع. ~~وقيل: هذا استثناء منقطع، ومعناه: لكن الموتة الأولى قد ذاقوها. # وقوله: {ووقاهم عذاب الجحيم} أي: عذاب النار، والجحيم معظم النار. # PageV05P132 # قوله تعالى: {فضلا من ربك} أي: تفضلا من ربك {ذلك هو الفوز العظيم} # PageV05P132 # {ذلك هو الفوز العظيم (57) فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون فارتقب ~~إنهم مرتقبون} # أى النجاة العظيمة. # PageV05P133 # قوله تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك} أي: يسرنا القرآن بلسانك، ويقال: ~~أطلقنا به لسانك، وهو في معنى قوله: {ولقد ms1559 يسرنا القرآن للذكر ... .} ~~الآية. # وقوله: {لعلهم يتذكرون} أي: يتعظون. # PageV05P133 # قوله تعالى: {فارتقب إنهم مرتقبون} أي: ترقب عذابهم وانتظره إنهم ~~منتظرون. # PageV05P133 # بسم الله الرحمن الرحيم # {حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) إن في السموات والأرض ~~لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) } # تفسير سورة الجاثية # وهي مكية # ألا آية واحدة وهي قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله} فإنها نزلت بالمدينة، ويقال: إن الجميع مكية. # PageV05P134 # قوله تعالى: {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} قوله: {حم} مبتدأ، ~~و {تنزيل الكتاب} خبره، وقوله: {من الله العزيز الحكيم} أي: الغالب على ~~الأمور، العدل في الأحكام. # PageV05P134 # قوله تعالى: {إن في السموات والأرض لآيات} أي: لدلائل وعبرا، وذلك في ~~رفعها بغير عمد، وما خلق فيها من الشمس والقمر والنجوم، ومن بسط الأرض ~~واستقرارها بمن فيها، وما نصب فيها من الجبال وأجرى فيها من الأنهار، وخلق ~~من الأشجار، وغير ذلك، وقوله: {للمؤمنين} أي: للمصدقين. # PageV05P134 # قوله تعالى: {وفي خلقكم} أي: في خلقكم من التراب ثم من نطفة. # وقوله: {وما يبث من دابة} أي: ما ينشر في الأرض من دابة، والدابة كل ~~حيوان يدب على الأرض. # وقوله: {آيات} وقرئ: " آيات " بالرفع والخفض، فمن قرأ بالخفض فمعناه: إن ~~في السموات وإن في خلقكم لآيات، ومن قرأ بالرفع فعلى الابتداء والاستئناف. # وقوله: {لقوم يوقنون} قال ابن مسعود: الإيمان هو اليقين كله. # PageV05P134 # {واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض ~~بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع ~~آيات الله تتلى} # PageV05P135 # قوله تعالى: {واختلاف الليل والنهار} ومعنى الاختلاف وهو الزيادة ~~والنقصان والمجيء والذهاب. # وقوله: {وما أنزل الله من السماء من رزق} أي: المطر، قال كعب الحبر: ينزل ~~المطر وفيه البنت فيدخل في الأرض ثم يخرج منها. # وقوله: {فأحيا به الأرض بعد موتها} قد ذكرنا. # {وتصريف الرياح} معناه: مرة جنوبا، ومرة شمالا، ms1560 ومرة رحمة، ومرة عذابا. # وقوله: {آيات لقوم يعقلون} أي: يعقلون الآيات، وفي الخبر أن النبي قال: " ~~الريح من روح الله تأتي مرة بالعذاب ومرة بالرحمة؛ فلا تسبوها ولكن إذا ~~جاءت فسلوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها ". # PageV05P135 # قوله تعالى: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته ~~يؤمنون} أي: يصدقون، وحقيقة المعنى أنهم إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب فبأي ~~كتاب بعده يؤمنون، ولا كتاب بعد هذا الكتاب. # PageV05P135 # قوله تعالى: {ويل لكل أفاك أثيم} في التفسير أن الويل واد في جهنم يهوى ~~الكافر فيه سبعين خريفا قبل أن يبلغ قعره. وقوله: {لكل أفاك أثيم} أي: كذاب ~~فاجر. # PageV05P135 # قوله تعالى: {يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا} أي: يصر على ~~الكفر معرضا عن الحق إعراض المتكبرين، والإصرار هو العقد على الشيء بالعزم # PageV05P135 # {عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) وإذا علم من ~~آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) من ورائهم جهنم ولا يغني ~~عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (10) ~~هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم (11) } الصحيح. # وقوله: {كأن لم يسمعها} أي: كأن لم يسمع الآيات. # وقوله: {فبشره بعذاب أليم} أي: موجع. # PageV05P136 # قوله تعالى: {وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذوها هزوا} نزلت الآية في النضر ~~بن الحارث بن كلدة كان يقول في القرآن إنه أساطير الأولين، وهو مثل حديث ~~رستم واسفنديار، وكان يقول ذلك على جهة الاستهزاء. # وقوله: {أولئك لهم عذاب مهين} قد بينا. # PageV05P136 # قوله تعالى: {من ورائهم جهنم} قال أبو عبيدة: من قدامهم جهنم. # وقوله: {ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا} قال بعض أهل التفسير: الآية في عبد ~~الله بن أبي بن سلول، وكسبه هو جهاده مع الرسول وصومه وصلاته وشفقته على ~~أصحاب النبي. وقوله: {ولا يغني} أي: لا يدفع، وإنما لم يدفع؛ لأنه كان ~~منافقا يظهر الإسلام بلسانه ويعتقد الكفر، والأكثرون على أن هذه الآية في ~~النضر بن الحارث ms1561 أيضا، وهذا هو الأولى؛ لأن السورة مكية، وكسبه ما فعله من ~~الخير على زعمه. # وقوله: {ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} أي: الأصنام. # وقوله: {ولهم عذاب عظيم} ظاهر المعنى. # PageV05P136 # قوله تعالى: {هذا هدى} أي: القرآن هدى للخلق. # وقوله: {والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم} أي: عذاب من جهنم ~~موجع. # PageV05P136 # {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (12) وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون (13) قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} # PageV05P137 # قوله تعالى: {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من ~~فضله} أي: من رزقه. # وقوله: {ولعلكم تشكرون} قال ابن عيينة: الشكر واجب على كل مسلم؛ لأن الله ~~تعالى قال: {لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} فرزق العباد ليشكروه. # PageV05P137 # قوله تعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض} أي: ذلل، ومعنى ~~التسخير والتذليل خلقها على وجه ينتفع بها العباد، والانتفاع من السماء ~~والأرض معلوم. # وقوله: {جميعا منه} قال الفراء والزجاج: نعمة ورحمة منه، وروى عكرمة عن ~~ابن عباس أنه قال: منه النور ومنه الشمس والقمر والنجوم. وفي بعض الآثار: ~~أن رجلا أتى عبد الله بن عمر وقال: مم خلق الله الخلق؟ فقال: من النور ~~والظلمة والريح، فقال: مم خلق النور والظلمة والريح فقال: لا أدري، فأتى ~~ابن عباس وسأل عن الأول فذكر مثل ما ذكره ابن عمر، فسأله عن الثاني فقرأ ~~قوله تعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} أي: من ~~تكوينه كأنه قال لها: كن فكانت. وعن ابن عباس أنه قرأ: " منة " أي: سخر ما ~~سخر نعمة من الله. # وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} أي: يتدبرون. # وفي الخبر: " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق ". # PageV05P137 # قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} ذكر ~~الضحاك وأبو صالح أن النبي وأصحابه نزلوا على ماء بالمريسيع، فبعث عبد ms1562 الله ~~بن أبي بن سلول غلامه ليأتيه بالماء، فأبطأ الغلام، فلما رجع قال له: ما ~~الذي أبطأ بك؟ قال: جاء غلام عمر وجلس على فم البئر، ومنع الناس حتى ملأ ~~قربه النبي وقربة أبي بكرو قربة # PageV05P137 # {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (14) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ~~ثم إلى ربكم ترجعون (15) ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين (16) وآتيناهم بينات من الأمر} ~~مولاه، فغضب عبد الله بن أبي لما سمع ذلك، وقال: ما مثلنا ومثل محمد إلا ~~كما قيل: سمن كلبك يأكلك. ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل، فبلغ ذلك عمر فجاء بالسيف مشتملا عليه ليضرب به عبد الله بن أبي، ~~واستأذن النبي في ذلك، فأنزل الله تعالى قوله: {قل للذين آمنوا يغفروا ~~للذين لا يرجون أيام الله} وهذا على القول الذي قلنا إن الآية نزلت ~~بالمدينة، وقال بعضهم: شتم رجل من الكفار عمر بمكة فهم أن يبطش به؛ فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {للذين لا يرجون أيام الله} أي: لا يسألون الله نعمه، والمعنى: ~~أنهم لا يعترفون بأن النعم من عند الله، وقيل: لا يرجون أيام الله أي: لا ~~يخافون عقوبات الله ونقمه. وقيل: لا يطعمون في ثواب، ولا يخافون من عقوبة. # وقوله: {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} يعني: يوم القيامة، ويقال: ليكون ~~الله تعالى هو المجازي والمنتقم منهم لا أنتم. # PageV05P138 # قوله تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه} أي: نفع ذلك يعود إليه. # وقوله: {ومن أساء فعليها} أي: وبال ذلك عليه. # وقوله: {ثم إلى ربكم ترجعون} أي: تردون. # PageV05P138 # قوله تعالى: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب} أي: التوراة. # وقوله: {والحكم والنبوة} أي: العلم والنبوة. # وقوله: {ورزقناهم من الطيبات} أي: الحلال، وهي المن والسلوى وغير ذلك. # وقوله: {وفضلناهم على العالمين} أي: على عالمي زمانهم. # PageV05P138 # قوله تعالى: {وآتيناهم بينات من الأمر} أي: دلالات واضحات، ويقال: بينات # PageV05P138 # {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم ~~يوم ms1563 القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (17) ثم جعلناك على شريعة من الأمر ~~فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (18) إنهم لن يغنوا عنك من الله ~~شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين (19) هذا بصائر ~~للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) أم حسب} من الأمر ما يدلهم على أمر ~~محمد. # وقوله: {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} أي: ما اختلفوا في الحق ~~إلا من بعدما جاءهم العلم بالحق. # وقوله: {بغيا بينهم} أي: حسدا وظلما وعنادا للحق. # وقوله: {إن ربك يقضي بينهم} ظاهر معناه إلى آخر الآية. # PageV05P139 # قوله تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر} أي: طريق واضح، ويقال: على ~~أمر بين، والشرعة هي المذهب والملة، وكذلك الشريعة. # وقوله: {فاتبعها} أي: اتبع الشريعة التي جاءتك من الله تعالى. # وقوله: {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} في التفسير: أن المشركين كانوا ~~يقولون: يا محمد، ارجع إلى دين آبائك فإنه أولى من الدين الذي جئت به. # PageV05P139 # وقوله: {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا} أي: لن يدفعوا عنك شيئا يريده ~~الله بك إن اتبعت أهواءهم. # وقوله: {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض} أي: بعضهم محبو البعض. # وقوله: {والله ولي المتقين} أي: محب المتقين وحافظهم. # PageV05P139 # قوله تعالى: {هذا بصائر للناس} أي: هذا الذي أنزلناه إليك بصائر للناس ~~أي: دلالات يبصر بها الناس. # وقوله: {وهدى ورحمة لقوم يوقنون} أي: يعلمون. # PageV05P139 # {الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21) وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى ~~كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون (22) } # PageV05P140 # قوله تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} أي: اكتسبوا السيئات، ~~والسيئات ما قبحت شرعا، والحسنات ما حسنت شرعا. # وقوله: {أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: في دخول الجنة، وما ~~يعطى أهل الإيمان من النعيم. والظاهر أن الآية في الكفار وإن كانت عامة. # وقوله: {سواء محياهم ومماتهم} وقرئ: " سواء " بالنصب، فمن قرأ بالرفع ~~فمعناه: أن الكافر سواء محياه ومماته أي: يحيا كافرا ويموت كافرا. # وفي الخبر " يموت ms1564 " المرء على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه ". # وأما القراءة بالنصب فهو في موضع مستو فانتصب لهذا، ويقال معناه: أم ~~حسبوا أن نجعلهم والمؤمنين سواء في المحيا والممات يعني: أنهم لا يستوون. # وقوله: {ساء ما يحكمون} أي: بئس ما يحكمون لأنفسهم. وفي التفسير: أنهم ~~كانوا يقولون للمؤمنين: إن دخلتم الجنة فنحن معكم، وإن دخلنا النار فأنتم ~~معنا. # وفي بعض الآثار عن مسروق بن الأجدع قال: قدمت مكة ودخلت المسجد الحرام ~~فقيل لي: هذا مقام أخيك تميم الداري، جعل يصلي ليلة إلى الصباح يركع ويسجد ~~ويبكي ويقرأ هذه الآية: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} لا يجاوزها. # PageV05P140 # قوله تعالى: {وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزي كل نفس بما كسبت وهم ~~لا يظلمون} أي: لا ينقص من حقوقهم شيء. # PageV05P140 # {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم على سمعه وقلبه وجعل على} # PageV05P141 # قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} قال سعيد بن جبير: كان الواحد ~~منهم يعبد الشيء، فإذا رأى شيئا أحسن منه طرح الأول وأخذ الثاني فعبده. ~~وقال قتادة في معنى الآية: لا يهوى شيئا إلا ركبه، فهو يعبد هواه. وقيل: ~~اتخذ إلهه هواه أي: أطاع هواه وانقاد له كما ينقاد العبد لمعبوده. وقد ثبت ~~أنه قال: " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة ". # وفي بعض الأخبار أنه [قال] : " ما عبد تحت ظل السماء شيء وهو أبغض عند ~~الله من هوى ". # وقوله: {وأضله الله على علم} أي: على ما حكم [له] في علمه السابق، وهو رد ~~على القدرية، وقد أولوا هذا وقالوا: معنى قوله: {وأضله الله} أي: وجده ~~ضالا، أو سماه ضالا، وهو تأويل باطل؛ لأن العرب لا تقول: فعل فلان كذا إذا ~~وجده كذلك. # وقوله: {وختم على سمعه} أي: ختم على سمعه فجعله لا يسمع الحق. # وقوله: {وقلبه} أي: وختم على قلبه فجعله لا يقبل الحق. # PageV05P141 # {بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ما هي إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ms1565 الدهر} # وقوله: {وجعل على بصره غشاوة} أي: غطاء فلا يبصر الحق. # وقوله: {فمن يهديه من بعد الله} يعني: إذا كان الله لا يهديه فمن يهديه ~~من بعد الله؟ ! . # وقوله: {أفلا تذكرون} أي: أفلا تتعظون. # PageV05P142 # قوله تعالى: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا} فيه أقوال: ~~أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، ومعناه: نحيا ونموت، وهكذا قرأ ابن ~~مسعود. # والقول الثاني: نموت ونحيا: أي: يموت البعض منا، ويحيا البعض منا. وفيه ~~قولان آخران: أحدهما: وهو القول الثالث: نموت ونحيا أي: نموت نحن ويحيا ~~أولادنا، والقول الرابع: هو أنه خلقنا أمواتا ثم أحيانا. # وقوله: {وما يهلكنا إلا الدهر} قال قتادة: من الأيام والليالي. ويقال: ما ~~يهلكنا إلا الدهر أي: إلا الموت، قال الشاعر. # (أمن المنون وريبها يتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع) # أي: الموت. ويقال: وما يهلكنا إلا الدهر أي: طول العمر، وقد ثبت عن النبي ~~أنه قال: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ". # قال الشيخ الإمام رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو الحسين النقور، أخبرنا ~~أبو القاسم بن حبابة، أخبرنا البغوي هو ابن بنت منيع واسمه عبد الله بن ~~محمد أبو # PageV05P142 # {وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ~~ما كان} القاسم، أخبرنا هدبة بن خالد، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ~~محمد بن سيرين، عن أبي هريرة الخبر. # وروى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي قال: " يقول ~~الله تعالى: استقرضت من ابن آدم فلم يقرضني، ويسبني وهو لا يعلم، ويقول: ~~يادهراه يادهراه " وفي رواية " يا خيبة الدهر وأنا الدهر ". # وفي رواية ثالثة عن النبي أنه قال: " يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم ~~يسب الدهر وأنا الدهر، أدبر الأمر أقلب الليل والنهار ". # وفي معنى الخبر ثلاثة أوجه: أحدها: أن معناه: لا تسبوا الدهر؛ فإن الله ~~هو الدهر أي: خالق الدهر. # والوجه الثاني: لا تسبوا الدهر فإني فاعل الأشياء. وكانوا يضيفون الفعل ~~إلى الدهر ويسبونه، فإن الله هو الدهر ms1566 يعني: أن الله فاعل الأشياء لا ~~الدهر، وهذا قول معتمد. # والوجه الثالث: وهو أنهم كانوا يعتقدون بقاء الدهر، وأنه لا يبقى شيء مع ~~بقاء الدهر فقال: لا تسبوا الدهر يعني: لا تسبوا الذين يعتقدون أنه الباقي؛ ~~فإن الله هو الدهر يعني: فإن الله هو الباقي بقاء الأبد على ما يعتقدون في ~~الدهر. # وقوله: {ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} أي: قالوا ما قالوه على ظن ~~وشك لا عن علم ويقين. # PageV05P143 # قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ~~ائتوا بآبائنا # PageV05P143 # {حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (25) قل الله يحييكم ~~ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(26) ولله ملك السموات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) ~~وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون (28) ~~هذا كتابنا ينطق} إن كنتم صادقين) وقد بينا قول أبي جهل في هذا. # PageV05P144 # قوله تعالى: {قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: لا يعلمون الحق. # PageV05P144 # قوله تعالى: {ولله ملك السموات والأرض، ويوم تقوم الساعة} أي: القيامة. # وقوله: {يومئذ يخسر المبطلون} أي: يهلك الكافرون. # PageV05P144 # قوله تعالى: {وترى كل أمة جاثية} فيه أقوال: أحدها: مستوفزين أي: جلوسا ~~على الركب، قال سفيان الثوري: المستوفز من لا تصيب الأرض منه إلا ركبتاه ~~وأطراف أصابعه. والقول الثاني: جاثية أي: مجتمعة. والقول الثالث: جاثية أي: ~~خاضعة ذليلة، وقيل: هو لغة قريش. والقول الأول هو المختار المعروف، ومنه ~~جثا فلان بين يدي القاضي ينتظر قضاءه، وعن سلمان الفارسي قال: إن في ~~القيامة ساعة هي عشر سنين من سنين الدنيا يخر فيها الناس، ويجثون على الركب ~~حتى إبراهيم خليل الرحمن، ويقول: نفسي لا أسالك إلا نفسي. ويقال: ترى كل ~~أمة رسول جاثية أي: كل أحد جاثيا، والأمة تكون بمعنى الواحد. ويقال معناه: ~~كل أمة رسول جاثية، والله اعلم. ms1567 # وقوله: {كل أمة تدعى إلى كتابها} معناه: إلى قراءة كتابها. # وقوله تعالى: {اليوم تجزون ما كنتم تعملون} ظاهر المعنى. # PageV05P144 # قوله تعالى: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} أي: يظهر ما عملتم بالحق. # PageV05P144 # {عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين (30) وأما ~~الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين (31) ~~وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن ~~نظن إلا ظنا وما نحن} # وقوله: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} فيه أقوال: أحدها: نستكتب ما ~~كنتم تعملون أي: نأمر الكتبة أن يكتبوا ويحفظوا أعمالكم. والقول الثاني: ~~نستنسخ ما كنتم تعملون أي: نأخذ نسخة مما كتبت الملائكة عليكم. والقول ~~الثالث: وهو المعروف، وهو مروي عن ابن عباس قال: يأمر الله تعالى الملائكة ~~بأن يأخذوا نسخة من اللوح المحفوظ على ما يعمله العبد في يومه وليلته، ثم ~~يكتبون ما عمله العبد، ثم يقابلون ما كتبوا على العبد بما نسخوا من اللوح ~~المحفوظ، فيكونان سواء لا زيادة ولا نقصان فيه، قال ابن عباس: أنظروا هل ~~يكون الاستنساخ إلا من أصل. # PageV05P145 # قوله تعالى: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته} ~~أي: جنته. وقوله: (ذلك هو الفوز المبين) أي: البين. # PageV05P145 # قوله تعالى: {وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم} يعني يقال ~~لهم: أفلم تكن آياتي تتلى [عليكم] أي: ألم تكن آياتي تتلى عليكم؟ . وقوله: ~~(فاستكبرتم) أي: طلبتم الكبرياء والعظمة بترك التوحيد، وكل كافر متكبر، وكل ~~مؤمن متواضع. # وقوله: (وكنتم مجرمين) أي: ذوى جرم. # PageV05P145 # قوله تعالى: (وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها) أي: لاشك ~~فيها. # وقوله: (قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا) أي: نظن أنك كاذب، ونظن ~~أنك صادق، ولا دليل معنا على صدقك، وأن ما قلته حق. # PageV05P145 # بمستيقنين (32) وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ~~(33) وقيل اليوم ننساكم كما ms1568 نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ~~ناصرين (34) ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم ~~لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (35) فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب ~~العالمين (36) وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم (37)) # وقوله: {وما نحن بمستيقنين} أي: متيقنين. # PageV05P146 # قوله تعالى: {وبدا لهم سيئات ما عملوا} أي: ظهر لهم سيئات ما عملوا. # وقوله: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} أي: نزل بهم وأحاط بهم جزاء ما ~~كانوا به يستهزئون، وفي التفسير: أنه إذا كان يوم القيامة ينادي واحدا ~~فيقال: يافلان تعال فخذ نورك، وينادي آخر فيقال: اذهب فلا نور لك. # PageV05P146 # قوله تعالى: {وقيل اليوم ننساكم} أي: نترككم، ومعناه: نترككم من الرحمة ~~وإعطاء الثواب. وقيل معناه: نترككم في العذاب، فلا نخرجكم منها كما نخرج ~~المؤمنين. # وقوله: {كما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي: كما تركتم العمل ليومكم هذا. # وقوله: {ومأواكم النار ومالكم من ناصرين} أي: من يمنع عذابنا منكم. # PageV05P146 # قوله تعالى: {ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا ~~فاليوم لا يخرجون منها} أي: من النار. # {ولا هم يستعتبون} أي: لا يرجعون ولا يردون إلى ما كانوا عليه من ~~العافية. ويقال: يستقيلون فلا يقالون. ويقال: ولا هم يستعتبون أي: لا يعطون ~~العتبى، وهو طلب رضاهم ومرادهم. # PageV05P146 # قوله تعالى: {فلله الحمد رب السموات ورب والأرض رب العالمين} ظاهر ~~المعنى. # PageV05P146 # قوله تعالى: {وله الكبرياء في السموات والأرض} أي: العظمة والعلو، وقد # PageV05P146 # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي قال: " يقول الله تعالى: الكبرياء ~~ردائي، والعظمة إزراري، فمن نازعني واحدة منهما ألقيته في جهنم ". # وقوله: {وهو العزيز الحكيم} أي: العزيز في انتقامه، الحكيم في تدبيره، ~~والله أعلم. # PageV05P147 # بسم الله الرحمن الرحيم # {حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ما خلقنا السموات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون (3) قل ~~أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السموات} # تفسير سورة الأحقاف ms1569 # وهي مكية # PageV05P148 # قوله تعالى: {حم} أي: حم الأمر وقضى، وقال قتادة: أسم من أسماء القرآن. ~~وقال غيره: قسم، وجواب القسم قوله: {ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق} . # PageV05P148 # وقوله: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} قد بينا. # PageV05P148 # قوله تعالى: {ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} يعني: إلا ~~للثواب والعقاب، ويقال: إلا لإقامة الحق. # وقوله: {وأجل مسمى} أي: أمد ينتهي إليه، وهذا إشارة إلى فناء السموات ~~والأرض لمدة معلومة. # وقوله: {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} أي: معرضون إعراض المكذبين ~~الجاحدين. # PageV05P148 # قوله: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله} أي: الأصنام. # وقوله: {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات} أي: في خلق ~~السموات فتعبدونها لذلك، ومعناه: أنه ليس لهم شرك، لا في خلق الأرض، ولا في ~~خلق السماء أي: نصيب، فكيف تعبد مع الله؟ ! # وقوله: {ائتوني بكتاب من قبل هذا} أى: بكتاب من قبل القرآن يدل على ما ~~زعمتموه. # PageV05P148 # {ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) ومن أضل ~~ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم ~~غافلون (5) } # وقوله: {أو أثارة من علم} قال أبو عبيدة: أي: بقية من علم. يقال: ناقة ~~ذات أثارة أي: بقية من سمن، ويقال: أو أثارة من علم مأثور، ومعناه: إن كان ~~[عندكم] كتاب من كتب الأولين، أو علم مأثور [عنهم] ترونه يدل على صدق ما ~~قلتم فأتوا بذلك، وأرونيه إن كنتم صادقين. ويقال: " أو أثارة من علم " هو ~~الخط، وهذا حكي عن ابن عباس، وروى منصور عن (ابن إبراهيم) أن نبيا من ~~الأنبياء كان يخط له، وكان ذلك هو الوحي إليه، وقد روي هذا في خبر مرفوع. # وفي بعض التفاسير: أن من خط خطه علم علمه، وعن ابن إسحاق قال: أول من خط ~~بالقلم إدريس النبي عليه السلام. # وعن (مطرف بن الوراق) قال: قوله: {أو أثارة من علم} هو الإسناد. # وقوله: {إن كنتم صادقين} أي: صادقين فيما تقولونه. # PageV05P149 # قوله ms1570 تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم ~~القيامة} أي: لا يستجيب أبدا. # وقوله: {وهم عن دعائهم غافلون} أي: لا يسمعون دعاءهم وإن دعوا، والمراد ~~من الآية هو الأصنام، يعني: كيف يعبدون الأصنام؟ ولو دعوهم لم يستجيبوا لهم # PageV05P149 # {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (6) وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين (7) أم ~~يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما ~~تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) قل ما كنت بدعا ~~من الرسل وما أدري ما يفعل بي} ولم يسمعوا كلامهم. # PageV05P150 # قوله تعالى: {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء} أي: الأصنام كانوا لهم ~~أعداء، {وكانوا بعبادتهم كافرين} يعني: أنهم يقولون: ما دعوناكم إلى ~~عبادتنا. # PageV05P150 # قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما ~~جاءهم هذا سحر مبين} . # PageV05P150 # قوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله ~~شيئا} في التفسير: أن أبا جهل قال للنبي: يامحمد، إنك تفتري على الله حيث ~~تزعم أن هذا القرآن من وحيه وكلامه، وإنما هو كلام تقوله من تلقاء نفسك. # وقوله: {فلا تملكون لي من الله شيئا} أي: إن افتريت على الله وعاقبني لا ~~تملك دفع عقوبته عني. # وقوله: {هو أعلم بما تفيضون فيه} . # وقوله: {كفى به شهيدا بيني وبينكم} أي: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم. # وقوله: {وهو الغفور الرحيم} ظاهر المعنى. # PageV05P150 # قوله تعالى: {قل ما كنت بدعا من الرسل، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} ~~معناه: ما كنت أول رسول أرسل إلى بني آدم، وقوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا ~~بكم} قال الحسن البصري: هذا في الدنيا، فأما في الآخرة فلا، ومعناه: في ~~الدنيا ولا أدري أترك بينكم أو أقتل؟ ويقال: لا أدري أخرج كما أخرجت ~~الأنبياء من قبل أو # PageV05P150 # {ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا ms1571 نذير مبين (9) قل أرأيتم ~~إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن ~~واستكبرتم إن الله لا} أقتل كما قتلت الأنبياء من قبل. # وقوله: {ولا بكم} هذا خطاب مع الكفار، ومعناه: لا أدري أتؤخرون في العذاب ~~أو يعجل لكم العذاب، وفي بعض التفاسير: أن الله تعالى لما أنزل هذه الآية ~~وجد النبي والمؤمنون وجدا شديدا أي: اغتموا؛ فأنزل الله تعالى قوله: {إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} فقيل له: ~~يارسول الله، هذا لك خاصة أولنا ولك؟ فقال: هي لي ولكم إلا ما فضلت به من ~~النبوة " والخبر غريب. # وقوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين} أي: نذير بين ~~النذارة. # PageV05P151 # قوله تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله} قال ابن سيرين وجماعة: هو عبد الله بن سلام، وقد روي هذا ~~أيضا عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغيرهم، وعلى هذا القول هذه الآية مدنية من ~~جملة السورة؛ لأن عبد الله بن سلام أسلم بالمدينة بالاتفاق. وفي بعض ~~الأخبار: أن جماعة من اليهود أتوا النبي وقد جعل رسول الله عبد الله بن ~~سلام وراء ستر، فقال لهم: كيف ابن سلام فيكم؟ فقالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، ~~وخيرنا وابن خيرنا. # فقال النبي: أرأيتم لو أسلم هل تسلمون أنتم؟ فقالوا: معاذ الله أن يسلم، ~~فخرج عبد الله بن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~فقالوا: هو شرنا وابن شرنا، وأجهلنا وابن أجهلنا، وجعلوا يشتمونه، فهو قوله ~~تعالى " {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} ". # PageV05P151 # {يهدي القوم الظالمين (10) وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما ~~سبقونا إليه} # وفي الآية قول آخر: وهو أن المراد به رجل من بني إسرائيل على الجملة، ~~وعلى هذا في الكتاب الآية مكية مثل سائر آيات السورة. وفي الآية قول ثالث: ~~وهو أن الشاهد من بني ms1572 إسرائيل هو موسى عليه السلام شهد بمثل ما شهد به ~~الرسول من وحدانية الله تعالى، وأن عبادة الأصنام باطلة، وهذا قول مسروق ~~وغيره، وفي بعض التفاسير: أن # قوله: {وشهد شاهد من بني إسرائيل} هو يامين بن يامين، وكان من علماء ~~اليهود أسلم على يد النبي، والقول الأول هو المشهور. # وقوله تعالى: {فآمن واستكبرتم} أي: آمن بما جاء به من محمد، وتعظمتم أنتم ~~عن الإيمان به بعد ظهور الحق. # وقوله: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ظاهر المعنى. وفي التفسير: أن ~~في الآية حذفا، وتقديره: " قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ألستم قد ظلمتم وأتيتم بالقبيح الذي لا ~~يجوز " ثم قال: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ابتداء، يعني: الكافرين. # PageV05P152 # قوله تعالى: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا} الآية. روى أن أمة يقال لها: ~~(زنيرة) أسلمت فقال مشركو قريش: لو كان في هذا الدين خير ما سبقتنا إليه ~~هذه الأمة، ويقال: كانت آمة لعمر بن الخطاب. وفي بعض التفاسير: أن هذه ~~الأمة عميت بعدما أسلمت، فقال الكفار: إنما أصابها ما أصابها بإسلامها، فرد ~~الله عليها بصرها. # وفي الآية قول آخر: وهو أن مزينة وجهينة وغفار وأسلم آمنوا بالنبي، وهي ~~قبائل حول المدينة، فقال بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع، وهؤلاء رءوس قبائل ~~العرب: لو كان في الدين خير ما سبقتنا إليه مزينة وجهينة وأسلم وغفار رعاة ~~البهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم. # وقوله: {وإذا لم يهتدوا به} أي: بالقرآن وبما جاء به محمد. # PageV05P152 # {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11) ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) ~~إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) ~~أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (14) ووصينا الإنسان ~~بوالديه إحسانا} # وقوله: {فسيقولون هذا إفك قديم} أي: حديث مثل حديث المتقدمين، وهي كذب ~~وزور. # PageV05P153 # قوله تعالى: {ومن قبله كتاب ms1573 موسى} أي: كتاب من قبل القرآن كتاب موسى. # وقوله: {إماما} نصب على الحال. # وقوله: {ورحمة} معطوف عليه. # وقوله: {وهذا كتاب مصدق} أي: مصدق للتوراة. # وقوله: {لسانا عربيا} نصب على الحال أيضا، ويقال معناه: بلسان عربي. # وقوله: {لينذر الذين ظلموا} أي: القرآن ينذر الذين ظلموا، وأما من قرأ ~~بالتاء أي: تنذر يا محمد الذين ظلموا. # وقوله: {وبشرى للمحسنين} بإيمانهم وأعمالهم الصالحة. # PageV05P153 # وقوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} # وقوله: {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قد ذكرنا أيضا. # PageV05P153 # قوله تعالى: {أولئك أصحاب الجنة ... .} الآية ظاهر المعنى. # PageV05P153 # قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها} ~~الكره: هو الإكراه، والكره هو المشقة في الحمل حين يثقل الحمل، والمشقة في ~~الوضع عند الطلق، ومعنى الكره قريب من هذا أي: على كراهة منها، وفي تفسير ~~النقاش: حملته سرورا، ووضعته سرورا، حكى عن الفراء: أن الكره بالضم هو ~~السرور، والكره بالفتح هو الكراهة، حكاه النقاش. # PageV05P153 # {حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده ~~وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ~~وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ~~(15) أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب ~~الجنة وعد} # وقوله: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} معناه: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، ~~ومدة الفصال سنتان، فذلك ثلاثون شهرا، وروى أن امرأة أتت بولد لستة أشهر من ~~وقت النكاح في زمان عمر رضي الله عنه فهم عمر برجمها، فقال علي رضي الله ~~عنه لا سبيل لك عليها، وتلا قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} فقال ~~عمر: لولا علي لهلك عمر. # وفي بعض التفاسير: أن المرأة وضعت لستة أشهر فمدة الفصال أربعة وعشرون ~~شهرا، وإن وضعت لتسعة أشهر فمدة الفصال [أحد] وعشرون شهرا، وهذا خلاف قول ~~الفقهاء؛ فإن عند أكثر الفقهاء مدة الفصال حولان بكل حال. # وقوله تعالى: {حتى إذا بلغ أشده} قد ms1574 بينا معنى الأشد. # وقوله: {وبلغ أربعين سنة} قد بينا أيضا، وهو منتهى مدة كمال العقل. # وقوله: {قال رب أوزعني} أي: ألهمني. # {أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي ~~في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين} ظاهر المعنى، واختلف المفسرون ~~فيمن نزلت هذه الآية؟ فقال الكلبي ومقاتل والضحاك: إنها نزلت في أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه وقال الحسن البصري: إنها عامة في جميع المؤمنين. ومعنى ~~الآية: هو الإرشاد إلى شكر الله ودعاء الوالدين. # PageV05P154 # قوله تعالى: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا} أي: الأحسن من # PageV05P154 # {الصدق الذي كانوا يوعدون (16) والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن ~~أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق ~~فيقول ما هذا} أعمالهم، والأحسن من الأعمال كل ما يرضاه الله تعالى. # وقوله: {ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة} أي: مع أصحاب الجنة. # وقوله: {وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} أي: يوعدون من الثواب على الأعمال ~~الصالحة، ويقال: إن الآية الأولى نزلت في سعد بن أبي وقاص، وكان قد أسلم ~~ومنعه أبواه من الإسلام وشددا عليه الأمر ليرجع عن دينه، وقد بينا هذا من ~~قبل. ويقال: نزلت في أخيه عمير بن أبي وقاص، ومعنى الآية على هذا: هو ~~الوصية بالإحسان إليهما دون الموافقة في الشرك. # PageV05P155 # قوله تعالى: {والذي قال لوالديه أف لكما} زعم جماعة من أهل التفسير أن ~~الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما [ووالديه] أبو بكر ~~وأمه [أم] رومان. # وقوله تعالى: {أف لكما} تبرم واستقذار، وكانا يقولان: اللهم اهده، اللهم ~~أقبل بقلبه، وكان يقول: أتعدانني أن (أبعث) أي: أتوعداني بالبعث، وهذا هو ~~معنى قوله: {أتعدانني أن أخرج} . # وقوله: {وقد خلت القرون من قبلي} أي: مضت القرون: من قبل، أين عبد الله ~~بن جدعان؟ وفلان وفلان؟ . # وقوله: {وهما يستغيثان الله} أي: يستغيثان بالله. # وقوله: {ويلك آمن} أي: ويحك، آمن {إن وعد الله حق} . # وقوله: {فيقول ما هذا ms1575 إلا أساطير الأولين} أي: أقاصيص الأولين، وأنكر ~~كثير # PageV05P155 # {إلا أساطير الأولين (17) أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (18) ولكل درجات مما عملوا ~~وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون (19) ويوم يعرض الذين كفروا على النار ~~أذهبتم طيباتكم في حياتكم} من أهل التفسير هذا القول، وروي عن عائشة أنها ~~كانت تنكر أن المراد بالآية أخوها، وكذلك ذكر الزجاج في كتاب المعاني ~~وغيره، واستدلوا على ضعف هذا القول وفساده بأن الله تعالى قال عقيب هذه ~~الآية # PageV05P156 # : {أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس} ~~أي: وجب عليهم القول بالتعذيب في النار. # وقد قال الله تعالى: {ما يبدل القول لدى} وعبد الرحمن بن أبي بكر أسلم ~~وحسن إسلامه، وهو من أفاضل المسلمين، فالصحيح أن الآية في غيره، وهو الكافر ~~العاق (بوالديه) الذي مات على الكفر. # وقوله تعالى: {في أمم} أي: مع أمم. # وقوله: {قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} أي: هالكين. # PageV05P156 # قوله: {ولكل درجات مما عملوا} أي: لكل المؤمنين درجات مما عملوا. # وفي التفسير: أن الدرجات من الذهب والفضة والياقوت والزبرجد والزمرد ~~واللؤلؤ وغيره من الجواهر، وفي بعض الأخبار: أن الله تعالى يدخل المؤمنين ~~الجنة ويأمرهم أن يقسموها بأعمالهم. # وقوله: ( {ولنوفينهم} أعمالهم وهم لا يظلمون) أي: لا يزاد في إساءة ~~المسيء، ولا ينقص من إحسان المحسن. # PageV05P156 # وقوله تعالى: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا} أي: أذهبتم طيباتكم في الآخرة من معاصيكم في الدنيا، ويقال: شغلتكم # PageV05P156 # {الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في ~~الأرض بغير} الشهوات عن الطاعات. وقيل: أخذتم نصيبكم في الدنيا فلا نصيب ~~لكم في الآخرة. # وقوله: {واستمتعتم بها} أي: تلذذتم وانتفعتم بها، وفي المشهور من الخبر " ~~أن عمر رضي الله عنه دخل على النبي في خزانته وهو مضطجع على [خصفة] وبعضه ~~على الأرض، وتحت رأسه وسادة حشوها ليف، وفي البيت أهب وقليل من القرظ، ms1576 فبكى ~~عمر، فقال له رسول الله: ماذا (يبكيك) ؟ فقال: ذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه ~~من النعم وحالك على ما أرى، وأنت نبي الله وصفوته وخيرته، فقعد رسول الله ~~وقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم ~~الدنيا، وأخرت لنا إلى الآخرة ". # وروي أن عمر رضي الله عنه قال: ما أجمل لذيذ العيش لو شئت أمرت بصغار ~~المعزى فيمسط لنا، وأمرت بلباب البر فيخبز لنا، وأمرت بالزبيب فينبذ لنا ~~حتى يصير كعين اليعقوب، فآكل من هذا مرة، وأشرب من هذا مرة، ولكن سمعت الله ~~يقول لقوم: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} ، فأنا أخاف أن أكون منهم. # وروي أنه رأى جابر بن عبد الله وبيده لحم قد اشتراه قال: ما هذا؟ قال: ~~اشتريته بدرهم. فقال: أو كلما قام أحدكم اشترى بدرهم لحما. وفي رواية: كلما ~~اشتهيت اشتريت، أما سمعت الله يقول: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} أم ~~تخافون أن تكونوا منهم؟ # وقوله: {اليوم تجزون عذاب الهون} أي: الهوان، وهو كذلك في قراءة ابن ~~مسعود. # وقوله: {بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق} أي: تطلبون العلو والرفعة # PageV05P157 # الحق وبما كنتم تفسقون واذكر أخا عاد إذ انذر قومه بالأحقاف وقد خلت ~~النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ~~قال # والغلبة بغير حق # وقوله: {وبما كنتم تفسقون} أي: تخرجون عن طاعة الله. # PageV05P158 # وقوله تعالى {واذكر أخا عاد} وهو هود عليه السلام وكان أخاهم في النسب لا ~~في الدين. # وقوله: {إذا أنذر قومه بالأحقاف} أى: قومه عادا، والأحقاف: جمع حقف، وهو ~~الرمل المعوج وفي الخبر: (مر رسول الله بظبي حاقف) أي قد انثنى عنقه ويقال ~~الأحقاف رمال مستطيلة شبه الدكاكين. وقيل: رمال مشرفة على البحر بالشحر من ~~اليمن وعن ابن عباس أرض بين عمان ومهرة وعن ابن إسحاق أرض بين عمان وحضرموت ~~كانت منازل عاد بها وروى أبو ms1577 الطفيل عن على رضي الله عنه أنه قال شر بئر في ~~الأرض بئر وادي حضرموت يقال له: برهوت يجعل فيها أرواح الكفار وخير بئر في ~~الأرض بئر زمزم. ويقال: جبال بالشام والأصح أنهم كانوا باليمن وأما منازل ~~ثمود وقوم لوط بين المدينة والشام. # وقوله {وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه} أى خلت النذر قبل هود وبعده. # وقوله: {ألا تعبدوا إلا الله إني اخاف عليكم عذاب يوم عظيم} أي: كبير # PageV05P158 # قوله تعالى: {قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا} أى: تصرفنا. # وقوله: (فأتنا بما تعدنا) أي: من العذاب. {إنما العلم عند الله وأبلغكم ~~ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ~~قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب} # وقوله: {إن كنت من الصادقين} يعني: إن كنت نبيا من قبل الله تعالى. # PageV05P158 # قوله تعالى: {قال إنما العلم عند الله} أي: وقت عذابكم يعلمه الله، ولا ~~أعلمه أنا. # وقوله: {وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون} ومعناه: أن إلي ~~تبليغ الرسالة، وليس إلي إنزال العذاب، وإنما هو إلى الله تعالى. # PageV05P158 # قوله تعالى: {فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم} العارض: هو السحاب هاهنا ~~قال الشاعر: # (إذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل) # وقال آخر: # (يا من يرى عارضا قد [بت] أرمقه ... كأنما البرق في حافاته الشعل) # وفي القصة: أن الله تعالى حبس عنهم القطر ثلاث سنين، فجعلوا يدعون ~~ويسألون الله المطر، وروي أنهم وفدوا وفدا إلى الحرم يسألون الغيث، وكان ~~لهم واد يقال له: المغيث، وكان غيثهم يأتي من قبل ذلك الوادي، فرأوا سحابة ~~جاءت من جانب ذلك الوادي، وكانت سوداء فاستبشروا و {قالوا هذا عارض ممطرنا} ~~أي: سحاب يرسل علينا المطر؛ فقال هود عليه السلام، وكان جالسا معهم: {بل هو ~~ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم} . # وقوله: {بل هو ما استعجلتم به} أنهم كانوا قد قالوا: " فأتنا بما تعدنا ~~إن كنت من الصادقين ". وذكر ابن إسحاق أن أول من رأى العذاب ms1578 في السماء ~~امرأة منهم فقالت: أرى نيرانا أمامها رجال يقودونها. # PageV05P158 # أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي ~~القوم المجرمين (25) ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا ~~وأبصارا وأفئدة) # وفي القصة: أن قوم هود قالوا لهود: أتوعدنا بالريح، وأي الريح تصرعنا ~~وتهلكنا، فروى أن الله تعالى أمر الملك الذي هو على خزانة الريح أن يرسل ~~الريح من الخزانة فقال: وكم أرسله؟ فقيل له: على مقدار منخر الثور، فقال: ~~إذا تقلب الأرض بمن فيها. فقيل له: على قدر حلقة الخاتم فأرسلت على هذا ~~القدر فجعلت تطير بالظعن بين السماء والأرض، وتحمل الراعي مع غنمه وإبله ~~وتروحها إلى الهواء، ثم تطرحها على الجبال وتشدخها، وكذلك فعلت بجميع عاد ~~حتى أهلكتهم، وفي التفسير: أنها كانت تحمل الرجال بين السماء والأرض حتى ~~يرى كالجراد، وكان هذا العذاب مسخرا عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما على ~~ما ذكر الله تعالى في موضع آخر. # وفي القصة: أن هود عليه السلام اعتزل بقومه الذين آمنوا به وخط لهم خطا، ~~وكانت الريح في ذلك الخط ألين ريح وأطيبها، وهي تعمل بقومه العجائب. وروي ~~أنهم لما رأوا العذاب وأرسلت الريح عليهم دخلوا بيوتهم، وهي من صخر، ~~وأغلقوا الأبواب، ففتحت الريح أبوابهم ونزعتهم من بيوتهم، وأهالت الرمال ~~عليهم حتى أهلكتهم تحت الرمال، وإن أنين بعضهم يسمع تحتها. # PageV05P160 # وقوله: {تدمر كل شيء بأمر ربها} أي: بإذن ربها. # وقوله: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} روي أن الله تعالى لما أهلكهم بعث ~~بطير كثير حتى التقطتهم وألقتهم في البحر، فأصبحت مساكنهم خالية عن جميعهم، ~~فذلك قوله تعالى: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} . # وقوله: {كذلك نجزي القوم المجرمين} أي: ذو الإجرام. # PageV05P160 # وقوله تعالى: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~فيما لم نمكنكم فيه أي: جعلنا تمكينهم ونعمهم في الأرض أكثر وأوسع. # والقول الثاني: مكناهم فيما مكناكم فيه، " وإن " صلة. # PageV05P160 # {فما اغنى عنهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات ~~الله ms1579 وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ~~وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (27) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة بل} # والقول الثالث: إن في الآية حذفا، وتقديرها: ولقد مكناكم فيما إن مكناهم ~~فيه كان عنادكم وعتوكم أكثر، وهذا هو المحذوف. # وقوله: {وجعلنا لهم سمعا} أي: أسماعا. # وقوله: {وأبصارا وأفئدة} أي: (أعينا) يبصرون بها، وقلوبا يعلمون بها. # وقوله: {فما أغنى عنهم} أي: ما دفعت عنهم وسمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم ~~حتى نزل بهم العذاب. # وقوله: {من شيء إذا كانوا يجحدون بآيات الله} أي: ينكرون آيات الله. # وقوله: {وحاق بهم} أي: نزل بهم. # وقوله: {ما كانوا يستهزئون} أي: جزاؤه. # PageV05P161 # قوله تعالى: {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون} ~~أي: منازل عاد باليمن، ومنازل ثمود، و [مدائن] قوم لوط فيما بين المدينة ~~والشام، وقوله: {وصرفنا الآيات} أي: مرة عاقبناهم، ومرة أنعمنا عليهم، ~~ويقال: خوفناهم مرة، وأطعمناهم مرة. # وقوله: {لعلهم يرجعون} أي: عن الكفر الذي كانوا عليه. # PageV05P161 # قوله تعالى: {فلولا نصرهم الذين اتخذوا} معناه: فهلا نصرهم {الذين اتخذوا ~~من دون الله قربانا آلهة} أي: منع الأصنام منهم عذابنا. وقوله: {قربانا} ~~إنما قال ذلك؛ لأنهم كانوا يقولون إن عبادتنا لها تقربنا إلى الله. # PageV05P161 # {ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28) وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم ~~منذرين (29) } # وقوله: {بل ضلوا عنهم} أي: ضلوا عن عبادة الأصنام ولم تنفعهم أبدا. # وقوله: {وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} أي: ذلك كذبهم وفريتهم. # PageV05P162 # قوله تعالى: {وإذا صرفنا إليك نفرا من الجن} الآية معناه: وجهنا وجوههم ~~إليك، وأما سبب نزول الآية: وهو أن النبي لما دعا كفار مكة إلى الإسلام ~~وأبوا أن يسلموا خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإيمان، فلما رجع إلى مكة ~~وكان ببطن نخلة، مر عليه أشراف من جن نصيبين وهو يصلي صلاة الصبح، ويقال: ~~إنهم رأوه ببطن نخلة وهو عامد إلى عكاظ. وأختلفوا في عددهم، فقال بعضهم: ms1580 ~~كانوا سبعة نفر. وقال بعضهم: كانوا تسعة نفر. ويقال: كان فيهم زوبعة. وقد ~~ذكر في أسمائهم حسى ومسى ويسى وشاصر وناصر، والله أعلم. فلما سمعوا قراءة ~~النبي اجتمعوا لسماعه. وفي التفسير أيضا: أن الجن كانوا يستمعون إلى السماء ~~قبل زمان النبي؛ فلما كان زمان النبي رموا بالشهب، فاجتمعوا وقالوا: ما هذا ~~إلا لأمر حدث في الأرض، فضربوا في الأرض يمينا وشمالا حتى وجدوا النبي ببطن ~~نخلة يصلي ويقرأ القرآن وحوله الملائكة يحرسونه؛ فعرفوا أن ما حدث من الأمر ~~كان لأجله ". # وقوله: {فلما حضروه قالوا أنصتوا} أي: أسكت بعضهم بعضا، وروي أنه قال ~~بعضهم لبعض: صه أي: اسكتوا. # وقوله: {فلما قضى} معناه: فلما فرغ من القراءة. # وقوله: {ولوا إلى قومهم منذرين} أي: محذرين، ويقال: ولوا دعاة إلى ~~التوحيد. وقد قيل: إن الجن كانوا من جن الموصل، وهي نينوى بلدة يونس بن ~~متى، ويقال: من حران، وقيل: غير ذلك. # PageV05P162 # قوله تعالى: {قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} فإن قيل: ~~كيف # PageV05P162 # {قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ~~يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ~~يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31) ومن لا يجب داعي الله فليس ~~بمعجز في الأرض وليس} ذكر من بعد موسى ولم يذكر عيسى، وعيسى نبي مثل موسى ~~عليهما السلام وقد آتاه الله الإنجيل أيضا وهو كتابه؟ والجواب عنه: يحتمل ~~أنهم لم يكونوا سمعوا بذكر عيسى، ويحتمل أنهم سمعوا بذكر موسى وعيسى جميعا ~~إلا أنهم ذكروا موسى لأنه أقدم؛ ولأنه عامة ما في الإنجيل من الأحكام ~~موافقة لما في التوراة إلا في أشياء معدودة. # وقوله: {مصدقا لما بين يديه} أي: لما بين يديه من الكتب. # وقوله: {يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} أي: مستو. # PageV05P163 # قوله تعالى: {ياقومنا أجيبوا داعي الله} أي: محمدا. # {وآمنوا به} أي: صدقوا به {يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} أي: ~~النار. # PageV05P163 # قوله تعالى: {ومن لا ms1581 يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض} أي: لا يفوت ~~الله ولا يسبقه. # وقوله: {وليس له من دونه أولياء} أي: أنصار [يمنعونهم] من العذاب. # وقوله: {أولئك في ضلال مبين} أي: خطأ بين، وفي الأخبار: أن وفد الجن ~~ذهبوا وأنذروا قومهم، وعادوا إلى النبي بعد ما أسلم طائفة كثيرة منهم، وذهب ~~النبي وقرأ عليهم القرآن وعلمهم الأحكام، وفي حمله عبد الله بن مسعود مع ~~نفسه اختلاف كثير، فروي أنه لما أراد أن يذهب إلى الجن قال: " ليقم منكم ~~معي رجل ليس في قلبه مثقال خردل من كبر، فقام عبد الله بن مسعود وحمله مع ~~نفسه، وخط له خطا وقال له: إياك أن تبرح هذا الخط، وذهب يخاطب الجن، وكان ~~هذا الاجتماع بالحجون، وهو موضع بأعلى مكة، فروي انه لما سمع عبد الله بن ~~مسعود # PageV05P163 # {له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (32) أو لم يروا أن الله الذي خلق ~~السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل ~~شيء قدير} لغظهم وأصواتهم ظن بالنبي الظنون، فأراد أن يخرج من الخط، ثم إنه ~~ذكر وصية النبي فلم يخرج، وذكر ذلك للنبي من بعد فقال: لو خرجت لم تلقني ~~أبدا ". وروي أنه رأى بعضهم ورأى آثار نيرانهم. # وفي هذا كلام كثير، وروايات مختلفة، وفي رواية علقمة عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال: لم يكن معه منا أحد ليلة الجن، والله أعلم في ذلك. # وقال أهل العلم: في الآية دليل على أن النبي كان مبعوثا إلى الجن والإنس. # PageV05P164 # وقوله تعالى: {أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي ~~بخلقهن} أي: لم يعجز عن خلقهن، وقيل: لم يتعب ولم ينصب بخلقهن، خلاف ما ~~قالته اليهود: أنه تعب من خلقهن فاستراح يوم السبت. # وقوله: {بقادر} أي: قادر {على أن يحي الموتى} . # وقوله: {بلى إنه على كل شيء قدير} أي: قادر. # PageV05P164 # قوله تعالى: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق} معناه: ~~يقال لهم: أليس هذا بالحق. ms1582 # وقوله: {قالوا بلى وربنا} أي: نعم. # وقوله: {قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} أي: تكفرون بالله. # PageV05P164 # قوله تعالى: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} أي: فاصبر على ما ~~يصيبك من أذى المشركين. # وقوله: {كما صبر أولوا العزم من الرسل} أكثر المفسرين على أنهم أربعة: ~~نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، وقال مقاتل: أولوا العزم، نوح ~~صبر على # PageV05P164 # ((33} ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا ~~قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34) فاصبر كما صبر أولوا العزم من ~~الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ~~بلاغ فهل يهلك إلا القوم) أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر ~~على الذبح، ويعقوب صبر على فقد الولد، ويوسف صبر على السجن، وأيوب صبر على ~~الضر. وقيل: أولوا العزم هم: نوح، وهود، وإبراهيم. وفي الآية قول آخر وهو ~~معروف: أن جميع الأنبياء هم المراد بالآية، وليست " من " للتبعيض وإنما ~~للتبيين، وقال من ذهب إلى هذا القول: ليس في الأنبياء أحد ليس له عزم ولا ~~حزم ولا رأى ولا عقل، بل كانوا جميعا بهذه الأوصاف. ومنهم من قال: أولوا ~~العزم من الرسل: هم الذين أمروا بالقتال ومنابذة المشركين فقاتلوا ونابذوا، ~~وفي بعض المسانيد برواية عائشة رضي الله عنها أن النبي قال لها: " مالي ~~وللدنيا يا عائشة، وإنما أمرت ان أصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، صبروا ~~على مكروهها، وصبروا على محبوبها أي: مكروه الدنيا ومحبوب الدنيا والله ~~لأفعلن كما فعلوا، وأجتهدن حتى أنال رضا ربي " والخبر غريب. والقول الذي ~~ذكرناه أخيرا ذكره الكلبي وغيره، وفي قول هؤلاء ليس آدم من أولي العزم ولا ~~يونس صلوات الله عليهما. # وقوله: {ولا تستعجل لهم} في التفسير: أن النبي استبطأ عذاب الكفار [بعض] ~~الاستبطاء؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ولا تستعجل لهم} # وقوله: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} واليوم ~~الذي يوعدون يوم القيامة، وقوله: {بلاغ} أي: هذا بلاغ، وهو ms1583 إشارة إلى ~~القرآن، وقرأ (أبو) مجلز لاحق بن حميد " بلغ " على وجه الأمر. # PageV05P165 # {الفاسقون (35) } # وقوله: {فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} أي: الكافرون، والفاسق: [هو] ~~الخارج عن طاعة الله، وذلك الكافر، ويقال: إن هذه الآية أرجى آية في ~~القرآن. قال قتادة: لا يهلك على الله إلا هالك، ثم فسر الهالك قال: هو كافر ~~ولى الإسلام ظهره، أو منافق يصف الإيمان بلسانه وينكر بقلبه. # PageV05P166 # بسم الله الرحمن الرحيم # {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم ~~وأصلح} # تفسير سورة محمد # وهي مدنية، وهذه السورة تسمى سورة القتال، وسورة الأنفال تسمى سورة ~~الجهاد، وكان أصحاب رسول الله إذا قاتلوا العجم وغيرهم بعد رسول الله قرءوا ~~هاتين السورتين بين الصفين؛ ليحرضوا المسلمين على القتال. # PageV05P167 # قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} أي: أحبط ~~أعمالهم. قال المفسرون: نزلت الآية في المطعمين يوم بدر، وهو اثنا عشر ~~نفرا، كان كل واحد منم ينحر كل يوم عشرا من الجزور، هذا هو القول المشهور، ~~و {أعمالهم} إطعامهم، أحبطها الله تعالى ولم يقبلها منهم. ويقال: إن الآية ~~في جميع أهل مكة من الكفار. # PageV05P167 # قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد} ~~القول المشهور في الآية: أن المراد بهم الأنصار، وقيل: إنه في جميع من آمن ~~مع النبي. # وقوله: {وهو الحق من ربهم} أي: آمنوا بما هو الحق من ربهم. # وقوله: {كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم} أي: حالهم، [يقال] : ما بالك وما ~~حالك بمعنى واحد. # PageV05P167 # قوله تعالى: {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل} أي: ذلك الذي فعلناه من ~~إحباط (أعمال) الكفار، وقبول أعمال المؤمنين وتكفير سيئاتهم وإصلاح بالهم، ~~كان بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم. # PageV05P167 # {بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) فإذا لقيتم الذين كفروا ~~فضرب الرقاب حتى إذا ms1584 أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى ~~تضع الحرب أوزارها ذلك ولو} # وقوله: {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} أي: أمثال سيئات الكفار وحسنات ~~المؤمنين، يقال: ضربت لفلان مثلا أي: ذكرت له نوعا من الكلام لمعنى معلوم. # PageV05P168 # قوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} أي: فاضربوا الرقاب، ~~وضرب الرقاب جزها وقطعها. # وفي التفسير: " أن قوما من المسلمين كان بعثهم النبي لقتال قوم من ~~الكفار، فأحرقوا بعض الكفار؛ فبلغ النبي فأنكره، وقال: " إني ما بعثت لأعذب ~~بعذاب الله أحدا ". فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعلمهم كيفية القتل. # وقوله: {حتى إذا أثخنتموهم} الإثخان: بلوغ الغاية في النكاية، ويقال: ~~الاستكثار من القتل. # وقوله: {فشدوا الوثاق} أي: فأسروهم وشدوهم. وسئل الأوزاعي كيف نشد ~~الأسير؟ قال: بحبل، قيل: هل نشد بالقد؟ قال: ذاك عظيم، وقيل له: نشد ~~المرأة؟ قال: نعم. # وقوله: {فإما منا بعد وإما فداء} في الآية أقوال: أحدها: أنها محكمة، وهو ~~المعروف. قال مجاهد وغيره: والإمام بالخيار في الأسرى؛ إن شاء قتل، وإن شاء ~~فادى، وإن شاء من، وإن شاء استرق، وحكى هذا عن ابن عباس، والذي ذكرناه قول ~~الشافعي وكثير من الأئمة. # والقول الثاني: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} قاله قتادة والسدى وغيرهما. # PageV05P168 # {يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله ~~فلن يضل} # والقول الثالث: أن الآية ناسخة لقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} ذكره ~~الضحاك، ولا يجوز في الأسر القتل. والأول أولى الأقاويل؛ لأنه قد ثبت ~~بروايات كثيرة " أن النبي فادى كثيرا من الأسارى، ومن على كثير من الأسارى ~~" على ما ذكر في الكتب الصحيحة. # وقوله: {حتى تضع الحرب أوزارها} قال قتادة: حتى لا يبقى إلا مسلم أو ~~مسالم وقال سعيد بن جبير: حتى ينزل عيسى [ابن مريم] من السماء، ويكسر ~~الصليب، ويسلم كل كافر. وقد ثبت أن النبي قال: " لا تزال طائفة من أمتي ~~يقاتلون على الحق حتى تقوم الساعة ". وفي رواية أخرى: " حتى يكون آخر من ~~يقاتلون الدجال ". وفي الجملة ms1585 لا تضع الحرب أوزارها ما بقي في العالم كافر ~~حربي. # قوله تعالى: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم} أي: فانتصر منهم بجند من ~~الملائكة، أو بأي جند أراد، والانتصار هاهنا هو الانتقام، ومعناه: أنه لو ~~يشاء لم يأمركم بقتال الكفار، وانتقم بنفسه منهم {ولكن ليبلو بعضكم ببعض} ~~أي: ليبلو المسلمين بالكافرين، والكافرين بالمسلمين، مرة تكون النصرة ~~للمؤمنين، ومرة تكون النصرة للكافرين مثل ما كان ببدر وأحد، وهو تبلية الله ~~كيف يشاء لمن يشاء. # وقوله: {والذين قتلوا في سبيل الله} أي: الشهداء. # PageV05P169 # {أعمالهم (4) سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) يا ~~أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين كفروا ~~فتعسا} # وقوله: {فلن يضل أعمالهم} أي: يثيبهم على أعمالهم. # PageV05P170 # وقوله: {سيهديهم ويصلح بالهم} أي: حالهم. # PageV05P170 # وقوله: {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} القول المشهور أن معناه: عرفهم ~~منازلهم، ومعنى قوله: {عرفها لهم} أي: بينا لهم، فيكونون أهدى إلى منازلهم ~~من القوم يعودون من الجمعة إلى دورهم. قال سلمة بن كهيل: عرفهم (طرق) ~~منازلهم في الجنة. ويقال: عرفها لهم أي: طيبها لهم. وقيل: عرفها لهم أي: ~~رفعها لهم، والعرف: هو الريح. وفي الخبر " أن من أعان على قتل أخيه بشطر ~~كلمة لم يجد عرف الجنة، وأن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام ". وهذا القول ~~محكي عن ابن عباس. وعن مقاتل أنه قال: إذا حشر المؤمن وأمر به إلى الجنة ~~يقدمه الملك الذي كان يكتب عمله ويطوف به في الجنة، ويريه منازله حتى إذا ~~بلغ أقصى منازله ورأى جميعها انصرف الملك، وترك المؤمن في قصوره يتنعم فيها ~~كما يشاء بما شاء. # وعن مجاهد أنه قال: لا يحتاج المؤمن إلى دليل إلى قصوره ومنازله، بل يكون ~~عارفا بها كما يكون عالما بمنزله في الدنيا. # PageV05P170 # قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم} معناه: إن ~~تنصروا نبي الله أو دين الله ينصركم. والنصرة من الله: هو الحفظ والهداية. ~~وعن قتادة قال: من ينصر الله ينصره، ومن يسأله يعطه، ويقال: ينصركم ~~بتغليبكم على عدوكم وإعلائكم ms1586 عليهم. # وقوله: {ويثبت أقدامكم} أي: في القتال. ويقال: يثبت أقدامكم على الصراط، ~~وقد حكى هذا عن ابن عباس. # PageV05P170 # {لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9) ~~أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم ~~وللكافرين} # PageV05P171 # وقوله: {والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم} أي: بعدا لهم. والتعس في ~~اللغة هو العثور والسقوط. وقال ثعلب: التعس: الهلاك. # قال ابن السكيت: التعس أن [يخر] على وجهه، والنكس أن يخر على رأسه. # ويقال: فتعسا لهم أي: شرا لهم وتبا لهم. والذي جاء في الخبر " تعس وانتكس ~~"، قد بينا معنى تعس. وأما معنى قوله: انتكس أي: انقلب أمره وفسد، وهذا على ~~معنى الدعاء. # وقوله: {وأضل أعمالهم} أي: أضل الله أعمالهم بمعنى: أحبطها، فإن قيل: وأي ~~عمل للكفار حتى يحبطه الله تعالى؟ والجواب: أنهم كانوا يعملون أعمالا على ~~فضل الخير والتقرب إلى الله تعالى مثل: الصدقة، وصلة الرحم، والحج، ~~والطواف، وما أشبه ذلك، ويظنون أن الله تعالى يثيبهم عليها، فأخبر الله ~~تعالى أنه يحبطها بكفرهم. # PageV05P171 # قوله تعالى: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} أي: كرهوا ~~نبوة محمد وماأنزله الله من القرآن. # PageV05P171 # قوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~دمر الله عليهم} أي: أهلكهم بكفرهم. # وقوله: {وللكافرين أمثالها} أي: لهؤلاء الكافرين من سوء العاقبة مثل ما ~~لأولئك الكفار. # وقوله: {ذلك بأن الله مولى الذين أمنوا} أي: ولي الذين آمنوا، وهو كذا في ~~قراءة ابن مسعود. # PageV05P171 # {أمثالها (10) ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ~~(11) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تختها الأنهار ~~والذين كفروا} # وقوله: {وأن الكافرين لا مولى لهم} أي: لا يتولاهم الله تعالى، بمعنى: ~~أنه لا يهديهم ولا ينصرهم. وفي بعض الآثار: أن عليا رضي الله عنه سأل ابن ~~الكوا فقال: من رب العالمين؟ قال: الله. قال: صدقت قال من مولى الناس قال ~~الله قال كذبت، وتلا # PageV05P172 # قوله تعالى: {ذلك بأن ms1587 الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} ~~وعن قتادة قال: " نزلت الآية في حرب أحد، فإنه لما فشا القتل والجراحات في ~~أصحاب رسول الله، وفعل بالنبي ما فعل، نادى المشركون: يوم بيوم بدر والحرب ~~سجال، ثم قالوا: لنا العزى، ولا عزى لكم، فقال: قولوا: الله مولانا ولا ~~مولى لكم، ولا سواء؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ". # PageV05P172 # قوله تعالى: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام} يعني: لا ~~يخافون عقابا، ولا يرجون ثوابا. وقيل: ليس لهم هم إلا التمتع والأكل ~~كالأنعام. # وقوله: {والنار مثوى لهم} أي: منزل لهم. # PageV05P172 # قوله تعالى: {وكأين من قرية} " وكائن من قرية "، بالتخفيف. # وأنشد الأخفش قول لبيد: # (وكائن رأينا من ملوك وسوقة ... ومفتاح قيد للأسير المكبل) # ومعناه: وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التي أخرجتك أي: أخرجك ~~أهلها. # PageV05P172 # {يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) وكأين من قرية ~~هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم (13) أفمن كان على ~~بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (14) مثل الجنة التي وعد ~~المتقون فيها أنهار} # وقوله: {أهلكناهم فلا ناصر لهم} أي: لم يكن لهم أحد يمنعهم من عذابنا. # PageV05P173 # قوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه} أي: على يقين من أمر ربه. # ويقال: المراد من الآية محمد. # وقوله: {كمن زين له سوء عمله} هو أبو جهل، وقيل: الآية في جميع المؤمنين ~~والكفار. ومعنى الآية: أن الفريقين لا يستويان، فحذف هذا لفهم المخاطب، ~~وهذا كالرجل يقول: من فعل الخيار سعد، ومن فعل السيئات شقي. ثم يقول: أفمن ~~سعد كمن [شقي] ، يعني: لايكون، وحذف لفهم المخاطب. وقيل: الألف في قوله: ~~{أفمن} ألف توقيف وتقرير لما علم المخاطب منه. # وقوله: {واتبعوا أهواءهم} أي: اتبعوا أهواءهم في اتباع الكفر. # PageV05P173 # قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون} في قراءة علي رضي الله عنه: " ~~أمثال الجنة التي وعد المتقون ms1588 " والمعنى: صفة الجنة التي وعد المتقون أي: ~~صفات الجنة التي وعد المتقون، ومعناه: وعد المتقون من (الشرك) . # وقوله: {فيها أنهار من ماء غير الخير آسن} أي: غير متغير. يقال: أسن ~~الماء يأسن إذا تغير، وأجن يأجن إذا تغير أيضا، وإنما قال ذلك لأن الماء ~~يتغير بطول المكث، وماء الجنة لا يتغير بطول المكث. # وقوله: {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} أي: يحمض. وإنما قال ذلك لأن اللبن ~~إذا مر عليه الزمان يتغير ويحمض، وقد ثبت أن النبي قال: " أوتيت بإناءين ~~ليلة المعراج في أحدهما خمر، وفي الآخر لبن، فأخذت اللبن وشربته، فقال ~~جبريل عليه السلام: أصبت الفطرة ". # PageV05P173 # {من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين ~~وأنهارا من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد ~~في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعائهم (15) ومنهم من يستمع إليك حتى إذا ~~خرجوا من عندك} # ومن المعروف أيضا " أن النبي كان إذا أكل طعاما شكر الله تعالى، وسأل ~~[الله] أن يرزقه خيرا منه إلا اللبن، فإنه كان إذا شرب اللبن شكر الله ~~تعالى ولم يقل وارزقنا خيرا منه ". # وقوله: {وأنهار من خمر لذة للشاربين} واللذة: طيبة النفس في الشرب، وقد ~~بينا وصف خمر الجنة قبل هذا. # وقوله: {وأنهار من عسل مصفى} أي: منقى من الكدر والعكر. # ويقال: مصفى من الشمع ألا يكون فيه شمع. # وقوله: {ولهم فيها من كل الثمرات} أي: الفواكه. # وقوله: {ومغفرة من ربهم} أي: العفو من ربهم. # وقوله: {كمن هو خالد في النار} أي: من يعطي مثل هذه النعم يكون حاله كحال ~~من هو خالد في النار. # وقوله: {وسقوا ماء حميما} الحميم: هو الماء الذي تناهى في الحر، وفي ~~التفسير: أنه ماء سعرت عليه نيران جهنم منذ خلقت، فإذا قربه الكافر إلى ~~وجهه للشرب شوى وجهه، وسقطت جلدة وجهه وفروة رأسه. # PageV05P174 # {قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~وأهواءهم} # وفي بعض المسانيد برواية ms1589 أبي أمامة الباهلي أن النبي قال: " إذا شرب ~~الكافر الحميم؛ قطع أمعاءه فخرجت من دبره، ثم تلا قوله تعالى: {وسقوا ماء ~~حميما فقطع أمعاءهم} . # وفي بعض الحكايات عن محمد بن عبيد الله الكاتب قال: رجعت من مكة فمررت ~~بطيزناباد وهو موضع بين الكوفة وبغداد فرأيت كرما فيه عنب كثير، فذكرت قول ~~أبي نواس: # (بطيزناباد كرم ما مررت به ... إلا تعجبت (ممن) يشرب الماء) # فسمعت قائلا يقول أسمع صوته ولا أراه: # (وفي الجحيم حميم ما تجرعه ... خلق فأبقى له في البطن أمعاء) # PageV05P175 # قوله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك} يعني: ومن الكفار من يستمع إليك أي: ~~يستمع إلى قولك. # وقوله: {حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم} قال عبد الله بن ~~بريدة وجماعة: هو عبد الله بن مسعود، وقيل: إنه أبو الدرداء. وفي الآية قول ~~آخر: أنه جميع أصحاب رسول الله. # وقوله: {ماذا قال آنفا} أي: ماذا قال الآن صاحبكم؟ وآنفا: قريبا، وكانوا ~~يقولون هذا على طريق الاستهزاء يعني: إنا شغلنا عن سماع كلامه، فماذا قال؟ # وقوله: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} أي: ختم الله على قلوبهم، ولم ~~يهدهم لقبول قول رسوله. وقال ابن الأعرابي: الختم على القلب (من) فهم ~~القول. # PageV05P175 # ((16} والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) فهل ينظرون إلا الساعة ~~أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) فاعلم أنه ~~لا إله إلا) # وقوله: {واتبعوا أهوائهم} أي: هواهم. والمراد من الآية وفائدتها: هو منع ~~المسلمين أن يكونوا مثل هؤلاء، وبيان حالهم للمؤمنين. # PageV05P176 # قوله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى} أي: زادهم بيانا ورشدا، ويقال: ~~زادهم هدى أي: العمل بالناسخ بعد العمل بالمنسوخ، ويقال: الأخذ بالعزائم ~~بعد العمل بالرخص. # وقوله: {وآتاهم تقواهم} أي: جزاء تقواهم. # PageV05P176 # قوله تعالى: {فهل ينظرون إلا الساعة} أي: فهل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة أي: تجيئهم فجأة. # وقوله: {فقد جاء أشراطها} أي: علاماتها. وفي التفسير: أن قوله: {فقد جاء ~~أشراطها} هو محمد. وقد روي عنه أنه قال: " بعثت والساعة كهاتين، وأشار إلى ms1590 ~~السبابة والوسطى فسبقتها كما سبقت هذه " وفي رواية: كادت تسبقني. وقد ~~اختلفت الروايات في أول أشراط الساعة عن بعض الأخبار " أن أول أشراط الساعة ~~طلوع الشمس من مغربها، وحينئذ يغلق باب التوبة، و {لا ينفع نفسا إيمانها لم ~~تكن آمنت من قبل} على ما قال الله تعالى ". وفي خبر آخر: " أن # PageV05P176 # {الله واستغفر لذنبك للمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم (19) ~~ويقول} أول أشراط الساعة نار تخرج من المشرق فتسوق الناس إلى المغرب ". ~~ويقال: " أول أشراطها خروج الدابة "، وفي الأخبار: [أن] هذه الأشراط تكون ~~في مدة قريبة، ويتتابع بعضها في إثر بعض ". وقيل: " كلؤلؤ العقد إذا انحل ~~نظامه، كان بعضه في إثر بعض ". # وقوله: {فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} معناه: فأين لهم المفر والملجأ إذا ~~جاءهم ما يذكرهم؟ يعني: إذا عاينوا الأمر وحضرت هذه الأشراط. وقال قتادة ~~معناه: " فأنى لهم إذا جاءتهم " أي: الساعة " ذكراهم " أي: أنى لهم التذكر؟ ~~أي: منفعة التذكر لو طلبوه إذا جاءتهم الساعة، والمقصود فوات منفعة التذكر ~~عند حضور الأمر. # PageV05P177 # قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} فإن قيل: كيف قال: فاعلم أنه لا ~~إله إلا الله وقد علم؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن المراد منه هو الثبات ~~على العلم لا ابتداء العلم. والثاني: أن معناه: فاذكر أنه لا إله إلا الله، ~~فعبر عن الذكر بالعلم لحدوثه عنده. ويقال: الخطاب مع الرسول، والمراد منه ~~الأمة. # PageV05P177 # وقوله: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} قد ثبت برواية الزهري عن أبي ~~سلمة عن أبي هريرة أن النبي قال: " إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة "، ~~وفي رواية: " مائة مرة ". # فإن قيل: كيف أمره بالاستغفار وكان معصوما من الذنوب؟ والجواب: أنه كان ~~لا يخلو من الخطأ والزلل وبعض الذنوب التي هي من الصغائر، فأمره الله تعالى ~~بالاستغفار منها، وأمره بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، وكان يدعو لهم ~~ويستغفر لهم. # وفي المشهور من الخبر أن النبي لما ابتدأ به المرض الذي توفى فيه خرج إلى ~~أحد، واستغفر لشهداء أحد، ثم استغفر للمؤمنين والمؤمنات " ... والخبر فيه ms1591 ~~طول. # وقوله: {والله يعلم متقلبكم ومثواكم} أي: منصرفكم وموضع مقامكم، ويقال: ~~متقلبكم بالنهار ومثواكم بالليل. وقيل: متقلبكم ومثواكم أي: يعلم جميع ما ~~أنتم عليه في جميع أحوالكم. ويقال: يعلم متقلبكم أي: منصرفكم في الدنيا، ~~ومثواكم أي: منقلبكم في الآخرة، وإما إلى الجنة، وإما إلى النار. وقد ثبت ~~برواية حمران عن عثمان أن رسول الله قال: " من مات وهو يعلم أن لاإله إلا ~~الله دخل الجنة # PageV05P178 # {الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين} # وعن عبيد بن المغيرة قال: قال حذيفة بن اليمان: قوله: {واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات} ثم قال: كنت رجلا ذرب اللسان على أهلي فقلت: يارسول ~~الله، إني أخاف أن يدخلني لساني النار. فقال: أين أنت [من] الاستغفار؟ إني ~~لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ". وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: " ~~خير العمل لا إله إلا الله، وخير الدعاء أستغفر الله ". وفي بعض الآثار: " ~~أن الرجل إذا استغفر للمؤمنين والمؤمنات رد الله تعالى عليه عن كل مؤمن ~~ومؤمنة ". # PageV05P179 # قوله تعالى: {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة} أي: هلا أنزلت سورة، وفي ~~التفسير: أنهم كانوا يأنسون بالوحي إذا نزل ويستبطئونه إذا تأخر. # وقوله: {فإذا أنزلت سورة محكمة} وفي قراءة ابن مسعود: " محدثة " وفي ~~قوله: {محكمة} وجهان: أحدهما: محكمة أي: محكمة بذكر الجهاد والقتال مع ~~الكفار، والجهاد والقتال أشد الأوامر على النفس. # PageV05P179 # {في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم (20) ~~طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم (21) فهل ~~عسيتم إن} # والوجه الثاني: محكمة بالأوامر والنواهي. # وقوله: {رأيت الذين في قلوبهم مرض} أي: نفاق، فإن قيل: كيف أخبر عن ~~المؤمنين في ابتداء الآية ثم قال: {رأيت الذين في قلوبهم مرض} وهم ~~المنافقون، والمنافق لا يكون مؤمنا؟ والجواب عنه: أن في الآية حذفا، ~~ومعناه: فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال، فرح المؤمنون واستأنسوا ~~بها. و {رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من ms1592 الموت} ~~أي: شخصوا بأبصارهم نحوك، ونظروا نظرا شديدا، شبه الشاخص بصره عند الموت، ~~وإنما أصابهم مثل هذا؛ لأنهم إن قاتلوا خافوا الهلاك، وإن لم يقاتلوا خافوا ~~ظهور النفاق. # والآية في عبد الله بن أبي سلول، ورفاعة بن الحارث، وسائر المنافقين. # وقوله: {فأولى لهم} هذا وعيد وتهديد. قال ابن عباس: هو لمن كرهها، والعرب ~~تقول لمن قرب من عطب ونجا: أولى لك، ويريدون به تحذيره من مثل ذلك. وعن ~~محمد ابن الحنفية أنه كان إذا مات ميت بعقوته أي: بقرب منه، قال لنفسه: ~~أولى لك، كدت تكون السواد المخترم. # PageV05P180 # وقوله: {طاعة وقول معروف} فيه أقوال: أحدها: أنه بمعنى الأمر، ومعناه: ~~قولوا آمنا طاعة وقول معروف. والقول المعروف هو الإجابة بالسمع والطاعة. # والقول الثاني: أن قوله: {طاعة وقول معروف} أي: طاعة وقول معروف أحسن ~~وأميل لهم. # والقول الثالث: أن هذه حكاية منهم قبل نزول آية القتال، كانوا يقولون على ~~هذا الوجه فإذا نزلت آية القتال كرهوا وجزعوا. ويقال: وقوله: {طاعة وقول ~~معروف} # PageV05P180 # {توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) أولئك الذين لعنهم الله ~~فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) ~~إن} اعتراض في الكلام المنسوق على الأول. # وقوله: {فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم} ومعنى قوله: {فإذا ~~عزم الأمر} أي: جهد الأمر ولزم فرض القتال. {فلو صدقوا الله} أي: لو وفوا ~~بما وعدوه من الجهاد، وقابلوا أمر الله بالامتثال لكان خيرا لهم. # PageV05P181 # قوله تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم} فيه قولان: أحدهما: إن توليتم ولاية ~~أي: كانت لكم ولاية. والثاني: إن توليتم عن الإيمان بالرسول وبالقرآن أي: ~~أعرضتم، فهل يكون منكم سوى أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم؟ وقيل على ~~القول الأول: أنه قد كان هذا في صدر الإسلام؛ فإن قريشا لما تولوا الأمر ~~أفسدوا في الأرض وقطعوا الأرحام، وذلك من قتل بني هاشم قريشا، وقتل قريش ~~بني هاشم. # PageV05P181 # وقوله: {أولئك الذين لعنهم الله} أي: طردهم الله. # وقوله: {فأصمهم} أي: جعلهم بمنزلة الصم. وقوله: {وأعمى أبصارهم} أي: ms1593 ~~بمنزلة العمى. # PageV05P181 # قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} التدبير: هو ~~التفكر والنظر فيما يؤول إليه عاقبة الأمر. # وقوله: {أم على قلوب أقفالها} معناه: بل على قلوب أقفالها، وهو على طريق ~~المجاز، فذكر القفل بمعنى انغلاق القلب عن فهم القرآن. وفي التفسير: " أن ~~النبي كان يقرئ شابا هذه الآية، فقال ذلك الشاب: بل على قلوب أقفالها حتى ~~يفتحها الله، فقال النبي له: صدقت ". # وعن بعضهم: مثل قفل الحديد على الباب. # PageV05P181 # وقوله: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} الهدى هو # PageV05P181 # {الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم ~~وأملى لهم (25) ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنعطيكم في بعض ~~الأمر والله يعلم إسرارهم (26) فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم (27) ذلك} البيان المؤدي إلى الحق. # وقوله: {الشيطان سول لهم} أي: زين لهم. # وقوله: {وأملى لهم} أي: أمهلهم بالمد لهم في العمر، وهو راجع إلى الله ~~تعالى ومعناه: وأملى لهم الله تعالى، وقرئ: " وأملي لهم " على مالم يسم ~~فاعله، وقرئ في الشاذ " وأملي لهم " بتسكين الياء، أي: وأنا أملي لهم. # PageV05P182 # وقوله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله} في الآية ~~قولان: أحدهما: أنه قول اليهود للمنافقين، قالوا للمنافقين: سنطيعكم في بعض ~~الأمر أي: في كتمان صفة محمد مع علمنا بأنه رسول. والقول الثاني وهو الأظهر ~~أنه قول المنافقين لليهود. # وقوله: {كرهوا ما أنزل الله} هم اليهود، وإنما كرهوا حسدا وبغيا. # وقوله: {سنطيعكم في بعض الأمر} أي: في بغض محمد والعداوة معه. # وقوله: {والله يعلم إسرارهم} أي: ما أسر بعضهم إلى بعض، وهذا القول أولى؛ ~~لأن الآيات المتقدمة في المنافقين. # PageV05P182 # قوله تعالى: {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} أي: ~~يضربون وجوههم عند الموت بصحائف الكفر، وقيل: في القيامة. # وقوله: {وأدبارهم} أي: يضربون أدبارهم عند سوقهم إلى النار، وهذا في ~~القيامة. وفي بعض التفاسير: مامن عاص يموت إلا وتضرب الملائكة وجهه ودبره ~~عند إدخاله القبر. # PageV05P182 # {بأنهم اتبعوا ms1594 ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم أم حسب الذين في ~~قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين} # PageV05P183 # قوله تعالى {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالكم ~~أي: أبطلها، وقد بينا معناه من قبل. # PageV05P183 # قوله تعالى: {أم احسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم} ~~الأضغان: جمع ضغن، وهو بمعنى: الحقد والغل والغش، ومعنى الآية: أي: أحسب ~~المنافقون والكفار أن لن يظهر ما في قلوبهم لرسوله وللمؤمنين. # قال الشاعر في الضغن: # (قل (لأبي) هند ما أردت بمنطق ... ساء الصديق (وسود) الأضغان) أي: ~~الأحقاد. # PageV05P183 # قوله تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم} أي: لعرفناهم إياك. # وقوله: {فلعرفتهم بسيماهم} أي: جعلنا لهم في وجوههم سمة تعرفهم بها. # وقوله: {ولتعرفنهم في لحن القول} أي: في فحوى القول ومقصده ومغزاه. وعن ~~بعضهم: قول الإنسان وفعله دليل على نيته. ويقال: لحن في القول إذا ترك ~~الصواب، واللحن هاهنا: هو قول يفهم المخاطب معناه مع إخفاء القائل المراد ~~فيه، قال الشاعر: # (منطق صائب ويلحن أحيانا ... وخير القول ما كان لحا) # وفي الخبر المعروف أن النبي قال: " إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن ~~بحجته من بعض " أي: أفطن. وعن بعضهم: عجبت لمن يعرف لحن الكلام كيف يكذب. ~~وفي التفسير: أنه لم يخف منافق بعد هذه الآية على رسول الله، وكان # PageV05P183 # {منكم والصابرين ونبلو أخباركم (31) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا لله شيئا وسيحبط أعمالهم ~~(32) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ~~(33) إن الذين} يعرفهم في لحن كلامهم. # وقوله تعالى: {والله يعلم أعمالكم} يعني: التي تعملونها. # PageV05P184 # قوله تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم} أي: نعلم علم الشهادة، ~~وهو العلم الذي يقع عليه الوعد والوعيد. ويقال: [لنعاملكم] معاملة من يريد ~~أن يعلم أعمالكم. ويقال معناه: حتى تعلموا أنا علمنا أعمالكم. # وقوله: {والصابرين ونبلوا أخباركم} أي: نعلم ms1595 الصابرين، ونعلم أخباركم. ~~وكان مجاهد إذا بلغ إلى هذه الآية قال: اللهم إنا نسألك أن لا تبلو أخبارنا ~~فإنا نفتضح. # PageV05P184 # قوله تعالى: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} أي: منعوا الناس عن ~~الإيمان بالله. # وقوله: {وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى} أي: خالفوا الرسول من ~~بعد ما تبين لهم الهدى. # وقوله: {لن يضروا الله شيئا} أي: ينقصوا الله شيئا. # وقوله: {وسيحبط أعمالهم} أي: يبطل أعمالهم. # PageV05P184 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم} عن أبي العالية الرياحي قال: كانوا يقولون أي: الصحابة لن يضر مع ~~الإيمان شيء كما لا ينفع مع الكفر شيء، حتى أنزل الله تعالى هذه لآية: {ولا ~~تبطلوا أعمالكم} بالشك والنفاق، ويقال: بالمكر والخداع، والمعروف بالكبائر. # PageV05P184 # {كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم (34) فلا ~~تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم (35) ~~إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم ~~أموالكم (36) إن} # PageV05P185 # قوله تعالى: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن ~~يغفر الله لهم} ظاهر المعنى. # PageV05P185 # قوله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} أي: (لا تضعفوا) . # وقوله: {وتدعوا إلى السلم} أي: إلى الصلح، نهى الله تعالى المسلمين أن ~~يطلبوا الصلح مع الكفار إذا أمكنهم القتال. # وقوله: {وأنتم الأعلون} أي: الغالبون القاهرون. # وقوله تعالى: {والله معكم} أي: بالنصرة والحفظ. # وقوله تعالى: {ولن يتركم أعمالكم} أي: لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا، ~~وقد ثبت عن النبي أنه قال: " مامن ساعة تمر على العبد المسلم لا يذكر الله ~~فيها إلا كانت عليه ترة يوم القيامة " أي: نقص. # PageV05P185 # قوله تعالى: {إنما الحياة لدنيا لعب ولهو} أي: ما يلهى ويلعب به. # وقوله: {وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم} فيه أقوال: ~~أحدها: ولا يسألكم جميع أموالكم، إنما يسألكم قدر الزكاة، وهو المعروف. ~~والقول الثاني: لا يسألكم أموالكم لنفسه، إنما يسألكم لكم. والقول الثالث: ~~ولا يسألكم ms1596 أموالكم؛ لأنها ليست لكم في الحقيقة، إنما هي له. # PageV05P185 # {يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) ها أنتم هؤلاء تدعون ~~لتنفقوا في} # PageV05P186 # وقوله تعالى: {إن يسألكموها فيحفكم} أي: يبالغ في مسألتكم، ويقال: يلح ~~عليكم ويجهدكم. وفي بعض أمثال العرب: ليس للسائل المحفي مثل منع (الخامس) . # وفي بعض الأخبار عن النبي: " إن الله يحب الحيي المتعفف، ويبغض السائل ~~الملحف ". # قوله {تبخلوا} أي: تمنعوا 1850 # وقوله: {ويخرج أضغانكم} أي: ويخرج الإحفاء أضغانكم، ويظهر ما في بواطنكم ~~من البخل والإمساك والنفاق والشك. وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: " ~~أخبر تقله " أي: أخبر الإنسان ببغضه، وعن بعضهم أنه قال: " أقله بخبر، ~~يعني: ابغضه، فهو المختبر. وفي بعض الحكايات أن مخارقا غني للمأمون. # PageV05P186 # {سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم ~~الفقراء وإن تنولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم (38) .} # (إني لمشتاق إلى ظل صاحب ... يرق ويصفو إن كدرت عليه) # فقال المأمون: خذ مني الخلافة وأتني بهذا الصاحب. # PageV05P187 # قوله تعالى: {ها أنتم هؤلاء} أي: ياهؤلاء {تدعون لتنفقوا في سبيل الله} ~~أي: في الجهاد. # وقوله: {فمنكم من يبخل} أى يمنع. وقوله {ومن يبخل فإنماعن نفسه} أي: يفوت ~~حظ نفسه. # وقوله: {والله الغني وأنتم الفقراء} أي: الغني عنكم، وأنتم الفقراء إليه. # وقوله: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} أي: إن تعرضوا. # وقوله: {قوما غيركم} فيه أقوال أحدها: ملائكة السماء، وهذا أشد الأقوال. ~~والقول الثاني: إن تتولوا يامعشر قريش يستبدل قوما غيركم أي: أهل اليمن، ~~وقد كان الأنصار منهم، فإن الأوس والخزرج حيان من اليمن، وقد قال الشاعر: # (ولله أوس آخرون وخزرج ... ) # والقول الثالث: وهو المعروف، وإن تتولوا يا معشر العرب يستبدل قوما غيركم ~~أي: العجم. وفي الخبر المعروف: أن قوما سألوا النبي عن معنى هذه الآية ~~وقالوا: من الذين يستبدلهم بنا؟ وكان سالما جالسا بجنبه فقال: هذا وقومه ثم ~~قال: " لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من فارس ". # وقوله: {ثم لا يكونوا أمثالكم} أي: يكونوا خيرا منكم وأطوع لي، ومعناه: ~~لايكونوا ms1597 أمثالكم في مخالفة الأوامر، والله أعلم. # PageV05P187 # بسم الله الرحمن الرحيم # {إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~ويتم نعمته} # تفسير سورة الفتح # وهي مدنية في قولهم جميعا، وعن بعضهم: انها نزلت بين مكة والمدينة عند ~~منصرفه من الحديبية، قاله مسور بن مخرمة ومروان وغيرهما. وروى مالك عن زيد ~~بن أسلم، عن ابيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله في ~~سفر فقال: " لقد انزلت البارحة علي سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها، ثم ~~قرأ: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} أخرجه البخاري عن (القعنبي) عن مالك. # وروي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: لما انصرفنا من مكة وقد منعنا من ~~نسكنا، وبنا من الحزن والكآبة شيء عظيم، فأنزل الله تعالى هذه السورة، فقال ~~النبي: " هي أحب إلي من جميع الدنيا ". # PageV05P188 # قوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} أي: قضينا لك قضاء بينا. ومعنى ~~القضاء هو الحكم بالنصرة على الأعداء، والفتح في اللغة هو انفتاح المنغلق، ~~وقيل: هو الفرح المزيل الهم، ومنه انفتاح المسألة، وهو انكشاف البيان الذي ~~يؤدي إلى البغية، وأما معنى ما وقع عليه اسم ### | الفتح، # فالأكثرون من العلماء والمفسرين على أنه صلح الحديبية، فإن قيل: كيف يكون ~~الصلح فتحا؟ وإن كان فتحا للمسلمين فهو فتح للكفار أيضا؛ لأن الصلح يشتمل ~~على الجانبين، والجواب عنه: أنه قد أشكل هذا على عمر، " فإنه لما أنزل الله ~~تعالى هذه السورة، قال عمر: يا رسول الله، أفتح هو؟ # PageV05P188 # قال: نعم ". # وقيل: إنه أعظم فتح كان في الإسلام؛ لأنه لما صالح مع المشركين ووداعهم ~~فكان قد صالح على وضع الحرب عشر سنين، فاختلط المشركون مع المسلمين بعد ~~ذلك، وسمعوا القرآن، ورأوا ما عليه رسول الله وأصحابه فرغبوا في الإسلام، ~~وأسلم في مدة الصلح من المشركين أكثر مما كان أسلم في مدة الحرب، وكثر سواد ~~الإسلام، وأسلم في هذه المدة: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن ~~طلحة العبدري، ms1598 وكثير من وجوه المشركين، وقد كان في غزوة الحديبية بيعة ~~الرضوان، ووعد فتح خيبر وظهور الروم على الفرس، وكان ذلك من معجزات الرسول، ~~وكان ذلك مما سر المسلمين وساء المشركين؛ لأن المسلمين كانوا يودون ظهور ~~أهل الكتاب، والمشركون كانوا يودون ظهور الفرس والعجم فحقق الله ما يوده ~~المسلمون وكان المشركون قالوا حين ظهرت الفرس على الروم: كما ظهر الفرس على ~~الروم كذلك نحن نظهر عليكم، فحين أظهر الله الروم على الفرس كان ذلك علامة ~~لظهور المسلمين على المشركين. وقيل في الحديبية: هو إباحة الحلق والنحر قبل ~~بلوغ الهدي محله، وفي الآية قول آخر: وهو أن المراد من الفتح هو فتح مكة، ~~وذلك لأن الله تعالى وعده فتح مكة في غزوة الحديبية. # PageV05P189 # قوله تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} قال ثعلب معناه: ~~كي يغفر الله لك، فاللام بمعنى كي، قال: وحقيقة المعنى هو أنه يجمع لك ~~المغفرة مع الفتح، فيتم عليك النعمة بها. وقال أبو حاتم السجستاني النحوي: ~~معنى قوله: {ليغفر لك الله} أي: ليغفرن الله لك، فلما أسقط النون خفض ~~اللام. # وقوله: {ما تقدم من ذنبك وما تأخر} أي: ما تقدم من ذنبك قبل زمان النبوة، ~~وما تأخر عن زمان النبوة، وقيل: ما تقدم من ذنبك قبل الفتح، وما تأخر عن ~~الفتح. وعن الثوري قال: ما كان وما يكون مالم تفعله، وأنت فاعله، فكأنه غفر ~~له قبل الفعل. # PageV05P189 # {عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا (3) هو الذي ~~أنزل} # فإن قال قائل: وأي ذنب كان له؟ قلنا: الصغائر، وقد كان معصوما من ~~الكبائر. # وفي تفسير النقاش: أنه كان متعبدا قبل النبوة بشريعة إبراهيم في النكاح ~~والطلاق والعبادات والمعاملات وغير ذلك، وكان قد تزوج خديجة وهي مشركة، ~~وكذلك زوج ابنته رقية من عتبة بن أبي لهب وهو مشرك، و [كذلك] زوج ابنته ~~زينب من [أبي] العاص بن الربيع وكان مشركا فهذه ذنوبه قبل النبوة، وقد ~~غفرها الله تعالى له، وكان ذلك منه لا على طريق القصد. وقد ms1599 ثبت عن النبي " ~~أنه صلى حتى تورمت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدا شكورا. # وذكر الدمياطي في تفسيره عن ابن عباس: أن سب نزول الآية هو أن الله تعالى ~~لما أنزل قوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} شمت به المشركون واليهود، ~~وقالوا: هذا رجل لا يدري ما يفعل به ولا بأصحابه، فكيف ندخل في دينه؟ وقال ~~عبد الله بن أبي بن سلول الأنصاري: أتدخلون في دين رجل وهو لا يدري ما يفعل ~~به، فحزن المسلمون لذلك حزنا شديدا، فأنزل الله تعالى قوله: {إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} الآية، فقال المسلمون: ~~هنيئا لك يا رسول الله، فكيف أمرنا؟ فأنزل الله تعالى قوله: {ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} . # وقوله: {ويتم نعمته عليك} أي: (يتم) نعمته عليك بالنصر على الأعداء # PageV05P190 # {السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات ~~والأرض} وبالإرشاد إلى شرائع الإسلام، وقد أول الفتح المذكور في الآية ~~بالإرشاد إلى الإسلام. # وقوله: {ويهديك صراطا مستقيما} أي: يدلك على الطريق المستقيم. # PageV05P191 # وقوله: {وينصرك الله نصرا عزيزا} أي: (نصرا) مع عز لا ذل فيه. وفي أصل ~~الآية قول آخر: وهو أن قوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك ~~الله} هو في معنى قوله تعالى في سورة النصر: {إذا جاء نصر الله والفتح} ~~فذلك الفتح هو هذا الفتح. وقوله: {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ~~فسبح بحمد ربك واستغفره} فذلك الأمر بالتسبيح والاستغفار مدرج هاهنا، فكأن ~~الله تعالى قال: ( {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} فسبح بحمد ربك واستغفره) ~~{ليغفر لك الله} ذكره أبو الحسين ابن فارس في تفسيره، وجعل هذا الأمر جوابا ~~لسؤال من يسال عن الآية أنه. كيف يجعل قوله: {ليغفر} جوابا لقوله: {إنا ~~فتحنا} ؟ وكلاهما من الله تعالى؟ فأجابه بهذا الوجه. # PageV05P191 # قوله تعالى: {هو الذي أنزل السكينة} قد بينا أن ms1600 السكينة فعليه من السكون، ~~وحقيقتها هو السكون إلى وعد الله والثقة. ويقال: السكينة هو ما ألهم الله ~~تعالى المؤمنين من الصبر والتوكل عليه في لأمور كلها. # وقوله: {في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} أي: تصديقا مع ~~تصديقهم، وقيل: يقينا مع يقينهم. وعن ابن عباس: أن الله تعالى أمر المؤمنين ~~بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلما قبلوا ذلك زادهم ~~الصلوات الخمس، فلما قبلوا ذلك زادهم الزكاة، ثم زادهم الحج، ثم زادهم ~~الجهاد، فلما أكمل شرائعه أنزل قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} . # PageV05P191 # {وكان الله عليما حكيما (4) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) ~~ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء ~~عليهم} # وقوله: {ولله جنود السموات والأرض} أي: جموع السموات والأرض، فلو سلط ~~أصغر خلقه على جميع العالم لقهرهم. ويقال: له جنود السموات والأرض أي: ما ~~خلق الله في السموات من الملائكة، وما خلق الله في الأرض من الجن والإنس ~~وغيرهم. # وقوله: {وكان الله عليما حكيما} أي: عليما بخلقه، حكيما في تدبيره. # PageV05P192 # قوله تعالى: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما} أي: نجاة ~~[عظيمة] . # PageV05P192 # قوله تعالى: {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظاني ~~بالله ظن السوء} ومعنى ظن السوء هاهنا: هو أنهم كانوا قد ظنوا على أن أمر ~~محمد لا يتم، ويضمحل عن قريب. ويقال: إن الرسول لما توجه إلى مكة عام ~~الحديبية مع أصحابه معتمرين، ولم يحمل معه من السلاح إلا السيوف في القراب، ~~قال المنافقون وسائر الكفار: إن محمدا لا يرجع عن وجهه هذا أبدا وأنه يهلك ~~هو وأصحابه، فهو معنى ظن السوء. # وقوله: {دائرة السوء} وقرئ: " دائرة السوء) برفع السين، ومعناهما متقارب ~~أي: عليهم عاقبة الهلاك وقيل معناه: لهم سوء العاقبة لا للرسول. # وقوله: {وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} أي: بئس ~~المنقلب # PageV05P192 # {دائرة السوء وغضب ms1601 الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) ولله ~~جنود السموات والأرض وكان الله عزيزا حكيما (7) إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) ~~} # PageV05P193 # قوله تعالى: {ولله جنود السموات والأرض} في التفسير: أن المنافقين قالوا: ~~وما يغني عن محمد أصحابه؟ ولئن ظفر بقومه فكيف يظفر بجميع العرب وكسرى ~~وقيصر؟ ما وعد محمد أصحابه إلا الغرور، فأنزل الله تعالى قوله: {ولله جنود ~~السموات والأرض} ومعناه: أن الظفر من قبلي، والجنود كلها لي، فمن شئت أن ~~أنصره لم يعسر ذلك علي، قل أعداؤه أو كثر. # وقوله: {وكان الله عزيزا حكيما} منيعا في النصر، حكيما في التدبير. # PageV05P193 # وقوله تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا} أي: شاهدا على أمتك يوم القيامة. ~~ويقال: شاهدا بتبليغ الأمر والنهي. # وقوله: {ومبشرا} أي: مبشرا للمطيعين. # وقوله: {ونذيرا} أي: مخوفا للعاصين. # PageV05P193 # وقوله: {لتؤمنوا بالله ورسوله} أي: لكي تؤمنوا أيها الناس بالله ورسوله. # وقوله: {وتعزروه} أي: تعظموه، وقرئ في الشاذ: " وتعززوه " أي: تقدموا بما ~~يكون عزا له. # وقوله: {وتوقروه} أي: تفخموه وتبجلوه، ويقال: وتعذروه معناه: [تنصروه] ~~بالسيف، وهو القول المعروف، فإن قال قائل: فإلى من ترجع الهاء؟ والجواب من ~~وجهين أحدهما: أنها راجعة إلى الرسول، والثاني: أنها راجعة إلى الله تعالى. # PageV05P193 # {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ~~ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (10) سيقول ~~لك المخلفون} # وقوله: {وتسبحوه بكرة وأصيلا} تنصرف إلى الله قولا واحدا. # والتسبيح بالبكرة وهو صلاة الصبح، وبالأصيل صلاة الظهر والعصر. # PageV05P194 # قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك} هذا في البيعة يوم الحديبية. وقد كانوا ~~بايعوه على ألا يفروا، وفي رواية: بايعوه على الموت. # وقوله: {إنما يبايعون الله} أي: من أخذ العهد منك فقد أخذ العهد مني، ومن ~~بايعك فقد بايعني. وعن بعضهم: من دخل في الإسلام فقد بايع الله، وهو معنى ~~قوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} الآية. # وقوله: {يد الله فوق أيديهم} أي: يد الله في النصرة والمنة عليهم ms1602 فوق ~~أيديهم بالطاعة لك. ويقال معناه: يد الله في الوفاء بقوله {فوق أيديهم} في ~~الوفاء بعهدهم ويقال: إحسان الله تعالى إليهم فوق إحسانهم إليك بالنصرة، ~~ومنة الله عليهم فوق منتهم عليك في قبول ما جئت به. # وقوله: {فمن نكث} أي: من نقض العهد. # وقوله: {فإنما ينكث على نفسه} أي: وبال نقض عهده عليه. ويقال: إن الآية ~~نزلت في الجد بن قيس، وكان من المنافقين، فلما بايع رسول الله مع أصحابه ~~بيعة الرضوان اختبأ تحت إبط بعير ولم يبايع. ومعنى النكث: [هو] الترك. # وقوله: {ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما} أي: كثيرا. # PageV05P194 # قوله تعالى: {سيقول لك المخلفون من الأعراب} نزلت الآية في مزينة وجهينة ~~وأشجع وأسلم، وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله في غزوة الحديبية، واعتذروا # PageV05P194 # {من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتم ما ليس ~~في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا ~~بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون ~~إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في} بالشغل في الأموال والأولاد، فلما رجع رسول ~~الله جاءوا معتذرين، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. # وقوله {شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا} أي أطلب لنا المغفرة من الله ~~تعالى # وقوله: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} يعني: أنهم لا يبالون استغفرت ~~لهم أو تركت الاستغفار لهم لنفاقهم، وإنما يظهر طلب الاستغفار تقية وخوفا. ~~وهذا في المنافقين من هذه القبائل لا في جميعهم، فإنه قد كان فيهم مسلمون ~~محققون إسلامهم. # وقوله: {قل فمن يملك لكم من الله شيئا} أي: يدفع عنكم عذاب الله، ومن ~~يمنعكم من الله إن أراد عقوبتكم. # وقوله: {إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا} أي: ليس الأمر في جميع هذا ~~إلا بيده وقوله. بل كان الله بما تعملون خبيرا) أي: عليما. ويقال في قوله: ~~{شغلتنا أموالنا} أي: ليس لنا من يقوم بها. # وقوله: {وأهلونا} أي: ليس لنا من يخلفنا في القيام ms1603 بأمرهم. # وقوله: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} قال ابن عباس: كان في قلوبهم ~~الشك. # وقوله: {قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا} أي: الهزيمة. # وقوله: {أو أراد بكم نفعا} أي: النصرة والغنيمة. # PageV05P195 # {قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله ~~فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا (13) ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما (14) سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى ~~مغانم لتأخذوها} # PageV05P196 # قوله تعالى: {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا} قد ~~بينا ظنهم {وزين ذلك في قلوبكم} أي: زينه الشيطان. # وقوله: {وظننتم ظن السوء} قد بينا معناه. # وقوله: {وكنتم قوما بورا} أي: هلكى. قال عبد الرحمن بن زيد بن اسلم: هو ~~الذي لا خير فيه. ويقال: إن في لغة أزد عمان البور: الفاسد، ويقال: رجل ~~بور، ورجلان بوران، ورجال بور، ويقال: أصبحت اعمالهم بورا ومساكنهم قبورا. ~~وقيل: بورا: فاسدة قلوبهم، لا محسنين ولا متقين. وفي التفسير: أنه كان ظنهم ~~أن محمدا وأصحابه يقتلون في ذلك الوجه، ولا يرجعون أبدا إلى المدينة. # PageV05P196 # قوله تعالى: {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا} قال ~~ابن عباس: السعير هو الطبق السادس من جهنم. # PageV05P196 # قوله تعالى: {ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان ~~الله غفورا رحيما} ظاهر المعنى. # PageV05P196 # قوله تعالى: {سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها} سبب نزول ~~الآية: هو أن الله تعالى وعد أهل الحديبية غنائم خيبر، وقد كان هؤلاء ~~الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله وظنوا ظن السوء طمعوا في غنائم خيبر ~~وكان الله قد جعل غنائم خيبر لأهل الحديبية خاصة، فلما رجع النبي وأصحابه ~~إلى المدينة، وتوجهوا قبل خيبر جاء هؤلاء الأعراب، واستأذنوا رسول الله أن ~~يكونوا معه في هذه الغزوة، وقالوا: ذرونا نتبعكم. # وقوله: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} يعني: حكم الله الذي حكم في غنائم # PageV05P196 # {ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تبعونا كذلكم قال ms1604 الله ~~من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) قل ~~للمخلفين من الأعراب} خيبر أنها لأهل (المدينة) خاصة، حيث طمعوا أن يصيبوا ~~منها، ويقال معنى قوله: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} هو قوله تعالى: {قل ~~لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} فأرادوا [أن] يبدلوا هذا الكلام ~~الذي قاله الله، ويظهروا أنا خرجنا وقاتلنا خلاف ما قاله الله. وفي ~~التفسير: أنهم لما قالوا: ذرونا نتبعكم، قال لهم أصحاب رسول الله: نأذن لكم ~~في القتال على أن تكونوا متطوعين في القتال لا سهم لكم في الغنيمة؛ لأن ~~غنيمة خيبر لأهل الحديبية خاصة. # وقوله: {قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل} فعلى القول الأول [لن] ~~تتبعونا أصلا، وعلى القول الثاني قل لن تتبعونا لأخذ الغنيمة. # وقوله: {كذلكم قال الله من قبل} أي: حكم الله من قبل. # وقوله: {فسيقولون بل تحسدوننا} أي: لم تأذنوا لنا في اتباعكم [حسدا] منكم ~~لنا لئلا نصيب ما تصيبون. # وقوله: {بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا} أي: لا يعلمون ما لهم وما عليهم ~~في الدين إلا قليلا. # PageV05P197 # قوله تعالى: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} أصح ~~الأقاويل أنهم بنو حنيفة، أولوا بأس شديد حيث قاتلوا المسلمين مع مسيلمة ~~الكذاب. قال رافع بن خديج: ما كنا نعلم معنى قوله: {أولي بأس شديد} حتى # PageV05P197 # {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم ~~الله أجرا} دعانا أبو بكر رضي الله عنه إلى قتال مسيلمة، وكان ذلك الحرب ~~حربا شديدا على المسلمين، استشهد فيه كثير من الصحابة. # ويقال: استشهد فيه سبعمائة نفر من أصحاب رسول الله فيهم زيد بن الخطاب ~~أخو عمر بن الخطاب وعكاشة بن [محصن] . # والقول الثاني: أن قوله: {أولي بأس شديد} هو هوازن وثقيف، قاله الضحاك عن ~~ابن عباس. # والقول الثالث: أنهم فارس، وكان الحرب معهم أشد حرب على المسلمين في زمان ~~عمر رضي الله عنه. # وفي القول الأول، وفي هذا القول دليل على خلافة ابي ms1605 بكر وعمر، لأنهما ~~دعوا المسلمين إلى قتال مسيلمة وقتال فارس، وقد كان مع فارس وقعة القادسية، ~~وفيها قتل رستم صاحب جيش العجم، ووقعة جلولا ووقعة نهاوند، وهي تسمى فتح ~~الفتوح، ولم تقم بعدها قائمة، وتمزق ملكهم، وصدق الله دعوة النبي حيث قال: ~~" اللهم فمزق ملك فارس ". وروي أن أن كسرى لما مزق كتاب النبي وبلغ ذلك ~~رسول الله فقال: " مزق ملكه ". وعن كعب الأحبار قال في قوله: {إلى قوم أولي ~~بأس شديد} قال: هم الروم ومعهم الملحمة الكبرى في آخر الزمان. # PageV05P198 # {حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (16) ليس على ~~الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله ~~يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) لقد رضي ~~الله عن المؤمنين} # وأصح الأقاويل هو القول الأول؛ لأن الله تعالى يقول: {تقاتلونهم أو ~~يسلمون} ومعناه: أو يسلموا، وهذا إنما يكون في المرتدين الذين لا يجوز أخذ ~~الجزية منهم، فأنما المجوس والنصارى فيجوز أخذ الجزية منهم. وأما مجاهد حمل ~~الآية على أهل الأوثان. # وقوله: {فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا} أي: الجنة. # وقوله: {وإن تتولوا كما توليتم من قبل} أي: تعرضوا كما أعرضتم من قبل. # وقوله: {يعذبكم عذابا أليما} أي: وجيعا. فإن قيل: ذكر في هذه الآية قوله: ~~{ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} وقال في آية أخرى: {قل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا} وإنما قاتلوا مع أبي بكر وعمر ولم يقاتلوا مع ~~الرسول. # PageV05P199 # قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} ~~يعني: لا حرج على من تخلف عنك بهذه الأعذار عن غزوة الحديبية. # والحرج: الإثم، ومعنى الآية: أن الله تعالى أباح غنائم خيبر لقوم تخلفوا ~~عن غزوة الحديبية بهذه الأعذار. وقيل: إن هؤلاء القوم: أبو أحمد بن جحش، ~~وأمه آمنة بنت عبد المطلب، وعبد الله بن أم مكتوم الأعمى، وغيرهم. # وقوله: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ms1606 الأنهار ومن يتول ~~يعذبه عذابا أليما} ظاهر المعنى. # PageV05P199 # {إذ يبايعونك تحت الشجرة} # PageV05P200 # قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} القول ~~المعروف في الآية أنه لما توجه إلى مكة عام الحديبية معتمرا هو وأصحابه، ~~وساقوا الهدي مع أنفسهم، فلما بلغوا الحديبية، وهي بئر بمكان معلوم على طرف ~~الحرم، وتلك البقعة سميت باسم البئر، وقد ظهرت معجزة لرسول الله في هذا ~~البئر؛ " فإن أصحاب رسول الله ورضي [الله] عنهم لما وصلوا إليها نزحوها حتى ~~لم يبق من الماء شيء فشكوا إلى رسول الله العطش؛ فجاء رسول الله وقعد على ~~شفير البئر ودعا بماء فتمضمض به وصبه في البئر، فجاشت البئر بالروى، فاستقى ~~الناس، وسقوا الركاب، ولم ينزف بعد ". # رجعنا إلى أصل القصة: " فلما بلغوا الحديبية بركت ناقة النبي وهي ~~القصواء، فبعثوها فلم (تنبعث) ، فقالوا: خلأت القصواء. فقال رسول الله: " ~~ما خلأت، ولا هو لها بخلق، ولكنها حبسها حابس الفيل، والله لا يسألوني خطة ~~فيها تعظيم حرم الله إلا أعطيتهم إياها "، ثم دعا عمر وأراد أن يبعثه إلى ~~أهل مكة يستأذنهم في الدخول، ليقضي عمرته، وينحر هديه، فقال عمر: يا رسول ~~الله، ما لي بها من حميم ولا عشيرة وقد عرفوا شدة عداوتي لهم، وإني أخافهم ~~على نفسي، ولكن أدلك على من هو أعز مني بها عسيرة، قال: " ومن ذلك؟ "، قال: ~~عثمان، فأرسله إلى مكة. ثم إنه بلغ النبي أن عثمان قتل، وعن بعضهم أن إبليس ~~خرج وقال: إن عثمان قتل فحينئذ قام النبي واستند إلى الشجرة وهي شجرة سمرة ~~فبايع مع أصحابه وهي بيعة الرضوان، وكان بايع على القتال إلى أن يموتوا، ~~ويقال: بايع على ألا يفروا " واختلف القول في عدد القوم، قال ابن أبي أوفى: # PageV05P200 # {فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) } ألف ~~وثلثمائة. وقال جابر: ألف وأربعمائة، وهو الأصح. وعن ابن عباس: ألف ~~وخمسمائة. ثم ظهر أن عثمان لم يقتل. # وفي الآية قول آخر، رواه ابن أبي زائدة عن الشعبي قال: " مراد الله ms1607 من ~~البيعة المذكور في الآية بيعة رسول الله مع السبعين من الأنصار ليلة ~~العقبة، والقصة في ذلك: أنه قدم سبعون نفرا من أهل المدينة ليلقوا النبي في ~~أيام الحج قبل الهجرة، ورأسهم أبو أمامة أسعد بن زرارة، فخرج النبي ومعه ~~العباس ليلا حتى أتوا العقبة، وحضر من أهل المدينة هؤلاء السبعون، فقال ~~العباس لهم: ليتكلم متكلمكم ولا يطول، فإن عليكم عينا، وإن تعرف قريش ~~بمكانكم يؤذوكم. فقال أسعد بن زرارة: يا رسول الله، اشترط لربك، واشترط ~~لنفسك، واذكر مالنا إذا قبلنا، فقال النبي: " اشترط لربى أن لا تشركوا به ~~شيئا، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأولادكم. قال: فما ~~لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: الجنة، قال: رضينا ". # روي أن إبليس صرخ على العقبة: يا معشر قريش، هؤلاء الصباة قد اجتمعوا مع ~~محمد يبايعون عليكم. فلما سمعوا ذلك تفرق النبي وأولئك، فجاء المشركون فلم ~~يجدوا أحدا، والصحيح هو القول الأول. # وقوله: {فعلم ما في قلوبهم} أي: من الصدق والوفاء. وقيل: هو الإخلاص. # وقوله: {فأنزل السكينة عليهم} أي: الطمأنينة. ويقال: الثقة بوعد الله، ~~والصبر على أمر الله، ويقال: اعتقاد الوفاء. # وقوله: {وأثابهم فتحا قريبا} أي: فتح خيبر، ويقال: فتح مكة، والأول هو ~~المعروف. # PageV05P201 # {ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) وعدكم الله مغانم ~~كثيرة تأخذذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم} # PageV05P202 # قوله تعالى: {ومغانم كثيرة يأخذونها} يعني: أموال خيبر، وكانت لهم أموال ~~كثيرة من العقارات والنخيل وغيرها. # وقوله: {وكان الله عزيزا حكيما} قد بينا. # PageV05P202 # قوله تعالى: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} قال مجاهد معناها: ~~الغنائم التي تؤخذ من الكفار إلى قيام الساعة. وقال الحسن البصري: غنائم ~~فارس والروم. وقيل: فتح مكة. # وقوله: {فعجل لكم هذه} أي: غنائم خيبر. # وقوله: {وكف أيدي الناس عنكم} في التفسير: أن أسد وغطفان كانوا حلفاء ~~يهود خيبر، فلما توجه رسول الله إلى خيبر أراد أسد وغطفان أن يغيروا على ~~المدينة، فألقى الله الرعب في قلوبهم وتفرقوا. وروي أن رسول الله مال إليهم ~~ليقاتل معهم ms1608 أولا، فهربوا وتفرقوا وخلوا أهل خيبر، فرجع رسول الله إلى خيبر ~~وفتحها. ويقال: كف أيدي الناس عنكم: جميع المشركين، ولم يكن في الأمم أمة ~~أذل وأقل من العرب فأعزهم الله بالإسلام، وأغنمهم كنوز العجم والروم، ~~وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وكان أول ما دخل الذل على العجم حرب ذي ~~قار، وهو موضع بعث كسرى بجنوده إلى بني شيبان ليقاتلوا معهم بسبب قصة ~~طويلة، فقاتلوا بذي قار، وجعل العرب شعارهم اسم محمد، قال رئيسهم لهم: ~~اجعلوا شعاركم اسم هذا القرشي الذي خرج يدعو الناس إلى الله تعالى، ~~فاقتتلوا وهزم الله المشركين، وقتل أكثر جنود كسرى، فلما بلغ النبي قال: " ~~اليوم انتصفت العرب من العجم، وبي نصروا، من ذلك الوقت دخل الذل على العجم ~~وفني ملكهم. # PageV05P202 # {ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما (20) وأخرى لم تقدروا عليها ~~قد احاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (21) ولو قاتلكم الذين كفروا ~~لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) سنة الله التي قد خلت من ~~قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد} # وقوله: {ولتكون آية للمؤمنين} أي: معجزة، والآية في دعوة رسول الله فتح ~~خيبر وغنائم العجم والروم، وتحقق ذلك عن قريب. # وقوله: {ويهديكم صراطا مستقيما} يؤديكم إلى رضا الله تعالى. # PageV05P203 # قوله تعالى: {وأخرى لم تقدروا عليها} أي: أرض العجم. ويقال: أرض مكة. ~~ويقال: جميع ما فتح الله من الأراضي، ويفتحها إلى قيام الساعة. # وقوله: {قد أحاط الله بها} أي: أحاط علمه بها. # وقوله: {وكان الله على كل شيء قديرا} أي: قادرا. # PageV05P203 # قوله تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار} أي: انهزموا وكان ~~الظفر لهم. # وقوله: {ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا} قد بينا من قبل. # PageV05P203 # قوله تعالى: {سنة الله التي قد خلت من قبل} أي: سن الله هذه السنة، وهي ~~نصرة أوليائه وإهلاك أعدائه. ويقال: هي أن العاقبة للمؤمنين، ومعناه: أن ~~هذه السنة التي سننتها لكم هي سنتي فيمن خلا من قبلكم. # وقوله: ms1609 {ولن تجد لسنة الله تبديلا} أي: تغييرا. # PageV05P203 # قوله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة} روى # PageV05P203 # {أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (24) هم الذين كفروا وصدوكم ~~عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنات لم} عبد الله بن مغقل المزني " أن النبي كان جالسا تحت الشجرة يبايع ~~أصحابه وفي رواية: وعنده علي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو يكتبا كتاب الصلح ~~فثار في وجوهنا ثلاثون شابا من المشركين قدموا من مكة بقصد رسول الله، # فدعا رسول الله فأخذ الله بأبصارهم فقمنا وجئنا بهم نقودهم إلى رسول الله ~~فقال: " هل لكم عهد؟ هل لكم إيمان؟ " فقالوا: لا. فخلى سبيلهم، فأنزل الله ~~تعالى قوله: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} ". # وروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: أهبط ثمانون رجلا متسلحين من ~~جبل التنعيم، فأخذهم أصحاب رسول الله وجاءوا بهم إلى النبي، فاستحياهم وخلى ~~سبيلهم، وأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {ببطن مكة} يعني: الحديبية، وإنما سماها بطن مكة لقربها من مكة. # وقوله {من بعد أن أطفركم عليهم} قد بينا. # وقوله: {وكان الله بما تعملون بصيرا} أي: عليما. # PageV05P204 # قوله تعالى: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا} أي: ~~وصدوا الهدي معكوفا، ونصبه على الحال، ومعناه: محبوسا. # وقوله: {أن يبلغ محله} أي: منحره، وكان رسول الله قد ساق سبعين بدنة. # وقوله: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} قال أهل التفسير: معنى الآية: ~~أنه # PageV05P204 # {تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من ~~يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما (25) إذ جعل الذين ~~كفروا في قلوبهم} كان قد أسلم رجال ونساء (بمكة) ، وأقاموا هنالك مختلطين ~~بالمشركين، ولم يكن يعرف مكانهم، فقال الله تعالى: ولولا هم يعني القوم ~~الذين ذكرنا {لم تعلموهم أن تطئوهم} يعني: توقعوا بهم وتصيبوهم بغير علم إن ~~دخلتم محاربين مقاتلين. # وقوله: {فتصيبكم منهم معرة بغير علم} أي: سبة، ويقال: عيب وملامة، ms1610 ~~ومعناه: أن الكفار يعيبونكم، ويقولون: إنهم يقتلون أهل دينهم. ويقال في ~~المعرة: هي لزوم الدية عند القتل. # وقوله: {ليدخل الله في رحمته من يشاء} فيه تقدير محذوف، ومعناه: حال ~~بينكم وبينهم؛ ليدخل الله في رحمته من يشاء أي: في الإسلام من يشاء. # وقوله: {لو تزيلوا} أي: لو تميزوا أي: لو فارق المسلمون الكافرين {لعذبنا ~~الذين كفروا منهم عذابا أليما} ومعناه: لولا أصابتكم المعرة واختلاط ~~[المسلمين] بالكفار لعذبنا الذين كفروا أي: بالقتل بالسيف. # PageV05P205 # قوله تعالى: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية} ~~الحمية: الأنفة والامتناع عن الشيء غضبا، ومن الأنفة محمود ومذموم. ويقال: ~~فلان حام حومته أي: مانع لحوزته. ومعنى حمية الجاهلية هاهنا: هي أن الكفار ~~لم يتركوا النبي أن يدخل [هو] وأصحابه مكة في ذلك العام، وقالوا: لا يدخل ~~علينا محمد أبدا على كره منا ما بقي منا أحد، وكان ذلك أنفة منهم وحمية، ثم ~~إن الرسول لما صالح معهم كان في الصلح أن يرجع هذا العام، ويعود في العام ~~القابل في ذلك الشهر بعينه، ويقضي نسكه، ويقيم ثلاثا ويرجع. وفي الآية قول ~~آخر: وهو أن [معنى] حمية الجاهلية: أن سهيل بن عمرو ومعه حويطب بن عبد ~~العزى [جاءوا] ليعقدوا # PageV05P205 # {الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وألزمهم كلمة} عقد الصلح، فلما كان أوان (الكتبة) قال النبي لعلي رضي الله ~~عنه: " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا نعرف ما الرحمن الرحيم! ~~اكتب كما نكتب: باسمك اللهم. فقال المسلمون: لا إله إلا الله تعجبا من ~~قولهم ورجت بها جبال تهامة، ثم إنه قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول ~~الله، فقال سهيل: ولو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك؛ اكتب هذا ما صالح ~~عليه محمد بن عبد الله، وكتب علي ذلك، وقال عليه الصلاة والسلام: أنا محمد ~~رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله. وكان في عقد الصلح أيضا: أن من جاء إلى ~~النبي من المشركين مسلما في مدة الصلح يرد إليهم، ومن ms1611 ذهب من المسلمين إلى ~~الكفار مرتدا لم يردوه، وكان هذا كله من حمية الجاهلية، وعند هذه الشروط ~~وقعت الفتنة لعمر، وأتى رسول الله وقال: ألست رسول الله؟ قال: بلى. قال: ~~أولسنا على الحق؟ قال: بلى. قال: علام نعطي الدنية في ديننا؟ يعني: نرضى ~~بالخصلة الأدنى لأنفسنا، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا رسول الله ولا ~~يضيعني، وذهب إلى أبي بكر وذكر له مثل ذلك، فقال له: إنه رسول الله، ولن ~~يضيعه الزم [الغرز] ، ثم إن سهيل بن عمرو أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وقام ~~في الإسلام مقامات مشهودة. # وقوله: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} قد بينا معنى ~~السكينة، والمعنى هاهنا: هو الثبات على الدين مع هذه الأمور. # وقوله: {وألزمهم كلمة التقوى} روى ابن الطفيل عن أبي بن كعب عن النبي هي: ~~" لا إله إلا الله ". # وفي الخبر المشهور عن عمر قال: إني سمعت رسول الله يقول: " أنا أعلم # PageV05P206 # {التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما (26) لقد صدق ~~الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين ~~رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ~~(27) } كلمة إذا قالها العبد مخلصا من نفسه دخل الجنة، ولا أدري ما هي، ~~فقال: أنا اردري هي الكلمة التي ألاص عليها عمه أي: ألح على عمه أن يقولها ~~وهي لا إله إلا الله ". وعن الزهري: أن كلمة التقوى بسم الله الرحمن ~~الرحيم. # وقوله: {وكانوا أحق بها وأهلها} أي: كانوا محلا لهذه الكلمة وأهلا لها، ~~ويقال: كانوا أهلها في علم الله وحكمه، وهو الأصح. # وقوله: {وكان الله بكل شيء عليما} أي: عالما. # PageV05P207 # قوله تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} قال المفسرون: كان النبي ~~رأى في منامه أنه دخل مكة مع أصحابه محلقين ومقصرين، فقص ذلك على أصحابه، ~~ولم يشكوا أن ذلك حق، وظنوا أن يكون في العام الذي هم فيه، واعتمر النبي ~~وأصحابه وخرجوا على ذلك، فلما صدهم المشركون عن البيت ورجعوا، اغتم ms1612 ~~المسلمون غما شديدا، وظنوا أنهم لا يدخلون، فأنزل الله هذه الآية. ومعنى ~~قوله: {لقد صدق الله} أى حقق الله رسوله أي: الرؤيا بالحق. # وقوله {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا ~~تخافون} وهذا التحقيق حصل في العام الثاني حين اعتمروا عمرة القضاء. # وقوله: {فعلم ما لم تعلموا} أي: وقت ظهور الرؤيا. # وقوله: {فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} أي: فتح خيبر، وفي الآية سؤال # PageV05P207 # {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا} معروف، وهو على قوله: {إن شاء الله} ما معنى قوله {إن شاء الله} ~~والله تعالى هو المخبر، وما يخبر عنه كائن لا محالة، والاستثناء إنما يدخل ~~على شيء يجوز أن يكون، ويجوز ألا يكون؟ والجواب من وجوه: أحدها: أن معنى ~~قوله: {إن شاء الله} إذا شاء الله. # والوجه الثاني: أن الآية على التقديم والتأخير، ومعناه: لتدخلن المسجد ~~الحرام آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون إن شاء الله. # والوجه الثالث: أنه كان مع النبي قوم عند نزول هذه الآية، منهم من غاب، ~~ومنهم من مات قبل أن يحصل الموعود، فالاستثناء إنما وقع على هذا أنه يدخل ~~بعضهم أو جميعهم. # والوجه الرابع وهو الأولى أن الله تعالى قال: {إن شاء الله} هاهنا على ما ~~أحب ورضي وأمر به عباده، فإنه أمرهم أن يستثنوا فيما يخبرون به من الأمور ~~المستقبلة، ويعدونه على ما قال الله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ~~غدا إلا أن يشاء الله} وهذا أمر له ولجميع الأمة، فقال تعالى: {إن شاء ~~الله} وإن علم وقوع الفعل وإن علم وقوع الفعل ليقتدي به المؤمنون ولا ~~يتركون هذه الكلمة فيما يخبرون به من الأمور التي لم يعلموا وقوعها. قال ~~الأزهري: وكأنه قال: لما قلت إن شاء الله فيما علمت وقوعه، فلأن تقولوا إن ~~شاء الله فيما لم تعلموا وقوعه أولى. # PageV05P208 # قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} ~~أي: على الأديان كلها، ومن ms1613 المشهور أن عيسى عليه السلام ينزل من السماء، ~~ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يبقى يهودي ولا نصراني إلا أسلم، وحينئذ ~~تضع الحرب أوزارها، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد. # وقوله: {وكفى بالله شهيدا} أي: شاهدا. # PageV05P208 # ((28} محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك ~~مثلهم في) # PageV05P209 # قوله تعالى: {محمد رسول الله} هذه الآية شهادة من الله تعالى لرسوله ~~بالحق وأنه رسوله حقيقة. # وقوله: {والذين معه} يعني: أصحابه. # وقوله: {أشداء على الكفار} أي: غلاظ شداد عليهم، وهو في معنى قوله: ( ~~{أعزة على الكافرين} رحماء بينهم) أي: متوادون ومتواصلون بينهم، وهو في ~~معنى قوله: {أذلة على المؤمنين} . # وقوله: {تراهم ركعا سجدا} أي: راكعين ساجدين. # وقوله: {يبتغون فضلا من الله ورضوانا} أي: الجنة والثواب الموعود. # وقوله: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} قال ابن عباس: هو في القيامة، ~~وذلك من آثار الوضوء على ما قال: " أمتى غر محجلون من آثار الوضوء " فعلى ~~هذا يكون (المؤمنون) بيض الوجوه من أثر الوضوء والصلاة. وقال عكرمة: من أثر ~~السجود: هو التراب على الجباه، وقد كانوا يسجدون على التراب، وقال الحسن: ~~هو السمت الحسن، وعن سعيد بن جبير: هو الخضوع والتواضع، وهو رواية عن ابن ~~عباس، ويقال: صفرة الوجه من سهر الليل، وهذا قول معروف. # وقوله: {ذلك مثلهم في التوراة} أي: صفتهم في التوراة. # وقوله: {ومثلهم في الإنجيل} منهم من قال: الوقف على قوله: {ذلك مثلهم في ~~التوراة} ، وقوله: {ومثلهم في الإنجيل} كلام مبتدأ بمعنى: صفتهم في الإنجيل ~~كزرع، ومنهم من قال: الوقف على قوله: {في الإنجيل} . # PageV05P209 # {التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على ~~سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~منهم مغفرة وأجرا عظيما (29) } # وقوله: {كزرع} معناه: هم كزرع. # وقوله: {أخرج شطأه} أي: فراخه. يقال: أشطأ الفزرع إذا فرخ، ومعنى الفراخ: ~~هو أنه ينبت من الحبة الواحدة عشر سنابل وأقل وأكثر. ms1614 # وقوله: {فآزره} أي: قواه، وقرئ: " فأزره " بغير مد، وهو بمعنى الأول. # وقوله: {فاستغلظ} أي: استحكم واشتد وقوي. # وقوله: {فاستوى على سوقه} أي: انتصب على ساق. # وقوله: {يعجب الزراع} أي: الحراث. وهذا كله ضرب مثل النبي وأصحابه، وذكر ~~صفتهم وما قوى الله بهم النبي ونصره بهم. # وعن جعفر بن محمد الصادق قال: {والذين معه} أبو بكر {أشداء على الكفار} ~~عمر {رحماء بينهم} عثمان) {تراهم ركعا سجدا} علي رضي الله عنهم {يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا} العشرة. # وقوله: {كزرع} محمد {أخرج شطأه} أبو بكر {فآزره} بعمر {فاستغلظ} بعثمان ~~{فاستوى على سوقه} بعلي رضي الله عنهم أجمعين، وهذا قول غريب ذكره النقاش، ~~والمختار والمشهور هو القول الأول، أن الآية في جميع أصحاب النبي من غير ~~تعيين، وعليه المفسرون. # وقوله: {ليغيظ بهم الكفار} أي: ليدخل الغيظ في قلوبهم. # وقوله: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} ~~اختلفوا في قوله: {منهم} فقال قوم: من هاهنا للتجنيس لا للتبعيض. قال ~~الزجاج: هو تخليص للجنس، وليس المراد بعضهم؛ لأنهم كلهم مؤمنون، ولهم ~~المغفرة والأجر العظيم. # PageV05P210 # وعن ابن عروة قال: كنا عند مالك بن أنس فذكروا رجلا (يتبغض) أصحاب رسول ~~الله، فقال مالك: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله فقد أصابته هذه ~~الآية، وهو قوله: {ليغيظ بهم الكفار} . # والقول الثاني: أن معنى قوله: {منهم} أي: من ثبت منهم على الإيمان والعمل ~~الصالح فله المغفرة والأجر العظيم، أورده النحاس في تفسيره. # PageV05P211 # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} # تفسير سورة الحجرات # وهي مدنية باتفاق القراء، وروى (ثوبان) عن النبي أنه قال: " أعطيت السبع ~~الطول مكان التوراة، وأعطيت المائين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان ~~الزبور، وفضلني ربي بالمفصل ". # ومنهم من قال: المفصل من سورة محمد، والأكثرون على أن المفصل من هذه ~~السورة، والله أعلم. # PageV05P212 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} روى ~~علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أن معنى ms1615 قوله: {لا تقدموا بين يدي ~~الله ورسوله} أي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وقال مجاهد: لا تفتاتوا ~~على الله ورسوله حتى يقضي الله على لسان رسوله ما شاء. قال: ومعنى " لا ~~تفتاتوا " أي: لا تعارضوا. ويقال معناه: لا تعجلوا بالقول قبل قول الرسول، ~~ولا بالفعل قبل فعل الرسول، وهو فيما يوجد عنه من أمر الدين فعلا وقولا. # وعن قتادة قال: كان ناس يقولون: لو أنزل كذا، لو أنزل كذا، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. وعن الحسن البصري قال: ذبح الناس أضحيتهم قبل صلاة النبي ~~يوم العيد، # PageV05P212 # {واتقوا الله إن الله سميع عليم (1) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت} فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وعن عائشة رضي الله عنها أن ناسا صاموا يوم الشك، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # وقال الزجاج معناه: لا تفعلوا الطاعات قبل وقت فعلها، وهذا في جميع ~~العبادات إلا ما قام (على جوازه) دليل من السنة. # وروى عبد الله بن الزبير " أن وفد بني تميم قدموا على النبي، فقال أبو ~~بكر: يا رسول الله، أمر عليهم الأقرع بن حابس، وقال عمر: يا رسول الله، أمر ~~عليهم فلانا غير الذي قال أبو بكر، ويقال: إن الرجل الذي أشار إليه عمر هو ~~القعقاع بن معبد بن زرارة، فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما ما أردت [إلا ~~خلافي] ، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا عند النبي، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية ". # وقرأ الضحاك: " لا تقدموا " وهي قراءة يعقوب الحضرمي، ومعناه: لا ~~تتقدموا. # وقوله: {واتقوا الله إن الله سميع عليم} أي: سميع لقولكم، عليم لما أنتم ~~عليه. # PageV05P213 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} في ~~التفسير: أن الأعراب الجهال [كانوا يقدمون] على النبي، ويرفعون أصواتهم # PageV05P213 # {النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} فوق صوته، ويدعونه باسمه ~~فيقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، وكان ذلك نوع تهاون بحقه، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية؛ ليكلموه كلام المبجل المعظم له الدال على توفية حقه ms1616 في ~~الخطاب. # وروي أن ثابت بن قيس بن شماس كان به صمم، وكان جهير الصوت، فلما أنزل ~~الله تعالى هذه الآية جلس في بيته غما. ويقال: سمر بابه بالحديد، وقال: ~~أخاف أن يكون قد حبط عملي، فدعاه النبي وقال: " أما ترضى أن تعيش حميدا ~~وتموت شهيدا " قال: نعم. قال: " تكون كذلك " واستشهد يوم اليمامة. # وروي أنه قال له: " أنت من أهل الجنة ". # وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لما نزلت هذه الآية: والله لا أكلم ~~رسول الله إلا كأخى السرار. # وعن عمر رضي الله عنه أنه كان بعد نزول هذه الآية لا يكلم رسول الله إلا ~~خافضا صوته حتى كان يستفهمه رسول الله ما يقوله. # وقوله: {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} وهو نهى عن رفع الصوت في ~~حضرته. وقال بعضهم: هو أن تناديه باسمه، وهو أن تقول: يا محمد، يا أبا ~~القاسم، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمر ان يدعى باسم النبوة والرسالة. وحكي ~~عن مالك بن أنس أنه قال: من قال إن رسول الله وسخ يريد به النقص كفر بالله # PageV05P214 # {أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن ~~الذين} تعالى. # وقوله: {أن تحبط أعمالكم} أي: فتحبط أعمالكم، وكذلك قرأ ابن مسعود، ~~ويقال: لئلا تحبط أعمالكم. # وقوله: {وأنتم لا تشعرون} أي: لا تعلمون بحبوط الأعمال. # PageV05P215 # قوله تعالى: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} أي: يخفضونها. # وقوله: {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} أي: أخلص الله قلوبهم ~~للتقوى. ويقال: امتحن الله قلوبهم فوجدها خالصة. ويقال: إن المراد من ~~القلوب أرباب القلوب يعني امتحنهم الله تعالى وابتلاهم ليكونوا متقين، ~~واللام لام الصيرورة، وهو مثل قوله تعالى: {ليكون لهم عدوا وحزنا} . # وقوله تعالى: {لهم مغفرة وأجر عظيم} ظاهر المعنى. # PageV05P215 # قوله تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} ذكر المفسرون أن وفد ~~تميم قدموا على النبي وجعلوا ينادونه من وراء الحجرات يا محمد، ms1617 يا محمد ~~اخرج إلينا، وكان فيهم قيس بن عاصم المنقري، والزبرقان بن بدر، والأقرع بن ~~حابس، والقعقاع بن معبد، وغيرهم. # وروي أن الأقرع بن حابس قال: يا محمد إن مدحي زين، وذمي شين، فقال رسول ~~الله: " ذاك هو الله ". # PageV05P215 # {ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا حتى تخرج ~~إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) } # وقوله: {أكثرهم لا يعقلون} أي: هم من قوم أكثرهم لا يعقلون. ويقال: كان ~~فيهم من إذا علم يعقل ويعلم، وكان فيهم من لا يعقل ولا يعلم وإن علم، فلهذا ~~قال: {أكثرهم لا يعقلون} وإن علموا وعقلوا. # PageV05P216 # قوله تعالى: {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم} روي أن النبي ~~بعث سرية فأصابوا سبايا من (بلعمر) بن غنم، فجاء رجالهم يطلبون الفداء ~~وجعلوا ينادون: يا محمد، يا محمد اخرج إلينا نفاديك فخرج، وخلى عن بعض ~~السبي وفادى البعض، وكان قد أراد أن يخلى عن جميعهم فلما أساءوا الأدب خلى ~~عن بعضهم وفادى البعض فهذا معنى قوله تعالى: {ولو أنهم صبروا حتى تخرج ~~إليهم لكان خيرا لهم} أي: كان خيرا لهم بأن يخلي عن جميع السبي. # وقوله: {والله غفور رحيم} ظاهر المعنى. وفي هذه الآيات بيان استعمال ~~الأدب في مجلس النبي. وذكر بعضهم عظم الجناية في ترك ذلك، وما يؤدي إلى ~~حبوط العمل واستحقاق العقاب. وقد كان أصحاب رسول الله يهابون أن يتكلموا ~~بحضرته، وكانوا يحبون أن يأتي الأعرابي من البادية فيسأل رسول الله عن ~~الشيء ليسمعوا الجواب؛ لأنهم كانوا يهابون السؤال. # وفي حديث ذي اليدين " أنه قال لرسول الله حين سلم عن ركعتين: أقصرت ~~الصلاة أم نسيت؟ وقد كان في القوم أبو بكر وعمر ووجوه أصحاب رسول الله ~~فهابوا أن يكلموه، وتكلم هذا الرجل؛ لأنه لم يكن يعلم من قدره وعظم حقه ما ~~كانوا يعلمون ". # PageV05P216 # {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في ~~كثير ms1618 من الأمر لعنتم} # PageV05P217 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} قال أهل ~~التفسير: نزلت الآية في الوليد بن عقبة بن معيط، بعثه رسول الله إلى بني ~~المصطلق من خزاعة ليأخذ صدقاتهم، وكان بينه وبينهم (إحنة) في الجاهلية، ~~فلما قرب منهم مجيئه وسمعوا بقربه تلقوه ليكرموه، فخافهم ورجع، وقال ~~للرسول: يا رسول الله، إنهم منعوا الزكاة وفي رواية: إنهم ارتدوا عن ~~الإسلام ولم يعطوا شيئا، فبعث النبي خالد بن الوليد سرية إليهم، [وأمره] أن ~~يتعرف حالهم، فإن كان على ما قال الوليد قاتلهم، فذهب خالد وجاءهم ليلا ~~فسمع صوت المؤذنين بينهم، وسمع تلاوة القرآن، فرجع وأخبر النبي، وأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. وقد روي أن النبي لما سمع قول الوليد غضب، وبعث من ~~يقاتلهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ذكر هذا قتادة وغيره. فحكى عن رسول ~~الله أنه قال بعد هذا: " التأني من الله، والعجلة من الشيطان ". # وقوله: {إن جاءكم فاسق} قالوا: الفاسق هاهنا هو الكذاب. وأما اللغة قد ~~بينا أنه الخارج عن طاعة الله. # وقوله: {فتبينوا} وقرئ: " فتثبتوا " ومعناهما متقارب، وهو ترك العجلة، ~~والتدبر والتأني في الأمر. # وقوله: {أن تصيبوا قوما بجهالة} معناه: لئلا تصيبوا قوما بجهالة، ومعنى ~~الإصابة هاهنا: هو الإصابة من الدم والمال بالقتل والأسر والاغتنام. # وقوله: {فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} أي: تصيروا نادمين على فعلكم، وليس ~~المراد منه الإصباح للذي هو ضد الإمساء. # PageV05P217 # قوله تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر ~~لعنتم} # PageV05P217 # {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم لراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) وإن ~~طائفتان} أي: لهلكتم. وقيل: غويتم وضللتم. ويقال: نالكم التعب والمشقة. # وقوله: {يطيعكم} نوع مجاز؛ لأن الطاعة في الحقيقة فعل من الأدون على ~~موافقة قول الأعلى. وقد روي عن بعض السلف أنه قال: نعم الرب ربنا، لو ~~أطعناه ما عصانا، وهو على طريق المجاز والتوسع في الكلام، قال الشاعر: # (رب من أصبحت ms1619 غيظا صدره ... لو تمنى في موتا لم يطع) # أي: لم يدرك ما تمناه، وهو على طريق المجاز. # وقوله: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان} يقال: حببه بإقامة الدلائل على ~~وحدانيته وهدايتهم إليها. ويقال: حببه بذكر الثواب والوعد الصادق. # وقوله: {وزينه في قلوبكم} حتى قبلوه وآثروه على طريق غيره، وطبع الآدمي ~~مجبول على اختيار ما زين في قلبه، فلما هدى الله المؤمنين إلى الإيمان، ~~وأمال قلوبهم إليه حتى قبلوه، سمى ذلك تزيينا للإيمان في قلوبهم. # وقوله: {وكره إليكم الكفر} يقال: كره الكفر بذكر الوعيد والتخويف على ~~فعله. # وقوله: {والفسوق والعصيان} والفسوق: كل ما يفسق به الإنسان أي: يخرج به ~~عن طاعة الله. والعصيان: مخالفة الأمر. # وقوله: {أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة} أي: المهتدون تفضلا من ~~الله وإنعاما. # وقوله: {والله عليم حكيم} أي: عليم بخلقه، حكيم فيما يدبره لهم. # PageV05P218 # قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} قال سعيد بن جبير وغيره: ~~الآية في الأوس والخزرج، كان بينهم قتال بالجريد والنعال والأيدي في أمر ~~تنازعوه بينهم. # PageV05P218 # {من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} # وقال غيره وهو قتادة: هو في رجلين اختصما في عهد النبي في حق بينهما، ~~فقال أحدهما للآخر: لآخذن منك عنوة تعززا بكثرة عشيرته، وقال الآخر: لا، بل ~~أحاكمك إلى رسول الله، فلم يزل بينهما الأمر حتى تواثبا وتضاربا، (وكان ~~بينهما قتال) بالنعل واليد، وأنزل الله تعالى هذه الآية. # قال مجاهد: الطائفة اسم للواحد إلى ألف وأكثر. # وروي أن النبي لما قدم المدينة قيل له: لو أتيت عبد الله بن أبي بن سلول ~~فدعوته إلى الإيمان، فركب حمارا وتوجه إليه، وكانت الأرض أرضا سبخة، ~~وأصحابه حوله فثار الغبار، فلما بلغ الموضع الذي فيه عبد الله بن أبي بن ~~سلول وعنده جماعة، قال: إليك عنا يا محمد، فقد أذانا نتن حمارك. فقال عبد ~~الله بن رواحة: والله إن حماره أطيب (ريحا) منك. فغضب لعبد الله بن أبي ~~سلول قوم، ولعبد الله بن رواحة قوم، فثار بينهم الشر، وتقاتلوا بالعصي ~~والنعال وما أشبه ذلك، ms1620 وأراد النبي أن يسكنهم فلم يمكنه، ثم إنهم سكنوا، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. وذكر البخاري خبرا في الصحيح برواية أنس قريبا ~~من هذا في سبب نزول هذه الآية، وإنما سمى الله تعالى ذلك مقاتلة؛ لأن الجري ~~عليه يؤدي إلى القتل، والذي ذكرناه من قصة عبد الله بن أبي بن سلول وعبد ~~الله بن رواحة ذكره الكلبي ومقاتل وغيرهما. # وقوله: {فأصلحوا بينهما} أي: فاسعوا (لدفع) الفساد وإزالة الشر. واعلم ~~أنه إذا وقع مثل هذا بين طائفتين يجب على الإمام أن ينوب عن الإمام ينظر ~~بينهما ويحملهما على الحق، فإن امتنعت إحدى الطائفتين عن قبول الحق [ردها] # PageV05P219 # {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ~~فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما ~~المؤمنون إخوة} إلى الحق أولا بالكلام، ثم يترقى درجة درجة إلى أن يبلغ ~~القتال، وهو معنى قوله تعالى: {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} أي: ترجع إلى أمر الله. # وقوله: {فإن فاءت} أي: رجعت، ومعناه: انقادت للحق. # وقوله: {فأصلحوا بينهما بالعدل} أي: بالحق. # وقوله: {وأقسطوا} أي: وأعدلوا. # وقوله: {إن الله يحب المقسطين} أي: العادلين، وفي الخبر عن النبي أنه ~~قال: " المقسطون يوم القيامة عن يمين الرحمن، قيل: ومن هم يا رسول الله؟ ~~قال: الذين عدلوا في حكمهم لأنفسهم وأهليهم وما ولوا ". # PageV05P220 # قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} أي: في التوالي والتعاضد والتراحم، وهو ~~في معنى قوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} . وروي عن ~~النبي أنه قال: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ". وروي عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال: " المؤمنون كنفس واحدة، إذا اشتكى بعضه تداعى ~~سائره للحمى والسهر ". # وقد ثبت برواية ابن عمر أن النبي قل: " المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا # PageV05P220 # {فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) يا أيها الذين آمنوا ~~لا يسخر} يشتمه، ومن كان في حاجة أخيه المسلم كان الله في حاجته، ومن ستر ~~على أخيه المسلم ستر ms1621 الله عليه يوم القيامة، ومن فرج عن أخيه المسلم فرج ~~الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ". خرجه البخاري ومسلم. # وقوله: {فأصلحوا بين أخويكم} ذكر الأخوين ليدل بوجوب الإصلاح بينهما على ~~وجوب الإصلاح بين الجمع الكثير. # وقوله: {واتقوا الله} أي: اتقوا الله من أن لا تتركوهم على الفساد، وأن ~~تسعوا في طلب الصلاح. # وقوله: {لعلكم ترحمون} أي: يعطف الله تعالى عليكم، ويعفو عنكم. ويقال: ~~{فأصلحوا بين أخويكم} أي: إخوانكم، وروى أسباط عن السدى أن رجلا من الأنصار ~~كانت له امرأة، فأرادت أن تزور أهلها فمنعها زوجها، وجعلها في علية له، ~~فجاء أهلها ليحملوها إليهم، واستعان الرجل بقومه في منعها؛ فوقع بينهم شر ~~وقتال، وأنزل الله تعالى هذه الآية. # PageV05P221 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم} السخرية: هو ~~الاستهزاء والبطر يعني: المهانة والاحتقار. # وقوله: {قوم من قوم} القوم هاهنا بمعنى الرجال، قال الشاعر: # (ولا أدري ولست أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء) # وإنما سمي الرجال قوما دون النساء؛ لأنهم الذين يقومون بالأمور. # قال مجاهد: الآية في الاستهزاء؛ الغني بالفقير، والقوي بالضعيف. # ويقال: استهزاء الدهاة بأهل سلامة القلوب. # PageV05P221 # {قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا ~~منهن ولا تلمزوا أنفسكم وتنابزوا بالألقاب} # وقوله: {عسى أن يكونوا خيرا منهم} أي: عسى أن يكون المستهزئ منه خيرا من ~~المستهزئ. # وقوله: {ولا نساء من نساء} أي: ولا يسخر نساء من نساء عسى أن تكون خيرا ~~منهن، أي: عسى أن تكون المستهزأة منها خيرا من المستهزئة، والمراد في ~~الآخرة. # وفي الخبر أن النبي قال لأبي ذر: " أنظر إلى أوضع رجل في المسجد عندك، ~~فأشار إلى فقير عليه أطمار. فقال: انظر إلى أرفع رجل في المسجد عندك، فأشار ~~إلى بعض الأغنياء وعليه شارة فقال: هذا يوم القيامة أفضل من ملء الأرض من ~~هذا " وعنى به الفقير. # وقوله: {ولا تلمزا أنفسكم} أي: (لا يعيب) بعضكم بعضا [أي:] مثل قوله ~~تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} أي: لا ms1622 يقتل بعضكم بعضا. # قال الضحاك: لا يلعن بعضكم بعضا، ويقال: لا يطعن بعضكم على بعض. # وقوله: {ولا تنابزوا بالألقاب} النبز واللقب بمعنى واحد. # ومعنى النبز هاهنا: هو اللقب المكروه الذي يكره الإنسان أن يدعى به. وعن # PageV05P222 # {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} [أبي] جبيرة الأنصاري قال: " قدم رسول ~~الله علينا المدينة ولأحدنا الاسم والاسمان والثلاثة، فكان رسول الله يدعو ~~بذلك الاسم، فقيل له: إنه يغضب إذا دعي بهذا، فترك ذلك، وأنزل الله تعالى ~~هذه الآية ". قال مجاهد والحسن: هو أن يقول لمن أسلم: يا يهودي، يا نصراني ~~تعييرا بما كان عليه من قبل. وقال قتادة وأبو العالية: هو أن يقول يا ~~منافق، يا فاسق. وفي بعض التفاسير: أنه كان بين كعب بن مالك وعبد الله بن ~~أبي حدرد الأسلمي منازعة فقال كعب بن مالك لعبد الله: يا أعرابي، وقال عبد ~~الله لكعب: يا يهودي، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهاهم عن مثل هذا. وفي ~~بعض الأخبار عن النبي أنه قال: " من حق المسلم على المسلم أن يدعوه بأحب ~~أسمائه إليه ". # وقوله: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} استدل بهذا من قال إن الفاسق # PageV05P223 # {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا ~~من الظن إن} لا يكون مؤمنا، قال: لأنه لو كان الفاسق مؤمنا لم يستقم قوله: ~~{بعد الإيمان} والجواب: أن المراد منه النهي عن قوله: يا فاسق، يا منافق، ~~وكأنه قال: بئس الوصف بالفسوق بعد الإيمان بالله. وقال: إن " بعد " هاهنا ~~بمعنى: " مع " ومعناه: بئس اسم الفسوق مع الإيمان. # وقوله: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} أي: من لم يتب عن هذه الأشياء ~~التي كانوا يفعلونها في الجاهلية؛ فأولئك هم الظالمون. # PageV05P224 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن ~~إثم} قد ثبت برواية أبي هريرة أن النبي قال: " إياكم والظن، فإن الظن أكذب ~~الحديث ". # وفي بعض الأخبار: " إذا حسدت فلا تبغ، وإذا نظرت حداء فامض، وإذا ظننت ~~فلا تحقق ". # وعن أنس أن النبي ms1623 قال: " احترسوا من الناس بسوء الظن ". وهو خبر غريب. ~~وعن سلمان الفارسي قال: " إني لأعد عراق اللحم في القدر مخافة سوء الظن. ~~وعن ابن مسعود أنه قال: الختم خير من (الظن) وعن السوء [أبي] العالية ~~الرياحي أنه ختم على سبع سكرات لئلا يظن ظن السوء. # PageV05P224 # {بعض الظن إثم ولا تجسسوا} # واعلم أن الظن المنهي عنه هو ظن السوء بأهل الخير، فأما بأهل الشر فجائز. # وقوله: {إن بعض الظن إثم} يعني: هذا الظن. # وقوله: {ولا تجسسوا} التجسس: هو البحث عن عورات الناس، قاله مجاهد وقرأ ~~ابن سيرين: " ولا تحسسوا " بالحاء. واختلفوا في التجسس والتحسس، منهم من ~~قال: هما واحد، ومنهم من فرق، وقال: التجسس هو البحث عن عورات (الناس) كما ~~قلنا. والتحسس هو الاستماع إلى حديث القوم، ويقال: التجسس هو البحث عن ~~الأمور، والتحسس هو الإدراك ببعض الحواس، وقد ثبت عن النبي برواية أنس أنه ~~قال: " لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تجسسوا وكونوا ~~عباد الله إخوانا " قال الشيخ الإمام رحمه الله: أخبرنا [الشيخ] أبو علي ~~الشافعي بمكة، أخبرنا أبو الحسن بن فراس، أخبرنا أبو محمد ابن عبد الله بن ~~عبد الرحمن بن محمد عبد الله بن يزيد المقرئ، عن جده، عن محمد، عن سفيان بن ~~عيينة، عن الزهري، عن أنس ... الحديث. # وفي بعض الآثار أن عمر رضي الله عنه خرج ومعه عبد الرحمن بن عوف يعس ~~ليلة، فمرا بدار وسمعنا منها لغظا وأصواتا، فقال عمر: أرى أنهم يشربون ~~الخمر {ماذا نفعل؟} فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أنا أتينا ما نهينا عنه ~~يعني: التجسس ورجع. # وفي هذا الأثر أن تلك الدار كانت دار ربيعة بن أمية بن خلف. # وفي أثر آخر أنه قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبه ولحيته تقطر ~~خمرا وكان الوليد أمير الكوفة، وابن مسود فقيهها فقال: إنا نهينا عن ~~التجسس. # PageV05P225 # {ولا يغتب بعضكم بعضا} # وقوله: {ولا يغتب بعضكم بعضا} الغيبة: أن يذكر أخاه في الغيبة بما يكره ~~ذلك إذا سمعه. وفي ms1624 حديث أبي هريرة أن النبي سئل عن الغيبة؟ فقال: " ذكرك ~~أخاك بما يكره " فقيل: يا رسول الله، إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: " إن ~~كان في أخيك ما تقوله فقد اغتبته، وإن لم يكن في أخيك ما تقوله فقد بهته " # وفي الأخبار أن امرأة دخلت على عائشة رضي الله عنها فلما خرجت قالت ~~عائشة: ما أحسنها لولا بها قصرا، فقال النبي: " لقد اغتبتيها، فاستغفري ~~الله " وروي عن النبي أنه قال: " إذا اغتاب أحدكم أخاه فليستغفر له؛ فإن ~~ذلك كفارته ". # وفي بعض الأخبار أيضا عن النبي أنه قال: " إياكم والغيبة، فإن الغيبة أشد ~~من الزنا، وإن الزاني يزني ثم يتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا ~~يغفر له حتى يغفر له صاحبه " يعني: يعفو عنه. # PageV05P226 # {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب ~~رحيم (12) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم} # وقد ورد في الأخبار: " أنه ليس لفاسق غيبة ". # وقال: " اذكروا الفاجر بما فيه، يحذره الناس " # قال أهل العلم: ليس لثلاثة غيبة: السلطان الظالم، والفاسق المعلن، والذي ~~أحدث في الإسلام حدثا يعني: المبتدع. # وكذلك قال أهل العلم: إذا سأل إنسان إنسانا لغرض له صحيح، فلا بأس أن ~~يذكر ما فيه. والغيبة مأخوذة من الغيب؛ كأنه لما ذكره بظهر الغيب بما يسوءه ~~كان ذكره له غيبة. وقد كان السلف يحترزون أشد الاحتراز من مثل هذا. روي أن ~~طبيبين دخلا على ابن سيرين، فلما خرجا قال: لولا أن يكون غيبة لذكرت أيهما ~~أطب. وعن معاوية بن قرة قال: لو دخل عليك رجل أقطع فقلت: هذا الأقطع يعني: ~~بعد ما خرج كنت قد اغتبته، قال أبو إسحاق: صدق يعني: السبيعي وقال أهل ~~العلم: إذا قال فلان الأعمش أو فلان الأعور أو فلان البطين [يريد] بذلك ~~تعريفه، # PageV05P227 # {عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ms1625 ورسوله لا ~~يلتكم من أعمالكم} ولا يعرف إلا به، لا بأس به. وكان بعض أئمة الحديث إذا ~~روي عن مسلم البطين يقول: حدثنا مسلم، وأشار بيديه إلى كبر البطن. # وذكر ابن سيرين إبراهيم النخعي ووضع يده على عينه وكان إبراهيم أعور ~~فقال: رأيته تلك المشاهدة، وما خلف بعده مثله. # وقوله تعالى: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} أي: كما يكره ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه وهو ميت، فكذلك فليكره أن يذكره بالسوء وهو غائب، ~~فإن قال قائل: أيش التشابه بينهما في المعنى؟ والجواب: أنه إذا أكل لحمه ~~وهو ميت فقد هتك حرمته، وهو لا يشعر به، وإذا ذكره بالسوء بظهر الغيب فقد ~~هتك حرمته، وهو لا يشعر به. وعن عمرو بن العاص أنه مر على حمار ميت فقال: ~~لأن يملأ أحدكم جوفه من هذا اللحم خير له من أن يغتاب أخاه. ويقال للمغتاب ~~في اللغة: فلان يأكل لحوم الناس: وأنشد في التفسير في هذا المعنى: # (فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا) # وقوله: {واتقوا الله إن الله تواب رحيم} أي: قابل التوبة عن خلقه عطوف ~~بهم. # PageV05P228 # قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} أي: آدم وحواء ~~عليهما السلام {وجعلناكم شعوبا وقبائل} روي عن ابن عباس أنه قال: الشعوب: ~~الجمهور مثل: مضر، وربيعة، والقبائل: هم البطون منهم، كتميم من مضر، وشيبان ~~من ربيعة، ومنهم من قال: الشعوب هم الأبعدون في النسب، والقبائل هم ~~الأقربون في النسب. وعن بعضهم: أن الشعوب في العجم، والقبائل في العرب. ~~والواحد من الشعوب شعب وشعب بفتح الشين وكسرها، وهو من التشعب. # وقوله: {لتعارفوا} أي: ليعرف بعضكم بعضا، وقرأ الأعمش: " لتتعارفوا " وعن ~~ابن عباس أنه قرأ: " لتعرفوا "، وقيل على هذه القراءة: " لتعرفوا إن أكرمكم ~~عند الله # PageV05P228 # {شيئا إن الله غفور رحيم (14) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم ~~لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) ~~قل أتعلمون الله} أتقاكم " (بفتح الألف) . والصحيح هو القراءة ms1626 الأولى، ~~والمراد من الآية قطع التفاخر بالأحساب والأنساب. # وقوله: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} في الخبر أن النبي قال: " يقول الله ~~تعالى يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم؛ أين المتقون؟ ". # وفي خبر آخر: أن الله تعالى يقول يوم القيامة: " أيها الناس إنكم رفعتم ~~أنسابكم ووضعتم نسبي؛ فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم؛ أين المتقون؟ " # وفي التفسير: " أن ثابت بن قيس بن شماس كان به صمم، وكان يحب الدنو من ~~رسول الله يسمع كلامه، فجاء يوم وقد أخذ الناس مجالسهم، فجعل يدخل بين ~~القوم ليقرب من رسول الله، فقال له رجل: اجلس حيث انتهى بك المجلس، فقال ~~له: من أنت؟ فقال: أنا فلان فقال: ابن فلانة، وذكر أما له في الجاهلية كان ~~يعير بها، فسمع ذلك رسول الله، فقال: " يا ثابت انظر في القوم "، فنظر، ~~فقال: " ليس لك منهم فضل إلا بالتقوى " # وقد ذكر هذا في سبب نزول قوله تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم} والتقوى هو # PageV05P229 # {بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) ~~يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن} الاحتراز عن كل ما نهى الله عنه. وقد قال أهل العلم: قد يكون ~~للنسيب فضل في الدنيا على معنى أن غير النسيب لا يكون كفأ للنسيب، وإذا ~~اجتمع النسيب وغير النسيب في الإمامة، فالنسيب أولى إذا اتفقا في العلم ~~والتقوى، فأما في الآخرة فلا فضل للنسيب، إنما الفضل للتقوى. # وقوله: {إن الله عليم خبير} ظاهر المعنى. # PageV05P230 # قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} أي: ~~استسلمنا وانقدنا. والآية نزلت في قوم كانوا يظهرون الإيمان بلسانهم ولا ~~يصدقون بقلوبهم. واختلف أهل العلم في الإيمان والإسلام، قال بعضهم: هما ~~واحد، وفرق بعضهم بينهما. وفي بعض الأخبار عن النبي قال: " الإسلام علانية، ~~والإيمان في القلب " وعن لزهري: الإسلام هو الكلمة، والإيمان العمل. وفي ~~خبر " جبريل صلوات الله عليه حيث جاء يسأل عن الإسلام والإيمان، وفرق ms1627 ~~الرسول بينهما، فجعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو التصديق ~~الباطن ". . وهذا خبر صحيح. # وثبت أيضا أن النبي أعطى قوما، ولم يعط رجلا، فقال سعد بن أبي وقاص: إنك ~~أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا وهو مؤمن؟ فقال: " أو مسلم " واستدل من # PageV05P230 # {كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما ~~تعملون (18) } # قال في أنهما واحد بقوله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما ~~وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} . وأكثر الأخبار دالة على التفريق، فيجوز ~~أن نفرق ما قلنا وعلى ما ورد في الأخبار، ويجوز أن يقال: هما واحد، فيكون ~~الإسلام بمعنى الإيمان، والإيمان بمعنى الإسلام، وهو المتعارف بين المسلمين ~~أن يفهم من أحدهما ما يفهم من الآخر، والله أعلم. # وقوله: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} هو دليل على أنهم لم يكونوا مصدقين ~~في الباطن. # وقوله: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم} وقرئ: " لا يألتكم ~~" أي: لا ينقصكم. # وأما من قرأ: " لا يألتكم من أعمالكم شيئا " فهو بمعنى النقص أيضا، قال ~~الشاعر: # (وليلة ذات سري سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت) # قوله تعالى: {إن الله غفور رحيم} ظاهر المعنى. # PageV05P231 # قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} أي: ~~صدقوا ولم يشكوا. # وقوله: {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} أي: قدوا أنفسهم وبذلوا ~~أموالهم في طلب رضى الله. # وقوله: {أولئك هم الصادقون} بمعنى هم المحققون في الإيمان، فكأنه لما ذكر # PageV05P231 # المنافقين في الآية الأولى ذكر صفة المؤمنين المحققين في هذه الآية الكون ~~الرغبة إليه. # PageV05P232 # قوله تعالى: {قل أتعلمون الله بدينكم} علم هاهنا بمعنى أعلم. # وقوله: {والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم} أي: ~~عالم، وقد كانوا يقولون: إن الإسلام كذا، وقد أسلمنا، والإيمان كذا، وقد ~~آمنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # PageV05P232 # قوله تعالى: {يمنون عليك أن أسلموا} قال سعيد بن جبير وغيره: نزلت الآية ~~في أعراب من بني أسد كانوا يقولون: يا رسول الله، إنا آمنا بك، ms1628 ولم نقاتلك ~~كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وكانوا يقولون ~~ذلك منا عليه، وفي رواية أخرى: أن أعرابا قدموا المدينة وهم (جمع) كثير، ~~فأغلوا الأسعار وتحبسوا الطرق، فكانوا يقولون: يا رسول الله، إنا قد آمنا ~~بك فأعطنا كذا كذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} ~~أي: هو الذي أنعم عليكم بإخراجكم من الكفر إلى الإيمان. # وقوله: {إن كنتم صادقين} معناه: واعلموا أن المنة لله عليكم إن كنتم ~~صادقين أنكم آمنتم بالله. # PageV05P232 ### | ق # وله تعالى: {إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملون} قد ~~ذكرنا من قبل. وروى عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي خطب يوم فتح مكة ~~وقال: " أيها الناس، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بالآباء؛ ~~فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو ~~آدم، وآدم من # PageV05P232 # تراب، ثم قرأ قوله تعالى: {ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} ~~الآية. وروى سمرة بن جندب أن النبي قال: " الحسب: المال، والكرم: التقوى ". ~~أورد هذين الخبرين أبو عيسى الترمذي في جامعه في تفسير هذه السورة. # PageV05P233 # بسم الله الرحمن الرحيم # {ق والقرآن المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا ~~شيء} # تفسير سورة ق # قال الشيخ الإمام رضي الله عنه: هي مكية. # PageV05P234 ### | ق # وله تعالى: {ق} قال قتادة: هو اسم من أسماء السورة، وقال مجاهد: {ق} جبل ~~محيط بالدنيا من زمردة خضراء [منه] خضرة السماء، ومن خضرة السماء خضرة ~~البحار، وحكي مثل هذا عن ابن عباس، وفي رواية: أن جبل " ق " من زبرجد أخضر، ~~والسماء مقببة عليه، والجبل محيط بالدنيا، فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل ~~الأرض حرك ذلك الجبل فتزلزلت الأرض، وهذا عند قيام الساعة. # وفي الآية قول آخر: قال عكرمة: إن " ق " من القاهر. # وفيه قول رابع: أن معناه: قضي ما كان مثل قوله: " حم " أي: حم ما كان. ms1629 # وقوله: {والقرآن المجيد} أي: عظيم الكرم، ويقال: الكريم. # يقال: تماجد القوم إذا تفاخروا بالكرم، وأظهروه من أنفسهم، وقيل: " ~~والقرآن المجيد ": أي: الرفيع، ومعناه: رفيع القدر والمنزلة. # فقوله: {والقرآن المجيد} قسم، فإن قيل: أين جواب القسم؟ # والجواب: أنهم اختلفوا فيه، منهم من قال: جواب القسم قوله: {قد علمنا ما ~~تنقص الأرض منهم} أي: لقد علمنا. # والقول الثاني: أن جواب القسم محذوف، ومعناه: {ق والقرآن المجيد} لتبعثن. # والقول الثالث: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: # PageV05P234 # {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} أي: محمد. # PageV05P234 # {عجيب (2) أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) قد علمنا ما تنقص الأرض ~~منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم ي أمر مريج (5) # وقوله: {فقال الكافرون هذا شيء عجيب} وتعجبهم كان من البعث بعد الموت، ~~وهو تعجب من غير عجب، والتعجب من غير عجب مستنكر مستقبح. # PageV05P235 # قوله تعالى: {أئذا متنا وكنا ترابا} معناه: أنبعث إذا متنا وكنا ترابا، ~~قالوه على طريق الإنكار. # وقوله تعالى: {ذلك رجع بعيد} أي: رجوع يبعد كونه. # PageV05P235 # قوله تعالى: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} قال الحسن أي: يموت منهم، ~~وقال مجاهد: ما تأكل الأرض من لحومهم وجلودهم. وعن بعضهم: موت علمائها. # وقوله: {وعندنا كتاب حفيظ} أي: حافظ، وهو اللوح المحفوظ، وقيل: محفوظ ما ~~فيه. # PageV05P235 # قوله تعالى: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج} أي: مختلط. قال ~~أبو ذؤيب الهذلي: # (فخر كأنه خوط مريج ... # وقال غيره: # (فجالست فالتمست به حشاها ... فخر كأنه غصن مريج) # ويقال: مريج: ملتبس. # ووجه الالتباس أنهم كانوا يقولون للنبي مرة هو ساحر، ومرة هو شاعر، ومرة ~~هو كاهن، [وكانوا] أيضا يقرون بالبعث مرة، وينكرون البعث مرة، فهذا هو معنى ~~الاختلاط والالتباس. # PageV05P235 # {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (6) ~~والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) تبصرة ~~وذكرى لكل عبد منيب (8) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد (9) } # PageV05P236 # قوله تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ms1630 بنيناها وزيناها} أي: ~~بالنجوم والشمس والقمر. # وقوله: {وما لها من فروج} أي: شقوق. # PageV05P236 # وقوله تعالى: {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي} أي الجبال. # وقوله: {وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج} أي: من كل صنف حسن، والبهجة: ~~الحسن، وعلى هذا قوله في موضع آخر: {ذات بهجة} أي: ذات حسن. # PageV05P236 # وقوله: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} أي: (تبصرا) للآيات، وموعظة للقلوب. ~~ويقال: تبصرة أي: يبصر بها ذوو العيون " وذكرى " أي: يذكر بها ذوو القلوب. # وقوله: {لكل عبد منيب} أي: راجع في أموره إلى الله تعالى. # PageV05P236 # قوله تعالى: {ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات} أي: ~~البساتين. # وقوله: {وحب الحصيد} أي: حب النبت المحصود، وهو البر والشعير وغيره. ~~ويقال: " حب الحصيد ": هو الحصيد نفسه، كأنه أضافه إلى نفسه، مثل قولهم: ~~صلاة الأولى، ومسجد الجامع، ومثل قوله تعالى: {حق اليقين} . # PageV05P236 # قوله تعالى: {والنخل باسقات لها} أي: طوالا. قال عكرمة: طوالا في ~~استقامة. ويقال في صفة النخيل: الباسقات في الوحل، المطعمات في المحل. # PageV05P236 # {والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك ~~الخروج (11) كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون ~~وإخوان} # وقوله: {لها طلع نضيد} أي: منضود، وهو المتصل بعضه ببعض. # ويقال: المتراكم بعضه على بعض. قال أهل اللغة: وإنما يسمى نضيدا ما دام ~~في الطلع، فإذا خرج من الطلع لم يكن نضيدا، وعن بعضهم قال: إن نخيل الجنة ~~مثمرة من أعلاها إلى أسفلها، وهي كالقلال كلما أخذت واحدة نبتت مكانها ~~أخرى. # PageV05P237 # وقوله: {رزقا للعباد} الرزق: العطاء الجاري من الله تعالى على توظيف، وقد ~~يكون بطلب، وقد يكون بغير طلب، وقد يكون بدعاء يدعو به العبد، وقد يكون ~~بغيره. # وقوله: {وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج} يعني: كما نحيي الأرض اليابسة ~~ونخرج منها الأشجار (والزرع) والكلأ، كذلك نحيي الأجساد بعد الموت ونخرجها ~~من الأرض. وفي التفسير: أن الله تعالى يمطر من السماء ماء على الأرض حين ~~يريد أن يبعث الخلق كمنى الرجال (فينبت) بها الأجساد في الأرض، ويجمع ~~الجلود إليها ms1631 ثم يبعثهم. # PageV05P237 # قوله تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح وأصاب الرس} قال كعب الأحبار: هم قوم ~~رسوا نبيهم في بئر، ويقال: هي بئر باليمامة، ويقال: بالفلج، كان عليها قوم ~~أتاهم نبي فكذبوه فأهلكهم الله تعالى، وفي تفسير النقاش: أن اسم نبيهم كان ~~حنظلة بن صفوان، والله أعلم. ويقال: كان بئرا بأذربيجان. # وقوله: {وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط} في بعض التفاسير: أن لوطا يبعث ~~وحده وليس معه أحد آمن به. # PageV05P237 # {لوط (13) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) أفعيينا ~~بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15) ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما} # وعن بعضهم: أن فرعون كان رجلا أعجميا من أهل اصطخر فارس، ذكره أبو الحسين ~~بن فارس في تفسيره، وذكر فيه أنه عاش مائتين وعشرين سنة لم يؤذه شيء، ودعاه ~~موسى ثمانين سنة، ثم أغرقه الله فجميع مدة ملكه ثلثمائة سنة، # PageV05P238 # وقوله: {واصحاب الأيكة} وقرئ: " ليكة " في موضع آخر، فليكة اسم القرية، ~~والأيكة أسم الاناحية مثل: (بكة) ومكة. # وقوله: {وقوم تبع} في التفسير: أن تبع اسعد بن لمكيكرب، وكنيته أبو كرب. ~~وفي القصة: أنه خرج من اليمن غازيا سائحا في الأرض ومعه جيش عظيم، وهو أول ~~من حير الحيرة أي: بناها مر ببلاد العجم حتى أتى سمرقند [وهدمها] . ويقال: ~~إن الذي هدم سمرقند هو شمر. ومنه سمرقند أي: شمر كندة، وهو من ملوك اليمن ~~أيضا، ولتبع ابن يقال له: حسان بن تبع، وكان فيهم من غزا الصين وأسكن ثم ~~قوما من العرب، فيقال: أن " التبت " منهم، وهم على خلقة العرب نحاف سمر. # وقد روينا أن النبي قال: " لا تسبوا تبعا؛ فإنه كان قد أسلم ". وقد دل ~~على هذا قوله هاهنا: {وقوم تبع} ولم يذكره بينهم. # وقوله: {كل كذب الرسل فحق وعيد} أي: حق عليهم وعيدي وعذابي. # PageV05P238 # قوله تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول} وجوابه محذوف، ومعناه: أفعيينا ~~بالخلق الأول فنعيا بالخلق الثاني أي: عسر علينا ذلك فيعسر علينا هذا، ~~ويقال: عيي فلان بالأمر إذا عجز عنه. # PageV05P238 # {توسوس به نفسه ونحن ms1632 أقرب إليه من حبل الوريد (16) إذ يتلقى الملتقيان عن ~~اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) وجاءت ~~سكرة} # وقوله: {بل هم في لبس من خلق جديد} أي: في شك من الخلق الثاني. # PageV05P239 # قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان} يقال: إن المراد به آدم صلوات الله ~~عليه وحده. ويقال: إنه في كل الناس. # وقوله: {ونعلن ما توسوس به نفسه} الوسوسة: حديث النفس، وإن كان المراد ~~بالآية هو آدم فالوسوسة في حقه حديث نفسه بأكل الشجرة. وقد ثبت عن النبي ~~أنه قال: " من توضأ فأحسن الوضوء، وصلى ركعتين ولم يحدث فيهما نفسه؛ غفر ~~الله له ما تقدم من ذنبه ". # وقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} حبل الوريد: عرق في باطن العنق، ~~ويقال: في البدن عرق يسمى الأكحل نهر البدن، وفي الساق يقال له: النساء، ~~وفي البطن يسمى الحالب، وفي الظهر يسمى الأنهر، وفي اليد يسمى الأكحل، وفي ~~العنق يسمى الوريد، وفي القلب يسمى الوتين، ويقال هما وريدان تحت الودجين. ~~قال الشاعر: # (كان كأن وريديه رشاء حبل ... # أي: ليف. ومعناه: أن الله تعالى أقرب إليه من كل شيء حتى إنه أقرب إليه ~~من مماته وحياته، وحياة الإنسان بهذا العرق، حتى إذا انقطع لم يبق حيا. # PageV05P239 # قوله تعالى: {إذ يتلقى الملتقيان} معناه: اذكر يا محمد إذ يتلقى ~~المتلقيان، وهما الملكان. والتقى: هو القبول والأخذ، فالملك يأخذ مله ونطقه ~~فيثبته، ومنه قوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات} أي: أخذ. # وقوله: {عن اليمين وعن الشمال قعيد} أي: قاعد، فاكتفى بذكر أحدهما عن ~~الآخر، معناه: عن اليمين قاعد وعن الشمال قاعد. وفي بعض الأخبار: الصماخان ~~مقعد الملكين، وهما جانبا الفم. # PageV05P239 # {الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ~~(20) } # PageV05P240 # وقوله: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} أي: رقيب حاضر. # قال الحسن: يكتب الملكان كل شيء حتى قوله لجاريته اسقيني الماء، وناوليني ~~نعلي، أو أعطيني ردائي، ويقال: يكتب كل شيء حتى صفيره بشرب الماء. # وفي الخبر ms1633 برواية أبي أمامة أن النبي قال: " ملك اليمين أمير على ملك ~~الشمال، فإذا عمل العبد حسنة كتبها ملك اليمين في الحال عشرا، وإذا عمل ~~العبد سيئة فأراد صاحب الشمال ان يكتب، قال له صاحب اليمين: أمسك سبع ~~ساعات، فإن تاب لم يكتب، وإن لم يتب قال: اكتبها واحدة ". # واعلم أن ملك اليمين يكتب الحسنات، وملك لشمال يكتب السيئات، واليمين ~~محبوب الله ومختاره، ومنه ما روي عن النبي " أنه كان يحب التيامن في كل ~~شيء، حتى في ترجله وتنعله وطهوره ". ومن هذا إذا دخل المسجد يبدأ باليمين ~~ليقدمها إلى موضع الخير، وإذا خرج يبدأ بالشمال ليكون مكث اليمين في موضع ~~الخير أكثر وإن قل، وعلى عكس هذا دخول موضع الخلاء والخروج منه. # PageV05P240 # قوله تعالى: {وجاءت سكرة الموت بالحق} السكرة هي (الغشية) والغمرة التي ~~تلحق الإنسان عند القرب من الموت. # وقوله: {بالحق} فيه قولان: أحدهما: أن الحق هو نفس السكرة التي هي سكرة ~~الموت، ويقال: الحق هو الله، وفي الموت لقاء الله، فهو معنى قوله: {بالحق} ~~أي: بلقاء الحق. ويقال: هو إشارة إلى الجنة والنار؛ لأنه إذا مات إما أن ~~يدخل الجنة، وإما أن # PageV05P240 # {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك ~~غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) ألقيا في ~~جهنم} يدخل النار. وفي الأثر المعروف أن أبا بكر رضي الله عنه لما احتضر ~~كانت عائشة عنده فأنشدت: # (لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر) # فقال أبو بكر رضي الله عنه لا تقولي هذا، ولكن قولي: وجاءت سكرة الحق ~~بالموت " فيقال: إنه زل لسانه، ويقال: هذه قراءته. قالت عائشة: فدعا بصحيفة ~~يستخلف، وكتب وظننت أنه سيستخلف طلحة، وكنت أود ذلك؛ لأن طلحة من أقرباء ~~أبي بكر، فقال: اللهم إني لم آل ولم أوال، فعرفت أنه غير مستخلف إياه. # وقوله: {ذلك ما كنت به تحيد} أي: تفر وتهرب، ويستحب للمؤمن حب الموت؛ ~~لأنه به يستخلص من الأوزار، ويصل ms1634 إلى محبوبه إن قدر له خير. وعن بعض السلف: ~~لا يكره الموت إلا مريب. وإنما كره تمني الموت بضر نزل به على ما في الخبر. ~~فأما إذا تمنى الموت ليستخلص من الدنيا وفتنها وشوقا إلى لقاء ربه فهو ~~محبوب. # PageV05P241 # وقوله: {ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد} أي: يوم وعيد الكفار ووعد ~~المؤمنين. # PageV05P241 # قوله تعالى: {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد} السائق: هو الملك، والشهيد: ~~هو العمل، قاله قتادة ومجاهد والضحاك. ويقال: السائق: ملك السيئات، ~~والشهيد: ملك الحسنات. ويقال: السائق: الشيطان، والشهيد: الملك. وقيل في ~~الشهيد: إنه الجوارح. # PageV05P241 # قوله تعالى: {لقد كنت في غفلة من هذا} يقال: إن هذا في الكفار؛ لأنهم في ~~الغفلة من الآخرة على الحقيقة. ويقال: في كل غافل. # وقوله: {فكشفنا عنك غطاءك} أي: كشفنا عنك ما غشيك وغطى سمعك وبصرك وعقلك، ~~حتى لم تسمع ولم تبصر ولم تعقل الحق، وهو في معنى قوله تعالى: {أسمع بهم ~~وأبصر} . # PageV05P241 # {كل كفار عنيد (24) مناع للخير معتد مريب (25) الذي جعل مع الله إلها آخر ~~فألقياه} # وقوله: {فبصرك اليوم} أي: نافذ، وقيل: شديد. ويقال: بصرك اليوم {حديد} ~~إلى لسان الميزان، ومنه حدة البصر. # PageV05P242 # قوله تعالى: {وقال قرينه} أي: الملك. # {هذا ما لدي عتيد} أي: هذا الذي كتبته، وهو عندي ولدي عتيد أي: معد، ~~ويقال: حاضر. # PageV05P242 # وقوله: {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} فإن قيل: ما معنى قوله: " ألقيا " ~~ومن المخاطب؟ والجواب: أن المخاطب ملك واحد، ولكنه قال: ألقيا على عادة ~~العرب، فإنهم يخاطبون الواحد بخطاب الاثنين. # قال الشاعر: # (فإن تزجراني يابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا.) # وقال آخر: # (خليلي مرابي على أم جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذب) # (ألم تر كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب) # وأراد بالخليلين الواحد. وكان الحجاج إذا أمر بقتل إنسان قال: ياحرسي ~~اضربا. وقال المبرد: معنى قوله: {ألقيا} أي: ألق ألق، فلما ثنى خاطب يخاطب ~~اثنان. # عن بعضهم: أنه يقول لملكين حتى يلقياه في النار. # وقوله: {كل كفار عنيد} أي: معاند، وعن إبراهيم ms1635 النخعي قال: العنيد: هو ~~الذي يكابر الحق كأنه يقربه وينكره. # PageV05P242 # وقوله: {مناع للخير معتد مريب} أي: ذي عدوان ذي ريبة، والمناع للخير: هو # PageV05P242 # {في العذاب الشديد (26) قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد ~~(27) قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (8) ما يبدل القوي لدي وما ~~أنا} مانع الحقوق والصدقات والزكوات. # PageV05P243 # وقوله: {الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد} أي: عذاب ~~النار. وذكر لنحاس في تفسيره قولا: أن {قرينه} في الآية المتقدمة هو ~~الشيطان. وقوله: {هذا ما لدي عتيد} أي: هذا عمله وهو حاضر، والذي قلنا: أن ~~المراد به الملك فهو ألقى وأليق بقوله: {هذا ما لدي عتيد} يعني: يقول ~~الملك: هذا الذي كتبته عليه، وقد أحضرته. وقال النحاس في قوله: {ألقيا في ~~جهنم} الأولى خطاب للملكين اللذين أحدهما يسوقه والآخر يشهد عليه، وهما ~~اللذان كتبا العمال. # وقوله: {معتد مريب} أي: معتد في سيرته ونطقه وخلقه. # يقال: أرابني كذا فأنا مريب أي: شاك # قال الشاعر: # (بثينة قالت يا جميل أربتنى ... فقلت كلانا يا بثين مريب) ويقال في قوله: ~~{مناع للخير} أي: الزكاة المفروضة. وقال الضحاك: الآية وردت في الوليد بن ~~المغيرة المخزومي. # PageV05P243 # قوله تعالى: {قال قرينه ربنا ما أطغيته} القرين: هاهنا هو الشيطان باتفاق ~~المفسرين. وقوله: {ربنا ما أطغيته} أي: ما أضللته. # وقوله: {ولكن كان في ضلال بعيد} أي: وجدته وقد اختار الضلالة لنفسه، وهو ~~معنى قوله تعالى حكاية عن إبليس: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي} الآية. # PageV05P243 # قوله تعالى: {قال لا تختصموا لدي} أي: عندي. # PageV05P243 # {بظلام للعبيد (29) يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) ~~وأزلفت} # وقوله: {وقد قدمت إليكم بالوعيد} أي: بعثت الرسل وأنزلت الكتب وبينت ~~الأمر والنهي والوعد والوعيد. فإن قيل: قد قال في موضع آخر: {ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون} [و] قال هاهنا {لا تختصموا لدي} فكيف وجه ~~التوفيق؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن للقيامة مواطن ومواقف، فهذا في ~~موطن. وذلك في ms1636 موطن ما على بينا. # والوجه الثاني: أن قوله: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} ~~للمؤمنين، وقوله: {لا تختصموا لدى} للكفار. ويقال إنه يقول لهم لا تختصموا ~~لدى بعد أن اختصموا، واختصامهم ما ذكر في سورة القصص والصافات. # PageV05P244 # قوله تعالى: {ما يبدل القول لدي} أي: لا يكذب عندي؛ فإنه لا يخفى على ~~حقيقة الأمور وبواطنها. ويقال: " ما يبدل القول لدي " أي: لا يبدل قولي: إن ~~السيئة بمثلها، والحسنة بعشر أمثالها. # وقوله: {وما أنا بظلام للعبيد} أي: لا أنقص ثواب المحسنين، ولا أزيد في ~~مجازاة المسيئين. # PageV05P244 # قوله تعالى: {يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد} فيه قولان: ~~أحدهما: أن معنى قوله: {هل من مزيد} أي: قد امتلأت، فلا مزيد في، وحقيقته ~~أنك قد وفيت بما وعدت، وملأتني فلا موضع للزيادة. وهذا مثل قوله عليه ~~الصلاة والسلام: " وهل ترك لنا عقيل من دار " أي: ما ترك. # والقول الثاني: أن معنى قوله: {هل من مزيد} أي: طلب الزيادة بقوله تغيظا ~~على الكفار، وطلبا لزيادة الانتقام. والأول أحسن. وقد ثبت برواية أنس وأبي ~~هريرة أن # PageV05P244 # {الجنة للمتقين غير بعيد (31) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) من خشي} ~~النبي قال: " لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول ~~قط قط " أي: حسبي. # وهذا الخبر يؤيد القول الثاني، والخبر من المتشابه، وقد بينا وجه الكلام ~~في المتشابه. وقال بعضهم: أن القول من جهنم هاهنا على طريق المجاز مثل قول ~~الشاعر: # (امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا ورويدا قد ملأت بطني) # فقوله: قطني أي: حسبي. ووجه المجاز فيه أنه لما امتلأ الحوض ولم يكن فيه ~~مزيد وكأنه قال: قد امتلأت فحسبي. كذلك في جهنم، وهو على توسع الكلام. ~~والأصح أن هذا النطق من جهنم على طريق الحقيقة، وهذا اللائق بمذهب أهل ~~السنة في الإيمان بتسبيح الجمادات، وما نزل في ذلك من آي القرآن. وعن الحسن ~~البصري قال: لو لم يعص الله إلا رجل واحد لملأ الله منه جهنم يوم القيامة. # PageV05P245 # قوله ms1637 تعالى: {وأزلفت الجنة للمتقين} أي: قربت. # وفي الآثار: أن الناس إذا بعثوا من قبورهم رأوا الجنة والنار على قرب ~~منهم. وقيل إن الجنة والنار يعرضان على المؤمنين والكفار قبل دخولهم فيهما. # PageV05P245 # وقوله: {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ} الأواب هو الذي اعتاد الرجوع إلى ~~الله تعالى في كل أموره. والحفيظ هو الذي يحفظ الأمر والنهي. وعن بعضهم: أن ~~الأواب هو المسبح. # وعن بعضهم: أنه الكثير الصلاة. # وعن بعضهم: أنه الدعاء. # PageV05P245 # {الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) ~~لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (34) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم ~~بطشا} # وعن بعضهم: أنه الذي يحفظ قوله وفعله في مجلسه، فإذا أراد أن [يقوم] قال: ~~سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. # ويقال: حفيظ أي: حافظ لعهد الله. # PageV05P246 # قوله تعالى: {من خشي الرحمن بالغيب} إنما قال بالغيب؛ لأنهم آمنوا بالبعث ~~والجنة والنار والثواب والعقاب، وذلك كله غيب. # وقوله: {وجاء بقلب منيب} المنيب قد بينا معناه فيما سبق، والرجل هو ~~المنيب؛ لكنه أضاف إلى القلب؛ لأن الأكثر من أعمال الإيمان يعمله المؤمن ~~بقلبه. # PageV05P246 # وقوله: {ادخلوها بسلام} يقال: إن الله تعالى يقول ذلك، ويقال: الملك ~~يقولها. # وقوله: {بسلام} أي: بسلامة. # وقوله: {ذلك يوم الخلود} هو الخلود في الجنة والنار. # PageV05P246 # وقوله: {لهم ما يشاءون فيها} أي: ما يشتهون فيها. # قوله: {ولدينا مزيد} فيه قولان: أحدهما: أن المزيد هو ما لم يخطر ببالهم، ~~ولم تصل [إليه] شهوتهم وإرادتهم. والآخر: أنه النظر إلى الله تعالى. # PageV05P246 # وقوله: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} قد بينا معنى القرن، والأصح أنه أقصى ~~مدة عمر كل قوم في عمرهم؛ فقرن نوح على ما كان في زمانه، وقرن إبراهيم على ~~ما كان في زمانه، وكذا إلى زمانا، فعلى هذا قوله: " من قرن " أي: من أهل ~~قرن. # وقوله: {هم أشد منهم بطشا} أي: قوة. # وقوله: {فنقبوا في البلاد} أي: طوفوا وساروا. # PageV05P246 # {فنقبوا في البلاد هل من محيص (36) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ms1638 أو ~~ألقى السمع وهو شهيد (37) ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام وما مسنا من لغوب (38) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب (39) ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40) واستمع يوم ~~يناد المناد} # قال امرؤ القيس. # (وقد نقبت في البلدان حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب) # { [هل من محيص] # PageV05P247 # إن في ذلك لذكرى) أي: موعظة وتذكير. # وقوله: {لمن كان له قلب} أي: عقل. يقول الإنسان لغيره: مالك من قلب أي: ~~مالك من عقل، ويقول: أين قلبك أي: أين عقلك. # وعند بعض العلماء أن محل العقل هو القلب بدليل هذه الآية. وعن بعضهم: أن ~~محله الدماغ. يقال: فلان خفيف الدماغ أي: خفيف العقل. # وقوله: {أو ألقى السمع وهو شهيد} أي: استمع بأذنه وهو حاضر بفؤاده، يقول ~~الإنسان لغيره: ألق سمعك وارعني سمعك أي: استمع إلي، والمعنى: أنه يستمع، ~~ولا يشغل قلبه بما يمنعه من السماع. # PageV05P247 # قوله تعالى: {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا ~~من لغوب} أي: إعياء ونصب، وهو رد لما قالته اليهود أن الله تعالى خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام واستراح يوم لسبت. # PageV05P247 # قوله تعالى: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك} أي: صل حامدا ربك. # وقوله: {قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} قبل طلوع الشمس هو صلاة الصبح. وقبل ~~الغروب هو الظهر والعصر. # PageV05P247 # وقوله: {ومن الليل فسبحه} هو المغرب والعشاء. # PageV05P247 # {من مكان قريب (41) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) إنا نحن ~~نحيي ونميت وإلينا المصير (43) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا} # وقوله: {وأدبار السجود} القول المعروف أنه الركعتان بعد المغرب، ورد ~~القرآن به لزيادة التأكد والندب إليه، وهو قول علي وأبي هريرة. وقيل: إنه ~~جميع النوافل بعد الفرائض. وقيل: إنه الوتر؛ لأنه آخر ما يفعله الإنسان عند ~~فراغه من الصلوات، وقد ذكرنا الخبر فيما جرى من الرؤية، وقوله عليه الصلاة ~~والسلام في آخر ذلك الخبر: " فإن استطعتم أن [لا] تغلبوا على صلاة قبل طلوع ~~الشمس وعلى ms1639 صلاة قبل غروبها فافعلوا " وقرأ هذه الآية. # PageV05P248 # قوله تعالى: {واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب} القول المعروف أنه ~~إسرافيل عليه السلام ينادي الناس على صخرة بيت المقدس، فيقول: أيتها العظام ~~البالية، والجلود المتمزقة، والأجساد المتفرقة، والأوصال المتقطعة، ارجعي ~~إلى ربك، وقيل بلفظ آخر. # وفي الآية قول آخر: وهو أن قوله: {من مكان قريب} أي: من تحت أقدامهم. ~~ويقال في صماخ آذانهم، وقيل: إن هذا النداء هو النفخة الأولى بهلاك الناس. # PageV05P248 # وقوله تعالى: {يوم يسمعون الصيحة بالحق} هو النفخة الثانية، والأصح أن ~~[كليهما] واحد، وذكره بلفظين. # وقوله: {ذلك يوم الخروج} أي: من القبور لحساب الأعمال ودخول الجنة ~~والنار. # PageV05P248 # قوله تعالى: {إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير} أي: المرجع. # PageV05P248 # قوله تعالى: {يوم تشقق الأرض عنهم سراعا} أي: لا يلبثون بعد سماع الصيحة، ~~والمعنى: أنهم إذا سمعوا الصيحة تشققت عنهم الأرض، وخرجوا من غير) {يسير ~~(44) نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ~~(45) } لبث ولا زمان. # وقوله: {ذلك حشر علينا يسير} هو جواب لقولهم في أول السورة ذلك رجع بعيد. # PageV05P248 # قوله تعالى: {نحن أعلم بما يقولون} أي: بما يقولون من الشرك والكذب على ~~الله وعلى رسوله. # وقوله: {وما أنت عليهم بجبار} أي: بمسلط، وهو مثل قوله تعالى: {لست عليهم ~~بمسيطر} والجبار في صفات الله محمود، وفي صفات الخلق مذموم، وكذلك المتكبر؛ ~~لأن الخلق أمروا بالتواضع والخشوع والخضوع ولين الجانب وخفض الجناح، وأما ~~الرب جل جلاله فيليق به الجبروت والكبرياء: لأنه المتعالي عن إدراك الخلق، ~~القاهر لهم في كل ما يريده، ولم يصفه أحد حق صفته، ولأعظمه أحد حق تعظيمه، ~~ولا عرفه أحد حق معرفته. وقد قيل: إن الجبار في اللغة هو القتال، وهو في ~~معنى قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام {إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض} أي: قتالا. # وقال بعضهم: إن الآية منسوخة، وهي قبل نزول آية السيف، نسختها آية السيف. ~~وفي بعض التفاسير: أن قوله: {فاقتلوا المشركين} نسخت سبعين آية من القرآن. ms1640 # وقوله: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} أي: عظ بالقرآن من يخافني. فإن قيل: ~~أليس يوعظ بالقرآن الكافر والمؤمن جميعا، فكيف معنى قوله: {من يخاف وعيد} ~~والكافر لا يخاف وعيد الله؟ والجواب: أنه لما لم ينتفع بالقرآن إلا المؤمن ~~فكأنه لم يخوف بالقرآن إلا المؤمنون، والله أعلم. # PageV05P248 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات} # تفسير سورة الذاريات # وهي مكية في قول الجميع # PageV05P250 # قوله تعالى: {و ### | الذاريات # ذروا} وروى أبو الطفيل أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خطب وقال: سلوني: ~~فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به، سلوني عن ~~كتاب الله، ما من آية نزلت إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في ~~جبل، وفيم أنزلت، فقام ابن الكوا وقال: ما لذاريات ذروا فالحاملات وقرا ~~فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا؟ فقال علي رضي الله عنه سل تفقها، ولا تسأل ~~تعنتا، " والذاريات ذروا " هي الرياح، فالحاملات وقرا " هي السحاب " ~~فالجاريات يسرا " هي السفن " فالمقسمات أمرا هي الملائكة، ومثل هذا عن ابن ~~عباس، وعلى أكثر هذا المفسرين. # فقوله: {والذاريات} هي من ذرت الريح التراب وأذرته إذا فرقته، ويقال: إن ~~الذاريات هي النساء الحوامل تذرين الأولاد، والأول هو المختار. # PageV05P250 # وقوله: {فالحاملات وقرا} قيل: إنها الرياح تحمل السحاب، والوقر هو ~~السحاب. # PageV05P250 # وقوله: {فالجاريات يسرا} يقال: إنها الرياح أيضا تجري بسهوله ويسر، ~~ويقال: {فالجاريات يسرا} هي: الكواكب السبة: الشمس، والقمر، والمشتري، ~~وعطارد، والزهرة، وبهرام، وزحل، والقول الأول هو المختار. # PageV05P250 # وقوله: {فالمقسمات أمرا} يقال: إنها الرياح أيضا. ومعنى قسمة الأمر: أن ~~الرياح تقسم المطر فتصب البعض ولا تصب البعض، والقول الأول هو المختار، ~~والمعنى من الملائكة هم أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل؛ ~~فجبريل على الوحي والعذاب، وميكائيل على الرزق والمطر والرياح، وإسرافيل ~~على الصور، وعزرائيل على قبض الأرواح، وقال الأعشى في وصف السحاب. # PageV05P250 # {أمرا (4) إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) والسماء ذات الحبك ~~(7) إنكم لفي قول مختلف (8) } # (كأن مشيتها من بيت جارتها ... مشي السحاب لا ms1641 ريث ولا عجل) # PageV05P251 # وقوله: {إنما توعدون لصادق} قال مجاهد معناه: أن القيامة كائنة. # وقوله: {لصادق} أي: ذو صدق، وكذلك قالوا في قوله: {في عيشة راضية} أي: ~~ذات رضا، ويقال: سمي الوعد صادقا؛ لأن الصدق يقع عليه، كما يقال: ليل نائم، ~~وخبر كاذب، وسر كاتم، وما أشبه ذلك. # PageV05P251 # وقوله: {وإن الدين لواقع} قال قتادة: إن الجزاء لواقع. قال لبيد شعرا: # (قوم يدينون بالنوعين مثلهما ... بالسوء سوءا وبالإحسان إحسانا) # يعني: يجازون. فإن قيل: ما معنى القسم بالرياح والسفن والسحاب وما أشبه ~~ذلك؟ فكيف يقسم الله بخلقه؟ والجواب معناه: ورب الذاريات، ورب الحاملات ~~والجاريات. ويقال: إن قسمه بالشيء يدل على جلالة ذلك وعظم منفعة العباد به. ~~وقيل: التقدير: أقسم بالذاريات. # PageV05P251 # قوله تعالى: {والسماء ذات الحبك} قال عكرمة: ذات الخلق الحسن، وقيل: ذات ~~التأليف، المحكم: ويقال ذات الطرائق في الرمل والماء إذا ضربتها الرياح ~~حبائك، ويقال: الحبك هو بهاؤها واستواؤها، ويقال: شدتها وإحكامها، قال ~~الشاعر: # (مكلل بأصول النبت تنسجه ... ريح خريق مايد حبك) # وقال أبو كثير الهذلي: # (ممن حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق تشب غير مهبل) # وعن الحسن البصري: والسماء ذات الحبك أي: النجوم. # PageV05P251 # وقوله: {إنكم لفي قول مختلف} يعني: مصدق ومكذب، ويقال معناه: أن # PageV05P251 # {يؤفك عنه من أفك (9) قتل الخراصون (10) الذين هم في غمرة ساهون (11) } ~~بعضهم يقول: هو ساحر، وبعضهم يقول: شاعر، وبعضهم يقول: مجنون، وعلى هذا وقع ~~القسم، وقيل: {إنكم لفي قول مختلف} أي: مناقض، ذكره القفال الشاشي. ومعنى ~~التناقض في هذا: أنهم أقروا بالنشأة الأولى، وأنكروا النشأة الأخرى، وهذا ~~تناقض؛ لأن من قدر على النشأة الأولى فهو على النشأة الأخرى أقدر. # PageV05P252 # وقوله: {يؤفك عنه من أفك} أي: يصرف عنه من صرف، وقيل: يصرف عن الإقرار به ~~من صرف عنه في علم الله وحكمه، ويقال: من صرف عن هذا الخير فقد صرف عن ~~الخير كله، كما يقال: من حرم عن كذا فقد حرم. وفي التفسير: أن أمر النبي ~~لما انتشر من قبائل العرب جعلوا يبعثون الواحد والاثنين يسألون عن خبره، ~~فكان ms1642 المشركون في أيام الموسم يبعثون الناس في الطرقات حتى إذا جاء السائل. ~~[وسألهم] عن محمد قالوا: هو مجنون كذاب، وذكروا أمثال هذا، [وكانوا] يرجعون ~~قبل أن يلقوه، ويقولون: قومه أعلم به. # PageV05P252 # وقوله: {قتل الخراصون} أي: لعن الكذابون، وهذا هو المتفق عليه من أهل ~~التفسير. وعن بعضهم: أنه لا يعرف قتل بمعنى لعن في اللغة، ومعناه: أن ~~الخراصين قد أتوا بما يستحقون [به] القتل، ولعنة الله إياهم إهلاك لهم، فهو ~~قتلهم. والخارص هو الذي يقول بالحدس والظن. # PageV05P252 # وقوله: {الذين هم في غمرة ساهون} قال السدى: في غفلة لاهون، ويقال: في ~~حيرة وعمى، وقيل: في شك وجهالة، كأن الجهل والعمى غمر حالهم، ومنه الماء ~~الغمر إذا كان يغطي من ينزل فيه. ويقال: ساهون يتمادون يعني: أن الشك ~~والضلالة يتمادى بهم. # PageV05P252 # {يسألون أيان يوم الدين (12) يوم هم على النار يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم ~~هذا الذي كنتم به تستعجلون (14) إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما ~~آتاهم ربهم إنهم كانوا من قبل ذلك محسنين (16) كانوا قليلا من الليل ما ~~يهجعون (17) } # PageV05P253 # وقوله: {يسألون أيان يوم الدين} أي: متى يوم الجزاء، وكانوا يسألون عن ~~ذلك تعنتا وتكذيبا. # PageV05P253 # وقوله: {يوم هم على النار يفتنون} أي: يعذبون. قال أبو عبيدة: يحرقون، ~~وذكره القتيبي وغيره. ويقال: يفتنون أي: يدخلون النار، ومنه فتنت الذهب، ~~وقد بينا من قبل. # PageV05P253 # وقوله: {ذوقوا فتنتكم} أي: عذابكم. # وقوله: {هذا الذي كنتم به تستعجلون} ومعنى استعجالهم: أنهم كانوا يقولون ~~متى يوم الدين، متى يوم الحساب، متى يوم القيامة، والمراد من الآية أنه ~~يقال لهم ذلك. # PageV05P253 # قوله تعالى: {إن المتقين في جنات وعيون} أي: بساتين وأنهار. # PageV05P253 # وقوله: {آخذين ما آتاهم ربهم} أي: آخذين ما أعطاهم ربهم، ومعنى الأخذ هو ~~دخولهم الجنة ووصولهم إلى ما وعدوا من الثواب. # PageV05P253 # وقوله: {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} أي: من قبل أن ينالوا ما نالوا ~~محسنين في الدنيا. ومعنى الإحسان هاهنا هو طاعة الله تعالى، ثم فسر فقال: ~~{كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} قل إبراهيم النخعي: كانوا يقومون أكثر ~~الليل. وعن ms1643 الضحاك أن قوله: {قليلا} يقع على الناس، ومعناه: أن قليلا من ~~الناس كانوا لا يهجعون. وعن سعيد بن جبير أن معناه: قلما مرت عليهم ليلة لم ~~يصلوا فيها. وقال الحسين البصري: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم استغفروا الله. ~~وعن أنس بن مالك معناه: كانوا يصلون بين العشاء والعتمة، وهذا أثر مسند. ~~ويقال: إنه في أهل قباء كانوا يفعلون ذلك. وعن بعضهم أن معناه: كانوا لا ~~ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة. # PageV05P253 # {وبالأسحار هم يستغفرون (18) وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) وفي} # PageV05P254 # وقوله: {وبالأسحار هم يستغفرون} فيه قولان: أحدهما: أنه الاستغفار نفسه، ~~والآخر أن معناه: الصلاة. وقد كان في قيام الليل من دأب أصحاب رسول الله ~~والتابعين من بعد. روي عن العباس بن عبد المطلب وكان جارا لعمر رضي الله ~~عنهما قال: عجبا لعمر نهاره صيام وحوائج الناس، وليلة قيام. وعن علي رضي ~~الله عنه أنه كان يصلي أكثر الليل. وعن عثمان أنه كان يحيي الليل بركعة، ~~وهي وتره. وعن ابن عمر أنه كان لا ينام من الليل إلا القليل. وعن شداد بن ~~أوس أنه كان إذا مال إلى فراشه يكون كالحية على المقلاة، ثم يقول: إن النار ~~منعتني النوم، ثم يقوم فيصلي حتى يصبح. وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ~~معروف " أنه كان يقوم الليل ويصوم النهار إلى أن سهل عليه رسول الله بعض ~~ذلك ". # PageV05P254 # وقوله: {وفي أموالهم حق} يقال: إنه الزكاة المفروضة، ويقال: ما سوى ~~الزكاة من الحقوق، وذلك أن يحمل كلا، أو يصل رحما، أو يعطي في نائبة، أو ~~يعين ضعيفا. # وقوله: {للسائل} هو الطواف على الأبواب. ويقال: كل من سأل. # وقوله: {والمحروم} فيه أقوال: قال ابن عباس: هو المحارف، وهو الذي لا ~~يتيسر له كسب ولا معيشة. وعن بعضهم: هو الذي لا سهم له من الغنيمة، وقد ضعف ~~هذا القول؛ لأن السورة مكية، والغنائم كانت بعد الهجرة. # ويقال: المحروم هو الذي لا يسأل الناس، ولا يفطن له فيعطى. # وعن الحسن بن محمد الحنفية: هو الذي أصابته (الجائحة) في ms1644 ماله، وهذا قول ~~حسن يشهد له قوله تعالى في سورة " ن " {فلما رأوا قالوا إنا لضالون بل نحن ~~محرومون} وكان قد هلك مالهم بالجائحة. ويقال: المحروم هو الكلب، ذكره ~~النقاش في تفسيره، ورواه عن محمد بن علي بن الحسين، وعمر بن عبد العزيز. ~~روي # PageV05P254 # {الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء رزقكم ~~وما توعدون (22) فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23) هل} ~~أن عمر بن عبد العزيز كان يأكل وثم كلب، فأمر أن يلقى له الطعام، وقال: إني ~~إخال أنه المحروم. # PageV05P255 # وقوله: {وفي الأرض آيات للموقنين} أي: دلالات وعبر. # PageV05P255 # وقوله: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} قال عبد الله بن الزبير معناه: سبيل ~~الخلاء والبول. ويقال: ما يدخل في جوفه وما يخرج منه. والأولى أن يقال: هو ~~سائر الآيات التي في النفس مما يدل على أن لها خالقا وصانعا. # PageV05P255 # وقوله: {وفي السماء رزقكم} أي: المطر، ويقال: إن مع كل قطرة مكتوب رزق ~~فلان. # وقوله: {وما توعدون} قال عطاء: الثواب والعقاب. والعقاب. # وقال الكلبي: الخير والشر. والمعروف أنه الجنة؛ لأنها في السماء عند سدرة ~~المنتهى، كما قال تعالى: {عندها جنة المأوى} وعن سعيد بن جبير قال: {وفي ~~السماء رزقكم} الثلج، وكل ما نزل من السماء فهو مذاب من الثلج. # وعن بعضهم: أنه يحتمل " وفي لسماء رزقكم " أي: تقدير رزقكم. # PageV05P255 # وقوله: {فورب السماء والأرض إنه الحق} يعنى أن الوعد حق وما ذكرت أن في ~~السماء رزقكم وما توعدون حق. وقال الكلبي: إنه لحق يعني: ما سبق من أول ~~السورة إلى هذا الموضع. # وقوله: {مثل ما أنكم تنطقون} روي عن رسول الله أنه قال: " ويل لقوم يقسم ~~لهم ربهم ثم لا يصدقونه " رواه الحسن مرسلا. ومعنى قوله: {مثل ما أنكم ~~تنطقون} يعني: أنه حق مثل نطقكم، كما يقول القائل لغيره: إنه لحق كما أنك # PageV05P255 # {أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال ~~سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) } هاهنا، أو ما ~~كما أنك تتكلم. # PageV05P256 # قوله ms1645 تعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} قد ذكرنا من قبل، ~~وإكرامه إياهم هو خدمتهم بنفسه. وقد ثبت برواية أبي شريح الخزاعي وغيره أن ~~النبي قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل ~~خيرا أو ليصمت ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا أبو علي الشافعي بمكة، أخبرنا ابن فراس، أخبرنا ~~أبو محمد المقرئ، أخبرنا جدي محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان بن عيينة، ~~عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن [أبي] شريح، عن النبي الحديث. # والكرامة إياهم هو تعجيل الطعام. # PageV05P256 # وقوله: {إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما} وقرئ: " فقالوا سلما " فمعنى قوله: ~~{سلاما} أي: سلموا سلاما، ومعنى قوله: " سلما " أي: عن سلم. # وقوله: {قال سلام} هو جواب سلامهم. # وقوله: {قوم منكرون} إنما قال ذلك لأنه أنكر هيئتهم، ولم يكن رآهم من ~~قبل. # قال الشاعر: # (فأنكرتني وما كان الذي (نكرت) # من الحوادث إلا الشيب والصلعا) # ويقال: {قوم منكرون} أي: يخافون، يقال: أنكرت فلانا إذا خفته. # PageV05P256 # وقوله: {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين} في القصة: أن أكثر أموال إبراهيم # PageV05P256 # {فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه ~~بغلام عليم (28) فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) ~~قالوا} كان هو البقر، وكان يسمى أبا الضيفان، ويقال: كان يمشي ميلا وميلين ~~في طلب (الضيف) ، فكان لا يأكل إلا مع الضيف. # وقوله: {فراغ} أي: ذهب خفية. # PageV05P257 # وقوله: {فقربه إليهم قال ألا تأكلون} في الآية حذف، وتقديره: فقربه إليهم ~~فلم يأكلوا قال ألا تأكلون. وفي القصة: أن إبراهيم عليه السلام كان إذا قعد ~~مع الضيف نكس رأسه، وجعل يأكل ولا ينظر إلى الضيف، ففعل مثل ذلك مع ~~الملائكة، وهم أربع: جبريل، وميكائيل، وروبيل، وملك آخر، فقالت سارة: ارفع ~~رأسك فهم لا يأكلون، فرفع رأسه وقال: ألا تأكلون. # PageV05P257 # قوله تعالى: {فأوجس منهم خيفة} أي: دخل في نفسه منهم خيفة. وفي التفسير: ~~أن ms1646 السبب في ذلك أن الرجل كان إذا طرقه ضيف (فقدم) إليه شيئا وأكله أمن ~~منه، وإن لم يأكل خاف شره. # وقوله: {قالوا لا تخف} يعني: نحن ملائكة الله فلا تخف. # وقوله: {وبشروه بغلام عليم} أجمع المفسرون على أنه إسحاق عليه السلام. # PageV05P257 # قوله تعالى: {فأقبلت امرأته في صرة} أي: صيحة، كأنها ولولت مثل ما تفعل ~~النساء، ويقال: في صرة هو حكاية صوتها في الضحك، وقد قال في موضع آخر: ~~{فضحكت} وهو مثل: صرير الباب، وخرير الماء، والقهقهة غير ذلك، فالقهقهة ~~أخذت من حكاية صوت الضاحك. # وقوله: {فصكت وجهها} أي: ضربت وجهها مثل ما تفعل النساء. # وقوله: {وقالت عجوز عقيم} وإنما فعلت ذلك؛ لأنها أنكرت ولادتها غلاما وقد # PageV05P257 # {كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (30) قال فما خطبكم أيها المرسلون ~~(31) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) ~~مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما ~~وجدنا فيها} صارت عجوزا عقيما، وقد ذكرنا سنها، أنها كانت بنت تسع وتسعين ~~سنة. # PageV05P258 # وقوله: {قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم} أي: الحكيم فيما يدبر، ~~العليم بأمور خلقه. # PageV05P258 # قوله تعالى: {قال فما خطبكم أيها المرسلون} أي: ما شأنكم؟ ولأي شيء ~~أرسلتم؟ # PageV05P258 # قوله تعالى: {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} أي: كافرين، وقيل: ذوي ~~جرم. # PageV05P258 # وقوله: {لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة} أي: معلمة، ويقال: العلامات هي ~~اخواتيم على الأحجار، وقيل: كان اسم كل من يهلك بذلك الحجر من الكفار ~~مكتوبا على ذلك الحجر. وعن ابن عباس قال: {مسومة} أي: حمرة في بياض. ويقال: ~~مخططة. # وقوله: {عند ربك للمسرفين} أي: المشركين، وهم الذين أسرفوا في المعاصي، ~~وكل مشرك مسرف في المعصية. فإن قيل: ما معنى قوله: {حجارة من طين} وكيف ~~تكون الحجارة من طين؟ والجواب من وجوه: أحدها: أن كان في الأصل طينا ~~فاستحجر بشروق الشمس عليه. # والثاني: أنه كان مطبوخا من طين كما يطبخ الآجر. # والثالث: أن قوله: {جارة من طين} ذكر الطين هاهنا لكي يعلم أنه لم ms1647 يرد به ~~البرد، والعرب تسمي البرد النازل من السماء حجارة. # PageV05P258 # وقوله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت ~~من المسلمين} فيه دليل لمن قال: إن الإسلام والإيمان واحد، وقد بينا من ~~قبل. وعن # PageV05P258 # {غير بيت من المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم ~~(37) وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) } قتادة أنه قال: لو ~~كان في قريات لوط بيت من المسلمين غير بيت لوط لم يهلكهم الله تعالى؛ ليعرف ~~قدر الإيمان عند الله تعالى. واختلف القول أنه هل كان آمن بلوط عليه السلام ~~أحد. فأحد القولين: أنه كان آمن به بضع [عشرة] نفسا. # والقول الثاني: أنه لم يكن آمن به أحد إلا ابنتاه. # PageV05P259 # قوله تعالى: {وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم} أي: عبرة، ~~والعبرة في قريات لوط بينة لمن مر بها، فإنها أرض سوداء (مبيئة) . ويقال: ~~معنى الآية المذكورة في قريات لوط هو ما بقي من الحجارة فيها. # وفي القصة عن ابن عباس: أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت الأرض ~~السابعة، واقتلع مدائن قوم لوط من أصلها، ورفعها حتى بلغ بها السماء ~~الدنيا، وحتى تسمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وصوت الديكة منها، ثم ~~قلبها وأرسل الله تعالى حجارة على ما بينا، ويقال: أرسل الحجارة على الشذاذ ~~والمسافرين منهم حتى أهلكهم كلهم. # وفي القصة أيضا: أن إبراهيم عليه السلام أصبح جالسا في مسجده بعد أن ذهبت ~~الملائكة مكثوا عند إبراهيم عليه السلام حتى قالوا قيلولة، ثم راحوا إلى ~~مدائن لوط، وكان بين قرية إبراهيم ومدائن لوط أربعة فراسخ فلما اصبح ~~إبراهيم رأى دخانا ساطعا في السماء من مدائن لوط، فعرف أنهم قد عذبوا. # PageV05P259 # قوله: {وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين} أي: وفي إرسال موسى ~~آية وعبرة. # وقوله: {بسلطان مبين} أي: بحجة بينة. # PageV05P259 # {فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ~~وهو مليم (40) وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) } # PageV05P260 # قوله تعالى: {فتولى بركنه} قال ابن عباس: ms1648 بجمعه وجنوده. وعن قتادة: بقوته ~~في نفسه. وعن بعضهم: برهطه الذين يتقوى بهم. وركن الشيء ما يتقوى به الشيء، ~~ومنه قوله تعالى مخبرا عن لوط عليه السلام {أو آوى إلى ركن شديد} أي: إلى ~~رهط وقوم أتقوى بهم، وكذلك هاهنا أيضا معناه: أعرض معتمدا على رهطه وقومه ~~الذين يتقوى بهم، وقيل: تولى بركنه أي: نأى بجانبه. # وقوله: {وقال ساحر أو مجنون} قال أهل العلم: هذا تناقض؛ لأن السحر لا ~~يكون إلا بعقل كامل، والمجنون هو الذي لا عقل له. # PageV05P260 # قوله تعالى: {فأخذناهم وجنوده فنبذناهم في اليم} أي: (طرحناهم) وألقيناهم ~~في البحر. # وقوله: {وهو مليم} يقال: ألام الرجل فهو مليم، إذ أتى بما يلام عليه. # PageV05P260 # قوله تعالى: {وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} الريح العقيم هي ~~الريح التي لا خير فيها أصلا، كأنها لا تلقح شجرا، ولا تثير سحابا، ولا ~~تأتي بمطر. وفي بعض التفاسير: أن الريح العقيم ريح محبوسة تحت الأرض ~~السابعة أرسل منها على مقدار منخر ثور، حتى أهلكت عاد ودمرتهم، ثم ردها إلى ~~موضع حبسها. وقد ثبت عن النبي أنه قال: " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ~~". # وعن سعيد بن المسيب والزهري: أنهم أهلكوا بالجنوب، فقيل لسعيد: إن الجنوب ~~تأتي بالرحمة، فقال: إن الله يصرفها كيف يشاء. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: الريح العقيم هي النكباء. # PageV05P260 # {ما تذر من شيء أنت عليه إلا جعلته كالرميم (42) وفي ثمود إذ قيل لهم ~~تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون (4) فما ~~استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما ~~فاسقين (46) } # PageV05P261 # قوله تعالى: {ما تذر من شيء أنت عليه إلا جعلته كالرميم} قال السدى: ~~كالتراب. وعن مؤرج قال: كالرماد بلغه حضرموت. ويقال: كالعظم البالي المنسجق ~~ومنه الرمة. ويقال كالنبت الذي يبس وديس بالرجل. # PageV05P261 # قوله تعالى: {وفي ثمود إذ قيل لهم تمتوا حتى حين} أي: إلى ثلاثة أيام، ~~وقد بينا هذا من قبل. # PageV05P261 # قوله تعالى: {فعنتوا عن أمر ربهم} أي: عصوا، ويقال: ms1649 خالفوا أمر ربهم. # وقوله: {فأخذتهم الصاعقة} وقرئ: " الصعقة " وهما بمعنى واحد، ويقال: ~~الصعقة الصيحة، والصاعقة فاعلة من الصعقة. # وقوله: {وهم ينظرون} أي: نهارا جهارا، وهم يرون نزول العذاب، ومعناه: أنه ~~لم يكن بليل وهم نيام ولم يشعروا به. # PageV05P261 # قوله تعالى: {فما استطاعوا من قيام} أي: وقعوا وقوعا لم يستطيعوا بعده ~~القيام. ويقال: لم يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم العذاب أي: أن يقوموا ~~بالدفع. يقول الرجل: أنا لا أستطيع أن أقوم بهذا الأمر أي: لا أستطيع دفع ~~هذا الأمر عن نفسي. # وقوله: {وما كانوا منتصرين} أي: ممتنعين من نزول العذاب بهم. # PageV05P261 # قوله تعالى: {وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين} أي: خارجين عن ~~طاعة الله تعالى. # وقوله: {من قبل} أي: من قبل عاد وثمود، أهلكناهم كما أهلكنا عادا وثمود. # PageV05P261 # قوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد} أي: بقوة وقدرة. # PageV05P261 # {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم الماهدون ~~(48) ومن كل شيء خلقنا زوجين} # وقوله: {وإنا لموسعون} قال مجاهد: معناه يسع قدرتنا أن تخلق سماء مثلها، ~~ويقال: {وإنا لموسعون} أي: في وسعنا خلق ما هو أحكم وأرفع من هذه السماء ~~التي ترونها، وحقيقة المعنى: أن هذا الذي خلقنا ليس هو جهد قدرتنا، فإن في ~~وسعنا أن نخلق أمثال هذا وأضعافه. ويقال: وإنا لموسعون أي: في رزق العباد. ~~ويقال: في تدبير أمر العباد. # PageV05P262 # قوله تعالى: {والأرض فرشناها} أي: بسطناها. وفي تفسير النقاش: أنها مسيرة ~~خمسمائة عام. # وقوله: {فنغم الماهدون} أي: الباسطون، والمعنى: أنا بسطنا الأرض على ~~الهيئة التي يستقر عليها العباد، ولا تنكفئ بهم على ما يبسط الإنسان فرشا ~~يمهد به لغيره موضع استقرار وسكون. # PageV05P262 # قوله تعالى: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} أي: صنفين. ويقال: معناه زوجين ~~زوجين، وذلك مثل: السماء والأرض، والليل والنهار، والنور والظلمة، والذكر ~~والأنثى، والبر والبحر، وعن مجاهد قال: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، ~~والهدى والضلالة. وعن الكلبي قال: السماء والأرض زوج، والليل والنهار زوج، ~~والشمس والقمر زوج، وعد به أشياء من ذلك، ثم قال: والله هو الوتر. وروى ~~حذيفة عن ms1650 النبي أنه قال: " إن الله خالق كل شيء، صانع وصنعته ". # وفي بعض الأخبار أيضا عن النبي مخبرا عن الله تعالى: " لا إله إلا أنا، # PageV05P262 # {لعلكم تذكرون (49) ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (51) كذلك ما أتى الذين من ~~قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52) } خلقت الشر، وخلقت من يجري ~~على يده الشر، فويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يده، وخلقت الخير، ~~وخلقت من يجري الخير على يده، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يده ~~" وذكر النقاش في تفسيره برواية سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي أنه ~~قال: " إن الله خلق الإيمان وحفه بالسماحة والحياء، وخلق الكفر وحفه بالشح ~~والجفاء ". # وفي بعض الأخبار أيضا: أن الله خلق الرفق فلو رأيته رأيت شيئا حسنا، وخلق ~~الخرق فلو رأيته رأيت شيئا قبيحا. # وقوله: {لعلكم تذكرون} أي: تتعظون. # PageV05P263 # قوله تعالى: {ففروا إلى الله} أي: من معصيته إلى طاعته، ويقال: من سخطه ~~إلى رحمته، ومن عقابه إلى عفوه. # وقوله: {إني لكم منه نذير مبين} قد بينا من قبل. # PageV05P263 # قوله تعالى: {ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين} الآية. ~~قد بينا. # PageV05P263 # قوله تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون} ظاهر المعنى، وهذا تسلية للنبي أي: كما قيل لك فقد قيل لمن قبلك من ~~الرسل. # PageV05P263 # {أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين (55) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد ~~منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) } # PageV05P264 # قوله تعالى: {أتواصوا به} أي: أوصى بعضهم بعضا بهذا القول، ويقال: أوصى ~~الأول الأخير بالتكذيب. # قوله: {بل هم قوم طاغون} أي: عاصون يبالغون في العصيان. # PageV05P264 # قوله تعالى: {فتول عنهم فما أنت بملوم} في بعض الآثار عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه أنه لما نزلت هذه الآية حزن أصحاب رسول الله ms1651 حزنا شديدا، ~~وظنوا أنه لا ينزل الوحي بعد ذلك حيث أمر النبي بالإعراض والتولي، وعذر ~~بقوله: {فما أنت بملوم} # PageV05P264 # فأنزل الله تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} ففرحوا، وقيل: إن هذه ~~الآية قبل نزول آية السيف، ثم نسخت بآية السيف. # PageV05P264 # قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} في قراءة أبي بن كعب " ~~وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون " وهو تفسير القراءة ~~المعروفة. # قال الضحاك: الآية عامة أريد بها الخاص، وهم المؤمنون، وهذا القول اختيار ~~الفراء والقتيبي وغيرهما. # والقول الثاني: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي: لآمرهم بالعبادة. ~~وقال مجاهد: لآمرهم وأنهاهم، وحكى بعضهم هذا عن علي. # والقول الثالث: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي: لينقادوا ويخضعوا ~~لي، وانقيادهم وخضوعهم هو استمرارهم على مشيئته وحكمه، وهو معنى خضوع ~~السموات والأرضين وطواعيتها وانقيادها، والمختار هو القول الأول. # PageV05P264 # قوله تعالى: {ما أريد منهم من رزق} أي: أن يرزقوا عبادي، ويقال: أن ~~يرزقوا أنفسهم. # {وما أريد أن يطعمون} هو على المعنيين الأولين، أي: يطعموا عبادي، أو ~~يطعموا أنفسهم، فإذا قلت في الأول هو رزق أنفسهم فمعنى هذا إطعام العباد، ~~وإذا # PageV05P264 # {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب ~~أصحابهم فلا يستعجلون (59) فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (60) } ~~قلت في الأول رزق العباد فمعنى هذا إطعامهم أنفسهم، وإنما قال: {يطعمون} ~~لأن الخلق عباد الله، فإذا أطعمهم (فكأنه) أطعم الله على المجاز. # وقد ثبت عن النبي أنه قال حاكيا عن الله تعالى فيما يقول لعبده يوم ~~القيامة: " استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: يا رب، وكيف أطعمك، وأنت رب ~~العالمين؟ فيقول: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ولو أطعمته لوجدته عندي ... ~~الخبر إلى آخره ". # PageV05P265 # قوله تعالى: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} ، الرزاق بمعنى الرازق، ~~ويقال: يقتضي مبالغة وتكثيرا. # وقوله: {ذو القوة المتين} أي: القوة البالغة. # PageV05P265 # قوله تعالى: {فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم} أي: نصيب من ~~العذاب مثل نصيب أصحابهم، أي: أمثالهم من المشركين الذين ms1652 تقدموا، فجعلهم ~~أصحابهم لما اجتمعوا في الكفر، وإن تفرقت بهم القرون. والذنوب في اللغة: هو ~~الدلو لعظيم، ومنه أخذ النصيب. # وقوله: {فلا يستعجلون} أي: العذاب نازل بهم فلا ينبغي أن يستعجلوا، وقد ~~تقدم ذكر استعجالهم فيما سبق. # PageV05P265 # قوله تعالى: {فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون} قد بينا معنى ~~الويل. وقوله: {من يومهم الذي الذي يوعدون} هو يوم القيامة، وهو اليوم ~~الموعود المنتظر لجزاء العباد، ونسأل الله حسن العاقبة بفضله ومنه (آمين) . # PageV05P265 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والطور (1) وكتاب مسطور (2) } # تفسير سورة الطور # وهي مكية. وقد ثبت برواية جبير بن مطعم أنه قال: " سمعت النبي يقرأ في ~~المغرب سورة الطور ". # PageV05P266 # قوله تعالى: {و ### | الطور # } قال مجاهد: هو بالسريانية اسم للجبل. والأصح أنه اسم الجبل بالعربية. ~~وحكي عن ابن عباس أنه قال: كل جبل ينبت فهو طور، وكل ما لا ينبت فليس بطور. ~~وقال كعب الأحبار وغيره: هو الطور الذي كلم الله عليه موسى. وقد روي هذا ~~القول عن قتادة وعكرمة. وعن نوف البكالي: أن الله تعالى أوحى إلى الجبال ~~أني منزل على جبل منكن، فشمخت الجبال بأنفسها، وتواضع الطور وقال: أنا راض ~~بما قسم الله لي، وكان عليه الأمر. # PageV05P266 # وقوله: {وكتاب مسطور} فيه أقوال: أنه القرآن، وهو مروي عن الحسن البصري. ~~والآخر: أنه التوراة كتبها الله تعالى في الألواح. والثالث أنه الكتاب الذي ~~أثبت الله فيه أعمال بني آدم، ويخرج يوم القيامة وفيكون صحائف، فآخذ بيمينه ~~وآخذ بشماله، وآخذ وراء ظهره، وهذا قول معروف ذكره الفراء وغيره. # ويقال: إن المراد منه الصحف التي تقرأ منها الملائكة في السماء القرآن ~~على ما قال تعالى: {في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة} ويقال: إنه ~~اللوح المحفوظ قد كتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة. # PageV05P266 # {في رق منشور (3) والبيت المعمور (4) # PageV05P267 # وقوله: {في رق منشور} والرق: هو الأديم الذي يكتب فيه الشيء. # وقوله: {منشور} أي: مبسوط، وهذا يؤيد القول الذي قلنا إن الكتاب هو صحائف ~~الأعمال في الآخرة، لأن الله تعالى قد قال في ms1653 موضع آخر: {وإذا الصحف نشرت} ~~والمراد منه صحائف الأعمال في الآخرة. # PageV05P267 # قوله تعالى: {والبيت المعمور} قال بعضهم: هو الكعبة، وعمارته بالحج ~~والطواف. والقول المعروف أنه بيت في السماء، قاله ابن عباس وعامة المفسرين ~~وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيضا. # واختلفوا في موضعه، فروى أنس بن مالك بن صعصعة عن النبي في قصة المعراج ~~أنه قال: " رفع لي البيت المعمور في السماء السابعة ". # وعن علي رضي الله عنه أنه في السماء السادسة. وعن الربيع بن أنس وغيره ~~أنه في السماء الدنيا بحيال الكعبة لو سقط سقط عليه. # وفي القصة: أن البيت المعمور [أنزله] الله تعالى من السماء لآدم، ووضعه ~~مكان الكعبة فلما كان زمان نوح رفعه الله تعالى إلى السماء الدنيا فهو موضع ~~حج الملائكة وحرمته كحرمة الكعبة في الأرض. # قال علي وغيره: اسمه الضراح يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ~~أبدا وقد أسند هذا اللفظ إلى الرسول. # وعن بعضهم أنه في السماء الرابعة. وفي بعض المسانيد " أن الله تعالى خلق ~~نهرا # PageV05P267 # {والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) } تحت العرش يسمى نهر الحيوان ~~فيدخله جبريل عليه السلام كل يوم حين تطلع الشمس ثم يخرج، وينتفض انتفاضة ~~فيقطر منه سبعون ألف قطرة يخلق الله تعالى من كل قطرة منها ملكا فهم العباد ~~في البيت المعمور ". وهذا خبر غريب. # PageV05P268 # قوله تعالى: {والسقف المرفوع} فيه قولان: أحدهما: أنه السماء، والآخر: ~~أنه العرش. # PageV05P268 # وقوله: {والبحر المسجور} أشهر الأقاويل فيه أنه الممتلئ. وعن ربيع بن أنس ~~في قوله تعالى: {وكان عرشه على الماء} قال: إن الله تعالى جعل ذلك الماء ~~نصفين حين خلق السموات والأرض، فجعل نصفا منه تحت الأرض السابعة ونصفا منه ~~تحت العرش، فإذا كان بين النفختين ينزل الله منه قطرا على الأرض، فينبت به ~~الأجساد في القبور. # والقول الثاني في الآية: أن البحر المسجور هو المفجور على ما قال الله ~~تعالى في موضع آخر: {وإذا البحار فجرت} وتفجيرها هو بسطها وإرسالها على ~~الأرض. وقد روي عن ابن ms1654 عباس أنه قال: البحر المسجور هو المرسل، وذلك لمعنى ~~ما بينا. # والقول الثالث: أن البحر المسجور هو الموقد نارا، من قولهم: سجرت التنور. ~~وعن علي رضي الله عنه أنه قال لكعب الأحبار: أين جهنم؟ قال: هو البحر، ~~فقال: ما أراك إلا صادقا، وقرأ قوله تعالى: {وإذا البحار سجرت} # والقول الرابع: أن البحر المسجور هو البحر الذي يبس ماؤه وذهب، كأن بحار ~~الأرض تفرغ عن الماء يوم القيامة. وعبر بعضهم عن هذا البحر المسجور ~~بالفارغ. # PageV05P268 # {إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من دافع (8) يوم تمور السماء مورا (9) ~~وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ للمكذبين (11) الذين هم في خوض يلعبون ~~(12) # PageV05P269 # قوله تعالى: {إن عذاب ربك لواقع} على هذا وقع القسم، وإلى هذا الموضع كان ~~قسما على التقدير الذي قلناه في السورة المتقدمة. # وقوله: {واقع} أي: كائن. # PageV05P269 # وقوله: {ما له من دافع} أي: ماله دافع من الكفار. وعن جبير بن مطعم: " ~~أنه أتى المدينة ليفدي بعض أسارى بدر، فسمع النبي يقرأ في الصلاة سورة ~~الطور، فلما سمع قوله: {إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} غشية وجل وخوف، ~~وكان ذلك سبب إسلامه ". # PageV05P269 # قوله: {يوم تمور السماء مورا} أي: تدور، ويقال: تجيء وتذهب والمراد سيرها ~~ويقال تكفأ بأهلها. # PageV05P269 # وقوله {وتسير الجبال سيرا} أى تجىء وتذهب على وجه الأرض، ويقال: سيرها ~~سير السحاب بين السماء والأرض على ما قال تعالى: {وهي تمر مر السحاب} . # PageV05P269 # وقوله: {فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون} أي: في باطل لاهون، ~~ويقال: يخوضون في أمر النبي بالتكذيب، ويلعبون بما هو [الجد] . وعن بعضهم: ~~أنه رؤي في المنام، فقيل له: كيف الأمر؟ فقال: الأمر جد فأياك أن تخلطه ~~بالهزل. وقيل: إن الله تعالى جعل كل ما فيه الكفار لعبا. # PageV05P269 # قوله تعالى: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا} أي: يدفعون في نار جهنم. # وقوله: {دعا} أي: دفعا. والدع في اللغة: هو الدفع بشدة وعنف. # PageV05P269 # {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (13) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) ~~أفسحر هذا أم أنتم لا ms1655 تبصرون (15) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم ~~إنما تجزون} # PageV05P270 # وقوله: {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} يقال لهم هذا على طريق التوبيخ ~~والتقريع. # PageV05P270 # قوله تعالى: {أفسحر هذا} في التفسير: أنهم لما كانوا يرون الآيات في ~~الدنيا ودلائل نبوة الرسول فيقولون: إنها سحر ونحن لا نبصر ما يقول أي: لا ~~نعلم فإذا كان يوم القيامة وعاينوا العذاب يقال لهم: أفسحر هذا كما تزعمون ~~في الدنيا لما رأيتم من الآيات أم أنتم لا تبصرون، أي: هل أنتم لا تبصرون ~~كما لم تبصروا في الدنيا على زعمكم؟ . # والقول الثاني في قوله: {أم أنتم لا تبصرون} أي: معناه بل كنتم لا ~~تبصرون، أي: لا تعلمون، وهذا قول معروف. # PageV05P270 # وقوله: {اصلوها} أي: ادخلوها. ويقال: قاسوا حرها. # وقوله: {فاصبروا أو لا تصبروا} هو مثل قوله تعالى: {سواء علينا أجزعنا أم ~~صبرنا} والمعنى: أنكم سواء صبرتم أو جزعتم، فالعذاب واقع بكم ولا يخفف ~~عنكم. وفي بعض الآثار: أن أهل النار يجزعون مدة مديدة، وينادون على أنفسهم ~~بالويل والثبور ثم يقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون أيضا مدة مديدة فلا ينفعهم ~~واحد من الأمرين، وهو معنى قوله تعالى: {سواء عليكم} أي: مستو [كلتا] ~~الحالتين، والعذاب مستمر بكم فيهما. # وقوله: {إنما تجزون ما كنتم تعملون} يعني: أن هذا عملكم بأنفسكم. # PageV05P270 # قوله تعالى: {إن المتقين في جنات ونعيم} أي: بساتين ونعمة. # PageV05P270 # {ما كنتم تعملون (16) إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ~~ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ~~(19) } # PageV05P271 # وقوله: {فاكهين} قال ابن عرفة وهو نفطويه النحوي فاكهين: ناعمين. ويقال: ~~فاكهين ذوي فاكهة. يقال: فلان لابن أي: ذو لبن: وتامر أي: ذو تمر. وقرئ: ~~{فكهين} أي: معجبين مسرورين بحالهم. # وقوله: {بما آتاهم ربهم} أي: أعطاهم ربهم. # وقوله: {ووقاهم ربهم عذاب الجحيم} أي: عذاب النار، والجحيم: معظم النار. # PageV05P271 # قوله تعالى: {كلوا واشربوا هنيئا} أي: تهنئون هنيئا. # وقوله: {بما كنتم تعملون} أي: تعملون من الطاعات. # PageV05P271 # قوله تعالى: {متكئين على سرر} هو جمع سرير. # وقوله: {مصفوفة} أي مضموم بعضها إلى ms1656 بعض. ويقال: مصطفة. # وفي التفسير: أن ارتفاع السرير يكون كذا كذا ميلا، فإذا أراد المؤمن أن ~~يصعده تطامن حتى يرتفع عليه المؤمن، ثم يعود إلى ما كان. # وقوله: {وزوجناهم} أي: قرناهم، قاله الفراء والزجاج وغيرهما من أهل ~~المعاني. قالوا: وليس المراد منه التزويج المعروف الذي يكون في الدنيا، فإن ~~عقد التزويج من عقود الدنيا ليس من عقود الآخرة. # وقوله: {بحور عين} الحور: البيض، ومنه الحواري، ومنه الحواريون، لأصحاب ~~عيسى، وهم القصارون الذين يبيضون الثياب. والعرب تسمى نساء الأمصار حواريات ~~لبياضهن. # وقال بعضهم: # (فقال للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح) # وقوله: {عين} أي: حسان العين. ويقال: سميت الواحدة منهن حوراء؛ لشدة # PageV05P271 # {متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم} بياضها، وسواد (حدقتيها) . # PageV05P272 # قوله تعالى: {والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم} وقرئ: " واتبعتهم ذريتهم " ~~وفي الخبر موقوفا على ابن عباس ومرفوعا إلى رسول الله: " أن الله تعالى ~~يرفع ذرية المؤمن إلى درجته، وإن لم يبلغها عملهم؛ لتقر عينهم بهم " وعن ~~بعضهم أن هذا في الآباء مع الأولاد، والأولاد مع الآباء جميعا، كأن الله ~~تعالى يبلغ الوالد درجة الولد إذا كان أرفع منه في الدرجة، ويبلغ الولد ~~درجة الوالد إذا كان أرفع منه في الدرجة. وقد ورد في بعض الكتب: أن هذا ~~يكون أيضا للأخ مع أخيه في الإيمان يقول الأخ: يا رب، ارفعه إلى درجتي، ~~فيقول: إنه لم يعمل مثل عملك، فيقول: إني عملت لنفسي وله. # وفي بعض الأخبار عن النبي " أن أولاد المؤمنين يكونون مع آبائهم في الجنة ~~وأولاد الكفار مع آبائهم في النار. " # PageV05P272 # ( {بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} وفي بعض الأخبار: " أن أولاد المشركين ~~يكونون خدم أهل الجنة ". وقد ثبت برواية عائشة رضي الله عنها: أنه مات صبي ~~من الأنصار، فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: " يا عائشة أو غير ذلك؟ إن الله تعالى خلق النار وخلق لها أهلا، ~~وخلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق الجنة وخلق لها أهلا، خلقهم لها ms1657 وهم ~~في أصلاب آبائهم ". قال الشيخ الإمام رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو علي ~~الشافعي رحمه الله بمكة، أخبرنا أبو الحسن بن فراس أخبرنا أبو محمد المقرىء ~~أخبرنا جدي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عائشة بنت طلحة، عن ~~عائشة أم المؤمنين، عن النبي ... والخبر في صحيح مسلم. # وقد قال أهل العلم: إن الأصح في ذرارى المؤمنين أنهم في الجنة، ويحتمل أن ~~النبي إنما قال ذلك على ما كان عرفه في الأصل، ثم إن الله تعالى أخبره أن ~~ذرارى المسلمين في الجنة بهذه الآية وغيرها، وأنما ذرارى الكفار: فالأصح أن ~~الأمر فيهم على التوقف على ما روى عن النبي " أنه سئل عن أطفال المشركين ~~فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين ". # وقوله: {بإيمان} أي: بإيمانهم، إما بإيمانهم بأنفسهم، أو بثبوت الإيمان ~~لهم # PageV05P273 # {وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) وأمددناهم ~~بفاكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنازعون فيها كأسا} بإيمان الآباء. # {ألحقنا بهم ذريتهم} أي: في الدرجة على ما قلنا. # وقوله: {وما ألتناهم من عملهم من شيء} أي: ما نقصناهم من عملهم من شيء. ~~وقرأ ابن كثير: " وما ألتناهم " بكسر اللام، والأول هو الأولى. وقرأ ابن ~~مسعود: " وما لتناهم " والكل بمعنى واحد. # قال الشاعر: # (أبلغ بنى ثقل عني مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا) # قوله تعالى: {كل امرئ بما كسب رهين} هذا في المشركين، ومعناه: أن الكفار ~~محبوسون في النار بعملهم، وأما المؤمن فهو غير محبوس ولا مرتهن، فإن ارتهن ~~بعمله فلا بد أن يدخل النار. وفي الخبر المعروف أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال: " لن ينجي أحدا منكم عمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا ~~إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل له ". # PageV05P274 # قوله تعالى: {وأمددناهم بفاكهة} هذا رجوع إلى صفة أهل الجنة. # وقوله: {ولحم طير مما يشتهون} ظاهر المعنى. # PageV05P274 # قوله تعالى: {يتنازعون فيها كأسا} أي: يتعاطون، والمعنى: بعضهم يعطي بعضا ~~على ما يفعل الشراب في الدنيا. # قال امرؤ القيس: # (فلما تنازعنا ms1658 الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال) # PageV05P274 # {لا لغو فيها ولا تأثيم} ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ منكون وأقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا في أهلنا مشفقين # وقوله {لا لغو فيها ولا تأثيم} أي: لا يجري بينهم كلام باطل، ولا كلام ~~يأثم به قائله، على ما يكون بين الشراب في الدنيا. قال القتيبي: معناه: لا ~~يسكرون فيكون منهم كلام لغو أو كلام يأثمون به. # PageV05P275 # قوله تعالى: {ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون} أي: مصون مستور من ~~الشمس والريح، ومن كل ما يذهب صفاءه وبهاءه ويغيره. # PageV05P275 # قوله تعالى: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} في الآية دليل على أن أهل ~~الجنة يجتمعون، ويذكرون أحوال الدنيا، ويسأل بعضهم بعضا عن ذلك. # PageV05P275 # وقوله: {قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين} أي: وجلين خائفين، فيقال: إن ~~خوفهم ووجلهم هو من يوم القيامة. ويقال: إن خوفهم ووجلهم من أن لا تقبل ~~منهم أعمالهم، وهو في معنى قوله تعالى: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} ~~قالت عائشة: عملوا ما عملوا من الطاعات، وخافوا أن لا تقبل منهم. ويقال: إن ~~المؤمن في بيته وجل؛ لأنه يحتاج إلى معاشرة أهله وولده، ولا بد له مع ذلك ~~أن يتقي الله تعالى، ولا يقول ولا يفعل ما لا يرضاه الله، وهذا هو أشد شيء ~~على المؤمنين أن يكونوا على حذر من ربهم وعلى طلب رضاه منهم فيما بين ~~أمورهم مع الخلق. # PageV05P275 # قوله تعالى: {فمن الله علينا} أي: أنعم الله علينا. # وقوله: {ووقانا عذاب السموم} أي: عذاب جهنم، فيقال: إن السموم اسم من ~~أسماء جهنم. ويقال: عذاب السموم أي: عذاب سموم جهنم. # PageV05P275 # قوله تعالى: {إنا كنا من قبل ندعوه} أي: نوحده ونعبده، والدعاء هاهنا ~~بمعنى # PageV05P275 # {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو ~~البر الرحيم (28) فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون ~~شاعر نتربص} التوحيد، وعليه أكثر المفسرين. ويقال: إنه الدعاء المعروف. # قوله: {إنه هو البر ms1659 الرحيم} قرئ بفتح الألف وكسرها، فمن قرأ بالكسر فهو ~~على الابتداء والاستئناف، ومن قرأ بالفتح فمعناه: إنا كنا من قبل ندعوه ~~بأنه هو البر الرحيم أي: لأنه. والبر: هو البار اللطيف بعباده، ولطفه ~~بعباده هو إنعامه عليهم مع عظم جرمهم وذنبهم. والرحيم: هو العطوف على ما ~~ذكرنا. وعن بعضهم: أن البر الذي يصدق وعده لأوليائه. # وعن ابن عياس في عذاب السموم قال: السموم هو الطبق السابع من النار، وهو ~~الطبق الأعلى. والسموم يكون بالحر ويكون بالبرد. # قال الشاعر: # (اليوم يوم بارد سمومه ... من يجزع اليوم فلا ألومه) # ويقال " السموم وهج النار. # PageV05P276 # قوله تعالى: {فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} قوله: {فذكر} أي: ~~فعظ، ويقال: ذكر عقاب الكافرين، ونعيم المؤمنين. # وقوله: {بكاهن ولا مجنون} الكاهن هو الذي يخبر عن الغيب كذبا. يقال: تكهن ~~كهانة إذا فعل ذلك. والمجنون: هو الذي زال عقله واختلط. # PageV05P276 # قوله تعالى: {أم يقولون شاعر} يقال: إن " أم " هاهنا بمعنى الاستفهام ~~يعني: أتقولون شاعر. ويقال: المعنى: بل. قال النحاس: " أو " في اللغة ~~للخروج من حديث إلى حديث. # وقوله: {شاعر نتربص به ريب المنون} معناه: حوادث الدهر. # وقال الخليل: المنون هو الموت، ذكره ابن السكيت أيضا. وقيل: هو صرف ~~الدهر، # PageV05P276 # {به ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) أم تأمرهم ~~أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) ~~فليأتوا بحديث} # وقال الشاعر: أمن المنون وريبها نتوجع ... والموت ليس بمعتب من يجزع) # والمنون يؤنث ويذكر، فمن ذكر فعلى اللفظ، ومن أنث فهو على أنه بمعنى ~~المنية. ويقال: (ريب) المنون الدهر، مكاره الدهر، فقال: رابني كذا أي: ~~أصابني منه ما أكره. وفي التفسير: أن هذا القول قاله أبو جهل وعقبة بن أبي ~~معيط وشيبة بن ربيعة والنضر بن الحارث وغيرهم. قالوا: هو شاعر ننتظر به ~~حوادث الدهر، وتتخلص منه بها كما تخلصنا من فلان وفلان. # PageV05P277 # قوله تعالى: {قل تربصوا} أي: انتظروا. # {فإني معكم من المتربصين} أي: المنتظرين، وانتظاره كان [إما] أن يظفر بهم ~~أو ms1660 يسلموا. # PageV05P277 # وقوله تعالى: {أم تأمرهم أحلامهم بهذا} أي: عقولهم، وكانوا يدعون أنهم ~~ذوو عقول وأحلام. والعقل: هو الداعي إلى الحلم فسماه باسمه. ويقال: إن ~~المعنى من هذا هو تسفيههم وتجهيلهم أي: ليس لهم حلم ولا عقل حيث قالوا مثل ~~هذا القول، وحيث نسبوا إلى الشعر والجنون من دعاهم إلى التوحيد وأتاهم ~~بالبراهين. # وقوله: {أم هم قوم طاغون} أي: بل هم قوم طاغون. # PageV05P277 # قوله تعالى: {أم يقولون تقوله} أي: افتراه واختلقه. # وقوله: {بل لا يؤمنون} أي: لا يصدقون. # PageV05P277 # قوله تعالى: {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} أي: بكتاب مثل ما أتى ~~به # PageV05P277 # {مثله إن كانوا صادقين (34) أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم ~~خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون (36) } محمد إن كانوا صادقين أنه اختلقه ~~وافتراه. وهذا بمعنى التحدي على ما ذكره في مواضع كثيرة. # PageV05P278 # قوله تعالى: {أم خلقوا من غير شيء} فيه قولان: أحدهما أن معناه: أم خلقوا ~~من غير أن يكون لهم خالق وصانع أي: تكونوا بأنفسهم. # وقوله: {أم هم الخالقون} أي: خلقوا أنفسهم، والمراد على هذا القول، أنهم ~~إذا لم يدعوا أنهم تكونوا من غير خالق وصانع، ولا ادعوا أنهم الذين هم ~~خلقوا أنفسهم، وأقروا أن خالقهم هو الله، فلا ينبغي أن يعبدوا معه غيره. ~~والقول الثاني أن معناه: أم خلقوا من غير شيء أي: لغير شيء، وهو مثل قوله ~~تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} ومثل قوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن ~~يترك سدى} فإن قال قائل: هل يجوز أن يكون " من " بمعنى اللام؟ والجواب: أن ~~بعضهم قد أجاز ذلك، ومن لم يجز قال معناه: أم خلقوا من غير شيء توجبه ~~الحكمة يعنى: أن الحكمة أوجبت خلقهم ذكره النحاس أيضا والأول أظهر في ~~المعنى. # PageV05P278 # قوله تعالى: {أم خلقوا السموات والأرض} معناه: أم يدعون خلق السماوات ~~والأرض للأصنام التي يعبدونها. # قوله {بل لا يوقنون} أى لا يوقنون بما يدعون وقيل أم خلقوا السموات ~~والأرض أى أهم الذين خلقوا السموات والأرض. معناه: أنهم لم يخلقوا السموات ~~والأرض. # وفي التفسير: ms1661 أنهم كانوا مقرين بأن الله خالق السموات والأرض. فالمعنى: ~~أنهم إذا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق فلم يشركوه معه غيره؟ ! . # PageV05P278 # {أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت ~~مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ولكم البنون (39) أم تسألهم أجرا ~~فهم من} # PageV05P279 # قوله تعالى: {أم عندهم خزائن ربك} أي: عطايا ربك، ويقال: خزائنه من الرزق ~~والمطر، فهم يملكون ويعطون من شاءوا. # قوله: {أم هم المسيطرون} أي: الأرباب المسلطون. قال أبو عبيدة والمعنى: ~~أنهم ليسوا كذلك. يقال: تسيطر الرجل على فلان، إذا حمله على ما يحبه ~~ويهواه. # PageV05P279 # قوله تعالى: {أم لهم سلم} أي: درج ومرقى. # وقوله: {يستمعون فيه} أي: عليه، وهو مثل قوله تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل} أي: على جذوع النخل. # وقوله: {فليأت مستمعهم بسلطان مبين} أي: فليأت من ادعى الاستماع منهم ~~بحجة بينة. وفي بعض التفاسير: كما أتى جبريل بالحجة في أنه قد سمع الوحي. # PageV05P279 # قوله تعالى: {أم له البنات ولكم البنون} معناه: كيف تقولون أن له البنات ~~وأنتم لا ترضون ذلك لأنفسكم؟ والمعنى: أنه ليس الأمر كما تزعمون. # PageV05P279 # قوله تعالى: {أم تسألهم أجرا} أى علا على تبليغ الرسالة. # وقوله {فهم من مغرم مثقلون أي: فهم من المغرم الذي لحقهم مثقلون. يقال: ~~لحق فلانا دين فادح، أو دين ثقيل، فهو مثقل. # PageV05P279 # قوله تعالى: {أم عندهم الغيب فهم يكتبون} معناه: علم الغيب، ويقال: اللوح ~~المحفوظ، فهم يكتبون منه ما يزعمونه ويدعونه، ومعناه: أنه ليس عندهم ذلك، ~~فقد ادعوا ما ادعوا فقالوا ما قالوا زورا وكذبا. ويقال: أم عندهم الغيب أي: ~~كتاب من الله فهم يقولون ما يقولون منه. # PageV05P279 # قوله تعالى: {أم يريدون كيدا} أي: كيدا بك، وكيدهم: هو ما دبروه في أمره # PageV05P279 # {مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا فالذين ~~كفروا هم المكيدون (42) أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43) ~~وإن} ليخرجوه من مكة أو يقتلوه أو يحسبوه. # وقوله: {فالذين كفروا هم المكيدون} أي: هم المقتولون، وقد قتلوا ببدر. ~~ويقال: ms1662 معناه: أن كيدنا ومكرنا نازل بهم. # PageV05P280 # قوله تعالى: {أم لهم إله غير الله} فإن قيل: قد كانوا يدعون أن لهم آلهة ~~غير الله، فكيف يصح قوله أم لهم إله غير الله يحي ويميت، ويعطي ويمنع، ~~ويرزق ويحرم؟ ! . # وقوله: {سبحان الله عما يشركون} نزه نفسه عن شركهم، وعما كانوا يعتقدونه ~~من عبادة غيره. # PageV05P280 # قوله تعالى: {وإن يروا كسفا من السماء} أي: جانبا من السماء، أو قطعة من ~~السماء، وإنما قال ذلك لأن بعض الكفار قالوا: {فأسقط علينا كسفا من السماء ~~إن كنت من الصادقين} . والمعنى أنه [لو] سقط عليهم جانب من السماء فظلوا ~~فيه يعرجون لقالوا: إنما سكرت أبصارنا. # PageV05P280 # قوله تعالى: {فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون} وقرئ: " يصعقون " ~~يعني: يموتون. ويقال: هو يوم القيامة، ويصعقون هو نزول العذاب بهم. # PageV05P280 # قوله تعالى: {يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا} أي: حيلتهم. # وقوله: {ولا هم ينصرون} أي: لا يمنع منهم العذاب. ويقال: لا يكون لهم ~~ناصر يدفع عنهم. # PageV05P280 # قوله تعالى: {وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك} الأكثرون على أنه عذاب # PageV05P280 # {يروا كسفا من السماء ساقطا يقولون سحاب مركوم (44) فذرهم حتى يلاقوا ~~يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون ~~(46) وإن} لقبر. وعن مجاهد: أنه الجوع في الدنيا. ويقال {أكثرهم لا يعلمون} ~~أي: لا يعلمون أن العذاب نازل بهم، فهذا دليل على أنه قد كان فيهم من هو ~~متعنت يعرف وينكر. # PageV05P281 # قوله تعالى: {واصبر لحكم ربك} أي: لما حكم عليك، وهذا تعزية وتسلية له في ~~الأذى الذي كان يلحقه من الكفار. # وقوله: {فإنك بأعيننا} قال ابن عباس: بمرأى منا، ويقال: نحن نراك ونحفظك ~~ونرعاك. قال أهل المعاني: وهذا إنما قاله لتيسير الأمر عليه وتسهيله، لأنه ~~إذا علم أن الأذى الذي يلحقه من الكفار بحكم الله ومرأى منه، سهل عليه بعض ~~السهولة، فإنه لا يترك مجازاتهم على ذلك وإثابته على ما لحقه من الأذى. # وقوله: {وسبح بحمد ربك} أي: صل حامدا لربك. # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ms1663 أن معناه: هو أنه إذا قام إلى الصلاة ~~يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. # وعن بعضهم أنه إذا قام إلى الصلاة يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله ~~كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا، فهو المراد من الآية، قاله زر بن حبيش. ~~وقال أبو الأحوص معناه: أنه يقول: سبحانك وبحمدك إذا قام [من] أي مجلس كان. ~~وعن بعضهم أنه بقول: إذا قام من المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا ~~أنت، استغفرك وأتوب إليك. فهو كفارة لكل مجلس جلسه الإنسان. # وقوله: {حين تقوم} قد بينا. # PageV05P281 # قوله تعالى: {ومن الليل فسبحه} أي: صل له، ويقال: إنه صلاة المغرب # PageV05P281 # {للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) واصبر لحكم ربك ~~فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن الليلة فسبحه وإدبار النجوم ~~(49) } والعشاء. قال مجاهد: هو الليل كله. # وقوله: {وإدبار النجوم} قال علي وابن عباس: هو الركعتان قبل الصبح. وقد ~~روي عن النبي أنه قال: " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ". # فعلى هذا معنى " إدبار السجود " ركعتا المغرب، قاله ابن عباس، " وإدبار ~~النجوم " ركعتا الصبح، وإنما سماهما إدبار النجوم لأن الرجل يصليهما عندما ~~يزول سلطان النجوم من الضوء، كالرجل يدبر عن الشيء فيزول سلطانه عنه. ~~ويقال: معنى قوله: {وإدبار النجوم} هو التسبيح بعد صلاة الصبح. # PageV05P282 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والنجم إذا هوى (1) # تفسير سورة والنجم # وهي مكية، وفي قول بعضهم إلا قوله تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم} الآية. قال: هي نزلت بالمدينة. # وهذه السورة أول سورة أعلنها النبي وقرأها جهرا عند المشركين. # PageV05P283 # قوله تعالى: {و ### | النجم # } قال ابن عباس في رواية الوالبي هو الثريا، [وهي] إحدى الروايتين عن ~~مجاهد. وروى أسباط عن السدى: أنه الزهرة. وعن ابن عباس في رواية أخرى، وهو ~~قول جماعة: أن المراد به القرآن أنزل نجما نجما في عشرين سنة. وقيل: في ~~ثلاث وعشرين سنة. # والقول الرابع: قول قتادة وغيره أنه جميع النجوم في السماء، عبر عنها ~~باسم الجنس، وهذا ms1664 أظهر الأقاويل؛ لأنه يطابق اللفظ من كل وجه. ويجوز أن ~~يذكر النجم بمعنى النجوم. # قال [عمر] بن أبي ربيعة: # (أحسن [النجم] في السماء الثريا ... والثريا في الأرض زين السماء) # ومعناه: أحسن النجوم. # وقوله: {إذا هوى} أي: غاب وغار هذا إذا حملناه على النجم المعروف وأما ~~إذا حملناه على نجوم القرآن؛ فمعناه: إذا نزل يعني نزل جبريل عليه السلام. # وعن بعضهم أنه قال: {والنجم إذا هوى} أي: تساقطت يوم القيامة أي: # PageV05P283 # {ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) ~~علمه شديد القوى (5) النجوم، وهو في معنى قوله تعالى: {وإذا النجوم انكدرت} ~~أي: انتثرت. وعن بعضهم: {إذا هوى} معناه: انقضاضها في أثر الشياطين، وهو ~~الرمي بالشهب على ما ورد به القرآن في مواضع كثيرة. # PageV05P284 # قوله تعالى: {ما ضل صاحبكم وما غوى} الآية الأولى وردت على وجه القسم ~~ومعناه ورب النجم. # وقوله {ما ضل صاحبكم} على هذا وقع القسم، وكانت قريش يقولون: إن محمدا ~~ضال غاو، فأقسم الله تعالى أنه ما ضل وما غوى، أي: ما أخطأ [طريقا] {وما ~~غوى} أي: ما خرج عن الرشد في أمر دينه ودنياه، والغي: ضد الرشد. ويقال: ما ~~غوى أي: ما خاب سعيه فيما يطلبه. كأنه أشار إلى وجود ما هو في طلبه. # قال الشاعر: # (ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما) # أي: من خاب سعيه، ولم يجد ما يطلبه. # PageV05P284 # قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} قال أبو عبيدة: بالهوى. وقال غيره: ما ~~ينطق عن هواه أي: ما ينطق بغير الحق؛ لأن من اتبع الهوى في قوله قال بغير ~~الحق. # PageV05P284 # وقوله: {إن هو إلا وحي يوحى} الوحي في اللغة: إلقاء الشيء إلى النفس ~~خفية، وهو في عرف أهل الإسلام عبارة عما ينزله الله تعالى على الأنبياء، ~~ومن الأنبياء التبليغ إلى الخلق. # PageV05P284 # قوله تعالى: {علمه شديد القوى} أكثر أهل التفسير على أن المراد به جبريل ~~عليه السلام، وهو الذي علم الرسول ما أنزله الله تعالى عليه. ms1665 # PageV05P284 # {ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا فتدلى (8) } # وروى عباد بن منصور عن الحسن البصري أن قوله: " علمه شديد القوى " هو ~~الله تعالى. والقوى جمع القوة. قال ابن عباس: من قوة جبريل أنه أدخل جناحه ~~تحت الأرض السابعة، وقلع مدائن لوط، ورفعها إلى السماء، ثم قلبها. وعن كعب ~~الحبر: أن إبليس تعرض لعيسى عليه السلام على عقبة من الأعقاب، وقصده، فنفخه ~~جبريل بجناحه نفخة ألقاه إلى الهند. # PageV05P285 # قوله تعالى: {ذو مرة فاستوى} قال الحسن: ذو مرة أي: ذو منظر حسن. وقال ~~غيره وهو الأولى ذو قوة. يقال: حبل مري أي: محكم الفتل. # وقوله: {فاستوى} أي: فاستوى جبريل في أفق السماء على صورته التي خلق ~~فيها. وكذا قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وعلقمة وقرة بن شراحيل ~~وأكثر أهل التفسير. وعن الحسن البصري: أنه الله تعالى، والأصح هو الأول. # PageV05P285 # قوله تعالى: {وهو بالأفق الأعلى} هو الأفق الذي تطلع من جانبه الشمس. ~~وقيل: الذي يجيء منه النهار. والأفق: جوانب السماء. ويقال بالأفق الأعلى ~~أي: بالسماء. وفي الأخبار: " أن جبريل عليه السلام أظهر نفسه للنبي على ~~صورته التي خلق عليها، وقد سد الأفق ". # وفي بعض الروايات: رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فقد ملأ بجناحيه ما ~~بين المشرق والمغرب. # PageV05P285 # قوله تعالى: {ثم دنا} أي: دنا جبريل من النبي عليه الصلاة والسلام. # وقوله: {فتدلى} أي: زاد في الدنو. وقال بعضهم: قوله: {ثم دنا فتدلى} على ~~التقديم والتأخير. # وقوله: {تدلى} أي: هوى وأرسل نفسه من السماء، ثم دنا أي: دنا جبريل من # PageV05P285 # {فكان قاب قوسين أو أدنى (9) النبي وصار ما بينهما قاب قوسين أو أدنى، ~~وهو معنى قوله: {فكان قاب قوسين أو أدنى} أي: كان (بينهما) مقدار قوسين أو ~~أقل من ذلك، وقاب لغة يمانية في هذا المعنى، قال الشاعر: # ((ألم تعلموا أن رشيمة لم تكن ... لتبخسنا من وراء قاب إبهام)) # وعن عائشة رضي الله عنه قاب نصف الإبهام. وروى أسباط عن السدى أن قوله: ~~{فكان قاب قوسين أو أدنى} أي: قدر ذراعين. ms1666 وقال مجاهد: من الوتر إلى ~~المقبض. وقيل: من السية إلى السية، فإن قيل: إذا حملتم هذا على جبريل، فكيف ~~تقدير الآية؟ والجواب: أن معناه: " أن جبريل لما استوى في الأفق الأعلى على ~~صورته غشي على النبي " وهو مروي في الأخبار من عظم ما رأى، فانتقل جبريل من ~~صورته إلى الصورة التي كان يلقى النبي فيها، وهو صورة رجل، ودنا من النبي، ~~وهو معنى قوله: {ثم دنا} ثم نكس رأسه إليه، بمعنى قوله: {فتدلى} وضمه إليه، ~~فسكنه من روعته. # PageV05P286 # فإن قيل: ما معنى قوله: {فكان قاب قوسين أو أدنى} [و] " أو " كلمة تشكيك، ~~ولا يجوز الشك على الله تعالى. وإن كان بمعنى الواو، فكان ينبغي أن يقول: ~~فكان منه أدنى من قاب قوسين، وأيضا فقد قال: {قاب قوسين أو أدنى} وأي معنى ~~لذكر القوسين هاهنا وتخصيصهما بالذكر، وقد كان يمكنه تمثيله وتشبيهه بشيء ~~واحد غير القوس فلا يحتاج إلى ذكر القوسين؟ والجواب: أن القرآن نزل بلغة ~~العرب على ما كانوا يتخاطبون به، ويفهم بعضهم من بعض، فعلى هذا # PageV05P286 # نزلت الآية، إنكم لو رأيتموه لقلتم إن القرب الذي بينهما قاب قوسين أو ~~أدنى أو أنقص، وقيل: أزيد أو أنقص، وأما ذكر القوس فهو على ما كانوا ~~يعتادونه، وقرب القوس من الوتر معلوم. ويقال: إن القوسين هاهنا بمعنى القوس ~~الواحد، وقد ذكرنا أن الشيء الواحد يذكر بلفظ التثنية. والظاهر أن المراد ~~منه القوسان على الحقيقة، وهو غير مستنكر في لغة العرب، ولا يستبعد. # القول الثاني في الآية: أن قوله: {ثم دنا} أي: دنا محمد من ربه. # وقوله: {فتدلى} أي: زاد في الدنو. وفي رواية مالك بن صعصعة أن النبي ~~[قال] : " بينا أنه قاعد إذ أتاني جبريل فلكزني بين كتفي، فقمت فإذا شجرة ~~عليها شبه وكرين، فجلست في أحدهما، وجلس جبريل في الآخر، وارتفعنا إلى ~~السماء، ورأيت نورا عظيما، ونظرت فإذا جبريل كالحلس فعرفت فضل خشيته على ~~خشيتي، ولط دوننا الحجاب ". وفي بعض الروايات قال: " فارقني جبريل، وهدأت ~~الأصوات، وسمعت من ربي: ادن يا ms1667 محمد ". وقد ذكر هذا اللفظ في الصحيح، وهو ~~دنو محمد من ربه ليلة المعراج. # والقول الثالث: أن معنى قوله: {ثم دنا} أي: دنا الرب من محمد، وهو لفظ ~~ثابت أيضا، وهو على ما شاء الله. # وقوله: {فتدلى} أي: زاد في الدنو، والمعروف عند الأكثرين القول الأول، ~~وهو الأسلم. # PageV05P287 # {فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى (11) # PageV05P288 # قوله تعالى: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} فيه قولان: أحدهما: فأوحى جبريل ~~إلى عبد الله ما أوحى، وهو محمد. # والقول الثاني: فأوحى إلى عبده ما أوحى أي: أوحى الله تعالى إلى محمد ما ~~أوحى. وفي الأخبار: أنه كان مما أوحى الله إليه أنه فرض على هذه الأمة ~~خمسين صلاة في اليوم والليلة ثم ردت إلى الخمس، [ومما] أوحى إليه أيضا ~~خواتيم سورة البقرة، ومما أوحى إليه تلك الليلة أنه غفر لأمته المقحمات ما ~~لم يشركوا بالله " يعني: يغفر. # PageV05P288 # قوله تعالى: {ما كذب الفؤاد ما رأى} قال المفسرون معناه: رأى شيئا، وصدق ~~فيما أخبر عن رؤيته. ويقال: ما كذب الفؤاد ما رأى أي: رأى الفؤاد ما رآه ~~حقيقة، ولم يكن على تخييل وحسبان. # تقول العرب: كذبت فلانا عينه: إذا تخيل له الشيء على غير حقيقته. # قال أبو معاذ النحوي: يقال: ما كذب فلان الحديث. أي: ما كذب فيه. # وقرئ: {ما كذب الفؤاد ما رأى} من التكذيب، والأول أولى، قال الشاعر: # (كذبتك عينيك أو رأيت بواسطة ... غلس الظلام من الرباب خيالا) # ويقال: ما كذب الفؤاد العين أي: لم توهمه أنه علم شيئا ولم يعلمه. وقد ~~ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين. فإن قال ~~قائل: المؤمنون يرونه بفؤادهم، وليس ذلك إلا العلم به، فما معنى تخصيص ~~النبي؟ # PageV05P288 # {أفتماروه على ما يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) } والجواب: أنهم ~~قالوا: إن الله تعالى خلق رؤية لفؤاده، فرأى بفؤاده مثل ما يرى الإنسان ~~بعينه. وعلى القول الأول الرؤية منصرفة إلى جبريل. # PageV05P289 # قوله تعالى {أفتمارونه على ما يرى} بعنى افتجادلونه وكانت ms1668 مجادلتهم ~~مجادلة الشاكين المكذبين وقد روى أنهم استعوصفوه مسجد بيت المقدس واستخبروه ~~عن عيرهم في الطريق وقربها من مكة وقرىء " أفتمرونه على ما يرى أى ~~أفتجحدونه قال الشاعر: # (لئن هجرت أخا صدق ومكرمة ... فقد مريت أخا ما كان يمركما) أى جحدت. # PageV05P289 # قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى} أي: رأى جبريل عليه السلام نزلة أخرى ~~أي: مرة أخرى. فإن قيل: قد كان رآه كثيرا، فما معنى نزلة أخرى؟ والجواب: ~~أنه لم ير جبريل في [صورته التي خلق عليها] إلا مرتين: مرة بالأفق الأعلى، ~~وكان ذلك عند ابتداء الوحي، وقال أهل المعاني: كان ذلك شبه آية أراها النبي ~~ليعلم أنه من الله. والمرة الثانية رآه عند سدرة المنتهى ليلة المعراج كما ~~قال: {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى} والسدرة شجرة النبق. وفي ~~التفسير: أنها في السماء السابعة، ويقال: في السادسة. وعن عكرمة: هي على ~~يمين العرش. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: " رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كقلال هجر، ~~وأوراقها كآذان الفيلة، يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران ~~باطنان ". على ما بينا. # واختلف القول في معنى المنتهى، قال بعضهم: ينتهي إليها علم الملائكة، ولا ~~يعلمون ما وراء ذلك، وهو القول المعروف. # PageV05P289 # والقول الثاني: ينتهي إليها ما يصعد إلي السماء، وينتهي إليها ما يهبط من ~~فوق. # وفي بعض الأخبار: أن الملائكة تصعد بأعمال بني آدم حتى إذا انتهوا إلى ~~سدرة قبضت منهم، ولم يعلموا ما وراء ذلك. # وقد ذكر أبو عيسى القول الثاني الذي ذكرنا مسندا إلى النبي. # والقول الثالث: أن معنى المنتهي أنه ينتهي إليها مقام جبريل. وفي الآية ~~قول آخر: وهو أن معنى قوله: {ولقد رآه نزلة أخرى} أي: رأى محمد ربه نزلة ~~أخرى، وقد ذكرنا قول ابن عباس من قبل. # واختلف أصحاب رسول الله ورضي عنهم في هذا، فقال ابن مسعود وجماعة: إنه ~~رأى جبريل ولم ير الله تعالى. # وعن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله عنها من زعم ثلاثا فقد أعظم الفرية، ~~من زعم أن ms1669 محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم الفرية؛ قال الله تعالى: {إن الله ~~عنده علم الساعة} وذكرت الآية، ومن زعم أن محمدا كتم من الوحي فقد أعظم ~~الفرية؛ قال الله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته} ومن زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية، قال الله ~~تعالى: {لا تدركه الأبصار} الآية. # وروى عكرمة عن ابن عباس: " أن محمدا رأى ربه ليلة المعراج بعينه ". وهو ~~قول أنس وكعب الأحبار وجماعة كثيرة من التابعين منهم: الحسن، وعكرمة: أن ~~الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورأى محمد ربه # PageV05P290 # {عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى ~~(16) مرتين. وهذا قول جماعة من الأئمة منهم أحمد بن حنبل، وإسحاق، وغيرهما. ~~وفي بعض الروايات: جعلت الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد. # فإن قيل: كيف تجوز الرؤية على الله تعالى في الدنيا؟ والجواب: أنه لم يكن ~~في الدنيا، وإن كان في الدنيا فكل ما فعل الله تعالى وأكرم به نبيا من ~~أنبيائه فجائز بلا كيف. # وفي رواية [زرين] حبيش عن ابن مسعود في معنى الآية " أن النبي رأى جبريل ~~وله ستمائة جناح " والخبر صحيح. وقد ثبت برواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي ~~قال: " رأيت ربي في أحسن صورة " والله أعلم. # PageV05P291 # وقوله: {عندها جنة المأوى} أي: يأوى إليها المؤمنون يوم القيامة، ويقال: ~~تأوى إليها أرواح الشهداء. وقيل: [تأوى] إليها الملائكة. # قال سفيان بن عيينة: كالغربان يقعن على الشجر. وفي الآية دليل على أن ~~الجنة في السماء وأنها مخلوقة، ومن زعم أنها غير مخلوقة فهو كافر بهذه ~~الآية. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جنة المأوى جنة المبيت. وعن ~~بعضهم: جنة المثوى والمقام. وعن بعضهم: يأوى إليها جبريل والملائكة ~~المقربون. # قال كعب الأحبار: هي جنة فيها طير خضر في حواصلها أرواح الشهداء. # PageV05P291 # قوله تعالى: {إذ يغشى السدرة ما يغشى} قال ابن مسعود: يغشاها فراش من ~~ذهب. وعن ms1670 الحسن: يغشاها نور الرب تعالى. في بعض الأحاديث: أن الملائكة ~~استأذنوا لربهم أن ينظروا إلى محمد ليلة المعراج، فأذن لهم، فاجتمعوا على ~~السدرة. # PageV05P291 # وفي هذا الحديث أن النبي قال: " رأيت على كل ورقة منها ملكا قائما يسبح ~~الله تعالى ". أورده أبو الحسن بن فارس قال: فهو معنى قوله: {إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى} وفي بعض الروايات: يغشاها جراد من ذهب. واعلم أن السدرة ~~شجرة تجمع ثلاثة أشياء: الظل المديد، والطعم اللذيذ، والرائحة الطيبة، كذلك ~~الإيمان يجمع ثلاثة أشياء: النية، والقول، والعمل. واعلم أنا قد ذكرنا ~~اختلاف أصحاب رسول الله ورضي عنهم في أنه هل رأى ربه ليلة المعراج أولا؟ # وذكر أبو الحسين بن فارس في تفسيره آثارا سوى ما ذكرناها؛ فحكي عن ابن ~~عمر أن الله تعالى احتجب عن خلقه بنور وظلمة ونار. وروي عن [أبي] العالية ~~الرياحي رحمه الله أن النبي قال: " رأيت ليلة المعراج نهرا، ورأيت وراءه ~~حجابا، ورأيت وراء الحجاب نورا، ولا أدري ما وراء ذلك ". وروي عن محمد بن ~~كعب القرظي " أن النبي رأى ربه بفؤاده كما يرى بالعين ". # وفي رواية أبي ذر " أن النبي سئل هل رأيت ربك؟ فقال: نور أني أراه ". ~~فالروايات مختلفة في الباب، والله أعلم بالصواب من ذلك. وينبغي أن يقال: إن ~~ثبت النقل أنه رأى ربه نحكم بالرؤية ونعتقدها، وإن لم يثبت النقل فالأمثل ~~أنه لم ير. # PageV05P292 # قوله تعالى: {ما زاغ البصر وما طغى} في التفسير أن معناه: لم يلتفت يمينا ~~ولا # PageV05P292 # {ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) أفرأيتم ~~اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20) } شمالا. ويقال معناه: ما قصر ~~عما أمر بالنظر إليه، وما جاوز بصره في النظر إلى غير ما أمر به بالنظر. ~~ومعنى الزيغ في اللغة: هو الميل به، ومعنى الطغيان: هو التجاوز. # PageV05P293 # قوله تعالى: {ولقد رأى من آيات ربه الكبرى} قال ابن مسعود: أي: جبريل وله ~~ستمائة جناح قد سد الأفق. وفي رواية ينتشر من ريشه الدر والياقوت ~~(والتعاويذ) . وفي رواية أخرى عن ms1671 ابن مسعود: أنه رأى رفرفا أخضر قد ملأ ~~الأفق. # وتقدير الآية: " رأى من آيات ربه الآية الكبرى ". وقيل: رأى من آيات ربه ~~الكبرى، أي: النور الذي رآه في تلك الليلة. # PageV05P293 # قوله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} معناه: أفرأيتم ~~هذه الأصنام التي تعبدونها، هل تملك شيئا مما ذكر الله تعالى؟ أو هل لها من ~~العلو والرفعة والقدرة مثل ما ذكرنا؟ . # وأما تفسير هذا الأصنام: " فلات " صنم كانت ثقيف تعبده، وقيل: إنه كان ~~صخرة. وأما " العزى " فشجرة كانت تعبدها غطفان وجشم وسليم. ويقال: كانت بيت ~~عليه سدنة، وكانت العرب قد علقوا عليه السوار، وزينوه بالعهن وما يشبهه. ~~وقد روي عن النبي " أنه بعث خالد بن الوليد ليهدم العزى فقطع شجرات ثم، ~~وهدم بعض الهدم، فرجع إلى النبي وأخبره، فقال: هل رأيت شيئا؟ فقال: لا. ~~قال: إنك لم تفعل، عد، فعاد وبالغ في الهدم وقتل السدنة، وكانوا يقولون: يا ~~عزى عوزيه، يا عزى خبليه. قال: فخرجت امرأة عريانة من جوف العزى، ناشرة ~~شعرها، تدعو بالويل والثبور، وتحثو التراب على رأسها، فعمها خالد بالسيف ~~وقتلها، ورجع # PageV05P293 # إلى النبي وذكر له ذلك. فقال: تلك العزى لا تعبد بعد اليوم ". وهذا خبر ~~معروف. وأما " مناة " صنم كان " بقديد " بين مكة والمدينة. ويقال: بالمشلل. # قال أهل التفسير: وإنما قال: {ومناة الثالثة الأخرى} لأنهم كانوا يعتقدون ~~أن مناة دون اللات والعزى. وفي التفسير: أن " اللات " كان رجل يلت السويق ~~على حجر، فكان كل من يأكل منه سمن، فلما مات عبدوه، واتخذوا حجرا (بصورته) ~~. # قال الشاعر: # (لا تعبدوا اللات إن الله مهلكها ... وكيف ينصركم من ليس ينتصر) # واعلم أنا قد ذكرنا في سورة الحج: " " أن النبي قرأ هذه السورة على ~~المشركين، فلما بلغ هذه الآية ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى، ~~وإن شفاعتهن لترتجى ". رواه سعيد بن جبير. وغيره عن ابن عباس قال: " فلما ~~قرأ (كذلك) فخرج المشركون وقالوا: ما كنا نطلب منك إلا هذا، وهو أن لا تعيب ~~آلهتنا ولا تسبها، وتعلم أن لها شفاعة ms1672 يوم القيامة. لما بلغ آخر السورة سجد ~~النبي وسجد المسلمون والمشركون جميعا، ثم إن جبريل أتاه وأمره أن يقرأ عليه ~~السورة، فقرأ كما قرأ على المشركين، فقال: إن هذا لم أنزله عليك، واستخرج ~~ذلك من قراءته، وحزن النبي بذلك حزنا شديدا حيث عمل الشيطان على لسانه ما ~~عمل، فأنزل الله تعالى مسليا ومعزيا له: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ... .