######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002544Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: السمعاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 489 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تفسير السمعاني #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التفسير عند السنة #META# 022.BookVOLS :: 6 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002544Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2544_تفسير-السمعاني-السمعاني-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: ياسر بن إبراهيم و غنيم بن عباس بن غنيم #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1418 - 1997م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ~~والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين، ولا عدوان إلا على الظالمين، اللهم ~~بارك ووفق. # القول في تفسير فاتحة الكتاب قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد جمال الأئمة، ~~أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني رحمه الله تعالى: اعلم أن لهذه السورة ~~أربعة أسامي: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني، والسبع من ~~المثاني، برواية عبد خير، عن علي رضي الله عنه. # أما فاتحة الكتاب فلأن بها افتتح الكتاب وهو القرآن. # وأما أم القرآن لأنها أصل القرآن، منها بدئ القرآن. وأم الشيء: أصله، ~~ومنه يقال لمكة: أم القرى؛ لأنه أصل البلاد. # وأما السبع المثاني لأنها سبع آيات باتفاق الأئمة؛ إلا في رواية شاذة ~~أنها ثمان آيات. وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة. # وقال مجاهد: إنما سميت مثاني؛ لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة، كأنه ~~أوحى بها لهم، ولم يعطها أحدا من الأمم. # وأما السبع من المثاني ففيه قولان: أحدهما: أنها سبع آيات مخصوصة من ~~المثاني وهو القرآن، قال الله تعالى: * (كتابا متشابها مثاني). # وإنما سمى القرآن مثاني؛ لاشتماله على علوم مثناة من الوعد والوعيد، ~~والأمر والنهى، ونحوها. # والثاني: أن السبع من المثاني هو السبع المثاني؛ و ' من ' فيه للصلة، ~~وإنما نشأ هذا الخلاف من قوله تعالى: * (ولقد آتيناك سبعا من المثاني). # ثم اعلم أن هذه السورة مكية على قول ابن عباس، وقال مجاهد: هي مدنية. # وقيل: نزلت مرتين مرة بمكة، ومرة بالمدينة؛ ولذلك سميت مثاني؛ لأنها ثنيت ~~في التنزيل، وهذه رواية غريبة. PageV01P031 # * (بسم الله) * * قوله: * (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من الفاتحة على ~~قول بعض العلماء، وهو مروى عن ابن عباس وأم سلمة. # وليس بآية منها على قول البعض. وهذا مذكور بدليله في الفقه. ثم اعلم أن ~~الباء في قوله: * (بسم الله) أداة يخفض ما بعدها من الكلام، مثل: من، عن، ~~وفي، وعلى، وأمثالها. # والمعنى المتعلق بالباء لدلالة الكلام عليه، وتقديره: ' أبدأ بسم الله '، ~~أو: ' بدأت بسم الله '. # وقوله: * (بسم ms0001 الله) أصله باسم الله، كقوله: * (اقرأ باسم ربك)، وإنما ~~حذف الألف في الكتابة؛ لأنه (لا يظهر) في اللفظ. # وقيل: إنما حذفت لكثرة الاستعمال تخفيفا؛ ولأنه كثر استعمالها؛ فاستخفوا ~~حذفها، بخلاف قوله: * (اقرأ باسم ربك)، ونظائره لأن هناك لم يكثر ~~الاستعمال. # ثم اختلفوا في اشتقاق الاسم. قال المبرد وجماعة البصريين: الاسم مشتق من ~~السمو، وهو العلو والظهور، فكأنه ظهر على معناه وعلا عليه، وصار معناه ~~تحته. # وقال ثعلب من الكوفيين: هو مشتق من الوسم والسمة، فكأنه علامة لمعناه. ~~والأول أولى؛ لأن الاسم يصغر على المسمى. ولو كان مشتقا من السعة، لكان ~~يصغر على الوسم، كما يقال في الوصل: وصيل، وفي الوعد: وعيد. # وأما قوله: * (الله) تعالى فقد اختلفوا فيه، فقال الخليل، وابن كيسان هو ~~اسم علم خاص لله تعالى لا اشتقاق له، وهو كأسماء الأعلام للعباد، مثل: ~~PageV01P032 # * (الرحمن الرحيم (1)) * * زيد، وعمرو، ونحوه. وهو اختيار القفال الشاشي، ~~وجماعة من أهل العلم. # وقال الباقون: هو اسم مشتق، [و] في موضع الاشتقاق قولان: أحدهما: أنه ~~مشتق من قولهم: أله إلاهة، أي: عبد عبادة. وقرأ ابن عباس: ' ويذرك وإلاهتك ~~' أي: عبادتك. # ويقال للناسك المتعبد مثأله، ومنه قول القائل: # (سبحن واسترجعن من تأله *) أي: تعبد، فيكون معناه أنه المستحق للعبادة، ~~إليه توجه كل العبادات، وأنه المعبود فلا يعبد غيره. # وقيل: الإله من يكون خالقا للخلق، رازقا لهم، مدبرا لأمورهم، مقتدرا ~~عليهم. # والثاني: أن ' الله ' أصله إله، وأصل الإله: ولاه؛ إلا أن الواو أبدلت ~~بالهمزة. كقولهم: وشاح وإشاح. # واشتقاقه من الوله، وكأن العباد يولهون الله، ويفزعون إليه ويتضرعون ~~ويلجأون إليه في الشدائد. # وأما قوله: * (الرحمن الرحيم) قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما ~~أرق من الآخر. # وحكى عنه أيضا أنه قال: ' الرحمن ': الرفيق بالعباد، و ' الرحيم ' العاطف ~~عليهم. ثم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: ' الرحمن ' غير ' الرحيم ' ولكل واحد ~~منهما معنى PageV01P033 # * * غير معنى صاحبه. وقال بعضهم: هما واحد. # فأما من قال: ' الرحمن ' غير ' الرحيم '، قال: للرحمن معنى العموم، ~~وللرحيم معنى الخصوص، فعلى هذا ' الرحمن ' بمعنى الرازق في الدنيا، ms0002 والرزق ~~على العموم للكافر والمؤمن، و ' الرحيم ' بمعنى العافي في الآخرة، والعفو ~~في الآخرة على الخصوص للمؤمنين دون الكافرين. ولذلك قيل في الدعاء: ' يا ~~رحمن الدنيا ورحيم الآخرة '. ' فالرحمن ' من تصل رحمته إلى الخلق على ~~العموم، و ' الرحيم ' من تصل رحمته إلى الخلق على الخصوص؛ ولذلك يدعى غير ~~الله رحيما، ولا يدعى رحمانا؛ لأن الله تعالى هو الذي تصل رحمته إلى الخلق، ~~كأنه كما قال تعالى: * (ورحمتي وسعت كل شيء). وأما غير الله قد يخص شيئا ~~بالرحمة؛ فيكون بذلك رحيما. # وأما من قال: إن معناهما واحد؛ فقد قال قطرب: هما اسمان، ذكر أحدهما ~~PageV01P034 # * (الحمد لله) * * تأكيدا للآخر، مثل: لهفان، ولهيف، وندمان، ونديم. # وقال المبرد: (هذا تمام بعد إتمام)، وتفضل بعد تفضل، وتطميع لقلوب ~~الراغبين، ووعد لا يخيب آمله، ومعناه: ذو الرحمة، والرحمة [هي] الإنعام ~~والتفضل. # قوله: * (الحمد لله) اعلم أن الحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة، ويكون ~~بمعنى التحميد والثناء على الأوصاف المحمودة. يقال: حمدت فلانا على ما أسدى ~~إلي من النعمة. ويقال: حمدت فلانا على شجاعته وعلمه. وأما الشكر لا يكون ~~إلا على النعمة؛ فللحمد معنى عام، وللشكر معنى خاص. فكل حامد شاكر، وليس كل ~~شاكر حامدا. # يقال: حمدت فلانا على شجاعته. ولا يقال: شكرت فلانا على شجاعته. # ثم أعلم أن حمد الله تعالى لنفسه حسن لا كحمد المخلوقين لأنفسهم؛ لأن ~~[حمد] المخلوقين لا يخلو عن نقص؛ فلا يخلو مدحه نفسه عن كذب؛ فيقبح منه أن ~~يمدح نفسه. وأما الله - جل جلاله - بريء عن النقص والعيب؛ فكان مدحه نفسه ~~حسنا. # وقوله: * (الحمد لله) هاهنا يحتمل معنيين: الإخبار، والتعليم. أما ~~الإخبار كأنه يخبر أن المستوجب للحمد هو الله، وأن المحامد كلها لله تعالى. # وأما التعليم كأنه حمد نفسه وعلم العباد حمده، وتقديره: ' قولوا: الحمد ~~لله '. # وقوله: * (لله) فاللام تكون للإضافة، وتكون للاستحقاق، يقال: أكل للدابة، ~~PageV01P035 # * (رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4)) * * والدار ~~لزيد، فاللام هاهنا بمعنى الاستحقاق، كأنه يقول: المستحق للحمد هو الله ~~تعالى، وقد فرغنا عن تفسير قوله: ms0003 * (لله). # * (رب العالمين) وأما الرب يكون بمعنى التربية والإصلاح، ويكون بمعنى ~~المالك. يقال: رب الضيعة يربيها، أي: أتمها وأصلحها. ويقال: رب الدار لمالك ~~الدار. فالرب هاهنا يحمل كلا المعنيين؛ لأن الله تعالى مربى العالمين، ~~ومالك العالمين. # وأما * (العالمون) قال ابن عباس: هم الجن والأنس. وقال الحسن وقتادة، ~~وأبو عبيدة: هم جميع المخلوقين. وقيل: الأول أولى؛ لأن الخطاب مع المكلفين ~~الذين هم المقصودون بالخليفة وهم الجن والإنس. وقيل الإنس عالم، والجن ~~عالم. والله تعالى وراءه أربع زوايا، في كل زاوية ألف وخمسمائة عالم. # وقد فرغنا عن تفسير * (الرحمن الرحيم) وإنما ذكره ثانيا لفائدة التوكيد. # قوله: * (مالك يوم الدين) يقرأ بقراءتين: ' مالك، وملك '. قال أبو حاتم ~~السجستاني: ' مالك ' بالألف أولى؛ لأنه أوسع وأجمع، يقال: مالك الدار، ~~ومالك الطير، ومالك العبد، ولا يستعمل منها اسم الملك. # وقال أبو عبيد، والمبرد: ' وملك '، أولى؛ لأنه أتم، فإن ' الملك ' يجمع ~~معنى ' المالك '، والمالك لا يجمع معنى الملك، فإن كل ملك مالك، وليس كل ~~مالك ملكا، ولأنه أوفق لألفاظ القرآن، مثل قوله - تعالى -: * (فتعالى الله ~~الملك الحق)، وقوله: * (لمن الملك اليوم) ونحو ذلك فمالك: من الملك و ~~الملكة، وملك من الملك PageV01P036 # * (إياك نعبد وإياك نستعين (5)) * * والملكة، والله - تعالى - مالك، ~~وملك. # وأما * (اليوم) اسم لزمان معلوم، والمراد بيوم الدين: يوم القيامة، ~~ومعناه: يوم الحساب، ويوم الجزاء. وقد يكون الدين بمعنى الطاعة وبمعانشتي، ~~ولكنه هاهنا على أحد المعنيين. فإن قال قائل: لم خص يوم الدين بالذكر، ~~والله - تعالى - مالك الأيام كلها؟ يقال: إنما خصه لأن الأمر في القيامة ~~يخلص له، كما قال: * (والأمر يومئذ لله). وأما في الدنيا للملوك أمر، ~~وللمسلمين أمر، وللأنبياء أمر. # قوله: * (إياك نعبد وإياك نستعين)، قوله: * (إياك نعبد) بمعنى نحن نعبدك، ~~والعبادة: هي الطاعة مع التذلل والخضوع، يقال: طريق معبد: أي مذلل، ومعناه: ~~نعبدك خاضعين. # * (وإياك نستعين) أي: نطلب منك المعونة، فإن قيل: لم قدم ذكر العبادة على ~~الاستعانة؛ تكون قبل العبادة؟ ولم ذكر قوله: إياك مرتين، وكان يكفى أن ~~يقول: إياك نعبد ونستعين؛ فإنه ms0004 أوجز وألخص؟ يقال: أما الأول فإنما يلزم من ~~يجعل الاستطاعة قبل الفعل، ونحن بحمد الله نجعل الاستعانة والتوفيق مع ~~الفعل، سواء قرنه به أم أخره جاز. # أو يقال: لأن الاستعانة نوع تعبد، فكأنه ذكر جملة العبادة، ثم ذكر ما هو ~~من تفاصيلها. # وأما قوله: * (وإياك نستعين) إنما كرره لأنه لو اقتصر على قوله: إياك ~~نعبد ونستعين؛ ليعلم أنه المعبود، وأنه المستعان، وعلى أن العرب قد تتكلم ~~بمثل هذا، قد يدخل الكلام تجريدا أو تفخيما وتعظيما. ولا يعد ذلك عيبا، كما ~~تقول العرب: ' هذا المالك بين زيد، وبين عمرو '، وإن كان يفيد قولهم: ' ~~المال بين زيد، وعمرو '. ما يفيد الأول، ولا يعد ذلك عيبا في الكلام؛ بل عد ~~تفخيما وتجزيلا في الكلام. PageV01P037 # (اهدنا الصراط المستقيم (6)) * * قوله: (اهدنا الصراط المستقيم) يعنى: ~~أرشدنا، وثبتنا. # والهداية في القرآن على معان، فتكون الهداية بمعنى الإلهام، وتكون بمعنى ~~الإرشاد، وتكون بمعنى البيان، وتكون بمعنى الدعاء. # أما الإلهام، قال الله تعالى: * (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) أي: ~~ألهم. # وأما الإرشاد، قوله تعالى: * (واهدنا إلى سواء الصراط). # وأما البيان قوله: * (وأما ثمود فهديناهم) أي: بينا لهم. # وأما الدعاء، مثل قوله تعالى: * (ولكل قوم هاد) أي: داع فهو بمعنى ~~الاسترشاد هاهنا. # فإن قال قائل: أي معنى للاسترشاد، وكل مؤمن مهتد، فما معنى قوله * ~~(اهدنا)؟ قلنا: هذا سؤال من يقول بتناهي الألطاف من الله تعالى. ومذهب أهل ~~السنة أن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى، فيكون ذلك بمعنى طلب ~~مزيد الهداية، ويكون بمعنى سؤال للتثبيت، اهدنا بمعنى ثبتنا، كما يقال ~~للقائم: ' قم حتى أعود إليك '. أي: أثبت قائما. # وأما * (الصراط المستقيم) قال علي، وابن مسعود: هو الإسلام. وقال جابر: ~~هو القرآن وأصله في اللغة: هو الطريق الواضح، والإسلام طريق واضح، والقرآن ~~طريق واضح. PageV01P038 # * (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7)) * * وقد ~~قال القائل: # (أمير المؤمنين على صراط * إذا اعوج الموارد مستقيم) قوله * (صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، قد قرأ عمر ms0005 رضي الله عنه: ' ~~صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين ' ولكنه في الشواذ، ~~والمعروف هو القراءة المعهودة. # وقيل: ' الذين أنعمت عليهم ' هم الأنبياء. وقيل: كل من ثبته الله على ~~الإيمان من النبيين والمؤمنين كافة. # وقال أبو العالية الرياحي: هم الرسول، وأبو بكر، وعمر. # وأما قوله: * (غير المغضوب عليهم ولا الضالين). آمين. فالمغضوب عليهم هم ~~اليهود، والضالون هم النصارى. # وروى عن عدي بن حاتم أنه جاء إلى النبي ليسلم، وقال: ' يا رسول الله، من ~~المغضوب عليهم؟ فقال: اليهود. وقال: فمن الضالون؟ فقال النصارى. قال عدي: ~~أشهد أني حنيف مسلم. قال عدي: فرأيت وجه رسول الله يتهلل، ويبتسم؛ فرحا ~~بإسلامي '. # وأما ' آمين ' فليس من القرآن. والسنة للقارئ أن يقف وقفة، ثم يقول: ~~آمين. # وفيه لغتان: آمين بالمد، وأمين بالقصر. ومعناه: اللهم استجب. وقيل: إنه ~~طابع الدعاء. PageV01P039 # بسم الله الرحمن الرحيم القول في تفسير سورة البقرة اعلم أن سورة البقرة ~~مدنية باتفاق الأئمة، وحكى عن بعض العلماء أنه قال: يكره، تسميتها بسورة ~~البقرة، والأولى أن يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة، وكذا في سائر ~~السور من أمثالها. والأصح أنه يجوز؛ لما روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ~~رمى جمرة العقبة من بطن الوادي ثم قال: هذا والله مقام الذي أنزلت عليه ~~سورة البقرة. # وروى عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي أنه قال: ' تعلموا سورة ~~البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة ' أي: السحرة. ~~وفي هذا دليل على فضيلة هذه السورة، وعلى جواز تسميتها سورة البقرة، وسمى ~~بعض المتقدمين هذه السورة: فسطاط القرآن؛ لشرفها وفضلها. PageV01P040 # * (آلم (1)) قوله تعالى: * (آلم) قال الشعبي وجماعة من المتقدمين، في هذا ~~وسائر حروف التهجي في فواتح السور: والفائدة في أوائل السور لا (يعلم) ~~معناها، وهي سر القرآن، ولكل كتاب سر، وسر القرآن حروف التهجي من فواتح ~~السور، والفائدة من ذكرها طلب الإيمان بها، وأن يعلم أنها من عند الله ~~تعالى. # وقال غيرهم: هي معلومة المعاني. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ms0006 معنى ~~قوله: * (آلم) أنا الله أعلم، وكل حرف يدل على معنى، والألف دليل قوله: ' ~~أنا '، واللام دليل قوله: ' الله '، والميم دليل قوله: ' أعلم '. # وكذا قال في أمثاله، فقال في * (آلمص): معناه: أنا الله أعلم وأفصل. وفي ~~* (آلمر): أنا ' الله ' أعلم وأرى. وفي * (آلر): أنا الله أرى. # قال الزجاج: هذا حسن، وبمثله قالت العرب في قولها. فإن العرب قد تأتي في ~~كلامها بحرف وتريد به معنى، كما قال القائل: # (قلت لها قفي فقالت قاف * لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف) ومعنى قولها قاف، ~~أي: وقفت. فدل الحرف على معنى، كذا هذا. # وقال قتادة في حروف التهجي: إنها اسم للقرآن. # وقال مجاهد: إنها أسماء للسور وقال غيرهم: هو قسم، أقسم الله تعالى بهذه ~~الحروف؛ لشرفها وفضلها؛ لأنها مباني كتبه المنزلة. # قوله عز وجل: * (ذلك الكتاب لا ريب فيه)، أما قوله: * (ذلك الكتاب) أي: ~~هذا الكتاب، كما قال القائل: PageV01P041 # * (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2)) * * (أقول له والرمح يأطر ~~متنه * تأمل خفافا إنني أنا ذلكا) [أي]: أنني أنا هذا. وقيل: هذا مضمر فيه، ~~ومعناه: هذا ذلك الكتاب الذي وعدتك يا محمد أن أنزله عليك على لسان الذين ~~قبلك، و ' هذا ' للتقريب و ' ذلك ' للتبعيد. # فأما * (الكتاب) هو القرآن، والكتاب بمعنى المكتوب كما يقال: ' ضرب ~~الأمير ' أي: مضروبه. # * (لا ريب فيه) أي: لا شك فيه. فإن قال قائل: كيف أخبر قال: ' لا ريب فيه ~~' وقد ارتاب فيه كثير من الناس، وخبر الله تعالى لا يكون بخلاف مخبره؟ ~~يقال: معناه أنه الحق والصدق لا شك فيه. # وقيل: هو خبر بمعنى النهى، أي: لا ترتابوا فيه. # قوله تعالى: * (هدى للمتقين) والهدى بمعنى الرشد والبيان. # وأما المتقون مأخوذ من الاتقاء والتقوى. وأصله الحجز بين شيئين، ومنه ~~يقال: اتقى بترسه، أي: جعله حاجزا بين نفسه وبين ما قصد به من المكروه. وفي ~~الخبر ' كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله '. أي: ' اشتدت الحرب ' ~~جعلناه حاجزا بيننا وبين العدو. # فكأن المتقى يجعل امتثال أمر الله والاجتناب عن نهيه حاجزا ms0007 بينه وبين ~~العذاب فيتحرز بطاعة الله عن عقوبة الله. # فإن قال قائل: لم خص المتقين بالذكر وهو هدى لجميع المؤمنين؟ قيل: إنما ~~خصهم بالذكر تشريفا، أو لأنهم هم المنتفعون بالهدى، حيث نزلوا منزل التقوى ~~دون غيرهم، PageV01P042 # * (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3)) * * ~~فلهذا خصهم به. # قوله تعالى: * (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة) قوله: * (الذين) نعت ~~المتقين * (يؤمنون) من الإيمان. وهو التصديق، قال الله تعالى: * (وما أنت ~~بمؤمن لنا) أي: بمصدق لنا. # والإيمان في الشريعة يشتمل على الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، ~~والعمل بالأركان. وقيل: الإيمان مأخوذ من الأمان، فسعي المؤمن مؤمنا؛ لأنه ~~يؤمن نفسه من عذاب الله. والله مؤمن؛ لأنه يؤمن العباد من عذابه. # * (بالغيب) قال ابن عباس: الغيب كل ما أمرت بالإيمان به مما غاب عن بصرك، ~~وذلك مثل الملائكة، والجنة، والنار، والصراط، والميزان، ونحوها. # وقال غيره: الغيب هاهنا هو الله تعالى. # وقال ابن كيسان: أراد به القدر. * (يؤمنون بالغيب)، أي: بالقدر. # * (ويقيمون الصلاة) أي: يديمون الصلاة. وحقيقة إقامة الصلاة المحافظة على ~~أدائها بأركانها وسننها وهيئاتها. # فالصلاة في اللغة: الدعاء، وقد ورد في الخبر: ' من دعى إلى الطعام فليجب، ~~فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل '. أي: فليدع. وقد قال الشاعر: # (تقول بنتي وقد [قربت] مرتحلا * يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا) ~~PageV01P043 # * (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ~~(4)) * * (عليك مثل الذي صليت فاغتمضي * عينا فإن بجنب المرء مضطجعا) معنى ~~قوله: صليت أي: مثل الذي دعوت. # وقيل: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الناس الدعاء، ~~وهي في الشريعة تشتمل على أفعال مخصوصة وعلى الثناء والدعاء. # قوله: * (ومما رزقناهم ينفقون) أما الرزق اسم لكل ما ينتفع به الخلق، ~~فيدخل فيه الولد والعبد. # * (ينفقون) من الإنفاق، وأصله الإخراج، ومنه نفاق السوق؛ لأنه تخرج فيه ~~السلعة ويقال: نفقت الدابة إذا خرجت روحها، فهذه الآية في المؤمنين من ~~مشركي العرب. # قوله تعالى: * (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) وهذه ~~الآية في ms0008 المؤمنين من أهل الكتاب؛ لأنهم هم الذين آمنوا بالقرآن وسائر ~~الكتب قبله، وقد روى في حديث صحيح عن النبي أنه قال: ' من آمن بالكتب ~~المتقدمة وآمن بالقرآن يؤتى أجره مرتين '. وعليه دل نص القرآن * (أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين). # وقوله: * (وبالآخرة هم يوقنون) فالآخرة هي دار الآخرة. وسميت الدنيا ~~دنيا؛ لدنوها من الخلق، وسميت الآخرة آخرة؛ لتأخرها عن الخلق. PageV01P044 # * (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) إن الذين كفروا) * (هم ~~يوقنون) من الإيقان وهو العلم، وقيل: الإيقان واليقين: علم عن استدلال، ~~ولذلك لا يسمي الله تعالى موقنا إذ ليس علمه عن استدلال. # قوله تعالى: * (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) فقوله * ~~(أولئك) يعني الذين وصفهم * (على هدى) أي: على رشد وبيان من ربهم. فإن قيل: ~~لم ذكر الهدى ثانيا وقد وصفهم بالهدى مرة؟ قيل: كرره لفائدة التأكيد أو ~~يقال: الهدى الأول من القرآن، والهدى الثاني من الله، وفيه بيان أن الهداية ~~من الله تعالى ومن كلامه كما هو مذهب أهل السنة. # وأما * (المفلحون) من الفلاح، والفلاح يكون بمعنى البقاء. يقال: أفلح بما ~~شئت. أي: أبق بما شئت. وقد يكون بمعنى الفوز والنجاة. وأصل الفلاح القطع ~~والشق، ومنه سمى [الزارع] فلاحا؛ لأنه يشق الأرض. وفي المثل: ' الحديد ~~بالحديد يفلح '، أي: يشق. قال الشاعر: # (قد علمت يا ابن أم صحصح * أن الحديد بالحديد يفلح) أي: يشق. فمعنى ~~المفلحين أنهم الباقون في نعيم الأبد، والفائزون به، والمقطوع لهم بالخير ~~في الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: * (إن الذين كفروا) فالكفر مأخوذ من الكفر وهو الستر ~~والتغطية، ومنه يقال لليل: كافر؛ لأنه يستر الأشياء بظلمته، وسمى الزارع ~~كافرا؛ لأنه يستر الحب بالتراب، ويسمى الكافر كافرا؛ لأنه يستر نعم الله ~~تعالى بكفره ويصير في غطاء من دلائل الإسلام وبراهينه. # وقيل: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحد، وكفر عناد، وكفر ~~نفاق. PageV01P045 # * (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم الله على قلوبهم ~~وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7)) * * فكفر الإنكار هو ms0009 أن ~~لا يعرف الله أصلا، أو لا يعترف به. # وكفر الجحد: هو أن يعرف الله تعالى، ولكن يجحده، ككفر إبليس. # وكفر العناد: هو أن يعرف الله تعالى بقلبه، ويعترف بلسانه، ولكن لا يتدين ~~به ولا يتخذه دينا، ككفر أبي طالب؛ فإنه عرف الله ورسوله بقلبه وأقر بلسانه ~~حتى قال: # (ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا) (لولا الملامة أو ~~حذار مسبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا) وأما كفر النفاق: أن يعترف باللسان ~~ولا يعتقد بالقلب؛ فهذه أنواع الكفر؛ فمن لقى الله تعالى بنوع منها لم يعف. # قوله تعالى: * (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) * (سواء ~~عليهم) أي: مستو عليهم. (أأنذرتهم أم لم تنذرهم) أي: خوفتهم أم لم تخوفهم. ~~والإنذار: تخويف مع الإعلام. # وقيل: هو أشد التخويف. يعني: سواء خوفتهم أم لم تخوفهم لا يؤمنون. وردت ~~هذه الآية في قوم بأعيانهم علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون. # قوله تعالى: * (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) ذكر في الآية الأولى ~~أنهم لا يؤمنون، وذكر في هذه الآية علته، فقال: * (ختم الله على قلوبهم) ~~والختم: هو الطبع، وحقيقته: الاستيثاق من الشيء؛ كيلا يدخله ما هو خارج ~~منه، ولا يخرج عنه ما هو داخل فيه، ومنه الختم على الباب. # فقوله: * (ختم الله على قلوبهم) ذكر ابن كيسان أقوالا في معناه: أحدها: ~~أي: جازاهم على كفرهم بأن أختم على قلوبهم. PageV01P046 # * (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) ~~يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) * * والثاني ~~وهو قول أهل السنة أي: ختم على قلبهم بالكفر؛ لما سبق من علمه الأزلي فيهم. # وحكى قول ثالث: أن معناه: جعل على قلوبهم علامة تعرفهم الملائكة بها، ~~وهذا تأويل أهل الاعتزال، نبرأ إلى الله منه. # وحكى أبو عمر غلام ثعلب، عن ثعلب، عن إبراهيم الأعرابي: أن الختم هو منع ~~القلب من الإيمان، ذكره في كتاب الياء. # قوله: * (وعلى سمعهم) أي: أسماعهم، ذكر الجمع بلفظ (الواحد)، ومثله كثير ~~في القرآن. ms0010 معناه: على موضع سمعهم، فختم على قلوبهم؛ كيلا يقبلوا الحق، ~~وعلى سمعهم؛ كيلا يسمعو الحق. # قول تعالى: * (وعلى أبصارهم غشاوة) هذا ابتداء الكلام ومعناه: على ~~أبصارهم غطاء. # * (ولهم عذاب عظيم) أي: كبير، وصف عذاب الآخرة بالعظم ولا شك أنه عظيم. # قوله تعالى: * (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين) قال الكلبي: ورد هذا في شأن اليهود. وأكثر المفسرين على أنه في ~~شأن المنافقين. ومعناه: ومن الناس ناس تقول آمنا بالله وباليوم الآخر يعني: ~~القيامة. * (وما هم بمؤمنين) نفي الإيمان عنهم؛ حيث أظهروا الإسلام باللسان ~~ولم يعتقدوا بالجنان. وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان. # قوله تعالى: * (يخادعون الله والذين آمنوا) الآية: المخادعة، والخدع ~~بمعنى واحد وحقيقة المخادعة: أن يظهر شيئا ويبطن خلافه. PageV01P047 # (* (9) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) * * وقال ابن الأعرابي في كتاب ~~الياء: قوله: المخادعة منع القلب من الحق، قاله في حق المنافقين حيث أظهروا ~~الإسلام باللسان وأبطنوا خلافه. # فإن قال قائل: ما معنى قوله: * (يخادعون الله) وهذا يوهم الشركة في ~~المخادعة، وقد جل الله تعالى عن المشاركة في المخادعة؟! الجواب: قال الحسن ~~البصري: معناه يخادعون نبي الله. # وقال غيره من المفسرين معناه: يعاملون الله معاملة المخادعين. # فأما قوله: * (وما يخادعون إلا أنفسهم) يقرأ بقراءتين: ' يخادعون، ~~ويخدعون '. فمن قرأ: ' يخادعون ' فهو على المشاكلة؛ لأنه ذكر الأول بلفظ ~~المخادعة، وهذا شكله فذكره بلفظه. # ومن قرأ: ' يخدعون ' فهو على الأصل، وعلى أن لفظ المخادعة لا يقتضي ~~المشاركة، بين اثنتين، ومثله: طرقت النعل، وطارقت النعل، ومثله كثير في ~~ألفاظ المفاعلة. # فمعنى قوله * (وما يخادعون إلا أنفسهم) أي: وبال خديعتهم راجع إليهم * ~~(وما يشعرون) أي: لا يعلمون ذلك. يقال: شعرت بمعنى علمت، ومنه قولهم: ليت ~~شعري؛ أي: ليت أعلم. # قوله تعالى: * (في قلوبهم مرض) الآية، أراد بالمرض الشك والنفاق، بإجماع ~~المفسرين. ويوصف القلب والدين بالمرض والصحة كما يوصف البدن به. # * (فزادهم الله مرضا) أي: شكا ونفاقا؛ فإنه لما نزلت الآيات آية بعد آية ~~فكلما كفروا بآية ازدادوا ms0011 كفروا ونفاقا، وذلك معنى قوله تعالى: * (وأما ~~الذين في قلوبهم PageV01P048 # * (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) وإذا قيل لهم لا تفسدوا في ~~الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم المفسدون) * * مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم). # قوله تعالى: * (ولهم عذاب أليم) أي: مؤلم. فعيل: بمعنى: مفعل؛ كما قال ~~القائل: # (أمن ريحانة الداعي السميع * يؤرقني وأصحابي هجوع خفية) وأراد بالسميع ~~المسمع. # قوله تعالى: * (بما كانوا يكذبون) قرىء بقراءتين: مخفف ومعناه: يكذبون ~~بما أظهروا من الإسلام وأبطنوا خلافه، وهو مثل قوله: * (والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون). # وقرئ: ' يكذبون ' مشددا، ومعناه: يكذبون الرسول. # قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) معناه: لا تكفروا، ~~والكفر أشد فسادا في الأرض. # * (قالوا إنما نحن مصلحون) يعنى: أن الذي أظهرنا من الإسلام واستفدنا به ~~من العز و الأمان مصلحة لنا ونحن مصلحون به. # * (ألا إنهم هم المفسدون) هذا ابتدأ كلام من الله. وقوله: (ألا) للتنبيه؛ ~~قال الشاعر: # (ألا إن هذا الدهر يوم وليلة * وليس على شيء قديم بمستمر) يقول الله ~~تعالى: * (ألا إنهم هم المفسدون) يعني: بما أظهروا من الإسلام وأبطنوا ~~خلافه، فهو فساد؛ وإن ظنوه صلاحا، وأظهروا خلاف ما أبطنوا. # * (ولكن لا يشعرون) أي: لا يعلمون. PageV01P049 # * (ولكن لا يشعرون (12) وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن ~~كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13)) * * فإن قيل: ~~كيف يلزمهم الحجة إذا كانوا لا يعلمون؟ # قيل: يلزمهم الحجة بما أوضح من السبيل، ونصب من الدلائل، وجهلهم لا يكون ~~عذرا لهم. # قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس...) الآية. كما آمن ~~الناس يعنى: المهاجرين والأنصار. # * (قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) سموهم سفهاء فأجابهم الله تعالى بقوله: ~~* (ألا إنهم هم السفهاء) والسفيه خفيف العقل رقيق الحلم؛ من قولهم: ثوب ~~سفيه، أي: رقيق بال يقول: هم الذين خفت عقولهم، ورقت أحلامهم * (ولكن لا ~~يعلمون). # قوله تعالى: * (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا...) الآية، معناه: وإذا ~~لقوا المهاجرين والأنصار قالوا: آمنا. أظهروا الإسلام باللسان. ms0012 # * (وإذا خلوا إلى شياطينهم) أي: بشياطينهم، يذكر ' إلى ' بمعنى ' الباء ' ~~لأن الصلات يقوم بعضها مقام البعض. والشيطان: كل عات متمرد من الجن والإنس، ~~وأصله: البعد والامتداد. يقال: بئر شطون، أي: بعيد العمق والقعر. ويقال ~~للحبل: شطن؛ لامتداده. وسمى الشيطان شيطانا؛ لامتداده في الشر وبعده عن ~~الخير. # فأراد بالشياطين هاهنا عتاتهم ورؤساءهم في الكفر. يقول: إذا خلوا ~~برءوسهم، قالوا: إنا معكم في دينكم * (إنما نحن مستهزئون) بما أظهرنا من ~~الإسلام مع المهاجرين والأنصار. PageV01P050 # * (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم إنما نحن نحن مستهزئون (14) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم) * * ~~وقوله تعالى: * (الله يستهزئ بهم...) الآية. فإن قال قائل: ما معنى ~~الاستهزاء من الله تعالى؟ قلنا فيه أقوال: قال بعضهم: معناه يجازيهم على ~~صنيعهم، إلا أنه سماه الله استهزاء؛ لأنه جزاء الاستهزاء؛ كما قال: * ~~(وجزاء سيئة سيئة مثلها) وإن لم يكن الجزاء سيئة حقيقة. # وقال بعضهم: يستهزئ بهم أي يعيبهم، ومنه قوله تعالى: * (يكفر بها ويستهزأ ~~بها) أي: يعاب كذلك هذا. # وقال أهل الرواية معناه: الله يستهزئ بهم في الآخرة، والاستهزاء بهم في ~~الآخرة يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يضرب للمؤمنين على الصراط نورا يمشون به، ~~وإذا وصل المنافقون إليه حال بينهم وبين المؤمنين، فذلك الاستهزاء بهم؛ كما ~~قال: * (فضرب بينهم بسور له باب). # والثاني: أنه يقربهم من الجنة، حتى إذا رأو زهرتها وحسنها وبهجتها، ~~واستنشقوا رائحتها صرفهم عنها إلى النار، فذلك الاستهزاء بهم، وقد نطق عنه ~~- عليه الصلاة والسلام بمعناه حديث في الصحاح. # قوله: * (ويمدهم) أي، يمهلهم حتى يستدرجهم. * (في طغيانهم) أي: ضلالتهم. ~~* (يعمهون) أي: يتحيرون، قال الشاعر: # (ومهمة أطرافها في مهمة * أعمى الهدى بالجاهلين العمة) قوله تعالى: ~~(أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) لأن معناه: اختاروا الكفر على ~~الإيمان؛ لأنهم لما آثروا أشياء على شيء فكأنهم استبدلوا هذا بذلك * (فما ~~PageV01P051 # * (يعمهون (15) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما ~~كانوا مهتدين (16) مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما) * * ربحت ~~تجارتهم) أي: فما ربحوا ms0013 في تجارتهم. * (وما كانوا مهتدين). # قوله تعالى: * (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) الآية. المثل: قول سائر في ~~عرف الناس، يعرف به معنى الشيء من الشيء. وهذا أحد أقسام القرآن؛ فإن ~~القرآن على سبعة أقسام. # وقيل مثلهم، أي: صفتهم. * (كمثل الذي استوقد نارا...) أوقد النار، ~~واستوقد بمعنى واحد، كما يقال: أجاب، واستجاب. # وقيل: أوقد إذا فعل بنفسه، واستوقد إذا طلب الإيقاد من غيره. * (فما ~~أضاءت ما حوله) يعنى: أضاءت النار الموقدة حول المستوقد. ضربه مثلا ~~للمنافقين ومعنى هذا المثل قوله تعالى: * (كمثل الذي استوقد نارا) ضربه ~~مثلا لما أظهروا باللسان من الإسلام. # * (فلما أضاءت ما حوله) يعنى: ما استفادوا بذلك الإسلام الظاهر من التجمل ~~والعز والأمان في الدنيا. # * (ذهب الله بنورهم) قيل: فيه معان: أحدها: ذهب الله بما أظهروا من ~~الإسلام بإظهار عقيدتهم على لسان النبي وقيل: معناه ذهب الله بنورهم، يعنى ~~في القبر. وقيل: في القيامة؛ يعنى أن ما استفادوا به في الدنيا لا ينفعهم ~~في الآخرة إذا كان مصيرهم إلى النار. # فإن قال قائل: كيف قال: * (ذهب الله بنورهم) ولا نور لهم، وقال في موضع ~~آخر: * (يخرجهم من الظلمات إلى النور) ولا نور لهم؟ قيل: أراد به نور ما ~~أظهروا من الإسلام؛ وذلك نوع نور. # وقيل: قد يذكر مثله على معنى الحرمان كما يقال: أخرجتني من صلتك، وإن لم ~~PageV01P052 # * (حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم ~~لا يرجعون (18) أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد) * * يكن داخلا في صلته. ~~بمعنى: أنك حرمتني صلتك، كذلك قوله تعالى: * (ذهب الله بنورهم) أي: حرمهم ~~ذلك النور. (وتركهم في ظلمات) أي: شدائد * (لا يبصرون) الحق. # قوله: (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) فالصم: جمع الأصم، وهو الذي لا يسمع، ~~والبكم: جمع الأبكم، وهو الذي لا ينطق، وولد على الخرس. # والعمي: جمع الأعمى، وهو الذي لا يبصر؛ فمعناه أنهم صم لا يبصرون الحق، ~~ولا يعرفونه كأنهم لم يسمعوا؛ وهو مثل قول الشاعر: # (أصم عما ساءه سميع *) أي: لا ms0014 يسمع ما ساءه مع كونه سميعا. # * (بكم) يعني: أنهم لما أبطنوا خلاف ما أظهروا؛ فكأنهم لم ينطقوا بالحق. # * (عمي) أي: لا بصائر لهم، ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له. # * (فهم لا يرجعون) عما هم عليه من الضلالة. # قوله تعالى * (أو كعيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق...) الآية. فالصيب: ~~المطر، وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب، من قولهم: صاب يصوب، إذا ~~نزل. # وقيل: الأهل مضمر فيه، أي: كأهل الصيب؛ كقوله * (واسأل القرية) أي: أهل ~~القرية. # * (من السماء) كل ما علا فهو سماء. فالسقف سماء، والسحاب سماء، وما فوقه ~~سماء، وأراد به السحاب ههنا. # * (فيه ظلمات) يعنى: في السحاب؛ لأنه لا يخلو عن ظلمة، ألا تراه يغشى وجه ~~PageV01P053 # * (وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط ~~بالكافرين (19)) * * الشمس * (ورعد وبرق) قال علي وابن عباس وأكثر ~~المفسرين: إن الرعد صوت ملك يزجر السحاب، والبرق لمعان سوط في يد ملك يضرب ~~به السحاب يسوقه إلى حيث قدره الله تعالى. # وفي الخبر أن النبي قال: ' إذا سمعتم صوت الرعد فاذكروا الله فإنه لا ~~يصيب ذاكرا '. وكان إذا سمع صوت الرعد يقول: ' اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا ~~تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك '. # وقيل: الرعد اسم الملك. وقيل: صوت [اختناق] الريح إلى السحاب. و الأول ~~أصح. # * (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق) يعني: من الصوت العذاب، حذر ~~الموت. وقيل: الصاعقة قطعة من العذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء وعليه ~~دل قوله تعالى * (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) * (والله محيط ~~بالكافرين) أي جامعهم. قال مجاهد: يجمعهم فيعذبهم. والإحاطة بالشيء جمعه ~~بحيث لا يشذ منه شئ، والإحاطة من الله تعالى تكون بالقهر والاقتدار والعلم. # ومعنى المثل في هذا: أما قوله: * (أو كصيب من السماء) يعني: إن شئت مثلهم ~~بالمستوقد وإن شئت مثلهم بالصيب، أي بأهل الصيب. ضرب الصيب مثلا لما أظهروا ~~PageV01P054 # * (يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم ~~قاموا ولو شاء لله لذهب ms0015 بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20)) * * ~~باللسان من الإسلام. # * (فيه ظلمات) مثل لما في الإسلام من البلايا والمحن والشدائد * (ورعد) ~~مثل لما فيه من المخاوف في الآخرة. # (وبرق) لما فيه من الوعد والوعيد. # وقيل: ضرب الصيب مثلا للقرآن الذي كانوا يقرءونه باللسان؛ لأن في القرآن ~~حياة الباطن كما في الماء حياة الظاهر. * (فيه ظلمات) مثل لما ذكرنا في ~~القرآن من أنواع الكفر والنفاق، * (ورعد) مثل لما ذكرنا فيه من الوعيد * ~~(وبرق) مثل لما فيه من البيان. # * (يجعلون أصابعهم في آذانهم) يعنى: أن المنافقين إذا رأوا في الإسلام ~~بلاء وشدة هربوا وتأخروا؛ حذرا من الهلاك. # * (والله محيط بالكافرين) يعنى: لا ينفعهم حذرهم؛ لأن الله تعالى من ~~ورائهم يجمعهم فيعذبهم. # قوله تعالى: * (يكاد البرق يخطف أبصارهم...) الآية * (يكاد) كلمة القرب، ~~يكاد يفعل، أي: قرب يفعل * (يخطف أبصارهم) والخطف: استلاب بسرعة. وهذا من ~~تمام المثل، ومعناه على القول الأول: تكاد دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر ~~لولا ما سبق لهم من الشقاوة. # ومعناه على القول الآخر: يكاد القرآن يبهر قلوبهم. # كلما أضاء لهم مشوا فيه) معناه: كلما نالوا غنيمة وراحة ثبتوا على ~~الإسلام. * (وإذا أظلم عليهم قاموا) يعني: كلما رأوا شدة وبلاء تأخرا. ~~وقاموا، أي: وقفوا. * (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) يحتمل معنيين: ~~أحدهما: لو شاء PageV01P055 # * (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ~~(21)) * * الله لذهب بما استفادوا من العز والأمان الذي لهم بمنزله السمع ~~والبصر. # والثاني معناه: ولو شاء الله لذهب بأسماعهم وأبصارهم الظاهرة؛ كما ذهب ~~بأسماعهم وأبصارهم الباطنة. * (إن الله على كل شيء قدير) يعني: قادر. # قوله تعالى: * (يا أيها الناس اعبدوا ربكم...) الآية، قال ابن عباس: كل ~~ما ورد في القرآن من قوله * (يا أيها الناس) فإنما نزل بمكة، وكل ما ورد من ~~قوله: * (يا أيها الذين آمنوا) فإنما نزل بالمدينة. # وقوله: * (يا أيها الناس) يعنى: يا هؤلاء الناس. وهذا وإن عمت صيغته ولكن ~~دخله الخصوص؛ فإنه لا يتناول الصغار والمجانين. * (اعبدوا) أي: وحدوا. ms0016 # قال ابن عباس: كل ما ورد في القرآن من العبادة فهو بمعنى التوحيد، وكل ما ~~ورد في القرآن من التسبيح والسبحة فهو بمعنى الصلاة. # وقوله: * (اعبدوا ربكم الذي خلقكم) أي: وحدوا الله الذي خلقكم. وإنما ~~خاطبهم به؛ لأن الكفار مقرون أن الله خالقهم، والخلق: هو اختراع الشيء على ~~غير مثال سبق. * (والذين من قبلكم) أي: وخلق الذين من قبلكم. فإن قيل: أي ~~فائدة في قوله: * (والذين من قبلكم) فإن من عرف أن الله خالقه فقد عرف أنه ~~خالق غيره من قبله؟ قيل: فائدته المبالغة في البيان، أو يقال: فائدته ~~المبالغة في الدعوة، يعنى: إذا كان الله خالقكم وخالق من قبلكم فلا تعبدوا ~~إلا إياه. وفيه إشارة لأنه خلق الأولين وأماتهم وابتلاهم في الدنيا ~~والآخرة؛ فأشار بهذا إلى أنى أفعل بكم ما فعلت بهم. # * (لعلكم تتقون) قيل معناه: لكي تتقوا، قاله أبو عبيدة، وقيل معناه: ~~كونوا PageV01P056 # * (الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22)) * * على ~~رجاء التقوى. فإن قال قائل: التقوى [هي] (1) العبادة، فأي شيء معنى قوله: ~~اعبدوا لكي تعبدوا؟ قلنا معناه: اعبدوه وكونوا على حذر منه، وهذا دأب ~~العابد أن يعبد الله ويكون على حذر منه. وقيل معناه: اعبدوه وكونوا على ~~رجاء التقوى؛ بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله تعالى، وحكم الله من ~~ورائكم يفعل بكم ما يشاء؛ وهذا مثل قوله تعالى: * (فقولا له قولا لينا لعله ~~يتذكر أو يخشى) أي: ادعواه إلى الحق وكونا على رجاء التذكر والخشية منه. ~~وحكم الله وراءه يفعل به ما يشاء. # قوله تعالى: * (الذي جعل لكم الأرض فراشا) الآية. هذا راجع إلى ما تقدم ~~يعني: اعبدوا الذي جعل لكم الأرض فراشا، والجعل هاهنا بمعنى: الخلق * ~~(فراشا) أي: بساطا، وقيل: وطاء. وقيل: مقاما. يعنى لكم الأرض قرارا لتكونوا ~~عليها * (والسماء بناء) أي: سقفا * (وأنزل من السماء ماء) إنما أضافه إلى ~~السماء وإن كان ينزل من السحاب؛ لأنه ينزل ms0017 من جهة السماء. # * (فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) قيل: الرزق هو كل ما يؤكل. وقيل: كل ما ~~ينتفع به. * (فلا تجعلوا لله أندادا) قال قتادة: الند: هو المثل. وقال أبو ~~عبيدة: الند هو الضد. وهذا من الأضداد، والله تعالى بريء عن المثل والضد. ~~قال حسان بن ثابت في مدح رسول الله: # (أتهجوه ولست له بند * فشركما لخيركما الفداء) يعنى: ولست له بمثل؛ قال ~~لبيد: # (أحمد الله فلا ند له * بيديه الخير ما شاء فعل) PageV01P057 # * (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23)) أي: لا مثل له. ومعنى قوله * ~~(فلا تجعلوا لله أندادا) أي: لا تتخذوا من دونه أربابا تعبدونهم كعبادة ~~الله، وتطيعونهم كطاعة الله لا أن له مثلا، أو لا مثل لله تعالى. # * (وأنتم تعلمون) أي: فلا تعبدوا غيره وأنتم تعلمون أنه خالقكم وخالق ~~السماوات والأرض. وقوله تعالى: (وإن كنتم في ريب) أي: شك. فإن قيل: كيف ~~ذكره على التشكيك وهم في ريب على التحقيق؟ قيل: مثله جائز في كلام العرب؛ ~~كما يقول الرجل لغيره: إن كنت رجلا فافعل كذا؛ وإن عرف أنه رجل على ~~التحقيق. قيل: أراد به ' وإذ كنتم ' فيكون على التحقيق، * (مما نزلنا) من ~~القرآن * (على عبدنا) يعني: على الرسول. # * (فأتوا بسورة) السورة: اسم للمنزلة الرفيعة؛ ومنه سورة البناء؛ ~~لارتفاعه. قال الشاعر: # (ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل شيء دونها يتذبذب) أي: أعطاك سورة ~~منزلة، أي: منزلة رفيعة. وسميت سورة القرآن سورة؛ لأن القارئ ينال بقراءة ~~كل سورة منزلة؛ حتى يستكمل جميع المنازل باستكمال القرآن، وقيل: السورة اسم ~~لقطعة من القرآن معلوم الأول والآخر، ومنه سؤر الطعام لما بقي منه. وفي ~~الخبر ' إذا أكلتم فاسأروا ' أي: أبقوا بقية. وإنما نزل القرآن سورة سورة ~~حتى [أن] القارئ كلما قرأ سورة وافتتح أخرى ازداد نشاطا، فيكون أنشط في ~~القراءة، أو لأنه ربما لا يمكنه حفظ جميع القرآن فيحفظ بعض السور. # * (فأتوا بسورة من مثله) ms0018 وقوله: * (من مثله) فيه معنيان: أحدهما قاله ابن ~~PageV01P058 # * (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة ~~أعدت للكافرين (24)) * * عباس وجماعة: أراد به من مثل القرآن. فإن قيل: كيف ~~قال: من مثل القرآن، ولا مثل له؟ قيل: أراد به من مثله على زعمهم. # وفيه قول آخر: أنه أراد به من مثل محمد؛ لأنهم كانوا يقولون: إنه مفتري ~~فقال: فأتوا بسورة من مفترى مثله. # * (وادعوا شهداءكم من دون الله) أي: استعينوا بأعوانكم وأربابكم من دون ~~الله * (إن كنتم صادقين) فيما تزعمون. وفائدته: أنهم إذا اجتمعوا وأحضروا ~~أربابهم فعجزوا كان أبلغ في إلزام الحجة. وقوله تعالى: * (فإن لم تفعلوا ~~ولن تفعلوا...) الآية يعنى: فإن لم تفعلوا ذلك، ولن تفعلوه أبدا على طريق ~~الإخبار. ' وتم ' للماضي، ' ولن ' للمستقبل. وإنما قال هذا لبيان المعجزة؛ ~~لأن القرآن كان معجزة للنبي حيث عجز الكل عن الإتيان بمثله. # * (فاتقوا النار) أي: فآمنوا؛ لكي تتقوا النار بالإيمان * (التي وقودها ~~الناس) الوقود يعني: الإيقاد، والوقود بفتح الواو الحطب. * (والناس) أهل ~~جهنم * (والحجارة) قال علي وابن مسعود: هي حجارة الكبريت؛ لأنها أكثر توقدا ~~والتهابا، وقال الباقون: هي جميع الحجارة. وهذا دليل على عظم تلك النار، و ~~* (أعدت للكافرين) أي: هيئت للكافرين، وهذا دليل على أن النار مخلوقة، لا ~~كما قال أهل البدعة. ودليل على أنها مخلوقة للكافرين، وإن دخلها بعض ~~المؤمنين تأديبا وتعريكا. # قوله تعالى: * (وبشر الذين آمنوا...) الآية، البشارة: اسم لكل خبر صدق ~~تتغير به بشرة الوجه ويظهر عليها، وقد تكون في الخبر السوء. كما قال: * ~~(فبشرهم بعذاب أليم) إلا أنه في الخبر السار أغلب. * (الذين آمنوا عملوا ~~الصالحات) PageV01P059 # * (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به) يعني: ~~المؤمنين من أهل الطاعة * (أن لهم جنات) الجنات: جمع جنة وهو اسم للبستان ~~الذي فيه أشجار مثمرة، فإذا لم تكن الأشجار مثمرة لا تكون جنة وقيل: الجنة ~~ما فيه النخيل. والفردوس ms0019 ما فيه الكرم، وإنما سميت جنة من الاجتنان؛ لأنها ~~تستر الأرض بالتفافها وأرواقها. وقيل: الجنان سبع، وقيل: ثمان، والكل في ~~القرآن. # * (تجري من تحتها الأنهار) أي: من تحت أشجارها تجري المياه من الأنهار، ~~وفي الحديث: ' إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود ' أي: في غير شق. # * (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا) أي: كلما رزقوا شيئا من ثمار الجنة ~~قالوا هذا الذي رزقنا من قبل. وفيه قولان: أحدهما معناه: رزقنا من قبل في ~~الدنيا، والثاني: أن الثمار في الجنة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم، ~~فإذا رزقوا منها ثمرة ثم رزقوا أخرى ظنوا أنها الأولى لاستوائهما في اللون ~~ف (* (قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) * وأتوا به متشابها) قال مجاهد: أي ~~متشابها في اللون. كما ذكرنا، وقال الحسن البصري: معناه كلها خيار ليس فيها ~~رذال. قال ابن عباس: ليس في الدنيا من ثمار الجنة إلا الأسامي * (ولهم فيها ~~أزواج) قيل: من الحور العين، ويحتمل من أزواج الدنيا: * (مطهرة) من ~~الأدناس؛ لا يتمخطن، ولا يتغوطن، ولا يحضن. وقيل: مطهرة الأخلاق، فيكن ~~مطهرات خلقا وخلقا. * (وهم فيها خالدون) أي: مقيمون لا يظعنون. # قوله تعالى: * (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) وسبب ~~نزول الآية: أن الله تعالى لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، قال المشركون: ~~إنا PageV01P060 # * (متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) إن الله لا ~~يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه) * * ~~لا نعبد إلها يذكر الذباب والعنكبوت، فنزل قوله تعالى: * (إن الله لا ~~يستحيي) أي: لا يمتنع ولا يترك * (أن يضرب مثلا) أي: يذكر مثلا * (ما ~~بعوضة) (ما) للصلة هاهنا، أي: مثلا بالبعوضة. قال الشاعر: # (قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا * إلى حمامتنا أو نصفه فقد) معناه أي: ~~ليت هذا الحمام لنا. والبعوض: صغار البق، سميت بعوضة لأنها بعض البق. * ~~(فما فوقها) معناه: فما دونها؛ كما يقال: فلان جاهل، فيقال: وفوق ذلك. ~~يعني: أجهل من ذلك، فكذلك قوله تعالى: * (فما ms0020 فوقها) يعني: في الصغر، وأصغر ~~من ذلك، وقيل: فما فوقها على الحقيقة؛ لأنه ضرب المثل بالذباب، والعنكبوت. ~~قال الربيع بن أنس: مثل البعوضة مثل صاحب الدنيا؛ لأن دأب البعوضة أنها إذا ~~شبعت هلكت، وإذا جاعت عاشت؛ كذلك صاحب الدنيا إذا استكثر من الدنيا هلك، ~~وإذا استقل منها فاز ونجا. وقيل: إن حكم الله تعالى في صغار خلقه أكثر من ~~حكمه في كبار خلقه. قوله تعالى: * (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ~~ربهم) يعني: أنه الصدق من ربهم. # * (وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) أي شيء أراد الله ~~بهذا المثل؟ يقول الله تعالى: * (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) أي: أراد ~~هذا، والإضلال: هو الصرف عن الحق إلى الباطل. وقيل: الإضلال هو الإهلاك؛ ~~يقال: ضل اللبن في الماء أي: هلك. # * (ويهدي به كثيرا) أي: ويرشد به كثيرا. * (وما يضل به إلا الفاسقين) ~~يعني: الكافرين. والفسق: هو الخروج عن طاعة الرب؛ يقال: فسقت (الرطبة) إذا ~~خرجت PageV01P061 # * (الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل ~~به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) الذين ينقضون) * * ~~عن قشرها، ومعنى إضلالهم بالمثل أنه لما ضرب المثل فكفروا به ازدادوا ~~ضلالا. # وقوله تعالى: * (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) أي: يخالفون أمر ~~الله. والميثاق: مفعال من التوثقة وهو العهد المؤكد. وفي معناه قولان: ~~أحدهما: أنه أراد نقض الميثاق الأول الذي أخذه على آدم وذريته بقوله * ~~(ألست بربكم قالوا بلى). # وقيل: أراد به نقض الميثاق الذي أخذه على النبيين وسائر الأمم أن ~~[يؤمنوا] بمحمد بقوله: * (وإذا أخذ الله ميثاق النبيين...) الآية. # * (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنهم يقطعون ~~ما أمروا بوصله من الإيمان بمحمد وبسائر الرسل. وقيل: أراد به قطع الرحم. ~~والأول أولى؛ لأنه أعم، وقيل: أراد به قطع العمل عن القبول؛ فإنهم لم ~~يعملوا بما قبلوا. # * (ويفسدون في الأرض) بالمعاصي * (أولئك هم الخاسرون) المغبونون. # قوله تعالى: * (كيف تكفرون ms0021 بالله) قاله تعجبا، تكفرون بالله بعد نصب ~~الدلائل ووضوح البراهين؟! ثم ذكر الدليل فقال: * (وكنتم أمواتا) هذا دليل، ~~أي: كنتم نطفا في أصلاب الآباء. # (فأحياكم) أي: خلقكم * (ثم يميتكم) عند انتهاء الأجل. * (ثم يحييكم) ~~للبعث * (ثم إليه ترجعون) إلى الله مصيركم. وقيل: أراد بالموت الأول: الموت ~~المعهود * (وكنتم أمواتا) أي: تصيرون أمواتا. فأحياكم أي: يحييكم في القبر ~~للسؤال، ثم يميتكم بعده في القبر ثم يحييكم للبعث. ثم إليه ترجعون. # قوله تعالى: * (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) لكي تعتبروا ~~PageV01P062 # (عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض أولئك هم الخاسرون (27) كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (28) هو الذي خلق) * * وتستدلوا، وقيل: ~~لكي تنتفعوا. # * (ثم استوى إلى السماء) قال ابن عباس وأكثر المفسرين من السلف: أي ارتفع ~~وعلا إلى السماء. # وقال الفراء وابن كيسان وجماعة من النحويين معناه: أقبل على خلق السماء؛ ~~لأنه خلق الأرض أولا، ثم أقبل على خلق السماء، كما ذكر في ' حم السجدة '. * ~~(فسواهن سبع سماوات) أي: خلقهن مستويات؛ لا فطر فيها، ولا صدع، ولا شق. # * (وهو بكل شيء عليم) أي: عالم بصغار خلقه وكبارهم. # قوله تعالى * (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) معناه: ~~وقال ربك. ' إذ ' زائدة فيه. # وقيل، معناه: واذكر إذ قال ربك. والملائكة: جمع الملك، وأصل الملك مالك، ~~فقبلت الهمزة فصار مالك ثم اسقط الهمزة فصار ملك، واشتقاقه من الألوكة، ~~وهي: الرسالة، ومثلها المالكة، والمالكة؛ قال الشاعر: # (ألكنى إليها (وخير) الرسول * أعلمهم بنواحي الخبر) يعنى: أرسلني إليها. # * (إني جاعل في الأرض خليفة) اتفقوا على أن المراد بهذا الخليفة آدم ~~صلوات الله عليه والخليفة، والخليف بمعنى واحد، وجمع الخليف خلفاء. وجمع ~~الخليفة خلائف. # واختلفوا في أنه لما سمى خليفة؟ منهم من قال: لأنه خليفة الجن؛ فإن الله ~~تعالى لما خلق الأرض أسكنها الجن، ولما خلق السماء أسكنها الملائكة، ثم لما ~~خلق PageV01P063 # * (لكم ما في الأرض جميعا ثم ms0022 استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل ~~شيء عليم (29) وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض) * * آدم أزعج الجن ~~إلى أطراف الأرض؛ فهو الخليفة الجن في الأرض. # وقيل: إنما سماه خليفة؛ لأنه يخلفه غيره. فيكون الخليفة بمعنى أنه يخلف ~~غيره. ويكون الخليفة أنه يخلفه غيره. # وقيل: إنما سمى خليفة لأنه خليفة الله في الأرض؛ لإقامة أحكامه، وتنفيذ ~~قضاياه، وهذا هو الأصح. # قوله تعالى: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها...) الآية قالت الملائكة: ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟! فإن قيل: من أين عملوا ذلك؟ قيل: ~~إن الله تعالى أعلمهم بذلك. وقيل: اطلعوا عليه في اللوح المحفوظ. # * (ونحن نسبح بحمدك) هو التنزيه عن السوء. ومعناه: ونحن ننزهك عن الأنداد ~~والشركاء. # وقال الحسن: معنى قوله: * (ونحن نسبح بحمدك) هو قولهم: سبحان الله ~~وبحمده. * (ونقدس لك) يعني: نثنى عليك بالقدس والطهارة. # وقيل: معناه نطهر أنفسنا بطاعتك والثناء عليك. # فإن قيل: قولهم * (أتجعل فيها). يشبه الاعتراض عليه. وقولهم نحن * (نسبح ~~بحمدك) يشبه التفاخر بالعمل؛ وكلاهما لا يجوز على الملائكة. فما معنى هذا ~~الكلام؟ # قلنا: أما قولهم: * (أتجعل فيها) معناه: أنت جاعل فيها على سبيل التقدير، ~~ومثله قول الشاعر: # (ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح) يعني أنهم بهذه ~~الصفة. # وقالوا: إنما قالوه على سبيل التعجب طلبا لوجه الحكمة فيه. PageV01P064 # * (خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس) * * وأما قوله: * (ونحن نسبح بحمدك) ليس على سبيل التفاخر بل معناه: ~~أنه إذا أفسدوا وسفكوا الدماء فنحن نبقى على هيئة التسبيح والتقديس أم لا؟ ~~قال: * (إني أعلم مالا تعلمون) له معنيان: # أحدهما: إني أعلم فيهم من يعبدني ويطيعني من الأنبياء والأولياء ~~والصلحاء. # والثاني معناه: إني أعلم فيكم أيها الملائكة من يعصيني يعني إبليس. # قوله تعالى: * (وعلم آدم الأسماء كلها) أما آدم إنما سمى آدم؛ لأنه خلق ~~من أديم الأرض، ولما خلقه الله تعالى علمه أسماء الأشياء بأجمعها. # قال ابن عباس: علمه أسماء الأشياء حتى القصعة والقصيعة، والفسوة ms0023 والفسية. # وإنما علمه ذلك تكريما وتشريفا له. وذلك دليل على أن الأنبياء أفضل من ~~الملائكة وإن كانوا رسلا كما ذهب إليه أهل السنة. # * (ثم عرضهم) قرأ أبي بن كعب: ' ثم عرضها ' [وهي] في الشواذ. ورجع ~~[الكناية] إلى المسميات التي لا تعقل. والقراءة المعروفة: ' ثم عرضهم ' فإن ~~المسميات لما جمعت من يعقل ومن لا يعقل؛ كنى بلفظ من يعقل تغليبا له. # وإنما عرضهم على الملائكة لإظهار فضيلته عليهم، فإنهم كانوا قد قالوا: لن ~~يخلق الله خلقا أكرم عليه منا، فقال: * (أنبئوني) أخبروني * (بأسماء هؤلاء ~~إن كنتم صادقين) فيما زعمتم. # قوله تعالى: * (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا) قد ذكرنا معنى ~~التسبيح. ومعنى الآية: أنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك؛ إلا الذي علمتنا ~~منه. # * (إنك أنت العليم) أي: العالم * (الحكيم) له معنيان أحدها: الحاكم، وهو ~~PageV01P065 # * (لك قال إني أعلم ما لا تعملون (30) وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم ~~على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا) * * ~~القاضي بالعدل. # والثاني: معنى الحكيم: المحكم للأمر كيلا يتطرق إليه الفساد، ومنه: أحكمت ~~الدابة لأنها (تمنعها) من الفساد. # قوله تعالى: * (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم) لما عرضهم على الملائكة ~~فعجزوا؛ يقول الله تعالى لآدم: أخبرهم بأسمائهم * (فلما أنباهم بأسمائهم) ~~فأخبرهم آدم بأسماء تلك المسميات، والحكمة التي لأجلها خلقوا، فلما أخبرهم ~~بها * (قال الله) تعالى للملائكة: * (ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض) فإنه قد قال لهم: * (إني أعلم مالا تعملون) وغيب السماوات والأرض ~~كل ما غاب وخفي عن الأبصار. # (وأعلم ما تبدون) أي قولكم: أتجعل فيها من يفسد فيها. # * (وما كنتم تكتمون) فيه قولان: أحدهما: ما كتموا من قولهم: لن يخلق الله ~~خلقا أكرم عليه منا. # والثاني: معناه ما كتمه إبليس فيهم حين خلق آدم؛ فإنه قد قال: إن سلطت ~~عليه لأهلكنه وإن سلط علي لا أطيعه. # قوله تعالى: * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) اختلفوا في أن هذا الخطاب ~~مع أي الملائكة؟ فقال بعضهم: هو خطاب مع ملائكة الأرض ms0024 خاصة. # وقيل: هو خطاب لجميع الملائكة. هو الأصح لقوله تعالى * (فسجد الملائكة ~~كلهم أجمعون). # والسجود عبادة مع التواضع والخشوع والخضوع، ومنه شجرة ساجدة إذا ماتت من ~~PageV01P066 # * (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) قال يا ~~آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب) * ~~* كثرة حملها. # وفي قوله: * (اسجدوا لآدم) قولان أحدهما: أن معناه اسجدوا إلى آدم، فيكون ~~آدم كالقبلة. والسجود لله تعالى. # والأصح: أن السجود كان لآدم على الحقيقة. وتضمن معنى الطاعة لله تعالى ~~بامتثال أمره فيه. فعلى هذا يكون السجود لآدم على سبيل التحية له. وهو ~~كسجود إخوة يوسف ليوسف بمعنى التحية له. ثم نقل ذلك إلى السلام بين ~~المسلمين. # * (فسجدوا إلا إبليس) قال بعضهم: إبليس مشتق من الإبلاس. وهو اليأس من ~~الخير، قال الشاعر: # (يا صاح هل تعرف (رسما) مكرسا * قال: نعم أعرفه وأبلسا) وقيل: هو اسم ~~أعجمي معرب لا اشتقاق له ولذلك لا ينصرف. # واختلفوا في إبليس، والذي قاله ابن عباس وأكثر المفسرين: أنه كان من ~~الملائكة. # وقال الحس: كان من الجن لقوله تعالى * (كان من الجن ففسق عن أمر ربه) ~~ولأنه خلق من النار، والملائكة خلقوا من النور، ولأن له ذرية ولا ذرية ~~للملائكة. # والأصح أنه كان من الملائكة لأن خطاب السجود كان مع الملائكة. # وأما قوله: * (كان من الجن) قيل: إن فرقة من الملائكة سموا جنا خلقهم ~~الله تعالى من النار. وعليه دل قوله تعالى: * (وجعلوا بينه وبين الجنة ~~نسبا). # حيث قالوا الملائكة بنات الله. فسماهم جنة. وإنما سموا جنا لاستتارهم عن ~~الأعين. # وإبليس كان من ذلك القبيل. وإنما كان له ذرية؛ لأنه أخرجه من الملائكة ثم ~~جعل PageV01P067 # * (السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من) * * له ذرية. # وقيل: إن الله تعالى لما خلق إبليس أعطاه ملك الأرض، وملك السماء الدنيا، ~~وجعله خازن الجنة. # قوله تعالى: * (أبى) امتنع * (واستكبر) أي: أنف؛ حيث ظن أنه ms0025 خير من آدم * ~~(وكان من الكافرين) فيه قولان: أحدهما: معناه وصار من الكافرين في علم الله ~~تعالى. # قال مجاهد: علم الله في أزله أنه تكون منه المعصية فخلقه للمعصية. # قوله تعالى: * (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) أراد بزوجه حواء، فإن ~~قيل: [لم] أمرهما بدخول الجنة، وقد وعد أن من دخلها يكون خالدا فيها فكيف ~~أخرجهما من الجنة؟ # قلنا: إنما ذلك الوعد في حق من يدخلها للثواب والجزاء، وآدم إنما دخل ~~الجنة بالكرامة دون الثواب. # * (وكلا منها رغدا حيث شئتما) الرغد: الواسع من العيش. وهو أن يأكل ما ~~شاء إذا شاء كيف شاء. * (ولا تقربا هذه الشجرة) يعني: للأكل. # والشجرة: اسم لما يقوم على الساق، والنجم اسم لما (لا) يقوم على ساق. # قال الله تعالى: * (والنجم والشجر يسجدان) وفي تلك الشجرة ثلاثة أقوال: ~~قال ابن مسعود: كانت شجرة العنب. وقال ابن عباس: كانت شجرة السنبلة. وقال ~~ابن جريج: كانت شجرة التين. وقيل: إنها شجرة العليم. # * (فتكونا من الظالمين) الظلم وضع الشيء في غير موضعه وفيه يقال: ' من ~~أشبه PageV01P068 # * (الكافرين (34) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث ~~شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فأزلهما) * * باه فما ~~ظلم ' أي: فما وضع الشبه في غير موضعه. # قوله تعالى: * (فأزلهما الشيطان عنها) قرأ حمزة: ' فأزالهما ' ومعناه: ~~نحاهما وبعدهما عن الجنة. # وقوله: (فأزلهما) إلى الزلة * (فأخرجهما مما كانا فيه) يعني من نعيم ~~الجنة. وإنما نسب الإخراج إليه؛ لأنه كان السبب فيه. # (وقلنا اهبطوا) الهبوط هو النزول من الأعلى إلى الأسفل، والخطاب مع آدم، ~~وإبليس، وحواء، والحية، وهي الحية [التي] كانت من خزان الجنة فخدعها إبليس ~~حتى أدخلته (الجنة). # * (بعضكم لبعض عدو) العدو: اسم للواحد والجمع، معناه أعداء. # * (ولكم في الأرض مستقر) أي: قرار * (ومتاع) متعة تتغذون بها * (إلى حين) ~~إلى منتهى الآجال. # قوله تعالى: * (فتلقى آدم من ربه كلمات) التلقي: هو قبول عن فطنة وفهم ~~دليل: فتلقى هو [أي: تعلم]: * (ظلمنا أنفسنا) إلى آخره. # وقال عبيد بن عمير: ms0026 هي كلمات قالها آدم حين ابتلاه الله بالمعصية. # * (من ربه كلمات) قال ابن عباس والأكثرون: الكلمات هي قوله: ربنا أي: ~~تعلم بالمعصية يا رب هذا شيء كتبته علي [أم] ابتدعته من تلقاء نفسي؟ فقال: ~~بل شيء كتبته عليك. فقال آدم: (فكما) كتبته علي فاغفره. PageV01P069 # * (الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم ~~في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه ~~هو التواب الرحيم (37) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما) * * (فتاب عليه) فقبل ~~توبته * (إنه هو التواب الرحيم) هو القابل للتوبة من العباد؛ الرحيم بهم. # قوله تعالى: * (قلنا اهبطوا منها جميعا) الهبوط الأول كان من الجنة إلى ~~السماء الدنيا، والهبوط الثاني كان من السماء الدنيا إلى الأرض. # (فإما يأتينكم مني هدى) أي: رشد [و] بيان شريعة. # * (فمن تبع هداي) أي: ذلك الرشد والشريعة. # * (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) في الآخرة. # قوله تعالى: * (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) أي: كفروا بالله وبالرسل ~~وكذبوا بآياته * (أولئك أصحاب النار) يعني يوم القيامة * (هم فيها خالدون). # قوله تعالى: * (يا بني إسرائيل) إسرائيل اسم يعقوب. وله في القرآن اسمان: ~~يعقوب وإسرائيل. ومعنى إسرائيل عبد الله، ' إسر ' مثل قولنا ' عبد '، و ' ~~إيل ' مثل قولنا ' الله ' * (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) الذكر يكون ~~بالقلب، ويكون باللسان، وهو ضد النسيان. وقوله: * (نعمتي) أي: نعمي، ذكر ~~الجمع بلفظ الوحدان، ومثله كثير في القرآن. # واختلفوا في تلك النعم. قال قتادة: هي النعم التي خصت بها بنو إسرائيل من ~~PageV01P070 # * (يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون (38) والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) يا بني ~~إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي) * * إنجائهم من فرعون ~~بتغريقه، وإرسال موسى إليهم، وإنزال التوراة عليهم، ونحو ذلك. # وقال غيره: هي جميع النعم التي لله على عباده. # فإن قال قائل: لم أمرهم بالذكر وهم كانوا ذاكرين لتلك النعم؟ # قلنا: الذكر بمعنى الشكر، ومعناه: اشكروا نعمتي. وإنما ذكر بلفظ الذكر؛ ms0027 ~~لأن في الشكر ذكرا، وفي الكفر نسيانا. * (وأوفوا بعهدي) أوفي يوفى، ووفى ~~يفي، بمعنى واحد. وقد جمعها الشاعر في بيت واحد فقال: # (أما ابن عوف فقد أوفى بذمته * كما وفى بقلاص النجم حاويها) والعهد: هو ~~الأمر المؤكد. ومعناه: ' أوفوا بعهدي ' بامتثال أمري. * (أوف بعهدكم) ~~بالقبول والثواب. وقال مجاهد: أراد بهذا العهد ما ذكر في سورة المائدة * ~~(ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) إلى آخر ~~الآية. * (وإياي فارهبون) فخافوني. # قوله تعالى * (وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم) بما أنزلت في القرآن ~~مصدقا لما معكم من التوراة. يعني أن القرآن مصدق لما في التوراة من التوحيد ~~ونعت محمد PageV01P071 # * (أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40) وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا ~~تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) ولا) * ~~* (ولا تكونوا أول كافر به) يعني أول من كفر به. وقيل: أول فريق كافر به. ~~وهما في المعنى سواء. فإن قيل: قد كفر به مشركو العرب قبلهم، فكيف قال: ولا ~~تكونوا أول كافر به؟ قلنا: أراد به من أهل الكتاب؛ لأن الخطاب مع أهل ~~الكتاب. # * (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) ولا تستبدلوا؛ ذلك أن علماءهم وأحبارهم ~~كانت لهم مأكلة على أغنيائهم وجهالهم؛ فخافوا أن تذهب مأكلتهم إن آمنوا ~~بمحمد فغيروا نعته، وكتموا اسمه، فهذا معنى بيع الآيات بالثمن القليل. # * (وإياي فاتقون) فاحذرون. # قوله تعالى: * (ولا تلبسوا الحق بالباطل) اللبس: هو الخلط والتعمية. # يقال: لبس يلبس لبسا، من اللباس. ولبس يلبس لبسا، من التلبيس. قال الله ~~تعالى * (وللبسنا عليهم ما يلبسون) أي: خلطنا عليهم كما خلطوا. وقال علي ~~رضي الله عنه للحارث: لا يكن ملبوسا عليك، الحق لا يعرف بالرجال، أعرف الحق ~~تعرف أهله. # فمعنى قوله: * (ولا تلبسوا الحق بالباطل) أي: الإسلام باليهودية ~~والنصرانية، كذا قال الأكثرون. وقيل: هو لبس التوراة بما غيروا من نعت ~~محمد. # * (وتكتموا الحق) يعني نعت محمد. * (وأنتم تعلمون) أنه حق. قال محمد ابن ~~سيرين: هذا الخطاب مع قوم من اليهود كانوا بالشام ms0028 رأوا في كتبهم اسم محمد ~~ونعته، وأنه يبعث من القرى العربية، فخرجوا في طلبه ونزلوا بالمدينة فلما ~~بعث محمد حسدوه، وغيروا اسمه ونعته؛ خوفا من ذهاب مأكلتهم. # قوله تعالى: * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) أما الصلاة فقد ذكرنا. وأما ~~PageV01P072 # * (تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43) أتأمرون الناس بالبر وتنسون) * * ~~الزكاة: فمأخوذ من زكا الزرع، إذا كثر ونما. # وقيل: هي من تزكى. أي: تطهر، وكلا المعنيين موجود في الزكاة المفروضة؛ ~~لأن فيها تنمية المال وتطهيره. # (واركعوا مع الراكعين) أي: صلوا مع المصلين. وأصل الركوع: عبادة مع ~~انحناء. يقال: ركعت النخلة إذا انحنت، ومنه قول الشاعر: # (أخبر أخبار القرون التي مضت * أدب كأني كلما قمت راكع) وإنما ذكره بلفظ ~~الركوع؛ لأن صلاة اليهود ما كان فيها ركوع؛ فكأنه قال: وصلوا صلاة ذات ~~ركوع. # فإن قيل: قد أمرهم في أول الآية بإقامة الصلاة، فأي شيء معنى هذا الأمر ~~الثاني: قلنا: الأول مطلق في حق الكل، وهذا الثاني خطاب لقوم مخصوصين، قال ~~لهم: صلوا مع الذين [سبقوكم] بالإيمان والصلاة. # قوله تعالى: * (أتأمرون الناس بالبر) أي: بالطاعة * (وتنسون أنفسكم) أي: ~~تتركون أنفسكم * (وأنتم تتلون الكتاب) التوراة. # * (أفلا تعقلون) العقل: مأخوذ من عقال البعير، وهو ما يشد به ركبة ~~البعير، سمى به لأن يمنعه من الشرود، كذلك العقل يمنع صاحبه من التمرد ~~والخروج عن طاعته. وفي معنى الآية قولان، أحدهما: أنه خطاب لأحبارهم، حيث ~~أمروا أتباعهم بالتمسك بالتوراة، ثم خالفوا وغيروا نعت محمد. # والقول الثاني: أن أهل المدينة كانوا يشاورون علماءهم في اتباع محمد ~~فأشاروا عليهم باتباعه ثم خالفوه وكفروا به. # في الحديث: (روى أنس) عن النبي أنه قال ' رأيت ليلة أسرى بي في السماء ~~أقواما تقرض شفاهم بمقاريض من نار، فسألت من هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء ~~PageV01P073 # * (أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) واستعينوا بالصبر والصلاة ~~وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) الذين يظنون أنهم) * * الخطباء من أمتك ~~كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم '. # قوله تعالى * (واستعينوا بالصبر والصلاة) الاستعانة طلب ms0029 المعونة. وأما ~~الصبر فالأكثرون على أنه حبس النفس عن المعاصي. # ومنه الدابة المصبورة وهي أن تمسك لترمي كالهدف. # وفي الحديث: ' أنة نهى عن الدابة المصبورة '. وقال في الذي يمسك غيره حتى ~~يقتل: ' اصبروا الصابر واقتلوا القاتل ' أي: احبسوا الممسك واقتلوا ~~المباشر. # وقال الحسن البصري: هو الصوم. ومنه سمى شهر رمضان شهر الصبر. فإن قيل: ما ~~معنى الاستعانة بالصوم والصلاة؟ قيل: لأن الصوم يزهده في الدنيا. (وكذلك) ~~في الصلاة يقرأ ما يحثه على الزهد في الدنيا. فكأنه قال: استعينوا بهذين ~~على الدين؛ لتقووا على الإقبال على الآخرة والإعراض عن الدنيا. # * (وإنها لكبيرة) لثقيلة. وفي قوله: * (وإنها) قولان: أحدهما: أن ~~(لكناية) PageV01P074 # * (ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون (46) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (47) واتقوا يوما لا تجزي نفس) * * ~~راجعة إلى الصوم والصلاة جميعا. إلا أنه اكتفى بأحد المذكورين والكناية ~~عنه. وهو كما قال القائل: # (ومن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيار بها لغريب) أي: لغريبان إلا أنه ~~اكتفى بأحدهما. وأورد الأزهري في كتاب التقريب قولا حسنا، فقال: تقديره: ~~واستعينوا بالصبر وإنه لكبير، وبالصلاة وإنها لكبيرة، إلا أنه حذف أحدهما ~~واختصر المعنى اختصارا. # (إلا على الخاشعين) الخاشع: هو المطيع المتواضع. # * (الذين يظنون) يستيقنون. والظن يكون بمعنى الشك، ويكون بمعنى اليقين، ~~قال الله تعالى: * (إني ظننت أني ملاق حسابيه) أي: استيقنت، وقال الشاعر: # (فقلت لهم ظنوا بألفي مقنع * سراتهم في الفارسي المسرد) وقوله تعالى: * ~~(أنهم ملاقوا ربهم) أي صائرون إلى ربهم. وكل ما ورد في القرآن من اللقاء ~~فهو بمعنى الصيرورة إليه، كذا قال المفسرون. # وقيل: هو اللقاء الموعود، وهو رؤية الله تعالى. # وقوله تعالى: * (وأنهم إليه راجعون) أي: صائرون. # وقوله تعالى: * (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) معناه ما ~~سبق. * (وأني فضلتكم على العالمين) التفضيل نقيض التسوية. وأراد به التفضيل ~~بتلك النعم التي سبق ذكرها. وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء ولكن يحصل ~~به الشرف للأبناء، فصح الخطاب معهم. # * (على العالمين) على عالمي زمانهم. # قوله ms0030 تعالى * (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) معناه: واحذروا ~~PageV01P075 # * (عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولاهم ينصرون (48) ~~وإذ نجيناكم من آل فرعون) * * عذاب يوم القيامة. * (لا تجزى نفس عن نفس ~~شيئا) قال الأخفش: معناه لا تقوم نفس مقام نفس. وقال غيره: معناه لا تقضى ~~نفس عن نفس حقا لزمها. # * (ولا يقبل منها شفاعة) يقرأ بقراءتين بالتاء والياء والكل جائز لأن ~~الشفع والشفاعة بمعنى واحد كالوعظ والموعظة والصوت والصيحة بمعنى واحد. ثم ~~يذكر تارة بالتذكير على المعنى. وتارة بالتأنيث على اللفظ. قال الله تعالى: ~~* (قد جاءتكم موعظة من ربكم) وقال في موضع آخر * (فمن جاءه موعظة من ربه) ~~قال * (وأخذت الذين ظلموا الصيحة) وقال في موضع آخر: * (وأخذ الذين ظلموا ~~الصيحة) كذا هذا. # * (ولا يؤخذ منها عدل) العدل والعدل هو المثل، قال الله تعالى * (أو عدل ~~ذلك صياما) أي: مثله. # والمراد بالعدل هاهنا الفدية، وسميت عدلا، لأنها مثل المفدي به. وأما ~~قولهم: لا يقبل منه صرف ولا عدل قيل: الصرف النافلة، والعدل الفريضة. وقيل: ~~الصرف الحيلة، والعدل الفدية. # (ولاهم ينصرون) يمنعون العذاب. # قوله تعالى: * (وإذا نجيناكم من آل فرعون) الإنجاء والتنجية واحد. هو ~~الإنقاذ من المكروه. وآل فرعون: أتباعه الذين اقتدوا به وبفعله. وكذلك آل ~~النبي أتباعه. PageV01P076 # * (يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم (49) وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا) * * وروى أنس عن ~~النبي أنه قال: ' آلى كل مؤمن تقي '، فأما آل القرابة فهم قوم مخصوصون [لا] ~~تجري عليهم الصدقة. وقد ذكروا في الفقه. # * (يسومونكم سوء العذاب) أي: يجشمونكم ويولونكم. وقيل: يصرفونكم في ~~العذاب مرة هكذا ومرة هكذا، كالإبل السائمة في البرية. # * (سوء العذاب) أشد العذاب * (يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم) مذكور على ~~وجه البدل عن قوله * (يسومونكم) ومثله قول الشاعر: # (متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا) وقوله: ' ~~تلمم بنا في ديارنا ' بدل عن قوله: ' متى تأتنا '. # ومعنى قوله: * (يذبحون أبناءكم) أي: يقتلون. الذبح ms0031 والذبيح بمعنى واحد. # وسبب ذلك أن فرعون رأى في المنام نارا جاءت من نحو بيت المقدس، وأحاطت ~~بمصر، وأحرقت كل قبطي هنالك، ولم تتعرض لبني إسرائيل، فعلم بذلك أن نبيا ~~يخرج من بني إسرائيل؛ يكون هلاكهم على يديه، فأمر بقتل الأبناء، وترك ~~البنات، حتى قيل: إنه قتل في طلب موسى اثني عشر ألف صبيا. # * (ويستحيون نساءكم) أي: يتركون ويستبقون، وهو استفعال من الحياة، ومنه ~~PageV01P077 # * (آل فرعون وأنتم تنظرون (50) وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم) * ~~* قول النبي: ' اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم ' أي: شبابهم، وأراد ~~به الذرية والنساء. # * (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) البلاء: يكون بمعنى النعمة ويكون بالشدة، ~~لأنه من الابتلاء. والله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر وقد يختبر على ~~الشدة بالصبر. قال الله تعالى: * (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) قال الشاعر: # (جزى الله إحسانا بما فعلا به * وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو) وقوله - ~~تعالى -: * (وفي ذلكم بلاء) يحتمل هذا المعنيين، أحدهما: فيما لحقكم من ~~فرعون من الأذى والشدة بلاء عظيم. # ويحتمل أنه أراد: فيما حصل لكم من النجاة بغرق فرعون بلاء غظيم، أي: نعمة ~~عظيمة. # قوله - تعالى - * (وإذ فرقنا بكم البحر) قيل: فرقنا لكم البحر. وقيل: ~~الباء في موضعها، ومعناه: فرقنا البحر بدخولكم إياه فرقا فرقا فوق الرأس ~~وفرقا من تحت القدم أو فرقا من ذلك الجانب، وفرقا من ذلك الجانب، والبحر ~~سمى بحرا، لاتساعه. ومنه يقال للفرس: بحر إذا اتسع في جريه، وللجواد: بحر ~~إذا اتسع كفه للجود. # وقوله تعالى * (فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون) قيل في القصص: إن عدد ~~المنجين منهم كانوا ستمائة ألف [وعشرين] ألفا، لا يعد فيهم ابن عشرين ~~لصغره، PageV01P078 # * (العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم ~~تشكرون (52) وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم) * * ولا ابن ستين ~~لكبره. وأما عدد المغرقين فالله بهم عليم. # وقيل: كان على مقدمته هامان مع ألف ألف وسبعمائة ألف نفر حين غرقوا، ~~والله أعلم بمن كان على المؤخرة. # * (وأنتم تنظرون) إلى غرقهم وهلاكهم. وقيل: ms0032 تعلمون. # قوله - تعالى -: * (وإذا واعدنا) وقرأ: ' وإذ وعدنا ' معناهما واحد، فإن ~~قال قائل: المواعدة على وزن المفاعلة، فتقتضي اثنين يتواعدان، فكيف تكون ~~المواعدة من الله مع موسى؟ # قلنا: المواعدة من الله تعالى بالأمر، ومن موسى صلوات الله عليه بالقبول ~~وكذلك الوعد. # وأما موسى، اسم عبري، و ' مو ' بلغة العبرية هو الماء و ' شى ' هو الشجر، ~~فسمى ' موشى ' لأنه أخذ من الماء والشجر ثم قلب الشين سنا في العربية فصار ~~موسى. # وقوله: * (أربعين ليلة) أي: انقضاء أربعين ليلة. أمره الله تعالى أن يصوم ~~أربعين يوما لإعطائه التوراة، وكان قد وعده ثلاثين؛ إلا أن الله تعالى كان ~~قد نهاه أن يتناول شيئا في هذه الثلاثين، فلما أتم الثلاثين مر بشجرة، ~~فتناول من ورقها، أمره الله تعالى أن يصوم عشرة أيام بسبب ذلك. وعليه دل ~~قوله تعالى في سورة الأعراف * (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها ~~بعشر...) الآية. # وقوله تعالى * (ثم اتخذتم العجل من بعده) يعني: إلها، وله قصة معروفة ~~ستأتي في سورة طه. PageV01P079 # * (تهتدون (53) وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم ~~العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب) * ~~(وأنتم ظالمون) باتخاذ العجل إلها. # قوله تعالى: * (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك). العفو: محو الآثار. ويقال: ~~عفت الرياح كذا، إذا محت الآثار. يقول: عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل ~~إلها. * (لعلكم تشكرون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وإذ آتينا موسى الكتاب) يعني: التوراة. * (والفرقان) فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أراد به التوراة أيضا. إلا أنه ذكرها باسمين، ومثله قول ~~الشاعر: # (ألا حبذا هند وأرض بها هند * وهند أتى من دونها النأي والبعد) والنأي ~~والبعد اسمان بمعنى واحد. # والقول الثاني: أراد به الفرقان بين الحق والباطل. وقد أعطى الله موسى ~~ذلك. ومنه سمى يوم بدر: يوم الفرقان؛ لأنه فرق فيه بين الحق والباطل. # والقول الثالث: أراد به انفراق البحر كما سبق. * (لعلكم تهتدون) ~~بالتوراة. # قوله تعالى: * (وإذ قال موسى لقومه) معناه: اذكره إذ قال موسى لقومه * ~~(يا قوم ms0033 إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل) إلها. * (فتوبوا إلى بارئكم) ~~خالقكم * ( فاقتلوا أنفسكم) ليقتل بعضكم بعضا. وقيل معناه: استسلموا للقتل. # * (ذلكم خير لكم عند بارئكم) خالقكم * (فتاب عليكم) بالقبول * (إنه هو ~~التواب الرحيم) القابل للتوبة. # وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: كان عدد القتلى منهم [سبعين] ألفا ~~فلما بلغوا ذلك، أوحى الله تعالى إلى موسى: إني رفعت القتل عنهم، ~~PageV01P080 # * (عليكم إنه هو التواب الرحيم (54) وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم) * * ~~ورحمت من مضى منهم، وعفوت عمن بقي، وتبت عليهم. وحكى أن يوشع بن نون خرج ~~عليهم حين تأهبوا للقتل واحتبوا له، فقال: إن الله رحم من حل حبوته. ثم إن ~~الذين لم يعبدوا العجل سلوا سيوفهم، وأقبلوا على قتل الذين عبدوا العجل، ~~حتى كان الابن يقتل أباه والأب يقتل ابنه، حتى أتوا على سبعين ألفا؛ ثم نزل ~~الوحي كما وصفنا. # قوله تعالى: * (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) هو خطاب ~~للسبعين الذين حملهم موسى إلى الطور ليسمعوا كلام الله؛ فإنهم لما سمعوا ~~كلام الله قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. أي: عيانا. # وقيل: فيه تقديم وتأخير يعني قلتم: يا موسى جهرة لن (نؤمن) (لك) حتى نرى ~~الله (جهرة). # * (فأخذتكم الصاعقة) قرأ عمرو: ' فأخذتكم الصعقة ' وهو في الشواذ: وقد ~~سبق تفسير الصاعقة. والمراد بها الموت ها هنا، أي: أخذكم * (وأنتم تنظرون). # فإن قيل: إذا ماتوا كيف نظروا؟ قيل: معناه: ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم ~~الموت. قيل: معناه: تعلمون ويكون النظر معنى العلم. # وقوله تعالى: * (ثم بعثناكم من بعد موتكم) يعني أحييناكم بعد تلك الموتة ~~بالطور. # قال قتادة: أحياهم ليستوفوا آجالهم * (لعلكم تشكرون). PageV01P081 # * (لعلكم تشكرون (56) وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمن (57)) * * ~~قوله تعالى * (وظللنا عليكم الغمام) الغمام: من الغم. وأصله: التغطية ~~والستر ومنه يقال للقلب الحزين: ms0034 مغموم. لأن الحزن غطى قلبه. وللسحاب: غمام ~~لأنه يغطى وجه الشمس. ومنه قوله تعالى: * (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) أي: ~~ملبوسا عليكم. # ومعنى الآية: قال مجاهد: أراد بتظليل الغمام عليهم ما ذكر في قوله * (هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) وسيأتي شرحه. # وقال قتادة: إن قوما من بني إسرائيل بقوا في التيه فعطشوا، وتأذوا بحر ~~الشمس، وظلل الله عليهم غماما، كيلا يتأذوا. # * (وأنزلنا عليكم المن والسلوى) الأكثرون: على أن المن هو الترنجبين. ~~وقال قتادة: هو صمغة تقع على الشجر. وقال وهب: هو الخبز الرقاق. # وأما السلوى: قيل: إنه طائر يشبه السماني بعينه. وفيه قول غريب: أنه ~~العسل. # وفي القصص: أن الله تعالى كان ينزل عليهم ذلك كل صباح من طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس قدر ما يكفي ليومهم؛ إلا يوم الجمعة فإنه كان ينزل صباح الجمعة ~~والسبت جميعا، وما كان للجمعة ينزل عليهم يوم السبت. # وأما قوله عليه السلام: ' الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين ' فليس ذلك ~~من هذا المن وإنما معناه: أنها من عطاء الله من غير كلفة ولا مشقة. ~~PageV01P082 # * (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب ~~سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا) ~~* * (كلوا من طيبات ما رزقناكم) أي: من حلال ما رزقناكم. # * (وما ظلمونا) وما بخسوا بحقنا * (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). # فالظلم: بمعنى البخس والنقص، وأصله ما بينا. # قوله تعالى: * (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية) سميت القرية قرية؛ لأنها ~~تجمع أهلها. ومنه المقرآة للحوض؛ لأنه مجمع الماء. ومنه قرية النمل؛ لأنها ~~تجمع النمل، والمراد بالقرية هاهنا البيت المقدس. وقيل: هي أريحا موضع ~~هنالك. # * (فكلوا منها حيث شئتم رغدا) ومعنى الرغد ما سبق، وقيل: هو الرزق الواسع ~~الذي لا يضيق (ولا يعني) طالبه. # * (وادخلوا الباب سجدا) أراد بالباب: باب القرية. وقيل: هو باب حطة، وهو ~~باب إيلياء. # * (سجدا) أي: ركعا خضعا. وأصل السجود الخضوع وفي الركوع خضوع، وقال ~~الشاعر (بجمع تضل البلق في حجراته ms0035 * ترى الأكم فيه سجدا للحوافر) أي: ركعا ~~خضعا. # * (وقولوا حطة) قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه قولوا: حط ذنوبنا، ~~وقال الزجاج: تقديره: قولوا: مسألتنا حطة. وقال عكرمة: هو قول: لا إله إلا ~~الله. # * (نغفر لكم) تقرأ بقراءتين: ' نغفر لكم ' بالنون، و ' يغفر لكم ' بالياء ~~وهما PageV01P083 # * (قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما ~~كانوا يفسقون (59) وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر) * * ~~واحد. # وهو من الغفر، وهو الستر. ومنه المغفرة؛ لأنه يستر الرأس. كذلك المغفرة ~~تستر الذنوب. # * (خطاياكم) جمع الخطيئة وتجمع على الخطيئات أيضا، وهي الذنوب. يقال: خطئ ~~يخطئ خطأ وخطيئة، إذا أذنب متعمدا. # وأخطأ يخطئ إخطاء إذا أذنب خاطئا. # * (وسنزيد المحسنين) من فضلنا. # قوله تعالى: * (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) أجمعوا على أنهم ~~بدلوا قول الحطة بالحنطة، وقالوا بلسانهم: هطا سمقاثا. أي: حنطة حمراء. ~~وقيل: إنهم دخلوا الباب يزحفون على استاههم، وكان قد طوطىء لهم الباب، فما ~~استطاعوا أن يدخلوا قياما، وأبوا أن يدخلوا سجدا، فدخلوا يزحفون على ~~استاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول. # قوله تعالى: * (فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا ~~يفسقون). # الرجز. العذاب. والرجس: النتن. والرجز (بضم الراء) صنم على قول من قرأ * ~~(والرجز فاهجر) وقيل: أنزل الله عليهم إذ فعلوا ذاك طاعونا أهلك منهم أربعة ~~وعشرين ألفا في ساعة واحدة. # * (بما كانوا يفسقون) من المخالفة فعلا وقولا. # قوله تعالى: * (وإذا استسقى موسى لقومه) الاستسقاء طلب السقيا. والسبب في ~~ذلك: أن بني إسرائيل بقوا في التيه فعطشوا، فسألوا موسى أن يستسقي لهم، ~~ففعل. PageV01P084 # * (فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من ~~رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (60) وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على) * ~~* قوله تعالى: * (فقلنا اضرب بعصاك الحجر) اختلفوا في ذلك الحجر، منهم من ~~قال: كان حجرا معينا على قدر رأس الرجل. # وقيل: كان ذراعا في ذراع. وقيل: كان حجرا من الأحجار لا يعنيه، أي ms0036 حجر ~~كان. # * (فانفجرت منه) يعني: فضرب (وتفجرت). هكذا تقديره: منه * (اثنتا عشرة ~~عينا) على عدد الأسباط. * (قد علم كل أناس مشربهم) عرف كل سبط منهم مشربهم. # وقيل: كان يظهر فيه بضرب موسى [اثنتي عشرة] حفرة، يعرف كل سبط منهم ~~حفرته. # وقيل: كان يحمل الحجر مع نفسه في وعاء؛ فكلما احتاجوا إلى الماء ضرب موسى ~~على الحجر. * (كلوا) مما أنزلنا عليكم من المن والسلوى * (واشربوا) من هذه ~~المشارب. [* (من رزق الله)]. # * (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) العيث: أشد الفساد. وقيل: معناه: ولا ~~تسعوا في الأرض مفسدين. # قوله تعالى: * (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد) كأنهم أجمعوا ~~وسئموا من أكل المن والسلوى، فسألوا موسى أن يسأل لهم غيره من الطعام. # فإن قيل: كان لهم المن والسلوى، فلم سماهما واحدا؟! قيل: كانوا يأكلون ~~أحدهما بالآخر (فكان) كطعام واحد. PageV01P085 # * (طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها ~~وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا ~~مصرا) وقيل: إنه كان أبدا على نسق واحد، وكان من حيث اتساقه كطعام واحد. # * (فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها) سألوا هذه ~~الأطعمة. # وقوله تعالى: * (وفومها) اختلفوا فيه. اختلفوا فيه. قال ابن عباس، ~~والأكثرون: إنه الحنطة. وقيل: الخبز. وحكى أن بعض الأعراب قال لامرأته: ' ~~فومى لنا ' أي: أجزي لنا. # وقال الضحاك بن مزاحم: أراد به الثوم. فأبدل الثاء بالفاء. ومنه قول ~~الشاعر: # (كانت ديارهم إذ ذاك بارزة * فيها الفراديس والفومان والبصل) وقد قرأ أبي ~~بن كعب وابن مسعود: ' ونومها ' بالثاء * (وعدسها وبصلها). # قوله تعالى: * (قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) يعني: أتختارون ~~الأدنى على ما هو خير. فإن قيل: أليس فيما سألوا الحنطة والخبز، وهي خير من ~~المن والسلوى فلم سماه أدنى؟ قيل: أراد به أدنى في القيمة، أو أراد به أسهل ~~وجودا على العادة. # * (اهبطوا مصرا) أي: انزلوا واذهبوا إلى مصر. واختلفوا فيه، فالأكثرون ~~على أنه المصر المعروف. وقد ms0037 قرأ ابن مسعود: ' اهبطوا مصر ' غير منصرف. ومن ~~صرفه كان لقلة الحروف. # وقال الأعمش: أراد به مصر الذي عليه صالح بن علي، وهو المصر المعروف. ~~وقيل: كان مصرا من الأمصار لا بعينه يقول: أنزلوا مصرا * (فإن لكم ما سألتم ~~وضربت عليهم الذلة) قيل: أراد به الجزية، وقال عطاء بن السائب: هو الكستيج ~~والزنار. # وقال ابن عباس: أصحاب القبالات ممن ضربت عليهم الذلة. PageV01P086 # * (فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك ~~بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون (61) إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى) * * (والمسكنة) ~~والفقر، يقال: تمسكن الرجل أي صار فقيرا، وسمى الفقير مسكينا لأن الفقر ~~أسكنه وأقعده عن الحركة. # * (وباءوا بغضب من الله) أي: رجعوا واحتملوا غضب الله. # * (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله) والآية: العلامة. والآية: ~~الجماعة. يقال: خرج القوم بآيهم أي: بجماعتهم. والآية من القرآن مجمع كلمات ~~معلوم الأول والآخر. # قوله تعالى: * (ويقتلون النبيين). قرأ نافع بالهمز والمد. والباقون ~~بالتليين، وأصله الإنباء، فمن همزه كان على الأصل. ومن لينه فلكثرة ~~الاستعمال. # وقيل: هو مأخوذ من النبوة وهي المكان المرتفع، فعلى هذا يكون التليين على ~~الأصل. # وفي الحديث: ' أن رجلا قال: يا نبيء الله بالهمز والمد فقال: لست بنبي ~~الله إنما أنا نبي الله '. # قوله تعالى: * (ويقتلون النبيين بغير الحق) فإن قال قائل: لم قال: ' بغير ~~الحق ' وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق؟! قلنا: ذكره وصفا للقتل، ~~والقتل يوصف تارة بالحق، وتارة بغير الحق وهو مثل قوله تعالى * (قال رب ~~احكم بالحق). ذكر الحق وصفا للحكم لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق. ~~PageV01P087 # * (والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور) * ~~* (ذلك بما عصوا) من المعاصي * (وكانوا يعتدون) يتجاوزون الحد. # قوله تعالى: * (إن الذين آمنوا والذين هادوا) أراد بالذين هادوا اليهود، ~~وإنما سموا يهودا؛ لأنهم قالوا * (إنا هدنا إليك) ms0038 أي: ملنا إليك. # وقيل: لأنهم من أولاد يهودا بن يعقوب. والنصارى قوم يعرفون. وإنما سمعوا ~~نصارى؛ لأنهم نزلوا قرية تسمى ناصرة. وقيل: لقول عيسى: من أنصاري إلى الله ~~قالوا: نحن أنصار الله. # * (والصابئين) قرأ نافع باللين وقرأ الباقون بالهمز. وأصله الصبو وهو ~~الميل والخروج. # يقال: صبأ ناب البعير إذا خرج. وصبا قلبه إلى فلان أي: مال. قال الشاعر: # (صبا قلبي إلى هند * وهند مثلها (يصبي)) أي: مال قلبي إليها ومثلها تميل ~~القلب. # اختلوا في معناه؛ قال ابن عباس: هم قوم من اليهود والنصارى. # وقال قتادة: هم قوم يقرءون الزبور، ويعبدون الملائكة، ويصلون إلى الكعبة ~~(من آمن بالله). فإن قيل: قد ذكر في الجملة * (إن الذين آمنوا) فكيف يستقيم ~~قوله * (من آمن بالله)؟. # قيل: هذا في سلمان وأتباعه الذين آمنوا بمحمد قبل البعث. ثم أقروا به بعد ~~البعث. # وقيل: أراد به: من ثبت على الإيمان. وقيل: أراد بالذين آمنوا: المنافقين ~~الذين آمنوا باللسان. PageV01P088 # * (خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من ~~بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين (64) ولقد علمتم) * ~~* وقوله تعالى: * (من آمن بالله) يعني بالقلب مع اللسان * (بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) في ~~الآخرة. # قوله تعالى: * ([وإذ] أخذنا ميثاقكم) أي: عهدكم * (ورفعنا فوقكم الطور) ~~قيل: أراد به طور سيناء. # وقيل: كل جبل طور. وفي القصص: أن الله تعالى قلع جبل طور ورفع فوق رأسهم ~~وقال لهم: إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم، فقبلوا التوراة. ~~وعليه دل قوله تعالى: * (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع ~~بهم) الآية. # * (خذوا ما آتيناكم) من التوراة * (بقوة) بجد واجتهاد * (واذكروا ما فيه) ~~وادرسوا ما فيه. * (لعلكم تتقون) النار في الآخرة. # قوله تعالى: * (ثم توليتم من بعد ذلك) أعرضتم من بعد ما قبلتم التوراة * ~~(فلولا فضل الله عليكم ورحمته) يعني: بالإمهال والإدراج * (لكنتم من ~~الخاسرين) لمن المعذبين في الحال؛ كأنه رحمهم بالإمهال. # قوله ms0039 تعالى: * (ولقد علمتم الذين اعتدوا) أي: جاوزوا الحد، ويقال: تعدى ~~طوره. أي: جاوز حده. # * (منكم في السبت) وأصل السبت: القطع، وسمى يوم السبت بذلك؛ لأن اليهود ~~أمروا فيه يقطع الأعمال أراد به قوم أيله، وهي قرية على شط البحر وترك ~~الاصطياد في يوم السبت؛ فخالفوا واصطادوا. وقصتهم تأتي مشروحة في سورة ~~PageV01P089 # * (الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) ~~فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66)) * * الأعراف. # * (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) وهذا أمر تكوين ليس للعبد فيه صنع ولا ~~اختيار. # * (خاسئين) مبعدين. ومنه يقال: [أخسا] أي: أبعد. فإن قيل: لم قال: ' قردة ~~خاسئين ' وإنما تنعت القردة بالخاسئات؟ قيل: فيه تقديم وتأخير. وتقديره. ~~خاسئين قردة. # قوله تعالى: * (فجعلناها نكالا لما بين يديها) أي: فجعلنا عقوبتهم بالمسخ ~~نكالا. والنكال: اسم لكل عقوبة تنكل الناظر من فعل ما جعلت العقوبة جزاء ~~عليه. ومنه النكول من اليمين، وهو منع اليمين. # * (لما بين يديها) فإن قيل: كيف يكون نكالا لما بين يديها وهم قد مضوا؟ ~~قيل: أراد به الذين حضروا في ذلك الزمان. # * (وما خلفها) الذين يأتون من بعد ' وما ' هاهنا: بمعنى ' من ' وفيه قول ~~آخر: أراد ' لما بين يديها ': ما سبقت من الذنوب * (وما خلفها) ما حضرت من ~~الذنوب التي أخذوا بها. # وفيه قول ثالث: أراد ' بما بين يديها ' القرى التي كانت مبنية في الحال. ~~وما خلفها: بالحدث من القرى من بعد. # * (وموعظة للمتقين) من أمة محمد. PageV01P090 # * (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ~~قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ~~قال) * * قوله تعالى: * (وإذ قال موسى لقومه) واذكر إذ قال موسى لقومه: * ~~(إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) البقرة: الأنثى من البقر. وهي مأخوذة من ~~البقر، وهو الشق. سميت بذلك لأنها تشق الأرض بالحراثة. # وفي الخبر: ' أن النبي نهى عن التبقر في الأهل والمال ' أي: التوسع. ~~والقصة في ذلك: أنه كان في بني إسرائيل ms0040 رجل غني، وله ابن عم فقير، فاستطال ~~حياته فقتله، وحمله إلى حي آخر، وطرحه بفنائهم، ثم أصبح يطلب دمه. فسألوا ~~موسى أن يسأل ربه من القاتل؟ فسأل فأوحى الله تعالى [إليه] أن يأمرهم بذبح ~~البقرة. # فقال: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة * (قالوا أتتخذنا هزوا) لأنهم لما ~~سألوه أن يسأل ربه من القاتل؟ فقال: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فلبعد ~~ما بين السؤال والجواب، قالوا: أتتخذنا هزوا. وذلك من شدة جهلهم، وتبسطهم ~~في الكلام نسبوا نبيهم إلى الاستهزاء. # * (قال أعوذ بالله) أعتصم وأمتنع بالله. * (أن أكون من الجاهلين) ~~بالجواب، لا على وفق السؤال. لأن كل من سئل عن شيء فأجاب لا على وفق السؤال ~~يكون جاهلا. PageV01P091 # * (إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ~~(68) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء ~~فاقع لونها) * * قوله تعالى: * (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) هذا ~~استيصاف السن * (قال إنه يقول) يعني: فسأل فقال: إنه يقول: * (إنها بقرة لا ~~فارض ولا بكر عوان بين ذلك) قيل: الفارض الكبيرة المسنة، والبكر: الفتى، ~~والعوان ما بين ذلك. # ومنه يقال: عونت المرأة، إذا زادت على الثلاثين. ويقال: في المثل ' ~~العوان لا تعلم الخمرة ' أي: الاختمار. # وقيل: الفارض التي ولدت بطونا، والبكر: التي لم تلد أصلا، والعوان: التي ~~ولدت بطنا أو بطنين. * (فافعلوا ما تؤمرون) من الذبح. # قوله تعالى: * (ادع لنا ربك) سل لنا ربك. * (يبين لنا ما لونها) هذا ~~اسيتصاف اللون. * (قال إنه يقول إنها بقرة صفراء) قال الحسن: الصفراء: ~~السوداء. # ومنه قول الشاعر: # (تلك خيلي منه وتلك ركاب * هن صفر ألوانها كالزبيب) يعني سود، والصحيح: ~~أنه أراد به الصفراء المعهودة بدليل قوله: * (فاقع لونها) وإنما يقال: أصفر ~~فاقع، وأسود حالك، وأحمر قان، وأبيض يقق. ويقال: ذلك للمبالغة. # وقال سعيد بن جبير: كانت صفراء القرون والظلف. والصحيح: أنه كانت صفراء ~~بجميعها. # * (تسر الناظرين) أي تعجبهم وتدخل السرور في قلبهم من حسنها ms0041 وهذا دأب كل ~~حسن قد يرى. وقد قال النبي ' من لبس نعلا صفراء لم يزل في سرور حتى ينزعها ~~'. PageV01P092 # * (تسر الناظرين (69) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه ~~علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون (70) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير ~~الأرض) * * قوله تعالى: * (قالوا ادع لنا ربك) سل لنا ربك. * (يبين لنا ما ~~هي) وهذا استيصاف العمل أنها من العوامل أم لا؟ * (إن البقر تشابه علينا) ~~أي: اشتبه. * (وإنا إن شاء الله لمهتدون) وفي الخبر ' أنهم لو لم يقولوا: ~~إن شاء الله ما اهتدوا أبدا '. # قوله تعالى: * (قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض) الذلول: بين ~~الذلة، والذليل بين الذل، والبقرة الذلول التي أذلها العمل بإثارة الأرض. # * (ولا تسقى الحرث) ليست بساقية * (مسلمة) عن العيوب. * (لا شية فيها) ~~قال الزجاج: ليس فيها لون يخالف معظم لونها. # * (قالوا الآن جئت بالحق) فإن قيل: قد كان جاء بالحق في كل مرة. فما معنى ~~قوله * (الآن جئت بالحق)؟! قيل: معناه: الآن أتيت بالبيان التام الشافي ~~الذي لم يبق معه لبس ولا إشكال. # * (فذبحوها وما كادوا يفعلون) يعني: من غلاء ثمنها، لأنه روى أنهم ~~اشتروها بملء مسكها ذهبا. # وحكى عن عكرمة أنه قال: ما اشتروها بذلك، إنما اشتروها بثلاثة دنانير. # وقيل: معناه وما كادوا يفعلون من شدة اضطرابهم واختلافهم فيها، والأول ~~أصح. وفي الحديث أن النبي قال: * (شددوا على أنفسهم؛ فشدد الله عليهم. ولو ~~PageV01P093 # * (ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما ~~كادوا يفعلون (71) وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم * * ~~اعترضوا بقرة فذبحوها؛ حصل مرادهم '. # قوله تعالى: * (وإذ قتلتم نفسا) هذا في التلاوة مؤخر، وفي المعنى مقدم؛ ~~لأنه أول القصة. * (فادارأتم فيها) أي: اعوججتم ومنه قول الشاعر: # (فنكب عنهم درء الأعادي * وداووا بالجنون من الجنون) أي: اعوجاجهم. # وقيل: معناه: تدافعتم إذا كان يحيل بعضهم على بعض وأصل [الدرء] الدفع. # قوله تعالى: * (والله مخرج ما كنتم تكتمون) أي: مظهر ms0042 ما كنتم تكتمون؛ فإن ~~القاتل كان يكتم القتل. # قوله تعالى: * (فقلنا اضربوه ببعضها) أمر الله تعالى أن يضرب المقتول بعض ~~البقرة. واختلفوا في ذلك البعض؛ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: كان ذلك من ~~الغضروف إلى الكتف. قال مجاهد: وهو عجب الذنب. وقال غيره: هو الفخذ. وقال ~~بعضهم: اللسان. # وقيل: بعض منها لا بعينه؛ أي بعض: كان. # * (كذلك يحيى الله الموتى) لأنه أراهم إحياء المقتول حين ضرب ببعض ~~البقرة. وفي القصة: أنه لما ضرب ببعضها قام حيا وقال: ' قاتلي فلان '، ثم ~~سقط ميتا؛ فحرم قاتله الميراث. # وفي الخبر: أن النبي قال: ' ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة '. PageV01P094 # * (تكتمون (72) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته ~~لعلكم تعقلون (73) ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد) * * ~~(ويريكم آياته لعلكم تعقلون) تمنعون أنفسكم من المعاصي. # وقيل: إنما خص البقرة بذلك الذبح؛ لأنهم كانوا قد عبدوا العجل، فأراد أن ~~يريهم هوانها، وأنها تعجز عن دفع القتل عن نفسها. # أو ابتلاهم بالأمر بذبحها حتى [يراهم] هل يقتلون أم لا. # قوله تعالى: * (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك) يعني يبست وجفت، وجفاف القلب ~~بخروج الرحمة والرقة عنه. * (من بعد ذلك) من بعد ما ظهر لكم من تلك الآيات. ~~* (فهي كالحجارة) يعني في الصلابة * (أو أشد قسوة). # فإن قيل: لم قال: أو أشد قسوة و ' أو ' كلمة التشكيك؟ ولم شبه بالحجارة ~~والحديد أصلب من الحجارة؟. # قلنا: أما الأول معناه وأشد قسوة. وقيل: بل أشد قسوة، وهو مثل قوله ~~تعالى: * (إلى مائة ألف أو يزيدون) أو بل يزيدون. # وقال جماعة النحويين: معناه إن شئت مثلهم بالحجارة؛ وإن شئت مثلهم بما هو ~~أشد من الحجارة، فأنت مصيب في الكل. وهذا قول حسن. # وإنما لم يشبه بالحديد؛ لأنه قابل للين، فإنه يلين بالنار، وقد لان لداود ~~عليه السلام، والحجارة لا تلين قط. # قوله تعالى: * (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار) قيل: أراد به جميع ~~الحجارة. وقيل: أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط. ms0043 # * (وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء) أراد به عيونا دون الأنهار، وتكون ~~في بعض PageV01P095 # * (قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج ~~منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74)) ~~* * الأحجار * (وإن منها لما يهبط من خشية الله) أي ينزل من مخافة الله. # فإن قيل: الحجر جماد لا يفهم؛ فكيف يخشى؟! قلنا: قد قال أهل السنة: إن ~~لله تعالى علما في الموات لا يعلمه غيره. # وقيل: إن الله تعالى يفهمهم ويلهمهم ذلك فيخشون بإلهامه، وبمثل هذا وردت ~~الأخبار. # فإنه روى: ' أن النبي كان علي ' ثبير ' والكفار يطلبونه، فقال الجبل: ~~أنزل عني فإني أخاف أن تؤخذ على فيعاقبني الله بذلك. فقال له جبل حراء: إلى ~~يا رسول الله '. # وروى عن النبي أنه قال: ' كان حجر يسلم على بمكة قبل أن أبعث، وأنا أعرفه ~~الآن ' الخبر صحيح. # وفي الباب حديث أنس وسهل بن سعد، ' أن رسول الله كان يخطب إلى جذع في ~~المسجد قائما، فلما اتخذ له المنبر تحول إليه فلما رقاه حن الجذع '. # ويروي: ' أنه خار كما يخور الثور، حتى ارتج المسجد؛ فنزل رسول الله من ~~المنبر وكان الجذع يخور حتى التزمه فسكن. فخيره النبي بين أن يكون شجرة في ~~الدنيا أو شجرة في الجنة، فاختار الجنة، فأمر به فدفن '. PageV01P096 # * (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ~~وإذا خلا) * * وقد قال مجاهد: لا ينزل حجر من [الأعلى] إلى الأسفل إلا من ~~خشية الله. # ويشهد لكل ما قلنا. قوله تعالى: * (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله). # * (وما الله بغافل عما تعملون) أي: يشاهد ما تصنعون. # قوله تعالى: * (أفتطمعون) أي: ترجون * (أن يؤمنوا لكم) أي: يصدقونكم بما ~~تخبرونهم به. * (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما ~~عقلوه) وفيه قولان: أحدهما: أنهم سمعوا ms0044 التوراة ثم حرفوا ما فيها من ~~الأحكام ونعت محمد. # القول الثاني: أنه أراد به السبعين الذين حملهم موسى إلى الطور حين ~~قالوا: إن كنت ترى الله فينبغي أن نرى الله، وإن كنت تسمع كلام الله؛ ~~فينبغي أن نسمع كلام الله. فقال موسى: أما أنا فلا أرى الله، ولكني أسمع ~~كلامه، ثم سأل موسى ربه تعالى أن يسمعهم كلامه فقال الله تعالى: مرهم ~~فليصوموا كذا وليغسلوا أو ليلبسوا ثيابا جددا نظيفة، ثم ليحضروا ففعلوا ~~ذلك. وسمعوا كلام الله. # وفي التفسير: أنه قال لهم: أنا الله لا إله إلا أنا، أخرجتكم من مصر بيد ~~شديدة فاعبدوني ولا تشركوا بي شيئا، وافعلوا كذا، وكذا فلما سمعوا كلامه، ~~خرجت أرواحهم وماتوا فأحياهم الله تعالى فقالوا لموسى: إنا لا نطيق أن نسمع ~~كلامه، فاسمع أنت، وبلغنا إياه. ثم رجعوا إلى قومهم قالوا: قد سمعنا كلام ~~الله، وقد أمرنا أن نفعل كذا وكذا، لكنه قال: افعلوا إن شئتم أو إن ~~استطعتم. # وفي رواية قال: لا ترتكبوا كذا وكذا إلا أن يكون لكم بد؛ فارتكبوا، فهذا ~~معنى PageV01P097 # * (بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ~~ربكم أفلا تعقلون (76) أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) * * ~~قوله * (يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه) أي: فهموه (وهم ~~يعلمون) أنه الحق. # قوله تعالى * (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) أنزل في قوم من اليهود ~~آمنوا فنافقوا. * (وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم) والفتح بمعنى القضاء. قال الله تعالى: * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) ~~أي: قضينا لك قضاء بينا. # وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: تعال إلى الفتاح. وفي معنى الآية ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنهم قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم في اتباع محمد: آمنوا ~~به فإنه حق. ثم قال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليكون لهم ~~الحجة عليكم عند ربكم أي: يأخذونكم. # والقول الثاني: أنهم أخبروهم بما عذبهم الله به على الجنايات؛ فقال بعضهم ~~لبعض: أتحدثونهم ms0045 بما فتح الله عليكم من العذاب * (ليحاجوكم به عند ربكم) ~~ليروا الكرمة لأنفسهم عليكم الله. # والقول الثالث: أن النبي لما فتح خيبر حاصر بني قريظة قال لهم: ' يا إخوة ~~القردة والخنازير. فقال بعضهم لبعض: هذه الكلمة ما خرجت إلا منكم، يعني: ~~أنتم حدثتموه بذلك ' * (أفلا تعقلون). # قوله تعالى: * (أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) يعني: ~~أنه عالم بما أسروا (وأعلنوا). PageV01P098 # * (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78)) * * ~~قوله تعالى: * (ومنهم أميون) الأمي: الذي لا يقرأ ولا يكتب. وفي اشتاقه ~~قولان: # أحدهما: أنه من الأم، فالأمي باق على ما انفصل من الأم. # والثاني: من الأمة 0 وهي الخليقة، ومنه قول الشاعر: # (وإن معاوية الأكرمين * حسان الوجوه طوال الأمم) يعني بني معاوية. وطوال ~~الأمم أي الخلق. فالأمي: باق على ما كان عليه من أصل الخلقة. # * (لا يعلمون الكتاب إلا أماني) فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: قال مجاهد: ~~الأماني الأكاذيب. # ومنه قول عثمان رضي الله عنه: منذ أسلمت ما تمنيت ولا تغنيت أي: ما كذبت. ~~وقال ابن دأب لرجل ذكر شيئا: هذا شيء رويته أم شيء تمنيته. أي: اختلقته ~~واخترعته من تلقائك. # والقول الثاني: أنه التلاوة، أي: لا يعلمون الكتاب إلا التلاوة ومثله ~~وقوله: * (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) أي: تلاوته. وقيل في عثمان ~~رضي الله عنه: # (تمنى كتاب الله أول ليله * [فياليته] ما لاقى حمام المقادر) أي: تلا ~~كتاب الله والقول الثالث: قال الفراء والكسائي: هو من التمني، وذلك هي ~~أمانيهم الباطلة من قولهم * (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) ومن قولهم: ~~* (لن يدخل الجنة إلا PageV01P099 # * (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا ~~به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) وقالوا) ~~* * من كان هودا أو نصارى) ومن قولهم: * (نحن أبناء الله وأحباؤه) فعلى ~~قوله هذا ' إلا ' بمعنى ' لكن ' يعنى: لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون أشياء ~~لا تحصل لهم. # * (وإن هم إلا يظنون) قال ms0046 مجاهد: يكذبون. ولم يعرف أهل البصرة الظن بمعنى ~~الكذب؛ فقالوا: معناه: إلا يخرصون. # قوله تعالى: * (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ~~الله) فيه قولان: # أحدهما: أنهم كانوا يكتبون من عندهم أشياء، ثم يقولون للأعراب: هذا من ~~عند الله، يبتغونها منهم. وقيل: أراد به ما غيروا بأيديهم من نعت محمد في ~~التوراة؛ فإنه كان فيها أنه أكحل أعين، ربعة، سبط الشعر، فكتبوا فيها أنه ~~أشقر، أزرق طويل القامة، جعد الشعر. # * (ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم ما كتبت أيديهم) اختلفوا في الويل؛ ~~قال أبو سعيد الخدري ويروي ذلك مرفوعا عن النبي أيضا ' إن الويل واد في ~~جهنم يهوي فيه الكافر سبعين خريفا '. # وقال عثمان: هو جبل من نار. وأصل الويل: الهلاك ودعاء العذاب، فإن قيل: ~~ما PageV01P100 # * (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف ~~الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) بلى من كسب سيئة وأحاطت) * ~~* معنى قوله: * (مما كتبت أيديهم) والكتب لا يكون إلا باليد؟ قيل: ذكره ~~مبالغة في التحقيق. وقيل: معناه أنهم كتبوا بأنفسهم اختراعا. # * (وويل لهم مما يكسبون) من المعاصي. # قوله تعالى: * (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) اختلفوا فيه، ~~منهم من قال: أرادوا به أربعين يوما عدد ما عبدنا العجل. # ومنهم من قال: سبعة أيام. لأن مقدار زمان العالم سبعة آلاف سنة فقالوا: ~~نعذب بكل ألف سنة يوما. # وقيل: إنهم قالوا: سمعنا أنبياءنا أنهم قالوا: ما بين طرفي جهنم مسيرة ~~أربعين سنة فنحن نقطع في كل يوم مسيرة سنة فتبقى مسيرة جهنم في أربعين يوما ~~وننجو منها. # * (قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده) معناه: أني لكم بهذا؛ ~~قول من الله؟ فلا يخالف قوله. قوله: * (أم تقولون على الله مالا تعلمون). # قوله تعالى: * (بلى من كسب سيئة) ' بلى ' تذكر في جواب النفي. ' ونعم ' ~~تذكر في جواب الإيجاب. قال الله تعالى: * (ألست بربكم قالوا بلى). # وقال: * (ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ms0047 وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا قالوا بلى). وقال: * (فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم). * (بلى من ~~كسب سيئة) السيئة: الشرك. * (وأحاطت به خطيئته) أي: مات على الشرك. # وقيل: أراد بالسيئة: الكبيرة. * (وأحاطت به خطيئته) أي: أصر عليها، ومات ~~PageV01P101 # * (به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) وإذ أخذنا ميثاق) * ~~* غير تائب. وقال ابن السراج النحوي: معناه: انسدت عليه مسالك النجاة. * ~~(فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). # قوله تعالى: * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون) إلى آخر الآية، ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) قرأ أبي ~~بن كعب وابن مسعود: ' لا تعبدوا إلا الله ' على الأمر، والقراءة المعهودة ' ~~لا تعبدون '. # وتقرأ بالياء والتاء ومعناها واحد؛ فإن العرب قد تذكر المخاطبة في (موضع) ~~المغايبة، والمغايبة في موضع المخاطبة. وفي هذا الميثاق عهد وقسم، وتقديره: ~~والله لا تعبدون إلا الله. # * (وبالوالدين إحسانا) أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. والإحسان بهما البر ~~والعطف والتحنن، والنزول عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى. * (وذي ~~القربى) أي: أهل القرابات. * (واليتامى) اليتيم: اسم لمن لا أب له من ~~الآدميين. ولمن لا أم له من البهائم، وهو اسم للفقير منهم. # وقال علي رضي الله عنه: ' حفظت لكم عن رسول الله ستا: لا طلاق قبل ~~النكاح، ولا عتاق في غير الملك، ولا نذر في معصية الله، ولا يتم بعد الحلم، ~~ولا صمت يوم إلى الليل. ولا صوم وصال '. * (والمساكين) هم الفقراء كما سبق. ~~PageV01P102 # * (بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى ~~واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم ~~توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون ~~دماءكم ولا) * * (وقولوا للناس حسنا) تقرأ بقراءتين حسنا وحسنا. # وتقديره: وقولوا للناس قولا حسنا، أو وقولوا للناس قولا ذا حسن. وفي ~~معناه ثلاثة أقوال، أحدها: قال سفيان الثوري: القول الحسن هو الأمر ~~بالمعروف والنهي ms0048 عن المنكر. والقول الثاني: أنه اللين في القول، والمعاشرة ~~بحسن الخلق. # والقول الثالث: أنه خطاب لأهل التوراة يعني: وقولوا للناس صدقا في نعت ~~محمد في التوراة. # * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) سبق تفسيره. # * (ثم توليتم) أعرضتم * (إلا قليلا منكم) وذلك أن فريقا منهم قد آمنوا * ~~(وأنتم معرضون) كإعراض آبائكم. # قوله تعالى: * (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم) أي: لا يسفك بعضكم ~~دماء بعض. # وقيل: لا تسفكوا دماء غيركم فتسفك دماؤكم؛ فكأنكم سفكتم دماء أنفسكم. # * (ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) أي: لا يخرج بعضكم بعضا. # وقيل: معناه: لا تسيئوا جوار من جاوركم؛ فتلجئوهم إلى الخروج؛ بسوء ~~الجوار. # * (ثم أقررتم) أي: قبلتم * (وأنتم تشهدون) تعترفون بالقبول. # قوله تعالى: * (ثم أنتم هؤلاء) يعني: يا هؤلاء * (تقتلون أنفسكم) (بقتل) ~~بعضكم بعضا. PageV01P103 # * (تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء ~~تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم) * * ~~(وتخرجون فريقا منكم من دياركم تظاهرون) يقرأ بالتشديد والتخفيف وأصله: ~~تتظاهرون. فأدغمت التاء في الظاء. فصار مشددا ومعناه: تعاونون. # * (عليهم بالإثم والعدوان) فالإثم والعدوان: المبالغة في الظلم. وقد روى: ~~' أن النواس بن سمعان سأل رسول الله ما البر؟ فقال: ما اطمأنت إليه نفسك، ~~قال: ما الإثم؟ فقال: ما حاك في صدرك '. # قوله تعالى * (وإن يأتوكم أسارى) يقرأ بقرائتين ' أسرى، وأسارى ' وفرق ~~أبو عمرو بينهما في المعنى، فقال: الأسارى لمن كان في اليد مع الوثاق. ~~والأسرى: لمن كان في اليد من غير وثاق، ولم يرضوا منه بهذا الفرق، والصحيح: ~~أنهما واحد. # * (تفدوهم) و * (تفادوهم) قراءتان. قيل: هما في المعنى واحد، وقيل: ~~(تفادوهم) تقال في فداء الأسرى بالأسرى. وتفدوهم في الفداء بالمال. # * (وهو محرم عليكم إخراجهم) فيه تقدير وتأخير. وتقديره: وتخرجون فريقا ~~منكم من ديارهم؛ وهو محرم عليكم إخراجهم؛ تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان. # * (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) لأنهم خالفوا في البعض وامتثلوا ~~في البعض. PageV01P104 # * (والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم ms0049 إلا خزي في الحياة ~~الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) * * ~~قال السدى في كشف معنى الآية: إنهم أمروا بأربعة أشياء: أن لا يقتل بعضهم ~~بعضا. وأن لا يخرج بعضهم بعضا. وأن لا يتعاونوا على الإثم والعدوان. وأن ~~يفادوا الأسارى. فخالفوا في الثلاث وامتثلوا في المفاداة. # والقصة فيه: أن بني قريظة كانوا حلفاء الأوس، وبنو النضير كانوا حلفاء ~~الخزرج وكانت بين القبيلتين مقاتلة، فوقعت المقاتلة بين حلفاء القبيلتين، ~~ثم إذا وقع أسير من حلفاء إحدى القبيلتين في يد أخرى القبيلتين فأداه حلفاء ~~القبيلة الأخرى، مع كون الأسير من عدوهم، فإذا قيل لهم: لم تفادون؟ قالوا: ~~أمرنا بالمفاداة. فإذا قيل لهم: لم تقاتلون؟ قالوا: نحن حلفاؤهم فلابد لنا ~~من القتال معهم فهذا معنى الآية. # وقوله تعالى: * (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا) ~~يقال: خزي يخزى خزيا، من الذل والهوان. وخزي يخزي خزاية. من الخجل ~~والاستحياء والافتضاح. ومنه قول الشاعر: # (والموت خزيان ينظر خزيان *) أي: مستحي. # * (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعلمون). # * (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) اختاروا الدنيا على ~~الآخرة. # * (فلا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينصرون) يمنعون العذاب. # قوله تعالى: * (ولقد آتينا) أعطينا * (موسى الكتاب) التوراة * (وقفينا من ~~بعده بالرسل) أتبعنا. أي: يقفو رسول رسولا. # * (وآتينا عيسى ابن مريم البينات) فيه قولان؛ أحدهما: أنها المعجزات التي ~~أوتى PageV01P105 # (* (85) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ~~ولاهم ينصرون (86) ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما) * * عيسى ~~من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ونحو ذلك. # والقول الثاني: أنها الإنجيل. * (وأيدناه) قويناه من الأيد. وهو القوة. # * (بروح القدس) اختلفوا في الروح، قال الحسن وقتادة وهو إحدى الروايتين ~~عن ابن عباس أنه أراد به جبريل. وقيل: إنه أمر أن يسير معه حيث سار حتى صعد ~~به إلى السماء. وقيل: إن الروح هو الاسم الأعظم ms0050 الذي كان يحيى به الموتى. ~~وقيل هو الإنجيل. # وإنما سمى روحا؛ لأنه كان سببا لحياة القلوب؛ ولذلك سمى القرآن روحا. # وسمى عيسى روحا؛ لأنه حصل بتكوين الله من غير توليد والد. # وأما جبريل: فإنما سمى روحا؛ للطافته، أو لمكانه من الوحي الذي هو سبب ~~لحياة القلوب. # وأما القدس: قيل: إنه نعت جبريل. وأصل القدس: الطهارة. ومنه القدوس: وهو ~~الطهارة. والأرض المقدسة: المطهرة؛ وإنما وصف جبريل بالقدس لأنه لم يقترف ~~ذنبا قط. وكان طاهرا من الذنوب. # وقيل: القدس هو الله تعالى. # قوله تعالى: * (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم) لا تريد قلوبكم * ~~(استكبرتم) أنفتم وتعظمتم * (ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون). # فالمكذبون: مثل عيسى ومحمد. والمقتولون: مثل زكريا ويحيى صلوات الله ~~عليهم أجمعين. # قوله تعالى: * (وقالوا قلوبنا غلف) قرأ ابن عباس: غلف بضم اللام، وهو ~~قراءة الأعرج وابن محيض؛ وهو من الشواذ. PageV01P106 # * (لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) وقالوا ~~قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) ولما جاءهم كتاب) * ~~* والقراءة المعهودة بجزم اللام، وهم جمع الأغلف، ومعناه: قلوبنا في أوعية ~~مما تقول لا نفهم شيئا من ذلك وهذا مثل قوله تعالى: * (وقالوا قلوبنا في ~~أكنة). # وأما الغلف: بضم اللام: جمع الغلاف. ومعناه: قلوبنا أوعية العلم، وليس ~~فيها مما تقول شيء. أي: ما تقوله فليس بشيء. # * (بل لعنهم الله بكفرهم) طردهم الله عن الفهم والرحمة. وأصل اللعن: ~~الطرد والأبعاد وقال الشاعر: # (ذغرق به القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرجل اللعين) أي: مقام الذئب ~~اللعين، يعني: المطرود. # (فقليلا ما تؤمنون) قيل: أراد به المشركين ومعناه: قليل إيمانهم والمراد ~~[به] إيمانهم بأن الله خالقهم وخالق السماوات والأرض. # وقيل: أراد به أهل الكتاب؛ لأن الذين آمنوا منهم أقل من الذين آمنوا من ~~المشركين. # وقيل: معناه: فلا يؤمنون أصلا. # وحكى الكسائي عن العرب: قل ما تنبت هذه الأرض إلا الكراث والبصل. أي: لا ~~تنبت إلا الكراث والبصل. # قوله تعالى: * (ولما جاءهم كتاب من عند الله) يعنى القرآن. * (مصدق لما ~~معهم) من التوراة والإنجيل. ms0051 # * (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) يستنصرون؛ ومنه قول الشاعر: ~~PageV01P107 # * (من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) بئسما اشتروا ~~به) * * (ألا أبلغ بني عصم رسولا * فإني عن قباحتكم غنى) أي: عن نصرتكم. # وفي الخبر: ' أن النبي كان يستفتح بصعاليك المهاجرين '. أي يستنصر بهم في ~~الدعاء للغزوات. # ومعنى الآية: أن المشركين من قبل كانوا يؤذون اليهود فربما تكون الغلبة ~~لهم على اليهود في القتال؛ فقالت اليهود -: اللهم انصرنا بالنبي الأمي الذي ~~تبعثه في آخر الزمان، فكانوا ينصرون به، فلما بعث كفروا به. فهذا معنى قوله ~~* (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين). # قوله تعالى: * (بئسما اشتروا) بئس: اسم مستوف لكل ذم. ونعم: اسم مستوف ~~لكل حمد. * (اشتروا به أنفسهم) اختاروا لأنفسهم * (أن يكفروا بما أنزل ~~الله) من القرآن (بغيا) حسدا. والبغي: الظلم. وأصله الطلب؛ فالباغي طالب ~~للظلم. والحاسد: ظالم لأنه يريد زوال النعمة عن المحسود من غير جناية منه. ~~* (أن ينزل الله من فضله) من النبوة: * (على من يشاء من عباده) من ~~الأنبياء. # * (فباءوا) أي: رجعوا * (بغضب على غضب) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الغضب الأول عبادة العجل. والغضب الثاني الكفر بمحمد. # والقول الثاني: أن الغضب الأول تكذيب عيسى. والغضب الثاني تكذيب محمد. # والقول الثالث: أن الغضب الأول الكفر بالإنجيل. والغضب الثاني الكفر ~~بالقرآن. # * (وللكافرين عذاب مهين) أي: مخز. PageV01P108 # * (أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من ~~يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) وإذا قيل لهم ~~آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو ~~الحق) * * قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله) من القرآن. * ~~(قالوا نؤمن بما أنزل علينا) يكفينا ما أنزل علينا من التوراة. # * (ويكفرون بما وراءه) قال أبو عبيدة: بما بعده. قال الفراء: بما سواه ms0052 من ~~الكتب. وهو الأصح. * (وهو الحق) يعني: القرآن * (مصدقا لما معهم) من ~~التوراة . * (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) فإن قال ~~قائل: القتل كان من آبائهم فكيف خاطب الأبناء به؟ # الجواب قلنا: قتل الأنبياء وإن وجد من الآباء لكن الأبناء رضوا به، ~~ووالوهم عليه؛ فلهذا خاطب الأبناء به. وأيضا فإنه قال: * (فلم تقتلون ~~أنبياء الله من قبل) على صيغة الاستقبال، فكان اللائق بالحال أن يقول فلم ~~قلتم؟ # وأما قوله: * (فلم تقتلون) معناه: فلم قتلتم، لكن العرب قد تضع الماضي في ~~موضع المستقبل، والمستقبل في موضع الماضي، والدليل عليه قوله: * (من قبل إن ~~كنتم مؤمنين) يعني في زعمكم. # وقيل: معناه: ما كنتم مؤمنين على النفي. كقوله تعالى: * (قل إن كان ~~للرحمن ولد) أي: ما كان للرحمن ولد. وفيه قول آخر سيأتي. # قوله تعالى: * (ولقد جاءكم موسى بالبينات) بالمعجزات. * (ثم اتخذتم العجل ~~من بعده) في الهاء قولان: أحدهما: أنه عائد إلى موسى والثاني: عائد إلى ~~المجيء. * (وأنتم ظالمون) بذلك. # قوله تعالى: * (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم ~~بقوة) قد ذكرناه. * (واسمعوا) واقبلوا * (قالوا سمعنا وعصينا) يعني: سمعنا ~~بالآذان PageV01P109 # * (مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (91) ~~ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) وإذ ~~أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا) * * ~~وعصينا بالقلوب. # وقيل: إنهم لما سمعوا وخالفوا بالعمل؛ فكأنهم قالوا: سمعنا وعصينا. وإن ~~لم يقولوا ذلك ومثله قول الشاعر: # (امتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني) فقدر القول من الحوض ~~وإن لم يقل شيئا. # * (وأشربوا) أي: خلطوا، ومنه فلان مشرب اللون إذا اختلط بياضه بالحمرة. * ~~(في قلوبهم العجل) أي: حب العجل. فحذف المضاف، واكتفى بالمضاف إليه، ومثله ~~قول الشاعر: # (وكيف تواصل من أصبحت * خلالته كأبي مرحب) أي كخلالة أبي مرحب. # وفي القصص: أن موسى صلوات الله عليه أمر أن يبرد العجل بالمبرد، ثم أمر ~~أن يذر في النهر، وأمرهم ms0053 بالشرب منه، فكل من بقي في قلبه شيء من حب العجل ~~ظهرت سحالة الذهب على شاربه. * (قل بئسما يأمركم به إيمانكم) أي: بئس إيمان ~~يأمر بهذا. * (إن كنتم مؤمنين). # قوله تعالى: * (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون ~~الناس) لأنهم قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى؛ فعيرهم بذلك. # * (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) لأن من علم بدخول الجنة إذا مات يتمنى ~~الموت ولا يشق عليه أن يموت. # قوله تعالى: * (ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم) أخبر أنهم لن يتمنوا ~~ذلك، PageV01P110 # * (سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به ~~إيمانكم إن كنتم مؤمنين (93) قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ~~من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما) * * ~~كأن الله صرفهم عن تمني الموت؛ تصديقا للرسول، وتحقيقا لمعجزته، إذ كان ~~يمكن أن يتمنى بعضهم ذلك تكذيبا للرسول. # وفي الخبر قال: ' لو تمنوا ذلك لأخذهم الموت في الحال '. # * (والله عليم بالظالمين) منهم. قوله: * (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) ~~يعني اليهود. * (ومن الذين أشركوا) أي: وأحرص من الذين أشركوا. وهو مثل ~~قولهم: ' فلان أسخى الناس ومن هرم ' أي: وأسخى من هرم. # يريدون به هرم بن سنان. كان رجلا معروفا بالسخاوة، وله شاعر يقال له: ' ~~زهير بن أبي سلمى '. # والمراد بالذين أشركوا ها هنا: المجوس وذلك أنهم يقول بعضهم لبعض: عش ألف ~~سنة ' بزء هزا رسال ' فأخبر الله تعالى أن اليهود أحرص الناس على حب الحياة ~~ومن المجوس الذين يقولون ذلك. # * (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) كما وصفنا * (وما هو بمزحزحه) بمبعده * ~~(من العذاب أن يعمر) يعني لا يبعدهم طول العمر من العذاب. # * (والله بصير بما يعملون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (قل من كان عدوا لجبريل) في سبب نزول الآية قولان: ~~PageV01P111 # * (قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ~~ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن ms0054 ~~يعمر والله بصير بما يعملون (96) قل من كان عدوا لجبريل فإنه) * * أحدهما: ~~أن عمر رضي الله عنه قال لليهود: أنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على ~~موسى هل تجدون محمدا في كتابكم؟ فسكتوا. ثم عاودهم ثانيا، فقالوا: نعم. قال ~~عمر: فلم لم تؤمنوا به؟ قالوا: لأنه ينزل عليه جبريل؛ وهو عدونا؛ وهو الذي ~~يأتي بالعذاب، ولو نزل عليه ميكائيل لآمنا به. فقال عمر: أشهد أن من كان ~~عدوا لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدوا لهما فالله عدو له، فنزلت ~~الآية على وفق قول عمر. # وقد روى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ' وافقت ربي في ثلاث '. # ويروى: وافقني ربي في ثلاث '. أحدها: هذا والثاني: آية الحجاب؛ وذلك قوله ~~تعالى: * (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب). # والثالثة: الصلاة خلف مقام إبراهيم، وذلك قوله تعالى: * (واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى). # والقول الثاني: في سبب نزول الآية: * (أن ابن صوريا الأعور وكان أعلم ~~اليهود أتى النبي وقال: إني سائلك مسائل لا يعرفها إلا نبي، فإن أجبتني ~~عرفتك صادقا. فقال: سل. قال ابن صوريا: ما علامة النبي؟ قال: أن تنام عيناه ~~ولا ينام قلبه. قال: صدقت. ثم قال: كيف خلق الولد من الماءين؟ قال: إذا علا ~~ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنث ~~بإذن الله. # وقال: ومن ينزل عليك من الملائكة؟ قال جبريل فقال: لو نزل عليك ميكائيل ~~لآمنا PageV01P112 # * (نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97) ~~من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) * * ~~بك؛ فإنه عدونا فنزل قوله تعالى * (قل من كان عدوا لجبريل). # (وفيه أربع قراءات: ' جبريل ' على الكسر واللين، ' وجبريل ' على الفتح ~~واللين، ' وجبريل ' على الفتح والهمزة والإشباع ' وجبرئيل ' على الفتح ~~والهمز من غير إشباع. # و ' جبر ' بمعنى العبد، و ' ئيل ' اسم الله، وكذلك ميكائيل، ومعناه: ' ~~عبد الله '، أو ' عبد الرحمن '. كذا قال ابن عباس، والحسن بن علي. # فجبريل على وزن قنديل وبرطيل ms0055 وزنبيل، وجبرئيل على وزن عندليب، وجبريل لا ~~مثال له. # * (فإنه نزله على قلبك) يعني: قلب محمد * (بإذن الله مصدقا لما بين يديه) ~~من التوراة والإنجيل * (وهدى وبشرى للمؤمنين). # قوله تعالى: * (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل. [وميكال] فإن ~~الله عدو للكافرين). هذا الذي نزل على وفق قول عمر رضي الله عنه وقوله: * ~~(وجبريل و (ميكال)) وإن دخل في جملة الملائكة الرسل؛ لكن خصهما بالذكر ~~تشريفا. # قوله تعالى: * (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات) يعني القرآن وآياته. * (وما ~~يكفر بها إلا الفاسقون) أي: الكافرون. # قوله تعالى: * (أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم) قيل: أراد به العهد ~~الذي PageV01P113 # * (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (99) أو كلما ~~عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) ولما جاءهم رسول من ~~عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب) * * أخذه ~~الله على اليهود أن يؤمنوا بمحمد؛ فخالفوا ونبذوا. # وقيل: هو العهد الذي أخذه رسول الله على بني قريظة والنضير أن لا يعاونوا ~~المشركين على قتاله. فخالفوا ونبذوا. والنبذ. الطرح، ومنه قول الشاعر: # (نظرت إلى عنوانه فنبذته * كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا) * (بل أكثرهم لا ~~يؤمنون) وقد آمن قليل منهم. # قوله تعالى: * (ولما جاءهم رسول من عند الله) يعني: محمدا. # * (مصدق لما معهم) من الكتب * (نبذ فريق من الذين أتوا الكتاب كتاب الله ~~وراء ظهورهم) أراد به التوراة. # قال الشعبي: كانوا يقرءون التوراة ولا يعملون بها. فكذلك نبذهم. # وقال سفيان الثوري: أدرجوها في الحرير والديباج، وحلوها بالذهب والفضة، ~~ثم لم يعملوا بها، فهم نابذون. # وقيل: أراد بالكتاب القرآن * (كأنهم لا يعلمون) أي: لما خالفوا ما علموا ~~كأنهم لا يعلمون. # قوله تعالى: * (واتبعوا ما تتلوا الشياطين) يعني: اليهود * (ما تتلوا ~~الشياطين) أي: ما تلت، مستقبل بمعنى الماضي. قال الحطيئة: # (شهد الحطيئة حين يلقي ربه * أن الوليد أحق بالغدر) يعني: يشهد. # ومعنى قوله: * (تتلوا) أي: تحكي وتقص * (على ملك سليمان) على عهد ~~PageV01P114 # * (الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ms0056 (101) واتبعوا ما تتلو الشياطين على ~~ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما) * ~~* ملك سليمان. وقيل: في ملك سليمان. والقصة في ذلك: ما روى أن في زمن ~~سليمان صلوات الله عليه كانت سحرة، ولهم في ذلك كتب، فانتزع سلمان كتب ~~السحر من أيديهم ودفنها في صندوق تحت كرسيه، فلما توفي قالت الشياطين ~~للإنس: ألا ندلكم على كنز كان سليمان يفعل به ما كان: فاستخرجوا تلك الكتب. ~~وقال الجهال منهم: به كان يفعل سليمان ما يفعل. # وقيل: لما لم نزع الله الملك من سليمان، كتب الشياطين كتب السحر، ودفنوها ~~تحت الكرسي، فلما رد الله الملك إليه. بقي ذلك السحر مدفونا كما كان، فلما ~~توفي سليمان استخرجوا تلك الكتب وقالوا إن سليمان كان يفعل به ما يفعل. ~~وقيل: إن الشيطان تمثل في صورة النبي وقال لهم ذلك. وقيل: إنه وسوس إليه ~~ذلك، فهذا الذي تلت الشياطين على ملك سليمان. * (وما كفر سليمان) أي: وما ~~سحر سليمان. وقيل: أراد به الكفر المعهود. # * (ولكن الشياطين كفروا) يقرأ مخففا ومشددا فإذا شدد عمل في نصب ~~الشياطين. وإذا خفف بقي على الرفع * (كفروا) سحروا. ويحتمل الكفر المعهود * ~~(يعلمون الناس السحر) والسحر في اللغة عبارة عن تمويهات وتخييلات وخدع، قال ~~امرؤ القيس: # * (أرانا موضعين (لحتم) غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب) أي: نخدع. # وقال الفراء: السحر: قول يقوله إنسان يأخذ به الرجل عن امرأته. ~~PageV01P115 # * (أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا ~~إنما) * * وحكى عن الشافعي أنه قال: السحر يحيل ويمرض وقد يقتل. والسحر ~~يتحقق وجوده على مذهب أهل السنة ويؤثر، ولكن العمل به كفر، وتأثيره ما ~~ذكرنا، وقيل: إنه يؤثر في قلب الأعيان؛ فيجعل الآدمي على صورة الحمار، ~~والحمار على صورة الكلب. والأصح أنه يخيل ذلك كما بينا. # وقد سحر رسول الله فأثر فيه؛ روى: ' أن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبي ~~حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، فأطلعه الله عليه، فأمر به ~~فاستخرج منه بئر ذي ms0057 [أروان] وكان عليه إحدى عشرة عقدة؛ فأنزل الله تعالى ~~عليه المعوذتين؛ إحدى عشرة آية، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى إذا انحلت ~~العقد فكأنما أنشط من عقال '. # قوله تعالى: * (وما أنزل على الملكين) قرىء على النفي وهو محكي عن عطية ~~بن عوف، فعلى هذا في الآية تقديم وتأخير، تقديره: وما كفر سليمان، وما أنزل ~~على الملكين ببابل هاروت وماروت ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر، ~~وما يعلمان من أحد وهذا قول غريب. # والصحيح: أن ' ما ' بمعنى ' الذي '، يعني: والذي أنزل على الملكين. # وقرأ ابن عباس على ' الملكين ' بكسر اللام وهو في الشواذ. قال الحسن ~~البصري: هما كانا علجين من علوج بابل، ولم يكونا ملكين. # والصحيح أنهما كانا ملكين وهو القراءة المعهودة. # والقصة في ذلك ما حكى ابن عمر عن كعب الأحبار؛ وهو قول عطاء بن أبي رباح، ~~وجماعة من المفسرين قالوا: إن الملائكة تعجبوا من كثرة معاصي بني آدم، فقال ~~PageV01P116 # * (نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما ~~هم) * * لهم الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض. وركبت فيهم ما ركبت فيكم؛ ~~لفعلتم مثل ما فعلوا. فاختاروا من خيارهم ملكين؛ هاروت وماروت؛ فأنزلهما ~~الله تعالى إلى الأرض، وأخذ عليهما أن ألا يشركا ولا يقتلا، ولا يزنيا. قال ~~كعب: فما مضى عليهما اليوم إلا (وفعلا) الكل. # وفي القصة: أن المزني بها كانت زهرة؛ فمسخت شهابا، ورفعت إلى السماء، ~~فكان ابن عمر كلما رآها لعنها. # وفي القصة: أنهما لما ارتكبا ذلك خيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا ~~وعذاب الآخرة؛ فاختارا عذاب الدنيا؛ فعلقا بأرجلهما. # قال عطاء بن أبي رباح رؤوسهما [مطوية] تحت أجنحتهما. # وأما بابل: قال ابن مسعود: هي أرض الكوفة. وقيل: هو جبل دماوند. وقيل: هو ~~من نصيبين إلى رأس العين. وإنما سمي بابل لأنه تبلبلت فيه الألسن. أي: ~~تفرقت وانتشرت في البلاد. # * (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) والفتنة: ~~الابتلاء. ومنه يقال: فتنت الذهب في النار. أي: اختبرته، ليتبين الجيد من ms0058 ~~الرديء. # فإن قيل: ما معنى إنزال السحر على الملكين، وما معنى تعليم السحر من ~~الملكين، وكلاهما مستبعد؟! # قيل: أما إنزال السحر: بمعنى التعليم والإلهام يعني علما وألهما السحر. # وقيل: هو حقيقة الإنزال، وهو إنزال هيئة السحر وكيفيته؛ لينتهوا عنه، ~~وأما تعليم السحر من الملكين: بمعنى الإعلام. ومثله قول الشاعر: ~~PageV01P117 # * (بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد ~~علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو ~~كانوا) * * (تعلم أن بعد [الغي رشدا] * وأن لهذه الغبر انقشاعا) يعنى: ~~اعلم. # وقيل: هو على حقيقة التعليم، ثم فيه قولان: أحدهما: أنهما يعلمان كيفية ~~السحر لينتهوا) عنه كان الرجل يأتيهما فيقول: ما الذي نهى الله عنه؟ ~~فيقولان: الشرك. فيقول: وما الشرك؟ فيقولان: كذا وكذا. # ويأتيهما آخر فيقول: ما الذي نهى الله عنه؟ فيقولان: السحر. فيقول: وما ~~السحر [فيعلمانه] كيفية السحر لينتهي عنه، وكذا في كل المعاصي. # والقول الثاني: أنه تعليم ابتلاء، سلطهما الله على تعليم السحر ابتلاء ~~للناس حتى أن كل من تعلم واعتقد وعمل به كفر ومن لم يتعلم ولم يعمل به؛ لم ~~يكفر. والدليل عليه قوله تعالى: * (إنما نحن فتنة) أي: بلية * (فلا تكفر) ~~أي: لا تتعلم السحر. فتعمل به؛ فتكفر. # وقوله تعالى: * (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) يعني ~~السحر الذي يؤخذ به الرجل عن امرأته كما وصفنا. # * (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) معناه: إلا بتكوين الله، ~~فالساحر يسحر، والله يكون. # قال سفيان الثوري: معناه: إلا بقضاء الله وقدره. # * (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم) يعني: السحر يضرهم ولا ينفعهم. # (ولقد علموا لمن اشتراه) اختاره * (ماله في الآخرة من خلاق) من نصيب. ~~PageV01P118 # (يعلمون (102) ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا ~~يعلمون (103) يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ~~وللكافرين) * * (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) بئس اختيار ~~اختاروه لأنفسهم. # فإن قيل: أليس قد قال: * (ولقد علموا ms0059 لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق) ~~فما معنى قوله: * (لو كانوا يعلمون) وقد أخبر أنهم قد علموا؟ # قيل: أراد بقوله: * (ولقد علموا) الشياطين. وبقوله: * (لو كانوا يعلمون) ~~اليهود. # وقيل: كلاهما في اليهود؛ لكنهم لما لم يعملوا بما علموا؛ فكأنهم لم ~~يعلموا. # قوله تعالى: * (ولو أنهم آمنوا واتقوا) آمنوا بك يا محمد * (واتقوا) ~~الكفر والسحر * (لمثوبة) لثواب * (من عند الله خير لو كانوا يعلمون). # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا). معناه: أرعنا سمعك ~~واسمع منا وحقيقته (فرغ) سمعك لكلامنا. # * (وقولوا أنظرنا) أي: انتظرنا، وقيل: انظر إلينا. # وقرأ الأعمش: ' أنظرنا ' أي: أمهلنا. وقال الشاعر: # * (أبا هند فلا تعجل علينا * وأنظرنا نخبرك اليقينا) أي: أمهلنا. # * (واسمعوا) أي: أطيعوا. * (وللكافرين عذاب أليم) أي: عذاب مؤلم. وفي سبب ~~نزول الآية قولان: # أحدهما: أن الصحابة كانوا يقولون للنبي: ' راعنا ' ويريدون به ما ذكرنا، ~~فسمعه اليهود. وكان ذلك عندهم سبا وهو بمعنى يا أحمق. # وقد قرأ الأعمش: ' راعنا ' منونا، وقرأ الحسن: ' راعونا ' وهما لغتان من ~~الرعونة، PageV01P119 # * (عذاب أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ~~ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل) * * ~~فلما سمعه اليهود فرحوا به؛ حيث رأوهم يسبونه ولا يعلمون، وكانوا يقولون ~~ذلك للنبي موافقة للمسلمين في الظاهر، ويضحكون فيما بينهم، إنا نسبه وهم لا ~~يعلمون؛ فنزل قوله تعالى: * (لا تقولوا راعنا وقولوا أنظرنا) والقول ~~الثاني: أن قولهم ' راعنا ' كان فيه جفوة وخشونة؛ لأن حقيقته فرغ سمعك ~~لكلامنا حتى تفهم، وفي هذا نوع جفاء؛ فنزل قوله: * (لا تقولوا راعنا وقولوا ~~انظرنا) حتى يقولوا ما يقولوا على طريق التبجيل والمسألة. ويختاروا من ~~الألفاظ أحسنها ومن المعاني أحكمها. # قوله تعالى: * (ما يود الذين كفروا) أي: ما يحب، والود: الحب. # ومعنى الآية: أن الأنبياء قبله بعثوا من ولد إسحاق، فلما بعث النبي من ~~ولد إسماعيل؛ لم يقع ذلك بود اليهود ومحبتهم. وأما المشركون فإنما لم تقع ~~نبوته بودهم، لأنه جاء بتضليلهم، وعيب آلهتهم، فهذا ms0060 معنى قوله تعالى: * (ما ~~يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم) يعني عليك يا ~~محمد. ذكر الواحد بخطاب الجمع على ما هو عادة العرب * (من خير من ربكم) ~~يعني النبوة. * (والله يختص برحمته من يشاء) قال ابن عباس وأكثر المفسرين: ~~الرحمة بمعنى النبوة هاهنا. وقيل: بمعنى الإسلام. والهداية إليه. * (والله ~~ذو الفضل العظيم) الفضل [ابتداء] إحسان بلا علة. # قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية) قرأ ابن عامر ' ما ننسخ ' بضم النون وكسر ~~السين ومعناه ما تجده منسوخا وهو مثل قولهم: أحمدت فلانا. أي: وجدته ~~محمودا، وأبخلت فلانا. أي. وجدته بخيلا. # القراءة المعروفة * (ما ننسخ) على الفتح. PageV01P120 # * (العظيم (105) ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم ~~تعلم أن الله على كل شيء قدير (106)) * * والنسخ في اللغة: رفع الشيء ~~وإقامة غيره مقامه. يقال: نسخت الشمس الظل. أي رفعته وأقامت الضياء مقامه. # وقد يكون بمعنى رفع الشيء من غير إقامة غيره مقامه. # يقال: نسخت الرياح الآثار إذا رفعتها من أصلها من غير شيء يقوم مقامها. ~~والنسخ جائز في الجملة باتفاق الأمة. ونسخ القرآن على وجوه: # منها نسخ يوجب رفع التلاوة والحكم جميعا. وذلك مثل ما روى عن أبي أمامة ~~بن سهل بن حنيف ' أن قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرءوا سورة فلم يذكروا ~~منها إلا قوله: * (بسم الله الرحمن الرحيم) فغدوا على النبي وأخبروه بذلك ~~فقال عليه السلام: ' تلك سورة رفعت بتلاوتها وأحكامها '. # وقيل إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة؛ فرفع أكثرها تلاوة وحكما. # ومن النسخ ما يوجب رفع التلاوة دون الحكم وذلك مثل آية ' الرجم ' رفعت ~~تلاوتها وبقي حكمها. # ومنه ما يوجب رفع الحكم دون التلاوة. مثل آية ' \ الوصية للوالدين ~~والأقربين ' وآية ' عدة الوفاة بالحول ' ومثلها آية ' التخفيف في القتال ' ~~وآية ' الممتحنة ' ونحو ذلك. # ومن وجوه النسخ ما يوجب رفع الحكم وإقامة غيره مقامه، وذلك مثل القبلة ~~نسخت إلى الكعبة، والوصية نسخت إلى الميراث، وعدة الوفاة نسخت من الحول إلى ~~أربعة أشهر وعشرا، ms0061 ومقاومة الواحد العشرة في القتال نسخت إلى مقاومة الواحد ~~الاثنين. ونحو ذلك. PageV01P121 # * (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا) * * ومنها: رفع الحكم من غير إقامة شيء مقامه؛ وذلك مثل امتحان ~~النساء، نسخ من غير خلف. وكذلك أمثال هذا. # رجعنا إلى تفسير الآية فقوله: * (ما ننسخ من آية) أي: نرفع من آية. فأما ~~قوله: * (أو ننسها) اختلفوا في معناه. وقال ابن عباس معناه: أو نتركها فلا ~~ننسخ. وهو مثل قوله: * (نسو الله فنسيهم) أي تركوا الله فتركهم. ومنه قول ~~الشاعر: # (إن علي عقبة أقضيها * لست بناسيها ولا منسيها) أي: لست بناسيها ولا ~~تاركها. فعلى هذا يرجع قوله: * (نأت بخير منها أو مثلها) إلى قوله: * (ما ~~ننسخ من آية). # وقيل: معنى قوله: * (أو ننسها) يعنى ننسيها على قلبك يا محمد. وذلك مثل ~~ما روينا في حديث أبي أمامة. # وروت عائشة ' أن رسول الله سمع رجلا يقرأ سورة، فقال: إن هذا الرجل ذكرني ~~آية كنت نسيتها '. وهو نظير قوله تعالى * (سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء ~~الله) وقرأ ابن مسعود: ' ما ننسك من آية أو ننسخها ' وهذا يؤيد هذا القول؛ ~~فعلى هذا يكون الإنساء على القلب في معنى النسخ. # وفيه قول ثالث: معنى قوله أو ' ننسها ' أي: نأمر بتركها، ونبيح تركها، ~~وذلك مثل نسخ آية الممتحنة ونحوها. # فإن قال قائل: إذا كان الإنساء بمعنى إباحة الترك. فأي فرق بينه وبين ~~النسخ. # قلنا: هما وجهان من النسخ إلا أنه أراد بالنسخ الأول: رفع الحكم وإقامة ~~غيره مقامه، وأراد بالثاني: نسخ الحكم، من غير إقامة غيره مقامه. كما ~~ذكرنا. PageV01P122 # * (نصير (107) أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن * * ~~وقرأ أبو عمرو. وابن كثير ' أو ننسأها ' على الفتح والهمز وحكى أبو عبيد ~~القاسم بن سلام، عن أبي نعيم القارئ. أنه قال: رأيت رسول الله في المنام، ~~فقرأت عليه بحرف أبي عمرو فغير على شيئين: فقوله: ' وأرنا ' فقال: ' قل ~~وأرنا ' بكسر الراء قال أبو عبيدة: ms0062 وأحسبه قال الحرف الثاني: قوله: أو ' ~~ننسأها ' فقال: قل: ' أو ننسها ' النساء والإنساء: بمعنى التأخير، تقول ~~العرب: أنسأ الله أجلك ونسأ الله في أجلك. في معناه قولان: # أحدهما: أن معنى قوله: ' أو ننساها ' أي: نرفع تلاوتها، ونؤخر حكمهما، ~~كما فعل في آية ' الرجم '. ويكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة والحكم ~~جميعا. # والقول الثاني: أن معنى قوله: ' أو ننسأها ' أي نؤخر إنزالها، ونتركها في ~~اللوح المحفوظ، فلا تنزل. # وقوله: ' ما ننسخ من آية ' يعني: ما ينزل، أو ' ننسأها ' فلا ينزل، نأتي ~~بخير منها أو مثلها. # فإن قيل: أيش معنى قوله: * (نأت بخير [منها]) وآيات القرآن سواء، لا فضل ~~لبعضها على بعض. وإن أراد به الخير في السهولة، فقد نسخ الأسهل بالأشق، مثل ~~الصوم كان على التخيير بينه وبين الفدية، فنسخه بصوم رمضان على الحتم. فما ~~معنى الخيرية؟ # قلنا: قد قيل، تقديره: نأت منها بخير، أي: نرفع آية ونأت بآية. # والصحيح: أنه أراد بالخير الأفضل، يعني في النفع والسهولة. ومعناه: نأت ~~بخير منها، أي: أنفع وأسهل. PageV01P123 # * (يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) ود كثير من أهل الكتاب ~~* * (أو مثلها) في النفع والسهولة. وإن نسخ الأسهل بالأشق فمعنى الخير فيه ~~بالثواب. فإن ثواب الأشق أكثر. فإن قيل: هما سواء في (امتثال) الأمر فكيف ~~يختلفان في الثواب؟ والجواب: أن الله تعالى يجوز أن يثيب على الأشق أكثر ~~مما يثيب على الأسهل، وقد وعد الثواب على صوم رمضان ما لم يعد على الصوم ~~المخير فيه أولا. # وفيه قول آخر: أنه أراد بقوله: * (نأت بخير منها) في نسخ القبلة خاصة. # وبقوله: * (أو مثلها) على العموم، وذلك أن التوجه إلى الكعبة كان خيرا ~~للعرب وأدعى لهم إلى الإسلام؛ إذ كانت في قلوبهم نفرة عن التوجه إلى البيت ~~المقدس؛ لأنه قبله اليهود. # وفيه قول ثالث: أن المراد بقوله: * (نأت بخير منها) يعنى: في حال نسخ ~~الأول فإن الثاني - الذي نزل جديدا ويعمل به - خير من الأول المنسوخ الذي ~~لا يعمل به، وهذا قول بعيد. # قوله تعالى: * (ألم ms0063 تعلم أن الله على كل شيء قدير) فقوله: * (ألم تعلم) ~~وإن كان على صيغة الاستفهام، لكن المراد به التقرير. ومعناه: أنك تعلم أن ~~الله على كل شيء قدير. وكذلك قوله: * (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات ~~والأرض) وأما الملك: هو القدرة التامة. ومنه الملك. وهو السلطان التام ~~القدرة. # * (وما لكم من دون الله) قال أبو عبيدة: من بعد الله. وقال غيره: بما سوى ~~الله. * (من ولى) أي: وال وهو القيم بالأمور * (ولا نصير) ولا مانع من ~~العذاب. # قوله: * (أم تريدون أن تسألوا رسولكم) ' أم ' ترد في اللغة على وجوه. ~~PageV01P124 # * (لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين ~~لهم) * * فتكون بمعنى التقرير وهو المراد هاهنا. ومعناه: أنتم تريدون. # وقد ترد بمعنى التشكيك، يقال: رأيت زيدا أم عمرا؟ # وقد ترد ' أم ' بمعنى بل، قال الشاعر: # (بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وصورتها أم أنت في العين أملح) أي: ~~بل أنت في العين أملح. # * (أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) وفى معناه قولان: أحدهما: أنهم ~~سألوا الرسول فقالوا: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا كما قال ~~قوم موسى لموسى: * (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة). # والثاني: أنهم سألوا الرسول أن يجعل الصفا ذهبا؛ كما سأل قوم عيسى من ~~عيسى المائدة. والأول أظهر. والمراد بالآية: منعهم عن السؤالات المفتوحة ~~بعد ظهور البراهين. # * (ومن يتبدل الكفر بالإيمان) أي: يستبدل الكفر بالإيمان. وذلك أن مثل ~~ذلك السؤال بعد ظهور البرهان كفر. # * (فقد ضل سواء السبيل) أي: وسط السبيل. # وقيل: قصد السبيل. وهما سواء، وحكى عن عيسى بن عمر النحوي أنه قال: ما ~~زلت أكتب حتى انقطع سوائي أي: وسطي. # قوله تعالى: * (ود كثير من أهل الكتاب) يعني: أحب وتمنى كثير من أهل ~~PageV01P125 # * (الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير ~~(109) * * الكتاب * (لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا) قيل: نزل ذلك في ~~عمار وحذيفة؛ فإن اليهود دعوهم إلى دينهم ms0064 فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ ~~قالوا: شديد. قال عمار: فقد عاهدت الله ألا أكفر بمحمد. فقالوا لحذيفة: ما ~~تقول أنت؟ قال: الله ربى ومحمد نبيي، والقرآن إمامي. فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # وقيل: هو في حق الكفار والمسلمين على العموم؛ لأنهم ما زالوا يودون عود ~~المسلمين إلى الكفر. # * (حسدا) وذلك أنهم عرفوا أن محمدا نبيي حق، وأنهم باتباعه نالوا من ~~الإسلام ما لم ينالوه؛ فحسدوهم على دينهم. # فإن قيل: ما معنى قوله * (حسدا من عند أنفسهم) ولا يكون الحسد من عند ~~الغير؟ قيل: معناه: من تلقائهم لم ينزل به كتاب ولا ورد به أمر. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: ود كثير من أهل الكتاب من عند ~~أنفسهم لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا. # * (من بعد ما تبين لهم الحق) من بعد ما ظهر أنه حق. # قوله تعالى: * (فاعفوا واصفحوا) العفو: المحو، والصفح: الإعراض، وإنما ~~نزل هذا قبل آية القتال، ثم نسخ بآية القتال. # * (حتى يأتي الله بأمره) يعني: بشرع القتال. وقال ابن عباس معناه: حتى ~~يأتي الله بأمر: من فتح قسطنطينية، ورومية، وعمورية. # وقيل: حتى يأتي الله بأمره: من فتح قرى اليهود، مثل خبير، وفدك، وإجلاء ~~بني النضير، ومثل بني قريظة. # * (إن الله على كل شيء قدير) أي قادر. PageV01P126 # * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله إن الله بما تعملون بصير (110) وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ~~أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم ~~وجهه لله وهو * * قوله تعالى: * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) معلوم. # * (وما تقدموا لأنفسكم من خير) من طاعة * (تجدوه عند الله) ذخيرة لا تضيع ~~* (إن الله بما تعملون بصير). # قوله تعالى: * (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) تقديره: ~~قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا. وقالت النصارى: لن يدخل ~~الجنة إلا من كان نصرانيا؛ فاختصر اختصارا. # نزلت الآية في وفد نجران، وكانوا نصارى، اجتمعوا في ms0065 مجلس رسول الله مع ~~اليهود، فتنازعوا وكفر بعضهم بعضا، وكذب بعضهم بعضا؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآيات '. # * (تلك أمانيهم) يعنى: تمنيهم الباطل * (قل هاتوا برهانكم) ائتوا بالحجة ~~على ما زعمتم * (إن كنتم صادقين بلى من أسلم) يعني: ليس الأمر على تمنوا بل ~~الحكم للإسلام * (من أسلم وجهه) أخلص عبادته لله * (وهو محسن) مؤمن * (فله ~~أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). # قوله تعالى: * (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شيء) وهو ما جرى في مجلس رسول الله من منازعة اليهود مع ~~النصارى. فأما قوله: * (وهم يتلون الكتاب) يعني: أنه يكذب بعضهم بعضا ويضلل ~~بعضهم بعضا وهم يتلون الكتاب، وليس في كتابهم هذا الاختلاف، فدلت تلاوتهم ~~الكتاب ومخالفتهم ما في الكتاب على كونهم على الباطل. # * (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) قيل: أراد به المشركين. قاله ابن ~~عباس وقال مجاهد: أراد به عوام النصارى. # * (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) يريهم دخول ~~المسلمين PageV01P127 # * (محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) وقالت ~~اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون ~~الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما * * الجنة ودخولهم النار. # قوله تعالى: * (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~خرابها) قال ابن عباس، وقتادة، وجماعة من المفسرين: أراد بالآية النصارى ~~الذي عاونوا بختنصر المجوسي على تخريب بيت المقدس. # * (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) وذلك أن بيت المقدس موضع حج ~~النصارى، وموضع زيارتهم، فلا يدخله نصراني إلا خائفا، من ذلك الوقت إلى يوم ~~القيامة * (لهم في الدنيا خزي) أي: جزية لذميهم وقتل لحربيهم * (ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم) أي: عذاب النار. # وفيه قول آخر: أن الآية نزلت في المشركين الذين منعوا رسول الله من دخول ~~مكة عام الحديبية. # وقوله تعالى: * (وسعى في خرابها) لأنهم منعوا المسلمين من دخول ms0066 المسجد. ~~ولم يسلموا حتى دخلوا؛ فكأنهم سعوا في خرابها. # * (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) وهذا شرعنا ألا يمكن مشرك من ~~دخول الحرم. ولا يدخله أحد منهم إلا خائفا. # * (لهم في الدنيا خزي) هوان * (ولهم في الآخرة عذاب عظيم). # قوله تعالى: * (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) فيه ~~أربعة أقوال: # أحدهما: أنها نزلت في نسخ القبلة أي: الكعبة؛ فإنها لما حولت إلى الكعبة ~~عير اليهود المسلمين، وقالوا: ليست لهم قبلة معلومة، فتارة يستقبلون هكذا، ~~وتارة هكذا، فنزلت الآية ردا لقولهم. PageV01P128 # * (كانوا فيه يختلفون (113) ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا ~~خزي) * * والقول الثاني: ما روى عمر ' أن رسول الله كان يصلي على راحلته ~~أينما توجهت به راحلته؛ فنزلت الآية في إباحة النافلة على الراحلة أينما ~~توجهت به الراحلة '. # والقول الثالث: روى جابر أنه قال: ' كنا في سفر، فاشتبهت علينا القبلة، ~~فصلى كل واحد منا إلى جهة، وخط بين يديه خطا، فلما أصبحنا فإذا الخطوط إلى ~~غير القبلة، فسألنا عن ذلك رسول الله، فلم يأمرنا بالإعادة، ونزلت الآية في ~~معناه '. # والقول الرابع: أنه نزلت في ابتداء الإسلام، حين لم تكن القبلة معلومة، ~~وجازت الصلاة إلى أي جهة شاءوا. فعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية القبلة، ~~وهذا قول غريب. # وأما قوله: * (فثم وجه الله) قال مجاهد: قبلة الله. الوجه: بمعنى القبلة، ~~وكذلك الوجهة والجهة: هي القبلة. وقيل: معناه رضا الله، وقيل: معناه قصد ~~الله، ومنه قول الشاعر: # (استغفر الله ذنبا لست أحصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل) يعني: إليه ~~القصد والعمل. # وقد ذكر الله تعالى الوجه في كتابه في أحد عشر موضعا، وهو صفة لله تعالى ~~وتفسيره: قراءته والإيمان به. وسيأتي. PageV01P129 # * (ولهم في الآخرة عذاب عظيم (114) ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم ~~وجه الله إن الله واسع عليم (115) وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما ~~في السماوات والأرض كل له ms0067 قانتون (116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى ~~أمرا) * * (إن الله واسع) أي: غني يعطي من السعة * (عليم) أي: عالم ~~بالأمور. # قوله تعالى: * (وقالوا اتخذ الله ولدا) يعني: النصارى * (سبحانه) تنزيه * ~~(بل له ما في السماوات والأرض) ملكا وملكا * (كل له قانتون) القانت: ~~المطيع، وأصل القنوت: القيام. وفي الخبر: ' أن النبي سئل عن أفضل الصلاة، ~~فقال: طول القنوت ' أي: طول القيام. # وقوله: * (كل له قانتون) أي: قائمون بالعبودية. وفي معناه أقوال: # أحدها: قال ابن عباس: هو عام بمعنى الخصوص. والمراد به المسلمون، وبه قال ~~الفراء. ولم يرضه من الفراء نحاة البصرة، وقالوا: الكل يقتضي الإحاطة ~~بالشيء، بحيث لا يشذ منه شيء ومعناه: كل العباد قانتون. فالمسلم يسجد طوعا. ~~والكافر يسجد ظله كرها، كما قال الله تعالى: * (ولله يسجد من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال). # والقول الثاني: معناه: * (كل له قانتون) مذللون مسخرون لما خلقوا له. # والقول الثالث: * (كل له قانتون) يعني: في القيامة. # قوله تعالى: * (بديع السماوات والأرض) أي: مبدعها، قال ابن عباس: هو ~~الخالق لا على مثال سبق. ومنه المبتدع؛ لأنه أحدث ما لم يسبق إليه. # * (وإذا قضى أمرا) أي: أحكم وأتقن. وأصل القضاء: الفراغ ومنه يقال لمن ~~مات قضى نحبه لفراغه من الدنيا ومنه قضاء القاضي. لأنه فرغ عن فصل الحكومة. ~~ومنه قضاء الله وقدره. لأنه فرغ عنه تقديرا وتدبيرا. وقال الشاعر: ~~PageV01P130 # * (فإنما يقول له كن فيكون (117) وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله ~~أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا ~~الآيات لقوم) * * (وعليهما (مسرودتان) قضاهما * داود وصنع السوابغ تبع) أي: ~~صناع السوابغ، وقوله: قضاهما داود، أي: أحكمهما، فكذلك قوله: * (وإذا قضى ~~أمرا) أي: أحكم وأتقن * (فإنما يقول له كن فيكون) فإن قال قائل: كيف قال: ~~فإنما يقول له، والمعدوم لا يخاطب؟ قيل: قد قال ابن الأنباري: معناه: فإنما ~~يقول له أي: لأجل تكوينه، فعلى هذا ذهب معنى الخطاب. # وقيل: هو وإن كان معدوما، لكنه لما قدر وجوده، وهو كائن ms0068 لا محالة، كان ~~كالموجود: فصح الخطاب. # وفيه قول ثالث: أنه خرج على ما يفهمه الناس في العادة؛ فإن كل من يريد ~~فعلا فإما أن يقول قولا، أو يفعل فعلا. ومعناه: التكوين فحسب إلا أنه قال: ~~* (فإنما يقول له) لأنه كذا يفهمه الناس. # فأما قوله تعالى: * (فيكون) قرأ ابن عامر. ' فيكون ' بنصب النون، وهو ~~أظهر على النحو؛ لأنه جواب الأمر بالفاء. فيكون على النصب. # والقراءة المعروفة: ' فيكون ' بالرفع. ومعناه: فهو يكون. # قوله تعالى: * (وقال الذين لا يعلمون) قال ابن عباس: أراد به اليهود. # وقال مجاهد: أراد به النصارى. # (لولا يكلمنا الله) أي: هلا يكلمنا الله، ' ولولا ' في كل القرآن بمعنى ' ~~هلا ' إلا في موضع واحد؛ وذلك في قوله تعالى: * (فلولا أنه كان من ~~المسبحين) معناه: فلو لم يكن من المسبحين. PageV01P131 # * (يوقنون (118) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب ~~الجحيم (119) ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله هو * * (أو تأتينا آية) أي: آية نقترحها، كما اقترحوا من الآيات. * ~~(كذلك قال الذين من قبلهم) من الكفار في القرون الماضية. * (مثل قولهم ~~تشابهت قلوبهم) أي: أشبه بعضها بعضا في القسوة وطلب المحال. * (قد بينا ~~الآيات لقوم يوقنون). # قوله تعالى: * (إنا أرسلناك بالحق) أي: مع الحق، والصلات تتعاقب، ومثله ~~قوله تعالى * (فادخلي في عبادي) أي: مع عبادي. # والمراد بالحق: القرآن. وقيل: شريعة الإسلام. # * (بشيرا ونذيرا) أي: مبشرا ومنذرا (ولا تسئل عن أصحاب الجحيم) قرئ ~~بقراءتين. ' ولا تسأل '. ' ولا تسأل '. فأما قوله * (ولا تسأل): يعني: ~~أرسلناك غير مسؤول عن حال الكفار. وذلك مثل قوله: * (فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب). # وقرأ ابن مسعود ' وما تسأل ' وقرأ أبي بن كعب. ' ولن تسأل ' ومعنى الكل ~~واحد، وأما قوله: ' ولا تسأل ' له معنيان: أحدهما: أنه على معنى قولهم: لا ~~تسأل عن شر فلان؛ فإنه فوق ما تحسب. # وقيل: هو على النهى، وسببه ما روى محمد بن كعب القرظي: ' أن رسول الله ~~قال: ليت شعري ما فعل أبواي. فنزل قوله تعالى: (ولا تسئل ms0069 عن أصحاب الجحيم) ~~والجحيم: اسم للنار الشديدة الالتهاب. PageV01P132 # * (الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ~~ولي ولا نصير (120) الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ~~ومن يكفر * * قوله تعالى: * (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ~~ملتهم) معناه: ولن ترضى عنك اليهود إلا باليهودية، ولا النصارى إلا ~~بالنصرانية. # * (حتى تتبع ملتهم) والملة: الطريقة، ومنه خبز الملة. سمى الرماد الذي ~~جعل فيه الخبز: ملة؛ لأنه يظهر فيه آثار وخطوط. # * (قل إن هدى الله هو الهدى) يعني: دين الله: هو الدين الذي أنت عليه. # * (ولئن اتبعت أهواءهم) قيل: إنه خطاب للنبي، والمراد به الأمة لأنه كان ~~معصوما من اتباع الأهواء، ومثله قوله تعالى: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * ~~(بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير) معلوم. # وقيل معنى الآية: أن اليهود طلبوا من النبي المهادنة وقالوا: لا تحاربنا ~~ولا تقتلنا، وأمهلنا؛ فربما نسلم. فنزل قوله تعالى: * (ولن ترضى عنك اليهود ~~ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) يعني: إنك إن هادنتهم فلن يرضون بها. وإنما ~~يطلبون ذلك تعللا وافتعالا، ولا يرضون عنك إلا باتباع ملتهم. # قوله تعالى: * (الذين آتيناهم الكتاب) قيل: أراد به قوما من اليهود ~~أسلموا. # وقيل: أراد به قوما من النصارى جاءوا مع جعفر بن أبي طالب حين قدم من ~~الحبشة فأسلموا. # * (يتلونه حق تلاوته) قال ابن عباس، وابن مسعود: يحللون حلاله، ويحرمون ~~حرامه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه. # وقال الحسن: يعملون بأوامره، ويؤمنون بمحكمه، ويكلون المتشابه إلى الله ~~تعالى. وقال عكرمة: يتبعونه حق اتباعه من قولهم: تلا أي تبع ومنه قوله ~~تعالى: * (والقمر إذا تلاها). PageV01P133 # * (به فأولئك هم الخاسرون (121) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأني فضلتكم على العالمين (122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ~~ولا) * (أولئك يؤمنون به) يعني: ما ذكرنا * (ومن يكفر به فأولئك هم ~~الخاسرون) أي: الغالبون أنفسهم. # قوله - تعالى - * (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم واني ~~فضلتكم ms0070 على العالمين) أعاده تأكيدا لما سبق. # قوله تعالى: * (واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا) قد ذكرنا معناه. # * (ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) إن قيل: أليس قد ~~جعل الشفاعة للأنبياء وغيرهم، حيث قال: * (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) وقال ~~النبي: ' شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي '؟ قيل: أراد بقوله: * (ولا تنفعها ~~شفاعة) في قوم مخصوصين، وهم اليهود والكفار. # قوله تعالى: * (وإذ ابتلى إبراهيم ربه) أي: اختبر، ومعنى ابتلاء العباد، ~~ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء لأنه عالم بهم وبما يملكون منهم ولكن ليعلم ~~العباد أحوالهم، حتى يعرف بعضهم بعضا. * (بكلمات) وأما الكلمات: قيل: هي ~~التي وردت في الخبر في قوله ' عشر من الفطرة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. ~~والخمس التي في الرأس المضمضة والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، وفرق ~~الرأس. وأما اللواتي في الجسد مثل قلم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ~~والختان، والاستنجاء في رواية وغسل البراجم '. PageV01P134 # * (يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون (123) وإذ ابتلى ~~إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ~~ينال عهدي) * * وفي الخبر أن الله تعالى بعث جبريل إلى إبراهيم أن تطهر لي، ~~فتمضمض، ثم بعث إليه أن تطهر لي، فاستنشق هكذا إلى العشر، فلما أمره في ~~المرة العاشرة: أن تظهر لي. فنظر إلى بدنه، فلم يجد شيئا ينظفه فتنبه على ~~الختان فاختتن. # وفي الخبر: ' أنه اختتن بعد ثمانين سنة بالقدوم '. وهو اسم موضع، وعاش ~~بعده ثمانين. # وفي الأخبار: ' أن إبراهيم صلوات الله عليه. أول من قص الشارب، وأول من ~~اختتن وأول من قلم الأظفار، وأول من رأى الشيب، فلما رآه قال يا رب ما هذا؟ ~~فقال: الوقار فقال يا رب زدني وقارا '. # * (فأتمهن) أي فأداهن به تامة، قال ابن عباس: ما أتى أحد بسهام الإسلام ~~كما أتى بها الخليل إبراهيم صلوات الله عليه. # وفيه قولان آخران: أن معنى الكلمات: هو أن الله تعالى ابتلاه بالكوكب ~~فرضى عنه، وابتلاه بالقمر فرضى عنه، وابتلاه بالشمس ms0071 فرضى عنه. وابتلاه بنار ~~نمروذ فرضى عنه. وابتلاه بذبح الولد فرضى عنه. وابتلاه بالختان فرضى عنه. # وقوله تعالى: * (قال إني جاعلك للناس إماما) يعني في الخير، وقد يكون ~~الإمام في الشر؛ على طريق المجاز. كما قال تعالى: * (وجعلناهم أئمة يدعون ~~إلى النار) وحقيقة الإمام: أن يقصد، من فعله ما يقصد وهو من الأم: وهو ~~القصد. PageV01P135 # * (الظالمين (124) وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وآمنا واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ~~والركع * * (قال ومن ذريتي) أي: اجعل من ذريتي أئمة. # * (قال لا ينال عهدي الظالمين) أي: لا يناله من كان فيهم ظالما. واختلفوا ~~في هذا العهد، قال ابن عباس: هو النبوة. وقال مجاهد: أراد به الإمامة. وهو ~~الأليق بظاهر النسق، وفيه قول آخر: أنه الأمان من النار. # والظالم: الفاسق، وقيل: أراد به المشرك هاهنا. وهو مثل قوله تعالى: * ~~(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) أي: بشرك * (أولئك لهم الأمن) فجعل ~~الأمن لمن لا يشرك به، فكذلك قوله: * (لا ينال عهدي الظالمين) أي: أن أماني ~~لا يناله المشركون منهم. # قوله تعالى: * (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا) قال عطاء: مثابة أي: ~~مجمعا. # وقال غيره: مثابة أي: مرجعا، وهو مأخوذ من ثاب، أي: رجع، والبيت مثابة؛ ~~لأنهم يعودون إليه مرة بعد أخرى. # قال الضحاك: لا يقضون منه وطرا، أي: لا يملون منه. والمثاب والمثابة ~~بمعنى واحد، قال الشاعر: # (مثاب لأفناء القبائل كلها * تخب إليه اليعملات الذوامل) وأما قوله: * ~~(وأمنا) أي: ذا أمن. قال ابن عباس: أمنه أن يدخله الجاني فيأمن ولا يستوفي ~~منه حتى يخرج، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم. # وقال غيره: معناه: أنه مأمن من أيدي المشركين؛ فإنهم ما كانوا يتعرضون ~~لأهل مكة ويقولون: إنهم أهل الله وخاصته. وإنما كانوا يتعرضون لمن حوله. ~~كما قال الله تعالى: * (أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من ~~حولهم) فأما قول PageV01P136 # * (السجود (125) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من ~~الثمرات) ms0072 * * ابن عباس فمحمول على الاستحباب. وذلك الأولى عندنا؛ أن لا ~~يتعرض له حتى يخرج، لكن مع هذا أجاز الاستيفاء؛ لأن الحرم لا يمنع استيفاء ~~الحقوق. # قوله تعالى: * (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قرىء بقراءتين: ' واتخذوا ~~' على الخبر، ' واتخذوا ' على الأمر. وأما المقام بالفتح: موضع الإقامة. ~~والمقام بالضم: فعل الإقامة. ومعناه على القول الصحيح: أن مقام إبراهيم هو ~~الحجر الذي في المسجد، يصلي إليه الأئمة وذلك الحجر الذي قام عليه إبراهيم ~~عند بناء البيت، وبذلك سمى مقام إبراهيم. # وقيل: كان أثر أصابع رجله بينة فيه، واندرس من كثرة مسح الأيدي. # وفي الخبر: ' أن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة. ولولا ما مسته ~~أيدي المشركين. لأضاءا ما بين المشرق والمغرب '. # وقد روى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: وافقني ربي في ثلاث: # قلت لرسول الله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزل قوله تعالى: * ~~(واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى). # وفيه قول آخر: أنه أراد بمقام إبراهيم: جميع مشاهد الحج، مثل عرفة ~~والمزدلفة، وسائر المشاهد. PageV01P137 # * (من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره ~~إلى عذاب النار وبئس المصير (126) وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا) * * وقوله: * (مصلى) أي: مدعا؛ أمرهم أن يتخذوها مواضع ~~للدعاء. # وقوله تعالى: * (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) أي: أمرنا، والعهد هاهنا ~~بمعنى الأمر. # وأما إسماعيل: أصله: اسمع إيل، وذلك أن إبراهيم صلوات الله عليه كان يدعو ~~الله أن يرزقه ولدا، ويقول: اسمع إيل. فلما رزقه [الله] الولد سماه ~~إسماعيل. # وقوله تعالى: * (أن طهرا بيتي) يعني من الشرك والأوثان * (للطائفين) ~~الدائرتين حول الكعبة. * (والعاكفين) المقيمين المجاورين * (والركع السجود) ~~المصلين. ركع: جمع راكع، والسجود جمع ساجد. قال الكلبي ومقاتل: الطائفين: ~~هم الغرباء. والعاكفين: أهل مكة. # قال عطاء ومجاهد: الطواف للغرباء أفضل؛ لأنه يفوتهم، والصلاة لأهل مكة ~~أفضل؛ لأنه لا يفوتهم. # قوله تعالى: * (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا) أي: اجعل الحرم ~~ذا أمن * (وارزق أهله من الثمرات) وإنما دعا بذلك لأنه كان بواد ms0073 غير ذي ~~زرع. # وفي القصص: أن الطائف كانت مدينة من مدائن الشام بأردن، فلما دعا إبراهيم ~~هذا الدعاء، أمر الله تعالى جبريل حتى قلعها من أصلها، وأدارها حول البيت ~~سبعا، ثم وضعها موضعها الذي هي الآن فيه، فمن تلك ثمرات أهل مكة. # * (من آمن منهم بالله واليوم الآخر) دعا إبراهيم أن يرزق من الثمرات ~~المؤمنين خاصة. # * (قال ومن كفر) يقول الله تعالى: والكافرين أيضا؛ وذلك أن الله سبحانه ~~وتعالى وعد الرزق للخلق كافة، مؤمنهم وكافرهم. PageV01P138 # * (تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ~~ربنا وابعث * * (فأمتعه قليلا) يقرأ مخففا ومشددا ومعناهما واحد يعني: ~~أبقيه في النعمة قليلا. # وإنما ذكر القليل؛ لأن الإمتاع أصله الطول والكثرة. يقال: متع النهار. ~~أي: طال وارتفع. ونخلة ماتعة. أي: طويلة. وإنما أراد به الإمتاع في الدنيا ~~وهو قليل؛ لانقطاعه. # * (ثم اضطره) ألجئه * (إلى عذاب النار وبئس المصير) أي: المرجع. # قوله تعالى: * (وإذا يرفع إبراهيم القواعد من البيت) قال الفراء: ~~القواعد: أسس البيت. # وقال الكسائي: هي جدر البيت، وحكى أن ابن الزبير لما هدم البيت ليبنيه؛ ~~ظهرت أحجار بيض كبار فقال: هذه هي القواعد التي بنى عليها إبراهيم البيت. # وقال ابن عباس: إنما بنى البيت من خمسة أجبل: طور سيناء، وطور زيتا، ~~ولبنان وهو جبل بالشام والجودي، وهو جبل بالجزيرة، وحراء وهو جبل بمكة. # وفي الأخبار: أن الله تعالى بنى في السماء بيتا وهو البيت المعمور، ويسمى ~~صراح وأمر الملائكة أن يبنوا الكعبة في الأرض بحذائه، على قدره ومثاله. # وقيل: أول من بنى الكعبة آدم صلوات الله عليه - فاندرس ذلك زمان الطوفان، ~~ثم أظهره الله تعالى لإبراهيم حتى بناه. # قال: * (وإسماعيل ربنا تقبل منا) قرأ أبي بن كعب ' يقولان ربنا تقبل منا ~~' وهو في الشواذ، وهذا هو المعنى. * (إنك أنت السميع العليم) قوله تعالى: * ~~(ربنا واجعلنا مسلمين لك) يقول: مستسلمين، خاضعين، منقادين. PageV01P139 # * (فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ms0074 ويزكيهم إنك ~~أنت العزيز الحكيم (129) ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد) * ~~* (ومن ذريتنا أمة) والأمة: أتباع الأنبياء * (مسلمة لك) خاضعة لك * ~~(وأرنا) قرأ أبو عمرو ' مختلسا '، وقرأ غيره بكسر الراء * (مناسكنا) أي: ~~متعبداتنا. # والنسك: العبادة، ومنه يقال للعابد: ناسك، معناه: مواضع حجنا * (وتب ~~علينا إنك أنت التواب الرحيم). # قوله تعالى: * (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) يعني محمدا، وفي الخبر، أن ~~النبي قال: ' أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ' وأراد بدعوة إبراهيم هذا؛ ~~فإنه دعا أن يبعث في بني إسماعيل رسولا منهم. # قال ابن عباس: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح، وهود، وصالح، ~~وشعيب، ولوط، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد صلوات الله عليهم ~~أجمعين. # وفي القصص: أن لكل نبي ممن مضى [اسما واحدا] في القرآن إلا نبين يعقوب ~~وعيسى. أما يعقوب له اسمان: يعقوب، وإسرائيل، وأما عيسى له اسمان: ~~PageV01P140 # * (اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (130) إذ قال له ربه ~~أسلم قال أسلمت لرب العالمين (131) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن ~~الله) * * عيسى، والمسيح. # * (يتلو عليهم آياتك) يعني من القرآن * (ويعلمهم الكتاب) القرآن * ~~(والحكمة) فيها أقوال: # قيل: الحكمة فهم القرآن، وقال أبو بكر بن دريد صاحب الجمهرة: الحكمة كل ~~كلمة زجرتك ووعظتك ونهتك عن قبيح، ودعتك إلى حسن، وقيل: الحكمة الفقه. وهذا ~~قول حسن. # * (ويزكيهم) أي: يطهرهم، ويجعلهم أزكياء طهرة. وفيه قول آخر: أنه بمعنى ~~التزكية. يشهد الرسل بالنبوة من سائر الأمم وذلك أن مؤمني سائر الأمم شهدوا ~~للرسل بالنبوة وتبليغ الرسالة فهذه الأمة تزكى أولئك الشهود. # * (إنك أنت العزيز) قيل: هو الممتنع، والله ممتنع لا تناله الأيدي، ولا ~~يصل إليه شيء. وقيل: هو القوي الغالب. ومنه قوله تعالى: * (وعزني في ~~الخطاب) أي: غلبني. # ويقال في المثل: ' من عز بز ' أي: من غلب سلب * (الحكيم) معلوم. # قوله تعالى: * (ومن يرغب عن ملة إبراهيم) أي: طريقة إبراهيم * (إلا من ~~سفه نفسه) حكى أبو عبيد عن أبي عبيدة: معناه: أهلك نفسه. # وقال الزجاج: معناه ms0075 جهل نفسه، وكل سفيه جاهل، وذلك أن من جهل نفسه لم ~~يعرف الله. # وفي الأخبار: أن الله تعالى أوحى إلى داود: اعرف نفسك واعرفني. فقال ~~PageV01P141 # * (اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) أم كنتم شهداء إذ ~~حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله ~~آبائك) * * يا رب كيف أعرف نفسي، وكيف أعرفك؟ فأوحى الله إليه: اعرف نفسك ~~بالضعف والعجز والفناء، واعرفني بالقوة والقدرة والبقاء. # وقيل: معناه سفه نفسه وجعله سفيها، وفيه قول رابع: معناه سفه في نفسه، ~~فحذف كلمة ' في ' فصار: سفه نفسه. # * (ولقد اصطفيناه) اخترناه * (في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) من ~~الأنبياء. # قوله تعالى: * (إذ قال له ربه أسلم) يعني أي: استسلم وأخلص عبادتك لله. # * (قال أسلمت لرب العالمين) أخلصت وفوضت إليه. # قال ابن عباس: وقد حقق التفويض إليه، ولم يستعن بأحد من الملائكة حين ~~ألقى في النار. # قوله تعالى: * (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب) قرىء ' وأوصى ' من ~~الإيصاء. ' ووصى ' من التوصية وهي للمبالغة والتكثير، يعني أوصى إبراهيم ~~بنيه. وأوصى يعقوب بنيه. * (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين) اختار لكم دين ~~الإسلام * (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) فإن قيل: كيف قال: فلا تموتمن إلا ~~وأنتم مسلمون وليس بيدهم أن لا يموتوا إلا مسلمين؟ # قيل معناه: داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت. إلا وأنتم مسلمون، ~~وهذا كقول القائل: لا أريتك تفعل كذا معناه: لا تفعل كذا، حتى لا أراك وأنت ~~فاعل له. PageV01P142 # * (إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (133) تلك أمة قد ~~خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (134) وقالوا) ~~* * قوله تعالى: * (أم كنتم شهداء) بمعنى: أكنتم شهداء والمراد به ما كنتم ~~شهداء. # * (إذا حضر يعقوب الموت) أي: ما كنتم حضورا حين قرب يعقوب من الموت. # * (إذ قال لبنيه) وهم اثنا عشر سبطا. على ما سيأتي * (ما تعبدون من بعدي) ~~أي: أيش تعبدون من بعدي * (قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ms0076 ويعقوب إلها واحدا ونحن له مسلمون) وقرأ الحسن البصري وعاصم ~~الجحدري. ' وإله أبيك ' كأنه على هذه القراءة لم يجعل العم ولا الجد أبا. # والقراءة المعروفة ' وإله آبائك ' فجعل الجد والعم أباء. # وإبراهيم هو الجد وإسماعيل هو العم. وقد سمى رسول الله عمه العباس أبا ~~حيث قال: ' إنه من بقية آبائي '. وقال: ' ردوا على أبي كيلا تفعل به قريش ~~ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود ' وذلك أنهم قتلوه. # قوله تعالى: * (تلك أمة قد خلت) أي: مضت * (لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ~~ولا تسألون عما كانوا يعلمون) معناه: يجازي كل بكسبه، ويسأل كل عن عمله. ~~والله أعلم. # قوله تعالى: * (وقالوا كونوا هودا أو نصارى) هود جمع هائد، وهو مثل حائل ~~وحول. وقيل: كان أصله كونوا يهودا فحذفت الياء فصار: هودا. # وقيل: هود مصدرها يهود هودا، فهو مصدر بمعنى الجمع كما يقال: قوم صوم ~~PageV01P143 # * (كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (135) قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق) * * وقوم فطر. # ومعناه: قالت اليهود: كونوا يهودا وقالت النصارى كونوا نصارى فهذا معنى ~~قوله تعالى * (كونوا هودا أو نصارى تهتدوا). # * (قل بل ملة إبراهيم حنيفا) قرأ الأعرج ' بل ملة ' بالرفع. ومعناه بل ~~ملتنا ملة إبراهيم. # والقراءة المعروفة: * (بل ملة إبراهيم) أي: بل نتبع ملة إبراهيم. # وقيل: معناه: بل نكون على ملة إبراهيم، فحذف ' على ' فصار منصوبا. # قال الكسائي: هو نصب على الإغراء كأنه يقول: اتبعوا ملة إبراهيم حنيفا، ~~وأما الحنيف: هو المسلم، وأصله الميل، ومنه الأحنف وهو: المائل القدم، ~~والمسلم مائل من سائر الأديان إلى ملة الإسلام. # وقيل: معناه المستقيم، فسماه حنيفا على الضد كما يقال للمهلكة: مفازة ~~وللديغ سليم. # وقيل: الحنيف هو الحاج المختتن؛ وذلك أنه لم يبق مع العرب من ملة إبراهيم ~~إلا الحج والختان، وكانوا يعرفون كل من حج واختتن على ملة إبراهيم، وعرفوا ~~الرجل بذلك حنيفا. فقال: بل ملة إبراهيم حنيفا على وفق ما عرفوا * (وما كان ~~من ms0077 المشركين). # قوله تعالى: * (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ~~ربهم). # قال الضحاك: علموا أولادكم أسماء الأنبياء المذكورين في القرآن كي يؤمنوا ~~بهم، ولا تظنوا أن الإيمان بمحمد يكفي عن الإيمان بسائر الأنبياء. ~~PageV01P144 # * (ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) فإن آمنوا بمثل ما أمنتم به فقد ~~اهتدوا وإن) * * وفي الخبر: ' أن النبي قرأ في الركعة الأولى من ركعتي ~~الفجر هذه الآية قوله تعالى * (آمنا بالله) إلى آخرها. وقرأ في الركعة ~~الثانية * (قل آمنا بالله وما أنزل علينا...) إلى آخرها '. أخرجه مسلم في ~~الصحيح. # حكى عن السلف أنهم كانوا إذا قيل للرجل منهم: [أمؤمن أنت]؟ قرأ * (آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا...) الآية. # وأما الأسباط: هم اثنا عشر سبطا وهم أولاد يعقوب والأسباط في بني إسرائيل ~~كالقبائل في [العرب]. # وقيل: السبط: الشجر، سمى بذلك لكثرة فروعه. # * (لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) أي: نؤمن بالكل، ولا نفضل البعض ~~عن البعض. # قوله تعالى: * (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به) قرأ ابن عباس ' بالذي آمنتم ~~به ' وهو المعنى. فقيل معناه: بما أمنتم به. # والمثل: ضد كما في قوله: * (ليس كمثله شيء) ومعناه: ليس كهو شيء. # قال الشاعر: # (يا عاذلي دعني عن عذلكا * مثلي لا يقبل من مثلكا) PageV01P145 # * (تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) صبغة ~~الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138)) * * أي: لا يقبل منك. # وقال الزجاج: معناه فإن أتوا بإيمان كإيمانكم، وتصديق كتصديقكم، وتوحيد ~~كتوحيدكم، وقال أبو معاذ النحوي: معناه فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم ~~بكتابهم. # * (فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق) أي: منازعة؛ لأن كل منازع ~~يكون في شق آخر عند المنازعة. # * (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) وعده أن يكفيه شرهم، وقد كفى ~~بإجلاء بني النضير وقتل بني قريظة، وضرب الجزية على اليهود والنصارى، ms0078 وقتل ~~المشركين. # (وهو السميع العليم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (صبغة الله) قال ابن عباس في رواية الكلبي وقتادة، والحسن، ~~وعكرمة، والسدي: معناه: دين الله. وإنما سماه صبغة؛ لأنه يظهر أثر الدين ~~على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب. # وقال مجاهد: معناه: فطرة الله. وهذا يقرب من الأول. # وقيل: أراد به الختان. وقوله (صبغة الله) أي: تطهير الله بالختان، وإنما ~~سماه صبغة؛ لأنه أقامه مقام فعل النصارى، وذلك أنهم كانوا يصبغون الولد في ~~ماء أصفر بدل الختان في زي اليهود. ويعدونه تطهيرا للولد فالله تعالى أقام ~~التطهير بالختان في حق المسلمين مقام ما صبغوا. # قال الكسائي: هو نصب على الإغراء وتقديره: ألزموه دين الله. ومن أحسن من ~~الله دينا، أو ألزموا تطهير الله * (ومن أحسن من الله صبغة) أي: تطهيرا * ~~(ونحن له عابدون). PageV01P146 # * (قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن ~~له مخلصون (139) أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط * * ~~قوله تعالى: * (قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم) والمحاجة: المجادلة ~~بالحجة لإظهار الحق. # نزلت في اليهود ونصارى نجران حيث حاجوا رسول الله وقالوا: ديننا أقدم من ~~دينكم وكتابنا أقدم من كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، فنزل قوله: قل يا ~~محمد * (أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم) أي: نحن وأنتم سواء في الله ~~فإنه ربنا وربكم. # (ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم) أي: نجازي بأعمالنا وتجازون بأعمالكم (ونحن ~~له مخلصون) يعني: كيف تدعون أنكم أولى بالله ونحن له مخلصون وأنتم به ~~مشركون؟ # قوله تعالى * (أم تقولون) يعني: أتقولون؟ والصيغة صيغة الاستفهام، ومعناه ~~التوبيخ يعني أتقولون (إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا ~~هودا أو نصارى). وذلك أنهم ادعوا أن هؤلاء الأنبياء كانوا يهودا أو نصارى. # * (قل أأنتم أعلم أم الله) وذلك أن الله تعالى قد أعلم المسلمين أنهم ~~كانوا على الدين الحنيفية وما كان يهودا ولا نصارى، كما قال تعالى: * (ما ~~كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما). # * (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من ms0079 الله) فيه قولان: # أحدهما: أنه أراد به أن الله تعالى قد أشهدهم في كتبهم علي أن إبراهيم ~~كان على الدين الحنيفية، ولم يكن يهوديا ولا نصرانيا؛ فكتموا تلك الشهادة. # وقيل أراد بالشهادة على نعت محمد. # * (وما الله بغافل عما تعملون) أي: لا يخفى عليه شيء مما تعملون. # قوله تعالى: (تلك أمة قد خلت) أي: مضت * (لها ما كسبت ولكم ما ~~PageV01P147 # * (كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة ~~عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون (140) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ~~ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (141) سيقول السفهاء من الناس ~~ما ولاهم) * * (كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) يعني: أنكم غير مسؤولين ~~عن أعمالهم بل هم المسؤولون. # فإن قيل: هذا تكرار؛ فإنه قد ذكره مرة. # قلنا: أما الأول: كان في الأنبياء الذين سبق ذكرهم. وهذا الثاني: في ~~اليهود والنصارى الذي سبق ذكرهم في هذه الآيات. أو كرره تأكيدا. # وحكى عن بعض العلماء أنه سئل عما وقع من الفتن بين علي ومعاوية وطلحة ~~والزبير وعائشة رضوان الله عليهم - فقرأ * (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ~~ولكم ما كسبتم...) الآية وهذا جواب حسن في مثل هذا السؤال. # قوله تعالى: * (سيقول السفهاء من الناس) أي: يقول السفهاء الجهال، ~~والسفيه: خفيف الحلم والعقل. ومنه الثوب يعني السفيه ويقال: رمح سفيه، أي: ~~سريع النفوذ. # * (ما ولاهم) ما عدلهم وحرفهم * (عن قبلتهم التي كانوا عليها) يعني: بيت ~~المقدس * (قل لله المشرق والمغرب) يوجه العباد إلى أيهما شاء * (يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم) أي: طريق مستقيم. والطريق المستقيم: هو الموصل إلى ~~المقصود. # ونزلت الآية في اليهود؛ حيث عيروا المسلمين على تحويلهم من بيت المقدس ~~إلى الكعبة. # قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم) يعني: كما اخترنا الأنبياء واخترنا بني ~~إسرائيل من الخلق فكذلك اخترناكم من الأمم. (أمة وسطا) أي: عدلا خيارا. قال ~~الشاعر: PageV01P148 # * (عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى ~~صراط ms0080 مستقيم (142) وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون) ~~* * (هم وسط يرضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم) وفي الخبر ~~أن النبي قال: ' إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأعدلها ' وقد ورد في ~~الخبر عنه أنه قال: ' خير الدين النمط الأوسط ' يعني الذي ليس فيه غلو ولا ~~تقصير. وذلك دين الإسلام؛ لأن النصارى غلوا في دينهم، واليهود قصروا. وأما ~~المسلمون أخذوا بالنمط الأوسط. # (لتكونوا شهداء على الناس) وذلك يوم القيامة، حين يسأل الأمم عن إبلاغ ~~الرسل، فينكرون تبليغهم الرسالة. فيسأل الرسل فيقولون: بلغنا، فيقال لهم: ~~ومن يشهد لكم؟ فيأتون بهذه الأمة فيشهدون لهم بالبلاغ. فتقول الأمم: إنهم ~~أتوا بعدنا فكيف يشهدون بذلك؟ فيسأل هذه الأمة. فيقولون: أرسلت إلينا ~~رسولا، وأنزلت علينا كتابا، وأخبرتنا فيه ببلاغ الرسل، وأنت صادق فيما ~~أخبرت، فبذلك نشهد لهم بالبلاغ. # (ويكون الرسول عليكم شهيدا) على أعمالكم. # وقيل: معناه مزكيا مصدقا علي شهادتكم. # قوله تعالى: * (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) أي: ما حولنا القبلة من ~~بيت المقدس إلى الكعبة * (إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) ~~فإن قال قائل: ما معنى قوله: * (إلا لنعلم) وهو عالم بالأشياء قبل كونها؟ ~~PageV01P149 # * (الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من ~~يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ~~وما كان الله) * * قلنا بلى كان عالما به علم الغيب، وإنما أراد بهذا: ~~العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب، وهو العلم بوجود الأتباع؛ فإن كونه ~~موجودا إنما يعلم بعد الوجود. # وقيل: معناه إلا لنرى، وهو قريب من الأول. # وقيل: الابتلاء مضمر فيه، وتقديره: إلا لنبتلي فيظهر المتبع من المنقلب، ~~وفي الخبر: ' أن القبلة لما حولت إلى الكعبة، ارتد قوم من المسلمين إلى ~~اليهودية، وقالوا: إن محمدا رجع إلى دين آبائه '. فهذا معنى قوله: * (ممن ~~ينقلب على عقبيه) وقوله تعالى: * (وإن كانت لكبيرة) لثقيلة. # قيل: معناه: وإن كانت القبلة لكبيرة. قال الزجاج: وإن كانت التحويلة ~~لكبيرة. # * (إلا على ms0081 الذين هدى الله) أي: هداهم الله. * (وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم) نزل هذا في قوم معينين. ذلك ما روى: ' أن القبلة لما حولت سأل قوم ~~رسول الله فقالوا: إن قوما منا كانوا قد صلوا إلى بيت المقدس، وماتوا، فما ~~شأنهم؟ منهم أسعد بن زرارة، وأبو أمامة والبراء بن معرور فنزل قوله تعالى: ~~* (وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي: صلاتكم فجعل الصلاة إيمانا، وهذا دليل ~~على المرجئة؛ حيث لم يجعلوا الصلاة من الإيمان. وإنما سموا مرجئة لأنهم ~~أخروا العلم عن الإيمان. # وحكى: أن أبا يوسف شهد عند شريك بن عبد الله القاضي فرد شهادته، قيل له ~~أترد شهادة يعقوب؟ فقال: كيف أقبل شهادة من يقول: إن الصلاة ليست من ~~الإيمان؟!. # وقيل: معنى قوله: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) بالتحويل. # * (إن الله بالناس لرءوف رحيم) والرأفة: أشد الرحمة. # قوله تعالى: * (قد نرى تقلب وجهك في السماء) هذه الآية وإن كانت ~~PageV01P150 # * (ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم (143) قد نرى تقلب وجهك في ~~السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم) * * ~~متأخرة في التلاوة لكنها متقدمة في المعنى؛ فإنها رأس القصة. # وسبب نزول الآية ما روى جابر: ' أن النبي بعد ما قدم المدينة صلى إلى بيت ~~المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان يود أن يحوله الله إلى الكعبة ~~فكان يقول لجبريل: وددت لو حولني الله إلى الكعبة؛ فإنها قبلة أبي إبراهيم، ~~وكان يقول لجبريل: سل ربك فقال له جبريل: سل أنت فإنك عند الله بمكان، وكان ~~كلما نزل جبريل تردد وجهه في السماء؛ رجاء أن ينزل بالنسخ '. # قال السدى: إنه كلما افتتح صلاة، كان يردد وجهه في السماء رجاء أن يحوله ~~الله إلى الكعبة، فأقامه الله عليه ستة عشر شهرا، ثم نزل قوله تعالى: * (قد ~~نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) أي: تودها وتهواها؛ لأن ~~القبلة الأولى كانت [ترضيه] أيضا. # * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) أي نحو البيت. # * (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) ms0082 أي: نحوه. وفي الخبر أن النبي قال: ' ~~هذه القبلة وأشار إلى البيت '. # * (وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم) يعني التحويل إلى ~~الكعبة * (وما الله بغافل عما تعملون) قال ابن عباس: أول ما نسخ بعدما قدم ~~المدينة هو القبلة. PageV01P151 # * (فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ~~وما الله بغافل عما يعملون (144) ولئن آتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما ~~تبعوا) * * وقيل: أول صلاة صليت إلى الكعبة كانت صلاة العصر. وروى ' أنها ~~حولت إلى الكعبة وكانوا في الصلاة. والصحيح: أن التحويل كان خارج الصلاة. ~~وإنما كان ذلك في حق أهل قباء؛ فإنهم شرعوا في صلاة العصر، وكانت صلاة ~~العصر نحو بيت المقدس، فأتاهم آت وقال: ' أشهد أني صليت هذه الصلاة مع رسول ~~الله إلى الكعبة؛ فاستداروا إلى الكعبة وبنوا على صلاتهم '. # قوله تعالى: * (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك) ~~معناه: لو أتيتهم بكل معجزة ما تبعوك في الكعبة. * (وما أنت بتابع قبلتهم) ~~يعني: قبلة اليهود والنصارى (وما بعضهم بتابع قبلة بعض) يعني: اليهود ~~والنصارى، وذلك أن قبلة اليهود بيت المقدس وهو المغرب، وقبلة النصارى ~~المشرق، وأما قبلة المسلمين هي الكعبة. # وقد روى ابن عمر عن النبي أنه قال: ' ما بين المشرق والمغرب قبلة ' قال ~~ابن عمر: يعني لأهل المشرق. وصورته أن يجعل مشرق الشتاء في أقصر يوم من ~~السنة على يساره. ومغرب الصيف في أطول يوم من السنة عن يمينه، فيكون وجهه ~~إلى الكعبة وذلك بأن يتوجه إلى مسقط قلب العقرب حين يسقط. فهذا معنى قوله: ~~' ما بين المشرق والمغرب قبله.. '. # * (ولئن اتبعت أهواءهم) وإن كان الخطاب مع الرسول، ولكن المراد به الأمة ~~كما سبق. PageV01P152 # * (قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت ~~أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) الذين آتيناهم ~~الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ~~(146) الحق من) * * (من بعد ما جاءك من العلم ms0083 إنك إذا لمن الظالمين) معلوم ~~التفسير. # قوله تعالى: * (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) قيل: ~~أراد به القبلة. وقيل: أراد به محمدا. # وروى أن عبد الله بن سلام قال: معرفتي بهذا النبي أشد من معرفتي بابني. ~~قال له عمر: وكيف ذاك؟ قال: لأني لا أعرف ما أحدثت النساء، وأعرف أنه نبي ~~حق. فقال عمر: لله درك. # * (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين) أي: الشاكين. # قوله تعالى: * (ولكل وجهة هو موليها) قال مجاهد: هو موليها وجهة. يعني: ~~القبلة. وقال أبو حاتم، عن الأخفش معناه: الله موليها. # فقوله: ' هو ' كناية عن الله تعالى يعني: الله مولي الأمم إلى قبلتهم. ~~وقرأ ابن عامر: ' هو مولاها ' أي: المستقبل مصروف إليها. # * (فاستبقوا الخيرات) أي: بادروا، والمراد هاهنا: المبادرة إلى القبول من ~~الله * (أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير). # قوله تعالى: * (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) أي: نحوه. # * (وإنه للحق من ربك) ذكره تأكيدا للأول * (وما الله بغافل عما تعملون). ~~PageV01P153 # * (ربك فلا تكونن من الممترين (147) ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا ~~الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير (148) ~~ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل ~~عما) * * قوله تعالى: * (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما ~~كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة) يعني: اليهود؛ وذلك ~~أنهم قالوا: إن محمدا اتبع قبلتنا، فسيعود إلى ملتنا. # * (إلا الذين ظلموا) وهم المشركون. وقيل: ' إلا ' بمعنى ' ولا ' الذين ~~ظلموا ومثله: قول الشاعر: # (وكل أخ مفارقه أخوه * لعمرو أبيك إلا الفرقدان) يعني: ولا الفرقدان. # والصحيح: أنه استثناء منقطع، ' وإلا ' بمعنى ' لكن ' الذين ظلموا ~~يخاصمونكم ويحاجونكم بالحجة الباطلة، وذلك أن المشركين قالوا حين تحولت ~~القبلة إلى الكعبة: إنه رجع إلى قبلتنا فسيعود إلى ملتنا، والحجة الباطلة ~~قد تسمى حجة، كما قال الله تعالى: * (حجتهم ms0084 داحضة) فكأنه أبطل حجة اليهود ~~بالتحويل إلى الكعبة: ثم أبطل حجة المشركين بدليل سواه. # * (إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم ~~تهتدون) قال سعيد بن جبير: لا تتم نعمته على المسلم إلا بأن يدخله الجنة. # وفي الخبر: ' أن النبي سمع رجلا يقول الحمد لله على الإسلام، فقال: لقد ~~حمدت الله على نعمة عظيمة '. # قوله تعالى: * (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم) فإن قال قائل: الكاف للتشبيه ~~فأين المشبه به؟ قلنا: قال علي رضي الله: عنه تقديره: فاذكره لي، كما ~~PageV01P154 # * (تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا ~~تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) كما أرسلنا) * * ~~أرسلنا فيكم رسولا فيكون الذكر على هذا القول بمعنى الشكر. # وقيل: تقديره: ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم رسولا منكم، وذلك أن ~~إبراهيم صلوات الله عليه كان قد دعا دعوتين: دعا أن يبعث فيهم رسولا منهم، ~~ودعا إتمام النعمة على ذريته بالرزق من الثمرات، فأجاب إحدى الدعوتين بأن ~~بعث فيهم رسلا، ثم أجاب الدعوة الثانية فقال: ولأتم نعمتي عليكم، كما ~~أرسلنا فيكم رسولا منكم. # * (يتلو عليكم آياتنا) يعني: القرآن * (ويزكيكم) كما بينا * (ويعلمكم ~~الكتاب والحكمة) وقد ذكرنا. وقيل: الحكمة السنة، وقيل: مواعظ القرآن. # * (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم) قيل: ذكر الله هاهنا ~~بمعنى المدح والثناء عليه. # وفي الخبر عن النبي ' أن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه ~~حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ~~ملأ خير منه، وإن تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا، ~~تقربت إليه باعا وإن أتاني يمش أتيته هرولة ' أخرجه مسلم في الصحيح. # وقيل: معناه: فاذكروني كما أرسلنا، وهذا قريب من قول علي. # وقيل: الذكر من العبد الطاعة، ومن الله المغفرة والرحمة. ومعناه: ~~فاذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة والرحمة. # * (واشكروا لي ولا تكفرون) يعني ms0085 واشكروا لي بالطاعة ولا تكفروني ~~بالمعصية. فإن من أطاع الله فقد شكره، ومن عصاه فقد كفره. PageV01P155 # * (فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ~~ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) فاذكرني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ~~(152) يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) * ~~* وحكى أن موسى صلوات الله عليه سأل ربه فقال: ما الشكر الذي ينبغي لك؟ ~~فقال أن لا يزال لسانك رطبا بذكرى. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة) ~~فالاستعانة: طلب المعونة. وفي الصبر قولان: أحدهما: الثبات على الدين، ~~والآخر: الصوم. ووجه الاستعانة بهما ما سبق. # (إن لله مع الصابرين) قال عطاء، عن ابن عباس: بالحفظ والنصر. # قوله تعالى: * (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات) نزلت الآية في ~~قوم معينين، استشهدوا يوم بدر، وكان يقول المسلمون: مات فلان، فلم يرض الله ~~تعالى ذلك منهم، وأنزل الله هذه الآية. # (بل أحياء ولكن لا تشعرون) أي: شهداء؛ لأن الشهيد حي. # وقيل: معناه ما ورد في الخبر: ' أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلف ~~من ثمار الجنة أي تأكل وتأوى إلى قناديل معلقة تحت العرش '. فذلك قوله: * ~~(بل أحياء عند ربهم). # وقيل: معناه أحياء بالثواب والثناء الحسن، وليسوا بأموات بالذكر السيء ~~وعدم الثواب. # قوله تعالى: * (ولنبلونكم بشيء من الخوف) واللام فيه لجواب القسم. ~~وتقديره: والله لنبلونكم. وحكمة الابتلاء لإظهار المطيع من العاصي، لا ~~ليعلم شيئا PageV01P156 # (* (153) ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا ~~تشعرون (154) ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس * * ~~لم يكن عالما به، واختلفوا فيمن نزلت الآية فيه، منهم من قال: نزلت في ~~اليهود وقيل: نزلت في المسلمين. # * (بشيء من الخوف) خوف العدو * (والجوع) بالقحط والجدب (ونقص من الأموال) ~~بالخسران والهلاك * (والأنفس) بالمرض والشيب والموت * (والثمرات) بالجوائح، ~~وقيل: بالأولاد؛ وذلك أنهم ثمرات القلوب، وحكمة الابتلاء بهذه الأشياء: حتى ~~إذا صبروا عليه فكل من سمع به بعدهم؛ علم أنهم أنما صبروا عليه لما عرفوا ms0086 ~~من الحق. # * (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون). قال سعيد بن جبير: كلمة الاسترجاع لم تعط [لأحد] من الأمم سوى هذه ~~الأمة. ألا ترى أن يعقوب صلوات الله عليه لما ابتلي بفراق يوسف قال: * (يا ~~أسفي على يوسف) ولم يقل: إنا لله وإنا إليه راجعون؟ ومعناه: إنا لله ملكا ~~وعبودية، وإنا إليه راجعون في القيامة، وإنما قيد بهذا لأن الأمر في ~~القيامة يخلص لله تعالى. # وروي: ' أن رسول الله طفيء سراجه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقيل ~~له في ذلك، فقال: كل ما أذى المؤمن فهو مصيبة له '. # قوله تعالى: * (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) ~~ومعنى الصلوات هاهنا الرحمة بعد الرحمة؛ لأن الصلاة من الله: الرحمة. ومن ~~الملائكة: الاستغفار، ومن الناس الدعاء. قال الشاعر: PageV01P157 # * (والثمرات وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ~~وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون * * (صلي على يحي وأشياعه * رب كريم وشفيع مطاع) يعني: ترحم عليه. # قوله: (ورحمة) ذكرها تأكيدا للأول * (وأولئك هم المهتدون) قال عمر رضي ~~الله عنه: نعم العدلان ونعمت العلاوة، والعدلان: الصلوات والرحمة، ~~والعلاوة: الهداية. # وقد ورد في ثواب المصيبة أخبار كثيرة، منها: ما روى عن رسول الله أنه ~~قال: ' ما أصيب العبد المؤمن بمصيبة إلا كفر عنه، حتى الشوكة يشاكها '. # قوله تعالى: * (إن الصفا والمروة من شعائر الله) الصفا: جبل بأحد طرفي ~~المسعى. والمروة: جبل بالطرف الثاني، والصفا: الحجر الصلب، والمروة: الحجر ~~الرخو. # قوله تعالى * (من شعائر الله) فالشعائر: جمع الشعيرة، وهي: الأعلام التي ~~على مناسك الحج. ومثله المشاعر، فالموقف شعيرة، والمطاف شعيرة، والمنحر ~~شعيرة، والمشعر شعيرة. # * (فمن حج البيت أو اعتمر) فأصل الحج: القصد. قال الشاعر: # (وأشهد من عوف حلولا كثيرة * يحجون سب الزبرقان المزعفرا) أي: يقصدون. ~~وأصل العمرة: الزيارة. قال الشاعر: # (وجاشت النفس لما جاء فلهم * وراكب جاء من تثليث معتمر) أي زائرا وفي ~~الحج والعمرة قصد وزيارة. PageV01P158 # (* (157) إن الصفا والمروة من ms0087 شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) إن الذين يكتمون ~~ما) * * وقوله تعالى: * (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) قرأ ابن عباس: ' فلا ~~جناح عليه أن لا يطوف بهما '. وهي قراءة أنس، وكذلك كان في مصحف أبي بن ~~كعب، وابن مسعود. والقراءة المعروفة: * (أن يطوف بهما). # وقد روى عن عروة بن الزبير: أنه قال لعائشة: ' أنا لا أرى جناحا على من ~~لا يطوف بين الصفا والمروة، وقرأ هذه الآية. # فقالت عائشة: بئسما رأيت يا ابن أختي وذكرت القصة في سبب نزول الآية '. # والقصة في ذلك أنه كان في الجاهلية على الصفا والمروة صنمان: إساف ~~ونائلة، وكان إساف على الصفا، ونائلة على المروة، وكان أهل الجاهلية يطوفون ~~بين الصفا والمروة تعظيما للصنمين، فلما فتح النبي مكة، وكسر الأصنام. وكان ~~المسلمون يتحرجون عن السعي بين الصفا والمروة لمكان الصنمين اللذين كانا ~~عليهم؛ فنزلت الآية في رفع ذلك الحرج. # ثم وجوب السعي بالخبر؛ وهو قوله: ' إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا ~~'. PageV01P159 # * (أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك ~~يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك ~~أتوب عليهم أنا) * * فأما تلك القراءة ' أن لا يطوف بهما ' فهي قراءة ~~مهجورة فلا تترك بها القراءة المعهودة. # وقيل: ' لا ' فيه صلة. والمراد: أن يطوف. قال الشاعر: # (لا ألوم البيض ألا تسخرا * لما رأين الشمط القفندرا) أي: أن تسخر. # قوله تعالى: * (ومن تطوع خيرا) قرأ حمزة: ' ومن يطوع ' مشدد. ومعناه ~~يتطوع والمعروف * (ومن تطوع). ثم من قال: إن السعي ليس بركن صرف قوله: * ~~(ومن تطوع) إلى السعي. # ومن قال: إنه ركن صرفه إلى أصل الحج والعمرة. # ويحتمل أنه أراد التطوع بسائر الأعمال. # * (فإن الله شاكر عليم) والشكر من الله: أن يعطي فوق ما يستحق العبد. # قوله تعالى: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما ~~بيناه للناس في الكتاب) نزلت الآية في اليهود. ms0088 # * (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) قال ابن عباس: اللاعنون: هم كل ~~الخلائق سوى الجن والإنس. # وفي الأخبار: ' أن الأرض إذا أجدبت يلعن كل شيء عصاة بني آدم؛ حتى ~~الخنافس يقولون: اللهم العن عصاة بني آدم؛ فإنا حرمنا الرزق بشؤم معاصيهم ~~'. # وقال قتادة: اللاعنون: هم الملائكة والمؤمنون. وقيل: هم الجن والإنس. ~~PageV01P160 # * (التواب الرحيم (160) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين (161) خالدين فيها لا يخف عنهم العذاب ولا ~~هم) * * وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ما تلاعن اثنان ولم يكونا مستحقين إلا ~~رجعت اللعنة على اليهود. # قوله تعالى: * (إلا الذين تابوا) أي: أسلموا * (وأصلحوا) أي: داموا على ~~التوبة * (وبينوا) ما كتموا * (فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم). # قوله تعالى: * (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين) فإن قال قائل: قد قال: * (الناس أجمعين) والملعون ~~من جملة الناس؛ فكيف يلعن نفسه؟ قيل: يلعن نفسه في القيامة. قال الله ~~تعالى: * (ويلعن بعضكم بعضا). # وقوله: * (خالدين فيها) يعني في اللعنة، ويحتمل في النار وإن لم تكن ~~مذكورة في الآية * (لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) معلوم التفسير. # قوله تعالى: * (وإلهكم إله واحد) وسبب نزول [هذه] الآية ما روى أن ~~المشركين قالوا لرسول الله أنسب لنا ربك، أوصف لنا ربك؛ فنزل قوله تعالى * ~~(وإلهكم إله واحد) وسورة الإخلاص. # قال الأزهري: الواحد: الذي لا نظير له، يقال: فلان واحد العالم أي: لا ~~نظير له في العالم. وحقيقة الواحد: هو المنفرد الذي لا نظير له ولا شريك. * ~~(لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) روى شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد النهشلية ~~عن النبي أنه قال: ' اسم الله الأعظم في آيتين من سورة البقرة: آية الكرسي، ~~وهذه الآية * (وإلهكم إله واحد) '. # قوله تعالى: * (إن في خلق السماوات والأرض) روى أنه لما نزل قوله: ~~PageV01P161 # * (ينظرون (162) وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) إن ~~في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ms0089 البحر ~~بما ينفع) * * (وإلهكم إله واحد) قال المشركون لرسول الله: ما الدليل على ~~أنه واحد؛ فنزل قوله: * (إن في خلق السماوات والأرض) والخلق: هو ابتداع ~~الشيء وتقديره، ومنه قول الشاعر: # (ولأنت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري) أي: يقطع ما قدرت. # والسماوات: جمع سماء، وهي سبع سماوات، وكذلك الأرضون سبع، على الصحيح. # وإنما ذكر السماوات بلفظ الجمع، والأرض يلفظ الواحد؛ لأن كل سماء من جنس ~~آخر. والأرضون كلها من جنس واحد. وهو التراب، والآية في السماوات: سمكها ~~[وسعته] وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة، وما ترى فيها من الشمس والقمر ~~والنجوم. # والآية في الأرض: مدها وبسطها وسعتها وما يرى فيها من الأشجار والأنهار ~~والجبال والبحار والجواهر والنبات. # وقوله تعالى: * (واختلاف الليل والنهار) وذلك [ذهابهما ومجيئهم] ومنه ~~قولهم: فلان يختلف إلى فلان. أي: يذهب ويجيء مرة بعد أخرى. ومثله قوله ~~تعالى: * (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة) أي: يخلف أحدهما الآخر، والآية ~~في الليل والنهار نقصانهما وزيادتهما وأن يذهب ضوء النهار فلا يدري أين ~~ذهب، ويذهب سواد الليل فلا يدري أين ذهب. PageV01P162 # * (الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث ~~فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات ~~لقوم) * * وقوله تعالى: * (والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس) ~~والفلك: اسم للجمع والواحدان فإذا أريد به الجمع يؤنث، وإذا أريد به الواحد ~~يذكر، وقد ورد بالصيغتين في القرآن، والمراد ها هنا الجمع. # والآية في الفلك تسخيره [وجريها] على وجه الماء. وهي موفرة مثقلة لا ترسب ~~تحت الماء بل تعلو على وجه الماء. # قوله تعالى: * (وما أنزل الله من السماء من ماء) قيل: إن الله تعالى يخلق ~~الماء في السحاب، فعلى هذا؛ السماء ها هنا بمعنى السحاب. وقيل: بل يخلق ~~الماء في السماء، ومن السماء ينزل إلى السحاب ثم من السحاب ينزل إلى الأرض. # وقوله تعالى: * (فأحيا به الأرض بعد موتها) أي: بعد يبسها وجدوبتها. فإن ~~الأرض إذا أجدبت ms0090 فقد ماتت. وإذا أخصبت فقد حييت. # وقوله تعالى: * (وبث فيها من كل دابة) أي: فرق فيها. وقوله: * (وتصريف ~~الرياح) قيل: تصريفها أن الرياح تارة تكون شمالا وتارة تكون جنوبا، وتارة ~~تكون قبولا، وتارة تكون دبورا، وتارة نكباء، والنكباء: فهي التي لا تعرف ~~لها جهة. # وقيل: تصريفها: أن الريح تارة تكون لينا، وتارة عاصفا، وتارة حارة، وتارة ~~باردة. # قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح والماء. وقال ابن المبارك: للريح ~~جناحان، والسحاب: غلاف مملوء نت الماء. # وفي مصحف حفصة (وتصريف الأرواح) وهو قريب من الرياح. وسميت الريح ريحا؛ ~~لأنها تريح النفس. # قال شريح القاضي: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح. # وقوله تعالى: * (والسحاب المسخر) أي: المذلل * (بين السماء والأرض لآيات ~~لقوم يعقلون). PageV01P163 # * (يعقلون (164) ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة ~~لله) * * قال وهب بن منبه: ثلاثة لا يدري من أين تجيء: الرعد، والبرق، ~~والسحاب. # قوله تعالى: * (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا) كأنه عاب المشركين ~~حيث اتخذوا من دونه أندادا بعدما أظهر الدلائل، ونصب البراهين، على ~~الوحدانية * (أندادا) أي: أصناما. # قوله تعالى: * (يحبونهم كحب الله) قال أبو العباس المبرد النحوي: معنى ~~قوله: * (يحبونهم كحب الله) أي: يحبون آلهتهم كحب المؤمنين لله. # وقيل معناه: يحبون الأصنام كما يحبون الله؛ لأنهم أشركوها مع الله. # * (والذين آمنوا أشد حبا لله) لأنهم لا يختارون على الله ما سوى الله. ~~والمشركون إذا اتخذوا صنما ثم رأوا أحسن منه، طرحوا الأول واختاروا الثاني. # وقوله تعالى: * (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب) قرىء هذا بقراءتين. ~~' ولو يرى ' بالياء. ' ولو ترى ' بالتاء. # والمعنى: اعلم أولا أن جواب ' لو ' هاهنا محذوف، ومثله كثير في القرآن. # قال الله تعالى: * (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم) وقال: * (ولو ~~أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) ثم حذف الجواب ~~اختصار السبقه إلى ms0091 الإفهام. PageV01P164 # * (جميعا وأن الله شديد العذاب (165) إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا ورأوا) * * ثم من قرأ ' ولو يرى ' بالياء، فتقديره: ولو يرى الذين ~~ظلموا شدة عذاب الله وعقوبته حين يرون العذاب لعرفوا أن ما اتخذوا من ~~الأصنام لا يضرهم ولا ينفعهم. # ومن قرأ ' ولو ترى ' بالتاء ففي معناه قولان: أحدهما: ولو ترى يا محمد ~~الذين ظلموا في شدة العذاب حين رأوا العذاب لرأيت أمرا عجيبا. # والثاني: معناه: قل يا محمد: أيها الظالم، ولو ترى الذين ظلموا في شدة ~~العذاب لتعجبت منه ولرأيت أمرا فظيعا. # وقوله تعالى: * (أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب) قوله: ' أن ~~القوة ' يقرأ بكسر الألف، وفتحها، فمن قرأ بالكسر، كان على الابتداء بعد ~~تمام الأول، ومن قرأ بالفتح كان تمام الأول، ومعناه: لأن القوة لله. # قوله تعالى: * (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا) هذا في القيامة، ~~حين يجمع الله القادة وأتباعهم، يبرأ بعضهم من بعض. # * (ورأوا العذاب وتقطعت [بهم] الأسباب) أي: الوصلات في الدنيا من ~~[القرابات] والصداقات. # قال مجاهد: يعني الوصل وهو قريب من الأول. # وقيل الأسباب: الأعمال. وقد ترد بمعنى: أبواب السماوات والأرض. ~~PageV01P165 # * (العذاب وتقطعت بهم الأسباب (166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة ~~فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم ~~بخارجين من النار (167)) * * وذلك في قوله تعالى: * (لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات) أي: أبوابها. قال الشاعر: # (ومن هاب أسباب المنايا [يتلقها] * وإن رام أسباب السماء بسلم) وأصل ~~السبب: ما يوصل. ومنه يقال: للحبل سبب، وقوله تعالى: * (وتقطعت بهم) أي: ~~عنهم، ومثله قوله تعالى: * (فاسأل به خبيرا) أي: عنه خبيرا. # وقوله تعالى: * (وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة) أي: رجعة إلى الدنيا. ~~* (فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم ~~بخارجين من النار). # وفيه قولان: أحدهما: أنه يريهم ما ارتكبوا من السيئات؛ فتلك الحسرات. # والثاني: أنه يريهم ما تركوا من الخيرات والحسنات؛ ليكون عليهم حسرات. ~~PageV01P166 # * (يا أيها الناس كلوا مما ms0092 في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ~~مالا تعلمون (169) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا أو لو كان) * * قوله تعالى: * (يا أيها الناس كلوا مما ~~في الأرض) حكى عن أبي محمد سفيان بن عيينة الهلالي أنه سئل عن أكل الطين ~~فقال: لا تأكل لأن الله تعالى قال: * (كلوا مما في الأرض) ولم يقل: كلوا من ~~الأرض * (حلالا طيبا) فالحلال: كل ما أحله الشرع. # وفي الطيب قولان: # أحدهما: كل ما يستطاب ويستلذ فهو طيب. والمسلم يستطيب الحلال ويعاف ~~الحرام. # وقيل: الطيب: الطاهر. # وقوله تعالى: * (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها قال مجاهد: هي خطايا الشيطان. وقال أبو مجلز لاحق بن حميد السدوسي: ~~هي النذور في المعاصي. والقول الثالث: هي كل أعمال الشيطان. واشتقاقها من ~~الخطوة؛ لأن للخطا آثارا تبقى * (إنه لكم عدو مبين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إنما يأمركم بالسوء والفحشاء) فالسوء: المعصية. # والفحشاء فيه قولان: أحدهما: أنه أراد به الزنا. وقيل: البخل، ومنه قول ~~الشاعر: # (عقيلة مال الفاحش المتشدد *) أي: البخيل المتشدد * (وأن تقولوا على الله ~~مالا تعلمون) قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما ألفينا) أي: وجدنا. # * (عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) معناه: كيف ~~يتبعون PageV01P167 # * (آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) ومثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171) يا أيها ~~الذين آمنوا) * * آباءهم وآباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون؟! وفي هذا نهي ~~عن تقليد الآباء في الدين. # قوله تعالى: * (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء) ~~النعق: صوت الراعي بالغنم قال الأخطل. # (فانعق بضأنك يا جرير فإنما * منتك نفسك في الخلاء ضلالا) وفي الآية ~~محذوف مقدره. وتقديرها: مثل الكفار ومثلك يا محمد في دعائهم كمثل الراعي ~~ينعق بالغنم وهي ms0093 لا تسمع إلا صوتا ولا تفهم إلا دعاء. # * (ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) وقيل: معناه: مثل الكفار في دعاء ~~الأصنام. # على هذا القول إشكال لأن؛ الأصنام لا يسمعون النداء ولا الدعاء. وكيف ~~يكون مثلا أن يسمع ذلك كمثل الذي ينعق بما لا يسمع كما بينا؟ # قال ابن الأنباري: أراد بالذي ينعق: الصائح في الجبل يصيح فيسمع صوتا؛ ~~وهو الصدى. وليس هناك معقول ولا مفهوم. وضرب المثل به للكفار في قلة الفهم ~~والعقل. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) وفي الخبر ~~عن النبي أنه قال: ' أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: * (يا ~~أيها الرسل كلوا من الطيبات) وقال للمؤمنين * (يا أيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم واشكروا لله) ' وقد ذكرنا معنى الطيبات. PageV01P168 # * (كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (172) إنما ~~حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير ~~باغ ولا) * * (واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون) يعني: أنكم كما تعبدونه ~~على الإلهية، فاشكروه على الإحسان. قوله تعالى: * (إنما حرم عليكم الميتة) ~~' إنما ' لنفي والإثبات؛ لأنها مركبة من حرفي النفي والإثبات ' فإن ' ~~للإثبات ' وما ' للنفي. # تقول: إن في الدار زيدا. يفهم منه وجود زيد في الدار. فإذا قلت: ' إنما ~~زيد في الدار ' يفهم منه أنه لا أحد في الدار إلا زيد. # وأما الميتة: اسم لما خرج روحه من غير ذكاة * (والدم) معروف وفيهما ~~تخصيص؛ فإن الشرع أباح من الميتة: السمك والجراد، ومن الدماء: الكبد ~~والطحال. # وقوله تعالى: * (ولحم الخنزير) أي: الخنزير بلحمه وشحمه وجميع أجزائه. # * (وما أهل به لغير الله) أي: ذبح على اسم الأصنام، وأصل الإهلال: رفع ~~الصوت، وكانوا يرفعون أصواتهم على الذبائح، قال ابن أحمر: # (يهل بالفرقد ركبانها * كما يهل الراكب المعتمر) قوله تعالى: * (فمن ~~اضطر) يقرأ بقراءتين: بكسر النون، ورفعها، فمن قرأ بالكسر فهو على الأصل ~~ومن قرأ بالضم فلا تباع ضمة الطاء، والاضطرار إلى أكل الميتة * (غير ms0094 باغ ~~ولا عاد) قال ابن عباس ومجاهد: غير باغ أي: غير خارج على السلطان. * (ولا ~~عاد) ولا متعد، عاص في سفره. ففي هذا دليل على أن العاصي في سفره لا يترخص ~~بأكل الميتة. # وقال الحسن وقتادة: * (غير باغ) أي: غير طالب للميتة على الشبع؛ فيأكله ~~تلذذا. * (ولا عاد) ولا مجاوزا بأكله حد الحاجة. # * (فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) ظاهر المعنى. PageV01P169 # * (عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) إن الذين يكتمون ما أنزل ~~الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ~~ولا يكلمهم) * * قوله تعالى: * (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ~~ويشترون به ثمنا قليلا) قد سبق تفسيره. # وقوله تعالى: * (أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار) فيه قولان: ~~أحدهما: أن الذين أكلوا من الرشوة فالمأكلة تصير في بطونهم نارا. # وقيل: معناه أن ذلك الأكل لما كان يفضي بهم إلى النار؛ فكأنهم يأكلون في ~~بطونهم نارا. # ومثله قول الشاعر: # (وأم سليم فلا تجزعن * فللموت ما تلد الوالدة) وقال آخر: # (لدوا للموت وابنوا للخراب * فكلكم يصير إلى الفوات) ومعلوم أن الولد لا ~~يولد للموت، ولكن لما كان يؤول إلى الموت لا محالة أضافه إليه. # وقوله تعالى: * (ولا يكلمهم الله يوم القيامة) فيه قولان: أحدهما: أنه لا ~~يكلمهم ولكن يكلمهم بالتهديد والتوبيخ. # وقيل: في معناه: أنه غضبان عليهم؛ كما يقال: فلان لا يكلم فلانا؛ إذا كان ~~عليه غضبان. PageV01P170 # * (الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) ذلك بأن الله ~~نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (176) ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة) * * (ولا يزكيهم) أي: لا يطهرهم من الذنوب * (ولهم عذاب ~~أليم). قوله تعالى: * (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة ~~فما أصبرهم على النار) قال ابن عباس: معناه: أي شيء صبرهم على النار؟! # وقال الكسائي والفراء: ms0095 معناه: فما أجرأهم على النار، وحكى الكسائي: أن ~~أعرابيين اختصما إلى قاض، فحلف المنكر، فقال له المدعي: ما أصبرك على ~~النار، أي: ما أجرأك على النار. # وقال بعض النحويين: معناه: فما أبقاهم في النار، يقال: فلان ما أصبره على ~~الحبس، أي: ما أبقاه في الحبس، ' وما ' للتعجب هاهنا. # قال الكسائي: التعجب من الله بمعنى: التعجب للخلق * (ذلك بأن الله نزل ~~الكتاب بالحق) وهم منكرون لذلك. # * (وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) أي: خلاف طويل. # وإنما سمى الخلاف: شقاقا؛ لأن المخالف يكون في شق، وصاحبه في شق آخر. # قوله تعالى: * (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) فالبر: كل ~~عمل خير، يفضي بصاحبه إلى الجنة. # وفي معناه قولان: أحدهما: أن الخطاب مع المسلمين، فإنهم كانوا في ~~الابتداء يأتون بالشهادتين، والصلوات إلى أي جهة شاءوا. # فقال: ليس كل البر أن تصلوا قبل المشرق والمغرب * (ولكن البر من آمن ~~بالله) فأمرهم بسائر الشرائع المذكورة في الآية. PageV01P171 # * (والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون ~~بعهدهم إذا) * * وقيل: هو خطاب لليهود والنصارى إذ كان قبلة اليهود المغرب، ~~وقبلة النصارى المشرق. # فقال: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق أيها النصارى، وقبل المغرب ~~أيها اليهود، ولكن البر من آمن بالله. # وفي تقديره قولان: أحدهما: أن تقديره ولكن ذا البر من آمن بالله، ~~والثاني: أن تقديره: ولكن البر من آمن بالله * (واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه) أي: حب المال. # قال ابن مسعود: هو أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء، وتخشى الفقر * ~~(ذوي القربى) أهل القرابات. * (واليتامى والمساكين) قد ذكرناهم. # * (وابن السبيل) هو المنقطع. وقيل: أراد به الضيف * (والسائلين) معلوم * ~~(وفي الرقاب) يعني: المكاتبين. # * (وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدم إذا عاهدوا) فإن قال قائل: ~~لم قال: ' والموفون ' على الرفع؟ قيل: فيه قولان. أصحهما: أنه معطوف على ~~خبر لكن، وتقديره: ولكن ذا البر المؤمنون بالله والموفون. # وقيل ms0096 تقديره: وهم الموفون كأنه عد أصنافا، ثم قال: هم والموفون كذا وكذا. # وفيه قول ثالث: أن الكلام إذا طال فالعرب قد تخالف في الأعراب. # * (والصابرين) نصب على المدح. وقيل تقديره: أعني الصابرين. قال الشاعر: # (لا يبعدن قومي الذين هم * سم العداة وآفة الجزر) (النازلين بكل معترك * ~~والطيبين معاقد الأرز) وقوله تعالى: * (في البأساء) هو الجوع * (والضراء) ~~المرض والضرر. PageV01P172 # * (عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا ~~وأولئك هم المتقون (177) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ~~الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف وأداء) * * (وحين البأس) وحين القتال * (أولئك الذين صدقوا) وفوا ~~بالعهد، وقيل: صدقت أفعالهم أقوالهم * (وأولئك هم المتقون). # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) أي: فرض ~~عليكم. * (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) قال ابن عباس: كان ~~هذا في ابتداء الإسلام، وكان القصاص بين الحر والحر، والعبد مع العبد، ~~والأنثى مع الأنثى، وما كان يقتل الحر بالعبد، ولا العبد بالحر، ولا الذكر ~~بالأنثى، ولا الأنثى بالذكر: ثم نسخ ذلك بقوله: * (وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس) فجرى القصاص بين الكل. # وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد قال في الحر إذا قتل عبدا: يقتل ~~الحر به، ثم سيد العبد يغرم لولى القاتل الحر، ما بين ديته وقيمة العبد، ~~وإذا قتل العبد حرا، يقتل العبد به، ثم يغرم سيد العبد القاتل لولى الحر ~~المقتول ما بين ديته وقيمة العبد. # وفيه قول آخر محكي عن ابن عباس: أن الآية نزلت في قبيلتين، كان لأحديهما ~~على الأخرى فضل. فقالت القبيلة الفاضلة: يقتل الحر منكم بالعبد منا، والذكر ~~منكم بالأنثى منا؛ فنزلت الآية ردا لقولهم. # وقوله تعالى: * (فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان) وأصل العفو: الترك. وأظهر الأقوال فيه: مذهب عامة الصحابة ~~والتابعين؛ أن من عفا عن القصاص فله أخذ الدية، فهذا يتبع بالمعروف، يعني: ~~لا يطلب المزيد على ms0097 قدر حقه. ويؤدي ذلك بالإحسان، أي: لا يماطل في الأداء. ~~PageV01P173 # * (إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ~~(178) ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) كتب عليكم) * ~~* قال الأزهري: في الآية تقدير: ومعناه: فمن جعل له من مال أخيه يعني ~~القاتل أو فمن جعل له من بدل دم أخيه يعني المقتول عفو أي: فضل، فليتبع ~~الطالب بالمعروف، وليؤد المطلوب بالإحسان. # وظاهره يقتضي أن أخوة الدين لا تنقطع بين القاتل والمقتول، حيث قال: من ~~أخيه، وهو الذي نقول به. وقيل: معناه أخوة النسب. # وقيل: إنما سماه أخا حال إنزال الآية، وحال نزول الآية كان أخا له قبل ~~حصول القتل، لا أنه يبقى أخا له، فإن القتل يقطع الموالاة بين القاتل ~~والمقتول، ويوجب البراءة [منه]؛ لفسقه وقتله. # * (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) ومعناه: أن الدية كانت في شرع النصارى حتما، ~~والقصاص في شرع اليهود حتما، وخيرت هذه الأمة بين القصاص والدية، [فذلك] ~~التخفيف. # * (فمن اعتدى بعد ذلك) أي: قتل بعد العفو. * (فله عذاب أليم) أي: القصاص. # قال ابن جريج: إن القصاص حتم عليه، بحيث لا يقبل العفو. # قوله تعالى: * (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) ومعنى الحياة: أنه ~~إذا فكر أنه لو قتل قتل، لم يقتل؛ فيبقى والمقتول حيين. * (لعلكم تتقون) ~~ترتدعون عن القتل. # قوله تعالى: * (كتب عليكم) أي: فرض عليكم * (إذا حضر أحدكم PageV01P174 # * (إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف ~~حقا على المتقين (180) فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ~~إن الله) * * الموت) إذا قارب أوان الموت. * (إن ترك خيرا) أي: مالا وسعة، ~~والخير في كل القرآن بمعنى المال. # * (الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين) وذلك أن الوصية ~~كانت واجبة في ابتداء الإسلام للوالدين والأقربين، ثم صار منسوخا بآية ~~الميراث. # قال النبي: ' إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث '. # وقال الحسن، وطاوس، وقتادة والضحاك،: إن النسخ في الوالدين دون ms0098 الأقربين. # ثم اختلفوا فيمن أوصى بثلث ماله للأجنبي، فقال بعضهم: ثلث ما أوصى به ~~للأقربين، وثلثاه للأجنبي. # وقال بعضهم: ثلثاه للأقربين، وثلثه للأجنبي. # وقال بعضهم: كل الثلث للأقربين، ولا شيء للأجنبي، والأصح: أنه صار منسوخا ~~في حق الكل، وبقي الاستحباب في حق الأقربين الذين لا يرثون. # وقيل: هو في ابتداء الإسلام كان على الندب، والمندوب في الوصية: بما دون ~~الثلث. # وحكى عن بعض السلف أنه قال: الخمس معروف، والربع جهد، والثلث غاية تنفذها ~~القضاة. # قوله تعالى: * (فمن بدله بعد ما سمعه) فإن قال قائل: لم قال: * (فمن ~~PageV01P175 # * (سميع عليم (181) فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم ~~عليه إن الله غفور رحيم (182) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما ~~كتب على) * * بدله) بعلامة التذكير، والمذكور مؤنث، وهي: الوصية؟ قيل ~~معناه: فمن بدل أمر الوصية. # وقيل: معناه: فمن بدل قول الموصي؛ لأن الوصية تصدر عن قول الموصي؛ فرجع ~~إلى المعنى دون اللفظ، وهذا مثل قوله تعالى: * (فمن جاءه موعظة) أي: جاءه ~~وعظ، فرجع إلى المعنى، كذا وأراد بالتبديل: تبديل الشهداء والأوصياء ~~والأولياء. # * (فإنما إثمه على الذين يبدلونه) لا على الموصي. * (إن الله سميع) لما ~~أوصى به الموصي * (عليم) بتبديل المبدلين. # قوله تعالى: * (فمن خاف من موص جنفا أو إثما) الخوف ها هنا بمعنى العلم. # وهو مثل قوله - تعالى -: * (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله) وقوله: * (وإن ~~خفتم شقاق بينهما). أي: علمتم، وإنما عبر بالخوف عن العلم؛ لأن الخوف طرف ~~إلى العلم فإنه إنما يخاف الوقوع في الشيء؛ للعلم به. # وقوله تعالى: * (من موص) قرىء بالتخفيف والتشديد، يقال: أوصى ووصى بمعنى ~~واحد. # وأما الجنف: الميل، والإثم: الظلم، وأنشد سيبويه: # (تجانف عن جو اليمامة ناقتي * وما كان قصدي أهلها لسوائكا) PageV01P176 # * (الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع) ~~* * وقال السدى: الجنف: الخطأ، والإثم: العمد. # ومعنى الآية على قول ابن عباس ومجاهد: ms0099 أن الرجل إذا حضر وصية الموصي فرآه ~~يميل، إما بتقصير، أو بإسراف، أو وضع الوصية في غير موضعها؛ فأرشده، ورده ~~إلى الحق فهو مباح له، وهذا معنى قوله تعالى: * (فأصلح بينهم فلا إثم ~~عليه). # وقيل: هذا في الوصية للأقربين حين كانت واجبة، فإذا رآه يوصي لغير ~~الأقربين، يرده إلى الوصية للأقربين. # وقيل: أراد به الإمام يصلح بين الموصي لهم والورثة، فيردهم إلى الحق. # * (فلا إثم عليه) أي: فلا حرج عليه * (إن الله غفور رحيم). # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) أي: فرض عليكم ~~الصيام. # والصيام في اللغة: هو الإمساك. يقال: صامت الخيل: إذا أمسكت عن العلف، ~~والسير، ومنه قول الشاعر: # (خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما) ومنه يقال: ~~صام النهار: إذا ارتفعت الشمس وصارت في إبطاء السير كالواقفة؛ وذلك في وقت ~~الهاجرة، ومنه قول الشاعر: # (فدعها وسل النفس عنك بجسرة * [ذمول] إذا صام النهار وهجرا) ومنه قوله ~~تعالى: * (إني نذرت للرحمن صوما) أي: صمتا، وفي الصمت إمساك عن الكلام. ~~PageV01P177 # * (خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184) شهر رمضان ~~الذي أنزل) * * وأما الصوم في الشريعة: هو الإمساك عن الأكل، والشرب، ~~والوطء، مع النية، في وقت مخصوص. # * (كما كتب على الذين من قبلكم) اختلفوا في هذا التشبيه. # قال سعيد بن جبير: كان الصوم في ابتداء الإسلام واجبا من العتمة إلى ~~الليلة القابلة، وكذا كان واجبا على من قبلنا. # وقيل: أراد به: صوم رمضان كتب على المسلمين كما كتب على الذين من قبلهم، ~~يعني: النصارى. # قال دغفل بن حنظلة: كان الصوم واجبا على النصارى ثلاثين يوما، ثم إن ملكا ~~منهم مرض، فقال: إن شفاني الله أزيد عشرة، فشفاه الله فزاد عشرة، ثم إن ~~ملكا آخر منهم مرض وقال: إن شفاني الله أزيد فيه سبعة أيام، فشفاه الله ~~فزاد سبعة. قالوا: ما هذا النقصان؟! أكملوه بخمسين. وقالوا: نصومه في وقت ~~لا حر ولا قر. فكانوا يصومون الخمسين في وقت الربيع، فهذا أصل صوم ms0100 الخمسين ~~في حق النصارى. # وقيل: أراد به: صوم ثلاثة أيام من كل شهر: كان واجبا في ابتداء الإسلام، ~~كما كتب على اليهود. # روى معاذ بن جبل: ' أن النبي لما هاجر إلى المدينة، رأى اليهود يصومون ~~ثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عاشوراء، ففرضه الله عليه كذلك '. # وكان يصومها سبعة وثلاثين يوما، من الربيع إلى الربيع، ثم نسخ ذلك بصوم ~~PageV01P178 # * (فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه) * * رمضان. # وقيل: كان يصوم الثلاث في أيام البيض. # قال ابن عباس: أول ما نسخ بعد الهجرة: أمر القبلة، والصوم. # قوله تعالى: * (لعلكم تتقون) يعني: بالصوم؛ لأن الصوم وصلة إلى التقوى ~~بما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات. # وقيل: معناه لعلكم تخترزون عن الشهوات من الأكل، والشرب، والوطء. # قوله تعالى: * (أياما معدودات) فإن قلنا بنسخ الآية فهو صوم كان واجبا ثم ~~نسخ. # وإن قلنا: الآية غير منسوخة فالمراد بقوله: * (أياما معدودات) أيام ~~رمضان، وفيه إشارة إلى التيسير، حيث لم يوجب صوم كل السنة، وإنما أوجبه ~~أياما معدودات * (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) قال ~~داود وأهل الظاهر: يجب على المسافر صوم عدة من أيام أخر وإن صام رمضان قولا ~~بظاهر الآية. # والجمهور على أن فيه إضمارا وتقديره: فأفطر، فعدة من أيام أخر. # ثم اختلفوا في حد المرض الذي يبيح الفطر، فقال داود وأهل الظاهر: هو ما ~~ينطلق عليه اسم المرض. وهو قول ابن سيرين من السلف. وقال الحسن: هو المرض ~~الذي تجوز معه الصلاة قاعدا. # ومذهب الشافعي: هو المرض الذي يخاف من الصوم معه الزيادة في المرض. # فأما حد السفر الذي يبيح الفطر اختلفوا فيه، فقال داود ومن تابعه: هو ما ~~ينطلق عليه اسم السفر. ومذهب الشافعي أنه مسافة القصر، ستة عشر فرسخا. ~~PageV01P179 # * (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم) ومذهب أبي حنيفة رضي الله [عنه] أنه مسيرة ثلاثة أيام، كما قال ~~في القصر. ms0101 # قوله تعالى: * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) في الآية قراءات: ~~فالقراءة المعروفة: هذا. # وقرأ ابن عباس وعباس وعائشة وهو صحيح، عن ابن عباس: و ' على الذين ~~يطوقونه ' وقرأ مجاهد: ' وعلى الذين يطوقونه '، وهما من الشواذ. # فأما قراءة: ' فدية طعام مسكين ' فيه قراءتان معروفتان: أحدهما هذه، ~~والثانية: قراءة أهل المدينة والشام ' فدية طعام مساكين ' بالألف. # وأما القراءة المعروفة * (وعلى الذين يطيقونه فدية) أراد به: في ابتداء ~~الإسلام كانوا مخيرين بين الصوم والفدية، فقال: وعلى الذين يطيقونه فدية؛ ~~إن اختاروا الفدية. # وقيل معناه: وعلى الذين يطيقونه في حال الشباب، وعجزوا عنه في الكبر ~~الفدية إذا أفطروا، وهو مروى عن علي، فعلى هذا لا تكون الآية منسوخة. # فأما قراءة ابن عباس معناه: وعلى الذين يطوقونه فلا يطيقونه الفدية. ~~PageV01P180 # * (العسر ولتكلموا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ~~(185)) * * وأما قراءة مجاهد يطوقونه أي: يتطوقونه ويكلفونه فلا يطيقونه. # وأما قوله: * (فدية طعام مساكين) إنما أضاف الفدية إلى الطعام لأن الفدية ~~قدر من الطعام، والطعام اسم الجنس، وهو كما يقال خاتم فضة، وثوب خز، ونحو ~~ذلك. # وأما القراءة الثانية * (فدية) رفع على الابتداء * (طعام مسكين) تفسير له ~~وبدل عنه، وإنما قال: ' مسكين؛ لأن كل يوم يطعم مسكينا. # ومن قرأ: ' مساكين ' لأن جملة طعام أيام الصوم تكون لمساكين. # وقوله تعالى: * (فمن تطوع خيرا فهو خيرا له) قال ابن عباس: أراد به: من ~~أطعم مسكينين وعليه طعام مسكين واحد، أو أطعم صاعا وعليه مد، فهو خير له. # قوله تعالى: * (وأن تصوموا خير لكم) إن قلنا بقول النسخ، معناه: وأن ~~تصوموا خير لكم من الفدية. # وإن قلنا: الآية غير منسوخة فمعناه: وأن تصوموا في حال الشباب خير لكم من ~~الفدية في حال الكبر والعجز. # وقيل: هذا في حق الشيخ الهرم، أن يتكلف الصوم خير له من أن يفدي. ~~والصحيح: أحد القولين الأولين * (إن كنتم تعلمون). # قوله تعالى: * (شهر رمضان) سمى الشهر بذلك لشهرته. # وأما رمضان كان في الجاهلية يسمى شهر رمضان ناتقا. # قال أبو علي قطرب: إنما ms0102 سمى: رمضان؛ لأنهم كانوا يصومون في الحر الشديد، ~~ومنه الرمضاء: للرمل الذي حمى بالشمس. # وقال مجاهد: هو اسم من أسماء الله، ولذلك لا يجمع على رمضانات، ويروى هذا ~~PageV01P181 # عن النبي غريبا، والصحيح أنه اسم الشهر. # وقد ورد في فضل الشهر والصوم أخبار، منها ما روى مرفوعا: ' سيد الشهور ~~شهر رمضان '. # وصح عن رسول الله أنه قال: ' إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب ~~الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين ' أخرجه مسلم في الصحيح. # وقال: يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي ~~به.. ' الخبر. # واختلفوا في تخصيص الصوم، منهم من قال: لأنه أشد العبادات في كسر ~~PageV01P182 # الشهوات وقمع النفس. ومنهم من قال: لأنه سر بين العبد وبين ربه. # وقوله تعالى: * (الذي أنزل فيه القرآن) فإن قال قائل: إنما أنزل القرآن ~~في ثلاث وعشرين سنة فكيف قال: أنزل فيه القرآن؟ والجواب: قال ابن عباس: ~~أنزل الله تعالى القرآن جملة في رمضان إلى بيت في السماء الدنيا يسمى ببيت ~~العزة، ثم منه أنزل إلى الأرض إرسالا. # روى وائله بن الأسقع عن النبي أنه قال: ' أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة ~~من رمضان، وأنزلت التوراة في الليلة السادسة من رمضان، وأنزل الإنجيل في ~~ليلة الثالث عشر من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان '. # وفيه قول ثالث معناه: أنزل فيه القرآن بفريضة صوم رمضان. # وإنما سمى القرآن قرآنا؛ لأنه يجمع السور والآي، والحروف، وأصل القرآن: ~~الجمع، ومنه قول الشاعر: # (ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللون لم تقرأ جنينا) وقوله تعالى * (هدى ~~للناس) رشاد وبيان. وقوله تعالى: * (وبينات من الهدى والفرقان) أي: دلالات ~~واضحات من الحلال والحرام، والفرقان: المفرق بين الحق والباطل. # وقوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) قال أبو العباس محمد بن يزيد ~~المبرد: معناه فمن كان منكم مقيما في الحضر فأدرك الشهر فليصمه. # ثم اختلفت الصحابة فيمن أدرك الشهر وهو مقيم، ثم سافر على قولين: فقال ~~علي رضي الله عنه: لا يجوز له أن ms0103 يفطر. وأكثر الصحابة على أنه يجوز الفطر، ~~PageV01P183 # وهو الأصح؛ لما صح عن رسول الله برواية جابر ' أنه سافر في رمضان فلما ~~بلغ كراع الغميم أفطر وأفطر الناس '. # وقوله تعالى: * (فليصمه) أي بقدر ما أدرك وهو مقيم * (ومن كان مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر) إنما أعاد هذا ليعلم أن هذا الحكم في الناسخ مثل ~~ما كان في المنسوخ. # وقوله تعالى: * (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) يعني في إباحة ~~الفطر بالمرض والسفر، وتأخير الصوم إلى أيام أخر. # وحكى عن الشعبي أنه قال: ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما؛ إلا كان ~~ذلك أحبهما إلى الله. # وروى محجن بن أدرع: ' أن النبي أخبر برجل كان يطيل الصلاة في المسجد طول ~~النهار فجاء إليه وأخذ بمنكبيه وهزهما هزا، ثم قال: إن الله تعالى رضي لهذه ~~الأمة باليسير، وكره لهم العسر، وإن هذا الرجل رضي بالعسر ويكره اليسر '. # ومشهور عن رسول الله: ' أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ~~'. PageV01P184 # (* (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا ~~لي) * ولتكملوا العدة) أي: عدة الشهر بقضاء ما أفطر في المرض أو السفر. * ~~(ولتكبروا الله على ما هداكم) أي: لتعظموه على ما أرشدكم إلى ما رضى به من ~~صوم رمضان. قال ابن عباس: هو تكبيرات ليلة الفطر وهو مروي عن ابن عمر، ~~وعائشة رضي الله عنهما. وقال: حق على كل مسلم أن يكبر ليلة الفطر إلى أن ~~يفرغ من صلاة العيد * (ولعلكم تشكرون). # قوله تعالى: * (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) في سبب نزول الآية قولان: ~~أحدهما: أن الصحابة قالوا: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد ~~فنناديه؟ فنزلت الآية '. # والثاني: أنه لما نزل قوله تعالى: * (ادعوني استجب لكم) قالوا: يا رسول ~~الله كيف ندعوه ومتى ندعوه؛ فنزلت الآية. # وقول: * (فإني قريب) أي: لا يخفى على شيء، وهو أقرب إلى العباد من حبل ~~الوريد، وأقرب إلى القلب من ذي القلب. # وقوله تعالى: * (أجيب ms0104 دعوة الداع إذا دعان) فيه حذف. وتقديره: أجيب دعوة ~~الداع إن شئت. وهذا مثل قوله تعالى: * (فيكشف ما تدعون إليه إن شاء). # قال ابن الأنباري: معناه: أسمع دعوة الداعي، تقول العرب: فلان يدعو من لا ~~يجيب، أي من لا يسمع، وهذا لأنه قد يدعى فلا يجيب، فدل أنه أراد بالإجابة ~~السماع. # وقيل: هو على حقيقة الإجابة، ومعناه: أنه لا يخيب من دعاه، فإنه إن دعاه ~~بما قدر PageV01P185 # * (وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ~~هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم ~~وعفا * * له أعطى، وإن دعاه بما لم يقدر له يدخر له الثواب في الآخرة فلا ~~يخيب دعاءه. # وقد ورد عن رسول الله أنه قال: ' ما من عبد يقول [يا رب] إلا قال الله ~~تعالى: لبيك عبدي، فيعجل ما شاء، ويدخر ما شاء '. # قوله تعالى: * (فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي) قيل: الاستجابة هاهنا بمعنى ~~الإجابة، وعليه يدل قول الشاعر: # (وداع دعايا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب) أي: فلم يجبه، ~~وقال أبو عبيدة: معناه فليستدعوا مني الإجابة. # وحقيقته فليطيعوا لي. * (وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (أحل لكم) أي: أبيح لكم (ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم). # قيل: والرفث: كل ما يريده الرجل من امرأته، وهو بمعنى الوطء هاهنا. # قال ابن عباس: إن الله حيي كريم، يكنى بالحسن عن القبيح. # * (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) قيل: معناه: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن. ~~وقيل: لا يسكن شيء إلى شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر. وقيل: أراد به ~~حقيقة اللباس، فإن أحدهما يصير لباسا لصاحبه عند المباشرة، قال PageV01P186 # * (عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين ~~لكم) * * الشاعر: # (إذا ما الضجيع ثنى جيده * تثنت فصارت عليه لباسا) قال الربيع بن أنس: ~~معناه: هن فرش لكم، وأنت لحف لهن. # وقوله تعالى: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) هو افتعال: من ~~الخيانة، أي: تخونون ms0105 أنفسكم بمخالفة الأمر، وترك الوقاية. وقوله تعالى: * ~~(فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن) قيل: أراد به الوطء. وقيل: ما دون ~~الوطء. وقوله تعالى: * (وابتغوا ما كتب الله لكم) قال أنس بن مالك: أراد به ~~طلب الولد. # وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس: أراد به ابتغاء ليلة القدر. # وقال قتادة وهو أحسن الأقوال: يعني: وابتغوا ما كتب الله لكم من الرخصة ~~بإباحة الأكل، والشرب، والوطء، في اللوح المحفوظ. # وقرأ ابن عباس في الشواذ: ' واتبعوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا '. # وسبب نزول الآية: أن الله تعالى كان قد أوجب الصوم في الابتداء من العتمة ~~إلى الليلة القابلة، وكان كل من نام أو صلى العشاء حرم عليه الأكل، والشرب، ~~والوطء ' فروى أن رجلا يقال له: صرمة أبو قيس ظل يعمل جميع النهار، ثم آوى ~~إلى منزله، وطلب من امرأته طعاما، فأبطأت، فغلبه النوم، فلما استيقظ كان قد ~~حرم الطعام والشراب فأصبح وقد جهد جهدا شديدا، حتى خر مغشيا عليه، فأخبر به ~~PageV01P187 # * (الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) * ~~* رسول الله؛ فنزلت الآية بإباحة الأكل والشرب بالليل. # وسبب إباحة المباشرة: ما روى أن عمر رضي الله عنه قال: ' يا رسول الله ~~إني أصبت امرأتي بعد ما نمت، فقال: ما كنت جديرا بهذا يا عمر '. # ' وروى أن رجلا من الصحابة أخبر النبي بمثل ذلك، فنزلت الآية بإباحة ~~المباشرة ' وذلك معنى قوله: * (كنتم تختانون أنفسكم). # فأما قوله: * (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر) قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أراد بالخيط: اللون، ومعناه: بياض ~~النهار من سواد الليل. # وقوله تعالى: * (من الفجر) سبب نزوله ما روى ' أنه لما نزلت هذه الآية ~~أخذ عدي ابن حاتم عقالين، أحدهما أبيض، والآخر أسود، ووضعهما تحت وسادته ~~فلما أصبح كان ينظر إليهما، ويتسحر، حتى يتبين الأبيض من الأسود، فأخبر به ~~النبي فقال: إنك لعريض الوساد '. # وفي رواية: ' إنك لعريض القفا، إنما هو بياض النهار من سواد الليل ' وهي ms0106 ~~كلمة لهم يكنون بها عن قلة الفهم؛ فنزل قوله * (من الفجر) والفجر فجران: ~~PageV01P188 # * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها ~~كذلك) * * أحدهما فجر مستطيل كذنب السرحان، يطاع صاعدا، ثم يغيب، ويغلب ~~الظلام، وهو الفجر الكاذب. # والثاني بعده: فجر مستطير، ينتشر في الأفق سريعا، وقيل: يختلط به الحمرة، ~~وهو الفجر الصادق الذي يحرم الطعام ويبيح الصيام. # وتقول العرب: الفجر (بشير) الشمس. # ويحكى عن حذيفة بن اليمان خلافا غريبا، وهو معروف عنه، أنه قال: أراد ~~بالفجر طلوع الشمس، وكان يبيح التسحر بعد طلوع الفجر. # وقوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وهذا يقتضي حرمة الصوم ~~بالليل لأنه قد جعله حدا. # وقد قال: ' من صام بالليل فقد تعب ولا أجر له '. # وقال أيضا: ' إذ أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر ~~الصائم '. # قوله تعالى: * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) والعكوف: هو ~~المقام في الموضع. # وقيل: نزلت الآية في قوم من المسلمين كانوا يخرجون من الاعتكاف، ويباشرون ~~الأهل، ثم يعودون إلى المعتكف، فحرم الله تعالى المباشرة في الاعتكاف. ~~PageV01P189 # * (يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم ~~تعلمون (188) يسألونك) * * والاعتكاف جائز في كل المساجد، وحكى عن حذيفة بن ~~اليمان خلافا شاذا فيه فقال: لا يجوز الاعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: في ~~المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد المدينة وكان يعيب على عبد الله بن ~~مسعود اعتكافه في غيرها من المساجد، وكان عبد الله ينكره ويرد عليه قوله، ~~والأمة على قول عبد الله. # وقوله تعالى: * (تلك حدود الله) وهي ما منع الله تعالى عنها من المعاصي. # وأصل الحد: المنع. ومنه الحداد للبواب؛ لأنه يمنع الناس، ومنه الحديد؛ ~~لأنه يحتمي به للامتناع من الأعادي. # وقوله تعالى: * (فلا تقربوها) أي: فلا ترتكبوها. # وقوله تعالى: * (كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) أي: لا يأكل بعضكم ~~أموال بعض بالباطل. ms0107 والأكل بالباطل نوعان: # أحدهما: أن يكون بطريق الغصب والنهب والظلم. # والآخر: بطريق اللهو مثل القمار والرهان وأجرة المغني ونحو ذلك. # وقوله تعالى: * (وتدلوا بها إلى الحكام) قيل: معناه: ولا تدلوا بها إلى ~~الحكام، أي لا ترشوهم وتصانعوهم فيحكموا لكم بالجور. # وقيل: معناه: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتنسبونه إلى قول الحكام ~~وتتخذون قولهم حجة. # * (وأنتم تعلمون) خلافة، هذا دليل على من يقول بنفوذ القضاء ظاهرا ~~وباطنا. والإدلاء: الإلقاء يقال: أدلى دلوه، إذا أرسل، ودلى إذا أخرج. ~~PageV01P190 # * (عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ~~ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (189)) * * وقوله تعالى: * (لتأكلوا فريقا) أي: طائفة * (من أموال ~~الناس بالإثم) بالظلم * (وأنتم تعلمون). # قوله تعالى: * (يسألونك عن الأهلة) وهي جمع الهلال، وهو اسم للقمر أول ما ~~يبدو دقيقا وإنما سمى هلالا؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته. يقال: ~~استهل الصبي: إذا صاح بالبكاء، والعرب تسمى كل ثلاثة من الشهر باسم خاص، ~~فتقول للثلاثة الأولى: غرر، ثم يليه، نفل، ثم يليه، تسع، ثم يليه، عشر، ثم ~~يليه، بيض، ثم يليه، ربع، والأصح روع، ثم يليه، ظلم، ثم يليه، حناوس، ثم ~~يليه، وادي، ثم يليه محاق. # وسبب نزول الآية: ما روى أن معاذ بن جبل، وثعلبة بن عثيمة، قالا: ' يا ~~رسول الله، ما بال حال القمر يبدو دقيقا؛ ثم يمتلئ فورا ثم يعود دقيقا؛ ~~فنزل قوله تعالى: * (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج). # يعني: فعلت ما فعلت؛ ليكون مواقيت لصومكم، وفطركم، وحجكم، وآجال ديونكم ~~'. # وقوله تعالى: * (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) قال البراء بن ~~عازب: نزلت الآية فينا معشر الأنصار، كان الرجل منا إذا خرج إلى الحج ثم ~~عاد، لا يدخل داره من الباب، ولكن ينقب نقبا في مؤخر البيت، فيدخل منه، ~~ويعد الدخول من باب البيت فجورا؛ فنزل قوله تعالى: * (وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها) أي: بآخرها. # * (ولكن البر من اتقى) أي: بر ms0108 من اتقى * (وأتوا البيوت من أبوابها) ردهم ~~إلى الأبواب * (واتقوا الله لعلكم تفلحون). # قوله تعالى: * (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) قيل: كان في ~~ابتداء PageV01P191 # * (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين (190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد ~~من القتل) * * الإسلام، أمر الله تعالى نبيه بالكف عن قتال المشركين ثم لما ~~هاجر إلى المدينة أمره بقتالهم إذا قاتلوا؛ بقوله تعالى: * (وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم) [ثم] أمره بقتالهم قاتلوا أو لو يقاتلوا. # وقوله تعالى: * (ولا تعتدوا) أي: لا تبدءوهم بالقتال. # وقيل: ولا تعتدوا أي: لا تقتلوا المعاهدين منهم * (إن الله لا يحب ~~المعتدين). # قوله تعالى: * (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) قيل: نسخت الآية الأولى بهذه كما ~~بينا. وقيل: بل نسخت بقوله تعالى: * (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم). # وقالوا: نسخت بها قريبا من سبعين آية. # * (حيث ثقفتموهم) أي: وجدتموهم. # وقوله تعالى * (وأخرجوهم من حيث أخرجوكم) وذلك أنهم أخرجوا المسلمين من ~~مكة؛ فقال: أخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم من دياركم. # * (والفتنة أشد من القتل) يعني بالفتنة: الكفر، وسبب ذلك: أن الله تعالى ~~لما حرم بدايتهم بالقتال في الشهر الحرام، بادر إلى قتالهم بعض المسلمين، ~~فعيرهم الكفار عليه، فقال الله تعالى * (والفتنة أشد من القتل) يعني: الشرك ~~الذي أنتم عليه أشد من قتالهم الذي بدءوا به. # وقوله تعالى: * (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) كذا ~~كان في الابتداء حراما بدايتهم بقتال في البلد الحرام، ثم صار منسوخا. ~~PageV01P192 # * (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين (193) الشهر) * * قال عطاء: لم يصر هذا منسوخا. والأصح أن الآية ~~منسوخة. # وقوله تعالى: * (فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين) * (فإن ~~انتهوا) يعني فإن أسلموا. * (فإن الله غفور رحيم) لما سلف. # قوله تعالى: * (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي: شرك * (ويكون الدين لله) ms0109 ~~أي: قاتلوهم حتى يسلموا لله. وقيل: حتى لا تكون سجدة إلا لله. # وقوله تعالى: * (فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) أي: فإن أسلموا ~~فلا نهب، ولا أسر، ولا قتل، إلا على الذين بقوا على الشرك. # قوله تعالى: * (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص) في معنى الآية ~~قولان: # أحدهما: أنه أراد به في أمر العمرة، وذلك ما روى ' أن النبي خرج معتمرا ~~في ذي القعدة، فلما بلغ الحديبية صده المشركون، فصالحهم على أن يعود في ~~العام المقبل، ثم عاد معتمرا في العام المقبل في ذي القعدة فأقضاه الله ~~تعالى ما فات في العام الأول بما فعله في العام الثاني ' فهذا معنى قوله: * ~~(الشهر الحرام بالشهر الحرام) يعني ذا القعدة. * (والحرمات قصاص) يعني: ~~حرمة الشهر الحرام، وحرمة البلد الحرام، وحرمة الإحرام. # والقول الثاني: أنه وارد في أمر القتال، ومعناه فإن بدءوكم بالقتال في ~~الشهر الحرام، وانتهكوا حرمته فقاتلهم فيه ولا تبالوا بحرمته؛ فإنه قصاص ~~بما فعلوا. # * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) والاعتداء: الظلم، ~~PageV01P193 # * (الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) وأنفقوا ~~في سبيل * * وإنما سمى الجزاء على الظلم: اعتداء، على ازدواج الكلام، ومثله ~~قوله تعالى * (وجزاء سيئة سيئة مثلها). # وتقول العرب: ظلمني فلان فظلمته، أي: جازيته على الظلم. ويقال: جهل فلان ~~على فجهلت عليه، قال الشاعر: # (ألا لا يجهلهن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا) وقال آخر: # (ولي فرس للحلم بالحلم ملجم * ولي فرس للجهل بالجهل مسرج) (واتقوا الله ~~واعلموا أن الله مع المتقين) قوله تعالى: * (وأنفقوا في سبيل الله) أراد ~~به: الإنفاق في الجهاد، وكل خير سبيل الله، ولكن إذا أطلق سبيل الله، ينصرف ~~إلى الجهاد. # * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) قيل: الباء زائدة، وتقديره: ولا تلقوا ~~أيديكم، وعبر بالأيدي عن الأنفس، كما قال الله تعالى: * (بما كسبت أيديكم) ~~أي: بما كسبتم. وقيل الباء في موضعها، وفيه حذف، وتقديره: ولا تلقوا أنفسكم ms0110 ~~بأيديكم إلى التهلكة. # والتهلكة والهلاك: واحد. وقيل: بينهما فرق، فالتهلكة: ما يمكن الاحتراز ~~عنه، والهلاك: ما لا يمكن الاحتراز عنه. وفي معناه قولان: أحدهما: ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بترك الإنفاق في سبيل الله. # والثاني: قال النعمان بن بشير، والبراء بن عازب: إن المراد به: أن يذنب ~~الرجل PageV01P194 # * (الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ~~(195) وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا ~~رءوسكم حتى) * * ذنبا ثم يقول: لا توبة لي، فيقنط من رحمة الله ونعوذ ~~بالله. # والأول أصح. لما روى عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: نزلت ~~الآية فينا معشر الأنصار فإن الله تعالى لما نصر دنيه، وأعز نبيه، قلنا: لو ~~أقمنا في أموالنا نصلحها، ونترك الجهاد، فإنها تضيع، فنزلت الآية: * (ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) يعني: بترك الإنفاق في الجهاد، والإقامة على ~~الأموال، حتى روى: أنه لما نزلت الآية ما زال أبو أيوب يغزو حتى آخر غزوة ~~غزاها بقسطنطينية، في بعث بعثة معاوية وتوفي (هنالك) ودفن في أصل سور ~~قسطنطينية وهم يستسقون به. # وقوله تعالى: * (وأحسنوا) يعني: بالإنفاق في سبيل الله. # وقال عكرمة: معناه: أحسنوا الظن بالله. # وقيل معناه: أدوا فرائض الله * (إن الله يحب المحسنين) قال فضيل بن عياض: ~~من كانت تحت يده دجاجة فلم يحسن إليها لم يكن من المحسنين. # قوله تعالى: * (وأتموا الحج والعمرة لله) وقرأ ابن مسعود: في الشواذ: ' ~~وأتموا الحج والعمرة إلى البيت ' من غير قوله: ' لله ' وقرأ الشعبي: وأتموا ~~الحج والعمرة لله على الابتداء. # واختلفوا معنى الإتمام، قال عمر: إتمامهما أن لا ينسخ إذ كان جائزا نسخه ~~في الابتداء. وقال علي، وابن مسعود: إتمامهما أن يحرم بهما من دويرة الأهل. ~~وقيل: إتمامهما أن يكون الزاد والنفقة من الحلال. وقال سفيان الثوري: ~~إتمامهما أن يقصد PageV01P195 # * (يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام ~~أو) * * الحج ولا يقصد التجارة. # وقيل: إتمامهما أن لا يعصي الله فيه، ms0111 ويأتي به على وجهه كما أمر. # ثم اعلم أن العمرة واجبة، وهو قول ابن عمر، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه ~~سنة، وهو مروى عن جابر. # والدليل على وجوبها: ظاهر الآية، وهو قوله: * (وأتموا الحج والعمرة لله) ~~وظاهر الأمر للوجوب. # وقد ورد في فضل الحج والعمرة أخبار، منها: ما روى عن رسول الله أنه قال: ~~' العمرتان تكفران ما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة '. # وقوله تعالى: * (فإن أحصرتم) قال ابن عمر: الإحصار: من العدو. (وقال ابن ~~مسعود: الإحصار: من العدو) والمرض كلاهما معتبر. وعن ابن عباس فيه روايتان. ~~والإحصار والحصر بمعنى واحد. # وقال الفراء: الإحصار: بالحبس، والحصر: منع العدو. والصحيح أنه من العدو ~~دون المرض لقوله: * (فإذا أمنتم) والأمن: من العدو. ومن قال: بالأول قال ~~فيه حذف، وتقديره. فإذا أمنتم من العدو، وبرأتم من المرض. # وقول تعالى: * (فما استيسر من الهدى) وأقل ما يجب منه: ذبح الشاة، ~~والأعلى: نحر بدنة، والأوسط: ذبح بقرة، والهدى والتهدية والهدى بمعنى واحد؛ ~~وهو ما يهدي إلى موضع، أو إلى شخص. قال الشاعر: (حلفت برب مكة والمصلى * ~~وأعناق الهدى مقلدات) وقوله تعالى: * (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى ~~محله) أي: حتى PageV01P196 # * (صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي فمن) * * يذبح في موضعه، وموضع الذبح عندنا: حيث أحصر وتحلل. # وقال أبو حنيفة: موضعه: مكة. وما قلناه أصح؛ لأن رسول الله ' لما بلغ ~~الحديبية معتمرا، فصده المشركون، تحلل وذبح هنالك '. # قوله تعالى: * (فمن كان منكم مريضا أبو به أذى من رأسه) نزل هذا في كعب ~~بن عجرة. روى عبد الرحمن بن أبي ليلى. عن كعب بن عجرة أنه قال: ' كنت مع ~~رسول الله بالحديبية، وكنت أنفخ تحت القدر والقمل يتهافت على وجهي، فقال ~~عليه السلام: ما هذا؟! احلق رأسك، واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ~~ستة مساكين '. فهذا معنى قوله: * (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) يعني: ذبح ~~الشاة. # وذلك المذهب عندنا، أن يذبح في ms0112 فدية الأذى: شاة، أو يصوم ثلاثة أيام، أو ~~يتصدق بفرق من طعام، والفرق: ثلاثة أصوع، كل صاع أربعة أمداد، فيتصدق على ~~كل مسكين بمدين. # وقال عطاء: يطعم عشرة مساكين. # وقوله تعالى: * (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) قال ابن الزبير: ~~يختص التمتع بالمحصر؛ لقوله تعالى: * (فإذا أمنتم) وعامة الصحابة على أنه ~~جائز على العموم للكافة. # ثم مذهب المدنيين، والكوفيين: أن التمتع هو: أن يحرم بالعمرة في أشهر ~~الحج، PageV01P197 # * (لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك ~~لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد ~~العقاب) * * ثم يقيم بمكة، ويحج من عامه ذلك. # وسمى تمتعا؛ لأنه يستمتع بالمحظورات إذا تحلل عن العمرة إلى أن يحرم ~~بالحج. # وقال طاوس: لا يختص التمتع بأشهر الحج، بل إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر ~~الحج يكون متمتعا. # وقوله تعالى: * (فما استيسر من الهدى) أي: ذبح الشاة. # وقوله تعالى: * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) وذلك بأن يصوم ~~يوما قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، ويجوز أن يصوم الثلاثة متفرقة. # وقال ابن عمر، وعائشة: يصوم ثلاثة أيام منى، وذلك التشريق وهو قول ~~الشافعي في القديم. وقوله تعالى: * (وسبعة إذا رجعتم) قال ابن عمر: معناه ~~إذا رجعتم إلى الأهل. # والصحيح: أنه إذا أراد الرجوع عن الحج حتى لو صام السبع في الطريق جاز ~~ويجوز متفرقا أيضا. # وقوله تعالى: * (تلك عشرة كاملة) فإن قال قائل: لا يشكل أن الثلاثة ~~والسبع عشرة، فلم قال: تلك عشرة كاملة؟ قلنا: قيل: إنما قاله تأكيدا، ومثله ~~قول الفرزدق: # (ثلاث واثنتان فهن خمس * وسادسة تميل إلى شمام) وهذا لأن العرب ما كانوا ~~يهتدون إلى الحساب، وكانوا يحتاجون إلى فضل شرح وزيادة بيان. PageV01P198 # (* (196) الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال) * * وقد صح عن رسول الله أنه قال: ' الشهر هكذا وهكذا وهكذا حبس ~~إبهامه في الكرة الثالثة '. فأشار إليهم بأصابعه ليعرفوا الحساب. # وقيل: فيه تقديم ms0113 وتأخير، يعني: فصيام عشرة أيام: ثلاثة أيام في الحج، ~~وسبعة إذا رجعتم، وقيل: إنما قال ذلك؛ لقطع توهم الزيادة، فإن قوله: فصيام ~~ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم. يوهم وخمسة إذا فعلتم كذا، ونحو ذلك، ~~فقال: تلك عشرة ليقطع توهم الزيادة. # وقوله: * (كاملة) أي: كاملة في الأجر. وقيل: كاملة فيما أريد به وإقامة ~~الصوم مقام الهدى. # قوله تعالى: * (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) قال بعض ~~الصحابة: أراد بحاضري المسجد الحرام: أهل مكة، وكان ابن عباس يقول: يا أهل ~~مكة لا تمتع لكم. إنما التمتع للغرباء. # وقيل: هم جميع أهل الحرم. وقال الشافعي: كل من كان من مكة على ما دون ~~مسافة القصر؛ فهو من حاضري المسجد الحرام. # * (واتقوا الله) أي: في أداء الأوامر * (واعلموا أن الله شديد العقاب) ~~على ارتكاب المناهي. # قوله تعالى: * (الحج أشهر معلومات) الأكثرون على أن المراد به: شوال، وذو ~~القعدة، وعشر من ذي الحجة. # وقال مالك: كل ذي الحجة وقوله تعالى: * (فمن فرض فيهن الحج) قال ابن عمر، ~~وابن مسعود: أراد به: فمن فرض فيهن الحج بالتلبية. أي: فمن لبى. ~~PageV01P199 # * (في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ~~واتقون يا) * * وعندنا يختص إحرام الحج بأشهر الحج، وعند أبي حنيفة يجوز في ~~جميع السنة. وفيه خلاف الصحابة، وهو مذكور في الفقه. # وقوله تعالى: * (فلا رفث) قيل: هو الوطء. وقيل: الرفث: الإفحاش في القول. # وقيل: هو أن يتعرض لأمر الوطء مع النساء، وذلك بأن يقول: إذا حللنا فعلنا ~~كذا. وعن ابن عباس أنه كان محرما فأنشد: # (فهن يمشين بنا هميسا * إن تصدق الطير ننك لميسا) فقيل له: أترفث وأنت ~~محرم؟ فقال: الرفث: هو ما روجع به النساء، أي: يذكر في مشاهدتهن. # وقوله تعالى: * (ولا فسوق) الفسوق: السباب. وقيل: هو كل المعاصي. # وقوله: * (ولا جدال في الحج) قال ابن مسعود: الجدال: أن يمارى الرجل ~~صاحبه حتى يغضبه. # وقيل: أراد به ما كان عليه أهل الجاهلية من الاختلاف في أمر الحج، ms0114 حتى ~~كان بعضهم يقف بعرفة، وبعضهم بالمزدلفة، وكان يحج بعضهم في ذي القعدة، ~~وبعضهم في ذي الحجة، وكل يقول: ما فعلته فهو صواب، فقال: * (ولا جدال في ~~الحج) أي: استقر أمر الحج على ما فعله الرسول، فلا خلاف فيه من بعد وذلك ~~معنى قوله ' ألا إن الزمان قد استدار كهيئته... ' الحديث. # وقوله تعالى: * (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) أي: لا يخفى عليه ولا ~~يضيعه، بل يثيب عليه. PageV01P200 # * (أولي الألباب (197) ليس عليكم جناح أن يبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم ~~من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من ~~قبله) * * وقوله تعالى: * (وتزودوا) نزل في قوم من اليمن، كانوا يخرجون إلى ~~الحج من غير زاد ويسألون الناس الزاد، وربما يفضي الحال بهم في السلب ~~والنهب، فقال: * (وتزودوا) أي: اخرجوا مع الزاد. # وقوله: * (فإن خير الزاد التقوى) يعني: من السلب والسؤال. # وقال سعيد بن جبير: تزودوا بالكعك والسويق. # وقال غيره: وتزودوا بالخشكنانج، والسويق. وقوله تعالى: * (واتقون يا أولي ~~الألباب) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) في سبب نزول هذا ~~قولان: أحدهما: ما روى عن أبي أمامة التيمي أنه قال: قلت لابن عمر: إنا ~~نكرى في هذا الوجه يعني إلى مكة والناس يقولون: لا حج لكم، فقال ابن عمر: ~~ألست تقف؟ ألست تسعى؟ ألست تطوف؟ قلت: نعم. فقال: لك حج. وروى ابن عمر ' أن ~~رسول الله سئل عن ذلك، فلم يجب بشيء حتى نزل جبريل بهذه الآية '. # والثاني: قال ابن عباس: كان في الجاهلية أسواق يقال لها عكاظ، والمجنة، ~~وذو المجاز، وكان أهل الجاهلية يتجرون منها، فلما جاء الإسلام كان المسلمون ~~يتحرجون عن التجارة في تلك الأسواق، فنزل قوله: * (ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم) يعني: بالتجارة في تلك الأسواق. # وقرأ ابن الزبير: فضلا من ربكم في مواسم الحج. # وقوله تعالى: * (فإذا أفضتم من عرفات) أما عرفات: سمى بذلك؛ لأن ~~PageV01P201 # * (لمن الضالين (198) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ms0115 إن ~~الله غفور) * * جبريل لما وقف بإبراهيم، كان يقول له: عرفت. فيقول: عرفت. # والإفاضة: الدفع بكثرة، يقال: فاض الإناء. إذا امتلأ حتى سال من الجوانب، ~~ومنه: رجل فياض، إذا كان كثير العطاء، قال الشاعر: # (وأبيض فياض يداه غمامة * على معتقيه ما تغب نوافله) وإنما قال: * (فإذا ~~أفضتم) لأنه يدفع بعضهم بعضا بكثرة عند الرجوع. # وقوله تعالى: * (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) والمشعر الحرام، ~~والمزدلفة، والجمع أسامي موضع واحد. فالمشعر: المعلم فإن المزدلفة معلم ~~للمبيت، والوقوف، والدعاء، والجمع بين الصلاتين. وإنما سمى: جمعا؛ لأنه ~~يجمع هنالك بين المغرب والعشاء. # وسمى: مزدلفة، من الازدلاف وهو: الاجتماع، والمزدلفة: موضع بين جبلين، ~~يسمى أحدهما: قزح يقف عليه الإمام، وهو من جملة الحرم ولذلك سمى المشعر ~~الحرام. # وقوله تعالى: * (واذكروه كما هداكم) أي: واذكروه بالتوحيد والتعظيم، كما ~~ذكركم بالهداية. # وقوله تعالى: * (وإن كنتم من قبله لمن الضالين) قيل: ما كنتم من قبله إلا ~~من الضالين، وقيل: معناه: قد كنتم من قبله لمن الضالين. # قوله تعالى: * (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) يعني: من عرفات. # فإن قيل: كيف قال: ثم أفيضوا بكلمة التعقيب والإفاضة من عرفات إنما تكون ~~قبل الوصول إلى المزدلفة؟ قلنا: ' ثم ' بمعنى ' الواو ' ههنا، يعني: ~~وأفيضوا. وهو مثل قوله: * (ثم كان من الذين آمنوا) أي: وكان من الذين ~~آمنوا، فيكون PageV01P202 # * (رحيم (199) فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ~~ذكرا) * * جمعا بين الحكمين. # وقيل: تقديره: ثم أمركم أن تفيضوا من عرفات. وهذا مثل قوله تعالى: * (ثم ~~آتينا موسى الكتاب) (وإنما آتاه الكتاب قبل محمد لكن معناه ثم أخبركم أنا ~~آتينا موسى الكتاب)، كذلك هاهنا، فيكون عمل ' ثم ' في الأمر لا في الإفاضة. # وأما الكلام في المعنى: قيل: إن قريشا وأحلافهم كانوا يقفون بالمزدلفة ~~ويقولون نحن أهل حرم الله فلا نخرج من حرم الله. لأن عرفات كانت في الحل، ~~وأما سائر العرب كانوا يقفون بعرفات. # فقوله: * (ثم أفيضوا) خطاب لقريش، يعني: قفوا بعرفات، وأفيضوا منها * (من ~~حيث أفاض الناس) يعني: سائر العرب. # وقيل ms0116 أراد بالناس في قوله: * (من حيث أفاض الناس) إبراهيم، وقد يسمى ~~الواحد ناسا، كما قال الله تعالى: * (الذين قال لهم الناس) وأراد به: نعيم ~~ابن مسعود الأشجعي وحده. # وقرأ الضحاك، وسعيد بن جبير * (من حيث أفاض الناس) يعني: آدم عليه ~~السلام. # وقوله تعالى: * (واستغفروا الله إن الله غفور رحيم). # قوله تعالى: * (فإذا قضيتم مناسككم) يعني: فرغتم من المناسك، وذلك عند ~~رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى، وقوله: * (فاذكروا الله كذكركم آباءكم) ~~PageV01P203 # * (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ~~(200) ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار (201)) * * يعني: فاذكروا الله بالتكبير والتمجيد والثناء عليه. # وفي قوله: * (كذكركم آباءكم) قولان، قال عطاء: هو أن الصبي أول ما يتكلم ~~فإنما يلهج بذكر أبيه، فيقول: يا أبة. لا يذكر غيره، فقال تعالى: * ~~(فاذكروا الله) لا غيره * (كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا). # والثاني: هو أن العرب كانوا إذا فرغوا من الحج، ذكروا مفاخر آبائهم، فقال ~~تعالى: * (فاذكروا الله بدل ذكركم آباءكم أو أشد ذكرا. # وقوله تعالى: * (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا) أراد به: ~~المشركين، كانوا لا يسألون الله في الحج إلا الدنيا، وكان الرجل منهم يقول: ~~اللهم إن أبي كان عظيم القبة كبير الجفنة، كثير المال، اللهم فاعطني مثل ما ~~أعطيته. # وقوله تعالى: * (وما له في الآخرة من خلاق) من نصيب. # قوله تعالى: * (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) ~~أراد به المسلمين، واختلفوا في معناه. # قال الحسن البصري: * (في الدنيا حسنة) يعني: العلم والعبادة، * (وفي ~~الآخرة حسنة) يعني: الجنة. # وحكى عن علي رضي الله عنه أنه قال * (في الدنيا حسنة) المرأة الصالحة، * ~~(وفي الآخرة حسنة) الجنة. # وقد ورد في الحديث مرفوعا: ' من أوتي قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وامرأة ~~صالحة تعينه على أمر دينه، فقد جمع له خير الدنيا والآخرة '. PageV01P204 # * (أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202)) * * وقال قتادة: * ~~(في الدنيا حسنة) يعني: العافية، * (وفي ms0117 الآخرة حسنة) يعني: العاقبة. # وروى أنس عن النبي: ' أنه عاد مريضا قد أنهكه المرض حتى صار كالفرخ، فقال ~~له عليه السلام بم كنت تدعو؟ فقال الرجل: قلت: اللهم إن كنت معاقبي بشيء في ~~الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال: سبحان الله، ما تطيق ذلك، هلا قلت: * ~~(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) '. وقيل: كان هذا أكثر دعاء ~~رسول الله. # وقوله تعالى: * (وقنا عذاب النار) أي: اصرف عنا عذاب النار. # قوله تعالى: * (أولئك لهم نصيب) أي: الاستجابة * (مما كسبوا) من الدعاء. ~~* (والله سريع الحساب) قال أهل التفسير: يحاسب العباد أسرع من لمح البصر. # وقال أهل المعاني: يحاسب العباد من غير تدبير ولا رؤية؛ لكونه عالما بما ~~للعباد، وما على العباد فلا يحتاج إلى رؤية. # وقال ابن الأنباري: معناه: أن الله آت بالقيامة عن قريب، فإن ما هو كائن ~~لا محالة فهو قريب، ففيه إشارة إلى قرب القيامة. PageV01P205 # * (في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم ~~عليه لمن اتقى واتقوا الله اعلموا أنكم إليه تحشرون (203) ومن الناس من ~~يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد) * * قوله تعالى: * (واذكروا الله في ~~أيام معدودات) يعني: أيام منى، وهي أيام التشريق. قال ابن عمر: الأيام ~~المعلومات والأيام المعدودات في أربعة أيام، فيوم النحر ويومان بعده هي ~~الأيام المعلومات، وثلاثة أيام بعد يوم النحر هي الأيام المعدودات. # والمعدودات المحصيات، وإنما قال ذلك لقلتهن، والمراد بالذكر منها ههنا هو ~~التكبيرات أدبار الصلوات. # وقوله تعالى: * (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) أراد به: النفر في ~~اليوم الثاني من أيام التشريق، يعني: فمن تعجل بالنفر بالرجوع من منى فيه ~~فلا حرج عليه. # وقوله تعالى: * (ومن تأخر فلا إثم عليه) يعني: من تأخر بالنفر الثاني في ~~اليوم الثالث من أيام التشريق فلا حرج عليه. # فإن قيل: الآية فيمن رجع على إتمام المناسك، فكيف نفى الحرج عنه وهو بمحل ~~استحقاق الثواب لا بمحل الحرج؟ قلنا: قال ابن مسعود: أراد به: من [نفى] ~~الحرج: ms0118 أنه رجع مغفورا له. وهذا مؤيد بالحديث، وما روى مرفوعا ' من حج هذا ~~البيت ولم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه '. # وقال النخعي معناه: فمن تعجل فلا إثم عليه بالتعجيل، ومن تأخر فلا إثم ~~عليه بالتأخير. # وفيه قول ثالث: إنما قال ذلك، لأن بعضهم كان يزيد في المقام بمنى على ~~الثلاث تبررا وتقربا؛ فقال الله تعالى: من رجع في اليوم الثاني أو الثالث ~~ولم يزد على الثلاث فلا حرج عليه. يعني: في ترك الزيادة. PageV01P206 # * (الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعي في الأرض ~~ليفسد فيها ويهلك) * * وفيه قول رابع: حسن، معناه: من ترخص بالتعجيل فلا ~~إثم عليه بالترخص، ومن تأخر فلا إثم عليه بترك الترخص؛ وذلك أن النبي كان ~~قد ندب إلى الرخصة بقوله: ' إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى ~~عزائمه '. # قوله تعالى: * (لمن اتقى) قال أبو العالية: معناه: لمن اتقى الله بعد ~~الحج في جميع عمره. # وقال الآخرون: معناه: لمن اتقى المعاصي في الحج، وقوله تعالى: * (واتقوا ~~الله واعلموا أنكم إليه تحشرون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) نزلت الآية في ~~الأخنس بن شريق حليف بني زهرة فإنه أتى النبي عليه السلام وقال: ' إني ~~أحبك، وأريد أن أؤمن بك، والله يعلم ما في قلبي، وكان يبطن بغضه، وكان عليه ~~السلام يعجبه قوله (ويسر به) فنزلت الآية: * (ومن الناس من يعجبك قوله في ~~الحياة الدنيا) ' يعني في العلانية. # وأما قوله: * (ويشهد الله على ما في قلبه) قرأ ابن مسعود: وشهيد الله على ~~ما في قلبه. وقرأ ابن محيصن: ويشهد الله على ما في قلبه، وهما في الشواذ، ~~والمعروف هو الأول. # وقوله تعالى: * (وهو ألد الخصام) أي: شديد الخصومة قال الشاعر: # (إن تحت (التراب) حزما وجودا * وخصيما ألد ذا معلاق) PageV01P207 # * (الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته ~~العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس، من يشري نفسه ~~ابتغاء مرضات الله ms0119 والله رؤوف) * * وقال مجاهد: * (ألد الخصام) أي: الظالم ~~في الخصومة. # وقوله تعالى: * (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها) فيه نزلت الآية ~~أيضا؛ فإنه خرج من عند النبي فرأى حمارا فعقره، ومر بزرع فأحرقه فهذا معنى ~~قوله: * (سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل) فالحرث: الزرع. ~~والنسل: ولد كل دابة. # * (والله لا يحب الفساد) أي: لا يرضى الفساد، وقيل: من الفساد: كسر ~~الدرهم، وشق الثوب من غير مصلحة. # قوله تعالى: * (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم) فيه نزلت الآية ~~أيضا. * (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة) أي: حمية الجاهلية * (بالإثم) ~~أي: بالظلم، والعزة: التكبر والمنعة، ومنه قوله تعالى: * (في عزة وشقاق). # وعن ابن مسعود قال: كفى بالمرء إثمان أن يقال له: اتق الله، فيقول: أنت ~~الذي تأمرني بالتقوى. # وروى أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: اتق الله. فوضع خده على الأرض ~~تواضعا لله. # وفي رواية قيل لعمر: اتق الله: فأنكر المغيرة بن شعبة على قائله، فقال ~~عمر: إنكم لا تزالون بخير ما قالوا ذلك لنا، وقبلنا منهم. # وقوله تعالى: * (فحسبه جهنم) أي: كافيه. قال امرؤ القيس. # (وتملأ بيتنا أقطا وسمنا * وحسبك من غنى شبع وروى) وقوله تعالى: * (ولبئس ~~المهاد) المهاد: كل فراش يستقر المرء عليه. PageV01P208 # * (بالعباد (207) يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (208) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ~~فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209) هل) * * قوله تعالى: * (ومن الناس من يشري ~~نفسه ابتغاء مرضات الله) قال سعيد ابن المسيب: ' نزلت الآية في صهيب بن ~~سنان، وذلك أنه خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة فتبعه المشركون ولحقوه، فنثر ~~كنانته وقال: إنكم تعلمون أني من أرماكم، والله لا تصلون إلي حتى أرمي جميع ~~ما بكنانتي ثم أخذ سيفي وأضرب حتى أعجز أو ترجعوا عني ومالكم مالي ثمة، ~~فقالوا: أين مالك؟ فدلهم عليه، فرجعوا عنه، فلما سمع ذلك رسول الله قال: ~~ربح البيع يا أبا يحيى '. فهذا ms0120 معنى قوله: و * (ومن الناس من يشري نفسه) ~~أي: يبيع. # والشراء: البيع، ومنه قول الشاعر: # (وشريت بردا ليتني * من بعد برد [صرت هامه]) قال رجل كان له غلام يسمى ~~بردا، وكان مفتونا به، فباعه فندم عليه. # وقوله تعالى: * (والله رؤوف بالعباد) أي: شديد الرحمة بهم. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) آمنوا: أي ~~صدقوا. # ادخلوا في السلم كافة، أي: ادخلوا جميعا في الإسلام. # قال الأزهري السلم الصلح، والسلم: الانقياد، والمراد به: الإسلام ههنا. ~~PageV01P209 # * (ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ~~وإلى الله ترجع الأمور (210) سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن ~~يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله) * * وقال الأزهري أيضا: معناه: ~~ادخلوا في الإسلام وشرائعه كافة. # وفيه قول ثالث، معناه: ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه، كافين عن ~~المجاوزة إلى غيره، من الكف. # قال ابن عباس: نزلت الآية في عبد الله بن سلام، وقوم من اليهود أسلموا، ~~وأرادوا أن يجمعوا بين الإسلام واليهودية، فقالوا: نلزم السبت فلا نأكل ~~لحوم الإبل ونحو ذلك، فنزلت الآية. أي: كونوا للإسلام خاصة، ولا تجمعوا ~~بينه وبين اليهودية، وكفوا عن المجاوزة إلى غيره. # فإن قال قائل: كيف خاطب المؤمنين بالدخول في الإسلام؟ قيل: يحتمل معناه: ~~الثبات على الإسلام، ويحتمل أنه خطاب للذين آمنوا باللسان ولم يؤمنوا ~~بالقلب. # وقوله تعالى: * (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) أي: آثار الشيطان، وهي جمع ~~الخطوة. والخطوة: ما بين القدمين * (إنه لكم عدو مبين). # قوله تعالى: * (فإن زللتم) زل يزل: إذا ضل وتنحى عن الطريق، وأزل يزل: ~~إذا أسدى نعمة إلى غيره. ومنه قوله: ' من أزلت إليه نعمة فليشكرها '. # وقوله تعالى: * (من بعد ما جاءتكم البينات) الدلالات الواضحات. # * (فاعلموا أن الله عزيز حكيم) فالعزيز: الغالب الذي لا يفوته شيء، ~~والحكيم: ذو الإصابة في الأمر. # قوله تعالى: * (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة) والآية من المتشابهات. PageV01P210 # * (شديد العقاب (211) زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون ms0121 من الذين ~~آمنوا والذين اتقوا) * * وروى أصحاب الحديث عن أبي بن كعب ومجاهد، أنهما ~~قالا في تفسير الآية: يأتي الله يوم القيامة في ظلل من الغمام. # وأما أبو بكر محمد بن الحسن النقاش المفسر فلم يتعرض للآية بشيء، وقال ~~الزجاج: يحتمل معنى الآية من حيث اللغة: يأتي الله بما وعدهم من العقاب. # قال الشيخ الإمام: والأولى في هذه الآية وما يشاكلها أن نؤمن بظاهره ونكل ~~علمه إلى الله تعالى وننزه الله سبحانه وتعالى عن سمات الحدث والنقص. # وأما قوله: * (في ظلل) فهو جمع الظلة وهو السترة من الغمام. قد ذكرنا ~~معنى الغمام. # * (والملائكة) قرئ بالرفع والخفض. فإذا قرئ بالرفع، فهو منسوق على الله، ~~وإذا قرئ بالخفض فهو منسوق على الظلل. # * (وقضى الأمر) أي: فرغ من الأمر، وذلك فصل الله القضاء بالحق بين الخلق. # * (وإلى الله ترجع الأمور) قال قطرب: إنما خص به يوم القيامة؛ لأن الأمر ~~يخلص يومئذ لله تعالى. # قوله تعالى: * (سل بني إسرائيل) هو خطاب للرسول، يعني: سل الذين أسلموا ~~منهم * (كم آتيناهم من آية بينة) أي: من دلالة واضحة على نبوة موسى. # وقيل: معناه: الدلالات التي آتاهم في التوراة والإنجيل على نبوة محمد * ~~(ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب) في معناه ~~قولان: # أحدهما: ومن يغير عهد الله. # والثاني معناه: ومن ينكر الدلالة التي على نبوة محمد. PageV01P211 # * (فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه وما) * * قوله تعالى: * (زين للذين كفروا الحياة ~~الدنيا). قال الزجاج: المزين هو الشيطان. فإن الله تعالى قد زهد الخلق في ~~الدنيا، ورغبهم في الآخرة. وقال الأكثرون: المزين هو الله تعالى والتزيين ~~من الله هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر المعجبة، فنظر الخلق إليها ~~بأكثر من قدرها، فأعجبهم ذلك، ففتنوا به؛ [فلذلك] التزيين من الله. # * (ويسخرون من الذين آمنوا) أي: يستهزئون. وهم رؤساء قريش كأبي جهل ~~وغيره، وكانوا ms0122 يسخرون من الفقراء. # قال ابن عباس: أراد بالذين آمنوا: عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، ~~وخباب بن الأرت، وأبا ذر. # * (والذين اتقوا) أي هؤلاء الفقراء * (فوقهم يوم القيامة) لأنهم في أعلى ~~عليين، وأولئك في أسفل السافلين. # * (والله يرزق من يشاء بغير حساب) فيه أقوال، أحدها: أنه يوسع على من ~~يشاء من غير مضايقة ولا تقتير. # والقول الثاني: معناه: أنه لا يأخذ شيئا من شيء مقدر، كالعبد يأخذ ألفا ~~من ألفين، فيعطى قدرا من مقره فيخاف الإجحاف على ماله؛ ولكن الله يرزق ~~العباد من خزائنه التي لا تنفذ. # والثالث: معناه: أنه يقتر على من يشاء، ويبسط على من يشاء، ولا يعطي كل ~~أحد على قدر حاجته؛ بل يعطي الكثير من لا يحتاج إليه، ولا يعطي القليل من ~~يحتاج إليه. # والقول الرابع: قال ابن عباس: هذا فيما سهل الله تعالى على رسوله من ~~PageV01P212 # * (اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى ~~الله الذين آمنوا لما) * * الاستيلاء على بني قريظة والنضير، على أسهل وجه ~~من غير قتال ولا تعب. # وقوله تعالى: * (كان الناس أمة واحدة) فالأمة في اللغة: على وجوه، منها: ~~الأمة بمعنى الدين، ومنه قول النابغة: # (حلفت، فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع) أي ذو دين. # والأمة: الفرقة من الناس وغيرهم، فالترك أمة، والروم أمة، والفرس أمة، ~~ومن الطير أمة، قال الله تعالى: * (ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم). # والأمة: الحين، وقال الله تعالى: * (وادكر بعد أمة) أي: بعد حين. # والأمة: الإمام الذي يقتدي به ومنه قوله تعالى: * (إن إبراهيم كان أمة). # والأمة: المعلم للخير. والأمة: القامة، ومنه قول الشاعر: # (وإن معاوية الأكرمين * حسان الوجوه طوال الأمم) والأمة بكسر الألف: ~~النعمة، والمراد بالأمة ههنا الدين. # يعني: كان الناس على دين واحد ثم اختلفوا في معناه. # وقال بعضهم وهو قول مجاهد أراد به آدم، كان أمة واحدة. # وقيل وهو قول قتادة وسعيد بن جبير: أراد به عشرين قرنا من بني آدم ونوح ms0123 ~~كانوا على الإسلام. PageV01P213 # * (اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) ~~أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى) * * وقيل: أراد به الناس في زمن إبراهيم ~~كانوا على ملة الكفر. # * (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه). # فإن قال قائل: كيف يحكم الكتاب؟ قيل قرأ عاصم الجحدري: ' ليحكم بين الناس ~~' بضم الياء فيكون الحكم من الأنبياء. # وأما قوله: * (ليحكم بين الناس) يعني: ليحكم الذين أوتوا الكتاب من ~~النبيين. # وقوله تعالى: * (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه) يعني: أوتوا الكتاب. * ~~(من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم) أي: حسدا وظلما. * (فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه) قال زيد بن أسلم: اختلفوا في القبلة، ~~فهدانا الله إلى الكعبة، واختلفوا في الأيام، فاختار اليهود السبت، ~~والنصارى يوم الأحد، فهدانا الله للجمعة، واختلفوا في عيسى، فقال بعضهم: ~~كذاب. وقال بعضهم: ابن الله فهدانا الله لكونه نبيا عبدا، واختلفوا في ~~إبراهيم، فادعاه كل فرقة فهدانا الله لكونه حنيفا مسلما. # وروى عن رسول الله أنه قال: ' نحن الآخرون السابقون، وأول الناس دخولا ~~الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا وأوتيناه من بعدهم، الناس لنا تبع، ~~فاليوم لنا، يعني: الجمعة وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى '. # * (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) PageV01P214 # * (يقول الرسول والذين آمنوا معه حتى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ~~(214) يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا) قوله تعالى: * (أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة). # نزل في المهاجرين إلى المدينة حين أصابهم حر شديد وفاقة عظيمة فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية؛ تطييبا لقلوبهم وتسلية لهم. # فقوله: (أم) كلمة للخروج من كلام إلى كلام، ونكون بمعنى: بل يقول الله ~~تعالى لهم: * (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم) يعني: ولم يصبكم ما أصابهم، وقوله تعالى: * (مثل ms0124 الذين خلوا) أي: ~~صفة الذين خلوا. * (من قبلكم مستهم البأساء) الفقر * (والضراء) المرض * ~~(وزلزلوا) حركوا بشدة وخوفوا. * (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله) حتى استبطئوا نصر الله. * (ألا إن نصر الله قريب). # قوله تعالى: * (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين) قيل: المراد به الوصية التي كانت واجبة في الابتداء للوالدين ~~والأقربين. # وقيل: أراد به التطوعات والصدقات جعلها للوالدين، والأقربين، واليتامى، ~~والمساكين، وابن السبيل. # وقيل: إنه كان في الابتداء، ثم نسخت بآية الزكاة. # * (وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم) أي: يحصي ويجازي عليه. وهذا مثل ~~قوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) أي: يرى الجزاء على العمل؛ ~~لأن العمل فائت فلا يراه. # قوله تعالى: * (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) أي: شاق عليكم. # واعلم أن أكثر العلماء على أن الجهاد فرض على الكفاية، وقال عطاء وهو قول ~~الثوري: أنه تطوع قالوا: والآية في الذين أمروا بالقتال من الصحابة. ~~PageV01P215 # * * (من خير فإن الله به عليم (215) كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ~~أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرا لكم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون (216) يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل فيه كبير وصد ~~عن سبيل الله وكفر به) * * (وعسى أن تكرهوا شيئا) يعني: القتال * (وهو خير ~~لكم) بإصابة الشهادة، وحيازة الغنيمة، والظفر بالعدو. # (وعسى أن تحبوا شيئا) يعني: القعود عن القتال * (وهو شر لكم) بفوت ~~المنازل. قال ابن عباس: ' كنت رديف رسول الله فقال لي: يا غلام ارض بما قدر ~~الله لك؛ فعسى أن تكره شيئا وهو خير لك، وعسى أن تحب شيئا وهو شر لك، وتلا ~~هذه الآية: * (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) '. # قوله تعالى: * (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) أي: عن قتال فيه، خفض ~~على البدل * (قل قتال فيه كبير) عظيم. ثم ابتدأ فقال: * (وصد عن سبيل الله) ~~يعني: صدكم المسلمين عن الإسلام. # * (وكفر به) أي: كفركم بالله. * (والمسجد الحرام) أي: وصدكم ms0125 المسلمين عن ~~المسجد الحرام. # * (وإخراج أهله منه) أي: إخراج أهل مكة من مكة * (أكبر عند الله والفتنة ~~أكبر من القتل) أي: والكفر الذي أنتم عليه، وأفعالكم تلك، أكبر عند الله، ~~وأشد من قتال المسلمين في الشهر الحرام. # قال عروة بن الزبير: سبب نزول الآية: ما روى ' أن النبي بعث عبد الله بن ~~جحش مع ثمانية نفر قبل مكة، ودفع إليهم كتابا وقال: لا تفكوه إلا بعد ~~يومين، فلما مضى يومان فكوا الكتاب، فإذا فيه: امضوا إلى بطن النخل وذلك ~~موضع بين مكة والطائف وفيه استعلموا أخبار قريش، فنزلوا هنالك، وكانوا ~~يستعلمون خفية، فمر بهم عير من الطائف عليهم عمرو بن الحضرمي مع زبيب وأدم، ~~فرماه واحد من PageV01P216 # * (والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ~~ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون (217) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل ~~الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم) * * المسلمين فقتله وقادوا ~~العير إلى رسول الله. وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخر، أو في أول يوم ~~من رجب وكانوا شاكين فيه فعيرهم المشركون بقتلهم ابن الحضرمي في الشهر ~~الحرام فنزلت الآية '. # يعني الذي فعلتم أنتم من تلك الأفعال أكبر وأشد من قتلهم في الشهر ~~الحرام. # وفي الخبر: ' أن النبي لم يمد يده إلى شيء من ذلك العير حتى نزلت الآية، ~~ثم قسمها بين المسلمين '. # * (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) يعني: ~~المشركين كانوا يقاتلون المسلمين ويعيرونهم على الإسلام. # * (ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة وألئك أصحاب النار هم فيها خالدون). # قال تعالى: * (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله) هذه ~~الآية متصلة بالأولى في المعنى وذلك أن عبد الله بن جحش لما مر بالسرية ~~وقتل ابن الحضرمي من قتله قال: ms0126 المشركون إن لم يصيبوا وزرا فلا ينالون خيرا ~~فنزلت هذه الآية * (إن الذين آمنوا) يعني عبد الله بن جحش وقومه * (والذين ~~وهاجروا) من أوطانهم * (وجاهدوا) يعني بالغزو في سبيل الله * (أولئك يرجون ~~رحمة الله) أخبر أنهم على رجاء الرحمة، وإنما لم يقطعوا لأنفسهم بالرحمة؛ ~~لأن الإنسان يعرف من نفسه أنه لا يمكنه تأدية حق الله تعالى على وجهه فلا ~~يأمن تقصيرا؛ فلا يمكنه القطع لنفسه بالرحمة. PageV01P217 # (* (218) يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من) ولأنه ربما يرتكب في المستقبل ما يستوجب به العقاب. # * (والله غفور رحيم) فالغفور: الستور. والرحيم: العطوف. # قوله تعالى: * (يسألونك عن الخمر والميسر) فالخمر: كل شراب مسكر، وسمى ~~المسكر: خمرا؛ لأنه يخامر العقل ويستره. # وأصل الخمر: الستر والتغطية. ومنه الخمار؛ لأنه يستر الرأس. ويقال: دخل ~~فلان في خمار الناس، أي تستر فيهم. # وقال عمر رضي الله عنه: الخمر ما خامر العقل. وهو حجة أصحاب الحديث على ~~أن كل مسكر خمر، ومنه يقال للسكران من أي شراب: كان مخمورا. # والميسر: القمار. وقال ابن مسعود: دعوا الكعاب فإنه من الميسر. # وقال ابن سيرين: كل ما يعلب به فهو ميسر، حتى الجوز الذي يلعب به ~~الصبيان. ثم اختلفوا في تحريم الخمر أنه بأي آية كان؟. # قال بعضهم: هو بهذه الآية، فإنه قال: (قل فيهما إثم كبير) ' ولفظ الإثم ' ~~يدل على التحريم؛ فإنه حرم الخمر بلفظ الإثم في آية أخرى، حيث قال: * (قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم) وأراد به: الخمر. ومنه ~~قول الشاعر: # (شربت الإثم حتى ضل عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول) وقال ابن عباس، ~~وأكثر المفسرين: إن تحريم الخمر بالآية التي في سورة المائدة. بأنه لما ~~نزلت هذه الآية: * (قل فيهما إثم كبير) فانتهى بعضهم، ولم ينته البعض. فنزل ~~قوله: * (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فكانوا يتحينون للشرب حتى كان ~~PageV01P218 # الرجل يشرب بعد العشاء الأخيرة فيصبح وقد زال السكر، ثم يشرب بعد صلاة ~~الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر، ms0127 فنزلت آية المائدة. قال ابن عمر: حرمت ~~الخمر بآية المائة، وروى هو عن رسول الله أنه قال: ' تحريم الخمر بآية ~~المائدة '. # وعن عمر رضي الله عنه أنه لما سمع قوله: * (فهل أنتم منتهون) قال: ~~انتهينا ربنا. # * (قل فيهما إثم كبير) قرأ حمزة والكسائي: بالثاء وقرأ الباقون كبير ~~بالباء، فالكبير: بمعنى العظيم، والكثير: لكثرة عدد الآثام في الخمر التي ~~ذكرها في آية المائدة * (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء) الآية. # وقوله تعالى: * (ومنافع للناس) فالإثم في الخمر: هو ما يقع فيه من ~~العداوة و البغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. # وأما المنافع في الخمر: اللذة، والفرح، واستمراء الطعام، والربح في ~~التجارة فيه. # وقد قال حسان بن ثابت: في الخمر ونفعها: # (ونشربها فتتركنا أسودا * ولبوثا ما ينهنهنا اللقاء) وقال آخر: # (وإذا سكرت فإنني * رب (الخورنق) والسدير) (وإذا صحوت فإنني * رب الشويهة ~~والبعير) وأما المنافع للناس في الميسر: فهو إصابة المال فيه من غير كد ~~وتعب. # والإثم فيه: أنه إذا ذهب ماله من غير عوض يأخذه يسوءه ذلك؛ فيعادى صاحبه، ~~ويقصده بالسوء. PageV01P219 # * (نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات ~~لعلكم تتفكرون (219)) * * وقوله * (وإثمهما أكبر من نفعهما) قيل: معناه: ~~إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم. # وقيل: إثمهما أكبر من نفعهما قبل التحريم، يعني: الإثم الذي يصير الخمر ~~سببا فيه من العداوة والعربدة أكبر من نفعهما. # قوله تعالى: * (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) قرأ أبو عمرو وحده بضم ~~الواو، وقرأ الباقون بفتحها، فمن قرأ بالضم؛ فتقديره ما الذي ينفقون، فقال: ~~قل الذي ينفقون العفو؛ ومن قرأ بالفتح فتقديره: ماذا ينفقون؟ فقال: قل: ~~ينفقون العفو. واختلفوا في معنى العفو، فقال طاوس: هو اليسير من كل شيء، ~~وقال أكثر المفسرين: العفو: الفضل، وذلك أن الصدقة إنما تجب في الفاضل عن ~~الحاجة، وكانت الصحابة يكتسبون المال، ويمسكون قدر النفقة، ويتصدقون ~~بالفضل، بحكم هذه الآية، ثم نسخ ذلك بآية الزكاة. # وقيل معناه: [التصدق] عن ظهر الغنى؛ وذلك أن يتصدق وهو ms0128 غني، ولا يتصدق ~~وهو فقير. فيبقى كلا على الناس. وهو معنى قوله: ' أفضل الصدقة ما كان عن ~~ظهر غنى '. # وحقيقة العفو: الميسور. ومنه قوله: * (خذ العفو) أي: ما تيسر من أخلاق ~~الرجال. PageV01P220 # * (في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز ~~حكيم (220)) * * (كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا ~~والآخرة) فيه تقديم وتأخير، وتقديره: يبين الله لكم الآيات في الدنيا ~~والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة؛ فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا. ~~فتزهدون في الدنيا، وتنفقون رغبة في الآخرة. # وقوله تعالى: * (ويسألونك عن اليتامى) روى أنه لما نزل قوله تعالى: * (إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا) تحرج ~~المسلمون من أموال اليتامى تحرجا شديدا، حتى عزلوا أموال اليتامى عن ~~أموالهم في المرعى، والطعام، والإدام، فنزلت هذه الآية بإباحة المخالطة في ~~ذلك كله؛ لكن بشرط أنه إن استخدم غلام اليتيم يخدمه، وإن أكل بطعامه يبدله. # قال مجاهد: يوسع عليه من طعام نفسه لا يتوسع من طعام اليتيم. # وقوله تعالى: * (قل إصلاح لهم خير) قرأ الضحاك: قل إصلاح إليهم خير، ~~والمتلو: قل إصلاح لهم. ومعناه: إصلاح لهم خير لكم في الدين. * (وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم) هو إباحة المخالطة. # * (والله يعلم المفسد) يعني: الذي يخالط فيخون * (من المصلح) وهو الذي ~~يخالط فلا يقصد الخيانة. * (ولو شاء الله لأعنتكم) قال أبو عبيدة: لأهلككم. ~~وقال ابن عباس: يجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا لكم. وقيل: معناه: ~~ولو شاء الله لما أباح لكم المخالطة. # وقال أهل اللغة: العنت: المشقة. ومعناه: * (ولو شاء الله لأعنتكم) أي: ~~كلفكم في كل شيء ما يشق عليكم. # * (إن الله عزيز حكيم) فالعزيز: هو الذي يأمر بعزة؛ سهل على العباد، أو ~~لم يسهل، والحكيم، قد ذكرنا معناه. PageV01P221 # * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم) ~~* * قوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) قال ابن عباس: لا يجوز ms0129 ~~نكاح الكوافر أبدا إلى يوم القيامة؛ بحكم هذه الآية. # وسائر المفسرين والعلماء من الصحابة وغيرهم، على أن الآية منسوخة في ~~الكتابيات، بقوله: * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب). # وروى عن عثمان رضي الله عنه أنه تزوج بنائلة بنت فرافصة وكانت نصرانية ~~فأسلمت تحته. وعن طلحة بن عبيد الله: أنه تزوج بنصرانية. وعن حذيفة: أنه ~~تزوج يهودية. وقال قتادة وسعيد بن جبير: أراد بالمشركات: الوثنيات. # فإن قال قائل: الكفار عندكم مشركون كلهم، فمن لا ينكر إلا نبوة محمد كيف ~~يكون مشركا بالله؟ # قلنا: قال أبو الحسين بن فارس صاحب المجمل: هو مشرك؛ لأنه يقول: القرآن ~~الذي أتى به محمد كلام غير الله، وهذا القرآن معجز لا يقوله إلا من كان ~~إلها، فإذا هو كلام غير الله. وكأنهم أشركوا بالله غير الله. # وأما سبب نزول الآية: ما روى ' أن أبا مرثد الغنوي كانت له حبيبة بمكة، ~~وكان يصيبها بالفجور وتسمى عناقا فلما هاجر إلى المدينة وأسلم، تمنت له ~~حاجة، فرجع إلى مكة، فتزينت له، فقال أبو مرثد: إني قد دخلت في دين ~~الإسلام، وإن الزنا حرام في ديني، فحتى أرجع فاستأذن رسول الله أن أتزوج ~~بك، فرجع واستأذن؛ فنزل قوله تعالى: * (و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) '. # وقوله: * (ولأمة مؤمنة خير من مشركة) نزل هذا في عبد الله بن رواحة. ' ~~كانت له أمة سوداء فلطمها، ثم أخبر رسول الله بذلك فسأله عنها، فقال: ~~PageV01P222 # * (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ~~أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته ~~للناس لعلهم يتذكرون (221) ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء ~~في) * * إنها مؤمنة، تؤمن بالله والرسل، وتحسن الوضوء، والصلاة. فقال عليه ~~السلام: بئسما صنعت. فقال: والله لأتزوجن بها، فأعتقها، وتزوج بها. وكان قد ~~عرضت عليه حرة مشركة، فعيره المشركون على نكاح الأمة السوداء؛ فنزل قوله: * ~~(ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم) '. # * (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) في هذا إجماع، أن المسلمة لا تنكح من ms0130 ~~المشركين أجمع * (ولعبد مؤن خير من مشرك ولو أعجبكم)، فإن قال قائل: كيف ~~قال: * (خير من مشرك) ولا خير في المشرك؟ قيل: يجوز مثله كما قال الله ~~تعالى: * (ءآلله خير أما يشركون) ويقال: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في ~~الباطل. # * (أولئك يدعون إلى النار) أي: إلى أسباب النار * (والله يدعو إلى الجنة ~~والمغفرة بإذنه) أي: بقضائه وإرادته * (ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون) ~~قوله تعالى: * (ويسألونك عن المحيض) أما السائل عنه: هو أسيد بن حضير، ~~وعباد بن بشير. وأما المحيض: مفعل من الحيض. والمراد به: نفس الحيض. # قال الأزهري: يقال: حاضت المرأة حيضا، ومحيضا: إذا نزل بها الدم من الرحم ~~في وقت معلوم. # ويقال: استحيضت المرأة: إذا نزل بها الدم من عرق لا من الرحم لا في وقت ~~معلوم. PageV01P223 # * (المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222)) * * (قل هو أذى) أي: قذر. وقال ~~الكلبي: الأذى: هو الدم. # * (فاعتزلوا النساء في المحيض) وسبب نزول الآية ما روى عن أنس: أن اليهود ~~كانوا يعتزلون المرأة في حالة الحيض أشد الاعتزال، وكانوا لا يؤاكلونها، ~~ولا يشاربونها، ويخرجونها من البيت، فسألوا رسول الله عن ذلك فنزلت الآية. # ولم يرد بهذا الاعتزال ما كانوا يفعلونه، وإنما أراد به الاعتزال بترك ~~الوطء حتى تحل المضاجعة، وسائر أنواع المباشرة. # وقد روى عن النبي أنه قال: ' اصنعوا كل شيء إلا الوطء '. # وفيه قول آخر: أنه يفعل كل شيء ويجتنب ما تحت الإزار، وذلك ما بين السرة ~~والركبة وهو قول الشافعي. # * (ولا تقربوهن) أراد به القربان: بالوطء؛ فإن قربانها بغير الوطء مباح. ~~* (حتى يطهرن) يقرأ مخففا. والمراد به حتى يطهرن من المحيض. وقرأ أهل ~~الكوفة غير حفص ' حتى يطهرن ' مشدد. # وقرأ أبي بن كعب، وابن مسعود رضي الله عنهما: ' حتى يتطهرن ' في الشواذ. # وقوله: * (يطهرن) بمعنى: يتطهرن؛ إلا أنه أدغم التاء في الطاء. ومعناه: ~~حتى PageV01P224 # * (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أني شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله ~~واعلموا) * * يغتسلن. # قال ms0131 أبو جعفر النحاس: قوله: * (يطهرن) على التخفيف قد يكون بمعنى ~~الاغتسال، من فعل الطهارة. # والكل حجة الشافعي في وجوب الاغتسال (لإباحة الوطء فإنه) مد التحريم ~~إليه. # وقوله: * (فإذا تطهرن) أي: اغتسلن * (فأتوهن من حيث أمركم الله) فيه ~~قولان: أحدهما معناه: من حيث أمركم الله بالاجتناب في حال الحيض. # والثاني وهو قول محمد بن الحنفية معناه: من حيث أباح الله، وذلك بطريق ~~النكاح. # * (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) قيل: معناه: التوابين من ~~الذنوب. والمتطهرين من العيوب. # والقول الثاني: معنى التوابين الرجاعين إلى الله بالتوبة والاستغفار، ~~ومعنى المتطهرين: المتبرئين من حول أنفسهم وقوتهم. # وفيه قول ثالث: أن التوابين: من التوبة، والمتطهرين يعني: بالاستنجاء ~~بالماء. # وهذا مثل قوله تعالى: * (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين) ~~يعني: المتطهرين بالاستنجاء بالماء بعد الحجر. # قوله تعالى: * (نساؤكم حرث لكم) أي: موضع حرث لكم ومزدرع، وقد قال ~~الشاعر: # (إذا أكل الجراد حروث قوم * فحرثي همه أكل الجراد) PageV01P225 # سمى العيال: حرثا، أنشده المبرد. # * (فأتوا حرثكم أنى شئتم) وسبب نزول هذا: ما روى جابر: أن اليهود قالوا ~~من أتى امرأته مولية جاء ولده أحول؛ فنزلت الآية. # * (فأتوا حرثكم أني شئتم) أي: (مقبلة ومدبرة) وقائمة وقاعدة، وكيف شئتم. # وقيل: معناه: متى شئتم. # قال ابن عباس: معنى قوله: * (أنى شئتم) أي: إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم ~~فلا تعزلوا. # قال الشيخ: واعلم أن الآية لا تدل على إباحة إتيان النساء في غير المأتي؛ ~~لأنه قال: * (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم) فخص الإتيان بموضع الحرث، وهو ~~القبل. # وروى نافع، عن ابن عمر. أنه كان يبيح إتيان المرأة في الدبر، وأنكروا هذا ~~على نافع. وقالوا: كذب العبد على سيده عبد الله بن عمر فإنه ما كان يبيحه ~~قط، وحكى ذلك عن مالك أيضا، وأنكره أصحابه. # وقد ورد عن رسول الله أنه قال: ' إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا ~~النساء في أدبارهن '. # وعن ابن عباس أنه قال: هي اللوطية الكبرى. وقال في العزل: هي الموؤودة ~~الصغرى. # وقوله تعالى: * (وقدموا لأنفسكم) ms0132 قال ابن عباس: هو التسمية على الوطء. ~~وقيل: هو طلب الولد. وقيل: سائر أفعال الخير. PageV01P226 # * (أنكم ملاقوه وبشير المؤمنين (223) ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن ~~تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم (224) لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في) * * (واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه) صائرون إليه * (وبشر ~~المؤمنين) يا محمد. # قوله تعالى: * (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) نزلت الآية في عبد الله ~~بن رواحة، كان له ختن على ابنته، فحلف أن لا يبره فإذا قيل له: ألا تصل ~~ختنك؟ فقال: حلفت وكان من أقربائه فنزلت الآية. * (ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم أن تبروا) والعرضة: كل ما يعترض فيمنع من الشيء. ومعناه: ولا ~~تجعلوا الحلف بالله سببا يمنعكم عن البر والتقوى. # وقيل: معناه: لا تستكثروا من الإيمان؛ فإن من كثر يمينه فقد جعل اسم الله ~~عرضة للهتك. # وفيه قول آخر: معناه: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن لا تبروا، ' ولا ~~' محذوفة، وهذا كما قال الشاعر: # (فقالت يمين الله أبرح قاعدا * وإن قطعت رأسي لديك وأوصالي) أي: لا أبرح ~~قاعدا. # * (وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم) قوله تعالى: * (لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في إيمانكم) اللغو: كل مطرح (من) الكلام وفي معناه هاهنا خمسة ~~أقوال: # أحدها: وهو قول عائشة رضي الله عنها قالت: يمين اللغو: قول الرجل: لا ~~والله، وبلى والله، وإي والله. وهذا قول الشافعي. # والثاني: وهو قول أبي هريرة، وابن عباس: وهو أن يحلف الرجل على شيء أنه ~~فعله ولم يفعله، أو على عكسه وهذا قول أبي حنيفة. وقال الشعبي: هو اليمين ~~في PageV01P227 # * (أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم (225) للذين ~~يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم (226) وإن ~~عزموا) * * حال الغضب. وقال سعيد بن جبير: هو الحلف بتحريم الحلال. # وقال زيد بن أسلم: هو أن يقول الرجل: أعمى الله بصري، أو أتلف مالي، إن ~~لم أفعل كذا؛ فهذا يمين اللغو، والله لا يؤاخذ به، ولو يؤاخذ به الناس لعجل ~~عقوبتهم. # والأصح: ما قالت ms0133 عائشة؛ لأن الله تعالى يقول: * (ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم) وكسب القلب: هو القصد بالقلب إلى اليمين؛ فدل أن يمين اللغو: ما لم ~~يقصد بالقلب. # * (والله غفور) أي: ستور * (حليم) وهو الذي لا يعجل بالعقوبة. # قوله تعالى: * (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة اشهر) الألية: اليمين. ~~وكذلك الإيلاء قال الشاعر: # (قليل الألايا حافظ ليمينه * وإن بدرت منه الألية برت) فقوله: * (للذين ~~يؤلون) أي: يحلفون. قال ابن عباس: إنما ينعقد الإيلاء إذا حلف على ترك ~~الوطء أبدا ومطلقا. ومذهب أبي حنيفة أنه ينعقد الإيلاء بالحلف على أربعة ~~أشهر. ومذهب الشافعي أنه إنما يصير موليا بالحلف على أربعة أشهر، وهي * ~~(تربص أربعة اشهر) أي: انتظار أربعة أشهر. # * (فإن فاءوا) أي: فإن رجعوا عن اليمين بالوطء في حق من يقدر على الوطء، ~~أو بالقول في حق من لا يقدر على الوطء * (فإن الله غفور رحيم) وقرأ أبي بن ~~كعب: ' فإن فاءوا فيهن ' يعني في المدة، وهذا يوافق قول أبي حنيفة. # * (وإن عزموا الطلاق) يعني: بالإيقاع * (فإن الله سميع عليم) لقول الزوج، ~~عليم بما يضمره. # ومذهب الشافعي أنه تجوز الفيئة بعد المدة بوقف حتى يفيء أي: يطلق، وهو ~~PageV01P228 # * (الطلاق فإن الله سميع عليم (227 والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ~~ولا) * * مروى عن عمر، وعلى، وأبي الدرداء رضي الله عنهم. # وذهب أبو حنيفة إلى أنها تطلق طلقة بائنة بانقضاء المدة. وهو مروى عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما وابن مسعود، وعلي، في رواية ضعيفة، والمسألة في ~~الخلافيات. # قوله تعالى: * (والمطلقات) يعني المخليات يقال: أطلق الأسير وأطلق البعير ~~إذا خلاه. # * (يتربصن بأنفسهن) ينتظرن * (ثلاثة قروء) والقرء: الطهر، وهو قول أهل ~~الحجاز. # قال الزهري: لم يقل أحد من أهل الحجاز: أن الأقراء الحيض؛ إلا سعيد بن ~~المسيب. # ومذهب أبي حنيفة. أن الأقراء الحيض وهو مروى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، ~~وهو قول أهل الكوفة. # وقال أبو عمر بن العلاء: القرء اسم ينطلق على الحيض، وينطلق على الطهر، ~~ويذكر بمعناهما أيضا. # وأصل القرء: الجمع. وقيل: هو مأخوذ من ms0134 القرء بمعنى الوقت، يقال: أقرأت ~~الرياح إذا هبت لوقتها. # وقرأت النجوم إذا أفلت. ويكون بمعنى طلعت لوقت معلوم. # وأنشدوا في الأقراء بمعنى الأطهار قول الأعشى: (أفي كل عام أنت جاشم غزوة ~~* تشد لأقصاها عزيم عزائكا) (مورثة مالا وفي الحي رفعة * لما ضاع فيها من ~~قروء نسائكا) PageV01P229 # * (يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم ~~الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم (228) الطلاق مرتان فإمساك) * ~~* وإنما يضيع في السفر زمان الأطهار لا زمان الحيض؛ لأنهما مضيعة. # وقوله تعالى: * (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) يعني: من ~~الحيض، والحبل. # قال قتادة: علم الله تعالى أن يكون في النساء لوائم، تقول المرأة: حضت، ~~ولم تحض، وطهرت ولم تطهر، وحبلت ولم تحبل. # قوله تعالى: * (إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) فإن قيل: ما معنى قوله: * ~~(إن كن يؤمن بالله) والحكم في الكافرة مثل الحكم في المؤمنة؟ قيل: معناه: ~~أن هذا من فعل المؤمنات، كما يقال: إن كنت مؤمنا فأد حقي. يعني: من فعل ~~المؤمنين أداء الحقوق. وقوله * (وبعولتهن) أي: أزواجهن * (أحق بردهن) أي: ~~برجعتهن * (في ذلك) يعني: في تلك المدة. * (إن أرادوا إصلاحا) معناه: إن ~~أرادوا بالرجعة الصلاح، وحسن العشرة، ولم يكن قصده الإضرار، كما كانوا ~~يفعلون في الجاهلية. كان الرجل منهم يطلق امرأته، ثم يراجعها إذا أشرفت ~~العدة على الانقضاء. ثم يطلقها، ثم يراجعها كذلك، يقصد به تطويل العدة ~~عليها. # * (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) قال ابن عباس: في معناه: إني أحب أن ~~أتزين لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي؛ لأن الله تعالى يقول: * (ولهن ~~مثل الذي عليهن بالمعروف) وفيه قول آخر، معناه: على الرجل أن يتقي لحقها ~~كما على المرأة أن تتقي لحقه يعني: من الحرام. # * (وللرجال عليهن درجة) قال مجاهد: بالجهاد والميراث. وقيل: يعني: في ~~الطلاق؛ لأن الطلاق بيد الرجال. وقال حميد: باللحية. * (والله عزيز) أي: ~~منيع ms0135 PageV01P230 # (* (بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا ~~أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما) * حكيم). # قوله تعالى: * (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان). قال عروة ~~بن الزبير: كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد، فيطلق الرجل ~~امرأته فلما قاربت انقضاء العدة راجعها، ثم طلقها كذلك، ثم راجعها، وقال: ~~لا أخليك تتزوجين أبدا، فنزلت الآية * (الطلاق مرتان) ' ويعني: الطلاق الذي ~~يملك عقيبه الرجعة مرتان. # * (فإمساك بمعروف) هو الرجعة، وقيل: هو الإمساك بعد الرجعة للصحبة. ~~وقوله: * (بمعروف) هو كل ما يعرف في الشرع من أداء حقوق النكاح، وحسن ~~الصحبة. * (أو تسريح بإحسان) هو أن يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها. # ' وسئل رسول الله أين الطلقة الثالثة؟ فقال: أو تسريح بإحسان '. # ولفظ السراح والفراق صريحان مثل الطلاق عند الشافعي. # وقال أبو حنيفة: الصريح لفظ واحد وهو الطلاق. # وقوله تعالى: * (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا) يعني: غصبا ~~وظلما، وذلك مثل قوله في سورة النساء: * (وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا). # وقوله تعالى: * (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) يعني: إنما يحل الأخذ ~~عند PageV01P231 # إرادة الخلع، ووجود الخوف. # وقوله: * (إلا أن يخافا) يقرأ بفتح الياء وهو المعروف. وقرأ الأعمش ~~وحمزة: ' إلا أن يخافا ' بضم الياء. وقرأ ابن مسعود: ' إلا أن تخافوا '. # أما الأول: راجع إلى الزوجين. وأما قراءة ابن مسعود: فهي خطاب للولاة ~~والقضاة. # وأما قراءة حمزة: قيل: إنه قصد اعتبار معنى قراءة ابن مسعود، ومعناه: إلا ~~أن يخاف الزوجان؛ [فيعلم] الولاة والقضاة. وقالوا: إنه لم يصب. # واختلفوا في معنى هذا الخوف، قال أبو عبيدة إمام اللغة: الخوف بمعنى ~~العلم. # قال أبو إسحاق الزجاج: هو على حقيقة الخوف، معناه إلا أن يغلب على الظن ~~خوف أن لا يقيما حدود الله. # وفيه قول ثالث: أن الخوف بمعنى الظن، قال الشاعر: # (أتاني كلام من نصيب (يقوله * وما خفت يا ms0136 سلام أنك [عائبي]) أي: ما ظننت. # وقوله تعالى: * (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به) أي: فيما اختلعت به. واختلفوا في الخلع، قال طاوس، والربيع بن ~~أنس: يختص جواز الخلع بحال خوف النشوز؛ تمسكا بظاهر الآية. # وقال الزهري: يختص جواز الخلع بقدر ما ساق إليها من المهر، حتى لا يجوز ~~بالزيادة. وقال الحسن: الخلع إنما يجوز للولاة والقضاة؛ تمسكا بظاهر الآية. ~~PageV01P232 # * (افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون (229) فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها ~~فلا جناح) * * والأكثرون على أن الخلع يجوز بكل حال، وبكل قدر تراضيا عليه ~~من الزوجين وغيرهما. # وإنما الآية خرجت على وفق العادة في أن الخلع إنما يكون في حال خوف ~~النشوز، وهو الأولى أن يؤتى بالخلع في حال النشوز، وبقدر المهر. # وقوله تعالى: * (تلك حدود الله فلا تعتدوها) أي: فلا تجاوزوها، وحدود ~~الله: كل ما منع الشرع من المجاوزة عنه. # وقوله تعالى: * (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون). ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد) هو الطلقة الثالثة. وحكمها ~~تحريم العقد إلى أن يوجد الزوج الثاني. ثم التحليل للزوج الأول إنما يحصل ~~بالعقد والوطء جميعا، على قول أكثر العلماء. # وحكى عن سعيد بن المسيب وقيل: عن سعيد بن جبير أنه يحصل بمجرد النكاح. ~~بظاهرة الآية. وقد عد هذا من شواذ الخلاف. # والدليل على صحة القول الأول: ما روى ' أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى ~~رسول الله، وقالت: إن رفاعة بت طلاقي، وتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير، ~~وإنما معه مثل هدبة الثوب. فقال عليه السلام: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ ~~لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك '. فدلت السنة على اشتراط الوطء وهذا ~~خبر صحيح. # وقوله تعالى: * (حتى تنكح زوجا غيره) فالنكاح بمعنى الوطء، ويكون بمعنى ~~PageV01P233 # * (عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها ~~لقوم يعلمون (230) وإذ طلقتم ms0137 النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا ~~آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب) * * ~~العقد. * (فإن طلقها) يعني: الزوج الثاني * (فلا جناح عليهما أن يتراجعا) ~~وأراد بالرجعة هاهنا: إنشاء النكاح مع الزوج الأول. # وقوله تعالى: * (إن ظنا أن يقيما حدود الله) يعني: إن علما أن يكون ~~بينهما الصلاح، وحسن الصحبة. # وقوله: * (وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون) أي: يعلمون ما أمر الله به ~~قوله تعالى: * (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) أي: قاربن بلوغ الأجل كما ~~يقال: بلغت المنزل، إذا قاربه. # وقوله: * (فأمسكوهن بمعروف) أي: راجعوهن بالمعروف. # * (أو سرحوهن بمعروف) أو اتركوهن حتى تنقضي العدة. # * (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) أي: لا تقصدوا بالرجعة الضرار بالمرأة، ~~كما كانوا يفعلونه. * (ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) أي: أضر بنفسه لا بغيره. # (ولا تتخذوا آيات الله هزوا) قالت عائشة وهو الأصح: هو النهي عن قصد ~~الإضرار (بالرجعة) فإن كل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله هزوا. وقال ~~أبو الدرداء وهو قول الحسن: هو أن الرجل منهم كان يطلق، ثم يقول: ما كنت ~~جادا، ويعتق، ثم يقول: ما كنت جادا، كنت لاعبا. # وفيه قول ثالث: أنه نهى عن الزيادة على قدر الطلاق الثلاث. PageV01P234 # * (والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) ~~وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم) * * وقوله تعالى: * (واذكروا نعمة الله عليكم) قال عطاء: أراد به ~~نعمة الإسلام. # * (وما أنزل عليكم من الكتاب) يعني: القرآن * (والحكمة) يعني: السنة. # * (يعظكم به) يرشدكم به * (واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم). # قوله تعالى: * (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) أراد ببلوغ الأجل في هذه ~~الآية: تمام انقضاء العدة. # قوله تعالى: * (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) والعضل: المنع. # قال الخليل: يقال: دجاج معضل، إذا نشبت فيها البيضة وامتنعت من الخروج؛ ~~لضيق المخرج. ومنه الداء العضال، وهو الذي ms0138 لا يطاق علاجه. # وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: أعضل بي أهل الكوفة. أي: ضيقوا علي، ~~وأوقعوا بي في أمر شديد. # وأكثر العلماء والمفسرين على أنه خطاب للأولياء، نهاهم عن الامتناع من ~~التزويج. # وقد قال الشافعي: هذا بين، أنه دليل على أن المرأة لا تلي عقد النكاح. # ونزلت الآية في معقل بن يسار المزني؛ فإنه زوج أخته من رجل فطلقها وتركها ~~حتى انقضت عدتها، ثم جاء يخطبها مع الخطاب، ورغبت المرأة فيه، فقال معقل: ~~زوجتك أختي دون غيرك، وخطبها أشراف قومي فاخترتك! أطلقتها، لا أنكحتكها ~~أبدا؛ فنزلت الآية. # وفيه قول آخر: أنه خطاب للأزواج؛ لأن ابتداء الآية خطاب لهم. # ومنع الأزواج هو ما ذكرنا من أن يطلقن، ثم يراجع، ثم يطلق. والأول أصح. # وقوله تعالى: * (إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم ~~PageV01P235 # * (بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى ~~لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ~~لا) * * يؤمن بالله واليوم الآخر) إنما خصهم لأن الوعظ إنما يؤثر في ~~المؤمنين. # وقوله تعالى: * (ذلكم أزكى لكم وأطهر) أزكى لكم أي: خير لكم، وأطهر أي: ~~أصلح. * (والله يعلم وأنتم لا تعلمون). # قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن) هذا خبر بمعنى الأمر. # * (حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة). # فالحولان: (مدة) الرضاع، فإن قال قائل: لم قال: كاملين؟ # قيل: لأن الحولين قد ينطلق على الحول وبعض الحول الثاني، كما في قوله: * ~~(الحج أشهر معلومات) أطلق الأشهر على شهرين وبعض الثالث، فقال: كاملين ~~ليعرف أنه أراد تمام الحولين. وقيل: إنما قاله تأكيدا. # وروى أن امرأة أتت بولد لستة أشهر من وقت النكاح، فجاء زوجها إلى عثمان ~~في ذلك. فهم عثمان رضي الله عنه برجمها، فقال علي: لا سبيل لك عليها؛ لأن ~~الله تعالى يقول: * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) وقال: * (والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين) فإذا ذهب الفصال حولين، بقي للحمل ms0139 ستة أشهر، فتركها ~~عثمان، ودرأ الحد. # وقوله تعالى: * (وعلى المولود له) يعني: الزوج أبو الولد. * (رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف) وذلك نفقة مدة الرضاع. * (لا تكلف نفس إلا وسعها) إلا ~~طاقتها، PageV01P236 # * (تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى ~~الوارث مثل ذلك فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن ~~أردتم أن) * * يعني: على الموسع بقدر وسعه، وعلى المقتر بقدر طاقته. # وقوله تعالى: * (لا تضار والدة بولدها) بفتح الراء. وقرأ أبو عمرو وغيره ~~بضم الراء. وقرأ أبان [عن] عاصم: ' لا تضارر ' وفي الشواذ. فمن قرأ بفتح ~~الراء فمعناه: لا تضار المرأة بولدها. يعني: لا ينتزع الأب ولدها منها، ~~فيسلمه إلى غيرها وهي راغبة في الإرضاع. # ويحتمل أن معناه: أن المرأة لا تضار بولدها فتتركه (لغيرها)، وتمتنع من ~~الإرضاع. ومن قرأ بالرفع فهذا أيضا معناه، وهو معنى القراءة الثالثة. # وقوله تعالى: * (ولا مولود له بولده) يعني الأب لا يضر بولده فيسلم إلى ~~غير الأم. # وقوله تعالى: * (وعلى الوراث مثل ذلك) قال عمر: أراد به على غير الوالدين ~~مثل ذلك النفقة، وهذا قول أبي حنيفة، فإنه يوجب نفقة القرابة على الإخوة ~~والأعمام. # والقول الثاني: أراد بمثل ذلك: ترك المضارة. وهو قول ابن عباس، ولم ير ~~النفقة على غير الوالدين. وهذا مذهب مالك والشافعي. # وفيه قول ثالث: أراد بالوارث هذا: الولد، عليه نفقته من ماله إن كان له ~~مال. # وقوله تعالى: * (فإن أرادا فصالا) أي: فيما دون الحولين. * (عن تراض ~~منهما) يعني: من الوالدين * (وتشاور) أي: يشاور أهل العلم به حتى يخبروا أن ~~الفصال في ذلك الوقت لا يضر بالولد. والمشاورة: استخراج الرأي. PageV01P237 # * (تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا ~~الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير (233) والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن) * * وقيل: إن عمر ركب فرسا يشوره، أي: يستخرج سيره، فعطب تحته، ~~فحكم شريحا؛ فقضي عليه بالضمان. وقال: إنما ms0140 ركبته سوما؛ فولاه القضاء، فقضى ~~بعد ذلك سبعين سنة. # وقوله: * (فلا جناح عليهما) أي: فلا حرج في الفصال قبل تمام الحولين. # وقوله: * (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم) أي: تستأجروا مرضعة لأولادكم، ~~واللام محذوفة. ومعناه: أن تسترضعوا لأولادكم. # وقوله: * (فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف). # يقرأ: ' آتيتم ' ممدودا، ويقرأ: ' أتيتم ' مقصورا ومعنى الأول: إذا سلمتم ~~إلى الأم، وما آتيتم أي: ما سميتم لها من أجر الرضاع بقدر ما أرضعت. ويحتمل ~~التسليم إلى المستأجرة أجرتها إلى الرضاع. # ومن قرأ ' أتيتم ' فمعناه: إذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف، يعني: إذا سلمتم ~~لأمره وانقدتم لحكمه فيما فعلتم من المعروف. * (واتقوا الله واعلموا أن ~~الله بما تعملون بصير). # قوله تعالى: * (والذين يتوفون منكم) قرأ علي: ' يتوفون ' بفتح الياء، ~~ومعناه: يستوفون أعمارهم. والمعروف بضم الياء، ومعناه: والذين يموتون ~~ويتوفى آجالهم * (ويذرون أزواجا) أي: ويتركون أزواجا والمراد بالأزواج: ~~الزوجات. # * (يتربصن) ينتظرن * (بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) الآية في عدة الوفاة، ~~وهي مقدرة بأربعة أشهر وعشر باتفاق الأمة لنص الكتاب. PageV01P238 # * (في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير (234) ولا جناح عليكم فيما ~~عرضتم به من خطبة النساء أو أكنتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن) * * ~~وقيل: إنما قدر بتلك المدة لحكمة، وهي أن الولد يرتكض في بطن الحامل لنصف ~~مدة الحمل وأربعة أشهر وعشر قريب من نصف مدة الحمل. # والارتكاض: بمعنى التحرك، ويقال: امرأة مركضة إذا تحرك [في] بطنها، قال ~~الشاعر: # (ومركضة صريحي أبوها * يهان لها الغلامة والغلام) وأما قوله: * (وعشرا) ~~فهي ليال، يقال: عشرة أيام وعشر ليال، وإنما خص الليالي لأن كل أجل يبتدئ ~~من الليل. # وقال المبرد: أراد به: عشر مدد، كل مدة يوم وليلة. # وقوله تعالى: * (فإذا بلغن أجلهن) أي: انقضت عدتهن. # * (فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) يعني: فيما فعلن من ~~اختيار الأزواج دون العقد، والعقد إلى الولي. # وقيل: معناه فيما (تزين) للأزواج زينة لا ينكرها الشرع. * (واتقوا الله ~~واعلموا أن الله بما تعملون خبير). # قوله تعالى: * (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به ms0141 من خطبة النساء) التعريض ~~بالخطبة في أوان العدة جائز. والخطبة: خطبة العقد، يقال: خطب يخطب خطبة إذا ~~خطب العقد. وخطب يخطب خطبة إذا خطب الناس بكلام معلوم الأول والآخر. # وصورة التعريض بالخطبة: أن يقول للمرأة: إنك لجميلة، وإنك علي لكريمة، ~~وإني لراغب في النساء، أو ما قضى الله يكون، ونحو ذلك. فهذا لا بأس به في ~~حق المعتدة. ولا يجوز التصريح بالخطبة. # وقال مجاهد: وذلك أن يقول: لا تسبقيني بالنكاح، أو يقول: لا تفوتي على ~~نفسك، أو أخطبك حتى إذا حللت أتزوجك، ونحو هذا. PageV01P239 # * (ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة ~~النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ~~واعلموا أن الله) * * وقيل: إن ذلك يجوز مع الولي بأن يقول له: لا تسبقني ~~بالنكاح ونحو ذلك. # وإنما لا يجوز التصريح معها. والدليل على جواز التعريض بالخطبة: ما روى ~~أن سكينة بنت حنظلة تأيمت عن زوجها، فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي ~~الباقر، وقال: تعلمين قرابتي من رسول الله، وقرابتي من علي، وحقي في ~~الإسلام، وشرفي في العرب. فقال سكينة: أتخطبني وأنا معتدة وأنت أنت يعني: ~~منك يؤخذ العلم؟! فقال: ما خطبتك، ولكن ذكرت منزلتي. # ثم روى ' أن رسول الله دخل على أم سلمة وكانت في عدة زوجها أبي سلمة، ~~فذكر عليه السلام كرامته على الله، ومنزلته عند الله، وكان يذكر من ذلك ~~ويعتمد على يديه حتى أثر الحصير في يديه '. فهذا كله من التعريض بالخطبة، ~~ودل الحديث على جوازه. # وقوله تعالى: * (أو أكننتم في أنفسكم) أي: أضمرتم في أنفسكم أمر النكاح * ~~(علم الله أنكم ستذكرونهن) يعني: في أنفسكم. * (ولكن لا تواعدوهن سرا إلا ~~أن تقولوا قولا معروفا) في معنى هذا السر أقوال، أصحها: أنه أخذ ميثاق ~~النكاح مما، نهى الشرع عنه في حال العدة. # وقيل: السر: الزنا. وقيل: هو الوطء. قال امرؤ القيس: # (ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي) يعني: ~~الجماع. قال الشافعي قوله: ms0142 * (لا تواعدهن سرا) هو أن يصف نفسه بكثرة ~~الجماع؛ ليرغبها في نكاحه. # وقوله تعالى: * (إلا أن تقولوا قولا معروفا) هو ما ذكرنا من التعريض ~~المباح. # قوله: * (ولا تعزموا عقدة النكاح) أي: لا تحققوا العزم على عقد النكاح في ~~العدة * (حتى يبلغ الكتاب أجله) أي: فرض الكتاب؛ لأن العدة من فرض الكتاب. # * (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) هذا في التحذير عما نهاهم ~~عنه. * (واعلموا أن الله غفور حليم). PageV01P240 # * (غفور حليم (235) لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو ~~تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف ~~حقا على المحسنين (236) وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة) * * قوله تعالى: * (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو ~~تفرضوا لهن فريضة) تقديره: ولم تمسوهن، ولم تفرضوا لهن فريضة. # هذه الآية في المطلقة قبل الفرض والمسيس. وفي الآية دليل على جواز إخلاء ~~النكاح عن تسمية المهر. وفيها دليل على وجوب المتعة في الجملة؛ فإنه قال: * ~~(ومتعوهن). # قال ابن عباس في المتعة: أعلاها خادم، وأوسطها الورق، وأدناها ثوب ~~للكسوة. قال الشافعي: واستحسن في المتعة أن تكون من عشرين درهما إلى ~~ثلاثين، وفي الجملة هي مفوضة إلى اجتهاد الحكام، فيوجب على كل واحد تقدير ~~ما يرى * (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين). # قال شرح: هذا إرشاد وندب إلى الإمتاع، ولم ير وجوب المتعة، وسائر العلماء ~~ذهبوا إلى وجوب المتعة، فمذهب علي رضي الله عنه أن لكل مطلقة متعة. # وقال ابن عمر: لكل مطلقة متعة؛ إلا التي فرض لها زوجها، وطلقها قبل ~~الدخول، حسبها نصف المسمى، وهذا أحد قولي الشافعي. # وفيه قول ثالث: أنها لا تجب إلا للتي لم يفرض لها، وطلقت قبل الدخول. # وقوله تعالى: * (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ~~ما فرضتم) هذه الآية في المطلقة بعد الفرض قبل المسيس، وجب لها نصف المسمى ~~عند الطلاق قبل الدخول. # * (إلا أن يعفون) ms0143 هذا في الزوجات، يقال: تعفو، تعفوان، يعفون. ومعنى عفو ~~المرأة: هو الفضل بترك النصف الذي وجب لها. # * (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) قال علي وهو مذهب شريح، والشعبي: ~~PageV01P241 # * (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفو ~~أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا) * * إن المراد به: الزوج، وعفوه: الفضل بإعطاء تمام المهر. # وقال ابن عباس: أراد به الولي وهو الأليق بنظم الآية ورأى جواز إبراء ~~الولي عن مهر المرأة. # وفيه قول ثالث: أنه في أب البكر خاصة، وله العفو عن مهر ابنته ما دامت ~~بكرا. # والفتوى على أن ليس إلى الولي من العفو شيء. وإنما الآية في الزوج، كما ~~قال علي رضي الله عنه. # * (وأن تعفو أقرب للتقوى) الخطاب مع الكل. * (ولا تنسوا الفضل بينكم) أي: ~~أفضال بعضكم على بعض. * (إن الله بما تعملون بصير). # قوله تعالى: * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) أمر بالمحافظة على ~~جميع الأوقات. # وأما الصلاة الوسطى ففيها سبعة أقوال: أحدها: قال عمر، وعلي، وأبو هريرة، ~~وأبو أيوب، وعائشة رضي الله عنهم هي صلاة العصر، لأنها وسط (صلاتي) الليل ~~وصلاتي النهار. # وعن حفصة أنها قالت لكاتب مصحفها: إذا بلغت قوله: * (حافظوا على الصلوات) ~~فأعلمني، فلما بلغه أعلمها، فقالت: اكتب: والصلاة الوسطى صلاة العصر. # وقد صح الخبر عن رسول الله أنه قال يوم الخندق: ' شغلونا عن صلاة الوسطى ~~صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقبورهم نارا '. # والقول الثاني وهو قول زيد بن ثابت: أنها صلاة الظهر، لأنها وسط النهار. ~~PageV01P242 # والقول الثالث وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وجابر: أنها صلاة الصبح. وهو ~~[اختيار] الشافعي لأنها وسط صلاتي الليل وصلاتي النهار. # ووراء هذا فيه أربع أقوال غريبة: أحدها قاله قبيصة بن ذؤيب: أنها صلاة ~~المغرب؛ لأنها وسط في عدد الركعات. # والقول الثاني وهو قول سعيد بن المسيب، والربيع بن خثيم: أنها كل صلاة من ~~الصلوات الخمس؛ ms0144 لأن كل صلاة من الصلوات الخمس: وسطى بين الأربع. وإنما خصه ~~بعد ذكر الصلوات تأكيدا وتحريضا على المحافظة على جميع الصلوات. # والقول الثالث: أنها الجمعة. # والقول الرابع: أنها الجماعة. # واختلفوا في صلاة الصبح أنها من صلاة الليل، أو من صلاة النهار. # فأكثر العلماء على أنها من صلاة النهار. # وقال بعضهم: أنها [من] صلاة الليل. وهذا الخلاف يرجع إلى أن النهار من ~~وقت طلوع الفجر أو [من] وقت طلوع الشمس. # فمن قال: إنه من وقت طلوع الفجر؛ جعل صلاة الصبح من صلاة النهار. # ومن قال: إن النهار من وقت طلوع الشمس؛ جعلها من صلاة الليل. واستدل قائل ~~هذا القول بقول أمية بن الصلت. # (والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء يصبح لونها يتورد) وقال ابن الأنباري: ~~ليل محض، ونهار محض، ومشترك بين الليل، والنهار فصلاة المغرب والعشاء ~~الآخرة في محض الليل. # وصلاة الظهر والعصر في محض النهار، وصلاة الصبح مشترك بين الليل والنهار. ~~PageV01P243 # * (فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون (239) والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن ~~خرجن فلا) وفيه قول آخر هو المختار: أنه ليل لغة ونهار شرعا. # وقوله: * (وقوموا لله قانتين) أي: مطيعين ساكتين. # وذلك أن الكلام كان مباحا في الصلاة في الابتداء، فلما نزلت هذه الآية؛ ~~سكتوا. # والقارئ في الصلاة ساكت عن الكلام. ومذهب الشافعي أنه [لو] حلف لا يتكلم ~~فقرأ القرآن لم يحنث؛ لأنه كلام الله لا كلامه. # خلافا لأبي حنيفة قال: يحنث. # قوله تعالى: * (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) هذه في صلاة الخوف، يصلون ~~مشاة وفرسانا. # وقوله: * (فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) يعني: ~~كما علمكم من أصل الصلاة في حال الأمن. # قوله تعالى: * (والذين يثوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم). يقرأ ~~بالفتح، وتقديره: أوصوا وصية. ويقرأ بالضم: وتقديره: عليكم وصية، وهذا ورد ~~في ابتداء الإسلام حين كانت (العدة للوفاة) حولا كاملا، وكانت نفقة جميع ~~الحول على الزوج واجبة، وكان يجب عليه الوصية بالإنفاق ms0145 إذا مات، فهذا معنى ~~قوله: * (وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول) أي: نفقة الحول. # وقوله: * (غير إخراج) وحرم على الوارث إخراج المعتدة من البيت قبل تمام ~~الحول، لكن إذا خرجت بنفسها سقطت نفقتها. فنسخ ذلك بآية عدة الوفاة كما ~~سبق، وتلك PageV01P244 # * (جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم (240) ~~وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تعقلون (242) ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) ~~* * الآية وإن كانت متقدمة في التلاوة ولكنها متأخرة في المعنى، وهي ناسخة ~~لهذه الآية. # وقيل لعثمان: ألا تضع تلك الآية مكان هذه الآية، وهذه مكان تلك؟ فقال: ~~أكره أن أغير القرآن عن موضعه. # وقوله تعالى: * (فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف) ~~هو ما ذكرنا بعد الفراغ من العدة. # وقوله تعالى: * (والله عزيز حكيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وللمطلقات متاع بالمعروف) أعاد ذكر المتعة تأكيدا. # وسبب نزول الآية: ما روى أنهم لما سمعوا قوله تعالى: * (متاعا بالمعروف ~~حقا على المحسنين) قالوا: إن شئنا نمتع، وإن شئنا لا نمتع، فنزلت هذه ~~الآية. # * (وللمطلقات متاع بالمعروف) أي: المتعة لهن ملكا، جعلها لهن بلام ~~التمليك. وقوله: * (حقا على المتقين) يعني: واجبا على المؤمنين. # قوله تعالى: * (كذلك يبين الله لكم آياته) لأنه ذكر فيما قبل كثيرا من ~~الآيات، والأحكام، فأراد به ذلك. وقوله: * (لعلكم تعقلون) أي: تفهمون ~~وتفقهون. # قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف) قال ابن ~~عباس: كانوا أربعة آلاف، وقال غيره: كانوا ثمانية آلاف، وقال السدي: كانوا ~~[بضعة] PageV01P245 # فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون (243) وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ~~(244) من ذا) * * وثلاثين ألفا وفي رواية ابن جريج: أربعين ألفا، وقال ابن ~~دريد: ألوف، أي: مؤتلفة قلوبهم، والصحيح أن المراد به: العدد كما بينا. # وقوله: * (حذر الموت فقال لهم الله موتوا) أي: أماتهم ms0146 الله * (ثم أحياهم) ~~هذا [في] قوم من بني إسرائيل هربوا من الطاعون، وقالوا: نذهب إلى أرض ليس ~~بها طاعون، فذهبوا فأماتهم اله تعالى هنالك وبقوا سبعة أيام كذلك، فمر بهم ~~نبي يقال له: حزقيل، فدعا الله تعالى فأحياهم. قال الحسن البصري: أماتهم ~~الله تعالى قبل آجالهم؛ عقوبة لهم، ثم أحياهم ليستوفوا آجالهم. # وفي القصص: أنه بعد ما أحياهم كان يوجد منهم ريح الموت، وكذلك من ~~أولادهم. وقوله تعالى: * (إن الله لذو فضل على الناس) قيل: هو على العموم ~~في حق الكافة في الدنيا، وقيل: هو على الخصوص في حق المؤمنين. وقوله تعالى: ~~* (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) أما الكفار فلا يشكرون. # وأما [المؤمنون] فلم يبلغوا غاية الشكر. # قوله تعالى: * (وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم) قيل ~~الخطاب مع الصحابة. والمعنى فيه: أن أولئك القوم لما هربوا من الموت لم ~~ينفعهم الهرب حتى أدركهم الموت، فلا تقعدوا وأنتم عن القتال خوفا من الموت؛ ~~بل جاهدوا وقاتلوا في سبيل الله. # وقيل: الخطاب مع أولئك القوم من بني إسرائيل، فإنهم إنما قعدوا عن ~~القتال؛ فأماتهم الله ثم أحياهم، وأمرهم بالقتال. PageV01P246 # * (الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط ~~وإليه) * * قوله تعالى: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) القرض: هو ~~القطع. ومنه المقراض، وسمى القرض قرضا؛ لأنه يقطع شيئا من ماله ليكافأ ~~عليه. أو يرد عليه مثله. # قال لبيد: # (وإذا جوزيت قرضا فأجزه * إنما يجزي الفتى ليس الإبل) فإن قيل: كيف يكون ~~الإقراض من الله تعالى؟ قيل معناه: يقرض أنبياء الله. فقال الضحاك: معناه: ~~يتصدق لله، وسماه قرضا لأن الله تعالى قد وعد الثواب عليه. # وقوله تعالى: * (قرضا حسنا) يعني: حلالا، وقيل: حسنا أي: طيبة نفسه به. # وقوله: * (فيضاعفه له أضعافا كثيرة) يقرأ بقراءات: فيضاعفه ' بضم الفاء ~~على اتباع قوله: * (يقرض). # وقرئ: ' فيضاعفه '. بفتح الفاء نصبا على جواب الاستفهام. ويقرأ: ' فيضعفه ~~' بالياء ويقرأ بالنون: ' فنضعفه '. # ولتضعيف والمضاعفة بمعنى واحد. والضعف كل ما زاد على المثل. # وقوله: ms0147 * (أضعافا كثيرة) قال السدي: كثيرة لا يعلم عددها إلا الله. # وقال غيره: سبعمائة ضعف. # وقوله: * (والله يقبض ويبسط) فيه أربعة أقوال: PageV01P247 # * (ترجعون (245) ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا ~~لبني لهم) [أحدهما]: قال الحسن: يقبض بالتقتير، ويبسط بالتوسيع. # وقال الزجاج: يقبض بقبول الصدقة، ويبسط بإعطاء الثواب عليه. # والقول الثالث: يقبض بتقليل الأعمار، ويبسط بتكثير الأعمار. # والقول الرابع: يقبض بالتحريم، ويبسط بالإباحة. # وقوله تعالى: * (وإليه ترجعون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى) الملأ: ~~أشراف كل قوم. وفي الخبر: ' أنه لما قتل رؤوس المشركين مثل أبي جهل، وعتبة، ~~وغيرهما يوم بدر قال رجل من الأنصار: ما قتلنا إلا عجائز صلعا أي: أواخر ~~القوم شيوخا فكره ذلك رسول الله وقال: أولئك الملأ من قريش؛ لو رأيتهم ~~هبتهم، وإن أمروك أطعتهم، واحتقرت فعلك مع فعلهم '. # وقوله: * (إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله) قيل: ذلك ~~النبي كان اشمويل، وقيل: كان يوشع بن النون، وقيل: هو شمعون، وسى بذلك؛ لأن ~~الله تعالى دعاه فسمعه. والقصة في ذلك: أن بني إسرائيل [ظهر] عليهم العدو، ~~وسبوا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين نفرا وكانوا قد قعدوا عن القتال ~~أربع سنين فجاءوا إلى نبيهم ذلك، وقالوا له: ابعث لنا ملكا يجتمع أمرنا ~~عليه PageV01P248 # * (ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ~~ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ~~(246) وقال لهم نبيهم إن الله قد) * * فنقاتل في سبيل الله. # وقوله تعالى: * (قال هل عسيتم) القراءة المعروفة: بفتح السين. وقرئ: ' هل ~~عسيتم ' بكسر السين وهما في المعنى سواء. وبالفتح أصوب. # وقوله: * (إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا) ومعنى الآية: لعلكم أن ~~تجبنوا عن القتال فلا تقاتلوا. # وقوله: * (قالوا ومالنا ألا نقاتل في سبيل الله) أي: ما يمنعنا أن نقاتل ms0148 ~~في سبيل الله. * (وقد أخرجنا من ديارنا) لأنهم كانوا أخرجوا من بيت المقدس. # * (وأبنائنا) أي: أخرجنا من أبنائنا بالسبي، والسبي فيه مضمر، ومثله قول ~~الشاعر: (ورأيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا) أي: وحاملا رمحا. # وقوله تعالى: * (فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليهم ~~بالظالمين) وأراد بالقليل: أولئك الذين اقتصروا على الغرفة، وجاوزوا مع ~~طالوت وسيأتي. # قوله تعالى: * (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) قيل: إنه ~~كان سقاء يستسقي على الحمار. # وسمى طالوت؛ لطوله لأنه كان أطول من كل أحد برأسه ومنكبه. # وقيل: كان الرجل منهم إذا رفع يديه وصل إلى رأسه، يعني: رأس طالوت. ~~PageV01P249 # بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ~~ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ~~والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) وقال لهم نبيهم إن آية ملكه ~~أن) * * وقوله: * (قالوا أني يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه) أي: ~~كيف يكون له الملك علينا، وليس هو من سبط النبوة، والملك؟ # وذلك أن سبط النبوة كان سبط لاوي بن يعقوب، وهو سبط موسى بن عمران، وسبط ~~الملك كان سبط يهوذا، وكان طالوت من سبط بنيامين، ولم يكن سبط ملك و لا ~~نبوة؛ وذلك أنهم كانوا قد عصوا الله معصية عظيمة؛ فنزع الله منهم النبوة ~~والملك وكانوا يسمون سبط الإثم. # وقوله: * (ولم يؤت سعة من المال) لأنه كان سقاء كما بينا. # قوله تعالى: * (قال إن الله اصطفاه عليكم) أي: اختاره عليكم. # وقوله: * (وزاده بسطة في العلم والجسم) أما الزيادة بالجسم: معلوم. # وأما العلم: قيل أراد به علم الحرب وكان طالوت أعلمهم بأمر الحرب وقيل: ~~أراد به علم الدين، والأول أصح. # وقوله: * (والله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم) فالواسع: ذو السعة، ~~وهو الذي يعطى عن غني. # وأما العليم: فقيل: العليم والعالم بمعنى واحد، ومنهم من فرق بين العليم ~~والعالم، فقال: العالم: بما ms0149 كان، والعليم: بما يكون. # قوله تعالى: * (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت) طلبوا منه ~~آية على الملك، فأخبرهم نبيهم بآية ملكه، وذلك إتيان التابوت. # قيل: هو التابوت الذي كان مع موسى وهارون، كانت بنو إسرائيل يخرجون به ~~إلى الغزوات ويستنصرون به. PageV01P250 # * (يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ~~تحمله) * * وقيل: كان من شجر الشمشاذ، وكان ثلاثة أذرع في ذراعين. # وفيه قول آخر: أنه التابوت الذي أنزله الله تعالى على آدم مع الركن، وكان ~~فيه صور الأنبياء. # وقوله: * (فيه سكينة من ربكم) قال علي رضي الله عنه: السكينة لها وجه ~~كوجه الإنسان، وهي بعد ريح هفافة. # وقال ابن عباس: هو طست من ذهب كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وقيل: هي شيء ~~يشبه الهر له عينان لهما شعاع، وله جناحان من الزمرد والزبرجد، وكانوا إذا ~~سمعوا صوته تيقنوا بالنصر، وكانوا إذا خرجوا بالتابوت إلى الحرب يضعونه ~~قدامهم، فإن سار ساروا، وإن وقف وقفوا. # وقال مجاهد: السكينة آية كانوا يسكنون إليها. # وقوله تعالى: * (وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون) وذلك عصى موسى، ~~ونعلاه، وعمامة هارون، ورضاض الألواح التي تكسرت، وقفيز من المن الذي أنزل ~~على بني إسرائيل. # وقيل: أراد به التوراة، كانت في التابوت. * (مما ترك آل موسى وآل هارون) ~~يعني: موسى وهارون، ومثله قول الشاعر: # (فلا تبك ميتا بعد ميت أجنه * علي وعباس وآل أبي بكر) أي: دفنه يعني: ~~وأبو بكر. # وقوله تعالى: * (تحمله الملائكة) قال الحسن: كان التابوت مع الملائكة في ~~السماء، فلما تولى طالوت الملك، حملت الملائكة التابوت ووضعوه بينهم. # وقيل: إن العمالقة غلبوا على التابوت، ودفنوه، فأمر الله تعالى الملائكة ~~حتى استخرجوه، وحملوه إليهم. PageV01P251 # * (الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (248) فلما فصل طالوت ~~بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه ~~مني إلا من) * * قال ابن عباس: إن العمالقة لما غلبوا على التابوت أخذهم ~~الباسور، فعلموه أن ذلك عقوبة ms0150 عليهم من أجل التابوت، فشدوه على عجلة وحملوه ~~على ثورين، وساقوهما إلى المفازة وتركوه فجاءت الملائكة وساقوا ذلك إلى بني ~~إسرائيل. # وقوله تعالى: * (إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فلما فصل طالوت بالجنود) قال ابن عباس: كان عدد الجنود ~~ثمانين ألفا. # وقوله تعالى: * (قال إن الله مبتليكم بنهر) وذلك نهر كان بين أردن ~~وفلسطين، ومعناه: أن الله ممتحنكم بذلك النهر؛ ليظهر من له نية وقصد في ~~القتال، ممن لا نية له. # وقوله: * (فمن شرب منه فليس منى) قاله طالوت، يعني: ليس من أهل ولايتي ~~وصحابتي. # * (ومن لم يطعمه فإنه مني) أي: من لم يذقه، قال الشاعر: # (فإن شئت حرمت النساء سواكم * وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا) أي: لم ~~أذق ماء ولا نوما. يقال: منع البرد البرد أي: منع البرد النوم. # وقوله تعالى: * (إلا من اغترف غرفة بيده) يقرأ بقراءتين، بفتح الغين ~~وضمها. # والغرفة بفتح الغين: المرة. والغرفة بضم الغين: ملء الكف. # وقوله: * (فشربوا منه إلا قليلا منهم) قال عكرمة: كان عدد القليل الذين ~~اقتصروا على الغرفة: أربعة آلاف. PageV01P252 # * (اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين ~~آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ~~ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ~~(249) ولما برزوا لجالوت) وأكثر المفسرين وهو الأصح على أنهم كانوا ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر نفرا. # قال البراء بن عازب: كنا نتحدث أن عدد أصحاب رسول الله، ورضى عنهم يوم ~~بدر كانوا على عدة الذين جاوزا مع طالوت، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة ~~عشر نفرا '. قال البراء بن عازب: ولم يجاوز إلا مؤمن. # وفي القصص: أنهم لما وصلوا إلى النهر، كان قد ألقى الله عليهم العطش، ~~فشرب الكل إلا هذا العدد القليل. وكل من شرب منهم اسودت شفتاه، ولم يرو، ~~وبقي على الشط، وكل من اقتصر على الغرفة روى وجاوز. # وقيل: إن الكل جاوزا، ولكن حضر بعضهم ms0151 القتال، ولم يحضر البعض. # وقوله: * (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم ~~بجالوت وجنوده) قال ابن عباس والسدي: إنما قاله الذين انخذلوا ولم يجاوزا، ~~وقيل: إنما قاله من الذين جاوزوا؛ من قلت بصيرته في الدين دون من قويت ~~بصيرته. # وقوله تعالى: * (قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله) يعني: الذين قويت ~~بصيرتهم. # * (يظنون) يستيقنون أنهم ملاقو الله، وقد ذكرنا الظن بمعنى اليقين وقيل: ~~هو على حقيقة الظن يعني: الذين يظنون إصابة الشهادة في الوقعة. # وقوله: * (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) بقضائه وإدارته. # * (والله مع الصابرين) بالنصر والعونة. # وقوله: * (ولما برزوا لجالوت وجنوده) كان جالوت رئيس تلك العمالقة. ~~PageV01P253 # * (وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين (250) فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك ~~والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن ~~الله ذو فضل) * * وقوله: * (قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا) معناه: أصبب ~~علينا. # وقوله: * (وثبت أقدامنا) أي: في القتال * (وانصرنا على القوم الكافرين). # قوله تعالى: * (فهزموهم بإذن الله) أي: كسروهم، يقال: سقاء مهزم، ومنهزم ~~أي: متكسر متثن بعضه على بعض. # وقوله * (بإذن الله) أي: بقضائه وإرادته. # وقوله: * (وقتل داود جالوت) وفي القصة: أن أبا داود حضر الحرب مع ثلاثة ~~عشر نفرا من أولاده كان أصغرهم سنا داود، و كان [أصاب] معه مقلاع وقذافة، ~~فبرز جالوت وطلب البراز وخرج إليه داود، ورماه بالمقلاع الحجر بين عينيه ~~وخرج من قفاه، وأصاب قوما آخرين وقتلهم. # وقوله: * (وآتاه الله الملك والحكمة) جمع لدواد بين الملك والحكمة، يعني: ~~النبوة. قيل: بعده بسبع سنين، ولم يكن من قبل مجتمعا، بل كان الملك في سبط ~~والنبوة في سبط، وقيل: الملك والحكمة: هو العلم مع العمل. # وقوله: * (وعلمه مما يشاء) قيل: صنعة الدروع، وأصوات الطيور، والزبور. # وقوله: * (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) قرأ نافع: ' ~~ولولا دفاع الله ' والمعنى واحد. # قال ابن عباس ومجاهد: معناه: لولا دفع الله الكفار ms0152 بالمؤمنين؛ لكثر ~~الكفر، ونزلت السخطة، واستؤصلت الأرض. PageV01P254 # * (على العالمين (251) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن ~~المرسلين (252) تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات) وقال علي، وعامة المفسرين: إن الله يدفع بالمتقي عن غير المتقي، ~~وبالصالح عن الفاجر، وبالمصلح عن غير المصلح، وبالمؤمن عن الكافر، وهو معنى ~~قول النبي ' لولا مشايخ ركع، وبهائم رتع، وصبيان رضع، لصب عليكم العذاب صبا ~~'. # وقال رسول الله ' أن الله يدفع البلاء بالرجل الصالح عن مائة بيت من أهله ~~وجيرانه '. # وقوله: * (ولكن الله ذو فضل على العالمين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين) وهي ~~ما ذكر من الآيات. # قوله تعالى: * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) هذه الآية في بيان فضل ~~الرسل بعضهم على بعض مع استوائهم في أصل الرسالة. # وقوله: * (منهم من كلم الله) يعني: موسى وقوله: * (ورفع بعضهم درجات) ~~يعني: محمدا قال الزجاج: ما أوتى نبي آية إلا أوتى نبينا مثل تلك الآية، ~~وقد أوتى انشقاق PageV01P255 # * (وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) يا ~~أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا ~~خلة ولا شفاعة والكافرون هم) * * القمر، وحنين الجذع، وكلام الشجر، ونبع ~~الماء من بين الأصابع، والقرآن العظيم، وبعث إلى الأحمر والأسود، وغيره من ~~الأنبياء بعث إلى قوم مخصوصين. # وقوله: * (وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) قد سبق ~~ذكره. # وقوله: * (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم ~~البينات) هذا دليل على القدرية حيث أحالوا الاقتتال على المشيئة. # وقوله: * (ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) منهم من تفضل عليه ~~الله فآمن، ومنهم من خذله الله فكفر. # وقوله: * (ولو شاء الله ما ms0153 اقتتلوا) أعاده ثانيا تأكيدا. وقوله: * (ولكن ~~الله يفعل ما يريد) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم) قال السدى: أراد ~~به الزكاة المفروضة. وقال غيره: أراد به الإنفاق في سبيل الله وقوله: * (من ~~قبل أن يأتي يوم) يعني: يوم القيامة. # وقوله: * (لا بيع فيه) أي: لا فدية فيه، وسماها بيعا، لأن في الفدية شراء ~~نفسه. # وقوله: * (ولا خلة) فإن قال قائل: قد نفى الخلة هاهنا في القيامة، وقد ~~قال في آية أخرى: * (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو) فأثبت الخلة. # وقيل: تقديره: الأخلاء في الدنيا بعضهم لبعض عدو يوم القيامة، وإنما قال ~~* (ولا خلة ولا شفاعة) وذلك أن الكفار كانوا يقولون: إن الملائكة أخلاؤنا ~~والأصنام PageV01P256 # * (الظالمون (254) الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ~~له ما في) * * شفعاؤنا فقال: لا تنفع خلتهم ولا شفاعتهم. # وقوله: * (والكافرون هم الظالمون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (الله لا إله إلا هو) ذكره مبالغة في الثناء، وهو مثل ~~قولهم: لا كريم إلا فلان. أبلغ من قولهم: فلان كريم. # وقوله: * (الحي القيوم) قرأ عمر: ' القيام '. وقرأ علقمة: ' القيم ' ~~والمعروف: * (القيوم). فالحي هو الباقي الدائم على الأبد، وهو من الحياة. # والحياة: صفة الله تعالى وأما القيوم: قيل: هو القائم على كل أحد بتدبيره ~~في الدنيا. # وقيل: هو القائم على كل نفس بما كسبت للمجازاة في الآخرة. # وقيل: هو القائم بالأمور. # وقوله: * (لا تأخذه سنة ولا نوم) قال المفضل الضبي: السنة في الرأس، ~~والنوم في القلب، فالسنة أول النوم، وهو النعاس. # ومنهم من فرق بين السنة والنعاس، فقال: السنة في الرأس والنعاس في العين، ~~والنوم في القلب. # والنوم: غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع من المعرفة بالأشياء. # وفي الأخبار أن ' موسى عليه السلام قال يا رب ألك نوم؟ فأوحى الله إليه ~~يا موسى انظر ما تقول، خذ قارورتين فأخذهما بيديه فألقى الله عليه النوم، ~~فوقعت إحداهما على الأخرى وانكسرتا، قال الله تعالى: لو كان لي نوم ما قامت ~~سماء ولا أرض ms0154 '. # وقوله: * (له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه) PageV01P257 # * (السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات ~~والأرض) * * لأنهم زعموا أن الملائكة والأصنام يشفعون لهم فقال: * (من ذا ~~الذي) يمكنه الشفاعة إلا برضاه. # وقوله: * (يعلم ما بين أيديهم) يعني: الآخرة * (وما خلفهم) يعني: الدنيا، ~~وقيل: * (ما بين أيديهم) ما قدموا * (وما خلفهم) ما خلفوا. # وقوله: * (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) الإحاطة: العلم بالشيء ~~بجميع جهاته وأنواعه، ومعناه: ولا يحيطون بشيء من علم الغيب إلا بما شاء، ~~يعني: إلا بما أخبر به الرسل، وهو مثل قوله في سورة الجن: * (فلا يظهر على ~~غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول). # وقوله: * (وسع كرسيه السماوات والأرض) قرأ يعقوب الحضرمي: ' وسع كرسيه ~~السماوات والأرض ' والمعروف هو الأول. # واختلفوا في الكرسي، قال الحسن: هو العرش نفسه. وقال أبو هريرة: الكرسي ~~موضوع قدام العرش. # ومعنى قوله: * (وسع كرسيه السماوات والأرض) أي: سعته مثل سعة السماوات ~~والأرض وأوسع منه، وهو ظاهر في قراءة الحضرمي، وفي الأخبار ' أن السماوات ~~والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة، والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة ~~'. # وفي رواية عطاء عن ابن عباس: أن السماوات والأرض في جنب الكرسي كدراهم ~~سبعة على الترس. PageV01P258 # * (ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم (255) لا إكراه في الدين قد تبين ~~الرشد من) * * وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه أراد بالكرسي علمه. ~~ومثله قول الشاعر: (مالي بأمرك كرسي أكاتمه * ولا بكرسي علم الله مخلوقه). # ومعناه: العلم. وقيل: هو ملكه وسلطانه. قال الزجاج: وفي الجملة هو أمر ~~عظيم يدل على كمال قدرته. # وقوله: * (ولا يؤده حفظهما) قيل: هو راجع إلى الله تعالى. يعني: ولا يثقل ~~عليه حفظ السماوات والأرض. # وقيل: هو راجع إلى الكرسي، وقيل على هذا: إن الكرسي تحت الأرض كالعرش فوق ~~السماوات، والسماوات والأرض على الكرسي. ms0155 وقيل: معلقة بالكرسي. # * (ولا يؤده) أي: لا يثقل على الكرسي حفظ السماوات والأرض. # * (وهو العلي العظيم) يعني بالعلى: المتعالي عن الأشياء والأنداد. # وقيل: العلى بالملك والسلطنة. والعظيم: الكبير. # وقد ورد في فضل آية الكرسي أخبار منها: # ما روى عن رسول الله أنه قال لأبي بن كعب: ' أي أعظم في القرآن؟ فقال: ~~آية الكرسي. فقال عليه السلام: ليهنئك العلم أبا المنذر '. # قوله: * (لا إكراه في الدين) قيل: سبب نزول الآية أن المرأة من أهل ~~المدينة كان لا يعيش لها ولدا؛ فكانت تنذر وتقول: إن عاش لي ولد لأهودنه، ~~فإذا عاش لها ولد جعلته بين اليهود، فلما جاء الإسلام وأجلى رسول الله بني ~~النضير إلى الشام بقي بينهم عدد من أولاد الأنصار قد هودوا فاستأذنوا رسول ~~الله في استردادهم؛ PageV01P259 # * (الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا ~~انفصام لها والله سميع عليم (256) الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور) * * فنزلت الآية '. * (لا إكراه في الدين) فمن شاء منهم أن يدخل ~~في الإسلام، فليدخل ومن لم يشأ فلا إكراه في الدين. # وقال الشعبي: هذا في أهل الكتاب لا يجبرون على الإسلام إذا بذلوا الجزية. # وفيه قول ثالث: أنه كان في الابتداء، ثم صار منسوخا بآية القتال. # وقوله: * (قد تبين الرشد من الغي) أي: الحق من الباطل، والإيمان من ~~الكفر. # وقوله: * (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله) الطاغوت: هو الشيطان، وينطلق ~~على الواحد والعدد. وقيل: كل ما يعبد من دون الله فهو طاغوت. # وأما الطاغوت في قوله: * (يريدون أن يتحكموا إلى الطاغوت) هو كعب بن ~~الأشرف خاصة. # وقوله: * (فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) العروة: الكوز ~~والدلو. والمراد هاهنا بالعروة الوثقى: العقد الوثيق المحكم في الدين. # قال ابن عباس: أراد به كلمة لا إله إلا الله. قال مجاهد: أراد به ~~الإسلام. وقيل: هو القرآن ومعناه: فقد تمسك بتمسك. # * (لا انفصام لها) أي: لا انقطاع لها * (والله سميع) بدعائك إياهم إلى ~~الإسلام * (عليم) بحرصك على إسلامهم. # قوله تعالى: * (الله ولي ms0156 الذين آمنوا) يعني: القيم عليهم بالنصر والمعونة ~~والمثوبة. # وقوله: * (يخرجهم من الظلمات إلى النور) يعني: من الكفر إلى الإسلام، ~~وإنما سمى الكفر ظلمات؛ لأن طريق الكفر مشتبه ملتبس. وإنما سمى الإسلام ~~نورا لأن طريقه بين واضح. PageV01P260 # * (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (257) ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن ~~آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت ~~قال) * * وقوله: * (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات) أي: من الإسلام إلى الكفر. # فإن قال قائل: كيف يخرجونهم من الإسلام ولم يدخلوا فيه؟ قيل: هو في قوم ~~من المرتدين خاصة. # وقيل: هو على العموم؛ وذلك أنهم لما عدلوا وصرفوا عن الإسلام؛ فكأنهم ~~أخرجوا عنه، يقول الرجل لغيره: أخرجتني عن صلتك، أي: لم تعطني، ولم تصلني. # وقوله: * (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه) معناه: هل انتهى ~~إليك خبر الذي حاج إبراهيم وهو نمروذ؟ قاله قتادة. # وهو أول من تجبر في الأرض وادعى الربوبية. والمحاجة: المجادلة، ثم بين ~~المحاجة في سياق الآية. # قوله: * (أن آتاه الله الملك) أي: كانت تلك المحاجة في الربوبية من نظر ~~الملك وطغيانه. # وقوله تعالى: * (إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت) وفي القصص: أن الناس ~~قحطوا على عهد نمروذ، وكانوا يتمارون من عنده الطعام، وكان إذا أتاه الرجل ~~في طلب الطعام يسأله من ربك؟ فإذا قال: أنت، باع منه الطعام، فجاء إليه ~~إبراهيم فيمن جاء يمتار الطعام، فقال له نمروذ: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ~~ويميت، فأشغل بالمحاجة ولم يعطه شيئا، فانصرف عنه إبراهيم، ومر بكثيب من ~~الرمل، فملأ منه الجواليق تطييبا لقلوب أهله، فلما بلغ منزله فإذا فيه ~~الدقيق. PageV01P261 # * (إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي ~~كفر والله لا يهدي القوم الظالمين (258) أو كالذي مر على قرية وهي خاوية ~~على) ms0157 * * وقوله تعالى: * (قال أنا أحيي وأميت) هذا قول نمروذ حين قال له ~~إبراهيم: ربى الذي يحيى ويميت. # قال سفيان: إنه دعا برجلين وجب القتل عليهما، فقتل أحدهما ولم يقتل ~~الآخر، فهذا إحياؤه وإماتته. # وقوله: * (قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب) فإن قال قائل: لم انتقل إبراهيم من حجة إلى حجة، وهذا يكون عجزا؟ ~~قيل: كانت الحجة الأولى لازمة، ومعارضة نمروذ إياه كانت فاسدة؛ لأنه أراد ~~به الحياة والموت اختراعا، ولم يعارضه بمثله لكنه خاف أن يشتبه على ~~السامعين، فأتى بحجة أوضح من الأولى؛ مبالغة في الإلزام، وقطعا لشغب. # وقوله: * (فبهت الذي كفر) أي: تحير بغلبة الحجة عليه. ومنه قول الشاعر: # (وما هو إلا أن أراها فجأة * فأبهت حتى ما أكاد أجيب) فإن قال قائل: كيف ~~بهت وكان يمكنه أن يعارض إبراهيم فيقول له: سل أنت ربك حتى يأتي بها من ~~المغرب؟ قلنا: إنما لم يقله؛ لأنه خاف أن لو سأله ذلك دعا، فأتى بها من ~~المغرب؛ فكان زيادة في فضيحته وانقطاعه. # والصحيح أن الله صرفه عن تلك المعارضة إظهار للحجة عليه، ولتكون معجزة ~~لإبراهيم. # وقوله: * (والله لا يهدي القوم الظالمين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (أو كالذي مر على قرية) تقديره: ألم تر إلى الذي حاج ~~إبراهيم، وإلى الذي مر على قرية؟ # وقيل: تقديره: هل رأيت كالذي حاج إبراهيم، وكالذي مر على قرية؟. ~~PageV01P262 # * (عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه ~~قال كم) * * واختلفوا في الذي مر على قرية، فقال قتادة: هو عزيز النبي. ~~وقال وهب: هو إرمياء النبي. وقال محمد بن إسحاق: هو الخضر عليهم السلام. # والصحيح: أنه كان عزيز النبي مر على قرية، يعني: على بيت المقدس. # وقوله: * (وهي خاوية على عروشها) قيل: كانت السقوف ساقطة على الأرض، ~~وكانت الجدران متساقطة على السقوف، فهي الخاوية على عروشها. ومعناه: أنها ~~كانت خالية، وكان قد خربها، بختنصر الملك البابلي. # وقوله: * (قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها) وفي القصة: ms0158 أن عزيزا مر ~~[بها] وهو على حمار ومعه التين والعصير فقال: إني يحيي هذه الله بعد ~~موتها؟! # فإن قال قائل: كيف قال: أنى يحيى هذه الله بعد موتها، وهذا يكون سببه ~~الشك في قدرته؟ قيل: لم يكن شاكا فيه؛ وإنما قال ذلك استبعادا على ما يقال ~~في العادة، أي: لا يحي هذه الله بعد خرابها. # قال عطاء: دخل في قلبه ما يدخل في قلوب الناس. # وقوله: * (فأماته الله مائة عام ثم بعثه) أي: أحياه، وإنما سمى الإحياء ~~بعثا؛ لأنه إذا أحيي يبتعث للأمور. # وفي القصة: أنه لما قال تلك المقالة غلبة النوم، فقبض الله روحه مئة عام، ~~وبعث ملكا عمر بيت المقدس في تلك الأعوام، ثم لما أحياه بعث إليه ملكا ~~فسأله: كم لبثت؟ # فهذا معنى قوله: * (قال كم لبثت) وقوله: * (قال لبثت يوما أبو بعض يوم) ~~لأن الله تعالى إنما أماته في أول النهار وبعثه في آخر النهار وقبل غروب ~~الشمس، فقال : PageV01P263 # * (لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك ~~وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف) ~~* * لبثت يوما، ثم نظر إلى الشمس لم تغرب بعد، فقال: أو بعض يوم * (قال) ~~يعني الملك: * (بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه) أي: لم ~~يتغير؛ فإن التين الذي كان معه لم يتغير؛ كأنه قطف من ساعته، وكذلك العصير ~~كأنه عصر من ساعته. # قال الكسائي: لم يتسنه، معناه: كأنه لم تأت عليه السنون، وقطف من ساعته. # وقال مجاهد: معناه لم ينتن، ومنه قوله تعالى * (من حمأ مسنون). # وقيل: أصله لم يتسنن، فقلبت إحدى النونين هاء ومثله في كلام العرب كثير، ~~مثل: يتمطى كان في الأصل (يتمطط)، فقلبت إحدى الطائين ياء. وقال الشاعر: ~~(يقضي البازي إذا البازي انكسر *) وكان في الأصل: (يقضض البازي). # وقوله: * (وانظر إلى حمارك) قيل: فنظر إليه، فإذا عظام بيض تلوح نخرة ~~فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض، وجعله حمارا من عظام، ثم ms0159 أدخل فيه ~~الدم، ثم كساه الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فقام الحمار ونهق، وهو ينظر إليه، ~~فهذا معنى قوله: * (ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها) يقرأ ~~بقرائتين بالراء: نحييها، وبالزاي: يركب بعضها على بعض، من النشز، وهو ~~الارتفاع. # وقوله: * (ثم نكسوها لحما) في الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: وانظر إلى ~~حمارك، وانظر إلى العظام كيف ننشزها، ثم نكسوها لحما لنحييها. PageV01P264 # * (ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ~~(259) وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ~~ولكن) * * وقوله: * (ولنجعلك آية للناس) وبيان الآية فيه: أنه بعث شابا، ~~وابنه شيخ. # قال علي رضي الله عنه: أماته الله وهو ابن خمسين سنة وامرأته حامل، ثم ~~بعث بعد مئة سنة وهو ابن خمسين، وابنه [ابن] مئة سنة. # وقوله: * (فلما تبين له قال أعلم) فلما ظهرت له قدرة الله تعالى على ~~عمارة بيت المقدس، وإحياء الموتى * (قال أعلم) يقرأ بقراءتين: على الخبر، ~~وعلى الأمر، أما على الخبر فمعناه: علمت أن الله على كل شيء قدير، وأما على ~~الأمر قال لنفسه: * (أعلم أن الله على كل شيء قدير). # قوله تعالى: * (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى) قيل: سبب سؤاله ~~ذلك: أن إبراهيم مر على حيوان على شط البحر مزقته السباع والوحش، وكان يأكل ~~منه حيتان البحر، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى. # وفيه قول آخر: أنه لما حجه نمروذ في إحياء الموتى؛ أراد أن يعرف بالعيان ~~ما آمن به بالخبر والاستدلال. # وقوله تعالى: * (قال أو لم تؤمن) يعني: قد آمنت فلم تسأل؟ وهذا مثل قول ~~الشاعر: # (ألستم خير من ركب المطايا *) يعني: أنتم كذلك. # وقوله: * (قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) فإن قال قائل: أكان إبراهيم شاكا ~~فيه PageV01P265 # * (ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل ~~منهن) * * حتى احتاج إلى السؤال، وما معنى قوله عليه السلام: ' نحن أحق ~~بالشك من إبراهيم '؟ والجواب: أنه لم يكن ms0160 شاكا فيه، ولكنه إنما آمن بالخبر ~~والاستدلال، فأراد أن يعرفه عيانا. # قال عكرمة: ليزداد يقينا على يقين؛ لأن العيان فوق الخبر في ارتفاع ~~العلم. وقد قال عليه السلام: ' ليس الخبر كالمعاينة '. # وأما قوله: * (ولكن ليطمئن قلبي)؛ وذلك أنه لما سأل ذلك تعلق به قلبه، ~~فقال: ولكن ليطمئن قلبي عن ذلك التعلق. # وقيل: إنما قال ذلك لأن الله تعالى لما اتخذه خليلا، قال ملك الموت: يا ~~رب، ائذن لي حتى أبشره؛ فبشره بأن الله اتخذك خليلا فأراد أن يريه الله ~~إحياء الموتى تخصيصا له بكرامته؛ ليطمئن قلبه بالخلة. # وقيل معناه: ولكن ليطمئن قلبي، فأعرف أني إذا سألتك أعطيتني، وإذا دعوتك ~~أجبتني. وأما قوله: ' نحن أحق بالشك من إبراهيم ' إنما قاله على سبيل ~~التواضع، يعني: نحن دونه، وأحق بالشك منه، فإذا لمن نشك نحن فكيف يشك ~~إبراهيم؟ # وقوله تعالى: * (قال فخذ أربعة من الطير) قيل: هي الطاووس، والديك، ~~والحمامة، والغراب. PageV01P266 # * (جزاءا ثم أدعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260) مثل الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة ~~حبة والله) * * وقوله تعالى: * (فصرهن إليك) أي: فضمهن إليك. وقرأ حمزة ~~بكسر الصاد. # وفيه تقديم وتأخير، وتقديره: فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن، أي: فقطعن، ~~وقوله: * (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا) قيل: جعلها على أربعة أجبل. # وقال السدى: على سبعة أجبل، وقال ابن عباس: على أربعة أرباع العالم، جزءا ~~على جبل بجانب الشرق، وجزءا على جبل جانب الغرب، وجزءا على الشمال، وجزءا ~~على الجنوب. # وفيه قول آخر: أنه أراد بقوله: * (اجعل على كل جبل منهن جزءا) أي: عشرا، ~~وكان على عشرة أجبل؛ حتى ذهب بعض العلماء من هذا إلى أنه لو أوصى الإنسان ~~بجزء من ماله ينصرف إلى العشر. # وقوله: * (ثم أدعهن يأتينك سعيا) وفي القصة: أنه جزء تلك الطيور الأربعة، ~~وخلط اللحم باللحم، والريش بالريش، والعظم بالعظم، وجعلها على الأجبل. # وقيل: دقه بالهاون وأخذ رؤوسهن بين أصابعه، وقيل: مناقيرهن، ثم دعاهن؛ ~~فكان يطير ms0161 الريش إلى الريش، واللحم إلى اللحم، والدم إلى الدم، ويركب بعضها ~~على بعض، وأتين ساعيات إلى رؤوسهن. # وقوله تعالى: * (واعلم أن الله عزيز حكيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) قيل: سبيل الله: ~~الجهاد. PageV01P267 # * (يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم) * * وقيل: جميع أبواب الخير سبيل الله. # وقوله: * (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة) ضربه مثلا ~~للمتقين وما وعد من الثواب على الإنفاق. # فإن قال قائل: كيف ضرب المثل به، وهل يتصور في كل سنبلة مئة حبة؟ # قيل: لما كان ذلك متصورا في الجملة، صح ضرب المثل به وإن لم يعرف، ومثله ~~ما قاله امرؤ القيس: # (ومسنونة زرق كأنياب أغوال *) وناب الغول لا يعرف، ولكن لما تصور وجوده ~~بالجملة مثل به. وقيل: هو يتصور في سنبلة الدخن ونحوه. # وقوله: * (والله يضاعف لمن يشاء) قيل: معناه: يضاعف هذه المضاعفة لمن ~~يشاء. وقيل: معناه يضاعف على هذا ويزيد لمن يشاء. # وقوله: * (والله واسع) أي: واسع الفضل والرحمة والقدرة، يعطي عن سعة. # وقوله: * (عليم) أي: عليم بنية من يعطي. # قوله تعالى: * (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما ~~أنفقوا منا ولا أذى) أما المن: فهو أن يقول للفقير: أعطيتك كذا، وصنعت بك ~~كذا، فيعدد عليه نعمه، وأما الأذى: فهو أن يعير الفقير، فيقول له: إلى كم ~~تسأل، وكم تؤذيني فلا زلت فقيرا ونحو ذلك. # وقيل: من الأذى: أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يريد أن يعرف. # وقوله: * (لهم أجرهم عند ربهم) أي: ثوابهم، وقوله: * (ولا خوف عليهم) ~~PageV01P268 # * (يحزنون (262) قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم ~~(263) يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله ~~رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه ~~وابل) * * ولا يخافون فوات ms0162 الثواب، وقوله: * (ولا هم يحزنون) أي: على ما ~~أنفقوا إذا رأوا الثواب. # قوله تعالى: * (قول معروف) قال الحسن: هو القول الجميل. # وقيل: هو أن يعطيه ويبرك له، فيقول: بارك الله لك فيه، أو يمنعه ويدعو ~~له. # وقوله: * (ومغفرة) هو: أن تستر خلته، ولا تهتك ستره. # وقيل: هو أن تعفو عن الفقير إن بدرت منه مساءة أو أذى. # وقوله: * (خير من صدقة يتبعها أذى) يقول: ذلك القول المعروف، وتلك ~~المغفرة، خير من صدقة يتبعها أذى. # وقوله: * (والله غني) أي: مستغن عن صدقاتكم. وقوله: * (حليم) أي: لا يعجل ~~بالعقوبة إذا منعتم الصدقة. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) قد ~~ذكرنا معناهما. # وقيل: المن في الصدقة بمنزلة الحدث في الصلاة، يبطلها ويحبطها. # وقوله: * (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) أي: كإبطال الذي ينفق ماله رئاء ~~الناس؛ لأن الرياء يبطل الصدقة ويحبطها. # وقوله: * (ولا يؤمن بالله واليوم الآخر) يعني: النفقة مع الرياء ليس من ~~فعل المؤمنين. # وفي الجملة كل من أتى بالصدقة تقربا إلى مخلوق فلا يكون مؤمنا. ~~PageV01P269 # * (فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ~~(264) ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل ~~جنة) * * وقوله: * (فمثله كمثل صفوان عليه تراب) الصفوان: الحجر الصلد ~~الأملس. # وقوله: * (فأصابه وابل) الوابل: المطر الشديد العظام القطر. # وقوله: * (فتركه صلدا) أي: أملس * (لا يقدرون على شيء مما كسبوا) ومعنى ~~هذا المثل: أن الذي يرائي بالإنفاق يفرق نفقته، ولا يفوز بشيء من الثواب، ~~كالتراب الذي يكون على الحجر فيصيبه الوابل؛ فيفوت الذي عليه، ويبقى أملس، ~~بحيث لا يقدر على شيء منه. # وقوله: * (والله لا يهدي القوم الكافرين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله) أي: خالصا ~~لوجه الله. # وقوله: * (وتثبيتا من أنفسهم) قال قتادة: هو أن يكون محتسبا بالإنفاق. # وقال الحسن: هو أن يثبت من نفسه حتى إن كانت نيته أن يتصدق لله يفعل، وإن ~~كانت نيته غيره يمسك، وقال الكلبي، والشعبي: هو ms0163 أن يتصدق على يقين بالثواب، ~~وتصديق بوعد الله فيه. # وقوله: * (كمثل جنة بربوة) الجنة: البستان. والربوة: المكان المرتفع. # وقوله: * (أصابها وابل) كما ذكرنا. وقوله: * (فآتت أكلها ضعفين) أي: ~~ثمرها ضعف ما تؤتى غيرها. قوله: * (فإن لم يصبها وابل فطل) الطل: المطر ~~الخفيف الصغار القطر، ويكون دائما. # ومعنى هذا المثل: أن الذي ينفق خالصا لوجه الله تعالى لا تخلف نفقته، بل ~~تنمو وتزكو بكل حال: كما أن الجنة التي على الربوة لا تخلف، بل تنمو وتزكوا ~~بكل حال سواء أصابها الوابل، أو أصابها الطل؛ وذلك أن الطل إذا كان يدوم ~~يعمل عمل PageV01P270 # * (بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما ~~تعملون بصير (265) أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها ~~الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار ~~فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) يا أيها ~~الذين) * * الوابل الشديد. # وقوله: * (والله بما تعملون بصير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها ~~الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء) أي صغارا. # * (فأصابها إعصارا فيه نار فاحترقت) الإعصار: ريح ترتفع كالعمود نحو ~~السماء، تسميه العرب، وسائر الناس: زوبعة، ومنه قول الشاعر: # (إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا *) وأما معنى الآية: روى أن عمر - رضي ~~الله عنه - سأل الصحابة عن معنى هذه الآية، فقالوا: الله أعلم، فغضب عمر، ~~وقال: قولوا: نعلم، أو لا نعلم، ونحن نعلم أن الله يعلم؛ فسكتوا، وكان ابن ~~عباس فيهم فقال: في قلبي شيء، فقال له عمر: قل، ولا تحقر نفسك، ضرب مثلا ~~لعمل. وروى تمام الكلام فيه. - ثم اختلفوا، منهم من قال: تمام الكلام من ~~عمر، ومنهم من قال: تمام الكلام من ابن عباس - وتمامه: أن الله تعالى ضرب ~~هذا مثلا للذي يعمل طول عمره عملا، ثم يحبطه برياء أو بشيء في آخر عمره، ~~فيفوته ذلك، ولا ينفعه ms0164 في أحوج حال يكون إليه؛ كالذي له بستان ذات أشجار، ~~وثمار وأنهار، فيدركه الكبر، وله عيلة كبيرة وأولاده صغار، فلما قرب إدراكه ~~واحتاج إليه، أصابته نار فأحرقته، فيفوته ذلك (ولا ينفق) في أحوج حال يكون ~~إليه. PageV01P271 # * (آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني ~~حميد (267)) * * قوله: * (كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون). ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم) أي: من ~~حلال ما كسبتم، وفي هذا دلالة على أن الكسب يتنوع إلى الطيب، والخبيث. # وقوله: * (ومما أخرجنا لكم من الأرض) قيل: هو الأمر بإخراج العشور. # وقيل: هو أمر بإخراج الحقوق التي كانت واجبة في نبات الأرض في الابتداء، ~~ثم صارت منسوخة بآيات الزكاة. # وقيل: هو في صدقات التطوع. # وقوله: * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) أم، وتيمم: إذا قصد. وأراد ~~بالخبيث: الرديء هاهنا، أي: ولا تقصدوا الرديء منه تنفقون. # وسبب نزول الآية: ' ما روى أن أصحاب النخيل على عهد رسول الله كانوا ~~يأتون بقنو فيعلقونه في المسجد؛ ليأكله الفقراء، فجاء رجل بقنو حشف أراد ما ~~يكون، وعلقه، فلم يرضه رسول الله ونزلت الآية: * (ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون) '. # وقوله: * (ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) إلا أن تسامحوا وتساهلوا في ~~أخذه، ومعناه: أن الحق لو كان لكم على غيركم، فجاء به رديئا لا تأخذونه إلا ~~بإغماض فيه، فتعتقدون أنكم تركتم بعض حقكم وأغمصتم. # وقوله: * (وأعلموا أن الله غني) يعطي عن غنى (حميد) محمود الغنى، وفيه ~~دليل على أن الغنى لغير الله مذموم. # وقيل: الحميد: المستحق للحمد. PageV01P272 # * (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ~~والله واسع عليم (268) يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا) ~~* * قوله تعالى: * (الشيطان يعدكم الفقر) يخوفكم بالفقر، و الباء محذوفة. # وقوله: * (ويأمركم بالفحشاء) أي: بأن لا تتصدقوا وتبخلوا، ومنه قول طرفة: # (عقيلة مال الفاحش المتشدد *) أي: البخيل ms0165 المتشدد. # والبخل داء عظيم، قال ' ولا داء أدوى من البخل '. # وقوله: * (والله يعدكم مغفرة منه وفضلا) مغفرة، أي: عفو الله، وفضلا: ~~بالثواب. # وقوله: * (والله واسع عليم) وقد ذكرنا معناهما. # وقوله تعالى: * (يؤتي الحكمة من يشاء) قال ابن عباس: وهو حكمة القرآن، ~~وهو أن يعرف ناسخه ومنسوخه، ومقدمه ومؤخره، ومحكمه ومتشابهه، وحرامه ~~وحلاله، وأمثاله. # وقيل: هو الفقه في الدين. # وقال إبراهيم النخعي: هو معرفة معاني الأشياء وفهمها. # وفيه قول رابع: هو الإصابة، فعلا وقولا. # وقوله: * (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب). # قرأ يعقوب: ' ومن يؤت ' بكسر التاء يعني: ومن يؤته الله الحكمة. ~~PageV01P273 # * (كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب (269) وما أنفقتم من نفقة أو أنذرتم ~~من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار (270) إن تبدوا الصدقات فنعما ~~هي وإن تخفوها) * * قيل: هذه الحكمة: هي الكتابة، ومعرفة الخط. # وقيل: هي العقل. وقيل الأمانة. # * (وما يذكر إلا أولوا الألباب) أي: وما يتفكر إلا أولوا العقول. # قوله تعالى: * (وما أنفقتم من نفقة أو أنذرتم) فيه قولان: أحدهما: أن ~~المراد بالنفقة: الزكاة المفروضة، وأما النذر: هو أن ينوي عمل الخير، وصدقة ~~التطوع. # والقول الثاني: أن النفقة هي صدقة التطوع، وأما النذر هو ما عرف من نذر ~~اللسان؛ وهو أن يوجب التصدق على نفسه. # وقوله: * (فإن الله يعلمه) أي: يجازي. وقال مجاهد: يحصيه. # وقوله: * (وما للظالمين) أي: الذين يتصدقون من الغصب والنهب. * (من ~~أنصار) جمع النصير، أي: ما لهم من ينصر ويمنع من العذاب. # قوله تعالى: * (أن تبدوا الصدقات) معناه: إن تظهروا. * (فنعما هي) يقرأ ~~بالقراءات بفتح النون، وكسر العين، ويقرأ: بكسرهما، وقرأ أبو عمرو: بكسر ~~النون وجزم العين، ولم يرض ذلك منه نحاة البصرة، وقالوا فيه التقاء ~~الساكنين، واستشهد أبو عمرو بقوله لعمرو بن العاص: ' نعم المال الصالح ~~للرجل الصالح ' والكل في المعنى سواء، ومعناه: نعم خلة، هي أو نعم شيء هو. # قوله: * (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) قيل: هذا في صدقات ~~PageV01P274 # * (وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ms0166 ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون ~~خبير) * * التطوع، والإخفاء فيها أفضل، وقد روى عن النبي ' أنه قال: صدقة ~~السر تفضل صدقة العلانية بسبعين ضعفا '. # وإما الزكاة المفروضة: فالإظهار فيها أفضل، وقد قال ' صدقة العلانية تفضل ~~صدقة السر بخمس وعشرين '، وهذا في الزكاة، والأول في التطوعات. # وقيل: الآية في الزكاة المفروضة، وكان الإخفاء خيرا في الكل على عهد رسول ~~الله فأما في زمننا فالإظهار خير في الزكاة لسوء الزمان، كيلا يساء الظن ~~به. # وقوله: * (ويكفر عنكم) يقرأ: بالنون، والياء: ويقرأ: بالرفع، والجزم * ~~(من سيئاتكم) قيل: من صلة فيه. وتقديره: ويكفر عنكم سيئاتكم، فعلى هذا يكون ~~شاملا للصغائر، والكبائر. # وفيه قول آخر: أن ' من ' على التحقيق، والتفكير بالصدقات يكون من الصغائر ~~فأما الكبائر فإنما تكفرها التوبة. # والأول أقرب إلى أهل السنة، وقد قال النبي: ' صدقة السر تطفئ غضب الرب '. # وقوله: * (والله بما تعملون خبير) هذا ظاهر المعنى. PageV01P275 # (* (271) ليس عليكم هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون (272) للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا ~~في) * * قوله تعالى: * (ليس عليكم هداهم) ليس المراد به: هداية الدعوة، ~~فإنها عليه حتم، وإنما المراد به: هداية التوفيق. # قال سعيد بن جبير: ' سبب نزول الآية ما روى: أن النبي نهى عن التصديق على ~~المشتركين، وإنما كان نهى عنه، كي تحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام ~~فنزلت الآية فأمر النبي - - بالتصدق على أهل الأديان كلها '. # ومعناه: ليس عليك هداهم، بأن تلجئهم وتحملهم على الدخول في الإسلام، * ~~(ولكن الله يهدي من يشاء) أي يوفق من يشاء، ويخذل من يشاء. # قوله: * (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) أي: تعلمونه لأنفسكم. # قوله: * (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) هذا خبر بمعنى الأمر، أي: ~~أنفقوا لوجه الله، ومعناه: ابتغاء مرضاة الله. # وقيل: هو على المبالغة، فإن قول الرجل: عملت لوجه فلان. أبلغ وأشرف من ~~قوله: عملت لفلان، فذكرنا شرف اللفظين. # وقوله: * (وما ms0167 تنفقوا من خير يوف إليكم) أي: يوفر عليكم ثوابه. # * (وأنتم لا تظلمون) ظاهر. # قوله تعالى: * (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله) يعني: تلك الصدقات ~~التي سبق ذكرها للفقراء. # قال مجاهد: أراد به فقراء المهاجرين من مكة. # وأما قوله: * (أحصروا في سبيل الله) فيه ثلاثة أقوال: # [أحدها]: قال ابن عباس: يعني: حبسهم العدو والفقر عن سبيل الله والجهاد، ~~فصاروا محصورين عنه. PageV01P276 # * (الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس ~~إلحافا) * * وقال سعيد بن المسيب: أراد به: أنهم خرجوا إلى الحرب، فأصابتهم ~~جراحات، فصاروا محصرين عن الجهاد بسبب الجراحات. # وقال قتادة - وهو أحسن الأقوال -: معناه: أنهم حبسوا أنفسهم على الجهاد ~~في سبيل الله، وتركوا الخروج للتجارة والمعاش، ووقفوا أنفسهم على الحرب. # وقد ورد ذلك في أهل الصفة، كانوا قريبا من أربعمائة نفر، اجتمعوا في مسجد ~~رسول الله وكانوا لا يأوون إلى أهل ولا إلى مال، وكان يبعث الناس إليهم ~~بفضل قوتهم، وكانوا وقفوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، وقالوا: لا تخرج ~~سرية إلا ونخرج معها، فهذا معنى قوله: * (أحصروا في سبيل الله). # وقوله: * (لا يستطيعون ضربا في الأرض) هذا على القولين الأولين يرجع إلى ~~الضرب في الأرض للجهاد. # وعلى القول الثالث: هو الضرب في الأرض للمعاش والتجارة. # وقوله: * (يحسبهم الجاهل) قال قال مجاهد: ليس المراد بهذا الجاهل خلاف ~~العالم وإنما هو الذي لا خبرة له ولا معرفة بحالهم. # وقوله: * (أغنياء من التعفف) يعني: من القناعة التي لهم يظنهم من لم ~~يعرفهم أغنياء. # قوله: * (تعرفهم بسيماهم) قيل: بالتخشع الذي كان لهم. # وقال الضحاك: بصفرة الألوان. # وقال ابن زيد: برثاثة الثياب. # وقيل: أثر الجوع والجهد. # وقوله: (لا يسألون الناس إلحافا) أي: إلحاحا. PageV01P277 # * (وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم (273) الذين ينفقون أموالهم ~~بالليل والنهار سرا) * * وقيل: أصله من إلحاف؛ فالإلحاف: السؤال على ~~العموم، كأنه يسأل كل من يلقى. # وفيه قول آخر: أنه أراد به ترك السؤال أصلا؛ فإنه إذا سأل فقد ألحف، ~~يعنى: لا يسألون أصلا. # والدليل عليه أنه ms0168 قال: * (أغنياء من التعفف) وإذا سأل لا يكون متعففا، ~~وقد روى عن النبي أنه قال: ' من سأل وعنده أوقية فقد ألحف '. يعني: عنده ~~أربعون درهما. # وروى عن النبي أنه قال: ' لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره، خير له ~~من يسأل الناس أعطى أو منع '. # وقوله: * (وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم) ظاهر المعنى. # وقوله تعالى: * (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية). # قال ابن عباس: هذا في علي ابن أبي طالب، كانت له أربعة دراهم، فتصدق ~~بدرهم بالليل، ودرهم بالنهار، ودرهم في السر، ودرهم في (العلن)؛ فنزلت ~~الآية رضا بفعله، وثناء عليه. # وقيل: أراد بالنفقة هاهنا: النفقة على الخيل في سبيل الله؛ فإنها تعتلف ~~من تلك النفقة ليلا ونهارا، وسرا وعلانية؛ والنفقة على الخيل في سبيل الله ~~باب عظيم في PageV01P278 # * (وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) الذين ~~يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك ~~بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) * * الخير. وقد ورد في الحديث: ' أنه يؤجر ~~بأوراثها وأبوالها '. # وقوله تعالى: * (فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (الذين يأكلون الربا) أي: يأخذون، فعبر بالأكل عن الأخذ؛ ~~لأنه يؤخذ ليؤكل. # وقوله: * (لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس). # الخبط: ضرب على غير استواء، يقال: فلان يخبط خبط عشواء، إذا كان يسلك ~~طريقا لا يهتدي إليه. ومنه قول الشاعر: # (رأيت المنايا خبط عشواء من تصب * تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم) ومعناه: أن ~~آكل الربا يحشر يوم القيامة كمثل السكران، يقوم تارة، ويقع أخرى. # وقيل: هو من تخبط الشيطان، وذلك [أن] يدخل الإنسان فيصرعه. # والمس: الجنون، والخبط: أول الجنون، ومعناه: أنه يحشر يوم القيامة كمثل ~~المصروع؛ وذلك علامة أكلة الربا يوم القيامة. # وقوله: * (ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا). أراد بهم ثقيف؛ فإنهم ms0169 ~~قالوا إنما البيع مثل الربا. PageV01P279 # * (وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) يمحق ~~الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (277) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن) * * (وأحل الله البيع وحرم الربا) هذا ~~جوابهم. # وقوله: * (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى) يعني من أكل الربا. # * (فله ما سلف) أي: مغفورا له ما سلف منه * (وأمره إلى الله ومن عاد) إلى ~~أكل الربا * (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). # قوله تعالى: * (يمحق الله الربا) أي: يذهب بركة المال؛ فإن للحلال بركة، ~~وليست للحرام بركة. # وقيل: معناه: يبطل الصدقة من الربا * (ويربي الصدقات) ويكثر الصدقات * ~~(والله لا يحب كل كفار أثيم) فالكفار: عظيم الكفران، والأثيم: كثير الإثم. # قوله تعالى: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وقد سبق تفسيره. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين). نزل هذا في ثقيف وبنى مخزوم تنازعوا إلى عتاب بن أسيد قاضي ~~مكة فقالت ثقيف إنما أسلمنا على أن ما علينا من الربا موضوع وما لنا باقي ~~فكتب بذلك عتاب إلى رسول الله فنزلت الآية، فبعث رسول الله بالآية إلى عتاب ~~ليقرأ عليهم '. # وقوله: * (إن كنتم مؤمنين) يعني: ترك الربا من فعل المؤمنين '. ~~PageV01P280 # * (لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير ~~لكم إن كنتم) * * وقيل: معناه: إذا كنتم مؤمنين. # والآية في إبطال ربا الجاهلية؛ وذلك أنهم كانوا يدينون الناس بشرط أن ~~يزيدوا في الدين عند الأداء، وكان يقرض الرجل غيره، ويضرب له أجلا، ثم عند ~~حلول الأجل يقول له: زدني في الدين حتى ms0170 أزيدك في الأجل، فهذا كان ربا ~~الجاهلية وهو حرام. # وقوله تعالى: * (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) أي: فأيقنوا ~~به. # ويقرأ ممدودا: ' فآذنوا بحرب من الله ' أي: أعلموا غيركم أن يتركوا ~~الربا، إنكم حرب الله ورسوله، فإذا علمتم فقد علمتم. # * (وإن تبتم) أي: تركتم استحلال الربا، ورجعتم عنه * (فلكم رؤوس أموالكم) ~~أبطال الزيادة، وجعل لهم أصل المال. # وإنما قال: * (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم) لأنهم ما داموا على استحلال ~~الربا كان ما لهم فيئا ليس لهم أصله ولا فرعه. # * (لا تظلمون ولا تظلمون) أي: لا تظلمون بطلب الزيادة، ولا تظلمون بنقصان ~~حقكم في أصل المال. # قوله تعالى: * (وإن كان ذو عسرة فنظر إلى ميسرة) قرأ: أبي بن كعب: ' وإن ~~كان من عليه الدين ذا عسرة '. وقرأ عطاء: ' فناظرة إلى ميسرة '. # والمعروف: * (وإن كان ذو عسرة) أي: وإن وقع ذو عسرة، أو وإن كان ذو عسرة ~~غريما لكم، فنظر إلى ميسرة، أي: فأنظروه إلى اليسار. # وقرأ نافع: ' إلى ميسرة ' بضم السين، وهو مثل الأول في المعنى. ~~PageV01P281 # * (تعلمون (280) واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون (281) يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه وليكتب) * * وروى أبو اليسر عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ' ~~من أنظر معسرا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله '. # وروى أبو هريرة عن النبي أنه قال: ' كان فيمن قبلكم رجل يداين الناس فقال ~~لفتاه: إذا كان معسرا فتجاوز عنه؛ لعل الله يتجاوز عنا، فلقى الله فتجاوز ~~عنه '. # والخبر في الصحاح. # * (وإن تصدقوا) يعني بترك أصل المال الذي أعطيتموه قرضا. * (خير لكم إن ~~كنتم تعلمون). # قوله - تعالى: * (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله). قال ابن عباس: هذه ~~آخر آية نزلت على رسول الله. # قال ابن جريج: إنما عاش بعدها سبع ليال، وفي رواية تسع ليال. # ويروى أن جبريل - صلوات الله عليه - لما نزل بهذه الآية قال: ضعها على ~~رأس مائتين وثمانين آية من سورة ms0171 البقرة، وهذه الآية مسجلة سجلها الله على ~~الخلق كافة. # * (ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) وهو ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين) قال ابن عباس: ~~أشهد أن السلف المضمون المؤجل في كتاب الله، قد أنزل فيه أطول آية، وتلا ~~هذه الآية. # وقوله: * (تداينتم بدين) أي: تعاملتم بالدين، يقال: داينته، إذا عاملته ~~بالدين. # فإن قيل: قوله: * (تداينتم) يغني عن المعاملة بالدين، فلم قال: تداينتم ~~بدين؟ قيل: لأن العرب تقول: تداينا - أي: تعاطينا وتجازينا، وإن لم يكن في ~~الدين؛ فقال: PageV01P282 # (* (بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل ~~الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق ~~سفيها أو ضعيفا أو لا) * تداينتم بدين) ليعرف المعنى المراد من اللفظ، ~~ويحتمل أنه قاله تأكيدا. * (إلى أجل مسمى) الأجل: مدة معلومة الأول والآخر، ~~وهذا يشتمل على الأجل في السلم، والأجل في الثمن، والأجل في القرض، ولم ~~يجوز أكثر العلماء الأجل في القرض، وجوزه بعضهم. # * (فاكتبوه) قيل: هو على الوجوب، وهو قول مجاهد. # وقال الشعبي: إنما يجب الكتب إذا وجد ممن يكتب، والأصح أنه على الندب. # وقال أبو سعيد الخدري: هذا الأمر منسوخ بقوله تعالى: * (فإن أمن بعضكم ~~بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته). # وقوله: * (وليكتب بينكم كاتب بالعدل). الكتابة بالعدل هو: أن يكتب من غير ~~زيادة ولا نقصان، ولا تقديم في الأجل ولا تأخير. # * (ولا يأب كاتب أن يكتب) قيل: الكتابة واجبة على الكتبة لظاهر الآية، ~~والأصح أنه على الندب. # * (كما علمه الله فليكتب) أي: كما شرعه الله، فليكتب. # * (وليملل الذي عليه الحق) الإملال والإملاء بمعنى واحد. # والإملال لغة قريش وبني أسد، والإملاء: لغة قيس وتميم، وهما مذكوران في ~~القرآن. فالإملال ها هنا والإملاء في قوله: * (فهي تملى عليه بكرة وأصيلا). # * (وليتق الله ربه) يعنى المملى * (ولا يبخس منه شيئا)، ولا ينقص من الحق ~~شيئا. # وقوله: * (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا) أما السفيه: ms0172 قال ~~مجاهد: PageV01P283 # * (يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن ~~لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تظل إحداهما فتذكر ~~إحداهما) * * الجاهل. # وقال الزجاج: هو خفيف العقل، ويشتمل هذا على: المرأة، والصغير ونحوه، ~~ومنه قول الشاعر: # (مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها مر الرياح النواسم) وقيل: السفيه: ~~الصغير ومذهب الشافعي: أنه المبذر المفسد لماله. # وأما الضعيف: هو ضعيف العقل من عته، أو جنون. # * (أو لا يستطيع أن يمل هو) أي: لا يقدر على الإملال من خرس، أو عمى. # * (فليملل وليه بالعدل) يعنى: ولى هؤلاء. # أما من لم يجوز الحجر على السفيه - كالنخعي، وابن سرين، وغيرهما - قالوا: ~~أراد بالولي: صاحب الحق، يعني: إن عجز من عليه الحق من الإملال فليملل الذي ~~له الحق. # * (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) أي: وأشهدوا. # * (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) يعني: فإن لم يكن الشاهدان رجلين ~~فرجل وامرأتان. # * (ممن ترضون من الشهداء) وهم أهل الفضل والدين، قاله ابن عباس. * (أن ~~تضل إحداهما) أن تنسى وتغفل إحداهما، وذلك بأن يغيب حفظها عن الشهادة، أو ~~تغيب الشهادة عن الحفظ. # * (فتذكر إحداهما الأخرى) وذلك بأن تقول: ألسنا حضرنا مجلس كذا؟ ألم نسمع ~~كيت وكيت؟ PageV01P284 # * (الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو ~~كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن ~~تكون تجارة حاضرة) * * وقرأ حمزة: ' إن تضل فتذكر إحداهما الأخرى ' على ~~الشرط. # قال سفيان بن عيينة: فتذكر إحداهما الأخرى، معناه: تجعل إحداهما الأخرى ~~ذكرا، أي: يقومان مقام الذكر، والأول أصح. # * (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) قيل: أراد به: إذا ما دعوا للتحمل، ~~وإنما سماهم شهداء على معنى أنهم يكونوا شهداء. وقيل: هو الدعاء إلى ~~الشهادة. # * (ولا تسأموا) أي: لا تملوا * (أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله) ~~يعنى: الذي قل أو كثر. # * (ذلكم أقسط عند الله) أعدل عند الله * (وأقوم للشهادة) لأن الكتبة تذكر ~~الشهود. # * (وأدنى ألا ترتابوا) أي: أن ms0173 لا تشكوا * (إلا أن تكون تجارة حاضرة) قرأ: ~~بضم التاء على اسم كان، وقرأ بفتح التاء، يعني: إلا أن تكون التجارة تجارة ~~حاضرة، ومثله قول الشاعر: # (فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي * إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا) يعني: إذا ~~كان اليوم يوما. # * (تديرونها بينكم) يعني: إذا كانت التجارة يدا بيد. PageV01P285 # * (تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا ~~يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله ~~والله بكل شيء عليم (282) وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ~~فإن آمن بعضكم بعضا) * * (فليس عليكم جناح ألا تكتبوا وأشهدوا إذا تبايعتم) ~~أمر به استحبابا. # * (ولا يضار كاتب ولا شهيد) قرأ عمر: ' ولا يضارر ' وقرأ ابن مسعود ' ولا ~~يضارر ' والمعروف: * (ولا يضار)، وهذا يحتمل أن يكون نهيا للكاتب والشاهد ~~عن الإضرار، ويحتمل أن يكون نهيا للمملى والداعي. # فأما إضرار الشهود والكاتب: أن يأبى الكتابة و الشهادة إذا دعي إليها. ~~وأما الإضرار بالكاتب والشهود: أن يدعوه وهو مشغول، فيمنعه من شغله. # قوله تعالى: * (وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم) أي: معصية منكم (واتقوا الله ~~ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم). # قوله تعالى: * (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا). قرأ عطاء: ' ولم ~~تجدوا كتابا ' وهو جمع الكاتب، كما يقال: قائم وقيام، ونائم ونيام. # * (فرهن مقبوضة) ويقرأ: ' فرهان ' مقبوضة والمعنى واحد. # وحكم الرهن معلوم، وليس ذكر السفر، وعدم الكاتب على سبيل الشرط في جواز ~~الرهن؛ وإنما خرج الكلام على الأعم الأغلب. # * (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته) يعني: إن ائتمنه في ~~الدين فليقضه على الأمانة. # * (وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة) نهى الشهود عن كتمان الشهادة، وهو ~~PageV01P286 # * (فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم (283) لله ما في السماوات ما ~~في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء والله على كل) * * حرام. ms0174 # * (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) قيل: ما أوعد الله تعالى على شيء كإيعاده ~~على كتمان الشهادة، فإنه قال: * (فإنه آثم قلبه) وأراد به مسخ القلب، ونعوذ ~~بالله * (والله بما تعملون عليم) قوله تعالى: * (لله ما في السماوات وما في ~~الأرض) ملكا وملكا. * (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) ~~هذا منسوخ؛ فإنه روى: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين وقالوا: ~~يحاسبنا الله بما نحدث به أنفسنا؟! وبقوا في ذلك حولا كاملا؛ فنزل قوله ~~تعالى: ' لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فصار هذا منسوخا به. # هذا قول أبي هريرة، وابن مسعود، (وابن عمر)، وفي إحدى الروايتين عن أبن ~~عباس. # وقد قال النبي: ' إن الله تعالى عفى عن أمتي ما حدثت به أنفسها؛ ما لم ~~تعمل أو تكلم به ' أي: تتكلم به '. # وقال أهل الأصول: هذا ليس بمنسوخ؛ لأن قوله: * (يحاسبكم به الله) خبر، ~~والنسخ لا يرد على الأخبار، وإنما يرد على الأوامر و النواهي. # وقد روى الوالبي، عن ابن عباس - في الرواية الثانية - أن معنى قوله: * ~~(يحاسبكم به الله) أي: يعلمكم به، أي: لا يخفي عليه شيء من ذلك. ~~PageV01P287 # * (شيء قدير (284) أمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا ~~غفرانك ربنا وإليك المصير (285) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا ~~إصرا كما حملته على الذين من قبلنا) * * (فيغفر لمن يشاء) أي: يغفر ~~للمؤمنين * (ويعذب من يشاء) يعني: الكافرين * (والله على كل شيء قدير). # قوله تعالى: * (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون) لأنه ذكر ~~الآيات والأحكام، ثم قال: آمن الرسول بذلك كله. # * (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من ~~رسله) وقرأ يعقوب: ' لا يفرق ' بالياء، أي لا يفرق الرسول بين أحد من رسله. # * (وقالوا سمعنا وأطعنا) أي: قبلنا * (غفرانك ms0175 ربنا) أي: اغفر غفرانك، أو ~~أعطنا غفرانك ربنا * (و إليك المصير) أي: المرجع. # قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) أي: طاقتها. # وقيل: ما (يشق) عليها. وهو مثل قول الرجل: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان، ~~أي: يشق علي أن أنظر إليه، فكذلك ذكر الوسع بمعنى: السهولة، أي: لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما يسهل عليها. # وهذه الآية هي الناسخة لما بينا. # * (لها ما كسبت) أي: من الخير * (وعليها ما اكتسبت) أي: من الشر. # * (ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا) أي: تركنا، وقيل: هي على حقيقة النسيان. # * (أو أخطأنا) الخطأ: يكون بمعنى: العمد، ويكون على حقيقة الخطأ، يقال: ~~أخطأ يخطئ و خطأ يخطأ [والمراد] بقوله ها هنا (أو أخطأنا) أي: تعمدنا. ~~PageV01P288 # * (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا وأغفر لنا وارحمنا أنت ~~مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286)) * * (ربنا ولا تحمل علينا إصرا ~~كما حملته على الذين من قبلنا) قيل: هو العهد الثقيل الذي حمل من قبلنا. # وقيل: لا تحمل علينا ما يشق علينا. # وقيل: الإصر: هو ذنب لا توبة له، أي: اعصمنا من ذنب لا تقبل له توبة. # * (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) في هذا دليل على أن الله تعالى ~~يجوز أن يحمل العباد مالا يطيقونه؛ لكنه إنما حمل الكفار ما لا يطيقونه ولم ~~يحمل المؤمنين. * (واعف عنا) أي: امح عنا * (واغفر لنا) أي: استر علينا. * ~~(وارحمنا) أي: ارحم علينا. # * (أنت مولانا) أنت ناصرنا والقيم بأمورنا. * (فانصرنا على القوم ~~الكافرين) وقد ورد في فضل الآيتين أخبار، منها: ما روى عن النبي أنه قال: ' ~~من قرأ في ليلة بآيتين من آخر سورة البقرة كفتاة '. # وروى أنه قال - عليه السلام -: ' هما آيتان أنزلتا على من كنز تحت العرش ~~'. # و [وآله أجمعين]. PageV01P289 # تفسير سورة آل عمران وهي مدنية بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام ~~الأجل - رضي الله عنه - لقد ورد في فضل هذه السورة وسورة البقرة أخبار ~~منها: ما روي عن رسول الله [أنه] قال: ' تعملوا ms0176 البقرة وآل عمران فإنهما ~~الزهروان تظلان صاحبهما يوم القيامة '. # وروى عنه أنه قال: ' تجيء البقرة و آل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان ~~أو غيايتان أو فرقان من طير صواف '. PageV01P290 # * (ألم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان إن) * * قوله تعالى: * (آلم الله) فالألف: هو الله، واللام: جبريل، ~~والميم: محمد، وفيه إشارة لما أنزل الله، على لسان جبريل، على محمد. # وقد ذكرنا الأقوال في حروف التهجي. # وإنما فتح الميم عند الوصل، وإن كان الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر؛ لأنهم ~~استثقلوا الكسرة بعد [الجزم، والياء فيه جزم]. # * (لا إله إلا هو) لا معبود سواه. * (الحي القيوم) فالحي: الدائم الذي لا ~~يزل.. # وأما القيوم فقد سبق تفسيره، وقيل: هو الذي لا يزول ولا يحول. وقال جعفر ~~بن محمد [بن] الزبير: هو دائم الوجود. وقرأ عمر، وابن مسعود * (الحي ~~القيام) وهو في الشواذ. # قوله تعالى: * (نزل عليك الكتاب بالحق) الكتاب: القرآن، وسمى كتابا؛ لأنه ~~يجمع الآي والحروف، وهو من الكتب وهو: الجمع، ومنه: الكتيبة و [هي] السرية ~~لاجتماعهم. # ومنه يقال: كتبت البغلة، إذا جمع بين شفريها بحلقة. وقوله: * (بالحق) أي: ~~بالصدق في الدلالات و الإخبارات، والوعد و الوعيد. # وقوله: * (مصدقا لما بين يديه) يعني: القرآن مصدق لما قبله من التوراة ~~والإنجيل. # وإنما قال: * (لما بين يديه)؛ لأنه في تصديق ما قبله، وإظهار صدقه، كالشئ ~~الحاضر بين يديه. # * (وأنزل التوراة و الإنجيل من قبل هدى للناس) PageV01P291 # * (الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) إن ~~الله لا) * * فذكر ها هنا * (أنزل) وذكر في الابتداء * (نزل الكتاب)، لأنه ~~أنزل التوراة جملة والإنجيل جملة، ونزل القرآن مفصلا. # وأما التوراة أصلها وورية من الورى، من قولهم ورى الزند إذا أضاء، وخرجت ~~ناره، ويقال: ورى زندي عند فلان؛ إذا أضاء أمره عنده. # فسمى وورية؛ لضيائها وكونها نورا، وقلبت الواو تاء فصارت تورية. وأما ~~الإنجيل من ' النجل ' وهو الأصل ms0177 فسمى به؛ لأنه كان أصلا من الأصول في ~~العلم. # * (وأنزل الفرقان) قيل: هو القرآن، وهو المفرق بين الحلال والحرام، وقيل: ~~كل ما أنزل الله فهو فرقان؛ لكونه مفرقا بين الحلال والحرام، وفي الآية ~~تقديم وتأخير، وتقديره وأنزل التوراة و الإنجيل من قبل، وأنزل الفرقان هدى ~~للناس. # قوله تعالى: * (إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد) ' نزلت في وفد ~~نجران من النصارى، قدموا على رسول الله، وفيهم السيد والعاقب: كانا رجلين ~~منهم، وهم ستون راكبا، وقيل قريبا من عشرين راكبا، فدخلوا المسجد، والنبي ~~قد صلى العصر، فوقفوا يصلون نحو المشرق صلاتهم، فلما فرغوا سألهم رسول الله ~~عن عيسى، فاختلفوا فيه، فقال بعضهم: الله. وقال بعضهم: ابن الله، وقال ~~بعضهم: ثالث ثلاثة، فقال: أسلموا، فقالوا نحن مسلمون، فقال: كذبتم؛ يمنعكم ~~من ذلك قولكم عيسى ولد الله. فأنزل الله تعالى فيهم بضع وثمانين آية، من ~~أول سورة آل عمران في الحجاج، والدلالة عليهم، ورد قولهم، وهذه الآية من ~~جملها نزلت فيهم '. # * (والله عزيز ذو انتقام) فالعزيز: المنيع الذي لا يقدر عليه، ومنه: ~~الأرض العزاء، PageV01P292 # * (يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) هو الذي يصوركم في الأرحام ~~كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه * ~~* وهي الصلبة الشاقة المسلك، وقيل: العزيز: الغالب الذي لا يفوته شيء، ~~ومنه: يقال: من عز بز أي من غلب سلب، والمنتقم المعاقب على (الجناية)، ~~والنقمة: العقوبة. # قوله تعالى: * (إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء) وهذا ~~لا شك فيه. # * (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) هذا في الرد على وفد نجران؛ حيث ~~قالوا: عيسى ولد الله، فكأنه يقول: هو الذي صوره في الرحم، (فكيف يكون ولد ~~له)؟! # وقد روى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: إن النطفة إذا وقعت في الرحم ~~تكون أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما مضغة، ثم يبعث ~~الله تعالى ملكا يأخذ ترابا بين أصبعيه فيخلطه بالمضغة، ثم ms0178 يصوره بإذن الله ~~كيف (شاء)، أحمر أو أسود أو أبيض، طويلا أو قصيرا، حسنا أو قبيحا، ثم يكتب ~~رزقه وعمله وأثره وأجله وشقى أو سعيد، ثم إذا مات يدفن في التربة التي أخذ ~~منها التراب. (6 لا إله إلا هو العزيز) في أمره * (الحكيم) في سلطانه. # قوله تعالى * (هو الذي أنزل عليكم الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات) اختلفوا في المحكمات و المتشابهات، قال ابن عباس: المحكمات ~~هي الآيات الثلاث التي في آخر سورة الأنعام، وذلك قوله: * (قل تعالوا) إلى ~~PageV01P293 # * (آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون) * * آخر الآيات الثلاث، وأما المتشابهات: حروف التهجي في أوائل ~~السور. وقال عكرمة ومجاهد: المحكمات: الحلال والحرام، وما سواه كله من ~~المتشابهات؛ لأنه يشبه بعضها بعضا في الحق، والتصديق، يصدق بعضه بعضها. # وقال الضحاك: المحكمات: الناسخات، و المتشابهات: المنسوخات. # وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: المحكمات ما أوقف الله تعالى الخلق على ~~معناها، والمتشابهات ما لا يعقل معناها، ولا يعلمها إلا الله. وفيه قولان ~~آخران: أحدهما: أن المحكمات ما لا يشتبه معناها، و المتشابهات ما يشتبه ~~ويلتبس معناها. والقول الثاني: أن المحكمات ما يستقل بنفسه في المعنى، ~~[والمتشابهات] ما لا يستقل بنفسه في المعنى إلا بنوع استدلال، أو رد إلى ~~غيره؛ وإنما سميت محكمات من الإحكام؛ (كأنه) أحكمها؛ فمنع الخلق من التصرف ~~فيها؛ لظهورها (ووضوح) معناها. # * (هن أم الكتاب) أي: أصل الكتاب، فإن قال قائل: لم لم يقل: هن أمهات ~~الكتاب؟ قيل: قال الفراء: تقديره: هن الشيء الذي هو أصل الكتاب. وقال غيره: # معناه: كل واحدة منهن أصل الكتاب، كما يقال: القوم أسد على، أي: كل واحد ~~منهم أسد على، ومعناه: هن أصل الكتاب؛ لأن الخلق يفزعون إليه، كما تفزع ~~الفروع إلى الأصول، فإن قال قائل: كيف فرق ها هنا بين المحكمات ~~والمتشابهات، وسمى كل القرآن متشابها في قوله تعالى * (الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها). وسمى الكل محكما حيث قال: * (الر. كتاب أحكمت ~~آياته)؟ ms0179 قلنا: لما ذكر هنالك * (كتابا متشابه) على معنى: أنه يشبه بعضه ~~بعضا في الحق والصدق، وإنما ذكر في الموضع الآخر * (أحكمت آياته) على معنى ~~أن الكل حق وجد، ليس فيه PageV01P294 # عبث ولا هزل، ثم ذكر تفصيلا آخر بعده، فجعل البعض محكما و البعض متشابها. # * (فأما الذين في قلوبهم زيغ) قال مجاهد: الزيغ: اللبس. وقيل: هو الشرك، ~~وقيل: هو الشبهات التي تتعلق بالقلب * (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله) يعني: أن الذين في قلوبهم زيغ يغلون في طلب التأويل ~~للمتشابه؛ فيقعون على التأويل المظلم؛ فذلك ابتغاء الفتنة؛ لأن من غلا في ~~الدين، وطلب تأويل ما لا يعلمه إلا الله، يقع في الفتنة، ويكون مفتونا، ~~وخير الدين: النمط الأوسط الذي ليس فيه غلو ولا تقصير. # ثم اختلفوا في الذين يتبعون ما تشابه من هم؟ قيل: هم اليهود الذين قالوا: ~~مدة أمة محمد على حروف التهجي، وقيل: هم النصارى من وفد نجران، حيث قالوا ~~لرسول الله: ما تقول في عيسى؟ فقال: عبد الله ورسوله، قالوا: فهل تقول: أنه ~~كلمة الله وروح منه؟ فقال: نعم، قالوا: حسبنا الله. واتبعوا ما تشابه من ~~قوله: كلمة الله وروح منه. وقيل: هم الغالون في طلب التأويل واتباع ~~المتشابه، وروت عائشة ' أن النبي قرأ هذه الآية، ثم قال: إذا رأيتم الذين ~~يجادلون في الآيات فاحذروهم فهم هم '. # قوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله) استأثر الله تعالى بعلم ~~التأويل، وقطع أفهام العباد عنه، والفرق بين التأويل والتفسير: أن التفسير: ~~هو ذكر المعنى الواضح، كما تقول في قوله: * (لا ريب فيه) أي: لا شك فيه، ~~وأما التأويل: هو ما يؤول المعنى إليه، ويستقر عليه. ثم الكلام في الوقف، ~~فاعلم: أن أبي بن كعب وعائشة PageV01P295 # * (ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو ~~الألباب (7) ربنا لا تزغ) * * وابن عباس - في رواية طاوس عنه - (رأو) الوقف ~~على قول * (إلا الله)، ms0180 وهو قول الحسن، وأكثر التابعين، وبه قال الكسائي، ~~والفراء، و الأخفش، وأبو عبيد، وأبو حاتم، قالوا: إن الواو في قوله: * ~~(والراسخون) واو الابتداء؛ و الدليل على صحته قراءة ابن عباس ' ويقول ~~الراسخون في العلم آمنا به ' وروى ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس - في ~~رواية أخرى -: الواو للنسق، ولا وقف (على قوله) * (إلا الله) (وأن ~~الراسخون) في العلم يعلمون التأويل، قال ابن عباس: وأنا ممن يعلم تأويله، ~~وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل '، قالوا: ~~والصحيح رواية طاوس، عن ابن عباس، كما ذكرنا، وعليه إجماع القراء؛ ولأن على ~~قضية قول مجاهد لا يستقيم. # قوله: * (والراسخون في العلم يقولون) قال النحاة: وإنما يستقيم أن تقول: ~~وما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم قائلين * (أمنا به) (و) لأنه ~~قال: * (و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)؛ ولو علموا ~~التأويل لم يكن لقولهم هذا معنى، وقد روى عن ابن عباس أنه قال: ' أنزل ~~القرآن على أربعة أوجه ' الحلال والحرام، وعربية تعرفها العرب، ومما يعلم ~~العباد تأويله، وما لا يعلم تأويله إلا الله ' وهذا يشهد لما قلنا؛ فدل أن ~~الوقف على قوله: * (إلا الله). والواو: واو الابتداء في قول * (و الراسخون ~~في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) قالوا: ومن رسوخهم في العلم ~~يقولون ذلك * (وما يذكر إلا أولوا الألباب). # قوله تعالى: * (ربنا لا تزغ قلوبنا) أي: لا تمل قلوبنا * (بعد إذ هديتنا) ~~وهذا PageV01P296 # * (قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (8) ربنا ~~إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9) إن الذين ~~كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار ~~(10) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم ~~والله شديد) * * دعاء للتثبيت والإدامة عليه، وقد روت أم سلمة عن النبي أنه ~~كان يقول: ' يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ' * (وهب لنا ms0181 من لدنك رحمة) ~~نصرة ومعونة * (إنك أنت الوهاب). # قوله تعالى: * (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) أي: لا شك فيه عند ~~أهل الحق، وقيل: أراد لا ريب فيه: يوم القيامة إذا قامت وظهرت. # * (إن الله لا يخلف الميعاد) فلا تزغ قلوبنا، وارحمنا، ولكنه أوجزه ولم ~~يذكر تمام الدعاء. # قوله تعالى * (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا) هو قول الكافرين يوم القيامة: شغلتنا عن الحق أموالنا وأهلونا، يقول ~~لا عذر لهم فيه، ولا يغنيهم ذلك * (وأولئك هم وقود النار). # قوله تعالى: * (كدأب آل فرعون) الدأب: الشأن، والدأب: العادة، ومعنى ~~الآية: أن هؤلاء الكفار في تكذيب الرسول، وجحد الحق، والتظاهر على الكفر؛ ~~كعادة آل فرعون، وآل فرعون: فرعون وقومه. # * (والذين من قبلهم) يعني: عادا وثمود * (كذبوا بآيتنا فأخذهم الله ~~بذنوبهم)، عاقبهم بجرائمهم، * (والله شديد العقاب) لأنه دائم، عقابه لا ~~ينقطع؛ وكل دائم شديد. # قوله تعالى: * (قل للذين كفروا) قال ابن عباس: وسبب نزول الآية ما روى: ' ~~أنه لما فرغ رسول الله من قتال المشركين يوم بدر جمع اليهود بقينقاع، وقال ~~PageV01P297 # * (العقاب (11) قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ~~(12) قد كان لكم آية في فئتين التقيا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة) ~~* * لهم: أسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بالمشركين من بأس الله، فقالوا: ~~إنك لقيت قوما أغمارا لا يعرفون القتال، فلو قاتلتنا لوليت ' فنزل قوله ~~تعالى: * (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد) يعني: ~~ستغلبون في الدنيا، وتحشرون في الآخرة إلى جهنم، * (وبئس المهاد) وقال ~~مقاتل وجماعة: هو خطاب لأولئك المشركين يوم بدر، يقول الله: قا للمشركين: ~~ستغلبون، وتحشرون إلى جهنم، وقد غلبوا وحشروا إلى جهنم، ويقرأ: ' سيغلبون ~~ويحشرون ' بالياء - وهو بمعنى الأول، قال الفراء: وهو مثل قول الرجل: قل ~~لزيد: إنك قائم. هو بمعنى قوله: قل لزيد: إنه قائم؛ فهما في المعنى سواء، ~~ويحتمل أن يكون هذا خطاب لليهود، يعني: قل للذين كفروا من اليهود: سيغلب ~~المشركون، ms0182 ويحشرون إلى جهنم، وبئس المهاد، أي: بئسما مهدوا لأنفسهم، أو ~~بئسما مهد لهم. # قوله تعالى: * (قد كان لكم آية) أي: معجزة وعلامة، * (في فئتين) في ~~فرقتين * (التقتا) أجتمعتا، من الالتقاء: وهو الاجتماع، ومنه: ' يوم التلاق ~~'؛ لأنه يجتمع فيه أهل السماء وأهل الأرض * (فئة تقاتل في سبيل الله) يعني: ~~المسلمين يوم بدر * (وأخرى كافرة) يعني المشركين * (يرونهم مثليهم رأى ~~العين) يعني المسلمين رأو المشركين مثلي عددهم، وكانوا ثلاثة أمثالهم؛ لأن ~~عدد المسلمين يوم بدر كان ثلاثمائة وثلاثة عشر نفرا أو أربعة عشر نفرا، ~~وكان عدد المشركين تسعمائة وخمسين PageV01P298 # * (يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة ~~لأولي * * نفرا، وعن علي وابن مسعود: أن عدد المشركين كانوا ألفا، فرآهم ~~المسلمون نيفا وستمائة. قال ابن مسعود: رأيناهم ضعفي عددنا، ثم رأيناهم مثل ~~عددنا؛ رجل [برجل] وهذا معنى قوله تعالى في سورة الأنفال * (وإذا يريكهم إذ ~~التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا) ~~فرآهم المسلمون أقل من عددهم، وكذلك المشركون رأوا المسلمين أقل من عددهم، ~~وكانت الحكمة فيه إذا رأوهم أقل مما كانوا لا يحجمون، ولا يفترون عن ~~القتال؛ لأن الله تعالى قد أخبرهم أن الواحد منهم يقاوم اثنين من المشركين، ~~وكذلك المشركون إذا رأوا المسلمين أقل مما كانوا لا يمتنعون عن القتال؛ * ~~(ليقضي الله أمرا كان مفعولا)، وذلك من قتل رؤسائهم وقادتهم، بإذن الله ~~تعالى. # قال الفراء: إنما رأوهم على عددهم كما كانوا، وإنما قال: * (يرونهم ~~مثليهم) يعني: مثليهم سوى عددهم، وهذا مثل قول الرجل - وعنده درهم -: أنا ~~أحتاج إلى مثلي هذا الدرهم، يعني إلى مثليه سواه. والأول أصح. # وقرئ: ' ترونهم ' بالتاء فيكون خطابا لليهود، وكان جماعة منهم حضروا قتال ~~بدر؛ لينظروا على من الدبرة، فرأو المشركين مثلي عدد المسلمين، ورأو النصرة ~~مع ذلك للمسلمين، وكان ذلك معجزة، وآية للرسول في أعينهم. وعلى القراءة ~~الأولى يكون الخطاب مع المسلمين في قوله: (* (قد كان لكم آية في فئتين) * ~~والله يؤيد بنصره من يشاء)؛ لأنه ms0183 نصر المؤمنين يومئذ. # * (إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار) أي: علامة لأولى البصائر في الدين، ~~ولذوي العقول أجمعين. PageV01P299 # * (الأبصار (13) زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة ~~الدنيا والله عنده حسن المآب (14) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ~~ربهم جنات) * * قوله تعالى: * (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين) ~~قال الحسن: المزين: هو الشيطان؛ لأن الله تعالى ذم الدنيا بأبلغ ذم، فلا ~~يزينه في الأعين. وقال عامة المفسرين: المزين: هو الله تعالى، وتزيينه: أنه ~~حبب في قلوبهم شهوة النساء والبنين * (والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة)، فالقناطير: جمع القنطار، وهو مال كثير، ثم اختلفوا؛ قال معاذ وأبي ~~بن كعب: القنطار: ألف ومائتا أوقية، وقال ابن عباس والضحاك: هو ألف دينار ~~أو اثنا عشر ألف درهم. وقال سعيد بن المسيب: هو ثمانون ألف درهم. وقال ~~مجاهد: هو سبعون ألف دينار. وقال قتادة: هو مائة رطل من ذهب أو فضة. وقال ~~أبو نضرة: هو ملء مسك ثور من ذهب أو فضة. وسمى قنطارا؛ من الأحكام ~~والتوثيق، وأما المقنطرة: فهي المجموعة المملكة. قال الفراء: القناطير ~~ثلاثة، والمقنطرة تسعة. # قوله: * (والخيل المسمومة) قال مجاهد: هي الحسان المطهمة، وقال سعيد ابن ~~جبير: المسومة: الراعية. يقال: أسام الخيل من الرعى. وفيه قول ثالث، ~~المسومة: المعلمة من السيما، وهي العلامة. منهم من قال: سيماها: الشبه. ~~ومنهم من قال: سيماها الكي * (والأنعام): هي الإبل والبقر والغنم * ~~(والحرث): هي الأراضي المهيأة للزراعة * (ذلك متاع الحياة الدنيا) فيه ~~إشارة إلى أنه متاع يفنى. # * (والله عنده حسن المآب) فيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة، ثم أكده ~~بقوله تعالى: * (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله) وقرئ ' رضوان ' ~~بضم الراء، وهما في المعنى سواء يقال: رضى يرضى رضاء ورضوانا. ورضوانا، ~~PageV01P300 # * (تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله ~~بصير بالعباد (15) الذين ms0184 يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب ~~النار (16) الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ~~(17) شهد الله) * * وفي الخبر عن النبي: ' أن أهل الجنة؛ إذا دخلوا الجنة ~~يقول الله تعالى: إن لكم عندي موعدا، وأنا منجزكموه، فيقولون: قد أعطيتنا ~~كل ما نتمنى، فما هو يا رب؟ فيقول: أنزل عليكم رضواني ولا أسخط عليكم أبدا ~~'. # قوله تعالى: * (والله بصير بالعباد الذين يقولون) فقوله: * (الذين ~~يقولون) يحتمل أن يكون في موضع الخفض، وتقديره: بالعباد الذين يقولون، ~~ويحتمل أن يكون في موضع الرفع، وتقديره: يقولون على الابتداء، ويحتمل أن ~~يكون في موضع النصب، وتقديره: أعنى: الذين يقولون: * (ربنا إننا آمنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار). # * (الصابرين) يحتمل أن يكون في موضع الخفض، ويحتمل في موضع النصب، يعني: ~~الصابرين على الشدائد والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي * (والصادقين) ~~الذين استقامت أحوالهم وأفعالهم * (والقانتين): المقيمين على الطاعة، ~~المداومين عليها * (والمنفقين) يعني: المتصدقين، قيل في الجهاد، وقيل: في ~~كل أبواب البر * (والمستغفرين بالأسحار) قال ابن عباس: هم المصلون بالليل. ~~وقال أنس: هم السائلون بالمغفرة. وقال زيد بن أسلم: المصلون صلاة الصبح في ~~الجماعة، وإنما قيده * (بالأسحار) لقرب صلاة الصبح من السحر. # قوله تعالى: * (شهد الله) أي: بين وأعلم؛ وكل شاهد مبين ومعلم * (أنه لا ~~إله إلا هو) لنفسه بالوحدانية؛ وذلك أن وفد نجران قد أنكروا وحدانيته، وهذه ~~الآية من الآيات التي نزلت في شأنهم، والحجاج عليهم * (والملائكة) أي: ~~وشهدت الملائكة، * (وأولوا العلم) قيل: هم علماء بني إسرائيل، وذلك مثل: ~~عبد الله بن سلام، ومن PageV01P301 # * (أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب ~~والأميين) * * آمن معه، وقيل: هم المهاجرون والأنصار، وقيل: هم جميع علماء ~~الأمة. # * (قائما) نصب على الحال، فهو الله تعالى قائم بتدبير الخلق * (بالقسط): ~~بالعدل، يقال: قسط يقسط إذا جار. وأقسط يقسط؛ إذا عدل، فالقاسط: الجائر، ~~ومنه قوله تعالى * (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) والمقسط: ms0185 العادل، ~~ومنه قوله تعالى: (* (إن الله يحب المقسطين) * لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم) * (إن الدين عند الله الإسلام) ويقرأ: ' أن الدين ' بفتح الألف، ~~فمن قرأ بكسر الألف؛ فهو على الابتداء وقرأ الكسائي بالنصب، وتقديره: شهد ~~الله أن الدين عند الله الإسلام؛ فإنه لا إله إلا هو والإسلام: هو الانقياد ~~والاستسلام، وقد يكون مجرد الاستسلام من غير العقيدة فرقا بينه وبين ~~الإيمان على ما سيأتي. # والإسلام المعروف في الشرع: هو الإتيان بالشهادتين مع سائر الأركان ~~الخمس، وفي الأخبار: ' أنه يؤتى بالأعمال يوم القيامة، فيؤتى بالصلاة على ~~صورة، فتقول: يا رب، إني الصلاة، فيقول الله تعالى: إنك بخير، ويؤتى ~~بالزكاة على صورة، فتقول: يا رب، إني الزكاة، فيقول الله: إنك بخير، وهكذا ~~الصوم والحج، ثم يؤتى بالإسلام على أحسن الصور، فيقول يا رب، إني الإسلام، ~~فيقول الله تعالى: إنك إلى خير، بك أخذ اليوم وبك أعطي '. # وحكي عن غالب القطان أنه قال: أتيت الكوفة للتجارة فنزلت قريبا من ~~الأعمش، فكنت أختلف إليه وأسمع منه الحديث، فقصدت منه ليلة أن أنحدر منه ~~إلى البصرة، فوجدته يتجهد في المسجد، فمر بهذه الآية * (شهد الله انه لا ~~إله إلا هو والملائكة PageV01P302 # * (إن الدين عند الله الإسلام وما أختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ~~ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) ~~فإن) * * (وألوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ثم قال: ~~وأشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة؛ لتكون وديعة لي عنده، ثم ~~قال: * (إن الدين عند الله الإسلام) كرره مرارا، فقلت في نفسي: لقد سمع فيه ~~شيئا، فمكث، وصليت معه الصبح، ثم قلت له: مررت بهذه الآية، وكنت تكررها! ~~فقال: أما بلغك ما ورد فيها؟! # قلت: أنا عندك منذ سنتين ولم تحدثني، وقد قصدت الإنحدار إلى البصرة، ~~فقال: والله لا أحدثك سنة، فمكثت بالكوفة وكتبت على بابه ذلك اليوم، فلما ~~تمت السنة أتيته، فقلت: يا أبا محمد، قد تمت السنة. فقال: حدثني ms0186 أبو وائل، ~~عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - - أنه قال: ' يجاء بصاحبها يوم القيامة، ~~فيقول الله تعالى: إن لعبدي هذا عندي عهدا (وأنا) أحق من وفى بالعهد، ~~أدخلوا عبدي الجنة '. # قوله تعالى: * (وما أختلف الذين أوتوا الكتاب) يعني: اليهود والنصارى * ~~(إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) أي: حسدا بينهم. * (ومن يكفر بآيات ~~الله فإن الله سريع الحساب) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فإن حاجوك) أي: فإن جادلوك * (فقل أسلمت وجهي لله ومن ~~أتبعن) أي: قصدت بعبادتي الله تعالى * (وقل للذين أوتوا الكتاب) يعني: ~~اليهود والنصارى * (والأميين) يعني: المشركين. PageV01P303 # * (أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله ~~بصير بالعباد (20) إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبين بغير حق ~~ويقتلون الذين) * * (أأسلمتم يعني: أسلموا، وقيل: ذكره على التهديد؛ كما ~~يقال: أقبلت هذا مني؟ على وجه التهديد * (فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد) أي: عليك تبليغ الرسالة وليس عليك ~~الهداية (والله بصير بالعباد) بالضال منهم والمهتدي. # وتلخيص معنى الآية: أن الله تعالى يقول: ' فإن جادلوك بالباطل، فقل: ~~أسلمت وجهي لله، أي: أخلصت عملي لله، أو قصدت بعبادتي إلى الله الذي لا ~~تقرون له بالخلق والتربية؛ فإنهم كانوا مقرين بأن الله خالقهم ومربيهم، ~~فأنا أقصد إليه بعبادي ولا أتبع هواي كما تتبعون أهواءكم. # ثم قال: * (وقل للذين أوتو الكتاب والأميين أأسلمتم) أي: أسلموا. كما ~~قال: * (فهل أنتم منتهون) أي: انتهوا، وإنما سمى المشركين أميين؛ لأنهم لم ~~يكونوا قراء، وقيل: نسبهم إلى أم القرى وهي مكة لسكونهم فيها. # قوله تعالى: * (إن الذين يكفرون بآيات الله) أراد به اليهود م بني ~~إسرائيل. * (ويقتلون النبيين بغير حق) إنما قال: بغير حق تأكيدا، لأن قتل ~~النبيين لا ينقسم إلى الحق والباطل. # وروى أبو عبيدة بن الجراح، عن النبي أنه قال: ' أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي '. ثم روى في هذا الخبر أنه قال: ' قتلت ~~بنو إسرائيل اثنين وأربعين نبيا في ساعة واحدة، ms0187 فقام إليهم مائة واثنا عشر ~~رجلا من زهادهم وعبادهم، وأمروا بالمعروف، فقتلوهم ' فهذا قوله تعالى: ~~(ويقتلون الذين PageV01P304 # * (يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) أولئك الذين حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم) ~~* * يأمرون بالقسط من الناس) أي: بالعدل * (فبشرهم بعذاب أليم) وإنما خاطب ~~أبناءهم به، مع أن (الجناية) وجدت من آبائهم؛ (لأنهم) رضوا بفعلهم، ودانوا ~~بدينهم، فاستوجبوا هذا (العذاب). # قوله تعالى: * (أولئك الذين حبطت أعمالهم) أي: بطلت، والحبوط والبطلان، ~~في الدنيا والآخرة، وبطلان العمل في الدنيا: ألا يقبل، وفي الآخرة: أنه لا ~~يجازى عليه بالثواب، * (وما لهم من ناصرين) من يمنع عنهم العذاب. # قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) قيل: ورد هذا في ~~يهود بني قريظة والنضير؛ ' فإن النبي أتى بيت مدارسهم، فقال له نعيم بن ~~عمرو الحارث بن يزيد: على أي ملة أنت؟ فقال: على ملة إبراهيم. فقال نعيم: ~~إن إبراهيم كان يهوديا. فقال: بيني وبينكم التوراة، أخرجوا التوراة. فأبوا ~~أن يخرجوها '، فهذا هو قوله * (يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم) يعني: ~~التوراة. # وفيه قول آخر: أن الآية في نصارى وفد نجران، وقوله * (يدعون إلى كتاب ~~الله) يعني: القرآن ليحكم بينهم. # * (ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) وذلك أن بعضهم قد أسلموا. # قوله - تعالى -: * (ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات) ~~يرجع هذا PageV01P305 # * (معرضون (23) ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم ~~في دينهم ما كانوا يفترون (24) فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل ~~نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (25) قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ~~وننزع الملك ممن يشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على) * * ~~إلى اليهود، وقد ذكرناه من قبل. * (وغرهم في دينهم) الغرور: هو الإطماع ~~فيما لا يحصل منه شيء، والغرور: الشيطان، وغر الثوب: طيه، فيقال: أعد الثوب ms0188 ~~إلى غره، أي: إلى طيه، والغرور: ركوب الخطر. * (ما كانوا يفترون) الافتراء: ~~اختلاق الكذب؛ ومنه الفرية: تسوية الكذب، قال الشاعر: # (ولا أنت تفري ما خلقت * وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى) أي: لا يكذب ولا ~~يسوى. # قوله تعالى: * (فكيف إذا جمعناهم) أي: فكيف حالهم * (إذا جمعناهم ليوم لا ~~ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت) من الجزاء * (وهم لا يظلمون). # قوله تعالى: * (قل اللهم مالك الملك) في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: ~~أنه لما فتح مكة وعد أصحابه ملك الفرس: فسمعه اليهود، وقالوا: هيهات الفرس ~~والروم أعز وأمنع جانبا مما تظنون؛ فنزلت هذه الآية. # وقال الحسن: إنه سأل ربه لأصحابه ملك فارس والروم. # فأما قوله: * (قل اللهم) فأصله: يا الله؛ فلما حذف حرف النداء زيدت الميم ~~في آخره، قال الفراء: للميم فيه معنى، ومعناه: يا الله، أعنا بالمغفرة أي: ~~اقصدنا. # * (مالك الملك) تقديره يا مالك الملك، ومعناه: مالك العباد؛ وما ملكوه، ~~وقيل: أراد بالملك: النبوة، وقيل: ملك السماوات والأرض. * (تؤتي الملك من ~~تشاء) أي: من تشاء أن تؤتيه من المسلمين. * (وتنزع الملك ممن تشاء) أي: ممن ~~تشاء أن تنزعه، وهم فارس والروم. * (وتعز من تشاء وتذل من تشاء) فيه ثلاثة ~~أقوال: PageV01P306 # * (كل شيء قدير (26) تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج ~~الحي من) * * أحدهما: تعز من تشاء بالنصر، وتذل من تشاء بالقهر. والثاني: ~~تعز من تشاء بالغنى، وتذل من تشاء بالفقر. # والثالث: تعز من تشاء بالهداية، وتذل من تشاء بالضلالة. # * (بيدك الخير) أي بيدك الخير والشر، كما قال: * (سرابيل تقيكم الحر) أي: ~~تقيكم الحر والبرد، فاكتفى بأحد المذكورين عن الآخر. # * (إنك على كل شيء قدير)، وقد ورد في فضل هذه الآية من الأخبار: ما روى ~~عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن علي، عن النبي أنه قال: ' فاتحة ~~الكتاب، وآية الكرسي، وآيتان من آل عمران - شهد الله، وهذه الآية - متشفعات ~~لمن قرأها يوم القيامة، ليس بينهما وبين الله حجاب '. وروى في هذا الخبر: ~~أنه قال: ' لما أنزل ms0189 الله تعالى هذه الآيات تعلقن بالعرش، وقلن: يا رب، ~~تهبطنا إلى أرضك وعبادك، فقال الله تعالى: ' وعزتي وجلالي ما قرأكن عبد من ~~عبادي إلا أسكنته جنتي؛ على ما كان عليه، وقضيت له كل يوم سبعين حاجة، ~~أدناها المغفرة '. # قوله تعالى: * (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل) الإيلاج: ~~الإدخال، ومعناه: تنقص من أحدهما وتزيد في الآخر، وقيل معناه: تغطي الليل ~~بالنهار، والنهار بالليل. # * (وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) قال الحسن: معناه: تخرج ~~PageV01P307 # * (الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) لا يتخذ ~~المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في ~~شيء) * * الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر، والقول الثاني: تخرج النطفة ~~من الحي، والحي من النطفة، وفيه قول غريب: تخرج الفطن الكيس من البليد ~~الفاجر، والبليد من الفطن؛ لأن البليد ميت فهما؛ والفطن حي فهما. ويقرأ * ~~(من الميت): مخففا ومشددا، وفرق نحاة الكوفة بين الميت والميت، فقالوا: ~~الميت - بالتشديد -: هو الحي الذي لا يموت، والميت مخففا: هو الذي مات؛ ~~واستدلوا بقوله تعالى * (إنك ميت وأنهم ميتون) وأنكر ذلك نحاة البصرة ~~وقالوا: هما بمعنى واحد. # وأنشد المبرد لبعض الشعراء: # (ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء) (إنما الميت من يعيش ~~كئيبا * كاسفا باله قليل الرجاء) فجمع بين الميت والميت على معنى واحد. # * (وترزق من تشاء بغير حساب): من غير تضييق ولا تقتير. # قوله تعالى: * (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) هذا ~~في قوم مخصوصين، أسلموا على موالاة اليهود والمشركين، فنهاهم الله عن ذلك، ~~وهو معنى قوله: * (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله). # * (ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء) أي: ليس من حزب الله * (إلا أن ~~PageV01P308 # * (إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (28) قل ~~إن تخفوا) وقرئ: تقية، ومعناهما واحد، يعني: إلا أن يقع في أيديهم، ~~فيخافهم، فيوافقهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا بأس به، ms0190 ولكن لو صبر ~~حتى قتل، فله من الأجر العظيم، ما الله به عليم. # وقد روى: ' أن مسيلمة الكذاب - لعنة الله - أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ~~وقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول ~~الله؟ قال: نعم، تقية منه، فخلى سبيله. ثم قال للآخر: أتشهد أن محمد رسول ~~الله فقال: نعم نعم نعم، قال أتشهد أني رسول الله، فقال: أنا أصم، فقتله؛ ~~فبلغ ذلك رسول الله، فذكر درجة الذي صبر على القتل، وقال: إن الأول أخذ ~~برخصة الله '. # وقد صح عن رسول الله: أنه قال: ' أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر '. ~~وقال: ' إن فضل الشهداء بعد شهداء أحد: من قام إلى سلطان جائر وأمره ~~بالمعروف، فقتله عليه '. # قوله - تعالى -: * (ويحذركم الله نفسه) أي: يخوفكم إياه * (وإلى الله ~~PageV01P309 # * (أما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض ~~والله على كل شيء قدير (29) يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت ~~من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف ~~بالعباد (30) قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم) * * لمصير) أي: المرجع. # قوله تعالى: * (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله) أي: يجازى ~~عليه * (ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا) أي: محضر لها ما ~~عملت من الخير والشر، فتسر بما عملت من الخير. # * (وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) أي: غاية مديدة، ~~قال السدي: ما بين المشرق والمغرب. وفي الأخبار: أن الأعمال يؤتى بها يوم ~~القيامة على صور فما كان منها حسنا، فعلى الصورة الحسنة، وما كان قبيحا، ~~فعلى الصورة القبيحة. # * (ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) ومن رأفته أن حذرهم، ورغبهم ~~ورهبهم، ووعدهم وأوعدهم. # قوله تعالى: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ms0191 يحببكم الله) في سبب نزول ~~هذه الآية قولان: أحدهما: أنه خطاب لليهود والنصارى من وفد نجران، وذلك ~~أنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فنزل قوله: * (قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحبكم) والثاني: أنه خطاب لمشركي قريش؛ فإنه رآهم يعبدون الأصنام؛ ~~فقال لهم: ' خالفتم ملة أبيكم إبراهيم، فقالوا: إنما نعبدهم تقربا إلى ~~الله؛ فإنا نحبه؛ فنزل قوله تعالى: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم PageV01P310 # * (والله غفور رحيم (31) قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا ~~يحب الكافرين (32) إن الله أصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين (33)) * * والله غفور رحيم) '. # واعلم أن محبة الله العبد، ومحبة العبد الله لا يكون بلذة شهوة، ولكن ~~محبة العبد في حق الله: هو إتيان طاعته، وابتغاء مرضاته، واتباع أمره، ~~ومحبة الله في حق العبد: هو العفو عنه، والمغفرة، والثناء الحسن، وأكده ~~قوله تعالى: * (قل أطيعوا الله والرسول)؛ بين أن محبته في طاعته وطاعة ~~رسوله. # * (فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين)، فإن قال قائل: لم كرر اسم الله ~~مرارا، وكان يكفيه: أن يقول فإنه لا يحب الكافرين؟ قيل: هو على عادة العرب؛ ~~فإن من عادتهم أنهم إذا عظموا شيئا كرروا ذكره، وأنشد سيبويه في مثل ذلك: # (لا أرى الموت سبق الموت شيء * نغص الموت زلته الغني والفقير) وقوله ~~تعالى: * (إن الله أصطفى آدم ونوحا) الاصطفاء: الاختيار. والصفوة: الخيرة: ~~ولم اختار آدم؟ اختلفوا؛ فمنهم من قال: اختاره للدين، ومنهم من قال: اختاره ~~للنبوة. فإن قال قائل: إلى من كان مبعوثا؟ قيل: الملائكة؛ حتى علمهم ~~الأسماء، وإلى أولاده. قال: وآل إبراهيم: هم إسماعيل وإسحاق ويعقوب. # وآل عمران: موسى وهارون، وآل عمران من آل إبراهيم، وقيل: أراد به عيسى؛ ~~لأنه ابن مريم بنت عمران * (على العالمين) على عالمي أهل زمانهم. # قوله تعالى: * (ذرية بعضها من بعض) قيل: هو مشتق من ذرأ بمعنى: خلق، ~~وقيل: هو من الذر، لأنه خلقهم؛ واستخرجهم من صلب آدم كالذر، والأبناء يسمون ~~ذرية، وكذلك الأباء، قال ms0192 الله تعالى * (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في ~~PageV01P311 # (* (33) ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34) إذ قالت امرأة عمران رب ~~إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم (35) فلما ~~وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ~~وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) فتقبلها ~~ربها بقبول حسن) * * الفلك المشحون) يعني: آباءهم، والأبناء: ذرية، لأنه ~~ذرأهم، والآباء ذرية؛ لأنه ذرأ الأبناء منهم، (بعضها من بعض) في التفاضل، ~~وقيل: في التناسل. * (والله سميع) بما قالوا * (عليم) بما اضمروا. # قوله تعالى: * (إذ قالت امرأة عمران) وهي: حنة زوجة عمران، وكانت أختها ~~تحت زكريا * (رب إني نذرت لك ما في بطني محررا) قال الشعبي: معناه مخلصا ~~لعبادة الله تعالى. وقال مجاهد معناه: مسمى لخدمة البيت، مفرغا لها عن سائر ~~الأشغال. * (فتقبل مني إنك أنت السميع العليم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى) وذلك أن زوجها ~~عمران كان قد (عاتبها). على ما نذرت، وقال لها: لا تدرين أنه يخلق ولدك ~~ذكرا أو أنثى، وقد نذرت مطلقا. # * (والله أعلم بما وضعت) هذا إخبار من الله تعالى عن علمه ويقرأ ' والله ~~أعلم بما وضعت ' على الخبر؛ وذلك من قول المرأة * (وليس الذكر كالأنثى) فإن ~~الذكر أقوم وأقوى لخدمة البيعة من الأنثى، وقيل: لأنه أبعد عن الموانع من ~~العبادة بخلاف الأنثى، يمنعها الحيض والنفاس. # * (وإني سميتها مريم)، فإن قال قائل: ما معنى قولها: وإني سميتها مريم؟ ~~قيل: حتى تعرف هل وقع ذلك الاسم برضا الله تعالى حتى يغير أو يقرر. ~~PageV01P312 # * (وأنبتها نباتا حسنا وكلفها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد ~~عندها رزقا قال) * * (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) فالشيطان: ~~المطرود، والرجيم: المرجوم بالشهب، وروى أبو هريرة عن النبي أنه قال: ' ما ~~من ولد يولد إلا ويطعن الشيطان في خاصرته؛ فيستهل صارخا إلا مريم وابنها، ~~فإنه ضربهما فوقع الضرب في الحجاب، وقرأ قوله تعالى * (وإني أعيذها بك ms0193 ~~وذريتها من الشيطان الرجيم) '. # قوله تعالى: * (فتقبلها ربها بقبول حسن) أي: رضى بها وقبلها * (وأنبتها ~~نباتا حسنا)، أي وأنبتها فنبتت نباتا حسنا. # قال أبو العباس بن عطاء الصوفي: لما أنبتها الله نباتا حسنا، فانظروا إلى ~~ثمرته كيف أثمر النبات؟ يعني: عيسى صلوات الله عليه. # * (وكفلها) - مشدد - * (زكريا) بنصب الألف، وتقرأ مخففا ' وكفلها زكريا ' ~~بضم الألف، ومعنى الكفالة: الضم، يعني: وضمها زكرياء إلى نفسه، ومن قرأ ~~بالتشديد، معناه: ضمها الله إلى زكريا، وقال النبي: ' أنا وكافل اليتيم ~~كهاتين '. # ومن الأسباب التي خص بها زكريا بكفالة مريم؛ أن خالتها كانت تحته، وهي ~~أخت حنة امرأة عمران، ولكفالة زكريا مريم قصة معروفة ستأتي في سورة مريم إن ~~شاء الله تعالى. # * (كلما دخل عليها زكريا المحراب) يقرأ ' زكريا ' بالمد والقصر، ~~والمحراب: PageV01P313 # * (يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير ~~حساب (37) هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك أنت ~~سميع الدعاء (38)) * * غرفة يرتقي إليها بالسلم، وكان زكريا قد اتخذ لمريم ~~مثل تلك الغرفة، وكان يرقى إليها بالسلم، قال الشاعر في معناه: # (ربة محراب إذا جئتها * لم ألقها أو أرتقى سلما) إي: ربة غرفة، وقيل: ~~المحراب: أشرف المجالس، وقيل: هو المحراب المعروف. # * (وجد عندها رزقا) والرزق: ما يؤكل، قال قتادة: فاكهة الشتاء في الصيف، ~~وفاكهة الصيف في الشتاء، كان قد رآها عندها، قال الحسن: حين ولدت مريم لم ~~تلقم ثديا، وكان يأتيها الله تعالى برزقها. # * (قال يا مريم أنى لك هذا) قال أبو عبيدة: معناه: من أين لك هذا؟! ~~وأنكرت النحاة هذا، وقالوا: هذا تساهل من أبي عبيدة، وبينهما فرق، ف ' أنى ~~' للسؤال عن الجهة، و ' أين ' للسؤال عن المكان، وأنشد المبرد لبعضهم. # (أنى ومن أين آنك الطرب *) فرق بينهما، قوله: * (أني لك هذا) أي: من أي ~~جهة لك هذا؟! * (قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب). # قوله تعالى: * (هنالك دعا زكريا ربه) وذلك أن زكريا لما ms0194 رأى مريم يأتيها ~~رزقها في غير حينه نحو فاكهة الصيف في الشتاء - طمع أن يرزق الولد في غير ~~حينه - على الكبر - فدعا الله أن يرزقه ولدا، وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة، ~~وبلغت امرأته ثمان وتسعين سنة. # * (قال رب هب لي من لدنك) من عندك * (ذرية طيبة) أي: ولدا صالحا تقيا ~~نقيا، والذرية تشتمل على الذكر والأنثى، وإنما قال: * (طيبة) بنعت المؤنث ~~على لفظ PageV01P314 # * (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا ~~بكلمة من) * * الذرية. # * (إنك سميع الدعاء) * (فنادته الملائكة)، ويقرأ: ' فناداه الملائكة ' ~~بالألف واختلفوا في المنادى، منهم من قال: كان جبريل. ومنهم من قال: جمع من ~~الملائكة * (وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك) يقرأ ' أن ' بكسر ~~الألف وفتحها، فمن قرأ بالكسر، فتقديره: فنادته الملائكة وقالوا: إن الله ~~يبشرك، ومن قرأ بالفتح، فهو على النسق، * (يبشرك) يقرأ مخففا ومشددا، وهما ~~في المعنى سواء. # والبشارة: خبر سار يظهر أثره على بشرة الوجه، * (يبشرك بيحيى) سماه يحيى ~~قبل أن يولد، * (مصدقا بكلمة من الله) قيل: مصدقا بكتاب الله وكلامه. وقيل: ~~معناه مصدقا بعيسى، وهو كلمة الله فإن قال قائل: ' كلمة الله ' لا يكون ~~مخلوقا، وقد أنكرنا على النصارى قولهم: ' المسيح ابن الله '، وقولهم: ' إن ~~الله ثالث ثلاثة '، فكيف نعرف أن عيسى كلمة الله؟ قيل: فيه ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنه كلمة الله على معنى: أنه يكون بكلمة من الله حيث قال له: ' ~~كن فكان '، من غير سبب ولا علة، وصنع بشر وإلقاء نطفة. # الثاني: أنه كلمة الله على معنى: أنه يهتدى به، كما يهتدى بكلام الله. # والثالث: أن الله تعالى كان قد أخبر سائر الأنبياء، ووعدهم في كتبه أنه ~~يخلق نبيا بلا أب، ووعد مريم أنه يولد لها ولد بلا أب، فلما تكون عيسى سماه ~~كلمة؛ لأنه حصل بتلك الكلمة، وذلك الوعد، وهو كما تقول العرب: أنشدني ~~كلمتك، أي: قصيدتك، وقيل لحسان: إن الحوديرة أنشأ قصيدة، فقال: لعن الله ~~كلمته، أي: PageV01P315 # * (الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ms0195 (39) قال رب أنى يكون لي غلام ~~وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء (40) قال رب اجعل ~~لي آية قال) * * قصيدته، فلما حصلت القصيدة بكلمته سمى ذلك كلمة. # قوله: * (وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين) أما السيد: قال سعيد بن جبير: ~~السيد: التقي، وقال مجاهد: هو الكريم، وقيل: هو العليم الذي لا يغضبه شيء، ~~وقيل: هو الذي يفوق قومه في جميع خصال الخير. # والحصور: قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وعطاء وجماعة: هو الذي لا يأتي ~~النساء، والحصور بمعنى: المحصور، وكان ممنوعا من النساء، وهو مثل قول ~~الشاعر (فيها اثنتان وأربعون حلوبة * سودا كخافية الغراب الأسحم) فالحلوبة ~~بمعنى: المحلوب، وقال سعيد بن المسيب: كان له مثل هدبة الثوب، وقد تزوج مع ~~ذلك؛ ليكون أغض لبصره، وقال الشعبي: الحصور العنين، وفيه قول آخر: الحصور: ~~هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه، وهذا يوافق قول الشافعي في مسألة ~~التخلي لعبادة الله. # واختاروا هذا القول لوجهين: أحدهما: أنه يكون أقرب إلى استحقاق الثناء، ~~لأن الكلام خرج مخرج الثناء. # والثاني: أنه يكون أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء؛ لبعدهم عن الآفات. # قوله تعالى: * (قال ربي أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) ~~وإنما قال: * (بلغني الكبر)؛ لأن الكبر في طلب الإنسان، فإذا أصابه فقد ~~بلغه. # وأما العاقر: فهي التي عقم رحمها من الكبر، فإن قيل: كان شاكا في وعد ~~الله تعالى حين قال: * (رب أنى يكون لي غلام) قيل: إنما قاله على سبيل ~~التواضع، يعني: مثلي على هذا الكبر من مثل هذه العجوز يكون له الولد، وقيل ~~معناه: كيف يكون لي هذا الغلام؟ أتردني لحالة الشباب، أم يكون الغلام على ~~حال الكبر؟. # * (قال كذلك يفعل الله ما يشاء). PageV01P316 # * (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى ~~والإبكار (41) وإذا قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك ~~على نساء) * * قوله تعالى: * (قال ربي اجعل لي آية) أي: علامة. قيل: إنما ~~سأل العلامة؛ لأن إبليس وسوس إليه ms0196 أن الذي ناداك هو الشيطان، دون الملك ~~وكان يديم عليه وسوسته، فسأل العلامة؛ دفعا لتلك الوسوسة. وقيل: إنما سأل ~~العلامة؛ لمعرفة وقت الولادة حتى يزداد لله شكرا. # * (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام) وقيل: [إن الله أمسك] لسانه وحبس ~~عنه الكلام ثلاثة أيام، وهو سوى صحيح؛ وعليه دل قوله تعالى في سورة مريم * ~~(ثلاث ليال سويا). # * (إلا رمزا) أي: إشارة، والإشارة تكون باللسان، وتكون باليد، وتكون ~~بالعين والمراد ها هنا: الإشارة بالإصبع المسبحة، قال قتادة: إنما أمسك ~~لسانه عن الكلام عقوبة له على ما سأل من الآية بعدما أوحى الله تعالى إليه، ~~وشافهته الملائكة بالبشارة. # * (واذكر ربك كثيرا) قيل: إنما أمسك لسانه عن الكلام مع الناس، ولم يمسكه ~~عن ذكر الله تعالى، فأمره بالذكر. # * (وسبح بالعشى والإبكار) المراد بالتسبيح: الصلاة، وأما العشى: ما بين ~~زوال الشمس إلى غروب الشمس، ومنه صلاة الظهر والعصر صلاتي العشى، وأما ~~الإبكار: ما بين طلوع الفجر إلى الضحى الأعلى. # قوله تعالى: * (وإذ قالت الملائكة يا مريم) أي: واذكر إذ قالت الملائكة: ~~* (يا مريم إن الله اصطفاك) اختارك وطهرك من الحيض والنفاس، وقيل: من ~~الذنوب. * (وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) منهم من قال: على نساء عالمي ~~زمانها، ومنهم من قال: PageV01P317 # * (العالمين (42) يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) ذلك ~~من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت) * * على (جميع نساء) العالمين؛ في أنها ولدت بلا أب، ولم يكن ذلك ~~لأحد من نساء العالم. # قوله تعالى: * (يا مريم اقتني لربك) أي: أطيعي ربك، وقومي لطاعته. ~~والقنوت: طول القيام، قال مجاهد: معناه أطيلي القيام لربك، وقيل: إنها قامت ~~حتى انتفخت قدماها وتورمت. وسمى القنوت في الصلاة؛ لأنه في حال القيام، وعن ~~النبي ' أنه سئل عن أفضل الصلاة، فقال: طول القنوت ' أي: طول القيام. # * (واسجدي واركعي مع الراكعين) قيل: إنما قدم السجود على الركوع؛ لأنه ~~كان كذلك في شريعتهم، وقيل لا، بل الركوع قبل السجود في جميع الشرائع، ~~وليست ms0197 الواو للترتيب، بل للجمع، ويجوز أن يقول الرجل: رأيت زيدا وعمرا، وإن ~~كان قد رأى عمرا قبل زيد، ويجوز أن نقول: رأيت عمرا وزيدا أي زيدا وعمرا، ~~قال الشاعر: # (ألا يا نخلة من ذات عرق * عليك ورحمة الله والسلام) أي: عليك السلام ~~ورحمة الله، فكذلك قوله: * (واسجدي واركعي) أي: واركعي واسجدي، وإنما قال: ~~مع الراكعين، ولم يقل مع الراكعات؛ ليكون أعم وأشمل، وقيل معناه: مع ~~المصلين في الجماعة. # قوله - تعالى -: * (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك) يقول لمحمد: ذلك من ~~أخبار الغيب نوحيه إليك * (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت لديهم إذ يختصمون) فالأقلام: السهام، وإنما سمى قلما؛ لأنه يقطع ~~ويبرى. وأصل القلم: القطع، ومنه قلم الظفر. PageV01P318 # * (لديهم إذ يختصمون (44) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة ~~منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) ~~ويكلم الناس) * * والقصة في ذلك: أنهم تشاحنوا واختصموا في كفالة مريم، ~~فقال زكريا: أنا أولى بكفالتها منكم، لأن خالتها عندي، وقال أحبارهم - وقيل ~~أولياؤهم -: نحن أولى بكفالتها؛ لأن أباها كان إمامنا وحبرنا، فاقترعوا ~~واستهموا، على أن من يثبت قلمه في الماء وصعد، فهو أولى بكفالتها، فألقوا ~~الأقلام على الماء وعلى كل قلم اسم واحد منهم، فانحدرت أقلامهم تجري في ~~الماء، وجرى قلم زكريا مصعدا إلى أعلى الماء، قيل: غرقت أقلامهم، وارتد قلم ~~زكريا، وبقي فوق الماء، وقيل إنما اختصموا في كفالتها؛ لأنه كان قد أصابهم ~~قحط وأزمة، وكانت تضيق بهم النفقة؛ فاستهموا على كفالتها تدافعا حتى أن من ~~خرج سهمه هو الذي يعولها، وينفق عليها، والأول أصح وأشهر. # قوله تعالى: * (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه) قيل: ~~أن الملائكة قالوا لها ذلك مشافهة وعيانا. # * (أسمه المسيح عيسى ابن مريم) قال ابن عباس: إنما سمي مسيحا؛ لأنه ما ~~مسح ذا عاهة إلا برئ، وقال الحسن وقتادة: سمي مسيحا؛ لأنه مسح بالبركة، ~~وقيل: المسيح: الصديق، ويكون المسيح بمعنى: الكذاب، وهو من الأضداد، ms0198 وقيل: ~~سمى مسيحا؛ لأنه كان يمسح وجه الأرض، ويسيح فيها، وقيل: إنما سمى مسيحا؛ ~~لأنه ممسوح القدم لأخمص قدميه، ومنه قول الشاعر: # (بات يقاسيها غلام كالزلم * خديج الساقين ممسوح القدم) ومن ذلك سمى ~~الدجال مسيحا؛ لأنه مسح أحد شقى وجهه، لا عين له. # * (وجيها في الدنيا والآخرة) أي: رفيعا ذا جاه عند الله (* (ومن ~~المقربين) * ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين) أما كلامه في المهد ~~هو قوله في سورة PageV01P319 # * (في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني ~~بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47) ~~ويعلمه الكتاب والحكمة والتوارة والإنجيل (48) ورسولا إلى بني إسرائيل أني ~~قد جئتكم بآية) * * مريم * (إني عبد الله) وأنكر النصارى كلامه في المهد ~~سيأتي بيانه، وأما كلامه وهو كهل، قيل: هو إخباره عن الأشياء المعجزة، ~~وقيل: هو كلامه بعد نزوله من السماء. # والكهل: قيل: هو ما فوق الغلام، ودون الشيخ، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، ~~وأصله: الطول، ومنه: اكتهل النبات إذا طال. # قوله تعالى: * (قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر) قالت ذلك تعجبا؛ ~~إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ولد بلا أب * (قال كذلك الله يخلق ما يشاء ~~إذا قضى أمرا فإنما يقول له: كن، فيكون) أي: لا يعسر عليه شيء، يفعل ما ~~يشاء، ويحكم ما يريد. # قوله تعالى: * (ويعلمه الكتاب) يقرأ: بالياء والنون، والكتاب: الخط * ~~(والحكمة): العلم والفقه، * (والتوراة والإنجيل) علمه الله التوراة ~~والإنجيل، * (ورسولا إلى بني إسرائيل). منهم من قال: كان رسولا في حالة ~~الصبا، ومنهم من قال: إنما كان رسولا بعد البلوغ. # * (أني قد جئتكم بآية من ربكم) معناه: بآيات من ربكم، وإنما اكتفى بذكر ~~الآية؛ لأن الكل دال على شيء واحد. # * (أني أخلق لكم من الطين) أي: أقدر وأصور * (كهيئة الطير فأنفخ فيه ~~فيكون طيرا بإذن الله) قيل: إن عيسى قال لهم: أي شيء أشد خلقا؟ قالوا: ~~الخفاش، فقدر من الطين خفاشا وصوره، ونفخ فيه؛ ms0199 فقام يطير بإذن الله. ~~PageV01P320 # (* (من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا ~~بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون ~~وما تدخرون في بيوتكم) * وأبرىء الأكمه) قال أبو عبيد: الأكمه الذي ولد ~~أعمى، وقيل: هو الأعمش الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل * (والأبرص): ~~الذي به وضح * (وأحيى الموتى بإذن الله) قال ابن عباس: قد أحيا أربعة: عازر ~~وابن العجوز وبنت العاشر وسام بن نوح عليه السلام. # فأما عازر: فكان صديقا لعيسى، فأخبر بموته، فدعا الله تعالى فأحياه ~~[الله]، وأما ابن العجوز: كان على السرير يحمل إلى المقبرة، فرآه عيسى، ~~فأمر بوضع السرير، ودعا فأحياه، فأخذ كفانه، ولبسها ورجع إلى البيت، وأما ~~بنت العاشر: فقد كان رجل يأخذ العشور، ماتت له ابنة فدعا الله فأحياها، ~~وأما سام بن نوح فإن عيسى جاء إلى قبره ودعا (الله فأحياه)، فقام إليه ~~وقال: أقامت القيامة؟! وقد شاب نصف رأسه خوفا من قيام الساعة. # فقال: لا، أنا عيسى بن مريم؛ فكلمه؛ ومات من ساعته، وأما الثلاثة الذين ~~أحياهم عاشوا، وولد لهم. # * (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) كان عيسى يخبر الرجل بما ~~أكل في بيته البارحة، وما يأكل اليوم، وما أدخره للعشاء، وقيل أنه كان في ~~المكتب يخبر الصبي بما أكل، وما خبأت له أمه من الطعام، حتى كان الصبي يأتي ~~إلى أمه، فيبكي حتى تعطيه الطعام، فيحمله إلى عيسى، فحبسوا الصبيان عن ~~المكتب، فجاء عيسى في طلبهم، وكانوا في دار، فقال: من هؤلاء الذين في ~~الدار؟ فقيل: خنازير، فقال عيسى: يكونون كذلك؛ فصاروا خنازير بأمر الله - ~~تعالى - * (إن في ذلك لآية PageV01P321 # * (إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (499 ومصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله ~~وأطيعون (50) إن الله ربي وربكم فاعبدواه هذا صراط مستقيم (51) فلما أحس ~~عيسى منهم الكفر قال من) * * لكم إن كنتم مؤمنين). # قوله تعالى: * (ومصدقا لما بين يدي ms0200 من التوراة) يعني: وأكون مصدقا، * ~~(ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) قال أبو عبيدة: أراد بالبعض: الكل، يعني: ~~كل الذي حرم عليكم، ومثله قول الشاعر: # (أو يرتبط بعض النفوس حمامها *) أي: كل النفوس، وقيل: هو على حقيقته، وقد ~~كان أحل لهم بعض ما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل وثروبها. # * (وجئتكم بآية من ربكم) يعني: بآيات كما بينا، * (فاتقوا الله وأطيعون ~~إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) أي: طريق واضح. # قوله تعالى: * (فلما أحس عيسى منهم الكفر) أي: أبصر ووجد منهم الكفر؛ ~~قال: * (قال من أنصارى إلى الله) قيل معناه: من أنصارى مع الله، وقال ~~النحويون: ' إلى ' في موضعها، وليست بمعنى ' مع '، وإنما معناه: من يضم ~~نصرته إلى نصرة الله لي * (قال الحواريون نحن أنصار الله) قال ابن أبي ~~نجيح: الحواريون: كانوا قوما قصارين، سموا بذلك لأنهم كانوا يقصرون الثياب. # وقيل: كانوا صيادين يصطادون السمك. والصحيح أن الحوارى: صفوة كل شيء ~~وخالصته ومنه قوله في الزبير: ' هو ابن عمتي وحواريي من أمتي '، أي: ~~PageV01P322 # * (أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا ~~مسلمون (52) ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) ~~ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ~~ورافعك إلي ومطهرك من الذين) * * صفوتي وخالصتي. # وأصل الحوارى: النقاء والنظافة؛ فسموا حواريين؛ لنقاء قلوبهم، ومنه يقال ~~لنساء الأمصار: حواريات. قال الشاعر: # (فقل للحواريات يبكين غيرنا * ولا تبكينا إلا الكلاب النوابح) ومنه الخبز ~~الحوارى؛ لنقاوته وبياضه. # وأما قوله: * (نحن أنصار الله) لأنهم إذا نصروا عيسى، فكأنهم نصروا الله ~~* (آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون). # قوله تعالى: * (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين) ~~قيل: مع الشاهدين من أمة محمد؛ لأنهم يشهدون للرسل بالبلاغ، وقيل: من ~~الشاهدين على نبوة عيسى. # قوله تعالى: * (ومكروا ومكر الله) المكر من العبد: الخبث والخداع، ومن ~~الله تعالى: أن يأخذ العبد بغتة من حيث لا يعلم، وإنما سماه مكرا - على ~~المقابلة - لأنه جزاء مكرهم: ms0201 كما قال: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) والمراد ~~بمكرهم ها هنا: أنهم احتالوا لقتل عيسى، فقال رجل: ألا أدلكم على البيت ~~الذي فيه عيسى، فجاءوا معه البيت الذي كان فيه عيسى، فرفعه الله إلى ~~السماء، وألقى شبه عيسى على من دلهم عليه، فأخذوه، وهو يصيح: لست بعيسى، ~~فقتلوه، وقيل: إن الدال كان واحد من الحواريين؛ فذلك مكر الله * (والله خير ~~الماكرين). # قوله تعالى: * (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك) أي: واذكر قول الله ~~لعيسى: إني متوفيك * (ورافعك إلي). فإن قال قائل: ما معنى التوفي، وعيسى في ~~الأحياء PageV01P323 # * (كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي ~~مرجعكم فأحكم) * * على زعمكم؟ قلنا: فيه أقوال، قال الحسن البصري: معناه: ~~إني قابضك من الأرض، وهو صحيح عند أهل اللغة، فيقال: توفيت حقي من فلان. ~~أي: قبضت. # قال الأزهري: كأنه يقول: إني متوفى عدد آبائك في الأرض، وكل شيء تم فهو ~~متوفى، ومستوفى، وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، وتقديره: إني رافعك إلى ~~ومتوفيك ' أي: بعد النزول من السماء. # وقد ثبت عن رسول الله أنه قال: ' ليهبطن عيسى بن مريم حكما مقسطا يكسر ~~الصليب ويقتل الخنزير '، وفي رواية: ' أنه يقتل الدجال بباب لد ' من دمشق، ~~وفي الأخبار: أنه يعيش بعد ذلك في الأرض سبع سنين، ويتزوج، ويولد له. ثم ~~يموت، ويصلوا عليه المؤمنون من هذه الأمة. # وهذا التقديم والتأخير الذي ذكرنا في الآية محكى عن ابن عباس وله قول ~~آخر: أن الآية على حقيقة الموت، وأن عيسى قد مات، ثم أحياه الله تعالى ~~ورفعه إلى السماء. # قال وهب بن منبه: أماته الله ثلاث ساعات من النهار، ثم أحياه الله، ورفعه ~~إليه، وقال الربيع ابن أنس: التوفي: هو النوم، وكان عيسى قد نام، فرفعه ~~الله نائما إلى السماء، والمعروف: القولان الأولان. # وقد روى عن رسول الله أنه قال: ' رأيت ابني الخالة: عيسى، ويحيى في ~~السماء الثانية ليلة المعراج '، وروى أيضا: ' أنه رآهما في السماء الدنيا ' ~~والأول PageV01P324 # * (بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55) فأما الذين ms0202 كفروا فأعذبهم عذابا ~~شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56) وأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم) * * أصح، وقال عليه الصلاة والسلام: ' رأيت المسيح بن ~~مريم يطوف بالبيت ' فدل على أن الصحيح أنه في الأحياء، وفي أخبار المعراج: ~~' أن النبي لقى آدم في السماء الأولى وعيسى في السماء الثانية ويوسف في ~~السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة وهارون في السماء الخامسة وموسى ~~في السماء السادسة، - وفي رواية السماء السابعة - وإبراهيم في السماء ~~السابعة '. # قوله: * (ومطهرك من الذين كفروا) أي: مخرجك من أرجاسهم وأنجاسهم، * ~~(وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة). # وقيل: أراد به النصارى، وهم فوق اليهود إلى يوم القيامة، واليهود أذل ~~الفريقين؛ قد ذهب ملكهم، فلا يعود أبدا، وملك النصارى دائم إلى قريب من ~~قيام الساعة، وقيل: أراد بالذين اتبعوه: أمة محمد؛ حيث صدقوه ووافقوه على ~~دين التوحيد، فهم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. # وفيه قولان: أحدهما: أنهم فوقهم بالحجة. # والثاني: بالعز والغلبة، وقد قال: ' أنا أولى بعيسى بن مريم، ليس بيني ~~وبينه نبي '. # * (ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون). # قوله تعالى: * (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة) ~~PageV01P325 # * (أجورهم والله لا يحب الظالمين (57) ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر ~~الحكيم (58) إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون (59) ) * * والعذاب في الدنيا: القتل والأسر والجزية، والعذاب في ~~الآخرة: عذاب النار. # قوله تعالى: * (وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيوفيهم أجورهم) أي: جزاء أعمالهم * (والله لا يحب الظالمين) أي: لا يرحم ~~الكافرين، ولا يثني عليهم بالجميل. # قوله تعالى: * (ذلك نتلوه عليك من الآيات) يعني: القرآن * (والذكر ~~الحكيم) أي: الذكر ذي الحكمة، وقيل: الذكر المحكم الذي لا يتخلله الفساد. # قوله تعالى: * (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم)؛ سبب نزول الآية ما روى: ~~أن وفد نجران لما قدموا على النبي قال لهم: ' أسلموا، فقالوا: نحن مسلمون، ~~قال: كذبتم؛ يمنعكم من ذلك ثلاث: قولكم ms0203 إن الله اتخذ ولدا، وسجودكم للصليب، ~~وأكلكم الخنزير، فقالوا: من أبو عيسى؟ فنزلت هذه الآية '، وفي الآية دليل ~~عليهم، ورد لقولهم، فقوله: * (إن مثل عيسى) أي: صفة عيسى * (عند الله كمثل ~~آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)، يعني: إن خلق عيسى بلا أب مثل خلق ~~آدم بلا أب، ولا أم، وخلق عيسى بلا أب ليس بأبدع من خلق آدم بلا أب ولا أم. # فأما قوله: * (ثم قال له كن فيكون) راجع إلى آدم، فإن قال قائل: لما ذكر ~~أنه خلقه من تراب، فما معنى قوله بعده * (ثم قال له كن فيكون) بعد الخلق؟ ~~قيل: معناه: خلقه من تراب، ثم أخبركم أني قلت له: كن، فكان من غير ترتيب في ~~الخلق: كما يكون في أولاده، وهو مثل قول الرجل: أعطيتك اليوم درهما، ثم ~~أعطيتك أمس درهما، أي: ثم أخبرك أني أعطيتك أمس درهما. # قوله تعالى: * (الحق من ربك فلا تكن من الممترين)، فإن قيل: أكان شاكا في ~~الحق حتى نهاه عن الشك؟ قيل: الخطاب مع النبي، والمراد به: الأمة، وقيل ~~معناه: قل للشاك فيه: الحق من ربك فلا تكن من الشاكين. PageV01P326 # * (الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك ~~من) * * واعلم أن فيما سبق من التمثيل على جواز القياس دليل، على أن القياس ~~هو رد فرع إلى أصل بنوع شبه، وقد رد الله تعالى عيسى إلى آدم بنوع؛ فدل على ~~جواز القياس. والمثل: هو ذكر سائر يستدل به على غيره في معناه. # قوله تعالى: * (فمن حاجك فيه) أي: جادلك في الحق * (من بعد ما جاءك من ~~العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ~~نبتهل فنجعل لعنة الله على الكافرين). # هذا في دعاء النبي بني نجران إلى المباهلة، روى سعد بن أبي وقاص: ' أن ~~النبي أخذ بيد الحسن والحسين وفاطمة وعلى، ثم دعاهم إلى المباهلة '. # فقوله: * (ندع أبناءنا) أراد به: الحسن والحسين، وقوله: * (ونساءنا) ~~يعني: فاطمة، وأنفسنا يعني: نفسه ms0204 وعلى، فإن قال قائل: كيف قال: * (وأنفسنا) ~~وعلي - رضي الله عنه - غيره؟ قيل: العرب تسمى ابن عم الرجل نفسه، وعلي كان ~~ابن عمه، وقيل: ذكره على العموم لجماعة أهل الدين. والابتهال: الإلتعان، ~~ومنه البهلة: وهي اللعنة، يقال: # عليك بهلة الله، أي: لعنة الله، والابتهال: الاجتهاد في دعاء اللعنة. # واللعنة: الإبعاد والطرد عن الرحمة بطريق العقوبة، قال لبيد: # (وكهول سادة من عامر * نظر الدهر إليهم فابتهل) أي: نظر الدهر إليهم ~~بالهلاك فأفناهم باجتهاد فيه. # وفي القصة وكهول ' أن النبي لما دعاهم إلى الابتهال، وجعل اللعنة على ~~PageV01P327 # * (العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا نساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (61) إن هذا لهو القصص الحق ~~وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم (62) فإن تولوا فإن الله ~~عليم بالمفسدين (63) قل يا أهل) * * الكاذب من الفريقين، فقال الأسقف لهم: ~~لا تباهلوا؛ فإنكم لو ابتهلتهم؛ لاضطرم عليكم الوادي نارا، فقالوا للنبي: ~~وهل غير المباهلة؟ قال الإسلام أو الحرب أو الجزية، فقبلوا الجزية، ~~وانصرفوا '، وقال النبي: ' لو تلاعنوا لصاروا قردة وخنازير ' وفي رواية ' ~~لو تلاعنوا لم يبق في الدنيا نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة '. # قوله تعالى: * (إن هذا لهو القصص الحق) أي: النبأ الحق * (وما من إله إلا ~~الله) ' من ' صلة، وتقديره: وما إله إلا الله * (وإن الله لهو العزيز ~~الحكيم). # * (فإن تولوا) أي: أعرضوا * (فإن الله عليم بالمفسدين) أي: بمن يفسد ~~منهم. # قوله تعالى: * (قل يا أهل الكتاب) الخطاب مع اليهود والنصارى * (تعالوا ~~إلى كلمة) العرب تسمى كل قصة لها شرح: كلمة، ومنه سميت القصيد: كلمة. # * (سواء بيننا وبينكم) أي: عدل، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: PageV01P328 # * (الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون (64) يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة ~~والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون) * * (أروني خطة لا ضيم فيها ms0205 * يسوى ~~بيننا فيها السواء) (فإن ترك السواء فليس بيني * وبينكم بني عمرو لقاء) ~~وأراد بالسواء: العدل. # * (ألا نعبد إلا الله) سبب هذا: أن اليهود قالوا: لا يريد محمد منا إلا ~~أن نعبده، وكذلك قالت النصارى؛ فنزلت الآية * (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم)، معناه: تعالوا إلى أمر نستوي فيه: وهو أن لا نعبد ~~إلا الله، ولنتفق جميعا على عبادته * (ولا نشرك به شيئا). # * (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) قال عكرمة: أي: لا يسجد ~~بعضنا لبعض؛ فإن من سجد لغيره فقد اتخذه ربا. # وقيل: هو طاعة الخلق في معصية الخالق * (فإن تولوا) أي: فإن أعرضوا * ~~(فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) أي: بهذه الكلمة وهذا الأمر. # قوله تعالى: * (قل يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم) سبب نزول الآية: ~~أن اليهود والنصارى اختصموا [إلى] النبي في إبراهيم، فقالت اليهود: هو منا، ~~وقالت النصارى: لا، بل منا؛ فنزل قوله: * (لم تحاجون) لم تجادلون * (في ~~إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون)، معناه أن ~~اليهودية محرفة من التوراة، والنصرانية محرفة من الإنجيل، والتوراة ~~والإنجيل أنزلتا بعد إبراهيم. # فكيف تدعون أنه على اليهودية أو على النصرانية؟ وأما التوراة والإنجيل ~~فقد ذكرنا PageV01P329 # (* (65) ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم ~~به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم ~~للذين اتبعوه وهذا النبي) * * اشتقاقها، وقيل ليس لهما اشتقاق، وهما اسمان ~~بالسريانية. # قوله تعالى: * (ها أنتم هؤلاء) ' ها ' للتنبيه، ومعناه: يا هؤلاء، أنتم * ~~(حاججتم) جادلتم * (فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) أي: ~~جادلتم في أمر موسى وعيسى، وادعيتم أنا على دين موسى وعيسى، وقد أنزلت أمره ~~عليكم، فلم تجادلون في أمر إبراهيم، ولم أنزله عليكم، ولا علم لكم به؟! * ~~(والله يعلم وأنتم لا تعلمون). # قوله تعالى: * (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا) ms0206 أخبر الله تعالى أنه ~~ليس على ما ادعوا من اليهودية و [لا] النصرانية، * (ولكن كان حنيفا مسلما). # والحنيف: هو المائل إلى الدين، والمستقيم عليه، ومنه: الأحنف: وهو المائل ~~القدم، وقال مجاهد: الحنيف: المتبع، وقال الضحاك: الحنيف: الحاج. فإن قال ~~قائل: لم قال * (حنيفا مسلما) والمسلم: هو الذي يكون على جميع ما أتى به ~~محمد رسول الله، وإبراهيم لم يكن على جملة شريعته؟ # قيل: قد كان على بعض شريعته؛ فيكون بذلك مسلما؛ كمن مات من هذه الأمة في ~~بدء الأمر، كان مسلما ببعض شريعته؛ فإنها إنما تمت، واستقرت في آخر الأمر، ~~ويحتمل أن يكون قوله: * (مسلما) بمعنى: الانقياد من قوله: * (أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين)؛ فلذلك قال: * (حنيفا مسلما وما كان من المشركين). # قوله تعالى: * (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه): من اتبعه في ~~زمانه. * (وهذا النبي) يعني محمدا (والذين آمنوا) يعني: من هذه الأمة * ~~(والله ولي المؤمنين). # قوله تعالى: * (ودت طائفة من أهل الكتاب) أي: تمنت طائفة من أهل ~~PageV01P330 # * (والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (68) ودت طائفة من أهل الكتاب لو ~~يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون (69) يا أهل الكتاب لم تكفرون ~~بآيات الله وأنتم تشهدون (70) يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل ~~وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) * * الكتاب. * (لو يضلونكم) لو يردونكم إلى ~~الضلالة، وما هم عليه من اليهودية والنصرانية * (وما يضلون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون). # قوله تعالى: * (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون) فيه ~~قولان: أحدهما: معناه: لم تكفرون بنعت محمد وصفته، وأنتم تشاهدونه في ~~التوراة والإنجيل؟!. # والثاني معناه: لم تكفرون بما يأتي [به] محمد من الدلالات والمعجزات، ~~وأنتم تقرون بمثلها مما اتى به موسى وعيسى؟! # قوله - تعالى -: * (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق ~~وأنتم تعلمون) معناه: لم تخلطون الإيمان بعيسى - وهو الحق - بالكفر بمحمد - ~~وهو الباطل -؟ وقيل معناه: لم تغطون ' الحق ' من نعت محمد بالتغيير ' ~~الباطل '؟!. # قوله تعالى: * (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا وجه النهار، واكفروا ms0207 آخره لعلهم يرجعون) أما وجه النهار: أوله، ومنه ~~قول الشاعر: # (من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار) أي: أول النهار، ~~وهذا في اليهود، قالوا: نؤمن بمحمد في أول النهار، ثم نكفر به آخر النهار؛ ~~حتى (يتهمه) الناس (ويقولوا): قد ظهر منه شيء؛ حتى كفروا به، وقيل: إنهم ~~قالوا: نصدقه في البعض، ونكذبه في البعض؛ حتى يقول الناس: صدقوه فيما كان ~~صادقا، وكذبوه فيما كان كاذبا (فيستريبون) بحاله. PageV01P331 # * (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار وأكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن ~~الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من) * * (لعلهم يرجعون) أي: من تبعه في دينه، ويكون وجه ~~النهار وآخره بمعنى: البعض على القول الثاني. # قوله - تعالى -: * (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) أي: لا تصدقوا إلا من ~~تبع دينكم، ' واللام ' فيه زائدة كما قال: * (قال عسى أن يكون ردف لكم) أي: ~~ردفكم. وهذا في اليهود أيضا، قالوا: لا تصدقوا إلا من وافقكم في ملتكم. # ثم ابتدأ الله تعالى فقال: * (قل إن الهدى هدى الله) أي: إن البيان بيان ~~الله. # * (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) أي: ولا يحاجونكم عند ربكم؛ فإن الحجة لكم ~~عليهم، وليست لهم عليكم عند الله. # وقتا محمد بن يزيد المبرد: في الآية تقديم وتأخير: قوله: * (ولا تؤمنوا) ~~أي: لا تصدقوا * (أن يؤتى أحد مثل مل أوتيتم) من الدلالات والآيات من المن ~~والسلوى ونحوه. # * (إلا لمن تبع دينكم) إلا لمن وافقكم في اليهودية * (أو يحاجوكم عند ~~ربكم) أي إن صدقتموهم، يحاجونكم يوم القيامة عند ربكم، فيقولون: نحن مثلكم، ~~أو خير منكم، فلا تصدقوهم حتى لا يحاجوكم عند ربكم. إلى ها هنا كلام اليهود ~~ثم ابتدأ الله تعالى فقال: * (قل: أن الهدى هدى الله) وقيل: معناه * (ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) أي: ولا تصدقوا أن النبوة في غير بني إسحاق، ~~وأنها ms0208 في بني إسماعيل. # [قوله تعالى] * (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ~~يختص PageV01P332 # * (يشاء والله واسع عليم (73) يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~(74) ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في ~~الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75)) * * برحمته من يشاء) ~~قال ابن عباس: هو الدين. وقال مجاهد: هو النبوة. وقال ابن جريج: هو القرآن ~~والإسلام (والله ذو الفضل العظيم). # قوله تعالى: * (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) قد ذكرنا ~~الأقوال في القنطار، وقال عطاء بن أبي رباح: هو ست آلاف دينار. # وهذا في عبد الله بن سلام؛ أودعه رجل ألفين ومأتي أوقية من الذهب فأدى ~~الأمانة فيه. # * (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) هذا في فنحاص بن عازوراء ~~اليهودي؛ أودعه رجل دينارا فخان فيه. # * (إلا ما دمت عليه قائما) أي: لا يؤده إليك إلا ما دمت على رأسه قائما ~~تطالبه. وقيل: أراد بالقيام: الإلحاح والمطالبة. # * (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) قالت اليهود: ليس علينا ~~في أخذ أموال العرب حرج، كأنهم استحلوا أموال الأميين: وهم العرب، محمد ~~وأصحابه. # * (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) * (بلى) عليهم سبيل؛ ذكره جوابا ~~لقولهم. # قالت النحاة: وهو وقف تام، ثم ابتدأ، فقال: * (من أوفى بعهده واتقى) قال ~~ابن عباس: واتقى الشرك * (فإن الله يحب المتقين) الموحدين. # قوله تعالى: * (إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا) روى أبو ~~وأئل - وهو شقيق بن سلمة - عن ابن مسعود، عن رسول الله أنه قال: ' من حلف ~~على يمين كاذبة؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان، ~~PageV01P333 # * (بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم يوم) * * وتلا هذه الآية ms0209 قال: وكان الأشعث بن قيس ~~حاضرا، فقال: في نزلت الآية، وذكر قصة ' وهذا حديث في الصحيحين، ورواه مسلم ~~في صحيحه برواية أخرى، وزاد فيه أنه: ' قيل: يا رسول الله، وإن كان في شيء ~~يسير؟ قال: وإن كان في قضيب من أراك '. # وروى مسلم أيضا في كتابه برواية ثالثة عن النبي أنه قال: ' ثلاثة لا ~~يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم [ولهم عذاب أليم]: ~~المنان بما أعطى والمسبل إزاره، والمنفق سلعته باليمن الكاذبة '. # فقوله: * (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا) أي: شيء قليل ~~من حطام الدنيا * (أولئك لا خلاق لهم في الآخرة) أي: لاحظ لهم فيها. # * (ولا يكلمهم الله) أي: ولا يكلمهم كما يكلم المؤمنين؛ وقد صح أنه جل ~~جلاله - يكلم المؤمنين يوم القيامة من غير ترجمان، وقيل: هو بمعنى: الغضب، ~~كما يقال: أنا لا أكلم فلانا، إذا كان غضبانا عليه * (ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة) يعني: لا ينظر إليهم بالرحمة. # * (ولا يزكيهم) لا يثني عليهم بالجميل، ولا يطهرهم من الذنوب * (ولهم ~~عذاب أليم). PageV01P334 # * (القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (77) وإن منهم لفريقا يلوون ~~ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند ~~الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (78) ما كان ~~لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم) * * قوله تعالى: * (وإن منهم لفريقا ~~يلوون ألسنتهم بالكتاب) أي: يغيرون، ويحرفون الكتاب بألسنتهم. وقيل: يعدلون ~~بألسنتهم عن الكتاب * (لتحسبوه) لتظنوه * (من الكتاب وما هو من الكتاب ~~ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم ~~يعلمون). # قوله تعالى: * (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة) سبب ~~نزول الآية: ' أن اليهود والنصارى اجتمعوا عند النبي واختصموا في إبراهيم، ~~فقالت كل فرقة: هو منا، فقال: كذبتم؛ فغضبوا، وقالوا: يا محمد، لا تريد منا ~~إلا أن نتخذك ربا؛ فنزلت الآية '. # * (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب) يعني: القرآن، * (والحكم) الأحكام، ~~والحكمة: السنة * (والنبوة) ms0210 المنزلة الرفيعة بالأنبياء. # * (ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله) أي: عبيدا لي من دون الله ~~وقيل: أراد بالبشر: عيسى - صلوات الله عليه - لأنهم كانوا يدعون أن عيسى ~~أمرهم أن يعبدوه، ويتخذوه ربا، فقال: * (ما كان لبشر) يعني: عيسى. # * (أن يؤتيه الله الكتاب) يعني: الإنجيل * (والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب). # قال سعيد بن جبير: الرباني: الفقيه العالم الذي يعمل بعلمه. وقال الضحاك: ~~الرباني: العالم الحكيم. وفي الخبر: ' كونوا علماء حلماء '. # والرباني من طريق المعني: هو أن يكون على دين الرب وعلى طريق الرب. ~~PageV01P335 # * (والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين ~~بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم) * * وقيل هو من التربية، فالرباني هو ~~الذي ربي بصغار العلم حتى بلغ كباره، وروى: أن ابن عباس لما توفي، قام محمد ~~بن الحنفية على قبره، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة. # وقال مجاهد: الربانيون فوق الأحبار؛ فالأحبار: العلماء، والربانيون: ~~الذين جمعوا مع العلم البصيرة بسياسة الناس. # * (بما كنتم تعلمون) - بالتشديد - من تعليم القرآن، وبالتخفيف من العلم. # * (وبما كنتم تدرسون) تقرءون. # قوله تعالى: * (ولا يأمركم) يقرأ بالرفع على الابتداء، أي: ولا يأمركم ~~الله، ويقرأ بنصب الراء على النسق، أي: ولا يأمركم ذلك البشر * (أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا) فالنصارى: هم الذين اتخذوا النبيين أربابا، ~~والصائبون: هم الذين اتخذوا الملائكة أربابا. # * (أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) أي: لا يأمركم بالكفر بعد ~~الإسلام. # قوله تعالى: * (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين) قرأ ابن مسعود: ' وإذ أخذ ~~الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ' * (لما آتيتكم من كتاب وحكمة): هو أحد ~~القولين في معنى القراءة المعروفة، قال ابن عباس: معنى الآية: وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب مع النبيين. قال ابن عباس: لما استخرج الله ~~الذرية من صلب آدم كالذر، PageV01P336 # * (بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80) وإذ أخذ الله ميثاق ms0211 النبيين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ~~أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من ~~الشاهدين (81) فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) أفغير دين الله ~~يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها) * * والأنبياء كانوا ~~فيهم كالمصابيح والسرج، أخذ الميثاق على النبيين أن يؤمنوا بمحمد وأن ~~يصدقوه، وينصروه إن أدركوه. فهذا معنى قوله: * (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ~~لما آتيتكم من كتاب وحكمة)، وقرأ حمزة ' لما آتيتكم ' مخففا بكسر اللام، ~~وقرأ غيره: ' لما آتيتكم ' بفتح اللام مشددا، والقراءة المعروفة: بفتح ~~اللام مخففا، ومعناه: للذي آتيتكم بمعنى الخبر. # وقيل: معناه: لئن آتيتكم بمعنى: الشرط، * (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه) يعني: محمدا. # * (قال أأقررتم) أي: أقروا * (وأخذتم على ذلكم إصري) أي: عهدي. والإصر: ~~العهد الثقيل * (قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين). # وقال الضحاك: إنما أخذ الميثاق على النبيين خاصة كما نطقت به الآية، فأخذ ~~الميثاق على كل نبي أن يؤمن بالذي يأتي بعده من الأنبياء وينصره، فأخذ ~~الميثاق على موسى - صلوات الله عليه وسلم - أن يؤمن بعيسى، وعلى عيسى أن ~~يؤمن بمحمد ونحو ذلك. # ثم قال: * (فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون أفغير دين الله يبغون) ~~يطلبون، يقرأ بالياء والتاء. # * (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها) قال ابن عباس: لما خاطبهم ~~بقوله: * (ألست بربكم) أسلم الكل، وقالوا: بلى، ولكن بعضهم قالوا: بلى، ~~PageV01P337 # * (وإليه يرجعون (83) قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (84) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85) كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ~~وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات) طوعا وبعضهم كرها. وقيل: أسلم من في ~~السماوات طوعا، وأسلم من في الأرض كرها وطوعا، وبعضهم طوعا، وبعضهم كرها؛ ms0212 ~~لخوف السيف * (وإليه ترجعون). # قوله تعالى: * (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) لما ذكر الملك والأديان، واضطراب الناس ~~فيها، أمر رسوله أن يقول: * (آمنا بالله) الآية، وقد ذكرنا معنى الأسباط ~~وما قيل فيه * (وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ~~ونحن له مسلمون). # قوله تعالى: * (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين) وحق لمن يبتغي غير دين الإسلام أن يصبح غدا من الخاسرين. # قوله تعالى: * (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول ~~حق وجاءهم البينات) يعني: لا يهديهم الله، وهو مثل قول عبد الله بن قيس ~~الرقيات: # (كيف نومي على الفراش * ولما تشتمل السآم غارة شعواء؟) أي: لا نوم لي على ~~الفراش. # والآية نزلت في الحارث بن أوس بن الصامت؛ فإنه ارتد عن الإسلام، ولحق ~~بمكة، وأقام مدة، ثم أرسل إلى المسلمين في أن يرجع إلى الإسلام؛ فنزلت ~~الآية * (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم). # قال الزجاج: يعني: أنهم يستحقون الضلالة، ولا يستحقون الهداية * (والله ~~لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين). PageV01P338 # * (والله لا يهدي القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) ~~إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم ~~الضالون (90) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل) * * فإن قال قائل: ~~لم قال: * (والناس أجمعين) فكذلك يتناول نفسه أيضا، فكيف يلعن على نفسه؟ ~~قيل: أراد في القيامة يلعن بعضهم بعضا، ويلعنون أنفسهم. وقيل: إنهم يلعنون ~~الظالمين والكافرين؛ فذلك لعنهم على أنفسهم؛ لأن من لعن الظالمين ~~والكافرين، وهو ظالم وكافر فقد لعن نفسه. # * (خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور ms0213 رحيم) يعني بهذا: الحارث بن أوس؛ فإنه تاب ~~وأسلم فقبلت توبته. # قوله - تعالى -: * (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل ~~توبتهم) هذا في قوم كانوا مع الحارث بن أوس وارتدوا، فلما رجع هو إلى ~~الإسلام أمسكوا عن الإسلام أولئك القوم، وقالوا: نتربص الدهر بمحمد، فإن ~~ساعده الزمان، ونفذ أمره نرجع إلى دينه؛ فنزلت الآية. # * (إن الذين كفروا بعد إيمانهم) أي: ارتدوا عن الإسلام بعد إيمانهم * (ثم ~~ازدادوا كفرا) بقولهم: إنا نتربص بمحمد ريب المنون * (لن تقبل توبتهم) قال ~~أبوالعالية: لأنهم لم يكونوا محققين للتوبة، بل كانوا متربصين * (وأولئك هم ~~الظالون) وقيل: أراد به: الذين كفروا بعد إيمانهم بعيسى؛ ازدادوا كفرا ~~بمحمد * (لن تقبل توبتهم) عند الناس * (وأولئك هم الظالون). # قوله تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض ذهبا ولو افتدى به) يعني: لو افتدى به، و ' الواو ' زائدة مقحمة، ~~وقيل: تقدير الآية: فلن يقبل من أحدهم أن يتبرع بملء الأرض ذهبا، ولو افتدى ~~به أيضا لا يقبل * (أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين). # قوله تعالى: * (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قال ابن مسعود ~~وعمرو بن ميمون PageV01P339 # * (من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ~~ناصرين (91) لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن ~~الله به عليم (92) كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا) * * ومسروق بن الأجدع أبو عائشة: ~~البر: الجنة ها هنا. وقيل: هو العمل الصالح. وقيل: هو الثواب، وفي الخبر: ' ~~عليكم بالصدق؛ فإنه يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب؛ ~~فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار '. # * (حتى تنفقوا مما تحبون) قيل: أراد بالإنفاق: أداء الزكاة. وقيل: أداء ~~جميع الصدقات. وقيل: كل إنفاق يبتغي به مرضات الله تعالى ينال به هذا البر. # وروى أنه لما نزلت هذه الآية قال ms0214 أبو طلحة: ' يا رسول الله، إني أرى الله ~~يسألنا أموالنا، فأشهدك أني جعلت حائط كذا لله تعالى فقال: اقسمه بين ~~الفقراء قرابتك، فقسمه بين أبي وحسان '. # وروى أن ابن عمر - رضي الله عنه - اشترى جارية كان قد هويها، فلما نظر ~~إليها أعتقها، وزوجها رجلا، وتلا قوله تعالى (* (لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون) * وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) أي: يعلمه، أي: يجازى ~~عليه. # قوله تعالى: (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل) سبب نزول الآية: أن اليهود ~~قالوا لرسول الله: إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم، وكان لا يأكل لحوم الإبل ~~وألبانها وأنت تأكلها، فلست على ملة إبراهيم؛. فنزلت الآية * (كل الطعام ~~كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة) ~~يعني: ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على إبراهيم، بل ~~كان (الكل) PageV01P340 # * (بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) فمن افترى على الله الكذب من ~~بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين (95) إن أول بيت وضع للناس ببكة مباركا وهدى للعالمين ~~(96) فيه آيات بينات مقام إبراهيم) * * حلالا له ولبني إسرائيل، وإنما ~~حرمها يعقوب على نفسه قبل نزول التوراة، يعني: أن حرمتها ليست في التوراة، ~~ولا في شرع إبراهيم، وإنما هو شيء حرمه إسرائيل على نفسه، وسبب تحريمه ذلك ~~على نفسه: أنه أشتكى عرق النسا، وكان له من ذلك زقاء - أي صياح - فقال: إن ~~شفاني الله منه لأحرمن أحب الطعام إلي لحوم الإبل وألبانها، فشفاه الله؛ ~~فحرمها على نفسه. # * (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) طالبهم بالإتيان بالتوراة ~~حجة على ما ادعوا فلم يأتوا بها؛ إذ لم يكن تحريمها في التوراة، فعجزوا عن ~~الإتيان بالتوراة وكان ذلك كالمعجزة للرسول عليهم. # قوله تعالى: * (فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون) ~~وقد ذكرنا معنى الافتراء والظلم. # قوله تعالى: * (قل صدق الله) يعني: فيما أخبر وأنزل * (فاتبعوا ملة ms0215 ~~إبراهيم حنيفا) وإنما دعاهم إلى اتباع ملة إبراهيم؛ لأن في اتباع ملته ~~اتباعه، وفي اتباعه اتباع ملته، * (وما كان من المشركين). # قوله تعالى: * (إن أول بيت وضع للناس ببكة مباركا) روى أبو ذر: ' أنه سأل ~~رسول الله أي المساجد وضع أولا؟ فقال: المسجد الحرام. (قلت): ثم أي؟ قال: ~~المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عاما، ثم قال: أينما أدركتك ~~الصلاة، فصل؛ فإنه لك مسجد '. # وروى خالد بن عرعرة عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: أراد به: أن أول ~~بيت وضع للناس مباركا مع الرحمة والبركة، والآيات البينات للذي ببكة. # وقيل: أول ما خلق الله تعالى من الأرض موضع البيت، ثم منه خلق جميع ~~الأرض، PageV01P341 # * (ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن ~~كفر فإن الله غني) * * وأول ما خلق من الجبال جبل أبي قبيس. # وفي القصص: أن الله تعالى أمر الملائكة ببناء البيت قبل خلق آدم بألفي ~~عام، وكانت الملائكة يحجونه، فلما حجه آدم، قالت الملائكة: بر حجك، حججنا ~~هذا البيت قبلك بألفي عام. وأما بكة فالصحيح: أن بكة و مكة بمعنى واحد، وهو ~~قول ابن عباس، ومثله: طين لازب ولازم، وسمل رأسه وسبل بمعنى واحد. # وقيل: (أنه) موضع البيت، ومكة جميع القرية. وقيل: إنما سميت ببكة، لأن ~~الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون، ومنه قول الشاعر: # (إذا الشريب أخذته أكه * فخله حتى يبك بكة) وقوله: * (مباركا وهدى ~~للعالمين) أي: وضع ذلك البيت ذا بركة وهدى للعالمين. # * (فيه آيات بينات مقام إبراهيم) قرىء: ' فيه آية بينة ' على الوحدان، ~~وهي مقام إبراهيم، والمعروف: * (فيه آيات بينات مقام إبراهيم). # من تلك الآيات: مقام إبراهيم: وهو الحجر الذي فيه أثر أصابع قدم إبراهيم، ~~وكان قد بقي أثره فيه، فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، وقيل مقام إبراهيم: ~~جميع الحرم. # ومن الآيات في البيت أيضا: أن الطير يطير فلا يعلو فوقه، كذا قيل، ومنها: ~~أن الجارحة إذا قصدت صيدا، فإذا دخل الصيد الحرم كفت عنه، ومنها: أنه ما ms0216 ~~قصده جبار إلا قصمه الله - تعالى -، ومنها: أن المطر إذا أصاب الركن ~~اليماني؛ (كان الخصب باليمن، وإن أصاب جانب الشام)؛ كان الخصب بالشام، وإن ~~أصاب جميع الجوانب كان الخصب جميع الجوانب. # وسبب هذا أن اليهود قالوا: قبلتنا أولى من قبلتكم؛ فبين الله تعالى ~~للمسلمين شرف قبلتهم؛ فإنها خصت بأشياء ليست تلك لقبلتهم، وأن بيت المقدس ~~قد حرق وهدم، وأما الكعبة فما قصدها جبار إلا قصمه الله تعالى. * (ومن دخله ~~كان آمنا) قال ابن عباس: هو (الجاني) يدخله، فيصير آمنا عن القتل فيه، ~~ولكنه لا يؤاكل PageV01P342 # * (عن العالمين (97) قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد ~~على ما تعملون) * * ولا يشارب، ولا يباع ولا يشاري حتى يخرج فيقتل. # وقال الحسن وقتادة وعامة المفسرين - وهو الأصح -: إنه أراد الأمن عن تخطف ~~الكفار بالقتل والغارة. وقيل: أراد به: ومن دخله كان آمنا في القيامة من ~~العذاب. # قوله - تعالى -: * (ولله على الناس حج البيت) قد ذكرنا معنى الحج. # * (من استطاع إليه سبيلا) روى الحسن مرسلا عن النبي ' أنه سئل عن ~~الاستطاعة، فقال: الزاد والراحلة '، وروى ابن عمر ' أنه سئل أي الحاج أفضل؟ ~~فقال: الشعث، التفل. فقيل: أي الحج أفضل؟ العج، والثج. قيل: ما السبيل؟ ~~قال: الزاد والراحلة '. # وقال مالك: الاستطاعة بقوة البدن، فمتى وجد الزاد، وقوى على المشي لزمه ~~الحج، والأصح أن الاستطاعة: هي القدرة على ما يوصله إلى الحج، فمنها: ~~الزاد، والراحلة، ومنها: أمن الطريق، ونفقة الأهل، ونحو ذلك. # * (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) الأصح: أنه أراد بالكفر: إنكار ~~وجوب الحج، وقيل: ' إنه لما نزل (قوله: * (ولله) على الناس حج البيت) جمع ~~رسول الله PageV01P343 # ((98) * قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ~~وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون (99) يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا ~~فريقا من الذين أوتوا الكتاب) * * من جمع الأديان، وقال: إن الله كتب عليكم ~~الحج أيها الناس فحجوا، فصدقه المؤمنون، وكذبه الكافرون؛ فنزل قوله: * (ومن ~~كفر فإن الله غني عن ms0217 العالمين) '. # قوله تعالى: * (قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما ~~تعملون) أي: لا يخفي عليه ما تعملون، ويجازيكم عليه. # قوله تعالى: * (قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن) أي: (لم ~~تمنعون من آمن عن سبيل الله) بكتمان نعت محمد * (تبغونها عوجا) أي: تطلبون ~~الزيغ عن السبيل، والعدول عنها بتغيير صفة محمد * (وأنتم شهداء) يعني: أنتم ~~عالمون أنه حق؛ على ما ورد نعته وصفته * (وما الله بغافل عما تعملون). # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا ~~الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) يعني: يردونكم إلى اليهودية والنصرانية. # قوله تعالى: * (وكيف تكفرون) قال الأخفش سعيد بن مسعدة: على أي حال ~~تكفرون؟! * (وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله). # فإن قال قائل: منعه إياهم عن الكفر؛ يكون الرسول فيهم، يوهم إباحة الكفر ~~في حال لا يكون الرسول فيهم، قيل: ولا يخلو حال من كون الرسول فيهم، فإنه ~~اليوم وإن كان خارجا من بينهم، فشرعه قائم بينهم، فيكون كأنه فيهم. # * (ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم) أي: ومن يمتنع بالله، قيل: ~~ومن يثق بالله، فقد أرشد إلى طريق مستقيم. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) قال ابن مسعود: ~~هو أن PageV01P344 # * (يردوكم بعد إيمانكم كافرين (100) وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات ~~الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (101) يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله) * * يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا ~~يكفر. وقال قتادة: (الآية) منسوخة بقوله: * (فاتقوا الله ما استطعتم) قال ~~أهل المعاني: لا يستقيم النسخ فيه، وقوله * (فاتقوا الله ما استطعتم) تفسير ~~لهذه الآية؛ لأن من أطاع الله في وقت وجوب الطاعة، وذكره في وقت وجوب ~~الذكر، وشكره في موضع وجوب الشكر، فقد اتقى الله حق تقاته. # وهذا لم يصر منسوخا، وقوله: * (فاتقوا الله ما استطعتم) موافق له؛ لأن ~~التقوى إن كان في موضع الأمر والوجوب، والأوامر والواجبات على ms0218 قدر ~~الاستطاعة، فتكون إحدى الآيتين موافقة للأخرى، فلا يستقيم فيه النسخ. # * (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، فإن قال قائل: كيف نهاهم عن الموت على ~~الكفر، والموت لا يدخل تحت الأمر والنهي؟! قيل: معناه: دوموا على الإسلام، ~~حتى إذا وافاكم الموت ألفاكم على الإسلام، هذا كما يقول الرجل لغيره: لا ~~أريتك تفعل كذا. معناه: لا تفعل كذا، حتى إذا رأيتك (لا) أراك على فعله. # قوله تعالى: * (واعتصموا بحبل الله جميعا) قال ابن عباس: حبل الله: هو ~~العهد. وقال قتادة (والسدي): حبل الله: القرآن. وفي الخبر ' القرآن: حبل ~~ممدود (طرف) بيد الله وطرف بأيديكم ' وقيل: الحبل: الطريق، حبل الله: طريق ~~الله، وأنشدوا في ذكر الناقة قول الشاعر: PageV01P345 # * (حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله ~~لكم آياته لعلكم تهتدون (103) ولتكن) * * (وإذا أجوزها حبال قبيلة * نزلت ~~من الأخرى إليك حبالها) أي: طريقها. وأصل الحبل كل ما يوصلك إلى الشيء، ~~فتفوز به، والعهد: حبل، والقرآن: حبل، (ومنه) الحبل المعروف؛ لأنه يوصل إلى ~~المقصود. # * (ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم) سبب نزول الآية ما روى ' أن ~~رجلين: أحدهما من الأوس، والآخر من الخزرج تسابا، فدعا كل واحد منهما ~~قبيلته؛ فثار الحيان، وضربوا بأيديهم إلى السيوف، وكاد يكون بينهم قتال، ~~فبلغ ذلك رسول الله فخرج عليهم وهو على حمار، وقام بينهم؛ فنزلت الآية، ~~وتلا عليهم، فبكوا، ومشى كل واحد إلى صاحبه وتعانقوا، واصطلحوا وكفوا عن ~~القتال '، قال جابر: ما كان يوما أقبح أولا من ذلك اليوم، ولا أحسن آخر من ~~ذلك اليوم. فقوله: * (ولا تفرقوا) الخطاب معهم (واذكروا نعمة الله عليكم) ~~يعني: بالإسلام وبعث الرسول وإنزال الكتاب. # * (إذ كنتم أعداء) لأن الأوس والخزرج كان بينهم قتال [دام] مائة وعشرين ~~سنة * (فألف بين قلوبكم) يعني: بالإسلام * (فأصبحتم بنعمته إخوانا) (أي: في ~~الدين). # * (وكنتم على شفا حفرة) أي: طرف ms0219 حفرة * (من النار فأنقذكم منها). # وقيل: نزلت الآية في مشركي العرب، والأول [أصح وهو] قول عكرمة. * (كذلك ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) أي: ترشدون، وتسلكون طريق الحق. ~~PageV01P346 # * (منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك ~~هم المفلحون (104) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (105) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ~~اسودت وجوههم أكفرتم بعد) * * قوله تعالى: * (ولتكن منكم أمة) أي: كونوا ~~أمة، وكلمة ' من ' - فيه - للجنس، لا للتبعيض، وهو مثل قوله: * (فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان) والمراد به الاجتناب من جنس الأوثان كلها لا من بعض ~~الأوثان، كذلك قوله: * (ولتكن منكم أمة) أي: كونوا أمة * (يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) أي: وأنتم ~~المفلحون. # قوله تعالى: * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) يعني: اليهود ~~والنصارى. # * (من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه) يعني: ~~وأولئك لهم عذاب عظيم يوم القيامة، ثم وصف ذلك اليوم، فقال: * (يوم تبيض ~~وجوه) يعني: بالتوحيد * (وتسود وجوه) بالشرك. وقيل: تبيض وجوه بالسنة، ~~وتسود وجوه بالبدعة. وقيل: أراد به: في الدنيا تبيض وجوه بالقناعة، وتسود ~~وجوه بالطمع. والأول أصح، ويشهد لذلك قوله تعالى: * (وجوه يومئذ مسفرة ~~ضاحكة) الآية. # وفي رواية أبي أمامة عن النبي ' تسود وجوه الخوارج '. * (فأما الذين ~~اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم) أي: يقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟! فإن ~~قال قائل: كيف كفروا بعد الإيمان ولم يكونوا مؤمنين قط؟ قيل أراد به إيمان ~~يوم الميثاق، وكفروا بعده. PageV01P347 # * (إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأما الذين ابيضت وجوههم ~~ففي رحمة الله هم فيها خالدون (107) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما ~~الله يريد ظلما للعالمين (108) ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ~~ترجع الأمور (109) كنتم خير أمة أخرجت) * * وقيل: أراد به: اليهود؛ آمنوا ~~بما كان في التوراة من نعت محمد، ثم كفروا، وغيروا. * (فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون). # قوله تعالى: * (وأما الذين ابيضت وجوههم ms0220 ففي رحمة الله) أي: في ثواب الله ~~* (هم فيها خالدون). # * (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين) لأنه ~~يعاقب من يعاقب عن استحقاق بالعدل * (ولله ما في السماوات وما في الأرض ~~وإلى الله ترجع الأمور). # قوله تعالى: * (كنتم خير أمة) فإن قال قائل: ما معنى قوله: * (كنتم خير ~~أمة) ومتى كانوا بتلك الصفة؟ قيل: أراد به: كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ. ~~وقيل: أراد به صرتم خير أمة إذا آمنتم. وقيل: يقال لهم يوم القيامة: * ~~(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) فالمعروف: ما ~~عرفه الشرع، والمنكر: ما أنكره الشرع. وفي الحديث: ' لتأمرون بالمعروف، ~~ولتنهون عن المنكر، أو يوشك أن يعمكم الله بعقابه '، وقال: ' أفضل الشهداء ~~بعد شهداء أحد: رجل قام إلى إمام جائر، فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر ~~فقتله عليه '. # قوله: * (وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم) وهذا لاشك ~~فيه. * (منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) لأنه آمن بعضهم، وكفر أكثرهم. ~~PageV01P348 # * (للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل ~~الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) لن يضرركم إلا ~~أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) ضربت عليهم الذلة أين ~~ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم ~~المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون (112) ليسوا سواء من أهل الكتاب) * * (لن يضروكم ~~إلا أذى) يعني: لا يضرونكم بأكثر من أذى وهو إضرار يسير، وأذى توقيعه ~~باللسان. # * (وإن يقاتلونكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون) أي: يهزمون وتكون النصرة ~~لكم عليهم. # قوله تعالى: * (ضربت عليهم الذلة) يعني: ذل الكفر: بالقتل، والسبي، ~~والاغتنام * (أين ما ثقفوا) أي: وجدوا. # * (إلا بحبل من الله) يعني: عهد الذمة * (وحبل من الناس) وهو عهد الأمان، ~~يعني: أنهم يقتلون، ويؤسرون، إلا أن تكون لهم ذمة أو أمان. # * (وباءوا بغضب من الله) رجعوا واحتملوا غضب الله، (وقيل: لزمهم غضب ms0221 ~~الله) من قولهم تبوأ مكان كذا أي: لزمه * (وضربت عليهم المسكنة) أي: ذل ~~الكفر، بزي الفقر، وذلك على اليهود، حتى لا يرى يهودي إلا على زي الفقر، ~~وإن كان غنيا * (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير ~~حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). # * (ليسوا سواء) يعني: (المؤمنين والكافرين) ليسوا سواء، وهذا وقف تام، ثم ~~ابتداء * (من أهل الكتاب أمة قائمة) أي: عادلة، وقيل قائمة: مستقيمة على ~~الحق، وقيل الأمة الطريقة المستقيمة، وهي طريقة الحق، وتقديره: من أهل ~~الكتاب ذو أمة قائمة، ومنه قول النابغة: # (أكفلتني ذنب امرئ وتركته * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع) PageV01P349 # * (أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات ~~وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم ~~بالمتقين (115) إن الذين كفروا لن تغني عنهم) * * أي: ذو دين وطريقة. * ~~(يتلون آيات الله آناء الليل): ساعات الليل، وأحدها: إنا، وأنا * (وهم ~~يسجدون) قال ابن مسعود: يعني: يصلون صلاة العتمة، وقيل أراد به الصلاة ما ~~بين المغرب والعشاء وهو في آناء الليل. # * (يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين) وصفهم الله تعالى وشكرهم * (وما ~~يفعلوا من خير فلن يكفروه) أي: يجازون عليه. والله تعالى إذا جازى العبد ~~على صنيعه، فقد شكره * (والله عليم بالمتقين). # قوله تعالى: * (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا) أي: لا تدفع أموالهم بالفدية، ولا أولادهم بالنصرة من عذاب الله؛ ~~وذلك أن الإنسان يدفع عن نفسه بفداء المال، وتارة بالاستعانة بالأولاد * ~~(وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). # (قوله): * (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر) الصر ~~في الريح: البرد، وقول الشاعر: # (أوقد فإن الليل ليل قر * والريح يا واقد ريح صر) (عسى [ما] نرى نارا لمن ~~يمر * إن جلبت ضيفا فأنت حر) * (أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته) شبه ~~إنفاقهم بزرع ms0222 اجتاحته جائحة أو أصابته ريح باردة فأهلكته. # واختلفوا في تلك النفقة: قال بعضهم: أراد به: إنفاق أبي سفيان يوم بدر ~~وأحد على المشركين في قتال المسلمين، وقيل أراد به: إنفاق المرء الذي ينفق ~~ماله رياء PageV01P350 # * (أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(116) مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ~~ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يأولونكم خبالا ودوا ما عنتم قد ~~بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم ~~تعقلون (118) ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب) * * ~~وسمعة، لا يبتغي وجه الله * (وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون). # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم) أي: خواص ~~من غير أهل ملتكم، وبطانة الرجل: خاصته، والذين يستنبطون أمره، ومنه: ~~البطانة في الثوب؛ لأنه يلي البطن والباطن، وهذا في النهي عن موالاة الكفار ~~* (لا يأولونكم خبالا) أي: يقصرون في (أمركم)، فيفسدون عليكم أمركم، ~~والخبال: الفساد * (ودوا ما عنتم) أي: يودون ما يشق عليكم، والعنت: المشقة، ~~ومنه الأكمه العنوت وهي الشاقة الصعود، قال السدي: أراد به: أنهم يودون ~~ردكم إلى الكفر والضلالة. # * (قد بدت البغضاء من أفواههم) يعني: الوقيعة باللسان، * (وما تخفي ~~صدورهم أكبر) (يعني: الذي: في صدورهم) من الغيظ أعظم من الوقيعة باللسان * ~~(قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون). # قوله تعالى: * (ها أنتم أولاء) يعني: أنتم يا هؤلاء، * (تحبونهم) أي: ~~تحبون إيمانهم، * (ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا) ~~يعني: باللسان. # * (وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم) وهو عبارة عن ~~شدة الغيظ * (إن الله عليم بذات الصدور). # قوله تعالى: * (إن تمسسكم حسنة) أبي: خصب ونصرة (تسؤهم) * (وإن تصبكم ~~سيئة) أي: قحط وبلاء * (يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا) يعني: على ~~PageV01P351 # * (كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل ms0223 من الغيظ قل ~~موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (119) إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن ~~تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا أن الله بما ~~يعملون محيط (120) وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع ~~عليم (121) إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون (122) ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله) * * الشدة ~~والبلاء * (لا يضركم كيدهم شيئا) ويقرأ ' لا يضركم ' بكسر الضاد مخففا، ~~والمعنى واحد * (إن الله بما يعملون محيط). # قوله تعالى: * (وإذ غدوت من أهلك) يعني: واذكر إذ غدوت، ومعناه: خرجت ~~غدوة من أهلك)، أي: من بيت عائشة * (تبوئ المؤمنين) أي: تنزل المؤمنين * ~~(مقاعد للقتال) يعني: تنزلهم في مواضع القتال ومراكزه، يقال: بوأ فلانا ~~مكان كذا، إذا أنزله فيه، قال ابن عباس: كان النبي يسمى لكل واحد من ~~المسلمين مكانا من [القتال]، ويقيمه '. # وهذا كان في حرب أحد، وهذه الآية إلى قريب من آخر السورة في حرب أحد * ~~(والله سميع عليم) أي: سميع بما قاله المنافقون، عليم بما أضمروا؛ فيكون ~~على وجه التهديد، وقيل: معناه: * (والله سميع) بما قال المؤمنون، عليهم بما ~~أضمروا؛ فيكون على وجه المدح. # قوله تعالى: * (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) يعني: أرادت، وقصدت، ~~والهم: القصد، وأما الطائفتان، فقد صح عن جابر أنه قال: أراد به: بني سلمة، ~~وبني حارثة. والقصة في ذلك: ما روى ' أن رسول الله شاور أصحابه في الخروج ~~إلى حرب أحد، فأشار بعضهم بالخروج، وبعضهم بالمكث بالمدينة، فاختار الخروج، ~~وكان جيش المسلمين ألفا، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش فهمت ~~هاتان PageV01P352 # * (لعلكم تشكرون (123) إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ~~آلاف من الملائكة منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ~~يمددكم ربكم بخمسة) * * الطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة أن يرجعوا معهم، ~~فثبتهما الله تعالى على المضي معه، فلم يرجعوا '، فهذا معنى قوله: * (إذ ~~همت طائفتان منكم أن تفشلا) أي: أن تضعفا: وتجبنا * (والله ms0224 وليهما) أي: ~~ناصرهما ومثبتهما على الحرب. # قال جابر: ما وددنا أن تفشلا، وقال الله: * (والله وليهما وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون). # قوله تعالى: * (ولقد نصركم الله ببدر) يذكر عليهم منته بالنصرة يوم بدر، ~~وهو موضع بين مكة والمدينة، وسمى بدرا باسم الموضع، وقيل: سمى بدرا باسم ~~رجل، وقيل باسم بئر * (وأنتم ذلة) أي: قليل العدد؛ لأنهم كانوا يوم بدر ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر نفرا، قال علي: ولم يكن فينا فارس إلى المقداد، وكان ~~منهم سبعة وسبعون من المهاجرين والباقون من الأنصار، وكان صاحب راية ~~المهاجرين أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -، وصاحب راية الأنصار قيس بن ~~سعد بن عبادة. # وكان لهم يومئذ قليل سلاح، فمن الله عليهم بالنصرة لهم؛ مع قلة عددهم ~~وعدتهم، * (فاتقوا الله لعلكم تشكرون). # قوله تعالى: * (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم) قيل: أراد به: في يوم بدر، ~~وقيل: في يوم أحد، قال ابن عباس: ما قاتلت الملائكة في المعركة إلا يوم ~~بدر. # أي: يكفيكم * (أن يمدكم ربكم) الإمداد: هو إعانة الجيش بالجيش، ومنه: ~~المدد * (بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين). # قوله تعالى: * (بلى إن تصبروا) يعني: بلى وعدكم إن تصبروا على لقاء ~~العدو، * (وتتقوا) أي: وتحذروا مخالفة الرسول * (ويأتوكم من فورهم هذا) قال ~~ابن عباس والحسن وأكثر المفسرين: معناه: ويأتوكم من وجوههم هذا، وقيل ~~معناه: من غضبهم هذا؛ لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر. ~~PageV01P353 # * (آلاف من الملائكة مسومين (125) وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن ~~قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفا من ~~الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا) * * (يمددكم ربكم بخمسة آلاف) لم يرد به ~~خمسة آلاف سوى ما ذكر من ثلاثة آلاف؛ لأنهم أجمعوا على أن عدد الملائكة ~~يومئذ خمسة آلاف، وهذا نظير قوله تعالى: * (بالذي خلق الأرض في يومين)، ثم ~~قال بعده: * (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام) ولم يرد به أربعة أيام سوى ذلك اليومين؛ لأنه قال بعده: * ~~(فقضاهن سبع سماوات ms0225 في يومين) وأجمعوا على أن خلق الكل كان في ستة أيام لا ~~في ثمانية أيام، بل أراد به أربعة أيام مع ذلك اليومين كذا هذا. # * (من الملائكة مسومين) يقرأ بفتح الواو، والمراد به المعلمين، ويقرأ ~~بكسر الواو فيكون فعل التسويم: من الملائكة، والتسويم الإعلام بالعلامة، ~~وهو من السومة، والسماء: وهو العلامة، واختلفوا في علامة الملائكة يومئذ ~~كيف كانت؟ قال عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خيل يلق عليهم عمائم صفر. # وقال الحسن: كانت عمائم بيض مرسلة خلف الظهور. وقال مجاهد: كانوا قد ~~أعلموا من الصوف على أذناب الخيل ونواصيها؛ وذلك سنة في خلق الشجعان، وقد ~~قال: ' سوموا فإن الملائكة قد سومت '. # قوله تعالى: * (وما جعله الله إلا بشرى لكم) أي: بشارة لكم * (ولتطمئن ~~قلوبكم به ' أي: بوعده النصرة * (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) ~~يعني: (لا) تختلوا بالنصرة عن الملائكة والجند، واعرفوا [أن] النصر من عند ~~الله. PageV01P354 # * (خائبين (127) ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ~~ظالمون (128) ولله) * * (ليقطع طرفا من الذين كفروا) أي: قطعة منهم، ومنه ~~أطراف الإنسان؛ لأنها قطع النفس، ثم من حمل الآية على حرب بدر، فقد كان ذلك ~~القطع منهم يوم بدر؛ فإنه قتل منهم سبعون وأسر سبعون؛ أكثرهم رؤساؤهم، ومن ~~حمل الآية على حرب أحد، فقد قتل منهم ستة عشر فيهم أصحاب الرايات، فكانت ~~النصرة للمسلمين مالم يخالفوا أمر رسول الله، فلما خالفوا أمره ذهبت النصرة ~~عنهم. # قوله: * (أو يكبتهم) قال أبو عبيدة: أي: يهلكهم، وقيل معناه: يخزيهم، وهو ~~أصح، وقيل معناه: أو يصرعنهم، والكب والكبت: الصرع على الوجه، وفيه قول ~~رابع: يكبتهم بمعنى: يكبدهم، وذلك أن يحزنهم حتى وصل الحزن إلى أكبادهم؛ ~~والعرب تسمي الحزين: أسود الكبد من تأثير الحزن فيه [ومنه] قول الشاعر: # (الأعداء والأكباد سود *) * (فينقلبوا خائبين) أي: لا يدركون ما أملوا، ~~يقال: رجع فلان من الغيبة بالخيبة، إذا لم يدرك أمله. # قوله تعالى: * (ليس لك من الأمر شيء) روى الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد ~~الله ms0226 بن عمر: ' * (ليس لك من الأمر شيء) فترك اللعن في القنوت '، وروى أنس ~~' أنه شج رأسه يوم أحد، وكسرت رباعيته، وأدمي وجهه، وكان يأخذ الدم بكفه ~~ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم؟! فنزل قوله: * (ليس لك من الأمر ~~PageV01P355 # * (ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور ~~رحيم (129) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار) * * شيء) وقيل: أراد رسول الله أن يدعوا ~~عليهم بدعاء الاستئصال؛ فنزل قوله: * (ليس لك من الأمر شيء) وذلك أنه تعالى ~~علم أن فيهم من يسلم [أو يتوب] * (أو يتوب عليهم أو يعذبهم) إنما نصبه على ~~نصب قوله: * (ليقطع طرفا) ومعناه: ليس لك من الأمر شيء؛ فإن تبت عليهم، أو ~~عذبتهم، فأمرك متابع لأمري، أي: إن تبت عليهم، فبرحمتي، وإن عذبتهم، ~~فبظلمهم. # فإن قال قائل: أي اتصال لقوله: * (أو يتوب عليهم) بقوله * (ليس لك من ~~الأمر شيء)؟ قيل: معناه: ليس لك من الأمر شيء، حتى يتوب عليهم، أو إلى أن ~~يتوب عليهم، ومثله قول امرئ القيس: # (فقلت لها لا تبك عينك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا) أي: حتى نموت، ~~فنعذرا، ويحتمل أنه على نسق قوله: ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أو ~~يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء. # والأمر أمري في ذلك كله. # قوله تعالى: * (ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء والله غفور رحيم). # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) قد ذكر الربا في ~~سورة البقرة، وأعاد ذكره ها هنا تأكيدا، والأضعاف المضاعفة: هو ما كانوا ~~يفعلونه من تبعيد الأجل بزيادة الدين. # * (واتقوا الله لعلكم تفلحون) أي: كونوا على رجاء الفلاح، يعني: من ترك ~~الربا PageV01P356 # * (التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) ~~وسارعوا إلى) * * وفيه الفلاح، وفي عطاء الربا الهلاك. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: ' ما هلك قوم إلا وقد فشا فيهم الربا ms0227 ~~والزنا '، [و] عنه أيضا: ' [كثير] الربا إلى قلة '. # قوله تعالى: * (واتقوا النار التي أعدت للكافرين) وهي معدة للكافرين؛ ~~فإنها دار الخلود لهم * (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) أي: كونوا على ~~رجاء الرحمة. # قوله تعالى: * (وسارعوا إلى المغفرة) أي: بادروا إلى مغفرة * (من ربكم)، ~~قال ابن عباس: معناه: بادروا إلى التوبة التي هي سبب المغفرة. وقيل: أراد ~~به: سؤال المغفرة. وفيه قول غريب أنه التكبيرة الأولى. # * (وجنة عرضها السماوات والأرض) أي: سعتها كسعة السماوات والأرض. # [وفي الخبر: ' أن النبي: سئل إذا كانت الجنة عرضها السماوات والأرض] فأين ~~النار؟ قال - عليه الصلاة السلام -: فإذا جاء الليل، فأين يذهب النهار؟ ~~[وإذا] جاء النهار فأين يذهب الليل؟ ' ومعناه - والله أعلم - أنه حيث يشاء ~~الله. # فإن قيل: قد قال الله تعالى: * (وفي السماء رزقكم وما توعدون)، وأراد ~~بالذي وعدنا الجنة، فإذا كانت في السماء، فكيف يكون عرضها السماوات والأرض؟ ~~قيل: إن باب الجنة في السماء وعرضها السماوات والأرض كما أخبر. PageV01P357 # * (مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (133) الذين ~~ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب ~~المحسنين (134) والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله) * * وقيل: أراد به في ~~القيامة، فإن الله يزيد فيها، فيصير عرضها السماوات والأرض إذا (وصلت ~~السماوات والأرض) بعضها ببعض، وأما طولها [فلا يعلمه] إلا الله. # * (أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء) أي: في (اليسر والعسر) ~~* (والكاظمين الغيظ) كظم الغيظ: هو أن يمتلئ غيظا؛ فيمنع نفوذه، من قولهم: ~~كظم البعير بجرته إذا ردها إلى جوفه، وفي الخبر: ' من امتلأ غيظا، وكظمه ~~خيره الله في الحور العين '. # * (والعافين عن الناس) قيل: عن المماليك سوء الأدب، وقيل: على العموم عن ~~كافة الناس، * (والله يحب المحسنين). # قوله تعالى: * (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم) ما دون الزنا من ~~القبلة، والمعانقة، واللمس، والضم، ونحوه * (ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) ~~سبب نزول الآية ما روى: أن رجلا بالمدينة - يقال له: نبهان - كان ms0228 تمارا ~~فجاءته امرأة تشتري منه التمر، فأعجبه جمالها فقبلها، فذكر الله، وندم ~~واستغفر؛ فنزلت الآية. # * (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله) أي: ذكروا وعيد ~~الله * (فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما ~~فعلوا) الإصرار هو المقام على المعصية من غير توبة، فقوله: * (ولم يصروا) ~~أي: ولم يقيموا، ولم يمضوا * (على ما فعلوا وهم يعلمون) أن الله لا يتعاظمه ~~العفو عن الذنب، وإن أكثر PageV01P358 # * (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ~~وجنات) * * الذنب، وقد روى عن معبد بن صبيحة أنه قال: صليت خلف عثمان، فلما ~~أنصرف من صلاته قال: إن الله تعالى يقول: * (ولم يصروا على ما فعلوا) وأنا ~~قد صليت من غير طهارة ناسيا، وها أنا أتوضأ، فذهب (وتوضأ) وأعاد الصلاة. # * (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ونعم أجر العالمين) ذكر في هذه الآية جزاء الذاكرين، والمستغفرين، وقد ورد ~~في الاستغفار أخبار: منها ما روى مرفوعا: ' ما أصر من استغفر، وإن عاد في ~~اليوم سبعين مرة '. # وروى أسماء بن الحكم الفزازي عن علي أنه قال: إذا سمعت من رسول الله ~~حديثا، ينفعني الله به ما شاء، وإذا سمعت من غيره (حلفته) عليه، فإذا حلف ~~صدقته وحدثني أبو بكر - وهو صادق -: أن رسول الله قال ' ما من عبد يذنب ~~ذنبا، فيتوضأ، وصلى ركعتين واستغفر (الله) إلا غفر الله له '. # واعلم أن الاستغفار تسهيل للأمر على هذه الأمة، فإن الذين قبلنا كان ~~الواحد منهم إذا أذنب ذنبا يطهر على بابه (أن اقطع) من نفسك عضو كذا، وكان ~~لا بد له منه، وقد أخرج الله - تعالى - هذه الأمة عن الذنوب بالاستغفار؛ ~~كرامة لهم؛ وتيسيرا عليهم. PageV01P359 # * (تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (136) قد خلت من ~~قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (137) هذا بيان ~~للناس وهدى) * * وسئل ابن المعتز: إذا كان الله - تعالى - واسع المغفرة، ~~وسعت رحمته كل شيء فما ms0229 يمنعه أن يرحم الكافر؟ فقال: إن رحمته لا تغلب ~~حكمته. قوله تعالى: * (قد خلت من قبلكم سنن) قرأ ابن مسعود: ' قد مضت '، ~~وهو بمعنى خلت. السنة: هي الطريقة المتبعة في الخير والشر. # وقد قال في المجوس: ' سنوا بهم سنة أهل الكتاب ' وكانت شرا لهم. وقال ~~الشاعر: # (وإن الآلى بالطف من آل هاشم * تأسوا فسنوا للكرام التأسيا) قال ابن ~~عباس: سنن [الذين] من قبلكم، وهي وقائع الله على الكفار. وقال غيره: هي ~~الأعلام والآثار التي كانت. وحقيقة المعنى: أنها طرائق الله في الكفار، ~~وبقتلهم، وسبيهم وتخريب ديارهم، ونحوه، قال الزجاج: * (قد خلت من قبلكم ~~سنن) أي: أهل سنن. * (فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين). # قوله تعالى: * (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) قال الشعبي: بيان من ~~العمى، وهدى من الضلالة، وموعظة من الجهل؛ فالبيان: هو إظهار معنى الكلام، ~~والموعظة: هي الدعاء إلى الحق بالترغيب والترهيب. # قوله تعالى: * (ولا تنهوا ولا تحزنوا) أي: ولا تضعفوا، ولا تجبنوا، ولا ~~تحزنوا، * (وأنتم الأعلون) أي: تكون لكم العاقبة والنصرة. # وقيل: إنما قال * (وأنتم الأعلون)؛ لأن المسلمين كانوا على الجبل، ~~والمشركين في PageV01P360 # * (وموعظة للمتقين (138) ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين (139) إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس وليعلم الله) * * أسفل الجبل، وقوله: * (إن كنتم مؤمنين) أي: لا ~~تهنوا إن كنتم مؤمنين؛ لأن الإيمان يزيد القوة فلا يورث الوهن. # قوله - تعالى -: * (إن يمسسكم قرح) تقرأ: بفتح القاف، وضمنها، وقال ~~الفراء: القرح - بالفتح -: الجراحة، والقرح: الألم، وقال الكسائي: هما ~~عبارتان عن معنى واحد. والأكثرون على القول الأول، وقوله: * (إن يمسسكم ~~قرح) خطاب للمسلمين فيما مسهم يوم أحد * (فقد مس القوم قرح مثله) أي: مس ~~الكفار يوم بدر (قرح) مثل ما مسكم يوم أحد. # * (وتلك الأيام نداولها بين الناس) فتارة تكوم الدولة للمسلمين على ~~الكفار، وتارة للكفار على المسلمين، قال الزجاج: الدولة تكون للمسلمين على ~~الكفار، وقد كانت الدولة للكفار على المسلمين؛ لما خالفوا أمر الرسول، فإن ~~لم ms0230 يخالفوا أمره كانت الدولة للمسلمين أبدا؛ لقوله تعالى: * (وإن جندنا لهم ~~الغالبون)؛ وقوله تعالى: * (فإن حزب الله هم الغالبون). # * (وليعلم الله الذين آمنوا) قرأ ابن مسعود: ' وليبلي الله الذين آمنوا ~~'، والقراءة المعروفة: * (وليعلم)، فإن قال قائل: ما معنى قوله: * (وليعلم ~~الله الذين آمنوا)، وهو عالم بهم أبدا؟ قيل: معناه: وليعلم الصابرين على ~~الجهاد في مواطن الجهاد ليعاملهم معاملة من يبتليهم؛ فيعلمهم، والعلم ~~بالجهاد في مواطن الجهاد إنما يقع بعد وقوع الجهاد، وقيل: العلم الأول: علم ~~الغيب، وقوله: * (وليعلم) يعني: علم المشاهدة، والوقوع والمجازة على علم ~~الوقوع لا على علم الغيب. # * (ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين) يعني: أنه ما جعل اليد ~~للكفار يوم أحد لحبه إياهم؛ ولكن ليبتليكم، ويجعلكم شهداء. PageV01P361 # * (الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) وليحمص ~~الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا) * * قوله تعالى: * (وليحمص الله الذين آمنوا) وكل هذا ~~على نسق قوله: * (ليقطع طرفا) (وكذلك) قوله: * (وليعلم الله الذين آمنوا) ~~وأما التمحيص: قيل: هو [التخليص] وهو قول الحسن، وقال مجاهد: هو بمعنى: ~~الابتلاء، وحقيقة معنى التمحيص: التطهير من الذنوب، تقول العرب: محص عنا ~~ذنوبنا أي: طهرنا من الذنوب. # * (ويمحق الكافرين) [معنى] الآية: أنهم إن قتلوكم؛ فذلك تطهير لكم، وإن ~~قتلتموهم فذلك محق لهم واستئصال. # قوله تعالى: * (أم حسبتم) أي: [أحسبتم] * (أن تدخلوا الجنة ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم) أي: ولم يعلم الله الذين وقع منهم الجهاد، * ~~(ويعلم الصابرين). # قوله تعالى: * (ولقد كنتم تمنون الموت) سبب نزول الآية أن الذين تخلفوا ~~من حرب بدر من المسلمين قالوا لما انقضت حرب بدر: لو كان لنا يوم مثله ~~فنقاتل ونقتل ونستشهد، فلما كان يوم أحد انهزموا، وهربوا؛ فنزلت الآية. # * (ولقد كنتم تمنون الموت) أي: سبب الموت وهو الجهاد؛ إذ لا يجوز أن ~~يتمنى الموت بقتل الكافر إياه * (من قبل أن تلقوه) أي: تلقون سببه من ~~الجهاد * (فقد رأيتموه وأنتم تنظرون)، فإن قيل: ما معنى قوله: * (وأنتم ~~تنظرون)، ms0231 وقد قال: * (فقد رأيتموه)؟ (قيل): يحتمل [أن تكون] الرؤية بمعنى ~~العلم؛ فقال: PageV01P362 # * (منكم ويعلم الصابرين (142) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد ~~رأيتموه وأنتم تنظرون (143) وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ~~وسيجزي الله الشاكرين (144) وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا ~~مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته) * * (وأنتم تنظرون) ليعلم أن المراد ~~بالرؤية ها هنا: التفكر، قاله الأخفش، وقيل: إنما قاله تأكيدا، وقيل: ~~معناه: وأنتم تنظرون إلى محمد. # قوله تعالى: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) سبب نزول الآية ~~أن المسلمين يوم أحد لما وقعت الهزيمة عليهم، ووقع القتل فيهم؛ صاح الشيطان ~~- عليه ما يستحق -: ألا إن محمدا [قد] قتل، فقال المسلمون: خذوا لنا الأمان ~~من أبي سفيان، وقال من كان في قلبه نفاق: ارجعوا إلى دينكم الأول، فإن ~~محمدا قد قتل؛ فنزل قوله: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) يعني: هو على رسالته ونبوته مات أو قتل، ~~فلم انقلبتم على أعقابكم؟! * (ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا) أي: ~~إنما ضر نفسه، * (وسيجري الله الشاكرين). # وروى: أن [أنس بن النضر] ' لما سمع قول الشيطان: إن محمدا قتل، اخترط ~~سيفه وتوجه إلى الكفار، وقال: إن قاتل محمد وقتل، ووصل إلى ما وصل، فأنا ~~أقاتل حتى أقتل، وأصل إلى ما وصل إليه، فقاتل حتى قتل '. # وقال كعب بن مالك: أنا أول من رأى رسول الله يوم أحد بعد صياح الشيطان، ~~عرفته بعينيه تحت المغفر، فقلت: هذا رسول الله حي، فأشار إلى أن اسكت '. @ ~~364 @ * (منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) و كأين ~~من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا ~~وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا ms0232 وإسرافنا في) * * قوله تعالى: * (وما كان لنفس أن تموت إلا ~~بإذن الله) تقديره: وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله بقضائه وقدره * ~~(كتابا مؤجلا) تقديره: كتب كتابا مؤجلا. # (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها) فإن قيل: نحن نرى من يريد الدنيا، فلا ~~يؤتى؟ قيل: معناه: لا يمنع عنه ما قدر له من ثواب الدنيا بسبب كفره. # * (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) فإن قيل: وهل يؤتى ثواب الآخرة بمجرد ~~الإرادة؟ قيل معناه: ومن يرد بالعمل، وهذا كما يقال: فلان يريد الجنة، أي: ~~يعمل للجنة * (وسنجزي الشاكرين) يعني: المؤمنين، قال علي - رضي الله عنه -: ~~أبو بكر إمام الشاكرين. أي: إمام المؤمنين، رضي الله عنه. # قوله تعالى: * (وكأين من نبي [قاتل] معه ربيون كثير) أي: وكم من نبي قتل ~~قال جرير: # (وكأين بالأباطح من صديق * يراني إن أصبت هو المصابا) قال عكرمة: هذا وقف ~~تام، ومعناه: كم نبي قتل ومعه أصحابه. # * (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله) أي: ما جبنوا * (وما ضعفوا وما ~~استكانوا) أي: ما ذلوا، وما خضعوا، وقال الحسن: ما قتل نبي في معركة قط، ~~وإنما معنى الآية: وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير، وأما القراءة الأخرى: ~~' قاتل معه فمعناه ظاهر، وأما الربيون قال ابن مسعود: هم ألوف، وقيل: هم ~~عشرة آلاف. قال الحسن: الربيون من العلماء مأخوذ من الرب؛ لأنهم على دين ~~الرب وطريقه. # قوله تعالى: * (والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا أغفر ~~لنا ذنوبنا) أي: الصغائر * (وإسرافنا في أمرنا) أي: الكبائر، * (وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين). PageV01P363 # * (أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ~~ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) يا أيها الذين ~~آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل ~~الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما ~~أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا) * * قوله تعالى: * (فآتاهم الله ثواب ~~الدنيا) يعني: (النصرة) والغنيمة. # * (وحسن ثواب الآخرة) قال ابن عباس: ms0233 هو أن الله ينزل النبي وأصحابه في ~~قباب من در وياقوت حتى يفصل بين الخلق، وقيل، حسن ثواب الآخرة: أن يجازيهم ~~على عملهم ويزيدهم من فضله * (والله يحب المحسنين). # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا) يعني: اليهود ~~والنصارى * (يردوكم على أعقابكم) يعني: إلى اليهودية والنصرانية. # وقيل: أراد به المنافقين الذين قالوا يوم أحد: ارجعوا إلى دينكم الأول؛ ~~فإن محمدا قد قتل، فهذا معنى قوله تعالى: * (يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين) أي: مغبونين. * (بل الله مولاكم وهو خير الناصرين). # قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب) يعني: الخوف، قال: ' نصرت ~~بالرعب مسيرة شهر ' * (بما أشركوا بالله) أي: بشركهم بالله * (ما لم ينزل ~~به سلطانا) أي: الذي لم ينزل به حجة، والسلطان: الحجة، قال الله تعالى (هلك ~~عني سلطانيه) أي: حجتي. # * (ومأواهم النار) مكانهم النار * (وبئس مثوى الظالمين) سبب نزول الآية: ~~أن الهزيمة لما وقعت على المسلمين يوم أحد، ووقع القتل فيهم، تشاور ~~المشركون فيما بينهم، وأجمعوا على أن يعودوا للقتال، فيستأصلوا محمدا ~~وأصحابه فألقى الله تعالى الرعب في قلوبهم، فمروا على وجوههم لا يلوون على ~~شيء حتى بلغوا مكة، فذلك قوله تعالى: * (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب). ~~PageV01P365 # * (ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) ولقد صدقكم الله وعده إذ ~~تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما ~~تحبون منكم من يريد) * * قوله تعالى: * (ولقد صدقكم الله وعده) أي: وعده ~~صدقكم بالظفر والنصرة؛ وقد كانت النصرة في الابتداء للمسلمين يوم أحد * (إذ ~~تحسونهم بإذنه) أي: تقتلونهم بقضاء الله وقدره، وألحس: القتل، ومنه قول ~~الشاعر: # (تحسهم السيوف كما تسامى * لهيب النار في أجم الحصيد) * (حتى إذا فشلتم) ~~أي: جبنتم، * (وتنازعتم في الأمر) تقديره: حتى إذا فشلتم، تنازعتم في ~~الأمر، و ' الواو ' زائدة قاله الفراء، وقيل: فيه تقديم وتأخير وتقديره: ~~حتى إذا تنازعتم في الأمر، فشلتم * (وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون) ~~يعني: من الظفر والغنيمة. # * (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد ms0234 الآخرة)؛ لأنهم اختلفوا على ما ~~سنذكر * (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) أي: [كف] أيديكم عنهم؛ ليمتحنكم، وقيل: ~~لينزل البلاء عليكم، * (ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين)، والقصة ~~في ذلك: ' أن رسول الله رأى في منامه: أنه لبس درعا حصينة حين نزل المشركون ~~بأحد؛ فأولها على المدينة، وشاور أصحابه في الخروج إلى أحد، فقالوا: إن هذه ~~بلدة ما دخل علينا فيها أحد، ولا تبع حتى قدم وحتى يخرج إليهم، فلبس رسول ~~الله درعين، ووضع المغفر على رأسه، وخرج؛ فندموا وعلموا أنه كان مراده أن ~~يقيم، فقالوا: يا رسول الله، (إنا) تبع لرأيك، وطلبوا منه أن يرجع إن شاء، ~~فقال: ما كان لنبي إذا لبس لامته أن ينزعها حتى يقاتل، أو يحكم الله. # ومضى معه ألف نفر، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول [وأصحابه] بثلث الجيش ~~ثلاثمائة نفر، وبقي سبعمائة، فلما وصل إلى أحد بعث قوما من الرماة، وأجلسهم ~~على موضع من جبل يخاف منه الكمين، وأمر عليهم عبد الله بن جبير الأنصاري. ~~PageV01P366 # * (الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم ~~والله ذو فضل) * * ثم ابتدأ القتال مع المشركين، فظفر عليهم، وقتل جماعة من ~~رؤسائهم، وانهزموا، ولاح الظفر للمسلمين، وساروا في أثرهم للغنيمة، فلما ~~رآه الرماة، فقالوا: إن المشركين قد انهزموا، ولاح الظفر حتى نسير على ~~أثرهم؛ ونغنم، فقال عبد الله بن جبير: لا تفارقوا هذا المكان؛ فإن رسول ~~الله أمركم أن تلزموا هذا المكان، فالزموه، فاختلفوا عليه، وذهب أكثرهم، ~~وبقي عبد الله بن جبير مع نفر قليل من أصحابه. # فلما عرى موضع الكمين عن الرماة، خرج عليهم خالد بن الوليد من الكمين، ~~وحمل عليهم بالقتل، فاستشهد عبد الله بن جبير، ومن بقي معه، وعاد المشركون ~~للقتال، ووقع القتل في المسلمين، وقتل منهم سبعون نفرا، وانهزم الباقون، ~~وبقي مع رسول الله نفر قليل، فذلك قوله * (ولقد صدقكم الله وعده) أي: في ~~الابتداء بالظفر والنصرة * (إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في ~~الأمر) يعني: أولئك الرماة ms0235 الذين اختلفوا، * (وعصيتم) يعني: عصيتم الرسول، ~~وخالفتم أمره * (من بعد ما أراكم) يعني: من بعد أن أراكم الله تعالى * (ما ~~تحبون) من الظفر * (منكم من يريد الدنيا) هم الذين ذهبوا للغنيمة، * (ومنكم ~~من يريد الآخرة): الذين صبروا مع عبد الله بن جبير. # قال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدا منا يريد الدنيا حتى أنزل الله هذه ~~الآية. # * (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) يعني: في الوقعة الثانية حين عاد المشركون، ~~وهذا دليل لأهل السنة على: أن أفعال العباد مخلوقة؛ حيث نسب الله تعالى ~~هزيمة المسلمين إلى نفسه مع وقوع الفعل منهم، فقال: * (ثم صرفكم عنهم). # قوله تعالى: * (إذ تصعدون) ويقرأ: بفتح التاء والعين. فالإصعاد: هو المشي ~~في مستو من الأرض، والصعود: المشي في مرتفع من الأرض. PageV01P367 # * (على المؤمنين (152) إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في ~~أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله ~~خبير بما تعملون) * * والخطاب مع المسلمين الذين انهزموا، بقوله: * (إذ ~~تصعدون ولا تلوون على أحد) أي: لا تعرجون، ولا تلتفتون إلى أحد، ثم منهم من ~~قال: * (أراد بالأحد): الرسول، ومنهم من قال: معناه: لا تلوون على أحد من ~~الناس. # * (والرسول يدعوكم في أخراكم) يعني: في آخر الجيش، وكان يدعوهم: ' عباد ~~الله، إلي إلي، أنا رسول الله، فلم يلتفتوا إليه، ومضوا '. # * (فأثابكم غما بغم) أي: جازاكم، ثم اختلفوا، منهم من قال: الغم الأول: ~~هو القتل، والهزيمة التي وقعت على المسلمين، والغم الثاني: هو الإرجاف من ~~قول الشيطان: إن محمدا قد قتل. وقيل: [إن] الغم الأول: هو القتل والهزيمة، ~~والغم الثاني: هو فوات الظفر على العدو. # وقال الزجاج: معناه: أنهم غموا الرسول بمخافة أمره؛ فجازاهم الله تعالى ~~بذلك الغم غم القتل والهزيمة؛ وإنما سماه ثوابا؛ لأنه وضعه موضع الثواب، ~~كما قال: * (فبشرهم بعذاب أليم) سمى العذاب: بشارة؛ لأنه وضعه موضع البشارة ~~* (ليكلا تحزنوا على مل فاتكم ولا ما أصابكم) من القتل والهزيمة، منعهم ~~الله تعالى من الحزن على شيء ابتلاهم الله به، ووعد الثواب ms0236 عليه * (والله ~~خبير بما تعملون). # قوله تعالى: * (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة) قيل: الأمن والأمنة ~~بمعنى PageV01P368 # (* (153) ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة ~~قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر ~~من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان ~~لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي) * * واحد، وقيل: يكون مع (زوال سبب ~~الخوف)، فأما ها هنا فقال: * (أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم) قيل: فيه تقديم ~~وتأخير، وتقديره: نعاسا أمنة، وقيل: هو على نظمه مستقيم، ومعنى الآية: أن ~~الله تعالى أراد تميز المؤمنين من المنافقين، فأوقع النعاس على المؤمنين ~~أمنة لهم، حتى أمنوا، ولم يوقع على المنافقين فبقوا على الخوف. # قال أبو طلحة: أوقع الله تعالى علينا النعاس ونحن تحت الحجر. # وقيل: أوقع النعاس عليهم حتى كان يسقط السيوف من أيديهم، وكذلك عبد ~~الرحمن بن عوف والزبير أخبرا عن ذلك النعاس، كما أخبر أبو طلحة. # وعن الزبير أنه قال: لما أوقع الله النعاس علينا، سمعنا معتب بن قشير ~~يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، وكنت كأني في النوم أسمع، ~~فذلك قوله: * (يغشى طائفة منكم) يعني: المؤمنين * (وطائفة قد أهمتهم ~~أنفسهم) يعني: المنافقين * (يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل ~~لنا من الأمر من شيء) قال: * (قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا ~~يبدون لك). # ثم فسر ذلك فقال: * (يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل ~~لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم). # أي: خرج الذين كتب عليهم القتال إلى مصارعهم للموت، وفي هذا دليل على أن ~~الأجل في القتل والموت واحد، كما قال أهل السنة. # قوله تعالى: (وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله ms0237 عليم ~~بذات الصدور). PageV01P369 # * (الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (154) ~~إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما لستزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ~~ولقد عفا). # قوله تعالى: * (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان). يعني: الذين ~~انهزموا من المسلمين يوم أحد؛ فإنه لما وقعت الهزيمة على المسلمين انهزم ~~أكثرهم، ولم يبقى مع رسول الله إلا أربعة عشر نفرا: سبعة من المهاجرين ~~وسبعة من الأنصار، وقيل: ثلاثة عشر، ستة من المهاجرين وهم أبو بكر، وعمر، ~~وعلي، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. # وفي الرواية الأولى: كان السابع الزبير، وكان طلحة أشد نكاية في الكفار ~~يومئذ. # وقيل: إن يوم أحد لطلحة، وقيل: إنه كان وقاية رسول الله وكان قد ضرب على ~~يده فشلت وبقيت كذلك. # وأما سعد وهو رامية، وكان يرمي بين يديه، ويقول له رسول الله: ' ارم، ~~فداك أبي وأمي ' وأما الذين انهزموا، فقد لحق بعضهم بالمدينة منهم عثمان، ~~ورجع بعضهم على الطريق منهم عمر؛ فذلك قوله: * (إنما استزلهم الشيطان) أي: ~~طلب زلتهم، يقال: استعجل فلانا، أي: طلب عجلته، ومعناه: أن الشيطان استزلهم ~~حتى انهزموا. # وقوله * (ببعض ما كسبوا) يعني: من مخالفة الرسول * (ولقد عفا الله عنهم ~~إن الله غفور حليم) قال الزجاج: كان سبب انهزامهم: أن الشيطان وسوس إليهم: ~~إن عليكم ذنوبا؛ فكرهوا القتل قبل أن يتوبوا من الذنوب؛ فذلك قوله: * (إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم). ~~PageV01P370 # * (الله عنهم إن الله غفور حليم (155) يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا ~~عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل) * * روى: ' أن رجلا جاء إلى ابن عمر - ~~وقيل: إلى ابن عباس، [و] الأصح إلى ابن عباس، وقال: أليس عثمان لم يشهد ~~بدرا؟ قال: نعم. فقال: أليس لم يشهد بيعة الرضوان؟ قال: نعم، قال: أليس ~~انهزم يوم أحد؟ قال: نعم. # فقال الرجل الله أكبر. # فعرف ابن عباس ms0238 أنه أراد النقص؛ فدعاه، قال: أما يوم بدر؛ فإن النبي كان ~~قد خلفه على ابنته، وكانت مريضة وقال له: لك أجر واحد ممن شهد، وسهم واحد ~~مما شهد، وهو بدري بقول الرسول. # وأما بيعة الرضوان، فقد كان الرسول بعث عثمان إلى مكة رسولا، ولو كان ~~بينهم في الوادي أعز منه لبعثه، ولما بايعهم ضرب رسول الله بشماله على ~~يمينه، وقال: هذه يد عثمان، وهذه يدي، أما انهزامه يوم أحد، فقد عفا الله ~~عنه، ولا عيب في شيء عفا الله عنه '. # فصل ' وأما ما أصاب رسول الله يوم أحد، فإنه كان قد هشمت البيضة التي ~~كانت على رأسه، وأدمي وجهه، وكسر [ثنيته]؛ فجاء إلى المدينة فكانت فاطمة ~~تغسل وجهه، وعلي - رضي الله عنه - يأتي بالماء في المجن، وكان يغلب الدم، ~~حتى أحرقت حصيرا، فلما صار رمادا، جعلوه في الجراحة فاستمسك الدم '. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا) يعني: ~~المنافقين PageV01P371 # * (الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير ~~(156) ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ~~(157) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) فبما رحمة من الله لنت لهم ~~ولوا كنت فظا غليظ القلب لنفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في ~~الأمر فإذا عزمت فتوكل) * * (وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض) أراد: ~~إخوانهم في النسب، لا في الدين * (ضربوا في الأرض) أي: سافروا * (أو كانوا ~~غزى) جمع غاز * (لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) وهذا قول المعتب بن ~~قشير، وعبد الله بن أبي بن سلول، وجد بن قيس؛ * (ليجعل الله ذلك حسرة في ~~قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير). # قوله تعالى: * (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم) أي: لئن خرجتم، فقتلتم، ~~أو لم تخرجوا، فمتم * (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) من الدنيا ~~ويطلبون الحياة لأجله. # قوله تعالى: * (ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) يعني: كيفما خرجتم ~~من الدنيا، فحشركم ms0239 إلى الله تعالى. # قوله تعالى: * (فبما رحمة من الله) أي: فبرحمة، و ' ما ' للصلة، * (لنت ~~لهم) وهذه صفة المؤمنين، وقد قال: ' المؤمنون هينون لينون، كالجمل الأنف، ~~إن قيد انقاد، وإن أنخ على صخرة استناخ '. # * (ولو كنت فظا) وهو الجافي * (غليظ القلب) أي: قاسي القلب * (لا نفضوا) ~~لتفرقوا * (من حولك). PageV01P372 # * (على الله إن الله يحب المتوكلين (159) إن ينصركم الله فلا غالب لكم ~~وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (160) ~~وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون) * * (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) ~~المشاورة هي استخراج الرأي، وكانت المشاورة جائزة للنبي في أمور الدنيا، ~~فأما في أمور الدين فعلى التفصيل إن كان في شيئين يجوز كلاهما، جازت ~~المشاورة، كما شاورهم في أسارى بدر، حيث كان يجوز القتل والفداء. # والثاني: في أمور ثبتت نصا، كالصوم والصلاة، لا تجوز فيها المشاورة. # والثالث: في شيء لا نص فيه، فهو بناء على أن اجتهاده هل كان سائغا أم لا؟ ~~فإن ساغ اجتهاده، جازت مشاورته، وإلا فلا. # ولأي كان يشاور؟ قال الضحاك: ليقتدى به، وليستن بسنته، وهو قول سفيان ~~الثوري، وقال قتادة: تطييبا لقلوبهم. # * (فإذا عزمت فتوكل على الله) أي: لا تتوكل على المشاورة، وإنما توكل على ~~الله * (إن الله يحب المتوكلين). # * (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده) ~~الخذلان: الامتناع عن النصرة عند الحاجة * (وعلى الله فليتوكل المؤمنين). # قوله تعالى: * (وما كان لنبي أن يغل) يقرأ بقراءتين، فمن قرأه: بفتح ~~الياء وضم الغين، فمعناه: أن يخون. # قال ابن عباس: سبب نزول الآية: أنه يوم بدر فقدت قطيفة حمراء، فقال بعض ~~أصحاب رسول الله: الرسول أخذها؛ فنزل قوله: * (وما كان لنبي أن يغل). # وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: وما كان لنبي أن يكتم شيئا من الوحي، ~~ويخون فيه. # وفيه قول ثالث: ' أن النبي كان قد بعث طلائع، فهم ألايعطيهم ms0240 من الغنائم ~~PageV01P373 # (* (161) أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير) * * شيئا؛ فنزل قوله: * (وما كان لنبي أن يغل) ' قال قتادة: أن ~~يخان منه، أي: لا تخونوه، وقيل معناه: أن ينسب إلى الغلول، وقيل معناه: أن ~~يلقى غلا، وهذا غريب من معنى القراءة الأولى. والغلول: الخيانة، والغل: ~~الحقد، والغلل: الماء الذي يجري بين الشجر، ومنه قول الشاعر: # (لعب [السيول] به فأصبح ماؤه * غللا [يخلل] في أصول الخروع) وفي الخبر: ~~أن النبي قال: ' ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ونصيحة ~~ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم '. # * (ومن يغلل) أي: ومن يخن * (يأت بما غل يوم القيامة) قيل: يأتي ما غل ~~بعينه يوم القيامة، وذلك معنى قوله فيما روى عنه: ' لألقين أحدكم يوم ~~القيامة، وعلى رقبته فرس له حمحمة قد غله، فيقول: يا محمد، يا محمد، فأقول: ~~لا أغني عنك من الله شيئا، ألا قد بلغت، ولألقين أحدكم يأتي يوم القيامة، ~~وعلى رقبته شاة لها ثغاء، قد غلها، فيقول يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أغني ~~عنك من الله شيئا، ألا قد بلغت، ولألقين أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته بعير ~~له رغاء، قد غله، فيقول: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أغني عنك من الله ~~شيئا ألا قد بلغت '. PageV01P374 # ((162) * هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163) لقد من الله على ~~المؤمنين إذ) * * والقول الثاني: أنه أراد به: يأتي بإثم ما غل يوم ~~القيامة، وفي الخبر: ' أن رجلا كان على ثقل رسول الله، فاستشهد فقال الناس ~~هو في الجنة، فقال النبي هو في النار؛ فطلب، فإذا هو قد غل عباءة عن المغنم ~~'. # * (ثم توفى كل نفس ما كسبت) أي: جزاء ما كسبت، فالجزاء مضمر فيه * (وهم ~~لا يظلمون). # قوله تعالى: * (أفمن اتبع رضوان الله) يعني: ترك الغلول * (كمن باء بسخط ~~من الله) يعني: بالغلول، وقيل معناه: أفمن اتبع رضوان الله بموافقة الرسول، ~~كمن باء بسخط من الله بمخالفة الرسول * (ومأواه ms0241 جهنم وبئس المصير). # قوله تعالى: * (هم درجات عند الله) قال مجاهد: لهم درجات عند الله، يعني: ~~المؤمنين، وقال غيره: تقديره: هم ذووا درجات عند الله، يعني: المؤمنين ~~والمنافقين ، فالمؤمنون ذووا الدرجات الرفيعة، والمنافقون ذووا الدرجات ~~الخسيسة، ومثله قول الشاعر: # (أنصب للمنية تعتريهم * رجالي، أم همو درج السيول) أي: ذووا درج السيول. ~~* (والله بصير بما يعملون) قوله - تعالى -: * (لقد من الله على المؤمنين) ~~أي: أنعم، والمنه: النعمة، والمن: القطع؛ ومنه قوله - تعالى -: * (لهم أجر ~~غير ممنون) أي: غير مقطوع، وسميت النعمة منة، لأنها مقطوعة عن المحن ~~والشدائد. # وقوله تعالى: * (إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) قيل: هذا في العرب خاصة؛ ~~PageV01P375 # * (بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) أو لما أصابتكم مصيبة قد ~~أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ~~(165) وما أصابكم يوم التقى) * * لأن الرسول بعث من بني إسماعيل إلى العرب، ~~وقيل: هو على العموم في حق الكافة؛ فإنه بعث بشر مثلهم. # وموضع المنة في بعثه من أنفسهم للعرب: أنه كان شرفا لهم، حيث بعث الرسول ~~منهم، وأيضا فإن القرآن نزل بلسان العرب؛ إذ كان الرسول عربيا، وكان التعلم ~~أسهل عليهم؛ لكونه أقرب إلى أفهامهم، فالمنة في السهولة عليهم، ولأنه لما ~~نشأ فيهم، وعرفوا صدقة وأمانته، وكان أميا مثلهم ما كان يحسن الخط، ولا ~~يعلم شيئا، ولا سافر، ثم أتى بكتاب يخبر عن القرون الماضية وقصص الأولين، ~~ووافق الكتب المنزلة قبله، كان أقرب إلى قلوبهم، فكان يسهل طريق الإيمان ~~عليهم. # وقوله: * (يتلو عليهم آياته ويزكيهم) أي: يشهد بتزكية سائر الأمم، ~~ويجعلهم أزكياء، وقيل: يطهرهم من الذنوب * (ويعلمهم الكتاب) يعني: القرآن * ~~(والحكمة)، قال ابن عباس: الفقه والشرائع، وقال غيره: الحكمة: السنة. * ~~(وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) أي: ما كانوا من قبل إلا في ضلال مبين. # قوله تعالى: * (أو لما أصابتكم مصيبة) يعني: يوم أحد * (قد أصبتم مثليها) ~~يعني: يوم ms0242 بدر: نزلت الآية في تسلية المؤمنين، وذلك: أن يوم أحد قتل من ~~المسلمون سبعون، وقد أصاب المسلمون منهم يوم بدر سبعين بالقتل، وسبعين ~~بالأسر، فذلك مثليهم، فجعل الأسر مثل القتل؛ حيث جعل القتلى والأسرى يوم ~~بدر مثلي قتلى أحد. # * (قلتم أنى هذا) من أين هذا؟ * (قل هو من عند أنفسكم) أي: بمخالفة ~~الرسول منكم '. وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في تفسير قوله تعالى: * ~~(قل هو من عند أنفسكم) أي: باختياركم الفداء؛ وذلك أن النبي خير المسلمين ~~يوم بدر في الأسارى بين القتل والفداء، وقال لهم: ' إن اخترتم الفداء أصيب ~~PageV01P376 # * (الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم الذين نافقوا وقيل ~~لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لأتبعناكم ~~هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان) * * منكم بعدتهم في العام القابل، ~~فاختاروا الفداء، وقالوا: نتقوى به على العدو، ويستشهد منا ' فذلك قوله: * ~~(قل هو من عند أنفسكم) أي: باختياركم، وهو قول علي - رضي الله عنه - * (إن ~~الله على كل شيء قدير). # قوله تعالى: * (وما أصابكم يوم التقى الجمعان) يعني: يوم أحد * (فبإذن ~~الله) أي: بعلم الله، وروى ' أنه - لما نزل المشركون بأحد رأى في منامه أن ~~بقرا ينحر، فأوله على أن يستشهد بعض أصحابه. ورأى أن سيفه ذا الفقار انقصم ~~فأوله على قتل حمزة، ورأى كأن كبشا أغبر قتل فأوله على قتل مبارز الكفار، ~~فقتل يوم أحد مبارزهم عثمان بن طلحة العبدري من بني عبد الدار '. # * (وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا) يعني: علم المشاهدة، وإن كان ~~علمهم علم الغيب. # * (وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا) قائل ذلك القول: عبد ~~الله بن حرام أبو جابر، قال للمنافقين: قاتلوا في سبيل الله، وإن لم ~~تقاتلوا لأجل الدين، فادفعوا عن الأهل والحريم. # * (قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم) فرجعوا وهم يقولون: لا قتال، لا قتال، ~~حتى يفشل المسلمون * (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان) يعني: بعد رجوعهم ~~ومقالتهم تلك؛ لأنهم كانوا من قبل من المؤمنين في الظاهر؛ وإن ms0243 كانوا ~~منافقين في الباطن، فلما فارقوا المؤمنين صاروا أقرب إلى الكفر منهم ~~للإيمان. PageV01P377 # * (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) الذين ~~قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن ~~كنتم صادقين (168) ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون (169)) * * (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما ~~يكتمون). # قوله تعالى: * (الذين قالوا لإخوانهم) يعني: في النسب لا في الدين، وهم ~~المنافقون، قالوا للمسلمين: لو قعدوا قتلوا)، كما لم نقتل، فذلك قوله: * ~~(الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين) يعني: إن قدرتم على دفع القتل، وتقدرون على دفع ~~الموت، فادفعوا الموت عن أنفسكم. والدرء: الدفع، ومنه قول الشاعر: # (أقول وقد درأت لها وضيني * أهذا دينكم أبدا وديني؟) قوله تعالى: * (ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) سبب نزول الآية: أن أصحاب رسول ~~الله لما استشهدوا يوم أحد، كان الناس يقولون: مات فلان؛ ومات فلان، فنزل ~~قوله تعالى: * (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم) قيل معناه: يؤولون أحياء يوم القيامة. إلا أن هذا ضعيف؛ لأنه لا يبقى ~~لهم فيه تخصيص، والأصح: أنه على معنى ما روى عن رسول الله أنه قال: ' إن ~~أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلف من ثمار الجنة - وفي رواية: تأكل، وفي ~~رواية: تسرح في الجنة فترد مياهها - ثم تأوى إلى قناديل من ذهب معلقة من ~~العرش ' ورواه مسلم في صحيحه، وزاد ' إن الله تعالى اطلع عليهم اطلاعة، ~~فيقول: تمنوا علي، فيقولون: ماذا نتمنى وقد أعطيتنا هذا؟! فيقول: تمنوا ~~على، فيقولون: وماذا نتمنى وقد أعطيتنا هذا؟! فيقول: تمنوا على، فيقولون: ~~نتمنى أن نرد إلى الدنيا ونقتل في سبيلك ثانيا ' الحديث. PageV01P378 # * (فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن ~~الله لا يضيع ms0244 أجر) * * وفي رواية ثالثة: ' أن النبي رأى جابرا حزينا، وقتل ~~أبوه عبد الله بن حرام يوم أحد، فقال: ما لي أراك حزينا، إن الله تعالى لم ~~يكلم أحدا، إلا من وراء حجاب، وقد كلم أباك كفاحا، فقال: تمن علي ' الحديث. # وروى: ' أن شهداء أحد قالوا: من يبلغ نبينا وإخواننا ما وصلنا إليه؟ فقال ~~الله تعالى: أنا أبلغهم - وفي رواية: أنا رسولكم - وأنزل هذه الآية '. # * (بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون ~~بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) قيل معناه: أنه يدفع إليهم كتاب فيه أسماء ~~إخوانهم الذين يستشهدون من بعدهم، فيستبشرون بهم. # وقوله: * (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) وقدر عليهم أن ~~يلحقوا بهم. فيه قول آخر، أن الشهداء يقولون: يا ليت إخواننا أصيبوا مثل ما ~~أصابنا؛ فيصلون إلى ما وصلنا؛ فذلك قوله: * (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم من خلفهم أي: بأن لا خوف عليهم * (ولاهم يحزنون). # * (يستبشرون بنعمة من الله وفضل) وقيل: أراد بالنعمة: قدر الكفاية، ~~وبالفضل: ما زاد على الكفاية، ومعناه: لا يضيق عليهم، بل يوسع في العطاء، ~~وقيل: ذكر الفضل تأكيدا للنعمة، * (وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) قرأ ابن ~~مسعود: # ' والله لا يضيع أجر المؤمنين '. # قوله تعالى: * (الذين استجابوا لله والرسول) قيل: سبب نزول الآية: أن أبا ~~سفيان PageV01P379 # * (المؤمنين (171) الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ~~للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172) الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم) * * لما رجع إلى مكة يوم أحد، قال الكفار بعضهم لبعض في ~~الطريق: نرجع؛ فنستأصل محمدا وأصحابه، فبلغ ذلك رسول الله، فقال: من ينتدب ~~إلى الخروج، فانتدب سبعون نفرا فيهم أبو بكر والزبير. # وقد قالت عائشة لعروة: إن أبويك من الذين استجابوا لله والرسول، وأرادت ~~أن أبا بكر والزبير كانا في السبعين، فخرجوا إلى حمراء الأسد [وهم] على ~~ثمانية أميال من المدينة، فلما وصلوا (فإذا الله كان قد ألقى) الرعب في ~~قلوب المشركين، وكانوا مضوا إلى مكة ms0245 '. # وقال ابن عباس (قولا آخر): أن أبا سفيان لما أراد أن يرجع يوم أحد، قال: ~~موعدنا وموعدكم العام القابل ببدر، ثم لم يتفق له الخروج في العام القابل، ~~وخرج رسول الله لموعده إلى بدر مع أصحابه، فأولئك الذين استجابوا لله ~~والرسول '. # * (من بعد ما أصابهم القرح) يعني: الألم يوم أحد، * (للذين أحسنوا منهم) ~~باستجابة الرسول، * (واتقوا) يعني مخالفة الرسول * (أجر عظيم). # قوله تعالى: * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم) هذا ~~قول نعيم بن مسعود الأشجعي، والقصة في ذلك: ' أن أبا سفيان لما لم يتفق له ~~الخروج لموعده ببدر بعث بنعيم بن مسعود الأشجعي إلى المدينة، وقال له: ثبط ~~PageV01P380 # * (فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من ~~الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174) إنما ~~ذلكم الشيطان) * * أصحاب محمد عن الخروج؛ كيلا يظنوا أن بنا فشلا ولك عشر ~~من الإبل، فجاء إليهم، وكان النبي وصاحبته يتهيئون للخروج، فقال لهم: ~~تخرجون إليهم! قد خرجوا إليكم في العام الماضي، وفعلوا بكم ما فعلوا في ~~بيوتكم، والله لو خرجتم إليهم لا يعود أحد منكم، فقال وأصحابه: حسبنا الله ~~ونعم الوكيل، ولم يمتنعوا من الخروج '. # فقوله: * (الذين قال لهم الناس) هو نعيم بن مسعود وحده، هذا قول عكرمة ~~ومجاهد ومقاتل والكلبي، وقال ابن عباس: هو قول نفر قليل من عبد القيس، ~~وقوله: * (فزادهم إيمانا) منهم من قال معناه: زادهم إيمانا بتفويضهم، ~~وقولهم: حسبنا الله ونعم الوكيل، وقيل معناه: زادهم يقينا بما وعدهم الله ~~من النصر، * (وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)، قال ابن عباس: وهذا قول ~~إبراهيم حين ألقى في النار، فإنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. # قوله تعالى: * (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل) معنى الآية: ' أن النبي ~~وأصحابه خرجوا لموعد أبي سفيان إلى بدر، وهو مجمع سوق العرب، فلم يلقوا ~~هنالك (أحدا) إذ لم يتفق (خروجهم)، فاتجروا هنالك، وربحوا، وانصرفوا ' فذلك ~~قوله: * (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل) فالنعمة: العافية، والفضل: ربح ~~التجارة * (لم يمسسهم ms0246 سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم). قوله ~~تعالى: * (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) فالشيطان: كل عات متمرد من الجن ~~والإنس، والمراد بالشيطان ها هنا: نعيم بن مسعود، وقيل: هو الشيطان ~~PageV01P381 # * (يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) ولا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم ~~حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن ~~يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ~~خير لأنفسهم إنما نملي لهم) * * المعروف؛ فإنه وسوس إليهم: أن لا تخرجوا ~~لذلك الوعد. # وقوله: * (يخوف أولياءه) قال إبراهيم النخعي: تقديره: يخوفكم أولياءه أي: ~~من أولياءه، وهم الكفار، وقال أهل المعاني: هو قول حسن. # وقال الفراء: معناه: يخوفكم بأوليائه، وكذا قرأ أبي بن كعب. (ومثله) قوله ~~تعالى: * (لينذر بأسا شديدا) أي: ببأس شديد، وقال الشاعر: # (أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نسب) أي: أمرتك ~~بالخير، فنزع الباء * (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) قوله تعالى: * ~~(ولا يحزنك) ويقرأ: ' ولا يحزنك) بضم الياء، ومعناهما واحد. # * (الذين يسارعون في الكفر) يعني: قول الذين يسارعون في الكفر. # * (إنهم لن يضروا الله شيئا) أي: لن ينقصوا الله شيئا * (يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة) أي: نصيبا في الآخرة * (ولهم عذاب عظيم). # قوله تعالى: * (إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان) أي: استبدلوا وكل شراء ~~استبدال، وليس كل استبدال شراء * (لن يضروا الله شيئا) أي: لن ينقصوا الله ~~شيئا * (ولهم عذاب أليم). # قوله تعالى: * (ولا يحسبن الذين كفروا) أي: لا يظنن، من الحسبان: الظن * ~~(أنما نملي لهم خير لأنفسهم) الإملاء: إطالة العمر، والإمهال: التأخير، ~~ويقال لليل والنهار: ملوان. PageV01P382 # * (ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين (178) ما كان الله ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن ~~الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر ~~عظيم ms0247 (197) ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل ~~هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا) * * (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) أي: إنما ~~نطيل عمرهم ليزدادوا إثما. روى الأسود عن أبن مسعود: ' ما من أحد إلا ~~والموت خير له؛ برا كان أو فاجرا: أما البر، لقوله تعالى -: * (وما عند ~~الله خير للأبرار) وأما الفاجر؛ لقوله تعالى: * (إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما)؛ وذلك أنه إذا ازداد إثما اشتدت عقوبته ' * (ولهم عذاب مهين). # قوله تعالى: * (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه) يعني: على ~~اختلاط المنافقين بكم؛ فإنهم كانوا مختلطين بالمؤمنين * (حتى يميز الخبيث ~~من الطيب) قال مجاهد: حتى يميز الكافر من المؤمن، وقال قتادة: حتى يميز، ~~المنافق من المؤمن، ويقرأ: حتى ' يميز ' مشددا يقال: ماز يميز، وميز يميز، ~~بمعنى واحد. وفي الحديث: ' من ماز أذى من الطريق، فهو له صدقة ' * (وما كان ~~الله ليطلعكم على الغيب) سبب نزوله: أن أصحاب رسول الله قالوا: يا رسول ~~الله، أخبرنا بمن يموت على الإيمان، ومن يموت على الكفر؛ فنزل قوله: * (وما ~~كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) يعني: فيطلعه ~~على الغيب بما شاء، وهذا كما قال في آخر سورة الجن: * (فلا يظهر على غيبه ~~أحدا إلا من ارتضى من رسول) * (فآمنوا بالله ورسوله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم ~~أجر عظيم). # قوله تعالى: * (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا ~~لهم) يعني: هو يكون خيرا لهم * (بل هو شرا لهم) في معنى الآية قولان: ~~أحدهما: أنه في اليهود، حيث كتموا نعت محمد، وبخلوا به؛ فعلى هذا معنى ~~قوله: * (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) أي: إثم ما بخلوا به يوم ~~القيامة، والقول الثاني: أن الآية في PageV01P383 # * (به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير ~~(180) لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما ~~قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق) * * ما نعى الزكاة، وقوله: * (سيطوقون ما ms0248 ~~بخلوا به يوم القيامة) على حقيقته، وهو معنى ما روى عن رسول الله أنه قال: ~~' من منع الزكاة جاء يوم القيامة، فيمثل له ماله شجاعا أقرع فيطوق في ~~رقبته، [فينهسه] من قرنه إلى قدميه ثم قرأ هذه الآية '. * (ولله ميراث ~~السماوات والأرض) فإن قال قائل: كيف يكون له ميراث السماوات والأرض؟ قيل: ~~العرب تسمى كل ما انتقل من أحد إلى غيره ميراثا بأي سبب كان، فلما خلصت ~~السماوات والأرض لله تعالى بعد هلاك العباد، سماه ميراثا، كأنه انتقل منهم ~~إليه * (والله بما تعملون خبير). # قوله تعالى: * (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) ~~قيل: سبب نزول الآية: أنه لما نزل قوله تعالى: * (من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا) قالت اليهود: إن الله يستقرض منا أموالنا؛ فإذن هو فقير ونحن ~~أغنياء وما قالوا ذلك عن اعتقاد، ولكن تمويها على المسلمين، وتشكيكا لهم ~~فيما جاء به محمد رسول الله، فنزل قوله: * (لقد سمع الله قول الذين قالوا ~~إن الله فقير ونحن أغنياء) وفيه قول آخر: أنه عليه [الصلاة و] السلام لما ~~استعان بيهود بني قينقاع في الحرب، قالوا : إن الله فقير إذن؛ حيث يستعين ~~بنا في نصرة دينه، ونحن أغنياء؛ فنزلت الآية. # * (سنكتب ما قالوا): هو الكتابة في صحائف الأعمال، وقيل: معناه: نحصي ما ~~قالوا نجازى عليه، ويقرأ: ' سيكتب ما قالوا ' بضم الياء. * (وقتلهم ~~الأنبياء) بالرفع أي: ويكتب قتلهم الأنبياء * (بغير حق ونقول ذوقوا عذاب ~~الحريق) أي: PageV01P384 # * (ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد (182) الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى ~~يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ~~فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين (183) فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا ~~بالبينات والزبر والكتاب المنير (184) كل) * * بعذاب النار؛ لأن عذاب النار ~~محرق. # * (ذلك بما قدمت أيديكم) يعني: بما قدمتم، وذكر أيديكم تأكيدا. # * (وأن الله ليس بظلام للعبيد) يعني: أنه يفعل ما يفعل ms0249 بهم؛ مجازاة لهم ~~على أعمالهم. # قوله تعالى: * (الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار) الآية في اليهود، قال السدي: كان الله تعالى عهد إلى ~~اليهود: أن لا يؤمنوا لرسول حتى يأتيهم بقربان تأكله النار سوى عيسى ومحمد، ~~فإنه أمرهم أن يؤمنوا بهما من غير هذه الشريطة. # وقال غيره: كانوا يتقربون بالقربان، ثم يأخذون أطايب لحمه، فيضعونها في ~~بيت، ثم يقوم نبيهم في ذلك البيت يناجي ربه، فتأتي نار بيضاء لها حفيف من ~~السماء، فتأكله، ويكون ذلك علامة قبول القربان. # * (قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات) أي: بالدلالات والمعجزات * (وبالذي ~~قلتم) يعني: من الإتيان بقربان تأكله النار. # * (فلم قتلتموهم) أي: فلم كذبتموهم، وقتلتموهم * (إن كنتم صادقين) في ~~دعوتكم ذلك العهد. # قوله تعالى: * (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات) أي: ~~بالدلالات والمعجزات * (والزبر): جمع الزبور وهو كتاب فيه الحكمة، وبه سمى ~~كتاب داود: زبورا، وفي مصحف أهل الشام ' وبالزبر '. # فإن قال قائل: أي فرق بين الزبر والكتاب؟ وقد قال: * (والزبر والكتاب ~~المنير) PageV01P385 # * (نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار ~~وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185) لتبلون في ~~أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا ~~أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا) * * قيل: الكتاب اسم لما كتب، وضم بعض ~~الكلمات فيه إلى بعض من الكتب (وهو) الضم، وأما الزبر: مأخوذ من الزبر وهو ~~الزجر، فالزبور: كتاب فيه مزاجر. # قوله تعالى: * (كل نفس ذائقة الموت) والذوق في الموت مجاز، وحقيقة الذوق: ~~هو الإحساس بالشيء؛ فلما كان يحس بالموت، سماه ذوقا مجازا، قال الشاعر: # (من لم يمت عبطة يمت هرما * الموت كأس وكل الناس ذائقها) فإن قال قائل: ~~لا يخفي أن كل نفس تموت، فأيش الفائدة في قوله: * (كل نفس ذائقة الموت)؟ ~~قيل: أراد به: التزهيد بالدنيا، يعني: أن النفوس إلى الفناء؛ فتزهدوا ~~بالدنيا، * (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة). # * (فمن زحزح عن ms0250 النار) أي: نجى، وبعد عن النار * (وأدخل الجنة فقد فاز) ~~أي: نجا * (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) لأنها تغر الإنسان، وهي ~~الانقطاع. # قوله تعالى: * (لتبلون) أي: لتختبرن، وقيل: لتصابن * (في أموالكم ~~وأنفسكم) في أموالكم بالإنفاق، وأنفسكم بالجهاد، وقيل: في أموالكم (وأنفسكم ~~بالمصائب والأمراض، وقال بعض أصحاب الخواطر: في أموالكم) بالمنع عن الحق، ~~وأنفسكم باتباع الهوى. # * (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) ~~قال الزهري: هذا في كعب بن الأشرف، كان يهجو النبي ويسمع المسلمين هجاه '، ~~وقيل: هو قول اليهود: عزيز ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، وقيل: ~~هو قول أولئك الذين قالوا: إن الله فقير. PageV01P386 # * (فإن ذلك من عزم الأمور (186) وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبينه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ~~ما يشترون (187) لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) ولله ملك ~~السماوات والأرض والله على كل شيء) * * (وإن تصبروا) يعني: على الأذى * ~~(وتتقوا) يعني: من مخالفة الرسول * (فإن ذلك من عزم الأمور) أي: من حقائق ~~الأمور، وشدائدها. # قوله تعالى: * (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~يكتمونه. وقيل: هو في جميع العلماء، أخذ الله ميثاق العلماء: أن يبينوا ~~العلم للناس ولا يكتمونه، وفي الحديث: ' من سئل عن علم، فكتمه، ألجم بلجام ~~من نار '. # * (فنبذوه وراء ظهورهم) أي: تركوه وراء ظهورهم (واشتروا به ثمنا قليلا) ~~يعني: الرشاء * (فبئس ما يشترون). # قوله تعالى: * (لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا) يعني: اليهود، بما ~~أوتوا أي: العلم والكتاب، ولم يقوموا بموجبه وما يقتضيه، وقيل: هو في ~~المنافقين يفرحون بما أتوا من التخلف عن رسول الله. # * (ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) (يعني): بالأعذار الكاذبة، * (فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب) أي: بمنجاة من العذاب * (ولهم عذاب أليم). # وروى أن مروان بعث إلى عائشة: هلكنا إذن؛ فإنا نفرح بما نأتي، ونحب أن ~~نحمد بما ms0251 لم نفعل؛ والله تعالى يقول: * (فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) ~~فذكرت عائشة أن الآية في اليهود PageV01P387 # * (قدير (189) إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات ~~لأولي الألباب (190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون ~~في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ~~(191) ربنا إنك) * * قوله تعالى: * (ولله ملك السماوات والأرض والله على كل ~~شيء قدير) ذكر هذا رد لقولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء. # قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات ~~لأولي الألباب) يعني: أن فيها دلالات على وحدانيته لذوي العقول. # قوله تعالى: * (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) روى ابن ~~مسعود وعمران بن الحصين أن النبي قال: ' صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، ~~فإن لم تستطع فعلى جنبك تومىء إيماء ' فهذا معنى الآية. # وقيل: معناه: الذين يوحدون الله على كل حال. # * (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض) فيستدلون به على وحدانيته، وفي ~~الحديث: ' تفكروا في الخلق، ولا تتفكروا في الخالق '. # * (ربنا ما خلقت هذا باطلا) أي: عبثا، وقيل: (باطلا) أي: بباطل. # * (سبحانك): هو للتنزيه عن كل سوء * (فقنا عذاب النار) روى عن ابن عباس: ~~أنه قال: ' بيت عند خالتي ميمونة، فنام رسول الله وأهله على عرض الوسادة، ~~وأنا PageV01P388 # * (من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) ربنا إننا ~~سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ~~ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) * * على طولها، ثم قام من ~~الليل، وقرأ هذه الآيات العشر ' وفي رواية قال: ' سبحان الملك القدوس رب ~~الملائكة والروح، وقرأ هذه الآيات العشر إلى آخر السورة '. # قوله تعالى: * (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) أي: أهلكته. فإن قال ~~قائل: ألستم تقولون: إن المؤمنين يخلدون النار، ولا يدخلون فيها، فكيف يكون ~~ذلك إهلاكا؟ قيل: قال قتادة: معنى الآية: إنك من تدخل النار للخلود فقد ~~أخزيته أي: أهلكته، ms0252 وقال الضحاك: معنى الآية * (إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته) أي: فضحته، وهتكت ستره؛ فعلى هذا يستوي فيه كل من دخل النار وإن لم ~~يخلد فيها * (وما للظالمين من أنصار). # * (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا) أكثر ~~المفسرين على أن المنادي: هو الرسول، وقيل: هو القرآن قاله محمد بن كعب ~~القرظي. لأن كثيرا من الناس لم ير الرسول ولم يسمعه. # * (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا) أي: كبائرنا * (وكفر عنا سيئاتنا) أي: ~~صغائرنا، وقيل: الذنوب: المعاصي، والسيئات: التقصير في الطاعات. # * (وتوفنا مع الأبرار) البر المطيع، وفي الآثار: إن البر لا يؤذي الذر. ~~يعني: النمل الصغار الحمر. # * (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) أي: على ألسنة رسلك * (ولا تخزنا يوم ~~القيامة) أي: لا تفضحنا، ولا تهلكنا. # * (إنك لا تخلف الميعاد) وهو على سبيل المدح له؛ لأنا على القطع نعلم أنك ~~لا تخلف الميعاد. PageV01P389 # (* (194) فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا ~~وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من ~~عند الله والله عنده حسن الثواب (195) لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ~~(196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم ~~لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله ~~خير للأبرار (198) وإن من أهل) * * قوله تعالى: * (فاستجاب لهم ربهم أني لا ~~أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) روى أن أم سلمة قالت لرسول الله: إني ~~أرى الله لا يذكر النساء في القرآن، فنزل قوله: (* (من ذكر أو أنثى) * ~~بعضكم من بعض) أي: كلكم كنفس واحدة، فلا أضيع عمل واحد منكم. # * (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا) ~~وقرأ حمزة والكسائي: ' وقتلوا وقاتلوا ' * (لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله) أي: جزاء من عند الله، * ~~(والله عنده حسن الثواب). ms0253 # قوله تعالى: * (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد) يعني: على مرادهم، ~~فإن مصيرهم إلى النار * (متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد) وفيه دليل ~~على أن أقل القليل من الجنة خير من الدنيا، وفي الحديث: ' لموضع سوط من ~~الجنة خير من الدنيا وما فيها '. # قوله تعالى: * (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها نزلا من عند الله) النزل هو ما يعد للضيف من النعمة؛ فسمى الله ~~تعالى ما PageV01P390 # * (الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا ~~يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع ~~الحساب (199) يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون (200)) * * أعده للمؤمنين من نعيم الجنة: نزلا من عند الله * ~~(وما عند الله خير للأبرار) قوله تعالى: * (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن ~~بالله) قيل: أراد النجاشي، وروى أنه لما مات قال النبي لأصحابه: ' صلوا على ~~أخ لكم مات، وهو أصحمة النجاشي ' فقال المنافقون: انظروا يصلي على علج من ~~النصارى ويدعوا له؛ فنزلت الآية. # وقيل: هو في عبد الله بن سلام، ومن أسلم معه؛ فذلك قوله: * (لمن يؤمن ~~بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله) أي: متواضعين لله * (لا ~~يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع ~~الحساب). # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اصبروا) يعني: على الجهاد، * ~~(وصابروا) أي: مع الأعداء * (ورابطوا) أي: في الثغور بالملازمة، وقيل: ~~اصبروا على دينكم، وصابروا مع الأعداء، ورابطوا بالمحافظة على الصلوات، وفي ~~الحديث: قال رسول الله: ' ألا أدلكم على ما يمحو الله به السيئات، ويرفع ~~الله به الدرجات، قيل: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء في السبرات، ~~ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم، الرباط، ~~فذلكم الرباط، فذلكم الرباط '. # * (واتقوا الله لعلكم تفلحون) أي: كونوا على رجاء الفلاح. PageV01P391 # تفسير سوره النساء بسم الله الرحمن الرحيم قال: اعلم أن هذه السورة تسمى: ~~سورة ms0254 النساء، وتسمى سورة الأحكام، وهي مدنية على قول أكثر المفسرين، إلا ~~قوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)؛ فإن هذه ~~الآية نزلت بمكة في مفاتيح الكعبة، وأورد النحاس أن السورة مكية. # وفي الحديث: ' من قرأ سورة البقرة، وآل عمران، والنساء في ليلة؛ كتب من ~~القانتين '، وعن عمر - رضي الله عنه - قال: تعلموا سورة البقرة، والنساء، ~~والمائدة، وسورة النور، والأحزاب؛ فإن فيهن الفرائض. PageV01P392 # * (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحده وخلق منها زوجها ~~وبث منهما رجالا كثيرا) * * قوله - تعالى -: * (يا أيها الناس) قال علقمة: ~~كل ما نزل في القرآن: * (يا أيها الناس) فإنما نزل بمكة، وكل ما ورد في ~~القرآن: * (يا أيها الذين آمنوا) فإنما نزل بالمدينة. # وقوله: * (يا أيها) ' يا ' للنداء، و ' أي ' للإشارة، و ' ها ' للتنبيه * ~~(اتقوا ربكم) وقرأ ابن مسعود: ' اتقوا (الله) ربكم '. # بدأ من السورة بالوعظ والتحذير، فقال: * (اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ~~واحدة)، وأراد بالنفس الواحدة آدم - صلوات الله عليه - وإنما قال: * ~~(واحدة) على التأنيث؛ لأجل اللفظ؛ لأن النفس مؤنثة، وهذا مثل قول الشاعر: # (أبوك خليفة ولدته أخرى * وأنت خليفة ذاك الكمال) وإنما قال: ولدته للفظ ~~الخليفة، وإن كان معناه الذكر * (وخلق منها زوجها) يعني: حواء، وسميت حواء؛ ~~لأنها خلقت من حي، وفي القصص: أن الله تعالى خلق حواء من ضلع لآدم في جنبه ~~الأيسر يسمى: ' القصيراء ' وفي الخبر المعروف ' أن المرأة خلقت من ضلع ~~أعوج، فإن أردت أن تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على اعوجاج ' ~~وقيل: إن حواء خلقت من التراب. # وقوله: * (وخلق منها زوجها) معناه: وخلق من جنسها زوجها، يعني: التراب، ~~والأصح الأول. وفي الخبر: أن الله تعالى لما خلق آدم ألقى عليه النوم، ثم ~~أخذ ضلعا من أضلاعه، وخلق منه حواء، فجلست بجنبه، فلما انتبه رآها جالسه ~~بجنبه، وقيل: إنه لم يؤذه أخذ الضلع شيئا، ولو آذاه لما عطف رجل على امرأة ~~أبدا. # وعن ابن عباس: أن الله تعالى خلق الرجل من التراب؛ فهمه في ms0255 التراب، وخلق ~~PageV01P393 # * (ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ~~(1) وآتوا اليتامى أموالهم) * * المرأة من الرجل، فهمها في الرجل؛ فاحبسوا ~~نساءكم. # * (وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) ذكر هذا كله لبيان القدرة؛ وإظهار المنة ~~* (واتقوا الله الذي تساءلون به) أي: تسألون به، وذلك مثل قول الرجل: أسألك ~~بالله، ونشدتك بالله، وقيل: معناه: واتقوا الله الذي تعاهدون به، وذلك أن ~~تقول: عليك عهد الله، وعلي عهد الله، ونحو ذلك. # وأما قوله: * (والأرحام) قرأ حمزة: ' الأرحام ' بكسر الميم وتقديره: ~~تساءلون به وبالأرحام، قال إبراهيم النخعي: تقول العرب: نشدتك بالله ~~وبالرحم. وضعفوا هذه القراءة، والقراءة المعروفة: بنصب الميم، وتقديره: ~~واتقوا الأرحام أن تقطعوها. # وفي الخبر: يقول الله تعالى: ' أنا الرحمن، وخلقت الرحم، واشتققت لها ~~اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته '. # وروى عن رسول الله أنه قال: ' إن الله تعالى يعمر الكفار، ويكثر أموالهم، ~~ولم ينظر إليهم منذ خلقهم؛ بغضا لهم، فقيل: مم ذاك يا رسول الله؟ قال: بصلة ~~الأرحام '. # * (إن الله كان عليكم رقيبا) أي: حفيظا. # قوله تعالى: * (وآتوا اليتامى أموالهم) أراد به: دفع المال إليهم بعد ~~البلوغ، PageV01P394 # * (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان ~~حوبا كبيرا (2) وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا) * * وسماهم بعد البلوغ ~~يتامى؛ لقرب عهدهم باليتيم، وكانت قريش تسمي رسول الله يتيم أبي طالب لذلك. # * (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) وفي قراءة شاذة: ' ولا تشتروا الخبيث ~~بالطيب ' فالخبيث: الحرام، والطيب الحلال، ومعنى الكلام: ولا تأكلوا أموال ~~اليتامى حراما، وتدعوا أموالكم الحلال، وقال مجاهد: معناه: لا تستعجلوا أكل ~~الحرام؛ فإن الحلال يأتيكم. # * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) قال الفراء: معناه: مع أموالكم، وقال ~~غيره: ' إلى ' لا تكون بمعنى ' مع '، وهي على حقيقتها، ومعناه: ولا تأكلوا ~~أموالهم مضافة إلى أموالكم. # * (إنه كان حوبا كبيرا) فالحوب: الإثم، وفي الخبر: ' أن أبا أيوب ~~الأنصاري أراد أن يطلق امرأته أم أيوب، فقال ms0256 النبي: إن طلاق أم أيوب لحوب ' ~~قوله تعالى: * (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) أي: ألا تعدلوا، يقال: ~~أقسط، إذا عدل، وقسط، إذا جار، وفي معنى الآية قولان: أحدهما أورده البخاري ~~في الصحيح، وهو ما روى الزهري عن عروة أنه سأل عائشة عن شأن هذه الآية، ~~فقالت: يا ابن أختي، نزلت الآية في يتيمة تكون في حجر وليها، ويرغب في ~~مالها وجمالها، ولا يقسط في صداقها؛ فنهوا عن نكاحهن، وأمروا أن ينكحوا ~~غيرهن ' فعلى هذا تقدير الآية: وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى؛ * ~~(فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع). # وقال ابن عباس: قصر نكاح النساء على الأربع من أجل أموال اليتامى، فإن ~~قيل: PageV01P395 # * (فواحده أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (4) ولا ~~تؤتوا) * * كيف يعرف هذا، وكيف يلتئم بذاك هذا؟ قيل: معناه: أن الله تعالى ~~لما شدد في أموال اليتامى، تحرج المسلمون عنها غاية التحرج، وشرعوا في نكاح ~~النساء، واستهانوا به؛ فنزلت الآية، وأراد: إنكم كما تحرجتم عن أموال ~~اليتامى؛ خوفا من الجور، فتحرجوا عن الزيادة على الأربع أيضا؛ خوفا من ~~الجور والميل، فهذا معنى قوله: * (فانكحوا ما طاب لكم) أي: ما حل لكم * (من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع) أي: لا تجاوزوا الأربع. # وذهب بعض الناس إلى أن نكاح التسع جائز بظاهر هذه الآية؛ لأن الاثنين ~~والثلاث والأربع يكون تسعا ليس بصحيح، بل فيه قولان: أحدهما: قال الزجاج: ~~مثنى مثنى، ثلاث ثلاث، رباع رباع، يعني: لكل الناس، وقيل: ' الواو ' بمعنى: ~~' أو ' يعني: مثنى، أو ثلاث، أو رباع؛ ولأن على التقدير الذي ذكروا [عي] في ~~الكلام؛ لأن من أراد أن يذكر التسع فيقول: مثنى وثلاث ورباع، عد ذلك عيبا ~~في الكلام وقد قال: * (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)؛ لأنه أخف مؤنه * (أو ~~ما ملكت أيمانكم) لأن حقوق ملك اليمين أدنى من حقوق ملك النكاح، وهو معنى ~~قوله: * (ذلك أدنى ألا تعولوا) أي: ms0257 ذلك أقرب أن لا تجوروا، يقال: عال، يعول ~~إذا جار، وأعال يعيل إذا كثر عياله، قال الشاعر: # (إنا اتبعنا الرسول واطرحوا * أمر الرسول وعالوا في الموازين) أي جاروا، ~~وروى: أن أهل الكوفة عتبوا على عثمان في شيء، فقال: لست بقسطاء، فلا أعول، ~~أي لست بقسطاس؛ فلا أجور. # وقال الشافعي: معناه: ذلك أدنى ألا تكثر عيالكم. وحكى الأزهري عن الكسائي ~~PageV01P396 # * (السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها وأكسوهم ~~وقولوا لهم قولا معروفا (5) وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها) * * إنه حكى عن العرب: ~~عال يعول: إذا كثر عياله، وهذا يؤيد قول الشافعي. # * (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) الصدقة والصداق واحد * (نحلة) أي: تدينا، ~~وقال ابن عباس: معناه: فريضة، والخطاب مع الأزواج على الأصح وقيل: هو خطاب ~~مع الأولياء، وكان أهل الجاهلية لا يعطون المرأة صداقها، وإنما يأخذ ~~الأولياء؛ فخطاب الأولياء بإعطاء المرأة صداقها نحلة، أي: هو عطية لها من ~~الله. # * (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا) أي: فإن أعطين عن طيب نفس من الصداق ~~شيئا. و ' من ' للتخيير هاهنا، لا للتبعيض؛ حتى يجوز للمرأة هبة كل الصداق، ~~* (فكلوه هنيئا مريئا) الهنيء: ما أكلت من غير تنغيص، والمريء: هو المحمود ~~العاقبة؛ وذلك ألا يورث تخمة. وعن علي رضي الله عنه أنه قال: إذا مرض ~~أحدكم، فليستقرض من امرأته ثلاثة دراهم من صداقها، وليشتري بها عسلا، ~~وليخلطه بماء السماء، ثم ليأكل؛ فإنه الشفاء المبارك والهنيء المريء. # قوله تعالى: * (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) أكثر المفسرين على أن المراد ~~بالسفهاء: الصبيان والنساء هاهنا، وقال الشعبي: المرأة أسفه من كل سفيه. # قال سعيد بن جبير: معنى الآية: أن لا تجعلوا المرأة قيمة البيت في ~~المعاش، بل كونوا أنتم قوامين على النساء في المعاش، وقوله: * (التي جعل ~~الله لكم قياما) فالقيام والقوام واحد، يعني: أموالكم التي جعلها الله ~~قواما لمعاشكم، وقال الزجاج: تقديره: الأموال التي تقيمكم فتقومون به قياما ~~* (وارزقوهم فيها وأكسوهم) قيل: معناه: وارزقوهم منها، وقيل ms0258 كلمة في ~~حقيقتهما، ومعناه: اجعلوا وظائفهم من الرزق والكسوة فيها. # * (وقولوا لهم قولا معروفا) قيل: معناه: تعليم الدين والشرائع، وقيل: ~~أراد به: وعد الجميل؛ وذلك أن تقول لهم: إن سافرت وربحت، أعطيكم كذا، وإن ~~غزوت PageV01P397 # * (إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيب (6) ~~للرجال نصيب مما ترك الوالدان) * * فغنمت، أعطيكم كذا، فهذا هو القول ~~المعروف. # قوله تعالى: * (وابتلوا اليتامى) يعني: واختبروا اليتامى، ثم منهم من ~~قال: إنما نختبرهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى؛ لقرب عهدهم باليتيم، والصحيح ~~أنه أراد به: الاختبار قبل البلوغ، ثم اختلفوا، فأما الفقهاء قالوا: يدفع ~~إليه شيئا يسيرا، ويبعثه إلى السوق، حتى يستام السلعة، ثم إذا آل الأمر إلى ~~العقد يعقد الولي، ومنهم من قال: يعقد الصبي، ويجوز ذلك في الشيء اليسير؛ ~~لأجل الاختبار. # وأما الذي قاله المفسرون: أنه يدفع إليه مالا، ويجعل إليه نفقة البيت، ~~ويختبره فيها، * (حتى إذا بلغوا النكاح) أي: أوان الحلم * (فإن آنستم) أي: ~~أحسستم، ووجدتم * (منهم رشدا) قال مجاهد: عقلا، وقال سفيان الثوري: عقلا ~~وإصلاحا في المال. ومذهب الشافعي: أن الرشد: هو الصلاح في الدين، والإصلاح ~~في المال. # * (فادفعوا إليهم أموالهم) أمر الأولياء بدفع المال إليهم عند البلوغ ~~والرشد. * (ولا تأكلوها إسرافا) أي: لا تأكلوها مسرفين * (وبدارا أن ~~يكبروا) أي: لا تبادروا إلى أكل أموال اليتامى، خوفا من أن يكبروا؛ فيأخذوا ~~أموالهم. # * (ومن كان غنيا فليستعفف) أي: فليستعفف بماله عن مال اليتيم * (ومن كان ~~فقيرا فليأكل بالمعروف) قال عمر رضي الله عنه إذا كان الولي فقيرا، يأكل من ~~مال اليتيم بقدر الحاجة، وقال أيضا: أنا في هذا المال: كولي اليتيم، إن ~~استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت. وإلى هذا ذهب قوم من العلماء، أن له أن ~~يأكل بقدر ما يسد به الخلة، وقال بعضهم: عباءا غليظا، وخبز الشعير، وقال ~~الشعبي وجماعة: يأكل من مال اليتيم على سبيل القرض، وقال مجاهد: لا يأكل ~~أصلا، لا قرضا، ولا غير قرض، قال: ms0259 والآية منسوخة بقوله تعالى: * (لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل) PageV01P398 # * (والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر ~~نصيبا مفروضا (7) وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين ~~فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (8)) * * (إلا أن تكون تجارة عن ~~تراضي) وإلى هذا ذهب أكثر العلماء، وعليه الفتوى، أنه لا يأكل أصلا، ومن ~~قال: إنه يأكل، يقول: يأخذ بقدر أجرته على القيام، وقد روى أن رجلا (جاء) ~~إلى ابن عباس، وقال: (إن) لي يتيما وله إبل، فماذا أصيب منها؟ فقال: أتلوط ~~حوضها وتهنأ جرباها؟ قال: نعم، فقال ابن عباس: أصب من رسلها غير مضر بنسل، ~~ولا ناهك في حلب. # وفيه قول رابع: أن معنى قوله: * (فليأكل بالمعروف) يعني: يأكل الفقير من ~~قوت نفسه بالمعروف، ولا يستكثر منه حتى ينفذ ماله؛ فيحتاج إلى مال اليتيم. # * (فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم) ندب إلى الإشهاد؛ كيلا ~~يجحدوا. # * (وكفى بالله حسيبا) أي: شهيدا. قوله - تعالى -: * (للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون) سبب نزول ~~الآية أن أوس بن ثابت الأنصاري مات وخلف ثلاث بنات وامرأة يقال لها: أم كجة ~~وابني عم: عرفجة، وسويد، فجاء ابنا عمه وأخذا جميع المال، وكان أهل ~~الجاهلية لا يورثون النساء من الميت، ويقولون: لا يرث أموالنا إلا من طاعن ~~بالرماح، وضارب بالسيوف؛ فنزلت الآية، وهذه أول آية نزلت في توريث النساء ~~المال. # * (مما قل منه أو كثر نصيب مفروضا) وقد بين الأنصبة المفروضة في آيات ~~المواريث. # قوله تعالى: * (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين ~~فارزقوهم منه) يعني: قسمة التركة في مواريث إذا حضرها من لا يرث الميت من ~~أقاربه، أو اليتامى، والمساكين * (فارزقوهم منه) فأعطوهم شيئا * (وقولوا ~~لهم قولا معروفا) أي: قولوا لهم: بورك فيكم. PageV01P399 # * (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا (9) إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون ~~في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (10) يوصيكم) * * ثم اختلفوا، فقال بعضهم: ~~الآية منسوخة، فيجوز ms0260 أن يعطوا، ويجوز أن لا يعطوا، وقيل: هو على الندب، ~~ويستحب أن يعطيهم شيئا، ومنهم من قال: إن قسموا العين والورق ونحوه يوضح ~~لهم، وإن قسموا الدور والعقار، والعبيد، والثياب، ونحوها، يقول لهم: بورك ~~فيكم. # قوله تعالى: * (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ~~فليتقوا الله) سبب نزول الآية: أن أصحاب رسول الله كان الرجل منهم إذا حضره ~~الموت، يأتون إليه، ويقولون له: انظر لنفسك أيها الرجل، وأوصي بمالك، وإن ~~ورثتك لا يغنون عنك من الله شيئا، وربما يحملونه على أن يوصي بجميع المال ~~فنزلت الآية * (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم) أي: إن تركوا من خلفهم * ~~(ذرية ضعافا) أي: أولاد صغارا * (خافوا عليهم) أو على أولادهم؛ فليخافوا ~~على أولاد الناس كما يخافون على أولادهم؛ فإن أولاد الميت أحق بماله من ~~الأجانب، فهذا معنى قوله: * (فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) أي: عدلا. # قوله تعالى: * (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) نزلت الآية في حنظلة ~~ابن الشمردل، كان قد ولى يتيما، فأكل جميع ماله، وقيل: الآية نزلت ابتداء ~~في حق الكافر * (إنما يأكلون في بطونهم نارا) لأنه لما كان أكلهم ذلك يؤدي ~~إلى النار، سماهم آكلين للنار، وهذا كقول النبي ': الذي يشرب في آنية الذهب ~~والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم '. وفى الحديث: ' يخرج لهيب النار من ~~جوفهم يوم القيامة '. وفى رواية: ' أن الملك يأتيهم، فيفتح أفواههم، ~~ويلقمهم الجمر، PageV01P400 # * (الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ~~ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ~~ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد) * * ويقول: هذا بأكلكم مال اليتيم ' ~~وقال: ' من أبكى يتيما، فحق على الله أن يبكى عينيه يوم القيامة '. # * (وسيصلون سعيرا) أي: سيدخلون جهنم، وقيل: يعاينون سعيرا، والسعير: ~~النار المستعرة، وهو اسم من أسماء جهنم. # قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم) معناه: يفرض الله عليكم في ~~أولادكم، وذلك مثل قوله - تعالى -: * (ولا تقتلوا ms0261 النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصاكم به) أي: فرض عليكم * (للذكر مثل حظ الأنثيين). # سبب نزول الآية: ' أن سعد بن الربيع لما استشهد يوم أحد خلف ابنتين ~~وامرأة وأخا، فجاء الأخ وأخذ جميع المال، فجاءت المرأة تشكوا إلى رسول ~~الله؛ فنزلت الآية '. فدعا رسول الله الأخ، وقال: اعط الابنتين الثلثين ~~والمرأة الثمن، وخذ الباقي '. # وقوله: * (للذكر مثل حظ الأنثيين) يعني: إذا خلف ابنا وابنه، فالمال من ~~ثلاثة أسهم: سهمان للابن، وسهم للبنت * (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ~~ما ترك) أكثر الصحابة والعلماء على أن للابنتين، والثلاث: الثلثين. # وقال ابن عباس: للابنتين النصف، وإنما الثلثان للثلاث وما زاد؛ تمسكا ~~بظاهر الآية. والأول أصح. PageV01P401 # * (وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية ~~يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من ~~الله إن الله كان عليما حكيما (11) ولكم) * * ومعنى قوله: * (فإن كن نساء ~~فوق اثنتين) يعني: كن نساء اثنتين فما فوقهما، وهذا كقوله: * (فاضربوا فوق ~~الأعناق) أي: فاضربوا الأعناق فما فوقها، وقيل: ' فوق ' فيه صلة، وتقديره: ~~فإن كن نساء اثنتين، واسم الجمع ينطلق على الاثنين؛ لأن الجمع عبارة عن جمع ~~الشيء، ويستوي فيه الاثنان والثلاث، ولأنا أجمعنا على أن الأختين ترثان ~~الثلثين، وهما ابنتا أب الميت، فالابنتان لأن يرثا الثلثين أولى، وهما ~~ابنتاه للصلب. # * (وإن كانت واحدة فلها النصف) وفيه إجماع * (ولأبويه لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك وإن كان له ولد) يعني: للميت، * (فإن لم يكن له ولد وورثه ~~أبواه فلأمه الثلث) وهذا لا خلاف فيه. # * (فإن كان له إخوه فلأمه السدس) أكثر الصحابة والعلماء على أن الأخوين ~~والثلاثة يردون الأم من الثلث إلى السدس. # وقال ابن عباس: الثلاثة يردون، فأما الأخوان فلا يردان، لأنه ذكر بلفظ ~~الجمع وأقله ثلاثة. # وقد بينا أن اسم الجمع ينطلق على اثنين والثلاثة. # وقرأ حمزة والكسائي: ' فلأمه السدس ' بكسر الهمزة، وهو لغة في الأم، ~~والمعروف بالضم * (من بعد وصية يوصى بها ms0262 أو دين) يقرأ بقرآتين ' يوصى ' ~~بكسر الصاد على معنى: يوصيها الموصى، ويقرأ: ' يوصى ' بفتح الصاد، على ما ~~لم يسم فاعله. PageV01P402 # * (نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لها ولد فلكم الربع مما ~~تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ~~فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما) * * وعن علي رضي الله عنه أنه قال: إنكم ~~تقرءون الوصية قبل الدين، والدين قبل الوصية، يعني: في القضاء، ثم اختلفوا، ~~منهم من قال: ' أو ' بمعنى ' الواو ' والمراد الجمع بينهما، وبيان أن الإرث ~~مؤخرا عنهما جميعا، ومنهم من قال ' أو ' على حقيقته، ومعناه: من بعد وصية، ~~إن كانت وصية، أو دين إن كان دين، فالإرث مؤخر عن كل واحد منهما؛ من ذلك ~~عرف تأخيره عنهما إذا اجتمعنا بطريق الأولى. # وقوله: * (آباؤكم وأبناؤكم) يعني: الذين يرثونكم آباؤكم وأبناؤكم * (لا ~~تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) أي: لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا. # فمنهم من يظن أن الآباء تنفع فتكون الأبناء أنفع، ومنهم من يظن أن ~~الأبناء أنفع، فتكون الأباء أنفع، وأنتم لا تعلمون، وأنا أعلم بمن هو أنفع ~~لكم؛ وقد دبرت أمركم على ما فيه الحكمة والمصلحة، فخذوه، واتبعوه. وفي ~~الأخبار ' أن في الجنة يكون الأب على الدرجة العالية، والابن في الدرجة ~~السافلة، فيسأل الابن الله تعالى فيرفعه إلى درجة أبيه. ويكون الابن على ~~الدرجة العالية، والأب في الدرجة السافلة، فيسأل الأب الله تعالى فيرفعه ~~إلى درجة الابن ' فهذا معنى الآية لا تدرون أيهم أنفع لكم في الآخرة، وأرفع ~~درجة، فتصلون إلى درجته. # * (فريضة من الله) يعني: ما قدر من المواريث * (إن الله كان عليما) بأمر ~~العباد * (حكيما) بنصب الأحكام. PageV01P403 # * (تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ~~وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في ~~الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين) * * قوله تعالى: ms0263 * (ولكم نصف ما ترك ~~أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد ~~وصية يوصين بها أو دين) هذا في ميراث الأزواج، وفيه إجماع * (ولهن الربع ~~مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد ~~وصية توصون بها أو دين) وهذا في ميراث الزوجات، ولا خلاف فيه. # قوله تعالى: * (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة) يعنى: أو امرأة تورث ~~كلالة، قال بعض العلماء: الكلالة لا يعلم معناها، وعن عمر - رضي الله عنه - ~~قال: خرج رسول الله من الدنيا ولم يبين لنا ثلاثة: الكلالة، والخلافة، ~~والربا. # والصحيح أنها معلومة المعنى، ثم اختلفوا، قال ابن عباس في رواية وهي إحدى ~~الروايتين عن عمر: إن الكلالة اسم لميت لا ولد له، وورث الاخوة مع الأب. # وقال الحكم بن عتيبة: والكلالة: اسم لميت لا ولد له، وورث الاخوة مع ~~الوالد، وهما قولان في شواذ الخلاف، والصحيح فيه قولان: # أحدهما قول لأهل المدينة والكوفة أن الكلالة اسم لورثة ليس فيهم ولد ولا ~~والد؛ مأخوذ من الإكليل، وهو الذي على جانبي الوجه، فالكلالة اسم لمن يحيط ~~بجانبي الميت من الاخوة والأخوات، والأعمام، ونحوهم، ولم يكن أعلى ولا ~~أسفل. # واستدلوا عليه بحديث جابر ' كان مريضا؛ فدخل عليه رسول الله يعوده، فقال: ~~إنما يرثني كلالة '. ولم يكن في ورثته ولد ولا والد، وجعل الكلالة اسما ~~للوارث، ويشهد لهذا ما قرئ في الشواذ: ' وإن كان رجل يورث كلالة ' مشددا ~~بكسر الراء. PageV01P404 # * (غير مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) تلك حدود الله ومن يطع ~~الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز ~~العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد) * * وقال البصريون: وهو قول أبى ~~بكر، وعلي، وابن مسعود، وزيد، وفى أصح الروايتين عن ابن عباس: أن الكلالة: ~~اسم للميت الذي ليس له ولد ولا والد، وهو ظاهر الآية، وتشهد له القراءة ~~الأخرى في الشواذ: ' وإن كان رجل يورث كلالة ' مشددا ms0264 بفتح الراء. قال ~~الشاعر: # (وإن أبا المرء أحمى له * ومولى الكلالة لا يغضب) فيجعل الكلالة اسما ~~للميت. # وفيه قول آخر: أن الكلالة اسم للتركة، قاله عطاء. وقوله: * (وله أخ أو ~~أخت فلكل واحد منهما السدس) أجمعوا على أن المراد بالأخ والأخت هاهنا أولاد ~~الأم، وفرض لكل واحد منهم السدس ذكرا كان أو أنثى. # * (فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث) وفيه إجماع، أن فرضهم ~~الثلث إذا تعددوا، وإن كثروا * (من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار) ~~يعني: الموصي لا يضر بالورثة بمجاوزة الثلث، ونحوه * (وصية من الله) أي: ~~فريضة من الله * (والله عليم حليم) * (تلك حدود الله) يعني: ما ذكر من ~~الفروض المحدودة، (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) ذكر ثواب من أطاعه، ولم يجاوز حدوده * (ومن ~~يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) ذكر ~~عقاب من عصاه، وجاوز حدوده. # قوله - تعالى -: * (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) اللاتي، والتي، ~~PageV01P405 # * (حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في ~~البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله) * * واللواتي: اسم لجماعة النساء، ~~قال الشاعر: # (هن اللواتي والتي واللاتي * زعمن أنى قد كبرت لداتي) ومثله: اللائي ~~أيضا، قال الشاعر: # (من اللائي لم يحججن تبغين حسبة * ولكن ليقتلن البريء المغفلا) وقوله: * ~~(يأتين الفاحشة) أراد بالفاحشة هاهنا الزنا: * (فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم) هو خطاب للحكام، يعني: فاطلبوا عليهن أربعة من الشهود، وهذه الآية هي ~~الحجة على أن شهود الزنا أربعة * (فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى ~~يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) وكان هذا هو الحكم في ابتداء ~~الإسلام، وأن المرأة إذا زنت حبست في البيت إلى أن تموت. ثم نسخ ذلك في حق ~~البكر بالجلد والتغريب، وفي حق الثيب بالجلد والرجم، وهو بيان السبيل ~~المذكور في الآية، والحجة عليه: حديث عبادة: ' خذوا عني خذوا ms0265 عني، قد جعل ~~الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام؛ والثيب بالثيب جلد مائة ~~ورجم بالحجارة '. # ثم نسخ الجلد في حق الثيب، واستقر أمرها على الرجم. # وقال بعض العلماء: الجلد مع الرجم باق على الحكم، والأول أصح. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: التغريب أيضا منسوخ في حق البكر، والخلوف مذكور ~~في الفقه. # واختلفوا في أن ذلك الإمساك في البيت كان على سبيل الحد أم كان حبسا؛ ~~ليظهر الحد؟ على قولين: أحدهما: أنه كان حدا، والثاني: أنه كان حبسا ليظهر ~~الحد. PageV01P406 # * (لهن سبيلا (15) واللذان يأتيانها منكم فأذوهما فإن تابا وأصلحا ~~فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما (16) إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب) * * قوله تعالى: * ~~(واللذان يأتيانها منكم فآذوهما) اختلفوا في المراد من الآيتين، قال مجاهد: ~~الآية الأولى في النساء، وهذه الآية في الرجال إذا زنوا. # وقال غيره: الأولى في الثيب، وهذه الآية في الأبكار. # وفيه قول ثالث: أن الآية الأولى في المرأة إذا أتت المرأة سحقا، والآية ~~الثانية في الرجل إذا أتى الرجل. # وقد قال: ' إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان؛ وإذا أتت المرأة المرأة ~~فهما زانيتان '. # والمراد بالإيذاء في هذه الآية: هو السب باللسان، وإسماع المكروه، ~~والتعبير، والضرب بالنعال. # فإن قيل: ذكر الحبس في الآية الأولى، والإيذاء في الآية الثانية، فكيف ~~وجه الجمع؟ قيل: أما على قول من قال: إن الآية الأولى في صنف، والآية ~~الثانية في صنف آخر، يستقيم الكلام. # وقال بعضهم: أراد به: الجمع بين الإيذاء والحبس في حق الزاني فيؤذى أولا، ~~ثم PageV01P407 # يحبس، والآية الثانية وإن كانت في التلاوة متأخرة، فهي في المعنى متقدمة، ~~كأنه قال: واللذان يأتيان الفاحشة منكم فآذوهما وأمسكوهما في البيت * (فإن ~~تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) أي: أعرضوا عن الإيذاء * (إن الله كان توابا ~~رحيما). # قوله - تعالى -: * (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة) قال ~~قتادة: أجمع أصحاب رسول الله على أن من عصى الله فهو جاهل، وقيل: أراد به: ~~الجهال بكنه عقوبة ms0266 الله، وقيل: الجهالة في المعصية: أنه اختار اللذة ~~الفانية على اللذة الباقية. # * (ثم يتوبون من قريب) يعني: قبل الموت، قال الضحاك: كل ما بينك وبين ~~الموت فهو قريب، وقيل: أراد به: التوبة قبل أن يعاين ملك الموت، وقيل: أراد ~~به: ثم يتوبون قبل أن يغرغروا. # وفي الخبر: أن النبي قال: ' من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه، ثم قال: ~~إن السنة (لكثيرة)، ثم قال: من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه، ثم قال: ~~إن الشهر لكثير، ثم قال: من تاب قبل موته بجمعة، تاب الله عليه، ثم قال: إن ~~الجمعة (لكثيرة)، ثم قال: من تاب قبل موته بيوم، تاب الله عليه، ثم قال: إن ~~اليوم لكثير، (من تاب قبل موته بنصف يوم تاب الله عليه، ثم قال: إن نصف ~~اليوم لكثير) من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه، ثم قال: إن الساعة ~~لكثيرة، من تاب قبل أن يغرغر تاب الله عليه '. رواه عبادة بن الصامت، فهذا ~~معنى قوله: * (ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما ~~حكيما). # قوله - تعالى -: * (وليست التوبة للذين يعملون السيئات) قيل: أراد ~~PageV01P408 # * (الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضر) * * بالسيئات: الشرك، وقال ابن عباس: هو النفاق، ~~وقيل: كل المعاصي. # * (حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) يعني: حالة الموت، يتوب ~~حين يساق، ووجه ذلك: مثل توبة فرعون حين أدركه الغرق، قال: آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، يقول الله تعالى ليس لهؤلاء توبة. # * (ولا الذين يموتون وهم كفار) يعني: ولا الذين يموتون كفارا لهم توبة * ~~(أولئك اعتدنا لهم) أي: أعددنا لهم (* (عذابا أليما) * يا أيها الذين آمنوا ~~لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) نزلت الآية في الأنصار، كان الرجل منهم ~~إذا مات أبوه؛ ورث امرأة أبيه، ثم إن شاء أمسكها لنفسه زوجة، وإن شاء زوجها ~~من غيره، وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها عن الأزواج، حتى تضجر ms0267 [فتفدي] نفسها ~~بمال، حتى مات أبو قيس بن الأسلت الأنصاري عن امرأته كبيشة بنت معن ~~الأنصاري، فجاء [ابنه] حصن وورث المرأة؛ فجاءت المرأة تشكو إلى النبي فنزل ~~قوله - تعالى -: * (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) ويقرأ: ' كرها ' بضم ~~الكاف، فالكره بالفتح: الإكراه، والكره بالضم المشقة. * (ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) أي: تمنعوهن من الأزواج حتى يضجرن؛ فيفتدين ببعض ~~مالهن، فيكون خطابا لأولياء الميت. # والصحيح أنه خطاب للأزواج، يعني: إذا لم تكن الزوجة بموافقة، فلا تمسكها ~~PageV01P409 # * (أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا ~~لهم عذابا أليما (18)) * * ضرارا؛ لتفتدى ببعض مالها * (إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة) قال ابن عباس: هو النشوز، وقيل: هو الزنا، يعني: إذا نشزت أو ~~زنت، فحينئذ يحل أن يفاديها، ويأخذ مالها، وكان في ابتداء الإسلام إذا زنت ~~المرأة أخذ الزوج جميع صداقها منها ثم نسخ * (وعاشروهن بالمعروف) أي: ~~الإجمال في المبيت، والقول، والنفقة * (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ~~ويجعل الله فيه خيرا كثيرا). # قوله تعالى: * (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج) أراد بالزوج هاهنا: ~~الزوجة، وهو اسم للرجل والمرأة * (وآتيتم إحداهن قنطارا) يعني: من الصداق، ~~* (فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا) أي: ظلما * (وإثما مبينا). # * (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض) أي: وصل بعضكم إلى بعض بالدخول، ~~وحكى عن الزجاج: أنه الخلوة، والأول أصح. # * (وأخذن منكم ميثاقا غليظا) هو قول الولي: زوجتكها على أن تمسكها ~~بمعروف، أو تسرحها بإحسان، وقيل: هو معنى ما روى: ' اتقوا الله في النساء؛ ~~فإنهن عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ' ~~فهذا هو الميثاق الغليظ. # قوله - تعالى -: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) كان أهل ~~الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم؛ فورد الشرع بالنهى عنه * (إلا ما قد سلف) ~~يعنى: بعدما سلف، وقال المبرد: ومعناه: لكن ما سلف في الجاهلية؛ فهو مغفور. # * (إنه كان فاحشة ومقتا) قيل ' كان ': فيه صلة، وتقديره: إنه فاحشة، وهذا ~~كما PageV01P410 # * (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم ms0268 أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا) * * يقول الشاعر: # (فكيف إذا رأيت ديار قومي * وجيران لنا كانوا كرام) وقيل: ' كان ' في ~~موضعه، ومعناه: أنه كان في الجاهلية يعدونه فاحشة ومقتا، وكانوا يسمون ولد ~~امرأة الأب: مقيتا، والفاحشة: أقبح معصية، وأما المقت: قال أبو عبيدة هو ~~المبغضة من الله، وقال ابن عباس: أراد به المقت من الملائكة * (وساء سبيلا) ~~أي: بئس المسلك. # قوله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم) قال ابن عباس: حرم الله تعالى سبعا ~~بالنسب، وسبعا بالمهر، وقال الفقهاء: سبعا بالنسب، وسبعا بالسبب. # أما السبع بالنسب: منهن الأمهات: وهي كل امرأة تنسب إليها بالولادة، سواء ~~قربت أو بعدت، سواء كان بينك وبينها ذكر أو أنثى، أو لم يكن أحد، فالكل ~~حرام. # قال: * (وبناتكم) ومنها البنات: وهى كل امرأة تنسب إليكم بالولادة، سواء ~~قربت أو سلفت، سواء كان بينك وبينها ذكر أو أنثى، أو لم يكن أحد، فالكل ~~حرام. # قال * (وأخواتكم) ومنها الأخوات: وهي كل امرأة تنسب إلى من تنسب إليه ~~بالولادة، فالكل حرام. قال: * (وعماتكم) ومنها العمات، والعمة: أخت كل ذكر ~~تنسب إليه بالولادة، فالكل حرام، قرب أم بعد، قال: * (وخالاتكم) ومنها ~~الخالات، والخالة: أخت كل امرأة تنسب إليها بالولادة، قربت أم بعدت. ~~PageV01P411 # * * (أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن ~~تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) وإن أردتم استبدال زوج مكان ~~زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) * * قال: * (وبنات الأخ ~~وبنات الأخت) ومنها بنات الأخ وبنات الأخت: وهي بنت كل من تنسب إلى من تنسب ~~إليه، فهذه السبعة بالنسب. # وأما السبع بالسبب: فإحداهن مذكورة قبل هذه الآية في قوله: * (ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم من النساء)، والثانية في قوله: * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم)، ~~والثالثة: * (وأخواتكم من الرضاعة)، ولا خلاف أن الأم والأخت من الرضاعة ~~حرام على الرجل نكاحها، فأما ما عدا الأمهات والأخوات من الرضاعة حرام أيضا ~~عند أكثر العلماء؛ لقوله ' يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب '. # قال داود، وأهل الظاهر: ms0269 لا يحرم ما عدا الأمهات والأخوات بالرضاع؛ تمسكا ~~بظاهر القرآن. # قال * (وأمهات نسائكم) الرابعة: أم الزوجة، تحرم على الإطلاق بنفس العقد ~~على قول الأكثرين، وحكى خلاس عن علي رضي الله عنه أنه قال: ' لا تحرم أم ~~الزوجة إلا بعد الدخول بالزوجة لقوله تعالى: * (وربائبكم اللاتي في حجوركم ~~من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال: فقوله: * (من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) ~~ينصرف إليهما جميعا. والأول أصح. # قال ابن عباس: أبهموا ما أبهمه الله، أي: أطلقوا ما أطلقه الله، ولأن ~~قوله: * (وأمهات نسائكم) مستقل بنفسه، معتد بحكمه، فيستغني عن الإظهار؛ ~~ولأن قوله: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن على هذا التقدير يكون ~~عيا في الكلام، فلا يليق بكلام الله تعالى الذي هو أفصح أنواع الكلام. # قال: * (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن). ~~PageV01P412 # * (أتأخذونه بهتانا وأثما مبينا (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى ~~بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ~~ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا) * * الخامسة: الربيبة؛ وهي ابنة الزوجة، ~~وسميت ربيبة؛ لأن الزوج يربها في حجره على الأغلب، فهي حرام بعد الدخول ~~بالزوجة، وسواء كانت في حجره، أو في حجر غيره. # وقال داود: يختص التحريم بالتي في حجره؛ لقوله: * (وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم)، وهذا لا يصح؛ لأن الكلام خرج على لأغلب. # * (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) يعني: في نكاحهن. # وقال: * (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) السادسة: حليلة الابن، وهي ~~حرام، وسميت حليلة؛ لأنها مع الابن يحلان فراشا واحدا، وقيل: لأنها تحل ~~إزار الابن، والابن يحل إزارها، وقيل: سميت حليلة؛ لأنها تحل له. # وقوله * (الذين من أصلابكم) إنما قيد بالصلب، وإن كان حليلة ولد الولد ~~حراما، ليبين أن حليلة ولد التبني حلال. وقد تزوج رسول الله زينب بنت جحش ~~امرأة زيد بن حارثة، وكان قد تبنى زيدا، حتى قال عبد الله بن أبي بن سلول: ~~انظروا إلى هذا الرجل، كيف وثب على امرأة ابنه وتزوجها: فقال الله تعالى: * ~~(وحلائل ms0270 أبنائكم الذين من أصلابكم) بذلك السبب. # * (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) السابعة: الجمع بين الأختين ~~حرام بالنكاح، وكذلك بالوطء في ملك اليمين؛ وقال أهل الظاهر: لا يحرم الجمع ~~بينهما إلا في النكاح؛ لأن الآية في التحريم بالنكاح، قال عثمان: حرمتها ~~آية وأحلتها آية، فآية التحريم هذه؛ وآية التحليل قوله: * (إلا ما ملكت ~~أيمانكم) * (إلا ما قد سلف) أي: بعدما سلف وقد [بينا لك] * (إن الله كان ~~غفورا رحيما). # قوله تعالى: * (والمحصنات من النساء) أراد به: ذوات الأزواج * (إلا ما ~~ملكت أيمانكم) اختلفوا فيه، فقال علي، وابن عباس: أراد به: إلا ما ملكت ~~أيمانكم من PageV01P413 # * (وساء سبيلا (22) حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم ~~وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم ~~بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل) * * سبايا أو طاس، ~~وفيه نزلت الآية، قال أبو سعيد الخدري: ' لما سبا رسول الله سبايا أو طاس، ~~هرب الرجال؛ فتحرج المسلمون من وطء النساء بمكان الأزواج؛ فنزلت الآية، ~~وأذن رسول الله في وطئهن '. # وقال ابن مسعود، وأبي بن كعب: إن قوله: * (إلا ما ملكت أيمانكم) هو أن ~~يبيع الجارية المزوجة، فتقع الفرقة بينها وبين زوجها، ويحل للمشترى وطأها، ~~ويكون بيعها طلاقا لها. # وقيل: معنى الآية * (والمحصنات من النساء) يعني: ذوات الأزواج يحرم ~~الاستمتاع بهن، * (إلا ما ملكت أيمانكم) من مهرهن، فيحل الاستمتاع به، ~~فكأنه حرم الاستمتاع ببعضهن وأباح الاستمتاع بمهرهن. # * (كتاب الله عليكم) أي: فرض الله عليكم، ويقرأ: ' كتب الله عليكم ' أي: ~~فرض الله عليكم * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) يعني: أحل لله لكم، ويقرأ: ' أحل ~~لكم ' - بضم الألف - على نظم قوله: (* (حرمت عليكم أمهاتكم) * أن تبتغوا ~~بأموالكم) قيل: الإحلال: بالابتغاء بالأموال، وفيه دليل على أن استحلال ~~البضع لا يخلو عن عوض * (محصنين) أي: متزوجين متعففين * (غير مسافحين) غير ~~زانين، مأخوذ من سفح الماء، وهو الصب، ومنه قول امرئ القيس: # (وإن شفائي عبرة إن ms0271 سفحتها * فهل عند رسم دارس من معول) PageV01P414 # * (أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن ~~الله كان غفورا رحيما (23) والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب ~~الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) ~~* * أي: صببتها * (فما استمتعتم به منهن) قيل: أراد به: فما استمتعتم به ~~بالنكاح منهن، * (فأتوهن أجورهن فريضة) أي: مهورهن، وقال ابن عباس: هو ~~المتعة المعروفة. # وكانت المتعة حلالا في ابتداء الإسلام، وصورتها: أن يقول الرجل للمرأة: ~~أجرتك أو عقدت عليك لأستمتع بك عشرة أيام بكذا، وكان هذا حلالا، ثم نسخ، ~~وكان ابن عباس يفتى بإباحتها، والصحيح أنه منسوخ. # وروى علي، والربيع عن سبرة، عن النبي ': أنه نهى عن نكاح المتعة ' وقال ~~علي لابن عباس: إنك رجل تائه نهى رسول الله عن نكاح المتعة. وقيل: إن ابن ~~عباس رجع عن إباحة المتعة، وتاب. وقال بعض السلف: لولا أن عمر نهى عن ~~المتعة؛ مازنى أحد في العالم. # * (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) فمن حمل ما قبله على ~~المتعة، قال: المراد بهذا: أن يزيد الرجل في المهر، وتزيد المرأة في الأجل، ~~ومن حمل ذلك على الاستمتاع بالنكاح؛ فالمراد بقوله: * (ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به) يعنى: من الإبراء، والاعتياض عن المهر * (إن الله كان عليما ~~حكيما). # قوله تعالى: * (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ~~ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) قال مجاهد: الطول: السعة، والغنى. # وأصل الطول الفضل، ومنه الطول؛ لفضل القامة، ويقال: لا طائل تحته أي، لا ~~معنى تحته. PageV01P415 # * (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما (24) ومن لم يستطيع ~~منكم طولا أن ينكح المحصنات) * * ومعنى الآية: ومن لم يقدر على مهر الحرة ~~المؤمنة؛ فليتزوج بالأمة المؤمنة، وفيه دليل على أن نكاح الأمة الكتابية ~~باطل. # قال الشعبي: نكاح الأمة مع القدرة على مهر الحرة حرام، كالميتة ms0272 والدم، ~~وقال عطاء: الطول الهوى، ومعنى الآية: ومن لم يستطيع من هواه أن ينكح ~~الحرة؛ بأن كان يهوى الأمة دون الحرة، فليتزوج بالأمة؛ فعلى هذا يجوز نكاح ~~الأمة، وإن كان قادرا على مهر الحرة، والفتى: العبد، والفتاة الجارية، ~~فمعنى قوله تعالى: * (من فتياتكم المؤمنات) أي: من جواريكم. # * (والله أعلم بإيمانكم) أي: لا تتعرضوا للباطن في الإيمان، وخذوا ~~بالإيمان الظاهر؛ فإن الله أعلم بإيمانكم * (بعضكم من بعض) أي: كلكم من نفس ~~واحدة؛ فلا تستنكفوا من نكاح الإماء، وقيل: معناه بعضكم أخوة لبعض. # * (فانكحوهن) أي: الإماء * (بإذن أهلهن) أي: إذن مواليهن * (وآتوهن ~~أجورهن) أي: مهورهن * (بالمعروف محصنات) يعني: عفائف بالتزويج * (غير ~~مسافحات) أي: غير زانيات * (ولا متخذات أخدان) فالمسافحة: هي أن تمكن منها ~~كل أحد، قال الحسن: المسافحة: هي امرأة كل من أوى إليها تبعته، و ذات ~~الخدن: هي أن تختص بصديق، والعرب كانت تحرم الأولى وتستبيح الثانية. # قوله تعالى: * (فإذا أحصن) قال ابن مسعود: فإذا أسلمن. وقال ابن عباس: ~~فإذا تزوجن، ويقرأ فإذا ' أحصن ' بضم الآلف، ومعناه: زوجن. # * (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) ومعنى الآية ~~على قول ابن عباس، وهو الأصح: أن الإماء إذا تزوجن وصرن ثيبا * (فعليهن ~~نصف) PageV01P416 # (* (المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم ~~بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات ~~غير مسافحات ولا متخذات) * ما على المحصنات) يعني: الحرائر * (من العذاب) ~~أي: من عذاب الحد، وحد الحرائر: يكون بالجلد؛ ويكون بالرجم، والرجم لا ~~ينتصف؛ فكان المراد تنصيف الجلد. وذهب بعض العلماء إلى أن الأمة البكر إذا ~~زنت، لا حد عليها؛ لظاهر هذه الآية، وهذا لا يصح. # قال الزهري: حد الأمة الثيب ثابت بهذه الآية، وحد الأمة البكر ثابت ~~بالسنة، والسنة المعروفة فيه: قوله: ' إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ' * (ذلك ~~لمن خشي العنت منكم) العنت: الزنا، وقد يكون بمعنى المشقة، كما بينا * (وأن ~~تصبروا) يعني: عن نكاح الإماء * (خير لكم) كيلا يخلق الولد رقيقا * (والله ~~غفور رحيم). ms0273 # قوله تعالى: * (يريد الله ليبين لكم) يعني: أن يبين لكم، ومثله قول ~~الشاعر: # (أريد لأنسى ذكرها فكأنما * تمثل لي ليلى بكل سبيل) يعني: أريد أن أنسى ~~ذكرها. # قوله: * (ليبين لكم) أي: يوضح لكم الأحكام * (ويهديكم) أي: يرشدكم * (سنن ~~الذين من قبلكم) أي: طرائق الذين من قبلكم من النبين، والصالحين، وقيل: من ~~قوم موسى، وعيسى، الذين هدوا بالحق؛ وذلك أنه حرم عليهم ما حرم على ~~المسلمين من المحارم المذكورات، وقيل: معناه: ويهديكم إلى الملة الحنيفية، ~~ملة إبراهيم، * (ويتوب عليكم) قال ابن عباس: بداء من الله، ومعناه: يوفقكم ~~للتوبة، وقيل: يرشدكم إلى السبيل الذي يدعوكم إلى التوبة * (والله عليم) ~~بمصالح أمركم PageV01P417 # * (أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) ~~يريد الله ليبين لكم) * * (حكيم) فيما دبر. # قوله تعالى: * (والله يريد أن يتوب عليكم) هو ما ذكرنا. * (ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات) قال مجاهد: هم الزناة، وقيل: أراد به: اليهود، والنصارى، ~~قال مقاتل بن حيان: اليهود خاصة؛ لأنهم استحلوا نكاح الأخت من الأب * (أن ~~تميلوا ميلا عظيما) الميل العظيم: هو أن يفعل فعلا لا يخاف الله فيه، ولا ~~يرقب الناس، وقيل: الميل العظيم باتباع الشهوات. # قوله تعالى: * (يريد الله أن يخفف عنكم) أي: يسهل عليكم، وقد سهل هذا ~~الدين؛ قال: ' بعثت بالسمحة السهلة الحنيفية '، وروى: ' بالحنيفية السمحة ~~السهلة ' وقال الله تعالى: (* (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) ~~* وخلق الإنسان ضعيفا) قال طاوس، ومجاهد: وخلق ضعيفا في أمر النساء؛ لا ~~يصبر عنهن، وقال وكيع: يذهب عقله عندهن؛ فهو ضعيف، وقال الزجاج: يستميله ~~هواه وشهوته. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) ~~قال السدى: هو القمار، والربا، ونحوه، وقال غيره: كل العقود الباطلة * (إلا ~~أن تكون تجارة) يقرأ: بالضم والفتح، قد ذكرنا وجه القرائتين في سورة ~~البقرة. # * (عن تراض منكم) أي: بطيبة نفس منكم * (ولا تقتلوا أنفسكم) أي: لا يقتل ~~بعضكم بعضا، وقرأ الحسن: ms0274 * (ولا تقتلوا أنفسكم) مشددا على التكثير. ~~PageV01P418 # * (ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26) والله ~~يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) ~~يريد الله أن يخفف عنكم) * * وقيل: معناه: ولا تقتلوا أنفسكم بأكل المال ~~الباطل، وقيل: أراد به: قتل الرجل نفسه على الحقيقة * (إن الله كان بكم ~~رحيما). # قوله تعالى: * (ومن يفعل ذلك) يعني: ما سبق من الحرام * (عدوانا وظلما) ~~فالعدوان: مجاوزة الحد، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. # * (فسوف نصليه نارا): ندخله نارا، يصلى بها * (وكان ذلك على الله يسيرا) ~~أي هينا، وروى عن ابن عمر أنه قال: كنا نشهد لمن ارتكب الكبائر بالنار بهذه ~~الآيات؛ حتى نزل قوله تعالى * (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فتوقفنا. # قوله تعالى * (إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه) سئل رسول الله فقيل له: ' ~~أي الكبائر أكبر؟ فقال: أن تدعو لله ندا وهو خلقك، قيل: ثم أي؟ قال: أن ~~تقتل ولدك مخافة أن يأكل معك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك، ثم ~~قرأ * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ولا يزنون) ' وروى عن رسول الله أنه قال: ' أكبر الكبائر: ~~الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وكان متكئا فاستوى ~~جالسا، وقال: وشهادة الزور، وشهادة الزور، فما زال يردده حتى قلنا: ليته ~~سكت '. # وقال ابن مسعود: الكبائر: ما ذكر الله تعالى في هذه السورة إلى هذه ~~الآية: * (إن تجتنبوا كبائر). PageV01P419 # * (وخلق الإنسان ضعيفا (28) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم ~~رحيما (29) ومن يفعل ذلك) * * وعن ابن مسعود أيضا أنه قال: الكبائر أربعة: ~~الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر ~~الله. # وقال ابن عباس: الكبائر سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير نفس، وقذف ~~المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، والتعرب بعد ~~الهجرة، يعني: ms0275 إلى دار الحرب. # وقال ابن عمر: الكبائر تسع فذكر هذه السبع وزاد شيئين أحدهما: السحر، ~~والثاني: الإلحاد في الحرم بالميل والظلم. # وسئل ابن عباس، فقيل له: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب منها ~~إلى السبع، وقال المغيرة بن مقسم الضبي: شتم أبي بكر، وعمر من الكبائر. # والجملة أن الكبائر: كل جريمة أوعد الله تعالى عليها النار، وقال أبو ~~صالح: الكبيرة كل ما أوجب الحد؛ غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة ~~مع الإصرار. # وقوله: * (نكفر عنكم سيئاتكم) قال السدى: أراد بالسيئات: الصغائر * (نكفر ~~عنكم سيئاتكم) إن شئت؛ فالمشيئة مضمرة فيه، وروى عن رسول الله أنه قال: ' ~~الجمعة إلى الجمعة، والصلوات الخمس، كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر '. # وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله قال: ' ما من مسلم يصيبه وصب، أو نصب، ~~إلا كفر عنه خطاياه حتى الشوكة يشاكها ' PageV01P420 # * (عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31) ~~ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم) * * وقيل: باجتناب الكبائر، تقع الصغائر ~~مكفرة، ومذهب أهل السنة: أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة؛ فيجوز أن يعفو ~~الله عن الكبائر، ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ ~~بالصغائر. # * (وندخلكم مدخلا كريما) وتقرأ: ' مدخلا ' - بفتح الميم فالمدخل: الجنة ~~والمدخل بضم الميم: الإدخال، يعني: إدخالا كريما. # قوله تعالى: * (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) سبب نزول ~~الآية: ما روى عن أم سلمة، قالت: يا رسول الله: إن الرجال يغزون ولا نغزوا، ~~ولهم ضعف مالنا من الميراث، فلو كنا رجالا غزونا كما غزوا، وأخذنا من ~~الميراث مثل ما أخذوا؛ فنزل قوله: * (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض) وقيل: سبب نزول الآية: أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء؛ فلما ~~نزلت الآية بتوريث النساء، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، قالت النساء: لو ~~كنا رجالا لأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا، وقال الرجال: كما فضلنا عليكن ~~في الدنيا، ms0276 نفضل عليكن في الآخرة؛ فنزلت الآية. # قال الفراء: هذا نهي تأديب وتهذيب، وقال غيره: إنه نهي تحريم * (للرجال ~~نصيب مما اكتسبوا) يعني: من الأجر * (وللنساء نصيب مما اكتسبن) يعني: من ~~الأجر، ومعنى الآية: أن الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء، وإن فضل ~~الرجال على النساء في الدنيا، فالحسنة بعشر أمثالها يستوي فيها الرجل ~~والمرأة، وقيل: معناه: للرجال نصيب مما اكتسبوا من أمر الجهاد، وللنساء ~~نصيب مما اكتسبن من طاعة الأزواج، وحفظ الفروج، يعني: إن كان للرجل فضل ~~الجهاد، فللنساء فضل طاعة الأزواج، وحفظ الفروج. PageV01P421 # * (على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا ~~الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليما (32) ولكل جعلنا موالي مما ترك ~~الوالدان والأقربون والذين) * * (واسألوا الله من فضله) وفي هذا دليل على ~~أن الحسد حرام؛ والحسد: هو أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبه، ويتمناها لنفسه، ~~والغبطة: هو أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه، فالحسد حرام، والغبطة لا بأس ~~بها، ثم اختلفوا في معنى الفضل هاهنا، قال ابن عباس: واسألوا الله من فضله، ~~أي: من رزقه. # وقال سعيد بن جبير: معناه: * (واسألوا الله من فضله) أي: من عبادته، ~~وقيل: هو سؤال التوفيق على الطاعة * (إن الله كان بكل شئ عليما). # قوله تعالى: * (ولكل جعلنا موالى) ولكل من الرجال والنساء جعلنا ورثة، ~~قال مجاهد: الموالى هاهنا: بنو الأعمام، وقال الشاعر: # (مهلا بني عمنا مهلا موالينا * لا تنشبوا بيننا ما كان مدفونا) وقيل: هم ~~جميع الأقارب، ومعنى الآية: ولكل جعلنا موالي يعطون * (مما ترك الوالدان ~~والأقربون) * (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) عاقدت، وعقدت، وحالفت ~~بمعنى واحد، وهو من الحلف والعهد: وهو أن يقول الرجل لصاحبه: دمي دمك، ~~ومالي مالك، وترثني وأرثك، وكان في الجاهلية يورث بالحلف، وأقر عليه في ~~الإسلام، وكان للحليف السدس، ثم نسخ ذلك بقوله تعالي: * (وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض) وقيل: هذا في التوريث بالتبني، وكان ثابتا، ثم نسخ * (إن ~~الله كان على كل شئ شهيدا). # قوله تعالى: * (الرجال قوامون على ms0277 النساء بما فضل الله بعضهم على بعض) ~~سبب نزول الآية: أن امرأة سعد بن الربيع جاءت إلى النبي وقالت: ' إن زوجي ~~PageV01P422 # * (عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدا (33) الرجال ~~قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ~~فالصالحات قانتات حافظات) * * لطمني على وجهي، وهذا أثره، فقال: اذهبي ~~فاقتصي منه؛ فنزل قوله تعالى: * (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله) ~~يعني: بالتأديب. # قال الحسن: لما قال لها: اذهبي فاقتصي منه؛ نزل قوله: * (ولا تعجل ~~بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) أي: لا تحكم قبل أن ينزل حكم الله. # والقوام والقيم بمعنى واحد، والقوام أبلغ: وهو القائم بالمصالح والتدبير، ~~قال الشاعر: # (الله بيني وبين قيمها * يفر مني وأتبع) * (بما فضل الله بعضهم على بعض) ~~يعني: الرجال على النساء بالعقل، والعلم، والحلم. * (وبما أنفقوا من ~~أموالهم) يعني: بإعطاء المهر، والنفقة. # * (فالصالحات قانتات) يعني: مطيعات، وقيل: مصليات * (حافظات للغيب) أي: ~~حافظات للفروج في غيبة الأزواج * (بما حفظ الله) يعني: بما حفظهن الله من ~~إيصاء الأزواج بأداء حقهن من المهر والنفقة، وقيل: معناه: حافظات للغيب ~~بحفظ الله، وقرأ أبو جعفر المدني ' بما حفظ الله ' بفتح الهاء يعني: بما ~~حفظ الله من طاعتهن وعبادتهن. # * (واللاتي تخافون نشوزهن) النشوز: هو الشقاق (فعظوهن) أي: بالتخويف من ~~الله، والوعظ بالقول، * (واهجروهن في المضاجع) قال ابن عباس: ومعناه: ولوهن ~~ظهوركم في المضاجع؛ وذلك بأن يوليها ظهره في الفراش، ولا يكلمها، وقيل: ~~معناه: أن يعتزل عنها في فراش آخر. PageV01P423 # * (للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (34) ~~وإن خفتم شقاق بينهما) * * (واضربوهن) يعنى: ضربا غير مبرح، وذلك ضرب، ليس ~~فيه جرح ولا كسر، قال عطاء: ضرب بالسواك ونحوه. * (فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا) يعني: بالتعلل، والتجني، وقيل: فلا تكلفوهن محبتكم؛ فإن القلب ~~ليس بأيديهن * (إن الله كان عليا كبيرا) أي: متعاليا عن أن يكلف العباد ms0278 ما ~~لا يطيقونه، وفي الخبر: ' لو جاز أن يسجد أحد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد ~~لزوجها؛ لما له عليها من الحقوق '. # وروى مرفوعا: ' خير النساء من إذا دخلت عليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك ~~وإن غبت عنها حفظتك '. # * (وإن خفتم شقاق بينهما): هو النشوز، قال أبو عبيدة: أراد به: إن تيقنتم ~~شقاق بينهما، فالخوف بمعنى: اليقين، ومنه قول الشاعر: # (إذا مت فارميني إلى جنب كرمة * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها) أي: أتيقن. ~~PageV01P424 # * (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار ~~الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت) * * وأنكر الزجاج ذلك عليه، ~~وقال: إذا تيقن الشقاق، فلا معنى لبعث الحكمين، بل الخوف بمعنى الظن، يعني: ~~إن ظننتم شقاق بينهما * (فابعثوا حكما من أهله) يعني من أهل الزوج، * ~~(وحكما من أهلها) يعني: من أهل الزوجة. * (إن يريدا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما إن الله كان عليما خبيرا) وهل يجوز للحكمين التفريق؟ فللسلف فيه ~~قولان: أحدهما: أنه يجوز التفريق، كما يجوز الجمع من غير رضا الزوج، وروى ~~عن علي: أنه بعث الحكمين، فقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: لا حتى ~~ترضى بكتاب الله تعالى؛ فعلى هذا معنى قوله: * (يوفق الله بينهما) يعني: ~~يوفق الله بين الحكمين بما فيه الصلاح من الفرقة أو الجمع، والصحيح وعليه ~~الفتوى: أنه لا يجوز التفريق، وهو ظاهر الآية. # قوله - تعالى -: * (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا) روى عن معاذ أنه ~~قال: ' كنت رديف رسول الله، فقال لي: يا معاذ. فقلت: لبيك وسعديك. فقال: ~~أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم. فقال: حق الله على ~~العباد: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، ثم قال: يا معاذ، قلت: لبيك ~~وسعديك، قال: أتدري ما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. فقال: ~~حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن ms0279 يدخلهم الجنة، ولا يعذبهم '. # * (وبالوالدين إحسانا) أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، ومن الإحسان ~~بالوالدين: لين الجانب، وألا يرفع صوته فوق صوتهما، ولا يجبه بالرد، ويكون ~~لهما كالعبد الذليل لسيده * (وبذي القربى) أي: أحسنوا بذي القربى * ~~(واليتامى والمساكين PageV01P425 # * (أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا (37) والذين ينفقون أموالهم) * * (والجار ذي القربى) فيه ~~قولان: أحدهما: انه الجار الذي له قرابة. والثاني: أنه الجار الذي بقرب ~~داره، وهو الملاصق، * (والجار الجنب) فيه قولان: أحدهما: أنه الجار الغريب ~~الأجنبي، والثاني: أنه الجار الذي يبعد داره. # وقد ورد في حق الجار أخبار، منها: ما روى عن النبي أنه قال: ' ما زال ~~جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه ' وقال: ' من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يؤذ جاره '، وقال لمناديه حتى نادى: ' ألا إن الجيران ~~أربعون دارا، ولم يؤمن بالله من آذى جاره '. # وقالت عائشة لرسول الله: ' إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ فقال: إلى ~~أقربهما بابا ' فحق الجار القريب المسلم ثلاثة حقوق: حق القرابة، وحق ~~الإسلام، وحق الجوار، وللجار الغريب المسلم حقان: حق الإسلام، وحق الجوار، ~~وللجار الذمي حق واحد، وهو حق الجوار. # قوله تعالى: * (والصاحب بالجنب) قال علي، وابن مسعود: هي المرأة، وقال ~~الحسن، ومجاهد، وقتادة، وجماعة: هو الرفيق في السفر، * (وابن السبيل) فيه ~~PageV01P426 # * (رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له ~~قرينا فساء قرينا (38)) * * قولان: أحدهما: أنه الملازم للطريق، قاله ابن ~~عباس، وقال غيره: هو الضيف، وقال ' من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ~~ضيفه ' وقال ' الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة '. # * (وما ملكت أيمانكم) يعني: أحسنوا إلى المماليك، وآخر ما حفظ عن رسول ~~الله أنه قال: ' الصلاة، وما ملكت أيمانكم ' أي: الزموا الصلاة، وحق ما ~~ملكت أيمانكم. # * (إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) المختال: المتكبر، والفخور: الذي ~~يفخر بنفسه تكبرا، قال الشاعر: # (وإن كنت سيدنا سدتنا * وإن كنت ms0280 للخال فاذهب فخل) يعنى: إن كنت للخيلاء ~~فاذهب فخل، فإن قيل: أي معنى لهذا بعد هذه الأحكام؟ قيل: لأن الآدمي قد ~~يقصر في أداء الحقوق تكبرا؛ فنهى عنه، وفي الخبر: ' أن رجلا كان يتبختر في ~~حلة له، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة '. # قوله تعالى: * (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) قيل: هو عام في كل ~~PageV01P427 # * (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان ~~الله بهم عليما (39) إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت ~~من لدنه أجرا عظيما (40) فكيف) * * بخيل في العالم، وقيل أراد به: اليهود ~~والنصارى بخلوا بنعت محمد، وأمروا سفلتهم بذلك، * (ويكتمون ما آتاهم الله ~~من فضله اعتدنا) أي: أعددنا * (للكافرين عذابا مهينا). # قوله تعالى: * (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر) قال إبراهيم النخعي: هم اليهود والنصارى، وقال غيره: هم ~~المنافقون. # * (ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) أي: فبئس القرين، قال الشاعر: # (عن المرء لا تسأل وبصر قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي) قوله تعالى: * ~~(وماذا عليهم) أي: وأي شئ عليهم * (لو آمنوا بالله) وهو مثل ما يحاسب الرجل ~~نفسه، فينظر فيما له، وفيما عليه؛ يقول الله تعالى أي: شئ عليهم لو آمنوا ~~بالله واليوم الآخر * (وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما). # قوله - تعالى -: * (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) قرأ ابن مسعود: ' مثقال ~~نملة ' والذرة: هي النملة الحمراء، * (وإن تك حسنة يضاعفها) وقرئ: ' يضعفها ~~' وهما في المعنى سواء. * (ويؤت من لدنه أجرا عظيما). # قوله تعالى: * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) ~~معناه: فكيف الحال إذا جئنا من كل أمة بشهيد؟ وأراد بالشهيد من كل أمة ~~نبيها، وشهيد هذه الأمة: نبينا. # واختلفوا على أن شهادتهم على ماذا؟ منهم من قال: يشهدون على تبليغ ~~الرسالة، ومنهم من قال: يشهدون على الأمة بالأعمال. PageV01P428 # * (إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) يومئذ يود ms0281 ~~الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (42) يا ~~أيها الذين آمنوا لا) * * واختلفوا في أن النبي هل يشهد على من لم يره؟ ~~منهم من قال: إنما يشهد على من رآه، والصحيح: أنه يشهد على الكل، على من ~~رأى، وعلى من لم ير. # وروى عن ابن مسعود: ' أن النبي قال لي: اقرأ علي القرآن ' فقلت: كيف أقرأ ~~عليك القرآن، وعليك أنزل؟! فقال: أريد أن أسمعه من غيري. قال ابن مسعود: ~~فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت قوله: * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) غمزني رسول الله بيده، وقال: حسبك، فنظرت إليه، ~~فإذا عيناه تذرفان '، وفي رواية: ' لما قرأت هذه الآية، قرأ رسول الله: * ~~(وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) ' وفي ~~رواية ثالثة: ' هذا يا رب فيمن رأيته، فكيف بمن لم أره؟ ' وأصل الحديث ~~صحيح. # قوله تعالى: * (يومئذ) يعني: يوم القيامة * (يود الذين كفروا وعصوا ~~الرسول لو تسوى بهم الأرض) ويقرأ: ' لو تسوى بهم الأرض ' أي: تستوي، يعني: ~~يودون أن يصيروا ترابا، وهذا مثل قوله تعالى: * (ويقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا)، وذلك حين تحشر البهائم ثم يقول الله تعالى لهم: كونوا ترابا، ~~فيكونون ترابا؛ فيود الكفار هنالك أن يصيروا مثل البهائم ترابا، وقيل: ~~يودون أن PageV01P429 # * (تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء) * * تنخرق الأرض؛ فساخوا فيها وهلكوا، وتسوى ~~بهم الأرض، أي: عليهم الأرض. # * (ولا يكتمون الله حديثا) فإن قيل: قد أخبر هاهنا أنهم لا يكتمون الله ~~حديثا، وذكر في موضع آخر قولهم: * (والله ربنا ما كنا مشركين) فقد كتموا، ~~فكيف وجه الجمع؟ قيل: قال الحسن البصري: وهذا في موطن وذاك في موطن، آخر، ~~وفي القيامة مواطن، وهذا جواب معروف أورده القتيبي في مشكل القرآن. وقيل: ~~معناه: يودون أن لا ms0282 يكتمون الله حديثا، وذلك أنهم يقولون: * (والله ربنا ما ~~كنا مشركين) ونحو ذلك، فيختم الله على أفواههم، وينطق جوارحهم؛ فيودون أنهم ~~لم يكتموا الله حديثا فهو راجع إلى قوله: * (يود الذين كفروا) وقيل: معناه: ~~لا يقدرون أن يكتموا الله حديثا. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) يعني: ~~لا تقربوا موضع الصلاة، * (وأنتم سكارى) فالأصح وعليه أكثر المفسرين أنه ~~أراد به: السكر من الشراب، وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك: أراد به: السكر ~~من النوم. # والسكر من السكر فهو أشد، فالسكر يسد العقل والمعرفة، والصحيح أنه في ~~السكر من الشراب. # وسبب نزول الآية ما روى: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما، واتخذ شرابا، ~~ودعا رهطا من أصحاب رسول الله، فأكلوا، وشربوا حتى ثملوا، فدخل وقت المغرب، ~~فقاموا إلى الصلاة، وقدموا واحدا منهم، فقرأ سورة * (قل يا أيها الكافرون) ~~وقرأ: أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، قرأ هكذا إلى آخر السورة بطرح ~~' لا '؛ PageV01P430 # * (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ~~(43) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن ~~تضلوا السبيل ( 44) والله أعلم) * * فنزل قوله: * (لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون) ' أي: حتى تميزوا، وتعرفوا ما تقولون. # فإن قيل: كيف خاطب السكارى، والسكران لا يخاطب؟ قيل أراد به لا تتعرضوا ~~للسكر في أوقات الصلاة، فكانوا يشربون بعد ذلك بعد صلاة الصبح، ويصحون عند ~~الظهر، ويشربون بعد العشاء الآخرة، ويصحون عند الصبح. # * (ولا جنبا إلا عابري سبيل) يعني: ولا تقربوا المسجد موضع الصلاة جنبا، ~~إلا عابري سبيل، اختلفوا فيه: قال جماعة من التابعين وهو قول الشافعي: إنه ~~أراد به عبور: الجنب في المسجد من غير أن يجلس؛ فرخص فيه، وقال بعضهم إنه ~~يتيمم للعبور، ثم يعبر إذا لم يكن له بد من العبور، والآية في قوم من ~~الأنصار كانت أبواب بيوتهم في المسجد: فرخص لهم في العبور بالتيمم، فهذا ~~معنى قوله: * (ولا جنبا إلا عابري سبيل ms0283 حتى تغتسلوا). # * (وإن كنتم مرضى) أراد به: المرضى من القروح والجروح، وفيه تفاصيل تذكر ~~في الفقه، * (أو على سفر) وحد السفر: مسيرة يوم وليلة، وقال أصحاب الرأي: ~~مسيرة ثلاثة أيام * (أو جاء أحد منكم من الغائط) قال الفراء: معناه: وجاء ~~أحد منكم من الغائط؛ حتى يستقيم الكلام، والغائط: اسم للمطمئن من الأرض؛ ~~فلما جرت عادة العرب بإتيان الغائط للحدث؛ سمى الحدث غائطا باسم المكان. # * (أو لمستم النساء) ويقرأ: ' أو لامستم النساء ' قال علي، وابن عباس: ~~أراد به الجماع، قال ابن عباس: إن الله حيى كريم، يكنى بالحسن عن القبيح؛ ~~فكنى باللمس عن الجماع، وقال ابن مسعود، وابن عمر: هو اللمس باليد، وهو قول ~~الشافعي، فمن قال بالأول قال: إن التيمم للجنب ثابت بنص الكتاب، ومن قال ~~PageV01P431 # * (بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) من الذين هادوا ~~يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا ~~بألسنتهم وطعنا في الدين ولو) * * بالثاني قال: إن التيمم للمحدث ثابت ~~بالكتاب، وللجنب ثابت بالسنة. # وقال عمر، وابن مسعود: ليس للجنب أن يتيمم أصلا، وحملوا الآية على اللمس ~~باليد، وتمسكوا بظاهر الآية. # والأصح أن اللمس والملامسة واحد، وقال بعضهم: ومن قرأ: * (أو لامستم) ~~ففيه دليل على انتقاض طهارة اللامس والملموس جميعا. ومن قرأ (أو لمستم) ~~ففيه دلالة على انتقاض طهارة اللامس فحسب. # * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) أي: اقصدوا، وتعمدوا، والتيمم: القصد، قال ~~الشاعر: # (تيممت قيسا وكم دونه * من الأرض من مهمة ذي شزن) * (صعيدا) قال أبو ~~عبيدة: الصعيد: التراب، وهو قول الشافعي، وقال ابن الأعرابي: الصعيد: ما ~~يصعد من وجه الأرض، وهو اختيار الزجاج، وقال الزجاج: لو ضرب يده على صخرة ~~صماء حصل التيمم، وإن لم يعلق به شئ، واستدلوا بقوله: * (صعيدا زلقا) وأراد ~~به: وجه الأرض، والأول أصح؛ لأنه قال في آية أخرى: * (فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه) يعني: من الصعيد؛ فدل أنه التراب حتى يكون التيمم منه وقوله: ~~* (طيبا) أي: طاهرا، وقال بعضهم: حلالا (فامسحوا بوجهكم وأيديكم إن الله ~~كان عفوا ms0284 غفورا) فالعفو المسهل والغفور: الساتر. قوله تعالى: * (ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) فإن قال قائل: كيف يسمي اليهود والنصارى: ' ~~أهل الكتاب '، وهو اسم مدح، وهم يستحقون الذم؟ # قيل: قال ذلك لإلزام الحجة، وقيل: سماهم بذلك على زعمهم أنهم أهل الكتاب. ~~PageV01P432 # * (أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن ~~لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (46) يا أيها الذين أوتوا الكتاب ~~آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن) * * (يشترون الضلالة) لأنهم لما ~~استبدلوا الضلالة بالهدى، فكأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، وكل مشتر مستبدل. # * (ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى ~~بالله نصيرا) قال الزجاج: معناه: اكتفوا بالله وليا واكتفوا به نصيرا؛ ~~لتكون ' الباء ' في موضعها، وقال غيره: الباء صلة، وتقديره: وكفى الله وليا ~~وكفى الله نصيرا. # قوله تعالى: * (من الذين هادوا يحرفون) قيل تقديره: ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا يحرفون، وقيل معناه: من الذين هادوا ~~فريق يحرفون * (الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا) لأنهم لما سمعوا ولم ~~يطيعوا، فكأنهم قالوا: سمعنا وعصينا. # * (واسمع غير مسمع) قال ابن عباس: كانوا يقولون لرسول الله: اسمع، ثم ~~يقولون في أنفسهم: لا سمعت، فهذا معناه، وقال الحسن: اسمع غير مسمع منك، ~~يعني: اسمع منا، ولا نسمع منك * (وراعنا) كانوا يقولون ذلك، ويريدون به: ~~النسبة إلى الرعونة، فذلك معنى قوله: * (ليا بألسنتهم وطعنا في الدين)؛ لأن ~~قولهم: راعنا من المراعاة، فلما حرفوه إلى الرعونة، فذلك معنى قوله: (* ~~(ليا بألسنتهم) * ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا) أي: انظر ~~إلينا * (لكان خيرا لهم وأقوم) أي: أعدل (ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا) فيه قولان: أحدهما فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، لا ~~يستحقون به اسم الإيمان؛ وذلك أنهم يؤمنون بالله، والآخرة، وموسى، وقيل: ~~معناه: فلا يؤمنون إلا نفر قليل منهم، وأراد به: عبد الله بن سلام، وقوما ~~منهم أسلموا. # * (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا) يعني: من ms0285 القرآن (مصدقا ~~لما PageV01P433 # * (نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان ~~أمر الله مفعولا (47) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى) * * (معكم) من التوراة والإنجيل * (من قبل ~~أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها) الطمس: المحو، ومعناه: من قبل أن نطمس ~~الوجه، ونرده إلى القفا، وقيل: معناه: نبات الشعر عليه، حتى يصير كالقردة، ~~وقيل: يجعل عينيه على القفا ليمشي بقهقرى، وروى: أن عبد الله بن سلام لما ~~سمع هذه الآية، جاء إلى النبي ويده على وجهه، فأسلم، وقال: خفت أن يطمس ~~وجهي قبل أن أصل إليك، وكذلك كعب الأحبار لما سمع هذه الآية أسلم في زمن ~~عمر رضي الله عنه. # فإن قال قائل: قد أوعد اليهود بالطمس إن لم يسلموا، ولم يطمس وجوههم، ~~فكيف ذلك؟ قيل: هذا كان في قوم معدودين أسلموا، وذلك: عبد الله بن سلام، ~~وثعلبة بن سعيد، وأوس بن سعيد، والمحيريق، وجماعة، ولو لم يسلموا لطمسوا. # وقيل: أراد به: الطمس في القيامة، قال مجاهد: أراد بقوله * (نطمس وجوها) ~~أي: نتركهم في الضلالة؛ فيكون المراد طمس القلب * (أو نلعنهم كما لعنا ~~أصحاب السبت) أي: نجعلهم قردة كما جعلنا أصحاب السبت قردة * (وكان أمر الله ~~مفعولا). # قوله تعالى: * (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ~~قيل: هذه أرجى آية في القرآن، قال ابن عمر: كنا نطلق القول فيمن ارتكب ~~الكبائر بالخلود في النار، حتى نزلت هذه الآية، فتوقفنا * (ومن يشرك بالله ~~فقد افترى إثما عظيما) أي: اختلق إثما عظيما، فإن قال قائل: قد قال الله ~~تعالى: * (إن الله لا يغفر أن يشرك به) وقال في موضع آخر: * (إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا) فكيف وجه الجمع؟ # قيل أراد به: يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك. PageV01P434 # * (إثما عظيما (48) ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ~~ولا يظلمون فتيلا (49) انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ms0286 ~~(50) ألم تر إلى الذين أوتوا) * * وفي الخبر: ' أنه لما قرأ قوله تعالى: * ~~(إن الله يغفر الذنوب جميعا) فقال رجل: والشرك يا رسول الله؟ فنزل قوله ~~تعالى * (إن الله لا يغفر أن يشرك به). # قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم) نزلت الآية في رحبي بن ~~عمرو، ومرحب بن زيد، جاءا إلى النبي بأطفالهما، وقالا: هل على هؤلاء ذنب؟، ~~فقال: لا. فقالا: نحن مثلهم؛ ما فعلنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما فعلنا ~~بالنهار يكفر عنا بالليل، فنزل قوله: (* (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم) * ~~بل الله يزكي من يشاء) ' يطهر من يشاء. # * (ولا يظلمون فتيلا) أي: لا ينقص من أجورهم شئ إن أسلموا، ولا من ~~أوزارهم إن لم يسلموا. والفتيل والقطمير والنقير: ثلاثة أسامي مذكورة في ~~القرآن فالفتيل: اسم لما يكون في شق النواة، والقطمير: اسم للقشرة التي ~~تكون على النواة، والنقير: اسم للنقطة التي تكون على ظهر النواة، هذا قول ~~ابن عباس، وقال غيره: الفتيل من الفتل، وهو اسم لما يحصل من الوسخ بين ~~الإصبعين عند الفتل، قال الشاعر: # (تجمع الجيش ذا الألوف وتغزو * ثم لا ترزأ العدو فتيلا) قاله النابغة، ~~وأنشده الأزهري. قوله تعالى: * (أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به) ~~أي: بالكذب (* (إثما مبينا) * ألم تر إلي الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت) قال عمر رضي الله عنه: الجبت: السحر والطاغوت: ~~الشيطان، وبه قال الشعبي، وقال PageV01P435 # * (نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء ~~أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن ~~تجد له نصيرا (52) أم لهم) * * قتادة: الجبت: الشيطان والطاغوت: الكاهن، ~~وعن ابن عباس في رواية الكلبي عنه أنه قال: هما اسما رجلين من اليهود، ~~فالجبت: حيى بن أخطب والطاغوت: كعب بن الأشرف، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: ~~أن الجبت: الساحر بلغة الحبشة فعرب، وذكر عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس ~~رحمة الله أنه قال: الطاغوت: كل ما يعبد من دون الله، وقرأ ms0287 قوله تعالى: * ~~(واجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها) فقيل له: ما ' الجبت '؟، فقال سمعت أنه ~~الكاهن. # * (ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) هذا قول جماعة ~~من اليهود وحضروا موسم الحج، فقال لهم المشركون: نحن أحسن طريقة أم محمد ~~وأصحابه؟ فقالوا: أنتم. وهذا دليل على شدة معاندة اليهود؛ حيث فضلوا ~~المشركين على المسلمين، مع علمهم أنهم لم يؤمنوا بشيء من الكتب، وأن ~~المسلمين آمنوا بالكتب المتقدمة. # * (أولئك الذين لعنهم الله) هم اليهود * (ومن يلعن الله فلن تجد له ~~نصيرا). قوله تعالى: * (أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) ~~فالنقير: اسم تلك النقطة على ظهر النواة، ومنها تنبت النخلة، وفي الآية ~~قولان: أحدهما: أنه: استفهام بمعنى الإنكار والنفي، يعنى: ليس لهم نصيب من ~~الملك؛ إذ لو كان الملك لهم، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا، وقد ذكرنا نزع ~~الملك من اليهود، والقول الثاني: إنه بمعنى الإثبات، يعني: لهم نصيب من ~~الملك: وأراد بالملك المال، ثم هم إذا لا يؤتون الناس نقيرا، وصفهم بشدة ~~البخل، وهذا على طريق ضرب المثل؛ إذ من اليهود من يؤتي المال. # قوله تعالى: * (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) أي: بل ~~يحسدون، واختلفوا في الناس هاهنا، من المراد به؟ قال ابن عباس، والحسن، ~~PageV01P436 # * (نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) أم يحسدون الناس على ما ~~آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا ~~عظيما (54) فمنهم من آمن به) * * ومجاهد، وجماعة: أراد به: محمدا وحده، ~~وقال قتادة: أراد به العرب؛ حسدهم اليهود ببعث النبي منهم، وفيه قول ثالث: ~~أراد به: محمدا وأصحابه، وقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: نحن الناس؛ ~~وذلك أنهم حسدوا، فإذا قلنا بالقول الأول: أنه محمد وحده؛ فاختلفوا في ~~الفضل المذكور في الآية ما هو ؟ قال بعضهم: هو النبوة حسد الرسول بها، وقال ~~بعضهم: هو تحليل الزوجات فيما زاد على الأربع، حسده اليهود عليه؛ فقالوا: ~~ما بال هذا الرجل همه في النكاح، ينكح، وينكح. ms0288 * (فقد آتينا آل إبراهيم ~~الكتاب والحكمة) أراد بآل إبراهيم: داود، وسليمان، والكتاب: هو الكتاب الذي ~~أنزل عليهم، وأما الحكمة: قيل: هي النبوة، وقيل هي السنة. # ومعنى الآية: أنهم إن حسدوا الرسول بما أوتى من الفضل، فليحسدوا آل ~~إبراهيم؛ فإنهم قد أوتوا الكتاب والحكمة * (وآتيناهم ملكا عظيما) اختلفوا ~~في الملك العظيم: فمن فسر الفضل بتحليل الزوجات، فسر الملك العظيم به أيضا، ~~وقد كان لداود تسع وتسعون امرأة، ولسليمان مائة امرأة، وقيل: كان لسليمان ~~سبعمائة امرأة، وثلاثمائة سرية، وقيل: أعطى نبينا صلوات الله عليه قوة ~~سبعين شابا في المباضعة. # وقيل: الملك العظيم: ملك سليمان، وقيل: المراد به تأييدهم بالجنود من ~~الملائكة. # قوله تعالى: * (فمنهم من آمن به) يعنى: بالكتاب * (ومنهم من صد عنه) أي: ~~أعرض عنه، وقيل: معناه: فمنهم من آمن بمحمد، ومنهم من صد عنه * (وكفى بجهنم ~~سعيرا) والسعير: هي النار المسعرة. PageV01P437 # * (ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) إن الذين كفروا بآياتنا سوف ~~نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله ~~كان عزيزا حكيما) * * قوله تعالى * (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ~~نارا) أي نلقيهم في النار، ويقال: صلى النار، إذا قرب منها، قال الشاعر يصف ~~امرأة: # (تجعل المسك واليلنجوج والند * صلاء لها على الكانون) * (كلما نضجت ~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) قيل: قرئت هذه الآية عند عمر ~~رضي الله عنه وكان عنده معاذ بن جبل، فقال: تبدل جلودهم في كل ساعة سبعين ~~مرة، قال عمر: كذا سمعت رسول الله '. # وقال الحسن: في كل يوم سبعين ألف مرة. # فإن قيل: إذا بدلت جلودهم، فكيف يعذب غير الجلد الذي كان في الدنيا؟ قيل: ~~إنما يعذب الشخص في الجلد دون الجلد، وقيل: يعاد الجلد الأول في كل مرة، ~~إلا أنه سماه جلدا غيره، ومثله جائز، تقول العرب: صغت من خاتمي خاتما غيره، ~~وإن كان الثاني إعادة للأول، وفي الخبر: ' أن بصر جلد الكافر في النار ~~أربعون ذراعا يعني: غلظه وضرسه مثل جبل أحد، وما بين منكبيه مسيرة ms0289 ثلاثة ~~أيام '. PageV01P438 # * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى) * * وفي الأخبار: ' يكون عليه مائة جلد، بين ~~كل جلدين لون من العذاب ' * (إن الله كان عزيزا حكيما) عزيزا: غالبا. ~~حكيما: فيما دبر، قوله: * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة) وقد ذكرنا معنى ~~الجميع، * (وندخلهم ظلا ظليلا) وهو الكن الذي يقي من الحر والبرد. # قوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فيه ثلاثة ~~أقاويل: أحدها: أن المراد منه: جميع الأمانات، وعن ابن مسعود رضي الله عنه ~~أنه قال: يجاء بالذي خان في الأمانة يوم القيامة، فيقال له: رد الأمانة. ~~فيقول: ذهبت الدنيا أنى لي الأمانة، فتمثل له الأمانة في النار، ويقال له: ~~خذ الأمانة وردها، فيأتي ليأخذ الأمانة؛ فيهوي في النار، ثم يعود ليأخذ ~~فيهوي فيها أبدا. # وفي الخبر أنه قال: ' أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك '. وروى ~~عن ابن عباس، عن النبي أن قال: ' لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا ~~عهد له PageV01P439 # * (أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به ~~إن الله كان سميعا بصيرا (58) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم) * * والقول الثاني: أنه أراد به: ~~تفويض الأمر إلى الولاة بالطاعة لهم، والقول الثالث - وهو قول عامة ~~المفسرين -: أن المراد منه رد مفاتيح الكعبة. # وسبب نزول الآية ما روى: ' أن رسول الله لما فتح مكة، أخذ مفتاح الكعبة ~~من عثمان بن طلحة، وفتح الباب، ودخل الكعبة، فلما خرج، قال العباس: بأبي ~~أنت وأمي يا رسول الله، اجمع لي بين السدانة والسقاية فهم رسول الله أن ~~يدفع المفتاح إليه؛ فنزل قوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها)، فدعا رسول الله عثمان بن طلحة، ودفع إليه المفتاح، ms0290 وقال: خذوها ~~يا بني طلحة، خالدة تالدة، لا ينزعها عنكم إلا ظالم ' وكان مع عثمان حياته، ~~فلما توفي دفعه إلى أخيه شيبة، فهو في بني شيبة إلى قيام الساعة. # * (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) أي: بالقسط * (إن الله نعما ~~يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم) اختلفوا في أولي الأمر، قال ابن عباس، وجابر - وهو قول ~~جماعة -: هم العلماء والفقهاء، وقال أبو هريرة: هم الولاة والسلاطين، وقيل: ~~هم أمراء السرايا الذين بعثهم رسول الله في الحروب، وقد صح أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال: ' من عصى أميري فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع ~~أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله '. PageV01P440 # * (في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك ~~خير وأحسن تأويلا (59) ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك يريدون) * * وقال عكرمة: أراد به: أبا بكر وعمر. # * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) التنازع: هو التشاجر، سمى ~~تنازعا؛ لأن كل واحد من الخصمين ينزع بحجة وآية. # وقوله: * (فردوه إلى الله) يعنى: إلى الكتاب، وإلى الرسول إن كان حيا، ~~وإلى سنته إن كان ميتا. # والرد إلى الكتاب والسنة واجب، ما دام في الحادثة شئ من الكتاب والسنة، ~~فإن لم يكن فالسبيل فيه الاجتهاد، وروى أن مسلمة بن عبد الملك قال لرجل: ~~إنكم أمرتم أن تطيعونا، فقال الرجل: قد نزعها الله منكم؛ حيث قال: * (فإن ~~تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) وقد تنازعتم، فقال مسلمة: أين الله؟ ~~فقال: الكتاب، وقال: أين الرسول؟ فقال: السنة. # وقيل: الرد إلى الله والرسول: أن يقول الرجل فيما لا يدرى: الله ورسوله ~~أعلم، وهذا قول حسن * (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا) أي: أحسن مآل وعاقبة. # قوله - تعالى -: * (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ~~وما أنزل من ms0291 قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ~~ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا). # في الآية قولان: أحدهما: أنه في جماعة من المنافقين منهم خلاس بن الصامت، ~~كانت لهم خصومة مع جماعة من المسلمين، فقال المسلمون: نتحاكم إلى الرسول، ~~وقال المنافقون: نتحاكم إلى الكهنة. # والقول الثاني - وهو الأصح: ' أن رجلا من اليهود خاصم رجلا من المنافقين، ~~PageV01P441 # * (أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ~~رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن) * * فقال اليهودي: نتحاكم إلى أبي القاسم ~~إذ عرف أنه لا يأخذ الرشوة على الحكم فيحكم بالحق، وقال المنافق: نتحاكم ~~إلى كعب بن الأشرف، فتحاكما إلى النبي فحكم لليهودي، وكان الحكم له، فقال ~~المنافق: لا أرضى بحكمه، نتحاكم إلى أبي بكر، فتحاكما إلى أبي بكر، فحكم ~~لليهودي بمثل ما حكم رسول الله فقال المنافق: لا أرضى بحكمه، نتحاكم إلى ~~عمر، فتحاكما إلى عمر، فقال عمر: هل تحاكمتما إلى أحد؟ فقال اليهودي: نعم ~~إلى أبي القاسم، وإلى أبي بكر، وقد حكما لي، وهو لا يرضى، فقال عمر: ~~مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل البيت، واشتمل على السيف، ثم خرج، وضرب عنق ~~المنافق، فبلغ ذلك رسول الله، فقال: أنت الفاروق '. # قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا) هو ما ذكرنا، أن المنافقين دعوا إلى التحاكم ~~إلى الرسول، فأعرضوا عنه، وتحاكموا إلى الطاغوت. # قوله تعالى * (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم) قيل: هذا في ~~المنافقين الذين تحاكموا إلى الطاغوت، وقوله: * (أصابتهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم) قيل: هو قتل عمر رضي الله عنه ذلك المنافق؛ فإنهم جاءوا يطلبون ~~دمه، وقيل: هو في جميع المنافقين، والمصيبة: كل مصيبة تصيبهم في الدنيا ~~والعقبى. # يقول الله تعالى: فكيف الحال إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم * (ثم ~~جاءوك ms0292 يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا) قيل: هو إحسان بعضهم إلى ~~بعض، وقيل أرادوا بالإحسان: تقريب الأمر من الحق، لا القضاء على مر الحكم. ~~PageV01P442 # * (أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ~~فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (63) وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) * * وأما التوفيق: موافقة ~~الحق، وقيل: هو التأليف والجمع بين الخصمين. ومعنى الآية: أن المنافقين ~~يحلفون ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك إلا إحسانا وتوفيقا. # وقي الآية قول آخر: أنها في المنافقين، حلفوا في المسجد الذي بنوا ضرارا ~~على ما هو مذكور قي سورة التوبة * (وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى). # قوله تعالى: * (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم) خلاف ما على ألسنتهم ~~* (فأعرض عنهم وعظهم) فإن قال قائل: كيف يتصور الجمع بين الإعراض والوعظ ~~وقد أمر الله تعالى بهما؟ # قيل معناه: فأعرض عن عقوبتهم، وعظهم. # وقيل: معناه: فأعرض عن قبول عذرهم، وعظهم * (وقل لهم في أنفسهم قولا ~~بليغا) القول البليغ: هو ما يبلغ الإنسان بلسانه كنه ما في قلبه، وقيل: هو ~~التخويف بالله تعالى وقيل: هو أن يقول: إن رجعتم إلى هذا، فأمركم القتل. # قوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) قال أهل ~~المعاني: قوله * (إلا ليطاع) كلام كاف مفيد بنفسه، وقوله: * (بإذن الله) ~~كلام آخر ومعناه بعلم الله وقضاء الله يعنى: أن طاعته تقع بإذن الله. # * (ولو أنهم) يعني: المنافقين * (إذا ظلموا أنفسهم) يعنى: بالتحاكم إلى ~~الطاغوت * (جاءوك فاستغفروا الله) لأنهم ما جاءوا مستغفرين، وإنما جاءوا ~~معتذرين بالأعذار الكاذبة. # قوله: * (فاستغفروا الله) أي: سألوا مغفرة الله، * (واستغفر لهم الرسول) ~~أي: دعا لهم الرسول بالاستغفار * (لوجدوا الله توابا رحيما). PageV01P443 # * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا قي أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ~~أو اخرجوا من دياركم) * * قوله ms0293 تعالى: * (فلا ربك لا يؤمنون) قوله: * ~~(فلا): رد لقول المنافقين وعذرهم، ثم ابتداء بقوله: * (وربك لا يؤمنون) ~~والمراد به: الإيمان الكامل، أي: لا يكمل إيمانهم، * (حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم) أي: اختلف، والاشتجار: الاختلاف، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها ~~على بعض، قال الشاعر: # (هم الحكام أرباب الندي * وسراة الناس إذ الأمر شجر) أي: اختلف، (ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) أي: ضيقا، ومنه الحرجة، روى أن عمر - رضي ~~الله عنه - قال لبعض العرب: ما الحرجة عندكم؟ قال: هي شجرة ملتفة، لا يصل ~~الماء إليها. # ومن ذلك قوله - تعالى -: * (يجعل صدره ضيقا حرجا) أي: يضيق مسلكه بحيث لا ~~تصل إليه الهداية * (ويسلموا تسليما) ومعنى الآية: لا يكمل إيمانهم حتى ~~يرضوا بحكمك، وينقادوا لك، قيل: هذه أبلغ آية في كتاب الله - تعالى - في ~~الوعيد. # واختلفوا في سبب نزول الآية، قال عطاء، ومجاهد: الآية في المنافقين الذين ~~تحاكموا إلى الطاغوت، وقال عبد الله بن الزبير، وعروة بن الزبير، وجماعة: ' ~~الآية نزلت في رجل من الأنصار يقال له: حاطب بن أبي بلتعة - وكان من أهل ~~بدر - خاصم الزبير بن العوام في ماء أرض عند النبي، فقال - عليه الصلاة ~~والسلام - للزبير: اسق أرضك الماء ثم أرسله إلى جارك، وكانت أرض الأنصاري ~~دون أرضه؛ فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه النبي، وقال للزبير: ~~اسق أرضك، واحبس الماء حتى يبلغ الجدر ' - وفي رواية - حتى يبلغ الكعبين ثم ~~سرحه يمر ' PageV01P444 # * (ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا ~~مستقيما (68) ومن يطع الله) * * كان النبي ساهل في حق الزبير في ابتداء ~~الأمر، فلما أغضبه الأنصاري استوعب جميع حقه، وكلا الحكمين كان حقا، وفي ~~الخبر: قال الزبير: ' احسب أن قوله: * (فلا وربك لا يؤمنون) نزل في هذا. # وروى أن اليهود لما بلغهم ذلك، قالوا: انظروا إلى أصحاب محمد كيف ~~يخالفونه، وإن موسى عتب علينا، فأمرنا بقتل أنفسنا، فقتلنا أنفسنا حتى ms0294 بلغ ~~القتلى سبعين ألفا. # قوله - تعالى -: * (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ~~دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم) معناه: لو كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، ~~أو اخرجوا من دياركم، بدل ما أمرناهم به من طاعة الرسول، والانقياد لحكمه * ~~(ما فعلوه إلا قليل منهم) قال ثابت بن قيس بن شماس: لو أمرني رسول الله ~~بقتل نفسي لقتلت، وفي الخبر: أن ابن مسعود وعمار بن ياسر، وثابت بن قيس بن ~~شماس، من ذلك القليل، وروى أن النبي أشار إلى عبد الله بن رواحه، فقال له: ~~' أنت من ذلك القليل '. # ويقرأ ' إلا قليلا منهم ' فمن قرأ بالرفع؛ فلأنه معطوف على قوله: * (ما ~~فعلوه) وذلك في محل الرفع، وتقديره: ما فعلوه إلا نفر قليل منهم فعلوه. ومن ~~قرأ بالنصب، فعلى الاستثناء. # * (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به) يعنى: من طاعة الرسول، والرضا لحكمه ~~(لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) أي: تصديقا (وإذ لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما) ~~هو الجنة * (ولهديناهم صراطا مستقيما) قيل: هو القرآن، وقيل: الإسلام. ~~PageV01P445 # * (والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من الله وكفى بالله ~~عليما (70) يا أيها الذين آمنوا) * * قوله - تعالى -: * (ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) سبب نزول الآية، ما روى: أن بعض ~~أصحاب رسول الله قالوا: يا رسول الله، كيف يكون الحال في الجنة، وأنت في ~~الدرجات العلي، ونحن أسفل منك، وكيف نراك؟ فنزلت الآية. وذكر النقاش في ~~تفسيره: أن ذلك القائل كان عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري. # وروى: أن رجلا قال: لرسول الله أنت أحب إلى من أهلي ومالي وولدي، وإذا ~~غبت عنى يصيبني شبه الجنون، حبا لك، فكيف حالي معك في الجنة؟ فنزلت الآية ' ~~* (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين) قيل: ذلك بأن ينزل إليهم ~~النبيون؛ حتى يروهم، لا أن يرفعوا إلى درجاتهم، وقيل: معناه: أنهم لا ~~يفوتهم رؤية النبيين ومجالستهم، وقوله: * (والصديقين) يعنى: ms0295 أصحاب رسول ~~الله، والصديق المبالغ في الصدق، * (والشهداء) الذين استشهدوا يوم أحد. # واختلفوا في أنهم لم سموا شهداء؟ قال بعضهم: لأنهم قاموا بشهادة الحق حتى ~~قتلوا، وقيل: لأن أرواحهم تشهد الجنة عقيب القتل، * (والصالحين) الصالح: من ~~استوت سريرتيه علانيته * (وحسن أولئك رفيقا) الرفيق: الواحد، وهو بمعنى ~~الجمع هاهنا * (ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) أي: عدتكم، والحذر: ~~ما يتقى به من العدو، نحو العدة والسلاح، (فانفروا ثبات) جمع ' ثبة ' قال ~~ابن عباس: ' الثبة ': ما فوق العشرة، وقال أبو عمرو بن العلاء: ' الثبة ' ~~النفر، ومعناه: انفروا جماعات، نفرا نفرا (أو انفروا جميعا). # وهذا دليل على أن الجهاد فرض على الكفاية، وقيل إن الآية صارت منسوخة؛ ~~PageV01P446 # * (خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) وإن منكم لمن ليبطئن ~~فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا (72) ولئن ~~أصابكم فضل من الله) * * لقوله - تعالى -: * (وما كان المؤمنين لينفروا ~~كافة). # قوله - تعالى -: * (وإن منكم لمن ليبطئن) أي: ليتأخرن، والبطء: التأخير. # وقيل: هذا في عبد الله بن أبي بن سلول * (فإن أصابتكم مصيبة) يعنى: ~~بالقتل والجرح في الجهاد * (قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا) ~~أي: حاضرا * (ولئن أصابكم فضل من الله) أي: الغنيمة (ليقولن) - بنصب اللام ~~- ويقرأ في الشواذ: برفع اللام والمعنى واحد * (كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة) قيل: في الآية تقديم وتأخير، وتقديره: فإن أصابتكم مصيبة، قال: قد ~~أنعم الله على؛ إذ لم أكن معهم شهيدا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة، أي: ~~معاقدة ومعاهدة على الجهاد، وقيل: أراد به: مودة الصحبة. ثم ابتدأ * (ولئن ~~أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما). # قوله - تعالى -: * (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا) أي: ~~يبيعون * (بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما) وهو معنى قوله في سورة التوبة: * (فيقتلون ويقتلون). # قوله - تعالى -: * (وما لكم لا تقاتلون ms0296 في سبيل الله) عتب على أصحاب رسول ~~الله بترك القتال * (والمستضعفين) وهم الذين أسلموا بمكة وسكنوا بأعذار، ~~وبعضهم منعوا من الهجرة، قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين. # قال الأزهري: معنى الآية: لا تقاتلون في سبيل الله، وفي سبيل المستضعفين؛ ~~بتخليصهم من أيدي المشركين * (من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ~~ربنا أخرجنا من هذه القرية) وهي مكة باتفاق المفسرين * (الظالم أهلها) أي: ~~المشرك أهلها * (واجعل لنا من لدنك وليا) أي: من يلي أمرنا * (واجعل لنا من ~~لدنك PageV01P447 # * (ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا ~~عظيما (73) فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن ~~يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب) * * (نصيرا) أي: من يمنع العدو عنا؛ ~~فاستجاب الله دعوتهم، حتى فتح رسول الله مكة، وولى عليها عتاب بن أسيد، ~~فكان ينصف المظلوم، وينتصف من الظالم. # قوله - تعالى -: * (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا ~~يقاتلون في سبيل الطاغوت) قد بينا معنى الطاغوت * (فقاتلوا أولياء الشيطان) ~~أي: الكفار * (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) قيل كان ضعيفا بمعنى: أنه لا يرد ~~أحدا عن الإسلام والهداية، وقيل: أراد به أن كيده كان ضعيفا يوم بدر، حين ~~رأى الملائكة، وخاف أن يأخذوه، فهرب، فكيده ضعيف بأحد هذين المعنيين. # قوله - تعالى -: * (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم) قيل: هذا في ~~قوم أسلموا بمكة فآذاهم المشركون؛ ' فقالوا: يا رسول الله، ائذن لنا ~~نقاتلهم، فقال لهم: * (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)؛ فإني لم ~~أؤمر بالقتال، ثم لما هاجر إلى المدينة، فأمر بالقتال، فكرهوا القتال ' ~~قيل: أولئك الذين أسلموا وقالوا ذلك، منهم: عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي ~~وقاص، وقدامة بن مظعون، والمقداد بن الأسود الكندي، وجماعة. # * (فلما كتب عليهم القتال) يعنى: بعد الهجرة * (إذا فريق منهم يخشون ~~الناس كخشية الله أو أشد خشية) أي: يخشون الناس كخشيتهم من الله، أو أشد ~~خشية، قال الحسن البصري: ما كانوا يخشون أمر الله بالقتال، وإنما ذلك: ms0297 خشية ~~طبع البشرية. # * (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب) أي: هلا ~~أخرتنا إلى أجل قريب؛ فنموت بآجالنا، قيل: هذا قول المنافقين، وقيل: كان ~~ذلك قول بعض PageV01P448 # * (فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه ~~القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك) * * أصحاب رسول الله: قالوا ذلك ~~خوفا و (جبنا) لا اعتقادا. وقال بعضهم: هو قول طلحة بن عبيد الله؛ قال ذلك ~~خوفا ثم تاب عنه. # * (قل متاع الدنيا قليل) يعنى: أن ما تستمتعون به من الدنيا فهو قليل، ~~وفي الخبر المعروف: ' ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم المخيط في ~~البحر، فلينظر بم يرجع؟! ' * (والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا) أي: ~~لا ينقص من أجرهم شئ، ولا مقدار الفتيل. # قوله - تعالى -: * (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) ~~معناه: أينما كنتم يأتيكم الموت، وإن كنتم في بروج مشيدة، والبروج: الحصون، ~~قال السدي: وهي قصور بيض في السماء، قوله: * (مشيدة) قال ابن عباس - في ~~القول المعروف -: هي المعروفة المطولة، وقال عكرمة: المشيدة: المجصصة، ~~والشيد: الجص. وقال بعضهم: المشيد: المجصص، والمشيدة: المرفوعة، وفيه قول ~~آخر عن ابن عباس: أنه أراد: في بروج من حديد. # * (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من ~~عندك) فالحسنة: الخصب، والسيئة: الجدب، وقيل الحسنة: النصر، والظفر يوم ~~بدر، والسيئة: الهزيمة والقتل يوم أحد، ومعنى الآية: أن المسلمين إذا ~~أصابتهم حسنة، فقال الكفار: هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة قالوا هذا من ~~عندك أي: بشؤمك؛ وذلك أن النبي لما قدم المدينة أصاب أهلها نوع سوء؛ فقالت ~~اليهود: ما رأينا أشأم PageV01P449 # * (وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ~~والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد ~~الشيطان كان ضعيفا (76) ألم تر) * * من هذا الرجل؛ منذ دخل ديارنا، قد غلت ~~أسعارنا، ونقصت ms0298 ثمارنا؛ وذلك بلية للمسلمين، وهذا نحو ما قالوا لصالح عليه ~~السلام * (اطيرنا بك وبمن معك) وفي قصة موسى: * (يطيروا بموسى ومن معه) وفي ~~سورة ' يس ': * (إنا تطيرنا بكم). # * (قل كل من عند الله) أي: الخصب، والجدب، والنصر، والهزيمة، كل من عند ~~الله، * (فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) أي: ما لهم لا يعلمون ~~حديثا. والحديث: القرآن هاهنا، أي: لا يعلمون معاني القرآن. # قوله - تعالى -: * (ما أصابك من حسنة فمن الله) يعني: ما أصابك من خصب، ~~فمن فضل الله، * (وما أصابك من سيئة) أي: من جدب * (فمن نفسك) أي: بذنبك. # والخطاب وإن كان مع الرسول، فالمراد به: الأمة؛ وذلك معنى قوله - تعالى ~~-: * (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) قيل معناه: وما أصابك من حسنة ~~أيها الإنسان فمن الله، وما أصابك من سيئة، فمن نفسك؛ فيكون الخطاب مع كل ~~أحد من الناس، وقيل: معناه * (ما أصابك من حسنة) أي: من النصر، والظفر فمن ~~فضل الله * (وما أصابك من سيئة) أي: من هزيمة، وقتل يوم أحد * (فمن نفسك) ~~أي: بذنب نفسك من مخالفة النبي كما سبق. # فإن قيل: كيف وجه الجمع بين الآيتين، فإنه قد قال - في الآية الأولى -: * ~~(قل كل من عند الله) قيل: معنى الآية الأولى: أن الخصب والجدب والنصر ~~والهزيمة PageV01P450 # * (إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب ~~عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لولا) * * كلها تقع من عند الله، ومعنى الآية ~~الثانية * (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) أي: ما أصابك من سيئة من الله، ~~فبذنب نفسك؛ عقوبة لك. # واعلم أنه ليس في الآية متعلق لأهل القدر أصلا؛ فإن الآية فيما يصيب ~~الناس من النعم والمحن، لا في الطاعات والمعاصي؛ إذ لو كان المراد ما ~~توهموا، لقال: ما أصبت من حسنة، فمن الله وما أصبت من سيئة؛ فلما قال: ما ~~أصابك من حسنة وما أصابك من سيئة؛ دل أنه أراد: ما ms0299 يصيب العباد من النعم ~~والمحن، لا في الطاعات والمعاصي، وحكى عبد الوهاب بن مجاهد، عن مجاهد، أن ~~ابن عباس قرأ: ' وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك ' وكذا حكى ~~عن ابن مسعود أنه قرأ كذلك، وهو معروف عن ابن عباس، وهو يؤيد قولنا: إن ~~المراد: بذنب نفسك. # وفي الآية قول آخر: مضمر فيه، وتقديره: فمال هؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا؛ يقولون: ما أصابك من حسنة، فمن الله، وما أصابك من سيئة، فمن ~~نفسك فيكون حكاية لقول الكفار * (وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا). # قوله تعالى: * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) روى: ' أن النبي قال: ' من ~~أطاعني فقد أطاع الله تعالى ومن أحبني فقد أحب الله، فقالت اليهود: إن هذا ~~الرجل يريد أن نتخذه ربا وحنانا، كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم؛ فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية على وفاق قول الرسول ' * (ومن تولى فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا) أي: كل أمره إلى. # قوله تعالى: * (ويقولون طاعة) يعني: المنافقين يقولون باللسان: مرنا، فإن ~~أمرك طاعة * (فإذا برزوا) أي: خرجوا * (من عندك بيت طائفة منهم غير الذي ~~PageV01P451 # * (أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا ~~تظلمون فتيلا (77) أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن ~~تصبهم حسنة يقولوا هذه من) * * (تقول) قال أبو رزين: بيت أي: ألف. وقال ~~غيره: بيت، أي: بدل؛ والأصح أنه من التبييت، وهو فعل الشيء ليلا، يقال: هذا ~~أمر بيت ليلا، قيل: أي: فعل بالليل، ويجوز أن يقال لما فعل بالنهار: ~~تبييتا؛ لأن الفعل بالليل إنما سمى تبييتا؛ لأن الإنسان بالليل يكون أفرغ ~~لتدبير أمره، فعلى هذا المعنى يجوز أن يقال لما فعل بالنهار: تبييتا، قال ~~الشاعر: # (بيتوا أمرهم بليل فلما * أصبحوا أصبحوا على ضوضاء) ومعنى * (بيت طائفة ~~منهم غير الذي تقول) أي: خالفوا بالليل ما قالوا بالنهار * (والله يكتب ما ~~يبيتون) أي: يحصى ويحفظ؛ ليجازى عليه، وقيل: يأمر الكتبة حتى يكتبوا (فأعرض ~~عنهم) قال الضحاك: معناه: لا تخبر ms0300 بأسمائهم، وكان - عليه الصلاة والسلام - ~~يعرف المنافقين، وما كان يخبر بأسمائهم * (وتوكل على الله وكفى بالله ~~وكيلا) أي: اتخذه وكيلا. # قوله - تعالى -: * (أفلا يتدبرون القرآن) التدبر: النظر في الأمر إلى ~~آخره، وهو من دبر الشيء: آخره، وفي الخبر: ' من أشراط الساعة: ولا يأتون ~~الصلاة إلا دبرا ' أي: آخرا ومنه قوله: ' لا تدابروا ' أي: لا يول بعضكم ~~ظهره إلى بعض عداوة. PageV01P452 # * (عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال ~~هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك) * * فقوله * (أفلا يتدبرون القرآن) أي: أفلا ~~يتفكرون في القرآن * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ~~قال ابن عباس: ليس في القرآن تناقض ولا تفاوت؛ فهذا معنى الآية. # وقال الزجاج: ما أخبر عن الغيب فكله صدق، ليس بعضه صدقا، وبعضه كذبا، ~~وقيل: معناه: أن كله بليغ صحيح، ليس فيه مرذول ولا فاسد. # قوله تعالى: * (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به) يعني: ~~المنافقين إذا جاءهم أمر وخبر من أمر السرايا الذين بعثهم رسول الله، فإن ~~كان بالأمن والنصر، كتموا، وقصروا في الأخبار، وإن كان بالخوف والهزيمة ~~أذاعوا به، وزادوا. # وفي الآية إضمار، وتقديرها: وإذا جاءهم أمر من الأمن قصروا في الإخبار ~~به، وكتموا، [وإذا] جاءهم أمر من الخوف أذاعوا به * (ولو روده إلى الرسول) ~~قيل أراد بقوله: * (ولو ردوه) يعني: ضعفة المسلمين الذين سمعوا تلك الأخبار ~~من المنافقين قالوا مثل قولهم؛ فقال الله تعالى: * (ولو ردوه إلى الرسول) ~~ويحتمل أن يكون المراد به في الكلام المؤمنين والمنافقين، لو ردوه إلى ~~الرسول. # * (وإلى أولي الأمر منهم) يعني: إلى أمراء السرايا * (لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم) يعني: لو طلبوا تلك الأخبار من عند أمراء السرايا، ووكلوا ~~الإخبار بها إليهم؛ لعلمه الذين يحبون أن يعلموه على حقيقته كما هو، ~~والاستنباط: هو استخراج العلم ومنه النبط، وهم قوم يستخرجون الماء، وقيل: ~~أراد به العلماء يعني: ولو ردوه ms0301 إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم لعلم ~~الذين يستنبطونه منهم ما ينبغي أن PageV01P453 # * (وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا (79) من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (80) ويقولون طاعة فإذا برزوا من ~~عندك بيت طائفة منهم غير) * * يكتم، ويعلمون ما ينبغي أن يفشي، يعني: ~~العلماء. # * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) فإن قال ~~قائل: كيف استثنى القليل، ولولا فضله لاتبع الكل الشيطان؟ قيل: اختلفوا ~~فيه، قال الفراء: هذا الاستثناء راجع إلى قوله: * (أذاعوا به) إلا قليلا، ~~وقوله: * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان)، كلام تام، وقيل: ~~هو راجع إلى قوله: * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) ثم قال: * (ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان) وقيل: هو على نظمه، ومعناه: ولولا ما ~~تفضل الله عليكم به من البيان لما ينبغي أن يفعل وما ينبغي أن يجتنب * ~~(لاتبعتم الشيطان إلا قليلا). # وفيه قول رابع: أنه أراد بالقليل: قوما اهتدوا بالحق قبل بعث الرسول، ~~وإنزال القرآن، وأقروا بالتوحيد، وذلك مثل: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن ~~نوفل، وجماعة، وقد قال في زيد بن عمرو بن نفيل: ' إنه يبعث أمة على حدة '. # قوله تعالى * (فقاتل في سبيل الله) كذا يتصل بما سبق من قوله: * (وما لكم ~~لا تقاتلون) لما عاتبهم على ترك القتال، قال للرسول: إن لم يقاتل هؤلاء، ~~فقاتل أنت وحدك * (لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا) يعني: عذاب الذين كفروا، وعسى من الله واجب، والمراد به: ~~تطميع المؤمنين، * (والله أشد بأسا) أي: أشد عذابا * (وأشد تنكيلا) التنكيل ~~من النكل، وهو المنع، ومنه النكال: وهو ما يفعل بالإنسان، فيمنع غيره عن ~~فعله. # قوله تعالى: * (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع) ~~PageV01P454 # * (الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله ~~وكيلا (81) أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا (82) وإذا جاءهم) * * (شفاعة سيئة يكن ms0302 له كفل منها) قال ابن ~~عباس: الشفاعة الحسنة: هي الإصلاح بين الناس، والشفاعة السيئة: هي المشي ~~بالنميمة بين الناس، وقيل: هو في كل الشفاعات، فالشفاعة الحسنة: هي أن يقول ~~قولا حسنا؛ ينال به الخير، والشفاعة السيئة: هي أن يقول قولا قبيحا؛ يلحق ~~به سوء. # قوله: * (يكن له نصيب منها) أي: من أجرها، وقوله: * (يكن له كفل منها) ~~أي: من وزرها، والكفل: النصيب، قال الله تعالى: * (يؤتكم كفلين من رحمته) ~~أي نصيبين. # واعلم أن الإنسان يؤجر على الشفاعة، وإن لم يشفع؛ لأن الله تعالى يقول: * ~~(من يشفع)، ولم يقل: من يشفع، وقد روى أبو موسى الأشعري عن رسول الله أنه ~~قال: ' اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء '. # واعلم أن الشفاعة مستحبة في كل الحقوق إلا في حدود الله تعالى؛ فإنه لا ~~يجوز فيها الشفاعة ليترك الحد، وقد قال: ' من شفع في حد من حدود من الله ~~تعالى فقد ضاد الله في ملكه ' أي: نازعه في ملكه. # * (وكان الله على كل شيء مقيتا) قال ابن عباس: المقيت: المقتدر، قال ~~الشاعر: # (وذي ضغن كففت النفس عنه * وكنت على مساءته مقيتا) والقول الثاني عن ابن ~~عباس: المقيت: الحافظ، وفي الخبر: ' كفى بالمرء إثما أن PageV01P455 # * (أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم ~~الشيطان إلا قليلا (83) فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ~~عسى الله أن يكف بأس الذين كفرا والله) * * يضيع من يقوته ' أي: من قوته، ~~وفي رواية: ' من يقيت ' أي: من في حفظه، وفيه قول ثالث: أن الله تعالى على ~~كل حيوان مقيت، أي: يوصل القوت إليه؛ فهذا معنى قوله: * (وكان الله على كل ~~شيء) أي: حيوان * (مقيتا). # قوله - تعالى -: * (وإذا حييتم بتحية) أكثر المفسرين على أن المراد ~~بالتحية هاهنا: السلام، وأصل التحية: هو دعاء بالحياة، وهو في الشريعة ~~عبارة عن السلام، والسلام: دعاء السلامة، وقد تكون التحية بمعنى: الملك ms0303 ~~والبقاء، ومنه: التحيات لله، وقال الشاعر: # (ولكل ما نال الفتى * قد نلته إلا التحية) يعني: إلا الملك، وعلى معنى ~~السلام أنشدوا قول الشاعر: # (إنا محيوك يا سلمى فحيينا * وإن سقيت كرام الناس فاسقينا) * (فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها) أراد به: رد السلام بأحسن مما سلم، أو ترد كما سلم، ~~فإذا قال: السلام عليك، فالمستحب أن تقول: وعليك السلام ورحمة الله، وإذا ~~قال: السلام عليك ورحمة الله، تقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وهو ~~الأحسن. # وفي الخبر: ' أن رجلا جاء، فسلم على النبي، فقال: وعليكم السلام ورحمة ~~الله، فدخل آخر وقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال: وعليكم السلام ورحمة ~~الله PageV01P456 # * (أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن ~~يشفع شفاعة) * * وبركاته، فدخل ثالث، وقال: السلام عليك ورحمة الله ~~وبركاته، فقال: وعليكم؛ فقيل له في ذلك، فقال - عليه السلام - إن الأول ~~والثاني تركا من التحية شيئا؛ فأجبت بأحسن، وإن الثالث لم يترك من التحية ~~شيئا فرددت عليه '. # واعلم أن السلام، سنة ورد السلام فريضة، لكنه فرض على الكفاية، حتى إذا ~~سلم على جماعة فرد أحدهم؛ سقط الفرض عن الباقين، وكذلك السلام سنة على ~~الكفاية، حتى إذا كانت جماعة، فسلم أحدهم كفى في السنة. وروى الحسن مرسلا ~~عن النبي أنه قال: ' السلام سنة ورده فريضة '. # وقال بعض المفسرين: أراد بالتحية: الهبات والهدايا، وقوله: * (فحيوا ~~بأحسن منها) أراد به: الثواب على الهدية، وهو سنة، ' وكان عليه السلام يقبل ~~الهدية، ويثيب عليها '، والأصح هو القول الأول. # * (إن الله كان على شئ حسيبا) أي: محاسبا، وقيل كافيا، ومنه قوله تعالى: ~~* (جزاء من ربك عطاء حسابا) أي: كافيا. PageV01P457 # * (سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شئ مقيتا (85) وإذا حييتم ~~بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شئ حسيبا (86) الله لا ~~إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم) * * قوله تعالى: * (الله لا إله إلا هو ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه) ' اللام ' لام القسم، وتقديره: والله ~~ليجمعنكم ms0304 الله إلى يوم القيامة، واختلفوا: أنه فيم يجمعهم؟ قال بعضهم: ~~يجمعهم في الإهلاك والموت إلى القيامة، وقال بعضهم: يجمعهم في القبور إلى ~~القيامة. # واختلفوا: لم سميت القيامة قيامة؟ قال بعضهم: لأن الناس يقومون فيها إلى ~~رب العالمين، كما قال الله تعالى: * (يوم يقوم الناس لرب العالمين) وقيل: ~~إن الناس يقومون فيها إلى الحساب. * (ومن أصدق من الله حديثا) أي: قولا ~~وخبرا. # قوله - تعالى -: * (فما لكم في المنافقين فئتين) اختلفوا في سبب نزول ~~الآية على ثلاثة أقوال: قال زيد بن ثابت: هذا في الذين تخلفوا عن رسول الله ~~يوم أحد، فقال بعض الصحابة لرسول الله: اعف عنهم؛ فإنهم تكلموا بالإسلام. ~~وقال بعضهم: اقتلهم؛ فإنهم منافقون؛ فنزلت الآية * (فما لكم في المنافقين ~~فئتين) ' أي: ما لكم افترقتم فيهم فرقتين؟ عتب عليهم بالاختلاف بينهم، وحكم ~~بنفاقهم. # وقال مجاهد: الآية في جماعة من أهل مكة هاجروا إلى المدينة، وأسلموا، ثم ~~استأذنوا رسول الله في الرجوع إلى مكة، بعلة أن لهم بها بضائع؛ فرجعوا، ~~وارتدوا فقال بعض أصحابه: هم مسلمون؛ لأنهم تكلموا بالإسلام، وقال بعضهم: ~~هم قد نافقوا؛ فنزل قوله تعالى: * (فما لكم في المنافقين فئتين) وحكى مجاهد ~~هذا عن ابن عباس. # والقول الثالث وهو الرواية الثانية عن ابن عباس: أن الآية في قوم من ~~المشركين أسلموا بمكة، وكانوا يعاونون المشركين، ويظاهرونهم؛ فاختلف ~~الصحابة فيهم PageV01P458 # * (القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا (87) فما لكم في المنافقين ~~فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله ~~فلن تجد له سبيلا (88)) * * فرقتين؛ فنزل قوله - تعالى -: * (فما لكم في ~~المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) أركسهم وركسهم بمعنى واحد. # وقرأ ابن مسعود * (والله ركسهم) قال الزجاج: معناه: نكسهم، وقال النضر بن ~~شميل: معناه: أعادهم، يعنى: إلى الكفر بما كسبوا، ومنه: الركس؛ لأنه كان ~~طعاما فصار رجيعا. # * (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) يعنى: أتريدون أن ترشدوا من أضله الله ~~* (ومن يضلل الله) يعنى: ومن يضلله * (فلن تجد له سبيلا) أي: طريقا ms0305 إلى ~~الحق. قوله - تعالى -: * (ودوا لو تكفرون كما كفروا) يعنى: الذين عادوا إلى ~~الكفر ودوا أن تعودوا إلى الكفر * (فتكونون سواء) يعنى: في الكفر. # * (فلا تتخذوا منهم أولياء) منعهم من الموالاة معهم * (حتى يهاجروا في ~~سبيل الله) أي: حتى يسلموا * (فإن تولوا) يعنى: في الكفر * (فخذوهم) أي: ~~فأسروهم، والأخذ هاهنا: الأسر، ويقال للأسير: أخيذ * (واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا). # قوله - تعالى -: * (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) قال أبو ~~عبيده: معناه إلا الذين ينتسبون إلى قوم، وأنشد فيه قول الشاعر: # (إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل * وبكر سباها والأنوف رواغم) يعنى: إذا ~~انتسبت تلك القبيلة. # وأنكر أهل المعاني هذا على أبى عبيده، وقالوا: هذا لا يستقيم في معنى هذا ~~الاستثناء المنع من القتل، وما كان المنع لأجل النسبة، فإن النبي كان يقاتل ~~المشركين من قريش، وإن كانوا من نسبه، بل معنى قوله: * (إلا الذين يصلون) ~~أي: PageV01P459 # * (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا (89)) * * يخالطون، ويتصلون بقوم كان بينهم وبين النبي ~~موادعة وعهد. # وذلك هلال بن عويمر الأسلمي، وقومه، وكان الله - تعالى - منع من قتل ~~أولئك ممن اتصل بهم، وفي ذمامهم * (أو جاءوكم) أو يصلون بقوم جاءوكم ~~للمعاهدة والموادعة، * (حصرت صدورهم) ضاقت، فضاقت صدورهم من القتال معكم، ~~ومن معاونتكم على القتال مع قومهم؛ لأجل الرعب الذي ألقى الله - تعالى - في ~~قلوبهم، وقرأ الحسن - وهو قراءة يعقوب وسهل - ' حصرة صدورهم ' على الحال، ~~أي: ضيقة صدورهم، قال المبرد: حصرت صدورهم على سبيل الدعاء، كقوله: * ~~(قاتلهم الله) كأن الله - تعالى - يقول: * (حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو ~~يقاتلوا قومهم) على سبيل الدعاء. # * (ولو شاء الله لسلطهم عليكم) معنى هذا: أن الله - تعالى - هو الذي ألقى ~~الرعب في قلوبهم، وكفهم عن قتالكم، حتى جاءوا معاهدين، ولو شاء الله لسلطهم ~~عليكم * (فلقاتلوكم)؛ فإذا لا تقاتلوهم ومن اتصل بهم * (فإن اعتزلوكم ms0306 فلم ~~يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم) يعنى: الصلح فانقادوا، واستسلموا * (فما جعل ~~الله لكم عليهم سبيلا) أي: طريقا عليهم بالقتل والقتال. # قوله - تعالى -: * (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم) قال ~~ابن عباس: أراد به: أسد وغطفان، جاءوا إلى النبي وأسلموا؛ فلما رجعوا إلى ~~قومهم قالوا: إنا آمنا بالعقرب والخنفساء ورجعوا إلى الكفر. # وقال قتادة: أراد به: سراقة بن مالك بن جعشم، لما جاء إلى النبي، وقال: ~~أنا منكم، ثم رجع إلى قومه، فقال أنا منكم. PageV01P460 # * (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن ~~يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا) * * (يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم) أي: ~~يريدون أن يأمنوا منكم، ومن قومهم. * (كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها) ~~أي كلما دعوا إلى الشرك دخلوا فيه. # * (فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم) يعني: القيادة والاستسلام * ~~(ويكفوا أيديهم فخذوهم) أي: فأسروهم * (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) وجدتموهم، * ~~(وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا) حجة بينة بالقتل والقتال. # قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) سبب نزول الآية: ما ~~روى أن عياش بن أبي ربيعة قتل الحارث بن يزيد، وكان الحارث يؤذي عياشا في ~~الجاهلية، حتى أسلم عياش؛ فنذر أن يقتله متى ظفر به، فظفر بالحارث وقد أسلم ~~الحارث، ولم يعلم هو بإسلامه، فنزلت الآية: * (وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا) وهذا نهى عن قتل المؤمن على الإطلاق، وقوله: * (إلا خطأ) استثناء ~~منقطع، ومعناه: لكن إن وقع خطأ. وقال بعضهم: ' إلا ' بمعنى ' ولا ' يعنى: ~~ولا خطأ، ولا يعرف في كلام العرب ' إلا ' بمعنى ' ولا '؛ ولأنه يقتضي النهي ~~عن قتل الخطأ، والخطأ لا يدخل تحت النهي والأمر، والأول أصح، ثم ذكر حكم ~~القتل الخطأ، فقال: * (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) أي: فاعتقوا ~~رقبة مؤمنة، ثم اختلف العلماء، فقال الحسن، والشعبي، والنخعي: أراد به: ~~رقبة بالغة ولا تجزئ الرقبة الصغيرة، وإن كانت مؤمنة، وقال عطاء وهو الذي ~~أخذ به ms0307 الفقهاء: إنه تجزئ الصغيرة. # * (ودية مسلمة إلى أهله) يعني: سلموا الدية إلى أهله، وظاهر الآية يقتضي ~~أن تكون الدية قي قتل الخطأ في مال القاتل، كالكفارة، لكن عرفنا بالسنة أن ~~الكفارة في مال القاتل والدية على العاقلة. # وقوله: * (إلا أن يصدقوا) يعني: أن يتصدقوا، وقرأ أبي بن كعب كذلك، ومعنى ~~التصدق: العفو عن الدية * (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة) ~~PageV01P461 # * (إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (90) ستجدون آخرين يريدون ~~أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم ~~يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم) * * (مؤمنة) أكثر المفسرين وهو قول الحسن، ~~وقتادة، ومجاهد وجماعة: أن المراد به: وإن كان من [نسب] قوم عدو لكم وهو ~~مؤمن، ومعناه المؤمن يكون في دار الإسلام، وقرابته في دار الحرب، فيقتل ~~خطأ، قالواجب بقتله الكفارة، ولا دية؛ لأنها إذا سلمت إلى قرابته يقووا بها ~~على المسلمين، والأصح والذي عرفه الفقهاء أن المراد به: المؤمن الذي أسلم ~~في دار الحرب، فيقتله من لم يعلم إسلامه، فالواجب فيه الكفارة، دون الدية. # * (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) هذا في أهل الذمة والمعاهدين * ~~(فدية مسلمة إلى أهله) يعني: على القدر الذي اختلف فيه * (وتحرير رقبة ~~مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله) يعني: ليتوبوا إلى ~~الله * (وكان الله عليما حكيما). # قوله تعالى * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) نزلت الآية في مقيس بن ~~ضبابة الليثي، أسلم وأخوه هشام، ثم وجد أخاه مقتولا في بني النجار؛ فجاء ~~إلى النبي في ذلك، فبعث معه رجلا فهربا إلى بني النجار، وأمرهم أن يدفعوا ~~إليه قاتل أخيه، أو يسلموا الدية، فجاءا إليهم، وبلغا الرسالة فقالوا: سمعا ~~وطاعة لرسول الله، والله ما نعرف القاتل، وساقوا الدية إليه مائة من الإبل؛ ~~فلما رجعا أقبل مقيس وقتل الفهري، واستاق الإبل، ولحق بمكة وارتد، وقال ~~الشعر: # (قتلت به فهرا وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع) (فأدركت ثأري ~~واضطجعت موسرا * وكنت إلى الأوثان أول ms0308 راجع) فنزلت الآية فيه، وهو الذي أمر ~~النبي بقتله؛ فجاء الجماعة الذين عينهم PageV01P462 # * (ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولائكم جعلنا لكم عليهم ~~سلطانا مبينا (91) وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية) * * للقتل يوم فتح مكة؛ فقتل وهو متعلق بأستار ~~الكعبة فقوله: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) فالقتل المتعمد عند أكثر العلماء: ~~هو الذي يحصل بكل ما يقصد به القتل، وقال سعيد بن المسيب، وطاوس: القتل ~~العمد لا يكون إلا بالحديد * (فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه) أي: طرده عن الرحمة * (وأعد له عذابا عظيما) وقال ابن عباس: الآية ~~مدنية لم ينسخها شئ؛ فكان يقول: ليس لقاتل المؤمن توبة، وسئل عن توبته؛ ~~فقال: أنى تكون له التوبة، فقيل له: أليس قد قال الله تعالى: * (ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب) فقال ابن عباس: تلك آية ~~مكية، وهذه آية مدنية لم تنسخ بشيء حتى قبض رسول الله. # وقال زيد بن ثابت: الشديدة بعد الهينة بستة أشهر، يعني بالهينة آية ~~الفرقان، وبالشديدة هذه الآية. # وروى حميد، عن أنس، عن النبي أنه قال: ' أبى الله تعالى أن يكون لقاتل ~~المؤمن توبة ' وفي الخبر عن النبي: ' لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال ~~الدنيا '. # والأصح، والذي عليه الأكثرون وهو مذهب أهل السنة: أن لقاتل المؤمن عمدا ~~توبة، والدليل عليه قوله تعالى: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن) وقوله: * ~~(ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ولأن القتل العمد ليس بأشد من الكفر، ومن ~~PageV01P463 # * (مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير ~~رقبة مؤمنة فمن لم يجد) * * الكفر توبة؛ فمن القتل أولى، وأما الذي روى عن ~~ابن عباس، فعلى سبيل التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل، ms0309 وهو مثل ما روى ~~عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل يقال له: لا توبة لك، منعا له عن ~~القتل، وإن قتل يقال له: لك توبة، حتى يتوب. وروى أن رجلا جاء إلى ابن عباس ~~وسأله: هل لقاتل المؤمن توبة، قال: لا، فجاءه آخر، وسأله عن ذلك، فقال: ~~نعم، له توبة، فقيل له في ذلك، فقال: إن الأول لم يكن قتل؛ فمنعته عن ~~القتل، وإن الثاني؛ قتل؛ فأرشدته إلى التوبة. # واعلم أن لا متعلق في هذه الآية لمن يقول بالتخليد في النار لأهل الكبائر ~~من المسلمين؛ لأنا إن نظرنا إلى سبب نزول الآية، فالآية نزلت في قاتل كافر ~~كما بينا، وقيل: إنه فيمن يقتل مستحلا، والأولى أن تقول فيه ما قاله أبو ~~صالح: إن معنى قوله: * (فجزاؤه جهنم خالدا فيها) إن جازى، وبه نقول: إن ~~الله تعالى إن جازاه ذلك خالدا، فهو جزاؤه، ولكنه ربما لا يجازي، وقد وعد ~~أن لا يجازى ويغفر لمن يشاء، وهو لا يخلف الميعاد، وحكى عن قريش بن أنس ~~رحمه الله أنه قال: كنت في مجلس فيه عمرو بن عبيد، فقال: لو قال الله لي ~~يوم القيامة: لم قلت بتخليد القاتل المتعمد في النار؟ فأقول له: أنت الذي ~~قلت: * (فجزاؤه جهنم خالدا فيها) قال قريش: وكنت أصغر القوم، فقلت له: ~~أرأيت لو قال الله تعالى لك: ألست قلت * (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فمن ~~أين علمت أنى لم أشأ مغفرة القاتل؟ فسكت ولم يستطع الجواب. # وحكى أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء رحمه الله وقال له: هل ~~يخلف الله وعده؟ فقال: لا، فقال: أليس قد قال الله تعالى: * (ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) فأنا على هذا؛ لأنه لا يخلف وعده، ~~فقال أبو عمرو: ومن العجمة أتيت يا أبا عثمان؛ إن العرب لا تعد الإخلاف في ~~الوعيد خلفا PageV01P464 # * (فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما (92) ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ms0310 وغضب الله عليه ولعنه وأعد له ~~عذابا عظيما (93) يا أيها الذين) * * وذما، وإنما ذلك في الخلف في الوعد، ~~وأنشد له قول القائل فيه: # (إني إذا أوعدته وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي) فقد تمدح بالخلف في ~~الوعيد، وقال آخر: # (وإذا وعد السراء أنجز وعده * وإن وعد الضراء فالعفو مانعه) فالله تعالى ~~يجوز أن يخلف في الوعيد، وإنما لا يخلف الميعاد. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله) أي: سافرتم ~~في سبيل الله، يعني: الغزو * (فتبينوا) ويقرأ: ' فتثبتوا ' ومعناهما: ترك ~~العجلة. # وفي الخبر: ' التأني من الله، والعجلة من الشيطان ' * (فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا) يقرأ ' إليكم السلام ' ويقرأ ' ~~إليكم السلم '، فالسلام: هو التسليم المعهود، والسلم: المقادة والاستسلام، ~~والسلم: الصلح، وقرأ أبو جعفر المدني يزيد بن القعقاع: ' لست مؤمنا ' من ~~الأمان * (تبتغون عرض الحياة الدنيا) يعني: تبتغون الدنيا، وفي الآثار: ' ~~الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، يقضي فيها ملك ~~قادر '. PageV01P465 # (* (آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك ~~كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله) * فعند الله مغانم كثيرة) أي: ~~غنائم كثيرة. * (كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم) أي: تفضل الله عليكم، ~~وفيه قولان: قال سعيد بن جبير: معناه كذلك كنتم من قبل تكتمون الإيمان، فمن ~~الله عليكم، وفيه قولان بالإظهار، وقال قتادة: معناه: كذلك كنتم من قبل ~~ضلالا، فمن الله عليكم بالهداية * (فتبينوا) إعادة تأكيد * (إن الله كان ~~بما تعملون خبيرا) وسبب نزول الآية ما روى: ' أن النبي بعث سرية، فلقوا ~~رجلا يقال له: مرداس بن عمرو من فدك، له غنيمات، فانحاز بها إلى الجبل لما ~~أحس بالسرية، ثم تقدم إليهم، فقال: السلام عليكم أنا مؤمن، فبادر إليه ~~أسامة بن زيد وهو يقول: لا إله إلا الله، وقتله، وأخذ سلبه، والغنيمات التي ~~له، فلما رجعوا إلى النبي قال لأسامة: أقتلت رجلا ms0311 يقول: لا إله إلا الله، ~~فقال: إنه إنما أسلم متعوذا، وقال: إنما أسلم، ليحرز نفسه وماله، فقال عليه ~~الصلاة والسلام: هلا شققت عن قلبه؟ فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، ~~فقال كيف لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ فقال: استغفر لي يا رسول الله، ~~فقال عليه الصلاة والسلام: كيف بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ هكذا حتى ~~أعاده ثلاثا - فنزلت الآية فيه. * (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام) ' ~~ولأن ذلك الرجل كان قد سلم عليهم، وأسلم لهم * (لست مؤمنا تبتغون عرض ~~الحياة الدنيا) يعنى: تبتغون بقتله غنيمات كانت له. # وفي رواية أن النبي استغفر لأسامة، وأمره بإعتاق رقبة وكان أسامة من علية ~~الصحابة، وعاش إلى زمان على - رضي الله عنه - فدعاه على إلى المقاتلة معه ~~في الحروب، فقال لعلى: أنت أعز على من كل أحد، ولو قاتلت المسلمين مع أحد ~~لقاتلت معك، ولكني منذ سمعت رسول الله قال لي: كيف بلا إله إلا الله يوم ~~القيامة، امتنعت من القتال، فإن أعطيتني سيفا يميز المسلم من الكافر حتى ~~أقاتل فتركه على. PageV01P466 # * (كان بما تعملون خبيرا (94) لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى ~~الضرر والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين ~~بأموالهم وأنفسهم على) * * وكان ممن اعتزل الفريقين هو وسعد بن أبي وقاص، ~~وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين. # وقيل: إن قاتل صاحب الغنيمات، كان المقداد بن عمرو الكندي - هو ابن ~~الأسود - هذا هو القول المعروف في سبب نزول الآية، وفي الآية قول آخر: ' ~~أنها نزلت في محلم بن جثامة الليثي، قتل رجلا وهو يقول: لا إله إلا الله، ~~ثم جاء إلى النبي، وقال: يا رسول الله، استغفر لي، فقال: لا غفر الله لك، ~~فقام يبكي، وانصرف، فلما مات دفن في الأرض، فلفظته الأرض، ثم دفن فلفظته ~~الأرض، ثم دفن فلفظته الأرض - هكذا ثلاثا - فأمر النبي حتى ألقي عليه ~~الحجارة، قال: إن الأرض لتنطبق على من هو شر منه - يعنى من محلم -، ولكن ms0312 ~~الله - تعالى - أراد أن يريكم الآية '. # قوله - تعالى -: * (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر) اعلم ~~أن الذي نزل في الابتداء من هذه الآية قوله: ' لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ' قال زيد بن ثابت: ' ~~كان النبي يملى على هذه الآية، وفخذه على فخذي، فدخل عبد الله بن أم مكتوم، ~~وقال يا رسول الله، أنا رجل ضرير، ولو استطعت أن أقاتل لقاتلت معك؛ فتغشى ~~رسول الله الوحي؛ فثقل فخذه على فخذي حتى كاد يرضه؛ فلما سرى عنه، قال لي: ~~اكتب * (غير أولى الضرر) فنزل هذا القدر في ابن أم مكتوم، وكان ضريرا من ~~أولى الضرر، وقوله: PageV01P467 # * (القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~أجرا عظيما (95) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) إن ~~الذين توفاهم الملائكة) * * (غير أولي الضرر) يقرأ على وجوه: ' غير ' - ~~برفع الراء - وتقديره: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر، ويقرأ: ~~بفتح الراء، على الاستثناء، يعنى: إلا أولي الضرر، وقيل: هو نصب على الحال، ~~يعنى: في حال الصحة، وانتفاء الضرر، كأنه قال: لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين أصحاء، وهذا أشهر القراءتين، وكذلك قرأ النبي ' غير أولي الضرر ' ~~- بكسر الراء يعنى -، من المؤمنين غير أولي الضرر، * (فضل الله المجاهدين ~~بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) أراد بالقاعدين هاهنا: أولى الضرر، ~~فضل المجاهدين عليهم بدرجة؛ لأن المجاهدين باشروا الجهاد مع النية، وأولوا ~~الضرر كانت لهم نية الجهاد، ولكن لم يباشروا؛ فنزلوا عنهم بدرجة * (وكلا ~~وعد الله الحسنى) يعنى: الجنة * (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا ~~عظيما) وأراد بالقاعدين هنا: غير أولي الضرر، فضل الله المجاهدين عليهم ~~أجرا عظيما * (درجات منه ومغفرة ورحمة) قال ابن محيريز: هي سبعون درجة، ما ~~بين كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة، وفي الخبر ' في الجنة مائة ~~درجة، ما بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في ~~سبيله '، وقيل: أراد بالدرجات: الإسلام، والهجرة، والجهاد، والشهادة في ~~الجهاد، وفاز بتلك الدرجات ms0313 المجاهدون * (وكان الله غفورا رحيما). # قوله - تعالى -: * (إن الذين توفاهم الملائكة) قرأ عيسى بن عمر النحوي: ' ~~تتوفاهم ' - بالتائين - والمعروف ' توفاهم ' وأصله: تتوفاهم، فأدغمت إحدى ~~التائين تخفيفا، على القراءة المشهورة، فإن قال قائل: لم قال: تتوفاهم ~~الملائكة والمتوفى ملك واحد، كما قال: * (قل يتوفاكم ملك الموت)؟ قيل: ذكره ~~بلفظ PageV01P468 # * (ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم ~~تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) إلا ~~المستضعفين من الرجال) * * الجمع، والمراد به الواحد، ومثله شائع في كلام ~~العرب، وقيل: إن لملك الموت أعوانا، فلعله أراده مع أعوانه؛ فلذلك ذكر بلفظ ~~الجمع. # قال عكرمة والضحاك: الآية في قوم أسلموا بمكة قبل الهجرة، فلما هاجر ~~النبي إلى المدينة، تخلفوا عن الهجرة، فلما كان يوم بدر حملهم الكفار مع ~~أنفسهم إلى بدر كرها، فقتلوا بين الكفار. # وقوله * (ظالمي أنفسهم) يعنى: بالشرك؛ فإنهم قتلوا مشركين؛ إذ ما كان ~~يقبل الإسلام بعد هجرة النبي إلا بالهجرة، ثم أبيح ذلك بقوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: ' لا هجرة بعد الفتح '. # * (قالوا فيم كنتم) يعنى: الملائكة قالوا لأولئك الذين أسلموا ولم ~~يهاجروا: * (فيم كنتم) يعنى: في أي الفريقين كنتم، في المسلمين أم ~~المشركين؟ وهذا سؤال توبيخ ، لا سؤال استعلام * (قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض) يعنى: كنا بمكة مستضعفين بين المشركين * (قالوا) يعنى: الملائكة * ~~(ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) يعنى: إلى المدينة * (فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا) حكم لهم بالنار؛ لأنهم ماتوا مشركين * (إلا ~~المستضعفين) وهم أصحاب الأعذار * (من الرجال والنساء والولدان) منهم الوليد ~~بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة. # قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين بمكة، وهم الذين دعا لهم النبي ~~في القنوت، فقال: ' اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعياش بن ~~أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، وأشدد وطأتك على مضر، هكذا كان يدعوا لهم ~~PageV01P469 # * (والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) فأولئك عسى ~~الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) ومن يهاجر ms0314 في سبيل الله يجد ~~في الأرض مراغما كثيرا) * * شهرا، حتى نجوا، وقدموا؛ فترك ذلك الدعاء، فقيل ~~له في ذلك فقال: ألا ترونهم قد قدموا '. * (لا يستطيعون حيلة) يعنى: للخروج ~~* (ولا يهتدون سبيلا) أي: طريقا إلى المدينة * (فأولئك عسى الله أن يعفو ~~عنهم) ' وعسى ' من الله واجب؛ لأنه للإطماع، والله - تعالى - إذا أطمع عبدا ~~أوجب له وأوصله إليه. # * (وكان الله عفوا غفورا) روى: أنه لما نزلت هذه الآية، كتب بها أصحاب ~~رسول الله إلى المستضعفين بمكة، وكان فيهم شيخ كبير يقال له: جندع بن ضمرة ~~ويقال له حبيب بن ضمرة فقال: لست من المستضعفين، وأنا أعرف طريق المدينة، ~~وقال لبنيه: احملوني إلى المدينة، فحملوه يأتون به، فلما بلغ التنعيم؛ ~~أدركه الموت، فبلغ ذلك أصحاب رسول الله فقالوا: لو وصل إلى المدينة لأتمم ~~الله أجره؛ فنزل قوله تعالى: * (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) يعنى: تم أجره. # وقوله: * (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعه) ~~والمراغمة: المهاجرة، المهاجر، قال أبو عمر بن العلاء: وإنما سميت المهاجرة ~~مراغمة؛ لأنه من هاجر مراغم قومه وقرابته، وقال الشاعر: # (كطود يلوذ بأركانه * عزيز المراغم والمهرب) وقال ابن عباس: مراغما، أي: ~~متحولا يتحول إليه، وقال مجاهد: مراغما، أي: متزحزحا، وقوله: * (وسعة) قال ~~ابن عباس: معناه: وسعة في الرزق، قال قتادة: PageV01P470 # * (وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع ~~أجره على الله وكان الله غفورا رحيما (100) وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من) * * ومعناه: وسعة من الضلالة إلى الهدي. # * (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره ~~على الله) قد ذكرنا أنه فيم نزل * (وكان الله غفورا رحيما). # قوله تعالى: * (وإذا ضربتم في الأرض) أي: سافرتم * (فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا). # قصر الصلاة في السفر لا خلاف في جوازه في حال ms0315 الخوف، وأما في حال الأمن: ~~قال سعد بن أبي وقاص: إنه لا يجوز، وبه قال داود، وأهل الظاهر؛ تمسكا بظاهر ~~القرآن، وقال جمهور العلماء وهو قول أكثر الأمة -: إنه يجوز القصر في حال ~~الأمن؛ لما روى عن يعلي بن أمية أنه قال لعمر - رضي الله عنه -: ' ما بالنا ~~نقصر، وقد أمنا، والله - تعالى - يقول في كتابه: * (أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم) قال عمر: عجبت مما تعجبت أنت، فسألت النبي، فقال: صدقة تصدق الله بها ~~عليكم، فاقبلوا صدقته ' وروى ' أن رسول الله سافر من مكة إلى المدينة - لا ~~يخاف إلا الله - وقصر الصلاة ' وكان - عليه السلام - يقصر الصلاة في جميع ~~أسفاره، ولم ينقل أنه أتم في سفر ما؛ ولذلك قال الشافعي: القصر أولى؛ وإن ~~جاز الإتمام. # وروى عن جابر، والحسن - وهو قول ابن عباس -: أن صلاة الحضر أربع ركعات، ~~وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الخوف ركعة، وروى عن ابن عباس أنه قال: ' فرض ~~الله - تعالى - الصلاة على لسان نبيه في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ~~ركعتين، وفي PageV01P471 # * (الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا ~~مبنيا (101) وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا ~~أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا) * * الخوف ركعة ' وأكثر الأمة على أن القصر ~~في الخوف ركعتان، مثل قصر السفر، ثم اختلفوا في القصر على قولين: أنه ~~إباحة، أم واجب، قال بعضهم: هو إباحة، وهو اختيار الشافعي، وهو أصح؛ لقوله ~~عز ذكره: * (فليس عليكم جناح) وهو مثل قوله: * (فلا جناح عليهما أن ~~يتراجعا). # وقال بعضهم: هو واجب. والخلاف بين السلف مشهور فيه. # وقوله: * (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) أي: يقتلكم، والفتنة بمعنى: ~~القتل هاهنا، وقرأ أبي بن كعب: ' أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين ~~كفروا ' - من غير قوله: * (إن خفتم) - ويروى عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: ~~نزل قوله: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) هذا القدر فحسب، ثم مضى ~~حول، ولم ينزل شئ؛ فسئل رسول الله عن صلاة الخوف، ms0316 ثم نزل قوله: (* (إن خفتم ~~أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) * وإذا كنت فيهم ~~فأقمت لهم الصلاة) فأشار إلى أنه راجع إلى صلاة الخوف، لا إلى صلاة السفر. # قوله - تعالى -: * (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) بين في هذه الآية ~~كيفية صلاة الخوف، وأعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد رسول الله على قول أكثر ~~العلماء، وقال بعضهم: صلاة الخوف لا تجوز لأحد بعده، وهو قول أبى يوسف؛ ~~تمسكا بظاهر الآية، قوله: * (وإذا كنت فيهم) فشرط كونه فيهم، والأصح هو ~~الأول. وقوله: * (وإذا كنتم فيهم) ليس على سبيل الشرط، وإنما خرج الكلام ~~على وفق الحال، وقد ورد أن أصحاب رسول الله صلوا بعده صلاة الخوف. ~~PageV01P472 # (* (من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة ولا جناح عليكم) * فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم) وسبب نزول ~~الآية: ما روى أبو عياش الزرقي: ' أن رسول الله نزل بعسفان، وكان على خيل ~~المشركين خالد بن الوليد، فصلى النبي مع أصحابه صلاة الظهر، فقال المشركون: ~~قد وجدنا منهم غرة إن قصدناهم، وحملنا عليهم، فقال بعضهم: ستأتيهم صلاة هي ~~أحب إليهم من أولادهم، وأهاليهم - يعنون صلاة العصر - فنزل جبريل، وأخبره ~~بمقالتهم، وأمر بصلاة الخوف '. # وقد روى عن رسول الله صلاة الخوف بروايات شتى، وأخذ الشافعي برواية صالح ~~بن خوات بن جبير عن أبيه عن النبي: ' أنه صلى صلاة الخوف، فجعل أصحابه ~~فرقتين، وصلى بإحدى الطائفتين ركعة، فقاموا، وأتموا ركعتين، وذهبوا إلى وجه ~~العدو؛ وجاءت الطائفة الثانية والنبي ينتظرهم، فصلى بهم الركعة الثانية ~~وانتظرهم جالسا حتى قاموا وأتموا ركعتين، ثم سلم بهم ' فهذا معنى قوله: * ~~(فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم). # واختلفوا في أنهم متى يأخذون أسلحتهم؟ قال بعضهم: يأخذونه في الصلاة؛ ~~ليكونوا أهيب في عين العدو؛ فعلى هذا يأخذون من السلاح ما لا يمنعهم من ~~الإتيان بأركان الصلاة، وقال آخرون: يأخذون السلاح إذا ذهبوا إلى وجه ~~العدو. ms0317 # * (فإذا سجدوا) يعنى: فإذا صلوا * (فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى ~~لم PageV01P473 # * (إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن ~~الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم فإذا) * * يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) ~~والحذر: ما يتقى به للحذر من العدو * (ود الذين كفروا لو تغفلون) لو وجدوكم ~~غافلين * (عن أسلحتكم وأمتعتكم) يعني: بالصلاة * (فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة) أي: فيحملون عليكم حملة واحدة. # * (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم) ~~رخص لهم في وضع السلاح في حال المطر، والمرض؛ لأن السلاح يثقل حمله في ~~هاتين الحالتين. * (وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا). # قوله تعالى: * (فإذا قضيتم الصلاة) يعني: صلاة الخوف، * (فاذكروا الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبكم) يعني: الذكر بالتسبيح والتهليل، والتحميد، ~~والتمجيد. * (فإذا إطمأننتم) يعني: فإذا سكنتم وأقمتم وأمنتم * (فأقيموا ~~الصلاة) يعني على أركانها وهيئتها كما عرفتم * (إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا) قال مجاهد: أي: فرضا مؤقتا يؤدى (في) أوقاته، وقال ~~زيد بن أسلم: أراد به: فرضا منجما يأتي نجم بعد نجم. قوله تعالى: * (ولا ~~تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون) سبب نزول ~~الآية: ' أن الكفار يوم أحد لما انهزموا، بعث النبي طائفة من أصحابه على ~~إثرهم، فشكوا ألم الجراحات؛ فنزلت الآية ' * (ولا تهنوا في ابتغاء القوم) ~~أي: لا تضعفوا في طلب القوم. * (إن تكونوا تألمون) أي: توجعون وتشكون ~~الألم، فإنهم يألمون، أي: يوجعون ويشكون الألم كما تألمون، قال الشاعر في ~~معناه: # (قاتل القوم يا خزاع ولا يدخلنكم *) PageV01P474 # * (اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ~~(103) ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون وكان) * * (من قتالهم، فشد القوم أمثالكم لهم * ~~شعر في الرأس لا ينشرون إن قتلوا) * (وترجون من الله ما لا يبرجون) أي: ~~وتأملون من ms0318 الله مالا يأملون، من الظفر في الدنيا، والثواب في الآخرة، وقال ~~الفراء والكسائي: الرجاء بمعنى الخوف، وكل راج خائف؛ لأنه يخاف ألا يدرك ~~المأمول، ومنه قوله تعالى: * (ما لكم لا ترجون لله وقارا) وأجمعوا على أن ~~معناه: لا تخافون لله عظمة، قال الشاعر: # (لا ترتجي إذا تلاقى الزائدا * أسبعة تلقى معا أم واحدا) * (وكان الله ~~عليما حكيما) قوله تعالى: * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق) سبب نزول ~~الآية: ما روى ' أن طعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعا، فلما ~~أتاهم به ألقاه في دار يهودي، وقال: إنه سرق وفي رواية: أودعه عند يهودي ~~فلما ظهر، قال: إن اليهودي سرقه؛ فجاء قومه إلى النبي وهم بنو ظفر بن ~~الحارث؛ ليدافعوا عنه، وهم النبي بدفع السرقة عنه، وقطع يد اليهودي، وكان ~~عند قومه أنه السارق؛ فنزل قوله: * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق) أي: ~~لتحكم بالحق. * (لتحكم بين الناس بما أراك الله) أي: بما علمك، وحكى عن ابن ~~عباس أنه قال: إياك والرأي فإن PageV01P475 # * (الله عليما حكيما (104) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ~~بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان ~~غفورا رحيما (106 ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من ~~كان خوانا أثيما (107) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ ~~يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا) * * الله تعالى ~~يقول: * (بما أراك الله) ولم يقل: بما رأيت، * (ولا تكن للخائنين خصيما) ~~يعني: طعمة من الخائنين، فلا تكن مدافعا عنه * (واستغفر الله) أمره ~~بالاستغفار؛ لأنه كان قد هم أن يدافع عنه * (إن الله كان غفورا رحيما). # قوله تعالى: * (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم) أي: يخونون أنفسهم ~~والاختيان: افتعال من الخيانة * (إن الله لا يحب) قال أهل التفسير: معناه: ~~إن الله لا يقرب * (من كان خوانا أثيما) الخوان: الخائن والأثيم: ذو الإثم. # قوله تعالى: * (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم) بشكوى ms0319 ~~بني ظفر بن الحارث، معناه: يستترون من الناس، ولا يستترون من الله، وهو ~~معهم * (إذ يبيتون مالا يرضى من القول) قد بينا أن التبييت: تدبير الفعل ~~ليلا؛ وذلك التبييت منهم أن قوم طعمة قالوا: ندفع أمره إلى النبي؛ فإنه ~~يسمع يمينه، وقوله؛ لأنه مسلم، ولا يسمع من اليهودي؛ لأنه كافر، فلم يرض ~~الله تعالى قولهم * (وكان الله بما تعملون محيطا). # قوله تعالى: * (ها أنتم هؤلاء) يعني: أنتم يا هؤلاء، قال الزجاج: معناه: ~~ها أنتم الذين * (جادلتهم عنهم في الحياة الدنيا) أي: خاصمتم، وأصل الجدال: ~~الجدل، وهو الفتل، ويقال: شخص أجدل، إذا كان وثيق الخلق، ويقال للصقر: ~~أجدل؛ لأنه أقوى الطيور على الصيد. # * (فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا) يعني: من ~~الذي يتولى أمرهم، ويذب عنهم يوم القيامة؟ # قوله تعالى: * (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله ~~غفورا رحيما) عرض التوبة على طعمة وقومه في هذه الآية، وأمرهم بالاستغفار. ~~PageV01P476 # (* (108) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله ~~عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (109) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ~~ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على ~~نفسه وكان الله عليما حكيما (111) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا ~~فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (112) ولولا فضل الله) * * قوله تعالى: * ~~(ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه) سبب هذا أن قومه قالوا له: تب إلى ~~الله، فحلف أنى ما سرقته، وإنما سرقه اليهودي؛ فذلك الذي يقول الله - تعالى ~~- ومن كسبه الإثم * (وكان الله عليما حكيما). # قوله - تعالى -: * (ومن يكسب خطيئة أو إثما) هو سرقته التي ذكرنا، * (ثم ~~يرم به بريئا) هو نسبته السرقة إلى اليهودي الذي كان بريئا عنها * (فقد ~~احتمل بهتانا وإثما مبينا) فالبهتان: الكذب الذي يتحير منه الإنسان، وهو ~~البهت، وأراد بالإثم المبين: اليمين الفاجرة. # قوله - تعالى -: * (ولولا فضل الله عليك ورحمته) هذا خطاب للرسول * (لهمت ~~طائفة منهم أن ms0320 يضلوك) يعنى: قوم طعمه، هموا أن يلبسوا عليك؛ لتدافع عنه * ~~(وما يضلون إلا أنفسهم) أي: يرجع وباله عليهم * (وما يضرونك من شئ) يعنى: ~~ضرره عائد عليهم، ولا يضرك؛ لأنك معصوم * (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) ~~قيل: أراد به: وأنزل الله عليك الكتاب بالحكمة، وقيل: أراد بالكتاب: ~~القرآن، وبالحكمة: السنة * (وعلمك ما لم تكن تعلم) يعنى: من أحكام القرآن، ~~وقيل: من علم الغيب، وقيل: علمك قدرك، ولم تكن تعلمه * (وكان فضل الله عليك ~~عظيما). # قوله - تعالى -: * (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة). النجوى: ~~السرائر في التدبير، قال الزجاج: كل ما انفرد بتدبيره قوم يخوضون فيه؛ فهو ~~نجوى: سرا كان أو علانية، وأراد هاهنا: نجوى قوم طعمه وتدبيرهم، وقيل: هو ~~في جميع الحوادث. # * (إلا من أمر بصدقة) قيل: أراد به إلا نجوى من أمر بصدقة، وقيل: هو ~~استثناء منقطع، يعنى: لكن من أمر بصدقة * (أو معروف) وهو كل ما عرفه الشرع ~~* (أو PageV01P477 # * (عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما ~~يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان ~~فضل الله عليك عظيما (113) لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو ~~معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما (114) ومن يشاقق الرسول من بعد) * * إصلاح بين الناس) وفي الخبر: ' ~~كل كلام ابن آدم عليه إلا ثلاثة: أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، أو ذكر الله ~~' وقيل لسفيان بن عيينة - حين روى هذا الحديث؛ فقالوا -: ما أشد هذا ~~الحديث؟! فقال: اقرءوا قوله - تعالى -: * (لا خير في كثير من نجواهم إلا من ~~أمر بصدقه) الآية. # وروى: أن رسول الله قال لأبى أيوب الأنصاري: ' ألا أدلك على صدقة هي خير ~~لك من حمر النعم - أي: من الصدقة بحمر النعم؟ - قال: بلى يا رسول الله، ~~فقال: أن تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وأن تقرب بينهم إذا تباعدوا '. # * (ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله ms0321 فسوف نؤتيه أجرا عظيما). # قوله - تعالى -: * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين) أراد به: طعمه، جادل النبي، ثم لحق بمكة، وارتد حين ظهر ~~عليه الحكم بالقطع. # قال سعيد بن جبير: إنه لما لحق بمكة سرق هنالك، فوجد في نقب يسرق، فقتل. ~~PageV01P478 # * (ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا (115) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (116) إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن ~~يدعون إلا شيطانا مريدا (117) لعنه الله وقال) * * وفي بعض القصص: أنه حين ~~لحق بمكة نزل على الحجاج بن غلاط الأسلمي، فقام في بعض الليل يسرق، فأحسوا ~~به، فأخذوه واجتمعوا عليه، وقالوا: إنه ضيف، وتركوه؛ فلحق بحرة بني سليم، ~~وكان يعبد الأصنام، ومات عليه؛ ففيه نزلت الآية * (ومن يشاقق الرسول من بعد ~~ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين) لأنه لما ارتد، فقد اتبع غير ~~سبيل المؤمنين. # واستدل أهل العلم بهذه الآية على أن الإجماع حجة. # قوله: * (نوله ما تولى) أي: نوله ما اختاره، وقيل: نكله إلى (من) تولاه * ~~(ونصله جهنم وساءت مصيرا). # قوله تعالى: * (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ~~وقد ذكرنا معنى الآية فيما سبق * (ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) روى ~~أبو عيسى الترمذي بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه قال: هذه أحب آية إلي في ~~القرآن. # قوله تعالى: * (إن يدعون من دونه) أي: ما يدعون من دونه * (إلا إناثا) ~~قيل: معناه الأوثان، وإنما سميت الأوثان إناثا؛ لأنهم كانوا يسمونها باسم ~~الإناث، فيقولون: اللات، والعزى، ومناة، وكانوا يقولون لصنم كل قبيلة: أنثى ~~بني فلان، قال أبي بن كعب: كان مع كل صنم جنية من الشياطين، وقيل: معناه: ~~الموات وإنما سمي الموات إناثا؛ لأن الإناث أرذل الجنسين، وأدونهما، فكذلك ~~الموات أرذل من الحيوان، وكانت أصنامهم من الموات والجماد. # قال ms0322 الضحاك: أراد به: الملائكة، وكانوا يقولون: الملائكة إناث، وكان ~~بعضهم PageV01P479 # * (لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من ~~دون الله فقد خسر خسرانا) * * يعبدون الملائكة، ويصورون الأصنام على صور ~~الملائكة، وقرأ ابن عباس: ' إلا أنثا ' جمع الأوثان، وقرأ في الشواذ أيضا ' ~~إلا أنثا ' جمع الإناث؛ فيكون على جمع الجمع كالمثل. * (وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا)؛ لأنهم إذا عبدوا الأصنام، فقد أطاعوا الشيطان، وأراد به: ~~إبليس، والمريد العاتي المتمرد، وحقيقته: العاري من كل خير، ومنه الأمرد، ~~ويقال: شجرة مرداء، إذا تساقطت أغصانها. # * (لعنه الله) أي: أبعده الله من الرحمة؛ معاقبة، ولذلك لا يجوز لعن ~~البهائم؛ لأنها لا تستوجب العقوبة، والطرد عن الرحمة. * (وقال لأتخذن من ~~عبادك نصيبا مفروضا) أي: مقدارا معلوما، قيل في التفسير: من كل ألف تسعمائة ~~وتسعة وتسعون للشيطان وواحد لله. وأصل الفرض: الحز والقطع، ومنه فرض القوس: ~~وهو الشق الذي يجعل فيه الوتر. ومنه فرض السواك: وهو الموضع الذي يجعل فيه ~~الخيط، ومنه فرضة البحر: وهو المشرع الذي توقف إليه السفينة، والفرض: نوع ~~من التمر يكون بعمان، قال الشاعر: # (إذا أكلت سمكا وفرضا * ذهبت طولا وذهبت عرضا) قوله تعالى: * (ولأضلنهم) ~~أي: لأغوينهم، فإن قال قائل: كيف نسب إليه الإضلال، وليس إليه الضلالة؟ ~~قلنا: معناه: التزيين والدعوة إلى الضلالة، وقد قال: ' بعثت داعيا، وليس ~~إلى من الهداية شئ، وبعث الشيطان مزينا، وليس إليه من الضلالة شئ '. * ~~(ولأمنينهم) قيل: معناه: أمنينهم ركوب الأهواء، وقيل PageV01P480 # * (مبينا (119) يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) أولئك ~~مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (121) والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سندخلهم جنات تجري من) * * معناه: أمنينهم طول العمر في النعيم؛ ليؤثروا ~~الدنيا على الآخرة، وقال الزجاج: معناه: أمنيهم إدراك الآخرة مع ركوب ~~المعاصي. # * (ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام) أراد به: البحيرة التي تأتي في سورة ~~المائدة، والبتك: القطع، والمراد به: شق الآذان، * (ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله) قال ابن عباس في إحدى الروايتين، وهو قول مجاهد: معناه: ms0323 فليغيرن دين ~~الله، أي: وضع الله في الدين: بتحليل الحرام، وتحريم الحلال، ونحو ذلك، ~~والرواية الثانية عن ابن عباس وهو قول أنس، وعكرمة: أراد به: إخصاء ~~الأنعام، وكان أنس يكره إخصاء البهائم من أجل هذا، وكان يجيزه الحسن، وقال ~~ابن مسعود: أراد به الوشم، ويحتمل أن يكون المراد به تغير الأنساب؛ وذلك أن ~~ينتقل من نسب إلى نسب، ويحتمل أن يكون المراد به: الخضاب بالسواد، وهو منهي ~~عنه، وإنما الخضاب المباح بالحمرة، والصفرة * (ومن يتخذ الشيطان وليا من ~~دون الله) أي: يواليه باتباعه * (فقد خسر خسرانا مبينا). # قوله تعالى: * (يعدهم) وعده قد يكون بالتخويف كما قال الله تعالى * ~~(الشيطان يعدكم الفقر) وقيل: أنه يتمثل في صورة الآدمي، فيعد، ويمنى، وكان ~~قد ظهر يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وظهر في اليوم الذي اجتمعت ~~فيه قريش، وتشاوروا في إخراج النبي، في صورة شيخ من نجد. # وقوله * (ويمنيهم) قد ذكرنا، ومن ذلك تمنى الإنسان قضاء الشهوات. # واعلم أن الإنسان لا يؤاخذ بغلبة الشهوة، واشتهاء الشهوات؛ لأن ذلك شئ ~~جبل عليه، ويؤاخذ بالتمني، وذلك أن يتمنى خمرا ليشربه، أو امرأة؛ ليزني ~~بها، فذلك من المعصية، ويؤاخذ به * (وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) الغرور: ~~إيهام الوصول إلى النفع من موضع الضر * (أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها ~~محيصا) أي: معدلا. PageV01P481 # * (تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا ~~(122) ليس بأمانيكم) * * قوله تعالى: * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا) فإن ~~قيل: ما الفائدة في تكرار الوعد والوعيد في القرآن؟ قيل: فائدته: التوكيد، ~~قطعا من سواء التأويل، وقيل إنما كرر الوعد على تفاصيل الإيمان، وكرر ~~الوعيد على تفاصيل الكفر، * (ومن أصدق من الله قيلا) أي: قولا. # قوله تعالى: * (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) قال مسروق هو أبو ~~عائشة مسروق بن الأجدع الهمداني: أراد به: ليس بأمانيكم أيها المسلمون، ولا ~~أماني أهل الكتاب، وهم اليهود، والنصارى. # وقال مجاهد: ms0324 أراد بقوله: * (ليس بأمانيكم) مشركي العرب، * (ولا أماني أهل ~~الكتاب) يعني: اليهود، والنصارى، فعلى القول الأول معنى الآية: أن اليهود ~~قالوا: نحن أولى؛ لأن ديننا أقدم وكتابنا أقدم. # وقالت النصارى: نحن أولى؛ لأنا على دين عيسى، وهو روح الله، وكلمته، وكان ~~يحيي الموتى. # وقال المسلمون: نحن أولى؛ لأن نبينا خاتم النبيين، وكتابنا ناسخ للكتب، ~~وقد آمنا بكتابكم، ولم تؤمنوا بكتابنا؛ قال الله تعالى: * (ليس بأمانيكم ~~ولا أماني أهل الكتاب) يعني: ليس الأمر بالأماني، وإنما الأمر بالعمل ~~الصالح، وقد قال: ' ليس الدين بالتمني، ولا بالتحلي.. ' الخبر. # وأما على القول الثاني: معنى الآية: أن اليهود والنصارى قالوا: نحن أهل ~~الجنة، PageV01P482 # * (ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة ولا يظلمون) * * وذلك قول الله تعالى: * (وقالوا لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) وقال المشركون: لا جنة، ولا نار، ولا بعث؛ ~~قال الله تعالى: * (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) أي: ليس كما قال ~~المشركون، ولا كما قال اليهود والنصارى. # * (من يعمل سوءا يجز به) قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتاده، وجماعة ~~المفسرين: إن الآية على العموم في حق كل عامل. وقال الحسن: أراد به: أهل ~~الشرك. # وفي حديث أبي هريرة: ' أن هذه الآية لما نزلت، قالت الصحابة: أينا لم ~~يعمل سوءا؟ وشقت عليهم الآية، فرجعوا إلى رسول الله في ذلك، فقال: ما منكم ~~من أحد تصيبه مصيبة، إلا كفر عنه، حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها '. # وروى: ' أن أبا بكر دخل على رسول الله، فقال له رسول الله: ' ألا أقرئك ~~آية أنزلت علي؟ قال: بلى فقرأ: * (من يعمل سوءا يحز به) قال أبو بكر: فوجدت ~~انقصاما في ظهري، فقال - عليه السلام -: مالك يا أبا بكر؟ فقلت: كيف النجاة ~~بعد هذه الآية، هلكنا، وأينا لم يعمل سوءا؟ فقال: أما أنت يا أبا بكر، ~~والمؤمنون تجزون به في الدنيا، ms0325 فتلقون الله تعالى وما عليكم ذنب، وأما ~~الكافرون يجمع عليهم، ثم يجزون به في الآخرة ' وفي رواية قال له عليه ~~السلام: PageV01P483 # * (نقيرا (124) ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (125) ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله بكل شيء) * * ' ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تمرض؟ أليس ~~تصيبك اللأواء؟ فذلك الذي تجزون به ' فهذا معنى قوله تعالى: * (من يعمل ~~سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا). # قوله تعالى: * (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) أي: مقدار النقير، وذلك أن الله تعالى لما ~~أحال الخلق على العمل بين العمل في هذه الآيات، وجزاء العمل. # قوله تعالى: * (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله) أي: أخلص عبادته لله، ~~وقيل: توجه عبادته إلى الله، والوجه يذكر بمعنى: الدين والعبادة، ومنه قول ~~المصلى: وجهت وجهي، أي: ديني وهو الصلاة. # * (وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا) وإنما خص إبراهيم؛ لأنه كان مقبول ~~الأمم أجمع، وقيل: لأنه بعث على ملة إبراهيم؛ وزيد له أشياء. # * (واتخذ الله إبراهيم خليلا) يعني: حبيبا، لا خلل في حبه، والخلة: صفاوة ~~المودة، فمعناه: أنه اتخذه حبيبا، وجعله صفيه، وخاص نفسه، كما يكون الحبيب ~~مع الحبيب، قال الشاعر: # (قد تخللت مسلك الروح منى * وبذا سمى الخليل خليلا) وقيل: المحتاج من ~~الخلة، وهي الحاجة، يعني: جعل حاجته إلى نفسه، دون غيره، وقال الشاعر: # (وإن أتاه خليل يوم مسألة * فقال لا غائب مالي ولا حرم) PageV01P484 # * (محيطا (126) ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم ~~في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن ~~تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من ~~خير فإن الله كان به عليما (127) وإن) * * يعني: وإن أتاه محتاج، والأول ~~أصح؛ لأن قوله * (واتخذ الله إبراهيم خليلا) يقتضي الخلة من الجانبين. ولا ~~يتصور الحاجة من الجانبين. وفي ms0326 الخبر قال: ' إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ ~~إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا خليلا، لاتخذت أبا بكر؛ ولكن ود وإخاء إيمان، ~~وإن صاحبكم خليل الله '. # قوله تعالى: * (ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شئ ~~محيطا) المحيط: هو العالم بالشيء بجميع ما يتصور العلم به. # قوله تعالى: * (ويستفتونك في النساء) أي: يطلبون فتواك في النساء، قيل: ~~هذا في أم كجة وقد بينا قصتها، وأن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ~~والصبيان. # * (قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب) قال الزجاج: يعنى: ~~ويفتيكم كما يتلى عليكم في الكتاب * (في يتامى النساء) هذا إضافة الشيء إلى ~~نفسه؛ لأنه أراد باليتامى: النساء * (اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن) قال ~~الحسن، وجماعة: أراد به: لا تؤتونهن حقهن من الميراث * (وترغبون أن ~~تنكحوهن) به، بمعنى: عن أن تنكحوهن لدمامتهن، وحملوا الآية على الميراث. # وقالت عائشة: أراد به: لا تؤتونهن ما كتب لهن من الصداق. وقوله: * ~~(وترغبون أن تنكحوهن) يعني: في أن تنكحوهن، * (والمستضعفين من الولدان) ~~يعني: PageV01P485 # * (امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما ~~صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا (128) ولن) * * ويفتيكم في المستضعفين من الوالدان، وهم ~~الصغار * (وأن تقوموا لليتامى بالقسط) أي: بالعدل * (وما تفعلوا من خير فإن ~~الله كان به عليما). # قوله تعالى: * (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا) النشوز: هو الارتفاع، ~~والمراد به، ارتفاع الزوج، والتكبر بنفسه على الزوجة، ومنه النشز. * (أو ~~إعراضا) يعنى: أو خافت إعراضا من الزوج * (فلا جناح عليهما أن يصلحا) وقرئ: ~~' أن يصالحا بينهما صلحا ' يعني: بين الزوجين، واختلفوا فيمن نزلت الآية، ~~قال بعضهم: نزلت في امرأة رافع بن خديج، فإنها كبرت، وتزوج رافع عليها شابة ~~وخافت أن يعرض عنها؛ فنزلت الآية. # وقوله: * (أن يصلحا بينهما صلحا) يعني: أن يترك شيئا من القسم، وترضى بأن ~~يكون القسم للشابة أكثر، وقيل: هو الصلح عن المهر بالإبراء، ونحوه، والقول ~~الثاني: أن ms0327 الآية نزلت في سودة بنت زمعة؛ أراد النبي أن يطلقها؛ فقالت: لا ~~تطلقني، قد وهبت ليلتي لعائشة، فلا تطلقني حتى أحشر يوم القيامة في زمرة ~~نسائك. # * (والصلح خير) قيل: أراد به: الصلح خير من الفرقة، وقيل: أراد به: الصلح ~~خير من النشوز، والإعراض * (وأحضرت الأنفس الشح) والشح: البخل، وقيل: هو ~~أقبح البخل، وحقيقته: الحرص على منع الخير، وأراد به: شح الزوجين على ~~حقيهما * (وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا). PageV01P486 # * (تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها ~~كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) وإن يتفرقا يغن ~~الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (130) ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب) * * قوله تعالى: * (ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) قال عمر، وعلي، وابن عباس، أراد بالعدل: ~~المحبة في القلب * (فلا تميلوا كل الميل) يعنى: إن ملتم في المحبة، فلا ~~تميلوا في القسم، وقد قال: ' اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذاني فيما ~~لا أملك ' * (فتذروها كالمعلقة) يعني لا أيما ولا ذات بعل، وقيل: كالمحبوسة ~~* (وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما). قوله - تعالى -: * (وإن ~~يتفرقا يغن الله كلا من سعته) يعني: الزوجين إذا تفرقا، فالزوج يجد الزوجة، ~~والزوجة تجد الزوج * (وكان الله واسعا حكيما) أي: واسع الفضل والرحمة ~~والقدرة. # قوله تعالى: * (ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) هذه وصية الله العباد بالتقوى، (* ~~(وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا) * ~~ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا) فإن قيل: أي فائدة في ~~تكرار قوله: * (ولله ما في السماوات وما في الأرض) قيل: لكل واحد منها وجه: ~~أما الأول: فمعناه: ولله ما في السماوات وما في الأرض، وهو يوصيكم بالتقوى، ~~فاتقوه، واقبلوا وصيته. PageV01P487 # * (من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن ms0328 لله ما في السماوات وما ~~في الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) ولله ما في السماوات وما في الأرض ~~وكفى بالله وكيلا (132) إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله ~~على ذلك قديرا (133) من كان يريد ثواب) * * وأما الثاني: يقول: فإن لله ما ~~في السماوات وما في الأرض، وكان الله غنيا حميدا؛ فاطلبوا منه ما تطلبون. # وأما الثالث يقول: ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا، ~~أي: اتخذوه وكيلا ولا تتكلوا على غيره. # قوله تعالى: * (إن يشاء يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين) روى: ' أن النبي ~~كان يضرب بيده كتف سلمان، ويقرأ: * (ويأت بآخرين) ويقول: سلمان وأصحابه ' * ~~(وكان الله على ذلك قديرا). # قوله تعالى: * (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة) ~~أراد به: الكفار؛ فإنهم يعملون ابتغاء ثواب الدنيا، وطلبا لنعيمها، ولا ~~يطلبون ثواب الآخرة، ولا يؤمنون بها؛ فقال الله تعالى: * (من كان يريد ثواب ~~الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا). # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط) القوام: مبالغة ~~من القائم، والقسط: العدل، ومعناه: كونوا قائلين بالعدل * (شهداء لله) ~~لأنهم إذا شهدوا بالحق وقاموا بالعدل، كانوا شهداء لله * (ولو على أنفسكم) ~~فإن قيل: كيف يشهد على نفسه؟ قيل: شهادته على نفسه: هو الإقرار، وهو معنى ~~ما روى عن ابن عباس: ' قولوا الحق ولو على أنفسكم '. # * (أو الوالدين والأقربين) أي: قولوا الحق، ولو على الوالدين والأقربين، ~~قيل: نزلت الآية في رجل كانت عنده شهادة على أبيه، فهم أن يمتنع عنها؛ فنزل ~~قوله: PageV01P488 # * (الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا (134) يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) * * (أو ~~الوالدين والأقربين)، * (إن يكن غنيا أو فقيرا) قال السدي: نزل ذلك في ~~رجلين اختصما إلى النبي، أحدهما غني، ms0329 والآخر فقير، وكان ضلع النبي عليه ~~السلام إلى الفقير، وكان عنده أن الفقير لا يخاصم بالباطل، وكان الحق للغني ~~في الباطن؛ فنزلت الآية * (إن يكن غنيا أو فقير). # قال ابن عباس: معناه: لا تجادلوا الغني لغناه، ولا ترحموا الفقير لفقره، ~~وقال عطاء: لا تحيفوا على الفقير، ولا تعظموا الغني؛ فهذا معنى الآية، ~~وحقيقة المعنى: قوموا بالشهادة، سواء كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا، ~~وسواء كان المشهود له غنيا أو فقيرا، ولا تمتنعوا عن الشهادة للغني لغناه، ~~ولا عن الشهادة على الفقير لفقره. # وقوله: * (إن يكن غنيا أو فقيرا): يعني: إن يكن المشهود عليه غنيا، أو ~~فقيرا * (فالله أولى بهما) أي: كلوا أمرهما إلى الله، قال الحسن: معناه: ~~فالله أعلم بهما. * (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) قيل: معناه: فلا تتبعوا ~~الهوى بأن تعدلوا، أي: لتكونوا عادلين، كما يقال: لا تعص فترضى ربك، وقيل: ~~معناه: لا تتبعوا الهوى لتميلوا من الحق إلى الباطل * (وإن تلووا) وهي من ~~اللي قال الشاعر: # (وكنت داينت به حسانا * مخافة الإفلاس والليانا) وفي معناه قولان: ~~أحدهما: أنه خطاب للحكام، ومعنى * (وإن تلووا) أي: تميلوا إلى أحد الخصمين، ~~أو تعرضوا عنه. # والثاني وهو قول أكثر المفسرين أنه خطاب للشهود، واللي منهم: تحريف ~~الشهادة ' والإعراض: كتمان الشهادة والأول: قول ابن عباس، وأما القراءة ~~الثانية: ' وإن تلوا ' فيه قولان: أحدهما: أن أصله: ' وإن تلووا ' فإدخلت ~~إحدى الواوين PageV01P489 # (* (135) يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على ~~رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (136) إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ~~ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم) * * في الأخرى تخفيفا، ~~والمعنى ما بينا، والثاني: أنه من الولاية، يعني: وإن تلوا القيام بأداء ~~الشهادة * (أو تعرضوا) فتتركوا أداء الشهادة * (فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا). # قول تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) أكثر المفسرين ~~علي أنه في المؤمنين، ومعناه: يا أيها الذين آمنوا ms0330 آمنوا، أي اثبتوا على ~~الإيمان، كما يقال: قف حتى أرجع إليك للرجل الواقف أي: أثبت واقفا. # وقال مجاهد: هو خطاب للمنافقين، ومعناه: يا أيها الذين آمنوا باللسان ~~آمنوا بالقلب، وقال الضحاك وهو رواية الكلبي عن ابن عباس: هو خطاب لأهل ~~الكتاب، ومعناه: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد * (والكتاب ~~الذي نزل على رسوله) يعني: القرآن * (والكتاب الذي أنزل من قبل) يعني: ~~الكتب المنزلة من قبل القرآن. # * (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا ~~بعيدا) أي: بعيدا عن الحق. # قوله تعالى: * (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا) قال قتادة: هذا في اليهود، آمنوا بموسى، ثم كفروا به بعبادة العجل، ~~ثم آمنوا بموسى بالتوبة، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفروا بمحمد، وقيل: هو ~~في جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ آمنوا بنبيهم، ثم كفروا به، وآمنوا ~~بكتابهم، ثم كفروا به ثم ازدادوا كفرا بمحمد. وقال مجاهد: هو في قوم مرتدين ~~آمنوا، ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا. # ومثل هذا هل تقبل توبته؟ # قال علي: لا تقبل توبته؛ فإنه إذا آمن، ثم كفر، ثم آمن، ثم كفر، فلو أراد ~~أن يؤمن PageV01P490 # * (ولا ليهديهم سبيلا (137) بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) ~~الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن ~~العزة لله جميعا (139) وقد نزل عليكم في) * * لا يقبل منه، ويقتل؛ لقوله - ~~تعالى -: * (لم يكن الله ليغفر لهم). # وأكثر أهل العلم على أنه: تقبل توبته، ويحتمل أن تكون الآية في ~~المنافقين، وقوم من أهل الكتاب، كانوا يؤمنون باللسان، ثم يرجعون إلى ~~الكفر، ثم يأتون، فيؤمنون، ثم يرجعون إلى الكفر. # * (لم يكن الله ليغفر لهم) فإن قيل: أيش معنى قوله - تعالى -: * (لم يكن ~~الله ليغفر لهم)، ومعلوم أن الله لا يغفر الكفر؟ قيل: أجاب النقاش في ~~تفسيره أن معناه: أن الكافر إذا أسلم، يغفر له كفره السابق، فهذا الذي ~~أسلم، ثم كفر ثم أسلم، ثم كفر، لا يغفر كفره السابق الذي ms0331 كان يغفر لو ثبت ~~على الإسلام * (ولا يهديهم سبيلا) أي: طريقا إلى الحق. # قوله - تعالى -: * (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما) فإن قيل: ما معنى ~~البشارة بالعذاب الأليم؟ قيل: أصل البشارة: كل خبر تتغير به بشرة الوجه، ~~سارا كان أم مكروها، لكنه في الغالب إنما يستعمل في الخبر السار، فإذا ~~استعمل في الخبر السيء كان على الأصل، وقيل: أراد به: ضع هذا موضع البشارة، ~~كما تقول العرب: تحيتك السوط، وعقابك السيف. # يعنى: وضعت السوط مع التحية، قال الشاعر: # (وخيل قد دلفت بها لخيل * تحية بينهم ضرب وجيع) قوله - تعالى -: * (الذين ~~يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) هذا في المنافقين، كانوا يوالون ~~الكفار، ويظنون أن النصرة والغلبة لهم * (أيبتغون عندهم العزة) يعنى: ~~أيطلبون عندهم القوة والغلبة * (فإن العزة لله جميعا) أي: القوة والغلبة ~~كلها لله - تعالى -. # * (الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين ~~في جهنم جميعا (140) الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم ~~نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا) * * فإن قال قائل: قد نرى في بعض ~~الأحوال الغلبة للكفار؛ فما معنى قوله: * (فإن العزة لله جميعا)؟ قيل: ~~معناه: أن المقوى هو الله - تعالى - في الأحوال كلها. # وقيل: معناه: الغلبة بالحجة لله جميعا. # قوله - تعالى -: * (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم). # هذا إشارة إلى ما أنزل في سورة الأنعام * (وإذا رأيت الذين يخوضون في ~~آياتنا فأعرض عنهم....) الآية. نهى عن القعود معهم، وما حكم القعود معهم؟ ~~أما إذا قعد معهم... ورضى بما يخوضون فيه، فهو كافر مثلهم، وهو معنى قوله: ~~* (إنكم إذا مثلهم). وإن قعد، ولم يرض بما يخوضون فيه، فالأولى أن لا يقعد، ~~ولكن لو قعد كارها، فلا يكفر، وهذا هو الحكم في كل بدعة يخاض فيها، فلو ms0332 ~~تركوا الخوض فيه وخاضوا في حديث غيره، فلا بأس بالقعود معهم وإن كره؛ لقوله ~~* (حتى يخوضوا في حديث غيره) قال الحسن: وإن خاضوا في حديث غيره لا يجوز ~~القعود معهم؛ لقوله في سورة الأنعام: * (وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد ~~الذكرى مع القوم الظالمين) والأكثرون على أنه يجوز، وآية الأنعام مكية وهذه ~~الآية مدنية، والمتأخر أولى. # * (إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا الذين يتربصون بكم) ~~يعنى: المنافقين ينتظرون أمركم (فإن كان لكم فتح من الله) يعنى: ظفر * ~~(قالوا ألم نكن معكم) يعنى: كنا معكم، فاجعلوا لنا نصيبا من الغنيمة * (وإن ~~كان للكافرين نصيب) يعنى: وإن كانت القوة للكافرين * (قالوا ألم نستحوذ ~~عليكم PageV01P492 # * (ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ~~ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) إن المنافقين يخادعون ~~الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك لا إلى) * * ونمنعكم من ~~المؤمنين) الاستحواذ: الاستيلاء والغلبة ومنه قوله - تعالى -: * (استحوذ ~~عليهم الشيطان) قال المبرد: معنى هذا: قالوا: ألم نغلبكم على رأيكم، ~~ونمنعكم من المؤمنين، والدخول في جملتهم، وتخذيل المؤمنين عنكم. # وقال غيره: معناه: ألم نستول عليكم بالنصرة لكم من جهة مراسلتنا إياكم ~~بأخبار المؤمنين، وأمورهم، وتخذيلنا إياهم عنكم. (* (فالله يحكم بينكم يوم ~~القيامة) * ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) قال على، وابن ~~عباس: أراد به: في القيامة، وقيل: هو سبيل الحجة، أي: لا تكون الحجة ~~للكافرين على المؤمنين أبدا. قوله - تعالى -: * (إن المنافقين يخادعون الله ~~وهو خادعهم) يخادعون الله، أي: يعاملون الله معاملة المخادعين حيث أظهروا ~~الإيمان، وأبطنوا الكفر، وهو خادعهم، أي: يعاملهم معاملة المخادعين، وذلك ~~على وجهين: أحدهما: أنه حكم بإيمانهم في الظاهر، وكفرهم في الباطن، كما ~~فعلوا هم والثاني: أنه في القيامة يعطيهم نورا، كما يعطى المؤمنين، ثم إذا ~~كانوا على الصراط طفئ نورهم، وذهب المؤمنون بنورهم، وهذا معنى قوله: * (وهو ~~خادعهم) وقيل: معناه: يخادعون رسول الله، وهو خادعهم، أي: يجازيهم ms0333 على ~~مخادعتهم الرسول، وسمى الثاني خداعا على الازدواج، كما قال: * (وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها) وفي حديث عدى بن حاتم أن النبي قال: ' يؤتى بناس من الناس يوم ~~القيامة إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها، واستنشقوا رائحتها، ورأوا فيها من ~~النعيم، يأمر الله - تعالى - بصرفهم عنها، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون ~~والآخرون بمثلها، فيقولون: يا رب، لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا ~~كان أهون علينا، فيقول الله - تعالى -: ذاك أردت لكم، PageV01P493 # * (هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا ~~لله عليكم سلطانا مبينا (144) إن) * * وكنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، ~~وإذا لقيتم الناس، لقيتموهم مخبتين، هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس، ~~ولم تجلوني، تركتم للناس، ولم تتركوا لي؛ فاليوم أذيقكم العذاب، مع ما ~~حرمتم من الثواب '. # وقوله: * (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) يعنى: متثاقلين، وهذا دأب ~~المنافقين؛ لقلة الدواعي لهم، وأما المؤمنين ينشطون إلى القيام إلى الصلاة؛ ~~لكثرة الدواعي لهم، * (يراءون الناس) أي: يعملون ما يعملون، مراءه للناس، ~~لا اتباعا لأمر الله. # واعلم أن الرياء لا يوجب الكفر، وهو عيب عظيم، وأما النفاق كفر محض. # * (ولا يذكرون الله إلا قليلا) قال الحسن: لأنه لما لم يتقبل عملهم، كان ~~قليلا * (مذبذبين بين ذلك) أي: متذبذبين وكذلك قرأ أبي بن كعب، ومعناه: ~~مضطربين متحيرين * (لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء)، يعنى: لا إلى الكفار ~~بالتصريح بالشرك، ولا إلى المؤمنين باعتقاد الإيمان. # وروى ابن عمر عن النبي أنه قال: ' مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين ~~ربيضين، إن جاءت إلى هذه، نطحتها، وإن جاءت إلى هذه نطحتها ' * (ومن يضلل ~~الله فلن تجد له سبيلا) أي: ومن يضلله الله، فلن تجد له طريقا إلى الحق. # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من ~~دون PageV01P494 # * (المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك ms0334 مع المؤمنين ~~وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا) * * المؤمنين) في الآية نهى عن موالاة ~~المؤمنين مع الكفار * (أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا) السلطان: ~~الحجة، ومنه يقال: للأمير سلطان؛ لأنه ذو الحجة، ومعناه: أتريدون أن تجعلوا ~~لله عليكم حجة بينة في عذابكم، بحيث لا يبقى لكم عذر عنده؟!. # قوله - تعالى -: * (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) ويقرأ: ' في ~~الدرك ' بجزم الراء - قال أبو عبيده، والأخفش: النار دركات، والجنة درجات، ~~قال أهل العلم: يجوز أن يكون فرعون وهامان أشد عذابا من المنافقين، وإن كان ~~المنافقون في الدرك الأسفل. قال ابن مسعود: الدرك الأسفل: تابوت من حديد ~~مقفل عليهم، وقيل: تابوت من النار. قال أبو هريرة: والدرك الأسفل: بيت مطبق ~~عليهم، تتوقد النار فيه من فوقهم، ومن تحتهم * (ولن تجد لهم نصيرا) مانعا ~~من العذاب. # قوله - تعالى -: * (إلا الذين تابوا) أي: أسلموا * (وأصلحوا) أي: داموا ~~على التوبة * (واعتصموا بالله) الاعتصام: هو الامتناع بالشيء مما يخاف، ~~فالاعتصام بالله: هو الامتناع بطاعته من كل ما يخاف عاجلا، وآجلا * ~~(وأخلصوا دينهم لله) شرط الإخلاص بالقلب؛ لأن الآية في المنافقين، والنفاق: ~~كفر القلب، فزواله بالإخلاص * (فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين ~~أجرا عظيما)، وإنما لم يقل: فأولئك هم المؤمنون، وسوف يؤتيهم الله أجرا ~~عظيما؛ غيظا على المنافقين. # قوله - تعالى -: * (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) هذا استفهام ~~بمعنى التقرير، ومعناه: لا يعذب الله المؤمن الشاكر، وتقدير قوله: * (إن ~~شكرتم وآمنتم) أي: إن آمنتم وشكرتم، والشكر ضد الكفر، والكفر: ستر النعمة ~~والشكر: إظهار النعمة * (وكان الله شاكرا عليما) الشكر من الله قبول العمل، ~~ومعناه: وكان PageV01P495 # * (عظيما (146) ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا ~~عليما (147) لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا ~~عليما (148) إن تبدوا خيرا أو) * * الله قابلا للطاعات، عليما بالنيات. # قوله - تعالى -: * (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) قال ~~ابن عباس: معناه: إلا من ظلم، فيجوز له أن يجهر بالسوء ms0335 بالإخبار عن ظلم ~~الظالم، والدعاء عليه، قال الحسن: دعاؤه عليه: أن يقول: اللهم اعني عليه، ~~اللهم استخرج حقي منه. # وقيل: يجوز له أن يشتم، ولكن بمثل ما شتم، لا يزيد عليه، بما لم يكن ~~قذفا، وقد ورد في الحديث: ' السبتان بالسبة ربا ' قال مجاهد: هو في الضيف ~~يأتي قوما، فلم يقروه، ولم يحسنوا ضيافته، يجوز له أن يجهر بالسوء لهم. # ويقرأ: ' إلا من ظلم ' بفتح الظاء واللام. # قال الزجاج: معناه: إلا من ظلم، فأجهر قوله بالسوء، وقيل: هو راجع إلى ~~الآية المتقدمة، وتقديره: ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم إلا من ظلم ~~وقيل: هو استثناء منقطع، يعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن ~~يجهر بالسوء من ظلم * (وكان الله سميعا عليما) سميعا لأقوالكم: عليما ~~بنياتكم. # قوله - تعالى -: * (إن تبدوا خيرا أو تخفوه) معناه: إن تبدوا شيئا من ~~الصدقات؛ ليقتدي بكم، أو تخفوه؛ مخافة الرياء * (أو تعفوا عن سوء) تصابون ~~به * (فإن الله كان عفوا قديرا). # قوله - تعالى -: * (إن الذين يكفرون بالله ورسله) أراد به اليهود لما ~~كفروا بمحمد فكأنهم كفروا بالله * (ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله) ~~يريدون أن يؤمنوا بالله، ويكفروا بالرسول * (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض) ~~يؤمنون بموسى، ويكفرون بعيسى، ومحمد * (ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا) ~~أي: مذهبا يذهبون إليه. PageV01P496 # * (تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) إن الذين يكفرون ~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك هم الكافرون حقا واعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا (151) والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد ~~منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما (153) يسئلك عن أهل ~~الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من) * * (أولئك هم الكافرون حقا) إنما حقق ~~كفرهم، ليعلم أنهم كفار مطلقا لئلا يظن ظان أنهم لما آمنوا بالله وبعض ~~الرسل لا يكون كفرهم مطلقا * (اعتدنا للكافرين عذابا مهينا). # قوله - تعالى -: * (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد ms0336 منهم ~~أولئك سوف يؤتيهم أجورهم) إنما سماه أجرا مجازا؛ لأنه ذكره بإزاء العمل، ~~لأن العمل يوجبه، وهذا نحو قوله - تعالى - في قصة موسى: * (إن أبي يدعوك ~~ليجزيك أجر ما سقيت لنا) سماه أجرا على مقابلة العمل؛ لأن موسى عمل؛ ليؤجر ~~عليه * (وكان الله غفورا رحيما). # قوله - تعالى -: * (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء) هم ~~اليهود، قالوا للنبي لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا من السماء جملة، كما ~~أنزلت التوراة على موسى جملة. # قال الحسن: ولم يكن ذلك سؤال انقياد، وإنما ذلك سؤال تحكم، واقتراح؛ ~~فإنهم لو أنزل عليهم الكتاب جملة، كما سألوا؛ لم يؤمنوا، والله - تعالى - ~~لا ينزل الآيات على اقتراح العباد، وإنما ينزلها على مشيئته * (فقد سألوا ~~موسى أكبر من ذلك) أي: أعظم من ذلك * (فقالوا أرنا الله جهرة) أي: عيانا، ~~وذلك أن العرب كانت تعد العلم بالقلب رؤية؛ فقال: * (جهرة) ليعلم أنه أراد ~~العيان، وقال أبو عبيده: معناه: PageV01P497 # * (السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم ~~الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك ~~وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ~~ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ~~(154) فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق ~~وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا) * * فقالوا ~~جهرة: أرنا الله * (فأخذتهم الصاعقة بظلمهم)، * (ثم اتخذوا العجل) يعنى: ~~إلها * (من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك) فيه استدعاء للتوبة، ~~ومعناه: أن أولئك الذين اجترموا ذلك الإجرام، عفونا عنهم؛ فتوبوا أنتم، حتى ~~نعفو عنكم * (وآتينا موسى سلطانا مبينا) حجة بينة من المعجزات. # قوله - تعالى -: * (ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم) الطور: جبل الطور، ~~وقيل: كل جبل ينبت شيئا، فهو طور، فإن لم ينبت، لا يسمى طورا، والميثاق: ~~العهد المؤكد باليمين. # * (وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا) قيل: إنهم سجدوا على أنصاف وجوههم، حتى ~~دخلوا الباب، وفي القصة: ms0337 أنهم قالوا: بهذا السجود رفع العذاب عنا، فلا نترك ~~هذا السجود، وكانوا يسجدون بعد ذلك على أنصاف وجوههم. # * (وقلنا لهم لا تعدوا في السبت) وقرأ نافع - برواية قالوا -: * (لا ~~تعدوا) - بجزم العين، مشددة الدال وفي رواية ورش عنه * (لا تعدوا) - بفتح ~~العين مشددة الدال ومعنى الكل: لا يتعدوا في السبت * (وأخذنا منهم ميثاقا ~~غليظا). # قوله - تعالى -: * (فبما نقضهم ميثاقهم) وما للصلة، وإنما تدخل في ~~الكلام؛ لتفخيمه، وتجزيله * (وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق ~~وقولهم قلوبنا غلف) قد ذكرنا كل هذا * (بل طبع الله عليها بكفرهم) الطبع: ~~الختم، وقال PageV01P498 # * (اقليلا (155) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) وقولهم إنا ~~قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ~~وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما ~~قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه) * * لزجاج: جعل قلوبهم، كالمطبوع لا ~~يفلح، ولا يصلح أبدا، ولا يدخلها خير؛ فلا يؤمنون إلا قليلا * (وبكفرهم ~~وقولهم على مريم بهتانا عظيما) أراد به: نسبتهم مريم إلى الزنا. # قوله - تعالى -: * (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما ~~قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم). # قيل: إن الله - تعالى - ألقى شبه عيسى على الذي دلهم عليه؛ فقتلوه وقيل: ~~إنهم كانوا حبسوا عيسى في بيت، وجعلوا عليه رقيبا، فألقى الله تعالى شبه ~~عيسى على الرقيب؛ فقتلوه، وقيل: إنهم ما كانوا يعرفون عيسى بعينه، وكانوا ~~يعرفونه باسمه، وكانوا يطلبونه؛ فقال لهم يهوذا - وهو واحد من أصحاب عيسى ~~-: أعطوني شيئا، أدلكم على عيسى؛ فأعطوه ثلاثين درهما؛ فدلهم على غيره، ~~فقتلوا ذلك الغير؛ فهذا قوله: * (ولكن شبه لهم)، * (وإن الذين اختلفوا فيه ~~لفي شك منه) وذلك أن الرجل الذي قتلوه على ظن أنه عيسى، كان يشبهه بوجهه، ~~ولا يشبهه بجسده، فوقع فيهم الاختلاف، فقال بعضهم: الذي قتلناه كان عيسى، ~~وقال بعضهم: لم يكن عيسى. وقيل: هو الاختلاف بين علمائهم، وأغتامهم؛ فإن ~~علماءهم كانوا يعلمون أنهم لم يصلبوا عيسى وكان ms0338 عند جهالهم وأغتامهم أنهم ~~قتلوا عيسى، * (وما لهم به من علم) يعنى: من حقيقة علم * (إلا اتباع الظن ~~وما قتلوه يقينا) قال ابن الأنباري: قوله: * (وما قتلوه) كلام تام، وقوله: ~~* (يقينا) راجع إلى ما بعد، وتقديره: ' بل رفعه الله إليه يقينا، قال ~~الفراء: معناه: وما قتلوا PageV01P499 # * (وكان الله عزيزا حكيما (158) وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (159) فبظلم من الذين هادوا حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربا وقد ~~نهوا عنه وأكلهم أموال الناس) * * الذي ظنوا أنه عيسى يقينا أنه عيسى، ~~وقيل: الهاء كناية عن عيسى، أي: وما قتلوا عيسى يقينا * (بل رفعه الله إليه ~~وكان الله عزيزا حكيما). # قوله - تعالى -: * (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) معناه: ~~وأن من أهل الكتاب أحدا إلا ليؤمن به، وهو مثل قوله: * (وإن منكم إلا ~~واردها) أي: وأن منكم أحد. # واختلفوا في قوله: * (قبل موته) قال الحسن - وهو إحدى الروايتين عن ابن ~~عباس -: إنه كناية عن الكتابي، وقال: ما من كتابي من اليهود، إلا وهو يؤمن ~~بعيسى قبل موته في وقت اليأس، حين لا ينفعه، حتى قيل لابن عباس: وإن مات ~~حرقا أو غرقا أو هدما؟ قال: نعم. # وقال قتادة - وهو رواية أخرى عن ابن عباس -: إن ' الهاء ' كناية عن عيسى، ~~يعنى: ما من كتابي إلا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل من السماء، ~~وقال عكرمة: هذا في محمد ما من كتابي إلا ويؤمن به قبل الموت، وهذا قول ~~ضعيف؛ لأنه لم يجر ذكر محمد في الآية * (ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) ~~يعنى: عيسى. # قوله - تعالى -: * (فبظلم من الذين هادوا) يعنى: ما ذكر من إجرامهم * ~~(حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) هو ما ذكرنا في سورة الأنعام * (وعلى الذين ~~هادوا حرمنا PageV01P500 # * (بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما (161) لكن الراسخون في ~~العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين ~~الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله ms0339 واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا ~~عظيما (163) إنا أوحينا) * * كل ذي ظفر...) الآية على ما سيأتي * (وبصدهم ~~عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل) ~~يعنى: الرشا * (اعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما). # قوله - تعالى -: * (ولكن الراسخون في العلم منهم) لكن للإضراب عن كلام، ~~والدخول في كلام آخر، * (والراسخون): المبالغون في العلم أولوا البصائر ~~فيه، وأراد به: الذين أسلموا من علماء اليهود: مثل عبد الله بن سلام، ويمين ~~بن يمين، وأسد وأسيد ابني كعب، وجماعة * (والمؤمنون) أراد به: المهاجرين، ~~والأنصار * (يؤمنون بما أنزل إليك) يعنى: القرآن * (وما أنزل من قبلك) ~~يعنى: سائر الكتب المنزلة * (والمقيمين الصلاة) في هذا إشكال من حيث النحو، ~~قيل: إن هذا ذكر لعائشة، وأبان بن عثمان، فادعيا الغلط على الكاتب، وقالا: ~~ينبغي أن يكتب: ' والمقيمون الصلاة ' وليس هكذا؛ بل هو صحيح في النحو، وهو ~~نصب على المدح، وتقديره: واذكروا المقيمين الصلاة، أو أعنى: المقيمين ~~الصلاة، وهم المؤتون الزكاة، ومثله قول الشاعر: # (النازلين بكل معترك * والطيبون [معاقد] الأزر) أي: أعنى النازلين بكل ~~معترك، وهم الطيبون معاقد الأزر؛ فيكون نصبا على المدح، وقيل تقديره: وما ~~أنزل على المقيمين الصلاة، قوله: * (والمؤتون الزكاة) رجوع إلى نسق الأول * ~~(والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما). PageV01P501 # * (إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا ~~داوود زبورا (163) ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم ~~الله موسى) * * قوله - تعالى -: * (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده) هذا بناء على ما [سبق] من قوله * (يسألك أهل الكتاب أن ~~تنزل عليهم كتابا من السماء) يقول الله - تعالى -: قد جعلناك رسولا بالطريق ~~الذي [قد] جعلنا سائر الأنبياء رسلا، وهو الوحي، * (وأوحينا إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان) ذكر ~~عدة من الرسل الذين أوحى إليهم. # فإن قال قائل: لم قدم ذكر عيسى، وهو متأخر؟ قيل: ' الواو ' لا توجب ms0340 ~~الترتيب، وإنما هي للجمع، وقيل: ذكره اهتماما بأمره، وكان أمر عيسى أهم * ~~(وآتينا داود زبورا) قرأ حمزة: ' زبورا ' - بضم الزاي - فالزبور: فعول ~~بمعنى المفعول، وهو الكتاب الذي أنزل الله - تعالى - على داود، فيه ~~التحميد، والتمجيد، وثناء الله - تعالى -، والزبور: الكتابة، والزبرة قطعة ~~الحديد، ويقال: ما له زبر أي: ما له عقل، وأما الزبور: جمع الزبر. # قوله - تعالى -: * (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل) وأرسلنا رسلا قد ~~قصصناهم عليك من قبل * (ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما) إنما ~~كلمه بنفسه من غير واسطة، ولا وحي، وفيه دليل على من قال: إن الله خلق ~~كلاما في الشجرة؛ فسمعه موسى؛ وذلك لأنه قال: * (وكلم الله موسى تكليما) ~~PageV01P502 # * (تكليما (164) رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل وكان الله عزيزا حكيما (165) لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ~~بعلمه والملائكة يشهدون) * * قال الفراء، وثعلب: إن العرب تسمى ما توصل إلى ~~الإنسان: كلاما، بأي طريق وصل إليه، ولكن لا تحققه بالمصدر، فإذا حقق ~~الكلام بالمصدر، لم تكن إلا حقيقة الكلام، وهذا كالإرادة، يقال: أراد فلان ~~إرادة، فيكون حقيقة الإرادة، ولا يقال: أراد الجدار أن يسقط إرادة، وإنما ~~يقال: أراد الجدار، من غير ذكر المصدر؛ لأنه مجاز، فلما حقق الله كلامه ~~موسى بالتكليم، عرف أنه حقيقة الكلام من غير واسطة، قال ثعلب: وهذا دليل من ~~قول الفراء أنه ما كان يقول بخلق القرآن. # فإن قال قائل: بأي شئ عرف موسى أنه كلام الله؟ قيل: بتعريف الله - تعالى ~~- إياه، وإنزال آية عرف موسى بتلك الآية أنه كلام الله - تعالى -، وهذا ~~مذهب أهل السنة أنه سمع كلام الله حقيقة، بلا كيف، وقال وائل بن داود: معنى ~~قوله: * (وكلم الله موسى تكليما) أي: مرارا، كلاما بعد كلام. # قوله - تعالى -: * (رسلا مبشرين ومنذرين) أي: أرسلنا رسلا * (لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل) وهذا دليل على أن الله - تعالى - لا يعذب ~~الخلق قبل بعثه الرسل، وهذا معنى قوله: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ms0341 ~~وقال - تعالى - * (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى). # * (وكان الله عزيزا) أي: مقتدرا على معاونة الخلق (حكيما) ببعث الرسل. ~~وفي حديث أبي الدرداء أنه قال: ' سألت رسول الله عن عدد الأنبياء فقال: ~~مائة وأربعة وعشرون ألفا، فقلت: كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر ~~[جما غفيرا] '. PageV01P503 # * (وكفى بالله شهيدا (166) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ~~ضلالا بعيدا (167) إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم طريقا (168) إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله ~~يسيرا (169) يا أيها الناس قد جاءكم) * * قوله - تعالى - * (لكن الله يشهد ~~بما أنزل إليك) سبب نزول الآية: أن قوما من علماء اليهود حضروا عند النبي، ~~فقال لهم: ' أنتم تعلمون أنى رسول الله؟ فقالوا: لا نعلم ذلك؛ فنزل قوله: * ~~(لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه) ' أي: مع علمه، كما يقال: جاءني ~~فلان بسيفه، أي: مع سيفه، وفيه دليل على أن لله علما، هو صفته، خلاف قول ~~المعتزلة خذلهم الله. # * (والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا) فإن قيل: إذا شهد الله له ~~بالرسالة، فأي حاجة إلى شهادة الملائكة؟ قيل: لأن الذين حضروا عند النبي، ~~كان عندهم أنهم علماء الأرض؛ فقالوا: نحن علماء الأرض، ونحن ننكر رسالتك، ~~فقال الله تعالى: إن أنكره علماء الأرض، يشهد به علماء السماء، وهم ~~الملائكة، على مقابلة زعمهم وظنهم؛ لا للحاجة إلى شهادتهم؛ فإنه قال: * ~~(وكفى بالله شهيدا). # قوله - تعالى -: * (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) صدهم عن سبيل ~~الله كان بكتمان نعت محمد * (قد ضلوا ضلالا بعيدا) أي: هلكوا، والضلال: ~~الهلاك. قوله - تعالى -: * (إن الذين كفروا وظلموا) فإن قال قائل: أي معنى ~~لقوله: * (وظلموا) وقد قال: * (كفروا) وظلمهم كفرهم؟ قيل: معناه: كفروا ~~بالله، وظلموا محمدا بكتمان نعته. # وقيل: ذكره تأكيدا * (لم يكن الله ليغفر لهم) في هذا إشارة إلى أن الله - ~~تعالى - لو غفر للكافرين أجمع، كان يسع ذلك رحمته، ms0342 لكنه قطع القول بأن لا ~~يغفر لهم، PageV01P504 # * (الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في ~~السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا) * * (ولا ليهديهم طريقا) يعنى: ~~الإسلام * (إلا طريق جهنم) يعنى: اليهودية * (خالدين فيها أبدا وكان ذلك ~~على الله يسيرا). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا ~~خيرا لكم) تقديره: يكن الإيمان خيرا لكم * (وإن تكفروا فإن لله ما في ~~السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما). # قوله - تعالى -: * (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) الغلو: مجاوزة ~~الحد، والآية في النصارى، قال الحسن: يجوز أن تكون في اليهود والنصارى؛ ~~فإنهم غلوا في أمر عيسى، أما اليهود بالتقصير في حقه، وأما النصارى بمجاوزة ~~الحد فيه. # الغلو غير محمود في الدين، روى ابن عباس عن النبي أنه قال: ' إياكم ~~والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو '. # * (ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته) وقد بينا أقوال العلماء في كونه ' كلمة ' وجملته ثلاثة أقاويل: ~~أحدها: أنه بكلمته، وهي قوله: كن، فكان، والثاني: أنه يهتدي به، كما يهتدي ~~بكلمة الله، الثالث: كلمته: بشارته التي بشر بها في الكتب ' يكون عيسى ' ~~فهذا معنى قوله: (* (وكلمته) * ألقاها إلى مريم وروح منه) وفي تسميته ' ~~روحا ' ثلاثة أقاويل: PageV01P505 # * (بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ~~(171) لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف ~~عن عبادته ويستكبر) * * أحدها: أنه كان له روح كسائر الأرواح، إلا أن الله ~~- تعالى - أضافه إلى نفسه تشريفا. # والثاني: أنه تحيا به القلوب، كما تحيا الأبدان بالروح. # الثالث: أن الروح: هو النفخ الذي نفخ في مريم ms0343 جبريل بإذن الله؛ فسمى ذلك ~~النفخ روحا. # (فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة) وكانت النصارى يقولون بالثلاثة، ~~كانوا يقولون: ابن، وآب، وروح القدس، وهذا معنى قوله - تعالى -: * (لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) وقوله: * (انتهوا خيرا لكم) تقديره: يكن ~~الانتهاء خيرا لكم. # * (إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد) واعلم أن الله - تعالى - ~~كما لا يجوز له أن يتخذ ولدا، لا يجوز عليه التبني؛ فإن التبني إنما يكون ~~حيث يكون به الولد، فإذا لم يتصور لله ولد ولم يجز عليه التبني * (له ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا). # قوله - تعالى -: * (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله) الاستنكاف: ~~التكبر مع الأنفة، ومعناه: لن يأنف المسيح أن يكون عبدا * (ولا الملائكة ~~المقربون) واستدل بهذه الآية من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر؛ لأن ~~الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة، وليس في الآية مستدل، وإنما قال: ~~(ولا الملائكة المقربون) [لا] لامتناع مكانهم ومقامهم على مقام البشر، ~~وإنما قال ذلك على ما عند النصارى، PageV01P506 # * (فسيحشرهم إليه جميعا (172) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ~~ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (173) يا أيها الناس قد جاءكم ~~برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) فأما الذين آمنوا بالله ~~واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (175) ~~يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) * * ولعله كان عندهم أن الملائكة ~~أفضل من البشر، فقال ذلك على ما في زعمهم. # وقوله: * (ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا) الفرق بين ~~الاستنكاف والاستكبار: أن الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار: هو ~~الغلو، والتكبر من غير أنفة. # * (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) ~~قيل: زيادة فضله: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ms0344 ولا خطر على قلب بشر. # وقيل: هو الشفاعة، وفي الحديث: ' يشفع الصالحون يوم القيامة لمن يعرفون ~~'. # * (وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم) قيل: هو محمد، ~~على هذا أكثر المفسرين. وقيل: هو القرآن. # والبرهان في اللغة: هو الحجة * (وأنزلنا إليكم نورا مبينا) هو القرآن. # قوله تعالى: * (فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه ~~وفضل) يعنى الجنة * (ويهديهم إليه صراطا مستقيما). # قوله - تعالى -: * (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) روى عن البراء ~~بن عازب أنه قال: آخر سورة أنزلت كاملة: سورة براءة، وآخر آية أنزلت هذه ~~الآية. PageV01P507 # * (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وأن كانوا اخوة رجالا ونساء ~~فللذكر مثل حظ) * * وسبب نزول الآية ما روى: ' أن النبي دخل على جابر وهو ~~مريض، وكان قد أغمي عليه، فدعا بماء وتوضأ، ثم رشه عليه، فأفاق، فقال جابر: ~~يا رسول الله، ماذا أصنع في مالي، وإنما ترثني كلالة؟ فنزلت الآية '، وقد ~~سبق الكلام في الكلالة. # وتلك الآية في توريث الاخوة والأخوات من الأم، وهذه الآية في توريث ~~الاخوة والأخوات من الأب والأم، ومن الأب * (إن امرؤ هلك ليس له ولد) ~~تقديره: ليس له ولد، ولا والد، وعلى هذا أكثر العلماء، أن الكلالة: هذا، ~~وأن الأخوة والأخوات لا يرثون مع الأب، إلا ما يحكى عن عمر - رضي الله عنه ~~-: أنه ورثهم مع الأب، وقد سبق. # قوله - تعالى -: * (ليس له ولد) أراد به: الذكر، وعلى هذا أكثر العلماء: ~~أن الاخوة والأخوات إنما لا يرثون مع الابن، ويرثون مع البنت، وحكى عن ابن ~~عباس، وبه قال داود وأهل الظاهر -: أن الإخوة والأخوات لا يرثون مع البنت، ~~تمسكا بظاهر الآية، وقد بينا أن المراد به: الابن، والآية في نفي الفرض مع ~~الولد وعندنا: إنما يرثون بالتعصيب، فإن الأخوات مع البنات عصبة. # قوله - تعالى -: * (وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن ms0345 لها ولد ~~فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر ~~مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا). # قال الفراء: معناه: يبين الله لكم أن لا تضلوا، وهو قول أبي عبيده، قال ~~أبو عبيده: وذكر الكسائي حديثا في معناه؛ فأعجبه ذلك، وذلك ما روى عن النبي ~~أنه قال: ' لا يدعون أحدكم على ابنه أن يوافق قدرا ' أي: أن لا يوافق قدرا. ~~PageV01P508 # * (الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيئا عليم (176)) * * وقال ~~البصريون: معناه: يبين الله لكم كراهية أن تضلوا * (والله بكل شئ عليم). # والله أعلم، صدق الله وصدق رسول الله وعلى آله أجمعين. PageV01P509 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم ~~بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير) * * تفسير سورة المائدة القول في ~~تفسير سورة المائدة قال الشيخ الإمام - رضي الله عنه - سورة المائدة مدنية ~~كلها إلا قوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا) فإنه نزل بعرفات على ما سنبين، وقال الحسن البصري: كلها ~~محكمة لم ينسخ منها شيء. وقال الشعبي: لم ننسخ منها شيء. إلا قوله - تعالى ~~-: * (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله) على ما سنبين. # وروى عن أبي ميسرة أنه قال: أنزل الله - تعالى - في هذه السورة ثمانية ~~عشر حكما لم ينزلها في سائر القرآن. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) قد ذكرنا أن كل ما في ~~القرآن من قوله: * (يا أيها الذين آمنوا) فإنما نزل بالمدينة، وكل ما نزل ~~من قوله: * (يا أيها الناس) فإنما أنزل بمكة، وعن ابن مسعود أنه قال: إذا ~~سمعت الله - تعالى - يقول: * (يا أيها الذين آمنوا) فارعه سمعك، فإنه خير ~~تؤمر به أو سوء تنهى عنه. # وقوله: * (أوفوا بالعقود) يقال: ' أوفى ' و ' وفى ' بمعنى واحد، وأما ~~العقود: قال علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس أنه قال: أراد بالعقود: ~~ما أحل الله وحرم، وفرض وحد. # وقال مجاهد: أراد بالعقود: العهود، وقيل ms0346 الفرق بين العقد والعهد: أن ~~العهد: هو الأمر بالشيء، ويقال: عهدت إلى فلان كذا، أي: أمرته به، والعقد: ~~هو الأمر مع الاستيثاق، ويدخل في العقود النذور، وسائر العقود اللازمة يجب ~~الوفاء بكل إلا PageV02P005 # * (محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) يا أيها الذين آمنوا ~~لا تحلوا) * * اليمين على شيء مباح، لا يجب الوفاء به؛ للسنة، وهي ما روى ~~عن رسوله الله أنه قال: ' من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها؛ فليكفر عن ~~يمينه، وليأت الذي هو خير '. # قوله - تعالى -: * (أحلت لكم بهيمة الأنعام) قال الحسن: أراد به الإبل، ~~والبقر والغنم، وحكى قطرب عن يونس: هي الإبل، والبقر، والغنم، والخيل ~~والبراذين، وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: بهيمة الأنعام ~~وهي: بقر الوحش، وحمر الوحش، وظباء الوحش، - وسميت البهيمة بهيمة لاستبهام ~~فيها، حيث لا نطق لها يفهم، وبذلك سميت عجماء أيضا. # والمراد: ببهيمة الأنعام: هي الأنعام، لكن أضافه إلى نفسه، كما يقال: نفس ~~الإنسان، وحق اليقين، ونحو ذلك، وروى قابوس بن أبي ظبيان عن ابن عباس أنه ~~قال: بهيمة الأنعام: هي الأجنة: * (إلا ما يتلى عليكم) يعني ما ذكر في ~~قوله: * (حرمت عليكم الميتة) * (غير محلى الصيد) قيل هو نصب على الاستثناء، ~~وقيل على الحال ويعنى ' لا محلي الصيد ' كما قال - تعالى -: * (غير ناظرين ~~إناه) أي: لا ناظرين إناه، * (وأنتم حرم) فيه تحريم الصيد في حال الإحرام * ~~(إن الله يحكم ما يريد). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله) قال أبو ~~عبيدة: الشعائر الهدايا المشعرة، وهي المعلمة بالإشعار، وكانوا (ينخسون) ~~شيئا في سنام البعير حتى يتطلخ بالدم، فذلك إشعار الهدى، وهو سنة، وقال ~~مجاهد: أراد بالشعائر PageV02P006 # * (شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت ~~الحرام يبتغون) * * مشاعر الحرم من الصفا والمروة وغيرهما، والمراد به ~~النهي عن القتل في الحرم. # * (ولا الشهر الحرام) قال عكرمة: أراد به: ذا القعدة، وقال غيره: رجب، ~~وقيل: هو عبارة عن جميع الأشهر الحرم، ms0347 وقوله: * (ولا الهدي ولا القلائد) ~~فالهدي: جمع الهدية، والمراد به: إبل الهدي، وأما القلائد: هي الإبل ~~المقلدة، وكانوا يقلدون إبل الهدي، وقال عطاء: أراد به: أصحاب القلائد، ~~وكانت عادة أهل الحرم أن يقلدوا أنفسهم، وإبلهم بشيء من لحاء شجر الحرم إذا ~~أرادوا الخروج؛ لكيلا يتعرض لهم؛ فنهى الشرع عن التعرض لهذه الأشياء. # * (ولا آمين البيت الحرام) أي: ولا تتعرضوا للقاصدين إلى البيت الحرام، ~~وسبب نزول هذا: ما روي: ' أن الحطم بن ضبيعة جاء في نفر إلى رسول الله ~~بالمدينة، فعرض عليهم الإسلام، فلم يقبلوا وتعللوا وانصرفوا؛ حتى قال - ~~عليه السلام - فيه: لقد أقبل بوجه كافر وأدبر بقفا غادر. # فذهب واستاق سرح المدينة؛ فتبعوه فلم يدركوه وهو يستاق الإبل، ويرتجز ~~ويقول: # (قد لفها الليل بسواق حطم * ليس براعي إبل ولا غنم) (ولا بجزار على ظهر ~~وضم *) فلما كان بعد فتح مكة، لقيه المسلمون في الموسم حاجا، ومعه إبل ~~معشره وقلائد؛ فقصدوه، ولقيه النبي فأشار إلى أصحابه، وقال: دونكم الرجل؛ ~~ليأخذوه؛ فنزلت الآية ' منعا للتعرض له ولشعائره وقلائده، قال الشعبي: كان ~~هذا PageV02P007 # * (فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن ~~صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا) ~~* * كذلك، ثم نسخ بقوله: (اقتلوا المشركين). # وقوله: * (يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا) قال ابن عمر: أراد به فضل ~~التجارة، وقيل: هو الأجر * (وإذا حللتم فاصطادوا) وهذا أمر إباحة؛ أباح ~~للحال الاصطياد. # * (ولا يجرمنكم شنآن قوم) قال أبو عبيدة: جرم أي: كسب ويقال: فلان جارم ~~أهله، أي: كاسب أهله، و (أنشد) (ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة ~~بعدها أن يغضبوا) أي: كسبت، وقرأ الأعمش: * (ولا يجرمنكم) بضم الياء، وهو ~~صحيح في العربية، يقال: جرم وأجرم، بمعنى واحد، وقيل: معناه: ولا يحملنكم ~~شنآن قوم، أي: عداوة قوم. # * (أن صدوكم) أي: لأن صدوكم، وقرأ أبو عمرو: ' إن صدوكم ' على الشرط ~~ومعنى الآية: لا يحملنكم عداوة قوم صدوكم * (عن المسجد الحرام أن تعتدوا) ~~عليهم. # (وتعاونوا على البر والتقوى) البر: ms0348 الصدق، وقيل البر: الاجتناب عن كل ~~منهي. وفيه قول آخر: أن البر الإسلام، والتقوى: السنة. # * (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) الإثم: الكفر، والعدوان: البدعة، ~~وقيل: الإثم الكفر، والعدوان: الظلم * (واتقوا الله إن الله شديد العقاب). # قوله - تعالى -: * (حرمت عليكم الميتة والدم) فالميتة: هي الحيوان الميت، ~~والدم: دم الحيوان يراق ويسفح فهو حرام، وكان أهل الجاهلية يجعلون الدم في ~~PageV02P008 # * (على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب (2) حرمت عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن ~~تستقسموا) * * المباعر، ويسوونها ثم يأكلون؛ فجاء الشرع بتحريمه، وسئل ابن ~~عباس عن الطحال، فقال: كلوه، فقيل: أليس بدم؟ قال: إن الله - تعالى - إنما ~~حرم الدم المسفوح. # * (ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به) يعني: سمى على ذبحه غير الله، ~~وقيل: هو ما يذبح على الأصنام؛ فهذه الأربعة حرام، وقيل: إنها ما أبيحت في ~~شرع ما، حتى قيل: إن آدم - صلوات الله عليه - نزل إلى الأرض ومعه تحريم هذه ~~الأربعة. # * (والمنخنقة) هي الشاة التي تخنق بحبل فتموت * (والموقوذة) هي التي كانت ~~يضربونها عند الصنم، حتى إذا ماتت أكلوها (والمتردية) التي تتردى من موضع ~~عال فتموت. # * (والنطيحة) هي التي تنطحها أخرى فتموت * (وما أكل السبع) ويقرأ بجزم ~~الباء على التخفيف، ومعناه وما بقي مما أكل السبع * (إلا ما ذكيتم) حرم هذه ~~الأنواع، واستثنى المذكاة، وأصل التذكية: الإتمام، يقال: ذكيت النار، إذا ~~أتممت إيقادها، ويقال: فلان ذكى، إذا كان تام الفهم، والزكاة في الشرع ~~معروفة. # * (وما ذبح على النصب) يعني: على الأصنام، والنصب: نوع من الأصنام، ~~والفرق بينها وبين الأصنام: أن الأصنام: هي المصورة المنقوشة، والنصب: لا ~~تكون منقوشة، ولا مصورة، وقيل: كانت لهم أحجار منصوبة حول الكعبة، كانوا ~~يعبدونها، ويتقربون إليها بالذبائح، ويلطخونها بالدماء؛ فحرمه الشرع. # * (وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق) الاستقسام: طلب النصيب والأزلام: ~~الأقداح واحدها: ' زلم ' وقيل: ' زلم ' أيضا وهي سهام كانت عند سدنة ~~الكعبة، وكان مكتوبا ms0349 على واحد اخرج، وعلى آخر: لا تخرج، وعلى واحد: أمرني ~~ربي وعلى آخر: نهاني ربي، وكان فيها واحد غفل، ويسمى منتحا، ليس عليه شيء ~~مكتوب، PageV02P009 # * (بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون ~~اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن) * * ~~وكان الرجل منهم إذا أراد سفرا يأتي سادن البيت حتى يجيل الأقداح؛ فإن خرج ~~الغفل يجيله ثانيا، حتى يخرج آخر، فإن خرج الذي عليه: ' اخرج ' خرج إلى ~~السفر، وإن خرج: ' لا تخرج ' لم يخرج؛ فنهى الشرع عنه، ومن ذلك الحكم ~~بالنجوم وضرب الحصا والطيرة والكهانة، وكل ذلك منهي عنه، قال: ' من تطير أو ~~تكهن أو تعرف؛ لم ينظر إلى الجنة يوم القيامة ' وقال الشعبي، وغيره: ~~الأزلام للعرب، والكعاب للعجم. # وقوله: * (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون) وذلك أن ~~الكفار كانوا يطمعون في عود المسلمين إلى دينهم، حتى فتحت مكة، وأظهر الله ~~الإسلام؛ أيسوا من ذلك؛ فهذا معنى قوله: * (اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم) أن يذهب، وتراجعوا إلى دينهم. # قوله - تعالى -: * (اليوم أكملت لكم دينكم) نزل هذا بعرفات، ورسول الله ~~على ناقته العضباء؛ فبركت من ثقل الوحي، وروى ' أن رجلا من اليهود قال لعمر ~~رضي الله عنه: إنكم تقرءون آية لو علينا أنزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، ~~يعني اليوم الذي أنزلت فيه، فقال عمر: أنا أعلم أنها أي يوم أنزلت، أنزلت ~~يوم الجمعة عشية عرفة، وأشار إلى أن ذلك اليوم لنا عيد '. PageV02P010 # ومعنى قوله: * (اليوم أكملت لكم دينكم) أي: في الشرائع والأحكام؛ لأنها ~~نزلت بعد استقرار الشرائع والأحكام، وقيل: لم ينزل بعد هذه الآية شيء من ~~الأحكام حتى قيل: إن قوله: * (يستفتونك) في آية الكلالة، إنما نزل قبل هذه ~~الآية، وقيل: بعدها. # واعلم أن الشرائع لم تنزل جملة، وإنما نزلت شيئا فشيئا، فإن في الابتداء ~~حين كان بمكة كان الواجب الإتيان بالشهادتين، والإيمان بالبعث، والجنة ~~والنار، وركعتين غدوة، وركعتين عشية، وأن يكفوا أيديهم عن القتال، ويصبروا ~~على أذى ms0350 المشركين، فلما كان ليلة المعراج - وهي قبل الهجرة بثمانية عشر ~~شهرا - فرض الله عليه وعلى أمته خمسين صلاة، ثم ردت إلى خمس صلوات، كما عرف ~~في القصة، ثم لما هاجر إلى المدينة، فرض الله عليه الجهاد، والزكاة، ثم ~~الصوم سنة الثالث من الهجرة، وفرض الحج سنة السابع من الهجرة، ثم فتح مكة، ~~فلما حجة الوداع؛ أنزلت هذه الآية سنة عشر من الهجرة، ولم ينزل بعدها شيء ~~من الأحكام كما بينا، وعاش بعد ذلك رسول الله إحدى وثمانين ليلة، وتوفي في ~~اليوم الثاني من ربيع الأول، وقيل: توفي في الثاني عشر من ربيع الأول، وهذا ~~أصح. # وكانت هجرته في الثاني عشر من ربيع الأول أيضا، واستكمل عشر سنين، وخرج ~~من الدنيا. # وفيه قول آخر: أن معنى قوله: * (اليوم أكملت لكم دينكم) أي: أمنتكم من ~~العدو، وأظهرت دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا، روت ~~عائشة عن النبي أنه قال: ' يقول الله - تعالى -: إني نظرت في الأديان ~~فارتضيت لكم الإسلام دينا؛ فأكرموه بالسخاء، وحسن الخلق ما صحبتموه، فإن ~~PageV02P011 # * (اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) يسألونك ماذا ~~أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما) * * ~~البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار '. # * (فمن اضطر في مخمصة): المخمصة: خلاء الجوف عن الغذاء، وفي المثل: ' ~~البطنة بعدها الخمصة ' * (غير متجانف لإثم) أي: غير مائل إلى إثم، وهو ~~مجاوزة الشبع في أكل الميتة، أو يأكلها تلذذا * (فإن الله غفور رحيم). # قوله - تعالى -: * (يسألونك ماذا أحل لهم) سبب نزول الآية: أن زيد بن ~~الخيل الطائي، وعدي بن حاتم الطائي سألا رسول الله وقالا: إنا نصطاد ~~بالكلاب، فماذا يحل (منه) وما يحرم منه؟ فنزلت الآية، وقيل: سبب نزول ~~الآية: أن النبي PageV02P012 # * (علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله ~~إن الله) * * لما أمر بقتل الكلاب، وقالوا يا رسول الله: ماذا يحل لنا من ~~هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ ms0351 فنزلت الآية، والأول أصح. # * (قل أحل لكم الطيبات) فالطيبات: كل ما تستطيبه العرب، وتستلذه من غير ~~أن يرد بتحريمه كتاب أو سنة * (وما علمتم من الجوارح) أي: الكواسب، يقال: ~~جرح، واجترح، إذا كسب، ومنه سميت اليد جارحة؛ لأنها كاسبة، قال الشاعر: # (ذات حل حسن ميسمها * يذكر الجارح وما كان جرح) أي: ما كان كسب * ~~(مكلبين) وقرئ في الشواذ ' مكلبين ' يقال: كلبه فهو مكلب، وأكلب فهو مكلب: ~~إذا كثر كلابه، وهو مثل قولهم: أمشى إذا كثرت ماشيته، قال الشاعر: # (وكل فتى وإن أمشى وأثرى * [سيخلجه] عن الدنيا المنون) قال الأزهري: ~~ومعنى الكلام: وأحل لكم ما علتم من الجوارح في حال تكليبكم وتضريتكم إياها ~~على الصيد، واعلم أن حل الصيد لا يختص بصيد الكلب على قول جمهور العلماء. # وقال طاووس: يختص به؛ تمسكا بقوله: * (مكلبين) وهذا خلاف شاذ، ومعنى ~~قوله: * (مكلبين) أي: محرشين، ومغرين على الصيد، ويستوي في ذلك كل الجوارح ~~* (تعلمونهن مما علمكم الله) تؤدبونهن مما أدبكم الله. PageV02P013 # * (سريع الحساب (4) اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل ~~لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا) * * ~~(فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) أباح صيد الجوارح إذا أمسكن ~~على المالك، ولا خلاف فيه، فأما إذا أكل من الصيد، هل يكون ممسكا على ~~المالك، وهو يحل؟ فيه اختلاف بين الصحابة، قال سعد بن أبي وقاص، وسلمان ~~الفارسي: إنه يحل، حتى قال سعد: كل ما أخذ كلبك، وإن بقيت منه جدية أي: ~~قطعة، وهذا أحد قولي الشافعي - رضي الله عنه - وقال ابن عباس، وعدي بن ~~حاتم: إنه لا يحل، وهو القول الثاني للشافعي، وبه قال أكثر المفسرين، وأما ~~الكلام في التسمية سيأتي في الأنعام * (واتقوا الله إن الله سريع الحساب). # قوله - تعالى -: * (اليوم أحل لكم الطيبات) ذكر اليوم هاهنا صلة، وقد ~~بينا معنى الطيبات، وفيه قول آخر: أن الطيبات عن طاهرات، وكل طاهر حلال. # * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) قال مجاهد، وإبراهيم النخعي: أراد ~~به: ذبائح أهل ms0352 الكتاب * (وطعامكم حل لهم) فإن قال قائل: كيف أحل لهم طعامنا ~~وشرع لهم ذلك وهم كفار، وليسوا من أهل الشرع؟ أجاب الزجاج فقال: معناه: ~~حلال لكم أن تطعموهم؛ فيكون خطاب الحل مع المسلمين، قال غيره: وإنما قال ~~ذلك لأنه ذكر عقيبه (حكم) النساء، ولم يذكر حل المسلمات لهم فكأنه قال: ~~حلال لكم أن تطعموهم، حرام لكم أن تزوجوهم. # * (والمحصنات من المؤمنات) هذا راجع إلى النسق الأول، ومنقطع عن قوله: * ~~(وطعامكم حل لهم) * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) قال الحسن: ~~أراد به: العفائف، وقال مجاهد: أراد به: الحرائر، ومنه إباحة الحرة ~~الكتابية للمسلم وقضية تحريم الأمة الكتابية، وعليه أكثر العلماء، وهو قول ~~علماء الكوفة مثل الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير وجماعة. وهذا في الكتابية ~~الذمية؛ فأما الحرة الكتابية PageV02P014 # * (الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي ~~أخذان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) يا) * ~~* الحربية، فعلى قول أكثر العلماء تحل للمسلم، وقال ابن عباس: لا تحل، وقرئ ~~* (المحصنات) بكسر الصاد، وإحصان الكتابية أن تستعفف عن الزنا، وتغتسل [من] ~~الجنابة * (إذا آتيتموهن أجورهن) أي: مهورهن: * (محصنين غير مسافحين ولا ~~متخذي أخذان). # * (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) قال مجاهد: أراد به: من يكفر بالله ~~الذي يؤمن به، وقال الكلبي: أراد به: ومن يكفر بكلمة الشهادة، وقال الربيع ~~بن أنس: أراد به: ومن يكفر بالقرآن، قال الزجاج: معنى قوله: * (ومن يكفر ~~بالإيمان) يعني: بتحليل الحرام، وتحريم الحلال، أي: ومن يستحل الحرام، أو ~~يحرم الحلال * (فقد حبط عمله) وهذا أقرب إلى نظم الآية في الإباحات، وتحليل ~~المحرمات، وقوله * (فقد حبط عمله) أي: بطل عمله * (وهو في الآخرة من ~~الخاسرين). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) يعني: إذا ~~أردتم القيام إلى الصلاة، وذلك مثل قوله: * (فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله) أي: فإذا أردت القراءة. تقول: إذا اتجرت فاتجر إلى البر، وإذا ~~جالست، فجالس فلانا، أي: إذا أردت المجالسة. # وظاهر الآية يقتضي ms0353 أنه يجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة، ولكن بالسنة ~~عرفنا جواز الجمع بين الصلوات بوضوء واحد، فإن رسول الله جمع بين أربع ~~صلوات يوم الخندق بوضوء واحد وجمع بين خمس صلوات يوم فتح مكة PageV02P015 # * (أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق) * * بوضوء واحد، وحكى عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: الوضوء ~~لكل صلاة مكتوبة. وقيل: هو على الاستحباب. وقال زيد بن أسلم: تقدير الآية: ~~إذا قمتم إلى الصلاة من المضاجع - يعني: من النوم - فيكون إيجاب الوضوء ~~بالحدث؛ لأن النوم حدث. # * (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) يعني: مع المرافق، قال المبرد: ~~إذا مد الشيء إلى جنسه تدخل فيه الغاية، وإذا مد إلى خلاف جنسه، لا تدخل ~~فيه الغاية، فقوله: * (إلى المرافق) مد إلى جنسه، فتدخل فيه الغاية. # وأما قوله: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) مد إلى خلاف جنسه، فلا تدخل ~~فيه الغاية. والمرفق سمى بذلك؛ لارتفاق الإنسان به بالاتكاء عليه. # * (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، ~~وحفص: بالنصب؛ فيكون تقديره: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم، وقرأ الباقون ~~* (وأرجلكم) بالكسر. # واختلف العلماء في وجوب غسل الرجل، فأكثر العلماء - وعليه الإجماع اليوم ~~- أن غسل الرجل واجب، ويحكى عن علي أنه قال: يجوز المسح على الرجل، وهو ~~الواجب، وحكى خلاف عنه، قال الشعبي: نزل القرآن بغسلين ومسحين، وقال محمد ~~بن جرير الطبري: يتخير بين المسح والغسل؛ لاختلاف القراءة. # والأصح أنه يجب الغسل، وقد دلت السنة عليه، فروى عن النبي أنه قال: ~~PageV02P016 # * (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم) ~~* * ' ويل للأعقاب من النار ' وروي مرفوعا: ' لا يقبل الله - تعالى - صلاة ~~أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه؛ فيغسل وجهه، ثم يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل ~~رجليه '. # وقال: ' ما من رجل يتوضأ فيغسل وجهه إلا (خرجت) خطاياه التي نظر إليها ~~بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر من الماء - إلى أن قال -: وإذا غسل رجليه، ~~خرجت خطاياه التي مشت بها قدمه مع الماء، ms0354 أو مع آخر قطرة من الماء '، وروى: ~~' أنه رأى رجلا توضأ، وبقي من رجله قدر ظفره لم يصبه الماء؛ فقال: ارجع ~~فأحسن الوضوء ' وأمره بالرجوع دليل وجوب. # فأما قوله: * (وأرجلكم إلى الكعبين) من قرأ بالنصب فهو ظاهر في وجوب ~~الغسل، وأما من قرأ بالخفض فتقديره: فامسحوا برءوسكم، واغسلوا أرجلكم. ~~ويجوز أن يعطف الشيء على الشيء وإن كان يخالفه في الفعل، قال الشاعر: # (ورأيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا) أي: متقلدا سيفا، ومتنكبا ~~رمحا، وقال آخر: # (علفتها تبنا وماء باردا *) PageV02P017 # * (مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6)) ~~* * أي: وسقيتها ماءا باردا؛ فكذلك قوله - تعالى -: * (وامسحوا برءوسكم ~~وأرجلكم) أي: واغسلوا أرجلكم؛ إلا أنه خفض على الاتباع والمجاورة كما قالت ~~العرب: ' جحر ضب خرب '، ونحو ذلك. # وقال أبو زيد الأنصاري - وهو إمام اللغة - العرب قد تسمي الغسل الخفيف: ~~مسحا، تقول العرب: تمسح يا هذا، يريدون به: اغتسل، فعطفه على المسح لا ينفي ~~الغسل؛ فيجوز أن يكون المراد بهذا المسح في الرأس حقيقة المسح، وفي الرجل ~~الغسل؛ ولأن غسل الرجل على الأغلب لا يخلو عن مسح؛ [ولذلك] فساغ أن يسمى ~~غسلها: مسحا، وقوله: * (إلى الكعبين) يعني: مع الكعبين، كما بينا في ~~المرافق، والكعبان: هما العظمان الناتئان على جانبي القدم. # * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) أي: فاغتسلوا * (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو ~~جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا) وقد بينا الكلام فيه. * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وقوله: منه. ~~دليل على أن الصعيد هو التراب؛ لتحقق المسح منه * (ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج) أي: ضيق * (ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم ~~تشكرون) قال محمد ابن كعب القرظي: أراد بإتمام النعمة: تكفير الخطايا ~~بالوضوء على ما روينا، وهذا مثل قوله: * (ليغفر لك الله ms0355 ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر ويتم نعمته عليك) يعني: بغفران الذنب، وفي الوضوء تكفير الخطايا ~~التي ارتكبها في الدنيا، ونور يوم القيامة قال: ' أمتي غر محجلون من آثار ~~الوضوء يوم القيامة؛ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل '. PageV02P018 # * (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى واتقوا) * * قوله - تعالى -: * (واذكروا نعمة الله عليكم ~~وميثاقه الذي واثقكم به) قال مجاهد: أراد به: الميثاق الذي أخذه الله - ~~تعالى على ذرية آدم قبل كون الخلق. وقال ابن عباس: أراد به الميثاق الذي ~~أخذه رسول الله على كل من أسلم بالسمع والطاعة في اليسر والعسر، والمنشط ~~والمكره * (إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور) ~~أي: [بما] في الصدور. # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط) ~~أي: كونوا قوامين بالعدل، قوالين، للصدق * (ولا يجرمنكم) أي: ولا يحملنكم * ~~(شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير ~~بما تعملون). # قوله - تعالى -: * (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة) قيل ~~هذا في موضع النصب، وفعل الوعد واقع عليه، ومثله قول الشاعر: # (رأيت الصالحين لهم جزاء * وجنات وعينا سلسبيلا) ومنهم من قال: * (لهم ~~مغفرة): ابتداء كلام، أي: لهم مغفرة موعودة، وموضع الرفع (* (لهم مغفرة ~~وأجر عظيم) * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم ~~قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم) الهم: حديث النفس بالفعل، ويقال: أهم بالشيء ~~واهتم به، إذا عنى به. # وفي سبب نزول الآية قولان: قال جابر: سببه ' أن رسول الله كان في بعض ~~الأسفار، فتفرق أصحابه في العضاة في منزل؛ فنزل رسول الله تحت شجرة ~~PageV02P019 # * (الله إن الله خبير بما تعملون (8) وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة ms0356 وأجر عظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~الجحيم (10) يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون (11) ولقد) * * منها، وعلق سيفه بها، فجاء أعرابي، وسل سيفه، وقام ~~على رأسه، وقال: من يمنعك مني؟ فقال: الله تعالى؛ فسقط سيفه وذهب، فنزلت ~~الآية '. # وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وجماعة: نزلت الآية على سبب آخر، وذلك: ' ~~أن النبي كان بينه وبين بني قريظة عهد على أن يستعينوا به، وهو يستعين بهم ~~على المشركين؛ فجاء يوما إليهم ليستعين بهم في دية العامريين (ونزل) تحت ~~حائط؛ فهموا أن يفتكوا به، فقال واحد منهم - يقال له عمرو بن حجاش -: أنا ~~ألقي عليه حجرا؛ لتستريحوا منه؛ فنزل جبريل وأخبره بذلك ' فهذا معنى قوله: ~~* (إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون). # قوله - تعالى -: * (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى ~~عشر نقيبا) النقيب للقوم مثل الرئيس، وقال أبو عبيدة: النقيب: الكفيل، وقال ~~غيره: هو الأمين، والنقيب فوق العريف، والمنكب عون العريف، وسمى نقيبا؛ ~~للبحث والاستخراج الذي يكون منه. PageV02P020 # * (أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني ~~معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله ~~قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن ~~كفر بعد) * * والقصة في ذلك: أن موسى - صلوات الله عليه - جعل على قومه ~~اثنى عشر نقيبا على كل سبط نقيبا، فروى أنه بعثهم إلى مدينة الجبارين ~~ليتعرفوا ويستخبروا عن حالهم، فلما رجعوا، خوفوا بني إسرائيل من قتالهم، ~~وقالوا: أنتم لا تقاومونهم، وخالفوا أمر موسى إلا (رجلان) منهم، أحدهما: ~~يوشع بن نون، والآخر: كالب بن يوقنا، وستأتي قصتهم مشروحة. # * (وقال الله) تعالى * (إني معكم) يعني: بالنصر * (لئن أقمتم الصلاة ~~وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم) قال أبو عبيدة: معناه: عظمتموهم، ~~وقال غيره: نصرتموهم، والتعزير: التأديب في اللغة، وأصل التعزير: ms0357 المنع؛ ~~ولذلك سمى التأديب. تعزيرا؛ لأنه يمنع المؤدب عن فعل ما أدب عليه وعن سعد ~~بن أبي وقاص: أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام. أي: تؤدبني. # * (وأقرضتم الله قرضا حسنا) وهو إخراج الزكاة، وقال زيد بن أسلم: معناه ~~النفقة على الأهل، وعن بعض السلف أنه سمع رجلا يقول: * (من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا) فقال: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، والله ~~أكبر. # * (لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر ~~بعد ذلك [منكم] فقد ضل سواء السبيل) أي: أخطأ طريق الحق. # قوله - تعالى -: * (فبما نقضهم) ' ما ' صلة، أي: فبنقضهم * (ميثاقهم ~~لعناهم) أبعدناهم عن الرحمة * (وجعلنا قلوبهم قاسية) أي: جافة غير لينة لا ~~تدخلها الرحمة، وتقرأ: ' قسية ' قيل: معناه: قاسية، فعيل بمعنى فاعل، وقيل: ~~معناه: أن قلوبهم ليست بخالصة الإيمان؛ عاشوا بها بين الكفر والنفاق، ومنه ~~' الدراهم القسية ' وهي المغشوشة، قال الشاعر: PageV02P021 # * (ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا ~~قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع ~~على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) * * ~~(لها صواهل في صم الخيل * كما صاح القسية في كف الصارف) شبه صواهل الخيل في ~~صم الحجارة بصوت الدراهم في كف الصيرفي * (يحرفون الكلم عن مواضعه) تحريفهم ~~الكلم: هو تبديلهم نعت الرسول، وقيل المراد به: تحريفهم بسوء التأويل * ~~(ونسوا حظا ما ذكروا به) أي: ونسوا نصيبا مما ذكروا به، والحظ: النصيب. # * (ولا تزال تطلع على خائنة منهم) قيل الخائنة: الخيانة، فاعل بمعنى ~~المصدر، مثل القائلة بمعنى القيلولة، هذا قول قتادة، وقال مجاهد: معناه: ~~فرقة خائنة؛ لأن الآية في اليهود؛ فيستقيم هذا التقدير * (ولا تزال تطلع) ~~على قوله: * (خائنة منهم) * (إلا قليلا منهم) يعني: الذين أسلموا مثل: عبد ~~الله بن سلام، وجماعة. # * (فاعف عنهم واصفح) أي: أعرض عنهم، ولا تتعرض لهم، وقيل: صار هذا منسوخا ~~أيضا بقوله: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) في سورة التوبة ms0358 * (إن الله ~~يحب المحسنين). # قوله - تعالى -: * (ومن الذين قالوا إنا نصارى) ومن اليهود، والصحيح أن ~~الآية في النصارى خاصة؛ لأنه قد تقدم ذكر اليهود، وقال الحسن البصري - رحمه ~~الله -: في هذا دليل على أنهم نصارى بتسميتهم؛ لا بتسمية الله - تعالى - * ~~(أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به) هو كما بينا في اليهود * (فأغرينا) ~~أي: أوقعنا * (بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) والإغراء: أصله ~~الإلصاق، ومنه الغراء، PageV02P022 # (* (13) ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغيرنا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما ~~كانوا يصنعون (14) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) يهدي ~~به) * * ومعناه: ألصقنا بهم العداوة حتى صاروا فرقا، وأحزابا، منهم ~~اليعقوبية والملكائية، والنسطورية. * (وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون). # قوله - تعالى -: * (يا أهل الكتاب) والمراد به: أهل الكتابين: التوراة، ~~والإنجيل، لكن ذكر الكتاب، وهو اسم الجنس، فينصرف إلى الفريقين * (قد جاءكم ~~رسولنا يبين لكم كثيرا مما (كنتم) تخفون من الكتاب) يعني: اللذين أخفوا من ~~نعت محمد وآية الرجم، ونحو ذلك * (ويعفو عن كثير) يعني: يعرض عن كثير مما ~~أخفوا، فلا يتعرض له. # * (قد جاءكم من الله نور) قيل: هو الإسلام، (وسمي نور لأنه يهتدى به كما ~~يهتدي بالنور، وقيل محمد) وسمي نورا لأنه يتبين به الأشياء، كما يتبين ~~بالنور. * (وكتاب مبين) هو القرآن. # قوله - تعالى -: * (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) أي: يهدي به ~~الله سبل السلام من اتبع رضوانه، قال السدي: السلام هو الله - تعالى - وسبل ~~السلام: طريق الله - تعالى - وقال: السلام: هو السلامة، كاللذاذ واللذاذة ~~بمعنى واحد، والمراد به: طرق السلامة. # * (ويخرجهم من الظلمات إلى النور) يعني: من الكفر إلى (الإسلام)، وسمي ~~الكفر ظلمة؛ لأنه يتحير في الظلمة، [وسمي] الإسلام نورا لما بينا * ~~(ويهديهم إلى صراط مستقيم) قيل: هو الإسلام، وقيل: [هو] القرآن. # وقوله - تعالى -: * (لقد كفر الذين قالوا إن ms0359 الله هو المسيح ابن مريم) ~~قيل: هذا قول اليعقوبية من النصارى، قالوا: إن المسيح إله، وقيل: إنهم لما ~~قالوا: المسيح ابن PageV02P023 # * (الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن ~~في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله ~~على كل شيء) * * الله، ابن كل أحد يكون من جنسه، فكأنهم قالوا: المسيح هو ~~الله. # * (قل فمن يملك من الله شيئا) أي: فمن يقدر أن يدفع أمر الله (* (إن أراد ~~أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا) * ولله ملك السماوات ~~والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير) فيه إشارة إلى أن ~~المستحق للألوهية من له ملك السماوات، ومن له هذه القدرة فإياه فاعبدوا. # قوله - تعالى -: * (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه) يعني: ~~أن الله كالأب لنا في الحنو، والعطف، ونحن كالأبناء في القرب، والمنزلة، ~~وقال إبراهيم النخعي - في اليهود -: إنهم وجدوا في التوراة: ' يا أبناء ~~أحبارى ' فبدلوا، وقرءوا: ' يا أبناء أبكارى '؛ فمن ذلك قالوا: نحن أبناء ~~الله. وأحباؤه، وأما في النصارى فإنهم حكوا عن عيسى أنه قال: ' أذهب إلى ~~أبي وأبيكم '؛ فمن ذلك قالوا: نحن أبناء الله. # * (قل فلم يعذبكم بذنوبكم) يعني: أن الأب لا يعذب ابنه، والحبيب لا يعذب ~~حبيبه، أي: فلم يعذبكم الله بذنوبكم، وهو على زعمكم أبوكم وحبيبكم، ثم قال: ~~* (بل أنتم بشر ممن خلق) أي: آدميون من جملة الخلق * (يغفر لمن يشاء ويعذب ~~من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير). # قوله - تعالى -: * (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من ~~الرسل) أي: على انقطاع من الرسل، واختلفوا في زمان الفترة، قال أبو عثمان ~~النهدي: زمان الفترة: بين عيسى ومحمد، وكان ستمائة سنة، وقيل خمسمائة سنة، ~~وإنما سماه ms0360 زمان الفترة، لأن الرسل كانوا بعد موسى تترى من غير انقطاع، ولم ~~يكن بعد عيسى رسول سوى محمد * (أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) قال ~~الكوفيون: معناه: أن لا تقولوا: وقال البصريون معناه: كراهة أن تقولوا، وهو ~~PageV02P024 # * (قدير (17) وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم ~~يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير (18) يا أهل الكتاب قد جاءكم ~~رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ~~فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (19) وإذ قال موسى لقومه يا ~~قوم) * * كالقولين في قوله: * (يبين الله لكم أن تضلوا)، * (فقد جاءكم بشير ~~ونذير والله على كل شيء قدير). # قوله - تعالى -: * (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~جعل فيكم أنبياء) أي: منكم أنبياء * (وجعلكم ملوكا) قال ابن عباس: يعني ~~أصحاب خدم وحشم، قال قتادة: لم يكن لمن قبلهم خدم وحشم، فلما كان لهم خدم ~~كانوا ملوكا، قال مجاهد: معناه: لا يدخل عليكم إلا بإذنكم، ومن لا يدخل ~~عليه إلا بإذنه فهو ملك، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي أنه قال: ' من كان ~~له في بني إسرائيل خادم، وامرأة، ودابة، كان ملكا ' وروى أن رجلا جاء إلى ~~عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: أنا من فقراء المهاجرين، فقال: ألك مسكن ~~تأوي إليه؟ قال: نعم، فقال: ألك امرأة تسكن إليها؟ قال: نعم، فقال: أنت من ~~الأغنياء. قال الرجل: ولي خادم يخدمني، فقال: أنت من الملوك. # وقال السدي - في المتقدمين - معناه: وجعلكم ملوكا تملكون أمر أنفسكم، ~~وخلصكم من استعباد فرعون. وقال المؤرج: أراد به: وجعلكم أخيارا، والملوك: ~~الأخيار بلغة هذيل وكنانة. # * (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين) يعني: من المن والسلوى، وانفجار ~~الحجر وتظليل الغمام، ونحو ذلك. PageV02P025 # * (اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم ~~يؤت أحدا من ms0361 العالمين (20) يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ~~ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21) قالوا يا موسى إن فيها قوما ~~جبارين) * * قوله - تعالى -: * (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم) قيل: هي دمشق، وفلسطين وبعض الأردن، وقال قتادة: هي جميع الشام، وقيل: ~~هي بيت المقدس، وأرض الطور. # وقوله * (كتب الله لكم) أي: وهب الله لكم، وقيل: فرض الله لكم أن تدخلوها ~~* (ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) قوله - تعالى -: * (قالوا يا ~~موسى إن فيها قوما جبارين) الجبار: هو كل عات يجبر الناس على مراده، والله ~~- تعالى - جبار، يجبر الخلق على مراده، وذلك منه حق وله مدح، وأما الجبروت ~~للخلق ذم، وأصل الجبار: المتعظم الممتنع عن الذل والقهر، ومنه يقال: نخلة ~~جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة على وصول الأيدي إليها، وسمى أولئك القوم ~~جبارين؛ لطولهم، وامتناعهم بقوة أجسادهم، والقصة في ذلك: أن هؤلاء كانوا في ~~مدينة ' أريحا ' بالشام، وكان فيها ألف قرية في كل قرية، ألف بستان، وكان ~~فيها العمالقة، وبقية من قوم عاد وهي مدينة الجبارين. # روى عكرمة عن ابن عباس: أن موسى صلوات الله عليه كان قد بعث أولئك ~~النقباء، وهم اثنا عشر نقيبا إلى تلك المدينة؛ ليتعرفوا أحوالهم، فلما ~~وصلوا إليها لقيهم رجل منهم، فأخذهم جملة في كمه وأتى بهم إلى الملك، ~~ونثرهم بين يديه، وقال هؤلاء الذين جاءوا ليقاتلونا؛ فقال الملك: ارجعوا ~~وأخبروهم بما لقيتم، فرجعوا. # وفي بعض التفاسير: أنهم أخذوا عنقودا من العنب، وجعلوه على عمود بين ~~رجلين حتى قدروا على حمله، وأخذوا رمانتين، وحملوهما على دابة كادت تعجز عن ~~حملهما فلما رجعوا إلى بني إسرائيل خوفوهم، وقالوا: إنكم لا تقاومونهم إلا ~~رجلين منهم: يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، وذكرهما في الآية الأخرى، وأما ~~الباقون من بني إسرائيل خالفوا وامتنعوا من قتالهم، وقالوا: يا موسى إن ~~فيها قوما جبارين * (وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا ~~داخلون). PageV02P026 # * (وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ms0362 (22) قال ~~رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه ~~فإنكم غالبون) * * قوله - تعالى -: * (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله ~~عليهما) هما يوشع وكالب (قالا): * (ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم ~~غالبون) وذلك باب كانوا عرفوا أنهم إذا دخلوا من ذلك الباب غلبوا، (ويقرأ) ~~في الشواذ: ' قال رجلان من الذين يخافون ' - ضم الياء - فيكون معناه: رجلان ~~من أولئك العمالقة، قيل: أسلم رجلان منهم، وقالا هذه المقالة * (وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين). # قوله - تعالى - * (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها) وهذا ~~معلوم * (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) قال الحسن: كفروا بهذه ~~المقالة، وقال غيره: بل فسقوا بمخالفة أمره، وتقدير قوله: * (فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا) أي: فاذهب أنت، وليعنك ربك على القتال، وفيه قول آخر: أن معنى ~~قوله: * (فاذهب أنت وربك) أي: وكبيرك، وأرادوا أخاه الأكبر هارون، والعرب ~~تسمي الكبير ربا، قال الله - تعالى - في قصة يوسف: * (إنه ربي أحسن مثواي) ~~أي: كبيري وأراد به ' عزيز مصر ' ويحتمل أنهم قالوا ذلك لموسى؛ جهلا ~~وغباوة، ففسقوا به، وروى ابن مسعود عن النبي ' أنه لما خرج يوم بدر، قال له ~~المقداد بن عمرو: لا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول: سر أنت حيث شئت [فإنا] معك سائرون ' ~~وروى: ' أن الأنصار قالوا يا رسول الله: لو ضربت بأكبادها إلى برك الغماد ~~سرنا معك ' يعني: بأكباد الإبل إلى برك الغماد، وهو موضع. # قوله - تعالى -: * (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي) معناه: لا أملك ~~إلا PageV02P027 # * (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) قالوا يا موسى إنا لن ندخلها ~~أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون (24) قال رب ~~إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25)) * * ~~نفسي، وأخي لا يملك إلا نفسه، وقيل معناه: لا تطيعني إلا نفسي، ولا يطيعني ~~إلا أخي * (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) أي: ms0363 فافصل بيننا، و (قيل) ~~معناه: فاقض بيننا وبين القوم الفاسقين. # قوله - تعالى - * (قال فإنها محرمة عليهم) قيل ها هنا تم الكلام، ومعناه: ~~أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أبدا، ولم يرد به: تحريم تعبد، وإنما أراد ~~به: تحريم منع، فإنهم منعوا عنها، فلم يدخلوها أبدا، وإنما دخلها أولادهم، ~~وقيل الآية متصلة بعضها بالبعض. # وإنما حرمت عليهم أربعين سنة كما قال: * (فإنها محرمة عليهم أربعين سنة) ~~(يتيهون في الأرض) وقد أوقفهم الله - تعالى - في التيه؛ عقوبة لهم على ما ~~خالفوا، وقيل: إن أرض التيه التي تاه فيها بنو إسرائيل كانت: ستة فراسخ في ~~طول اثنى عشر فرسخا، وكان عدد التائهين فيها: ستمائة ألف، قاموا فيها، ~~وكانوا كلما أمسوا من موضع للمسير، فإذا أصبحوا (أصبحوا) على ذلك الموضع، ~~وكلما أصبحوا من موضع للمسير، فإذا أمسوا أمسوا على ذلك الموضع، وهكذا كل ~~يوم إلى أن ماتوا فيها، وقيل: كان موسى وهارون فيهم، وإنما توفيا في التيه، ~~وقيل: لم يكونا فيهم، وإنما كان ذلك عقوبة عليهم، فلما ماتوا في التيه ونشأ ~~أولادهم، أقبل يوشع بن نون بأولادهم إلى الأرض المقدسة، وحارب العمالقة ~~ونصره الله تعالى عليهم حتى فتح تلك المدينة، وكان يوم الجمعة وضاق النهار ~~بهم فحبس الله - تعالى - الشمس ساعة حتى فتح المدينة ثم غربت الشمس من ليلة ~~السبت، إذ ما كان يجوز لهم عمل في السبت؛ ففزع الله قلوبهم يوم الجمعة؛ ~~فهذا جملة الكلام في قوله: (* (أربعين سنة يتيهون في الأرض) * فلا تأس) أي ~~فلا تحزن * (على القوم الفاسقين). PageV02P028 # * (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين (26) واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من ~~أحدهما ولم يتقبل من) * * قوله - تعالى -: * (واتل عليهم نبأ ابني آدم ~~بالحق إذ قربا قربانا) قال ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد: أراد به ابني آدم ~~من صلبه هابيل، وقابيل، وقال الحسن: أراد به رجلين من بني إسرائيل، والأصح ~~هو الأول. # والقصة في ذلك: قيل: إن حواء كانت تلد كل ms0364 بطن غلاما وجارية، فولدت بطنا ~~هابيل وأخته، وولدت بطنا قابيل وأخته، فأمر الله - تعالى - آدم أن يزوج أخت ~~هابيل من قابيل، وأخت قابيل من هابيل، ولم يرض قابيل، (وقال): أنا أحق ~~بأختي، وكانت أحسن من أخت هابيل، وفي بعض التفاسير: أن قابيل قال: أنا أحق ~~بأختي؛ لأني من نسل الجنة، وهابيل من نسل الأرض، وقيل: إن حواء علقت به في ~~الجنة؛ فمن ذلك قال: إني من نسل الجنة، فأمرهما آدم أن يقربا قربانا، فكل ~~من يقبل قربانه فهو أولى بتلك الأخت. # وكان هابيل صاحب غنم، وقابيل صاحب زرع، فعمد هابيل إلى كبش من أحسن غنمه، ~~وعمد قابيل إلى أخبث زرعه، ووضعاه موضعا، فجاءت النار، وأكلت قربان هابيل، ~~وكان ذلك علامة القبول يومئذ، ولم تأكل قربان قابيل؛ (فهذا) معنى قوله: * ~~(إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما) يعني هابيل * (ولم يتقبل من الآخر) يعني: ~~قابيل * (قال لأقتلنك) حسده قابيل، وقصده ليقتله؛ فأجاب هابيل، وقال: * ~~(إنما يتقبل الله من المتقين) عن المعاصي، وعن أبي الدرداء أنه [قال]: ' ~~لأن أعلم [أن] الله - تعالى - قبل صلاة من صلاتي أحب إلي من الدنيا وما ~~فيها؛ لأن الله - تعالى - يقول: * (إنما يتقبل الله من المتقين) قال قتادة: ~~المتقون: أهل لا إله إلا الله. PageV02P029 # * (الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) لئن بسطت إلي ~~يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (28) ~~إني أريد أن تبوء بإثمي) * * قوله - تعالى -: * (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ~~ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين) قال الحسن، ~~ومجاهد: كان [من شرع آدم أن]: من قصد بالقتل؛ فواجب عليه الكف عن الدفع، ~~والصبر على الأذى، وكذا كان في شرع نبينا في الابتداء، فأما قوله: * (ما ~~أنا بباسط يدي إليك) يعني: بالدفع. وقيل: لم يكن ذلك شرعا، وإنما قال ذلك؛ ~~استسلاما للقتل؛ وطلبا للأجر، وهذا جائز لكل من يقصد قتله، أن يستسلم ~~وينقاد، وكذا فعل عثمان رضي الله عنه - وهو أحد قولي الشافعي، ms0365 وفيه قول ~~ثالث: أن المراد به: لئن ابتدأت بقتلي ما أنا بمبتدئ بقتلك، والصحيح [آخر] ~~القولين. # قوله - تعالى -: * (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ~~وذلك جزاء الظالمين) قال ابن عباس، وابن مسعود: معناه: أن ترجع بإثم قتلي ~~وإثم معاصيك التي سبقت، فإن قابيل كان رجل سوء، وقيل: كان كافرا، وقيل: هو ~~أحد اللذين ذكرهما الله - تعالى - في ' حم السجدة ': * (وقال الذين كفروا ~~ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس) فالذي من الجن إبليس، والذي من ~~الإنس قابيل، وقال مجاهد: معنى قوله: * (أن تبوء بإثمي وإثمك): أن ترجع ~~بإثم قتلي، وإثم معصيتك التي لم يتقبل لأجلها قربانك، أو إثم حسدك إياي، ~~وهذا اختيار الزجاج، وقال ابن كيسان: إنما قال ذلك؛ على طريق التمثيل، ~~يعني: لو قتلت أنا كان علي الإثم، ولو قتلت أنت كان عليك الإثم، فأنا لا ~~أقتل حتى تقتل أنت؛ فتبوء بالإثمين، فيكون كلا الإثمين عليك، فإن قال قائل: ~~كيف قال: أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، وإرادة القتل والمعصية لا تجوز؟ أجابوا ~~عنه من وجوه: أحدها: قالوا: ليس ذلك بحقيقة إرادة، ولكنه لما علم أنه يقتله ~~لا محالة، ووطن نفسه على الاستسلام؛ طلبا للثواب، PageV02P030 # * (وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين (29) فطوعت له نفسه ~~قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ~~ليريه كيف) * * فكأنه مريد لقتله مجازا وإن لم يكن مريدا حقيقة، وقيل ~~معناه: إني أريد أن تبوء بعقاب قتلي، وعقاب قتلك؛ فتكون إرادة على موافقة ~~حكم الله - تعالى - فيه، ولا تكون إرادة للقتل بل لموجب القتل من الإثم ~~والعقاب، وفيه قول ثالث: أن معناه: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك؛ فكأنه ~~كان يمنعه عن القتل، وأراد ترك القتل؛ كيلا يبوء بالإثم. # قوله - تعالى -: * (فطوعت له نفسه قتل أخيه) قال مجاهد: فشجعت له نفسه، ~~وقال قتادة: زينت له نفسه، وقيل: سهلت، وانقادت له نفسه، ومنه يقال: ظبية ~~أطاعت لها أصول الشجرة، أي: انقادت لأكلها. # (فقتله فأصبح من الخاسرين) أي: ms0366 خسر بقتله الدنيا والآخرة، أما الدنيا: ~~لأنه أسخط والديه، وبقي بلا أخ، وأما الآخرة: لأنه أسخط ربه، واستوجب ~~النار. # والقصة في قتله إياه: أنه لما أراد قتله لم يعرف كيف يقتله، فجاء إبليس ~~بحجر، وقال: اشدخ به رأسه، ففي رواية أنه رماه بذلك الحجر، وهو مستسلم له؛ ~~فشدخ رأسه، وفي رواية أخرى: اغتاله في النوم، وشدخ رأسه؛ فقتله، وشربت ~~الأرض دمه فلما جاء إلى آدم، قال له: أين هابيل؟ فقال: أجعلتني رقيبا عليه، ~~ما أدري! قال له آدم: إن الأرض تصرخ بدمه إلي، ثم لعن الأرض التي شربت دمه، ~~فلا تشرب الأرض بعد ذلك دما إلى يوم القيامة، وبكى آدم عليه كثيرا، وأنشأ ~~يقول: # (تغيرت البلاد ومن عليها * ووجه الأرض مغبر قبيح) (تغير كل ذي لون وطعم * ~~وقل بشاشة الوجه المليح) وهذا أول قتل جرى في بني آدم، وفي الخبر ' ما من ~~رجل يقتل إلى يوم القيامة؛ إلا وعلى ابن آدم كفل منه؛ فإنه أول من سن القتل ~~'. PageV02P031 # * (يواري سوءة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري ~~سوءة أخي فأصبح من النادمين (31) من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا بغير) * * قوله - تعالى -: * (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض) في ~~القصص: أن قابيل لما (قتله رجع إليه)، وأخذه، وجعله في جراب وحمله على ~~عاتقه أربعين يوما، وقال ابن عباس، سنة كاملة، قال مجاهد: مائة سنة حتى ~~أنتن على عاتقه، وما كان يعرف مواراته: فبعث الله غرابين فاقتتلا، [فقتل] ~~أحدهما الآخر، ثم إن القاتل منهما بحث في الأرض ليواري الثاني، وقيل: كان ~~ملكا على صورة غراب * (يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه) أي: جيفة ~~أخيه، وقيل: عورة أخيه؛ لأنه كان قد سلبه ثيابه. # * (قال يا ويلتي) وهذه كلمة دعاء الهلاك * (أعجزت أن أكون) أضعفت أن أكون ~~* (مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين) فإن قال قائل: هل ~~كان ندمه على القتل توبة منه؟ # قيل: لم يكن ندم على القتل، وإنما ms0367 معناه: أنه أصبح من النادمين على حمله ~~على عاتقه، (والتطواف) به؛ لما (لحقه) من التعب فيه، وقيل: إنما ندم لقلة ~~النفع بقتله؛ فإنه أسخط والديه، وما نفع بقتله شيئا؛ فندم على ذلك، لا أنه ~~ندم على القتل، وفي القصة أنه لما قتله استوحش من الناس، وكان كلما لقي ~~إنسانا ظن أنه يأتي ليقتله فهرب منه، وكان هكذا أبدا حتى قتله بعض أولاده. # قوله - تعالى -: * (من أجل ذلك) أي: من خيانة ذلك * (كتبنا على بني ~~إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض) قرأ الحسن: ' أو فساد ~~في الأرض ' تقديره بغير نفس، وبغير أن عمل فسادا في الأرض، والمعروف: أو ~~فساد في الأرض، وتقديره: بغير نفس، وبغير فساد في الأرض: من كفر، أو زنا، ~~ونحوه، PageV02P032 # * (نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا ~~الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض ~~لمسرفون (32) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~أن يقتلوا أو يصلبوا أو) * * يوجب إباحة قتله على ما قاله: ' لا يحل دم ~~امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير ~~نفس '. # * (فكأنما قتل الناس جميعا) قال ابن عباس: معناه: من قتل نفسا بغير نفس ~~فقد أوبق نفسه كما إذا قتل الناس جميعا؛ (فقد أوبق نفسه) * (ومن أحياها ~~فكأنما أحيا الناس جميعا) أي: ومن امتنع عن قتل واحد من الناس؛ فيكون كأنه ~~أحيا الناس جميعا، وقال قتادة: معناه من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا ~~من الإثم، ومن أحياها، أي: تعفف وامتنع عن قتلها، فكأنما أحيا الناس جميعا ~~في الثواب، وقيل: معناه: من قتل نفسا، فكأنما قتل الناس جميعا على معنى أن ~~جميع الناس خصماؤه فيه، ومن أحياها، فكأنما أحيا الناس جميعا، على معنى ~~أنهم يشكرونه، ويحمدونه على العفو، أو ترك القتل. # * (ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض ~~لمسرفون). # قوله ms0368 - تعالى -: * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من ~~الأرض). # قال ابن عباس: الآية في قوم من المشركين، كان بينهم وبين النبي عهد، ~~فنقضوا العهد، وسعوا في الأرض بالفساد، وقال أنس: ' الآية في رهط من عرينة، ~~أتوا النبي ووجوههم مصفرة، وبطونهم منتفخة؛ فبعثهم رسول الله إلى إبل ~~الصدقة؛ ليشربوا من أبوالها، وألبانها، ففعلوا فلما صحوا، قتلوا الراعي، ~~واستاقوا الذود؛ فبعث سول الله في طلبهم، فأدركوهم، فأتي بهم إلى النبي، ~~فقتل بعضهم (وقطع) بعضهم من خلاف وسمل أعين بعضهم، وتركهم في الحرة حتى ~~PageV02P033 # * (تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ~~ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~فاعلموا أن الله) * * ماتوا ' وفيهم نزلت الآية * (إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله). # قيل: معناه يحاربون أولياء الله، وقيل: هو صحيح في العربية، فإن من عصى ~~غيره فقد حاربه، فهؤلاء إذا عصوا الله ورسوله، فكأنهم حاربوا الله ورسوله، ~~ويدخل في جملتهم كل العاصين، وقطاع الطريق، وغيرهم. # وقوله: * (أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم) اختلفوا فيه، أنه على ~~الترتيب، أم على التخيير؟ قال ابن عباس - في رواية، وهو قول الحسن، وقتادة، ~~وإبراهيم النخعي، ومجاهد -: إنها على التخيير، فيخير الإمام في فعل هذه ~~الأشياء. # القول الثاني: - وهو الرواية الثانية عن ابن عباس، وبه قال أبو مجلز لاحق ~~بن حميد -: إنه على الترتيب، فإن قتلوا: قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال: ~~قطعوا من خلاف، وإن جمعوا بين الأخذ والقتل: قطعوا، وقتلوا، إن أخافوا ~~السبيل ولم يأخذوا المال ولم يقتلوا: ينفوا من الأرض. # ثم اختلفوا في النفي، قال الزهري: إن الإمام يطلبه في كل بلد يؤخذ، وينفى ~~عنه، وهكذا في كل بلد يذكر به، يطلب؛ فينفى عنه، وهذا قول الشافعي. # وقال عمر بن عبد العزيز: إنه ينفى من جميع بلاد الإسلام، وقال أهل ~~الكوفة: النفي من الأرض هو الحبس، والحبس ms0369 نفي من الأرض، قال الشاعر يصف ~~قوما محبوسين: # (خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها * فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى) ~~(إذا جاءنا السجان يوما لحاجة * عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا) * (ذلك لهم ~~خزي في الدنيا) أي: فضيحة: ونكال (* (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * إلا ~~الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) قال ابن عباس: معناه: إلا PageV02P034 # * (غفور رحيم (34) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ~~وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا) * * الذين أسلموا؛ لأنه حمل الآية الأولى على ~~المشركين، وقيل: هو على حقيقة التوبة، فإذا تاب قطاع الطريق قبل الظفر بهم؛ ~~أمنهم الإمام، وهذا محكي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فإنه أمن ~~[حارثة] بن بدر لما قطع الطريق، ثم تاب قبل قدرته عليه، وقيل: إنما تنفعه ~~التوبة من حقوق الله - تعالى - فأما حق الآدمي: من القود، والمال فلا يسقط ~~بالتوبة، وهذا قول الشافعي. # وقوله * (من قبل أن تقدروا عليهم) خطاب للأئمة، أي: من قبل الظفر بهم * ~~(فاعلموا أن الله غفور رحيم). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه ~~الوسيلة) الوسيلة: القربة، وقيل: هو معنى ما ورد في الخبر ' الوسيلة: درجة ~~في الجنة ليس فوقها درجة ' وقال زيد بن أسلم: أراد به تحببوا إلى الله - ~~تعالى - فالوسيلة بمعنى المحبة. * (وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون). # قوله - تعالى -: * (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله ~~معه ليفتدوا به) أي: لو كانوا مفتدين به من عذاب يوم القيامة * (ما تقبل ~~منهم ولهم عذاب أليم) وفي الخبر: ' يقول الله - تعالى - للكافر يوم ~~القيامة: لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتديا به اليوم؟ فيقول بلى يا رب، ~~فيقول الله - تعالى - سئلت أهون من هذا '. PageV02P035 # * (به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) يريدون أن ~~يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37) والسارق والسارقة ~~فاقطعوا ms0370 أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم (38) فمن تاب ~~من بعد ظلمه وأصلح) * * قوله - تعالى -: * (يريدون أن يخرجوا من النار وما ~~هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم) فإن قيل: إذا لم يكونوا خارجين منها، كيف ~~يريدون الخروج؟ قيل: يريدون ذلك جهلا؛ ظنا أنهم يخرجون. # وقيل: يتمنون ذلك، فهي إرادة بمعنى التمني، وليس بحقيقة الإرادة. # قوله - تعالى -: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وفي مصحف ابن ~~مسعود: فاقطعوا أيمانهما، وهو معنى القراءة المعروفة، فإن قال قائل: كيف ~~قال * (أيديهما) والمذكور اثنان، ولم يقل: يديهما؟ قيل: لم يرد به سارقا ~~واحدا، أو سارقة واحدة، وإنما ذكر الجنس؛ فلذلك ذكر الأيدي. قال الفراء، ~~والزجاج: كل ما يوحد في الإنسان، فإذا ذكر منه اثنان يجمع؛ يقول الله - ~~تعالى - * (فقد صغت قلوبكما) وتقول العرب: ملأت ظهورهما وبطونهما ضربا، ~~ولكل واحد ظهر وبطن واحد، فكذلك اليمين للإنسان واحدة؛ فيجمع عند التثنية، ~~فإن قيل: قد أمر هنا بقطع آلة السرقة، ولم يأمر في الزنا بقطع آلة الزنا، ~~فما الحكمة فيه؟ قيل: كلاهما ثبت شرعا، غير معقول المعنى. وقيل: الحكمة ~~فيه: أن من قطع الذكر قطع النسل، وليس ذلك في قطع اليد؛ أو لأن اليد إذا ~~قطعت، وانزجر عن السرقة، تبقى له اليسار؛ عوضا عن اليمين، وأما الذكر إذا ~~قطع، وحصل الانزجار، لا يبقى له عوض عن الذكر [فلذلك] افترقا * (جزاء بما ~~كسبا نكالا من الله) النكال: كل عقوبة تمنع الإنسان عن فعل ما عوقب عليه * ~~(والله عزيز حكيم) ومعناه: مقتدر على معاقبة الخلق، * (حكيم) فيما أوجب من ~~العقوبة، وحكى عن الأصمعي أنه [قال]: قد كنت أقرأ هذه الآية وبجنبي أعرابي، ~~فقرأت: نكالا من الله والله غفور رحيم؛ فقال الأعرابي: هذا كلام من؟ فقلت: ~~كلام الله، فقال الأعرابي: ليس هذا من كلام الله. PageV02P036 # * (فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) ألم تعلم أن الله له ملك ~~السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير (40) ~~يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون ms0371 في الكفر من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن) * * فتنبهت وقرأت * (نكالا من الله والله عزيز حكيم) ~~فقال الأعرابي: هذا كلام الله، ثم سألته عن ذلك، فقال: إن الله لا يذكر ~~العقوبة على العبد ثم يقول: ' والله غفور رحيم '، وإنما يليق بذكر العقوبة: ~~العزيز الحكيم. # قوله - تعالى -: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله ~~غفور رحيم) قال مجاهد: قطع السارق توبته، فإذا قطع، فقد حصلت التوبة، ~~والصحيح: أن القطع للجزاء على الجناية، كما قال: * (جزاء بما كسبا) فلا بد ~~من التوبة بعده، وتوبته: الندم على ما مضى، والعزم على تركه في المستقبل. # قوله - تعالى -: * (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) الخطاب مع ~~الرسول، والمراد به الجميع، وقيل (معناه): ألم تعلم أيها الإنسان؛ فيكون ~~خطابا لكل واحد من الناس. * (يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء) قال ابن عباس: ~~يعذب من يشاء على الصغيرة، ويغفر لمن يشاء الكبيرة، وقال غيره: يعذب من ~~يشاء: من مات مصرا، ويغفر لمن يشاء: من مات تائبا * (والله على كل شيء ~~قدير). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) أي: ~~لا يحزنك مسارعتهم في الكفر؛ فإن قيل: كيف لا يحزنه كفرهم، والإنسان يحزن ~~على كفر الغير ومعصيته؛ شفقة على الدين؟ قيل: معناه: لا يحزنك فعل الذين ~~يسارعون في الكفر، على (معنى: أن) فعلهم لا يضرك. # * (من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) يعني: المنافقين. # * (ومن الذين هادوا سماعون للكذب) يعني: اليهود * (سماعون للكذب) أي: وهم ~~سماعون للكذب، أي: قائلون للكذب، كقول المصلي: سمع الله لمن حمده. أي: قبل ~~الله لمن حمده. وقال الزجاج: معناه: سماعون لأجل الكذب؛ فإنهم كانوا ~~PageV02P037 # * (قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ~~يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه ~~فاحذروا ومن يرد) * * يسمعون من الرسول، ويخرجون، ويكذبون * (سماعون لقوم ~~آخرين لم يأتوك) أي: جواسيس لقوم آخرين لم يأتوك، وهم أهل خيبر، ms0372 يصف ~~المنافقين واليهود، وأما المنافقون: كانوا جواسيس اليهود، وأما اليهود ~~كانوا جواسيس لأهل خيبر، وسئل سفيان: هل في القرآن للجاسوس ذكر؟ # فقال: (بلى) وقرأ هذه الآية. # * (يحرفون الكلم من بعد مواضعه) أي: من بعد ما وضعه الله مواضعه، ~~وتحريفهم الكلم: هو كتمان آية الرجم. # * (ويقولون إن أويتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا). # سبب نزول الآية [هذه]: أن يهوديين زنيا من أشراف اليهود، فكرهوا رجمهما؛ ~~فقالوا: نبعث إلى محمد نسأله، فإن أفتى بالجلد وتحميم الوجه، نأخذ به، وإن ~~أفتى بغيره، لا نأخذ به، فهذا معنى قوله: * (إن أوتيتم هذا) يعني: ما ~~توافقوا عليه من الجلد والتحميم * (فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا) أي: إن ~~أفتى بالرجم فلا تأخذوا به، وقيل: ' إن هذا كان في يهود خيبر، فبعثوا إلى ~~يهود المدينة حتى يسألوه، فسألوا رسول الله، فأفتى بالرجم ' وتمام القصة: ' ~~أنه - عليه السلام - دعا ابن صوريا الأعور، وقال: أنشدك بالله الذي أنزل ~~التوراة على موسى، ما حد الزنا في كتابكم؟ فقال: أما إنك إذا أنشدتني ~~بالله، فحد الزنا في كتابنا: الرجم، لكن كثر الزنا في أشرافنا؛ فكنا إذا ~~زنى الشريف منا تركناه، وإذا زنا الوضيع رجمناه، ثم اتفقنا على أمر يستوي ~~فيه الشريف والوضيع، وهو الجلد والتحميم، فقال: أنا أحق بإحياء سنة ~~أماتوها، ودعا باليهوديين اللذين زنيا وأمر برجمهما ' والحديث في ~~PageV02P038 # * (الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41) سماعون للكذب ~~أكالون للسحت) * * صحيح مسلم. # وفي الآية قول آخر: أنها في القتل، والقصة في ذلك: أن بني النضير كان لهم ~~قتل على بني قريظة، وكان القرظي إذا قتل يسأل محمدا؛ فإن أفتى بالدية يأخذ ~~به، وإن أفتى بغيرها يحذره، فسألوه. فأفتى بالقود. فهذا معنى قوله: * (إن ~~أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا) والأول أصح * (ومن يرد الله فتنته) ~~قال السدي: ضلالته، وقال الحسن: عذابه، وقال الزجاج: فضيحته * (فلن تملك له ~~من الله شيئا) أي: ms0373 فلن تقدر على دفع أمر الله فيه. # * (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) وفيه دليل على من ينكر القدر ~~* (لهم في الدنيا خزي) ويرجع هذا إلى المنافقين، واليهود، أما خزي ~~المنافقين: أنه أظهر نفاقهم في الدنيا، وأما خزي اليهود: أنه بين تحريفهم * ~~(ولهم في الآخرة عذاب عظيم). # قوله - تعالى -: * (سماعون للكذب) (ذكره) ثانيا مبالغة وتأكيدا * (أكالون ~~للسحت) قال ابن مسعود: هو الرشوة، والسحت: الحرام، قال: (كل لحم نبت من سحت ~~فالنار أولى به ' وأصل السحت: الاستئصال؛ فالحرام سحت؛ لأنه يستأصل البركة، ~~قال الشاعر: PageV02P039 # * (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن ~~حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين (42) وكيف يحكمونك وعندهم ~~التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (43) إنا) ~~* * (وعض زمان يا بن مروان لم يدع * من المال إلا مسحت أو مجلف) يعني: إلا ~~مال لا بركة فيه، وأشياء قلائل * (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) قال ~~ابن عباس: هو منسوخ بقوله: * (وان احكم بينهم بما أنزل الله) وبه قال ~~مجاهد، وعكرمة. وقال الشعبي: والنخعي - وهو قول الحسن - إنها ليست بمنسوخة. ~~قال الحسن: ليس في المائدة آية منسوخة، وقالوا: معنى قوله: * (وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله) يعني إن حكمت واخترت الحكم، وليس بأمر حتم هذا ~~التخيير بين الحكم والإعراض فيما إذا تحاكم ذميان، فأما إذا تحاكم مسلم ~~وذمي يجب الحكم. # وقيل: هذا التخيير في الحكم بحقوق الله - تعالى - وأما في حقوق الآدميين ~~فلا بد من الحكم. # * (وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) أي: ~~بالعدل * (إن الله يحب المقسطين). # قوله - تعالى -: * (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) هذا ~~تعجيب للرسول، يعني: كيف يتحاكمون إليك، وفي زعمهم أن عندهم التوراة وهي ~~الحق، وأنك كاذب؟ # * (ثم يتولون من بعد ذلك) أي: لا يرضون بحكمك * (وما أولئك بالمؤمنين) ~~أي: بمصدقين لك. # قوله - تعالى -: * (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ms0374 ~~الذين أسلموا) أي: أسلموا لأمر الله، كما قال لإبراهيم: * (أسلم قال أسلمت ~~لرب PageV02P040 # * (أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ~~فلا تخشوا الناس واخشون) * * العالمين) أي: سلمت لأمر رب العالمين، وأراد ~~به: النبيين الذين بعثوا بعد موسى؛ ليحكموا على حكم التوراة، وقوله: * ~~(للذين هادوا) فيه تقديم وتأخير، وتقديره: فيها هدى، ونور للذين هادوا، ثم ~~قال: * (يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون) وقيل: هو على موضعه، ~~ومعناه: يحكم بها النبيون الذين أسلموا على الذين هادوا، وهو مثل قوله: * ~~(أولئك لهم اللعنة) أي: عليهم اللعنة، وقال لعائشة: ' اشترطي لهم الولاء ' ~~أي: عليهم الولاء كذا قال النحاس، وقيل: فيه حذف، كأنه قال: للذين هادوا ~~على الذين هادوا؛ فحذف أحدهما؛ اختصارا * (والربانيون) قال أبو رزين: هم ~~العلماء الحكماء، وأصل الرباني: رب العلم، فزيد فيه الألف والنون؛ ~~للمبالغة، وقيل: الربانيون من النصارى، والأحبار من اليهود، وقيل: كلاهما ~~من اليهود، والربانيون فوق الأبار. قال المبرد: والأحبار: مأخوذ من ~~التحبير، وهو التحسين، ومنه الحديث: ' يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره ~~' أي حسنه وجماله، وقيل: هو من التحبير بمعنى التأثير، ومنه الحبر، فسمى ~~العالم: حبرا؛ لتأثير علمه فيه وفي غيره، كأنه العالم العامل، والحبر ~~والحبر واحد، وجمعه الأحبار، قال الفراء: وأكثر ما سمعت: الحبر - بكسر ~~الحاء - وجمعه أحبار. # * (ما استحفظوا) أي: بما استودعوا * (من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا ~~تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا). PageV02P041 # * (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون (44) وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف ~~بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة ومن ~~لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45)) * * (ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون) قال البراء بن عازب - وهو قول الحسن -: الآية في ~~المشركين. قال ابن عباس: الآية في المسلمين، وأراد به كفر دون ms0375 كفر، واعلم ~~أن الخوارج يستدلون بهذه الآية، ويقولون: من لم يحكم بما أنزل الله فهو ~~كافر، وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم، وللآية تأويلان: أحدهما ~~معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا وجحدا فأولئك هم الكافرون. والثاني ~~معناه: ومن لم يحكم بكل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، والكافر هو الذي ~~يترك الحكم بكل ما أنزل الله دون المسلم. # قوله تعالى: * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف ~~بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص) ويقرأ بقراءتين من قوله: * ~~(والعين بالعين) فيقرأ بالنصب إلى آخره، ويقرأ بالرفع. # شرع القصاص في النفس والأطراف في هذه الآية، وأشار إلى أنه كان حكم ~~التوراة * (فمن تصدق به) يعني: بالعفو عن القصاص * (فهو كفارة له) اختلفوا ~~في أن كناية الهاء راجعة إلى من؟ قال ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص: هو راجع إلى المجروح، يعني: العفو، وقال ابن عباس: هو راجع إلى ~~الجارح، كأنه جعل العفو كالاستيفاء منه؛ فيكون كفارة له كما لو اقتص منه * ~~(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون). # قوله - تعالى -: * (وقفينا على آثارهم) يعني: أتبعنا على آثارهم، وأراد ~~به: النبيين الذين أسلموا * (بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة) يعني: عيسى مصدقا بالتوراة. PageV02P042 # * (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة ~~وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة ~~للمتقين (46) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الفاسقون (47) وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم) * * (وآتينا الإنجيل فيه هدى ~~ونور ومصدقا) يعني: الإنجيل * (لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة ~~للمتقين). # قوله - تعالى -: * (وليحكم أهل الإنجيل) يعني: وقلنا: وليحكم أهل الإنجيل ~~* (ما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون). # قوله - تعالى -: * (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق) يعني: القرآن * (مصدقا ~~لما بين يديه ms0376 من الكتاب) يعني: سائر الكتب المنزلة قبله * (ومهيمنا عليه) ~~قال ابن عباس: أي: أمينا عليه. قال (المبرد): أصله: مؤيمنا، فقلبت الهمزة ~~هاء، كما يقال: أرقت الماء وهرقته. ومعناه: الأمين، وقيل: معناه: شاهدا ~~عليه، وقال أبو عبيدة: أي: رقيبا حافظا، والمعاني متقاربة، ومعنى الكل أن ~~كل [كتاب] يصدقه القرآن، ويشهد بصدقه، فهو كتاب الله، وما لا فلا. وقرأ ~~مجاهد ' ومهيمنا ' بفتح الميم، يعني: محمد مؤيمنا عليه، وفي الأثر أن عمر - ~~رضي الله عنه - قال: إذا دعوت الله فهيمنوا أي أمنوا ' قال الشاعر: # (ألا إن خير الناس بعد محمد * مهيمنه تاليه في العرف والنكر) أراد أبا ~~بكر أمينة وحافظه، يتلوه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر * (فاحكم ~~بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) أي: لا تعرض عما ~~جاءك وتتبع أهواءهم. # * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) فالشرعة: الطريق الواضح، وكذلك المنهاج. ~~قال المبرد: الشرعة: ابتداء الطريق، والمنهاج: الطريق المستمر. واعلم أن ~~الشرائع مختلفة، ولكل قوم شريعة، فلأهل التوراة شريعة، ولأهل الإنجيل ~~شريعة، ولأهل الإسلام شريعة، وأما الدين في الكل واحد، وهو التوحيد. ~~PageV02P043 # * (بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا ~~الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل ~~الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما) * * (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ~~ليبلوكم) أي: ليختبركم. * (فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات) فبادروا إلى ~~الخيرات * (إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم في تختلفون). # قوله - تعالى -: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) قيل: سبب نزول الآية: ' أن ~~قوما من رؤساء اليهود جاءوا إلى النبي وقالوا: يا محمد، لو آمنا بك آمن بك ~~غيرنا، ولنا خصومات بين الناس؛ فاقض لنا عليهم؛ نؤمن بك، ويتبعنا ms0377 غيرنا '، ~~ولم يكن قصدهم الإيمان به، وإنما قصدوا التلبيس، ودعوته إلى الحكم بالميل؛ ~~فنزلت الآية. # * (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا) فإن أعرضوا * ~~(فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم) وقيل: معناه: بكل ذنوبهم، ~~فعبر بالبعض عن الكل، وقيل: معناه: يصيبهم ببعض ذنوبهم في الدنيا * (وإن ~~كثيرا من الناس لفاسقون). # وقوله: * (أفحكم الجاهلية يبغون) يقرأ بالياء والتاء ومعناهما واحد يعني ~~أنهم إذا لم يرضوا بحكم الله، وأرادوا خلاف حكم الله، فقد طلبوا حكم ~~الجاهلية، وقرأ الحسن، وقتادة والأعمش، والأعرج: أفحكم الجاهلية بمعنى: ~~الحاكم. يبغون: يطلبون * (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) قوله - تعالى ~~-: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء ~~بعض) قيل: نزلت في عبادة بن الصامت، وعبد الله بن أبي سلول PageV02P044 # * (يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) ~~أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم إن) * * اختصما فقال عبادة: أنا أتبرأ من اليهود ولا ~~أتولاهم، وقال عبد الله بن أبي: أنا أتولاهم ولا أتبرأ منهم؛ فإني أخشى ~~الدوائر، فنزلت الآية وقيل: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر بعثه النبي ~~إلى بني قريظة حين حاصرهم، فاستشاروا في النزول، وقالوا: ماذا يصنع بنا إذا ~~نزلنا؟ فأشار إليهم بالقتل، وجعل أصبعه على حلقه يعني: يقتلكم؛ متنصحا لهم، ~~وقيل: نزلت في يوم أحد، فإنه لما انقضى حرب أحد، وأصاب المسلمين ما أصابهم، ~~قال بعض أهل المدينة: نحن نتولى اليهود، وقال بعضهم: نتولى النصارى؛ فإنا ~~نخشى أن لا يتم أمر محمد، وأن يدور الأمر علينا؛ فنزلت الآية: * (لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين). # قوله - تعالى -: * (فترى الذين في قلوبهم مرض) أي: نفاق * (يسارعون فيهم) ~~يعني: في معونتهم وموالاتهم، وفيه حذف، كما قال الله - تعالى -: * (واسأل ms0378 ~~القرية) أي: أهل القرية * (يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) قال ابن عباس: ~~معناه: نخشى أن لا يتم أمر محمد؛ فيدور الأمر علينا، وقال غيره: معناه: ~~نخشى أن يكون قحط؛ فلا يتفضلوا علينا بالثمار؛ [إذ] كانت اليهود أصحاب ~~النخيل والثمار، والأول أصح. # * (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده) قيل: أراد به فتح مكة. وقيل ~~(هو فتح) قرى اليهود مثل خيبر، وفدك، وتيما ووادي القرى. * (أو أمر من ~~عنده) قيل: هو إتمام أمر محمد، وقيل: هو إجلاء بني النضير، وقيل: قتل بني ~~قريظة، وقيل: PageV02P045 # * (الله لا يهدي القوم الظالمين (51) فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون ~~فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعس الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء ~~الذين أقسموا بالله جهد) * * هو الإخبار بأسماء المنافقين؛ ليفتضحوا. * ~~(فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا) يعني: [لليهود] ~~حين انكشف حال المنافقين: * (أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم ~~لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) . # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه) وقرأ أهل ~~المدينة والشام: ' من يرتدد ' والمعنى واحد * (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه) قال علي، والحسن: نزل هذا في أبي بكر وأصحابه. وكان الحسن يحلف ~~على هذا، أنه نزل في أبي بكر وأصحابه، وذلك أن النبي لما خرج إلى رحمة الله ~~ارتدت العرب، ولم يبق الإسلام إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد ~~المدينة، ومسجد البحرين؛ فهم أبو بكر بالقتال، وكره الصحابة ذلك، وقالوا: ~~إن بعضهم منع الزكاة، ولم يتركوا الصلاة، وقال أبو بكر: والله (لأقاتلن من) ~~فرق بين الصلاة والزكاة، وقيل: إنه سل سيفه، وخرج وحده، وقال: أقاتل وحدي، ~~ثم وافقه الصحابة، قال ابن مسعود: كرهنا ذلك لك في الابتداء، ثم حمدناه ~~عليه في الانتهاء، قال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد مولود ~~بعد النبيين أفضل من أبي بكر، لقد قام مقام نبي من ms0379 الأنبياء، يعني: في قتال ~~أهل الردة، وردهم إلى الإسلام. # وروى عياض الأشعري: ' أن النبي قرأ هذه الآية * (فسوف يأتي الله بقوم) ~~وأشار إلى أبي موسى الأشعري، وقال: هذا وأصحابه ' وكانوا من أهل اليمن، ~~PageV02P046 # * (أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) يا أيها الذين ~~آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على) * * ولأهل اليمن أمر عظيم في الفتوح التي وقعت في ~~الإسلام، وقد صح عن النبي أنه قال: ' الإيمان يمان، والحكمة يمانية ' وقيل: ~~أراد بالآية: قوما كان أكثرهم من أهل اليمن؛ فتحوا القادسية في زمان عمر. ~~والأول أصح * (أذلة على المؤمنين) ليس من الذل، وإنما هو من الذلة، وهي ~~اللين. # وقوله: * (أعزة على الكافرين) ليس من العز وإنما هو من العزة؛ وهي: ~~الشدة، يعني: أن جانبهم لين على المؤمنين، شديد على الكافرين، وقرأ ابن ~~مسعود: ' أذلة على المؤمنين غلظاء على الكافرين ' وهي معنى القراءة ~~المعروفة. # * (يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم) يعني: لا يخافون في الله ~~لوم الناس، وروى ابن مسعود عن النبي أنه قال: ' من أراد الجنة لا شك، فلا ~~يخاف في الله لومة لائم ' * (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم). # قوله - تعالى -: * (إنما وليكم الله ورسوله) هذا راجع إلى قوله: * (لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) لما منعهم من موالاة اليهود والنصارى، ~~دعاهم إلى موالاة الله ورسوله. # * (والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) يعني: ~~مصلون؛ إلا أنه خص الركوع تشريفا، وقيل: معناه: خاضعون، وقال السدي: - وهو ~~رواية عن مجاهد - إن هذا أنزل في علي بن أبي طالب، كان في الركوع، ومسكين ~~PageV02P047 # * (الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (54) إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله ~~والذين آمنوا فإن حزب الله) * * يطوف في المسجد فنزع خاتمه، ودفع إليه، ~~فهذا معنى قوله: * (ويؤتون الزكاة ms0380 وهم راكعون) وعن أبي جعفر محمد بن علي ~~الباقر أنه قال: نزلت الآية في المؤمنين، فقيل له: إن قوما يقولون: إن ~~الآية نزلت في علي بن أبي طالب، فقال أبو جعفر: علي من المؤمنين. # وقوله: * (إنما وليكم الله ورسوله) أراد به: الولاية في الدين، لا ولاية ~~الإمارة والسلطنة، وهم فوق كل ولاية، قال أبو عبيدة: وكذلك معنى قوله: ' من ~~كنت مولاه فعلي مولاه ' يعني: من كنت وليا له، أعينه وأنصره، فعلي يعينه ~~وينصره في الدين. # قوله: * (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) ~~أي: جند الله هم الغالبون، قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هذوا ولعبا) هذا في اليهود، كانوا إذا سمعوا ~~المؤذن ضحكوا، وتغامزوا بينهم * (من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) يعني: ~~اليهود * (والكفار): سائر الكفرة * (أولياء) أي: لا تتخذوا هؤلاء أولياء. ~~وقرأ الكسائي، وأبو عمرو: ' والكفار ' بكسر الراء، يعني: ومن الكفار، وكذا ~~في حرف أبي بن كعب ' ومن الكفار أولياء ' (* (واتقوا الله إن كنتم مؤمنين) ~~* وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا) هذا بيان لاتخاذهم الدين ~~هزوا في الآية الأولى * (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون). PageV02P048 # * (هم الغالبون (56) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ~~هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين (57) وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم ~~لا يعقلون (85) قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم) * * و (في) الحكايات: أن واحدا من ~~المنافقين يقال له: ضمرة، سمع المؤذن يؤذن، فقال: حرق الله الكاذب؛ فجاءه ~~خادمه بسراج في بعض تلك الليالي، فوقعت شرارة من السراج، ولم (يشعر) به، ~~فاحترق هو وما في البيت. # قوله - تعالى -: * (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا) أي: هل تكرهون منا * ~~(إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون) أي: ~~هل تنقمون ms0381 منا إلا بإيماننا وفسقكم، قال الشاعر: # (ما نقموا من بني أمية إلا * أنهم (يحملون) إن غضبوا) (وأنهم سادة الملوك ~~* ولا يصلح إلا عليهم العرب) أي: كرهوا من بني أمية. # قوله - تعالى -: * (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله) أي: قل: ~~[هل] أخبركم بشر من ذلك ثوابا وعاقبة عند الله؟ * (من لعنه الله وغضب عليه) ~~يعني: اليهود * (وجعل منهم القردة والخنازير) قيل: جعل القردة القردة من ~~اليهود، والخنازير من النصارى، فالذين جعلهم قردة من اليهود: أصحاب السبت، ~~والذين جعلهم خنازير من النصارى: أصحاب المائدة، وقيل: كلاهما من اليهود، ~~فجعل شبانهم قردة وشيوخهم خنازير * (وعبد الطاغوت) أي: ومن عبد الطاغوت، ~~يعني من لعنه الله ومن عبد الطاغوت وقرأ حمزة: ' وعبد الطاغوت ' بضم الباء ~~في عبد، وكسر التاء في الطاغوت، والمعنى واحد، قل الشاعر: # (أبني لبينى إن أمكم * أمة وإن وإني أباكم عبد) PageV02P049 # فاسقون (59) قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب ~~عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء ~~السبيل (60) وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ~~والله أعلم بما كانوا يكتمون (61) وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم ~~والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون (62) لولا ينهاهم الربانيون ~~والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63) وقالت ~~اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم) * * أي: كأعبد، وقيل: هذا خطأ من حمزة، ~~والأول أصح، ويقرأ في الشواذ: ' وعباد الطاغوت ' ويقرأ: ' وعبدة الطاغوت ' ~~وتقديره: وجعل منهم عباد الطاغوت، والكل في المعنى سواء. # * (أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل) أي: عن طريق الحق. # قوله - تعالى -: * (وإذا جاءوكم قالوا آمنا) قيل: نزلت الآية في قوم من ~~اليهود، دخلوا على النبي، وقالوا: إنا آمنا بك، وصدقناك فيما قلت، وهم ~~يسرون الكفر؛ فنزلت الآية * (وإذا جاؤكم) يعني: أولئك قالوا: آمنا * (وقد ~~دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به) يعني: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين * (والله ~~أعلم بما كانوا يكتمون). # قوله - تعالى -: * (وترى ms0382 كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان) قيل: ~~الإثم: المعاصي، والعدوان: الظلم، وقيل: الإثم: كتمان أمر محمد وما كتموا ~~من التوراة، والعدوان ما زادوا في التوراة. * (وأكلهم السحت) قد بينا معنى ~~السحت، والسحت لغتان، وقيل: أراد به أكلهم الربا * (لبئس ما كانوا يعملون). # قوله: * (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت) ~~يعني: هلا ينهاهم الربانيون، وقد ذكرنا معنى الربانيين، وقيل: هو منسوب إلى ~~الرب، كالبحراني منسوب إلى البحرين، والنجراني منسوب إلى نجران * (لبئس ما ~~كانوا يصنعون) وفي حرف ابن مسعود: ' يعملون ' وكلاهما واحد. # قوله تعالى: * (وقالت اليهود يد الله مغلولة) سبب هذا: أن اليهود كانوا ~~في خصب وسعة رزق قبل هجرة النبي، فلما هاجر إلى المدينة، ضيق الله الرزق ~~عليهم فقالت اليهود: يد الله مغلولة: أي ممسكة لا ينفق، كأنهم نسبوه إلى ~~البخل، PageV02P050 # * (ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ~~ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله ~~لا يحب المفسدين (64) ولو أن) * * وقال الحسن: أرادوا به: يد الله مغلولة ~~لا يعذبنا [بها] * (غلت أيديهم) يجيبهم الله تعالى؛ فيقول: أنا الجواد، وهم ~~البخلاء، وأيديهم هي المغلولة الممسكة، قاله الزجاج، وقيل: معناه: أنهم ~~يعذبون يوم القيامة. # * (ولعنوا بما قالوا) فمن عنهم أنهم: مسخوا قردة وخنازير، ومن لعنهم: ~~أنهم ضربت عليهم الذلة والجزية. # * (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) يعني: [يدا] الله مبسوطتان، يرزق ~~وينفق على مشيئته كيف يشاء، قال أهل العلم: ليس في هذا رد على اليهود في ~~إثباتهم اليد لله - تعالى - وإنما الرد عليهم في نسبته إلى البخل، وأما ~~اليد: صفة لله - تعالى - بلا كيف، وله يدان، وقد صح عن النبي أنه قال: ' ~~كلتا يديه يمين '. والله أعلم بكيفية المراد. # * (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا) على معنى أنه ~~كلما نزلت آية كفروا بها، وازدادوا طغيانا وكفرا * (وألقينا بينهم العداوة ~~والبغضاء) قيل: بين ms0383 فرق اليهود، وقيل (بين) اليهود والنصارى، وقوله: * (إلى ~~يوم القيامة) دليل على أن اليهودية والنصرانية تبقى إلى قريب من قيام ~~الساعة * (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) معنى هذا: كلما اجتمعوا ~~ليفسدوا أمر محمد، شتت الله PageV02P051 # * (أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ~~(65) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66) يا ~~أيها الرسول بلغ ما) * * جمعهم، وبدد شملهم. * (ويسعون في الأرض فسادا ~~والله لا يحب المفسدين). # قوله - تعالى -: * (ولو أن أهل الكتاب آمنوا) بمحمد * (واتقوا) يعني: عن ~~المعاصي * (لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم). # قوله - تعالى -: * (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل، وما أنزل إليهم من ~~ربهم) يعني: ولو أنهم قاموا وعملوا ما في التوراة، وما في الإنجيل وما في ~~القرآن * (لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) قيل: من فوقهم من مطر السماء، ~~ومن تحت أرجلهم من نبات الأرض. وقيل: من فوقهم ومن تحت أرجلهم معناه: أنه ~~يوسع عليهم الرزق، قال الزجاج، وهو نظير قول القائل: فلان في الخير من ~~الفرق إلى القدم، أي: وسع عليه الخير، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بقوله * ~~(من فوقهم) من الأشجار * (ومن تحت أرجلهم) من النبات، ويحتمل أن يكون ~~المراد به * (من فوقهم) من كسب آبائهم * (ومن تحت أرجلهم) من كسب أبنائهم، ~~وهذا نظير قوله - تعالى -: * (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم ~~بركات من السماء والأرض) ونظير قوله تعالى: * (ولو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا) * (منهم أمة مقتصدة) أي: عادلة * (وكثير منهم ساء ما ~~يعملون). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) قالت عائشة: ~~' من قال: إن محمدا كتم شيئا من الوحي؛ فقد أعظم الفرية، ومن قال: إن محمدا ~~رأى ربه ليلة المعراج؛ فقد أعظم الفرية؛ فإن الله - تعالى - يقول: * (لا ~~تدركه الأبصار) ' والخبر في الصحيح. PageV02P052 # * (أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك ms0384 من الناس ~~إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى ~~تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما ~~أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين (68) إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئون) * * (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) فيه ~~معنيان: أحدهما: معناه: إن لم تبلغ الجميع، وتركت واحدا، فما بلغت شيئا، ~~يعني: جرمك في ترك التبليغ في واحد كجرمك في ترك الكل، وقيل: معناه: بلغ ما ~~أنزل إليك أي: أظهر تبليغه، وهذا مثل قوله - تعالى -: (* (فاصدع بما تؤمر) ~~* وإن لم تفعل) يعني: وإن لم تظهر تبليغه (* (فما بلغت رسالته) * والله ~~يعصمك من الناس). قالت عائشة - رضي الله عنها -: ' كان النبي قبل نزول هذه ~~الآية يأتيه قوم فيحرسونه؛ فلما نزلت هذه الآية؛ أخرج رأسه، وقال: انصرفوا، ~~فإن الله يعصمني '. قال محمد بن كعب القرظي: نزلت الآية في كافر سل سيفه، ~~وهم (بقتل النبي)، فسقط السيف من يده، وجعل يضرب رأسه على شجرة حتى [انتثر] ~~دماغه * (إن الله لا يهدي القوم الكافرين). # قوله - تعالى -: * (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم) أي: تعملوا بالكل * (وليزيدن كثيرا منهم ~~ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا) هو ما ذكرنا * (فلا تأس) أي فلا تحزن * ~~(على القوم الكافرين). # قوله - تعالى -: * (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى) قال ~~PageV02P053 # * (والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (69) لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم ~~رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) وحسبوا ألا تكون ~~فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير ~~بما يعملون (71) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال ~~المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي) * * الكسائي، ونحاة الكوفة: ~~تقديره: هم والصابئون. وقال سيبويه: في الآية تقديم وتأخير وتقديره: إن ~~الذين ms0385 آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون كذلك. # وقوله: * (من آمن بالله) يعني: الذين آمنوا باللسان، من آمن منهم بالقلب، ~~وقيل: إن الذين آمنوا على حقيقة الإيمان. # وقوله: * (من آمن بالله) أي: من ثبت على الإيمان بالله، وأما في حق ~~اليهود والنصارى والصابئين، فهو محمول على حقيقة الإيمان. # قوله - تعالى -: (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل) قد ذكرنا الميثاق * ~~(وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا) ~~يعني: عيسى ومحمد * (وفريقا يقتلون) يعني: زكريا ويحيى، وقوله: * (وحسبوا ~~ألا تكون فتنة) أي: عذاب * (فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم) يعني: عموا ~~وصموا بعد موسى، ثم تاب الله عليهم؛ ببعث عيسى، * (ثم عموا وصموا كثيرا ~~منهم) بالكفر بمحمد * (والله بصير بما يعملون). # قوله - تعالى -: * (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) قد ~~ذكرنا معنى المسيح، قال النخعي: سمي مسيحا؛ لأنه كان يمسح الأرض، (وأما) ~~الدجال: يسمى مسيحا، وقد ورد الخبر بكونه مسيحا مطلقا؛ فإنه - عليه الصلاة ~~السلام - قال: ' [يقبل] المسيح من قبل المشرق وهمه المدينة '. وورد في ~~الخبر: المسيح الدجال. وقال - عليه الصلاة والسلام -: ' لا يدخل رعب المسيح ~~الدجال المدينة أبدا '. PageV02P054 # * (وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما ~~للظالمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله ~~إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ~~(73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول قد خلت من قبله) * * (وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا ~~الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار) ~~روى أبو سفيان طلحة بن نافع عن جابر: ' أن النبي سئل ما الموجبتان؟ فقال: ~~من وحد الله؛ لا يشرك به شيئا؛ وجبت له الجنة، ومن أشرك بالله؛ وجبت له ~~النار ' * (وما للظاليمن من أنصار). # قوله ms0386 - تعالى -: * (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) فيه حذف، ~~أي: ثالث ثلاثة آلهة، ولا بد من هذا التقدير؛ لأنه يجوز أن يقال: هو ثالث ~~ثلاثة، كما قال: * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)، وقوله: * (ثالث ~~ثلاثة) هو قولهم: أب، وابن وروح القدس، وهذا قول اليعقوبية منهم، وقالوا: ~~روح القدس لا هو ولا غيره، وكذلك الابن، والله مجموع الكل * (وما من إله ~~إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا) أي: ليصيبن ~~الذين * (كفروا منهم عذاب أليم). قوله تعالى: * (أفلا يتوبون إلى الله ~~ويستغفرونه) أرشدهم إلى التوبة والإسلام * (والله غفور رحيم). # قوله تعالى: * (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله) أي: مضت، ~~وسميت الأيام الماضية خالية؛ لخلوها، ومعنى هذا: أنا أرسلنا عيسى كما ~~أرسلنا غيره [وأعطيناه] من المعجزات ما أعطينا غيره من الرسل * (وأمه ~~صديقة) والصديق: كثير الصدق، وهو للمبالغة، ومنه سمى أبو بكر [الصديق] - ~~رضي الله عنه -: صديقا، وقيل: سمي صديقا؛ لأنه قيل له: إن صاحبك يقول: أسرى ~~بي إلى السماء فقال: إن (هو قال) ذلك فقد صدق. PageV02P055 # * (الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم ~~انظر أنى يؤفكون (75) قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ~~والله هو السميع العليم (76) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ~~ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ~~(77) لعن الذين كفروا) * * (كانا يأكلان الطعام) أي: يتغذيان بالطعام، ~~ومعناه: أن من يتغذى بالطعام لا يكون إلها يعبد، وقال ابن قتيبة: هو كناية ~~عن الحدث، يعني: أنهما يأكلان، ويشربان، ويبولان، ويتغوطان، ومثل هذا لا ~~يكون إلها يعبد * (انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون) قال ابن ~~قتيبة: وهذا من ألطف البيان، وقوله: * (يؤفكون) أي: يصرفون، ومنه سمي ~~الكذب: إفكا؛ لأنه مصروف عن الحق. # قوله - تعالى -: * (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ms0387 ولا نفعا) ~~يعني: عيسى ومثله. * (والله هو السميع العليم). # قوله - تعالى -: * (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) الغلو: ~~مجاوزة الحد، وهو مذموم، وكذلك التقصير، ودين الله بين الغلو، والتقصير * ~~(ولا تتبعوا أهواء قوم) الأهواء: جمع الهوى، وهو مقصور، وأما الهواء ~~الممدود: فهو الجو، والهوى: كل ما تدعو إليه شهوة النفس، لا الحجة * (قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل). فإن قيل: ما معنى هذا ~~التكرير، قال الزجاج: معنى قوله: * (ضلوا عن سواء السبيل) يعني: بالإضلال، ~~والأول من الضلالة، وقيل: ضلوا من قبل الإضلال، وضلوا بعد الإضلال؛ فكأنهم ~~ضلوا مرتين. # قوله - تعالى -: * (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ~~ابن مريم) فالذين لعنوا على لسان داود: هم أصحاب السبت، والذين لعنوا على ~~لسان عيسى: أصحاب المائدة، وأولئك الذين جعلهم الله قردة، وهؤلاء الذين ~~جعلهم الله خنازير * (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). # قوله - تعالى -: * (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا ~~يفعلون) التناهي: تفاعل من النهي، والمنكر: كل ما أنكره الشرع، وفي الخبر ~~قال: أول ما PageV02P056 # * (من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) ترى ~~كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم ~~وفي العذاب هم خالدون (80) ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما ~~اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~آمنوا اليهود والذين) * * دخل النقص في بني إسرائيل: أن الرجل منهم كان إذا ~~نهى صاحبه عن منكر، كان لا يمنعه بعد ذلك أن يكون جليسه، وأكيله، وشريبه، ~~فضرب الله - تعالى - قلب بعضهم بالبعض، وعمهم بالعقاب، ثم قال: والذي نفسي ~~بيده، حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق أطرا ' أي: تعطفوه. # قوله: (ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا) أي: يوالونهم * (لبئس ما قدمت ~~لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب ms0388 هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله ~~والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) يعني: الكفار * (ولكن كثيرا منهم ~~فاسقون) فإن قيل: لم سماهم فاسقين وهم كافرون؟ قيل: معناه: (خارجون) عن أمر ~~الرب، والكفار خارجون عن كل أمره، وقيل: معناه: متمردون، أي: هم مع كفرهم ~~متمردون. # قوله - تعالى -: * (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين ~~أشركوا) يعني: مشركي مكة، * (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا ~~إنا نصارى) قيل: إن الآية في قوم من النصارى، (أربعين) نفرا: اثنان وثلاثون ~~من الحبشة، وثمانية من رهبان الشام، جاءوا إلى النبي، وأسلموا، وفيهم نزلت ~~الآية لا في النصارى الكفرة؛ لأنهم في عداوة المسلمين مثل اليهود، وقيل: إن ~~الذين أسلموا من الحبشة كان فيهم النجاشي؛ فقدم جعفر الطيار الحبشة، فدعاه ~~النجاشي، فقرأ عليه PageV02P057 # أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ~~ترى) * * سورة مريم، وعنده الأساقفة والرهبان؛ فبكوا حتى أخضلوا لحاهم، ~~وأخذ النجاشي قذاة بيده، وقال: لم يعد عيسى ما قلت، ولا قدر هذا، وأسلموا. # وقيل: نزلت الآية في قوم من النصارى كانوا متمسكين بدين عيسى، لم يحرفوا، ~~فآمنوا بمحمد. # وقيل: هو في كل النصارى، ومعناه: أنهم ألين عداوة من اليهود. # * (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) قال قطرب: القسيس ~~العابد بلغة الروم، وهو التمام في اللغة، قال الشاعر: # (يمسين من قس (الحديث) غوافلا * إلا جعبر يأت ولا [طهاملا]) والرهبان جمع ~~الراهب، وروى سلمان: ' أن النبي قرأ: ' ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا ' وهذا ~~في الغرائب. # قوله - تعالى -: * (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول) يعني: القرآن، فإن ~~النبي كان قد قرأ عليهم القرآن؛ فبكوا وأسلموا، فذلك معنى قوله: * (ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين) يعني: من أمة محمد؛ فإنهم الشاهدون على سائر الأمم. # قوله - تعالى - * (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق) وذلك أن ~~اليهود قالوا: ms0389 لو لم آمنتم؟ فأجابوا: وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من ~~الحق * (ونطمع أن يدخلنا PageV02P058 # * (أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين (83) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ~~ربنا مع القوم الصالحين (84) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~أولئك أصحاب الجحيم (86) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب) * * ربنا مع القوم الصالحين) الطمع: هو ~~تعلق النفس بالشيء مع قوة. # قوله - تعالى -: * (فأثابهم الله بما قالوا جنات) أي: أعطاهم الله بما ~~قالوا جنات * (تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين). # فإن قيل: هذا أول قوله - تعالى -: * (فأثابهم الله بما قالوا) على أن ~~الإيمان قول فرد. # قيل: قد ذكر في الآية الأولى * (مما عرفوا من الحق) فذكر المعرفة في تلك ~~الآية، والقول في هذه الآية، ومجموعهما إيمان * (والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم) قال (ابن عباس)، وعطاء [وسعد]، وسعيد بن جبير، والسدي: سبب نزول ~~الآية: ' أن عليا، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون، تشاوروا في أن يترهبوا، ~~ويلبسوا المسوح، ويقطعوا المذاكير، ويصوموا الدهر؛ فبلغ ذلك رسول الله ~~فقال: أما إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وآكل وأشرب، وأنكح، فمن رغب عن ~~سنتي فليس مني ونزلت الآية * (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) وروي: أن ~~عثمان بن مظعون قال: ' يا رسول الله، ائذن لي في الرهبانية. فقال: رهبانية ~~أمتي الجلوس في المساجد. فقال: ائذن لي في السياحة في الأرض. فقال سياحة ~~أمتي الجهاد في سبيل الله. فقال: ائذن لي في الإخصاء. فقال: إخصاء أمتي ~~الصوم '. وقيل: سبب نزول الآية: ' أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أصيب ~~اللحم؛ فأنتشر واشتهي النساء فحرمت اللحم على نفسي ' فنزل قوله [تعالى]: * ~~(لا تحرموا طبيات ما ms0390 أحل الله PageV02P059 # * (المعتدين (87) وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم ~~به مؤمنون (88) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان فكفارته) * * لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) رواه عكرمة ~~عن ابن عباس، والاعتداء: هو مجاوزة ماله إلى ما ليس له * (وكلوا مما رزقكم ~~الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) أكد ذلك النهي بهذا ~~الأمر. # قوله - تعالى -: * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) إنما عقب تلك ~~الآية بهذه؛ لأن القوم الذين تشاوروا أن يترهبوا كانوا قد حلفوا؛ فبين حكم ~~الإيمان، واللغو: هو المطرح الذي لا يعبأ به، وعن عائشة: أن لغو اليمين: ~~قول الإنسان: لا والله، وبلى والله، واختاره الشافعي، وقال ابن عباس، وأبو ~~هريرة: لغو اليمين: هو أن يحلف على شيء على ظن أنه كذلك فإذا هو على خلافه، ~~واختلف العلماء في وجوب الكفارة في يمين اللغو، قال إبراهيم النخعي: تجب ~~فيها الكفارة، وقوله: * (لا يؤاخذكم) يعني: في القيامة. وسائر العلماء على ~~أن لا كفارة في يمين اللغو؛ لظاهر القرآن * (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان) فيه ثلاث قراءات: * (عقدتم) بالتخفيف قراءة الكسائي وحمزة وأبو ~~بكر. و * (عقدتم) بالتشديد قرأه أبو عمرو ومن بقي، غير ابن ذكوان، و * ~~(عاقدتم) قراءة ابن عامر برواية ابن ذكوان. # قال الكسائي: عقدتم، أي: أوجبتم، وقال أبو عمرو: عقدتم، أي: وكدتم، ~~واختلفوا في هذا التوكيد، قال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: * (عقدتم) أنه ~~ماذا؟ فقال: هو قول القائل: والله الذي لا إله إلا هو؛ كأنه فسر التوكيد ~~به، وروى نافع عن ابن عمر: أن توكيد اليمين بالتكرار، قال نافع: وكان ابن ~~عمر إذا وكد اليمين أعتق رقبة، وإذا لم يؤكد: أطعم المساكين في كفارته. * ~~(فكفارته إطعام عشرة مساكين) على قول النخعي يرجع هذا إلى يمين اللغو، وعلى ~~قول الباقين يرجع إلى اليمين المعقودة، وهي المقصودة، وعقد اليمين: هو ~~القصد بالقلب، والذكر باللسان. * (من أوسط ما تطعمون أهليكم) قال ابن عمر: ~~الأوسط هو الخبز والزيت، ms0391 أو الخبز PageV02P060 # * (إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ~~فمن لم) * * والتمر، وقال عبيدة السلماني: هو الخبز والسمن، وقال أبو رزين: ~~(هو الخبز والخل وأما الأعلى): هو الخبز واللحم، والأدنى: هو الخبز البحت، ~~والكل مجزئ، والأوسط في القدر، قال زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمر - رضي ~~الله عنهم - هو المد، وبه قال الشافعي - رضي الله عنه - وذلك رطل وثلث، ~~وقال عمر، وعلي - وهو رواية ابن عباس - أنه مدان، نصف صاع، وبه قال ~~العراقيون. # * (أو كسوتهم) قال عطاء، وطاووس: لكل مسكين ثوب، وقال مجاهد: ما ينطلق ~~عليه اسم الكسوة، وقال إبراهيم: لكل مسكين ثوب جامع يصلح [لليل] والنهار ~~مثل الكساء، الملحفة ونحوهما. وقال ابن عمر: ثلاثة أثواب. وقيل: ثوبان، وهو ~~قول الحسن، وابن سيرين، مثل إزار ورداء، أو إزار وعمامة. وقيل: ما يستر ~~العورة، وتجزئ به الصلاة. # والصحيح: أن الواجب لكل مسكين ما يصلح به الكسوة في العرف * (أو تحرير ~~رقبة) هو عتق الرقبة، وفيه كلام في الفقه. # * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) ظاهرة: أنه يجوز متفرقا، وهو الأصح، ~~وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب: ' ثلاثة أيام متتابعات ' فعلى هذا يجب ~~التتابع فيه، وبه قال مالك، والأوزاعي، وهو أحد قولي الشافعي * (ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم) قيل: الحنث مضمر فيه، يعني: إذا حلفتم وحنثتم، ولا تجب ~~الكفارة إلا بعد الحنث، وأما جواز التكفير قبل الحنث عرفنا بالسنة * ~~(واحفظوا أيمانكم) ظاهره للنهي عن الحنث، وقيل: أراد به حفظ اليمين لا أن ~~يحلف، والأول أصح * (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر) أما الخمر ~~فقد سبق الكلام فيه، وكذلك الميسر، قال الأصمعي: كان ميسرهم على الجزور، ~~فكانوا يشترون جزورا وينحرونه، ويجعلونه على ثمانية وعشرين سهما، وقيل: على ~~عشرة PageV02P061 # * (يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم ~~كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) يا أيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر والميسر والأنصاب) * * أسهم، ثم يقامرون ms0392 عليه، فكل من خرج عليه قدر ~~نصيبه مجانا، ويكون الثمن على الباقين، وهكذا يقامرون على كل سهم منه، إلى ~~أن يبقى واحد، فيكون كل الثمن عليه، ويفوز الآخرون بسهامهم مجانا. وسئل ~~القاسم بن محمد عن النرد والشطرنج: أهو من الميسر؟ قال: كل ما صد عن ذكر ~~الله، وعن الصلاة، فهو من الميسر ، وقوله: * (والأنصاب والأزلام رجس) أما ~~الأنصاب والأزلام فقد بينا، وقوله: * (رجس) أي: خبيث مستقذر، وفي الخبر: ' ~~أعوذ بالله من الرجس النجس ' * (من عمل الشيطان) أي: من تزيين الشيطان * ~~(فاجتنبوه لعلكم تفلحون). # قوله - تعالى -: * (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر) أما وقوع العداوة في الخمر: أن [شاربيه] إذا سكروا عربدوا، ~~وتشاجروا، (وتشاحجوا). # وأما العداوة في الميسر: قال قتادة: هو أنهم كانوا يقامرون على الأهل ~~والمال، ثم إذا لم يبق له شيء، يجلس زينا، مسلوبا، مغتاظا على قرنائه * ~~(ويصدكم عن ذكر الله PageV02P062 # * (والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله عن الصلاة) * * وعن الصلاة) يعني: الشيطان يمنعكم بهما عن ذكر الله ~~(وعن الصلاة) * (فهل أنتم منتهون) معناه: انتهوا، قال الفراء: سمعت بعض ~~الأعراب يقول لغيره: هل أنت ساكت؟ (هل أنت ساكت)؟ يريد به: اسكت، وهذا كلام ~~العرب العاربة. # وسبب نزول الآية: ' أن عمر - رضي الله عنه - قال: اللهم بين لنا في الخمر ~~بيانا شافيا؛ فنزل (قوله) في سورة البقرة: * (يسألونك عن الخمر والميسر) ~~فدعا عمر، وقرأ عليه، فقال ثانيا: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا؛ ~~فنزل قوله في سورة النساء: * (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فقرأ عليه؛ ~~فدعا ثالثا، وقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا؛ فنزلت هذه الآية، ~~فدعا وقرأ عليه؛ فلما بلغ قوله: * (فهل أنتم منتهون) قال: انتهينا يا رب '، ~~وقيل: سبب نزول الآية: ' أن قدامة بن مظعون اتخذ دعوة، وشوى رأس بعير، ودعا ~~سعد بن أبي وقاص، وجماعة، فأكلوا، وشربوا، فلما سكروا تفاخروا، فقام رجل ms0393 من ~~الأنصار إلى لحى البعير، وضرب به وجه سعد، PageV02P063 # * (فهل أنتم منتهون (91) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم ~~فاعلموا أنما) * * فضرب أنفه، فذكر ذلك لرسول الله؛ فنزلت هذه الآية ' ~~[وقيل: نزلت] في قبيلتين من الأنصار تخاصمتا في حال السكر، وقد ورد في ~~الخمر أخبار منها: قوله: ' مدمن الخمر كعابد الوثن ' وقال: ' الخمر أم ~~الخبائث، من شربها لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما، من مات وفي بطنه شيء ~~من الخمر؛ حرم الله عليه الجنة '. # قوله تعالى: * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا) لما حرم الخمر، ~~وأمر بالاجتناب عنها؛ ندبهم إلى طاعة الله والرسول، والتوقي * (فإن توليتم ~~فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين). # قوله - تعالى -: * (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا) سبب نزول الآية هذه أن الصحابة قالوا لما ورد تحريم الخمر: يا رسول ~~الله كيف حال من مات منا وهو يشرب الخمر؟ فنزلت الآية: وقيل: إنهم قالوا: ~~إن حمزة بن عبد المطلب، PageV02P064 # * (على رسولنا البلاغ المبين (92) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم ~~اتقوا وأحسنوا والله) * * ومصعب بن عمير استشهدوا يوم أحد، وكانا يشربان ~~الخمر، فكيف حالهما؟ فنزلت الآية وبين الله تعالى أنه لا جناح عليهم فيما ~~طعموا في حال الإباحة * (إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا ~~وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا) (في هذا مقدم معنى مؤخر أقوال): أحدها: أن معنى ~~الأول: إذا ما اتقوا الشرك وآمنوا، أي: صدقوا، وعملوا الصالحات * (ثم ~~اتقوا) أي: داموا على ذلك التقوى * (وآمنوا) أي ازدادوا إيمانا * (ثم اتقوا ~~وأحسنوا) أي: اتقوا بالإحسان في كل محسن، وكل مطيع متق. # والقول الثاني: أن التقوى الأول: اجتناب الشرك، والتقوى الثاني: اجتناب ~~الكبائر والتقوى الثالث: اجتناب الصغائر، وهذان قولان معروفان في الآية، ~~وفي الآية قول ثالث: أنه أراد به: إذا ما اتقوا قبل تحريم الخمر، ثم اتقوا ~~بعد تحريم الخمر، وقيل هذا لا يصح؛ لأن قوله: * (إذا ما اتقوا) إنما يصلح ~~للمستقبل ms0394 لا للماضي؛ فإن حرف ' إذا ' للمستقبل. # * (والله يحب المحسنين)، روى أن قدامة بن مظعون شرب الخمر؛ فدعاه عمر ~~ليحده، فقال: أليس يقول الله - تعالى -: * (ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا) فقال: أخطأت التأويل، لقد قال: * (إذا ما اتقوا ~~وآمنوا) وأنت لم تتق النهي. # وروى: ' أن النبي قرأ هذه الآية، ثم قال ابن مسعود: وأينا من هؤلاء؟! ' ~~قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد) أي: ~~ليختبرنكم الله بشيء من الصيد، وفائدة البلوى والاختبار: إظهار المطيع من ~~العاصي، وإلا فلا حاجة له إلى البلوى، وسبب هذا: أن رسول الله لما نزل ~~بالحديبية مع PageV02P065 # * (يحب المحسنين (93) يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ~~تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله ~~عذاب أليم (94) يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله ~~منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من) * * أصحابه، وكانوا محرمين، كان يدنوا ~~منهم الصيود والوحوش؛ فهموا بالأخذ؛ فنزلت الآية. # * (تناله أيديكم) يعني: في صغار الصيود * (ورماحكم) يعني: من كبار ~~الوحوش، قال مجاهد * (تناله أيديكم) يعني: الفرخ والبيض * (ورماحكم) يعني: ~~الصيود الكبار. # * (ليعلم الله من يخافه بالغيب) قيل: معناه: ليعلم الله من يخافه بالغيب، ~~فيعامله معاملة من يطلب العلم للعمل؛ إظهار للعدل، وقيل: معناه: ليرى من ~~يخافه بالغيب، وقوله: * (من يخافه بالغيب) هو أن يخاف الله وهو لا يراه * ~~(فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) سبب ~~هذا أن رجلا يقال له: أبو اليسر، شد على حمار وحش؛ فقتله وهو محرم؛ فنزلت ~~الآية * (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم)، والحرم: يكون من الإحرام، ويكون من ~~دخول الحرم، يقال: أحرم، إذا عقد الإحرام، وأحرم إذا دخل الحرم، ويقال أيضا ~~لمن أدرك الشهر الحرام: محرم. # * (ومن قتله منكم متعمدا) ذكر حالة العمد لبيان الكفارة، فاختلف العلماء، ~~قال سعيد بن جبير: لا تجب كفارة الصيد في قتل الخطأ، بل ms0395 تختص بالعمد، وبه ~~قال داود. # وسائر العلماء على أنها تجب في الحالين، قال الزهري: على المتعمد ~~بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة. # * (فجزاء مثل ما قتل من النعم) قرأ الأعمش ' فجزاؤه مثل ما قتل من النعم ~~'، والمعروف فيه قراءتان ' فجزاء مثل ' على الإضافة، وقرأ بعضهم ' فجزاء ~~مثل ' بتنوين PageV02P066 # * (النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو ~~عدل ذلك) * * الجزاء، ورفع اللام من المثل، ومعنى الكل واحد، والمثلية ~~معتبرة في الجزاء؛ فيجب فيما قتل مثله من النعم شبها؛ فيجب في النعامة: ~~بدنة، وفي الأروى: بقرة، وفي الطير والضبع والحمامة: شاة، وفي الأرنب: ~~عناق، وفي اليربوع: جفرة، وكل هذا مروي عن الصحابة. # * (يحكم به ذوا عدل منكم) وفيه دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام * ~~(هديا بالغ الكعبة) نصب على التمييز، قوله: * (بالغ الكعبة) يقتضي أن يكون ~~إعطاء الهدي في الحرم، يفرق على مساكين الحرم، وهو الواجب * (أو كفارة طعام ~~مساكين) وذلك أن يقوم (المثل) من النعم بالدراهم، ويشتري بالدراهم طعام ~~مساكين، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يقوم بالصيد المقتول أبدا * (أو ~~عدل ذلك صياما) قرأ عاصم الجحدري، وطلحة بن، مصرف: * (أو عدل ذلك) بكسر ~~العين، ثم قال بعضهم: لا فرق بينهما، ومعناه: المثل، وفرق الفراء بينهما، ~~فقال: العدل - بالكسر -: المثل من جنسه، والعدل: المثل من غير جنسه، وقد ~~قيل: العدل - بالفتح -: هو المثل، والعدل بالكسر -: الحمل، والأول أصح، ~~وصوم العدل: أن يصوم بدل كل مد يوما، وقيل: يومان، ثم هذا على التخيير أم ~~على الترتيب؟ # قال الشعبي، والنخعي - وهو رواية عن مجاهد -: إنه على الترتيب، وقال ~~غيرهم - وبه قال ابن عباس -: إنه على التخيير؛ لأنه قال: * (أو كفارة طعام ~~مساكين أو عدل ذلك صياما) وكلمة ' أو ' للتخيير * (ليذوق وبال أمره) أي: ~~شدة أمره * (عفا الله عما سلف) يعني: في الجاهلية * (ومن عاد فينتقم الله ~~منه والله عزيز ذو انتقام). # واختلف العلماء في العامد إلى قتل الصيد ثانيا، هل تجب عليه الكفارة ~~ثانيا، أم PageV02P067 # * (صياما ليذوق وبال أمره ms0396 عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه ~~والله عزيز ذو انتقام (95) أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ~~وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) جعل ~~الله الكعبة البيت الحرام قياما) * * لا؟ قال ابن عباس: لا تجب، ويقال له. ~~أسأت، وينتقم الله منك. وعامة العلماء على أنه تجب الكفارة ثانيا، وقوله: * ~~(فينتقم الله منه) يعني: في الآخرة. # قوله - تعالى -: * (أحل لكم صيد البحر وطعامه) قال عمر، وعلى: صيد البحر ~~ما صيد منه، وطعامه ما قذف، وهو رواية عن ابن عباس. وعنه رواية أخرى: أن ~~طعامه ما نضب عنه الماء. وقال مجاهد: صيده: الطري وطعامه: المالح، وهو مروي ~~عن ابن عباس أيضا. * (متاعا لكم) أي: منفعة لكم * (وللسيارة) قال ابن عباس: ~~متاعا لكم: خطاب مع أهل القرى، والسيارة أهل الأمصار، وقال مجاهد: السيارة: ~~المسافرون. # * (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) حرم الاصطياد على المحرم، وقد ~~ذكرنا * (واتقوا الله الذي إليه تحشرون) واختلف العلماء في صيد الحلال: هل ~~يحل للمحرم، وأن يأكل منه؟ قال عمر، وعثمان: يحل. وبه أخذ أكثر الفقهاء، ~~وقال علي، وابن عباس: إنه لا يحل، وبه قال جماعة من التابعين. # قوله - تعالى -: * (جعل الله الكعبة البيت الحرام) قال ثعلب أبو العباس ~~أحمد ابن يحيى: إنما سميت كعبة؛ لتربيعها * (البيت الحرام) وهو الكعبة، وفي ~~الخبر: ' إن الله - تعالى - حرم مكة منذ خلق السماوات والأرض ' * (قياما ~~للناس) القيام والقوام واحد، قال الله - تعالى -: * (أموالكم التي جعل الله ~~لكم قياما) أي: قواما لمعايشكم، وقال الشاعر: يمدح النبي. # (ونشهد أنك عبد المليك * أتيت بشرع ودين قيم) PageV02P068 # * (للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما) * * وأراد به: أن البيت الحرام قوام للناس لدينهم ومعايشهم، ~~أما في الدين؛ لأن به تقوم المناسك والحج، وأما في المعايش؛ فلأن (أهل ~~الحرم) كانوا يأمنون أهل (الغارة)، حتى كان يغير بعضهم على بعض، ثم لا ~~يتعرضون لأهل الحرم، ويقولون: هم أهل الله. # * (والشهر الحرام) ms0397 أراد به: جنس الأشهر الحرم، وهي أربعة أشهر: ثلاثة ~~سرد، وواحد فرد كما سبق، والمراد به: أنه جعل الشهر الحرام قواما للناس؛ ~~يأمنون فيه القتال؛ فإنهم كانوا يكفون عن القتل والقتال في الأشهر الحرم. # * (والهدي والقلائد) وقد بينا كيف يكون الهدي والقلائد، وكونه قواما ~~للناس: أنهم كانوا يأمنون بتقليد الهدي، وكان أهل الحرم يتعيشون بالهدي ~~والقلائد. # * (ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات والأرض وأن الله بكل شيء ~~عليم) فإن قال قائل: أي اتصال لهذا بما سبق من الكلام في الآية؟ قال المبرد ~~أبو العباس محمد بن يزيد: معناه: أن ألهمتهم ذلك الاحترام، وأن لا يتعرضوا ~~لأهل الحرم؛ فكأنه بين في الآية صنعة مع أهل الحرم، قال: ذلك لتعلموا أن كل ~~ذلك بعلمي، وإلهامي إياهم. # وقال الزجاج: [قد سبق] في هذه السورة من الله - تعالى - الإخبار عن ~~الغيوب، والكشف عن الأسرار، مثل قوله: * (سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ~~لم يأتوك) ومثل إخباره بتحريفهم الكتب، ونحو ذلك؛ فقوله: * (ذلك لتعلموا أن ~~الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض) راجع إليه. PageV02P069 # * (في الأرض وأن الله بكل شيء عليم (97) اعلموا أن الله شديد العقاب وأن ~~الله غفور رحيم (98) ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما ~~تكتمون (99) قل لا) * * قوله - تعالى -: * (اعلموا أن الله شديد العقاب وأن ~~الله غفور رحيم) وفي الخبر: ' لو يعلم المؤمن ما عند الله من العذاب لم ~~يطمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة لم يقنط من جنته ~~أحد '. # وقوله: * (ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) ~~معلوم المعنى. # قوله - تعالى -: * (قل لا يستوي الخبيث والطيب) قال السدي: يعني الكافر ~~والمؤمن. وقال غيره: الخبيث: الحرام، والطيب: الحلال، وفي الخبر: ' حلوان ~~الكاهن خبيث ومهر البغي خبيث ' أي: حرام * (ولو أعجبك) معناه: ولو سرك * ~~(كثرة الخبيث). # * (فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون) وفي المثل: حرام يأتي جزفا ~~(والحلال) يأتي قوتا. وعن أبي هريرة أنه قال: ' درهم من ms0398 الحلال خير من مائة ~~ألف [درهم] وقر من الحرام '. # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم) سبب نزول الآية: أن الصحابة أكثروا السؤال على النبي حتى غضب، وقام ~~PageV02P070 # * (يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي ~~الألباب لعلكم تفلحون (100) يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد ~~لكم تسؤكم وإن تسألوا) * * خطيبا، وقال: ' إنكم لا تسألوني عن شيء في مقامي ~~هذا إلا أنبأتكم به، فقال رجل: يا رسول الله، من أبى؟ - وكان السائل عبد ~~الله بن حذافة السهمي، وكان يقال في نسبه شيء، فلما قال: من أبى؟ - قال - ~~عليه الصلاة والسلام -: أبوك حذافة، فقام آخر، وقال: من أبى؟ فنسبه إلى غير ~~أبيه - كأنه كان من حرام - وسأله رجل، فقال: أين أكون غدا؟ فقال: في النار، ~~فقام آخر، وقال أين أكون غدا؟ فقال: في الجنة؛ فبكوا، وقال عمر: استر علينا ~~يا رسول الله؛ فإنا حديث عهد بالجاهلية، وجثا على ركبتيه، وقال: رضينا ~~بالله ربا، وبالإسلام دينا؛ ونزلت الآية '. # وروى أبو البختري عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ' (لما) نزل قوله: * ~~(ولله على الناس حج البيت) قام رجل، وقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: ~~لا، ولو قلت: نعم لوجبت، ولم تطيقوه، ثم قال: ذروني ما تركتم، فإنما هلك من ~~كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فما أمرتكم به فأتوا منه ~~ما استطعتم، وما نهيتكم عنه، فانتهوا، ونزلت الآية '. # * (وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم) معناه: وإن صبرتم حتى ينزل ~~القرآن؛ وجدتم فيه بيان ما تحتاجون إليه * (عفا الله عنها والله غفور ~~حليم). # * (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) قال بعضهم: أراد به ~~أصحاب PageV02P071 # * (عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) قد ~~سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) ما جعل الله من بحيرة ولا ~~سائبة ولا وصيلة ولا) * * المائدة، وسألوا المائدة ثم كفروا، وقال بعضهم: ms0399 ~~أراد به: قوم صالح، سألوا الناقة، ثم كفروا بها، وقال بعضهم: أراد به ~~الكفار في الجاهلية، سألوا رسول الله أن يجعل الصفا ذهبا. # قوله - تعالى -: * (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام) ~~قال سعيد بن جبير: كان سؤالهم الذي تقدم عن هذه الأوضاع، وهذه الآية لبيان ~~ما سألوا ردا عليهم، وقال ابن عباس في بيان هذه الأوضاع الأربعة، قال: # أما البحيرة: هي الناقة كانت إذا ولدت خمسة أبطن شقوا أنها، وتركوها ولم ~~يحملوا عليها، ولم يمنعوها الكلأ؛ وبذلك سميت بحيرة من البحر، وهو الشق، ثم ~~نظروا إلى خامس ولدها، فإن كان ذكرا نحروه، وأكله الرجال دون النساء، وإن ~~كانت أثنى تركوها كالأم، وإن كان ميتا، أكله الرجال والنساء؛ فهذا معنى ~~البحيرة. # وأما السائبة: كان الرجل من أهل الجاهلية إذا مرض له مريض، أو غاب له ~~قريب، يقول: إن رد الله غائبي، أو إن شفى الله مريضي؛ فناقتي هذه سائبة، ثم ~~يسيبها، تذهب حيث تشاء، (أو) يقول: إن كان كذا؛ فعبدي عتيق سائبة. يعني: من ~~غير ولاء، ولا ميراث؛ فهذا معنى السائبة. # وأما الوصيلة: فكانت في الغنم، كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، نظروا إلى ~~البطن السابع، فإن كان ذكرا ذبحوه وأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى ~~تركوها، وإن كان ميتا أكله الرجال والنساء، وإن كان ذكرا وأنثى في بطن واحد ~~تركوهما، وقالوا: وصلت أخاها، فهذه هي الوصيلة. # وأما الحام: كان بعضهم إذا ولدت ناقته عشرة أبطن؛ تركوها ولم يركبوها، ~~وقالوا: حمى ظهرها، وكذلك إذا ركب ولد ولدها؛ يقولون: حمى ظهرها وتركوها، ~~وربما تركوها لآلهتهم على ما سيأتي في سورة الأنعام؛ فهذا هو الحام، وهذه ~~أوضاع وضعها أهل الجاهلية على آرائهم، فجاء الشرع برفعها، وقد ثبت عن النبي ~~أنه قال: PageV02P072 # * (حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) ~~وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ms0400 (104) يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا) * * ' رأيت النار؛ فرأيت فيها عمرو بن لحي ~~يجر قصبة في النار ' أي: أمعاءه، وكان أول من سيب السوائب * (ولكن الذين ~~كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون) * (وإذا قيل لهم تعالوا ~~إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) يعني: إذا دعوا إلى الكتاب والسنة * (قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) يعني: كفانا دين آبائنا * (أو لو كان آباؤهم ~~لا يعلمون شيئا ولا يهتدون). # قوله: * (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) يعني: تخليصها من النار * ~~(لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) فإن قال قائل: كيف يقول: ' عليكم أنفسكم ' ~~وقد أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قيل: قال مجاهد، وسعيد بن ~~جبير: الآية في اليهود والنصارى، يعني: عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل من ~~اليهود والنصارى إذا اهتديم؛ فخذوا منهم الجزية، ولا تتعرضوا لهم، واتركوهم ~~وما يزعمون؛ فإنه لا يضركم. # (وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: ' أنه خطب وقال: إنكم تقرءون هذه ~~الآية * (عليكم أنفسكم لا يضركم) من ضل إذا اهتديتم)، وإني سمعت رسول الله ~~يقول: إذا رأيتم الظالم فخذوا على يديه، أو يوشك أن [يعمكم] الله (بعقاب) ' ~~وعن ابن مسعود أنه قال في هذه الآية: ' مروا بالمعروف، وانهوا عن ~~PageV02P073 # * (يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم ~~تعملون (105) يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) * * المنكر؛ فإن قيل منكم؛ ~~فذاك وإن رد عليكم أنفسكم '، [ويرد] هذا ما روى عن أبي أمية الشيباني أنه ~~قال: ' سألت أبا ثعلبة الخشني، فقلت: إن الله - تعالى - يقول: * (عليكم ~~أنفسكم) وقد أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: لقد سألت عنها ~~خبيرا، سمعت رسول الله - وقد سئل عن هذه الآية - يقول: مروا بالمعروف وانهو ~~عن المنكر؛ فإذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ي رأي ~~برأيه، فعليك بخويصة نفسك، ودع أمر العامة ' * (إلى الله مرجعكم ميعا ~~فينبئكم بما كنتم تعلمون). # قوله - تعالى -: * (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) سبب نزول الآية: ' ~~أن ms0401 تميم الداري وعدي (بن بداء)؟ خرجا إلى التجارة، وكانا نصرانيين، ومعهما ~~بديل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما؛ فمرض، وكتب ما معه من المتاع في ~~صحيفة، وألقها بين المتاع، ثم أوصى إلى هذين النصرانيين أن يردا متاعه إلى ~~مولاه إن مات هو، وكان بين المتاع جام [مخوص] بالذهب منقوش به؛ فخانا في ~~ذلك الجام، وأديا سائر المتاع إلى أهله، فوجدوا تلك الصحيفة بين المتاع؛ ~~فطلبوا الجام، فافتقدوه؛ فسألوا عديا، وتميما عن ذلك فأنكرا، وقالا: لا ~~ندري، وحلفا عليه، ثم إن ذلك الجام وجد عند رجل بالمدينة، فسئل الرجل عنه؛ ~~فقال: إنما أعطانيه عدي وتميم؛ فاختصموا إلى النبي؛ فأصر على الإنكار، ~~وحلفا عليه؛ فحلف عمرو بن العاص والمطلب بن أبي PageV02P074 # * (إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ~~إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة ~~فيقسمان) * * وداعة على أنهما قد خانا في الجام، فأخذ الجام ثم إن تميما ~~أسلم بعد ذلك؛ وأقر بتلك الخيانة ' فهذه قصة الآية وعليها نزلت الآية. # فقوله: * (شهادة بينكم) يقرأ في الشواذ ' شهادة بينكم ' وقرأ الأعرج ' ~~شهادة بينكم ' بالرفع والتنوين، والمعروف ' شهادة بينكم ' * (إذا حضر أحدكم ~~الموت) أي: أسباب الموت * (حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم) ذكر اثنان على ~~الرفع؛ لأنه خبر الابتداء، ومعنى هذا الكلام: أن الشهادة فيما بينكم على ~~الوصية عند الموت: اثنان ذوا عدل منكم. # * (أو آخران من غيركم) قال أبو موسى الأشعري، وابن عباس، وهو قول شريح، ~~والنخعي، وسعيد بن جبير، وجماعة -: أن معناه من غير أهل ملتكم، يعني: من ~~أهل الذمة، وقال الحسن، والزهري: معناه: من غير قبيلتكم. # * (إن أنتم ضربتم في الأرض) أي: سافرتم * (فأصابتكم مصيبة الموت ~~تحبسونهما من بعد الصلاة) أكثر العلماء على أنه أراد به: صلاة العصر، (وقال ~~الحسن: بعد صلاة الظهر، والأول أصح؛ وإنما خص به صلاة العصر؛ لأن وقت ~~العصر) معظم محترم عند (جميع) أهل الأديان، وكأن الناس بعد العصر يكون أجمع ~~في الأسواق والمساجد. والمراد ms0402 به: حبس الحالفين بعد العصر. PageV02P075 # * (بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة ~~الله إنا إذا لمن الآثمين (106) فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران ~~يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق ~~من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا) * * (فيقسمان بالله إن ارتبتم) يعني: إن ~~وقعت لكم ريبة في قول الحالفين أو الشاهدين يحلفان أنا * (لا نشتري به ثمنا ~~ولو كان ذا قربى) أي: لا نقول إلا الصدق ولو كان على القريب * (ولا نكتم ~~شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين) وإنما قال: شهادة الله؛ لأن الشهادة تكون ~~بأمر الله * (فإن عثر على أنهما استحقا إثما) يعني: فإن اطلع، وأظهر ~~خيانتهما * (فآخران يقومان مقامهما من الذين لستحق عليهم الأوليان) يقرأ ~~هذا على ثلاثة أوجه: أحدها: ' من الذين استحق عليهم الأوليان '. وقرأ (حفص ~~عن عاصم) ' من الذين استحق ' بنصب التاء والحاء * (عليهم الأوليان) وقرأ ~~أبو بكر عن عاصم، وحمزة: ' من الذين استحق ' - بضم التاء وكسر الحاء - ~~عليهم الأولين. # فأما معنى القراءة الأولى فقوله: * (استحق عليهم) يعني: استحق فيهم، أو ~~استحق منهم كقوله: * (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي: على جذوع النخل، يعني: ~~الذين وقعت الخيانة في حقهم، وهم أولياء الميت، و * (الأوليان) تثنية: ~~الأولى، والأولى: هو الأقرب، ومعناه: إن عثر على خيانة الحالفين؛ يقوم ~~الأوليان من أولياء الميت؛ فيحلفان، وأما قوله: * (من الذين استحق عليهم) ~~أي حق ووجب فيهم، ومعناه ومعنى القراءة الأولى سواء. # وأما القراءة الثالثة: * (من الذين استحق عليهم الأولين) فهو بدل عن ~~قوله: * (من الذين) أو عن الاسم المضمر تحت قوله: * (عليهم)؛ فيكون المراد ~~به أيضا أولياء الميت ويكون المعنى ما بينا. PageV02P076 # * (لمن الظالمين (107) ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا ~~أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين (108) يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك ~~أنت علام الغيوب (109) إذ قال الله يا) * * ثم بين كيفية قسهما؛ فقال: * ~~(فيقسمان ms0403 بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن ~~الظالمين) * (ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها) يعني: ذلك أقرب وأحرى ~~أن تؤدوا الشهادة على وجهها * (أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم) يعني: ~~وإن يخافوا رد اليمين بعد يمينهم على المدعين؛ فلا يحلفوا على الكذب؛ خوفا ~~من أن يرد اليمين عليهم، ويكون يمينهم أولى. # * (واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين) قال النخعي، ~~وشريح: الآية منسوخة، وقوله: * (أو آخران من غيركم) لقد كانت شهادة أهل ~~الذمة مقبولة على الوصية ثم نسخ، وقد جوز بعضهم شهادة أهل الذمة في الوصية؛ ~~خاصة من لا يرى نسخ الآية منهم، وقال الحسن: الآية محكمة، وقد حمل قوله: ' ~~أو آخران من غيركم ' على غير قبيلتكم كما بينا. # قوله: * (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا) فإن ~~قال قائل: كيف يقولون: لا علم لنا، وقد علموا ما أجابوا؟ قيل: إن جهنم تزفر ~~زفرة تذهل (بها) عقولهم؛ فيقولون من شدة الفزع: لا علم لنا؛ ثم يرد الله - ~~تعالى - عليهم عقولهم، فيخبرون بالجواب، وقيل: معناه: لا علم لنا إلا العلم ~~الذي أنت أعلم به منا، أو إلا ما علمتنا، وقيل: معناه: لا علم لنا بوجه ~~الحكمة في سؤالك إيانا عن أمر أنت أعلم به منا، وقيل: معناه: لا علم بعاقبة ~~أمرهم، وبما أحدثوا من بعد، وأن أمرهم على ماذا ختم، وعلى هذا دل شيئان: ~~أحدهما: من الآية قوله * (إنك أنت علام الغيوب)، والثاني: ما روى صحيحا عن ~~رسول الله أنه قال: ' يسلك بطائفة من أصحابي ذات الشمال - يعني يوم القيامة ~~- فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي، فيقول الله - تبارك وتعالى -: إنك لا تدري ~~ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. فأقول ما ~~قال العبد الصالح: * (وكنت عليهم شهيدا ما دمت PageV02P077 # * (عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم ~~الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق ~~من الطين كهيئة ms0404 الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه ~~والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم ~~بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (110) وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين أن آمنوا بي) * * فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت ~~على كل شيء شهيد) '. # قوله - تعالى -: * (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى ~~والدتك) أمره بشكر النعمة، ثم عد عليه نعمة؛ فقال: * (إذ أيدتك بروح القدس ~~تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) ~~وقد ذكرنا الكلام فيه. # * (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني) ~~وقد بينا فيما سبق كيفيته. * (وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى ~~بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم ~~إن هذا إلا سحر مبين). # قوله - تعالى -: * (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي) هذا ~~الوحي بمعنى الإلهام، أو بمعنى الأمر، أي: ألهمتهم وأمرتهم، قال العجاج: # (الحمد لله الذي استقلت به السماء فاطمأنت * أوحى) لها القرار فاستقرت) ~~أي: أمرها بالقرار. # * (قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) وقد ذكرنا معنى الحواريين. ~~PageV02P078 # * (وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون (111) إذ قال الحواريون يا ~~عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله ~~إن كنتم مؤمنين (112)) * * قوله - تعالى -: * (إذ قال الحواريون يا عيسى ~~ابن مريم هل تستطيع ربك) وقرأ الكسائي: ' هل يستطيع ' - بالتاء - ' ربك ' ~~بفتح الباء، وهذه قراءة علي، ومعاذ وعائشة، وكانت عائشة تحلف أن الحواريين ~~أعرف بالله من أن يقولوا: هل يستطيع ربك. # ولقراءتهم معنيان: أحدهما: أن المراد به هل تسأل ربك، والثاني: هل تستدعي ~~طاعة ربك بإجابته سؤالك إياه؟ وأما القراءة المعروفة ففي معناها أقوال: # أحدها معناه: هل يفعل ربك. وقال الفراء: يقول الرجل لغيره: هل تستطيع أن ~~تفعل كذا، يريد به: هل تفعل كذا؟. # والثاني معناه: هل يطيع ربك استطاع بمعنى أطاع، كقولهم: استجاب، يعني: ~~أجاب، ms0405 فيكون معناه: هل يطيعك ربك؛ بإجابة سؤالك، وفي الآثار: ' من أطاع ~~الله أطاعه الله ' أي: يجيب دعاءه. # وقيل: إن الحواريين قالوا ذلك قبل استحكام المعرفة، وأراد به: القدرة، ~~ولو استحكمت معرفتهم لم يقولوا ذلك، والصحيح أحد القولين الأولين، وهذا لأن ~~الاستطاعة لا تنسب إلى الله غالبا؛ وإنما يوصف بالقدرة، وأما الاستطاعة ~~تكون للعبد. # وقوله: * (أن ينزل علينا مائدة من السماء) اعلم أن المائدة: اسم لما يكون ~~عليه طعام؛ فإذا لم يكن عليه طعام لا يسمى مائدة، واختلفوا في اشتقاق ~~المائدة: منهم من قال: هي من الميد، بمعنى الإعطاء، ومنه: قالوا لأمير ~~المؤمنين: الممتاد، يعني: الذي يطلب عطاؤه؛ فعلى هذا سميت مائدة؛ لأنها ~~تعطي من عليها الطعام. # وقيل: هو من [الميد] بمعنى الحركة؛ فعلى هذا سميت مائدة؛ لأنها تتحرك بما ~~PageV02P079 # * (قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون ~~عليها من الشاهدين (113) قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من ~~السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ~~(114) قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين (115) وإذ قال الله يا) * * عليها من الطعام. # * (قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين) نهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان، ~~وقيل: أراد به أي: اكتفوا بطعام الأرض عن طعام السماء. # قوله - تعالى: * (قالوا نريد أن نأكل منها) يعني: أكل تبرك لا أكل حاجة * ~~(وتطمئن قلوبنا) أي: يزداد إيمانها، وهو مثل قوله: (* (ولكن ليطمئن قلبي) * ~~ونعلم أن قد صدقتنا) أي: نزداد إيمانا بصدقك، وفي بعض التفاسير: أن عيسى - ~~صلوات الله عليه - كان قد أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوما لما سألوه أن يسأل ~~المائدة، قال لهم: صوموا ثلاثين يوما؛ فإذا أفطرتم لا تسألون الله شيئا إلا ~~أعطاكم، ففعلوا ذلك، فلما أعطوا المائدة، عرفوا صدقه؛ فذلك معنى قوله: * ~~(ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين). # قوله - تعالى -: * (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من ~~السماء تكون لنا ms0406 عيدا لأولنا وآخرنا) قيل: إنه لما أراد سؤال المائدة ~~اغتسل، وصلى ركعتين، فطأطأ رأسه، وغض بصره، وبكى، ثم قال: ' اللهم ربنا ~~أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ' والعيد: المراد ~~به: يوم السرور لهم * (وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين). # قوله - تعالى -: * (قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني ~~أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) أي: جنس عذاب لم أعذب به أحدا، ~~وقيل: إن ذلك العذاب (أنه) مسخهم خنازير على ما سنبين في القصة. # ثم اختلفوا، قال الحسن، ومجاهد: إن المائدة لم تنزل أصلا، فإن الله - ~~تعالى - PageV02P080 # لما أوعد على كفرهم بعد نزول المائدة؛ خافوا أن يكفر بعضهم؛ فاستعفوا عن ~~إنزال المائدة؛ فعلى هذا تقدير قوله: * (إني منزلها عليكم) يعني: إن سألتم، ~~إلا أنهم استعفوا فلم ينزل، والصحيح - والذي عليه الأكثرون - أنها منزلة؛ ~~لأن الله تعالى لا يعد شيئا ثم يخلف، وقد قال: * (إني منزلها عليكم). # والقصة في ذلك: أن عيسى لما سأل المائدة؛ نزلت من السماء سفرة حمراء بين ~~غمامتين كانوا يرونها، بسطت بين أيديهم، وكانت مغطاة، فقام عيسى إليها، ~~ورفع عنها الغطاء، فإذا عليها سبعة أرغفة، وسبعة أحوات، وفي رواية: كان ~~عليها خمسة أرغفة، وسمكة مشوية ليس فيها فلوس ولا شوك كما يكون في سمك ~~الأرض، وكان حولها من كل بقل إلا الكرات، وكان عند رأسها الملح وعند ذنبها ~~الخل، وكان عليها خمس رمانات وتميرات، وقيل: كانت الأرغفة من خبز الأرز، ~~وقال عطية: كانت عليها سمكة لها طعم جميع الأرض، وقيل: كان عليها ثمر من ~~ثمار الجنة. وفي بعض الروايات أن عيسى سئل: أهذا من طعام الجنة؟ فقال: لا ~~من طعام الجنة، ولا من طعام الأرض، إنما هو طعام خلقه الله - تعالى - لكم. ~~وفي القصة: أن هذا المائدة لما نزلت؛ دعا عيسى لها الفقراء، والزمني، ~~والمساكين، حتى يأكلوا، وكانت تنزل عليهم أربعين يوما، يأكل منها كل يوم ~~أربعة آلاف، أو خمسة آلاف نفر، فكانوا يأكلون، ولا ينقص منها شيء، ثم تصعد، ms0407 ~~ثم تنزل، هكذا كل يوم حتى خانوا فيها، فمسخوا قردة وخنازير، ورفعت المائدة. ~~ثم اختلفوا في تلك الخيانة، فروى عمار بن ياسر عن النبي أنه قال: ' أنزلت ~~عليهم المائدة، وعليها الخبز واللحم، وأمروا أن لا يدخروا منها للغد، ~~فادخروا وخانوا؛ فأصبحوا قردة وخنازير ' وفي رواية: ' أصبحوا خنازير '. ~~وقيل: كانت خيانتهم أن اليهود قالوا لهم: إن عيسى سحركم بالمائدة، ولم يكن ~~ثم مائدة؛ فشكوا فيه؛ فمسخوا خنازير، وقيل: كانت خيانتهم أن في الابتداء ~~كان يأكل منها الأغنياء والفقراء؛ فأمرهم الله - تعالى - أن يدعو لها ~~الفقراء دون PageV02P081 # * (عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في ~~نفسي ولا أعلم) * * الأغنياء؛ ابتلاهم؛ فأكل الأغنياء وخالفوا، فأصبحوا ~~خنازير. # قوله - تعالى -: * (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم) اختلفوا في أن هذا ~~القول متى يكون؟ قال السدي: إنما قال الله - تعالى - ذلك حين رفعه إلى ~~السماء؛ لأن قوله: ' إذ للماضي، والصحيح أنه يكون في القيامة، والقيامة وإن ~~لم تكن بعد، ولكنها في علم الله، فلما كانت كائنة لا محالة فهي كالكائنة؛ ~~فصح قوله: * (وإذ قال الله) وقيل: إذا بمعنى إذ ويجوز مثل ذلك قال الشاعر: # (لم يجزه به الإله إذ جزا * جنات عدن في السماوات العلا) يعني: إذا جزى * ~~(أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) قيل: هذا سؤال توبيخ ~~والمراد به: قومه، وكانت الحكمة في سؤاله عنه؛ حتى يسمع قومه إنكاره؛ لأنهم ~~كانوا يدعون أن عيسى أمرهم (باتخاذه إلها)؛ فإن قال قائل: هم لم يتخذوا أمه ~~إليها؛ فما معنى قوله: * (اتخذوني وأمي إلهين من دون الله)؟ قيل: إنه - جل ~~وعز - لما أراد ذكر عيسى مع أمه، قال: إلهين، وهذا كما يقال عند ذكر أبي ~~بكر وعمر معا: عمران، وقالوا: هذا سنة عمرين، ويقال للشمس والقمر: قمران، ~~قال الفرزدق: # (لنا قمراها والنجوم طوالع *) يعني: الشمس والقمر، وقيل: إن عيسى كان ~~بعضا ms0408 لمريم، فلما اتخذوه إلها؛ فكأنهم اتخذوا أمه إلها؛ فقال: * (إلهين من ~~دون الله) * (قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد ~~علمته) اشتغل أولا بالثناء عليه والتنزيه، ونسبه إلى القدس والطهارة * ~~(تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) قال PageV02P082 # * (ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن ~~اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت ~~الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت) * * الزجاج: نفس النبي: جملته وحقيقته، فمعناه: تعلم حقيقة ~~أمري، ولا أعلم حقيقة أمرك، وقيل: معناه: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في ~~غيبك، وعليه دل قوله: * (إنك أنت علام الغيوب) وهو معنى الأول، * (ما قلت ~~لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله بي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت ~~فيهم فلما توفيتني) أي: رفعتني * (كنت أنت الرقيب عليهم) وقد بينا معنى ~~التوفي فيما سبق * (وأنت على كل شيء شهيد). # قوله - تعالى -: * (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم) فإن قال قائل: كيف طلب المغفرة لهم، وهم كفار؟! وكيف قال: وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وهذا لا يليق بسؤال المغفرة؟! قيل: أما الأول ~~فمعنى قوله: وإن تغفر لهم، يعني: بعد الإيمان، وهذا إنما يستقيم على قول ~~السدي؛ لأن الإيمان لا ينفع في القيامة، والصحيح آخر القولين، قال بعضهم: ~~هذا في فريقين منهم فقوله: * (إن تعذبهم فإنهم عبادك) يعني: من كفر منهم * ~~(وإن تغفر لهم) يعني: من آمن منهم. وقال أهل المعاني من أرباب النحو: ليس ~~هذا على وجه طلب المغفرة، وإنما هذا على تسليم الأمر إليه، وتفويضه إلى ~~مراده؛ ألا تراه يقول: ' فإنك أنت العزيز الحكيم ' ولو كان على وجه طلب ~~المغفرة لقال: ' فإنك أنت الغفور الرحيم '. # وأما السؤال الثاني: اعلم أن في مصحف ابن مسعود: ' وإن تغفر لهم فإنك ms0409 أنت ~~الغفور الرحيم ' وكان ابن شنبوذ يقرأ كذلك زمانا ببغداد؛ فمنع عنه، وفيه ~~قصة، (وقيل): فيه تقديم وتأخير، وتقدير الآية: إن تغفر لهم فإنهم عبادك، ~~وإن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم. وقيل: معناه: إن تغفر لهم لا ينقص من ~~(عزك) PageV02P083 # * (العزيز الحكيم (118) قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز ~~العظيم (119) لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير (120)) ~~* * شيء ولا يخرج من حكمتك. ويدخل في حكمة الله - تعالى - وسعة رحمته أن ~~يغفر للكفار، ولكنه أخبر أن لا يغفر، وهو لا يخلف خبره ومن قال: إنه على ~~تسليم الأمر لا على وجه طلب المغفرة، استقام النظم على قوله، كما بينا. # قوله - تعالى -: * (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) يقرأ: ' يوم ' ~~بالرفع على الابتداء، ويقرأ: ' يوم ' على بالنصب، كأنه أراد في يوم؛ فحذف ~~في ونصب يوم. # فإن قال قائل: كيف ينفع الصادقين صدقهم بالقيامة، وليست بدار النفع؟ قيل: ~~معناه: ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا لا صدقهم في القيامة، وقيل: نفعهم ~~بالصدق في القيامة: أنهم لو كذبوا؛ نطقت جوارحهم فافتضحوا، فإذا صدقوا لم ~~يفتضحوا (* (لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم) * لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو ~~على كل شيء قدير) والله أعلم بالصواب. PageV02P084 # تفسير سورة الأنعام قال - رضي الله عنه -: اعلم أن سورة الأنعام مكية، ~~روى يوسف بن مهران عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: سورة الأنعام ~~نزلت جملة بمكة ليلا، معها سبعون ألف ملك يحدونها بالتسبيح. وقد روى هذا ~~مرفوعا إلى النبي، وفي تمام الخبر عن النبي أنه قال: ' من قرأها في ليلة ~~استغفر له السبعون ألف ملك أولئك ليله ونهاره إلى أن يصبح '، وفي بعض ~~الروايات: ' أن تلك الملائكة كان لهم زجل بالتسبيح، وكانت الأرض ترتج، ~~والنبي يقول: سبحان ربي العظيم حتى نزلت ' وفي رواية الكلبي عن ms0410 [أبي] صالح ~~عن ابن عباس أنه قال: نزلت سورة الأنعام جملة بمكة إلا آيتين: قوله - تعالى ~~-: * (قل تعالوا...) الآية. وقوله: * (ما قدروا الله حق قدره...) الآية وفي ~~بعض الروايات: ' إلا ثلاث آيات: من قوله: * (قل تعالوا) إلى آخر الآيات ~~الثلاث، وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: سورة الأنعام من نجائب القرآن، وعن ~~علي رضي الله عنه أنه قال: من قرأ سورة الأنعام فقد انتهى في رضا ربه. ~~PageV02P085 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور ثم الذين كفروا) * * قوله - تعالى -: * (الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض) حكي عن كعب الأحبار أنه قال: هذه الآية أول آية في ~~التوراة، وآخر آية في التوراة: قوله - تعالى -: * (وقل الحمد لله الذي لم ~~يتخذ ولدا) الآية. # فقوله: * (الحمد لله) معناه: احمدوا الله، ذكر الخبر بمعنى الأمر، ~~وفائدته: الأمر بالحمد وتعليم الحمد؛ فإنه لو قال: احمدوا الله؛ دعت الحاجة ~~إلى بيان كيفية الحمد، وقوله: * (الذي خلق السماوات والأرض) إنما خصهما ~~بالذكر؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد؛ ولأن فيهما العبر والمنافع ~~للعباد. # * (وجعل الظلمات والنور) والجعل: بمعنى الخلق، ثم اختلفوا، قال بعضهم: ~~الظلمات: الليل، والنور: النهار، وقال بعضهم: أراد بالظلمات: الكفر، ~~وبالنور: الإيمان، ويدخل في الظلمات جميع الظلمات، حتى ظلمة القلب، وظلمة ~~الشك، ونحو ذلك. # ويدخل في النور جميع الأنوار، حتى نور القلب، ونور اليقين، ونحو ذلك، ~~وقيل: أراد بالظلمات: الجهل، وبالنور: العلم، وقيل: أراد بالظلمات: ~~المعصية، وبالنور: الطاعة. # وروى عن قتادة أنه قال: إن الله - تعالى - خلق السماء قبل الأرض، والليل ~~قبل النهار، والجنة قبل النار، وقد قال غيره: خلق الأرض قبل السماء، ~~وسيأتي. # * (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) قال الكسائي: عدل الشيء بالشيء: إذا ~~ساواه به، ومنه العدل. ومعناه: يعدلون بالله غير الله، وقال مجاهد: معناه: ~~ثم الذين كفروا بربهم يشركون، والمعنيان متقاربان؛ لأن من ساوى غير الله ~~بالله؛ فقد أشرك. وقيل: قوله: * (ثم الذين كفروا) معنى لطيف، وهو مثل قول ~~القائل: أنعمت عليك كذا، وتفضلت عليك ms0411 بكذا ثم لا تشكرني، ثم تكفر بنعمتي. ~~PageV02P086 # * (بربهم يعدلون (1) هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم ~~أنتم تمترون (2) وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما ~~تكسبون (3) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد) ~~* * قوله - تعالى -: * (هو الذي خلقكم من طين) هو ما بينا أن الله - تعالى ~~- أمر ملك الموت حتى قبض قبضة من تراب؛ فخلق منها آدم - صلوات الله عليه - ~~فهذا معنى قوله: (* (هو الذي خلقكم من طين) * ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده) ~~قال ابن عباس: الأجل الأول: من الولادة إلى الموت، والأجل الثاني: من الموت ~~إلى البعث وقال أيضا: لكل أحد أجلان: أجل إلى الموت، وأجل من الموت إلى ~~البعث، فإن كان برا وصولا للرحم؛ زيد له من أجل البعث في أجل العمر، وإن ~~كان غير ذلك، نقص من أجل العمر، وزيد ذلك في أجل البعث. # وقيل: الأجل الأول: أجل الدنيا كما بينا، والأجل الثاني من ابتداء ~~الآخرة، وذلك مسمى عند الله لا يعلمه غيره * (ثم أنتم تمترون) تشكون. # قوله - تعالى -: * (وهو الله في السماوات والأرض يعلم سركم وجهركم) قال ~~ابن الأنباري: معناه: وهو الله المعبود في السماوات وفي الأض، وقال غيره: ~~تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض، وهو قول الزجاج * ~~(ويعلم ما تكسبون) الكسب: كل عمل يعمله الإنسان بكده؛ لجلب نفع، أو دفع ضر، ~~ولذلك لا يوصف فعل الله بالكسب؛ لأنه فعله برئ عن جلب المنافع ودفع المضار. # قوله - تعالى -: * (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها ~~معرضين) أراد بهذه الآية: انشقاق القمر؛ فإن الكفار سألوا رسول الله أن ~~يأتيهم بآية؛ فقال عليه [الصلاة و] السلام - ماذا تريدون؟ فاقترحوا انشقاق ~~القمر، فأتاهم به، فكفروا وأعرضوا. # قوله - تعالى -: * (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم) يعني: ما ذكرنا * (فسوف ~~PageV02P087 # * (كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (5) ~~ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في ms0412 الأرض، ما لم نمكن لكم ~~وأرسلنا السماء عليهم) * * يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون) معناه: فسوف ~~يؤول إليه وبال ما كانوا به يستهزءون. # قوله - تعالى -: * (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن) قيل: ثمانون ~~سنة، وقيل: ستون سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، والقرن عند حفاظ ~~الحديث: مائة سنة؛ فإنه روى عن النبي أنه قال لعبد [الله] بن (بسر) ~~المازني: ' إنك تعيش قرنا '، فعاش مائة سنة، فاستدلوا به على أن القرن مائة ~~سنة، وفي الأخبار: كان بين آدم ونوح: عشرة قرون، وبين نوح وإبراهيم: عشرة ~~قرون، والقرن في الحقيقة: هو أهل كل زمان، سواء بعث فيهم نبي أو لم يبعث؛ ~~وعليه دل قوله: ' خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين بلونهم ' ~~يعني: ثم القرن الذين يلونهم. PageV02P088 # * (مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من ~~بعدهم قرنا آخرين (6) ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ~~ملكا لقضي الأمر ثم لا) * * وقوله: * (مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم) أي: ~~أعطيناهم ما لم نعطكم. # * (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) أي: متتابعا، قال الشاعر: # (وسقاك من نوء الثريا * مزقة عن الحلب وابلا مدرارا) أي: متتابعا، قال ~~ابن عباس: معناه: وأرسلنا السماء عليهم مدرارا: أي: متتابعا في أوقات ~~الحاجات، ولم يرد به: التوالي على الدوم * (وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ~~فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين). # قوله - تعالى -: * (ولو أنزلنا عليك كتابا في قرطاس) سبب هذا: أن عبد ~~الله بن أبي أمية المخزومي أخا أم سلمة، قال لرسول الله: لن نؤمن بك حتى ~~تنزل علينا صحيفة من السماء جملة فنزل قوله: * (ولو نزلنا عليك كتابا في ~~قرطاس). والقرطاس: ما يكون مكتوبا، فإذا لم يكن مكتوبا سمي: طرسا * (فلمسوه ~~بأيديهم) فإن قال قائل: لم لم يقل: فرأوه بأعينهم؟ قيل: لأن اللمس أبلغ في ~~إيقاع العلم من الرؤية؛ لأن السحر يجري على المرئي، ولا يجري ms0413 على الملموس؛ ~~لأن الملموس يصير مرئيا، والمرئي لا يصير ملموسا؛ فذكر اللمس ليكون أبلغ. # * (لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) ومعناه: أنه لا ينفع معهم شيء ~~فإنا وإن أنزلنا عليهم ما اقترحوا قالوا إن هذا إلا سحر مبين. # قوله - تعالى -: * (وقالوا لولا أنزل عليه ملك) وهذا قول عبد الله بن أبي ~~أمية المخزومي (اقترح) إنزال ملك * (ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر) قال ~~مجاهد: معناه : لقامت القيامة، وقيل: معناه: لاستؤصلوا بالعذاب، وهذه سنة ~~الله في الكفار؛ أنهم PageV02P089 # * (ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) ~~ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ~~(10) قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) قل لمن ما ~~في السماوات) * * متى اقترحوا آية، فإذا أعطاهم الله لك؛ فكفروا بها، ~~استأصلهم بالعذاب، كدأب قوم نوح، وعاد وثمود، وقوم لوط، وأمثالهم * ([ثم] ~~لا ينظرون) أي: ثم لا يمهلون. # قوله - تعالى -: * (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) أي: في صورة رجل؛ لأن ~~الرجل أأنس بالرجل، وأفهم منه، وقد جاء جبريل إلى النبي في صورة دحية ~~الكلبي وجاء الملكان إلى داود في صورة رجلين * (وللبسنا عليهم ما يلبسون) ~~قال ابن عباس، والضحاك، وجماعة: معناه: خلطنا عليهم ما يخلطون، وفي معناه ~~قولان: أحدهما: أنهم شبهوا على ضعفائهم فتشبه عليهم كما شبهوا، وينزل الملك ~~في صورة رجل (حي) يشتبه عليهم؛ فيقول بعضهم: هو ملك، ويقول بعضهم: ليس ~~بملك، والقول الثاني: أن معناه: أضللناهم بإنزال الملك في صورة رجل، كما ~~ضلوا من قبل، أي: لو حسبوا أن يهتدوا بإنزال الملك، فإنزال الملك لا يعجزنا ~~من إضلالهم به. # قوله - تعالى -: * (ولقد استهزئ برسل من قبلك) سبب هذا: ' أن رسول الله ~~مر على الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبي جهل، فضحكوا هزوا به؛ فنزلت ~~الآية تسلية له ' * (فحاق بالذين) أي: فنزل بالذين * (سخروا منهم ما كانوا) ~~أي: وبال ما كانوا * (به يستهزءون). # قوله - تعالى -: * (قل سيروا في الأرض) يحتمل هذا السير بالفكرة والعقول، ms0414 ~~ويحتمل السير بالأقدام * (ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين) يعني: ممن سبق ~~من الأمم. PageV02P090 # * (والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) وله ما سكن في الليل والنهار ~~وهو السميع العليم (13) قل أغير الله اتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو ~~يطعم ولا يطعم قل إني) * * قوله - تعالى -: * (قل لمن ما في السماوات ~~والأرض قل لله) أمر بالجواب عقيب السؤال؛ ليكون أبلغ في التأثير، وآكد في ~~الحجة؛ لأن من سأل غيره عن شيء ثم عقبه بالجواب كان ذلك أبلغ تأثيرا * (كتب ~~على نفسه الرحمة) أي: (قضى)، وقد صح برواية أبي هريرة: أن رسول الله قال: ' ~~إن الله كتب كتابا قبل خلق السماوات والأرض، فهو عنده فوق عرشه: سبقت رحمتي ~~غضبي '. # * (ليجمعنكم) اللام لام القسم أي: والله ليجمعنكم. * (إلى يوم القيامة لا ~~ريب فيه) أي: لا شك فيه * (الذين خسروا أنفسهم) غبنوا أنفسهم * (فهم لا ~~يؤمنون). # قوله - تعالى -: * (وله ما سكن في الليل والنهار) وقيل: فيه حذف، ~~وتقديره: وله ما سكن وما تحرك، وقيل: هو السكون خاصة، وإنما خص السكون؛ لأن ~~النعمة في السكون أكثر منها في الحركة * (وهو السميع العليم). # قوله - تعالى -: * (قل أغير الله اتخذ وليا فاطر السماوات والأرض) ~~الفاطر: الخالق، المنشئ للخلق، قال الأصمعي: ما كنت أعرف معنى الفاطر، حتى ~~أختصم إلى أعربيان في بئر؛ فقال أحدهما: أنا فطرته، وقال الآخر: أنا فطرته؛ ~~فعرفت أنه [إنشاء] الخلق * (وهو يطعم ولا يطعم) قرأ الأعمش: ' وهو يطعم ولا ~~يطعم ' بفتح الياء، أي: يؤكل ولا يأكل، وأما القراءة المعروفة، فمعناه: وهو ~~يرزق ولا يرزق. # * (قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم) يعني: من هذه الأمة، والإسلام يعني ~~الاستسلام لأمر الله - تعالى - * (ولا تكونن من المشركين) وهو وإن كان ~~معصوما PageV02P091 # * (أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) قل إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ~~(16) وإن يمسسك ms0415 الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على) * * ~~عن الشرك، لكن الأمر (بالثبات) على الإيمان، وترك الإشراك يجوز أن يكون ~~متوجها عليه، وقيل: الخطاب معه، والمراد به: الأمة. # * (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) أي: عذاب القيامة * (من يصرف ~~عنه) يعني: العذاب، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: بفتح الياء، ~~يعني: من يصرف الله عنه العذاب * (يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين). # قوله - تعالى -: * (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو) الضر: خلاف ~~النفع ومعناه: إن يصبك الله بضر فلا كاشف له إلا هو * (وإن يمسسك بخير فهو ~~على كل شيء قدير) وروى عن ابن عباس أنه قال: ' كنت رديف النبي، فقال: ألا ~~أعلمك كلمات تنتفع بهن في الدنيا والآخرة؟ قلت: (نعم)؛ (فقال): احفظ الله ~~يحفظك... ' الخبر إلى أن قال: ' فلو اجتمع الخلق على أن ينفعوك بشيء لم ~~يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا على أن يمنعوك شيئا كتبه الله ~~لك لم يقدروا عليه... ' - الخبر. PageV02P092 # * (كل شيء قدير (17) وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) قل أي ~~شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ~~ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله ~~واحد وإنني بريء مما تشركون (19) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم الذين خسروا) * * قوله - تعالى -: * (وهو القاهر فوق عباده) ~~القاهر: الغالب الذي لا يغلب، وقيل: هو المنفرد بالتدبير، يجبر الخلق على ~~مراده، وقوله: * (فوق عباده) هو صفة الاستعلاء الذي لله - تعالى - الذي ~~يعرفه أهل السنة * (وهو الحكيم الخبير). # قوله - تعالى -: * (قل أي شيء أكبر شهادة) سبب هذا: أن الكفار قالوا: يا ~~محمد، من يشهد لك بالصدق؟ فنزلت الآية: * (قل أي شيء أكبر شهادة) يعني: من ~~الله، واستدلوا بهذا على أن الله شيء. * (قل الله شهيد بيني وبينكم) أي: ~~يشهد لي بالحق، وعليكم بالباطل. # * (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن ms0416 بلغ) أي: ومن بلغه القرآن إلى ~~قيام الساعة، وفي الخبر عن النبي: ' نضر الله وجه امرئ سمع مني مقالة، ~~فوعاها، ثم بلغها؛ فرب مبلغ أوعى من سامع ' وقيل: معناه: لأنذركم به، يعني: ~~العرب، ومن بلغ، يعني: العجم. # * (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد ~~وإنني بريء مما تشركون) أمره بالجواب عقيب السؤال لما بينا. # * (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه) قيل: أراد به: محمدا، وقيل: أراد به: ~~القرآن يعرفونه * (كما يعرفون أبناءهم). PageV02P093 # * (أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا ~~أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ~~ربنا ما كنا مشركين) * * (الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون) أي: غبنوا ~~أنفسهم، وغبنهم: أنهم خسروا رأس المال، وفي الخبر: أن الله - تعالى - خلق ~~لكل آدمي منازل في الجنة، فإن كفر خسر تلك المنازل، وجعلها الله - تعالى - ~~لمؤمن. # قوله - تعالى -: * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) أي: قال عليه ما ~~لم يقله * (أو كذب بآياته) يعني: آيات القرآن * (إنه لا يفلح الظالمون). # قوله - تعالى -: * (ويوم نحشرهم جميعا) أراد به: حشر القيامة * (ثم ~~[نقول] للذين أشركوا أين شركاءكم الذين كنتم تزعمون) يعني أين الشركاء ~~الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء الله، والزعم قول الكذب، قال ابن عباس: الزعم ~~الكذب في كل موضع، وفي الآثار: ' زعموا مطية الكذب '. # قوله - تعالى -: * (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا ~~مشركين) قال قتادة: معناه: ثم لم تكن معذرتهم - وقال غيره: ثم لم يكن ~~كلامهم - إلا أن قالوا. # قال الزجاج: في قوله: * (ثم لم تكن فتنتهم) معنى لطيف، وذلك مثل الرجل ~~يفتن (بمحبوب) ثم تصيبه في ذلك محنة؛ فيتبرأ من محبوبه؛ فيقال: لم تكن ~~فتنته إلا هذا، كذلك الكفار لما فتنوا بمحبة الأصنام، ثم إذا رأوا العذاب ~~يتبرءون منها. # يقول الله - تعالى -: * (ثم لم تكن فتنتهم ms0417 إلا أن قالوا والله ربنا ما ~~كنا مشركين PageV02P094 # (* (23) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) ومنهم ~~من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا ~~كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين) * * انظر كيف كذبوا على أنفسهم) كذبهم عل أنفسهم: تبرئهم ~~من الشرك * (وضل) أي: ذهب * (عنهم ما كانوا يفترون). # قوله - تعالى -: * (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة) هذا في ~~رؤساء المشركين، مثل: أبي سفيان بن حرب - حين كان مشركا - وأبي جهل بن ~~هشام، وعتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن المغيرة، وغيرهم، كانوا يستمعون ~~القرآن؛ فقالوا: لأبي سفيان: ما هذا؟ فقال: أرى فيه حقا وباطلا. فقال أبو ~~جهل: حتى تفاخرنا واستوينا في المجد، واستوت بنا الركب، تزعمون أن منكم ~~نبيا يا بني عبد مناف، والله لا نقر بهذا، وفي رواية: [للموت] أهون علينا ~~من هذا. # * (وجعلنا على قلوبهم أكنة) هي جمع ' الكنان ' كالأعنة جمع العنان وهي ~~الأغطية * (أن يفقهوه) قال بعضهم: كراهة أن يفقهوه، وقال آخرون: أن لا ~~يفقهوه * (وفي آذانهم وقرا) أي: وجعلنا في آذانهم صمما، قال ابن عباس: ~~والوقر: أصله الثقل؛ ومن ثقل الأذن جاء الصمم. # * (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) هذا في معجزات النبي، وما أراهم من ~~الآيات. # يقول الله - تعالى -: وإن يروا جميع تلك الآيات لا يؤمنوا بها، وقيل: ~~إنهم اقترحوا آية؛ فنزل قوله: * (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) وهذا في ~~قوم مخصوصين، علم الله أنهم لا يؤمنون. # * (حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين) ~~مجادلتهم: أنهم قالوا للنضر بن الحارث بن كلدة، وكان قد نظر في الكتب ~~المنزلة، PageV02P095 # (* (25) وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (26) ~~ولو) * * وكان ممن يستمع القرآن؛ فقالوا له: ما تقول في هذا؟ قال: إن هذا ~~إلا أساطير الأولين، مثل أقاصيص رستم واسفنديار، وصحف الأولين، قال ثعلب: ~~الأساطير: جمع ms0418 الأسطورة، وهي المكتوبة. # قوله - تعالى -: * (وهم ينهون عنه وينئون عنه) أي: ينهون الناس عن اتباع ~~محمد، وتباعدون عنه بأنفسهم، وقيل: معنى قوله * (ينهون عنه) أي: يذبون عنه، ~~ويمنعون الناس عن أذاه * (وينئون عنه) أي: يتباعدون عن الإيمان به، وذلك ~~مثل أبي طالب، كان يذب عنه حال حياته، قال ابن عباس: هو في أبي طالب. حتى ~~روى أنه اجتمع عليه رؤساء قريش، وقالوا له: اختر شابا من أصحابنا وجيها، ~~واتخذه ابنا لك، وادفع إلينا محمدا؛ فقال أبو طالب: ما أنصفتموني، أدفع ~~إليكم ولدي ليقتل، وأربي ولدكم؟! # وروى أنه قال لرسول الله: ' لولا أن قريشا تعيرني لأقررت عينك بالإيمان ~~'، وكان يذب عنه إلى أن توفي، وروى: ' أنه قرأ عليه قوله - تعالى -: * (وهم ~~ينهون عنه وينئون عنه) فقال أبو طالب: أما أن أدخل في دينك فلا أدخل أبدا، ~~ولكني أذب عنك ما حييت '، وله فيه أبيات: # (والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا) (فاصدع بأمرك ~~ما عليك غضاضة * وأبشر بذاك وقر منك عيونا) (ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * ~~وصدقتني ولكنت ثم أمينا) PageV02P096 # * (ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين (27) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه وإنهم) * * (ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية ~~دينا) (لولا الملامة أو حذار مسبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا) * (وإن ~~يهلكون إلا أنفسهم) أي: لا يرجع وبال فعلهم إلا إليهم * (وما يشعرون). قوله ~~- تعالى -: * (ولو ترى إذ وقفوا على النار) أي: دخلوا النار، (وقيل: عرضوا ~~على النار)، والوقوف: الاطلاع على حقيقة الشيء * (فقالوا يا ليتنا نرد) إلى ~~الدنيا * (ولا نكذب بآيات ربنا) قال سيبويه: هو ابتداء كلام، يعني: لا نكذب ~~أبدا، رددنا أو لم نرد، وقال غيره: هو على نسقه، أي: يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~بآيات ربنا، أي: لا نكفر بعد الرد إلى الدنيا * (ونكون من المؤمنين) ويقرأ ~~' ونكون ' بنصب النون، وتقديره: ولنكون من المؤمنين. # قوله - تعالى ms0419 -: * (بل بدا لهم) قوله: ' بل ' بحتة، رد لما قالوا، وقوله: ~~* (بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) أي: ظهر لهم ما أخفوا من قبل من تبرئهم ~~عن الشرك بقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين؛ وذلك أنهم إذا قالوا ذلك؛ يختم ~~الله على أفواههم، وتنطق جوارحهم بشركهم؛ فيبدو لهم ما كانوا يخفون من قبل. # * (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) أي: ولو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى ~~الكفر، والشرك بالله * (وإنهم لكاذبون) يعني: في قولهم * (يا ليتنا نرد لا ~~نكذب بآيات ربنا) وفي الأخبار: ' أن الله تعالى يعتذر إلى آدم يوم القيامة ~~بثلاث معاذير، أحدها هذا بقوله: إني لا أدخل من ذريتك النار إلا من أعلم ~~أني لو رددته إلى الدنيا سبعين PageV02P097 # * (لكاذبون (28) وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) ~~ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون (30) قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم ~~الساعة بغتة قالوا يا) * * مرة لكفر (بي) '. # قوله - تعالى -: * (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين) ~~هذا في إنكارهم البعث والقيامة، قوله - تعالى -: * (ولو ترى إذ وقفوا على ~~ربهم) أي: عرضوا على ربهم، * (قال أليس هذا بالحق) وذلك حين تكشف [لهم] ~~الغيوب والسرائر. # * (قالوا بلى وربنا) فيقرون بها، قال ابن عباس: هذا في موقف، وقوله: * ~~(والله ربنا ما كنا مشركين) في موقف آخر، وفي القيامة مواقف، ففي موقف ~~ينكرون، وفي موقف يقرون، * (قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). # قوله - تعالى -: * (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) أي: خسروا أنفسهم ~~بتكذيبهم بالمصير إلى الله؛ فاللقاء ها هنا بمعنى المصير إليه * (حتى إذا ~~جاءتهم الساعة بغتة) أي: فجأة * (قالوا يا حسرتنا) هذا على المبالغة، ~~كقولهم: يا عجبا، وقول القائل: يا عجبا، أبلغ من قوله: أنا متعجب؛ فكذلك ~~قوله: * (يا حسرتنا) أبلغ من قوله: أنا متحسر، قال سيبويه: هذا على وجه ~~النداء، كأنه يقول: أيتها الحسرة هذا أوانك وأيها العجب جاء أوانك. ms0420 # * (على ما فرطنا فيها) أي: قصرنا فيها، أي: في أمر القيامة * (وهم يحملون ~~PageV02P098 # * (حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما ~~يزرون (31) وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون ~~أفلا تعقلون (32) قد) * * أوزارهم على ظهورهم) الأوزار: الأثقال، واحدها: ~~وزر، ومنه الوزر، وهو الحبل في قوله - تعالى -: * (كلا لا وزر) أي: لا حبل ~~ولا ملاذ، وحملهم الأوزار بيانه في الخبر، وهو ما روى عن النبي أنه قال: ' ~~يحشر الناس يوم القيامة، فمن كان منهم برا تلقاه صورة حسنة طيبة الريح، ~~فتقول: أما تعرفني؟ أنا عملك الصالح، فاركبني فقد طال ما ركبتك، ومن كان ~~فاجرا تلقاه صورة قبيحة منتنة الريح، فتقول: أما تعرفني؟ أنا عملك الخبيث، ~~وقد طال ما ركبتني فأنا اليوم أركبك '. فهذا معنى قوله: (* (وهم يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون) * وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ~~وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) وصف كلا الدارين في هذه الآية. # قوله - تعالى -: * (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ~~ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) سبب هذا: ' أن رسول الله مر على أبي جهل، ~~فقال: يا محمد، أنت صادق عندنا، وإنما نكذب بما جئت به ' فهذا معنى الآية. ~~وقيل: إنما نزل هذا تسلية للرسول، يقول الله - تعالى -: لا تحزن؛ فإنهم لا ~~يكذبونك، ويقرأ: ' فإنهم لا يكذبونك ' مخففا، والفرق بين التكذيب والإكذاب: ~~أن التكذيب: هو أن يقول له: كذبت، والإكذاب: هو أن يجده كاذبا. # قوله تعالى: * (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا) فيه ~~PageV02P099 # * (نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون (33) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى ~~أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين (34) وإن كان ~~كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء ~~فتأتيهم بآية ولو شاء الله ) * * حذف، وتقديره: ولقد كذبت رسل من ms0421 قبلك ~~وأوذيت، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا * (حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات ~~الله) أي: لعلم الله وأحكامه * (ولقد جاءك من نبأ المرسلين) أي: أخبار ~~المرسلين. # قوله - تعالى -: * (وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا ~~في الأرض) النفق: السرب في الأرض، ومنه: ' النافقاء ' وهو جحر اليربوع؛ ~~ومنه: النفاق، لأن المنافق يدخل نفقين * (أو سلما في السماء [فتأتيهم ~~بآية]) أي: درجا في السماء فتأتيهم بآية، سبب هذا: أن الكفار كانوا يقترحون ~~الآيات؛ وود النبي أن (يعطيهم) الله ما اقترحوا من الآيات (طمعا) في أن ~~يروا الآيات؛ فيسلموا فنزل قوله: * (فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو ~~سلما في السماء فتأتيهم بآية) وتقديره: إن استطعت ذلك فافعل، وفيه حذف. # * (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) أي: بأن يريهم آية؛ يضطرون إلى ~~الإيمان بها، والصحيح: أن المراد به: ولو شاء الله لطبعهم وخلقهم على ~~الإيمان؛ فهذا أقرب إلى قول أهل السنة؛ لأن إيمان الضرورة لا ينفع، وإنما ~~ينفع الإيمان بالغيب اختيارا * (فلا تكونن من الجاهلين) أي: بهذا الحرف، ~~وذلك قوله: * (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى). # قوله - تعالى -: * (إنما يستجيب الذين يسمعون) هاهنا الوقف، ومعناه: إنما ~~يستجيب الذين يسمعون سماع القبول * (والموتى يبعثهم الله) يعني: الكفار * ~~(ثم PageV02P100 # * (لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (35) إنما يستجيب الذين ~~يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) وقالوا لولا نزل عليه آية ~~من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون (37) وما من ~~دابة في الأرض ولا طائر * * إليه يرجعون). # قوله - تعالى -: * (وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على ~~أن ينزل آية) يعني: أنه قادر على إنزال الآيات، وقد أنزل كثيرا من الآيات ~~والمعجزات، ولكن لا ينزل الآيات على اقتراح الكفار * (ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون). # قوله - تعالى -: * (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه) إنما ~~قيد الطيران بالجناح تأكيدا * (إلا أمم أمثالكم) أي: أصناف أمثالكم، وفي ~~الخبر: ' لولا أن الكلاب ms0422 أمة؛ لأمرتكم بقتلها؛ فاقتلوا منها كل أسود بهيم، ~~فإنه شيطان '، ومعنى الآية: أنها أمثالكم في الخلق، والموت، والبعث، يعني: ~~يخلقها كما يخلقكم، ويميتها كما يميتكم ويبعثها كما يبعثكم، وقيل: معنى ~~قوله: * (أمم أمثالكم) يعني: في العلم بالضار والنافع، والتوقي عن الهلاك، ~~ومعرفة العدو. # * (ما فرطنا في الكتاب من شيء) فإن قال قائل: نرى كثيرا من الأحكام ليست ~~في الكتاب، فما معنى قوله: * (ما فرطنا في الكتاب من شيء)؟ قيل: ما من شيء ~~إلا وأصله في الكتاب، وقيل: ما قاله الرسول، فإنما قاله من الكتاب؛ لأنه قد ~~قال في خبر معروف: ' أوتيت القرآن ومثله ' وقد قال الله - تعالى - * (وما ~~ينطق عن PageV02P101 # * (يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم ~~يحشرون (38) والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ~~ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (39) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة أغير الله) * * لهوى إن هو إلا وحي يوحى) فكل ما ثبت بالسنة؛ ~~فكأنه ثابت في الكتاب، وقيل: [معناه]: ما فرطنا في الكتاب من شيء تقع ~~الحاجة إليه. # * (ثم إلى ربهم يحشرون) ولا شك في حشر البهائم والحيوانات يوم القيامة، ~~حتى روى: أن الله - تعالى - يحشرها ويقتص للجماء من القرناء، وروى أبو ذر: ~~' أن النبي رأى شاتين تنتطحان؛ فقال: يا أبا ذر، أتدري فيما نتطحان؟ فقلت: ~~لا. فقال لكن الله يدري، وسيقضي بينهما وأمثال هذا كثير '، وسبيل الناس أن ~~يؤمنوا به، ويكلوا علمه إلى الله - تعالى - فإنه شيء لا تهتدي إليه العقول، ~~وعلى هذه الآية حكاية: حكي أن بهلول المجنون رأى أبا يوسف القاضي في ~~الطريق؛ فسأله وقال: إن الله - تعالى - يقول: * (وما من دابة في الأرض ولا ~~طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) ثم يقول: * (وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير) فما نذير الكلاب؟ فتحير أبو يوسف عن الجواب، فأخذ بهلول حجرا من ~~الأرض، وقال: هذا نذير الكلاب. # قوله - تعالى -: * (والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات) أي: ms0423 صم عن ~~سماع الحق، وبكم عن قول الحق * (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم). # قوله - تعالى -: * (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله) قيل: عذاب الله: هو ~~PageV02P102 # * (تدعون إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ~~وتنسون ما تشركون (41) ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ~~والضراء لعلهم يتضرعون (42) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ~~وزين لهم) * * الموت * (أو أتتكم الساعة) يعني: القيامة * (أغير الله تدعون ~~إن كنتم صادقين) هذا استفهام بمعنى التقرير، يعني: لا تدعون إلا الله، ~~وأراد به في أحوال الضرورات؛ فإن الكفار في حال الضرورات يدعون الله - ~~تعالى - كما قال: * (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين). # قوله - تعالى -: * (بل إياه تدعون) هذا تقرير لما استفهم منه في الآية ~~الأولى، يعني: بل تدعون الله، ولا تدعون غيره * (فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شاء) قيد إجابة الدعوة بالمشيئة ها هنا، وأطلقها في قوله: * (ادعوني أستجب ~~لكم). # قال أهل العلم: وذلك مقيد بالمشيئة أيضا، بدليل هذه الآية. # * (وتنسون ما تشركون) وذلك أنهم لما تركوا الأصنام في حال الضرورات إلى ~~دعاء الله؛ فكأنهم نسوا ما يشركون، وفي الآية مجاز، وتقدير قوله: * (فيكشف ~~ما تدعون إليه) أي: فيكشف ضر ما تدعون إليه. # وقوله - تعالى -: * (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ~~والضراء) البأساء: الجوع، والفقر، والضراء: المرض، والبلوى في النفس ~~والمال. # * (لعلهم يتضرعون) التضرع: السؤال بالتذلل، وحكى أبو عبيد عن الفراء: ~~فلان يتضرع، ويتصدى [أي] أنه سأل متذللا وبتضرع. # قوله - تعالى -: * (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا) أي: فهلا تضرعوا (* (إذ ~~جاءهم بأسنا) * ولكن قست قلوبهم) قال الزجاج معناه: بلغت قلوبهم في ~~PageV02P103 # * (الشيطان ما كانوا يعملون (43) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) ~~فقطع دابر القوم الذين) * * القساوة أنا أرسلنا إليهم الرسل، وأريناهم ~~الآيات، وأخذناهم بالبأساء والضراء، فلم يتضرعوا، ولم يعودوا عما كانوا ~~عليه * (وزين لهم ms0424 الشيطان ما كانوا يعملون) يعني: حتى مضوا على عملهم ~~وكفرهم. # قوله - تعالى -: * (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء) هذا ~~فتح استدراج ومكر، وفي الآثار: ' من فتح عليه باب نعمة، فلم ير أنه مكر به ~~فلا رأي له، ومن أصابته شدة فلم ير أنه نظر له، فلا رأي له ' يعني: في ~~الدين. # * (حتى إذا فرحوا بما أوتوا) هذا فرح بطر، وهو منهي عنه، وذلك مثل فرح ~~قارون بما أصاب من الدنيا حتى قال له قومه: ' لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين '. # * (أخذناهم بغتة) أي: فجأة * (فإذا هم مبلسون) قال ابن عباس: آيسون من ~~حمل خير، وقال أبو عبيدة: المبلس: النادم الحزين، وقال الفراء: هو الساكت ~~المنقطع عن الحجة، وأنشدوا: # (يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا) وقال آخر: # (ملك إذا طاف الغفاة ببابه * غبطوا وأنجي منهم المتبلس) قوله - تعالى -: ~~* (فقطع دابر القوم الذين ظلموا) الدابر: الأصل ها هنا؛ فيكون الدابر ~~بمعنى: الآخر؛ ومنه قوله: ' من أشراط الساعة كذا وكذا، ولا يأتون الصلاة ~~إلا دبرا '، أي: آخرا * (والحمد لله رب العالمين) حمد الله نفسه على ~~إهلاكهم واستئصالهم، وفيه تعليمنا الحمد لله على هلاك الكفار. # قوله - تعالى -: * (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على ~~قلوبكم PageV02P104 # * (ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ~~ثم هم يصدفون (46) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا ~~القوم الظالمون (47) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح ~~فلا خوف عليهم ولا) * * من إله غير الله يأتيكم به) ذكر أشياء، ثم قال: * ~~(يأتيكم به) فاختلفوا؛ فقال (بعضهم) معناه: يأتيكم بما (أخذ. و) قال آخرون: ~~قوله: * (يأتيكم به) يرجع إلى السمع خاصة، واندرج فيه الأبصار والقلوب. ومن ~~هذا ذهب بعض العلماء إلى أن السمع أفضل من سائر الحواس؛ حيث خصه بالكناية، ~~وقالوا: هو مثل قوله - تعالى ms0425 -: * (والله ورسوله أحق أن يرضوه) و ' الهاء ' ~~راجعة إلى الله - تعالى - واندرج فيه الرسول * (انظر كيف نصرف الآيات ثم هم ~~يصدفون) أي: يعرضون. # قوله - تعالى -: * (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله) حكى الفراء عن العرب ~~أنهم يقولون: أرأيتك بمعنى أخبرني، [وأرأيتكما] بمعنى أخبراني، وأرأيتكم ~~يعني: أخبروني وأرأيتك بمعنى: للمرأة بمعنى: أخبريني، هكذا * (بغتة أو ~~جهرة) معناه: ليلا أو نهارا وقيل: معناه: فجأة أو عيانا * (هل يهلك إلا ~~القوم الظالمون). # قوله - تعالى -: * (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين) وقد بينا هذا ~~* (فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) يعني: يوم القيامة. # * (والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب) أي: يصيبهم عذاب النار * (بما ~~كانوا يفسقون). # قوله - تعالى -: * (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله) أنزل هذا حين ~~اقترحوا الآيات، وكانوا يقولون: لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا من ~~السماء، وسائر ما PageV02P105 # * (هم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا مسهم العذاب بما كانوا يفسقون ~~(49) قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ~~إن اتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) ~~وأنذر به الذين يخافون) * * اقترحوا من الآيات؛ فنزل قوله: * (قل لا أقول ~~لكم عندي خزائن الله) فأعطيكم ما تريدون (ولا أعلم الغيب). والغيب. كل ما ~~غاب عنك ويكون ماضيا، ويكون في المستقبل، والماضي منه يجوز أن يعلمه ~~الإنسان بخبر مخبر ونحوه. فأما المستقبل فلا يعلمه إلا الله، ورسول ارتضاه، ~~كما قال في سورة الجن، وقوله: * (ولا أعلم الغيب) فيه إضمار، أي: ولا أعلم ~~الغيب إلا ما أعلمنيه الله * (ولا أقول لكم إني ملك) إنما أمره بذلك؛ لأن ~~الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي، وقيل: لأن الملك يشاهد ما لا يشاهد ~~الآدمي، واستدل بهذا من فضل الملائكة على الآدميين، وليس فيه مستدل، ~~ومعناه: ما بينا. # * (إن اتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير) قال قتادة: ~~الكافر والمؤمن، وقال مجاهد: الضال والمهتدي، وقيل: الجاهل والعالم * (أفلا ~~تتفكرون). # قوله ms0426 - تعالى -: * (وانذر به) أي: خوف به * (الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم) قيل: هم المسلمون، وقيل: كل من يؤمن بالبعث من المسلمين وأهل الكتاب ~~. # * (ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون) فإن قيل: أليس يشفع ~~الأنبياء والأولياء يوم القيامة، فما معنى قوله: * (ليس لهم من دونه ولي ~~ولا شفيع)؟ قلنا: معناه: لا شفاعة إلا بإذنه، وهم إنما يشفعون [بإذنه، أو ~~هذا رد لما زعموا أن الملائكة والأصنام يشفعون] لنا. # قوله: * (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) سبب نزول الآية: ' ~~أن المشركين بمكة أتوا رسول الله، وقالوا: إنك تجالس الفقراء، وأرادوا به: ~~بلالا، PageV02P106 # * (أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51) ~~ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم ~~من شيء وما) * * وصهيبا، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، ~~ومهجع، ونحوهم من فقراء أهل الصفة، وقالوا: لو طردتهم آمنا بك؛ كأنهم ~~استنكفوا الجلوس معهم فهم النبي بذلك طمعا في إيمانهم؛ فنزلت الآية '. قال ~~سعد بن أبي وقاص: ' في نزلت الآية وابن مسعود... ' وعد جماعة، وقال مجاهد: ~~نزلت الآية في بلال وجماعة، وفيه قول آخر: أن الآية نزلت بالمدينة، وروى: ' ~~أن الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري أتيا رسول الله، كانا من ~~أكابر الكفار؛ فقالا: إنا نستنكف من الجلوس مع هؤلاء، فلو اتخذت لنا مجلسنا ~~منك؛ آمنا بك؛ فهم بذلك، طمعا في إيمانهم؛ فنزلت الآية ' فعلى هذا تكون ~~الآية من الآيات المبينة التي نزلت بالمدينة. # قوله: * (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) اختلفوا في هذه الدعوة، قال ابن ~~عباس: معناه: يصلون الصلوات الخمس، وقال إبراهيم النخعي: هو ذك الله، وقال ~~الضحاك: كل الطاعات. PageV02P107 # * (من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (52) وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين (53) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة أنه من عمل) * * وقوله: * (يريدون وجهه) ms0427 قال ابن عباس: أي: ~~يريدون إياه بالطاعة، ويريدون خالص وجهه، والوجه صفة لله - تعالى - بلا ~~كيف؛ وجه لا كالوجوه. # * (فتطردهم فتكون من الظالمين) يعني: إن طردتهم، وقيل: في الآية تقديم ~~وتأخير، وتقديره: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ~~فتكون من الظالمين، (ثم قال): * (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك ~~عليهم من شيء) قوله - تعالى -: * (وكذلك فتنا بعضهم بعض) هو فتنة الأغنياء ~~بالفقراء، [والله - تعالى - يفتن الأغنياء بالفقراء]، ويفتن الفقراء ~~بالأغنياء، والمراد هاهنا: فتنة أكابرهم بفقرائهم؛ حيث امتنعوا عن الإيمان ~~بسببهم؛ وذلك كان فتنة لهم. # * (وليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) يقول الأغنياء: أهؤلاء ~~الفقراء سبقونا بالإيمان، ثم يقول الله - تعالى -: * (أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين) يعني: أليس الله بأعلم من هو أهل للإسلام؛ فيدخل في الإسلام؟!. # قوله - تعالى -: * (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا) هم الفقراء الذين ~~ذكرنا * (فقل سلام عليكم) أمر رسوله ببدائتهم بالسلام، وقد ذكرنا معنى ~~السلام فيما سبق، وقيل: معناه: [سلمكم] الله في دينكم، وقيل: معناه السلامة ~~لكم. # * (كتب ربكم على نفسه الرحمة) أي قضى بالرحمة لكم * (أنه من عمل منكم ~~سواء بجهالة) أي خطيئه، وقد بينا أن كل عاص جاهل * (ثم تاب من بعده وأصلح ~~فإنه غفور رحيم) يقرأ: أنه، وفأنه، كلاهما بنصب الألف؛ فيكون بدلا عن قوله: ~~PageV02P108 # * (منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم (54) وكذلك ~~نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) قل إني نهيت أن اعبد الذين تدعون ~~من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين (56) قل ~~إني على بينة من) * * (كتب ربكم على نفسه الرحمة) ويقرأ: كلاهما بكسر الألف ~~على الابتداء، ويقرأ: الأول بالفتح والثاني بالكسر. # قوله - تعالى -: * (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) يقرأ ~~بثلاثة أوجه ولتستبين - بالتاء، سبيل: بنصب اللام. ومعناه: ولتستبين يا ~~محمد سبيل المجرمين؛ فإن قيل: ألم يكن مستبينا له؟ قيل: معناه: لتزداد ~~بيانا، وقال الزجاج: الخطاب مع الرسول، والمراد بالآية: الأمة. # ويقرأ وليستبين: بالياء والتاء ms0428 سبيل: برفع اللام، وقالوا: لأن السبيل ~~يذكر ويؤنث؛ قال الله - تعالى -: * (قل هذه سبيلي) ومعناه: وليظهر سبيل ~~المجرمين؛ (فإن قيل: لم خص سبيل المجرمين؟) قيل: تقديره: ولتستبين سبيل ~~المجرمين وسبيل المؤمنين؛ فحذف أحدهما اختصارا، والأصح أن تقديره: ولتستبين ~~سبيل المجرمين عن سبيل المؤمنين. # قوله - تعالى -: * (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله) هو ~~النهي عن الشرك * (قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين) ~~يعني: إن اتبعت أهواءكم، قوله - تعالى -: * (قل إني على بينة من ربي) على ~~بيان من ربي * (وكذبتم به) أي: بما [جئت] به * (ما عندي ما تستعجلون به) ~~قيل: أراد به استعجالهم الآيات والمعجزات، وقيل: أراد به استعجالهم ~~القيامة، قال الله - تعالى - * (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) وقيل: ~~أراد به استعجال العذاب، قال الله - PageV02P109 # * (ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو ~~خير الفاصلين (57) قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم ~~والله أعلم بالظالمين (58) وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في ~~البر والبحر وما) * * تعالى -: ' ويستعجلونك بالعذاب ' وكانوا يقولون: * ~~(إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ~~أليم). # * (إن الحكم إلا لله يقضي الحق وهو خير الفاصلين) ويقرأ: يقص بالصاد، ~~واستدل بالكتابة في المصاحف؛ فإن هذه الكلمة تكتب بغير الياء. # قوله تعالى: * (قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم) ~~معناه: لقامت القيامة، وقيل: هو في العذاب، ومعناه: لو كان العذاب بيدي ~~لعجلته؛ حتى أتخلص منكم * (والله أعلم بالظالمين). # قوله - تعالى -: * (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو) روى ابن عمر عن ~~النبي أنه قال: ' مفاتح الغيب خمسة ' وذكر (الخمس) المذكورة في قوله - ~~تعالى -: * (إن الله عنده علم الساعة) ثم قرأ الآية. * (ويعلم ما في البر ~~والبحر) قال مجاهد: البحر: القرى والأمصار هاهنا، (والبر: المفاوز)، يقال: ~~هذا المصر بحر، وهذه القرية بحر؛ لاجتماعها وكثرة أهلها، وقيل: ms0429 هو البر ~~والبحر المعروف. # * (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) فإن قال قائل: لم خص [الورق] الساقط ~~PageV02P110 # * (تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا ~~في كتاب مبين (59) وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم ~~يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم عليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) ~~وهو القاهر فوق عباده) * * وهو يعلم الساقط والثابت؟ قيل: هذا معناه: أي: ~~وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ساقطة وثابتة، قال جعفر بن محمد الصادق: أراد ~~بالورقة الساقطة: السقط. # * (ولا حبة في ظلمات الأرض) هو الحب المعروف، وقال جعفر الصادق: هو الولد ~~* (ولا رطب ولا يابس) قيل: معناه: ولا حي ولا موات، وقيل: هو عبارة عن كل ~~شيء * (إلا في كتاب مبين) يعني: أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مثل ~~قوله - تعالى -: * (وكل صغير وكبير مستطر). # قوله - تعالى -: * (وهو الذي يتوفاكم بالليل) أي: يقبض أرواحكم بالليل ~~إذا نمتم، وهذا نظير قوله: * (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها). فإن قال قائل: أليس من نام فروحه معه؛ فما معنى هذا القبض؟ قيل: ~~هو قبض النفس المميزة المتصرفة * (ويعلم ما جرحتم بالنهار) أي: كسبتم ~~بالنهار * (ثم يبعثكم فيه) قال قتادة: البعث اليقظة هاهنا، أي: ثم يوقظكم ~~في النهار * (ليقضي أجل مسمى) القضاء: هو فصل الحكم على التمام، ومعناه ~~هاهنا: استيفاء أجل العمر على التمام. # (ثم إليه مرجعكم ثم ينئكم بما كنتم تعملون). # قوله - تعالى -: * (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة) أما معنى ~~القاهر، وصفة الفوق، فقد ذكرنا؛ وأما إرسال الحفظة: هو إرسال الملائكة ~~الحفاظ، وهو ما قال في آية أخرى * (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين) وقال: ~~* (له معقبات PageV02P111 # * (ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ~~(61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) قل ~~من ينجيكم) * * من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) وحفظهم: أن ~~[يحفظوا] على العباد ms0430 العمل والأجل والرزق * (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا) ويقرأ: ' توفيه ' بالياء * (وهم لا يفرطون) أي: لا يؤخرون. # فإن قيل: قد قال في آية أخرى: * (قل يتوفاكم ملك الموت) وقال هاهنا: * ~~(توفته رسلنا) فكيف وجه الجمع؟ قيل: قال إبراهيم النخعي: لملك الموت أعوان ~~من الملائكة، يتوفون عن أمره؛ فهو معنى قوله: * (توفته رسلنا) ويكون ملك ~~الموت هو المتوفى في الحقيقة؛ لأنهم يصدرون عن أمره، ولذلك نسب الفعل إليه ~~في تلك الآية، وقيل: معناه: ذكر الواحد بلفظ الجمع، والمراد به: ملك الموت، ~~وفي القصص أن الله - تعالى - جعل الدنيا بين يديه كالمائدة الصغيرة؛ فيقبض ~~من هاهنا ومن هاهنا؛ فإذا كثرت الأرواح يدعو الأرواح فتجيب له. # قوله - تعالى -: * (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) فإن قال قائل: الآية ~~في المؤمنين والكفار، فكيف قال: * (مولاهم الحق) وقد قال في آية أخرى: * ~~(وأن الكافرين لا مولى لهم)؟ قيل: المولى في تلك الآية بمعنى: الناصر، ولا ~~ناصر للكفار، والمولى هاهنا بمعنى: المالك، والله مالك الكل، وقيل: أراد به ~~رد المؤمنين إليه، ويدخل الكفار فيه تبعا. # * (ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين) أي: يحاسب الكل في لحظة. # قوله تعالى: * (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) يعني: من شدائد البحر ~~والبر، تقول العرب: يوم مظلم. إذا كان يوم شدة، ويسمونه أيضا: يوما ذا ~~كوكب. كأنهم جعلوه كالليل لشدته، قال الشاعر: PageV02P112 # * (من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) قل هو ~~القادر على) * * (بني أسد هل تعلمون (بلاءنا * إذا كان يوما ذا كواكب ~~أشهبا) وقال آخر: # (فدا لبني ذهل بن شيبان ناقتي * إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا) * (تدعونه ~~تضرعا وخفية) أي: علانية وسرا، وقيل: معناه: أن يكون السر مع الجهر في ~~الدعاء بحيث يدعو باللسان وسره معه، ويقرأ ' وخفية ' بكسر الخاء ومعناهما ~~واحد * (لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) والشكر: [هو] معرفة النعمة ~~مع القيام [بحقها]، ولا بد ms0431 من هذين حتى يتحقق الشكر. # قوله - تعالى -: * (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون) ~~الكرب: غاية الهم. # قوله - تعالى -: * (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من ~~تحت أرجلكم) قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، وجماعة: نزلت الآية في أهل ~~الإيمان وأهل الصلاة. وقال غيرهم: نزلت في المشركين، وقوله: * (عذابا من ~~فوقكم أو من تحت أرجلكم) قال مجاهد، وسعيد بن جبير: عذابا من فوقكم: هو ~~الرمي بالحجارة، كما كان في قوم لوط. أو من تحت أرجلكم هو الخسف والرجفة. # وحكي عن ابن عباس أنه قال: عذابا من فوقكم: تسليط أئمة السوء، ومن تحت ~~أرجلكم: تسليط الخدم السوء، وقيل: عذابا من فوقكم: الطوفان والغرق، ومن تحت ~~PageV02P113 # * (أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق ~~بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) وكذب به قومك وهو) * ~~* أرجلكم: الريح، كما كان في قوم عاد * (أو يلبسكم شيعا) قال الزجاج: ~~معناه: يخلطكم خلط اضطراب لا خلط اتفاق، وحقيقة المعنى: أن يبث فيكم ~~الأهواء المتفرقة؛ فتصيرون فرقا وأحزابا. # (ويذيق بعضكم بأس بعض) هو وقوع القتل بينهم؛ وقد صح عن النبي أنه لما ~~نزلت هذه الآية، وسمع الأولين؛ قال: ' أعوذ بوجهك؛ فلما سمع الآخرين؛ قال: ~~هاتان أيسر ' وفي الخبر المعروف: ' أنه لما نزلت هذه الآية؛ دعا لأمته ~~وناجى طويلا؛ حتى نزل جبريل أن الله رفع الأولين، وأجاب دعوتك فيهما، ولم ~~يجب في الآخرين '. فبثت الأهواء والقتال في هذه الأمة، وقد سل السيف من ~~زمان عثمان، فلا يغمد إلى قيام الساعة، وقد روى أن الدعاء المعروف الذي كان ~~يدعو به رسول الله، دعا به حيث نزلت هذه الآية، وقال: ' اللهم إني أعوذ ~~بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك ' أي: بقضاءك من قضاءك * ~~(انظر كيف نصرف الآيات) يعني: مرة هكذا، ومرة هكذا * (لعلهم يفقهون). ~~PageV02P114 # * (الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون (67) وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا ms0432 فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ~~ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) وما على الذين ~~يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) وذر الذين اتخذوا دينهم ~~لعبا) * * قوله - تعالى -: * (وكذب به قومك وهو الحق) يعني: القرآن * (قل ~~لست عليكم بوكيل) أي: بمسلط؛ فألزمكم الإسلام شئتم أو أبيتم، قال ابن جريج: ~~كان هذا في الابتداء ثم نسخ بقوله: * (فاقتلوا المشركين). # * (لكل نبأ مستقر) قال مجاهد: معناه: لكل خبر من أخبار القرآن حقيقة إما ~~في الدنيا، وإما في الآخرة * (وسوف تعلمون). # قوله - تعالى -: * (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم) أراد ~~به: يخوضون فيها بالرد والاستهزاء، قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: ويدخل ~~في هذا: الخوض في كل الآيات لا على وفق الكتاب والسنة. # * (فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد ~~الذكرى مع القوم الظالمين) يعني: قوله: * (وإذا رأيت الذين يخوضون في ~~آياتنا فأعرض عنهم) قالت الصحابة: إذا كيف تقعد في المسجد الحرام وكيف نطوف ~~بالبيت، وهم يخوضون أبدا؟ فنزلت هذه الآية: * (وما على الذين يتقون من ~~حسابهم من شيء) يعني: إذا لقوهم، ولم يخوضوا فيما يخوضون * (ولكن ذكرى ~~لعلهم يتقون) أمر [بتذكيرهم] ومنعهم عن ذلك، وقيل: معناه: في حال الذكر، ~~وليس عليهم شيء في حال ما يذكرونهم إذا لم يرضوا بما خاضوا فيه. # قوله - تعالى -: * (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة ~~الدنيا). # قال الفراء في كتابه: عيد [أهل كل ملة] يوم لهو ولعب إلا عيد المسلمين؛ ~~PageV02P115 # * (ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من ~~دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا ~~بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (70) قل أندعوا من ~~دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي ~~استهوته الشياطين في) * * فإنه (يوم) الصلاة وفعل الخير والتكبير. # * (وذكر ms0433 به أن تبسل نفس بما كسبت) قال مجاهد: أن تسلم للهلاك، وقال ~~قتادة: أن تحبس، وقال الفراء: أن ترتهن، وقال الكسائي، والأخفش: أن تجزي. ~~والصحيح هو الأول، يقال: فلان مستبسل إذا استسلم للهلاك، قال الشاعر: # (وإبسالي بني بغير جرم * [بعوه ولا بغير دم مراق]) وحقيقة المعنى: وذكر ~~به، لأن لا تسلم نفس للهلاك بعملها * (ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع) ~~وقد ذكرنا * (وإن تعدل كل عدل) هو الفدية * (لا يؤخذ منها أولئك الذين ~~أبسلوا بما كسبوا) هو ما ذكرنا * (لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون). # قوله - تعالى -: * (قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا) فإن ~~قيل: كيف لا يضرهم وفي الأصنام ضرهم؟ قيل: معناه: لا يجلب نفعا، ولا يدفع ~~ضرا، قيل: معناه: ليس بيدهم شيء. # * (ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله) أي: مرتدين على أعقابنا بعد ~~الهداية به والإسلام * (كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران) أضلته ~~الشياطين وغلبته حتى هوى، والحيران: المتردد بين شيئين لا يدري كيف يفعل. ~~PageV02P116 # * (الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى ~~وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه ~~تحشرون (72) وهو الذي حلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله ~~الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ~~(73) وإذ قال إبراهيم) * * (له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا) ضرب مثلا ~~للذي يرتد عن الإسلام برجل يكون في الطريق مع رفقة؛ فيضل به الغول، ويدعوه ~~أصحابه من أهل الرفقة إلى الطريق، فيبقى حيران، لا يدري أين يذهب. (* (قل ~~إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين) * وأن أقيموا الصلاة ~~واتقوه) أي: وأمرنا بإقامة الصلاة والتقوى (* (وهو الذي إليه تحشرون) * وهو ~~الذي خلق السماوات والأرض بالحق) أي: لإظهار الحق؛ لأنه جعل صنعه دليلا على ~~وحدانيته * (ويوم يقول كن فيكون) قيل: هو راجع إلى قوله: * (خلق السماوات) ~~يعني: وخلق يوم يقول، فإن قيل: كيف ms0434 يصح هذا التقدير، والقيامة غير مخلوقة ~~بعد؟ قيل: هي كائنة في علم الله - تعالى - [فتكون] كالمخلوقة؛ إذ الحلق ~~بمعنى: القضاء والتقدير، وهي مقضية مقدرة، وقيل: تقديره: واذكر يوم يقول: ~~كن فيكون (* (قوله الحق) * وله الملك يوم ينفخ في الصور) قرئ في الشواذ: ' ~~يوم ينفخ في الصور ' وهي جمع الصورة، قال أبو عبيدة: الصور: هو الصور في كل ~~موضع، وقال ابن مسعود في تفسير الآية: الصور: قرن ينفخ فيه، وهو معروف في ~~الأخبار. * (عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير). # قوله تعالى: * (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) يقرأ ' آزر ' برفع الراء، وهو ~~في الشواذ، ومعناه: يا آزر، وكذلك في حرف أبي بن كعب: يا آزر، والمعروف ' ~~آزر ' بنصب PageV02P117 # * (لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (74) وكذلك ~~نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75) فلما جن عليه ~~الليل) * * الراء، وهو اسم أعجمي غير منصرف؛ فينصب في موضع الخفض. # قال الفراء، والزجاج: اسم أبيه: تارخ، أجمع عليه النسابون، وآزر لقب له، ~~قال الفراء: واللقب قد غلب على الاسم، وقيل: كان له اسمان: آزر، وتارخ، قال ~~الحسن: اسمه: آزر لا غير، كما نص عليه في الكتاب، وقال مجاهد: آزر: اسم ~~صنم، وتقدير الآية: وإذ قال إبراهيم لأبيه: * (أتتخذ) آزر إلها * (أصناما ~~آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين). # قوله - تعالى -: * (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض) الملكوت ~~والملك واحد، وإنما أدخل التاء فيه للمبالغة، مثل: رهبوت ورحموت، واختلفوا ~~في معناه، منهم من قال: أراه أبواب السماوات والأرض، ومنهم من قال: فرج له ~~السماوات حتى رآها كلها وما فيها، وخرق له الأرضين حتى رآها كلها، وقيل: ~~رفعه إلى السماء حتى رأى السماوات والأرض. # وفي الخبر: ' أنه لما رفعه إلى السماء رأى في الأرض رجلا على المعصية، ~~فدعا الله حتى أهلكه، ثم رأى آخر، فدعا الله حتى أهلكه، ثم رأى ثالثا كذلك؛ ~~فدعا الله حتى أهلكه فقال الله - تعالى -: أهبطوه، ثم أوحى الله - تعالى -: ~~إليه: مهلا يا إبراهيم؛ فإن عبادي مني على ms0435 ثلاث خصال: إما أن يتوبوا فأغفر ~~لهم، وإما أن يتركوا ولدا يدعو لهم فأغفر لهم، وإن لم يكن [لهم] فجهنم من ~~ورائهم ' * (وليكون من الموقنين). # قوله - تعالى -: * (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا). PageV02P118 # * (رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (76) فلما رأى ~~القمر بازغا قال) * * وفي القصة: أن واحدا من الكهنة، قال لنمروذ: إن ملكك ~~يهلك على (يدي) ولد في زمانك، فكان يقتل البنين ممن يولد في زمانه؛ فلما ~~أتت أم إبراهيم بإبراهيم، جاء به أبوه إلى سرب الأرض شبه مغار، ووضعه في ~~موضع يقال له: كوثاء؛ فقيل: إنه كان فيه سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، ~~وقيل سبع عشرة سنة، ثم إنه لما شب، قال لأمه: من ربي؟ فقالت له: اسكت، ثم ~~جاءت وأخبرت أباه ما قال؛ فجاء أبوه؛ فقال له إبراهيم: من ربي؟ فقال: أمك، ~~قال: ومن رب أمي،؟ قال: أنا، قال: ومن ربك؟ قال: اسكت، وتركوه، ثم لما جن ~~عليه الليل خرج من السرب، ولم يكن رأى شيئا قط، فرأى كوكبا، قيل: هو ~~المشتري. # قال السدي: كان الكوكب: زهرة، وهي أضوأ كوكب في السماء. * (قال هذا ربي) ~~قيل: إنه قال ذلك في صغره حين لا يعبأ بقوله، وقيل: إنما كان مستدلا به؛ ~~فقال ذلك في حال الاستدلال؛ فلم يضره هذا القول، وهذان القولان ضعيفان، ~~وفيه ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: قال قطرب: قوله: هذا ربي. على وجه ~~الاستفهام، وتقديره أهذا ربي؟ ومثله قول الشاعر: # (رفوني وقالوا يا خويلد (لم ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم) وإنما قال: ~~هم على طريق الاستفهام، وتقديره: أهم هم؟ وأما الزجاج وغيره لم يرضوا منه ~~هذا، وقالوا: ليس في كلام العرب ' هذا ' بمعنى الاستفهام. # وذكر الزجاج قولين آخرين فيه: أحدهما: قال: ' هذا ربي ' على زعم قومه، ~~فإن قيل: هم كانوا يعبدون الكواكب، فكيف قاله على زعمهم؟ قيل: كان منهم أهل ~~نجوم، وكانوا يرون أنه إلى الكواكب الأمور؛ وكأنهم يعبدون الكواكب. # والقول الثاني: أن القول مضمر فيه، وتقديره: يقولون: هذا ms0436 ربي. ~~PageV02P119 # * (هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) ~~فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء ~~مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين (79) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن) * * (فلما أفل قال لا أحب الآفلين). # قوله - تعالى -: * (فلما رأى القمر بازغا) أي: طالعا: * (قال هذا ربي) ~~وكان ذلك في ليلة قد تأخر طلوع القمر فيها قليلا * (فلما أفل قال لئن لم ~~يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين) والأفول: الغروب. # قوله - تعالى -: * (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر) أي: أضوأ ~~وأنور فإن قال قائل: لم قال: هذا ربي، والشمس مؤنثة، ولم يقل هذه؟ قيل: لأن ~~ما ليس عليه علامة التأنيث يجوز أن يذكر، كما قال الشاعر: # (فلا مزنة وقد دقت * ودقها ولا أرض ذا بقل أبقالها) ولم يقل [أبقلت]، وإن ~~كانت الأرض مؤنثة؛ إذ لم يكن عليها علامة التأنيث، وقيل: إن قوله: هذا ربي، ~~يرجع إلى المعنى، وهو الضياء والنور * (فلما أفلت قال يا قومي إني بريء مما ~~تشركون). # قوله - تعالى -: * (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما ~~أنا من المشركين) الحنيف: الثابت على الدين، المائل إليه بالكلية. # قوله - تعالى -: * (وحاجه قومه قال أتحاجوني) (أي): جادله قومه؛ قال: ~~أتجادلوني * (في الله وقد هدان). PageV02P120 # * (يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تذكرون (80) وكيف أخاف ما ~~أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي ~~الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم أولئك لهم الأمن وهم) * * (ولا أخاف ما تشركون به) لأنهم كانوا ~~يخوفونه بالأصنام، وكانوا يقولون: احذر الأصنام؛ فإنا نخاف عليك الخبل ~~والجنون؛ فقال: * (ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا) قوله: إلا ~~أن يشاء ربي شيئا. ليس باستثناء عن الأول؛ إذ لا ms0437 يجوز أن يشأ الله أن يصيبه ~~شيء من الأصنام، وما يشركون به، وإنما هذا استثناء منقطع، ومعناه: لكن إن ~~شاء ربي أن يأخذني بشيء، أو يعذبني بجرمي؛ فله ذلك. # * (وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون). # قوله - تعالى -: * (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما ~~لم ينزل به عليكم سلطانا) الإشراك: هو الجمع بين الشيئين في معنى؛ فالإشراك ~~بالله: هو أن يجمع مع الله غير الله فيما لا يجوز إلا لله، ومعنى الآية: ~~وكيف أخاف الأصنام وما أشركتم، وأنتم أحق بالخوف مني حيث أشركتم بالله، ولا ~~تخافون الله بشرككم أو فعلكم الذي لم ينزل به الله حجة وسلطانا؟ * (فأي ~~الفريقين أحق بالأمن) يعني الموحد أو المشرك * (إن كنتم تعلمون). # قوله - تعالى -: * (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) اختلفوا فيه، ~~قال بعضهم: هذا من قول الله - تعالى -، وقيل: هو من قول إبراهيم، ومعناه: ~~الذين آمنوا، ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، هذا هو قول أبي بكر، وعلي، وحذيفة، ~~وسلمان أن المراد بالظلم الشرك، وقد صح برواية ابن مسعود: ' أنه لي نزلت ~~هذه الآية؛ شق ذلك على الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟! فقال: ليس ~~الأمر كما تظنون، إنما الظلم هاهنا بمعنى الشرك، وقرأ قوله تعالى: * (لا ~~تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) '. ومعنى الآية: الذين آمنوا بالله ولم ~~يشركوا به * (أولئك لهم الأمن PageV02P121 # * (مهتدون (82) وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء ~~إن ربك حكيم عليم (83) ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من ~~قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين ~~(84) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع) * * ~~هم مهتدون). # قوله - تعالى: * (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) اختلفوا فيه، قال ~~بعضهم: هي احتجاجه عليهم بقوله: * (فأي الفريقين أحق بالأمن)، وحجته في ذلك ~~أن الذي يعبد الله لا يشرك به شيئا أحق بالأمن من الذي يعبد الله ويشرك به. ~~وقيل: أراد به الحجاج الذي حاج به نمروذ، على ما سبق ms0438 في سورة البقرة. # * (نرفع درجات من نشاء) يعني: (بالحجاج)، والاستدلال، ويقرأ: ' نرفع ~~درجات ' منونا، وتقديره: نرفع من نشاء درجات * (إن ربك حكيم عليم). # قوله - تعالى -: * (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ~~ومن ذريته) اختلفوا فيه، قال بعضهم: أراد به: ذرية إبراهيم، والصحيح أنه ~~أراد به: ومن ذرية نوح؛ لأنه عد في الجملة يونس ولوطا، وهما من ذرية نوح لا ~~من ذرية إبراهيم * (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك ~~نجزي المحسنين) وليس هذا على ترتيب الأزمان؛ إذ كان هؤلاء على أزمان ~~مختلفة، بعضهم سابق على البعض، (فالواو لا) تقتضي الترتيب وإنما هي للجمع. # قوله - تعالى -: * (وزكريا ويحيى وعيس) هذا دليل على أن عيسى من ذرية ~~آدم، وإن كان انتماؤه إلى الأم؛ لأنه عده من ذرية نوح؛ فيكون آدم أباه من ~~قبل الأم * (وإلياس كل من الصالحين) قال ابن مسعود: إلياس هو إدريس، ~~والصحيح أنه رجل آخر. PageV02P122 # * (ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم ~~وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) ذلك هدى الله يهدي به ~~من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (88) أولئك الذين ~~آتيناهم الكتاب) * * قوله - تعالى -: * (وإسماعيل واليسع) ويقرأ: ' والليسع ~~' وهو اسم أعجمي مثل: زيد، ويزيد، ونحوه، وإنما وصل فيه الألف واللام ~~نادرا، ومثله قول الشاعر: # (وجدنا (الوليد بن اليزيد) مباركا * شديدا (بأعباء) الخلافة كاهله) * ~~(ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين). # قوله - تعالى -: * (ومن آبائهم) ' من ' فيه للتبعيض؛ لأن آباء بعضهم ~~كانوا مسلمين ومهتدين * (وذرياتهم) أي: ومن ذرياتهم، وأراد به: ذرية بعضهم ~~أيضا؛ لأن عيسى ويحيى لم يكن لهما ذرية، وكان في ذرية بعضهم من كان كافرا * ~~(وإخوانهم واجتبيناهم) أي: اصطفيناهم * (وهديناهم) أرشدناهم * (إلى صراط ~~مستقيم). # قوله - تعالى -: * (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء) أي: يرشد به من يشاء ~~من عباده * (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) أي: لبطل عنهم، ~~والحبوط: البطول وهذا مثل قوله - تعالى -: (* (لئن أشركت ليحبطن عملك) * ~~أولئك الذين أتيناهم الكتاب) الكتاب: ms0439 اسم الجنس، وأراد به: الكتب المنزلة ~~عليهم * (والحكم) يعني: العلم والفقه * (والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد ~~وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) يعني: أهل المدينة، ومن كان بها من ~~المهاجرين والأنصار، وقال قتادة: فإن يكفر بها هؤلاء يعني: الكفار، فقد ~~وكلنا بها قوما [يعني] PageV02P123 # * (والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين (89) أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إن هو إلا ذكرى للعالمين (90) وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل ~~الله على بشر من شيء قل من) * * الأنبياء الذين سبق ذكرهم، وقال أبو رجاء ~~العطاردي: معناه: فإن يكفر بها أهل الأرض، فقد وكلنا بها أهل السماء، وهم ~~الملائكة * (ليسوا بها بكافرين). # قوله - تعالى -: * (أولئك الذين هدى الله) أي: هداهم الله * (فبهداهم ~~اقتده) وهذه هاء الوقف، كما في قوله: * (ماليه) و * (سلطانيه)، ونحو ذلك، ~~ويقرأ: ' فبهديهم اقتده ' بكسر الهاء، وتقديره: فبهديهم اقتد اقتداء، هكذا ~~قيل: إن المصدر مقدس فيه * (قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكر ~~للعالمين) أي: تذكره. # قوله - تعالى -: * (وما قدروا الله حق قدره) قال ابن عباس: ما عظموا الله ~~حق عظمته، وقال أبو عبيدة: ما عرفوا الله حق معرفته، وقال الخليل بن أحمد: ~~ما وصفوا الله حق وصفته، يقال: قدرت الشيء، وقدرته؛ إذا عرفت حقيقته. # * (إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء) قيل: هذا قول مالك بن الصيف، ~~كان حبر اليهود، فحاج النبي، فجرى على لسانه في المحاجة: ما أنزل الله على ~~بشر من شيء، وكان ذلك بمكة؛ فنزلت الآية. # * (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس) أي: أجبه يا ~~محمد، وقل: من أنزل التوراة على موسى وأنتم تؤمنون به؟. # وفي القصة: أن اليهود سمعوا منه تلك المقالة؛ فعتبوا عليه، وقالوا: أليس ~~أن الله قد أنزل التوراة على موسى؟ فلم قلت ما أنزل الله على بشر من شيء؟! ~~فقال مالك بن الصيف: أغضبني محمد؛ فقلت ما قلت؛ ms0440 فقالوا: وأنت إذا غضبت تقول ~~على الله PageV02P124 # * (أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها ~~وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في ~~خوضهم يلعبون (91) وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم ~~القرى ومن حولها والذين) * * غير الحق؛ فنزعوه عن الحبرية، وأجلسوا مكانه ~~كعب بن الأشرف. # * (تجعلونه قراطيس تبدونها) أي: تكبون منها كتبا تبدونها * (وتخفون ~~كثيرا) أي: تخفون ما فيه نعت محمد، وتبدون منها ما ليس فيه نعت محمد * ~~(وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا (آباؤكم)) قيل: هو راجع إلى اليهود، وقيل: ~~هو خطاب للصحابة. # قال الله - تعالى -: (يعني: قل من أنزله) وهو راجع إلى ما تقدم * (قل ~~الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) وكل من خاض فيما لا ينفح به فهو لاعب. # قوله - تعالى -: * (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) يصف القرآن بالبركة: وأصل ~~البركة الثبوت، ومنه بروك البعير إذا ثبت واستقر، ومنه قوله: * (تبارك الذي ~~بيده الملك) أي: ثبت له ما يستحقه من التعظيم والجلال فيما لم يزل ولا ~~يزال. # * (مصدق الذي بين يديه) يعني: من الكتب المنزلة قبله * (ولتنذر أم القرى) ~~يعني: أهل أم القرى * (ومن حولها) وأم القرى مكة: وسميت أم القرى؛ لأن سائر ~~القرى [يقصدونها ويأتونها]، وقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها، (وقيل: لأنها) ~~معظمة تقصد بالتعظيم، ومنه سميت الأم أما؛ لأنها تعظم، وقد قال: ' إن ~~المدينة قرية تأكل سائر القرى ' يعني: أن أهل المدينة يقتحمون سائر القرى ~~PageV02P125 # * (يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ~~ما أنزل الله) * * بالسيف. # * (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون). # فإن قيل: اليهود والنصارى يؤمنون بالآخرة، ولا يؤمنون به، فما معنى قوله ~~' والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به '؟ قيل: أراد به المؤمنين؛ لأنهم الذين ~~يؤمنون بالآخرة حقيقة، فأما الذين يؤمنون بالآخرة، ولا يصدقون محمدا، وما ~~جاء به؛ ms0441 فكأنهم لم يؤمنوا بالآخرة على الحقيقة. # قوله - تعالى -: * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ~~ولم يوح إليه شيء) قال ابن عباس: ' [نزل] هذا في عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح، وكان قد أسلم؛ فجعله النبي كتابا للوحي، وكان يملي عليه الوحي؛ فيكتب، ~~فقيل: إنه كان يملي عليه: ' إن الله سميع عليم '، فيكتب: ' إن الله غفور ~~رحيم ' ويملي عليه: إن الله غفور رحيم ' فيكتب: ' إن الله عليم حكيم ' هكذا ~~كان يبدل؛ فروى أنه لما نزل قوله - تعالى -: * (ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين...) الآية فأملى النبي ذلك؛ فلما ~~رأى تفضيل خلق الله تعجب، وقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال له النبي: ~~هكذا أنزل * (فتبارك الله أحسن الخالقين) فشك الرجل في الوحي، وقال: أوحي ~~إلي كما يوحى إليه، وارتد عن الإسلام ' فقوله: * (أو قال أوحي إلي) هو هذا. # وقيل: نزلت الآية في مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، خرجا باليمن، وادعيا ~~PageV02P126 # * (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا ~~أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ~~آياته تستكبرون (93) ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء) * * النبوة والوحي إليهما، وقد روى عن النبي أنه قال: ' رأيت ~~في المنام سوارين من ذهب في يدي، فنفخت فيهما، فطارا، فأولتهما عل كذابين ~~يخرجان بعدي ' مسيلمة الكذاب كان باليمامة، والأسود العنسي كان بصنعاء ~~اليمن. # * (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) هذا في النضر بن الحارث بن كلدة، ~~ادعى معارضة القرآن، فروى أنه قال في معارضة القرآن: والطاحنات طحنا، ~~فالعاجنات عجنا، والخابزات خبزا فاللاقمات لقما. # * (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت) يعني: في شدائد الموت، قال ~~الشاعر: # (الغمرات ثم تنجلينا * ثمة تذهبن فلا تجينا) * (والملائكة باسطوا أيديهم) ~~قيل: للعذاب، وقيل: لقبض الأرواح * (أخرجوا أنفسكم) أي: أرواحكم، فإن قال ~~قائل: الروح إنما تخرج كرها؛ فما معنى قوله: أخرجوا أنفسكم؟ قيل: إنما قال ms0442 ~~ذلك تغليظا عليهم، كمن يخرج من الدار كرها، ويقال له: اخرج. # * (اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ~~آياته تستكبرون) الهون: من الهوان، والهون: من اللين والرفق، كما في قوله: ~~* (يمشون على الأرض هونا). # قوله - تعالى -: * (ولقد جئتمونا فرادى) أي وحدانا فردا فردا * (كما ~~خلقناكم أول مرة) بلا أهل ولا مال * (وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم) أي: ~~ملكناكم، والخول: المماليك. * (وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم ~~شركاء) PageV02P127 # * (ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع ~~بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون (94) إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من ~~الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون (95) فالق الإصباح وجعل ~~الليل) * * أراد به: ما زعموا من أن الأصنام والملائكة شفعاؤنا عند الله * ~~(لقد تقطع بينكم) أي: وصلكم، وهو مثل قوله: * (وتقطعت بهم الأسباب) أي: ~~الموصلات، ويقرأ: ' لقد تقطع بينكم ' - بفتح النون - ومعناه: تقطع الأمر ~~بينكم * (وضل عنكم ما كنتم تزعمون). # قوله - تعالى -: * (إن الله فالق الحب والنوى) الفلق: الشق، ومعناه: أنه ~~يشق الحبة؛ فيستخرج السنبلة من الحبة، ويشق النواة؛ فيستخرج النخلة من ~~النواة، [ويدخل] في قوله: * (فالق الحب) جميع البذور والحبوب، ويدخل في ~~قوله: * (والنوى) نواة جميع الأشجار؛ مثل نواة المشمش، ونواة الخوخ، ونواة ~~الغبيراء، ونحو ذلك، وقيل: فالق الحب والنوى بمعنى: خالق الحب والنوى. # * (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) وقد ذكرنا هذا واختلاف ~~القراءة فيه، والفرق بين الميت والميت * (ذلكم الله فأنى تؤفكون) أي ~~تصرفون. # قوله - تعالى -: * (فالق الإصباح) معناه: أنه يستخرج الصبح من الليل، ~~والإصباح: مصدر، وهو بمعنى: الصبح هاهنا، أي: فالق الصبح، وقرأ إبراهيم ~~النخعي: ' فلق الإصباح ' وقرأ الحسن: ' فالق الإصباح ' - بنصب القاف - وهما ~~في الشواذ. # * (وجعل الليل سكنا) أي: يسكن فيه، ويقرأ: ' وجعل الليل سكنا '، أي: جعل ~~الله الليل سكنا * (والشمس والقمر حسبانا) أي: بحساب علوم، والحسبان: هو ~~الحساب هاهنا بمعنى أنهما يدوران بحساب معلوم مقدر. وحكى منصور بن ~~PageV02P128 # * (سكنا ms0443 والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (96) وهو الذي جعل ~~لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ~~(97) وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم ~~يفقهون (98) * * المعتمر - وهو الثقة من رواة النخعي - عن إبراهيم النخعي ~~أنه قال: يجوز أن يتعلم الإنسان من النجوم بقدر ما يعرف منازل القمر، وسير ~~الكواكب لمعرف القبلة وأوقات الصلاة * (ذلك تقدير العزيز العليم). # قوله - تعالى -: * (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر ~~والبحر) هذه إحدى فوائد النجوم، والله - تعالى - خلق النجوم لفوائد: منها ~~تزيين السماء، كما قال - عز وعلا -: * (وزينا السماء دينا بمصابيح) ومنها ~~رمى الشياطين بها كما قال: * (وجعلناهم رجوما للشياطين) ومنها الاهتداء في ~~ظلمات البر والبحر كما قال هاهنا. # وحكى أبو الحسين بن فارس عن بعض التابعين أنه أراد بالنجوم هاهنا: ~~الصحابة، يهتدي بهم في ظلمات الشرك، وهذا مثل قوله: ' أصحابي [كالنجوم] ~~بأيهم اقتديتم اهتديتم '، * (قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون). # قوله - تعالى -: * (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة) يعني: آدم - صلوات ~~الله عليه - * (فمستقر ومستودع) قال عطاء، ومجاهد: أراد بالمستقر: أرحام ~~الأمهات، وبالمستودع: أصلاب الآباء، وحكى ذلك عن ابن عباس أيضا، ويروى عن ~~ابن عباس أنه قال - على عكسه -: المستقر: أصلاب الآباء، والمستودع: أرحام ~~PageV02P129 # * (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا ~~نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ~~والزيتون والرمان) * * الأمهات، وعن ابن مسعود أنه قال: المستقر: أرحام ~~الأمهات، والمستودع: القبور، وفيه قول ثالث: أن المراد بالمستقر الدنيا ~~والمستودع: الآخرة، ويقرأ: ' فمستقر ' بكسر القاف، وتقديره: فمنكم مستقر، ~~ومنه مستودع * (قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون). # قوله - تعالى -: * (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء، ~~فأخرجنا منه خضرا) هو الغصن الطري * (نخرج منه حبا متراكبا) أي: متراكما ~~بعضه على بعض * (ومن النخل من طلعها قنوان دانية) الطلع: ما يخرج من شجر ~~النخل، والقنوان: العذوق، واحدها: ms0444 قنو، والعذق: أصل الشجرة، والعذق: ~~الكباسة، والعذق والقنو واحد، وقال الشاعر: # (أثيث كقنو النخلة المتعثكل *) وقال أيضا: # (فأثت أعاليه (ودقت) أصوله * يميل به قنو) من البسر أحمرا) وأما ' ~~الدانية ' قال البراء بن عازب: * (قنوان دانية) أي: قريبة المتناول، وفيه ~~حذف وتقديره: قنوان دانية وغير دانية أي: قريبة، المتناول وبعيدة المتناول، ~~فحذف أحدهما اختصارا؛ لسبقه إلى الأفهام، ومثله قوله: * (سرابيل تقيكم ~~الحر) وتقديره: تقيكم الحر والبرد، قوله: * (وجنات من أعناب) يقرأ بكسر ~~التاء، ورفعها * (والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه) أي: مشتبها يشبه ~~بعضه بعضا في الورق، وغير متشابه في الثمر والطعم، وهكذا يكون الزيتون مع ~~الرمان، فإن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان، وقيل: تكون أوراقه إلى أصل ~~الشجرة كأوراق الرمان، ثم يخالف PageV02P130 # * (مشتبها وغير تشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات ~~لقوم يؤمنون (99) وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم سبحانه وتعالى عما يصفون (100) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ~~ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) ذلكم الله ربكم لا ~~إله إلا هو خالق) * * الرمان في الطعم، فهذا معنى قوله: * (مشتبها وغير ~~متشابه)، * (انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه) أي: في نضجه، ومنه قول الحجاج ~~حيث خطب، وقال: إني أرى رءوسا قد أينعت، وآن قطافها، وأنا والله صاحبها، ~~ورأى دماء ترقرق بين اللحى والعمائم * (إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون). # قوله - تعالى -: * (وجعلوا لله شركاء الجن) وذلك أنهم كانوا يقولون: إن ~~الملائكة بنات الله من سروات الجن * (وخلقهم) قيل: إن الآية راجعة إلى ~~الجن، وقيل: راجعة إلى الكفار يعني: أنهم يقولون ذلك * (وخلقهم) وقرأ يحيى ~~بن يعمر: ' وخلقهم ' بجزم اللام، وهو في الشواذ. # * (وخرقوا له بنين وبنات بغير علم) يقرأ مخففا ومشددا والخرق: الاختلاق، ~~والتخريق: التكثير منه، يعني: واختلقوا له بنين وبنات، وذلك مثل قول ~~اليهود: عزير ابن الله، ومثل قول النصارى: المسيح ابن الله، ومثل قول ~~بعضهم: الملائكة بنات الله * (سبحانه وتعالى عما يصفون). # قوله - تعالى ms0445 -: * (بديع السماوات والأرض) أي: مبدع السماوات والأرض، وهو ~~الخالق لا على مثال سبق، ومنه المبتدعة، ولا يكون الولد إلا من الصاحبة؛ ~~فهذا معنى قوله: * (أنى يكون له ولد ولم يكن له صاحبة وخلق كل شيء) وفيه ~~أيضا دليل على أن لا ولد له؛ لأنه إذا كان خلق كل شيء؛ لم يصلح شيء أن يكون ~~ولد له؛ إذ المخلوق لا يصلح ولدا للخالق؛ فإن ولد كل أحد يكون من جنسه * ~~(وهو بكل شيء عليم). # قوله - تعالى -: * (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء) أكد ما ~~سبق PageV02P131 # * (كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) لا تدركه الأبصار وهو يدرك) ~~* * ذكره من نعت الوحدانية * (فاعبدوه) أي: فأطيعوه * (وهو على كل شيء ~~وكيل) قيل: هو الكفيل بالأرزاق، وقيل: الوكيل هاهنا بمعنى: القائم بخلق كل ~~شيء وتدبيره. # قوله - تعالى 0: * (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) واستدل بهذه ~~الآية من يعتقد نفي الرؤية، قالوا: لما (تمدح) بأنه لا تدركه الأبصار؛ ~~فمدحه يكون على الأبد في الدنيا والآخرة. واعلم أن الرؤية حق على مذهب أهل ~~السنة، وقد ورد به القرآن والسنة. # قال الله - تعالى -: * (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) وقال: * (كلا ~~إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون). # وقال: * (فمن كان يرجو لقاء ربه) ونحو هذا، وروى جرير بن عبد الله ~~البجلي، وغيره بروايات صحيحة عن النبي أنه قال: ' إنكم سترون ربكم كما ترون ~~القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، لا تضامون في رؤيته ' ويروون: ' لا تضارون ~~في رؤيته '. # فأما قوله - تعالى -: * (لا تدركه الأبصار) فالإدراك غير الرؤية؛ لأن ~~الإدراك: هو الوقوف على كنه الشيء وحقيقته، والرؤية: هي المعاينة، وقد تكون ~~الرؤية بلا إدراك، قال الله - تعالى - في قصة موسى: * (فلما ترآء الجمعان ~~قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا) فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، وإذا ~~كان الإدراك غير الرؤية، فالله - تعالى - يجوز أن يرى، ولكن لا يدرك كنهه؛ ~~إذ لا كنه له حتى يدرك؛ وهذا PageV02P132 # * (الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) قد جاءكم بصائر من ms0446 ربكم فمن أبصر ~~فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ (104) وكذلك نصرف الآيات ~~وليقولوا درست) * * كما أنه يعلم ويعرف ولا يحاط به، كما قال: * (ولا ~~يحيطون به علما) فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم، وقال ابن عباس - حكاه مقاتل ~~عنه، والأول قول الزجاج -: معنى قوله: * (لا تدركه الأبصار) يعني: في ~~الدنيا، هو يرى الخلق، ولا يراه الخلق في الدنيا بدليل قوله - تعالى -: * ~~(وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) فكما أثبتت الرؤية بتلك الآية في ~~الآخرة؛ دل أن المراد بهذه الآية الإدراك في الدنيا؛ ليكون جمعا بين ~~الآيتين * (وهو اللطيف الخبير) اللطيف: موصل الشيء باللين والرفق، ويقال في ~~الدعاء: ' رب الطف بي ' أي: أوصل إلي الرفق، وقيل: معناه: وهو اللطيف ~~بأوليائه وعباده الخبير بهم. # قوله - تعالى -: * (قد جاءكم بصائر من ربكم) البصائر: البينات * (فمن ~~أبصر فلنفسه) يعني: نفع بصره له * (ومن عمي فعليها) أي: وبال العمى عليها * ~~(وما أنا عليكم بحفيظ) أي: ما أمرت أن ألازمكم حتى تسلموا لا محالة، قيل: ~~هذا كان في الابتداء، ثم صار منسوخا بآية السيف. # قوله - تعالى -: * (وكذلك نصرف الآيات) أي: نفصل الآيات، مرة هكذا، ومرة ~~هكذا * (وليقولوا درست) قيل: هذه ' لام العاقبة ' أي: عاقبة أمرهم أن ~~يقولوا: درست، وهذا مثل قوله - تعالى -: * (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا) ومعلوم أنهم لم يلتقطوه لهذا، ولكن أراد أن عاقبة أمره معهم أن كان ~~عدوا لهم؛ فيسمون ذلك لام العاقبة، كذلك ها هنا، وقوله: * (درست) يقرأ على ~~وجوه: ' درست ' أي: تعلمت من غيرك، وكانوا يقولون: إنه تعلم أخبار القرون ~~الماضية من جبر، ويسار، وكان عبدين سبيا من الروم، ويقرأ ' دارست ' أي ~~تاليت وقاربت، وهو PageV02P133 # * (ولنبينه لقوم يعلمون (105) اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو ~~وأعرض عن المشركين (106) ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ~~وما أنت عليهم بوكيل (107) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله ~~عدوا بغير علم كذلك) * * من المدارسة بين اثنين يدرس أحدهما على الآخر، ~~وقرأ ابن عامر ' درست ms0447 ' أي: تلك أخبار قد درست ومحيت، ويقرأ في الشواذ ' ~~وليقولوا درست ' بمعنى: محيت، قرأه قتادة، وفي حرف أبي بن كعب وابن مسعود ' ~~وليقولوا درس ' يعني: درس محمد، وهو بمعنى: تعلم، كما بينا * (ولنبينه لقوم ~~يعلمون). # قوله - تعالى -: * (اتبع ما أوحي إليك من ربك) يعني: القرآن * (لا إله ~~إلا هو وأعرض عن المشركين). # قوله - تعالى -: * (ولو شاء الله ما أشركوا) وهذا دليل على القدرية * ~~(وما جعلناك عليهم حفيظا) قد بينا معناه * (وما أنت عليهم بوكيل). # قوله: * (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) ~~ويقرأ: ' عدوا بغير علم ' ومعناهما واحد أي: اعتداء بغير علم، وسبب نزول ~~الآية: أن الكفار كانوا يقولون لرسول الله: ذرنا وآلهتنا؛ حتى نذرك وإلهك - ~~وكان يذكر آلهتهم بالسوء - فنزلت الآية وروى: ' أن قوما من كفار قريش من ~~رؤسائهم جاءوا إلى أبي طالب، وقالوا: مر ابن أخيك يذرنا وآلهتنا حتى نذره ~~وإلهه، فدعا رسول الله، وقال: إن قومك جاءوا يطلبون منك النصفة، فقال: ~~وماذا يريدون؟ فقال أبو طالب: يقولون: ذرنا وآلهتنا، ونذرك وآلهك؛ فقال ~~رسول الله: هل أنتم معطي كلمة إن أنتم قلتموها دانت لكم العرب، وأدت إليكم ~~العجم الجزية؟ فقالوا: وما [هي]؟ قال: كلمة لا إله إلا الله. فنفروا، ~~وقالوا: * (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء PageV02P134 # * (زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ~~(108) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات ~~عند الله وما يشعركم أنها) * * عجاب) ' فقوله: * (ولا تسبوا الذين يدعون من ~~دون الله) وإن كان ظاهره للنهي عن سب الأصنام، ولكن معناه: النهي عن سب ~~الله - تعالى - حتى لا تسب اللهتهم، فيسبوا الله. وهذا مثل قوله: ' لا يسب ~~أحدكم والديه؟ قيل: يا رسول الله، ومن يسب والديه؛ قال: يسب والدي غيره؛ ~~فيسب والداه ' * (كذلك زينا لكل أمة عملهم) للمؤمنين إيمانهم وللكافرين ~~كفرهم * (ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون). # قوله - تعالى -: * (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن ~~بها) ms0448 كانوا يطلبون الآيات، ويحلفون أنها لو جاءت آمنوا بها. # * (قل إنما الآيات عند الله) أي: الآيات (بيدي) الله، والله قادر على ~~إنزالها. # * (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) فقوله: ' أنها ' يقرأ على وجهين: ~~بكسر الهمزة، وفتحها؛ فمن قرأ: ' إنها ' فعلى الابتداء، واختلفوا في معنى ~~قوله: * (وما يشعركم) أنه خطاب لمن؟ قال بعضهم: هو خطاب للكفار، ومعناه: ~~وما يشعركم أيها الكفار أنها لو جاءت آمنتم؟ ثم ابتدأ، فقال: إنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون. # وقيل: إنه خطاب للمؤمنين، ومعناه: وما يدريكم أنها لو جاءت آمنوا بها، إذ ~~كان PageV02P135 # * (إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة ونزرهم في طغيانهم يعمهون (110) ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى) * * المؤمنون يسألون رسول الله أن يدعو الله - تعالى - حتى ~~يريهم آية؛ كي يؤمنوا، فقال: وما يشعركم أنها لو جاءت آمنوا بها؟ ثم ابتدأ، ~~وقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون، وهذا في قوم مخصوصون علم الله أنهم لا ~~يؤمنون. # وأما من قرأ ' أنها ' بفتح الهمزة؛ فاختلفوا في معناه، قال الكسئي: لا ~~صلة هاهنا وتقديره: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، وقيل: ' أنها ' ~~بمعنى: ' لعلها ' كما قال الشاعر: # (أريني جوادا مات هزلا (فإنني * أرى ما [ترين] أو بخيلا مخلدا) ومعناه: ~~لعلي أرى ما تريني، كذلك هذا، ومعناه: وما يشعركم لعلها إذا جاءت لا ~~يؤمنون، وقيل: فيه حذف، وتقديره: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون أو لا ~~يؤمنون. # قوله - تعالى -: * (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) أي: تقلب أفئدتهم كيلا ~~يدركوا، وأبصارهم؛ كيلا يبصوا؛ فلا يؤمنون * (كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون). # قوله - تعالى -: * (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى) نزلت ~~الآية على ما اقترحوا من الآيات، فكانوا قد اقترحوا هذا كله، قالوا لن نؤمن ~~بك حتى تنزل علينا كتابا من السماء يحمله أربعون من الملائكة، وسألوا إحياء ~~الموتى، وقالوا: ادع الله حتى يحشر قصيا - يعنون قصي بن كلاب - فإنه شيخ ~~مبارك؛ حتى نشهد لك بالنبوة، فنزلت الآية * (ولو أننا ms0449 نزلنا إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا) قال مجاهد: القبل. جمع القبيل، ~~ومعناه: فوجا فوجا، وقال غيره: قبلا PageV02P136 # * (وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن ~~أكثرهم يجهلون (111) وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ~~(112) ولتصغى إليه) * * أي: مقابلة، ويقرأ: ' قبلا ' بكسر القاف وفتح الباء ~~أي: عيانا * (ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون) وفي ~~الآية دليل واضح على أهل القدر. # قوله - تعالى -: * (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا) أي: أعداء، والعدو: اسم ~~للواحد والجمع * (شياطين الإنس والجن) وقرأ الأعمش: ' شياطين الجن والإنس ' ~~والشيطان كل عات متمرد، سواء كان من الإنس أو من الجن، وروى أن النبي قال ~~لأبي ذر: ' تعوذ بالله من شياطين الإنس. قال أبو ذر: قلت: ومن الإنس ~~شياطين؟ فقال - عليه السلام - نعم، وتلا هذه الآية '. # وحكى عن مالك بن دينار أنه قال: خوفي من شيطان الإنس أكبر من خوفي من ~~شيطان الجن؛ لأن الجني يذهب إذا ذكرت الله، (والإنسي) يجرني إلى المعاصي. # * (يوحي بعضهم إلى بعض) أي: يلقي بعضهم إلى بعض. # * (زخرف القول غرورا) زخرف القول: هو قول مزين لا معنى تحته، والغرور: ~~القول الباطل * (ولو شاء ربك ما فعلوه) أي: ما ألقت الشياطين الوسوسة في ~~القلوب. * (فذرهم وما يفترون). # قوله - تعالى -: * (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة) وهذا ~~يرجع إلى ما سبق من قوله: * (زينا لكل أمة عملهم) * (لتصغى إليه) والهاء ~~كناية عن زخرف القول؛ يعني: لتميل إليه قلوب الذين لا يؤمنون الآخرة، وقيل: ~~اللام فيه لام العاقبة، كما بينا. PageV02P137 # * (أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون (113) ~~أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) وإن تطع أكثر ~~من ms0450 في الأرض يضلوك عن) * * (وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) قال الزجاج: ~~أي: ليعلموا من الذنوب ما كانوا عاملين. # قوله - تعالى -: * (أفغير الله أبتغي حكما) لأنهم كانوا يقولون للنبي أجل ~~بيننا وبينك حكما؛ وأجابهم بقوله: أفغير الله ابتغي حكما؟!. # * (وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا) يعني: خمسا خمسا، وعشرا عشرا، وهذا ~~مثل قوله - تعالى -: * (وقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت ~~به فؤادك ورتلناه ترتيلا) أي: فصلناه؛ لنثبت به فؤادك. # * (والذين آتيناهم الكتاب) يعني: اليهود والنصارى * (يعلمون أنه منزل من ~~ربك بالحق) يعني: القرآن * (فلا تكونن من الممترين) * (وتمت كلمة ربك) يعني ~~بالكلمة: أمره ونهيه، ووعده ووعيده، والأحكام والآيات. * (صدقا وعدلا) صدقا ~~في الوعد والوعيد، وعدلا في الأمر والنهي. # قال قتادة: صدقا فيما وعد، وعدلا فيما حكم * (لا مبدل لكلماته وهو السميع ~~العليم). # قوله - تعالى -: * (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) وذلك ~~أن أكثر أهل الأرض كانوا في الضلالة، وقيل: أراد به: إن تطعهم فيما يجادلون ~~من تحليل الميتة وأكلها * (يضلوك عن سبيل الله) على ما سيأتي. # * (إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يرخصون) أي: يكذبون. # قوله - تعالى -: * (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله) قيل: هذا في عمرو ~~PageV02P138 # * (سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (116) إن ربك هو أعلم ~~من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن ~~كنتم بآياته مؤمنين (118) وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد ~~فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير ~~علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين) * * ابن لحي، وهو أول من غير دين إبراهيم * ~~(وهو أعلم بالمهتدين). # قوله - تعالى -: * (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين) ~~أي: كلوا ما ذبح على اسم الله * (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه) وذلك أن المشركين كانوا يجادلون المسلمين، ويقولون: إنكم تأكلون مما ~~تقتلون، ولا تأكلون مما ms0451 قتله الله، وكانوا يدعونهم إلى أكل الميتة ~~واستحلالها؛ فنزلت هذه الآيات '. # * (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) هو تفصيل ما عد من المحرمات: من الميتة، ~~والدم، ولحم الخنزير، ونحوه في القرآن، وقرأ عطية: ' وقد فصل لكم ' مخففا؛ ~~أي: ظهر لكم، وهو مثل ما يقرأ في قوله: * (أحكمت آياته ثم فصلت) مخففا * ~~(وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم ~~بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين). # قوله - تعالى -: * (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) قيل: ظاهر الإثم: هو الزنا ~~علنا، وباطنه هو الزنا سرا، وكان أشراف العرب يتكرمون من الزنا علانية ~~ويزنون سرا، (فالآية) في النهي عنهما جميعا، قال قتادة: أراد به: النهي عن ~~كل المعاصي سرا وجهرا، وفي الآية سوى هذا أقوال ثلاثة: # أحدها: أن ظاهر الإثم هو: نكاح المحارم، وباطنه: الزنا. # والثاني: أن ظاهر الإثم: كشف العورة، وباطنه: الزنا. # والثالث: أن ظاهر الإثم: هو الذي تقترفه الجوارح، وباطنه الذي يعقد القلب ~~PageV02P139 # (* (119) وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما ~~كانوا يقترفون (120) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) ~~أو من كان ميتا فأحييناه) * * عليه، كالمصر على الذنب القاصد له. # * (إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون) أي: جزاء ما كانوا ~~يقترفون، والإقتراف: اكتساب الذنب. # قوله * (ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه) قال ابن عباس: الآية في ~~الميتات، وما في معناها من المنخنقة وغيرها، وقال عطاء: الآية في الذبائح ~~التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام لا على اسم الله - تعالى -. # وفيه قول ثالث: أن الآية: في متروك التسمية كما يقتضيه الظاهر، ثم اختلف ~~العلماء في متروك التسمية، قال الشعبي، وابن سيرين: لا تحل، سواء ترك ~~التسمية عامدا أو ناسيا، وقال عطاء، وسعيد بن جبير: إن ترك التسمية عامدا ~~لا تحل، وإن تركها ناسيا تحل، والأول قول مالك، والصحيح أن الآية في ~~الميتات؛ لأنه قال: * (وإنه لفسق) وإنما ms0452 يفسق أكل الميتة. # وقال: * (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) ومجادلتهم كانت في ~~أكل الميتة؛ فإنهم كانوا يقولون: إنكم تأكلون مما قتلتموه، ولا تأكلون مما ~~قتله الله - تعالى فنزلت الآية. # * (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) يعني: باستحلال الميتة، قال الزجاج: في ~~هذا دليل على أن استحلال الحرام، وتحريم الحلال يوجب الكفر، وفي الآثار: ' ~~أن ابن عباس سئل، فقيل له: إن المختار بن أبي عبيد يزعم أنه يوحى إليه، ~~فقال ابن عباس: صدق؛ فإن الله - تعالى - يقول: * (وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم). # وفي الخبر أن النبي قال: ' يخرج من ثقيف رجلان: كذاب، ومبير مهلك ' ~~PageV02P140 # * (وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ~~كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) كذلك جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها ليمكروا) * * فالكذاب: هو المختار، والمبير: هو الحجاج. # قوله - تعالى -: * (أو من كان ميتا فأحييناه) قال مجاهد: معناه: من كان ~~ضالا فهديناه * (وجعلنا له نورا يمشي به في الناس) أي: نور الإسلام، يعيش ~~به بين المسلمين * (كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) المثل صلة هاهنا، ~~وتقديره: كمن هو في الظلمات، أي: في ظلمات الشرك لا يخرج منها أبدا، قال ~~الضحاك: هذا في عمر وأبي جهل، وقال ابن عباس: في عمار بن ياسر وأبي جهل، ~~وقيل: هو في حمزة وأبي جهل. # وفي الآية قول آخر: أن معناه: أو من كان ميتا بالجهل؛ فأحييناه بالعلم، ~~وكل جاهل ميت، وكل عالم حي، قال الشاعر: # (وفي الجهل قبل الموت موت لأهله * وأجسامهم قبل القبور قبور) (وإن امرأ ~~لم يحي بالعلم ميت * وليس له قبل النشور نشور) * (كذلك زين للكافرين ما ~~كانوا يعملون). # قوله - تعالى -: * (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها) تقديره: جعلنا ~~في كل قرية مجرميها أكابر، ومعناه: إنا كما جعلنا مجرمي مكة أكابر، فكذلك ~~جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، وهذه سنة الله في كل قرية، ومن سننه: أنه ~~جعل ضعفاءهم أتباع الأنبياء، كما قال في قصة نوح: * (واتبعك الأرذلون) ~~وروى: ' أن هرقل ms0453 سأل أبا سفيان بن حرب - حين قدم عليه - عن حال النبي، فكان ~~فيما سأله عنه أنه قال: من أتباعه ضعفاؤهم أم العلية؟ فقال أبو سفيان: بل ~~ضعفاؤهم؛ فقال هرقل: هم أتباع الأنبياء ' وفي الخبر قصة، وهو في الصحيح. ~~PageV02P141 # * (فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون (123) وإذ جاءتهم آية قالوا ~~لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب ~~الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124) فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره) * * (ليمكروا فيها) وكان من مكر أهل مكة أنهم ~~جعلوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر؛ حتى يقولوا لكل من يقدم: [إياك] ~~وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب * (وما يمكرون إلا بأنفسهم) أي: وباله يرجع ~~إليهم * (وما يشعرون). # قوله تعالى: * (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل ~~الله) أي: لا نؤمن حتى يوحى إلينا كما يوحى إليه، وينزل علينا جبريل كما ~~ينزل عليه، حتى روى أن الوليد بن المغيرة قال: إن كان الله يريد أن يبعث ~~نبيا فأنا أولى بالنبوة؛ لأني أكثر مالا، وأقدم سنا، وكذا كان يقول أكابرهم ~~ورؤساؤهم؛ فنزلت الآية. # قوله - تعالى -: * (الله أعلم حيث يجعل رسالته) يعني: الله أعلم من أهل ~~النبوة، وأن محمدا أهل الرسالة، ولستم بأهل الرسالة. # * (سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله) فيه معنيان: # أحدهما: قال الفراء: معناه: صغار من عند الله، و ' من ' محذوف. # قال البصريون: ' من ' لا تحذف ومعناه: صغار ثابت دائم عند الله * (وعذاب ~~شديد بما كانوا يمكرون). # قوله - تعالى -: * (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام). # أي: يفتح قلبه حتى يدخل الإسلام * (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا). # ويقرأ: حرجا - بفتح الراء - يعني: ذا حرج، وأما بالكسر فللمبالغة في ~~الضيق، وعن عمر أنه قال: سألت أعرابيا: ما الحرجة عندكم؟ فقال: شجرة ملتفة ~~لا تصل إليها راعية ولا سائمة، فعلى هذا معنى الآية. PageV02P142 # * (للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ms0454 حرجا كأنما يصعد في السماء ~~كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) وهذا صراط ربك مستقيما قد ~~فصلنا) * * (يجعل صدره ضيقا حرجا) بحيث لا يصل إليه الإيمان، ولا يدخله ~~الإسلام * (كأنما يصعد في السماء) يقرأ على وجوه: ' يصعد ' بتشديدين، ~~ومعناه يتصعد، وكذا يقرأ في الشواذ، وقرئ: ' يصاعد ' بتشديد الصاد بمعنى ~~يتصاعد، وقرئ: ' يصعد مخففا من الصعود، ومعنى الكل واحد. # وفي معناه قولان: أحدهما: أن معناه: كأنما يكلف الصعود فلا يستطيعه، وأصل ~~الصعود: المشقة، وهو قوله - تعالى - * (سأرهقه صعودا) أي: عقبة شاقة، ومنه ~~قول عمر - رضي الله عنه -: ما تصعدني شيء كما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما ~~شق علي شيء كما (شقت) علي خطبة النكاح. # والقول الثاني: معنى قوله: * (كأنما يصعد في السماء) نبوة من الحكمة، ~~وفرارا من القرآن. # (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) الرجس: هو النتن، والرجز: ~~العذاب، وفي الخبر: ' أن النبي كان إذا دخل الخلاء يقول: اللهم إني أعوذ بك ~~من الرجس النجس الخبيث المخبث من الشيطان الرجيم ' وقيل: اللعنة في الدنيا، ~~والعذاب في الآخرة. # قوله - تعالى -: * (وهذا صراط ربك مستقيما) يعني: الإسلام * (قد فصلنا ~~الآيات PageV02P143 # * (الآيات لقوم يذكرون (126) لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما ~~كانوا يعملون (127) ويوم يحشرهم جميعا ما معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ~~وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ~~قال النار مثواكم خالدين) * * لقوم يذكرون). # * (لهم دار السلام عند ربهم) السلام: هو الله - تعالى - ودار السلام ~~الجنة، قال الزجاج: أراد بالسلام: السلامة، أي: لهم دار السلامة من الآفات. # * (وهو وليهم بما كانوا يعملون). # قوله - تعالى -: (ويوم نحشرهم جميعا) أما حشر الجن والإنس: حق يجب ~~الإيمان به * (يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس) يعني: استكثرتم من الإنس ~~بالإغواء والإضلال * (وقال أولياؤهم من الإنس) يعني: الكفار وأولياء ~~الشياطين يقولون يوم القيامة: * (ربنا استمتع بعضنا ببعض) يعني: استمتع ~~الجن بالإنس، والإنس بالجن، قيل: استمتاع الجن بالإنس: تزيينهم لهم، ~~وتسهيلهم طريق الغواية عليهم. # وأما [استمتاع] ms0455 الإنس بالجن: طاعتهم، والجملة أن استمتاع الجن: بالأمر ~~واستمتاع الإنس: بالقبول، وقيل: معناه: أن الرجل من العرب كان إذا نزل بواد ~~يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، ثم يبيت آمنا من تخبيل الجن، ~~وهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس: أن ذلك الجني الذي ~~تعوذ به الإنسي يقول لقومه: إن الإنس يتعوذون بنا؛ (فنحن سادات الجن ~~والإنس)، وهذا مبين في قوله - تعالى - في سورة الجن * (وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) أي: نخوة وتكبرا. # * (وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا) يعني: أجل القيامة. # * (قال النار مثواكم) يعني: يقول الله: النار مثواكم * (خالدين فيها إلا ~~ما شاء PageV02P144 # * (فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) وكذلك نولي بعض الظالمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون (129) يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون ~~عليكم) * * الله) فإن قال قائل: أليس أن الكافرين خالدون في النار بأجمعهم، ~~فما هذا الاستثناء؟ # الجواب: قال الفراء: هو مثل قوله: * (خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك) يعني: من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض؛ ~~فهذا هو المراد بهذه الآية أيضا، وقيل: الاستثناء في العذاب يعني: خالدين ~~في نوع من العذاب إلا ما شاء الله من سائر العذاب. # وقيل: هو استثناء مدة البعث والحساب، لا يعذبون في وقت البعث والحساب * ~~(إن ربك حكيم عليم). # قوله - تعالى -: * (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا) يعني: يجعل بعضهم على ~~إثر بعض في القيامة إلى النار. وقيل: هذا في الدنيا، ومعناه: نأخذ من ~~الظالم بالظالم، وذلك بتسليط بعضهم على البعض * (بما كانوا [يكسبون]) أي: ~~جزاء بما كانوا يعملون. # قوله - تعالى -: * (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم) فإن قال ~~قائل: ومن الجن رسل، كما يكون من الإنس؟ # الجواب: قال الضحاك: بلى من الثقلين رسل، كما نطق به الكتاب. وقال مجاهد: ~~الرسل من الإنس، وأما الجن فمنهم النذر، كما قال الله - تعالى -: * (ولوا ~~إلى قومهم منذرين) فعلى هذا للآية معنيان: أحدهما أن ms0456 قوله: * (رسل منكم) ~~ينصرف إلى أحد الصنفين، وهو الإنس، ومثله قوله - تعالى -: * (يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان) والمراد: أحد البحرين، المالح دون العذب. PageV02P145 # * (آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة ~~الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) ذلك أن لم يكن ربك مهلك ~~القرى بظلم وأهلها غافلون (131) ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما ~~يعملون (132) وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ~~كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ~~(134) قل يا) * * والثاني: أن الرسل من الصنفين، إلا أنه عبر بالرسل عن ~~النذر من الجن بطريق المعنى؛ لأن النذير في معنى الرسول. # * (يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا) ~~وذلك حين تنطق جوارحهم * (وغرتهم الحياة الدنيا) هذا من قول الله - تعالى - ~~اعترض في - البين - * (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين). # قوله تعالى: * (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون) يعني: ~~ذلك من إرسال الرسل وإنزال الكتب؛ إنما كان لأن الله - تعالى - لا يهلك ~~قرية قبل بعث الرسول إليها، وإنذارها بالوحي؛ وذلك لأن الله - تعالى - أجرى ~~سنته: أن لا يأخذ أحدا الذنب إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنبا إذا أمر ~~فلم يأتمر، ونهى فلم ينته، ودعي فلم يجب. # قوله - تعالى -: * (ولكل درجات مما عملوا) أي: درجات في الجزاء مما عملوا ~~* (وما ربك بغافل) - أي: بساه - * (عما يعملون). # قوله - تعالى -: * (وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ~~ما يشاء) يعني: إن يشأ يهلككم، ويستخلف [من] بعدكم من يشاء * (كما أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين) بأن (أهلكهم) وأنشأكم من بعدهم * (إن ما توعدون لآت) ~~أي: كل موعود كائن * (وما أنتم بمعجزين) أي: فائتين عنه. # (قوله تعالى): * (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم) يعني: على تمكنكم، ~~PageV02P146 # * (قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ~~إنه لا يفلح الظالمون (135) وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ms0457 والأنعام نصيبا ~~فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ~~وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136) وكذلك زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم) * * وقيل: على ما أنتم عليه، وهذا أمر تهديد، كقوله: ~~* (اعملوا ما شئتم) فكذلك قوله (* (اعملوا على مكانتكم إني عامل) * فسوف ~~تعلمون من تكون له عاقبة الدار) أي: من يكون له الأمر في العاقبة * (إنه لا ~~يفلح الظالمون). # قوله - تعالى -: * (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا) وكانوا ~~يقسمون الحرث، فيجعلون لله نصيبا، وللأصنام نصيبا، ويقسمون الأنعام، ~~فيجعلون لله نصيبا، وللأصنام نصيبا، ثم ما جعلوا لله، صرفوه للفقراء ~~والمساكين، وما جعلوا للأصنام أنفقوه على الأصنام، وعلى خدم الأصنام؛ فهذا ~~معنى قوله: * (فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا) فأما قوله: * (فما كان ~~لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم) معنى هذا: ~~أنهم كانوا إذا قسموا الحرث والأنعام كما وصفنا، فإذا سقط مما جعلوا لله من ~~الحرث شيء فيما جعلوه للأصنام تركوه، وإذا سقط شيء من نصيب الأصنام، فيما ~~جعلوه لله ردوه إلى نصيب الأصنام، وكان إذا هلك أو انتقص مما جعلوا لله من ~~الأنعام شيء؛ لم يبالوا به، وكان إذا هلك أو انتقص من نصيب الأصنام، جبروه ~~مما جعلوه لله، وقالوا: الله غني، والصنم محتاج، وكانوا إذا أجدبوا وقحطوا؛ ~~أكلوا مما جعلوه لله، ولم يأكلوا من نصيب الأصنام. # وقوله: * (ساء ما يحكمون) أي: لم يأتهم فيه وحي، ولا يقتضيه عقل؛ فإن ~~القياس يقتضي التسوية - على زعمهم - بين الشريكين، لا ما حكموا به. قوله - ~~تعالى -: * (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم) يعني: كما ~~زين هذا لأولئك القوم، فقد زين لكثير من المشركين قتل أولادهم PageV02P147 # * (شركاؤكم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم ~~وما يفترون (137) وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ~~وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم ~~بما كانوا يفترون ms0458 (138) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم ~~على أزواجنا وإن يكن) * * شركاؤهم من وأد البنات على ما سنبين * (ليردوهم) ~~ليهلكوهم. * (وليلبسوا عليهم دينهم) أي: ليخلطوا عليهم دينهم؛ إذ كانوا على ~~بقية من ملة إبراهيم فلبسوا عليهم دينهم بما ليس منه * (ولو شاء (الله) ما ~~فعلوه فذرهم وما يفترون). # قوله - تعالى -: * (وقالوا هذه أنعام وحرث حجر) أي: حرام * (لا (يطعمها) ~~إلا من نشاء بزعمهم) ثم بين (تحريمهم)؛ فقال * (لا يطعمها إلا من نشاء) ~~يعني: من خدم الأصنام، وقيل: هو تحريم البحيرة والسائبة على الإناث، ولا ~~يطعمها إلا الذكور. # * (وأنعام حرمت ظهورها) هي الحوامي التي ذكرنا في المائدة، كانوا يقولون: ~~حمت ظهورها * (وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) قيل: ذبائح كانوا يذبحونها ~~باسم الأصنام لا باسم الله - تعالى - وقيل معناه: أنهم لا يركبون عليها ~~لفعل الخير. قال أبو وائل شقيق بن سلمة: معناه: أنهم لا يحجون عليها ولا ~~يركبونها لفعل الحج، إلا أنه جرت العادة بذكر اسم الله على فعل الخير، فعبر ~~بذكر اسم الله عن فعل الخير؛ فقال: * (وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ~~افتراء عليه) يعني: افتراء على الله * ( سيجزيهم بما كانوا يفترون) أي: ~~جزاء ما كانوا (يكذبون). # قوله - تعالى -: * (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا) يعني: ~~الأجنة حلال لذكورنا، وقرأ الأعمش: ' خالص لذكورنا ' قال الكسائي: خالص ~~وخالصة واحد، كما يقال: وعظ موعظة، وله نظائر * (ومحرم على أزواجنا) أي: ~~على نسائنا أرادوا به ما سبق ذكره من أولاد البحيرة والوصيلة. # * (وإن يكن ميتة) يعني: وإن يكن ما في البطن ميتة * (فهم فيه شركاء) ~~يعني: PageV02P148 # * (ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) قد خسر الذين ~~قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا ~~وما كانوا مهتدين (140) وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل ~~والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا ~~أثمر وآتوا حقه) * * الذكور والإناث، ويقرأ ' وإن تكن ميتة ' * (فهم فيه ~~شركاء) * (سيجزيهم ms0459 وصفهم). أي: جزاء كذبهم * (إنه حكيم عليم). # * (قد خسر الذين قتلوا أولا دهم) أي: هلك وغبن الذين قتلوا أولادهم وذلك ~~من وأد البنات، وكانوا في الجاهلية يدفنون البنات حية، حتى كان الرجل منهم ~~يقتل ولده، ويربي كلبه. وكان البعض يفعل ذلك دون البعض، وقيل: كان ذلك في ~~قبيلتين: ربيعة، ومضر، كانا يدفنان البنات وهن حيات، فأما بنو كنانة ~~وسائرهم ما كانوا يفعلون ذلك. # * (سفها بغير علم) أي: جهلا لا عن بصيرة * (وحرموا ما رزقهم الله) (وهو) ~~ما ذكرنا من تحريم أولاد البحيرة، والوصيلة ونحو ذلك (من) الحوامى، حرموها ~~تدينا * (افتراء على الله) لأنهم كانوا يدعونه دينا من الله - تعالى - وقد ~~كذبوا في ذلك عليه * (قد ضلوا وما كانوا مهتدين). # قوله - تعالى -: * (وهو الذي أنشأ جنات) الجنات: البساتين * (معروشات) ~~أي: ذات عروش، والعرش: السقف، والكروم ذات سقوف * (وغير معروشات) ومنها ما ~~لا سقف له، وكذلك سائر الأشجار * (والنخل والزرع مختلفا أكله) أي: ثمره. # * (والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه) أي: متشابها في [المنظر]، يشبه ~~أحدهما الآخر في الورق، وغير متشابه في الثمر والطعم، وقد بينا هذا، وقيل: ~~هو PageV02P149 # * (يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) ومن الأنعام حمولة ~~وفرشا كلوا) * * راجع إلى ما سبق ذكره من الكرم، والنخل، والأشجار، فإن ~~بعضها يشبه بعضا في الورق والثمر والطعم، ومنها ما يخالف بعضه بعضا. # * (كلوا من ثمره إذا أثمر) هذا أمر إباحة * (وآتوا حقه يوم حصاده) ~~والقطاف، ويقرأ: ' حصاده ' بكسر الحاء، قيل: الحصاد والحصاد واحد، كالجزاء ~~والجزاء، والقطاف والقطاف، ثم اختلف العلماء في هذا الحق ما هو؟ قال ابن ~~عمر، وأبو الدرداء - وهو قول عطاء ومجاهد -: إن هذا الحق كان حقا في المال ~~سوى العشر المفروض، وأمر بإتيانه. # قال ابن عباس، وأنس - وهو قول الحسن في إحدى الروايتين عنه -: إنه أراد ~~به إيتاء العشر المفروض، وعن الحسن - في رواية أخرى وهو قول النخعي، وسعيد ~~بن جبير -: أن هذا حق كان يؤمر بإتيانه في ابتداء الإسلام، ثم صار منسوخا ~~بإيجاب العشر، والقول الأول أولى؛ ms0460 لأن الآية مكية، والزكاة فرضت من بعد ~~بالمدينة، فحمله على حق سوى الزكاة أولى. # * (ولا تسرفوا) أي: لا تنفقوا الأموال في معصية الله، وكل من أنفق في ~~معصية فهو مسرف، وقيل: هو إعطاء الكل، وذلك أن يعمد الرجل إلى جميع زرعه ~~ونخله فيعطي الكل، ويترك عياله عالة. وروى: ' أن ثابت بن قيس بن شماس صرم ~~خمسمائة نخلة كانت له، فأعطى الكل؛ فنزلت الآية * (ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين). # قوله - تعالى -: * (ومن الأنعام حمولة وفرشا) أي: وأنشأ من الأنعام حمولة ~~وفرشا، قال مجاهد: الحمولة: الإبل الكبار التي يحمل عليها، والفرش: الصغار، ~~وقال الضحاك: الحمولة: الإبل والبقر، والفرش: [الغنم]، قال الشاعر: ~~PageV02P150 # * (مما رزقكم الله ولا تبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (142) ~~ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين ~~أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) ومن ~~الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله) * * (أورثني حمولة وفرشا * ~~أمسها في كل يوم مسا) أي: أمسحها في كل يوم * (كلوا مما رزقكم الله ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان) أي: آثار الشيطان، وخطاياه، وهو تخطية من الحلال إلى ~~الحرام (* (إنه لكم عدو مبين) * ثمانية أزواج) إنما نصب ثمانية؛ لأن قوله * ~~(ثمانية) بدل عن قوله: * (حمولة وفرشا)، وقوله: (* (ثمانية أزواج من الضأن ~~اثنين ومن المعز اثنين) * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين). # هذا في الحقيقة أربعة أزواج، كل زوج اثنان، لأن العرب تسمي الواحد زوجا ~~إذا كان لا ينفك عن غيره، قال الله - تعالى -: * (ومن كل شيء خلقنا زوجين). # * (قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) هذا في ~~تحريمهم الوصيلة والبحيرة ونحوها، والآية في الاحتجاج عليهم، ومعنى هذا: أن ~~الذي تدعون على الله من تحريمها إن كان بسبب الذكورة، فينبغي أن تحرم كل ~~الذكور، وإن كان التحريم بسبب الأنوثة؛ فينبغي أن تحرم كل الإناث، وإن كان ~~باشتمال الرحم عليه فينبغي ms0461 أن يحرم كل ما اشتملت عليه الرحم، فأما تخصيص ~~التحريم بالولد السابع والخامس فمن أين؟! * (نبؤني بعلم) أخبروني بعلم (إن ~~كان لكم به علم) * (إن كنتم صادقين). # * (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين) هذا في تحريمهم أولاد البحيرة من البطن ~~الخامس، كما سبق، ووجه الاحتجاج عليهم ما بينا. PageV02P151 # * (بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين (144) قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل ~~لغير الله به فمن اضطر غير باغ) * * (أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا) ~~فمعناه: أنكم قلتم ذلك عن علم لكم؟ فأخبروني به! أم نزل [عليكم] به وحي؟ أم ~~أمركم الله به عيانا؟ # * (فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم) فبين الله ~~يعني: أنهم كاذبون به * (إن الله لا يهدي القوم الظالمين). # وفي الخبر: ' أن عوف بن مالك الأشجعي جاء، وقال: يا محمد، أبحت ما حرمنا! ~~وحرمت ما أبحنا - يعني: الميتة - فقرأ عليه هذه الآيات؛ فعرف الحجة، وسكت ~~عنه '. # قوله تعالى: * (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما) سبب هذا أنهم قالوا: فما ~~المحرم إذا؟ فنزل قوله: قل يا محمد: لا أجد فيما أوحي إلي محرما * (على ~~طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير). # واختلف العلماء في هذا؛ فذهبت عائشة، وابن عباس إلى أن التحريم مقصور على ~~هذه الأشياء، وبه قال مالك، وقالوا: قوله: * (إلا أن يكون ميتة) دخل فيه ~~المنخنقة والموقوذة، وما عد في سورة المائدة، ومالك يعد ما سواها مكروها ~~ولا يعده حراما، وجمهور العلماء على أن التحريم [يعدو] هذه الأشياء؛ إلا أن ~~البعض ثبت بالكتاب، والبعض بالسنة، والكل حرام. وقد ثبت: ' أنه نهى عن كل ~~ذي ناب من السباع و [عن] كل ذي مخلب من ms0462 الطير ' * (فإنه رجس) أي: نتن * (أو ~~فسقا أهل لغير الله به) وهو المذبوح على اسم الصنم، سمى ذلك فسقا؛ ~~PageV02P152 # * (ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ~~ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ~~ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (146) فإن كذبوك فقل ربكم ~~ذو رحمة واسعة ولا) * * للخروج عن أمر الله - تعالى -. # * (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) وقد ذكرنا هذا. # قوله - تعالى -: * (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) يعني: حرمنا على ~~اليهود كل ذي ظفر، قيل: هو البعير والنعامة، ويدخل فيه الأوز والبط. # * (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما) أما تحريم ~~الشحوم عليهم: كان ذلك عن الثروب وشحم الكليتين، وقد قال ' لعن الله اليهود ~~حرم عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها '. # وقوله: * (إلا ما حملت ظهورهما) أي: شحم ما حملت ظهورهما لم يحرم عليهم * ~~(أو الحوايا) تقديره: والحوايا، أي: شحم المباعر * (أو ما اختلط بعظم) أي: ~~وشحم ما اختلط بعظم، قيل: هو الإلية، وقيل: هو شحم الجنب، ثم اختلفوا، أن ~~الكل هل يدخل في الاستثناء؟ قال بعضهم: إنما يدخل في الاستثناء شحم الظهور ~~فحسب، فأما قوله: * (أو الحوايا أو ما اختلط بعظم) راجع إلى التحريم، ~~والصحيح: أن الكل يدخل في الاستثناء، وهو ظاهر الآية. * (ذلك جزيناهم ~~ببغيهم) أي: [بظلمهم] * (وإنا لصادقون). # قوله - تعالى -: * (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة) فإن قيل: ما معنى ~~هذا، وإنما يليق بتكذيبهم وعيد العذاب لا وعد الرحمة؟ قال ثعلب: هو الرحمة ~~PageV02P153 # * (يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا ~~بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا ~~تخرصون (148) قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) قل هلم ~~شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ms0463 فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع ~~أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون) * * بتأخير العذاب عنهم، لا ~~بترك أصل العذاب، وهذا حسن، بدليل قوله: * (ولا يرد بأسه عن القوم ~~المجرمين) يعني: في القيامة، إذا [جاء] وقته؛ فسئل ثعلب: أليس أن الله - ~~تعالى - قد عذب الكفار في الدنيا؟ فقال: هذا في الكفار من قوم نبينا محمد ~~لم يعذبهم الله؛ ببركته فيهم، كما قال: (* (وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم) * وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين). # قوله - تعالى -: * (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا) استدل أهل ~~القدر بهذه الآية؛ فإنهم لما قالوا: لو شاء الله ما أشركنا؛ كذبهم الله - ~~تعالى - ورد قولهم فقال: * (كذلك كذب الذين من قبلهم) قيل: معنى الآية: ~~أنهم كانوا يقولون الحق إلا أنهم كانوا (يعدون) ذلك عذر لهم، ويجعلونه حجة ~~لأنفسهم في ترك الإيمان، فالرد عليهم كان في هذا بدليل قوله - تعالى - ~~بعده: * (قل فلله الحجة البالغة) أي: الحجة بالأمر والنهي باقية له عليهم، ~~وإن شاء أن يشركوا. # * (فلو شاء لهداكم أجمعين) ولو لم يحمل على هذا؛ لكان هذا مناقضة للأول، ~~وقيل: إنهم كانوا يقولون: إن الله أمرنا بالشرك، كما قال في الأعراف: * ~~(وإذا فعلوا PageV02P154 # * (بالآخرة وهم بربهم يعدلون (150) قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به) * * فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) وكأن ~~قوله: * (لو شاء الله ما أشركنا) أي: هو الذي أمرنا بالشرك؛ فالرد في هذا ~~لا في حصول الشرك بمشيئته، فإنه حق وصدق، وبه يقول أهل السنة. # * (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا) أي: من كتاب، فتخرجوه لنا حتى يظهر ~~ما تدعون على الله (من أمره بالشرك) * (إن تتبعون إلا الظن) يعني: أنكم ~~تقولون ما تقولون ظنا لا عن بصيرة * (وإن أنتم إلا تخرصون) أي: تكذبون * ~~(قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين). # قوله - تعالى -: * (قل هلم شهداءكم) أي: ائتوا بشهدائكم * (الذين يشهدون ms0464 ~~أن الله حرم هذا) هذا راجع إلى ما تقدم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم بغير ~~أمر الله، وادعوا أنه من أمر الله. # * (فإن شهدوا فلا تشهد معهم) يعني: فإن شهدوا كاذبين، فلا تشهد معهم * ~~(ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم ~~يعدلون) أي: يشركون. # قوله - تعالى -: * (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا) ~~لأنهم سألوه أيش الذي حرم الله - تعالى -؟ فنزل قوله - تعالى -: * (قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) فإن قال قائل: الله - تعالى - ما حرم ترك ~~الشرك بل أمر ربه، فما معنى قوله: * (ألا تشركوا به شيئا)؟. # فيه جوابان: أحدهما: أن قوله ' لا ' صلة، وتقديره ': أن تشركوا؛ فعلى هذا ~~استقام الكلام. # والثاني: أن قوله: * ([تعالوا] أتل ما حرم ربكم) كلام تام. (ثم) قوله: ~~PageV02P155 # * (شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (151) ولا تقربوا مال اليتيم ~~إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده) * * (عليكم ألا تشركوا) ابتداء كلام. ~~وإذا قدر هكذا استقام الكلام أيضا، ثم قوله * (وبالوالدين إحسانا) أي: ~~وأحسنوا بالوالدين إحسانا. # * (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) قال المؤرج: الإملاق: الجوع بلغة حمير، ~~والمعروف في اللغة أن الإملاق: الفقر * (نحن نرزقكم وإياهم) أي: رزق الكل ~~علينا؛ فلا تقتلوهم خوف الجوع والفقر. # * (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) هذا نهي عن أنواع الزنا سرا ~~وعلنا، وكانت الزواني في الجاهلية على نحوين: كانت لبعضهم رايات على ~~الأبواب، علما لمن أراد الزنا؛ كن يزنين علنا، وأخريات كن يزنين سرا. فهذا ~~المراد بالفواحش ما ظهر منها وما بطن. # * (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) نهى عن القتل بالظلم، ~~وأباح القتل بالحق، وهو مفسر في قول النبي: ' لا يحل دم امرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس ms0465 ' * ~~(ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون). # قوله - تعالى -: * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) قد سبق ~~الكلام على قربان مال اليتيم في سورة النساء. * (حتى يبلغ أشده) قال السدي: ~~أشده ثلاثون سنة. وقال غيره: أوان الحلم. وقيل: هو استكمال القوة، وسيأتي ~~شرحه في موضع بعده. # * (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط) أي: بالعدل * (لا نكلف نفسا إلا وسعها) ~~أي: PageV02P156 # * (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم ~~فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ~~(152) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ~~ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (153) ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ~~وتفصيلا لكل شيء وهدى) * * طاقتها * (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى) ~~أي: فاصدقوا، ولو كان على القريب * (وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تذكرون). # قوله - تعالى -: * (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه) يقرأ: وأن - بالتشديد ~~- فيكون راجعا إلى قوله: * (أتل ما حرم ربكم عليكم) يعني: وأتل عليكم: أن ~~هذا صراطي، ويقرأ: وأن - بالتخفبف - فيكون صلة، وتقديره هذا صراطي مستقيما. # * (فاتبعوه ولا تتبعوا السبل) بمعنى: سائر الملل سوى ملة الإسلام وقيل: ~~هو الأهواء والبدع * (فتفرق بكم عن سبيله) أي: فتفرق بكم عن سبيله. # * (ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) وقد صح برواية ابن مسعود عن النبي: ' انه ~~خط خطا، وخط حواليه خطوطا، ثم أشار إلى الخط الأوسط؛ فقال: وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه، ثم أشار إلى الخطوط حوله؛ فقال: لا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله '. # قوله - تعالى -: * (ثم آتينا موسى الكتاب) فإن قيل: كيف قال: * (ثم آتينا ~~موسى الكتاب) بعد ذكر محمد، وموسى أوتي الكتاب قبله، وكلمه ' ثم ' ~~PageV02P157 # * (ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه ~~واتقوا لعلكم ترحمون (155) أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من ~~قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156) أو تقولوا لو أنا أنزل علينا ~~الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينه من) * * للتعقيب؟ قيل: معناه: ثم ms0466 ~~أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب. # * (تماما على الذي أحسن) قيل: أراد بالذي أحسن: موسى، ومعناه: انه كما ~~أحسن بطاعة ربه واتباع أمره؛ أتممنا عليه النعمة والإحسان بإعطائه التوراة. # وقال الحسن: معناه تماما على المحسنين من قومه، وكان منهم محسن ومسيء، ~~وهذا معنى قراءة ابن مسعود: تماما على الذين أحسنوا، وقرأ يحيى بن يعمر: ' ~~على الذي أحسن ' أحسن، برفع النون، أي: على الذي هو أحسن. # * (وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة) هذا في وصف التوراة * (لعلهم بلقاء ربهم ~~يؤمنون). # قوله - تعالى -: * (وهذا كتاب) ثم وصف القرآن * (أنزلناه مبارك فاتبعوه) ~~وقد بينا معنى المبارك (* (واتقوا لعلكم ترحمون) * أن تقولوا) أي: كراهة أن ~~تقولوا، على قول الكوفيين، وأما على قول البصريين: تقديره: أن لا تقولوا: * ~~(إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) يعني: اليهود والنصارى * (وإن ~~كنا) أي: وقد كنا * (عن دراستهم لغافلين) ومعنى الآية: أنا إنما أنزلنا ~~عليكم القرآن؛ لئلا تقولوا: إن الكتاب أنزل على من قبلنا بلغتهم ولسانهم ~~فلم نعرف ما فيه، وغفلنا عن دراسته؛ فتمهدون بذلك عذرا لأنفسكم، وحجة على ~~الله * (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم). # وقد كان جماعة من الكفار، قالوا ذلك: لو أنزل علينا ما أنزل على اليهود ~~والنصارى كنا خيرا منهم وأهدى، يقول الله - تعالى -: * (فقد جاءكم بينة من ~~ربكم وهدى ورحمة) يعني: قد جاءكم القرآن؛ فكذبتم به، ثم قال: * (فمن أظلم ~~ممن كذب بآيات الله وصدف عنها) أي: أعرض عنها * (سنجزي الذين يصدفون) ~~PageV02P158 # * (ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين ~~يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك ~~لا ينفع نفسا) * * أي: يعرضون * (عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون) ~~قوله - تعالى -: * ([هل ينظرون]) أي: بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن. * ~~(هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) قيل: بالعذاب، وقيل: بقبض الأرواح (أو ~~يأتي ربك) يعني: في القيامة، ms0467 كما قال في سورة البقرة: * (هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام) وقد بينا هنالك * (أو يأتي بعض آيات ربك) ~~أجمع المفسرون على أنه أراد به طلوع الشمس من مغربها، إلا في رواية: شاذة ~~عن معاذ بن جبل أنه: خروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج. وقد ثبت برواية ابن ~~مسعود عن النبي أنه قال فيه: ' هي طلوع الشمس من مغربها ' وكذلك رواه أبو ~~سعيد الخدري مرفوعا بلفظه. # وقال ابن مسعود: إن الشمس والقمر يطلعان يومئذ أسودين، وروى صفوان بن ~~عسال المرادي عن النبي أنه قال: ' إن للتوبة بابا قبل المغرب، عرضه سبعون ~~ذراعا؛ فهو مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها، ثم يغلق فلا تقبل التوبة ~~بعده ' فهذا معنى قوله تعالى: (* (يوم يأتي بعض آيات ربك) * لا ينفع نفسا ~~PageV02P159 # * (إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا ~~منتظرون (158) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما ~~أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) (من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى * * إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت ~~في إيمانها خيرا) أي: لا يقبل توبة كافر بالإيمان، ولا توبة فاسق بالرجوع ~~عن الفسق * (قل انتظروا إنا منتظرون). # قوله - تعالى -: * (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء). # وروى أبو أمامة الباهلي صدى بن عجلان، عن النبي قال: ' هم الخوارج ' قال ~~مجاهد: هم أهل الأهواء والبدع، وقيل: هم أهل سائر الملل من اليهود، ~~والنصارى، والمجوس، ونحوهم، وعن ابن مسعود أنه قال: ' أصدق الحديث كتاب ~~الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل ~~بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ' ويروى هذا مرفوعا، وقوله: * (لست منهم في ~~شيء) أي: ليسوا منك، ولست منهم * (إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا ~~يفعلون). # قوله - تعالى -: * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون) وهذا ms0468 فضل من الله - تعالى - حيث يجازي ~~الحسنة بعشر PageV02P160 # * (إلا مثلها وهم لا يظلمون (160) قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ~~دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (161) قل إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول ~~المسلمين (163) قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون (164) وهو الذي جعلكم خلائف) * * أمثالها، والسيئة بمثلها، قال ابن ~~عمر: هذا في غير الصدقات من الحسنات، فأما الصدقات: تضاعف بسبعمائة ضعف، ~~وقال أبو صالح: الحسنة: قول لا إله إلا الله، ' وسئل رسول الله عن كلمة لا ~~إله إلا الله أهي من الحسنات؟ فقال: هي أحسن الحسنات '. # قوله - تعالى -: * (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما) هو دين ~~الإسلام أي: دينا مستقيما * (ملة إبراهيم) نصب على الإغراء، أي: اتبع ملة ~~إبراهيم * (حنيفا وما كان من المشركين) * (قيل إن صلاتي ونسكي) أما الصلاة: ~~معلومة، وأما النسك: العبادة، وقيل: أراد به: الذبيحة، وقوله: * (ومحياي ~~ومماتي لله) أي: طاعتي في حياتي لله، وجزائي بعد مماتي من الله * (رب ~~العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) يعني: من هذه الأمة. # قوله - تعالى -: * (قل أغير الله أبغي ربا) لأنهم كانوا يقولون له: ارجع ~~إلى ديننا فإن خفت الله فنحن نكفل لك العذاب؛ قاله كفار قريش؛ فنزل: * (قل ~~أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء) * (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى) أي: ليس هذا بأمر تنفع فيه الكفالة، (ويقوم) أحد مقام أحد ~~فيه. * (ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون). # قوله - تعالى -: * (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) أي: يخلف بعضكم ~~PageV02P161 # * (الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع ~~العقاب وإنه لغفور رحيم (165)) * * بعضا * (ورفع بعضكم فوق بعض درجات) ~~يعني: في الدنيا بالفقر والغنى، والمرض والصحة، ms0469 ونحو هذا * (ليبلوكم فيما ~~آتاكم) أي: ليختبروكم فيما أعطاكم. # * (إن ربك سريع العقاب) وكل ما هو آت فهو سريع * (وإنه لغفور رحيم). ~~PageV02P162 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (المص (1) كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج ~~منه لتنذر به وذكرى)) سورة الأعراف قال الشيخ الإمام - رضي الله عنه -: ~~اعلم أن سورة الأعراف مكيه إلا قوله - تعالى -: * (واسألهم عن القرية التي ~~كانت حاضرة البحر) إلى قوله - تعالى -: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم) فإن هذا القدر نزل بالمدينة، و (قد) روى ' أن النبي قرأ في ~~المغرب بطول الطولين ' يعني: سورة الأعراف، وإنما سميت طول الطولين؛ لأن ~~أطول السور التي نزلت بمكة سورة الأنعام، وسورة الأعراف، والأعراف أطولهما. # قوله تعالى * (المص) معناه: أن الله أعلم وأفصل، وقيل: معناه: أنا الله ~~الملك الصادق، وقال الشعبي: لكل كتاب سر، وسر القرآن: حروف التهجي في فواتح ~~السور. # * (كتاب أنزل إليك) قال الفراء: تقديره: هذا كتاب أنزل إليك * (فلا يكن ~~في صدرك حرج منه) أي: شك، والخطاب للرسول، والأمة هم المراد. # والحرج بمكان الشك، قاله الفراء، وأنشدوا: # (لولا حرج يعزوني * جئتك أغزوك ولا تغزوني) وقيل الحرج: هو الضيق، ~~ومعناه: لا يضيقن صدرك بالإبلاغ، وذلك أن النبي PageV02P163 # * (للمؤمنين (2) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما) * * لما بعث إلى الكفار، قال: ' يا رب إني أخاف أن يثلغوا رأسي، ~~ويجعلوه كالخبزة؛ فقال الله تعالى: لا يكن في صدرك ضيق من الإبلاغ؛ فإني ~~حافظك وناصرك '. # قوله: * (لتنذر به وذكرى للمؤمنين) فيه تقديم وتأخير، وتقدير الآية: كتاب ~~أنزل إليك؛ لتنذر به، وذكرى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه. # قوله تعالى: * (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) يعني: القرآن، وقيل: ~~القرآن والسنة لأمر الله تعالى لأن الله تعالى يقول: * (وما أتاكم الرسول ~~فخذوه) فالسنة وإن لم تكن (منزلة)، فهي كالمنزلة بحكم تلك الآية، قال الحسن ~~في هذه الآية: يا ابن آدم، أمرت باتباع القرآن، فما من آية إلا وعليك أن ~~تعلم فيما نزلت، ms0470 وماذا أريد بها، حتى تتبعه، وتعمل به. # * (ولا تتبعوا من دونه أولياء) يعني: من عاند الحق، وخالفه، فلا تتبعوه، ~~وإنما قال: * (من دونه أولياء) لأن من اتخذ مذهبا، فكل من سلك طريقه واتبعه ~~كان من أوليائه، فهذا معنى قوله: * (ولا تتبعوا من دونه أولياء) وقال مالك ~~بن دينار: ولا تبتغوا، يعني: الطلب، والمعنى: ولا تبتغوا من دونه أولياء. * ~~(قليلا ما تذكرون)، وقرأ ابن عامر: ' يتذكرون ' والمراد بهما واحد، أي: ~~قليلا ما تتعظون. # قوله تعالى: * (وكم من قرية أهلكناها) ' كم ' للتكثير، و ' رب ' للتقليل. # قال الشاعر: # (كم عمة لك يا جرير وخالة * فدعاء قد حلبت على عشارى) PageV02P164 # * (تذكرون (3) وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) ~~فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) فلنسئلن ~~الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين (6) فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ~~(7) والوزن يومئذ) * * قاله الفرزدق. # * (فجاءها بأسنا بياتا) أي: عذابنا بياتا * (أو هم قائلون) وتقديره: ليلا ~~وهم نائمون، أو نهارا وهم قائلون، من القيلولة. # قال الزجاج: ' أو هم قائلون ' أو لتصريف العذاب، يعني: مرة بالليل، ومرة ~~بالنهار كما بينا، فإن قال قائل: قد قال: * (وكم من قرية أهلكناها) فما ~~معنى قوله: * (فجاءها بأسنا) وكيف يكون مجيء البأس بعد الإهلاك؟ قيل: معنى ~~قوله: * (أهلكناها) أي: حكمنا بإهلاكها؛ فجاءها بأسنا، وقيل: قوله: * ~~(فجاءها بأسنا) هو بيان قوله: * (أهلكناها)، وقوله: * (أهلكناها) هو قوله: ~~* (فجاءها بأسنا) وهذا مثل قول القائل: أعطيتني فأحسنت إلي، لا فرق بينه ~~وبين قوله: أحسنت إلى ما أعطيتني، وأحدهما بيان للآخر، كذلك هذا. # قوله - تعالى -: * (فما كان دعواهم) أي: دعاؤهم، قال سيبويه: تقول اللهم ~~اجعلني في دعوى المسلمين، أي: في دعاء المسلمين فقوله: * (فما كان دعواهم ~~إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين) معناه: لم يقدروا على رد ~~العذاب حين جاءهم العذاب، وكان حاصل أمرهم أن اعترفوا بالخيانة حين لا ينفع ~~الاعتراف. # قوله - تعالى -: * (فلنسألن الذين أرسل إليهم) هذا سؤال توبيخ، لا سؤال ~~استعلام، يعني: نسألهم عما عملوا ms0471 فيما بلغهم * (ولنسألن المرسلين) عن ~~الإبلاغ * (فلنقصن عليهم بعلم) أي: نخبرهم بما عملوا عن بصيرة وعلم. # * (وما كنا غائبين) فإنه - جل وعلا - مع كل أحد بالعلم والقدرة. # قوله - تعالى -: * (والوزن يومئذ الحق) قال مجاهد: معناه: القضاء يومئذ ~~بالحق والعدل، وأكثر المفسرين على أنه أراد به: الوزن بالميزان المعروف، ~~وهو حق، وكيف PageV02P165 # * (الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ومن خفت موازينه فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) ولقد مكناكم في الأرض ~~وجعلنا لكم ) * * يوزن؟ اختلفوا، قال بعضهم: توزن صحائف الأعمال، وقيل: ~~يوزن الأشخاص؛ وعليه دل قول عبيد بن عمير أنه قال: ' يؤتى بالرجل العظيم ~~الطويل، الأكول والشروب، يوم القيامة، فيوزن فلا يزن عند الله جناح بعوضة ' ~~وقد روى هذا مرفوعا. # وقيل: توزن الأعمال، فإن الأعمال الحسنة تأتي على صورة حسنة، والأعمال ~~السيئة تأتي على صورة قبيحة؛ فذلك الذي يوزن، وفي الخبر ' أن ذلك الميزان ~~له كفتان، كل كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب '، والميزان للكل واحد، وقيل ~~لكل واحد ميزان. * (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون). # * (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم) أي: غبنوا أنفسهم * (بما ~~كانوا بآياتنا يظلمون) قال الحسن: إنما ثقل ميزان من ثقل ميزانه باتباع ~~الحق، وحق لميزان وضع فيه الحق أن يثقل، وإنما خف ميزان من خف ميزانه ~~باتباع الباطل، وحق الميزان لم يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. # ويروى عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ' كان رسول الله نائما ذات ~~يوم، ورأسه في حجري، فبكيت، فقطرت دموعي على خده؛ فانتبه رسول الله فقال: ~~مالك؟ قلت: ذكرت القيامة وأهوالها، فهل يذكر أحد أحدا يومئذ؟ فقال: أما في ~~ثلاثة مواطن فلا: عند الميزان حتى يعلم أيثقل ميزانه أم يخف، وعند تطاير ~~الصحف حتى يعلم أن صحيفته توضع في يمينه أو [في] شماله، وعلى PageV02P166 # * (فيها معايش قليلا ما تشكرون (10) ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة) * * الصراط '. # قوله - تعالى -: * (ولقد مكناكم في الأرض) التمكين هاهنا بمعنى: التمليك ~~* (وجعلنا لكم فيها معايش) أي: أسباب تعيشون ms0472 بها، وقيل: جعلنا لكم ما تصلون ~~به إلى المعاش * (قليلا ما تشكرون). # قوله - تعالى -: * (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) قال ابن عباس: خلقناكم في ~~صلب آدم، ثم صورناكم في أرحام الأمهات، وقال مجاهد: خلقناكم في ظهر آدم، ثم ~~صورناكم يوم الميثاق، حين أخرجهم كالذر، وقيل: هذا في حق آدم - صلوات الله ~~عليه - يعني: خلقنا أصلكم آدم، ثم صورناه؛ فذكر بلفظ الجمع، والمراد به ~~الواحد، وقال الأخفش - وهو أحد قولي قطرب -: إن ثم بمعنى الواو، أي: ~~وصورناكم. # * (ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) فإن قال قائل: الأمر بسجود الملائكة ~~كان قبل خلق بني آدم، فما معنى قوله: * (ثم قلنا للملائكة) عقيب ذكر الخلق ~~والتصوير؟ # والجواب: أما على قول مجاهد، وقول من صرفه إلى آدم، يستقيم الكلام. # وأما على قول ابن عباس، يرد هذا الإشكال، والجواب عنه من وجوه: # أحدها: أن المراد به: ثم أخبركم أنا قلنا للملائكة: اسجدوا [لآدم]، وقيل ~~فيه: تقديم وتأخير، وتقديره: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا، ثم ~~صورناكم، PageV02P167 # * (اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11) قال ما منعك ~~ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12) قال ~~فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فأخرج إنك من الصاغرين (13) قال ~~أنظرني إلى يوم يبعثون) * * وقيل ' ثم ' بمعنى ' الواو ' أي: وقلنا ~~للملائكة: اسجدوا، والواو لا توجب الترتيب، وهو قول الأخفش، وأحد قولي ~~قطرب، ولم يرضوا منهم ذلك، فإن كلمة ' ثم ' لا ترد بمعنى الواو، وهي ~~للتعقيب. # * (فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين) وقد ذكرنا سجود الملائكة في ~~سورة البقرة، وأن سجودهم كان لآدم. # قوله - تعالى -: * (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) ' لا ' زائدة، ~~والمراد: ما منعك أن تسجد؟ وقد سبق نظائره. # * (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) فإن قيل: لم يكن هذا ~~منه جوابا عما سئل عنه؟ قيل: تقديره قال: لم أسجد لأني خير منه، وقيل: ~~السؤال مقدر فيه، كأنه قيل له: أنت خير أم هو؟ ms0473 فقال: أنا خير منه. # قال محمد بن جرير الطبري: ظن الخبيث، ورأى أن النار خير من الطين، ولم ~~يعلم أن الفضل لما جعل الله له الفضل، وقد فضل الله الطين على النار، ولأن ~~في طبع النار طيشا، وخفة، وإحراقا، وفي الطين رزانة، وحلم، وتواضع، وأمانة، ~~فيجوز أن يكون خيرا من النار، وقد قال ابن عباس: أول من قاس: إبليس، كما ~~بينا. # وقوله - تعالى -: * (قال فاهبط منها) أي: فأخرج منها، واختلفوا في هذه ~~الكناية، قيل: أراد به: فاهبط من الجنة، وقيل: أراد به: من الدرجة التي ~~جعله الله عليها من قبل، وقيل: أراد به: من الأرض؛ فإن الله - تعالى - لما ~~طرده؛ أخرجه من الأرض إلى جزائر البحر، وكان من قبل له ملك الأرض، حتى قيل: ~~إنه لا يدخل الأرض إلا خائفا، سارقا، على هيئة شيخ عليه أطمار * (فما يكون ~~لك أن تتكبر فيها) يعني: بترك السجود * (فأخرج إنك من الصاغرين) أي: ~~الأذلة. PageV02P168 # (* (14) قال إنك من المنظرين (15) قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ~~ولا تجد) * * (قال أنظرني) أي: أمهلني * (إلى يوم يبعثون) سأل المهلة إلى ~~القيامة، * (قال إنك من المنظرين) فأنظره الله - تعالى - وهذا الإنظار إلى ~~النفخة الأولى، كما قال في موضع آخر مقيدا: * (إلى يوم الوقت المعلوم) ~~وأراد به: النفخة الأولى، فإن قيل: وهل يجوز أن يجيب الله دعوة الكافر؛ حيث ~~أجاب دعوة اللعين؟ قيل: يجوز على طريق الاستدراج والمكر والإملاء لا على ~~سبيل الكرامة. # * (قال فبما أغويتني) قال ابن عباس: بما أضللتني، وقيل: بما خيبتني، ~~فالإغواء بمعنى: الخيبة، قال الشاعر: # (فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما) أي: ~~ومن يخب لا يعدم على الخيبة لائما، وقيل: معناه: بما دعوتني إلى ما ضللت به ~~* (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) أي: على صراطك المستقيم، وهو صراط الدين. # قوله تعالى: * (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم) روى سفيان الثوري عن ~~منصور عن الحكم بن عتيبة ms0474 أنه قال: * (لآتينهم من بين أيديهم) يعني: من قبل ~~الدنيا بأن أزينها في قلوبهم، فيغتروا بها * (ومن خلفهم) أي: من قبل ~~الآخرة، بأن أقول: لا بعث، ولا جنة، ولا نار * (وعن أيمانهم) من قبل ~~الحسنات * (وعن شمائلهم) من قبل السيئات، وقال ابن عباس - في رواية الوالبي ~~عنه -: لآتينهم من بين أيديهم يعني: من قبل الآخرة، ومن خلفهم (أي) من قبل ~~الدنيا، وعن أيمانهم: أشبه عليهم أمر الدنيا، وعن شمائلهم: أشهى لهم ارتكاب ~~المعاصي، قال مجاهد: أراد به لآتينهم من كل الجوانب، قال قتادة: لم يقل ~~الخبيث: من فوقهم؛ لأن الرحمة تنزل عليهم من فوقهم. PageV02P169 # * (أكثرهم شاكرين (17) قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن ~~جهنم منكم أجمعين (18) ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا ~~تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (19) فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ~~ما) * * (ولا تجد أكثرهم شاكرين) أي: مؤمنين فإن قيل: بأيش علم الخبيث أنه ~~لا يجد أكثرهم شاكرين؟ قيل: قرأ من اللوح المحفوظ، وقيل: قال ذلك ظنا؛ ~~فأجاب كما قال الله - تعالى -: * (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه). # قوله - تعالى -: * (قال اخرج منها مذءوما) وقرأ الأعمش: ' مذموما '، ~~والمعروف. مذءوما من الذأم: وهو العيب، وقيل: معناه مقيتا من المقت. # * (مدحورا) أي: مطرودا * (لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين) اللام ~~فيه للقسم، يعني: أقسم لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين. # قوله - تعالى -: * (ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) وقد بينا هذا * (فكلا ~~من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) وقد بينا على قول ~~ابن عباس: أنها كانت شجرة السنبلة، وقيل: شجرة التين، وقال علي بن أبي ~~طالب: كانت شجرة الكافور، وقيل: كانت شجرة تأكل منها الملائكة تسمى: شجرة ~~الخلد. # قوله - تعالى -: * (فوسوس لهما الشيطان) الوسوسة: حديث يلقيه الشيطان في ~~قلب الإنسان، واختلفوا كيف وسوس لهما وهما في الجنة، وهو في الأرض؟ # فقيل: وسوس لهما من الأرض؛ لأن الله - تعالى - أعطاه قوة بذلك حتى وسوس ~~لهما بتلك القوة من الأرض ms0475 إلى الجنة، وقيل: حين وسوس لهما كان في السماء؛ ~~فالتقيا على باب الجنة هو وآدم، فوسوس، وقيل: إن الحية خبأته في [أنيابها] ~~وأدخلته الجنة، فوسوس من بين [أنيابها]؛ فمسحت الحية، وأخرجت من الجنة. # * (ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما) اللام فيه لام العاقبة؛ فإنه ~~لم PageV02P170 # * (ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ~~(21) فدلاهما بغرور) * * يوسوس لهذا، لكن عاقبة أمرهم في وسوسته أنه أبدى ~~لهما ما ستر من عورتيهما. # * (وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين) وهذه كانت وسوسته؛ وقرأ يحيى بن أبي كثير والضحاك: ' إلا أن ~~تكونا ملكين ' بكسر اللام، والمعروف: ' ملكين ' بفتح اللام، قال أبو عمرو ~~بن العلاء: لم يكن في الجنة ملك لغير الله حتى يقول: ملكين من الملك، وكان ~~فيها الملائكة، ومعناه: ما نهاكما الله عن أكل هذه الشجرة إلا أنكما إذا ~~اكلتما صرتما ملكين أو تكونا من الخالدين. # * (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) وسوس لهما، وحلف عليه، وهو أول من ~~حلف بالله كاذبا، فكل من حلف بالله كاذبا؛ فهو من أتباع إبليس، وفي الحديث: # ' إن المؤمن يخدع بالله ' فلما حلف إبليس على ما وسوسه به؛ ظن آدم أنه لا ~~يحلف أحد بالله إلا صادقا؛ من سلامة قلبه، فاغتر به. # وفيه قول آخر: أن قوله: * (وقاسمهما) من القسمة، كأن إبليس قال لهما: كلا ~~من هذه الشجرة، فما كان من خير فلكما، وما كان من شر وسوء فعلي. # وقوله: * (إني لكما لمن الناصحين) يعني: المرشدين، المريدين للخير. # فإن قال قائل: قوله: * (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين) دليل على أن الملائكة أفضل من الآدميين، قيل: معناه - والله أعلم -: ~~أنهما رأيا الملائكة في أحسن صورة، وأرفع منزلة، وفي تسبيح دائم من غير تعب ~~ولا شهوة؛ فتمنيا أن يصلا إلى تلك المنزلة لو أكلا من تلك الشجرة، ويتخلصا ~~من التعب، ms0476 ومن شهوة البشرية، وليس في هذا دليل على أن الملك أفضل من ~~الآدمي. # وقوله: * (فدلاهما بغرور) أي: حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية، ~~قال PageV02P171 # * (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو ~~مبين (22) قالا) * * الشاعر: # (ويوسف إذ دلاه أولاد علة * فأصبح في قعر البريكة ثاويا) وأما الغرور: ~~فهو إظهار النصح مع إبطان الغش. # قوله - تعالى -: * (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما) في هذا دليل على ~~أنهما لم يمتعا في الأكل، قال ابن عباس: قيل: إن إزدادا؛ أخذتهما العقوبة، ~~وكانت عقوبتهما أن تهافت عنهما لباسهما، وبدت عورتهما. # * (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) قال ثعلب: جعلا يلصقان بعض الورق ~~بالبعض، ويستران العورة به، ويقال: خصف النعل؛ إذا جعل طبقا على طبق، ~~واختلفوا في ذلك الورق، قال ابن عباس - وبه قال أكثر المفسرين -: إنه ورق ~~التين والزيتون، وقيل: كان ورق الموز. # * (وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة) يعني: عن الأكل منها * ~~(وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين) أي: بين العداوة، ويحكى عن أبي بن ~~كعب، ويذكر عن عطاء أيضا، أنهما قالا: لما بدت سوتهما في الجنة، هرب آدم في ~~الجنة؛ فتعلقت شجرة بشعره، وناداه الرب: أفرارا مني يا آدم؟ فقال: لا بل ~~حياء منك يا رب. # قوله - تعالى -: * (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين) اعترف آدم بالذنب، وسأل المغفرة، وهذا هو الفرق بين ~~معصيتة ومعصية إبليس، أن إبليس عصى وأصر على المعصية، وآدم عصى وتاب عن ~~المعصية، وأن إبليس كان متعمدا، وآدم كان ساهيا، واختلفوا في أن آدم هل عرف ~~عند الأكل أنه معصية؟ قال بعضهم: عرف ذلك، لكن الله غفر له، وتاب عليه، ~~وقيل: دخل عليه شبهة من وسوسة إبليس، ولم يكن متعمدا؛ إذ كان معصوما نبيا. # قوله - تعالى -: * (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو) فإن قال قائل: ألم يكن ~~PageV02P172 # * (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ms0477 لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) ~~قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) قال ~~فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25) يا بني آدم قد أنزلنا عليكم ~~لباسا يواري سوءاتكم) * * خاطب إبليس بالهبوط من قبل، فما معنى هذه ~~الإعادة؟ قيل: إن هذا الثاني خطاب لآدم وحواء والحية، قاله أبو صالح، ~~وإبليس خارج من الخطاب، وقيل: الخطاب للكل؛ لأنهم وإن اقترفوا في وقت ~~الإخراج والإنزال، (لكن) لما اجتمعوا في الإنزال جمع بينهم في الخطاب، ~~والأول خاص لإبليس، والخطاب الثاني عام للكل. # * (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) وفي القصص: أن آدم وقع بأرض ~~الهند، وحواء بجدة، والحية بميسان، وإبليس بأيلة، وقيل: بمداد، وقيل: وقع ~~إبليس بأرض البصرة، ثم خرج إلى أرض مصر وباض وفرخ فيه. # وعن ابن عمر أنه قال: لما أخرج الله - تعالى - إبليس إلى الأرض، قال: يا ~~رب، أين مسكني؟ قال: الحمامات؛ فقال: أين مجلسي؟ قال: الأسواق، فقال: وأيش ~~مطعمي؟ قال: كل طعام لم يذكر عليه اسمي، فقال: وماذا شرابي؟ فقال: كل مسكر. ~~قال: وما حبالتي؟ فقال: النساء، فقال: وما كتابتي؟ قال: الوشم، فقال: ومن ~~رسلي؟ قال: الكهنة. # قوله - تعالى -: * (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون) يعني: ~~الأرض فيها حياتكم وموتكم، ومنها بعثكم. # قوله - تعالى -: * (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم) فإن ~~قال قائل: كيف قال: أنزلنا. ولم ينزل اللباس من السماء؟ قيل: قد أنزل ~~المطر، وكل نبات من المطر؛ فكأنه أنزله، وقيل: معناه: أن كل ما في الأرض ~~فهو من بركات السماء؛ فيكون كالمنزل من السماء، وعلى هذا معنى قوله - تعالى ~~-: * (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) وإنما يستخرج من الأرض، لكن نسبه إلى ~~السماء، كذا هذا. PageV02P173 # * (وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) يا ~~بني آدم لا) * * وسبب نزول الآية: أنهم في الجاهلية، كانوا يطوفون بالبيت ~~عراة، ويقولون لا نطوف في (أثواب) عصينا الله - تعالى - فيها، وكان الرجال ~~يطوفون عراة بالنهار، والنساء بالليل؛ فنزلت الآية في ms0478 المنع عن ذلك. قال ~~الزهري: كانت العرب يطوفون كذلك عراة إلا الحمس، وهم قريش وأحلاف قريش، ~~كانوا يطوفون في ثيابهم، وسموا حمسا؛ بشدتهم في دينهم، ومنه الحماسة ~~لشدتها، وقال مجاهد: كانت النساء يطفن وعليهن رهاط، والرهط: قطعة من صوف لا ~~تستتر تمام العورة، وربما كانت من سيورة، وقال قتادة: كانت المرأة منهم ~~تطوف تضع يدها على فرجها تستر بها عورتها، وتقول: # (اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله) فقوله: * (قد أنزلنا ~~عليكم لباسا يواري سوءاتكم) معناه: قد أنزلنا عليكم ما تسترون به عورتكم؛ ~~فلا تطوفوا بالبيت عراة، وقوله: * (وريشا) وقرئ: ' ورياشا ' منهم من فرق ~~بينهما. # قال مجاهد: الريش: المال، وقال الكسائي: الريش: اللباس. # وأما الرياش: قيل: هو المعاش، يقال: تريش فلان إذا وجد ما يعيش به، وقيل: ~~الرياش: أثاث البيت، وقال أبو عبيدة: الريش والرياش واحد، وهو ما يبدو من ~~اللباس، والشعرة وأنشد سيبويه: # (وريشي منكم وهواي فيكم * وإن كانت زيارتكم لماما) أي: قليلا، وقوله: * ~~(ولباس التقوى) يقرأ بالنصب، (يعني): وأنزلنا عليكم لباس التقوى، ويقرأ: ' ~~ولباس التقوى ' بالرفع، يعني: هو لباس التقوى. PageV02P174 # * (يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما ~~سوءاتهما) * * قال القتيبي: يعني: الثياب لباس التقوى؛ فإن من اتقى الله ~~يطوف لابسا لا عاريا، وفي الحديث: ' إن لباس التقوى هو الحياء ' لأنه يبعث ~~على التقوى، وهو قول الحسن، قال الشاعر: # (إني كأني أرى من لا حياء له * ولا أمانة وسط الناس عريانا) قال عكرمة: ~~الحياء والإيمان في قرن واحد، فإذا ذهب أحدهما؛ تبعه الآخر، وقال قتادة: ~~لباس التقوى: هوالإيمان، وقال عثمان بن عفان: لباس التقوى: هو السمت الحسن، ~~وقال عروة: هو خشية الله، وقيل: لباس التقوى ها هنا: لباس الصوف، والثوب ~~(الخشن) الذي يلبسه أهل الورع، وقيل: هو العمل الصالح. # * (ذلك خير) قيل: ' ذلك ' حيلة وتقديره: ولباس التقوى خير، وهكذا قرأه ~~الأعمش، وقيل: ' ذلك ' في موضعه، ومعناه: ذلك الذي ذكر من اللباس والريش، ~~وكل ما ذكر خير * (ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون). ms0479 # قوله - تعالى -: * (يا بني آدم لا يفتنتكم الشيطان كما أخرج أبويكم من ~~الجنة) أي: لا يضلنكم الشيطان، كما فتن أبويكم فأخرجهما من الجنة. # * (ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما) هو ما ذكرنا من تهافت اللباس ~~عند أكلها من الشجرة، وفيه دليل على أنهما ما كانا يريان عورتهما من قبل؛ ~~حيث قال: ليريهما سوءاتهما واختلفوا في ذلك اللباس الذي كان عليهما ما هو؟ ~~قال ابن عباس: لباسهما كان من الظفر؛ كأن الله - تعالى - ألبسهما من جنس ~~ظفرهما، وقال وهب بن منبه: كان لباسا من النور. PageV02P175 # * (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء ~~للذين لا يؤمنون (27) وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) ~~قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما ~~بدأكم تعودون (29) فريقا هدى) * * (إنه يراكم هو وقبيله) أي: وجنوده * (من ~~حيث لا ترونهم) يعني: أن الشيطان وجنوده يرونكم، وأنتم لا ترونهم * (إنا ~~جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) يعني: أن الشياطين يوالون الكفار، ~~وهذا قوله: * (أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا). # قوله - تعالى -: * (وإذا فعلوا فاحشة) قيل: الفاحشة ها هنا هي طوافهم ~~عراة، وقيل: هي الشرك (* (قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) * قل) ~~يا محمد: * (إن الله لا يأمر بالفحشاء) وهي كل فعل قبيح بلغ النهاية في ~~القبح * (أتقولون على الله ما لا تعلمون). # قوله - تعالى -: * (قل أمر ربي بالقسط) أي: بالعدل والصدق * (وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد) فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن معناه: أقيموا الصلاة في كل ~~مسجد تدرككم فيه الصلاة، ولا تقولوا نؤخرها إلى مسجدنا، والثاني معناه: ~~استقبلوا القبلة بوجوهكم في كل صلاة، والثالث معناه: أخلصوا صلاتكم ~~وعبادتكم لله - تعالى -. # * (وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون) يعني: تعودون فرادى بلا أهل ~~ولا مال، كما خلقكم فرادى بلا أهل ولا مال، وهذا معنى قوله - تعالى -: * ~~(ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول ms0480 مرة) قال الزجاج: معناه: إن إعادتكم ~~أحياء كخلقكم ابتداء، كلاهما علي هين، والصحيح أن المراد به: انه كما خلقكم ~~أشقياء وسعداء، ومؤمنين وكافرين، تعودون كذلك؛ وعليه دل قوله - تعالى -: * ~~(فريقا PageV02P176 # * (وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ~~ويحسبون أنهم مهتدون (30) يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا إنه) * * هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) أي: فريقا هداهم ~~الله، وفريقا أضلهم الله [تعالى]؛ فوجبت عليهم الضلالة، وقد صح الحديث عن ~~ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: ' حدثني الصادق المصدوق - يعني رسول ~~الله -: أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبين الجنة إلا ~~ذراعا؛ فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار؛ فيدخل النار، وإن الرجل ~~ليعمل بعمل أهل النار، حتى لا يبقى بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه ~~الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة؛ فيدخل الجنة '. # * (إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون) وفي ~~هذا دليل على أن المستبصر بالكفر الذي يحسب أنه على الحق مثل المعاند سواء. # قوله - تعالى -: * (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) هو في الأمر ~~بالطواف والصلاة لابسا، وفي شواذ التفاسير: أنه المشط، ولبس النعل، وقيل: ~~أراد به: السكينة، والوقار، وذلك معنى ما روى عن رسول الله أنه قال: ' إذا ~~أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون، وعليكم ~~بالسكينة والوقار '. # * (وكلوا واشربوا) قال الفراء: إنما أمرهم بالأكل والشرب؛ لأنهم كانوا في ~~الجاهلية يتركون أكل اللحم والدسم في وقت الموسم، كما يتركون اللباس عند ~~الطواف ويقولون: نترك اللحم والدسم لله - تعالى -. # * (ولا تسرفوا) أي: بتحليل ما حرم الله، وبتحريم ما أحل الله، وكل مال ~~أنفق PageV02P177 # * (لا يحب المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات ~~من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعلمون (32) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن ms0481 تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون (33)) * * في معصية الله؛ فهو سرف، وأصل الإسراف: هو ~~مجاوزة الحد بغلو أو تقصير * (إنه لا يحب المسرفين). # قوله - تعالى -: * (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) يعني: اللباس ~~عند الطواف * (والطيبات من الرزق) يعني: ما حرموا على أنفسهم من أكل اللحم ~~في أيام الموسم، مع سائر ما حرموا من البحيرة، والسائبة ونحوها. * (قل هي ~~للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) قال أكثر المفسرين - وهو ~~قول الضحاك -: فيه حذف، وتقديره: هي للذين آمنوا وللمشركين في الحياة ~~الدنيا، خالصة للمؤمنين يوم القيامة: وقيل: معناه: خالصة يوم القيامة من ~~التنغيص والغم، فإنها لهم في الدنيا مع التنغيص والغم. * (كذلك نفصل الآيات ~~لقوم يعلمون). # قوله - تعالى -: * (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) قال ~~قتادة: هي الزنا سرا وعلنا، وقال غيره: ما ظهر منها: نكاح المحارم، وما ~~بطن: الزنا * (والإثم والبغي يغير الحق) أما الإثم ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: قال الفراء: كل ما دون الحد، وقيل: هو كل المعاصي، وقيل: الإثم ~~الخمر، وقد ورد ذلك في الشعر: # (شربت (الإثم) حتى ضل عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول) وأما البغي، قيل: ~~هو الاستطالة على الناس، وقيل هو الفساد، وقال ثعلب: هو أن يقع في الناس ~~بغير الحق * (وأن تشركوا بالله) وتقديره: وحرم أن تشركوا بالله * (ما لم ~~ينزل به سلطانا) أي: حجة * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) لأنهم كانوا ~~PageV02P178 # * (ولكل أمة اجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) يا ~~بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف ~~عليهم ولا هم) * * ينسبون كل ما ارتكبوا من الفواحش والإشراك إلى الله - ~~تعالى - ويقولون: نفعله بأمر الله؛ فهذا قولهم على الله ما لا يعلمون. # قوله - تعالى -: * (ولكل أمة أجل) يعني: مدة العمر * (فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) فإن قيل: لم خص الساعة، وهم لا يستأخرون دون ms0482 ~~الساعة، ولا يستقدمون؟ قيل: إنما خصها لأنها أقل الأوقات المعلومة. # قوله - تعالى -: * (يا بني آدم إما يأتينكم) فقوله: ' إما ' كلمتان: ' إن ~~' و ' ما ' فأدغمت إحداهما في الأخرى، ومعناه: متى يأتكم، وإن يأتكم * (رسل ~~منكم) قيل: أراد به رسولنا خاصة، وقيل: كل الرسل * (يقصون عليكم آياتي فمن ~~اتقى وأصلح) أي: اتقى الشرك، وأصلح ما بينه وبين ربه * (فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون). # قوله - تعالى -: * (والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها) وإنما ذكر ~~الاستكبار؛ لأن كل مكذب وكل كافر مستكبر، وإنما كذب وكفر تكبرا، قال الله - ~~تعالى - * (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) أي: استكبروا ~~عن الإقرار بالوحدانية * (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). # قوله - تعالى -: * (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته) وقد ~~بينا هذا الافتراء * (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) فيه خمسة أقوال: # أحدها - وهو قول ابن عباس: ينالهم ما قدر لهم من خير وشر. # والثاني: قول مجاهد: ينالهم ما وعدوا من خير وشر. # والثالث: قول سعيد بن جبير: ينالهم ما قضى لهم من الشقاوة والسعادة. # والرابع: قول محمد بن كعب القرظي: أراد به: الأجل والعمل والرزق. ~~PageV02P179 # * (يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (36) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم ~~تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ~~(37) قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها حتى إذا) * * وفيه قول خامس معروف: ينالهم نصيبهم من العذاب ~~المذكور في الكتاب؛ فإنه ذكر في الكتاب عذاب الفرق من الكفار مثل: ~~المنافقين واليهود، والنصارى، والمشركين. # * (حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم) يعني: ملك الموت وأعوانه * (يتوفونهم) ~~أي: يتوفون عدد آجالهم * (قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله) يعني: ~~الرسل يقولون للكفار: أين الذين كنتم تدعون من دون الله ms0483 من الأصنام؟ * ~~(قالوا ضلوا عنا) أي: ذهبوا وفاتوا عنا * (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين). # قوله - تعالى -: * (قال ادخلوا في أمم) يعني: مع أمم، وهو مثل قول امرئ ~~القيس: # (وهل ينعمن من كان أقرب عهده * ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال) أي: مع ثلاثة ~~أحوال: وقيل: معناه: ادخلوا بين أمم (قد خلت) أي: مضت * (من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار) وفيه دليل على أن الجن يموتون كالإنس؛ خلافا لقول الحسن، ~~حيث قال: لا يموتون. # * (كلما دخلت أمة لعنت أختها) قال الفراء: يعني: أختها في الدين لا في ~~النسب، يعني: يلعن اليهود اليهود، والنصارى النصارى. # * (حتى إذا اداركوا) أي: تداركوا وتتابعوا واجتمعوا * (فيها جميعا قالت ~~أخراهم لأولاهم) أراد به: أخرى كل أمة، وأولى كل أمة، وقيل: أراد به: آخرهم ~~دخولا، وأولهم دخولا، وهم القادة مع الأتباع؛ فإن القادة يدخلون أولا. ~~PageV02P180 # * (فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون (39) إن الذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل ~~في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ~~وكذلك نجزي الظالمين) * * (ربنا هؤلاء أضلونا) يعني: القادة أضلونا * ~~(فآتهم عذابا ضعفا من النار) أي: ضاعف لهم العذاب * (قال لكل ضعف ولكن لا ~~تعلمون) بالتاء فقوله * (ولكن لا تعلمون) يعني: أيها الناس لا تعلمون، أما ~~من قرأ بالياء فمعناه: لا يعلم القادة ما للأتباع ولا الأتباع الأتباع ما ~~للقادة. # قوله - تعالى -: * (وقالت أولاهم) يعني: القادة * (لأخراهم) يعني: ~~الأتباع * (فما كان لكم علينا من فضل) قال السدي: معناه: أنكم كفرتم، كما ~~كفرنا، وجحدتم كما جحدنا، فليس لكم علينا من فضل، وقيل: معناه: ما كان لكم ~~علينا من فضل في تخفيف العذاب * (فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون). # قوله - تعالى -: * (إن الذين كفروا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم ~~أبواب السماء) اعلم أن أبواب السماء تفتح لثلاثة: للأعمال، والأدعية، ~~والأرواح، وفي الخبر. ' أن الملك يصعد بروح المؤمن، ولها ريح طيبة؛ فتفتح ~~لها أبواب السماء، ويصعد بروح الكافر، ولها ms0484 ريح منتنة؛ فتغلق لها أبواب ~~السماء، ويؤمر بطرحها في السجين فذلك قوله - تعالى -: (* (كلا إن كتاب ~~الأبرار لفي عليين) * كلا إن كتاب الفجار لفي سجين) ' ومعنى الآية: أنه لا ~~تفتح أبواب السماء لأعمال الكفار وأدعيتهم وأرواحهم. PageV02P181 # (* (41) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك ~~أصحاب الجنة) * * وقيل: معناه: لا تفتح لهم أبواب الجنة، لكن عبر عنها ~~بأبواب السماء؛ لأن أبواب الجنة في السماء. # * (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) وقرأ ابن عباس: ' يلج ~~الجمل ' برفع الجيم وتشديد الميم، وقرأ سعيد بن جبير: ' حتى يلج الجمل ' ~~برفع الجيم مخففة الميم، وقرأ ابن سيرين: ' في سم الخياط ' برفع السين، ~~والمعروف * (حتى يلج الجمل في سم الخياط) وهو الجمل المعروف، وسئل ابن ~~مسعود عن هذا الجمل فقال: هو زوج الناقة، كأنه استحمق السائل حين سأله عما ~~لا يخفى، ويحكى عن الحسن أنه قال: هو الأشطر الذي عليه جولقان أسودان، وأما ~~الجمل الذي قرأه ابن مسعود: فهو قلس السفينة، وأما الجمل بالتخفيف، قيل: هو ~~أيضا قلس السفينة، وقيل: هو حبل السفينة، وأما السم والسم واحد، وهو ثقبة ~~المخيط، والمراد بالآية: تأكيد منع دخولهم الجنة، وذلك سائر في كلام العرب، ~~وهو مثل قولهم: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب، وحتى يبيض القار، وقال ~~الشاعر: # (إذا شاب الغراب أتيت أهلي * وصار القار كاللبن الحليب) والقار والقير: ~~شيء أسود، يضرب به المثل، يقال: شيء كالقير والقار في السواد * (وكذلك نجزي ~~المجرمين). # قوله - تعالى -: * (لهم من جهنم مهاد) أي: فرش * (ومن فوقهم غواش) أي: ~~لحف وهذا مثل قوله: * (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل). # قال سيبويه - رحمه الله -: التنوين في قوله * (غواش) غير أصلي، وإنما هو ~~بدل عن الياء وأصله: ' غواشي ' ومثله كثير (* (وكذلك نجزي الظالمين) * ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها) أي: طاقتها * (أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون). PageV02P182 # * (هم فيها خالدون (42) ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار ~~وقالوا الحمد لله الذي ms0485 هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد ~~جاءت رسل ربنا) * * قوله - تعالى -: * (ونزعنا ما في صدروهم من غل تجري من ~~تحتهم الأنهار). الغل الغش والحقد، وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: أرجو ~~أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله - تعالى -: * (ونزعنا ~~ما في صدروهم من غل). # وروى مسلم في الصحيح بإسناده عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن ~~النبي أنه قال: ' إذا خلص المؤمنون عن الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة ~~والنار، فيقتص بعضهم من بعض، حتى إذا نقوا وهذبوا، أذن لهم في دخول الجنة؛ ~~فوالذي نفسي بيده، لأحدهم أهدى إلى منزله في الجنة منه إلى منزله في الدنيا ~~'. وفي بعض الأخبار: ' أن على باب الجنة عينا يشرب منها أهل الجنة ~~ويغتسلون؛ فيذهب الغل والحقد من قلوبهم، ثم يدخلون الجنة '. # * (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا ~~الله)، وفي هذا دليل على القدرية * (لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن ~~تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) تلك تأنيث ذلك، ومعنى الآية: كأنهم ~~إذا رأوا الجنة من بعيد نودوا: أن تلكم الجنة، وقيل: هذا النداء يكون في ~~الجنة، فينادون: هذه الجنة التي أورثتموها، وفي الخبر: ' أن لكل واحد منزلا ~~في الجنة ومنزلا في النار، ثم يرث المؤمن من الكافر منزله في الجنة، ويرث ~~الكافر من المؤمن منزله في النار '. PageV02P183 # * (بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون (43) ونادى ~~أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل جدتم ما وعد ~~ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) الذين ~~يصدون عن سبيل الله) * * قوله - تعالى -: * (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ~~أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) وهذا قبل ~~التطبيق على جهنم * (قالوا نعم) وقد بينا أن جواب الاستفهام الذي فيه جحد: ~~' بلى '، وجواب الاستفهام الذي ليس فيه تجحد: ' نعم ' * (فأذن مؤذن بينهم ~~أن ms0486 لعنة الله على الظالمين). # * (الذين يصدون عن سبيل الله) أي: يعرضون عن الدين * (ويبغونها عوجا) أي: ~~يطلبون الدين بالزيغ، والعوج بمعنى الزيغ ها هنا (* (وهم بالآخرة كافرون) * ~~وبينهما حجاب) وهو حجاب بين الجنة والنار. * (وعلى الأعراف رجال) قيل: ~~الأعراف: سور بين الجنة والنار، وذلك قوله: * (فضرب بينهم بسور) وقيل: هو ~~مكان مرتفع، والأول أصح، وعليه الأكثرون. # وأما الرجال الذين على الأعراف، اختلفوا فيهم، قال ابن مسعود، وحذيفة، ~~وعطاء: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقال أبو مجلز لاحق بن حميد، هم قوم ~~من الملائكة في صورة رجال من الإنس، وحكى مقاتل بن سليمان في تفسيره عن ~~النبي أنه قال: ' هم قوم غزوا بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فبقوا على ~~الأعراف تمنع شهادتهم دخولهم النار، ويمنع عصيانهم الآباء دخولهم الجنة '. ~~PageV02P184 # * (ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) وبينهما حجاب وعلى الأعراف ~~رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم ~~يطمعون (46) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين (47) ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما ~~أغنى عنكم جمعكم) * * وقال الحسن: هم أهل الفضل من المؤمنين، جعلوا على ~~الأعراف؛ فيطلعون على أهل الجنة والنار، يطالعون أحوال الفريقين * (يعرفون ~~كلا بسيماهم) أي: يعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم، وأهل النار بسواد وجوههم. # * (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم) فإذا رأوا أهل الجنة قالوا: سلام ~~عليكم * (لم يدخلوها) يعني: أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة * (وهم يطمعون) ~~يعني: في دخول الجنة، قال الحسن: الذي جعل الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما ~~يطمعون. وقال حذيفة - رضي الله عنه: لا يخيب الله أطماعهم. # قوله - تعالى -: * (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين) يعني: إذا اطلعوا على أهل النار، وما هم فيه؛ ~~استعاذوا بالله من النار. # قوله - تعالى -: * (ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم) قيل: ~~إنهم يرون الكفار؛ فيعرفونهم، مثل: الوليد بن المغيرة، وأبي جهل، وأبي لهب، ~~ونحوهم فينادونهم * (قالوا ما أغنى عنكم جمعكم) يعني: ما ms0487 نفعكم اجتماعكم ~~وتظاهركم في الدنيا * (وما كنتم تستكبرون). # قوله - تعالى -: * (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) وذلك حين ~~قالوا PageV02P185 # * (وما كنتم تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ~~ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (49) ونادى أصحاب النار أصحاب ~~الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما ~~على الكافرين (50) الذين) * * للكفار ما قالوا، ثم ينظرون إلى أهل الجنة؛ ~~فيرون خبابا، وعمارا، وبلالا، وصهيبا ونحوهم، فيقول أصحاب الأعراف لأولئك ~~الكفار: * (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) يعني: أهؤلاء الذين ~~حلفتم أنهم لا يدخلون الجنة، وقد دخلوا، يعني: خبابا، وعمارا، ونحوهما. # ثم يقول الله - تعالى -: * (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون) ~~وفيه قول آخر: أن أصحاب الأعراف إذا قالوا لأولئك الكفار ما قالوا؛ يقول ~~الكفار لهم: إن دخلوا أولئك الجنة ونحن في النار فأنتم لم تدخلوا الجنة ~~بعد، فيعيرونهم على ذلك، ويحلفون أنهم (لا يدخلون) الجنة؛ فيقول الله - ~~تعالى - لأولئك الكفار: * (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ~~ادخلوا الجنة لا خوف عليكم) يقوله لأصحاب الأعراف؛ فيدخلهم الجنة * (ولا ~~أنتم تحزنون). # قوله - تعالى -: * (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من ~~الماء أو مما رزقكم الله) في هذا دليل على أنهم كما يعذبون بالنار؛ فيكون ~~عليهم عذاب الجوع والعطش مع عذاب النار؛ حتى يسألوا الطعام والشراب. # وفي الخبر ' أن الرجل من أهل النار يرى أخاه أو قرينه في الجنة؛ فيقول له ~~من النار: يا أخي أغثني بشربة ماء فقد احترقت. فيقول: إن الله حرمه على ~~الكافرين؛ فذلك قول الله - تعالى -: * (قالوا إن الله حرمهما على الكافرين) ~~يعني: الطعام والشراب، وهذا تحريم منع لا تحريم تعبد، واعلم أن لسقي الماء ~~أجر عظيم، وفي الخبر عن النبي أنه قال: ' من سقى مؤمنا شربة ماء؛ بعده الله ~~من جهنم شوط فرس '. PageV02P186 # * (اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا ~~لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) ولقد جئناهم بكتاب ms0488 فصلناه ~~على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ~~يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا ~~لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون (53) إن ربكم الله الذي خلق) * * قوله - تعالى -: * (الذين اتخذوا ~~دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا) معناه: أكلا وشربا، قاله عبد الله ~~بن الحارث، وقيل: معناه: الذين كانت همتهم الدنيا، واشتغالهم بها؛ فهم ~~الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، وغرتهم الحياة الدنيا. # * (فاليوم ننساهم) أي: نتركهم * (كما نسوا لقاء يومهم هذا) أي: كما تركوا ~~العمل للقاء يومهم هذا * (وما كانوا بآياتنا يجحدون). # قوله - تعالى -: * (ولقد جئناهم بكتاب) أي: أتيناهم بالقرآن * (فصلناه) ~~أي: بينا ما فيه من الحلال والحرام * (على علم) أي: على علم بما يصلحهم، ~~وقيل: معناه: على علم بالثواب والعقاب * (هدى) أي: هاديا * (ورحمة) أي: ذو ~~رحمة * (لقوم يؤمنون). # قوله - تعالى -: * (هل ينظرون) أي: هل ينتظرون * (إلا تأويله) قال مجاهد: ~~(معناه) إلا جزاءه، وقال قتادة: إلا عاقبته، وحقيقة المعنى: أنهم هل ~~ينتظرون إلا ما يؤول إليه أمرهم من مصير أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار ~~إلى النار * (يوم يأتي تأويله) أي: جزاؤه، وما يؤول إليه أمرهم. # * (يقول الذين نسوه) أي: تركوه من قبل * (قد جاءت رسل ربنا بالحق) ~~اعترفوا به حين لا ينفعهم الاعتراف * (فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو ~~نرد) يعني: إلى الدنيا * (فنعمل غير الذي كنا نعمل) * (قد خسروا أنفسهم) ~~أي: نقصوا حق أنفسهم * (وضل عنهم) أي: ذهب وفات عنهم * (ما كانوا يفترون). ~~PageV02P187 # * (السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار ~~يطلبه حثيثا) * * قوله تعالى: * (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام). # قال مجاهد: هي من يوم الأحد إلى الجمعة، فإن قيل: كيف قال: في ستة أيام، ~~ولم تكن أيام حين خلق السماوات والأرض؟ قيل: وما يدرينا أنها لم تكن، بل ~~كانت؛ فإن الله - تعالى - أخبر، ms0489 وقوله وخبره صدق، وقيل: يجوز أن يكون ~~المراد به على تقدير ستة أيام، فإن قيل: وما الحكمة في خلقها في ستة أيام، ~~وكان قادرا على خلقها في طرفة عين؟ قيل: لأن خلقها على التأني أدل على ~~الحكمة، فخلقها على التأني ليكون أدل على حكمته، ولطف تدبيره، وفيه أيضا ~~تعليم الناس، وتنبيه العباد على التأني في الأمور، وفي الخبر ' التأني من ~~الله، والعجلة من الشيطان '. # * (ثم استوى على العرش) أول المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأنشدوا فيه: # (قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق) (وأما أهل السنة ~~فيتبرءون من هذا التأويل، ويقولون: إن الاستواء على العرش صفة لله - تعالى ~~- بلا كيف، والإيمان به واجب، كذلك يحكى عن مالك بن أنس، وغيره من السلف، ~~أنهم قالوا في هذه الآية: الإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. # * (يغشى الليل النهار) أي: يغطي الليل على النهار، وفيه حذف، وتقديره: ~~يغشي الليل النهار، ويغشي النهار الليل؛ كما قال في آية أخرى: (* (يكور ~~الليل على النهار ويكور النهار على الليل) * يطلبه حثيثا) أي: سريعا، وذلك ~~أنه لما كان PageV02P188 # * (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله ~~رب العالمين (54) ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين (56) وهو) * * يعقب أحدهما الآخر، ويخلفه على أثره فكأنه في طلبه. # * (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) أي: مذللات بما أريد منها * (ألا ~~له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) أي: تعالى بالوحدانية. # قوله - تعالى -: * (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) أي: ضارعين متذللين خاشعين، ~~وخفية أي: سرا * (إنه لا يحب المعتدين) قال ابن جريج: الجهر بالدعاء عدوان، ~~وفي الخبر عن النبي أنه قال: ' سيكون أقوام يعتدون في الطهور والدعاء ' ~~وروى: ' أنه رأى أقواما يصيحون بالدعاء، فقال لهم: أربعوا على أنفسكم، ~~فإنكم لا تدعون [أصما] ولا غائبا، وإنما تدعون سميعا قريبا، وهو معكم ' ~~بالعلم والقدرة وقيل: من الاعتداء في الدعاء: أن يسأل لنفسه درجة ليس من ms0490 ~~أهلها؛ بأن يسأل درجة الأنبياء، وليس بنبي، ودرجة الشهداء، وليس بشهيد. # قوله - تعالى -: * (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) أي: بعد إصلاح ~~الأرض بالدين والشريعة، وقال الضحاك: من الفساد في الأرض تغوير المياه، ~~وقطع الأشجار المثمرة، وكسر الدراهم والدنانير. # * (وادعوه خوفا وطمعا) أي: خوفا من الله وطمعا لثوابه * (إن رحمة الله ~~قريب PageV02P189 # * (الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاب اثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون) * * من المحسنين) فإن قيل: القريب نعت المذكر، والرحمة ~~مؤنثة، والله - تعالى - قال: قريب، ولم يقل: قريبة؛ قيل: قال الزجاج: ~~الرحمة هاهنا بمعنى العفو والغفران، وقال الأخفش: هي بمعنى الإنعام؛ فيكون ~~النعت راجعا إلى المعنى دون اللفظ، قال الفراء: إذا كان القرب في النسب؛ ~~فنعت المؤنث منه يكون على التأنيث، وأما القرب في غير النسب؛ فالنعت منه ~~يذكر ويؤنث، وانشدوا فيه: # (عشية لا عفراء منك قريبة * فتدنو ولا عفراء منك بعيد) فذكر النعت مرة ~~على التأنيث، ومرة على التذكير. # قوله - تعالى -: * (وهو الذي يرسل الرياح بشرا) يقرأ: ' بشرا ' من ~~البشارة، ويقرأ: ' نشرا ' وهو جمع النشور، كالرسول والرسل، وذلك ريح طيبة، ~~ويقرأ: ' نشرا ' بجزم الشين، وهو جمع النشور أيضا كالرسول والرسل والكتاب ~~والكتب. # * (بين يدي رحمته) يعني: المطر * (حتى إذا أقلت) أي: حملت: * (سحابا ~~ثقالا) يعني: بالماء * (سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل ~~الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون) استدل بإحياء الأرض بعد موتها على ~~إحياء الموتى، وفي ذلك دليل بين، وفي بعض الأخبار: ' أن بين النفختين ~~أربعين عاما فيرسل الله - تعالى - مطرا من السماء كمثل منى الرجال، فيدخل ~~الأرض؛ فينبت منه الناس، ثم يحشرون بالنفخة الثانية '. PageV02P190 # (* (57) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ~~كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58) لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال ~~الملأ من ms0491 قومه إنا لنراك في ضلال مبين (60) قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني ~~رسول من رب العالمين (61) أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون (62) أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ~~ولعلكم ترحمون (63)) * * قوله - تعالى -: * (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ~~ربه) * (والذي خبث) يعني: الأرض السبخة * (لا يخرج إلا نكدا) أي: نزرا ~~قليلا، قال الشاعر: # (فأعط ما أعطيته طيبا * لا خير في المنكود والناكد) وهذا مثل ضربه الله - ~~تعالى - للمؤمنين وللكافرين؛ فإن المؤمن يخرج ما يخرج من نفسه من الإيمان ~~والخيرات سهلا سمحا، والكافر يخرج ما يخرج من الخيرات نزرا قليلا * (كذلك ~~نصرف الآيات لقوم يشكرون). # قوله - تعالى -: * (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) ذكر في هذه الآية قصة نوح ~~وقومه، وسيأتي. # * (قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين، قال يا قوم ليس بي ضلالة ~~ولكني رسول من رب العالمين) علم الله - تعالى - الناس بذكر قوله حسن ~~الجواب، حيث قال: ' ليس بي ضلالة ' ولم يقل: أنتم الضلال، كما جرت عادتنا. # قوله - تعالى -: * (أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم) النصح: هو أن يريد ~~لغيره من الخير مثل ما يريد لنفسه، ومعناه: أرشدكم أني أريد لنفسي ما أريد ~~لكم * (وأعلم من الله ما لا تعلمون). # قوله - تعالى -: * (أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم) ~~العجب: هو تغيير النفس عند رؤية أمر خفي عليه باطنه * (ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك) أي: في السفينة. PageV02P191 # * (فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ~~إنهم كانوا قوما عمين (64) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره أفلا تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك ~~في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول ~~من رب العالمين (67) أبلغكم رسالات ms0492 ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) أو عجبتم ~~أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد ~~قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا) * * (وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا) ~~وستأتي القصة * (إنهم كانوا قوما عمين) أي: عن الحق. # قوله - تعالى -: * (وإلى عاد) أي: وأرسلنا إلى عاد * (أخاهم هودا) قال ~~الفراء: كان أخاهم في النسب لا في الدين، وقيل: أراد به: كان آدميا مثلهم * ~~(قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون). # * (قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة) أي: في حمق وجهالة ~~* (وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب ~~العالمين) وهو أيضا من حسن الجواب * (أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح ~~أمين) وقد بينا معنى النصح. # قوله - تعالى -: * (أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ~~واذكروا إذ جعلكم خلفاء) يعني: في الأرض * (من بعد قوم نوح) أي: من بعد ~~إهلاكهم. # (وزادكم في الخلق بسطة) وأراد به: البسطة في الطول، قال محمد بن إسحاق ~~ابن يسار والسدي: كانت قامة الطويل من قوم عاد مائة ذراع، وقامة القصير ~~منهم ستين ذراعا * (فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون). PageV02P192 # * (آلاء الله لعلكم تفلحون (69) قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما ~~كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (70) قال قد وقع عليكم ~~من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله ~~بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) فأنجيناه والذين معه ~~برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين (72) وإلى ~~ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم ~~بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها ~~بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) واذكروا إذ جعلكم خلفاء * * قوله - تعالى -: * ~~(قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا) يعني: من الأصنام ~~* (فأتنا ms0493 بما تعدنا) أي: من العذاب * (إن كنت من الصادقين). # قوله - تعالى -: * (قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب) الرجس والرجز: هو ~~العذاب، والغضب: السخط * (آأتجادلونني في أسماء) أي: لأجل أسماء * ~~(سميتموها أنتم وآباؤكم) أي الأصنام نحتموها وسميتموها أنتم وآباؤكم * (ما ~~أنزل الله بها من سلطان) أي: برهان (* (فانتظروا إني معكم من المنتظرين) * ~~فأنجيناه والذين معه) هودا وقومه * (برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا ~~بآياتنا وما كانوا مؤمنين) أي: قطعنا أصلهم، واستأصلناهم بالعذاب. # قوله - تعالى - * (وإلى ثمود أخاهم) أي: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم * (صالحا ~~قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ~~ناقة الله لكم آية) سألوه أن يخرج من الصخرة ناقة، وأشاروا إلى صخرة صماء ~~ملساء؛ فدعا صالح - عليه السلام - فتمخضت الصخرة كما تتمخض الحبلى، وأخرجت ~~الناقة؛ فخرجت ألفت ' سقبا ' من ساعتها * (فذروها تأكل في أرض الله) قيل: ~~كان لهم واد يشربون منه فجعلوا يوما للناقة، ويوما لهم؛ فتشرب الناقة يومها ~~جميع ماء الوادي، وتبدلهم بذلك لبنا * (ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب ~~أليم). PageV02P193 # (من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال ~~بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (74) قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ~~ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم ~~به كافرون (76) فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما ~~تعدنا إن كنت من المرسلين (77)) * * قوله - تعالى -: * (واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض) أي: أنزلكم، قال الشاعر: # (فبوئت في صميم معشرها * فتم في قومها مبوؤها) * (تتخذون من سهولها قصورا ~~وتنحتون الجبال بيوتا) كانوا في الصيف يسكنون في بيوت من الطين، وفي الشتاء ~~يسكنون في بيوت نحتوها في الجبل، وقيل: إنما كانوا ينحتون البيوت في الجبل؛ ~~لأن بيوت الطين ما كانت تبقى مدة أعمارهم؛ لطول أعمارهم. * (فاذكروا آلاء ~~الله) أي نعم الله ms0494 * (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) العيث: أشد الفساد. # قوله - تعالى -: * (قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن ~~آمن منهم) يعني: قال الكفار منهم للمؤمنين * (أتعلمون أن صالحا مرسل من ~~ربه) وهذا استفهام أريد به الجحد؛ لأنهم كانوا يجحدون إرساله * (قالوا إنا ~~بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون فعقروا ~~الناقة وعتوا عن أمر ربهم) العتو الغلو في الباطل * (وقالوا يا صالح ائتنا ~~بما تعدنا) أي: من العذاب * (إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة) الرجفة: ~~زلزلة الأرض وحركتها، وكانوا قد أهلكوا بالصيحة والرجفة * (فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين) أي: خامدين ميتين، ومنه الرماد الجاثم، وقيل: جاثمين أي: ~~خارين على ركبهم ووجوههم، وقيل: إنهم احترقوا بالصاعقة حتى صاروا كالرماد ~~الجاثم. PageV02P194 # * (فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) فتولى عنهم وقال يا قوم ~~لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين (79) ولوطا إذ قال ~~لقومه) * * قوله - تعالى -: * (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ~~ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) فإن قال قائل: كيف خاطبهم وقد ~~هلكوا؟ قيل: هو كما خاطب الرسول الكفار القتلى يوم بدر حين ألقاهم في ~~القليب؛ جاء إلى رأس البئر، وقال: ' يا عتبة، يا شيبة، ويا أبا جهل، قد ~~وجدت ما وعدني ربي حقا؛ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول ~~الله، كيف تخاطب قوما قد جيفوا؟ فقال: ما أنتم بأسمع منهم؛ ولكنهم لا ~~يقدرون على الإجابة ' وقيل: إنما خاطبهم به؛ ليكون عبرة لمن خلفهم، وقيل: ~~في الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: فتولى عنهم، فأخذتهم الرجفة، فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين، وذلك أن الله - تعالى - ما كان ليعذب قوما ونبيهم بينهم. # وروى أبو الزبير عن جابر: ' أن النبي مر بمنازل ثمود في أراضي تبوك، فقال ~~لأصحابه: يا أيها الناس، لا تسألوا الله الآيات؛ فإن هؤلاء سألوا الناقة؛ ~~فأخرجها الله لهم؛ فكانت ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعقروها؛ ~~فأنزل الله عليهم العذاب فلم ينج منهم أحد إلا ms0495 رجل كان في الحرم؛ فلما خرج ~~أصابه ما أصابهم من العذاب وكان ذلك الرجل يكنى أبا رغال '. # قوله - تعالى -: * (ولوطا إذ قال لقومه) أي: وأرسلنا لوطا، واذكر لوطا إذ ~~قال لقومه * (أتأتون الفاحشة) الفاحشة: الفعلة القبيحة التي هي في غاية ~~القبح * (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) قال الضحاك عن ابن عباس: إن تلك ~~الفعلة لم PageV02P195 # * (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (80) إنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) وما كان جواب قومه إلا ~~أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (82) فأنجيناه وأهله إلا ~~امرأته كانت من الغابرين (83) وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة ~~المجرمين (84) وإلى) * * يفعلها أحد قبلهم * (إنكم لتأتون الرجال شهوة من ~~دون النساء) فسر تلك الفاحشة * (بل أنتم قوم مسرفون) أي: مجاوزون حد الأمر. # قوله - تعالى -: * (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم ~~إنهم أناس يتطهرون) معناه: يتنزهون عن أدبار الرجال، قال قتادة: ذموهم من ~~غير ذم، وعابوهم من غير عيب. # قوله - تعالى -: * (فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) أي: من ~~الباقين في العذاب؛ يقال: غبر إذا بقي. وأنشدوا: # (ولست يا معد في الرجال * أسائل هذا وذا ما الخبر) (ولكني مدده الأصفر بن ~~قيس * بما قد مضى وما غبر) وقيل معناه: من الغابرين عن النجاة. # قوله - تعالى -: * (وأمطرنا عليهم مطرا) في القصة: أن الله - تعالى - ~~أرسل جبريل - صلوات الله عليه - حتى قلع مدينتهم، وقيل: كانت مدائن قلعها ~~ورفعها إلى السماء ثم قلبها؛ وبذلك سموا مؤتفكة؛ لأنهم قلبوا وأفكوا، وأما ~~الإمطار بالحجارة، كان على من شذ منهم في الطرق، وقيل: بعدما قلبهم أمط ~~عليهم بالحجارة * (فانظر كيف كان عاقبة المجرمين). # قوله - تعالى -: * (وإلى مدين) أي: وأرسلنا إلى مدين، قيل: هو مدين بن ~~إبراهيم الخليل - صلوات الله عليه - وكان أولئك من نسله، وقيل: ليس بذاك، ~~وإنما هو اسم قبيلة. PageV02P196 # * (مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله من لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة ms0496 من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) ولا تقعدوا ~~بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ ~~كنتم قليلا فكثركم) * * وقوله: * (أخاهم شعيبا) أي: في النسب لا في الدين * ~~(قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم) فإن ~~قال قائل: ما معنى قوله * (قد جاءتكم بينة من ربكم) ولم تكن لهم آية؟ قيل: ~~بل كانت لهم آية، إلا أنها لم تذكر في القرآن، وليست كل الآيات مذكورة في ~~القرآن * (فأوفوا الكيل والميزان) وكانوا يعبدون الأصنام، ويبخسون في ~~الموازين * (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) أي: لا تنقصوهم من حقوقهم. # * (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) يعني: إصلاحها ببعث الرسول والأمر ~~بالعدل * (ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) يعني: إن آمنتم فذلك خير لكم، ~~وقيل: معناه: ما كنتم مؤمنين. # قوله - تعالى -: * (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون) أي: طريق، قال الشاعر: # (حشونا قومهم بالخيل حتى * جعلناهم أذل من الصراط) يعني: من الطريق. # * (توعدون وتصدون عن سبيل الله) قيل: إنهم كانوا يبعثون إلى الطرق من ~~يهدد الناس، فكان الرجل إذا أراد الإيمان بشعيب وقصده يهددونه ويقولون: إن ~~آمنت بشعيب نقتلك؛ فهذا معنى قوله: * (توعدون) أي: تهددون. والإيعاد: ~~التهديد، وأما الوعد فيذكر في الخير والشر؛ إذا ذكر الخير والشر مقرونا به، ~~فأما إذا أطلق فلا يذكر إلا في الخير، أما في الشر عند الإطلاق، يقال: ~~أوعد. # * (وتصدون عن سبيل الله من آمن) أي: تمنعون عن الدين من قصد الإيمان * ~~(وتبغونها عوجا) أي: تطلبون الاعوجاج في الدين، والعدول عن القصد؛ قاله ~~الزجاج؛ وذكر الأزهري في التقريب: أنه يقال: في الدين عوج، وفي العود عوج. ~~PageV02P197 # * (وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي ~~أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ~~(87) قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك ms0497 ~~من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين (88) قد افترينا على ~~الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود ~~فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما) * * (واذكروا إذ كنتم ~~قليلا فكثركم) أي: في العدد، وقيل معناه: إذ كنتم قليلا أي: بالمال؛ فكثركم ~~بالغنى * (وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين) أي: ممن كان قبلكم. # قوله - تعالى -: * (وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم ~~يؤمنوا) وذلك أن بعضهم آمن، وبعضهم كفر * (فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو ~~خير الحاكمين). # قوله - تعالى -: * (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا) قاله كفار قومه * (قال أو ~~لو كنا كارهين) يعني: تفعلون هذا، وإن كنا كارهين * (قد افترينا على الله ~~كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها) فإن قيل: كيف يصح لفظ العود ~~من شعيب، ولم يكن على ملتهم قط؟ قيل معناه: إن صرنا في ملتكم، وعاد بمعنى ~~صار وكان، كما قال الشاعر: # (لئن كانت الأيام أحسن مرة * [إلي] فقد عادت لهن ذنوب) أي: كانت لهن ~~ذنوب. # وقوله: * (بعد إذ نجانا الله منها) يعني: من الدخول في ملتهم ابتداء، ~~وقيل المراد به: قوم شعيب * (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ~~ربنا) فإن قيل: وهل يشاء الله عودهم إلى الكفر؟ قيل: وما المانع منه؟ وإنما ~~الآية على وفق قول أهل السنة، وكل ذلك جائز في المشيئة، ويدل عليه قوله: * ~~(وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) ~~أي: اقض بالحق، فإن قيل: كيف طلب PageV02P198 # * (على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ~~(89) وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ~~(90) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن ~~لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم ms0498 الخاسرين (92) فتولى عنهم وقال ~~يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (93) وما ~~أرسلنا في قرية من نبي إلا) * * القضاء من الله بالحق، وهو لا يقضي إلا ~~بالحق، وقيل: ليس ذلك على طريق طلب القضاء الحق، وإنما هو على نعت قضائه ~~بالحق؛ فإن صفة قضائه الحق، وهو مثل قوله - تعالى -: * (قال رب احكم بالحق) ~~في سورة الأنبياء * (وأنت خير الفاتحين). # قوله - تعالى -: * (وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا) ~~يعني: في دينهم * (إنكم إذا لخاسرون فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين) وقد بينا هذا في قصة ثمود. # قوله - تعالى -: * (الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها) أي: كأن لم ~~يقيموا فيها، يقال: غنيت بموضع كذا، أي أقمت، والمغاني: المنازل؛ قاله ~~ثعلب، وقال الشاعر، وهو حاتم الطائي: # (عنينا زمانا بالتصعلك والغنى * وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر) (فما زادنا ~~بأوا على ذي قرابة * غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر) وقال الأخفش: معنى ~~قوله: * (كأن لم يغنوا فيها) أي: كأن لم يتنعموا فيها * (الذين كذبوا شعيبا ~~كانوا هم الخاسرين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت ~~لكم فكيف آسى) أي: أحزن * (على قوم كافرين). # قوله - تعالى -: * (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء ~~والضراء). # قال ابن مسعود: البأساء: الفقر، والضراء: المرض، وهذا معنى قول من قال: ~~PageV02P199 # * (أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون (94) ثم بدلنا مكان السيئة ~~الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (95) ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) أفأمن أهل القرى أن ~~يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون) * * البأساء في المال، والضراء في النفس، ~~وقيل: البأساء: الجوع، والضراء: الفقر، وقيل: أخذنا أهلها بالبأساء يعني: ~~بالحروب * (لعلهم يتضرعون) أي: لكي (يتضرعوا). # قوله - تعالى -: * (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة) قال مجاهد: السيئة: ~~الشدة، والحسنة: الخصب * (حتى عفوا) أي: حتى كثروا، ومنه قول النبي: ' قصوا ~~الشوارب ms0499 واعفوا اللحى ' أي: كثروا اللحى، وقيل: حتى عفوا: حتى سمنوا. # * (وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء) أي: هذا كان عادة الدهر قديما ~~لنا ولآبائنا؛ فلم ينتبهوا لما أصابهم من الشدة * (فأخذناهم بغتة) أي: فجأة ~~* (وهم لا يشعرون). # قوله - تعالى -: * (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض) يعني: من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات، وقيل: بركات ~~السماء: إجابة الدعوات، وبركات الأرض: تسهيل الحاجات * (ولكن كذبوا ~~فأخذناهم بما كانوا يكسبون). # قوله - تعالى -: * (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو ~~أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون) يعني: أن يأتيهم عذابنا ~~ليلا ونهارا PageV02P200 # (* (97) أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) أفأمنوا ~~مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم لخاسرون (99) أو لم يهد للذين يرثون ~~الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا ~~يسمعون (100) تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ~~(101) وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) ثم بعثنا ~~من بعدهم موسى بآيتنا إلى فرعون وملئه) * * (وهم يلعبون) وكل من اشتغل بما ~~لا يجزى عليه؛ فهو لاعب. # قوله - تعالى -: * (أفأمنوا مكر الله) أي: عذاب الله، ومكر الله أخذه ~~فجأة * (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون). # قوله - تعالى -: * (أو لم يهد للذين يرثون الأرض) يعني: أو لم يتبين ~~للذين يرثون الأرض من بعد هلاك قومها * (أن لو نشاء أصبناهم) يعني: أنا لو ~~نشاء أخذناهم (* (بذنوبهم) * ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون) أي: نختم على ~~قلوبهم حتى لا يفقهوا ولا يسمعوا. # قوله - تعالى -: * (تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) هذا في قوم مخصوصين، علم ~~الله أنهم لا يؤمنون * (كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين). # قوله - تعالى -: * (وما وجدنا لأكثرهم من عهد) أي: من وفاء بالعهد، ms0500 قل ~~السدي: هو العهد يوم الميثاق، لم يوفوا به * (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) ~~أي: ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين، قيل: أراد بالفسق ها هنا الخروج عما ~~يقتضيه دينهم من الوفاء بالعهد، وكان هذا من بعضهم دون بعض. # قوله - تعالى -: * (ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه ~~فظلموا بها) وقد بينا أن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وظلمهم: وضع الكفر ~~موضع PageV02P201 # * (فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (103) وقال موسى يا فرعون ~~إني رسول من رب العالمين (104) حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد ~~جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (105) قال إن كنت جئت بآية فأت ~~بها إن كنت من الصادقين (106) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) ونزع ~~يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر ~~عليم (109) يريد أن) * * الإيمان * (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين). # قوله - تعالى -: * (وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين حقيق على ~~أن لا أقول) أي: حقيق بأن لا أقول، وهكذا قرأ ابن مسعود، ومعناه: حريص بأن ~~لا أقول على الله إلا الحق، وقرئ: ' حقيق علي ' أي: واجب على أن لا أقول ~~على الله إلا الحق. # * (قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل) وذلك أنه أراد موسى أن ~~يخرج بهم إلى الشام * (قال) ي - يعني: فرعون - * (إن كنت جئت بآية فأت بها ~~إن كنت من الصادقين). # قوله - تعالى -: * (فألقى عصاه) قيل: إن ملكا أعطاه تلك العصا، وللعصا ~~قصة، ستأتي في قصة شعيب في سورة القصص إن شاء الله. # * (فإذا هي ثعبان مبين) الثعبان: الحية الذكر، وفي القصص: أن موسى - ~~صلوات الله عليه - لما ألقى العصا، صارت ثعبانا عظيما، ملأ قصر فرعون، ~~وقيل: كان بين شدقيه ثمانون ذراعا، وقيل: إنه أخذ قصر فرعون بين نابيه؛ ~~فهرب منه فرعون وأخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرة. # قوله - تعالى -: * (ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) قيل: إنه نزع يده ~~من جيبه، وقيل: من ms0501 تحت إبطه * (فإذا هي بيضاء) لها شعاع كالشمس يتلألأ، ~~وكان موسى آدم اللون. # قوله - تعالى -: * (قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم) يعني: ~~موسى PageV02P202 # * (يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (110) قالوا أرجه وأخاه وأرسل في ~~المدائن حاشرين (111) يأتوك بكل ساحر عليم (112) وجاء السحرة فرعون قالوا ~~إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (113) قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) ~~قالوا يا موسى إما أن) * * (يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون) أي: ~~بماذا تشيرون؟ قاله فرعون لقومه، وقيل: إن هذا من قول الملأ، قالوا لفرعون ~~وخاصته: ماذا تأمرون وقيل: إنهم قالوا ذلك لفرعون خاصة؛ لكن ذكروا بلفظ ~~الجمع تفخيما وتعظيما. # قوله - تعالى -: * (قالوا أرجه وأخاه) أي: أرجئه، والإرجاء: التأخير، ~~يقال: أرجأت أمر كذا، أي أخرت، ومنه المرجئة، سموا بذلك؛ لتأخيرهم العمل في ~~الإيمان، فإنهم زعموا أن العمل ليس من الإيمان، ويقرأ: ' أرجه ' من غير ~~همز، قيل معناه: التأخير أيضا، قال المبرد: معناه: اتركه يرجو، ومعنى الكل ~~واحد؛ فإنهم أشاروا عليه بتأخير أمره، وترك التعرض له، وذكر النقاش في ~~تفسيره: أنهم أشاروا بتأخيره؛ لأنه لم يكن فيهم ولد عاهر، إذ لو كان فيهم ~~ولد عاهر لأشاروا بالقتل. # * (وأرسل في المدائن حاشرين) هي مدائن الصعيد، وهو فوق مصر * (يأتوك بكل ~~ساحر عليم) وفي القصة: أن فرعون أرسل أصحاب الشرط إلى تلك المدائن ليجمعوا ~~السحرة ويأتوا بهم. # قوله - تعالى -: * (وجاء السحرة فرعون) وفيه حذف، يعني: فأرسل؛ فجاء ~~السحرة، واختلفوا في عددهم، قال ابن عباس: كانوا اثني وسبعين رجلا، وقال ~~كعب الأحبار: كانوا (اثني) عشر ألفا، وقال محمد بن المنكدر: كانوا ثمانين ~~ألفا. والمعروف أنهم كانوا سبعين ألفا. # * (قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم) لكم الأجر * (وإنكم ~~لمن المقربين) أي: لكم المنزلة الرفيعة مع الأجر. PageV02P203 # * (تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين ~~الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم (116) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ~~فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا ~~هنالك) ms0502 * * قوله - تعالى -: * (قالوا يا موسى إما أن تلقى) يعني: العصا * ~~(وإما أن نكون نحن الملقين) يعني: عصينا * (قال ألقوا فلما ألقوا سحروا ~~أعين الناس) أي: صرفوا أعين الناس عن إدراك حقيقتها؛ فعلوا من التمويه ~~والتخييل، وهذا هو السحر. # * (واسترهبوهم) أي: السحرة طلبوا رهبة الناس؛ فرهبوهم، وقال المبرد: ~~السين فيه زائدة، ومعناه: أرهبوهم * (وجاءوا بسحر عظيم). # قوله - تعالى -: * (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما ~~يأفكون) ويقرأ: ' تلقف ما يأفكون ' مخففا، ويقرأ في الشواذ ' تلقم ' وقرأ ~~سعيد بن جبير: ' تلقم ' مخففا، ومعنى الكل واحد. والتلقف: الأخذ بسرعة، ~~ومعناه: تتلقم ما يأفكون أي: ما يكذبون من التخاييل الكاذبة، وفي القصص: أن ~~السحرة كانوا سبعين ألف، مع كل واحد منهم عصا، فألقوا عصيهم؛ فإذا هي تتحرك ~~كالحيات، ثم ألقى موسى عصاه؛ فصارت ثعبانا، وتلقف كل ذلك، وقصد الناس الذين ~~حضروا؛ فوقع الزحام عليهم؛ فهلك خمسة وعشرون ألفا في الزحام، ثم أخذه موسى؛ ~~فصارت عصا كما كانت؛ فذلك قوله * (فإذا هي تلقف ما يأفكون) قال الشاعر: # (أنت عصا موسى التي لم تزل * تلقف ما يأفكه الساحر) وقال آخر: # (إذا جاء موسى وألقى العصا * فقد بطل السحر والساحر) قوله - تعالى -: * ~~(فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون) قال الحسن، ومجاهد: معناه: ظهر الحق أي: ~~ظهر عصا موسى على عصيهم، وقيل معناه: ظهرت نبوة موسى على دعوى فرعون ~~الربوبية * (فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين) أي: ذليلين. PageV02P204 # * (وانقلبوا صاغرين (119) وألقي السحرة ساجدين (120) * (قالوا آمنا برب ~~العالمين (121) رب موسى وهارون (122) قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن ~~هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا ~~منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ ~~علينا صبرا وتوفنا مسلمين (126) وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ~~ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال) * * قوله - تعالى -: * (وألقي السحرة ~~ساجدين) واختلفوا في سجودهم، قال بعضهم: ألهمهم الله - تعالى - أن يسجدوا ms0503 ~~فسجدوا، وقيل: إن موسى وهارون سجدا شكرا لله - تعالى - فوافقهم السحرة * ~~(قالوا آمنا برب العالمين) قيل: إن فرعون لما سمع ذلك منهم قال: آمنتم بي؟ ~~فقالوا: * (رب موسى وهارون) وقال فرعون: * (آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا ~~لمكر مكرتموه في المدينة) قال السدي: كان موسى قد قال لرئيس السحرة: إن ~~غلبتك غدا لتؤمنن بي؟ فقال: لآتينك بسحر أغلبك، وإن غلبتني آمنت بك فهذا ~~معنى قول فرعون: * (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة) أي: تدبير دبرتموه في ~~المدينة * (لتخرجوا منها أهلها) أي: لتغلبوا أهلها (* (فسوف تعلمون) * ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين) هددهم بهذه العقوبات، ~~وهي معلومة * (قالوا إنا إلى ربنا منقلبون) فهذا قالوه تسلية لقلوبهم. # * (وما تنقم منا) أي: وما تكره منا، وقيل معناه: وما تعيب علينا (* (إلا ~~أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا) * ربنا أفرغ) أي: أنزل * (علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين). # قوله - تعالى -: * (وقال الملأ من قوم فرعون) وإنما سموا ملأ لمعنيين: ~~أحدهما: أنهم كانوا يملئون صدور الناس هيبة، وقيل: لأنهم كانوا مليئين بما ~~فوض إليهم. * (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض) أرادوا بهذا الفساد: ~~مخالفة أمر فرعون * (ويذرك وآلهتك) وقرأ ابن عباس: ' وإلاهتك ' أي: عبادتك، ~~وقيل: الإلاهة: PageV02P205 # * (سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) قال موسى لقومه ~~استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين (128) قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم) * * الشمس، وكان فرعون يعبد الشمس، قال ~~الشاعر: # (تروحنا من اللعباء عصرا * فأعجلنا الإلاهة أن تؤوبا) أي: أعجلنا الشمس ~~أن ترجع، والمعروف * (ويذرك وآلهتك). # قال سليمان التيمي: وكان فرعون يعبد البقر، وقال السدي: كان قد اتخذ ~~أصناما، وقال لقومه: هذه آلهتكم، وأنا إله الآلهة، وقال الحسن: كان قد علق ~~على عنقه صليبا - وكان يعبده - فلذلك قالوا: ' ويذرك وآلهتك ' وهذا كان ~~إغراء منهم لفرعون على موسى * (قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم) وكان من ~~قبل يفعل ذلك ثم تركه، ثم ms0504 عاد إليه ثانيا فقال: * (سنقتل أبناءهم ونستحيي ~~نساءهم وإنا فوقهم قاهرون). # قوله - تعالى -: * (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله ~~يورثها) وفي الشواذ: ' يورثها ' * (من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) أي: ~~في النصر والظفر. # قوله - تعالى -: * (قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) فيه ~~أقوال: # قال الحسن: كان الإيذاء بأخذ الجزية؛ كان فرعون يأخذ الجزية منهم قبل ~~مجيء موسى وبعده، وقيل: هو من قتل الأبناء؛ كان يقتل أبناءهم، ويستحيي ~~نساءهم قبل مجيء موسى؛ ثم عاد إليه، وذكر جويبر في تفسيره: أن المراد به أن ~~فرعون كان يسخرهم ويستعملهم إلى نصف النهار، فلما جاء موسى استسخرهم كل ~~النهار بلا أجر ولا شيء، وذكر الكلبي: أنهم كانوا يضربون له اللبن بتبن ~~فرعون قبل مجيء PageV02P206 # * (في الأرض فينظر كيف تعملون (129) ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات لعلهم يذكرون (130) فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم ~~سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~(131) وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) ~~فأرسلنا عليهم) * * موسى، فلما جاء موسى أجبرهم على أن يضربوه بتبن من ~~عندهم. # * (قال عسى ربكم) وهي كلمة التطميع * (أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ~~فينظر كيف تعملون) يعني: حتى يجازيكم على ما يرى واقعا منكم لا على ما علم ~~في الغيب منكم. # قوله - تعالى -: * (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين) أي: بالقحط والجدب. # تقول العرب جاءتنا سنة أي: سنة جدب، فأخذهم الله - تعالى - بالسنين * ~~(ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون) أي: يتعظون، وذلك: أن الشدة ترقق القلوب ~~وترغبها إلى الله - تعالى -. # قوله - تعالى -: * (فإذا جاءتهم الحسنة) أي: الخصب * (قالوا لنا هذه) أي: ~~هذا كان عادة الدهر بنا * (وإن تصبهم سيئة) أي: جدب * (يطيروا بموسى ومن ~~معه) أي: يقولون: هذا من شؤم موسى ومن معه * (ألا إنما طائرهم عند الله) ~~أي: الشؤم والبركة والخير والشر كله من الله - تعالى - وقيل معناه: الشؤم ~~العظيم هو الذي لهم ms0505 عند الله - تعالى - في الآخرة، تقول العرب: طار لفلان ~~سعد، وطار لفلان شؤم * (ولكن أكثرهم لا يعلمون). # قوله - تعالى -: * (وقالوا مهما) أي: متى ما * (تأتنا به من آية لتسحرنا ~~بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان) قال عطاء: أراد بالطوفان: ~~الموت الذريع، وقيل: السيل العظيم، وفي القصة: أنهم مطروا من السبت إلى ~~السبت، حتى بلغ الماء تراقيهم، فكان الرجل إذا أراد أن يجلس غرق في الماء؛ ~~فاستغاثوا بموسى وقالوا: ادع الله حتى يمسك ونؤمن لك؛ فدعا الله - تعالى - ~~فأمسك عنهم المطر، فأخرجت PageV02P207 # الأرض تلك السنة نباتا كثيرا وأخصبت، فقالوا: هذا كان خيرا لنا، فلم ~~يؤمنوا وكفروا به؛ فأرسل الله عليهم الجراد؛ فأكل زرعهم ونباتهم إلا قليلا؛ ~~فاستغاثوا بموسى حتى يدعو الله - تعالى - فيدفع عنهم ذلك. # وفي أخبار عمر - رضي الله عنه -: أنه قل الجراد في زمانه سنة، فبعث راكبا ~~قبل اليمن وراكبا قبل الشام وراكبا قبل العراق؛ ليطلبوا الجراد؛ فجاء راكب ~~اليمن بكف من جراد، فقال عمر - رضي الله عنه - الله أكبر، إن لله - تعالى - ~~ألف أمة: ستمائة في البر، وأربعمائة في البحر، وأول أمة تهلك الجراد، ثم ~~تتبعهم سائر الأمم الباقيين '. # وفي الأخبار: أن مريم سألت [ربها]، وقالت: يا رب أطعمني لحما بلا دم؛ ~~فأطعمها الجراد. وفي الخبر ' مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم '. # رجعنا إلى القصة، فلما رفع عنهم الجراد لم يؤمنوا أيضا؛ فأرسل الله عليهم ~~القمل، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: القمل صغار الجراد، وهي: الدبي التي ~~ليست لها أجنحة، وعن ابن عباس - في رواية أخرى - أن القمل: سوس الحنطة. ~~وقال أبو عبيدة: هو كبار القراد، وسمى القراد الكبير: حمنان أيضا، وقيل: ~~القمل هو القمل، وقيل: هو الرعاف. فاستغاثوا بموسى، فدعا الله فرفع عنهم ~~فلم يؤمنوا؛ فسلط عليهم الضفادع. # وفي القصة: أن موسى جاء إلى شط البحر وأشار بعصاه إلى أدنى البحر وأقصاه، ~~فخرجت الضفادع حتى امتلأت بيوتهم - وكانت قوافز - وكان الرجل منهم إذا فتح ~~فاه ليتكلم تثب في فيه، وكل من نام منهم ms0506 فإذا انتبه من النوم يرى على بدنه ~~منها قدر ذراع، وكان إذا تكلم الرجل تقفز في فمه، ثم رفع عنهم فلم يؤمنوا؛ ~~فجعل الله نيل مصر عليهم دما - وكان كل ذلك للقبط خاصة - وكان القبطي يأخذ ~~من النيل الدم، وبنو إسرائيل يأخذون الماء، حتى كان الكوز الواحد يشرب ~~القبطي منه دما عبيطا، PageV02P208 # * (الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا ~~قوما مجرمين (133) ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد ~~عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) فلما ~~كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم ~~فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136) وأورثنا ~~القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت ~~كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما) * * والإسرائيلي ماء؛ فذلك معنى ~~قوله: * (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات ~~مفصلات) وتفصيلها أن كل عذاب منها يمتد أسبوعا، وكان بين كل عذابين شهر * ~~(فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين). # قوله تعالى: * (ولما وقع عليهم الرجز) قيل: أراد به ما سبق من العذاب، ~~وقيل: هو عذاب الطاعون، قال سعيد بن جبير: مات منهم بالطاعون سبعون ألفا في ~~يوم واحد، والرجز الرجس: العذاب. # * (قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك) يعني: من إجابة دعوتك * (لئن ~~كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل) فإنه أراد أن يخرج بهم ~~إلى الشام * (فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه) وذلك الغرق في اليم ~~* (إذا هم ينكثون) أي: ينقضون العهد * (فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) وللغرق قصة ستأتي في موضعها إن ~~شاء الله تعالى * (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ~~ومغاربها التي باركنا فيها) قيل أراد بها أرض مصر والشام، وقيل: أراد بها ~~الشام وحده، وقيل: أراد به الأردن وفلسطين، وقوله * (باركنا فيها) أي: ~~بالخصب والسعة. # * (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) وتلك ms0507 الكلمة: وعده ~~الذي وعدهم، وذلك في قوله: * (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) فلما أورثهم تلك الأراضي وانجزهم ذلك ~~PageV02P209 # * (صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) وجاوزنا ~~ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل ~~لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون (138) إن هؤلاء متبر ما هم فيه ~~وباطل ما كانوا يعملون (139) قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على ~~العالمين (140) وإذ أنجيناكم من آل) * * الوعد؛ قال: تمت كلمة ربك، أي: تم ~~وعده لهم، وإنما سماها: حسنى لأنها كانت على وفق ما يحبون * (ودمرنا ما كان ~~يصنع فرعون وقومه) أي: أهلكنا ذلك عليهم * (وما كانوا يعرشون) (أي يبنون ~~ويسقفون تجبرا وتكبرا. # قوله - تعالى -: * (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على ~~أصنام لهم) أي: يلازمون عبادة تلك الأصنام، وهم قوم من العمالقة رآهم بنو ~~إسرائيل عاكفين على أصنام لهم * (قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة) ولم يكن ذلك من بني إسرائيل شكا في وحدانية الله - تعالى - وإنما ~~معناه: اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله - تعالى - وظنوا أن ~~ذلك لا يضر الديانة، وكان ذلك من شدة جهلهم. # * (قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه) أي: مدمر ما هم فيه (* ~~(وباطل ما كانوا يعملون) * قال) يعني: موسى * (أغير الله أبغيكم إلها) أي: ~~أطلب لكم إلها تعظمونه غير الله * (وهو فضلكم على العالمين) وفي الخبر ~~المعروف: ' أن رسول الله لما رجع من حنين مر على شجرة يقال لها: ذات أنواط، ~~وقد عكف حولها قوم من الأعراب يعظمونها، وقد علقوا عليها أسلحتهم، فقال ~~أصحابه: يا رسول الله، لو جعلت لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: عليه ~~- الصلاة والسلام - الله أكبر، هذا مثل ما قال قوم موسى لموسى: * (اجعل لنا ~~إلها كما لهم آلهة). PageV02P210 # * (فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم ~~بلاء من ربكم ms0508 عظيم (141) وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ~~ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا ~~تتبع سبيل المفسدين) * * قوله - تعالى -: * (وإذ أنجيناكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب) أي: يذيقونكم شر العذاب، وقد ذكرنا معنى هذا في سورة ~~البقرة. # * (يقتلون أبناءكم) يعني: صغار أبناءكم * (ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء ~~من ربكم عظيم) قيل معناه: في تعذيبهم إياكم بلاء من ربكم عظيم، وقيل: في ~~إنجائنا إياكم * (بلاء من ربكم عظيم) أي: نعمة. # قوله - تعالى -: * (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتتمناها بعشر) قال ~~المفسرون: هي أيام ذي القعدة وعشر من ذي الحجة * (فتم ميقات ربه أربعين ~~ليلة) فإن قيل: ذكر الثلاثين والعشر يغني عن ذكر الأربعين، فما معنى هذا ~~التكرار؟ قيل: كرره تأكيدا، وقيل: فائدة قوله: * (فتم ميقات ربه أربعين ~~ليلة) قطع الأوهام عن الزيادة؛ لأنه لما وقت الثلاثين أولا، ثم زاد عليه ~~عشرا، ربما يقع في الأوهام زيادة أخرى، فذكره لقطع الأوهام عن الزيادة، ~~وذكر الثلاثين في الابتداء والعشر مفصلا: ليعلم أن الميقات كان كذلك مفصلا ~~ثلاثين ذي القعدة وعشرا من ذي الحجة. # وفي القصة: أن الله تعالى أمر موسى أن يصوم ثلاثين يوما ثم يأتي الطور ~~يكلمه؛ فصام ثلاثين يوما ليلا ونهارا. # وفي بعض التفاسير: صام ثلاثين يوما فتغيرت رائحة فمه، فأخذ ورق الخرنوب ~~وتناوله؛ لتزول رائحة فمه، فأمره الله تعالى أن يصوم عشرا أخر؛ لتعود ~~الرائحة، وتمام القصة في الآية الثانية. # * (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي) استخلفه على قومه * (وأصلح) ~~أي: ارفق * (ولا تتبع سبيل المفسدين) أي: لا تتبع آراءهم وأهواءهم. ~~PageV02P211 # (* (142) ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن ~~تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل ~~جعله دكا وخر) * * قوله - تعالى -: * (ولما جاء موسى لميقاتنا) يعني الوقت ~~الذي وقت له على ما بينا * (كلمه ربه) وفي القصة: أن الله - تعالى - لما ~~استحضره بجانب الطور [و] أنزل ظلمة على سبعة فراسخ، ms0509 وطرد عنه الشيطان، ونحى ~~عنه الملكين، وكلمه حتى أسمعه وأفهمه. وفي القصة: كان جبريل معه فلم يسمع ~~ما كلمه ربه. # * (قال رب أرني أنظر إليك) قال الزجاج: فيه حذف، وتقديره أرني نفسك أنظر ~~إليك. فإن قال قائل: كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله عز وجل لا يرى في ~~الدنيا؟ قال الحسن: هاج به الشوق؛ فسأل الرؤية. وقيل: سأل الرؤية ظنا منه ~~أنه يجوز أن يرى في الدنيا. # * (قال لن تراني) يستدل من ينفي الرؤية بهذه الكلمة، وليس لهم فيها ~~مستدل؛ وذلك لأنه لم يقل: إني لا أرى؛ متى يكون حجة لهم؛ ولأنه لم ينسبه ~~إلى الجهل في سؤال الرؤية، كما نسب إليه قومه بقولهم: ' اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة ' لما لم يجز ذلك، وأما معنى قوله * (لن تراني) يعني: في الحال أو ~~في الدنيا. # * (ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) معناه: اجعل الجبل ~~بيني وبينك؛ فإنه أقوى منك، فإن استقر مكانه فسوف تراني؛ وفي هذا دليل على ~~أنه يجوز أن يرى؛ لأنه لم يعلق الرؤية بما يستحيل وجوده؛ لأن استقرار الجبل ~~مع تجليه له غير مستحيل، بأن يجعل له قوة الاستقرار مع التجلي. # * (فلما تجلى ربه للجبل) أن ظهر للجبل: قيل: إنه جعل للجبل بصرا وخلق فيه ~~حياة، ثم تجلى له فتذكرك على نفسه. وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن ~~النبي أنه قال: ' إن الله - تعالى - تجلى للجبل بقدر أنملة الخنصر، ثم وضع ~~ثابت إبهامه على أنملة خنصره، فقيل له: أتقول بهذا؟ فقال: يقول به أنس ~~ورسول الله، ولا PageV02P212 # * (موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) قال ~~يا موسى) * * أقول به أنا!: وضرب في صدر القائل ' وفي بعض الروايات ' أنه ~~تجلى للجبل بقدر جناح بعوضة أو أقل '. # * (جعله دكا) قال ابن عباس: صار ترابا. وقال الحسن وسفيان: ساخ في الأرض، ~~وفي بعض التفاسير: أنه صار ستة أجبل: ثلاثة بمكة: وذلك ثور وثبير وحراء، ~~وثلاثة بالمدينة: رضوى وأحد وورقان، ms0510 وقيل: انقلع الجبل من أصله، ووقع في ~~البحر، فهو يذهب فيه إلى يوم القيامة. # وأما من حيث اللغة: قال الزجاج: معنى قوله: * (جعله دكا) أي: مدكوكا ~~مدقوقا، وقرأ حمزة والكسائي: ' جعله دكاء ' ممدودا، يقال: أرض دكاء إذا كان ~~فيها ناتئ ومواضع مرتفعة كالقلال، والدكاوات: الرواسي من الأرض، ومعناه: ~~أنه جعله كالأرض المرتفعة، وخرج من كونه جبلا. # وقوله: * (وخر موسى صعقا) قال قتادة: أي ميتا، وكان قد مات تلك الساعة. ~~وقال الحسن وابن عباس: خر مغشيا عليه. وهذا أليق بالنظم؛ لأنه قال * (فلما ~~أفاق قال سبحانك) وهذا التنزيه. * (تبت إليك) يعني: من سؤال الرؤية قبل ~~الإذن * (وأنا أول المؤمنين) يعني أنا أول المؤمنين بأن من يراك متجليا في ~~الدنيا لا يستقر مكانه، وقيل معناه: أنا أول المؤمنين بأنك لا ترى في ~~الدنيا. PageV02P213 # * (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ~~(144) وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتصفيلا لكل شيء فخذها بقوة ~~وأمر قومك) * * قوله تعالى: * (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي) فإن قال قائل: قد أعطى غيره الرسالات، فما معنى قوله: * (أصفيتك ~~على الناس برسالاتي)؟ قيل: لما لم يكن غعطاء الرسالة على العموم في حق ~~الناس، استقام قوله: * (اصطفيتك على الناس برسالاتي) وإن شاركه فيها غيره، ~~وهذا مثل قول الرجل: خصصتك بمشورتي، وإن شاور غيره، لكن لما تكن المشاورة ~~على العموم؛ استقام الكلام. * (فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) لما أنعمت ~~عليك من إعطاء الرسالة والكلام، وهذه الآية في تسلية موسى - صلوات الله ~~عليه - حيث سأل الرؤية فلم يحظ بها. # قوله تعالى: * (وكتبنا له في الألواح) وأراد به التوراة، وفي الخبر: ' أن ~~الله - تعالى - خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده '. # واختلفوا في تلك الألواح، قال الحسن: كانت الألواح من خشب، وقال مجاهد: ~~كانت من زبرجد أخضر، وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوتة حمراء، وقال أبو ~~العالية: كانت من برد. وقيل: نزلت الألواح والتوراة مكتوبة عليها كنقش ~~الخاتم. # * (من ms0511 كل شي موعظة) أي: تذكرة، وحقيقة الموعظة: هي التذكير والتحذير مما ~~يخاف عاقبته. * (وتفصيلا لكل شيء) أي: بيانا للحلال والحرام وما أمروا به، ~~وما نهو عنه * (فخذها بقوة) أي: بجد واجتهاد، وقيل معناه: بقوة القلب. # * (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) قال قطرب: أي: بحسنها. واعلم أن الأحسن ما ~~PageV02P214 # * (يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) سأصرف عن آياتي الذين ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل ~~الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا ~~بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت ~~أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا) * * كان فيه من الفرائض المكتوبة والنوافل ~~المندوب إليها فإنها الأحسن، وأما الحسن: ما كان مباحا، وقيل: معنى قوله: * ~~(يأخذوا بأحسنها) أي: بأحسن الأمرين في كل شيء، كالعفو أحسن من الاقتصاص، ~~والصبر أحسن من الانتصار * (سأريكم دار الفاسقين) وقرأ قسامة بن زهير: ' ~~سأورثكم ' من التوريث، فعلى هذا معناه: سأورثكم أرض مصر، وأما القراءة ~~المعروفة ' سأريكم ' قال مجاهد وجماعة: سأريكم جهنم، وقيل: أراد به مصارع ~~الكفار. قال قتادة: دار الفاسقين أراد بها الشام؛ على معنى: أريكم فيها ما ~~أهلكت من قرى الكفار قبلكم؛ لأن موسى خرج بهم إلى الشام. # قوله - تعالى -: * (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) ~~قال سفيان بن عيينة معناه: سأمنعهم فهم القرآن، قال الزجاج تقديره: سأصرفهم ~~عن قبول آياتي، وأما التكبر: هو طلب الفضل من غير استحقاق. # * (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا) ~~وقرأ أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ: ' سبيل الرشاد ' المعدوف: ' ~~سبيل الرشد ' ويقرأ أيضا: ' سبيل الرشد ' والرشد والرشد واحد، وهو الصلاح. # * (وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) يعني: سبيل الضلالة * (ذلك بأنهم ~~كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) لأنهم لما لم يتدبروا القرآن فكأنهم عنه ~~غافلين * (والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم) أي: بطلت ~~أعمالهم * (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون). # قوله تعالى: ms0512 * (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم) ويقرأ: ' من حليهم ' ~~PageV02P215 # * (يعملون (147)) واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) ولما سقط ~~في يديهم) * * (عجلا جسدا له خوار) أي: جسد له خوار، ويقرأ في الشواذ: ' له ~~جؤار ' وهو بمعنى الخوار، وفي القصة: أن موسى - صلوات الله عليه - لما أراد ~~الخروج إلى الطور قال لقومه: أرجع إليكم بعد ثلاثين يوما، فلما لم يرجع ~~إليهم بعد الثلاثين ظنوا أنه مات، كان السامري في بني إسرائيل مطاعا بينهم، ~~وكان صائغا، فقال لهم: اجمعوا لي ما أخذتم من الحلي من آل فرعون أصنع لكم ~~شيئا، فدفعوا إليه ما أخذوا من الحلي فصاغ منه العجل، قال الحسن: كان ~~السامري قد رأى جبريل يوم غرق فرعون على فرس، فأخذ قبضة من أثر قدم فرسه. # قال عكرمة: ألقي في روعه أنه في أي شيء ألقى تلك القبضة من التراب يحيا ~~بها ذلك الشيء، وذلك أنه رأى مواضع قدم الفرس تحضر في الحال وتنبت، فلما ~~صاغ العجل ألقي في روعه أن يلقي تلك القبضة في فمه فألقاها في فم العجل ~~فحيي، فصار لحما ودما من ذهب، وله خوار فإنه خار، ثم قال السامري: * (هذا ~~إلهكم وإله موسى فنسي) على ما سيأتي في قصته في سورة طه، وقيل: إنه ما خار ~~إلا مرة، وقيل كان يخور كثيرا، كما تخور البقرة، وكان كلما خار سجدوا له، ~~وكلما سكت رفعوا رؤوسهم. # وقال بعض المفسرين: لم تنبت فيه حياة أصلا، ولم يكن له خوار حقيقة، وإنما ~~الذي سمعوا من الخوار كان بحيلة، والصحيح هو الأول. ثم اختلفوا في عدد ~~الذين عبدوا العجل، قال الحسن: كلهم عبدوه إلا هارون وحده، وقيل: - وهو ~~الأصح -: عبده كلهم إلا هارون واثنا عشر ألف رجل منهم. # * (ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا) وهذا دليل على أن الله ~~متكلم لم يزل ولا يزال؛ لأنه استدل بعدم الكلام من العجل على نفي الإلهية. ~~PageV02P216 # * (ورأوا ms0513 أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من ~~الخاسرين (149) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من ~~بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم ~~إن القوم استضعفوني) * * (ولا يهديهم سبيلا) أي: طريقا * (اتخذوه وكانوا ~~ظالمين) بوضع الإلهية في غير موضعها. # قوله تعالى: * (ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا) قال الفراء: تقول ~~العرب: سقط فلان في يده إذا بقي نادما متحيرا على ما فاته، كأنه حصل الندم ~~في يده * (قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين). # قوله تعالى: * (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) قال أبو الدرداء: ~~الأسف: شديد الغضب، وقيل: الأسف: أشد الحزن، وكأن موسى رجع نادما حزينا ~~يقول: ليتني كنت فيهم فلم يقع لهم ما وقع. # * (قال بئسما خلفتموني من بعدي) أي: (بئسما فعلتم خلفي) * (أعجلتم أمر ~~ربكم) معناه: أسبقتم أمرربكم، يعني: بفعلكم الذي فعلتم من غير أمر ربكم، ~~وقيل معناه: استعجلتم وعد ربكم. # * (وألقى الألواح) وكان حاملا لها، فألقاها على الأرض من شدة الغضب، وفي ~~التفسير: أنه لما ألقاها رجع بعضها إلى السماء وبقي منها لوحان، فرجع ما ~~كان فيه أخبار الغيب، وبقي ما كان فيه الموعظة والأحكام من الحلال والحرام، ~~وقيل: لما ألقى الألواح انكسر بعضها، فشدها موسى بالذهب * (وأخذ برأس أخيه) ~~يعني: هارون، وفيه حذف، وتقديره: وأخذ بشعر رأس أخيه * (يجره إليه قال ابن ~~أم) يعني هارون قال لموسى: ابن أم، ويقرأ بكسر الميم ونصبها، فأما بكسر ~~الميم معناه يا ابن أمي، قال الشاعر: PageV02P217 # * (وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم لظالمين ~~(150) قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين (151) إن ~~الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي ~~المفترين (152)) * * (يا ابن أمي ويا شقيق نفسي * أنت خلفتني لأمر كؤود) ~~واما بنصب الميم، فوجه النصب فيه أن قوله: ' ابن أم ' كلمتان، لكنهما ككلمة ~~واحدة، مثل ms0514 قولهم: ' حضرموت ' و ' بعلبك ' ركب أحد الاسمين في الآخر، فبقي ~~على النصب تبيينا. # * (إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) وفي القصة: أن هارون كان لما مضى ~~ميقات الثلاثين يقوم بينهم خطيبا، فيخطب كل يوم ويبكي، ويقول: أنشدكم بالله ~~لا تعبدوا العجل، فإن موسى راجع غدا - إن شاء الله - فهكذا كان يفعل ثلاثة ~~أيام، فلما لم يرجع بعد الثلاث قالوا: إنه قد مات، فخلوه، وأقبلوا على ~~عبادة العجل، فهذا معنى قوله: * (إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا ~~تشمت بي الأعداء) والشماتة فعل ما يسر به العدو * (ولا تجعلني مع القوم ~~الظالمين) أي: لا تجعلني مع الكافرين ومن جملتهم. # قوله تعالى: * (قال رب اغفر لي ولأخي) يعني ما فعلت بأخي من أخذ شعره، ~~وجره، وكان بريئا، قوله: * (ولأخي) يعين: ما وقع له من تقصيره إن قصر * ~~(وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين). # قوله تعالى: * (إن الذين اتخذوا العجل) فيه حذف، وتقديره: اتخذوا العجل ~~إلها * (سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا) قيل: أراد بالذلة ~~الجزية، وقيل: أراد قيل بعضهم بعضا مع علمهم أنهم قد ضلوا * (وكذلك نجزي ~~المفترين) أي: كل مفتر على الله، ومن القول المعروف في الآية عن سفيان بن ~~عيينة أنه قال: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة. PageV02P218 # * (والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم (153) ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين ~~هم لربهم يرهبون (154) واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم ~~الرجفة قال) * * قوله تعالى: * (والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها ~~وآمنوا إن ربك من بعدها) أي: من بعد التوبة * (لغفور رحيم). # قوله تعالى: * (ولما سكت عن موسى الغضب) وقرأ معاوية بن قرة: ' ولما سكن ~~عن موسى الغضب ' وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب: ' ولما سير عن موسى الغضب ~~' وفي مصحف حفصة: ' وإنما أسكت عن موسى الغضب ' ومعنى الكل واحد أي: سكن عن ~~موسى الغضب. والسكوت والإسكات معروف، ويقال: رجل سكيت إذا كان ms0515 كثير السكوت. # * (أخذ الألواح) وذلك أنه كان ألقاها فأخذها * (وفي نسختها) اختلفوا فيه، ~~قال بعضهم: أراد بها الألواح؛ وذلك أن لها أصل نسخت منه، وهو اللوح ~~المحفوظ، وقيل: إن موسى لما ألقى الألواح انكسرت، فنسخ منها نسخة أخرى، ~~فذلك المراد به من قوله: * (وفي نسختها هدى ورحمة) أي: هدى من الضلالة، ~~ورحمة من العذاب * (للذين هم لربهم يرهبون). # قوله تعالى: * (واختار موسى قومه) فيه حذف، أي: من قومه * (سبعين رجلا ~~لميقاتنا) وفي هذا دليل على أن كلهم لم يعبدوا العجل - وهو الأصح - ~~واختلفوا أنه لأي شيء اختارهم؟ قال بعضهم: إنما اختارهم ليعتذروا إلى الله ~~من عبادة أولئك الذين عبدوا العجل، وقيل: إنما اختارهم ليسمعوا كلام الله؛ ~~فإنهم سألوا ذلك موسى * (فلما أخذتهم الرجفة) قال مجاهد: رجفت بهم الأرض؛ ~~فماتوا، وقيل: وقعت رعدة وزلزلة في أعضائهم، حتى كاد ينفصل بعضها من بعض، ~~وقيل: إنما أهلكهم عقوبة على ما سألوا من رؤية الله جهرة. PageV02P219 # * (رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي ~~إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الغافرين (155) واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك ~~قال عذابي أصيب به من) * * (قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي) وذلك أن ~~موسى ظن أن الله - تعالى - إنما أهلكهم بعبادة أولئك القوم العجل، وخاف أن ~~بني إسرائيل يتهمونه، ويقولون: إن موسى قتلهم؛ قال: * (رب لو شئت أهلكتهم ~~من قبل) يعني: عندعبادة العجل قبل أن آتي بهم * (وإياي) بقتل القبطي الذي ~~كان موسى قتله، وقيل: أراد به المشيئة الأزلية، كأنه فوض إهلاكهم إلى ~~مشيئته، أي: لو شئت في الأزل أهلكتهم وإياي ومن في العالم، فلا اعتراض لأحد ~~عليك. # * (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) اختلفوا فيه أنه كيف قال: أتهلكنا بما ~~فعل السفهاء منا، وكان يعلم أن الله - تعالى - لا يهلك أحدا بذنب غيره؟ ~~فقال بعضهم: هذا استفهام بمعنى الجحد، وهو قول ابن الأنباري أي: ms0516 لا تهلكنا ~~بفعل السفهاء، وهذا مثل قول الرجل لصاحبه: أتجهل علي وأنا أحلم؟! أي: لا ~~أحلم، ويقال في المثل: أغدة كغدة البعير؟ وموت في بيت السلولية؟ أي: لا ~~يكون هذا قط، وقال الشاعر: # (أتنسى حين تصقل عارضيها * بعود بشامة سقي البشام) أي: لا تنسى، وقيل: هو ~~استفهام بمعنى الإثبات، والمراد منه السؤال، كأنه يسأله أتهلكنا بما فعل ~~السفهاء منا؟. # * (إن هي إلا فتنتك) أي: بليتك * (تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ~~ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين). # قوله تعالى: * (واكتب لنا) أي: أوجب لنا * (في هذه الدنيا حسنة) وهي ~~PageV02P220 # * (أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~هم بآياتنا يؤمنون (156) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في) * * النعمة والعافية * (وفي الآخرة) أي: وفي الآخرة حسنة، ~~فحذف. # * (إنا هدنا إليك) أي: تبنا إليك، وقرأ أبو وجزة السعدي: ' هدنا إليك ' ~~بكسر الهاء، أي: ملنا إليك * (قال عذابي أصيب به من أشاء) وهذا على وفق قول ~~أهل السنة؛ فإن لله - تعالى - أن يصيب بعذابه من يشاء من عباده أذنب أو لم ~~يذنب، وصحف بعض القدرية، فقرأ: ' عذابي أصيب به من أساء ' من الإساءة، وليس ~~بشيء. # * (ورحمتي وسعت كل شيء) قال الحسن وقتادة: وسعت رحمته البر والفاجر في ~~الدنيا، وهي للمتقين يوم القيامة، وفي الآثار: الرحمة مسجلة للبر والفاجر ~~في الدنيا. # * (فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمي) وهذه فضيلة عظيمة لهذه الأمة، وذلك أن موسى - ~~صلوات الله عليه - سأل أن يكتب الرحمة له ولأمته، فكتبها لأمة محمد وفي ~~الأخبار: ' أن موسى - صلوات الله عليه - قال: يا رب، إني أجد في التوراة ~~أمة يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، فاجعلهم من أمتي، ~~قال الله - تعالى -: تلك أمة أحمد. فقال: يا رب إني أجد في التوراة أمة ~~صدقاتهم في بطونهم - يعني: يأكلها فقراؤهم، وكانت صدقات قومه ومن قبلهم ~~تأكلها النار - فاجعلهم من أمتي، فقال - تعالى -: تلك أمة احمد. ms0517 فقال: يا ~~رب، إني أجد في التوراة أمة هم آخر الناس خروجا، وأول الناس في الجنة ~~دخولا، فاجعلهم من أمتي. فقال: تلك أمة أحمد. فقال: يا رب، إني أجد في ~~التوراة أمة أناجيلهم في صدورهم، يراعون الشمس والأوقات لذكرك، فاجعلهم من ~~أمتي. فقال: تلك أمة أحمد. فقال: يا رب، إني أجد PageV02P221 # * (التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ~~(157) قل يا أيها) * * في التوراة أمة إذا هم أحدهم بحسنة كتبتها له حسنة، ~~وإن عمل بها كتبتها له عشرا إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة لم تكتبها ~~(عليه)، فإن عمل بها كتبتها عليه واحدة، اجعلهم من أمتي، فقال: تلك أمة ~~أحمد. فألقى الألواح، وقال: اللهم اجعلني من أمة محمد '. وهذا قول آخر، ذكر ~~في سبب إلقائه الألواح، والأول أظهر. # قوله تعالى: * (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) هو محمد وقد بينا معنى ~~الأمي فيما سبق. # * (الذي يجدونه مكتوبا) أي: موصوفا * (عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات) يعني: ما حرمه الكفار من ~~السوائب والوصائل والبحائر والحوامي، ونحو ذلك * (ويحرم عليهم الخبائث) ~~وذلك مثل: الميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه * (ويضع عنهم إصرهم) الإصر: كل ~~ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل، والإصر: العهد الثقيل: وإصرهم: أن الله ~~- تعالى - جعل توبتهم بقتلهم أنفسهم * (والأغلال التي كانت عليهم) وذلك مثل ~~ما كان عليهم من قرض موضع النجاسة عن الثوب بالمقراض، ولا يجزئهم غسلها، ~~وأنه كان لا تجوز صلاتهم إلا في الكنائس، وأنه لا يجوز لهم أخذ الدية عن ~~القتيل بل كان يتعين القصاص، وكان يجب عليهم قطع الجوارح الخاطئة لا يسعهم ~~غير ذلك، فسماها أغلالا؛ لأنها كانت كالطوق في عنقهم. # * (فالذين آمنوا به) أي: بمحمد * (وعزروه) أي: عظموه * (ونصروه واتبعوا ~~PageV02P222 # * (الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله ~~إلا ms0518 هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله ~~وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون (159) وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه ~~قومه أن اضرب بعصاك الحجر) * * النور الذي أنزل معه) وهو القرآن * (أولئك ~~هم المفلحون). # قوله تعالى: * (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض لا إله لا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته) يعني: محمدا يؤمن بالله وبالقرآن ويقرأ: ' وكلمته ~~' قيل: هي القرآن أيضا، وقال بعضهم: أراد بالكلمة: عيسى - صلوات الله عليه ~~- * (واتبعوه لعلكم تهتدون). # قوله تعالى: * (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) روى الكلبي عن ~~أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: هؤلاء قوم بأقصى الشرق وراء الصين عند مطلع ~~الشمس، كانوا على شريعة موسى - صلوات الله عليه - إلى أن بعث محمد فلما بعث ~~محمد آمنوا به، وكانوا على الحق من لدن موسى إلى زمان محمد عليهما السلام - ~~وقيل: هم الذين أسلموا في زمن النبي من اليهود مثل (ابن) صوريا، وابن سلام، ~~ونحوهما، والأول أظهر. # وقوله: * (وبه يعدلون) أي: يقومون بالحق والعدل. # قوله تعالى: * (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما) أي: فرقناهم فرقا، ~~وقوله: * (اثنتي عشرة) يقال في اللغة: اثنتي عشرة بكسر الشين وبجزم الشين، ~~والجائز في القرآن بجزم الشين، فإن قيل: لم لم يقل: اثني عشر أسباطا على ~~التذكير؟ قيل: إنما ذكره على التأنيث لأنه يرجع إلى الأمم. PageV02P223 # * (فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم ~~الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها ~~حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين ~~(161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من ~~السماء بما كانوا يظلمون (162)) * * قالوا: وفي الآية تقديم وتأخير، ~~وتقديرها. وقطعناهم أسباطا أمما ms0519 اثنتي عشرة، وقيل فيه حذف، وتقديره: ~~وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أسباطا أمما، فيكون بدلا عن الفرقة، وقد بينا أن ~~الأسباط في بني إسحاق كالقبائل في بني إسماعيل، وأنشدوا في السبط: # (علي والثلاثة من بنيه * هم الأسباط ليس بهم خفاء) (فسبط سبط إيمان وبر * ~~وسبط غيبته كربلاء) أي: كرب وبلاء. # * (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر) وقد بينا هذا ~~في سورة البقرة. # * (فانبجست منه اثنتا عشرة عينا) أي: انفجرت * (قد علم كل أناس مشربهم ~~وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) وقد سبق تفسيره في سورة البقرة. # وقوله تعالى: * (وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم ~~وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم) ويقرأ: ' خطيئاتكم ' ~~وكلاهما واحد * (سنزيد المحسنين) وقد بينا هذا أيضا في سورة البقرة. # * (فبدل الذين ظلموا) قد بينا معنى هذا التبديل * (منهم قولا غير الذي ~~قيل PageV02P224 # * (واسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون (163) وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا قالوا معذرة إلى) * * لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء) أي عذابا من ~~السماء * (بما كانوا يظلمون). # قوله تعالى * (واسألهم عن القرية) هذا سؤال توبيخ وتقريع لا سؤال ~~استعلام، واختلفوا في تلك القرية، قال ابن عباس: هي الأيلة. وقال الزهري: ~~هي طبرية الشام. وقيل: إنها مدين * (التي كانت حاضرة البحر) أي: مجاورة ~~البحر * (إذ يعدون في السبت) أي: يجاوزون أمر الله في السبت، وكان الله - ~~تعالى - حرم عليهم أن يعملوا في السبت عملا سوى العبادة. # * (إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا) أي: ظاهرة، قاله ابن عباس، ومنه ~~الشوارع لظهورها، وقيل: هو من الشروع، وهو الدخول، فيكون معناه أن تلك ~~القرية كان بجنبها خليج البحر، فتدخله الحيتان يوم السبت ولا تدخله في سائر ~~الأيام. وفي ms0520 القصة: أنها كانت تأتيهم مثل الكباش السمان البيض يوم السبت ~~تشرع إلى أبوابهم، ثم لا يرى شيء منها في غير يوم السبت فذلك قوله: * (ويوم ~~لا يسبتون لا تأتيهم) وقرأ الحسن: ' لا يسبتون ' بضم الياء، أي: لا يدخلون ~~في السبت، والمعروف: ' لا يسبتون ' ومعناه: لا يعظمون السبت، يقال: (أسبت) ~~إذا دخل السبت، وسبت إذا عظم السبت، يعني: ويوم لا يعظمون السبت * (لا ~~تأتيهم) وعلى قراءة الحسن: ويوم لا يدخلون السبت لا تأتيهم، وكان ذلك ~~ابتلاء من الله - تعالى - لهم كما قال: * (كذلك نبلوهم) أي: نختبرهم * (بما ~~كانوا يفسقون). # قوله تعالى: * (وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما) وفي القصة: أنهم ~~احتالوا بحيلة الاصطياد؛ فكانوا يضعون الحبال يوم الجمعة حتى تقع فيها ~~الحيتان يوم السبت، ثم يأخذونها يوم الأحد، وقيل: إن الشيطان وسوس إليهم أن ~~الله - تعالى - PageV02P225 # * (ربكم ولعلهم يتقون (164) فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن ~~السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) فلما عتوا عن ~~ما نهوا عنه قلنا لهم) * * لم ينهاكم عن الاصطياد في هذا اليوم وإنما نهاكم ~~عن الأكل، فاصطادوا يوم السبت، ثم افترقوا على ثلاث فرق: فرقة اصطادت، ~~وفرقة نهت وأمرت بالمعروف، وفرقة سكتت؛ فقالت الفرقتان للفرقة العاصية: لا ~~نساكنكم قرية عصيتم الله فيها؛ فاعتزلنا القرية وخرجوا، فلما أصبحوا جاءوا ~~إلى باب القرية، فلم يفتحوا لهم الباب؛ فجاءوا بسلم، فلما صعدوا بالسلم، ~~رأوهم قد مسخوا قردة، قال قتادة: كانت لهم أذناب يتعادون. # فقوله: * (وإذ قالت أمة منهم) هي الفرقة الساكتة، قالت للفرقة الناهية: * ~~(لم تعظون قوما) يعني: الفرقة العاصية * (الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا قالوا معذرة إلى ربكم) أي: موعظتنا معذرة، وذلك أنا قد أمرنا بالأمر ~~بالمعروف، فنأتهم هذا الأمر وإن لم يقبلوا؛ حتى يكون ذلك لنا عذرا عند الله ~~- تعالى - ويقرأ ' معذرة ' بالنصب، أي: نعتذر معذرة إلى ربكم * (ولعلهم ~~يتقون). # قوله تعالى: * (فلما نسوا ما ذكروا به) أي: تركوا ما ذكروا به، قيل: ~~كانوا يصطادون سبعة أيام، وقيل: كانوا قد ms0521 اصطادوا يوما واحدا. # * (أنجينا الذين ينهون عن السوء) يعني: الفرقة الناهية * (وأخذنا الذين ~~ظلموا بعذاب بئيس) يعني: الفرقة العاصية، فأخذناهم بعذاب بئيس على وزن ~~فعيل. وبئس على وزن فعل، وبئس على وزن فعلل، والكل واحد، ومعناه: بعذاب ~~شديد، قال ابن عباس: بعذاب لا رحمة فيه. # * (بما كانوا يفسقون) قال ابن عباس: أدري أن الفرقة العاصية قد هلكت، وأن ~~الفرقة الناهية قد نجت، ولا أدري ما حال الفرقة الساكتة. # قال عكرمة: ما زلت أنزله - يعني: من الآيات درجة درجة - وأبصره - يعني: ~~ابن عباس - حتى قال: نجت الفرقة الساكتة، وكساني بذلك حلة. فإن عكرمة كان ~~PageV02P226 # * (كونوا قردة خاسئين (166) وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة ~~من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) وقطعناهم ~~في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات ~~لعلهم يرجعون) * * يكلمه في الآية، ويستدل بظاهرها؛ حتى ظهر الدليل لابن ~~عباس على نجاة الفرقة الساكتة، ومن الدليل عليه في ظاهر الآية أنه قال: * ~~(فلما نسوا ما ذكروا به) وتلك الفرقة لم ينسوا ذلك، والثاني أنه قال: * ~~(أنجينا الذين ينهون عن السوء) والفرقة الساكتة قد نهوا نهي تحذير بقولهم: ~~لم تعظون قوما الله مهلكهم. # والثالث أنه قال: * (وأخذنا الذين ظلموا) يعني: بالاصطياد يوم السبت؛ وهم ~~ما ظلموا بالاصطياد، قال الحسن البصري: نجت الفرقتان، وهلكت واحدة. # وقوله تعالى: * (فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) ~~وهذا أمر تكوين، وقوله: * (خاسئين) أي: مبعدين. # قوله تعالى: * (وإذ تأذن ربك) أي: أعلم ربك، قال الشاعر: # (تأذن إن شر الناس حي * ينادي من شعارهم يسار) وقال الزجاج: معناه: تألى ~~ربك وحلف * (ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) أي: ~~يذيقهم سوء العذاب، وهو الجزية، وقيل: هو قتل بختنصر إياهم فإن قال قائل: ~~كيف يبعث عليهم العذاب، وقد أهلكهم؟ وقيل: أراد به على أبنائهم، ومن يأتي ~~بعدهم * (إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم). # قوله تعالى: * (وقطعناهم في الأرض أمما) أي: فرقناهم فرقا، ومعناه: ms0522 شتتنا ~~أمر اليهود فلا يجتمعون على كلمة واحدة * (منهم الصالحون) يعني: الذين ~~أسلموا منهم * (ومنهم دون ذلك) يعني الذين بقوا على الكفر. # * (وبلوناهم) أي: اختبرناهم * (بالحسنات والسيئات) أي: بالخصب والجدب ~~والخير والشر * (لعلهم يرجعون). PageV02P227 # (* (168) فخلف من بعدهم خلف ورثوا لكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون ~~سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون ~~أفلا تعقلون (169)) * * قوله تعالى: * (فخلف من بعدهم خلف) اعلم أن الخلف ~~يقال في الذم والمدح جميعا، لكن عند الإطلاق الخلف للمدح، والخلف للذم، قال ~~الشاعر: # (لنا لقدم الأولى إليك وخلفنا * لأولنا في طاعة لله تابع) وهاهنا للذم، ~~وأراد به أبناء الذين سبق ذكرهم من أصحاب السبت * (ورثوا الكتاب) يعني: ~~انتقل إليهم الكتاب * (يأخذون عرض هذا الأدنى) أي: حطام الدنيا، وإنما سميت ~~الدنيا دنيا؛ لأنها أدنى إلى الخلق من الآخرة؛ ولذلك قال: (* (عرض هذا ~~الأدنى) * ويقولون سيغفر لنا) وهذا اغترار منهم بالله - تعالى - وفي ~~الحديث: ' الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر من أتبع نفسه ~~هواها، وتمنى على الله المغفرة ' * (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) قال مجاهد: ~~وصفهم بالإصرار على الذنب، وقيل معناه: إنهم يأخذون أخذا بعد أخذ لا يبالون ~~من حلال كان أو من حرام، بل يأخذون من غير تفتيش. # * (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق) أي: أخذ ~~عليهم العهد ألا يقولوا على الله الباطل في التوراة * (ودسوا ما فيه) أي: ~~علموا ذلك فيه بالدرس، قاله الضحاك، ودرس الكتاب: قراءته مرة بعد أخرى * ~~(والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون). PageV02P228 # * (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) ~~وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم) * * قوله تعالى: * (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا ~~الصلاة) قيل: هذا في ms0523 أمة محمد وقيل: هو فيمن أسلم من اليهود، يمسكون ~~بالقرآن، وأقاموا الصلاة * (إنا لا نضيع أجر المصلحين). # قوله تعالى: * (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة) نتقنا أي: رفعنا الجبل ~~فوقهم، وقد ذكر هذا في سورة البقرة * (وظنوا أنه واقع بهم) يعني: وأيقنوا، ~~والظن: اليقين: وقيل: غلب على ظنهم أنه واقع بهم * (خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) وقد ذكرنا القصة في سورة البقرة. # قوله تعالى: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) في الآية نوع ~~إشكال، وشرحها وتفسيرها في الأخبار، روى مالك في الموطأ بإسناده عن مسلم بن ~~يسار الجهني عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سئل عن هذه الآية، ~~فقال: سمعت رسول الله يقول: ' إن الله - تعالى - مسح ظهر آدم، فاستخرج منه ~~ذرية، وقال: هؤلاء في الجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهر آدم ~~فاستخرج ذرية، وقال: هؤلاء أهل النار، وبعمل أهل النار يعملون، فقيل: يا ~~رسول الله، ففيم العمل إذا؟ فقال: إن الله - تعالى - إذا خلق للجنة أهلا ~~استعملهم بعمل أهل الجنة حتى يدخلهم الجنة، وإذا خلق للنار خلقا استعملهم ~~بعمل أهل النار حتى يدخلهم النار ' والمعروف والذي عليه جماعة المفسرين في ~~معنى الآية أن الله - تعالى - PageV02P229 # * (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين (172) أو) * * مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة ~~الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهر آدم اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة ~~الذر، فقال: يا آدم، هؤلاء ذريتك، ثم قال لهم: * (ألست بربكم)؟ قالوا: بلى، ~~فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي ولا أبالي، وهم أصحاب اليمين، وقال ~~للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال، ثم أعادهم جميعا في ~~صلبه، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال ~~وأرحام النساء. # قال الله تعالى فيمن نقض العهد: * (وما وجدنا لأكثرهم من عهد) وروى أبو ~~العالية عن أبي بن كعب في هذه الآية، قال: جمعهم ms0524 الله جميعا، فجعلهم أرواحا ~~ثم صورهم، ثم استنطقهم، فقال: * (ألست بربكم)؟ قالوا: بلى، شهدنا أنك ربنا ~~وإلهنا، لا رب لنا غيرك، قال الله - تعالى -: فأرسل إليكم رسلي، وأنزل ~~عليكم كتبي، فلا تكذبوا رسلي، وصدقوا كلامي، فإني سأنتقم ممن أشرك ولم يؤمن ~~بي، فأخذ عهدهم وميثاقهم. # وفي بعض الأخبار: أن الله استخرج ذرية آدم، فنثرهم بين يدي آدم، ثم كلمهم ~~قبلا - أي: عيانا - فقال: * (ألست بربكم)؟ قالوا: بلى. وقيل: جعل لهم عقولا ~~يفهمون بها، وألسنة ينطقون بها، ثم خاطبهم وألهمهم الجواب. # وقال بعض المفسرين عن علماء السلف: إن الكل قالوا: بلى، لكن المؤمنين ~~قالوا: بلى طوعا، وقال الكافرون كرها، وهذا معنى قوله - تعالى -: * (وله ~~أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها). # رجعنا إلى قوله تعالى: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) فإن ~~قال قائل: لما كان الاستخراج من ظهر آدم، فكيف قال: * (أخذ ربك من بني آدم ~~من PageV02P230 # * (تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون (173)) * * ظهورهم)؟ قال بعض العلماء في جوابه: إن الله - تعالى - ~~استخرجهم من صلب آدم على الترتيب الذي يخرجه من بني آدم من ظهورهم إلى يوم ~~القيامة، فلذلك قال: * (أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم). # واعلم أن المعتزلة تأولوا هذه الآية، فقالوا: أراد به الأخذ من ظهور بني ~~آدم على الترتيب الذي مضت به السنة من لدن آدم إلى فناء العالم. # وقوله: * (وأشهدهم على أنفسهم) يعني كما نصب من دلائل العقول التي تدل ~~على كونه ربا، ويلجئهم إلى الجواب بقولهم: بلى، وأنكروا الميثاق. وهذا ~~تأويل باطل، وأما أهل السنة مقرون بيوم الميثاق، والآية على ما سبق ذكره. # * (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة ~~إنا كنا عن هذا غافلين) واختلفوا في قوله: * (شهدنا) قل بعضهم: هذا من قول ~~الله والملائكة قالوا: شهدنا، وقيل: هو قول المخاطبين، قالوا: بلى شهدنا، ~~وقيل: فيه حذف، وتقديره: أن الله تعالى قال للملائكة: اشهدوا، فقالوا: ~~شهدنا. ms0525 # وأما قوله تعالى: * (أن تقولوا يوم القيامة) يقرأ بالياء والتاء، فمن قرأ ~~بالياء فتقدير الكلام: وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا ~~كنا عن هذا غافلين، ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام: أخاطبكم ألست بربكم؟ ~~لئلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. فإن قال قائل: الحجة إنما ~~تلزم في الدنيا إذا رجعوا عن ذلك العهد الذي كان يوم الميثاق واحد لا يذكر ~~ذلك الميثاق حتى يكون بالرجوع معاندا، فتلزمه الحجة، وقيل: إن الله - تعالى ~~- قد أوضح الدلائل ونصبها على وحدانيته، وصدق قوله، وقد أخبر عن يوم ~~الميثاق، وهو صادق في الأخبار، فكل من نقض ذلك العهد كان معاندا ولزقته ~~الحجة. # قوله تعالى: * (أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل) يعني: إنما أخذت ما ~~أخذت PageV02P231 # * (وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) واتل عليهم نبأ الذي آتيناه ~~آياتنا فانسلخ) * * من العهد والميثاق عليكم جميعا؛ لئلا تقولوا: * (إنما ~~أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم) يعني: أن الجناية من الآباء، وكنا ~~أتباعا لهم؛ فيجعلوا لأنفسهم حجة وعذرا عند الله، وفي هذا دليل على أن ~~أولاد الكفار يكونون مع الكفار. # * (أفتهلكنا بما فعل المبطلون) أي: تأخذنا بجناية آبائنا المبطلين؟. # قوله تعالى: * (وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون). # قوله تعالى: * (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال ابن ~~عباس وابن مسعود: في بلعم بن باعور، ويقال: بلعام بن باعر، كان في مدينة ~~الجبارين، وكان معه الاسم الأعظم، فلما قصدهم موسى بجنده، قالوا لبلعم: إن ~~موسى رجل فيه حدة، فادع الله حتى يرد عنا موسى، وقيل: إن ملكهم دعاه إلى ~~نفسه وقال له ذلك، فقال بلعم: لو فعلت ذلك ذهب ديني ودنياي، فألحوا عليه ~~حتى دعا الله - تعالى - فاستجيبت دعوته، ورد عنهم موسى، وأوقعهم في التيه، ~~فلما وقعوا في التيه، قال موسى: يا رب بم حبستنا في التيه؟ قال: بدعاء ~~بلعم. قال موسى: اللهم فكما استجبت دعوته فينا فاستجب دعوتي فيه، ثم دعا ~~الله - تعالى - حتى ينزع عنه اسمه الأعظم والإيمان، ففعل، وقيل: ms0526 نزع الله ~~عنه الاسم الأعظم والإيمان، معاقبة له على ما دعا، ولم يكن ذلك بدعوة موسى؛ ~~فهذا معنى قوله تعالى: * (فانسلخ منها). # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: الآية في أمية بن أبي الصلت الثقفي كان ~~يطلب الدين قبل مبعث النبي، وكان يطمع أن يكون نبيا، فلما بعث النبي حسده ~~وكفر به، وكان أمية صاحب حكمة وموعظة حسنة. # وقال الحسن: الآية في منافقي اليهود. وقال مجاهد: الآية في نبي من ~~الأنبياء بعثه الله - تعالى - إلى قومه، فرشاه قومه. وهذا أضعف الأقوال؛ ~~لأن الله تعالى يعصم أنبياءه عن مثل ذلك، وعن ابن عباس - في رواية أخرى - ~~أن الآية في رجل من بني إسرائيل كانت له ثلاث دعوات مستجابة أعطاه الله ~~تعالى ذلك، وكانت له امرأة PageV02P232 # * (منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه ولكنه ~~أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه ~~يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) ~~ساء مثلا القوم الذين) * * دميمة؛ فقالت له: ادع الله أن يجعلني من أجمل ~~نساء العالم، فدعا الله تعالى فاستجاب دعوته؛ فتمردت واستعصت عليه؛ فدعا ~~الله تعالى أن يجعلها كلبة؛ فجعلت، فقال له بنوها: ادع الله أن يردها، فدعا ~~الله تعالى فعادت كما كانت، فذهبت فيها دعواته الثلاثة، والقولان الأولان ~~أظهر. # وقوله: * (فأتبعه الشيطان) أي: أدركه الشيطان، يقال: تبعه إذا سار في ~~أثره، واتبعه إذا أدركه * (فكان من الغاوين) أي: من الضالين. # قوله تعالى: * (ولو شئنا لرفعناه بها) أي لرفعنا درجته ومنزلته بتلك ~~الآيات وأمتناه قبل أن يكفر، وقيل معناه: لو شئنا [لحلنا] بينه وبين الكفر ~~* (ولكنه أخلد إلى الأرض) أي: مال إلى الدنيا، * (واتبع هواه) وهذه أشد آية ~~في حق العلماء، وقلما يخلوا عن أحد هذين عالم من الركون إلى الدنيا، ~~ومتابعة الهوى. # * (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) ضرب له مثلا بأخس ~~حيوان في أخس الحال؛ فإنه ضرب له المثل بالكلب لاهثا، وحقيقة المعنى: أنك ms0527 ~~إن حملت على الكلب وطردته يلهث، وإن تتركه يلهث، فكذلك الكافر، إن وعظته ~~وزجرته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال، واللهث: إدلاع اللسان. # * (ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا) ضرب المثل ثم بين أنه مثل ذلك ~~(الذي) سبق ذكره، وقيل: هذا كله ضرب مثل للكفار مكة؛ فإنهم كانوا يتمنون أن ~~يكون منهم بني، فلما بعث النبي حسدوه وكفروا؛ فكانوا كفارا قبل بعثته ~~وكفارا (بعد بعثته) * (فاقصص القصص لعلهم يتفكرون). PageV02P233 # * (كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) من يهد الله فهو المهتدي ~~ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا) * * قوله تعالى * (ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا) أي: ~~بئس المثل مثلا القوم (* (وأنفسهم كانوا يظلمون) * من يهد الله) أي: من ~~يهده الله * (فهو المهتد ومن يضلل) أي: ومن يضلله الله * (فأولئك هم ~~الخاسرون) وهذا دليل على القدرية؛ حيث نسب الهداية والضلالة إلى فعله من ~~غير سبب. # قوله تعالى: * (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس) أي: خلقنا لجهنم ~~كثيرا، وهذا على وفق قول أهل السنة، وروت عائشة - رضي الله عنها - عن النبي ~~أنه قال: ' إن الله تعالى خلق الجنة، وخلق لها أهلا؛ خلقهم لها وهم في ~~أصلاب بائهم، وخلق النار، وخلق لها أهلها، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ' ~~وهذا في الصحيح، وفي رواية أخرى: ' إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا ~~بأسمائهم وأسماء آبائهم وأسماء قبائلهم، وخلق النار، وخلق لها أهلا ~~بأسمائهم وأسماء آبائهم وأسماء قبائلهم - وهذا الحديث ليس في الصحيح - لا ~~يزاد فيهم ولا ينقص ' وقيل معنى قوله: * (ولقد ذرأنا لجهنم) أي: ذرأناهم، ~~وعاقبة أمرهم إلى جهنم، واللام لام العاقبة، وهذا مثل قول القائل: # (يا أم سليم فلا تجزء عن * فللموت ما تلد الوالدة) وقال آخر: # (وللموت تغذوا الوالدات سخالها * كما لخراب الدهر تبنى المساكن) ~~PageV02P234 # * (يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون (179) ولله الأسماء الحسنى فادعوه ~~بها وذروا الذين ms0528 يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180) وممن خلقنا ~~أمة يهدون بالحق) * * والأول أصح، وأقرب إلى مذهب أهل السنة، وقوله: * (لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها) ~~ومعناه: أنهم لما لم يفقهوا بقلوبهم ما انتفعوا به، ولم يبصروا بأعينهم، ~~ولم يسمعوا بآذانهم؛ ما انتفعوا به؛ فكأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا ~~يسمعون شيئا، وهذا كما قال مسكين الداري: # (أعمى إذا ما جارتي برزت * حتى توارى جارتي الخدر) (أصم عما كان بينهما ~~سمعي * وما بالسمع من وقر) * (أولئك كالأنعام) يعني: في أن همتهم من الدنيا ~~الأكل والتمتع بالشهوات * (بل هم أضل) وذلك أن الأنعام تميز بين المضار ~~والمنافع، وأولئك لا يميزون ما يضرهم عما ينفعهم * (أولئك هم الغافلون). # قوله تعالى: * (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) الأسماء الحسنى هي ما ~~وردت في الخبر، روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: ' إن لله تسعة وتسعين اسما ~~- مائة غير واحد - من أحصاها دخل الجنة '، وقوله: * (الحسنى) يرجع إلى ~~التسميات، وقوله * (فادعوه بها) وذلك بأن يقول: يا عزيز، يا رحمن، ونحو ~~هذا، واعلم أن أسماء الله تعالى على التوقيف؛ فإنه يسمى جوادا ولا يسمى ~~سخيا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيما ولا يسمى رقيقا، ويسمى عالما ~~ولا يسمى عاقلا، وعلى هذا لا يقال: يا خادع، يا مكار، وإن ورد في القرآن (* ~~(يخادعون الله وهو خادعهم) * ويمكرون ويمكر الله) لكن لما لم يرد الشرع ~~بتسميته به لم يجز ذلك له. # * (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) قال يعقوب بن السكيت صاحب الإصلاح: ~~PageV02P235 # * (وبه يعدلون (181) والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~(182) وأملي لهم إن كيدي متين (183) أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو ~~إلا نذير) * * الإلحاد: هو الميل عن الحق، وإدخال ما ليس في الدين، قيل: ~~والإلحاد في الأسماء هاهنا: كانوا يقولون في مقابلة اسم الله: اللآت، وفي ~~مقابلة العزيز: العزى، ومناة في مقابلة المنان، وقيل: هو تسميتهم الأصنام ~~آلهة، وهذا أعظم الإلحاد في الأسماء، ms0529 فهذا معنى قوله: * (وذروا الذين ~~يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون). # قوله تعالى: * (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) روى قتادة مرسلا ~~عن النبي أنه قال: ' هؤلاء من هذه الأمة، وقد كان فيمن قبلكم ' وأشار به ~~إلى قوم موسى، كما قال تعالى: * (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون). # قوله تعالى: * (والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) قال ~~الأزهري: الاستدراج: هو الأخذ قليلا قليلا، ومنه درج الكتاب، وقيل: ~~الاستدراج من الله هو أن العبد كلما ازداد معصية زاده الله - تعالى - نعمة، ~~وقيل: هو أن يكثر عليه النعم وينسيه الشكر، ثم يأخذه بغتة؛ فهذا هو ~~الاستدراج من حيث لا يعلمون. # قوله تعالى: * (وأملي لهم) أي: أمهل لهم وأؤخر لهم * (إن كيدي متين) أي: ~~شديد. # قوله تعالى * (أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين) سبب ~~نزول هذه الآية ما روي: ' أن النبي ذات ليلة صعد الصفا، وهو ينادي طول ~~الليل: يا بني فلان، يا بني فلان، إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فلما ~~أصبحوا قالوا: إن محمدا قد جن، يصيح طول الليل؛ فنزلت هذه الآية ' * (أو لم ~~يتفكروا) ' يعني: في حال محمد أنه لا يليق بحاله الجنون. PageV02P236 # * (مبين (184) أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من ~~شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل ~~الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186) يسألونك عن الساعة أيان ~~مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات ~~والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) * * قوله تعالى: * (أو لم ينظروا في ملكوت ~~السماوات والأرض) يعني: استدلوا بها على وحدانية الله تعالى * (وما خلق ~~الله من شيء) أي: أو لم ينظروا إلى ما خلق الله من شيء * (وأن عسى أن يكون ~~قد اقترب أجلهم) يعني: لعل قد اقترب أجلهم ms0530 فيموتوا قبل أن يؤمنوا * (فبأي ~~حديث بعده يؤمنون) أي: بأي نبي بعد محمد، وبأي كتاب بعد كتاب محمد يؤمنون. # قوله تعالى: * (من يضلل الله) أي: من يضلله الله * (فلا هادي له ويذرهم ~~في طغيانهم يعمهون) أي: في غلوهم في الباطل * (يعمهون) يتحيرون ويترددون. # قوله تعالى: * (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) أي: مثبتها، يقال: أرسى، ~~أي: أثبت، ومعناه: يسألونك عن الساعة متى قيامها * (قل إنما علمها عند ربي ~~لا يجليها لوقتها) لا يظهرها لوقتها (* (إلا هو) * ثقلت في السماوات ~~والأرض) أي: خفي علمها في السماوات والأرض، فكأنما ثقلت، وكل خفي ثقيل، ~~ومعناه: ثقيل وصفها على أهل السماوات والأرض؛ بما يكون فيها من تكوير الشمس ~~والقمر، وتكوير النجوم، وتسيير الجبال، وطي السماوات والأرض، وقيل معناه: ~~عظم وقوعها على أهل السماوات والأرض. # * (لا تأتيكم إلا بغتة) أي: فجأة. # * (يسألونك كأنك حفي عنها) أي كأنك مسرور بسؤالهم عنها، يقال: تحفيت ~~فلانا في المسألة إذا سألته وأظهرت السرور في سؤالك، فعلى هذا تقدير الآية: ~~PageV02P237 # * (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) ~~هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت ~~حملا خفيفا فمرت به) * * يسألونك عنها كأنك حفي بسؤالهم، وقيل معناه: ~~يسألونك كأنك حفي عنها أي: عالم بها، يقال: أحفيت فلانا، إذا ما بالغت في ~~المسألة عنه حتى علمت، فعلى هذا معنى الآية: كأنك حفي عنها، أي: كأنك بالغت ~~في السؤال عنها، حتى علمت * (قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون). # قوله تعالى: * (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: معناه: ولو كنت أعلم الخصب من الجدب لأعددت من الخصب للجدب وما ~~مسني الجوع، قاله ابن عباس. # وقال ابن جريج: معناه: لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من ms0531 الخيرات ~~والطاعات، وما مسني السوء أي: ما بي جنون؛ لأنهم كانوا نسبوه إلى الجنون. # القول الثالث: معناه: ولو كنت أعلم متى الساعة لأخبرتكم بقيامها حتى ~~تؤمنوا، وما مسني السوء يعني: بتكذيبكم * (إن أنا إلا نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون). # قوله تعالى: * (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) يعني: آدم * (وجعل منها ~~زوجها) يعني: حواء (* (ليسكن إليها) * فلما تغشاها) أي: وطئها، والغشيان ~~أحسن كناية عن الوطء، يقال: تغشاها وتخللها، إذا وطئها. # * (حملت حملا خفيفا) هو أول ما تحمل المرأة من النطفة * (فمرت به) وقرأ ~~يحيى بن يعمر: ' فمرت به ' خفيفا من المرية أي: شكت، وقرئ في الشواذ: ' ~~فمارت به: ' أي: تحركت به من المور، وقرأ ابن عباس: ' فاستمرت به ' وهو ~~معنى القراءة المعروفة، ومعناه: فمرت بالحمل حتى قامت وقعدت ودخلت وخرجت، ~~وقيل: هو مقلوب، وتقديره فمر الحمل بها حتى قامت وقعدت * (فلما أثقلت) أي: ~~حان PageV02P238 # * (فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ~~(189) فلما آتاهما) * * وقت الولادة * (دعوا الله ربهما). # وفي القصة: أن إبليس جاء إلى حواء حين حبلت، وقال لها: أتدرين ما في ~~بطنك؟ قالت: لا. فقال: لعله بهيمة، وإني أخشى أن تكون لها قرنان تشق بهما ~~بطنك؛ فخافت حواء، وجلست حزينة، ثم عاد إليها اللعين، وقال: أتريدين أن ~~أدعو الله تعالى حتى يجعله إنسانا متكلما؟ قالت: نعم. إني قد وسوست إليكما ~~مرة فأطيعاني حتى أدعو، فقالت: ماذا نصنع؟ قال اللعين: إذا ولدت تسميه عبد ~~الحارث - وكان اسم إبليس من قبل الحارث - فذكرت ذلك لآدم، فتوافقا على ذلك، ~~فلما ولدت سمياه عبد الحارث، وقيل: إنها ولدت مرة فسمياه عبد الله فمات، ثم ~~ولدت ولد آخر فسمياه عبد الله فمات، فجاء اللعين، وقال: أما علمتما أن الله ~~تعالى لا يدع عبده عندكما، فإذا ولدت ولدا فسميه عبد الحارث، حتى يحيا، ~~فلما ولدت الثالث سمياه عبد الحارث فعاش وحيا. # وفي الخبر: قال النبي: ' خدعهما إبليس مرتين: مرة في الجنة، ومرة في ~~الأرض ' وأراد به هذا '. قوله * (فلما أثقلت دعوا الله ms0532 ربهما) يعني: آدم ~~وحواء * (لئن آتيتنا صالحا) أي: ولدا سوى الخلق، إذ كانا [يدعوان] أن يجعله ~~الله إنسانا مثلهما خوفا من وسوسة إبليس (* (لنكونن من الشاكرين) * فلما ~~آتاهما صالحا) أي: سوى الخلق * (جعلا له شركاء فيما آتاهما) يعني سمياه عبد ~~الحارث، فإن قال قائل: كيف يقول: * (جعلا له شركاء) وآدم كان نبيا معصوما ~~عن الإشراك بالله؟ # قيل: لم يكن هذا إشراكا في التوحيد، وإنما ذلك إشراك في الاسم، وذلك لا ~~يقدح في التوحيد، وهو مثل تسمية الرجل ولده عبد يغوث وعبد زيد وعبد عمرو، ~~وقول الرجل لصاحبه: أنا عبدك، وعلى ذلك قول يوسف - صلوات الله عليه -: * ~~(إنه ربي أحسن مثواي) ومثل هذا لا يقدح، وأما قوله: * (فتعالى الله عما ~~يشركون) PageV02P239 # * (صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون (190) ~~أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) ولا يستطيعون لهم نصرا ولا ~~أنفسهم ينصرون (192) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم ~~أم أنتم صامتون (193) إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين) * * ابتداء كلام بعد الأول، وأراد به: ~~إشراك أهل مكة، ولئن أراد به الإشراك الذي سبق استقام الكلام؛ لأنه كان ~~الأولى ألا يفعل ما أتى به من الإشراك في الاسم، وكان ذلك زلة منه، فلذلك ~~قال: * (فتعالى الله عما يشركون) وفي الآية قول آخر: أن هذا في جميع بني ~~آدم. قال عكرمة: وكأن الله يخاطب به كل واحد من الخلق بقوله: * (هو الذي ~~خلقكم من نفس واحدة) يعني: خلق كل واحد من أبيه * (وجعل منها زوجها) أي: ~~جعل من جنسها زوجها * (ليسكن إليها) يعني: كل زوج إلى زوجته * (فلما ~~تغشاها) أي: وطئها * (حملت حملا خفيفا فمرت به) وهذا قول حسن في الآية. # وقيل: إنما عبر بآدم وحواء عن جميع أولادهما؛ لأنهما أصل الكل، والأول ~~أشهر وأظهر، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير. وجماعة المفسرين ~~كلهم قالوا: إن الآية في آدم وحواء كما بينا. # قوله تعالى: * (أيشركون ما لا يخلق ms0533 شيئا وهم يخلقون) يعني: الأصنام لا ~~يخلقون شيئا بل هم مخلوقون * (ولا يستطيعون لهم نصرا) أي: منعا * (ولا ~~أنفسهم ينصرون). # قوله تعالى: * (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم) هذا في قوم مخصوصين علم ~~الله أنهم لا يؤمنون * (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) أي: سواء ~~دعوتموهم أو لم تدعوهم لا يؤمنون) قوله تعالى: * (إن الذين تدعون من دون ~~الله عباد أمثالكم). فإن قال قائل: كيف تكون الأصنام عبادا أمثالنا؟ قيل: ~~قال مقاتل: أراد به الملائكة. والخطاب مع قوم كانوا PageV02P240 # (* (194) ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون ~~بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195) إن ~~وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) والذين تدعون من دونه ~~لا يستطيعون) * * يعبدون الملائكة، وقيل: أراد به الشياطين. والخطاب مع قوم ~~كانوا يعبدون الكهنة والشياطين، والصحيح أنه في الأصنام، وهم عباد أمثال ~~الناس في العبادة، وعبادتهم التسبيح، وللجمادات تسبيح كما نطق به الكتاب. * ~~(وإن من شيء إلا يسبح بحمده) وقوله * (أمثالكم) يعني: أن الأصنام مذللون ~~مسخرون لما أريد منهم مثلكم، وهذا مثل قوله تعالى: * (وما من دابة في الأرض ~~ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) ومعناه: أمثالكم في شيء دون شيء ~~كذلك هاهنا وقيل: إنما قال: * (أمثالكم) لأنهم صوروها على صورة الأحياء، ~~وطلبوا منها ما يطلب من الأحياء. # * (فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين) وهذا لبيان عجزهم، ثم أكده ~~فقال: * (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون ~~بها أم لهم آذان يسمعون بها) وذلك أن قدرة المخلوقين إنما تكون بهذه الآلات ~~والجوارح، وليست لهم تلك الآلات، بل أنتم أكبر قدرة منهم لوجود هذه الأشياء ~~فيكم. # * (قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون) أي: فلا تمهلون. # قوله تعالى: (إن وليي الله الذي نزل الكتاب) يعني: ناصري ومعيني الله ~~الذي نزل الكتاب، وقرئ في الشواذ: ' إن ولي الله ' بكسر الهاء، ومعناه: ~~جبريل ولي الله الذي نزل الكتاب ms0534 أي: نزل بالكتاب * (وهو يتولى الصالحين) ~~يعني: جبريل ولي الصالحين، وهذا مثل قوله تعالى: * (فإن الله هو مولاه ~~وجبريل). # قوله تعالى * (والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ~~PageV02P241 # * (نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ~~ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين) ~~* * ينصرون) وهذا لبيان عجزهم أيضا * (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا) ~~يعني: الأصنام * (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) فإن قيل: # كيف يتصور النظر من الأصنام؟ قال الكسائي: تقول العرب: داري تنظر إلى دار ~~فلان، إذا كانت مقابلة لما، فكذلك قوله: * (وتراهم ينظرون إليك) يعني: نظر ~~المقابلة. # قوله تعالى: * (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) روى: ' أن جبريل ~~- صلوات الله عليه - لما نزل بهذه الآية، قال: يا رسول الله، أتيتك بمكارم ~~الأخلاق، فروى أن النبي سأل جبريل عن معنى هذه الآية، فقال له: حتى أسأل ~~ربي، ثم رجع وقال: صل من قطعك، وأعط من حرمك واعف عن من ظلمك '. # ثم اختلفوا في معنى هذا العفو، فقال عطاء: هو الفضل من أموال الناس. وكان ~~في الابتداء يجب التصدق بما فضل من الحاجات، ثم صار منسوخا بآية الزكاة، ~~وهذا معنى قوله تعالى: * (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) وقال ابن الزبير: ~~العفو: ما تيسر من أخلاق الناس، أي: خذ الميسور من أخلاق الناس مثل: قبول ~~الاعتذار، والعفو والمساهلة في الأمور، وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك. # وقوله: * (وأمر بالعرف) هو الأمر بالمعروف، وهو ما يعرفه الشرع. # وقوله: * (وأعرض عن الجاهلين) يعني: إذا سفه عليك الجاهل فلا تكافئه ولا ~~تقابله بالسفه، وذلك مثل قوله: * (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) وذلك ~~PageV02P242 # (* (199) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) ~~إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) ~~وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) وإذا لم تأتهم بآية قالوا ~~لولا اجتبيتها قل إنما) * * سلام المنازعة، قال: * (وإذا مروا باللغو مروا ~~كراما) يعني: أكرموا أنفسهم عن ms0535 الخوض فيه. # وروى أن عيينة بن حصن - وكان سيد غطفان - لما قدم المدينة قال للحر بن ~~قيس: لك وجه عند أمير المؤمنين؛ فاستأذن لي عليه، فاستأذن له فدخل على عمر ~~- رضي الله عنه - فقال له: إنك لا تقضي فينا بالحق، ولا تقسم فينا بالعدل، ~~فغضب عمر وهم أن يؤديه، فقال الحر بن قيس: إن الله تعالى يقول: * (وأعرض عن ~~الجاهلين) وهذا من الجاهلين، فسكت عمر - رضي الله عنه -. # قوله تعالى * (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ) النزغ من الشيطان: الوسوسة * ~~(فاستعذ بالله) أي: استجر بالله * (إنه سميع عليم). # قوله تعالى: * (إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان) وتقرأ: ' طائف ' ~~ومعناهما واحد. # قال سعيد بن جبير: هو الغضب. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو الوسوسة. وأصل ~~الطيف: الجنون. # * (تذكروا فإذا هم مبصرون) وفي معناه قولان: أحدهما: أنهم إذا وسوسهم ~~الشيطان بالمعصية ذكروا عقاب الله؛ فإذا هم كافون عن المعصية. # والقول الثاني معناه: ذكروا الله؛ فإذا هم يبصرون الحق عن الباطل. # قوله تعالى: * (وإخوانهم) أي: أشباههم من الشياطين * (يمدونهم) أي: ~~يردونهم * (في الغي) في الضلالة * (ثم لا يقصرون) أي: لا يكفون. ~~PageV02P243 # * (أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ~~(203) وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) واذكر ربك ~~في نفسك تضرعا) * * قوله تعالى: * (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبتها) ~~كانوا يسألون النبي الآيات (تعنتا) ويستكثرون منها، فإذا لم يقرأ عليهم آية ~~قالوا: لولا اجتبيتها، أي: هلا اختلقتها وقلتها من تلقاء نفسك. قال: * (قل ~~إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم) يعني: القرآن * (وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون). # قوله تعالى: * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) قال ~~الحسن، والزهري، والنخعي: هذا في القراءة في الصلاة. وقال عطاء ومجاهد: هو ~~في الخطبة. ولم يرضوا من مجاهد هذا القول؛ لأن الآية مكية، والجمعة إنما ~~وجبت بالمدينة، ولأن الاستماع في جميع الخطبة واجب، ولا يختص بالقراءة في ~~الخطبة. فالأول أصح. # وليس لمن يرى ms0536 ترك القراءة خلف الإمام مستدل (في الآية)؛ لأن القراءة خلف ~~الإمام لا تنافي الاستماع؛ لأنه يتبع سكتات الإمام، ولأن الآية فيما وراء ~~الفاتحة؛ بدليل حديث عبادة بن الصامت، عن النبي أنه قال: ' إذا كنتم خلفي ~~فلا تقرءوا إلا بأم القرآن '. # وفي الآية: قول ثالث: أن المراد به النهي عن الكلام في الصلاة. قاله أبو ~~هريرة. وهذا قول حسن. # قوله تعالى * (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفه) قيل: هذا في الدعاء أي: ~~ادع الله بالتضرع والخيفه. وقيل: هو في صلاة السر. PageV02P244 # * (وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين (205) ~~إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206). * * ~~(ودون الجهر من القول) أراد به: في صلاة الجهر لا تجهر جهرا شديدا * ~~(بالغدو والأصال) فالغدو: أوائل النهار، والآصال: أواخر النهار * (ولا تكن ~~من الغافلين) عن ذكر الله. # قوله تعالى: * (إن الذين عند ربك) يعني: الملائكة؛ ذكرهم بالتقريب ~~والكرامة * (لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون) يعني: إن كان ~~هؤلاء يستكبرون عن عبادة الله تعالى؛ فالذين عنده لا يستكبرون عنها. # وقد ورد في السجود أخبار منها: ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن ~~النبي أنه قال: ' إذا سجد ابن آدم؛ اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلاه، ~~أمر ابن آدم بالسجود فسجد؛ فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت؛ فلي النار '. # وفي حديث ربيعة بن كعب الأسلمي: ' أنه أتى النبي بوضوئه لحاجته فقال: ~~سلني. فقلت: أريد مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ فقلت: هو ذاك، فقال: ~~أعني على نفسك بكثرة السجود ' أخرجه مسلم في الصحيح. # وروى أبو فاطمة عن النبي أنه قال: ' ما من عبد يسجد لله سجدة؛ إلا رفعه ~~الله بها درجة '. والله أعلم. PageV02P245 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ~~فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا) * * تفسير سورة الأنفال قال الشيخ ~~الإمام رضي الله عنه: سورة الأنفال مدنية إلا سبع آيات؛ وذلك من قوله: * ~~(وإذ يمكر بك الذين كفروا) إلى آخر الآيات السبع؛ ms0537 فإنها نزلت بمكة، وأكثر ~~السورة في غزوة بدر. # قوله تعالى: * (يسألونك عن الأنفال) والسؤال سؤالان: سؤال استخبار، وسؤال ~~طلب؛ فقوله: * (يسألونك عن الأنفال) سؤال استخبار؛ فإنهم سألوه عن حكم ~~الأنفال. # وقرأ ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص: ' يسألونك الأنفال ' وهذا سؤال طلب. ~~روى مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص أنه قال: ' سألت رسول الله سيفا ~~يوم بدر فقلت: نفلنيه يا رسول الله، فنزل قوله: * (يسألونك عن الأنفال) '. # والأنفال: الغنائم. والنفل في اللغة: الزيادة، قال لبيد بن ربيعة العامري ~~شعرا: # (إن تقوى ربنا خير نفل * وبإذن الله ريثي والعجل) ومنه صلاة النافلة؛ ~~لأنها زيادة على الفريضة. فسميت الغنائم أنفالا؛ لأنها زيادة كرامة من الله ~~تعالى لهذه الأمة على الخصوص. # وسبب نزول الآية ما روى ' أن أصحاب النبي افترقوا يوم بدر فرقتين: فرقة ~~كانت تقاتل وتأسر، وفرقة تحرس رسول الله، ثم تنازعوا، فقالت الفرقة ~~المقاتلة: PageV02P246 # * (الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم) * * الغنائم لنا؛ قاتلنا وأسرنا، وقال الآخرون: كنا ردءا لكم، ~~ونحرس رسول الله، فالغنيمة بيننا؛ فنزل قوله تعالى: * (يسألونك عن ~~الأنفال). # وفي رواية: ' أن النبي قال يومئذ: من قتل قتيلا فله كذا، ومن أسر أسيرا ~~فله كذا، فتسارع الشبان وقاتلوا وأسروا، وبقي الشيوخ مع الرسول - عليه ~~السلام - يحرسونه ثم تنازعوا في الغنيمة، فقال الشبان: الغنيمة لنا؛ لأنا ~~قاتلنا. وقال الشيوخ: كنا نحرس رسول الله، وكنا ردءا لكم. وكان الذي تكلم ~~من الشبان أبو اليسر والذي تكلم من الشيوخ سعد بن معاذ، فنزلت الآية، فقسم ~~النبي الأنفال بين الكل. # وقوله: * (قل الأنفال لله والرسول) واختلفوا فيه قال مجاهد، وعكرمة: ~~الآية منسوخة بقول تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة ~~وللرسول) فهذه الآية ردت من الكل إلى الخمس، فكانت ناسخة للأولى. # وقيل: الآية غير منسوخة، ومعنى قوله: * (قل الأنفال لله والرسول) أي: ~~حكمها لله والرسول؛ فتكون موافقة لتلك الآية. # * (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) قال: ثعلب: يعني: أصلحوا الحالة التي ~~بينكم، ومعناه: ms0538 الإصلاح بترك المنازعة وتسليم أمر الغنيمة إلى الله والرسول ~~* (وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين). # قوله تعالى: * (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) قال ابن ~~أبي نجيح: PageV02P247 # * (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات ~~عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون) * * أي: خافت وفرقت، قال الشاعر: # (لعمرك ما أدري وإني لأوجل * على أينا تغدو المنية أول) * (وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا) أي: يقينا وتصديقا؛ وذلك أنه كلما نزلت آية ~~فآمنوا به ازدادوا إيمانا وتصديقا، وهذا دليل لأهل السنة على أن الإيمان ~~يزيد وينقص * (وعلى ربهم يتوكلون) التوكل هو الاعتماد على الله والثقة به. # (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) إقامة الصلاة هي أداؤها في ~~أوقاتها بشرائطها وأركانها. # * (أولئك هم المؤمنون حقا) قال مقاتل: يعني: إيمانا لا شك فيه. وقيل: ~~برأهم من الكفر والنفاق. # وفيه دليل لأهل السنة على أنه لا يجوز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنا ~~حقا؛ لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قوما مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد ~~لا يتحقق في نفسه وجود تلك الأوصاف. # * (لهم درجات عند ربهم) قال الربيع بن أنس: الدرجات سبعون درجة، ما بين ~~كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة * (ومغفرة ورزق كريم) أي: كامل لا ~~نقص فيه. # قوله تعالى: * (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) الأكثرون على أنه في إخراجه ~~من المدينة إلى بدر للقتال مع المشركين. وقيل: هو في إخراجه من مكة إلى ~~المدينة. PageV02P248 # (* (5) يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ~~(6) وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم) * * واختلفوا في أن قوله: * (كما أخرجك) إلى ماذا ترجع كاف التشبيه؟ ~~قال المبرد: تقديره: الأنفال لله وللرسول وإن كرهوا، كما أخرجك ربك من بيتك ~~وإن كرهوا. وقول الفراء قريب من هذا، وهكذا قول ms0539 الزجاج؛ فإنهما قالا: ~~تقديره: امض لأمر الله في الأنفال وإن كرهوا كما مضيت لأمر الله عند إخراجك ~~من بيتك وإن كرهوا. # وقيل: هو راجع إلى قوله تعالى: * (فاتقوا الله) وتقديره: كما أخرجك ربك ~~من بيتك بالحق فاتبعت أمره فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. وقيل: هو راجع ~~إلى قوله تعالى: * (لهم درجات عند ربهم) وتقديره: وعد الدرجات حق كما أخرجك ~~ربك من بيتك بالحق؛ فأنجز والوعد بالنصر والظفر. وقال أبو عبيدة: ' ما ' ~~هاهنا بمعنى: ' الذي ' أي: كالذي أخرجك ربك. # * (وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين) وذلك أن ~~أصحاب رسول الله كرهوا خروجه إلى بدر، وجادلوا فيه، فقالوا: لا نخرج؛ فإنا ~~لم نستعد للقتال، وليس معنا أهبة الحرب. # وقوله: * (بعد ما تبين) معناه: ما تبين لهم صدقه في الوعد بما وعدهم مرة ~~بعد أخرى فصدقهم في وعده. # * (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) فيه تقديم وتأخير، وتقديره: وإن ~~فريقا من المؤمنين لكارهونه كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، يجادلونك ~~في الحق بعد ما تبين. # قوله تعالى: * (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) سبب هذا: ما روي ~~أن أبا سفيان قدم على عير من قبل الشام فيها أموال قريش، فبلغ ذلك رسول ~~الله وأصحابه بالمدينة، فخرجوا في طلب العير، فبعث أبو سفيان رجلا إلى مكة ~~يستنفرهم ويستغيث بهم، فخرج أبو جهل ورءوس المشركين في سبعمائة وخمسين ~~PageV02P249 # * (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) ليحق الحق ~~ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف) * * رجلا، وكان المسلمون يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر نفرا، ولم يكن ~~لهم كثير سلاح، وكان معهم فرسان فحسب، أحدهما للمقداد بن عمرو، والآخر لأبي ~~مرثد الغنوي، وكان معهم ستة أدرع، وكان أكثرهم رجاله، وبعضهم على الأبعرة، ~~فوعدهم الله - تعالى - إحدى الطائفتين: إما العير (أو) النفير، وكان أبو ~~سفيان صاحب العير، وأبو جهل صاحب النفير، فالتقى الجمعان، ووقعوا في ~~القتال، وأخذ العير طريق الساحل وذهبوا، وكان المسلمون يودون أن ms0540 يظفروا ~~بالعير ويفوزوا بالمال من غير القتال ' فهذا معنى قوله: * (وتودون أن غير ~~ذات الشوكة تكون لكم) والشوكة: السلاح. # * (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته) أي: يظهر الحق ويعلى كلمته * (ويقطع ~~دابر الكافرين) أي: أصل الكافرين. # * (ليحق الحق ويبطل الباطل) أي: يثبت الحق وينفي الباطل * (ولو كره ~~المجرمون). # قوله تعالى: * (إذ تسغيثون ربكم) الاستغاثة: طلب الغوث * (فاستجاب لكم ~~أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) سبب هذا ما روى: ' أنه لما التقى ~~الجمعان ببدر استقبل النبي القبلة ورفع يديه وقال: اللهم أنجزني ما وعدتني، ~~اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض، وعلا به صوته فقال له أبو ~~بكر: خفض من صوتك يا رسول الله؛ فإن الله منجزك ما وعدك ' فنزلت الآية ~~واستجاب دعاءه، وأمدهم الله تعالى بالملائكة؛ فروى: ' أنه نزل جبريل في ~~خمسمائة، وميكائيل في خمسمائة، وكان على رؤوسهم عمائم بيض قد أرخوا أطرافها ~~بين أكتافهم، وهم على صور البشر PageV02P250 # * (من الملائكة مردفين (9) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما ~~النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (10) إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ~~وينزل عليكم من) * * على خيل بلق ' فهذا معنى قوله: * (فاستجاب لكم أني ~~ممدكم بألف من الملائكة مردفين) يقال: ردفه وأردفه إذا (أتبعه)، قال ~~الشاعر: # (إذا الجوزاء أردفت الثريا * ظننت بآل فاطمة الظنونا) فمعنى قوله * ~~(مردفين) أي: متتابعين بعضهم في إثر بعض. وهذا معنى القراءة الثانية بفتح ~~الدال. ومنهم من فرق بينهما وقال: مردفين أي: ممدين بعضهم لبعض. ومن قرأ ~~بفتح الدال فمعناه: ممدين من قبل الله. # قوله تعالى: * (وما جعله الله إلا بشرى) أي: بشارة * (ولتطمئن به قلوبكم) ~~أي: تسكن به قلوبكم * (وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) قوله ~~تعالى: * (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه) ويقرأ: ' إذ يغشاكم النعاس ' وقرأ ~~ابن محيصن: ' أمنة ' ساكنة الميم في الشواذ. # والقصة في ذلك: أن الكفار يوم بدر نزلوا على الماء، ونزل المسلمون على ~~غير ماء، فأجنب بعضهم وأحدثوا، فلم يجدوا ماء يتطهرون ms0541 به، وكانوا في رمل ~~تسوخ فيه أرجلهم، فوسوس إليهم الشيطان: إنكم تزعمذسون أنكم على الحق وأولئك ~~على الباطل وإذا هم على الماء، فلو كنتم على الحق لكنتم أنتم على الماء، ~~وما بقيتم مجنبين محدثين، فوقع فيهم خوف شديد، فألقى الله تعالى عليهم ~~النعاس حتى أمنوا، وأنشأ سحابة فتمطرت عليهم حتى سال الوادي وتطهروا ~~واغتسلوا، وتلبدت الرمال حتى ثبتت عليها الأقدام. فهذا معنى قوله: * (إذ ~~يغشيكم النعاس أمنة). PageV02P251 # * (السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ~~ويثبت به الأقدام (11) إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ~~آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم ~~كل بنان (12) ذلك) * * قال ابن مسعود: النعاس في القتال من الله، وفي ~~الصلاة من الشيطان. # * (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) وهو ما ذكرنا * (ويذهب عنكم ~~رجز الشيطان) أي: وسوسة الشيطان * (وليربط على قلوبكم) أي: يشدد قلوبكم ~~وتثبت بإزالة الخوف * (ويثبت به الأقدام) يعني: على الرمل حين تلبد بالمطر. # * (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم) أي: بالنصر والظفر * (فثبتوا ~~الذين آمنوا) وروى ' أن الملك كان يمشي بين أيديهم وينادي: أيها المسلمون، ~~أبشروا بالظفر والنصر '. وقيل: كان يلهمهم الملك ذلك؛ وللملك إلهام. # * (سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق) أي: على ~~الأعناق، وقيل: ' فوق ' فيه صلة، ومعناه: فاضربوا الأعناق، وقيل: هو على ~~موضعه، ومعناه: فاضربوا على اليافوخ. # * (واضربوا منهم كل بنان) قيل: البنان: مفاصل الأطراف، وقيل: الأصابع، ~~كأنه عبر به عن الأيدي والأرجل. # قال ابن الأنباري: ما كانت الملائكة تعلم كيف يقتل الآدميون، فعلمهم ~~الله. # وقيل: إن الملائكة لم يقاتلوا إلا في غزوة بدر. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه لما أراد أن يحز رأس أبي جهل - وكان ~~قد علاه ليقتله - فقال له أبو جهل: كنا نسمع الصوت ولا نرى شخصا، ونرى ~~الضرب ولا نرى الضارب، فمن هم؟ قال: هم الملائكة: فقال أبو جهل: أولئك ~~غلبونا لا أنتم. # * (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) أي: ms0542 نازعوا الله ورسوله. PageV02P252 # * (بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ~~(13) ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) يا أيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى) * * (ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد ~~العقاب ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عاب النار) إنما قال ذلك مبالغة في ~~التعذيب والانتقام، والعرب تقول للعدو إذا أصابه المكروه: ذق. قال الله ~~تعالى: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم). # وروي أن أبا سفيان بن حرب لما مر بحمزة بن عبد المطلب وهو مطروح مقتول ~~يوم أحد فقال له: ذق يا عقق، يعني: ذق أيها العاق. # وفي القصة: أن المسلمين لما فرغوا من قتال بدر وانهزم الكفار قصدوا طلب ~~العير وأن يتبعوهم - وكان العباس بن عبد المطلب في وثاق المسلمين وأسرهم - ~~فقال لهم: ليس لكم إلى ذلك سبيل؛ فإن الله - تعالى - وعدكم إحدى الطائفتين، ~~وقد ظفرتم بالجيش؛ فليس لكم العير، فسكتوا. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا) أي: ~~متزاحفين والتزاحف: التداني من القتال، ومعناه: إذا تزاحفتم وتوافقتم * ~~(فلا تولوهم الأدبار) أي: لا تنهزموا؛ فإن المنهزم يولي دبره إذا انهزم * ~~(ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال) التحرف للقتال هو أن يرى الانهزام ~~ويقصد به طلب الغرة والغيلة، وانتهاز الفرصة * (أو متحيزا إلى فئة) أي: ~~مائلا إلى فئة * (فقد باء بغضب من الله) أي: رجع بغضب من الله * (ومأواه ~~جهنم وبئس المصير) واستدلت المعتزلة بإطلاق قوله: * (ومأواه جهنم) في وعيد ~~الأبد، ولا حجة لهم فيه؛ لأن معنى الآية: ومأواه جهنم إلا أن تدركه الرحمة؛ ~~بدليل سائر الآي المقيدة. # قال الحسن البصري: الآية في أهل بدر خاصة، ما كان يجوز لهم الانهزام ~~بحال؛ لأن النبي كان معهم ولم يكن لهم فئة يتحيزون إليها، فأما في حق غيرهم ~~فالفرار من الزحف لا يكون كبيرة؛ لأن المسلمين بعضهم فئة لبعض، فيكون الفار ~~متحيزا إلى فئة. PageV02P253 # * (فئة فقد باء بغضب من ms0543 الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) فلم تقتلوهم ~~ولكن الله) * * وهذا مروي عن أبي سعيد الخدري - من الصحابة - ويشهد لذلك: ~~قول عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لما أصاب المسلمين يوم الجسر ما أصابهم ~~وصبروا حتى قتلوا، قال عمر: هلا رجعوا إلي وكان إذا بعث جيشا بعد ذلك يقول: ~~أنا فئة لكل مسلم. # ويدل عليه ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: ' غزونا غزو ~~فحصنا حيصة، فقلنا: يا رسول الله، نحن الفرارون؟ فقال لا؛ بل أنتم ~~العكارون، وأنا فئتكم '. # وفي الآية قول آخر - وهو المذهب اليوم وعليه عامة الفقهاء - أنه إن كان ~~الكفار أكثر من مثليهم جاز الفرار من الزحف؛ لقوله: * (الآن خفف الله عنكم) ~~ولقوله: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) ولو صبروا جاز، اللهم أن يعلموا ~~قطعا أنه لا يمكنهم مقاومتهم، فحينئذ لا يجوز الصبر؛ لأنه يكون إلقاء لنفسه ~~في التهلكة، وإن كان الكفار مثلي المسلمين أو دون المثلين لا يجوز الفرار ~~من الزحف إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة - يعني: إلى فئة قريبة من ~~الجيش مثل السرايا - والفرار من الزحف إنما يكون كثيره من هذه الصورة. # قوله تعالى: * (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم) سبب هذا: أن المسلمين لما ~~انصرفوا من قتال بدر، كان الواحد منهم يقول: أنا قتلت فلانا، ويقول الآخر: ~~أنا قتلت فلانا؛ فلم يرض الله تعالى منهم ذلك، ونزلت الآية: * (فلم ~~تقتلوهم) يعني: بقوتكم وعدتكم * (ولكن الله قتلهم) (بنصره) إياكم ومعونته ~~لكم. وقيل معناه: ولكن الله قتلهم بسوقهم إليكم حتى ظفرتم بهم. PageV02P254 # * (قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ~~إن الله سميع عليم (17) ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) إن تستفتحوا ~~فقد جاءكم الفتح) * * وقيل معناه: ولكن الله قتلهم ببعث الملائكة لكم مددا، ~~فقتلهم الله بالملائكة. # * (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) روى: ' أن النبي أخذ كفا من الحصباء ~~يوم بدر ورمى به إلى وجوه المشركين وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق منهم أحد ~~إلا وأصاب عينيه ms0544 من ذلك، وشغل بعينيه '. # * (وما رميت إذ رميت) يريد به ذلك الرمي بالحصباء التي أصابت عيونهم؛ إذ ~~ليس هذا في قدرة البشر أن ترمي الحصباء إلى وجوه جيش بحيث لا تبقى عين إلا ~~ويصيبها منها؛ * (ولكن الله رمى) بقوته وقدرته. وقيل معناه: وما بلغت إذ ~~رميت؛ ولكن الله بلغ، وقيل معناه: وما رميت بالرعب في قلوبهم. # * (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا) أي: نعمة حسنة ينعم بها على المؤمنين، ~~وذلك نعمة النصر والظفر، والشدة بلاء، والنعمة بلاء، والله تعالى يبتلي ~~عبده تارة بالنعمة وتارة بالشدة * (إن الله سميع عليم). # قوله تعالى: * (ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين) يقرأ مخففا ومشددا ~~ومعناه: مضعف كيد الكافرين. # قوله: * (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) قال الضحاك: سبب هذا أن أبا جهل ~~PageV02P255 # * (وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو ~~كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ~~ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا ~~يسمعون (21) إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو ~~علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) يا أيها ~~الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا) * * قال يوم بدر: اللهم انصر أحب ~~الفئتين إليك وأكرمهم عليك. وفي رواية أخرى: اللهم أقطعنا للرحم، وأفسدنا ~~للجماعة، وأتانا بما لا نعرف؛ فاخزه اليوم، فأجابه الله تعالى يقوله: * (إن ~~تستفتحوا) أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. # * (وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد) أي: إن تعودوا إلى الدعاء نعد ~~إلى الإجابة، وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى النصر * (ولن تغني عنكم فئتكم ~~شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين). # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله) أمر الصحابة ~~بطاعته وطاعة رسوله * (ولا تولوا عنه) أي: لا تعرضوا عنه * (وأنتم تسمعون ~~ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون) يعني: أنهم لما لم ينتفعوا ~~بما سمعوا فكأنهم لم يسمعوا، فلا تكونوا مثلهم. # قوله تعالى: ms0545 * (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) سمى ~~الكفار صما بكما؛ لأنهم لما لم يسمعوا الحق، ولم ينطقوا بالحق، ولم يعقلوا ~~الحق سماهم بذلك، وعدهم من جملة الأنعام. # * (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم) أي: لأسمعهم سماع التفهم والقبول لو ~~علم أنهم يصلحون لذلك. # * (ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون) فإن قيل: كيف يستقيم قوله: * (لأسمعهم ~~ولو أسمعهم لتولوا)؟ قيل معناه: لو علم فيهم خيرا لأسمعهم سماع التفهم، ولو ~~PageV02P256 # * (دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه ~~تحشرون (24)) * * أسمعهم سماع الآذان لتولوا. وقيل معناه: ولو أسمعهم سماع ~~التفهم لتولوا؛ لما سبق لهم من الشقاوة، وأنهم لا يصلحون لذلك ولا خير ~~فيهم. وقيل: معناه: أنهم كانوا يقولون للنبي: أحيي لنا قصيا؛ فإنه كان شيخا ~~مباركا حتى نشهد لك بالنبوة فنؤمن بك، فقال الله تعالى: * (ولو أسمعهم) ~~كلام قصي * (لتولوا وهم معرضون). # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم) قال السدي في قوله: * (لما يحييكم): أراد به الإيمان. وسمى السدي ~~بذلك؛ لأنه كان يجلس في سدة مسجد الكوفة. # وقال قتادة: هو القرآن. وقال الفراء: هو الجهاد. وقال ابن قتيبة: هو ~~الشهادة. # وروى أبو هريرة ' أن النبي دعا أبي بن كعب وهو في الصلاة، فأسرع القراءة ~~وأتم الصلاة وأجابه، فقال النبي: ما منعك أن تجيبني؟ فقال: كنت في الصلاة، ~~فقال - عليه السلام -: أما سمعت قوله الله تعالى: * (استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم)؟ فقال: علمت، لا أعود '. # * (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) قال سعيد بن جبير وجماعة: يحول ~~بين المؤمن والكفر وبين الكافر، والإيمان. قال الضحاك: يحول بين المؤمن ~~والمعصية، وبين الكافر والطاعة. # وفيه قول ثالث: أن معناه: يحول بين المؤمن والخوف، وبين الكافر والأمن؛ ~~وذلك أن الكفار كانوا آمنين، والمسلمين كانوا خائفين؛ فأبدل الله تعالى خوف ~~هؤلاء بالأمن، وأمن هؤلاء بالخوف، وعبر بالقلب؛ لأنه محل الخوف والأمن * ~~(وأنه إليه تحشرون). PageV02P257 # * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ms0546 خاصة واعلموا أن الله شديد ~~العقاب (25) واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم ~~الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (27) ~~واعلموا أنما أموالكم) * * قوله تعالى: * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة) أكثر المفسرين على أن الآية في أصحاب النبي ومعناها: ~~اتقوا عذابا يصيب الظالم وغير الظالم. # قال الزبير حين رأى ما رأى يوم الجمل: ما علمت أن هذه الآية نزلت فينا ~~أصحاب رسول الله حتى كان هذا اليوم. وقال ابن عباس في معنى الآية: لا تقروا ~~المنكر بينكم، ومروا بالمعروف؛ كي لا يعمكم الله بعقاب، فيصيب الظالم وغير ~~الظالم. # وقيل: أراد بالفتنة: تفريق الكلمة واختلاف الآراء، واتقوا فتنة تفريق ~~الكلمة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، فيكون العذاب مضمرا فيه * (واعلموا ~~أن الله شديد العقاب). # قوله تعالى: * (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن ~~يتخطفكم الناس) قال وهب بن منبه: يعني: تتخطفكم فارس. وقال عكرمة: يتخطفكم ~~كفار العرب * (فآواكم) يعني: إلى المدينة * (وأيدكم بنصره) أي: قواكم بنصره ~~* (ورزقكم من الطيبات) يعني: الغنائم * (لعلكم تشكرون). # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا ~~أماناتكم) ولا تخونوا أماناتكم * (وأنتم تعلمون) قال الكلبي: نزلت الآية في ~~أبي لبابة بن عبد المنذر؛ فإن النبي لما حاصر بني قريظة بعثه إليهم - وكان ~~منهم - فقالوا له: ماذا يفعل بنا لو نزلنا على حكيه؟ فوضع أصبعه على حلقه ~~وأشار إليهم بالذبح - يعني: يقتلكم - قال أبو لبابة: فما برحت قدماي حتى ~~عرفت أني خنت الله ورسوله، ونزلت الآية '. PageV02P258 # * (وأولادكم فتنة وان الله عنده أجر عظيم (28) يا أيها الذين آمنوا إن ~~تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل ~~العظيم (29) وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ~~ويمكر الله والله خير) * * وقيل: الآية في جميع الأمانات، نهي العباد عن ~~الخيانة في الأمانات، وتدخل في الأمانات الطاعات؛ ms0547 فإن الطاعات أمانات عند ~~العباد على معنى أنها بينهم وبين ربهم أدوها أو لم يؤدوها. # قوله تعالى: * (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر ~~عظيم) قيل: هذا أيضا في أبي لبابة، وكان فيهم أهله وأولاده وأمواله، فقال ~~ما قال خوفا عليهم. وقيل: هو في سائر الخلق. وفي الحديث: ' الولد مجبنة ~~مبخلة ومجهلة '. # وروي أن النبي رأى الحسن والحسين فقال: ' إنكم لتجبنوني وتبخلوني ~~وتجهلوني، وإنكم لمن ريحان الله ' وأشار إلى الحسن والحسين يعني: توقعون ~~الأباء في الجبن والبخل والجهل. وقوله: ' لمن ريحان الله ' أي: من رزق ~~الله. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) قال ~~ابن عباس: أي: مخرجا. وقال جاهد: منجاة * (ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم ~~والله ذو الفضل العظيم). # قوله تعالى: * (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) ~~سبب نزول الآية أن المشركين اجتمعوا في دار الندوة ليدبروا أمر رسول الله، ~~فدخل PageV02P259 # * (الماكرين (30) وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا ~~مثل هذا إن هذا إلا) * * عليهم إبليس في صورة شيخ، فقالوا له: ما الذي ~~أدخلك علينا؟ قال: أنا شيخ من نجد، ولست من تهامة، وقد بلغني اجتماعكم في ~~أمر هذا الرجل، وأنه لا يعدمكم مني رأي، فقالوا: اتركوه، ثم تشاوروا، فقال ~~عتبة: اربطوه على جمل وأخرجوه من بلدكم تكفكموه العرب، فقال إبليس: ليس هذا ~~برأي، أما ترون حلاوة منطقه وأخذه القلوب، فلو فعلتم به ذلك يذهب فيستميل ~~قلوب قوم ثم يغزوكم ويفرق جمعكم، فتركوا ذلك، فقال أبو البختري بن هشام: ~~نحبسه في بيت ونتربص به ريب المنون، فقال إبليس: ليس هذا برأي، فإن له ~~عشيرة وقوما لا يرضون به ويخرجونه، فتركوا ذلك، فقال أبو جهل: عندي رأي، ~~هذه خمسة أحياء من قريش، نختار من كل حي شابا قويا ونضع في يده سيفا حادا، ~~ونأمرهم أن يضربوه دفعة واحدة حتى يتفرق دمه في القبائل، ويعجز قومه عن ~~القتال فيرضون بالدية، فقال إبليس: هذا هو الرأي، وتفرقوا عليه، ms0548 فأخبره ~~الله تعالى يمكرهم، ونزلت الآية، فروى أن النبي بعث أبا بكر ليتفحص عن ~~حالهم، فلما جاء إليهم فإذا إبليس قد خرج من بينهم، فماشاه ساعة ثم لما ~~أراد أن يفارقه قال له أبو بكر: أين تريد؟ فقال [له] اللعين: لي قوم بهذا ~~الوادي، فعلم أبو بكر أنه إبليس، فقال الحمد لله الذي أخزاك واظهر دينه، ~~فاختفى منه؛ فقوله * (وإذ يمكر بك الذين كفروا) هو مكرهم ذلك، والمكر: ~~التدبير * (ليثبتوك) أي: ليحبسوك كما قال أبو البختري * (أو يقتلوك) كما ~~قال أبو جهل * (أو يخرجوك) كما قال عتبة. # * (ويمكرون ويمكر الله) والمكر من الله: التدبير بالحق، وقيل: هو الأخذ ~~بغتة. قال الزجاج معناه: يجازيهم جزاء المكر. # * (والله خير الماكرين) أي: خير المدبرين. # قوله تعالى: * (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا) هذا قول النضر بن الحارث بن كلدة، وكان قد خرج إلى الحيرة من أرض ~~العراق PageV02P260 # * (أساطير الأولين (31) وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم وما كان) * * واشترى أخبار رستم، واسفنديار، وأحاديث ~~العجم، وجاء بها إلى مكة، وقال: لو شئت لقلت مثل القرآن؛ فذلك قوله: * (لو ~~نشاء لقلنا مثل هذا). # * (إن هذا إلا أساطير الأولين) أي: أكاذيب الأولين؛ والأساطير: جمع ~~الأسطورة، وهي المكتوبة. فإن قيل: إذا كان القرآن معجزا كيف يستقيم قوله: * ~~(لو نشاء لقلنا مثل هذا) وهل يقول أحد: لو شئت قلبت الحجر ذهبا والعصا حية ~~وهو عاجز عنه؟ # قيل: إن القرآن مطمع ممتنع، فقد يتوهم صفوهم أنه يقول مثله، ويمتنع عليه ~~ذلك فيخطئ ظنه. وقيل: إنه توهم بجهله أنه يمكنه الإتيان بمثله وكان عاجزا. # قوله تعالى: * (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) أكثر المفسرين على أن هذا قول النضر ~~بن الحارث، وفي الصحيح برواية أنس أن هذا قول أبي جهل عليه اللعنة. # وهذا ms0549 يدل على شدة بصيرتهم في الكفر، وأنه لم تكن لهم شبهة وريبة في كذب ~~الرسول؛ لأن العاقل لا يسأل العذاب بمثل هذا متردد في أمره؛ وهذا دليل على ~~أن العارف ليست بضرورته. # وحكى عن معاوية أنه قال لرجل من أهل اليمن: ما أجهل قومك حيث قالوا: ربنا ~~باعد بين أسفارنا، فقال الرجل وأجهل من قومي قومك؛ حيث قالوا: إن كان هذا ~~هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. # قوله تعالى: * (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) يعني: أهل مكة * (وما ~~كان الله معذبهم وهم يستغفرون) وفي معناه أقوال: # أحدها: أن هذا في قوم من المسلمين بقوا بمكة بعد هجرة الرسول، وما كان ~~الله ليعذبهم وفيهم من يستغفر. PageV02P261 # * (الله معذبهم وهم يستغفرون (33) وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن ~~المسجد) * * وقيل: في قوم علم الله تعالى أنهم يؤمنون ويستغفرون من أهل ~~مكة، وذلك مثل: أبي سفيان، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن ~~عمرو، وحكيم بن حزام، ونحوهم، فلما كان في علم الله تعالى أنهم لأصحابه ~~يسلمون ويستغفرون؛ عدهم مستغفرين في الحال. # وقيل معناه: وما كان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر؛ إذ كان لبعضهم ~~أولاد قد أسلموا. # وقيل: إنما قال: * (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) دعوة لهم إلى ~~الإسلام والاستغفار، كالرجل يقول: لا أعاقبك وأنت تطيعني، أي: أطعني حتى لا ~~أعاقبك. # وفي الخبر: ' أن النبي قال: أنزل الله على أمانين لأمتي: * (وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم وما كان معذبهم وهم يستغفرون) فإذا مضيت تركت لهم ~~الاستغفار إلى يوم القيامة '. وهو في جامع أبي عيسى بطريق أبي موسى ~~الأشعري. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: من قال في كل يوم: أستغفر الله ~~الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، ثلاث مرات، غفر له ذنوبه وإن ~~كان فارا من الزحف. # واستدل بهذا الأثر من عد الفرار من الزحف من جملة الكبائر. # قوله تعالى: * (وما لهم ألا يعذبهم ms0550 الله) فإن قال قائل: كيف التلفيق بين ~~هذا وبين قوله: * (وما كان الله [ليعذبهم])؟ قيل: أراد بالأول: عذاب ~~الاستئصال، وبهذا: عذاب السيف. وقيل: أراد بالأول: عذاب الدنيا، وبالثاني: ~~عذاب الآخرة. PageV02P262 # * (الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياءه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (34) وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون (35) إن) * * وقيل: المراد به أولئك الذين ترك تعذيبهم؛ لكون ~~النبي بينهم، ومعناه: وما لهم ألا يعذبهم الله بعد خروجك من بينهم. # * (وهم يصدون عن المسجد الحرام) أي: يمنعون عنه * (وما كانوا أولياءه) ~~وذلك أنهم كانوا يدعون: إنا أولياء البيت * (إن أولياؤه إلا المتقون) يعني: ~~المؤمنين * (ولكن أكثرهم لا يعلمون). # قوله تعالى: * (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) قال ابن عمر، ~~وابن عباس - رضي الله عنهم - والحسن المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق. ~~والمكاء في اللغة: اسم طائر له صفير فكأنه قال: إلا صوت مكاء، وقال مجاهد: ~~والمكاء أن يجعل أصابعه في شدقيه، والتصدية: الصفير؛ فجعلهما شيئا واحدا. ~~وقال سعيد بن جبير: التصدية: هي صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام. والأول ~~أصح، قال الشاعر: # (وحليل غانية تركت مجدلا * تمكو فريصته كشدق الأعلم) أي: تصفر فريصته ~~كشدق الأعلم. # والقصة في ذلك: أن أربعة من بني عبد الدار كانوا إذا صلى النبي في المسجد ~~الحرام وقف اثنان عن يمينه، واثنان عن يساره، فيصفر اللذان عن يمينه ويصفق ~~اللذان عن يساره حتى يخلطوا عليه القراءة. # قال ابن الأنباري: إنما سماه صلاة؛ لأنهم أمروا بالصلاة في المسجد، فلما ~~وضعوا ذلك موضع الصلاة سماه صلاة * (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). # قوله تعالى: * (إن الذيك كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ~~فيسنفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون) فيه قولان: PageV02P263 # * (الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون ~~عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) ليميز الله الخبيث ~~من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم ~~الخاسرون (37) قل للذين كفروا إن ms0551 ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد ~~مضت سنت) * * أحدهما: أن الآية في المطمعين يوم بدر، وهم اثنا عشر نفرا من ~~رؤس المشركين: أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام، وأبي بن خلف، وعتبة وشيبة ~~ابنا ربيعة، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن ~~حزام، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، والعباس بن عبد المطلب؛ لأن كل ~~واحد منهم كان كل يوم ينحر عشرة أبعرة ويطعم الجيش. # والقول الثاني: أن هذا في أبي سفيان بن حرب استأجر ثلاثة آلاف رجل من ~~الأحابيش يوم أحد لقتال النبي - عليه السلام - فنزل قوله تعالى: * (إن ~~الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ثم تكون حسرة عليهم يوم ~~القيامة ثم يغلبون). # قال الحسن: أشد الناس حسرة يوم القيامة من يرى ماله في ميزان غيره * ~~(والذين كفروا إلى جهنم يحشرون). # قوله تعالى: * (ليميز الله الخبيث من الطيب) أي: ليفرق الله الخبيث من ~~الطيب؛ الخبيث: ما أنفق من الحرام، والطيب: ما أنفق من الحلال. وقيل: ~~الخبيث ما أنفق في المعصية، والطيب ما أنفق في الطاعة. # * (ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا) أي: يجمعه جميعا؛ يقال: سحاب ~~مركوم إذا كان بعضه على بعض * (فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون). # وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: إن الله تعالى يجمع الدنيا ~~يوم القيامة، فيأخذ ماله ويطرح الباقي في النار. ولأي معنى يطرحه في النار؟ ~~قيل: ليضيق المكان على الكفار، وقيل: لتكون الحسرة أشد عليهم إذا نظروا ~~إليها. # قوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) قال يحيى ~~بن PageV02P264 # * (الأولين (38) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن ~~انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم ~~نعم المولى ونعم النصير (40) واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى) * * معاذ الرازي - رحمه الله - إيمان لم ~~يعجز عن هدم كفر قبله فمتى يعجز عن هدم ذنب بعده! # * (وإن ms0552 يعودوا فقد مضت سنة الأولين) قيل: سنة الأولين: أن يصل عذاب ~~الدنيا بعقوبة الآخرة. # قوله تعالى: * (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي: لا يكون شرك * (ويكون ~~الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما تعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن ~~الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير) فالمولى: القيم بالأمور، والنصير: ~~الناصر. # قوله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول) الآية. # اختلف العلماء في الغنيمة والفيء؛ فأحد القولين: أنهما سواء، وهو المال ~~المأخوذ من الكفار على وجه القهر. # والقول الثاني - وهو الأصح -: أنهما مختلفان، والفرق بينهما: أن الغنيمة: ~~هي المال المأخوذ من الكفار على وجه العنوة بإيجاف الخيل والركاب، والفيء: ~~هو المال المأخوذ من غير إيجاف خيل ولا ركاب. # وهذا القول منقول عن سفيان الثوري، والشافعي - رضي الله عنهما - وغيرهما. # * (فأن الله) أكثر المفسرين على أن قوله: * (لله) افتتاح كلام، وليس لله ~~سهم منفرد؛ بل سهم الله وسهم الرسول واحد. # وفيه قول آخر: أن لله سهما يصرف إلى الكعبة. وقد روي أن الحسن بن محمد بن ~~الحنفية سئل عن هذه الآية فقال: قوله * (فأن لله خمسة) افتتاح كلام، لله ~~الدنيا والآخرة. وعن أبي العالية الرياحي قال: ' كان رسول الله يقسم ~~الغنيمة على PageV02P265 # خمسة أسهم، فيفرز الخمس منه، ثم يأخذ منه قبضة فيجعله للكعبة، ثم يقسم ~~الباقي على ما ذكر الله '. # وأما قوله: * (وللرسول) أكثر المفسرين على أن للرسول سهما مفردا. وقال ~~بعضهم: ليس للرسول سهم أصلا؛ وإنما هو افتتاح كلام، ومعنى ذكر الرسول أن ~~التدبير إليه. # ثم اختلفوا على القول الأول أن ذلك السهم بعد موته لمن يكون؟ # قال قتادة: هو للخليفة بعده. وقال بعضهم: يرد إلى الأسهم الأربعة. وأما ~~مذهب الشافعي: أن ذلك السهم يصرف إلى المصالح. # وفيه قول رابع: أنه يصرف إلى الكراع والسلاح في سبيل الله. وهذا مروي عن ~~إبراهيم النخعي وغيره. # وأما قوله: * (ولذي القربى) اختلفوا في هذا على ثلاثة أقاويل: # فمذهب الشافعي: أن لهم سهما مفردا بعد رسول الله إلى قيام الساعة، يشترك ms0553 ~~فيه أغنياؤهم وفقراؤهم على ما هو المعروف. وهذا قول أحمد وغيره. # وقال مالك: الأمر فيه إلى الإمام إن شاء أعطاهم، وإن شاء لم يعطهم، وكذلك ~~في الباقي، وإنما ذكروا لجواز الصرف إليهم لا للاستحقاق. # والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن سهم ذوي القربى ~~يرد إلى الباقين، وليس لهم سهم مفرد، فيقسم على ثلاثة أسهم لليتامى ~~والمساكين وابن السبيل. ويروون هذا عن الخلفاء الأربعة أنهم قسموا على هذا ~~الوجه، والله أعلم بالصواب. # ثم اختلفوا في ذوي القربى من هم؟ قال مجاهد. هم بنو هاشم خاصة؛ وروي عن ~~ابن عباس أنه قال: جميع قريش. وحكى عنه أنه سئل عن سهم ذوي القربى فقال: ~~نزعم أنه لنا، ويأبى قومنا ذلك علينا. PageV02P266 # * (والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى) * * والقول الثالث: أن ذوي القربى هم بنو هاشم وبنو ~~المطلب، وهذا قول الشافعي - رحمه الله - وقد دل عليه الخبر المروي بطريق ~~جبير بن مطعم - رضي الله عنه - عن النبي: ' قسم سهم ذوي القربى بين بني ~~هاشم وبني المطلب، فمشيت أنا وعثمان إلى رسول الله وقلنا: يا رسول الله، ~~إنا لا ننكر فضيلة بني هاشم لمكانك الذي وضعك الله فيهم؛ ولكننا وإخواننا ~~بني المطلب في القرابة منك سواء، وقد أعطيتهم وحرمتنا، فقال: أنا وبني ~~المطلب شيء واحد - وشبك بين أصابعه - وإنهم لم يفارقونا في الجاهلية ~~والإسلام '. # وأما قوله تعالى: * (واليتامى) فاليتامى لهم سهم مفرد بالإنفاق، واليتيم ~~الذي يستحق السهم هو الذي لا أب له فيكون صغيرا فقيرا. # وقوله: * (والمساكين) فالمساكين هم أهل الحاجة، وسيرد الفرق بين المسكين ~~والفقير في سورة براءة. # وأما قوله: * (وابن السبيل) فهو المنقطع الذي بعد عن ماله. # وقوله: * (إن كنتم آمنتم بالله) معناه: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه وللرسول، على ما ذكر، إن كنتم آمنتم بالله. وقيل معناه: يأمران ~~فيه بما يريدان فاقبلوا إن كنتم آمنتم بالله. # قوله تعالى: * (وما أنزلنا) يعني: إن كنتم آمنتم بالله وبما ms0554 أنزلنا * ~~(على عبدنا). # وفيه قول آخر: أن هذا راجع إلى قوله تعالى: * (وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة) إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا على عبدنا * (يوم الفرقان) يوم بدر، ~~فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل * (يوم التقى الجمعان) معناه: التقى ~~حزب الله وحزب الشيطان PageV02P267 # * (الجمعان والله على كل شيء قدير (41) إذ إنتم بالعدوة الدنيا وهم ~~بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن ~~الله لسميع عليم (42) إذ) * * (والله على كل شيء قدير). # وروي عن الشعبي أنه قال: يوم الفرقان يوم السابع عشر من رمضان أخبر الله ~~تعالى بتمام قدرته. # قوله تعالى: * (إذ أنتم بالعدوة الدنيا) الآية، العدوة: شفير الوادي؛ ~~والغدوة والعدوة واحد، وقوله * (الدنيا) يعني: الأدنى من المدينة؛ فهي ~~تأنيث الأدنى * (وهم بالعدوة القصوى) يعني: الأقصى من مكة؛ وهي تأنيث ~~الأقصى * (والركب أسفل منكم) قالوا معناه: والركب بمنزل أسفل منكم. والركب: ~~هو العير الذي كان عليه أبو سفيان، وكانوا بساحل البحر على ثلاثة أميال من ~~بدر * (ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد) معناه: ولو تواعدتم الاتفاق ~~والاجتماع للقتال لاختلفتم لقلتكم وكثرتهم * (في الميعاد ولكن) الله جمع من ~~غير ميعاد * (ليقضي الله أمرا كان مفعولا). # قوله تعالى: * (ليهلك من هلك عن بينة) الآية فيها قولان: # أحدهما - وهو الأظهر -: أن الهلاك هو الكفر، والحياة هي الإيمان، ومعناه: ~~ليكفر من كفر عن حجة بينة فيما له وعليه * (ويحيا من حي) يعني: ويؤمن من ~~آمن على مثل ذلك. # والقول الثاني: أن الهلاك هو الموت، والحياة هي العيش، ومعناه: ليموت من ~~يموت عن حجة بينة، ويعيش من يعيش على مثل ذلك. # * (وإن الله لسميع عليم) سميع لأقوالكم، عليم بأموركم. # قوله تعالى: * (إذ يريكهم الله في منامك قليلا) الآية فيها قولان: # أظهر القولين: أن المنام حقيقة النوم؛ فرآهم رسول الله في نومه أقل مما ~~كانوا PageV02P268 # * (يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في ~~الأمر ms0555 ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) وإذ يريكموهم إذا التقيتم ~~في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ~~ترجع الأمور (44) يا أيها الذين آمنوا) * * في العدد. # والقول الثاني وهو قول الحسن البصري: أنه قوله تعالى: * (في منامك) أي: ~~في عينك قليلا؛ وسمى العين مناما؛ لأنها موضع النوم. # * (ولو أراكهم كثيرا لفشلتم) لجبنتم * (ولتنازعتم في الأمر) يعني: في ~~الإحجام والإقدام * (ولكن الله سلم) أي: سلمكم من الفشل والجبن * (إنه عليم ~~بذات الصدور). # وقد صح عن النبي أنه كان يستعيذ بالله من الجبن. # قوله تعالى: * (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في ~~أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور) معنى الآية: أن ~~الله تعالى قلل المشركين في أعين المؤمنين؛ ليقدموا ولا يجبنوا، وقلل ~~المؤمنين في أعين الكفار؛ لئلا يهربوا. # وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قلت يوم بدر لبعض من كان بجنبي: ~~تراهم سبعين رجلا، فقال: أراهم مائة، ثم إنا أسرنا منهم فقلنا لهم: كم ~~كنتم؟ فقالوا: كنا ألفا * (ليقضي الله) يعني: ليقضي الله من إعلاء الإسلام ~~وإذلال الشرك ونصرة المؤمنين وقتل المشركين. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة) الآية، الفئة: ~~الجماعة. PageV02P269 # * (إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45) وأطيعوا ~~الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ~~(46) ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل ~~الله والله بما يعلمون) * * قوله: * (فاثبتوا واذكروا الله كثيرا) ومعنى ~~ذكر الله: هو الدعاء بالنصرة والظفر * (لعلكم تفلحون) وكونوا على رجاء ~~الفلاح. # قوله تعالى: * (وأطيعوا الله ورسوله) الآية، وقوله: * (ولا تنازعوا ~~فتفشلوا) معناه: ولا تختلفوا فتضعفوا * (وتذهب ريحكم) معناه: جدكم وجهدكم. # وقال قتادة: الريح هاهنا: ريح النصرة. وقد صح عن النبي أنه قال: ' نصرت ~~بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور '. # والقول الثالث، قول الأخفش وغيره: وتذهب ريحكم أي: دولتكم * (واصبروا إن ~~الله مع الصابرين) معلوم التفسير. # وفي الآية فضيلة عظيمة لأهل الصبر؛ ms0556 فإن الله تعالى قال: * (إن الله مع ~~الصابرين) قال الشاعر: # (إني رأيت في الأيام تجربة * للصير عاقبة محمودة الأثر) قوله تعالى: * ~~(ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس) الآية، البطر: ~~الطغيان في النعمة وترك الشكر، والرياء: إظهار الجميل وإبطان القبيح. # والآية نزلت في المشركين حين أقبلوا إلى بدر، فقال تعالى للمؤمنين: * ~~(ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس). # * (ويصدون عن سبيل الله) معناه: يمنعون عن سبيل الحق * (والله بما يعلمون ~~محيط) روي عن النبي أنه قال حين أقبل المشركون: ' اللهم هذه قريش أقبلت ~~PageV02P270 # * (محيط (47) وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم ~~وإني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) إذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض) * * بفخرها وخيلائها تحادك وتحاد رسولك ' ~~الخبر إلى آخره. # قوله تعالى: * (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس) الآية. روي أن إبليس - عليه ما يستحق - تمثل في صورة سراقة بن مالك ~~وقال للمشركين: * (وإني جار لكم) معناه: مجير لكم من بني كنانة، فلا يصيبكم ~~منهم سوء، ثم جعل يحرضهم على القتال * (فلما تراءت الفئتان) أي: تلاقت ~~الفئتان، المؤمنون والمشركون * (نكص على عقبيه) رجع القهقري على عقبيه * ~~(وقال إني بريء منكم) في القصة: أنه كان آخذا بيد الحارث بن هشام أخي أبي ~~جهل، فلما رأى الملائكة ينزلون من السماء يقدمهم جبريل - عليه السلام - نزع ~~يده من يد الحارث وهرب، فقال له الحارث: أفرارا من غير قتال؟ وجعل يمسكه، ~~فدفع في صدره وقال: * (إني أرى ما لا ترون) وهرب * (إني أخاف الله). # فإن قال قائل: كيف قال إني أخاف الله وقد ترك السجود لآدم وهو لم يخف ~~الله؟ الجواب فيه قولان: # أحدهما: أنه قال هذا كذبا، والقول الثاني: أنه خاف أن يؤخذ فيفتضح بين ~~الإنس. ومنهم من قال: خاف أنه قد حضر أجله * (والله شديد العقاب). # قوله ms0557 تعالى: * (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم) ~~هؤلاء قوم كانوا أسلموا بمكة ولم يهاجروا، فكان في قلوبهم بعض الريب، ~~فخرجوا مع المشركين وقالوا: إن نرى مع محمد قوة انتقلنا إليه، فلما رأوا ~~قلة المؤمنين وضعف شوكتهم قالوا هذا القول، فأنزل الله تعالى هذه الآية * ~~(إذ يقول المنافقون...) الآية. # قوله تعالى: * (ومن يتوكل على الله) ومن يثق بالله * (فإن الله عزيز ~~حكيم) قد PageV02P271 # * (غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49) ولو ترى ~~إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ~~(50) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) كدأب آل فرعون ~~والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد ~~العقاب (52) ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم وأن الله سميع عليم) * * بينا معنى العزيز الحكيم من قبل. # قوله تعالى: * (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة) فيه قولان: # أحدهما: أن هذا عند الموت، وقوله: * (يضربون وجوههم وأدبارهم) يضربون ~~وجوههم بأسواط النار، وأدبارهم سوقا إلى العذاب. # والقول الثاني: أن التوفي هاهنا هو القتل، ومعناه: قتل الملائكة المشركين ~~ببدر، وقوله * (يضربون وجوههم وأدبارهم) معناه: يضربونهم بالسيف إذا ~~أقبلوا. وقوله * (وأدبارهم) ويضربونهم بالسيف إذا أدبروا، ويقولون: * ~~(وذوقوا عذاب الحريق). # روي عن الحسن البصري أنه قال: مع الملائكة مقامع من حديد يضربون بها ~~الكفار، فتلتهب النار في جراحاتهم؛ فهذا معنى قوله: * (وذوقوا عذاب ~~الحريق). # قوله تعالى: * (ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد) ومعناه ~~ظاهر. # قوله تعالى: * (كدأب آل فرعون) الآية، الدأب هاهنا بمعنى العادة، ومعناه: ~~عادتهم في الكفر كعادة آل فرعون * (والذين من قبلهم كفروا بآيات الله) ~~الآية، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: * (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم) الآية، ~~فيه قولان: # أحدهما: معناه: * (لم يكن مغيرا نعمة) يعني: لم يكن مبدلا النعمة بالبلية ~~PageV02P272 # (* (53) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم ms0558 ~~بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) إن شر الدواب عند الله ~~الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل ~~مرة وهم لا يتقون) * * (حتى يغيروا ما بأنفسهم) يعني: حتى يتركوا الشكر، ~~ويؤتوا الكفران. # والقول الثاني: أن هذا في أهل مكة؛ فإن الرسول كان نعمة أنعمها الله ~~تعالى عليهم، فكفروا بهذه النعمة، فغيرها الله تعالى، ومعناه: أنه نقلها ~~إلى أهل المدينة * (وأن الله سميع عليم) معلومان. # قوله تعالى: * (كدأب آل فرعون) ومعناه: ما بينا، وإعادة الذكر للتأكيد، ~~ويجوز أن هذا كان في قوم آخرين سوى الأولين. # قوله تعالى: * (والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم) ~~يعني: نهلك هؤلاء كما أهلكنا أولئك. # قوله تعالى: * (وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين) يعني: الأولين ~~والآخرين. # قوله تعالى: * (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا) الآية. هذه الآية مثل ~~قوله تعالى: * (أولئك كالأنعام بل هم أضل) سماهم الله تعالى دواب وأنعاما؛ ~~لقلة انتفاعهم بعقولهم وألبابهم وأسماعهم وأبصارهم * (فهم لا يؤمنون) معناه ~~ظاهر. # قوله تعالى: * (الذين عاهدت منهم) هذه الآية نزلت في قوم من المشركين ~~عاهدوا مع رسول الله ثم نقضوا العهد، فقال الله تعالى: * (الذين عاهدت منهم ~~ثم ينقضون عهدهم في كل مرة) يعني: كلما عاهدوا نقضوا * (وهم لا يتقون) ~~معناه: لا يتقون نقض العهد. # قوله تعالى: * (فإما تثقفنهم في الحرب) معناه: فإما تصادفنهم في الحرب * ~~(فشرد بهم من خلفهم) قال سعيد بن جبير: أنذر بهم من خلفهم، قال الشاعر: # (أطوف في الأباطح كل يوم * مخافة أن يشرد بي حكيم) PageV02P273 # (* (56) فإما تثقفهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) وإما ~~تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (58) ولا ~~يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ~~ومن رباط الخيل) * * قوله تعالى: * (لعلهم يذكرون) يعني: يتذكرون. # ومعنى الآية: أي نكل بهؤلاء الذين جاءوا لحربك أو نقضوا عهدك تنكيلا يفرق ~~بينهم من خلفهم من جماعاتهم. # فقوله تعالى: * (وإما ms0559 تخافن من قوم خيانة) الآية، معنى المخافة هاهنا: هو ~~الإحساس بالخيانة * (فانبذ إليهم على سواء) يعني: فانبذ العهد إليهم * (على ~~سواء) يعني: على حالة تستوي أنت وهم في العلم به. # والمراد من الآية: ألا تقاتلهم قبل نبذ العهد، وقبل علمهم بالنبذ حتى لا ~~تنسب إلى نقض العهد، وهذه الآية تعد من فصيح القرآن. # قوله تعالى: * (إن الله لا يحب الخائنين) والمعنى معلوم. # قوله تعالى (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا) الآية في القوم الذين انهزموا ~~يوم بدر من المشركين، قوله: * (سبقوا) يعني: فاتوا. # قوله * (إنهم لا يعجزون) يعني: لا يفوتوني. وقرأ ابن محيصن: ' لايعجزون ' ~~والصحيح القراءة الأولى. وقد قرئت الآية بقراءتين: ' أنهم ' و ' إنهم ' ~~فقوله: ' إنهم ' على طريق الابتداء، وقوله: ' أنهم ' يعني: لأنهم لا ~~يفوتون. ومعنى الفوات منقول عن أبي عبيدة، وعن الحسن البصري أنه قال: * (لا ~~يعجزون) معناه: إن فاتهم عذاب الدنيا لا يفوتهم من عذاب الآخرة. # وقوله تعالى: * (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) الآية، ~~الإعداد: اتخاذ الشيء لوقت الحاجة، وقوله: * (من قوة) فيه أقوال: ~~PageV02P274 # * (ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ~~وما تنفقوا) * * أحدها: ما روى عقبة بن عامر: ' أن النبي قرأ هذه الآية على ~~المنبر ثم قال: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي '. أورده مسلم في ' ~~الصحيح '. # والقول الثاني: وهو أن القوة: ذكور الخيل، والرباط: إناثها. هذا قول ~~عكرمة. # وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يركب في القتال إلا الإناث؛ لقلة ~~صهيلها. # وعن أبي محيريز قال: كانوا يستحبون ركوب ذكور الخيل عند الصفوف، وركوب ~~إناث الخيل عند الثبات والغارات. # والقول الثالث: أن القوة: هي جميع الأسلحة. وقد قيل: إن القوة: الحصون؛ ~~والحصون: الخيول، قال الشاعر: # (ولقد علمت على تجنبي الردى * أن الحصون الخيل لا مدر القرى) وقوله: * ~~(ترهبون به) معناه: تخيفون به * (عدو الله وعدوكم) أي: أعداء الله وأعداءكم ~~واحد بمعنى الجمع. وقوله: * (وآخرين من دونهم) أي: ترهبون به آخرين من ~~دونهم، واختلفوا في معناه: ms0560 # روي عن مجاهد أنه قال: هم بنو قريظة. وفيه قول آخر: أنهم المنافقون. # وفيه قول ثالث: أنهم الجن. وعن السدى أنه قال: أهل فارس. # وروي عن النبي أنه قال: ' لن يخبل الجن آدميا في داره فرس عتيق '. أورده ~~النقاش في تفسيره. PageV02P275 # * (من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) وإن جنحوا للسلم ~~فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) وإن يريدوا أن يخدعوك ~~فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم لو ~~أنفقت ما في الأرض) * * وفي الآية قول رابع: روي عن معاذ بن جبل أنه قال: * ~~(وآخرين من دونهم) يعني: الشياطين. # وقوله: * (لا تعلمونهم الله يعلمهم) ظاهر. # قوله: * (وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) أي: ~~لا ينقص أجوركم. # قوله تعالى: * (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) السلم والسلم والسلم: الصلح، ~~ومعناه: وإن مالوا إلى الصلح فمل إليه. # وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: هذه الآية منسوخة بآية السيف. # قوله تعالى: * (وتوكل على الله) معناه: ثق بالله * (إنه هو السميع ~~العليم). # قوله تعالى: * (وإن يريدوا أن يخدعوك) الخداع: أن يظهر خلاف ما يبطن. # قوله: * (فإن حسبك الله) يعني: فإن كافيك هو * (هو الذي أيدك بنصره) هو ~~الذي قواك بنصره * (وبالمؤمنين) أي: قواك بالمؤمنين * (وألف بين قلوبهم) ~~أكثر المفسرين أن هذا في الأوس والخزرج؛ وقد كانت بينهم إحن وتراث في ~~الجاهلية، وكان القتال بينهم قائما مائة سنة، فألف الله بين قلوبهم بالنبي ~~قال الزجاج: كان الرجل منهم يلطم اللطمة فكان يقاتل بقوته إلى أن يستفيد ~~منها، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام، حتى صار الرجل يقاتل أخاه وقريبه على ~~الإسلام. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: نزلت الآية في المتحابين في ~~الله. # وفي الأخبار عن النبي أنه قال: ' المؤمن مألفة، ولا خير فيمن لا يؤلف ولا ~~PageV02P276 # * (جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) يا ~~أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) يا ms0561 أيها النبي حرض ~~المؤمنين على القتال إن) * * يألف. # وعن خالد بن معدان أنه قال: إنه لله ملكا في السماء؛ نصفه من ثلج ونصفه ~~من نار، وتسبيحه: اللهم كما ألفت بين الثلج والنار فألف بين قلوب عبادك ~~الصالحين. # قوله * (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف ~~بينهم إنه عزيز حكيم) أي منيع في ملكه، حكيم في خلقه. # قوله تعالى: * (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) روي عن ~~ابن عباس برواية الوالبي أنه قال: أسلم تسعة وثلاثون رجلا وثلاث وعشرون ~~امرأة، ثم أسلم عمر رضي الله عنه تمام الأربعين، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # وفي الآية قولان: أحدهما: * (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك) أي: ~~يكفيك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين، فتكون ' من ' في موضع النصب. # والقول الثاني: * (حسبك الله) وحسبك تباعك من المؤمنين؛ فتكون ' من ' في ~~موضع الرفع، قال الشاعر: # (إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا * فحسبك والضحاك سيف مهند) وهذا استشهاد ~~للقول الأول. # وقرأ الشعبي: ' حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ' ومعناه قريب من الأول. # قوله تعالى: * (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) قرئ في الشاذ: ' ~~حرص PageV02P277 # * (يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا ~~من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ~~بإذن الله والله مع) * * المؤمنين ' بالصاد غير معجمة، والمعروف بالضاد ~~معجمة؛ والتحريض: هو الحث على المبادرة إلى الشيء. # قوله تعالى: * (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ~~مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا) هذا خبر بمعنى الأمر، وكان الله تعالى ~~أمر المؤمنين ألا يفر الواحد منهم عن عشرة، ولا تفر المائة منهم عن ألف. ~~فإن قال قائل: أيش معنى * (بأنهم قوم لا يفقهون) وأي اتصال لهذا بمعنى ~~الآية؟ # جوابه: معناه: أنهم يقاتلون على جهالة لا على حسبة وبصيرة، وأنتم ms0562 تقاتلون ~~على بصيرة وحسبة، فلا يثبتون إذا ثبتم، ثم إن المسلمين سألوا الله التخفيف، ~~فأنزل الله تعالى الآية الأخرى، وأمر ألا يفر الواحد من اثنين، والمائة من ~~المائتين. # فإن قال قائل: الله تعالى قال: * (يغلبوا مائتين) ونحن رأينا القتال على ~~هذا العدد بلا غلبة، فكيف يستقيم معنى الآية، والخلف في خبر الله لا يجوز؟ # قلنا: إن معنى قوله: * (يغلبوا) أي: يقاتلوا؛ كأنه أمرهم بالقتال على ~~رجاء الظفر والنصرة من الله تعالى. # وأما قوله: * (الآن خفف الله عنكم) هذه الآية ناسخة للآية الأولى، وقرأ ~~أبو جعفر يزيد بن القعقاع: ' وعلم أن فيكم ضعفاء ' والمعروف: ' ضعفا ' و ' ~~ضعفا ' ومعناهما واحد. # * (فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ~~بإذن الله والله مع الصابرين) وباقي الآية معناه معلوم. PageV02P278 # * (الصابرين (66) ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون ~~عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) لولا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيما) * * قوله تعالى: * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) قرئ: ' أسرى، ~~وأسارى '. قال أهل اللغة: أسرى جمع أسير، وأسارى جمع الجمع. وحكى الأصمعي ~~عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: الأسرى هم المأخوذون من غير شد، والأسارى ~~هم الذين أخذوا وشدوا. والأصح عند أهل اللغة أنه لا فرق بينهما، قاله ~~الأزهري. # وقوله تعالى: * (حتى يثخن في الأرض) الإثخان: القتل، وقيل: المبالغة في ~~التنكيل. # * (تريدون عرض الدنيا) بالإفداء. # قوله تعالى: * (والله يريد الآخرة) معناه: يرغبكم في الآخرة، وقوله: * ~~(والله عزيز حكيم) قد ذكرنا معنى العزيز الحكيم. # واعلم أن الآية نزلت في أسارى بدر؛ فإنه روي: ' أن النبي قتل سبعين يوم ~~بدر، وأسر سبعين من المشركين، ثم إنه استشار أصحابه في الأسارى، فقال أبو ~~بكر - رضي الله عنه -: هؤلاء قومك وأسرتك وأهلك، استبقهم لعل الله أن ~~يهديهم بك، وخذ منهم الفداء؛ فيكون معونة للمسلمين. وقال عمر: هؤلاء آذوك ~~وأخرجوك وكفروا بما جئت به فاضرب أعناقهم. فمال الرسول إلى قول أبي بكر ~~وأحب ما ذكره ms0563 '. # وروي ' أنه قال لأبي بكر: مثلك مثل إبراهيم حين قال: * (فمن تبعني فإنه ~~مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) وقال لعمر: مثلك مثل نوح حين قال: * (رب لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا) ' ثم قال لأصحابه: لا يخلين أحد منكم ~~PageV02P279 # * (أخذتم عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله ~~غفور رحيم) * * عن أسير إلا بفداء أو بضرب عنقه ففادوا وكان الفداء لكل ~~أسير أربعين أوقية، الأوقية أربعون درهما، فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى ~~آخرها. # قوله تعالى: * (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) روي ~~عن النبي برواية أبي هريرة أنه قال: ' لم تحل الغنائم لأحد سود الرؤوس ~~قبلكم؛ كانت نار تنزل من السماء فتأكلها. قال أبو هريرة: فلما كان يوم بدر ~~ووقعوا فيما وقعوا من الغنائم فادوا الأسارى قبل أن ينزل الوحي بالجواز، ~~أنزل الله تعالى: * (لولا كتاب من الله سبق لمسكم) الآية '. وفي معنى الآية ~~أقوال: # أحدها: لولا كتاب من الله سبق في تحليل الغنائم لمسكم فيما أخذتم عذاب ~~عظيم. هذا قول سعيد بن جبير وجماعة. # والثاني: لولا كتاب من الله سبق من مغفرته لأهل بدر ما صنعوا؛ لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم، هذا قول الحسن البصري. # والثالث: لولا كتاب من الله سبق أنهم لم يقدم إليكم ألا تأخذوا؛ لمسكم ~~فيما أخذتم عذاب عظيم؛ فإنه لا يعذب من غير تقدمة. # وقد صح عن النبي أنه قال: ' أريت عذابكم دون هذه الشجرة، وأشار إلى شجرة ~~قريبة منه '. وروي أنه قال لعمر: ' لو نزل العذاب ما نجا أحد سواك '. # وروي أنه قال له: ' كاد يصيبنا '. PageV02P280 # (* (69) يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في ~~قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) وإن ~~يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) إن ~~الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا) * * وروي أنه لما نزلت الآية الأولى كف أصحاب ~~رسول الله أيديهم عما أخذوا من الفداء، ms0564 فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى ~~آخرها. # قوله تعالى: * (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى) نزلت هذه ~~الآية في العباس بن عبد المطلب، فإنه أسر يوم بدر، وكانت معه عشرون أوقية ~~من الذهب فأخذت منه، ثم قال له النبي: ' افد نفسك وابني أخيك - يعني عقيلا ~~ونوفلا - فقال: مالي شيء، وقد أخذتم ما كان معي، قال: أين المال الذي دفعته ~~إلى أم الفضل وقلت: إن أصبت في هذا الوجه فلعبد الله كذا، وللفضل كذا، ~~ولقثم كذا؟ فقال: والله ما كان معنا أحد، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأنك رسول الله؛ ثم إنه فادى نفسه وابني أخيه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~إلى آخرها '. # قوله تعالى: * (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا) معناه: إن يعلم في قلوبكم ~~إيمانا. # قوله تعالى: * (يؤتكم خير مما أخذ منكم) قال العباس: فقد آتاني الله خيرا ~~مما أخذ مني، وكان له عشرون عبدا يتجر كل عبد في عشرين ألف درهم. # وقوله: * (ويغفر لكم والله غفور رحيم) قال العباس: وأنا أرجو من الله ~~المغفرة. # قوله تعالى: * (وإن يريدوا خيانتك) الخيانة: ضد الأمانة؛ ومعناه: إن ~~أرادوا أن يكفروا بك * (فقد خانوا الله من قبل) أي: قد كفروا بالله من قبل. # قوله: * (فأمكن منهم) يعني: مكن منهم * (والله عليم حكيم). # قوله تعالى: * (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله) الآية، الهجرة: هي الخروج من الوطن إلى غيره، وقد كانت فرضا في ~~ابتداء PageV02P281 # * (بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء ~~بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن ~~استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما ~~تعملون بصير (72) والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير (73)) * * الإسلام، فلما كان يوم فتح مكة قال النبي: ' لا ~~هجرة بعد اليوم '. # وروي عن الحسن البصري أنه قال: الهجرة قائمة إلى قيام الساعة، فعلى أهل ~~البوادي إذا ms0565 أسلموا أن يهاجروا إلى الأمصار. # قوله: * (والذين آووا ونصروا) هؤلاء أهل المدينة؛ ومعنى الإيواء: ضمهم ~~المهاجرين إلى أنفسهم في الأموال والمساكن. # قوله: * (أولئك بعضهم أولياء بعض) فيه قولان: # أحدهما: أولئك أعوان بعض. # والقول الثاني معناه: يرث بعضهم من بعض. # قوله تعالى: * (والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا) قطع الموالاة بين المسلمين وبينهم حتى يهاجروا، وكان المهاجر لا ~~يرث من الأعرابي، ولا الأعرابي من المهاجر، ثم قال: * (وإن استنصروكم في ~~الدين فعليكم النصر) يعني: وإن استنصروكم الذين لم يهاجروا فعليكم النصر، ~~ثم استثنى وقال: * (إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) أي: موادعة، فلا ~~تنصروهم عليهم. قوله: * (والله بما تعملون بصير) معناه ظاهر. # قوله تعالى: * (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) يعني: أن بعضهم أعوان ~~بعض. # والقول الثاني: إن بعضهم يرث من البعض. # وقوله * (إلا تفعلوه) يعني: إن لم تقبلوا هذا الحكم * (تكن فتنة في الأرض ~~وفساد كبير) الفتنة في الأرض: قوة الكفر، والفساد الكبير: ضعف الإيمان. ~~PageV02P282 # * (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك ~~هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) والذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن ~~الله بكل شيء عليم (75)) * * قوله تعالى: * (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ~~في سبيل الله والذين آووا ونصروا) (الآية)، فإن قيل: أي معنى في هذا ~~التكرار؟ # قلنا: المهاجرون كانوا على طبقات، وكان بعضهم أهل الهجرة الأولى، وهم ~~الذين هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا ~~بعد الحديبية قبل فتح مكة، وكان بعضهم ذا هجرتين، وهما الهجرة إلى الحبشة ~~والهجرة إلى المدينة؛ فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى، والمراد من ~~الثانية الهجرة الثانية. # قوله تعالى: * (أولئك هم المؤمنون حقا) يعني: لا مرية ولا ريب في ~~إيمانهم. # قوله: * (لهم مغفرة ورزق كريم) روى في الرزق الكريم أن المراد منه: رزق ~~الجنة لا يصير بخوى؛ بل يصير رشحا له ريح المسك. # قوله تعالى: * (والذين آمنوا من بعد ms0566 وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم) ~~الآية، أراد به: فأولئك معكم، فأنتم منهم وهم منكم. # قوله تعالى: * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) أكثر ~~المفسرين على أن هذه الآية ناسخة لما سبق من إثبات الميراث بالهجرة، فنقل ~~الميراث من الهجرة إلى الميراث بالقرابة. # قوله تعالى: * (في كتاب الله) أي: في حكم الله. # قوله: * (إن الله بكل شيء عليم) قال أهل العلم: ليس المراد من أولي ~~الأرحام الأقرباء الذين ليس لهم عصوبة ولا فرض؛ وإنما المراد من أولي ~~الأرحام [أهل العصابات] ثم ميراث الأقرباء مذكور في موضع آخر، وهو آية ~~الميراث، والله أعلم. PageV02P283 # تفسير سورة التوبة اعلم أن هذه السورة مدنية، وقد صح عن النبي برواية ~~البراء بن عازب: ' أنها آخر سورة أنزلت كاملة ' ولها أسماء كثيرة. # وروي عن ابن عباس أنه سئل عن هذه السورة، فقال: هي الفاضحة؛ ما زال ينزل ~~قوله [تعالى]: ومنهم، ومنهم، حتى طننا أنه لا يترك منا أحدا. وقال حذيفة بن ~~اليمان: هي سورة العذاب. # ومن المعروف أنها تسمى سورة البحوث، ومن أسمائها: المبعثرة، ومن أسمائها: ~~المنيرة، ومن أسمائها: الحافرة، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين. وروى النقاش ~~عن ابن عمر أنها تسمى المقشقشة. وعن عمران بن حدير أنه قال: قرأت هذه ~~السورة على أعرابي، فقال: هذه السورة أظنها آخر ما أنزلت، فقلت له: ولم؟ ~~فقال: أرى عهودا تنبذ، وعقودا تنقض. # وعن سعيد بن جبير: أن هذه السورة كانت تعدل سورة البقرة في الطول. # وأما الكلام في حذف التسمية: روي عن ابن عباس أنه قال: ' قلت لعثمان - ~~رضي الله عنه -: ما بالكم عمدتم إلى سورة التوبة وهي من المئين، وإلى سورة ~~الأنفال وهي من المثاني، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر * (بسم الله الرحمن ~~الرحيم)؟ فقال: ' كان إذا أنزل على رسول الله الشيء من القرآن دعا بعض من ~~يكتب، فيقول له: ضعه في سورة كذا، ضعه في سورة كذا، وكانت الأنفال من أول ~~ما أنزلت بالمدينة، والتوبة من آخر ما أنزلت، وكان قصتيهما شبيهة بعضها ~~ببعض، وخرج ms0567 رسول الله من الدنيا ولم يبين لنا شيئا فظننا أنهما سورة واحدة؛ ~~فلذلك قرنا بينهما ولم نكتب * (بسم الله الرحمن الرحيم). PageV02P284 # * (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في ~~الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2) ~~وأذان) * * وهذا خبر في ' الصحيح ' أورده مسلم، وروى أن الصحابة اختلفوا، ~~فقال بعضهم: هما سورتان، وقال بعضهم: هما سورة واحدة؛ فاتفقوا أن يفصلوا ~~ببياض بين السورتين، ولا يكتبوا: ' بسم الله الرحمن الرحيم '. # والقول الثالث: ما حكى عن سفيان بن عيينة من المتقدمين، والمبرد من ~~المتأخرين: أن السورة سورة نقض العهد والبراءة من المشركين؛ والتسمية أمان ~~وافتتاح خير؛ فلهذا لم يكتبوا ' بسم الله الرحمن الرحيم '. # قوله تعالى: * (براءة من الله ورسوله) قوله: * (براءة) هذه براءة، ~~والبراءة: نقض العصمة، ومعنى الآية: تبرؤ من الله ورسوله. # * (إلى الذين عاهدتم من المشركين) وقال بعضهم: برئ الله ورسوله من ~~المشركين. # قوله تعالى: * (فسيحوا في الأرض) معناه: أقبلوا وأدبروا واذهبوا وجيئوا * ~~(أربعة أشهر) اختلفوا في الأشهر الأربعة: # قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: ابتداؤه من يوم النحر، وآخره العاشر من ~~شهر ربيع الآخر. وقال الزهري: هو شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. # والقول الأول هو الصواب. # قوله تعالى: * (واعلموا أنكم غير معجزي الله) أي: غير فائتي الله، ~~ومعناه: أنه PageV02P285 # وإن أجلكم هذه المدة فلا يعجز عن عذابكم، كما يعجز من يفوته الشيء * (وأن ~~الله مخزي الكافرين) أي: مذل الكافرين. # وسبب نزول الآية: ' أنه كان بين رسول الله وبين المشركين عهود ومدد، فلما ~~غزا غزوة تبوك أرجف المنافقون بالنبي، فجعل المشركون ينقضون العهود - وقيل: ~~إن هذا كان قبل غزوة تبوك - فلما كانت سنة تسع من الهجرة بعث أبا بكر - رضي ~~الله عنه - للحج بالناس، وبعث عليا - رضي الله عنه - ليقرا على الناس هذه ~~الآيات من أول هذه السورة. ويروى أنه بعث أبا بكر أولا، ثم إنه بعث عليا في ~~إثره، وقال: ' لا يبلغ هذه الآيات إلا رجل منى ' يعني: من رهطي فكان أبو ~~بكر ms0568 أميرا على الموسم، وكان علي ينادي في الناس بهذه الآيات. # وروى أن عليا سئل: بم بعثك رسول الله؟ فقال: بعثني بأربعة أشياء: أولها: ~~من كان بينه وبين رسول الله عهد فمدته إلى أربعة أشهر، والثاني: لا يحجن ~~بعد هذا العام مشرك، والثالث: لا يطوفن بالبيت عريان، والرابع: لا يدخل ~~الجنة إلا نفس مسلمة '. # فإن قال قائل: كيف بعث أبا بكر بهذه الآيات ثم عزله وبعث عليا، وقال: ' ~~لا يبلغ عني إلا رجل مني '، فإن كان لا يبلغ هذا إلا رجل من رهطه، فكذلك ~~سائر الأشياء؟ # والجواب عنه: ذكر العلماء أن رسول الله لم يعزل أبا بكر عن الموسم، وكان ~~هو الأمير، وإنما بعث عليا لينادى بهذه الآيات؛ لأن العرب كانوا تعارفوا ~~أنه لا يعقد على القوم إلا سيدهم، ولا ينقض إلا سيدهم أو رجل من أهله، فبعث ~~عليا على ما تعارفوا؛ ليزيح العلل بالكلية، فلا تبقى لهم علة، فكان المعنى ~~هذا، والله أعلم. PageV02P286 # * (من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر ~~الذين) * * قوله تعالى: * (وأذان من الله ورسوله) معناه: إعلام من الله ~~ورسوله، قال الحارث بن حلزة: # (آذنتنا بينهماأسماء * رب ثاو يمل منه الثواء) معناه: أعلمتنا. # قوله تعالى: * (إلى الناس يوم الحج الأكبر) اختلفوا في يوم الحج الأكبر ~~على أقوال: # روى يحيى بن (الجزار) أن عليا - رضي الله عنه - خرج يوم العيد على دابة، ~~فأخذ رجل بلجام دابته، وقال: ما يوم الحج الأكبر؟ فقال: هو اليوم الذي أنت ~~فيه، خل عنها. # وروى مثل هذا عن ابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن أبي أوفى. # والقول الثاني: قول ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: هو يوم عرفة. وهو ~~قول مجاهد والشعبي والنخعي وجماعة. # وقال ابن سيرين - وهو القول الثالث -: يوم الحج الأكبر هو اليوم الذي حج ~~فيه رسول الله، اتفق فيه حج أهل المل كلها. # والصحيح هو أحد القولين الأولين. # واختلفوا ms0569 في الحج الأكبر: # فأحد القولين: أن الحج الأكبر هو القرآن، والحج الأصغر هو الإفراد. # والقول الثاني: أن الحج الأكبر: هو الحج، والأصغر هو العمرة. # قوله: * (أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن ~~توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم) معناه: ~~ورسوله بريء PageV02P287 # * (كفروا بعذاب أليم (3) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم ~~شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب ~~المتقين (4) فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم) * * أيضا. * (إلا الذين عاهدتم من المشركين) وقع الاستثناء على قوم ~~من بني ضمرة أمر الله رسوله أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من ~~مدتهم تسعة أشهر؛ والسبب في الإتمام: أنهم لم ينقضوا العهد، وهذا معنى قوله ~~تعالى: * (ثم لم ينقصوكم شيئا)، وقرأ عطاء بن يسار: ' ثم لم ينقضوكم شيئا ' ~~بالضاد المعجمة. # قوله تعالى: * (ولم يظاهروا عليكم أحدا) ومعناه: ولم يعاونوا عليكم أحدا ~~* (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين) يعني: المتقين عن ~~نقض العهد. وروى عن الحسن البصري - رحمه الله - أنه قال: المتقي: من يدع ~~مالا بأس به حذرا مما به بأس. # قوله تعالى: * (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) روي في ~~التفاسير ' أن النبي أجل المشركين الذين كان بينهم وبين النبي عهد أربعة ~~أشهر، وأجل الذين لم يكن بين رسول الله وبينهم عهد باقي ذي الحجة والمحرم ~~وهو خمسون ليلة ' فهذا معنى الآية. # فإن قيل: قال تعالى: * (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) وما ذكرتم بعض الأشهر ~~الحرم. # قلنا: هذا القدر كان متصلا بما مضى؛ فأطلق عليه اسم الجميع، ومعناه: هو ~~مضى المدة المعروفة التي تقع بعد انسلاخ الأشهر الحرم. # قوله تعالى: * (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) معناه معلوم. # قوله * (وخذوهم) ظاهر. أي: خذوهم أسرا؛ والعرب تسمي الأسير أخيذا، وفي ~~المثل: أكذب من أخيذ. # قوله تعالى: * (واحصروهم) يعني: واحبسوهم، يعني: حولوا بينهم وبين ~~PageV02P288 # * (واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة ms0570 وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) كيف يكون ~~للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما) ~~* * المسجد الحرام، هذا هو معنى الحبس هاهنا. # وقوله: * (واقعدوا لهم كل مرصد) قال أبو عبيدة: المرصد: الطرق. يعني ~~اقعدوا لهم بطرق مكة حتى لا يصلوا إلى المسجد الحرام قال الشاعر: # (ولقد علمت [ولا أخالك ناسيا] * أن المنية للفتى بالمرصد) قوله: * (فإن ~~تابوا) يعني: آمنوا * (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) يعني: ~~خلوا سبيلهم ليصلوا إلى المسجد الحرام * (إن الله غفور رحيم) معلوم. # قوله تعالى: * (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) الإستجارة: طلب ~~الأمان. ومعنى الآية: وإن أحد من المشركين طلب منك الأمان فأجره، أي: أمنه ~~* (حتى يسمع كلام الله) يعني: فيما له وعليه من العقاب والثواب والوعد ~~والوعيد * (ثم أبلغه مأمنه) يعني: الموضع الذي يأمن فيه * (ذلك بأنهم قوم ~~لا يعلمون) ومعناه: أنهم يحتاجون إلى أن يسمعوا كلام الله تعالى لجهلهم. # قوله تعالى: * (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله) قال الفراء: ~~كلمة ' كيف ' هاهنا كلمة استفهام بمعنى الجحد، ومعناه: لا يكون للمشركين ~~عهد عند الله وعند رسوله، يعني: ولا عند رسوله. # قوله تعالى: * (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام) هؤلاء قوم من بني ~~ضمرة على ما ذكرنا. # قوله تعالى: * (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) يعني: إذا وفوا بعهدكم ~~وفوا PageV02P289 # * (استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) كيف وإن يظهروا ~~عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم ~~فاسقون (8) اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما ~~كانوا) * * بعهدهم * (إن الله يحب المتقين) قيل معناه: إن الله يحب ~~المؤمنين، وقيل: يحب المتقين نقض العهد. # قوله تعالى: * (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) يعني: ~~كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة؟ ms0571 اختلفت ~~الأقوال في ' إلا ': # روي عن مجاهد أن ' إلا ' هو الله تعالى. وفي الشاذ قرئ: ' لا يرقبوا فيكم ~~إيلا ولا ذمة '، وإيل: هو الله. # وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال في كلمات مسيلمة الكذاب - لعنه ~~الله - حين سمع أنه يقول: يا ضفدع نقي نقي، كم تنقين، لا الماء تكدرين ولا ~~الشراب تمنعين. فقال أبو بكر: إن هذا كلام لم يخرج من إل يعني: من الله. # والقول الثاني قول أبي عبيدة: الإل هو العهد، والذمة: التذمم. # والثالث: قول الضحاك - وهو أولى الأقاويل وأحسنها - قال: إن الإل هو ~~القرابة، والذمة: العهد، قال حسان بن ثابت: # (لعمرك إن إلك من قريش * كإل السقب من رأل النعام) قوله تعالى: * ~~(يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم) يعني: يعدون الوفاء بالقول، وتأبى قلوبهم ~~إلا الغدر * (وأكثرهم فاسقون) فإن قال قائل: هذا في المشركين وهم كلهم ~~فاسقون، فكيف قال: * (وأكثرهم)؟ # قلنا: الفسق هاهنا: نقض العهد، وكان في المشركين من وفى بعهده؛ فلهذا قال ~~* (وأكثرهم فاسقون). # قوله تعالى: * (اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا) الآية. قال الحسن البصري: ~~الدنيا PageV02P290 # * (يعملون (9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) ~~فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات ~~لقوم يعلمون (11) وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا ~~أئمة الكفر) * * بحذافيرها ثمن قليل. ومعنى الآية: أنهم اختاروا الدنيا على ~~رضا الله وعلى الإيمان بآيات الله * (فصدوا عن سبيله) يعني: منعوا الناس عن ~~سبيله * (إنهم ساء ما كانوا يعملون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة) المراقبة: الحفظ، والإل ~~والذمة قد ذكرنا معناهما * (وأولئك هم المعتدون) المجاوزون للحدود. # وقوله تعالى: * (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في ~~الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم) هذا في العهد الذي كان ~~بين رسول الله وبين قريش، فنقضوا العهد، وكان نقضهم: أنهم عاونوا بني بكر ~~على خزاعة، وكانت بنو بكر حلفاء قريش، وخزاعة حلفاء ms0572 النبي، فجاء رجل من ~~خزاعة إلى النبي بالمدينة، وأنشده: # (لاهم إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الأتلدا) (وإن قريشا نقضوك ~~الموعدا * وبيتونا بالوثير هجدا) (وقتلونا ركعا وسجدا *) في أبيات كثيرة، ~~فقال رسول الله: ' لانصرت إن لم أنصركم '. PageV02P291 # * (إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ~~وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن ~~كنتم مؤمنين (13) قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف) ~~* * وروى أنه رأى سحابة تبرق، فقال رسول الله: ' إن هذه السحابة لتستهل ~~بنصر خزاعة '، وكان هذا ابتداء القصد لفتح مكة. # قوله تعالى: * (وطعنوا في دينكم) هذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين ~~الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد، ويجوز قتله. # قوله: * (فقاتلوا أئمة الكفر) يعني: رؤوس الكفر، ورءوس الكفر هم: أبو ~~سفيان، وسهيل بن عمرو، وأمية بن صفوان، وعكرمة بن أبي جهل * (إنهم لا أيمان ~~لهم) يعني: لا عهود لهم. وقرأ الحسن البصري: ' إنهم لا إيمان لهم ' وهو ~~اختيار ابن عامر، ويجوز أن تكون الأيمان هاهنا بمعنى الإيمان، تقول العرب: ~~أمنته إيمانا، فذكر المصدر وأراد به الاسم * (لعلهم ينتهون). # قوله تعالى: * (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم) معناه معلوم. # قوله * (وهموا بإخراج الرسول) معلوم * (وهم بدءوكم أول مرة) أراد به أنهم ~~بدءوا بالقتال في حرب بدر. قال أبو جهل - لعنه الله -: لا نرجع حتى نستأصل ~~محمدا وأصحابه * (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين) معناه: ~~ظاهر. # قوله تعالى: * (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم) معنى ~~الآية ظاهر. # وقوله: * (ويشف صدور قوم مؤمنين) يعني: خزاعة. # * (ويذهب غيظ قلوبهم) أي: خزاعة * (ويتوب الله على من يشاء والله عليم ~~PageV02P292 # * (صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله ~~عليم حكيم (15) أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم ~~يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ~~(16) ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ~~أولئك) ms0573 * * حيكم) روي عن النبي أنه قال يوم فتح مكة: ' ارفعوا السيف إلا ~~خزاعة عن بني بكر إلى العصر '. # قوله تعالى: * (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) ~~الآية، قال أهل التفسير: لما أمر الله تعالى نبيه بالقتال ظهر المنافقون، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية * (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم) والمراد من العلم هاهنا: العلم الذي يقع الجزاء عليه، وهو ~~العلم بعد الوجود لاعلم الغيب الذي لا يقع الجزاء عليه * (ولما يعلم الله) ~~يعني: ولم يعلم الله * (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين ~~وليجة) قال الفراء: الوليجة: البطانة، وهو خاصة الإنسان الذي يفشي سره ~~إليه، فصار معنى الآية * (ولما يعلم الله) ولم يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم، ولم يعلم الذين امتنعوا أن يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا ~~المؤمنين وليجة * (والله خبير بما تعملون) ظاهر. # قوله تعالى: * (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) معنى الآية: نفي ~~أهلية عمارة المسجد الحرام عن المشركين. # قوله * (شاهدين على أنفسهم بالكفر) و ' شاهدين ' نصب على الحال، وأما ~~شهادتهم على أنفسهم بالكفر: هي سجودهم للأصنام، وقولهم في التلبية: لبيك ~~اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملكك. PageV02P293 # * (حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك ~~أن يكونوا من المهتدين (18) أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ~~آمن بالله) * * وفيه قول آخر: أن معنى قوله: * (شاهدين على أنفسهم بالكفر) ~~هو أنك تقول لليهودي: ما أنت؟ فيقول: يهودي، وتقول للنصراني: ما أنت؟ ~~فيقول: نصراني، وكذلك المجوسي والمشرك. # قوله تعالى: * (أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون) الحبوط: هو ~~البطلان، وخالدون: دائمون. # قوله تعالى: * (إنما يعمر مساجد الله) سبب نزول الآية: أن العباس - رضي ~~الله عنه - لما أسر يوم بدر عيره أصحاب رسول الله بترك الإسلام والهجرة، ~~فقال: نحن عمار المسجد الحرام وسقاة الحجيج. # وفي ms0574 رواية: أنه لما أسلم قال للمسلمين: لئن سبقتمونا بالإسلام فقد كنا ~~نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحجيج، فأنزل الله تعالى هذه الآية * (إنما ~~يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم ~~يخش إلا الله) معناه: لم يترك الإيمان بالله من خشية أحد * (فعسى أولئك أن ~~يكونوا من المهتدين) وعسى من الله واجب. فإن قال قائل: أتقولون: إن كل من ~~عمر مسجدا بكون هكذا على ما قال الله تعالى؟ # قلنا: معنى الآية - والله أعلم - أن من كان بهذه الأوصاف كان أهل عمارة ~~المسجد الحرام، ولا يعمر المسجد الحرام إلا من استجمع هذه الأوصاف، وعمارة ~~المسجد الحرام بذكر الله، والرغبة إليه، والدعاء، والصلاة وغيره. # قوله تعالى: * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله) أكثر المفسرين على أن ~~هذه الآية نزلت في علي والعباس - رضي الله عنهما - وكان الذي عير العباس ~~بترك الإسلام PageV02P294 # والهجرة هو علي - رضي الله عنه - فقال العباس: نحن عمار المسجد الحرام، ~~وسقاة الحجيج، فقال الله تعالى * (أجعلتم سقاية الحاج) ومعناه: أجعلتم أهل ~~سقاة الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله. وقرئ: ' أجعلتم سقاة ~~الحاج وعمرة المسجد الحرام ' وعلى هذه القراءة لا يحتاج إلى تقدير الأهل * ~~(لا يستوون عند الله) معناه: لا يستوي من عبد الله وهو مؤمن، ومن عمر ~~المسجد وهو مشرك * (والله لا يهدي القوم الظالمين) وقد وردت أخبار في ~~الترغيب في عمارة المساجد: # روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي قال: ' من رأيتموه يعتاد ~~المساجد؛ فاشهدوا له بالإيمان، ثم قرأ قوله تعالى: * (إنما يعمر مساجد الله ~~من آمن بالله). # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي قال: ' من غدا أو راح إلى ~~المسجد أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح '. # وروى جابر - رضي الله عنه - أن النبي قال: ' المسجد سوق من أسواق الجنة، ~~من دخله كان ضيف الله، قراه: المغفرة، وتحيته: الكرامة؛ فإذا دخلتم ~~فارتعوا. قيل: ms0575 يا رسول الله، وما الرتاع؟ قال: الابتهال إلى الله والرغبة ~~'. # وقد صح عن النبي أنه قال: ' من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة ~~'. PageV02P295 # * (واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي ~~القوم الظالمين (19) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) يبشرهم ربهم برحمة ~~منه) * * وفي رواية عائشة - رضي الله عنها - أن النبي قال ' من بنى مسجدا ~~ولو كمفحص قطاة؛ بنى الله له بيتا في الجنة '. # قوله تعالى: * (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله) فإن قال قائل: كيف يستقيم قوله: * (أعظم درجة ~~عند الله) وليس للمشركين درجة أصلا؟ الجواب من وجهين: # أحدهما: أعظم درجة من درجتهم على تقديرهم في أنفسهم؛ وهذا مثل قوله ~~تعالى: * (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) ومعناه: على تقديرهم ~~في أنفسهم. # والثاني: أن هؤلاء الصنف من المؤمنين أعظم درجة عند الله من غيرهم. # ثم قال تعالى: * (وأولئك هم الفائزون) الفائز: الذي ظفر بأمنيته. # ثم قال تعالى: * (يبشرهم ربهم برحمة) الآية. والبشارة: خبر سار صدق؛ يسمى ~~بشارة لأنه تتغير به بشرة الوجه. PageV02P296 # * (ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) خالدين فيها أبدا إن الله عنده ~~أجر عظيم (22) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) قل إن ~~كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة) ~~* * قوله * (برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم) النعيم هو العيش ~~اللذيذ، والمقيم: الدائم، وهو من لا يظعن أبدا * (خالدين فيها أبدا إن الله ~~عنده أجر عظيم) معناه ظاهر. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء) ~~الآية: نزلت الآية في قو م أسلموا بمكة، فلما هاجر المسلمون لم يهاجروا. ~~قال ابن عباس: كان الرجل إذا أراد أن يهاجر تعلق به أهله وولده، وقالوا: ~~أتضيعنا وتتركنا، فيقيم شفقة عليهم؛ فأنزل الله تعالى ms0576 هذه الآية. # قوله تعالى: * (إن استحبوا الكفر على الإيمان) معناه: أي: اختاروا الكفر ~~على الإيمان. # قوله: * (ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) وكان في ذلك الوقت لا يقبل ~~الإيمان إلا من مهاجر؛ فهذا معنى قوله تعالى: * (فأولئك هم الظالمون). # قوله تعالى: * (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم) روي أن ~~الآية الأولى لما نزلت قال أولئك الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ~~ضاعت أموالنا وخربت دورنا، وقطعنا أرحامنا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: * (وعشيرتكم) قرئت بقراءتين: ' عشيرتكم ' و ' عشيراتكم ' ~~والأصح: ' عشيرتكم ' فإن جمع العشيرة هو عشائر، والعشيرات قالوا: ضعيف في ~~اللغة. # قوله تعالى: * (وأموال اقترفتموها) أي: اكتسيتموها، ومثله قوله تعالى: * ~~(ومن PageV02P297 # * (تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24) لقد نصركم ~~الله) * * يقترف حسنة) يعني: يكتسب. # قوله: * (وتجارة تخشون كسادها) معناه ظاهر. # وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال في قوله: * (وتجارة تخشون كسادها) ~~قال: هي الأخوات والبنات إذا لم يوجد لهن خاطب. حكاه النقاش في تفسيره. # قوله: * (ومساكن ترضونها) يعني: تستطيبونها. # قوله: * (أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا) معناه: ~~فانتظروا. # قوله * (حتى يأتي الله بأمره) أكثر المفسرين على أن المراد منه: فتح مكة، ~~وهذا أمر تهديد وليس بأمر حتم ولا ندب ولا إباحة. # قوله: * (والله لا يهدي القوم الفاسقين) معناه ظاهر. # قوله تعالى: * (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم ~~كثرتكم) الآية. حنين واد بين مكة والطائف * (إذ أعجبتكم كثرتكم) روي أن ~~النبي كان في اثني عشر ألفا، والمشركون أربعة آلاف، عليهم مالك بن عوف ~~النصري، فقال رجل من الأنصار يقال له: سلمة بن سلامة وقش: لن نغلب اليوم عن ~~قلة، فلم يرض الله تعالى قوله، ووكلهم إلى أنفسهم، فحمل المشركون حملة ~~انهزم المسلمون كلهم سوى نفر يسير بقوا مع رسول الله فيهم العباس بن عبد ~~المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب '. # وذكر ms0577 البخاري في ' الصحيح ' برواية البراء بن عازب: ' أن أبا سفيان بن ~~الحارث PageV02P298 # * (في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذاب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين) ~~* * كان آخذا برأس بغلة النبي يوم حنين، والنبي يقول: أنا النبي لا كذب، ~~أنا ابن عبد الله بن عبد المطلب '، ثم إن العباس - رضي الله عنه - نادى ~~المسلمين بأمر رسول الله - وكان رجلا صيتا - فجعل ينادي يا أصحاب سورة ~~البقرة، يا أنصار الله وأنصار رسول الله، يا أصحاب الشجرة، هذا رسول الله، ~~فرجعوا وقاتلوا ووقعت الهزيمة على الكفار... القصة إلى آخرها ' فهذا معنى ~~قوله: * (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) يعني: أن الظفر ~~ليس بالكثرة، بل بنصرة الله تعالى. # قوله تعالى: * (وضاقت عليكم الأرض بما رحبت) قال الفراء: الباء هاهنا ~~بمعنى ' في ' معناه: في رحبها وسعتها. وقيل المعنى: برحبها وسعتها. # قوله تعالى: * (ثم وليتم مدبرين) أي: متفرقين، أي: منهزمين. # قوله تعالى: * (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) الآية. ~~السكينة: الرحمة. وقيل: السكينة: الآمنة، وهي فعيلة من السكون، وهاهنا هي ~~بمعنى النصر، قال الشاعر: # (لله قبر بالبسيطة غالها * ماذا أجن سكينة ووقارا) قوله تعالى: * (وأنزل ~~جنودا لم تروها) يعني: الملائكة، ونزلت لا للقتال، ولكن لتجبين الكفار ~~وتشجيع المسلمين، فإن المروي أن الملائكة لم تقاتل إلا في يوم بدر. ~~PageV02P299 # * (ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27) يا أيها ~~الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ~~وإن) * * قوله تعالى: * (وعذب الذين كفروا) يعني: بالقتل والأسر، * (وذلك ~~جزاء الكافرين) معناه ظاهر. # قوله تعالى: * (ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم) ~~معناه ظاهر وهذا في الذين كفوا عن القتل. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس) معنى قوله * ~~(نجس) قذر، فإذا ضم إلى ms0578 غيره قيل: رجس نجس، وإذا أفرد قيل: نجس. # روي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: نجاستهم كنجاسة الكلب والخنزير. # وعن الحسن البصري قال: إذا صافح مسلم كافرا يجب عليه غسل يده. # والصحيح أن المراد من الآية: أنه يجب الاجتناب منهم كما يجب الاجتناب من ~~النجاسات. وقيل إن معنى قوله * (نجس): أنهم يجنبون فلا يغتسلون، ويحدثون ~~فلا يتوضئون. # قوله تعالى: * (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) هذا خبر بمعنى ~~أمر، ومعناه: لا تخلوهم أن يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا. # ومذهب المدنيين: أن المسجد الحرام هو جميع الحرم، ولا يترك كافر يدخله، ~~وإن كان معاهدا أو عبدا، وهذا قول عمر بن عبد العزيز وجماعة. # ومذهب الكوفيين: أنه يجوز أن يدخله المعاهد والعبد، وهذا مروي عن جابر. # وقوله: * (وإن خفتم عيلة) يعني: فقرا. وفي مصحف عبد الله بن مسعود - رضي ~~الله عنه -: ' وإن خفتم عائلة ' يعني: أمرا شاقا، يقال: عالني الأمر، أي: ~~شق علي. # وسبب نزول الآية: أن أهل مكة إنما كانت معايشهم من التجارات والأرباح، ~~فلما أمر الله تعالى المسلمين أن لا يخلوا الكفار أن يدخلوا المسجد الحرام، ~~قالوا: فكيف PageV02P300 # * (خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (28) ~~قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم) * * أمر معايشنا؟ وخافوا الفقر وضيق العيش، فقال الله تعالى لهم: * ~~(وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) فروي أنه أسلم أهل جرش - ~~بالجيم معجمة - وصنعاء، وسائر نواحي اليمن، وجلبوا الميرة الكثيرة إلى أهل ~~مكة، ووسع الله عليهم * (إن الله عليم حكيم) ومعناه ظاهر. # قوله تعالى: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله) فإن قال قائل: إن أهل الكتابين يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر، فكيف معنى الآية؟ # الجواب من وجهين: # أحدهما: أنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر كإيمان المؤمنين؛ فإنهم ms0579 ~~قالوا: عزير ابن الله، وقالوا: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: لا أكل ولا ~~شرب في الجنة. # والجواب الثاني: أن كفرهم ككفر من لا يؤمن بالله واليوم الآخر في عظم ~~الجرم. # قوله تعالى: * (ولا يدينون دين الحق) قال أبو عبيدة: ولا يطيعون الله ~~كطاعة أهل الحق. # قوله: * (من الذين أوتوا الكتاب حتى يطعوا الجزية عن يد وهم صاغرون) قال ~~قتادة: ' عن يد ': عن قهر وذل. وقال غيره: ' عي يد ' أي يعطي بيده. وفيه ~~قول ثالث: ' عن يد ' أي: عن إقرار بإنعام أهل الإسلام عليهم * (وهم صاغرون) ~~روي عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: معناه: وهم مذمومون. وعن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: يؤخذ ويوجأ في عنقه، فهذا معنى الصغار. ~~وقال غيره: يؤخذ منه وهو قائم، والآخذ جالس. وقيل: إنه يلبب ويجر إلى موضع ~~الإعطاء بعنف. وعند الشافعي - رضي الله عنه - معنى الصغار: هو جريان أحكام ~~الإسلام PageV02P301 # * (صاغرون (29) وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن ~~الله) * * عليهم. وهذا معنى حسن. # قوله تعالى: * (وقالت اليهود عزير ابن الله) هذا في قوم بأعيانهم كانوا ~~بالمدينة أفناهم السيف، منهم: سلام بن مشكم، ومالك بن ' الضيف '، وفنحاص ~~اليهودي، وأما الآن فلا يقول منهم أحد هذا. ويقال: إن القائلين لهذه ~~المقالة قوم من سلفهم ومتقدميهم. # وكان السبب في ذلك أن اليهود لما بدلوا وخالفوا شريعة التوراة نسخ الله ~~تعالى التوراة من صدورهم، فخرج عزير يسيح في الأرض يطلب العلم، فلقيه جبريل ~~- عليه السلام - فعلمه التوراة. وروي أنه نزل نور فدخل جوفه فقرأ التوراة ~~عن ظهر قلبه، فرجع وأملى التوراة على اليهود، فقال جماعة منهم هذه المقالة ~~يعني: عزير ابن الله. # * (وقالت النصارى المسيح ابن الله) هم على ذلك الآن. # قوله: * (ذلك قولهم بأفواههم) فإن قال قائل: الإنسان لا يقول قولا إلا ~~بفمه، فكيف يكون معنى هذا الكلام؟ # الجواب: أن معناه: أنهم قالوا هذا القول بلا حجة ولا بيان ولا برهان، ~~وإنما كان مجرد قول بلا أصل. # قوله تعالى: * (يضاهئون) قرئ بقراءتين، و ms0580 * (يضاهئون) يعني: يشابهون، ~~والمضاهاة: المشابهة والمماثلة، تقول العرب: امرأة ضهياء إذا كانت لا تحيض، ~~فهي تشبه الرجال. # قوله تعالى: * (قول الذين كفروا من قبل) فيه معنيان: # أحدهما: قول الذين أشركوا من قبل؛ فإن المشركين كانوا يقولون: مناة ~~واللات والعزى بنات الله. PageV02P302 # * (ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون (30) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ~~وما أمروا) * * والقول الثاني: أن النصارى قالوا في المسيح ما قالت اليهود ~~في عزير، فهذا معنى قوله: * (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل). # * (قاتلهم الله) قال أبو عبيدة: لعنهم الله، وقيل: قتلهم الله، كما تقول ~~العرب: عافاه الله، أي: أعفاه الله. # وفيه قول ثالث: أن هذه كلمة تعجب، قال الشاعر: # (فيا قاتل الله ليلى كيف تعجبني * وأخبر الناس أنى لا أباليها) وليس ~~المعنى تحقيق المقاتلة؛ ولكنه كلمة تعجب. # قوله تعالى: * (أنى يؤفكون) معناه: أنى يصرفون، يقال: أرض مأفوكة إذا صرف ~~عنها المطر، وقول مأفوك إذا كان مصروفا عن الحق. # قوله تعالى * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) يقال: ~~الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، وقد بينا فيها أقوالا من قبل. فإن ~~قال قائل: إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان، فأيش معنى قوله * (اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)؟ # قلنا: معناه: أنهم استحلوا ما أحلوا، وحرموا ما حرموا؛ فهذا معنى ~~عباداتهم لهم. وقد صح هذا المعنى برواية عدي بن حاتم، عن النبي. ~~PageV02P303 # * (إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) يريدون ~~أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ~~(32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33) يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في) * * قوله: * (والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) معناه ظاهر. # قوله ms0581 تعالى: * (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) معناه: يريدون أن ~~يخمدوا نور الله، والمراد من النور: القرآن، وقيل: هو محمد. # وقوله: * (بأفواههم) معناه: بتكذيبهم. # قوله: * (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله ولو كره المشركون) قال المفسرون: هذا عند نزول عيسى ابن مريم - عليه ~~السلام لا يبقى في الأرض أحد إلا أسلم. # وفي قوله: * (ليظهره على الدين كله) قول آخر: وهو أنه الإظهار بالحجة؛ ~~فدين الإسلام ظاهر على كل الأديان بالدليل والحجة. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله) الآية، وقد بينا معنى ~~الأحبار والرهبان من قبل وقوله: * (ليأكلون أموال الناس بالباطل) قال أهل ~~التفسير: إن المراد منه أخذ الرشاء في الأحكام والمآكل التي كانت لعلمائهم ~~على سفلتهم * (ويصدون عن سبيل الله) معناه: أنهم يمنعون الناس عن الإسلام، ~~وقوله: * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) الكنز هو ~~المال المجموع، قال الشاعر: PageV02P304 # * (سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) * * (لا در درى إن أطعمت نازلهم * ~~قرف الحتى وعندي البر مكنوز) والحتى قالوا: هو المقل. # واختلف أهل العلم في من نزلت هذه الآية، قال بعضهم: نزلت في أهل الكتاب، ~~والأكثرون أنها نزلت في الكل. # واختلفوا في الكنز، روي عن ابن عمر، وجماعة: أن الكنز كل مال لم تؤد ~~زكاته، وأما الذي أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا. وعن علي - رضي ~~الله عنه - أنه قال: أربعة آلاف درهم نفقة وما فوقها كنز. وقال بعضهم: ما ~~فضل عن الحاجة فهو كنز. # وقوله: * (ولا ينفقونها في سبيل الله) فإن سأل سائل وقال: إنه تقدم ذكر ~~الذهب والفضة جميعا، فكيف قال: ولا ينفقونها، ولم يقل: ولا ينفقونهما؟ # الجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أن المعنى: ولا ينفقون الكنوز في سبيل الله. # والثاني: أن معنى الآية: يكنزون الذهب ولا ينفقونه، ويكنزون الفضة ولا ~~ينفقونها، فاكتفى بأحدهما عن ms0582 الآخر، قال الشاعر: # (نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف) معناه: نحن بما عندنا ~~راضون، وأنت بما عندك راض. وفي مثل هذا قول الشاعر: # (إن شرخ الشباب والشعر الأسود * ما لم يعاض كان جنونا) يعني: ما لم ~~يعاضيا. # قوله: * (فبشرهم بعذاب أليم) معناه: ضع هذا الوعيد موضع البشارة، وإلا ~~فالوعيد لا يكون بشارة حقيقة. PageV02P305 # * (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) * * قوله تعالى: * (يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم) أي: يوقد عليها حتى تصير نارا. # قوله تعالى: * (فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) قال أهل التفسير: لا ~~يوضع درهم مكان درهم، ولا دينار مكان دينار؛ ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل ~~دينار ودرهم في موضعه. وفي حديث أبي أمامة الباهلي (رضي عنه): ' أن رجلا من ~~أهل الصفة مات وترك دينارا، فقال النبي: كيه. ومات آخر وترك دينارين فقال: ~~كيتان '. # وقد صح عن النبي أنه قال: ' يجعل الذهب والفضة صفائح، فيكوى بها في كل ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ~~'. # وروى ثوبان: ' أن الله تعالى لما أنزل هذه الآية شق على المسلمين مشقة ~~شديدة فقالوا: يا رسول الله، أي المال نتخذ، وقد أنزل في المال ما أنزل؟ ~~فقال: ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة تعينه على دينه '. ~~PageV02P306 # * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا ~~المشركين كافة) * * وفي الأخبار - أيضا - عن النبي: ' أن الكنز يتبعه حتى ~~يلقمه يده فيقضمها، ثم يتبع سائر جسده '. # وقد روي عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - أنه قال: الآية منسوخة بآية ~~الزكاة. وقال سائر العلماء: ليست بمنسوخة. وعن أبي بكر الوراق - رحمه الله ~~- أنه قال: إنما ذكر الجبهة والجنب والظهر؛ لأن الغني إذا رأى الفقير قبض ~~جبهته، وزوى ما بين عينيه، وولاه ظهره، وأعرض ms0583 عنه كشحه. # قوله تعالى: * (هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) وعيد ~~وتهديد. # قوله تعالى: * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله) قال ~~أهل التفسير: معنى الآية: هو أن الشهور التي تعبد بها المسلمون في صيامهم ~~وحجهم وأعيادهم وسائر أمورهم، هي الشهور بالأهلة، وقد كان أهل الجاهلية ~~يحسبون السنة بالشهور الشمسية، ويجعلون السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما ~~وربع يوم. وأما في الشريعة فالسنة ما بينا، ولهذا يكون الصوم تارة في ~~الشتاء وتارة في الصيف. # قوله: * (في كتاب الله) أي: في حكم الله، وقيل: في اللوح المحفوظ. * (يوم ~~خلق السماوات والأرض) ظاهر المعنى. # قوله: * (منها أربعة حرم) هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. واحد ~~فرد وثلاثة سرد. PageV02P307 # * (كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) إنما النسيء ~~زيادة في الكفر * * وقد صح عن النبي برواية أبي بكرة أنه قال: ' ألا إن ~~الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا ~~منها أربعة حرم 000 ' الخبر. # قوله: * (ذلك الدين القيم) أي: ذلك الحساب الصحيح. # قوله: * (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) اختلفوا في هذا على قولين: # أحدهما: أن قوله: * (فلا تظلموا فيهن) ينصرف إلى الأشهر الأربعة. # والثاني أنه منصرف إلى جميع أشهر السنة، وهذا محكي عن ابن عباس. # وأما الظلم في هذا الموضع: فهو ترك الطاعة وفعل المعصية. # وقوله: * (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلوكم كافة) أي: قاتلوا جميع ~~المشركين كافة كما قاتلوا جميعكم. # قوله: * (واعلموا أن الله مع المتقين) من الظلم بالنصرة والظفر. # قوله تعالى: * (إنما النسيء زيادة في الكفر) قرىء بغير الهمز، والمشهور ~~بالهمزة. قال أهل العربية: وهو الأصح، والنسيء: هو التأخير، يقال نسأ الله ~~في أجلك أي: أخر. # وسبب نزول الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يجعلون المحرم مرة حلالا ومرة ~~حراما، فإذا أحلوا المحرم أبدلوا الصفر بالتحريم، وكان السبب في ذلك أن ~~عامة معايشهم كانت بالغارات والقتال والسيوف، فكان يشق عليهم أن يكفوا عن ~~القتال ثلاثة أشهر متوالية، وكان الذي يتولى التحليل والتحريم ms0584 رجل من بني ~~كنانة يقال له: أبو ثمامة، ورثه عن آبائه، وكان يقوم على ناقة ويقول: أيها ~~الناس، أنا لا أعاب ولا أحاب ولا يرد قضاء قضيته، أما إني قد أحللت المحرم ~~وحرمت الصفر العام، قال رجل منهم: ألسنا الناسئين على معد شهور الحل يجعلها ~~حراما. فهذا هو معنى النسىء المذكور في الآية. PageV02P308 # * (يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم ~~الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين ~~(37) يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم ~~إلى الأرض أرضيتم) * * وقوله تعالى: * (زيادة في الكفر) معناه: زيادة كفر ~~على كفرهم. # قوله تعالى: * (يضل به الذين كفروا) أي: يضل الله به الذين كفروا، وقرئ ' ~~يضل به الذين كفروا ' على ما لم يسم فاعله، وقرئ ' يضل به الذين كفروا ' ~~وهو الأشهر، وهو ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (يحلونه عاما ويحرمونه عاما) قد ذكرنا المعنى. قوله: * ~~(ليواطئوا) ليوافقوا، والمواطأة: الموافقة، ومعناه: ليوافقوا * (عدة ما حرم ~~الله) يعني: عدد ما حرم الله * (فيحلوا ما حرم الله) فيقولوا: أربعة ~~وأربعة. قوله: * (زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين) ظاهر ~~المعنى. # وفي الآية قول آخر: وهو أن النسىء: تأخير الحج كل عام شهرا. قالوا: وحج ~~أبو بكر سنة تسع في ذي القعدة، وحج رسول الله سنة عشر في ذي الحجة، وهو ~~معنى قوله: ' ألا إن الزمان قد استدار كهيئته ' الخبر الذي ذكرنا. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض) نزلت الآية في غزوة تبوك، وكانت الغزوة في حارة ~~القيظ حين أينعت الثمار وطابت الظلال فشق على المسلمين مشقة شديدة وتخلف ~~بعضهم بالعذر، وتخلف بعضهم بلا عذر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (اثاقلتم إلى الأرض) أي: تثاقلتم؛ وحقيقة المعنى: قعدتم عن ~~الغزو وكرهتم الخروج. PageV02P309 # * (بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ~~(38) إلا تنفروا يعذبكم ms0585 عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا ~~والله على كل شيء قدير (39) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ~~ثاني اثنين إذ) * * وقوله: * (إلى الأرض) أي: إلى الدنيا، وسمى الدنيا ~~أرضا، لأنها في الأرض. # قوله: * (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) أي: بنعيم الدنيا من نعيم ~~الآخرة. # قوله * (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل). روى عن سعيد بن ~~جبير أنه قال: جميع الدنيا جمعة من جمع الآخرة. وقد صح عن النبي أنه قال: ' ~~ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع ~~'. # قوله تعالى: * (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) هذا تهديد ووعيد لمن ترك ~~النفر في سبيل الله، والنفر ضد الهدوء والسكون. # قوله: * (ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا) معناه: إن ضره راجع إليكم ~~لا إليه * (والله على كل شيء قدير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إلا تنصروه فقد نصره الله) معناه: إن لم تنصروه فقد نصره ~~الله * (إذ أخرجه الذين كفروا) قد بينا قصة إخراجهم في قوله تعالى: * (وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا) الآية. قوله: * (ثاني اثنين) معناه: أحد اثنين، تقول ~~العرب: خامس خمسة أي: أحد الخمسة، ورابع أربعة أي: أحد الأربعة. # قال المفسرون: عاتب الله جميع الناس بترك نصرة الرسول سوى أبي بكر - رضي ~~الله عنه - وقيل: نصرته عن خلقي إلا عن أبي بكر - رضي الله عنه - فإنه قد ~~نصره. # قوله تعالى: * (إذ هما في الغار) الغار: ثقب في الجبل، وهذا الجبل هو جبل ~~ثور، جبل قريب من مكة. PageV02P310 # * (هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته ~~عليه وأيده) * * قوله: * (إذ يقول لصاحبه) أي: لأبي بكر - رضي الله عنه - ~~باتفاق أهل العلم. # وروي أن النبي قال: ' أبو بكر صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض '. # وعن الحسين بن الفضل البجلي أنه قال: من قال: إن أبا بكر ليس بصاحب رسول ~~الله فهو كافر، لإنكاره نص القرآن، وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا ~~ولا ms0586 يكون كافرا. # قوله: * (لا تحزن إن الله معنا) روي ' أن النبي لما خرج مع أبي بكر - رضي ~~الله عنه - أمر عليا حتى اضطجع على فراشه، وذكر له أنه لا يصيبه سوء، وخرج ~~مع أبي بكر قبل الغار، وجاء المشركون يقصدون النبي فقام علي - رضي الله عنه ~~- من مضجعه فقالوا له: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فخرجوا في طلبه يقتفون ~~أثره حتى وصلوا إلى الغار، فلما أحس أبو بكر - رضي الله عنه - بهم خاف خوفا ~~شديدا، وقال: يا رسول الله، إن أقتل يهلك واحد، وإن تقتل تهلك هذه الأمة، ~~فقال له النبي: لا تحزن إن الله معنا '. وقد ثبت أن النبي قال له: ' يا أبا ~~بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما '. وفي القصة: أن الله تعالى أنبت ثمامة ~~على فم الغار، وهي شجرة صغيرة، وألهم حمامة حتى فرخت، وألهم عنكبوتا حتى ~~نسجت. # قوله تعالى: * (فأنزل الله سكينته عليه) فيه قولان: أحدهما: على النبي. ~~وهو اختيار الزجاج. # والآخر: أنه على أبي بكر، وهو قول الأكثرين؛ لأن السكينة هاهنا ما يسكن ~~به PageV02P311 # * (بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ~~والله عزيز حكيم (40) انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في ~~سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41) لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا ~~لاتبعوك) * * القلب؛ وأبو بكر - رضي الله عنه - كان هو الخائف والحزين دون ~~رسول الله. # وفي الآية قول ثالث: أن السكينة نزلت عليهما؛ ونقل في مصحف حفصة - رضي ~~الله عنها - ' فأنزل الله سكينته عليهما وأيدهما بجنود لم تروها ' قوله: * ~~(وأيده بجنود لم تروها) الجنود هاهنا: الملائكة، نزلوا فألقوا الرعب في ~~قلوب الكفار حتى رجعوا. قوله: * (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى) كلمتهم: ~~الشرك؛ وهي السفلى إلى يوم القيامة * (وكلمة الله هي العليا) يعني: لا إله ~~إلا الله، وهي العليا إلى يوم القيامة. قوله: * (والله عزيز حكيم) قد بينا ~~معنى العزيز الحكيم. # قوله تعالى: * (انفروا خفافا وثقالا) يقال: إن هذه الآية أول آية أنزلت ~~من سورة التوبة. # قوله: ms0587 * (خفافا وثقالا) فيه أقوال: روي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: ~~نشاطا وغير نشاط. قال الأزهري: النشاط جمع النشيط. # والقول الثاني: قول الحسن البصري: انفروا في اليسر والعسر. وهذا قول حسن. ~~وعن الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل. وعن أبي طلحة صاحب النبي: # شيوخا وشبابا. وفيه قول خامس: رجالة وركبانا. * (وجاهدوا بأموالكم ~~وأنفسكم في سبيل الله 000) إلى آخر الآية، معناه ظاهر، وقيل: إن هذه الآية ~~منسوخة بقوله تعالى: * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) الآية، والله أعلم. # قوله تعالى: * (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك) أي: لو كانت ~~غنيمة قريبة المتناول * (وسفرا قاصدا) أي: سفرا قصيرا سهلا [قريبا] * ~~(لاتبعوك) أي: PageV02P312 # * (ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون ~~أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين ~~لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) إنما يستئذنك ~~الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت فهم في ريبهم يترددون (45) ولو ~~أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل) * * ~~لخرجوا معك * (ولكن بعدت عليهم الشقة) أي: بعد عليهم السفر، والشقة في ~~اللغة: هي الغاية التي يقصد إليها. # قوله * (وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم) هذا في المنافقين. # قوله تعالى: * (يهلكون أنفسهم) يعني: باليمين الكاذبة. قوله: * (والله ~~يعلم إنهم لكاذبون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (عفا الله عنك لم أذنت لهم) روي عن عمرو بن ميمون الأودي ~~أنه قال: فعل رسول الله شيئين بغير إذن من الله: فداء أسارى بدر، وأذن ~~للمتخلفين في غزوة تبوك، فعاتبه الله تعالى فيهما جميعا. وفي تقديم قوله ~~تعالى: * (عفا الله عنك) معنى لطيف في حفظ قلب النبي. # قوله: * (حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر) معناه: لا ~~يستأذنك في التخلف. # قوله * (أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) الآية، معلوم، ثم ~~قال: * (إنما يستأذنك الذين لا ms0588 يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم) ~~أي: شكت قلوبهم * (فهم في ريبهم يترددون) يتحيرون. # ثم قال: * (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) يعني: لو قصدوا الخروج ~~لأعدوا له PageV02P313 # * (اقعدوا مع القاعدين (46) لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) لقد) * ~~* عدة أي: أهبة السفر من الزاد والراحلة وغيرهما * (ولكن كره الله ~~انبعاثهم) معناه: خروجهم * (فثبطهم) معناه: فكسلهم وكفهم عن الخروج * (وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين) قال مقاتل بن سليمان: وحيا إلى قلوبهم. وقال غيره: قال ~~بعضهم لبعض: اقعدوا مع القاعدين. # قوله تعالى: * (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا) هذه الآية نزلت في ~~شأن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ومعنى قوله: * (خبالا) أي: فسادا ~~وشرا، ومعنى الفساد: هو إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين. # وقوله * (ولأوضعوا خلالكم) الإيضاع: هو سرعة السير. قال الراجز شعر: # (يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع) قال الزجاج: معنى الآية: أسرعوا ~~فيما يخل بكم. وقال غيره: أسرعوا بينكم بايقاع البغضاء والعداوة بالنميمة، ~~ونقل الحديث من بعض إلى بعض، وعلى هذا قوله: * (خلالكم): وسطكم * (يبغونكم ~~الفتنة) يطلبون لكم الفتنة، وفي الفتنة معنيان: أحدهما: أنها الشرك، ~~والآخر: أنها تفريق الكلمة. # * (وفيكم سماعون لهم) فيه قولان: # أحدهما: أن فيكم جواسيس لهم ينقلون الحديث إليهم، وسئل ابن عيينة: هل في ~~القرآن ذكر للجواسيس؟ قال: نعم. وذكر هذه الآية. # والقول الثاني: * (وفيكم سماعون لهم) قائلون لهم أي: يقبل ما يقولون، ~~ومنه ما ورد في الصلاة: ' سمع الله لمن حمده ' قبل الله لمن حمده. وعن أبي ~~عبيدة: وفيكم سماعون لهم: مطيعون لهم. والمعنى قريب من القول الثاني. ~~PageV02P314 # * (ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون (48) ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين (49) إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد ~~أخذنا) * * (والله عليم بالظالمين) معناه معلوم. فإن قال قائل: قد قال في ~~أول الآية: * (مازادوكم إلا خبالا) ms0589 وكان النبي وأصحابه في خبال حتى يزيدوا؟ # الجواب: إن معنى الآية: مازادوكم قوة؛ بل طلبوا لكم الخبال. # قوله تعالى: * (لقد ابتغوا الفتنة من قبل) الآية، الابتغاء: الطلب، ~~والفتنة: إيقاع الاختلاف المؤدي إلى تفريق الكلمة. وقوله * (وقلبوا لك ~~الأمور) ومعناه: صرفوا لك الأمور وأرادوها ظهرا لبطن وبطنا لظهر، وحقيقة ~~المعنى: أنهم طلبوا بكل حيلة إفساد أمرك * (حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم ~~كارهون) معناه معلوم. # قوله تعالى: * (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني) أكثر المفسرين أن هذه ~~الآية نزلت في رجل من المنافقين يقال له: الجد بن قيس قال له رسول الله: ' ~~هل لك في جلاد بني الأصفر - يعني الروم - لعلك تصيب منهم سرارى. قال رسول ~~الله حثا له على الخروج، فقال: يا رسول الله، ائذن لي - يعني: في التخلف - ~~ولا تفتني - يعني: بنساء الروم - قال: قومي علموا أني بالنساء مغرم، يعني: ~~معجب '. # وهذا أحد القولين في قوله: * (ولا تفتني). # والقول الثاني: إن معناه: لا تؤثمني، قال قتادة، ومعناه: لا تسمني ~~للخروج، والخروج عسير علي فأتخلف فأقع في الإثم. PageV02P315 # * (أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله ~~لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) قل هل تربصون بنا إلا إحدى ~~الحسنيين) * * قوله: * (ألا في الفتنة سقطوا) فيه معنيان: # أحدهما: ألا في جهنم سقطوا، والآخر: ألا في الشرك سقطوا. # * (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) محدقة بالكافرين. # قوله تعالى: * (إن تصبك حسنة تسؤهم) الحسنة هاهنا هي النعمة التي تطيب ~~بها نفس الإنسان، وتلذ عيشه. وفي غير هذا الموضع الحسنة بمعنى الطاعة.. # * (وإن تصبك مصيبة) المصيبة هاهنا هي البلية في القتال بإصابة الكافرين ~~من المسلمين، يقال: إن الحسنة المذكورة كانت يوم بدر، والمصيبة المذكورة ~~كانت يوم أحد. # وقوله: * (يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل) يعني: حذرنا من قبل، ومعناه: ~~احترزنا من الوقوع في المصيبة * (ويتولوا وهم فرحون) معناه معلوم. # قوله تعالى: * (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) أمر الله تعالى ~~المؤمنين بأن يجيبوهم بهذا. # وقوله: * (إلا ms0590 ما كتب الله لنا) أي: علينا، وقيل: معناه: ما أخبر الله ~~لنا * (هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون) وهو حافظنا وناصرنا وعليه ~~يعتمد المؤمنون، وفي الخبر المعروف برواية أبي الدرداء أن النبي قال: ' لا ~~يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما ~~أخطأه لم يكن ليصيبه '. # قوله تعالى: * (قل هل تربصون بنا) هل تنتظرون بنا * (إلا إحدى الحسنيين) ~~PageV02P316 # * (ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا ~~معكم متربصون (52) قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما ~~فاسقين (53) وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ~~ولا يأتون) * * تثنيه الحسنى: الحسنيان، أحدهما: الظفر، والأخرى: الشهادة. # وروى أبو هريرة عن النبي أنه قال: ' ضمن الله لمن خرج في سبيله إيمانا ~~واحتسابا أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه مع ما نال من ~~أجر أو غنيمة '. # وقوله: * (ونحن نتربص بكم) أي: ننتظر بكم * (أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده أو بأيدينا) العذاب من عنده هو القارعة تنزل من السماء، والعذاب بأيدي ~~المؤمنين هو العذاب بالسيف * (فتربصوا إنا معكم متربصون) فانتظروا إنا معكم ~~منتظرون. # قوله تعالى: * (قل أنفقوا طوعا أو كرها) هذا أمر بمعنى الشرط، ومعناه: إن ~~أنفقتم طوعا أو كرها * (لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين) لأنكم كنتم ~~قوما فاسقين، والفسق هاهنا هو الكفر. # قوله تعالى: * (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله) معناه: أن المانع من قبول نفقاتهم كفرهم بالله وبرسوله. # وقوله: * (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) أي: متثاقلين. فإن قيل: كيف ~~ذكر الكسل في الصلاة ولا صلاة أصلا؟ # قلنا: الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل؛ فإن الكفر مكسل والإيمان ~~منشط، ويقال: أصل كل كفر الكسل، وفي المثل: الكسل أحلى من العسل * (ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون) معلوم المعنى. وحقيقة المعنى في الكل: أنهم لا ~~يصلون ولا ينفقون إلا خوفا، فأما تقربا إلى الله ms0591 فلا. PageV02P317 # * (الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون (55) ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم ~~يفرقون) * * قوله تعالى: * (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) الإعجاب بالشيء ~~هو السرور به. # وقوله: * (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا) فيه سؤال، وهو ~~أنه يقال: كيف يكون التعذيب بالمال والولد وهم يتنعمون بالأموال والأولاد؟ # الجواب من وجوه: # أحدهما: أن في الآية تقديما وتأخيرا، كأنه تعالى قال: فلا تعجبك أموالهم ~~ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. # والقول الثاني: أن التعذيب بالمصائب الواقعة في المال والولد. # الثالث: أن معنى التعذيب هو التعب في الجمع، وشغل القلب بالحفظ، وكراهة ~~الإنفاق مع الإنفاق، وتحليفه عند من لا يحمده، وقدومه على من لا يعدله. # وقوله * (وتزهق أنفسهم وهم كافرون) تخرج أنفسهم وهم كافرون. # وفي الآية رد على القدرية، وهو ظاهر. # قوله تعالى: * (ويحلفون بالله إنهم لمنكم) يعني: من جملتكم * (وما هم ~~منكم) يعني: ليسوا من جملتكم * (ولكنهم قوم يفرقون) أي: يخافون. # وفي الحكايات: أن بعض الملحدين رئي يصلي صلاة حسنة، فسئل عن ذلك فقال: ~~عادة أهل البلد، وصيانة المال والولد. # قوله تعالى: * (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا) قال قتادة: والملجأ: ~~الحصون، والمغارات: الغيران، والمدخل: الأسراب. وهذا قول حسن. فمعنى الآية: ~~لو يجدون مخلصا منكم ومهربا لفارقوكم، وهذا معنى قوله تعالى: * (لولوا إليه ~~وهم يجمحون) يعني: يسرعون، يقال: فرس جموح إذا لم يكن رده عن وجهه بشيء. ~~PageV02P318 # (* (56) لو يجدون ملجئا أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) ~~ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون (58) ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59)) * * قال الشاعر: # (لقد جمحت جماحا في دمائهم * حتى رأيت ذوي الأشراف قد خمدوا) وروي عن أنس ~~أنه ms0592 قرأ: ' وهم يجمرون ' والمعنى قريب في الأول. # قوله تعالى: * (ومنهم من يلمزك في الصدقات) يعني: يعيبك في إعطاء ~~الصدقات، ويقال: الهمزة واللمزة بمعنى واحد، ويقال: اللمزة الذي يعيب الناس ~~بقوله، والهمزة: الذي يشير بطرفه [هزاء]. # سبب نزول الآية: ' أن ذا الخويصرة التميمي - واسمه: حرقوش بن زهير - أتى ~~رسول الله وهو يقسم، فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال: فمن يعدل إن لم أعدل. ~~ثم قال: يخرج من ضئضىء هذا أقوام تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند ~~صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ' الخبر فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: * (فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) ~~هذا في ثعلبة بن حاطب وأصحابه، كانوا يرضون إن أعطوا كثيرا، وإن أعطوا ~~القليل سخطوا وعابوا. # قوله تعالى: * (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله) ~~كافينا الله * (سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون) يعني: لو ~~رضوا بما فعلت PageV02P319 # * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب) * * ورغبوا في الزيادة كان خيرا لهم من سخطهم وعيبهم. # قوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) الآية، الفقير في اللغة: ~~هو المحتاج الذي كسرت الحاجة فقار ظهره، والمسكين: الذي ضعفت نفسه عن ~~الحركة في طلب القوة فسكنت، وأما الكلام ففي الفقير والمسكين نفى الآية ~~أقوال كثيرة. # أحدها: روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري أنهم قالوا: الفقير: الذي ~~لا يسأل، وقال بعضهم على خلاف ذلك. # والثاني: قول قتادة، وهو أن الفقير الذي به زمانة ولا شيء له، والمسكين: ~~الذي لا شيء له وليس به زمانة، وقال بعضهم على ما قاله قتادة. # والثالث: أن الفقراء هم المهاجرون، والمساكين هم الأعراب، وهذا قول ~~إبراهيم النخعي. # والرابع: أن الفقراء هم المسلمون المحتاجون، والمساكين هم أهل الحاجة من ~~أهل الذمة. # وفيه قول خامس: أن الفقير والمسكين واحد. واختلفوا أيهما أحوج، فمذهب ~~الشافعي - رحمه الله - أن الفقير أحوج من المسكين، واستدل بقوله تعالى: * ~~(أما السفينة فكانت لمساكين) فسماهم مساكين ms0593 مع أن لهم سفينة. وزعم الأصمعي ~~وجماعة من أهل اللغة أن المسكين أحوج من الفقير، وأنشدوا: # (أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم تترك له [سبد]) قال يونس ~~النحوي: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: بل مسكين - يعني: أدون من الفقير. ~~PageV02P320 # * (والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ~~(60)) * * قوله تعالى: * (والعاملين عليها) يعني: السعادة، ولهم سهم من ~~الصدقات معلوم. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن لهم بقدر أجر المثل. # وقوله: * (والمؤلفة قلوبهم) قال أهل العلم: المؤلفة قلوبهم صنفان: ~~مسلمون، ومشركون، وكل صنف على صنفين: أما المسلمون قوم كان إيمانهم ضعيفا ~~مثل: أبي سفيان بن حرب، وعيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس، وعباس بن ~~مرداس وأمثالهم، كان رسول الله يعطيهم ليتألفوا على الإيمان فيقوي إيمانهم، ~~وصنف كان إيمانهم قويا مثل: عدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر وغيرهما، كان ~~يعطيهم ليتألف عشيرتهم. # وأما المشركون فصنفان: صنف كان يدفعهم ليدفع أذاهم عن المسلمين، مثل عامر ~~ابن الطفيل وغيره، وصنف كان يعطيهم ليؤمنوا ويميلوا إليه مثل صفوان بن أمية ~~بن خلف، ومالك بن عوف النصري وغيرهما. # واختلفوا أن سهم المؤلفة قلوبهم هل بقي بعد النبي؟ # قال الشعبي وجماعة: قد سقط. وهو قول أكثر أهل العلم. وقال الزهري: هو ~~باق. وقد حكى عن الشافعي كلا القولين، والصحيح هو الأول. # وقوله: * (وفي الرقاب) فيه قولان: # أحدهما: أنهم المكاتبون. وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. # وقال مالك: يشترى بذلك السهم رقاب فيعتقون. الصحيح هو الأول. # قوله: * (والغارمين) قال مجاهد: هؤلاء قوم أحرقت النار دورهم، وأذهب ~~السيل أموالهم فادانوا لنفقاتهم. وقال غيره: هو كل من لحقه غرم بسبب لا ~~معصية فيه. PageV02P321 # * (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب ~~أليم (61) يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا ~~مؤمنين) * * وقوله: * (وفي سبيل الله) هؤلاء الغزاة والحجاج، وقوله: * (في ~~سبيل الله): ms0594 في طاعة الله * (وابن السبيل) فيه قولان: # أحدهما: أنه الذي قطع عليه الطريق فبقي فقيرا لا مال له. والذي عليه ~~الفقهاء أنه الذي بعد عن ماله؛ فيصرف إليه سهم من الصدقات وإن صار غنيا في ~~بلده. # وحكى ابن الأنباري قولا ثالثا: أن ابن السبيل هو الضيف. # قوله تعالى: * (فريضة من الله) أي: افترض الله ذلك فريضة * (والله عليم ~~حكيم) عليم بما يصلح خلقه، حكيم فيما دبره. # قوله تعالى: * (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) الأذن هاهنا: هو ~~من يسمع كل ما قيل له. قال الشاعر: # (أيها القلب تعلل بددن * إن همي في سماع وأذن) وسبب نزول الآية: أن ~~المنافقين قالوا: قولوا ما تريدون ثم أنكروا واحلفوا؛ فإن محمدا أذن يسمع ~~كل ما قيل له ويقبله. # * (قل أذن خير لكم) يعني: هذه الخلة خير لكم، فكأنه قال: مستمع خير خير ~~لكم، ومستمع شر شر لكم * (يؤمن بالله) يصدق بالله * (ويؤمن للمؤمنين) ويصدق ~~المؤمنين * (ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) ~~معناه ظاهر. وقرئ: ' أذن خير لكم ' أي: أصلح لكم. # قوله تعالى: * (يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن ~~كانوا مؤمنين) معناه ظاهر. # وقوله: * (إن كانوا مؤمنين) قيل: يعني: ما كانوا مؤمنين. PageV02P322 # (* (62) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ~~ذلك الخزي العظيم (63) يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في ~~قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون (64) ولئن سألتهم ليقولن إنما ~~كنا) * * قوله تعالى: * (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله) يحادد الله: ~~يعني: من يكون في حد وجانب من الله ورسوله * (فإن له نار جهنم خالدا فيها ~~ذلك الخزي العظيم) الفضيحة العظيمة والنكال العظيم. # قوله تعالى: * (يحذر المنافقون) فيه قولان: # أحدهما: أنه خبر بمعنى الأمر، ومعناه: ليحذر المنافقون. # والآخر: أنه بمعنى الإخبار عنهم؛ إذ كانوا يستهزئون ويخافون الفضيحة ~~بنزول القرآن في شأنهم. # قوله تعالى: * (أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم) وقد بينا أن ms0595 ~~هذه السورة تسمى المبعثرة والفاضحة؛ فهذه الآية تشير إلى ما قدمنا. # وقد روي عن عبد الله بن عباس قال: أنزل الله تعالى ذكر سبعين رجلا من ~~المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم، ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة ورأفة ~~على المؤمنين؛ لأن أولادهم كانوا مؤمنين، فنسخ ذلك لئلا يعير بعضهم بعضا. # قوله تعالى: * (قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون) معناه ظاهر. # قوله تعالى: * (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب). # سبب نزول الآية: ' أن النبي كان يسير في غزوة تبوك وقدامه ثلاثة من ~~المنافقين، اثنان يستهزئان، والثالث يضحك ' وقيل: إن استهزاءهم: أنهم كانوا ~~يقولون: إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم، ما أبعده عن ذلك. # وقيل: إنهم كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه نزل القرآن في شأن أصحابنا ~~المقيمين PageV02P323 # * (نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون (65) لا تعتذروا قد ~~كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ~~(66) المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن) * * ~~بالمدينة، وإنما هو قوله وكلامه. فهذا معنى الآية؛ فإنه روي أن النبي أرسل ~~إليهم: ماذا كنتم تقولون؟ فقالوا: إنا كنا نخوض فيما يخوض فيه الركب، فقال ~~الله تعالى: * (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون). # وروي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: ' رأيت عبد الله بن ~~أبي ابن سلول يشتد قدام النبي والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ~~ونلعب؛ ورسول الله يقول: * (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون) '. # قوله تعالى: * (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) فإن قال قائل: قد كفرتم ~~بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين. # الجواب عنه: أن معناه: أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان. # وقوله تعالى: * (إن نعف عن طائفة منكم) قرئ: ' نعف ' ومعناهما واحد، ~~والطائفة هاهنا رجل واحد كان يسمى مخشى بن حمير، وكان هو الذي يضحك ولا ~~يخوض معهم، وروى أنه جانبهم فقال: * (إن نعف عن طائفة منكم) يعني: هذا ~~الواحد * (نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) معناه معلوم. # قوله تعالى: * (المنافقون ms0596 والمنافقات بعضهم من بعض) الآية، قوله: * ~~(بعضهم من بعض) فيه قولان: # أحدهما: أن بعضهم على دين البعض. PageV02P324 # * (المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ~~(67)) * * والآخر: أن أمرهم واحد، وهذا كالرجل يقول لغيره: أنا منك، يعني: ~~أمري وأمرك واحد. # * (يأمرون بالمنكر) فيه قولان: # أحدهما: أن المنكر: هو الشرك، والمعروف: هو الإيمان بالله. # وعن أبي العالية الرياحي أنه قال: كل ما ذكر من المنكر في القرآن فهو ~~عبادة الأوثان والشرك بالله. # والقول الثاني: أن المنكر: هو معصية الله تعالى، والمعروف: هو طاعة الله. # وقوله تعالى: * (وينهون عن المعروف) القول المعروف أن معنى قوله: * ~~(ويقبضون أيديهم) يمسكون عن الإنفاق في سبيل الله. # والقول الثاني: يقبضون أيديهم أي: عن الجهاد في سبيل الله. # وقال بعض المتأخرين: يعني: لا يبسطونها للدعاء والرغبة إلى الله. # قوله تعالى: * (نسوا الله فنسيهم) أي: تركوا أمر الله فتركهم من رحمته. ~~وروي عن قتادة أنه قال: نسوا من الخير ولم ينسوا من الشر. # قوله تعالى: * (إن المنافقين هم الفاسقون) يعني: هم الخارجون عن طاعة ~~الله. # وقد صح عن النبي أنه قال: ' علامة المنافق ثلاثة: إذا قال كذب، وإذا ~~ائتمن خان، وإذا وعد (خلف) '. وفي بعض الروايات: ' إذا عاهد غدر '. وفي بعض ~~الأخبار: ' لا يأتون الصلاة إلا دبرا ولا يقرءون القرآن إلا هجرا '. وفي ~~بعض الروايات عن ابن عباس: أن عدد المنافقين من الرجال في زمان رسول الله ~~كان ثلاثمائة، وعدد النساء مائة وسبعون. PageV02P325 # * (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ~~ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكر قوة وأكثر ~~أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من ~~قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك هم الخاسرون (69) ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود) ~~* * قوله تعالى: * (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين ~~فيها) معلوم. وقوله: * (هي حسبهم) أي: كافيتهم * (ولعنهم الله) أي: أبعدهم ~~الله من رحمته * (ولهم عذاب ms0597 مقيم) أي: دائم. # قوله تعالى: * (كالذين من قبلكم) معناه: أنتم يا معشر المنافقين كالذين ~~من قبلكم. قوله: * (كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا ~~بخلاقهم) الخلاق: النصيب، وقيل: الحظ الوافر. ومعنى الآية: استمتعوا ~~باتباعهم الشهوات * (كما استمتعتم بخلاقكم) باتباعكم الشهوات، وقيل: معنى ~~الآية: رضوا بنصيبهم من الدنيا عن نصيبهم من الآخرة. وقوله تعالى: * (وخضتم ~~كالذي خاضوا) يعني: لعبوا واستهزءوا كما فعلتم. قوله تعالى: * (أولئك حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون) معناه: كما حبطت أعمالهم ~~وخسروا كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم. وقد روي عن النبي أنه قال: ' لتتبعن سنن ~~من قبلكم حتى لو دخل أحدهم في جحر ضب ليدخلنه أحدكم '. وعن عمر - رضي الله ~~عنه - قال: ما أشبه الليلة بالبارحة في الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: * (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم) أي: خبر الذين من قبلهم * ~~(قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين) ومدين اسم قرية شعيب. قوله: ~~* (والمؤتفكات) هي: قريات لوط؛ سميت مؤتفكة؛ لأن الله تعالى قلبها بهم. ~~قوله: PageV02P326 # * (وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (70) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (71) وعد الله ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة ~~في) * * (أتتهم رسلهم بالبينات) بالحجج * (فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون) معناه: ما نقص الله حظهم؛ ولكن نقصوا هم حظهم، وضروا ~~بأنفسهم. # قوله تعالى: * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) هذه الولاية هي ~~ولاية الدين واتفاق الكلمة. ويقال في تفسير الآية: المهاجرون والأنصار ~~بعضهم أولياء بعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض. # قوله تعالى: * (يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة) إلى آخر الآية معناه معلوم. وقوله: * (ويطيعون الله ورسوله أولئك ~~سيرحمهم الله) قال عطاء بن أبي رباح: هو اتباع الكتاب والسنة. وقوله: * (إن ~~الله كان عزيزا حكيما) أي: ms0598 عزيز في نصره، حكيم في تدبيره. # قوله تعالى: * (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها) الجنات: البساتين * (تجري من تحتها الأنهار) هذه الأنهار هي ~~الأنهار التي ذكر الله تعالى في سورة محمد. # قوله: * (ومساكن طيبة) روي عن عبد الله بن عباس أنه قال: * (ومساكن طيبة) ~~هي قصر من لؤلؤ فيها سبعون دارا من الزبرجد، في كل دار سبعون بيتا من ~~الياقوت، في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على ~~كل فراش زوجة من الحور العين. وفي الآثار - أيضا - أن قوله: * (في جنات ~~عدن) قال: إن جنة عدن هي مأوى الأنبياء والصديقين والشهداء، وسائر الجنان ~~حواليها. وقيل: إن جنة عدن في السماء السابعة لا يدخلها إلا نبي أو صديق أو ~~إمام عدل أو رجل محكم في نفسه. ومعنى قوله ' محكم في نفسه ' يعني: خير بين ~~الكفر والقتل فاختار PageV02P327 # * (جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم (72) يا أيها النبي ~~جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (73) يحلفون ~~بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر) * * القتل. وأما جنة المأوى فهي في ~~السماء الدنيا. وقوله: * (عدن) أي: موضع الإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا ~~أقام به، قال الشاعر: # (فإن تستضيفوا إلى حلمه * تضيفوا إلى راجح قد عدن) وقوله تعالى: * ~~(ورضوان من الله أكبر) معناه: رضا الله أكبر من هذه التحف. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي قال: ' إن الله تعالى يقول: يا أهل الجنة. ~~فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم عني؟ فيقولون: ~~وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا أفضل ما تعطي أحدا من خلقك؟! فيقول: وأنا ~~أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وما أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل - أي: أنزل - ~~عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا '. خرجه البخاري ومسلم في كتابيهما. # قوله * (ذلك هو الفوز العظيم) معناه ظاهر. # * (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) قال أهل التفسير: ~~معناه: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان. وروي عن ms0599 عبد الله بن مسعود ~~أنه قال: لا تلق المنافق إلا بوجه مكفهر. وروي عنه أنه قال: يجاهد بيده، ~~فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وقوله تعالى: * (واغلظ عليهم) ~~الغلظة ها هنا: هو الانتهار الشديد. قوله: * (ومأواهم جهنم وبئس المصير) ~~معناه ظاهر. # قوله تعالى: * (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر) الآية نزلت ~~في المنافقين أيضا. واختلف القول في كلمة الكفر. # قال بعضهم: كلمة الكفر: هي سب محمد. وقال بعضهم: كلمة الكفر: هي قول ~~الجلاس بن سويد؛ فإنه قال: لئن كان ما يقول محمد حق فنحن شر من الحمير. ~~PageV02P328 # * (وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ~~ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما ~~في الدنيا) * * وفيه قول ثالث: أن كلمة الكفر هي قولهم: لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وعنوا بالأعز: عبد الله بن أبي بن سلول، ~~وقالوا: نتوجه بالتاج خلافا على محمد. # وقوله تعالى: * (وكفروا بعد إسلامهم) معناه: وأظهروا الكفر بعد إظهارهم ~~الإسلام. # وقوله تعالى: * (وهموا بما لم ينالوا) يعني: قصدوا ما لم يدركوه؛ فإنه ~~روي أن اثني عشر نفرا من المنافقين اجتمعوا في غزوة تبوك ليغتالوا النبي. ~~وروي أنهم قصدوا أن يوقعوه من العقبة في الوادي، فدفع الله شرهم عن النبي؛ ~~فهذا معنى قوله: * (وهموا بما لم ينالوا). وقوله تعالى: * (وما نقموا إلا ~~أن أغناهم الله ورسوله من فضله) نقموا أي: كرهوا، قال الشاعر في مدح بني ~~أمية شعرا: # (ما نقموا من بني أمية * إلا أنهم (يحلمون) إن غضبوا) (وأنهم سادة الملوك ~~* ولا يصلح إلا عليهم العرب) وقوله تعالى: * (إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله) يعني: بالغنائم. وروي: ' أن الجلاس بن سويد كان تحمل بحمالة فأداها ~~عنه رسول الله '. وروي أن عبد الله بن أبي بن سلول كانت له دية على قوم ~~فأمر النبي أن يوفر عليه. فهذا كله معنى قوله تعالى: * (إلا أن أغناهم الله ~~ورسوله من فضله). # قوله ms0600 تعالى: * (فإن يتوبوا يك خيرا لهم) روي أنه لما نزلت هذه الآية قال ~~الجلاس بن سويد: إني أرى الله يعرض علي التوبة، وإني قد تبت إلى الله مما ~~كنت فيه؛ فروي PageV02P329 # * (والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير (74) ومنهم من عاهد الله ~~لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله ~~بخلوا) * * أنه صح إيمانه واستشهد يوم اليمامة. # قوله تعالى: * (وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ~~وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير) إلى آخر الآية، معناه ظاهر. # ويقال في قوله تعالى: * (وما نقموا إلا أن أغناهم الله) يعني: ليست لهم ~~كراهة ولا نقمة، وهذا مثل قول الشاعر: # (ولا عيب فينا غير أن سيوفنا * بهن فلول من قراع الكتائب) يعني: لا عيب ~~فينا أصلا. # قوله تعالى: * (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين) أي: لنتصدقن، وأدغمت التاء في الصاد وشددت، أي: لنصدقن في وجوه ~~الخير من الجهاد وغيره، ولنكونن من الصالحين. قيل: مثل عثمان بن عفان وعبد ~~الرحمن بن عوف وغيرهما في البذل والعطاء. # في الآية قولان: أحدهما: أنها نزلت في رجل من الأنصار كان له مال غائب، ~~فقال: إن رد الله على مالي لأفعلن كذا وكذا، فرد الله عليه ماله فلم يفعل ~~شيئا، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية. # والقول الثاني: أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب. روى أبو أمامة الباهلي: ' أن ~~ثعلبة ابن حاطب جاء إلى النبي وقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني ~~مالا، فقال: قليل يكفيك خير من كثير لا تقوم بحقه فقال: يا رسول الله، ادع ~~الله أن يرزقني مالا، فقال: أما ترضى أن تكون مثل رسول الله، فوالله لو ~~أردت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن ~~يرزقني مالا، فوالله لاؤدين إلى كل ذي حق حقه، فدعا رسول الله وقال: اللهم ~~ارزق ثعلبة مالا، قال: فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود حتى ms0601 ضاقت بها أزقة ~~المدينة، فخرج بها إلى الصحراء PageV02P330 # * (به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ~~بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ألم يعلموا أن الله يعلم ~~سرهم) * * وجعل يحضر الصلوات الخمس، ثم نمت حتى ضاقت بها مراعي المدينة، ~~فقال فبعد بها وجعل لا يحضر إلا الجمعة، ثم ترك حضور الصلوات والجمعة ~~جميعا. قال: فبعث رسول الله مصدقه ليأخذ الزكاة، فمر عليه وطالبه بالزكاة، ~~فقال: ما أرى هذا إلا أخت الجزية، اذهب حتى تعود إلي، فلما عاد إليه لم يعط ~~شيئا، وقال: حتى ألقى رسول الله، فرجع المصدق وأخبر النبي بأمره، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية، فروي أنه ذكر له أنه نزلت فيه هذه الآية فحضر ~~المدينة وقال: يا رسول الله، خذ مني الزكاة، فأبى أن يأخذ، فلما توفي رسول ~~الله جاء إلى أبي بكر وطلب أن يأخذ منه الزكاة، فقال: ما أخذ رسول الله؛ ~~فلا آخذ أنا، وهكذا في زمان عمر وزمان عثمان، وتوفي في زمان عثمان '. # وقوله تعالى: * (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم) فيه معنيان: # أحدهما: فعاقبهم نفاقا في قلوبهم، يقال: أعقبه وعاقبه بمعنى واحد. # والمعنى الثاني: أخلفهم نفاقا في قلوبهم. # * (إلى يوم يلقونه) يوم القيامة. # قوله تعالى: * (بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون). # ثم قال: * (ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم) يعني: ما أضمروا في ~~قلوبهم PageV02P331 # * (ونجواهم وأن الله علام الغيوب (78) الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين ~~في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم ~~عذاب أليم (79) استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن) * ~~* وما تناجوا به بينهم * (وأن الله علام الغيوب) معناه ظاهر. # قوله تعالى: * (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات) يلمزون: ~~يعيبون. # وسبب نزول الآية: ' أن النبي حث الناس على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن ~~عوف بأربعة آلاف دينار - وكان ذلك نصف ماله - وجاء عاصم بن عدي بثلاثمائة ~~وسق من تمر - والوسق حمل بعير - وجاء أبو عقيل - رجل من ms0602 الأنصار - بصاع من ~~تمر، وقال: كان لي صاعان من تمر فجئت بأحدهما، فقال المنافقون: أما عبد ~~الرحمن ابن عوف وعاصم بن عدي: فأعطيا ما أعطيا رياء، وأما أبو عقيل: فما ~~كان أغنى الله من صاع أبي عقيل، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية '. * ~~(والمطوعين) المتطوعين من المؤمنين، هو عبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عدي * ~~(والذين لا يجدون إلا جهدهم) هو أبو عقيل. والجهد: الطاقة * (فيسخرون منهم) ~~يستهزئون منهم * (سخر الله منهم) جازاهم جزاء السخرية * (ولهم عذاب أليم). # قوله سبحانه وتعالى: * (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة فلن يغفر الله لهم) الآية. أراد به إثبات اليأس عن طمع المغفرة لهم. # وروي عن الحسن البصري أنه روى عن النبي مرسلا أنه قال: ' والله لأزيدن ~~على السبعين ' فأنزل الله عز وجل: * (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم) وذكر عدد السبعين للمبالغة في إثبات اليأس * (إن ~~الله لا يهدي القوم الفاسقين) معناه معلوم. PageV02P332 # * (يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين (80) فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد ~~حرا لو كانوا يفقهون (81) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا ~~يكسبون (82) فإن) * * قوله تعالى: * (فرح المخلفون) الفرح: لذة في القلب ~~بنيل المشتهى، والغم: ضيق في القلب بفوات المشتهى. وأما المخلفون فهم الذين ~~قعدوا عن الغزو، وتركوا الخروج مع رسول الله. والمخلف: المتروك. وقوله: * ~~(بمقعدهم) يعني: بقعودهم. وقوله: * (خلاف رسول الله) فيه معنيان: أحدهما: ~~مخالفة لرسول الله. والثاني: بمقعدهم خلاف رسول الله أي: بعد رسول الله، ~~قاله أبو عبيدة * (وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) ~~المجاهدة بالمال: هي الإنفاق، والمجاهدة بالنفس: هي مباشرة القتال، وقوله: ~~* (وكرهوا) يعني: لم يحبوا * (وقالوا لا تنفروا في الحر) الحر: هو وهج ~~الشمس، والبرد ضده. * (قل نار جهنم أشد حرا) يعني: أشد وهجا * (لو كانوا ~~يفقهون) ms0603 قرأ ابن مسعود: ' لو كانوا يعلمون '. والمعنى واحد. # قوله تعالى: * (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا) الضحك: حالة تكون في ~~الإنسان من التعجب والفرح، والبكاء حالة تعتري الإنسان من الهم وضيق القلب ~~مع جريان الدمع على الخد، ويقال: إن الضحك في بني آدم كالصهيل في الخيل. # وفي الآية قولان: أحدهما: أن معنى قوله: * (فليضحكوا قليلا) أي: في ~~الدنيا * (وليبكوا كثيرا) في الآخرة * (جزاء بما كانوا يعملون) قاله أبو ~~رزين، والحسن وجماعة. # والقول الثاني: أن هذا أمر بمعنى الخبر، فكأنه قال: يضحكون قليلا، ويبكون ~~كثيرا، يعني: في الآخرة. # فإن قال قائل: كيف قال: يضحكون قليلا وهم لا يضحكون أصلا في الآخرة؟ # الجواب: قلنا: معنى قوله: يضحكون قليلا يعني: لا يضحكون أصلا، وهذا مثل ~~PageV02P333 # * (رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) ~~ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا) * * قوله تعالى: * (فقليلا ما يؤمنون) أي: لا يؤمنون شيئا. # وروي عن الحسن البصري أنه قال: إن أهل النار ليبكون لا يرقأ لهم دمع حتى ~~إن السفن لو أجريت في دموعهم جرت. # قوله تعالى: * (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم) يعني: لو ردك الله إلى ~~طائفة منهم * (فاستئذنوك للخروج) ليخرجوا معك في القتال * (فقل لن تخرجوا ~~معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) قال أهل التفسير: العدو ها هنا: أهل ~~الكتاب؛ فإنه لم يكن بقي بجزيرة العرب مشرك في ذلك الوقت. قوله: * (إنكم ~~رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) والخالفون هاهنا هم النساء ~~والصبيان، وقيل: هم أهل الزمانة والضعف. # قوله تعالى: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) الآية. نزلت الآية في شأن ~~عبد الله بن أبي بن سلول؛ فإنه روي: ' أنه لما حضره الموت جاء ابنه إلى ~~رسول الله برسالته يطلب منه قميصه ليكفنه فيه، فأعطاه رسول الله قميصه. وفي ~~بعض الروايات: أنه أعطاه قميصه الذي فوق قميصه وهو الأعلى، ms0604 فرد وطلب قميصه ~~الذي يلي جلده، فلما توفي قدم ليصلي عليه رسول الله بطلب ابنه ذلك ووصيته، ~~فلما تقدم رسول الله ليصلي عليه أخذ عمر بثوبه وقال: يا رسول الله، أتصلي ~~على هذا المنافق؟ فقال رسول الله: إن ربي خيرني. وقرأ قوله تعالى: * ~~(استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) وقد اخترت أن أصلي عليه قال: فصلي عليه، ~~فأنزل الله تعالى قوله * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا). # وفي رواية أنس: ' أن النبي لما وقف ليصلي عليه أخذ جبريل - عليه السلام ~~PageV02P334 # * (وهم فاسقون (84) ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم ~~بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) وإذا أنزلت سورة أن آمنوا ~~بالله) * * بطرف ثوبه ومنعه من الصلاة، فترك الصلاة '. # والرواية الأولى هي في ' الصحيحين '. # وقوله: * (ولا تقم على قبره) وفي رواية: ' أن النبي كان إذا صلى على ميت ~~وقف على قبره ودعا ' فمنعه الله تعالى عن ذلك في حق المنافقين. # فإن قيل: كيف يجوز أن يصلي النبي على المنافق وهو يعلم أنه كافر بالله؟ # الجواب عنه: أنه رأى ذلك مصلحة؛ وقد قيل حين صلى عليه: ' إن صلاتي عليه ~~لا تغني عنه من عذاب الله شيئا '. # وفي بعض الروايات: ' أن عبد الله بن أبي بن سلول لما طلب منه قميصه ~~ليتبرك به ويكفن فيه، أسلم ألف رجل من قومه لم يكونوا أسلموا من قبل لما ~~رأوا من تبركه بالنبي. [* (إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون)] ~~وباقي الآية معلوم. # قوله تعالى: * (ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) قد بينا معناها فيما سبق؛ ~~فإن قيل: أيش معنى التكرار؟ # وفي هذه الآية الجواب من وجهين: أحدهما: أنه للتأكيد. # والثاني: أن الآيتين نزلتا في طائفتين من المنافقين دون طائفة واحدة. ~~PageV02P335 # * (وجاهدوا مع رسوله استئذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع ~~القاعدين (86) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ~~(87) لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم ~~الخيرات وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم جنات تجري ms0605 من تحتها الأنهار ~~خالدين) * * قوله تعالى: * (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع ~~رسوله) معنى الآية ظاهر. # وقوله: * (استأذنك أولوا الطول منهم) الطول: هو السعة والغنا بإجماع ~~المفسرين، وقيل: إنه إنما سميت السعة طولا؛ لأن الإنسان يتطاول بها الناس. # وقوله: * (وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين) يعني: مع القاعدين عن الجهاد. # ثم قال: * (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) قال قتادة: الخوالف: هم النساء. ~~وقال غيره: هم أدنياء الناس وسفلتهم، يقال: فلان خالفه قومه إذا كان دونهم. ~~قوله: * (وطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون) طبع: ختم، ويقال: الطبائع ~~نكت سوداء تقع على القلب، يعرف بها الملك المنافق من المؤمن. # قوله تعالى: * (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم) ~~معناه معلوم. # وقوله: * (وأولئك لهم الخيرات) فيه أقوال: # أحدها: أن الخيرات: هي الغنائم، والآخر: أن الخيرات: هي الحور في الجنة، ~~وواحدتها: خيرة؛ قال الله تعالى: * (فيهن خيرات حسان) يعني: الحور. # والقول الثالث: أن الخيرات لا يعلم معناها إلا الله. حكي هذا عن ابن ~~عباس، ومثل هذا: قوله تعالى: * (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين). # * (وأولئك هم المفلحون) قد بينا المعنى. PageV02P336 # * (فيها ذلك الفوز العظيم (89) وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد ~~الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) ليس على ~~الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا) * ~~* ثم قال: * (أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك ~~الفوز العظيم) ومعناه ظاهر. # قوله تعالى: * (وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم) قرىء بقراءتين ' ~~المعذرون ' و ' المعذرون '؛ وفي المعذرين قولان: أحدهما: أن المعذرين هم ~~المعتذرون، أدغمت التاء في الذال. # والقول الثاني: أن المعذرين: هم المقصرون، والتعذير في اللغة: هو ~~التقصير. وأما المعذرون: فهم الذين بالغوا في العذر، يقال في المثل: لقد ~~أعذر من أنذر. يعني: بالغ في إظهار العذر من قدم في النذارة، قال لبيد ~~شعرا: # (إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر) ms0606 يعني: ~~بالغ في العذر. # واعلم أن هذه الآية نزلت في المنافقين، وقد اعتذروا ولم يكن لهم عذر. ~~وأما الأعراب: هم الذين يسكنون البادية، والعربي: اسم لمن له نسب من العرب. # وقوله: * (وقعد الذين كذبوا الله ورسوله) هذا في المنافقين؛ ومعنى * ~~(كذبوا الله ورسوله) يعني: لم يأتوا بعذر صادق، ثم قال: * (سيصيب الذين ~~كفروا منهم عذاب أليم) ومعناه معلوم. # قوله تعالى: * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) اختلفوا في الضعفاء، قال ~~بعضهم: هم المجانين، والضعف: نقصان عقولهم. وقال بعضهم: هم الصبيان. وقال ~~بعضهم: هم النسوان. وأما المرضى: فمعلوم. وقوله: * (ولا على الذين لا يجدون ~~ما ينفقون حرج) الذين لا يجدون: هم الفقراء، والحرج: الضيق. وقوله: * (إذا ~~نصحوا PageV02P337 # * (لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا على ~~الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض ~~من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) إنما السبيل على الذين يستأذنونك ~~وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ~~(93)) * * لله ورسوله) يعني: أخلصوا العمل لله ولرسوله، وإخلاص العمل لله ~~بالعبادة، وللرسول بالمتابعة. قوله تعالى: * (ما على المحسنين من سبيل) ~~معناه: ليس على من أحسن بالإخلاص سبيل، والسبيل: هو العقوبة * (والله غفور ~~رحيم). وروي عن ابن عباس أنه قرأ: ' والله لأهل الإساءة غفور رحيم '. # قوله تعالى: * (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) معناه: لا سبيل على ~~الأولين ولا على هؤلاء، قال محمد بن إسحاق: نزلت الآية في سبعة نفر، منهم ~~عبد الله بن المغفل المزني، والعرباض بن سارية، وأبو (ليلى) عبد الرحمن بن ~~كعب، سموا البكائين. وروي عن الحسن البصري أنه قال هذا في أبي موسى الأشعري ~~وأصحابه. # واختلف القول في قوله: * (لتحملهم) أحد القولين - وهو المعروف -: أنهم ~~طلبوا الإبل ليركبوها. والقول الثاني: أنهم طلبوا النعال. هذا قول الحسن بن ~~صالح. # وقوله: * (قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ~~ألا يجدوا ما ينفقون) معناه ظاهر. وفي ms0607 بعض الأخبار: أن النبي قال: ' لا ~~يزال أحدكم راكبا ما دام متنعلا '. # ثم قال * (إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا ~~مع الخوالف) الخوالف: النساء والصبيان؛ يقال: خالف وخوالف، كما يقال: فارس ~~وفوارس، وهالك وهوالك. * (طبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون) ظاهر المعنى. ~~PageV02P338 # * (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا ~~الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (94) سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا ~~عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين) * * قوله تعالى: * (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم) روي أن ~~المنافقين الذين تخلفوا كانوا بضعة وثمانين نفرا، فلما رجع رسول الله من ~~غزوة تبوك جاءوا يعتذرون، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية * (قل لاتعتذروا ~~لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم) يعني: فيما سلف * (وسيرى الله عملكم ~~ورسوله) يعني: في المستأنف * (ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم ~~بما كنتم تعملون). # ثم قال في شأنهم: * (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم) ~~الانقلاب: هو الرجوع إلى المكان الذي خرجوا منه * (فأعرضوا عنهم إنهم رجس) ~~الرجس: هو النتن والقذر * (ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون) فإن قيل: ~~كيف قال في الآية: * (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم) ~~إذا كان المؤمنون مقبلين عليهم حتى يقول: * (لتعرضوا عنهم)؟ # والجواب عنه: ذكر الأزهري في كتابه ' التقريب ' معنى الآية: سيحلفون ~~بالله لكم لإعراضكم عنهم لتقبلوا عليهم؛ فأعرضوا عنهم. # ثم قال: * (يحلفون لكم لترضوا عنهم) الرضا ضد الكراهة * (فإن ترضوا عنهم ~~فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين). # وفي القصة: ' أن أبا خيثمة رجل من أصحاب رسول الله كان قد تخلف، وكانت له ~~امرأتان، فذهب إليهما وقد هيأت كل واحدة منهما طعاما، وبردت شرابا وبسطت له ~~في الظل، فنظر إلى ذلك وقال: رسول الله ms0608 في الضح والذبح، وأبو خيثمة في ~~الظل! ما هذا بنصف، ثم ركب ناقته واتبع رسول الله، فأدرك النبي وقد نزل ~~PageV02P339 # (* (96) الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله والله عليم حكيم (97) ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم) ~~* * بتبوك، فقال الناس: يا رسول الله، هذا راكب قد أقبل، فقال رسول الله: ~~كن أبا خيثمة فقال الناس: هو أبو خيثمة '. # قوله تعالى: * (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل ~~الله) معنى أجدر: أخلق وأحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله * (على رسوله) ~~وهذا لبعدهم من سماع القرآن ومعرفة السنن. وفي بعض الأخبار: ' أهل الكفور ~~هم أهل القبور '. وفي آثار التابعين عن إبراهيم النخعي: أن أعرابيا جلس عند ~~زيد بن صوحان - وكانت شماله أصيبت يوم نهاوند في حرب العجم - فجعل يكلمه ~~ويذكر له العلم، فقال له الأعرابي: إنه ليؤنسني علمك وتريبني يدك، فقال له ~~زيد: وما يريبك مني وإنها الشمال؟ فقال الأعرابي: إني ما أدري الشمال تقطع ~~أم اليمين؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله تعالى: * (الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا). # وزيد بن صوحان من كبار التابعين، وهو الذي ذكر رسول الله في شأنه أن يده ~~تسبقه إلى الجنة. * (والله سميع عليم). # قوله تعالى: * (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما) المغرم: التزام ما لا ~~يلزم، قال الشاعر: # (فمالك مسلوب العدا كأنما ترى * هجر ليلى مغرما أنت غارمه) قوله: * ~~(ويتربص بكم الدوائر) أي: ينتظر بكم الدوائر، والدوائر: جمع الدائرة، ~~PageV02P340 # * (الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) ومن الأعراب من يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها ~~قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم (99) والسابقون الأولون ~~من) * * والدائرة: انتقال المحبوب إلى المكروه، وقيل: الدوائر: صروف الدهر. # ثم قال: * (عليهم دائرة السوء) وقرئ: ' دائرة السوء ' ومعناه: أن المكروه ~~العظيم ما يلحقهم. وقوله: * (والله سميع عليم). # قوله تعالى: * (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر) ms0609 معناه معلوم * ~~(ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول) القربات جمع القربة، ~~والصلوات جمع الصلاة؛ ومعنى القربات: أنه يطلب القربة إلى الله تعالى، ~~ومعنى الصلوات: أنه يطلب الدعاء من رسول الله. # واعلم أن الصلاة من الله الرحمة، ومن المؤمنين الدعاء، ومن الملائكة ~~الاستغفار، قال الأعشى: # (تقول بنتي وقد قربت مرتحلا * يا رب جنب أبى الأوصاب والوجعا) (عليك مثل ~~الذي صليت فاغتمضي * عينا فإن لجنب المرء مضطجعا) ثم قال: * (ألا إنها قربة ~~لهم سيدخلهم الله في رحمته) أي: في جنته * (إن الله غفور رحيم) معلوم. # قوله تعالى: * (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) هذه الآية في ~~السابقين الأولين، وفيهم أقوال: # أحدها: قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وجماعة، أنهم قالوا: هم الذين صلوا ~~إلى القبلتين. PageV02P341 # * (المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~وأعد) * * وقال عطاء: هم أهل بدر. # وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان، وبيعة الرضوان كانت بالحديبية. # والقول الرابع: السابقون الأولون من المهاجرين: هم الذين أسلموا قبل ~~الهجرة، والسابقون الأولون من الأنصار: هم الذين بايعوا مع رسول الله ليلة ~~العقبة. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قرأ: ' والأنصار ' بالرفع. وفي هذه ~~القراءة السابقون الأولون من المهاجرين خاصة. والمعروف ' والأنصار ' ~~ومعناه: ومن الأنصار: والمهاجرين هم الذين هاجروا من أوطانهم وقدموا ~~المدينة مع رسول الله، والأنصار هم أهل المدينة الذين أنزلوا رسول الله ~~والمهاجرين في دورهم. # وأما قوله: * (والذين اتبعوهم بإحسان) فيه قولان: أحدهما: أنهم بقية ~~المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين منهم. # والقول الثاني: أنهم المؤمنون إلى قيام الساعة. # وعن أبي صخر حميد بن زياد قال: أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك ~~في أصحاب رسول الله؟ فقال: جميع أصحاب رسول الله في الجنة، مسيئهم ومحسنهم، ~~فقلت له: من أين تقول هذا؟ فقال: اقرأ قوله تعالى: * (والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار) إلى أن قال: * (رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ~~جنات) ثم قال: شرط للتابعين شريطة، وهو قوله: * (اتبعوهم بإحسان) ومعناه: ~~أنهم اتبعوهم في أفعالهم ms0610 الحسنة دون السيئة. قال أبو صخر: وكأني لم أقرأ ~~هذه الآية قط. # وفي الخبر المعروف برواية أبي سعيد الخدري أن النبي قال: ' لا تسبوا ~~أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا لم يدرك مد أحدهم ~~PageV02P342 # * (لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (100) ~~وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم ~~نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) وآخرون اعترفوا) ~~ولا نصيفه ' قوله: * (رضي الله عنهم ورضوا عنه) أي: رضي الله عنهم بطاعتهم ~~* (ورضوا عنه) بثوابه، وباقي الآية معلوم * (وأعد لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك هو الفوز العظيم). # قوله تعالى: * (وممن حولكم من الأعراب منافقون) قال أهل التفسير: هم ~~مزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم * (ومن أهل المدينة) قوم من الأوس والخزرج ~~* (مردوا على النفاق) قال الفراء: مرنوا على النفاق. وقال ثعلب: استنمروا ~~على النفاق. وفي الآية تقديم وتأخير، كأنه قال: وممن حولكم من الأعراب ~~منافقون مردوا على النفاق ومن أهل المدينة، هكذا قاله أهل المعاني * (لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم) هذا دليل على أن الرسول لم يعلم جميع المنافقين. # وقوله تعالى: * (سنعذبهم مرتين) فيه أقوال: # أحدها: أنها الفضيحة في الدنيا، والعذاب في الآخرة. # وفي الخبر ' أن النبي قام خطيبا على المنبر، وقال: اخرج يا فلان، فإنك ~~منافق، اخرج يا فلان، فإنك منافق ' هكذا حتى أخرجهم جميعا من المسجد. ~~PageV02P343 # * (بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله ~~غفور) * * والقول الثاني: قو مجاهد، وهو الخوف في الدنيا، والعذاب في ~~الآخرة. # والقول الثالث: أن العذاب الأول: هو القتل، والعذاب الثاني: هو عذاب ~~القبر. # والرابع: قال ابن قتيبة: العذاب الأول: هو السبي، والعذاب الثاني: هو ~~القتل. # * (ثم يردون إلى عذاب عظيم) يعني: إلى جهنم. # قوله تعالى: * (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) الآية نزلت في قوم من المؤمنين ~~تخلفوا عن رسول الله بغير عذر، فيهم أو لبابة بن عبد المنذر وغيره، فلما ~~قفل رسول الله ms0611 من الغزو، وقرب من المدينة جاءوا فربطوا أنفسهم بسوارى ~~المسجد وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى يتوب الله علينا، فدخل رسول الله المسجد، ~~وكان من عادته أنه كان إذا خرج إلى سفر صلى ركعتين في المسجد، ثم يخرج، ~~وإذا رجع بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يدخل منزله، فلما دخل المسجد ~~ورأى هؤلاء النفر قد ربطوا أنفسهم بالسواري سأل وقال: ' ما شأنهم؟ فقيل: ~~إنهم حلفوا ألا يحلوا أنفسهم حتى يتوب الله عليهم، فقال رسول الله: وإني ~~أحلف أن لا أحلهم حتى يقضي الله فيهم بأمره، فأنزل الله تعالى هذه الآية '. # وقوله تعالى: * (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) العمل السيء هو التخلف عن ~~الغزو بلا إشكال، وأما العمل الصالح ففيه معنيان: # أحدهما: ندامتهم وربطهم أنفسهم بالسواري. # والثاني: العمل الصالح: هو غزواتهم مع رسول الله من قبل. # وفي الأخبار، عن سمرة بن جندب أن النبي قال: ' أتاني الليلة آتيان ~~فانطلقا بي إلى مدينة مبنية لبنة من الذهب ولبنة من الفضة، فتلقاني رجال ~~شطر خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر خلقهم كأقبح ما أنت راء، فقيل لهم: قعوا ~~في ذلك PageV02P344 # * (رحيم (102) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك ~~سكن لهم والله سميع عليم (103)) * * النهر، فوقعوا في النهر، فخرجوا وقد ~~ذهب عنهم السوء، فسألت عن أولئك القوم، فقيل لي: أما المدينة فهي الجنة، ~~[وهذاك] منزلك، وهؤلاء القوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا؛ فتجاوز الله عنهم ~~'. # وأما قوله تعالى: * (عسى الله أن يتوب عليهم) قال الحسن البصري وغيره: ~~عسى من الله واجب. فلما نزلت هذه الآية أمر رسول الله أن يحل أولئك القوم ~~من السواري. # وروي عن أبي عثمان النهدي أنه قال: أرجي آية في القرآن هذه الآية. # * (إن الله غفور رحيم). # قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) قال أهل التفسير: ~~لما تاب الله على أولئك القوم جاءوا بأموالهم إلى النبي وقالوا: خذها صدقة ~~لله، فأبى أن يأخذها، فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (خذ من أموالهم). ~~وقوله: * (تطهرهم) أي: ms0612 من الذنوب. وقوله: * (وتزكيهم بها) أي: وترفعهم بها ~~من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين * (وصل عليهم) وادع لهم * (إن صلاتك ~~سكن لهم) أي: دعاؤك سكن لهم، أي: سكون لهم، أي: دعاؤك سكن لهم وطمأنينة ~~وتثبيت. # وقد قال بعض أهل العلم: إنه يجب على الإمام أن يدعو للذي جاء بالصدقة. ~~وقال بعضهم: يستحب، ولا يجب. وقال بعضهم: يجب في الفرض ويستحب في النفل. ~~وقال بعضهم: يجب على الإمام أن يدعو للمعطي، ويستحب للفقير أن يدعو. ومنهم ~~من قال: إن التمس المعطي أن يدعو له يجب؛ وإلا فلا يجب. PageV02P345 # * (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله ~~هو التواب الرحيم (104)) * * وقد ثبت الخبر برواية عبد الله بن أبي أوفى ~~قال: ' كان الرجل إذا جاء بصدقته إلى النبي دعا له؛ فجاء أبي بصدقته فقال ~~النبي: اللهم صل على آل أبي أوفى. # * (والله سميع عليم) معناه معلوم. # قوله تعالى: * (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده) هذا ظاهر. ~~وقوله: * (ويأخذ الصدقات) معناه: يقبل الصدقات. وقال بعض أهل المعاني قوله: ~~* (ألم يعلموا) هو بمعنى الأمر؛ كأنه قال: اعلموا أن الله هو يقبل التوبة ~~عن عباده. # وفي الخبر المشهور المعروف عن أبي هريرة عن النبي قال: ' والذي نفسي ~~بيده، ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا طيبا - إلا ~~أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربى أحدكم فلوه، حتى إن اللقمة تجيء يوم ~~القيامة مثل أحد، ثم قرأ قوله تعالى: * (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة ~~عن عباده ويأخذ الصدقات) '. والخبر صحيح. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد ~~الفقير. وروي في بعض الروايات مرفوعا إلى النبي. # قوله: * (وأن الله هو التواب الرحيم) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) في الآية ~~PageV02P346 # * (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) وآخرون مرجون لأمر ms0613 الله إما ~~يعذبهم) * * معنى التهديد. فإن قال قائل: ما معنى رؤية الرسول والمؤمنين؟ # قلنا: رؤية الرسول: هي بإعلام الله إياه عملهم، ورؤية المؤمنين: بإيقاع ~~المحبة في قلوبهم لأهل الصلاح، وإيقاع البغضة في قلوبهم لأهل الفساد. # وفي بعض الأخبار: ' لو عمل المؤمن في صخرة ليس لها باب [لأظهره] الله إذا ~~عمله '. # قوله تعالى: * (وستردون إلى عالم الغيب والشهادة....) الآية، معناه ~~معلوم. # قوله تعالى: * (وآخرون مرجون لأمر الله) الإرجاء: التأخير، ومعناه: ~~مؤخرون لأمر الله، وأمر الله تعالى هنا: حكم الله. # والآية نزلت في كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع؛ وهؤلاء ~~الثلاثة الذين تأتي قصتهم من بعد. # وقوله * (إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم) معناه معلوم. # قوله تعالى: * (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا) نزلت الآية في قوم من ~~المنافقين منهم: وديعة بن ثابت، وثعلبة بن حاطب، (وجارية بن يزيد)، وابنه ~~PageV02P347 # * (وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106) والذين اتخذوا مسجدا ضرارا ~~وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن ~~إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون (107) لا تقم فيه أبدا لمسجد ~~أسس على) * * مجمع بن جارية، وحزام بن مالك، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد ~~بن حنيث، ورجل يقال له: يخرج إلى تمام اثنى عشر نفرا، بنوا هذا المسجد بقصد ~~ما ذكره الله في كتابه، وهو قوله: * (ضرارا) يعني: مضارة بالرسول * (وكفرا) ~~بالله * (وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله) والإرصاد: ~~الإعداد، والذي حارب الله ورسوله هاهنا هو أبو عامر الراهب، وكان ممن يطلب ~~الدين في الابتداء، ثم تنصر وتحزب الأحزاب على رسول الله، ثم لحق بقيصر ~~يستنجده على رسول الله وأصحابه، فهؤلاء بنوا هذا المسجد وقالوا: نبني هذا ~~المسجد فنخلوا بأمرنا، ونتحدث بما نريد، وننتظر رجوع أبي عامر الراهب. وكان ~~هذا المسجد بني قريبا من مسجد قباء. وقوله: * (من قبل) راجع إلى أبي عامر * ~~(وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى) معناه: إلا الرفق بالمسلمين * (والله يشهد ~~إنهم لكاذبون) معناه معلوم. # ثم قال: * (لا تقم ms0614 فيه ابدا) روي أنهم طلبوا من النبي أن يأتي فيصلي فيه، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (لا تقم فيه أبدا) معناه: لا تصل فيه أبدا * ~~(لمسجد أسس على التقوى) اختلفوا في هذا المسجد؛ قال ابن عمر، وزيد بن ثابت، ~~وأبو سعيد الخدري: هو مسجد النبي بالمدينة. وروى أبو سعيد الخدري: ' أن ~~رجلين تماريا في المسجد الذي أسس على التقوى، فسألا رسول الله فقال - عليه ~~السلام -: هو مسجدي هذا '. وأورده أبو عيسى الترمذي في ' جامعه '. ~~PageV02P348 # * (التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله ~~يحب المطهرين (108) أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من ~~أسس) * * والقول الثاني: أنه مسجد قباء. هذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، ~~وجماعة من التابعين. # والقول الثالث: أنه جميع مساجد المدينة والأولى هو القول الأول. # وقوله: * (أسس على التقوى) أي: ليتقى فيه من الشرك. وقوله: * (من أول ~~يوم) معناه: من ابتداء أيام الإسلام * (أحق أن تقوم فيه) أي: أولى أن تقوم ~~فيه، أي: تصلي فيه، قوله تعالى: * (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين) معناه معلوم. # وقد روي أن النبي قال لأهل قباء: ' إن الله تعالى قد أحسن الثناء عليكم، ~~فماذا تعملون؟ فقالوا: نتوضأ من الحدث ونغتسل من الجنابة. فقال - عليه ~~السلام -: فهل شيء غير هذا؟ فقالوا: إن أحدنا إذا استنجى أحب أن يتبع أثر ~~الاستنجاء بالماء، فقال عليه السلام: هو ذاك، فعليكم به '. # ثم قال: * (أفمن أسس) وقرئ: ' أفمن أسس ' * (بنيانه على تقوى من الله ~~ورضوان خير) أي: على طلب التقوى وطلب الرضا من الله خير * (أم من أسس ~~بنيانه على PageV02P349 # * (بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم ~~الظالمين (109) لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع ~~قلوبهم والله عليم) * * شفا جرف) الشفا: هو الحرف والحد، والجرف: هو ما ~~تجرف من السيل، أي: تقطع من السيل، فصار لرخاوته لا يثبت عليه بناء. قوله: ~~* (هار) معناه: هائر، والهائر: ms0615 الساقط * (فانهار به في نار جهنم والله لا ~~يهدي القوم الظالمين) معناه معلوم. # واعلم أن المراد من الآية: هو التمثيل والتشبيه في قلة الثبات والقرار ~~وسوء العاقبة. واختلفوا في الذي كانت عاقبة مسجد الضرار؛ فالأكثرون على أن ~~النبي دعا مالك بن الدخشم، وعاصم بن عدي، وأمرهما أن يهدما ذلك المسجد ~~ويحرقاه ففعلا ذلك. # والقول الآخر: أن ذلك المسجد انهار بنفسه من غير أن يمسه أحد. وفي بعض ~~التفاسير أنه خسف به. وروي أنه لما خسف به سطع منه دخان في السماء، والله ~~أعلم. # قوله تعالى: * (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم) يعني: شكا ~~واضطرابا في قلوبهم. وقال السدى: حرازة في قلوبهم. وقوله: * (إلا أن تقطع ~~قلوبهم) فيه قولان: # أحدهما: حتى يموتوا. وقرئ في الشاذ: ' إلى أن تقطع قلوبهم '. # والقول الثاني: حتى يتوبوا، فجعل الندامة في القلب بمنزلة تقطع في القلب. # * (والله عليم حكيم) عليم بخلقه، حكيم في تدبيره. # قوله تعالى: * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة) معنى الآية: أن الله تعالى أمر (المسلمين) بأن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله، وجعل لهم الجنة ثوابا عليه، فجعل هذا بمنزلة الشراء ~~والبيع. # قوله: * (يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا) معناه: أن ~~ثواب الجنة وعد حق. ثم قال: * (في التوراة والإنجيل والقرآن) وهذا دليل على ~~أن أهل PageV02P350 # * (حكيم (110) إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم) * * الملل كلهم أمروا بالجهاد وجعل ثوابهم الجنة، وقد بينا ~~معنى التوراة والإنجيل والقرآن. # وقوله: * (ومن أوفى بعهده من الله) معناه معلوم * (فاستبشروا ببيعكم الذي ~~بايعتم به) معناه: فافرحوا ببيعكم الذي بايعتم به * (وذلك هو الفوز ~~العظيم). # روي في الأخبار أن هذه الآية: لما نزلت قال أصحاب رسول الله: ربح البيع، ~~لا نقيل ولا نستقيل. وعن عمر - رضي الله عنه ms0616 - قال: إن الله بايعك وجعل ~~الصفقتين لك. وعن بعض التابعين أنه قال: ثامن فأغلى في الثمن، وبايع فأغلى ~~في العوض. وعن الحسن البصري أنه قال: إن الله تعالى أعطاك الدنيا فاشتر ~~الجنة ببعضها من الله. # قوله تعالى: * (التائبون العابدون) الآية التائبون: هم الذين تابوا من ~~الشرك. وقيل: هم الذين تابوا من جميع المعاصي. والعابدون: هم الذين عبدوا ~~الله بالتوحيد، وقيل: بسائر الطاعات. و * (الحامدون) فيه قولان: # أحدهما: أنهم [هم] الذين يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء. # والقول الثاني: أنهم الذين يحمدون الله على الإسلام. # وقوله: * (السائحون) فيه أقوال: # (أحدهما): أنهم الصائمون. هكذا روي عن ابن مسعود، وابن عباس. وفي بعض ~~الأخبار أن النبي قال: ' سياحة أمتي: الصيام '. (وقال) سفيان بن عيينة: سمى ~~الصائم سائحا؛ لأنه ترك المطعم والمشرب والمنكح. # والقول الثاني: أن السائحين: هم المجاهدون في سبيل الله. وفي بعض الأخبار ~~أن PageV02P351 # (* (111) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) ما ~~كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانون أولي قربى من بعد ~~ما) * * النبي قال: ' سياحة أمتي: الجهاد '. # والقول الثالث: أن السائحين: هم طلبة العلم، روي عن بعض التابعين. # وقوله * (الراكعون الساجدون) يعني: المصلين. وقوله: * (الآمرون بالمعروف) ~~أي: الآمرون بالإيمان * (والناهون عن المنكر) يعني: عن الشرك. وقوله: * ~~(والحافظون لحدود الله) معناه: القائمون بأوامر الله * (وبشر المؤمنين) ~~معناه معلوم. # قوله تعالى: * (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو ~~كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) اختلفوا في سبب ~~نزول هذه الآية على ثلاثة أقوال: # الأول: ما رواه سعيد بن المسيب، عن أبيه: ' أن أبا طالب لما حضرته الوفاة ~~دخل عليه النبي وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال له النبي: أي ~~عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال له أبو جهل وعبد ~~الله بن [أبي] أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فما زالا يكلمانه حتى ms0617 كان ~~آخر كلمة قالها: على ملة عبد المطلب، فقال النبي: لأستغفرن لك ما لم أنه ~~عنه؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (ما كان للنبي....) إلى آخر الآية '. # والثاني: روى مسروق، عن عبد الله بن مسعود: ' أن النبي خرج إلى المقابر ~~فاتبعناه، فأتى قبرا وقعد عنده، وناجاه طويلا، ثم بكى وبكينا لبكائه، فقلنا ~~له: يا رسول الله من صاحب هذا القبر؟ فقال: هذه أمي آمنة بنت وهب، استأذنت ~~ربي PageV02P352 # * (تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا ~~عن موعدة وعدها إياه) * * في زيارتها فأذن لي، ثم استأذنته في أن أستغفر ~~لها فلم يأذن لي، قال: فأخذني عليها الشفقة ما يأخذ الولد للوالدة فبكيت، ~~وأنزل الله تعالى هذه الآية: * (ما كان للنبي...) إلى آخر الآية '. # والقول الثالث: روي عن علي - رضي الله عنه -: ' أنه سمع رجلا يستغفر ~~لأبويه وهما مشركان، فقال له علي: أتستغفر للمشركين؟ فقال ذلك الرجل: قد ~~استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فأتى النبي وأخبره بذلك، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية إلى آخرها '. # قوله تعالى: * (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه) ~~وفي هذه الآية قولان: # أحدهما: أن إبراهيم - عليه السلام - قال لأبيه: لأستغفرن لك، قال هذا ~~رجاء أن ينقله الله تعالى من الكفر إلى الإسلام ببركة دعائه واستغفاره. # والقول الثاني: أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم وقال: لأسلمن، فاستغفر لي، ~~فاستغفر له إبراهيم لهذا المعنى. # * (فلما تبين له أنه عدو لله) بموته على الكفر * (تبرأ منه) فإن قال ~~قائل: كيف يجوز أن يستغفر إبراهيم للمشرك؟ PageV02P353 # * (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114)) * * ~~الجواب عنه: قال بعض أهل المعاني: يحتمل أن أبا إبراهيم كان أظهر الإسلام ~~وهو يبطن الكفر، فاستغفر له إبراهيم لإظهاره الإسلام * (فلما تبين له أنه ~~عدو لله) مصر على الكفر في الباطن * (تبرأ منه) هكذا قاله بعض أهل المعاني. # والذي عليه عامة المفسرين ما بينا من قبل. # وقد قرأ الحسن البصري: ' إلا عن موعدة وعدها إياه ' وهذا ms0618 صريح في أن ~~الوعد كان من إبراهيم، والدليل على أن إبراهيم استغفر له وهو مشرك: أن الله ~~تعالى قال في سورة الممتحنة: * (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه..) إلى أن قال: * (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) فقد صرح أن ~~إبراهيم ليس بقدوة في هذا الاستغفار؛ وإنما استغفر له وهو مشرك لمكان ~~الوعد؛ رجاء أن يسلم. # وقوله: * (إن إبراهيم لأواه حليم) اختلفوا في ' الأواه ' على أقاويل. # روي عن عبد الله بن مسعود. وعبد الله بن عباس: أن الأواه: هو الدعاء. وعن ~~ابن مسعود في رواية أخرى: أنه الرحيم، وعن ابن عباس في رواية أخرى: أنه ~~المؤمن التواب، وعن مجاهد أنه الفقيه، وعن كعب الأحبار: أنه الذي يتأوه من ~~الذنوب، فيقول: أوه أوه. وروى أبو ذر ' أن رجلا كان يطوف ويقول: أوه أوه، ~~فقلت للنبي: إن هذا الرجل ليؤذينا، فقال: لا تقل هذا؛ فإنه أواه '. قال ~~الشاعر: # (إذا ما قمت أرحلها بليل * تأوه آهة الرجل الحزين) وعن سعيد بن جبير قال ~~الأواه: المسبح. وقيل: إنه الموقف. وقيل: إنه الموقن. # وأما الحليم: فهو: الصفوح عن الذنوب. # قوله تعالى: * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم) معناه: ما كان الله ~~ليحكم بالضلالة بترك الأوامر * (حتى يبين لهم ما يتقون) فيتركوا. ~~PageV02P354 # * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله ~~بكل شيء عليم (115) إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من ~~دون الله من ولي ولا نصير (116) لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار الذين) * * وعن أبي عمرو بن العلاء قال: معناه: حتى يحتج عليهم ~~بالأمر. # سبب نزول الآية: أن قوما كانوا أتوا النبي فأسلموا، ولم تكن الخمر حرمت ~~ولا القبلة صرفت، فرجعوا إلى قومهم وهم على ذلك، ثم حرمت الخمر (و) صرفت ~~القبلة ولم يكن لهم علم بذلك، فلما قدموا بعد ذلك للمدينة وجدوا الخمر قد ~~حرمت والقبلة قد صرفت، فقالوا للنبي: قد كنت على دين ونحن على (غيره) فنحن ms0619 ~~ضلال؟ فأنزل الله * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون). # وفي الآية قول آخر؛ وهو: أن الآية في الاستغفار للمشركين؛ فإن جماعة من ~~الصحابة كانوا استغفروا لآبائهم ولم يعلموا أن ذلك لا يجوز، فلما أنزل ~~النهي عنه خافوا على أنفسهم خوفا شديدا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: * (إن الله بكل شيء عليم)، وكذا الآية التي تليها معلوم ~~المعنى إلى آخرها. # قوله تعالى: * (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار) معنى قوله: ~~* (لقد تاب الله) لقد تجاوز الله. وقيل: لقد صفح الله. وقوله * (الذين ~~اتبعوه في ساعة العسرة) معناه: في وقت العسرة، وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة ~~العسرة، وكذلك ذلك الجيش يسمى جيش العسرة؛ والعسرة: الشدة، وكانت عليهم ~~عسرة في الظهر والزاد والماء، فروي أن الاثنين والثلاثة فما زاد كانوا ~~يعتقبون البعير الواحد. وروي أنهم كانوا فني زادهم حتى كان الرجلان يقتسمان ~~التمرة بينهما. هكذا حكي عن PageV02P355 # * (اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب ~~عليهم إنه بهم رؤوف رحيم (117) وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت ~~عليهم الأرض) * * ابن عباس. وروي: ' أنهم عطشوا عطشا شديدا حتى نحروا الإبل ~~وعصروا كرشها وشربوا ما فيها، ثم إن النبي استسقى الله تعالى فسقوا. هكذا ~~رواه عمر - رضي الله عنه - فهذا هو معنى العسرة. # وقوله: * (من بعد ما كاد يزيغ) قرئ: ' تزيغ ويزيغ ' فقوله: ' تزيغ ' ~~منصرف إلى القلوب، وقوله: يزيغ منصرف إلى الفعل؛ كأنه قال: يزيغ الفعل * ~~(قلوب فريق منهم). # وأما الزيغ في اللغة: هو الميل، وليس المراد من الميل هنا هو الميل عن ~~الدين، إنما المراد من الميل هو الميل عن متابعة رسول الله ونصرته في ~~الغزو، واختيار التخلف من شدة العسرة. # * (ثم تاب عليهم) فإن قال قائل: ما هذا التكرار، فقد قال في أول الآية: * ~~(لقد تاب الله على النبي)؟. # الجواب عنه: أنه ذكر التوبة في أول الآية قبل ذكر الذنب - وهو محض [تفضل] ~~من الله، فلما ذكر ms0620 الذنب أعاد ذكر التوبة، والمراد منه: القبول. # * (إنه بهم رؤوف رحيم) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) قرأ عكرمة بن عمار: ' وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا ' مخفف، وفي بعض القراءات: ' وعلى الثلاثة الذين ~~خالفوا '. # واعلم أن هؤلاء الثلاثة هم الذين أنزل الله في شأنهم قوله تعالى: * ~~(وآخرون مرجون لأمر الله) وأما أسماؤهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ~~ومرارة بن PageV02P356 # * (بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم) * * الربيع، وكانوا مؤمنين مخلصين ~~تخلفوا بغير عذر، فلما قدم النبي المدينة قافلا من غزوة تبوك، حضروا وأقروا ~~عنده بالذنب، وأنه لم يكن لهم عذر، فأخر أمرهم ولم يستغفر لهم، ونهى ~~المسلمين عن مخالطتهم ومكالمتهم. # وفي الآية قصة طويلة مذكورة في ' الصحيحين '؛ فروي أنهم مكثوا على ذلك ~~أربعين ليلة، ثم إن رسول الله أمرهم أن يعتزلوا نساءهم إلى تتمة خمسين ~~ليلة، وكانوا يسلمون على أصحاب رسول الله فلا يردون عليهم السلام. قال كعب ~~بن مالك: فكنت أدخل المسجد وأصلي وأنظر هل ينظر إلي رسول الله فكنت إذا ~~نظرت إليه صرف عني بصره، قال: فاقتحمت يوما على أبي قتادة حائطه - وكان ابن ~~عمي - فسلمت عليه فلم يرد علي الجواب، فقلت له: يا ابن عمي، أتعلم أني أحب ~~الله ورسوله؟ فسكت عني، فرددت الكلام ثلاثا، فقال في الثالثة: الله ورسوله ~~أعلم، قال: فبكيت بكاء شديدا وخرجت، قال: فلما كان تتمة خمسين ليلة من يوم ~~نهى رسول الله عن كلامنا، كنت على ظهر بيتي وقد صليت الصبح، وأنا كما ذكر ~~الله تعالى: * (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) أي: برحبها وسعتها * ~~(وضاقت عليهم أنفسهم) أي: من جفوة القوم وغلظة رسول الله عليهم، إذ سمعت ~~مناديا ينادي على ذروة سلع - والسلع: الجبل -: أبشر يا كعب بن مالك، قال: ~~فخررت لله ساجدا، وجاء البشير فأعطيته ثوبي ولبست ثوبين غيرهما، وأتيت رسول ~~الله وجلست بين يديه ووجهه يستنير كاستنارة القمر، فقال: أبشر يا كعب بن ~~مالك بخير يوم مر عليك منذ أسلمت فقلت: يا رسول الله، أمن عندك أم من ms0621 عند ~~الله؟ فقال: لا، بل من عند الله وقرأ على الآية، فقلت: يا رسول الله، إن من ~~توبتي أن أخلع من (جميع) مالي صدقة لله ولرسوله، فقال: أمسك عليك بعض مالك؛ ~~فهو خير لك ' القصة إلى آخرها. PageV02P357 # * (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم (118) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ~~(119) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ~~ولا يرغبوا بأنفسهم) * * وقوله تعالى: * (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا ~~إليه) معناه: وظنوا: تيقنوا أن لا مفزع ولا منجا من الله إلا إليه. وقوله ~~تعالى: * (ثم تاب عليهم ليتوبوا) يعني: ليستقيموا على التوبة ويثبتوا ~~عليها، فإن توبتهم قد سبقت * (إن الله هو التواب الرحيم) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) قال ~~الضحاك: مع محمد وأصحابه. # وروي عن بعضهم أنه قال: مع الصادقين أي: مع أبي بكر وعمر. وعن بعضهم: مع ~~الخلفاء الأربعة. وقال بعضهم: إن الصادقين هاهنا الثلاثة الذين سبق ذكرهم؛ ~~فإنهم صدقوا النبي بالاعتراف بالذنب، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة مثل ~~المنافقين. فروي عن كعب بن مالك قال: ما أبلاني الله ببلاء أعظم عندي من ~~صدقي رسول الله فإنه من شكري عليها أن لا أكذب أبدا. وروي عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال: لا يصلح الكذب في جد ولا هزل، وقرأ هذه الآية. ويقال: إن في ~~قراءته: ' وكونوا من الصادقين '. # قوله تعالى: * (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله) الآية، معناها: هو النهي عن التخلف. وقوله: * (ولا يرغبوا ~~بأنفسهم عن نفسه) معناه: ما كان لهم أن يختاروا الخفض والدعة، ويتركوا رسول ~~الله في شدة السفر ومقساة التعب. ثم قال: * (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ) ~~الظمأ: العطش * (ولا نصب) النصب: التعب * (ولا مخمصة) وهي المجاعة * (في ~~سبيل الله) في الجهاد. وقوله: * (ولا يطئون موطئا) يعني: لا يضعن قدما * ~~(يغيظ ms0622 الكفار) أي: يغضبهم * (ولا ينالون من عدو نيلا) يعني: لا يصيبون منهم ~~شيئا في نفس أو مال * (إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين) معلوم المعنى. PageV02P358 # * (عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا ~~يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ~~إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا ~~يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121) وما كان ~~المؤمنون) * * ثم قال: * (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة) يعني: قليلا ~~ولا كثيرا، قيل في التفسير: حتى التمرة * (ولا يقطعون واديا) أي: لا يعبرون ~~واديا مقبلين ومدبرين * (إلا كتب لهم) أي: أثيبوا على ذلك * (ليجزيهم الله ~~أحسن ما كانوا يعملون) معناه معلوم. # قوله تعالى: * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) الآية، وفيها قولان: # أحدهما: ' أن النبي كان يبعث بالسرايا بعد غزوة تبوك، فكان الناس يخرجون ~~جميعهم لعظم ما أصابهم من التعيير والملامة في التخلف، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية '. قال قتادة: هذا في السرايا، فأما إذا خرج الرسول بنفسه فعليهم ~~أن يخرجوا جميعا معه. # و القول الثاني: أن النبي كما دعا على مضر، وقال: ' اللهم اجعل سنيهم ~~كسني يوسف، قال: فأصابهم قحط شديد وجدب، فجعلت القبيلة تقبل إلى المدينة ~~بأجمعهم ويقولون: أسلمنا، فكانوا يضيقون على أهل المدينة منازلهم ويلوثون ~~الطرقات، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فردهم رسول الله إلى قبائلهم '. ~~وقوله: * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) معناه: هلا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة، فعلى الأول معنى الآية: هو النهي عن ترك رسول الله وحده. ~~وقوله: * (ليتفقهوا في الدين) يعني: ليحضروا نزول القرآن وبيان السنن * ~~(ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) معناه: ليعلموا السرية إذا رجعوا إليهم ~~ما نزل من القرآن والسنن. # وعلى القول الثاني معنى الآية: ما كان لأهل القبائل أن ينفروا جميعا إلى ~~المدينة PageV02P359 # * (لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة ms0623 منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122)) * * ويتركوا مواضعهم؛ ~~ولكن لينفر من كل فرقة طائفة أي: من كل قبيلة طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم وليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم * (لعلهم يحذرون). # وأما الطائفة: فهو اسم لثلاثة فما زاد، وقد ورد في القرآن ذكر الطائفة، ~~والمراد منه: الواحد، وقد ذكرناه في قوله تعالى: * (إن نعف عن طائفة منهم) ~~من قبل. # واستدل أهل الأصول بهذه على وجوب قبول خبر الواحد، والمسألة في الأصول ~~(كبيرة). # وأما الفقه فهو في اللغة: عبارة عن الفهم، وفي الشرع: عبارة عن علم مخصوص ~~وهو علم الأحكام. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين '. # وروي عن النبي أنه قال: ' الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في ~~الإسلام إذا فقهوا '. وفي بعض الأخبار: ' أفضل العبادة: الفقه، ولفقيه واحد ~~أشد على الشيطان من ألف عابد '. وعن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال: طلب ~~PageV02P360 # * (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ~~واعلموا أن الله مع المتقين (123) وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) أولا ~~يرون أنهم يفتنون في) * * العلم أفضل من صلاة النافلة. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) ~~يعني: يقربون منكم. وعن عمر: هم الديلم، وعن غيره: هم الروم * (وليجدوا ~~فيكم غلظة) قال ابن عباس: شجاعة. وقال الحسن: صبرا على الحرب * (واعلموا أن ~~الله مع المتقين) ظاهر. # قوله تعالى: * (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا) ~~هذا في المنافقين الذين كانوا يقولون هذا القول استهزاء، فقال الله تعالى: ~~* (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون) وهم يفرحون. # ثم قال: * (وأما الذين في قلوبهم مرض) أي: شك ونفاق * (فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم وماتوا وهم كافرون) أي: كفر إلى كفرهم. فإن قال ms0624 قائل: كيف يزيد إنزال ~~السورة لهم كفرا؟ # الجواب: أنهم كانوا يكفرون بكل سورة أنزلها الله تعالى، فلما كفروا عند ~~إنزال السورة نسب كفرهم إليها، وهذا كما تقول العرب: كفى بالسلامة داء؛ لأن ~~الداء يكون عند طول السلامة، قال الشاعر: # (أرى بصري قد رابني بعد صحة * وحسبك داء أن تصح وتسلما) وقوله تعالى: * ~~(أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) معناه: يبتلون في كل عام ~~بالأمراض والشدائد، وقيل: بالجهاد مع الأعداء * (ثم لا يتوبون) لا يرجعون ~~إلى الله * (ولا هم يذكرون) ولا هم يتعظون. # قوله تعالى: * (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض) الآية، كان ~~المنافقون إذا نزلت السورة أو شيء من القرآن يومئ بعضهم إلى بعض، ويخافون ~~مع ذلك أن PageV02P361 # * (كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) وإذا ما أنزلت ~~سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم ~~قوم لا يفقهون (127) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص) * * ~~يراهم المؤمنون، فهذا معنى قوله: * (هل يراكم من أحد) ثم قال: * (ثم ~~انصرفوا) فيه معنيان: أحدهما: انصرفوا عن مواضعهم، والآخر: انصرفوا عن ~~الإيمان، أي: لم يؤمنوا ولم يقبلوا. # وقوله: * (صرف الله قلوبهم) قال أبو إسحاق الزجاج: أضلهم الله مجازاة على ~~كفرهم * (بأنهم قوم يفقهون) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) قرىء في الشاذ: من أنفسكم، ~~ويقال: إن هذه القراءة قراءة فاطمه - رضي الله عنها - قال يعقوب الحضرمي: ~~طلبت هذا الحرف خمسين سنة فلم أجد له راويا. ومعنى هذا: أشرفكم وأفضلكم. # والقراءة المعروفة: * (من أنفسكم) قال قتادة: ومعناه: إن نسبه معروف ~~بينكم والقول الثاني: حكى عن جعفر بن محمد - رضي الله عنه - أنه قال: * (من ~~أنفسكم) معناه: أنه لم يولد إلا من نكاح صحيح إلى زمان آدم. # والقول الثالث: حكى عن ابن عباس أنه قال: معناه: أنه ليس بطن من بطون ~~العرب إلا وقد ولدت النبي. # والقول الرابع: أن معنى هذا ms0625 هو معنى قوله تعالى: * (قل إنما أنا بشر ~~مثلكم) وإذا كان الرسول بشرا مثل القوم؛ فيكون أقرب للألفة وأدنى لفهم ~~الحجة. # وقوله: * (عزيز عليه ما عنتم) أي: شديد عليه عنتكم، والعنت: هو المكروه ~~ولقاء الشدة، كأنه قال: شديد عليه ما يضركم ويهلككم، وهو الكفر الذي أنتم ~~عليه. # وقوله تعالى: * (حريص عليكم) الحرص: شدة طلب الشئ، ومعناه: حريص ~~PageV02P362 # * (عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم (128) فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا ~~هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129)) * * على إيمانكم * (بالمؤمنين ~~رؤوف رحيم) عطوف رفيق. # وقد أعطاه الله تعالى في هذه الآية اسمين من أسمائه، وهو في نهاية ~~الكرامة. # قوله تعالى: * (فإن تولوا) معناه: فإن أعرضوا عن الإيمان أو عنك * (فقل ~~حسبي الله) كافي الله أي: يكفيني الله * (لا إله إلا هو عليه توكلت) عليه ~~اعتمدت وبه وثقت * (وهو رب العرش العظيم) قرأ ابن محيصن: ' رب العرش العظيم ~~' بالرفع، فرجع إلى الله تعالى، والقراءة المعروفة بالكسر، وهو يرجع إلى ~~العرش. وعن بعض التابعين: لا يعرف أحد قدر العرش سوى الله تعالى. وفى بعض ~~الأخبار عن النبي أنه قال: ' العرش من ياقوتة حمراء '. وعن وهب بن منبه: أن ~~الله تعالى خلق العرش من نوره. وعن كعب الأخبار: أن السماوات في العرش ~~كقنديل معلق من السماء. وعن مجاهد: أن السماوات في العرش كحلقة. وحكى عن ~~أبي بن كعب أنه قال في هاتين الآيتين: هما أحدث الآيات بالله عهدا. فعلى ~~قوله: هاتان الآيتان آخر ما أنزل من القرآن. وهو رواية أيضا عن ابن عباس ~~وقد ذكرنا غير هذا برواية البراء بن عازب، والله أعلم بالصواب. PageV02P363 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (آلر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) أكان للناس ~~عجبا) * * تفسير سورة يونس وهي مكية إلا ثلاث آيات، وهو قوله تعالى * (فإن ~~كنت في شك مما أنزلنا إليك) إلى آخر الآيات الثلاث. # وحكى عن محمد بن سيرين أنه قال: هذه السورة كانت بعد السورة السابقة. # قوله تعالى * (آلر) روى أبو الضحى عن ابن عباس قال: * (آلر) أنا الله ms0626 ~~أرى. وروى عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الر، وحم، ونون هو تمام اسم الرحمن. # وفي الحروف المهجيات أقوال ذكرناها في أول سورة البقرة. # وقوله: * (تلك آيات الكتاب) قال أبو عبيدة: معناه: هذه آيات الكتاب. قال ~~الشاعر: # (تلك خيلي منه وتلك ركابي * هن صفر أولادها كالزبيب) وقال الزجاج: معنى ~~الآية: وهو أن الآيات التي أنزلتها عليك من قبل * (تلك آيات الكتاب الحكيم) ~~والكتاب: هو القرآن، والحكيم: هو المحكم، على قول أكثر المفسرين، فعيل ~~بمعنى مفعل، مثل قوله: * (هذا ما لدى عتيد) أي: معتد. وقال بعضهم: الحكيم ~~على وضعه، وسمى القرآن حكيما؛ لأنه كالناطق بالحكمة. # قوله تعالى: * (أكان للناس عجبا) العجب: حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء ~~على خلاف العادة. # وسبب نزول هذه الآية: أن الله تعالى لما بعث محمدا قال المشركون: أما وجد ~~PageV02P364 # * (أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين (2)) * * الله نبيا سوى يتيم ~~أبى طالب، فأنزل الله تعالى هذه الآية وهى قوله: * (أكان للناس عجبا) ~~ومعناه: أعجب الناس، يعنى: المشركين * (أن أوحينا إلى رجل منهم) والرجل ها ~~هنا: النبي، وقوله: * (منهم) قالوا: معناه: إنه رجل يعرفونه باسمه ونسبه، ~~لا يكتب، ولا يشعر، ولا يتكهن، ولا يكذب. # وقوله: * (أن أنذر الناس) الإنذار: هو الإعلام مع التخويف. وقوله: * ~~(وبشر الذين آمنوا) قد بينا معنى البشارة. وقوله: * (أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم) فيه أربعة أقوال: # القول الأول - وهذا قول الأكثرين - أن القدم الصدق: هو الأعمال الصالحة، ~~يقال: لفلان قدم في الشجاعة، وقدم في العلم، ويقال: فلان وضع قدمه في كذا، ~~إذا شرع فيه بعمله. # والقول الثاني: أن القدم الصدق: هو الثواب. # والقول الثالث: حكى عن ابن عباس أنه قال: القدم الصدق: هو السعادة في ~~الذكر الأول. # والقول الرابع: أن المراد منه: هو الرسول، وقدم صدق: شفيع صدق، قاله ~~مقاتل بن حيان. # قوله تعالى: * (قال الكافرون إن هذا لساحر مبين) وقرئ بقراءتين: ' لساحر ~~مبين '، و ' إن ms0627 هذا لسحر مبين '؛ فالساحر ينصرف إلى الرسول، والسحر ينصرف ~~إلى القرآن. PageV02P365 # * (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا ~~تذكرون (3) إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا) * * قوله تعالى: * (إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام) في الأيام قولان: # أحدهما: أنها كأيام الآخرة، كل يوم ألف سنة. والآخر أنها كأيام الدنيا. # قوله * (ثم استوى على العرش) قد بيينا مذهب أهل السنة في الاستواء؛ وهو ~~أنه نؤمن به ونكل علمه إلى الله تعالى من غير تأويل ولا تفسير. # وأما المعتزلة: فإنهم أولوا الاستواء بالاستيلاء، وهو باطل عند أهل ~~العربية. # حكى عن أحمد بن أبي داود - وكان من رؤساء المعتزلة - أنه قال لابن ~~الأعرابي: أتعرف العرب الاستواء؟ بمعنى الاستيلاء فقال. لا. ويحكى أن هذه ~~المسألة جرت في مجلس المأمون، فقال بشر المريسي: الاستواء بمعنى الاستيلاء، ~~فقال له أبو السمراء - وهو رجل من أهل اللغة - أخطأت يا شيخ؛ فإن العرب لا ~~تعرف الاستيلاء إلا بعد عجز سابق. # قوله تعالى * (يدبر الأمر) قال مجاهد: يقضي الأمر * (ما من شفيع إلا من ~~بعد إذنه) معناه: أن الشفعاء لا يشفعون إلا بإذنه، وهذا رد على النضر بن ~~الحارث، فإنه كان يقول: إذا كان يوم القيامة يشفعني اللات والعزى. قوله ~~تعالى * (ذلكم الله ربكم) يعنى: ذلك الذي فعله هذا ربكم * (فاعبدوه أفلا ~~تذكرون) أفلا تتعظون. # قوله تعالى * (إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا) نصب وعد الله حقا يعنى: ~~وعد الله وعدا حقا * (إنه يبدأ الخلق ثم يعيده) معناه معلوم * (ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) قال ابن عباس: بالعدل * (والذين كفروا لهم ~~شراب من حميم) الحميم هو الماء الذي انتهى حره. وفي القصص: أن النار أوقدت ~~عليه منذ يوم خلقها إلى أن يدخل الكفار [في] (1) النار. قوله: * (وعذاب ~~أليم بما كانوا PageV02P366 # * (الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم ms0628 شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون (4) هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) إن ~~في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ~~(6) إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم ~~عن أياتنا غافلون) * * أي: عذاب موجع بكفرهم. # قوله تعالى: * (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا) الآية، الشمس والقمر ~~جسمان نيران، أحدهما أضوأ من الآخر، وقوله: * (جعل الشمس ضياء) أي: ذات ~~ضياء * (والقمر نورا) أي: ذا نور. وقوله: * (وقدره منازل) منهم من قال: هذا ~~ينصرف إلى القمر خاصة، ومنهم من قال: ينصرف إليهما، إلا أنه اكتفى بذكر ~~أحدهما عن الآخر. # ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا، أساميها معلومة عند العرب، تكون أربعة ~~عشر منها ظاهرة أبدا، وأربعة عشر منها غائبة أبدا، وكلما طلع واحد غاب ~~واحد، والقمر ينزل كل ليلة منزلا منها. # وقوله تعالى: * (لتعلموا عدد السنين والحساب) يعني: قدره منازل لتعلموا ~~عدد السنين وحساب الشهور والأيام. وقوله: * (ما خلق الله ذلك إلا بالحق) ~~أي: للحق. # قوله: * (يفصل الآيات لقوم يعلمون) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (إن في اختلاف الليل والنهار) معناه معلوم إلى آخر الآية، ~~وقد ذكرنا من قبل. # قوله تعالى: * (إن الذين لا يرجون لقاءنا) قوله: ' لا يرجون ' فيه قولان: # أحدهما: لا يخافون، والآخر: لا يطمعون. # وقوله: * (لقاءنا) قد بينا من قبل. وقوله تعالى: * (ورضوا بالحياة ~~الدنيا) قال قتادة: لها يطلبون وبها يفرحون. وقوله تعالى: * (واطمأنوا بها) ~~سكنوا إليها. قوله تعالى: * (والذين هم عن آياتنا غافلون) الغفلة سهو يعتري ~~القلب يصرفه عن وجد PageV02P367 # (* (7) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم (9) ~~دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين (10) * * العلم. # ثم قال: * (أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون) معناه معلوم. # قوله تعالى: * (إن الذين ms0629 آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم) ~~قال مجاهد: هذا هو معنى قوله تعالى: * (نورا يمشي به). وقال غيره: يهديهم ~~ربهم: يرشدهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة * (تجري من تحتهم الأنهار) أي: من ~~تحت الأشجار. قوله: * (في جنات النعيم). # ثم قال: * (دعواهم فيها) معناه: دعاؤهم فيها * (سبحانك اللهم) هذا كلمة ~~تنزيه وتبرئة الرب عن السوء. وفي الأخبار: ' أن قوله: * (سبحانك اللهم) ~~علامة بين أهل الجنة والخدم، وإذا أرادوا الطعام قالوا: سبحانك اللهم، ~~فيدخل الخدم بالموائد، كل مائدة ميل في ميل، قوائمها من اللؤلؤ، على كل ~~مائدة سبعون ألف صحفة، في كل صحفة لون من الطعام لا يشبه بعضه بعضا، ثم ~~تجىء الطير كأمثال البخت، قوائمها لون، وأجنحتها لون، وبطونها وظهورها لون، ~~فيقع بين أيدي أهل الجنة فيأكلون منها ما يشاءون، ثم تطير كما كانت '. # وقوله تعالى: * (وتحيتهم فيها سلام) يعنى: تحية بعضهم بعضا يكون بالسلام، ~~ويقال معناه: إن تحية الملائكة لهم بالسلام، ويقال: إن تحية الله لهم ~~بالسلام. # قوله تعالى: * (وآخر دعواهم) معناه: وآخر قولهم: * (أن الحمد لله رب ~~العالمين) فيكون ابتداء أمرهم بالتسبيح، وانتهاء أمرهم بالحمد والشكر. ~~PageV02P368 # * (يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين ~~لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه ~~أو قاعدا أو) * * قوله تعالى: * (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير) قال ابن عباس: هذا في قول الرجل يقول عند الغضب لأهله وولده: لعنكم ~~الله، لا بارك الله فيكم، ومعناه: ولو يعجل الله للناس الشر - يعنى: ~~المكروه - استعجالهم بالخير أي: كما يحبون استعجالهم بالخير * (لقضى إليهم ~~أجلهم) فهلكوا جميعا وماتوا. وقوله: * (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا) أي: لا ~~يخافون لقاءنا * (في طغيانهم) أي: في ضلالتهم. قوله * (يعمهون) يترددون، ~~وقيل: يتمادون، وقد ثبت الخبر عن النبي أنه قال: ' اللهم إني بشر أغضب كما ~~يغضب البشر، فأيما [رجل] سببته أولعنته فاجعلها له طهرة ورحمة '. وفي الباب ~~روايات كثيرة كلها صحيحة. # قوله تعالى * (وإذا مس الإنسان الضر) أي: المكروه * (دعانا لجنبه أو ~~قاعدا ms0630 أو قائما) قال أهل التفسير: هذا يحتمل معنيين: # أحدهما: إذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعدا أو قائما دعانا. # والآخر: يحتمل إذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما، يعني: ~~على هذه الأحوال كلها. # قوله تعالى: * (فلما كشفنا عنه ضره مر) فيه معنيان: # أحدهما: مر طاغيا كما كان من قبل، والآخر: استمر على ما كان من قبل. قال ~~بعضهم في هذا المعنى: # (كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى * ولم تك صعلوكا إذا ما تمولا) قوله ~~تعالى: * (كأن لم يدعنا إلى ضر مسه) معناه: كأن لم يطلب منا كشف ضرمسه. ~~قوله * (كذلك زين للمسرفين) قال ابن جريج: كذلك زين للمسرفين * (ما ~~PageV02P369 # * (قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين ~~للمسرفين ما كانوا يعملون (12) ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ~~وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) ~~ثم جعلناكم خلائف في الأرض من) * * كانوا يعملون) من الدعاء عند البلاء، ~~وترك الشكر عند الرخاء. وفيه معنى آخر: وهو أنه كما زين لكم أعمالكم، كذلك ~~زين للمسرفين الذين كانوا من قبلكم أعمالهم. # قوله تعالى: * (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات) معناه معلوم. وقوله: * (وما كانوا ليؤمنوا) قال الزجاج: هذا في ~~قوم علم الله أنهم لا يؤمنون. وقال ابن الأنباري: منعهم الله من الإيمان ~~جزاء على كفرهم. قوله: * (كذلك نجزي القوم المجرمين) وهذا دليل على أن قول ~~ابن الأنباري أصح. # قوله تعالى: * (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم) يعني: خلفاء في ~~الأرض من بعدهم * (لننظر كيف تعملون) ومعناه: ليختبركم فينظر كيف تعملون. # روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: يا ابن أم عمر، لقد استخلفت، فانظر ~~كيف تعمل. # وروي أنه قال في موعظته: أيها المؤمنون، إن الله استخلفكم لينظر كيف ~~تعملون، فأروا الله أعمالكم الحسنة، وكفوا عن الأعمال القبيحة. # قوله تعالى: * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ~~ائت بقرآن غير هذا أو ms0631 بدله) روي في التفاسير أن المشركين قالوا للنبي: يا ~~محمد، إن كنت تريد أن نؤمن لك فأت بقرآن ليس فيه سب آلهتنا، وليس فيه ذكر ~~البعث والنشور وإن لم ينزله الله هكذا، فقله من عند نفسك، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. فإن قال قائل: أيش الفرق بين قوله: * (ائت بقرآن غير هذا) ~~[وقوله]: * (أو بدله) أليس معناهما واحد؟ PageV02P370 # * (بعدهم لننظر كيف تعملون (14) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين ~~لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من ~~تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ~~(15) قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من ~~قبله أفلا تعقلون (16) فمن أظلم ممن) * * الجواب: أن معناهما مختلف، وقوله: ~~* (ائت بقرآن غير هذا) يجوز أن يأتي بغيره معه، وقوله: * (أو بدله) لا يكون ~~إلا أن يترك هذا ويأتي بغيره. # قوله تعالى: * (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) معلوم المعنى، وكأنه قال: لم ~~أقل هذا من تلقاء نفسي حتى أقول غيره من تلقاء نفسي. # ثم قال: * (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم) يعني: لو شاء الله ما أنزل ~~القرآن علي، * (ولا أدراكم به) أي: ولا أعلمكم الله به * (فقد لبثت فيكم ~~عمرا من قبله) العمر والعمر بمعنى واحد، قال الشاعر: # (بان الشباب وأخلف العمر * وتنكر الإخوان والدهر) وقدر العمر الذي لبث ~~فيهم من قبله: هو أربعون سنة باتفاق أهل العلم؛ فإن النبي بعث إليهم وهو ~~ابن أربعين سنة، ولبث بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشرا، وتوفي وهو ابن ~~ثلاث وستين سنة. وفي رواية عن أنس ' أن النبي مكث بمكة عشرا، وبالمدينة ~~عشرا وتوفاه الله على رأس ستين سنة. والرواية الأولى أظهر وأشهر. # قوله * (أفلا تعقلون) معناه: أفلا تفقهون. # قوله تعالى: * (فمن أظلم ممن افترى على ms0632 الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا ~~يفلح المجرمون) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم) فإن قال ~~قائل: PageV02P371 # * (افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون (17) ويعبدون ~~من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما ~~يشركون (18) وما كان الناس) * * كيف قال: * (ولا يضرهم) ولا شك أنه ضرهم؟ # الجواب عنه معناه: لا يضرهم إن تركوا عبادته، ولا ينفعهم إن عبدوه. ~~وقوله: * (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) فإن قال قائل: كيف قالوا: هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله وهم لا يؤمنون بالبعث؟. # الجواب: أنهم كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله في مصالح معايشنا في ~~الدنيا. # وقوله تعالى: * (قل أتنبئون الله) أي: أتخبرون الله؟ * (بما لا يعلم في ~~السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون) معلوم المعنى. # وحقيقة الآية: الرد أو الإنكار عليهم. # قوله تعالى: * (وما كان الناس إلا أمة واحدة) فيه قولان: # أحدهما: قول مجاهد وهو: أن الناس كانوا على الإسلام في زمان آدم إلى أن ~~قتل أحد ابنيه الآخر * (فاختلفوا). # والقول الثاني: أن العرب كانوا على دين إبراهيم حتى اختلفوا. ومن المعروف ~~أن أول من غير دين إبراهيم من العرب هو عمرو بن لحي. وثبت أن النبي قال: ' ~~رأيت [عمرو] بن لحي يجر قصبه في النار '. # ويقال في الآية: إن المراد من ' الأمة ' أهل سفينة نوح عليه السلام. # قوله تعالى: * (ولولا كلمة سبقت من ربك) يعني: في التأجيل والإمهال * ~~(لقضى بينهم فيما فيه يختلفون) أي: لحكم بينهم فيما فيه يختلفون. ~~PageV02P372 # * (إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه ~~يختلفون (19) ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين (20) وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء ~~مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل) * * قوله تعالى: * (ويقولون لولا أنزل ~~عليه آية من ربه) ms0633 فإن قال قائل: أليس الرسول قد أتى بالآيات على زعمكم؟ # الجواب عنه: بلى، ومعنى الآية: هلا أنزل عليه آية من ربه على ما نقترحه. # * (فقل إنما الغيب لله) يعني: علم الغيب لله، إن شاء أتى بالآية التي ~~تسألونها وإن شاء لم يأت * (فانتظروا إني معكم من المنتظرين) يعني: انتظروا ~~الغيب إني معكم من المنتظرين. # قوله تعالى: * (وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم) الذوق: تناول ~~ماله طعم بفمه ليجد طعمه، فأما الرحمة هاهنا فيها قولان: # أحدهما: أنها العافية، والآخر: أنها الخصب والنعمة. # والضراء فيها قولان: # أحدهما: أنها الشدة، والآخر: أنها الجدب والقحط. # * (مستهم) أي: أصابتهم. وقوله تعالى: * (إذا لهم مكر في آياتنا) المكر: ~~صرف الشيء عن وجهه بطريق الحيلة. قال مجاهد: * (إذا لهم مكر في آياتنا) أي: ~~تكذيب واستهزاء. # وقوله تعالى: * (قل الله أسرع مكرا) يعني: أشد أخذا. ويقال: معناه: إن ما ~~يأتي من العذاب من قبله أسرع في إهلاككم مما يأتي منكم في دفع الحق ~~وتكذيبه. # وقوله: * (إن رسلنا يكتبون ما تمكرون) معناه معلوم. # قوله تعالى: * (هو الذي يسيركم في البر والبحر) قرئت بقراءتين: ' يسيركم ~~' و ' ينشركم '، والمعروف: ' يسيركم ' ومعناه: تسهيل طريق السير عليكم في ~~البر والبحر. وأما من قرأ: ' ينشركم ' معناه: يبثكم. وروي عن الضحاك أنه ~~قال: البحر هو الأمصار، والبر هو البوادي. وقوله تعالى: * (حتى إذا كنتم في ~~الفلك) قال أهل PageV02P373 # * (الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) هو الذي يسيركم في ~~البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ~~ريح عاصف) * * اللغة: الفلك تؤنث وتذكر. قال الله تعالى: * (في الفلك ~~المشحون) وقال هاهنا: * (وجرين بهم) وقالوا أيضا: إن الفلك يكون بمعنى ~~الواحد وبمعنى الجمع. وقوله: * (بريح طيبة) أي: هينة لينة. # وقد روي عن النبي أنه قال: ' الريح من روح الله، فسألوا الله من خيرها، ~~وتعوذوا بالله من شرها '. # فإن قال قائل: كيف قال: * (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) فهذا تغيير ~~الكلام عن وجهه؟ # والجواب عنه: أن ms0634 العرب تقيم المعاينة مقام المخاطبة، والمخاطبة مقام ~~المعاينة، قال الشاعر: # (وشطت مزار العاشقين فأصبحت * عسيرا على طلابك ابنة مخرم) ومنهم من قال: ~~معنى الآية: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة يا محمد. وقوله: * ~~(وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف) وهي الشديدة المهلكة، قال الشاعر: # (في فيلق شهباء ملمومة * تعصف بالحاسر والدارع) وقوله: * (وجاءهم الموج ~~من كل مكان) الموج: ما يظهر على البحر من الريح. PageV02P374 # * (وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) * * وقوله: * (وظنوا) ~~وتيقنوا * (أنهم أحيط بهم) يقال لمن كان في بلاء وشدة: إنه قد أحيط به. ~~وقوله: * (دعوا الله مخلصين له الدين) معناه: أنهم أخلصوا في الدعاء، ولم ~~يدعوا أحدا سوى الله. وقوله: * (لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) ~~معناه معلوم. # ثم قال تعالى: * (فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق) البغي: ~~هو قصد الاستعلاء على الغير بالظلم، والبغي ها هنا بمعنى الفساد، ويقال: ~~بغي الجرح إذا أدى إلى الفساد، وبغت المرأة إذا فجرت. # وقد روي عن النبي أنه قال: ' لا يؤخر الله صاحب بغي ' أي: لا يمهله. وفي ~~الأخبار - أيضا -: ' البغي مصراعة '. # ثم قال: * (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) أي: وبال بغيكم عليكم. # قوله * (متاع الحياة الدنيا) وقرئ: ' متاع الحياة الدنيا '؛ فمن قرأ ~~بالرفع معناه: هو متاع الحياة الدنيا، ومن قرأ بالنصب معناه: يمتعون متاع ~~الحياة الدنيا. وعن الأعمش قال: المتاع: زاد الراكب. وقال أهل المعاني: ~~حقيقة معنى الآية: أن البغي متاع الحياة الدنيا. PageV02P375 # * (فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما ~~بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم ~~تعملون (23) إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت بها وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليها) * * قوله تعالى: * (ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما ~~كنتم تعملون) ms0635 أي: نخبركم بما كنتم تعملون. # قوله تعالى: * (إنما مثل الحياة الدنيا) معناه: إنما صفة الحياة الدنيا * ~~(كماء أنزلناه من السماء) أي: من السحاب * (فاختلط به نبات الأرض) يعني: ~~اختلط المطر بالنبات، والنبات بالمطر * (مما يأكل الناس والأنعام) ظاهر ~~المعنى، وقوله: * (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) الزخرف: كمال الحسن، والذهب ~~زخرف؛ لكماله في الحسن، ومعنى الزخرف هاهنا: البهجة والنضرة. وقوله: * ~~(وازينت) أي: تزينت، وقالوا معناه: أنبتت وأثمرت وأينعت. # وقوله: * (وظن أهلها أنهم قادرون عليها) معناه: وظن أهلها أنهم قادرون ~~على جذاذها وقطافها وحصادها. وقوله: * (أتاها أمرنا ليلا أو نهارا) أي: ~~عذابنا ليلا أو نهارا. وقوله: * (فجعلناها حصيدا) الحصيد: المحصود، والمعنى ~~ها هنا: هو الاستئصال بالعذاب. وقوله: * (كأن لم تغن بالأمس) قال مجاهد: ~~معناه: كأن لم تعمر بالأمس. وقال غيره: كأن لم يكن قائما بالأمس، يقال: غنى ~~فلان بالمكان إذا قام فيه، والمغاني هي المنازل، قال لبيد: # (ولقد سئمت من الحياة وطولها * وسؤال هذا الناس كيف لبيد) (وغنيت سبتا ~~قبل مجرى داحس * لو كان للنفس اللجوج خلود) ومعنى غنيت: أقمت، والسبت: ~~الدهر هاهنا. # قال قتادة: معنى الآية: هو أن المتشبث بالدنيا يأتيه أمر الله وعذابه ~~أغفل ما يكون وأعجب بها. # وقوله * (كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) ظاهر المعنى. PageV02P376 # * (أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس) * * ~~قوله تعالى * (والله يدعو إلى دار السلام) في الأخبار أن النبي قال: ' ما ~~من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبتيها ملكان يسمعان الخلائق إلا الثقلين: ~~ألا هلموا إلى ربكم، ثم قرأ قوله تعالى: * (والله يدعوا إلى دار السلام). ~~وفي الآثار - أيضا -: ' أنه ما من يوم ولا ليل إلا وينادى مناد: يا طالب ~~الخير هلم، ويا طالب الشر أقصر. # وأما دار السلام: فالدار هي الجنة، وفي السلام قولان: # أحدهما: أنه هو الله. والآخر: أن السلام بمعنى السلامة؛ كأنه قال: يدعو ~~إلى دار السلام من الآفات. # وروى أبو جعفر محمد بن علي الباقر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي ~~الله عنهما - أن النبي قال: ms0636 ' رأيت في منامي كأن على رأسي جبريل، وكأن ~~PageV02P377 # * (كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) والله يدعو إلى دار السلام ويهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم (25)) * * على رجلي ميكائيل، فقال أحدهما لصاحبه: ~~اضرب له مثلا، فقال الآخر: مثلك يا محمد مثل ملك بنى دارا ثم بنى في دار ~~بيتا، ثم وضع في البيت مأدبة، ثم دعا إليها الناس، فمنهم التارك ومنهم ~~المجيب، فالملك: هو الله تعالى، والدار: هو الإسلام، والبيت: الجنة، ~~والداعي: أنت، فمن أجاب دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها '. # وقوله: * (ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) الصراط المستقيم: هو الإسلام، ~~وفيه أقوال أخر، ذكرناها من قبل. # قوله تعالى: * (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) الإحسان هاهنا: الإسلام، ~~والإحسان: هو قول لا إله إلا الله. واختلفوا في الحسنى وزيادة، فروي عن أبي ~~بكر الصديق وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وحذيفة، وقتادة، وجماعة من ~~التابعين أنهم قالوا: الحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى الله عز ~~وعلا. وروى أبو القاسم بن بنت منيع، عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، عن ~~ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب - رضي الله عنهم - أن النبي قال: ~~' إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله - تعالى -: يا أهل الجنة، إن لكم عندي ~~موعدا وأنا منجزكموه، فقالوا: وما ذلك؟ ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تثقل ~~موازيننا؟ ألم تدخلنا الجنة وتخلصنا من النار؟ قال: فيتجلى لهم فينظرون إلى ~~وجهه، فما أعطوا شيئا هو أحب (إليهم) من النظر إليه، ثم قرأ قوله تعالى: * ~~(للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) '. PageV02P378 # * (للذين أحسنوا بالحسنى وزيادة) * * قال الإمام أبو المظفر: أخبرنا بهذا ~~الحديث أبو الحسين أحمد بن محمد بن النقور بالتخفيف ببغداد قال: أخبرنا أبو ~~القاسم بن حبابة قال: أخبرنا أبو القاسم بن بنت منيع... الخبر خرجه مسلم في ~~' الصحيح '. # وفي الآية أقوال آخر. # وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: الزيادة: غرفة من اللؤلؤ لها أربعة ~~آلاف باب. وروى عن الحسن البصري أنه قال: الحسنى: هي المثل من الثواب، ~~والزيادة: هي ms0637 الزيادة على المثل إلى سبعمائة ضعف. وقال مجاهد: الحسنى، هي ~~المثل، والزيادة: رضوان الله تعالى. # قوله ا \ تعالى: * (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) القتر: سواد الوجه، ~~وأصل (القتار): هو الدخان. # قوله: * (ولا ذلة) أي: هوان. # قوله: * (أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) معناه ظاهر. # قوله تعالى: * (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها) الآية، هذا هو ~~معنى قوله تعالى: * (ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها). قوله: * ([و] ~~ترهقهم ذلة) أي: تغشاهم ذلة، أي: ذل. * (ما لهم من الله من عاصم) أي: مانع. ~~وقوله: * (كأنما أغشيت وجوههم قطعا) قرئت بقراءتين: ' قطعا ' و ' قطعا '، ~~فالقطع PageV02P379 # * (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (26) ~~والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم ~~كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(27) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا ~~بينهم وقال) * * بتحريك الطاء - جمع القطعة، والقطع - بسكون الطاء - واحد. # فإن قيل: كيف لم يقل: ' قطعا من الليل مظلمة '؟ # قلنا: تقدير الآية: قطعا من الليل في حال ظلمته، هكذا قاله أهل اللغة. # * (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ظاهر. # قوله تعالى: * (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم) الآية. معنى الآية: ثم نقول للذين أشركوا: الزموا أنتم وشركاؤكم ~~مكانكم. # قوله: * (فزيلنا بينهم) معناه: ميزنا بينهم يعني: فرقنا بين المشركين ~~والأصنام؛ وهو من قوله: زلت، لا من قوله: ذلت * (وقال شركاؤكم ما كنتم ~~إيانا تعبدون) الشركاء: هي الأصنام التي جعلوها شركاء لله تعالى على زعمهم. ~~وقوله: * (ما كنتم إيانا تعبدون) معناه: كنتم إيانا تعبدون بطلبنا ودعوتنا. # قوله تعالى: * (فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم ~~لغافلين) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (هنالك تبلو) الآية، قرئت بقراءتين: ' تتلو ' و ' تبلو ' ~~فقوله: ' تبلو ' قال مجاهد: تختبر، معناه: تجده وتقف عليه، وقوله ' تتلو ' ~~قال الأخفش: يقرأ، فيكون في معنى قوله: * (يخرج له يوم القيامة) إلى قوله: ms0638 ~~* (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا). PageV02P380 # * (شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن ~~كنا عن عبادتكم لغافلين (29) هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله ~~مولاهم الحق) * * والقول الثاني: أن معنى ' تتلو ': تتبع، قال الشاعر: # (أرى المريب يتبع المريبا * كما رأيت الذيب يتلوا الذيبا) قوله تعالى: * ~~(كل نفس ما أسلفت) أي: ما قدمت. قوله تعالى: * (وردوا إلى الله مولاهم ~~الحق) فإن قال قائل: قد قال في موضع آخر: * (وأن الكافرين لا مولى لهم) ~~وقال هاهنا: * (وردوا إلى الله مولاهم الحق) فكيف وجه الآيتين؟. # الجواب عنه: أن المولى هناك بمعنى الناصر والحافظ، والمولى هاهنا بمعنى ~~المالك، فلم يكن بين الآيتين اختلاف. # وقوله [تعالى] * (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي: فات عنهم ما كانوا ~~يكذبون. # قوله تعالى: * (قل من يرزقكم من السماء والأرض) الرزق من السماء بالمطر، ~~ومن الأرض بالنبات. وقوله: * (أم من يملك السمع والأبصار) معناه: ومن ~~أعطاكم الأسماع والأبصار. وقوله * (ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي) معناه: ومن يخرج النطفة من الحي، والحي من النطفة، والسنبلة من الحب، ~~والحب من السنبلة، والبيض من الطير والطير من البيض، والشجر من النواة، ~~والنواة من الشجر، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. # وقوله * (ومن يدبر الأمر) ومن يقضي الأمر. وقوله: * (فسيقولون الله فقل ~~أفلا تتقون) معناه: أفلا تتقون الشرك مع هذا الإقرار. # قوله تعالى: * (فذلكم الله ربكم الحق) معناه: فذلكم الذي صفته هذا هو ~~ربكم الحق. وقوله: * (فماذا بعد الحق إلا الضلال) معناه: فماذا بعد الحق ~~إلا الباطل. PageV02P381 # * (وضل عنهم ما كانوا يفترون (30) قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن ~~يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر ~~الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (31) فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32)) * * وروي عن حرملة أنه قال: سألت (مالك ~~بن أنس) عن الغناء، فقرأ هذه الآية: * (فماذا بعد الحق إلا الضلال ') وروي ~~عن القاسم بن ms0639 محمد من التابعين نحوا من هذا في هذا المعنى. وقوله * (فأنى ~~تصرفون) أي: كيف يعدل بكم عن وجه الحق؟. # قوله تعالى: * (كذلك حقت) أي: وجبت * (كلمة ربك) أي: حكمة ربك * (على ~~الذين فسقوا) أي: كفروا * (أنهم لا يؤمنون) قال أهل التفسير: هذا في أقوام ~~بأعيانهم علم الله أنهم لا يؤمنون. # قوله تعالى: * (قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده) معناه: ينشئ ~~الخلق ثم يعيده. وقوله: * (قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده) معناه: ينشئ الخلق ~~ثم يعيده، ومعنى الإعادة: هي الإحياء للبعث يوم القيامة. وقوله * (فأنى ~~تؤفكون) معناه: فكيف تصرفون؟. # قوله تعالى: * (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق) ~~معناه ظاهر. وقوله: * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن ~~يهدى) قرئت بقراءات كثيرة قال أهل العربية: أصحها: ' أمن لا يهدي ' أو ' ~~يهدي ' على وجه الإدغام؛ لأن معناه: يهتدي. ثم قال: * (إلا أن يهدى) فإن ~~قيل: كيف قال: * (إلا أن يهدى) والأصنام لا يتصور فيها أن تهدى ولا أن ~~تهتدي؟ الجواب من وجهين: # أحدهما أن معنى الهداية هاهنا هي النقل، يعنى: لا ينتقل من مكان إلى مكان ~~إلا أن ينقل. PageV02P382 # * (كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) قل هل من ~~شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون ~~(34) قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي أي ~~الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) وما ~~يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون ~~(36) وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من) * * والوجه الثاني: أن هذا مذكور على وجه ~~المجاز؛ فإن المشركين كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تسمع وتعقل وتهدي، ~~فذكر ذلك في الأصنام على وفق ما يعتقدون، وجعلها ms0640 بمنزلة من يعقل في هذا ~~الخطاب، وأثبت عجزها عن الهداية. قوله: * (فما لكم كيف تحكمون) معناه ظاهر. # قوله سبحانه وتعالى: * (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا) الآية، الظن: حالة بين ~~الشك واليقين. وقوله: * (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) معناه: إن الظن لا ~~يقوم مقام الحق بحال. وقوله: * (إن الله عليم بما يفعلون) معناه ظاهر. # قوله تعالى: * (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله) الآية، وفيه ~~وجهان من المعنى: # أحدهما: وما كان هذا القرآن افتراء من دون الله. # والوجه الثاني: وما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يفترى من دون الله لقوله ~~تعالى: * (وما كان لنبي أن يغل) معناه: وما ينبغي لمثل النبي أن يغل. # وقوله: * (ولكن تصديق الذي بين يديه) فيه قولان: # أحدهما: تصديق الذي بين يديه من التوراة والإنجيل. # والثاني: تصديق الشيء الذي القرآن بين يديه من القيامة والبعث. # وقوله: * (وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) التفصيل: التبيين، ~~PageV02P383 # * (رب العالمين (37) أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ~~ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ~~(39) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40) وإن ~~كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم) * * ومعنى باقي الآية معلوم. # قوله تعالى: * (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله) معنى الآية: هو ~~الاحتجاج على الكفار بمعجزة القرآن؛ فإنهم كانوا يقولون: إن محمدا قد ~~افتراه، فقال لهم: إن كان افتراه وأتى به من عند نفسه فأتوا أنتم بمثله. # فإن قيل: قال: * (فأتوا بسورة مثله) فللقرآن مثل يؤتى بسورة منه؟ # الجواب: أن معناه: فأتوا بسورة من مثله في البلاغة والنظم وصحة المعنى. ~~وقيل: إن معناه: فأتوا بسورة مثل سورة القرآن. # وقوله: * (وادعوا من استطعتم من دون الله) معناه: واستعينوا بمن استطعتم ~~من دون الله * (إن كنتم صادقين). # قوله: * (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) الإحاطة بعلم الشيء هي: المعرفة ms0641 ~~به من جميع وجوهه، ومعنى الآية: بل كذبوا بالقرآن ولم يحيطوا بعلمه، يعني: ~~لم يعلموه. # وقوله: * (ولما يأتهم تأويله) أي: ولم يأتهم تأويله، ومعناه: ولم يعلموا ~~ما يؤول إليه عاقبة أمرهم. ثم قال تعالى: * (كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر ~~كيف كان عاقبة الظالمين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم ~~بالمفسدين) معناه: ومنهم من يؤمن به - بالقرآن - كأصحاب النبي من المهاجرين ~~والأنصار، ومنهم من لا يؤمن به كأبي جهل ومن (تابعه)، ومنهم من قال: ومنهم ~~من يؤمن PageV02P384 # * (أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون (41) ومنهم من يستمعون ~~إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) ومنهم من ينظر إليك أفأنت ~~تهدي العمي ولو) * * به سرا وعلانية كالمؤمنين المخلصين، ومنهم من لا يؤمن ~~به سرا كالمنافقين. # * (وربك أعلم بالمفسدين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم) الآية، معناه: لي عملي ~~وجزاؤه ولكم عملكم وجزاؤه. قوله: * (أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون) هذا مثل قوله: * (لكم دينكم ولي دين) ومثل قوله تعالى: * (لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم). # قوله تعالى: * (ومنهم من يستمعون إليك) الآية، الاستماع: طلب السمع، وقد ~~كانوا يطلبون سماع القرآن للرد والتكذيب به، لا للتفهم والإيمان به. وقوله: ~~* (أفأنت تسمع الصم) الصمم: آفة تمنع من السماع، والمراد من الصمم هاهنا: ~~صمم القلب؛ فإنهم لما لم يسمعوا القرآن للإيمان به وقبوله كأنهم لم يسمعوا، ~~وجعلهم بمنزلة الصم، والصم: جمع الأصم. وقال الزجاج: قد كانوا يسمعون ~~حقيقة؛ ولكن لشدة بغضهم وعداوتهم للنبي لم يستمعوا ليفهموا، فجعلهم كأن لم ~~يسمعوا. قوله: * (ولو كانوا لا يعقلون) معناه: ولو كانوا جهالا. # قوله تعالى: * (ومنهم من ينظر إليك) النظر: طلب الرؤية بتقليب البصر، ~~وأما نظر القلب: هو طلب العلم بالفكرة. وقوله: * (أفأنت تهدي العمي) جعلهم ~~بمنزلة العمي؛ لأنهم لم ينظروا لطلب الحق، والمراد من العمى هاهنا: عمى ~~القلب. ومنهم من قال: جعلهم بمنزلة العمى كما جعلهم بمنزلة الصم حيث لم ~~ينتفعوا ms0642 لا بأسماعهم ولا بأبصارهم. # وذكر ابن الأنباري حاكيا عن ابن قتيبة أنه استدل بهذه الآية على أن السمع ~~أفضل PageV02P385 # * (كانوا لا يبصرون (43) إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون (44) ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم ~~قد خسر الذين) * * من البصر، فإن الله تعالى قال في الصمم: * (لو كانوا لا ~~يعقلون)، وقال في العمى: * (ولو كانوا لا يبصرون). # قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن المراد من الآية عمى القلب لا عمى ~~العين، وكذلك صمم القلب لا صمم الأذن؛ فعلى هذا لا يقع التفضيل. # قال ابن الأنباري: ولأن حاسة البصر أفضل من حاسة السمع، ألا ترى أن ~~الجمال فيها أكثر، والنقصان بفوتها أعظم، وسماها الرسول كريمتي الإنسان؛ ~~فإنه قال: ' يقول الله تعالى: من أخذت كريمتيه فصبر واحتسب، لم يكن له جزاء ~~إلا الجنة '. # وإذا كان الرجل أعمى فإنه لا يبصر إقباله من إدباره، ولا طريق غيه من ~~طريق رشده، ويكون أسيرا في نفسه، (ويتعطل) عليه منافع عامة جوارحه. # قوله تعالى: * (إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون) ~~ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار) معنى ~~الآية: تقريب وقت مماتهم من وقت بعثهم، وهذا كقوله تعالى: * (كأن لم يلبثوا ~~إلا ساعة من نهار). وقوله: * (يتعارفون بينهم) يعني: يعرف بعضهم بعضا. وفي ~~بعض PageV02P386 # * (كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) وإما نرنيك بعض الذين نعدهم ~~أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون (46) ولكل أمة رسول ~~فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (47) ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين (48) قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ~~لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا) * * الآثار: أن الإنسان يوم القيامة يعرف ~~من بجنبه، ولا يكلمه هيبة وخشية. وقوله: * (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ~~وما كانوا مهتدين) الخسران هاهنا: خسران النفس، ولا شيء أعظم من خسران ~~النفس. وفي بعض الآثار: يا ms0643 بان آدم، أنت في دار التجارة فاربح فيها نفسك. # قوله تعالى: * (وإما نرينك بعض الذي نعدهم) قال مجاهد: بعض الذي نعدهم ~~هو: القتل يوم بدر. وقال غيره: معنى الآية: إما نعذبهم في حياتك * (أو ~~نتوفينك) قبل تعذيبهم * (فإلينا مرجعهم) ومرجعهم إلينا. وقوله: * (ثم الله ~~شهيد على ما يفعلون) ظاهر المعنى، و ' ثم ' هاهنا بمعنى الواو. # وقوله تعالى: * (ولكل أمة رسول) الأمة: هي الجماعة إذا كانوا على منهج ~~واحد ومقصد واحد. والرسول: كل من حمل رسالة ليؤديها على الحق. وقوله تعالى: ~~* (فإذا جاء رسولهم) قال مجاهد: فإذا جاء رسولهم شاهدا عليهم يوم القيامة * ~~(قضى بينهم بالقسط) أي: بالعدل * (وهم لا يظلمون) يعني: لا ينقص من حقهم. # وفي الآية معنى آخر: وهو أن معنى قوله: * (فإذا جاء رسولهم) يعني: إذا ~~جاء رسولهم بالإعذار والإنذار قضى بينهم بالقسط أي: بالحق، ومعناه: أنه قبل ~~مجيء الرسل لا يتوجه ثواب ولا عقاب. # قوله تعالى: * (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) يعني: وعد الساعة. # ثم قال تعالى: * (قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله) الآية. ~~الملك: قوة يتصرف بها في الشيء، وقوله: * (ضرا ولا نفعا) يعني: دفع ضر ولا ~~جلب نفع لم يقدره الله تعالى. وقوله: * (لكل أمة أجل) الأجل: مدة مضروبة ~~لحلول أمر. PageV02P387 # * (يستئخرون ساعة ولا يستقدمون (49) قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو ~~نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن وقد ~~كنتم به تستعجلون (51) ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا ~~بما كنتم تكسبون (52) ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم ~~بمعجزين (53) ولو أن) * * وقوله: * (إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى * (قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا) والبيات: ما ~~يحصل ليلا. # وقوله: * (ماذا يستعجل منه المجرمون) معناه: ماذا يستعجل من الله ~~المجرمون؟ وقيل: ماذا يستعجل من العذاب المجرمون؟ وحقيقة المعنى: أنهم ~~كانوا يستعجلون العذاب؛ مثل قول النضر بن الحارث، فإنه ms0644 قال: اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، ~~فقال الله تعالى في هذه الآية: * (ماذا يستعجل منه المجرمون) يعني: وأيش ~~يعلم المجرمون ماذا يستعجلون ويطلبون؟ كالرجل يقول لغيره: ماذا جنيت على ~~نفسك؟ إذا فعل فعلا قبيحا. # قوله تعالى: * (ثم إذا ما وقع آمنتم به) قيل في التفسير: معنى قوله: ~~(أثم): هنالك إذا ما وقع - أي: العذاب * (آمنتم به) يعني: آمنتم بالله؟ من ~~وقع العذاب؟ أي: نزل. ثم قال: * (الآن) وفيه حذف ومعناه: الآن آمنتم به * ~~(وقد كنتم به تستعجلون) تكذيبا واستهزاء. # قوله تعالى: * (ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما ~~كنتم تكسبون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ويستنبئونك أحق هو) معناه: ويستخبرونك أحق هو؟ والحق ضد ~~الباطل، ويقال: الحق ما قام عليه الدليل. وقوله: * (قل إي وربي) معناه: قل ~~نعم وربي * (إنه لحق وما أنتم بمعجزين) معناه: وما أنتم بفائتين من العذاب؛ ~~لأن من عجز عن الشيء فقد فاته. # قوله تعالى: * (ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به) الافتداء ~~PageV02P388 # * (لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ~~وقضي بينهم بالقسط وهو لا يظلمون (54) ألا إن لله ما في السماوات والأرض ~~ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحيي ويميت وإليه ترجعون ~~(56) يا أيها) * * هاهنا: بذل ما ينجو به عن العذاب. وقوله: * (وأسروا ~~الندامة لما رأوا العذاب) فيه قولان: # أحدهما: قول أبي عبيدة، وهو: أن معناه: وأظهروا الندامة. # والقول الثاني: وأسروا الرؤساء منهم الندامة من الضعفاء خوفا من مذامتهم ~~وتعييرهم. # وقوله: * (وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون) قد بينا المعنى. # قوله تعالى: * (ألا إن لله ما في السماوات والأرض) فإن قال قائل: أليس أن ~~عندكم السماوات سبع، والأرضون سبع، فكيف ذكر السماوات بلفظ الجمع والأرض ~~بلفظ (الوحدان)؟ # الجواب: أن الواحد هاهنا بمعنى الجمع، والعرب قد تذكر الواحد بلفظ الجمع، ~~والجمع بلفظ الواحد، وقيل: إن الأرضين وإن كانت ms0645 سبعا ولكن لما لم تظهر سوى ~~هذه الواحدة وكانت الباقون مخفية، ذكر بلفظ الوحدان. # وقوله: * (ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (هو يحيي ويميت وإليه ترجعون) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم) الآية، الموعظة: ~~قول على طريق العلم يؤدي إلى صلاح العباد. وقوله: * (وشفاء لما في الصدور) ~~الشفاء هاهنا هو الدواء لذي الجهل. وقال أهل العلم: لا داء أعظم من الجهل، ~~ولا دواء أعز من دواء الجهل، ولا طبيب أقل من طبيب الجهل، ولا شفاء أبعد من ~~شفاء الجهل. PageV02P389 # * (الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) ~~قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن ~~لكم أم على الله تفترون) * * وأما قوله * (لما في الصدور) الصدر موضع ~~القلب، وهو أعز موضع في الإنسان؛ لجوار القلب. وقوله: * (وهدى) يعني: وهدى ~~من الضلالة. وقوله: * (ورحمة للمؤمنين) الرحمة: هي النعمة على المحتاج، ~~فإنه لو أهدى ملك إلى ملك شيئا لا يقال: قد رحمه، وإن كان هذا نعمة على ~~الحقيقة؛ لأنه لم يضعها في محتاج. # قوله تعالى: * (قل بفضل الله وبرحمته) قال الحسن البصري: فضل الله: ~~القران، ورحمته: الإسلام. وعن بعضهم: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن. ~~وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: فضل الله: القرآن، ورحمته: أن ~~جعلنا من أهله. وهذا مروي أيضا عن عكرمة. # وقوله: * (فبذلك فليفرحوا) وقرأ الحسن: ' فبذلك فلتفرحوا ' معناه: فبذلك ~~فلتعجبوا. # وقوله: * (هو خير مما يجمعون) أي: مما يجمع الكفار من الدراهم والدنانير. # قوله تعالى: * (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما ~~وحلالا) قال أهل التفسير: معنى هذا هي السوائب والحوامي التي جعلها أهل ~~الشرك حراما عليهم، وقد ذكرنا هذا في تفسير سورة الأنعام، وما أحلوا من ذلك ~~وما حرموا في تفسير قوله: * (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام ms0646 خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزواجنا) فإن قيل: كيف يستقيم هذا المعنى، وقد قال في آخر الآية: ~~* (قل الله أذن لكم أم على الله تفترون)؟ # وليس المراد من الآية الاستفهام؛ وإنما المراد منها الرد والإنكار عليهم. # قوله تعالى: * (وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة) قالوا: ~~معناه: PageV02P390 # ((59) * وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل ~~على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) وما تكون في شأن وما تتلو منه من ~~قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك ~~من مثقال ذرة في * * وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة، ~~أيلقاهم الخير أم يلقاهم الشر؟ وحقيقة المعنى: أن الشر يلقاهم؛ لأنه الذي ~~يليق بافترائهم. # وقوله: * (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون) في ~~التفاسير: من ألف واحد شاكر. # قوله تعالى: * (وما تكون في شأن) الشأن: اسم مبهم، وهو مثل قول القائل ~~لغيره: ما حملك وما بالك؟ وما شانك؟ وقوله: * (في شأن) يعني: في شأن من ~~الشؤون. # وقوله: * (وما تتلو منه من قرآن) فإن قيل: [أيش معنى] قوبه: * (وما تتلو ~~منه) ولم يسبق ذكر القرآن؟ الجواب عنه من وجهين: أحدهما أن معناه: وما تتلو ~~من الشأن، من قرآن، والآخر: أنه راجع إلى القرآن أيضا، فأبطن في قوله: * ~~(منه) وأظهر في قوله * (من قرآن) تفخيما له. وقوله: * (ولا تعلمون من عمل ~~إلا كنا عليكم شهودا) الشهود هاهنا: جمع شاهد. # وقوله: * (إذ تفيضون فيه) قال ابن الأنباري: إذ تندفعون فيه، والإفاضة هي ~~الدفع بالكثرة. وقوله: * (وما يعزب عن ربك) معناه: وما يغيب عن ربك * (من ~~مثقال ذرة) من وزن ذرة؛ والذرة: هي النملة الصغيرة، وقيل: ما يظهر في شعاع ~~الشمس. والأول هو المعروف. PageV02P391 # * (الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) ~~ألا إن) * * وقوله: * (في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك) يعني: أصغر ~~من الذرة. * (ولا أكبر) معناه: ms0647 ولا أكبر من الذرة إلى ما لا يعلم قدره إلا ~~الله تعالى. قوله: * (إلا في كتاب مبين) معناه: إلا هو مبين في الكتاب، ~~يعني: اللوح المحفوظ. # وفي الأخبار المشهورة: ' أن الله تعالى لما خلق القلم قال: اكتب، قال: ~~وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة '. وقد ثبت برواية عبد ~~الله بن عمرو بن العاص أن النبي قال: ' إن الله قدر المقادير قبل خلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة '. خرجه مسلم في ' صحيحه '. # قوله تعالى: * (ألا إن أولياء الله) اختلفوا في أولياء الله على أقوال: # أحدهما: أنهم الذين آمنوا وكانوا يتقون، والآخر: أنهم الذين يرضون ~~بالقضاء، ويشكرون عند الرخاء، ويصبرون على البلاء، والثالث: هم المتحابون ~~في الله تعالى. # وقد روى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن النبي قال: ' إن من عباد الله ~~عبادا ليسوا بأنبياء، يغبطهم النبيون والشهداء لمكانهم عند الله. فقال رجل: ~~يا رسول الله، ومن هم؟ فقال رسول: قوم تحابوا بروح الله من غير أرحام ~~يصلونها، ولا أموال يتعاطونها، وإن على وجوههم لنورا، وإنهم على منابر من ~~نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: * (ألا ~~إن أولياء الله لا خوف عليهم) '. ذكره أبو داود في ' سننه ' قريبا من هذا. ~~PageV02P392 # * (أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون (63) لهم) * * والرابع: هو أن أولياء الله من إذا رؤوا [ذكر] الله. # وفي بعض الأخبار المرفوعة إلى النبي: ' سئل من أولياء الله؟ فقال الذين ~~إذا رؤوا [ذكر] الله '. وفي رواية: ' الذين [يذكر] الله برؤيتهم '. # وقوله: * (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) الخوف: انزعاج في النفس من توقع ~~مكروه، والحزن: هم يقع في القلب لنوع عارض. # قوله تعالى: * (الذين آمنوا وكانوا يتقون) ظاهر المعنى. # ثم قال تعالى: * (لهم البشرى) اختلفوا في هذه البشرى على أقوال: # الأول: روى (أبو الدرداء) - رضي الله عنه - عن النبي أنه قال: ' هي ~~الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أوترى له '. # ورواه - أيضا - عبادة بن الصامت أبو الوليد ms0648 - رضي الله عنه -. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~PageV02P393 # * (البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو ~~الفوز العظيم (64) ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ~~(65) ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء إن يتبعون إلا) * * النبوة '. # والقول الثاني: روى أبو ذر - رضي الله عنه - عن النبي: ' إن البشرى في ~~الحياة الدنيا: هو الثناء الحسن، وفي الآخرة: الجنة '. # والثالث: البشرى: هي نزول نزول ملائكة الرحمة بالبشارة من الله تعالى عند ~~الموت. # والرابع: البشرى: هي علم المؤمن بمكانه من الجنة قبل أن يموت. قاله قوم ~~من التابعين. # وقوله تعالى: * (لا تبديل لكلمات الله) معناه: لا خلف لوعد الله. وقوله: ~~* (ذلك هو الفوز العظيم) أي: النجاة العظيمة. # قوله تعالى: * (ولا يحزنك قولهم) وقف تام. ثم قال: * (إن العزة لله ~~جميعا) يعنى: إن الغلبة لله جميعا * (هو السميع العليم) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض) معناه معلوم. # وقوله: * (وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء) معناه: وما يتبع ~~الذين يدعون من دون الله شركاء على الحقيقة؛ لأنه ليس لله شريك. وقيل: ~~معناه: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء علما ويقينا؛ بل يتبعون على ~~الظن كما قال: * (إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون) ومعنى قوله: * ~~(يخرصون): يكذبون؛ لقوله: * (قتل الخراصون) أي: الكذابون. PageV02P394 # * (الظن وإن هم إلا يخرصون (66) هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (67) قالوا اتخذ الله ولدا ~~سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون (69) متاع في الدنيا ثم إلينا) * * قوله تعالى: * (هو الذي جعل لكم ~~الليل لتسكنوا فيه) معناه معلوم. قوله: * (والنهار مبصرا) أي: مبصرا ms0649 فيه. ~~وقيل: معناه: والنهار ذا إبصار، وهذا مثل قوله تعالى: * (في عيشة راضية) ~~يعني: ذات رضا. وقوله: * (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه) فإن قال قائل: أيش الفرق ~~بين اتخاذ الولد واتخاذ الخليل؟ # الجواب عنه: أن الحقيقة الخلة مقصورة على الله تعالى؛ لأن الخلة: تصفية ~~الود، وهذا يجوز على الله تعالى. وأما حقيقة الولد: لا يجوز على الله ~~تعالى؛ فاتخاذه لا يجوز، ولأنه إنما يتخذ الولد ليرثه ملكه أو ليسر به، أو ~~ليعنه على أمر، أو ليخلفه في أموره، والله تعالى منزه عن هذا كله، ولا يجوز ~~عليه، فلم يجز اتخاذ الولد له. # وقوله تعالى: * (هو الغني) إشارة إلى ما قلنا من عدم الحاجة. وقوله: * ~~(له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا) أي: من حجة ~~بهذا؟. # وقوله: * (أتقولون على الله ما لا تعلمون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) أي: لا ~~ينجون. # وقوله * (متاع في الدنيا) معناه: إن الذين يفترون على الله حاصلهم متاع ~~في الدنيا. # وقوله: * (ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون) ~~معناه معلوم. PageV02P395 # * (مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) واتل عليهم نبأ ~~نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى ~~الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ~~ولا تنظرون) * * قوله تعالى: * (واتل عليهم نبأ نوح) معناه: واتل عليهم خبر ~~نوح * (إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري) معناه: إن كان ~~ثقل عليكم مقامي أي: طول مكثي فيكم وتذكيري * (بآيات الله) وتحذيري إياكم ~~بآيات الله * (فعلى الله توكلت) قالوا هذا اعتراض في الكلام وفي المعنى. ~~قوله: * (فأجمعوا أمركم) هو متصل بما سبق كأنه قال: إن كان كبر عليكم مقامي ~~وتذكيري بآيات الله فأجمعوا أمركم. وفي الشاذ: ' فاجمعوا أمركم ' قرأه عاصم ~~الجحدري. # قوله: * (فاجمعوا) قال ms0650 الفراء: فاعزموا على أمركم وادعوا * (شركاءكم) ~~وقال الزجاج: فاجمعوا أمركم مع شركائكم، إلا أنه لما ترك كلمة ' مع ' ~~فانتصب، قال الشاعر: # (يا ليت شعري والمنى لا تنفع * حتى أرى أمري وأمري مجمع) أي: معزم عليه. ~~وقوله: * (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) أي: ملتبسا، ومنه الغمام، والغم. ~~وقوله تعالى: * (ثم اقضوا إلي) قرىء في الشاذ: ' ثم أفضوا إلي ' بالفاء، ~~والمعروف بالقاف. قال مجاهد معناه: ثم اعلموا ما في أنفسكم. وقيل معناه: ~~توجهوا إلي بالقتل والمكروه، وهذا على طريق التعجيز، فإنه قال هذه المقالة ~~وعجزوا عن إيصال مكروه إليه، فهذا كان (نوع) معجزة له، ومنهم من قال: قوله: ~~* (اقضوا إلي) أي: ثم اقضوا ما أنتم قاضون، واعملوا ما أنتم عاملون، وهذا ~~مثل قول السحرة: * (فاقض ما أنت قاض)، معناه: فاعمل ما أنت عامل. وحقيقة ~~PageV02P396 # (* (71) فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن ~~أكون من المسلمين (72) فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف ~~وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) ثم بعثنا ~~من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به ~~من قبل كذلك نطبع على قلوب) * * القضاء: هو إحكام الأمر والفراغ عنه، ومنه ~~يقال للرجل إذا مات: قد قضى فلان، أي: فرغ من أمره. # قوله تعالى: * (ولا تنظرون) أي: لا تمهلون. # قوله تعالى: * (فإن توليتم فما سألتكم من أجر) معناه: فإن أعرضتم فما ~~سألتكم من ثواب على تبليغ الرسالة. قوله: * (إن أجري إلا على الله) أي: إن ~~ثوابي إلا على الله * (وأمرت أن أكون من المسلمين) أي: من الموحدين. ومنهم ~~من قال: معنى قوله: * (من المسلمين) أي: من المستسلمين لأمر الله. # قوله تعالى: * (فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك) قال أهل التفسير: كان ~~معه في الفلك ثمانون رجلا، وكان أول من حمله: الذرة، وآخر من حمله: الحمار، ~~وتعلق الشيطان بذنب الحمار، وجعل يقول: نوح للحمار، ادخل فلا يدخل حتى قال: ~~ادخل يا شيطان فدخل وإبليس معه. # وقوله تعالى: * (وجعلناهم ms0651 خلائف) أي: وجعلنا الذين معه في الفلك خلفاء ~~القوم الذين أغرقناهم في دورهم ومساكنهم ومنازلهم. وقوله تعالى: * (وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) الغرق: هلاك بالماء ~~والغامر. ويقال: إن مدة الإغراق كانت أربعين يوما، وكان من وقت إرسال الماء ~~من السماء إلى أن (نضب) الماء ستة أشهر وعدة أيام. # وقوله تعالى: * (ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات) ~~يعني: من بعد نوح رسلا إلى قومهم * (فجاءهم بالبينات) أي: بالدلالات ~~الواضحات * (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) أي: فما كانوا ليؤمنوا ~~بما كذب به قوم نوح من PageV02P397 # * (المعتدين (74) ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا ~~لسحر مبين (76) قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح ~~الساحرون (77) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما ~~الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) وقال فرعون ائتوني بكل ساحر ~~عليم (79) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (80) فلما ~~ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن) * * قبل * (كذلك يطبع ~~الله على قلوب المعتدين) يعني: يختم على قلوب المعتدين. # قوله تعالى: * (ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) معناه ظاهر. والآية التي تليها كذا معلوم ~~المعنى. # قوله تعالى: * (قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا) معناه: ~~لتصرفنا. وقال قتادة: لتلفتنا: لتلوينا، وقاله ثعلب من المتأخرين. وقوله: * ~~(وتكون لكما الكبرياء في الأرض) قال مجاهد: الكبرياء: الملك؛ وإنما سمي ~~الملك الكبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب في الدنيا. وقيل: معنى الكبرياء: هو ~~العظمة. وقيل: معناه: الغلبة. # قوله: * (وما نحن لكما بمؤمنين) أي: بمصدقين. # قوله تعالى: * (وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم) في القصص: أنه جمع ~~سبعين ألف ساحر. # وقوله: * (فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون) أي: اطرحوا ~~ما أنتم طارحون. # وقوله: * (فلما ألقوا قال موسى ما ms0652 جئتم به السحر) وقد بينا معنى السحر من ~~قبل. * (إن الله سيبطله) أي: سيذهبه * (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) ~~معناه معلوم. وفي القصص أنهم كانوا سبعين ألفا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، ~~فألقوا تلك الحبال والعصي، فجعلت تخيل في أعين الناس كأنها ثعابين وحيات. ~~PageV02P398 # * (الله لا يصلح عمل المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلماته ولو كره ~~المجرمون (82) فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن ~~يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) وقال موسى يا قوم ~~إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) فقالوا على الله ~~توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم) * * وقوله تعالى: * (ويحق الله الحق ~~بكلماته) معناه: يعلي الله الحق بآياته * (ولو كره المجرمون). # قوله تعالى: * (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه) معناه: فما آمن لموسى ~~إلا قليل في قومه، واختلفوا في الذرية هاهنا، قال بعضهم: إنهم قوم كانت ~~آباؤهم في القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل. وقال بعضهم: إنهم قوم نجوا من ~~قتل فرعون، فإن فرعون لما أمر بقتل أبناء بني إسرائيل كانت المرأة من بني ~~إسرائيل إذا ولد لها ابن سلمته إلى امرأة قبطية، وتقول: وهبته لك خوفا عليه ~~من القتل، فنشأ أولئك الأولاد عند القبط، وأسلموا في ذلك اليوم، يعني: يوم ~~السحرة الذين غلبوا. وقوله: * (على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم) قال بعض ~~أهل المعاني: في الآية حذف؛ كأنه قال: على خوف من آل فرعون وملئهم، وهذا ~~مثل (قوله): * (واسأل القرية) أي: أهل القرية. # ومنهم من قال: لما ذكر فرعون دخل قومه معه كالرجل يقول: قدم الخليفة أو ~~الأمير بكذا وكذا، فضاقت المنازل على الناس، معناه: قدم الخليفة ومن معه. # ثم قال: * (أن يفتنهم) معناه: أن يعذبهم. وقوله: * (وإن فرعون لعال في ~~الأرض) أي: لطاغ في الأرض * (وإنه لمن المسرفين) معلوم. # قوله تعالى: * (وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين) التوكل: هو الثقة بالله والاعتماد عليه في الأمور. ms0653 وقوله: * ~~(إن كنتم PageV02P399 # * (الظالمين (85) ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (86) وأوحينا إلى موسى ~~وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة ~~وبشر المؤمنين (87) وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في ~~الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن) * * مسلمين) أي: إذا كنتم مسلمين. # قوله تعالى: * (فقالوا على الله توكلنا) أي: على الله اعتمدنا. وقوله: * ~~(ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين) فيه قولان: # أحدهما: لا تهلكنا بأيدي الظالمين فيفتتنوا أو يظنوا أنا لم نكن على ~~الحق، قاله أبو مجلز. # والثاني: لا تعذبنا بعذاب من عندك فيظنوا أنهم خير منا، فيصير ذلك فتنة ~~لهم وقوله تعالى: * (ونجنا برحمتك من القوم الكافرين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا) معنى قوله: * (تبوءا) ~~اتخذا. # قال الشاعر: # (نحن بنو عدنان ليس شك * تبوأ المجد بنا والملك) وقوله * (لقومكما بمصر ~~بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة) ذكر أهل التفسير أن فرعون أمر ~~بتخريب كنائس بني إسرائيل وبيعهم لما جاء موسى ودعاه إلى الله، فأمرهم الله ~~تعالى أن يأمرا بني إسرائيل أن يتخذوا في بيوتهم المساجد، فهذا معنى قوله: ~~* (واجعلوا بيوتكم قبلة) يعني: مسجدا. # وحكي عن ابن عباس أنه قال أمرهم الله تعالى أن يتوجهوا إلى الكعبة. ومنهم ~~من قال: إنهم خافوا من إظهار الصلاة، فأمرهم الله تعالى أن يقيموا الصلاة ~~في البيوت. وقوله تعالى: * (وبشر المؤمنين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه) الآية. قوله: * ~~(زينة PageV02P400 # * (سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم (88) قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين ~~لا يعلمون (89)) * * وأموالا في الحياة الدنيا) قيل في التفسير: إنه كان من ~~فسطاط مصر إلى العريش إلى قريب من الحبشة معادن الذهب والفضة والياقوت ~~والزبرجد، فهذا معنى قوله: * (زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا ~~عن سبيلك) قال أهل التفسير: هذه ' اللام ' لام الصيرورة، ويقال: هي لام ~~العاقبة، وهذا كما قال الشاعر: # (وللموت ما تلد الوالدة *) فلما كانت ms0654 عاقبة أمرهم الضلال والكفر قال: ~~ليضلوا عن سبيلك * (ربنا اطمس على أموالهم) الطمس: تغيير صورة الشيء، وقيل: ~~هو الإنمحاء، ودروس الأثر. قال قتادة: صارت أموالهم وحروثهم وزروعهم ~~وجواهرهم حجارة كلها. وفي بعض الروايات: إن عبيدهم وإماءهم صاروا حجارة. # وقوله: * (واشدد على قلوبهم) قال مجاهد: بالضلالة. وقال السدي: أمتهم على ~~الكفر. # وقوله: * (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) قيل: هذا بمعنى الدعاء ~~(كأنه) قال: فلا آمنوا حتى يروا العذاب الأليم. وقيل: معناه معنى الخبر. # قوله تعالى: * (قال قد أجيبت دعوتكما) في القصص: أنه كان بين دعاء موسى ~~وإجابته أربعون سنة، وكذلك كان بين دعاء يعقوب وإجابته أربعون سنة. فإن قال ~~قائل: إن الداعي كان موسى، وقال: * (قد أجيبت دعوتكما). # الجواب المروي: أن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، والتأمين: دعاء؛ فإن معنى ~~التأمين: اللهم استجب. # قوله: * (فاستقيما) يعني: على الطاعة والدين. وقوله: * (ولا تتبعان سبيل ~~الذين لا يعلمون) معلوم المعنى. PageV02P401 # * (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا ~~أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من ~~المسلمين (90) آلآن وقد) * * قوله تعالى: * (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) ~~الآية، معناه: عبرنا ببني ببني إسرائيل البحر. وقوله: * (فأتبعهم فرعون ~~وجنوده) قال الأصمعي: يقال: اتبعه إذا سار في أثره، وأتبعه إذا أدركه ~~ولحقه. وقوله: * (بغيا وعدوا) ظلما واعتداء، قرىء: ' عدوا ' و ' عدوا ' ~~والمعنى واحد. # وقوله: * (حتى إذا أدركه الغرق) يعني: حتى إذا غمره الماء وقرب هلاكه * ~~(قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت بن بنو إسرائيل) ومعناه: آمنت بالإله ~~الذي آمنت به بنو إسرائيل * (وأنا من المسلمين). # وقوله: * (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) في القصص ' أن جبريل كان ~~واقفا حين قال هذا القول، فقال له: آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، ~~وقال له هذا القول بأمر الله تعالى، آلآن وقد عصيت. # وروى يوسف بن مهران، عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي ' أن جبريل - ~~عليه السلام - قال: يا محمد، لو رأيتني وأنا ms0655 آخذ من حال البحر، وأدسه في فم ~~فرعون خشية أن تدركه الرحمة '. وفي رواية أخرى: ' أن جبريل قال: يا محمد، ~~ما أبغضت أحدا من خلق الله مثل ما أبغضت فرعون لما قال لقومه: ما علمت لكم ~~من، إله غيري، فلما قال ما قال حين غرق فجعلت أدس الطين في فمه لئلا يقول ~~PageV02P402 # * (عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم تنجيك ببدنك لتكون لمن خلقك ~~آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (92) ولقد بوأنا بني إسرائيل ~~مبوأ صدق) * * لا إله إلا الله '. وفي رواية: ' لئلا يثنى مخافة أن يغفر ~~الله له '. # قال أبو عيسى: والحديث صحيح في الجملة. # وقوله تعالى: * (فاليوم ننجيك ببدنك) في البر، قرىء: ' ننحيك ببدنك ' ~~بالحاء [من التنحية]، والمعروف بالجيم أي: نلقيك على نجوة من الأرض. ~~والنجوة: المكان المرتفع. في القصص: أن فرعون لما غرق قالت بنو إسرائيل: هو ~~أجل من أن يغرق، فلم يصدقوا موسى أنه قد غرق، فأمر الله تعالى الماء حتى ~~ألقاه على وجهه؛ وهذا معنى قوله: * (ننجيك ببدنك) وقوله: * (ببدنك) فيه ~~قولان: # أحدهما: بدرعك، وكان له درع مشهور من اللؤلؤ مرصع من الجواهر، فرأوه في ~~درعه فصدقوا. # والقول الثاني: ببدنك يعني: بجسد لا روح فيه. # قوله: * (لتكون لمن خلفك آية) أي: عبرة. وقوله: * (وإن كثيرا من الناس عن ~~آياتنا لغافلون) ظاهر المعنى. # وقوله تعالى * (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق) أي: أنزلنا بني إسرائيل ~~مبوأ صدق أي: أنزلنا بني إسرائيل منازل صدق. وقيل: إن تلك المنازل هي مصر. ~~وقيل: إنها الشام. وقوله: * (مبوأ صدق) يعني: بصدقهم وإيمانهم. وقوله: * ~~(ورزقناهم من الطيبات) معلوم. وقوله: * (فما اختلفوا حتى جاءهم العلم) ~~يعني: التوراة، فإنهم اختلفوا بعد نزول التوراة وذهاب موسى اختلافا شديدا. ~~ثم قال: * (إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) ظاهر ~~المعنى. PageV02P403 # * (ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم ~~يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (93) فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ~~فاسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ms0656 لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين (94) ولا تكونن) * * قوله تعالى: * (فإن كنت في شك مما أنزلنا ~~إليك) في الآية سؤال معروف، وهو: أنه قال: * (فإن كنت في شك) كيف يجوز أن ~~يكون الرسول في الشك حتى يقول له: فإن كنت في شك؟. # الجواب من وجوه: أحدها: أن الخطاب معه والمراد منه قومه، وهذا مثل قوله ~~تعالى: * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) وأمثالها كثيرة. # وقال بعضهم: تقديره: فإن كنت في شك أيها الشاك فأسأل الذين يقرءون الكتاب ~~من قبلك. # والوجه الثاني: أن معنى الآية: ما كنت في شك. # وقوله: * (فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) زيادة تثبيت؛ والذين ~~يقرءون الكتاب: هم الذين أسلموا من اليهود، مثل عبد الله بن سلام، وابن ~~يامين وغيرهما. # والوجه الثالث: هذا على عادة كلام العربي، فإن الرجل يقول لابنه: افعل ~~كذا إن كنت ابني، ولا يكون هذا على الشك، وكذا يقول لغلامه: أطعمني إن كنت ~~عبدي، ولا يكون على الشك. # وقوله: * (فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) فقال: مرهم * (فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) من ~~الشاكين، ومعناه: دم على اليقين الذي أنت عليه. # الوجه الأول اختيار الزجاج وغيره من أهل المعاني. # وقوله تعالى: * (ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله) إلى آخر الآية ~~ظاهر PageV02P404 # * (من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) إن الذين حقت عليهم ~~كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (97) ~~فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي في الحياة) * * المعنى. # قوله تعالى: * (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك) معناه: وجب عليهم عذاب ربك. # ويقال: معنى الكلمة: هو قوله تعالى: ' هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء ~~في النار ولا أبالي ' كما روي في الأخبار. # وقوله: * (لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم) يعني: ~~الإيمان عن البأس. # قوله تعالى: * (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها ms0657 إلا قوم يونس) ~~معناه: فلم تكن قرية آمنت - أي أهل قرية آمنت - فنفعهم إيمانهم إلا قوم ~~يونس، وهذا الإيمان هو عند نزول العذاب. والمنقول في القصص: أن يونس - ~~صلوات الله عليه - أنذر قومه بالعذاب وخرج من بينهم، فلما رأوا العذاب شبه ~~النيران في السماء خرجوا من بلدهم إلى الصحراء، وفرقوا بين الأولاد ~~والأمهات والبهائم والأجنة، وضجوا إلى الله تعالى ضجة واحدة، فكشف الله ~~عنهم العذاب بعد أن رأوه عيانا، ولم يفعل هذا بأحد غيرهم، فهذا معنى قوله ~~تعالى: * (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~ومتعناهم إلى حين) أي: إلى أجل معلوم. # وفي بعض التفاسير: أن الدعاء الذي دعا به قوم يونس هو: يا حي حين لا حي، ~~يا حي يا محيي الموتى، يا حي لا إله إلا أنت. PageV02P405 # * (الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99) وما كان لنفس أن تؤمن إلا ~~بإذن الله ويجعل) * * واختلف القول في أنهم هل رأوا العذاب عيانا أو رأوا ~~دليل العذاب؟ فالأكثرون على أنهم رأوا العذاب عيانا. قال قتادة: تدنى عليهم ~~العذاب حتى صار بينهم وبين العذاب قدر ميل. وقال بعضهم: رأوا دليل العذاب، ~~ولم يروا عين العذاب. # والقول الأول أصح؛ بدليل قوله: * (كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا) والكشف إنما يكون بعد وقوع العذاب أو قرب العذاب. فإن قال قائل: ~~كيف قبل إيمانهم عند المعاينة، ولم يقبل إيمان غيرهم، وقد قال في موضع آخر: ~~* (يؤمنون بالغيب) دل أن الإيمان المقبول هو الإيمان بالغيب؟ # الجواب: أن قوم يونس استثنوا من هذا الأصل بنص القرآن، والله تعالى يفعل ~~ما يشاء ولا سؤال عليه فيما يفعل. وزعم الخليل وسيبويه: أن الاستثناء هاهنا ~~منقطع، ومعنى الآية: لكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: الحذر لا يرد القدر، والدعاء يرد القدر؛ ~~فإن الله تعالى كشف العذاب عن قوم يونس ms0658 بالدعاء. وعن علي - أيضا - أنه قال: ~~كان كشف العذاب يوم عاشوراء. # وقيل في تقدير ابتداء الآية: ' فهلا ' كانت قرية آمنت حين ينفعها ~~إيمانها؛ لكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب، ومعنى قرية: أهل قرية. ~~وقيل: اسم تلك القرية كان نينوى، من بلاد الجزيرة. # قوله تعالى: * (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا) في الآية رد ~~على القدرية؛ فإنه تعالى أخبر أنه لم يشأ إيمان جميع الناس، وعندهم أنه شاء ~~إيمان جميع الناس. وقوله: * (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) هذا ~~تسلية للنبي PageV02P406 # * (الرجس على الذين لا يعقلون (100) قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ~~وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (101) فهل ينتظرون إلا مثل أيام ~~الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين (102) ثم ننجي ~~رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا) * * أنى لو أردت لأكرهتهم على الإيمان، ولم ~~أرد، فلا ترد أنت - أيضا - أن تكرههم على الإيمان. # قوله تعالى: * (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) قال عطاء: إلا ~~بتوفيق الله. وقال غيره: إلا بعلم الله. وقيل: إلا بإطلاق الله ذلك بدفع ~~الموانع، وهذا مثل قوله تعالى: * (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) ~~منهم من قال: ' بإذن الله ' أي: بقضائه وتقديره وحكمه، والمعاني كلها ~~صحيحة. وقوله تعالى: * (ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) قال الفراء: ~~الرجس بمعنى الرجز، والرجز هو العذاب. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - إن ~~الرجس هو السخط. وقيل: إنه الإثم. وقيل: إنه الهلاك. وأما قوله: * (على ~~الذين لا يعقلون) معناه: لا يؤمنون. وقيل: معنى قوله: * (لا يعقلون) أي: لا ~~يعقلون عن الله أمره ونهيه. # قوله: * (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض) معناه: قل انظروا ماذا في ~~السماوات والأرض من الدلائل والعبر والحجج. وقوله: * (وما تغني الآيات ~~والنذر عن قوم لا يؤمنون) هذا في قوم بأعيانهم علم الله تعالى أنهم لا ~~يؤمنون وإن نظروا في الآيات. # قوله تعالى: * (فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم) الانتظار ~~هو ms0659 الثبات لتوقع أمر. وقوله: * (إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم) يعني: ~~مثل أيام الهلاك في الذين خلوا من قبلهم من الأمم المكذبة. قوله: * (قل ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا) قوله: ' ننجي ' مستقبل بمعنى ~~PageV02P407 # * (علينا ننج المؤمنين (103) قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا ~~أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون ~~من المؤمنين (104) وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ~~ولا تدع من دون) * * الماضي، ومعناه: أنجينا رسلنا والذين آمنوا. قوله * ~~(كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين) يعني: محمدا وأصحابه. # قوله تعالى: * (قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني) فإن قال قائل: ~~كيف قال: إن كنتم في شك من ديني، وهم كانوا يعتقدون بطلان ما جاء به على ~~بصيرة؟ # الجواب: أنه قد كان فيهم قوم شاكوك، فالمراد من الآية أولئك القوم. # والثاني: أنهم لما رأوا الآيات اضطربوا وشكوا في أمرهم وأمر النبي. # قوله: * (فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي ~~يتوفاكم) ظاهر المعنى. فإن قال قائل: ما معنى قوله: * (إن كنتم في شك من ~~ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله) وهو لا يعبد الذين من دون الله ~~شكوا أو لم يشكوا؟ وما معنى قوله: * (ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم) ولأي ~~شيء خص الوفاة بالذكر؟ # الجواب: أما الأول معناه: إن كنتم في شك فلست في شك، ولا أعبد إلا الله ~~على يقين وبصيرة. وأما ذكر الوفاة في قوله: ' يتوفاكم ' بمعنى التهديد، فإن ~~العذاب يقع على الكافر حتى تدركه الوفاة. # * (وأمرت أن أكون من المؤمنين) أي: من المخلصين. # قوله تعالى: * (وأن أقم وجهك للدين حنيفا) معناه: وأمرت أن أستقيم لله ~~على الدين مخلصا. ويقال معناه: واستقم على الدين الذي أمرت به بوجهك. قوله ~~تعالى: * (حنيفا) قد بينا من قبل، ويقال: إن الآية في التوجه إلى القبلة، ~~وهي الكعبة؛ وهي في معنى قوله ms0660 تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام). ~~وقوله: * (ولا تكونن من المشركين) ظاهر المعنى. PageV02P408 # * (الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من ~~يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ~~ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم ~~بوكيل (108) واتبع ما يوحى) * * قوله تعالى: * (ولا تدع من دون الله ما لا ~~ينفعك ولا يضرك) الدعاء يكون بمعنيين: أحدهما: بمعنى النداء، كقولك: يا ~~زيد، ويا عمرو، والآخر: بمعنى الطلب. # وقوله: * (ما لا ينفعك ولا يضرك) معناه: لا ينفعك إن دعوته، ولا يضرك إن ~~تركت دعاءه. وقوله: * (فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) يعني: ممن وضع ~~الدعاء في غير موضعه. # قوله تعالى: * (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو) معناه: إن يصبك ~~الله بضر، والضر: هو الخوف والمرض والجوع ونحوه. # وقوله: * (فلا كاشف له إلا هو) أي: لا كاشف لذلك الضر إلا الله. # وقوله: * (وإن يرك بخير) أي: يصبك بخير، والخير: هو الخصب والسعة ~~والعافية ونحوه. # وقوله: * (فلا راد لفضله) أي: لا مانع لفضله. # قوله: * (يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم) الحق هاهنا: هو ~~ما ينجو به الإنسان، وضده: الباطل، وهو الذي يهلك به الإنسان. وقيل: معناه: ~~الإسلام. وقيل: معناه: القرآن. وقوله: * (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه) ' ~~يعني ': يحتاط لنفسه. * (ومن ضل فإنما يضل عليها) يعني: من كفر وترك ~~الإيمان؛ فإنما وباله وضلاله عليه. # قوله: * (وما أنا عليكم بوكيل) أي: بمسلط، ومعناه: أنكم تسألون عن ~~PageV02P409 # * (إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (109)) * * أعمالكم ولا ~~أسأل أنا عن أعمالكم، كما يسأل من وكل بالشيء. # قوله تعالى: * (واتبع ما يوحي إليك) الوحي: إلقاء الشيء في قلب الإنسان ~~على الخفية. وقوله: * (واصبر) الصبر: ms0661 تجرع المرارة بالامتناع عن الشيء ~~المشتهى لتوقع المحبوب في العاقبة، ومما يعين الإنسان على الصبر علمه ~~بحقيقة الأمر، وما ينال من الثواب، والثقة بموعود الله تعالى. وقوله * (حتى ~~يحكم الله) أي: حتى يقضي الله * (وهو خير الحاكمين) أي: خير القاضين. ~~PageV02P410 # بسم الله الرحمن الرحيم * (آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير (1) ألا تعبدوا إلا الله) * * تفسير سورة هود سورة هود مكية، إلا قوله ~~تعالى: * (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل) إلى آخر الآية؛ فإنها ~~مدنية. # قوله تعالى: * (الر) معناه: أنا الله أرى. وقوله: * (كتاب) أي: هذا كتاب. # وقوله: * (أحكمت آياته) فيه أقوال: # قال قتادة: معناه: أحكمها الله فليس فيها اختلاف ولا تناقض. # والثاني: أن معنى قوله: (أحكمت آياته) يعني: هي محكمة غير منسوخة. # والثالث: * (أحكمت أياته) يعني: بالأمر والنهي، والحلال والحرام. # وقوله: * (ثم فصلت) فيه أقوال: أحدها: ثم فصلت بالوعد والوعيد. وقال ~~مجاهد: فصلت أي: فسرت وبينت. والثالث: ثم فصلت أي: أنزلها الله شيئا فشيئا. # وقيل: أحكمت آياته للمعتبرين، ثم فصلت أحكامه للمتقين. # وقيل: أحكمت آياته للقلوب، ثم فصلت أحكامه على الأبدان. # وقرئ في الشاذ: ' ثم فصلت ' ومعناه: أنها جاءت. # * (من لدن حكيم خبير) أي: من عند حكيم خبير. # قوله تعالى: * (ألا تعبدوا إلا الله) فيه قولان: # أحدهما: بأن لا تعبدوا إلا الله. # والقول الثاني: أمركم أن لا تعبدوا إلا الله. # وقوله: * (إنني لكم منه نذير وبشير) معناه: نذير للعاصين، وبشير ~~للمطيعين. PageV02P411 # * (إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم ~~متاعا حسنا) * * قوله تعالى: * (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) قال أهل ~~المعاني: إنما قدم المغفرة على التوبة؛ لأنها هي المطلوبة بالتوبة. # وفي بعض الأخبار: ' ما أصر من استغفر وإن عاد سبعين مرة '. وفي بعض ~~الأخبار: ' لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار '. # وفي الآية قول آخر: أن معنى قوله: * (وأن استغفروا ربكم) يعني: في الماضي ~~* (ثم توبوا إليه) يعني: في المستأنف. # قوله: * (يمتعكم متاعا حسنا) معناه: يعيشكم عيشا حسنا. وقيل: ms0662 يعمركم عمرا ~~حسنا. وأما العيش الحسن: قال بعضهم: هو الرضا بالميسور، والصبر على ~~(المقدر). وقيل: العيش الحسن: هو طيب النفس وسعة الرزق. ويقال: العيش ~~الحسن: هو الكفاية بالحلال. وقوله * (إلى أجل مسمى) أي: إلى حين الموت. # وقوله: * (ويؤت كل ذي فضل فضله) فيه قولان: PageV02P412 # * (إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4) ألا إنهم يثنون صدورهم) ~~* * أحدهما: أن معناه يؤت كل ذي عمل حسن في الدنيا ثوابه في الآخرة. # والقول الثاني: أن قوله: * (يؤت كل ذي فضل فضله) يعني: من عمل لله تعالى ~~وفقه الله تعالى فيما يستقبل على طاعته ويهديه إليها. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: كل ما يحتسب الإنسان فيه ~~من قول أو عمل هو داخل فيها، حتى الكلمة الواحدة يقولها. # قوله: (وإن تولوا) أي: فإن أعرضوا. قوله: * (فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير) أي: يوم القيامة. # ثم قال الله تعالى: * (إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى * (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه) الآية، قال عبد الله ~~بن شداد: كان الرجل الكافر يمر بالنبي فيثني صدره، ويستغشي بثوبه بغضا ~~للنبي حتى لا يراه النبي ولا يرى هو النبي. وعن بعضهم: أن الرجل من الكفار ~~كان يدخل بيته ويرخي ستره، ويتغشى بثوبه ويحني ظهره ويقول: هل يعلم الله ما ~~في قلبي؟ وعن أبي رزين قريبا من القول الأول، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # ومعنى قوله: * (يثنون صدورهم) أي: يعطفون ويطوون، ومنه ثني الثوب، قال ~~الشاعر في التغشي: # (أرعى النجوم ولم أؤمر برعيتها * وتارة أتغشى فضل أطمار) وقوله: * ~~(ليستخفوا منه) أي: ليستخفوا من الله تعالى. وقيل: ليستخفوا من النبي. وفي ~~الشاذ أن ابن عباس - رضي الله عنهما - قرأ: ' ألا إنهم يثنوني صدورهم ' على ~~وزن يفعوعل، وكما يقال: يحلولي. # * (ألا حين يستغشون ثيابهم) يعني: يتغشون بثيابهم. قوله تعالى: * (يعلم ~~ما PageV02P413 # * (ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ms0663 ثبابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه ~~عليم بذات الصدور (5) وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم ~~مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين (6) وهو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام وكان عرشه) * * يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور) قال ~~الأزهري وغيره: معنى الآية من أولها إلى آخرها: إن الذين أضمروا عداوة ~~النبي لا يخفى علينا حالهم. وفي بعض التفاسير: أن رجلا كان يبطن عداوة ~~النبي وكان يختلف إليه ويظهر المحبة له، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية. # قوله تعالى: * (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) الآية. الدابة: ~~كل ما يدب على الأرض من الحيوانات. وقوله: * (إلا على الله رزقها) أي: إن ~~الله يسبب ويسهل رزقها. # قال أهل المعاني: هذا على المشيئة، لأنه قد يرزق وقد لا يرزق. وقوله: * ~~(ويعلم مستقرها ومستودعها) في الآية أقوال: # روى مقسم عن ابن عباس أنه قال: المستقر: هو المكان الذي يأوي إليه، ~~والمستودع: هو المكان الذي يدفن فيه. # وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: المستقر: هو أرحام ~~الأمهات، والمستودع: هو الموضع الذي يدفن فيه. # وقال بعضهم: المستقر: هو الذي يستقر عليه عمله، والمستودع: هو الذي يصير ~~إليه أمره في العاقبة. # ويقال: المستقر: أرحام الأمهات، والمستودع: هو أصلاب الآباء. وهذا مروي ~~عن ابن عباس أيضا. # وقوله: * (كل في كتاب مبين) في اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: * (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) قد بينا من ~~قبل. PageV02P414 # * (على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ~~ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى ~~أمة معدودة ليقولن ما يحسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزءون) * * وقوله: * (وكان عرشه على الماء) قال ابن عباس: كان ~~العرش على الماء، والماء على متن الريح، أي: صلب الريح. وروى يزيد بن ~~هارون، عن حماد بن سلمة، عن وكيع ابن حدس، عن أبي رزين ms0664 العقيلي أنه قال: ' ~~يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: في عماء ما فوقه هواء ~~وما تحته هواء، وكان عرشه على الماء '. قال يزيد بن هارون: معنى قوله: ' في ~~عماء ' أي: ليس معه غيره. أورده أبو عيسى في كتابه على هذا الوجه. # قوله: * (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) معناه: ليختبركم أيكم أعمل بطاعة الله ~~تعالى، وأسرع إلى طلب مرضات الله، وأورع عن محارم الله، ومعناه: الابتلاء ~~من الله وقد بينا من قبل. # وقوله: * (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين) أي: إلا خدع ظاهر. # قوله تعالى: * (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة) معناه: إلى أجل ~~معدودة. قوله: * (ليقولن ما يحبسه) معناه: ليقولن الذين كفروا: أي شيء ~~يحبسه؟ يعني: العذاب. وقوله: * (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم) معناه: ~~ألا يوم يأتيهم العذاب لا يكون العذاب مصروفا عنهم. # وقوله * (وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) معناه: ونزل بهم جزاء ~~استهزائهم. # قوله تعالى: * (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة) الرحمة هاهنا: هي سعة ~~الرزق. PageV02P415 # (* (8) ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور (9) ~~ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ~~(10) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) ~~فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ~~أو جاء معه ملك إنما أنت) * * وقوله: * (ثم نزعناها منه) يعني أخذناها منه، ~~قوله: * (إنه ليئوس كفور) أي: قنوط من رحمة الله تعالى، كفور بنعمة الله. # قوله تعالى: * (ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني) ~~يعني: يقول الإنسان: ذهب السيئات عني باستحقاقي لذلك، ولا يراه من الله ~~تعالى. # وقوله: * (إنه لفرح فخور) الفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى، والفخر: هو ~~التطاول على الناس بتعديد المناقب، وهو منهي عنه في القرآن في مواضغ كثيرة. # وقوله: * (إلا الذين صبروا) قال الفراء والزجاج: هذا استثناء منقطع، ~~ومعناه. ولكن الذين ms0665 صبروا * (وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) ~~معناه ظاهر. # قوله تعالى: * (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك) قال أهل ~~التفسير: سبب نزول الآية: أن الكفار لما قالوا: يا محمد، أئت بقرآن غير هذا ~~أو بدله، يعنون: ائت بقرآن ليس فيه سب آلهتنا - على ما ذكرنا في سورة يونس ~~- هم النبي أن يدع سب آلهتهم ظاهرا، فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (فلعلك ~~تارك بعض ما يوحى إليك) يعني: سب الآلهة ظاهرا * (وضائق به صدرك) يعني: ~~ولعلك يضيق صدرك * (أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك) أي: هلا ~~أنزل عليه كنز أوجاء معه ملك. وقوله: * (إنما أنت نذير) معناه: إن عليك ~~الإنذار والإبلاغ، وليس عليك أن تأتي بالآيات التي يقترحونها. # وقوله * (والله على كل شيء وكيل) أي: حافظ. # قوله تعالى: * (أم يقولون افتراه) معناه: بل يقولون: افتراه، وافتراه: ~~اختلقه * (قل PageV02P416 # * (نذير والله على كل شيء وكيل (12) أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (13) فإن لم ~~يستجيبوا) * * فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) ومعني مثله: أي: مثله في ~~البلاغة. # قال علي بن عيسى النحوي: البلاغة على ثلاث مراتب: المرتبة العليا: معجزة، ~~والوسطى والأدنى ممكنه. والقرآن في المرتبة العليا من البلاغة. # فإن قيل: قد قال في سورة يونس: * (فأتوا بسورة مثله) وقد عجزوا عن أن ~~يأتوا بسورة، فكيف يصح أن يقول لهم * (فأتوا بعشر سور مثله)، وما هذا إلا ~~كرجل يقول لغيره: أعطني درهما، فيعجز عنه فيقول: أعطني عشرة دراهم، وأيضا ~~فإنه قال: * (مفتريات) وهل يجوز أن يأمر الله تعالى أن يأتوا بالافتراء؟ # الجواب عنه: عنه منهم من قال: إن سورة هود نزلت أولا وإن كانت في الترتيب ~~آخرا، وأنكر المبرد هذا، وقال: لا، بل نزلت سورة يونس أولا. وأجاب عن ~~السؤال وقال: معنى قوله: * (فأتوا بسورة مثله) في سورة يونس يعني مثله في ~~الخبر عن الغيب والأحكام. والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في سورة هود: ~~إن ms0666 عجزتم عن الإتيان بسورة مثل القرآن في أخباره وأحكامه ووعده ووعيده، ~~فأتوا بعشر سور مثله مفتريات يعني: مختلقات من غير خبر عن غيب ولا حكم ولا ~~وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة. وهذا جواب صحيح. # وأما السؤال الثاني فالجواب: قلنا: الله سبحانه وتعالى لم يأمرهم ~~بالافتراء، وإنما تحدى، ومعناه: أن إصراركم في تكذيب محمد وزعمكم أنه افترى ~~القرآن يوجب عليكم أن تأتوا بمثله افتراء، ليظهر كذب محمد كما زعمتموه، ~~فلما عجزتم دل أنه صادق. # وقوله: * (وادعوا من استطعتم من دون الله) معناه: واستعينوا بمن استطعتم ~~من دون الله * (إن كنتم صادقين). PageV02P417 # * (لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ~~(14) من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها ~~لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها وباطل ما كانوا يعملون (16) أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ~~ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك) * * قوله تعالى: * (فإن لم يستجيبوا ~~لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) يجوز أن يكون قوله: * (فاعلموا) خطاب ~~للمؤمنين، ويجوز أن يكون خطابا للمشركين. وقوله * (بعلم الله) بمعنى أنزله ~~وفيه علمه، وهذا رد على المعتزلة حيث قالوا: لا علم لله. # وقوله: * (وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون) يعني: فاعلموا أن لا إله ~~إلا هو، فهل أنتم مسلمون؟ أي: مخلصون. # قوله تعالى: * (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ~~فيها) قال الضحاك: نزلت الآية في المشركين. وقال مجاهد وجماعة: نزلت الآية ~~في كل من عمل عملا وأراد به غير الله. وقوله: * (نوف إليهم أعمالهم فيها) ~~يعني: نجازيهم على أعمالهم في الدنيا، وذلك بسعة الرزق ودفع المكاره وما ~~أشبه ذلك. وقوله: * (وهم فيها لا يبخسون) فيها أي: في الدنيا، لا يبخسون ~~يعني: لا ينقص حظهم. ثم قال: * (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها) وبطل ما صنعوا فيها. وقوله: * (وباطل ما كانوا ms0667 يعملون) ~~أي: وما حق ما كانوا يعملون. # قوله تعالى: * (أفمن كان على بينة من ربه) في الآية حذف، ومعناه: أفمن ~~كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها. وعامة أهل التفسير ~~على أن المراد به النبي، وقيل: إن المراد منه: النبي وكل مؤمن في العالم. ~~والأول هو الصحيح. # وقوله: * (على بينة من ربه) أي: على بيان من ربه. وقوله * (ويتلوه شاهد ~~منه) فيه أقوال: # الأول: عليه أكثر أهل التفسير: أن المراد منه: جبريل - عليه السلام - ~~وهذا قول PageV02P418 # ابن عباس، ومجاهد، ومنصور بن المعتمر تلميذ النخعي، والنخعي، وغيرهم. # والقول الثاني: أن قوله: * (ويتلوه شاهد منه) يعني: لسان محمد. حكى هذا ~~عن الحسن البصري، ورواه بعضهم عن [الحسين] بن علي رضي الله عنهما. # والثالث: أن قوله * (ويتلوه شاهد منه) هو علي - رضي الله عنه - روي عن ~~علي - رضي الله عنه - أنه قال: ما من قرشي إلا ونزلت فيه آية من القرآن، ~~فقيل له: وهل نزل فيك شيء؟ فقال: * (وتيلوه شاهد منه). # والرابع: * (ويتلوه شاهد منه) ملك من الملائكة نزل يحفظه ويسدده ويشهد ~~له. # وقيل: إن قوله: * (شاهد منه) هو الإنجيل، ومعناه: يتبعه مصدقا له، يعني: ~~وهو مصدقه. وقوله: * (ومن قبله كتاب موسى إماما) أراد به: التوراة، وقوله * ~~(إماما ورحمة) يعني: كانت إماما ورحمة لمن اتبعها، وهي مصدقة للقرآن، شاهدة ~~للنبي. وقوله: * (أولئك يؤمنون به) قال بعضهم: أراد به المهاجرين والأنصار. ~~وقال بعضهم: أراد به الذين أسلموا من أهل الكتاب. وقوله: * (ومن يكفر به) ~~يعني: بالرسول * (من الأخزاب) وهم تحزبوا على النبي أي: تفرقوا من قبائلهم ~~واجتمعوا عليه من قريش وغيرهم. وفي بعض التفاسير: أنهم بنو أمية وبنو ~~المغيرة وبنوأبي طلحة بن عبد العزى، والمراد هو: الكفار منهم دون المسلمين. # والقول الثاني في الآية: أن الأحزاب أهل الملل كلها. روى أبو موس الأشعري ~~- رضي الله عنه - أن النبي قال: ' ما من أحد يسمع بي فلا يؤمن إلا أدخله ~~الله النار '. قال سعيد بن جبير: طلبت مصداق هذا من القرآن فوجدته في ms0668 قوله ~~تعالى * (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده). PageV02P419 # * (يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه ~~إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ~~ألا لعنة الله على الظالمين (18) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ~~وهم بالآخرة هم كافرون) * * وقوله: * (فلا تك في مرية منه) يعني: فلا تك في ~~شك منه. وقيل معناه: فلا تك في شيء منه أيها الشاك. قوله: * (إنه الحق من ~~ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته) معناه: ~~لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا. ثم قال: * (أولئك يعرضون على ربهم) ~~العرض: هو إظهار الشيء ليرى ويوقف على حاله، ومنه قولهم: عرض السلطان ~~الجند. وقوله: * (ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) اختلف القول ~~في الأشهاد، روي عن ابن عباس أنه قال: هم الأنبياء والمرسلون. وقال مجاهد: ~~هم الملائكة. وقال بعضهم: الخلائق كلهم. وقوله: * (هؤلاء الذين كذبوا على ~~ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) ظاهر المعنى. # وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي قال: ' يدنى المؤمن ربه يوم ~~القيامة حتى يضع كنفه عليه، فيقرره بذنوبه ويقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: ~~أعرف. هل تعرف كذا؟ فيقول: أعرف. فيسأله ما سأله، ثم يقول: سترته عليك في ~~الدنيا، وأنا أغفره لك اليوم، ثم يعطى كتابه بيمينه، وأما الكفار فينادى ~~على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين ~~'. # وهذا الحديث هو حديث النجوى، اتفقوا على صحته عن النبي. # قوله تعالى: * (الذين يصدون عن سبيل الله) معناه: الذين يمنعون عن دين ~~الله. # وقوله: * (ويبغونها عوجا) يعني: ويطلبون الأعوجاج في دين الله. وقوله * ~~(وهم PageV02P420 # (* (19) أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من ~~أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع ms0669 وما كانوا يبصرون (20) ~~أولئك) * * بالآخرة هم كافرون) قال ثعلب: تكرير ' هم ' على طريق التأكيد ~~لدخول الآخرة بينهما. # قوله تعالى: * (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض) معناه: أولئك لم يكونوا ~~فائتين، وقيل: أولئك لم يكونوا هاربين من عذابنا؛ فإن من هرب عن الشيء وقع ~~العجز عنه. وقوله: * (وما كان لهم من دون الله من أولياء) يعني: من ناصرين ~~وحافظين عن عذابنا. وقوله: * (يضاعف لهم العذاب) فإن قيل: ما معنى تضعيف ~~العذاب وقد قال في موضع آخر: * (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها)؟ # الجواب من وجهين: # أحدهما: أن مضاعفة العذاب بمضاعفة الجرم. # والآخر: أن الآية في رؤساء أهل الشرك، وتضعيف العذاب عليهم بتضليل ~~الاتباع ودعائهم إياهم إلى شركهم. # وقوله: * (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) قال ابن عباس: حال ~~الله بينهم وبين اإيمان. وذكر الفراء عن بعض أهل المعاني: أن معنى الآية: ~~يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يستمعون. # وسائر النحاة أنكروا تقدير ' الباء ' هاهنا. والاستطاعة: قوة تنطاع بها ~~الجوارح للعمل. # وفي الآية قول ثالث: وهو أنهم لما يسمعوا استماع (التفهم) والانتفاع به، ~~ولم يبصروا بصر الحقيقة؛ جعلهم كمن لا يستطيع السمع والبصر. # قوله تعالى: * (أولئك الذين خسروا أنفسهم) معناه: غبنوا أنفسهم. وقيل إن ~~PageV02P421 # * (الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا جرم أنهم في ~~الآخرة هم الأخسرون (22) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (23) مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع هل) * * أعظم الخسران، خسران النفس، وأعظم الربح: ربح ~~النفس. وقوله: * (وضل عنهم ما كانوا يفترون) يعني: فات عنهم ما كانوا ~~يزعمون من شفاعة الملائكة والأصنام. # قوله تعالى: * (لا جرم) فيه قولان: # أحدهما: لاجرم يعني: حقا * (أنهم في الآخرة هم الأخسرون) والقول الثاني: ~~أن قوله: * (لا) رد لما قالوا، وقوله: * (جرم) ابتداء كلام، وجرم بمعنى: ~~كسب، قال الشاعر: # (ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا) يعني: كسبتهم ~~الغضب. وقال آخر: # (نصبنا رأسه في رأس جذع * بما جرمت ms0670 يداه وما اعتدينا.) فمعنى الآية: جرم ~~أي: كسب لهم كفرهم التباب والخسران. # قوله تعالى: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم) قال ~~مجاهد: يعني: خشعوا. وقال بعضهم: اطمأنوا. وروي عن ابن عباس: خافوا. وقوله: ~~* (إلى ربهم) أي: لربهم، مثل قوله تعالى * (بأن ربك أوحى لها) أي: إليها، ~~فكذلك هاهنا: إلى ربهم. # وقوله: * (أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع) الآية، ~~الفريقان هاهنا: فريق الكفار، وفريق المؤمنين. وقوله: * (كالأعمى والأصم) ~~فيه قولان: # أحدهما: أن ' الواو ' صلة، ومعناه: كالأعمى الأصم، كما يقول القائل: رأيت ~~العاقل والظريف أي: رأيت العاقل الظريف. PageV02P422 # * (يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم ~~نذير جين (25) أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) ~~فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما) * * والقول الثاني: أن ' الواو ' لتعميم ~~التشبيه، ومعناه: حال الكافر كحال الأعمى، وحاله كحال الأصم، وحاله كحال ~~الأعمى والأصم. # وقوله: * (والبصير والسميع) الكلام فيه مثل هذا، والمراد منه: حالة ~~المؤمن. وقوله * (هل يستويان مثلا) روي أن الكفار لما سمعوا هذا قالوا: لا ~~يستويان، فأنزل الله تعالى: * (أفلا تذكرون) يعني: أفلا تتعظون؟! # قوله: * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين) قرئ بقراءتين؛ ~~بالنصب والخفض؛ فمعنى النصب: بأني لكم نذير مبين. # قوله تعالى: * (ألا تعبدوا إلا الله) معناه: آمركم ألا تعبدوا إلا الله، ~~والعبادة: التوحيد، وإنما بدأ بالتوحيد لأنه من أهم الأمور. # وقوله: * (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) أي: مؤلم، والمؤلم: الموجع. # قوله تعالى: * (فقال الملأ الذين كفروا من قومه) الملأ هم الأشراف ~~والرؤساء. # وقوله: * (ما نراك إلا بشرا مثلنا) ظاهر المعنى. وقوله: * (وما نراك ~~اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي) والأراذل: جمع الرذل، والرذل: ~~الخسيس الدون. وقيل: الأراذل: الأسافل، والرذل: السفلة، وفي السفلة أقوال ~~كثيرة لأهل العلم. # قال مالك بن أنس: السفلة: هو الذي يسب ms0671 أصحاب النبي. وروى عن الحسن بن ~~زياد اللؤلؤي أنه قال: السفلة: الذي لا دين له. # وعن الأصمعي أنه قال: السفلة: الذي لا يبالي ما قال وما قيل له. # وعن ابن المبارك قال: هم الذين يتقلسون ويأتون أبواب القضاة يطلبون ~~الشهادات. # وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: السفلة: هو الذي يأكل بدينه، وسفلة ~~السفلة هو PageV02P423 # * (نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (27) قال يا قوم أرأيتم إن كنت ~~على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها ~~كارهون (28) ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا ~~بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا) * * الذي يسوي دنيا غيره بدينه. وفي بعض ~~الآثار: أشقى الأشقياء من باع دينه بدنيا غيره. وقيل: إن السفلة هم أصحاب ~~الصناعات الدنية مثل: الكناسين، والدباغين، والسماكين، والحجامين، والحاكة، ~~وغيرهم. وروي أن بعض العلماء ببغداد سئل عن امرأة قالت لزوجها: يا سفلة، ~~فقال: إن كنت سفلة فأنت طالق، فقال له ذلك العالم: ما صناعتك؟ فقال: سماك، ~~فقال: سفلة والله سفلة. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: هم الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا ~~تفرقوا لم يعرفوا. # وقوله: * (بادي الرأي) قرئ بقراءتين: بالهمز، وترك الهمز فأما بالهمز ~~فمعناه: أول الرأي؛ كأنهم قالوا: إنهم اتبعوك في أول الرأي ولم يتفكروا ولو ~~تفكروا، لم يتبعوك. وأما بادي الرأي بترك الهمز فمعناه: ظاهر الرأي. قال ~~الزجاج: يعني: اتبعوك ظاهرا لا باطنا. # وقوله: * (وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) يعني: على ~~بيان من ربي. وقوله: * (وآتاني رحمة من عنده) الرحمة هاهنا هي النبوة ~~والهدى. قوله * (فعميت عليكم) أي: فخفيت عليكم؛ لأن من عمي عن الشيء فقد ~~خفى ذلك الشيء عليه. وقرئ: ' فعميت عليكم ' معناه: فأخفيت عليكم. وقوله: * ~~(أنلزمكموها) معناه: أنلزمكم الدعوة * (وأنتم لها كارهون) قال قتادة: لو ~~قدر الأنبياء أن يلزموا قومهم لألزموا [قومهم]؛ ولكن لم يقدروا. # قوله ms0672 تعالى: * (ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله) ~~معناه: ما PageV02P424 # * (ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) ويا قوم من ينصرني من الله إن ~~طردتهم أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا ~~أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم ~~بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (31) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت ~~جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من) * * ثوابي إلا على الله. وقوله: * (وما ~~أنا بطارد الذين آمنوا) فيه دليل أنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين. وقوله: ~~* (إنهم ملاقوا ربهم) يعني: إنهم صائرون إلى ربهم فيجزي من طردهم. وقوله: * ~~(ولكني أراكم قوم تجهلون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم) معناه: من يمنعني ~~من عذاب الله إن طردتهم * (أفلا تذكرون) أي: أغلا تتعظون؟. # قوله تعالى: * (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) معناه: ليس عندي خزائن ~~الله فآتي ما تطلبون. وقوله: * (ولا أعلم الغيب) يعني: لا أعلم الغيب ~~فأخبركم بما تريدون. وقوله: * (ولا أقول إني ملك) هذا جواب لقولهم: * (ما ~~نراك إلا بشرا مثلنا). وقوله: * (ولا أقول للذين تزدري أعينكم) تزدري أي: ~~تحتقر وتستخس، هذا جواب لقولهم: * (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ~~بادي الرأي). # وقوله * (لن يؤتيهم الله خيرا) أي: لن يؤتيهم أجرا * (الله أعلم بما في ~~أنفسهم). [يعني: في صدورهم، في أن يأتيهم الله خيرا] وقوله: * (إني إذا لمن ~~الظالمين) يعني: إني إذا لمن الظالمين لو قلت هذا أو طردتهم. # قوله تعالى: * (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) روي عن ابن عباس ~~أنه قرأ: ' فأكثرت جدالنا ' بالفتح؛ والمجادلة خصومة على وجه المبالغة، ~~وأصل الجدل: هو الفتل، والعرب تسمى الصقر: الأجدل؛ لشدته في الجوارح. # والفرق بين الحجاج والمجادلة: أن المطلوب من الحجاج ظهور الحق في ~~المطلوب، ومن المجادلة هو رجوع الخصم إلى قوله. PageV02P425 # * (الصادقين (32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) ~~ولا ينفعكم نصحي إن ms0673 أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم ~~وإليه ترجعون (34) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء ~~مما تجرمون (35)) * * والفرق بين المراء والمجادلة: أن المرء مذموم؛ لأنه ~~خصومة بعد ظهور الحق، والجدال غير مذموم، اللهم إلا أن يبالغ فيه من غير ~~قصد طلب الحق. # وقوله تعالى: * (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) هذا دليل على أنه ~~كان وعدهم العذاب إن لم يؤمنوا. # قوله تعالى: * (قال إنما يأتيكم به الله إن شاء) يعني: بالعذاب. وقوله: * ~~(وما أنتم بمعجزين) أي: بفائتين ولا هاربين. # قوله تعالى: * (ولا ينفعكم نصحي) والنصح: إخلاص العمل عن الفساد. وقيل: ~~إنه بيان موضع الغي ليجتنب، وبيان موضع الرشد ليطلب. وقوله: * (إن أردت أن ~~أنصح لكم) أراد موافقة لأمر الله. وقوله: * (إن كان الله يريد أن يغويكم) ~~أكثر المفسرين على أن معناه: يضلكم. وقيل: يخلق الغي في قلوبكم، والغي ضد ~~الرشد. وذكر محمد بن جرير الطبري أن معنى قوله: * (يغويكم): يهلككم. ولم ~~يرض ابن الأنباري هذا من حيث اللغة، وقال: لا يستقيم في اللغة أن يذكر ~~الإغواء بمعنى الإهلاك. وقال بعضهم: يخيبكم من رحمته. # وقوله: * (هو ربكم وإليه ترجعون) ظاهر المعنى، وفي الآية رد على القدرية. # قوله تعالى: * (أم يقولون افتراه) بل يقولون: افتراه أي: اختلقه. وقوله: ~~* (قل إن افتريته فعلي إجرامي) قرئ في الشاذ: ' قعلي أجرامي ' بالفتح، ~~والأجرام: # جمع الجرم، والإجرام: هو كسب الذنب، ومعنى الآية: فعلي وبال ذنبي وجرمي. ~~وقوله: * (وأنا برئ مما تجرمون) يعني: أنا برئ مما تكتسبون من الذنب. # قوله تعالى: * (وأوحى إلى نوح) روى الضحاك عن ابن عباس: أن قوم نوح كانوا ~~يضربون نوحا حتى [يسقط]، فيلقونه في لبد ويلقونه في بيته ويظنون أنه قد ~~PageV02P426 # * (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون (37)) * * مات، فيخرج في اليوم الثاني ويدعوهم إلى الله؛ فروي أن ~~شيخا جاء يتوكأ ms0674 على عصا ومعه ابنه فقال: يا بني لا يغرنك هذا الشيخ ~~المجنون، فقال: يا أبة، أمكني من العصا، فدفع إليه العصا، فضرب نوحا على ~~رأسه وشجمة شجة منكرة حتى سالت الدماء منه، وهو يدعوهم إلى الإيمان، فأنزل ~~الله تعالى: * (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) فحينئذ استجار بالدعاء ~~وقال: * (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا). وقوله: * (فلا تبتئس بما ~~كانوا يفعلون) قال مجاهد وقتادة: فلا تحزن. قال أهل اللغة: الابتئاس: حزن ~~مع استكانة، قال الشاعر: # (ما يقسم الله فاقبل غير مبتئس * منه واقعد كريما ناعم البالي) قوله ~~تعالى: * (واصنع الفلك بأعيننا) عن ابن عباس قال: بمرأى منا. # وعن الضحاك: بمنظر منا. وقيل: برؤيتنا وحفظنا. وفي القصة: أن جبريل - ~~عليه السلام - أتى نوحا - عليه السلام - فقال: إن ربك يأمرك أن تصنع الفلك. ~~قال: كيف أصنع ولست بنجار؟! فقال: إن ربك يقول: اصنع الفلك فأنت بعيني. ~~فأخذ القدوم وجعل يصنع الفلك فلا يخطئ موضعا. # وقوله: * (ووحينا) أي: وأمرنا. وقوله: * (ولا تخاطبني في الذين ظلموا ~~إنهم مغرقون) فيه قولان: # أحدهما: ولا تخاطبني في إمهال الكفار، فإني قد حكمت بإغراقهم. # والثاني: لا تخاطبني في ابنك؛ فإنه هالك مع القوم. # قوله تعالى: * (ويصنع الفلك) روي عن زيد بن أسلم أنه قال: مكث نوح مائة ~~سنة يغرس الأشجار ويقطع، ومكث مائة سنة يعمل الفلك. وعن كعب الأحبار أنه ~~قال: إن نوحا عمل السفينة في ثلاثين سنة. وروي عن سلمان الفارسي: أن نوحا ~~PageV02P427 # * (ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا ~~فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه ~~عذاب) * * عمل السفينة في أربعمائة سنة. ذكر في بعض التفاسير، والمعروف ~~الأول. # وقوله: * (وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه) قال أهل التفسير: كانوا ~~إذا مروا عليه قالوا: إن هذا الذي كان يزعم أنه نبي قد صار نجارا. # وروي أنهم كانوا يقولون له: يا نوح، ما تصنع؟ فيقول: أصنع بيتا يمشي ms0675 على ~~الماء، فيضحكون ويتعجبون منه. # وفي بعض التفاسير عن ابن عباس: أنهم لم يكونوا رأوا بحرا قط ولا سفينة، ~~وإنما البحار الآن من بقايا الطوفان. # وقوله: * (قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون) فإن قيل: كيف ~~يجوز أن يسخر نبي من الأنبياء من قومه؟ # الجواب: إن هذا على وجه ازدواج الكلام، ومعناه: إن تستجهلوني فإني ~~أستجهلكم إذا نزل العذاب. وقيل معناه: إن تسخروا مني فسترون عاقبة سخريتكم. # قوله تعالى: * (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه) هذا متصل بقوله: * ~~(فسوف تعلمون) ومعناه: فسوف تعلمون أينا * (يأتيه عذاب يخزيه) وقيل: فسوف ~~تعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه، هذا ومعنى قوله: ' يخزيه ': يهلكه، وقيل: ~~يذله. وقوله * (ويحل عليه عذاب مقيم) معناه: ينزل عليه عذاب دائم، وهو ~~الغرق. # قوله تعالى: * (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) اختلفوا في التنور على ~~أقوال: الأكثرون على أنه تنور الخابزة، هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وجماعة. # وعن عكرمة قال: هو وجه الأرض. وحكي هذا عن ابن عباس أيضا. وقالوا: كأن ~~الله تعالى جعل بينه وبين نوح علامة، وقال: إذا رأيت الماء قد فار على وجه ~~الأرض فاركب السفينة. PageV02P428 # * (مقيم (39) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك) * * والقول الثالث: ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ~~' وفار التنور ' يعني: انفجر الصبح؛ وهو من قولهم: نور الصبح تنويرا. وقال ~~بعضهم: التنور هاهنا: تنور من حجارة كانت حواء تخبز فيه فورثه نوح، وقال ~~الله تعالى لنوح: إذا فار الماء من آخر موضع في دارك فهو العلامة، واسم ~~التنور اسم وافقت العربية فيه العجمية. # واختلفوا في موضع التنور: # روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: كان بالكوفة، وأشار إلى باب كندة ~~للمسجد، ومثله عن الشعبي أن التنور فار من ناحية الجانب الأيمن من مسجد ~~الكوفة. وحكي أن رجلا جاء إلى علي - رضي الله عنه - وقال: يا أمير ~~المؤمنين، إني اشتريت راحلة وأعددت زادا لأذهب وأصلي في مسجد بيت المقدس، ~~فقال: بع ms0676 راحلتك، وكل زادك، وصل في هذا المسجد - يعني: مسجد الكوفة -؛ فإنه ~~صلى فيه سبعون نبيا، ومنه فار التنور. # وقال بعضهم: كان التنور بالشام. وقال بعضهم كان بأرض الهند. # وقال بعضهم: التنور عين بالجزيرة تسمى عين الوردة. # وقوله: * (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين) ' فيها ' ينصرف إلى الفلك، ~~واختلفوا في قدر الفلك: # روي عن الحسن البصري أنه قال: كان طول السفينة ألفا ومائتين ذراع، وعرضها ~~ستمائة ذراع. والمعروف أن طولها كان ثلاثمائة ذراع، وعرضها كان (خمسين) ~~ذراعا، وارتفاعها إلى السماء كان ثلاثين ذراعا، وقد قيل غير هذا، والله ~~أعلم. # قال قتادة: وكان بابها في عرضها. قالوا: وكانت ثلاث طبقات: الطبقة العليا ~~للطير، والطبقة السفلى للسباع والوحوش، والوسطى للنساء والرجال، والحاجز ~~بين النساء والرجال جسد آدم؛ فإنه كان حمله مع نفسه في السفينة. ~~PageV02P429 # * (إلا من سبق عليه القول ومن آمن معه إلا قليل (40) وقال اركبوا فيها ~~بسم الله) * * وقوله: * (من كل زوجين اثنين) الزوج كل واحد لا يستغني عن ~~مثله، يقال: زوج خف، وزوج نعل، والمراد من الزوجين هاهنا: الذكر والأنثى، ~~ومعناه: من كل ذكر وأنثى اثنين. # وفي القصة: أن نوحا - عليه السلام - قال: يا رب، كيف أحمل من كل زوجين ~~اثنين؟ فحشر الله تعالى السباع والطير إليه، فجعل يضرب بيديه في كل جنس، ~~فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى فيحملها في السفينة. وذكر ~~وهب بن منبه أن الناس شكوا الفأر إلى نوح في السفينة، فأمره الله تعالى أن ~~يمسح جبهة الأسد، فخرج من منخريه سنوران فأكلا الفأر، وشكوا إليه أيضا كثرة ~~العذرة فأمره أن يمسح على مؤخر الفيل، فخرج منه خنزيران فأكلا العذرة. # وقوله تعالى: * (وأهلك) معناه: واحمل أهلك * (إلا من سبق عليه القول) ~~يعني: ابنه وامرأته. وقوله: * (ومن آمن) معناه: وأحمل من آمن. # وقوله: * (وما آمن معه إلا قليل) اختلفوا في عددهم، روي عن ابن عباس أنه ~~قال: كانوا ثمانين نفرا. وعن بعضهم: كانوا اثنين وسبعين نفرا. وعن الأعمش ~~قال: كانوا سبعة نفر: ثلاثة بنين لنوح ms0677 وهم: سام، وحام، ويافث وثلاث كنائنهم ~~- يعني: نساؤهم -، ونوح. وقال قتادة: كانوا ثمانية نفرا. # قوله تعالى: * (وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها) بفتح الميمين، ~~وقرأ أبو رجاء العطاردي: ' مجريها ومرسيها ' بالرفع. # أما معنى قوله: * (مجريها ومرسيها) يعني: بسم الله إجراؤها وإرساؤها، ~~ومعنى مجريها ومرسيها بالنصب يعني: بسم الله جريها ورسوها. وقال بعضهم: كان ~~إذا قال نوح: بسم الله وأراد الجري جرت، وإذا قال: بسم الله وأراد الرسو ~~رست. # وأما مدة لبث نوح في السفينة: قالوا: استقلت السفينة على وجه الماء لعشر ~~خلون من رجب، وجرت مائة وخمسين يوما، وأرست لعشر خلون من ذي الحجة، وهبطوا ~~PageV02P430 # * (مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) وهي تجري بهم في موج كالجبال ~~ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (42) ~~قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من ~~رحم وحال بينهما الموج) * * يوم عاشوراء إلى الأرض، فصام ذلك اليوم وأمر ~~القوم بصومه. # وفي القصص: أن السفينة طافت جميع الدنيا، وحين وصلت إلى الكعبة طافت بها ~~أسبوعا، وكانت الكعبة قد رفعت وبقي الموضع. # وقوله: * (إن ربي لغفور رحيم) معناه ظاهر. # قوله تعالى: * (وهي تجري بهم في موج كالجبال) معنى الموج: قطعة من البحر ~~ترتفع عند شدة الريح. # وقوله: * (ونادى نوح ابنه وكان في معزل) قيل: في معزل من السفينة، وقيل: ~~في معزل من قومه. # وقوله: * (يا بني اركب معنا) قرىء بقراءتين: ' يا بني ' و ' يا بني '، ~~ومعناهما واحد. وقوله: * (ولا تكن مع الكافرين) أي: من الكافرين، معناه ~~ظاهر. # واختلفوا في أنه هل كان ابنه من صلبه أولا؟ # فروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، ~~وجماعة أنهم قالوا: كان ابنه من صلبه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما بغت ~~امرأة نبي قط. وكان عكرمة بحلف أنه كان ابن نوح لصلبه. وأما الحسن ومجاهد: ~~فإنهما قالا: كان ابن امرأته، ولم يكن ابنه، واستدلا بقوله سبحانه وتعالى * ~~(فلا ms0678 تسألن ما ليس لك به علم)، قالا: كان يظن أنه ابنه ولم يكن ابنه. ~~والأول هو الأصح. وقيل: إن اسمه كان كنعان. وقيل: إن اسمه كان ' يام '. # قوله تعالى: * (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) يعني: ألتجىء إلى ~~الجبل يمنعني من الغرق. ف * (قال) له نوح: * (لا عاصم اليوم من أمر الله ~~إلا من رحم) PageV02P431 # * (فكان من المغرقين (43) وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض ~~الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) ونادى ~~نوح ربه فقال رب) * * ففيه قولان: # أحدهما: أن العاصم بمعنى المعصوم، ومعناه: لا معصوم اليوم من أمر الله ~~إلا من رحم. # والقول الثاني: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا الله. # قوله تعالى: * (إلا من رحم) هو الله تعالى. وقوله * (وحال بينهما الموج ~~فكان من المغرقين) أي: صار من المغرقين. # وفي القصة: أن الماء علا على رؤوس الجبال بقدر أربعين ذراعا. وقيل: دونه، ~~والله أعلم. # قوله تعالى: * (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) معناه: اشربي ماءك، ويقال: ابلعي ~~أي: غيبي ماءك في جوفك. وقوله: * (ويا سماء أقلعي) أي: أمسكي. وقوله: * ~~(وغيض الماء وقضى الأمر) معناه: ونقص الماء ونضب. وقوله: * (وقضي الأمر) ~~أي: فرغ من الأمر، وهو هلاك القوم. وقوله: * (واستوت على الجودى) معناه: ~~واستقرت على الجودى، قيل: إنه جبل بناحية آمد. وقال الفراء: جبل بناحية ~~نصيبين. وقوله: * (وقيل بعدا للقوم الظالمين) أي: هلاكا للقوم الظالمين. # وفي مصحف ابن مسعود - رضي الله عنه -: ' وغيض الماء واستوت على الجودي ~~وقضي الأمر '. # وروي أن نوحا - صلوات الله عليه - بعث بالغراب ليأتيه بخبر الأرض، فوقع ~~على جيفة ولم يرجع، فبعث بالحمامة فجاءت بورق زيتونة في منقارها ولطخت ~~رجليها بالطين؛ ليعلم نوح أن الماء قد نضب، فأعطيت الطوق [وخضاب] الرجلين ~~من ذلك الوقت. # وهذه الآية تعد من فصيحات القرآن، وحكي أنها قرئت عند أعرابي فقال: هذا ~~PageV02P432 # * (إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (45) قال يا نوح ~~إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ms0679 فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن ~~تكون من) * * كلام قادر. # قوله سبحانه وتعالى: * (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك ~~الحق وأنت أحكم الحاكمين) يعني: أنت وعدتني أن تنجي أهلي وأنت أحكم ~~الحاكمين يعني: وأنت أحكم الحاكمين بالعدل. # قال الله تعالى: * (يا نوح إنه ليس من أهلك) معناه: ليس من أهلك الذين ~~وعدتك أن أنجيهم. وعلى قول الحسن، ومجاهد يعني: ليس بابنك. # وقوله: * (إنه عمل غير صالح) معناه: إنه ذو عمل غير صالح. # والقول الثاني: أن سؤالك إياي إنجاءه؛ عمل غير صالح. # وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه - ' إنه عمل غير صالح '. # * (فلا تسألن ما ليس لك به علم) وهذا يؤيد المعنى الثاني. وقرئ: ' إنه ~~عمل غير صالح ' ومعناه: إن ابنك عمل غير صالح. # وقوله تعالى: * (فلا تسألن ما ليس لك به علم) فيه قولان: # أحدهما: أن نوحا كان يظن أنه مسلم وهو يبطن الكفر من أبيه، فهذا معنى ~~قوله: * (لا تسألن ما ليس لك به علم) والثاني: معناه: أنه ليس بابن لك على ~~ما ذكرنا. # وقوله: * (إني أعظك أن تكون من الجاهلين) معناه: إني أحذرك أن تكون من ~~الآثمين، وذنب المؤمن جهل، وذنب الكافر كفر. # والقول الثاني: * (إني أعظك أن تكون من الجاهلين) - يعني: أن تدعو بهلاك ~~الكفار ثم تطلب نجاة كافر. PageV02P433 # * (الجاهلين (46) قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا ~~تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات ~~عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) تلك من ~~أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين (49) وإلى عاد أخاهم هودا) * * قوله تعالى: * (قال) أي: ~~قال نوح: * (رب إني أعوذ بك أن أسألك)... # غير أني أمتنع بك أن أسألك * (ما ليس لي به علم) ومعناه: سؤال العصمة. # وقوله: * (وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) ظاهر المعنى. ms0680 # قوله تعالى: * (قيل يا نوح اهبط بسلام منا) معناه: انزل بسلامة لك من ~~قبلنا. # وقوله: * (وبركات عليك) البركة: ثبوت الخير، ومنه بروك البعير. وقيل: إن ~~البركة هاهنا هو أن الله سبحانه وتعالى جعله آدم الأصغر، فأهلك سائر من معه ~~من غير نسل، وجعل النسل من ذريته إلى قيام الساعة. وقوله: * (وعلى أمم ممن ~~معك) معناه: على ذرية أمم ممن معك. قال محمد بن كعب القرظي: دخل فيه كل ~~مؤمن إلى قيام الساعة كان في صلب نوح. وقوله * (وأمم سنمتعهم) ابتداء كلام، ~~ومعناه: وأمم سنمتعهم وهم الكفار. وقوله * (ثم يمسهم منا عذاب أليم) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك) أي: نلقيها إليك. قوله: ~~* (ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا) يعني: من قبل انزال القرآن. ~~قوله: * (فاصبر إن العاقبة للمتقين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وإلى عاد أخاهم هودا) عاد قوم كانوا بالأحقاف، وهي رمال ~~بين اليمن والشام. وقيل: إنهم كانوا بنفس اليمن، وكانوا أعطوا زيادة في ~~الجسم والقوة على سائر الخلق. وقوله: * (أخاهم) يعني: أخاهم في النسب لا في ~~الدين، ومعنى الآية: وأرسلنا إلى عاد أخاهم وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا. ~~PageV02P434 # * (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50) ~~يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) ~~ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة ~~إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن ~~بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين) * * قوله: * (قال يا قوم اعبدوا ~~الله) أي: وحدوا الله. قوله: * (مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون) ~~والافتراء: الكذب، وكان كذبهم على الله تعالى. # قوله تعالى: * (يا قوم لا أسألكم عليه أجرا) أي: ثوابا، يعني: لا أسألكم ~~على الإبلاغ أجرا. وقوله: * (إن أجري إلا على الذي فطرني) معناه: إن ثوابي ~~إلا على الذي فطرني، أي: خلقني * (أفلا تعقلون) ظاهر [المعنى]. # قوله ms0681 تعالى: * (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) قدم الاستغفارعلى ~~التوبة لما بينا من المعنى. وقوله: * (يرسل السماء عليكم مدرارا) معناه: ~~يرسل السماء عليكم مدرارا بالمطر مرة بعد أخرى في أوقات الحاجة، والمدرار ~~على طريق المبالغة، يقال: امرأة معطار مذكار. وقوله: * (ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم) روي أن الله تعالى حبس عنهم المطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام الأمهات ~~فلم يلدن، فمعنى قوله: * (يزدكم قوة إلى قوتكم) يعني: يرسل عليكم المطر ~~فتزدادون مالا، ونعيد أرحام الأمهات إلى ما كان فيلدن فتزدادون قوة ~~بالأموال والأولاد. وقيل: ' ويزدكم قوة إلى قوتكم ' أي: شدة إلى شدتكم. ~~وقيل: يزدكم قوة في دينكم إلى قوتكم في أبدانكم. وقوله: * (ولا تتولوا ~~مجرمين) أي: ولا تعرضوا. # قوله تعالى: * (قالوا يا هود ما جئتنا ببينة) أي: بحجة واضحة. وقوله: * ~~(وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك) أي: بسبب قولك: * (وما نحن لك بمؤمنين) ~~أي: بمصدقين. # قوله تعالى: * (إن نقول إلا اعتراك) معناه: إلا أصابك، قال الشاعر: # (أتيتك عاريا خلقا ثيابي * على خوف تظن بي الظنونا) PageV02P435 # (* (53) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا ~~أني بريء مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إني ~~توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط ~~مستقيم (56) فإن) * * والعاري هاهنا هو السائل؛ سمي عاريا لأنه يطلب ~~الإصابة. # وقوله: * (بعض آلهتنا بسوء) أي: بلمم وخبل، كأنهم قالوا: إنك سببت آلهتنا ~~فانتقموا منك بالتخبيل واللمم. وقوله: * (قال إني أشهد الله واشهدوا أني ~~بريء مما تشركون من دونه) فإن قيل: كيف قال للمشركين: * (واشهدوا) ولا ~~شهادة لهم؟ قلنا: هذا مذكور على طريق المبالغة في الحجة، لا على طريق إثبات ~~الشهادة لهم. # وقوله: * (فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون) الكيد: احتيال بشر. وهذا القول ~~معجزة لهود صلوات الله عليه فإنه أمرهم أن يحتالوا بكل حيلة لإيصال مكروه ~~إليه، ومنعهم الله تعالى عن ذلك فلم يقدروا عليه، وهذا مثل قول نوح في سورة ~~يونس: * (فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم ms0682 لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ~~ولا تنظرون) وقد بينا تفسيره. # قوله تعالى: * (إني توكلت على الله ربي وربكم) معناه: اعتمدت على الله ~~ربي وربكم. وقوله: * (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) معناه: ما من دابة ~~إلا وهي في قبضته وتنالها قدرته، وخص الناصية بالذكر؛ لأن الإذلال والإقماء ~~في أخذ الناصية. # وقوله: * (إن ربي على صراط مستقيم) فيه أقوال: # أحدها: أن معناه: إن ربي يعمل بالعدل، وإن كان قادرا على كل شيء، فلا ~~يعمل إلا بالإحسان والعدل. # والثاني: * (إن ربي على صراط مستقيم) معناه: إن دين ربي على صراط مستقيم. # والثالث: قوله * (إن ربي على صراط مستقيم) هو في معنى قوله: * (إن ربك ~~لبالمرصاد) يعني: إنه على طريق الخلق أجمع. PageV02P436 # * (تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا ~~تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ~~وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة ألا إن عادا) * * قوله تعالى: * (فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت ~~به إليكم) معناه: فإن أعرضوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم. وقوله: * ~~(ويستخلف ربي قوما غيركم) معناه: إن أعرضتم يهلككم ويستخلف قوما غيركم هم ~~أطوع لله منكم. وقوله * (ولا تضرونه شيئا) يعني: ولا تنقصونه شيئا. وقوله: ~~* (إن ربي على كل شيء حفيظ) أي: حافظ لأمور خلقه على ما دبر وقدر. # قوله تعالى * (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه) الآية. قوله: ~~* (أمرنا) أي: عذابنا، * (نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا) أي: بما ~~هديناهم وبيناهم طريق الهدى حتى آمنوا. وقوله: * (ونجيناهم من عذاب غليظ) ~~العذاب الغليظ: هو العذاب الذي أهلك به عادا وقومه وهو الريح العقيم، فكانت ~~الريح تدخل في مناخرهم وأفواههم، وتخرج من أدبارهم فتقطعهم تقطيعا أي: قطعة ~~قطعة. # وقوله تعالى: * (وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم) معناه: أنكروا آيات ربهم. ~~وقوله: ms0683 * (وعصوا رسله) أي: بالتكذيب. وقوله: * (واتبعوا أمر كل جبار عنيد) ~~قيل: الجبار هو الذي يقتل على الغضب، والعنيد هم هو المعاند. قال الشاعر: # (إني لشيخ لا أطيق العندا * ولا أطيق البكرات الشردا) قوله تعالى: * ~~(وأتبعوا في هذه الدنيا لعنه) اللعنة: هي الإبعاد عن الرحمة. قال أهل ~~العلم: ولا يجوز لعن البهائم؛ لأنها غير مستحقة للبعد من رحمة الله. وقد ~~ثبت ' أن رجلا لعن بعيره في سفره فأمره النبي أن ينزل عنه ويخليه وقال: لا ~~يصحبنا ملعون '. وهذا على طريق الزجر والردع للاعن. وقوله: * (ويوم القيامة ~~ألا إن عادا PageV02P437 # * (كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60) وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا ~~قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ~~فاستغفروه ثم توبوا) * * كفروا ربهم) أي: كفروا بربهم. وقوله: * (ألا بعدا ~~لعاد قوم هود) معناه: ألا سحقا وخزيا وهلاكا لعاد قوم هود. # قوله تعالى: * (وإلى ثمود أخاهم صالحا) معناه: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم ~~صالحا، وقوله: * (أخاهم) على ما قدمنا، وثمود قوم كانوا بحجر بين الحجاز ~~والشام. # وقوله: * (قال يا قوم اعبدوا الله) أي: وحدوا الله * (مالكم من إله غيره) ~~أي: مالكم من معبود غيره. # وقوله: * (هو أنشأكم من الأرض) فيه قولان: # أحدهما أنشأكم في الأرض، والآخر وهو: أنه أنشأكم من الأرض؛ لأنه خلقهم من ~~آدم، وخلق آدم من الأرض. # وقوله * (واستعمركم فيها)] فيه [قولان: # أحدهما: أطال عمركم فيها وكان الواحد منهم يعيش من ثلاثمائة سنه إلى ألف ~~سنة، وهكذا قوم عاد. # والقول الثاني: جعلكم عمارا فيها، ببناء المساكن وغرس الأشجار. ذكره ~~الفراء والزجاج. # وقوله: * (فاستغفروه ثم توبوا إليه) قد بينا المعنى. وقوله: * (إن ربي ~~قريب PageV02P438 # * (إليه إن ربي قريب مجيب (61) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ~~أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) ~~قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من ~~الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير ms0684 (63) ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية ~~فذروها تأكل في أرض الله ولا) * * مجيب) قريب من المؤمنين، مجيب لدعائهم. # قوله تعالى: * (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) أي: قد كنا ~~نرجو فيك الخير، والآن قد يئسنا من خيرك وفلاحك. وقوله: * (أتنهانا أن نعبد ~~ما يعبد آباؤنا) ظاهر المعنى. وقوله: * (وإننا لفي شك) لفي ريب * (مما ~~تدعونا إليه مريب) أي: مرتاب. وهذا على طريق التأكيد. # قوله تعالى: * (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) أي: على حجة ~~من ربي. وقوله تعالى: * (وآتاني منه رحمة) الرحمة هاهنا: بمعنى النبوة. # وقوله: * (فمن ينصرني من الله إن عصيته) أي: فمن يمنع مني عذاب الله إن ~~عصيته. # وقوله: * (فما تزيدونني غير تخسير) فيه قولان: # أحدهما: إن اتبعتكم ما كنت إلا كمن يزداد خسارا وهلاكا. # والقول الثاني: فما تزيدونني غير تخسير لكم، وحقيقته: أني أطلب منكم ~~الرشد، وأنتم تعطونني الخسار والهلاك، يعني: لأنفسكم. # هذا كله جواب عن سؤال من سأل في هذه الآية: كيف قال * (فما تزيدونني غير ~~تخسير) ولم يك صالح في خسار؟ # وقوله تعالى: * (ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية) روى أن قومه طلبوا منه ~~أن يخرج ناقة عشراء من هذه الصخرة الصماء، وأشاروا إلى صخرة أمامهم، قال: ~~فدعا صالح ربه فتمخضت الصخرة وسمع لها أنين كأنين الناقة، ثم خرجت منها ~~ناقة كأعظم ما PageV02P439 # * (تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) فعقروها فقال تمتعوا في داركم ~~ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز (66) وأخذ الذين ~~ظلموا الصيحة) * * يكون من النوق، وولدت في الحال ولدا مثالها، فهذا معنى ~~قوله: * (هذه ناقة الله لكم آية). # وقوله: * (فذروها تأكل في أرض الله) أي: فدعوها تأكل في أرض الله. وقوله: ~~* (ولا تمسوها بسوء) أي: بإهلاك. وقوله * (فيأخذكم عذاب قريب) معناه: قريب ~~من إهلاك الناقة. # قوله تعالى: * (فعقروها) العقر ها هنا: جراحة تؤدي إلى الهلاك. # وقوله * (فقال ms0685 تمتعوا في داركم) معناه: عيشوا في داركم، والدار بمعنى ~~الديار. # وقوله: * (ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب) فروي أنه قال لهم: يأتيكم ~~العذاب بعد ثلاثة أيام، فتصبحون اليوم الأول ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون ~~اليوم الثاني ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون اليوم الثالث ووجوهكم مسودة؛ فكان ~~كما قال، وأتاهم العذاب اليوم الرابع. # قوله تعالى: * (فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا) ~~في بعض التفاسير: أنه آمن معه أربعة آلاف نفر. وقوله: * (ومن خزي يومئذ) ~~معناه: # ومن هلاك يومئذ. وقوله: * (إن ربك هو القوي العزيز) قد بينا معنى القوي ~~والعزيز من قبل. # قوله تعالى: * (وأخذ الذين ظلموا الصيحة) المعروف انه صاح بهم جبريل صيحة ~~واحدة فهلكوا عن آخرهم، وقال بعضهم: خلق الله تعالى صياحا في جوف بعض ~~الحيوانات فأهلكهم، فإن قيل: الصيحة مؤنثة، وقد قال: * (وأخذ الذين ظلموا ~~الصيحة)؟ # والجواب عنه: أن الصيحة ها هنا بمعنى الصياح، وهو جائز في اللغة. ~~PageV02P440 # * (فأصبحوا في ديارهم جاثمين (67) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ~~ربهم إلا بعدا لثمود (68) ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال ~~سلام فما لبث أن) * * وقوله: * (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) أي: ميتين. ~~ويقال: إنهم سقطوا على وجوههم موتى عن آخرهم، ومنه جثم الطائر. ومنه الخبر ~~المروي: ' نهى عن المجثمة '. # وقوله تعالى: * (كأن لم يغنوا فيها) معناه: كأن لم يقيموا فيها منعمين ~~مسرورين. # وقوله: * (ألا إن ثمودا كفروا ربهم) أي: بربهم. وقوله: * (ألا بعدا ~~لثمود) معناه كما قدمنا من قبل. # قوله تعالى: * (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) قال السدي: كانوا اثنى ~~عشر ملكا. وقال غيره: كانوا تسعة من الأملاك. # ويقال: إنهم ثلاثة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل. وقيل: جاءوا على صورة ~~البشر. # وفي القصة: أن إبراهيم - صلوات الله عليه - كان لا يأكل إلا مع الضيف، ~~ومكث خمس عشرة ليلة ولم يأته ضيف، ثم جاءه هؤلاء الملائكة. وقوله: * ~~(بالبشرى) فيه قولان: # أحدهما: بالبشرى بإسحاق، والآخر: بالبشرى بإهلاك قوم لوط. # وقوله: * (قالوا سلاما) معناه: قالوا سلمنا سلاما * (قال سلام) قرئ ~~بقراءتين: ms0686 إحداهما: ' سلام ' وهو المعروف، والآخر: ' سلم ' قراءة حمزة ~~والكسائي. أما قوله: * (سلام) معناه: جوابي سلام، أو قولي سلام. أما قوله: ~~' سلم ' قيل: إن السلم والسلام بمعنى واحد، كالحل، والحلال، والحرم ~~والحرام. ويقال: إن ' السلم ' بمعنى PageV02P441 # * (جاء بعجل حنيذ (69) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم ~~خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70) وامرأته قائمة فضحكت ~~فبشرناها بإسحاق ومن) * * الصلح، فمعناه: أنا أطلب السلامة منكم. # وقوله: * (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) فهذا دليل على أن الضيف ينبغي أن ~~يعجل له [بشيء] يأكله، وهو سنة إبراهيم - صلوات الله عليه - وقوله: * (أن ~~جاء بعجل حنيذ) العجل: ولد البقرة، والحنيذ: هو المحنوذ، وهو المشوي على ~~الحجارة المحماة يخد له في الأرض خدا فيشوى فيه. وروي أنه كان سمينا يسيل ~~دسما. # قوله تعالى: * (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه) أي: لما رآهم لا يأكلون؛ ~~فإن الملائكة لا تأكل. قوله: * (نكرهم) أي: أنكرهم، قال الشاعر: # (فأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا) وقوله: * ~~(وأوجس منهم خيفة) كان إبراهيم - صلوات الله عليه - نازلا على طرف من ~~الناس، فلما دخل عليه هؤلاء القوم ولم يأكلوا خاف انهم جاءوا لبلية وقصد ~~مكروه، وعادة العرب أن القوم إذا أكلوا من الطعام أمنوا منهم، وإذا لم ~~يأكلوا استشعروا خوفا، فهذا معنى قوله: * (وأوجس منهم خيفة) وقوله: * ~~(وأوجس) أي: فاضمر منهم خوفا. وقوله: * (قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم ~~لوط) معناه: إنا ملائكة أرسلنا ربنا إلى قوم لوط. # وقوله: * (وامرأته قائمة) في مصحف ابن مسعود: ' وامرأته قائمة وهو قاعد ' ~~وهي سارة بنت هاران، فيقال: إن سارة كانت تخدمهم وإبراهيم يتحدث معهم. ~~ويقال: إن سارة كانت قائمة وراء الستر. # قوله: * (فضحكت) الأكثرون على أن الضحك هاهنا هو الضحك المعروف، وقال ~~مجاهد وعكرمة: فضحكت، أي: حاضت. يقال: ضحكت الأرنب، إذا حاضت. PageV02P442 # * (وراء إسحاق يعقوب (71) قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ~~إن هذا) * * وأما الضحك المعروف فاختلف القول في أنها لم ضحكت؟ # فالأكثرون ms0687 على أنها ضحكت سرورا بما زال من الخوف عنها وعن إبراهيم. وقيل: ~~ببشارة إسحاق. وعلى هذا القول: الآية على التقديم والتأخير، فكأنه قال: ~~وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فضحكت. # والقول الثالث: ضحكت تعجبا من غفلة قوم لوط، وقد نزلت الملائكة بعذابهم. # وقوله * (فبشرناها بإسحاق) ظاهر المعنى. وقوله * (ومن وراء إسحاق يعقوب) ~~أي: من بعد إسحاق يعقوب. قال أبو عبيدة: الوراء: ولد الولد. # وقوله * (يعقوب) قرئ بقراءتين: ' يعقوب ' و ' يعقوب ' بالرفع والنصب أما ~~الرفع معناه: ويحدث يعقوب من بعد إسحاق. وأما النصب فمعناه: بشرناها بإسحاق ~~وبشرناها بيعقوب. وأنشد الشاعر في الوراء: # (حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب) وهذا شعر ~~الأعشى. # قوله تعالى: * (قالت يا ويلتي أألد وانا عجوز وهذا بعلي شيخا) قالوا: أصل ~~قوله: * (يا ويلتي): يا ويلتي؛ إلا أن ها هنا أبدل الألف عن الياء. ومعنى ~~قوله: * (يا ويلتي) هاهنا: ا عجبا؛ وهذه كلمة يقولها الإنسان عند رؤية ما ~~يتعجب منه، وليس على حقيقة الدعاء بالويل. # وقوله تعالى: * (أألد وأنا عجوز) اختلفوا في سن إبراهيم وسارة في ذلك ~~الوقت. # قال محمد بن إسحاق: كان سن إبراهيم مائة وعشرين سنة، وسن سارة تسعين سنة. ~~وقال بعضهم: كان سن إبراهيم مائة سنة، وسن سارة تسعة وتسعين سنة. وقيل غير ~~هذا، والله أعلم. PageV02P443 # * (لشيء عجيب (72) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم ~~أهل البيت إنه حميد مجيد (73) فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى ~~يجادلنا في قوم) * * قوله تعالى * (وهذا بعلي) يعني: هذا زوجي * (شيخا) نصب ~~على القطع، وقيل: على الحال. # وفي قراءة ابن مسعود: ' وهذا بعلي شيخ ' على الخبر. قوله تعالى * (إن هذا ~~لشيء عجيب) يعني: إن هذا لشيء مستعجب بخلاف العادة. # قوله: * (قالوا أتعجبين من أمر الله) معناه: لا تعجبي من أمر الله؛ فإن ~~الله إذا أراد شيئا كان. # وقوله تعالى: * (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) فيه معنيان: # أحدهما: أن هذا على معنى الدعاء من الملائكة. # والآخر: أنه على معنى الخبر، ms0688 و * (رحمة الله) أي: نعمة الله * (وبركاته) ~~والبركات: جمع البركة، والبركة: ثبوت الخير. وقيل: وبركاته: سعاداته. # وقوله: * (عليكم أهل البيت) هذا دليل على أن الأزواج يجوز أن يسمين أهل ~~البيت. # وزعمت الشيعة في قوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت) أن الأزواج لا يدخلن في هذا. وهذه الآية دليل على أنهن يدخلن فيها. # قوله: * (إنه حميد مجيد) الحميد: هو المحمود في أفعاله، والمجيد: هو ~~الكريم، وأصل المجد هو الرفعة والشرف. # قوله تعالى: * (فلما ذهب عن إبراهيم الروع) قال قتادة: الروع: الفزع؛ ~~وأما الروع بالرفع هو النفس، ومنه قوله: ' ألقى روح القدس في روعي: (أن لن) ~~تموت PageV02P444 # * (لوط (74) إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه ~~قد جاء) * * نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله واجملوا في الطلب '. وقوله: ~~* (وجاءته البشرى) قيل: إن البشرى بإسحاق ويعقوب. وقيل: إنها بإهلاك قوم ~~لوط. وقوله: * (يجادلنا) معناه: جعل إبراهيم يجادلنا، والمجادلة هاهنا كما ~~قال في سور الذاريات والحجر: * (قال فما خطبكم أيها المرسلون) فإن قيل: كيف ~~يجوز أن يجادل إبراهيم ربه في شيء قضاه وأمر به؟ # الجواب: أن هذه المجادلة كانت مع اللائكة لا مع الرب، وإنما قال: * ~~(يجادلنا) على توسع الكلام. وفي التفسير: أن مجادلته كانت أنه قال ~~للملائكة: أرأيتم لو كان في مدائن قوم لوط خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟ ~~قالوا: لا. قال: أفرأيتم إن كان فيهم أربعون أتهلكونهم؟ قالوا: لا، فما زال ~~ينقص عشرة عشرة حتى بلغ خمسة نفر وكان عند إبراهيم أن امرأة لوط مؤمنة. ~~وكانت هي الخامسة، ولم يعلم أنها كافرة، فما بلغ عدد المؤمنين خمسة * (في ~~قوم لوط). # وقوله تعالى * (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) قد بينا من قبل. وروي عن بكر ~~بن عبد الله المزني قال: المنيب هو الذي يكون قلبه مع الله تعالى. وحقيقة ~~الإنابة: هي الرجوع، يقال: ناب وآب وأناب، إذا رجع. # قوله تعالى * (يا إبراهيم أعرض عن هذا) معنى الآية: أن الملائكة قالوا: ~~يا إبراهيم أعرض عن المجادلة. # قوله: * (إنه ms0689 قد جاء أمر ربك) أي: قضاء ربك وحكم ربك. وقوله: * (وإنهم ~~PageV02P445 # * (أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم ~~وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل ~~كانوا) * * آتيهم عذاب غير مردود) أي: غير مصروف عنهم. # قوله: * (لما جاءت رسلنا لوطا) هؤلاء الرسل هم الذين كانوا عند إبراهيم ~~جاءوا لوطا على صورة غلمان مرد، حسن وجوههم، نظيف ثيابهم، طيب [روائحهم]. # وفي القصة: أنهم لقوا لوطا وهو يحتطب واستضافوه، فحمل الحطب وتبعه ~~الملائكة، فمر معهم على جماعة من قومه فغمزوا فيما بينهم، فقال لوط لهم: إن ~~قومي شر خلق الله، ثم إنه مر معهم على قوم آخرين منهم، فغمزوا - أيضا - ~~فيما بينهم، فقال لوط - ثانيا -: إن قومي شر خلق الله تعالى، ثم إنه مر ~~معهم على قوم آخرين، فتغامزوا فيما بينهم - أيضا - فقال لوط - ثالثا -: إن ~~قومي شر خلق الله، وكان الله تعالى قال لجبريل: لا تهلكهم حتى يشهد لوط ~~عليهم ثلاث مرات، فكان كلما قال لوط هذا القول قال جبريل للملائكة الذين ~~معه: اشهدوا. # وقوله: * (سئ بهم) معناه: ساءه مجيئهم. وقوله: * (وضاق بهم ذرعا) يقال: ~~ضاق ذرعا فلان بكذا إذا وقع في مكروه لا يطيق الخلاص عنه. # ومعنى الآية هاهنا: أنه ضاق ذرعا في حفظهم ومنع القول منهم. # قوله تعالى * (وقال هذا يوم عصيب) أي: شديد. قال الشاعر: # (فإنك إن لم ترض بكر بن وائل * يكن لك يوم بالعراق عصيب) أي: شديد. وقال ~~آخر: # (يوم عصيب يعصب الأبطالا * عصب القوى السلم الطوالا) قوله تعالى: * ~~(وجاءه قومه يهرعون إليه) الآية، يهرعون إليه معناه: يسرعون ويهرولون؛ وقد ~~بينا أن لوطا قد مر معهم بهم. وفي رواية أخرى: أن الملائكة جاءوا إلى بيت ~~لوط - عليه السلام - وكان لوط في داره، فذهبت امرأته السوء الكافرة إلى ~~قومه وأخبرتهم مجيء هؤلاء فلما سمعوا جاءوا لقصد الفاحشة. PageV02P446 # * (يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا ~~تخزون في ضيفي أليس منكم رجل ms0690 رشيد (78) قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من ~~حق وإنك لتعلم ما) * * وقوله: * (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) يعني: ~~الفواحش؛ وهي: إتيان الرجال. # وقوله: * (قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) فيه قولان: # أحدهما: أنه عرض عليهم بنات نفسه تزويجا ونكاحا؛ فإن قال قائل: كيف يجوز ~~للمشرك أن يتزوج بمسلمة؟ # والجواب: أن ذلك كان جائزا في شريعتهم. ومنهم من قال: عرض عليهم بشرط ~~الإسلام. # والقول الثاني - وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما -: أنه عرض عليهم ~~نساءهم، وسماهن بنات نفسه؛ لأن النبي للأمة بمنزلة الأب؛ وفي قراءة أبي بن ~~كعب: ' النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم '. ~~ومنهم من قال: إنما قال هذا على طريق الدفع، لا على طريق التحقيق، ولم ~~يرضوا هذا القول؛ لأنه كان معصوما من الكذب. وقوله: * (هن أطهر لكم) معناه: ~~أحل لكم. # قوله: * (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي) معناه: خافوا الله ولا تفضحوني ~~في أضيافي. * (أليس منكم رجل رشيد) معناه: أليس منكم رجل يأمر بالمعروف ~~ويدفع القوم عن أضيافي. وروي عن عكرمة أنه قال: معنى قوله: * (أليس منكم ~~رجل رشيد) معناه: أليس فيكم رجل يقول: لا إله إلا الله. # قوله: * (قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق) فيه معنيان: أحدهما: ما ~~لنا في بناتم من حق، أي: حاجة وشهوة. # والثاني: ما لنا في بناتك من حق، أي: من نكاح. وقوله * (وإنك لتعلم ما ~~نريد) معناه: إنا نريد أدبار الرجال. PageV02P447 # * (نريد (79) قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يا ~~لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم ~~أحد إلا امرأتك إنه) * * قوله تعالى: * (قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ~~ركن شديد) القوة هاهنا: هي القوة في البدن، أو القوة بالأتباع. والركن ~~الشديد: المنعة بالعشيرة. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' رحم الله أخي لوطا؛ لقد كان يأوي إلى ركن ~~شديد ' أي: إلى الله. رواه ms0691 أبو هريرة. # وعن أبي هريرة أنه قال: ما بعث الله بعد ذلك نبيا إلا في منعة من قومه. # قوله تعالى: * (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك). روى أنهم جاءوا ~~وكسروا باب لوط وقصدوا الدخول. وفي رواية أخرى: أنهم كانوا ينازعون مع لوط ~~على الباب، فقال جبريل: يا لوط، افتح الباب ودعهم يدخلوا، فلما دخلوا ضرب ~~بجناحه وجوههم فعموا كلهم، وهذا معنى قوله تعالى: * (ولقد راودوه عن ضيفه ~~فطمسنا أعينهم) فقالوا: يا لوط، لقد جئتنا بقوم سحرة، سترى ما تلقى منا ~~غدا، وكانوا جاءوا مساء. وقوله: * (لن يصلوا إليك) معناه معلوم. وقوله: * ~~(فأسر بأهلك بقطع من الليل) قرئ: ' فسر ' من السرى، و ' فأسر ' من الإسراء؛ ~~والسري: هو السير بالليل. وقال الشاعر: # (عند الصباح يحمد القوم السرى * وتنجلي عني غيابات الكرى) وقوله: * (أسر) ~~من الإسراء، والمعنيان واحد. وقوله: * (بقطع من الليل) أي: بآخر الليل. ~~وقيل: إنه السحر الأول. قال الشاعر: # (ونائحة تنوح بقطع ليل * على ميت بقارعة الصعيد) PageV02P448 # * (مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) فلما جاء ~~أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود) * * وقوله ~~تعالى: * (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) بالرفع، وقرئ: ' إلا امرأتك ' ~~بالنصب؛ فقوله بالنصب معناه: فأسر بأهلك إلا امرأتك. ومن قرأ بالرفع معناه: # ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك؛ فإنها تلتفت؛ فروي أنها لما سمعت الهدة ~~في هلاك القوم التفتت وراءها فأصابها حجر فماتت، وقد كان الله أمر لوطا ~~وأهله أن لا يلتفتوا. وقوله: * (إنه مصيبها ما أصابهم) ظاهر المعنى. قوله: ~~* (إن موعدهم الصبح) روي أن لوطا - عليه السلام - لما سمع هذا من جبريل ~~قال: يا جبريل، أريد أن تهلكهم الآن فقال له مجيبا: * (أليس الصبح بقريب)؟ # قوله تعالى: * (فلما جاء أمرنا) أي: عذابنا. وقوله: * (جعلنا عاليها ~~سافلها) روي أن جبريل جعل جناحه تحت مدائ لوط، وهي خمس مدائن، وفيها ~~أربعمائة ألف، وقيل: فيها أربعة آلاف ألف - ثم رفع المدائن حتى قربت من ~~السماء وسمع أهل السماء صياح الديكة ms0692 ونباح الكلاب، وروي أنه لم يكفأ لهم ~~إناء ولا انتبه لهم نائم، ثم قلبها وأتبعهم الله تعالى بالحجارة، هذا معنى ~~قوله تعالى: * (جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل). # وقوله: * (من سجيل) قال ابن عباس: سنك وكل؛ وكلمة سجيل فارسية معربة. # وقيل: إنه كان طينا مطبوخا كالآجر. # والقول الثاني: أن السجيل هو السماء الدنيا. # والقول الثالث: أن السجيل هو السجين؛ أبدلت النون باللام. وقيل: إن ~~السجيل: مأخوذ من السجل؛ وهو سجل الدلو. قال الشاعر: # (وأنا الأخضر من يعرفني * أخضر الجلدة من بيت العرب) PageV02P449 # * (مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83) وإلى مدين أخاهم شعيبا ~~قال يا قوم) * * (من يساجلني يساجل ماجدا * يملأ الدلو إلى عقد الكرب) ~~ومعنى السجيل في الآية: هو الإرسال، يعني: إرسال الحجارة. # وقوله: * (منضود) معناه: يتبع بعضها بعضا. # وقوله: * (مسومة) أي: معلمة. وفي القصة: أنه كان عليها خطوط حمر في سواد. # والقول الثاني: ' مسومة ' أي: عليها أسماء القوم. وعن الحسن البصري: أنه ~~كان عليها شبه الخواتيم. # قوله: * (عند ربك) ظاهر المعنى. # وقوله: * (وما هي من الظالمين ببعيد) يعني: من ظالمي أهل مكة ببعيد. # وقد روي في بعض الآثار: أن على رأس كل ظالم حجرا معلقا في السماء ينتظر ~~أمر الله تعالى. وهذا من الغرائب، والله أعلم. # وفي بعض القصص: أنه كان منهم رجل في الحرم، فبقي الحجر معلقا في السماء ~~أربعين يوما حتى خرج الرجل [وأصابه الحجر]. وروي أن الحجر اتبع شرادهم ~~ومسافريهم أين كانوا في البلاد حتى هلكوا. # وأورد بعضهم أن الله تعالى أهلك مدائن لوط سوى زعر، فإنه أبقاها للوط ~~وأهله. # قوله تعالى: * (وإلى مدين أخاهم شعيبا) قد بينا أن الأخوة هاهنا هي ~~الأخوة في النسب لا في الدين. وقال بعضهم: إنه لم يكن بين شعيب وأهل مدين ~~أخوة في النسب - أيضا - وكان غريبا فيهم، وإنما أراد بالأخوة المجانسة في ~~البشرية. والصحيح هو الأول. PageV02P450 # * (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني ~~أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم ms0693 محيط (84) ويا قوم أوفوا المكيال ~~والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) ~~بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) قالوا يا شعيب ~~أصلاتك تأمرك أن نترك ما) * * وقوله: * (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره) ظاهر المعنى. قول: * (ولا تنقصوا المكيال والميزان) معناه: ولا ~~تبخسوا المكيال والميزان. وكانوا مع شركهم يطففون في المكيال والميزان. ~~وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا مر بالسوق قال: أيها الباعة، أوفوا ~~الكيل وأوفوا الوزن، وقد سمعتم ما فعل الله بقوم شعيب. # وعن ابن عباس قريب من هذا. # وقوله: * (إني أراكم بخير) قال مجاهد: أي: بخصب وسعة. # وقوله: * (وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) أي: محيط بكم فيهلككم. # قوله تعالى: * (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط) أي: بالعدل. # وقيل: تقويم لسان الميزان. وقوله: * (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) أي: لا ~~تنقصوا الناس أشياءهم. وقوله: * (ولا تعثوا في الأرض مفسدين). # قوله تعالى: * (بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) معناه: ما أبقى الله ~~لكم من الحلال خير مما تأخذون بالبخس في المكيال والميزان. وقيل: بقية ~~الله: طاعة الله. # وقوله: * (إن كنتم مؤمنين) أي: إن كنتم مؤمنين أن ما عندكم من رزق الله ~~تعالى وعطائه. # قوله: * (وما أنا عليكم بحفيظ) قيل معناه: لم أؤمر بقتالكم. وقيل: ما أنا ~~عليكم بحفيظ أي: بوكيل. # قوله تعالى: * (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك) فيه قولان: # أحدهما: أدينك يأمرك؟، والثاني: أقرآنك يأمرك أن نترك * (ما يعبد آباؤنا ~~أو أن PageV02P451 # * (يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ~~(87) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما ~~أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما ~~توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن ~~يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم) * * نفعل في أموالنا ما نشاء) يعني: ms0694 من ~~النقصان والزيادة: وقيل: من قرض الدراهم والدنانير، وكان قد نهاهم عن ذلك، ~~وزعم أنه محرم عليهم. # وقوله: * (إنك لأنت الحليم الرشيد) فيه قولان: # أحدهما: إنك لأنت الحليم الرشيد في زعمك؛ قالوا ذلك استهزاء. # والثاني معناه: إنك لأنت السفيه الأحمق. # وقوله تعالى: * (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) معناه: على ~~بيان من ربي. # وقوله: * (ورزقني منه رزقا حسنا) معناه: رزقا حلالا. وفي القصة: أن شعيبا ~~كان كثير المال. وقيل: الرزق الحسن هاهنا: هو النبوة. # وقوله تعالى: * (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) معناه: ما أريد ~~أن آمركم بشيء وأعمل خلافه. # وقوله: * (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) ظاهر المعنى. # وقوله: * (وما توفيقي إلا بالله) دليل على أن الطاعة لا يؤتى بها إلا ~~بتوفيق الله، والتوفيق من الله: هو التسهيل والتيسير والمعونة. # قوله تعالى: * (عليه توكلت) أي: عليه اعتمدت. # وقوله: * (وإليه أنيب) معناه: إليه أرجع. # قوله: * (ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي) معناه: لا يكسبنكم ولا يحملنكم شقاقي ~~أي: خلافي على فعل * (أن يصيبكم) فيصيبكم * (مثل ما أصاب قوم نوح) من ~~PageV02P452 # * (هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه إن ربي رحيم ودود (90) قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا) * * الغرق * (أو قوم هود) من الريح * (أو قوم صالح) من ~~الصيحة الصعقة. وقوله * (وما قوم لوط منكم ببعيد) قيل: إنهم كانوا جيران ~~قوم لوط في الديار، وكانت مدائنهم قريبا بعضها من بعض. # قوله تعالى: * (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) قد بينا المعنى. وقوله: * ~~(إن ربي رحيم ودود) في الودود معنيان: # أحدهما: أن الودود هو المحب لعباده. # والثاني: أو الودود بمعنى المودود أي: يحبه العباد لفضله وإحسانه. # وفي الخبر المعروف أن النبي قال: ' أحبوا الله بما يغذوكم به منه نعمه، ~~وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي '. # وفي بعض الأخبار عن النبي قال: ' كان شعيب خطيب الأنبياء '. # قوله تعالى: * (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما ms0695 تقول) معناه: ما نفهم ~~كثيرا مما تقول. وقوله: * (وإنا لنراك فينا ضعيفا) في الضعيف أقوال، أكثر ~~المفسرين أن الضعيف هاهنا: هو ضرير بالبصر. ويقال: إنه لغة حمير. # والقول الثاني: أن الضعيف هو الضعيف في البدن. # والثالث: أنه قليل الأتباع. PageV02P453 # * (ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) قال يا قوم أرهطي أعز ~~عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) ويا قوم ~~اعملوا على) * * وقوله: * (ولولا رهطك لرجمناك) أي: ولولا عشيرتك لرجمناك، ~~والرجم أقبح القتلات. وقوله: * (وما أنت علينا بعزيز) يعني: ما أنت عندنا ~~بعزيز، وإنما نتركك لمكان رهطك. # قوله تعالى: * (قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله) معناه: أمكان رهطي ~~عندكم أهيب وأمنع من الله تعالى؟ وحقيقة المعنى: أنكم تركتم قتلي بمكان ~~رهطي فأولى أن تحفظوني في الله تعالى. # وقوله: * (واتخذتموه وراءكم ظهريا) معناه: وألقيتم أمر الله تعالى وراء ~~ظهوركم. يقال: فلان جعل كذا منه ظهريا أي: ألقاه وراء ظهره. # وقوله: * (إن ربي بما تعملون محيط) ظاهر المعنى. # وذكر الأزهري في تقدير الآية ومعناها قال: إنكم تزعمون أنكم تتركون قتلي ~~لكرامة رهطي، فأولى أن تكرموا أمر الله وتتبعوه؛ وحقيقة المعنى: هو الإنكار ~~على من اتقى الناس ولم يتق الله. قال: وقوله: * (واتخذتموه وراءكم ظهريا) ~~تقول العرب: فلان جعل كذا بظهر إذا تركه ولم يلتفت إليه. قال الشاعر: # (تميم بن قيس لا تكونن حاجتي * بظهر فلا يعيا على جوابها) قوله تعالى: * ~~(ويا قوم اعملوا على مكانتكم) قيل: المكانة: هي الحالة التي يتمكن فيها ~~المرء من الفعل). # ومعنى الآية: اعملوا على تمكنكم ومنزلتكم * (إني عامل) على تمكني ومنزلتي ~~* (سوف تعلمون) من ينجو ومن يهلك. # والآية فيها تهديد ووعيد شديد، وليس في القرآن * (سوف تعلمون) إلا في هذه ~~الآية. PageV02P454 # * (مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ~~وارتقبوا إني معكم رقيب (93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه ~~برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) كأن لم ~~يغنوا فيها ألا بعدا ms0696 لمدين كما بعدت ثمود (95) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ~~وسلطان مبين (96) إلى) * * وقوله تعالى: * (من يأتيه عذاب يخزيه) يذله ~~ويفضحه * (ومن هو كاذب) فيه حذف، وتقدير الآية: سوف تعلمون من يأتيه عذاب ~~يخزيه، ومن هو كاذب يخزى أيضا. # وقوله: * (وارتقبوا إني معكم رقيب) يعني: انتظروا إني معكم منتظر. # قوله تعالى: * (ولما جاء أمرنا) معناه: لما جاء وقت عذابنا * (نجينا ~~شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة) والصيحة: ~~الهلاك، تقول العرب: صاح فلان في مال فلان أي: أهلكه، قال امرؤ القيس: # (فدع عنك نهبا صيح في حجراته * ولكن حديثا ما حديث الرواحل) روي أن عليا ~~- رضي الله عنه - تمثل بهذا البيت في بعض أموره. # ويقال: إن الصيحة هاهنا صيحة جبريل - عليه السلام - صاح بهم صيحة واحدة ~~فماتوا عن آخرهم، فهذا معنى قوله: * (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) أي: ميتين ~~خامدين، لا يتحركون. # قوله: * (كأن لم يغنوا فيها) معناه: كأن لم يكونوا يقيمون فيها منعمين ~~مسرورين. # وقوله: * (ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) معناه: ألا خيبة وهلاكا لمدين ~~كما خابت وهلكت ثمود. # قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين) معناه: بآياتنا ~~التسع، وسلطان مبين أي: حجة بينة، وكل سلطان ذكر في القرآن فهو بمعنى ~~الحجة. وقيل: PageV02P455 # * (فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه ~~يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) وأتبعوا في هذه لعنة ~~ويوم القيامة بئس الرفد المرفود (99) ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها ~~قائم وحصيد (100) وما) * * السلطان مأخوذ من السليط، وهو الزيت الذي يستضاء ~~به. # قوله: * (إلى فرعون وملئه) وملأه معلوم. قوله: * (فاتبعوا أمر فرعون وما ~~أمر فرعون برشيد) معناه: اتبعوا أمر فرعون في اتخاذه إلها وترك الإيمان ~~بموسى * (وما أمر فرعون برشيد) أي: بمرشد إلى خير وصلاح. # قوله تعالى: * (يقدم قومه يوم القيامة) معناه: يتقدم قومه يوم القيامة * ~~(فأوردهم النار) فأدخلهم النار. * (وبئس الورد المورود) معناه: بئس الداخل ~~وبئس المدخل. # وفي بعض المسانيد: عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري - رضي الله ms0697 عنه - أن ~~النبي قال: ' إذا كان يوم القيامة جمع الله الخلائق في صعيد واحد، ثم يرفع ~~لكل قوم آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، فيوردونهم النار، ويبقى ~~المؤمنون، فيقول الله عز وعلا لهم: ماذا تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربا كنا ~~نعبده بالغيب، فيقول لهم: هل تعرفونه؟ فيقولون: إن شاء عرفنا نفسه. قال: ~~فيتجلى لهم، فيخرون له سجدا، فيقول الله سبحانه وتعالى: يا أهل التوحيد، ~~ارفعوا رءوسكم؛ فقد أوجبت لكم الجنة، وجعلت مكان كل واحد منكم يهوديا أو ~~نصرانيا '. # وقوله تعالى: * (وأتبعوا في هذه لعنة) معناه: في الدنيا لعنة بعذاب ~~التفريق * (ويوم القيامة) لعنة بعذاب النار. وقوله: * (بئس الرفد المرفود) ~~يعني: بئست اللعنة بعد اللعنة. وقال أبو عبيدة: أي: بئس العون (المعان)، ~~ومعناه هاهنا: أن اللعنة جعلت لهم في موضع المعونة. وقيل: بئس العطاء ~~المعطي. # قوله تعالى: * (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك) معناه: من أخبار القرى ~~نقصه PageV02P456 # * (ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) وكذلك أخذ ربك إذا ~~أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب ~~الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (103) وما نؤخره إلا لأجل ~~معدود (104) يوم) * * عليك * (منها قائم وحصيد) أي: منها معمور وخراب. وقيل ~~معناه: منها قائم أي: بقيت الحيطان، وسقطت السقوف. ومنها حصيد: أي: # انمحى أثره. # قوله تعالى: * (وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم) قد بيناه من قبل. وقوله: ~~* (فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر بك) ~~يعني: بالعذاب. وقوله: * (وما زادوهم غير تتبيب) أي: غي تخسير. وقيل: غير ~~تدمير. # قوله تعالى: * (وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى وهي ظالمة) وجه التشبيه أن ~~أخذه هؤلاء في حال الظلم والشرك كأخذه أهل القرى حين كانوا في مثل حالهم من ~~الظلم والشرك. وقوله: * (إن أخذه أليم شديد) ظاهر المعنى. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' إن ms0698 الله بمهل الظالم - أو يملي الظالم - حتى ~~إذا أخذه لم يفلته ' ثم قرأ قوله تعالى: * (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ~~وهي ظالمة) والخبر في ' الصحيحين ' برواية أبي موسى الأشعري. # قوله تعالى: * (إن في ذلك لآية) معناه: لعبرة * (لمن خاف عذاب الآخرة) ~~ظاهر المعنى * (ذلك يوم مجموع له الناس) يعني: يوم القيامة يجمع الله فيه ~~الأولين والآخرين * (وذلك يوم مشهود) يعني: يشهده جميع الخلق. وقيل: أهل ~~السماء وأهل الأرض. # قوله تعالى: * (وما نؤخره إلا لأجل معدود) يعني: إلا لوقت معلوم عند الله ~~لا PageV02P457 # * (يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105)) عند الناس. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما أنه قال: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، ~~لا يدري أحدكم ما مضى منها وكم بقي. # وقوله: * (يوم يأت) وقرئ: ' يوم يأتي ' بالياء. وحكى الخليل وسيبويه أن ~~العرب تقول: لا أدر، أي: لا أدري. وذكر الفراء أن العرب تجتزيء بالكسرة عن ~~الياء بعدها. وقوله: * (لا تكلم نفس إلا بإذنه) في الآية سؤال معروف وهو: ~~أن الله تعالى قد قال في (موضع) آخر: * (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) ~~وقال هاهنا: * (لا تكلم نفس إلا بإذنه) فكيف وجه التوفيق بينهما؟ # الجواب: قد ذكرنا أن في القيامة مواقف؛ ففي موقف يتكلمون ويتساءلون، وفي ~~موضع يسكتون ولا يتكلمون، وفي موقف يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم، وقيل ~~غير هذا، وقد بينا. # وقوله: * (فمنهم شقي وسعيد) الشقاوة: قوة أسباب البلاء، والسعادة: قوة ~~أسباب النعمة. ومعنى الآية هاهنا عند أهل السنة: فمنهم شقي سبقت له ~~الشقاوة، ومنهم سعيد سبقت له السعادة. # وفي الأخبار المسندة: أن عبد الرحمن بن عوف لما حضرته الوفاة أغمي عليه، ~~فلما أفاق قال: أتاني ملكان فظان غليظان وجراني وقالا: تعال نحاكمك إلى ~~العزيز الأمين، قال: فلقيهما ملك وقال: أين تريدان به؟ قالا: نحاكمه إلى ~~العزيز الأمين، فقال لهما: خليا عنه، فإنه ممن سبقت له السعادة في الذكر ~~الأول. PageV02P458 # * (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106)) * * وقد صح عن ~~النبي أنه قال ms0699 في خبر ملك الأرحام: ' إنه إذا كتب أجله وعمله ورزقه يقول: ~~يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيقول الله تعالى، ويكتب الملك '. خرجه مسلم. # وروى ابن عمر عن عمر - رضي الله عنهما - ' أنه لما نزل قوله تعالى: * ~~(فمنهم شقي وسعيد) قال عمر: يا رسول الله: فيم العمل؟ أنعمل في أمر قد فرغ ~~منه وجرت به الأقلام، أو في أمر لم يفرغ منه؟ فقال: بل في أمر قد فرغ منه ~~وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له '. أورده أبو عيسى في ~~جامعه. # وقال بعضهم: إن السعادة والشقاوة هاهنا في الرزق والحرمان. وقال بعضهم: ~~الشقاوة: بالعمل السيء، والسعادة: بالعمل الحسن. والمأثور الصحيح هو الأول. # قوله تعالى: * (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق) هذه ~~الآية تعد من مشكلات القرآن، وقد أكثر العلماء فيها الأقوال، ونذكر ما ~~يعتمد عليه: # أما الزفير: قيل: إنه صوت في الحلق، والشهيق: صوت في الجوف. ويقال: إن ~~الزفير: أول نهاق الحمير، والشهيق: آخر نهاق الحمير. # وقوله: * (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) أما بالمعنى المأثور: ~~روى الضحاك، عن ابن عباس: أن الآية نزلت في قوم من المؤمنين يدخلهم الله ~~تعالى النار، ثم يخرجهم منها إلى الجنة، ويسمون الجهنميين. وقد ثبت برواية ~~جابر أن النبي PageV02P459 # * (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما ~~يريد (107) وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا) * * قال: ' يخرج الله قوما من النار قد صاروا (حمما) فيدخلهم ~~الجنة '. # وفي الباب أخبار كثيرة. # فعلى هذا القول معنى الآية: فأما الذين شقوا: هؤلاء الذين أدخلهم النار * ~~(لهم فيها زفير وشهيق) ظاهر المعنى * (خالدين فيها) مقيمين فيها * (ما دامت ~~السماوات والأرض) عبر بهذا عن طول المكث. # وقوله: * (إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد) الاستثناء وقع على ما ~~بعد الإخراج من النار بشفاعة الأنبياء والمؤمنين. # وأما قوله: * (وأما الذين سعدوا ففي الجنة) أراد به المؤمنين الذين ~~أدخلهم الجنة من غير ms0700 أن يدخلوا في النار. وقوله: * (خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض) أي: مقيمين فيها ما دامت السماوات والأرض، كنى بهذا عن ~~طول المكث، والعرب تقول مثل هذا وتريد به الأبد، فإنهم يقولون: لا آتيك ما ~~دامت السماوات والأرض يعني: لا آتيك أبدا، ولا آتيك ما كان لله في البحر ~~قطرة يعني: لا آتيك أبدا. فخرج هذا الكلام على مخرج كلام العرب. وقوله: * ~~(إلا ما شاء ربك) الاستثناء وقع على المدة التي كانوا في النار قبل إدخالهم ~~الجنة. # وفي الآية قولان آخران معروفان سوى هذا عند أهل المعاني: # أحدهما: أن معنى قوله: * (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) هو على ~~ظاهره، أي: مدة بقاء السماوات والأرض. وقوله: * (إلا ما شاء ربك) معناه: ~~سوى ما شاء ربك من الزيادة على مدة بقائهما. وحكى الفراء عن العرب أنهم ~~يقولون: لك علي ألف إلا الألفين يعني: سوى الألفين الذين تقدما. ~~PageV02P460 # * (ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما ~~يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) ~~ولقد آتينا) والقول الثاني: أن معنى قوله: * (خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض) أي: ما دام سماوات الجنة وأرضها. وقوله: * (إلا ما شاء ربك) ~~الاستثناء واقف على زمان الوقوف في القيامة ومدة المكث في القبر. # وقيل في الاستثناء قول ثالث وهو: أنه قال: * (إلا ما شاء ربك) معناه: ولو ~~شاء لقطع التخليد عليهم، ولكن لا يشاء، وهو مثل قوله تعالى: * (وما [يكون] ~~لنا ان نعود فيها إلا أن يشاء الله رب العالمين، ولكن لا يشاء الله. وقوله: ~~* (إن ربك فعال لما يرد) يعني: لا يمتنع عليه شيء، وقال في الآية الثانية: ~~* (عطاء غير مجذوذ) غير مقطوع. # وفي بعض التفاسير عن أبي هريرة أنه قال: يأتي على جهنم زمان لا يبقى فيها ~~أحد. وعن الحسن البصري قريبا من هذا. # ومعنى هذا عند أهل السنة - إن ثبت - أن المراد منه الموضع الذي فيه ~~المؤمنون من النار، ثم يخرجون عنه فلا ms0701 يبقى فيها أحد، وأما مواضع الكفار ~~فهي ممتلئة بهم أبد الأبد على ما نطق به الكتاب والسنة، نعوذ بالله من ~~النار. # قوله تعالى: * (فلا تك في مرية) في شك * (مما يعبد هؤلاء) يقال: إن ~~الخطاب معه والمراد منه الأمة. وقوله: * (ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من ~~قبل) ظاهر المعنى. وقوله: * (وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) قال ابن عباس ~~معناه: لموفوهم نصيبهم من الخير والشر بلا نقصان. PageV02P461 # * (موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي ~~شك منه مريب (110) وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعلمون خبير ~~(111) فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112)) * ~~* قوله تعالى: * (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه) المراد من الآية: ~~تسلية النبي، كأنه قال: إن اختلفوا عليك ولم يؤمنوا بك فقد اختلفوا على ~~موسى ولم يؤمنوا به. وقوله: * (ولولا كلمة سبقت من ربك) يعني: لولا ما سبق ~~من حكم الله بتأخير العذاب إلى يوم القيامة. وقوله: * (لقضي بينهم) أي: ~~لعذبوا في الحال وأهلكوا. وقوله: * (وإنهم لفي شك منه مريب) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وإن كلا) قرئ: ' وإن ' و ' إن ' - بالتخفيف والتشديد -، ~~أما ' إن ' و ' إن ' قالوا: هما بمعنى واحد، قال الشاعر: # ((ووجه) حسن النحر * كأن ثدييه حقان) معناه: كأن ثدييه حقان. # وقوله: * (لما) بالتخفيف قيل: ' لما ' بمعنى ' لمن '، ويقال: إن اللام ~~للقسم، كأن الله تعالى قال: وإن كلا لمن الله ليوفينهم ربك أعمالهم. وأما ~~قوله: ' لما ' بالتشديد قيل: معنى ' لما ' بالتشديد هو معناها بالتخفيف. ~~ذكره المازني. # وقال الأزهري: أصح المعاني أن ' لما ' بمعنى ' إلا ' أي: وإلا ليوفينهم ~~ربك أعمالهم * (إنه بما يعملون خبير) ظاهر المعنى. # وقوله تعالى: * (فاستقم كما أمرت) معنى الاستقامة: هو المداومة على موجب ~~الأمر والنهي. وقد روي عن النبي برواية أبي مسلم الخولاني، عن عمر بن ~~الخطاب - والصحيح عن أبي ذر - أنه قال: ' لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، ~~وصمتم حتى تكونوا كالحنائر - ومعناه: كالأوتاد - ثم كان الاثنان أحب إليكم ~~PageV02P462 # من الواحد ms0702 لم تبلغوا حد الاستقامة '. روى هذا الخبر جماعة من الزهاد؛ ~~رواه حاتم الأصم، عن شقيق، عن إبراهيم بن أدهم، عن مالك بن دينار، عن أبي ~~مسلم بهذا الإسناد. # وفي الخبر المعروف: أن النبي قال: ' استقيموا ولن تحصوا، ولن يحافظ على ~~الوضوء إلا مؤمن '. وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: الاستقامة: أن ~~تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب. وهذا أثر مشهور. # وقد روي غير هذا في الاستقامة، يذكر في موضعها. # وفي الخبر المعروف أيضا: أن النبي قال: ' شيبتني هود ' وفيه معنيان: # أحدهما: قال هذا لكثرة ما ذكر الله تعالى في هذه السورة من إهلاك القرون ~~الماضية (و) الأمم السالفة. # والمعنى الثاني: أنه قال؛ لقوله تعالى * (فاستقم كما أمرت). # وقوله: * (ومن تاب معك) معناه: ومن أسلم معك. وقوله: * (ولا تطغوا) فيه ~~معنيان: PageV02P463 # * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من ~~أولياء ثم لا تنصرون (113)) * * أحدهما: ولا تطغوا في الاستقامة يعني: لا ~~تزيدوا على ما أمرت ونهيت، فتحرموا ما أحل الله، وتكلفوا أنفسكم ما لم ~~يشرعه الله ولم يفعله الرسول وأصحابه. # والمعنى الثاني: الطغيان هو البطر لزيادة النعمة. وقيل: الطغيان والبغي ~~بمعنى واحد. # * (إنه بما تعملون بصير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فمسكم النار) الركون: هو ~~المحبة والمودة والميل بالقلب. وعن أبي العالية الرياحي قال: هو الرضا ~~بأعمالهم. وعن السدي قال: هو المداهنة معهم. وعن عكرمة قال: هو طاعتهم. ~~وقوله: * (فتمسكم النار) أي: فتصيبكم النار. # وقوله: * (وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وأقم الصلاة طرفي النهار) قال الحسن البصري: طرفي النهار: ~~الصبح والعصر، * (وزلفا من الليل): المغرب والعشاء. # وقال مجاهد: طرفي النهار: الصبح والظهر والعصر، وزلفا من الليل: المغرب ~~والعشاء. # وعلى هذا القول: الآية جامعة للصلوات الخمس. وعن بعضهم: طرفا النهار: ~~الصبح والمغرب، وزلفا من الليل: العتمة. # ومعنى قوله: * (زلفا من الليل) ساعات الليل. وقيل: ساعة من الليل. وقرأ ~~مجاهد: ' وزلفى من الليل ms0703 ' وقرأ ابن محيصن: ' وزلفا من الليل '. والمعروف: ~~زلفا من الليل. قال الشاعر: # (طي الليالي زلفا فزلفا * سماوة الهلال حتى احقوقفا) PageV02P464 # * (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين (114)) * * وسبب نزول الآية: ما روي عن عبد الله بن مسعود - ~~رضي الله عنه - ' أن رجلا أتى النبي فقال: يا رسول الله، إني دخلت بستانا ~~فأصبت امرأة، فنلت منها ما ينال الرجل من امرأته، إلا أني لم أجامعها، وها ~~أنا ذا بين يديك فاصنع ما شئت، فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (وأقم ~~الصلاة) إلى أن قال: * (إن الحسنات يذهبن السيئات). قال معاذ بن جبل: يا ~~رسول الله - وفي رواية قال: جاء رجل من القوم فقال: يا رسول الله - هذا له ~~خاصة أو للمسلمين عامة؟ فقال رسول الله: بل للمسلمين عامة '. # وروى أبو أمامة الباهلي: ' أن رجلا أتى رسول الله وقال: يا رسول الله: ~~إني أصبت حدا فأقمه علي، فقال: هل شهدت معنا هذه الصلاة وقد تطهرت؟ فقال: ~~نعم. قال عليه السلام: اذهب فقد غفر الله لك ما أصبت '. وروت عائشة - رضي ~~الله عنها - أن النبي قال: ' لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه خمس مرات في ~~اليوم، هل يبقى من درنه شيئا؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فذلك مثل ~~الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا '. وهذا خبر صحيح. # وفي تكفير الخطايا بالصلوات الخمس خبر عثمان - رضي الله عنه - وذكر فيه: ~~' أن كل صلاة تكفر ما بينها وبين الصلاة الأخرى '. وعن سلمان - رضي الله ~~عنه PageV02P465 # * (واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115)) * * - أنه كان قاعدا في ~~ظل شجرة فأخذ منها غصنا يابسا وهزه فتحات عنه الورق، ثم قال: هل تدرون لم ~~فعلت هذا؟ قالوا: لا. فقال: من تطهر وصلى الصلوات الخمس تحاتت عنه الذنوب ~~كما تحات هذا الورق من هذا الغصن. وعن أبي اليسر - رجل من الأنصار - ' أن ~~امرأة أتت إليه تطلب تمرا تشتريه، فقال: في الدكان تمر أجود مما ترينه، ~~قال: فدخلت الدكان فقبلها والتزمها، وأصاب ms0704 منها ما يصيب الرجل من امرأته ~~إلا أنه لم يجامعها، ثم جاء إلى النبي - عليه السلام - وذكر له ذلك، وقال: ~~افعل بي ما شئت، فسكت النبي ساعة، فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (وأقم ~~الصلاة طرفي النهار) إلى أن قال: * (إن الحسنات يذهبن السيئات). # وروي عن معاذ أنه قال: يا رسول الله، أوصني، فقال: ' اتق الله حيثما كنت، ~~وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن '. # فهذه الأخبار كلها دالة على معنى الآية. # وفي بعض التفاسير: أن رجلا جلس إلى سعيد بن المسيب، فسمعه ابن المسيب ~~يقول: اللهم وفقني للباقيات الصالحات، فقال له سعيد: وما الباقيات ~~الصالحات؟ قال: الصلوات الخمس، فقال سعيد: لا، إنما الباقيات الصالحات: ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم، وإنما الصلوات الخمس هي الحسنات. # وقوله: * (ذلك ذكرى للذاكرين) يعني: ذلك عظة للمتعظين. PageV02P466 # * (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ~~(116) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) ولو شاء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118)) * * قوله تعالى: * (واصبر فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين) ظاهر المعنى، حث على الصبر على هذه الصلوات، ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. # قوله: * (فلولا كان من القرون من قبلكم) الآية، قوله: ' فلولا ' معناه: ~~فهلا، وقيل: فلم لا، والآية للتوبيخ والتعجيب. وقوله: * (أولوا بقية) قيل: ~~أولوا طاعة. وقيل: أولوا تمييز. وقيل: أولو بقية من خير. ويقال: فلان على ~~بقية من الخير إذا كان على طاعة، أو مسكة من عقل، أو على خصلة محمودة. ~~وقوله: * ( ينهون عن الفساد في الأرض) يعني: يقومون بالنهي عن الفساد. ~~وقوله: * (إلا قليلا) هذا استثناء منقطع، ومعناه: لكن قليلا ممن أنجينا من ~~القرون (نهوا) عن الفساد. # وقوله: * (ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه) المترف: هو ~~المتنعم. وقيل: هو المعود بالسعة واللذة. وقيل: المترف: ms0705 هو الذي أبطره ~~الغنى والنعمة. # فمعنى الآية: واتبع الذين ظلموا ما عودوا من ركوب الشهوات واللذات. # * (وكانوا مجرمين) ظاهر. # قوله تعالى: * (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) في الآية ~~قولان: # أحدهما: أنه لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا تعاطوا الإنصاف فيما بينهم، ولم ~~يظلم بعضهم بعضا. # والثاني: هو أن الله لا يظلم أهل قرية فيهلكهم بلا جناية. والأول أشهر. # قوله تعالى: * (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) أي: ولو شاء ربك لجعل ~~PageV02P467 # * (إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين (119) وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك ~~في) * * الناس على دين واحد. # وقوله: * (ولا يزالون مختلفين) المراد منه: أهل الباطل كاليهود والنصارى ~~والمجوس وأهل الشرك، وكذلك من خالف السنة من أهل القبلة. # وقوله: * (إلا من رحم ربك) أي: لكن من رحم ربك، وهم أهل الحق لا يختلفون. ~~وقوله: * (ولذلك خلقهم) فيه أقوال: # أحدها: ما روي عن مجاهد أنه قال: وللرحمة خلقهم. وهو مروي عن ابن عباس. ~~وقال الحسن البصري: وللاختلاف خلقهم. وهو أيضا مروي عن ابن عباس، وعن الحسن ~~البصري في رواية أخرى: خلق أهل الجنة للجنة، وخلق أهل النار للنار، وخلق ~~أهل الشقاء للشقاء، وخلق أهل السعادة للسعادة. # وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: إن الذي أختاره في معنى الآية: أنه خلق ~~فريقا للرحمة وفريقا للعذاب. قال: وعليه أهل السنة. # وذكر بعضهم: أن مقصود الآية هو أن أهل الباطل مختلفون، وأهل الحق متفقون، ~~وخلق أهل الباطل للاختلاف، وخلق أهل الحق للاتفاق. # قال النحاس: وهذا أبين الأقوال وأسرحها. # واستدل أبو عبيد على ما زعم من المعنى بقوله تعالى: * (وتمت كلمة ربك ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) قال: ومعناه: وتم حكم ربك لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين. # وقد ثبت عن النبي أنه قال - حاكيا عن الله محاجة الجنة والنار، فقال ~~للجنة: ' أنت رحمتي أرحم بك من شئت من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب ~~بك من ms0706 شئت، ولكل واحدة منكما ملؤها '. PageV02P468 # * (هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين (120) وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على ~~مكانتكم إنا عاملون (121) وانتظروا إنا منتظرون (122) ولله غيب السماوات ~~والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ~~(123)) * * وقوله تعالى: * (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به ~~فؤادك) معناه: وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقصها عليك؛ لثبت بها ~~فؤادك. فإن قيل: قد كان فؤاده ثابتا فأيش معنى قوله: * (لنثبت به فؤادك)؟ # قلنا معناه: لتزداد ثباتا، وهذا مثل قوله تعالى في قصة إبراهيم: * (ولكن ~~ليطمئن قلبي). # وقوله: * (وجاءك في هذه الحق) الأكثرون أن معناه: وجاءك في هذه السورة ~~الحق. وقال بعضهم: وجاءك في هذه الدنيا الحق. # فإن قيل: أي فائدة في تخصيص هذه السورة وقد جاءه الحق في كل سورة؟ # قلنا: فائدته: تشريف السورة، وتشريفها بالتخصيص لا يدل على أنه لم يأته ~~الحق في غيرها، ألا ترى أن الإنسان يقول: فلان في الحق إذا حضره الموت، وإن ~~كان في الحق قبله وبعده. # قوله: * (وموعظة) معناه: وجاءتك موعظة * (وذكرى للمؤمنين) أي: وتذكير ~~للمؤمنين. # قوله تعالى: * (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون) معنى ~~الآية: هو التهديد والوعيد على ما بينا من قبل. # وقوله: * (وانتظروا إنا منتظرون) في معنى الآية. # قوله تعالى: * (ولله غيب السماوات والأرض) أي: ولله علم ما غاب في ~~السماوات والأرض. # وقوله: * (وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه) معناه: إليه يرجع أمر ~~العباد فيجازيهم على الخير والشر * (وما ربك بغافل عما تعملون) يعني: أنه ~~لا يغيب عنه شيء من أعمال العباد وإن صغر، والله أعلم. PageV02P469 # تم بحمد الله تعالى المجلد الثاني من تفسير أبي المظفر السمعاني ويتلوه ~~المجلد الثالث إن شاء الله تعالى وأوله تفسير سورة يوسف PageV02P471 # بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة يوسف وهي مكية باتفاق القراء، وفي ~~الأخبار: أن الله تعالى أنزل ما أنزل من القرآن فقرأه المسلمون مدة، ثم ~~قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؛ فأنزل الله تعالى هذه ms0707 السورة، وفيها: ~~* (نحن نقص عليك أحسن القصص) ثم قالوا بعد ذلك: لو حدثتنا يا رسول الله، ~~فأنزل * (الله نزل أحسن الحديث)، ثم قالوا: (لو ذكرتنا) يا رسول الله، ~~فأنزل الله تعالى: * (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) كل ~~ذلك يحيلهم على القرآن. # وعن خالد بن معدان أنه قال: سورة يوسف وسورة مريم يتفكه (بهما) أهل الجنة ~~في الجنة. # وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: ' إن الكريم ابن الكريم ابن ~~الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - ولو ~~لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم دعيت إلى ما دعى إليه لأجبت ' - وعنى حين ~~دعاه الملك من السجن. والخبر صحيح. PageV03P005 # * (الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~(2) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين) * * قوله تعالى: * (الر) معناه: أنا الله أرى؛ وقد بينا من ~~قبل سوى هذا من المعنى في معنى [الحروف] المقطعة، فلا نعيد. # وقوله: * (تلك آيات الكتاب المبين) يعني: هذه الآيات التي أنزلتها عليك ~~هي تلك الآيات التي وعدت إنزالها في التوراة والإنجيل. وقوله: * (المبين) ~~معناه: البين حلاله وحرامه. وقيل: البين رشده وغيه. # قوله تعالى: * (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) أكثر المفسرين على أن المراد ~~منه: إنا أنزلنا القرآن عربيا. وفي مسانيد ابن عباس رضي الله عنهما، عن ~~النبي أنه قال: ' أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل ~~الجنة بالعربية '. وقوله * (لعلكم تعقلون) أي: تفهمون. # قوله تعالى: * (نحن نقص عليك أحسن القصص) قال أهل التفسير: معناه: نحن ~~نبين لك أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان؛ والقاص: هو الذي ~~يأتي بالخبر على وجهه. وقيل: إن المراد من الآية قصة يوسف خاصة؛ سماها أحسن ~~القصص لزيادة التشريف. (وقيل): أعجب القصص. وقيل: أحكم القصص. والأول هو ~~القول المشهور. وحكي عن ابن عطاء أنه قال: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا ~~استروح إليها PageV03P006 # (* (3) إذ قال يوسف لأبيه يا ms0708 أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين (4) قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ~~إن) * * وقوله: * (بما أوحينا إليك هذا القرآن) معناه: بوحينا إليك هذا ~~القرآن. وقوله: * (وإن كنت من قبله لمن الغافلين) أي: لمن الساهين عن هذه ~~القصة وغيرها. # قوله تعالى: * (إذ قال يوسف لأبيه) معناه: اذكر إذ قال يوسف لأبيه: * (يا ~~أبت) قرىء بقراءتين: ' يا أبت ' و ' يا أبت ' بالكسر والفتح؛ أما بالكسر ~~فالأصل: ' يا أبتي ' ثم حذف الياء واجتزىء بالكسرة. وأما بالفتح: فالأصل: ' ~~يا أبتا ' ثم أسقط الألف واكتفى بالنصب. قال الأعشى: # (فيا أبتا لا تزل عندنا * فإنا نخاف بأن نخترم) وقوله: * (إني رأيت أحد ~~عشر كوكبا) في القصة: أن يوسف كان له اثنتا عشرة سنة حين رأى هذه الرؤيا. ~~وقد قيل غير ذلك، والله أعلم. وروى (أنه رأى هذه) الرؤيا ليلة الجمعة ليلة ~~القدر. وقوله * (أحد عشر كوكبا) يعني: أحد عشر نجما من نجوم السماء، وكان ~~المراد منها إخوته، وكانوا أحد عشر رجلا، يستضاء بهم كما يستضاء بالكواكب. ~~وقوله * (والشمس والقمر) تأويل الشمس: أبوه، وتأويل القمر: أمه. هكذا قال ~~قتادة وغيره. وقال بعضهم: كانت أمه في الموتى، وهذه خالته راحيل. وقال ابن ~~جريج: القمر: أبوه، والشمس: أمه؛ لأن الشمس مؤنثة والقمر مذكر. وقوله: * ~~(رأيتهم لي ساجدين) قال بعضهم: عندي ساجدين لله. والأصح: أنهم سجدوا له ~~تحية وكرامة. فإن قال قائل: (قد قال): * (ساجدين) ولم يقل ' ساجدات ' وحق ~~العربية في النجوم أن يقال: ' ساجدات '. # الجواب: أن الله تعالى لما أخبر عنهم بفعل من يعقل وهو السجود ألحقهم بمن ~~يعقل في إعراب الكلام فقال: ساجدين، ولم يقل: ' ساجدات ' بهذا. PageV03P007 # * (الشيطان للإنسان عدو مبين (5) وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل ~~إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6) لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ~~(7) إذ قالوا) * * وقوله تعالى: * (قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك) ~~قال أهل التفسير: ms0709 إن رؤيا الأنبياء وحي، فعلم يعقوب أن الإخوة لو سمعوا ~~(بهذه) الرؤيا عرفوا أنها حق فيحسدونه (فأمره بالكتمان) لهذا المعنى. ~~وقوله: * (فيكيدوا لك كيدا) معناه: فيحتالوا لك حيلة. * (إن الشيطان ~~للإنسان عدو مبين) ومعناه: إن الشيطان يزين لهم ذلك ويحملهم عليه لعداوته. ~~للعداوة القديمة. # قوله تعالى * (وكذلك يجتبيك ربك) معناه: وكما رفع منزلتك وأراك هذه ~~الرؤيا فكذلك يجتبيك أي: يصطفيك ربك. * (ويعلمك من تأويل الأحاديث) تأويل ~~[ما تؤول إليه عاقبة أمره]. وأكثر المفسرين على أن المراد من هذا علم ~~التعبير وما تؤول إليه الرؤيا، قالوا: وكان يوسف أعلم الناس بالرؤيا ~~وأعبرهم لها. وقوله: * (ويتم نعمته عليك) يعني: يجعلك نبيا، وذلك تمام ~~النعمة على الأنبياء * (وعلى آل يعقوب) وعلى أولاد يعقوب؛ فإن أولاد يعقوب ~~كلهم كانوا أنبياء. وقوله: * (كما أتمها على أبوك من قبل إبراهيم وإسحاق) ~~يعني: كما جعلهما نبيين من قبل كذلك يجعلك نبيا. # وقوله: * (إن ربك عليم حكيم) ظاهر المعنى. # وقد قيل: إن المراد من تمام النعمة على إبراهيم: هو إنجاؤه من النار، ~~والمراد من تمام النعمة على إسحاق: هو إنجاؤه من الذبح. وهذا قول مشهور. ~~وذكر الحسن البصري أنه كان بين هذه الرؤيا وبين هذا القول وبين تحقيقها، ~~ثمانون سنة. وذكر عبد الله بن شداد أنه كان بينهما أربعون سنة. وهذا أشهر ~~القولين. PageV03P008 # * (ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين (8) ~~اقتلوا) * * قوله تعالى: * (لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين) وفي بعض ~~المصاحف: ' عبرة للسائلين '، والآيات: جمع الآية؛ والآية: هي الدلالة على ~~أمر عظيم. وفي معنى الآية قولان: # أحدهما: أن اليهود سألوا رسول الله عن قصة يوسف - عليه [الصلاة] السلام - ~~وفي بعض الروايات (أنهم سألوه) عن سبب انتقال ولد يعقوب من كنعنان إلى مصر، ~~فذكر لهم قصة يوسف فوجدوها موافقة لما في التوراة؛ فهذا معنى قوله: * (آيات ~~للسائلين) أي: دلالة على نبوة الرسول. # والقول الثاني: أن (نعنى) قوله: * (آيات للسائلين) يعني: أنها غبر ~~للمعتبرين فإنها تشتمل على ذكر حسد إخوة يوسف له ms0710 وما آل إليه أمرهم في ~~الحسد، وتشتمل على ذكر رؤياه وما حقق الله منها، وتشتمل على ما صبر يوسف عن ~~قضاء الشهوة، وعلى العبودية في السجن، وما آل إليه أمره من الملك، وتشتمل ~~أيضا على ذكر حزن يعقوب وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد، وذهاب ~~الحزن عنه، وغير هذا مما يذكر في السورة؛ فهذه عبر للمعتبرين. # قوله: * (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا) الآية، كان يوسف وأخوه ~~بنيامين من أم واحدة، وكان يعقوب شديد الحب ليوسف، وكان إخوة يوسف يرون منه ~~من الميل إليه ما لا [يرونه] لأنفسهم، فقالوا هذه المقالة. وقوله: * (ونحن ~~عصبة) قال الفراء: العصبة هي: العشرة فما زادت. (قال القتيبي) ومن العشرة ~~إلى الأربعين. وقال غيرهما: ' ونحن عصبة ' أي: جماعة يتعصب بعضنا لبعض. ~~وقوله: * (إن أبانا لفي ضلال مبين) معناه: إن أبانا لفي خطأ ظاهر. فإن قال ~~قائل: كيف وصفوا رسولا من رسل الله مثل يعقوب بالضلالة؟ # الجواب عنه: ليس (المعنى) من الضلال هاهنا هو الضلال في الدين، ولو ~~PageV03P009 # * (يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ~~(9)) * * أرادوه صاروا كفارا؛ وإنما المراد من الضلال هاهنا: هو الخطأ (في ~~تدبير) أمر الدنيا، وعنوا بذلك: أنا أولى بالمحبة في تدبير أمر الدنيا؛ ~~لأنا أنفع له وأكبر من يوسف، ونصلح له أمر معايشه، ونرعى له مواشيه؛ فهو ~~مخطىء من هذا الوجه. # قوله تعالى: * (اقتلوا يوسف) القتل: تخريب البنية على وجه لا يصح معها ~~وجود الحياة. # وقوله: * (أو اطرحوه أرضا) أي: اطرحوه في أرض تأكله السباع، وقيل: اطرحوه ~~إلى أرض يبعد عن أبيه ويبعد أبوه عنه. وقوله: * (يخل لكم وجه أبيكم) يعني: ~~يخلص لكم وجه أبيكم. وقوله: * (وتكونوا من بعده قوما صالحين) يعني: توبوا ~~بعد أن فعلتم هذا، ودوموا على الصلاح يعف الله عنكم. # واستدل أهل السنة بهذه الآية على أن توبة القاتل عمدا مقبولة؛ فإن الله ~~تعالى ذكر عزم القتل [منهم] وذكر التوبة ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل؛ ~~دل أنها ms0711 مقبولة. # قال ابن إسحاق - يعني: محمد بن إسحاق -: وقد اشتمل فعلهم على جرائم، ~~منها: قطيعة الرحم، وعقوق (الوالد)، وقلة الرأفة بالصغير الطريح الذي لا ~~ذنب له، والغدر بالأمانة، وترك العهد بالحفظ، والكذب الذي عزموا عليه مع ~~أبيهم يعقوب عليه الصلاة والسلام، ثم عفا الله عنهم مع هذا كله؛ لئلا ييأس ~~أحد من رحمته. وقال بعض أهل العلم: إنهم عزموا على قتله؛ ولكن الله تعالى ~~حبسهم عن قتله رأفة ورحمة بهم، ولو مضوا على قتله لهلكوا أجمعين. # قوله تعالى: * (قال قائل منهم) الأكثرون على أن هذا كان يهوذا، وكان ~~أكبرهم PageV03P010 # * (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض ~~السيارة إن كنتم) * * في العقل لا أكبرهم في السن. هذا قول ابن عباس، قال: ~~وكان ابن خالة يوسف. # وقال قتادة: هو روبيل. # وقال سفيان بن عيينة: هو شمعون. وأصح الأقوال هو الأول. # وقوله: * (لا تقتلوا يوسف) أشار عليهم أن لا ترتكبوا هذه الكبيرة ~~العظيمة. وقوله * (وألقوه في غيابة الجب) يعني: أسفل الجب، والغيابة: كل ~~موضع ستر عنك الشيء (وغيبه). قال الشاعر: # (بني إذا ما غيبتني غيابتي * فسيروا بسيري في العشيرة والأهل) وعنى ~~بالغيابة: القبر؛ لأنه يغيب الميت ويستره. والجب: هو البئر التي لم تطو ~~لأنه قطع قطعا ولم تطو بعد، والجب: هو القطع. # قوله: * (يلتقطه بعض السيارة) أي: يجده بعض السيارة، والالتقاط: هو أخذ ~~الشيء من حيث لا يحتسبه، والسيارة: هم المسافرون. قوله: * (إن كنتم فاعلين) ~~يعني: إن عزمتم على فعلكم. # واختلف أهل العلم أنهم كانوا بالغين أو لم يكونوا بالغين حين عزموا على ~~هذا وفعلوا؟ # فالأكثرون أنهم كانوا رجالا بالغين، إلا أنهم لم يكونوا أنبياء بعد، ~~والدليل عليه: أنهم قالوا: وتكونوا من بعده قوما صالحين؛ وهذا إنما يستقيم ~~بعد البلوغ ويدل (عليه) أنهم قالوا: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين، والصغير لا ذنب له، دل أنهم كانوا رجالا. # ومنهم من قال: كانوا صغارا. وهذا القول غير مرضي. واستدل من قال بهذا ~~القول PageV03P011 # * (فاعلين (10) قالوا يا أبانا ms0712 ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ~~(11) أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قال إني ليحزنني أن ~~تذهبوا به وأخاف) * * بأنهم قالوا: ' أرسله معنا غدا نرتع ونلعب '، واللعب ~~فعل الصغار لا فعل الكبار. # وأجابوا عن هذا: أنهم لم يذكروا لعبا حراما، وإنما عنوا لعبا مباحا. # وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه سئل عن قوله: * (نلعب) فقيل له: كيف ~~قالوا: ' نلعب ' وقد كانوا أنبياء؟ فقال: هذا قبل أن نبأهم الله تعالى. # قوله تعالى * (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف) بدءوا أولا ~~(بالإنكار) عليه في ترك إرساله معهم وحفظه مع نفسه من بينهم، كأنهم قالوا ~~له: إنك لا ترسله معنا أتخافنا عليه؟! # قوله: * (وإنا له لناصحون) النصح هاهنا: هو القيام بمصلحه، وقيل: إنه ~~البر والعطف، ومعناه: إنا عاطفون عليه، بارون به، قائمون بمصلحته. # قوله تعالى: * (أرسله معنا غدا نرتع ونلعب وإنا له لحافظون) قوله: * ~~(نرتع) الرتع: هو الاتساع في الملاذ في طلب وجوهها يمينا وشمالا. وقيل معنى ~~الآية: نأكل ونشرب وننشط ونلهو. وقرئ: ' يرتع ويلعب ' بالياء، وهو في معنى ~~الأول، إلا أنه ينصرف إلى يوسف خاصة، وقرئ: ' يرتعي ' وهو يفتعل من الرعي، ~~ومعناه: إنه يرعى الماشية كما نرعى. وقوله: * (وإنا له لحافظون). # قوله تعالى: * (قال إني ليحزنني أن تذهبوا به) معناه: إني ليغمني أن ~~تذهبوا به؛ والحزن هاهنا: ألم القلب بفراق المحبوب. وقوله: * (وأخاف أن ~~يأكله الذئب) في القصة: أن يعقوب صلوات الله عليه كان رأى في المنام كأن ~~ذئبا شد على يوسف - وكان يخاف من ذلك - فقال ما قال بذلك الخوف. وقد قال ~~بعضهم: إنه أراد بالذئب إياهم. وليس هذا بشيء؛ لأنه لو خافهم عليه لم يدفعه ~~إليهم، وما كان يجوز له ذلك، ولأنه معنى متكلف مستكره، فلا يجوز أن يصار ~~إليه. وقوله: * (وأنتم عنه غافلون) PageV03P012 # * (أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة ~~إنا إذا لخاسرون (14) فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوا في غيابت الجب ~~وأوحينا إليه) * * أي: ساهون. ms0713 # قوله تعالى: * (قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة) أي: جماعة يتقوى بعضنا ~~ببعض. وقوله: * (إنا ذا لخاسرون) يعني: إنا إذا لعاجزون. # قوله تعالى: * (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب) الإجماع: ~~هو العزم على الشيء، والواو هاهنا مقحمة، والمعنى: فلما ذهبوا به أجمعوا أن ~~يجعلوه في غيابة الجب. قال الشاعر: # (أجمعوا أمرهم بليل فلما * أصبحوا أصبحوا علي لصوصا) وقوله * ([وأجمعوا] ~~أن يجعلوه في غيابة الجب) معناه: بأن يلقوه في غيابة الجب. وذكر وهب بن ~~منبه، وغيره أنهم لما أخذوا يوسف أخذوه بغاية الإكرام وجعلوا يحملونه إلى ~~أن أصحروا به، فلما أصحروا به ألقوه وجعلوا يضربونه وهو يستغيث حتى كادوا ~~يقتلونه، ثم إن يهوذا منعهم منه. وذكروا أنه كان من أبناء [اثنتي عشرة] ~~سنة. هذا هو المعروف. # وفي بعض الروايات: أنه كان ابن ست سنين. وفي بعض الروايات: أنه كان ابن ~~سبع عشرة سنة. وهذا معروف أيضا. # ثم أنهم أجمعوا (على أن) يطرحوه في البئر، فجاءوا إلى بئر على غير الطريق ~~واسع الأسفل، ضيق الرأس، فطرحوه فيها، فروي أنه كان يتعلق بجوانب البئر، ~~فشدوا PageV03P013 # * (لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) وجاءوا أباهم عشاء يبكون (16) ~~قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما ~~أنت بمؤمن لنا ولو كنا) * * يديه ثم ألقوه. وفي بعض الروايات: (أنهم) جعلوه ~~في دلو وأرسلوه في البئر، فلما بلغ الماء فإذا صخرة فقام عليها. وروي أنهم ~~قالوا له: اقعد في ذلك الطاق من البئر، فإذا جاء من يستقي فتعلق بالدلو حتى ~~تخرج. # قال محمد بن مسلم الطائفي: لما صار يوسف في البئر دعا الله تعالى فقال: ~~يا شاهدا غير غائب، ويا غالبا غير مغلوب، ويا قريبا غير بعيد، اجعل لي مما ~~أنا فيه فرجا ومخرجا. # ثم اختلفت الرواية أنه كم بات في البئر؟ فالأكثرون: أنه بات فيها ثلاث ~~ليالي والقول الآخر: أنه بات فيها ليلة. # وقوله تعالى: * (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا) [قول] أكثر أهل ~~التفسير على أن هذا الوحي إلى ms0714 يوسف، وبعث الله جبريل يؤنسه ويبشره بالخروج ~~ويخبره: أنه ينبئهم بما فعلوا ويجازيهم عليه وهم لا يعرفون أنه يوسف، ~~وسيأتي بعد هذه القصة. وقيل: * (وهم لا يشعرون) أنه أوحى إليه. # وفي الآية قول آخر: وهو أن الوحي هاهنا هو الإلهام؛ وهو مثل قوله تعالى: ~~* (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) وأما إتيان جبريل كان بعد هذا. # قوله تعالى: * (وجاءوا أباهم عشاء يبكون) قال أهل المعاني: جاءوا في ظلمة ~~العشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب؛ فروي أن يعقوب سمع صياحهم ~~وعويلهم فخرج وقال: ما لكم؟ هل أصاب الذئب من غنمكم شيئا؟ قالوا: لا؛ وإنما ~~الذئب أكل يوسف. وقرأ الحسن: ' غشاء يبكون '، ومعناه: قد غشيت أبصارهم من ~~البكاء. # وقوله: * (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق) أي: ننتضل وننظر لمن السبق. ~~وقيل: PageV03P014 # * (صادقين (17) وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ~~فصبر) * * نستبق على أقدامنا. وقد ثبت أن النبي سابق عائشة رضي الله عنها ~~مرتين، فسبقته عائشة في المرة الأولى، وسبقها النبي في المرة الثانية، فقال ~~لها: ' هذه بتلك '. # وقوله: * (وتركنا يوسف عند متاعنا) يعني: عند ثيابنا وأقمشتنا * (فأكله ~~الذئب وما أنت بمؤمن لنا) يعني: بمصدق لنا * (ولو كنا صادقين) يعني: وإن ~~كنا صادقين. # فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقولوا لنبي الله: أنت لا تصدق الصادق؟! # الجواب معناه: أنا لو كنا صادقين عندك كنت تتهمنا في هذا الأمر بشدة حبك ~~له وميلك إليه، فكيف وقد خفتنا في الابتداء واتهمتنا في حقه؟! # وفيه معنى آخر: وهو أن معنى قوله * (وما أنت بمؤمن لنا): أنك لا تصدقنا ~~لأنه لا دليل لنا على صدقنا، وإن كنا صادقين عند الله. # قوله تعالى: * (وجاءوا على قميصه بدم كذب) هذا دليل على أنهم نزعوا قميصه ~~عنه حين ألقوه في البئر، فروى أنه قال لهم: دعوا لي قميصي أتستر به، فقالوا ~~له: ادع الشمس والقمر والكواكب تسترك - يعنون: ما رأى من الرؤيا. # وقوله: * (بدم كذب) وقيل: بدم يعني: بدم ذي كذب. وقيل: مكذوب فيه. وعن ~~الحسن ms0715 البصري أنه قرأ: ' بدم كدب ' بالدال غير المعجمة وهو الدم المتغير. # وفي القصة: أنهم لطخوا القميص بالدم ولم يشقوه، فقال يعقوب صلوات الله ~~عليه: كيف أكله الذئب ولم يشق قميصه؟! ما عهدت الذئب حليما. حكى عن الحسن ~~البصري. PageV03P015 # * (جميل والله المستعان على ما تصفون (18) وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم ~~فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون (19) ~~وشروه بثمن) * * وروي أن بعضهم قالوا: قتله اللصوص، فاختلفوا على يعقوب ~~فاتهمهم به و * (قال بل سولت لكم أنفسكم) يعني: كذبتم، بل زينت لكم أنفسكم ~~* (أمرا) والتسويل: التزيين، وقوله: * (فصبر جميل) معناه: فأمري صبر جميل. ~~وقيل: فصبر جميل أختاره. والصبر الجميل: هو الذي لا شكوى فيه ولا جزع. ~~وقوله: * (والله المستعان على ما تصفون) معناه: والله المستعان على الصبر ~~على ما تكذبون. # وفي القصة: أنهم ذهبوا وجاءوا بذئب وقالوا: هذا الذي أكل ولدك، فقال له ~~يعقوب: يا ذئب! أكلت ولدي وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله تعالى وقال: بالله ما ~~رأيت وجه ابنك قط، فقال: فكيف وقعت بأرض كنعان؟ فقال: جئت لصلة قرابة. ~~أورده النقاش في تفسيره، والله أعلم. # واختلفوا في موضع البئر الذي أدلي فيها يوسف؛ قال قتادة: هي بئر بيت ~~المقدس. وقيل: إنها بئر بأرض الأردن، وقال مقاتل: بئر معروفة، كانت بين ~~منزل يعقوب وبينها ثلاثة فراسخ، والله أعلم. # قوله تعالى: * (وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه) السيارة: هم ~~القوم المسافرون، سموا سيارة لأنهم يسيرون في الأرض. وقوله: * (فأرسلوا ~~واردهم) والوارد: هو الذي يقدم القوم ليستقي الماء من البئر. قال الأصمعي: ~~تقول العرب: أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر، ودليتها إذا نزعتها من ~~البئر. وقوله * (قال (يا بشراي) هذا غلام) فيه قولان: أحدهما - وهو أظهر ~~القولين -: أن معنى قوله: * (يا بشراي) أي: أبشروا، هذا غلام. ذكره الفراء ~~والزجاج. # والقول الثاني: أنه نادى صاحبه - وكان اسمه بشرى - فقال: يا بشراي، هذا ~~غلام أي: يا فلان، هذا غلام. ذكره الأعمش والسدي. PageV03P016 # وفي القصة: أن البئر كانت على غير الطريق، ولكن القوم ms0716 ضلوا الطريق حتى ~~وقعوا عليها، فلما جاء الوارد وأرسل الدلو لطلب الماء، تعلق به يوسف، نزعوا ~~على ظن أنه الماء. وروى ابن مجاهد، عن أبيه أن جدران البئر كانت تبكي على ~~يوسف حتى أخرج منها. وفي القصة أيضا أن صاحب السيارة كان مالك بن دعر، رجل ~~من خزاعة. وقوله: * (وأسروه بضاعة) معناه: أن الوارد ومن كان معه أسروه ~~بضاعة عن أهل الرفقة، مخافة أن يطلبوا المشاركة فيه. # وقوله: * (بضاعة) معناه: أنهم قالوا: نقول للقوم: إن أهل الماء استبضعونا ~~هذا الغلام. والبضاعة: هي القطعة من المال، والبضع: هو القطع. ومنه قوله في ~~فاطمة رضي الله عنها: ' إنها بضعة مني ' أي: قطعة مني. وهذا خبر ثابت. # وقوله: * (والله عليم بما يعملون) ظاهر. # قوله تعالى: * (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) أكثر أهل التفسير على أن ~~الذين باعوه إخوته، وهو قول ابن عباس وعامة المتقدمين. وقوله ' شروه ' هو ~~بمعنى: باعوه. # قال الشاعر: # (وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامة) وفي القصة: أن القوم لما ~~استخرجوا يوسف من البئر جاء إخوته وقالوا: هذا غلام أبق منا وهددوا يوسف ~~حتى لم يعرف (حاله) وأقر ما قالوه ثم إنهم باعوه منهم. # والقول الثاني في الآية: أن الذين باعوا يوسف هم الذين استخرجوه من ~~البئر. والصحيح هو الأول. # وقوله: * (بثمن بخس) البخس في اللغة: هو النقص، ومعنى البخس هاهنا: هو ~~الحرام؛ سمي الحرام بخسا لأنه مبخوس البركة. هذا قول الشعبي وغيره. وقال ~~بعضهم: * (بثمن بخس) أي: ذي ظلم. وعن ابن مسعود، وابن عباس أنهما قالا: ~~PageV03P017 # * (بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) وقال الذي اشتراه من ~~مصر لامرأته أكرمي مثواه) * * بثمن بخس: زيوف. وقيل: بثمن بخس أي: قليلا. # اختلفوا، كم كان الثمن؟ قال مجاهد: كان [اثنين وعشرين] درهما، والإخوة ~~أحد عشر رجلا، فاقتسموا وأخذ كل واحد درهمين سوى يهوذا فإنه لم يأخذ شيئا. ~~وعن ابن عباس قال: باعوه بعشرين درهما. وقيل: [باعوه] بأربعين. # قوله * (دراهم معدودة) يعني: أنهم عدوها عدا ولم يزنوها وزنا لقلتها. ~~وقال: إنهم كانوا ms0717 لا يزنون ما دون الأوقية وهو أربعون درهما. # وقوله: * (وكانوا فيه من الزاهدين) يعني: (أنهم) لم يكن لهم رغبة في ~~يوسف؛ لأنهم لم يعرفوا كرامته على الله. وقيل: إنهم كانوا في الثمن من ~~الزاهدين على معنى أنه لم يكن قصدهم الثمن؛ إنما قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه. # وقوله تعالى: * (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه) في القصص: ~~أن مالك بن دعر قدم به مصر وعرضه على البيع فاشتراه قطيفير صاحب أمر الملك ~~وخازنه، وقيل: قنطور، وكان يسمى العزيز ولم يك أحد بمصر يسمى باسمه كرامة ~~وتشريفا، فروى أنه اشتراه بعشرين دينارا ونعلين وحلة. وذكر وهب بن منبه أنه ~~لما عرض على البيع تزايد الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه: وزنه ذهبا ووزنه فضة ~~ووزنه مسكا ووزنه حريرا، وكان وزنه أربعمائة رطل ومائتا (من) '. قال وهب: ~~وكان ابن ثلاث عشرة سنة في ذلك الوقت. وقد بينا أن على قول بعضهم: كان ابن ~~سبع عشرة سنة. قال كعب وغيره: كان من أحسن الناس وجها، كان على صورة آدم ~~حين خلقه PageV03P018 # * (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من) * ~~* الله تعالى قبل أن يواقع المعصية. وفي بعض الآثار: ' أن يوسف أعطي شطر ~~الحسن '. وهو غريب، وقيل: إنه انتزع إلى جدته سارة، وكانت سارة أعطيت سدس ~~الحسن. # وقوله: * (لامرأته) قيل: كان اسمها: راغيل. وقيل: كان اسمها: زليخة. # وقوله: * (أكرمي مثواه) معناه: أكرميه في المطعم والملبس والمقام. ~~والمثوى في اللغة: موضع الإقامة، ويقال: ثوى بالمكان إذا أقام. # وقوله * (عسى أن ينفعنا) يعني: نبيع بالربح إن أردنا البيع، أو ينفعنا ~~بالخدمة إن لم نبعه. وقوله * (أو نتخذه ولدا) يعني: أو نعتقه ونتبناه. وقد ~~ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه برواية أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، ~~عنه أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز في يوسف حين قال لامرأته: ' أكرمي ~~مثواه عسى أن ينفعنا ' وابنة شعيب في موسى - عليه السلام - حيث قالت: ' يا ~~أبت استأجره إن خير من ms0718 استأجرت القوي الأمين ' [وأبو بكر في عمر رضي الله ~~عنهما] حيث استخلفه. # وقوله: * (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض) معناه: كما خلصناه من الهلاك ~~ونجيناه من ظلمة البئر كذلك مكناه في الأرض؛ والأرض هاهنا: أرض مصر، وقوله: ~~(* (مكناه)) أي (بالتهليل) وبسط اليد ورفع المنزلة إلى أن بلغ ما بلغ. # وقوله: * (ولنعلمه من تأويل الأحاديث) قد بينا من قبل. وقوله: * (والله ~~غالب على أمره) فيه قولان؛ أحدهما: أن الله غالب على أمره لا يمنعه منه ~~مانع، ولا يرده عما يريد راد. PageV03P019 # * (تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) ~~ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) وراودته التي هو ~~في بيتها عن) * * والقول الثاني: والله غالب على أمر يوسف بالتدبير ~~والحياطة حتى يبلغه منتهى علمه فيه. وقوله: * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ~~ظاهر. # قوله تعالى: * (ولما بلغ أشده) الأكثرون على أن الأشد: ثلاث وثلاثون سنة ~~وإليها تنتهي، يعني: قوة الشباب. وقيل: ثلاثون سنة. وقيل: من تمام [ثماني ~~عشرة] سنة إلى أربعين. وسئل مالك عن الأشد، فقال: هو الحلم. # وقوله * (آتيناه حكما وعلما) أي: فقها وعقلا. وقيل: الحكم: النبوة، ~~والعلم: هو الفقه في الدين. والفرق بين الحكيم والعالم: أن العالم هو الذي ~~يعلم الأشياء، والحكيم: هو الذي يعلم بما يوجبه العلم. وقيل: هو الذي يمنع ~~نفسه عما يجهله ويسفهه، ومنه حكمة الدابة؛ لأنها تمنع الدابة عن الفساد. ~~قال الشاعر: # (أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم * إني أخاف عليكم أن أغضبا) يعني: امنعوا ~~سفهاءكم. # وقوله: * (وكذلك نجزي المحسنين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه) معنى المراودة: طلب ~~الفعل، والمراد هاهنا: هو الدعاء إلى الفاحشة. وقوله: * (وغلقت الأبواب) ~~يعني: أطبقت الأبواب واستوثقت منها، ويقال: إنها غلقت سبعة أبواب. وقوله: * ~~(وقالت هيت لك) معناه: هلم، وعلى هذا أكثر المفسرين. وقيل: معناه: تعال أنا ~~لك. وقريء: ' هيت لك ' أي: تهيأت لك. وأنكر الكسائي هذه القراءة. قال ~~الشاعر في قوله هيت: # (أبلغ أمير المؤمنين * أخا العراق إذا أتينا) (أن العراق ms0719 وأهله * عنق ~~إليك فهيت هيتا) PageV03P020 # * (نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ~~إنه لا يفلح الظالمون (23) ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) * * ~~وقوله: * (قال معاذ الله) معناه: قال: أعوذ بالله أي: أعتصم به إنه ربي. # [و] الأكثرون أنه أراد به العزيز؛ ومعناه: إنه سيدي. وقوله: * (إنه ربي ~~أحسن مثواي) أي: أكرم مثواي. وقوله: * (إنه لا يفلح الظالمون) أنه لا يسعد ~~الزناة ولا العصاة. # قوله تعالى: * (ولقد همت به وهم بها) [الآية]، الهم: هو المقاربة من ~~الفعل من غير دخول فيه. وقوله: * (ولقد همت به) همها: هو عزمها على المعصية ~~والزنا، وأما هم يوسف: فاعلم أنه قد ثبت عن عبد الله بن عباس أنه سئل عن ~~قوله * (وهم بها) قال: جلس منها مجلس الخاتن وحل هميانه. رواه ابن أبي ~~مليكة، وعطاء وغيرهما. وعن مجاهد أنه قال: حل سراويله وجعل يعالج ثيابه. ~~وهذا قول أكثر المتقدمين؛ منهم: سعيد بن جبير، والحسن البصري، والضحاك ~~وغيرهم. # [و] قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وقد أنكر قوم هذا القول؛ والقول ما ~~قاله متقدمو هذه الأمة وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء من غير ~~علم. وكذلك قال ابن الأنباري، وزعم بعض المتأخرين أن الهم (كان منها): هو ~~العزيمة على المعصية، وأما الهم منه: كان خاطر القلب وشدة المحبة بالشهوة. # وفي القصة: أن المرأة قالت له: ما أحسن عينيك، فقال: هي أول ما تسيل من ~~وجهي في قبري، فقالت: ما أحسن شعرك، فقال: هو أول ما ينشر في قبري، فقالت ~~إن فراش الحرير مبسوط فقم فاقض حاجتي، فقال: إذا يذهب نصيبي من الجنة، ~~فقالت: إن الجنينة عطشة فقم فاسقها، فقال: إن المفتاح بيد غيري، قال: فجاء ~~PageV03P021 # الشيطان ودخل بينهما وأخذ يحنكه وحنكها حتى همت به وهم بها، ثم إن الله ~~تعالى تدارك عبده ونبيه بالبرهان الذي ذكره. وقال قطرب: معنى قوله: * (وهم ~~بها) أي: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه. # وأنكر سائر النحاة عليه ms0720 هذا القول، وقالوا إن العرب لا تؤخر لولا عن ~~الفعل، وإنما كلام العرب هو التقديم فحسب، فإنهم يقولون: لولا كذا لفعلت ~~كذا، ولا يقولون، فعلت كذا لولا كذا. وقال بعضهم: ' وهم بها ' أي: بضربها ~~ودفعها عن نفسه، وهو تأويل بعيد. وقال بعض أهل التفسير: يحتمل أن ذلك القدر ~~الذي فعله يوسف من الهم كان في تلك الشريعة من الصغائر يجوز على الأنبياء. ~~قال الحسن البصري: إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء في القرآن ليعيرهم ~~بها؛ ولكن ذكرها ليبين موقع النعمة عليهم بالعفو، ولئلا ييأس أحد من رحمته ~~وقيل: إنه ابتلاهم بالذنوب ليتفرد بالطهارة والعزة، ويلقاه جميع الخلق يوم ~~القيامة على انكسار المعصية. وقوله: * (لولا أن رأى برهان ربه) أكثر أهل ~~التفسير: أنه رأى يعقوب صلوات الله عليه [صكه] في صدره وهو يقول له: أتعمل ~~عمل السفهاء وأنت في ديوان الأنبياء؟! # وروى ليث، عن ابن عباس أنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته فرأى كفا بلا ~~معصم ولا عضد مكتوب عليها:: * (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين) ففزع وهرب، ~~ثم إنه عاد، فظهر ذلك الكف مكتوبا عليها: * (ولا تقربوا الزنا إنه كان ~~فاحشة وساء سبيلا) ففزع وهرب، ثم إنه عاد فرأى ذلك الكف أيضا مكتوبا عليها: ~~* (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) ففزع وهرب، ثم إنه عاد؛ فقال الله ~~لجبريل: أدرك عبدي قبل أن يواقع الخطيئة، فجاء ومسحه بجناحه حتى خرجت شهوته ~~من أنامله. PageV03P022 # * (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) واستبقا ~~الباب) * * وقال جعفر بن محمد الصادق: معنى البرهان: أنه كان في البيت صنم ~~فقامت المرأة وسترته بثوب، فقال لها يوسف: لم فعلت هذا؟ فقالت: استحييت منه ~~أن يراني وأنا أواقع المعصية، فقال يوسف: أنا أحق أن أستحي من ربي، وهرب. # وقال محمد بن كعب القرظي: البرهان: هو أن الله تعالى أخطر بقلب يوسف حرمة ~~الزنا، وشدة العقوبة عليه، فهرب وترك. وأورد النقاش أنه لما قرب منها رأى ~~شعرة بيضاء في أنفها فعافها وتركها. وهذا قول بعيد؛ والأصح ms0721 من هذه الأقوال: ~~الأول. # وقد روي أن يعقوب صلوات الله عليه لما تمثل له صك في صدره وقال: يا يوسف ~~أنت قبل أن تزني كالطير في جو السماء [ولا تطاق]، فإذا زنيت فأنت كالطير ~~يسقط ويموت، وأنت قبل أن تزني كالثور لا يطاق، فإذا زنيت صرت كالثور يهلك ~~فيدخل النمل في (أصول) قرنه. # وقوله: * (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) السوء: هو الثناء القبيح، ~~والفحشاء: هو مواقعة الزنا. فإن قيل: هذا دليل على أنه لم يهم بالزنا ولم ~~يقصده، قلنا: لا، هذا بعد الهم. فإن قيل: أليس قد قال في أثناء السورة: * ~~(ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب)؟ قلنا: قد ثبت عن النبي: ' أن يوسف لما قال ~~هذا، قال له جبريل: ولا حين هممت؟ فقال: وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء '. # قوله: * (إنه من عبادنا المخلصين) قرئ: ' المخلصين ' و ' المخلصين ' ~~ومعنى المخلص: هو الذي يخلص الطاعة لله، ومعنى المخلص: هو الذي أخلصه الله ~~واختاره. PageV03P023 # * (وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من ~~أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) وإن كان قميصه قد ~~من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من ~~كيدكن إن) * * قوله تعالى: * ([واستبقا] الباب) روي أن يوسف بادر الباب ~~ليفتح ويخرج، والمرأة بادرت الباب لتمسك الباب فلا يخرج يوسف، فسبق يوسف ~~وأدركته المرأة وأخذت بثوبه وشقته من دبر؛ وهذا معنى قوله: * (وقدت قميصه ~~من دبر) أي: شقت. وقوله: * (وألفيا سيدها لدا الباب) يعني: وجدا زوج المرأة ~~عند الباب فبادرت المرأة * (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا) ثم خافت عليه ~~أن يقتل فقالت: * (إلا أن يسجن أو عذاب أليم) ضرب بالسياط، فلما سمع يوسف ~~مقالتها * (قال هي راودتني عن نفسي) يعني: هي طلبت مني الفاحشة. وقوله: * ~~(وشهد شاهد من أهلها) فيه قولان: أحدهما: أن الشاهد ms0722 كان صبيا في المهد قال ~~هذا القول، وهذا قول أبي هريرة وسعيد بن جبير والضحاك، وهو إحدى الروايتين ~~عن ابن عباس. قال أبو هريرة: ' تكلم ثلاثة من الصبيان في المهد: عيسى ابن ~~مريم صلوات الله عليه (وصاحب) جريج وشاهد يوسف ' والقول الثاني أن الشاهد ~~كان رجلا حكيما من قرابات المرأة وكان قائما مع زوجها فسمع الجلبة من وراء ~~الباب ورأى شق القميص فقال القول وهو قوله تعالى: * (إن كان قميصه قد من ~~قبل فصدقت وهو من الكاذبين...) الآية. # وقوله: * (فلما رأى قميصه قد من دبر) عرف أن الذنب لها * (قال إنه من ~~كيدكن إن كيدكن عظيم) وفي القصة: أنه كان قليل الحمية والغيرة، ثم قال ~~ليوسف: * (يوسف أعرض عن هذا) يعني: لا تذكر هذا حتى يشيع، ثم قال للمرأة: * ~~(واستغفري لذنبك) توبي إلى الله تعالى * (إنك كنت من الخاطئين) ظاهر ~~المعنى. PageV03P024 # * (كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ~~(29) وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا ~~إنا) * * قوله تعالى: * (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن ~~نفسه) المدينة هاهنا: مدينة مصر، وقيل: إنها مدينة عين شمس. # وأما النسوة قالوا: هن خمس نسوة: امرأة حاجب الملك، وامرأة صاحب الدواب، ~~وامرأة صاحب الطعام، وامرأة صاحب الشراب، وامرأة صاحب السجن. وقال بعضهم: ~~هن نسوة من أشراف نسوة مصر. # وقوله: * (امرأة العزيز) قيل العزيز: هو الممتنع بقدرته عن أن يضام في ~~أمره. وقوله: * (تراود فتاها عن نفسه) فتاها هاهنا بمعنى: عبدها، والمعنى: ~~أنها تطلب من عبدها [أن] يرتكب الفاحشة. وقوله * (قد شغفها حبا) روي عن ابن ~~عباس - رضي الله عنها - أنه قال: ' شغفها حبا ' أي: غلبها. وروي عنه أيضا ~~أنه قال: ' شغفها حبا ' أي: دخل الحب في شغاف قلبها، وشغاف القلب: داخل ~~القلب. وقيل: شغاف القلب: جلدة القلب؛ كأن الحب خرق الجلدة وأصاب القلب ~~وغلب عليه. وقيل: شغاف القلب: [سويداء] القلب. وقيل: حبة القلب. قال ~~الشاعر: # (ولا [وجد] إلا دون وجد وجدته ms0723 * أصاب شغاف القلب فالقلب مشغف) قرئ في ~~الشاذ: (شعفها) حبا ' ومعناه: ذهب الحب بها كل مذهب، ومنه: شعف الجبال أي: ~~رءوسها. # وقوله: * (إنا لنراها في ضلال مبين) أي: في خطأ ظاهر. ويقال: في ضلال ~~مبين يعني: أنها تركت ما يكون عليه أمثالها من الستر والعفاف. PageV03P025 # * (لنراها في ضلال مبين (30) فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن ~~متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن ~~أيديهن) * * قوله: * (فلما سمعت بمكرهن) أي: بتدبيرهن. وقد روي أنها أفشت ~~إليهن سرها واستكتمتهن فأفشين ذلك؛ فلهذا سماه مكرا. وقوله: * (وأرسلت ~~إليهن) أي: دعتهن. وقوله: * (وأعتدت لهن متكئا) قال ابن عباس ومجاهد: ~~المتكأ يتكئون على الوسائد. وقد روي عن النبي أنه قال: ' أما أنا فلا آكل ~~متكئا ' وهذا مما اختاره الله تعالى له من التواضع، وأما الجبارون والعظماء ~~فقد اعتادوا الأكل متكئين. وقيل: ' وأعتدت لهن متكئا ' أي: طعاما وشرابا ~~واتكاء. # وقرئ في الشاذ: ' وأعتدت لهن متكا ' والمتك: هو الأترج. ذكره ابن عباس ~~ومجاهد. وقيل: إنه البزماورد. أورده الضحاك. وقيل: هو كل ما يحز بالسكين. ~~وفي القصة: أنها دعت أربعين امرأة من أشراف [نساء] مصر وزينت بيتا بألوان ~~الفواكه والوسائد وفرشت البسط. وقوله: * (وآتت كل واحدة منهن سكينا) أي: ~~وأعطت كل واحدة منهن سكينا؛ وقد كانوا يأكلون اللحم جزا بالسكين؛ والسنة هو ~~النهش. # وقوله: * (وقالت اخرج عليهن) أمرت يوسف بأن يخرج عليهن فخرج وقد أخذن ~~السكاكين ليقطعن المأكول. وقوله: * (فلما رأينه أكبرنه) فيه قولان: أحدهما: ~~أعظمنه. والآخر: حضن. قال الشاعر: # (نأتي النساء لدى أطهارهن ولا * نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا) يعني: إذا ~~حضن. والأولى هو الأول. وأنكر أبو عبيدة أن يكون ' أكبرن ' بمعنى: ~~PageV03P026 # * (وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلكن الذي ~~لمتنني فيه) * * حضن. # وقوله * (وقطعن أيديهن) الأكثرون على أن هذا خدش وجرح بلا إبانة. وقال ~~بعضهم: إنهن قطعن أيديهن على (تحقيق) قطع اليد جملة. والأول أصح. يقال: قطع ~~فلان يده إذا خدشها وجرحها. # وفي القصة: ms0724 أنهن بهتن وذهبت عقولهن [و] قطعن أيديهن ولم يعلمن بذلك حتى ~~سالت الدماء منهن وقوله: * (وقلن حاش الله) وقرئ: ' حاشا لله ' ومعناه: ~~[معاذ] الله أن يكون * (ما هذا بشرا) ومعناه: بشرا مثل سائر البشر. وقرئ: ' ~~ما هذا مشتريا ' أي: بعبد مشترى. وقوله: * (إن هذا إلا ملك كريم) يعني: ملك ~~كريم على ربه. وقد روى أنس، عن النبي أنه قال: ' أعطي يوسف شطر الحسن '. ~~وعن ابن إسحاق - صاحب المعاني - قال: ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن. # وروى أبو سعيد الخدري، عن النبي في قصة المعراج ' أنه رأى يوسف في السماء ~~الثالثة، قال: فرأيت وجهه كالقمر ليلة البدر '. وروي أنه كان إذا مشى في ~~سكك مصر رئي لوجهه ضوء على الجدران. وروي أنه لما ملك، وكان إذا دخلت عليه ~~امرأة غطى وجهه لئلا تفتتن به. # قوله تعالى: * (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه) الملامة هو الوصف بالقبيح ~~على وجه التحقير، ومعنى قولها ' فذلكن الذي لمتنني فيه ' أن هذا هو الذي ~~لمتنني فيه، PageV03P027 # * (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من ~~الصاغرين (32) قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن ~~أصب) * * ثم صرحت بما فعلت (وقالت): * (ولقد راودته عن نفسه) وإنما صرحت ~~بذلك لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهن بعد ذلك وقد أصابهن ما أصابهن من ~~رؤيته. وقوله تعالى: * (فاستعصم) أي: امتنع. وقوله: * (ولئن لم يفعل ما ~~آمره ليسجنن) يعني: ليعاقبن بالحبس. وقوله: * (وليكونا من الصاغرين) أي: ~~(ليكونن) من المستحقرين والمستذلين. وعن وهب بن منبه: أن أولئك النسوة ~~عشقنه وماتت جماعة منهن من عشقه. # قوله تعالى: * (قال رب السجن أحب إلي) وقرئ في الشاذ: ' رب السجن ' وهو ~~الحبس، والسجن موضع الحبس * (مما يدعونني إليه) يقال: لو لم يقل هذا لم ~~يبتل بالسجن. وفي بعض الأخبار: ' البلاء موكل بالمنطق '، والأولى بالمرء أن ~~يسأل الله العافية. # وقوله: * (مما يدعونني إليه) فيه قولان: أحدهما: أن الدعاء كان منها ~~خاصة؛ لكنه أضاف إلى جميع النسوة خروجا من التصريح إلى ms0725 التعريض. # والقول الثاني: أنهن جميعا دعينه إلى أنفسهن. # وقوله: * (وإلا تصرف عني كيدهن) معناه: وإلا تصرف عنى شرهن * (أصب إليهن) ~~أي: أمل إليهن. قال الشاعر: # (حتى متى تصبو ورأسك أشمط * أظننت أن الموت باسمك يغلط) وقوله: * (وأكن ~~من الجاهلين) هذا دليل على أن المؤمن إذا ارتكب ذنبا يرتكب عن جهالة، وقيل ~~معناه: وأكن من المذمومين كما يذم الإنسان بفعل ما يقدم عليه جاهلا. ~~PageV03P028 # * (إليهن وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو ~~السميع العليم (34) ثم بدا لهن من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) ~~ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني ~~أحمل فوق) * * قوله تعالى: * (فاستجاب له ربه) أي: أجاب له ربه. وقوله: * ~~(فصرف عنه كيدهن) أي: شرهن * (إنه هو السميع العليم) ظاهر المعنى. # قوله: * (ثم بدا لهم) أي: ظهر لهم. وقوله: * (من بعد ما رأوا الآيات) ~~هاهنا شق القميص، وكلام الطفل، وجز النساء أيديهن بالسكاكين، وذهاب عقولهن ~~بما رأين من جماله. وقوله: * (ليسجننه حتى حين) أي: ليحبسنه إلى مدة. قال ~~عطاء: إلى حين: إلى أن تنقطع مقالة الناس. # قوله تعالى: * (ودخل معه السجن فتيان) في القصة: أن المرأة قالت لزوجها: ~~قد فضحني هذا الغلام العبراني (في الناس)، فإما أن تأذن [لي] أخرج وأعتذر ~~من الناس، وإما أن تحبسه، فحبسه، ولما حبس حبس الملك بعد ذلك رجلين من ~~خاصته؛ أحدهما: صاحب طعامه، والآخر: صاحب شرابه، ويقال: كان يسمى أحدهما: ~~سرهم، والآخر: شرهم. وكان سبب حبسهما: أن الملك اتهم صاحب الطعام [أنه]: ~~قصد سمه، وظن أيضا أن صاحب الشراب مالأه على ذلك؛ وكان الملك هو الوليد بن ~~مروان العمليقي، وقيل غير هذا الاسم. # وقوله: * (قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا) وروي أن يوسف - عليه السلام - ~~لما دخل السجن جعل يدعو إلى الله وينشر علمه، فرأى هذين الرجلين وهما ~~مهمومان فسألهما عن شأنهما فذكرا أنهما صاحبا الملك، وأن الملك حبسهما، وقد ~~رأيا رؤيا وقد غمهما ذلك، فقال لهما: قصا علي ما ms0726 رأيتما، فقصا عليه ~~رؤياهما؛ وهذا معنى قوله: * (قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا). وفي القصة: ~~أنه قال: رأيت حبلة عليها ثلاثة عناقيد فجنيتهن وعصرتهن خمرا وسقيت منه ~~الملك. PageV03P029 # * (رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين (36) ~~قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما ~~علمني ربي إني تركت ملة) * * وقوله: * (أعصر خمرا) العصر: هو الاعتماد ~~باليد على ما فيه مائية ليحلب عنه الماء. وقوله * (خمرا): قيل: عنبا، قيل: ~~هذا بلغة عمان، قال المعتمر: لقيت أعرابيا معه سلة فيها [عنب] فقلت: ما ~~معك؟ قال: الخمر. وقال الشاعر: # (ينازعني به ندمان صدق * شواء) الطير والعنب الحقينا) وأراد بالعنب: ~~الخمر. ويقال: معنى قوله: * (أعصر خمرا) أي: عنب خمر. ويقال: معنى قوله: * ~~(أعصر خمرا) أي: عنبا؛ سماه خمرا باسم ما يؤول إليه؛ تقول العرب: فلان يعصر ~~الدبس ويطبخ الآجر يعني: يعصر العنب للدبس، ويطبخ اللبن للآجر، قال الشاعر: # (الحمد لله الجليل المنان * صار الثريد في رؤوس العيدان) وقوله: * (وقال ~~الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه) روي أن الآخر قال: إني ~~أراني كأني أحمل ثلاث سلال من الخبز على رأسي وسباع الطير ينهش منه. # وقوله: * (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين) قال: كان يوسف عليه ~~السلام إذا مرض في السجن مريض عاده وقام عليه، وإذا افتقر إنسان جمع له ~~شيئا، وإذا رأى مظلوما نصره، وإذا رأى حزينا سلاه، وكان مع هذا يقوم الليل ~~كله بالصلاة. # والقول الثاني: * (إنا نراك من المحسنين) يعني: من المحسنين لعبارة ~~الرؤيا، والإحسان بمعنى العلم؛ يقال: فلان يحسن كذا، أي: يعلمه. # قوله تعالى: * (قال لا يأتيكما طعام) الآية، بدأ يوسف - صلوات الله عليه ~~- قبل تعبير الرؤيا بإظهار المعجزة والدعاء إلى توحيد الله؛ فقوله: * (لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه PageV03P030 # * (قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون (37) واتبعت ملة آبائي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله ~~علينا وعلى) * * إلا نبأتكما بتأويله قبل ms0727 أن يأتيكما) فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: لا تدعوان بطعام من منازلكما إلا نبأتكما بقدره ولونه وطعمه والوقت ~~الذي يصل إليكما فيه قبل أن يصل إليكما؛ وهذه المعجزة مثل معجزة عيسى - ~~عليه السلام - وقوله: * (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم). # والقول الثاني: أنه كان من رسم الملك إذا أراد أن يقتل إنسانا يبعث إليه ~~بطعام معروف عندهم، وإذا أراد أن يكرم إنسانا بعث إليه بطعام معروف عندهم؛ ~~فهذا معنى قوله: * (لا يأتيكما طعام ترزقانه). # والقول الثالث: لا يأتيكما طعام ترزقانه في المنام إلا نبأتكما بتأويله ~~في اليقظة، فقالوا: من أين لك ذلك، أتتكهن أم تتنجم؟ فقال: لا؛ ولكن مما ~~علمني ربي. فهذا معنى قوله * (ذلكما مما علمني ربي). وقوله: * (إني تركت ~~ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون) ظاهر. # ثم قال: * (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب) أظهر أنه نبي وأنه ~~من ولد الأنبياء. وقوله: * (ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء) معناه: أن ~~الله قد عصمنا من الإشراك به. وقوله: * (ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس) ~~يعني به: ما أقام من الدليل وبين من الهدى. وقوله: * (ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون) ظاهر المعنى. # ثم زاد في الدلالة على التوحيد فقال: * (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون) ~~وسماهما: صاحبي السجن؛ لأنهما كانا في السجن، وقوله * (أأرباب متفرقون) أي: ~~أملاك متباينون هذا [من] ذهب، وهذا من فضة، وهذا من نحاس، وهذا من خشب، ~~وقيل: هذا أعلى، وهذا أوسط، وهذا أدنى، وقوله: * (خير أم الله الواحد ~~القهار) الواحد الغالب على كل شيء، والمراد، نفي الخيرية منهم أصلا، وقد ~~ذكرنا PageV03P031 # * (الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون ~~خير أم الله الواحد القهار (39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (40) يا صاحبي السجن أما ~~أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر) * * من قبل ms0728 ثم زاد وقال: * (ما تعبدون ~~من دونه) أي: من دون الله * (إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) يعني: هذه ~~الأصنام أسماء مجردة خالية عن المعنى. وقوله: * (ما أنزل الله بها من ~~سلطان) أي: حجة * (إن الحكم إلا لله) ما الحكم إلا الله * (أمر ألا تعبدوا ~~إلا إياه) ظاهر المعنى. قوله: * (ذلك الدين القيم) أي: الطريق المستقيم * ~~(ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ظاهر المعنى. # وفي القصة: أن صاحب السجن لما سمع منه ما سمع، ورأى منه ما رأى أحبه حبا ~~شديدا وجعله على أهل السجن، وكذلك أهل السجن أحبوه حتى كان الرجل يخلى من ~~السجن فيعود إليه، فروي أن صاحب السجن قال له: أنا أحبك فقال: أنشدك الله ~~أن تحبني - يعني: أن لا تحبني - فإن من أحبني يوقعني في البلاء، أحبتني ~~عمتي فوقعت في بلاء، وأحبني والدي فألقيت في الجب، وأحبتني امرأة العزيز ~~فحبست. وروي أن صاحبي الملك قالا له هذه المقالة فأجابهما بهذا. # قوله: * (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا) روي أنه قال لصاحب ~~الشراب: أما تأويل رؤياك: فإنك تدعى بعد ثلاثة أيام وترد إلى منزلتك من ~~الملك. # وقوله: * (وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه) قال: وأما أنت يا صاحب ~~الطعام فتدعى بعد ثلاثة أيام وتصلب وتأكل الطير من رأسك؛ فروي أنهما جميعا ~~قالا: كذبنا ما رأينا شيئا، فقال: * (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) يعني: ~~فرغ من الأمر وما قلت كائن؛ رأيتما أو لم ترياه. وقال أبو مجلز: الذي قال ~~له: أنا لم أر شيئا هو صاحب الطعام خاصة. وقد روي أنهما قد رأيا ما قالا ~~حقيقة. قوله: * (قضي الأمر) تتميم الكلام. PageV03P032 # * (فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) وقال ~~للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في ~~السجن بضع سنين) * * قوله تعالى: * (وقال للذي ظن أنه ناج منهما) معناه: ~~أنه (أيقن) أنه ناج منهما * (اذكرني عند ربك) أي: عند سيدك، فروي أنه قال ~~له: قل للملك: # إن في ms0729 السجن رجلا مظلوما قد طال حبسه. وقوله: * (فأنساه الشيطان ذكر ربه) ~~الأكثرون: معناه: فأنسى يوسف الشيطان ذكر ربه حتى استغاث بمخلوق مثله، وهذا ~~قول ابن عباس وغيره. # والقول الثاني: أن الشيطان أنسى الرجل الذي خلي من السجن ذكر يوسف لسيده. # وقوله: * (فلبث في السجن بضع سنين) الأكثرون: على أن بضع سنين هاهنا: سبع ~~سنين وقد كان لبث من قبل خمس سنين؛ فمكث فيه [اثنتي عشرة] سنة. وقال ~~الأخفش: البضع: من الواحد إلى العشرة، وقيل: من ثلاث إلى التسع؛ فروي: أن ~~الله تعالى بعث جبريل إليه، فقال له: قل يا يوسف من حببك إلى أبيك؟ فقال: ~~أنت يا رب، فقال: من خلصك من الجب؟ قال: أنت يا رب، قال: من صرف عنك السوء ~~والفحشاء؟ قال: أنت يا رب، قال: فما استحييت مني أن استعنت بمخلوق؟! وعزتي ~~لأطيلن مكثك في السجن. وروي أنه قال: يا رب بحق آبائي اغفر لي ذنبي، فجاء ~~جبريل وقال له: وأي حق لآبائك علي؟! أما جدك إبراهيم: فقد جعلت النار عليه ~~بردا وسلاما، وأما إسماعيل: ففديته بكبش عظيم، وأما أبوك يعقوب: (فأعطيته) ~~اثني عشر ابنا وأخذت منهم واحدا، فما زال يبكي حتى ابيضت عيناه وجعل ~~يشكوني، فقال يوسف: إلهي بمنك القديم وفضلك العظيم وأياديك الكثيرة اغفر لي ~~ذنبي، فغفر له. وروي عن الحسن البصري أنه قال: دخل جبريل على PageV03P033 # (* (42) وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرؤيا تعبرون (43) ~~قالوا) * * يوسف عليهما السلام في السجن، فقال له: يوسف، يا أخ المنذرين ما ~~تعمل بين المذنبين؟ فقال [له] جبريل: يا طيب ابن الطيبين يقول لك ربك: أما ~~(استحييت) مني أن استعنت بمخلوق مثلك؟! وعزتي لأطيلن حبسك، فقال له يوسف ~~عليه السلام: أهو راض عني؟ فقال: نعم. فقال: إذا لا أبالي. وروي أنه قال ~~لجبريل: ما بلغ حزن أبي يعقوب؟ فقال: حزن سبعين ثكلى، فقال: وكيف أجره؟ ~~فقال: أجر مائة شهيد. # قوله تعالى: * (وقال ms0730 الملك إني أرى سبع بقرات سمان [يأكلهن سبع عجاف]) ~~الملك هاهنا: ملك مصر، والملك هو القادر الواسع المقدور فيما يرجع إلى ~~السياسة والتدبير. وقوله: * (إني أرى) معناه: إني أرى في المنام. وقوله: * ~~(بقرات): البقر: حيوان معروف يصلح للكراب، ومنه (المثل): الكراب على البقر؛ ~~لأنه أقوم به. # وقوله: * (سمان) معلوم المعنى. # وروي أن الملك رأى سبع بقرات سمان خرجن من البحر كأسمن ما يكون من البقر، ~~ثم خرج عقيبه سبع بقرات عجاف في غاية الهزال والعجف، ثم إن العجاف ابتلعت ~~السمان وأكلتها حتى لم يتبين على العجاف منها شيء، ثم رأى [* (وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات) أي:] سبع سنبلات يابسة التوت على الخضر حتى غلبت عليها ~~فلم يبق من خضرتها شيء. وقوله: * (يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم ~~للرؤيا تعبرون) الرؤيا (هو) ما يتخيله الإنسان في المنام، وقد بينا أن ~~النبي قال في الرؤيا الصادقة: ' تلك عاجل بشرى المؤمن ' وروي عن النبي أنه ~~قال: PageV03P034 # * (أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) وقال الذي نجا منهما ~~وادكر) * * ' إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ' وله معنيان: ~~أحدهما: أن تقارب الزمان هو استواء الليل والنهار؛ والطباع عند استواء ~~الليل والنهار أصح؛ فالرؤيا أصدق. والمعنى الثاني: أن تقارب الزمان هو ~~تقارب الساعة. وقد روي في بدء وحي النبي: ' أنه كان إذا رأى الرؤيا جاءت ~~مثل فلق الصبح '. # وقوله: * (إن كنتم للرؤيا تعبرون) يقال: عبرت الرؤيا: إذا فسرتها، ~~والتعبير هو التفسير هاهنا. # قوله تعالى * (قالوا أضغاث أحلام) الضغث: كل ما قبض عليه من الأخلاط من ~~الحشيش وغيره. ومعنى الآية: روي عن قتادة أنه قال: أضغاث أحلام أي: أخلاط ~~أحلام. وعن مجاهد قال: أهاويل أحلام، وقيل: أباطيل أحلام. وقوله: * (وما ~~نحن بتأويل الأحلام بعالمين) (ومعناه): وما نحن بتأويل الأحلام (التي) ~~وصفتها هذه بعالمين. # قوله: * (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة) أي: مدة، [و] في القصة: أن ~~الملك جمع السحرة والكهنة والمعبرين وقص عليهم رؤياه، فلما عجزوا عن ~~تعبيرها اهتم هما شديدا، فتذكر ms0731 الغلام الساقي حال يوسف عليه السلام، وقد ~~كان فجىء بقوله، فجثى بين يدي الملك وقال: إن في السجن رجلا محبوسا وهو ~~يعبر الرؤيا، وذكر قصته؛ فهذا معنى قوله: * (وقال الذي نجا منهما واذكر بعد ~~أمة) والأمة هاهنا بمعنى الحين؛ وقد بينا أنه حبس سبع سنين بعد ما عبر رؤيا ~~صاحب الملك. وعن وهب PageV03P035 # * (بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يوسف أيها الصديق أفتنا في ~~سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى ~~الناس لعلهم يعلمون (46) قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في ~~سنبله إلا قليلا) * * بن منبه قال: مكث يوسف في السجن سبع سنين، ومكث أيوب ~~في البلاء سبع سنين. وقرئ في الشاذ: ' وادكر بعد أمة ' بالهاء؛ ومعناه: بعد ~~نسيان. وقوله: * (أنا أنبئكم بتأويله) معناه: أنا آتيكم بتأويله * ~~(فأرسلون) يعني: أرسلني أيها الملك إليه. # وقوله: * (يوسف أيها الصديق) في الآية اختصار، ومعناه: أن الملك أرسله ~~إلى يوسف، وهو قال: يوسف أيها الصديق، والصديق: (الكثير للصدق). وقوله: * ~~(أفتنا) معناه: أجبنا * (في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات) هذا ذكر تقصيص الرجل رؤيا الملك على يوسف. # وقوله: * (لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون) فيه قولان: أحدهما: لعلي ~~أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون تأويل الرؤيا. والثاني [معناه]: لعلي أرجع إلى ~~الناس لعلهم يعلمون منزلتك ودرجتك في العلم. # قوله تعالى: * (قال تزرعون سبع سنين دأبا) هذا خبر بمعنى الأمر؛ ومعناه: ~~ازرعوا سبع سنين، يعني: على عادتكم؛ والدأب: العادة. وقوله * (فما حصدتم) ~~الحصاد معلوم. وقوله: * (فذروه في سنبله) أمرهم أن يتركوا الحنطة في ~~السنابل ليكون أبقى على الزمان. وقوله: * (إلا قليلا مما تأكلون) يعني: مما ~~تدرسون وتأكلون؛ فكأنه أمرهم أن يحفظوا الأكثر ويأكلوا بقدر الحاجة. # وقوله: * (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن) سمى السنين المجدبة شدادا ~~لشدتها على الناس. وقوله: * (يأكلن ما قدمتم لهن) معناه: (يفنين) ويهلكن ~~PageV03P036 # * (مما تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن ms0732 إلا ~~قليلا مما تحصنون (48) ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ~~(49) وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما ~~بال النسوة اللاتي) * * ما قدمتم لهن، وهذا على طريق التوسع والمجاز؛ فإن ~~السنين لا تأكل شيئا، وإن القوم في السنين يأكلون. وقوله: * (إلا قليلا مما ~~تحصنون) يعني: تحرزون؛ ومعناه: تحرزون للبذر. # وقوله: * (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس) الغياث هاهنا: هو ~~الخصب والسعة. وقوله * (وفيه يعصرون) قرىء بقراءتين: ' يعصرون ' و ' تعصرون ~~' ومعناه: يعصرون الزيت من الزيتون، ومن العنب العصير، ومن السمسم الدهن. ~~هذا قول ابن عباس ومجاهد. # وقيل: يعصرون: ينجون. قال الشاعر: # (وصاديا يستغيث غير مغاث * ولقد كان عصرة المنجود) ولقد كان عصرة المنجود ~~يعني: المنجاة. وقيل: يعصرون: ينزل عليهم المطر من السحاب، قال الله تعالى ~~* (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا). # قوله تعالى * (وقال الملك ائتوني به) في الآية اختصار أيضا فإن الرجل رجع ~~إلى الملك وقص عليه تأويل الرؤيا ثم قال الملك: ائتوني به. وقوله: (* (فلما ~~جاءه الرسول قال) * ارجع إلى ربك) إلى سيدك * (فاسأله ما بال النسوة ~~اللاتي) أي: ما حال النسوة اللاتي * (قطعن أيديهن) على ما بينا من قبل، ولم ~~يصرح بذكر امرأة العزيز أدبا واحتراما. وقوله: * (إن ربي بكيدهن عليم) أي: ~~بحيلهن ومكرهن عليم. # واعلم أنه قد صح عن النبي أنه قال: ' لو لبثت في السجن مثل ما لبث يوسف ~~ثم جاءني الداعي لأجبت ' وفي بعض الروايات أن النبي قال: ' رحم الله أخي ~~يوسف؛ لقد كان ذا حلم وأناة، ولو كنت مكانه ثم دعيت لبادرت '. PageV03P037 # * (قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن ~~نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق ~~أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51) ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ~~وأن الله لا يهدي) * * فإن قيل: أيش قصد يوسف عليه السلام من رد الرسول ~~وذكر النسوة، وقد مضى على ms0733 ذلك الزمان الطويل؟ # الجواب: المراد أنه أن لا ينظر إليه الملك بعين التهمة ويصير إليه وقد ~~زال الشكوك عن أمره فقال ما قال هذا. # قوله (تعالى) * (قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف) روي أن الملك بعث إلى ~~النسوة وفيهن امرأة العزيز فدعا بهن وقال لهن هذه المقالة، وقوله: * (ما ~~خطبكن) أي: ما (حالكن)؟ وقيل: ما أمركن؟ وقوله: * (إذ راودتن يوسف عن نفسه) ~~خاطبهن بهذه المقالة، والمراد: امرأة العزيز خاصة، وقيل: إن امرأة العزيز ~~راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بالطاعة لها؛ فلهذا قال: إذ راودتن يوسف ~~عن نفسه. وقوله: * (قلن حاش لله) معاذ الله * (ما علمنا عليه من سوء) يعني: ~~ما علمنا عليه من تهمة ولا خيانة. وقوله: * (قالت امرأة العزيز الآن حصحص ~~الحق أنا راودته عن نفسه) وفي القصة: أن النسوة لما أخبرن ببراءة يوسف عما ~~قرن به أقبلن على امرأة العزيز يقرونها. وروي أنها خافت أن يقبلن عليها ~~ويشهدن عليها فأقرت وقالت: الآن حصحص الحق. معناه: تبين الحق. وقيل: معناه: ~~الآن ظهر الأمر بعد الانكتام. قال الشاعر: # (ألا مبلغ عني خداشا بأنه * كذوب إذا ما حصحص الحق ظالم) * (أنا راودته ~~عن نفسه) ظاهر المعنى. # قوله: * (وإنه لمن الصادقين) قوله تعالى: * (ذلك ليعلم) اختلفوا على أن ~~هذا قول من؟ الأكثرون أنه قول يوسف؛ ومعناه: ذلك ليعلم العزيز * (أني لم ~~أخنه بالغيب PageV03P038 # * (كيد الخائنين (52) وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ~~ربي إن ربي غفور رحيم (53) وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه ~~قال إنك اليوم) * * وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) ومعناه: إنه لا يوضح ~~ولا يرشد كيد الخائنين. فإن قال قائل: كيف دخل قول يوسف في وسط هذا الكلام، ~~وإنما المذكور كلام جرى بين الملك والنسوة؟! # قلنا: اعتراض كلام آخر بين كلام. جائز على لغة العرب؛ قال الله تعالى في ~~قصة سليمان حكاية عن بلقيس: * (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون) كلام الله تعالى اعتراض في الوسط ms0734 ~~ومنهم من قال: وفي [الآية] تقدير من التقديم والتأخير، معناه: ارجع إلى ربك ~~فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم؛ ذلك ليعلم ~~أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، ثم يرتب على هذا في ~~المعنى قوله: * (ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه). # قوله تعالى: * (وما أبرىء نفسي) الآية. روي: ' أن جبريل عليه السلام قال ~~ليوسف حين قال: ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب. [فقال له]: ولا حين هممت '. ~~وروي أنه قال: حين حللت التكة. فقال يوسف: (وما أبرىء نفسي) * (إن النفس ~~لأمارة بالسوء) يعني: إن النفس كثيرة الأمر بالسوء: السوء هاهنا هو ~~المعصية. وقوله: * (إلا ما رحم ربي) قيل: إلا من رحم ربي، وفيه معنيان؛ ~~أحدهما: أنه أشار إلى حالة العصمة عند رؤية البرهان. والقول الثاني: إلا من ~~رحم ربي: هم الملائكة؛ فإن الله تعالى لم يركب فيهم الشهوة وخلقهم على ~~العصمة من الهم وغيره. PageV03P039 # * (لدينا مكين أمين (54) قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) ~~وكذلك) وقوله: * (إن ربي غفور رحيم) ظاهر. # قوله تعالى: * (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي) معناه: أجعله خاصا ~~لنفسي لا يشركني فيه أحد * (فلما كلمه) في الآية اختصار أيضا فروي أنه ذهب ~~الرسول ودعاه فقام واغتسل ولبس ثيابا (نضافا) وجاء إلى الملك. وقوله: * ~~(فلما كلمه) في القصة أن الملك طلب منه أن يعيد تعبير الرؤيا ليسمع منه ~~شفاها، فقص عليه، فهذا معنى قوله: * (فلما كلمه) وقيل: إن الملك كان يعلم ~~سبعين لغة من لغات الناس فكلم يوسف بتلك اللغات فأجابه يوسف بها كلها وزاد ~~(لسان) العبرية والعربية ولم يكن الملك يعلم ذلك، فقال: * (إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين) والمكانة: هي الجاه والحشمة والدرجة الرفيعة، وقوله: * (أمين) ~~أي: صادق. # قوله تعالى: * (قال اجعلني على خزائن الأرض) اختلفوا أن يوسف عليه السلام ~~لم طلب هذا؟ قال (بعضهم): إنما طلب ذلك لأنه عرف أن ذلك؛ وصله إلى وصول ~~أهله إليه من أبيه وإخوته وغيرهم، ومنهم من قال: إنما طلب ms0735 ذلك لأنه عرف أنه ~~أقوم الناس بالقيام بمصالح الناس في السنين الشداد، فطلب لهذا المعنى. # وقوله: * (اجعلني على خزائن الأرض) الأرض هاهنا: أرض مصر، والخزائن: هي ~~خزائن الطعام والأموال. وقال ربيع بن أنس: ' اجعلني على خزائن الأرض ' أي: ~~على خراج مصر ودخلها. # * (إني حفيظ عليم) أي: حفيظ للخزائن، عليم بوجوه مصالحها. وفي بعض ~~التفاسير: ' إني حفيظ عليم ' أي: كاتب حاسب. فإن قيل: هل يجوز أن يتولى ~~المسلم من يد كافر عملا؟ # قلنا قد قالوا: إنه إذا علم أن الكافر يخليه والعمل بالحق يجوز أن يتولى. ~~وقد PageV03P040 # * (مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا ~~نضيع أجر) * * روي أن ملك مصر لم يكن طاغيا ظالما، وإنما كان رجلا عفيفا في ~~دينه، وإنما الطاغي الظالم كان فرعون موسى. وفي القصة: أن الملك مكث سنة لا ~~يوليه ثم ولاه. وفي بعض الغرائب من الأخبار برواية أنس عن النبي: ' أن يوسف ~~لو لم يطلب يوليه في الحال، ولكنه لما طلب أخر الملك سنة '. فإن قال قائل: ~~أيجوز للإنسان أن يزكي نفسه وقد قال يوسف عليه السلام: ' إني حفيظ عليم '؟ # قلنا: يجوز إذا كان في ذلك مصلحة عامة. وقيل: إنه يجوز (إذا عرف أنه) لا ~~يلحقه بذلك آفة وأمن العجب على نفسه. وعن بعض الأئمة: لا يضر المدح من عرف ~~نفسه. وقد قال عليه السلام: ' أنا سيد ولد آدم ولا فخر ' والخبر بطوله. # قوله تعالى: * (وكذلك مكنا) روي أن الملك ولاه ما طلب بعد سنة وتوجه بتاج ~~مرصع بجواهر وأجلسه على سرير الذهب واعتزل الأمر كله، وفوض إليه، ودانت له ~~الملوك وسمي بالعزيز. وفي القصة أيضا أن امرأة العزيز مات زوجها فزوجها ~~الملك من يوسف - عليه السلام - وولدت له ولدين. وفي بعض الروايات: أنها ~~وقفت على طريق يوسف عليه السلام ونادت: سبحان من جعل الملوك عبيدا ~~بمعصيتهم، وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم. # قوله تعالى: * ([مكنا]) ومعناه: ملكنا وبسطنا * (ليوسف في الأرض) يعني: ~~أرض مصر * (يتبوأ منها حيث يشاء) أي: ينزل منها ms0736 حيث يشاء * (نصيب ~~PageV03P041 # * (المحسنين (56) ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) وجاء ~~إخوة يوسف) * * برحمتنا) معناه: (نصيب بنعمتنا) * (من نشاء ولا نضيع أجر ~~المحسنين) ظاهر المعنى. # قوله: * (ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا) معناه: ثواب الآخرة خير للذين ~~آمنوا. وقوله: * (وكانوا يتقون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه) قال أصحاب الأخبار: لما نصب ~~الملك يوسف - عليه السلام - للقيام بالأمر، وتدبير مال مصر دبر في جمع ~~الطعام أحسن التدبير بنى الحصون والبيوت الكبيرة، وجمع فيها طعاما للسنين ~~المجدبة، وأنفق منها بالمعروف حتى مضت السنون المخصبة ودخلت سنون القحط، ~~فروي أنه كان دبر في [طعام] الملك وحاشيته مرة واحدة وهو نصف النهار، فكلما ~~دخلت سنة القحط كان أول من أخذ الجوع هو الملك فنادى بنصف الليل: يا يوسف، ~~الجوع، الجوع. وفي بعض الأخبار أنه كان يقدر لكل اثنين طعام اثنين وكان ~~يقدم جميعه بين يدي الواحد فلا يأكل إلا نصفه، فلما دخلت سنة القحط (قدم ~~طعام اثنين بين يدي واحد فقدم فأكل جميعه وطلب زيادة فعرف يوسف عليه السلام ~~أنه دخلت سنة القحط)، والله أعلم. قالوا: ودخلت السنة الأولى بهول وشدة لم ~~يعهد الناس مثله، وكان كلما جاءت سنة أخرى كانت أهول وأشد، فلما كانت السنة ~~الثانية وصل القحط إلى كنعان - وهو منزل يعقوب وأولاده - فاحتاجوا إلى ~~الطعام حاجة شديدة فدعا بنيه وقال لهم: بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع ~~الطعام فتجهزوا واذهبوا إليه لتشتروا منه الطعام، قال: فأرسلهم وهم عشرة ~~نفر وحبس [ابنه بنيامين] عنده فقدموا مصر، فهذا معنى قوله: * (وجاء إخوة ~~يوسف). وقوله: * (فعرفهم) PageV03P042 # * (فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني ~~بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (59) فإن لم) ~~* * قال ابن عباس ومجاهد: عرفهم بأول ما نظر إليهم، وقال الحسن: لم يعرفهم ~~حتى تعرفوا إليه. ومعنى الآية: فعرفهم بالتعريف؛ والمعرفة: تبين الشيء بما ~~لو شوهد لميز بينه وبين غيره. وقوله: * (وهم له منكرون) يعني: أنهم لم ~~يعرفوه؛ والإنكار ms0737 إبطال المعرفة بالقول، فإن قال قائل، كيف عرفهم ولم ~~[يعرفوه] وهم إخوة؟! # والجواب من وجوه: قال عطاء بن أبي رباح: كان عليه تاج الملك وكان قاعدا ~~على سرير الملك فلم يعرفوه. وذكر الكلبي أنه كان على زي ملوك مصر والأعاجم. # والقول الثاني: أنه كلمهم من وراء ستر فلم يعرفوه لهذا وعرفهم؛ لأنه ~~أبصرهم ولم يعرفوه؛ لأنهم لم يبصروه، وهذا أضعف الأقوال. # والقول الثالث: أنهم كانوا تركوه صغيرا، وكان بين أن باعوه وبين أن دخلوا ~~عليه أربعون سنة فلم يعرفوه لهذا. وهذا قول حسن. وأما هو فكان تركهم رجالا. # والقول الرابع: أن يوسف كان يتوقع قدومهم عليه فلما [جاءوا] عرفهم، وأما ~~الإخوة ما ظنوا أنه يصل إلى ما وصل إليه [فأنكروه] لهذا. # قوله * (ولما جهزهم بجهازهم) الآية، الجهاز: هو فاخر المتاع الذي ينقل من ~~بلد إلى بلد؛ ومعنى التجهيز هاهنا: هو أنه باع منهم الطعام وسلمه إليهم ~~وسهل لهم الرجوع إلى بلدهم. # وقوله: * (قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم) في القصة: أنهم لما دخلوا عليه ~~خلا بهم في البيت وقال: إني استربت بحالكم فأخبروني من أنتم؟ فقالوا: نحن ~~بنو رجل صديق، فقال: ومن هو؟ قالوا: يعقوب، فاستخبرهم عن حاله، فذكروا أنه ~~كان له اثنا PageV03P043 # * (تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) قالوا سنراود عنه أباه ~~وإنا لفاعلون (61) وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها ~~إذا * * عشر ابنا وأنه هلك واحد منهم في البرية (وحبس) واحدا وهو أخوه لأمه ~~ليستأنس به، فقال: أنا مستريب بكم، فإن كنتم صادقين فاحملوا ذلك الأخ معكم ~~لتزول الريبة عن حالكم. وقيل: إنه قال لهم لما قصت القصة عليه، قصتي مثل ~~قصتكم أيها القوم وقد فقدت أخا لي من أمي وأنا شديد الحزن عليه وقد نغص ~~فراقه علي ملكي فأحب أن تحملوه إلي لأشكو إليه حزني ويشكو إلي حزنه، فبهذا ~~الطريق قال: ائتوني بأخ لكم من أبيكم. # وفي بعض (التفاسير): أنهم ذكروا إيثار يعقوب بنيامين) و (أخاه) في المحبة ~~فأحب أن يرى بنيامين لينظر هل ms0738 هو موضع الإيثار؟ # وقوله: * (ألا ترون أني أوفي الكيل) يعني: أتم الكيل ولا أبخسه. وقوله: * ~~(وأنا خير المنزلين) قال مجاهد: أنا خير المضيفين، وكان قد أحسن ضيافتهم. # قوله تعالى: * (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي) قال الحسن: إن لم ~~تأتوني به فلا طعام لكم عندي إن جئتم. وقوله: * (ولا تقربون) أي: لا تقربوا ~~بلادي ولا داري. # قوله تعالى: * (قالوا سنراود عنه أباه) معناه: سنطلب إلى أبيه أن يرسله ~~معنا. وقوله: * (وإنا لفاعلون) أي: مجتهدون. # قوله: * (وقال لفتيته) قرىء بقراءتين: ' لفتيانه ' و ' لفتيته ' والفتى: ~~هو الشباب الكامل في القوة، والفتية والفتيان هاهنا: الغلمان. وقوله: * ~~(اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) يقال: إن بضاعتهم كانت دارهم حملوها لشراء ~~الطعام. وعن بعضهم: أن بضاعتهم كانت ثمانية جرب من سويق المقل. والأصح هو ~~الأول. وقوله: * (في رحالهم) الرحل هاهنا: وعاء المتاع. وقيل: في جواليقهم. ~~وقوله: * (لعلهم يعرفونها PageV03P044 # * (انقلوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62) فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا ~~أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون (63) قال هل ~~آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم ~~الراحمين (64)) * * إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) فيه قولان: ~~أحدهما: لعلهم يعرفون كرامتهم علينا، وإحساننا إليهم فيحملهم ذلك على ~~الرجوع. # والقول الثاني: لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم - يعني: البضاعة - ~~فيرجعون لرد البضاعة نفيا للغلط. واختلف القول في أنه لم رد بضاعتهم عليهم؟ # فأحد الأقوال: ما بينا، وهو أن يكون ذلك حثا لهم على الرجوع. والثاني: ~~أنه عرف أن الدراهم كانت قليلة عندهم فرد الدراهم عليهم ليكون عونا لهم على ~~شراء الطعام. والثالث: أنه استحيا أن يعطي أباه وإخوته بالثمن مع شدة ~~حاجتهم وسعة الأمر عليه. # قوله تعالى: * (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل) إن ~~لم نحمل أخانا معنا. والثاني: أنه كان أعطى باسم كل واحد منهم وقرا، ولم ~~يعط باسم بنيامين شيئا، وقال: احملوه لأعطي باسمه؛ فهذا معنى قوله: * (منع ~~منا الكيل) أي: منع ms0739 منا الكيل لبنيامين؛ والمعنى بالكيل هو الطعام؛ لأنه ~~يكال. وقوله: * (فأرسل معنا أخانا نكتل) أي: نكيل الطعام، وقيل: نكتل له. ~~وقوله: * (وإنا له لحافظون) ظاهر. # قوله تعالى: * (قال هل ءآمنكم عليه) الآية، معنى هذا: كيف آمنكم عليه وقد ~~فعلتم بيوسف ما فعلتم. وقوله: * (فالله خير حافظا) قرىء: ' حفظا ' و ' ~~حافظا ' ومعناه: حفظ الله خير من حفظكم، وحافظ الله خير من حافظكم. # قوله: * (وهو أرحم الراحمين) ظاهر. # قوله تعالى: * (ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم) يعني: ما ~~حملوا من الدراهم * (قالوا يا أبانا ما نبغي) فيه قولان: أحدهما: أي شيء ~~نطلب؟ على طريق الاستفهام؛ قاله قتادة. وحقيقته: أنهم ذكروا ليعقوب عليه ~~السلام إحسان الملك PageV03P045 # * (ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي ~~هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل ~~يسير (65) قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن ~~يحاط) * * إليهم وإكرامه إياهم، [وحثوه] بذلك على إرسال بنيامين، فلما ~~فتحوا المتاع ووجدوا البضاعة قالوا: # أي شيء نطلب بالكلام، هذا هو العيان في الإحسان والإكرام. # والقول الثاني: أن ' ما ' هاهنا للنفي؛ ومعناه: لا نطلب منك مالا لنشري ~~به الطعام * (هذه بضاعتنا ردت إلينا) هذا المال قد رد إلينا فنحمله ونشتري ~~به الطعام. والقول الأول أصح. # وقوله: * (ونمير أهلنا) يقال: مار أهله إذا حمل لهم الطعام من بلد إلى ~~بلد؛ والميرة: هو الطعام المحمول. وقوله: * (ونحفظ أخانا) يعني: مما تخاف ~~عليه. وقوله: * (ونزداد كيل بعير) قال مجاهد: البعير هاهنا: هو الحمار، ~~قال: هو لغة، وكانوا أصحاب حمر ولم يكن لهم إبل. والأصح أنه البعير ~~المعروف. وقوله: * (ونزداد) إنما قالوا هذا لأنه كان يعطى حمل بعير باسم كل ~~رجل ولا يزيد؛ فهذا معنى قوله: * (ونزداد كيل بعير). قوله: * (ذلك كيل ~~يسير) فيه معنيان: أحدهما: ذلك كيل قليل؛ يعني: ما حملناه قليل لا يكفينا ~~وأهلنا، فأرسل معنا أخانا [نكتل] ليكثر ما نحمله من الطعام. والمعنى ~~الثاني: ذلك كيل يسير أي: ms0740 هين على من يكتاله. # قوله تعالى: * (قال لن أرسله معكم) في القصة: أن الإخوة جهدوا أشد الجهد ~~وضاق الأمر على يعقوب وقومه في الطعام فلم يجد بدا من إرسال [بنيامين] معهم ~~فقال: * (لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله) الموثق: هو العهد المؤكد ~~بالقسم، وقيل: المؤكد بإشهاد الله على نفسه. وقوله: * (لتأتنني به إلا أن ~~يحاط بكم) فيه قولان، أحدهما: إلا أن تهلكوا جميعا. والآخر: إلا أن يأتيكم ~~أمر من السماء ليس لكم به قوة. PageV03P046 # * (بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) وقال يا بني لا ~~تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من) * * ~~وقوله: * (فلما آتوه موثقهم) يعني: أعطوه * (قال الله) تعالى * (على ما ~~نقول وكيل) قال يعقوب: الله على ما نقول وكيل؛ والوكيل هو القائم بالتدبير، ~~وقيل: وكيل أي: شاهد [وقيل: شهيد، أي: شاهد] وقيل: حفيظ. # قوله تعالى: * (وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد) أكثر المفسرين [على] ~~أنه خاف العين: لأنه كانوا أعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة، هذا قول ابن ~~عباس وغيره من المفسرين؛ والعين حق. وقد روي عن النبي أنه كان يعوذ الحسن ~~والحسين فيقول: (أعيذكما بكلمات الله [التامة] من كل شيطان [و] هامة، ومن ~~كل عين لامة ' (3). # وفي الباب أخبار كثيرة، وفي بعض الآثار. ' العين حق، تدخل الجمل القدر ~~والرجل القبر '. # وفي الآية قول آخر: وهو أنه خاف عليهم ملك مصر إذا رأى قوتهم واجتماعهم ~~أن يحبسهم أو يقتلهم. وحكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كان يرجو يعقوب أن ~~يروا يوسف ويجدوه فقال: * (وادخلوا من أبواب متفرقة) لعلكم (تجدون) يوسف ~~[أو] تلقونه. والصحيح هو الأول. # وقوله: * (وما أغنى عنكم من الله من شيء) معناه: إن كان الله قضى فيكم ~~[قضاء] فيصيبكم [قضاؤه] مجتمعين كنتم أو متفرقين؛ ومعنى ' أغنى ' ~~PageV03P047 # * (شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) ولما ~~دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة ms0741 في نفس ~~يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (68) ولما ~~دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما) * * أي: ~~أدفع. وفي الخبر: الحذر لا يرد القدر. وقوله: * (إن الحكم إلا لله) هذا ~~تفويض يعقوب عليه السلام أموره إلى الله؛ والحكم: هو الفصل بين الخصوم ~~بموجب العلم من البشر، ومن الله صنع بموجب الحكمة * (عليه توكلت) يعني: به ~~وثقت وعليه اعتمدت. # * (وعليه فليتوكل المتوكلون) معناه: وبه يثق الواثقون. # قوله تعالى: * (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم) يعني: من الأبواب ~~المتفرقة قيل: إن المدينة مدينة الفرما، و (كانت) لها أربعة أبواب، كانت ~~مدينة العريش. وقوله * (ما كان يغني عنهم من الله من شيء) معناه: ما كان ~~يدفع عنهم من الله من شيء، وهذا الحق تحقيق لما ذكره يعقوب من قوله: * (وما ~~أغنى عنكم من الله من شيء). وقوله: * (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) يعني: ~~إلا مرادا ليعقوب عليه السلام ذكره وجرى الأمر على ذلك. وقوله: * (وإنه لذو ~~علم لما علمناه) قال أهل التفسير: معناه: وأنه كان يعمل ما يعمل عن علم، لا ~~عن جهل. ومنهم من قال: وإنه لذو علم بسبب تعليمنا إياه * (ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون) لأنهم لم يسلكوا طريق العلم. # قوله: * (ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه) آوى إليه: ضم إليه، ومعناه: ~~أنزله مع نفسه. وفي القصة: أنه أنزل كل أخوين من أم بيتا، فبقي بنيامين ~~وحده فقال: انزل معي، وكان كل أخوين من أم على حدة. وقوله: * (قال إني أنا ~~أخوك) PageV03P048 # * (كانوا يعملون (69) فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن ~~مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون) * * ~~فيه قولان: أحدهما: أنه أسر إليه أنه أخوه. والآخر: أنه قال: أنا لك مكان ~~أخيك الهالك. ذكره وهب وغيره. وقوله: * (فلا تبتئس بما كانوا يعملون) ~~معناه: فلا تحزن بما عملوا مع أخيك، فإني لك بدل أخيك، فروي أنه قال له ~~بنيامين: ومن يجد ms0742 أخا مثلك أيها الملك؛ ولكنك لست من يعقوب؛ فحينئذ ذكر أنه ~~أخوه حقيقة. # قوله تعالى: * (فلما جهزهم بجهازهم) قد ذكرنا. وقوله: * (وجعل السقاية) ~~السقاية: هي الإناء الذي يشرب به. واختلفوا أنها من أيش كانت؟ قال ابن ~~عباس: كانت من زبرجد. وقال مجاهد: كانت من فضة مرصعة بالجوهر، وقيل: كان من ~~ذهب. وعن بعضهم: أنه كان (إناء) مستطيلا شبه المكوك وله رأسان وفي وسطه ~~مقبض، فكان يكال من أحد الرأسين ويشرب من (الرأس) الآخر، وكان لا يكال إلا ~~به لعزة الطعام، وكان يسمع لها صوت: قد كيل في كذا. # وقوله: * (في رحل أخيه) أي: في وعاء أخيه بين طعامه. وقوله: * (ثم أذن ~~مؤذن) روي أنه تركهم حتى ذهبوا منزلا، وقيل: حتى أصحروا وخرجوا من العمارة، ~~ثم بعث من خلفهم من استوقفهم وقال: * (أيتها العير إنكم لسارقون) والعير: ~~هم أصحاب الحمير. وقيل: قد يذكر ويراد به الإبل. فإن قال قائل: كيف استجاز ~~يوسف أن ينسبهم إلى السرقة ولم يسرقوا؟ # الجواب عنه من وجوه: أحدها معناه: إنكم لسارقو يوسف من أبيه، وعملتم كما ~~يعمل السراق. والثاني: أن الرجل قال من غير أمر يوسف، فإنه حين فقد الصاع ~~ظن أنهم سرقوا. والثالث: أن هذه هفوة من يوسف عليه السلام. وقد قالوا: إنه ~~عير ثلاث عيرات: الأولى: حين هم بامرأة العزيز إلى أن رأى البرهان، والثاني ~~حين قال للساقي: اذكرني عند ربك، والثالث: هذا؛ وهو أنه نسب إخوته إلى ~~السرقة. # والقول الأول أجود الأقاويل، ويقال: إنه كان واضع مع بنيامين، وقال ما ~~قال بالمواضعة، والله أعلم. PageV03P049 # (* (71) قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) ~~قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا ~~فما) * * قوله: * (قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون) روي أنهم وقفوا وقالوا ~~للقوم: ماذا تطلبون؟ # قوله: * (قالوا نفقد صواع الملك) قرأ يحيى بن يعمر: ' صوغ الملك ' بالغين ~~المعجمة [و] الصوغ من الذهب أو الفضة، والصواع يذكر ويؤنث، [و] الصواع: هو ~~السقاية التي ذكرها في الآية ms0743 الأولى. وقيل: إنه كان يكون بين يدي الملك، ~~فإذا احتيج إليه أخذ. # وقوله: * (ولمن جاء به حمل بعير) يعني: ولمن رده حمل بعير من الطعام. # وقوله: * (وأنا به زعيم) أي: كفيل، والزعيم والكفيل والضمين بمعنى واحد، ~~ويسمى الرئيس زعيما؛ لأنه كفل أمور القوم زعيم يقوم بمصالحهم ويتكلم عنهم. ~~فإن قيل: أتجوز الكفالة بالمجهول عندكم وهذه كفالة بالمجهول؟ قلنا: لا ~~تجوز، ويحتمل أن حمل البعير كان معلوما قدره عندهم. والثاني: أن هذه جعالة ~~ولم تكن كفالة، وعندنا تجوز مثل هذه الجعالة. # قوله تعالى: * (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض) يعني: ~~والله ما جئنا لنفسد في الأرض أي: لنسرق في ملك مصر * (وما كنا سارقين) في ~~بلادنا فنسرق في بلادكم. فإن قال قائل: كيف قالوا: لقد علمتم وكان (من ~~جوابهم) أن يقولوا: نحن لا نعلم؟ (قلنا): إنما قالوا ذلك؛ لأنهم كانوا ~~جماعة لهم قوة وشدة ولم يكونوا يظلمون أحدا من الطريق ولا يتركون دوابهم ~~تدخل في حرث أحد، وروي أنهم دخلوا مصر حين دخلوا وقد جعلوا الأكمة على رؤوس ~~دوابهم لئلا تفسد شيئا. # وجواب آخر: أنهم إنما قالوا هذا لأنهم ردوا البضاعة المحمولة في رحالهم ~~قالوا: فلو PageV03P050 # * (جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك ~~نجزي الظالمين (75) فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من) * * كنا ~~سارقين ما رددنا البضاعة؛ لأن من يطلب شيئا ليسرقه لا يخلي شيئا وقع في ~~يده. # فإن قيل: كيف جاز في العربية أن يقول القائل: (تالله، ولا يجوز أن يقول: ~~تالرحمن وتالرحيم)؟ قلنا: لأن التاء بدل الباء؛ فإن الأصل في القسم حرف ~~الباء ثم أبدلت الواو بالتاء فلما كانت بدل البدل ضعفت عن التصرف واقتصرت ~~على الاسم الذي هو الأصل في القسم عادة ولسانا وهو ' الله '. # قوله تعالى: * (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين) معناه: فما جزاء السارق ~~إن كنتم كاذبين بقولكم إنا لم نسرق؟ # قوله: * (قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه) استعباد السارق من وجد ~~في ms0744 رحله (فهذا) الجزاء جزاؤه؛ فيكون الثاني تأكيدا للأول. وفي الأول حذف ~~على عادة كلام العرب، والقول الثاني: قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فالسارق ~~جزاؤه؛ فهو كناية عن السارق، ومعنى جعله جزاء: أنه يسترق ويستعبد. واعلم ~~أنه كان من سنة يعقوب: أن من سرق شيئا استرق سنة، وكان حكم ملك مصر أن يضرب ~~ويغرم ضعفي قيمته، [فمراد] يوسف أن يحبس أخاه عنده فرد الحكم في السرقة ~~إليهم فذكروا من حكم السرقة بما عرفوه في شريعة يعقوب عليه السلام، فأخذ ~~يوسف عليه السلام بذلك وحصل مراده من حبس أخيه. # وقوله: * (كذلك نجزي الظالمين) يعني: أن إخوة يوسف قالوا: كذلك نجزي ~~السراق عندنا. # قوله تعالى: * (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه) ~~روي أن المؤذن فتش عن أوعيتهم، وروي أنه رد جماعتهم إلى يوسف - عليه السلام ~~- PageV03P051 # * (وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن ~~يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) قالوا إن يسرق) * * ~~فأمر بتفتيش أوعيتهم بين يديه. وفي القصة: أن ذلك الرجل كان كلما فتش وعاء ~~ولم يجد الصاع استغفر الله وأظهر التوبة فلما بقي رحل بنيامين قال: ما أظن ~~أن هذا أخذ شيئا قالوا: والله لا نتركك حتى تفتش وعاءه فتطيب أنفسنا ونفسك، ~~ففتش وعاءه واستخرج الصاع فبقوا منكسرين مستحيين ونكسوا رؤوسهم خجلا وقالوا ~~لبنيامين: ما هذا يا ابن راحيل؟! فقال: والله ما سرقت، فقالوا: كيف وقد وجد ~~الصاع في رحلك؟! فقال: وضع الصاع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم. قال: ~~وأخذوا بنيامين رقيقا عبدا. وفي القصة: أن ذلك الرجل أخذ برقبته ورده إلى ~~يوسف كما يرد السراق. وقوله: * (كذلك كدنا ليوسف) معناه: دبرنا ليوسف، ~~وقيل: صنعنا ليوسف. وقال ابن الأنباري: أردنا ليوسف؛ وأنشد قول الشاعر ~~(كادت وكدت وذاك خير إرادة * لو عاد من لهو الصبابة ما مضى) فإن قيل: ما ~~معنى قوله: * (كذلك) وأيش هذه الكاف، والكاف للتشبيه؟ الجواب عنه: أن هذا ~~منصرف إلى ms0745 قول يعقوب في أول السورة: * (فيكيدوا لك كيدا) وكان كيدهم: أنهم ~~أخذوه من أبيه بحيلة وألقوه في الجب فقال الله تعالى: كما كادوا في أمر ~~يوسف: * (كدنا ليوسف) في أمرهم؛ والكيد من الخلق هو: الحيلة، ومن الله: ~~التدبير بالحق. وقوله: * (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) معناه: ما كان ~~يوسف ليجازي أخاه في حكم الملك، وقيل: في عادة الملك. قال الشاعر: # (أقول وقد درأت لها وضيني * أهذا دينه أبدا وديني) و ' ما ' هاهنا للنفي. ~~وقوله: * (إلا أن يشاء الله) معناه: إلا بمشيئة الله يعني: فعل ما فعل ~~بمشيئة الله تعالى. وقوله: * (نرفع درجات من نشاء) قال هذا في هذا الموضع؛ ~~لأنه رفع درجة يوسف على درجتهم في العلم والملك والعقل وغيره. وقيل: ~~PageV03P052 # * (فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر ~~مكانا والله أعلم بما تصفون (77) قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا ~~كبيرا) * * نرفع درجات من نشاء بالتوفيق والعصمة. وقوله: * (وفوق كل ذي علم ~~عليم) قال ابن عباس: وفوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله. وقرأ ~~ابن مسعود: وفوق كل عالم عليم '. # قوله تعالى: * (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) أرادوا بأخيه من ~~قبل: يوسف - عليه السلام - واختلف القول في أنه أيش سرق؟ # قال سعيد بن جبير وقتادة: كان عند جده إلى أمه صورة تعبد فأخذها سرا ~~وألقاها لئلا تعبد. والقول الثاني: أنه كان يأخذ الطعام من مائدة أبيه سرا ~~فيعطيه المساكين. # والقول الثالث: أنه كان عند عمته تربيه، فأراد يعقوب أن ينتزعه منها فشدت ~~عمته تحت ثيابه منطقة، وادعت أنه سرقها لتحبسه عند نفسها ويترك عندها؛ ~~فإنها كرهت أن يؤخذ منها وكانت أحبته حبا شديدا، ذكره ابن إسحاق. # وقوله: * (فأسرها يوسف في نفسه) فإن قال قائل: إلى أين يرجع قوله: * ~~(فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم)؟ قلنا: ليس لهذا مذكور سابق، ومعناه: ~~أسر الكلمة في نفسه، وتلك الكلمة أنه قال: * (أنتم شر ms0746 مكانا)، ولم يصرح ~~بهذا القول. وقوله: * (شر مكانا) يعني: شر صنيعا. وحقيقة معناه: أنه لم يكن ~~من يوسف سرقة صحيحة، وقد كانت منكم سرقة صحيحة؛ وهو سرقتكم يوسف من أبيه. # وقوله: * (والله أعلم بما تصفون) يعني: والله أعلم أن أخاه قد سرق أو لم ~~يسرق قوله تعالى: * (قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا) في القصة: ~~أنهم غضبوا غضبا شديدا لهذه الحالة، وكان يهوذا إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، ~~وإذا صاح [فكل] امرأة حامل سمعت صياحه ألقت ولدها، وكان مع هذا إذا مسه أحد ~~من PageV03P053 # * (فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين (78) قال معاذ الله أن نأخذ إلا ~~من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا ~~قال) * * ولد يعقوب [سكن] غضبه، وقيل: إن هذا كان صفة شمعون من أولاد ~~يعقوب؛ فروي أنه قال لإخوته: كم يكون من عدد الأسواق بمصر؟ فقالوا: عشرة ~~أسواق، فقال: اكفوني أنتم الأسواق وأنا أكفكم الملك، أو قال: اكفوني أنتم ~~الملك وأنا أكفكم الأسواق، قال: فدخلوا على يوسف فقال له يهوذا: أتردن ~~علينا أخانا أو لأصيحن صيحة تلقي كل حامل ولدها في هذه البلدة، وكان عند ~~يوسف ابن له صغير قائم عنده فقال: اذهب وخذ بيد ذلك الرجل وائتني به، فذهب ~~وأخذ بيده فسكن غضبه، فقال لإخوته: والله إن هاهنا بذرا من بذر يعقوب، فقال ~~له الابن الصغير: ومن يعقوب وأنا لا أدري يعقوب ولا ولده؟. وروي أنه غضب ~~ثانيا فقام إليه يوسف وركضه برجله وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض وقال: معشر ~~العبرانيين تظنون أن لا أحد أشد منكم، ذكر هذا كله السدي وغيره، فلما صار ~~أمرهم إلى هذا خضعوا وذلوا وقالوا: * (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا ~~كبيرا). # والعز: منع الضيم أو الضير بسعة السلطان والقدرة، والعزيز: هو المنيع بما ~~حصل له من واسع المقدور. # قوله: * (إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه) معناه: خذ أحدنا بدله، ~~ونصب شيخا على نعت قوله: * (أبا). # وقوله: * (إنا نراك ms0747 من المحسنين) يعني: إنا نراك من المحسنين إلينا، ~~وإحسانه إليهم بتوفية الكيل، وحسن الضيافة، ورد البضاعة، وغيره. # قوله تعالى: * (قال معاذ الله) أعتصم بالله * (أن نأخذ إلا من وجدنا ~~متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) معلوم المعنى، ومعناه: أن نأخذ البرىء بدل ~~الجاني، فإن أخذنا فإنا ظالمون. # قوله تعالى: * (فلما استيأسوا منه) في القصة: أنه لما استخرج الصاع وعاد ~~الإخوة إليه دعا بالصاع ونقره بقضيب في يده فطن الصاع. PageV03P054 # * (كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما ~~فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير) * ~~* فقال: يا قوم إن هذا الصاع ليخبرني بخبر، قالوا: وما يخبرك أيها الملك؟ ~~فقال: إنه يخبرني أنكم كنتم (اثنى) عشر إخوة وأنكم أخذتم أخا لكم من أبيكم ~~وألقيتموه في الجب وبعتموه من بعد، قال: فجعل ينظر بعضهم إلى بعض فقام ~~بنيامين وسجد له، وقال: صدق صاعك (أيها الملك)، سله: أحي أخي أو لا؟، فنقر ~~الصاع ثانيا وطن فقال: إنه يقول: هو حي، وستراه. فقال: سله من سرق الصاع؟ ~~فقال: هو غضبان - يعني الصاع - ويقول كيف تسألني وقد رأيت في يد من كنت؟! ~~أورده النقاش وأبو الحسن بن فارس وغيرهما، والله أعلم. # ومعنى قوله: * (فلما استيأسوا منه) أي: تيأسوا منه، وقال أبو عبيدة: ~~استيأسوا استيقنوا أن الأخ لا يرد إليهم، وأنشد: # (أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني * ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم) يعني: ألم ~~تعلموا. وقوله * (خلصوا نجيا) يعني: انفردوا يتناجون، ويتشاورون في أمر ~~أخيهم، ومعنى * (خلصوا): أنه لم يكن معهم غيرهم. تقول العرب: قوم نجى. قال ~~الشاعر: # (حتى إذا ما القوم كانوا أنجية * واختلطت أحوالهم كالأرشية) وقوله: * ~~(قال كبيرهم) قال ابن عباس: هو يهوذا ولم يكن أكبرهم في السن، ولكن كان في ~~العقل أكبرهم، وقال مجاهد: هو شمعون وكانت له الرئاسة على إخوته، وقال ~~قتادة: هو الروبيل وكان أكبرهم في السن. # وقوله: * (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله) ms0748 قد بينا معنى ~~الموثق. وقوله: * (ومن قبل ما فرطتم في يوسف) يعني: قصرتم وتركتم عهد ~~أبيكم. PageV03P055 # * (الحاكمين (80) ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما ~~شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (81) واسأل القربة التي كنا فيها ~~والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ~~فصبر) * * وقوله: * (فلن أبرح الأرض) يعني: لن أبرح أرض مصر * (حتى يأذن لي ~~أبي) يعني: يدعوني أبي * (أو يحكم الله لي) أي: يرد أخي إلي، وقيل: يحكم ~~الله لي بالسيف فأقاتلهم وأسترد أخي * (وهو خير الحاكمين) يعني: وهو خير ~~الفاصلين. # قوله تعالى: * (ارجعوا إلى أبيكم) الآية: امضوا إلى أبيكم * (فقولوا يا ~~أبانا إن ابنك سرق) وحكي عن ابن عباس أنه قرأ: ' أنه إن ابنك سرق ' وفيه ~~معنيان: أحدهما: اتهم بالسرقة. والآخر: علم منه السرقة. وقوله: * (وما ~~شهدنا إلا بما علمنا) يعني: إلا بما رأينا فإنا رأينا إخراج الصاع من ~~متاعه. وقوله: * (وما كنا للغيب حافظين) فيه قولان: أحدهما: ما كنا لليله ~~ونهاره وذهابه ومجيئه حافظين، وإنما كنا نعلم من حاله ما دام عندنا، والقول ~~الثاني يعني: أنا لو علمنا أنه سيسرق ما حملناه مع أنفسنا فنحن لم نعلم هذا ~~الغيب. # قوله تعالى: * (واسأل القرية التي كنا فيها) يعني: أهل القرية التي كنا ~~فيها. * (والعير التي أقبلنا فيها) يعني: وأهل العير التي أقبلنا فيها، أي: ~~كنا فيها. # وقوله: * (وإنا لصادقون) ظاهر. فإن قال قائل: كيف استجاز يوسف - عليه ~~السلام - أن يعمل كل هذا بأبيه ولم يخبره بمكانه ولم يرسل إليه أحدا، ثم ~~حبس أخاه عنده وقد عرف شدة وجده عليه، وهذا أعظم من كل عقوق، وفيه قطع ~~الرحم وقلة الشفقة؟ الجواب عنه: قد أكثر الناس في هذا، والصحيح أنه عمل ما ~~عمل بأمر الله تعالى، وأمره الله تعالى بذلك ليزيد في بلاء يعقوب ويضاعف له ~~الأجر، ويرفع درجته [فيلحقه] في الدرجة بآبائه الماضين. وقيل: إنه لم يظهر ~~نفسه للإخوة؛ لأنه لم يأمن عليهم أن يدبروا، في ذلك تدبيرا ويكتموا ms0749 عن ~~أبيهم، والصحيح هو الأول. # قوله تعالى: * (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا) في الآية اختصار؛ لأنهم ~~رجعوا PageV03P056 # * (جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العلم الحكيم (83) وتولى ~~عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84)) * * ~~وذكروا لأبيهم بما علمهم كبيرهم، ثم إن يعقوب قال ما قال، ومعنى التسويل ~~هاهنا: أن زينت لكم أنفسكم حمل أخيكم إلى مصر لتطلبوا نفعا عاجلا. # قوله تعالى: * (فصبر جميل) أي: فصبري صبر جميل. والصبر: حبس النفس عما ~~تنازع إليه النفس وقد بينا معنى الجميل. وقوله: * (عسى الله أن يأتيني بهم ~~جميعا) يعني: يوسف وأخاه بنيامين ويهوذا. وفي القصة: أن ملك الموت - عليه ~~السلام - زار يعقوب فقال له: أيها الملك الطيب ريحه، الحسن صورته هل قبضت ~~روح ولدي في الأرواح؟ فقال: لا. فسكن يعقوب على ذلك، وعلم أنه حي وطمع في ~~رؤيته. وقوله: * (إنه هو العليم الحكيم) معناه: العليم بمكانهم، الحكيم في ~~تدبيرهم. # قوله تعالى: * (وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف) الآية. روي أن بنيامين ~~لما حبسه يوسف اشتد الأمر على يعقوب غاية الشدة وبلغ الحزن [به نهايته]، ~~ولم يملك بعد ذلك الصبر، فجزع، فهذا معنى قوله: * (وتولى عنهم) أي: أعرض ~~عنهم * (وقال يا أسفى) وروى أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي: ' أن ~~بعض إخوان يعقوب زاره فقال له: يا يعقوب، ما الذي أعمى عينيك وقوس ظهرك؟ ~~فقال: أعمى عيني كثرة البكاء على يوسف، وقوس ظهري شدة الحزن على بنيامين، ~~فبعث الله تعالى إليه جبريل - عليه السلام - وقال: يا يعقوب أتشكوني إلى ~~خلقي؟! فبعد ذلك دخل بيته ورد بابه، و * (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى ~~الله) ' ومعنى PageV03P057 # * (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) ~~قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) يا بني) ~~* * قوله: * (يا أسفى) يا حزن على يوسف، والأسف: شدة الحزن. وقوله: * ~~(وابيضت عيناه من الحزن) يعني: غلب البياض على الحدقة وذهبت ms0750 الرؤية. ونسبه ~~إلى الحزن؛ لأنه كان يبكي لشدة الحزن وعمي لشدة البكاء. وقوله: * (فهو ~~كظيم) أي: ممسك على حزنه لا يبثه ولا يذكره للناس. فهذا بعد أن نهاه الله ~~عن ذلك على ما بينا. # قوله تعالى: * (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف) يعني: لا تزال تذكر يوسف، و ~~' لا ' محذوفة، وقوله: * (حتى تكون حرضا) قال ثعلب - أحمد بن يحيى - الحرض: ~~كل شيء لا ينتفع به، قال مجاهد: الحرض ما دون الموت، وقال الفراء: الحرض هو ~~الذي فسد جسمه وعقله، وقال أبو عبيدة: الحرض هو الذي أذابه الحزن. وقيل: هو ~~المدنف البال، والأقوال متقاربة. # وعن أنس بن مالك أنه قرأ: ' حتى تكون حرضا ' والحرض: الأشنان، ومعناه: ~~حتى تصير كعود [الأشنان]، وقوله: * (أو تكون من الهالكين) أي: من الميتين. # قوله تعالى: * (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون) قد بينا الخبر [الوارد] في هذا برواية أنس. والبث: الهم، * (وحزني ~~إلى الله)، وروى أنه قال: يا رب، أما ترحمني، قد أخذت مني كذا وكذا - وجعل ~~يعدد - رد إلي ريحانتي (فأشمها شمة ثم افعل) بي ما أردت ولا أبالي، فأوحى ~~الله - تعالى - إليه: أن اسكن وفرغ روعك فسأردهما إليك. وفي الآثار المسندة ~~عن الحسن البصري أنه قال: بكى يعقوب ثمانين سنة وما جف له دمع، ولم يكن على ~~وجه الأرض أحد أكرم على الله منه. قوله: * (وأعلم من الله ما لا تعلمون) ~~يعني: أعلم من حياة يوسف ما لا تعلمون، وقيل: أعلم من تحقيق رؤيا يوسف ما ~~لا تعلمون، فإن قال قائل: PageV03P058 # كيف بكى يعقوب كل هذا البكاء وحزن هذا الحزن، وهل أصيب إلا بفقد ولد ~~واحد، أفما كان عليه أن يسلم الأمر إلى الله تعالى ويصبر؟ الجواب عنه: أنه ~~امتحن في هذا بما لم يمتحن به غيره، ولم يسأل عن يوسف مع طول الزمان، وكان ~~[ابتلاؤه] فيه أنه لم يعلم حياته فيرجو رؤيته، ولم يعلم موته فيسأل عنه، ~~وكان يوسف من بين سائر الإخوة خص بالجمال الكامل (والعقل) ms0751 وحسن الخلق وسائر ~~ما يميل القلب إليه. وروي عن الحسن البصري أنه مات أخوه فبكى عليه بكاء ~~شديدا فسئل عن ذلك؟ فقال: سبحان من لم يجعل الحزن عارا على أهله، وقرأ قوله ~~تعالى: * (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله). وروى حبيب بن أبي ثابت قال: لما ~~كبر يعقوب وطال عليه الحزن سقط حاجباه على عينيه من الكبر فكان يرفعهما ~~بخرقة، فدخل عليه بعض جيرانه وقال: ما الذي بلغ بك ما بلغ ولم تبلغ سن أبيك ~~بعد؟ قال: طول الزمان وكثرة [الأحزان]، فبعث الله إليه جبريل - عليه السلام ~~- وقال: يا يعقوب، شكوتني إلى خلقي؟! فقال: خطيئة فاغفرها لي يا رب. فغفرها ~~الله له، وكان بعد ذلك إذا سئل عن حاله قال: ' إنما أشكو بثي وحزني إلى ~~الله ' وعن وهب بن منبه: أن الله تعالى أوحى إلى يعقوب - عليه السلام - ~~فقال: أتدري لم عاقبتك وفرقت بينك وبين ولدك؟ قال: يا رب لا، فقال: لأنك ~~ذبحت شاة وشويتها وقترت على جارك وأكلت ولم تطعمه؛ وقد روى أنس، عن النبي ~~قريبا من هذا أورده الحاكم أبو عبد الله. وفي خبر أنس: ' أن الله تعالى قال ~~ليعقوب: اتخذ طعاما وادع إليه المساكين، ففعل وكان بعد ذلك إذا تغد أمر من ~~ينادي: من أراد الغداء فليأت يعقوب، وإذا أفطر أمر من ينادي: من أراد أن ~~يفطر فليأت يعقوب، فكان يتغدى معه القوم الكثير، ويتعشى معه القوم الكثير ~~من المساكين '. # وفي القصة: أن سبب ابتلاء يعقوب أنه ذبح عجلا بين يدي أمها وهي تخور. وعن ~~عبد الله بن يزيد وابن أبي فروة: أن يعقوب - عليه السلام - كتب كتابا إلى ~~PageV03P059 # * (اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من ~~روح الله إلا القوم الكافرون (87) فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ~~مسنا) * * يوسف حين حبس بنيامين: بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل ~~الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى ملك مصر أما بعد: فإنا ~~أهل بيت (وكل) بنا البلاء، ms0752 أما جدي إبراهيم فشدت يداه ورجلاه وألقي في ~~النار فجعلهما الله عليه بردا وسلاما؛ وأما أبي إسحاق فشدت يداه ورجلاه ~~ووضع السكين على حلقه ففداه الله بكبش، وأما أنا فابتليت بفراق أحب أولادي ~~إلي وكنت أتسلى بأخيه من أمه وقد حبسته وزعمت أنه سرق، والله ما أنا بسارق ~~ولم ألد سارقا فإن رددته إلي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك. ~~فلما بلغ (إليه الكتاب) بكى بكاء شديدا وأظهر نفسه على ما يرد. # قوله تعالى: * (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف) التحسس: طلب الشيء ~~بالحاسة، ومعناه: اطلبوا وابحثوا عن خبر يوسف وأخيه. # وقوله: * (ولا تيأسوا من روح الله) في الشاذ قرىء: ' من روح الله ' (وعن ~~أبي بن كعب أنه قرأ: ' من رحمة الله ' والروح مأخوذ من الريح، وهو في ~~الحقيقة ما يستراح به. وقيل: من روح الله) أي: من فرج الله، قاله أبو عمرو ~~بن العلاء، وقيل: من رحمة الله، وقيل: من فضل الله. # وقوله: * (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: (* (فلما دخلوا عليه) قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا ~~الضر) يعني: الجوع والحاجة. وقوله: * (وجئنا ببضاعة مزجاة) قال ابن عباس: ~~كانت دراهمهم زيوفا في هذه الكرة، ولم تك تنفق في الطعام فهذا معنى ~~المزجاة، وعن مجاهد وقتادة: مزجاة: قليلة يسيرة، وقال مقاتل: كانت بضاعتهم ~~حبة الخضراء، وعن الكلبي قال: كانت بضاعتهم الحبال وخلق الغرائر، وقيل: ~~كانت سويق المقل. PageV03P060 # * (وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله ~~يجزي المتصدقين (88) قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ~~(89) قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه) * ~~* وقال (كعب: كانت عشرة دنانير. وقيل: كان متاع الأعراب من الصوف والأقط ~~وغيره. وقوله: * (فأوف لنا الكيل) معناه: أتم كما كنت تتم كل مرة. وقوله: * ~~(وتصدق علينا) أي: بما بين النافق والكاسد. وقيل: تصدق علينا بالتجوز. قال ~~الشاعر: # (تصدق علينا يا ابن عفان واحتسب * وأمر ms0753 علينا الأشعري لياليا) يعنون: أبا ~~موسى الأشعري، وقيل: وتصدق علينا بإطلاق أخينا، وعن مجاهد قال: يكره أن ~~يقول الرجل: اللهم تصدق علي؛ لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب. فإن ~~قال قائل: كيف قالوا: وتصدق علينا، والصدقة لا تحل للأنبياء؟ الجواب: أن ~~سفيان ابن عيينة قال: قد كانت حلالا لهم، ولأنا بينا أن المراد منه التجوز ~~والمحاباة، وهذا جائز بالاتفاق. وقوله: * (إن الله يجزي المتصدقين) لم ~~يقولوا: يجزيك؛ لأنهم لم يثقوا بإيمانه، فقالوا: إن الله يجزي المتصدقين ~~على الإطلاق لهذا. # قوله تعالى: * (قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه) روي أنهم [لما] قالوا ~~هذا وسمعه يوسف أدركته الرقة، فقال لهم هذا القول: هل [علمتم] ما فعلتم أي: ~~ما صنعتم بيوسف وأخيه، والذي فعلوا بأخيه هو التفريق بينهما ولم يذكر ما ~~فعلوا بيعقوب دفعا لحشمته وتعظيما له. وقوله: * (إذ أنتم جاهلون) معناه: إذ ~~أنتم آثمون عاصون، وعن ابن عباس قال: إذ أنتم صبيان، وعن الحسن قال: إذ ~~أنتم شبان ومعكم جهل الشبان، وفي القصة: أنه لما قال هذا القول تبسم فرأوا ~~ثناياه منظوما كاللؤلؤ فعرفوه وقالوا: * (أئنك لأنت يوسف) وقال بعضهم: ~~قالوا هذا على التوهم ولم يكونوا تيقنوا بعد حتى قال لهم: أنا يوسف. وقوله: ~~* (أنا يوسف وهذا أخي) PageV03P061 # * (من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) قالوا تالله لقد ~~آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله ~~لكم وهو أرحم الراحمين (92) اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت ~~بصيرا وأتوني بأهلكم) * * حكى الضحاك أن في قراءة ابن مسعود: ' وهذا أخي ~~بيني وبينه قربى '. وقوله: * (قد من الله علينا) أي: أنعم الله علينا * ~~(إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) معناه: من يتق عن ~~المعاصي ويصبر على الطاعات والمصائب. وعن إبراهيم النخعي قال: من يتق الزنا ~~ويصبر على العزوبة. # قوله تعالى: * (قالوا تالله لقد آثرك الله علينا) يعني: فضلك الله علينا ~~* (وإن كنا لخاطئين) وما كنا إلا خاطئين، وقيل: وقد كنا ms0754 خاطئين، والفرق بين ~~خطأ وأخطأ أن خطأ: خطأ إذا تعمد، وأخطأ: خطأ إذا كان غير متعمد. # قوله تعالى: * (قال لا تثريب عليكم اليوم) التثريب هو التعيير ذكره ثعلب ~~وغيره، وقيل: لا تثريب عليكم اليوم أي: لا عقوبة عليكم اليوم بعد اعترافكم ~~بالذنب، قال الشاعر: # (فعفوت عنكم عفو غير مثرب * وتركتكم لعقاب يوم سرمد) وقوله: * (اليوم ~~يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (اذهبوا بقميصي هذا) روي أن الله تعالى لما جعل النار على ~~إبراهيم بردا وسلاما أنزل عليه قميصا من حرير الجنة فأعطاه إبراهيم إسحاق، ~~وأعطاه إسحاق يعقوب فجعله يعقوب في (قصبة) وشد رأسها وعلقها في عنق يوسف - ~~عليه السلام - وكان يكون في عنقه، فلما كان هذا الوقت بعث الله جبريل - ~~عليه السلام - أن افتح القصبة: وابعث إليه بالقميص فإنه لا يمسه مبتلى إلا ~~عوفي، ولا سقيم إلا صح وبرأ، فبعث بذلك القميص إلى يعقوب، فهذا معنى قوله ~~تعالى: * (اذهبوا بقميصي هذا) وفي القصة أن يهوذا قال: أنا أذهب بالقميص ~~إليه فإني PageV03P062 # * (أجمعين (93) ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن ~~تفندون) * * ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إليه، فأعطاه وخرج حافيا [حاسرا] ~~يعدو ومعه سبعة أرغفة فلم يستوفها حتى بلغ كنعان، وقيل: إنه بعث على يد ~~غيره، [وقال]: * (فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا) قال الفراء: يرجع بصيرا، ~~وقال غيره: يعد بصيرا؛ قال الحسن: لم يعلم أنه يعود بصيرا إلا بعد أن أعلمه ~~الله ذلك. # وقوله: * (وأتوني بأهلكم أجمعين) أي: جيئوني بأهلكم أجمعين. # قوله تعالى: * (ولما فصلت العير) يعني: انفصلت من مصر وخرجت. قوله: * ~~(قال أبوهم إني لأجد) في القصة: أن ريح الصبا استأذنت من ربها أن تأتي بريح ~~يوسف إلى يعقوب - عليهما السلام - فهي التي جاءت بريح يوسف، والصبا: ريح ~~تأتي من قبل المشرق إذا هبت على الأبدان لينتها ونعمتها وطيبتها، وهيجت ~~الأشواق إلى الأحباب والحنين إلى الأوطان، قال الشاعر: # (أيا جبلي نعمان بالله خليا * سبيل الصبا يخلص إلى نسيمها) (فإن الصبا ~~ريح إذا ms0755 ما تنسمت * على قلب محزون تجلت همومها) وقد ثبت عن النبي أنه قال: ~~' نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ' وروي أن القميص لما نشر هاجت منه ريح ~~الجنة [فشمها] يعقوب - عليه السلام - فعلم أنها جاءت من قبل قميص يوسف؛ ~~لأنه لم يكن في الأرض شيء من الجنة سواه. # وقوله: * (لولا أن تفندون) معناه: لولا أن تضعفوا رأي، وقيل: لولا أن ~~تسفهوني، وقيل: لولا أن تنسبوني إلى الخوف والجهل. # قال الشاعر: PageV03P063 # * (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) فلما أن جاء البشير ألقاه على ~~وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون (96) ~~قالوا يا أبانا استغفر) * * (يا صاحبي دعا الملامة واقصرا * طال الهوى ~~وأطلتما التفنيدا) قوله تعالى: * (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) هذا ~~قول بني بنيه، فإن بنيه كانوا بمصر، ومعناه: تالله إنك لفي خطئك القديم، ~~والخطأ: هو الذهاب عن طريق الصواب؛ فإنه كان عندهم أن يوسف قد مات، وكانوا ~~يرون يعقوب قد لهج بذكره فإنه كان يخرج من بيته فيلقاه الرجل ومعه شيء ~~يحمله فيقول: ضعه واسمع مني حديثي، وكان يلقاه الخادم والجارية فيقول معه ~~مثل هذا القول؛ وكانوا يظنون به خرفا وخطأ عظيما، فهذا معني قولهم: إنك لفي ~~ضلالك القديم، وقيل: إنك لفي [شقائك] القديم، والشقاء هاهنا بمعنى التعب، ~~وقيل: في غفلتك القديمة، وقيل: في محبتك القديمة؛ قال الحسن البصري: فكان ~~هذا عقوقا (عظيما) منهم. # قوله تعالى: * (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه) ومعناه: ألقى القميص ~~على وجهه. وقوله: * (فارتد بصيرا) أي: عاد بصيرا ورجع بصيرا، فروي أنه عادت ~~قوته في الحال، وذهبت [الغشاوة] وزال البياض الذي كان بعينه، وفتح عينيه ~~كأحسن ما يكون، و * (قال) لبنيه وبني بنيه: * (ألم أقل لكم إني أعلم من ~~الله ما لا تعلمون) وهذا دليل على أنه قد كان قال لهم: إن يوسف حي، وإني ~~أرجو رؤيته. (وقيل): * (إني أعلم من الله ما لا تعلمون) يعني: من تحقيق ~~رؤيا يوسف ما لا تعلمون، وفي بعض الأخبار أنه ms0756 قال للبشير: ليس عندي شيء ~~أعطيك ولكن هون الله عليك سكرات الموت. وروي أنه لما جاءه خبر يوسف قال ~~للبشير: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت ~~النعمة. # قوله تعالى: * (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) هذا ~~دليل على أنهم عملوا ما عملوا وكانوا بالغين. PageV03P064 # * (لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور ~~الرحيم (98) فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء ~~الله آمنين) * * قوله تعالى: * (قال سوف أستغفر لكم ربي) روي عن عبد الله ~~بن مسعود - رضي الله عنه - وجماعة من التابعين أنهم قالوا: أخر الدعاء إلى ~~السحر وهو الوقت الذي يقول الله تعالى: هل من داع (فيستجاب) له؟ هل من سائل ~~فيعطى سؤله '؟ (الخبر) ' هل من مستغفر فيغفر له؟ ' والقول الثاني: أنه أخر ~~إلى ليلة الجمعة حكى هذا عن ابن عباس، وقد روي في بعض الأخبار مرفوعا إلى ~~النبي. وعن عطاء بن ميسرة الخراساني قال: الحاجة إلى الشباب أسرع إجابة من ~~الحاجة إلى الشيوخ، فإن يوسف - عليه السلام - قال: لا تثريب عليكم اليوم، ~~يغفر الله لكم ولم يؤخر، وحين طلبوا من يعقوب سوف وأخر. وفي القصة: أن ~~يعقوب كان يصلي من الليل ويقوم يوسف خلفه ويقوم بنوه خلف يوسف ويستغفرون ~~لهم هكذا عشرين سنة إلى أن نزل الوحي بمغفرتهم، وقوله: * (إنه هو الغفور ~~الرحيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى * (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه) روي أن يوسف بعث ~~بمائتي راحلة وجهاز كثير ليأتوا بيعقوب وقومه، قال مسروق: كانوا ثلاثة ~~وتسعين من بين رجل وامرأة، وروي: اثنان وسبعين وهو الأشهر. قال أهل ~~الأخبار: ولما خرج موسى ببني إسرائيل من مصر كان قد (بلغ) عددهم ستمائة ألف ~~مقاتل وسبعين ألفا، والذرية ألف ألف وسبعمائة ألف وكذا في القصة أنهم جاءوا ~~فلما قربوا من مصر PageV03P065 # * (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من ~~قبل) * * خرج يوسف ليلقاهم ms0757 مع الجند، وروي أنه حمل الملك الأكبر مع نفسه، ~~فلما وصلوا إلى يعقوب قالوا ليعقوب: هذا ابنك قد جاء، قال: فأراد يوسف أن ~~يبدأه بالسلام، فقال جبريل: لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام، فقال (يعقوب:) ~~السلام عليك يا مذهب الأحزان، وقد روي أنهما نزلا وتعانقا، وفي بعض القصص ~~أنهما مشيا فتقدمه يوسف بخطوة فجاء جبريل وقال له: أتتقدم على أبيك لا أخرج ~~من ذريتك نبيا أبدا، وفي بعض القصص: أن يوسف كان في أربعة آلاف من الجند، ~~وقد قيل غيره. وقوله: * (آوى إليه أبويه) أي: ضم إليه أبويه، والأكثرون أن ~~أبويه أي: أباه وخالته، وقال الحسن البصري: هو أبوه وأمه وقد كانت حية، وفي ~~بعض التفاسير: أن الله تعالى بعث أمه وأحياها حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر، ~~والله أعلم. # وقوله: * (وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) اختلفوا في [معنى] المشيئة ~~هاهنا، قال بعضهم: ادخلوا آمنين من الجواز * (إن شاء الله)، وقد كانوا لا ~~يدخلون قبل ذلك لمصر إلا بجواز، وقيل: في الآية تقديم وتأخير ومعناه: سوف ~~أستغفر لكم ربي إن شاء الله وقال: ادخلوا مصر آمنين. # قوله تعالى: * (ورفع أبويه على العرش) الرفع: هو النقل إلى العلو، وضده ~~الوضع، والعرش: سرير الملك، وقد روي عن النبي أنه قال: ' اهتز العرش لموت ~~سعد بن معاذ ' قيل: أراد به سريره (الذي حمل عليه وليس بشيء؛ لأن الكلام ~~خرج على وصف التكريم، ولا كرامة في اهتزاز سريره الذي حمل عليه)، وفي بعض ~~الروايات: ' اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ' فالعرش في هذا الخبر هو ~~العرش المعروف واهتزازه استبشاره لإقبال روح سعد بن معاذ. ويجوز أن يكون ~~المراد PageV03P066 # * (قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو ~~من بعد) * * بذكر العرش أهل العرش من الملائكة، والله أعلم. # وقوله: * (وخروا له سجدا) معناه: وقعوا له ساجدين، واختلفوا في هذه ~~السجدة فالأكثرون أنهم سجدوا له، [و] كانت السجدة سجدة المحبة لا سجدة ~~العبادة، وهو مثل سجود الملائكة لآدم ms0758 - عليه السلام - قال أهل العلم: وكان ~~ذلك جائز في الأمم السالفة، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك في هذه الشريعة وأبدل ~~بالسلام، وقال بعضهم: أنهم سجدوا لله لا ليوسف، وإنما خروا له سجدا؛ لأنه ~~كان قدامهم فحصل سجودهم إليه كما يسجد إلى المحراب والجدار، والصحيح هو ~~الأول، هكذا قاله أهل العلم، والدليل عليه أنه كان في رؤياه: * (إني رأت ~~أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)، فالشمس والقمر أبواه، وأحد ~~عشر كوكبا هم إخوته. # فإن قال قائل: كيف جاز السجود لغير الله؟ وإذا جاز السجود لغير الله فلم ~~لا تجوز العبادة لغير الله؟ والجواب: أن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية ~~التعظيم لا تجوز إلا لله؛ وأما السجود: نوع تذلل وخضوع بوضع الخد على الأرض ~~وهو دون العبادة، فلم يمتنع جوازه للبشر كالانحناء. # وقال بعضهم: * (وخروا له سجدا) السجود هاهنا هو الانحناء وعبر عنه ~~بالسجود، وأما حقيقة السجود فلم تكن. وأولى الأقاويل هو الأول والله أعلم. # قوله: * (وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل) [تفسير] رؤياي من قبل * ~~(قد جعلها ربي حقا) أي: صدقا * (وقد أحسن بي) أي: أنعم علي * (إذ أخرجني من ~~السجن) فإن قال قائل: كيف لم يقل: إذ أخرجني من الجب، وكانت المحنة عليه ~~والبلية في الجب أكثر منها في السجن؟ الجواب عنه: أنه أعرض عن ذكر ~~PageV03P067 # * (أن نزغ الشيطان يبني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم ~~الحكيم (100) رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر ~~السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ~~(101) ذلك من أنباء الغيب) * * الجب تكرما لأن لا يخجل الإخوة عنه، وكان قد ~~قال: * (لا تثريب عليكم اليوم) وفي إعادته تثريب وملامة، ولأن النعمة عليه ~~في الإخراج من السجن كانت أكثر؛ لأنه أخرج من الجب وجعل عبدا، وأخرج من ~~السجن وجعل ملكا. قوله: * (وجاء بكم من البدو) البدو: بسيط من الأرض يسكنه ~~أهل الماشية بماشيتهم، وقد كان يعقوب وأولاده أهل مواشي وعمد، والعمد: ~~الخيام، ms0759 فلهذا قال: وجاء بكم من البدو. وقوله: * (من بعد أن نزغ الشيطان) ~~معناه: من بعد أن أفسد الشيطان * (بيني وبين إخوتي) بالحسد. وقوله: * (إن ~~ربي لطيف لما يشاء) اللطيف هو: الرفيق، ويقال معنى الآية: إن ربي لطيف ~~(بمن) يشاء. وحقيقة اللطيف هو الذي يوصل الإحسان إلى غيره برفق. وقوله: * ~~(إنه هو العليم الحكيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (رب قد آتيتني من الملك) الملك هو: اتساع المقدور لمن له ~~السياسة والتدبير، وأدخل كلمة ' من ' وهي للتبعيض؛ لأنه كان من يد ملك مصر، ~~وقيل: ' من ' للتجنيس هاهنا، قال محمد بن علي الباقر: ملك يوسف اثنتين ~~وسبعين سنة. وقال غيره: ثمانين سنة. وقوله: * (وعلمتني من تأويل الأحاديث) ~~يعني: علم الرؤيا. وقوله * (فاطر السماوات والأرض) معناه: يا فاطر السماوات ~~والأرض. وقوله: * (أنت ولي في الدنيا والآخرة) يعني: أنت تلي أمري في ~~الدنيا والآخرة. وقوله: * (توفني مسلما) معناه: ثبتني على الإسلام عند ~~الوفاة. # قال قتادة: ولم يسأل نبي من الأنبياء الموت سوى يوسف عليه السلام، وقد ~~ثبت عن النبي أنه قال: ' لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل: ~~اللهم PageV03P068 # أحيني ما دامت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ' وفي ~~القصة: أن يوسف لما جمع له شمله وأوصل الله إليه أبويه وأهله اشتاق إلى ربه ~~فقال هذا القول. وقد قال الحسن البصري: عاش بعد هذا سنين كثيرة. وقال غيره: ~~لما قال هذا القول لم يمض عليه أسبوع حتى توفي. وأما خبر وفاة يعقوب - ~~صلوات الله عليه - فقد قال أصحاب الأخبار: إن يعقوب عاش عند يوسف أربعا ~~وعشرين سنة بأغبط حال وأهنأ عيش ثم أدركته الوفاة فدعا بنيه وقال: يا بني، ~~* (ما تعبدون من بعدي) الآية، وقد ذكرنا في سورة البقرة، وأوصى يوسف - عليه ~~السلام - أن يحمله إلى الأرض المقدسة ويدفنه بجنب أبيه إسحاق ففعل ذلك. ~~وقالوا: عاش يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، وأما يوسف فإنه عاش بعد أبيه ~~سنتين، وقيل: أكثر من ذلك، والله أعلم، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة ms0760 ~~فدفنوه في نيل مصر: (لأن أهل مصر تشاحنوا عليه وطلب أهل كل محلة أن يدفن في ~~محلتهم رجاء بركته، ثم اتفقوا أن يدفن في نيل مصر) ليجري الماء عليه وتصل ~~بركته إليهم كلهم. وعن عكرمة: أنه دفن في [الجانب] الأيمن من النيل فأخصب ~~ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر فاتفقوا على أن جعلوه في تابوت من حديد - ~~وقيل: من رخام - ودفنوه في وسط النيل، وقدروا ذلك بسلسلة عندهم فأخصب ~~الجانبان، وكان يوسف أوصى إخوته أنهم إذا خرجوا من مصر أخرجوه مع أنفسهم، ~~فلما كان زمن موسى أخرجه موسى مع نفسه إلى الأرض المقدسة ودفته بقرب آبائه؛ ~~وفي القصص أن عجوزا دلتهم على قبر يوسف وأن تلك العجوز سألت موسى مرافقته ~~في الجنة به حتى دلت، فنزل الوحي على موسى بأن يعطيها ذلك. # وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن الله تعالى لما جمع بين يعقوب ~~ويوسف قال له يوسف: يا أبتاه حزنت علي حتى انحنى ظهرك، وبكيت علي حتى ~~PageV03P069 # * (نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (102) وما أكثر ~~الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر ~~للعالمين (104)) * * عمى بصرك، أما علمت أنا كنا نلتقي يوم القيامة؟ فقال: ~~يا بني، خشيت أن يسلب دينك فلا نلتقي يوم القيامة. وقوله: * (وألحقني ~~بالصالحين) يعني: من آبائي وهم: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. # قوله تعالى: * (ذلك من أنباء الغيب) يعني: من أخبار الغيب. # قوله: * (نوحيه إليك) أي: نلقيه إليك بالوحي. وقوله: * (وما كنت لديهم إذ ~~أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) هذا منصرف إلى إخوة يوسف ومكرهم حين أخذوه من ~~أبيه، وفائدة الآية: أنك إذا علمت هذا بتعليمنا إياك ووحينا إليك. # وقوله تعالى: * (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) روي أن قريشا واليهود ~~سألوا النبي عن قصة يوسف، فلما أخبرهم بها على ما كان يوافق التوراة، ولم ~~يكن في نفسه قارئا طمع أن يسلموا فلم يسلموا؛ فحزن لذلك فقال الله تعالى: * ~~(وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) معناه: ms0761 وما أكثر الناس بمؤمنين وإن حرصت ~~على إيمانهم. # قوله تعالى: * (وما تسألهم عليه) أي: على التبليغ * (من أجر) أي: من جعل ~~وقوله: * (إن هو إلا ذكر للعالمين) أي: عظة للعالمين. # قوله - تعالى -: * (وكأين من آية) معناه: وكم من آية. وقوله: * (في ~~السماوات) السماوات: سقوف الأرض بعضها على بعض طبقا طبقا * (والأرض) هي ~~موضع سكنى الآدميين، وأما الآيات في السماوات (كما) بينا من قبل، وذلك من ~~شمسها وقمرها ونجومها ودوران الفلك بها، واستوائها من غير عمد وغير ذلك، ~~وقد زعم بعض أهل العلم أنه يجوز للإنسان أن يتعلم علم النجوم بقدر ما يعرف ~~به PageV03P070 # * (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) ~~وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من ~~عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (107) قل هذه سبيلي أدعو ~~إلى الله على بصيرة أنا ومن) * * من آيات السماء، وأما آيات الأرض معلومة ~~أيضا [وهي]: شجرها ونباتها وجميع ما فيها وما يخرج منها. وقوله: * (يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون) معناه: أنهم يعرضون عنها مع مشاهدتها ولا يستدلون ~~بها على وحدانية الله. # قوله تعالى: * (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فإن قيل: كيف يجوز ~~اجتماع الإيمان مع الشرك في الواحد؟ الجواب من وجوه: أحدها: أن معناه * ~~(وما يؤمن أكثرهم بالله) أي: وما يقر أكثرهم بالله إلا وهم مشركون بقلوبهم ~~وضمائرهم. # والثاني: أن مشركي مكة كانوا إذا قيل لهم: من خلقكم؟ قالوا: الله، وإذا ~~قيل لهم: من يرزقكم؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: من خلق السماوات والأرض؟ ~~قالوا: الله ثم مع ذلك يعبدون الأصنام، وبعضهم يقولون: إن الملائكة بنات ~~الله، وبعضهم يقول: الأصنام شفعاؤنا عند الله، فالقول الأول: هو الإيمان، ~~[وليس] المراد من الإيمان هو حقيقة الإيمان الذي يصير به الإنسان مؤمنا، ~~وإنما المراد ما بينا. # والقول الثالث: أن معنى شركهم هو شركهم في التلبية، فإنهم كانوا يقولون: ~~لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. # قوله ms0762 تعالى: * (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) قيل: قطعة من عذاب ~~الله، وقيل: عقوبة محللة من عذاب الله. وقوله: * (أو تأتيهم الساعة بغتة) ~~أي: فجأة، والبغتة: وقوع الشيء من غير توقع سابق. قال الشاعر: # (ولكنهم باتوا ولم أدر بغتة * وأفظع شيء حين يفجؤك البغت) وقوله: * (وهم ~~لا يشعرون) أي: لا يعلمون PageV03P071 # * (اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين (108) وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) حتى إذا ~~استيأس الرسل وظنوا أنهم) * * قوله تعالى: * (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله) ~~أي: طريقي، والسبيل يذكر ويؤنث، قال الشاعر: # (تمنى رجال أن أموت وإن مت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد) وقوله: * (على ~~بصيرة) أي: على (يقين)، والبصيرة هي المعرفة التي يميز بها بين الحق ~~والباطل. وقوله: * (أنا ومن اتبعني) معناه: أدعو إلى الله أنا، ومن اتبعني ~~يدعون أيضا إلى الله، وقال بعضهم: تم الكلام عند قوله * (أدعو إلى الله) ثم ~~استأنف وقال: * (على بصيرة أنا ومن اتبعني). وقوله: * (وسبحان الله وما أنا ~~من المشركين) يعني أقول: سبحان الله، وما أنا من المشركين. # قوله تعالى: * (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى) قال ~~الحسن البصري: لم يبعث الله نبيا من بدو، وإنما بعث الله الأنبياء من ~~الأمصار والقرى. وقال أيضا: لم يبعث الله نبيا من الجن ولا من النساء، ~~وقيل: لم يبعث الله نبيا من البادية لغلظهم وجفائهم، وأما أهل الأمصار فهم ~~[أحن] قلوبا وأذكى وأفطن في الأمور؛ فلهذا بعث الله الأنبياء منهم. وقوله: ~~* (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) ظاهر ~~المعنى. # وقوله: * (ولدار الآخرة) معناه: والحال في الدار الآخرة، وللإنسان حالان: ~~الحال الأولى، والحال الآخرة، وقيل: ' ولدار الآخرة ' هذا إضافة الشيء إلى ~~نفسه كقولهم: * (خير للذين اتقوا) يوم الخميس، ويوم الجمعة، قال الشاعر: # (أتمدح فقعسا وتذم عبسا؟! # * ألا لله أمك من هجين!!) ms0763 (ولو فزت عليك ديار عبس * عرفت الذل عرفان ~~اليقين) PageV03P072 # * (قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ~~(110) لقد) * * أضاف العرفان إلى اليقين: وقوله: * (أفلا تعقلون) أفلا ~~تفقهون. # قوله تعالى: * (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا) قرىء بقراءتين ~~بالتشديد والتخفيف، قرأ أهل الكوفة بالتخفيف، والآية مشكلة إذا قرئت ~~بالتخفيف؛ لأن القائل يقول: كيف ظن الرسل أنهم قد كذبوا، ولا يجوز هذا على ~~الأنبياء. وكانت عائشة تنكر هذه القراءة، وتقول: إنما هو ' كذبوا ' ~~بالتشديد، يعني: أن الرسل ظنوا أن من آمن بهم كذبوهم لشدة المحنة والبلاء ~~عليهم، وتطاول المدة بهم، هذا رواه الزهري عن عروة عن عائشة. وعن قتادة: أن ~~الظن هاهنا بمعنى اليقين، ومعناه: وأيقن الرسل أن القوم كذبوهم تكذيبا لا ~~يرجى بعده إيمانهم، وهو تأكيد لقوله: * (حتى إذا استيأس الرسل) لأن معناه: ~~حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، أي: أيسوا، وأما القراءة بالتخفيف ~~هذه قراءة صحيحة، وهي منقولة عن علي وعن عبد الله بن مسعود وابن عباس وكثير ~~من الصحابة. # وفي معناه قولان: أحدهما: ما روي عن ابن عباس أنه قال: ضعفت قلوب الرسل - ~~وقد كانوا بشرا - بتطاول الزمان وكثرة الإمهال، وقد قال الله تعالى في موضع ~~آخر: * (وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) وقوله: * ~~(متى نصر الله): استبطاء، أو قالوا هذا من ضعف البشرية. # والقول الثاني - وهو الصحيح - وهو منقول أيضا عن ابن عباس أن معنى الآية: ~~وظن من آمن بالرسل، أن الرسل قد كذبوا بالتخفيف، أو ظن القوم الذين بعث ~~إليهم أن الرسل قد كذبوا بالتخفيف، وقرأ مجاهد: ' وظنوا أنهم قد كذبوا ' ~~ومعناه كما ذكرنا في القول الثاني: أن ظن القوم أن الرسل قد كذبوا. # وقوله: * ([جاءهم] نصرنا) ظاهر المعنى. وقوله: * (فنجي من نشاء) المشيئة ~~واقعة على المؤمنين. وقوله: * (ولا يرد بأسنا) أي: عذابنا * (عن القوم ~~المجرمين) أي: PageV03P073 # * (كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي ~~بين يديه وتفصيل كل شيء ms0764 وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111)) * * عن القوم ~~الكفار. قوله - تعالى -: * (لقد كان في قصصهم عبرة) أي: دلالة وآية. # قوله: * (لأولي الألباب) أي: لأولي العقول. # وقوله: * (ما كان حديثا يفترى) أي: [يختلق] يعني: قصة يوسف. # وقوله: * (ولكن تصديق الذي بين يديه) يعني: من التوراة والإنجيل. # وقوله: * (وتفصيل كل شيء) يعني: من الحلال والحرام، والأمر والنهي، ~~والوعد والوعيد. وقوله: * (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (معناه: بيان ونعمة ~~لقوم يؤمنون). والله أعلم بالصواب. PageV03P074 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك ~~الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (1) الله الذي رفع السماوات بغير عمد ~~ترونها ثم استوى على العرش وسخر) * * سورة الرعد تفسير سورة الرعد، وهي ~~مكية إلا آيتين: قوله تعالى: * (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة) وقوله تعالى: * (ويقول الذين كفروا لست مرسلا) الآية، فإنهما ~~مدنيتان. # قوله تعالى: * (المر) قالوا: معناه أنا الله أعلم وأرى، وقيل: إن الألف ~~من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، والراء من إرسال الله إياه - ~~يعني محمدا - وقد بينا من قبل غير هذا. # وقوله: * (تلك آيات الكتاب) قد بينا في سورة يوسف. وقوله: * (والذي أنزل ~~إليك من ربك الحق) الإنزال هو النقل من العلو إلى الأسفل، ومعنى الآية أن ~~ما أهبط الله به جبريل عليك هو الحق، والحق ضد الباطل، وقيل: وضع الشيء في ~~موضعه على ما توجبه الحكمة. وقوله: * (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) يعني من ~~اليهود والنصارى والمشركين. # قوله تعالى: * (الله الذي رفع السماوات بغير عمد) العمد: جسم مستطيل يمنع ~~المرتفع من الميلان، وفي معنى قوله: * (بغير عمد) قولان: أحدهما، وهو ~~الأصح: أن معناه: رفع السماوات بغير عمد * (ترونها) كذلك. # وقد قال أهل المعاني: لو كان للسموات عمد لرأيناها؛ لأن عمد الجسم الغليظ ~~يكون بالجسم الغليظ، فلا بد أن ترى، وهذا قول مجاهد وقتادة وأكثر المفسرين. # وروي عن ابن عباس أنه قال: معنى الآية رفع السماوات بغير عمد ترونها. ~~PageV03P075 # * (الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم ms0765 بلقاء ~~ربكم توقنون (2) وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات ~~جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) ~~وفي) * * وقوله: * (ترونها) راجع إلى العمد، كأنه قال: لها عمد لا ترونها، ~~وزعم أن لها عمدا على جبل قاف، وأن السماء عليها مثل القبة، وجبل قاف محيط ~~بالدنيا، وهو من زبرجدة خضراء، والصحيح ما بينا. # وقوله: * (ثم استوى على العرش) قد بينا المعنى. وقوله: * (وسخر الشمس ~~والقمر) معناه: ذلل الشمس والقمر فهما مذللان مقهوران يجريان على ما يريد ~~الله. وقوله: * (كل يجري لأجل مسمى) أي: لمدة مضروبة. وقوله: * (يدبر ~~الأمر) التدبير من الله تعالى فعل الأشياء على ما يوجب الحكمة. وقوله: * ~~(يفصل الآيات) معناه يبين الدلالات. وقوله: * (لعلكم بلقاء ربكم توقنون) ~~تؤمنون. # قوله تعالى: * (وهو الذي مد الأرض) الآية قد كانت الأرض مدرة مدورة، ~~فبسطها الله تعالى ومدها. وقوله: * (وجعل فيها رواسي) أي: جبالا ثوابت. # وقوله: * (وأنهارا) الأنهار: مجاري الماء الواسعة. وقوله: * (ومن كل ~~الثمرات جعل فيها زوجين اثنين) أي: صنفين اثنين أحمر وأصفر وحلو وحامض، ~~وقيل: إن قوله * (اثنين) تأكيد لقوله: * (زوجين). # وقوله: * (يغشي الليل النهار) معناه: يلبس النهار بظلمة الليل، ويلبس ~~ظلمة الليل بضوء النهار. وقوله: * (إن في ذلك لآيات) لدلالات * (لقوم ~~يتفكرون) التفكر تصرف القلب في طلب معاني الأشياء. # قوله تعالى: * (وفي الأرض قطع متجاورات) فيه قولان: أحدهما: أن فيه حذفا؛ ~~فكأنه قال: ' وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات، وهذا مثل قوله تعالى: ~~* (وسرابيل تقيكم الحر) يعني: وسرابيل تقيكم الحر والبرد. PageV03P076 # * (الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى ~~بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4)) ~~* * والقول الثاني: أنه ليس في الآية حذف، وهو صحيح المعنى، وفي المتجاورات ~~قولان: أحدهما: أن معناه أنها متجاورة في الظاهر مختلفة في المعنى، هذه ~~سبخة وهذه عذبة، وهذه قليلة الريع، وهذه كثيرة الريع، وهذه مزرعة، وهذه ~~مغرسة، وهذه لا مزرعة ولا مغرسة. # والقول ms0766 الثاني: أن معناه: هذه عامرة، وهذه غامرة، وهذه صحاري وبراري، ~~وهذه جبال وأودية، فعلى هذا إذا قدرنا في الآية متجاورات وغير متجاورات، ~~فالمتجاورات هي الأرض العامرة المتصل بعضها ببعض، وغير المتجاورات هي الأرض ~~الخربة التي فيها الأودية والدكادك. # وقوله: * (وجنات من أعناب) يعني: بساتين من أعناب. وقوله: * (وزرع ونخيل) ~~معلوم المعنى. وقوله: * (صنوان وغير صنوان) قرىء: ' صنوان ' بالضم: ~~والمعروف ' صنوان ' بالكسر، وفي الآثار المسندة عن البراء بن عازب - رضي ~~الله عنه - أنه قال: الصنوان هو النخل المجتمع، وغير الصنوان هو المتفرق، ~~والمعروف في اللغة أن الصنوان هي النخلات أصلها واحد، وغير صنوان هي النخلة ~~الواحدة بأصلها. # وقوله: * (يسقى بماء واحد) الماء جسم رقيق مائع يشرب، به حياة كل نام، ~~قال الله تعالى: * (وجعلنا من الماء كل شيء حي) وفي الآية رد على أصحاب ~~الطبيعة، فإن الماء واحد، والهواء واحد، والتراب واحد، والحرارة واحدة، ~~والثمار مختلفة في اللون والطعم، وقلة الريع وكثرة الريع، والطبيعة واحدة ~~يستحيل أن توجب شيئين مختلفين؛ فدل هذا أن الجميع من الله تعالى. # في جامع أبي عيسى الترمذي برواية أبي هريرة عن النبي في قوله: * (ونفضل ~~PageV03P077 # * (وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين ~~كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(5)) * * بعضها على بعض في الأكل) قال: ' هذا حلو وهذا حامض، وهذا دقل وهذا ~~فارسي '. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات) يعني: الدلالات * (لقوم يعقلون) يفهمون. ~~وأنشدوا في الصنوان: # (العلم والحلم خلتا كرم * للمرء زين إذا هما اجتمعا) (صنوان لا يستتم ~~حسنهما * إلا بجمع ذا وذاك معا) وقد روي عن النبي أنه قال: ' عم الرجل صنو ~~أبيه '. معناه: أنه وأبوه من أصل واحد. # قوله تعالى: * (وإن تعجب فعجب قولهم) العجب: تغير النفس برؤية المستبعد ~~في العادات، والخطاب للرسول ومعناه: أنك تعجب؛ فعجب من إنكارهم النشأة ~~الآخرة مع إقرارهم ابتداء الخلق من الله، وقد تقرر في القلوب أن الإعادة ~~أهون من الابتداء؛ فهذا موضع التعجب. وفي الأمثال: لا خير ms0767 فيمن لا يتعجب من ~~العجب، وأرذل منه من يتعجب من غير عجب. # وقوله: * (أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد) هذا هو المعنى في إنكارهم ~~البعث. # وقوله: * (أولئك الذين كفروا بربهم) جحدوا بربهم. # وقوله: * (وأولئك الأغلال في أعناقهم) الغل طوق تجمع به اليد إلى العنق ~~وهذه الأغلال من نار. وقوله: * (وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) الاستعجال طلب تعجيل ~~الأمر قبل مجيء (وقته)، وقد كان الله تعالى أخر عقوبة الاصطلام عن المشركين ~~PageV03P078 # * (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا لولا ~~أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى وما تغيض) * * كرامة للنبي. والسيئة هاهنا هي العقوبة، والحسنة: ~~العافية، ومعناه: أنهم يطلبون العقوبة بدلا من العافية، وقد دل على هذا ~~قوله تعالى: * (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء) وقوله تعالى: * (سأل سائل بعذاب واقع). # وقوله: * (وقد خلت من قبلهم المثلات) روي عن مجاهد أنه قال: المثلات ~~الأمثال، والأكثرون أن المثلات العقوبات، وقرأ الأعمش: ' المثلات ' بفتح ~~الميم وكسر التاء، وحكي عنه أنه قرأ: ' المثلات ' بضم الميم وتسكين الثاء، ~~والمعاني متقاربة. # وقوله: * (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) معناه: لذو تجاوز عن الناس ~~على ظلمهم * (وإن ربك لشديد العقاب) وفي بعض المسانيد عن سعيد بن المسيب ' ~~أن النبي قال لما نزلت هذه الآية: لولا فضل الله وتجاوزه ما هنىء أحد ~~العيش، ولولا وعيده وعقوبته لا تكل كل أحد '. # قوله تعالى: * (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه) معناه: ~~لولا أنزل عليه آية مما نقترحها، وإلا فالآيات قد كانت نازلة عليه. # وقوله: * (إنما أنت منذر) مخوف أو مبلغ للوحي بالإنذار. # وقوله: * (ولكل قوم هاد) فيه أقوال، الأكثرون أن معناه: ولكل قوم نبي ~~يدعوهم إلى الله، والقول الثاني: ولكل قوم ms0768 هاد، يعني: محمدا وقيل: الهادي ~~هو الله. # قوله تعالى: * (الله يعلم ما تحمل كل أنثى) معناه: الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى PageV03P079 # * (الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار (8) عالم الغيب والشهادة ~~الكبير المتعال (9) سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل ~~وسارب بالنهار) * * من ذكر أو أنثى، أو سوى الخلق أو غير سويه، أو واحد أو ~~اثنين أو أكثر. # قوله: * (وما تغيض الأرحام وما تزداد) الغيض هو النقصان، هكذا قال مجاهد ~~وغيره، وفي بعض الأخبار أن النبي قال: ' إذا كان المطر قيظا، والولد غيضا، ~~وغاض الكرام غيضا، وفاض اللئام فيضا ' الخبر. # وفي غيض الأرحام وزيادتها ثلاثة أقوال: الأول: أنه النقصان عن سبعة أشهر، ~~والزيادة على تسعة أشهر، والثاني أنه: النقصان بإسقاط السقط، والزيادة ~~بتمام الخلق، والثالث: أنه النقصان بالحيض على الحمل، والزيادة بعدم الحيض ~~على الحمل؛ فإن الولد ينتقص إذا أهراقت المرأة الدم على الحمل وتتم إذا لم ~~تهرق. وعن مكحول أنه قال: دم الحيض غذاء الولد في الرحم. # وقوله: * (وكل شيء عنده بمقدار) أي: بتقدير. # وقوله تعالى: * (عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال) يعني: المتعال عما ~~يقوله المشركون. # قوله تعالى: * (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به) الآية معناه: يستوي ~~في علم الله المسر بالقول والجاهر به. # وقوله: * (ومن هو مستخف بالليل) أي: مستتر بظلمة الليل وقوله: * (وسارب ~~بالنهار) أي: ظاهر ذاهب بالنهار، والسرب: الطريق، تقول العرب: خل له سربه ~~أي: PageV03P080 # ((10) له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا ~~يغير ما بقوم) * * طريقه، وزعم بعض أهل المعاني أن قوله: * (ومن هو مستخف ~~بالليل) أي: ظاهر بالليل، يقال: خفيت إذا ظهرت، وأخفيت إذا كتمت، قال ~~الشاعر: # (خفاهن من أنفاقهن كأنما * خفاهن ودق من سحاب مركب) وقوله: * (وسارب ~~بالنهار) أي مستكن بالنهار، يقال: أسرب الوحش إذا استكن، والقول الأول هو ~~الأصح. # قوله تعالى: * (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) الآية، في الآية أقوال، ~~أظهرها: أن المعقبات: الملائكة، والمعقبات المتداينات، ms0769 يعني: يذهب بعضها ~~ويأتي البعض في عقبها، وقد صح برواية أبي هريرة عن النبي أنه قال: إن لله ~~ملائكة يتعاقبون بينكم، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر فيعرج الذين ~~باتوا فيكم؛ فيقول الله لهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، ~~وتركناهم وهم يصلون. # القول الثاني هو ما روي عن عكرمة قال: الآية في الأمراء وحرسهم. # والقول الثالث: ما روي عن ابن جريج أنه قال: الآية في الذي يقعد عن ~~اليمين والشمال يكتب، وذلك في قوله تعالى: * (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين ~~وعن الشمال قعيد). # وقوله: * (يحفظونه من أمر الله) الأكثرون على أن قوله: * (من أمر الله) ~~ومعناه: أنهم يحفظونه بإذن الله، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه، وفي بعض ~~الآثار: أن الله تعالى يوكل ملائكة بالنائم يحفظونه من الحي والهوام فإذا ~~قصده شيء، قالوا: وراءك وراءك إلا شيئا قدر أن يصيبه. PageV03P081 # * (حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم ~~من دونه من وال (11) هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السحاب الثقال ~~(12) ويسبح الرعد) * * وروي عمرو بن أبي جندب: كنا عند سعيد بن قيس ~~الهمداني، فجاء علي يتوكأ على عنزة له، فقلنا له: يا أمير المؤمنين، أما ~~تخاف أن يغتالك أحد؟ فقال: إن الله تعالى قد وكل بابن آدم ملائكة يحفظونه، ~~فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه. # وفي قوله: * (من أمر الله) قول آخر، وهو أنه على المعنى التقديم ~~والتأخير، وكأن الله تعالى قال: له معقبات من أمره يحفظونه من بين يديه ومن ~~خلفه وقيل: من أمر الله: مما أمر الله به من الحفظ عنه. وعن ابن عباس أنه ~~قرأ: ' له معقبات من بين يديه ورقباء من خلفه '. وقرى في الشاذ: ' له ~~معاقيب من بين يديه ومن خلفه '. # وقوله: * (إن الله لا يغير ما بقوم) معناه: لا يغير شيئا بقوم من النعمة ~~* (حتى يغيروا ما بأنفسهم) بالمعصية. # وقوله: * (وإذا أراد الله بقوم سوءا) في الآية رد على القدرية صريحا، ~~ومعناه: بلاء وعذابا * (فلا ms0770 مرد له) أي: لا راد له. * (وما لهم من دونه من ~~وال) أي: من ولي يمنعهم وينصرهم، قال الشاعر: # (ما في السماء سوى الرحمن من وال *) قوله تعالى: * (هو الذي يريكم البرق ~~خوفا وطمعا) البرق: نور مضىء شبه عمود من نار من اتقاد السحاب، والتفسير ~~المعروف عن السلف أن البرق مخاريق بأيدي الملائكة من نار يسوقون بها السحاب ~~إلى حيث شاء الله تعالى. # وقوله * (خوفا وطمعا) فيه أقوال: أحدها أن الخوف من الصاعقة، والطمع في ~~نفع المطر. # والثاني: أن الخوف للمسافر، فإن عادة المسافر أن يتأذى بالمطر، والطمع ~~للمقيم، لأن المقيم يرجو الخصب بالمطر. PageV03P082 # * (بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم ~~يجادلون في) * * والثالث: أن الخوف من المطر في غير إبانة، وفي غير مكانه، ~~والطمع إذا كان في إبانه ومكانه من البلدان [فمنهم] إذا مطروا قحطوا، مثل ~~مصر وغيره، وإذا لم يمطروا أخصبوا. # وفي بعض الأخبار عن النبي ' أن الله تعالى يقول: لو أن عبادي أطاعوني ~~أسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد ~~'. # وقوله: * (وينشىء السحاب الثقال) يعني: الثقال بالماء، وعن علي رضي الله ~~عنه أنه قال: السحاب غربال السماء. وعن ابن عباس أنه قال: إن الله تعالى ~~خلق السحاب كل سبع سنين مرة. # وقوله: * (ويسبح الرعد بحمده) أكثر المفسرين أن الرعد ملك، والمسموع من ~~الصوت تسبيحه، وهذا مروي عن النبي حين سأله اليهود عن الرعد، وذكر فيه أن ~~الصوت هو زجره للسحاب، وقد حكي هذا عن ابن عباس وعلي ومجاهد وسعيد بن جبير ~~والحسن. وعن قتادة قال: هذا عبد لله تعالى سامع مطيع. PageV03P083 # وفي الآثار: أن الإنسان إذا سمع الرعد ينبغي أن يقول: سبحان من سبحت له. ~~روي هذا عن ابن الزبير وغيره، وعن عبد الله بن عباس قال: من قال إذا سمع ~~صوت الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء ~~قدير؛ فإن أصابته صاعقة فعلى ديته. # وعن محمد بن علي الباقر قال: الصاعقة تصيب ms0771 المسلم وغير المسلم ولا تصيب ~~الذاكر. # وفي الرعد قول آخر، وهو أنه صوت اصطكاك الأجرام العلوية. والصحيح هو ~~الأول، وقيل أيضا: إن الرعد نطق السحاب، والبرق ضحكه. # وقوله * (والملائكة من خيفته) يعني: وتسبح الملائكة من خيفته. وعن ابن ~~عباس أن لله تعالى ملائكة يبكون من خشيته من يوم خلقهم، وملائكة في الركوع، ~~وملائكة في السجود، وملائكة في التسبيح لا يشغلهم عن ذلك شيء. # وقوله: * (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) الصاعقة: هي العذاب المهلك، ~~وهي تنزل من البرق في بعض الأحوال فتحرق ما تصيبه، والآية نزلت في شأن أربد ~~بن ربيعة حين جاء إلى النبي فقال: مم ربك؟ أمن در أو ياقوت أو من ذهب [أو ~~من فضة]؟ فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته، ورثاه أخوه لبيد بن ربيعة، فقال: # (أخشى على أربد الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والأسد) (فجعني البرق ~~والصواعق بالفارس * يوم الكريهة النجد) ويقال: إنه جاء مع عامر بن طفيل، ~~وقصد الفتك بالنبي فجفت يده على قائمة السيف، فلما خرج من عند رسول الله ~~أصابته صاعقة في يوم صحو قائظ، فأما عامر فأصابته غدة، ومات في بيت سلولية، ~~وجعل يقول: أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية. # وروي ' أن يهوديا أتى النبي وسأله: مم ربك؟ فنزلت صاعقة وأحرقته '. ~~PageV03P084 # * (الله وهو شديد المحال (13) له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا ~~يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما ~~دعاء الكافرين إلا في) * * وقوله: * (وهم يجادلون في الله) يعني: يخاصمون ~~ويقولون في الله ما لا يعلمون وقيل: وهم يجادلون في الله: يكذبون بعظمة ~~الله. # وقوله: * (وهو شديد المحال) قال ابن عباس: شديد الحول، ومنه قوله: لا حول ~~ولا قوة إلا بالله، وقيل: شديد المحال شديد الانتقام. وعن علي - رضي الله ~~عنه - شديد الأخذ. وقيل: شديد الإهلاك. وقيل: شديد المكر. وقال الشاعر: # (فرع نبع يهتز في غصن المجد * عزيز الندى شديد المحال) وقرئ في الشاذ: ' ~~شديد المحال ' بنصب الميم. # قوله تعالى: * (له دعوة الحق) ms0772 هي شهادة أن لا إله إلا الله، هذا روي عن ~~ابن عباس وغيره، وقيل: دعوة الحق هو الدعاء بالإخلاص، والدعاء بالإخلاص لا ~~يكون إلا لله، ألا ترى أن الله تعالى قال: * ([فادعوا] الله مخلصين له ~~الدين). # قوله: * (والذين يدعون من دونه) يعني: الأصنام * (لا يستجيبون لهم بشيء) ~~يعني: لا يجيبون لهم شيئا. وقوله: * (إلا كباسط كفيه إلى الماء). فيه ~~قولان: أحدهما: أنه كالقابض على الماء، ومن قبض على الماء لم يبق في يده ~~شيء. قال الشاعر: # (فأصبحت (فيما) كان بيني وبينها * من الود مثل القابض الماء باليد) ~~والقول الثاني - وهو المعروف - أن قوله: * (كباسط كفيه إلى الماء) يعني: ~~كالعطشان المشير بكفه إلى الماء، وبينه وبين الماء مسافة لا يصل إليه؛ فهو ~~يشير بكفه ويدعو بلسانه، ولا يصل إليه؛ فكذلك من يدع الأصنام بدفع أو نفع ~~لا يصل إلى شيء بدعائه. وقوله: * (ليبلغ فاه) يعني: ليناله فاه * (وما هو ~~ببالغه) وما هو بنائله. PageV03P085 # * (ضلال (14) ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والآصال (15) قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء ~~لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي ~~الظلمات) * * وقوله: * (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) يعني: إلا في خطأ ~~وبطلان. # قوله تعالى: * (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها) يعني: يسجد ~~من في السماوات طوعا، ويسجد من في الأرض بعضهم طوعا وبعضهم كرها. والسجود ~~هو الخضوع بالتذلل، وقيل: إن سجود الأشياء [هو] تذللها وتسخيرها لما أريد ~~له وسخر له. وقوله: * (وظلالهم) قالوا: ظل الكافر يسجد طوعا، والكافر يسجد ~~كرها، وظل المؤمن يسجد طوعا، وكذا المؤمن يسجد طوعا، هذا هو القول المنقول ~~عن السلف. وقيل: إن سجود الظل هو تسخيره وتذليله لما أريد له. وقيل: إن ~~معنى قوله: * (وظلالهم) أشخاصهم * (بالغدو والآصال) بالبكر والعشايا. # قوله تعالى: * (قل من رب السماوات والأرض) معناه: قل يا محمد: من رب ~~السماوات والأرض؟ ثم أمره بالإجابة، وقال: * (قل الله) وروي أنه ms0773 إنما قال ~~هذا للمشركين، عطفوا عليه، وقالوا: أجب أنت، فأمره الله، وقال: * (قل الله) ~~وإنما صحت هذه الإجابة معهم؛ لأنهم كانوا يقرون أن الله خالقهم وخالق ~~السماوات والأرض. # وقوله: * (قل أفاتخذتم من دونه أولياء) معناه: أنكم مع إقراركم أن الله ~~خالقكم وخالق السماوات والأرض اتخذتم من دونه أولياء يعني: الأصنام. * (لا ~~يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا) يعني: أنهم عجزة، فإذا لم يملكوا لأنفسهم ~~نفعا ولا ضرا، فكيف يملكون لكم؟. # وقوله: * (قل هل يستوي الأعمى والبصير) ضرب مثلا للمؤمن والكافر والإيمان ~~والكفر؛ فقال: (* (قل هل يستوي الأعمى والبصير) * أم هل تستوي الظلمات ~~PageV03P086 # * (والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله ~~خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16) أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع ~~زبد مثله كذلك يضرب الله) * * والنور) أي: كما لا يستوي الأعمى والبصير ~~والظالمات والنور؛ فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر والإيمان والكفر. # وقوله: * (أم جعلوا لله شركاء) يعني: أجعلوا لله شركاء * (خلقوا كخلقه ~~فتشابه الخلق عليهم) أي: اشتبه ما خلقوه بما خلقه الله، ومعنى الآية: أنهم ~~كما عرفوا أن الأصنام لا تخلق كخلق الله؛ فلا ينبغي أن تعبد كعبادة الله. # وقوله: * (قل الله خالق كل شيء) ظاهر المعنى. وقوله * (وهو الواحد ~~القهار) الواحد: هو الشيء الذي لا ينقسم، وقد يكون شيئين لا ينقسم في معنى، ~~ويسمى واحد، مثل قولهم: دينار واحد؛ لأنه لا ينقسم في الدينارية. والقهار: ~~الغالب الذي لا يغلبه شيء، وفي بعض الأخبار: ' سبحان من تعزز بقدرته وقهر ~~عباده بالموت '. # قوله تعالى: * (أنزل من السماء ماء) هذا مثل ضربه الله في القرآن، وضرب ~~الأودية مثلا للقلوب، فقوله: * (أنزل من السماء ماء) أي: مطرا * (فسالت ~~أودية بقدرها) قرئ: ' بقدرها '، قرأها أبو الأشهب العقيلي، والمعنى: بقدرها ~~من الصغر والكبر، وكذلك القلوب تحمل القرآن بقدرها من الضيق والسعة. # وقوله: * (فاحتمل السيل زبدا رابيا) الزبد: هو الخبث الذي يظهر على وجه ~~الماء، وكذلك على ms0774 وجه القدر، وكذلك على فم البعير. وقوله: * (رابيا) أي: ~~طافيا عاليا تم المثل الأول هاهنا. ثم ذكر مثلا ثانيا، وهو قوله تعالى * ~~(ومما يوقدون عليه في النار) ومن الذي توقدون عليه، الإيقاد: جعل النار تحت ~~الشيء ليذوب. # وقوله: * (ابتغاء حلية) معناه: لطلب الحلية، والذي أوقد عليه هاهنا هو ~~الذهب والفضة؛ لأن الحلية تطلب منهما. وقوله: * (أو متاع) معناه: أو طلب ~~متاع، وذلك من الصفر والنحاس وغيره يوقد عليها، والمتاع: هو الأواني ~~المتخذة من هذه الأشياء. PageV03P087 # * (الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (17) للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم ~~يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم ~~سوء الحساب ومأواهم) * * وقوله: * (زبد مثله) أي: زبد مثل زبد الماء * ~~(كذلك يضرب الله الحق والباطل) أي: كذلك يبين الله الحق والباطل بضرب ~~المثل، ثم قال: * (فأما الزبد فيذهب جفاء) يعني ضائعا باطلا، يقال: أجفأت ~~القدر، إذا زبدت من جوانبها، وذهب الزبد. وذكر أبو زيد اللغوي أن رؤبة بن ~~العجاج قرأ: ' فأما الزبد فيذهب جفالا ' والمعنى قريب من الأول. # وقوله: * (وأما ما ينفع الناس فيمكث) يعني: الماء والذهب والفضة والحديد ~~والرصاص والصفر والنحاس. قوله: * (فيمكث في الأرض) أي: يبقى ولا يذهب. # وقوله * (كذلك يضرب الله الأمثال) جعل هذا مثلا للحق والباطل في القلوب، ~~يعني: أن الباطل كالزبد يذهب ويضيع ويهلك، والحق كالماء وكهذه الأشياء يمكث ~~ويبقى في القلوب، وقال بعضهم: هذا تسلية للمؤمنين، يعني أن أمر المشركين ~~كذلك الزبد، يرى في الصورة شيئا ثابتا وليس له حقيقة. وأمر المؤمنين كالماء ~~المستقر في مكانه، فله الثبات والبقاء، يقال: للباطل جولة، وللحق دولة. # قوله تعالى: * (للذين استجابوا لربهم الحسنى) الآية، قد بينا أن ~~الاستجابة والإجابة بمعنى واحد. وقوله: * (الحسنى) الأكثرون أنها الجنة، ~~وقيل: هو الرزق والعافية في الدنيا والنعيم في الآخرة، والحسنى فعلى من ~~الحسن. # وقوله: * (والذين لم يستجيبوا له) أي: لم يجيبوا له. وقوله: * (لو أن لهم ~~ما ms0775 في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به) يعني: لبذلوا ذلك افتداء من ~~النار. # وقوله: * (أولئك لهم سوء الحساب) روي عن إبراهيم النخعي أنه قال لفرقد: ~~يا فريقد، أتدري ما سوء الحساب؟ هو أن يحاسب على جميع الذنوب ولا يغفر منها ~~شيئا. وقد صح عن النبي برواية عائشة - رضي الله عنها -: ' من نوقش الحساب ~~PageV03P088 # * (جهنم وبئس المهاد (18) أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو ~~أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب (19) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون ~~الميثاق (20) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء ~~الحساب (21) والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية) * * عذب ' وفي رواية ' هلك ' وقيل: إن سوء الحساب هو ~~أن لا يقبل حسنة، ولا يعفو عن سيئة. وقوله: * (ومأواهم جهنم) أي: مستقرهم ~~جهنم. # وقوله: * (وبئس المهاد) أي: بئس ما مهدوا لأنفسهم أي: بئس ما مهد لهم. # قوله تعالى: * (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى) نزلت ~~الآية في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل بن هشام، فالأول حمزة والثاني أبو ~~جهل، وقيل: في عمار بن ياسر وأبي جهل. # وقوله: * (إنما يتذكر أولو الألباب) أي: يتعظ أولو الألباب، ومعنى الآية: ~~أن من يبصر الحق ويتبعه، ومن لا يبصر الحق ولا يتبعه لا يستويان أبدا. # قوله تعالى: * (الذين يوفون بعهد الله) ظاهر المعنى، وقيل: عهد الله ~~تعالى ما أخذه الله تعالى من العهد على ذرية آدم حين أخذهم من صلبه. # وقوله: * (ولا ينقضون الميثاق) هو تحقيق الوفاء السابق. # وقوله: * (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) يعني: يؤمنون بجميع ~~الأنبياء، وقيل: يصلون الرحم ولا يقطعونه. # وقوله: * (ويخشون ربهم) أي: يخافون ربهم * (ويخافون سوء الحساب) أي: ~~يرهبون سوء الحساب، وسوء الحساب قد بينا. # وقوله: * (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم) يعني: صبروا على أمر الله [طلبا ~~لرضا] ربهم، وقيل: صبروا على الفقر، وعلى المصائب والبلايا، وقيل: صبروا عن ~~PageV03P089 # * (ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات ms0776 عدن يدخلونها ~~ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ~~(23)) * * المعاصي وقيل: صبروا عن شهوات الدنيا ولذاتها. # وقوله: * (يدرءون بالحسنة السيئة) يعني: يدفعون السيئة بالحسنة، وهو معنى ~~قوله: * (إن الحسنات يذهبن السيئات) ومعنى قوله عليه السلام: ' إذا عملت ~~سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها '. وفي الآية قول آخر وهو أن السيئة: الذنب. ~~والحسنة: التوبة. ومعناه: يدفعون الذنب بالتوبة وفي الخبر: ' ما من شيء ~~أدرك لشيء من توبة حديثة لذنب قديم '. # قوله: * (أولئك لهم عقبى الدار) أي: الجنة، ومعناه: لهم عاقبة دار ~~الثواب. قوله: * (جنات عدن يدخلونها) أي: بساتين [للإقامة]. # وقوله: * (يدخلونها) معناه معلوم. وقوله: * (ومن صلح من آبائهم) أي: ~~ويدخلها من صلح من آبائهم * (وأزواجهم وذرياتهم) وفي الخبر: أن المؤمن يدخل ~~الجنة، فيرى ذريته فيها، فيقول: متى دخلتم فيها؟ فيقولون: نحن منذ قديم ~~ننتظرك، والله أعلم. # وقوله: * (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب) يعني: من أبواب الجنة، ~~وقيل: من أبواب القصور. وقوله: * (سلام عليكم) يعني: يسلمون عليهم سلاما، ~~وقيل: يقولون: قد سلمكم الله من الآفات التي كنتم تخافونه منها، وفي الآثار ~~أنهم - يعني: الملائكة - يأتون بالتحف والهدايا من الله تعالى بقدر كل يوم ~~من أيام الدنيا [ثلاث] عشرة مرة. وقوله: * (بما صبرتم) قد بينا. وقوله: * ~~(فنعم عقبى الدار) أي: نعم عاقبة الدار. PageV03P090 # * (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) والذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أو يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم ~~اللعنة ولهم سوء الدار (25) الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة ~~الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع (26) ويقول الذين كفروا لولا ~~أنزل عليه آية من ربه قل إن) * * قوله تعالى: * (والذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه) ظاهر، وهذا وارد في الكفار. وقوله تعالى: * (ويقطعون ما أمر ~~الله به أن يوصل) يعني: يؤمنون ببعض الأنبياء، ويكفرون بالبعض، وقيل: ~~يقطعون الرحم. # وقوله: * (ويفسدون في الأرض) يعني: يعملون فيها بالمعاصي. وقوله: * ~~(أولئك لهم اللعنة) أي: البعد من رحمة ms0777 الله. وقوله: * (ولهم سوء الدار) أي: ~~سوء المنقلب لأن المنقلب: منقلب الناس إلى الدار. # قوله: * (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) يعني: يوسع على من يشاء، ويضيق ~~على من يشاء. وقوله: * (وفرحوا بالحياة الدنيا) الفرح: لذة في القلب بنيل ~~المشتهى، وهذا دليل على أن الفرح بالدنيا حرام منهي عنه. # قوله: * (وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع) يعني: إلا قليل، ويقال: ~~كمتاع الراكب، وقد صح عن النبي أنه قال: ' ما الدنيا في الآخرة إلا كما ~~يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع '. # وقوله تعالى: * (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه) يعنون ~~الآية المقترحة؛ فإن قال قائل: لم لا يجوز أن يجيبهم إلى الآية المقترحة، ~~ولعلها تكون سببا لإيمانهم؟ والجواب: أن الآية المقترحة لا نهاية لها، وإن ~~وجب في المصلحة أن يجيب واحدا، وجب أن يجيب آخر، إلى ما يتناهى. # وقوله: * (قل إن الله يضل من يشاء) ظاهر المعنى. وقوله: * (ويهدي إليه من ~~أناب) معناه: ويهدي إليه من يشاء بالإنابة، وفي الآية رد على القدرية، ~~والله الهادي إلى الصواب بمنه. PageV03P091 # * (الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (27) الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~طوبى لهم وحسن) * * وقوله تعالى: * (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله) ~~أي: تسكن قلوبهم بذكر الله، وقيل: تستأنس قلوبهم بذكر الله، والسكون ~~باليقين، والاضطراب بالشك، قال الله تعالى في شأن المشركين: * (إذا ذكر ~~الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي: اضطربت، وقال في ~~المؤمنين * (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله). # وقوله: * (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) معناه: ألا بذكر الله تسكن ~~القلوب، وطمأنينة القلب بزوال الشك منه واستقرار اليقين فيه، فإن قال قائل: ~~أليس الله تعالى قال: * (وجلت قلوبهم) فكيف توجل وتطمئن في حالة واحدة؟ ~~والجواب: أن الوجل بذكر الوعيد والعقاب، والطمأنينة بذكر الوعد والثواب، ~~فكأنها توجل إذا ذكر عدل الله وشدة حسابه، وتطمئن إذا ذكر فضل الله وكرمه. # قوله تعالى: * (الذين ms0778 آمنوا وعملوا الصالحات) معناه: وعملوا الطاعات. ~~وقوله: * (طوبى لهم) فيه أقوال: روي عن أبي هريرة وأبي أمامة وأبي الدرداء ~~وعن ابن عباس برواية الكلبي أنهم قالوا: طوبى شجرة في الجنة تظلل الجنان ~~كلها. # وفي بعض الأخبار أن أصلها في منزل النبي وقصره، وفي كل قصر من قصور الجنة ~~غصن منها، وعليها من جميع أنواع الثمر، وتقع عليها طيور كالبخت إذا رآها ~~المؤمن واشتهى منها سقطت بين يديه، فيأكل منها ما شاء ثم تطير، وفي بعض ~~الأخبار: أن رجلا لو ركب حقا أو جذعا، وجعل يطوف بأصلها لقتله الهرم، ولم ~~يبلغ إلى الموضع الذي ابتدأ منه. # والقول الثاني: أن طوبى اسم الجنة، قال مجاهد: هي اسم الجنة بالحبشية. ~~وعن عكرمة: طوبى لهم أي نعماء لهم، وعن إبراهيم النخعي: أي خير وكرامة لهم، ~~وعن PageV03P092 # * (مآب (29) كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي ~~أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه ~~متاب (30)) * * الضحاك: طوبى لهم أي: غبطة لهم. والأقوال متقاربة في ~~المعنى، قال الزجاج: طوبى فعلى من الطيب، ومعناها: العيش الطيب لهم. # وقوله: * (وحسن مآب) أي: حسن منقلب. # قوله تعالى: * (كذلك أرسلناك في أمة) الآية. معنى كاف التشبيه هاهنا: إنا ~~كما أرسلنا الأنبياء إلى سائر الأمم؛ كذلك أرسلناك إلى هذه الأمة. # قوله: * (قد خلت من قبلها أمم) أي: قد مضت من قبلها أمم. قوله: * (لتتلوا ~~عليهم الذي أوحينا إليك) أي. لتقرأ عليهم الذي أوحينا إليك. # وقوله: * (وهم يكفرون بالرحمن) فيه قولان: أحدهما: قال ابن جريج: الآية ~~مدنية في قصة الحديبية فإن سهيل بن عمرو لما جاء واتفقوا على أن يكتبوا ~~كتاب الصلح، كتب علي رضي الله عنه بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: لا نعرف ~~الرحمن، اكتب كما نكتب نحن: باسمك اللهم... القصة، فهذا معنى قوله: * (وهم ~~يكفرون بالرحمن). # والقول الثاني - وهو المعروف - أن الآية مكية، وسبب نزولها أن أبا جهل ~~سمع النبي وهو في الحجر يدعو ويقول: ' يا الله، يا رحمن ms0779 '. فرجع إلى ~~المشركين، وقال: إن محمدا يدعو إلهين يدعو الله، ويدعو آخر يسمى الرحمن ولا ~~نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل أيضا ~~قوله تعالى: * (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن). # وقوله: * (قل هو ربي) يعني قل: الرحمن ربي * (لا إله إلا هو عليه توكلت) ~~عليه اعتمدت وبه وثقت * (وإليه متاب) يعني: وإليه التوبة، والتوبة هي الندم ~~على ما سلف من الجرائم مع الإقلاع عنها في المستقبل. PageV03P093 # * (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل ~~لله الأمر جميعا أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ~~ولا يزال الذين كفروا) * * قوله تعالى: * (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) ~~روي أن المشركين قالوا لرسول الله: سل ربك أن يسير هذه الجبال التي بمكة ~~فتتسع أرضنا ونتخذ فيها المزارع، وسل ربك أن يقرب إلينا الشام، فإن إليه ~~متاجرنا وقد أبعد عنا، وقالوا أيضا: سل ربك أن يخرج لنا الأنهار ويشق ~~العيون في الأرض لنغرس الأشجار، ونتخذ البساتين، وسل ربك أن يبعث لنا جماعة ~~من الموتى فنسألهم عن أمرك، وأحى لنا قصيا؛ فإنه كان شيخا مباركا حتى نسأله ~~عن أمرك. وفي بعض الروايات أنهم قالوا: سل ربك بالقرآن الذي أنزل عليك أن ~~يفعل هذا فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) ~~معناه: ولو قضيت أن أسير الجبال بكتاب أو أقطع الأرض به أو أحيي به الموتى ~~لفعلت بهذا القرآن. # فإن قيل: هذا الجواب الذي تقولون غير مذكور في القرآن، وهذا زيادة؟ # الجواب عنه، أن الجواب محذوف، والعرب تفعل مثل هذا، قال الشاعر: # (فلو أنها نفس تموت سوية * ولكنها نفس تساقط أنفسا) ومعناه: ولو أنها نفس ~~واحدة لتسليت بها، ولكنها أنفس كثيرة. وذكر الفراء أن الجواب هو: * (ولو أن ~~قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) لم يؤمنوا؛ لما ~~سبق في علمنا من تركهم الإيمان. # معناه: أنا لو فعلنا بالقرآن الذي ms0780 أنزل إليك ما سألوا، لم يؤمنوا أيضا. ~~وقوله: * (بل لله الأمر جميعا) معناه: بل لله الأمر جميعا في هذه الأشياء؛ ~~إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها. # وقوله: * (أفلم ييئس الذين آمنوا) أكثر أهل المعاني على أن معناه: أفلم ~~يعلم الذين آمنوا، وفي قراءة ابن عباس هكذا: ' أفلم يتبين للذين آمنوا ' ~~وقد ورد هذا اللفظ بمعنى العلم في لغة العرب، قال الشاعر: PageV03P094 # * (تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن ~~الله لا يخلف الميعاد (31) ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم ~~أخذتهم فكيف) * * (أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني * ألم تيئسوا أني ابن فارس ~~زهدم) وقال آخر: # (ألم ييئس الأبطال أني أنا ابنه * وإن كنت عن أرض العشيرة تائيا) وأنكر ~~الكسائي أن يكون هذا بمعنى العلم، وقال: إن العرب لا تعرف اليأس بمعنى ~~العلم، قال: وإنما معنى الآية: أن أصحاب رسول الله لما سمعوا هذا من ~~المشركين طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا ويؤمنوا؛ فأنزل الله هذه الآية: * ~~(أفلم ييئس الذين آمنوا) يعني: من الصحابة من إيمان هؤلاء القوم، وكل من ~~علم شيئا فقد يئس عن خلافه وضده، وبعضهم قال معناه: أفلم يعلم الذين آمنوا ~~من حال هؤلاء الكفار علما يوجب يأسهم عن إيمانهم، وقوله: * (أن لو يشاء ~~الله لهدى الناس جميعا) ظاهر المعنى. # وقوله: * (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) أي نازلة وبلية، ~~وقيل: إن القارعة هاهنا: سرايا رسول الله * (أو تحل قريبا من دارهم) يعني: ~~أو تحل السرية قريبا من دارهم، وقيل: أو تنزل أنت قريبا من دارهم. # * (حتى يأتي وعد الله) فيه قولان: أحدهما: أنه يوم القيامة، والقول ~~الثاني: أنه يوم بدر. # وقوله: * (إن الله لا يخلف الميعاد) ظاهر المعنى. # قوله: * (ولقد استهزئ برسل من قبلك) الاستهزاء: طلب الهزء، وقد كان ~~الكفار يسألون هذه الأشياء عن طريق الاستهزاء، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~تسلية للنبي، معناه: ولقد استهزئ برسل من قبلك يعني: كما استهزءوا بك، فقد ~~استهزئ ms0781 برسل من قبلك. * (فأمليت للذين كفروا) معناه: فأمهلت وأطلت المدة ~~لهم، ومنه الملوان وهو الليل والنهار. وقوله: * (ثم أخذتهم فكيف كان عقاب) ~~معناه: ثم أخذتهم في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار فكيف كان [عقابي] ~~لهم. PageV03P095 # * (كان عقاب (32) أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل ~~سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين ~~كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) لهم عذاب في ~~الحياة) * * قوله تعالى: * (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) أكثر ~~المفسرين أن قوله: * (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) هو الله، والله ~~تعالى لا يجوز أن يسمى قائما على الإطلاق؛ لأن الشرع لم يرد به، ولأن ~~القائم هو المنتصب، ويجوز أن يوصف بالقيام على التقييد، وهو أنه قائم على ~~كل نفس بما كسبت، ومعنى قوله: * (قائم على كل نفس): أنه المتولي لأحوالها ~~وأعمالها وأرزاقها، وغير ذلك، وكذلك هو المتولي للمجازاة بكسب الخير والشر. # وقال بعضهم: معنى قوله: * (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) أي: عالم ~~بكسب كل نفس، قال الشاعر: # (فلولا رجال من قريش أعزة * سرقتم ثياب البيت والله قائم) أي: عالم. ~~وقوله: * (أفمن) معناه: أفمن كان هكذا كمن ليس بهذا الوصف. وقوله: * ~~(وجعلوا لله شركاء) أي: وصفوا لله شركاء، وقوله: * (قل سموهم) معناه: قل ~~صفوهم بالصفات التي هي مستحقة لها، ثم انظروا هل هي أهل أن تعبد أو لا؟ # قوله: * (أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض) معناه: أم أنتم تنبئون الله ~~بما لا يعلم. يعني: تذكرون له شريكا وإلها آخر، وهو لا يعلمه. # وقوله: * (أم بظاهر من القول) يعني أم تتعلقون بظاهر من القول لا معنى ~~له، شبه المتجاهل الذي لا يطلب حقيقة الأمر، وقيل: بظاهر من القول بباطل من ~~القول: قال الشاعر: # (وعيرني الواشون أني أحبها * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها) أي: زائل، وحكي ~~أن عبد الله بن الزبير أنشد هذا حين ms0782 قيل له: يا ابن ذات النطاقين، وقصد ~~القائل تعبيره وذمه؛ فقال عبد الله بن الزبير: # (وتلك شكاة ظاهر عنك عارها *). # قوله: * (بل زين للذين كفروا مكرهم) أي: كفرهم. وقوله: * (وصدوا عن ~~السبيل) وقرئ: ' وصدوا ' برفع الصاد، أي: فعل بهم ذلك. وقوله: * (وصدوا) ~~PageV03P096 # * (الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق (34) مثل الجنة التي ~~وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا ~~وعقبى الكافرين النار (35) والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن ~~الأحزاب من) * * معناه: فعلوا هم ذلك، وقوله: * (ومن يضلل الله فما له من ~~هاد) ظاهر المعنى. # وقوله: * (لهم عذاب في الحياة الدنيا) قد بينا العذاب في الدنيا. # * (ولعذاب الآخرة أشق) يعني: أشد. وقوله: * (وما لهم من الله من واق) أي: ~~من يقي. # وقوله: * (مثل الجنة التي وعد المتقون) قرئ في الشاذ: ' أمثال الجنة التي ~~وعد المتقون ' [و] المعروف: * (مثل الجنة) وفيه قولان: أحدهما: صفة الجنة ~~التي وعد المتقون، والقول الثاني: مثل الجنة التي وعد المتقون جنة * (تجري ~~من تحتها الأنهار أكلها دائم) أي: لا ينقطع ثمرها ونعيمها. # فإن قال قائل: قد قال هاهنا: * (أكلها دائم) وقال في موضع آخر: * (ولهم ~~رزقهم فيها بكرة وعشيا) فكيف التوفيق بين الآيتين؟ # الجواب: أن الدوام بمعنى عدم الانقطاع، فإذا لم ينقطع ورزقوا بكرة وعشيا، ~~فهو دائم. وقوله: * (وظلها) هذا في معنى قوله تعالى: * (وظل ممدود). # وفي الأخبار: ' أن ظل شجرة واحدة في الجنة يسير الراكب فيها مائة عام لا ~~يقطعه '. وقوله تعالى: * (تلك عقبى الذين اتقوا) معناه: تلك عاقبة الذين ~~اتقوا. وقوله: * (وعقبى الكافرين النار) أي: عاقبة الكافرين النار. ~~PageV03P097 # * (ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب ~~(36) وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما ~~لك من الله من ولي ولا واق (37) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية وما كان) * * قوله تعالى: * (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون ~~بما أنزل إليك) الآية. ms0783 روي أن [اليهود] الذين أسلموا كانوا يستقلون ذكر ~~الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر الله ذكر الرحمن في ~~القرآن فرحوا فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (والذين آتيناهم الكتاب ~~يفرحون...) الآية. # وقوله: * (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) الأحزاب: هم الذين تحزبوا على ~~النبي. وقوله: * (من ينكر بعضه) يعني: ذكر الرحمن؛ لأنهم كانوا لا ينكرون ~~ذكر الله، وقوله: * (قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو ~~وإليه مآب) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وكذلك أنزلناه حكما عربيا) فيه قولان: أحدهما: قرآنا ~~عربيا؛ لأن فيه الأحكام، والآخر نبيا عربيا؛ لأن النبي كان منهم، والقرآن ~~نزل بلغتهم. # وقوله: * (ولئن اتبعت أهواءهم) الهوى: ميل الطبع لشهوة النفس. وأكثره ~~مذموم. قوله: * (بعد ما جاءك من العلم) يعني: من القرآن * (مالك من الله من ~~ولي ولا واق) يعني: من ناصر ولا حافظ. # قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك) الآية، روي أن اليهود ذموا ~~النبي باستكثاره من النساء، وقالوا: هذا الرجل ليس له همة إلا في النساء، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية: وقيل: إن المشركين قالوا هذا؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية * (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) ~~ويقال: إنه كان لداود مائة امرأة، وقد صح الخبر فيه عن النبي، ودل عليه ~~الكتاب. وكان لسليمان [ألف] امرأة PageV03P098 # * (لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) يمحو الله ما ~~يشاء ويثبت) * * في الصحيح، ثلاثمائة امرأة، وسبعمائة سرية؛ فهذا معنى ~~قوله: * (وجعلنا لهم أزواجا وذرية) وكذلك عامة الأنبياء تزوجوا وولد لهم. # وقوله: * (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله) أي: إلا بأمر الله ~~* (لكل أجل كتاب) معناه: لكل أجل أجله الشرع كتاب أثبت فيه. وقيل: هذا على ~~التقديم والتأخير، ومعناه: لكل كتاب أجل ومدة، ومعناه الكتب المنزلة وقيل: ~~لكل أجل كتاب، أي: لكل قضاء قضاه الله تعالى وقت يقع فيه، وكتاب أثبت فيه. # قوله تعالى: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) فيه أقوال: روي عن ابن عباس ms0784 أنه ~~يمحو الله ما يشاء من الشريعة، أي: ينسخ. ويثبت ما يشاء، فلا ينسخ. وحكي ~~عنه أيضا برواية سعيد بن جبير قال: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) إلا ~~الشقاوة والسعادة والحياة والموت، وعن عمر وعبد الله بن مسعود - رضي الله ~~عنهم - أنهما قالا: يمحو الشقاوة والسعادة أيضا، ويمحو الأجل والرزق، ويثبت ~~ما يشاء. وكان عمر يقول: اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحه واكتبني ما تشاء ~~سعيدا، فإنك قلت: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت). وفي بعض الآثار أن الرجل ~~يكون قد بقي له من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه، فيرد إلى ثلاثة أيام، ~~والرجل يكون قد بقي له من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمد إلى ثلاثين سنة. ~~وقد ورد خبر يؤيد قول ابن عباس في أنه لا يمحى الشقاوة والسعادة والأجل ~~والرزق، روى حذيفة بن أسيد عن النبي أنه قال: ' إذا وقعت النطفة في الرحم، ~~ومضى عليها خمس وأربعون ليلة، قال الملك: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله، ~~ويكتب الملك، فيقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله تعالى، ويكتب الملك، ~~فيقول: يا رب ما الأجل؟ وما الرزق؟ فيقضي الله تعالى ويكتب الملك ثم لا ~~يزاد فيه ولا ينقص. ذكره مسلم في الصحيح. PageV03P099 # * (وعنده أم الكتاب (39) وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما ~~عليك البلاغ وعلينا الحساب (40) أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله) * * وفي الآية قول آخر، وهو قول الحسن: * (يمحو الله ما ~~يشاء) أي: يمحو من حضر أجله ويثبت ما يشاء من لم يحضر أجله، وفي الآية قول ~~رابع: أن المراد منه أن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم، فيمحو الله منها ~~ما يشاء، وهو ما لا ثواب عليه ولا عقاب، ويثبت ما يشاء وهو الذي يستحق عليه ~~الثواب والعقاب، وقيل: * (يمحو الله ما يشاء) أي: يمحو ما يشاء لمن عصاه ~~فختم أمره بالطاعة، ويثبت بالمعصية لمن أطاع، وختم أمره بالمعصية. والمنقول ~~عن السلف هي الأقوال التي ذكرناها قبل هذا القول. # وقوله: * (وعنده ms0785 أم الكتاب) معناه: وعنده أصل الكتاب، وأصل الكتاب: هو ~~اللوح المحفوظ. وفي بعض الأخبار ' أن الله تعالى ينظر في الكتاب الذي عنده ~~لثلاث ساعات يبقين من الليل؛ فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ويبدل ما يشاء ~~ويقرر ما يشاء '. # وقوله تعالى: * (وإما نرينك بعض الذي نعدهم) الآية. بعض الذين نعدهم، أي: ~~قبل وفاتك * (أو نتوفينك) وقبل أن نريك ذلك * (فإنما عليك البلاغ) أي: ~~التبليغ * (وعلينا الحساب) يوم القيامة. # قوله تعالى: * (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) أكثر ~~المفسرين على أن المراد من هذا هو فتح ديار الشرك، وسمي ذلك نقصانا؛ لأنه ~~إذا زاد في دار الإسلام فقد نقص من دار الشرك، وهذا قول ابن عباس وقتادة ~~وجماعة. وعن ابن عباس - في رواية أخرى - قال: هو موت الأخيار والعلماء. ~~وحكي ذلك عن مجاهد. وقيل: ننقصها من أطرافها بخرابها، والساعة تقوم وكل ~~الأرض خربة، ويقال في منثور PageV03P100 # * (يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (41) وقد مكر الذين من قبلهم فلله ~~المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (42) ويقول ~~الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ~~(43)) * * الكلام: الأشراف على الأطراف ليقرب منهم الأضياف. وقوله: * ~~(والله يحكم لا معقب لحكمه) أي: لا راد ولا ناقص لحكمه * (وهو سريع الحساب) ~~معلوم. # قوله تعالى: * (وقد مكر الذين من قبلهم) المكر: إيصال المكروه إلى ~~الإنسان من حيث لا يشعر. قوله * (فلله المكر جميعا) أي عند الله جزاء مكرهم ~~جميعا. وقيل إن الله خالق مكرهم جميعا. وقوله: * (يعلم ما تكسب كل نفس) ~~ظاهر المعنى * (وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار) لمن عاقبة الدار، والآية ~~تهديد ووعيد. وقوله: * (ويقول الذين كفروا لست مرسلا) ظاهر المعنى. وقوله: ~~* (قل كفى بالله شهيدا) أي: شاهدا * (بيني وبينكم). # وقوله: * (ومن عنده علم الكتاب) قال قتادة: هو عبد الله بن سلام، وقيل: ~~عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري، وعلى هذا جماعة من ~~التابعين، وأنكر الشعبي وعكرمة وجماعة هذا القول، ms0786 وقالوا: السورة مكية، ~~وعبد الله بن سلام أسلم بالمدينة، وأيضا فإن الله تعالى كيف يستشهد بمخلوق، ~~وإنما المراد منه هو الله تعالى. وقد قرأ ابن عباس: ' ومن عنده علم الكتاب ~~' وهذا يبين أن المراد [منه] هو الله تعالى. # وعنى عبد الله بن سلام نفسه، قال: أنا المراد بالآية. # وعن الحسن ومجاهد أن المراد هو الله. # وسعيد بن جبير قال: هو جبريل - عليه السلام - والصحيح أحد القولين ~~الأولين، والله أعلم. PageV03P101 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما ~~في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من) * * تفسير سورة إبراهيم وهي ~~مكية إلا قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) إلى قوله: ~~* (فإن مصيركم إلى النار) والله أعلم. # قوله تعالى: * (الر) معناه: أنا الله أرى، وقيل معناه: أنا الله الرحمن. # وقوله: * (كتاب أنزلناه إليك) معناه: هذا كتاب أنزلناه إليك. # وقوله: * (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) معناه: من الضلالة إلى ~~الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان ومن الغواية إلى الرشد، وقيل: من البدعة إلى ~~السنة. # والظلمة اسوداد الجو بما يمنع من البصر، والنور: بياض شعاعي يحصل به ~~الإبصار. قوله: * (بإذن ربهم) أي: بأمر ربهم، وقيل: بعلم ربهم. # وقوله * (إلى صراط العزيز الحميد) الصراط هو الدين، والعزيز الحميد هو ~~الله تعالى. ومعنى العزيز: الغالب، ومعنى الحميد: هو المستحق للحمد في ~~أفعاله؛ لأنه إنما متفضل أو عادل. # وقوله: * (الله الذي) قرئ بالرفع والخفض، فمن قرأ بالخفض فهو مسبوق على ~~قوله: * (العزيز الحميد)، ومن رفع فعلى تقدير هو الله. # وقوله: * (له ما في السماوات وما في الأرض) يعني: له ملك السماوات ~~والأرض. وقوله: * (وويل للكافرين) الويل: واد في جهنم، وقيل: إنه دعاء ~~الهلاك. * (من PageV03P102 # * (عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل ~~الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين) * * عذاب شديد) أي: عذاب عظيم. # قوله: * (الذين ms0787 يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة) معناه: الذين يؤثرون ~~الحياة الدنيا على الآخرة، ومعنى الإيثار: هو طلب الدنيا من غير نظر ~~للآخرة، وذلك بأن يأخذ من حيث يجد، ولا يبالي أنه حرام أو حلال. وقد روي عن ~~النبي أنه قال: ' يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء أخذ الدنيا بحلال أو ~~بحرام '. # وقوله: * (ويصدون عن سبيل الله) يعني: يمتنعون عن قبول دين الله، ويمنعون ~~الناس عن قبوله. * (ويبغونها عوجا) العوج في الدين، والعوج في الرمح ~~والحائط، ومعنى الآية: ويطلبون دين الله زيغا، وقيل: ويطلبون سبيل الله ~~جائرين عن القصد، وقيل: يطلبون لمحمد الهلاك، ويقال: إن الكناية راجعة إلى ~~الدنيا، ومعناه: يطلبون الدنيا على طريق الميل عن الحق، وذلك هو بجهة ~~الحرام على ما قلناه. # وقوله: * (أولئك في ضلال بعيد) أي: في خطأ طويل. # قوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) والحكمة في هذا: هو ~~أنه إذا أرسله بلسان قومه عقلوا قوله، وفهموا عنه، فإن قال قائل: إن الله ~~تعالى بعث النبي إلى كل الخلق على ما قال: ' بعثت إلى الأحمر والأسود ' ولم ~~يبعث بلسان كل الخلق؟. # والجواب عنه: أن سائر الخلق تبع العرب في الدعوة، وقد بعث بلسانهم ثم إنه ~~بعث بالرسل إلى الأطراف يدعونهم إلى الله، وترجم لهم قوله. PageV03P103 # * (لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4) لقد ~~أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ~~إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي) * * وقوله: * (ليبين لهم) معناه ما بينا. وقوله: * (فيضل الله ~~من يشاء ويهدي من يشاء) ظاهر المعنى. # وقوله: * (وهو العزيز الحكيم) قد بينا. # قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى ~~النور) يعني: من الكفر إلى الإيمان. # وقوله: * (وذكرهم بأيام الله) روي عن أبي بن كعب أنه قال: معناه: بنعم ~~الله. وفي بعض ms0788 المسانيد نقل هذا مرفوعا إلى النبي. والقول الثاني: بأيام ~~الله أي: بنقم الله. وقال بعضهم: بوقائع الله، يعني: بما أوقع بالأمم ~~الماضية، يقال: فلان عارف بأيام العرب، أي: بوقائعهم. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) الصبار: كثير الصبر، والصبر: ~~حبس النفس عما تنازع إليه النفس، وقد روي عن الشعبي أنه قال: الصبر نصف ~~الإيمان، والشكر نصفه، واليقين هو الإيمان كله. والشكور: هو الكثير الشكر. # وقوله تعالى: * (وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم) الآية أي: ~~منة الله عليكم. # قوله: * (إذ نجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب) قد بينا في سورة ~~البقرة. # وقوله تعالى: * (ويذبحون أبناءكم) قال في موضع بغير الواو، وقال هاهنا ~~بالواو، وذكر الواو يقتضي أنه سبق الذبح عذاب آخر، وترك ذكر الواو يقتضي أن ~~PageV03P104 # * (ذلكم بلاء من ربكم عظيم (6) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن ~~كفرتم إن عذابي لشديد (7) وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن ~~الله لغني حميد (8) ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من) * * العذاب هو الذبح. # وقوله: * (ويستحيون نساءكم) يعني: يتركون قتل النساء، وفي الخبر: ' ~~اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم '. * (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) ~~قيل: إن البلاء هو المحنة، وقيل: إن البلاء هو النعمة، وموضع النعمة في ~~الإنجاء من البلاء، وقيل معناه: اختبار من الله عظيم. # وقوله تعالى: * (وإذ تأذن ربكم) أي: أعلم ربكم، والتأذين: الإعلام، ~~والأذين والمؤذن هو المعلم، قال الشاعر: # (ولم (تشعر) بضوء الصبح حتى * سمعنا في مساجدنا الأذينا) وقوله: * (لئن ~~شكرتم لأزيدنكم) الشكر هو الاعتراف بالنعمة على وجه الخضوع للمنعم. وقد حكي ~~عن داود صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا رب، كيف أشكرك ولم أؤد شكرك إلا ~~بنعمة جديدة علي. فقال: يا داود، الآن شكرتني. # وروي أن النبي قال له رجل: أوصني يا رسول الله، فقال: ' عليك بالشكر فإنه ~~زيادة '. ومعنى الآية: لئن شكرتموني بالتوحيد لأزيدنكم نعمة الآخرة على ~~نعمة الدنيا. وقيل: لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم ms0789 في الثواب. # وقوله: * (ولئن كفرتم) جحدتم. * (إن عذابي لشديد) لعظيم. # قوله تعالى: * (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله ~~لغني حميد) أي: غني عن خلقه، حميد في فعله. # قوله تعالى: * (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم) أي: خبر الذين من قبلكم. ~~PageV03P105 # (* (بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في ~~أفواههم وقالوا إنا) * قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله) روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قرأ هذه الآية، ثم ~~قال: كذب النسابون، ونقل بعضهم هذا مرفوعا إلى النبي '. وعن عبد الله بن ~~عباس أنه قال: بين إبراهيم وبين عدنان جد الرسول ثلاثون قرنا لا يعلمهم إلا ~~الله. وعن عروة بن الزبير قال: وما وراء عدنان إلى إبراهيم - عليه السلام - ~~لا يعلمهم إلا الله، وعن مالك بن أنس أنه كره أن ينسب الإنسان نفسه أبا أبا ~~إلى آدم، وكذلك في حق الرسول كان يكره؛ لأنه لا يعلم أولئك الآباء أحد إلا ~~الله. # وقوله: * (جاءتهم رسلهم بالبينات) أي: بالدلالات الواضحات. وقوله: * ~~(فردوا أيديهم في أفواههم) روي عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود قال: ~~عضوا أيدهم غيظا، قال الشاعر: # (لو أن سلمى أبصرت التخددي * ورقة في عظم ساقي ويدي) (وبعد أهلي وجفاء ~~عودي * عضت من الوجد أطراف اليد) وقال آخر: # (قد أفنى أنامله غيظه * فأمسى يعض على الوظيفا) والقول الثاني في الآية: ~~أن الأنبياء لما قالوا: نحن رسل الله، وضع الكفار أيديهم على أفواههم أن ~~اسكتوا، نقله الكلبي وغيره. # والقول الثالث: أن معنى الآية أنهم كذبوا الرسل في أقوالهم، يقال: رددت ~~قول فلان في فيه إذا كذبته. # والقول الرابع: أن الأيدي هاهنا هي النعم، ومعناه: ردوا ما لو قبلوا كانت ~~آيادي ونعما. PageV03P106 # * (كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) قالت ~~رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر ms0790 مثلنا تريدون أن تصدونا عما ~~كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر ~~مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان ~~إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) * * وقوله: * (في أفواههم) ~~يعني: بأفواههم، ومعناه: بألسنتهم تكذيبا. وأشرق الأقاويل هو القول الأول، ~~والقول الثالث محكي عن ابن عباس. # وقوله: * (وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به) أي: جحدنا بما أرسلتم به. # وقوله: * (وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) أي: مرتاب، والشك هو ~~التردد بين طرفي نقيض. # قوله تعالى: * (قالت رسلهم أفي الله شك) معناه: ليس في الله شك، وهذا ~~استفهام بمعنى نفي ما اعتقدوه. وقوله: * (فاطر السماوات والأرض) خالق ~~السماوات والأرض. وقوله: * (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم) قال أبو عبيدة: ' ~~من ' صلة، ومعناه: ليغفر لكم ذنوبكم. # وقوله: * (ويؤخركم إلى أجل مسمى) إلى حين استيفاء آجالكم. وقوله: * ~~(قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا) أي: تمنعونا. * (عما كان ~~يعبد آباؤنا) ظاهر المعنى. وقوله: * (فأتونا بسلطان مبين) أي: بحجة ~~[ومعجزة] بينة، والسلطان هاهنا: هو البرهان الذي يرد المخالف إلى الحق. # قوله تعالى: * (قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم) أي: ما نحن إلا بشر ~~مثلكم. * (ولكن الله يمن على من يشاء من عباده) يعني: ينعم على من يشاء من ~~عباده بالنبوة، وقيل: بالتوفيق والهداية. # وقوله: * (وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان) أي: بحجة ومعجزة. * (إلا بإذن ~~الله) PageV03P107 # (* (11) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) وقال الذين كفروا لرسلهم ~~لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ~~(13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) واستفتحوا ~~وخاب كل جبار عنيد (15) من) * * أي: بأمر الله. * (وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وما لنا ألا نتوكل على الله) معناه: وأي شيء لنا في ألا ~~نتوكل على الله؛ وقد عرفنا أنه لا ينال شيء ms0791 بجهد إلا بعد أن يقضيه الله ~~تعالى ويقدره. وقوله: * (وقد هدانا سبلنا) أي: أرشدنا إلى سبل الحق. # وقوله: * (ولنصبرن على ما آذيتمونا) والآية تعليم المؤمنين وإرشادهم إلى ~~الصبر على أذى مخالفي الحق. قوله: * (وعلى الله فليتوكل المتوكلون) ظاهر ~~المعنى. # وقوله: * (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا) قد بينا هذا في سورة الأعراف، وهو في قوله تعالى: * (أو لتعودن في ~~ملتنا). # وقوله: * (فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين) أي: المشركين. # وقوله: * (ولنسكننكم الأرض من بعدهم) يعني: نجعل ديارهم موضع سكناكم، ~~وهذا في معنى قوله تعالى: * (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم). # وقوله: * (ذلك لمن خاف مقامي) الفرق بين المقام والمقام: أن المقام موضع ~~الإقامة، والمقام فعل الإقامة. فإن قيل: كيف يكون لله مقام، وقد قال: * ~~(ذلك لمن خاف مقامي)؟ قلنا: أجمع أهل التفسير أن معناه: ذلك لمن خاف مقامه ~~بين يدي، وهو مثل قوله تعالى: * (ولمن خاف مقام ربه جنتان). # وقوله: * (وخاف وعيد) أي: عقابي. # قوله تعالى: * (واستفتحوا) معناه: واستنصروا، وفي الخبر: ' أن النبي ~~يستفتح بصعاليك المهاجرين ' أي: يستنصر من الله بحقهم. PageV03P108 # * (ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه ~~الموت من) * * وقوله: * (وخاب كل جبار عنيد) وخاب أي: خسر، وقيل: وهلك كل ~~جبار. والجبار هو الذي لا يرى فوقه أحد، والجبرية طلب العلو بما لا غاية ~~وراءه، وهو وصف لا يصح إلا لله، وأما في وصف الخلق فهو مذموم، وقيل: الجبار ~~هو الذي يجبر الخلق على مراده. وأما العنيد: هو المعاند للحق. # قوله تعالى: * (من ورائه جهنم) الأكثرون معناه: من أمامه جهنم. قال ~~الشاعر: # (ومن ورائك يوم أنت بالغه * لا حاضر معجز عنه ولا باد) يعني: من أمامك، ~~وقال أبو عبيدة: قوله: * (ومن ورائه جهنم) يعني: من بعده جهنم. وقوله: * ~~(ويسقى من ماء صديد) معناه: من ماء هو صديد. والصديد ما يسيل من الكفار من ~~القيح والدم، والأصل في الصديد هو الماء الذي يخرج من الجرح مختلطا بالدم ~~والقيح، وقيل: من ماء صديد ms0792 أي: من ماء كالصديد. # وقوله: * (يتجرعه) أي: يشربه جرعة جرعة من مرارته وشدته. وفي الحديث أن ~~النبي قال: ' إذا أدناه من وجهه شوى وجهه وسقطت فروة رأسه، وإذا شربه تقطعت ~~أمعاؤه، وخرجت الأمعاء من دبره '. # وقوله: * (ولا يكاد يسيغه) يعني: لا يسيغه، وقيل معناه: يكاد لا يسيغه، ~~ويسيغه؛ ليغلي في جوفه. وقوله: * (ويأتيه الموت من كل مكان) قال إبراهيم ~~التيمي: من كل شعرة من جسده، وقيل: يأتيه الموت من قدامه ومن خلفه، ومن ~~فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله. # وقوله: * (وما هو بميت) يعني: عليه شدة الموت ولا يموت، وهو في معنى قوله ~~PageV03P109 # * (كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (17) مثل الذين كفروا بربهم ~~أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصم لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك ~~هو الضلال البعيد (18) ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ ~~يذهبكم) * * تعالى: * (لا يموت فيها ولا يحيى). وقوله: * (ومن ورائه عذاب ~~غليظ) أي: شديد، والعذاب الغليظ هو الخلود في النار. # قوله تعالى: * (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم) وموضع المثل في قوله: * ~~(كرماد اشتدت به الريح) يعني: ذهبت الريح المشتدة به. # وقوله: * (في يوم عاصف) فيه معنيان. # أحدهما: أنه وصف اليوم بالعاصف؛ لأن فيه العصوف، كما يقال: يوم حار ويوم ~~بارد، أي: فيه الحر والبرد، قال الشاعر: # (يومين غيمين ويوما شمسا *) والمعنى الثاني: في يوم عاصف أي: في يوم عاصف ~~الريح، قال الشاعر: # (ويضحك عرفان الدروع جلودنا * إذا جاء يوم مظلم الشمس (كاسف)) أي: كاسف ~~الشمس. # وقوله * (لا يقدرون مما كسبوا على شيء) لأن أعمالهم قد ذهبت وبطلت ~~كالرماد الذي ذهبت به الريح العاصف. # وقوله: * (ذلك هو الضلال البعيد) الخطأ الطويل. # قوله تعالى: * (ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق) معنى خلق ~~السماوات والأرض بالحق: ما نصب فيها من الدلائل على وحدانيته وسائر صفاته. # وقوله: * (إن يشأ يذهبكم) يعني: إن يشأ يهلككم. * (ويأت بخلق جديد) أي: ~~بقوم آخرين، وهو في معنى قوله تعالى: * (وإن تتولوا ms0793 يستبدل قوما غيركم). ~~PageV03P110 # * (ويأت بخلق جديد (19) وما ذلك على الله بعزيز (20) وبرزوا لله جميعا ~~فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب ~~الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما ~~لنا من محيص (21) وقال) * * قيل في التفسير: قوما أطوع لله منكم. وقوله: * ~~(وما ذلك على الله بعزيز) أي: شديد؛ وذلك لأن الأشياء كلها سهلة هينة في ~~القدرة، ولا يصعب على الله شيء من الأشياء وإن جل وعظم. # قوله تعالى: * (وبرزوا لله جميعا) أي: خرجوا من قبورهم إلى الله جميعا. # وقوله: * (فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا) معنى الذين ~~استكبروا: يعني تكبروا على الناس، وتكبروا عن الإيمان، وهم القادة ~~والرؤساء. # وقوله: * (إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون) كنا لكم تبعا، أي: أتباعا * ~~(فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء) أي: دافعون عنا من عذاب الله من ~~شيء. وقوله: * (قالوا لو هدانا الله لهديناكم) معناه: لو هدانا الله ~~لدعوناكم إلى الهدى، فلما أضلنا دعوناكم إلى الضلالة. # وقوله: * (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا) في الآثار أنهم يقولون: قد جزع ~~أقوام في الدنيا؛ فنجوا فنحن نجزع لننجوا، فيجزعون مدة مديدة فلا يرون ~~نجاة، فيقولون: قد صبر أقوام في الدنيا، فنحن نصبر للنجوا، فيصبرون مدة ~~مديدة، فلا يرون نجاة فيقولون بعد ذلك: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا. # قوله: * (ما لنا من محيص) أي: منجي ومخلص، ويقال: يجزعون مائة سنة، ~~ويصبرون مائة سنة، ويقال: فلان وقع في حيص بيص، وحاص وباص إذا وقع في أمر ~~لا مخلص عنه. # قوله تعالى: * (وقال الشيطان لما قضى الأمر) قوله: * (لما قضى الأمر) دخل ~~أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وفي بعض الآثار: ' أنه يوضع لإبليس منبر ~~من نار فيصعد عليه ويخطبهم ' وذلك حين يتعلقون به، ويقولون: أنت فعلت بنا ~~هذا. PageV03P111 # * (الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ms0794 فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم (22) وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري ~~من تحتها) * * وقوله: * (إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم) ووعد ~~الحق هو الذي يقع الوفاء [به]. وقوله: * (ووعدتكم فأخلفتكم) هو ما لا يقع ~~به الوفاء، وقيل: إنه يقول لهم: قلت لكم لا بعث ولا جنة ولا نار، وغير ذلك. # وقوله: * (وما كان لي عليكم من سلطان) معناه: أني لم آتكم بحجة فيما ~~دعوتكم إليه. وقوله: * (إلا أن دعوتكم) هذا استثناء منقطع، ومعناه: ولكن ~~دعوتكم أي: زينت لكم. قوله: * (فاستجبتم لي) أي: أجبتم لي. وقوله: * (فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم) يعني: لا تعودوا باللائمة علي، وعودوا باللائمة على ~~أنفسكم. # وقوله: * (ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي) معناه: ما أنا بمعينكم وما ~~أنتم بمعيني، وقيل [معناه]: ما أنا بمنجيكم وما أنتم بمنجي، وقرأ حمزة: ' ~~وما أنتم بمصرخي ' بكسر الياء، وأهل النحو لا يرضون هذه القراءة، وذكر ~~الفراء شعرا يدل على قراءة حمزة. قيل: إنه لغة بني يربوع. والشعر: # (قال لها هل أنت يا باغي * قالت له ما أنت بالمرضي) وقوله: * (إني كفرت ~~بما أشركتمون من قبل) فيه قولان: أحدهما: إني كفرت بجعلكم إياي شريكا في ~~عبادة الله وطاعته، والقول الثاني: إني كفرت قبل أن أشركتموني في عبادته، ~~يعني: كفرت قبل كفركم. # وقوله: * (إن الظالمين لهم عذاب أليم) أي: وجيع. PageV03P112 # * (الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) ألم تر كيف ضرب ~~الله مثلا) * * قوله تعالى: * (وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار) قد بينا. * (خالدين فيها) مقيمين فيها أبدا. * ~~(بإذن ربهم) بأمر ربهم. # قوله: * (تحيتهم فيها سلام) وفي المحيي بالسلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المحيي بالسلام هو الله تعالى، والآخر: هم الملائكة، والثالث: ~~أن المحيي بالسلام بعضهم على بعض. # قوله تعالى: * (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة) المثل قول سائر ~~لتشبه شيء بشيء في المعنى. وقوله: * (كلمة طيبة) أجمع ms0795 المفسرون على أن ~~الكلمة الطيبة هاهنا: لا إله إلا الله. # وقوله: * (كشجرة طيبة) أكثر أهل التفسير على أن الشجرة الطيبة هاهنا: هي ~~النخلة، وقد بينت برواية ابن عمر عن النبي أنه قال لأصحابه: ' أخبروني عن ~~شجرة هي مثل المؤمن؟ فوقعت الصحابة في شجر البوادي. قال ابن عمر: ووقع في ~~نفسي أنها النخلة، ثم إن النبي قال: هي النخلة. قال ابن عمر: فذكرت لأبي ~~أنه كان وقع في نفسي كذا، فقال: لو كنت قلته كان أحب إلي من حمر النعم '. # وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: ' أكرموا النخلة فإنها عمتكم '. # ومعناه: أنها خلقت من فضل طينة آدم. PageV03P113 # * (كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل ~~حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) ومثل كلمة ~~خبيثة كشجرة) * * والقول الثاني: أن الشجرة الطيبة شجرة في الجنة، وقد حكي ~~هذا عن ابن عباس، وقيل: إن الشجرة الطيبة شجرة جوز الهندي. # وقوله: * (أصلها ثابت) أي: ثابت في الأرض. وقوله: * (وفرعها في السماء) ~~أي: أعلاها في السماء. # وقوله: * (تؤتي أكلها كل حين) الحين في اللغة هو الوقت، وفي معنى الحين ~~أقوال: قال ابن عباس: ستة أشهر؛ لأنها من حين ضرابها إلى حين إطلاعها، وقال ~~مجاهد: الحين هاهنا هو سنة كاملة؛ لأن النخلة تثمر كل سنة. # وعن سعيد بن المسيب قال: أربعة أشهر لأنها من حين ظهورها إلى حين ~~إدراكها، وقال بعضهم: شهران؛ لأنه من حين يؤكل إلى حين يصرم. # والقول الخامس: أنه غدوة وعشية؛ لأن ثمر النخلة يؤكل منها أبدا، إما ~~رطبا، وإما تمرا وإما بسرا. # وقوله: * (بإذن ربها) أي: بأمر ربها. وقوله: * (ويضرب الله الأمثال ~~للناس) موضع المثل أن الإيمان ثابت في القلب، والعمل صاعد إلى السماء، ~~كالنخلة ثابت أصلها في الأرض، وفروعها مرتفعة إلى السماء، موضع المثل في ~~قوله: * (تؤتي أكلها كل حين) لأن فائدة الإيمان وبركته لا تنقطع أبدا، بل ~~تصل إلى المؤمن في كل وقت، كما أن نفع النخلة وبركتها تصل إلى حاجتها في كل ms0796 ~~وقت. # واستدل بعضهم على أن النخلة تشبه الآدمي؛ لأنها محتاجة إلى اللقاح، ~~كالآدمي لا يولد له حتى يلقح. قوله: * (لعلهم يتذكرون) أي: يتعظون. # قوله تعالى: * (ومثل كلمة خبيثة) الكلمة الخبيثة هي الشرك. وقوله: * ~~(كشجرة خبيثة) اختلفوا فيها، قال أنس بن مالك: هي الحنظلة، وعن ابن عباس ~~قال: هي الثوم، وقيل: إنها الكشوثا، وهي العشقة. PageV03P114 # * (خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت) * * وقوله: * (اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار) أي: ~~اقتلعت من فوق الأرض. وقوله: * (ما لها من قرار) أي: ما لها من ثبات، ~~وحقيقة المعنى أنه ليس لها أصل ثابت في الأرض، ولا فرع يصعد إلى السماء، ~~وموضع المثل معلوم. # قوله تعالى: * (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) القول الثابت: كلمة ~~التوحيد وهي لا إله إلا الله، وقال: * (يثبت الله) لأنه هو المثبت للإيمان ~~في قلوب المؤمنين. # وقوله: * (في الحياة الدنيا) يعني: قبل الموت. وقوله * ([و] في الآخرة) ~~أي: في القبر، وعليه أكثر أهل التفسير، وقد ثبت ذلك عن النبي برواية البراء ~~بن عازب، وهو قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجماعة من ~~الصحابة. # واعلم أن سؤال القبر ثابت في السنة، والإيمان به واجب، وقد وردت فيه ~~الأخبار الكثيرة، روى أبو سعيد الخدري: ' أن النبي كان في جنازة، فذكر ~~لأصحابه أنه يدخل على الرجل في قبره ملكان ويسألانه، فيقولان: من ربك؟ وما ~~دينك؟ ومن نبيك؟ قال: فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي ~~محمد. فيفتح له باب إلى النار، فيقال له: هذا كان مكانك لو قلت غير هذا، ثم ~~يفتح له باب إلى الجنة، ويفسح له في قبره مد البصر. وأما الكافر فيقول ~~الملكان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان: لا دريت ~~ولا تليت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقولان: هذا مكانك لو أجبت، ثم يفتح ~~له باب إلى النار، ويضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، ويضربانه بمطرقة من ~~نار ms0797 فيصيح صيحة يسمعها كل الخلائق إلا الثقلين '. PageV03P115 # * (في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ~~(27) ألم تر إلى) * * وفي بعض الأخبار: ' أن النبي قال: لو نجا أحد من عذاب ~~القبر لنجا سعد بن معاذ، ولقد ضمه القبر ضمة أو ضمتين ' وروي أن النبي قال ~~لعمر: ' كيف بك إذا أتاك ملكان... ' الخبر. فقال: يا رسول الله، ومعي عقلي؟ ~~قال: نعم. قال: أكفيهما إذا '. # وقيل: إن عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من ترك الاستنزاه من البول، وثلث ~~من الغيبة، وثلث من المشي بالنميمة. والله أعلم. # وفي الآية قول آخر: أن الحياة الدنيا هي القبر، وفي الآخرة هي القيامة، ~~والقول الأول أصح. # وقوله: * (ويضل الله الظالمين) معناه: أنه لا يهدي المشركين إلى هذا ~~الجواب، ولا يلقنهم إياه. وقوله: * (ويفعل الله ما يشاء) من التوفيق ~~والخذلان والتثبيت وترك التثبيت. # قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) الآية [فيها] ~~ثلاثة PageV03P116 # * (الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) جهنم ~~يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن ~~مصيركم إلى النار) * * أقوال: أحدها: أنهم كفار قريش، والآخر: أنهم قادة ~~المشركين ببدر، قاله ابن عباس، والثالث: روي عن علي - رضي الله عنه - أنه ~~سئل عن هذه الآية فقال: هم الأفجران بنو المغيرة وبنو أمية: فأما بنو ~~المغيرة فقتلوا يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. # وقوله: * (وأحلوا قومهم دار البوار) أي: دار الهلاك، وهي جهنم قال ~~الشاعر: # (إن لقيما وإن قتلا * وإن لقمان حيث باروا) يعني: هلكوا. وقوله: * (جهنم ~~يصلونها [وبئس] القرار) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وجعلوا لله أندادا) أي: شركاء وأمثالا، قال حسان بن ثابت: ~~شعرا: # (أتهجوه ولست له بند * فشركما لخير كما الفداء) واعلم أن الله ليس له ضد ~~ولا ند. أما الند الذي هو المثل فمعلوم، وأما الضد فلأن فيه معنى من ~~المثلية، والله ليس له مثل بوجه ما. # وقوله: * (ليضلوا عن سبيله) إنما نسب إليهم الضلالة، لأنهم سبب في ~~(الضلال)، ms0798 وهذا كما يقول القائل: فتنتني الدنيا؛ نسب الفتنة إلى الدنيا، ~~لأنها سبب في الفتنة. وقوله: * (ليضلوا عن سبيله) ظاهر المعنى. # وقوله: * (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) قال ابن عباس: لو أن كافرا ~~كان في أشد بؤس وضر لا يهدأ ليلا ولا نهارا، كان ذلك نعيما في جنب ما يصير ~~إليه في الآخرة، ولو أن مؤمنا كان في أنعم عيش، كان ذلك بؤسا في جنب ما ~~يصير إليه في الآخرة. # وقوله: * (فإن مصيركم إلى النار) أي: مرجعكم إلى النار. PageV03P117 # (* (30) قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) الله الذي خلق ~~السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر ~~لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس ~~والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار) * * وقوله تعالى: * (قل لعبادي ~~الذين آمنوا يقيموا الصلاة) هذا خبر بمعنى الأمر، أي: أقيموا الصلاة. ~~وقوله: * (وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية) يعني: جهرا وغير جهر. وقيل: ~~نفلا سرا، وفرضا جهرا. # وقوله: * (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه) قال أبو عبيدة: يعني لا فداء ~~فيه * (ولا خلال) أي: لا مخالة ولا صداقة، وهذا معنى قوله تعالى: * ~~(الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين). # قوله تعالى: * (الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج ~~به من الثمرات رزقا لكم) ظاهر المعنى. # وقوله: * (وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره) أي: بعلمه وإذنه. # وقوله: * (وسخر لكم الأنهار) أي: ذلل لكم الأنهار تجرونها حيث شئتم. # وقوله: * (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) وذلك لكم، وتسخير الشمس والقمر ~~هو جريانهما على وتيرة واحدة فيما يعود إلى مصالح العباد. # وقوله: * (دائبين) معناه: أنهما لا يفتران ولا يقفان، والدأب في الشيء هو ~~الجري على عادة واحدة. # وقوله: * (وسخر لكم الليل والنهار) ظاهر المعنى. وقوله: * (وآتاكم من كل ~~ما سألتموه) قرىء بقراءتين، المعروف: * (من كل ما سألتموه)، ويقرأ: ' من كل ~~ما ms0799 سألتموه ' بالتشديد والتنوين، فالقول المعروف معناه: يعني من كل الذي ~~سألتموه. # فإن قال قائل: نحن نسأله أشياء ولا يعطينا؟ والجواب: أن جنسه يعطي ~~الآدميين PageV03P118 # (* (33) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن ~~الإنسان لظلوم كفار (34) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام) * * وإن لم يعطه على التعيين؛ فاستقام الكلام على ~~هذا، وقيل معناه: من كل ما سألتموه، ولم تسألوه. وأما القراءة الثانية، ~~فمعنى ' ما ' هو النفي، ومعناه: أعطاكم أشياء لم تسألوها، فإن الله تعالى ~~أعطانا الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والرياح، وما أشبه ذلك ولم ~~نسأله شيئا منها. # وقوله: * (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) قال أبو العالية: معناه: لا ~~تطيقوا عدها، وقيل: لا تطيقون شكرها. # وقوله: * (إن الإنسان لظلوم كفار) يعني: ظالم لنفسه كافر بربه، ويقال: إن ~~هذه الآية نزلت في أبي جهل خاصة، ويقال: إنها نزلت في جنس الكفار، ويجوز أن ~~يذكر الإنسان ويراد به جنس الناس، قال الله تعالى: * (والعصر إن الإنسان ~~لفي خسر) وقيل: [الظالم] هو الذي يشكر غير من أنعم عليه، والكافر هو الذي ~~يجحد منعمه. # قوله: * (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا) أجمعوا أن البلد هو ~~مكة، وقوله: * (آمنا) أي: ذا أمن. # وقوله: * (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) معناه: بعدني وبني من عبادة ~~الأصنام، فإن قال قائل: قد كان إبراهيم معصوما عن عبادة الأصنام، فكيف ~~يستقيم سؤاله لنفسه، وقد عبد كثير من بنيه الأصنام، فأين الإجابة؟ # الجواب: أما في حق إبراهيم، فالدعاء لزيادة العصمة والتثبيت، وأما في حق ~~البنين فيقال: إن الدعاء لبنيه من الصلب، ولم يعبد أحد منهم الصنم، وقيل: ~~إن دعاءه لمن كان مؤمنا من بنيه. PageV03P119 # (* (35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم (36) ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ~~ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ~~لعلهم) * * وقوله: * (رب إنهن أضللن ms0800 كثيرا من الناس) نسب الضلالة إليهن لما ~~بينا من المعنى. وقوله: * (فمن تبعني فإنه مني) أي: من أهل ديني. # وقوله: * (ومن عصاني فإنك غفور رحيم) يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه قال هذا قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك. # والآخر: أن المراد من العصيان هو ما دون الشرك. # قوله تعالى: * (ربنا إني أسكنت) يعني: أنزلت. قوله تعالى: * (من ذريتي) ~~الذرية هاهنا إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر. # وفي القصة: أنه حمل هاجر وإسماعيل وهو طفل يرضع، وكانوا ثلاثتهم على ~~البراق، فجاء بهم إلى موضع البيت، وهي مدرة حمراء، فقال له جبريل: هاهنا ~~أمرت. فأنزل إسماعيل وأمه في موضع الحجر، ومضى راجعا إلى الشام، فنادته ~~هاجر، يا خليل الله، إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله تعالى. قالت: قد قبلنا ~~ذلك، والقصة في هذا معروفة. # وقوله: * (بواد غير ذي زرع) قال هذا لأن مكة بين جبلين، وهي واد. # وقوله: * (عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة) سماه محرما؛ لأنه يحرم ~~عنده ما لا يحرم عند غيره. # وقوله: * (فاجعل أفئدة من الناس) الأفئدة جمع الفؤاد، قال ابن عباس: لو ~~قال ' أفئدة الناس ' لزاحمتكم [فارس] والروم، وفي رواية: الترك والديلم، ~~وفي رواية عن غيره: لحجت اليهود والنصارى والمجوس. # وقوله: * (تهوي إليهم) أي: تحن إليهم، قال السدي معناه: أمل قلوبهم إلى ~~هذا PageV03P120 # * (يشكرون (37) ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء ~~في الأرض ولا في السماء (38) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا ~~وتقبل دعاء) * * لموضع؛ فإن الإنسان يميل مع قلبه حيث مال. # وقوله: * (وارزقهم من الثمرات) في بعض الأخبار: أن الله تعالى قلع قرية ~~من الشام بأشجارها وأرضها فوضعها بمكان الطائف. وقوله: * (لعلهم يشكرون) ~~ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء ~~في الأرض ولا في السماء) ظاهر المعنى. # وقوله: * (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق). ms0801 في القصة: ~~أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وإسحاق ولد له بعد ذلك بثلاث ~~عشرة سنة. ويقال: إن إسماعيل ولد له بعد أن بلغ سنة مائة [وسبع] عشرة سنة. ~~وقوله: * (إن ربي لسميع الدعاء) ظاهر المعنى. # قوله: * (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) يعني: ممن يقيم الصلاة ~~بحدودها وأركانها، ويحافظ عليها. قوله: * (ومن ذريتي) معناه: واجعل من ~~ذريتي من يقيمون الصلاة. قوله: * (ربنا وتقبل دعاء) أي: واستجب دعائي. # قوله: * (ربنا اغفر لي ولوالدي) قرأ سعيد بن جبير: * (ولوالدي)، وقرأ ~~إبراهيم النخعي ويحيى بن يعمر: ' ولوالدتي '، والمعروف: * (ولوالدي). # فإن قال قائل: كيف استغفر لوالديه ولم يكونا آمنا؟ # والجواب عنه: قد قيل: إن أمه قد أسلمت، وأما الوالد فإنما استغفر له قبل ~~أن يتبين له أنه مقيم على الشرك، وقد بينا هذا من قبل، وقيل: ولوالدي آدم ~~وحواء، وقيل: نوح وأم إبراهيم. PageV03P121 # (* (40) ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) ولا تحسبن ~~الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (42) ~~مهطعين مقنعي) * * وفي تفسير الدمياطي: أن قوله: * (ولوالدي) أي: لولدي، ~~قال ابن فارس: ويجوز هذا في اللغة، وهو أن يذكر الوالد بمعنى المولود، كما ~~يقال: ماء دافق أي: مدفوق. وقوله: * (وللمؤمنين) ظاهر المعنى. # وقوله: * (يوم يقوم الحساب) أي: يوم يحاسب الله الخلق. # قوله تعالى: * (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) الآية. الغفلة ~~معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~هذه الآية تعزية للمظلوم وتسلية له، وتهديد للظالم. # وقوله: * (إنما يؤخرهم) معناه: إنما يمهلهم. وقوله: * (ليوم تشخص فيه ~~الأبصار) يعني: من الدهش والحيرة وشدة الأمر، ومعنى تشخص أي: ترتفع وتزول ~~عن أماكنها. # وقوله * (مهطعين) الأكثرون أن معناه مسرعين، وقال أبو العباس أحمد بن ~~يحيى الثعلب: الإهطاع هو النظر في (الذل والخضوع). وقيل: مهطعين أي: مديمي ~~النظر لا يطرفون. ومعنى الإسراع الذي ذكرنا هو أنهم لا يلتفتون يمينا ولا ~~شمالا، ولا يعرفون مواطن أقدامهم، وليس لهم همة ولا نظر إلى ms0802 ما يساقون ~~إليه. # وقوله: * (مقنعي رؤوسهم) يقال: أقنع رأسه أي: رفعه، وأقنع رأسه إذ خفضه، ~~فإن كان المراد هو الرفع فمعناه: أن أبصارهم إلى السماء ينظرون ماذا يرد ~~عليهم من الله تعالى، وإن حمل الإقناع على خفض الرأس فمعناه: مطرقون ~~ناكسون، قال الشاعر: # (نغض رأسي نحوه وأقنعا * كأنما يطلب شيئا أطمعا) وقال المؤرج: رفعوا ~~رؤوسهم حتى كادوا يضعونها على أكتافهم. PageV03P122 # * (رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) وأنذر الناس يوم ~~يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع ~~الرسل أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) وسكنتم في مساكن ~~الذين ظلموا أنفسهم) * * وقوله * (لا يرتد إليهم طرفهم) يعني: لا يرجع ~~إليهم طرفهم، فكأنه ذهلهم ما بين أيديهم فلا ينظرون لشيء سواه. # وقوله: * (وأفئدتهم هواء) قال أبو عبيدة: متخرقة لا تعي شيئا، وقال ~~قتادة: خرجت قلوبهم عن صدورهم حتى بلغت الحناجر من شدة ذلك اليوم وهوله ~~فهذا معنى قوله: * (وبلغت القلوب الحناجر)، فعلى هذا قوله: * (وأفئدتهم ~~هواء) أي: خالية، ومنه سمي الجو هواء لخلوه، وقيل: خالية عن العقول؛ فكأنها ~~ذهبت من الفزع والخوف. # وقال سعيد بن جبير: ' وأفئدتهم هواء ' أي: مترددة لا تستقر في مكان، ~~وقيل: هواء أي: متخربة من الجبن والفزع. قال حسان بن ثابت: # (ألا أبلغ أبا سفيان عني * فأنت مجوف نخب هواء) حقيقة المعنى من الآية أن ~~القلوب زائلة عن أماكنها، والأبصار شاخصة من هول ذلك اليوم. # وقوله: * (وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب) يعني: خوف الناس. # قوله: * (فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب) معناه: أمهلنا. # وقوله: * (إلى أجل قريب) هذا سؤال الرجعة، كأنهم سألوا ردهم إلى الدنيا. # وقوله: * (نجب دعوتك ونتبع الرسل) ظاهر المعنى. وقوله: * (أو لم تكونوا ~~أقسمتم) أي حلفتم في الدنيا. وقوله: * (من قبل ما لكم من زوال) يعني: ليس ~~لكم بعث ولا جزاء ولا حساب. # وقوله: * (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) أي: ظلموا أنفسهم ~~PageV03P123 # * (وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (45) وقد مكروا ms0803 مكرهم ~~وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) فلا تحسبن الله مخلف ~~وعده رسله) * * فأهلكناهم. وقوله: * (وتبين لكم كيف فعلنا بهم) يعني: عرفتم ~~عقوبتنا إياهم. # وقوله: * (وضربنا لكم الأمثال) أي: الأشباه، ومعناه: بينا أن مثلكم ~~كمثلهم. # قوله تعالى: * (وقد مكروا مكرهم) أي: كادوا كيدهم. # وقوله: * (وعند الله مكرهم) أي: عند الله جزاء مكرهم. # وقوله: * (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) قرئ بقرائتين: ' لتزول ' و ' ~~لتزول ' قرأه الكسائي وحده بنصب اللام. # أما قوله: * (لتزول) - بكسر اللام وعليه الأكثرون - معناه: وما كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال، يعني: أن مكرهم لا يزيل أمر محمد الذي هو ثابت كثبوت ~~الجبال. # وقيل: إن معنى الآية بيان ضعف كيدهم ومكرهم، وأنه لا يبلغ هذا المبلغ، ~~وأما قوله: ' وإن كان مكرهم لتزول ' بنصب اللام الأول ورفع الثاني معناه: ~~أن مكرهم لو بلغ في العظم بمحمد يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة أمر محمد. ~~وقرأ عمر وابن مسعود وابن عباس وجماعة: ' وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال:. ~~وعن أبي بن كعب أنه قرأ: ' ولولا كلمة الله لزال بمكرهم الجبال '. # وعن علي رضي الله عنه في معنى الآية: وهو أنها نزلت في نمروذ حين قال: ~~لأصعدن السماء، واتخذ النسور وجوعها ثم اتخذ تابوتا، ونصب خشبات في ~~أطرافها، وجعل على رءوسها اللحم، ثم ربط قوائم النسور على الخشبات وخلاها، ~~فاستعلت النسور، وقد جلس نمروذ في التابوت مع حاجبه، وقيل: مع غلام له، ~~وللتابوت بابان: باب من أعلى، وباب من أسفل، وقال: فلما صعدت النسور في ~~السماء، ومضى على ذلك يوم، قال لغلامه: افتح الباب السفلى، فإذا الأرض ~~PageV03P124 # * (إن الله عزيز ذو انتقام (47) يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ~~وبرزوا لله) * * كاللجة، فقال: افتح الباب الأعلى فإذا السماء كما هي، ثم ~~مر [يوم] آخر فقال: افتح الباب الأسفل ففتح فإذا الأرض كالدخان، فقال: افتح ~~الباب الأعلى ففتح فإذا السماء كما هي، فأمر غلامه حتى يصوب رؤوس النسور ~~والخشبات، فجاء التابوت إلى جانب الأرض وله هدة عظيمة، فخافت الجبال أنه ms0804 ~~جاء من السماء أمر، وكادت تزول عن أماكنها، فهذا معنى قوله: * (وإن كان ~~مكرهم لتزول) - بنصب اللام الأولى ورفع الثاني - * (منه الجبال). # وفي الآية قول آخر - وهو قول قتادة - أن معناها: وإن كان شركهم لتزول منه ~~الجبال، وهو معنى قوله تعالى * (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا). # قوله تعالى: * (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) قيل: هذا من المقلوب ~~ومعناه: مخلف رسله وعده. قوله: * (إن الله عزيز ذو انتقام) قد بينا المعنى. # قوله تعالى: * (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا) قال ابن ~~مسعود: تبدل هذه الأرض بأرض بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم، ولم يعمل فيها ~~بخطيئة، وأما السماء تبدل بسماء من ذهب. # والقول الثاني: قاله أبو جعفر محمد بن علي الباقر ومحمد بن كعب: أنه تبدل ~~الأرض بأرض من خبزة يأكلون منها، وقرأ أبو جعفر: * (وما جعلناهم جسدا لا ~~يأكلون الطعام) والقول المعروف في الآية أن تبديل الأرض هو تغييرها من هيئة ~~إلى هيئة، كالرجل يقول لغيره: تبدلت بعدي، أي: تغيرت هيئتك وحالك. وتغيير ~~الأرض بتسيير جبالها، وطم أنهارها، وتسوية أوديتها، وقلع أشجارها وجعلها ~~قاعا PageV03P125 # * (الواحد القهار (48) وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) ~~سرابيلهم من) * * صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وأما تبديل السماوات ~~بتغيير حالها، وذلك بتكوير شمسها وقمرها، وانتثار نجومها، وكونها مرة ~~كالدهان، وهو الأديم الأحمر، ومرة كالمهل، وقيل: إن معنى التبديل هو أنه ~~يجعل السماوات جنانا والأرضين نيرانا، وقد صح عن النبي برواية مسروق عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ' يا رسول الله، قوله تعالى: * (يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض) أين يكون الناس حينئذ؟ فقال عليه السلام: على الصراط ' ~~وإذا ثبت هذا فالأولى هو هذا القول. # أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الحسن بن عبد الرحمن الشافعي، قال أبو الحسين ~~بن فارس، قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن يزيد ~~المقرئ قال: حدثنا جدي محمد بن عبد الله، قال: نا ms0805 سفيان بن عيينة، عن داود ~~بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة عن النبي... الخبر. # وقوله: * (وبرزوا لله الواحد القهار) معناه: وخرجوا من قبورهم لله الواحد ~~القهار يحكم فيهم بما أراد. # قوله: * (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد) يقال: صفده إذا قيده، ~~وأصفده إذا أعطاه، قال الأعشى: # (تضيفته يوما فأكرم مقعدي * وأصفدني على الزمانة قائدا) أصفدني أي: ~~أعطاني. وقوله: * (مقرنين) أي: مجعولين بعضهم مع بعض في السلاسل والأقياد، ~~وقيل: إنه يقرن كل كافر مع شيطان في كل سلسلة وقيد، ذكره الكلبي، ويقال: ~~تجمع رجلاه إلى عنقه ويغل، فهو معنى قوله: * (مقرنين في الأصفاد). ~~PageV03P126 # * (قطران وتغشى وجوههم النار (50) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله ~~سريع الحساب (51) هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد ~~وليذكر أولوا الألباب (52)) * * وقوله: * (سرابيلهم من قطران) أي: قميصهم ~~من قطران، والقطران ما تهنأ به الإبل، وقرأ ابن عباس وعكرمة: ' من قطرآن ' ~~أي: من صفر مذاب، (قال): انتهى حره. وقيل: من نحاس مذاب قد انتهى حره. قال ~~أهل المعاني: وإنما ذكر أن قميصهم من قطران؛ لأن النار إليه أسرع اشتعالا. # وقوله: * (وتغشى وجوههم النار) معناه: وتعلو وجوههم النار، وقيل: تصلى. # وقوله: * (ليجزي الله كل نفس بما كسبت) يعني: ما كسبت من خير وشر. # وقوله: * (إن الله سريع الحساب) معناه: سريع المجازاة، وحقيقة الحساب ~~إحصاء ما عمله الإنسان من خير أو شر ليجازي عليه. # قوله تعالى: * (هذا بلاغ للناس) يعني: هذا القرآن، وهذا الذي أنزلته عليك ~~بلاغ للناس، أي: فيه تبليغ للناس. قوله: * (ولينذروا به) أي: [و] ليخوفوا ~~به. # وقوله: * (وليعلموا أنما هو إله واحد) أي: ليستدلوا بهذه الآيات على ~~وحدانية الله تعالى. # وقوله: * (وليذكر أولو الألباب) معناه: وليتعظ أولو الألباب - أي أولو ~~العقول -، وفي بعض التفاسير: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه. والله أعلم. PageV03P127 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) ربما يود ~~الذين كفروا لو كانوا مسلمين)) * * تفسير سورة الحجر وهي مكية ms0806 قوله تعالى: ~~* (الر) معناه: أنا الله أرى، وقيل: ' الر '، و ' حم ' و ' ن ' هو الرحمن. ~~* (تلك آيات الكتاب) معناه: هذه آيات الكتاب. # * (وقرآن مبين) معناه: أنه يبين الحلال من الحرام، والحق من الباطل، فإن ~~قال قائل: القرآن هو الكتاب، والكتاب هو القرآن، فأيش فائدة الجمع بينهما؟ # الجواب: أن كل واحد منهما يفيد معنى لا يفيده الآخر، فإن الكتاب هو ما ~~يكتب، والقرآن هو ما يجمع بعضه إلى بعض، وقيل: إن المراد من الكتاب هو ~~التوراة والإنجيل، والقرآن هو الذي أنزله الله تعالى على محمد. # قوله تعالى: * (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) اعلم أن كم ~~للتكثير، ورب للتقليل، ويقال: ربما للتشديد، وربما بالتخفيف، وربتما بالتاء ~~بمعنى واحد. قال الشاعر: # (ماوي يا ربتما غارة * شعواء كاللذعة بالميسم) وقد فصل بعضهم بين رب ~~وربما، قال: رب تدخل على الاسم، وربما على الفعل، فقال: رب رجل جاءني، ~~ويقال: ربما جاءني. # واختلف القول في الحال الذي يتمنى الكفار هذا، - والود هو التمني - ~~[فالقول] الأول: أنه في حال المعاينة، وهذا قول الضحاك. # والقول الثاني: أنه يوم القيامة، والقول الثالث - وهو الأشهر -: أنه حين ~~يخرج PageV03P128 # * (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) وما أهلكنا من ~~قرية) * * الله المؤمنين من النار. وفي الأخبار المسندة برواية أبي موسى ~~الأشعري عن النبي قال: ' يدخل الله قوما - من أهل القبلة النار مع الكفار ~~فيمكثون فيها ما شاء الله؛ فيقول الكفار لهم: أنتم مسلمون، فيقولون: نعم، ~~فيقول الكفار: ما أغنى عنكم إسلامكم شيئا، وأنتم معنا في النار، فيقولون: ~~نحن أذنبنا ذنوبا فأخذنا بها، فيسمع الله تعالى ذلك كله، فيقول: أخرجوا من ~~النار من كان مسلما - وفي رواية: من قال لا إله إلا الله - فيخرجون، فحينئذ ~~يتمنى الكفار لو كانوا مسلمين '. وفي بعض الروايات: ' أن الكفار إذا قالوا ~~للمسلمين هذه المقالة؛ يغضب الله تعالى لقولهم، فيقول: أخرجوا...، على ما ~~بينا. # فإن قال قائل: إذا كانت ربما للتقليل، فكيف يقل تمنيهم هذا، ونحن نعلم ~~حقيقة أن كلهم يتمنون هذا، وأن هذا التمني ms0807 منهم يكثر؟ # والجواب: أن العرب قد تذكر هذا اللفظ وتريد به التكثير، يقول القائل ~~لغيره: ربما تندم على هذا الفعل، وهو يعلم أنه يكثر منه الندم عليه، ويكون ~~المعنى: إنك لو ندمت قليلا لكان القليل من الندامة يكفيك للاجتناب عنه، ~~فكيف الكثير؟!. # والجواب الثاني: أن شغلهم بالعذاب لا يفرغهم للندامة، وفي بعض الآحايين ~~ربما يقع لهم هذا الندم، ويخطر ببالهم. # قوله تعالى: * (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا) الآية. هذا تهديد ووعيد، والأكل ~~معلوم، وأما التمتع هو التلذذ بطلبه حالا بعد حال (كالتعرب) هو طلبه حالا ~~بعد حال. قوله: * (ويلههم الأمل) أي: يشغلهم الأمل عن الآخرة. PageV03P129 # * (إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5) ~~وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لو ما تأتينا بالملائكة ~~إن كنت من الصادقين (7) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ~~(8) إنا نحن نزلنا الذكر) * * قوله: * (فسوف يعلمون) تهديد آخر، وقد قال ~~بعض أهل العلم: ' ذرهم ' تهديد. وقوله: * (فسوف يعلمون) تهديد آخر، فمتى ~~يهنأ العيش بين تهديدين؟. # قوله تعالى: * (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) أي: أجل مضروب ~~لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه. وقوله: * (ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون) معناه: أن العذاب المضروب لا يتقدم على وقته، ولا يتأخر عن وقته، ~~وقيل: هذا في الموت أنه لا يتقدم ولا يتأخر عن وقته. # قوله تعالى: * (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) الذكر هو ~~القرآن. وقوله: * (إنك لمجنون) خطابهم مع النبي. # وقوله ' * (يا أيها الذي نزل عليه الذكر) إنما قالوه على طريق الاستهزاء؛ ~~لأنهم لو قالوا ذلك على طريق التحقيق لآمنوا به. # قوله تعالى: * (لو ما تأتينا بالملائكة) أي: هلا تأتينا بالملائكة، قال ~~الشاعر: # (تعدون (قعر) النيب أفضل مجدكم * بنى (طوطبري) لولا الكمي المقنعا) أي: ~~هلا تعدون الكمي المقنعا. # وقوله: * (إن كنت من الصادقين) معناه: أنك نبي. # قوله تعالى: * (ما ننزل الملائكة إلا بالحق) الحق الذي تنزل به الملائكة ~~هو الوحي، وقبض [أرواح] العباد، وإهلاك ms0808 الكفار، وكتبة الأعمال، وما أشبه ~~ذلك. # وقوله: * (وما كانوا إذا منظرين) أي: مؤخرين، وقد كان الكفار يطلبون ~~إنزال PageV03P130 # * (وإنا له لحافظون (9) ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) وما ~~يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون (11) كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ~~(12) لا) * * الملائكة عيانا، فأجابهم الله تعالى بهذا، ومعناه: أنهم لو ~~نزلوا عيانا زال الإمهال عن الكفار وعذبوا في الحال. # قوله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر) يعني: القرآن * (وإنا له لحافظون) ~~فيه قولان: أحدهما: أنا نحفظ محمدا، والآخر: أنا نحفظ القرآن، وهو الأليق ~~بظاهر اللفظ، ومعنى حفظ القرآن أنه يمنع من الزيادة فيه أو النقصان عنه، ~~قال الله تعالى * (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) والباطل هو ~~إبليس، ومعناه: أن إبليس لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه، ولا أن ينقص عنه ~~ما هو منه. # قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين) الشيعة: هم القوم ~~المجتمعة المتفقة كلمتهم، ومعناه هاهنا: في أمم الأولين. # وقوله: * (وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون) هذا تسلية للنبي، ~~ومعناه: أنهم كما استهزءوا بك فقد استهزىء بالأنبياء من قبلك. # وقوله تعالى: * (كذلك نسلكه في قلوب المجرمين) قال الحسن: كذلك نسلك ~~الشرك في قلوب المجرمين، ونسلك، أي: ندخل، وقال مجاهد: نسلك التكذيب، ومعنى ~~كاف التشبيه، أي: كما فعلنا بالكفار من قبل هؤلاء، كذلك نفعل بهؤلاء ~~الكفار. وقد قال بعضهم: إن معنى قوله: * (كذلك نسلكه) أي: نسلك القرآن، ~~ومعناه: أنه لما أعطاهم ما يفهمون به القرآن، فكأنه سلك القرآن في قلوبهم. ~~والمنقول عن السلف هو القول الأول، وهو رد على القدرية صريحا. # وقوله: * (لا يؤمنون به) يعني بالنبي والقرآن. * (وقد خلت سنة الأولين) ~~أي: مضت سنة الأولين، وسنة الأولين: هو الإهلاك عند تكذيب الأنبياء. ~~PageV03P131 # * (يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (12) ولو فتحنا عليهم بابا من السماء ~~فظلوا فيه يعرجون (14) لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) ~~ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم (17) إلا ms0809 من) * * قوله تعالى: * (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء) ~~ظاهر المعنى. وقوله: * (فظلوا فيه يعرجون) يقال: ظل يفعل كذا إذا فعله ~~نهارا، وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا. # وقوله: * (يعرجون) يصعدون، يقال: عرج يعرج إذا صعد، وعرج يعرج إذا صار ~~أعرج، واختلف القول في المعنى بقوله: * (فظلوا) الأكثرون على أنهم ~~الملائكة، والقول الآخر أنهم المشركون. وقوله: * (لقالوا إنما سكرت ~~أبصارنا) قرىء بقراءتين ' سكرت ' ' سكرت ' مخفف، فمعنى التخفيف أي: سحرت، ~~ومعنى التشديد أي: سدت وأخذت، وقيل: عميت، قال عمرو بن العلاء: هو مأخوذ من ~~السكر، يعني: كما أن السكر يغطي على عقولنا، كذلك هذا غطي على أبصارنا. ~~وقوله: * (بل نحن قوم مسحورون) أي: مخدوعون، وقيل معناه: عمل فينا السحر. # قوله تعالى: * (ولقد جعلنا في السماء بروجا) البروج: هي النجوم الكبار، ~~وهو مأخوذ من الظهور، يقال: تبرجت المرأة إذا ظهرت. ويقال: إنها المنازل، ~~ويقال: إنها البروج الإثنا عشر، ويقال: إنها السبع السيارة، وعن عطية ~~العوفي: أنها قصور في السماء عليها الحرس. قوله: * (وزيناها للناظرين) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (وحفظناها من كل شيطان رجيم) ذكر الكلبي أن السماوات لم ~~تكن محفوظة من الشياطين قبل عيسى، فلما بعث عيسى - عليه السلام - حفظت ~~ثلاثة من السماوات، فلما بعث محمد حفظت السماوات كلها. وقوله: * (رجيم) أي: ~~مرجوم، وقيل: أي: ملعون، وقيل: شتيم. # وقوله تعالى: * (إلا من استرق السمع) في الأخبار: أن الشياطين يركب بعضهم ~~بعضا إلى السماء الدنيا، ويسترقون السمع من الملائكة؛ فترجمهم الكواكب ~~فتقتل PageV03P132 # * (استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ~~وأنبتنا فيها) * * البعض وتخبل البعض '. واختلف القول في أنهم متى يسترقون ~~السمع؟ فأحد القولين: أنهم يسترقون السمع من الملائكة في السماء، والقول ~~الآخر: أنهم يسترقون السمع من الملائكة في الهواء. وأما معرفة ملائكة ~~السماء بالأمر فباستخبارهم ملائكة أهل السماء الثانية، هكذا يستخبر أهل كل ~~سماء من أهل السماء [التي] فوقهم، حتى يصلوا إلى حملة العرش فيخبرون بما ~~قضاه الله تعالى من الأمر، ويرجع الخبر من سماء إلى سماء حتى يصل إلى ms0810 ~~السماء الدنيا، ثم الشياطين يسترقون على ما قلنا من قبل. # وقوله: * (فأتبعه شهاب مبين) الشهاب هو الشعلة من النار، فإن قال قائل: ~~نحن لا نرى نارا، وإنما نرى نورا أو نجما ينقض. # والجواب: أنه يحتمل أنه ينقض نورا، فإذا وصل إليه صار نارا، أو يحتمل أنه ~~يرى من بعد المكان أنه نجم وهو نار، وقيل: إن النجم ينقض فيرمي الشيطان ثم ~~يعود إلى مكانه. واعلم أن هذا لم يكن ظاهرا في زمن الأنبياء قبل الرسول، ~~ولم يذكره شاعر من العرب قبل زمان النبي، وإنما روي هذا في ابتداء أمر ~~النبي، وكان ذلك أساسا لنبوته، وإنما ذكر الشعراء ذلك في زمانه، قال ~~الشاعر: # (كأنه كوكب في إثر عفرية * مسوم في سواد الليل منقضب) قوله تعالى: * ~~(والأرض مددناها) معناه: بسطناها، ويقال: إنها مسيرة خمسمائة سنة في مثلها، ~~دحيت من تحت الكعبة. # وقوله: * (وألقينا فيها رواسي) أي: جبالا ثوابت، وقد كانت الأرض تميل إلى ~~أن أرساها الله بالجبال. PageV03P133 # * (من كل شيء موزون (19) وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) ~~وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) وأرسلنا الرياح ~~لواقح فأنزلنا) * * وقوله: * (وأنبتنا فيها من كل شيء موزون) أي: معلوم، ~~ويقال: من كل شيء موزون معناه: من الحديد والرصاص والنحاس والذهب والفضة ~~وكل ما يوزن. # وقوله: * (وجعلنا لكم فيها معايش) قيل: إنها المطاعم والمشارب والملابس، ~~وقيل: إنها ما يعش به المرء في الدنيا، قال جرير شعرا: # (تطالبني معيشة آل زيد * ومن لي (بالمرقق والصناب)) الضباب من الآجار، ~~وغير ذلك من (اللوامخ) * (ومن لستم له برازقين) معناه: جعلنا فيها معايش ~~لكم، وجعلنا فيها من لستم (فيها) برازقين، وهي الدواب والطيور والوحوش. وفي ~~الآية قول آخر: وهو أنا جعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا لكم أيضا الدواب ~~والطيور والأنعام، وكفيناكم رزقها، فإن قال قائل: قد قال: ' ومن لستم له ~~برازقين '، و ' من ' إنما تقال فيمن يعقل لا فيمن لا يعقل؟. # والجواب عنه: أن العبيد والمماليك قد دخلوا في هؤلاء، والعرب إذا جمعت ms0811 ~~بين من يعقل وبين من لا يعقل غلبت من يعقل. # قوله تعالى: * (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه) يعني: مفاتيح خزائنه، وقيل: ~~إنها نفس الخزائن، ومعنى الخزائن أنه إذا قال: كن كان. # قوله: * (وما ننزله إلا بقدر معلوم) أي: إلا بقدر معلوم في وقت معلوم، ~~ويقال: إنه لا تنزل قطرة من السماء إلا ومعها ملك يسوقها حيث يريد الله، ~~والله أعلم. PageV03P134 # * (من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (22) وإنا لنحن نحيي ~~ونميت ونحن) * * قوله تعالى: * (وأرسلنا الرياح لواقح) قال أبو عبيدة: ~~ملاقح واحدتها ملقحة، وقال غيره: هي لواقح واحدها لاقح، ومعنى اللاقح أنها ~~تحمل الماء، ومعنى الملقح أنها تمر على السحاب والأرض فتلقحه، وإلقاح ~~السحاب هو أن يلقي إلى السحاب ما يحمل به الماء، وقيل: إنها تلقح الأشجار ~~أيضا. # وقال ابن مسعود: إن الريح تحمل الماء فتجريه السحاب؛ فتدر السحاب، كما ~~تدر اللقحة، وعن عبيد بن عمير أنه قال: تجىء الريح المبشرة فتقم الأرض قما، ~~ثم تجىء الريح المنشأة فتنشىء السحاب نشئا، ثم تجيء الريح المؤلفة فتؤلف ~~السحاب بعضه إلى بعض، ثم تجيء الريح اللاقحة فتلقح السحاب. (وفى): أن لقح ~~الرياح؛ الجنوب. # وفي بعض الآثار: ' ما هبت ريح الجنوب إلا وأنبعت عينا غرقة غدقة '، وأما ~~الريح العقيم هي التي لا تلقح وتأتي بالعذاب. # وقوله: * (وأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه) يعني: أعطينا لكم بها ~~سقيا، يقال: أسقى فلانا إذا جعل له سقيا، وسقى فلانا إذا أعطاه ما يشرب. # وقوله: * (وما أنتم له بخازنين) يعني: أنه في خزائننا، وليس في خزائنكم، ~~وقيل: وما أنتم له بمانعين ولا دافعين (أي: أردتموه). # قوله تعالى: * (وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون) ظاهر المعنى. وقوله: ~~والوارث في صفات الله أنه الباقي بعد هلاك الخلق أجمعين، وقيل معناه: أن ~~مصير PageV03P135 # * (الوارثون (23) ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) ~~وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25) ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ ~~مسنون) * * الخلق إليه. # قوله تعالى: * (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين) قال ~~الشعبي: ms0812 معناه: ولقد علمنا الأولين منكم والآخرين، ويقال معناه: علمنا ~~المتقدمين منكم بالطاعة، والمتأخرين منكم بالمعصية، وقيل: علمنا من خلقنا ~~منكم ومن سنخلقه من بعد. وعن الربيع بن أنس ' أن النبي حض الناس على ~~الجماعة فتقدم بعضهم، وتأخر البعض لكثرة الجمع؛ فأنزل الله تعالى: * (ولقد ~~علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين) '. # ويقال معناه: ولقد علمنا المستقدمين منكم في حق القتال، وعلمنا ~~المستأخرين عنه. وفي الآية خبر مسند برواية أبي الجوزاء عن ابن عباس: ' أن ~~امرأة كانت تحضر الجماعة، وهي من أحسن النساء وجها، فكان قوم يتقدمون لئلا ~~يرونها، وقوم يتأخرون. فإذا ركعوا نظروا إليها من تحت آباطهم؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية '. أورده أبو عيسى الترمذي في جامعه. # قوله تعالى: * (وإن ربك هو يحشرهم) يعني: يحشرهم إلى القيامة. وقوله: * ~~(إنه حكيم عليم) أي: حكيم في تدبيره، عليم بخلقه. # قوله تعالى: * (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون) الصلصال هو ~~PageV03P136 # (* (26) والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) وإذ قال ربك للملائكة ~~إني خالق) * * الطين اليابس الذي إذا حرك صلصل أي: صوت، قال الشاعر: # (وقاع ترى الصلصال فيه ودونه * بقاع تلال بالعرى والمناكب) ويقال: ~~الصلصال المنتن، يقال: صل اللحم إذا أنتن، وذكر الكلبي عن ابن عباس: أن ~~الصلصال هو الطين الرطب، ويقال: إذا جرى الماء على الأرض الطينة، ثم انحسر ~~الماء وتشققت الأرض حتى يرى مثل الخزف، فهو صلصال. # وقوله: * (من حمأ مسنون) الحمأ: الحمأة، وهي الطين الأسود، والمسنون: ~~المتغير المنتن، كذلك قاله مجاهد. وقال بعضهم: المسنون المصبوب، وهذا يشبه ~~القول الذي بينا أن الصلصال هو الطين الرطب، وفي الآثار: أن الحسن كان يسن ~~الماء على وجهه سنا، أي: يصب. # وفي الآية قول ثالث: وهو أن المسنون هو المصبوب على قالب وصورة، وفي بعض ~~(التفاسير): أن الله تعالى خمر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيرا أسود منتنا، ~~ثم خلق آدم منها. # قوله: * (والجآن خلقناه من قبل من نار السموم) يقال: الجآن هو إبليس، ~~ويقال: الجآن أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، ms0813 وأما إبليس هو أبو الشياطين، ~~وفي الجن مؤمنون وكافرون، ويحيون ويموتون. # وأما الشياطين فليس فيهم مسلم، ويموتون إذا مات إبليس، وذكر وهب بن منبه: ~~أن من الجن من يولد لهم، ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هم ~~بمنزلة الريح لا يتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون، والله أعلم. # وقوله: * (من نار السموم) أي: من الريح الحارة، والسموم: ريح حارة تدخل ~~في مسام الإنسان فتقتله، ويقال: إن السموم بالنهار والحرور بالليل، ويقال: ~~إن السموم PageV03P137 # * (بشرا من صلصال من حمأ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا ~~له ساجدين (29) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع) ~~* * بالليل والنهار جميعا، وقيل: نار السموم لهيب النار. # وفي بعض الآثار عن عبد الله بن مسعود: أن هذا السموم الذي نراه جزء من ~~سبعين جزءا من سموم جهنم. ويقال: من نار السموم أي: من نار جهنم. # قوله تعالى: * (وإذا قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ ~~مسنون) قد ذكرنا. قوله تعالى: * (فإذا سويته) أي: صورته. وقوله: * (ونفخت ~~فيه من روحي) الروح: جسم لطيف يحيا به الإنسان، [وأضافها] إلى نفسه تشريفا ~~وتكريما. # وقوله: * (فقعوا له ساجدين) أي: أسقطوا له ساجدين. # قوله تعالى: * (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) في بعض التفاسير: أنه قال ~~لجماعة من الملائكة: اسجدوا لآدم فلم يفعلوا؛ فجاءت نار وأحرقتهم جميعا، ثم ~~قال لجماعة آخرين: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس. # وقوله: * (كلهم أجمعون) فيه سؤال معروف، وهو أنه يقال: لما قال * (فسجد ~~الملائكة)؟ فأيش فائدة قوله: * (كلهم أجمعون)؟. # والجواب: أن الخليل وسيبويه زعما أن هذا تأكيدا بعد تأكيد، (وذكر) المبرد ~~أن قوله: * (فسجد الملائكة) كان من المحتمل أن بعضهم سجد؛ فذكر كلهم ليزيل ~~هذا الإشكال، ثم كان يحتمل أنهم سجدوا في أوقات مختلفة؛ فذكر أجمعون ليزيل ~~الالتباس. # وقوله: * (إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين) ظاهر المعنى. قوله تعالى: ~~PageV03P138 # * (الساجدين (31) قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم ~~أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ ms0814 مسنون (33) قال فأخرج منها فإنك رجيم ~~(34) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ~~(36)) * * (قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين) معناه: لم لم تسجد ~~وقد أمرتك؟ قوله: * (قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون) ~~معناه: أني أفضل منه؛ لأنه طيني، وأنا ناري، والنار تأكل الطين. # وفي بعض الآثار: ' أن الله تعالى خلق الملائكة من نور العزة، وخلق الجآن ~~من النار، وخلق آدم من التراب '. # فإن قال: إذا كان عندكم أن إبليس من الملائكة، وقد خلقوا من النور، فكيف ~~قال إبليس خلقتني من نار؟ # الجواب عنه: أن إبليس كان من قبيلة من الملائكة خلقوا من النار، وقد ~~ذكرنا في سورة البقرة. # قوله: * (قال فأخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) ظاهر ~~المعنى، ويقال: إن إبليس ملعون السماء والأرض، وإن أهل السماء يلعنونه، كما ~~أن أهل الأرض يلعنونه. # قوله تعالى: * (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) أي: فأمهلني إلى يوم ~~البعث، وأراد الملعون ألا يموت؛ فأجابه الله تعالى وقال: * (إنك من ~~المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) أي: الوقت الذي يموت فيه الخلائق، ويقال: ~~إن مدة موت إبليس أربعون سنة، وهو ما بين النفختين. وقال أهل المعاني: إن ~~إبليس لما سأل الإمهال لم تكن إجابة الله إياه كرامة له، بل كانت زيادة له ~~في شقائه وبلائه. PageV03P139 # * (قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38) قال رب بما ~~أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم ~~المخلصين (40) قال هذا صراط علي مستقيم (41) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من) * * قوله تعالى: * (قال رب بما أغويتني) الأكثرون على أن ~~معناه: بما أضللتني، وقيل: بما خيبتني من رحمتك، وقيل: بما أهلكتني، ويقال: ~~بما نسبتني إلى الغواية، وهو تأويل باطل عند أهل السنة. # وقوله: * (لأزينن لهم في الأرض) معناه: لأزينن لهم حب الدنيا والغواية. ~~وقوله: * (ولأغوينهم أجمعين) أي: لأضلنهم أجمعين، والمراد من إغواء إبليس ~~تسببه إلى الغواية. # قوله ms0815 تعالى: * (إلا عبادك منهم المخلصين) والمخلصين: ظاهر المعنى، وقد ~~بينا من قبل. # قوله تعالى: * (قال هذا صراط علي مستقيم) أكثر أهل المعاني على أن الآية ~~للتهديد والوعيد، كالرجل يقول لغيره: طريقك علي، مسيرك إلي، أي: لا تفلت ~~مني. وهذا في معنى قوله تعالى: * (إن ربك لبالمرصاد) أي: على طريق الخلق. # والقول الثاني في الآية: أن معنى قوله: * (هذا صراط علي) أي: إلي. # وقوله * (مستقيم) أي: بأمري وإرادتي. # والقول الثالث: صراط علي مستقيم أي: علي استقامته بالبيان والبرهان ~~والتوفيق والهداية، وقرأ الحسن وابن سيرين: ' هذا صراط علي مستقيم ' أي: ~~رفيع، وعبروا عنه: رفيع من أن ينال، مستقيم من أن يمال، وقال الشاعر في ~~الصراط بمعنى الطريق: # (أمير المؤمنين على صراط * إذا اعوج الموارد مستقيم) قوله تعالى: * (إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) هذا تحقيق لقوله تعالى ~~فيما سبق: * (إلا عبادك منهم المخلصين). PageV03P140 # * (الغاوين (42) وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب لكل باب ~~منهم جزء مقسوم (44) إن المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلام آمنين ~~(46)) * * قوله تعالى: * (وإن جهنم لموعدهم أجمعين) يعني: موعد إبليس ومن ~~تبعه للخلود فيها. # قوله تعالى: * (لها سبعة أبواب) روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ~~سبعة أبواب بعضها فوق بعض، وقال ابن جريج: النار سبعة دركات: أولاها جهنم، ~~ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. # وقوله: * (لكل باب منهم جزء مقسوم) أي: لكل دركة قوم يسكنونها بقدر ~~ذنوبهم. وفي بعض الآثار: أن في الدركة الأولى [المسلمين] - يعني: الذين ~~أدخلوا النار بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها - وفي الثانية النصارى، وفي ~~الثالثة اليهود، وفي الرابعة [الصابئين]، وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة ~~أهل الشرك، وفي السابعة [المنافقين]. # قوله تعالى: * (إن المتقين في جنات وعيون) أي: في بساتين وأنهار. # قوله: * (ادخلوها بسلام أمنين) يعني: يقال لهم: ادخلوها بسلام آمنين، ~~والسلام هو السلامة، والأمن من الموت والخروج. # قوله تعالى: * (ونزعنا ما في صدورهم من غل) في الأخبار المسندة عن النبي ~~قال: ' يحبس ms0816 المؤمنون على قنطرة بين النار والجنة فيقتص لبعضهم من بعض، حتى ~~إذا هذبوا ونقوا، وخرج الغل من قلوبهم، أمر بهم إلى الجنة '. وأما الغل فقد ~~قيل: إنه الشحناء والعداوة، وقيل: إنه الحقد والحسد والخيانة، قال الشاعر: # (جزى الله عنا جمرة ابنة نوفل * جزاء مغل بالأمانة كاذب) PageV03P141 # * (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا يمسهم ~~فيها نصب وما هم منها بمخرجين (48) نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) ~~وأن عذابي هو) * * أي: خائن. وفي بعض الآثار: أن أهل الجنة يصلون إلى باب ~~الجنة والغل في صدورهم، فإذا دخلوا يذهب الغل كله عن صدورهم. ومن المعروف ~~عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: إني أرجو أن أكون وطلحة والزبير من الذين ~~قال الله تعالى: * (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين). # وقوله: * (على سرر متقابلين) أي: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وفي بعض ~~الأخبار عن النبي: ' أن المؤمن في الجنة إذا ود أن يلقاه أخاه المؤمن سار ~~سرير كل واحد منهما إلى صاحبه، ويلتقيان ويتحدثان، ثم ينصرف كل واحد منهما ~~إلى منزله '. # قوله تعالى: * (لا يمسهم فيها نصب) أي: تعب. قوله: * (وما هم منها ~~بمخرجين) هذا أنص آية في القرآن على الخلود؛ هكذا قال أهل العلم. # قوله تعالى: * (نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم) روي أن النبي خرج على ~~الصحابة، وهم يضحكون، فقال لهم: ' أتضحكون، وبين أيديكم النار؛ فجاء جبريل ~~بهذه الآية وقال: يقول لك ربك: يا محمد، لم تقنط عبادي؟ ' PageV03P142 # * (العذاب الأليم (50) ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا ~~سلاما قال إنا منكم وجلون (52) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) ~~قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرناك بالحق فلا ~~تكن من القانطين) * * وقوله: * (أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم) ظاهر المعنى. وروى أبو هريرة عن النبي أنه قال: ' لو يعلم المؤمن ~~ما عند الله من الرحمة ما تورع عن ذنب، ولو يعلم الكافر ما عند الله ms0817 من ~~العقوبة لنخع نفسه '. وأورد مسلم في صحيحه ما هو قريب من هذا. # قوله تعالى: * (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) قيل معناه: عن أضياف إبراهيم، وقد ~~بينا عدد الملائكة الذين كانوا أضيافه. وقوله: * (إذا دخلوا عليه فقالوا ~~سلاما) أي: سلموا سلاما. # وقوله: * (قال إنا منكم وجلون) وسبب وجل إبراهيم منهم؛ أنه قرب إليهم ~~الطعام فلم يأكلوه، وقد كانوا إذا لم يأكل الضيف استرابوا به. * (قالوا لا ~~توجل) أي: لا تخف، قال الشاعر: # (لعمرك لا أدري وإني لأوجل * على أينا تعدو المنية أول) وقوله: * (إنا ~~نبشرك بغلام عليم) معناه: غلام في صغره، عليم في كبره، وهو إسحاق. وقوله ~~تعالى: * (قال أبشرتموني) الأصل: أبشرتمونني؛ فأسقط إحدى النونين واكتفى ~~بالكسرة. وقوله: * (على أن مسني الكبر) يعني: على حال الكبر، وهذا على طريق ~~التعجب، وكذلك قوله: * (فبم تبشرون) على طريق التعجب، وليس على طريق الشك ~~والإنكار. # قوله تعالى: * (قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القاطنين) الحق: وضع الشيء ~~في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة، والقنوط هو اليأس، ومعنى الحق هاهنا هو ~~الصدق. PageV03P143 # (* (55) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) قال فما خطبكم أيها ~~المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (60) فلما جاء آل ~~لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئناك بما كانوا فيه ~~يمترون (63) وأتيناك بالحق وإنا) * * قوله تعالى: * (قال ومن يقنط من رحمة ~~ربه إلا الضالون) يعني: إلا الكافرون، والقنوط من رحمة الله كبيرة من ~~الكبائر كالأمن من مكر الله. # قوله تعالى: * (قال فما خطبكم أيها المرسلون) قد ذكرنا معناه في سورة ~~هود. قوله تعالى: * (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) أراد به قوم لوط. ~~وقوله: * (إلا آل لوط) المراد منه لوط وبناته ومن آمن به، وقد ذكرنا. ~~وقوله: * (إنا لمنجوهم أجمعين) هذا استثناء من الاستثناء، فالاستثناء الأول ~~من المهلكين، والثاني من المنجين، فبقي المستثنى بالاستثناء الثاني في ~~المهلكين وهو امرأته، وهذا مثل ما يقول الرجل لك: على ms0818 عشرة إلا أربعة إلا ~~ثلاثة، فالمستثنى بالاستثناء الثاني (بقي) في المقر به بالإقرار الأول، ~~فيصير كأنه استثنى درهما، ويجب تسعة دراهم. # وقوله: * (قدرنا) أي: حكمنا. وقوله: * (إنها لمن الغابرين) أي: من ~~الباقين في العذاب، قال الشاعر: # (لا تكسع الشول بأغبارها * إنك لا تدري من الناتج) أي: ببقاياها، وفي ~~الأحاديث: ' يذهب أهل العلم وتبقى غبرات في أوعية سوء ' أي: بقايا. # قوله تعالى: * (فلما جاء آل لوط المرسلون) ظاهر المعنى. قوله تعالى: * ~~(قال إنكم قوم منكرون) لأنه لم يعرفهم. قوله تعالى: * (قالوا بل جئناك بما ~~كانوا فيه يمترون) أي: يشكون، وفي القصة: أن لوطا كان يتوعدهم بالعذاب، فلا ~~يصدقونه فهو في معنى قوله: * (بما كانوا فيه يمترون). PageV03P144 # * (لصادقون (64) فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم ~~أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ~~مصبحين (66) وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ~~(68) واتقوا الله ولا تخزون (69) قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) قال ~~هؤلاء بناتي إن) * * وقوله: * (وآتيناك بالحق وإنا لصادقون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فأسر بأهلك) سرى وأسرى بمعنى واحد. وقوله: * (بقطع من ~~الليل) أي: بقطعة من الليل. وقوله: * (واتبع أدبارهم) هذا دليل على أن الله ~~تعالى أمره أن يقدم أهله، ثم يمضي في إثرهم. # وقوله: * (ولا يلتفت منكم أحد) أمرهم بترك الالتفات حتى لا يرتاعوا من ~~العذاب إذا نزل بقومهم، وقيل: إن الله تعالى جعل ذلك علامة لمن ينجو من آل ~~لوط، فإن المرأة التفتت لما سمعت الهدة فهلكت. # وقوله: * (وامضوا حيث تؤمرون) يقال: أمروا أن يمضوا إلى ' زغر '، وهي ~~بلدة بالشام، وقيل: إلى أرض الأردن وفلسطين. # قوله تعالى: * (وقضينا إليه ذلك الأمر) قد ذكرنا أن القضاء بمعنى الفراغ ~~ومعناه: أنا حكمنا وأبرمنا الأمر الذي أمرناه في قوم لوط. وقوله: * (أن ~~دابر هؤلاء) أي: أصل هؤلاء، وقيل: آخر هؤلاء * (مقطوع مصبحين) يعني: حين ~~يدخلون في الصبح. # قوله تعالى: * (وجاء أهل المدينة يستبشرون) يعني: يبشر بعضهم بعضا لما ~~يرجون من ارتكاب الفاحشة. # قوله ms0819 تعالى: * (قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون) الفضيحة: فعل يفعل بالمرء ~~يلزمه به العار (والأنفة) * (فاتقوا الله ولا تخزون) فالخزي بمعنى الفضيحة. # قوله تعالى: * (قالوا أولم ننهك عن العالمين) معناه: أولم ننهك أن تضيف ~~PageV03P145 # * (كنتم فاعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) فأخذتهم الصيحة ~~مشرقين (73) فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) إن في ~~ذلك لآيات) * * أحدا، وقيل: أولم ننهك عن العالمين، يعني: إدخال الغرباء في ~~المدينة، فإنك إن أدخلتهم (نركب منهم) الفاحشة. * (قال هؤلاء بناتي إن كنتم ~~فاعلين) قد بينا. # وقوله: * (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) قال ابن عباس: وعيشك، وقيل: ~~وحياتك. وعن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد، فإن ~~الله تعالى لم يقسم بحياة أحد إلا بحياة محمد. وقوله: * (لفي سكرتهم ~~يعمهون) أي: في ضلالتهم يترددون. # قوله تعالى: * (فأخذتهم الصيحة مشرقين) يقال: أشرقت الشمس إذا طلعت، فإن ~~قيل: قد قال قبل هذا: * (مصبحين)، وقال هاهنا: * (مشرقين) فكيف وجه الجمع؟ # الجواب من وجهين: أحدهما: أن ابتداء العذاب كان من الصبح، وتمامه عند ~~الإشراق. # والجواب الثاني: أن الإشراق هاهنا بمعنى الإصباح، وهو جائز في كلام ~~العرب. # وقوله: * (فجعلنا عاليها سافلها) قد بينا. # وقوله: * (وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) قد بينا. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) أي: للناظرين المعتبرين. # وقيل للمتفرسين، وهم الذين يعلمون الناس [بسيماهم] على ما يريهم الله ~~منها. PageV03P146 # * (للمتوسمين (75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) ~~وإن كان) * * وقد روي عن النبي: ' اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ~~' رواه عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي، ذكره أبو عيسى الترمذي في جامعه. # وروى ثابت عن أنس عن النبي أنه قال: ' من أمتي قوم يعلمون الناس بالتوسم ~~' وقوله: * (وإنها لبسبيل مقيم) أي: بطريق واضح لا يخفى ولا يندرس، وسماه ~~مقيما لثبوت الآيات فيه، وقد كانوا يمرون عليها عند مضيهم إلى الشام ~~ورجوعهم. وقوله: * (إن في ذلك لآية للمؤمنين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين) قال أهل المعاني: ms0820 ' إن ' ~~للتأكيد، وكذا اللام في قوله * (لظالمين) ومعنى الآية: وقد كان أصحاب ~~الأيكة ظالمين . والأيكة هي الغيضة، وقيل: هي الشجر الملتف، وقال قتادة: ~~كان شجرهم دوما، وقال بعضهم: كانت أشجارهم مثمرة يأكلون منها رطبا بالصيف ~~ويابسا بالشتاء، وقد قال في موضع آخر: * (ليكة) فيه قولان: أحدهما: أن ~~الأيكة وليكة بمعنى واحد. # والآخر: أن الأيكة اسم البلاد، وليكة اسم القرية، قال أهل التفسير: وكان ~~رسولهم شعيب النبي، وبعث إلى أهل مدين وإلى أهل الأيكة، فأما أهل مدين ~~PageV03P147 # * (أصحاب الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) ~~ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين ~~(81) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) ~~فما أغنى عنهم) * * أهلكوا بالصيحة، وأما أهل الأيكة فأهلكوا بعذاب ~~[الظلة]. # وفي القصة: أنه أصابهم حر شديد في منازلهم، ومنع الله تعالى الريح عنهم، ~~وشدد الحر عليهم، وكانوا كذلك أياما، ثم اضطرم عليهم الوادي نارا فهلكوا ~~أجمعين. ويقال: إنهم هلكوا غما؛ وهذا معنى قوله: * (فانتقمنا منهم). # وقوله: * (وإنهما لبإمام مبين) أي: بطريق واضح، وسمى الطريق إماما؛ لأنه ~~يؤتم به وتبع، والكناية في قوله: * (وإنهما) تنصرف إلى قرية قوم لوط وقرية ~~أصحاب الأيكة، وهذه البلاد بين الحجاز والشام، وقد كانت قريش يمرون عليها ~~في أسفارهم. # قوله تعالى: * (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين) ' الحجر ': ديار ثمود. ~~وقوله: * (المرسلين) المراد به صالح - عليه السلام - وقوله: * (وآتيناهم ~~آياتنا) قال ابن عباس: الآيات في الناقة: خروجها من الصخرة، وكبرها وقرب ~~ولادتها وغزارة لبنها، فقد كانوا يحلبونها ما يكفيهم يوما. وقوله: * ~~(فكانوا عنها معرضين) ظاهر المعنى. # قوله: * (وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين) أي: آمنين من الوقوع ~~عليهم، وقيل: (عليهم) آمنين من الخراب، وقيل: آمنين من العذاب. # وقوله: * (فأخذتهم الصيحة مصبحين) أي: حين دخلوا في الصبح. # وقوله: * (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) أي: ما دفع عنهم ما كانوا ~~يكسبون. PageV03P148 # * (ما كانوا يكسبون (84) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلاق العليم (86) ~~ولقد ms0821 آتيناك سبعا) * * قوله تعالى: * (وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق) أي: لإظهار الحق، ووجه اتصال هذا بما قبله في المعنى ~~أنهم لما كذبوا بالحق أهلكناهم؛ لأنا ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق، وقيل: معنى الحق هو جزاء المحسن بإحسانه، وجزاء المسيىء ~~بإساءته. # قوله تعالى: * (وإن الساعة لآتية) أي: فيظهر الجزاء بالإحسان والإساءة. # وقوله: * (فاصفح الصفح الجميل) أي: أعرض عنهم من غير جزع ولا شكوى. # قال ابن عباس: هذا قبل نزول آية السيف، ثم نسخ بآية السيف. وقوله: * (إن ~~ربك هو الخلاق العليم) يعني: الخالق العليم بخلقه. # قوله تعالى: * (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) اختلف القول ~~في هذا، فروي عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود - في إحدى الروايتين - ومجاهد ~~وقتادة أنهم قالوا: هي فاتحة الكتاب، وقد ثبت هذا عن النبي برواية آدم بن ~~أبي إياس عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن النبي قال: ' ~~الحمد لله: أم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم '. # قال الشيخ الإمام الأجل شيخ الإسلام أبو المظفر: أخبرناه المكي بن عبد ~~الرزاق الكشميهني قال: أنا جدي أبو الهيثم محمد بن المكي، قال: أنا ~~الفربري، قال: أنا محمد بن إسماعيل البخاري عن آدم بن أبي إياس... ' الخبر. # وقد اختلفوا في بسم الله الرحمن الرحيم، فقال علي وابن عباس: إنها الآية ~~السابعة، وقال أبو هريرة ومجاهد وقتادة: إنها ليست بآية منها، والآية ~~السابعة قوله: * (صراط الذين أنعمت عليهم). # وروى أبي بن كعب أن النبي قال: ' أنزلت علي سورة ما أنزلت في التوراة ~~PageV03P149 # والإنجيل مثلها، وهي أم القرآن، والسبع المثاني، والقرآن العظيم الذي ~~أعطيته ' ذكره أبو عيسى الترمذي في جامعه. # والقول الثاني في الآية: أن السبع المثاني هي السبع (الطول) وواحدة الطول ~~طولى، وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس وهذا ~~هو المنقول، وهو قول عبد الله بن عباس - في رواية سعيد بن جبير - وهو قول ~~الحسن البصري وجماعة من التابعين. # وفي الآية قول ثالث: وهو أن السبع ms0822 المثاني: الأمر، والنهي، والبشارة، ~~والنذارة، وضرب الأمثال، وتعداد النعم، وأنباء القرون السالفة. # وأما معنى المثاني: فإذا حملنا الآية على الفاتحة، فمعناه: أنها تثنى في ~~كل ركعة، وقيل: لأن فيها الثناء على الله تعالى، فهنا تكون ' من ' للتجنيس ~~لا للتبعيض، فهذا مثل قوله تعالى: * (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) وذكر ~~بعضهم أن معنى الآية: ولقد آتيناك سبعا من القرآن الذي هو مثاني، وسمي ~~القرآن مثاني؛ لأنه تثنى [فيه] الأحكام والقصص والأمثال والعبر؛ فتكون على ~~هذا ' من ' للتبعيض، وأما على القول الذي قلنا أن سبع المثاني هي السبع ~~(الطول) فإنما سماها مثاني؛ لأنه يثني فيها الأخبار والأمثال والعبر ~~والقصص. # وأما قوله: * (والقرآن العظيم) المراد منه سائر القرآن سوى الفاتحة، وفي ~~هذا شرف عظيم للفاتحة؛ لأنه خصها بالذكر والامتنان عليه بها، ثم ذكر سائر ~~القرآن، وعلى القول الثاني: القرآن العظيم هو السبع (الطول) وغيرها، وخص ~~السبع PageV03P150 # * (من المثاني والقرآن العظيم (87) لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم ولا) * * (الطول) بالذكر تشريفا لها، قال الشاعر: # (نشدتكم بمنزل الفرقان * أم الكتاب السبع من المثاني) ((ثنتين) من آي من ~~القرآن *) قوله تعالى: * (لا تمدن عينيك إلا ما متعنا به أزواجا منهم) وجه ~~اتصال هذا بما قبله أنه لما من عليه بالقرآن، نهاه عن الرغبة في الدنيا ~~والنظر إلى زينتها، ومزاحمة أهلها عليها، وروى أبو عبيد أن سفيان بن عيينة ~~قال في معنى قوله: ' ليس منا من لم يتغن بالقرآن ' أي: لم يستغن بالقرآن، ~~ثم تأول هذه الآية * (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، لا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم) على هذا. # وفي الخبر عن النبي أنه قال: ' من أوتي القرآن فظن أن أحدا أعطى أفضل مما ~~أعطى فقد صغر عظيما وعظم صغيرا '. # وقوله: * (أزواجا منهم) معناه: أصنافا منهم، وهم اليهود والنصارى وسائر ~~المشركين، وقيل: إنهم الأغنياء. # وقوله: * (ولا تحزن عليهم) يعني: لا تغتم على ما فاتك من مشاركتهم في ~~الدنيا، PageV03P151 # * (تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (88) وقل إني أنا النذير المبين (89) ~~كما) ms0823 * * وفي بعض التفاسير عن أبي رافع: ' أن رسول الله أتاه ضيف فلم يك ~~عنده ما يقدمه إليه؛ فبعث إلى يهودي يستقرض منه طعاما إلى هلال رجب، فقال ~~اليهودي: والله لا أعطينه إلا برهن، فقال رسول الله: أنا أمين الله في ~~السماء والأرض، ولو باعني أو أسلفني لقضيته ثم بعت بدرعه فرهنها منه؛ فأنزل ~~الله تعالى: * (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به). # وقوله: * (واخفض جناحك للمؤمنين) أي: ألن جانبك للمؤمنين. # وقوله تعالى: * (وقل إني أنا النذير المبين) للحق. # قوله تعالى: * (كما أنزلنا على المقتسمين) فإن قال قائل: ما معنى الكاف ~~هاهنا، وهي للتشبيه؟ والجواب عنه: أن معناه أنذركم عذابا ينزل بكم، كما ~~أنزلنا على المقتسمين من العذاب، ويقال: إن الكاف صلة، ومعناه: وقل إني أنا ~~النذير المبين ما أنزلنا على المقتسمين. # وأما معنى المقتسمين فيه أقوال: أحدها: أنهم اليهود والنصارى، ومعنى ~~الاقتسام منهم أنهم آمنوا ببعض الكتب وكفروا بالبعض، وهذا قول ابن عباس. # والقول الثاني: أنهم قريش، ومعنى الاقتسام أنهم فرقوا القول في رسول الله ~~فقال بعضهم: هو كاهن، وقال بعضهم: هو ساحر، وبعضهم: هو شاعر. # والقول الثالث: ذكر الفراء أن أهل مكة بعثوا بقوم في طرق الواردين إلى ~~مكة أيام الموسم حتى يقولوا لمن لقيهم من الواردين إلى مكة: لا تقربوا ~~محمدا، وكانوا يسألونهم عن حاله؛ فيقول بعضهم: هو كاهن، ويقول بعضهم: هو ~~مجنون، ويقول PageV03P152 # * (أنزلنا على المقتسمين (90) الذين جعلوا القرآن عضين (91) فوربك ~~لنسألنهم) * * بعضهم: هو ساحر، وبعضهم يقول: هو شاعر، ومعنى الاقتسام: أنهم ~~اقتسموا طرق مكة، وهذا قول معروف ذكره مجاهد وقتادة وغيرهما. # وقوله: * (الذين جعلوا القرآن عضين) قال أبو عبيدة: عضين مأخوذ من ~~الإعضاء، (وزعم) الفراء: أنه من العضاة. وقال الكسائي: يجوز أن يكون منهما، ~~ومعنى الآية أنهم جعلوا القرآن أبعاضا وأجزاء، فقال بعضهم: إنه أساطير ~~الأولين، وقال بعضهم: إنه كهانة، وما أشبه هذا. # وفي الآية قول آخر: وهو أن معنى قوله: * (عضين) يعني: سموه سحرا، والعضة ~~هي السحر، فتكون العضة والعضين بمعنى واحد، مثل عزة وعزين، ms0824 قال الشاعر: # (وليس دين الله بالمعضي *) أي: بالمتفرق. # قوله تعالى: * (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) روى أنس عن ~~النبي أنه قال: ' هو قول لا إله إلا الله '، وعن أبي العالية الرياحي قال: ~~إن جميع (الخلق) يسألون عن شيئين: عن التوحيد، وعن إجابة المرسلين. وقيل: ~~إن معنى قوله: * (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) يعني: جميع ~~الأعمال التي يعملونها الداخلة تحت التكليف. # قوله تعالى: [* (فاصدع بما تؤمر)] قال القتيبي معناه: اظهر بما تؤمر، ~~وأبن PageV03P153 # * (أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ~~(94) إنا كفيناك المستهزئين (95)) * * غير مراقب لأحد، وقد كان رسول الله ~~مختفيا إلى [أن] أنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالظهور، وقال بعضهم: ~~معنى قوله: * (فاصدع بما تؤمر) أي: أفرق بالقرآن بين الحق والباطل، وذكر ~~مجاهد أن معنى قوله: * (فاصدع) أي: اجهر بالقرآن، وقد كان يقرأ (مسرا) خوفا ~~من المشركين؛ فأمره الله تعالى بالجهر وألا يبالي بهم. # والصدع في اللغة مأخوذ من الظهور، ومنه الصديع اسم للصبح، قال الشاعر: # (كأنهن ربابة وكأنه * يسر يفيض على القداح ويصدع) قوله تعالى: * (وأعرض ~~عن المشركين) أي: عن جوابهم؛ لأن السفيه لا يسافه معه إلا سفيه. # قوله تعالى: * (إنا كفيناك المستهزئين) قال ابن عباس: المستهزئون خمسة ~~نفر: وهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود ~~بن المطلب، وعدي بن قيس، وقد ضم بعضهم إلى هؤلاء الحارث بن الطلاطلة، ~~والحارث بن غيطلة، والمروي عن ابن عباس ما بينا، فروي: ' أن جبريل كان ~~واقفا مع النبي فمر بهما هؤلاء القوم رجلا رجلا، وكان جبريل يقول للنبي: ما ~~قولك في هذا PageV03P154 # * (الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) ولقد نعلم أنك يضيق ~~صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) واعبد ربك حتى ~~يأتيك) * * الرجل؟ فيقول النبي: بئس عبد الله هذا، فيقول جبريل: كفيناكه ~~فهلكوا، أما الوليد بن المغيرة فمر بسهم فتعلق بردائه فذهب يجلس فقطع أكحله ~~فنزف فمات، وأما العاص بن وائل فمر على شوكة فخدشت ساقه، ms0825 فتساقط من ذلك ~~لحمه ومات، وأما الأسود بن عبد يغوث فضرب بغصن من شوك على وجهه فسالت ~~حدقتاه ومات، وجعل يقول: استجيبت في دعوة محمد، وأما عدي بين قيس، والأسود ~~بن المطلب، فإن أحدهما قام من الليل فلسعته حية فمات، وأما الآخر فأصابه ~~عطش، فما زال يشرب حتى انشق بطنه وهلك '؛ فهذا هو معنى كفاية المستهزئين. # قوله تعالى: * (الذين يجعلون مع الله إلها آخر) وصفهم بالشرك وعبادة ~~الأوثان. وقوله: * (فسوف يعلمون) تهديد ووعيد. # قوله تعالى: * (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) فهذا تسلية [للنبي]، ~~قد روي في بعض التفاسير: أن الله تعالى لما أنزل في القرآن سورة العنكبوت ~~وسورة النمل وسورة الذباب وسورة النحل، وكانوا يجتمعون ويقولون PageV03P155 # * (اليقين (99)) * * استهزاء: يقول هذا إلى سورة النمل، ويقول هذا إلى ~~سورة الذباب، ويقول هذا إلى سورة العنكبوت، ويقول هذا إلى سورة النحل، وما ~~أشبه ذلك؛ فأنزل الله تعالى * (ولقد نعلم أنه يضيق صدرك بما يقولون) وهذا ~~هو الاستهزاء المذكور في الآية المتقدمة. # وقوله: * (فسبح بحمد ربك) والتسبيح: هو الثناء على الله بالتبرئة ~~والتنزيه من العيوب، وقيل: فصل بأمر ربك، وفي رواية عائشة - رضي الله عنها ~~-: ' أن النبي كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة '. وقوله: * (وكن من ~~الساجدين) أي: من المصلين. قوله تعالى: * (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) أي: ~~الموت. # فإن قال قائل: أما كان يكفي قوله: * (واعبد ربك) فما فائدة قوله: * (حتى ~~يأتيك اليقين)؟. # قلنا: لو اقتصر على قوله: * (واعبد ربك) لكان إذا عبد مرة خرج عن موجب ~~الأمر، فقال: * (حتى يأتيك اليقين) ليدوم عليها إلى أن يموت، وهذه الآية في ~~معنى الآية التي ذكرها من بعد، وهي في مريم، وهي قوله تعالى: * (وأوصاني ~~بالصلاة والزكاة ما دمت حيا). PageV03P156 # وفي الأخبار المسندة برواية جبير بن نفير عن النبي أنه قال: ' ما أمرني ~~الله بجمع المال، وأن أكون من التاجرين، ولكن أمرني بالصلاة، وأن أكون من ~~الساجدين، وأن أعبد ربي حتى يأتيني اليقين '. PageV03P157 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (أتى أمر الله فلا تستعجلوه ms0826 سبحانه وتعالى عما ~~يشركون (1) ينزل الملائكة بالروح) * * تفسير سورة النحل وهي مكية سوى ثلاث ~~آيات من آخرها، وهي قوله تعالى: * (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ~~إلى آخر السورة، وقيل: إن قوله: * (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد فتنوا) ~~الآية مدنية أيضا، وهذه السورة تسمى سورة النعم، وقيل: سورة الآلاء. # قوله تعالى: * (أتى أمر الله) أي: دنا وقرب، كالرجل يقول لغيره: أتاك ~~الخبر، أو أتاك الغوث إذا دنى منه، ويقال: إن معناه سيأتي أمر الله، وهذا ~~مثل ما يقول القائل: إذا أكرمتني أكرمتك أي: أكرمك. واختلفوا في معنى قوله: ~~* (أمر الله) فالأكثرون على أن المراد منه عقوبته وعذابه للمكذبين ~~الجاحدين. # والقول الثاني: أن المراد من أمر الله هو الفرائض والأحكام، ذكره الضحاك، ~~وهذا قول ضعيف. وزعم الكلبي وغيره أن المراد منه القيامة. # وقوله: * (فلا تستعجلوه) الاستعجال طلب الشيء قبل حينه، ومعناه: لا ~~تطلبوه قبل وقته، وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: لما ~~نزل قوله: * (أتى أمر الله) رفع الكفار رؤوسهم، وظنوا أنها قد أتت حقيقة، ~~لما قال: * (فلا تستعجلوه) خفضوا رؤوسهم. وفي بعض الأخبار: ' أنه لما نزل ~~قوله تعالى: * (أتى أمر الله) قام رسول الله فزعا، فقال جبريل: فلا ~~تستعجلوه '، قد ذكره مقاتل في تفسيره. # وقوله: * (سبحانه وتعالى عما يشركون) معناه: تعاظم بالأوصاف الحميدة عما ~~يصفه به (المشركون). قوله تعالى: * (ينزل الملائكة بالروح من أمره) روى ~~PageV03P158 # * (من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ~~(2) خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) خلق الإنسان من نطفة ~~فإذا هو خصيم مبين (4) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ~~(5) ولكم) * * مجاهد عن ابن عباس: أن الروح خلق من خلق الله تعالى على صور ~~بني آدم، وليسوا بالملائكة، لا ينزل الله ملكا إلا ومعه روح، والقول ~~الثاني: أن الروح هو الوحي؛ لأنه تقع به حياة القلوب، كالروح تقع بها حياة ~~الأبدان، وقيل: إنها النبوة، وقيل: إنها الرحمة. # وقوله: * (على من ms0827 يشاء من عباده) يعني: من النبيين والمرسلين. # وقوله: * (أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون) معناه: مروهم بقول لا ~~إله إلا الله منذرين ومخوفين لهم بالعذاب؛ يقولوا أو لم يقولوا. فقوله: * ~~(فاتقون) أي: فخافون. # قوله تعالى: * (خلق السماوات والأرض بالحق) أي: لإظهار الحق. وقوله ~~تعالى: * (تعالى عما يشركون) أي: ارتفع عما يشركون. # قوله تعالى: * (خلق الإنسان من نطفة) يقال: إنه نزلت هذه الآية في أبي بن ~~خلف، والصحيح أنها عامة في الكل. وقوله: * (من نطفة فإذا هو خصيم مبين) أي: ~~مخاصم مفصح عما في ضميره بالخصومة، والخصومة: قد تكون حسنة، وقد تكون ~~قبيحة؛ فالحسن منها ما كان لإظهار الحق، والقبيح ما كان لدفع الحق، ومعنى ~~الآية بيان القدرة، وهي أن الله تعالى خلق النطفة من كائن بهذه الحالة، ~~وقيل: إن المراد من الآية بيان النعمة، وقيل: إن المراد من الآية كشف قبيح ~~ما فعلوا من جحدهم نعمة الله مع ظهورها عليهم. # قوله تعالى: * (والأنعام خلقها لكم فيها دفء) الدفء هو الحر المعتدل الذي ~~يكون في بدن الإنسان من الدثار. وأما معنى الآية: قال ابن عباس: الدفء هو ~~اللباس، وقال قتادة: ما يستدفأ به من الأصواف والأوبار، وما أشبه ذلك. # وقال بعضهم: الدفء هو النسل، وذكر الآمدي أن هذا من كلام العرب. ~~PageV03P159 # * (فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم (7) والخيل والبغال ~~والحمير) * * وقوله: * (ومنافع) المنافع هي الركوب والنتاج، وسائر ما ينتفع ~~به. وقوله: * (ومنها تأكلون) هو التناول من لحمها ولبنها. # قوله تعالى: * (ولكم فيها جمال) أي: زينة، قال السدي: الجمال: أنها إذا ~~خرجت ورئيت قيل: هذه إبل فلان. # وإنما خص [بقوله]: * (حين تريحون وحين تسرحون) الرواح في الأنعام هو إذا ~~جاءت من مراعيها إلى أفنية ملاكها عشيا، والسراح هو إذا خرجت من الأفنية ~~إلى المراعي بكرة؛ فإن قال قائل: لم قدم الرواح، والسراح هو المقدم؟ قلنا: ~~لأن المالك يكون أعجب بها إذا راحت؛ ولأن المنافع منها إنما ms0828 تؤخذ بعد ~~الرواح. # وقوله: * (وتحمل أثقالكم) الثقل: هو المتاع الذي يثقل حمله. وقوله: * ~~(إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) أي: بجهد الأنفس ومشقتها، وقرئ: ~~' بشق الأنفس '. واختلفوا في البلد المذكور، قال بعضهم: هي مكة، وقال ~~بعضهم: أي بلد كان في العالم، فإن قال قائل: أي مشقة في أن يركب دابة وطية ~~ويسير عليها من بلد إلى بلد مع الزاد التام وأمن الطريق؟ # والجواب أن السفر لا يخلو عن مشقة في الجملة، والثاني: أن معنى الآية لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، لولا هذه الدواب. # وقوله: * (إن ربكم لرءوف رحيم) ظاهر المعنى. قوله تعالى: * (والخيل ~~والبغال والحمير) الآية حكي أن أبا عمرو بن العلاء سئل: لم سميت الخيل ~~خيلا؟ فلم يذكر شيئا، وكان ثم أعرابي حاضرا، فقال: سميت الخيل خيلا ~~لاختيالها. # وقوله: * (لتركبوها) زعم بعضهم أن ركوب الحمر الغرة الحسان أبلغ في ~~الزينة من الخيل والبغال؛ لأن الله تعالى قال: * (لتركبوها وزينة) عقيب ذكر ~~الحمر، وهذا PageV03P160 # * (لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8)) * * كقوله تعالى: * (قالوا ~~ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها ~~وبصلها) دل أن البصل أرذل من هذه الأشياء حيث ذكر قوله: * (أتستبدلون الذي ~~هو أدنى) عقيب ذكر البصل، وقيل: شر الحمر الأسود القصير. # والأولى أن يقال: إن الجمال في الخيل أكثر للحسن والعيان؛ ولأن الله ~~تعالى بدأ بها بالذكر. # وقيل لخالد بن صفوان: ما لك لا تركب الحمر؟ قال: هي بطيئة الغوث كثيرة ~~الروث، إذا سار أبطأ وإذا وقف أدلى. ورؤي مرة على حمار؛ فسئل عن ذلك فقال: ~~أدب عليه دبيبا، وألقى عليه حبيبا، ويمنعني أن أكون جبارا عنيدا. # وقد ثبت أن رسول الله ركب الفرس والبغل والحمار. وفي الآثار: أن الأنبياء ~~من بني إسرائيل كانوا يركبون الأتن. وعن ابن عباس أنه كره لحم الخيل؛ قال: ~~لأن الله تعالى قال: * (لتركبوها وزينة). وقد ثبت برواية جابر أن النبي أذن ~~في لحوم الخيل '، وثبت أيضا عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها ms0829 قالت: ' ~~أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله ' فالأولى هو الإباحة، وعليه أكثر أهل ~~العلم. # وقوله: * (ويخلق ما لا تعلمون) قيل معناه: ويخلق ما لا يخطر ببال أحد، ~~PageV03P161 # * (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) هو الذي ~~أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت لكم به ~~الزرع والزيتون) * * والإنسان قل ما يخلو في يوم وليلة أن يرى شيئا من خلق ~~الله تعالى لم يره من قبل. وروى ابن السدي عن أبيه أن معنى قوله: * (ويخلق ~~ما لا تعلمون) أي: السوس في النبات والحبوب. وفي بعض التفاسير: أن النبي ~~قال في هذه الآية: ' إن لله تعالى أرضا بيضاء خلقها، ومسافتها قدر مسيرة ~~الشمس ثلاثين ليلة، وقد ملأها من خلق لم يعصوا الله طرفة عين؛ فقيل له: أهم ~~من بني آدم؟ # فقال: إنهم لا يعلمون أن الله تعالى خلق آدم، فقيل له: فكيف لا يفتنهم ~~إبليس؟ قال: إنهم لا يعلمون أن لله في خلقه إبليس ' وهذا خبر غريب، والله ~~أعلم. # قوله تعالى: * (وعلى الله قصد السبيل) قيل معناه: وعلى الله بيان الهدى ~~من الضلالة، وقيل: بيان الحق بالآيات والبراهين، وهذا بحكم الوعد، ويقال: ~~وعلى الله قصد السبيل أي: على الله الحكم بالعدل بين الخلق. # وقوله: * (ومنها جائر) معناه: ومن السبيل جائر، وقرأ علي وابن مسعود: ' ~~ومنكم جائر '. أي: عادل عن الحق، قال الشاعر: # (لما خلطت دماؤنا بدمائهم * وقف الثقال بها (وجار) العادل) الثقال: ~~البطر. # وقوله: * (ولو شاء لهداكم أجمعين) ظاهر المعنى، وفيه رد على القدرية. # قوله تعالى: * (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب) أي: لكم منه ما ~~تشربون. # وقوله: * (ومنه شجر فيه تسيمون) أي: تسيمون المواشي فيها، والإسامة هي ~~PageV03P162 # * (والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (11) ~~وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون (12) وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية ~~لقوم يذكرون (13) وهو الذي سخر ms0830 البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه ~~حلية تلبسونها) * * تخلية المواشي للرعي. # وقوله تعالى: * (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) الآية. ظاهر المعنى. # وقوله تعالى: * (وسخر لكم الليل والنهار) أي: ذلل لكم الليل والنهار، ~~وقيل: سخر ضوء الشمس بالنهار ونور القمر بالليل. # وقوله: * (والنجوم مسخرات بأمره) أي: مذللات بأمره. وقوله: * (إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون) ظاهر المعنى. # * (وما ذرأ لكم في الأرض) أي: ما خلق لكم في الأرض. وقوله: * (مختلفا ~~ألوانه) أي: صورته وهيئته. وقوله: * (إن في ذلك لآية لقوم يذكرون) أي: ~~يعتبرون. # قوله تعالى: * (وهو الذي سخر البحر) أي: ذلل البحر * (لتأكلوا منه لحما ~~طريا) أي: السمك. وقوله: * (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) يعني: درأ تتخذون ~~منه لباسا للتحلي. # وقوله: * (وترى الفلك مواخر فيه) قال الحسن البصري: مواقر - أي مملوءة - ~~ويقال: مواخر أي: مقبلة مدبرة بريح واحدة، والمخر هو الشق، والسفينة تمخر ~~الماء أي: تشقه، وفي الخبر أن النبي قال: ' إذا أراد أحدكم البول فليتمخر ~~الريح ' أي: PageV03P163 # * (وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) وألقى في ~~الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) وعلامات وبالنجم ~~هم يهتدون (16) أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18) والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ~~(19) والذين) * * لينظر موضع هبوبها فليستدبرها، والمخر: صوت هبوب الريح ~~عند شدتها. # وقوله: * (ولتبتغوا من فضله) يعني: للتجارة. وقوله: * (ولعلكم تشكرون) ~~يعني: إذا رأيتم صنع الله فيما سخر لكم، وروي أن عمر - رضي الله عنه - كتب ~~إلى عمرو بن العاص يسأله عن البحر؛ فقال: خلق عظيم يركبه خلق ضعيف، دود على ~~عود، ليس إلا السماء والماء، إن مال غرق، وإن نجا برق، أي: دهش وتحير. # قوله تعالى: * (وألقى في الأرض رواسي) أي: جبالا ثوابت، وفي الآثار: أن ~~الله تعالى لما خلق الأرض كانت تكفأ؛ فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرة على ~~ظهرها أحد؛ فأصبحوا وقد خلق ms0831 الجبال فاستقرت وثبتت. # وقوله: * (أن تميد بكم) أي: أن تميل بكم. وقوله: * (وأنهارا وسبلا) يعني: ~~طرائق. وقوله: * (لعلكم تهتدون) أي: لعلكم تهتدون بالطريق والجبال. # وقوله: * (وعلامات) أي: ودلالات، وقيل: إن هذه العلامات هي الجبال. ~~وقوله: * (وبالنجم هم يهتدون) قال الفراء: بالجدي والفرقدين، وقيل: ~~وبالنجوم هم يهتدون، وعن قتادة قال: خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: لزينة ~~السماء الدنيا، ولرجم الشياطين، وليهتدي بها في البحر والبر، فمن طلب منها ~~علما غير هذا فقد أخطأ، وهذه الأشياء الثلاثة مذكورة في القرآن. # قوله تعالى: * (أفمن يخلق كمن لا يخلق) قيل: أفمن ينعم كمن لا ينعم. ~~وقوله: * (أفلا تذكرون) أي: أفلا تعتبرون. # قوله تعالى: * (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) أي: تطيقوا عدها، وقيل: ~~لا تطيقوا شكرها. وقوله: * (إن الله لغفور رحيم) ظاهر المعنى. PageV03P164 # * (يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) أموات غير أحياء ~~وما يشعرون أيان يبعثون (21) إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة ~~قلوبهم منكرة) * * قوله تعالى: * (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين ~~يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا) أراد به الأصنام. وقوله: * (وهم يخلقون) ~~معناه: أن المخلوق لا يكون إلها. # قوله تعالى: * (أموات غير أحياء) فإن قيل: الصنم كيف يكون ميتا ولم يكن ~~حيا قط؟ الجواب: أن معناه: أنها كالأموات في أنها لا تعقل. # وقوله: * (غير أحياء) تأكيد للأول. وقوله: * (وما يشعرون أيان يبعثون) ~~أي: متى يبعثون؟ فإن قيل: هل للأصنام بعث؟ والجواب: أنه قد ذكر في بعض ~~التفاسير: أن الأصنام تبعث، وتجعل فيها الحياة، وتتبرأ من عابديها، وقد دل ~~على هذا القرآن في مواضع، وقيل في معنى الآية: وما تشعر الأصنام متى يبعث ~~الكفار؟ وفي الآية قول ثالث: وهو أن معناها: وما يشعر الكفار متى يبعثون؟. # قوله تعالى: * (إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة) ~~أي: جاحدة، وهذا دليل على أن العبرة بجحد القلب وإنكاره. # وقوله: * (وهم مستكبرون) أي: متكبرون، ويقال: إنه لا ينكر الدين إلا ~~متكبر. # قال الله تعالى: * (إنهم كانوا إذا قيل لهم ms0832 لا إله إلا الله يستكبرون) ~