} الآية. ثم إن الرسول لما ~~رجع عما سمع منه، وعاد إلى # PageV05P294 # {ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم} سب آلهتهم وعيبها، عاد المشركون إلى ما كانوا عليه ~~". # وفي القصة: أنه كان قد وصل ذلك الخبر إلى الحبشة، أن المسلمين والمشركين ~~اتفقوا، وأن الكفار قد سجدوا بسجود النبي حتى الوليد بن المغيرة، وقد كان ~~شيخهم وكبيرهم فرفع التراب إلى جبهته وسجد عليه، فرجع المسلمون من الحبشة، ~~فلما صاروا في بعض الطريق بلغهم الخبر فرجعوا إلى الحبشة. # PageV05P295 # قوله تعالى: {ألكم الذكر وله الأنثى} هذا على طريق الإنكار عليهم، لأنهم ~~كانوا يقولون: هذه الأصنام على صور الملائكة، والملائكة بنات الله، وهذا ~~قول بعضهم. # PageV05P295 # وقوله: {تلك إذا قسمة ضيزى} أي: جائرة. وحقيقة المعنى: أنكم إذا كرهتم ~~البنات لأنفسكم فأولى أن تكرهوها لله تعالى. # وقد حكى أهل اللغة هذه الكلمة عن العرب على أربعة أوجه: ضيزى، وضوزى بغير ~~همزة، وضأزى، وضازي بغير همزة، وهذه اللغات وراء ما ورد به التنزيل. # PageV05P295 # قوله تعالى: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان} أي: حجة. وعن ابن عباس: أن كل سلطان في القرآن هو بمعنى الحجة. # وقوله: {إن يتبعون إلا الظن} في بعض الآثار: أن المؤمن أحسن العمل فحسن ~~ظنه، وأن المنافق أساء العمل فساء ظنه. وفي بعض الأخبار: " أكذب الحديث هو ~~الظن ". # PageV05P295 # {ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد ~~جاءهم من ربهم الهدى (23) أم للإنسان ما تمنى (24) فلله ms1673 الآخرة والأولى ~~(25) وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ~~لمن يشاء ويرضى (26) إن} # وقوله: {وما تهوى الأنفس} أي: ما تدعو إليه هو النفس. # وقوله: {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} أي: طريق الرشد والحق. # PageV05P296 # وقوله تعالى: {أم للإنسان ما تمنى؟ معناه: اللأنسان ما تمنى؟ أي: ليس له ~~ما تمنى. واعلم أن الأمنية مذمومة، والإرادة محمودة، والفرق بينهما أن ~~الأمنية شهوة لا يصدقها العمل، والإرادة هو ما يصدقه العمل. وفي بعض ~~الأخبار عن النبي أنه قال: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، ~~والفاجر من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله المغفرة ". وعن بعضهم: الأماني ~~رأس مال المفاليس. # PageV05P296 # وقوله: {فلله الآخرة والأولى} أي: الملك في الآخرة والأولى. # PageV05P296 # قوله تعالى: {وكم من ملك في السموات} روى عن كعب الأحبار أنه قال: ما من ~~موضع شبر في السماء إلا وفيه ملك قائم أو ساجد. # وقد روى مثل هذا في الأرض أيضا عن غيره. وكم في اللغة للتكثير. # وقوله: {لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} ~~والمعنى: أنهم لا يملكون الشفاعة لأحد حتى يأذن الله فيه ويرضاه. وفي بعض ~~التفاسير: أن هذا جواب لقول المشركين: إن الغرانقة تشفع يوم القيامة عند ~~الله تعالى، وهي الأصنام، فأخبر الله تعالى أن أحدا لا يملك الشفاعة إلا ~~بإذن الله تعالى ورضاه في ذلك. # PageV05P296 # قوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى} ~~هو قولهم للأصنام وتسميتهم إياها اللات، والعزى، ومناة تسمية الإناث. ~~وكانوا يقولون: إن هذه الأصنام على صورة الملائكة. # PageV05P296 # {الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما لهم به ~~من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) فأعرض عن من ~~تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من العلم أن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن} # PageV05P297 # وقوله: {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من ms1674 الحق ~~شيئا} أي: لا ينوب على الحق أبدا. # PageV05P297 # قوله تعالى: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا} ~~يقال: إن هذه الآية نزلت قبل نزول آية السيف، ثم نسختها آية السيف. # PageV05P297 # وقوله: {ذلك مبلغهم من العلم} أي: لا يعلمون إلا أمر المعاش في الحياة ~~الدنيا. وعن الحسن البصري قال: رب رجل ينقر درهما بظفره فيذكرونه ولا يخطئ ~~فيه، وهو لا يحسن يصلي. # وقوله: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى} أي: يعلم ~~المهتدي والضال، والمؤمن والكافر، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم. # PageV05P297 # وقوله: {ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} أي: بالجنة. # PageV05P297 # قوله تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش} وقرئ: " كبير الإثم " ~~وقد بينا معنى الكبائر من قبل. وقيل: إنه كل ما أوعد الله عليه بالنار. ~~والفواحش: المعاصي. # وقوله: {إلا اللمم} قال ابن عباس وغيره: وهو أن يلم بالذنب ثم يتوب منه. ~~أي: يفعل ذلك مرة ولا يصر عليه. وعنه أيضا أنه قال: ما رأيت شيئا أشبه ~~باللمم مما رواه أبو هريرة أن النبي قال: " إن الله تعالى كتب على ابن آدم ~~حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اليد اللمس، ~~والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أويكذبه ". وهو حديث صحيح. # PageV05P297 # {سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي ~~الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون ~~كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذا ~~أنشأكم من الأرض وإذ} # فعلى هذا القول: اللمم هو النظر واللمس وما يشبه ذلك. وفيه حديث نبهان ~~التمار الذي ذكرنا في سورة هود. # وفي الآية قول ثالث: أن اللمم هو الصغائر. وفيه قول رابع: أن اللمم هو ما ~~فعله المسلمون في الجاهلية قبل إسلامهم، فلما أسلموا وقع العفو عنها. # وقيل: إن اللمم هو النظر فجأة، ثم يغض بصره في الحال. وعن بعضهم: ms1675 # (إن تغفر اللهم فاغفر جما ... فأي عبد لك لا ألما.) # وقد روى بعضهم هذا مسندا إلى النبي وأما معنى " إلا " في الآية، فقال ~~بعضهم: هو منقطع، فكأنه قال: لكن اللمم. ومنهم من قال: الاستثناء على ~~حقيقته، واللمم: فواحش إلا أن الله تعالى يعفو عنها بمشيئته. # وقوله: {إن ربك واسع المغفرة} أي: كثير المغفرة. # وقوله: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} معناه: هو ابتداء خلقكم من تراب ~~ثم من نطفة. # وقوله تعالى: {وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} يعني: أنه كان عالما ~~بأحوالكم وأنتم أجنة في بطون الأمهات جاهلون بأحوالكم. # وقوله: {فلا تزكوا أنفسكم} أي: لا تمدحوا أنفسكم. # وقوله: {هو أعلم بمن اتقى} أي: هو أعلم بالمتقين. وعن عطاء بن أبي رباح: ~~أن اللمم أن يعزم على الذنب ثم لا يفعل. ذكره القفال الشاشي في تفسيره. ~~وحكي عن أبي هريرة أنه قال: اللمم: الغمزة والقبلة. # PageV05P298 # {أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) ~~أفرأيت الذي} # وأما قوله: {فلا تزكوا أنفسكم} قد بينا. وفي تفسير النقاش: أن الرجل من ~~اليهود كان إذا مات له طفل يقول: هو صديق، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا ~~عليهم. ويقال: إن الآية في الرجل يخبر بصومه وصلاته وفعله الخير بين الناس، ~~وقد كان منهم من يقول كذلك فعلنا كذا، وصنعنا كذا، فنهاهم الله تعالى عن ~~ذلك. واعلم أن مدح الرجل نفسه مكروه، وكذلك مدح الرجل غيره في وجهه. # وفي الخبر المعروف: أن رجلا مدح رجلا عند النبي فقال: " ويلك قطعت عنق ~~أخيك فإن كنت قائلا شيئا، فقل: أحسب فلانا كذا، ولا أزكى على الله أحدا ". # وفي خبر آخر " احثوا التراب في وجوه المداحين "، رواه المقداد عن النبي. # وقوله: {هو أعلم بمن اتقى} قد بينا. # PageV05P299 # قوله تعالى: {أفرأيت الذي تولى} أي: أعرض عن الإيمان بالله. # PageV05P299 # وقوله: {وأعطى قليلا وأكدى} معنى قوله أكدى: أي: قطع عطاءه. # ويقال: أكدى معناه: أجبل. ومنه الكدية، وهي إذا حفر الرجل بئرا فبلغ ~~موضعا لا يمكنه العمل فيه ms1676 من صخرة وما يشبهها، يقال له: الكدية. ومعنى قوله ~~أجبل أي: بلغ جبلا. وفي التفسير: أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، ~~ويقال: في العاص بن وائل، كان يحضر مجلس النبي ويستمع إلى القرآن، ثم إن ~~المشركين عيروه فقال: إني أخشى العذاب، فقال له بعضهم: أعطني شيئا أتحمل ~~عنك العذاب يوم القيامة، فأعطاه وتحمل عنه، فعلى هذا قوله: " أعطى قليلا " ~~أي: استمع ورغب في الإسلام. # PageV05P299 # {تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى (35) أم لم ~~ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى} # وقوله: {أكدى} أي: قطع ما أعطى. وقال مقاتل: أعطى بلسانه وقطع بقلبه. ~~وحكى بعضهم عن ابن عباس أن معنى الآية: أطاع ثم عصى. وذكر بعضهم: أن رجلا ~~من جهلاء الأعراب، وكان قد أسلم وقدم المدينة فجعل يقول: من يشتري حسناتي ~~بصاع من تمر، فقال أبو خيثمة الأنصاري، وكان رجلا فيه خير: أنا أشتريها منك ~~بوسق من تمر. والوسق: ستون صاعا، فباع الأعرابي منه حسناته وأخذ الوسق، ~~فأنزل الله تعالى في الأعرابي هذه الآية. والمعروف هو القول الأول. # PageV05P300 # قوله تعالى: {أعنده علم الغيب فهو يرى} أي: يعلم. والرؤية تكون بمعنى ~~رؤية البصر، وتكون بمعنى العلم. تقول العرب: رأيت فلانا عالما أي: علمت. ~~ومعنى الآية: أكان عند من (تحمل) الذنوب عن الوليد علم الغيب فهو يعلم أنه ~~يتحملها عنه يوم القيامة؟ . # PageV05P300 # قوله تعالى: {أم لم ينبأ بما في صحف موسى} معناه: أم لم يخبر. # وقوله: {بما في صحف موسى} ذكر وهب بن منبه: أن الله تعالى أنزل مائة ~~[وأربعة] كتب؛ ثلاثون صحيفة على شيث، وخمسون على إدريس، وعشرون على ~~إبراهيم، وأربعة على موسى وداود وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. # PageV05P300 # قوله: {وإبراهيم الذي وفى} قرأ الحسن البصري " وفى " مخففا أي: بما أمر ~~به. ويقال: [وفى في ذبح ابنه] . # وأما القراءة المعروفة بالتشديد فيجوز أن تكون بمعنى " وفى " إلا أنه ~~أكده بالتشديد ويقال: وفى [بسهام] الإسلام. قال الحسن: لم يؤمر بأمر إلا ~~عمل به. # PageV05P300 # ((38} وأن ms1677 ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه ~~الجزاء الأوفى (41) وأن إلى ربك المنتهى (42) وأنه هو أضحك وأبكى (43) ~~وأنه) # وعن ابن عباس أنه قال: الإسلام ثلاثون سهما، ولم يتم جميعها غير إبراهيم ~~ومحمد عليهما السلام. وقال الفراء: " وفى " معناه: بلغ. وعن الهذيل بن ~~شرحبيل قال: كان بين نوح وإبراهيم قرون يأخذون الجار بذنب الجار، وابن العم ~~بذنب ابن العم، والصديق بذنب الصديق، فجاء إبراهيم وبلغ عن الله تعالى # PageV05P301 # : {ألا تزر وازرة وزر أخرى} أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره. # PageV05P301 # قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} معناه: إن سعي في الخير يلق ~~الخير، وإن سعى في الشر يلق الشر. # PageV05P301 # وقوله: {وأن سعيه سوف يرى} أي: يراه على معنى أن الله تعالى يريه إياه، ~~وهو الجزاء الذي يجازيه عليه، وهو معنى # PageV05P301 # قوله: {ثم يجزاه الجزاء الأوفى} أي: الأكمل الأتم. # PageV05P301 # قوله تعالى: {وأن إلى ربك المنتهى} أي: مصير العباد ومرجعهم إليه. قال ~~محمد بن علي الباقر: تاه فيه العقول أي: تحيرت. فعلى هذا معنى الآية: أن ~~العقول إذا انتهت إلى أوصافه تحيرت، يعني: أنها لا تدرك أوصافه على الكمال. ~~وفي بعض التفاسير: أن بعض الملائكة تفكر في الله تعالى فصيحت عليه صيحة، ~~فتاه عقله، فهو يسمى بين الملائكة التائه. # PageV05P301 # قوله تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى} قال ابن عباس: أضحك أهل الجنة، وأبكى ~~أهل النار. ويقال: أضحك بالوعد، وأبكى بالوعيد. ويقال: أضحك الأرض بالنبات، ~~وأبكى السماء بالمطر. والأصح من الأقاويل أنه أضحك الخلق وأبكاهم. # PageV05P301 # قوله تعالى: {وأنه هو أمات وأحيا} يقال: أمات الآباء، وأحيا الأبناء ~~وقيل: أمات قوما بالضلالة، وأحيا بالهداية. والأصح أنه أمات الخلق وأحياهم. # PageV05P301 # قوله تعالى: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} أي: الصنفين. قال الضحاك: # PageV05P301 # {هو أمات وأحيا (44) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا ~~تمنى (46) وأن عليه النشأة الأخرى (47) وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو ~~رب} آدم وحواء. والأصح أنه الذكر والأنثى من بني آدم. # PageV05P302 # وقوله: {من نطفة إذا تمنى} أي: تقدر. تقول العرب: ما ms1678 تمنى تلك [الأماني] ~~أي: يقدر ذلك المقدر. وقيل: إذا تمنى، هو عبارة عن الوطء أي: من نطفة تحصل ~~بالجماع. # PageV05P302 # قوله تعالى: {وأن عليه النشأة الأخرى} أي: البعث يوم القيامة، وإنما قال: ~~" الأخرى " لأنها ثانية النشأة الأولى، والنشأة الأولى ابتداء الخلق. # PageV05P302 # قوله تعالى: {وأنه هو أغنى وأقنى} معناه: أعطى وأوسع، فقوله: {أقنى} أي: ~~أعطى القنية، والقنية: هي أصل مال يتخذ. قالوا: وهو مثل الإبل والبقر ~~والضياع والنبات وما أشبه. ويقال: أغنى بالذهب والفضة، وأقنى بغيرهما من ~~الأموال. ويقال: أغنى وأقنى: أي: أعطى وقنع بما أعطى. قال القتيبي: أغنى ~~أي: أعطى المال وأفنى أي أخدم كأنه أعطاه من يخدمه وقال أغنى أى أعطى بما ~~أعطى. وعن بعضهم أغنى: أي: أغنى نفسه، كأنه وصف نفسه بالغنى. وقوله: ~~{وأقنى} أي: أفقر خلقه إلى نفسه، ويقال: أغنى وأقنى: أي: وسع وقتر. # PageV05P302 # قوله تعالى: {وأنه هو رب الشعرى} في التفسير: أنه كان رجل من خزاعة خالف ~~دين آبائه وعبد الشعر العبور، وهو كوكب خلف الجوزاء تسمى المرزم، وهما ~~الشعريان: [إحداهما] : الغميصاء، والأخرى: العبور، فالغميصاء في المجرة، ~~والعبور خلف الجوزاء وتسمى كلب الجوزاء. وكان ذلك الرجل يعبد الشعرى، ~~ويقول: إنها تقطع الفلك عرضا دون سائر الكواكب، فإنها تقطع أموالا، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية، وذكر أنه خالق الشعرى التي تعبدونها. [قاله] مجاهد ~~وقتادة وغيرهما. وعن بعضهم: أنها الزهرة، وهذا مخالف لظاهر الآية. # PageV05P302 # {الشعرى (49) وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح ~~من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما غشى ~~(54) } # PageV05P303 # قوله تعالى: {وأنه أهلك عادا الأولى} فإن قيل: ما معنى قوله: " عادا ~~الأولى "، وعاد كانت واحد لا اثنين؟ والجواب: أن ثمودا وعادا كانا من ولد ~~آدم بن سام بن نوح، فعاد هم قوم هود، وهم عاد الأولى، وثمود هم قوم صالح ~~وهم عاد الأخرى. # PageV05P303 # وقوله: {وثمود فما أبقى} أي: أبادهم وأفناهم. # PageV05P303 # قوله تعالى: {وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى} أي: أكبر وأشد ~~طغيانا. وفي القصة: أن الرجل منهم كان يأتي ms1679 بابنه إلى نوح فيقول: احذر هذا ~~الشيخ، وإياك أن يضلك، فإن أبي حملني وأنا في مثل سنك إليه وحذرني منه كما ~~حذرتك منه. # PageV05P303 # قوله تعالى: {والمؤتفكة أهوى} المؤتفكة هي مدائن لوط، ائتفكت بهم الأرض ~~أي: انقلبت بهم. # وقوله: {أهوى} يقال: هوى إذا سقط، وأهوى إذا أسقط. وقد بينا أن جبريل ~~عليه السلام قلعها من أصلها، وبلغ بها السماء الدنيا حتى سمع أهل السماء ~~الدنيا نباح الكلاب وأصوات ديكتهم، وكان فيها أربعمائة ألف رجل. وقد قيل ~~أكثر من ذلك، ثم أن جبريل قلبها فجاءت تهوى فهو معنى قوله: {والمؤتفكة ~~أهوى} قال عكرمة: فهي تتجلجل في الأرض إلى قيام الساعة. والعرب تقول: أهوى ~~أي: وقع في هوة، والهوة: الحفرة. # PageV05P303 # قوله تعالى: {فغشاها ما غشى} أي: غشاها من الحجارة ما غشى. يقال: من عذاب ~~الله ما غشى. والتغشية: التغطية. وفي القصة: أن الحجر يتبع شرادهم حتى ~~أهلكهم جميعا، وكان في الحرم رجل منهم فوقف حجر في الهواء سبعة أشهر، ثم ~~خرج فلما خرج وخطا خطوة سقط عليه الحجر وأهلكه، وكان اسمه أبو رغال. # PageV05P303 # قوله تعالى: {فبأي آلاء ربك تتمارى} أي: تتشكك، ومعناه: تشك، وقيل: # PageV05P303 # {فبأي آلاء ربك تتمارى (55) هذا نذير من النذر الأولى (56) أزفت الآزفة ~~(57) ليس لها من دون الله كاشفة (58) أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ~~ولا} تكذب. والمرية: هي الشك في اللغة. والخطاب للكافر أي: فبأي آلاء ربك ~~تتمارى أيها الكافر. # PageV05P304 # وقوله: {هذا نذير من النذر الأولى} أي: نبي يشبه الأنبياء المتقدمين. # PageV05P304 # وقوله: {أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة} فإن قيل: ما معنى قوله: ~~" كاشفة "؟ ولم أدخل هاء التأنيث؟ والجواب: أن بعضهم قال: لموافقة رءوس ~~الآى وقال بعضهم معناه ليس لها من دون الله نفس كاشفة وهذا أحسن ومعنى ~~الآية: أنه لا يعلم علمها سوى الله تعالى. وهو علم قيامها وتجليها ويقال لا ~~يأتي بها أحد سوى الله تعالى. # يقال: كشف عن الشيء إذا أظهره أي: لا يكشف عن القيامة ولا يظهرها غير ~~الله تعالى. # PageV05P304 # قوله تعالى: {أفمن هذا الحديث ms1680 تعجبون} أي: القرآن. # وقوله: {تعجبون} أي: تتعجبون، وتعجبهم أنهم قالوا: كيف أنزل على واحد ~~مثلنا. ويقال: تعجبهم من قوله إن الله واحد على ما قال في موضع آخر {أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} . # PageV05P304 # وقوله: {وتضحكون ولا تبكون} يعني: من حقكم أن تبكوا لا أن تضحكوا. وفي ~~التفسير: " أن النبي لما نزلت هذه الآية لم ير ضاحكا إلى أن خرج من الدنيا، ~~غير أنه كان يبتسم ". وفي بعض الأخبار: عجبت من ضاحك (ملء فيه والموت ~~يطلبه) . # PageV05P304 # {تبكون (60) وأنتم سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62) } # PageV05P305 # وقوله: {وأنتم سامدون} أي: لاهون غافلون، ويقال: متكبرون. قال مجاهد: ~~السمود هو الغناء بلغة حمير. يقولون: يا جارية سمدى لنا: أي: غنى. ويقال ~~له: البرطمة أيضا وأنشد بعضهم: # (رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بداهية سمدان لها سمودا) ويروى: # (بمقدار سمدن له سمودا. ... # (فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا) # PageV05P305 # وقوله: {فاسجدوا لله واعبدوا} حمل بعضهم هذا على الصلوات الخمس. وقيل: إن ~~الآية نزلت بمكة قبل فرض الصلوات الخمس، والسورة مكية، فعلى هذا معناه: ~~فاسجدوا لله واعبدوا أي: اخضعوا لله ووحدوا. ويقال: المراد منه أصل السجود، ~~والمراد من العبادة هي الطاعة، وهو موضع سجود عند أكثر الفقهاء إلا مالك ~~حيث قال: ليس في المفصل سجود أصلا. وقد ثبت عن النبي برواية عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه " أنه عليه الصلاة والسلام قرأ سورة النجم فسجد فيها، ~~فما بقى من القوم أحد إلا سجد غير رجل واحد أخذ حصى ووضعه على جبهته، وقال: ~~يكفيني هذا. وقال عبد الله: فرأيته قتل كافرا ". والله أعلم. # PageV05P305 # بسم الله الرحمن الرحيم # {اقتربت الساعة وانشق القمر (1) } # تفسير سورة القمر # وهي مكية إلا قوله تعالى: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} والآية التي بعدها. # PageV05P306 # قوله تعالى: {اقتربت الساعة} أي: دنت القيامة، وهو مثل قوله تعالى: {أزفت ~~الآزفة} ، ومثل قوله: {اقترب للناس حسابهم} ، وقد روى أنس أن النبي خطب عند ~~مغيربان الشمس حتى كادت تغرب، فقال: " ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كما ~~بقي ms1681 من هذا اليوم فيما مضى منه ". وعن كعب ووهب: أن مدة الدنيا سبعة آلاف ~~سنة، والذي يمضى هو الألف السابع. # وقوله: {وانشق ### | القمر} # روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: بينما نحن مع رسول الله بمنى فانشق ~~القمر فلقتين، فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، وأنزل الله تعالى {اقتربت ~~الساعة وانشق القمر} . وعن ابن عباس: أن المشركين سألوا من النبي آية. وروي ~~أنهم قالوا له إن كنت صادقا فشق القمر لنا حتى نرى قطعة منه على أبي قبيس، ~~وقطعة منه على (قعيقعان) ، فدعا الله تعالى وانشق القمر على ما أرادوا، ~~فقال النبي: " اشهدوا اشهدوا ". # PageV05P306 # {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) } # فإن قيل: ابن عباس لم يكن رأى انشقاق القمر، فكيف تصح روايته؟ وأما ابن ~~مسعود فقد تفرد بهذه الرواية، ولو كان قد انشق القمر لرواه جميع أصحاب رسول ~~الله، وأيضا لو كان ثابتا لرواه جميع الناس، ولأرخوا له تاريخا؛ لأنهم قد ~~أرخوا ما دون هذا من الحوادث، وإنما معنى الآية: انشق القمر أي: ينشق، وذلك ~~يوم القيامة. ويقال: معنى انشق القمر أي: انكسف. # والجواب: أنه قد ثبت انشقاق القمر بالرواية الصحيحة. رواه ابن مسعود ~~وجبير بن مطعم شهدا بالرؤية، ورواه ابن عباس وابن عمر وأنس، وروى بعضهم عن ~~بعضهم عن عبد الله بن عمرو، ومن المحتمل أنه روي عن رؤية، وقد كان ابن ~~مسعود روى هذا عن [رؤيته] ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان ذلك اتفاقا ~~منهم، ثم الدليل القاطع على ثبوته الآية. # وقوله إن معناه سينشق القمر. قلنا: هذا عدول عن ظاهر الآية، ولا يجوز إلا ~~بدليل قاطع، ولأن الله تعالى قال: # PageV05P307 # {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} وهذا دليل على أنهم قد رأوها، ~~ولأنه سماه آية، وإنما يكون آية إذا كانت في الدنيا؛ لأن الآية هاهنا بمعنى ~~الدلالة والعبرة. # وقوله: إن الناس لم يروا. قلنا: يحتمل أنه كان في زمان غفلة الناس، أو ~~تستر عنهم بغيم، وقد رد الله تعالى الشمس ليوشع بن نون، ولم ينقل ms1682 أرخ لذلك ~~أيضا. وقد ذكر في بعض التفاسير أن أهل مكة قالوا: سحرنا ابن أبي كبشة، فقال ~~بعضهم: سلوا السفار الذين يقدمون، فإنه إن كان سحرنا فلا يقدر أن يسحر جميع ~~الناس، فقدم السفار وسألوهم وأخبروا أنهم قد رأوا. # قوله تعالى: {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} قال الفراء: أي: ~~يشبه بعضه بعضا، فيحتمل أن يكون معناه: فعله هذا في السحر يشبه سائر أفعاله ~~في # PageV05P307 # {وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه ~~مزدجر (4) حكمة بالغة فما تغن النذر (5) السحر، ويحتمل أن معناه: سحره يشبه ~~سحر موسى وعيسى وغيرهما. وعن بعضهم: أن قوله: {مستمر} أي: ذاهب باطل، يبطل ~~ويذهب بمضي الزمان، ذكره أبو عبيدة. ويقال: سحر مستمر: أي: شديد محكم. ~~ويقال: استمر من الأرض إلى السماء أي: ظهر سحره في السماء. # PageV05P308 # وقوله: {وكذبوا واتبعوا أهواءهم} أي: اتبعه ما دعته نفوسهم إليه من ~~الباطل. # وقوله: {وكل أمر مستقر} قال مجاهد: الخير لأهل الخير، والشر لأهل الشر. ~~ويقال: الجنة لمن يعمل بالطاعة، والنار لمن يعمل بالمعصية. وقيل: كل أمر ~~مستقر: أي: واقع. وقيل: لكل قول حقيقة وغاية ونهاية في وقوعه وحلوله، ذكره ~~السدى. وعن بعضهم: ويحتمل أن يكون معناه: الإشارة إلى دوام ثواب المؤمنين ~~في الجنة، وعقاب الكافرين في النار. # PageV05P308 # قوله تعالى: {ولقد جاءهم من الأنباء} أي: من الأخبار، وهي الأقاصيص ~~وأخبار الأنبياء. # وقوله: {ما فيه مزدجر} أي: متعظ. يقال: زجرته فانزجر، وكففته فكف، ووعظته ~~فاتعظ. # PageV05P308 # وقوله: {حكمة بالغة} معناه أي: القرآن، وما بلغه الرسول عن الله حكمة ~~بالغة، أي: تامة كاملة، ويقال معناه: أنه صواب كله. وقد بينا أن الحكمة هي ~~الإصابة قولا وفعلا. # وقوله: {فما تغن النذر} أي: أي شيء تغني النذر. ويقال: " ما " بمعنى " لا ~~" أي: لا تغني النذر عنهم شيئا، وهذا في أقوام بأعيانهم، علم الله منهم ~~أنهم لا يؤمنون، (وأنه) لا ينفعهم إنذار الرسل وإقامة الآيات. # PageV05P308 # {فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من} # PageV05P309 # قوله تعالى: {فتول عنهم} ms1683 منهم من قال: قوله: {فتول عنهم} عليه الوقف، وبه ~~تم الكلام ثم ابتدأ، وقال: {يوم يدع الداع} ، ومنهم من قال: معناه: فتول ~~عنهم يوم يدعو الداعي. وأما معنى دعاء الداعي. في التفسير أنه قيام إسرافيل ~~عليه السلام على صخرة بيت المقدس، ونفخه في الصور. ويقال: هو دعاء الناس ~~إلى الحساب. # وقوله: {إلى شيء نكر} أي: فظيع شديد هائل. وكل ما يهول الإنسان فهو منكر ~~عنده. ويقال: نكر أي: لا يطاق حمله. وعن مجاهد أنه قرأ: {يوم يدع الداع إلى ~~شيء نكر} بخفض الكاف وفتح الراء، أي: جحد وكفر به، وهذه قراءة شاذة. وعن ~~ابن عمر أنه قرأ: {إلى شيء نكر} بتسكين الكاف وأنشدوا في هذا شعرا # (أبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع) # PageV05P309 # وقوله {خشعا أبصارهم} أي: خاشعة أبصارهم، يعني: ذليلة، وقرئ: " خاشعا ~~أبصارهم " ويجوز التوحيد إذا تقدم فعل الجماعة دون ما إذا تأخر، يقال: مررت ~~بشباب حسان وجوههم، وحسن وجوههم، وحسنة وجوههم. # قال الشاعر: # (في شباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد) # وقوله: {يخرجون من الأجداث} أي: من القبور، واحدتها جدث. وفي لغة تميم هو ~~الجذف. وفي الخبر عن النبي أنه قال: " مواتهم أجداثهم " أي: قبورهم. # وقوله تعالى: {كأنهم جراد منتشر} أي: داخل بعضهم في بعض كالجراد، وقال ~~تعالى في موضع آخر: {كالفراش المبثوث} هو المنتشر والمختلط أيضا، لا يقصدون ~~جهة واحدة، بل ينتشر في جهات مختلفة بخلاف الجراد، فإن الكل يتبعون جملة ~~واحدة. # PageV05P309 # {الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم ~~عسر (8) كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه ~~أني مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) # وروي أن مريم عليها السلام سألت ربها أن يطعمها لحما بغير دم، فقالت: ~~اللهم أعشها بغير [رضاع] ، وتابع بينها بغير شياع. ثم ذكر أن التوفيق بين ~~الآيتين هو أن الناس إذا خرجوا من قبورهم يختلط بعضهم ببعض، ولا يتبعون ~~جملة واحدة، فهم كالفراش المبثوث، ثم يدعون إلى المحشر ms1684 أو إلى الحساب فيتبع ~~كلهم الجهة التي يدعون إليها، فهم كالجراد المنتشر. # PageV05P310 # وقوله: {مهطعين إلى الداع} أي: مسرعين مقبلين، ويقال: مهطعين الإهطاع: هو ~~النسلان، ويقال: الخبب. # وقوله: {يقول الكافرون هذا يوم عسر} أي: غير سهل. # PageV05P310 # قوله تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا} أي: نوحا عليه السلام. # وقوله: {وقالوا مجنون وازدجر} أي: زجر بالشتم والسب. # ويقال: زجرا بالتخويف بالقتل، قاله سعيد بن جبير وقتادة وغيرهما. ويقال: ~~ازدجر، أي: استطر عقله، كأنهم قالوا: مجنون ومعتوه. # PageV05P310 # وقوله: {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} أي: انتصر لدينك بالانتقام من ~~أعدائك. # PageV05P310 # وقوله: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر} قال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه (فتح) موضع المجرة، وهي شرج السماء. وفي القصة: أن الله تعالى أرسل ~~الماء من السماء بدون سحاب، ولم يكن أرسل المطر قبله ولا بعده إلا من # PageV05P310 # {وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ~~ألواح ودسر (13) تجري بأعيينا جزاء لمن كان كفر (14) } سحابة، وقيل: إن ~~الأبواب هاهنا بطريق المجاز، والمعنى: أرسلنا من السماء بماء منهمر أي: ~~كثير. # قال الشاعر: # (أعيني جودا بالدموع الهوامر # (على حتى باد من بعد وضامر)) # ويقال: منهمر أي: منصب سائل. # PageV05P311 # قوله: {وفجرنا الأرض عيونا} أي: فتحنا عيون الأرض بالماء. # وقوله: {فالتقى الماء على أمر قد قدر} أي: التقى ماء السماء وماء الأرض ~~على أمر قد قدر كونه، وهو تغريق أهل الأرض سوى أصحاب السفينة. ويقال: على ~~أمر قد قدر: هو تقدير الماء، يعني: أن الماء أنزل من السماء وفجر من العيون ~~على كيل وتقدير معلوم. # PageV05P311 # وقوله تعالى: {وحملناه على ذات ألواح ودسر} أي: على السفينة ذات ألواح، ~~ودسر أي: مسامير، ويقال: ودسر أي: معاريض السفينة، وهي الخشب التي تعرض ~~عليها. ويقال: دسر أي: صدر السفينة، كأنها قد تدسر الماء بصدرها، أي: تدفع. # PageV05P311 # وقوله: {تجري بأعيننا} أي: بمرأى منا وحفظ منا. # وقوله تعالى: {جزاء لمن كان كفر} أي: جزاء على ما صنع بمن كفر به، وهو ~~نوح عليه السلام. ويقال: جزاء النوع وهو ms1685 الذي كفر به ذكره الزجاج وغيره ~~وقيل جزاء عمن كفر به وهو الله تعالى. وقرئ في الشاذ: " جزاء لمن كان كفر " ~~وهو ظاهر. # PageV05P311 # {ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر (17) كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا ~~أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس} # PageV05P312 # قوله تعالى: {ولقد تركناها آية} أي: تركنا السفينة آيو وعبرة، قال قتادة: ~~بقيت سفينة نوح ببا قردى من بلاد الجزيرة حتى أدركها أوائل هذه الأمة. # وقوله: {فهل من مدكر} أي: متعظ متذكر. # PageV05P312 # وقوله: {فكيف كان عذابي ونذر} أي: كيف كان تعذيبي وإنذاري. # PageV05P312 # قوله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} أي: متفكر، ومعنى ~~تيسر القرآن للذكرى: هو قراءته عن ظهر قلب، ولم يعط هذا في كتاب الله غير ~~هذه الأمة، فإن أهل الكتابين إنما يقرءوا فهما عن الصحف. # PageV05P312 # قوله تعالى: {كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر} أي: تعذيبي وإنذاري لهم. # PageV05P312 # وقوله: {إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا} أي: باردة، ويقال: شديدة الهبوب. # وقوله: {في يوم نحس} أي: في يوم مشئوم، وعن جعفر بن محمد قال: كان في ~~أربعاء لا تدور، ذكره النقاش. ويقال: كان زحل راجعا هابطا، وهو ضعيف متروك. # وقوله: {مستمر} أي: دائم الشؤم، ودوام الشؤم أن الريح استمرت بهم سبع ~~ليال وثمانية أيام. ويقال: مستمر أي: استمر بهم العذاب حتى أوقعهم في جهنم. # PageV05P312 # قوله تعالى: {تنزع الناس} أي: تقلع الناس. وفي القصة: أن الريح كانت ~~تقلعهم، وتجعل أعلاهم أسفلهم وأسفلهم أعلاهم. قال الحسن البصري: لما جاءت ~~الريح أخذ بعضهم بيد بعض، وجعلوا دست، وضربوا بأقدامهم على الحجر حتى رسخت ~~فيه، وقالوا: من الذي يزيلنا من أماكننا؟ وفي القصة: أن طول الواحد منهم ~~كان ستمائة ذراع وخمسمائة، والأقصر ثلاثمائة ذراع بذراعهم، فلما فعلوا ذلك ~~خرجت من تحت أقدامهم وقلعتهم. # PageV05P312 # {كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر (21) ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا واحد نتبعه ms1686 ~~إنا إذا لفي ضلال وسعر (24) أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو} # وقوله: {كأنهم أعجاز نخل منقعر} أي: أصول نخل منقلع. فإن قيل: قد قال في ~~موضع آخر: {كأنهم أعجاز نخل خاوية} وقال ها هنا: {منقعر} ولم يقل منقعرة. ~~قلنا: النخل يذكر ويؤنث. فإن قيل: فلم شبه بأصول النخل لا بجميعه؟ قلنا في ~~القصة: أن الريح كانت تقلع رءوسهم أولا، ثم تخرب أجسادهم وتجعلها (كأصول) ~~النخل، فهو معنى الآية. # PageV05P313 # وقوله: {فكيف كان عذابي ونذر} قد بينا. # PageV05P313 # قوله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} . # PageV05P313 # {كذبت ثمود بالنذر} أي: بالرسل. ويجوز أن يكون أراد به صالحا وحده، وذكر ~~الواحد باسم الجمع. # PageV05P313 # قوله تعالى: {فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه} أي: نتبع بشرا منا واحدا. ~~قالوا على طريق الإنكار، أي: لا نتبعه. # وقوله: {إنا إذا لفي ضلال وسعر} أي: في ضلال وعناء، ويقال: في ضلال ~~وجنون. يقال: ناقة مسعورة، أي: كالمجنونة من النشاط. # PageV05P313 # قوله تعالى: {أؤلقي الذكر عليه من بيننا} أي: النبوة. # وقوله: {بل هو كذاب أشر} أي: كذاب متكبر. والأشر: البطر الفرح، كأنه ~~يتكبر بطرا وفرحا. # PageV05P313 # {كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (26) إنا مرسلوا الناقة فتنة ~~لهم فارتقبهم واصطبر (27) ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر} # PageV05P314 # وقوله: {سيعلمون غدا من الكذاب الأشر} أي: يوم القيامة حتى يلقون جزاء ~~أعمالهم. وقرئ في الشاذ: " من الكذاب الأشر " وقرئ أيضا: " الأشر " بضم ~~الشين. والأشر والأشر بمعنى واحد، وهو مثل حذر وحذر. # PageV05P314 # قوله تعالى: {إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم} في القصة: أن قوم صالح طلبوا ~~منه أن يخرج من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة بعينها ناقة حمراء عشراء، ~~والعشراء: هي الناقة الحامل التي أتى على حملها عشرة أشهر، وتلد سقبا في ~~الحال، ثم ترد ماءهم وتشرب جميع ما فيها، وتعطي لبنا بقدر ما شربت من ~~الماء، فأعطاهم الله تعالى هذه الآية. وروي أن الصخرة تمخضت كما تتمخض ~~الناقة عند الولادة، ووضعت ناقة في الحال كأعظم ما يكون. وروي أن عظم ~~الناقة كان بحيث ms1687 إذا مشت بين الوادي أخذ بطنها ما بين الجبلين. # وقوله: {فتنة لهم} أي: اختبارا لهم. # وقوله: {فارتقبهم واصطبر} أي: انتظرهم واصبر. # PageV05P314 # وقوله: {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم} أي: للناقة يوم ولهم يوم. # وقوله: {كل شرب محتضر} أي: كل نصيب بحضرة من له. # PageV05P314 # قوله تعالى: {فنادوا صاحبهم} يعني: قدار بن سالف، وهو أحمر ثمود. وفي ~~المثل: أشأم من أحمر عاد. يعني: على قومه. وإنما قيل: عادا لأن ثمود من نسب ~~عاد. وفي الخبر أن النبي قال: " انبعث له يعني لقتل الناقة رجل عزيز في ~~قومه مثل [أبي] زمعة ". # PageV05P314 # ((28} فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا ~~أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتضر (31) ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر (32) كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا ~~إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34)) # وقوله: {فتعاطى فعقر} أي: ارتكب المعصية فعقر الناقة. والعقر: هو القتل. ~~وفي الخبر: " أفضل الجهاد من أريق دمه وعقر جواده ". # PageV05P315 # وقوله: {فكيف كان عذابي ونذر} قد بينا. # PageV05P315 # قوله تعالى: {إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة} في القصة: أن جبريل عليه ~~السلام قام في جانب قريتهم، وصاح عليهم صيحة واحدة، فماتوا جميعا. # وقوله: {فكانوا كهشيم المحتضر} الهشيم ما يبس من النبات والشجر، والهشيم ~~هاهنا: ما تناثر من التراب عن الجواد، يعني: صاروا كذلك. # وقوله: {المحتضر} وفرئ: " المحتضر " بفتح الظاء. قال أهل المعاني: هو أن ~~يأخذ الراعي حظيرة حوالي غنمه من شوك وشجر، فإذا يبس وتناهى في اليبس تكسر ~~وتشتت، فشبهم حين هلكوا بذلك. وأما المحتضر هو الذي يتخذ الحظيرة، والمحتضر ~~بالفتح هو المتخذ. # PageV05P315 # قوله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} أي: متعظ. قال قتادة: ~~هل من طالب خير فيعان عليه. # PageV05P315 # قوله تعالى: {كذبت قوم لوط بالنذر} فإن قيل: كيف قال: {بالنذر} ولوط كان ~~واحدا؟ قلنا: لأن من كذب واحدا من الرسل، فكأنه كذب جميع الرسل. # PageV05P315 # قوله تعالى: {إنا أرسلنا عليهم حاصبا} أي: ريحا ذات حصباء، وهي الحجارة. # قوله: {إلا آل لوط نجيناهم بسحر} هو لوط وابنتاه. وفي ms1688 الخبر: أنه وأعنزة ~~بين # PageV05P315 # {نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ~~(36) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) ولقد صبحهم ~~بكرة عذاب مستقر (38) } يديه، وهي أربعون يسوقها، وهو آخذ بيد ابنته الكبرى ~~بيمينه، وبيد ابنته الصغرى بيساره، وامرأته خلفه، فلما سمعوا الوصية في ~~هلاك القوم سجد هو وابنتاه شكرا، والتفتت المرأة فأصابتها الحجارة وهلكت. # PageV05P316 # وقوله: {نعمة من عندنا} أي: إنعاما من عندنا. # وقوله: {كذلك نجزي من شكر} أي: شكر نعم الله. # PageV05P316 # وقوله: {ولقد أنذرهم بطشتنا} أى خوفهم بطشتنا بهم في الإهلاك # وقوله {فتماروا بالنذر} أي: شكوا برسالة الرسل. # PageV05P316 # قوله تعالى: {ولقد راودوه عن ضيفه} أي: طلبوا من لوط أن يسلم إليهم ~~أضيافه. وفي القصة: أن جبريل عليه السلام جاء ومعه ملكان، وكان قوم لوط قد ~~قالوا له: إنا لا نمتنع من عملنا، فإياك أن تضيف أحدا من الغرباء، فلما جاء ~~جبريل عليه السلام مع الملكين في صورة البشر، مرت العجوز الخبيثة وأخبرتهم ~~بورودهم، وذكرت لهم حسن وجوههم، فجاءوا يطلبون الفاحشة، فهو معنى قوله ~~تعالى: {راودوه عن ضيفه} . # وقوله: {فطمسنا أعينهم} روي أن جبريل عليه السلام صفق أعينهم صفقة ~~بجناحه، فصاروا عميانا يلتمسون الجدار بالأيدي. وروي أن وجوههم صارت سطحا ~~واحدا ما بقي عليها أثر شيء. # وقوله: {فذوقوا عذابي ونذر} أي: فذوقوا عذابي وعاقبة إنذاري. # PageV05P316 # قوله تعالى: {ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر} أي: نزل بهم العذاب واستقر ~~بكرة. ومعنى الاستقرار هو هلاكهم بذلك العذاب. # PageV05P316 # فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ولقد جاء آل ~~فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذهم أخذ عزيز مقتدر أكفاركم خير من ~~أولائكم أم لكم براءة في الزبر أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر # PageV05P317 # وقوله {فذوقوا عذابي ونذر} قد بينا. # PageV05P317 # وقوله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} قد ذكرنا. # PageV05P317 # وقوله: {ولقد جاء آل فرعون النذر} يعني: موسى وهارون، ويقال: جاءهم ~~الإنذار. # PageV05P317 # وقوله: {كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر} أي: قوي قادر، ms1689 وقد ~~بينا معنى العزيز القادر. # PageV05P317 # قوله تعالى: {أكفاركم خير من أولئكم} معناه: أكفاركم خير من الكفار الذين ~~كانوا قبلكم، يعني: ليسوا بخير منهم، فكما أهلكناهم فسنهلك هؤلاء. # وقوله: {أم لكم براءة في الزبر} أي: براءة من الكتب أنا لانهلككم كما ~~أهلكنا من قبلكم. # PageV05P317 # وقوله: {أم يقولون نحن جميع منتصر} يعني: أيقولون نحن جميع ينصر بعضنا ~~بعضا، أو ننتصر من أعدائنا. وفي المغازي أنه لما كان يوم بدر خرج أبو جهل ~~على قدميه، وهو يقول: نحن جميع منتصر، فأنزل الله تعالى قوله: {سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر} ، قال عمر: فرأيت النبي يثب في درعه، ويقول: " سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر ". وفي بعض التفاسير: أن عمر رضي الله عنه قال: # PageV05P317 # نزل قوله تعالى: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} ولم أعرف تأويله، حتى كان ~~يوم بدر فرأيت النبي # PageV05P317 # {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) إن المجرمين في ضلال وسعر (47) ~~يوم يحبسون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) إنا كل شيء} يثب في درعه ~~ويقول: " سيهزم الجمع ويولون الدبر ". وهذا الخبر دليل أيضا أن هذه الآية ~~مكية، وقد بينا في رواية أخرى أنها مدنية. والدبر بمعنى الأدبار. # PageV05P318 # وقوله: {بل الساعة موعدهم} أي: القيامة موعدهم، وسميت الساعة لقرب كونها. ~~وقيل: سميت ساعة؛ لأنها كائنه لا محالة كالوقت، وهو كائن لا محالة فسمى ~~ساعة. # وقوله: {والساعة أدهى وأمر} أي: أقطع وأشد. والداهية: كل أمر لا يهتدي ~~إلى الخروج منه. " وأمر ": هو من المرارة. # PageV05P318 # قوله تعالى: {إن المجرمين في ضلال وسعر} قد بينا. وعن الأخفش: أن السعر ~~جمع السعير جمع السعير، ويقال معناه: في نار يحترقون فيها ولا يعلمونها، ~~وهذا إشارة إلى العاقبة، وما يصير إليه حالهم. # PageV05P318 # قوله تعالى: {يوم يسحبون في النار على وجوههم} قال ابن مسعود: " يوم ~~يسحبون في النار ". والمعروف الأول، وهو من السحب والجر. # وقوله: {ذوقوا مس سقر} أي: يقال لهم ذلك، وهو على طريق المجاز، كما يقول ~~القائل لغيره وهو يضربه: ذق وبال أمرك، أي: عمله، ومثله كثير في العربية ~~وكلامهم. # PageV05P318 # قوله تعالى: {إنا ms1690 كل شيء خلقناه بقدر} نصب كل بتقدير فعل محذوف، وكأنه ~~قال: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر. وقد ثبت عن النبي أنه قال: " كل # PageV05P318 # {خلقناه بقدر (49) وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) ولقد أهلكنا ~~أشياعكم} شيء بقدر حتى الكيس والعجز ". وعن ابن عباس: كل شيء بقدر حتى وضعك ~~يدك على خدك. وعن علي: ما طن ذباب إلا بقدر. # وعن أبي أمامة الباهلي قال: أشهد أن هذه الآية نزلت في القدرية ردا عليهم ~~وتلا هذه الآية: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} وهو خبر غريب. # وعن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: لو صام إنسان حتى يصير كالحبل هزلا، ~~وصلى حتى يصير كوتد، وذبح ظلما بين الركن والمقام، ثم كان مكذبا بقدر الله، ~~لأدخله الله النار، ويقال له: ذق مس سقر. # وفي رواية عائشة أن النبي قال: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين ~~خصماء الرحمن؟ فيقوم القدرية ثم تلا قوله: {إن المجرمين في ضلال وسعر} وما ~~بعدها ". وخصومتهم أنهم يقولون: قدرت علينا المعاصي وكيف تعذبنا؟ # PageV05P319 # وقوله: {وما أمرنا إلا واحدة} يعني: إلا مرة واحدة. # وقوله: {كلمح بالبصر} أي: كسرعة اللمح بالبصر في النفوذ والوقوع، وفي بعض ~~التفاسير في قوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} أي: جعلنا لكل شيء ما ~~يصلح له، مثل ثياب الرجال للرجال، وثياب النساء للنساء، والسرج للفرس، ~~والإكاف للحمار، وما أشبه ذلك، والمعنى: أي: قدرنا لكل شيء ما يصلح له، ~~ذكره # PageV05P319 # {فهل من مدكر (51) وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر ~~(53) إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر} ) بن فارس ~~في تفسيره. # PageV05P320 # وقوله تعالى: {ولقد أهلكنا أشياعكم} أي: أشبابهكم ونظراءكم من الكفار. # وقوله: {فهل من مدكر} أي: متعظ. # PageV05P320 # وقوله: {وكل شيء فعلوه في الزبر} أي: مسطور مكتوب في الزبر. ويقال: كل ~~شيء محفوظ في الزبر. # PageV05P320 # وقوله: {وكل صغير وكبير مستطر} أي مسطور مكتوب في اللوح المحفوظ. وفي ~~الآثار المروية عن ابن عباس أنه قال: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء ms1691 ~~ودفتاه من ياقوت أحمر، قلمه ذهب وكتابه نور، ينظر الله كل يوم فيه ثلاثمائة ~~وستين نظرة، يخلق، ويحيي، ويميت، ويرزق، ويفعل ما يشاء. وهذا أثر معروف. # PageV05P320 # قوله تعالى: {إن المتقين في جنات ونهر} في بعض الآثار: أن الرجل لا يكون ~~متقيا حتى يدع ما ليس به بأس حذرا مما به بأس، وقد روى بعضهم هذا مرفوعا ~~إلى النبي، وهو غريب. # وقوله تعالى: {في جنات ونهر} أي: بساتين وأنهار، واحد بمعنى الجمع، ~~والأنهار هذه ما ذكرها الله تعالى في " سورة محمد ". # والقول الثاني: أن معنى قوله: {في جنات ونهر} أي: ضياء وسعة. # قال قيس بن الخطيم: # (ملكت بها كفى فأنهرت فتقها ... يرى قائما من دونها ما وراءها) # أي: أوسعت. وقرئ: " في جنات ونهر " بضم النون والهاء، وهو بمعنى النهار. # وقال الشاعر: # PageV05P320 # (لولا الثريدان هلكنا بالضمم ... ثريد ليل وثريد بالنهر) # وعن أبي عمران الجوني قال: ليس في الجنة ليل، هو نهار كله، ويعرف مجيء ~~النهار بفتح الأبواب ورفع الستور، ويعرف مجيء الليل برد الأبواب وإرخاء ~~الستور. # PageV05P321 # وقوله: {في مقعد صدق} أي: مجلس حسن، ويقال: في مقعد لا لغو فيه ولا ~~تأثيم. وكل مكان ليس فيه لغو ولا تأثيم، فهو مقعد صدق. # وقوله: {عند مليك مقتدر} يقال: إن الملك والمليك بمعنى واحد. # قال ابن الزبعري: # (يا رسول المليك إن لساني ... رائق ما فتقت إذ أنا بور) # أي: رسول الملك. وقيل: إن المليك هو المستحق للملك، والملك: القائم ~~بالملك. ومعنى الآية: ذكر كرامة المؤمنين وقربهم من الله تعالى، وهو ~~النهاية في الإكرام. # PageV05P321 # بسم الله الرحمن الرحيم # {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الشمس} # تفسير سورة الرحمن # وهي مكية في قول الأكثرين وقال بعضهم هي مدنية # PageV05P323 # قوله تعالى ### | {الرحمن} # قال الحسن هو اسم لا يستطيع أحد أن ينتحله ويقال اسم ممتنع وإنما لم يصح ~~أن يقال لغير وصح أن يقال راحم ورحيم لأن معنى الرحمن أن رحمته وسعت كل شيء ~~وهذا لا يصح في غير الله جل وعلا وحكى بعضهم أن الرحمن هو مجموع ms1692 فواتح ثلاث ~~سور " الر - حم - ن ". # PageV05P323 # وقوله {علم القرآن} أى يسر وسهل تعلمه. # PageV05P323 # وقوله (خلق الإنسان) قال قتادة: هو آدم - صلوات الله عليه - وقال الضحاك ~~هو محمد وعن بعضهم هو جنس الناس واحد بمعنى الجمع مثل قوله تعالى {والعصر ~~إن الإنسان لفى خسر} اى الناس. # PageV05P323 # وقوله {علمه البيان} فعلى القول الذي قلنا إن المراد به آدم فمعنى تعليم ~~البيان تعليم الأسماء وعلى القول الذي يقول إنه محمد فمعنى تعليم البيان هو ~~أنه بين له الحلال والحرام ويقال بين له طريق الهدى وطريق الضلالة ويقال ~~بين الخير والشر وإذا حملنا على جنس الناس فمعنى البيان هو المنطق والكلام ~~وكل عاقل مميز له بيان يعقله وتمييزه. # PageV05P323 # وقوله {الشمس والقمر بحسبان} أى بحساب قاله مجاهد وغيره ويقال بحسبان أي ~~بجرى معلوم في منازل معلومة وقال السدي بأجل معلوم فإذا بلغا أجلهما هلكا. ~~وقيل الحسبان قطب الرحا والمعنى أنهما يدوران كما يدور {والقمر بحسبان (5) ~~والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في ~~الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) والأرض وضعها ~~للأنام (10) الرحا على القطب. # PageV05P323 # وقوله: {والنجم والشجر يسجدان} قال أهل اللغة: النجم كل ما نبت لا على ~~ساق، والشجر ما نبت على ساق. ويقال: النجم نجم السماء، والشجر جميع ~~الأشجار. وأما سجودهما، قال ابن عباس: يسجدان إذا طلعت الشمس وإذا قالت ~~الشمس إلى أن تغرب. ويقال: سجودهما هو ما سخرهما الله تعالى على مشيئته ~~وأمره. والأولى هو أن يقال: إن سجود الموات ثابت بنص الكتاب، هو على ما ~~أراد الله تعالى، والعلم بحقيقته موكول إليه، وهو مذهب أهل السنة. ويقال: ~~سجودهما بدوران الظل يمينا وشمالا. # PageV05P323 # قوله تعالى: {والسماء رفعها} أي: أعلاها بحيث لا تنالها الأيدي. # وقوله: {ووضع الميزان} فيه قولان، أحدهما: أنه الميزان المعروف، والآخر: ~~أن المراد منه العدل. # PageV05P323 # وقوله: {أن لا تطغوا في الميزان} قرأ ابن مسعود: " لا تطغوا في الميزان " ~~أي: لا تجوروا فيه، ولا تجوزوا الحد. والطغيان: مجاوزة الحد. # PageV05P323 # وقوله: {وأقيموا الوزن بالقسط} أي: بالعدل. وإقامة الوزن: إقامة ms1693 لسان ~~الميزان من غير ميل وجور. # وقوله: {ولا تخسروا الميزان} أي: لا تنقصوا ولا تبخسوا. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال: يا معشر الموالي يعني: العجم إنكم وليتم أمر من فيهما ~~هلك كثير من الأمم قبلكم المكيال والميزان. # PageV05P323 # قوله تعالى: {والأرض وضعها للأنام} أي: بسطها. وفي الأنام ثلاثة أقوال، ~~أحدها: ذكره الحسن البصري أنه الجن والإنس. والآخر: أنه الإنس خاصة. ~~والثالث: # PageV05P323 # {فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو العصف والريحان (12) فبأي} ~~كل ما دب ودرج. # PageV05P324 # قوله تعالى: {فيها فاكهة} الفاكهة كل ما يتفكه به. # وقوله: {ذات الأكمام} جمع الكم، والكم: كل ما يغطي شيئا، ومنه الكم ~~المعروف، فلأنها تغطي اليد. والقلنسوة تسمى الكمة؛ لأنها تغطي الرأس. ومعتى ~~الكم هاهنا: هو الغلاف الذي يكون لثمرة النخل، ويقال: الكم هو الطلع. # PageV05P324 # قوله تعالى: {والحب ذو العصف والريحان} العصف: ورق الزرع، فإذا يبس صار ~~تبنا، ويقال: العصف هو البقل الذي ينبت من الأرض. # وقوله: {والريحان} أي: الثمرة. قال ابن كيسان: إذا نبت الزرع فأوله يكون ~~عصفا، ثم يظهر فيه الريحان، وهو ثمرته. وقيل: إن الريحان هو الرزق، قال ~~الشاعر: # (سلام الإله وريحانه ... ورحمته وسماء درر) # قال الحسن البصري: هو الريحان الذي يشم. وأولى الأقاويل أن العصف هو ~~التبن، والريحان هو الحب الذي خلق فيه للأكل، سماه ريحانا؛ لأن منه رزق ~~العباد. وفي المصاحف: " والحب والعصف " ومعناه: وخلق الحب ذا العصف. # PageV05P324 # وقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} معناه: بأي نعم ربكما تكذبان أيها الإنس ~~والجن؟ والمراد من الآلاء النعم التي عدها من قبل. وقد ثبت برواية محمد بن ~~المنكدر عن جابر أن النبي قرأ سورة الرحمن على أصحابه، فلم يجيبوا بشيء، ~~فقال: " ما لي أراكم سكوتا! للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه ~~الآية من مرة {فبأي آلاء ربكما تكذبان} إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا ~~نكذب، فلك الحمد ". {آلاء ربكما تكذبان (13) خلق الإنسان من صلصال كالفخار ~~(14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) } # PageV05P324 # قوله تعالى: {خلق ms1694 الإنسان من صلصال كالفخار} الصلصال: الطين اليابس الذي ~~يصوت إذا نقر وحرك. # وقوله: {كالفخار} أي: الخزف. فإن قيل: قد قال في موضع آخر: {من طين لازب} ~~، وقال في موضع: {من حمأ مسنون} ، وقال هاهنا: {من صلصال} فكيف وجه ~~التوفيق؟ # الجواب عنه: أن الجميع صحيح على القطع، فالله تعالى خلق آدم من تراب جعله ~~طينا لازبا، ثم جعله حمأ مسنونا، ثم جعله صلصالا كالفخار، ثم صوره. قال ~~قتادة: هو الماء يصيب الأرض، ثم يذهب الماء فيجف موضع الماء وييبس وينشق، ~~فهو الصلصال كالفخار. وذكر أبو الحسين بن فارس في تفسيره: أنه ورد في بعض ~~الحديث أن الله تعالى حين أراد أن يخلق آدم عليه الصلاة والسلام جعل التراب ~~طينا لازبا، وتركه أربعين سنة، ثم جعله صلصالا كالفخار، وتركه أربعين سنة، ~~ثم صوره وتركه جسدا لا روح فيه أربعين سنة، وكانت الملائكة يمرون عليه ~~فيقولون: سبحان الذي خلقك لامر ما خلقك. وقد ثبت عن النبي " أن إبليس عليه ~~اللعنة لما رأى الصورة فوجده أجوف، فعلم أنه خلق لا يتمالك ". # PageV05P324 # قوله تعالى: {وخلق الجان من مارج من نار} أي: من لهب النار. ويقال: خالص ~~النار. وإن الجان هو أبو الجن. # PageV05P324 # وقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} قد بينا معناه. وقال الحسن: الجان هو # PageV05P324 # {رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي آلاء ربكما تكذبان (18) مرج البحرين ~~يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) فبأي آلاء ربكما تكذبان (21) ~~إبليس. # وقوله: {من مارج من نار} قد ذكرنا. وقال سعيد بن جبير: المارج: الخضرة ~~التي تكون بين النار وبين الدخان. ويقال: المارج نار مختلطة بسواد. وقال ~~الفراء في قوله: {من نار} : هي نار دون الحجاب، ومنها الصواعق التي يراها ~~الناس. # PageV05P326 # قوله تعالى: {رب المشرقين ورب المغربين} معناه: مشرق الصيف، ومشرق ~~الشتاء. والذي قال في موضع آخر: {رب المشرق والمغرب} هو مشرق كل يوم في ~~الصيف والشتاء. ويقال: المشرقان: الشمس والفجر، والمغربان: الشمس والشفق. # PageV05P326 # قوله تعالى: {مرج البحرين يلتقيان} أي: خلاهما وأرسلهما، قاله الفراء ~~والزجاج وغيرهما، وعن بعضهم: مرج البحرين أي: لاقى بينهما. ms1695 # وقوله: {البحرين} فيه أقوال: قال مجاهد: بحر السماء والأرض. وقال الحسن: ~~بحر فارس والروم. ويقال: بحر المشرق والمغرب. ويقال: بحر الملح والعذب. # وقوله: {يلتقيان} أي: يلقي أحدهما صاحبه. # PageV05P326 # وقوله: {بينهما برزخ لا يبغيان} أى حاجزه وقوله: لا يبغيان أي: لا يخلتط ~~أحدهما بالآخر، لا يختلط الملح بالعذب [فيفسده] ، ولا العذب بالملح فيختلج. ~~ويقال: الحاجز حاجز من القدرة. # والآية وردت في موضع مخصوص من بحر فارس والروم. وقيل: في موضع مخصوص من ~~العذب والملح. والعذب هو النيل، والملح هو بحر الروم، يلتقيان ولا يختلطان. # PageV05P326 # {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ربكما تكذبان (23) وله ~~الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) فبأي آلاء ربكما تكذبان (25) } # وقال بعضهم: الحاجز هو الأرض من بحر السماء وبحر الأرض. وعن بعضهم: أن ~~الحاجز هو جزيرة العرب. # PageV05P327 # قوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} وقرئ: " يخرج " و " يخرج " أي: ~~يخرج الله. وأما اللؤلؤ، فهو الحب المعروف منه الصغار والكبار، وأما ~~المرجان، قال ابن مسعود: هو خرز أحمر. ويقال: إنه [البسد] جوهر معروف. وقال ~~قتادة وغيره: المرجان كبار اللؤلؤ، واللؤلؤ صغاره، وقيل على العكس: المرجان ~~صغار اللؤلؤ، واللؤلؤ كباره. فإن قيل: قد قال: {يخرج منهما} وأجمع أهل ~~العلم بهذا الشأن أنه يخرج من الملح دون العذب. والجواب: أنه ذكرهما ~~والمراد أحدهما، كما تقول العرب: أكلت خبزا ولبنا، وإنما الأكل في أحدهما ~~دون الآخر. قال الزجاج: لما ذكر البحرين ثم ذكر اللؤلؤ والمرجان، وهو يخرج ~~من أحدهما، صحب الإضافة إليهما على لسان العرب. وذكر القفال الشاشي في ~~تفسيره: أن اللؤلؤ والمرجان لا يكون إلا في ملتقى البحرين في أول ما يخلق، ~~ثم حينئذ موضع الأصداف هو البحر الملح دون العذب، فصح قوله: {يخرج منهما} ~~لأنهما في ابتداء عند ملتقى البحرين، وهذا قول حسن إن كان كذلك. وروى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس: أن السماء إذا أمطرت ارتفعت الأصداف إلى وجه البحر ~~وفتحت أفواهها، فما وقع من قطر السماء في أفواها يكون الدر. # PageV05P327 # قوله تعالى: {وله الجوار المنشآت} وقرئ بكسر الشين، والأول ms1696 أشهر؛ فمعنى ~~الكلمة على الفتح أي: المرفوعات الشرع، ويقال: المخلوقات. ومعنى الكلمة ~~بالكسر أي: المقيلات، ويقال: المبتدئات في السير، فعلى هذا المعنى إذا قرئ ~~بالفتح فمعناه: أبتدئ بهن في السير، ذكره الأزهري. والجواري: هي السفن. # وقوله: {في البحر كالأعلام} أي: الجبال، قال الشاعر: # PageV05P327 # {كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (28) يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن (29) فبأي ~~آلاء} # (إذا قطعن علما بدا علم ... # وقالت الخنساء: # (وإن صخرا ليأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار) # أي: جبل. ويقال: كالأعلام أي: كالقصور. وعن بعضم: أن السفن في البحر ~~كالجبال في البر. # PageV05P328 # قوله تعالى: {كل من عليها فان} أي: كل من على الأرض هالك. # PageV05P328 # وقوله: {ويبقى وجه ربك} أي: يبقى ربك، وروى الضحاك عن ابن عباس: أنه يبقى ~~ما أريد به وجه ربك. # وقوله: {ذو الجلال والإكرام} أي: الكبرياء والعظمة. وأما الإكرام: هو ما ~~أكرم أولياءه، وأصفياءه. # PageV05P328 # قوله تعالى: {يسأله من في السموات والأرض} في الآية أقوال: أحدها: يسأله ~~من في السماء الرحمة، ومن في الأرض الرزق والمغفرة. قال الكلبي: لا يستغني ~~عنه أحد من أهل السماء وأهل الأرض. وقال قتادة: يسأله أهل السماء وأهل ~~الأرض المغفرة. وعن بعضهم: يسأله من في السماء أي: الملائكة لأهل الأرض ~~المغفرة والرزق، ويسأله من في الأرض لأنفسهم المغفرة والرزق، وهذا قول ~~الحسن البصري. فالمسئول له في السؤالين أهل الأرض. والجملة أن معنى الآية: ~~أن كل أهل السماء وأهل الأرض يسألونه حوائجهم، ولا غنى لأحد عنه. # وقوله: {كل يوم هو في شأن} روى أبو الدرداء عن النبي قال: " يغفر ذنبا، # PageV05P328 # {ربكما تكذبان (30) سنفرغ لكم أيها الثقلان (31) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(32) يا} ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين ". # وعن بعضهم: يعطي سائلا، ويجيب داعيا، ويفك عانيا. وعن بعضهم: يحيي ويميت، ~~ويعز ويذل، ويخلق ويرزق. وعن بعضهم: يعتق رقابا، ويعطي رغابا، ويفحم خطابا. # PageV05P329 # قوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} أي: الجن والإنس. # والثقل في كلام العرب: كل ms1697 ما يتنافس فيه، ويسمون بيض النعامة ثقلا؛ لأنه ~~يتنافس فيها. وفي الخبر أن النبي قال: " تركت فيكم الثقلين، كتاب الله ~~وعترتي ". وهو إخبار عن عظم قدرهما. فإن قيل: قد قال: {سنفرغ} والفراغ لا ~~يكون إلا عن شغل، ولا يجوز الشغل على الله تعالى، فكيف معناه؟ # والجواب: أن هذا على طريق التهديد والوعيد، كالإنسان يقول لغيره: سأفرغ ~~لك، وإنه لم يكن في الحال في شغل. وقال الزجاج: والفراغ يكون على وجهين: ~~أحدهما: الفراغ من الشغل. والآخر: بمعنى القصد، كالرجل يقول لغيره: قد ~~تفرغت لأذاى ومكروهي أى أخذت في كروهى وأذاى ويقول الرجل لغيره اصبر حتى ~~أتفرغ # PageV05P329 # {معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا ~~لا تنفذون إلا بسلطان (33) فبأي آلاء ربكما تكذبان (34) يرسل عليكما شواظ ~~من نار} لك أي: أقصدك وأعمدك، فمعنى قوله: {سنفرغ لكم} أي: سنقصد ونعمد ~~بلمؤاخذة والمجازاة. # وأنشد المبرد في هذا المعنى قول جرير: # (لما اتقى القين العراقي [باسته] ... فرغت إلى العبد المقيد في الحجل) # PageV05P330 # قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات ~~والأرض} أي: جوانب السموات والأرض. # وقوله: {أن تنفذوا} أي: تخرجوا. # وقوله: {فانفذوا} أي: اخرجوا، وهذا على طريق التهديد. # وقوله: {لا تنفذون إلا بسلطان} أي: حجة. ويقال: لا تنفذون إلا في سلطان، ~~والباء بمعنى في، حيثما كنتم فأنتم في سلطاني وملكي. واختلفوا أن هذا القول ~~متى يكون؟ فالأكثرون على أنه يوم القيامة يكون، وينزل الله تعالى لملائكة ~~حتى ينفذوا على أقطار السموات والأرض، فإذا رأى الجن والإنس أهوال القيامة ~~هربوا، فتردم الملائكة. # وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: بينما يكون الناس في أسواقهم إذا رأوا ~~السماء قد تشققت، ونزلت الملائكة، فيهرب الناس، فتتبعهم الملائكة ويردونم ~~إلى أمر الله تعالى وهو الهلاك. وهذا قول غريب. ويقال: إن المراد هو الهرب ~~من الموت، يعني: إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض هربا من ~~الموت فانفذوا. # وقوله: {لا تنفذون إلا بسلطان} يعني: حيث ما كنتم أدرككم. # PageV05P330 # قوله تعالى: ms1698 {يرسل عليكما شواظ من نار} أي: لهب من نار، قاله ابن عباس. # PageV05P330 # {ونحاس فلا تنتصران (35) فبأي آلاء ربكما تكذبان (36) فإذا انشقت السماء ~~فكانت وردة كالدهان (37) فبأي آلاء ربكما تكذبان (38) فيومئذ لا يسأل عن ~~ذنبه} # وقال مجاهد: قطعة من النار فيها خضرة. والمراد بالإرسال هو إرسال العذاب. # وقوله: {عليكما} منصرف إلى الجن والإنس. # وقوله: {ونحاس} يقرأ بكسر السين وضمها، والنحاس من الدخان، وفي قول ~~الأكثرين، قال الشاعر: # (يضيء كضوء سراج السليطة ... لم يجعل الله فيه نحاسا) # وقال مجاهد: النحاس: الصفر المذاب على رءوس الكفار. # وقوله: {فلا تنتصران} أي: لا تمتنعان، يقال: لا يكون لكما قوة دفع ~~العذاب. # PageV05P331 # قوله تعالى: {فإذا انشقت السماء فكانت وردة} أي: حمراء. # وقوله: {كالدهان} وقال ابن عباس: كالأديم الأحمر، وفي رواية أخرى عنه: أن ~~الوردة وردة النبات، وهي تكون حمراء في الأغلب، قال عبد بني الحساس: # (فلو كنت وردا لونه [لعشقنني] ... ولكن [ربي شانني] بسواديا) # وذكر الفراء والزجاج وغيرهما أن الوردة هاهنا: لون الفرس الورد، وهو ~~الكميت. وذلك يتلون في فصول السنة، فيكون أصفر في فصل، وأحمر في فصل، وأغر ~~في فصل. والدهان جمع الدهن، وهي مختلفة الألوان. فمعنى الآية: أن السماء ~~يختلف لونها يوم القيامة كاختلاف لون الورد، واختلاف لون الدهن. وقال تعالى ~~في موضع آخر {يوم تكون السماء كالمهل} قالوا: هو دردي الزيت، أي: في اللون. # وقال بعضهم: يصير مثل الدهن الأصفر، وهذا كله من فزع القيامة وهولها. # PageV05P331 # قوله تعالى: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} أي: لا يسأل سؤال # PageV05P331 # {إنس ولا جان (39) فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) يعرف المجرمون بسيماهم ~~فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) فبأي آلاء ربكما تكذبان (42) هذه جهنم التي ~~يكذب بها المجرمون (43) يطوفون بينها وبين حميم آن (44) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (45) } استعلام، وإنما يسأل سؤال تقريع وتوبيخ، ولا يقال لهم: هل ~~فعلتم؟ بل يقال لهم: لم فعلتم؟ # وعن بعضهم: أن معناه: لا يسأل بعضهم بعضا. وعن بعضهم: أن الملائكة لا ~~يسألون عن ذنوب بني آدم؛ لأنهم قد رفعوا الصحف، وأدوا الأمانة فيها. ms1699 والقول ~~الأول هو الصحيح. # PageV05P332 # قوله تعالى: {يعرف المجرمون بسيماهم} قال الحسن البصري وغيره: بسواد ~~الوجوه وزرقة العيون. # وقوله: {فيؤخذ بالنواصي والأقدام} أي: يجرون بنواصيهم وأقدامهم إلى ~~النار، ويقال: يجمع بين نواصيهم وأقدامهم ويشد، ثم يلقى (في) النار. # PageV05P332 # قوله تعالى: {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون} يقال لهم هذا حين يرون ~~جهنم، وهذا على طريق التقريع والتوبيخ، يعني: ما أنكرتموه وجحدتموه فأبصروه ~~عيانا. # PageV05P332 # وقوله: {يطوفون بينها وبين حميم آن} أي: يطاف بهم مرة إلى الحميم، ومرة ~~إلى الجحيم. # وقوله: {آن} هو الحميم الذي انتهى حره. وقيل: آن أي: آن وحضر وقت عذابهم ~~به وشربهم إياه. # PageV05P332 # قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} لما ذكر عذاب الكفار أتبع ذكر ~~نعيم المؤمنين. # PageV05P332 # {ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي ألاء ربكما تكذبان (47) } # وقوله: {خاف مقام ربه} أي: قيامه بين يدي ربه للسؤال والحساب، ويقال: هو ~~من قدر على الذنب فذكر ربه فخاف منه وتركه. وعن عطية بن قيس: " أن الآية ~~وردت في الرجل الذي أوصى بنيه، وقال: إذا مت فأحرقوني واسحقوني وذروني في ~~الريح، لعلي أضل الله، ففعلوا، فأحياه الله تعالى وقال: لم فعلت ذلك؟ قال: ~~مخافتك، فغفر الله له ". وهذا خبر صحيح. # وعن الزبير أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهذا محكي عن ~~عطاء بن أبي رباح. قال الضحاك: شرب أبو بكر رضي الله عنه لبنا، ثم سأل عنه، ~~وكان من غير وجهه، فاستقاه، فأنزل الله هذه الآية. # وقوله: {جنتان} أي: بستان. ويقال: بستان لمسكنه، وبستان لخدمه وحشمه. ~~ويقال: مسكن له، وبستان له. وعن بعضهم معناه: جنة عدن، وجنة النعيم، وهذا ~~قول حسن. وقال مجاهد في قوله: {خاف مقام ربه} أي: هم بالمعصية فتركها خوفا ~~من الله تعالى. # وقال الفراء: الجنتان هاهنا بمعنى الجنة الواحدة، وقد ورد هذا في الشعر. # قال الشاعر: # (ومهمهمين فرقدين مرتين ... # وأراد به الواحدة. وقد أنكر عليه ذلك. وقيل: هذا ترك الظاهر، وإنما ~~الجنتان بستانان. وفي الخبر المشهور أن النبي قال: " جنتان من ذهب آنيتهما ms1700 ~~وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما " رواه أبو موسى. # PageV05P333 # {ذواتا أفنان (48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان (50) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة زوجان (52) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (53) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق} # PageV05P334 # قوله تعالى: {ذواتا أفنان} فيه قولان: أحدهما أن معناه: ذواتا ألوان من ~~الفاكهة، كأن الأفنان بمعنى الفنون. والقول الثاني: أن الأفنان بمعنى ~~الأغصان، وهو الأظهر. قال عكرمة: ظل الأغصان على الحيطان. وأما الأول قاله ~~الضحاك، وجمع عطاء بين القولين فقال: على كل غصن ألوانه من الفواكه. # PageV05P334 # قوله تعالى: {فيهما عينان تجريان} فقال: هما التسنيم والسلسبيل، وعن ~~بعضهم: تجريان بكل خير وبركة. # PageV05P334 # قوله تعالى: {فيهما من كل فاكهة زوجان} أي: نوعان وصنفان، وهو الرطب من ~~الفواكه وما يشبهها، كالعنب والزبيب، والرطب والتمر، ونحو ذلك. وعن ابن ~~عباس: ليس مما وصف في الجنة في الدنيا شيء إلا الأسماء. كأنه ذهب إلى أن ~~شيئا مما في الدنيا لا يماثل ما في الجنة. # PageV05P334 # قوله تعالى: {متكئين على فرش بطائنها من إستبرق} قال الحسن البصري: ~~بطائنها أي: ظواهرها، تقول العرب: هذه بطن السماء، وهذه ظهرها، لما يرى من ~~السماء، وهذا القول ذكره الفراء أيضا، وأما سائر أهل التفسير قالوا: إن ~~المراد من البطائن حقيقة البطانة. والإستبرق: هو الديباج الغليظ، مثل ما ~~يعلق من الديباج على الكعبة. وقيل: إنها فارسية معربة من قولهم: إستبر. وعن ~~بعضهم: أنه مثل الحرير الصيني. قال أبو هريرة: هذه البواطن، فما ظنكم ~~بالظواهر، ومثله عن ابن مسعود. وعن سعيد بن جبير قال: ظواهرها نور يتلألأ. ~~وعن بعضهم: ظواهرها مما قال الله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين} . # PageV05P334 # {وجنى الجنتين دان (54) فبأي آلاء ربكما تكذبان (55) فيهن قاصرات الطرف ~~لم يطمثهن إنس ولا جان (56) فبأي آلاء ربكما تكذبان (57) } # وقوله: {وجنى الجنتين دان} أي: ثمار الجنتين دانية، ومنه قول العرب: هذا ~~جناي خيار فيه، إذ كل جان يده إلى فيه، وهو يحكي عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه حين ms1701 دخل بيت المال بالكوفة، ورأى ما فيه من الذهب ولبفضة فقال: يا ~~صفراء، ويا بيضاء غرا غيري، ثم قال: هذا جناي ... إلى آخره. # وقوله: {دان} أي: قريب المتناول. قال قتادة: لا يرده عنها بعد ولا شوك. ~~وقال غيره: يتناولها قائما وقاعدا ومضطجعا. # PageV05P335 # قوله تعالى: {فيهن قاصرات الطرف} فإن قيل: كيف قال: {فيهم} وإنما ذكر ~~الجنتين؟ # والجواب: قال بعضهم: إن الاثنين يذكران بلفظ الجمع، فيجوز أن يرد الكلام ~~إليهما بلفظ الجمع. والأصح أن قوله: {فيهن} ينصرف إلى الفرش، ومعناه: ~~عليهن، مثل قوله: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي: على جذوع. # وقوله: {قاصرات الطرف} أي: قصرن أطرافهن على أزواجهن لا يرون غيرهم، وهذا ~~أحسن خصلة من خصال النساء. قال ابن مسعود: لسن بمتبرجات، ولا ضماخات، ولا ~~دفرات. وقال بعضهم: لسن بمتشرغات، ولا بمتطلعات، ولا صياحات، ولا صخابات. ~~وقال الحسن: لسن بالطوافات في الأسواق. # وقوله: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} أي: لم يمسسهن إنسي ولا جني. قال ~~الفراء: الطمث: هو الوطء بالتدمية، وهو الافتضاض. # قال الفرزدق: # PageV05P335 # {كأنهن الياقوت والمرجان (58) فبأي آلاء ربكما تكذبان (59) هل جزاء ~~الإحسان إلا الإحسان (60) فبأي آلاء ربكما تكذبان (61) } # (رفعن إلي لم يطمثن فبلي ... وهن أصح من بيض النعام) # وعن الحسن البصري: أن المراد من قوله: {فيهن قاصرات الطرف} هن المؤمنات ~~من الآدميات. فعلى هذا قال بعضهم: يجوز أن يطأ الجني الإنسية، واستدل بظاهر ~~الآية. وأما الأكثرون أنكروا هذا، وقالوا: معنى الآية: لم يطمثهن، الجنية ~~جني، ولا الإنسية إنسي، وقوله: {فيهن قاصرات الطرف} يتناول الإنسيات ~~والجنيات. فإن قال قائل: هل يقولون إن الجن يدخلون الجنة، ويكون لهم أزواج ~~مثل الإنس؟ # والجواب: أن العلماء اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يدخل الله المؤمنين منهم ~~الجنة كما يدخل الكافرين منهم النار، وهو قول ضمرة بن جندب وغيره. وقال ~~بعضهم: ليس لهم ثواب. قال ليث بن أبي سليم: مؤمنو الجن يحاجزون من النار ثم ~~يجعلون ترابا، وأما الكفار منهم يخلدون في النار. # وأما على الأول إذا حملنا الآية على الحور العين لا يرد شيء من ms1702 هذه ~~الأسئلة. # PageV05P336 # قوله تعالى: {كأنهن الياقوت والمرجان} أى في صفاء الياقوت وبياض المرجان ~~وقد بينا أن المرجان هو اللؤلؤ الصغار وقيل الكبار # PageV05P336 # قوله تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} معناه: هل جزاء الطاعة إلا ~~الثواب. ويقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله إلا الجنة. وفي رواية ابن ~~عمر عن النبي أنه قال حاكيا عن الله تعالى: " جزاء ما أنعمت عليه بالتوحيد ~~إلا أن أدخلته جنتي ". وقيل: الآية على الجملة، ومعناها: هل جزاء من أحسن ~~إلا أن يحسن إليه. وعن بعضهم: أنه يحتمل أن معنى الآية: هل جزاء إحسان الله ~~إليكم إلا أن تحسنوا بالطاعة. # PageV05P336 # {ومن دونهما جنتان (62) فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (65) فيهما عينان نضاختان (66) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(67) فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) فبأي آلاء ربكما تكذبان (69) } # PageV05P337 # قوله تعالى: {ومن دونهما جنتان} أي: من دون الجنتين جنتان، فيقال: ~~الجنتان، فيقال: الجنتان المذكورتان أولا للمقربين، والمذكورتان آخرا ~~لأصحاب اليمين، ويقال: المذكورتان أولا للسابقين، والمذكورتان آخرا ~~للتابعين. واختلف القول في قوله: {ومن دونهما جنتان} قال بعضهم معناه: أن ~~الجنتين المذكورتين آخرا دون الجنتين المذكورتين أولا في النعيم والكرامة. ~~وقال بعضهم: هو مأخوذ من الدنو على معنى القرب، كأن هاتين الجنتين أقرب إلى ~~المؤمن يعني: إلى مسكنه ومنزله من الجنتين الأولتين. فإن قال قائل: أي ~~كرامة في ذكر الجنتين، وهنا ذكر جنة واحدة؟ # والجواب: أن التنقل من بستان إلى بستان من الاستلذاذ والتنعم ما لا يخفى، ~~فذكر الجنتين للزيادة والكرامة والنعمة. # PageV05P337 # قوله تعالى: {مدهامتان} أي: خضراوتان من الري. قال مجاهد: مسودتان من شدة ~~الخضرة، وهذا قول صحيح؛ لأنه ما من أخضر إلا واشتدت خضرته يضرب إلى السواد، ~~والعرب كانت تسمى قرى العراق سوادا لشدة خضرتها، وكثرة أشجارها. # PageV05P337 # قوله تعالى: {فيهما عينان نضاختان} أي: فوارتان، والنضخ فوق النضح ودون ~~الجري. ويقال: نضاختان بالعنبر والمسك. # PageV05P337 # قوله تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} حكي عن ابن عباس أنه قال: الرمان ~~ليس من الفاكهة، وكذلك الرطب؛ لأنهما أفردا بالذكر عن الفاكهة، وذكر ms1703 الفراء ~~هذا أيضا. و [هذا] عن ابن عباس قول غريب، والأكثرون على أن الجميع فاكهة؛ ~~لأن الفاكهة ما يتفكه به، والإفراد بالذكر للتنبيه على نوع فضل، لا أنه ليس ~~من الفاكهة، وهو مثل قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} ومثل ~~قوله # PageV05P337 # {فيهن خيرات حسان (70) فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) حور مقصورات في ~~الخيام (72) فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) ~~فبأي آلاء} تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} . # والرمان نوع فاكهة يمص ويرمى بثفله. وعن الحسن البصري قال: لو قال رجل ~~لامرأته: إن أكلت فاكهة فأنت طالق، فأكلت الرمان أو الرطب وقع الطلاق. وهذا ~~قول أكثر أهل العلم وهو المختار وعند ابي حنيفة رضي الله عنه لا يقع الطلاق ~~قال سعيد بن جبير: نخل الجنة جذوعها من ذهب، وأغلافها من ذهب، وكرانيفها من ~~زمرد، وسعفها كسوة أهل الجنة، وثمرها كالدلاء، أحلى من كل شيء، وألين من كل ~~شيء. # PageV05P338 # قوله تعالى: {فيهن خيرات حسان} قرئ في الشاذ: " خيرات حسان " وهما بمعنى ~~واحد، مثل: هين وهين، وليل ولين. ومعنى الآية: خيرات الأخلاق، حسان الوجوه. # PageV05P338 # قوله تعالى: {حور مقصورات في الخيام} أي: محبوسات، وليس هذا الحبس إهانة، ~~إنما هو حبس الكرامة، قال عمر رضي الله عنه الخيمة مجوفة. وعن ابن مسعود ~~قال: كل خيمة لها أربعة أبواب، يدخل عليه من كل يوم هدية جديدة من الله ~~تعالى. وعن ابن عباس: الخيمة فرسخ في فرسخ من درة واحدة، لها أربعة آلاف ~~مصراع من ذهب. وقال بعضهم: الخيمة بمعنى القبة، وهي قباب العرب التي كانوا ~~يسكنونها في البادية، فذكر لهم مثل ما كانوا يستلذونها ويستطيبونها، وقد ~~كانوا يستطيبون السكنى في الخيام في البوادي، وقد قيل: إن هذه الخيام خارج ~~الجنة كالبوادي للحاضرة. # PageV05P338 # وقوله: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} قد بينا. # PageV05P338 # قوله تعالى: {متكئين على رفرف} قال الفراء: هو رياض الجنة. وقال أبو ~~عبيدة: # PageV05P338 # {ربكما تكذبان (75) متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (77) تبارك اسم ربك ms1704 ذي الجلال والإكرام (78) } فرش الجنة. وعن ~~ابن مسعود في قوله: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} أي: رفرفا أخضر قد سد ~~الأفق، وهو البساط. وعلى الجملة: الرفرف كل فرش يرتفع، مأخوذ من الرف، وهو ~~المرتفع في الجدار. # وقوله: {وعبقري حسان} وقرئ في الشاذ: " عباقري حسان " قال الحسن البصري: ~~عبقري حسان هو الوسائد. # وقال أبو عبيدة: الطنافس، وعن بعضهم: الزرابي، وعبقري: قرية باليمن ينسج ~~بها الوشي، وهم ينسبون إليها كل شيء حسن. وفي " كتاب الغريبين ": أن عبقر ~~قرية يسكنها الجن، والعرب ينسبون كل شيء فائق إليها، قال الشاعر: # (بخيل عليها جنة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا ويستعلوا) # وقد ذكر بعضهم أن العبقري هاهنا: هو الوشي. قال مجاهد: هو الديباج. وعن ~~بعضهم: هو الديباج الذي عمل فيه بالذهب. وأما الخبر الذي روي عن النبي أنه ~~قال في عمر: " فلم أر عبقريا يفري فرية ". معناه: فلم أر سيد قوم وجليلهم ~~يعمل عمله. # PageV05P339 # قوله تعالى: {تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام} وفرئ: " ذي الجلال ~~والإكرام " معناه: ذو العظمة والمهابة. ويقال: ذو الجلال والإكرام أي: يجل ~~المؤمنين ويكرمهم، والقول الأول أولى؛ لأنه ينصرف إلى عظمة الله وعلو شأنه. # PageV05P339 # وقوله: {ذو الجلال} ينصرف إلى الاسم، وقوله: {ذي الجلال} ينصرف إلى الرب، ~~والاسم والمسماة واحد عند أكثر أهل السنة. وقد روي عن النبي أنه قال: " ~~ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام " أي: الزموا وداموا عليه. # فإن قال قائل: ما معنى تكرير قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} في هذه ~~السورة؟ وكان يوقف على المعنى بالمرة الواحدة؟ # والجواب: أن القرآن نزل على لسان العرب على ما كانوا يعتادونه ويتعارفونه ~~في كلامهم، ومن عادتهم أنهم إذا ذكروا النعم على إنسان، يكررون التنبيه على ~~الشكر أو ذكر التوبيخ عند عدم الشكر، والله تعالى عد النعم في هذه السورة، ~~وذكر عند كل نعمة هذه الكلمة؛ لئلا ينسوا شكرها، ويعرفوا إحسان الله عليهم، ~~ويجددوا الحمد عليها. تمت السورة. # PageV05P340 # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) إذا رجت} # تفسير سورة ms1705 الواقعة # وهي مكية، وعن مسروق أنه قال: من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين، ~~ونبأ أهل الجنة وأهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة، فليقرأ سورة الواقعة. ~~والله أعلم. # PageV05P341 # قوله تعالى: {إذا وقعت ### | الواقعة} # معناه: إذا كانت القيامة، وهذا قول عامة المفسرين. وسميت القيامة واقعة؛ ~~لأنه لا بد من وقوعها. والعرب تسمي كل متوقع لا بد منه واقعا، وقال الضحاك: ~~الواقعة هاهنا هي الصيحة لموت الخلائق. وقيل: سميت القيامة واقعة؛ لكثرة ما ~~يقع فيها من الشدة. وعن بعضهم: لأنها تقع على غفلة من الناس. فإن قيل: أين ~~جواب قوله: {إذا} ؟ ولا بد لهذه الكلمة من جواب، والجواب: أن جوابه قوله: ~~{فأصحاب الميمنة} . # PageV05P341 # وقوله: {ليس لوقعتها كاذبة} قال قتادة: ليس مثنوية ولا رد ولا رجعة. ~~ويقال معناه: هي صدق ولا كذب فيها. وقيل: ليس لوقوعها من نفس كاذبة، حكي ~~هذا عن سفيان، ومعناه: ليس عند وقوعها مكذب بها. # PageV05P341 # وقوله: {خافضة رافعة} قال ابن عباس: تخفض أقواما، وترفع آخرين، وعنه في ~~رواية أخرى: تخفض أقواما ارتفعوا، وترفع أقواما خفضوا في الدنيا. وعن ~~السدى: ترفع أقواما في الجنة، وتخفض أقواما في النار. ومعنى هذا: تخفض أهل ~~المعصية بإيجاب النار لهم، وترفع أهل الطاعة بإيجاب الجنة لهم. قال ابن ~~جريج: خافضة رافعة بالحسنات والسيئات. # PageV05P341 # قوله تعالى: {إذا رجت الأرض رجا} قال المبرد: الرجة حركة يسمع منها صوت، # PageV05P341 # {الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) وكنتم أزواجا ~~ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب المشأمة ما} وهي ~~أكثر من الصيحة. فعلى هذا معنى الاية: حركت الأرض بمن فيها، وهو في معنى ~~قوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} . # PageV05P342 # وقوله: {وبست الجبال بسا} قال ابن عباس: فتتت فتا. وعن الحسن البصري: ~~قلعت من أصلها. وقال السدى: كسرت كسرا. قال مجاهد: بست كما يبس السويق أي: ~~دقت، والبسيسة هي الدقيق، والسويق يلت ويتخذ منه الزاد. وقال قتادة: بست ~~أي: جعلت كبيس الشجرة تذروه الرياح، وقال الشاعر في البس بمعنى اللت: # (لا تخبزا خبزا وبسا بسا ... # أورده النحاس. وقال بعضهم: ms1706 بست أي: سيرت، ومنه قوله عليه السلام: " يخرج ~~من المدينة قوم يبسون والمدينة خير لهم " أي: يسيرون. # PageV05P342 # وقوله: {فكانت هباء منبثا} قال علي رضي الله عنه هو ما سطع من سنابك ~~الخيل من المرضح والغبار، ثم يذهب. # وعن بعضهم: إن الهباء المنبث هو الذي يرى في الكوة من ضوء الشمس كالعمود ~~الممدود. # والأصح هو الأول هو الهباء المنبث. وعن بعضهم: أن الهباء المنبث هو ~~الرماد. # PageV05P342 # وقوله: {وكنتم أزواجا ثلاثة} أي: أصنافا ثلاثة. # PageV05P342 # قوله تعالى: {فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب ~~المشأمة} قال يزيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من الشق الأيمن من آدم عليه ~~السلام، # PageV05P342 # {أصحاب المشأمة (9) والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) في} ~~وأصحاب المشأمة هم الذين أخذوا من الشق الأيسر. وعن محمد بن كعب القرظي ~~قال: أصحاب الميمنة هم الذين يعطون الكتاب بإيمالهم. وأصحاب المشأمة هم ~~الذين يعطون الكتاب بشمالهم وقال السدى: أصحاب الميمنة: جمهور أهل الجنة، ~~وأصحاب المشأمة: جمهور أهل النار. ويقال: أصحاب الميمنة هم الميامين على ~~أنفسهم، وأصحاب المشأمة هم المشائيم على أنفسهم. والعرب تسمي الجانب الأيسر ~~الجانب الأشأم، وتسمي اليسار الشؤمى، واليمين اليمنى. # وقوله: {ما أصحاب الميمنة} و {ما أصحاب المشأمة} هذا في كلام العرب ~~للتعجيب، وهو في كلام الله مع عباده للتنبيه على عظم شأن الأمر. # PageV05P343 # وقوله: {والسابقون السابقون} قال كعب: هم الأنبياء عليهم السلام. وعن ~~بعضهم: هو كل من صلى إلى القبلتين. وعن ابن عباس في بعض الروايات: مؤمن آل ~~فرعون سبق إلى موسى، ومؤمن آل ياسين سبق إلى عيسى، وعلي سبق إلى محمد ~~بالإيمان، أورده أبو الحسين بن فارس. ويقال: السابقون هم المبادرون إلى ~~الطاعات. # وقوله: {السابقون} تقدير الآية: والسابقون إلى الخيرات والطاعات هم ~~السابقون في الدرجات. وقيل: هو على طريق التأكيد. # PageV05P343 # وقوله: {أولئك المقربون} أي: المقربون من المنزلة والكرامة والوصول إلي ~~رضا الله تعالى. وذكر في موضع آخر أصنافا ثلاثة فقال: {ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات} فذهب بعض أهل التفسير ms1707 إلى أن الأصناف المذكورين في سورة الواقعة ~~[كلهم] من المؤمنين مثل الأصناف المذكورين في تلك السورة، وأن أصحاب ~~المشأمة هم # PageV05P343 # {جنات النعيم (12) ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) } الظالمون ~~لأنفسهم، وأصحاب الميمنة هم المقتصدون، والسابقون هم السابقون بالخيرات. ~~والقول الأول هو الأصح، وأن أصحاب المشأمة هم الكفار؛ ولأن الله تعالى قال ~~بعده: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم} ووصفهم بالكفر على ما ~~سيأتي. # PageV05P344 # وقوله: {في جنات النعيم} ذكر النقاش في تفسيره عن النبي في وصف جنة ~~النعيم: " أن لبنة منها فضة، ولبنة ذهب، وطينها المسك، وترابها الزعفران، ~~وحصباءها الدر والياقوت ". # PageV05P344 # قوله: {ثلة من الأولين} أي: جماعة من الأولين، ولفظ الثلة مأخوذ من الثل ~~وهو القطع. # PageV05P344 # وقوله: {وقليل من الآخرين} اختلف أهل التفسير فيه على القولين: أحدهما: ~~أن المراد من الأولين هم أتباع الأنبياء المتقدمين قبل نبينا محمد. # وقوله: {وقليل من الآخرين} هم من أمة محمد. # والقول الثاني: أنهما جميعا من هذه الأمة، وقد روي هذا في خبر مرفوع، وهو ~~قول الحسن وابن سيرين. فإن قيل على القول الأول: كيف يستقيم هذا، وأتباع ~~الرسول من المؤمنين أكثر من أتباع الأنبياء؟ والجواب: أن المراد من الأولين ~~هو من رأى جمع الأنبياء وآمن بهم، ومن الآخرين من رأى محمدا وآمن به، وعلى ~~القطع # PageV05P344 # {على سرر موضونة (15) } يعلم أن أولئك ممن رأى نبينا وآمن به، فإن الله ~~تعالى قال في يونس عليه السلام: {وأرسلنا إلى مائة ألف أو يزيدون} هذا في ~~نبي واحد، فكيف في جميع الأنبياء؟ وإنما كثرت هذا الأمة بعد وفاة الرسول، ~~وقد روي " أنه لما نزلت هذا الآية حزن أصحاب رسول الله حزنا شديدا لقوله: ~~{وقليل من الآخرين} فقال النبي: " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، بل ~~ثلث أهل الجنة، بل نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني ". وفي بعض ~~الأخبار: أن أهل الجنة مائة وعشرون صفا، ثمانون من هذه الأمة ". # PageV05P345 # قوله تعالى: {على سرر} فالسرر جمع سرير. وفي بعض الأخبار: أن ارتفاعه ~~سبعون ذراعا، وقيل: أكثر من ms1708 ذلك، والله أعلم. # وقوله: {موضونة} أي: مرمولة بقضبان الذهب. وقيل: مشبكة منسوجة بالدر ~~والياقوت. والوضين في كلام العرب هو الحزام الذي يشد به بطن الدابة، سمي ~~وضينا لنسجه وإدخاله بعضه في بعض، قال الشاعر: # (إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها) # (مخالفا دين النصارى دينها ... # PageV05P345 # {متكئين عليها متقابلين (16) يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب ~~وأباريق وكأس من معين (18) لا يصدعون عنها} # وقال آخر: # (ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحي عيرا فعيرا) # والسرير المرمول أوطأ من السرير الذي هو غير مرمول. وقيل: موضونة أي: ~~مصفوفة. # PageV05P346 # وقوله: {متكئين عليها} الاتكاء هو الاستناد على طريق التنعم. # وقوله: {عليها متقابلين} هو مثل قوله: {إخوانا على سرر متقابلين} أي: لا ~~ينظر بعضهم إلى قفا بعض، ووجوههم إلى وجوه إخوانهم. # PageV05P346 # قوله تعالى: {يطوف عليهم ولدان مخلدون} أي: غلمان. # وقوله: {مخلدون} أي: لا يموتون. وقيل: مخلدون مسرورون. وقيل: مقرطون، قال ~~الشاعر: # (ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن [أقاوز] الكثبان) # PageV05P346 # وقوله: {بأكواب} قال أبو عبيدة: الأكواب هي الأواني المستديرة الرءوس، ~~وليست لها خراطيم، والأباريق التي لها خراطيم. وفي الخبر في وصف الكوثر ~~أكاويبه عدد نجوم السماء. # وقوله: {وكأس من معين} في التفسير: أن العرب لا تسمى الإناء كأسا حتى ~~يكون فيه الخمر. # قوله تعالى: {معين} أي: خمر جار. ويقال: إن خمر أهل الجنة تكون بيضاء، ~~وقيل: حمراء، والله أعلم. # PageV05P346 # {ولا ينزفون (19) وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) وحور ~~عين (22) كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) جزاء بما كانوا يعملون (24) لا يسمعون ~~فيها لغوا ولا تأثيما (25) إلا قليلا سلاما سلاما (26) } # PageV05P347 # وقوله: {لا يصدعون عنها} أي: لا يلحقهم من شربها صداع مثل ما يصيب شارب ~~الخمر في الدنيا. # وقوله: {ولا ينزفون} أي: ولا تذهب عقولهم. وقيل: لا يسكرون. وقيل: لا ~~تتغير ألوانهم، وقيل: لا يقيئون مثل ما يقئ شارب الخمر في الدنيا. وفي ~~اللغة يسمى ذاهب اللون منزوفا، وذاهب العقل نزيفا، وكذلك العطشان، قال ~~الشاعر: # (فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج) # وقرأ ابن مسعود: " ولا ينزفون " بكسر الزاي، ومعناه: لا ms1709 تفنى خمرهم. # PageV05P347 # قوله تعالى: {وفاكهة مما يتخيرون} أي: يختارون. # PageV05P347 # وقوله تعالى: {ولحم طير مما يشتهون} أي: يريدون. # PageV05P347 # وقوله: {وحور عين} بالرفع فيهما، وقرئ بالكسر فيهما، وقرئ بالفتح فيهما ~~في الشاذ، فعلى الرفع معناه: ولهم حور عين، وعلى الكسر معناه: ويطاف عليهم ~~بحور عين، وعلى النصب معناه: ويعطون حورا عينا. والمشهور بالرفع والخفض، ~~وسميت الحور حورا؛ لبياضهن وشدة سواد أعينهن، وقيل: سمين حورا؛ لأن الطرف ~~يحار فيهن. # وقوله: {عين} أي: حسان الأعين، وهو ما ذكرنا من بياض البشرة وسواد ~~الحدقة. # PageV05P347 # وقوله: {كأمثال اللؤلؤ المكنون} أي: اللؤلؤ المكنون في أصدافه لم تنله ~~يد. # PageV05P347 # وقوله: {جزاء بما كانوا يعملون} أي: ثوابا لهم لعملهم. # PageV05P347 # قوله تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما} أي: كلاما باطلا، وكلاما ~~يأثم به قائله، واللغو كل ما يلغى. # PageV05P347 # وقوله: {إلا قليلا سلاما سلاما} معناه: إلا قولهم السلام بعد السلام، ~~والتحية بعد # {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود (28) وطلح منضود # التحية. وقد قالوا: إن الاستثناء هاهنا من غير جنس المستثنى منه، فهو ~~منقطع، وهو بمعنى لكن. وقيل: إنه من جنس المستثنى منه؛ لأن اللغو كلام ~~مسموع، والسماع كلام مسموع، واختلفوا في نصب قوله: {سلاما} قال بعضهم: ~~انتصب لأن معناه: سلمك الله سلاما أي: يقول بعضهم لبعض، ومنهم من قال: ~~انتصب تبعا لقوله: {قيلا} لأن سلاما هو الفعل المذكور. # PageV05P347 # وقوله تعالى: {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين} قد بينا، وعن ميمون بن ~~مهران قال: لهم منزلة دون منزلة المقربين. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن ~~جده: أنهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ثم تابوا. وذكر الضحاك عن ابن ~~عباس: أن الله تعالى مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فاستخرج منها ذرية شبه الذر ~~بيضا؛ وقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ثم مسح صفحة ظهره اليسى واستخرج منها ~~ذرية كالحمم سوداء، وقال لهم: ادخلوا النار ولا أبالي. وفي رواية: أخذ ~~بيمينه كل طيب، وأخذ بشماله كل خبيث. وفي الصحيح "أن كلتا يديه يمين". فعلى ~~هذا معنى قوله: {وأصحاب اليمين} هم الذين ms1710 أخذوا من صفحة ظهر آدم اليمنى. # PageV05P347 # وقوله: {في سدر مخضود} أي: قد قطع شوكه ونزع. والسدر: شجر النبق، قال ~~السدي: ثمرة أحلى من العسل. وقيل: مخضود أي: موقر حملا. ويقال: لا عجم في ~~ثمره. وفي اللغة الخضد هو القطع. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة ~~مكة: "لا يخضد شجرها" أي: لا يقطع. # PageV05P347 # وقوله: {وطلح منضود} قرأ علي رضي الله عنه: "وطلع منضود" وهو مثل قوله # PageV05P347 # ((29} وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا) ~~في موضع آخر: {لها طلع نضيد} وقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن عباس ~~والحسن وغيرهم: هو الموز. # قوله: {منضود} أي: متراكم بعضه على بعض، وذكر النحاس أن العرب تقول: عسى ~~يا فلان تطلح، أي: بنعمة، قال الشاعر: # (كم رأينا من أناس هلكوا ... ورأينا المرء عمرا بطلح) # أي: بنعمة. ويقال: إن الطلح هاهنا هو شجر العضاه، وهو أكثر شجر العرب، ~~وله منظر حسن. وروي أن أصحاب رسول الله ورضي الله عنهم لما ذهبوا إلى ~~الطائف أعجبهم طلح وج، فذكر الله تعالى أن لهم في الجنة طلحا. فإن قال ~~قائل: كيف يكون لهم في الجنة شجرة شوك؟ : قلنا: لا يكون ثم شوك، إلا أنه ~~شجر يشبه الطلح في الكبر وحسن المنظر، ويجوز أن يكون في الجنة شجرا؛ لأكل ~~الثمر منه، وشجر يحسن النظر إليه، والأصح أنه الموز. # وقوله تعالى: {منضود} قالوا معناه: أن ثمره وورقه من أوله إلى آخره ليست ~~لها ساق بارزة. # PageV05P349 # وقوله: {وظل ممدود} قال الحسن: لا ينقطع. وعن يحيى بن أبي كثير: أن ساعات ~~الجنة تشبه الغداة الباردة في الصيف. ويقال: إنها مثل سجسج ليس فيه حر ولا ~~برد. وقد ثبت أن النبي قال: " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة ~~عام لا يقطعه، واقرءوا إن شئتم: {وظل ممدود} ". # PageV05P349 # وقوله: {وماء مسكوب} أي: مصبوب، ومعناه: أنه ينصب إليهم من العلو. قال ~~الحسن: مسكوب أي: جار لا ينقطع أبدا. # PageV05P349 # وقوله تعالى: {وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة} قال الزجاج: لا مقطوعة ms1711 # PageV05P349 # {ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) إنا أنشأناهن إنشاء (35) } أي: لا يكون في ~~حين دون حين، ولا ممنوعة أي: لا يخطر عليها كما يخطر على البساتين في ~~الدنيا، وقيل: لا مقطوعة: لا ينقطع أبدا، والمعنى على هذا أنها إذا جنيت ~~ظهر مكانها في الحال مثلها أو خير منها. # وقوله: {ولا ممنوعة} أي: لا يمنع الأخذ منها، وقيل: لا يمنع الأخذ بعد ~~ولا شوك. وعن ابن شوذب قال: رأيت الحجاج بن فرافصة واقفا في سوق الفاكهة ~~بالبصرة، فقلت: ما تصنع هاهنا؟ فقال: أنظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة. # PageV05P350 # وقوله تعالى: {وفرش مرفوعة} أي: عالية، ويقال: بعضها فوق بعض. وروى أبو ~~سعيد الخدري أن النبي قال: " ارتفاعها ما بين السماء والأرض، ومسيرة ما ~~بينهما خمسمائة عام ". وذكر أبو عيسى الترمذي هذا الحديث في كتابه، وقال: ~~هو غريب. وذهب جماعة من التابعين أن الفرش المرفوعة هاهنا هي النساء، ~~والعرب تسمي المرأة فراش الرجل ولحافه. وسماهن مرفوعة؛ لأنهن رفعن بالفضل ~~والجمال والكمال. والعرب تسمي كل فاضل رفيعا. ويقال: سماهن فرشا؛ لأنهن على ~~الفرش، فكنى بالفرش عنهن. # PageV05P350 # قوله تعالى: {إنا أنشأناهن إنشاء} فيه قولان: لأنهن الحور، ومعنى الإنشاء ~~فيهن أن الله تعالى يجعل الصبايا والعجز على سن واحدة في الصورة والشباب. ~~وعن بعض التابعين أنه قال في هذه الآية: هن العجز الرمص العمش. وفي بعض ~~الروايات عن النبي أنه قال: " تفضل المرأة الصالحة في الحسن على الحور ~~{فجعلناهن أبكارا (36) عربا أترابا (37) لأصحاب اليمين (38) ثلة من الأولين ~~(39) وثلة من الآخرين (40) } # سبعين ضعفا" ذكره النقاش، وهو غريب جدا. # PageV05P350 # وقوله: {فجعلناهن أبكارا} أي: عذارى. قال الضحاك: أهل الجنة لا يأتون ~~النساء من مرة إلا وجدوهن عذارى. # PageV05P350 # وقوله تعالى: {عربا} أي: محببات إلى أزواجهن. وعن ابن عباس: عواشق ~~لأزواجهن. وعن بعضهم: غنجات. وعن بعضهم شكلات. عن بعضهم: مغتلمات. تقول ~~العرب للناقة إذا كانت تشتهى الفحل: عروبة. # وعن زيد بن أسلم حسنات الكلام. وعن بعضهم: عربا أي: يتكلمن بالعربية. ~~والمعروف الأول [و] يمكن الجمع بين هذه الأقوال كلها، فكأنها تتحبب إلى ~~زوجهات بغنج وشكل، ms1712 وكلام حسن، وميل شديد، وبلفظ عربي. # وقوله: {أترابا} أي: لدات، كأنهن على سن واحد وميلاد واحد. # ويقال: أترابا: أشكالا لأزواجهن في الجسم والمقدار، قال الشاعر: # (أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين جنس كواعب أتراب) # PageV05P350 # وقوله {لأصحاب اليمين} أي: هذا الذي قلنا لأصحاب اليمين. # PageV05P350 # وقوله تعالى: {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} أي: جماعة من الأولين، ~~وهم الذين اتبعوا الأنبياء والمتقدمين - صلوات الله عليهم أجمعين - وجماعة ~~من الآخرين، وهم الذين اتبعوا نبينا صلى الله عليه وسلم، والثلة: القطعة. ~~وقد روى أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرأ هذه # PageV05P350 # {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل من يحموم ~~(43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) } الآية: {ثلة ~~من الأولين وثلة من الآخرين} وقال: " الثلتان من أمتي ". فعلى هذا الثلة ~~الأولى هم الذين عاينوا النبي وآمنوا به، والثلة الثانية هم الذين آمنوا به ~~ولم يروه. # فإن قيل: كيف وجه الجمع بين هذه الآية وبين الآية التي تقدمت، وهي قوله: ~~{وقليل من الآخرين} والجواب: قد روينا أن تلك الآية لما نزلت حزن أصحاب ~~رسول الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذكرنا معنى القليل، وهم من عاين ~~النبي واتبعه، فعلى هذا معنى الثلة هاهنا جميع من اتبعه، عاينه أو لم ~~يعاينه. # PageV05P352 # قوله تعالى: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} فقد ذكرنا معناه. # PageV05P352 # قوله: {في سموم} هي الريح الحارة. وقيل: إنه اسم جهنم. # وقوله: {وحميم} أي: الماء الذي انتهى حره. وفي التفسير: أنه يخرج من صخرة ~~في جهنم. وفي التفسير أيضا عن ابن مسعود: أن أنهار الجنة تخرج من جبل من ~~الكافور في الجنة. # PageV05P352 # وقوله: {وظل من يحموم} أي: دخان أسود يغشي أهل النار، ويصيبهم من حره ما ~~يغلي دماغهم. وعن بعضهم: أن اليحموم اسم من أسماء جهنم. وعن (ابن البريدة) ~~: أن اليحموم جبل في النار يظل أهل النار مدة أن يستظلوا بظله، فيؤذن لهم ~~بعد مدة، فيصيبهم من حره ما يستغيثون منه، ms1713 ويكون ذلك أشد عليهم مما كانوا ~~فيه. # PageV05P352 # وقوله: {لا بارد ولا كريم} أي: لا بارد المدخل، ولا كريم المنظر. قال ~~الفراء: العرب تجعل الكريم تابعا في كل ما يبقى عنه، وصف يراد به الذم. ~~يقول: هذه الدار ليست بواسعة ولا كريمة، وهذا الفرس ليس بجواد ولا كريم. # PageV05P352 # {وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أئنا لمبعوثون (47) أو آباؤنا الأولون (48) قل إن الأولين والآخرين ~~(49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) ثم إنكم أيها الضالون المكذبون ~~(51) لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالئون منها البطون (53) فشاربون عليه ~~من} # PageV05P353 # قوله تعالى: {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين} أي: منعمين، والترفة: النعمة. ~~وفي بعض الأخبار: أن عباد الله ليسوا بالمتنعمين. والمعنى: التوسع في الحرم ~~وما لا يحل؛ لأن التوسع في الحلال والتنعم منه جائز، ولا يستحق عليه عقوبة. # PageV05P353 # وقوله: {وكانوا يصرون على الحنث العظيم} قال مجاهد وقتادة: الشرك. ويقال: ~~هو الإثم العظيم. ويقال للصبي إذا بلغ: قد بلغ الحنث أي: بلغ زمان الإثم. ~~وعن علي رضي الله عنه قال: الحنث العظيم: اليمين الفاجرة. وعن الشعبي: هو ~~اليمين الغموس. # وقوله تعالى: {يصرون} أي: يقيمون عليه إلى أن ماتوا. # PageV05P353 # وقوله: {وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} أي: ~~بعث القيامة، قالوا ذلك على طريق الإنكار. # PageV05P353 # وقوله: {أو آباؤنا الأولون} أي: أو يبعث آباؤنا الأولون بعد أن صاروا ~~ترابا ورمما. # PageV05P353 # قوله تعالى: {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} وهو ~~يوم القيامة. # PageV05P353 # وقوله: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم} والزقوم ~~كل طعام يصعب على الإنسان أكله ويشق عليهم، وقد بينا معناه من قبل. # PageV05P353 # وقوله: {فمالئون منها البطون} قال أهل اللغة: الشجر يؤنث ويذكر، وذكره ~~على بن عيسى. # PageV05P353 # {الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) هذا نزلهم يوم الدين (56) نحن ~~خلقناكم فلولا تصدقون (57) أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت} # PageV05P354 # وقوله: {فشاربون عليه من الحميم} قال ذلك لأن من أكل شيئا و [وغص] منه ~~عطش وشرب. ms1714 # PageV05P354 # وقوله: {فشاربون شرب الهيم} قال ابن عباس: الإبل العطاش. وعند أهل اللغة ~~أن الهيم داء يصيب الإبل، فتعطش، ولا تروى أبدا حتى لا تزال تشرب فتهلك. ~~ويقال: شرب الهيم: الرمل كلما يصب عليه الماء لم يظهر عليه ويشربه. # PageV05P354 # وقوله: {هذا نزلهم يوم الدين} أي: رزقهم وعطاؤهم. فإن قيل: النزل إنما ~~يستعمل في الإكرام والإحسان، والجواب: أنه لما جعل هذا في موضع النزل لأهل ~~الجنة سماه نزلا، وهو كما أنه سمى عقوبتهم ثوابا، ووعيدهم بشارة، والمعنى ~~فيه ما بينا. # PageV05P354 # وقوله: {نحن خلقناكم فلولا تصدقون} أي: هلا تصدقون مع ظهور هذه الدلائل ~~أي: صدقوا. # PageV05P354 # قوله تعالى: {أفرأيتم ما تمنون} الإمناء: إلقاء المنى. # PageV05P354 # وقوله: {أأنتم تخلقونه} أي: تخلقون منه الإنسان. # وقوله: {أم نحن الخالقون} أي: بل نحن الخالقون. قال الأزهري في هذه ~~الآية: إن الله تعالى احتج عليهم بأبلغ دليل في البعث والإحياء بعد الموت ~~في هذه الآية، وذلك لأن المنى الذي يسقط من الإنسان ميت، ثم يخلق الله منه ~~شخصا حيا، وقد كانوا مقرين أن الله خلقهم من النطف، وكانوا منكرين للإحياء ~~بعد الموت، فألزمهم أنهم لما أقروا بخلق حي من نطفة ميتة يلزمهم أن يقروا ~~بإعادة الحياة في ميت. ومعنى الآية: كما أقررتم بذلك فأقروا بهذا. # PageV05P354 # {وما نحن بمسبوقين (60) على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ~~(61) ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62) أفرأيتم ما تحرثون (63) ~~أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون ~~(65) إنا} # PageV05P355 # قوله تعالى: {نحن قدرنا بينكم الموت} يعني: إنا نميتكم أي: لو كنا نعجز ~~عن إحيائكم بعد الموت لعجزنا عن إماتتكم بإخراج أنفسكم. # وقوله تعالى: {وما نحن بمسبوقين} أي: بمغلوبين. قال الفراء معناه: إذا ~~أردنا أن نعيدكم لم يسبقنا سابق، ولم يفتنا شيء. ويقال: لو أراد غيرنا أن ~~يفعل مثل فعلنا لعجز عنه، تقول العرب: ما أسبق في هذا الفعل أي: لا يفعل ~~مثل فعلي أحد. # PageV05P355 # وقوله: {على أن نبدل أمثالكم} أي: لو شئنا أن نميتكم ونخلق أمثالكم ~~لقدرنا عليه. # وقوله: {وننشئكم فيما ms1715 لا تعلمون} من الهيئة والصورة أي: لو شئنا فعلنا ~~ذلك. ويقال: أن نجعلكم في صورة القردة والحنازير. ويقال: ننشئكم من مكان لا ~~تعلمون أي: في عالم لا تعلمونه. # PageV05P355 # قوله تعالى: {ولقد علمتم النشأة الأولى} أي: الخلق الأول، استدل عليهم ~~بالنشأة الأولى على النشأة الثانية. # وقوله تعالى {فلولا تذكرون} أى: هلا تتعظون وتعتبرون. # PageV05P355 # وقوله تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} أي: ~~تنبتونه. يقال للولد: زرعه الله أي: أنبته الله. # قوله: {أم نحن الزارعون} أي: نحن المنبتون. # PageV05P355 # وقوله: {لو نشاء لجعلناه حطاما} أي: يابسا يتفتت وينكسر لا شيء فيه. # وقوله: {فظلتم تفكهون} أي: تتعجبون. ويقال: تندمون وتتحسرون. # PageV05P355 # {لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (69) لو نشاء جعلنا أجاجا} # PageV05P356 # وقوله: {إنا لمغرمون} أي: معذبون. قاله مجاهد. وقال قتادة: ملقون بالشر، ~~وعن بعضهم: أنه من الغرام، وهو الهلاك. وقيل: من الغرم؛ لأنهم غرموا ولم ~~يصيبوا شيئا. # PageV05P356 # وقوله: {بل نحن محرمون} أي: حرمنا الجد، ولم نصل إلى ما كنا نأمله ~~ونرجوه. وعن تغلب: أن المغرم هو المولع، يقال: فلان مغرم أي: مولع به، فعلى ~~هذا معنى قوله: {إنا لمغرمون} أي: ولع بنا المصيبة والحرمان. ويقال: إنا ~~لمغرمون أي: غرمنا كما غرمنا ولم نصب شيئا، وقال الشاعر في الغرم بمعنى ~~العذاب: # (ويوم النيار ويوم الجفا ... ركانا عذابا فكانا غراما) # PageV05P356 # قوله تعالى: {أفرأيتم} هذا مذكور للتنبيه على ما فيه من الدليل. # وقوله: {الماء الذي تشربون} معلوم. # PageV05P356 # وقوله: {أأنتم أنزلتموه من المزن} أي: من السحاب. قال نفطويه: المزن هو ~~السحاب الملآن من الماء، قال جرير: # (كأنها مزنة غراء رائحة أو ... درة لا يواري لونها الصدف) # وقوله: {أم نحن المنزلون} أي: نحن أنزلنا الماء من المزن، ولم تنزلوه ~~أنتم، ينبههم بذلك على عظيم قدرته. # PageV05P356 # قوله تعالى: {لو نشاء جعلناه أجاجا} أي: مرا شديد المرارة. وقيل: ملحا ~~شديد الملوحة. يقال: أج الماء تأج إذا ملح. والمعنى: أنا لو نشاء جعلناه ~~أجاجا بحيث لا يمكن شربه، ينبههم بذلك على الشكر. ms1716 وفي بعض الأخبار: أن ~~النبي كان إذا # PageV05P356 # {فلولا تشكرون (70) أفرأيتم النار التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها ~~أم نحن المنشئون (72) نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (73) } شرب قال: " ~~الحمد الله الذي جعله عذبا فراتا، ولم يجعله ملحا أجاجا ". أو لفظ هذا ~~معناه. # قوله: {فلولا تشكرون} أي: فهلا تشكرون. # PageV05P357 # قوله تعالى: {أفرأيتم النار التي تورون} أي: تقتدحون. # يقال: أورت الزند إذا استخرج النار منه. ويقال: زند وزندة للحجر الذي ~~يقدح منه النار. # PageV05P357 # وقوله: {أأنتم أنشأتم شجرتها} أي: خلقتم شجرتها. # وقوله: {أم نحن المنشئون} يعني: أم نحن خلقنا الشجرة. وشجرة النار شجرة ~~معروفة، ويقولون: في كل شجر نار، واستمجد [المرخ والعفار] . # PageV05P357 # وقوله تعالى: {نحن جعلناها تذكرة} أي: جعلنا النار تذكرة من النار ~~الكبرى، وهي نار جهنم. وقد ثبت عن النبي أنه قال: " إن ناركم هذه هي جزء من ~~سبعين جزءا من نار جهنم ". وفي بعض الروايات: " ضربت بالماء مرتين ". # وقوله: {ومتاعا للمقوين} أظهر الأقاويل فيه: أن المقوين المسافرين، وهم ~~الذين ينزلون في الأرض القفر الخالية. والقول الثاني: أنه لجميع الناس ~~المقيمين والمسافرين. وعلى القول الأول خص المسافرين؛ لأن منفعتهم بالنار ~~أكثر؛ لأجل الاصطلاء من # PageV05P357 # {فسبح باسم ربك العظيم (74) فلا أقسم بمواقع النجوم (75) } البرد، ~~والاستضاءة بالليل، وفي إيقاد النار رد السباع، ومنفعة الاستضاءة الاهتداء ~~عند ضلال الطريق. # قال أبو عبيدة: ومتاعا للمقوين أي: منفعة لكل من ليس له (زاد) ولا مال. # ويقال: أقوى المكان إذا خلا عن الشيء. وأنكر القتيبي وغيره هذا القول، ~~وقالوا: منفعة الغني بالنار أكثر من منفعة الفقير، والعرب تقول للفقير ~~مقوى، وللغني مقوى؛ تقول للفقير مقوى؛ لنفاد ما معه وخلوه عنه، وللغني مقوى ~~لقوته وقدرته على ما لا يقدر عليه الفقير، فعلى هذا معنى الآية: أن النار ~~منفعة لجميع الناس من الفقراء والأغنياء والمقيمين والمسافرين. # PageV05P358 # وقوله: {فسبح باسم ربك العظيم} لما ذكر الله الدلائل على الكفار في هذه ~~الآية المتقدمة، ووجه الدليل فيها أنهم كانوا مقرين أن فاعل هذه الأشياء هو ~~الله، وأنهم عاجزون عنها، وينكرون البعث والنشأة الآخرة؛ فقال الله ms1717 تعالى ~~لهم: لما لم تنكروا قدرة الله تعالى على هذه الأشياء وما فيها من عجيب ~~الصنع، فكيف تنكرون قدرته على بعثكم وإحيائكم بعد موتكم؟ فلما ألزمهم ~~الدليل قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: {فسبح باسم ربك العظيم} كأنه أرشده ~~إلى الاشتغال بتنزيه الرب وتسبيحه وتقديسه حين لزم الكفار الحجة، وقد ثبت ~~أن النبي قال: " أفضل الكلام سبحان الله وبحمده ". # PageV05P358 # قوله تعالى: {فلا أقسم بمواقع النجوم} أي: أقسم، و " لا " صلة. وقيل: إن ~~معنى " لا " أي: ليس الأمر كما قالوا من أن القرآن شعر وسحر وكهانة، بل ~~أقسم بمواقع النجوم. وعن ابن عباس: أن معنى مواقع النجوم أي: مساقط النجوم. ~~ويقال: مساقطها ومطالعها أقسم بها لما علق بها من مصالح العباد. وعن ابن ~~عباس في رواية أخرى وهو قول جماعة كثيرة من التابعين (منهم) : الحسن، ~~وقتادة، وعكرمة، # PageV05P358 # {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون (78) ~~لا} وغيرهم أن مواقع النجوم هاهنا نجوم القرآن، ومعنى المواقع نزوله نجما ~~نجما. وفي الخبر: أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى السماء الدنيا، ثم ~~أنزل نجما نجما في ثلاث وعشرين سنة إلى النبي. # وفي الآية قول ثالث: وهو أن المراد من مواقع النجوم انتثارها وتساقطها ~~يوم القيامة. # PageV05P359 # وقوله: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} قال ذلك لان قسم الله عظيم، وكل ما ~~أقسم به. ويقال: إن تخصيصه هذا القسم بالعظم؛ لأنه أقسم بالقرآن على ~~القرآن؛ قاله القفال الشاشي. # PageV05P359 # وقوله: {إنه لقرآن كريم} هو موضع القسم، وهو المقسم [عليه] . # وقوله: {كريم} أي: كثير الخير والبركة. تقول العرب: هذه الناقة كريمة، ~~وهذه النخلة كريمة، إذا كثرت فوائدها ومنافعها. # PageV05P359 # قوله: {في كتاب مكنون} أي: مصون، وقد فسر باللوح المحفوظ، وفسر أيضا ~~بكتاب في السماء عند الملائكة فيه القرآن. # PageV05P359 # وقوله: {لا يمسه إلا المطهرون} أكثر المفسرين على أن المراد به أنه لا ~~يمس ذلك الكتاب إلا الملائكة المطهرون. قال قتادة: فأما المصحف يمسه كل ~~أحد، وإنما المراد ذلك الكتاب في السماء. والقول الثاني: أن المراد به ~~المصحف، وقوله: ms1718 {لا يمسه إلا المطهرون} خبر بمعنى النهي أي: لا تمسوه إلا ~~على الطهارة. وقد ورد أن النبي كتب في كتاب عمرو بن حزم " ولا يمس القرآن ~~إلا طاهر ". وعن علقمة والأسود # PageV05P359 # {يمسه إلا المطهرون (79) تنزيل من رب العالمين (80) أفبهذا الحديث أنتم ~~مدهنون (81) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82) } أنهما دخلا على سلمان ليقرأ ~~عليه القرآن، فجاء من الغائط، فقالا له: توضأ لنقرأ عليك القرآن، فقال: ~~اقرآني، لا أريد أن أمسه، ثم قرأ: {لا يمسه إلا المطهرون} . # PageV05P360 # وقوله: {تنزيل من رب العالمين} أي: القرآن نزله رب العالمين. # PageV05P360 # قوله تعالى: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} أي: مكذبون تكذيب منافق. ~~والمدهن والمداهن بمعنى واحد، والمداهن هو ذو الوجهين، وهو الذي يكون قلبه ~~خلاف لسانه، ولسانه خلاف قلبه. ويقال: المدهنون: هم الذين يدفعون الصدق ~~والحق بأحسن وجه يقدر عليه، ومنه قوله تعالى: {ودوا لو تدهن فيدهنون} يعني: ~~تكذب فيكذبون، وترائي فيراءون. # PageV05P360 # وقوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} قرأ علي: " وتجعلون شكركم أنكم ~~تكذبون " وهو معنى القراءة المعروفة يعني: تضعون التكذيب موضع الشكر، ومنه ~~قول الشاعر: # (تحية بينهم ضرب وجيع ... ) # أي: يضعون الضرب الوجيع موضع التحية. ويقال معنى الآية: تجعلون شكر رزقكم ~~أنكم تكذبون، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، مثل قوله تعالى: ~~{واشتعل الرأس شيبا} أي: شعر الرأس. # وعن الحسن البصري: أن الرزق هاهنا بمعنى الهداية التي أعطاهم الله تعالى ~~بالقرآن، فكأن الله تعالى لما أنزل القرآن، وبين لهم طريق الحق به فكذبوه ~~وأنكروا، سمي بذلك البيان رزقا، وجعل تكذيبهم كفرانا لهذا الرزق. وروي عن ~~الحسن البصري أنه قال: خسر قوم جعلوا حظهم من القرآن التكذيب. والقول ~~الثالث وهو # PageV05P360 # {فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه ~~منكم ولكن لا تبصرون (85) فلولا إن كنتم غير مدينين (86) } المعروف في ~~الآية أن الرزق هاهنا هو المطر، والتكذيب هو قولهم: مطرنا بنوء كذا. وقد ~~ثبت برواية أبي هريرة أن النبي قال: " ألا ترون إلى ما قال ربكم؟ قال: ما ~~أنعمت على عبادى نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين ms1719 يقولون الكوكب ~~وبالكوكب. . " أورده مسلم في صحيحه. وفي خبر آخر برواية (معاوية) الليثي أن ~~النبي قال: " يصبح القوم مجدبين، فيأتيهم الله برزق من عنده، فيصبحوا ~~مشركين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا ". # PageV05P361 # قوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} أي: بلغت النفس الحلقوم. الآية في ~~بيان عجزهم، وذكر قدرته عليهم. # PageV05P361 # وقوله: {وأنتم حينئذ تنظرون} الخطاب لأهل الميت. # PageV05P361 # وقوله: {ونحن أقرب إليه منكم أى بالقدرة وقد قيل ملك الموت وأعوانه يعني: ~~أنهم أقرب إلى الميت منكم. # وقوله: {ولكن لا تبصرون} أي: لا ترون. # PageV05P361 # وقوله تعالى: {فلولا إن كنتم} أي: فهلا إن كنتم، [وقوله] : {غير مدينين} ~~أي: غير مدبرين مملوكين مقهورين يعني: إن كنتم قادرين على ما شئتم، ولم ~~تكونوا في ملكنا وقهرنا [فردوا] روح الميت إلى مكانه، وهو معنى قوله: # PageV05P361 # {ترجعونها إن كنتم صادقين (87) فأما إن كان من المقربين (88) فروح ~~وريحان} # PageV05P362 # {ترجعونها إن كنتم صادقين} ينبئهم بذلك على عجزهم. ويقال: غير مدينين أي: ~~غير محاسبين ومجزيين. # والقول الأول هو الوجه في معنى الآية. # PageV05P362 # قوله تعالى: {فأما إن كان من المقربين} ذكر الله تعالى في هذه الآيات حال ~~الأصناف الثلاثة عند الموت، وهي الأصناف التي ذكرهم في أول السورة، فقال ~~تعالى: {فأما إن كان من المقربين} أي: السابقين إلى الخيرات، المبرزين في ~~الطاعات. # PageV05P362 # وقوله تعالى: {فروح} قراءة عائشة رضي الله عنها: " فروح " واختاره يعقوب ~~الحضرمي، والأشهر: " فروح " بفتح الراء، ومعناه: الرحمة. ويقال: [الروح] ~~الاستراحة، ومن قرأ بضم الراء فهو بمعنى الحياة الدائمة التي لا فناء ~~بعدها. وفي الخبر: " أنه إذا وضع المؤمن في قبره، وأجاب بجواب الحق يقال ~~له: نم نومة العروس لا هم ولا بؤس " وفي خبر آخر " يفتح له باب إلى الجنة ~~ويقال له هذا موضعك ". # وقوله تعالى: {وريحان} أي: رزق، وهو الرزق الذي يدر عليه من الجنة في ~~القبر. وقد بينا من قبل الريحان بمعنى الرزق في شعر العرب: # (سلام الإله وريحانه ... ورحمته وسماء درر) # وقال الحسن البصري: هو الريحان الذي يشم. قال أبو الجوزاء: يؤتى بضبائر ~~من ريحان الجنة فتجعل ms1720 روحه فيها. # وقوله: {وجنة نعيم} هي الجنة الموعودة. قال أهل التفسير: الروح والريحان ~~في القبر، وجنة نعيم يوم القيامة. ويقال: الروح عند الموت، والريحان في ~~القبر، وجنة نعيم في القيامة عند البعث. وقد ثبت أن النبي قال: " من أحب ~~لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، وقيل: يا ~~رسول الله، لكنا نكره الموت قال: # PageV05P362 # {وجنة النعيم (89) وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب ~~اليمين (91) وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) ~~وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح اسم ربك العظيم (96) } ~~لا، إن المؤمن إذا بشر برحمة من الله أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن ~~الكافر إذا بشر بالنار كره لقاء الله وكره الله لقاءه " وقرأ هذه الآية. # PageV05P363 # قوله تعالى: {وأما إن كان من أصحاب اليمين} قد بينا أصحاب اليمين. # PageV05P363 # وقوله: {فسلام لك من أصحاب اليمين} أي: تسلم الملائكة عليهم. وقيل: يسلم ~~الله عليهم، فيقول: سلام عليك. ولك بمعنى عليك. # وقوله تعالى: {من أصحاب اليمين} أي: لأنك من أصحاب اليمين. وهذا قول كثير ~~من المفسرين. وقال بعضهم: الخطاب للنبي ومعناه: أبشر بالسلامة لأصحاب ~~اليمين، كأنه يقول: لا تشغل قلبك بهم، فإنهم قد نالوا السلامة. وقيل: ~~المراد من الآية تسليم بعضهم على بعض، كأن بعضهم يسلم على بعض، ويهنئ ~~بالسلامة. # PageV05P363 # قوله تعالى: {وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم} أي: المعد ~~له شراب من حميم. # PageV05P363 # وقوله: {وتصلية جحيم} أي: دخول الجحيم يقال: أصلى كذا أي: قاسه، فعلى هذا ~~تصلية جحيم أي: مقاساة الجحيم. # PageV05P363 # قوله تعالى: {إن هذا لهو حق اليقين} أي: محض اليقين، يشير إلى أنه كائن ~~لا خلف فيه. ويقال معناه: إنه يقين أحق اليقين، كما يقال: حق عالم أي: عالم ~~حق. # PageV05P363 # وقوله: {فسبح باسم ربك العظيم} أي: نزه ربك وعظمه، كأنه أرشده إلى ~~الاشتغال بثنائه وتسبيحه وتقديسه ليصل إلى درجة المقربين. # PageV05P363 # بسم الله الرحمن الرحيم # {سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) له ms1721 ملك السموات ~~والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) هو الأول والآخر والظاهر} # تفسير سورة الحديد # وهي مكية في قول الكلبي وجماعة. وقال بعضهم: إنها مدنية. وعن سعيد بن ~~جبير أنه قال: اسم الله الأعظم في ست آيات من أول سورة الحديد. وعن أبي ~~التياح أنه قال: من أراد أن يعرف كيف وصف الجبار نفسه فليقرأ ست آيات من ~~أول سورة الحديد. والله أعلم. # PageV05P364 # قوله تعالى: {سبح لله ما في السموات والأرض} أي: صلي وتعبد، ويقال: نزه ~~وقدس. وقد ذكر بعضهم أن تسبيح الجمادات هو أثر الصنع فيها. والأصح أنه ~~التسبيح حقيقة، وهو قول أهل السنة؛ لأنه لو كان المراد منه أثر الصنع لم ~~يكن لقوله: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} معنى، لأن أثر الصنع يعلمه ويفهمه كل ~~واحد. # وقوله: {وهو العزيز الحكيم} أي: الغالب الحكيم في أمره. # PageV05P364 # قوله تعالى: {له ملك السموات والأرض يحيي ويميت} أي: له الملك في السموات ~~والأرض محييا ومميتا. قال الزجاج: يحيي من النطفة الميتة، ويميت الشخص ~~الحي. # وقوله تعالى: {وهو على كل شيء قدير} أي: قادر. # PageV05P364 # قوله تعالى: {هو الأول والآخر} أي: الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء. ~~وقيل: الأول فلا أول له، والآخر فلا آخر له، وهو في معنى الأول. وقيل: ~~الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء. # PageV05P364 # {والباطن وهو بكل شيء عليم (3) هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) له ملك ~~السموات} # وقوله: {والظاهر والباطن} أي: الظاهر بالدلائل والآيات، والباطن لأنه لا ~~يرى بالأبصار، ولا يدرك بالحواس. وقيل: الظاهر هو الغالب؛ وهذا يحكى عن ابن ~~عباس. والباطن المحتجب عن خلقه. (وعن) بعضهم: العالم بما ظهر وما بطن. # وقوله: {وهو بكل شيء عليم} أي: عالم. # PageV05P365 # قوله تعالى {هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} في التفسير أن كل ~~يوم ألف سنة وقيل ms1722 أسامي الأيام أبجد هوز حطى كلمن سعفص قرشت. # قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} قد بينا. وعن وهب بن منبه قال: خلق ~~العرش من نوره. وعن بعضهم: هو ياقوتة حمراء. وسمي العرش عرشا لارتفاعه. # وقوله: {يعلم ما يلج في الأرض} أي: يدخل فيها من مطر وحب وميت. # وقوله: {وما يخرج منها} أي: يدخل فيها منطر وحب وميت # وقوله تعالى {وما يخرج منها} أى من نبات وشجرة ونحوه. # وقوله تعالى: {وما ينزل من السماء} أي: من المطر والرزق والملائكة. # وقوله تعالى: {وما يعرج فيها} أي: من الملائكة وأعمال بني آدم. # وقوله: {وهو معكم أينما كنتم} أي: بعلمه وقدرته، ذكره ابن عباس وغيره. ~~وقال الحسن: هو معكم بلا كيف. # وقوله: {أينما كنتم} أي: حيثما كنتم. # وقوله: {والله بما تعملون بصير} أي: خبير. # PageV05P365 # قوله تعالى: {له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور} أي: ترد ~~الأمور. # PageV05P365 # {والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وهو عليم بذات الصدور (6) آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجرا كبير (7) وما لكم لا ~~تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين ~~(8) هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن ~~الله بكم لرءوف رحيم (9) وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث ~~السموات والأرض لا يستوي منكم من} # PageV05P366 # قوله تعالى: {يولج الليل في النهار} أي: ينقص من الليل، ويزيد في النهار. # وقوله: {ويولج النهار في الليل} أي: ينقص من النهار، ويزيد في الليل. # وقوله: {وهو عليم بذات الصدور} أي: بما فيها. # PageV05P366 # قوله تعالى: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} أي: ~~أنفقوا من الأموال التي خلفتم فيها من قبلكم. وقيل: مستخلفين فيه أي: ~~معمرين بالرزق. # وقوله: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} أي: عظيم. # PageV05P366 # قوله تعالى: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد ~~أخذ ميثاقكم} أي: العهد منكم {إن كنتم مؤمنين} ms1723 أي: مصدقين. # PageV05P366 # قوله تعالى: {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور} أي: من الكفر إلى الإيمان. # وقوله: {وإن الله بكم لرءوف رحيم} قد بينا. # PageV05P366 # قوله تعالى: {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله} معناه: أي: فائدة لكم إذا ~~تركتم الإنفاق في سبيل الله، وأموالكم تصير إلى غيركم؟ والمعنى: هو ~~الإنكار، كأنه قال: ولم لا تنفقون أموالكم لتصلوا بها إلى ثواب الله، وهي ~~لا تبقى لكم إذا لم تنفقوا؟ # وقوله: {ولله ميراث السموات والأرض} هو إشارة إلى ما بينا من قبل. # PageV05P366 # {أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا} # وقوله: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} أي: لا يستوي من أنفق ~~وقاتل قبل فتح مكة، ومن أنفق وقاتل بعد فتح مكة. وإنما لم يستويا؛ لأن ~~أصحاب النبي نالهم من التعب والمشقة والمكروه والشدة قبل الفتح ما لم ينلهم ~~بعده. وذكر الكلبي أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد ورد ~~في بعض المسانيد عن ابن عمر " أن النبي كان جالسا وعنده أبو بكر الصديق، ~~وعليه عباءة قد خللها في صدره؛ فجاء جبريل عليه السلام وقال للنبي: يقول ~~الله تعالى: سلم على أبي بكر، وقل له: أراض أنت عني في فقرك أم ساخط؟ فقال ~~النبي لأبي بكر: هذا جبريل يقرئك من ربك السلام، ويقول كذا، فبكى أبو بكر ~~وقال: بل أنا راض عن ربي، بل أنا راض عن ربي ". # وذكر النقاش أن الآية نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه وكان قد جهز ~~جيش العسرة، وأعطى سبعمائة وثلاثين بعيرا، وأعطى سبعين فرسا، وكان أعطاها ~~بآلاتها. # وفي رواية: جاء بخمسة آلاف دينار وصبها بين يدي النبي، فجعل النبي عليه ~~الصلاة والسلام يقلبها بيده ويقول: " ما ضر عثمان ما يفعل بعد هذا ". # وقوله: {أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} قد بينا المعنى ~~في ذلك. # PageV05P367 # {وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10) من ms1724 ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا} # وقوله: {وكلا وعد الله الحسنى} أي: الجنة. # وقوله: {والله بما تعملون خبير} أي: عالم، والمعنى: أن الله تعالى وعد ~~جميع المتقين الجنة، وإن تفاضلوا في الدرجة. # PageV05P368 # قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} قال عكرمة: لما أنزل الله ~~تعالى هذه الآية تصدق أبو الدحداح بحائط فيه ستمائة نخلة. وفي رواية: تصدق ~~بنصف جميع ماله حتى نعليه تصدق بأحدهما، ثم جاء إلى أم الدحداح وقال: إني ~~بعت ربي، فقالت: ربح البيع. فقال رسول الله: " كم من نخلة مدلاة لأبي ~~الدحداح في الجنة، عروقها من زبرجد وياقوت ". # وعن بعضهم: أنه لما نزلت هذه الآية جاء اليهود إلى النبي، وقالوا: أفقير ~~ربنا فيستقرضنا؟ فأنزل الله تعالى قوله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنياء} . # وقال الزجاج: العرب تقول لكل من كل فعل فعلا حسنا: قد أقرض، قال الشاعر: # (وإذا جوزيت قرضا فاقضه ... إنما يجزي الفتى ليس الإبل) # فمعنى الآية على هذا: من الذي يعفه فعلا حسنا فيجازيه الله بذلك. وهو على ~~العموم. # PageV05P368 # {فيضاعفه له وله أجر كريم (11) يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم ~~بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ذلك هو الفوز العظيم (12) يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من} # وقوله تعالى: {فيضاعفه له} قرئ برفع الفاء ونصبها، فبالرفع هو معطوف على ~~قوله: {يقرض} وبالنصب يكون على جواب الاستفهام بالفاء. # وقوله: {وله أجر كريم} أي: حسن. # PageV05P369 # قوله تعالى: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم} قال ~~الحسن البصري: على الصراط. وعن ابن مسعود قال: نور كل إنسان على قدر عمله، ~~فمنهم من نوره كالجبل العظيم، ومنهم من نوره كنخلة، ومنهم من نوره على ~~إبهامه ينطفي مرة ويتقد أخرى. وفي بعض الأخبار: أن نورهم ما بين صنعاء إلى ~~عدن. يعني: في القدر. وعن ابن عباس في رواية الضحاك قال: الصراط في دقة ~~الشعرة، وحدة (الشفرة) ، والمؤمنون يمرون عليه نورهم من بين أيديهم، بعضهم ms1725 ~~كالبرق، وبعضهم كالريح، وبعضهم كالطير، وبعضهم (كحضرة) الفرس. # وقوله تعالى: {وبأيمانهم} أي: النور بأيمانهم. # وقوله: {بشراكم اليوم} أي: بشارتكم اليوم {جنات تجري من تحتها الأنهار} . # وقوله: {خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم} أي: النجاة [العظيمة] . # PageV05P369 # قوله تعالى: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا} من ~~الإنظار، وأشهر القراءتين هي الأولى، ومعناه: انظرونا. وأما بنصب الألف ~~فمعناه: اصبروا لنا، # قال الشاعر: # (أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا) # PageV05P369 # {نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه ~~فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب (13) ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ~~ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ~~وغركم بالله الغرور} # وقوله: {نقتبس من نوركم} في الأخبار: أن الناس يحشرون والمنافقون مختلطون ~~بالمؤمنين، ثم إن الله تعالى يرسل نورا للمؤمنين فيمشون في نورهم، فيتبعهم ~~المنافقون ويقولون: انظرونا نقتبس من نوركم، وكانوا قد بقوا في الظلمة، وفي ~~رواية أخرى: أن الناس يحشرون فيغشاهم أمر من أمر الله، فيبيض وجوه ~~المؤمنين، ويسود وجوه الكفار، ثم يغشاهم أمر آخر، فيقسم بين المؤمنين النور ~~على قدر أعمالهم، ويبقى الكفار والمنافقون في الظلمة، فيقولون للمؤمنين: " ~~انظرونا نقتبس من نوركم ". # وقوله: {نقتبس} أي: نأخذ شيئا من نوركم. # وقوله: {قيل ارجعوا وراءكم} أي: إلى الموضع الذي قسم فيه النور. # وقوله: {فالتمسوا نورا} أي: اطلبوا نورا ثم، فيرجعون فلا يجدون شيئا. ~~وقال بعضهم معناه: فارجعوا إلى الدنيا، واطلبوا النور بالأعمال الصالحة، ~~وهذا على التعيير والتبكيت، وهو قول غريب، والمعروف هو الأول. # وقوله: {فضرب بينهم بسور له باب} في التفسير: أنهم إذا رجعوا إلى ذلك ~~الموضع ولم يجدوا النور، عادوا ليتبعوا نور المؤمنين، فيغشاهم عذاب من عذاب ~~الله، ويضرب بينهم وبين المؤمنين بسور، وهو معنى قوله تعالى: {فضرب بينهم ~~بسور له باب} وقيل: هو الأعراف الذي [ذكر] في سورة الأعراف. وعن عبادة بن ~~الصامت وعبد الله بن عمرو بن العاص أن السور حائط مسجد بيت المقدس الشرقي ~~منه، فالذي يلي المسجد هو الذي قال: ms1726 {باطنه فيه الرحمة} والذي يلي وادي ~~جهنم هو الذي قال: {وظاهره من قبله العذاب} وثم واد يقال له: وادي جهنم، ~~وهو معروف. # PageV05P370 # ((14} فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي ~~مولاكم وبئس المصير (15) ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما ~~نزل من الحق ولا) # PageV05P371 # قوله تعالى: {ينادونهم ألم نكن معكم} يعني: أن المنافقين ينادون المؤمنين ~~ألم نكن معكم؟ معناه: ألم نكن معكم في صلاتكم وصيامكم ومساجدكم، وما أشبه ~~ذلك. # وقوله: {قالوا بلى} أي: بلى كنتم في الظاهر. # وقوله: {ولكنكم فتنتم أنفسكم} أي: استعملتم أنفسكم في الفتنة، ويقال: ~~فتنتم أنفسكم أي: اتبعتم المعاصي والشهوات. # وقوله: {وتربصتم} أي: تربصتم بالنبي وبالمؤمنين دوائر الدهر. ويقال: ~~تربصتم بالتوبة أي: أخرتموها. # وقوله: {وارتبتم} أي: شككتم في الدين. # وقوله: {وغرتكم الأماني} أي: أمنيتكم أن محمدا يهلك، ويبطل أمره. # وقوله: {حتى جاء أمر الله} أي: أمر الله بنصر نبيه والمؤمنين. ويقال: ~~النار. # وقوله: {وغركم بالله الغرور} أي: الشيطان، وإنما سمى الشيطان غرورا؛ لأن ~~الناس تغر الناس بتمنية الأباطيل. # وعن سعيد بن جبير أنه قال: الغرور: أن تعمل بالمعصية، وتتمنى على الله ~~المغفرة. # PageV05P371 # قوله تعالى: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} في قراءة أبي بن كعب: " جزية " ~~ومعنى الفدية: هو ما يفتدي به نفسه من العذاب. # وقوله: {ولا من الذين كفروا مأواكم النار} أي: [منزلتكم] النار. # وقوله: {هي مولاكم} أي: النار أولى بكم. # PageV05P371 # {يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير ~~منهم فاسقون (16) اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات ~~لعلكم} # وقوله: {وبئس المصير} أي: بئس المنقلب النار. # PageV05P372 # قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا} معناه: ألم يحن، من الحين وهو الوقت. # يقال: آن يئين وحان يحين بمعنى واحد. # وقوله: {أن تخشع قلوبهم لذكر الله} أي: تلين وترق. # قال ابن عباس: في الآية حث لطائفة من المؤمنين على الرقة عند الذكر. وعن ~~ابن مسعود قال: ما كان بين إسلام القوم وبين أن عاتبهم الله على ms1727 ترك الخشوع ~~والرقة إلا أربع سنين. وعن مقاتل: أن أصحاب رسول الله أخذوا في نوح من ~~المرح فأنزل الله تعالى هذه الآية وعن بعضهم أن أصحاب رسول الله أصابتهم ~~ملة فقالوا: (حدثنا) يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: {نحن نقص عليك أحسن ~~القصص} ، ثم أصابتهم ملة، فأنزل الله: {الله نزل أحسن الحديث} ثم أصابتهم ~~ملة، فأنزل الله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} . # وقال مقاتل بن حيان: إن قوله: {ألم يأن للذين آمنوا} هو في مؤمني أهل ~~الكتاب، حثهم على الإيمان بالرسول. وعن بعضهم: هو في المنافقين؛ آمنوا ~~بألسنتهم، ولم يؤمنوا بقلوبهم {وما نزل من الحق} [أي] : القرآن. # وقوله: {ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل} أي: اليهود والنصارى. # وقوله: {فطال عليهم الأمد} أي: المدة. ويقال: الأجل. وعن ابن مسعود أنه ~~قال: # PageV05P372 # {تعقلون (17) إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ~~ولهم أجر كبير (18) والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء ~~عند ربهم} لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فقد طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، ~~ولكن ما أمركم به القرآن فأتمروا به، وما نهاكم عنه فانتهوا. # وقوله: {فقست قلوبهم} أي: يبست. # وقوله: {وكثير منهم فاسقون} أي: خارجون عن طاعة الله. ويقال: هو في ~~ابتداعهم الرهبانية. # PageV05P373 # قوله تعالى: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها} في الخبر عن [أبي] ~~رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ فقال: " أرأيت ~~أرضا مخلاء ثم أرأيتها خضراء، قال: نعم. قال: هو كذلك ". وعن صالح المزني ~~قال: يحيي القلوب بتليينها بعد قساوتها. فهو المراد بالآية. # وقوله: {قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون} ظاهر المعنى. # PageV05P373 # قوله تعالى: {إن المصدقين والمصدقات} قرئ: بتشديد الصاد وتخفيفها، فعلى ~~تخفيف الصاد يعني: المؤمنين، وعلى تشديد الصاد يعني: المتصدقين. # وقوله: {وأقرضوا الله قرضا حسنا} قيل: لا تكون الصدقة قرضا حسنا حتى ~~تجتمع فيها خصال: أولها: أن تكون من حلال، وأن يعطيها طيبة بها نفسه، وأن ~~لا يتبعها منا ولا أذى، وأن يتيمم ms1728 الجيد من ماله لا الخبيث والرديء، وأن ~~يعطيها ابتغاء وجه الله لا مراءاة للخلق، وأن يخرج الأحب من ماله إلى الله ~~تعالى، وأن يتصدق وهو صحيح يأمل العيش ويخشى الفقر، وأن لا يستكثر ما فعله ~~بل يستقله، وأن يتصدق بالكثير. # وقوله: {يضاعف لهم ولهم أجر كريم} أي: كثير حسن. # PageV05P373 # {لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (19) ~~اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال ~~والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما ~~وفي الآخرة} # PageV05P374 # قوله تعالى: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} الصديق هو ~~كثير الصدق، كالسكيت كثير السكوت. # وعن أبي هريرة قال: كلكم صديق وشهيد. فقيل له: كيف يا أيا هريرة؟ فقرأ ~~قوله في هذه الآية. واختلف القول في قوله: {والشهداء} فأحد الأقوال: أنهم ~~الشهداء المعروفون، وهم الذين استشهدوا في سبيل الله. # والقول الثاني: أنهم النبيون، ذكره الفراء. # والقول الثالث: أنهم جميع المؤمنين. فعلى هذا يكون الشهداء معطوفا على ~~قوله: {أولئك هم الصديقون} وعلى القولين الأولين تم الوقف والكلام على ~~قوله: {أولئك هم الصديقون} ، وقوله: {والشهداء عند ربهم} ابتداء كلام. وفي ~~قوله: {عند ربهم} إشارة إلى منزلتهم ومكانتهم عند الله. # وقوله: {لهم أجرهم ونورهم} أي: ثوابهم وضياؤهم. # وقوله: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} معلوم المعنى، ~~والجحيم معظم النار. # PageV05P374 # وقوله تعالى: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة} أي: هي ما يلعب ~~به ويلهي ويتزين به. والمراد به: كل ما أريد به غير الله، أو كل ما شغل عن ~~الدين. ويقال: لعب ولهو: أكل وشرب. ويقال: اللعب الأولاد، واللهو النساء. # وقوله تعالى: {وتفاخر بينكم} أي: تفاخر من بعضكم على بعض. # وقوله: {وتكاثر في الأموال والأولاد} أي: تطاول بكثرة الأولاد والأموال. ~~والفرق بين التفاخر والتكاثر: أن التفاخر قد يكون ممن له ولد ومال مع من لا ~~ولد له # PageV05P374 # {عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ~~(20) سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ms1729 عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ~~آمنوا بالله} ولا مال، وأما التكاثر لا يكون إلا ممن له ولد ومال مع من له ~~ولد ومال. # وقد ورد في بعض الأخبار أن النبي قال: " من طلب الدنيا تعففا عن السؤال، ~~وصيانة للولد والعيال، جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلبها ~~تفاخرا وتكاثرا ورياء للناس، فليتبوأ مقعده من النار " أو لفظ هذا معناه. # وقوله: {كمثل غيث أعجب الكفار نباته} أي: الزراع، وذلك حين ينبت ويحسن في ~~أعين الناس. # وقوله: {ثم يهيج فتراه مصفرا} أي: ييبس ويجف. # وقوله: {مصفرا} أي: أصفر يابسا. # وقوله: {ثم يكون حطاما} أي: يتكسر ويتهشم. وقيل: يكون نبتا لا قمح فيه. # وقوله: {وفي الآخرة عذاب شديد} يعني: لمن آثر الدنيا على الآخرة. # وقوله: {ومغفرة من الله ورضوان} يعني لمن آثر الآخرة على الدنيا. # قال قتادة: رجع الأمر إلى هذه الكلمات الثلاث {وفي الآخرة عذاب شديد ~~ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} ومتاع الغرور قد ~~بينا من قبل، وهو كل ما لا أصل له، أو كل ما لا بقاء عليه. # PageV05P375 # قوله تعالى: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم} أي: سارعوا، يقال: إن المسابقة ~~بالإيمان. ويقال: بالتكبيرة الأولى والصف الأول، حكي هذا عن رباح بن عبيدة. ~~وعن وكيع بن الجراح قال: كنا إذا رأينا الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى ~~علمنا أنه لا يفلح. # PageV05P375 # {ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (21) ما أصاب ~~من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على ~~الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا ~~يحب كل مختال} # وقوله: {وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} المراد منه: ألصق بعضه ببعض فما ~~يبلغ عرض الجميع، فهو عرض الجنة. وقيل: المراد من المسابقة: المسابقة إلى ~~التوبة. وقيل: إلى النبي. # وقوله: {عرضها كعرض السماء والأرض} أي: سعتها، قال الشاعر: # (كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل) # وقوله تعالى: ms1730 {أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله} أي: صدقوا الله، وصدقوا له ~~رسله. # وقوله: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} ظاهر المعنى. # PageV05P376 # قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم} المصيبة في ~~الأرض: ما يصيب الأرض من الجدب والقحط وهلاك الثمار وما أشبه ذلك، والمصيبة ~~في الأنفس هي الأسقام والأمراض وما يشبهها. # وقوله: {إلا في كتاب} قد ثبت أن النبي قال: " لما خلق الله القلم قال له: ~~اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ". والكتاب هو ~~اللوح المحفوظ. # وقوله: {من قبل أن نبرأها} أي: من قبل أن نخلقها. والكتابة يجوز أن ترجع ~~إلى النقوش، ويجوز أن نرجع إلى المصيبة. # وقوله: {إن ذلك على الله يسير} أي: هين. # PageV05P376 # قوله تعالى: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم} الأسى: هو الحزن والتندم. # PageV05P376 # {فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو ~~الغني الحميد (24) لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط} # وقوله: {ولا تفرحوا بما آتاكم} أي: لا تبطروا ولا تأشروا. وعن ابن عباس ~~قال: ما من أحد إلا ويحزن، ولكن المراد بالآية هو أن نشكر عند النعمة، ~~ونصبر عند المصيبة. وعن بعضهم معناه: لا يجاوز ما حده الله تعالى يعني: لا ~~يجزع عند المصيبة جزعا يخرجه إلى ترك الرضا، ولا يفرح عند النعمة فرحا ~~يخرجه عن طاعة الله، أو يمسكها عن حقوقها، ولكن إذا علم أن الكل بقضاء الله ~~وقدره، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم لكم يكن ليخطئه، هان عليه ~~ما فات، ولم يفرح بما أصاب. وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إذا استأثر ~~الله عليك بشيء [ما فاتك] ذلك عن ترك ذكره. # ومن المعروف قول النبي " لله ما أخذ، ولله ما أعطى ". # وقوله: {والله لا يحب كل مختال فخور} أي: متكبر منان بما أعطى. # PageV05P377 # قوله تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} قال أهل العلم: البخل ~~حقيقته هو منع المال عن حق الله ms1731 تعالى. وقال بعضهم: إذا وضعه في غير موضعه ~~فهو بخيل، وإن أعطى وأكثر، وإذا وضعه في موضعه فليس ببخيل وإن قل. وعن ~~بعضهم أنه قال: من أدى زكاة ماله فقد برئ من البخل. # وفي الآية قول آخر ذكره السدى وغيره: أن الآية في اليهود؛ وبخلهم هو ~~كتمان صفة الرسول، وأمرهم بالبخل أمرهم بالكتمان. # وقوله: {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} أي: الغني عن طاعة خلقه، ~~الحميد في فعاله. وقيل: الغني عن صدقات الخلق، الحميد في إفضاله عليهم. # وعن سعيد بن جبير قال: يبخلون أي: لا يتصدقون، ويأمرون الناس بالبخل، أي: # PageV05P377 # {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله ~~بالغيب إن الله قوي عزيز (25) ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما ~~النبوة والكتاب} بترك الصدقة. والفرق بين البخيل والسخي: أن السخي هو الذي ~~يلتذ بالإعطاء، والبخيل هو الذي يلتذ بالإمساك. وقيل: البخيل هو الذي يعطي ~~ما يعطي ونفسه غير طيبة، والسخي هو الذي يعطي ما يعطي طيبة بها نفسه. # PageV05P378 # قوله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب} أي: الكتب. # وقوله: {والميزان} قال قتادة: العدل. وقال الكلبي: الميزان المعروف الذي ~~توزن به الأشياء. ومعناه: وضعنا الميزان، وعلى القول الأول معناه: أمرنا ~~بالعدل. # وقوله: {ليقوم الناس بالقسط} أي: بالعدل في الميزان. # وقوله: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} قوله: {أنزلنا الحديد} فيه قولان: ~~أحدهما: أن معناه: وخلقنا الحديد وأحدثناه. # والقول الثاني: أن المراد به هو الإنزال من السماء حقيقة، " وأن الله ~~تعالى لما أنزل آدم إلى الأرض أنزل معه العلاة والكلبتين والميقعة " وهي ~~المطرقة وقيل: أنزل معه الحجر الأسود وعصا موسى من آس الجنة وما ذكرنا من ~~الحديد. # وقوله: {فيه بأس شديد} أي: هو سلاح وجنة. فالسلاح يقاتل به، والجنة يتقى # وقوله {منافع للناس} هي ما يتخذ من الآلات من الحديد مثل الفأس والقدوم ~~والمنشار والمسلة والإبرة ونحوها بها. # وقوله: {وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} ذكر هاهنا هذا؛ لأن نصرة ~~الله تعالى ونصرة رسله بالقتال، والقتال بآلات ms1732 الحديد، وإنما قال: {بالغيب} ~~لأن كل ما يفعله العباد من الطاعات إنما يفعلونه بالغيب، على ما قال الله ~~تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب} . # وقوله: {إن الله قوي عزيز} ظاهر المعنى. # PageV05P378 # {فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (26) ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا ~~بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ~~ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق ~~رعايته فآتينا الذين آمنوا منهم} # PageV05P379 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة ~~والكتاب فمنهم مهتد} أي: مسلم. {وكثير منهم فاسقون} أي: كافرون. # PageV05P379 # قوله تعالى: {ثم قفينا على آثارهم برسلنا} أي: أتبعنا. # وقوله: {وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل} أي: أعطيناه الإنجيل ~~جملة. # وقوله: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} الرأفة: أشد الرحمة، ~~والمراد بهؤلاء: هم الذين بقوا على دين الحق، ولم يغيروا ولم يبدلوا بعد ~~عيسى عليه السلام. # وقوله: {ورهبانية ابتدعوها} أي: وابتدعوها رهبانية من تلقاء أنفسهم، ~~والرهبانية هي ما ابتدعوها من السياحة في البراري (والمفاوز) . قيل: هو ~~التفرد في الديار والصوامع للعبادة. وقد روي عن النبي أنه قال: " لا ~~رهبانية في الإسلام ". وفي رواية قال: " رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله ~~". وفي الأخبار: أن سبب ابتداعهم الرهبانية أن الملوك بعد عيسى عليه السلام ~~بدلوا دين عيسى، وقتلوا العباد والأخيار من بني إسرائيل حين دعوهم إلى ~~الحق؛ فقال الأخيار فيما بينهم وهم الذين بقوا إنهم وإن قتلونا لا يسعنا ~~المقام فيما بينهم والسكوت، فلحق بعضهم بالبراري وساحوا، وبنى بعضهم ~~الصوامع وتفردوا فيها للعبادة، فكان أصل الرهبانية بهذا السبب. # وقوله: {ما كتبناها عليهم} أي: ما فرضناها عليهم. # PageV05P379 # {أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور ~~رحيم (28) لئلا} # وقوله: {إلا ابتغاء رضوان الله} انتصب لمحذوف، والمحذوف: ما ابتدعوها إلا ~~ابتغاء رضوان الله. # وقوله: {فما رعوها حق رعايتها} أي: ما قاموا كما يجب القيامة بها. # وقوله: {فآتينا الذين ms1733 آمنوا منهم أجرهم} أي: ثوابهم، وهم الذين آمنوا ~~بمحمد بعد أن ترهبوا. # وقوله: {وكثير منهم فاسقون} أي: الذين بقوا على الكفر. # PageV05P380 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين ~~من رحمته} أي: نصيبين. وقيل: أجرين من رحمته. وفي التفسير: أن سبب نزول ~~الآية أن الله تعالى لما أنزل عليهم قوله: {وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به ~~إنه الحق من ربنا} إلى قوله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} تفاخر الذين آمنوا ~~من أهل الكتاب على سائر المؤمنين من الصحابة، وقالوا: إنكم تؤتون أجوركم ~~مرة، ونحن نؤتى مرتين، فأنزل الله تعالى هذه الآية بشارة لسائر المؤمنين. ~~وقد ثبت عن النبي برواية أبي موسى الأشعري أنه قال عليه الصلاة والسلام: " ~~ثلاثة يؤتون أجورهم مرتين: رجل آمن بالكتاب الأول ثم آمن بالكتاب الثاني، ~~ورجل اشترى جارية فأدبها وأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها، وعبد أطاع ربه ~~ونصح لسيده ". وقيل: قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} وهو أجر السر وأجر ~~العلانية. وقيل: أجر أداء حق الله تعالى وأداء حق العباد. # وقوله: {ويجعل لكم نورا تمشون به} هو النور الذي بينا من قبل يضيئهم على ~~الصراط. وقيل: هو نور الإسلام. # وقوله: {تمشون به} أي: تسلكون طريق الإسلام بنوره. # PageV05P380 # {يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29) .} # وقوله: {ويغفر لكم والله غفور رحيم} ظاهر المعنى. # PageV05P381 # قوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب} وهما بمعنى واحد، وهو تفسير القراءة ~~المعروفة. وقد قال الأخفش والفراء وغيرهما: إن " لا " صلة هاهنا، وهو مثل ~~قول الشاعر: # (ولا ألزم البيض أن لا تسحروا ... ) # أي: أن تسحروا. # وقوله: {ألا يقدرون على شيء من فضل الله} معناه: إنا أعطينا ما أعطينا من ~~الكفلين من الرحمة للمؤمنين؛ ليعلم أهل الكتاب أن ليس بأيديهم إيصال فضل ~~الله الواحد، ويعلم المؤمنون أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وهو معنى ~~قوله: {وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} أي: يعطيه من يشاء، وقيل معنى ms1734 ~~الآية: ليعلم أهل الكتاب أن من لم يؤمن بمحمد ليس له نصيب من فضل الله يوم ~~القيامة. # وقوله: {ألا يقدرون على شيء من فضل الله} أي: لا يصلون إلى شيء من فضل ~~الله حين لم يؤمنوا بمحمد، والفضل بيد الله يوصله إلى المؤمنين بمحمد ~~بمشيئته، والفضل هاهنا هو الجنة. # وقوله: {والله ذو الفضل العظيم} أي: له الفضل العظيم، وهو القادر على ~~إيصال الفضل العظيم يعني: إلى من يشاء من عباده والله أعلم بالصواب. # PageV05P381 # بسم الله الرحمن الرحيم # {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن} # تفسير سورة المجادلة # وهي مدنية # PageV05P382 # قوله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} ~~نزلت الآية في خولة بنت ثعلبة، وهي امرأة أوس بن الصامت، ويقال: خولة بنت ~~خويلد. وقيل: خولة بنت الصامت، والأصح هو الأول، وعليه أكثر أهل التفسير ~~منهم: مجاهد، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وغيرهم. وكان أوس بن الصامت ~~ظاهر منها. وفي رواية عن خولة أنها قالت: " كان بأوس بن الصامت لمم، ~~فراجعته في بعض الأمر فظاهر منى ". قال محمد بن كعب القرظي: أتت خولة بنت ~~ثعلبة رسول الله وقالت: إن أوس بن الصامت زوجي وابن عمي وأحب الناس إلي وقد ~~ظاهر مني، فقال عليه السلام: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه "، فجعلت تشتكي ~~وتقول: أبو ولدي وزوجي ولا أستطيع فراقه، ورسول الله يقول: " ما أراك إلا ~~وقد حرمت عليه "، وهي تراجعه مرة بعد أخرى، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ~~(قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) " قالت عائشة رضي الله عنها: سبحان ~~الذي وسع سمعه الأصوات، كنت في جانب البيت ولا أسمع ما تقوله خولة، فأنزل ~~الله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} . # وقوله: {وتشتكي إلى الله} اشتكى وشكا بمعنى واحد # وقوله {والله يسمع تحاوركما} أي: تراجعكما. # وقوله: {إن الله سميع بصير} ظاهر. # PageV05P382 # {الله سميع بصير (1) الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن ~~أمهاتهم ms1735 إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله ~~لعفو غفور (2) والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة ~~من قبل أن يتماسا ذلكم} # PageV05P383 # قوله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم} أي: ليس هن ~~بأمهاتهم، والمعنى: أنه ليس أزواجهن كما قالوا: إن ظهورهن كظهر أمهاتهم. # وقوله: {إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول ~~وزورا} قال قتادة: أي: كذبا. والكذب هو قوله لها: أنت علي كظهر أمي. # وقوله: {وإن الله لعفو غفور} أي: لمن ندم على قوله، # PageV05P383 # وهذا قوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير} ~~قال الحسن وطاوس والزهري: العود هو الوطء، وهذا قول مالك. وعن ابن عباس: هو ~~أن يندم على ما قال ويرجع إلى الألفة. ومذهب الشافعي في العود أنه يمسكها ~~على النكاح عقيب الظهار ولا يطلقها، قال: وإنما يكون هذا عودا؛ لأن الظهار ~~قصد التحريم، فإذا مضى وقت عقيب الظهار، ولم يحرمها على نفسه بالطلاق، فهو ~~عائد عما قال. ويجوز أن يكون على هذا قول ابن عباس الذي ذكرنا. # وأما مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه فإنه قال: العود هو أن يعزم على ~~إمساكها، فإذا فعل ذلك فقد تحقق العود. والفرق بين هذا وبين قول الشافعي ~~أنه إذا مضى عقيب الظهار وقت يمكنه أن يطلقها فيه ولم يطلق فهو عائد، وإن ~~لم يعزم على إمساكها. # وعند أبي حنيفة ما لم يعزم على إمساكها لا يكون عائدا. # وفي الآية قول رابع، وهو قول أبي العالية وبكير بن عبد الله الأشج: أن ~~العود هو أن يكرر لفظ الظهار وأولا العود لما قالوا بهذا. وقال القتيبي: ~~ثبت الظهار بنفس القول وتجب الكفارة. ومعنى العود في هذا هو العود إلى ما ~~كان عليه أهل الجاهلية من فعل # PageV05P383 # {توعظون به والله بما تعملون خبير (3) فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ~~من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ~~ورسوله وتلك حدود} الظهار، وكأنه قال: ms1736 " ويعودون لما قالوا " يعني: إلى ما ~~قاله أهل الجاهلية. وقال الأخفش سعيد بن مسعدة: في الآية تقديم وتأخير، ~~وتقديرها: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون فتحرير رقبة بما قالوا. # وقوله: {من قبل أن يتماسا} يعني: الوطء، وأما اللمس فيما دون الفرج ~~اختلفوا فيه، فحكي عن الحسن البصري أنه قال: يجوز. # وقال الزهري: لا يجوز، والأصح أنه لا يجوز حتى يكفر. # وقوله: {ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير} ظاهر المعنى. # وقوله: {فتحرير رقبة} قال ابن عباس: مؤمنة. وعن الشعبي قال: رقبة قد صلت ~~وعرفت الإيمان. وفي الخبر أن النبي دعا أوس بن الصامت وقال: " اعتق رقبة. ~~فقال: لا أجدها. فقال: صم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع وكان شيخا قد أسن ~~وكبر فقال: أطعم ستين مسكينا، فقال: " نعم ". وروي أنه قال: " لا أجد إلا ~~أن تعينني، فأعانه رسول الله بفرق من تمر، وأعانته المرأة بفرق من تمر ". ~~وفي رواية: " أنه لما أعطاه رسول الله التمر قال: ليس في المدينة أحد أحوج ~~إليه مني، فقال: كله أنت وعيالك ". # PageV05P384 # قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} قد ~~بينا. وعن سعيد بن المسيب قال: إذا أفطر بعذر يقضي يوما مكانه ولا يستقبل. ~~وقال إبراهيم النخعي: يستقبل. وعليه أكثر الفقهاء. # PageV05P384 # {الله وللكافرين عذاب أليم (4) إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما ~~كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) يوم ~~يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء ~~شهيد (6) ألم تر أن الله} # وقوله: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} قد بينا، والأصح أنه يطعم مدا ~~مدا، وهو قول ابن عباس. # وقوله: {ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله} أي: سنة الله، ويقال: ~~أوامر الله. # وقوله: {وللكافرين عذاب أليم} أي: مؤلم. # PageV05P385 # قوله تعالى: {إن الذين يحادون الله ورسوله} أي: يكونون في حد غير حد ~~المؤمنين. ويقال: إن الذين يحادون الله ورسوله أي: يعادون الله ورسوله. ~~وقوله في موضع آخر: {ومن يشاقق الله ms1737 ورسوله} أي: يكون في شق غير شق ~~المؤمنين. # وقوله: {كبتوا} أي: أخزوا، قاله قتادة. ويقال: أهلكوا. # قال أبو عبيدة: ويقال: لعنوا، قاله السدى. # وقوله: {كما كبت الذين من قبلهم} أي: كما أخزى وأهلك ولعن الذين من ~~قبلهم. # وقوله: {وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين} أي: يهينهم، وهو من ~~الهوان، ومن عذبه الله فقد أهانه. # PageV05P385 # قوله تعالى: {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا} أي: يخبرهم. # وقوله: {أحصاه الله ونسوه} أي: أحاط به علم الله، ونسوه أي: نسيه من عمل ~~به. # وقوله: {والله على كل شيء شهيد} أي: شاهد. # PageV05P385 # قوله تعالى: {ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من ~~نجوى # PageV05P385 # {يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ~~ولا خمسة إلا هو سادسهم إلا ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما ~~كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (7) ألم تر ~~إلى الذين نهوا عن النجوى ثم} ثلاثة إلا هو رابعهم) ذكر الزجاج أن السرار ~~والنجوى بمعنى واحد. وعن بعضهم: أن السرار يكون بين اثنين، والنجوى [تكون] ~~بين ثلاثة وأكثر إذا إخفي. # وقوله: {إلا هو رابعهم} يعني: بالعلم والقدرة. # وقوله: {ولا خمسة إلا هو سادسهم} هو كما بينا. # وقوله: {ولا أدنى من ذلك ولا أكثر هو معهم أينما كانوا} هو كما بينا. # وقوله: {ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} أي: ~~عالم. # PageV05P386 # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} نزلت الآية في قوم من ~~المنافقين كان رسول الله إذا بعث سرية قالوا فيما بينهم: قد أصاب السرية، ~~وكذا قد أسروا وقتلوا وما يشبه ذلك إرجافا بالمسلمين، فنهاهم النبي عن ذلك، ~~فكانوا يقولون قد نبئنا. [قوله] : {ثم يعودون [لما نهوا عنه] } . # قوله: {ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول} وهو بالمعنى الذي بيناه ~~من قبل. # وقوله: {وإذا جاءوك وحيوك بما لم يحيك به الله} هذا في ms1738 اليهود. ويقال: إن ~~أول الآية في اليهود أيضا، وتحيتهم أنهم كانوا يقولون: السام عليك يا محمد، ~~وكان السام في لغتهم الموت والهلاك، وكان رسول الله يقول: " وعليكم ". فروي ~~في بعض الأخبار: " أن عائشة سمعتهم يقولون ذلك، فجعلت تسبهم وتلعنهم، فزجها ~~النبي عن ذلك وقال لها: " يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش والتفحش، وقالت: # PageV05P386 # {يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاءوك ~~حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ~~حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا ~~تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله ~~الذي إليه تحشرون} يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟ ! فقال رسول الله: ألم ~~تسمعي ما قلت، قلت: وعليكم، وإنا نستجاب فيهم، ولا يستجابون فينا ". # وقوله: {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} المعنى: أنهم ~~كانوا يقولون: لو كان محمد نبيا لعذبنا الله بما نقول. # وقوله: {حسبهم جهنم} أي: كافيهم عذاب جهنم. # وقوله: {يصلونها} أي: يدخلونها. # وقوله: {وبئس المصير} أي: المنقلب والمرجع. # PageV05P387 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى} أي: وما تتقون به. # وقوله: {واتقوا الله الذي إليه تحشرون} يوم القيامة. وإذا حملنا الآية ~~على المنافقين فقوله: {يا أيها الذين آمنوا} أي: آمنوا بألسنتهم، والأصح أن ~~الخطاب للمؤمنين، أمرهم الله تعالى ألا يكونوا كالمنافقين وكاليهود. # PageV05P387 # قوله تعالى: {إنما النجوى من الشيطان} يعني: أن النجوى بينهم على ما بينا ~~[هي] من الشيطان. # وقوله: {ليحزن الذين آمنوا} أي: ليحزنوا بما يسمعون من الإرجاف بالسرية. # PageV05P387 # ((9} إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا ~~بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10) يا أيها الذين آمنوا إذا قيل ~~لكم تفسحوا في) # وقوله تعالى: {وليس بضارهم شيئا} يعني: أن الإرجاف لا يضر السرية. # وقوله تعالى: {إلا بإذن الله} أي: بعلم الله. وقوله: {وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون} أي: فليتق المؤمنون. # PageV05P388 # قوله تعالى: {يا ms1739 أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس فافسحوا ~~يفسح الله لكم} معناه: إذا قيل لكم توسعوا في المجلس أي: في مجلس رسول الله ~~فوسعوا يوسع الله لكم. أي: في الجنة. # وفي التفسير: أن الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان به صمم، فجاء ~~يوما وقد (جلس) الناس عند النبي، فطلب أن يوسعوا له ليقرب من النبي ويسمع، ~~فوسعوا له إلا رجلا واحدا وكان قريبا من النبي لم يوسع له، وقال له: قد ~~أصبت موضعا فاقعد، فعيره ثابت بن قيس بأم كانت له في الجاهلية، فسمع النبي ~~ذلك فقال: " يا ثابت، انظر من القوم فليس لك على أحد منهم فضل إلا بالتقوى ~~". وأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمر المسلمين أن يتوسعوا في المجلس. قال ~~الحسن البصري: نزلت الآية في صفوف الجهاد. والمراد من التفسح هاهنا هو ~~القعود في المكان من (اختباء) لا للحرب. والقول الأول أظهر. # وقوله: {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} قال قتادة معناه: إذا دعيتم إلى خير ~~فأجيبوا. وقال الحسن: هو في الحرب. وقيل: هو النهوض في جميع الأشياء بعد أن ~~يكون من الخيرات، وذلك مثل: الجهاد، وصفوف الجماعات، والأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك. # PageV05P388 # {المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير (11) يا أيها ~~الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم ~~وأطهر فإن لم تجدوا} # وفي الآية قول ثالث: أن قوله: {فانشزوا} هو إذا فرغ النبي فاخرجوا من ~~عنده، ولا تلبثوا عنده فتثقلوا عليه، وهو في معنى قوله تعالى: {فإذا أطعمتم ~~فانتشروا ولا مستأنسين لحديث} . # وقوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} أي: ~~بإيمانهم وعلمهم. وقيل: كان النبي يستحب أن يكون بالقرب منه أولوا العلم ~~والنهي من أصحابه، فكان غيرهم يأتي ويقرب من النبي، ثم إذا حضر الأكابر ~~وأولوا العلم من أصحابه كان يقول: " يا فلان، قم، ويا فلان، قم ms1740 وتأخر؛ ~~ليقعد أولوا العلم والنهي بالقرب منه، فعلى هذا معنى قوله: {يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} إشارة إلى ما كان يرفعهم النبي ~~ويقعدهم بالقرب. يعني: أنهم أصابوا ما أصابوا من الرفعة والرتبة بالإيمان ~~والعلم. # وقوله: {والله بما تعملون خبير} أي: عليم. # PageV05P389 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة} سبب نزول الآية أن الناس كانوا يستكثرون من السؤال على النبي، ~~وكان الواحد منهم يتناجى مع رسول الله طويلا، فأراد الله أن يخفف عن نبيه، ~~فأنزل هذه الآية. وعن مجاهد عن علي رضي الله عنهما أنه قال: لم يعمل بهذه ~~الآية غيري، كان عندي دينار فتصدقت به، وانتجيت مع الرسول. وفي رواية: أنه ~~صارف الدينار بعشرة دراهم، فكان كلما أراد أن يتناجى مع الرسول عليه الصلاة ~~والسلام تصدق بدرهم. # وذكر النقاش في تفسيره: أن المنافقين قالوا: قد طال نجوى محمد مع ابن عمه # PageV05P389 # {فإن الله غفور رحيم (12) أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا ~~لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ~~ورسوله والله خبير بما} فقال النبي: " ما انتجيته أنا ولكن الله انتجاه ". # في بعض التفاسير: أن هذا لأمر لم يبق إلا ساعة من النهار حتى نسخ. # وفي التفسير أيضا: أن النبي قال لعلي: " كم تقدر في الصدقة؟ فقال: شعيرة، ~~فقال: إنك لزهيد "، " وكان الرسول قد قال: " يتصدقون بدينار. فقال علي: ~~إنهم لا يطيقونه ". # وذكر بعضهم: أن المنافقين كانوا يأتون النبي [ويتناجون] معه طويلا تصنعا ~~ورياء، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فبخلوا بأموالهم وكفوا عن النجوى. # وقوله تعالى: {ذلك خير لكم وأطهر} أي: أزكى. # وقوله: {فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم} أي: إن لم تجدوا ما تتصدقون به ~~فإن الله غفر لكم، ورحمكم بإسقاط الصدقة عنكم. # PageV05P390 # وقوله تعالى: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} معناه: أأشفقتم ~~على أموالكم وبخلتم بها؟ # وقوله: {فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأطيعوا الله ورسوله} ms1741 نسخ ذلك الأمر بهذه الآية، كأنه قال: فإذا لم تفعلوا ~~ونسخناه منكم {فأقيموا الصلاة} أي: حافظوا عليها {وآتوا الزكاة} أي: أدوها ~~{وأطيعوا الله # PageV05P390 # {تعملون (13) ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا ~~منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ~~ما كانوا يعملون (15) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب ~~مهين (16) لن} ورسوله) فيما يأمران من الأمر {والله خبير بما تعملون} أي: ~~عليم بأعمالكم. # PageV05P391 # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم} نزلت في ~~المنافقين كانوا [يتولون] اليهود، وقالوا لهم: نحن معكم في السر. # وقوله: {ما هم منكم ولا منهم} أي: المنافقين. # وقوله: {ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} روي " أن النبي دعا عبد الله ابن ~~نبتل وكان أحد المنافقين فقال له: مالك تشتمني وتؤذيني وقومك وأصحابك، فذهب ~~وجاء بأصحابه يحلفوا أنهم لم يقولوا له إلا خيرا "، فهو معنى قوله: ~~{ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} . # PageV05P391 # وقوله: {أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون} أي: ساءت ~~أعمالهم. # PageV05P391 # قوله تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنة} معناه: اتقوا بأيمانهم كما يتقي ~~المحارب # PageV05P391 # {تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم ~~على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ~~أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) إن الذين يحادون ~~الله ورسوله} بجنته، وهي ترسه. # وقوله: {فصدوا عن سبيل الله} أي: أعرضوا عن سبيل الله. # وقوله: {فلهم عذاب مهين} ظاهر المعنى. # PageV05P392 # قوله: {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} أي: لن تدفع عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا. # وقوله: {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} أي: دائمون. # PageV05P392 # قوله تعالى: {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم} أي: ~~يحلفون لله كذبا كما حلفوا لكم كذبا. # وقوله: {ويحسبون أنهم على شيء} أي: يظنون ms1742 أنهم على شيء. # وقوله: {آلا إنهم هم الكاذبون} أي: الكاذبون على الله وعلى رسوله. # PageV05P392 # قوله: {استحوذ عليهم الشيطان} أي: غلب عليهم الشيطان. وفي صفات عمر رضي ~~الله عنه أنه كان أحوذيا نسيج وحده. وفي رواية أحوزيا. ومعناه بالذال أي: ~~غالبا على الأمور. # وقوله: {فأنساهم ذكر الله} أي: أنساهم الشيطان ذكر الله. # وقوله: {أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} أي: خسروا ~~رضا الله تعالى والجنة. # PageV05P392 # قوله تعالى: {إن الذين يحادون الله ورسوله} قد بينا. # PageV05P392 # {أولئك في الأذلين (20) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (21) ~~لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه} # وقوله: {أولئك في الأذلين} أي: الأقلين. وكل كافر ذليل، وكل مؤمن عزيز. ~~ومعناه: هم أقل درجة ورتبة. # PageV05P393 # وقوله: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} أما غلبة الله معلومة؛ لأن كل ~~الأشياء على مراده ومشيئته، أما غلبة رسله فهي بالنصر تارة وبالحجة أخرى. # وقوله: {إن الله قوي عزيز} أي: قوي في الأمور، غالب عليها. # PageV05P393 # قوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله} أي: لا يكون من صفة المؤمنين أن يوادوا من حاد الله ورسوله {ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} في نزول الآية قولان: ~~أحدهما: أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى مكة يؤذنهم بغزو ~~النبي؛ وستأتي قصة ذلك في سورة الممتحنة. والقول الثاني: أن الآية نزلت في ~~غيره. # وقوله: {ولو كانوا آباءهم} نزل في أبي عبيدة بن الجراح، وكان قتل أباه ~~الكافر وجاء برأسه إلى النبي. وقد قيل: إن أباه مات قبل أن يسلم أبو عبيدة، ~~والله أعلم. # وقوله: {أو أبناءهم} نزل في أبي بكر رضي الله عنه أراد أن يخرج إلى ابنه ~~عبد الرحمن فيبارزه، فمنعه النبي عن ذلك وقال: " نبله منه غيرك ". # وقوله: {أو إخوانهم} نزل في عمر بن الخطاب ms1743 رضي الله عنه قتل أخاه هشام بن ~~العاص يوم بدر، وكان أخاه من أمه. # وقوله: {أو عشيرتهم} نزل في حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم ~~بارزوا مع عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، وقد كانوا عشيرتهم وقرابتهم. # PageV05P393 # {ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22) .} # وقوله: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} أي: أدخل في قلوبهم الإيمان. وقيل: ~~كتب أي: جعل في قلوبهم علامة تدل على إيمانهم. # وقوله: {وأيدهم بروح منه} أي: قواهم بنصر منه. وقيل: بنظر منه. وقيل: ~~برحمة منه. # وقوله: {ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه} معلوم المعنى. # وقوله: {أولئك حزب الله} أي: جند الله. وقيل: خاصة الله وصفوته. وتقول ~~العرب: أنا في حزب فلان أي: في شق فلان وجانبه. # وقوله: {ألا إن حزب الله هم المفلحون} أي: هم السعداء الباقون في نعيم ~~الأبد. وقيل: هم الذين نالوا رضا الله تعالى، والله أعلم. # PageV05P394 # بسم الله الرحمن الرحيم # {سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) هو الذي أخرج} # تفسير سورة الحشر # وهي مدنية # وعن ابن عباس: أنه سماها سورة النضير، والله اعلم # PageV05P395 # قوله تعالى: {سبح لله ما في السموات وما في الأرض} أي: صلى وتعبد لله. ~~والتسبيح لله تعالى: هو تنزيهه من كل سوء. وذكر بعضهم عن ابن عباس أنه قال: ~~كل تسبيح ورد في القرآن فهو بمعنى الصلاة. ومنه قوله: سبحة الضحى أي: صلاة ~~الضحى. # وقوله: {وهو العزيز الحكيم} أي: الغالب على الأشياء، الحكيم في الأمور. # PageV05P395 # قوله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم} قال ~~جماعة المفسرين: هم بنو النضير من اليهود، وكان رسول الله وادعهم وشرط ~~عليهم أن لا ينصروا مشركي قريش، فنقضوا العهد. وروي أن نقضهم العهد كان هو ~~أن النبي أتاهم يستعين بهم في دية التلاديين وقيل العامريين قتلى عمرو بن ~~أمية الضمري، فجاء وقعد في أصل حصنهم ms1744 فقالوا: ما جاء بك يا محمد؟ ! فذكر ~~لهم ما جاء فيه، واستعان بهم، فدبروا ليلقوا عليه صخرة ويقتلوه؛ فجاء جبريل ~~عليه السلام وأخبره، فرجع إلى المدينة ثم حاصرهم وأجلاهم ". # وقوله: {لأول الحشر} قال الحسن: معنى أول الحشر: هو أن الشام أرض الحشر ~~والمنشر، وكان رسول الله أجلاهم إلى الشام، فإجلاءه إياهم كان هو الحشر ~~الأول، والحشر الثاني يوم القيامة، وهو قول عكرمة أيضا. وقال عكرمة: من شك ~~أن الشام أرض المحشر فليقرأ قوله تعالى: {لأول الحشر} . وقيل: إن بني ~~النضير كانوا أول من # PageV05P395 # {الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا ~~وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار (2) ولولا أن} أجلوا عن بلادهم من اليهود فقال: {لأول الحشر} بهذا ~~المعنى. ثم إن عمر رضي الله عنه أجلى باقي اليهود عن جزيرة العرب استدلالا ~~بقوله عليه الصلاة والسلام: " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب " قال أبو ~~عبيدة: وجزيرة العرب من حفر أبي موسى إلى أقصى حجر باليمن طولا، ومن رمل ~~يبرين إلى منقطع السماوة عرضا. والقول الثاني قول مجاهد وغيره. # وقوله: {ما ظننتم أن يخرجوا} معناه: ما ظننتم أيها المؤمنون أن يخرجوا؛ ~~لأنهم كانوا أعز اليهود بأرض الحجاز وأمنعهم جانبا. # قوله: {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} أي: من عذاب الله. # وقوله: {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} قال السدى: هو بقتل كعب بن ~~الأشرف، قتله محمد بن مسلمة الأنصاري حين بعثه رسول الله وكان صديقا لكعب ~~في الجاهلية فجاءه ليلا ودق عليه باب الحصن، فنزل وفاغتاله وقتله، وروي أن ~~محمد بن مسلمة قال لكعب: ألست كنت تعدنا خروج هذا النبي؟ وتقول: هو الضحوك ~~القتال يركب البعير، ويلبس الشملة، يجترئ بالكسرة، سيفه على عاتقه، له ~~ملاحم وملاحم. فقال: نعم، ولكن ليس هو بذاك. فقال كذبت يا عدو الله، بل ~~حسدتموه. # وقوله: {وقذف في قلوبهم الرعب} أي: الخوف، وقد ms1745 ثبت أن النبي قال: " نصرت ~~بالرعب مسيرة شهر ". # وقوله: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} وقرئ: " يخربون " من # PageV05P396 # {كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار (3) ~~ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب (4) ما ~~قطعتم من لينة} الإخراب، فمنهم من قال: هما واحد، والتشديد للتكثير. وقال ~~أبو عمرو: يخربون من فعل التخريب، ويخربون بالتخفيف أي: يتركوها خرابا. فإن ~~قيل: كيف قال: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} ولا يتصور أن يخربوا ~~بيوتهم بأيدي المؤمنين؟ والجواب: إنما أضاف إليهم؛ لأنهم هم الذين ألجأوا ~~المؤمنين إلى التخريب، وحملوهم على ذلك بامتناعهم عن الإيمان. فإن قال ~~قائل: لم يخربوا بيوتهم؟ قلنا: طلبوا من ذلك توسيع موضع القتال. وعن ~~الزهري: أن المسلمين كانوا يخربون من خارج الحصن، واليهود كانوا يخربون من ~~داخل الحصن، وكان تخريبهم ذلك ليحملوا ما استحسنوه من سقوف بيوتهم مع ~~أنفسهم. وقيل: لئلا تبقى للمؤمنين. # وقوله: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} والاعتبار هو النظر في الشيء ليعرف به ~~جنسه ومثله. وقيل معناه: فانظروا وتدبروا يا ذوي العقول والفهوم، كيف سلط ~~الله المؤمنين عليهم، وسلطهم على أنفسهم؟ وقد استدل بهذه الآية على جواز ~~القياس في الأحكام، لأن القياس نوع اعتبار؛ إذ هو تعبير شيء بمثله بمعنى ~~جامع بينهما ليتفقا في حكم الشرع. # PageV05P397 # قوله تعالى: {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا} أي: ~~بالسيف. واستدل بعضهم بهذه الآية على أن الإخراج من الدار بمنزلة القتل؛ ~~وعليه يدل قوله تعالى: {أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} . # وقوله: {ولهم في الآخرة عذاب النار} أي: عذاب جهنم. # PageV05P397 # وقوله تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} أي: خالفوا الله ورسوله. وقد ~~ذكرنا أن معناه: صاروا في شق غير شق المؤمنين. # وقوله: {ومن يشاق الله} أي: يخالف الله {فإن الله شديد العقاب} . # PageV05P397 # {أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (5) وما أفاء ~~الله على} # PageV05P398 # قوله تعالى: {ما قطعتم من لينة} قال سعيد بن جبير: اللينة كل تمر سوى ~~البرني ms1746 والعجوة، وأهل المدينة يسمون التمور الألوان. وقيل: اللينة: النخلة. ~~وعن بعضهم أن اللينة: جمع الأشجار، سميت لينة للينها بالحياة. وعن سفيان ~~قال: اللينة كرائم النخيل. وقيل: هو الفسيل، سمي لينة لأنه لا يكون في شدة ~~الحر. ومن المشهور أن النبي قال: " العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم ". # وفي القصة: أن أصحاب رسول الله لما حاصروا بني النضير كان بعضهم يقطع ~~النخيل وبعضهم يتركها. # وفي رواية: " أن النبي أمرهم بقطع النخيل، فخرج اليهود حين رأوا ذلك ~~وقالوا: يا محمد، ألست تنهى عن الفساد، وهذا من الفساد، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية ". # وقد ثبت برواية نافع عن ابن عمر " أن النبي حرق نخيل بني النضير وقطعها، ~~فأنزل الله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن ~~الله} " أي: بأمر الله، قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الخبر المكي بن عبد ~~الرزاق، أخبرنا جدي، أخبرنا الفربري، أخبرنا البخاري، عن قتيبة، عن الليث ~~بن سعد، عن نافع. الخبر. وفي رواية: أن النبي حرق البويرة، وقال شاعرهم ~~شعرا: # (وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير) # والبويرة: موضع بني النضير # PageV05P398 # {رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من ~~يشاء والله على كل شيء قدير (6) ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول} # وقوله: {وليخزي الفاسقين} هم اليهود، وإخزاؤهم هو رؤيتهم كيف يتحكم ~~المؤمنون في أموالهم. # PageV05P399 # قوله تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم} أي: من بني النضير، والفيء ~~كل مال رد الله تعالى من الكفار إلى المسلمين، وهو مأخوذ من الفيء بمعنى ~~الرجوع يقال: فاء إذا رجع، ومنه فيء الظل، والفرق بين الفيء والغنيمة: أن ~~الغنيمة هي ما أخذه المسلمون من الكفار بإيجاف الخيل والركاب، والفيء ما ~~صار إلى المسلمين من أموال الكفار من غير إيجاف خيل وركاب. # وقوله: {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} الركاب: الإبل، والمعنى: أن ~~أموالهم صارت إلى رسول الله من غير إيجافكم بخيل أو إبل. والإيجاف: ms1747 ~~الإسراع. فجعل الله تعالى أموال بني النضير للنبي خاصة، لأن النبي ظهر ~~عليهم من غير قتال من المسلمين، وكان يدخر منها قوت سنة لعياله، والباقي ~~يتخذ منه الكراع وعدة في سبيل الله ". # وفي تفسير قتادة: أن المسلمين طلبوا أن يقسم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وجعل ما أصابوه للرسول خاصة، وكان رسول الله لما أجلاهم شرط أن لهم ~~ما تحمله إبلهم إلا الحلقة، يعني: السلاح. # وقوله: {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء} أي: رسوله على من يشاء. # وقوله: {والله على كل شيء قدير} أي: قادر. # PageV05P399 # قوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} في الآية بيان مصارف الخمس، وقد ~~بينا من قبل، # PageV05P399 # {ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ~~إن الله شديد العقاب (7) للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون (8) والذين تبوءوا الدار} والقرى هي القرى العربية مثل: خيبر، ~~ووادي القرى، وفيماء، وغيرها. ومن المشهور في التفسير أيضا: أن النبي قسم ~~أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر: ~~سهل بن حنيف، وأبا دجانة، والحارث بن الصمة، وهذا قول غير القول الأول الذي ~~ذكرنا، وهو الأشهر، فعلى هذا جعل الله أموال بني النضير للرسول خاصة قسمها ~~بين المهاجرين ليكفي الأنصار مؤنتهم. # وقوله تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} أي: لئلا يتداوله ~~الأغنياء منكم. والتداول هو النقل من يد إلى يد. # وقوله: {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} حث الله تعالى ~~المسلمين في هذه الآية على التسليم لأمر الله تعالى ونهيه؛ لأن المعنى وما ~~أتاكم الرسول عن الله فخذوه، وما نهاكم عن الله فانتهوا. # وقوله: {واتقوا الله إن الله شديد العقاب} أي: العقوبة. # PageV05P400 # قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين} يعني: ما أفاء الله على رسوله ms1748 للفقراء ~~المهاجرين {الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} فديارهم مكة وغيرها، وأموالهم ~~ما خلفوها عند هجرتهم. # وقوله: {يبتغون فضلا من الله ورضوانا} أي: يطلبون فضل الله ورضاه. # وقوله: {وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} أي: الصادقون عقدا وقولا ~~وفعلا. # PageV05P400 # قوله تعالى: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم} أجمع أهل التفسير ~~على أن المراد بهم الأنصار. # PageV05P400 # {والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم} # وقوله: {تبوءوا الدار والإيمان} أي: استوطنوا المدينة، وقبلوا الإيمان. ~~وقيل: تبوءوا الدار أي: أعدوا الديار للمهاجرين وواسوهم في كل مالهم. # وقوله: {والإيمان} أي: جعلوا دورهم دور الإيمان، وذلك بإظهارهم الإيمان ~~فيما بينهم، فإن قيل: كيف يستقيم قوله: {من قبلهم} والأنصار إنما آمنوا من ~~بعد المهاجرين؟ والجواب أن قوله: {من قبلهم} ينصرف إلى تبوء الدار لا إلى ~~الإيمان والثاني أن قوله {من قبلهم} وإن انصرف إلى الإيمان فالمراد منه قبل ~~هجرتهم؛ لأن الأنصار كانوا قد آمنوا قبل هجرتهم. # وقوله: {يحبون من هاجر إليهم} أي: من أهل مكة وغيرهم. # وقوله: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} قال قتادة: وعند كثير من ~~المفسرين معناه: حسدا مما أعطوا، وقيل: ضيقا في قلوبهم مما أعطي المهاجرين، ~~وهو بمعنى الأول. وقد ذكرنا ما أعطى رسول الله المهاجرين من أموال بني ~~النضير، فالمعنى ينصرف إليهم. # وقوله: {ويؤثرون على أنفسهم} أي: يقدمون المهاجرين على أنفسهم. # وقوله: {ولو كان بهم خصاصة} أي: فقر وحاجة. ومن المعروف برواية أبي هريرة ~~أن بعض الأنصار أضاف رجلا من الفقراء، ولم يكن عنده فضل عما يأكله ويأكل ~~أهله وصبيانه. وفي رواية: أن ذلك الرجل كان جاع ثلاثة أيام ولم يجد شيئا، ~~وطلب رسول الله له شيئا في بيوت أزواجه ولم يجد، فأضافه هذا الأنصاري، حمله ~~إلى بيته وقال لأهله: نومي الصبية وأطفئي السراج [بعلة] الإصلاح، ففعلت ~~ذلك، وجعلا يمدان أيديهما ويضربان على (الصحفة) ؛ ليظن الضيف أنهما يأكلان، ~~ولا يأكلان ففعلا ذلك ms1749 وأكل الضيف حتى شبع، فلما غدا # PageV05P401 # {المفلحون (9) والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا} على النبي قال: " لقد عجب الله من صنيعتكم البارحة " فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # ومن المعروف أن النبي قال للأنصار: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند ~~الطمع ". # وقوله: {ومن يوق شح نفسه} أي: بخل نفسه {فأولئك هم المفلحون} أي: السعداء ~~الفائزون. وعن ابن مسعود أن رجلا قال له: إني لا أستطيع أن أعطي من مالي ~~شيئا أفتخش البخل. قال: ذلك البخل، وبئس الشيء البخل، وإنما الشح أن تأخذ ~~المال من غير حقه. وقيل: البخل أن يبخل بماله نفسه والشح أن يبخل بمال غيره ~~وقال مقاتل بن سليمان ومن يوق شح نفسه أي: حرص نفسه. وقيل: هوى نفسه. وقال ~~سعيد بن جبير: هو منع الزكاة. وعن ابن زيد: هو أن يأخذ ما ليس له أن يأخذ، ~~ويمنع ما لا يجوز له منعه. # PageV05P402 # قوله تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم} هم التابعون. وقيل: الذين يؤمنون ~~إلى يوم القيامة. # وقوله: {يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل ~~في قلوبنا غلا للذين آمنوا} أي: خيانة وحقدا، وفي الآية دليل على أن الترحم ~~للسلف # PageV05P402 # {بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم (10) ~~ألم تر إلى} والدعاء لهم بالخير وترك ذكرهم بالسوء من علامة المؤمنين. وروي ~~أن رجلا جاء إلى مالك بن أنس فجعل يقع في جماعة من الصحابة مثل: أبي بكر، ~~وعمر، وعثمان، وغيرهم، فقال له: أنت من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم؟ قال: لا. قال: أنت من الذين تبوءوا الدار والإيمان من ~~قبلهم؟ قال: لا. فقال: أشهد أنك لست من الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. # وعن ابن عباس أنه قال: ليس لمن يقع في الصحابة ويذكرهم بالسوء في الفيء ~~نصيب، وتلا هذه الآيات الثلاث. وروي أن عمر بن عبد العزيز سئل عما جرى بين ~~الصحابة من القتال وسفك الدماء فقال: تلك ms1750 دماء طهر الله يدي عنها، فلا أحب ~~أن أغمس لساني فيها. # من المعروف أن النبي قال: " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر ~~فأمسكوا " والمراد به الإمساك عن ذكر المساوئ لاعن ذكر المحاسن. وفي بعض ~~الروايات: " إذا ذكر النجوم فأمسكوا ". # وقوله: {ربنا إنك رءوف رحيم} ظاهر المعنى. # PageV05P403 # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين نافقوا} هم عبد الله بن أبي سلول، وعبد ~~الله بن نفيل، وزيد بن رفاعة وغيرهم. # PageV05P403 # {الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم ~~لكاذبون (11) لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن ~~نصروهم ليولن} # وقوله: {يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} فيه قولان: أحدهما: ~~أنهم بنو النضير، قال لهم المنافقون ذلك قبل أن أجلوا. # والقول الآخر: أنهم بنو قريظة، قال لهم المنافقون ذلك بعد أن أجلي بنو ~~النضير. # وقوله: {لئن أخرجتم لنخرجن معكم} أي: لئن أخرجتم من المدينة لنخرجن معكم ~~في القتال. # وقوله: {ولا نطيع فيكم أحدا أبدا} أي: لا نطيع محمدا فيكم. # وقوله: {وإن قوتلتم لننصرنكم} معناه: ولئن قاتلكم [محمدا] لنكونن معكم في ~~القتال. # وقوله: {والله يشهد إنهم لكاذبون} أي: في هذا القول. # PageV05P404 # قوله تعالى: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم} يعني: لئن أخرج اليهود لا يخرج ~~معهم المنافقون. # وقوله: {ولئن قوتلوا لا ينصرونهم} أي: لئن قوتل اليهود لا ينصرهم ~~المنافقون. # وقوله: {ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون} فإن قيل: كيف قال: {لا ~~ينصرونهم} ثم قال {ولئن نصروهم} وإذا أخبر الله تعالى أنهم لا ينصرونهم كيف ~~يجوز أن ينصروهم؟ والجواب من وجوه: أحدها: أن قوله: {لا ينصرونهم} في قوم ~~من المنافقين، وقوله: {ولئن نصروهم} أي: في قوم آخرين منهم، وهم الذين لم ~~يقولوا ذلك القول. # والوجه الثاني: أن قوله: {لا ينصرونهم} أي: طائعين. # PageV05P404 # {الأدبار ثم لا ينصرون (12) لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم ~~قوم لا يفقهون (13) لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو ms1751 من وراء جدر ~~بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (14) ~~كمثل الذين من} # وقوله: {ولئن نصروهم} أي: مكرهين. # والوجه الثالث: أن قوله: {لا ينصرونهم} أي: لا يدومون على نصرهم. وقوله: ~~{ولئن نصروهم} أي: نصروهم في الابتداء. # والوجه الرابع كما قاله الزجاج: هو أنهم لا ينصرونهم على ما قال الله ~~تعالى، وقوله: {ولئن نصروهم} أي: قصدوا نصرتهم، لولوا الأدبار أي: انهزموا، ~~وذلك بما يلقي الله تعالى في قلوبهم من الرعب. # وقوله: {ثم لا ينصرون} أي: لا ينصر اليهود. # PageV05P405 # قوله تعالى: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} قال ابن عباس: يعني: ~~أنتم [أشد] رهبة في صدورهم من الله إذ يخافون منكم ما لا يخافون منه. # وقوله: {ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} أي: لا يعلمون عظمة الله وقدرته ~~فيخافون منه. # PageV05P405 # قوله تعالى: {لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر} يعني: ~~أنهم لا يمكنهم أن يصافوكم في القتال [ويواجهوكم] به، وإنما يقاتلونكم في ~~الحصون ووراء الجدر لقتلهم ودخول الرعب عليهم. # قوله: {بأسهم بينهم شديد} قال مجاهد: يعني أنهم يقولون فيما بينهم: ~~لنفعلن كذا ولنفعلن كذا. # وقوله: {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى} يعني: أن المنافقين قط لا يخلصون ~~لليهود، ولا اليهود للمنافقين. # وقوله: {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} أي: لا يتدبرون بعقولهم، فهم بمنزلة من # PageV05P405 # {قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (15) كمثل الشيطان إذ قال ~~للإنسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين (16) ~~فكان عاقبتهما} لا عقل له. # PageV05P406 # قوله تعالى: {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر} أي: مثل هؤلاء المنافقين ~~مع اليهود كمثل الشيطان مع الكافر. وأكثر المفسرين على أن هذا الكافر هو ~~رجل من بني إسرائيل يعبد الله تعالى في صومعة دهرا طويلا، وكان اسمه برصيصا ~~العابد، وكان في بني إسرائيل ثلاثة إخوة لهم أخت حسناء بها شيء من اللمم، ~~وقيل: كانت مريضة، فعرض لهم سفر فقالوا: نسلم أختنا إلى فلان العابد ~~فيحفظها إلى أن نرجع وفي رواية: ms1752 يدعو لها ويقوم عليها فإن ماتت دفنها، وإن ~~برأت فكانت عنده إلى أن نرجع، فسلموها إليه بجهد، فقام عليها حتى برأت. ثم ~~أن الشيطان جاءه وزين له أن يواقعها فواقعها وحبلت منه، ثم جاء الشيطان ~~وقال: إنك تفضح إذا قدم إخوتها فاقتلها وادفنها وقل أنها ماتت، ففعل ذلك ~~ودفنها في أصل صومعته، فلما رجع الإخوة وجاءوا [إليه] ذكر لهم أنها قد ماتت ~~فصدقوه، ثم أن الشيطان أراهم في المنام أن العابد قد قتل أختكم ودفنها في ~~موضع كذا، فجاءوا إلى ذلك الموضع، وحفروا واستخرجوا أختهم مقتولة، فذهبوا ~~وذكروا ذلك للملك، فجاء الملك والناس واستنزلوا العابد من صومعته ليقتلوه، ~~فجاءه الشيطان وقال: أنا الذي فعلت بك ما فعلت فأطعني حتى أنجيك، فقال: أيش ~~أفعل؟ فقال: تسجد لي سجدة ففعل، وقتل على الكفر، ونزلت هذه الآية في هذه ~~القصة وقد روى عطية عن ابن عباس قريبا من هذا وذكر بعضهم هذه القصة مسندة ~~إلى الرسول برواية سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار بألفاظ قريبة من هذا في ~~المعنى. قال الشيخ: أخبرنا بذلك أبو على الشافعي بمكة، أخبرنا ابن فراس، ~~أخبرنا أبو جعفر الديبلي، أخبرنا سعيد بن # PageV05P406 # {أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين (17) يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما ~~تعملون (18) ولا تكونوا عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان. # وقوله: {فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين} هذا مثل ~~قوله تعالى: {فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ~~ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} وقيل: إن خوفه من العقوبة في ~~الدنيا لا من العقوبة في الآخرة. وقيل: هو الخوف من العقوبة في الآخرة إلا ~~أن خوفه لا ينفعه لعدم الإيمان. وقيل: إن الآية نزلت في جميع الكفار لا في ~~كافر مخصوص، والمشهور هو القول الأول. # PageV05P407 # قوله تعالى: {فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها} يعني: عاقبة ~~الكافر وإبليس (خالدين ms1753 فيها) أي: دائمين فيها. # وقوله: {وذلك جزاء الظالمين} أي: الكافرين. # PageV05P407 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد} ~~قال قتادة: ما زال يقرب الساعة حتى جعل كالغد. # وقوله: {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} الأمر بالتقوى على طريق ~~التأكيد. # PageV05P407 # قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} أي: تركوا أمر ~~الله فتركهم من نظره ورحمته. وقيل معناه: تركوا طلب الحظ لأنفسهم في الآخرة ~~بما تركوا من أمر الله، ونسب إلى الله تعالى؛ لأن تركهم طلب الحظ لأنفسهم ~~وفواته إياهم كان لأجل ما توجه عليهم من أمر الله، وقيل معناه: أغفلهم عن ~~حظ أنفسهم عقوبة لهم. قال النحاس: ويستقيم في العربية أن يقال: نسيهم فلان ~~بمعنى تركهم. ولا يستقيم أنساهم بمعنى تركهم. # PageV05P407 # {كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) لا يستوي أصحاب ~~النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (20) لو أنزلنا هذا القرآن على ~~جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم ~~يتفكرون # وقوله: {أولئك هم الفاسقون} أي: الخارجون عن طاعة الله. # PageV05P408 # قوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هو ~~الفائزون} أي: الناجون. # PageV05P408 # قوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله} أي: إذا جعلنا له ما يميز ويعقل. قيل: هو مذكور على طريق التمثيل لا ~~على طريق الحقيقة، وعند أهل السنة: أن لله تعالى في الموات والجمادات علما ~~(لا) يقف عليه الناس. وقد قال في موضع آخر: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} وهو ~~دليل على ما ذكرنا من قبل. # وقوله: {خاشعا} أي: ذليلا، وقيل: متصدعا أي: متشققا من خشية الله. # وقوله: {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} أي: يتدبرون. # PageV05P408 # قوله تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة} أي: السر ~~والعلانية، وقيل: عالم الغيب والشهادة أي: ما كان وما يكون. # وقوله: {هو الرحمن الرحيم} قد بينا. # PageV05P408 # قوله: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك} أي: المقتدر على ms1754 الأشياء. # وقوله: {القدوس} أيك الطاهر، وقيل: المنزه من كل نقص وعيب، وقيل القدوس: ~~المقدس، يعني: يقدسه الملائكة ويسبحونه، وفي تسبيح الملائكة: سبوح # PageV05P408 # {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (22) ~~هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر قدوس رب الملائكة والروح. ومنه بيت المقدس، ومنه حظيرة ~~القدس، وهي الجنة. قال رؤبة:. # (دعوت رب العزة القدوسا ... دعاء من لا يقرع الناقوسا} # وقوله: {السلام} قال قتادة: معناه: مسلم من الآفات والعيوب. وقال مجاهد: ~~سلم الناس من ظلمه. وفي بعض الأخبار: أن النبي قال: " السلام اسم من أسماء ~~الله تعالى [ووضعه] بينكم فأفشوه ". # وقوله: {المؤمن} فيه أقوال: أحدها: أنه يؤمن المؤمنين من النار والعذاب. ~~والآخر: أن المؤمنين أمنوا من ظلمه فهو مؤمن. والقول الثالث: أنه شهد لنفسه ~~بالوحدانية، فهو مؤمن بهذا المعنى، وشهادته لنفسه بالوحدانية هو قوله ~~تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} # وقوله: {المهيمن} قال قتادة: أي: الشهيد. وقال بعضهم: هو الأمين، ومعنى ~~كونه أمينا: أنه لا يضيع أعمال العباد، فكأن أعمال العباد في أمانته لا ~~يضيعها. وقيل: هو الرقيب. وقيل: إن المهيمن أصله المؤيمن إلا أنه قد قلبت ~~الهمزة هاء مثل قولهم: أرقت الماء وهرقته. # وقوله: {العزيز} أي الغالب. وقيل: القاهر. وقيل: المنيع. # وقال الشاعر في المهيمن. # PageV05P409 # {سبحان الله عما يشركون (23) هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء ~~الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم (24) .} # (مليك على عرش السماء مهيمن ... [لعزته] تعنو الوجوه وتسجد) # وقوله: {الجبار} أي: جبر الخلق على مراده ومشيئته. وقيل: الجبار أي: ~~العظيم. وقيل: هو الذي يفوت عن الأوهام والإدراك. # يقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة لا يوصل إليها بالأيدي. # قوله: {المتكبر} أي: الكبير. وقيل: المتكبر هو الذي أعلى نفسه وعظمها، ~~وهذا ممدوح في صفات الله، مذموم في صفات الخلق؛ لأن الخلق لا يخلون عن ~~نقيصة، فلا يليق بهم إعظامهم أنفسهم وإعلاؤهم إياهم، والله تعالى لا يجوز ~~عليه نقص فيصح ms1755 مدحه لنفسه وإعظامه. # وقيل: مدح نفسه ليعلم خلقه مدحهم إياه ليثيبهم عليه، إذ لا يجوز أن يعود ~~إليه ضر ولا نفع. # وقوله: {سبحان الله عما يشركون} قد بينا في كثير من المواضع. # PageV05P410 # قوله تعالى: {هو الله الخالق البارئ} أي: مقدر الأشياء ومخترعها. # وقوله: {البارئ} قيل: هو في معنى الخالق على طريق التأكيد، وقيل: إن ~~معناه المحيي بعد الإماتة. قال الشاعر: # (وكل نفس على سلامتها ... يميتها الله ثم يبرؤها) # ذكره أبو الحسن بن فارس. # وقوله: {المصور} هو التصوير المعلوم يصور كل خلق على ما يشاء. وقيل: # PageV05P410 # التصوير هو تركيب مخصوص في محل مخصوص من الخلق. # وقوله تعالى: {له الأسماء الحسنى} الحسنى: هو تأنيث الأحسن، وهي هاهنا ~~بمعنى العليا. # وقوله: {يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم} ظاهر المعنى. ~~وقد ورد في بعض المسانيد برواية ابن عباس عن النبي أنه قال: " إن اسم الله ~~الأعظم في ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ". والله أعلم. # PageV05P411 # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~وقد كفروا} # تفسير سورة الممتحنة # وهي مدنية، والله أعلم # PageV05P412 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} نزلت ~~الآية في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب كتابا إلى المشركين يخبرهم ببعض أمر ~~النبي، والخبر في ذلك ما أخبرنا به أبو علي الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن ~~الشافعي، أخبرنا أبو الحسن بن فراس، أخبرنا أبو محمد المقرئ، أخبرنا جدي ~~محمد بن عبد الله ابن يزيد المقرئ، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن ~~دينار، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: سمعت ~~غليا رضي الله عنه يقول: " بعثني رسول الله والزبير والمقداد بن الأسود ~~فقال: انطلقوا إلى روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب، فخرجنا [تتعادى] بنا ~~خيلنا حتى بلغنا روضة خاخ، فوجدنا بها ظعينة وقلنا لها: أخرجي الكتاب. ~~فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنقلبن ثيابك. فأخرجت كتابا ms1756 ~~من غقاص شعرها، فأخذناه وأتينا به النبي، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي ~~بلتعة إلى المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي، فدعا حاطبا وقال له: " ما ~~هذا؟ " فقال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت أمرأ ملصقا في قريش يعني ~~حليفا ولم اكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قراباتهم، قرابات ~~يحمون بها قراباتهم ولم يكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ ~~عندهم يدا يحمون بها قرابتي، والله ما فعلته شكا في الإسلام، ولا رضا ~~بالكفر، فقال النبي: " لقد صدقكم " فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق ~~هذا المنافق، فقال النبي: " إنه قد شهد بدرا، ولعل الله # PageV05P412 # {بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم ~~خرجتم} اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". # قال أهل التفسير: " وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد غزوا ورى بغيره ". ~~وكان يقول: " الحرب خدعة " فلما أراد أن يغزو مكة كتم أمره أشد الكتمان، ~~وكتب حاطب بن أبي بلتعة على يدي امرأة تسمى سارة كتابا إلى أهل مكة يخبرهم ~~بمسير النبي، فأطلع الله نبيه على ذلك، وكان الأمر على ما بينا، وأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} في الآية دليل على أن حاطب لم يخرج من ~~الإيمان بفعله ذلك. # وقوله: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} أي: أعدائي وأعداءكم، وهم مشركو ~~قريش. # وقوله: {تلقون إليهم بالمودة} أي: تلقون إليهم أخبار النبي وسره بالمودة ~~التي بينكم وبينهم. ويقال: تلقون إليهم بالمودة أي: بالنصيحة، قاله مقاتل. ~~وقيل: تلقون إليهم بالمودة أي: بالكتاب. وسمي ذلك مودة وكذلك النصيحة؛ لأن ~~ذلك دليل المودة. # وقوله: {وقد كفروا بما جاءكم من الحق} الواو واو الحال قاله الزجاج. ~~ومعناه: وحالهم أنهم كفروا بما جاءكم من الحق. # وقوله: {يخرجون الرسول وإياكم} أي: أخرجوا الرسول وأخرجوكم، ومعنى ~~الإخراج هاهنا هو الإلجاء إلى الخروج. # PageV05P413 # {جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما ms1757 ~~أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) إن يثقفوكم ~~يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون ~~(2) قد كانت لكم} # وقوله تعالى: {أن تؤمنوا بالله ربكم} أي: لأنكم آمنتم بالله ربكم. # وقوله: {إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي} قالوا: في الآية تقديم وتأخير، ~~والمعنى: إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء. وقيل معناه: لا تسروا إليهم بالمودة إن كنتم خرجتم جهادا في ~~سبيلي وابتغاء مرضاتي، فهو معنى قوله: {تسرون إليهم بالمودة} خبر بمعنى ~~النهي. # وقوله: {وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} أي: بما أسررتم وما ظهرتم. # وقوله: {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} أي: أخطأ طريق الحق. # PageV05P414 # قوله تعالى: {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء} معناه: إن يظفروا بكم، والعرب ~~تقول: فلان ثقف لقف، إذا كان سريع الأخذ. # وقوله: {يكونوا لكم أعداء} أيك يعاملونكم معاملة الأعداء. # وقوله: {ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} أي: أيديهم بالسيف، ~~وألسنتهم بالشتم. # وقوله: {وودوا لو تكفرون} أي: وأحبوا لو تكفرون كما كفروا. # PageV05P414 # قوله تعالى: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم} يعني: أنكم فعلتم ما فعلتم ~~لأجل قراباتكم وأرحامكم، ولن ينفعكم ذلك يوم القيامة. # وقوله: {يوم القيامة يفصل بينكم} أي: يفصل بينكم يوم القيامة؛ فيبعث أهل ~~الطاعة إلى الجنة، وأهل المعصية إلى النار. # وقوله تعالى: {والله بما تعملون بصير} ظاهر المعنى. # PageV05P414 # {أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما املك لك من الله ~~من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (4) ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك} # PageV05P415 # قوله تعالى: {قد كانت لكم في رسول الله أسوة حسنة} أي: قدوة حسنة. # وقوله: {في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ms1758 والبغضاء أبدا} ~~المعنى في الكل: أنه أمرهم بأن تأسوا بإبراهيم في التبرؤ من المشركين وترك ~~الموالاة معهم. # وقوله: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} قال قتادة معناه: اقتدوا ~~بإبراهيم إلا في هذا [الموضع] ، وهو استغفاره لأبيه المشرك، وقد بينا سبب ~~استغفار إبراهيم لأبيه من قبل. وقوله: {وما أملك لك من الله من شيء} أي: لا ~~أدفع عنك من الله من شيء، وهو قول إبراهيم لأبيه. # وقوله: {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} إخبار عن إبراهيم ~~وقومه من المؤمنين يعني: إنهم ذلك. # PageV05P415 # قوله تعالى: {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} قال مجاهد وغيره: أي: لا ~~تعذبنا بأيدي الكفار ولا بعذاب من عندك، فيظن الكفار أنا على غير الحق حيث ~~عذبنا، فيصير فتنة لهم في دينهم، ويظنون أنا كنا على الباطل؛ لأنهم يقولون ~~لو كان هؤلاء على الحق لم يعذبوا ولم يظفر بهم. # وقوله: {واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم} ظاهر المعنى. # PageV05P415 # قوله تعالى: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة} كرر المعنى الأول على طريق ~~التأكيد. # PageV05P415 # {أنت العزيز الحكيم (5) لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (6) عسى الله أن يجعل ~~بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (7) لا ~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب} # وقوله: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} أي: يخاف الله، ويخاف يوم ~~القيامة. # وقوله: {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} أي: المستغني عنهم، الحميد ~~في فعاله. والمعنى: أنهم إذا خالفوا أمره، وتولوا الكفار لم يعد إلى الله ~~من ذلك شيء. # PageV05P416 # قوله تعالى: {عسى الله} قد بينا أن عسى من الله واجب. # وقوله تعالى: {أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتهم منهم مودة} أكثر ~~المفسرين على أن المراد منه تزويج أم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله. ~~وقيل: هو إسلام أبي سفيان بن حرب، وأبي سفيان بن ms1759 الحارث، وسهيل بن عمرو، ~~وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية وغيرهم. وفي بعض التفاسير: أن النبي توفي ~~وأبو سفيان بن حرب أمير على بعض اليمن، فلما ارتدت العرب قاتل هودا الحمار ~~وقومه على ردتهم، فكان [هو] أول من يجاهد مع المرتدين. # وقوله: {والله قدير} أي: قادر على أن يجعل بينكم وبينهم مودة. # وقوله: {والله غفور رحيم} أي: لما كان منهم قبل إسلامهم، وقبل حدوث ~~المودة بينكم وبينهم. # PageV05P416 # قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم ~~من دياركم} فيه أقوال: أحدها: أن المراد منه قوم كانوا على عهد النبي من ~~الكفار من خزاعة، وهي مدلج وغيرهم. والقول الثالث: أن قتيلة [كانت كافرة، ~~و] كانت # PageV05P416 # {المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ~~دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) ~~يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن} أم أسماء، فلم تقبل أسماء هديتها حتى سألت النبي، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، ورخص في القبول والمكافأة، قاله عبد الله بن الزبير. # والقول الرابع: أن هذا قبل نزول آية السيف، ثم نسخت بآية السيف، قال ~~قتادة وغيره. # وقوله: {أن تبروهم وتقسطوا إليهم} أي: تحسنوا إليهم، وتستعملوا العدل ~~معهم أي: المكافأة. # وقوله: {إن الله يحب المقسطين} أي: الفاعلين للعدل. # PageV05P417 # قوله تعالى: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ~~دياركم وظاهروا على إخراجكم} أي: عاونوا على إخراجكم. # وقوله: {أن تولوهم} معناه: أن تتولوهم. # وقوله: {ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} أي: وضعوا الموالاة في غير ~~موضعها. # PageV05P417 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} سماهن ~~مؤمنات قبل وصولهن إلى النبي؛ لأنهن على قصد الإيمان وتقديره، ذكره ~~الأزهري. # وقوله: {فامتحنوهن} أي: اختبروهن. قال أهل التفسير: نزلت الآية " في ~~العهد الذي كان بين النبي وبين المشركين، وهو عهد الحديبية، وكان النبي ~~عاهد مع المشركين على أن من جاءه منهم يرده (عليهم) ، ومن لحق بهم من ~~المؤمنين ms1760 لم يردوا "، وأن الله تعالى نسخ هذا العهد، ورفعه في النساء وأمره ~~بالامتحان. وقال # PageV05P417 # {علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ~~وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا ~~تمسكوا بعصم} بعضهم: كان العهد مطلقا، ولم يكن نص في النساء بردهن عليهم. ~~وقال بعضهم: كان قد نص في النساء أن يردهن عليهم وإن جئن مؤمنات، ثم نسخ، ~~وهو الأشهر، فكانت التي أتت مؤمنة مهاجرة بعد العهد: أم كلثوم بنت عقبة بن ~~أبي معيط، وأما الأمتحان، قال ابن عباس: هو أن يحلفها أنها ما هاجرت إلا ~~جبا لله ورسوله، ورغبة في الإسلام، وأنها لم تهاجر بحدث أحدثته، ولا لبغض ~~زوج، ولا لرغبة في مال، ولا حبا لإنسان. # وقوله: {الله أعلم بإيمانهن} يعني: إخلاصهن في إيمانهن. # وقوله: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} فإن قال قائل: كيف ~~التوفيق بين قوله: {فإن علمتموهن مؤمنات} وبين قوله: {والله أعلم بإيمانهن} ~~؟ والجواب عنه: أن معنى قوله: {فإن علمتموهن مؤمنات} أي: إيمان الإقرار ~~والامتحان، كأنهن أقررن بالإيمان، وحلفن عند الامتحان. # وقوله: {فلا ترجعوهن إلى الكفار} أي: لا ترودهن. # وقوله تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} أي: لا هن حل للكفار نكاحا ~~ولا هم يحلون للمؤمنات نكاحا. # وقوله: {وآتوهم ما أنفقوا} أوجب الله على المسلمين أن يردوا على أزواجهن ~~ما أعطوهن من المهور. # وقوله: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذ آتيتموهن أجورهن} أي: مهورهن، وفيه ~~دليل على أن النكاح لا يكون إلا بمهر. # وقوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} أي: لا تمسكوا بنكاح الكوافر، والكوافر ~~جمع الكافر، والمعنى: أن الرجل إذا أسلم وهاجر إلينا، وخلف امرأته في دار ~~الحرب # PageV05P418 # {الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم ~~والله عليم حكيم (10) وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا ~~الذين ذهبت} كافرة لم يعتد بها، ولم يبق نكاح بينه وبينها. وروي أن عمر رضي ~~الله عنه لما هاجر خلف ms1761 امرأتين بمكة مشركتين، فتزوج (إحديهما) معاوية، ~~والأخرى صفوان بن أمية. # وقوله: {واسألوا ما أنفقتم} أي: ما أعطيتم، وهذا في المرأة من المسلمات ~~إذا لحقت بالمشركين، فطالب زوجها المشركين بالمهر الذي أعطاها. # وقوله: {وليسألوا ما أنفقوا} أي: ما أعطوا من المهر وهو ما قدمنا، وليس ~~هذا معنى الأمر والواجب أن يسألوا لا محالة، ولكن معناه: إن سألوا أعطوا، ~~وكل هذا منسوخ، وقد كان ذلك عهدا بين الرسول وبينهم، وقد ارتفع ذلك. # وقوله: {ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم} ظاهر المعنى. # PageV05P419 # قوله تعالى: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار} أي: [التحقت] واحدة ~~من أزواجكم إلى الكفار، يعني: النساء {فعاقبتم} أي: غنمتم. قال القتيبي: ~~معناه: كانت لكم عقبى خير في الغنيمة والظفرة. وقرئ: " فعقبتم ". وهو ~~(بذلك) المعنى أيضا. # قوله: {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} أي: مثل الذي أعطوا من ~~المهر. ومعنى الآية: أن امرآة المسلم إذا التحقت بالمشركين ولم يردوا ~~المهر، وظفر المسلمون بهم وغنموا، يردون من الغنيمة التي أخذوا مهر الزوج ~~الذي أعطاه. # وقوله: {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} أي: مصدقون، وهذا الحكم منسوخ ~~أيضا. # PageV05P419 # {أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11) يا أيها ~~النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا ~~يزنين ولا يقتلن أولادهن} # PageV05P420 # قوله تعالى: {يا ايها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن ~~بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن} الآية وردت في بيعة ~~النساء، وكان قد بايع الرجال على الإيمان والجهاد فحسب، وبايع النساء على ~~هذه الأشياء كلها، فروي " أن النبي قعد على الصفا حين فتح مكة، وقعد دونه ~~عمر، وجاءته النساء يبايعنه، وفيهن هند بنت عتبة منتقبة متنكرة، فلما قال ~~النبي: " إنا نبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا " قالت هند: ما جئنا إليك ~~وقد بقي في قلوبنا شرك، فلما قال: " وعلى أن لا تسرقن " قالت هند: إني قد ~~أخذت من مال أبي سفيان هنات وهنات ولا ms1762 أدري أتحللها لي أو لا؟ وكان أبو ~~سفيان حاضرا، فقال: حللتك عما مضى وعما بقي. وفي رواية: أنها لما قالت ذلك ~~عرفها النبي فقال: " أو هند بنت [عتبة] ؟ " قالت: نعم، اعف عما سلف يا نبي ~~الله، عفا الله عنك، فقال: " إن الإسلام يجب ما قبله "، فلما قال النبي: " ~~وعلى أن لا تزنين " قالت هند: أو تزني الحرة؟ ! فضحك عمر رضي الله عنه فلما ~~قال: " وعلى ألا تقتلن أولادكن والمعنى: لا تئدن أولادكن قالت هند: ربيناهم ~~صغارا فقتلتموهم كبارا وكان قتل ابنها حنظلة بن أبي سفيان يوم بدر فلما _ ~~كان) قال: {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} قالت هند: ما ~~علمت البهتان إلا قبيحا ". ومعنى الآية: لا تلحق المرأة # PageV05P420 # {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف ~~فبايعهن} بزوجها ولدا ليس منه. وقيل معناه: أن تلتقط ولدا، وتقول لزوجها: ~~هذا ولدي منك. ومن حمل على هذا قال: هذا أولى، لأن الله تعالى قال: {ولا ~~يزنين} فقد تضمن اليمين عن الزنا اليمين على المعنى الأول، فلا بد لهذا من ~~معنى آخر. # وقوله: {يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} قال ذلك؛ لأن الولد إذا سقط من ~~المرأة سقط بين يديها ورجليها. وقيل: لأن الثدي بين يدين، والفرج بين ~~الرجلين، والمرأة تضع وترضع. وقيل: إن ذكر اليدين والرجلين على طريق ~~التأكيد، مثل قوله تعالى: {ذلك بما [قدمت] أيديكم} يعني: بما كسبتم، وذكر ~~الأيدي على طريق التأكيد، فلما قال النبي: " ولا تعصينني في معروف " قالت ~~هند: ما جئناك لنعصيك. وروي أنها قالت: إنك لتأمر بمكارم الأخلاق ". # وأما المعروف ففيه قولان: أحدهما: أنه جميع الطاعات، والآخر: أنه النياحة ~~وما يفعله النساء على الموتى من شق الجيوب، وخمش الوجوه، وقطع الشعور، وما ~~أشبه ذلك. وهذا القول هو الأشهر، وقد روته أم عطية مسندا إلى النبي فسر ~~بالنياحة. وفي بعض الروايات: " ما وفت بذلك امرأة إلا أم عطية ". وروى أبو ~~عيسى الترمذي في جامعه برواية شهر ابن حوشب عن أم سلمة الأنصارية أن امرأة ~~من ms1763 النسوة قالت: " ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: " ~~لا تنحن " فقالت: يا رسول الله، إن بني فلان قد أسعدوني على عمي ولا بد من ~~قضائهن، فعاتبته مرارا، فأذن لي في قضائهن، فلم أنح بعد في قضائهن ولا غيره ~~حتى الساعة، ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري ". قال الشيخ ~~الإمام: أخبرنا بذلك عبد الرحمن ابن عبد الله بن أحمد القفال، أخبرنا أبو ~~العباس بن سراج، أخبرنا أبو العباس المحبوبي # PageV05P421 # {واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم (12) يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا ~~قوما غضب الله} أخبرنا أبو عيسى، أخبرنا عبد بن حميد، عن أبي نعيم، عن يزيد ~~بن عبد [الله] الشيباني، عن شهر بن حوشب. . الحديث: قال أبو عيسى: وأم سلمة ~~الأنصارية هي أسماء بنت يزيد السكني. # وقوله: {فبايعهن واستغفر لهن الله} أي: قد غفر الله لكن. # وقوله: {إن الله غفور رحيم} قد بينا. وقد ثبت برواية عائشة " أن النبي ما ~~مس بيده يد امرأة قط إلا يد امرأة يملكها ". والمشهور في بيعة النساء " أنه ~~دعا بإناء فيه ماء وغمس فيه يده فجعل كل من بايعت غمست فيه يدها " وقد قيل: ~~" إنه أخذ بيدهن وراء الثوب " والأصح هو الأول. # PageV05P422 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم} فيه ~~رجوع إلى قصة حاطب بن أبي بلتعة، وتأكيد النهي عن موالاة الكفار. وقيل: إن ~~الآية عامة. # وقوله: {قوما غضب الله عليهم} قيل: هم المنافقون. وقيل: هم اليهود، وعلى # PageV05P422 # {عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13) .} القول ~~الأول هم المشركون. # وقوله: {قد يئسوا من الآخرة} أي: يئسوا من البعث بعد الموت، وهذا في ~~المشركين ظاهر؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم ~~قالوا: {ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} وكذلك ~~في المنافقين ظاهر. وأما إذا حملنا على اليهود، فالمراد من الآية هم اليهود ~~الذين كانوا يعرفون النبي، ويعلمون أنه نبي ms1764 الله، وينكرون نبوته حسدا ~~وبغيا. ومعنى إياسهم من الآخرة هو اليأس من الثواب؛ لأنهم إذا عرفوا الحق ~~[وأنكروه] متعنتين عرفوا حقيقة أنهم في النار في الآخرة. وقيل: إن المعنى ~~على هذا القول هو أن اليهود كانوا يقولون: ليس في الجنة أكل ولا شرب ولا ~~استمتاع، فمعنى اليأس هو يأسهم عن هذه النعم لمكان اعتقادهم. # وقوله تعالى: {كما يئس الكفار من أصحاب القبور} فيه قولان: أحدهما: كما ~~يئس الكفار من أصحاب القبور عن إصابتهم الثواب، ووصولهم إلى الجنة؛ لأنهم ~~عاينوا الأمر، وعرفوا أنهم أهل النار قطعا. # والقول الثاني: كما يئس الكفار من أصحاب القبور أنهم لا يعودون إليهم، ~~فعلى القول الأول المراد من الكفار هم الكفار الذين ماتوا، وعلى القول ~~الثاني المراد من الكفار هم الأحياء منهم. والله أعلم. # PageV05P423 # بسم الله الرحمن الرحيم # {سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون (3) إن الله} # تفسير سورة الصف # وهي مدنية # PageV05P424 # قوله تعالى: {سبح لله ما في السموات وما في الأرض} قد بينا معنى هذه ~~الآية. وفي بعض الأخبار: أن أحب الكلام إلى الله تعالى سبحان الله، ولحبه ~~هذه الكلمة ألهمها أهل السموات والأرض. # وقوله: {وهو العزيز الحكيم} قد بينا. # PageV05P424 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} قال ابن عباس: ~~اجتمع أصحاب رسول الله وتذاكروا البعث وأمر الآخرة ثم قالوا: لو علمنا ما ~~يحبه الله ففعلنا ولو نبذل نفوسنا. وفي رواية: أن عبد الله بن رواحة كان ~~يقول لمن يلقاه: تعال نؤمن ساعة، ونذكر الله تعالى، ويقول: وددت أن لو عرفت ~~ما يحبه الله فأفعله؛ فلما فرض الله الجهاد وأمرهم ببذل النفس والمال، وكتب ~~عليهم القتال أحبوا الحياة وكرهوا القتال، فأنزل الله تعالى قوله: {يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} وعن قتادة: أن أصحاب رسول الله لما ~~فروا يوم أحد إلا نفرا يسيرا منهم أنزل الله ms1765 تعالى هذه الآية. والآية وإن ~~كانت عامة فإنها في بعض الصحابة دون البعض، فإن الله تعالى قال في موضع ~~آخر: {من المؤمنين رجال صدقوا وما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ~~ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} وهذا دليل ظاهر على أن الآية في هذه ~~السورة لم ترد في حق جميعهم على العموم. وفي التفسير: أن عبد الله بن رواحة ~~قال: لما نزلت آية الجهاد حبست نفسي في سبيل الله، ثم إنه لما خرج إلى غزوة ~~مؤتة، " وكان النبي أمر زيد بن حارثة، فإن # PageV05P424 # {يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (4) وإذ قال موسى ~~لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) وإذ قال عيسى ابن مريم يا ~~بني إسرائيل إني رسول الله} استشهد فجعفر بن أبي طالب، فإن استشهد فعبد ~~الله بن رواحة [قال: فاستشهد زيد] بن حارثة، ثم أخذ الراية جعفر فاستشهد، ~~ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد، ثم إنه أخذ الراية خالد بن ~~الوليد وقاتل حتى رجع بالمسلمين ". # PageV05P425 # وقوله: {كبر مقتا عند الله} أي: بغضا {أن تقولوا ما لا تفعلون} والمعنى: ~~أن الله تعالى يبغض من يقول شيئا ولا يفعل. # PageV05P425 # قوله تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} ~~أي: ملزق بعضه ببعض. وقيل: يثبتون في الحرب مع الكفار ثبات البنيان الذي ~~وضع بعضه على بعض وسد بالرصاص. والعرب إذا بنت البناء بالحجارة يرصون ~~الحجارة ثم يجعلونه في خلال البناء، ويسمونه البناء المرصوص. # PageV05P425 # قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني} قد بينا ما كان ~~يؤذون به موسى عليه السلام في سورة الأحزاب. # وقوله: {وقد تعلمون أني رسول الله إليكم} أي: وتعلمون، " وقد " صلة. # وقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} أي: مالوا عن الحق [فأمال] الله ~~قلوبهم، أي: زادهم ميلا عن الحق. # وقوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} أي: الكافرين. # PageV05P425 # قوله تعالى: {وإذ ms1766 قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ~~مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد} وقد ثبت # PageV05P425 # {إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين (6) ومن أظلم ممن افترى على ~~الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين (7) يريدون ~~ليطفئوا نور الله} برواية محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن النبي قال: " ~~لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا ~~الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي لا نبي بعدي ". قال رضي ~~الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الشافعي، أخبرنا [ابن] فراس، أخبرنا ~~أبو جعفر الديبلي، أخبرنا سعيد بن (جبير) عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان، ~~عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه. . الحديث. # وقوله: {فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} أي: ظاهر. وفي تفسير ~~النقاش: أن اسم الرسول في الإنجيل فار قليطا، وبشر عيسى به بما أخذ عليه من ~~العهد، والعهد المأخوذ هو في قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} ~~الآية وأما معنى اسمه أحمد على وجهين: أحدهما: لأنه كان يحمد الله كثيرا. # والثاني: لأن الناس حمدوه في فعاله. # PageV05P426 # قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام ~~والله # PageV05P426 # {بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (9) يا أيها الذين ~~آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) ~~يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات ~~عدن ذلك الفوز} لا يهدي القوم الظالمين) قد بينا من قبل. # PageV05P427 # قوله ms1767 تعالى: {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم} يقال: هو القرآن. ويقال: ~~هو محمد. # وقوله: {والله متم نوره ولو كره الكافرون} أي: يتم أمر نوره ولو كره ~~الكافرون. # PageV05P427 # قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون} أي: على جميع الأديان شرقا وغربا، ومصداق هذه الآية على ~~الكمال إنما يكون عند نزول عيسى ابن مريم حيث لا يبقى إلا دين الإسلام. # PageV05P427 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ~~أليم} والتجارة أن تبذل شيئا وتأخذ شيئا، فكأنه جعل بذل النفس والمال وأخذ ~~الثواب تجارة، وهو على طريق المجاز. # PageV05P427 # قوله تعالى: {تؤمنون بالله ورسوله} في قراءة ابن مسعود: " آمنوا بالله ~~ورسوله " وهو معنى القراءة المعروفة، وجوابه: يغفر لكم ذنوبكم. # وقوله: {وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون} ظاهر المعنى. # PageV05P427 # قوله: {يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: بساتين، ~~والأنهار هي الأنهار الأربعة تجري من غير أخدود. # وقوله: {ومساكن طيبة في جنات عدن} أي: يسطيبونها، والعدن موضع الإقامة، ~~قال ابن مسعود: هو بطنان الجنة. وفي بعض الأخبار: أن الله غرس جنة عدن # PageV05P427 # {العظيم (12) وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين (13) يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من ~~أنصاري إلى الله} بيده. # وقوله: {ذلك هو الفوز العظيم} أي: النجاة العظيمة. # PageV05P428 # قوله تعالى: {وأخرى تحبونها} أي: تودونها. # وقوله تعالى: {وأخرى} أي: خصلة أخرى. وقيل: تجارة آخرى. # وقوله: {نصر من الله وفتح قريب} هو فتح مكة. وقيل: هو فتح فارس والروم. # وقوله: {وبشر المؤمنين} أي: بالنصر في الدنيا، وبالجنة في الآخرة. # PageV05P428 # قوله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا انصار الله} وقرئ: " أنصارا لله ". # وقوله: {كما قال عيسى ابن مريم للحواريين} الحواريون صفوة الأنبياء ~~وخالصتهم، ومنه قول النبي للزبير: " هو ابن عمتي وحواري من أمتي ". ومنه ~~الخبز الحواري لبياضه ونفائه. والعرب تسمي نساء الأمصار الحواريات، قال ~~الشاعر: # (فقل للحواريات يبكين ms1768 غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح) # وفي القصة: أن عيسى عليه السلام جمع الحواريين في بيت وهم اثنا عشر رجلا ~~وقال: إن أحدكم يكفر بي اليوم اثنتي عشر مرة، فكان كما قال: وقال: من يختار ~~منكم أن يلقي عليه شبهي فيقتل ويصلب؟ فقام شاب منهم وقال: أنا. فقال: اقعد. ~~ثم قال ذلك ثلاث مرات، وفي الجميع يقوم ذلك الشاب، فقال عيسى: أنت هو. ثم ~~إن الله تعالى رفعه من الروزنة إلى السماء، ودخل اليهود وألقى الله تعالى ~~شبه عيسى على ذلك الرجل فقتلوه وصلبوه. # PageV05P428 # {قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ~~فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين (14) .} # وقوله: {من أنصاري إلى الله} أي: مع الله. وقيل معناه: من أنصاري ينصر ~~منه إلى: نصر أي: مضموم إليه. # وقوله: {قال الحواريون نحن أنصار الله} ظاهر المعنى. # وقوله: {فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة} في التفسير: أن عيسى ~~صلوات الله عليه لما رفعه الله تعالى إلى السماء اختلف أصحابه؛ فقال بعضهم: ~~كان هو الله فنزل إلى الأرض ثم رفعه إلى السماء، وهم النسطورية. وقال ~~بعضهم: كان هو ابن الله أنزله إلى الأرض ففعل ما شاء ثم إرتفع إلى السماء، ~~وهم اليعقوبية. وقال بعضهم: هو ثالث ثلاثة، وثلاثة هو أب وابن وزوج، ~~وقالوا: ثلاثة قدما أقانيم، وعيسى أحد الثلاثة، وهم الملكانية؛ وعليه أكثر ~~النصارى. وقال قوم: هو عبد الله ورسوله فغلبت الطائفة الثلاثة هذ الطائفة ~~قبل النبي فلما بعث عليه الصلاة والسلام غلبت الطائفة المؤمنة الطوائف ~~الثلاث، فهو معنى قوله تعالى: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم} أي: نصرنا ~~وقوينا. # وقوله: {فأصبحوا ظاهرين} أي: غالبين. والله أعلم. # PageV05P429 # بسم الله الرحمن الرحيم # {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) ~~هو} # تفسير سورة الجمعة # مدنية في قول الجميع، وذكر بعضهم: أنها مكية، وليس بصحيح. # PageV05P430 # قوله تعالى: {يسبح لله} قد بينا معنى التسبيح، وهو تنزيه الرب عن كل ما ~~لا يليق به. ويقال: التسبيح لله هو ms1769 ذكر الله. وذكر القفال الشاشي: أن معنى ~~تسبيح الجمادات هو ما جعل فيها من دلائل حدثها، وأن لها صانعا وخالقا. وهذا ~~ليس بصحيح، وقد ذكرنا من قبل ما قاله أهل السنة فيها. # وقوله: {ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس} أي: الطاهر من كل عيب ~~وآفة. # وقوله: {العزيز الحكيم} أي: الغالب في أمره، العدل في فعله. # PageV05P430 # قوله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا} روى منصور، عن إبراهيم: أن ~~الأمي هو الذي لا يكتب ولا يقرأ. وروى ابن عمر أن النبي قال: " نحن أمة ~~أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا ". وأشار بأصابعه العشر، ~~وحبس إبهامه في المرة الثالثة. # ويقال: سمي الأمي أميا نسبة إلى ما ولدته عليه أمه. ويقال: سمي أميا لأنه ~~الأصل في جبلة الأمة، والكتابة لا تكون إلا بتعلم. وعن بعضهم: سميت قريش ~~أميين نسبة إلى أم القرى وهي [مكة] فإن قال قائل: لم يكن كل قريش أميا، وقد ~~قال: {في الأميين} والجواب: أن الله تعالى سماهم أميين باعتبار غالب أمرهم، ~~وقد كانت الكتابة نادرة فيهم، وقد كانت العرب تسمي من علم الكتابة والسباحة ~~والرمي شاعرا الكامل. قال ابن عباس: تعلمت قريش الكتابة من أهل # PageV05P430 # {الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم لما يلحقوا ~~بهم وهو} لحيرة، وتعلمها أهل الحيرة من أهل الأنبار. # والحكمة في كون الرسول أميا انتفاء التهمة عنه في تعلم أخبار الأولين ~~ودراستها من كتبهم. ويقال: ليكون موافقا لصفته في كتب الأولين. # وقوله: {يتلو عليهم آياته} أي: القرآن. # وقوله: {ويعلمهم الكتاب} أي: كتاب الله. وعن ابن عباس: هو الخط بالقلم، ~~فإن الكتابة كثرت في قريش وسائر العرب بعد رسول الله، وهذا موافق لقوله ~~تعالى: {علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} . # وقوله: {والحكمة} أي: السنة. ويقال: الفقه في الدين. # وقوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} أي: في ضلال من الحق بين. # PageV05P431 # قوله تعالى: ms1770 {وآخرين منهم} قال الأزهري: هو في موضع الخفض يعني: بعث في ~~الأميين وفي آخرين. # وقوله: {لما يلحقوا بهم} أي: لم يلحقوا بهم وسيلحقون. ويقال في قوله: ~~{وآخرين} أي: يعلمهم الكتاب والحكمة، ويعلم آخرين، أورده النقاش. # واختلفت الأقوال في المراد بالآخرين من هم؟ قال عكرمة: هم التابعون. وقال ~~سعيد بن جبير: هم العجم. (وقائل) هذا القول ما رواه أبو هريرة " أن النبي ~~قرأ هذه الآية وأشار إلى سلمان، وقال: لو كان الدين معلقا بالثريا لناله ~~رجال من قوم # PageV05P431 # {العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~(4) مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس ~~مثل القوم} هذا " أي: العجم. وقال الضحاك: هو كل من آمن وعمل صالحا إلى يوم ~~القيامة. # وقوله تعالى: {وهو العزيز الحكيم} قد بينا. # PageV05P432 # قوله تعالى: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} أي: النبوة. ويقال: ما سبق ~~ذكره من تعليم الكتاب والحكمة. # وقوله: {والله ذو الفضل العظيم} ظاهر. وقد ورد في الخبر " أن الفقراء ~~شكوا إلى النبي وقالوا: ذهب أهل الدثور بالأجور، فأرشدهم الرسول إلى ~~التسبيح والتهليل وأنواع من الذكر؛ فسمع الأغنياء بذلك فجعلوا يقولون مثل ~~ما يقول الفقراء؛ فجاء الفقراء إلى رسول الله وذكروا له ذلك؛ فقرأ هذه ~~الآية، وهو وقوله: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} وهو ~~خبر مشهور. # PageV05P432 # قوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة} أي: حملوا القيام بها ~~(واستعمالها) ، وهو من الحمالة وليس من الحمل أي: ضمنوا القيام بها والعمل ~~بما فيها. # وقوله: {ثم لم يحملوها} أي: ضيعوها ولم يعملوا بما فيها {كمثل الحمار ~~يحمل أسفارا} قرأ ابن مسعود: " كمثل حمار يحمل أسفارا " والأسفار جمع سفر، ~~والسفر هو الكتاب، فجعل الكفار لما ضيعوا كتاب الله ولم يعملوا بما فيه مثل ~~الحمر تحمل الكتب ولا تدري ما فيها. # PageV05P432 # {الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (5) قل يا أيها ~~الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ms1771 ~~صادقين (6) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (7) قل ~~إن الموت الذي تفرون منه فإنه} # وقوله: {بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله} أي: بئس المثل مثل القوم ~~الذين كذبوا بآيات الله وقوله: {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي: ~~الكافرين. # PageV05P433 # قوله تعالى: {قل يا أيها الذين هادوا} وفي بعض التفاسير: أن يهود المدينة ~~بعثوا إلى يهود خيبر يسألونهم عن النبي، فكتب يهود خيبر إلى يهود المدينة، ~~وقالوا: إنا لا نعرف نبيا يخرج من العرب، وإن هذا الرجل يريد أن يضعكم ~~ويصغر شأنكم، وأنتم أولياء الله وأحباؤه فلا تتبعوه، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # وقوله: {إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس} هو ما قلنا. # وقوله: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} أي: صادقين أنكم أولياء الله، ~~فإنكم إذا متم وصلتم إلى كرامة الله وجنته على زعمكم، فتمنوا لتصلوا. وفي ~~أكثر التفاسير: أن الآية معجزة للرسول، فإن الله كان قد قضى أنهم لو تمنوا ~~ماتوا في وقتهم ذلك، فلم يتمن أحد منهم، ففي صرفهم عن التمني مع حرصهم على ~~إظهار كذب الرسول، وفي علمهم أنهم لو تمنوا ماتوا، دليل على صدق الرسول. # PageV05P433 # قوله تعالى: {ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم} أخبر أنهم لا يتمنون، ~~ولم يتمن أحد منهم. # وقوله: {والله عليم بالظالمين} أي: بظلمهم على أنفسهم بكتمانهم وصف ~~الرسول عليه الصلاة والسلام في كتبهم. # PageV05P433 # قوله تعالى: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} في الآية دليل ~~على أنهم لو تمنوا ماتوا، وإنهم لم يتمنوا فرارا من الموت. # وقوله: {فإنه ملاقيكم} أي: الموت ملاقيكم. # PageV05P433 # {ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (8) ~~يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع ذلكم} # وقوله: {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة} أي: عالم بما ظهر وخفي. # وقوله: {فينبئكم بما كنتم تعملون} أي: بما عملتم. # PageV05P434 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} أي: ~~لصلاة الجمعة من يوم ms1772 الجمعة، وسمي اليوم جمعة؛ لأنه جمع في هذا اليوم خلق ~~آدم. وقد روى بعضهم هذا مرفوعا إلى النبي. # وقوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله} قرأ عمر وابن مسعود وابن الزبير: " ~~فامضوا إلى ذكر الله ". قال ابن مسعود: لو قرأت: " فاسعوا إلى ذكر الله " ~~لسعيت حتى يسقط ردائي. والمعروف: " فاسعوا " وقد روي عن بعض التابعين أنهم ~~كانوا يعدون. قال ثابت البناني: كنت عند أنس بن مالك: فنودي لصلاة الجمعة ~~فقال: قم نسع. والصحيح أن السعي هاهنا بمعنى العمل والفعل، قاله مجاهد ~~وغيره، وحكي ذلك عن الشافعي، واستشهد بقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى} أي: إلا ما عمل، وكذلك قوله تعالى: {إن سعيكم لشتى} وأمثال هذا. وقد ~~قال الشاعر: # (أسعى على جل بني مالك ... كل امرئ في شأنه ساعي) # فالسعي هاهنا بمعنى العمل والتصرف. وعن الحسن وقتادة: أن المراد من قوله: ~~{فاسعوا} هو النية بالقلب والإرادة لها. وقال عبد الله بن الصامت: كنت أمشي ~~مع أبي ذر إلى الجمعة فسمعنا النداء للصلاة، فرفعت في مشي، فجذبني جذبة، ~~وقال: # PageV05P434 # {خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) وإذا رأوا تجارة أو لهوا ~~انفضوا} ألسنا نسعى. وقوله: {إلى ذكر الله} فيه قولان: أحدهما: أنه الخطبة، ~~والآخر: أنه الصلاة. وهو الأصح. # وقوله تعالى: {وذروا البيع} أي: واتركوا البيع. ويقال المراد منه: إذا ~~دخل وقت الصلاة وإن لم يؤذن لها بعد، ويقال: إنه بعد سماع النداء. والأول ~~أحسن. ومن قال بالثاني، قال: النداء هو الآذان إذا جلس الإمام على المنبر ~~وهو الذي كان في زمان رسول الله وأما الآذن الأول أحدثه عثمان رضي الله عنه ~~حين كثر الناس. والمراد من قوله: {وذروا البيع} أي: البيع والشراء وكل ما ~~يشغل عن الجمعة. واختلف العلماء أنه لو باع هل يجوز ذلك البيع؟ فذهب أكثرهم ~~إلى أن البيع جائز، والنهي عنه كراهة. وذهب مالك وأحمد إلى أن البيع لا ~~يجوز أصلا. وحكى بعضهم عن مالك ms1773 أنه رجع من التحريم إلى الكراهة، والقول ~~الأول أولى؛ لأن الله تعالى قال: {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} جعل ترك ~~البيع خيرا، وهذا يشير إلى الكراهة في الفعل دون التحريم، ولأن النهي عن ~~العقد للاشتغال عن الجمعة لا لعين العقد. # PageV05P435 # قوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة} أي: فرغ منها. # قوله تعالى: {فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} هو أمر ندب لا أمر ~~حتم وإيجاب، مثل قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} وعن ابن محيريز قال: ~~يعجبني أن يكون لي حاجة بعد الجمعة فأنصرف إليها، وابتغى من فضل الله منها. ~~وعن عبد الله [بن] بسر: أنه كان يخرج من المسجد إذا صلى الجمعة، ثم يعود ~~ويجلس إلى أن يصلي العصر. وفي بعض الأخبار عن النبي في معنى قوله # PageV05P435 # تعالى: {فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} قال: " ليس هو طلب دنيا، ~~وإنما هو عيادة مريض، أو شهود جنازة، أو زياح أخ في الله ". والخبر غريب. # وقوله: {واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} ظاهر المعنى. # PageV05P436 # قوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} سبب نزول هذه الآية ~~أن رسول الله كان على المنبر يخطب، وقد كان أصاب أهل المدينة غلاء ومجاعة، ~~فقدمت عير تحمل الطعام ويقال: كانت لدحية بن خليفة الكلبي فنزلوا عند أحجار ~~الزيت، وضربوا بالطبل ليعلم الناس، فسمع المسلمون ذلك في المسجد فذهبوا ~~إليها، وبقي النبي مع اثني عشر نفرا فيهم أبو بكر وعمر. وأورد البخاري خبرا ~~في هذا، وأورد هذا العدد. وقيل: في [ثمانية] رجال، والأول أصح، فانزل الله ~~تعالى هذه الآية. # والتجارة معلومة، وهي التجارة في الطعام وتحصيلها، واللهو هو الطبل، قاله ~~مجاهد. ويقال: هو المزامير، وكان الأنصار يستعملون ذلك إذا زفوا امرأة إلى ~~زوجها، وذلك مثل الدف والطبل وما يشبهه، فعلى هذا القول سمع المسلمون صوتها ~~في السوق وكانوا يزفون امرأة فذهبوا إليها، والأول هو المشهور، وهو الثابت. # وقوله: {وتركوك قائما} لأنه كان يخطب، وفيه دليل على أن السنة أن يخطب ~~قائما، وأول من خطب قاعدا معاوية ms1774 وتبعه على ذلك مروان. والسنة ما بينا. فإن ~~قال قائل: كيف قال: {انفضوا إليها} وقد تقدم سببان؛ التجارة واللهو، ولم ~~يقل: " انفضوا إليهما "؟ والجواب أن معناه: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، ~~وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه، فاكتفى بأحدهما عن الآخر. وقد ذكرنا من قبل أن ~~العرب قد تذكر شيئين وترد الكناية إلى أحدهما، والمراد كلاهما، قال الشاعر: # PageV05P436 # {إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير ~~الرازقين (11) .} # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف) # ويقال: في الآية تقديم وتأخير ومعناه: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو ~~لهوا والانفضاض هو الذهاب بسرعة. # وقوله: {قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة} أي: ذكر الله تعالى ~~والاشتغال في الصلاة خير من اللهو والتجارة، وقوله: {والله خير الرازقين} ~~قال الزجاج معناه: أنه يرزقكم ولا يمسكه عنكم فلا تشتغلوا بطلبه عن الصلاة ~~وعن ذكر الله. ويقال: الرزق مسجلة للبر والفاجر. وروى الحسين البصري أن ~~النبي قال حين نفر الناس إلى العير وبقي في اثني عشر رجلا: " لو لحق آخرهم ~~أولهم لاضطرم الوادي عليهم نارا ". # وقد وردت أخبار كثيرة في فضل الجمعة وثوابها منها: ما روى سعيد بن ~~المسيب، عن جابر، عن عبد الله أن النبي قال: " يا أيها الناس توبوا إلى ~~ربكم من قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا ~~الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له والصدقة في السر والعلانية تنصروا ~~وتجبروا وترزقوا، واعلموا أن الله تعالى قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا ~~في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي ~~أو بعد موتي وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها وجحودا لها، ألا فلا جمع ~~الله شمله، ولا بارك له في أمره ألا لا ... ". # PageV05P437 # وروى مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي قال: " من اغتسل ~~يوم الجمعة ثم راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب بدنة، ومن راح في ms1775 الساعة ~~الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ~~ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة ~~فكأنما قرب بيضة، فإذا [شرع] الإمام طويت الصحف، وحضرت الملائكة يستمعون ~~الذكر ". قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو الحسين بن النقور، أخبرنا أبو ~~طاهر المخلص أخبرنا يحيى بن محمد بن صاعد، أخبرنا أبو مصعب عن مالك الخبر. # وورد أيضا برواية عمران بن الحصين، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن ~~النبي قال: " من اغتسل يوم الجمعة غسلت ذنوبه وخطاياه، فإذا راح كتب الله ~~بكل قدم عمل عشرين سنة، فإذا قضيت الصلاة أجيز بعمل مائتي سنة " والخبر ~~غريب جدا. # والخبر الثالث أن النبي قال: " من اغتسل يوم الجمعة من الجنابة، ولبس من ~~صالح ثيابه، ومس من طيب بيته، ولم يفرق بين اثنين غفر له ما بينه وبين ~~الجمعة # PageV05P438 # الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ". ذكره البخاري في كتابه. # وورد أيضا في بعض الأخبار أن النبي قال: " من ترك الجمعة ثلاث مرات من ~~غير عذر طبع الله على قلبه ". والله أعلم. # PageV05P439 # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) اتخذوا أيمانهم جنة} # تفسير سورة المنافقين # وهي مدنية في قول الجميع. والله أعلم. # PageV05P440 # قوله تعالى: {إذا جاءك ### | المنافقون # قالوا نشهد إنك لرسول الله} قال أهل التفسير: نزلت السورة في شأن عبد ~~الله بن أبي بن سلول وأصحابه، كانوا يأتون النبي ويقولون: نحن مؤمنون بك، ~~ونشهد إنك لرسول الله، وأن ما جئت به حق، ثم إذا رجعوا إلى ما بينهم أظهروا ~~الكفر. وعن بعضهم: أن قوله تعالى: {نشهد} معناه: نحلف بدليل أن الله تعالى ~~قال بعد هذه الآية: {اتخذوا أيمانهم جنة} . # قال الشاعر: # (وأشهد عند الله أني أحبها ... فهذا لها عندي فما عندها ليا) # أي: أحلف. # وقوله: {والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} هو ~~تطييب لقلب النبي وتسلية له، ومعناه: أن ms1776 علمي أنك رسول الله وشهادتي لك ~~بذلك خير من شهادتهم. # وقوله: {إنهم لكاذبون} قال أبو عبيد: أي: الكافرون، يسمي الكفر باسم ~~الكذب. وقال غيره: هو الكذب حقيقة. وسمي قولهم كذبا؛ لأنهم كذبوا على ~~قلوبهم. وقيل: لما أظهروا بألسنتهم خلاف ما كان في ضمائرهم سمي بذلك كذبا، ~~كالرجل يخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه. # PageV05P440 # قوله تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنة} أي: سترة لما أبطنوه من الكفر. وقيل: ~~جنة أي: يترسوا بها عن القتل، مثل المجن يتترس بها المقاتل بها المقاتل عن ~~سلاح العدو. # PageV05P440 # {فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) ذلك بأنهم آمنوا ثم ~~كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن ~~يقولوا} # وقوله: {فصدوا عن سبيل الله} أي: منعوا الناس عن سبيل الإيمان. ومعنى ~~صدهم الناس عن سبيل الله أنهم كانوا يقولون لضعفة المسلمين: إنا نشهد عند ~~هذا الرجل ونظهر خلاف ما نسر، فلو كان نبيا لعلم إسرارنا، ومنعنا من ~~المخالطة مع أصحابه. # وقوله: {إنهم ساء ما كانوا يعملون} أي: بئس العمل عملهم. وقرئ في الشاذ: ~~" اتخذوا إيمانهم جنة " بكسر الألف، والمعروف إيمانهم بالفتح جمع اليمين. # PageV05P441 # قوله تعالى: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا} أي: آمنوا بألسنتهم، وكفروا ~~بقلوبهم. # وقوله: {فطبع على قلوبهم} أي: ختم على قلوبهم فلا يدخلها الإيمان وقبول ~~الحق. # وقوله: {فهم لا يفقهون} أي: لا يتدبرون، والفقه هو التدبر والتفهم. وقيل: ~~فهم لا يفقهون أي: لا يعقلون، كأنهم لم يقبلوا الدين مع ظهور الدلائل عليه ~~بمنزلة من لا يعقل. # PageV05P441 # قوله تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} في التفسير: أن عبد الله بن أبي ~~بن سلول كان رجلا جسيما فصيحا صبيحا ذلق اللسان. قال الزجاج: أخبر الله ~~تعالى بصحة أجسامهم وحسن مناظرهم وفصاحة ألسنتهم. وهو في قوله: {وإن يقولوا ~~تسمع لقولهم} أي: للسان الذي لهم، ثم قال في شأنهم: {كأنهم خشب مسندة} أي: ~~هم مناظر بلا مخابر، وصور بلا معاني، وإنما مثلهم بالخشب؛ لأن الخشب لا قلب ~~له ولا عقل، ولا يعي خبرا ولا ms1777 يفهمه. ويقال في العادة: فلان خشب أي: ليس له ~~عقل ولا فهم. وقرئ: " خشب " بسكون الشين، وكلاهما بمعنى واحد، يقال: بدن ~~وبدنة وثمر وثمرة، فالخشب والخشب جمع، والواحدة خشبة، ومثاله ما ذكرنا. # PageV05P441 # {تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون (4) وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ~~لووا} # وقوله تعالى: {مسندة} أي: ممالة إلى الجدار. قال علي بن عيسى: جعلهم كخشب ~~نخرة، متآكلة في الباطن، صحيحة في الظاهر. # وقوله: {يحسبون كل صيحة عليهم} يعني: إذا سمعوا نداء أو سمعوا من ينشد ~~ضالة أو أي صوت كان، ظنوا أنهم المقصودون بذلك الصوت، وأن سرائرهم قد ظهرت ~~للمسلمين، وهو وصف لجبنهم وخوفهم من المسلمين. وفي بعض التفاسير أن معناه: ~~هو أن كل من سار النبي بشيء كانوا يظنون أن ذلك في أمرهم وشأنهم. وقيل: كان ~~كلما نزلت لآية أو سورة ظنوا من الخوف أنها نزلت فيهم، قاله ابن جريح. ~~وأنشدوا لجرير في الجبن: # (ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا) # وقال غيره: # (لقد خفت حتى لو تمر كمامة ... لقلت عدوا وطليعة معشر) # وقوله: {هم العدو} أي: الأعداء. # وقوله: {فاحذرهم} قال ذلك لأنهم يطلعون المشركين على أسرار المسلمين، ~~ويجبنون ضعفاء المسلمين. # قوله: {قاتلهم الله} أي: أخزاهم وأهلكهم. وقيل: نزلهم منزلة من يقاتله ~~عدو قاهر له. # وقوله: {أنى يؤفكون} أي: كيف يصرفون عن الحق مع ظهوره؟ وهو يتضمن تقبيح ~~فعلهم وتعجيب رسول الله منهم. # PageV05P442 # قوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله} كان المؤمنون ~~يقولون للمنافقين: احضروا النبي واعترفوا بذنوبكم يستغفر لكم، وكانوا يهزون # PageV05P442 # {رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون (5) سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين (6) هم الذين ~~يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات ~~والأرض ولكن} رءوسهم، وينظرون يمنة ويسرة استهزاء، قيل: هذا في عبد الله بن ~~أبي بن سلول خاصة. قال ms1778 بعض الصحابة له ذلك فثنى رأسه وحركه استهزاء، فهو ~~معنى قوله: {لووا رءوسهم} ويقرأ بالتخفيف. ومعناه: ثنوا رءوسهم، ومن قرأ ~~بالتشديد فهو تأكيد. # وقوله: {ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون} أي: يعرضون وهم ممتنعون عن الإيمان. # PageV05P443 # وقوله: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} ~~ومعناه: أن استغفارك لهم لا ينفعهم، وعندهم أن وجوده وتركه واحد. فإن قيل: ~~كيف أستغفر لهم رسول الله وقد علم أنهم منافقون؟ والجواب: أنه كان يستغفر ~~لهم لأنهم كانوا يأتون يطلبون الاستغفار، ويسألون منه الصفح والعفو، مثل ما ~~ذكرنا في سورة التوبة، ولم يكن ينفعهم؛ لأنهم كانوا كفارا عند الله. # وقوله: {إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} أي: المنافقين، وهم كفار وفساق ~~ومنافقون. وحكى بعضهم عن حذيفة بن اليمان أنه قيل له: من المنافق؟ قال: ~~الذي يصف الإيمان ولا يعمل به. وعن عمر رضي الله عنه قال: إني لا أخاف ~~عليكم مؤمنا تبين إيمانه، ولا كافرا تبين كفره، وإنما أخاف عليكم كل منافق ~~عليم اللسان. # PageV05P443 # قوله تعالى: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا} وقرئ في الشاذ " حتى ينفضوا " من النفض أي: حتى ينفضوا أوعيتهم ~~فيفتقروا ويتفرقوا. # وقوله: {هم الذين يقولون} يقال: الواو محذوفة، ومعناه: وهم الذين يقولون، ~~وكذلك في قوله: {لئن رجعنا إلى المدينة} أي: ويقولون، قال الشاعر: # PageV05P443 # (لأمر ما تصرفت الليالي ... لأمر ما تحركت النجوم) # أي: ولأمر. # وقوله: {لا تنفقوا على من عند رسول الله} نزلت الآية على سبب، وهو ما ~~رواه الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد أن عمر رضي الله عنه كان استأجر ~~رجلا من غفار يقال له: " جهجاه " ليعمل له في بعض الغزوات، وهي غزوة " ~~المريسيع " فجرت بينه وبين رجل من الأنصار منازعة على رأس بئر للإسقاء فقال ~~الأنصاري: يا للأنصار، وقال جهجاه: يا للمهاجرين، فسمع النبي ذلك فقال: " ~~ما بال دعوى الجاهلية دعوها فإنها ميتة ". وبلغ ذلك عبد الله بن أبي سلول ~~فغضب وقال: هذا مثل ما قال الأول سمن كلبك، ms1779 وقال: أما إنكم لو أطعتموني لم ~~تنفقوا على من اجتمع عند هذا الرجل وكان الأنصار ينفقون على المهاجرين، ~~وكانوا ينفضون عنه وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ~~وعنى بالأعز نفسه، وبالأذل محمدا فبلغ ذلك النبي وقال عمر: دعني أضرب عنق ~~هذا المنافق. فقال عليه الصلاة والسلام: " لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل ~~أصحابه " أي: لا أقتله لهذا قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو علي الشافعي ~~بمكة أخبرنا أبو الحسن بن فراس أخبرنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الديبلي، ~~أخبرنا أبو عبد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، أخبرنا سفيان عن الزهري ~~... الحديث. # وقد ذكر البخاري هذا الخبر في كتابه برواية زيد بن أرقم قال: كنت مع عمر ~~في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله حتى ينفضوا، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل. قال فجئت إلى عمر وذكرت له ذلك، وذكر عمر ذلك لرسول الله، فجاء ابن ~~أبي بن سلول إلى النبي وحلف أنه ما قاله فصدقه وكذبني، فأصابني من الهم ما ~~لم يصبني مثله قط حتى جلست في بيتي، فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي ~~قبلها، # PageV05P444 # {المنافقين لا يفقهون (7) يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل} فدعاني رسول الله وقال: " إن الله تعالى قد صدقك ". # وفي رواية سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر " أن رجلا من المهاجرين كسع ~~رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: ياللأنصار، وقال المهاجري: ياللمهاجرين ~~وكان الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدم رسول الله المدينة، ثم كثر ~~المهاجرين من بعد فلما سمع عبد الله بن أبي بن سلول ذلك قال ما ذكرناه، ~~(وساق) الحديث قريبا من الذي ذكرناه أولا ". قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك ~~أبو علي الشافعي بمكة بالإسناد الذي ذكرنا عن سفيان. # وقوله: {حتى ينفضوا} أي: يتفرقوا. # وقوله تعالى: {ولله خزائن السموات والأرض} معناه: أنهم لو لم تنفقوا فلله ~~خزائن السموات والأرض فهو يرزقكم. ويقال: ms1780 خزائن السموات بالمطر، وخزائن ~~الأرض بالنبات. وعن بعضهم: خزائن السموات ما قضاه، وخزائن الأرض ما أعطاه. ~~وقال بعض أرباب الخواطر: خزائن السموات: الغيوب، وخزائن الأرض: القلوب. ~~والصحيح الأول. # قوله: {ولكن المنافقين لا يفقهون} قد بينا. # PageV05P445 # قوله تعالى: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} قد ~~ذكرنا، والأعز هو الأقدر على منع الغير، والأذل هو الأعجز عن نفع الغير. ~~وقيل معناه: ليخرجن العزيز منها الذليل. وفي أفعل بمعنى فعيل قال الفرزدق: # (إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول) # PageV05P445 # {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك ~~هم الخاسرون (9) وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ~~رب لولا أخرتني} أي: عزيز طويلة. # وقوله: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} أي: الغلبة والمنعة والقوة، ~~والعزة لله لعزة في ذاته، والعزة لرسوله وللمؤمنين بما أعطاهم الله تعالى ~~من الغلبة والمنعة والقوة. # وقوله: {ولكن المنافقين لا يعلمون} أي: لا يعلمون أن العزة والغلبة لله ~~ولرسوله وللمؤمنين. # PageV05P446 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم} أي: لا ~~تشغلكم، ومعناه: لا تشتغلوا بالقيام على أموالكم وأولادكم فيشغلكم ذلك عن ~~ذكر الله كما شغل المنافقين. وذكر الله هو الإيمان به هاهنا. # وقوله: {ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} أي: المغبونون بحظوظهم. ويقال: ~~هم الذين غبنوا أنفسهم وخسروها في الآخرة. وعن عطاء: أن ذكر الله هاهنا هو ~~الصلوات الخمس. وقال الضحاك: هو جميع ما فرضه الله تعالى. # PageV05P446 # قوله تعالى: {وأنفقوا مما رزقناكم} الأصح أنه الزكاة، وقيل: هو صدقة ~~التطوع، وكل ما ندب الله تعالى إليه من النفقة في الخيرات. # وقوله: {من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني} أي: هلا ~~أخرتني. # قوله: {إلى أجل قريب} أي: إلى مدة قريبة. قال ابن عباس: كل من كان له مال ~~ولم يؤد زكاته يسأل الله الرجعة إذا حضره الموت. فقالوا له: يا ابن عباس، ms1781 ~~اتق الله، فإنما الرجعة للكافر، فقال: اتلوا هذه الآية: {وأنفقوا مما ~~رزقناكم} الآية. وفي رواية: أن هذا في الحج بدل الزكاة. # PageV05P446 # {إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10) ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء ~~أجلها والله خبير بما تعملون (11) .} # وقوله: {فأصدق وأكن من الصالحين} وقرئ: " وأكون " ومن قرأ " وأكون " فهو ~~معطوف على قوله فأصدق. وقيل لابن عمر: وكيف خالفت المصحف في قوله: {وأكون ~~من الصالحين} ؟ فقال: هو مثل قولهم في هجاء أبجد كلمن، وهو كلمون. # وأما تقرير الآية على القراءة بدون الواو: " وإن أخرتني أصدق وأكن من ~~الصالحين ". وقيل: " أصدق " أي: أزكي، " وأكن من الصالحين " أي: أحج. # PageV05P447 # قوله تعالى: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها} أي: لا يتقدم ولا يتأخر ~~إذا جاء الأجل. # وقوله: {والله خبير بما تعملون} ظاهر المعنى. # PageV05P447 # بسم الله الرحمن الرحيم # {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} # تفسير سورة التغابن # وهي مدنية في قول الأكثرين. وقال الضحاك: مكية. وقال الكلبي: مكية ~~ومدنية. ومعناه: أن بعضها مكية، وبعضها مدنية. والله أعلم. # PageV05P448 # قوله تعالى: {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير} قد ذكرنا معاني هذا من قبل. # PageV05P448 # قوله تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} قال علي بن أبي طلحة ~~الوالبي: خلقكم كفارا وخلقكم مؤمنين، قاله ابن عباس، وقد أيد هذا المعنى ~~قوله تعالى: {إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا} فأخبر ~~أن الله تعالى خلقه كذلك. وفي الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال: " إن ~~الله تعالى خلق يحيى سعيدا في بطن أمه، وخلق فرعون كافرا في بطن أمه ". # وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن [أبي] الطفيل قال: سمعت ابن مسعود رضي ~~الله عنه يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فقلت: ثكلت ~~أم الشقي من قبل أن يعمل، فلقيت حذيفة ms1782 بن أسيد وكنيته أبو شريحة الغفاري ~~فذكرت له ذلك فقال: ألا أخبرك بأعجب من هذا! سمعت رسول الله يقول: " إذا ~~استقرت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة أو قال: خمسا # PageV05P448 # {والله بما تعملون بصير (2) خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن} ~~وأربعين ليلة دخل عليها الملك فيقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيقول الله، ~~ويكتب الملك. فيقول أذكر أم أنثى فيقول الله ويكتب الملك فيقول: يا رب، ما ~~أجله؟ ما عمله؟ ما رزقه؟ ما مصيبته؟ فيقضي الله تعالى، ويكتب الملك، ثم ~~يطوي الصحيفة، فلا يزاد ولا ينقص إلى يوم القيامة ". # وروى سفيان أيضا عن طلحة بن يحيى، عن عمته، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة ~~أم المؤمنين أن النبي أتى بصبي من الأنصار ليصلي عليه، فقلت: طوباه عصفور ~~من عصافير الجنة. فقال: " أو غير ذلك يا عائشة؛ إن الله تعالى خلق الجنة ~~وخلق لها أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا ~~وهم في أصلاب آبائهم ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذين الحديثين أبو علي الشافعي بمكة، أخبرنا ~~أبو الحسن بن فراس، أخبرنا الديبلي، أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، ~~عن سفيان بن عيينة. . الخبر كما ذكرنا. # والقول الثاني في الآية أن معناها: فمنكم كافر بأن الله خلقه، ومنكم مؤمن ~~ومنكم فاسق. والمعروف هو القول الأول. # وقوله: {والله بما تعملون بصير} ظاهر. # PageV05P449 # قوله تعالى: {خلق السموات والأرض بالحق} أي: بالعدل. ويقال: بإحكام ~~الصنعة وحسن (التقدير) ، ويقال: للحق. # وقوله: {وصوركم فأحسن صوركم} قال مقاتل: خلق آدم بيده، فهو معنى قوله: ~~{وصوركم فأحسن صوركم} وعن غيره: أنه في معنى قوله تعالى: {لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم وعن بعضهم قال خلق الإنسان في أحسن # PageV05P449 # {صوركم وإليه المصير (3) يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما ~~تعلنون والله عليم بذات الصدور (4) ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل ~~فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (5) ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فقالوا ابشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني ms1783 حميد (6) } ~~صورة، ولو عرض الله عليه الصور ما اختار غير صورته. # وقوله: {وإليه المصير} أي: المرجع. # PageV05P450 # قوله تعالى: {يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله ~~عليم بذات الصدور} أي: بما تكنه الصدور. # PageV05P450 # قوله تعالى: {ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل} هذا خطاب لمشركي قريش. # وقوله: {فذاقوا وبال أمرهم} أي: في الدنيا. # وقوله: {ولهم عذاب أليم} أي: في الآخرة. # PageV05P450 # قوله تعالى: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} أي: بالدلالات ~~الواضحات. # وقوله: {فقالوا أبشر يهدوننا} مثل قوله تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا ~~إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا} . # وقوله: {فكفروا وتولوا} أي: جحدوا وأعرضوا. # وقوله: {واستغنى الله} يعني: أن الله غني عن طاعتهم وعبادتهم وتوحيدهم. # وقوله: {والله غني حميد} أي: مستغني عن أفعال العباد، مستحمد إلى خلقه ~~بالإنعام عليهم. ويقال: حميد أي: مستحق للحمد. ويقال حميد أي: يحب أن يحمد. ~~وقد ثبت أن النبي قال: " ما من أحد [أغير] من الله وما أحب أحد إليه # PageV05P450 # {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير (7) فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما ~~تعملون خبير (8) يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن} الحمد من الله، ~~وما أحد أحب إليه العذر من الله ". # PageV05P451 # وقوله تعالى: {زعم الذين كفروا} حكي عن مجاهد أنه كان يكره لفظة زعموا، ~~وكذلك حكي عن ابن مسعود. وفي بعض التفاسير عن ابن عمر قال: كنية الكذب. ~~ونحو ذلك عن شريح. فزعموا هاهنا بمعنى قالوا وأخبروا، قال الشاعر: # (ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألا يحسن السر أمثالي) # وقوله: {أن لن يبعثوا} يعني: بعد الموت. # وقوله: {قل بلى وربي لتبعثن} قوله: {بلى} في هذا الموضع لتكذيب القوم ~~فيما زعموا، وهو مثل قول القائل لغيره: وقد أمرتك بكذا وكذا، فيقول الرجل: ~~ما سمعت وما أمرتني به، فيقول: بلى، أي: وكذبت، قد سمعت وقد أمرتك. # وقوله: {ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} ms1784 أي: هين. # PageV05P451 # قوله تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} أي: القرآن الذي ~~أنزلناه على محمد {والله بما تعملون خبير} أي: عليم. # PageV05P451 # قوله تعالى: {يوم يجمعكم ليوم الجمع} أي: يوم القيامة، وسمي يوم الجمع؛ ~~لأنه يجتمع فيه الأولون والآخرون، ويجتمع أهل السموات وأهل الأرض. # وقوله: {ذلك يوم التغابن} عن ابن عباس أنه قال: هو اسم ليوم القيامة. وفي ~~التغابن معنيان: أحدهما: أن أهل الحق يغبنون أهل الباطل، وأهل الإيمان ~~يغبنون أهل الكفر. # PageV05P451 # {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير (10) ما أصاب من مصيبة ~~إلا بإذن الله ومن} # والقول الثاني: أن الله تعالى سمى لكل أحد من خلقه منزلا في النار ومنزلا ~~في الجنة، فمن كان مؤمنا يرث منزلة الكافر في الجنة، ومن كان كافرا يرث ~~منزل المؤمن في النار، وهو معنى التغابن يوم القيامة. وعن بعضهم: أن الغبن ~~هو أخذ الشيء بدون قيمته، فبالتفاوت الذي يقع بين القيمة وما دونها يحصل ~~التغابن، فالمؤمنون لما عملوا للجنة وللنعيم الباقي فقد غبنوا أهل النار، ~~والكفار لما اختاروا النعيم المنقطع على النعيم الباقي، والدار التي تفنى ~~على الدار التي لا تفنى؛ فقد غبنوا. قال زيد بن علي: غبنوا أنفسهم. والغبن ~~هاهنا يعني الخسران في (غير) هذا الموضع. # وقوله تعالى: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} ظاهر المعنى. # PageV05P452 # قوله تعالى: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها ~~وبئس المصير} أي: المرجع والمنقلب. # PageV05P452 # قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} أي: بعلمه وقضائه وتقديره. # وقوله: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} قال علقمة: ومن يؤمن بالله في المصيبة ~~أي: يعلم أنها من الله يهد قلبه للاسترجاع والتسليم لأمر الله تعالى. ومثله ~~عن سعيد بن جبير. وعن بعضهم: يهد قلبه أي: للصبر إذا ابتلي، وللشكر ms1785 إذا ~~انعم عليه، وللعفو إذا [ظلم] وقال عكرمة: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما ~~أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه. وذكر الأزهري في كتابه ~~أن معنى قوله: {يهد قلبه} أي: يجعله مهتديا، وقد أيد هذا القول ما حكي عن ~~ابن جريج أنه قال: من عرف الله فهو مهتدي القلب. # PageV05P452 # {يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم (11) وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين (12) الله لا إله إلا هو ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ~~(14) إنما أموالكم وأولادكم فتنة} # وقوله: {والله بكل شيء عليم} . # PageV05P453 # قوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا ~~البلاغ المبين} أي: البين. # PageV05P453 # قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} قد بينا. # PageV05P453 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم} أي: أعداء لكم فاحذروهم. قال ابن عباس: نزلت الآية في قوم أسلموا ~~بمكة، وكانوا يريدون أن يهاجروا إلى المدينة فيمنعهم أولادهم وأهلوهم ~~ويقولون: فارقتمونا بدينكم فلا تفارقونا بأنفسكم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. وعن مجاهد قال: نزلت الآية في عوف بن مالك الأشجعي، وكان قد لقي ~~جفاء من أهله وولده. # وقوله: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} قال ابن عباس: ~~لما تخلف هؤلاء بسبب أهليهم ثم هاجروا من بعد فرأوا قوما قد أسلموا من ~~قومهم، وتقدموا في الهجرة وتفقهوا في الدين، حزنوا لذلك حزنا شديدا، وهموا ~~أن يعاقبوا أهليهم وبنيهم ويتركوا الإنفاق عليهم، فأنزل الله تعالى قوله: ~~{وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} . # PageV05P453 # قوله تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} أي: بلاء ومحنة، ومعنى البلاء ~~والمحنة من الأموال والأولاد أنه يشتغل بهم عن طاعة الله تعالى، ويحمله طلب ~~المال ورضا الأولاد على معصية الله تعالى. وفي بعض الأخبار عن النبي أنه ~~قال: " الولد مبخلة مجبنة محزنة مجهلة ms1786 ". ومعناه: أنه يحمل على البخل ~~والجبن والحزن # PageV05P453 # {وا لله عنده أجر عظيم (15) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ~~وأنفقوا خيرا} والجهل. وعن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: من اتخذ أهلا ~~ومالا وولدا كان للدنيا عبدا. # وروى عبد الله بن بريدة [عن أبيه] " أن النبي كان يخطب فدخل الحسن ~~والحسين رضي الله عنهما وعليهما قميصان أحمران يعثران في ذلك، فنزل النبي ~~عن المنبر وحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قرأ قوله تعالى: {إنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة} ثم قال: رأيت هذين الصبيين يعثران في قميصهما، فما ملكت ~~نفسي حتى نزلت وحملتهما ". # وأنشدوا في لفظ الفتنة لبعضهم: # (قد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عثمان شرا طويلا) # يعني: قد ابتلي الناس. # وقوله: {والله عنده أجر عظيم} أي: كثير. # PageV05P454 # قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} قال ربيع بن أنس: بجهدكم وطاقتكم. ~~وروى معمر، عن قتادة أن هذه الآية نسخت قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} ~~ومثل هذا عن جماعة من التابعين. وقال جماعة من أهل العلم: الأولى أن يقال: ~~هذه الآية رخصة وليست بناسخة. وذكر القفال أن هذه الآية مبينة لقوله تعالى: ~~{اتقوا الله حق تقاته} لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وذكر مثل ~~ذلك على ابن عيسى وغيره. # PageV05P454 # {لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (16) إن تقرضوا الله قرضا ~~حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) } والمختار ما عليه السلف، ~~وهو القول الأول. وقد ذكرنا عن ابن مسعود في قوله تعالى: {اتقوا الله حق ~~تقاته} هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر ولا ينسى، ويشكر فلا يكفر. # وقوله: {واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم} نصب قوله: {خيرا} على ~~تقدير: اتقوا في الإنفاق خيرا. ومثله قوله تعالى: {انتهوا خيرا لكم} . # وقوله: {ومن يوق شح نفسه} أي: بخل نفسه، ويقال: الشح هو منع حقوق الله ~~الواجبة. وقال سفيان بن عيينة: الشح هاهنا هو الظلم دون البخل؛ لأن الله ~~تعالى قد قال: {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} . # وقوله: {فأولئك هم المفلحون} قد بينا. ms1787 # PageV05P455 # قوله تعالى: {إن تقرضوا الله قرضا حسنا} قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~هو الإنفاق في سبيل الله. ويقال: هو جميع حقوق المال، وسمي ذلك قرضا؛ لأن ~~الله تعالى يثيبهم عليه ويعطيهم عوضه، فهو بمنزلة القرض. # وفيه قول ثالث: أن الإقراض هاهنا هو قول القائل: سبحان الله، والحمد لله، ~~ولا إله إلا الله، والله أكبر. وذكر القفال: أن بعض السلف كان إذا سمع ~~سائلا يقول: من يقرض الله قرضا حسنا يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله ~~إلا الله، والله أكبر. وأما قوله: {حسنا} أي: طيبة بها أنفسكم. ويقال: من ~~خيار المال لا من رذاله. # وقوله: {يضاعفه لكم} أي: يجعل الواحد عشرا. ويقال: يضاعف لا إلى عدد ~~معلوم. # وقوله: {ويغفر لكم والله شكور حليم} الشكر من الله هو جزاؤه المحسنين ~~جزاء # PageV05P455 # {عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم (18) } من يشكرهم على إحسانهم. ~~ويقال: الشكر من الله هو العفو عن السيئات وقبول الحسنات. ويقال: هو العفو ~~عن الكثير وقبول القليل. # وقوله: {حليم} معناه: إمهال العباد وترك معالجتهم بالعقوبة. # PageV05P456 # قوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم} ظاهر المعنى. # PageV05P456 # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} # تفسير سورة الطلاق # وهي مدنية في قول الجميع # PageV05P457 # قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} فإن قيل: كيف خاطب النبي ~~وحده في الابتداء ثم قال: {إذا طلقتم النساء} ؟ والجواب من أوجه: أحدها: أن ~~خطاب النبي عليه الصلاة والسلام خطاب لأمته، مثل خطاب الرئيس يكون خطابا ~~للأتباع وكأنه قال: يا أيها النبي والمؤمنون إذا طلقتم النساء. # والجواب الثاني أن قوله: {إذا طلقتم النساء} على تحويل الخطاب إلى الغير ~~مثل قوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها. ~~.} . # والجواب الثالث: أن فيه تقدير محذوف، وتقديره: يا أيها النبي قل للمؤمنين ~~إذا طلقتم النساء. وروى قتادة عن أنس أن النبي طلق حفصة، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية، وقال له جبريل: يقول لك ربك: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من ~~أزواجك ms1788 في الجنة. # وقوله: {فطلقوهن لعدتهن} معناه: لزمان عدتهن وهو الطهر، وفيه دليل على أن ~~الأقراء التي تنقض بها العدة هي الأطهار، وهذا قول أهل الحجاز. وأما من ~~قال: إن الأقراء هي الحيض، قال معنى قوله: {لعدتهن} أي: ليعتددن مثل قوله ~~تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} أي: ليحزنوا، ذكره النحاس، ~~وقرأ في الشاذ: " فطلقوهن لقبل عدتهن " وقيل: إنها قراءة النبي، فمن قال: ~~إن الأقراء هي الحيض استدل بهذه القراءة، لأن هذه اللفظة تقتضي أن يكون ~~زمان ### | الطلاق # قبل # PageV05P457 # {وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم} زمان العدة، وأن زمان العدة يتعقب زمان ~~الطلاق. # وأما من قال: بأن الأقراء هن الأطهار، قال فمعنى قوله: " لقبل عدتهن " ~~أي: لوجه عدتهن؛ فإن قيل: إن قبل الشيء وجهه، والمراد في أول زمان الطهر، ~~فإن قيل: أول زمان الطهر وآخره واحد في الطلاق؛ فليس المعنى إلا ما ذكرنا. # قلنا: ليس كذلك، بل الأولى أن يطلق في أول زمان الطهر إذا أراد الطلاق؛ ~~لأنه إذا أخر لم يأمن أن يجامعها ثم يطلق، فيكون قد طلق طلاق البدعة. # وقد روي عن عمر وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيره من التابعين معنى ~~قوله: {لعدتهن} أي: طاهرا من غير جماع. وقد ثبت هذا اللفظ عن النبي برواية ~~نافع عن ابن عمر أنه طلق امرأته في حال الحيض، فقال له النبي: " راجعها ثم ~~أمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شئت طلقها طاهرا من غير جماع ". ~~وتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء. وفي رواية: أنه قال ~~لعمر: " مره فليراجعها ". وفي رواية " ثم إذا طهرت إن شاء طلقها طاهرا من ~~غير جماع " ولم يذكر ثم تحيض ثم تطهر. وعن أنس [و] ابن سيرين أنه قال لابن ~~عمر: " احتسبت بتلك الطلقة؟ قال: نعم. # (وفي رواية: خمسة) . وفي رواية ثالثة: قال: نعم وإن عجزت واستحمقت. # وقوله: {وأحصوا العدة} هذا خطاب للأزواج، أمرهم أن يحصوا العدة ليعرفوا ~~زمان الرجعة ومدة انقطاعها. ويقال: ليعرفوا مدة الإنفاق عليهن. # وقوله: {واتقوا ms1789 الله ربكم} يعني: طلقوا للسنة، ولا تطلقوا للبدعة. ويقال: ~~اتقوا ربكم في ترك إخراجهن من البيوت، وأما صفة طلاق السنة فهو من حيث ~~الوقت أن # PageV05P458 # {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} يطلقها ~~طاهرا من غير جماع، وأما من حيث العدة، فمذهب مالك والثوري وأبي حنيفة ~~وكثير من العلماء أنه يكره الطلاق ثلاثا جملة، والسنة أن يطلقها واحدة ~~ويتركها حتى تنقضي عدتها، هذه هو الأولى، قاله مالك. وإن أراد أن يطلق ~~ثلاثا فرق على الأطهار، فيطلق لكل طهر طلقة، وأما مذهب الشافعي رحمه الله ~~أنه ليس في الجمع والتفريق سنة ولا بدعة. وقد ذكر الأصحاب الأولى أن يطلق ~~واحدة وإن لم يكره الجمع بين الثلاث، قالوا: وهو المذهب. وفي الآية دليل ~~(الشافعي) على قوله؛ لأن الله تعالى أباح الطلاق بقوله: {فطلقوهن لعدتهن} ~~مطلقا ولم يفرق بين أن يطلق واحدة أو أكثر منها، ولأن الله تعالى بين وقت ~~الطلاق ولم يبين عدده، والآية وردت لبيان المسنون من الطلاق، فلو كان في ~~عدد الطلاق سنة لم يؤخر بيانها. # وقوله: {لا تخرجوهن من بيوتهن} أي: في زمان العدة، ونسب البيوت إليهن ~~لأجل السكنى. # وقوله: {ولا يخرجن} أي: لا يخرجن بأنفسهن. # وقوله: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} اختلف القول في معنى الفاحشة هاهنا، ~~فأظهر الأقاويل: أنها الزنا، وهذا قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن ~~عباس وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة و (حماد بن أبي سلمة) والليث وجماعة ~~كثيرة، والمراد من الآية على هذا إلا أن تزني فتخرج لإقامة الحد. # والقول الثاني: أن الفاحشة هي أن تبذو على أهلها، قاله ابن عباس في إحدى ~~الروايتين، ويقال في قراءة أبي بن كعب: " إلا أن يفحشن " وهذه القراءة تقوي ~~هذا القول. وروي عن عائشة أنها قالت لفاطمة بنت قيس: اتقي الله فإنك تعلمين ~~أن # PageV05P459 # {وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث ~~بعد ذلك أمرا (1) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن} الرسول ~~أخرجك، يعني: ms1790 من بيت زوجها، وكانت تبذو بلسانها. # والقول الثالث ما روي عن ابن عمر أنه قال: الفاحشة نفس الخروج. وهو محكي ~~عن إبراهيم النخعي. فعلى هذا تقدير الآية إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~بخروجهن. # وقال بعضهم: الفاحشة هاهنا جميع المعاصي. وأولى الأقاويل هو الأول لكثرة ~~من قال به؛ ولأنه موافق لقوله: {واللاتي يأتين الفاحشة} وأجمعوا على أن ~~المراد به الزنا. # وقوله: {وتلك حدود الله} قال السدى: هي شروط الله. ويقال: شرع الله، ~~وقيل: أمره ونهيه. # وقوله: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} أي: أهلك نفسه وأوبقها. # وقوله: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} القول المعروف في هذا أنه ~~الرغبة في المراجعة، وفيه دليل على أن المراد بقوله: {فطلقوهن} في ابتداء ~~الآية هو الطلقة والطلقتان دون الثلاثة، ويقال: إن المراد منه الواحدة ~~والثلاث جميعا. قال في قوله تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} ~~قال: هو النسخ؛ ومعناه: لعل الله ينسخ هذا الحكم ويرفعه. وقيل: هو الرغبة ~~في ابتداء النكاح بعد زوج آخر. # PageV05P460 # وقوله: {فإذا بلغن أجلهن} أي: قاربن بلوغ أجلهن، وهو انقضاء العدة. # وقوله: {فأمسكوهن بمعروف} أي: راجعوهن بمعروف، ومعناه: على أمر الله ~~تعالى. ويقال: المعروف هاهنا: هو أن يراجعها ليمسكها لا أن يراجعها ~~فيطلقها، فيطول العدة عليها على ما كان يفعله أهل الجاهلية. # وقوله: {أو فارقوهن بمعروف} معناه: أن يتركها لتنقضي العدة فتقع الفرقة. ~~والمعروف: هو ما أمر الله تعالى به من إيصال حقها إليها من السكنى والنفقة ~~في # PageV05P460 # {بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من} موضع ~~الوجوب، ويقال: بمعروف أي: من غير قصد مضارة. # قوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الإشهاد واجب ~~في الطلاق والرجعة بظاهر الآية. # والقول الثاني: أن الإشهاد يجب في الرجعة ولا يجب في المفارقة وهو أحد ~~قولي الشافعي رضي الله عنه وهو قول طاوس من التابعين. # والقول (الثاني) ms1791 : أنه يندب إلى الإشهاد في الرجعة، ولا يجب، وعليه أكثر ~~أهل العلم، وهو قول آخر الشافعي رحمه الله عليه. # وأما العدل هو مستقيم الحال في معاملات الشرع وأوامره. وقال منصور: سألت ~~إبراهيم عن العدل فقال: هو الذي لم يظهر فيه ريبة. # وقوله: {وأقيموا الشهادة لله} هو خطاب للشهداء بأداء الشهادات على ~~وجوهها. # وقوله: {ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر} # وقوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} قال ابن عباس: من كل أمر ضاق على ~~الناس. وعنه قال: إذا اتقى الله في الطلاق على وجه السنة بأن طلق واحدة، ~~جعل له مخرجا منه في جواز الرجعة وروي أن رجلا أتاه وقال: إن عمي طلق ~~امرأته ثلاثا فهل له مخرج؟ فقال: إن عمك عصى الله فأثم، وأطاع الشيطان فلم ~~يجعل له مخرجا. وفي بعض الأخبار برواية ابن عباس أن النبي قال في قوله: " ~~{ومن يتق الله يجعل له مخرجا} قال: " من غموم الدنيا وغمرات الموت وشدائد ~~الآخرة ". # PageV05P461 # وقوله: {ويرزقه من حيث لا يحتسب} أي: من حيث لا يرجو ولا يأمل، وقيل: # PageV05P461 # {حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا (3) واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} يقنعه بما رزقه. ~~وفي التفسير: " أن هذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر ابنه، فجاء ~~إلى النبي يشكو إليه فقال: " اصبر واتق الله " فرجع، ثم إن العدو غفلوا عن ~~ابنه، مرة، فهرب منهم وساق مع نفسه إبلا ورجع إلى أبيه وجاء بالإبل، فأتى ~~النبي وأخبره بذلك، وسأله عما ساقه إليه ابنه هل يحل له ذلك؟ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية " فالمعنى بقوله: {ويرزقه من حيث لا يحتسب} هو ما جاء به ~~ابن عوف ابن مالك إلى أبيه من الإبل. # وقوله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} أي: يثق بالله ويفوض أمره ~~إليه: ويقال: التوكل على الله هو الرضا بقضائه. وفي بعض الأخبار عن النبي ~~أنه قال: " من انقطع إلى الله ms1792 كفاه الله كل مؤنة، ومن انقطع إلى الخلق وكله ~~إليهم ". # وقوله: {إن الله بالغ أمره} أي: كل ما يريده في خلقه. # وقوله: {قد جعل الله لكل شيء قدرا} أي: مقدارا وأجلا ينتهي إليه. # PageV05P462 # قوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} الآية مشكلة لقوله: {إن ~~ارتبتم} واختلفت الأقوال في قوله: {إن ارتبتم} أظهر الأقاويل: أن الله ~~تعالى لما بين عدة ذوات الأقراء قال جماعة من أصحاب رسول الله قد عرفنا عدة ~~ذوات # PageV05P462 # {إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن} الأقراء، فكيف عدة الآيسات والصغائر وذوات الأحمال؟ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # وقوله: {إن ارتبتم} خطاب لأولئك الجماعة أي: شككتم في عدتهن فلم تعرفوها. ~~وفي بعض التفاسير: أم معاذ بن جبل سأل رسول الله عن ذلك. وعن بعضهم: أن أبي ~~بن كعب سأل رسول الله عن ذلك. # والقول الثاني: أن قوله تعالى: {إن ارتبتم} أي: لم تعرفوا أنها تحيض، أو ~~لا تحيض وذلك في المرأة الشابة إذا ارتفع حيضها لعلة. قال عمر رضي الله ~~عنه: تنتظر سبعة أشهر، فإن لم تر الحيض اعتدت بثلاثة أشهر، وهذا قول مالك، ~~وحكي عن مجاهد نحو ما ذكرنا. # والقول الثالث أن قوله: {إن ارتبتم} راجع إلى قوله تعالى: {لا تخرجوهن من ~~بيوتهن ولا يخرجن} والمعنى إن ارتبتم في انقضاء عدتها فلا تخرجوهن من ~~بيوتهن ولا يخرجن، ذكره النحاس. وأما الآيسة فهي التي لا ترى أمثالها الحيض ~~فعدتها ثلاثة أشهر. وعلى مذهب أكثر العلماء أن الشابة وإن ارتفع حيضها لعلة ~~لا تنقضي عدتها بالشهور ما لم تيئس، قالوا: ولو شاء الله لابتلاها بأكثر من ~~ذلك. # وقوله: {واللائي لم يحضن} هن الصغائر. # وقوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} هذا الحكم متفق عليه في ~~المطلقات الحوامل، فأما المتوفى عنها زوجها اختلف الصحابة في ذلك، فقال علي ~~وابن عباس: إن عدتها أبعد الأجلين. وقال عمر وابن مسعود وابن عمر وأبو ~~هريرة: إن عدتها بوضع الحمل، وهذا هو القول المختار. وعن ابن ms1793 مسعود أنه ~~قال: نزلت سورة # PageV05P463 # {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن ~~يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا (5) أسكنوهن من حيث سكنتم من} ~~النساء القصوى بعد قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا} فقد نقل ~~ابن مسعود نسخ تلك الآية بهذه الآية. وفي رواية عنه أنه قال: هذه الآية ~~ناسخة لتلك الآية. وروي أن أبا هريرة وابن عباس اختلفا في هذه (المسألة) ، ~~فقال ابن عباس: تعتد بأبعد الأجلين، وقال أبو هريرة: تعتد بوضع الحمل؛ فبعث ~~ابن عباس كريبا مولاه إلى أم سلمة يسألها عن ذلك، فروت أن سبيعة الأسلمية ~~توفي عنها زوجها وهي حامل فوضعت لنصف شهر؛ فسألت رسول الله عن ذلك فقال: " ~~حللت للأزواج ". وهذا خبر صحيح. # وقوله: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} أي: يتق الله في أمر الطلاق ~~فيطلب للسنة. # وقوله: {يجعل له من أمره يسرا} أي: الرجعة (وقال بعضهم) : " ومن يتق الله ~~" أي: يحذر من المعاصي ويعمل بالطاعات " يجعل له من أمره يسرا " أي: يوفقه ~~ويسدده وييسر عليه الأمور. # PageV05P464 # قوله تعالى: {ذلك أمر الله أنزله إليكم} أي: ما تقدم من الأمر والنهي في ~~الطلاق وأحكامه. # وقوله: {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} أي: في القيامة. # PageV05P464 # قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} اختلف العلماء في وجوب ~~السكنى للمبتوتة مع اتفاقهم أنها واجبة للرجعية؛ فمذهب الشافعي: أن السكنى ~~واجبة لها دون النفقة إلا الحامل تجب لها النفقة والسكنى، وهو قول مالك. # PageV05P464 # {وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} ومذهب أحمد وجماعة: أن السكنى ~~والنفقة غير واجبين للمبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس. # ومذهب أبي حنيفة رحمه الله: أنهما واجبتان. # وقوله: {من وجدكم} أي: من سعتكم. وقال الفراء: مما تجدون. وقرأ الأعرج: " ~~من وجدكم " وهو لحن لأن الوجد من الوجد من الجدة، والجد من الحزن والحث ~~والعطف، وليس هذا موضعه. # وقال: {ولا ms1794 تضاروهن لتضيقوا عليهن} قال منصور عن [أبي] الضحى: المضارة هو ~~أن يرجعها حين تشرف على انقضاء العدة من غير رغبة لطول عليها العدة. ويقال: ~~[إن] المراد من المضارة هاهنا هو المضارة في المنزل والسكنى، قاله مجاهد. # وقوله: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} # من لم يوجب النفقة للمبتوتة الحامل استدل بهذه الآية وقال: إن الله ~~تعالى: شرط في وجوب النفقة للمبتوتات أن يكن حوامل. ومن أوجب النفقة لهن ~~قال: قوله: {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} أي: في ترك الإنفاق على العموم في ~~المبتوتات. # وقوله: {وإن كن أولات حمل} تخصيص بعض ما تناوله اللفظ الأول بالذكر مثل ~~قوله تعالى: {وجبريل وميكال} بعد ذكر الملائكة. قال بعضهم: الآية لبيان مدة ~~النفقة يعني: أن النفقة تجب للحامل وإن طالت مدة حملها إلى أن تضع الحمل. # وقوله: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} أي: الأم إذا أرضعت بعد الطلاق # PageV05P465 # {وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من ~~سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما} ~~يؤتيها الأب أجرها. # وقوله: {وأتمروا بينكم بمعروف} أي: لينفق الوالد والوالدة على ما هو ~~الأنفع للصبي، فلا تمتنع الوالدة من الإرضاع، ولا يمتنع الأب من إعطاء ~~الأجر. قال السدى: " وأنتمروا بينكم بمعروف " أي: تشاوروا بينكم بالمعروف. ~~وهو قول ضعيف. وقال المبرد: ليأمر بعضكم بعضا بالمعروف. # وقوله: {وإن تعاسرتم} أي: تضايقتم وتنازعتم في الأجر. # وقوله: {فسترضع له أخرى} أي: إذا لم ترض الأم بأجر المثل وطلبت أكثر منه ~~يسلم الولد إلى غيرها لترضع بأجر المثل. # وقوله: {فسترضع له أخرى} خبر بمعنى الأمر أي: لترضع، مثل قوله تعالى: ~~{والوالدات يرضعن أولادهن} . # PageV05P466 # وقوله: {لينفق ذو سعة من سعته} أي: بمقدار سعته، وهو حث على التوسع في ~~النفقة لمن وسع الله عليه. # وقوله: {ومن قدر عليه رزقه} أي: ضيق عليه رزقه، ولم يكن له إلا القوت وما ~~يشبهه وهو قوله: {فلينفق مما آتاه الله} أي: على قدر ذلك. وعن عمر رضي ms1795 الله ~~عنه أنه سمع أن أبا عبيدة بن الجراح يلبس الثوب الخشن، ويأكل الطعام ~~(الجشب) ، فبعث إليه بألف دينار من بيت المال، وأمر الرسول أن يتعرف حاله ~~بعد ذلك، فتوسع وأكل الطيب من الطعام، ولبس اللين من الثياب، فرجع الرسول ~~فأخبر عمر بذلك فقال: إنه تأول قوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر ~~عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} ذكره القفال في تفسيره. # وقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} # PageV05P466 # {آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ~~فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان ~~عاقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي ~~الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) رسولا يتلوا عليكم} # وقوله: {سيجعل الله بعد عسر يسرا} أي: بعد ضيق سعة، وبعد فقر غنى. قال ~~أهل التفسير: أراد به أصحاب رسول الله كانوا في ضيق، ثم وسع الله عليهم. # PageV05P467 # قوله تعالى: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله} أي: عتى أهلها عن أمر ~~ربها، والعتو هو المبالغة في العصيان. وعن ابن عباس: أن الله تعالى لم ينزل ~~قطرة من السماء إلا بوزن معلوم إلا في زمان نوح، ولا يرسل ريحا إلا بكيل ~~معلوم إلا في زمان عاد، فإنها عتت على خزانها. # وقوله: {فحاسبناها حسابا شديدا} الحساب الشديد هو الذي ليس فيه عفو ولا ~~تجاوز. # وقوله: {وعذبناها عذابا نكرا} أي: ينكر، والمنكر: الفظيع. # PageV05P467 # قوله تعالى: {فذاقت وبال أمرها} أي: عاقبة أمرها من المكروه، ويقال: طعام ~~وبيل أي: مكروه، وهو ضد الهنيء من الطعام. ويقول: الوبيل من الطعام: هو ~~الذي تؤدي عاقبته إلى الهلاك. # وقوله: {وكان عاقبة أمرها خسرا} أي: هلاكا، وقيل: نقصانا. # PageV05P467 # وقوله تعالى {أعد الله لهم عذابا شديدا} وهو النار. # وقوله تعالى: {فاتقوا الله يا أولي الألباب} أي: أولي العقول الذين ~~آمنوا، وهذا يدل على أن العقل إنما ينفع مع الإيمان، وأما بدون الإيمان لا ~~ينفع. # PageV05P467 # {آيات الله مبينات ليخرج ms1796 الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى ~~النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) الله الذي خلق سبع سموات ومن} # وقوله: {قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا} فيه وجوه: أحدها: أنزل إليكم ~~ذكرا أي: دليلا، وأنزل رسولا. ويقال: الذكر: القرآن، # PageV05P468 # وقوله: {رسولا} منصوب على البدل. وقيل: " رسولا " أي: رسالة. فمعناه: ~~أنزل قرآنا رسالة. # وقوله: {يتلو} يقال: هو محمد، (ويقال) : هو جبريل عليه السلام. # وقوله: {عليكم آيات مبينات} أي: واضحات. # وقوله: {ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور} أي: من ~~الكفر إلى الإيمان، ومن الباطل إلى الحق، وما أشبه ذلك. # وقوله: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا} أي: الجنة. # PageV05P468 # قوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} ليس في القرآن ~~آية تدل على عدد الأرضين بسبع مثل عدد السموات سوى هذه الآية، وقد ثبت أيضا ~~عن النبي أنه قال: " من غصب شبرا من أرض طوقه الله من سبعين أرضين ". # وعن ابن عباس أنه قال: سبع سموات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها تحت ~~بعض، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة سنة، وكذلك بين كل أرض وأرض. وعنه ~~أنه قال: خلق السماء الدنيا من موج مكفوف، والسماء الثانية من صخرة، ~~والسماء الثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، والخامسة من فضة، والسادسة # PageV05P468 # {الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن ~~الله قد أحاط بكل شيء علما (12) } من ذهب، والسابعة من درة، وخلق الكرسي ~~فوق السموات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة ويحمل الكرسي أربعة أملاك ~~لكل ملك أربعة أوجه، وجه على صورة الآدميين يسأل الرزق للبشر، ووجه على ~~صورة سيد السباع وهو الأسد يسأل الرزق للسباع، ووجه على صورة سيد الطير وهو ~~النسر يسأل الرزق للطيور. ووجه على صورة سيد الأنعام وهو الثور يسأل الرزق ~~للأنعام. # قال ms1797 ابن عباس: ما زالت على وجهه الذي هو على صورة الثور عمامة منذ عبد ~~العجل من دون الله، فملكان يقولان: اللهم لك الحمد على حملك بعد علمك، ~~وملكان يقولان: اللهم لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. # وعنه رضي الله عنه أنه قال: في كل ارض آدم كآدم أبي البشر، ونوح مثل نوح، ~~وإبراهيم كإبراهيم، وموسى كموسى، وعيسى كعيسى، ومحمد كمحمد. ذكر هذه الآثار ~~عن ابن عباس أبو بكر محمد بن الحسن النقاش في تفسيره. وعن قتادة قال: في كل ~~سماء وفي كل أرض خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه. # وقوله تعالى: {يتنزل الأمر بينهن} أي: بين السموات والأرضين، وهو معنى ما ~~بينا. # وقوله: {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير} أي: قادر. # وقوله: {وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} ظاهر المعنى، وهو منصوب على ~~(التفسير) ، والله أعلم. # PageV05P469 # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم (1) } # تفسير سورة التحريم # وهي مدنية # PageV05P470 # قوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ~~والله غفور رحيم} في الآية قولان معروفان: أظهر القولين: أنها نزلت في ~~تحريم رسول الله على نفسه مارية القبطية، وسبب ذلك: أن النبي خلا بها في ~~بيت حفصة، وكانت حفصة قد خرجت لزيارة أبيها، فلما رجعت وعرفت ذلك فوقفت على ~~الباب، وخرج النبي ورأى الكآبة في وجهها. وفي رواية: أنها راجعته في ذلك ~~بعض المراجعة وقالت هذا من حقارتي عندك وصغر شأني ولو كانت في بيت غيري لم ~~تفعل ذلك، فحرم مارية على نفسه لطلب رضاها وقال لها: " لا تخبري بذلك عائشة ~~". # والقول الثاني: " أن النبي كان يشرب عسلا في بيت زينب بنت جحش وفي رواية: ~~في بيت سودة، وفي رواية: في بيت أم سلمة فتواطأت عائشة وحفصة على أن النبي ~~إذا دخل على واحدة منهما أيتهما كانت قالت: إني أجد منك ريح مغافير " وقد ~~روى أن صفية كانت معهما في ms1798 هذه المواطأة، فدخل النبي على عائشة فقالت له ~~ذلك، ودخل على حفصة فقالت له ذلك، ودخل على صفية فقالت له ذلك، فكان النبي ~~يكره أن يوجد منه ريح لأجل الملائكة فقال: شربت عسلا عند زينب. فقلن له: ~~جرست نخلة العرقط والعرقط شجرة يوجد منها ريح # PageV05P470 # {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} مكروه فحرم العسل على نفسه، وقال: لا ~~أعود إلى شربه أبدا ". حكى هذا القول عبيد بن عمير عن عائشة. والأول قول ~~عمر وابن مسعود وابن عباس وعامة المفسرين. # وعن ابن عباس في رواية: أن الآية وردت في الواهبة نفسها للنبي، وهو قول ~~شاذ، ومعنى الآية: هو المعاتبة مع النبي في تحريم ما أحل الله له لطلب رضا ~~أزواجه. # وقوله: {والله غفور رحيم} قد بينا. # PageV05P471 # قوله تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} أي: كفارة أيمانكم، والفرض ~~ها هنا بمعنى البيان والتسمية ويقال: بمعنى التقدير؛ لأن الكفارات مقدرة ~~معدودة، فإن قيل: أين اليمين في الآية، والله تعالى قال: {قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم} ؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن النبي كان حرم وحلف فعاتبه ~~على التحريم، وأمره بالتفكير في اليمين، وهذا قول منقول عن جماعة من ~~التابعين منهم مسروق والشعبي وغيرهما. # والوجه الثاني: أنه كان حرم ولم يحلف إلا أن تحريم الحلال يوجب الكفارة، ~~وهذا قول ابن عباس وغيره. # واختلف العلماء في تحريم الحلال، فذهب ابن مسعود أنه إذا حرم حلالا أي ~~حلال كان، فعليه الكفارة، وهذا قول جماعة من التابعين، وهو قول سفيان ~~الثوري والكوفيين. وأما مذهب مالك والشافعي أن تحريم الحلال في النساء يوجب ~~الكفارة، وفي غير النساء لا يوجب شيئا. وذهب جماعة إلى أن تحريم الحلال ليس ~~بشيء، قال مسروق: لا أبالي أحرمت امرأتي أو قصعة من ثريد يعني: أنه ليس ~~بشيء. وعن بعضهم: أنه إيلاء. وعن بعضهم: أنه ظهار. وعن بعضهم: أنه يلزمه ~~الطلاق الثلاث بتحريم الحلال في النساء. وعن بعضهم: أنه على نيته. وتحلة ~~اليمين كفارة اليمين، وسماها تحلة؛ لأنه يتحلل بها عن اليمين أي: ms1799 يخرج. وعن ~~بعضهم: أن تحلة اليمين # PageV05P471 # {والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ~~فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه} هو الاستثناء؛ لأنه يخرج به عن ~~اليمين. والأول هو المعروف. وبيان الكفارة في سورة المائدة في قوله تعالى: ~~{ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} الآية، فروى " أن النبي أعتق رقبة ". # وقوله: {والله مولاكم} أي: ولي أموركم، يهديكم إلى الأرشد والأقوم ~~والأولى. # وقوله: {وهو العليم الحكيم} أي: العالم بأمر خلقه، الحكيم بما يدبره لهم. # PageV05P472 # قوله تعالى: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا} هي حفصة رضي الله عنها ~~والذي أسره إليها هو تحريمه مارية. وقال ميمون بن مهران: أسر إليها هذا، ~~وأسر إليها أن الخلافة بعده لأبي بكر، ثم لأبيها بعده، وهذا مذكور في كثير ~~من التفاسير عن ميمون بن مهران وغيره. # وقوله: {فلما نبأت به} روى أن النبي قال لحفصة: " لا تخبري بذلك أحدا " ~~وكانت لا تكتم شيئا عن عائشة رضي الله عنها فذهبت وأخبرت عائشة بذلك؛ فنزل ~~جبريل وأخبره بما كان بينهما، وذلك قوله: {وأظهره الله عليه} . # وقوله: {عرف بعضه} أي: عرفها بعض ما كان بينهما، وأعرض عن البعض تكرما ~~وصفحا، والتغافل عن كثير من الأمور من شيمة العقلاء وأهل الكرم. ويقال: ~~العاقل هم المتغافل. والذي أظهره لها هو إخبارها بتحريم مارية، والذي أعرض ~~عنه هو حديث أبي بكر وعمر كرامة أن يفشو ذلك بين الناس. وقرأ الكسائي: " ~~عرف بعضه " بالتخفيف. قال الفراء: أي: جازى عليه، ومجازاته إياها أنه ~~طلقها، ثم إنه نزل جبريل وأمره بمراجعتها، وقال: إنها صوامة قوامة. وقال ~~الفراء: وهو مثل قول القائل لغيره: لأعرفن ما عملت أي: لأجازينك عليه. وهو ~~أيضا مثل قوله تعالى: {وأوحينا إليه # PageV05P472 # {وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير ~~(3) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} لتنبئنهم بأمرهم) أي: لتجازينهم. # وقوله: {وأعرض عن بعض} أي: لم يجاز عليه. # وقوله: {فلما نبأها به} أي: أخبرها. # وقوله: {قالت من أنبأك هذا} ms1800 أي: من أخبرك بهذا. # وقوله: {قال نبأني العليم الخبير} أي: الله، فإنه العليم بالأمور، الخبير ~~بما في الصدور. # PageV05P473 # وقوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله} هذا خطاب لعائشة وحفصة، ومعناه: إن ~~تتوبا فقد فعلتما ما عليكما، التوبة في ذلك، والذي فعلنا: المظاهرة على ~~النبي بالمواطأة على ما بينا، وبالسرور بما يكرهه من تحريم ما أحل الله له، ~~وبشدة الغيرة عليه وأذاه بذلك. # وقوله: {فقد صغت قلوبكما} أي: مالت قلوبكما عن الصواب. وقد روى " أنه كان ~~يصغي الإناء للهرة " أي: يميل. # وقوله: {قلوبكما} أي: قلباكما. قال الفراء: هو مثل قول العرب: ضربت ~~ظهوركما، وهشمت رءوسكما أي: رأسيكما وظهريكما. ويقال: إن أكثر ما في ~~الإنسان من الجوارح اثنان اثنان، وإذا هي تذكر باسم الجمع، فما كان واحدا ~~جرى ذلك المجرى، مثل: الرأس والقلب وغير ذلك، ذكره النقاش. # PageV05P473 # {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ~~ذلك ظهير (4) عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} # وقوله: {وإن تظاهرا عليه} ثبت أن ابن عباس سأل عمر رضي الله عنهما عن ~~المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي أي: توافقتا على فعل ما يشتد عليه ~~ويؤذيه غيره عليه، فقال: هما حفصة وعائشة. # وقوله: {فإن الله هو مولاه} أي: ناصره وحافظه {وجبريل} أي: ينصره أيضا ~~ويحفظه. # وقوله: {وصالح المؤمنين} فيه أقوال: أحدها: قال العلاء بن زياد: هم ~~الأنبياء، وهو قول قتادة في إحدى الروايتين، وهو قول سفيان الثوري. # وعن قتادة في رواية أخرى قال: هو أبو بكر وعمر، وهما أبوا المرأتين. قال ~~سعيد بن أبي عروبة وهو الحاكي ذلك عن قتادة: ذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: ~~صدق قتادة. وروى الليث عن مجاهد أنه قال: هو علي رضي الله عنه. وعن بعضهم: ~~هو خيار المؤمنين. # وقوله: {والملائكة بعد ذلك ظهير} أي: ظهراء وأعوان، واحد بمعنى الجمع، ~~مثل قوله تعالى: {وحسن أولئك رفيقا} أي: رفقاء. قال الشاعر # (إن العواذل ليس لي بأمير ... ) # أي: بأمراء. وروي أن عمر عاتب حفصة وقال: لو أمرني رسول الله ms1801 أن أضرب ~~رقبتك لضربت. # PageV05P474 # قوله تعالى: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} فإن قيل: كيف ~~خيرا منكن ولم يكن في ذلك الوقت أحد من النساء خيرا منهن؟ والجواب: أن ~~معناه: إن طلقكن بإلجائكن إياه إلى الطلاق، وشدة آذاكن له، وترك التوبة ~~فيبدله خير منكن أي: أطوع له منكن، ويقال: أحب له منكن. # PageV05P474 # {مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (5) يا أيها ~~الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} # وقوله: {مسلمات} أي: خاضعات منقادات. # وقوله: {مؤمنات} أي: مصدقات. # وقوله: {قانتات} أي: مطيعات. # وقوله: {تائبات} أي: تائبات من كل الذنوب، ومن كل ما يؤذي النبي. # وقوله: {عابدات} أي: متذللات أو فاعلات للطاعة كما أمرهن الله تعالى. # وقوله: {سائحات} أي: صائمات، قال ابن قتيبة: سمي الصائم سائحا؛ لأن ~~السائح يسيح بغير زاد، فإن وجد شيئا أكل على جوع شديد. ويقال: سائحات أي: ~~مهاجرات. # وقوله: {ثيبات وأبكارا} ظاهر المعنى. ويقال: الثيب مثل آسية، والأبكار ~~مثل: مريم عليهما السلام. # PageV05P475 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} أي: بفعلكم ~~طاعة الله، وأمركم إياهن بطاعة الله. ويقال: أدبوهن وعلموهن ودلوهن على ~~الخير. وفي بعض الغرائب من الأخبار: " علق السوط حيث يراه أهلك " يعني: ~~بالتأديب. وعن عمرو بن قيس الملائي قال: " إن المرأة لتخاصم زوجها يوم ~~القيامة عند الله فتقول: إنه كان لا يؤدبني، ولا يعلمني شيئا، كان يأتيني ~~بخبز السوق. وقيل: قوا أنفسكم وأهليكم نارا أى: قوا أنفسكم نارا وقوا ~~أهليكم نارا بما ذكرنا، وهو تقدير الآية. # PageV05P475 # {وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون (6) يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما ~~كنتم تعملون (7) } # وقوله: {وقودها الناس والحجارة} قد بينا في سورة البقرة، وهو حجارة ~~الكبريت. # وقوله: {عليها ملائكة غلاظ شداد} أي: غلاظ القلوب، شداد الأيدي. وفي ~~التفسير: أن واحدا منهم يلقي سبعين ألفا بدفعة واحدة في النار. وفي بعض ~~الآثار: " أن الله تعالى لم يخلق في قلوب الزبانية شيئا من ms1802 الرحمة ". وعن ~~بعضهم: أنه يأخذ العبد الكافر بعنف شديد، فيقول ذلك العبد: أما ترحمني؟ ! ~~فيقول: كيف أرحمك، ولم يرحمك أرحم الراحمين. # وفي بعض الآثار أيضا: أن الله تعالى يغضب على الواحد من عبيده، فيقول ~~للملائكة: خذوه فيبتدره مائة ألف ملك، كلهم يغضبون بغضب الله تعالى، ~~فيجرونه إلى النار، والنار أشد غضبا عليه منهم بسبعين ضعفا. # وقوله: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} ظاهر المعنى. # PageV05P476 # قوله تعالى: {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم} يعني: يقال لهم يوم ~~القيامة: لا تعتذروا، أي: لا عذر لكم فتعتذروا. # وقوله: {إنما تجزون ما كنتم تعملون} أي: بعملكم في الدنيا. # PageV05P476 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} قال (الزهري) : كل موضع في القرآن {يا ~~أيها الذين آمنوا} افعلوا كذا فالنبي عليه السلام فيهم. وعن خيثمة قال: كل ~~ما في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} فهو في التوراة يا أيها المساكين. وقد ~~ذكرنا عن ابن مسعود أنه قال: إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} ~~فارعها سمعك، فإنه شيء تؤمر به، أو شيء تنهى عنه. # PageV05P476 # {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ~~واغفر لنا إنك على كل} # وقوله: {توبوا إلى الله توبة نصوحا} قال عمر وابن مسعود: هو أن يتوب من ~~الذنب ثم لا يعود إليه أبدا، ويقال: نصوحا أي: صادقة، ويقال: خالصة، وقيل: ~~محكمة وثيقة. وهو مأخوذ من النصح وهو الخياطة، كأن التوبة ترقع خرق الذنب ~~فيلتئم، كالخياط يخيط بالشيء فيلتئم. وقرئ: " نصوحا " بضم النون أي: ذات ~~نصح. # وقوله: {عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم} قد بينا أن عسى من الله واجبة. # وقوله: {ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: بساتين. # وقوله: {يوم لا يخزي الله النبي} أي: لا يهينه ولا يفضحه، وهو إشارة إلى ~~كرامة في الآخرة؛ يعني: يكرمه ويشرفه ms1803 في ذلك اليوم، ولا يهينه، ولا يذله. # وقوله: {والذين آمنوا معه} أي: كذلك يفعله بالذين آمنوا معه. # وقوله: {نورهم يسعى بين أيديهم} هو نور الإيمان يكون قدامهم على الصراط ~~يمشون في ضوئه. وفي التفسير: أن لأحدهم مثل الجبل، ولآخر على قدر ظفره ~~ينطفئ مرة ويتقد أخرى. # وقوله: {وبأيمانهم} فيه قولان: أحدهما: وبأيمانهم كتبهم، والآخر: ~~وبأيمانهم نورهم كالمصابيح. # وقوله: {يقولون ربنا أتمم لنا نورنا} وفي [التفسير] : أنهم يقولون ذلك ~~حين يخمد وينطفئ نور المنافقين، فيقولون ذلك إشفاقا على نورهم. # وقوله: {واغفر لنا إنك على كل شيء قدير} أي: قادر. # PageV05P477 # {شيء قدير (8) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير (9) ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط ~~كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا} # PageV05P478 # قوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار} أي: بالسيف. # وقوله: {والمنافقين} أي: باللسان، ويقال: بالغلظة عليهم. قال ابن مسعود: ~~أن يلقاهم بوجه مكفهر. ويقال: بإقامة الحدود عليهم، ذكره قوم من التابعين. # وقوله: {واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} أي: المنقلب. # PageV05P478 # قوله تعالى: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط} في بعض ~~التفاسير: أن اسم (إحديهما) كانت والهة، والأخرى كانت والغة. # وقوله: {كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين} أي: نوح ولوط عليهما السلام. # وقوله تعالى: {فخانتاهما} اختلف القول في هذا؛ فأحد الأقوال: أنه الخيانة ~~بالكفر. # والقول الثاني: أنه الخيانة بالنفاق، كانتا تظهران الإيمان وتسران الكفر. # والقول الثالث: بالنميمة. # والقول الرابع: بالنسبة إلى الجنون لنوح، والدلالة على الأضياف للوط، ~~فكانت امرأة نوح تقول لمن يقصد نوحا عليه السلام، ليسمع كلامه: إنه مجنون، ~~وامرأة لوط كانت تدل قومها على أضياف لوط لقصد الفاحشة. وفي القصة: أنها ~~كانت بالنهار ترسل، وبالليل تدخن وتوقد نارا ليعلموا. قال ابن عباس: ما بغت ~~امرأة نبي قط أي: ما زنت. # وقوله: {فلم يغنيا عنهما من الله شيئا} أي: لم (يدفعا) نوح ولوط عنهما # PageV05P478 # {وقيل ادخلا النار مع الداخلين (10) وضرب الله مثلا للذين ms1804 آمنوا امرأت ~~فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من ~~القوم الظالمين (11) ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من ~~روحنا} أي: عن امرأتيهما. والمراد تحذير عائشة وحفصة، يعني: أنكما إن ~~عصيتما ربكما لم يدفع رسول الله عنكما شيئا، كما لم يدفع نوح ولوط عن ~~امرأتيهما. # وقوله: {وقيل ادخلا النار مع الداخلين} أي: قيل للمرأتين. # PageV05P479 # وقوله تعالى: {وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون} وهي آسية بنت ~~مزاحم، وكانت آمنت بالله وبموسى عليه السلام سرا ثم أظهرت، فعذبها فرعون ~~وعاقبها، وفي القصة: أنه وتدها بأربعة أوتاد من حديد، وفي القصة: أن أول من ~~آمنت امرأة خازن فرعون، ويقال: ماشطة بنت فرعون، فعذبها فرعون فصبرت على ~~ذلك، فأظهرت حينئذ آسية إيمانها. # وقوله: {إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} أي: دارا. # وقوله: {ونجني من فرعون وعمله} فيه قولان: أحدهما: من شركه، والآخر: من ~~المضاجعة معه. ويقال: من الجماع. # وقوله: {ونجني من القوم الظالمين} أي: من قوم فرعون. # PageV05P479 # قوله تعالى: {ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها} أشهر القولين أنه الفرج ~~بعينه. والعرب تقول: أحصنت فلانة فرجها إذا عفت عن الزنا. # والقول الثاني: أن الفرج هاهنا هو الجيب. قال الفراء: كل خرق في درع أو ~~غيره فهو فرج، ويقال: في قراءة أبي بن كعب: " فنفخنا في جيبها من روحنا " # وقوله: {فنفخنا فيه من روحنا} في القصة: أن جبريل عليه السلام نفخ في جيب ~~درعها فحملت بعيسى، وروي أنه دخل عليها في صورة شاب أمرد جعد قطط، وهي في ~~مدرعة صوف. قال أبو معاذ النحوي: في مدرعتها. وعلى القول الأول إذا # PageV05P479 # {وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين (12) } قلنا إنه الفرج بعينه ~~يصير النفخ في جيب درعها كالنفخ في فرجها بعينه. # وقوله: {وصدقت بكلمات ربها} وقرئ: " بكلمة ربها " فمعنى الكلمات ما أخبر ~~الله تعالى من البشارة بعيسى وصفته وكرامته على الله وغير ذلك. ويقال: ~~بكلمات ربها أي: بآيات ربها. وأما قوله: {بكلمة ربها} ms1805 هو عيسى عليه السلام. # وقوله: {وكتابه} أي: الإنجيل، وقرئ: " وكتبه " أي: التوراة والزبور ~~والإنجيل. # وقوله: {وكانت من القانتين} فإن قيل: كيف قال {من القانتين} ولم يقل: " ~~من القانتات "؟ قلنا: قال أبو العباس ثعلب معناه: كانت من قوم قانتين. ~~والقنوت هو الطاعة على ما بينا. ويقال: قنوتها هاهنا هو صلاتها بين المغرب ~~والعشاء، وهو أيضا فعل القانتين على هذا القول، والله أعلم. # PageV05P480 # بسم الله الرحمن الرحيم # {تبارك الذي بيده الملك} # تفسير سورة الملك # وهي مكية # روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي عليه الصلاة والسلام - قال: " ~~إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غفر له، وهي {تبارك الذي ~~بيده الملك} ". # وروى أبو الزبير عن جابر أن النبي كان لا ينام حتى يقرأ: {الم تنزيل ~~الكتاب} ، و {تبارك الذي بيده الملك} قال طاوس: يفضلان سائر السور بسبعين ~~حسنة. # وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أن رجلا ضرب خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه ~~قبر، فسمع قارئا: {تبارك الذي بيده الملك} حتى ختم السورة، فأتى النبي فذكر ~~له ذلك، فقال: " هي المنجية، هي المانعة، تنجيه من عذاب القبر " ذكر هذه ~~الأخبار أبو عيسى الترمذي في جامعه بإسناده. # وفي غيره أن الزهري روى عن حميد ابن عبد الرحمن أن النبي قال: " سورة ~~الملك تجادل عن صاحبها يوم القيامة ". # PageV06P005 # {وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا} # وروى مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود: أن رجلا أتى في قبره من جوانبه، ~~فجلت سورة من القرآن تجادل عن صاحبها حتى الجنة. # قال مرة: فنظرت أنا وخيثمة فإذا هي سورة الملك، والله أعلم. # PageV06P006 # قوله تعالى: {تبارك الذي بيده} قد بينا أن تبارك تفاعل من البركة، ~~والمعنى: أن جميع البركات منه تعالى. # ويقال: تبارك أي: تعظم وتقدس وتعالى، ومنه البرك في الصدر. # وقوله {الذي بيده ### | الملك} # أي: ملك السموات والأرض. # ويقال: ملك النبوة، يعز به من اتبعه، ويذل به من خالفه، حكى ذلك عن محمد ~~بن إسحاق. # وقوله ms1806 {وهو على كل شيء قدير} أي: قادر. # PageV06P006 # وقوله تعالى: {الذي خلق الموت والحياة} أي: الموت في الدنيا، والحياة في ~~الآخرة. # ويقال: خلق الموت أي: النطفة في الرحم لأنها ميتة، والحياة هو أنه نفخ ~~فيها الروح من بعد. # ويقال: خلق الموت والحياة، أي: الدنيا والآخرة. # وحكى أبو صالح عن ابن عباس: " أن الله تعالى خلق الموت على صورة كبش ~~أغبر، لا يمر بشيء، ولا يطأ على شيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات، وخلق الحياة ~~على صورة فرس أنثى بلقاء لا تمر على شيء، ولا تطأ على شيء ولا تجد [ريحها] ~~شيء إلا حيى. # قال: وهي دون البغلة وفوق الحمار، خطوها مد البصر، وكان جبريل راكبا ~~[عليها] يوم غرق فرعون، ومن تحت حافرها أخذ السامري القبضة. # وقال بعضهم: خلق الدنيا للحياة ثم للموت، وخلق الآخرة للجزاء ثم للبقاء. # وقوله {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} أي: ليختبركم فيظهر منكم أعمالكم الحسنة ~~وأعمالكم السيئة ويجازكم عليها. # وقوله {أحسن عملا} فيه أقوال: أحدها: أتم عقلا وأورع عن محارم الله، وهو # PageV06P006 # {وهو العزيز الغفور (2) الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن ~~من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين} # قول مأثور. # والقول الثاني: أحسن عملا أخلص عملا. # والقول الثالث: أحسن عملا أي: أزهد في الدنيا وأترك لها، وهو مروي عن ~~الحسن وسفيان الثوري. # والقول الرابع: أحسن عملا أي: أشدكم ذكرا للموت وأحسنكم لها استعدادا. # ويقال: أشدكم لله مخافة. # ويقال: أبصركم بعيوب نفسه. # وقوله: {وهو العزيز الغفور} قد بينا. # PageV06P007 # قوله تعالى: {الذي خلق سبع سموات طباقا} أي: بعضها فوق بعض، بين كل ~~سماءين أمر من أمره، وخلق من خلقه. # وقوله {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} أي: من خلل وعيب. # ويقال: من اضطراب وتباين. # وقرئ " تفوت " واختاره أبو عبيد. # قال الفراء: تفوت وتفاوت بمعنى واحد كما يقال: تعهد وتعاهد وغير ذلك. # ويقال: تفوت أي: لا تفوت بعضه بعضا. # وقوله: {فارجع البصر} أي: رد البصر. # وقوله: {هل ترى من فطور} ms1807 أي: صدوع وشقوق وخروق. # ويقال: فطر ناب البعير أي: انشق. # PageV06P007 # وقوله: {ثم ارجع البصر كرتين} أي: مرتين، ومعناه: مرة بعد مرة، وإن زاد ~~على المرتين، كالرجل يقول لغيره: قد قلت لك هذا القول مرة بعد مرة، وقد كان ~~قال له مرات، ذكر القفال. # وقال بعضهم: إنما ذكر المرتين، لأن الإنسان في المرة الثانية يكون أحد ~~بصرا وأكثر بصرا وأكثر نظرا. # ويقال: الكرة الأولى بالعين. # والأخرى بالقلب. # قال الفراء: يجوز أن يكون معنى كرتين كرة واحدة وأنشدوا: # PageV06P007 # {ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ~~وجعلناها رجوما للشياطين} # (مهمهين قذفين مرتين ... قطعته [بالسمت] لا بالسمتين) # وأراد مهمها واحدا. # وقوله: {ينقلب إليك البصر} أي: يرجع إليك البصر {خاسئا} أي: صاغرا {وهو ~~حسير} أي: كليل يعني ضعيف عن إدراك ما أراده من طلب العيب والخلل. # ويقال: دابة حسرى أي: كالة. # قال الشاعر: # (به جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب) # قال الزجاج: معنى الآية: أنه يبالغ في النظر، فرجع البصر إليه خاسئا ولم ~~ينل ما أراده، ولم ير عيبا وخللا. # وقوله: {خاسئا} من ذلك قولهم للكلب اخسأ وابعد، قال الفرزدق في جرير: # (اخسأ إليك جريرا يا معر ... نلنا السماء نجومها وهلالها) # PageV06P008 # قوله تعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} أي: بسرج، وسمى النجوم ~~مصابيح لإضاءتها. # وقوله: {وجعلناها رجوما للشياطين} أي: رجمنا بها الشياطين عن استراق ~~السمع. # قال محمد بن كعب القرظي: إن النجم لا يطلع لموت أحد ولا لحياته، ولكنه ~~زينة الدنيا ورجوم الشياطين. # وعن قتادة قال: خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: جعلها زينة للسماء الدنيا، ~~ورجوما للشياطين، وهاديا للناس في الطرق، فمن تكلف غير ذلك فقد قال ما لا ~~علم له به. # PageV06P008 # {وأعتدنا لهم عذاب السعير (5) وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير ~~(6) إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ~~ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير ~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا ms1808 في ظلال كبير (9) } . # وقوله تعالى: {وأعتدنا لهم عذاب السعير} أي: المسعرة. # وعن ابن عباس: أن السعير هو الطبق الرابع من جهنم. # PageV06P009 # وقوله: {وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم} إنما سمى جهنم جهنما لبعد قعرها، ~~تقول العرب: ركية جهنام أي: بعيدة القعر. # وقوله: {وبئس المصير} أي: المرجع. # PageV06P009 # قوله: {إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا} أي: لجهنم، والشهيق: أول صوت ~~الحمار. # وقيل: الشهيق. # أول صوته، والزفير. # آخر صوته. # وقيل: الشهيق في الصدر، والزفير في الحلق. # وقيل: إن الشهيق من الكفار حين يدخلون جهنم. # والقول الأول أظهر في هذه الآية. # وقوله: {وهي تفور} قال ابن مسعود: تغلي غليان القدر بما فيه. # وعن مجاهد: تغلي غليان الماء الكثير بالحب القليل. # PageV06P009 # وقوله: {تكاد تميز من الغيظ} أي: تتقد وتتفرق. # يقال: فلان امتلأ غيظا حتى يكاد يتقد. # وغيظها حنقا على أعداء الله وانتقامها. # وقوله: {كلما ألقى فيها فوج} أي: قوم {سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} أي: ~~رسول. # وعن مجاهد قال: الرسل من الإنس، والنذر من الجن. # وهو قول مهجور. # PageV06P009 # قوله تعالى: {قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ~~إن أنتم إلا في ظلال كبير} أي: عظيم. # ويقال: خاطئين. # PageV06P009 # {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10) فاعرفوا بذنبهم ~~فسحقا لأصحاب السعير (11) إن الذين يخشون ربهم بالغيب} . # PageV06P010 # قوله تعالى: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل} أي: نسمع سماع من يميز ويتفكر، ~~ونعقل عقل من يتدبر وينظر {ما كنا في أصحاب السعير} والمعنى: أنا لم نسمع ~~الحق ولم نعقله أي: لم ننتفع بأسماعنا وعقولنا. # وفي بعض الغرائب من الأخبار: أن النبي قال: " لكل شيء دعامة، ودعامة ~~الدين العقل ". # وروى أيضا أن النبي قال: " إن الرجل يكون من أهل الجهاد وأهل الصلاة وأهل ~~الصيام، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإنما يجازى يوم القيامة على قدر ~~عقله " وهو حديث حسن الإسناد. # PageV06P010 # قوله تعالى: {فاعترفوا بذنبهم} أي: بذنوبهم، واحد بمعنى الجمع، وقوله: ~~{فسحقا لأصحاب السعير} أي: بعدا، يقال: مكان سحيق أي: بعيد. # وعن مجاهد: ms1809 السحق اسم واد في جهنم. # PageV06P010 # قوله تعالى: {إن الذين يخشون ربهم بالغيب} أي: بالوعد والوعيد الذي غاب ~~عنه، ويقال: بالجنة والنار، ويقال: في الخلوات. # PageV06P010 # {لهم مغفرة وأجر كبير (12) وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور (13) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14) هو الذي جعل لكم الأرض ~~ذلولا} . # وقوله: {لهم مغفرة وأجر كبير} أي: عظيم. # PageV06P011 # قوله تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به} في التفسير: أن الكفار كان ~~بعضهم يقول لبعض: أسروا بقولكم حتى لا يسمع رب محمد فيخبره قولكم، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # وقوله: {إنه عليم بذات الصدور} أي: بما في الصدور. # قال الحسن: يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ويعلم من العلانية ما يعلم ~~من السر. # PageV06P011 # قوله تعالى: {ألا يعلم من خلق} استفهام بمعنى الإنكار والتوبيخ، والمعنى: ~~ألا يعلم من في الصدور من خلق الصدور. # ويقال: ألا يعلم ما خلق " من " بمعنى " ما "، وهو مثل قوله تعالى: ~~{والسماء وما بناها} أي: ومن بناها. # وقوله: {وهو اللطيف الخبير} أي: اللطيف في علمه، يعلم ما يظهر وما يسر ~~وكل ما دق، يقال لطيف، ويقال: الخبير هو العالم. # PageV06P011 # قوله تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا} أي: مذللة، وتذليلها: تسهيل ~~السير فيها والقرار عليها. # وقوله: {فامشوا في مناكبها} أي: في جوانبها، ويقال: في فجاجها، ويقال: في ~~طرقها، وقيل: في جبالها. # وعن بشير بن كعب الأنصاري أنه كان يقرأ هذه السورة فبلغ هذه الآية، فقال ~~لجارية له: إن عرفتي معنى قوله: {في مناكبها} فأنت حرة، فقالت: في جبالها. # فشح الرجل بالجارية وجعل يسأل أبا الدرداء فقال: دع ما يريبك إلى مالا ~~يريبك خلها. # وحكى قتادة عن أبي الجلد قال: الأرض كلها أربعة وعشرون ألف فرسخ، اثنا ~~عشر ألفا للسودان، وثمانية آلاف للروم، وثلاثة آلاف للعجم، وألف للعرب. # PageV06P011 # {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (15) أأمنتم من في السماء ~~أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم ~~حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد ms1810 كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) ~~أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء ~~بصير} . # وقوله: {وكلوا من رزقه وإليه النشور} أي: في الآخرة. # PageV06P012 # قوله تعالى: {أأمنتم من في السماء} قال ابن عباس أي: الله. # وقوله: {أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} أي: تضطرب وتدور، ويقال: تمور ~~أي: تخسف بكم حتى تجعلكم في أسفل الأرضين، قال الشاعر: # (رمين فأقصدن القلوب ولن ترى ... دما مائرا إلا جرى في الحيازم) # أي: سائلا. # PageV06P012 # قوله تعالى: {أم أمنتم من في السماء} أي: أأمنتم ربكم {أن يرسل عليكم ~~حاصبا} أي: ريحا ذات حصباء، ويقال: حجارة فيهلككم بها. # والحصباء الحجارة. # وقوله: {فستعلمون كيف نذير} أي: إنذاري، والمعنى: كنت محقا في إنذاري ~~إياكم العذاب. # PageV06P012 # قوله تعالى: {ولقد كذب الذين من قبلهم فيكف كان نكير} أي: إنكاري. # PageV06P012 # قوله تعالى: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات} يقال: صف الطير جناحه إذا ~~بسطه، وقبضه إذا ضربه، والمراد من القبض: هو ضرب الجناحين بالجنبين، وهذا ~~القبض والبسط في بعض الطيور لا في جميع الطيور، فإن بعضها يقبض بكل حال، ~~وبعضها يبسط تارة ويقبض أخرى. # وقوله: {ما يمسكهن إلا الرحمن} يعني: ما يمسكهن عن الوقوع إلا الرحمن. # قالوا: والهواء للطير بمنزلة الماء للسابح، فهو يسبح في الهواء بجناحيه ~~كما يسبح الإنسان في الماء بأطرافه. # وقوله: {إنه بكل شيء بصير} أي: عليم. # PageV06P012 # ( {19) أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في ~~غرور (20) أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) ~~أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) } . # PageV06P013 # قوله تعالى: {أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم} معناه: أين هذا الذي هو ~~جند لكم يمنعكم من عذاب الله؟ وهو استفهام بمعنى التوبيخ والإنكار. # وقوله تعالى: {إن الكافرون إلا في غرور} أي: ما الكافرون إلا في غرور. # PageV06P013 # قوله تعالى: {أمن هذا الذي يرزقكم} المعنى: أن الله هو الذي يرزقكم إن ~~أمسك رزقه، فمن ms1811 ذا الذي يرزقكم سواه؟ . # وقوله: {بل لجوا في عتو ونفور} العتو هو التمادي في الكفر، والنفور هو ~~التباعد عن الحق. # ويقال المعنى: أن اللجاج حملهم على الكفر والنفور عن الحق، فإن الدلائل ~~أظهر وأبين من أن تخفى على أحد، والعرب تسمي كل سفيه متمرد متماد في الباطل ~~عاتيا. # PageV06P013 # قوله تعالى: {أفمن يمشي مكبا على وجهه} في الضلالة لا يبصر الحق. # ويقال: مكبا على وجهه أي: لا ينظر من بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره ~~ولا من خلفه. # وقيل: إن هذا في الآخرة، فإن الله تعالى يحشر الكفار على وجوههم على ما ~~نطق به القرآن في غير هذا الموضع، وقد ثبت أن النبي قال: " إن الذي قدر أن ~~يمشيهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ". # وقوله: {أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم} أي: يمشي في طريق الحق بنور ~~الهدى. # ويقال: ينظر من بين يديه وعن يمينه وعن يساره ومن خلفه. # وقيل: هو في الآخرة. # وعن عكرمة قال: قوله {أفمن يمشي مكبا على وجهه} هو أبو جهل، وقوله: {أم ~~من يمشي سويا على صراط مستقيم} هو عمار بن ياسر. # وحكى بعضهم عن ابن عباس: أنه حمزة بن عبد المطلب وكنيته أبو عمارة. # PageV06P013 # {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~(23) قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى هذا الوعد ~~إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (26) فلما ~~رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27) } . # PageV06P014 # قوله تعالى: {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ~~ما تشكرون} أي: قل شكركم لهذه النعم. # PageV06P014 # قوله تعالى (قل هو الذي ذرأكم في الأرض) أي: خلقكم في الأرض {وإليه ~~تحشرون} أي: في الآخرة. # PageV06P014 # قوله تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} أي: القيامة. # PageV06P014 # قوله تعالى: {قل إنما العلم عند الله} أي: علم الساعة عند الله. # وقوله: {وإنما أنا نذير مبين} أي: منذر ms1812 بين النذارة. # PageV06P014 # قوله: {فلما رأوه زلفة} قال المبرد وثعلب: أي: رأوا العذاب حاضرا. # وقيل: قريبا. # وقوله: {سيئت وجوه الذين كفروا} أي: تبين السوء والكآبة في وجهوهم. # ويقال: اسودت وجوههم. # قوله تعالى: {وقيل هذا الذي كنتم به تدعون} وقرئ في الشاذ: " تدعون " ~~بغير تشديد. # وعن بعضهم: أن تدعون وتدعون بمعنى واحد، فقوله: {تدعون} أي: تدعون الله ~~به. # وقوله: {تدعون} أي: تتداعون به، وهو مثل قوله {اللهم إن كان هذا هو الحق ~~من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} وقال تعالى في آية أخرى: {قالوا ربنا ~~عجل لنا قطنا} أي: نصيبنا من العذاب. # قال ابن قتيبة: تدعون افتعال من الدعاء. # وعن بعضهم: تدعون أي: تكذبون. # ويقال: تستعجلون # PageV06P014 # {قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم (28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ظلال مبين ~~(29) قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30) } . وتمترون ~~وتختلفون. # وقيل: تدعون تمنون. # تقول العرب لغيره: ادع ما شئت أي: تمن، وهذا القول يقرب من القول الأول. # PageV06P015 # قوله تعالى: {قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا} قال أهل ~~التفسير: كان الكفار يقولون: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس، يهلكون عن قريب، ~~وكل يرجون الأباطيل في حق الرسول وأصحابه، فقال الله تعالى: {قل أرأيتم إن ~~أهلكني الله ومن معي أو رحمنا} يعني: إن نجونا أو هلكنا {فمن يجير الكافرين ~~من عذاب أليم} أي: فمن يجيركم من عذاب الله تعالى وقد كفرتم به. # PageV06P015 # قوله تعالى: {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ظلال ~~مبين} أي: خطأ بين، وتباعد من الحق وضلال عنه. # قوله تعالى: {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا} أي: غائرا، ومعناه: ذاهبا. # قال قتادة: ويقال: لا تناله الدلاء، قاله سعيد بن جبير. # وقيل: إن الآية نزلت في بئر زمزم وبئر ميمون، وهما بمكة. # PageV06P015 # وقوله: {فمن يأتيكم بماء معين} قال ثعلب: أي ظاهر. # وهو منقول عن الحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم. # ويقال: ms1813 بماء عذب، ويقال: بماء جار. # يعني: أن الله هو القادر أن يأتي به، ولا تصلون إليه بأنفسكم. # PageV06P015 # بسم الله الرحمن الرحيم # تفسير سورة القلم # وهي مكية في قول الأكثرين. # وعن بعضهم: أن بعضها مكية، وبعضها مدنية. # PageV06P016 # قوله تعالى: {ن} اختلف القول فيه؛ قال مجاهد: هي السمكة التي عليها قرار ~~الأرضين. # وفي تفسير النقاش: أن جميع المياه تنصب من شدقها. # والقول الثاني: أنه اسم من أسماء السورة. # والقول الثالث: أنه حرف من حروف التهجي. # وعن ابن عباس: أن " الر " و " حم " و " ن " مجموع من اسم الرحمن. # والقول الرابع: أن النون هي الدواة، وهو قول الحسن وقتادة، وفيه خبر ~~مأثور برواية أبي هريرة أن النبي قال: " إن الله خلق أول ما خلق ### | القلم، # ثم خلق النون وهي الدواة، ثم قال للقلم: اكتب. # فقال: وما أكتب؟ ! فقال: اكتب ما يكون وما كان من عمل وأجل ورزق إلى يوم ~~القيامة. # فكتب القلم وختم الله على في القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ~~ثم خلق العقل، وقال له: ما خلقت خلقا أعجب إلي منك، وعزتي لأكملنك فيمن ~~أحببت، ولأنقصنك فيمن أبغضت، ثم قال النبي: " أكمل الناس عقلا أطوعهم لله ~~وأعملهم بطاعته، وأنقص الناس عقلا أطوعهم للشيطان وأعملهم بطاعته ". # PageV06P016 # {ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لأجرا} . # قوله {والقلم} في التفسير: أنه خلق من نور، وطوله ما بين السماء والأرض. # وفي خبر عبادة بن الصامت أن النبي قال: " أول ما خلق الله القلم وقال له: ~~اكتب. # فقال: وما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة ". # واختلف القول في هذه الدواة والقلم، الأكثرون أنه الدواة والقلم الذي كتب ~~به الذكر في السماء. # والقول الثاني: أنه الدواة والقلم الذي يكتب به بنو آدم. # ومعنى الآية هو القسم، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه. # وقال قتادة: لولا القلم ما قام لله دين، ولا كان للخلق عيش. # وقوله: {وما يسطرون} أي: ما يكتبون من أعمال بني آدم يعني: الملائكة. # وحكى النقاش ms1814 عن ابن عباس: أن الكفار لا يكتب لهم حسنات ولا سيئات، وإنما ~~يكتب ذلك للمؤمنين وما يفعلون من الحسنات في الدنيا ويكافئون عليها، وما ~~يفعلون من السيئات، فالشرك أعظم من ذلك كله. # PageV06P017 # قوله تعالى: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} هذا موضع القسم، وهو جواب لقولهم ~~على ما حكى الله تعالى عنهم: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون} . # وقوله: {بنعمة ربك} أي: برحمة ربك. # ويقال: بإنعامه عليك، كأنه نفى عنه الجنون بما أنعم الله عليه، كما يقول ~~القائل لغيره: أنت عاقل أو غني بنعمة الله عليك. # PageV06P017 # وقوله: {وإن لك لأجرا غير ممنون} أي: غير منقطع. # ويقال: غير محسوب. # ويقال: غير ممتن به عليك. # PageV06P017 # {غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4) } . # PageV06P018 # وقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} أي: على الخلق الذي أدبك الله به مما نزل به ~~القرآن من الإحسان إلى الناس، والعفو، والتجاوز، وصلة الأرحام، وإعطاء ~~النصفة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك. # وفي حديث سعد بن هشام أنه سأل عائشة - رضي الله عنها - عن خلق النبي ~~فقالت: " كان خلقه القرآن ". # أي: كان موافقا لما نزل به القرآن. # وفي رواية أنها قالت: " لم يكن رسول الله فحاشا ولا متفحشا، ولا يجزئ ~~السيئة بمثلها، ولكن يعفو ويصفح ". # وقال السدي: وإنك لعلى خلق عظيم أي: على الإسلام. # وقال زيد بن أسلم: على دين عظيم، وهو الدين الذي رضيه الله تعالى لهذه ~~الأمة، وهو أحب الأديان إلى الله تعالى. # وقد روى عن النبي أنه قال: " إن الله تعالى خلق مائة وسبعة عشر خلقا، فمن ~~جاء بواحدة منها دخل الجنة ". # وعنه أنه قال: " بعثت لأتمم مصالح # PageV06P018 # {فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6) } . الأخلاق ". # وقيل: على خلق عظيم أي: طبع كريم. # PageV06P019 # قوله: {فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون} وقال أبو عبيدة الباء صلة. # ومعناه: أيكم المفتون، وأنشد شعرا: # (نضرب بالسيف ونرجوا بالفرج ... ) # أي: الفرج. # وأما الفراء والزجاج وسائر النحويين لم يرضوا هذا القول، وذكروا قولين ~~آخرين: أحدهما: أن معنى قوله: {بأيكم المفتون} أي: بأيكم الفتنة يقال: ما ms1815 ~~لفلان معقول ولا مجلود أي: عقل ولا جلد. # والقول الثاني: بأيكم المفتون أي: في أيكم المفتون (يعني) : في الفرقة ~~التي فيها رسول الله وأصحابه، أو في الفرقة التي فيها أبو جهل وذووه. # وحقيقة المعنى: أنكم تبصرون يوم القيامة، وتعلمون أن المجنون كان فيكم، ~~لا في رسول الله وأصحابه أي: في الفرقة التي فيها رسول الله وأصحابه. # وذكر النحاس قولين أيضا قال: معنى قوله {بأيكم المفتون} أي: بأيكم فتنة ~~المفتون مثل قوله # PageV06P019 # {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7) فلا تطع ~~المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز ~~مشاء} . تعالى: {واسأل القرية} أي: أهل القرية. # PageV06P020 # قوله تعالى: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} ظاهر ~~المعنى. # PageV06P020 # قوله تعالى: {فلا تطع المكذبين} يعني: المكذبين بآيات الله. # PageV06P020 # وقوله: {ودوا لو تدهن فيدهنون} أي: تضعف في أمرك فيضعفون، أو تلين لهم ~~فيلينون. # والمداهنة معاشرة في الظاهر، ومحالمة من غير موافقة الباطن. # وقال القتيبي في معنى الآية: إن الكفار قالوا للنبي نعبد معك إلهك مدة، ~~وتعبد معنا إلهنا مدة، فهو معنى قوله: {ودوا لو تدهن فيدهنون} أي: تميل إلى ~~مرادهم فيميلون إلى مرادك. # PageV06P020 # قوله تعالى: {ولا تطع كل حلاف مهين} قال ابن عباس: هو الوليد بن المغيرة. # وعن مجاهد: هو الأسود بن عبد يغوث. # وعن بعضهم: هو الأخنس بن شريق. # وقيل: هو على العموم. # وقوله: {كل حلاف} أي: كثير الحلف. # وقوله: {مهين} أي: حقير، ومعناه هاهنا: قلة الرأي والتمييز. # PageV06P020 # وقوله: {هماز} أي: (عتاب) مغتاب طعان في الناس. # وقوله: {مشاء بنميم} أي: بالنميمة، وهو نقل الحديث من قوم إلى قوم. # وقد ثبت عن النبي برواية حذيفة أنه قال: " لا يدخل الجنة قتات) أي: نمام. # وعنه # PageV06P020 # {بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) عتل} . عليه الصلاة والسلام أنه ~~قال: " شرار الناس المشاءون بالنميمة الباغون للبراء العنت ". # وعن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام في يوم ما لا يفسده الساحر في ~~شهر. # PageV06P021 # وقوله: {مناع للخير} أي: بخيل: ms1816 ويقال: مناع من الإسلام. # وكان الوليد بن المغيرة قال لبنيه وأهله: من أسلم منكم قطعت منه رفدي ~~ورفقي. # وقوله: {معتد} أي: متجاوز في الظلم. # وقوله: {أثيم} أي: كثير الإثم. # PageV06P021 # قوله: {عتل} أي: الفاحش الخلق. # وقيل: الجافي الغليظ. # وقال ابن عباس: من يعمل السوء ويعرف به. # أورده النقاش. # وقد روى عن النبي أنه قال: " ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل جعظري جواظ صخاب ~~بالأسواق، جيفة بالليل حمار بالنهار، وعالم بالدنيا جاهل بالآخرة ". # فمعنى الجعظري: هو الأكول الشروب الظلوم، وهو كالعتل. # والجواظ: هو الجماع المناع، ذكره شداد بن أوس، وقال ثعلب: الجواظ: هو ~~الكثير اللحم المختال في مشيته. # ويقال: فلان جظ، أي: ضخم. # PageV06P021 # {بعد ذلك زنيم (13) أن كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~أساطير الأولين (15) سنسمه على الخرطوم (16) إنا بلوناهم} # وفي بعض الغرائب من الأخبار أن النبي - عليه السلام - قال: " تبكي السماء ~~من عبد أصح الله جسمه، وأرحب جوفه، وأعطاه مقضما ثم يكون ظلوما، وتبكي ~~السماء من شيخ زان، وتكاد الأرض لا تقله ". # وقوله: {بعد ذلك زنيم} أي: دعي. # وقيل: ملصق بالقوم وليس منهم. # ويقال: الذي له زنمة في الشر يعرف بها مثل زنمة الشاة. # قال حسان في الزنيم: # (زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكاريع) # PageV06P022 # قوله تعالى: {أن كان ذا مال وبنين} وقرئ: " أأن كان ". # فقوله: {أن} أي: لأن كان ذا مال وبنين يفعل كذا ويقول كذا أي: لأجل أنه. # وقوله: " أأن كان " أي: ولا تطعه، وإن كان ذا مال وبنين. # PageV06P022 # وقوله: {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} قد بينا. # والأساطير واحدها أسطورة. # وقال الكسائي: ترهات من الكلام لا نظام لها. # PageV06P022 # وقوله تعالى: {سنسمه على الخرطوم} قال أبو عبيدة والمبرد وغيرهما: ~~الخرطوم: الأنف. # ومعناه: يجعل على أنفه سمة يعرف بها أنه من أهل النار. # قال جرير: # (لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل) # ويقال: معنى قوله: {سنسمه على الخرطوم} أي: سنسود وجهه، (ووصف) الأنف ~~موضع الوجه لأنه منه. # وقيل: يلصق به عارا ms1817 ومسبة وشيئا لا يفارقه أبدا. # PageV06P022 # قوله تعالى: {إنا بلوناهم} أي: أهل مكة، وذلك حين دعا رسول الله # PageV06P022 # {كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) ولا يستثنون (18) ~~فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) } وقال: " اللهم اجعلها عليهم سنين ~~كسنى يوسف؛ فأصابهم الجوع حتى أكلوا العلهز والعظام المحترقة ". # وقوله: {كما بلونا أصحاب الجنة} في أكثر التفاسير أن هذا رجل شيخ باليمن ~~كان له بنون، وله بستان يتصدق منه على المساكين، وينفق منه على نفسه ~~وأولاده. # ويقال: كان يتصدق بالثلث، وينفق على نفسه وأولاده الثلث، ويرد الثلث في ~~عمارة الجنة، فلما مات الشيخ قال بنوه: العيال كثير، والدخل قليل ولا يفي ~~بإعطاء المساكين، فتوافقوا على أن يذهبوا إلى البستان حين يصبحون على سدفة ~~من الليل، فيصرموا ويقطعوا قبل أن يعلم المساكين. # وكان المساكين قد اعتادوا الحضور عند الجذاذ والصرام؛ فحين اتفقوا على ~~ذلك أرسل الله تعالى نارا من السماء في تلك الليلة فاحترق البستان ~~والأشجار، ويقال: إن هذا الرجل هو رجل من ثقيف. # وقوله: {إذا أقسموا} أي: حلفوا. # وقوله: {ليصرمنها مصبحين} أي: يقطعون في الوقت الذي قلنا. # PageV06P023 # وقوله: {ولا يستثنون} أي: لم يقولوا: إن شاء الله. # PageV06P023 # وقوله: {فطاف عليها طائف من ربك} أي: طرق طارق من العذاب، وهي النار التي ~~أرسلها الله تعالى. # والعرب لا تستعمل الطائف إلا في العذاب. # وفي بعض التفاسير: أن الله تعالى أمر ملكا حتى اقتلع تلك الجنة بأشجارها ~~وغروسها فوضعها في موضع الطائف اليوم. # وقوله: {وهم نائمون} ذكرنا. # PageV06P023 # {فأصبحت كالصريم (20) فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم ~~صارمين (22) فانطلقوا وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ~~(24) } . # PageV06P024 # قوله: {فأصبحت كالصريم} أي: كالليل المظلم. # ويقال: كالنهار الذي لا شيء فيه. # والعرب تسمي العامر من الأرض نهارا لبياضه، والغامر ليلا لسواده وخضرته. # والصريم من الأضداد، هو اسم لليل والنهار جميعا؛ لأن كل واحد منهما يقطع ~~عن صاحبه. # ويقال: كالصريم أي: المصروم فاعل بمعنى مفعول يعني: أنه لم يبق شيء فيها. # PageV06P024 # وقوله: {فتنادوا مصبحين} أي: نادى بعضهم بعضا ms1818 عند الصباح. # PageV06P024 # وقوله: {أن اغدوا على حرثكم} أي: اقصدوا حرثكم. # وفي القصة: أنه كانت لهم حروث وأعناب. # وقوله: {إن كنتم صارمين} أي: قاطعين. # يقال: في العنب الصرام، وفي الزرع الحصاد. # قال الشاعر: # (غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعودا عليه بالصريم عواذله) # والصريم ها هنا: هو الجرة السوداء. # وقد ذكره ابن فارس في معنى الصريم الذي ذكرناه من قبل. # وعن ابن جريج أنه قال: خرجت عنق من النار من جوف واديهم فأحرقت جنتهم. # وقوله: {إن كنتم صارمين} قال مجاهد: المراد منه صرام العنب. # وكان حرثهم العنب. # PageV06P024 # قوله: {فانطلقوا وهم يتخافتون} أي: يتكلمون سرا وخفية، وكان كلامهم لا ~~يدخلنها اليوم عليكم مسكين أي: لا تتركوا المساكين [يدخلون] عليكم. # PageV06P024 # {وغدوا على حرد قادرين (25) فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن ~~محرومون (27) قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا سبحان ربنا إن ~~كنا ظالمين} . # PageV06P025 # وقوله: {وغدوا على حرد قادرين} أشهر الأقاويل أن معناه: على حسد، وهو قول ~~قتادة ومجاهد والحسن وجماعة. # وعن الشعبي وسفيان أنهما قالا: على غضب. # أي: على المساكين. # وقال أبو عبيدة: " على حرد " أي: على منع. # يقال: حاردت السنة فليس فيها مطر، وحاردت الناقة إذا لم يكن بها لبن. # ومعنى المنع هو ما عقدوه من منع المساكين. # وعن الحسن في رواية: على حرص. # وقيل: على قصد. # قال الشاعر: # (أقبل سيل جاء من أمر الله ... يحرد حرد الجنة المغلة) # أي: يقصد. # وعن السدي: أن الحرد اسم جنتهم. # وقوله: {قادرين} أي: قادرين عند أنفسهم على الصرام. # وقيل: " قادرين " أي: على أمر أسسوه بينهم. # PageV06P025 # قوله تعالى: {فلما رأوها قالوا إنا لضالون} يعني: أنهم لما رأوا موضع ~~الجنة وليس فيها شجر ولا نبات قالوا: إنا لضالون أي: أخطأنا طريق جنتنا. # PageV06P025 # وقوله: {بل نحن محرومون} معناه: أنهم تنبهوا على الأمر، وعرفوا أنهم لم ~~يخطئوا الطريق فقالوا: بل نحن محرومون أي: نزل العذاب وحرمنا ثمار جنتنا. # PageV06P025 # قوله تعالى: {قال أوسطهم} أي: خيرهم وأعدلهم. # ومثله قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} أي: عدلا خيارا. # وقال سعيد بن جبير: ms1819 أعقلهم. # وقوله: {ألم أقل لكم لولا تسبحون} أي: هلا قلتم إن شاء الله تعالى. # ووضع التسبيح ها هنا موضع المشيئة؛ لأن التسبيح هو تنزيه الله تعالى عن ~~كل سوء. # وقوله: إن شاء الله فيه معنى التنزيه، وهو أنه لا يملك أحد فعل شيء إلا ~~بمشيئة، فينزه أن # PageV06P025 # ( {29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين ~~(31) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) كذلك العذاب ~~ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) إن للمتقين عند ربهم جنا النعيم ~~(34) } . # يكون شيء في ملكه إلا أن يريده. # وعن عكرمة: أنه كان استثناؤهم هو التسبيح يعني: أنهم كانوا يقولون مكان ~~قولنا إن شاء الله: سبحان الله. # PageV06P026 # وقوله: {قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين} أي: بمنع المساكين. # PageV06P026 # وقوله: {فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون} أي: يلوم بعضهم بعضا، فيقول هذا ~~لذاك: أنت فعلت والذنب لك، ويقول ذلك لصاحبه مثله. # PageV06P026 # وقوله: {قالوا يا ويلنا} دعوا بالويل على أنفسهم. # وقوله: {إنا طنا طاغين} أي: ظالمين. # PageV06P026 # وقوله: {عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها} هذا إخبار عن توبتهم وندامتهم، ~~وسؤالهم من الله تعالى أن يبدلهم بجنتهم خيرا منها فيعطوا حق المساكين. # وفي بعض التفاسير: أن الله تعالى قبل توبتهم وأعطاهم جنة خيرا منها. # والله أعلم. # وقوله: {إنا إلى ربنا راغبون} أي: بسؤالنا. # PageV06P026 # وقوله: {كذلك العذاب} أي: كذلك عذاب الدنيا. # وقوله: {ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} أي: عذاب الآخرة. # ويقال: كما عذبنا هؤلاء وأنزلنا بهم، كذلك نعذب قريشا وننزله بهم. # وروى في التفسير: أن الله تعالى أنزل العذاب بهم يوم بدر، فإنهم لما ~~خرجوا إلى بدر قالوا: لنقتلنهم ولنقتلن محمدا ولنأسرنهم، ونرجع إلى مكة ~~فنطوف بالبيت ونحلق رءوسنا، ونشرب الخمر، وتعزف على رءوسنا القيان، وحلفوا ~~على ذلك، فأخلف الله ظنهم ونزل بهم ما نزل من القتل والأسر. # PageV06P026 # قوله تعالى: {إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم} لما ذكر عذاب الكفار وما ~~ينزله بهم ذكر ما وعده للمؤمنين من هذه الآية؛ فروى أن عتبة بن ربيعة قال ms1820 ~~لما نزلت # PageV06P026 # {أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب فيه ~~تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون (38) أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم ~~القيامة إن لكم لما تحكمون (39) سلهم أيهم بذلك زعيم (40) أم لهم شركاء} . ~~هذه الآية: لئن أعطاكم الله تعالى في الآخرة جنات النعيم فيعطينا مثل ما ~~يعطيكم أو خيرا منها، # PageV06P027 # فأنزل الله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} [أي] : نسوي بين المسلمين ~~والمشركين في إعطاء جنات النعيم، وهو مذكور على طريق الإنكار أي: لا يفعل ~~كذلك. # PageV06P027 # وقوله: {ما لكم كيف تحكمون} أي: كيف تقضون؟ والمراد من الحكم هو حكمهم في ~~أنفسهم بالجنة. # PageV06P027 # وقوله: {أم لكم كتاب فيه تدرسون} أي: تدرسون ما تحكمون به. # وقيل: ترددون النظر فيه، فتحكمون منه لأنفسكم ما حكمتم. # PageV06P027 # وقوله: {إن لكم فيه لما تخيرون} أي: تختارون، وهو بيان لذلك الحكم. # PageV06P027 # وقوله تعالى: {أم لكم أيمان علينا بالغة} أي: مؤكدة، ومعنى البالغة في ~~كلام العرب في مثل هذه المواضع: هو بلوغ النهاية، يقال: هذا شيء جيد بالغ، ~~أي: بلغ النهاية في الجودة. # وقوله: {إلى يوم القيامة} يعني: اللزوم والثبات، وقيل: ألكم أيمان مؤكدة ~~ألا نعذبكم إلى يوم القيامة. # وقوله: {إن لكم لما تحكمون} تفسير لما وقع عليه اليمين. # PageV06P027 # وقوله: {سلهم أيهم بذلك زعيم} أي: كفيل. # PageV06P027 # وقوله: {أم لهم شركاء} هذا على توسع الكلام. # ومعناه: عندهم وفي زعمهم. # وقيل: أم بهذا شهد الشركاء بمعنى الشهداء، ذكره النقاش. # PageV06P027 # {فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41) يوم يكشف عن ساق} . # وقوله: {فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين} أي: بشركاء فيهم على زعمهم ~~على القول الأول، وعلى القول الثاني بشهاداتهم إن كانوا صادقين. # PageV06P028 # قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق} قال عكرمة عن ابن عباس: عن الأمر الشديد، ~~وفي هذه الرواية عن ابن عباس أنه قال: إذا أشكل عليكم القرآن فالتمسوه في ~~الشعر، فإنه ديوان العرب، وأنشد: # (وقامت الحرب بنا على ساق ... ) # وهذا قول معروف، وقال ابن قتيبة: كانت العرب إذا اشتد بهم الأمر عبروا ~~بهذا اللفظ؛ لأن الإنسان إذا وقع له ms1821 الأمر وأخذه بجد وجهد يقول: شمر عن ~~ساقه، فوضعت الساق موضع الشدة. # قال الشاعر: # (أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا) # وقال دريد بن الصمة: # (كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على العوراء (طلاع) أنجد) # وفي رواية أخرى عن ابن عباس: يوم يكشف عن ساق أي: عن هول وكربة وشدة، وهو ~~بمعنى الأول. # وقال مجاهد: هو أول ساعة من ساعات القيامة، وهي أفظعها وأشدها على الناس. # هذا كله قول واحد. # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي أنه قال: " إذا كان يوم القيامة يكشف ربنا ~~عن ساقه فيسجد كل مؤمن ومؤمنة، ويذهب المنافقون ليسجدوا فلا يستطيعون ". # وعن ابن مسعود أنه قال نحوا من هذا. # وقال الحسن البصري: يوم يكشف عن ساق أي: الستر بين الدنيا والآخرة. # ويقال: الغطاء بين الدنيا والآخرة، ومعناهما قريب. # PageV06P028 # {ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد ~~كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43) } # وقوله: {ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} أي: لا يستطيع المنافقون: ~~السجود. # وفي الخبر: فيعقم أصلابهم أي أصلاب المنافقين وقوله: يعقم أي: يصير طبقا ~~واحدا. # وفي رواية: تصير كسفا قيد الحديد. # وفي الخبر برواية أبي موسى الأشعري عن النبي أنه قال: " إذا كان يوم ~~القيامة مثل لكل قوم ما كان [يعبدونه] في الدنيا فيتبعونه، ويبقى أهل ~~التوحيد فيقال لهم: قد ذهب الناس فماذا تنتظرون؟ فيقولون: إن لنا ربا كنا ~~نعبده. # فيقال لهم: هل تعرفونه لو رأيتموه؟ فيقولون: نعم. # فيقال [لهم] : كيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: إنه لا شبه له. # فيكشف لهم الحجاب فيسجد كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى المنافقون فلا يستطيعون ~~السجود، وتصير ظهورهم كصياص البقر. # فيقول الله تعالى للمؤمنين: ارفعوا رءوسكم فقد جعلت بدل كل رجل [منكم ~~رجلا] من اليهود والنصارى في النار ". # PageV06P029 # وقوله: {خاشعة أبصارهم} أي: ذليلة أبصارهم، والمراد منه ذل الندامة ~~والحسرة. # وقوله: {ترهقهم ذلة} أي: يغشاهم الذل والهوان. # وقوله: {وقد كانوا يدعون إلى السجود وهو سالمون} أي: يدعون إلى صلاة ~~الجماعة وهم سالمون أي: ms1822 معافون، والآن السجود لهم (مهيات) . # PageV06P029 # {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملي لهم ~~إن كيدي متين (45) } . # وظاهر الآية أن معناها السجود في الصلاة. # وعن إبراهيم التيمي أنه قال: هو الصلاة المكتوبة. # وقال سعيد بن جبير: يدعون إلى السجود بحي على الفلاح وهم سالمون فلا ~~يجيبون. # PageV06P030 # قوله تعالى: {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} أي: خلني وإياه وكله إلي ~~لأجازيه بعمله. # وقيل ذرني أي: لا تشغل قلبك به، ودعني وإياه فإني مجازيه ومكافئه، وهو ~~بمعنى الأول. # والعرب تقول مثل هذا القول، وإن لم يكن هناك أحد يمنعه منه، قال الشاعر: # (ذريني والثعلب أم سعد ... تقلني الأرض (أو بيتك) أمالا) # وقوله: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} الاستدراج في كلام العرب هو الأخذ ~~قليلا قليلا، ومنه درج الصبي إذا مشى قليلا قليلا. # وروى عبد الرحمن بن داود الخريبي عن سفيان الثوري أنه قال: الاستدراج هو ~~إسباغ النعم، ومنع الشكر. # وقيل: هو أنه كلما جدد ذنبا جدد الله له نعمة. # وعن عقبة بن مسلم قال: إذا كان العبد على معصية الله ثم أعطاه الله ما ~~يحب، فليعلم أنه في استدراج. # وعن الحسن البصري قال: كم من مستدرج يحسن الثناء عليه، ومغرور يستر الله ~~عليه. # (وقيل) : سنستدرجهم أي: نمكر بهم من حيث لا يعلمون. # PageV06P030 # وقوله: {وأملي لهم} أي: أمهلهم ولا أباغتهم جهرا، بل آخذهم وأمكر بهم ~~قليلا قليلا. # وقد بينا معنى الإمهال والإملاء من قبل. # وقوله: {إن كيدي متين} أي: شديد. # PageV06P030 # {أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) ~~فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لولا أن تداركه ~~نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ~~(59) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم} . # PageV06P031 # قوله تعالى: {أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون} أي: أجرا على تبليغ ~~الرسالة فهم من الغرم مثقلون. # PageV06P031 # وقوله: {أم عندهم الغيب فهم يكتبون} أي: عندهم اللوح المحفوظ، وسماه غيبا ~~لأنه كتب فيه ما غاب عن العباد. ms1823 # وقوله: {فهم يكتبون} أي: يكتبون منه ما يحكمون لأنفسهم ويقع بشهواتهم. # PageV06P031 # قوله تعالى: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت} أي: في الضجر وترك ~~الصبر. # ويقال: لا تغاضب كما غاضب صاحب الحوت، وهو ذو النون، واسمه يونس بن متى ~~صلوات الله عليه. # وقوله: {إذ نادى وهو مكظوم} أي: مملوء كربا وغما. # ويقال: كظم البعير بجرته إذا حبسها، والمعنى: أنه لم يجد للغم الذي في ~~قلبه نفاذا ومساغا فكظم عليه أي: حبسه. # PageV06P031 # وقوله: {لولا أن تداركه نعمة من ربه} أي: رحمة من ربه. # وقوله: {لنبذ بالعراء} العراء هو وجه الأرض. # ويقال: المكان الخالي البارز. # وقوله: {وهو مذموم} أي: نبذ غير مذموم، ولولا رحمة ربه لكان مذموما. # PageV06P031 # قوله تعالى: {فاجتباه ربه} أي: اصطفاه واختاره. # وقوله تعالى: {فجعله من الصالحين} أي: من عباده الصالحين. # وقد ذكرنا قصته من قبل. # PageV06P031 # قوله تعالى: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم} قرأ ابن عباس: # PageV06P031 # {لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين (52) ~~. " ليزهقونك بأبصارهم " والزلق هو السقوط، والإزلاق: الإسقاط. # وفي الآية قولان معروفان: أحدهما: ليزلقونك بأبصارهم أي: يعتانونك، ~~ومعناه: يصيبونك بأعينهم. # ذكره الكلبي ومقاتل وغيرهما، وذكره الفراء أيضا في كتابه. # وروى أن الرجل من العرب كان يجوع نفسه ثلاثة أيام، ثم يخرج فتمر عليه إبل ~~جاره أو غنمه فيقول: ما أحسنها، وما أعظمها، وما أسمنها ومثل هذا؛ فيسقط ~~(منها} العدة فتهلك. # وفي بعض التفاسير: أن هذا كان في بني أسد من العرب وكان الرجل يعتان إبل ~~الواحد منهم أو الغنم، ثم يقول لغلامه: اذهب بمكتل ودرهم لتأخذ لنا من ~~لحمه، وكان يتيقن أنه يسقط فينحر. # والقول الثاني في الآية - وهو أحسن القولين - أن المراد منها هو أنهم ~~ينظرون إليك نظر البغضاء والعداوة فيكادون من شدة نظرهم أي: يصرعونك ~~ويسقطونك، وهذا على مذهب كلام العرب. # تقول العرب: نظر فلان نظرا يكاد يصرعه أو يأكله، أو ينظر إلي فلان نظرا ~~يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني به أي: لو أمكنه أن يصرعني به يصرعني أو يأكلني ~~به ms1824 لأكلني. # وهذا اختيار الزجاج وغيره من أهل المعاني. # وأنشدوا: # (يتلاحظون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزيل (مواطن) الأقدام) # وقوله: {لما سمعوا الذكر} أي: القرآن وكانت عداوتهم وبغضاؤهم تشتد إذا ~~سمعوه يقرأ القرآن. # وقوله: {ويقولون إنه لمجنون} اسم سموه به. # PageV06P032 # وقوله: {وما هو إلا ذكر للعالمين} أي: شرف للعالمين، وهو كناية عن ~~الرسول. # والأظهر أن القرآن ذكر للعالمين. # وقيل: الرسول مذكر للعالمين، وقد بينا معنى العالمين من قبل. # PageV06P032 # تفسير سورة الحاقة # وهي مكية # وذكر النقاش في كتابه بروايته أن عمر - رضي الله عنه - قال: تعرضت لرسول ~~الله قبل أن أسلم - فمضيت إلى المسجد فوجدته قد سبقني إليه، وقام يصلي فقمت ~~خلفه - فقرأ سورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، وأقول: هو شاعر كما ~~يقوله قريش حتى بلغ قوله تعالى: {إنه لقول رسول كريم ما هو بقول شاعر} إلى ~~آخر السورة، فعلمت أنه ليس بشاعر، ووقع الإسلام في قلبي. # PageV06P033 # بسم الله الرحمن الرحيم # {الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) كذبت ثمود وعاد ~~بالقارعة (4) فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) } . # PageV06P034 # قوله تعالى { ### | الحاقة # ما الحاقة} هي اسم للقيامة. # وسميت القيامة حاقة؛ لأن فيها حواق الأمور، أي: حقائقها. # ويقال: لأنها حققت على كل إنسان عمله من خير وشر، وتظهر جزاءه من الثواب ~~والعقاب. # قال الأزهري: سميت حاقة؛ لأنها تحق الكفار الذين حاقوا الأنبياء في ~~الدنيا إنكارا لها. # تقول العرب: حاققت فلانا فحققته، أي خاصمته فخصمته. # وقوله: {ما الحاقة} مذكور على وجه التعظيم والتفخيم. # قال امرؤ القيس: # (فدع عنك نهبا صيح في حجراته ... ولكن حديث ما حديث الرواحل) # فما للاستفهام، وهو مذكور في هذا الموضع لتعظيم أمر الرواحل. # كذلك هاهنا. # PageV06P034 # وقوله: {وما أدراك ما الحاقة} قال ابن عباس: كل ما قال " أدراك " فقد ~~أعلم النبي، وما قال: " وما يدريك " فلم يعلمه. # وهو مذكور أيضا على طريق التعظيم والتهويل. # ومثله قول أبي النجم شعرا: # (أنا أبو النجم وشعري شعري ... ) # PageV06P034 # قوله تعالى: {كذبت ثمود وعاد بالقارعة} القارعة اسم للقيامة أيضا. # قال المبرد: سميت القيامة قارعة؛ لأنها تقرع القلوب، ms1825 وتهجم عليها بالشدة ~~والكرب. # PageV06P034 # وقوله: {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية} قال مجاهد: بطغيانهم، وهو قول أبي # PageV06P034 # {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من ~~باقية (8) } . عبيدة أيضا. # ويقال: بالطاغية أي: بالصيحة. # (وقيل) : بالرجفة. # وسمى الصيحة طاغية؛ لأنها زادت على المقدار الذي تطيقه الأسماع. # PageV06P035 # وقوله: {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر} أي: ذات برد شديد. # وعلى هذا القول أخذ من الصر وهو البرد. # وقيل [هي] ذات صيحة. # وعلى هذا مأخوذ من الصرة وهي الصيحة. # وقوله {عاتية} أي: عتت على خزانها. # قال قبيصة بن ذؤيب. # لم يرسل الله ريحا إلا بقدر معلوم غير الريح التي أرسلها على عاد، فإنها ~~خرجت بغير قدر معلوم غضبا بغضب الله تعالى. # وقد روى هذا عن ابن عباس. # ويقال: سمى هذه الريح عاتية؛ لأنها جاوزت المقدار. # PageV06P035 # وقوله: {سخرها عليهم} أي: سلطها وأرسلها عليهم {سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما} أي: متتابعة. # وقيل: مشائيم. # ويقال: سماها حسوما؛ لأنها قتلتهم وأفنتهم، من الحسم وهو القطع. # وفي التفسير: أن ابتداءه كان من غداة يوم الأربعاء، ويقال: من غداة يوم ~~الأحد. # وقوله {فترى القوم فيها صرعى} أي: صرعوا وصاروا {كأنهم أعجاز نخل} أي ~~أصول نخل منقطعة عن أماكنها. # {خاوية} قال الأزهري: سماه خاوية؛ لأنها إذا (انقلعت) خلت أماكنها منها. # PageV06P035 # وقوله {فهل ترى لهم من باقية} أي: من نفس باقية. # ويقال: من بقاء. # PageV06P035 # {وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم ~~أخذة رابية (10) إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها لكم ~~تذكرة وتعيها أذن واعية (12) } . # PageV06P036 # قوله تعالى: {وجاء فرعون ومن قبله} وقرئ: " ومن قبله " أي: الأمم الذين ~~كانوا قبله. # وقوله: {والمؤتفكات} هي قريات لوط. # فعلى هذا معناه: وأهل المؤتفكات. # وقيل المؤتفكات: هم قوم لوط؛ لأنه ائتفك بهم. # وقوله: {بالخاطئة} أي: بالخطأ العظيم، أي: بالذنب العظيم. # PageV06P036 # وقوله: {فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية} أي: زائدة على الأخذات. # ويقال: زاد العذاب على قدر أعمالهم. # PageV06P036 # قوله تعالى: {إنا ms1826 لما طغى الماء} قال سعيد بن جبير: غضب بغضب الله فطغى. # ويقال: طغى أي: جاوز المقدار. # فيقال: إنه زاد كل شيء في العالم خمسة [أذرع] . # وقد قيل أكثر من ذلك. # وقوله: {حملناكم في الجارية} أي: السفينة، وجمعها الجواري وهي السفن. # PageV06P036 # وقوله: {لنجعلها لكم تذكرة} أي: عبرة وعظة. # قال قتادة: أدرك أوائل هذه الأمة سفينة نوح، وكم من السفن قد هلكت، ولكن ~~الله تعالى أبقى هذه السفينة تذكرة لهذه الأمة وعبرة لها. # ويقال: جعلها لكم تذكرة، أي: تذكروا هذه القصة فتكون لكم ولمن سمعها عبرة ~~وعظة. # وقوله تعالى: {وتعيها أذن واعية} أي: أذن عقلت أمر الله وعملت به. # وروى مكحول أن هذه الآية لما نزلت قال النبي لعلي رضي الله عنه: " سألت ~~الله أن يجعلها أذنك ". # قال علي: فما سمعت بعد ذلك شيئا فنسيته. # PageV06P036 # {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ~~(14) فيومئذ وقعت الواقعة (15) وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) والملك ~~على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17) يومئذ} . # PageV06P037 # قوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور} قد بينا معنى الصور. # وقوله: {نفخة واحدة} أي: النفخة الأولى. # وقوله: {واحدة} أي: ليست لها مثنوية. # PageV06P037 # وقوله تعالى: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} أي: زلزلتا زلزلة ~~واحدة. # ويقال: فتتا فتة واحدة. # وقيل: ضرب أحدهما بالآخر فانهدمتا وهلكتا. # PageV06P037 # وقوله: {فيومئذ وقعت الواقعة} أي: قامت القيامة. # PageV06P037 # وقوله: {وانشقت السماء فهي يومئذ واهية} أي: ضعيفة. # قال علي بن أبي طالب: تنشق من المجرة. # يقال: شقا واه أي: ضعيف متخرق. # ومن أمثالهم: # (خل سبيل من وهى شقاؤه ... ومن هريق بالفلاة ماؤه) # وقيل: فهي يومئذ واهية، أي: منشقة منخرقة، لأن ما وهى ينشق ويتخرق. # PageV06P037 # وقوله: {والملك على أرجائها} أي: على أطرافها. # قال الكسائي: على حافتها. # وقيل: على (مواضع) شقوقها ينظرون إلى الدنيا. # وقوله: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون} قيل: ثمانية ~~صفوف من الملائكة. # وفي جامع أبي عيسى الترمذي برواية الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب ~~أن النبي كان جالسا في ms1827 عصابة من أصحابه، فمرت سحابة فقال: " هل تدرون ما ~~اسم هذه؟ قالوا: نعم، هذا السحاب. # قال رسول الله: المزن؟ قالوا: والمزن. # قال رسول الله: والعنان؟ قالوا: والعنان. # قال لهم رسول الله: # PageV06P037 # تدرون كم بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا، والله ما ندري. # قال: فإن بعد ما بينهما إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ~~والسماء التي فوقها كذلك حتى عدهن سبع سموات. # قال: فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء إلى ~~السماء، وفوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى السماء، ~~ثم فوق ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه ما بين السماء إلى السماء، والله فوق ~~ذلك. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك والدي أبو منصور محمد بن عبد الجبار ~~السمعاني، أخبرنا أبو العباس بن محبوب أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا [عبد ~~بن حميد] أخبرنا عبد الرحمن بن سعد، عن عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، ~~عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف ابن قيس، عن العباس بن عبد المطلب ... ~~الخبر. # وفي بعض الأخبار: أن من جملة حملة العرش ملكا على صورة ديك، رجلاه في ~~تخوم الأرضين ورأسه تحت العرش، وجناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب، إذا سبح ~~الله تعالى سبح له كل شيء. # وروى الزهري عن أنس أن النبي قال لجبريل " إني أريد أن أراك في صورتك. # فقال: إنك لا تطيق ذلك، فقال: أنا أحب أن تفعل، قال: فخرج رسول الله إلى ~~البطحاء، وأراه جبريل نفسه في صورته التي خلقه الله تعالى عليها، وجناح له ~~بالمشرق وجناح له بالمغرب، ورأسه في السماء، فغشى على النبي ثم أفاق ورأسه ~~في حجر جبريل، وقد وضع إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، ثم قال: لو ~~رأيت إسرافيل وله اثنا عشر جناحا، والعرش على كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا ~~من خشية الله حتى يصير مثل الوضع، فلا يحمل العرش # PageV06P038 # {تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم ~~اقرءوا كتابيه (19) إني ms1828 ظننت أني ملاق حسابيه (20) } . إلا عظمة الله ". # PageV06P039 # وقوله تعالى: {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} أي: فعلة خافية والمعنى: ~~أنه لا يخفى شيء على الله تعالى. # وقد روى عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، ~~وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر. # وعن أبي موسى الأشعري قال: في القيامة ثلاث عرضات: عرضتان جدال ومعاذير، ~~والعرضة الثالثة فيها تطاير الكتب. # وقد روى هذا مرفوعا. # وفي بعض الأخبار عن عائشة قالت: " يا رسول الله، هل تذكرون أهاليكم يوم ~~القيامة؟ قال: أما في ثلاثة مواطن فلا، وذكر عند تطاير الكتب، وعند ~~الميزان، وعلى الصراط ". # PageV06P039 # قوله تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه} أي: ~~تعالوا اقرءوا كتابيه. # وقيل: خذوا. # تقول العرب للواحد: هاء وللاثنين هاؤما، وللجماعة هاؤموا. # وقد روى: " أن رجل نادى رسول الله وقال: يا محمد. # فقال النبي: هاؤم ". # PageV06P039 # وقوله: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} أي: أيقنت. # قال الحسن البصري: إن # PageV06P039 # {فهو في عيشة راضية (21) في جنة عالية (22) قطوفها دانية (23) كلوا ~~واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) وأما من أوتي كتابه ~~بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما حسابيه (26) يا ليتها ~~كانت القاضية (27) ما أغنى عني مالية (28) هلك عني سلطانيه (29) } . المؤمن ~~أحسن الظن بالله فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن بالله فأساء العمل. # PageV06P040 # وقوله {فهو في عيشة راضية} أي: ذات رضا. # وقال أبو عبيدة: مرضية. # ويقال: عيشة راضية: الجنة. # PageV06P040 # وقوله: {في جنة عالية} أي: مرتفعة. # PageV06P040 # وقوله تعالى: {قطوفها دانية} قال البراء بن عازب: يتناولها قائما وقاعدا ~~ونائما، أي: مضطجعا. # ومعنى دانية: قريبة المتناول، لا يمنع منها بعد ولا شوك. # PageV06P040 # وقوله: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم} أي: قدمتم {في الأيام الخالية} ~~أي: الماضية، وهي في الدنيا. # وعن بعضهم: أن الآية في الصائمين. # PageV06P040 # قوله تعالى: {وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه} ~~أي: كتابي # PageV06P040 # {ولم أدر ما حسابيه} . # أي: لم أتق حسابي، لأنه لا يرى لحسابه حاصلا، ويرى ms1829 كل شيء عليه. # PageV06P040 # وقوله: {يا ليتها كانت القاضية} أي: يا ليت الميتة كانت قاضية أي: لم أحي ~~بعدها، فقضت علي الفناء أبدا. # وقيل: يا ليتها أي: يا ليتني مت الآن. # PageV06P040 # وقوله: {ما أغنى عني مالية} أي: مالي. # PageV06P040 # وقوله: {هلك عني سلطانية} أي: بطلت حجتي، ولم يسمع عذري، وإنما لا يسمع ~~لأنه لا عذر له. # وسمى السلطان سلطانا؛ لأنه يقام عنده الحجج، أو لأنه حجة على الخلق ~~ليقيموا أمورهم. # قال قتادة: ليس هو أن يلي قرية فيجيبها، ولكنه أراد به سلطانه على نفسه، ~~حيث ضيع ما جعله الله له، وارتكب المعاصي، وضيع الأوامر. # PageV06P040 # {خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ~~فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين ~~(34) فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله ~~إلا الخاطئون (37) فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) } . # PageV06P041 # قوله تعالى: {خذوه فغلوه} هو من غل اليد إلى العنق. # وقيل: يشد قدمه برقبته ثم يجر على وجهه. # PageV06P041 # وقوله: {ثم الجحيم صلوه} أي: اشوه. # PageV06P041 # وقوله: {ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا} قال نوف البكالي: كل ذراع سبعون ~~باعا، وكل باع من هاهنا إلى مكة، وكان بالكوفة يومئذ. # وروى نحوا من ذلك عن سعيد بن جبير. # وقوله: (فاسلكوه) في التفسير: أنها تدخل في فيه حتى تخرج من دبره، فهو ~~معنى قوله {فاسلكوه} . # PageV06P041 # وقوله: {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين} أي: لا ~~يحث. # قال الحسن: أدركت أقواما يعزمون على أهليهم إذا خرجوا أن لا يردوا سائلا، ~~وأدركت أقواما كان الواحد منهم يخلف أخاه في أهله أربعين عاما. # PageV06P041 # وقوله: {فليس له اليوم هاهنا حميم} أي: قريب. # PageV06P041 # وقوله: {ولا طعام إلا من غسلين} الغسلين: صديد أهل النار. # وعن الربيع بن أنس قال: هو شجرة تخرج طعاما هو أخبث أطعمة أهل النار. # وفي الخبر أن دلوا من غسلين لو صب في الدنيا لأنتن أهل الدنيا. # PageV06P041 # وقوله: {لا يأكله إلا الخاطئون} أي: المشركون. # ويقال: أهل ms1830 المعصية. # PageV06P041 # وقوله تعالى: {فلا أقسم بما تبصرون} أي: أقسم، و " لا " صلة. # PageV06P041 # وقيل معنى (وما لا تبصرون) أي: الملائكة. # وفي التفسير: أن في الآية ردا على المشركين # PageV06P041 # {إنه لقول رسول كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا ~~بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) تنزيل من رب العالمين (43) ولو تقول علينا ~~بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين (45) . حيث قال بعضهم: إن محمدا ~~ساحر، وهو وليد بن المغيرة ومن تبعه، وقال بعضهم: هو شاعر، وهو أبو جهل ومن ~~تبعه، وقال بعضهم: هو كاهن، وهو عقبة بن أبي معيط ومن تبعه. # PageV06P042 # وقوله: {إنه لقول رسول كريم} أي: رسول كريم على الله. # وقيل: إنه جبريل. # وقيل: إنه محمد. # فإن قال قائل: كيف قال: {إنه لقول رسول كريم} وإنما هو قول الله تعالى؟ . # والجواب من وجهين: أحدهما: أن معناه تلاوة رسول كريم، والثاني: قول الله ~~وإبلاغ رسول كريم، فاتسع في الكلام واكتفى بالفحوى. # PageV06P042 # وقوله: {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} أي: لا تؤمنون أصلا. # يقول الرجل لغيره: قليلا ما تأتيني، أي: لا تأتيني أصلا. # PageV06P042 # وقوله: {ولا بقول كاهن} الكاهن هو الذي يخبر عن الغيب كذبا. # وقيل: بظن وحدس لا عن علم. # وقوله تعالى: {قليلا ما تذكرون} أي: لا تتعظون أصلا كما بينا. # PageV06P042 # وقوله: {تنزيل من رب العالمين} ظاهر المعنى. # PageV06P042 # قوله تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل} يعني: أن محمدا لو تقول علينا ~~بعض الأقاويل، أي: قال ما لم نقله. # PageV06P042 # وقوله: {لأخذنا منه باليمين} أي: بالقوة. # أي: انتقمنا منه بقوتنا وقدرتنا، قاله مجاهد. قال الشماخ: # PageV06P042 # {ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) وإنه لتذكرة ~~للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على الكافرين (50) ~~وإنه لحق اليقين (51) فسبح باسم ربك العظيم (52) } . # (رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين) # (إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها [عرابة] باليمين) # أي: بالقوة. # وقال مؤرخ: قوله: {لأخذنا منه باليمين} وعن ثعلب: بالحق. # وهو مروي عن السدي أيضا. # وعن الحسن. # لأخذنا منه باليمين، أي: أذهبنا قوته. # ويقال: ms1831 " لأخذنا منه باليمين " هو مثل قول القائل: خذ بيمينه إذا فعل ~~شيئا - أي: بالقوة - يستحق العقوبة. # PageV06P043 # وقوله: {ثم لقطعنا منه الوتين} أي: نياط القلب؛ فإذا انقطع لم يحي ~~الإنسان بعده. # قال الشماخ أيضا مخاطبا لناقته: # (إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بديم الوتين) # PageV06P043 # وقوله: {فما منكم من أحد عنه حاجزين} يعني. # إنكم تنسبونه إلى الكذب علي، ولو أخذته لم يقدر أحد منكم على دفعنا عنه. # PageV06P043 # وقوله: {وإنه لتذكرة للمتقين} أي: القرآن. # PageV06P043 # وقوله: {وإنا لنعلم أن منكم مكذبين} أي: بالقرآن وبالرسول. # PageV06P043 # وقوله: {وإنه لحسرة على الكافرين} أي: البعث حسرة على الكافرين. # PageV06P043 # وقوله: {وإنه لحق اليقين} أي: البعث محض اليقين وعين اليقين. # PageV06P043 # وقوله: {فسبح باسم ربك العظيم} أي: نزه ربك العظيم، واذكره بأوصافه ~~المحمودة اللائقة. # وفيه دليل أن الاسم هو المسمى، ولا فرق بينهما. # PageV06P043 # بسم الله الرحمن الرحيم # {سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع (2) } . # تفسير سورة المعارج # وهي مكية # PageV06P044 # قوله تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع} أي: واقع أي: دعا داع. # والآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة وأنه قال: اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزلت هذه ~~الآية. # قوله تعالى: {بعذاب واقع} " الباء " صلة. # ومعناه: دعا داع، والتمس ملتمس عذابا من الله تعالى. # وقوله: {واقع} أي: كائن حاصل في حق الكافرين، وذلك يوم القيامة يقع بهم ~~ذلك لا محالة. # وقيل: هو في الدنيا، وقد وقع ذلك بالنضر بن الحارث، حيث قتل صبرا يوم ~~بدر. # وهذا الذي ذكرنا معنى قول مجاهد وغيره. # والقول الثاني في الآية: سأل سائل عن عذاب واقع، " فالباء " بمعنى " عن " ~~قاله الفراء وغيره. # والمعنى: سأل سائل بمن يقع العذاب؟ وعلى من ينزل العذاب؟ # PageV06P044 # فقال الله تعالى: {للكافرين} يعني: على الكافرين. # وقرئ في الشاذ: " سال سائل " يقال: سال بمعنى سأل على الهمز. # وقيل: سال سائل أي: واد في جهنم يسيل على الكفار بالعذاب. # وقوله تعالى: {ليس له دافع} أي: لا يدفع العذاب على الكافرين أحد، ولا ms1832 ~~يمنعه منهم. # PageV06P044 # {من الله ذي المعارج (3) تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة (4) } . # PageV06P045 # وقوله: {من الله ذي المعارج} أي: ذي السموات، وسميت السموات معارج، لأن ~~الملائكة يعرجون إليها. # ويقال: ذي المعارج أي: ذي الفواضل. # ويقال: ذي الدرجات على معنى إكرامه المؤمنين بالدرجات وإعطائها إياهم. # PageV06P045 # وقوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} قد بينا معنى الروح. # وقيل: هم في خلق السماء يشبهون الآدميين، وليسوا بآدميين. # وقوله: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} قال ابن عباس: هو يوم القيامة، ~~وهو أصح القولين. # وروى الحسن مرسلا وأبو سعيد الخدري مسندا في بعض الغرائب من الروايات: " ~~أن الله تعالى يخففه على المؤمنين، فيجعله بقدر صلاة مكتوبة خفيفة ". # وفي بعض الآثار: " بقدر ما بين الظهر إلى العصر ". # وقال وهب بن منبه: من قرار الأرض إلى فوق العرش خمسين ألف سنة. # وقيل معنى قوله: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} يعني: لو عمل عامل أو ~~حاسب محاسب ما يعمل الله تعالى في ساعة أو في يوم واحد، لم ينقطع إلى خمسين ~~ألف سنة. # وعن ابن عباس في بعض الروايات أن قوله تعالى: {في يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة} وقوله: {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} آيتان لا يعلم ~~معناهما إلا الله. # ومثله عن قتادة. # PageV06P045 # {فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) يوم تكون ~~السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) ولا يسأل حميم حميما (10) ~~يبصرونهم} # وقوله: إن قوله: {ألف سنة} هو مسافة ما بين السماء والأرض صاعدا ونازلا. # وقوله: {خمسين ألف سنة} مسافة ما بين الأرض إلى العرش صاعدا. # والله أعلم. # PageV06P046 # وقوله: {فاصبر صبرا جميلا} أي: صبرا لا جزع فيه ولا شكوى. # وعن قيس بن الحجاج في قوله: {فاصبر صبرا جميلا} قال: هو أن يكون صاحب ~~المصيبة في القوم ولا يدرى من هو، وإنما أمره بالصبر؛ لأن المشركين كانوا ~~يؤذونه، فأمره بالصبر إلى أن ينزل بهم عذابه. # PageV06P046 # وقوله: {إنهم يرونه بعيدا} أي: العذاب. # PageV06P046 # وقوله: {ونراه قريبا} لكونه ووقوعه لا محالة. ms1833 # PageV06P046 # قوله تعالى: {يوم تكون السماء كالمهل} أي: كدردى الزيت، ويقال: كعكر ~~القطران. # وعن ابن مسعود قال: هو المذاب من جواهر الأرض مثل النحاس والرصاص والفضة، ~~فالكل مهل. # PageV06P046 # وقوله: {وتكون الجبال كالعهن} والعهن: الصوف المصبوغ، وشبهه به في ضعفه ~~ولينه. # PageV06P046 # وقوله: {ولا يسأل حميم حميما} أي: لا يسأل قريب عن حال قريبه لشغله ~~بنفسه. # وقرئ: " ولا يسأل حميم حميما " أي: لا يسأل أحد أين حميمك؟ # PageV06P046 # وقوله: {يبصرونهم} أي: يعرفونهم. # ومعناه: يعرف بعضهم بعضا، ولا يسأله عن حاله لشغله بنفسه. # وقيل: يعرف بعضهم بعضا بالسمات والعلامات، فإن لأهل الجنة سمات وعلامات، ~~وكذلك لأهل النار. # PageV06P046 # {يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) وصاحبته وأخيه (12) ~~وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه (14) كلا إنها لظى ~~(15) نزاعة للشوى (16) تدعو من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى} # وقوله: {يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته} أي: امرأته. # {وأخيه} هو الأخ المعروف. # PageV06P047 # وقوله: {وفصيلته التي تؤويه} أي: عشيرته التي يأوي إليهم، وقيل: أقربائه ~~الأدنون. # والفصيلة أحضر وأدنى من الفحل. # ويقال: العباس هو من فصيلة الرسول. # PageV06P047 # وقوله: {ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه} أي: لو يفتدى بمن في الأرض جميعا ~~لينجو فلا ينجو. # PageV06P047 # وقوله: {كلا} هو ما بينا من المعنى. # وعن عمر بن عبد الله مولى غفرة: أن كل ما جاء في القرآن " كلا " هو بمعنى ~~كذبت. # وقوله: {إنها لظى} اسم من أسماء جهنم. # ويقال: " إنها لظى " عذاب لازم لا ينجو منها أبدا. # PageV06P047 # وقوله: {نزاعة للشوى} الأكثرون أن الشوى هو الأطراف مثل اليدين والرجلين ~~وغير ذلك. # وذكر الفراء أنها جلدة الرأس. # وقيل: قحف الرأس. # ويقال: الجلد واللحم حتى يبقى العظم. # وقيل: الجلد واللحم والعظم إلى أن يصل إلى القلب، وهو نضيج، ذكره مجاهد. # PageV06P047 # وقوله: {تدعو من أدبر وتولى} أي: تنادي من أدبر وتولى من الكفار فتقول: ~~يا فلان وتذكر اسمه أقبل إلي وتأخذه. # وقال المبرد في قوله: {تدعو} أي: تعذب. # وروى عن النضر عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول لآخر: دعاك الله، أي: عذبك ~~الله. ms1834 # وأما ثعلب فإنه قال: تناديهم واحدا واحدا بأسمائهم. # وهو الأظهر. # PageV06P047 # وقوله: {وجمع فأوعى} أي: جمع المال فأوعاه، أي: جعله في وعاء وأوكأ # PageV06P047 # ( {18) إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه ~~الخير منوعا (21) إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين ~~في أموالهم حق معلوم (24) للسائل والمحروم (25) والذين} عليه، وهو كناية عن ~~البخل ومنع الحق. # PageV06P048 # قوله تعالى {إن الإنسان خلق هلوعا} أي: جزوعا. # قال ثعلب: سألني محمد ابن عبد الله بن طاهر عن هذه الآية، فقلت: الهلع ~~أسوأ الجزع. # وقيل: هلوعا: ضجرا. # وعن الحسن: ضعيفا. # وقال الضحاك: بخيلا. # وعن غيرهم: حريصا. # PageV06P048 # ويقال تفسيره هو قوله: {إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا} أي: ~~إذا مسه الشر لم يصبر، وإذا مسه الخير لم يشكر. # PageV06P048 # وقوله: {إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون} هذا الاستثناء منصرف ~~إلى ابتداء الكلام، ومعناه: أن هؤلاء ينجون من العذاب. # وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: الآية في الصلوات المكتوبة. # وقيل: إدامتها هو إقامتها في أوقاتها. # ويقال: ليست إدامتها أن يصلي أبدا، ولكن إدامتها أنه إذا صلى لم يلتفت ~~يمينا ولا شمالا. # ويقال: إدامة الصلوات: ألا يتركها، وهذا قول حسن. # وعن بعض السلف هو ألا يؤخرها عن المواقيت؛ فأما إذا تركها كفرز # PageV06P048 # وقوله: {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل} وهو الطواف الذي يسأل (عن) ~~الناس. # وقوله: {والمحروم} هو الذي لا يسأل، ويقال: هو المحارف، وقيل: المحدود. # وكلاهما بمعنى واحد. # يقال: فلان مجدود، وفلان محدود، والمجدود الذي يوافقه الجد، والمحدود ~~المحروم. # قال ابن عمر: المحروم هو الكلب. # وعن الشعبي قال: أعياني أن أعرف معنى المحروم. # وقيل: هو الفقير الذي لا شيء له. # PageV06P048 # وقوله: {والذين يصدقون بيوم الدين} أي: يؤمنون به. # PageV06P048 # {يصدقون بيوم الدين (26) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن عذاب ~~ربهم غير مأمون (28) والذين هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (29) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ~~(31) والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون (32) } . # PageV06P049 # وقوله: {والذين هم من عذاب ms1835 ربهم مشفقون} أي: خائفون. # وعن معاذ بن جبل قال: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الخائفون؟ ~~فيحشرون في كنف الرحمن لا يحتجب الله منهم. # ذكره أبو الحسين بن فارس في تفسيره. # وفي الخبر المعروف أن النبي قال حاكيا عن الله تعالى: " لا أجمع على عبدي ~~خوفين ولا أمنين، فإذا خافني في الدنيا أمنته في الآخرة، وإذا أمنني في ~~الدنيا خوفته في الآخرة ". # PageV06P049 # قوله: {إن عذاب ربهم غير مأمون} ظاهر المعنى. # PageV06P049 # وقوله: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين} قال ابن عيينة، من لام أحدا فيما ملكت يمينه وإن كثر، أو ~~لامه في نسائه إذا بلغ الأربع، فقد عصى الله تعالى؛ لقوله تعالى: {فإنهم ~~غير ملومين} وقال أيضا: من تزوج [بأربع] نسوة، أو تسرى بمماليك، فلا خلل في ~~زهده في # PageV06P049 # {والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) ~~أولئك في جنات مكرمون (35) فما للذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن ~~الشمال عزين (37) } . # الدنيا، فإن عليا - رضي الله - عنه قتل عن أربع عقائل [وتسع عشرة] سرية ~~وكان أزهد الصحابة. # وفي الآية دليل على تحريم المتعة. # وسئلت عائشة عن المتعة فقالت: بيني وبينكم كتاب الله، وتلت هذه الآية. # وسئل ابن عمر عن ذلك فقال: هو زنا. # فقيل: إن فلانا يبيحها، فقال: أفلا ترمرم به في زمان عمر، والله لو أخذه ~~فيها لرجمه. # PageV06P050 # وقوله: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} هو دليل على ما بينا. # والعادي والمتعادي واحد. # PageV06P050 # وقوله: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} أي: حافظون. # وقيل: أصل الأمانة أن كلمة التوحيد ائتمن الله تعالى المؤمنين عليها. # PageV06P050 # وقوله: {والذين هم بشهادتهم قائمون} وقرئ: " بشهاداتهم " إحداهما بمعنى ~~الجمع، والأخرى بمعنى الوحدان. # ومعنى {قائمون} أي: يؤدونها على وجهها. # PageV06P050 # وقوله: {والذين هم على صلاتهم يحافظون} قد بينا المعنى. # PageV06P050 # وقوله: {أولئك في جنات مكرمون} أي: بساتين يكرمهم الله بأنواع النعم. # PageV06P050 # وقوله تعالى: {فمال الذين كفروا قبلك مهطعين} أي: مسرعين. # قال أبو جعفر النحاس: والآية في المعنى مشكلة، والمراد ms1836 والله أعلم: فما ~~للذين كفروا يسرعون إليك لاستماع القرآن، ثم يتفرقون بلا قبول له والإيمان ~~به. # وفي التفسير: أنهم كانوا يأتون ويجلسون حول النبي وينظرون إليه نظر ~~البغضاء والعداوة، ويستمعون القرآن استماع الاستهزاء والتكذيب. # PageV06P050 # وقوله: {عن اليمين وعن الشمال عزين} أي: متفرقين حلقا حلقا. # وروى أن # PageV06P050 # {أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة النعيم (38) كلا إنا خلقناهم مما يعلمون ~~(39) فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا ~~منهم} # النبي خرج إلى المسجد وأصحابه متفرقون كل جماعة في موضع، فقال: " مالي ~~أراكم عزين ". # والسنة أن يجلسوا حلقة واحدة، أو بعضهم خلف بعض، ولا يتفرقون في الجلوس. # PageV06P051 # قوله تعالى: {أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم} قال المفسرون: لما ~~ذكر الله تعالى الجنة للمؤمنين قال الكفار: ونحن أيضا ندخل معكم؛ # PageV06P051 # فأنزل الله تعالى: {كلا} أي: لا يكون الأمر كما يطمع ويظن. # وقوله: {إنا خلقناهم مما يعلمون} أي: من الأقذار والنجاسات. # والمعنى: أنه ليس إدخال من يدخل الجنة بكونه مخلوقا؛ لأنه خلق من شيء نجس ~~قذر، فلا يستحق دخول الجنة، وإنما يستحق دخول الجنة بالتقوى والدين. # ويقال: إنا خلقناهم من أجل ما [يعلمون] ، وهو عبادة الله والإيمان به. # قال الشاعر: # (أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوى أن تزارا) # أي: من أجل آل ليلى. # وقيل: {إنا خلقناهم مما يعلمون} أي: ممن يعلمون. # والقول الأصح هو الأول. # PageV06P051 # {وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون (42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) خاشعة ~~أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون (44) } . # PageV06P052 # قوله تعالى: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} معناه: أقسم، وهو على مذهب ~~العرب، وكانوا يقولون هكذا. # وذكر هاهنا المشارق والمغارب؛ لأن الشمس في كل يوم تشرق من مكان آخر غير ~~ما كان في اليوم الأول، وكذلك في المغرب. # وفي التفسير: أنها تطلع كل يوم من كوة أخرى، وتغرب من كوة أخرى. # وقوله: {إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم} أي: أطوع لله ms1837 منهم، وأمثل ~~منهم. # وقوله: {وما نحن بمسبوقين} أي: معاجزين، وقد بينا من قبل. # PageV06P052 # قوله تعالى: {فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون} هو يوم ~~القيامة. # وهو مذكور على طريق التهديد لا على طريق الإطلاق والإذن. # PageV06P052 # وقوله تعالى: {يوم يخرجون من الأجداث سراعا} أي: من القبور. والجدث: ~~القبر، والأجداث الجمع. # وقوله: {كأنهم إلى نصب يوفضون} أي: يخرجون سراعا كأنهم إلى علم نصب لهم ~~يسرعون، وقرئ: " نصب يوفضون " بضم النون، والنصب والنصب بمعنى الأصنام، وقد ~~كانوا يسرعون إلى أصنامهم إذا ذهبوا إليها، فيعظموها ويستلموها. # PageV06P052 # وقوله: {خاشعة أبصارهم} أي: ذليلة أبصارهم {ترهقهم ذلة} أي: مذلة. # وقوله: {ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون} أي: يقال لهم: هذا اليوم هو اليوم ~~الذي وعدتم في الدنيا. # والله أعلم. # PageV06P052 # بسم الله الرحمن الرحيم # {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم (1) ~~قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر ~~لكم} # تفسير سورة نوح عليه السلام # وهي مكية # وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ. # وعن ابن عباس: أنه بعث وهو ابن أربعين سنة. # وعن عوف بن أبي شداد: أنه بعث وهو ابن ثلثمائة وخمسين سنة. # ويقال: سمي نوحا؛ لأنه كان ينوح على نفسه. # والله أعلم. # PageV06P053 # قوله تعالى: {إنا أرسلنا ### | نوح # ا إلى قومه أن أنذر قومك} معناه: بأن أنذر قومك إلا أنه حذف الباء. # وفي قراءة ابن مسعود {أنذر قومك} من غير " أن " ومعناه: وقلنا له أنذر ~~قومك. # وقوله {من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} قيل: هو الغرق في الدنيا. # وقيل هو النار في الآخرة. # PageV06P053 # قوله تعالى: {قال يا قوم إني لكم نذير مبين} أي: بين النذارة. # PageV06P053 # وقوله {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} وهذا هو الذي بعث الله لأجله ~~الرسل، فإن الله تعالى ما بعث رسولا إلا ليعبدوه ويتقوه ويطيعوا رسوله. # PageV06P053 # وقوله: {يغفر لكم من ذنوبكم} أي: من ذنوبكم التي أوعدكم عليها العقوبة. # وقد كانت لهم ذنوب أخر عفا الله عنها. # وقال الفراء: " من " ليست ms1838 هاهنا للتبعيض، # PageV06P053 # {من ذنوبكم ويؤخركم إلى آجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون (4) قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا ~~فرارا (6) } . ولكنها للتخصيص على معنى تخصيص الذنوب بالغفران. # وقوله: {ويؤخركم إلى آجل مسمى} أي: إلى الموت. # فإن قيل: هذه الآية تدل على أنه يجوز أن يكون للإنسان أجلان، وأن العقوبة ~~تقع قبل الأجل المضروب للموت. # والجواب من وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يقال: إن الأجل أجلان: أحدهما: ~~إلى سنة أو سنتين إن عصوا الله، والآخر: إلى عشر سنين أو عشرين سنة إن ~~أطاعوا الله، فعلى هذا قوله تعالى: {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} أي: في ~~حالتي الطاعة والمعصية. # والوجه الثاني: أن الأجل واحد بكل حال. # وقوله {ويؤخركم إلى أجل مسمى} أي: يميتكم غير ميتة الاستئصال والعقوبة، ~~وهو الموت الذي يكون بلا غرق ولا قتل ولا حرق. # وقيل: يؤخركم إلى أجل مسمى، أي: عندكم، وهو الأجل الذي تعرفونه، وذلك موت ~~من غير هذه الوجوه. # وهذا القول أقرب إلى مذهب أهل السنة، فعلى هذا قوله: إن أجل الله إذا جاء ~~لا يؤخر) هو الأجل المسمى المضروب لكل إنسان) . # وقوله {لو كنتم تعلمون} [أي] : إن كنتم تعلمون. # PageV06P054 # قوله تعالى: {قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا} قال الفراء: أي: من كل ~~وجه وفي كل زمان أمكنت فيه الدعوة من ليل أو نهار. # PageV06P054 # وقوله تعالى: {فلم يزدهم دعائي إلا فرارا} أي: فرارا من الإيمان. # PageV06P054 # {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت} # PageV06P055 # وقوله: {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم} أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فكنى ~~بالمغفرة عن الإيمان؛ لأن الإيمان سبب المغفرة. # وقوله: {جعلوا أصابعهم في آذانهم} يعني: فعلوا ذلك لئلا يسمعوا. # وقوله: {واستغشوا ثيابهم} أي: تغطوا بثيابهم لئلا يروا نوحا، ولا يسمعوا ~~كلامه، وذكر النحاس قولا آخر وقال: إن معنى قوله: {واستغشوا ثيابهم} أي: ~~أظهروا العداوة. # ويقال: لبس فلان ثياب العداوة ms1839 على معنى إظهار العداوة. # وقوله: {وأصروا} قال (أبو عبيد) : [أي] : أقاموا عليه. # والإصرار أن يفعل الفعل ثم لا يندم. # وفي بعض الغرائب من الآثار؛ " لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع ~~الاستغفار ". # وقوله: {واستكبروا استكبارا} أي: تكبروا تكبرا. # وقد بينا أن الشرك وترك الإقرار بالتوحيد استكبار. # PageV06P055 # قوله تعالى: {ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا} ~~فإن قيل: أليس قد دخل هذا في قوله تعالى: (رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا) ؟ ~~قلنا: كلام بحيث يجوز أن يكون قال هذا على وجه التأكيد، والإعلان والجهر ~~بمعنى واحد، وهو كلام بحيث يسمع الجماعة، وأن الإسرار هو أن يقوله مع ~~الإنسان وحده في خلوة. # والجواب الثاني: أن معنى قوله: {إني دعوت قومي ليلا ونهارا} إلى التوحيد، ~~وأما قوله: {ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا} هو ~~دعاؤه إياهم إلى الاستغفار لما يتلوه من بعد، وهو قوله تعالى: {فقلت ~~استغفروا # PageV06P055 # {لهم وأسررت لهم إسرارا (9) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل ~~السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم ~~أنهارا (12) ما لكم لا ترجون لله وقارا (13) } . ربكم إنه كان غفارا) . # PageV06P056 # وقوله: {يرسل السماء عليكم مدرارا} أي: ليرسل. # ومدرارا، أي: متتابعا. # والسماء: المطر. # وقيل هو المطر في إبانه. # وفي بعض الأخبار: إذا أراد الله بقوم خيرا أمطرهم في وقت الزرع، وحبس ~~عنهم في وقت الحصاد، وإذا أراد بقوم سوءا أمطرهم في وقت الحصاد وحبس في وقت ~~الزرع. # وروى الشعبي أن عمر - رضي الله عنه - خرج (مرة) للاستسقاء فلم يزد على ~~الاستغفار ثم نزل. # فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنك لم تستسق! فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح ~~السماء التي يستنزل بها المطر، وتلا قوله تعالى: {استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا} . # PageV06P056 # وقوله: {ويمددكم بأموال وبنين} قال قتادة: علم أن القوم أصحاب دنيا، ~~فحركهم بها ليؤمنوا. # وعن بعضهم: أن الله تعالى أعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، وحبس عنهم المطر ~~أربعين سنة، فهو معنى قول نوح: {يرسل السماء عليكم ms1840 مدرارا ويمددكم بأموال ~~وبنين} . # وقوله تعالى: {ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا} أي: بساتين وأنهارا تجري ~~فيما بينها. # PageV06P056 # قوله تعالى: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} أي: تخافون لله عظمة وقدرة. # وقال قطرب: مالكم لا تبالون من عظمة الله تعالى. # وقيل: وقارا، أي: طاعة، ومعناه: مالكم لا ترجون طاعة الله، أي: لا ~~تستعملونها. # والقول الأول هو المعروف، ذكره الفراء والزجاج وغيرهما، وقد يذكر الرجاء ~~بمعنى الخوف؛ لأنه لا يكون الرجاء إلا ومعه خوف الفوت. # PageV06P056 # {وقد خلقكم أطوارا (14) ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا (15) وجعل ~~القمر} # قال الشاعر: # (إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب (عوامل)) # وقال آخر: # (إذا أهل الكرامة أكرموني ... فلا أرجو الهوان من اللئام) . # أي: لا أخاف. # PageV06P057 # وقوله: {وقد خلقكم أطوارا} قال أبو عبيدة: الطور: الحال. # وذكره ابن الأنباري أيضا. # قال الشاعر: # (والمرء يخلق طورا بعد (أطوار) # ومعنى الحالات هاهنا: أنه خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ولحمها إلى ~~أن أتم خلقه. # PageV06P057 # قوله تعالى: {ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا} قد بينا. # PageV06P057 # وقوله: {وجعل القمر فيهن نورا} فإن قال قائل: القمر إنما خلق في سماء ~~الدنيا، فكيف قال: {فيهن نورا} ؟ # والجواب من وجوه: أحدهما: أنه يجوز في لسان العرب أن (يقال) : فيهن نورا، ~~وإن كان في إحديهن، كالرجل يقول: توارى فلان في دور فلان، وإن كان توارى في ~~إحديها. # ويقول القائل: ونزلت على بني تميم، وإن كان نزل عند بعضهم. # PageV06P057 # {فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم ~~يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18) . # والوجه الثاني: ما قاله عبد الله بن عمرو بن العاص أن وجه القمر إلى ~~السموات السبع وقفاه إلى الأرض، وكذا قال في الشمس، فعلى هذا قوله: {فيهن ~~نورا} أي: نوره فيهن. # والوجه الثالث: أن السموات في المعنى كشيء واحد، فقال: {فيهن نورا} لهذا، ~~وإن كان في سماء واحد. # والوجه الرابع: أن معنى قوله: {فيهن نورا} أي: معهن نورا. # قال امرؤ القيس: # (وهل ينعمن من ms1841 كان آخر عهده ... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال) # أي: مع ثلاثة أحوال. # وقوله: {وجعل الشمس سراجا} أي: فيهن، والمعنى ما بينا. # وعن عبد الله بن عمرو أيضا قال: ما خلق الله شيئا أشد حرارة من الشمس، ~~ولولا أن السماء تحول بين الأرض وبين ضوئها وإلا (لأحرقت) كل شيء في الأرض. # وروى أنه سئل لماذا يبرد الزمان في الشتاء، وبم يكون الحر في الصيف؟ ~~فقال: تكون الشمس في الصيف في السماء الدنيا، وفي الشتاء في السماء ~~السابعة. # PageV06P058 # قوله تعالى: {والله أنبتكم من الأرض نباتا} يجوز في اللغة إنباتا ونباتا. # وقيل: أنبتكم فنبتم نباتا. # PageV06P058 # وقوله: {ثم يعيدكم فيها} أي: بالموت. # وقوله: {ويخرجكم إخراجا} عند النشور. # PageV06P058 # قوله تعالى: (والله جعل لكم الأرض بساطا) أي: بسطها بسطا. # PageV06P058 # {والله جعل لكم الأرض بساطا (19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) قال نوح ~~رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) ومكروا مكرا ~~كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم لا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق} # PageV06P059 # وقوله: {لتسلكوا منها سبلا فجاجا} أي: طرقا واسعة. # والسبيل قد يذكر ويؤنث. # قال الشاعر: # (تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد) # أي: بواحد. # PageV06P059 # وقوله: {قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا} ~~يعني: أن الضعفاء اتبعوا الأشراف والأكابر والرءوس من الكفار الذين لم ~~تزدهم أموالهم وأولادهم إلا خسارا. # PageV06P059 # وقوله: {ومكروا مكرا كبارا} أي: كبيرا، وكبار في اللغة أشد من الكبير. # PageV06P059 # وقوله: {وقالوا لا تذرن آلهتكم} أي: لا تذروا آلهتكم، {ولا تذرن} أي: ولا ~~تذروا {ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} هذه الأسماء أسماء أصنامهم ~~التي كانوا يعبدونها. # وفي التفسير: أن ودا كانت لكلب، والسواع كانت لهذيل، ويغوث كانت لبني ~~غطيف بن دارم، ويعوق كانت لهمدان، ونسرا كانت لحمير، وقد قيل على خلاف هذا. # وكانت بقية هذه الأصنام لهم من زمان نوح قد غرقت، فاستخرجها لهم إبليس ~~حتى عبدوها. # وعن أبي عثمان النهدي قال: كانت يغوث من رصاص رأيته، وكانوا يحملونه ms1842 على ~~جمل أجرد إذا سافروا ولا يهيجون الجمل ويجعلونه قدامهم، فإذا برك في موضع ~~نزلوا، وقالوا: رضى ربكم بالمنزل. # وعن محمد بن كعب القرظي قال: هذه الأسماء أسماء قوم صالحين قبل نوح، فلما ~~ماتوا زين الشيطان لأبنائهم ليتخذوا أشخاصا على صورهم، فيكون نظرهم إليها ~~حثا لهم على العبادة، ثم إنهم عبدوها من بعد لما تطاول لهم الزمان. # PageV06P059 # {ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) مما ~~خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) وقال ~~نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ~~ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) . # PageV06P060 # قوله تعالى: {وقد أضلوا كثيرا} أي: ضل كثير من الناس بسببهم. # وقوله: {ولا تزد الظالمين إلا ضلالا} دعا عليهم هذا الدعاء عقوبة لهم، ~~وهو مثل دعاء موسى على قوم فرعون {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم} ~~. # PageV06P060 # قوله تعالى: {مما خطيئاتهم} أي: من خطيئاتهم، {أغرقوا فأدخلوا نارا} ~~يعني: أغرقوا في الدنيا، وأدخلوا نارا في الآخرة. # وقيل: هو في القبر. # وعن الحسن قال: البحر طبق جهنم. # وقيل: البحر نار ثم نار. # وقوله: {فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا} أي: أحدا يمنعهم من عذاب ~~الله. # PageV06P060 # قوله تعالى: {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} أي: أحدا. # وقيل: ديارا أي: من ينزل دارا، مأخوذ من الدار. # PageV06P060 # وقوله: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} وهذا على ~~ما أخبره الله تعالى عنهم {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} وعن مجاهد: ~~أن الرجل منهم كان يأتي نوحا فيضربه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم ~~اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. # ثم إنه لما أخبر الله تعالى أنه لا يؤمن أحد منهم دعا عليهم. # وفي القصة: أن الرجل منهم كان يحمل ابنه على كتفه إليه ويقول: احذر هذا ~~الشيخ المجنون، فإن أبى أحذرني إياه كما حذرتك، ففعلوا كذلك حتى مضى سبعة ~~قرون، # PageV06P060 # {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل ms1843 بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد ~~الظالمين إلا تبارا (28) } . فروى أن آخر من جاءه منهم قال كذلك لابنه، ~~فقال ذلك الصبي: أنزلني فأنزله، فجعل يرميه بالحجر حتى شجه، فغضب حينئذ ~~ودعا عليهم. # PageV06P061 # قوله تعالى: {رب اغفر لي ولوالدي} قرأ سعيد بن جبير: " لوالدي " وفي بعض ~~القراءات: " لوالدي ". # وقوله: {ولمن دخل بيتي مؤمنا} أي: سفينتي. # وقيل: صومعتي. # وقيل: بيتي الذي أسكنه. # وقوله: {وللمؤمنين} أي: لكل المؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة. # وقوله: {ولا تزد الظالمين إلا تبارا} أي: هلاكا. # PageV06P061 # بسم الله الرحمن الرحيم # {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} # تفسير سورة الجن # وهي مكية # PageV06P062 # قوله تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من ### | الجن} # سبب نزول هذه الآية ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس " أن النبي انطلق في ~~نفر من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، فمر بالنخلة، وقد كان الشياطين منعوا ~~من السماء، وأرسلت الشهب عليهم، فقالوا لقومهم: قد حيل بيننا وبين خبر ~~السماء، فقالوا: إنما ذلك لأمر حدث في الأرض. # وروى أنهم قالوا ذلك لإبليس، وأن إبليس قال لهم: اضربوا في مشارق الأرض ~~ومغاربها لتعرفوا ما الأمر الذي حدث؟ فمر نفر منهم نحو تهامة فرأوا النبي ~~يصلي بأصحابه صلاة الفجر ببطن نخلة، وهو يقرأ القرآن، فقالوا: هذا هو الأمر ~~الذي حدث، ورجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية ". # وقد روى البخاري في الصحيح نحوا (من رواية) ابن عباس. # وذكر ابن جريح في تفسيره عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن ابن مسعود ~~" أن النبي انطلق إلى الجن ليقرأ عليهم القرآن ويدعوهم إلى الله، فقال ~~لأصحابه: من يصحبني منكم؟ وفي رواية: ليقم منكم رجل معي ليس في قلبه حبة ~~خردل من كبر. # فسكت القوم. # فقال ذلك ثانيا وثالثا، فقام عبد الله بن مسعود، قال ابن مسعود: فانطلقت ~~مع رسول الله قبل الحجون حتى دخلنا شعب أبي دب، فقال: فخط لي خطا فقال: لا ~~تبرح هذا الخط، ونزل عليه الجن مثل الحجل. # قال فقرأ ms1844 عليهم # PageV06P062 # القرآن وعلا صوته، فلصقوا بالأرض حتى لا أراهم " وفي رواية: انهم قالوا ~~له: " ما أنت؟ ما أنت؟ قال: نبي. # قالوا: ومن يشهد لك؟ فقال: هذه الشجرة، قال: فدعا الشجرة فجاءت تجر ~~عروقها، لها قعاقع، وشهدت الشجرة له بالنبوة، ثم عادت إلى مكانها " وفي هذا ~~الخبر: " أنهم سألوه الزاد فأعطاهم العظم والبعر، فكانوا يجدون العظم أوقر ~~ما يكون لحما، والبعر علفا لدوابهم، ونهى الرسول حينئذ الاستنجاء بالعظم ~~والروث ". # قال جماعة من أهل التفسير: أن أمر الجن كان مرتين، مرة بمكة ومرة ببطن ~~نخلة، فالذي رواه ابن عباس هو الذي كان ببطن نخلة، والذي رواه ابن مسعود هو ~~الذي كان بمكة، فأما الذي كان ببطن نخلة فإنهم مروا بالنبي واستمعوا ~~القرآن، وأما الذي كان بمكة فإن الرسول انطلق إليهم، وقرأ عليهم القرآن ~~ودعاهم إلى الإيمان، فهذا هو الجمع بين الروايتين. # وقد روى أن عبد الله بن مسعود رأى بالعراق قوما من الزط، فقال: أشبههم ~~بالجن ليلة الجن. # وفي رواية علقمة: أنه قال لعبد الله بن مسعود: هل كان منكم أحد مع رسول ~~الله ليلة الجن؟ قال: لا، ما شهده منا أحد، وساق خبرا ذكره مسلم في كتابه. # وفي الباب اختلاف كثير في الروايات، وأما ما ذكرناه هو المختصر منها، ~~ويحتمل أن ابن مسعود كان مع رسول الله ليلة الجن إلا أنه لم يكن معه عند ~~خطاب الجن وقراءة القرآن، عليهم، فإنه روى أنه قال: " خط رسول الله لي خطا ~~وقال: لا تبرح هذا الخط وانطلق في الجبل، قال فسمعت لغطا وصوتا عظيما، ~~فأردت أن أذهب في أثره، فذكرت قول رسول الله: لا تبرح الخط فلم أذهب، فلما ~~رجع ذكرت له ذلك، فقال لي: لو خرجت من الخط لم ترني أبدا ". # قوله تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} قال الفراء: النفر اسم ~~لما بين الثلاثة إلى عشرة. # وحكاه ابن السكيت أيضا عن ابن زيد. # يقولون: عشرة نفر، ولا يقولون: عشرون نفرا، ولا ثلاثون نفرا. # وقد روى أنهم كانوا تسعة ms1845 نفر، وذكروا أسماءهم، وقد بينا. # وروى عاصم عن زر أنه كان فيهم زوبعة. # PageV06P063 # {فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك ~~بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ربنا} # وقوله تعالى: {فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا} أي: عجبا في نظمه وتأليفه ~~وصحة معناه، ولا يصح قوله: {إنا سمعنا} إلا بالكسر. # PageV06P064 # قوله: {يهدي إلى الرشد} أي: إلى الصواب وطريق الحق. # وقوله تعالى: {فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} أي: لا نجعل أحدا من خلقه ~~شريكا له. # PageV06P064 # قوله تعالى {وأنه تعالى جد ربنا} قرئ بالكسر والفتح، فمن قرأ بالكسر فهو ~~أن الجن قالوا، ومن قرأ بالفتح فنصبه على معنى: آمنا وأنه تعالى جد ربنا، ~~فانتصب بوقوع الإيمان عليه، والقراءة بالكسر أحسن القراءتين. # وقوله تعالى: {جد ربنا} أي: عظمة ربنا، هذا قول قتادة وغيره. # والجد: العظمة، وهو البخت أيضا، وهو أب الأب. # وفي حديث أنس: كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا، أي: عظم ~~[فينا] . # وقوله عليه الصلاة والسلام: " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " أي: لا ينفع ~~ذا البخت منك بخته إذا أردت به سوءا أو مكروها. # وعن الحسن قال: تعالى جد ربنا أي: غني ربنا. # وعن إبراهيم والسدي قالا: جد ربنا أي: أمر ربنا. # PageV06P064 # {ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) ~~وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من} # وقوله تعالى: {ما اتخذ صاحبة ولا ولدا} أي: زوجة وولدا. # PageV06P065 # قوله تعالى: {وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا} فيه قولان: أحدهما: أن ~~السفيه هو إبليس عليه اللعنة، وهو قول مجاهد، والآخر: أنه كل عاص متمرد من ~~الجن. # وقوله: {شططا} أي: كذبا. # وقيل: جورا. # PageV06P065 # قوله تعالى: {وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا} وقرأ ~~يعقوب: " أن لن تقول الإنس والجن " أي: لن تقول، معناه ظاهر، كأنهم ظنوا أن ~~كل من قال على الله شيئا فهو كما قال، وأنه لا (يجزى) الكذب على الله. ms1846 # PageV06P065 # قوله تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس} فإن قال قائل: قد قرئ هذا كله ~~بالنصب، فما وجه النصب فيه؟ والجواب عنه: قد بينا وجه النصب فيما سبق، ~~وباقي الآيات نصبت بحكم المجاورة والعطف، أو بتقدير آمنا أو ظننا أو شهدنا، ~~والعرب قد تتبع الكلمة الكلمة في الإعراب بنفس المجاورة والعطف مثل قولهم: ~~جحر ضب خرب. # وقوله {يعوذون برجال من الجن} في التفسير: أن الرجل كان يسافر والقوم ~~كانوا يسافرون، فإذا بلغوا مكانا قفرا من البرية وأمسوا قالوا: نعوذ بسيد ~~هذا الوادي من سفهاء قومه. # وحكى عن بعضهم - وهو السائب بن أبي كردم - أنه قال: انطلقت مع أبي في سفر ~~ومعنا قطعة من الغنم، فنزلنا واديا قال: فجاء ذئب وأخذ حملا من الغنم، فقام ~~أبي وقال: يا عامر الوادي، نحن في جوارك، فحين قال ذلك أرسل الذئب الحمل، ~~فرجع الحمل إلى الغنم فلم تصبه كدمة. # فإن قال قائل: كيف برجال من # PageV06P065 # {الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن ~~لن يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ~~الجن، والجن لا يسمون رجالا؟ والجواب: قلنا يجوز على طريق المجاز، وقد ورد ~~في بعض أخبار العرب في حكاية أن قوما من الجن قالوا: نحن أناس من الجن، ~~فإذا جاز أن يسموا أناسا جاز أن يسموا رجالا. # وأما قوله: {فزادوهم رهقا} فيه قولان: أحدهما: إلا أن الإنس زادوا الجن ~~رهقا أي: عظمة في أنفسهم، كأن الإنس لما استعاذوا بالجن ازدادوا الجن في ~~أنفسهم عظمة. # والقول الثاني: هو أن الإنس ازدادوا رقها بالاستعاذة من الجن. # ومعناه: طغيانا وإثما، كأن الإنس لما استعاذوا بالجن وأمنوا على أنفسهم ~~ازدادوا كفرا، وظنوا أن أمنهم كان من الجن. # وقيل: رهقا أي: غشيانا للمحارم. # وقيل: مفارقة اللائم. # قال الأعشى: # لا شيء ينفعني من دون رؤيتها ... هل يشتفي عاشق ما لم يصب رهقا) # PageV06P066 # قوله تعالى: {وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا} في الآية دليل ~~على أنه كان في الجن قوم ms1847 لا يؤمنون بالبعث كما في الإنس. # PageV06P066 # قوله تعالى: {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا} أي: ~~ملئت حرسا بالملائكة. # وقوله: {شهبا} جمع شهاب، وهو قطعة من النار، وقد ذكرنا من قبل صورة كيفية ~~استراق الشياطين السمع من السماء، وأنهم كانوا يسمعون الكلمة فيضمون إليها ~~عشرة ويلقونها إلى الكهنة، فلما كان في زمان النبي حرست السماء، ورمى ~~الشياطين بالشهب. # فإن قال قائل: لم يزل هذا الأمر معهودا قبل الرسول، وهو انقضاض الكواكب، ~~وذكره شعراء الجاهلية في أشعارهم، وقال بعضهم. # PageV06P066 # ( {8) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ~~(9) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) } . # (فانقض كالدري يتبعه ... نقع (يثور) تخاله طنبا) # (قاله لاقوه إلا وروى) . # وإذا كان هذا أمرا معهودا في الجاهلية فما معنى تعليقه بنبوة محمد، ~~وعندكم أنه كان معجزة له وأساسا لنبوته؟ والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه ~~لم يكن هذا من قبل، وإنما حدث في زمان نبوة الرسول، والأشعار كلها منحولة ~~على الجاهلية، أو قالوها بعد مولده حين قرب مبعثه. # وذكر السدي: أن أول من تنبه للرمي بالشهب هو هذا الحي من ثقيف، فخافوا ~~خوفا شديدا وظنوا أن القيامة قد قربت، فجعلوا يعتقون العبيد ويسيبون ~~المواشي، فقال لهم ابن عبد يا ليل: لا تعجلوا، وانظروا إلى النجوم المعروفة ~~هل هي في أماكنها؟ فقالوا: هي في أماكنها. # قال: فإن هذا لأمر هذا الرجل الذي خرج بمكة. # والجواب الثاني - وهو الأصح - أن الرمي بالشهب قد كان من قبل، ولكنه لما ~~كان في زمان الرسول كثر وقوي. # قال معمر: قلت للزهري: أكان الرمي بالشهب قبل الرسول في الجاهلية؟ قال: ~~نعم، ولكنه لما كان زمان الرسول كثر واشتد. # PageV06P067 # قوله تعالى: {وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع} أي: مقاعد للاستماع. # وقوله: {فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} أي: يجد شهابا أرصد له [وهيء] ~~ليرمى به. # PageV06P067 # قوله تعالى: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} ms1848 ~~أي: أريد بهم الصلاح في ذلك أو الفساد أو الخير أو الشر. # PageV06P067 # {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن ~~نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن ~~يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ~~فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (14) . # PageV06P068 # قوله تعالى: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك} أي: سوى ذلك. # قال الحسن البصري: في الجن قدرية ومرئجة وروافض وخوراج، وغير ذلك من ~~الفرق، وفيهم العاصي والمطيع والمصلح، وغير ذلك من المؤمن والكافر. # وقوله: {كنا طرائق قددا} أي: ذا أهواء مختلفة. # وقددا معناه: متفرقة. # قال الشاعر: # (القابض الباسط الهادي بطاعته ... في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد) # أي: متفرقة. # PageV06P068 # قوله تعالى: {وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض} معنى الظن هاهنا: ~~اليقين أي: أيقنا أن لن نعجزه في الأرض أي: لن نفوته، ولا يعجز عنا بأخذه ~~إيانا. # وقوله: {ولن نعجزه هربا} قد بينا. # PageV06P068 # قوله تعالى: {وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به} أي: بالهدى، والهدى هو ~~القرآن لأنه يهدي الناس. # وقوله: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا} أي: نقصانا من حسناته ولا ~~زيادة في سيئاته. # وقيل: أي: ظلما. # PageV06P068 # قوله تعالى: {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون} أي: الجائرون هم الكفار. # يقال: أقسط إذا عدل، وقسط إذا جار. # فمن أقسط مقسط، ومن قسط قاسط. # قال الفرزدق: # (قومي هم قتلوا ابن هند عنوة ... عمرا وهم قسطوا على النعمان) # PageV06P068 # {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) وأن لو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا} . # أي: جاروا. # وقوله: {فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا} أي: طلبوا الرشد (وتوخوا) له. # والمتحري والمتوخي بمعنى واحد. # PageV06P069 # وقوله: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} أي: الكافرون، وهو في معنى ~~قوله تعالى: {وقودها الناس والحجارة} . # PageV06P069 # قوله تعالى: {وأن لو استقاموا على الطريقة} في الطريقة قولان: أحدهما: ~~أنها الإيمان، وهذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة وجماعة، وهو في معنى قوله ms1849 ~~تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحتنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض ولكن كذبوا} . # والقول الثاني: أن الطريقة هاهنا طريقة الكفر والضلالة، وهذا قول أبي ~~مجلز لاحق بن حميد من التابعين، وهو قول الفراء وجماعة، وهو في معنى قوله ~~تعالى {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ~~سقفا من فضة} الآية. # فجعل تماديهم في الكفر سببا لتوسيع النعم عليهم، وكذلك قوله تعالى: {فلما ~~نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء} الآية، ومعناه: أبواب كل شيء ~~من الخيرات والنعم. # قالوا: والقول الأول أولى؛ لأنه عرف الطريقة بالألف واللام، فينصرف إلى ~~الطريقة المعروفة المعهودة شرعا وهي الإيمان. # وقوله: {لأسقيناهم ماء غدقا} أي: كثيرا. # تقول العرب: فرس غيداق إذا كان كثير الجري واسعة. # ومعناه: أكثرنا لهم المال والنعمة؛ لأن كثرة الماء سبب لكثرة المال. # PageV06P069 # وقوله: {لنفتنهم فيه} أي: لنبتليهم فيه، ونختبرهم فيه. # PageV06P069 # {صعدا (17) وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) } . # واستدل بهذا من قال: إن معنى الطريقة هو الكفر والضلالة؛ لأنه قال: ~~{ولنفتنهم فيه} وهذا لا يلزم من قال بالقول الأول؛ لأن كثرة النعم فتنة ~~للمؤمنين والكفرة جميعا. # وقوله: {ومن يعرض عن ذكر ربه} أي: عن الإيمان بربه {يسلكه عذابا صعدا} ~~أي: شاقا. # والعذاب الشاق هو النار، ومعناه: يدخله النار. # ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح. # أي شقت. # وعن ابن عباس: أن قوله: {صعدا} هو جبل في جهنم. # وقيل: هو صخرة من نار يكلف الصعود عليها، فإذا صعد عليها وقع في الدرك ~~الأسفل. # PageV06P070 # قوله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} اتفق القراء على ~~فتح الألف في هذه الآية، وعلة النصب أن معناه: ولأن المساجد لله، ثم حذفت ~~اللام فانتصب الألف. # وقيل: انتصبت لأن معناه: أوحى إلي أن المساجد لله. وسبب نزول هذه الآية ~~أن الجن قالوا للنبي: نحن نود أن نصلي معك، فكيف نفعل ونحن ناءون عنك؟ ~~فأنزل الله تعالى قوله: {وأن المساجد لله} ومعناه: ms1850 أنكم إن صليتم فمقصودكم ~~حاصل من عبادة الله تعالى، فلا تشركوا به أحدا، وهو معنى قوله: {فلا تدعوا ~~مع الله أحدا} ويقال: هو ابتداء كلام. # والمعنى: أن اليهود والنصارى يشركون في البيع والصوامع، وكذلك المشركون ~~في عبادة الأصنام، فأنتم أيها المؤمنون اعلموا أن الصلوات والسجود والمساجد ~~كلها لله، فلا تشركوا معه أحدا. # وفي المساجد أقوال: أحدها: أنها بمعنى السجود، وهي جمع مسجد. # يقال: سجدت سجودا ومسجدا والمعنى: أن السجود لله يعني: هو المستحق ~~للسجود. # والقول الثاني: أن المساجد هي المواضع المبنية للصلاة المهيأة لها، وهي ~~جمع مسجد، ومعنى قوله: {لله} نفي الملك عنها، أو معناه: الأمر بإخلاص ~~العبادة فيها لله. # والقول الثالث: أن المساجد هي الأعضاء التي يسجد عليها الإنسان من جبهته ~~ويديه وركبتيه وقدميه، والمعنى: أنه لا ينبغي أن يسجد على هذه الأعضاء إلا ~~لله. # PageV06P070 # {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) قل إنما أدعو ~~ربي ولا أشرك به أحدا (20) } . # وقد روى ابن عباس عن النبي أنه قال: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وألا ~~أكف ثوبا ولا شعرا ". # PageV06P071 # قوله تعالى: {وأنه لما قام عبد الله} فمن قرأ بالكسر ينصرف إلى قول الجن، ~~ومعناه: قال الجن: {وإنه} وقيل: ينصرف إلى قول الله أي: قال الله تعالى: ~~وإنه لما قام عبد الله ومن قرأ بالفتح معناه: أوحى إلي أنه لما قام عبد ~~الله. # فعلى القول الأول قوله: {كادوا يكونون عليه لبدا} ينصرف إلى أصحاب النبي ~~وعبد الله هو الرسول، والمعنى: أن الجن لما رأو النبي وأصحابه خلفه وشاهدوا ~~طواعيتهم له قالوا: كادوا يكونون عليه لبدا أي: يركب بعضهم بعضا من ~~الطواعية. # وعلى القول الثاني المعنى: هو أن الله تعالى حكى عن الجن أن الرسول لما ~~قرأ القرآن عليهم - يعني: على الجن - كادوا يكونون عليه لبدا أي: على ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - أي: يركب بعضهم بعضا لحب الإصغاء إلى ~~قراءته والاستماع إليها. # ويقال: إن الرسول كان صلى بهم وازدحموا عليه، وكاد يركب بعضهم بعضا. # وفي بعض التفاسير: كادوا ms1851 يسقطون عليه. # وأما على قراءة الفتح قوله: {كادوا يكونون عليه لبدا} ينصرف إلى الجن ~~أيضا، و (هو) أظهر القولين أن الانصراف إلى الجن. # ومن اللبد قالوا: تلبد القوم إذا اجتمعوا، ومنه اللبد، لأن بعضه على بعض. # وقيل: كادوا يكونون عليه لبدا أي: تلبدت الجن والإنس واجتمعوا على أن ~~يطفئوا نور الله لما قام الرسول يدعوه أي: يدعو الله، وقرئ: " لبدا " أي: ~~كثيرا. # واللبد أيضا اسم آخر نسر من نسور (نعمان) بن عاد، وكان عاش سبعمائة سنة. # وقيل في المثل: طال لبد على أمد. # PageV06P071 # قوله تعالى: {قل إنما أدعوا ربي} وقرئ: " قال إنما أدعوا ربي " في ~~التفسير: أن # PageV06P071 # {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن ~~أجد من دونه ملتحدا (22) إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله} ~~النضر بن الحارث قال للنبي: إنك جئت بأمر عظيم، وخالفت دين آبائك، وأن ~~العرب لا يوافقونك على هذا، فارجع إلى دين آبائك فأنزل الله تعالى قوله: ~~{قل إنما أدعوا ربي} أي: أوحد ربي {ولا أشرك به أحدا} أي: معه أحدا. # ويقال: إن هذا قاله مع الجن، وهو نسق على ما تقدم. # PageV06P072 # قوله تعالى: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} يعني: لا أملك ذلك بنفسي، ~~وإنما هو من الله تعالى وبعونه وتوفيقه) . # PageV06P072 # قوله تعالى: {قل إني لن يجيرني من الله أحد} روى أن النضر بن الحارث قال ~~له: ارجع إلى دين آبائك ولا تخف من أحد، فإنا نجيرك ونمنعك، فأنزل الله ~~تعالى: {قل إني لن يجيرني من الله أحد} أي: لن ينصرني ويمنعني من عذاب الله ~~أحد. # ويقال: إنه خطاب الجن نسقا على ما تقدم. # وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس: أن ابن مسعود خرج مع النبي ليلة الجن، ~~فازدحم الجن على النبي وتعاووا عليه، فقال واحد منهم يقال له وردان: يا ~~محمد، لا تخف فأنا أجيرك منهم، فأنزل الله تعالى: {قل إني لن يجيرني من ~~الله أحد} . # وقوله: {ولن أجد من دونه ms1852 ملتحدا} أي: ملجأ. # وقيل: مهربا. # ويقال: متعرجا. # PageV06P072 # وقوله: {إلا بلاغا من الله} أي: لا أملك شيئا من الضر والرشد إلا أن أبلغ ~~رسالة ربي أي: ليس بيدي إلا هذا وهذا التبليغ. # وقد قيل: ضرا ولا رشدا أي: لا أدفع عنكم ضرا، ولا أسوق إليكم خيرا، وليس ~~بيدي إلا أن أبلغ رسالة ربي. # وقوله: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} أي: ~~دائما. # PageV06P072 # قوله تعالى: {حتى إذا رأوا ما يوعدون} أي: القيامة، قاله سعيد بن جبير ~~وغيره. # وقيل: العذاب في الدنيا، قاله قتادة وغيره. # PageV06P072 # {فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون ~~من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي ~~أمدا (25) عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول ~~فإنه يسلك من بين يديه} # وقوله: {فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا} أي: وأقل جندا وأعوانا. # ويقال: معنى قوله: {وأقل عددا} أي: في القيامة. # وفي التفسير: أن الله تعالى يعطي المؤمنين من الأزواج والولدان والحور ~~والقهارمة (و) وما يكثر عددهم ويزيدوا على أهل بلدة كثيرة من بلاد الدنيا، ~~فهو معنى قوله: {فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا} فإن المشركين كانوا ~~يعيرون النبي والمؤمنين بقلة الناصر وقلة العدد، فقال: {فسيعلمون من أضعف ~~ناصرا وأقل عددا} أي: في القيامة، وإذا وصل كل أحد إلى مستقره. # PageV06P073 # قوله تعالى {قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا} أي: مدة ~~وغاية، والمعنى: لا أدري أنه يعجل لكم العذاب أو يؤخره، ويعجل لكم مدة ~~ومهلة. # وقد روى أن المشركين كانوا يستعجلونه العذاب، ويقولون: إلى متى توعدنا ~~العذاب؟ فأين العذاب؟ فأمره الله تعالى أن يكل ذلك إلى الله تعالى، وأن ~~يقول: إنه بيد الله لا بيدي. # PageV06P073 # قوله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا} أي: هو عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا # PageV06P073 # {إلا من ارتضى من رسول} فإنه يطلعه على غيبه بما ينزله عليه ms1853 من الآيات ~~والبينات. # وقوله: {فإنه يسلك من بين يديه} أي: يجعل من بين يديه {ومن خلفه رصدا} ~~أي: حفظة. # وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: ملائكة يحرسونه. # وفي التفسير: أن الله تعالى ما بعث وحيا من السماء إلا ومعه ملائكة ~~يحرسونه. # فإن قال قائل: ومن ماذا يحفظونه ويحرسونه؟ والجواب: أن الحفظ والحراسة ~~لخطر شأن # PageV06P073 # {من خلفه رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم ~~وأحصى كل شيء عددا (28) } . الوحي ولتعظيمه في النفوس، لا بحكم الحاجة إلى ~~الحراسة والحفظة. # يقال: إن الحفظ والحراسة من المسترقين للسمع، لئلا يسرقوا شيئا من ذلك ~~ويلقوه إلى الكهنة. # وقد ورد في الأخبار: " أن الله تعالى لما أنزل سورة الأنعام بعث معها ~~سبعين ألف ملك يحرسونها ". # وفي الآية دليل على أن من قال بالنجوم شيئا وادعى علما من الغيب بجهتها ~~فهو كافر بالقرآن. # وقد قال بعضهم: الطرق والجبت والكهان كلهم مضللون ودون الغيب أشاروا. # وقد ورد في الأخبار: " أن النبي نهى عن النظر في النجوم ". # والمعنى هو النظر فيها للقول بالغيب عنها، فأما النظر فيها للاهتداء أو ~~للاعتبار أو لمعرفة القبلة وما أشبه ذلك مطلق جائز. # PageV06P074 # وقوله تعالى: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} وقرئ: " رسالة ربهم " وهي ~~واحد الرسالات. # واختلف القول في قوله تعالى: {ليعلم} فأحد الأقوال هو أن معناه: ليعلم ~~محمد أن الرسل الذين كانوا قبله قد أبلغوا رسالات ربهم على ما أنزل إليهم. # والقول الثاني: أنه منصرف إلى الجن. # وقرئ: " ليعلم الجن أن قد أبلغ الرسل رسالات ربهم على ما أنزل إليهم ". # والقول الثالث: ليعلم المؤمنون. # والقول الرابع: ليعلم الله، أورده الزجاج وغيره. # فإن قال قائل: ما معنى قوله: ليعلم الله، وهو عالم # PageV06P074 # بالأشياء قبل كونها ووجودها؟ والجواب: أنا قد بينا الجواب فيما سبق في ~~مواضع كثيرة. # وقد قيل: ليعلم الله تعالى أن قد أبلغ الرسل رسالات ربهم شهادة ووجودا، ~~وقد كان يعلم ذلك غيبا. # وقوله: {وأحاط بما لديهم} أي: أحاط علمه بما عندهم. # وقوله: {وأحصى كل شيء عددا} أي: ms1854 وأحصى كل شيء معدودا. # ويقال: عد كل شيء عددا، وهذا على معنى أنه لا يخفى على الله شيء كثير أو ~~قليل، جليل أو دقيق. # والله أعلم. # PageV06P075 # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) } . # تفسير سورة المزمل # وهي مكية. # وعند بعضهم هي مكية إلا قوله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل} إلى آخر السورة. # PageV06P076 # قوله تعالى: {يا أيها ### | المزمل # } معناه: يا أيها المتزمل، أدغمت التاء في الزاي، ومثله قوله تعالى: {يا ~~أيها المدثر} أي: يا أيها المتدثر، أدغمت التاء في الدال. # قال ابن عباس: لما تراء له جبريل - صلوات الله عليه - في ابتداء الوحي ~~فرق منه فرقا شديدا، فرجع إلى بيته وتزمل بثيابه؛ فأنزل الله تعالى قوله: ~~{يا أيها المزمل} ثم إن جبريل - علي السلام - أكثر المجيء إليه حتى أنس. # قال إبراهيم النخعي: وكان متزملا في قطيفة. # وعن الضحاك في قوله: {يا أيها المزمل} يا أيها النائم. # وفي بعض الروايات أن جبريل - عليه السلام - جاء إليه وهو نائم، فقال: يا ~~أيها المزمل - أي النائم - قم، واتخذ لنفسك ظلا يوم لا ظل إلا ظله. # وفي بعض التفاسير عن عكرمة: {يا أيها المزمل} يا أيها المتزمل بالنبوة. # وهو غريب. # وأنشد في المزمل: # (كأن ثبيرا في عرانين وبلة ... كبير أناس في بجاد مزمل) . # وقرئ في الشاذ: " يا أيها المزمل ". # PageV06P076 # وقوله: {قم الليل إلا قليلا} أي: إلا شيئا يسيرا منه. # قال الكلبي: هو الثلث، ومعناه: قم (ثلثي) الليل. # وعن وهب بن منبه: إلا # PageV06P076 # {نصفه أو انقص منه قليلا (3) أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) } . ~~قليلا هو دون السدس. # PageV06P077 # وقوله: {نصفه} يدل على الليل أي: قم نصفه إلا قليلا. # وقيل في القليل على هذا القول: نصفه السدس. # وقوله: {أو انقص منه قليلا} أي: من النصف إلى الثلث. # PageV06P077 # وقوله {أو زد عليه} أي: زد على النصف إلى الثلثين. # والمعنى من الآية: إيجاب القيام عليه مع توسيع الأمر في المقدار. # وذكر النقاش أن قوله: " نصفه " معناه: أو نصفه. # وقوله: {ورتل ms1855 القرآن ترتيلا} أي: بينه تبيينا. # قال الضحاك: حرفا حرفا. # وحقيقة الترتيل هو الترسل في القراءة وإلقاء الحروف حقها من الإشباع بلا ~~عجل ولا (هذرمة) . # وروى أبو جمرة عن ابن عباس قال: لأن أقرأ سورة البقرة أرتل ترتيلا أحب ~~إلي من أن أقرأ جميع القرآن هذرمة. # وعن أنس أنه سئل عن قراءة النبي فقال: " كان يمد مدا ". # وفي الحكايات عن صدقة المقابري أنه قال: قمت ليلة وقرأت أحدر حدرا فرأيت ~~في المنام كأني أزرع شعيرا، ثم رتلت فرأيت في المنام كأني أزرع حنطة، ثم ~~حققت فرأيت في المنام كأني أزرع سمسما. # وقد صح برواية سعد بن هشام أنه قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: أخبريني ~~عن قيام رسول الله بالليل. # فقالت: ألست تقرأ سورة المزمل؟ قلت: نعم. # قالت: # PageV06P077 # {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) إن ناشئة الليل هي أشد وطئا} # " فرض الله تعالى قيام الليل على النبي وأصحابه، فقاموا سنة حتى تورمت ~~أقدامهم، ثم أنزل الله تعالى قوله: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل} فنسخ قيام الليل ". # وفي هذا الخبر أنه أنزل أول السورة وأمسك خاتمتها سنة. # وفي بعض الروايات: ستة عشر شهرا. # وفي بعض الغرائب من الروايات: عشر سنين. # PageV06P078 # قوله تعالى: {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} قال الحسن: ثقيلا العمل به. # وقال الزجاج: هو الصلاة والصيام وسائر الأوامر والنواهي، لا يفعلها ~~الإنسان إلا بتكلف يثقل عليه. # وعن قتادة قال: ثقيل والله حدوده وفرائضه. # وقيل: ثقيلا في الميزان يوم القيامة، قاله الحسن في إحدى الروايتين. # وقال الفراء: هو قول ثقيل، أي: ليس بخفيف ولا بسفساف، وهو ثقيل، أي: له ~~وزن بصحته وبيانه وتقشعه. # يقال: هذا كلام رزين صين أي: ليس بقول لا معنى له. # PageV06P078 # قوله تعالى: {إن ناشئة الليل} روي عن ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وسعيد ~~ابن جبير: أنه الليل كله. # وعن ابن عمر وأنس: هو ما بين المغرب والعشاء. # وعن الكسائي: أول الليل. # وعن بعضهم: من صلاة العشاء الأخيرة إلى الصبح، قاله الحسن والحكم بن ~~عتيبة. # وعن ms1856 ابن الأعرابي: هو أن يستيقظ بعد أن ينام. # وناشئة الليل: ساعات الليل، وحقيقته هي أن ساعات الناشئة من الليل، أي: ~~التي ينشأ بعضها في إثر بعض. # وقوله: {هي أشد وطئا} وقرئ: " وطاء " أما قوله: {وطأ} قال الأخفش سعيد ~~ابن مسعدة: أشد قياما. # والوطء في اللغة هي الثقل. # قال النبي " اشدد وطأتك على مضر ". # يقال: اشتد وطء السلطان في بلد كذا، أي: ثقله. # فعلى هذا معنى # PageV06P078 # {وأقوم قيلا (6) إن لك في النهار سبحا طويلا (7) } . # قوله: {أشد وطئا} أي: ثقلا. # والمعنى: أنه أثقل على البدن؛ لأنه وقت الراحة والسكون، فيكون القيام فيه ~~أثقل، وإذا كان القيام أثقل فالثواب أعظم، فإن الجهد إذا كان أشد، والعمل ~~أتعب، فالثواب أكبر، وهو المراد بالآية في هذه القراءة. # وأما القراءة الثانية أي: أشد مواطأة، ومعناه: موافقة بين السمع والبصر ~~والقلب، وذلك لقلة الحركات وهدء الأصوات، فإن بالنهار تكون العين مشتغلة ~~بالنظر، والأذن بالسمع، والقلب مشتغل بالتصرفات، فلا تقع الموافقة ~~بالاستماع والتفهم. # قال الفراء: {أشد وطأ} أي أجدر أن تحصوا مقادير قيامكم لفراغ قلوبكم. # وقوله: {وأقوم قيلا} قال الكلبي ومقاتل: أبين قولا. # وعن أنس أنه قرأ قوله: {أشد وطاء} " أهيأ وطاء " وهو قريب المعنى من ~~الأول. # وعن ابن مسعود أنه قال: ناشئة الليل هو جميع الليل بالحبشية، وهي معربة. # PageV06P079 # قوله تعالى: {إن لك في النهار سبحا طويلا} أي: فراغا طويلا للاستراحة. # وقال ابن قتيبة: سبحا طويلا، أي: تصرفا وإقبالا وإدبارا في أمورك. # وقرأ يحيى بن يعمر " سبخا طويلا " بالخاء المعجمة. # قال ثعلب: السبح هو الاضطراب، والسبخ هو السكون. # ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة - رضي الله عنها - في السارق منها: ~~" لا تستبخي برأيك عليه "، أي: لا تخففي. # PageV06P079 # {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرني} # PageV06P080 # وقوله: وقوله {واذكر اسم ربك} قال مقاتل: إذا قرأت فقل: بسم الله الرحمن ~~الرحيم عند افتتاح السورة. # وقيل: اذكر ربك. # وقوله: {وتبتل إليه تبتيلا} أي: انقطع إليه ms1857 انقطاعا. # ومنه العذراء البتول لمريم، أي: المنقطعة إلى الله تعالى في النسك. # وكذلك الزهراء البتول لفاطمة، أي: المنقطعة عن أقرانها في الفضل، ومنه ~~صدقة بتلة، أي: منقطعة خارجة من مال المتصدق بها. # وقيل: {وتبتل إليه تبتيلا} أي: أخلص له إخلاصا. # وذكر النقاش عن محمد بن علي الباقر: أنه رفع اليدين في الصلاة. # وعن زيد بن أسلم: أنه رفض الدنيا، وطلب ما عند الله تعالى. # PageV06P080 # قوله تعالى: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} قال الفراء: ~~كفيلا. # وقيل: إلها. # وقيل: كل أمورك. # PageV06P080 # قوله تعالى: {واصبر على ما يقولون} وهذا في ابتداء الإسلام قبل نزول آية ~~السيف، وكذلك قوله تعالى: {واهجرهم هجرا جميلا} وقد نسخ بآية السيف. # والهجر الجميل قيل: هو الذي لا جزع فيه. # PageV06P080 # قوله تعالى {وذرني والمكذبين} فإن قال قائل: أيش معنى قوله: {وذرني ~~والمكذبين} ولا حائل يحول عنهم؟ # والجواب: أن العرب تقول ذلك وإن لم يكن ثم حائل ولا مانع على ما بينا. # وقوله: {أولي النعمة} أي: التنعم. # وفي بعض الأخبار عن النبي قال: " إن # PageV06P080 # {والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما (12) ~~وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) } . عباد الله ليسوا بمتنعمين ". # وقوله: ومهلهم قليلا) أي: أمهلهم مدة قليلة. # قالت عائشة رضي الله عنها: لم يكن بين نزول هذه الآية ووقعة بدر إلا شيئا ~~(يسيرا) . # وقد قيل: إن الآية نزلت في بني المغيرة، وهو مغيرة بن عبد الله بن عمر بن ~~مخزوم. # ويقال: إنها نزلت في اثني عشر رهطا من قريش، هم المطعمون يوم بدر. # PageV06P081 # قوله تعالى: {إن لدينا أنكالا} أي: قيودا. # وقالت الخنساء: # (دعاك فقطعت أنكاله ... ولولاك يا صخر لم تقطع) . # وقال أبو عمران الجوني: إن لدينا أنكالا أي: اللجم من النار. # وقوله: {وجحيما} قد بينا. # PageV06P081 # وقوله: {وطعاما ذا غصة} قال مجاهد: هو الزقوم، وقيل: هو شوك يحصل في ~~الحلق، فلا ينزل ولا يخرج. # وقيل: هو الضريع. # وفي الحكايات أن الحسن البصري طوى ثلاث ليال ولم يفطر، وكان كلما قدم ~~إليه الطعام ذكر هذه الآية ms1858 فيأمر برفعه، حتى أكره من بعد على شربة سويق. # وقد ورد في بعض الغرائب من الأخبار " أن النبي قرئ عنده هذه الآية فصعق ~~صعقة "، # PageV06P081 # {يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) إنا أرسلنا إليكم ~~رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) فعصى فرعون الرسول ~~فأخذناه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (17) ~~} . وهو غريب جدا. # قوله: {وعذابا أليما} أي: موجعا. # وفي بعض الأخبار أن الله تعالى يحب النكل على النكل. # أي: الرجل القوي المجرب على الفرس المجرب. # PageV06P082 # قوله تعالى: {يوم ترجف الأرض والجبال} أي: تتزلزل، ومنه الرجفة، أي: ~~الزلزلة. # وقوله: {وكانت الجبال كثيبا مهيلا} أي: رملا سائلا. # ويقال: المهيل هو الذي إذا أخذ الطرف منه انهال الطرف الآخر. # PageV06P082 # قوله تعالى: {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم} وهو محمد. # وقوله تعالى: {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} هو موسى صلوات الله عليه. # PageV06P082 # وقوله: {فعصى فرعون الرسول} أي: خرج عن أمره. # وقوله: {فأخذناه أخذا وبيلا} أي: شديدا. # يقال: طعام وبيل إذا أكله الإنسان فلم يستمرئه. # وقيل وبيلا: ثقيلا. # PageV06P082 # قوله تعالى: {فكيف تتقون إن كفرتم يوما} أي: كيف تتقون [إن كفرتم من عذاب ~~يوم؟] ثم وصف اليوم فقال: {يجعل الولدان شيبا} وهذا على طريق كلام العرب في ~~ذكر شدة اليوم، فإنهم يقولون: هو يوم تشيب [فيه] النواصي، ويوم يبيض فيه ~~القار. # فالمراد من الآية هو الإخبار عن شدة الأمر. # وفي التفسير: أنه يشيب فيه ولدان الكفار لا ولدان المؤمنين. # PageV06P082 # {السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ~~ربه سبيلا (19) إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ~~وطائفة من} # PageV06P083 # وقوله: {السماء منفطر به} قد ورد عن كثير من السلف أن قوله: {منفطر به} ~~أي: بالله، وهو نزول يوم القيامة لفصل القضاء بلا كيف. # وقيل: السماء منفطر به أي: فيه، يعني أن السماء منشقة في يوم القيامة. # ذكره أبو جعفر النحاس، وذكر أنه أحسن المعاني. # وقوله: {كان وعده مفعولا} أي: متحققا كائنا ms1859 لا محالة. # PageV06P083 # قوله تعالى: {إن هذه تذكرة} أي: السورة تذكرة عبرة عظة. # قوله: {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} أي: طريقا ووجهة إلى الله تعالى. # PageV06P083 # قوله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه} وقرئ: " ~~ونصفه " فمن قرأ بفتح الفاء نصبه على تفسير الأدنى، ومن قرأ بكسر الفاء، ~~أي: أدنى من نصفه. # وقوله: {وثلثه} معطوف [على] النصف في القراءتين. # وقوله: {وطائفة من الذين معك} قد بينا أن النبي وأصحابه قاموا حولا حتى ~~تورمت أقدامهم. # وفي التفسير: أنهم كانوا يقومون جميع الليل مخافة أن ينقصوا من المقدار ~~المفروض. # واختلف القول في أنه كان القيام مفروضا على النبي وجميع أصحابه أو على ~~النبي وحده؟ # ففي أحد القولين: أنه كان مفروضا عليه وعلى جميع أصحابه. # وفي قول آخر: كان مفروضا عليه وحده [ذكره] أبو الحسن الماوردي، وذكر أيضا ~~قولين في أنه هل بقي عليه قيام الليل بعد النسخ؟ # PageV06P083 # {الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ~~ما تيسر من القرآن} # فأحد القولين: أن النسخ كان في حق الصحابة، وأما في حقه بقي إلى أن توفاه ~~الله تعالى. # والقول الثاني: أنه صار منسوخا في حقه والصحابة جميعا، وإنما بقى التنفل ~~والتطوع به فحسب. # وقوله: {والله يقدر الليل والنهار} أي: لا يفوت عن علمه ساعات الليل ~~والنهار، فيعلم ما يقومون من ذلك وما يتركون. # وقوله: {علم أن لن تحصوه} أي: لن [تطيقوه] . # والمعنى: أنه يشق عليكم معرفة مقدار المفروض والقيام بالأمر، وذلك لأن ~~الإنسان إذا نام ثم استيقظ لا يدري وكم نام وكم بقي من الليل، وقد كان الله ~~تعالى فرض قيام الليل على مقدار معلوم، وهو لا ينقص من الثلث، ويبلغ ~~الثلثين إن أراد. # وقوله: {فتاب عليكم} أي: نسخة عليكم ورفضه، ومعنى التوبة هو الرفع والعفو ~~هاهنا. # وقوله: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} فيه قولان: # أحدهما: صلوا ما تيسر من (الصلاة) ، وهذا على طريق النافلة والتطوع لا ~~على طريق الفرض. # وقال الحسن وقتادة: يجب قيام الليل ms1860 ولو حلب شاة لهذه الآية. والأصح هو ~~القول الأول؛ " لأنه قد ثبت أن النبي جاءه أعرابي ثائر الرأس يسمع دوي ~~صوته، ولا يفهم ما يقول ... الخبر إلى أن قال: هل على غيرهن؟ قال: لا، إلا ~~أن # PageV06P084 # {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله} # تطوع ". # فدل هذا الخبر أن قيام الليل ليس بمفروض، وفيه إجماع. # والقول الثاني: [أن] قوله: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} أي: فاقرءوا في ~~الصلاة ما تيسير من القرآن من غير توقيف ولا تقدير. # وهذا على قول الشافعي وعامة العلماء فيما وراء الفاتحة. # وقد ذكر أبو [الحسن] الدارقطني في كتابه بإسناده عن قيس بن أبي حازم أنه ~~قال: صليت خلف ابن عباس فقرأ الفاتحة في الركعة الأولى، وقرأ الآية الأولى ~~من سورة البقرة، ثم قام في الركعة الثانية وقرأ الفاتحة والآية الثانية من ~~سورة البقرة، فلما فرغ قرأ قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} يعني: ~~أنه الذي تيسر. # قال علي بن عمر وهو الدارقطني: هو دليل على قول من يقول أن ما تيسير هو ~~ما وراء الفاتحة. # وقوله: {علم أن سيكون منكم مرضى} أي: (ذوو) مرض. # قوله: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} أي: التجار وسائر ~~المسافرين. # وقوله: {وآخرون يقاتلون في سبيل الله} أي: الغزاة. # والكل بيان وجوه المشقة في قيام الليل. # PageV06P085 # {فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (20) } . # وقوله: {فاقرءوا ما تيسر منه} معناه على ما بينا. # وقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} أي: الصلوات الخمس المفروضة، ~~والزكاة المفروضة. # وقيل بأن الزكاة هاهنا: زكاة الرءوس، وهي زكاة الفطر. # وقيل: {وأقرضوا الله قرضا حسنا} قد ذكرنا من قبل. # وقيل: هو جميع النوافل ووجوه الصلاة. # وقيل: هو قوله: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. # ويقال: إنه النفقة على الأهل. ms1861 # وقوله: {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله} أي: ثوابه عند الله ~~يوم القيامة. # وقوله: {هو خيرا وأعظم} نصبه على أنه مفعول ثان من تجدوه. # وقيل: هو فصل كلام، ذكره الأزهري. # وقوله: {وأعظم أجرا} معطوف على الأول. # وقوله: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} ظاهر المعنى والله أعلم. # PageV06P086 # تفسير سورة المدثر # وهي مكية # وذكر جابر بن عبد الله أنها أول سورة أنزلت من القرآن. # وروى أن النبي قال: " جاورت بحراء شهرا، فلما نزلت واستبطنت الوادي نوديت ~~يا محمد، فنظرت من قدامي وخلفي ويميني وشمالي فلم أر أحدا، فنوديت ثم نوديت ~~ثم نوديت، فرفعت رأسي فإذا هو في العرش في الهواء. # يعني جبريل عليه السلام، فجئثت منه فرقا، فرجعت إلى البيت وقلت: زملوني ~~دثروني ". # وفي رواية: " صبوا علي ماء باردا، ثم جاءني جبريل فقال: {يا أيها المدثر ~~قم فأنذر} . # ومن المعروف أن أول ما نزل من القرآن سورة اقرأ، ونبين من بعد ويمكن ~~الجمع بين الروايتين فيقال: إن سورة اقرأ أول ما نزل من القرآن حين بدئ ~~بالوحي، وسورة المدثر أول ما نزل بعد فتور الوحي، والله أعلم. # PageV06P087 # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها المدثر (1) ثم فأنذر (2) } . # PageV06P088 # قوله تعالى: {يا أيها ### | المدثر # } معناه: يا أيها المتدثر، مثل قوله: {يا أيها المزمل} أي: المتزمل. # والفرق بين الشعار والدثار، أن الشعار هو الثوب الذي يلي جلد الإنسان، ~~والدثار هو الثوب الذي فوق ذلك. # وقد روى معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول ~~الله يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: " بينما أنا أمشي سمعت صوتا من ~~السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء [جالسا] على كرسي بين ~~السماء والأرض، فجئثت منه رعبا، فرجعت وقلت: زملوني دثروني، فأنزل الله ~~تعالى: {يا أيها المدثر} ، وهذا خبر متفق على صحته. # قال رضي الله عنه: أخبرنا به أبو محمد عبد الله بن محمد ابن أحمد، أخبرنا ~~أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أخبرنا أبو بكر محمد ms1862 بن زكريا ~~[العذافري] ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أخبرنا عبد الرزاق عن معمر ~~... الخبر. # PageV06P088 # قوله تعالى: {قم فأنذر} قال أبو الحسين بن فارس: القيام في لغة العرب على ~~وجهين: قيام جد وعزم، وقيام انتصاب، فقيام الانتصاب معلوم، وقيام الجد ~~والعزم فهو مثل قول الشاعر: # (قد رضيناه فقم فسمه ... ) # قاله لبعض الخلفاء في بعض ولاة العهد. # وقال الضحاك: كان النبي قائما فنزل # PageV06P088 # {وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) } . {يا أيها المدثر} أي: النائم. # {قم فأنذر} أي: قم من النوم وأنذر الناس. # PageV06P089 # وقوله: {وربك فكبر} أي: عظمه، ودخلت الفاء بمعنى جواب الجزاء. # وقيل: ربك فكبر، أي قل: الله أكبر. # PageV06P089 # وقوله: {وثيابك فطهر} قال مجاهد وقتادة معناه: لا تلبسها على غدر وفجور. # وقال السدي: وعملك فأصلح. # وقال الشاعر في القول الأول: # (وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع) # وقال السدي: تقول العرب فلان نقي الثياب إذا كانت أعماله صالحة، وفلان ~~دنس الثياب إذا كانت أعماله خبيثة. # وقيل: " وثيابك فطهر " أي: قلبك فأصلح. # قال امرؤ القيس: # (فإن يك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل) # وقال طاوس: وثيابك فطهر، أي: قصر، فإن الثوب إذا طال انجر على الأرض ~~فيصيبه ما ينجسه. # وقال عمر في رجل يجر ثيابه: قصر من ثيابك فإنه أنقى وأبقى وأتقى. # وعن ابن سيرين في قوله: {وثيابك فطهر} أي: [اغسلها] ، من النجاسات. # وهو قول مختار عند الفقهاء. # وذكر الزجاج أن التطهير هو التقصير على ما ذكرنا عن طاوس. # وقيل: ونساءك فأصلح، أي: تزوج المؤمنات العفيفات. # وقد بينا أن اللباس يكنى # PageV06P089 # {والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) فإذا نقر في ~~الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكافرين غير يسير (10) } . به عن ~~النساء، فكذلك يجوز في الثياب. # PageV06P090 # وقوله: {والرجز فاهجر} قال مجاهد وإبراهيم معناه: فاهجر، أي: ابعد، ~~والقول الثاني: في الأوثان فاهجر، وهو قول معروف. # وقد قرئ: " والرجز فاهجر " لهذا المعنى. # وقال الفراء: الرجز والرجز بمعنى واحد. # وقيل: الرجز هو الرجس، يعني: اجتنب الرجاسات والنجاسات. # وعلى هذا القول ms1863 أبدلت السين بالزاي. # ويقال: الرجز هو العذاب، والمعنى: اجتنب ما يؤدي إلى العذاب. # PageV06P090 # وقوله {ولا تمنن تستكثر} وقرأ ابن مسعود: " ولا تمنن أن تستكثر ". # قال الكسائي: سقطت " أن " فارتفع. # وقال الحسن معناه: لا تمن بعطائك على أحد. # وذكر الاستكثار لأنه إنما يمن إذا رآه كثيرا. # والقول المعروف: لا تعط أحدا لتعطي أكثر مما تعطي. # قال إبراهيم: وهذا في حق النبي خاصة؛ لأن الله تعالى أمره بأشرف الآداب ~~وأجل الأخلاق، فأما في حق غيره فلا بأس به. # رواه المغيرة بن مقسم الضبي عن إبراهيم. # وقد حكى هذا الذي قلناه عن غير إبراهيم. # PageV06P090 # وقوله: {ولربك فاصبر} قال مجاهد: على ما أوذيت. # وقيل: على الحق وإبلاغ الرسالة. # وعن إبراهيم قال: ولربك فاصبر حتى تثاب على عملك. # أورده النحاس عنه. # PageV06P090 # قوله تعالى {فإذا نقر في الناقور} أي: الصور. # ويقال: هو النفخة الأولى. # ويقال: هو الثانية. # وقد روى أن زرارة بن أبي أوفى كان يصلي بقوم فقرأ: {فإذا نقر في الناقور} ~~فخر مغشيا [عليه] . # وقيل: إنه شبه البوق. # PageV06P090 # وقوله: {فذلك يومئذ يوم عسير} أي: شديد # PageV06P090 # {على الكافرين غير يسير} أي: # PageV06P090 # {ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) } ~~. غير هين ولا لين. # PageV06P091 # {قوله تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدا} قوله: {ذرني} معناه: دعني. # وقد بينا وجه ذلك. # وقوله: {وحيدا} فيه قولان: أحدهما: خلقته وحده لا مال له ولا ولد. # والثاني: خلقته وحدي لم يشركني في خلقه غيري، وهو الوليد بن المغيرة على ~~قول أكثر المفسرين. # PageV06P091 # وقوله: {وجعلت له مالا ممدودا} فيه أقوال كثيرة: أحدها: أنه ألف دينار، ~~قاله ابن عباس # وعن سفيان: أربعة آلاف دينار، وقال قتادة: ستة آلاف دينار. # وعن مجاهد في بعض الروايات: مائة ألف دينار. # والقول الأول معروف؛ لأن الحساب يمتد إليه فيقطع. # وعن عمر بن الخطاب: غلة شهر بشهر. # وقد ورد أنه كان له بستان بالطائف لا ينقطع دخله شتاء ولا صيفا. # ويقال: هو المال الذي يستوعب جميع وجوه المكاسب من التجارة والزرع والضرع ~~وغير ذلك. # وعن ابن عباس في ms1864 بعض الروايات: كانت له الإبل المؤبلة والخيل المسومة ~~والأنعام من الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة وغير ذلك. # PageV06P091 # قوله تعالى: {وبنين شهودا} في التفسير: أنه كان له [عشرة] بنين، وقيل: ~~ثلاثة عشر. # وقيل: غير ذلك. # وقوله: {شهودا} أي: حضور لا يغيبون عنه لحاجة أو لخوف. # (رواه مسلم) . # PageV06P091 # {ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا ~~(16) سأرهقه صعودا (17) } . # [و] من بنيه أسلم اثنان: خالد بن الوليد، وهشام بن الوليد، والباقون ~~ماتوا في الجاهلية. # PageV06P092 # وقوله: {ومهدت له تمهيدا} التمهيد هو التهيئة والتوطئة. # وقيل: وسعت عليه الأمر توسيعا. # (ويقال) : بسطت له ما بين اليمن والشام. # أي: في التجارة. # وقيل: التمهيد هو تيسير أسباب المعيشة، كأنه كان يتيسر عليه كل ما كان ~~يطلبه ويريده من أسبابها. # PageV06P092 # وقوله: {ثم يطمع أن أزيد} وروى أن النبي لما ذكر ما أعد الله تعالى ~~للمسلمين من نعيم الجنة، قال الوليد بن المغيرة: أنا أيسركم وأكثركم بنين، ~~فأنا أحق بالجنة منكم، فأنزل الله تعالى: {ثم يطمع أن أزيد كلا} أي: لا ~~أزيد. # وقيل هذا في الدنيا، وقد أعسر من بعد واحتاج. # وقوله: {إنه كان لآياتنا عنيدا} أي: معاندا. # وقيل: جاحدا. # PageV06P092 # وقوله: {سأرهقه صعودا} الإرهاق في اللغة: هو حمل الرجل على (الشيء) . # وقوله: {صعودا} روى أبو سعيد الخدري عن النبي قال: " هو جبل من نار يتصعد ~~فيه سبعين خريفا ثم يهوى به كذلك فيه أبدا ". # ذكره أبو عيسى الترمذي في كتابه، وروى أنه صخرة من نار إذا وضع يده عليها ~~ذابت، وإذا رفعها عادت. # PageV06P092 # {إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ~~ثم عبس وبسر (22) } . # قال الكلبي: يجر من قدامه بالسلاسل ويضرب من خلفه بالمقامع فإذا صعد ~~عليها هوى هكذا أبدا. # ويقال الصعود: العقبة الشاقة. # وهذا القول قريب مما ذكرنا. # PageV06P093 # قوله تعالى: {إنه فكر} أي: تدبر. # وقوله: {وقدر} هو بمعنى التفكر أيضا. # PageV06P093 # وقوله: {فقتل كيف قدر} أي: لعن كيف قدر. # قال صاحب النظم معناه: لعن على أي حال قدر ما قدر. # PageV06P093 # وقوله: {ثم ms1865 قتل كيف قدر} على وجه التأكيد، ومعناه ما بينا. # PageV06P093 # وقوله: {ثم نظر} أي: برأيه وعقله في أمر النبي. # وروى إسحاق [بن] إبراهيم الحنظلي في كتابه بإسناده عن مجاهد أن المشركين ~~اجتمعوا عند الوليد بن المغيرة وقالوا: هذا الموسم يأتي ويقدم فيه الناس، ~~ويسألوننا عن هذا الرجل، فإن سألونا نقول: إنه شاعر. # فقال الوليد: إنهم يسمعون كلامه ويعلمون أنه ليس بشاعر. # فقالوا: نقول: إنه مجنون: فقال: إنهم يسمعون حديثه فيعلمون أنه عاقل. # فقالوا: نقول إنه كاهن. # فقال: إنهم قد رأوا الكهنة فيعلمون أنه ليس بكاهن. # قالوا: فماذا نقول؟ فحينئذ فكر وقدر ونظر. # PageV06P093 # وقوله تعالى: {ثم عبس وبسر} أي: قطب وجهه. # يقال للقاطب: وجهه باسر. # وقيل: العبوس بعد المحاورة، والبسور قبل المحاورة. # والأصح أنهما بمعنى واحد، وإنما قال ذلك؛ لأن الإنسان إذا أهمه الأمر، ~~وجعل يتفكر فيه، ويؤتى بعبس وجهه كالمتكاره بشيء. # ثم إن الوليد لما فعل جميع ما فعل للقوم [قال] : قولوا: إنه ساحر؛ فإن ~~الساحر يبغض بين المتحابين، ويحبب بين # PageV06P093 # {ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول ~~البشر (25) سأصليه سقر (26) وما أدراك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28) } ~~. # المتباغضين، وإن محمدا كذلك، فخرجوا واجتمعوا على هذا القول، وجعلوا ~~يقولون لكل من يلقاهم: إنه ساحر، فهو معنى قوله تعالى: {فقال إن هذا إلا ~~سحر يؤثر} أي: القرآن. # وقوله: {يؤثر} أي: يأثره عن غيره. # كانوا يقولون: إنه يتعلم من غلام ابن الحضرمي، وقيل غيره. # وقوله: {ثم أدبر واستكبر} أي: تولى وتكبر. # PageV06P094 # قوله: {إن هذا إلا قول البشر} أي: القرآن قول البشر، ليس بقول الله ~~تعالى. # PageV06P094 # وقوله تعالى: {سأصليه سقر} سأدخله، وسقر اسم من أسماء جهنم. # قال ابن عباس: هو الدرك الخامس، والدركات سبع كلها في القرآن: جهنم لظى، ~~والجحيم، وسقر، وسعير، والهاوية، والحطمة. # PageV06P094 # وقوله: {وما أدراك ما سقر} قاله تعظيما لأمر السقر. # PageV06P094 # وقوله: {لا تبقي ولا تذر} قال مجاهد: لا تبقى حيا فيستريح، ولا ميتا ~~فيتخلص، وهو معنى قوله تعالى: {لا يموت فيها ولا يحيى} . # ويقال: ms1866 {لا تبقى ولا تذر} أي لا تبقى لحما ولا عظما (ولا تذر) أي: إذا ~~أحرقت الكل لم تذر؛ لأنه يعود خلقا جديدا. # وقيل: لا تبقى أحدا من الكافرين، أي: تأخذ جميع الكافرين ولا تذرهم من ~~العذاب وقتا ما، أي: تحرقهم أبدا. # وفي بعض التفاسير: أن كل شيء يسأم ويمل سوى جهنم. # PageV06P094 # وقوله: {لواحة للبشر} أي محرقة. # قال أبو رزين: تحرقهم حتى يصيروا سودا # PageV06P094 # {لواحة للبشر (29) عليها تسعة عشر (30) وما جعلنا أصحاب النار إلى ملائكة ~~كالليل المظلم. # وقيل: لواحة للبشر أي: تحرق اللحم حتى تلوح العظم. # ويقال معناه: أن بشرة أجسادهم تلوح على النار، حكى هذا عن مجاهد. # وقيل: لواحة للبشر، أي: معطشة للبشر، قال الشاعر: # (سقتني على لوح من الماء شربة ... سقاها به الله الرباب والغواديا} # PageV06P095 # وقوله: {عليها تسعة عشر} أي: من الزبانية وخزنة النار. # وفي التفسير: أن من منكب أحدهم إلى المنكب الآخر مسيرة سنة، ويأخذ بكفه ~~مثل عدد ربيعة ومضر، ويدفع في النار بدفعة واحدة سبعين ألفا. # وقيل: تسعين ألفا، وأعينهم كالبرق الخاطف، وأسنانهم كصياص البقر. # وذكر الكلبي أن لهم من الأعوان والجند ما لا يعلم عددهم إلا الله تعالى. # PageV06P095 # وقوله تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلى ملائكة} سبب نزول هذه الآية أن ~~النبي لما أخبر بعدد الزبانية، وقال أبو جهل: أرى محمدا يوعدكم بتسعة عشر ~~وأنتم الدهم، أفلا تقرنون معهم ليعمد كل عشرة منكم إلى واحد فيدفعه. # وقال أبو الأسد بن كلدة - وكان رجلا من بني جمح -: أنا أتقدمكم على ~~الصراط، فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر، ونمر إلى الجنة. # وقال: كلدة بن أسيد: أنا أكفيكم سبعة عشر، فاكفوني أنتم اثنين؛ فأنزل ~~الله تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} أي: هؤلاء التسعة عشر من ~~الملائكة، وكيف تطيقونهم؟ وروى أن المسلمين لما سمعوا منهم هذا قالوا: ~~تقيسون الملائكة بالحدادين؟ أي: (السجانين) . # PageV06P095 # {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستقين الذين أوتوا الكتاب ~~ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول ~~الذين في قلوبهم ms1867 مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من ~~يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو} # وقوله تعالى: {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} أي: منحة وبلية حتى ~~قالوا ما قالوا. # وقوله: {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} أي: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب أن ~~محمدا قال ما قال من الله تعالى؛ فإنه وافق هذا العدد الذين (وعدوا) في ~~التوراة والإنجيل. # وقوله: {ويزداد الذين آمنوا إيمانا} أي: يزداد الذين آمنوا من أهل الكتاب ~~إيمانا. # وقيل: يزداد جميع المؤمنون إيمانا إذا رأوا ما قاله النبي موافقا لما ~~حكاه أهل الكتاب. # وقوله: {ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون} أي: لا يشكوا في العدد ~~إذا وجدوا التوراة والإنجيل والقرآن متفقة على هذا العدد. # وقوله: {وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا} ~~أي: كيف ذكر الله هذا العدد وخص الزبانية به؟ وهو تفسير قوله تعالى: {إلا ~~فتنة للذين كفروا} . # وقوله: {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} يعني: كما أضل الكفار بهذا ~~العدد، وهدى المؤمنين لقبوله، كذلك يضل الله من يشاء، ويهدي من يشاء بما ~~ينزل من القرآن. # وقوله تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} روى أن الكفار لما سمعوا هذا ~~العدد # PageV06P096 # {وما هي إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) والليل إذا أدبر (33) ~~والصبح إذا أسفر (34) إنها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر (36) } . قالوا: ~~ما أقل هذا العدد؛ فأنزل الله تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} أي: له من ~~الجنود سوى هذا العدد ما لا يعلم عددها إلا هو. # وقوله: {وما هي إلا ذكرى للبشر} أي: هذه الآية عظة وعبرة للبشر. # PageV06P097 # قوله تعالى: {كلا والقمر} كلا: هو رد لما قالوا. # وقوله: {والقمر} ابتداء قسم. # PageV06P097 # وقوله: {والليل إذا أدبر} وقرئ: {إذا أدبر} أي: تولى وذهب. # وقوله: {إذا أدبر} أي: إذا جاء خلف النهار. # وروى أن عبد الله بن عباس سئل عن قوله: {والليل إذا أدبر} فقال للسائل: ~~امكث. # فلما أذن المؤذن للصبح قال: هذا حين دبر الليل. # وقد ms1868 أنكر بعضهم هذه القراءة. # وقالوا: إذا دبر، إنما يقال في ظهر البعير. # والصحيح ما بينا، وهما قراءتان معروفتان. # وقال الكسائي والفراء: دبر وأدبر بمعنى واحد. # PageV06P097 # وقوله: {والصبح إذا أسفر} أي: تبين وأضاء. # يقال: سفرت المرأة عن وجهها، (وسفر) الرجل بيته إذا كنسه حتى كشف عن تراب ~~البيت. # PageV06P097 # وقوله: {إنها لإحدى الكبر} أي: القيامة لإحدى العظائم. # ويقال: الكبر دركات جهنم. # وقوله: {إنها لإحدى الكبر} أي: سقر إحدى دركات جهنم، فينصرف (إلى ما) ~~ذكرنا. # PageV06P097 # وقوله: {نذيرا للبشر} أي: إنذارا للبشر. # وذكر النحاس أنه رجع إلى قوله: # PageV06P097 # {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا ~~أصحاب اليمين (39) في جنات يتساءلون (40) عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر ~~(42) قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع ~~الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين (47) فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين (48) } . # {قم} أي: قم نذيرا للبشر. # PageV06P098 # وقوله: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} أي: يتقدم إلى الإيمان أو يتأخر ~~عنه. # PageV06P098 # وقوله: {كل نفس بما كسبت رهينة} أي: مرتهنة. # PageV06P098 # وقوله: {إلا أصحاب اليمين} فليسوا بمرتهنين؛ لأنه ليست لهم ذنوب. # قال زاذان عن علي: هم ولدان المسلمين. # وقيل: هم الأنبياء. # وقيل: هم الذين يعطون الكتاب بأيمانهم. # وقيل: هم الذين أخذوا من صلب آدم من الجانب الأيمن، وقال الله تعالى لهم: ~~هؤلاء في الجنة ولا أبالي. # وعن ابن عباس: أنهم الملائكة. # PageV06P098 # وقوله: {في جنات} أي: بساتين. # وقوله: {يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر} أي: ما أدخلكم في سقر، ~~وإنما سألوا عن ذلك؛ لأنهم لم يعرفوا الذنوب، وهذا يصح إذا حملنا على ~~الملائكة وولدان المسلمين، وأما إذا حملنا على غيرهم، فهو سؤال مع المعرفة، ~~ويجوز أن يسأل الإنسان عن غيره مع معرفة حاله. # PageV06P098 # قوله تعالى: {قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع ~~الخائضين} قال قتادة: كلما غوى قوم غوينا معهم. # وقيل: كنا نخوض مع الخائضين في أمر محمد، وننسبه إلى السحر والشعر وغير ~~ذلك. # PageV06P098 # وقوله: {وكنا ms1869 نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين} أي: الموت. # PageV06P098 # وقوله: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} لأنهم كفرة، فلا يكون لهم شفيع ولو # PageV06P098 # {فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة ~~(51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) كلا بل لا يخافون ~~الآخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) } . كان لم ينفعهم. # وفي التفسير: أن هذا حين يخرج قوم من المؤمنين من النار بشفاعة الأنبياء ~~والرسل والملائكة والعلماء والصديقين، وكل هذا مروي [في] الأخبار، ويبقى ~~الكفار في النار على الخصوص. # PageV06P099 # وقوله: {فما لهم عن التذكرة معرضين} أي: العظة والعبرة. # PageV06P099 # وقوله: {كأنهم حمر مستنفرة} وقرئ: {مستنفرة} بفتح الفاء. # وقوله: {مستنفرة} نافرة. # وقوله: {مستنفرة} أي: مذعورة. # PageV06P099 # وقوله: {فرت من قسورة} قال ابن عباس وأبو هريرة: هو الأسد. # وقال ابن عباس: يقال بالعربية الأسد، وبالحبشية القسورة، وبالفارسية شير، ~~وبالنبطية أريا. # وعن أبي موسى الأشعري فرت من قسورة: هم النقابون. # وقيل: هم رماة النبل. # PageV06P099 # وقوله: {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة} روى أن الكفار قالوا: ~~لا نؤمن بك يا محمد حتى تأتي كل واحد منا كتابا من الله أن آمن بمحمد فإنه ~~رسولي. # PageV06P099 # وقوله: {كلا} أي: لا يؤتون هذه الصحف. # وقيل: كلا أي: لو أوتوا هذه الصحف لم يؤمنوا. # وقوله: {بل لا يخافون الآخرة} أي: لو خافوا لم يطلبوا هذه الأشياء. # PageV06P099 # وقوله: {كلا إنه تذكرة} أي: القرآن عظة وعبرة. # PageV06P099 # وقوله: {فمن شاء ذكره} أي: اتعظ به واعتبر به، ثم رد المشيئة إلى نفسه ~~فقال: # PageV06P099 # {وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56) } . # PageV06P100 # {وما يذكرون إلا أن يشاء الله} أي: لا يعتبرون ولا يتعظون إلا بمشيئتي. # وقوله: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} أي: أهل أن أبقى خالدا في الجنة من ~~اتقى، ولم يجعل معي إلها. # {وأهل المغفرة} أي: من اتقى ولم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له. # وفي هذا خبر مسند برواية أنس عن النبي على نحو هذا المعنى ذكره أبو عيسى ~~في كتابه. # وعن ms1870 محمد بن النضر بن الحارث في هذه الآية أن قوله: {هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة} المعنى: أنا أهل أن أتقي بترك الذنوب {وأهل المغفرة} أي: وأنا أهل ~~أن أغفر للمذنبين إن لم يتقوا. # وذكر الأزهري في قوله {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة} قولا ~~آخر: هو أن المشركين قالوا: كانت بنو إسرائيل إذا أذنب الواحد منهم ذنبا ~~ظهر ذنبه مكتوبا على باب داره، فما بالنا لا يكون لنا ذلك إن كنا مذنبين؛ ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبر على هذا المعنى، وأخبر أنه لا يفعل ذلك ~~لهذه الأمة، وأن ذلك كان مخصوصا ببني إسرائيل. # والله أعلم. # PageV06P100 # بسم الله الرحمن الرحيم # {لا أقسم بيوم القيامة (1) . # تفسير سورة القيامة # وهي مكية # وعن عمر - رضي الله - عنه أنه قال: من أراد أن يشاهد القيامة فليقرأ سورة ~~القيامة. # وعن المغيرة بن شعبة أنه قال: يقولون القيامة ومن مات فقد قامت قيامته. # أورد هذين الأثرين النقاش في تفسير. # PageV06P101 # قوله تعالى: {لا أقسم بيوم ### | القيامة} # قال سعيد بن جبير معناه: أقسم بيوم القيامة. # وعنه أيضا أنه سأل ابن عباس عن قوله: {لا أقسم بيوم القيامة} فقال: إن ~~ربنا تعالى يقسم بما شاء من خلقه. # واختلفوا في قوله: " لا " على أقوال: أحد الأقوال: أنها صلة، أي: زائدة ~~على ما هو مذهب كلام العرب، وأنكر الفراء هذا وقال: الصلة إنما تكون في ~~أثناء الكلام، فأما في ابتداء الكلام فلا، ومعنى قوله: {لا} أي: ليس الأمر ~~كما يزعمون أن لا بعث ولا جنة ولا نار، ثم ابتدأ بقوله: {أقسم} وأجاب من ~~قال بالقول الأول أن القرآن كله متصل بعضه بالبعض في المعنى، فيصلح أن تكون ~~" لا " صلة في هذا الموصل وإن كان (عند) ابتداء السورة. # والقول الثالث أن معنى قوله: {لا} على معنى التنبيه، كأنه قال: ألا فتنبه ~~ثم أقسم، ومثله قول الشاعر: # (ألا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي قوم أني أفر) # وقرأ ابن كثير: " لأقسم بيوم القيامة " وهي قراءة الحسن والأعرج. # وأنكر النحويون # PageV06P101 # {ولا أقسم ms1871 بالنفس اللوامة (2) أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه (3) بلى ~~قادرين على أن نسوي بنانه (4) } . من البصريين هذه القراءة وزعموا أنها ~~لحن، وقالوا: لا بد من دخول النون إذا كان على هذا الوجه، والصحيح هي ~~القراءة المعروفة، وأكثر القراء على هذا. # وقوله: {بيوم القيامة} سميت القيامة؛ لأن الناس يقومون في هذا اليوم ~~للحساب وجزاء الأعمال. # PageV06P102 # وقوله: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} أي: أقسم. # وعن الحسن أنه قال: أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة. # والأصح أن القسم بهما. # وفي اللوامة أقوال: أحدها: أنها الفاجرة تلام يوم القيامة، فمعنى ~~اللوامة: الملومة هاهنا على هذا القول. # والقول الثاني - وهو الأصح -: أنها المؤمنة تلوم نفسها على ما تفعل من ~~المعاصي. # قال مجاهد: المؤمن يلوم نفسه على المعاصي، والكافر يمضي قدما قدما في ~~المعاصي ولا يفكر فيه. # وفي التفسير: أنه ما من أحد إلا ويلوم نفسه يوم القيامة؛ إن كان محسنا ~~يلوم ألا ازداد واستكثر من الإحسان، وإن كان مسيئا يلوم نفسه ألا أقلع عن ~~الإساءة والمعاصي. # PageV06P102 # وقوله {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه} أي: لن نحيي عظامه (فنجمعها) ~~للإحياء بعد تفرقها. # PageV06P102 # وقوله: {بلى} هو جواب القسم، وعليه وقع القسم. # وقوله: {قادرين} أي: بلى لنجمعنكم قادرين. # وقيل: بلى نقدر قادرين. # وقوله: {على أن نسوي بنانه} أي: على تسوية بنانه، وهي أطراف الأصابع، ~~وفيها عظام صغار، وخصها بالذكر؛ لأنه تعالى إذا قدر على جمع العظام الصغار ~~فعلى الكبار أقدر على جمعها وإحيائها. # وعن قتادة في قوله: {على أن نسوي بنانه} أن # PageV06P102 # {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) يسأل أيان يوم القيامة (6) فإذا برق ~~البصر (7) وخسف القمر (8) } . نجعل أصابعه بمنزلة خف البعير وحافر الحمار، ~~وهذا قول مشهور في التفاسير. # PageV06P103 # قوله تعالى: {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} في التفسير: أن معناه: يقدم ~~الذنب ويؤخر التوبة. # وهو بمعنى التسويف في ترك المعاصي والتوبة إلى الله. # وروى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أن معناه: هو التكذيب ~~بالقيامة، والفجور هو الميل عن الحق، والكاذب مائل عن الصدق فهو فاجر. # وحكى ms1872 ابن قتيبة أن أعرابيا جاء إلى عمر - رضي الله - عنه وقال: إن بعيري ~~قد دبر فاحملني على بعير، فلم يحمله عمر، فولى الأعرابي وهو يقول: # (أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما مسه من نقب ولا دبر) # (اغفر له اللهم إن كان فجر ... ) # أي: كذب. # قال مجاهد في قوله تعالى: {يفجر أمامه} أي: يمضي أمامه راكبا هواه لا ~~يفكر في ذنب، ولا يتوب عن معصية. # PageV06P103 # قوله تعالى: {يسأل أيان يوم القيامة} أي: متى يوم القيامة، وكانوا يقولون ~~ذلك على وجه الاستهزاء، وهو دليل على صحة القول الذي ذكرناه عن ابن عباس. # PageV06P103 # قوله تعالى: {فإذا برق البصر} وقرئ: " برق " بالفتح، فقوله: " برق البصر ~~" أي: شخص من الهول فلم يطرف. # وقوله: " برق " أي: تحير وجزع، ويقال: غشيه مثل البرق. # PageV06P103 # وقوله: {وخسف القمر} أي: ذهب ضوءه. # ومنه يقال: بئر منخسفة وغير منخسفة. # وعن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي أنه قال: الكسوف أن يذهب بعض # PageV06P103 # {وجمع الشمس والقمر (9) يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) كلا لا وزر ~~(11) إلى ربك يومئذ المستقر (12) ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13) } . ~~الضوء، والخسوف أن يذهب جميع الضوء. # وهو قول مروي عن غيره أيضا. # PageV06P104 # وقوله: {وجمع الشمس والقمر} أي: في الخسفة وإذهاب الضوء. # قال ابن مسعود: يصيران كالبعيرين القرينين، ثم يلقيان في النار فيصيران ~~نارا على الكفار، وهذا على معنى قوله. # وعن مجاهد: وجمع الشمس والقمر أي: كور كلاهما. # PageV06P104 # وقوله: {يقول الإنسان يومئذ أين المفر} أي: أين المهرب؟ وقرئ: " أين ~~المقر " أي: أين موضع القرار. # PageV06P104 # وقوله: {كلا لا وزر} أي: لا مهرب ولا فرار. # وأما قوله: {لا وزر} فيه أقوال: قال سعيد بن جبير: لا محيص. # وقال عكرمة: لا منعة. # وعن مجاهد: لا منجا. # وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير، والضحاك: لا جبل. # وهو قول مشهور، وقد كانت العرب إذا طرقتهم الخيل قالوا: الوزر الوزر، أي: ~~الجبل الجبل. # قال الشاعر: # (لعمرك ما للفتى من وزر ... إذا الموت يدركه والكبر) # وهذا على المعنى المنجا. # PageV06P104 # وقوله: {إلى ربك يومئذ المستقر} أي: ms1873 يظهر مستقر العباد في الجنة أو ~~النار. # PageV06P104 # وقوله: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} قال ابن مسعود وابن عباس: بما ~~قدم من طاعه فعمل بها، وأخر من (سنة) سيئة، فعمل بها بعده. # ويقال: {بما قدم وأخر} بأول عمله وآخره. # وهو محكي عن مجاهد وإبراهيم. # وقيل: {بما قدم وأخر} # PageV06P104 # {بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15) لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به (16) . أي: يلقى جزاء جميع أعماله من طاعة ومعصية. # وعن زيد بن أسلم: بما قدم من المال للصدقة، وأخر من المال للورثة. # PageV06P105 # وقوله: {بل الإنسان على نفسه بصيرة} أي: شاهد، والمعنى: هو لزوم الحجة ~~عليه كما يلزم بالشهادة، وما من أحد إلا وله من نفسه على نفسه حجة. # وقيل: هو شهادة الجوارح عليه يوم القيامة. # قال ابن عباس: تشهد عليه يداه ورجلاه وفرجه وغير ذلك. # ودخلت التاء في قوله {بصيرة} للمبالغة مثل قولهم: علامة ورواية وما ~~يشبهها. # PageV06P105 # وقوله: {ولو ألقى معاذيره} فيه قولان معروفان: أحدهما: ولو جاء بكل عذر، ~~وأدلى بكل حجة أي: لا يقبل منه ذلك؛ لأنه لا عذر له ولا حجة. # والقول الثاني: أن قوله: {ولو ألقى معاذيره} أي: ستوره، واحدها معذار، ~~قال الزجاج: وهو الستر. # وقيل: هو لغة يمانية. # والمعنى: أنه وإن ستر جميع أعمله بالستور، فإنما تظهر يوم القيامة ويجازى ~~عليه. # PageV06P105 # قوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} روى سفيان بن عيينة، عن موسى ~~ابن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس " أن النبي كان إذا نزل عليه ~~الوحي يحرك به لسانه يريد أن يحفظه فأنزل الله تعالى قوله: {لا تحرك به ~~لسانك لتعجل به} قال: وحرك سعيد بن جبير شفتيه، وحرك ابن عباس شفتيه ". قال ~~رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الشافعي، أخبرنا أبو الحسن بن ~~(فراس) ، أخبرنا أبو جعفر الديبلي، أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن ~~ابن عيينة. # الحديث. # PageV06P105 # {إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا ~~بيانه (19) كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة ms1874 (21) وجوه يومئذ ناضرة ~~(22) إلى ربها ناظرة (23) } . واختلف القول أن النبي لماذا كان يحرك لسانه؟ ~~فأحد القولين: أنه كان يحركه مخافة الانفلات لكيلا ينساه، وهو المعروف. # والقول الثاني: أنه كان يحرك لسانه حبا للوحي، ذكره الضحاك. # PageV06P106 # وقوله: {إن علينا جمعه وقرآنه} أي: جمعه في صدرك. # و" قرآنه " أي: نيسر قراءته عليك؛ فالقرآن هاهنا بمعنى القراءة. # وقال قتادة: إن علينا جمعه وقرآنه في صدرك وتآليفه على ما أنزلناه. # PageV06P106 # وقوله: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} أي: إذا أنزلناه فاستمع له. # ويقال: إذا قرأه جبريل عليك فاتبع قرآنه، وقيل: فاتبع قرآنه أي: فاتبع ~~القرآن بالعمل به في الحلال والحرام والأمر والنهي. # PageV06P106 # وقوله: {ثم إن علينا بيانه} أي: علينا أن نجمعه في صدرك لتبينه للناس ~~وتقرأه عليهم، وهو مذكور بمعنى تيسير الحفظ عليه وتسهيله بمعونة: الله ~~تعالى، وقد كان يلقى من الحفظ شدة قبل ذلك، فلما أنزل الله تعالى هذه الآية ~~كان إذا قرأ عليه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأ كما أنزل. # PageV06P106 # قوله تعالى: {كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة} هي خطاب للكفار؛ لأنهم ~~كانوا يعملون للدنيا ولا يعملون للآخرة، فهذا هو معنى الآية. # PageV06P106 # وقوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} قوله: {ناضرة} بالضاد أي: ~~مسرورة طلقة هشة بشة. # والنضرة: هي النعمة والبهجة في اللغة. # وقوله: {إلى ربها ناظرة} هو النظر إلى الله تعالى بالأعين، وهو ثابت ~~للمؤمنين في الجنة بوعد الله تعالى وبخبر الرسول. # PageV06P106 # قال رضي الله عنه: أخبرنا أبو الحسن بن النقور، أخبرنا أبو القاسم بن ~~حبابة، أخبرنا البغوي، أخبرنا هدبة [بن] خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت ~~البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي قال: " إذا دخل أهل ~~الجنة الجنة يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض ~~وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا ~~شيئا أحب إليهم من النظر إلى الله تعالى ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا أبو علي الشافعي بمكة، أخبرنا أبو الحسن بن ~~فراس بإسناده عن إسرائيل عن ثوير ms1875 بن أبي فاختة عن ابن عمر - رضي الله عنهما ~~- أن النبي قال: " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه ألف سنة يرى ~~أقصاه كما يرى أدناه، وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى كل يوم ~~مرتين ". # وفي رواية: " غدوة وعشيا، ثم قرأ قوله تعالى: {وجود يومئذ ناضرة} ". # PageV06P107 # {ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) كلا إذا بلغت ~~التراقي (26) } . # والذي ذكرناه من النظر إلى الله هو قول عامة المفسرين، وهو مروي عن الحسن ~~البصري أيضا أنه حمل الآية على هذا، وذكره سائر الرواة. # وحكى بعضهم عن مجاهد: إلى ثواب ربها ناظرة، وليس يصح؛ لأن العرب لا تطلق ~~هذا اللفظ في مثل هذا الموضع إلا والمراد منه النظر بالعين، ولعل القول ~~المحكي عن مجاهد لا يثبت؛ لأنه لم يورد من يوثق بروايته. # وحمل بعضهم قوله: {ناظرة} أي: منتظرة، وهذا أيضا تأويل باطل؛ لأن العرب ~~لا تصل قوله: " ناظرة " بكلمة " إلى " إلا بمعنى النظر بالعين، قال الشاعر: # (نظرت إليها بالمحصب من منى ... ولي نظر ولولا التحرج عارم) # فأما إذا [أراد] الانتظار فإنهم لا يصلونها بإلى، قال الشاعر: # (فإنكما إن تنظراني ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب) # أي: تنتظراني، وعلى المعنى لا يصح أيضا هذا التأويل؛ لأن الطلاقة ~~والهشاشة والسرور إنما يكون بالوصول إلى المطلوب فأما مع الانتظار فلا، فإن ~~في الانتظار تنغصا ومشقة. # PageV06P108 # وقوله: {ووجوه يومئذ باسرة} أي: كالحة عابسة. # PageV06P108 # وقوله: {تظن أن يفعل بها فاقرة} أي: تتيقن أن الذي يفعل بها فاقرة، ~~والفاقرة هو الأمر الشديد الذي ينكسر معه فقار الظهر. # وقيل: فاقرة: واهية، أو أمر عظيم. # PageV06P108 # قوله تعالى: {كلا إذا بلغت التراقي} المعنى: أنه ليس الأمر كما يظنون ~~ويتوهمون، (ويستعملون) ذلك إذا بلغت النفس التراقي. # والتراقي جمع ترقوة، # PageV06P108 # {وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت الساق بالساق (29) إلى ربك ~~يومئذ المساق (30) فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى ~~أهله يتمطى (33) } . وهو مقدم الحلق المتصل بالصدر، وهو موضع الحشرجة، ذكره ~~أبو عيسى. # PageV06P109 # وقوله: {وقيل ms1876 من راق} أي: هل من طبيب يشفي ويداوي، قاله قتادة. # وقيل معناه: أن الملائكة يقولون من يرقي بروحه أي: تصعد ملائكة الرحمة أو ~~ملائكة العذاب. # PageV06P109 # وقوله: {وظن أنه الفراق} قرأ ابن عباس: " وأيقن أنه الفراق ". # وهو صحيح عنه، وهو المعني. # PageV06P109 # وقوله: {والتفت الساق بالساق} أي: [اتصلت] شدة الدنيا بشدة الآخرة. # وقيل: يجتمع عليه كرب الموت وهول المطلع. # قال الضحاك: هو في أمر عظيم، الناس يجهزون بدنه، والملائكة يجهزون روحه. # وعن الحسن: " والتفت الساق بالساق " أي: في الكفن، وهو الساق المعروف، ~~وعلى القول الأول الساق بمعنى الشدة. # وقد ذكرنا من قبل. # PageV06P109 # وقوله: {إلى ربك يومئذ المساق} أي: السوق، فإنه يساق إما في الجنة، وإما ~~إلى النار بأمر الله تعالى. # PageV06P109 # قوله تعالى: {فلا صدق ولا صلى} معناه: فلا صدق الكافر ولا صلى معناه: لم ~~يصدق الكافر ولم يصل. # قال المفسرون: نزلت الآية في أبي جهل بن هشام. # PageV06P109 # قوله: {ولكن كذب وتولى} أي: كذب بآيات الله، وأعرض عن الحق. # PageV06P109 # وقوله: {ثم ذهب إلى أهله يتمطى} أي: يتبختر. # ومشية المطيطاء هي مشية التبختر. # وقيل: هو أن يولي مطاؤه، والمطا الظهر. # وفي بعض التفاسير: أنه مشية بني مخزوم. # وقيل: التمطي: هو التمدد من كسل أو مرض، فأما من المرض فهو غير مذموم، ~~وأما من الكسل إذا كان تثاقلا عن الحق فهو مذموم. # PageV06P109 # {أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) أيحسب الإنسان أن يترك سدى ~~(36) ألم يك نطفة من مني يمنى (37) } . # PageV06P110 # وقوله: {أولى لك فأولى} اختلف القول في هذه اللفظة، فأحد الأقوال: أن ~~معناها: الويل لك ثم الويل لك. # والثاني: معناها: وليك المكروه وقارب منك، وهذا قول قتادة وجماعة. # والقول الثالث: الذم أولى لك، ثم طرحت لفظ الذم للاستغناء عنها ولأنه ~~معلوم، ذكره علي بن عيسى. # وفي التفسير: " أن النبي لقي أبا جهل وهو يخرج من باب بني مخزوم يتبختر، ~~فأخذ بيده وهزه مرة أو مرتين، ثم قال له: أولى لك فأولى، فأخبر الله تعالى ~~في القرآن قول الرسول على ما قال "، وهذا قول حسن؛ لأن ms1877 أولى في لغة العرب ~~بمعنى كاد وهم، ولفظة كاد بالخلق أليق؛ فهو حكاية من الله تعالى لقول ~~الرسول. # وأنشدوا في كلمة أولى قول الخنساء: # (هممت بنفسي بعض الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها) # (سأحمل نفسي على آلة ... فإما عليها وإما لها) # آلة أي: حالة. # PageV06P110 # قوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدا} أي: مهملا لا يؤمر ولا ينهى. # قاله مجاهد. # وقيل: لا يبعث ولا يحاسب ولا يعاقب، قال الشاعر: # (فأقسم بالله جهد اليمين ... ما ترك الله شيئا سدى) # PageV06P110 # وقوله: {ألم يك نطفة من مني يمنى} وقرئ بالتاء: " تمنى ". # والمني ماء معروف يخلق منه الإنسان، فالقراءة بالياء تتصرف إلى المنى، ~~والتاء تنصرف إلى معناه، وهو النطفة. # وقوله: {يمنى} أي: يقذف في الرحم. # وقيل: يقدر. # PageV06P110 # {ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40) } . # قال الشاعر: # (ما يمنى لك الماني ... ) # أي: ما يقدر لك القدر. # PageV06P111 # قوله تعالى: {ثم كان علقة} أي: المني علقة، وهو الدم المنعقد. # وقوله: {فخلق فسوى} أي: فخلق منه الإنسان فسوى خلقه. # PageV06P111 # وقوله: {فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} وقيل: من المني الذكر والأنثى. # PageV06P111 # وقوله: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} معناه: أليس الله الذي خلق ### | الإنسان # من النطفة بقادر على أن يحيى الموتى؟ يعني: هو قادر. # وعن ابن عباس أنه كان إذا بلغ هذه الآية قال: اللهم بلى. # وفي رواية: سبحانك بلى. # وقد روى هذا مرفوعا في بعض المسانيد. # والله أعلم وأحكم. # PageV06P111 # بسم الله الرحمن الرحيم # {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج} . # تفسير سورة الإنسان # وهي مكية في قول بعضهم. # مدنية في قول بعضهم، وقيل: بعضها مكية وبعضها مدنية. # PageV06P112 # قوله تعالى: {هل أتى على ### | الإنسان # حين من الدهر} معناه: قد أتى على الإنسان حين من الدهر، قاله الفراء. # وقيل أتى على الإنسان حين من الدهر، والإنسان هو آدم على قول أكثر ~~المفسرين. # وعن ابن جريج: أنه كل إنسان من الآدميين. # وقوله ms1878 تعالى: {حين من الدهر} هم أربعون سنة. # قال محمد بن إسحاق: صور الله آدم - عليه السلام - ثم تركه أربعين سنة ~~ينظر إليه، ثم نفخ فيه الروح. # وفي رواية: خلقه من طين ثم بعد أربعين سنة صار صلصالا من غير أن تمسه ~~النار. # وفي رواية: كان أربعين سنة طينا، وأربعين سنة حمأ مسنونا، وأربعين سنة ~~صلصالا. # وقوله: {لم يكن شيئا مذكورا} أي: كان شيئا إلا أنه لم يكن شيئا يذكر. # وروى أنه قرأت هذه الآية عند عمر - رضي الله عنه - فقال: يا ليتها تمت، ~~أي: تلك الحالة. # PageV06P112 # قوله تعالى: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} أي: أخلاط. # قال ابن مسعود: أمشاجها عروقها التي في النطفة. # وفي اللغة: أن الأمشاج واحدها مشيج، وهو الخلط. # (والمعنى) : هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، أو اختلاط الدم بالنطفة. # PageV06P112 # {نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ~~(3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4) } . # وقيل: إن الله تعالى خلق الطبائع التي في الإنسان في النطفة من الحرارة ~~والبرودة والرطوبة واليبوسة، فهي الأمشاج، ثم عدلها ثم بنى البنية ~~الحيوانية على هذه الطبائع المعدلة، ثم نفح فيها الروح، ثم شق لها السمع ~~والبصر، فسبحان من خلق هذا الخلق من نطفة مهينة أو علقة نجسة. # وقيل: أمشاج أي: أطوار، فالنطفة طور، والعلقة طور، والمضغة طور، وكذلك ما ~~بعدها. # وقيل: أمشاج أي: ألوان. # وفي الخبر: " أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فإذا علا ~~ماء المرأة ماء الرجل آنثتت، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت ". # وقوله: {نبتليه} أي: نختبره ونمتحنه. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ومعناها: فجعلناه سمعيا [بصيرا] نبتليه ~~ونختبره. # PageV06P113 # قوله تعالى: {إنا هديناه السبيل} أي: الخير والشر، وهو مثل قوله تعالى: ~~{وهديناه النجدين} . # وقيل بينا له طريق الإيمان والكفر. # وقوله تعالى: {إما شاكرا وإما كفورا} عند البصريين أن " إما " بمعنى " أو ~~" وعند الكوفيين أن معناه: إما كان شاكرا وإما كان كفورا. # وقيل: إما شقيا، وإما سعيدا. # PageV06P113 # قوله: {إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا} ms1879 وقرئ: " سلاسل "، ~~والأصل سلاسل لا تنصرف، وأما صرفه على (قراءة) من قرأ " سلاسلا وأغلالا # PageV06P113 # {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) } . وسعيرا " على ~~موافقة قوله: {أغلالا} وذلك جائز على مذهب العرب. # والأغلال جمع غل. # وروى جبير بن نفير عن أبي الدرداء أنه قال: ارفعوا أيديكم إلى الله قبل ~~أن تغل بالأغلال. # وقوله: {سعيرا} أي: نارا موقدة. # وفي بعض الأخبار برواية عطية، عن أبي سعيد الخدري: أن الله تعالى يبعث ~~سحابة فتقف على رءوس أهل النار، ويقال لهم: ما تريدون: فيقولون: الشراب، ~~فيمطرهم الله منها السلاسل والأغلال والحميم. # قال الحسن: إن الله لا يغل الكفار عجزا عن حفظهم، ولكن حتى إذا خبت النار ~~عنهم أرسبتهم [أغلالهم] في أسفل النار. # PageV06P114 # قوله تعالى: {إن الأبرار يشربون} الأبرار: هم المطيعون. # وقيل: هم الذين بروا الآباء والأبناء. # وعن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذر. # وفي بعض الأخبار: " ما من ولد ينظر إلى والده نظر بر وعطف إلا كتب الله ~~له به حجة، فقيل: يا رسول الله، وإن نظر في اليوم مائة مرة! قال: الله أكبر ~~وأطيب ". # وقوله: {من كأس} قال الزجاج: العرب لا تذكر الكأس إلا إذا كانت فيها ~~الخمر. # قال الشاعر: # (صرفت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا) # PageV06P114 # {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما ~~كان شره مستطيرا (7) . # وقوله: {كان مزاجها كافورا} أي: يمزج بالكافور، وهو مزاج وجود الرائحة لا ~~مزاج وجود الطعم. # وقيل: إن الكافور والزنجبيل اسمان لعينين من عيون الجنة. # PageV06P115 # وقوله: {عينا يشرب بها عباد الله} النصب على المدح، أعني عينا {يشرب بها ~~عباد الله} أي: منها - عباد الله. # وقوله: {يفجرونها تفجيرا} أي: يجرونها [جراء] على ما يريدون ويشتهون. # وقيل: إن الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي والزبير وعبد الرحمن بن عوف ~~وسعد وأبي عبيدة. # وفي بعض التفاسير: وابن مسعود وحذيفة وسلمان وأبي ذر. # PageV06P115 # قوله تعالى: {يوفون بالنذر} أي: يوفون بأقوالهم. # وقيل: هو نفس النذر. # والأولى أولى؛ لأن النذر مكروه على ما ورد في ms1880 بعض الأخبار: " أن النذر ~~يستخرج به من البخيل ". # والمعنى: أن الجواد لا يحتاج إلى النذر، وعلى الجملة الوفاء بالنذر ~~محمود. # وقوله: {ويخافون يوما كان شره مستطيرا} أي: فاشيا. # وقيل: ممتدا. # وقيل: منتشرا. # قال الشاعر: # (وهان على سراة بين لؤي ... حريق بالبويرة مستطير) # أي: منتشر، وانتشار شر يوم القيامة في السموات والأرض، أما في السموات ~~فبتكوير شمسها، وخسوف قمرها، وانتشار كواكبها، وطي السموات كطي السجل، # PageV06P115 # {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله ~~لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا (9) } . وما أشبه ذلك. # وأما شره في الأرض فبقلع جبالها، وطم أنهارها، وإخراب نباتها، وكسر بعضها ~~على بعض، وما شبه ذلك من تبديل الأرض وإهلاك الخلق وغيره. # PageV06P116 # وقوله: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا} أي: على حب الطعام وشهوتهم إياه ~~وحاجتهم إليه. # وقوله: {مسكينا} هو المحتاج (ويتيما) هو الذي لا أب له {وأسيرا} قال سعيد ~~بن جبير: هو المحبوس المسجون. # وعن مجاهد وقتادة وجماعة: هو الأسير من المشركين. # وعن أبي (سليمان) الداراني: على حب الله. # واختلف القول فيمن نزلت هذه الآية، فأصح الأقاويل: أن الآية على العموم. # والقول الثاني: أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين، رواه عمر بن ~~عبيد، عن الحسن البصري، وحكى عن ابن عباس ذلك في بعض الروايات. # وفي القصة: أن عليا وفاطمة أصبحا صائمين، فهيأت فاطمة ثلاثة أقراص من ~~شعير لتأكل قرصا بنفسها، ويأكل علي قرصا، وللحسن والحسين قرص؛ فلما كان ~~المساء جاء مسكين فأعطوه أحد الأقراص، ثم جاء يتيم فأعطوه القرص الثاني، ثم ~~جاء أسير فأعطوه القرص الثالث وطووا. # وفي رواية: أن عليا كان أجر نفسه من يهودي يستقي له بشيء من شعير، وحمل ~~ذلك الشعير إلى فاطمة، وأخذت منه الأقراص الثلاثة. # وفي بعض الروايات؟ أن ذلك كان في ثلاث ليال. # والله أعلم. # وفي هذه القصة خبط كثير تركنا ذكره. # وقيل: إن الآية نزلت في أبي الدرداء. # PageV06P116 # قوله تعالى: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا} أي: ~~جزاء بالفعل، ولا ثناء بالقول. # وفي ms1881 التفسير: أنهم لم يقولوا هذا القول، ولكنه كان في # PageV06P116 # {إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ~~ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين} . ~~ضميرهم فأخبر الله تعالى على ما كان في ضميرهم. # PageV06P117 # قوله: {إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا} لأن الوجوه تنعبس فيه، ~~وأضاف العبوس إلى اليوم على طريق مجاز. # ومعنى " نخاف من ربنا يوما " أي: من عذاب يوم. # وقوله: {قمطريرا} أي: شديدا. # يقال: يوم قمطرير وقماطر إذا اشتد فيه الأمر. # قال الشاعر: # (بنى عمنا هل تذكرون بلاءنا ... عليكم إذا ما كان يوم قماطر) # PageV06P117 # وقوله تعالى: {فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرور} أي: نضرة في ~~الوجه، وسرورا في القلوب. # والنضرة: هي الحسن في الوجوه من النعمة، وهي التنعم. # PageV06P117 # وقوله: {وجزاهم بما صبروا} على الأمر والنهي. # وقيل: على المحن والشدائد، وعلى الجوع مع الإيثار. # وقوله: {جنة وحريرا} أي: البساتين والثياب من الديباج. # PageV06P117 # وقوله تعالى: {متكئين فيها على الأرائك} الأرائك: هي [السرر] في الحجال ~~عليها الفرش، والعرب لا تسميها أريكة إلا إذا كانت في حجلة. # وقوله تعالى: {لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا} أي: حرا ولا بردا. # قال الشاعر: # (منعمة طفلة مهاة ... لم تر شمسا ولا زمهريرا) # PageV06P117 # {فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ~~ضلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت ~~قوارير (15) قوارير من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها ~~زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) } . # PageV06P118 # قوله تعالى: {ودانية عليهم} نصب " ودانية " عطفا على قوله: {متكئين} . # وقوله: {عليهم ظلالها} أي: ظلال الحجال. # وقوله: {وذللت قطوفها تذليلا} أي: أدنيت قطوفها إليهم. # وفي التفسير: أنهم إذا قاموا ارتفعت إليهم، وإذا قعدوا نزلت إليهم، وإذا ~~اضطجعوا دنت منهم، وقيل: لا يمنعهم منها بعد ولا شوك. # PageV06P118 # وقوله تعالى: {ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب} والأكواب هي الأباريق ~~التي لا خراطيم لها، واحدها كوب. # وقوله تعالى: {كانت قوارير} قال الشعبي: لها صفاء القوارير وبياض الفضة. # وعن ابن عباس: ms1882 أنه لو أخذت قطعة من فضة وجعلت في الرقة كجناح ذباب لم ير ~~من داخله، وفضة الجنة يرى من داخلها، فهو في صفاء القوارير على هذا المعنى. # وعنه أيضا: أن القوارير في الدنيا أصلها من الرمل، فإذا كان أصلها من ~~الفضة في الجنة فكيف تكون في الحسن والصفاء. # وعنه أيضا: أنه لا يشبه شيء في الجنة شيئا في الدنيا، وإنما في الدنيا ~~الأسامي مما في الجنة فحسب. # PageV06P118 # وقوله: {قوارير من فضة قدروها تقديرا} أي: مقدرة على قدر الري لا زيادة ~~ولا نقصان. # وقيل: على قدر الكف أي: على ما يسعه. # وقيل: ممتلئة. # PageV06P118 # وقوله: {ويسقون فيها كأسا} أي: من كأس. # وقوله: {كان مزاجها زنجبيلا} كانت العرب تستطيب طعم الزنجبيل، فذكر ذلك ~~على ما [اعتادوه] . # وقيل: الزنجبيل اسم العين لا أنه زنجبيل معروف في الطعم # PageV06P118 # {ويطوف عليهم ولدان مخلدون} . والرائحة. # فعلى هذا قوله: {مزاجها زنجبيلا} أي: مزاجه من عين الزنجبيل. # PageV06P119 # وقوله: {عينا فيها تسمى سلسبيلا} يقال: إن السلسبيل هي عين الزنجبيل ~~أيضا، ونصب على المدح، ومعناه: أعني عينا. # وقوله: {تسمى سلسبيلا} أي: سلسبيل الجري في حلوقهم. # وفي بعض الآثار: أنها إذا أدنيت من أفواههم تسلسلت في حلوقهم. # ومن قال في قوله {سلسبيلا} سلني سبيلا إليها فقد أبعد، وهو تأويل باطل، ~~وليس هو من قول أهل العلم. # وعن ابن الأعرابي قال: لم أسمع سلسبيلا إلا في القرآن. # وقيل: هو اسم العين على ما ذكرنا. # فإن قيل: إذا جعلتهم سلسبيل اسم العين فكيف ينصرف؟ والجواب: إنما انصرف؛ ~~لأنه رأس آية، وقد بينا من قبل. # وروى سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: سلسبيلا أي: شديدة الجري. # وقال قتادة: سلسة أي: تجري في حلوقهم على غاية السهولة. # وقال ثعلب: سلسبيلا أي: لينا. # وعن سعيد بن المسيب: السلسبيل عين تجري تحت العرش في قضيب من ذهب. # وفي قوله: {كان مزاجها زنجبيلا} كلام آخر، وهو أنه تمزج لسائر أهل الجنة، ~~ويشربه المقربون صرفا، وهو مثل التسنيم على ما يأتي من بعد. # وأنشدوا في الزنجبيل: # {وكأن طعم ms1883 الزنجبيل به ... إذ دقته وسلافة الخمر} # وهذا يدل على أنهم كانوا يستطيعون طعم الزنجبيل. # وقيل في السلسبيل أيضا: إنه يسيل عليهم في قصورهم وغرفهم وعلى مجالسهم. # PageV06P119 # قوله تعالى: {ويطوف عليهم ولدان مخلدون} أي: غلمان مخلدون. # وقوله: {مخلدون} أي: لا يبلون ولا يفنون. # وقيل: مخلدون مقرطون مسورون. # قال الشاعر: # PageV06P119 # {إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا ~~كبيرا (20) عاليهم ثياب سندس خصر} . # (ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أقاوز الكثبان) # وقوله: {إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا} إنما شبه باللآلئ في الصفاء ~~والحسن والكثرة. # وذكر منثورا لأن اللؤلؤ المنثور في المجلس أحسن منه منظوما. # وفي تفسير النقاش: أنهم ينشرون في الخدمة، فلهذا قال: {لؤلؤا منثورا} فلو ~~كان صفا واحدا لقال منظوما. # PageV06P120 # قوله تعالى: {وإذا رأيت ثم رأيت} فيه حذف، والمعنى: إذا رأيت ما ثم رأيت ~~{نعيما وملكا كبيرا} قال سفيان الثوري: بلغنا أنه تسليم الملائكة عليهم. # وعن الكلبي ومقاتل وغيرهما أنهم قالوا: هو استئذان الملائكة للتسليم ~~عليهم، فهو الملك الكبير. # وفي بعض الأخبار برواية أبي سعيد الخدري: " أن أدنى أهل الجنة منزلة يكون ~~له ثمانون ألف خادم واثنتان وستون زوجة ". # وفي بعض الأخبار أيضا: للواحد منهم سبعون قصرا، في كل قصر سبعون دارا، في ~~كل دار سبعون بيتا، في كل بيت خيمة طولها في السماء فرسخ، وعرضها فرسخ في ~~فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب. # PageV06P120 # قوله تعالى: {عاليهم} وقرئ: " عاليهم " فمن قرأ بفتح الياء أي: فوقهم، ~~ومن قرأ بسكون الياء فمعناه: عليهم. # ويقال: عليهم أي: عال الحجال المذكور من قبل. # وقوله: {ثياب سندس خضر} وخضر أي: ألوانها خضر. # فمن قرأ بالرفع فينصرف إلى الثياب، ومن قرأ بالكسر فهو نعت السندس. # والسندس هو ما رق من # PageV06P120 # {وإستبرق وحلو أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم ~~جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) } . الديباج والإستبرق ما غلط منه. # وقوله: {وإستبرق} وقرئ: " وإستبرق " فعلى الرفع ينصرف إلى الثياب، وعلى ~~الخفض على تقدير من إستبرق. # وقوله: {وحلو أساور من فضة} الأساور والأسورة جمع ms1884 السوار، فإن قيل: وأي ~~زينة في السوار والأغنياء لا يبالون بها؟ والجواب عنه: أنه قد ذكر الذهب ~~واللؤلؤ في موضع آخر، فيحلون من ذهب تارة، ومن فضة (تارة) ، ومن لؤلؤ تارة؛ ~~ليكون أجمع لمحاسن الزينة. # ويقال: الذهب للنساء، والفضة للرجال. # وقيل: إن الذهب إنما يفضل الفضة في الدنيا لكثرة الفضة وعزة الذهب، وهذا ~~التفاوت لا يوجد في الجنة، وإنما المقصود عين الزينة، والزينة توجد فيهما ~~جميعا. # وقوله: {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} قال الزجاج: ليس برجس كخمر الدنيا. # وعن أبي قلابة وإبراهيم أنهما قالا: إذا فرغ أهل الجنة من الطعام يؤتون ~~بالشراب الطهور، فيطهر أجوافهم، ويضمر بطونهم، ويوجد منهم جشاء ورشح له ~~رائحة المسك فيشتهون الطعام مرة أخرى. # وقيل: إن الشراب الطهور من عين على باب الجنة، فإذا شرب منها المسلمون ~~طهرت أجوافهم من كل غل وخيانة وحسد، وهذا قول لأن الطهور هو الطاهر المطهر ~~على ما ذكر في القصة. # والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام [حين] سئل عن التوضؤ بماء البحر ~~فقال: " هو الطهور ماؤه " أي: المطهر ماؤه. # PageV06P121 # قوله تعالى: {إن هذا كان لكم جزاءا وكان سعيكم مشكورا} الشكر المضاف # PageV06P121 # {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم ~~آثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له ~~وسبحه} . إلى الرب تعالى هو بمعنى قبول الحسنات والعفو عن السيئات. # PageV06P122 # قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا} ظاهر المعنى. # PageV06P122 # وقوله: {فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا} في التفسير: أن ~~الآثم هو عتبة بن ربيعة، والكفور هو الوليد بن المغيرة. # وقيل: إن الآثم هو أبو جهل. # وفي بعض التفاسير: أن الوليد بن المغيرة قال للنبي: لو تركت دين آبائك؟ ~~ولعلك إنما تركت للفقر، فارجع إلى دين آبائك وأعطيك نصف مالي. # وقال أبو البختري بن هشام: أنا أزوجك ابنتي، وهي أحسن النساء جمالا، ~~وأفصحهن منطقا، وأعذبهن لسانا. # وقد علمت قريش ذلك. # فسكت النبي فقال: أبو مسعود الثقفي: إن كنت تخاف من الله فأنا ms1885 أجيرك منه. # فحين سمع النبي ذلك قام وذهب؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهو قوله {إنا ~~نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا} إلى آخر الآيتين. # فإن قيل: هلا قال: آثما وكفورا؟ وأيش معنى " أو " هاهنا؟ والجواب عنه: أن ~~لكلمة " أو " هاهنا زيادة معنى لا توجد في الواو، وهو المنع من طاعة كل ~~واحد منهما على الانفراد، فإن الرجل إذا قال لغيره: لا تطع فلانا وفلانا، ~~فإذا أطاع أحدهما ما كان عاصيا على الكمال، وإذا قال: لا تطع فلانا ولا ~~فلانا أو فلانا فإذا أطاع أحدهما كان عاصيا على الكمال. # وهو مثل قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين معناه: أيهما جالسته فأنت مصيب، ~~وإذا قال: جالس الحسن وابن سيرين فلا تكون مصيبا إلا إذا جالستهما. # وكذلك يقال: اقتد بمالك أو الشافعي على هذا المعنى. # PageV06P122 # قوله تعالى: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا} أي: بالغدو والعشي. # وفي بعض الغرائب من الأخبار أن النبي كان إذا صلى الغداة قال: " الله ~~أكبر ثلاثا، وإذا صلى العصر قال: الله أكبر ثلاثا ". # PageV06P122 # قوله تعالى: {ومن الليل فاسجد له} أي: صل له. # وقيل: هو صلاة المغرب # PageV06P122 # {ليلا طويلا (26) إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) ~~نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدنا أمثالهم تبديلا (28) إن هذه تذكرة ~~فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) } . # وقوله: {وسبحه ليلا طويلا} هو التطوع من بعد صلاة العشاء الأخيرة إلى ~~الصبح، وهذا على الندب والاستحباب. # PageV06P123 # قوله تعالى: {إن هؤلاء يحبون العاجلة} معناه: إن هؤلاء الكفار يحبون ~~العاجلة أي: الدنيا. # وقوله تعالى: {ويذرون وراءهم يوما ثقيلا} هو يوم القيامة، وتركهم له هو ~~تركهم العمل والسعي له. # وقوله: {ثقيلا} يجوز أن يكون سماه ثقيلا لشدة الهول والفزع فيه، ويجوز أن ~~يكون سماه ثقيلا لفصل القضاء فيه بين العباد وعدله معهم، وهو في غاية الثقل ~~عليهم إلا من تداركه الله بفضله. # PageV06P123 # قوله تعالى: {نحن خلقناكم وشددنا أسرهم} أي: قوينا خلقهم. # وقيل شددنا مفاصلهم. # وقيل: هي الأوصال فشددها بالعروق والأعصاب. # وعن مجاهد: أن الأسر هو الشرج، وذلك ms1886 مصر الإنسان (تسترخيان) عند الغائط ~~ليسهل خروج الأذى، فإذا خرج انقبضا. # قوله تعالى: {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} أي: أهلكناهم وخلقنا خلقا ~~غيرهم. # PageV06P123 # قوله: {إن هذه تذكرة} أي: الآيات التي أنزلناها تذكرة أي: موعظة وعبرة. # قوله تعالى: {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} أي: من شاء منكم أيها ~~المخاطبون أن يتخذ إلى ربه سبيلا فيسهل ذلك عليه لوجود الدلائل ورفع ~~الأعذار، فليفعل. # PageV06P123 # {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (30) يدخل من يشاء ~~في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما (31) } . # وقيل: هو بمعنى الأمر. # PageV06P124 # وقوله: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} رد مشيئتهم إلى مشيئته، والمعنى: ~~لا يريدون إلا بإرادة الله، وهو موافق لعقائد أهل السنة، أنه لا يفعل أحد ~~شيئا ولا يختاره ولا يشاؤه إلا بمشيئة الله. # وفي بعض الأخبار: أن رجلا كان يقول: إلا ما شاء الله وشاء محمد؛ فسمع ~~النبي - عليه السلام - ذلك فقال: " أمثلان؟ ثم قال: قل إلا ما شاء الله ثم ~~شاء محمد ". # وقوله: {إن الله كان عليما حكيما} قد بينا. # PageV06P124 # قوله تعالى: {يدخل من يشاء في رحمته} أي: في جنته، وقيل: في الإسلام. # والأول أفضل في هذا الموضع، لأن الله تعالى قال عقيبه: {والظالمين أعد ~~لهم عذابا أليما} أي: النار، ونصب الظالمين؛ لأن تقديره: وأعد للظالمين ~~عذابا أليما. # وأورد أبو الحسين بن فارس في تفسيره في آخر السورة برواية جابر الجعفي عن ~~قيس مولى علي أن الحسن والحسين مرضا مرضا شديدا، فنذر علي صيام ثلاثة أيام، ~~ونذرت فاطمة كذلك، ونذر الحسن والحسين كذلك، فلما شفاهما الله تعالى ~~ابتدءوا جميعا الصوم، فلما كان في اليوم الأول خبزت فاطمة ثلاثة أقراص من ~~شعير، وقدموها عند إفطارهم ليفطروا، فجاء مسكين، وقال: يا أهل بيت رسول ~~الله، مسكين على الباب أطعموا مما أطعمكم الله. # فأعطوه الأقراص وطووا، ثم (إنه) لما كان في اليوم الثاني اتخذت فاطمة - ~~رضي الله عنها - مثل ما اتخذت في اليوم الأول، وقدموه عند المساء لقطروا، ~~فجاء يتيم ودعا كما ذكرنا، فأعطوه ms1887 وطووا، ثم لما كان في اليوم الثالث اتخذت ~~فاطمة ما بينا وقدموه [في] المساء ليفطروا فجاء أسير وقال: يا # PageV06P124 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) # تفسير سورة المرسلات # وهي مكية # وعن ابن عباس وقتادة: قالا: هي مكية إلا قوله تعالى: {وإذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون} وروى إبراهيم عن الأسود عن عبد الله بن مسعود قال: نزلت ~~سورة والمرسلات على رسول الله ونحن معه على جبل حراء، فأخذتها رطبا من في ~~رسول الله، فخرجت حية من جحرها فقصدناها فدخلت حجره، فقال النبي: " وقيت ~~شركم كما وقيتم شرها ". # والله أعلم. # PageV06P125 # قوله تعالى: {و ### | المرسلات # عرفا} قال أكثر المفسرين: على أنها الرياح ترسل عرفا أي: تتبع بعضها بعضا ~~كعرف الفرس. # وعن ابن مسعود وأبي هريرة قالا: هي الملائكة ترسل بالعرف أي: المعروف. # PageV06P125 # وقوله: {فالعاصفات عصفا} هي الرياح، وعصفها: شدة هبوبها، يقال: عصفت ~~الريح وأعصفت إذا اشتدت، قاله ابن السكيت. # يقال: الرياح عاصفات لأنها تأتي بالعصف أي: بورق الزرع. # وقيل: إنها الملائكة تعصف بأرواح الكفار. # PageV06P125 # وقوله: {والناشرات نشرا} وهي الرياح أيضا تنشر السحاب. # وقيل: إنها الملائكة تنشر الصحف على العباد يوم القيامة. # وقال أبو صالح: هي الأمطار تنشر النبات. # قال الأعشى: # PageV06P125 # {فالفارقات فرقا (4) فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون ~~لواقع (7) } . # (لو (أسندت) ميتا إلى صدرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر) # (حتى يقول الناس (مما) رأوا ... يا عجبا للميت الناشر) # PageV06P126 # وقوله: {فالفارقات فرقا} في قول أكثر المفسرين: هم الملائكة يأتون بالفرق ~~بين الحق والباطل والحلال والحرام. # وقال قتادة: هي آي القرآن فرقت بين الحق والباطل والحلال والحرام. # PageV06P126 # وقوله: {فالملقيات ذكرا} هي الملائكة تلقي الوحي على الأنبياء والرسل. # وقيل: إنهم الأنبياء، وكذلك فسرت الآية الأولى، وهي مثل قوله: {فالفارقات ~~فرقا} في بعض الأقوال: والإلقاء طرح الشيء على الشيء، وهو في هذا الموضع ~~للتبيين والإفهام؛ فالملائكة يلقون على الأنبياء، والأنبياء يلقون على ~~الأمم، والعلماء يلقون على المتعلمين. # PageV06P126 # وقوله: {عذرا أو نذرا} وقرئ: " عذرا " بتسكين الذال. # قال الفراء: إعذارا أو إنذارا. # وقيل: ms1888 للإعذار والإنذار. # وقال الحسن: ليقيم عذره [على خلقه] بإقامة الحجة عليهم، وأنه عذبهم حين ~~استحقوا العذاب بإنكارهم بعد إقامة الحجج. # والعذر ظهور معنى يوضع اللوم عن الإنسان، وهذا الحد في حق الخلق، فأما في ~~حق الله فلا. # ونصب " عذرا " على أنه بدل من قوله: " ذكرا " وكأنه قال: فالملقيات عذرا ~~أو نذرا. # PageV06P126 # قوله تعالى: {إنما توعدون لواقع} إلى هذا الموضع كان قسما. # وقوله: {إنما توعدون لواقع} عليه وقع القسم. # وقيل: إن الله تعالى أقسم بهذه # PageV06P126 # {فإذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) وإذا الجبال نسفت (10) وإذا ~~الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم الفصل (13) وما أدراك ما يوم الفصل ~~(14) ويل يومئذ للمكذبين (15) } . الأشياء، [و] له أن يقسم بما شاء من ~~خلقه. # وقيل: في الآيات إضمار، ومعناه: ورب المرسلات عرفا، ورب العاصفات ... إلى ~~آخره، فيكون قد أقسم بنفسه. # PageV06P127 # قوله تعالى: {فإذا النجوم طمست} أي: محيت وأذهب ضوءها. # PageV06P127 # وقوله: {وإذا السماء فرجت} أي: شقت. # PageV06P127 # وقوله: {وإذا الجبال نسفت} أي: قلعت من أماكنها. # PageV06P127 # وقوله: {وإذا الرسل أقتت} أي: جمعت لوقتها، وهو يوم القيامة؛ ليشهدوا على ~~الأمم. # وقيل: التوقيت تقدير الوقت لوقوع الفعل، فلما كانت الرسل - عليهم السلام ~~- قد قدر إرسالهم لأوقات معلومة بحسب صلاح العباد (بها) ، كانت قد وقتت بكل ~~الأوقات. # وقرئ: " وقتت " و " وقتت " و " أوقتت " بمعنى واحد، والواو إذا ضمت ~~وابتدأ بها الكلمة أبدلت بالهمز، تقول العرب: ووجوه وأجوه، ووجدانا ~~وأجدانا. # وقيل: " وإذا الرسل وقتت " أي: أجلت. # PageV06P127 # وقوله: {لأي يوم أجلت} أي: لأي يوم أخرت. # PageV06P127 # وقوله: {ليوم الفصل} أي: أخرت ليوم الفصل، وهو يوم القيامة. # PageV06P127 # وقوله: {وما أدراك ما يوم الفصل} قال الحسن: والله ما درى حتى أعلمه الله ~~تعالى. # PageV06P127 # وقوله: {ويل يومئذ للمكذبين} قال النعمان بن بشير: الويل واد في جهنم فيه ~~ألوان من العذاب. # وهو مروي عن ابن مسعود أيضا. # PageV06P127 # {ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين (18) ~~ويل يومئذ للمكذبين (19) ألم نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار مكين ~~(21) إلى قدر معلوم (22) فقدرنا فنعم القادرون (23) } . # PageV06P128 # قوله تعالى: {ألم نهلك الأولين} ms1889 أي: قوم نوح وعاد وثمود ومن قرب من ~~زمانهم. # PageV06P128 # وقوله: {ثم نتبعهم الآخرين} أي: الذين كانوا بعد ذلك من فرعون وهامان ~~وقارون ومن بعدهم. # PageV06P128 # وقوله: {كذلك نفعل بالمجرمين} أي: مشركي مكة ننزل بهم مثل ما نزل بهم، ~~لأنهم عملوا مثل عملهم. # وقيل: " ثم نتبعهم الآخرين " هم كفار قريش. # وقوله: {كذلك نفعل بالمجرمين} هم الذين يأتون بعدهم من الكفار إلى يوم ~~القيامة. # وقرأ ابن مسعود: " ثم سنتبعهم الآخرين " وقرأ الأعرج: " ثم نتبعهم " بجزم ~~العين. # PageV06P128 # وقوله: {ألم نخلقكم من ماء مهين} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ضعيف. # PageV06P128 # وقوله: {فجعلناه في قرار مكين} قال عطاء وابن جريج والربيع بن أنس: هو ~~الرحم، والماء المهين هو النطفة. # PageV06P128 # وقوله: {إلى قدر معلوم} أي: إلى وقت معلوم، وهو إشارة إلى مدة مكثه في ~~البطن في رحم الأم. # PageV06P128 # قوله: {فقدرنا فنعم القادرون} وقرئ: " فقدرنا " بتشديد الدال. # قال القتيبي: هما بمعنى واحد. # والعرب تقول: قدر وقدر. # ومنه قوله عليه السلام: " فإن غم عليكم فاقدروا له " أي: قدروا له. # (وقد اعترض على هذا القول، فقيل: لو كان قدرنا # PageV06P128 # {ويل يومئذ للمكذبين (24) ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) ~~وجعلنا فيها رواسي شامخات} . بمعنى قدرنا) لقال. # فنعم المقدرون. # والجواب: أنه جمع بين اللغتين، وقال الشاعر في مثل هذا: # (وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا) # وقيل: في الفرق بين قدرنا وقدرنا، بالتخفيف معناه: ملكنا فنعم المالكون، ~~ومعنى قدرنا بالتشديد أي: قدرنا خلق الإنسان على تارات مختلفة من نطفة ~~وعلقة ومضغة، وما بعد ذلك إلى أن جعلناه إنسانا سويا. # وقيل: قدرنا شقيا وسعيدا، وصغيرا وكبيرا، وأسود وأبيض وغير ذلك. # PageV06P129 # قوله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا} أي: كفتا. # وقيل: مجمعا، فالكفت هو الضم، ومعنى الكفات هاهنا: هو أن الأرض تضم الخلق ~~أحياء وأمواتا، فالضم في حال الحياة هو باكتنانهم واستقرارهم على ظهرها، ~~وبعد الممات باكتنانهم في بطنها وهو القبور، وكان بقيع الفرقد يسمى الكفتة # وعن (ابن) يحيى بن سعيد وربيعة: أن اللباس يقطع إذا أخرج الكفن ومن ~~الحرز، وقرأ قوله ms1890 تعالى: {ألم لنجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا} رواه ~~سليمان بن (بليل) . # وعن الخليل بن أحمد: أن الكفت هو التقلب. # وقوله: {كفاتا} أي: متقلبا. # PageV06P129 # قوله تعالى: {وجعلنا فيها رواسي شامخات} أي: مرتفعات: يقال: شمخ فلان ~~بأنفه إذا رفع قدره، قال بعضهم: # (إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي ... وقام بأمري خازم وابن خازم) # PageV06P129 # {وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين (28) انطلقوا إلى ما كنتم ~~به تكذبون (29) انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ظليل ولا يغني من اللهب ~~(31) } . # (عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثريا قاعدا غير قائم) # وقوله: {وأسقيناكم ماء فراتا} أي: عذبا. # وعن ابن عباس قال: أصول الأنهار العذبة أربعة: جيحان وهو نهر بلخ، ودجلة ~~وفرات للكوفة، ونيل مصر. # وذكر الكلبي أن في الدنيا ثلاثة في الجنة [الدجلة] ، والفرات، ونهر ~~الأردن، وأنشد الشاعر: # (إذا غاب عنا غاب فراتنا ... وإن شهد إحدى نبله وفواضله) # PageV06P130 # قوله: {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون} في التفسير: أن الناس يقفون على ~~رءوس قبورهم أربعين عاما إذا بعثوا، وتدنوا الشمس من رءوسهم ويزاد في حرها ~~حتى يأخذهم الكرب العظيم وحتى تأخذ بأنفاسهم ثم إن الله تعالى ينجي ~~المؤمنين إلى ظل من ظله برحمته، ويبقى الكفار فيخرج لهم دخان من النار ~~ويتشعب ثلاث شعب فيقال لهم: انطلقوا إلى ذلك الدخان فاستظلوا به فهو معنى ~~قوله تعالى: {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون} وإنما قال: {ما كنتم به ~~تكذبون} لأنهم كانوا يكذبون بالنار. # وهذا دخان النار. # PageV06P130 # وقوله تعالى: {انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب} فهو ما ذكرنا وهو بيان الأول. # PageV06P130 # وقوله: ( [لا] ظليل) الظل: حجاب عال يدفع أذى الحر عن الإنسان فقوله: {لا ~~ظليل} أي: لا يدفع الأذى فهو في صورة ظل وليس له معنى الظل. # وقوله: {ولا يغني من اللهب} أي: لا يدفع عنهم أذى اللهب، واللهب لهب ~~النار. # وعن قطرب قال: اللهب هو العطش. # PageV06P130 # {إنها ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر (33) } . # PageV06P131 # وقوله: {إنها ترمي بشرر} أي: يتطاير منها الشرر. # وقوله: {كالقصر} قال أبو عمرو: كالبناء العظيم. # وقيل: كالخيمة من ms1891 خيام العرب، والعرب تسمي ذلك قصرا. # وقرأ ابن عباس: " كالقصر " بتحريك الصاد. # وقيل: إنها أعناق النخيل. # وقيل: أصول النخيل. # وعن بعضهم أنه خشبة كان أهل الجاهلية يتنضدون بها نحو ثلاثة أذرع يسمونها ~~القصر. # وعن مجاهد: أن القصر بتسكين الصاد هو الجبل. # وعن قتادة: أعناق الدواب وهو بنصب الصاد. # (وعن ابن عباس في رواية هو قلوس السفن) . # وقيل: [حبال السفن] . # وعن (المبرد) قال: هو الجزل العظيم من الخطب. # PageV06P131 # وقوله: {كأنه جمالات صفر} أي: نوق سود، والجمالات جمع جمل. # وقيل: إنها جمع الجمع كأنهم قالوا جمل وجمال وجمالات، وهو مثل قولهم: ~~رجال ورجال ورجالات. # وقرئ بضم الجيم، وهي جمال. # وقرئ: " جمالة " على الوحدان مثل حجر وحجارة وحمل وحمالة. # وقوله: {صفر} أي: سود وإنما سماها صفرا لأنه يشوبها لون من السود وإن ~~كانت صفرا. # ومنه يقال: [البيض الظباء] أدم لأنه يشوبها شيء من الكدورة وإن كانت ~~بيضاء. # وقال الشاعر: # (تلك خيلي منها وتلك ركابي ... هن صفر (ألوانها) كالزبيب) # PageV06P131 # {ويل يومئذ للمكذبين (34) هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون ~~(36) ويل يومئذ للمكذبين (37) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) فإن كان ~~لكم كيد فكيدون (39) ويل يومئذ للمكذبين (40) إن المتقين في ظلال وعيون ~~(41) وفواكه مما يشتهون (42) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إن ~~كذلك نجزي المحسنين (44) ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم ~~مجرمون (46) } . # أي: سود # PageV06P132 # قوله تعالى: {هذا يوم لا ينطقون} فإن قال قائل: قد قال في موضع آخر: ~~{وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} فكيف الجمع بين الآيتين؟ والجواب: بينا أن ~~ليوم القيامة مواطن ومواقف. # PageV06P132 # وقوله: {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} لأنه لا عذر لهم فيعتذرون. # PageV06P132 # وقوله: {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون} أي: إن ~~كان لكم حيلة فاحتالوا. # PageV06P132 # قوله تعالى: {إن المتقين في ظلال وعيون} قيل: ظلال القصور والأشجار. # وقيل: إن الظل هو ما يدفع أذى الحر عن الإنسان. # وهواء الجنة ينافي كل أذى فهو ظل على هذا المعنى وإن لم يكن هناك شمس. # PageV06P132 # وقوله: {وفواكه مما يشتهون} أي: يتمنون. # PageV06P132 # وقوله: ms1892 {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون} قد بينا من قبل. # PageV06P132 # وقوله: {إنا كذلك نجزي المحسنين} قال الحسن البصري: المحسن من أدى جميع ~~فرائض الله واجتنب جميع مناهي الله. # PageV06P132 # {ويل يومئذ للمكذبين (47) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ويل يومئذ ~~للمكذبين (49) فبأي حديث بعده يؤمنون (50) } [المرسلات: 1 - 50] # PageV06P133 # قوله تعالى: {كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون} هذا على طريق التهديد ~~والوعيد لا على طريق الأمر. # ومعناه: افعلوا ما أنتم فاعلون فسينالكم رعب ذلك وعاقبته. # PageV06P133 # وقوله: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} معناه: إذا قيل لهم: صلوا لا ~~يصلون. # وقيل: إنها نزلت في ثقيف استعفوا من الصلاة. # وقيل: كانوا استعفوا من الركوع والسجود فقال النبي: " لا خير في دين ليس ~~له ركوع ولا سجود ". # PageV06P133 # وقوله: {فبأي حديث بعده يؤمنون} أي: بأي كتاب بعد القرآن يؤمنون إن لم ~~يؤمنوا بهذا الحديث بعد ظهور براهينه وقيام الدلائل على أنه من عند الله؟ ! ~~فإن قال قائل: ما وجه التكرار في قوله: {ويل يومئذ للمكذبين} في هذه السورة ~~والمرة الواحدة تغني عن المراد به؟ والجواب قد بينا هذا في سورة الرحمن. # ووجه ذلك أنه لما كرر ذكر النعم في تلك السورة كرر الزجر عن كفرانها ~~والنهي عنها بقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ولما كرر ذكر الآيات في هذه ~~السورة لإقامة الحجيج عليهم كرر ذكر العقوبة عليهم بذكر الويل ليكون أبلغ ~~في الإنذار والإعذار وهو على عادة كلام العرب فإن الرجل يقول لغيره: ألم ~~أحسن إليك بأن فعلت لك كذا؟ ألم أحسن بأن خلصتك من المكاره؟ ألم أحسن بأن ~~تشفعت لك إلا فلان؟ وغير ذلك فيحسن منه التكرير لاختلاف ما يقرره به. # قال مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليبا على هذا المعنى: # (علي أن ليس عدلا من كليب ... إذا طرد (اللئيم) عن الجزور) # (علي أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما ضيم جيران المجير) # PageV06P133 # (علي أن ليس عدلا من كليب ... إذا خرجت مخبأة الخدور) # (على أن ليس عدلا من كليب ... غداة بلائك الأمر الكبير) # (علي أن ليس عدلا من ms1893 كليب ... إذا ما ضام جار المستجير) # والله أعلم. # PageV06P134 # بسم الله الرحمن الرحيم # {عم يتساءلون (1) عن النبأ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) كلا ~~سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الأرض مهادا (6) } . # تفسير سورة النبأ # وهي مكية # PageV06P135 # قوله تعالى: {عم يتساءلون عن ### | النبأ # العظيم} معناه: عن ما يتساءلون فأدغمت النون في الميم، وأسقطت الألف فصار ~~عم. # قال الزجاج: لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى تفخيم القصة مثل القائل: أي شيء ~~زيد؟ # وفي التفسير: أن رسول الله لما بعث ودعا المشركين إلى التوحيد جعل بعضهم ~~يسأل بعضا فبماذا بعث محمد؟ وإلى ماذا يدعو؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # ومعنى يتساءلون أي: يسأل بعضهم بعضا. # وقوله: {عن النبأ العظيم} قيل معناه: عن النبأ العظيم: واختلف القول في ~~النبأ العظيم: روى أبو صالح عن ابن عباس: أنه القرآن، وعن قتادة: أنه ~~البعث، وهو قول أبي العالية والربيع بن أنس وجماعة، وعن الحسن أنه قال: هو ~~النبوة، والقولان الأولان معروفان. # PageV06P135 # وقوله: {الذي هم فيه مختلفون} أي: منهم المصدق، ومنهم المكذب. # PageV06P135 # وقوله: {كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون} قال الحسن: هو تهديد بعد تهديد. # وعن الضحاك قال: قوله: {كلا سيعلمون} أي: الكفار. # وقوله: {ثم كلا سيعلمون} أي: المؤمنون، والظاهر أنهما جميعا للكفار. # PageV06P135 # قوله تعالى: {ألم نجعل الأرض مهادا} لما أخبر الله تعالى باختلافهم في ~~القرآن والقيامة - وكان اختلافهم في البعث بالتصديق والتكذيب - واختلافهم ~~في القرآن # PageV06P135 # {والجبال أوتادا (7) وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) وجعلنا ~~الليل لباسا (10) } . أنه سحر أو شعر أو كهانة، فذكر الله تعالى الدلائل ~~عليهم في التوحيد، وأن ما أنزله حق وصدق، وعدد نعمه عليهم، ليعترفوا به ~~ويشكروه. # قوله تعالى: {مهادا} أي: بساطا وفراشا والنعمة في تذليلها وتوطئتها لهم. # PageV06P136 # وقوله: {والجبال أوتادا} قال ابن عباس: لما خلق الله تعالى الأرض جعلت ~~تكفأ - وحرك ابن عباس يده - فخلق الله الجبال وأرساها بها - أي: أثبتها - ~~فهي أوتاد الأرض، كما يثبت الشيء على الحائط بالوتد. # PageV06P136 # وقوله: {وخلقناكم أزواجا} أي: أصنافا وموضع النعمة هي سكون بعضهم إلى ~~بعض، فالرجل والمرأة زوج، وكذلك السماء ms1894 والأرض، والليل والنهار، وغير ذلك ~~من الخلق، وقيل: أزواجا أي: متآلفين، تألفون أزواجكم، وتألفكم أزواجكم. # PageV06P136 # وقوله: {وجعلنا نومكم سباتا} قال ثعلب: قطعا لأعمالكم، وأصل السبات هو ~~التمدد والسكون. # والمعنى: أنهم ينقطعون عن الحركة بالليل فيسكنون ويستريحون، وقيل: سباتا ~~أي: راحة. # وقال الشاعر: # ومطوية (الأقتاب) أما نهارها ... فسبت وأما ليلها فزميل) # أي قطيع. # PageV06P136 # وقوله تعالى: {وجعلنا الليل لباسا} أي: سترا لكم، وهو مذكور على طريق ~~المجاز، ووجهه أن ظلمة الليل لما غشيت كل إنسان كما يغشاه اللباس، سماه ~~لباسا # PageV06P136 # {وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا ~~وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) على طريق المجاز. # PageV06P137 # وقوله: {وجعلنا النهار معاشا} أي: مبتغى معاش ومطلب معاش، والمعنى: أنه ~~الزمان الذي يعيشون وينصرفون فيه. # PageV06P137 # وقوله: {وبنينا فوقكم سبعا شدادا} أي: السماوات السبع. # وقوله: {شداد} أي: صلبة، وفي الآثار: أن غلط كل سماء مسيرة خمسمائة عام. # PageV06P137 # وقوله: {وجعلنا سراجا وهاجا} أي: جعلنا الشمس وقادا متلألئا. # PageV06P137 # وقوله: {وأنزلنا من المعصرات ماء} قال ابن عباس: هي الرياح، وتسميتها ~~بهذا الاسم؛ لأن الرياح تلقح السحاب ليكون فيه المطر، فكأن المطر كان من ~~الرياح، والقول الثاني: أن المعصرات هي السحاب، وهو مروي عن ابن عباس أيضا، ~~وهو قول مجاهد وجماعة. # قال المبرد: تسميته بالمعصرات، لأنه ينعصر بالمطر شيئا فشيئا، وقيل: من ~~المعصرات أي: بالمعصرات ماء ثجاجا. # وقوله: {ثجاجا} أي: منصبا بعضه في إثر بعض. # وعن النبي أنه قال: " أفضل الحج العج والثج " فالعج رفع الصوت بالتلبية، ~~والثج إراقة الدماء. # وعن # PageV06P137 # {لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) إن يوم الفصل كان ميقاتا ~~(17) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (18) وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) ~~وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم كانت مرصادا (21) قتادة: أن ~~المعصرات هو السماء، وهو قول غريب. # PageV06P138 # قوله: {لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا} أي: ملتفة، وواحد الألفاف لف، ~~والملتفة هي الداخل بعضها في بعض. # PageV06P138 # قوله تعالى: {إن يوم الفصل كان ميقاتا} أي: ميعادا للخلائق، وهو يوم ~~القيامة. # PageV06P138 # وقوله: {يوم ينفخ في الصور} ذكر النقاش في تفسيره: ms1895 أن إسرافيل - عليه ~~السلام - ينزل فيجلس على صخرة بيت المقدس، وتجعل الأرواح في الصور كأمثال ~~النحل، واستدارة فم الصور كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، ثم ~~ينفخ فتخرج الأرواح منها، وترجع إلى أجسادها. # وقوله: {فتأتون أفواجا} قال مجاهد: زمرا زمرا. # PageV06P138 # وقوله: {وفتحت السماء} أي: جعلت طرقا، وقيل: فتحت أبواب السماء لنزول ~~الملائكة. # وقوله: {فكانت أبوابا} أي كانت طرقا على ما بينا. # PageV06P138 # وقوله: {وسيرت الجبال فكانت سرابا} أي: هباء منبثا، وقيل: هو يصير ~~كالسراب ترى أنه شيء وليس بشيء. # PageV06P138 # وقوله: {إن جهنم كانت مرصادا} قال أهل اللغة: كل شيء كان أمامك فهو رصد، ~~والمراد أنه المكان الذي يرصد فيه الكفار لنزول العذاب بهم. # وعن بعضهم: يا صاحب الرصد، اذكر الرصد، وقيل: مرصادا أي: يرصدون بالعذاب ~~أي: على معنى أنه يعد لهم. # PageV06P138 # وقوله: {للطاغين مآبا} أي: منقلبا، يقال: آب إلى مكان كذا أي: رجع ~~وانقلب. # PageV06P138 # {للطاغين مآبا (22) لابثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا ~~شرابا (24) } . # PageV06P139 # وقوله: {لابثين فيها أحقابا} الحقبة في اللغة قطعة من الزمان مثل الحين. # قال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا: # (وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا) # أي: قطعة، وأما المنقول في التفاسير عن السلف في معنى الحقب: فأظهر ~~الأقوال أنه ثمانون سنة، كل سنة ثلثمائة وستون يوما، كل يوم ألف سنة، وهو ~~مروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن جبير، وقتادة وغيرهم، ومثله ~~عن أبي هريرة. # وعن بعضهم: أنه ثلثمائة سنة، كل سنة ثلثمائة وستون يوما، كل يوم مثل مدة ~~الدنيا، وعن بعضهم: بضع وثمانون عاما، فإن قيل: هذه الآية تدل على أن عذاب ~~الكفار ينقطع عند مضي الأحقاب؟ والجواب من وجوه: (أحدها) : أن معناه لابثين ~~فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا أي: يعذبون بهذا النوع من ~~العذاب أحقابا، وثم أحقاب أخر لسائر أنواع العذاب، قاله المبرد. # والوجه الثاني: وهو أن معنى لابثين فيها أحقابا لا تخبو عنهم النار، فإذا ~~خبت النار وزيدوا سعيرا لبثوا أبدا والوجه ms1896 الثالث: ما قاله ابن كيسان، وهو ~~أن معناه لابثين فيها أحقابا إلى أحقاب لا تنقطع أبدا. # قال النحاس: وهو أبين الأقوال. # PageV06P139 # وقوله: {لا يذوقون فيها بردا} قال ثعلب، نوما، وتقول العرب: منع البرد، ~~والبرد أي: نوم، وقال الشاعر: # (فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا) # النقاخ الماء الزلال وقيل: " بردا " أي: (راحة) ، وقيل: " بردا " لا يبرد ~~عنهم حر السعير ولهبه. # وقوله: {ولا شرابا} أي: لا يسكن منهم العطش. # PageV06P139 # {إلا حميما وغساقا (25) جزاءا وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) ~~وكذبوا بآياتنا كذابا (28) وكل شيء أحصيناه كتابا (29) فذوقوا فلن نزيدكم ~~إلا عذابا (30) } . # PageV06P140 # وقوله: {إلا حميما وغساقا} قال أبو عبيدة: الحميم الماء الحار، ومنه ~~الحمى، ومنه قوله تعالى: {وظل من يحموم} وقيل: الحميم هو أنه تجمع دموعهم ~~فيسقون. # وقوله: {وغساقا} أي: القيح الغليظ، وقيل: [هو] صديد أهل النار، وقيل: ~~الحميم ما هو في نهاية الحر، والغساق ما هو في نهاية البرد وهو الزمهرير، ~~فيعذبون بكل واحد من العذابين. # PageV06P140 # وقوله: {جزاءا وفاقا} أي: جزاء يوافق أعمالهم. # قال ابن زيد: عملوا شرا، فجوزوا شرا. # PageV06P140 # قوله تعالى: {إنهم كانوا لا يرجون حسابا} أي: لا يخافون، وقد بينا الرجاء ~~بمعنى الخوف فيما سبق. # PageV06P140 # وقوله: {وكذبوا بآياتنا كذابا} أي: تكذيبا، قال الفراء: هي لغة فصيحة ~~يمانية. # PageV06P140 # وقوله: {وكل شيء أحصيناه كتابا} هو مثل قوله تعالى: {وكل شيء أحصيناه في ~~إمام مبين} أي: بيناه في اللوح المحفوظ. # PageV06P140 # وقوله: {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا} أي: يقال لهم: فذوقوا العذاب فهو ~~غير منقطع عنكم، ولا تزادون إلا العذاب. # قال الشاعر: # PageV06P140 # {إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أترابا (33) وكأسا ~~دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء حسابا} . # (فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه) # PageV06P141 # قوله تعالى: {إن للمتقين مفازا} أي: فوزا، والمفاز: موضع الفوز. # PageV06P141 # وقوله: {حدائق وأعنابا} ظاهر المعنى، وقد بينا. # PageV06P141 # وقوله: {وكواعب أترابا} الكواعب: هي النواهد، يقال: جارية كاعب أي خرج ~~ثديها مثل الكعب وهي ناهد. # وقوله: {أترابا} أي لدات، وقيل: بنات ثلاث وثلاثين ms1897 سنة. # PageV06P141 # وقوله: {وكأسا دهاقا} أي ممتلئة، قاله مجاهد، وقال عكرمة: صافية، وعن ~~بعضهم: متتابعة، والقول الأول أظهر، وهو محكي عن ابن عباس، وعنه أنه قال: ~~كثيرا سمعت العباس يقول: اسقيني يا جارية الكأس وادهقي، وعنه أيضا: أنه دعا ~~بكأس فجاءت به الجارية ملآن فقال: هذا هو الدهاق. # PageV06P141 # وقوله: {لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا} اللغو: هو الكلام المطرح. # وقوله: {كذابا} أي: لا يكذب بعضهم بعضا، وقرئ " كذابا " بالتخفيف ومعناه: ~~الكذب لا غير، قال الشاعر: # (فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه) # أي: كذبه. # PageV06P141 # وقوله تعالى: {جزاء من ربك عطاء حسابا} أي: عطاء كافيا يقال: أعطاني فلان ~~حتى أحسبني، يعني: حتى قلت حسبي، وقال قتادة: عطاء حسابا أي: كثيرا، وقال ~~الشاعر في المعنى الأول. # (ونقفي وليد الحي إن كان جائعا ... ونحسبه إن كان ليس بجائع) # وقوله: {جزاء من ربك عطاء} أي: جوزوا جزاء، وأعطوا عطاء. # PageV06P141 # ( {36) رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) ~~يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ~~(38) ذلك اليوم الحق} . # PageV06P142 # قوله تعالى: {رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن} كلاهما بالرفع، ~~وقرئ: " رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن " الأول بالجر، والآخر ~~بالرفع. # وقرئ كلاهما بالكسر: " رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن " فوجه ~~القراءة الأولى أن قوله: {رب السماوات والأرض} رفع بالابتداء والرحمن خبره، ~~ووجه القراءة الثانية أن قوله: {رب السماوات والأرض} مخفوض اتباعا لقوله: ~~{من ربك} وقوله: {الرحمن} ابتداء، ووجه القراءة الثالثة، أن كليهما مخفوض ~~اتباعا لقوله: {من ربك} . # وقوله تعالى: {لا يملكون منه خطابا} أي: لا يتكلمون مع الله، ويمنعون من ~~الكلام معه، وقيل: لا يملكون منه خطابا أي: لا يشفعون لأحد إلا بإذنه، على ~~ما قال من بعد # PageV06P142 # قوله تعالى: {يوم يقوم الروح} قال مجاهد: الروح خلق يشبهون بني آدم، ~~وليسوا بني آدم، وقيل: هو جبريل - عليه السلام - وقيل: هو خلق من خلق الله ~~لم يخلق بعد العرش أعظم منه يقوم يوم القيامة صفا وجميع الملائكة صفا، ~~وقيل: صفا، أي: ms1898 صفوفا وموضع صلاة العبد يسمى صفا، لأنه موضع الصفوف. # وقوله: {لا يتكلمون} أي: لا يشفعون، أي: الملائكة وقيل: لا يتكلمون ~~مطلقا. # قوله: {إلا من أذن له الرحمن} أي: بالشفاعة والكلام. # وقوله: {وقال صوابا} أي: حقا، وقيل: هو لا إله إلا الله، والمعنى: أنهم ~~لا يتكلمون إلا بالإذن أو كلاما صوابا، وهو لا إله إلا الله. # PageV06P142 # قوله تعالى: {ذلك اليوم الحق} أي: القيامة هو اليوم الحق، ومعنى الحق ~~هاهنا: أنه # PageV06P142 # {فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر ~~المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا (40) } . كائن لا ~~محالة. # وقوله: {فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا} أي منقلبا حسنا بالطاعة والعبادة. # PageV06P143 # وقوله تعالى {إنا أنذرناكم عذابا قريبا} أي النار وكل آت فهو قريب. # وقوله {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} أي ما قدمت يداه من الخير والشر. # وقوله {ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} روى [جعفر بن برقان] عن ابن ~~الأحم عن ابن عباس أن الله تعالى يجمع الخلق يوم القيامة من الدواب والطيور ~~والناس والجن فرذا نزل الثقلين منازلهم، قال للطيور والبهائم والدواب: كوني ~~ترابا، فتكون ترابا فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو محمد عبد الله بن أحمد أخبرنا ~~أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البراز أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا ~~الغدافري أخبرنا الدبري هو إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرازق عن معمر عن ~~جعفر بن برقان. . الحديث. # وقيل: إن الكافر هاهنا هو أبو جهل. # وذكر النقاش في تفسيره عن الحسن بن واقد قال: إن الكافر يقول: يا ليتني ~~كنت خنزيرا فأصير ترابا، فيقول التراب له: لا ولا كرامة لك - يعني لا يكون ~~مثلي. # وحكى مثل هذا عن السدي أيضا. # وعن بعضهم أن معنى قوله {يا ليتني كنت ترابا} أي يا ليتني لم أبعث. # وقد ورد في الحقب الذي ذكرنا أثران عن ابن عمر أنه قال: ليعمل أحدكم ~~بالطاعة ولا يتكلمن على أنه ms1899 يدخل النار ثم يخرج منها فإنه لا يدخل النار ~~أحد فيخرج منها إلا بعد أن يمكث أحقابا وذكر الحقب كما بينا من ذكر ~~الثمانين. # PageV06P143 # والأثر الثاني ما روى عن ابن مسعود في بقاء النعيم لأهل الجنة والعذاب ~~لأهل النار وهو ما روى السدي عن مرة عن عبد الله أنه قال: لو علم أهل النار ~~أنهم يمكثون في النار عدد الحصى سنين ثم يخرجون منها لفرحوا ولو علم أهل ~~الجنة أنهم يمكثون عدد الحصى سنين ثم يخرجون منها لحزنوا. # والأثران غريبان. # PageV06P144 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) } . # تفسير سورة والنازعات # وهي مكية، والله أعلم. # PageV06P145 # قوله تعالى: {و ### | النازعات # غرقا} فيه أقوال: أظهرها: أنها الملائكة تنزع أرواح الكفار بشدة، وهو قول ~~ابن عباس وجماعة وروي مثله عن ابن مسعود في رواية مسروق. # قوله: {غرقا} أي: إغراقا يقال: أغرق في النزع إذا بلغ الغاية. # وعن الحسن: أنها النجوم تنزع من أفق إلى أفق، أي: تطلع وتغرب، وعن عطاء ~~بن أبي رباح: أنها القسي وهو من نزع القوس والإغراق فيه. # PageV06P145 # وقوله: {والناشطات نشطا} على القول الأول هي الملائكة أيضا تنشط أرواح ~~الكفار أي: تجذبها بسرعة، قال الشاعر: # (أمست همومي تنشط المناشطا ... الشام بي طورا وطورا واسطا) # والنشط في اللغة: هو الجذب، ويقال: تجذب روح الكفار كما يجذب السفود من ~~الصوف الرطب، وقيل: إن معنى الناشطات أخذ الملائكة أرواح المؤمنين بسهولة ~~كما ينشط البعير من العقال. # وفي الأخبار: أن الملائكة تأخذ روح الكفار بغاية الشدة، فإذا بلغت ترقوته ~~ردوا الروح في جسده، ثم نزعته هكذا مرات عقوبة له، وتأخذ روح المؤمن سرعة ~~وسهولة، والقول الثاني: أن الناشطات هي النجوم على ما ذكرنا عن الحسن، ~~والمراد سرعة # PageV06P145 # {والسابحات سبحا (3) فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) } . سيرها، ~~ويقال: رجوعها من المغرب إلى مطالعها، وذلك في السبع السيارة، وهو في معنى ~~قوله تعالى: {فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس} على ما سنبين، ذكره النقاش. # والقول الثالث: أنها الأوهاق. # PageV06P146 # وقوله تعالى: {والسابحات سبحا} على القول الأول هي الملائكة، وسبحها ~~سيرها ms1900 بين السماء والأرض، وعلى القول الثاني أنها النجوم، وسبحها في الفلك، ~~والقول الثالث: أنها الخيل، وسبحها سرعة جريها، يقال للفرس الجواد: سابح. # PageV06P146 # وقوله: {فالسابقات سبقا} على القول الأول هي الملائكة، وسبقها مبادرتها ~~إلى الأعمال الصالحة والخيرات. # ويقال: سبقها: هو المسابقة إلى تبليغ الوحي قبل استراق الشياطين السمع، ~~وعلى القول الثاني هي النجوم تسبق بعضها بعضا في السير، وعلى القول الثالث ~~هي الخيل أيضا يسبق بعضها بعضا عند المسابقة، ويقال: إنها النفوس تسبق إلى ~~الخروج عند الموت. # وقد ذكر السدي أيضا أن معنى النازعات: هي النفوس والأرواح تنزع عند ~~الموت. # PageV06P146 # وقوله تعالى: {فالمدبرات أمرا} هي الملائكة في قول الجميع، إلا ما روى في ~~رواية غريبة برواية خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل: أنها النجوم. # فمعنى التدبير من الملائكة هو ما جعل الله إليها من الأمور. # قال عبد الرحمن بن سابط: فإلى جبريل الجنود، وإلى ميكائيل القطر والنبات، ~~وإلى عزرائيل قبض الأرواح، وإلى إسرافيل إنزال # PageV06P146 # {يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) قلوب يومئذ واجفة (8) أبصارها ~~خاشعة (9) يقولون} . لأمور إليهم في هذه الأشياء [إلى] : الملائكة، وأما ~~إذا حملناه على النجوم، فيجوز أن يعلق الله تعالى على مطالعها ومغاربها ~~وسيرها أشياء، وأضاف التدبير إليها على طريق المجاز. # واختلف القول في المقسم به والمقسم عليه: فأحذ القولين: أنه أقسم بهذه ~~الأشياء، ولله أن يقسم من خلقه بما شاء، والقول الثاني: أن معناه: ورب ~~النازعات، فذكر الرب مضمر في هذه الكلمات، وإنما أقسم بنفسه لا بهذه ~~الأشياء. # وأما الذي وقع عليه القسم ففيه قولان: أحدهما: أنه محذوف، والمعنى: ~~لتبعثن ولتحاسبن، وما أشبه ذلك. # والقول الثاني: أن الذي وقع عليه القسم هو قوله تعالى: {إن في ذلك لعبرة ~~لمن يغشى} . # PageV06P147 # قوله تعالى: {يوم ترجف الراجفة} الرجف والراجفة هي الاضطراب والزلزال ~~الشديد، وهو في معنى قوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} وقيل: الراجفة ~~هي الصيحة الأولى التي يميت بها الخلائق. # PageV06P147 # وقوله: {تتبعها الرادفة} فيه قولان: أحدهما: أنها القيامة، والآخر: أنها ~~الصيحة الثانية. # وعن ابن عباس: أن بينهما أربعين ms1901 سنة، وتمطر السماء في هذه الأربعين فتهتز ~~الأرض، وتنبت الناس في القبور، ثم ترد إليهم أرواحهم في الصيحة الثانية. # PageV06P147 # وقوله تعالى: {قلوب يومئذ واجفة} أي: مضطربة، يقال: وجف يجف، ووجب يجب ~~بمعنى واحد وقيل: واجفة أي: وجلة. # PageV06P147 # وقوله: {أبصارها خاشعة} أي: ذليلة. # PageV06P147 # وقوله: {يقولون} هذا إخبار عن قولهم في الدنيا أي: يقولون في الدنيا: ~~{أئنا # PageV06P147 # {أئنا لمردودون في الحافرة (10) أءذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا تلك إذا ~~كرة خاسرة (12) فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) } . ~~لمردودون في الحافرة) أي: إلى أول أمرنا، والمعنى: أنرد أحياء بعد أن متنا ~~على طريق الإنكار، يقال: رجع فلان على حافرته إذا رجع من حيث جاء. # العرب تقول: النقد عند الحافرة أي: عند أول كلمة، أي: في السوم. # وقال الشاعر: # (أحافرة على صلع وشيب ... معاذ الله من سفه وعار) # وقال السدي: {أئنا لمردودون في الحافرة} أي: إلى الحياة، وهو على ما قلنا ~~وقيل: إلى النار. # PageV06P148 # وقوله تعالى: {أئذا كنا عظاما نخرة} وقرئ: " ناخرة "، قال الفراء: هما ~~واحدة، وهي البالية الفانية. # وعن أبي عمرو بن العلاء: أن النخرة هي التي قد بليت، والناخرة هي التي لم ~~تبل بعد، وعن وكيع قال: هي التي تدخل الريح في جوفها فتنخر، وهو منقول أيضا ~~عن أهل اللغة. # PageV06P148 # وقوله: {قالوا تلك إذا كرة خاسرة} أي: رجعة ذات خسران، والمعنى: أنا نكون ~~في خسار إن رجعنا، ويجوز أن يكون المراد أنهم يخسرون إذا رجعوا. # وعن الحسن قال: خاسرة أي: كاذبة يعني: ليست بكائنة. # PageV06P148 # وقوله: {فإنما هي زجرة واحدة} هو إخبار عن سهولة الأمر على الله في ~~الفهم، والزجرة: الصحية. # PageV06P148 # وقوله: {فإذا هم بالساهرة} القول المعروف أنها وجه الأرض يعني: أنهم ~~يخرجون من بطنها إلى ظهرها، وسميت الأرض ساهرة، لأن عليها سهر الخلق ~~ونومهم، وقال النخعي " فإذا هم بالساهرة " أي: فوق الأرض. # وعن وهب بن منبه أنه قال: الساهرة جبل بجنب بيت المقدس، قال الشاعر في ~~الساهرة: # (فإنما قصرك ترب الساهرة ... ثم تعود بعدها في الحافرة) # PageV06P148 # {هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ms1902 ربه بالواد المقدس طوى (16) اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) ~~فأراه الآية الكبرى (20) } . # (من بعد ما كنا عظاما ناخرة ... ) # PageV06P149 # قوله تعالى: {هل أتاك حديث موسى} أي: قد أتاك. # PageV06P149 # وقوله: {إذ ناداه ربه بالواد المقدس} أي: المطهر. # وقوله: {طوى} أي: طوى بالبركة والتقديس مرتين، وقيل: سماه طوى لأن موسى ~~وطئه بقدمه، وقيل: إنه اسم الوادي وقيل: هو الأرض التي بين المدينة ومصر. # وقرأ الحسن: " طوى " بكسر الطاء، والمعروف طوى، وهو غير مصروف لأنه اسم ~~البقعة من الوادي وهو معروف وعن الزجاج قال: يجوز أن يكون معدولا من طاو، ~~فلهذا لم يصرف مثل: عمرو معدول عامر، وقرئ: مصروفا وأنشدوا: # {أعاذل إن اللوم في غير كنهه ... على طوى من غيك المتردد} . # PageV06P149 # وقول: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} قد بينا، والطغيان هو مجاوزة الحد. # PageV06P149 # وقوله: {فقل هل لك إلى أن تزكى} وقرئ: " تزكى " بالتشديدين. # قال أبو عمرو ابن العلاء: لا يجوز بالتشديدين، ويجوز بالتخفيف؛ لأن تزكى ~~هو من إعطاء الزكاة. # وقوله: {تزكى} هو الدخول في طهارة الإسلام، وتابعه أبو عبيد على هذا ~~[وذكر] النحاس في تفسيره: أن هذا غلط، وتزكى وتزكى بمعنى واحد، فتزكى مدغم، ~~وتزكى محذوف منه يقال: زكاه الله أي: طهره بالإسلام فتزكى ويقال أيضا لمن ~~أعطى زكاة ماله: تزكى. # PageV06P149 # وقوله: {وأهديك إلى ربك فتخشى} أي: إذا أصبت الهداية حسنت منك. # PageV06P149 # وقوله: {فأراه الآية الكبرى} يقال: (هي) العصا، وقيل: إنها اليد البيضاء، ~~ويقال: كلاهما. # PageV06P149 # {فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى (23) فقال أنا ربكم الأعلى ~~(24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26) ~~أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) } . # PageV06P150 # وقوله: {فكذب وعصى ثم أدبر يسعى} أي: أعرض وجعل يسعى في إبطال أمر موسى. # PageV06P150 # وقوله: {فحشر فنادى} الحشر هو الجمع من كل جهة. # وقوله: {فنادى} أي ناداهم، وقال لهم {أنا ربكم الأعلى} أي: لا رب فوقي. # قال الحسن: كان فرعون علجا من أهل أصبهان طوله أربعة أشبار، وعن مجاهد: ~~علج من ms1903 أهل همذان، وعن بعضهم: أنه من أهل اصطخر. # وفي القصة: أن موسى قال لفرعون: لك ملك لا يزول، وشباب لا هرم فيه، ولك ~~الجنة في الآخرة فقل: هو ربي وأنا عبده فقال: حتى استشير هامان، فلما ~~استشار ه قال: أتصير عبدا بعد أن كنت معبودا، لا تقل هذا. # فأبى أن يقول. # ذكره النقاش في تفسيره. # PageV06P150 # وقوله: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} أي: أخذه أخذا نكالا لمقالته ~~الآخرة والأولى، فمقالته الأولى قوله: {ما علمت لكم من إله غيري} ، ومقالته ~~الآخرة، قوله {أنا ربكم الأعلى} ويقال: نكل به وعاقبه في الدنيا والآخرة، ~~ففي الدنيا هو الغرق، وفي الآخرة هو النار. # PageV06P150 # وقوله: {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} أي: اعتبارا لمن يخاف الله تعالى. # PageV06P150 # قوله تعالى: {أأنتم أشد خلقا} استدل عليهم بهذه الآيات في قدرته على ~~البعث، والمعنى بأن إعادتكم خلقا جديدا أشد أم خلق السماء؟ وهو مثل قوله ~~تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} . # وقوله: {أم السماء بناها} معناه: أم السماء التي بناها؟ وقيل المعنى: ~~أأنتم أشد # PageV06P150 # {رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك} . ~~خلقا أم السماء؟ وتم الكلام ثم قال: {بناها} أي: بناها الله تعالى. # PageV06P151 # وقوله: {رفع سمكها فسواها} هو في معنى قوله تعالى: {هل ترى من فطور} أي: ~~من شقوق وفروج، وقيل: معنى التسوية هاهنا هو أنه ليس بعضها أرفع من بعض ولا ~~أخفض من بعض، والسمك الارتفاع. # PageV06P151 # وقوله: {وأغطش ليلها وأخرج ضحاها} أي: أظلم ليلها. # وقوله: {وأخرج ضحاها} أي: أبرز نهارها، وقيل: أظهر ضوءها، وأضاف الظلمة ~~والضوء إلى السماء لأنهما يظهران من جانب السماء عند طلوع الشمس وغروبها # PageV06P151 # {والأرض بعد ذلك دحاها} أي: بسطها. # قال أمية بن أبي الصلت: # (وبث الخلق فيها إذ دحاها ... فهم قطانها حتى التنادي) # وقال سعيد بن زيد: # (أسلمت بوجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا) # دحاها فلما استوت شدها ... وأرسى عليها جبالا) # وقوله: {بعد ذلك} أي: مع ذلك، وقيل: إنه خلق الأرض قبل السماء على ما قال ~~في ms1904 " حم السجدة "، ثم بسطها بعد خلق السماء. # وفي الأثر عن ابن عباس: أنه لم يكن إلا العرش والماء، فخلق على الماء ~~حجرا كالفهر، ثم خلق عليه دخانا ملتصقا به، ثم خلق موجا على الماء، ثم رفع ~~الدخان من الحجر، وخلق من الحجر الأرض، ومن الدخان السماء، ومن الموج ~~الجبال. # PageV06P151 # {دحاها (30) أخرج منها ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها (32) متاعا لكم ~~ولأنعامكم (33) فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر الإنسان ما سعى ~~(35) وبرزت الجحيم لمن يرى (36) فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) ~~فإن الجحيم هي المأوى (39) } . # PageV06P152 # وقوله: {أخرج منها ماءها ومرعاها} أي: أخرج من الأرض الماء لحياة النفوس، ~~والمرعى للأنعام. # PageV06P152 # وقوله: {والجبال أرساها} أي: أثبتها. # PageV06P152 # وقوله: {متاعا لكم} أي: إمتاعا لكم {ولأنعامكم} وإنما انتصب لأن معناه: ~~للإمتاع، ثم نزعت اللام الخافضة فانتصب. # PageV06P152 # قوله تعالى: {فإذا جاءت الطامة الكبرى} الطامة في اللغة: هي الداهية ~~العظيمة، وقيل: هي الأمر الذي لا يستطاع ولا يطاق، يقال: طم الوادي إذا جاء ~~منه ما لا يطاق وعلا كل شيء، وعن ابن عباس: أن الطامة اسم القيامة، وسميت ~~القيامة طامة؛ لأنها تطم كل شيء أي: فوق كل شيء. # وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: " ما من طامة إلا وفوقها طامة " وهو ~~خبر غريب. # PageV06P152 # وقوله: {يوم يتذكر الإنسان ما سعى} أي: يذكر. # PageV06P152 # قوله: {وبرزت الجحيم لمن يرى} وفي التفسير: أن الحكمة في إظهار الجحيم ~~مشاهدة الكفار مكان عقوبتهم، وليعلم المؤمنون من أي عذاب نجوا. # PageV06P152 # وقوله: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا} أي: على الآخرة. # وحكى أبو الحسين بن فارس في تفسيره عن حذيفة: أن من أكل على مائدة ثلاثة ~~ألوان من الطعام، فقد آثر الحياة الدنيا، وأورد في خبر مرفوع أن النبي قال: ~~" من آثر الحياة الدنيا على الآخرة شتت الله عليه همه، ثم لم يبال بأيها ~~هلك ". # PageV06P152 # وقوله: {فإن الجحيم هي المأوى} أي: مأواه الجحيم، وهو معظم النار. # PageV06P152 # {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى ~~(41) يسألونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ms1905 ذكراها (43) إلى ربك ~~منتهاها (44) إنما أنت منذر من يخشاها (45) } . # PageV06P153 # وقوله: {وأما من خاف مقام ربه} أي: قيامه عند ربه للحساب. # وقوله: {ونهى النفس عن الهوى} أي: عما هواه ويشتهيه على خلاف الشرع. # PageV06P153 # وقوله: {فإن الجنة هي المأوى} أي: منزلة ومأواه الجنة، وفي بعض التفاسير: ~~أن الآية الأولى نزلت في النضر بن الحارث وأمية بن خلف وعقبة وعتبة ابني ~~أبي لهب وجماعة، والآية الثانية نزلت في مصعب بن عمير، وكان قد وقي رسول ~~الله بنفسه يوم أحد حتى دخلت المشاقص في جوفه، واستشهد في ذلك اليوم، وكان ~~صاحب لواء المهاجرين. # PageV06P153 # قوله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} أي: متى قيامها؟ ومرساها: ~~منتهاها، والمعنى عن ماهيتها. # PageV06P153 # وقوله: {فيم أنت من ذكراها} أي: مالك ومعرفة وقت قيام الساعة؟ وفي بعض ~~التفاسير: " أن النبي كان يسأل كثيرا جبريل متى الساعة، فلما أنزل الله ~~تعالى هذه الآية، ارتدع وكف ولم يسأل بعد ذلك " وهو مثل قول القائل لغيره: ~~مالك وهذا الأمر؟ وفيه زجر إياه عن السؤال. # PageV06P153 # قوله: {إلى ربك منتهاها} أي: منتهى علم قيامها، وقيل معناه: أن كل من ~~يسأل عنه يقول: الله أعلم، فيرد علمها إلى الله. # PageV06P153 # وقوله: {إنما أنت منذر من يخشاها} أي: تنذر بعذاب يوم القيامة من يخشى ~~القيامة. # PageV06P153 # {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46) } . # PageV06P154 # وقوله: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} أي: أول نهار أو ~~آخر نهار، فأول النهار من طلوع الشمس إلى ارتفاعها، وآخر النهار من العصر ~~إلى غروبها، وهو مثل قوله تعالى: {كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} ~~فإن قيل: كيف أضاف ضحى النهار إلى عشيته، وإنما ضحى النهار يضاف إلى النهار ~~فبأي وجه تستقيم هذه الإضافة؟ والجواب: أنه يجوز مثل هذا في كلام العرب، ~~وهم يفعلون كذلك ويريدون بمثل هذه الإضافة، الإضافة إلى النهار. # قال الشاعر: # (نحن صبحنا عامرا في دارها ... عيشة الهلال أو سرارها) # وقيل معنى ذلك: كأن لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها أي: يوما من الأيام، ~~فالمراد ms1906 من العشية هو اليوم، والضحى هو اليوم أيضا، فإن قيل: كيف يصح هذا ~~الظن، وعندكم أنهم يعذبون في قبورهم؟ والجواب: أنهم يخفتون خفتة بين ~~النفختين، فإذا بعثوا ظنوا ما بينا، لأنهم نسوا العذاب في تلك الخفتة، ~~والله أعلم. # PageV06P154 # بسم الله الرحمن الرحيم # {عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) } . # تفسير سورة عبس # وهي مكية، والله أعلم. # PageV06P155 # قوله تعالى: { ### | عبس # وتولى} هو الرسول في قول الجميع، ومعنى عبس: كلح وجهه، وتولى أي: أعرض، ~~والمعنى: أظهر الكراهة. # PageV06P155 # وقوله: {أن جاءه الأعمى} قال الزجاج معناه: لأن جاءه الأعمى، ونصب على ~~أنه مفعول، وهو عبد الله بن أم مكتوم في قول [الجميع] . # وسبب نزول الآية " هو أن النبي كان يكلم رجلا من أشراف المشركين، ويدعوه ~~إلى الإسلام - قال عطاء: كان عتبة بن ربيعة، وقال قتادة: كان أبي بن خلف، ~~وقال مجاهد: كان عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبي بن خلف - وكان يدعوهم إلى ~~الإسلام، ويقرأ عليهم القرآن، وفي بعض الروايات: أنه كان عنده جماعة من ~~أشراف قريش، وكان يدعوهم إلى الإسلام، واشتد طمعه فيهم، فجاء عبد الله بن ~~أم مكتوم، وجعل يقول: يا رسول الله، علمني مما علمك الله، أرشدني. # وفي رواية، أنه جاء مع قائده، فأشار النبي إلى قائده أن كفه، فدفع في ظهر ~~قائده، وأقبل النبي ". # PageV06P155 # {وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى (5) ~~فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى ~~(9) } . # وفي بعض الروايات عن سفيان الثوري أن الذي كان يكلمه ويدعوه إلى الإسلام ~~كان العباس بن عبد المطلب، فلما دخل ابن أم مكتوم في خطابه، وجعل يكرر عليه ~~قوله: علمني أرشدني، كره رسول الله ذلك حتى ظهرت الكراهة في وجهه، وعبس ~~وأعرض عنه، فأنزل الله تعالى هذه الآية معاتبا له فيما فعله. # وفي بعض الروايات: أنه عليه السلام قام وذهب. # PageV06P156 # وقوله: {وما يدريك لعله يزكى} أي: يتزكى، والمراد منه ابن أم مكتوم. # وقوله: {يزكى} أي: يقبل ما تذكره به وتعلمه، وقيل: يتطهر. # PageV06P156 # وقوله: {أو يذكر} ms1907 معناه: أو يتذكر. # وقوله: {فتنفعه الذكرى} أي: تنفعه التذكرة والعظة. # والمعنى: أنك تعرض عنه إعراض من لا ينفعه تعليمه وتذكيره، ولا تدري لعله ~~ينفعه التعليم والتذكير، فعليك أن تعلمه وتذكره. # PageV06P156 # وقوله: {أما من استغنى} يعني: من أظهر الاستغناء عنك. # PageV06P156 # وقوله: {فأنت له تصدى} أي: تتعرض وتقبل عليه، وقيل: إن أصله تصدد فقلبت ~~إحدى الدالين ياء. # PageV06P156 # قوله: {وما عليك ألا يزكى} أي: وما عليك ألا يسلم، والمعنى أنه لو لم ~~يسلم ذلك الذي أقبلت عليه، لم يكن عليك من ذلك شيء. # PageV06P156 # وقوله: {وأما من جاءك يسعى} أي: يطلب الخير. # PageV06P156 # وقوله: {وهو يخشى} أي: يخاف الله تعالى. # PageV06P156 # وقوله: {فأنت عنه تلهى} أي: تعرض، وقيل: تشتغل عنه بغيره. # ومن هذا ما # PageV06P156 # {فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة ~~(13) } . روى عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أنه قال: إذا رأيت ~~الله استأثر عليك بشيء فاله عنه - أي: اتركه وأعرض عنه، وقد قال سفيان بن ~~عيينة: " كان النبي بعد ذلك إذا جاءه عبد الله بن أم مكتوم بسط رداءه وقال: ~~يا من عاتبني فيه ربي ". # واستخلفه على المدينة مرتين، وقيل مرات حين خرج إلى الغزو. # وفي بعض التفاسير: " أن النبي ما رئى بعد ذلك متصديا لغنى، ولا معرضا عن ~~فقير ". # PageV06P157 # قوله تعالى: {كلا} قال الحسن: حقا، وقيل: المعنى هو للردع والزجر يعني: ~~ليس ينبغي أن يكون الأمر على هذا، وهو ما سبق ذكره. # وقوله: {إنها تذكرة} أي: هذه السورة تذكرة، وقيل: الأنباء والقصص تذكرة. # PageV06P157 # وقوله: {فمن شاء ذكره} أي: فمن شاء الله ألهمه وذكره. # PageV06P157 # وقوله: {في صحف} يعني: القرآن، وقيل: الأنباء والقصص، فعلى القول الأول ~~قوله {فمن شاء ذكره} ينصرف إلى القرآن. # والصحف جمع صحيفة. # وقوله: {مكرمة} أي: كريمة على الله، وقيل: مكرمة لأنها نزلت من رب كريم. # PageV06P157 # وقوله: {مرفوعة} يجوز أن يكون المعنى مرفوعة في المكان، ويجوز أن يكون ~~المعنى مرفوعة القدر والمنزلة عند الله تعالى. # وقوله تعالى: {مطهرة} قال الحسن: مطهرة من كل دنس، وقيل: مطهرة ms1908 أي: مصونة ~~من أن تنالها أيدي الكفار الأنجاس. # PageV06P157 # وقوله: {بأيدي سفرة} السفر هي الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله ~~وبين رسوله، ويقال للكتاب سفر، وللمصلح بين الجماعة سفير، وهو مأخوذ من ~~تبين الأمر وإيضاحه، يقال: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته، ويقال: أسفر ~~الصبح إذا أضاء، # PageV06P157 # {مرفوعة مطهرة (14) بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) قتل الإنسان ما أكفره ~~(17) } . # ومنه قول نوبة بن حمير: # {إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد ... رابني منها الغداة سفورها} . # أي: ظهورها. # وقال قتادة والضحاك: {بأيدي سفرة} : هم القراء الذين يقرءون الآيات. # وقال الفراء في قوله: {مرفوعة مطهرة} سماها مرفوعة مطهرة؛ لأنها أنزلت من ~~اللوح المحفوظ. # وقيل: سفرة هم ملائكة موكلون بالأسفار من كتب الله تعالى، ومنه أسفار ~~موسى، واحدها سفر. وقال الشاعر: # (فما أدع السفارة بين قومي ... وما أمشي بغش إن مشيت) # وسمي التفسير بين الاثنين سفيرا؛ لأنه يظهر عما في قلب هذا وعما في قلب ~~الآخر ليصلح بينهما. # PageV06P158 # وقوله: {كرام بررة} فقوله: {كرام} صفة الملائكة أي: كرام على الله، ~~وقوله: {بررة} أي: مطيعين، وهو في معنى قوله: {لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون} وفي بعض الكتب أن في السماء ملائكة بأيديهم الصحف ~~يقرءون القرآن وعبادتهم ذلك، وهذا راجع إلى ما بينا من قبل قول الضحاك. # PageV06P158 # قوله تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره} ثم بين الله تعالى من العبر والآيات ~~في الآدمي ما لا ينبغي أن يكفر معها. # وقوله: {قتل} أي: لعن، والإنسان هو الكافر، وقيل: هو الوليد بن المغيرة، ~~وقيل: أمية بن خلف. # وروى الضحاك عن ابن عباس " أن الآية نزلت في عتبة بن أبي لهب لما أنزل ~~الله تعالى سورة " والنجم " قال عتبة: أنا أكفر بالنجم إذا هوى، فقال ~~النبي: " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك "، وروى أنه قال: " اللهم سلط عليه ~~أسد الغاضرة " - والغاضرة موضع - ثم إنه خرج بعد ذلك في رفقة، فلما بلغ ذلك # PageV06P158 # {من أي شيء خلقه (18) من نطفة خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم ~~أماته فأقبره (21) ثم إذا شاء أنشره (22) } . الموضع ms1909 ذكر قول الرسول، فأمر ~~أهل الرفقة أن يحرسوه تلك الليلة ففعلوا، وجاء الأسد وثب وثبة وصار على ~~ظهره وافترسه ". # وقوله: {ما أكفره} ويجوز أن يكون أيضا على وجه التوبيخ، وإن كان اللفظ ~~لفظ الاستفهام فالمعنى: أي شيء أكفره بالله، وقد أراه من قدرته ما أراه. # PageV06P159 # وقوله: {من أي شيء خلقه} معناه: أفلا يتفكر هذا الكافر من أي شيء خلقه ~~الله تعالى، ثم بين من أي شيء خلقه، # PageV06P159 # وقوله: {من نطفة خلقه} ، وقوله تعالى: {فقدره} قال الكلبي: سوى خلقه من ~~يديه ورجليه وعينيه وسائر جوارحه الظاهرة والباطنة، وهو في معنى قوله ~~تعالى: {خلقك فسواك} وقيل: فقدره أي: وضع كل شيء موضعه، وهيأ له ما يصلحه. # PageV06P159 # وقوله: {ثم السبيل يسره} أكثر أهل التفسير على أن المراد منه هو الخروج ~~من الرحم، وقيل معناه: يسر له سبيل الخير، وقيل: بين له سبيل الشقاوة ~~والسعادة، قاله مجاهد، والذي تقدمه قول الحسن. # PageV06P159 # وقوله: {ثم أماته فأقبره} أي: جعل له قبرا يدفن فيه، يقال: قبرت فلانا ~~إذا دفنته، وأقبرته إذا جعلت له موضعا يدفن فيه. # قال الأعشى: # (لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر) # PageV06P159 # وقوله: {ثم إذا شاء أنشره} أي: أحياه وبعثه. # قال الأعشى: # (حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر) # PageV06P159 # {كلا لما يقض ما أمره (23) فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا صببنا ~~الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) } . # PageV06P160 # وقوله: {كلا لما يقض ما أمره} يعني: لم يفعل ما أمره الله تعالى. # قال مجاهد: ليس أحد من الخلق يفعل كل ما أمره الله تعالى. # وعن ابن عباس: {كلا لما يقض ما أمره} أي: ما أخذ عليه من العهد يوم ~~الميثاق. # PageV06P160 # وقوله تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} أي: فلينظر الإنسان إلى الطعام ~~والعلف الذي خلقه الله تعالى لحياة الخلق، وعن ابن عباس معناه: فلينظر ~~الإنسان إلى طعامه أي: إلى ما يخرج منه كيف انقلب من الطيب إلى الخبيث. # وعن الحسن: أن الله تعالى وكل ملكا فإذا جلس الإنسان على حاجته ms1910 ثنى رقبته ~~لينظر إلى ما يخرج منه ذكره النقاش. # وأورد أيضا: أن أبا الأسود الدؤلي سأل عمران بن الحصين لم ينظر الإنسان ~~إلى ما يخرج منه؟ فلم يدر عمران ما يجيبه به، ثم ذهب عمران إلى المدينة، ~~فذكر ذلك لأبي بن كعب فقرأ هذه الآية: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} ثم قال: ~~ينظر ليعلم إلى ما صار ما بخل به. # PageV06P160 # وقوله: {أنا صببنا الماء صبا} قرئ بكسر الألف وفتحها؛ فقوله بالكسر " إنا ~~" على الابتداء، وقوله: {أنا} بالفتح منصوب على البدل من الطعام كأنه قال: ~~فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا، ذكره الفراء. # وقيل معناه: فلينظر الإنسان إلى طعامه لأنا صببنا. # وقوله: {صببنا الماء صبا} أي: أجريناه إجراء. # PageV06P160 # وقوله: {ثم شققنا الأرض شقا} أي: بخروج النبات. # PageV06P160 # وقوله: {فأنبتنا فيها حبا} هو البر والشعير، وكل ما هو قوت الناس. # PageV06P160 # وقوله: {وعنبا} هو العنب المعروف. # وقوله: {وقضبا} هو القت بلغة أهل مكة، وعن ابن عباس: هو الرطبة - وهو # PageV06P160 # {وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) ~~متاعا لكم ولأنعامكم (32) فإذا جاءت الصاخة (33) } . قول معروف - وسمي ~~قضبا؛ لأنه يقضب أي: يقطع وينبت، ثم يقطع وينبت هكذا. # PageV06P161 # وقوله: {وزيتونا} وهو الزيتون المعروف. # وقوله: {ونخلا وحدائق غلبا} الحديقة كل بستان يتحوط عليه، وما لا يكون ~~محوطا عليه لا يكون حديقة. # وقوله: {غلبا} أي: غلاظ الأعناق، يقال: رجل أغلب إذا كان شديدا غليظ ~~الرقبة. # وقيل: " غلبا " ملتفة أي: دخل بعضها في بعض. # PageV06P161 # وقوله: وفاكهة وأبا) الفاكهة هي الثمار، والأب هي الكلأ. # قال ابن عباس ومجاهد: الأب مرعى الأنعام، وقيل: الأب للبهائم بمنزلة ~~الفاكهة للناس. # وقال (الضحاك) : الأب التين، وعن الحسن: أن الفاكهة ما طاب واحلو لي من ~~الثمار. # ومن المعروف أن عمر - رضي الله عنه - قرأ قوله تعالى: {وفاكهة وأبا} ثم ~~قال: قد عرفت الفاكهة فما الأب؟ ثم قال: يا ابن الخطاب، هذا والله هو ~~(التكذيب) ، وألقى العصا من يده. # PageV06P161 # وقوله: {متاعا لكم ولأنعامكم} أي: منفعة لكم ولأنعامكم. # PageV06P161 # وقوله: {فإذا جاءت الصاخة} هي اسم من أسماء يوم القيامة، ذكره ms1911 ابن عباس ~~مثل الطامة والحاقة والقارعة وأشباهها، وقيل: الصاخة هي الداهية التي يعجز ~~عنها الخلق، وقيل: الصاخة الصاكة، يقال: صخ فلانا إذا صكه. # PageV06P161 # {يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل ~~امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وجوه يومئذ مسفرة (38) } . # قال الشاعر: # (يا جارتي هل لك أن تجالدي ... جلادة كالصخ بالجلامد) # أي: كالصك، وقيل: إن الصاخة صيحة إسرافيل تصك الأسماع، وعن بعضهم: أن ~~الصاخة ما يصخ له كل شيء أي: ينصت يقال: رجل أصخ أي أصم. # PageV06P162 # وقوله: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه} يفر منهم لأنه ~~لا يمكنه أن ينفعهم وينتفع بهم. # قيل: يفر لئلا يروا الهوان الذي ينزل فيه، وقيل: يفر منهم ضجرا لعظم ما ~~هو فيه، وفي بعض التفاسير: أن قوله: {من أخيه} قابيل من هابيل. # وقوله: {وأمه} هو الرسول من أمه. # وقوله: {وأبيه} هو إبراهيم - صلوات الله عليه - من أبيه. # وقوله: {وصاحبته} هو لوط - عليه السلام - من زوجته. # وقوله: {وبنيه} هو آدم - عليه السلام - من بنيه المفسدين، وقيل: هو نوح - ~~عليه السلام - من ابنه. # PageV06P162 # وقوله: {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} أي: شيء يكفيه ويشغله، وقال ~~القتيبي: شيء يصرفه عن غيره، والشأن: هو الأمر العظيم، يقال: فلان في شأن، ~~أي: في أمر عظيم. # وقرئ في الشاذ: " يعنيه " من عنى يعني بالعين غير معجمة. # PageV06P162 # قوله تعالى: {وجوه يومئذ مسفرة} أي: [ذات] فرحة مسرورة، وقيل: نيرة، ~~وقيل: هو في معنى قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه} أي: وجوه يومئذ تبيض. # PageV06P162 # {ضاحكة مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها قترة (41) أولئك ~~هم الكفرة الفجرة (42) } . # PageV06P163 # وقوله: {ضاحكة مستبشرة} أي: من السرور والفرح. # PageV06P163 # وقوله: {ووجوه يومئذ عليها غبرة} أي: كسوف وسواد. # PageV06P163 # وقوله: {ترهقها قترة} أي: تعلوها الكآبة والحزن، وقيل: هو في معنى قوله ~~تعالى: {وتسود وجوه} عن عطاء الخرساني: {وجوه يومئذ مسفرة} لكثرة ما أغبرت ~~في الدنيا بالحق. # وقوله: {ووجوه يومئذ عليها غبرة} من كثرة ما ضحكت في الباطل. # PageV06P163 # وقوله: {أولئك هم الكفرة الفجرة} يعني: أصحاب الوجوه هم الذين كفروا ms1912 ~~بالله وفجروا، والله أعلم. # PageV06P163 # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) } . # تفسير سورة (كورت) # وهي مكية # روى عبد الرزاق، عن عبد الله بن بجير، عن عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني ~~قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله: " من سره أن ينظر إلى يوم القيامة ~~كأنه رأى عين ذلك اليوم فليقرأ: {إذا الشمس كورت} و {إذا السماء انفطرت} و ~~(إذا السماء انشقت) . # قال رضي الله عنه أخبرنا بهذا الحديث أبو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد ~~الله بن أحمد القفال، أخبرنا أبو العباس السنجي الطحان، أخبرنا العباس بن ~~عبد العظيم العنبري، أخبرنا عبد الرزاق. # PageV06P164 # قوله تعالى: {إذا الشمس كورت} قال ابن عباس: ذهب ضوؤها. # وروى سفيان الثوري، عن أبيه، عن الربيع بن خثيم قال: كورت رمى بها. # وعن سعيد بن جبير كور العمامة، والمعنى: أنها لفت وجمعت وطرح بها. # PageV06P164 # وقوله: {إذا النجوم انكدرت} أي: تناثرت وتساقطت، وفي بعض التفاسير: أن ~~النجوم في قناديل من نور معلقة بالسماء الدنيا بسلاسل في أيدي الملائكة، ~~فإذا جاء # PageV06P164 # {وإذا الجبال سيرت (3) وإذا العشار عطلت (4) وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا ~~البحار سجرت (6) } . يوم القيامة تساقطت السلاسل من أيدي الملائكة، وانتثرت ~~النجوم. # وروى أن أهل الأرضين يسمعون إدة عظيمة من وقوع النجوم على الأرض. # PageV06P165 # وقوله: {وإذا الجبال سيرت} أي: سيرت وكانت سرابا، وقيل: دقت دقا، وصارت ~~بمنزلة الهباء، والآية في معنى قوله تعالى {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي ~~تمر مر السحاب} . # PageV06P165 # وقوله: {وإذا العشار عطلت} العشار واحدها عشراء، وهي الناقة التي أتت ~~عشرة أشهر على حملها، وهي أحسن ما يكون من النوق، وأعزها على أربابها، ~~وتعطيلها إهمالها وتركها بلا راع يرعاها، ولا يفعل ذلك إلا يوم القيامة، ~~والمعنى: أن كل إنسان يشتغل بنفسه عن كل شيء، وإن كان عزيزا عنده. # PageV06P165 # وقوله: {وإذا الوحوش حشرت} فيه قولان: أحدهما: أن المعنى ماتت، والحشر هو ~~الجمع، فكأنها جمعت في الموت، والقول الثاني: وهو الأظهر أن حشرها إحياؤها ~~يوم القيامة. # وقد ورد في الخبر المشهور عن النبي ms1913 أنه قال: " يقتص للجماء من القرناء ". # وعن ابن عباس قال: يحشر كل شيء حتى الذباب. # PageV06P165 # وقوله: {وإذا البحار سجرت} قال الحسن: يبست، وعنه أنه قال: فاضت أي: أدخل ~~بعضها في بعض. # وعن كعب الأحبار سجرت أي: ملئت نارا. # وقال شمر بن عطية: تسجر كما يسجر التنور. # PageV06P165 # {وإذا النفوس زوجت (7) وإذا الموءودة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) } . # وعن سعيد بن المسيب أن عليا - رضي الله عنه - سأل رجلا من اليهود عن ~~جهنم؟ فقال: هو البحر، فقال: ما أراه إلا صادقا، ثم قرأ قوله تعالى: {وإذا ~~البحار سجرت} . # وعن بعضهم: أن بحر الروم وسط الأرض، وفي أسفله آبار من نحاس مطبقة، فإذا ~~كان يوم القيامة سجرت نارا، ومن هذا قوله تعالى: {والبحر المسجور} وقد ~~بينا، ويجوز أن يجمع بين هذه الأقاويل، فيقال: إن البحار يدخل بعضها في بعض ~~فتصير بحرا واحدا، ثم يفيض وييبس ثم يملأ نارا. # PageV06P166 # وقوله: {وإذا النفوس زوجت} قال الشعبي: الأبدان بالأرواح، وقيل: قرنت ~~بأعمالها. # وعن عمر - رضي الله عنه - قال: الصالح مع الصالح، والفاجر مع الفاجر. # وعن بعضهم: المؤمنون يقرنون بالحور العين، والكفار بالشياطين. # PageV06P166 # {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت} الموءودة: هي الولد، كان أهل الجاهلية ~~يقتلونه، وكان الواحد منهم إذا ولد له ابن تركه، وإذا ولد له بنت دفنها ~~حية. # وذكر بعضهم. # أن المرأة كانت إذا أخذها المخاض حفرة حفيرة، وجلست عليها فإن ولدت ابنا ~~حبسته، وإن ولدت بنتا ألقتها في الحفيرة، وقد كان بعضهم يترك الجارية حتى ~~تصير شديدة، ثم يقول لأمها: طيبيها زينيها، وقد حفر بئرا في الصحراء، ~~ويحملها مع نفسه، ويأمرها أن تطلع في البئر، ثم يدفعها من خلفها في البئر، ~~ويهيل التراب، وكانوا يفعلون ذلك إما خشية الإملاق، أو [دفعا] للعار وأنفة ~~عن أنفسهم. # وقوله: {سئلت بأي ذنب قتلت} هو سؤال توبيخ للوائد؛ لأن من جواب هذا ~~السؤال أن يقول: قتلت بغير ذنب. # وقرأ ابن عباس والضحاك وجماعة: " وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت " ~~والمعنى معلوم. # وذكر بعضهم في تفسيره: أنها تأتي متلطخة بالدماء، ms1914 وتتعلق بثدي أمها ~~وتقول: يا رب، هذه أمي وقد قتلتني. # واعم أنه ورد كثير من الأخبار في أن أولاد المشركين خدم أهل الجنة. # PageV06P166 # وكان ابن عباس يقول: من قال الموءودة في النار فقد كذب، وتلا هذه الآية. # وعن النبي أنه قال: " سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر فأعطانيهم ". # وعنه عليه الصلاة والسلام: " أنه سئل عن أطفال المشركين؟ فقال: هم خدم ~~أهل الجنة. # وقد وردت أخبار أخر أن أولاد المشركين في النار، وقد ذكرنا بعض ذلك فيما ~~سبق، وعنه أنه قال لعائشة: " لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار "، وعنه عليه ~~- الصلاة والسلام - أنه قال: " الوائدة والموءودة في النار "، وقد ثبت ~~برواية أبي هريرة أن النبي سئل عن أطفال المشركين؟ فقال: " الله أعلم بما ~~كانوا عاملين ". # فالأولى أن يتوقف، ويوكل علم ذلك إلى الله تعالى، وهم على مشيئته يفعل ~~بهم ما يشاء. # واعلم أنه قد كان في العرب من يحيي الأطفال الموءودة، وذلك بأنهم (يفرون) ~~من آبائهم. # وقال الفرزدق يفتخر: # (ومنا الذي منع لوائدات ... فأحيا الوئيد فلم يوأد) # قاله في جده صعصعة بن مجاشع. # PageV06P167 # {وإذا الصحف نشرت (10) وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا ~~الجنة أزلفت (13) علمت نفس ما أحضرت (14) فلا أقسم} . # PageV06P168 # قوله تعالى: {وإذا الصحف نشرت} يعني: على الخلائق، فمنهم من يعطي بيمينه، ~~ومنهم من يعطي بشماله. # PageV06P168 # وقوله: {وإذا السماء كشطت} وقرأ ابن مسعود: " قشطت " وهما بمعنى واحد، ~~كالكافور والقافور. # وقوله: {كشطت} أي: قلعت، وقيل: نزعت. # PageV06P168 # وقوله: {وإذا الجحيم سعرت} أي: أوقدت، وهي توقد مرة بعد مرة فاستقام على ~~هذا الكلام. # قال قتادة: سعره غضب الله وخطايا بني آدم. # PageV06P168 # وقوله: {وإذا الجنة أزلفت} أي: قربت وأدنيت، وهي للمتقين. # PageV06P168 # وقوله: {علمت نفس ما أحضرت} قال الربيع بن خثيم: إلى هذا جرى الكلام، ~~وحكى معنى هذا عن ابن عباس. # والمعنى: أنه إذا كانت هذه الأشياء علمت نفس ما أحضرت يعني: من الخير ~~والشر. # PageV06P168 # قوله تعالى: {فلا أقسم بالخنس} قال علي - رضي الله عنه - هي خمسة كواكب: ~~بهرام، وعطارد، وزحل، والزهرة، والمشتري، وذكر ms1915 بعضهم الشمس والقمر في ذلك. # وعن بعضهم: أنها جميع النجوم. # وقوله: {الخنس} أي: تغيب في سيرها، وقيل: تغيب في النهار، وتظهر بالليل، ~~وقيل: ترجع في مسيرها من المغرب، وذلك ظاهر في الكواكب الخمسة. # PageV06P168 # وقوله: {الجوار الكنس} أي: النساء السائرات الكنس، والكنس المستترات عن ~~الأبصار. # وقيل: بالغروب، وقيل: بالنهار. # وهذه الكواكب هي الكواكب التي يسميها المنجمون المتحيرة، وقد تفردت حيث ~~تسير بخلاف سائر الكواكب؛ لأن سائر الكواكب تسير من المشرق إلى المغرب، وهي ~~تسير من المغرب إلى المشرق، ويحيلون # PageV06P168 # {بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا تنفس ~~(18) إنه لقول رسول كريم (19) ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) } . عليها ~~الأفعال في العالم، ونحن نتبرأ إلى الله تعالى من هذا الاعتقاد، ونحيل ~~الجميع على الله تعالى، وإنما النجوم آيات ودلائل ومسخرات خلقت لمعاني ~~ذكرناها من قبل، وفي الآية قول آخر: وهو أن الخنس هي بقر الوحوش. # قال عمرو بن شرحبيل: قال لي عبد الله بن مسعود: أنتم قوم عرب، فما معنى ~~{الخنس الجوار الكنس} ؟ قال عمرو: هي بقر الوحش، قال ابن مسعود: وأنا أرى ~~ذلك وهو أيضا إحدى الروايتين عن ابن عباس، والقول الأول هو المشهور. # والخنس على هذا القول: هي صغار الأنف، والكنس من استتارها في كنسها. # PageV06P169 # وقوله: {والليل إذا عسعس} أي: أقبل بظلامه، وقيل: أدبر، وهو من الأضداد. # والأول هو المعروف. # PageV06P169 # وقوله: {والصبح إذا تنفس} أي: ظهر وطلع، وقيل: ارتفع. # PageV06P169 # وقوله: {إنه لقول رسول كريم} أي قول أنزله رسول كريم أي كريم على مرسله ~~وهو جبريل صلوات الله عليه. # وحمل الآية على ما جاء به جبريل عليه السلام على الرسول من غير القرآن. # فعلى هذا يجوز أن يقال: هو قول جبريل. # وقيل: إن قوله {رسول كريم} وهو محمد والقول الأول هو المشهور. # PageV06P169 # وقوله: {ذي قوة عند ذي العرش مكين} في الخبر أن النبي سأل جبريل عن قوته ~~وأمانته؟ . # فقال: " أما قوتي فإن الله تعالى أرسلني إلى مدائن لوط، وهي أربع مدائن ~~في كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذرية فأدخلت ms1916 جناحي تحتها ورفعتها إلى ~~السماء الدنيا حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وصياح الديكة ثم ~~قلبتها. # وأما أمانتي فإني لم أعد ما أمرت به إلى غيره. # PageV06P169 # {مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ولقد رآه بالأفق المبين (23) ~~وما هو على الغيب بضنين (24) وما هو بقول شيطان رجيم (25) فأين تذهبون (26) ~~} . # وقوله: {مكين} هو بمعنى المكانة أو المنزلة عند الله تعالى. # وذي العرش: هو الله تعالى. # PageV06P170 # وقوله: {مطاع ثم أمين} في التفسير أن الملائكة يطيعونه فيما يأمرهم به. # وقد قيل: إن معناه أنه قال: لرضوان خازن الجنان ليلة المعراج: افتح الباب ~~لمحمد ففتحه. # وقال لمالك خازن النار: افتح اللباب لمحمد ففتحه. # وقوله: {أمين} قد ذكرنا. # وقيل في معنى الأمانة، أنه يرفع سبعين سرادقا من غير استئذان. # وقيل: يلج سبعين حجابا من نور من غير استئذان. # PageV06P170 # وقوله تعالى {وما صاحبكم بمجنون} معنى الرسول. # وعن عطية أن نبي الله سأل جبريل أن يريه نفسه على ما يكون في السماء؟ ~~فقال: ليس ذلك إلي حتى استأذن ربي، فأذن الله تعالى له في ذلك. # فلما رأى جبريل على ما خلقه الله من العظمة وكثرة الأجنحة على ما ذكرنا ~~غشي عليه، فلما رآه قريش مغشيا عليه قالوا: مجنون مجنون فأنزل الله تعالى ~~{وما صاحبكم بمجنون} . # PageV06P170 # وقوله: {ولقد رآه بالأفق المبين} في التفسير أنه عند مطلع الشمس، والذي ~~رآه جبريل، وقد بينا هذا في سورة والنجم. # PageV06P170 # وقوله: {وما هو على الغيب بضنين} قرئ بالضاد والظاء. # قال إبراهيم النخعي: بظنين بالظاء، بمتهم، وبضنين بالضاد، ببخيل. # أورده النحاس وهو قول جماعة من المفسرين والغيب: هو الوحي. # PageV06P170 # وقوله {وما هو بقول شيطان رجيم} قال: هذا لأنهم كانوا يقولون أن محمدا ~~يقول ما يقول عن الشيطان. # PageV06P170 # وقوله: {فأين تذهبون} أي: أين تذهبون عن هذا الحق الذي ظهر بدلائله؟ . # PageV06P170 # {إن هو إلا ذكر للعالمين (27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله رب العالمين (29) } . # PageV06P171 # وقوله: {إن هو إلا ذكر للعالمين} أي: تذكرة وعظة للعالمين. # PageV06P171 # وقوله: {لمن شاء منكم أن يستقيم} ms1917 في التفسير أنه لما نزلت هذه الآية، قال ~~أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله ~~تعالى قوله، {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} ردا عليه. # وفي الباب أحاديث كثيرة منها ما روي عن مالك عن زيد بن أبي أنيسة أن عبد ~~الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سئل عن هذه الآية {وإذ أخذ ربك من بني آدم ~~من ظهورهم} إلى أن قال: {ألست بربكم} الآية. # فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله سئل عنها؟ فقال: " إن الله خلق آدم ~~فمسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل ~~الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل ~~النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله: إن ~~الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل ~~أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار ~~حتى يموت، وهو على عمل أهل النار فيدخله به النار، وقال الله تعالى {ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} . # وقال تعالى {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} قال رضي الله عنه: ~~أخبرنا بهذا الحديث أبو محمد هياج بن عبيد الخطيبي بمكة قال: أخبرنا أبو ~~محمد الحسن بن جميع، أخبرنا جدي، أخبرنا محمد بن عبدان القزاز، أخبرنا أبو ~~مصعب عن مالك الحديث. # والله أعلم. # PageV06P171 # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار فجرت (3) ~~وإذا القبور بعثرت (4) علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) يا أيها} . # تفسير سورة (انفطرت) # وهي مكية # PageV06P172 # قوله تعالى: {إذا السماء انفطرت} معناه: انشقت، ومنه انفطر ناب البعير. # PageV06P172 # وقوله: {وإذا الكواكب انتثرت} أي: تساقطت. # PageV06P172 # وقوله: {وإذا البحار فجرت} قال الحسن: يبست. # وعن غيره: ملئت، والمعروف ms1918 فجر بعضها في بعض، العذب في المالح، والمالح في ~~العذب، وقيل: فجرت أي: جعلت بحرا واحدا، وذلك بتفجير بعضها في بعض. # PageV06P172 # وقوله: {وإذا القبور بعثرت} أي: بحثرت وبحثت، والمعنى: قلبت ترابها، ~~وأخرج ما فيها من الموتى. # وفي الخبر: أن الأرض تلقى أفلاذ كبدها يوم القيامة، فتخرج كنوزها وموتاها ~~وكل ما فيها. # ومن المعروف أن النبي قال: " يوشك أن يحسر الفرات على جبل من ذهب، فيقتتل ~~الناس عليه ". # قال القفال: يجوز أن يكون ما ذكره الله تعالى من هذه الأشياء قبل قيام ~~الساعة، ويجوز أن يكون بعد قيام الساعة. # PageV06P172 # وقوله: {علمت نفس ما قدمت وأخرت} أي: {ما قدمت} فعملت من عمل {وأخرت} أي: ~~ترك من العمل، وقيل: ما قدمت وأخرت أي: ما عملت من قديم # PageV06P172 # الإنسان ما غرك بربك الكريم (6)) . وحديث، وقيل في قوله: {وأخرت} أي: من ~~سنة سيئة عمل بها بعده. # PageV06P173 # قوله تعالى {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} قيل: نزلت الآية في ~~الوليد بن المغيرة، وقيل: في أبي جهل، وقيل: في غيرهما. # وقوله: {ما غرك بربك الكريم} أي: أي شيء غرك وجرأك وسول لك حتى ارتكبت ما ~~ارتكبت؟ # وقوله: {بربك الكريم} يتجاوز عنك، وذلك في الدنيا. # وفي بعض التفاسير: أن الآية نزلت في أبي الأسد، وكان قد ضرب النبي، فلم ~~يعاقبه الله تعالى في الدنيا، فهو معنى قوله: {بربك الكريم} الذي تجاوز ~~عنك، ولم يعاقبك في الدنيا. # قال رضي الله عنه: أخبرنا محمد بن عبد العزيز الجنوجردي: أخبرنا أبو ~~إسحاق الثعالبي: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه: أخبرنا أبو ~~علي بن حبش المقرئ: أخبرنا أبو القاسم بن الفضل المقرئ: أخبرنا أبو علي بن ~~الحسين: أخبرنا المقدمي، أخبرنا كثير بن هشام: أخبرنا جعفر بن برقان قال: ~~حدثني صالح بن مسمار، قال: " بلغني أن النبي تلا هذه الآية: {يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم} قال: جهله ". # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله ~~به يوم القيامة فيقول: يا ms1919 ابن آدم، ما غرك بي؟ يا ابن آدم، ماذا عملت فيما ~~عملت؟ يا ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين؟ وعن السدي (بن المفلس) قال: غره ~~رفقه به. # وعن إبراهيم بن الأشعث أن الفضيل بن عياض قيل له: لو قال الله تعالى لك: ~~ما غرك بي فماذا تقول له؟ قال: أقول ستورك المرخاة. # ونظم ذلك بعضهم: # PageV06P173 # {الذي خلقك فسواك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) } . # (يا كاتم الذنب أما تستحي ... والله في الخلوة ثأنيكا) # (غرك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا) # وعن يحيى بن معاذ قال: لو يقول الله تعالى: ما غرك بربك؟ فأقول: تركك لي ~~سالفا وآنفا. # وعن أبي بكر الوراق قال: أقول غرني كرم الكريم. # وعن منصور بن عمار قال: أقول غرني ما علمت من سابق أفضالك. # وقال بعضهم: # (يا من خلا في الغي والتيه ... وغره طول تماديه) # أمل لك الله فبارزته ... ولم تخف غب معاصيه) # PageV06P174 # وقوله: {الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة} قال عطاء: جعلك قائما معتدلا ~~حسن الصورة، وقيل: سواك أي: سوى بين يديك ورجليك وعينيك وأذنيك، [و] ووضع ~~كل شيء موضعه، وهو أيضا معنى قوله: {فعدلك} ذكره الكلبي وغيره. # وقيل: عدلك أي عدل خلقك، وهو على ما بينا. # وقرئ بالتخفيف أي: صرفك في أي صورة شاء من حسن وقبيح، وطويل وقصير. # وفي بعض الغرائب من الأخبار: " أن الله تعالى إذا أراد خلق عبد أحضر خلقه ~~كل عرق كان بينه وبين آدم، فيخلقه على ما يريد من الشبه بمن شاء ". # وقد قيل: فعدل في أي صورة ما شاء ركبك أي: من شبه أب وأم وعم وخال، وقال ~~أبو علي الفارسي: معنى عدلك # PageV06P174 # {كلا بل تكذبون بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) ~~يعلمون ما تفعلون (12) إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم} . ~~بالتخفيف أي: في عدل بعضك ببعض، فكنت معتدل الخلق مناسبها فلا تفاوت فيها. # PageV06P175 # قوله تعالى: {كلا بل تكذبون بالدين} أي: بيوم القيامة، وقيل: بالحساب. # PageV06P175 # وقوله: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين} في بعض الأحاديث " أن ms1920 النبي ~~قال: أكرموا الكرام الكاتبين فإنهم معكم، إلا عند الجنابة والتبرز للحاجة ~~". # وقد ورد عن ابن عباس في قوله تعالى: {كرام بررة} أنهم الملائكة، يكرموا ~~أن يكونوا مع ابن آدم عند خلوته بأهله، وعند حاجته. # وقوله: {كاتبين} هم الملائكة يقعدون عن يمين الإنسان ويساره، فيكتبون ما ~~عليه وله، وقيل: واحد عن يمينه، وواحد عن يساره، فالذي عن يمينه يكتب ~~الحسنات، والذي عن يساره يكتب السيئات، وقيل: إن الذي عن يمينه أمين على ~~الذي على يساره لا يكتب إلا بإذنه. # وفي الخبر برواية أبي هريرة عن النبي: " إن العبد إذا هم بحسنة يكتب له ~~الملك حسنة، فإذا عملها كتب له عشر حسنات، وإذا هم بسيئة لم تكتب عليه ~~شيئا، فإذا عملها كتب سيئة ". # PageV06P175 # وقوله: {يعلمون ما تفعلون} ظاهر المعنى. # PageV06P175 # قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} في الخبر أن النبي قال: " هم الذين ~~بروا آباءهم وأبناءهم ". # وظاهر المعنى أنهم المطيعون. # PageV06P175 # ( {14) يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما ~~يوم الدين (17) ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ~~والأمر يومئذ لله (19) } . # PageV06P176 # وقوله: {وإن الفجار لفي جحيم} هي النار، نعوذ بالله منها. # وفي الحكايات: أن سليمان بن عبد الملك حج، فلقي أبا حازم سلمة بن دينار ~~فقال: يا أبا حازم، كيف القدوم على الله؟ فقال: أما المحسنون فكالغائب يقدم ~~على أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يرد إلى سيده، فبكى سليمان، ثم قال: ~~ليت شعري نعلم ما حالنا عند الله؟ فقال أبو حازم: اعرضها على كتاب الله ~~تعالى، فقال: وعلى أي ذلك أعرض؟ فقال على قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم ~~وإن الفجار لفي جحيم} قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين. # PageV06P176 # قوله تعالى: {يصلونها يوم الدين} أي: يدخلونها يوم القيامة. # PageV06P176 # وقوله: {وما هم عنها بغائبين} أي: مبعدين. # PageV06P176 # وقوله: {وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين} هو على معنى ~~تفخيم الأمر وتعظيمه. # PageV06P176 # وقوله: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا} أي: لا تغني ms1921 نفس عن نفس شيئا. # ويوم منصوب على الظرف، وقرئ " يوم " بالرفع، وهو ظاهر. # وقوله: {والأمر يومئذ لله} أي: الأمر يوم القيامة لله ليس لأحد معه أمر، ~~والله أعلم. # PageV06P176 # بسم الله الرحمن الرحيم # {ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون (3) } . # سورة المطففين # وهي مدنية # قال ابن عباس: هي أول سورة نزلت بالمدينة، قدم رسول الله المدينة، وهم ~~أخبث الناس كيلا ووزنا، فأنزل الله تعالى هذه السورة، فاستقاموا، فهم أوفى ~~الناس كيلا ووزنا إلى (اليوم) . # PageV06P177 # قوله تعالى: {ويل للمطففين} الويل: هو الدعاء بالشدة والهلاك. # وعن السدي هو واد في جهنم، يسيل فيه صديد أهل النار. # وقوله: {للمطففين} هم الذين لا يوفون الكيل والوزن ويبخسون. # قال الزجاج: سمى مطففا، لأنه لا يطف بهذا الفعل بالشيء الطفيف أي: اليسير ~~وقد بينا أنها نزلت في أهل المدينة، وقيل: نزلت في أبي جهينة، كان رجلا من ~~أهل المدينة له صاعان يكيل بأحدهما على الناس أي: عن الناس ويقال: اكتلت ~~على فلان أي: استوفيت ما عليه. # وقوله: {يستوفون} أي: يستوفون حقوقهم على الكمال، وقيل: يستوفونه راجحا. # PageV06P177 # وقوله: {وإذا كالوهم} كالوا لهم. # وكذلك: {أو وزنوهم} أي: وزنوا لهم. # [قاله] أبو عبيدة والأخفش والفراء - والأخفش هو سعيد بن [مسعدة] ، وهو ~~الأخفش الكبير - وقال الفراء: هو لغة حجازية سمعت بعضهم بمكة يقول: إذا # PageV06P177 # {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين (6) } . صدر الناس أتينا التاجر، فكال المد والمدين إلى العام ~~المقبل أي: كال لنا. # و {يخسرون} أي: ينقصون. # PageV06P178 # وقوله: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون} أي: ألا يستيقنوا أولئك أنهم ~~مبعوثون. # وعن ابن عباس أنه قال: خمس بخمس: ما نقص قوم العهد إلا سلط الله عليهم ~~عدوهم، وما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم ~~الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، وما نقصوا من المكيال والميزان إلا منعوا ~~النبات وأجدبوا بالسنين، وما منع قوم الزكاة إلا حبس عنهم القطر. # وعن مالك بن دينار قال: دخلت على ms1922 جار لي أعوده، وقد نزل به الموت، فجعلت ~~ألقنه كلمة الشهادة، وهو يقول: جبلان من نار، جبلان من نار. # فما زال يقول حتى مات، فسالت عنه؟ قالوا: كان له مكيال وميزان يطفف بهما. # وقيل في قوله: {ألا يظن} يعني: أنهم لا يعملون عمل من يظن أنهم مبعوثون. # PageV06P178 # وقوله: {ليوم عظيم} هو يوم القيامة. # سماه عظيما لعظم ما فيه وشدته. # PageV06P178 # وقوله: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} روى ابن عمر عن النبي أنه قال: " ~~يقومون مائة سنة على رءوس قبورهم "، وعن بعض الصحابة: ثلثمائة سنة، وعن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص: يقومون ألف عام في الظلمة. # وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي أنه قال في ~~قوله تعالى {يوم يقوم الناس لرب العالمين} قال: " يقومون حتى يبلغ الرشح # PageV06P178 # {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) } . أطراف آذانهم ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسين بن النقور، أخبرنا أبو ~~طاهر المخلص. # أخبرنا ابن بنت منيع - هو أبو القاسم البغوي - أخبرنا أبو نصر التمار، ~~أخبرنا حماد بن سلمة، الحديث. # خرجه مسلم في صحيحه عن أبي نصر التمار، وذكر البخاري هذا الحديث بإسناده، ~~وذكر أنهم يقومون حتى يبلغ الرشح أنصاف آذانهم، وروى سليم بن عامر، عن ~~المقداد بن الأسود أن النبي قال: " تدنى الشمس من رءوس الخلائق، حتى تكون ~~على قدر ميل من رءوسهم " قال سليم: فلا أدري أراد ميل المسافة أم ميل الذي ~~يكتحل به - قال: " فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق على قدر أعمالهم، فمنهم ~~من يأخذه العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقوه، ومنهم من ~~يلجمه إلجاما، ووضع رسول الله يده على (فمه) ". # وفي بعض الأخبار: " أن العرق يذهب في الأرض سبعين ذراعا " والله أعلم. # PageV06P179 # قوله تعالى: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين} كلا ردع وزجر وتنبيه، كأنه ~~يقول: ليس الأمر كما تزعمون فارتدعوا. # وقوله: {إن كتاب الفجار لفي سجين} فيه قولان: أحدهما: أنه كتاب الأعمال، ~~والآخر: أنه أرواح الكفار، والأظهر هو الأول. ms1923 # PageV06P179 # {وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين ~~يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه} ~~. # وقوله: {لفي سجين} هو فعيل من السجن، قال عطاء الخراساني: هو الأرض ~~السفلي فيها إبليس وذريته. # وعن مجاهد: صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، ويجعل تحتها كتاب الفجار. # وعن الحبر أنه قال في قوله: {إن كتاب الفجار لفي سجين} : هو روح الكافر ~~تقبض ويصعد به إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبله، ثم يهبط به إلى الأرض، ~~فتأبى الأرض أن تقبله، فيهبط به تحت الأرضين، فيجعل تحت خد إبليس. # وفي بعض الأخبار عن النبي: " أن الفلق جب في جهنم مغطى، والسجين جب في ~~جهنم مفتوح ". # PageV06P180 # وقوله: {وما أدراك ما سجين} قال الزجاج: لم يعلمه رسول الله حتى أعلمه ~~الله. # PageV06P180 # وقوله: {كتاب مرقوم} أي كتاب الفجار، وقال بعضهم: كتاب مرقوم يرجع إلى ~~السجين، والأصح ما بينا. # PageV06P180 # قوله: {ويل يومئذ للمكذبين} قد بينا. # PageV06P180 # وقوله: {الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى ~~عليه آياتنا قال أساطير الأولين} أي: أباطيل الأولين وأكاذيبهم. # PageV06P180 # قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم} أي: غلب على قلوبهم. # قال الفراء: استكثروا من المعاصي والذنوب فأحاطت بقلوبهم. # وروى القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي أنه قال: " ~~إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت، ~~وإن عاد زيد فيها حتى يغلق قلبه، فهو # PageV06P180 # {آياتنا قال أساطير الأولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ~~(14) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم} ~~. لرين الذي قال الله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} . # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث الشريف أبو نصر محمد بن محمد بن ~~علي الزينبي، أخبرنا أبو طاهر المخلص، أخبرنا البغوي، أخبرنا زغبة، عن ~~الليث، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم الحديث. # ويقال: ران أي: غطى وغشى، وهو قريب من الأول. ms1924 # قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يسود قلبه، وروى نحو هذا عن مجاهد. # PageV06P181 # قوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يؤمئذ لمحجوبون} في الآية دليل على أن ~~المؤمنين يرون الله تعالى، وقد نقل هذا الدليل عن مالك والشافعي - رحمة ~~الله عليهما - قال مالك: لما حجب الله الفجار عن رؤيته دل أنه ليتجلى ~~للمؤمنين حتى يروه. # ومثل هذا رواه الربيع بن سليمان، عن الشافعي، قال الربيع: قلت للشافعي: ~~أيرى الله بهذا؟ فقال: لو لم أوقن أن الله يرى في الجنة لم أعبده في ~~الدنيا. # وقد روي هذا الدليل عن (أحمد بن يحيى بن ثعلب الشيباني ابن عباس) . # وعن الحسن البصري قال: لو عرف المؤمنون أنهم لا يرون الله في الآخرة، ~~لانزهقت أرواحهم في الدنيا. # وفي الآية أبين دليل من حيث المعنى على ما قلنا، لأنه ذكر قوله: {كلا ~~إنهم عن # PageV06P181 # {يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (18) ~~وما أدراك ما عليون (19) كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) إن الأبرار ~~لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة النعيم} . ربهم ~~يومئذ لمحجوبون) في حق الكفار عقوبة لهم، فلو قلنا: إن المؤمنين يحجبون، لم ~~يصح عقوبة الكفار به. # وقد ذكر الكلبي في تفسيره عن ابن عباس في هذه الآية: أن المؤمنين يرونه ~~في الجنة، ويحجب الكفار. # وعن الحسين بن الفضل قال: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، كذلك في الآخرة ~~عن رؤيته. # PageV06P182 # وقوله: {ثم إنهم لصالوا الجحيم} أي: لداخلوا الجحيم. # PageV06P182 # وقوله: {ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون} يقال لهم ذلك على طريق التوبيخ ~~والتعبير. # PageV06P182 # قوله تعالى: {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين} قال الفراء: ارتفاع بعد ~~ارتفاع. # وقال كعب: يقبض روح المؤمن فيصعد به إلى السماء، فتتلقاه الملائكة إلى أن ~~تبلغ السماء السابعة، فيوضع تحت العرش. # يقال: إن الكتاب هو كتاب الأعمال، وقد بينا أنه أظهر القولين، والمعنى: ~~أنه يوضع في أعلى الأمكنة إظهارا لخسة عمل الفجار. # PageV06P182 # وقوله: {وما أدراك ما عليون} قال الزجاج: لم يدر حتى أعلمه ms1925 الله. # PageV06P182 # وقوله: {كتاب مرقوم يشهده المقربون} أي كتاب مكتوب، أو كتاب عليه علامة ~~القبول، يشهده الملائكة، وقيل: يشهده مقربو كل سماء. # PageV06P182 # قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} أي: في نعيم الجنة. # PageV06P182 # وقوله: {على الأرائك ينظرون} الأرائك جمع أريكة، وهي السرر في الحجال كما ~~بينا. # PageV06P182 # وقوله: {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} أي: بهجة النعيم وحسنها. # وهو # PageV06P182 # ( {24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ~~(26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون (28) إن} . مثل قوله ~~تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} . # PageV06P183 # وقوله: (يسقون من رحيق مختوم) روى مسروق عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير عن ~~ابن عباس أنهما قالا: الرحيق هو الخمر وقيل: هو الشراب الذي لا غش فيه. # وقوله: {مختوم} أي: لم تمسسه الأيدي. # PageV06P183 # وقوله: {ختامه مسك} قال إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير: آخره رائحة المسك، ~~وطعمه طعم ألذ الأشربة. # وعن جماعة من المفسرين أنهم قالوا: إذا بلغ آخر الشرب وجد رائحة المسك ~~والمعنى: أن الشراب الذي يكون في الدنيا يكون في آخره الكدر، وما تكرهه ~~النفس، فذكر الله تعالى أن شراب الآخرة على خلافه. # وقرأ علي - رضي الله عنه - " خاتمة مسك " وقرأ عيسى بن عمر " خاتمة مسك " ~~بكسر التاء، وقيل في معنى قوله تعالى: " خاتمه مسك " بفتح التاء أي: ~~(طينته) مسك وفي قوله: " خاتمه مسك " بكسر التاء أي: آخره وعاقبته. # وقوله: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} أي: فليتبادر المتبادرون، ~~والمنافسة إظهار شدة الطلب، وقيل: هي المسابقة إلى التحصيل. # PageV06P183 # وقوله: {ومزاجه من تسنيم} قال سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعلقمة عن ابن ~~مسعود: هو أشرف شراب لأهل الجنة يشربه المقربون صرفا، ويمزج للأبرار، ومثله ~~رواه منصور عن مالك بن الحارث. # وقيل في التسنيم: هو عين تتسنم على أهل الجنة من الغرف، وقيل: هو عين من ~~ماء. # PageV06P183 # وقوله: {عينا يشرب بها المقربون} قد بينا، ونصب عينا بمعنى: أعني عينا، ~~أو أريد عينا. # PageV06P183 # {الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) وإذا مروا بهم يتغامزون ~~(30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ms1926 (31) وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء ~~لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) فاليوم الذين آمنوا من الكفار ~~يضحكون (34) } . # وقوله: {بها} أي: منها. # PageV06P184 # قوله تعالى: {إن الذين أجرموا} هم الكفار. # وقيل: هذا في قوم مخصوصين من قريش، منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة، ~~والأسود بن عبد يغوث، والنضر بن الحارث وغيرهم. # وقوله: {كانوا من الذين آمنوا يضحكون} قيل: إنه في قوم مخصوصين من ~~المؤمنين منهم خباب وبلال وأبو ذر وعمار وغيرهم من فقراء الصحابة. # PageV06P184 # وقوله: {وإذا مروا بهم يتغامزون} أي: يشيرون بالأعين والحواجب. # PageV06P184 # وقوله: {وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين} أي معجبين بأفعالهم. # وقيل: طيبين الأنفس مستبشرين. # والعرب تقول: رجل فكه وفاكه إذا كان ضحوكا طيب النفس. # PageV06P184 # وقوله: {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} أي: أخطأوا الحق وطريق الرشد ~~واتبعوا الباطل. # PageV06P184 # وقوله: {وما أرسلوا عليهم حافظين} أي ما أرسلوا عليهم ليحفظوا أعمالهم. # أي ما أرسل الكفار على المؤمنين، والمعنى: أنهم ما وكلوا بالمؤمنين ~~ليحفظوا عليهم ما يفعلون. # وقيل: إن هذه الآية نزلت في المنافقين. # وقيل: إنها نزلت في أبي جهل وأصحابه. # وقوله: {من الذين آمنوا} على رضى الله عنه وأصحابه. # وهو قول بعيد. # PageV06P184 # وقوله: {فاليوم الذين آمنوا} هم المؤمنون من أصحاب الرسول. # PageV06P184 # {على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) } . # وقوله: {من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون} في بعض التفاسير إن للجنة ~~كوى إلى أهل النار متى شاء أهل الجنة فتحوا الكوى ونظروا إلى النار وضحكوا ~~منهم. # وقد بينا معنى الأرائك من قبل. # PageV06P185 # وقوله: {هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} أي هل جوزي الكفار ما كانوا - أي ~~بما كانوا - يفعلون. # PageV06P185 # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت (3) } . # تفسير سورة الكدح # وهي مكية، والله أعلم # PageV06P186 # قوله تعالى: {إذا السماء انشقت} هو في معنى قوله: {إذا السماء انفطرت} ~~ويقال: انشقت بالغمام، مثل قوله تعالى: {ويوم تشقق السماء بالغمام} وقد ~~ذكرنا، وقيل: انشقت لنزول الملائكة. # وفي تفسير النقاش: انشقت لنزول الرب عز اسمه، وهو بلا كيف، وقيل: (مزقت) ~~. # وعن ms1927 علي - رضي الله عنه - أنه قال: تنشق السماء من المجرة، ويقال: هي باب ~~السماء. # PageV06P186 # وقوله: {وأذنت لربها وحقت} أي: واستمعت لأمر ربها، وحق لها أن تستمع. # قال الشاعر: # (القلب تعلل بددن ... إن همي في سماع وأذن) # وقال بعضهم: صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به، وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا، أي: ~~استمعوا. # وفي الخبر عن النبي: " ما أذن الله بشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن ". # وأما استماع السماء فيجوز أن يكون على الحقيقة، ويجوز أن يكون استماعها ~~انقيادها لما تؤمر به، والله أعلم. # PageV06P186 # وقوله: {وإذا الأرض مدت} أي: مدت مد الأديم لا يبقى عليها جبل ولا شيء ~~إلا # PageV06P186 # {وألقت ما فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الإنسان إنك كادح ~~إلى ربك كدحا فملاقيه (6) } . دخل في جوفها، وقيل: زيد في سعتها لتسعهم. # وعن بعضهم: غيرت عن هيئتها بالتبديل، وغير ذلك، فهو معنى قوله: {مدت} . # PageV06P187 # وقوله: {وألقت ما فيها وتخلت} أي: وألقت ما في جوفها، من الكنوز والموتى ~~فخلى جوفها، ويقال: ألقت بما استودعت، وتخلت عما استحفظت، وكأنها ألقت ما ~~على ظهرها، وتخلت عما في جوفها. # PageV06P187 # وقوله: {وأذنت لربها وحقت} قد بينا. # فإن قيل: أين جواب قوله: {إذا السماء انشقت} وهو يقتضي جوابا؟ والجواب من ~~وجوه: قال الفراء: جوابه محذوف، والمعنى: إذا السماء انشقت وكان كذا، رأى ~~كل إنسان ما وجد من الثواب والعقاب، ويقال: علم كل منكر للبعث أنه كان في ~~ضلالة وخطأ. # والوجه الثاني: أن الجواب قوله: {وأذنت} والواو زائدة، فالجواب: أذنت. # والوجه الثالث: أن الجواب قوله: {فملاقيه} أي: يلقى عمله من خير وشر. # والوجه الرابع: أن في الآية تقديما وتأخيرا، والمعنى: يا أيها الإنسان ~~إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت. # PageV06P187 # قوله تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} قال قتادة: ~~عامل لربك عملا. # والكدح هو السعي بتعب ونصب. # قال الشاعر: # (ومضت بشاشة كل عيش صالح ... وبقيت أكدح للحياة وأنصب) # ويجوز أن يكون ذكر الواحد هاهنا بمعنى الجمع، فيكون بمعنى يا أيها الناس. # وكان الحسن ms1928 البصري يقول: يا أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل. # PageV06P187 # {فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) } . # وقوله تعالى: {فملاقيه} قال قتادة: أي: فملاق عملك من خير وشر. # ويقال: ملاق ربك. # PageV06P188 # وقوله: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا} . # أي هينا، وقيل في اليسير: هو أن يقبل الحسنات، ويتجاوز عن السيئات. # وقد ثبت برواية أبي مليكة عن عائشة أن النبي قال: " من نوقش في الحساب ~~هلك، قلت: يا رسول الله، فإن الله عز وجل يقول: {فأما من أوتي كتابه بيمينه ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا} قال: ذلك العرض " قال رضي الله عنه أخبرنا بهذا ~~الحديث أبو الحسين ابن النقور، أخبرنا أبو طاهر (بن) المخلص، أخبرنا أبو ~~محمد يحيى بن صاعد، أخبرنا الحسن بن الحسين المروزي، عن عبد الله بن ~~المبارك، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة الخبر. # وأورد أبو عيسى برواية (ابن عمر) أن النبي قال: " من حوسب عذب "، وهو ~~بإسناد غريب. # وفي رواية ثالثة عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي رآها، وقد رفعت ~~يديها وهي تقول: اللهم حاسبني حسابا يسيرا. # فقال: " يا عائشة، أتدرين # PageV06P188 # {وينقلب إلى أهله مسرورا (9) وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) } . ما ~~ذلك الحساب؟ قالت عائشة: فقلت ذكر الله في كتابه: {فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسير} فقال رسول الله: من حوسب خصم، وذلك الممر ~~بين يدي الله تعالى ". # وذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ في المستدرك على الصحيحين بإسناده عن ~~أبي هريرة أن النبي قال: " ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابا يسيرا، وأدخله ~~الجنة برحمته. # قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله، لمن ذلك؟ قال: " أن تصل من قطعك، وتعفو ~~عمن ظلمك، وتعطي من حرمك ". # PageV06P189 # وقوله: {وينقلب إلى أهله مسرورا} أي: فرحا مستبشرا، ويجوز أن ينقلب إلى ~~أهله من الحور العين، ويجوز أن يكون المعنى ينقلب إلى أهله الذين كانوا له ~~في الدنيا، وقيل: نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد، وكان زوج أم سلمة، وهو ~~أول ms1929 من هاجر إلى المدينة. # وقوله: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} نزلت في الأسود بن عبد الأسد. # قوله تعالى: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} قال مجاهد: يخلع يده اليمنى، ~~ويجعل يده اليسرى وراء ظهره، فيوضع كتابه فيها. # وقال الكلبي: تغل يده اليمنى، ويوضع كتابه في شماله من وراء ظهره. # وروى أبو # PageV06P189 # {فسوف يدعو ثبورا (11) ويصلى سعيرا (12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ~~ظن أن لن يحور (14) } . موسى الأشعري - وهو عبد الله بن قيس - أن النبي ~~قال: " يكون في القيامة ثلاث عرضات: فعرضتان جدال ومعاذير، والعرضة الثالثة ~~عند تطاير الصحف، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله ". # وذكر النقاش في تفسيره بإسناده أن النبي قال: " من حاسب نفسه في الدنيا ~~هون الله عليه الحساب في الآخرة ". # PageV06P190 # {فسوف يدعو ثبورا} معناه: يقول واثبوراه، ومعنى قوله: واثبوراه: ~~واهلاكاه. # يقال: رجل مثبور أي: هالك. # PageV06P190 # وقوله: {ويصلى سعيرا} أي: يقاسي النار، ويقال: يدخل، ومنه قوله تعالى ~~{اصلوها} أي: ادخلوها، وقرئ: " ويصلى سعيرا " أي: يكثر عذابه بنار جهنم، ~~ذكره الأزهري. # PageV06P190 # قوله تعالى: {إنه كان في أهله مسرورا} أي: لم يحزن للتقصير في أوامر الله ~~تعالى، ولم يتعب، ولم ينصب في العمل بطاعة الله، ذكره القفال. # ويقال: كان في أهله مسرورا، أي: راكبا هواه، متبعا شهوته. # PageV06P190 # وقوله: {إنه ظن أن لن يحور} أي: أن لن يرجع إلى الله تعالى، وهو إخبار عن ~~إنكاره بالبعث. # وقوله: {يحور} يرجع، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: " أعوذ بالله من ~~الحور بعد الكور " أي: النقصان بعد الزيادة. # وفي رواية: " من الحور بعد الكور " أي: من انتشار أمره بعد أن كان ~~مجتمعا، أو من فساد أمره بعد أن كان صالحا. # PageV06P190 # {بلى إن ربه كان به بصيرا (15) فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) ~~والقمر إذا اتسق (18) } . # وقال الشاعر: # (وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع) # PageV06P191 # وقوله: {بلى إن ربه كان به بصيرا} أي: عالما. # PageV06P191 # وقوله تعالى: {فلا أقسم بالشفق} أي: أقسم بالشفق، قال مجاهد: هو النهار ~~كله. # والمعروف أن الشفق هو الحمرة ms1930 من عند غروب الشمس إلى العشاء الآخرة. # قال الفراء: سمعت العرب تقول على فلان ثوب كأنه الشفق، وكان عليه ثوب ~~مصبوغ بالحمرة. # وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: " الشفق هو الحمرة ". # وهو قول جماعة من الصحابة وجماعة من التابعين منهم: ابن عمر، وسعيد بن ~~المسيب، وغيرهما. # وعن أبي هريرة: أن الشفق هو البياض، وهو قول عمر بن عبد العزيز. # PageV06P191 # قوله: {والليل وما وسق} أي: وما جمع ولف، وضم الأشياء بعد انتشارها، ~~وإنما قال ذلك؛ لأنه إذا كان الليل آوى كل شيء إلى مأواه، ورجع كل إنسان ~~إلى منزله، وإذا كان النهار انتشروا في التصرف. # PageV06P191 # وقوله: {والقمر إذا اتسق} أي: إذا اجتمع ضوءه، ويقال: امتلأ نورا، وهو ~~ليلة الثالث عشر من الشهر والرابع عشر والخامس [عشر] . # PageV06P191 # {لتركبن طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن ~~لا يسجدون (21) } . # قال الشاعر: # (إن لنا قلائصا حقائقا ... مستوسقات (لو) يجدن سائقا) # PageV06P192 # وقوله: {لتركبن طبقا عن طبق} وقرئ: " لتركبن " على الوحدان، فمن قرأ على ~~الجمع فمعناه: لتركبن أيها الناس حالا بعد حال، والحال هو بمعنى الطبق. # قال الشاعر: # (فبينا المرء في عيش لذيذ ناعم ... خفض أتاه طبق يوما على منقلب دحض) # ومعنى حال بعد حال: هو أنه يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ينفخ فيه الروح، ~~وبعد ذلك تتبدل أحواله، ويختلف على المعهود المعلوم من طفولية، وشباب، ~~وهرم، وغير ذلك. # ويقال: لتركبن طبقا عن طبق أي: شدة على شدة، والمعنى: أنه حياة ثم موت ثم ~~بعث ثم جزاء. # فأما القراءة على الوحدان ففيه قولان. # أحدهما: أن المراد منه السماء، والمعنى: أنه ينشق ويكون مرة كالدهان، ~~ومرة كالمهل، ومرة مشقوقة، ومرة صحيحة، وهو مروي عن ابن مسعود وغيره. # والقول الثاني: أنه خطاب للنبي، والمعنى لتركبن أطباق السماء طبقا على ~~طبق، وذلك ليلة الإسراء، ويقال: لتركبن طبقا عن طبق يعني: أصلاب الآباء، ~~وذلك للرسول. # قال العباس في مدح النبي: # (من قبلها طبت في الصلاب ... وفي مستودع حين يخصف الورق) # (تنقل من صالب إلى ms1931 رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق) # PageV06P192 # {بل اللذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب ~~أليم (24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25) } . # PageV06P193 # وقوله {فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} في التفسير: ~~أن النبي سجد وأصحابه، والكفار على رؤوسهم يصفقون ويصفرون فأنزل الله تعالى ~~{فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} وقد ثبت برواية أبي ~~هريرة " أن النبي سجد سجد في هذا الموضع ". # PageV06P193 # وقوله: {بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون} أي: يكتمون ويجمعون ~~في صدورهم. # PageV06P193 # قوله: {فبشرهم بعذاب أليم} أي أجعل لهم النار موضع البشارة للمؤمنين ~~بالجنة. # PageV06P193 # وقوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} أي غير ~~منقوص ولا مقطوع. # ويقال: لا يمتن عليهم أحد غير الله تعالى فيكدره عليهم المنة والله أعلم. # PageV06P193 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) } . # تفسير سورة البروج # وهي مكية # PageV06P194 # قوله تعالى: {والسماء ذات ### | البروج # } أي: النجوم العظام. # قال عكرمة: ذات القصور. # ويقال: ذات الخلق الحسن، ويقال: ذات المنازل، وهي منازل القمر، وهي ~~ثمانية وعشرون منزلا ذكرناها من قبل. # PageV06P194 # وقوله: {واليوم الموعود} وهو يوم القيامة بالاتفاق. # PageV06P194 # وقوله: {وشاهد ومشهود} فيه أقوال: روى أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي - ~~رضي الله عنه - أن الشاهد هو يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الأثر أبو محمد عبد الله بن محمد ~~الصريفيني، أخبرنا أبو القاسم بن حبابة أخبرنا أبو القاسم البغوي، عن علي ~~بن الجعد، عن شريك، عن [أبي] إسحاق. # الأثر. # والقول الثاني: الشاهد يوم النحر، والمشهود يوم عرفة، قاله إبراهيم ~~النخعي. # والقول الثالث: أن الشاهد هو الملائكة، والمشهود هو الإنسان، قاله السدي، ~~والقول الرابع: أن الشاهد هو محمد، والمشهود يوم القيامة، وهو مروي عن ~~الحسن بن علي، وابن عمر، وابن الزبير - رضي الله عنهم - والقول الخامس: ~~الشاهد هو الله، # PageV06P194 # {قتل أصحاب الأخدود (4) } . والمشهود هو يوم القيامة، والقول السادس: أن ~~الشاهد هو عيسى ابن مريم، والمشهود ms1932 يوم القيامة، والقول السابع: أن الشاهد ~~هو الجوارح، والمشهود هو نفس الإنسان، والقول الثامن: أن الشاهد يوم ~~الاثنين، والمشهود يوم الجمعة، وشهادة الأيام شهادتها على الأعمال ومعنى ~~المشهود في الأيام هو أنه يشهدها الناس، وهو في يوم القيامة على معنى أنه ~~تشهده الملائكة وجميع الخلائق. # PageV06P195 # قوله تعالى: {قتل أصحاب الأخدود} والأخدود جمع خد، وهو شق في الأرض، ~~واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؟ . # قال علي: في قوم من الحبشة، وعن مجاهد: في قوم من نجران، وعن ابن عباس: ~~في قوم من اليمن، وعن بعضهم قوم بالروم، وقيل غير ذلك. # وفي التفسير: أنه كان بنجران قوم على شريعة عيسى بن مريم - صلوات الله ~~عليه - يدينون بالتوحيد، فجاءهم ذو نواس وأحضرهم - وهو ملك من ملوك اليمن - ~~وخيرهم بين اليهودية والإحراق بالنار، فاختاروا الإحراق بالنار، فخد لهم ~~أخدودا، وأضرم فيها النار، وأمرهم بالتهود أو يلقوا أنفسهم فيها، فألقوا ~~أنفسهم فيها حتى احترقوا. # وفي بعض التفاسير: أنه كان في آخرهم امرأة ومعها صبي رضيع، فلما بلغت ~~النار توقفت فتكلم الصبي وقال: يا أماه، سيري ولا تنافقي، فإنما هي غميضة. # وقد ذكر مسلم في الصحيح في هذا قصة طويلة، وكذلك أبو عيسى على غير هذا ~~الوجه الذي ذكرنا، وذكرا فيه حديث الملك والراهب والساحر، وهو ما روى عن ~~ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال: " كان رسول الله ~~إذا صلى العصر همس، والهمس في بعض قولهم تحرك شفتيه كأنه يتكلم، فقيل له: ~~إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست قال: إن نبيا من الأنبياء كان أعجب ~~بأمته، من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم منهم وبين ~~أن أسلط # PageV06P195 # عليهم عدوهم، فاختاروا النقمة، فسلط عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ~~ألفا قال: وكان إذا حدث بهذا الحديث حدث بهذا الحديث الآخر، قال: كان ملك ~~من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له، فقال (الكاهن) : انظروا لي غلاما ~~(فهما) - أو قال فطنا لقفا - فأعلمه علمي هذا، فإني أخاف ms1933 أن أموت فينقطع ~~منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم من يعلمه. # قال: فنظروا له على ما وصف، وأمروه أن يحضر ذلك الكاهن وأن يختلف إليه. # قال: فجعل يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعة - قال معمر: ~~أحسب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين - قال: فجعل الغلام يسأل ذلك ~~الراهب كلما مر به، فلم يزل به حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله. قال: فجعل ~~الغلام يمكث عند الراهب، ويبطئ عن الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام إنه ~~لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك ~~الكاهن: أين كنت؟ فقل: عند أهلي، فإذا قال لك أهلك: أين كنت؟ (فأخبرهم أنك) ~~كنت عند الكاهن. # قال فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثير قد حبستهم دابة - ~~وقال بعضهم: إن الدابة كانت أسدا - قال: فأخذ الغلام صخرا وقال: اللهم إن ~~كان ما يقول الراهب حقا فأسألك أن أقتله، ثم رمى فقتل الدابة. # فقال الناس: من قتلها؟ فقالوا: الغلام، ففزع الناس وقالوا: قد علم هذا ~~الغلام علما لم يعلمه أحد. # قال: فسمع به أعمى، وقال له: إن أنت رددت بصري فلك كذا كذا. # فقال له: لا أريد منك هذا، ولكن إن أنت شرطت إن رجع إليك بصرك أن تؤمن ~~بالذي رده عليك فعلت؟ قال: فدعا الله فرد عليه بصره، فآمن الأعمى، فبلغ ~~الملك أمرهم، فبعث إليهم، فأتي بهم فقال: لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل ~~[بها] صاحبه، فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق ~~أحدهما فقتله، وقتل الآخر بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام فقال: انطلقوا به إلى ~~جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه، فلما انتهوا إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن ~~يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون، حتى لم يبق منهم إلا # PageV06P196 # الغلام. # قال: ثم رجع، فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه، ~~فانطلقوا إلى البحر، فغرق الله الذين كانوا معه وأنجاه، فقال الغلام: إنك ~~لا تقتلني ms1934 حتى تصلبني وترميني، وتقول إذا رميتني: باسم الله رب هذا الغلام. # قال: فأمر به فصلب ثم رماه، وقال: باسم الله رب هذا الغلام. # قال: فوضع الغلام يده على صدغه حين رمى به ثم مات، فقال الناس: لقد علم ~~هذا الغلام علما ما علمه أحد، فإنا نؤمن برب الغلام. # قال: فقيل للملك: [أجزعت] إن خالفك ثلاثة، فهذا العالم كلهم قد خالفوك. # قال: فخد أخدودا، ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس. # فقال: من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار، فجعل ~~يلقيهم في تلك الأخدود. # قال: يقول الله تعالى: {قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود} حتى بلغ {ذو ~~العرش المجيد} قال: فأما الغلام فإنه دفن. # قال: فذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب، وأصبعه على صدغه كما وضعها حين ~~قتل ". # قال أبو عيسى: حديث حسن غريب (صحيح) . # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو عبد الرحمن ابن عبد الله بن ~~أحمد، أخبرنا أبو العباس بن سراج، أخبرنا أبو العباس [المحبوبي] ، أخبرنا ~~عبد الرزاق، عن معمر ... الخبر. # وذكر مسلم هذا الخبر في كتابه، وخالف في مواضع أخر منه. # وفي بعض الروايات: أن اسم ذلك الغلام كان عبد الله بن التامر. # قال محمد بن إسحاق: حفر في زمن عمر - رضي الله عنه - حفيرة، فوجدوا عبد ~~الله بن التامر، ويده على صدغه فكان كلما أخروا يده عن ذلك الموضع (انثعب) ~~دما، وإذا تركوا # PageV06P197 # {النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) } . اليد ~~ارتدت إلى مكانها، وكان في أصبعه خاتم حديد مكتوب عليه: ربي الله، فأمر عمر ~~أن يرد إلى ذلك الموضع كما وجد. # وعن الحسن البصري أن النبي كان إذا ذكر هذه القصة قال: " اللهم إني أعوذ ~~بك من جهد البلاء ". # وقد ذكر بعض أهل المعاني أن قوله: {قتل أصحاب الأخدود} هو جواب القسم. # PageV06P198 # قوله: {النار ذات الوقود} على قول البدل من الأخدود ms1935 كأنه قال: " قتل ~~أصحاب الأخدود النار ذات الوقود، والوقود " ما يوقد به النار، وقيل: ذات ~~الوقود أي: ذات التوقد، وهو الأصح. # PageV06P198 # قوله: {إذ هم عليها قعود} أي: جلوس، وفي القصة: أن الملك وأصحابه كانوا ~~قد قعدوا على كراسي عند الأخاديد. # PageV06P198 # وقوله: {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود} فعل ما فعل بالمؤمنين ~~بحضورهم. # PageV06P198 # وقوله: {وما نقموا منهم} قال ابن عباس: وما كرهوا. # وعن غيره: وما عابوا. # وذكر الزجاج: ما أنكروا. # قال عبد الله بن قيس (بن) الرقيات: # (ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحملون إن غضبوا) # (وأنهم سادة الملوك ... فلا يصلح إلا عليهم العرب) # وقوله: {إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} والمعنى أنهم ما أنكروا ~~عليهم إلا إيمانهم بالله. # PageV06P198 # {الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) إن الذين فتنوا ~~المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق (10) إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز ~~الكبير (11) إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد (13) وهو الغفور} . # وقوله: {العزيز الحميد} أي: الغالب بقدرته، الحميد في أفعاله. # PageV06P199 # قوله تعالى: {الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد} ظاهر ~~المعنى. # قال الزجاج: والمراد من الآية أن الله تعالى ذكر قوما بلغت بصيرتهم في ~~الدين أن خيروا بين الكفر وبين الإحراق بالنار، فصبروا حتى أحرقوا بالنار. # وقد ورد في بعض الأخبار عن النبي قال: " لا تشرك بالله وإن قتلت وأحرقت ~~". # PageV06P199 # قوله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} أي: أحرقوا، يقال: فتنت ~~الذهب بالنار إذا أدخلته فيها، ويقال: حرة فتين إذا كانت سوداء كالمحترقة ~~{ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} بكفرهم ونوعا من العذاب ~~بإحراقهم المؤمنين. # وعن الربيع بن أنس: أن النار التي أحرقوا المؤمنين فيها ارتفعت من ~~الأخدود، فأحرقت الملك وأصحابه، فهو معنى قوله: {ولهم عذاب الحريق} . # PageV06P199 # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير} أي: العظيم، وهذا على ما ms1936 جرى أمر القرآن، فإنه ~~إذا ذكر الوعد للكفار يذكر الوعد للمؤمنين بجنبه، وهو ظاهر في أكثر القرآن. # PageV06P199 # قوله تعالى: {إن بطش ربك لشديد} البطش هو الأخذ بعنف وشده. # PageV06P199 # قوله تعالى: {إنه هو يبدئ ويعيد} أي: يبدئ الخلق في الدنيا، ثم يعيدهم في ~~الآخرة. # PageV06P199 # قوله تعالى: {وهو الغفور الودود} الغفور هو الستور بذنوب عباده، الودود ~~هو # PageV06P199 # {الودود (14) ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) هل أتاك حديث ~~الجنود (17) فرعون وثمود (18) } . المحب للمؤمنين، وقيل: المتودد إلى ~~المؤمنين بجميل أفعاله وكثير إحسانه. # وذكر الأزهري: أنه يجوز أن يكون الودود، بمعنى المودود كالحلوب والركوب ~~بمعنى المحلوب والمركوب، فعلى هذا في قوله: {الودود} معنيان: أحدهما: أنه ~~المحب لعباده المؤمنين. # والآخر: الذي يحبه المؤمنون. # PageV06P200 # وقوله: {ذو العرش المجيد} قرأ أكثر القراء بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي ~~بالخفض. # والعرش هو السرير في اللغة، وأما في القرآن هو العرش المعروف فوق ~~السموات. # وفي التفسير: أنه لا يقدر قدره. # وعن بعضهم: ذو العرش ذو الملك، يقال: كل عرش فلان أي: ملك فلان، ويقال: ~~تبوأ فلان على سرير ملكه أي: استقر ملكه، وإن لم يكن ثم سرير في ذلك الوقت، ~~حكاه القفال، والقول الصحيح الأول. # وأما قراءة الرفع فهو صفة الله تعالى، وذلك بمعنى العلو والعظمة، وأما ~~قراءة الخفض ففيه أقوال: أحدهما: أنه صفة العرش، ومعنى المجيد فيه العالي ~~الرفيع، والقول الثاني: أنه صفة الله تعالى إلا أنه خفض بالجوار، والقول ~~الثالث: أنه راجع إلى قوله: {إن بطش ربك} كأنه قال: إن بطش ربك المجيد ~~لشديد، أورده النحاس. # وعن بعضهم: أن جواب القسم قوله: {إن بطش ربك لشديد} وهو قول الأكثرين. # PageV06P200 # وقوله تعالى: {فعال لما يريد} أي: ما يشاء ويختار. # وفي بعض الآثار أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه مرض فدخل القوم يعودونه ~~فقالوا له: ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال: قد دعوته. # فقالوا: فماذا قال؟ قال أبو بكر: فقال أنا فاعل لما أريد. # PageV06P200 # قوله تعالى: {هل أتاك حديث الجنود} أي قد آتيك حديث الجنود. # PageV06P200 # وقوله: {فرعون وثمود} أي جنود فرعون وثمود. ms1937 # وذكر النقاش أن فرعون لما أتبع بني إسرائيل كانوا خمسة آلاف وخمسمائة ~~ألف. # PageV06P200 # {بل الذين كفروا في تكذيب (19) والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرآن ~~مجيد (21) في لوح محفوظ (22) } . # PageV06P201 # وقوله: {بل الذين كفروا في تكذيب} أي في تكذيب الرسل. # PageV06P201 # وقوله: {والله من وراءهم محيط} أي محيط بأفعالهم وأقوالهم. # PageV06P201 # وقوله: {بل هو قرآن مجيد} في بعض التفاسير أن الرسول لما قرأ عليهم ما ~~ذكرنا من الآيات قالوا له: لعلك غلطت أو سهوت؟ ولعل الذي ينزل عليك ليس من ~~قبل الله؟ فأنزل الله تعالى {بل هو قرآن مجيد} هو المتجمع بخصال الخير. # وقرأ محمد اليمامي: " بل هو قرآن مجيد " على الإضافة معنى قرآن رب مجيد. # PageV06P201 # وقوله: {في لوح محفوظ} قرئ بالرفع والخفض مع التنوين فيهما، ففي الرفع ~~ينصرف إلى القرآن، وفي الخفض ينصرف إلى اللوح. # وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن اللوح المحفوظ من درة بيضاء دفتاه ~~ياقوت أحمر كتابته نور وقلمه نور ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة ~~يميت ويحيي، ويعز ويذل، ويفقر ويغني، ويفعل ما يشاء. # وفي بعض الأخبار: أنه مكتوب في صدره لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله. # وذكر الحفظ هاهنا ليبين أن ما يوحى إليه من القرآن هو محفوظ من السهو ~~والغلط، وأن ما يقوله النبي يقوله عن الله سبحانه وتعالى. # وعن فرقد السبخي: أن قوله: {في لوح محفوظ} هو قلب المؤمن، وهو قول ضعيف، ~~والله أعلم. # PageV06P201 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) } . # تفسير سورة الطارق # وهي مكية # PageV06P202 # قوله تعالى: {والسماء و ### | الطارق # } الطارق هاهنا هو النجم، وأما في لغة العرب فالطارق هو كل ما يطرق ليلا، ~~وقد قيل: هو الذي يطرق ليلا كان أو نهارا. # وأما قول القائل: # (نحن بنات طارق ... ) # أي: بنات النجوم شرفا وعلوا. # وقال جرير: # (طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت المقامة فارجعي بسلام) # PageV06P202 # وقوله: {وما أدراك ما الطارق} إنما قال ذلك؛ لأن الطارق يتناول ms1938 النجم ~~وغيره، فذكر هاهنا قوله: {وما أدراك ما الطارق} لأن الرسول لم يدر أي طارق ~~أراد. # PageV06P202 # وقوله: {النجم الثاقب} قال ابن عباس: المضيء. # وعن مجاهد: هو المتوهج. # وعن بعضهم: هو المستدير. # وعن بعضهم: الثاقب النجم الذي يثقب الشياطين بالنار. # وذكر الفراء: أنه زحل، وهو أكبر النجوم. # وقد حكى هذا القول عن علي. # وعن بعضهم: أنه نجم خلقه الله في السماء السابعة، لم يخلق فيها غيره، ~~يطرق # PageV06P202 # {إن كل نفس لما عليها حافظ (4) فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء ~~دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) } . ~~السموات ثم يرجع إلى مكانه. # وعلى القول الذي قلنا [أن زحل هو الثاقب] ، يعني أنه يثقب السموات ~~بضيائه. # وعن ابن زيد: أنه الثريا. # والعرب إذا أطلقت النجم عنت به الثريا. # PageV06P203 # وقوله: {إن كل نفس لما عليها حافظ} هو جواب القسم. # وقد قرئ بالتشديد والتخفيف، فمعنى التشديد: إلا عليها حافظ، ومعنى ~~التخفيف: لعلها حافظ، و " ما " زائدة، والحافظ: هو الملك، وعن بعضهم: قرينه ~~الذي يحفظ عليه عمله، وقيل: الحافظ هو الله تعالى يحفظ عليهم أعمالهم. # PageV06P203 # وقوله تعالى: {فلينظر الإنسان مم خلق} أي: من أي شيء خلق. # PageV06P203 # وقوله: {خلق من ماء دافق} أي: مدفوق مثل قوله تعالى: {في عيشة راضية} أي: ~~مرضية، وقيل: {ماء دافق} أي: منصب جار. # PageV06P203 # وقوله: {يخرج من بين الصلب والترائب} أي: من صلب الرجل، وترائب المرأة. # وفي الخبر: أنه يخرج من كل خرزة من صلبه، والترائب ثمانية أضلاع: أربعة ~~يمنة، وأربعة يسرة، وقيل: هو الصدر، وقيل: بين الثديين، وقيل: ما دون ~~الترقوة. # PageV06P203 # وقوله: {إنه على رجعه لقادر} فيه أقوال: أحدها: على رد النطفة في الإحليل ~~لقادر، قاله مجاهد وإبراهيم وعكرمة، والقول الثاني: هو قادر أن يرده إلى ~~حالة الطفولية، وقيل: يرد من (الشيخوخة) إلى الكهولة، ومن الكهولة إلى ~~الشباب، ومن الشباب إلى الصغر، ومن الصغر إلى الطفولية، ومن الطفولية إلى ~~رحم المرأة، ومن الرحم إلى الصلب، فهو معنى قوله: {إنه على رجعه لقادر} . # والقول الثالث - وهو أولى الأقاويل - أن ms1939 المراد منه، أنه على إحيائه بعد ~~الإماتة لقادر، ذكره الفراء والزجاج وغيرها. # PageV06P203 # {يوم تبلى السرائر (9) فما له من قوة ولا ناصر (10) والسماء ذات الرجع ~~(11) والأرض ذات الصدع (12) إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14) إنهم ~~يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) } . # PageV06P204 # قوله تعالى: {يوم تبلى السرائر} أي: تختبر وتمتحن، وقيل: تظهر، وهو ~~الأولى. # وفي التفسير: أنه يظهر سر كل إنسان، ويبدو أثره على وجهه، فتبيض بعض ~~الوجوه، وتسود بعض الوجوه. # PageV06P204 # وقوله: {فما له من قوة ولا ناصر} أي: قوة يتقوى بها، وناصر ينصره، فيدفع ~~به العذاب عن نفسه. # PageV06P204 # وقوله تعالى: {والسماء ذات الرجع} أي: المطر، وهو القول المعروف، وسمى ~~المطر رجعا؛ لأنه يرجع مرة بعد أخرى. # والقول الثاني: أنه الشمس والقمر والنجوم، وسميت رجعا؛ لأنها تطلع وتغيب، ~~وترجع من المغرب إلى المشرق. # PageV06P204 # وقوله: {والأرض ذات الصدع} أي: النبات، وهو قول الجميع، وسمى صدعا؛ لأن ~~الأرض تنصدع به. # PageV06P204 # وقوله: {إنه لقول فصل} أي: ذو فصل، وهو الفصل بين الحق والباطل. # PageV06P204 # وقوله: {وما هو بالهزل} أي: باللعب، والعبث، والمعنى: أنه قول جد. # PageV06P204 # قوله تعالى: {إنهم يكيدون كيدا} أي: يمكرون مكرا، والكيد في اللغة هو صنع ~~يصل به إلى الشيء على الخفية والاستتار. # PageV06P204 # {وأكيد كيدا} الكيد من الله هو الاستدراج من حيث لا يعلمون الكفار، ~~والاستدراج هو الأخذ قليلا قليلا، وقيل: هي الأخذ من حيث يخفى عليهم، وقيل: ~~{وأكيد كيدا} أي: أعاقبهم عقوبة كيدهم. # PageV06P204 # وقوله: {فمهل الكافرين} أي: أمهل الكافرين، وهذا قبل آية السيف. # PageV06P204 # {فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17) } . # وقوله: {أمهلهم رويدا} أي: أمهلهم قليلا، والعرب تقول: رويدك يا فلان أي: ~~كن على أودة ورفق، وأما هاهنا فهو بمعنى القليل على ما بينا. # وقد أخذهم يوم بدر بالسيف، وسيأخذهم بعذاب الآخرة عن قريب. # PageV06P205 # بسم الله الرحمن الرحيم # {سبح اسم ربك الأعلى (1) } . # تفسير سورة الأعلى # وهي مكية # وفي رواية الضحاك أنها مدنية، والأصح هو الأول، والله أعلم. # PageV06P206 # قوله تعالى: {سبح اسم ربك ### | الأعلى} # أي: عظم ربك الأعلى، وقيل: نزه، وتنزيه الله - عز اسمه - ألا يوصف بوصف ~~لا يليق ms1940 به. # وروى أبو صالح، عن ابن عباس أن معناه: صل بأمر ربك، وقيل: صل لربك ~~المتعالي. # وفي الآية دليل أن الاسم والمسمى واحد؛ لأن المعنى سبح اسم ربك الأعلى ~~وفي قراءة أبي: " سبحان ربك الأعلى ". # وقال الشاعر: # (إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر) # أي: ثم السلام عليكما. # وروى إسرائيل، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن علي - رضي الله عنه - " ~~أن الني كان يحب سورة سبح اسم ربك الأعلى ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو بكر محمد بن عبد الصمد ~~الترابي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، أخبرنا إبراهيم بن خزيم ~~الشاشي، أخبرنا عبد ابن حميد، أخبرنا وكيع، عن إسرائيل الخبر. # PageV06P206 # {الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) } . # وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - " أن رسول الله كان يقرأ في الركعة ~~الأولى من الوتر {سبح اسم ربك الأعلى} ، وفي الثانية: {قل يا أيها ~~الكافرون} في الثالثة: سورة الإخلاص والمعوذتين ". # وعن علي وابن عباس وابن عمر أنهم كانوا إذا قرءوا سبح اسم ربك الأعلى ~~قالوا: سبحان ربي الأعلى امتثالا للأمر. # [والأولى] أن يقول كذلك. # [و] من المعروف عن عقبة بن عامر أنه قال: لما نزل قوله تعالى: {سبح اسم ~~ربك الأعلى} قال النبي: " اجعلوه في سجودكم، ولما نزل قوله: " سبح اسم ربك ~~العظيم " قال: اجعلوه في ركوعكم ". # وقوله: {الذي خلق فسوى} أي: خلقك وجعلك رجلا سويا. # PageV06P207 # وهو في معنى قوله: {الذي خلقك فسواك} على ما بينا. # PageV06P207 # وقوله: {الذي قدر فهدى} قال السدي: قدر خلق الذكر والأنثى، وهدى أي: # PageV06P207 # {والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى (5) سنقرئك فلا تنسى (6) } . هدى ~~الذكر إلى الأنثى. # وقيل: قدر خلق كل شيء، وهداه إلى ما يصلحه، وهذا في الحيوانات. # وقيل: هداه إلى رزقه، كالطفل يهتدي إلى الثدي، ويفتح فاه حين يولد طلبا ~~للثدي، والفرخ يطلب الرزق من أمه وأبيه وكذلك كل شيء. # وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير، والشر والسعادة والشقاوة. # ويقال: في الآية حذف، والمعنى: وهدى وأضل. ms1941 # PageV06P208 # وقوله: {والذي أخرج المرعى} أي: مرعى للأنعام. # قال الشاعر: # (وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا) # PageV06P208 # وقوله: {فجعله غثاء أحوى} في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: أخرج المرعى ~~أحوى. # {فجعله غثاء} أي: يابسا. # والغثاء هو ما حمله السيل من النبات اليابس والحشيش، والطفاط ما ألقاه ~~القدر من الزبد، والأحوى الأسود، والحوة (السواد) . # وإنما سماه أحوى؛ لأن كل أخضر يضرب إلى السواد إذا اشتدت خضرته. # قال ذو الرمة: # (لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب) # ويقال: أخرج المرعى أخضر، ثم جعله أحوى، ثم جعله غثاء. # PageV06P208 # قوله: {سنقرئك فلا تنسى} ذكر [ابن] أبي نجيح بروايته عن ابن عباس أن ~~النبي: " كان إذا قرأ عليه جبريل سورة من القرآن فيحرك شفتيه بقراءتها ~~مخافة أن # PageV06P208 # {إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (7) ونيسرك لليسرى (8) فذكر إن ~~نفعت الذكرى (9) } . يتفلت منه، فأنزل الله تعالى قوله: {سنقرئك فلا تنسى} ~~. # والمعنى: أنك كفيت النسيان، (فلم ينس) بعد ذلك. # PageV06P209 # وقوله: {إلا ما شاء الله} يعني: إلا ما شاء الله أن ينساه، والمراد منه ~~نسخ التلاوة، وقيل: النسيان هاهنا بمعنى الترك، أي: لا يترك إلا ما شاء ~~الله أن يترك بالنسخ. # وعن بعضهم: أن قوله: {إلا ما شاء الله} ذكر مشيئته على التعليم حتى يقرن ~~لفظ المشيئة بجميع أقواله مثل قوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~[آمنين] } قد قال: {إلا ما شاء الله} يعني: أن تنسى، ولم يشأ. # مثل قوله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} ~~ولم يشأ، ذكره ابن فارس. # وقوله: {إنه يعلم الجهر وما يخفى} أي: السر والعلن، ويقال: ما في القلب، ~~وما على اللسان. # PageV06P209 # وقوله: {ونيسرك لليسرى} اليسرى فعلى من اليسر، ومعناه: للأيسر من الأمور. # PageV06P209 # وقوله: {فذكر إن نفعت الذكرى} فإن قال قائل: كيف قال: إن نفعت الذكرى، ~~وهو مأمور بالتذكير على العموم نفعت أو لم تنفع؟ # والجواب من وجهين: أحدهما: أن معنى قوله: {إن نفعت الذكرى} إذ نفعت ~~الذكرى، مثل قوله ms1942 تعالى: {وخافون إن كنتم مؤمنين} ومعناه: إذ كنتم مؤمنين. # PageV06P209 # {سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) ~~ثم لا يموت فيها ولا يحيى (13) قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى} . # والوجه الثاني: ذكر بكل حال، فقد نفعت الذكرى، فهو تعليق بمتحقق والمعنى: ~~إن نفعت، وقد نفعت. # PageV06P210 # قوله تعالى: {سيذكر من يخشى} يقال: نزل هذا في عبد الله بن أم مكتوم. # وقيل: هو على العموم والمعنى: من يخشى الله. # PageV06P210 # وقوله: {ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى} يقال: هو الوليد بن ~~المغيرة وعتبة بن ربيعة. # وقوله: {يصلى النار الكبرى} أي: يدخل النار الكبرى. # قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو الطبق الأسفل من جهنم. # PageV06P210 # وقوله: {ثم لا يموت فيها ولا يحيى} أي: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة ~~فيها راحة، ويقال: لا يموت، ولا يجد (روح الحياة) . # PageV06P210 # قوله تعالى: {قد أفلح من تزكى} أي: تطهر بالعمل الصالح، ويقال: فلان تزكى ~~بقول لا إله إلا الله. # وقال سعيد بن جبير: آمن ووحد ربه. # وعن عطاء: أي أعطى زكاة ماله. # [و] قال ابن مسعود من لم يزك لم تقبل الصلاة منه. # وعن ابن عمر: أنها صدقة الفطر. # وهو قول عمر بن عبد العزيز. # وكان ابن عمر يقول لنافع حين يصبح يوم العيد: أخرجت زكاة الفطر؟ فإن قال: ~~نعم، توجه إلى الصلاة، وإن قال: لا، يأمره بالإخراج، ثم يتوجه، وهذا على ~~القول الذي قلنا أن السورة مدنية، فأما إذا قلنا: مكية، وهو الأصح، فلا يرد ~~هذا القول؛ لأن صدقة الفطر لم تكن واجبة بمكة، وإنما وجبت بالمدينة، وكذلك ~~صلاة العيد، إنما صليت بالمدينة. # PageV06P210 # وقوله: {وذكر اسم ربه فصلى} أي: ذكر ربه فصلى، ويقال: الذكر هو التكبير، # PageV06P210 # ( {15) بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى (17) إن هذا لفي ~~الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19) } . والصلاة هي الصلاة المعروفة، ~~وقيل: صلاة العيد. # PageV06P211 # قوله تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا} أي: تختارون. # قال ابن مسعود: عجلت لهم الدنيا، وغيبت عنهم الآخرة، فاختاروا الدنيا على ~~الآخرة، ولم عاينوا الآخرة ms1943 ما اختاروا عليها شيئا. # وروى أبو موسى الأشعري عن النبي أنه قال: " من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن ~~أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى ". # PageV06P211 # وقوله: {والآخرة خير وأبقى} أي: أدوم [وأبقى] . # PageV06P211 # وقوله: {إن هذا لفي الصحف الأولى} أي: ما ذكره الله في هذه السورة، وقيل: ~~من قوله - تعالى -: {قد أفلح من تزكى} إلى قوله: {وأبقى} قال قتادة: في ~~جميع كتب الأولين أن الآخرة خير وأبقى. # PageV06P211 # وقوله: {صحف إبراهيم وموسى} أي: الكتب التي أنزلها الله تعالى على ~~إبراهيم وموسى، وقد أنزل على إبراهيم صحفا، وأنزل على موسى التوراة، فهي ~~المراد بالآية، والله أعلم. # PageV06P211 # بسم الله الرحمن الرحيم # {هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) تصلى ~~نارا حامية (4) } . # تفسير سورة الغاشية # وهي مكية بالإجماع # PageV06P212 # قوله تعالى: {هل أتاك حديث ### | الغاشية # } أي: القيامة، وسميت غاشية؛ لأنها تغشى كل شيء بالأهوال، ويقال: تغشى كل ~~كافر وفاجر بالعذاب، والغاشية هي المجللة، ومعنى هل أتاك: قد أتاك. # PageV06P212 # وقوله: {وجوه يومئذ خاشعة} أي: ذليلة لما ترى من سوء العاقبة، والمعنى: ~~ركبها الذل. # PageV06P212 # وقوله: {عاملة ناصبة} أي: عملت في الدنيا لغير الله، فنصبت وتعبت في ~~الآخرة بعذاب الله. # وعن السدي وجماعة: أنهم الرهبان وأصحاب الصوامع من النصارى واليهود. # وقد روى عن عمر أنه لما قدم الشام فمر بصومعة راهب فناداه فاطلع عليه، ~~وقد تنحل من الجوع والضر والعبادة، وعليه برنس، فبكى عمر - رضي الله عنه - ~~فقالوا: يا أمير المؤمنين، وما يبكيك؟ ! فقال: مسكين طلب أمرا، ولم يصل ~~إليه، وسلك طريقا وأخطأه، ثم قرأ قوله: {عاملة ناصبة} الآية. # PageV06P212 # وقوله: {تصلى نارا حامية} أي: تقاسي حرها. # PageV06P212 # وقوله: {تسقى من عين آنية} أي: انتهت في الحر. # قال الحسن البصري: أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردا، أي: ~~عطاشا. # PageV06P212 # {تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغني من ~~جوع (7) وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في جنة عالية} ) . # قال النابغة: # (ويخضب نحبة (غدرت) وهانت ... بأحمر من جميع الجوف آن) # وفي ms1944 بعض التفاسير: أنهم إذا دنوا ذلك من وجوههم سلخت وجوههم، فإذا شربوا ~~منها قطعت أمعاءهم. # PageV06P213 # وقوله: {ليس لهم طعام إلا من ضريع} هو شجر يسمى بالحجاز: الشبرق، له شوك ~~كثير، فإذا يبس يسمى الضريع. # قال ابن قتيبة: الضريع شيء إذا وقعت عليها الإبل فأكلته هلكت هزلا. # ويقال: الضريع هو الحجارة، وهو مروي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو قول ~~غريب. # ويقال: نبت فيه سم. # وفي التفسير: أن أهل النار سلط الله عليهم الجوع حتى يعدل بما هم فيه من ~~العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام [ذي] غصة، ~~ثم يذكرون أنهم كانوا في الدنيا يدفعون الغصة بالماء، فيستغيثون فيتركون ~~ألف سنة يستسقون ثم يسقون الحميم # PageV06P213 # وقوله: {لا يسمن ولا يغني من جوع} روى أن المشركين قالوا: إن إبلنا تسمن ~~على الضريع، وقد كذبوا في ذلك، فأنزل الله تعالى: {لا يسمن ولا يغني من ~~جوع} . # PageV06P213 # قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناعمة} أي: ذات نعمة. # PageV06P213 # وقوله: {لسعيها راضية} أي: مرضية. # PageV06P213 # وقوله: {في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية} أي: لغوا فاعلة بمعنى المصدر، ~~وهو # PageV06P213 # ( {10) لا تسمع فيها لاغية (11) فيها عين جارية (12) فيها سرر مرفوعة ~~(13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة (16) أفلا} . # في معنى قوله: {لا تسمع فيها لغوا ولا تأثيما} . # PageV06P214 # وقوله: {فيها عين جارية} قد قد بينا من قبل. # PageV06P214 # وقوله: {فيها سرر مرفوعة} أي: مرتفعة عن أرض الجنة. # ويقال في التفسير: السرر مرتفعة، عليها فرش محشوة، كل فرش كجنبذ. # وفيه أيضا أنها تتطامن للمؤمن، فإذا صعد عليها ارتفعت. # PageV06P214 # وقوله: {وأكواب موضوعة} قد بينا معنى الأكواب، وهي الأباريق التي لا ~~خراطيم لها. # PageV06P214 # وقوله: {ونمارق مصفوفة} أي: وسائد صف بعضها إلى بعض، قال الشاعر: # (وإنا لنجري الكأس بين شروبنا ... وبين أبي قابوس فوق النمارق) # PageV06P214 # وقوله: {وزرابي مبثوثة} أي: بسط، واحدها زربية. # وقوله: {مبثوثة} متفرقة، ومعنى المتفرقة: أنها قد فرقت في المجالس، وفرشت ~~المجالس بها. # PageV06P214 # وقوله تعالى: {أفلا ينظرون} فإن قيل: كيف يليق هذا بالأول؟ . # والجواب: أن النبي لما ذكر لهم ما أوعده الله للكفار ms1945 ووعده للمؤمنين ~~استبعدوا ذلك غاية الاستبعاد. # وقالوا: لا نفهم حياة بعد الموت، ولا ندري وعدا ولا وعيدا، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، وذكر لهم من الدلائل ما هي مجرى أبصارهم. # قال أبو سليمان الخطابي - رضي الله عنهم - ذكر الله تعالى هذه الأربع وهي ~~الإبل، والسماء، والأرض، والجبال، وخصها بالذكر من بين سائر الأشياء؛ لأن ~~الأعرابي إذا ركب بعيره، وخرج إلى البرية، # PageV06P214 # {ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال ~~كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف سطحت (20) فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم ~~بمسيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله} فلا يرى إلا بعيره الذي هو ~~راكبه، والسماء التي فوقه، والأرض التي تحته، والجبال التي هي نصب عينه. # وقوله: {إلى الإبل كيف خلقت} في الإبل من أعجوبة الخلق ما ليس في غيرها؛ ~~لأنها مع كبرها وعظمها تنقاد لكل واحد يقوده، وأيضا فإنها تبرك ويحمل عليه ~~الحمل الثقيل، وتقوم من بروكها، ولا يوجد هذا في غيره، والطفل الصغير يقوده ~~فينقاد، وينخه فيستنخ. # وفي بعض الحكايات أن فارة جرت بزمام بعير، ودخلت جحرها، فنزل البعير، ~~وجرت الفأرة الزمام، فوضع فاها على الجحر. # PageV06P215 # قوله تعالى: {وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف ~~سطحت} أي: بسطت. # وعن أبي عمرو بن العلاء: أن قوله: {إلى الإبل كيف خلقت} أنها السحاب، وهو ~~قول شاذ، ويجوز أن يحمل هذا على هذا إذا شدد ومد. # وقرئ في الشاذ بالتشديد. # وقال المبرد: قد قيل الإبل: القطع العظام من السحاب، يقال: فلان يوبل على ~~فلان أي: يكبر عليه ويعظم. # PageV06P215 # قوله تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر} في التفسير: أنه عظة للمؤمن، وحجة على ~~الكافر، ويقال: ذكر أي: اذكر دلائل توحيد الله تعالى، وما أنعم عليه من ~~النعمة. # PageV06P215 # وقوله: {لست عليهم بمسيطر} أي: بمسلط، وقيل: إن هذا قبل آية السيف، فأما ~~بعد نزولها فقد سلط عليهم. # PageV06P215 # وقوله: {إلا من تولى وكفر} استثناء منقطع كأنه قال: لكن من تولى وكفر ~~{فيعذبه الله العذاب الأكبر} . # PageV06P215 # وقوله: {إن إلينا إيابهم} ms1946 أي: رجوعهم، يقال: آب يئوب إذا رجع، قال ~~الشاعر: # (وكل ذي غيبة يئوب ... وغائب الموت لا يؤوب) # PageV06P215 # {العذاب الأكبر (24) إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26) } . # PageV06P216 # وقوله: (ثم إن علينا حسابهم) أي: في القيامة. # فإن قيل: قال: {ليس لهم طعام إلا من ضريع} ، وقال في موضع آخر {فليس له ~~اليوم هاهنا حميم ولا طعام إلا من غسلين} فكيف وجه الجمع بينهما؟ . # والجواب من وجوه: أحدها: أن الضريع والغسلين واحد. # والوجه الثاني: أن هذا لقوم، وذاك لقوم آخرين. # والوجه الثالث: أن الغسلين طعام لا ينفع، ولا يغنيهم من شيء، فوضع الضريع ~~موضع ذلك؛ أن الكل بمعنى واحد، ذكره النحاس، والله أعلم. # PageV06P216 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) } # تفسير سورة الفجر # وهي مكية # PageV06P217 # قوله تعالى: {والفجر} روى أبو صالح عن ابن عباس: أنه فجر المحرم، وذلك ~~أول يوم منه، وفي رواية أخرى عنه: أنه فجر يوم النحر، ويقال: هو ### | الفجر # في كل الأيام. # PageV06P217 # وقوله: {وليال عشر} أكثر الأقاويل: أنها عشر ذي الحجة، وعن ابن عباس في ~~رواية: أنها العشر الأخير من رمضان، وعن مسروق: أنها العشر التي قال الله ~~تعالى في قصة موسى: {وأتممناها بعشر} وعن بعضهم: أنها العشر الأول من ~~المحرم. # PageV06P217 # وقوله: {والشفع والوتر} روى عمران بن حصين عن النبي: " (أنه) الصلاة، ~~منها شفع، ومنها وتر " رواه أبو عيسى في جامعه. # والقول الثاني: أن الشفع هو يوم نحر، والوتر يوم عرفة، وروى بعضهم هذا ~~مرفوعا # PageV06P217 # {والليل إذا يسر (4) هل في ذلك قسم لذي حجر (5) } إلى النبي. # وهو مروي عن ابن عباس أيضا. # وهو قول معروف. # وعن ابن الزبير: أن الشفع هو قوله تعالى: {فمن تعجل في يومين} فاليومان ~~الأولان من أيام الرمي شفع، واليوم الثالث وتر. # وروى هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم أن الشفع هو الزوج، والوتر هو الفرد. # قال مجاهد: هو العدد كله، منه الشفع، ومنه الوتر، وهو قريب من قول ~~إبراهيم. # وعن عطاء قال: الشفع هو عشر ذي الحجة، والوتر أيام التشريق. # وعن جماعة أنهم قالوا: ms1947 الشفع هو الخلق، والوتر هو الله تعالى. # ويقال: الشفع هو آدم وحواء، والوتر هو الله. # وقرئ " والوتر " بالفتح، وقال أهل اللغة: بالفتح والكسر بمعنى واحد. # PageV06P218 # وقوله: {والليل إذا يسر} قال أبو العالية: إذا أقبل، وقال إبراهيم: إذا ~~استوى، وعن بعضهم: " إذا يسر " يعني: إذا يسرى فيه، فيذهب بعضه في إثر بعض، ~~وقيل يسرى فيه. # وقد أول بليلة جمع، وهي ليلة يوم النحر. # PageV06P218 # وقوله: {هل في ذلك قسم لذي حجر} أي: لذي عقل. # وقال الفراء: " لذي حجر " أي: لمن كان ضابطا لنفسه قاهرا لهواه. # ويقال: " لذي حجر " أي لذي حكم، والحجر في اللغة: هو المنع، والحجر مأخوذ ~~منه، وسمى # PageV06P218 # {ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7) } العقل حجرا؛ لأنه ~~يمنع الإنسان من القبائح، وهذا لتأكيد القسم، وليس بمقسم عليه. # PageV06P219 # قوله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم} هو أبو عاد؛ لأنهم قالوا: هو ~~عاد ابن إرم بن عوص بن سام بن نوح، ومنهم من قال: هو اسم بلدة، ولهذا لم ~~يصرف، فإن قلنا: هو اسم رجل، فلم نصرفه؛ لأنها اسم أعجمي. # وعن مالك بن أنس: أن إرم كورة دمشق. # وعن محمد بن كعب القرظي: أنه الإسكندرية. # وقوله: {ذات العماد} أي: ذات البناء الرفيع، هذا إذا قلنا: إن إرم اسم ~~بلدة. # والقول الثاني: أن قوله {ذات العماد} أي: ذات الأجسام الطوال. # يقال: رجل معمد إذا كان طويلا، فعلى هذا عاد اسم القبيلة، فقوله: {ذات ~~العماد} منصرف إلى القبيلة. # وفي القصة: أن طول الطويل منهم كان خمسمائة ذراع، والقصير ثلثمائة. # وعن أبي هريرة قال: كان الواحد منهم يتخذ المصراع من الحجر، فلا ينقله ~~خمسمائة نفر منكم، وقال مجاهد: ذات عماد أي: ذات عمود، والمعنى: أنهم أهل ~~خيام لا يقيمون في موضع واحد، بل ينتجعون لطلب الكلأ أي: ينتقلون من موضع ~~إلى موضع، وقال الضحاك: ذات العماد أي: ذات القوة، مأخوذ من قوة الأعمدة. # وفي القصة: أن عاج بن عوج كان منهم. # وذكر النقاش: أن طول موسى كان سبعة أذرع، وعصاه ms1948 سبعة أذرع، ووثب سبعة ~~أذرع، فأصاب كعب عاج بن عوج فقتله. # وفيما نقل فيه أيضا في القصص: أن ضلعا من أضلاعه جسر أهل مصر كذا كذا سنة ~~أي: كان جسرا لهم وهو على النيل، وفي التفسير أن عادا اثنان: عادا الأولى، ~~وعادا الأخرى، فعاد الأولى عاد إرم، وعاد الثانية هو عاد المعروفة، وهو ~~الذي أرسل إليهم هود النبي عليه السلام. # قال ابن قيس الرقيات: # PageV06P219 # {التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) ~~وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد ~~(12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14) } # (مجدا تليدا بناه أوله ... أدرك عادا وقبله إرما) # PageV06P220 # وقوله: {التي لم يخلق مثلها في البلاد} أي: لم يخلق مثل (أجسامهم) في ~~البلاد. # وفي رواية أبي بن كعب وابن مسعود: " الذين لم يخلق مثلهم في البلاد ". # PageV06P220 # وقوله: {وثمود الذين جابوا الصخر بالواد} قطعوا ونقبوا، وهو في معنى قوله ~~تعالى: {وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين} . # PageV06P220 # وقوله: {وفرعون ذي الأوتاد} يقال: كان له أربعة أوتاد، فإذا غضب على ~~إنسان وعذبه زند يديه ورجليه على الأرض بتلك الأوتاد. # في القصة: أنه عذب امرأته آسية بمثل هذا العذاب، ووضع على صدرها صخرة حتى ~~ماتت، وعن بعضهم: أنه كان له أربع أساطين، يشد الرجل بيديه ورجليه بها. # وقيل: ذي الأوتاد أي: ذي الملك الشديد، قال الشاعر: # (في ظل ملك ثابت الأوتاد ... ) # PageV06P220 # وقوله: {الذين طغوا في البلاد} أي: جاوزوا الحد بالمعاصي، ويقال: تمادوا ~~فيها. # PageV06P220 # وقوله: {فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب} أي: عذبهم وقيل: ~~إنه جعل عذابهم موضع السوط في العقوبات، وعن بعضهم: أنهم كانوا يعدون الضرب ~~بالسياط إلى أن يموت أشد العذاب، فذكر العذاب بذكر السوط هاهنا، على معنى ~~أنه بلغ النهاية في عذابهم. # PageV06P220 # وقوله: {إن ربك لبالمرصاد} أي: إليه مرجع الخلق ومصيرهم، والمعنى: أنه # PageV06P220 # {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما ~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا تكرمون ms1949 ~~اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) } لا يفوت منه أحد، وعن ~~الحسن: أنه بمرصاد أعمال العباد، وعن ابن عباس أن قوله: {إن ربك لبالمرصاد} ~~أي: يسمع ويرى، وعنه أيضا: أن على جهنم سبع قناطر، فيسأل على القنطرة ~~الأولى عن الإيمان، وعن الثانية عن الصلاة، وعلى الثالثة عن الزكاة، وعلى ~~الرابعة عن صيام رمضان، وعلى الخامسة عن الحج والعمرة، وعلى السادسة عن صلة ~~الرحم، وعلى السابعة عن المظالم. # وقوله: {إن ربك لبالمرصاد} وقع القسم. # PageV06P221 # قوله تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن} نزلت الآية في أمية بن خلف الجمحي، ويقال: هذا على العموم. # وقوله: {فيقول ربي أكرمن} أي: أنا كريم عليه حيث أعطاني هذه النعم. # PageV06P221 # وقوله: {وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه} أي: ضيق عليه. # [وقوله] {فيقول ربي أهانن} أي: فعل ما فعل بي لهواني عليه، والمعنى: أنهم ~~زعموا أن الله يكرم بالغني، ويهين بالفقر. # PageV06P221 # وقوله: {كلا} رد لما قالوا يعنى: أن الله لا يكرم بالغنى، ولا يهين ~~بالفقر، وإنما يكرم بالطاعة، ويهين بالمعصية، وعن كعب الأحبار قال: إني ~~لأجد في بعض الكتب أن الله تعالى يقول: لولا أنه يحزن عبدي المؤمن، لكللت ~~رأس الكافر بالأكاليل، فلا يصدع، ولا ينبض منه عرق يوجع. # وقوله: {بل لا تكرمون اليتيم} ذكر ما يفعله الكفار، واستحقوا به العذاب ~~في قوله: {لا تكرمون اليتيم} فيه قولان: أحدهما: هو أكل مالهم أي: اليتامى. # والقول الثاني: أنه ترك الإحسان إليهم. # PageV06P221 # وقوله: {ولا تحضون على طعام المسكين} أي: لا يحثون، وقرئ: " ولا تحاضون # PageV06P221 # {وتأكلون التراث أكلا لما (19) وتحبون المال حبا جما (20) كلا إذا دكت ~~الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجيء يومئذ بجهنم يومئذ ~~يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى (23) يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) } على ~~طعام المسكين " أي: لا يحض بعضهم بعضا. # PageV06P222 # وقوله: {وتأكلون التراث أكلا لما} التراث والوارث بمعنى واحد، وهو ~~الميراث. # وقوله: {أكلا لما} أي: بخلط الحلال بالحرام. # وقال مجاهد: {لما} أي: سفا، فيجمع البعض إلى البعض ويسف ms1950 سفا. # PageV06P222 # وقوله: {وتحبون المال حبا جما} أي: كثيرا، وقرئ بالتاء والياء، فمن قرأ ~~بالياء فعلى الخبر، ومن قرأ بالتاء فهو على الخطاب. # PageV06P222 # قوله تعالى: {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا} أي: فتت ودقت. # PageV06P222 # وقوله: {وجاء ربك} وهو من المتشابه الذي يؤمن به ولا يفسر، وقد أول ~~بعضهم: وجاء أمر ربك، والصحيح ما ذكرنا. # وقوله: {والملك صفا صفا} أي: صفوفا. # PageV06P222 # وقوله: {وجيء يومئذ بجهنم} وفي بعض الأخبار عن النبي: " أنه يجاء بجهنم ~~مزمومة بسبعين ألف زمام، ويقودها الملائكة، فتقام على سائر العرش فحينئذ ~~يجثوا الأنبياء على ركبهم، ويقول كل واحد: نفسي، نفسي ". # والخبر غريب، وهو معروف عن غير الرسول. # قوله: {يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} أي: يتعظ، وأنى له الاتعاظ، ~~أي: نفع الاتعاظ. # PageV06P222 # وقوله: {يقول يا ليتني قدمت لحياتي} أي: لآخرتي، وهو في معنى قوله: {وإن ~~الدار الآخرة لهي الحيوان} أي الحياة الدائمة، والمعنى هاهنا: لحياتي في ~~الآخرة. # PageV06P222 # وقوله: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد} بالكسر، وهو ~~الأشهر # PageV06P222 # {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه أحد (26) يا أيتها النفس ~~المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29) } من ~~القراءتين، ومعناه: لا يعذب أحد في الدنيا بمثل ما يعذبه الله في الآخرة، ~~ولا يوثق أحد في الدنيا مثل ما يوثقه الله في الآخرة، وقرئ: " فيومئذ لا ~~يعذب عذابه أحد " بفتح الذال، ومعناه: لا يعذب أحد مثل عذاب هذا الكافر، أو ~~لا يعذب أحد مثل عذاب هذا الصنف من الكفار، وكذلك قوله: {يوثق} بفتح الثاء. # PageV06P223 # قوله تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة} أي: المؤمنة الساكنة، ويقال: ~~المطمئنة إلى وعد ربها، وقيل: إن المراد بالنفس هو الروح هاهنا، ويقال: هو ~~جملة الإنسان إذا كان مؤمنا. # PageV06P223 # وقوله: {ارجعي إلى ربك راضية مرضية} أي: رضيت عن الله، وأرضاها الله ~~تعالى عن نفسه. # وفي بعض الآثار: أن ملكين يأتيان المؤمن عند قبض روحه، فيقولان: أخرج ~~أيها الروح إلى روح وريحان، ورب غير غضبان. # PageV06P223 # وقوله: {فادخلي في عبادي} أي: مع عبادي. # PageV06P223 # {وادخلي جنتي} ms1951 وهذا القول يوم القيامة. # وقرئ في الشاذ: " فادخلي في عبدي " أي: يقال للنفس - أي: الروح - ادخلي ~~في عبدي أي: في جسده، وادخلي في جنتي، وذلك عند البعث. # وعن عكرمة: أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: إن هذا لخير كثير، فقال ~~النبي: " أما إن الملك سيقولها لك ". # وعن (أبي بريدة) : أن الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب. # PageV06P223 # {وادخلي جنتي (30) } # وعن بعضهم: أنها نزلت في خبيب بن عدي، وهو الذي أسر وصلب بمكة، وهو أول ~~من سن الصلاة ركعتين عند الصلب، وهو القائل: # (فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي) # (وذلك في ذات الإله وإن يشأ # (يبارك في شلو الأديم الممزع)) # وعن عامر بن قيس: أنه وفد على عثمان - رضي الله عنه - فجلس على بابه، ~~فخرج عليه عثمان فرأى أعرابيا في بت، فلم يعرفه، فقال: أين ربك يا أعرابي؟ ~~قال: بالمرصاد. # فأفحم عثمان، وهذا على قوله: {إن ربك لبالمرصاد} والله أعلم. # PageV06P224 # بسم الله الرحمن الرحيم # {لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) # تفسير سورة البلد # وهي مكية # PageV06P225 # قوله تعالى: {لا أقسم بهذا ### | البلد} # معناه: أقسم، و " لا " صلة. # قال الفراء: وهو على مذهب كلام العرب يقولون: لا والله لا أفعل كذا. # أي: والله، وكذلك لا والله لأفعلن كذا، أي: والله، فيجوز أن تكون " لا " ~~صلة، ويجوز أن يكون ردا لقول سابق، وابتداء القسم من قوله والله، فكذلك ~~قوله: {لا أقسم} يجوز أن يكون " لا " صلة، ويجوز أن يكون ردا لزعمهم من ~~إنكار البعث أو إنكار نبوة الرسول، والقسم من قوله: {أقسم} وقال الفراء: ~~هذا الثاني أولى. # وقوله: {بهذا البلد} هو مكة في قول الجميع، ذكره مجاهد وسعيد بن جبير ~~وقتادة وغيرهم. # PageV06P225 # وقوله: {وأنت حل بهذا البلد} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أي: حلال لك أن ~~تقاتل في هذا البلد، ولم يحل لأحد قبلك، وقد ثبت أن النبي قال: " إن مكة ~~حرام، حرمها الله يوم خلق السموات والأرض، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد ms1952 ~~بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ". # والقول الثاني: أن قوله: {وأنت حل بهذا البلد} أي: استحلوا منك ما حرمه ~~الله من الأذى، وإيصال المكروه إليك مع اعتقادهم حرمة الحرم، ذكره القفال. # والقول الثالث: {وأنت حل بهذا البلد} أي: نازل بهذا البلد، وهو إشارة إلى ~~زيادة حرمة وشرف للبلد لمكان النبي فيه. # PageV06P225 # {ووالد وما ولد (3) } # PageV06P226 # وقوله: {ووالد وما ولد} قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وأبو صالح معناه: ~~آدم وولده، وعن أبي عمران [الجوني] : هو إبراهيم وولده. # وروى عكرمة عن ابن عباس أن قوله: {ووالد وما ولد} هو الوالد والعاقر، ~~معنى الذي يلد، والذي لا يلد، فتكون ما للنفي. # PageV06P226 # وقوله: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} على هذا وقع القسم، (ومعنى القسم) ~~ومعنى الكبد: الشدة. # وروى شريك، عن عاصم، عن زر عن علي في قوله: {ووالد وما ولد} آدم وذريته، ~~على ما ذكرنا. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو محمد الصريفيني، أخبرنا أبو القاسم بن ~~حبابة، أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، عن شريك ... الأثر. # وأما الكبد بينا أنه الشدة. # وروى علي بن الجعد، عن علي بن علي الرفاعي، عن الحسن البصري قال: ليس أحد ~~يكابد من الشدة ما يكابده الإنسان. # وقال سعيد " خلقنا الإنسان في كبد " أي: في مضائق الدنيا وشدائد الآخرة. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بما ذكرنا عن الحسن: الصريفيني، عن [ابن] ~~حبابة، عن البغوي، عن علي ابن الجعد. # وقيل في تفسير الكبد: هو أنه يكابد ضيق الرحم، وعسر الخروج من بطن الأم، ~~ثم يكون في الرباط والقماط، ثم نبات الأسنان، ثم الختان، ثم إذا بلغ ~~التكليفات والأوامر والنواهي، ثم يكابد أمر معيشته، والأحوال المنقلبة عليه ~~إلى أن # PageV06P226 # {لقد خلقنا الإنسان في كبد (4) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت ~~مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره أحد (7) } يموت، ثم بعد ذلك ما يعود إلى ~~أهوال القبر وأهوال القيامة، إلى أن يستقر في إحدى المنزلتين. # وقال لبيد في الكبد. # {يا عين هلا بكيت أربد إذ ms1953 ... قمنا وقام الخصوم في كبد} # أي: في شدة. # وقال إبراهيم ومجاهد وعبد الله بن شداد: في كبد أي: في انتصاب، والمعنى: ~~أنه خلق منتصبا في بطن أمه، غير منكب على وجهه بخلاف سائر الحيوانات. # وفي تفسير النقاش: أن الله تعالى وكل ملكا بالولد في بطن الأم فإذا قامت ~~المرأة، أو اضطجعت رفع رأس الولد؛ لئلا يغرق في الدم. # PageV06P227 # قوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه أحد} نزلت الآية في [أبي] ~~الأشدين، فكان رجلا من بني جمح من أقوى قريش وأشدهم، وكان يبسط له الأديم ~~العكاظي، فيقوم عليه، ويجتمع القوم على الأديم، فيجذبونه من تحت قدمه ~~فينقطع ولا تزول قدمه، وكان شديدا في عداوة النبي، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية فيه. # ومعناه: أيظن أن لن يقدر عليه الله، وقال ذلك لأنه كان مغترا بقوته ~~وشدته. # PageV06P227 # وقوله: {يقول أهلكت مالا لبدا} أي: أنفقت مالا كثيرا في عداوة محمد، و " ~~لبدا " أي: بعضه على بعض. # قال الكلبي: (وكان يكذب في ذلك، # PageV06P227 # فقال الله تعالى: {أيحسب أن لم يره أحد} أيحسب أن الله لم ير ما أنفقه، ~~ويقال: أيحسب أن لم يطلع الله على فعله فيكذب، ولا يعلم الله كذبه. # قال معمر: قرئت هذه الآية عند قتادة، فقال: أيحسب أن لن يسأله الله تعالى ~~من أين جمعه، وأين أنفقه؟ . # وعن أبي هريرة أن النبي قال: " يؤتى بالعبد يوم # PageV06P227 # {ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه النجدين (10) } ~~القيامة، فيقال له: ماذا عملت بمالك؟ فيقول: أنفقت، وزكيت طلبا لرضاك، ~~فيقول: كذبت إنما أنفقت وأعطيت، ليقال: فلان سخي، وقد قيل ذلك، فجروه إلى ~~النار ". # والخبر طويل صحيح خرجه مسلم. # ومن المعروف أن النبي قال: " لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل ~~عن أربعة: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله من أين كسبه ~~وأين وضعه ". # PageV06P228 # قوله تعالى: {ألم نجعل له عينين} قال أهل التفسير: ثم إن الله تعالى ذكر ~~نعمه عليه وعظيم قدرته، ليعرف أن الله تعالى قادر على إعادته يوم ms1954 القيامة ~~خلقا جديدا، وأنه مسئول عما يفعله. # PageV06P228 # وقوله: {ولسانا وشفتين} ظاهر المعنى. # PageV06P228 # وقوله: {وهديناه النجدين} قال ابن مسعود: سبيل الخير وسبيل الشر. # وروى عكرمة عن ابن عباس أن قوله: {وهديناه النجدين} أي: اليدين. # والقول الأول أشهر، وهو قول أكثر المفسرين. # وقد روي عن النبي أنه قال: " إنما هما نجدان، نجد خير، ونجد شر، فلا تجعل ~~نجد الشر أحب السبيل من نجد الخير ". # PageV06P228 # {فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) } # PageV06P229 # وقوله: {فلا اقتحم العقبة} أي: فهلا أنفق ماله الذي أنفقه في عداوة محمد ~~في اقتحام العقبة، ويقال: {فلا اقتحم العقبة} أي: لم يقتحم العقبة، ومعناه: ~~لم يجاوزها، وقيل: إن العقبة جبل في النار، ويقال: هبوط وصعود، مصعد سبعة ~~آلاف سنة، ومهبط ألف سنة. # وقيل: مصعد ألف عام، وفيها غياض ممتلئة من الأفاعي والحيات والعقارب. # قال الحسن البصري في العقبة: إنها مجاهدة النفس والهوى والشيطان. # فعلى هذا ذكر العقبة تمثيل؛ لأن العقبة يشق صعدوها، كذلك الإنسان يشق ~~عليه مجاهدة النفس والشيطان. # PageV06P229 # وقوله: {وما أدراك ما العقبة} أي: فما أدراك (ما تجاوز بها) العقبة، ثم ~~فسر فقال: {فك رقبة} وفك الرقبة إعتاقها. # وروى عقبة بن عامر: أن النبي قال: " من أعتق رقبة، كانت فكاكه من النار ~~". # ومن المعروف أن رجلا أتى النبي فقال: " يا رسول الله، علمني عملا يدخلني ~~الجنة، فقال: لئن أقصرت الخطبة فقد أعرضت في المسألة، أعتق النسمة، وفك ~~الرقبة، فقال: أوليسا واحدا يا رسول؟ قال: لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، ~~وفك الرقبة أن تعين في ثمنها، وعليك بالفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم ~~يكن ذلك، فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وأنه # PageV06P229 # {أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) } . عن المنكر، فإن ~~لم تطق ذلك، فكف لسانك إلا من خير ". # وورد - أيضا - عن النبي أنه قال: " من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل ~~عضو منها عضوا منه من النار ". # والخبر صحيح. # وقرئ: " فك رقبة "، فمن قرأ بالرفع فمعناه: هي فك رقبة، ومن قرأ بالنصب ms1955 ~~فمعناه: لا يقتحم العقبة إلا من فك رقبة. # PageV06P230 # وقوله: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} أي: إطعام مسكين في يوم ذي جوع ~~والسغب: الجوع، والمسغبة: المجاعة. # قال الشاعر: # (فلو كنت جارا يابن قيس بن عاصم ... لما بت شبعانا وجارك ساغب) # أي: جائع. # PageV06P230 # وقوله: تعالى: {يتيما ذا مقربة} أي: ذا قرابة، واليتيم هو الذي لا والد ~~له، ويقال: هو الذي ليس له أبوان. # قال قيس بن الملوح: # (إلى الله أشكو فقد ليلي كما شكا ... إلى الله فقد الوالدين يتيم) # PageV06P230 # وقوله: {أو مسكينا ذا متربة} أي: لصق بالتراب من الفقر. # قال مجاهد: لا يحول بينه وبين التراب شيء. # وقيل: ذا متربة، أي: ذا زمانة، وقيل ذا متربة أي: ليس له أحد من الناس. # PageV06P230 # {أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة (17) أولئك أصحاب الميمنة (18) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب ~~المشأمة (19) عليهم نار مؤصدة (20) } . # PageV06P231 # وقوله: {ثم كان من الذين آمنوا} يعني: يقتحم العقبة من فعل هذه الأشياء، ~~فكان من الذين آمنوا. # فإن قيل: كلمة " ثم " للتراخي باتفاق أهل اللغة، فكيف وجه المعنى في ~~الآية، وقد ذكر الإيمان متراخيا عن هذه الأشياء؟ # والجواب: قال النحاس: هو مشكل، وأحسن ما قيل فيه أن معناه: ثم أخبركم أنه ~~كان من الذين آمنوا حين فعل هذه الأشياء، وقد قيل: إن " ثم " بمعنى الواو، ~~وليس يصح. # وقوله: {وتواصوا بالصبر} أي: بالصبر عن معاصي الله، وقيل: بالصبر على ~~طاعة الله، وقيل: بالصبر عن لذات الدنيا وشهواتها. # وقوله: {وتواصوا بالمرحمة} أي: مرحمة بعضهم على بعض، وتواصوا بالمرحمة هو ~~وصية البعض البعض. # PageV06P231 # وقوله: {أولئك أصحاب الميمنة} أي: أصحاب اليمين، وهم الذين استخرجوا من ~~شق آدم الأيمن، ويقال: الذين [يعطون] الكتاب بأيمانهم، وقيل: الميامين على ~~أنفسهم. # PageV06P231 # وقوله: {والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة} أي: المشائيم على ~~أنفسهم، ويقال: هم الذين يعطون الكتاب بشمالهم، وكذلك القول الأول. # PageV06P231 # وقوله: {عليهم نار مؤصدة} أي: مطبقة، يقال: وصدت الباب، وأصدته إذا ~~أطبقته، ويقال: مؤصدة أي: مبهمة لا باب لها. # قال الشاعر: ms1956 # (قوم يصالح شدة أبنائهم ... وسلاسلا حلقا وبابا مؤصدا) أي مطبقا # PageV06P231 # بسم الله الرحمن الرحيم {والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار ~~إذا جلالها (3) والليل إذا يغشاها (4) والسماء وما بناها (5) والأرض وما ~~طحاها (6) ونفس وما} . # تفسير سورة والشمس # وهي مكية # PageV06P232 # قوله تعالى: {و ### | الشمس # وضحاها} أي: وضوئها، وقيل: هو النهار كله. # PageV06P232 # وقوله: {والقمر إذا تلاها} أي: تبعها، وهو قول مجاهد وقتادة وعامة ~~المفسرين، وهو مروي أيضا عن ابن عباس، ومعنى تبعها: يعني أن الشمس إذا غربت ~~يليها القمر في الضوء، ويقال: هو في الأيام البيض إذا غربت الشمس طلع ~~القمر، وقيل: هو في أول ليلة من الشهر، إذا غربت الشمس رئي الهلال، وعلى ~~الجملة القمر أحد النيرين، وهو يتلو الشمس إذا استدار واستتمه في إضاءة ~~الدنيا. # PageV06P232 # وقوله: {والنهار إذا جلاها} فيه قولان: أحدهما: جلا الظلمة فكنى عن ~~الظلمة من غير ذكرها، وهو كثير في كلام العرب، والقول الآخر: جلاها أي: جلا ~~الشمس؛ لأن النهار إذا ارتفع أضاءت الشمس وانبسطت. # PageV06P232 # وقوله: {والليل إذا يغشاها} يعني: إذا يغشى الشمس أي: يستر ضوءها. # PageV06P232 # وقوله: {والسماء وما بناها} معناه: ومن بناها، وقيل: والذي بناها. # وعن ابن الزبير أنه سمع صوت الرعد فقال: سبحان ما سبحت له، أي: الذي سبحت ~~له، ويقال: وما بناها أي: وبنائها. # PageV06P232 # وقوله: {والأرض وما طحاها} أي: ومن بسطها، وقيل: الأرض وطحوها أي: ~~وبسطها. # PageV06P232 # وقوله: {ونفس وما سواها} أي: ومن سواها، وقد بينا معنى التسمية، وقيل: هو # PageV06P232 # {سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من ~~دساها (10) } . اعتدال القامة. # PageV06P233 # وقوله: {فألهمها فجورها وتقواها} أي: عرفها وأعلمها، وقال مجاهد والضحاك ~~وغيرهما: جعل في قلبه فجورها وتقواها، وهو أولى من القول الأول؛ لأن ~~الإلهام في اللغة فوق التعريف والإعلام. # وقال الزجاج: عدلها للفجور، ووفقها للتقوى # PageV06P233 # {قد أفلح من زكاها} على هذا وقع القسم، والمعنى: قد أفلحت نفس زكاها ~~الله. # PageV06P233 # وقوله: {وقد خاب من دساها} أي: وخاب نفس دساها الله، وقيل: أفلح من زكى ~~نفسه وأصلحها، وخاب من أخمد نفسه ودسها، فعلى هذا قوله: ms1957 {دساها} أي: دسيها. # يقول الشاعر: # (يقضي البازي إذا البازي انكسر ... ) # أي: يقضض البازي. # قال الفراء: العامل بالفجور خامل عند الناس غامض الشخص، منكسر الرأس، ~~والمتقي عال مرتفع. # وقال ثعلب: " من دساها " أي: أغواها، وعنه أنه قال: دساها أي: دس نفسه في ~~أهل الخير وليس منهم. # قال الشاعر: # (وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت ... حلائله منه أرامل ضيعا) # وقوله: " دساها " هاهنا: أهلكت، فعلى هذا معنى قوله: {وقد خاب من دساها} ~~أي: أهلكها بالمعاصي. # وروى نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة قال: قالت عائشة - رضي الله ~~عنها - انتبهت ليلة فوجدت رسول الله وهو يقول: " أعط نفس تقواها، وزكها أنت ~~خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو # PageV06P233 # {كذبت ثمود بطغواها (11) إذ انبعث أشقاها (12) فقال لهم رسول الله ناقة ~~الله وسقياها (13) فكذبوه فعقروها} . الغنائم عبد الصمد بن علي العباسي، ~~أخبرنا أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى، أخبرنا البغوي، أخبرنا داود بن ~~عمرو الضبي، عن نافع بن عمر ... الحديث. # PageV06P234 # وقوله: {كذبت ثمود بطغواها} أي: بطغيانها، ويقال: بأجمعها. # PageV06P234 # وقوله: {إذ انبعث أشقاها} هو قدار بن سالف، وقد بينا من قبل. # وروى رشدين، عن يزيد بن عبد الله بن سلامة، عن عثمان بن صهيب، عن أبيه ~~قال: قال رسول الله لعلي: " من أشقى الأولين؟ قال: عاقر الناقة، قال: صدقت، ~~قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال: قلت: لا أعلم يا رسول الله. # قال: الذي يضربك على هذه، وأشار بيده إلى يافوخه ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا كريمة بنت أحمد قالت: أخبرنا أبو علي زاهر ~~بن أحمد، أخبرنا محمد بن إدريس [السامي] ، أخبرنا سويد بن سعيد، عن رشدين. ~~. الخبر وهو غريب. # PageV06P234 # وقوله: {فقال لهم رسول الله} ، وهو صالح. # وقوله: {ناقة الله وسقياها} أي: ذروا ناقة الله وسقياها، ومعنى سقياها: ~~شربها على ما قال في موضع آخر: {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} . # PageV06P234 # وقوله: {فكذبوه فعقروها} أي: فكذبوا صالحا، وعقروا الناقة. # PageV06P234 # {فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) ولا يخاف عقباها (15) } . # وقوله: {فدمدم عليهم ms1958 ربهم بذنبهم} عن ابن الزبير: أنه " فرمرم عليهم ربهم ~~"، وهو معنى القراءة المعروفة، ويقال: دمدم أي: غضب عليهم ربهم، يقال: فلان ~~يدمدم إذا كان يتكلم بغضب. # والقول المعروف أن معنى قوله: {فدمدم عليهم} أي: أطبق عليهم بالعذاب ~~يعني: عمهم ولم يبق منهم أحدا، ويقال: الدمدمة هو الهلاك باستئصال. # وقوله: {بذنبهم فسواها} أي: سواهم بالأرض، فلم يبق منهم أحدا صغيرا ولا ~~كبيرا. # ويقال: سوى بينهم بالعذاب. # PageV06P235 # وقوله: {ولا يخاف عقبيها} وقرئ: " فلا يخاف عقباها " وفيه قولان: أحدهما: ~~أن الله تعالى لا يخاف أن يتبعه أحد بما فعل، قاله الحسن وغيره، والقول ~~الثاني: لم يخف عاقر الناقة عاقبة فعله، والله أعلم. # PageV06P235 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والأنثى (3) إن ~~سعيكم لشتى (4) } . # تفسير سورة والليل # وهي مكية # PageV06P236 # قوله تعالى: {و ### | الليل # إذا يغشى} قال قتادة: يغشى الأفق بظلمته، وفي رواية عنه: يغشى ما بين ~~السماء والأرض بظلمته. # وقيل: {والليل إذا يغشى} أي: أظلم. # ويقال: يغشى النهار. # PageV06P236 # وقوله: {والنهار إذا تجلى} معناه: إذا أضاء وانكشف، ويقال: جل الظلمة ~~فكأنه قال: تجلت الظلمة بها. # PageV06P236 # وقوله: {وما خلق الذكر والأنثى} قرأ ابن مسعود وأبو الدرداء: " والذكر ~~والأنثى " وقد صح هذا بروايتهما عن النبي أنه قرأ كذلك، وأما القراءة ~~المعروفة: {وما خلق الذكر والأنثى} وفيه قولان: أحدهما: وما خلق الذكر ~~والأنثى مثل قوله: {والسماء وما بناها} أي: فمن بناها. # والقول الثاني: وما خلق الذكر والأنثى. # وذكر الفراء والزجاج: أن الذكر والأنثى هو آدم وحواء. # وقد قيل: إنه على العموم، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه، وقد ذكرنا أن ~~القسم على تقديره ذكر الرب، وكأنه قال: ورب الليل، ورب النهار إلى آخره. # PageV06P236 # وقوله: {إن سعيكم لشتى} على هذا وقع القسم، والمعنى: إن عملكم # PageV06P236 # {فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من ~~بخل واستغنى (8) } . مختلف، وقيل: إن سعيكم لشتى أي: منكم المؤمن والكافر، ~~والصالح والطالح، والشكور والكفور، وأمثال هذا. # قال الشاعر: # (سعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة والهم ms1959 منتشر) # (والمرء ما عاش ممدود له أثر ... لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر) # PageV06P237 # قوله تعالى: {فأما من أعطى واتقى} ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذه الآية ~~نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه. # وقوله تعالى: {أعطى واتقى} أي: بذل المال بالصدقة، وحاذر من الله تعالى. # PageV06P237 # وقوله تعالى: {وصدق بالحسنى} أي: بالخلق من الله تعالى [قاله] عكرمة عن ~~ابن عباس، وهو أشهر الأقاويل. # والقول الثاني: وصدق بالحسنى أي: بالجنة، قاله مجاهد. # وقيل: بالثواب، وقال أبو عبد الرحمن السلمي وعطاء: صدق بالحسنى أي: بلا ~~إله إلا الله. # PageV06P237 # وقوله: {فسنيسره لليسرى} أي: للحالة اليسرى والمعنى: يسهل عليه طريق ~~(الطاعات) ، والأعمال الصالحة، قال الأزهري: ييسر عليه ما لا ييسر إلا على ~~المسلمين. # PageV06P237 # قوله تعالى: {وأما من بخل واستغنى} يقال: نزلت الآية في أمية بن خلف، ~~وقيل: في أبي سفيان بن حرب. # PageV06P237 # {وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10) } . # وقوله: {بخل} أي: بخل بماله، واستغنى أي: عن ثواب ربه. # PageV06P238 # وقوله: {وكذب بالحسنى} هو ما بينا. # PageV06P238 # وقوله: {فسنيسره للعسرى} أي: يسهل عليه طريق الشر، وروى أبو صالح عن ابن ~~عباس قال: يحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله. # قال الفراء: فإن سأل سائل قال: كيف يستقم قوله: {فسنيسره للعسرى} وكيف ~~ييسر العسير؟ أجاب عن هذا: أن هذا مثل قوله تعالى {فبشر الذين كفروا بعذاب ~~أليم} فوضع البشارة موضع الوعيد بالنار، وإن لم تكن بشارة على الحقيقة، ~~كذلك وضع التيسير في هذا الموضع، وإن كان تعسيرا في الحقيقة. # وقد ذكر عطاء الخراساني أن الآية نزلت في رجل من الأنصار كان له حائط، ~~وله نخلة تتدلى في دار جاره، ويأكل جاره مما يسقط من ثمارها، فمنعه ~~الأنصاري، فشكى ذلك الفقير إلى رسول الله، فقال النبي للأنصاري: " بعني هذه ~~النخلة بنخلة لك في الجنة، فأبى أن يبيع، فاشتراها منه أبو الدحداح بحائط ~~له، وأعطاها ذلك الفقير، فأنزل الله تعالى فيهما هذه الآيات. # والأصح أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لأن السورة ~~مكية على قول الجميع، فلا يستقيم أن ms1960 تكون الآية منزلة في أحد من الأنصار. # وقد (ورد) في الآيتين خبر صحيح، وهو ما روى منصور بن المعتمر، عن سعد بن ~~عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: " كنا في جنازة ~~بالبقيع، فأتى النبي فجلس وجلسنا معه، ومعه عود ينكت به في الأرض، فرفع ~~رأسه إلى السماء وقال: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مدخلها، فقال القوم: ~~يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا، فمن كان من أهل السعادة فإنما يعمل ~~للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء، قال: # PageV06P238 # {وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة ~~والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصلاها إلى الأشقى (15) الذي كذب ~~وتولى} . بل اعملوا فكل ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل ~~السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه ييسر بعمل الشقاء، ثم قرأ: {فأما ~~من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى} . # قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو علي الشافعي بمكة، أخبرنا أبو الحسن ~~بن فراس، أخبرنا الديبلي أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، أخبرنا سفيان ~~بن عيينة، عن منصور الحديث. # PageV06P239 # قوله تعالى: {وما يغني عنه ماله إذا تردى} معناه: إذا هلك، يقال: تردى ~~أي: سقط في النار، وهو الأصح؛ لأن التردي في اللغة هو السقوط، يقال: تردى ~~من مكان كذا أي: سقط. # PageV06P239 # وقوله: {إن علينا للهدى} قال الزجاج: علينا بيان الحلال والحرام، والطاعة ~~والمعصية. # ويقال: من سلك سبيل الهدى، فعلينا هداه مثل قوله {وعلى الله قصد السبيل} ~~أي: بيان السبيل لمن قصد. # PageV06P239 # وقوله: {وإن لنا للآخرة والأولى} أي: ملك الآخرة والأولى، وقيل: ثواب ~~الآخرة والأولى. # PageV06P239 # وقوله: {فأنذرتكم نارا تلظى} أي: تتلظى، ومعناه: تتوهج. # PageV06P239 # وقوله: {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} أي: كذب بالله، وأعرض عن ~~طاعته. # وفي الآية سؤال للمرجئة والخوارج، فإن الله تعالى قال: {لا يصلاها إلا ~~الأشقى} أي: لا يقاسي حرها، ولا يدخلها إلا ms1961 الأشقى الذي كذب وتولى، فدل أن # PageV06P239 # ( {16) وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) } . # المؤمن وإن ارتكب الكبائر لا يدخل النار، هذا للمرجئة، وأما الخوارج ~~قالوا: قد وافقتمونا أن صاحب الكبائر يدخل النار، فدل أنه كفر بارتكاب ~~الكبيرة، والتحق بمن كذب وتولى حيث قال الله تعالى: {لا يصلاها إلا الأشقى ~~الذي كذب وتولى} . # والجواب من وجوه: أحدها: أن معناه: لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، ~~فالأشقى هم أصحاب الكبائر، والذي كذب وتولى هم الكفار. # والعرب تقول: أكلت خبزا لحما تمرا. # أي: ولحما وتمرا، وحذفوا الواو، وكذلك هاهنا، وأنشد أبو زيد الأنصاري: # (كيف أصبحت كيف أمسيت فما ... يثبت الود في فؤاد الكريم) # أي: وكيف أمسيت؟ # والوجه الثاني: أن للنار دركات، والمراد من الآية دركة بعينها، لا يدخلها ~~إلا الكفار، قال الله تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} دلت ~~الآية أنه مخصوص للمنافقين، وهذا جواب معروف. # والوجه الثالث: أن المعنى: لا يصلاها، لا يدخلها خالدا فيها إلا الأشقى ~~الذي كذب وتولى، وصاحب الكبيرة وإن دخلها لا يخلد فيها. # PageV06P240 # وقوله: {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى} أي: يعطي ماله ليصير ~~زاكيا طاهرا، وهو وارد في أبي بكر الصديق على قول أكثر المفسرين، ويقال: إن ~~الآية الأولى نزلت في أمية بن خلف، وأما إيتاؤه المال فهو أنه أعتق سبعة ~~نفر كانوا يعذبون في الله، منهم بلال الخير، وعامر بن فهيرة، والنهدية، ~~وزنيرة، وغيرهم. # وروى أنه لما اشترى الزنيرة وأعتقها - وكانت قد أسلمت - عميت عن قريب، ~~فقال المشركون: أعماها اللات والعزى، فقالت: أنا أكفر باللات والعزى، فرد ~~الله عليها بصرها. # ومن المعروف أن النبي مر على بلال، وهو يعذب في رمضاء مكة، وهو يقول: أحد ~~أحد، فقال النبي: " سينجيك أحد، ثم إنه أتى أبا بكر وقال: رأيت بلالا # PageV06P240 # {وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف ~~يرضى (21) } . يعذب في الله، فذهب أبو بكر إلى بيته، وأخذ رطلا من ذهب، ~~وجاء إلى أمية بن خلف واشتراه منه وأعتقه، فقالت قريش: إنما ms1962 أعتقه ليد له ~~عنده، # PageV06P241 # فأنزل الله تعالى: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى} أي: إلا طلب رضاء ربه المتعالى. # PageV06P241 # وقوله: {ولسوف يرضى} أي: يرضى ثوابه في الآخرة، والمعنى: يعطيه الله حتى ~~يرضى. # وذكر النقاش في تفسيره: " أن جبريل - عليه السلام - أتى النبي فقال: قل ~~لأبي بكر يقول الله تعالى: أنا عنك راض، فهل أنت عني راض؟ ، فذكر ذلك لأبي ~~بكر [فبكى] وخر ساجدا، وقال: أنا عن ربي راض، أنا عن ربي راض ". # وروى علي أن النبي قال: " رحم الله أبا بكر، زوجني ابنته، وحملني إلى دار ~~الهجرة، واشترى بلالا وأعتقه ". # PageV06P241 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) } . # تفسير سورة الضحى # وهي مكية # PageV06P242 # قوله تعالى: {و ### | الضحى} # أقسم بالنهار كله، وقيل: بوقت الضحوة، وهو وقت ارتفاع الشمس. # قال مجاهد: سجى: استوى، وقال عكرمة: سكن الخلق فيه، وقيل: استقرت ظلمته. # قال الأصمعي: سجو الليل: تغطية النهار، يقال: ليل داج، وبحر ساج، وسماء ~~ذات أبراج، قال الراجز: # (يا حبذا القمراء والليل (الداج) # وطرق مثل ملاء النساج) # وقال آخر: # (فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم ... وبحرك ساج (ما) يواري الدعامصا) # PageV06P242 # وقوله: {ما ودعك ربك وما قلى} قال أهل التفسير: أبطأ جبريل عن الرسول ~~مرة؛ فقالت قريش: ودعه ربه وقلاه. # وروي أن امرأة قالت له: يا محمد، أرى أن شيطانك قد تركك؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه السورة، وأقسم بما ذكرنا أنه ما ودعه وما قلاه. # وروى زهير، عن الأسود بن قيس، عن جندب البجلي قال: كنت مع النبي في ~~غازية، فدميت أصبعه، فقال النبي. # PageV06P242 # {هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت} # قال: فأبطأ جبريل - عليه السلام - فقال المشركون: قد ودع محمد؛ فأنزل ~~الله تعالى قوله {ما ودعك ربك وما قلى} قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا ~~الحديث أبو محمد المكي بن عبد الرزاق الكشميهني، أخبرنا جدي أبو الهيثم ~~الفربري، أخبرنا البخاري، أخبرنا أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية بن ms1963 حديج ~~الحديث. # وذكر بعضهم: أن الآية نزلت حين سأل اليهود رسول الله عن خبر أصحاب الكهف ~~وعن ذي القرنين، وعن الروح فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فتأخر ~~جبريل - عليه السلام - سبعة عشر يوما، وقيل: أقل أو أكثر، فقال المشركون: ~~قد ودعه ربه وقلاه؛ فأنزل الله تعالى هذه السورة ". # وقد قرئ في الشاذ بالتخفيف، والمعروف بالتشديد أي: ما قطع عنك الوحي، ~~(وقيل) : ما أعرض عنك. # وبالتخفيف معناه: ما تركك، تقول العرب: دع هذا، وذر هذا، واترك هذا بمعنى ~~واحد. # وقوله: {وما قلى} أي: ما قلاك بمعنى: ما أبغضك، (وقيل) : ما تركك منذ ~~قبلك، وما أبغضك منذ أحبك. # قال الأخطل: # (المهديات هو من بيته ... والمحسنات لمن قلين مقالا) # أي: أبغضن. # PageV06P243 # {وللآخرة خير لك من الأولى (4) ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك يتيما ~~فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) } . # PageV06P244 # وقوله: {وللآخرة خير لك من الأولى} يعني: ثواب الله خير لك من نعيم ~~الدنيا، وقد روى أن عمر - رضي الله عنه - دخل على النبي فرآه مضجعا على ~~حصير، قد أثر الحصير في جنبه، فبكى عمر - رضي الله عنه - فقال رسول الله: " ~~وما يبكيك يا عمر؟ فقال: ذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه من النعيم، وذكرت ~~حالك وأنت رسول الله. # فقال له النبي: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ". # PageV06P244 # وقوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} أي: من الثواب والكرامة والمنزلة حتى ~~[ترضى] ، وفي بعض التفاسير: هو ألف قصر من اللؤلؤ وترابها المسك، والقول ~~الثالث: أنه الشفاعة لأمته، وعن محمد بن علي الباقر قال: إنكم تقولون: إن ~~أرجى آية في كتاب الله تعالى قوله: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا تقنطوا من رحمة الله} الآية، ونحن نقول: أرجى آية في كتاب الله تعالى هو ~~قوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} يعني: أنه يشفعه في أمته حتى يرضى. # PageV06P244 # قوله تعالى: {ألم يجدك يتيما فآوى} سماه يتيما؛ لأن أباه توفي وهو حمل، ~~وقيل: بعد ولادته بشهرين، وتوفيت أمه وهو ابن ست سنين، وكفله جده عبد ~~المطلب، ثم ms1964 مات وهو ابن ثمان سنين، وكفله عمه أبو طالب، ومعنى قوله: {فأوى} ~~أي: جعل لك مأوى، وهو أبو طالب، والمعنى: يأوي إليه، وتوفي أبو طالب قبل ~~الهجرة بثلاث سنين. # PageV06P244 # وقوله: {ووجدك ضالا فهدى} أي: عن الشرائع والإسلام فهداك إليها، ويقال: ~~عن النبوة، وقيل: ووجدك ضالا أي: غافلا عما يراد بك فهداك إليه، وهو أحسن # PageV06P244 # {ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا تقهر (9) } الأقاويل. # وقيل: ضالا عن طريق الحق فهداك إليه. # وعن بعضهم: وجدك في قوم ضال، وأولى الأقاويل أن يكون محمولا على الشرائع، ~~وما أنزل الله مثل قوله سبحانه وتعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان} أو يكون المعنى وجدك ضالا أي: غافلا عن النبوة والوحي الذي أنزل ~~إليه مثل قوله في قصة موسى - صلوات الله عليه -: {قال فعلتها إذا وأنا من ~~الضالين} أي: من الغافلين. # PageV06P245 # وقوله: {ووجدك عائلا فأغنى} أي: فقيرا فأغناك بمال خديجة. # [وقال الكلبي ومقاتل] : أغناك بالرضا والقناعة بما أعطاك، وهو أولى ~~القولين، وقد ثبت عن النبي أنه قال: " ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى ~~غنى القلب "، وأنشد بعضهم: # (فما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل) # أي: يفتقر. # ويقال: {ووجدك عائلا} أي: ذا عيال، فأغنى أي: كفاك مؤنتهم، ومن المعروف ~~أن النبي قال: " يا رب، إنك اتخذت إبراهيم خليلا وموسى كليما، وسخرت مع ~~داود الجبال، وفعلت كذا وكذا، فما فعلت بي؟ فأنزل الله تعالى: {ألم يجدك ~~يتيما فآوى} والسورة الأخرى، وهي قوله تعالى: {ألم نشرح لك # PageV06P245 # {وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11) } صدرك) وفي هذا ~~الخبر أن الرسول قال: " وددت أني لم أقل ما قلت ". # PageV06P246 # قوله سبحانه وتعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر} أي لا تحتقره، والمعروف: لا ~~تظلمه أي: تأخذ حقه وتتقوى به، وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك في أموال ~~اليتامى. # وقرأ ابن مسعود: " فلا تكهر " أي: لا تزجره. # PageV06P246 # وقوله: {وأما السائل فلا تنهر} أي: رد برفق ولين، فإما أن تعطيه، وإما أن ~~ترده بالرفق وتدعو له، وحكى عن الحسن ms1965 البصري أنه قال: محمول على سائل العلم ~~دون سائل الطعام، وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه كان إذا جاءه طالب ~~علم قال: مرحبا بأحبة رسول الله، وعن إبراهيم بن أدهم - قدس الله روحه - ~~قال: إني أظن أن الله تعالى يصرف العقوبة عن أهل الدنيا برحلة أصحاب الحديث ~~في طلب العلم. # PageV06P246 # وقوله تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث} أي: بالنبوة. # وقوله: {فحدث} أي: ادع الناس إليها، وقد كان يكتم زمانا ثم أظهرها، وقيل: ~~هو القرآن فعلى هذا قوله: {فحدث} أي: اتله على الناس، ويقال: جميع النعم. # وقوله: {فحدث} أي: أظهر بالشكر، وعن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - أنه ~~قال: إذا أصبت خيرا أو نعمة فحدث به الثقات من إخوانك. # وعن عمرو بن ميمون أنه قال: من قام لورده في الليل فلا بأس أن يحدث به ~~الثقة من إخوانه، ويقول: رزقني الله كذا وكذا. # وفي # PageV06P246 # بعض الأخبار: " أن إظهار النعمة شكر، والسكوت عنها كفر " والله أعلم. # وقرأ ابن كثير - رحمة الله عليه - من هذا الموضع بالتكبير في خواتم السور ~~إلى آخر القرآن، وذكر أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وقرأ مجاهد على ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - فأمره بذلك، وقرأن ابن عباس على أبي بن كعب - رضي ~~الله عنهما - فأمره بذلك، وقرأ (ابن مسعود) على النبي فأمره بذلك. # والتكبير هو قوله: الله أكبر، قالوا: وسبب هذا أن المشركين لما قالوا ~~للنبي إن ربه ودعه وقلاه، وفي رواية أنهم قالوا: قد هجره شيطانه، فلما أنزل ~~الله تعالى هذه السورة وفيها قوله تعالى: {ما ودعك ربك وما قلى} كبر النبي ~~فرحا بنزول هذه السورة، فصار سنة إلى آخر القرآن. # والله أعلم. # PageV06P247 # بسم الله الرحمن الرحيم # {ألم نشرح لك صدرك} # تفسير سورة ألم نشرح # وهي مكية # PageV06P248 # قوله تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} معناه: ألم نفتح لك صدرك؟ وقيل: ألم نوسع ~~لك صدرك، والقول الأول، قاله مجاهد والحسن. # وقال السدي: ألم نلين لك قلبك، وقال الحسن في رواية أخرى: {ألم نشرح لك ~~صدرك} معناه: أنه ms1966 ملئ حكمة وإيمانا. # وقد ورد في الأخبار برواية قتادة، عن أنس، [عن] مالك بن صعصعة، أن نبي ~~الله قال: " بينما أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول: ~~هو بين الثلاثة، فأتيت بطست من ذهب فيه ماء زمزم، فشرح الله صدري إلى كذا ~~وكذا. # قال قتادة: قلت: ما تعني؟ قال: إلى أسفل بطني، فاستخرج قلبي وغسله بماء ~~زمزم، ثم أعاده إلى مكانه، ثم حشاه إيمانا وحكمة ". # وفي الحديث قصة طويلة، قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث القاضي ~~الإمام أبو الدرداء، أخبرنا أبو العباس بن سراج، أخبرنا أبو العباس بن ~~محبوب أخبرنا أبو عيسى الحافظ، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا محمد بن جعفر، ~~وابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي (عروبة) ، عن قتادة، عن أنس بن مالك الحديث. # وهو حديث صحيح. # وورد أيضا في الأخبار أن النبي قال: " إذا دخل النور في قلب المؤمن انشرح ~~وانفسخ. # فقيل يا رسول الله وهل لذلك من علامة؟ قال التجافي عن دار الغرور، ~~والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الموت ". # PageV06P248 # {ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك (4) } # PageV06P249 # وقوله: {ووضعنا عنك وزرك} قال مجاهد: أي غفرنا لك، وهو في معنى قوله ~~تعالى {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} . # وقوله: {وزرك} قال مجاهد: أي: ثقلك. # وعن بعضهم: ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك ثقلك. # وفي رواية ابن مسعود: وحللنا عنك وقرك. # PageV06P249 # وقوله: {الذي أنقض ظهرك} قال الزجاج، أي: أثقلك ثقلا، يسمع منه نقيض ~~ظهرك: وهذا على طريق التشبيه والتمثيل، يعني: لو كان شيئا يثقل، يسمع من ~~ثقله نقيض ظهرك. # فإن قال قائل: وأيش كان وزره؟ وهل كان على دين قومه قبل النبوة أو لا؟ # والجواب: قد ورد في التفسير: أنه كان على دين قومه قبل ذلك، ومعنى ذلك: ~~أنه كان يشهد مشاهدهم، ويوافقهم في بعض أمورهم من غير أن يعبد صنما أو يعظم ~~وثنا، وقد كان الله عصمه عن ذلك، فما ذكرنا هو الوزر الذي أنقض ظهره. ms1967 # PageV06P249 # وقوله: {ورفعنا لك ذكرك} فيه أقوال: أحدها: ورفعنا لك ذكرك بالنبوة ~~والرسالة. # والآخر: رفعنا لك ذكرك أي: جعلت طاعتك طاعتي، ومعصيتك معصيتي، والقول ~~المعروف في هذا أني لا أذكر إلا ذكرت معي، قال ابن عباس: في الأذان ~~والإقامة والتشهد وعلى المنابر في الجمع والخطب في العيدين ويوم عرفة وغير ~~ذلك. # وقال قتادة: ما من متشهد ولا خطيب ولا صاحب صلاة إلا وهو ينادي أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. # وقد ورد في بعض الأخبار هذا مرفوعا إلى جبريل - عليه السلام - برواية أبي ~~سعيد الخدري عن النبي قال لي: " إن جبريل قال: قال الله عز وجل: إذا ذكرت # PageV06P249 # {فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) } # وقال حسان بن ثابت يمدح النبي: # (أغر عليه للبنوة خاتم ... من الله مشهود يلوح ويشهد) # (وضم الإله اسم النبي مع اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد) # (وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد) # PageV06P250 # قوله تعالى: {فإن من العسر يسرا} أي: مع العسر يسرا. # في التفسير أن المشركين عيروا النبي وأصحابه، وقالوا: لو شئت جمعنا لك ~~شيئا من المال لترجع عن هذا القول، فأكربه ذلك، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # والمعنى: إن مع الفقر غنى، ومع الضيق سعة، وإن مع الحزونة سهولة، ومع ~~الشدة رخاء. # وقد حقق الله ذلك في الدنيا بما فتح على النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~وعلى أصحابه، فإن الله تعالى فتح للنبي الحجاز، وتهامة، وما والاها، وعامة ~~بلاد اليمن، وكثيرا من البوادي إلى [قريب] من العراق والشام، وفتح على ~~أصحابه ما فتح وأغنمهم كنوز كسرى وقيصر، وقد صار حال النبي في آخر أمره أنه ~~كان يهب المائين من الإبل، والألوف من الغنم، ويدخر لعياله قوت سنة، فهذا ~~الذي ذكرناه هو معنى الآية. # وقد روى معمر (عن أيوب) عن الحسن " أن النبي خرج يوما مسرورا إلى أصحابه ~~وقال: أبشروا لن يغلب عسر يسرين، ثم قرأ قوله تعالى: {فإن مع العسر يسرا إن ~~مع العسر يسرا} ms1968 قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو محمد عبد الله بن ~~محمد بن أحمد، أخبرنا سهل بن عبد الصمد بن عبد الرحمن البراز أخبرنا ~~العذافري، أخبرنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر ... الحديث. # PageV06P250 # فإن قال قائل: ما معنى قوله: لن يغلب عسر يسرين، وقد كرر كلاهما؟ # والجواب عنه: أن الفراء ذكر أن النكرة إذا كررت نكرة، فالثاني غير الأول، ~~والنكرة إذا أعيدت معرفة فالثاني هو الأول تقول العرب: كسبت اليوم درهما، ~~وأنفقت الدرهم. # فالثاني هو الأول. # ونقول: وعلى معنى هذا ورد قوله تعالى: {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى ~~فرعون الرسول} وعن ابن مسعود قال: لو دخل العسر في جحر لتبعه اليسر حتى ~~يستخرجه. # وفي معنى اليسرين قولان: أحدهما: يسر الدنيا، والآخر يسر الآخرة، فعلى ~~هذا معنى الخبر، إن غلب العسر يسر الدنيا، فلا يغلب يسر الآخرة. # والقول الثاني: أن اليسر الأول هو للرسول، واليسر الثاني لأصحابه. # قال رضي الله عنه: أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن عبد العزيز الجنوجردي ~~قال: أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي الحسن بن محمد النيسابوري قال: سمعت محمد بن ~~عامر البغدادي قال سمعت عبد العزيز بن يحيى قال: سمعت عمر قال العتبي يقول: ~~كنت ذات ليلة في البادية، فألقى في روعي بيت من شعر، فقلت: # (أرى الموت لمن أصبح ... مغموما أروح) # فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف من الهواء: # (ألا أيها المرء الذي ... الهم به يبرح) # (وقد أنشد بيتا ... لم يزل في فكره يسنح) # (إذا اشتدت بك العسرى ... ففكر في ألم نشرح) # (فعسر بين يسرين ... إذا أبصرته فافرح) # قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي. # قال رضي الله عنه: وأنشدنا أبو بكر قال: أنشدنا أبو إسحاق قال أنشدنا ~~الحسن بن محمد بن الحسن قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الحيري قال: ~~أنشدنا # PageV06P251 # {فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8) } إسحاق بن بهلول القاضي: # (فلا تيأس وإن أعسرت يوما ... فقد أيسرت في دهر طويل) # (ولا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل) # (وإن العسر يتبعه ms1969 يسار ... وقول الله أصدق كل قيل) # قال رضي الله عنه: وأنشدنا أبو بكر قال: أنشدنا أبو إسحاق قال: أنشدنا ~~الحسن قال: أنشدنا الحسن بن محمد قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ ~~(الكرخي) قال أنشدنا أبو بكر بن الأنباري: # (إذا بلغ العسر مجهوده ... فثق عند ذاك بيسر سريع) # (ألم تر نحس الشتاء النطيع ... يتلوه سعد الربيع البديع) # قال رضي الله عنه: وأنشدنا أبو بكر، أنشدنا أبو إسحاق، أنشدني عيسى بن ~~زيد الطفيلي أنشدني سليمان بن أحمد الرقي: # (توقع إذا ما عدتك الخطوب ... سرورا يسردها عندك فسرا) # (ترى الله يخلف ميعاده ... وقد قال إن مع العسر يسرا) # PageV06P252 # قوله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل: ~~إذا فرغت من الصلاة فانصب للدعاء، وارغب إلى الله في المسألة. # وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك. # وروى نحو ذلك عن الزهري وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب لقيام ~~الليل. # وعن بعضهم إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب لجهاد الكفار. # PageV06P252 # وقوله: {وإلى ربك فارغب} هو الحث على الدعاء [و] المسألة. # وقال الزجاج: إلى ربك فارغب وحده، ولا تكن رغبتك إلى أحد سواه. # والله أعلم. # PageV06P252 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) لقد خلقها ~~الإنسان في أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل سافلين (5) } # تفسير سورة التين # وهي مكية # وقد ثبت برواية البراء بن عازب أن النبي قرأ هذه السورة في صلاة المغرب ~~خرجه مسلم في كتابه. # PageV06P253 # قوله تعالى: {و ### | التين # والزيتون} قال مجاهد والحسن: هو التين الذي يؤكل والزيتون الذي يعصر. # والمعنى: ورب التين والزيتون. # وقال قتادة: التين هو الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون هو الجبل الذي عليه ~~بيت المقدس. # وقال كعب: هو دمشق وبيت المقدس. # وحكى الفراء أنهما جبلان ما بين حلوان إلى همذان. # ويقال: أراد منابت التين والزيتون. # قال النحاس: وهذا قول يخالف ظاهر الآية، ولم ينقل عمن يكون قوله حجة. # PageV06P253 # وقوله: {وطور سنين} أكثر المفسرين أنه الجبل الذي كلم الله عليه موسى. # وقد ms1970 ثبت عن عمر أنه قرأ: " وطور سيناء "، وفي حرف ابن مسعود: " وطور ~~سيناء " بكسر السين. # وقال الحسن: الطور هو الجبل، وسنين: المبارك. # وعن الأخفش: طور: اسم الجبل وسنين: اسم الشجر. # PageV06P253 # وقوله: {وهذا البلد الأمين} هو مكة بالإجماع، ومعنى الأمين أي: آمن من ~~فيه. # PageV06P253 # وقوله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} هو جواب القسم. # قال مجاهد وإبراهيم وجماعة: في أحسن تقويم أي: في أحسن صورة. # وقيل: في أحسن تقويم: هو اعتداله واستواؤه. # PageV06P253 # وقوله: {ثم رددناه أسفل سافلين} قال مجاهد والحسن: إلى النار إلا من آمن. # فعلى هذا تكون الآية في الكفار. # وقد قيل: إنه ورد في كافر بعينه فيقال: إنه أبو # PageV06P253 # {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) فما يكذبك بعد ~~بالدين (7) أليس الله بأحكم الحاكمين (8) } جهل. # وقيل: إنه الوليد بن المغيرة. # وقيل غيرهما. # وقال إبراهيم والضحاك وجماعة: ثم رددناه أسفل سافلين: هو أرذل العمر، ~~والسافلون هم الضعفاء والمرضى والشيوخ العجزة. # PageV06P254 # وقوله: {إلا الذين آمنوا} الاستثناء مشكل في هذه السورة، فعلى قول الحسن ~~ومجاهد يكون الاستثناء ظاهرا والمعنى: رد الناس إلى النار إلا من آمن وعمل ~~صالحا فإنه لا يرد إلى النار، ومعنى الإنسان: الناس. # وأما على قول إبراهيم والضحاك فالاستثناء مشكل على هذا القول، قاله ~~النحاس. # والمعنى على هذا إلا الذين آمنوا فلا يردون إلى أرذل العمر، ومعناه: أنه ~~يكتب لهم أعمالهم الصالحة بعد الهرم على ما كانوا يعملونها في حالة الشباب ~~وإن عجزوا عنها، فكأنهم لم يردوا إلى أرذل العمر، وقد حكى معنى هذا عن ~~إبراهيم، وروى ذلك مرفوعا في بعض الأخبار إلى الرسول. # وقوله: {فلهم أجر غير ممنون} فيه قولان: أحدهما: لا يمتن به عليهم أحد - ~~سوى الله - منة تكدر النعمة عليهم. # والقول المعروف: غير مقطوع وهو مؤيد لما ذكرناه من التأويل. # PageV06P254 # قوله تعالى: {فما يكذبك بعد بالدين} المعنى: فما يكذبك أيها الشاك بيوم ~~الحساب بعد ما شاهدت من قدرة الله تعالى ما شاهدت، هذا هو القول المعروف. # وفي الآية قول آخر: أن معناه: فمن يكذبك ms1971 بعد بالدين على خطاب النبي أي: ~~من الذي يكذبك بيوم الحساب بعد أن ظهر من البراهين والآيات ما ظهر، ذكره ~~أبو معاذ النحوي، القول الأول أولى؛ لأن ما بمعنى من، يبعد في اللغة. # PageV06P254 # وقوله: {أليس الله بأحكم الحاكمين} هو استفهام بمعنى التحقيق وهو مثل قول ~~جرير: # (ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح) # أي: أنتم كذلك. # وقد ورد عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا إذا ختموا السورة قالوا: اللهم ~~بلى، وفي رواية: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين؛ منهم أبو هريرة وابن عباس ~~رضي الله عنهما. # PageV06P254 # بسم الله الرحمن الرحيم # {اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) } # تفسير سورة العلق # وهي مكية # PageV06P255 # قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} أكثر أهل العلم [أن] هذه السورة ~~أول سورة أنزلت من القرآن، وهو مروي عن علي، وابن عباس، وعائشة، وابن ~~الزبير. # وروى محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة " أن أول سورة أنزلت ~~من القرآن، سورة اقرأ باسم ربك الذي ... " قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا ~~الحديث الحاكم أبو عمرو ومحمد بن عبد العزيز القنطري، أخبرنا أبو الحارث ~~علي بن القاسم الخطابي أخبرنا أبو لبابة محمد بن المهدي، أخبرنا أبو عماد ~~بن الحسين بن بشر، عن [سلمة] بن الفضل عن محمد بن إسحاق. # الخبر. # وعن جابر: أن أول سورة أنزلت سورة المدثر، [و] قد بينا، والأصح هو القول ~~الأول، وقد ثبت برواية عائشة - رضي الله عنها - قالت: " أول ما بدئ به رسول ~~الله من الوحي الرؤيا (الصادقة) في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل ~~فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات ~~العدد - وهو التعبد - ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها، حتى ~~(فجئه) الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقر، فقال النبي قلت: ما ~~أنا بقارئ. # قال: # PageV06P255 # {خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم ~~الإنسان ما لم يعلم (5) كلا إن الإنسان ليطغى (6) } فأخذني فغطني حتى ms1972 بلغ ~~مني الجهد، ثم، أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني ~~الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ ~~فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: " اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق ... حتى بلغ ما لم يعلم ". # والخبر طويل مذكور في الصحيحين. # وقوله: {باسم ربك} أي: اقرأ مفتتحا باسم ربك، وقيل: اقرأ اسم ربك، والباء ~~زائدة، قاله أبو عبيدة، ومثله قول الشاعر: # (هن الحرائر لأرباب أخمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور) # أي: السور، والباء زائدة. # وقيل: اقرأ على اسم ربك، كما يقال: سر باسم الله أي: على اسم الله، ~~والقولان الأولان هما المعروفان. # وقوله: {الذي خلق} يعني: خلق الناس. # PageV06P256 # وقوله: {خلق الإنسان من علق} أي: العلقة وهي الدم، وذكرها هنا العلقة؛ ~~لأنها من الأمشاج، فدل بها على غيرها. # PageV06P256 # وقوله: {اقرأ وربك الأكرم} أي كريم، ومن كرمه أن يحلم عن ذنوب العباد، ~~ويؤخر عقوبتهم، وعن بعضهم: من كرمه أن يعبد الآدمي غيره، ولا يقطع عنه ~~رزقه. # PageV06P256 # وقوله: {الذي علم بالقلم} أي: الكتابة بالقلم، وهي نعمة عظيمة، قال ~~قتادة: القلم نعمة من الله عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش، ~~واختلف القول في المراد بالتعليم، فأحد القولين هو آدم صلوات الله عليه، ~~والقول الآخر: كل آدمي يخط بالقلم. # PageV06P256 # وقوله: {علم الإنسان ما لم يعلم} قد بينا، وهو ظاهر المعنى. # PageV06P256 # قوله: {كلا إن الإنسان ليطغى} نزل في أبي جهل، وقد ورد في بعض الأخبار # PageV06P256 # {أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا ~~صلى (10) أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذب ~~وتولى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية} ~~عن النبي أنه قال: " إن لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة أو جهل ". # وهو خبر غريب. # وقوله: {ليطغى} أي: يجاوز الحد في العصيان، قال الكلبي: من الطغيان أن ~~يتنقل من منزلة إلى منزلة في اللباس والطعام. # وفي بعض التفاسير: هو أنه إذا ms1973 كثر ماله زاد في طعامه وشرابه وثيابه ~~(ومركبه) . # وعن ابن مسعود أنه قال: منهومان لا يشبعان طالب علم، وطالب مال لا ~~يستويان، أما طالب العلم فيبتغي رضا الرحمن، وأما طالب المال فيطلب رضا ~~الشيطان. # PageV06P257 # وقوله: {أن رآه استغنى} أي: رأى نفسه غنيا. # PageV06P257 # وقوله: {إن إلى ربك الرجعى} أي: الرجوع والمرجع. # PageV06P257 # وقوله تعالى: {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى} هو أبو جهل أيضا، والعبد ~~الذي يصلي هو الرسول، وقد ثبت برواية ابن عباس: أن أبا جهل قال: إن رأيت ~~محمدا يصلي لأطأن على رقبته، فذكر له أنه يصلي فجاء ليطأ على رقبته، فلما ~~قرب منه نكص على عقبيه، فقيل له: ما لك يا أبا الحكم؟ فقال: رأيت بيني ~~وبينه خندقا من نار، وهؤلاء ذوو أجنحة، فقال النبي: لو دنى مني لاختطفته ~~الملائكة عضوا عضوا " خرجه مسلم في كتابه. # وقوله: {أرأيت} هو تعجيب للسامع، وقيل # PageV06P257 # ( {15) ناصية كاذبة خاطئة (16) فليدع نادية (17) سندع الزبانية (18) كلا ~~لا تطعه واسجد واقترب (19) } معناه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، كيف ~~يأمن عذابي؟ وقيل معناه أمصيب هو؟ يعني: ليس بمصيب، وفي قول سيبويه معناه: ~~أرأيت من كان هذا عمله، أخبرني عن أمره في الآخرة؟ وهو إشارة إلى أنه يصير ~~إلى عقوبة الله في الآخرة. # PageV06P258 # قول تعالى: {أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى} يعني: محمدا. # PageV06P258 # وقوله: {أرأيت إن كذب وتولى} يعني: أبا جهل، والمعنى: أن من كذب وتولى ~~ونهى عبدا إذا صلى، كيف يكون كمن آمن بربه واتقى وصلى! . # PageV06P258 # وقوله: {ألم يعلم بأن الله يرى} هو تهديد ووعيد. # PageV06P258 # قوله تعالى: {كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية} أي: لنجرن بناصيته إلى ~~النار، وقيل: لنسودن وجهه، وذكر الناصية ليدل على الوجه، وقيل: لنسمن موضع ~~الناصية بالسواد، فاكتفى به من سائر الوجه. # وفي اللغة: الأسفع: الثور الوحشي الذي في خديه سواد، وأنشدوا على القول: # (قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... من بين ملجم مهرة أو سافع) # أراد وأخذ بناصيته. # وأنشدوا على القول الثاني: # (وكنت (إلى) نفس الغوى نزت به ... سفعت على ms1974 العرنين منه بميسم) # أراد وسمته على عرنينه. # PageV06P258 # وقوله: {ناصية كاذبة خاطئة} أي: ناصية صاحبها كاذب خاطئ. # PageV06P258 # وقوله تعالى: {فليدع نادية} روى: " أن أبا جهل لما أنكر على النبي صلاته، # PageV06P258 # انتهره النبي - عليه الصلاة والسلام - فقال له أبو جهل: أتنهرني يا محمد، ~~وما بها أكثر ناديا مني؛ أعمر مجلسا وأكثر قوما، فأنزل الله تعالى: {فليدع ~~نادية} أي قومه الذي يتعزز بهم، وهم أهل مجلسه. # PageV06P259 # وقوله: {سندع الزبانية} هم الملائكة الذين قال الله تعالى في وصفهم: ~~{عليها ملائكة غلاظ شداد} وقيل: هم أعوان ملك الموت. # (وواحد الزبانية زبنية في قول الكسائي زباني، وعن بعضهم: زبان) . # PageV06P259 # وقوله: {كلا لا تطعه واسجد واقترب} أي: واسجد لله واقترب منه بالطاعة، ~~وقيل: واسجد يا محمد واقترب يا أبا جهل، لترى عقوبة الله وهو قول غريب. # PageV06P259 # بسم الله الرحمن الرحيم # {إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) # تفسير سورة القدر # وهي مدنية # PageV06P260 # قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة ### | القدر} # أي: القرآن، وقد ذكرنا أن الله تعالى أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى ~~السماء الدنيا، ثم أنزله تفاريق على الرسول، بعضه في إثر بعض والهاء كناية ~~عن القرآن، وإن لم يكن القرآن مذكورا، وصح ذلك لأنه معلوم. # وليلة القدر: هي ليلة الحكم. # قال مجاهد في التفسير: إن الله تعالى يقسم فيها [الأرزاق] والأعمال. # واختلفوا في ليلة القدر، فحكى عن بعضهم: أنها رفعت حين توفي النبي وليس ~~بصحيح، بل هي باقية إلى قيام الساعة. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: في الحول، ومن يقم حولا يصيبها. # والصحيح أنها في العشر الأخير من رمضان، وقد ثبت برواية زر بن حبيش أنه ~~قال لأبي بن كعب: " إن أخاك عبد الله بن مسعود يقول: إنها في الحول، فقال ~~أبي بن كعب: يرحم الله أبا عبد الرحمن! لقد علم أنها في العشر الأخير من ~~رمضان، وعلم أنها ليلة السابع والعشرين، ولكن أراد أن لا يتكل الناس على ~~ذلك، ثم حلف أبي بن كعب، ولم يستثن أنها ليلة السابع والعشرين، قال زر: ~~فلما ms1975 رأيته يحلف: قلت: يا أبا المنذر، بم تعرف ذلك؟ قال بالعلامة الذي ~~ذكرها لنا رسول الله، وهي أن تطلع الشمس في صبيحتها ولا شعاع لها ". # PageV06P260 # {وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر خير من ألف شهر (3) } وقد ثبت ~~أيضا عن النبي أنه قال: " تحروها في العشر الأواخر من رمضان ". # أي: اطلبوها، وفي بعض الروايات: " اطلبوها في الأفراد "، وفي رواية أبي ~~سعيد الخدري: " أنها ليلة الحادي والعشرين ". # وقيل غير ذلك، وأصح الأقاويل وأشهرها أنها ليلة السابع والعشرين، ومن قام ~~العشر أدركها قطعا وحقيقة. # PageV06P261 # وقوله: {وما أدراك ما ليلة القدر} قد بينا أن ما ورد في القرآن على هذا ~~اللفظ، فقد أعلمه الله تعالى. # PageV06P261 # وقوله: {ليلة القدر خير من ألف شهر} أي: ثواب العمل فيها أكثر من ثواب ~~العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وذكر أبو عيسى الترمذي في جامعه ~~برواية يوسف بن سعد، أن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - لما بايع معاوية، ~~وسلم إليه الخلافة، قال له رجل: يا مسود وجوه المؤمنين، أو يا مذل ~~المؤمنين، فقال: لا تقل بها، فإن رسول الله أري بني أمية على منبره، فساءه ~~ذلك، فأنزل الله تعالى عليه: {إنا أعطيناك الكوثر} ، وأنزل أيضا: {إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر} ، وقال {ليلة القدر خير من ألف شهر} أي: خير من ألف ~~شهر يملك فيها بنو أمية ". # قال أبو عيسى: وهو غريب. # وفي بعض التفاسير: أن النبي قال: " إن رجلا من بني # PageV06P261 # {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع ~~الفجر (5) } إسرائيل جاهد أعداء الله ألف شهر، وكان مع ذلك يقوم بالليل، ~~ويصوم النهار، فاغتم من ذلك لقصر أعمار أمته، وقلة أعمالهم، فأنزل الله ~~تعالى هذه السورة، وأخبر أنه أعطاه ليلة يكون العمل فيها خيرا من عمل ذلك ~~الرجل ألف شهر ". # وقد ثبت في فضلها عن النبي أنه قال: " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا ~~غفر له ما تقدم من ذنبه ". # PageV06P262 # وقوله: {تنزل الملائكة والروح فيها} أي: جبريل فيها. # وقوله: ms1976 {بإذن ربهم من كل أمر} أي: لكل أمر، وهو ما ذكرنا من مقادير ~~الأشياء. # PageV06P262 # وقوله: {سلام هي} فيه قولان: # أحدهما: أن المراد منه تسليم الملائكة على من يذكر الله تعالى في تلك ~~الليلة. # والقول الثاني: {سلام} أي: سلامة، والمعنى: أنه لا يعمل فيها داء ولا سحر ~~ولا شيء من عمل الشياطين والكهنة. # وقوله: {حتى مطلع الفجر} وقرئ: " مطلع الفجر " بكسر اللام، فالبفتح على ~~المصدر وبالكسر على وقت الطلوع. # PageV06P262 # بسم الله الرحمن الرحيم # {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ~~(1) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) وما تفرق الذين} # تفسير سورة لم يكن # وهي مكية في قول بعضهم، (مدنية في قول بعضهم، والله أعلم) # PageV06P263 # قوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب} قرأ أبي بن كعب: " ما ~~كان الذين كفروا " وهو شاذ، والمعروف هو الأول. # وقوله تعالى: {من أهل الكتاب والمشركين منفكين} أي: منتهين، ومعناه: أن ~~الكفار من أهل الكتاب والمشركين ما كانوا منتهين عن كفرهم حتى تأتيهم ### | البينة # أي: حتى أتاهم الرسول، مستقبل بمعنى الماضي، وقيل: البينة هي القرآن، ~~وهذا قول معروف معتمد، والقول الثاني: أن أهل الكتاب والمشركين الذين سمعوا ~~منهم لم يزالوا على إقرار بالنبي قبل ظهوره، فلما ظهر اختلفوا، فأقر بعضهم، ~~وأنكر البعض، # PageV06P263 # وقوله: {رسول من الله} أي: هو رسول من الله، وقيل: حتى أتاهم رسول من ~~الله. # وقوله: {يتلو صحفا مطهرة} أي: ما في الصحف، وقوله: {مطهرة} أي: من ~~التغيير والتبديل والإدناس والإنجاس. # PageV06P263 # وقوله: {فيها كتب قيمة} أي: أحكام مستقيمة عادلة، والكتاب يأتي بمعنى ~~الحكم، والكتب بمعنى الأحكام، وفي قصة العسيف أن النبي قال: " لأقضين ~~بينكما بكتاب الله " أي: بحكم الله. # PageV06P263 # {أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ~~(5) إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك ~~هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك ms1977 هم خير البرية (7) ~~} # PageV06P264 # وقوله: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} أي: في أمر النبي وما جاء به. # وقوله: {إلا من بعد ما جاءتهم البينة} أي: البينات والبراهين والدلائل. # PageV06P264 # قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} قد ~~ذكرنا معنى الحنيف، وقيل: إذا كان مسلما فهو الحاج، وإذا كان غير مسلم فهو ~~الإسلام، والمعنى: أمروا أن يكونوا حنفاء، فإن كان الخطاب مع المسلمين ~~فالمراد منه أن يكونوا حجاجا وإن كان الخطاب مع الكفار فالمراد أن يكونوا ~~مسلمين. # وقوله: {ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} أي: ذلك الملة ~~القيمة، وقيل: دين الأمة المستقيمة على الحق، وقيل: دين الملة القيمة. # PageV06P264 # قوله تعالى: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين ~~فيها أولئك هم شر البرية} قرئ بالهمز وترك الهمز، فالقراءة بالهمز من برأ ~~الله الخلق، وبترك الهمزة من البرى، وهو التراب أي: شر من خلق من البرى، ~~والعرب تقول: بفيك البرى والثرى. # PageV06P264 # وقوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} قد ذكرنا، ~~وروى سفيان الثوري، عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك: " أن رجلا قال ~~للنبي يا خير البرية قال: ذاك إبراهيم - صلوات الله عليه " أورده أبو عيسى ~~الترمذي في جامعه، وقال: هو صحيح غريب. # PageV06P264 # {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8) } # PageV06P265 # وقوله: {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري} قال ابن عمر: خلق الله أربعة ~~أشياء بيده: القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم - صلوات الله عليه، وقال لسائر ~~الأشياء كوني فكانت. # وقوله: {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه} أي: رضي أعمالهم، ورضوا ثوابه. # وقوله: {ذلك لمن خشي ربه} أي: خاف ربه. # PageV06P265 # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) } # تفسير سورة إذا زلزلت # وهي مكية، وقل: مدنية. # وقد روى أنس أن النبي قال: " من قرأ: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} عدلت له ~~بنصف القرآن، ومن قرأ: ms1978 {قل يا أيها الكافرون} عدلت له بربع القرآن، ومن ~~قرأ: {قل هو الله أحد} عدلت بثلث القرآن " أورده أبو عيسى في جامعه وقال: ~~هو حديث غريب. # وأورد - أيضا - برواية سلمة بن وردان عن أنس بن مالك قال: إن النبي قال ~~لرجل من أصحابه: " هل تزوجت يا فلان؟ قال: لا والله، ولا عندي ما أتزوج به، ~~فقال: أليس معك {قل هو الله أحد} ؟ قال: بلى، قال: ثلث القرآن، قال: أليس ~~معك {إذا جاء نصر الله والفتح} ؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك ~~{قل يا أيها الكافرون} ؟ قال: بلى. # قال: ربع القرآن، قال: أليس معك {إذا زلزلت الأرض زلزالها} ؟ قال: بلى، ~~قال: ربع القرآن، قال: تزوج تزوج ". # PageV06P266 # {وأخرجت الأرض أثقالها (2) وقال الإنسان ما لها (3) يومئذ تحدث أخبارها ~~(4) } # PageV06P267 # قوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} قال ابن عباس: حركت من أسفلها. # والزلزال هو التحريك الشديد، وعن ابن عباس أنه عقيب النفخة الأولى. # وفي التفسير: أن إسرافيل إذا نفخ في الصور النفخة الأولى يكسر كل شيء على ~~وجه الأرض من شدة نفخته، ويدخل في جوف الأرض، فإذا نفخ النفخة الثانية ~~أخرجت جميع ما في جوفها، وألقتها على (وجهها) . # PageV06P267 # وقوله: {وأخرجت الأرض أثقالها} هو ما ذكرنا، وذلك عقيب النفخة الثانية، ~~قال مجاهد وقتادة: كنوزها وموتاها. # PageV06P267 # وقوله: {وقال الإنسان ما لها} أي: وقال الكافر ما لها؟ يعني: ما للأرض ~~أخرجت أثقالها. # وإنما قال الكافر ذلك؛ لأنه لم يكن يؤمن بالبعث. # PageV06P267 # وقوله: {يومئذ تحدث أخبارها} أي: تحدث بما عمل عليها من خير وشر - يعني ~~الأرض - وروى سعيد بن أبي أيوب، عن يحيى بن أبي سليمان، عن سعيد المقبري، ~~عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله هذه الآية: {يومئذ تحدث أخبارها} قال: ~~أتدرون ما أخبارها؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد ~~على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا ~~وكذا، قال: فهذه أخبارها. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسين بن النقور أخبرنا أبو ms1979 ~~طاهر (بن) المخلص، أخبرنا يحيى بن محمد بن صاعد، أخبرنا [الحسين # PageV06P267 # {بأن ربك أوحى لها (5) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) } بن الحسن] ~~المروزي، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي أيوب. . الحديث، ~~ويقال: المعنى: وقال الإنسان ما لها؟ أي: ما للأرض تحدث أخبارها. # PageV06P268 # قوله: {بأن ربك أوحى لها} أي: أوحى إليها أن تحدث. # قال الشاعر: # (أوحى لها القرار فاستقرت ... ) # أي: إليها. # والمعنى: أن الأرض أخبرت بوحي الله إليها. # قال أبو جعفر النحاس: الوحي على وجهين: أحدهما: وحي الله إلى أنبيائه ~~عليهم السلام، والآخر: بمعنى الإلهام، مثل قوله تعالى: {وأوحى ربك إلى ~~النحل} ، ومثل هذه الآية، وهو قوله تعالى: {بأن ربك أوحى لها} أي: ألهمها ~~أن تحدث. # PageV06P268 # قوله تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتا} أي: متفرقين. # يقال: شتان ما بين فلان وفلان أي: ما أشد التفرقة بينهما. # وقوله: {ليروا أعمالهم} أي: أعمالهم التي عملوها. # PageV06P268 # وقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} قال ~~ابن مسعود: هذه الآية أحكم آية في القرآن. # وروى أن عمر بن الخطاب سأل قوما: أي آية في كتاب الله أحكم؟ فقالوا: {فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} فقال: أفيكم ابن أم ~~عبد؟ فقالوا: نعم، وأراد أن هذا جائز منه. # وروى أن صعصعة عم الفرزدق أتى النبي فأسلم، فسمع هذه الآية: {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} قال: حسبي لا أبالي ألا ~~اسمع من القرآن غيرها. # رواه الحسن مرسلا. # PageV06P268 # وروى المغيرة بن قيس عن ابن الزبير، عن جابر قال: " قلت يا رسول الله، ~~إلى ما ينتهي الناس يوم القيامة؟ قال: إلى أعمالهم؛ من عمل مثقال ذرة خيرا ~~يره، ومن عمل مثقال ذرة شرا يره ". # وفي الذرة قولان: أحدهما: أنها النملة الحمراء الصغيرة - وهو قول معروف، ~~والآخر: هي ما يعلق بيد الإنسان إذا وضع يده على الأرض، وقيل: ms1980 هي الذرة ~~التي ترى في الكوة منبثا في الهواء في ضوء الشمس، وذكر النقاش عن بعضهم: أن ~~الذرة جزء من ألف وأربعة و (عشرين) جزءا من شعيرة. # وعن بعضهم: أنه بسط ذرات كثيرة على وجه إحدى كفتي الميزان، فلم تمل عين ~~الميزان. # وعن ابن عباس قال: [يرى المؤمن حسناته وسيئاته فيرد عليه حسناته وتأخر ~~سيئاته] . # وعن بعضهم: أن ذكر الذرة على طريق التمثيل والتشبيه، والمعنى أنه يلقى ~~عمله الصغير والكبير، فما أحب الله أن يغفر غفر، وما أحب الله أن يؤاخذ به ~~أخذ والله أعلم. # PageV06P269 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به ~~نقعا (4) فوسطن به جمعا (5) إن الإنسان لربه لكنود (6) } # تفسير سورة العاديات # وهي مكية # PageV06P270 # قوله تعالى: {و ### | العاديات # ضبحا} قال علي وابن مسعود: هي الإبل. # قال علي: لم يكن يوم بدر إلا فرسان: أحدهما للمقداد، والآخر للزبير. # وقال ابن عباس: هي الخيل. # وهذا القول أظهر. # وأقسم بالخيل العادية في سبيل الله، وضبيحها. # صوت أجوافها، وقيل: صوت أنفاسها عند العدو. # قال ابن عباس: ليس بصهيل ولا حمحمة. # PageV06P270 # وقوله: {فالموريات قدحا} قال ابن مسعود: هي الإبل تقدح بمناسمها، وعلى ~~قول ابن عباس: هي الخيل تقدح الأحجار بحوافرها، فتورى النار. # PageV06P270 # وقوله: {فالمغيرات صبحا} قال ابن مسعود: هي الإبل حين يفيضون من جمع، ~~وعلى قول ابن عباس: هي الخيل تغير في سبيل الله، قال قتادة: أغارت حين ~~أصبحت. # PageV06P270 # قوله تعالى: {فأثرن به نقعا} على قول ابن مسعود أثرن بالوادي فكنى عنه ~~وإن لم يكن مذكورا، وعلى قول ابن عباس بالمكان المغار. # قال مجاهد عن ابن عباس: النقع التراب، وقال قتادة: هو الغبار. # PageV06P270 # وقوله تعالى: {فوسطن به جمعا} فعلى قول ابن مسعود أي: جمع المزدلفة، وعلى ~~قول ابن عباس جمع العدو، فأقسم الله تعالى برب هذه الأشياء، وقيل: بهذه ~~الأشياء بأعيانها، وقيل: إن النبي كان بعث سرية إلى بني كنانة فأغاروا عند ~~الصباح، وتوسطوا جمع العدو، وكانوا أصحاب خيل، فأقسم الله تعالى بهم. # PageV06P270 # وقوله: {إن الإنسان لربه لكنود} على ms1981 هذا وقع القسم. # PageV06P270 # {وإنه على ذلك لشهيد (7) وإنه لحب الخير لشديد (8) } # وقوله: {لكنود} أي: لكفور، وقيل: هو البخيل السيء الخلق. # وفي بعض الأخبار مرفوعا إلى النبي برواية أبي أمامة عن النبي في قوله: ~~{إن الإنسان لربه لكنود} قال: " هو الذي يأكل وحده، ويمنع رفده ويضرب عبده ~~". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث الحاكم محمد بن عبد العزيز ~~القنطري، أخبرنا محمد بن الحسين [الحدادي] ، أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا ~~إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا (المؤتمن) بن سليمان، عن جعفر بن الزبير، عن ~~القاسم، عن أبي أمامة الحديث. # PageV06P271 # وقوله: {وإنه على ذلك لشهيد} أي: وإن الله على ذلك لشهيد أي: على كفره. # وقال عطاء عن ابن عباس: # PageV06P271 # وقوله: {وإنه لحب الخير لشديد} معناه: إن الإنسان لأجل حب المال لبخيل. # يقال: شديد ومشدد أي: بخيل. # قال طرفة: # (أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد) # أي: البخيل # PageV06P271 # {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم ~~بهم يومئذ لخبير (11) } # PageV06P272 # قوله تعالى: {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور} أي: أخرج، وقرأ ابن ~~مسعود: " بحث " وعن غيره وهو أبي بن كعب: " بحثر " أي: قلب. # PageV06P272 # قوله: {وحصل ما في الصدور} أي: أظهر ما فيها. # وقيل: جمع يعني: ما في صحائف الأعمال. # PageV06P272 # وقوله: {إن ربهم بهم يومئذ لخبير} أي: عالم، ويقال: أي: يجازيهم ~~بأعمالهم، ومثله قوله تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} أي: ~~يجازيهم الله بما في قلوبهم. # وكذلك قوله: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} أي: يجازي عليه، وقيل في ~~قوله: {وحصل ما في الصدور} أي: ميز ما فيها من الخير والشر، والله أعلم. # PageV06P272 # بسم الله الرحمن الرحيم # {القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة (3) يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث (4) وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) فأما من ثقلت} # تفسير سورة القارعة # وهي مكية # PageV06P273 # قوله تعالى: { ### | القارعة # ما القارعة} هي القيامة، سميت قارعة؛ لأنها تقرع القلوب بالهول والشدة. # وقوله: {ما القارعة} مذكور على وجه التعظيم والتهويل، وكذلك {وما أدراك ~~ما ms1982 القارعة} . # PageV06P273 # قوله تعالى: {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث} الفراش هو صغار الحيوان من ~~البق والبعوض والجراد وما يجتمع عند ضوء السراج، والمبثوث سماه مبثوثا؛ ~~لأنه يركب بعضه بعضا، وقيل: يمرج بعضه في بعض، وهو مثل قوله تعالى: {كأنهم ~~جراد منتشر} وشبه الناس عند الحشر به؛ لأنه يمرج بعضهم في بعض. # PageV06P273 # وقوله: {وتكون الجبال كالعهن} أي: الصوف الذي يدف، والعهن هو الصوف ~~المصبوغ، وهو أرخى ما يكون من الصوف، وذكر هذا على معنى أن الجبال من هول ~~يوم القيامة مع صلابتها وقوتها تصير كالعهن المنفوش. # PageV06P273 # قوله تعالى: {فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية} . # قال الفراء والزجاج: أي ذات رضا. # وقيل: مرضية. # PageV06P273 # وقوله: {وأما من خفت موازينه} في بعض التفاسير: أن لكل إنسان ميزانا على ~~حدة لعمله من الخير والشر. # PageV06P273 # وقوله: {فأمه هاوية} أي مرجعه إلى الهاوية، وسماها أمه؛ لأن الإنسان يأوي ~~إلى # PageV06P273 # {موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية ~~(9) وما أدراك ما هية (10) نار حامية (11) } أمه؛ فالهاوية تؤوي الكفار، ~~فهي أمهم، وفي بعض الأخبار في نعت النار: فبئست الأم، وبئست المربية، ~~ويقال: الهاوية كل موضع يهوى فيه الإنسان ويهلك. # PageV06P274 # وقوله: {وما أدراك ما هية} الهاء في قوله: {ما هية} هاء الوقف على فتحة ~~الياء. # PageV06P274 # وقوله: (نار حامية) أي: حامية على الكفار محرقة لهم، والله أعلم. # PageV06P274 # بسم الله الرحمن الرحيم # {ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف تعلون (3) ثم كلا سوف ~~تعلمون (4) كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون الجحيم (6) ثم} # تفسير سورة التكاثر # وهي مكية # PageV06P275 # قول تعالى: {ألهاكم ### | التكاثر # } أي: شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد عما أمرتم به. # PageV06P275 # وقوله: {حتى زرتم المقابر} فيه قولان: أحدهما: حتى متم، والقول الثاني: ~~هو أنه تفاخر حيان من قريش، وهما بنو عبد مناف، وبنو الزهرة، وقيل: بنو ~~زهرة وبنو جمح - وهو الأصح - فعدوا الأحياء فكثرتهم بنو زهرة فعدوا الأموات ~~فكثرتهم بنو جمح، فهو معنى قوله تعالى: {حتى زرتم المقابر} أي: عددتم من في ~~القبور. # وروى شعبة، عن قتادة، عن مطرف بن ms1983 عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: ~~انتهيت إلى رسول الله وهو يقول: " ألهاكم التكاثر " قال: يقول ابن آدم: ~~مالي مالي، وما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت ~~فأمضيت؟ ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو محمد عبد الله بن محمد ~~الصريفيني المعروف بابن هزارمرد، أخبرنا أبو القاسم بن حبابة، أخبرنا ~~البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، عن شعبة. . الحديث، خرجه مسلم عن بندار، عن ~~غندر، عن شعبة. # PageV06P275 # وقوله تعالى: {كلا سوف تعلمون} تهديد ووعيد. # PageV06P275 # وقوله: {ثم كلا سوف تعلمون} تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد، والمعنى: ~~ستعلمون عاقبة تفاخركم وتكاثركم إذا نزل بكم الموت. # PageV06P275 # {لترونها عين اليقين (7) } # PageV06P276 # قوله تعالى: {كلا لو تعلمون عل اليقين} جوابه محذوف، والمعنى: كلا لو ~~تعلمون علم اليقين لارتدعتم عما تفعلون، وقيل: ما ألهاكم التكاثر. # PageV06P276 # وقوله: {لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين} قال بعضهم: الثاني تأكيد ~~للأول، والمعنى فيهما واحد، وقال بعضهم: لترون الجحيم عن بعد إذا أبرزت، ثم ~~لترونها عين اليقين إذا دخلتموها. # وعن قتادة قال: كنا نتحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد ~~الموت. # ويقال: لترون الجحيم في القبر، ثم لترونها عين اليقين في القيامة. # PageV06P276 # وقوله: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ~~النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله تعالى عباده يوم القيامة ~~فيم استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهم. # وعن ابن مسعود: أنه الأمن والصحة. # وعن قتادة: هو المطعم الهني والمشرب الروي. # وروى أبو هريرة مرفوعا إلى النبي " أنه الظل البارد والماء البارد ". # وروى عمر بن أبي سلمة أن النبي وأبا بكر وعمر أتوا منزل أبي الهيثم بن ~~التيهان، وأكلوا عنده لحما وتمرا، ثم قال النبي: " هذا من النعيم الذي ~~تسألون عنه ". # وروى أن عمر قال: " يا رسول الله، نسأل عن هذا؟ قال: نعم إلا كسرة يسد ~~الرجل بها جوعه، وخرقة يستر بها عورته، وحجرا يدخل فيه من الحر والقر ". # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ms1984 كل لذات الدنيا. # وعن بعضهم: النوم مع العافية. # PageV06P276 # {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم (8) } # وذكر أبو عيسى أخبارا في هذه، منها ما روينا من حديث مطرف، وقال: هو حديث ~~حسن صحيح، ومنها حديث المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، عن علي قال: ما زلنا ~~نشك في عذاب القبر حتى نزلت {ألهاكم التكاثر} . # قال أبو عيسى: وهو حديث غريب. # ومنها حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير بن ~~العوام، عن أبيه قال: " لما نزلت {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال الزبير: ~~يا رسول الله، وأي النعيم يسأل عنه، وإنما هما الأسودان: التمر والماء؟ ~~قال: أما إنه سيكون " قال: وهو حديث حسن. # وروى عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: " لما نزلت هذه ~~الآية: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال الناس: يا رسول الله، عن أي النعيم ~~نسأل، وإنما هما الأسودان، والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا؟ قال: إن ذلك ~~سيكون ". # روى عن الضحاك بن عبد الرحمن [بن] عرزم الأشعري قال: سمعت أبا هريرة ~~يقول: قال رسول الله: " إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة - يعني العبد من ~~النعيم - أن يقال له: ألم نصحح لك جسمك، ونروك من الماء البارد ". # قال: وهو حديث غريب، والله أعلم. # PageV06P277 # بسم الله الرحمن الرحيم # {والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) } # تفسير سورة العصر # وهي مكية # PageV06P278 # قوله تعالى: {والعصر إن الإنسان} قال ابن عباس: هو الدهر، وفيه العبرة ~~لمرور الليل والنهار أنهما على ترتيب واحد. # وعن الحسن وقتادة: أنه العشي. # قال الشاعر: # (تروح بنا عمر وقد قصر العصر ... وفي الروحة الأولى المثوبة والأجر) # و ### | العصر # ان: هما الليل والنهار، ويقال: هما الغداة والعشي. # وقال مقاتل: العصر هو صلاة العصر. # وعن بعضهم: أنه عصر النبي أقسم به، وحكى أن في حرف علي: " العصر ونوائب ~~الدهر إن الإنسان لفي خسر. # وهو فيه إلى آخر العمر ". # وقال الزجاج: والمعنى: ورب العصر. # وقوله: {إن الإنسان ms1985 لفي خسر} معناه: لفي غبن، ويقال: في شر، ويقال: في ~~هلاك، والخسران هو ذهاب رأس المال، ورأس مال الآدمي هو عمره ونفسه، فإذا ~~كفر فقد ذهب رأس ماله، والإنسان هو الكافر، وقيل: واحد بمعنى الجمع، وقيل: ~~هو في كافر بعينه، فقيل: إنه أبي بن خلف، وقيل: وليد بن المغيرة، وقيل: أبو ~~جهل بن هشام. # PageV06P278 # وقوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: بالطاعات. # وقوله: {وتواصوا بالحق} قال الحسن وقتادة: أي بالقرآن واتباعه، وقيل: ~~بالتوحيد. # وعن السدي: بالله أي: تواصوا بالله، وعن الفضيل بن عياض قال: يحث بعضهم ~~بعضا على طاعة الله. # PageV06P278 # وقوله: {وتواصوا بالصبر} عن المعاصي، وقيل: بالصبر على الطاعة، وقد ورد ~~خبر غريب برواية أبي أمامة أن قوله: {إن الإنسان لفي خسر} هو أبو جهل بن ~~هشام. # وقوله: {إلا الذين آمنوا} هو أبو بكر {وعملوا الصالحات} هو عمر {وتواصوا ~~بالحق} هو عثمان {وتواصوا بالصبر} هو علي، رضي الله عنهم. # PageV06P279 # بسم الله الرحمن الرحيم # {ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) ~~كلا لينبذن في الحطمة (4) وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة} # تفسير سورة الهمزة # وهي مكية، والله أعلم # PageV06P280 # قوله تعالى: {ويل لكل همزة} قد بينا معنى الويل. # وقوله: {همزة لمزة} قال ابن عباس: الهمزة الذي يطعن في الناس ويعيبهم، ~~واللمزة هو الذي يغتابهم ومثله عن مجاهد، وقيل على العكس، ف ### | الهمزة # هو المغتاب، واللمزة الذي يطعن في الناس، قاله السدي وغيره، وعن بعضهم: ~~أن الهمزة هو الذي يؤذي الناس بلسان أو يد، واللمزة هو الذي يؤذيهم بحاجب ~~(وعين) ، وهو قول غريب، وعن ابن عباس في رواية: أن الآية نزلت في الأخنس بن ~~شريق الزهري، وهو قول معروف، وأنشدوا في الهمزة واللمزة: # (تدلى بودي إذا لاقيتني كذبا ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة) # PageV06P280 # وقوله: {الذي جمع مالا وعدده} بالتشديد والتخفيف، فقوله: {جمع} بالتخفيف ~~معلوم، وبالتشديد فالمعنى: أنه جمع من كل وجه شيئا فشيئا. # وقوله: {وعدده} أي أعده لنفسه ولحوادثه، وقرئ: " وعدده " بالتخفيف، ~~ومعناه: جمع عددا أي: قوما ms1986 وأنصارا يتقوى بهم. # PageV06P280 # وقوله: {يحسب أن ماله أخلده} أي: يبقى حتى بقيته، قاله الحسن، وقال ~~بعضهم: أي: يمنع الموت عنه. # PageV06P280 # وقوله: {كلا لينبذن في الحطمة} هو اسم من أسماء جهنم، وقرأ ابن مصرف: # PageV06P280 # ( {6) التي تطلع على الأفئدة (7) إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) ~~" لينبذن في الحطمة " يعني: نفسه وماله، وسميت النار حكمة؛ لأنها تأكل كل ~~شيء. # يقال: رجل حطمة أي: أكول، وقيل: لأنها تكسر كل شيء من الحطم وهو الكسر. # PageV06P281 # وقوله: {وما أدراك ما الحطمة} قد بينا. # PageV06P281 # وقوله: {نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة} يعني: يصل ألمها ووجعها ~~إلى الفؤاد. # قال محمد بن كعب القرظي: تأكل النار أجسادهم، فإذا وصلت النار إلى القلب ~~أعيدوا كما كانوا، وتعود النار إلى أكلهم فهكذا أبدا. # PageV06P281 # وقوله: {إنها عليهم مؤصدة} قال ابن عباس وأبو هريرة: مطبقة، وقيل: مغلقة. # يقال: أصدت الباب أي أغلقته. # PageV06P281 # وقوله: {في عمد} وقرئ " في عمد ممددة " بفتح العين ورفعه، وقرأ الأعمش ~~وطلحة ويحيى بن وثاب: " بعمد ممدة " وهو معنى القراءة المعروفة، وعن بعضهم: ~~أن العمد الممدة هي الأغلال في أعناقهم، وعن بعضهم: [هو] القيود في أرجلهم، ~~وعن بعضهم: قيود على قبرهم من نار يعذبون فيها، وأولى الأقاويل هو أنها ~~مطبقة بعمد يعني: مسدودة لا يخرج منها غمر، ولا يدخلها روح. # وعن قتادة: يعذبون بالعمد، وهي جمع عمود. # وعن أبي جعفر القارئ: أنه بكى مرة حين قرئت هذه السورة عليه، فقيل له: ما ~~يبكيك يا أبا جعفر؟ قال: أخبرني زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون فذلك ~~أبكاني. # وقوله: {ممدة} وقيل: مطولة، ويقال: ممدودة. # وذكر النقاش في تفسيره: أنه يبقى رجل من المؤمنين في النار ألف سنة يقول: ~~يا حنان، يا منان، وهو في شعب من شعاب النار، فيقول الله لجبريل: أخرج عبدي ~~من النار، فيجيء جبريل - عليه السلام - فيجد النار مؤصدة أي: مطبقة، فيعود ~~ويقول: يا رب، إني وجدت النار مؤصدة، # PageV06P281 # فيقول: يا جبريل عد وفكها، وأخرج عبدي من النار، فيعود جبريل ويخرجه، وهو ~~مثل الخلال (أسود) فيلقيه ms1987 على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعرا ولحما ودما ~~ويدخله الجنة. # رواه عن سعيد بن جبير، وذكر أن النار تطبق عليهم لييأسوا من الخروج منها، ~~والله أعلم. # PageV06P282 # بسم الله الرحمن الرحيم # {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) } # تفسير سورة الفيل # وهي مكية # PageV06P283 # قوله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} الفيل دابة معلومة، ومعنى ~~قوله: {ألم تر} أي: ألم تعلم؟ وقيل: ألم تر آثار ما فعل ربك بأصحاب الفيل. ~~وأصحاب الفيل هم جند من الحبشة أميرهم أبرهة بن الصباح أبو يكسوم وقيل: ~~غيره. # غزوا الكعبة، وقصدوا تخريبها وهدمها، وأصح ما حكى في سببه أن أبرهة كان ~~نصرانيا بني بيعة بصنعاء اليمن، وزينها بالفاخر من الثياب والجواهر، وقال: ~~بنيت هذا، يحجه العرب وأكفهم عن حج الكعبة، وأمر الناس بذلك وأجبرهم عليه، ~~فجاء رجل من العرب - وقيل: إنه كان من بني كنانة - ودخل البيعة، وأحدث فيها ~~وهرب، فذكر ذلك لأبرهة فغضب غضبا شديدا وحلف بالنصرانية والمسيح ليغزون ~~الكعبة، وليهدمنها حجرا حجرا، ثم إنه غزا الكعبة مع جيش عظيم. # وفيه قصة طويلة، وساق مع نفسه فيلا يقال له: محمود، وقيل: كانت ثمانية من ### | الفيل # ة أكبرها هذا الفيل، ولقي في الطريق جندا من العرب وهزمهم، وقتل منهم حتى ~~أتى الطائف، ثم إنه توجه من الطائف إلى مكة، ودليله أبو رغال، فمات أبو ~~رغال في الطريق فقبره هو القبر الذي ترجمه العرب، وهو بين مكة والطائف، ~~ونزل أبرهة والجند بالمغمس، وسمع أهل مكة بذلك، وسيدهم يومئذ عبد المطلب بن ~~هاشم، وأغار الجند على ما وجدوا من أموال أهل مكة وإبلهم، وأخذوا مائتي ~~بعير لعبد المطلب ثم إنه جاء عبد المطلب، إلى أبرهة في طلب بعيره - وكان ~~رجلا جسيما وسيما - فلما رآه أبرهة أعجبه حسنه وجماله فقال: ما حاجتك؟ ~~فقال: أن ترد على إبلي. # فقال لترجمانه: قل # PageV06P283 # {ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) } له: أعجبني ما رأيت من هيئتك، ثم رغبت ~~عنك حين سمعت كلامك، فقال عبد المطلب: وما الذي رغب الملك عني؟ ms1988 فقال: جئت ~~لأهدم شرفك وشرف آبائك، فتركت ذكره وسألتني إبلا أخذت لك! فقال له عبد ~~المطلب: أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا يمنعه، فأمر برد الإبل عليه، فعاد عبد ~~المطلب، وأمر أهل مكة حتى تنصرف في رءوس الجبال، وقال: قد جاءكم مالا قبل ~~لكم به. # ثم أخذ عبد المطلب بحلقة الكعبة وقال: # (يا رب: لا أرجو لهم سواكا ... يا رب، فامنع منهم حماكا) # (إن عدو البيت من عاداك ... ) # ومن المعروف أيضا أنه قال: # (يا رب إن المرء يمنع ... حله فامنع حلالك) # (لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدا محالك) # والمحال: العقوبة. # (إن كنت تاركهم وكعبتنا ... فامر ما بدالك) # ثم خرج مع القوم وخلوا مكة، فروى أن الفيل كان إذا أحس التوجه قبل مكة ~~امتنع، فإذا وجه نحو اليمن أسرع وهرول، وحبس الله الفيل عن البيت، وهو معنى ~~ما ثبت عن النبي أنه قال يوم الحديبية حين بركت ناقته - وهي القصواء - وقال ~~الناس: خلأت القصواء فقال النبي: " لا، لكن حبسها حابس الفيل " ثم إن الله ~~تعالى بعث عليهم طيرا خرجت من قبل البحر، قال ابن عباس: لها خراطيم الطير ~~وأنف الكلاب، وقيل: كانت سوداء، وقيل: حمراء، ومع كل طير ثلاثة أحجار: ~~حجران في كفيه، وحجر في منقاره، وفي القصة: أن الحجر كان دون الحمص وفوق # PageV06P284 # {وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) فجعلهم كعصف ~~مأكول (5) العدس، فجاءت الطير ورمتهم بالأحجار، وفي القصة: أن الحجر كان ~~يصيب رأس الإنسان، فيخرج من دبره، فيسقط ويموت، وكان إذا وقع على جانب منه ~~خرج من الجانب الآخر، وهرب القوم وتساقطوا في الطريق. # وقيل: إن الحجر إذا أصاب الواحد منهم نفط موضعه وأصابه الجدري، فهو أول ~~ما رئى الجدري في ديار العرب، والله أعلم. # وأما أبرهة فتساقط في الطريق أنملة أنملة، ثم إنه انصدع صدره عن قلبه ~~ومات. # وعام الفيل هو العام الذي ولد فيه النبي، وقد قيل: إنه ولد بعد ذلك ~~بسنتين، والصحيح هو الأول، وقال أهل العلم: كان ذلك إرهاصا لنبوة النبي ~~وتأسيسا بها. # PageV06P285 # قوله ms1989 تعالى: {ألم يجعل كيدهم في تضليل} أي: أبطل مكرهم وسعيهم، ويقال: ~~قوله: {في تضليل} أي: ضل عنهم، وفاتهم ما قصدوا. # PageV06P285 # وقوله: {وأرسل عليهم طيرا أبابيل} قال أبو عبيدة: جماعات في تفرقة، وعند ~~أبي عبيدة والفراء: لا واحد لها، وعند الكسائي: واحدها: أبول مثل عجاجيل ~~وعجول. # ويقال: طيرا أبابيل أي: كثيرة، ويقال: أقاطيع يتبع بعضها بعضا. # PageV06P285 # وقوله: {ترميهم بحجارة من سجيل} قال ابن عباس: السجيل بالفارسية (سنك) ~~كل، ويقال: من سجيل من السماء، وهو اسم سماء الدنيا. # PageV06P285 # وقوله: {فجعلهم كعصف مأكول} العصف: هو ورق الزرع، ومعناه: كعصف قد أكل ما ~~فيه، وقيل: كل ثمره. # والمعنى: أن الله تعالى شبههم بالزرع الذي أكلته الدواب وراثته وتفرقت، ~~ولم يبق من ذلك شيء فشبه هلاكهم بذلك، والله أعلم. # PageV06P285 # بسم الله الرحمن الرحيم # {لإيلاف قريش (1) # تفسير سورة لإيلاف # وهي مكية # PageV06P286 # قوله تعالى: {لإيلاف ### | قريش} # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {لإيلاف قريش} قال: نعمتي على ~~قريش بإيلافهم رحلة الشتاء والصيف. # والإيلاف في اللغة هو ضد الإيجاش، وهو نظير الإيناس، فإن قال قائل: ما ~~معنى ابتداء السورة باللام؟ والجواب من وجهين: أحدهما أن معناه: اعجبوا ~~لإيلاف قريش وتركهم الإيمان بي، كأنه يذكر نعمته عليهم، ويذكر كفرانهم ~~لنعمته بترك الإيمان، والوجه الثاني أن معناه: أن هذا متصل في المعنى ~~بالسورة المتقدمة، وكأنه قال: {فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش} أي: ليبقى ~~لهم ما ألفوه من رحلتي الشتاء والصيف. # وذكر القتيبي في معنى السورة: أن القوم لم يكن لهم زرع ولا ضرع إلا ~~القليل، وكانت معايشهم من التجارة وكانت لهم رحلتان: رحلة في الصيف إلى ~~الشام، ورحلة في الشتاء إلى اليمن، وقيل: غير هذا، وكانوا إذا خرجوا من مكة ~~لا يتعرض لهم أحد، فإذا لقيهم قوم قالوا: نحن أهل الله فيكفون عنهم ولا ~~يحاجون. # وروى أنهم كانوا يقولون: نحن من حرم الله، فتقول العرب: هؤلاء أهل الله ~~فيكفون عنهم، وهو معنى قوله تعالى: {أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم} فذكر الله ms1990 تعالى في هذه السورة والسورة المتقدمة منته ~~عليهم في دفع أصحاب الفيل عنهم، ليبقى لهم ما ألفوه من التجارة في رحلتي ~~الشتاء والصيف. # وأما قريش: فهم أولاد النضر بن كنانة، فكل من كان من أولاد النضر بن ~~كنانة فهو # PageV06P286 # {إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم ~~من جوع وآمنهم من خوف (4) } قرشي واختلفوا في اشتقاق هذا الاسم، فقال ~~الأكثرون: سموا قريشا للتجارة، وكانوا أهل تجارة، والقرش: الكسب، يقال: كان ~~فلان يقرش لعياله ويقترش أي: يكتسب. # وعن ابن عباس: أنه سميت قريش قريشا بدابة تكون في البحر، يقال لها: ~~القرش، لا تمر بغث ولا سمين إلا أكلته وأنشدوا في ذلك: # (وقريش هي التي تسكن البحر ... وبها سميت قريش قريشا) # (تأكل الغث والسمين ولا تترك ... فيه لذي الجناحين ريشا) # (هكذا في البلاد هي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا) # (ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا) # PageV06P287 # وقوله: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع} قال ذلك لأنهم كانوا ~~يجلبون الطعام من المواضع البعيدة وكان هو الذي يسهل لهم ذلك، ويرزقهم ~~إياها بتيسير أسبابها لهم. # وقوله: {وآمنهم من خوف} أي: من خوف الغارة والقتل على ما قلنا، وقيل: من ~~خوف الجذام، والأصح هو الأول. # وفي بعض التفاسير: أن أول من جمع قريشا على رحلتي الشتاء والصيف هاشم بن ~~عبد مناف، وكانوا يأخذون في بضائعهم باسم الفقراء شيئا معلوما فإذا رجعوا ~~أعطوهم ذلك تقربا إلى الله. # وقال الشاعر في هاشم: # (عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف) # (الخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يصير فقيرهم كالكاف) # PageV06P287 # بسم الله الرحمن الرحيم # {أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام ~~المسكين (3) فويل للمصلين (4) } # تفسير سورة أرأيت # وهي مكية # وقيل: إنها مدنية، وقيل: نصفها مكية، ونصفها مدنية، فالنصف الأول إلى ~~قوله {فويل للمصلين} مكية، والنصف الباقي مدنية، والله أعلم. # PageV06P288 # قوله تعالى: {أرأيت الذي يكذب بالدين} أي: بالجزاء، وقيل: بالحساب، قاله ~~مجاهد، والمعنى: أرأيت من يكذب بالدين أمخطئ هو أم ms1991 مصيب؟ يعني: أنه مخطئ ~~فلا توافقه ولا تتبعه. # PageV06P288 # وقوله: {فذلك الذي يدع اليتيم} وورد في الحديث أن النبي قال: " من ضم ~~يتيما من بين المسلمين إلى نفسه، وجبت له الجنة ". # وقرئ في الشاذ: " يدع اليتيم " أي: يترك العطف عليه والرحمة له. # PageV06P288 # وقوله تعالى: {ولا يحض على طعام المسكين} قيل: لا يطعم بنفسه، ولا يأمر ~~به غيره. # PageV06P288 # قوله تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} قال قتادة: غافلون. # وروى المغيرة عن إبراهيم قال: مضيعون للوقت، وهذا قول معروف، وهو وارد عن ~~جماعة من التابعين، وذكروا أن المراد بالسهو هاهنا هو تأخير الصلاة عن ~~وقتها، والقول الثالث: وهو أن الآية وردت في المنافقين. # ومعنى قوله: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} يعني: أنهم إن صلوها لم يرجوا # PageV06P288 # {الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراءون (6) ويمنعون الماعون (7) ~~} ثوابا، وإن تركوها لم يخافوا عقابا. # قال ابن زيد: هم المنافقون صلوها، وليست الصلاة من شأنهم. # وروى الوالبي عن ابن عباس قال: هم المنافقون، كانوا إذا حضروا صلوها ~~رياء، وإذا غابوا تركوها. # وقال محمد بن كعب القرظي: هو المنافق، إذا رأى الناس صلى، وإذا لم ير ~~الناس لم يصل. # وقيل: ساهون أي: لاهون، والمعنى أنهم يشتغلون بغيره عنها. # PageV06P289 # وقوله: {الذين هم يراءون} قد بينا. # PageV06P289 # وقوله: {ويمنعون الماعون} قال علي: هو الزكاة، حكاه مجاهد عنه، وهذا ~~القول محكي أيضا عن الحسن وإبراهيم التيمي. # وقال ابن عباس: هو العارية، وسميت ماعونا: لأن الناس يعين بعضهم بعضا. # وقد ورد في الخبر: أنه مثل الماء والملح والفأس والقدر والمقدحة وما أشبه ~~ذلك. # وفي بعض الأخبار عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سألت النبي ما الذي لا ~~يحل منعه؟ قال: " الماء والملح والنار ". # وفي بعض الروايات زيادة: " والحجر والدلو ". # وحكى أبو الحسين بن فارس عن أبيه فارس، أن الماعون هو الماء، حكاه عن أهل ~~اللغة، وقد ذكره النحاس أيضا في كتابه. # وأنشدوا: # (يمج صبيرة الماعون مجا ... ) # وأنشدوا في الماعون بمعنى الزكاة: # (قوم على الإسلام لما يمنعوا ... ماعونهم ويضيعوا التهليلا) # PageV06P289 # بسم ms1992 الله الرحمن الرحيم # {إنا أعطيناك الكوثر (1) } # تفسير سورة الكوثر # وهي مكية # روى المختار بن فلفل عن أنس قال: " بينا رسول الله ذات يوم بين أظهرنا، ~~إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما، فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: ~~أنزلت علي آنفا سورة " فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أعطيناك الكوثر ~~فصلي لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر} ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ~~ورسوله أعلم. # قال: فإنه نهر وعدنيه ربي خيرا كثيرا، هو حوضي ترد عليه أمتي يوم ~~القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من ~~أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". # رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر عن المختار بن فلفل. # PageV06P290 # قوله تعالى: {إنا أعطيناك ### | الكوثر} # قد بينا. # وروى همام، عن قتادة عن أنس أن رسول الله قال: " بينا أنا أسير في الجنة ~~إذا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا ~~الكوثر الذي أعطاك ربك، فضرب الملك بيده، فإذا طينه مسك أذفر ". # قال رضي الله عنه: # PageV06P290 # {فصل لربك وانحر (2) } أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسن بن النقور، أخبرنا ~~أبو القاسم بن حبابة، أخبرنا البغوي، أخبرنا هدبة، عن همام. . الحديث. # وأخرجه البخاري عن هدبة، وذكره أبو عيسى في كتابه بروايته عن قتادة، عن ~~أنس قال: قال رسول الله: " بينا أنا أسير في الجنة إذا عرض [لي] نهر حافتاه ~~قباب اللؤلؤ، قلت للملك: ما هذا؟ قال هذا الكوثر الذي أعطاكه الله، قال: ثم ~~ضرب بيده إلى طينه فاستخرج مسكا، ثم رفعت لي (سدرة المنتهى) فرأيت عندها ~~نورا عظيما ". # قال: وهو حديث حسن صحيح، وروى أيضا بطريق [محارب] بن دثار عن عبد الله بن ~~عمر قال: قال رسول الله: " الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب ومجراه على ~~الدر والياقوت، [و] ترتبه أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من ~~الثلج ". # قال: هو حديث حسن. # وفي بعض التفاسير برواية عائشة - رضي الله عنها ms1993 - أن النبي قال: " من ~~أراد أن يسمع خرير الكوثر، فليدخل أصبعه في أذنه ". # وهو غريب جدا. # وفي الكوثر قول آخر، وهو أنه الخير الكثير، فهو فوعل من الكثرة، وقد أعطى ~~الله # PageV06P291 # {إن شانئك هو الأبتر (3) } رسوله محمدا من الخير ما لا يحصى ولا يعد كثرة ~~في الدنيا والآخرة، وقال الحسن البصري: هو القرآن، وقيل: العلم والقرآن. # PageV06P292 # وقوله: {فصل لربك وانحر} أي: صل الصلوات الخمس، وانحر البدن، وقيل: صل ~~بجمع، وانحر بمنى، قاله مجاهد وعطاء، وعن علي - رضي الله عنه - أن معنى ~~قوله: {وانحر} هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة على النحر. # وقيل: وانحر واستقبل القبلة بنحرك. # قال الشاعر: # (أبا حكم هل أنت عم مجالد ... وسيد أهل الأبطح المتناحر) # أي: المتقابل. # وروى مقاتل بن حيان، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - قال: " لما نزلت على النبي {إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر} قال ~~النبي لجبريل - عليه السلام -: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ قال: ~~إنها ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا (تحرمت) بالصلاة، أن ترفع يديك إذا ~~كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، فإنها من صلاتنا وصلاة ~~الملائكة في السموات السبع. # وعن محمد بن كعب القرظي: أن قوما كانوا يصلون وينحرون # PageV06P292 # لغير الله، فقال الله تعالى: {فصل لربك وانحر} أي: اجعل صلاتك ونحرك لله. # PageV06P293 # وقوله: {إن شانئك هي الأبتر} أكثر المفسرين أن المراد به هو العاص بن ~~وائل السهمي، كان إذا ذكر له رسول الله قال: دعوا ذكره، فإنه أبتر يعني: ~~أنه لا ولد له، فإذا مات انقطع ذكره، واسترحتم منه، وكانت قريش تقول لمن ~~مات ابنه، أو لم يكن له ابن: أبتر. # فقال الله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} يعني: مبغضك هو الأبتر أي: الذي ~~انقطع خيره وذكره في الدنيا والآخرة والبتر هو القطع. # وقيل إن الآية في عقبة بن أبي معيط وقيل: إن المراد به كعب بن الأشرف، ~~قدم مكة، فقالت له قريش: ما تقول أيها الحبر في هذا (الصنبور) ms1994 ؟ أهو خير أم ~~نحن؟ إنه سب ألهتنا، وفرق جمعنا، ونحن أهل حرم الله وحجيج بيته وسدنته، ~~فقال: بل أنتم خير منه، فأنزل الله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} فيه. # PageV06P293 # بسم الله الرحمن الرحيم # {قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد ~~(3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم} # تفسير سورة {قل يا أيها الكافرون} # وهي مكية # PageV06P294 # قوله تعالى: {قل يا أيها ### | الكافرون} # قال المفسرون: لما قرأ رسول الله سورة والنجم، وألقى الشيطان على لسانه ~~عند ذكر أصنامهم: وإن شفاعتهن لترتجى، فقال الكفار: يا محمد، نصطلح تعبد ~~آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، ونعظم إلهك، وتعظم آلهتنا، وذكروا من هذا ~~النوع شيئا كثيرا، فحزن النبي لمقالتهم، ورجع إلى بيته حزينا، فأنزل الله ~~تعالى هذه السورة، وهي {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} أي: اليوم. # PageV06P294 # {ولا أنتم عابدون ما أعبد} اليوم. # PageV06P294 # {ولا أنا عابد ما عبدتم} في المستقبل. # PageV06P294 # {ولا أنتم عابدون ما أعبد} في المستقبل. # PageV06P294 # {لكم دينكم ولي دين} لكم جزاء عملكم، ولي جزاء عملي. # قالوا: وهذا في قوم بأعيانهم، منهم الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، ~~والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وقد كان الله أخبر أنهم يموتون على ~~الكفر. # وقيل: إن هذه السورة نزلت قبل آية السيف، ثم نسخت بأية السيف. # وقد ورد في الخبر: أن قراءة هذه السورة براءة من الشرك. # روى أبو خيثمة، عن ابن إسحاق، عن فروة بن نوفل، عن أبيه أنه أتى النبي ~~وقال: جئت يا رسول الله لتعلمني شيئا أقوله عند منامي، فقال: " إذا أخذت ~~مضجعك فاقرأ: {قل يا أيها الكافرون} ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من ~~الشرك ". # وعن # PageV06P294 # {ولي دين (6) } بعضهم قال: " كنت أمشي مع النبي في ليلة ظلماء، فسمع رجلا ~~يقرأ: {قل يا أيها الكافرون} فقال: أما هذا فقد برئ من الشرك، وسمع رجلا ~~يقرأ: {قل هو الله أحد} فقال: أما هذا فقد غفر له ". # وفي السورة سؤال معروف، وهو السؤال ms1995 عن معنى التكرير؟ وقد أجبنا، ويقال: ~~إنهم كرروا عليه الكلام مرة بعد مرة، فكرر الله تعالى عليهم الإجابة. # وفي السورة سؤال آخر، وهو في قوله: {قل} كيف قرئت هذه الكلمة، وهي أمره ~~بالقراءة؟ وكذلك في قوله: {قل هو الله أحد} . # والجواب عنه: أن قوله: {قول يا أيها الكافرون} جميعه قرآن، ونحن أمرنا ~~بتلاوة القرآن على ما أنزل، فنحن نتلو كذلك. # وفي السورة سؤال ثالث وهو أنه قال: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} ولم يقل: ~~من أعبد؟ # والجواب عنه أنه قال ذلك على موافقة قوله: {ولا أنا عابد ما عبدتم} وقد ~~قيل: إن " ما " بمعنى " من " هاهنا، والله أعلم # PageV06P295 # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) } # تفسير سورة النصر # وهي مدنية # PageV06P296 # قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح} أجمعوا على أن الفتح هو فتح مكة، ~~وقيل: إن ### | النصر # فيه أيضا، ويقال: إن النصر هو يوم الحديبية، والأول هو الأظهر والأشهر. # PageV06P296 # وقوله: {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} أي: زمرا زمرا، وفوجا ~~فوجا. # وفي التفسير: أن رسول الله لما فتح مكة قال المشركون: إن محمدا قد نصره ~~الله على قريش، وهم أهل الله وأهل حرمه، فقد منع الله الفيل عنهم فلا يدان ~~لأيد [أحد] بمحمد يعني: لا قوة، فدخلوا في دينه أفواجا وكانت القبيلة ~~بأسرها تسلم، ووفد عليه الوفود من الجوانب، ودخل أكثر ديار العرب في ~~الإسلام، ولم يبق إلا القليل، وقد كان قبل ذلك يدخل الواحد والاثنان على ~~خوف شديد، فهو معنى قوله تعالى: {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} . # PageV06P296 # وقوله: {فسبح بحمد ربك} أي: صل حامدا لربك. # والأصح أن معناه: {اذكره بالتحميد والشكر لهذه النعمة العظيمة، فإن ~~التسبيح هو بمعنى الذكر فصار معنى الآية على هذا: فاذكر ربك بالتحميد ~~والشكر. # وقوله: {واستغفره} أي: اطلب التجاوز والعفو عنه. # وقوله: {إنه كان توابا} أي: توابا على عباده، ويقال: التواب هو المسهل ~~لسبيل التوبة، ويقال: ms1996 هو القابل لها. # PageV06P296 # وقد ثبت عن ابن عباس أن في الصورة نعي النبي إلى نفسه، وأمره بالتسبيح ~~والاستغفار ليكون؛ آخر أمره وخاتمة عمله على زيادة الطاعة والذكر لله. # وورد أيضا أن عمر - رضي الله عنه - كان إذا حضر المهاجرين واستشارهم في ~~شيء، أحضر معهم عبد الله بن عباس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن لنا أولادا ~~مثله - يعني أنك لا تحضرهم - فقال: إنه من حيث تعلمون، ثم إنه سألهم مرة عن ~~هذه السورة فقالوا: إن الله تعالى أمر رسول الله بالتسبيح والاستغفار حين ~~جاءه الفتح، ودخل الناس في الدين أفواجا، فسأل عبد الله بن عباس عن معنى ~~السورة فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى نعى إلى رسول الله نفسه بهذه ~~السورة، وأمره بزيادة العمل والذكر؛ ليكون خاتمة عمره عليه فقال لسائر ~~المهاجرين: إنما أحضره لهذا وأمثاله، أو كلام هذا معناه، واللفظ المذكور في ~~الصحيح في هذا الخبر أن ابن عباس قال: إنما هو أجل رسول الله أعلمه إياه ~~فقال له عمر: والله لا أعلم منها إلا ما تعلم. # وقيل: إن السورة نزلت في أوسط أيام التشريق. # وقيل: إن رسول الله لم يعش بعد هذه السورة إلا ثمانين ليلة. # وقد قيل: إنها آخر سورة نزلت من القرآن كاملة، والله أعلم. # PageV06P297 # بسم الله الرحمن الرحيم # {تبت يدا أبي لهب وتب (1) } # تفسير سورة تبت # وهي مكية # PageV06P298 # قوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب} سبب نزول هذه السورة هو ما روى أبو ~~معاوية [الضرير محمد بن خازم] عن الأعمش، عم عمرو بن مرة، عن سعيد ابن ~~جبير، عن ابن عباس أن النبي صعد ذات يوم الصفا وقال: " يا صباحاه " فاجتمعت ~~قريش فقالوا له: مالك؟ فقال: " (أرأيتم) لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ~~ممسيكم، أما (تصدقونني؟) " قالوا: بلى. # قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا ~~دعوتنا جميعا فأنزل الله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب} إلى آخر السورة ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو محمد المكي ms1997 بن عبد الرزاق، ~~أخبرنا جدي أبو الهيثم، أخبرنا الفربري، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا ~~(محمد) بن سلام، عن [أبي] معاوية. . الحديث # PageV06P298 # {ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى نارا ذات لهب (3) } # قوله: {وتب} قال مقاتل وغيره: خسرت، والتباب في اللغة هو الهلاك، وهو ~~الخسران أيضا. # قال الفراء: الأول دعاء، والثاني إخبار، فالأول هو قوله {تبت يدا أبي ~~لهب} والثاني قوله: {وتب} على ما معنى الخبر أي: وقد خسر وهلك، وفي قراءة ~~ابن مسعود: " وقد تبت ". # PageV06P299 # وقوله: {ما أغنى عنه ماله وما كسب} أي: لا يدفع عنه ماله وولده شيئا من ~~عذاب الله، فيكون قوله: {وما كسب} بمعنى وما ولد على هذا القول. # قال أبو جعفر النحاس: ويبعد أن تكون ما بمعنى من في اللغة. # فقوله: {وما كسب} أي: وما كسب من جاء وما يشبهه وأما أبو لهب فهو عم ~~النبي واسمه عبد العزي، ويقال: سمي أبو لهب لتلهب وجهه حسنا. # وذكره الله تعالى بكنيته؛ لأنه كان معروفا بذلك أو لأن اسمه كان عبد ~~العزي فكره أن تنسب عبوديته إلى غيره. # وفي تفسير النقاش: أن أبا لهب انتفى بني هاشم، وانتسب إلى أبي أمية، ~~وقال: لا أكون من قوم فيهم كذاب مثل محمد. # ومن المعروف عن طارق المحاربي أنه قال: " كنت بسوق ذي المجاز فإذا أنا ~~بشاب يقول: أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وإذا الرجل خلفه ~~يرميه بالحجر، وقد أدمى (عقبيه) ، وهو يقول: أيها الناس، لا تصدقوه فإنه ~~كذاب. # قال: فسألت عنهما، فقيل: إن الشاب محمد، والرجل الذي خلفه عمه أبو لهب ". # PageV06P299 # {وامرأته حمالة الحطب (4) في جيدها حبل من مسد (5) } . # ويقال في قوله: {ما أغنى عنه ماله} : أي: أي شيء أغنى عنه ماله {وما كسب} ~~إذا دخل النار؟ . # PageV06P300 # وقوله: {سيصلى نارا ذات لهب} يقال: صلى الشيء إذا قاسى شدته وحره. # ويقال: صليته أي شويته، ومنه: شاة مصلية أي مشوية والمعنى: سوف يصلى أي ~~يدخل نارا ذات لهب أي: ذات التهاب وتوقد. # وقوله: {وامرأته} أي: تصلى امرأته أيضا. # PageV06P300 # وقوله: ms1998 {حمالة الحطب} فيه قولان: أحدهما: ما رواه الضحاك عن ابن عباس ~~أنها كانت تحمل الشوك فتلقيه على طريق النبي لتعقر رجله. # قال عطية: كانت تلقى العضاة في طريق النبي. # وكانت كالكثيب من الرمل لقدم النبي، والقول الثاني: أن قوله: {حمالة ~~الحطب} معناه: الماشية بالنميمة. # قال الشاعر: # (إن بني الأجرم حمالوا الحطب ... هم الوشاة في الرضا وفي الغضب) # (عليهم اللعنة تترى والحرب ... ) # وامرأته هي أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان. # وقد قرئ: " حمالة الحطب " بالنصب فالبرفع على معنى حمالة الحطب، وبالنصب ~~على معنى أعني حمالة الحطب. # PageV06P300 # وقوله: {في جيدها حبل من مسد} فيه قولان: أظهرهما أنه السلسلة التي ذكر ~~الله تعالى في كتابه: {في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا} والمسد هو الفتل ~~والإحكام قال: لأنه أحكم من الحديد، والقول الثاني: إن المراد من الآية ~~أنها كانت تحمل الحطب بحبل من مسد في عنقها فذكر الله تعالى ذلك على أحد ~~وجهين: إما # PageV06P300 # لبيان تخسيسها وتحقيرها، أو لأنها عيرت رسول الله بالفقر فابتلاها الله ~~تعالى بما هو من عمل الفقراء، وقيل: حبل من مسد أي: حبل من شعر أحكمت فتله، ~~وقيل: من ليف أحكم فتله. # وروى " أن هذه السورة لما نزلت وسمعتها امرأة أبي لهب أخذت (فهرا) بيدها، ~~وجاءت تطلب النبي وتقول: # (مذمم أبينا ... ودينه قلبينا ... وأمره عصينا ... ) # وتعني بمذمم محمدا - عليه الصلاة والسلام - لأن كفار قريش كانوا يشتمونه ~~مذمما، فلما جاءت، قال أبو بكر للنبي: إن هذه المرأة قد جاءت، فقال: إنها ~~لا تراني فدخلت ولم تر رسول الله، فقالت لأبي بكر: أين صاحبك؟ فقال: ما ~~شأنك؟ فقالت: بلغني أنه هجاني، فجئت لأكسر رأسه بهذا الحجر، فقال أبو بكر: ~~إنه ما هجاك، فرجعت وعثرت في مرطها، فقالت: تعس مذمم ومضت ". # PageV06P301 # بسم الله الرحمن الرحيم # {قل هو الله أحد (1) } . # تفسير سورة الإخلاص # وهي مدنية # وقيل: إنها مكية # يزيد بن كيسان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: " احشدوا أقرأ عليكم ~~ثلث القرآن فخرج رسول الله، فقرأ عليهم: {قل هو الله أحد} ms1999 ثم دخل بيته قال: ~~فقال القوم: قال لنا رسول الله: احشدوا أقرأ عليكم ثلث القرآن فقرأ: {قل هو ~~الله أحد} ثم دخل، ما هذا إلا شيء؟ قال: فسمعها فخرج إلينا فقال: إن هذه ~~السورة تعدل ثلث القرآن " رواه مسلم في كتابه عن محمد بن حاتم ويعقوب ~~الدورقي، عن يحيى بن سعيد، عن (يزيد) بن كيسان. . الحديث. # وروى إسماعيل بن أبي (زياد) عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: دخلت ~~اليهود على نبي الله فقالوا: يا محمد، صف لنا ربك، وانسبه لنا فقد وصف نفسه ~~في التوراة ونسبها فارتعد رسول الله حتى خر مغشيا عليه، فقال: " كيف ~~تسألونني عن صفة ربي ونسبه، ولو سألتموني أن أصف لكم الشمس لم أقدر عليه "، ~~فهبط جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد، قل لهم: الله أحد الله الصمد لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أي: ليس بوالد ولا بمولود، وليس له # PageV06P302 # {الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) } . شبيه من خلقه ". # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث الشيخ العفيف أبو علي بن بندار ~~بهمدان بإسناده عن إسماعيل بن أبي زياد. . الحديث. # وفي بعض (الأخبار) : أن سورة قل يا أيها الكافرون وسورة قل هو الله ~~أحدهما المقشقشتان أي: تبرئان من الشرك والنفاق، ويقال: قشقش المريض من ~~علته إذا برأ، وسميت السورة سورة الإخلاص لأنه ليس فيها إلا وصف الرب عن ~~اسمه وليس فيها أمر ولا نهى ولا وعد ولا وعيد. # وذكر أبو عيسى الترمذي في كتابه برواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن ~~أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا: يا رسول الله، انسب ~~لنا ربك، فأنزل الله تعالى: {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد} ~~لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ~~ولا يورث، {ولم يكن له كفوا أحد} قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله ~~شيء. # PageV06P303 # قوله تعالى: {قل هو الله أحد} أي: ms2000 قل هو الله الواحد، أحد بمعنى الواحد، ~~وقد فرق بين الأحد والواحد. # وقيل: إن الأحد أبلغ من الواحد، يقال: فلان لا يقاومه أحد نفيا للكل، ~~ويقال: لا يقاومه واحد، ويجوز أن يقاومه اثنان، وأيضا فإن الواحد يكون الذي ~~يليه الثاني والثالث في العدد، والأحد لا يكون بمعنى هذا الحال، وأكثر ~~المفسرين أنه بمعنى الواحد. # وقوله: {هو} الابتداء فيه اسم مضمر، كأنه أشار إلى أن الذي سألتموني عنه ~~هو الله الواحد، فيكون قوله: {الله أحد} تبيينا وكشفا لاسم المضمر في قوله: ~~{هو} . # PageV06P303 # وقوله: {الله الصمد} فيه أقوال: أحدها: أنه الذي يصمد إليه في الحوائج، ~~والآخر: أنه هو الذي انتهى في السؤدد وبلغ كماله. # قال الشاعر: # (ألا بكر الناعي بخير لي بني أسد ... بعمر وابن مسعود وبالسيد الصمد) # PageV06P303 # {ولم يكن له كفوا أحد (4) } . # وقال آخر: # (علوته بحسام ثم قلت له ... خذها حذيف فأنت السيد الصمد) # والقول الثالث: أنه الذي ليس له جوف أي لا يأكل، والقول الرابع: أن ~~تفسيره قوله: {لم يلد ولم يولد} وقيل: إنه الباقي الذي لا يفنى، وقيل: إنه ~~الدائم الذي لا يزول. # PageV06P304 # وقوله: {لم يلد ولم يولد} أي: ليس له والد ولا ولد. # وقيل: إنه نفي لقول اليهود والنصارى: عزير بن الله، والمسيح ابن الله، ~~ونفي لقول المشركين: إن الملائكة بنات الله. # فهذا كله في قوله: {لم يلد} . # وقوله: {ولم يولد} فيه نفي لقول النصارى: إن مريم - عليها السلام - ولدت ~~إلها، وهو المسيح. # PageV06P304 # وقوله: {ولم يكن له كفوا أحد} أي لم يكن أحد نظيرا له ولا شبيها، فهو على ~~التقديم والتأخير كما ذكرنا، ومعنى أحد في آخر السورة غير معنى أحد في أول ~~السورة. # PageV06P304 # بسم الله الرحمن الرحيم # {قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) } . # تفسير سورة الفلق # وهي مكية # PageV06P305 # قوله تعالى: {قل أعوذ برب ### | الفلق # } فيه أقوال: أحدها - وهو الأظهر -: أن الفلق هو الصبح، قال الله تعالى: ~~{فالق الإصباح} ، والقول الثاني: أنه جميع الخلق، والقول الثالث: أنه بيت ~~في النار، إذا ms2001 فتح بابه صاح أهل جهنم من شدة حره، قاله كعب الحبر، والقول ~~الرابع: جب في جهنم، قاله مجاهد. # PageV06P305 # وقوله: {من شر ما خلق} أي: من شر جميع ما خلق. # PageV06P305 # وقوله: {ومن شر غاسق إذا وقب} فيه أقوال أيضا: أحدها: من شر الليل إذا ~~أظلم، فالغاسق هو الليل، قاله الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة، ويقال: من شر ~~الليل إذا أقبل. # يقال: وقب: دخل، وقيل: أقبل، ومعنى الاستعاذة من الليل؛ (لأن) فيه يكون ~~تحرك الهموم وهجوم كل ذي شر بقصد، والقول الثاني: أن قوله: {ومن شر غاسق ~~إذا وقب} هو القمر، وفيه خبر معروف روى ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد ~~الرحمن، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: " أخذ رسول الله بيدي، وأشار إلى ~~القمر وقال: تعوذي بالله من شر هذا، هو الغاسق إذا وقب ". # وذكره أبو عيسى # PageV06P305 # {ومن شر النفاثات في العقد (4) ومن شر حاسد إذا حسد (5) } . في جامعه ~~وقال: هو حديث صحيح. # قال النحاس: يجوز أن تكون الاستعاذة من القمر، لأن قوما أشركوا بسببه، ~~فنسب إليه الاستعاذة على المجاز. # قال القتيبي: من شر غاسق إذا وقب: هو القمر إذا دخل في شاهوره - أي: في ~~غلافه - وهو إذا غاب. # وذكر بعضهم: أن الاستعاذة من القمر؛ لأن أهل البرية يتحينون وجه القمر - ~~أي غروبه - وهم اللصوص وأهل الشر والفساد، والقول الثالث: أن الغاسق هو ~~الثريا. # وقوله: {إذا وقب} إذا غاب، وذكر ذلك إذا غاب الثريا ظهرت العاهات ~~والبلايا، وإذا طلع الثريا رفعت العاهات والبلايا. # وقد ورد عن النبي أنه قال: " إذا طلع النجم رفعت العاهة عن كل بلد ". # وذلك مثل الوباء والطواعين والأسقام وما يشبهها. # وقيل: " من شر غاسق إذا وقب " أي: من شر الشمس إذا غربت. # وذكر النقاش بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: من شر غاسق إذا ~~وقب: من شر الذكر إذا دخل، قال النقاش: فذكرت ذلك لمحمد بن إسحاق بن خزيمة، ~~وقلت: هل يجوز أن تفسر القرآن بهذا؟ ! قال: نعم، قال النبي: " أعوذ بك من ~~شر ms2002 منيى "، وهو خبر معروف، وهو أن النبي قال: " أعوذ بك من شر سمعي ومن شر ~~بصري " فعدد أشياء، وقال في آخرها: ومن شر منيى ". # PageV06P306 # وقوله: {ومن شر النفاثات في العقد} أي: السواحر، والنفث هو النفخ بالفم، # PageV06P306 # والتفل هو إذا كان معه ريق. # PageV06P307 # وقوله: {ومن شر حاسد إذا حسد} الحسد هو تمني زوال النعمة عن المنعم عليه، ~~وقد ذكرنا في الحسد أشياء من قبل، وقيل: من شر حاسد إذا حسد أي: إذا ظلم. # واعلم أن المفسرين قالوا: إن هذه السورة والتي تليها نزلتا حين سحر ~~النبي، سحره لبيد بن أعصم اليهودي. # والنفاثات في العقد يقال: إنهن بناته. # وكان لبيد قد سحر النبي، وجعل ذلك في بئر (ذي أروان) (فاعتل) النبي، ~~واشتدت علته وكان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، ثم إن جبريل - عليه ~~السلام - أنزل المعوذتين. # وروى أنه قال لعائشة: " هنا [و] أنا نائم نزل علي ملكان، فقعد أحدهما عند ~~رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما حال الرجل؟ فقال: مطبوب، ~~فقال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي، فقال: وأين ذلك؟ فقال: في مشط ~~ومشاطة تحت راعونة في بئر (ذي أروان) ، ثم إن النبي بعث علينا، وقيل: إنه ~~بعث عمارا، وقيل: بعث أبا بكر وعمر حتى استخرجوا ذلك السحر، وأنزل الله ~~تعالى هاتين السورتين، وكان على ذاك الشيء [إحدى عشرة] عقدة، فقال له ~~جبريل: اقرأ آية فانحلت عقدة، وكان كلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت ~~العقد كلها، وقام النبي كأنما أنشط من عقال ". # PageV06P307 # بسم الله الرحمن الرحيم # {قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر الوسواس ~~الخناس (4) الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6) } . # تفسير سورة الناس # وهي مدنية # PageV06P308 # قوله تعالى: {قل أعوذ برب ### | الناس # ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس} هو الشيطان، والمعنى من شر ~~الشيطان ذي الوسواس، ويقال: سمى وسواسا؛ لأنه يجثم، فإن ذكر العبد ربه خنس ~~_ أي تأخر - وإن لم يذكر: وسوس. # وفي رواية: التقم ووسوس أي القلب. ms2003 # وفيه خبر صحيح على هذا المعنى. # وقوله: {الخناس} معناه ما قلنا يعني: إذا ذكر العبد ربه وسبح رجع أي: ~~تأخر وخنس وتنحى. # PageV06P308 # وقوله: {الذي يوسوس في صدور الناس} هو الشيطان. # PageV06P308 # وقوله: {من الجنة} أي: من الجن. # وقوله: {والناس} أي: ومن الناس. # والمعنى: أنه أمره بالاستعاذة من شياطين الجن والإنس، والشيطان كل متمرد ~~سواء كان جنيا أو إنسيا، وقد ورد في الأخبار المعروفة " أن النبي كان إذا ~~أراد أن ينام قرأ سورة الإخلاص والمعوذتين، وينفث في كفيه، ثم يمسح بكفيه ~~ما استطاع من جسده، ويبدأ بوجهه ورأسه ". # وروى أنه كان يعوذ بهما الحسن والحسين - رضي الله عنهما - وذكر أبو عيسى ~~الترمذي برواية إسماعيل بن أبي خالد قال: حدثني قيس بن أبي حازم، عن عقبة ~~بن عامر الجهني، # PageV06P308 # عن النبي أنه قال: " قد أنزل الله تعالى علي آيات لم ير مثلهن {قل أعوذ ~~برب الناس} إلى آخر السورة، و {قل أعوذ برب الفلق} إلى آخر السورة " قال: ~~وهو حديث حسن صحيح. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبد الله بن ~~أحمد أخبرنا أبو العباس بن سراج السبخي، أخبرنا أبو العباس بن محبوب أخبرنا ~~أبو عيسى الحافظ، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا يحيى بن سعيد القطان، عن ~~إسماعيل بن أبي خالد. . الحديث. # فإن قال قائل: لم لم يكتب ابن مسعود هاتين السورتين في مصحفه؟ وهل يجوز ~~أن يشتبه على أحد أنهما من القرآن أو ليستا من القرآن؟ والجواب عنه: أن ~~حماد بن سلمة روى عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: ~~إن ابن مسعود لم يكتب في مصحفه المعوذتين! فقال أبي: قال رسول الله: " قال ~~جبريل - عليه السلام - {قل أعوذ برب الفلق} فقلتها، وقال {قل أعوذ برب ~~الناس} فقلتها " فنحن نقول: يقول رسول الله. # كأن أبيا وافق ابن مسعود. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسين بن النقور، أخبرنا أبو ~~القاسم بن حبابة، أخبرنا البغوي، أخبرنا هدبة، عن حماد ms2004 بن سلمة. # الحديث خرجه مسلم في الصحيح فيجوز أن ابن مسعود وأبيا من كثرة ما سمعا ~~النبي يقرأ هاتين السورتين ويتعوذ بهما ظنا أنهما عوذة، فلم يثبتاهما في ~~المصحف، وقد قيل: إنهما مكتوبتان في مصحف أبي. # PageV06P309 # وذكر بعضهم أن عبد الله بن مسعود لم يشتبه عليه أنهما من القرآن، ولكن لم ~~يكتبهما لشهرتهما، كما ترك كتبة سورة الفاتحة لشهرتها، والله أعلم وأحكم ~~بالصواب، وإليه المرجع والمآب. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين وسلم تسليما كثيرا. PageV06P310 ms2005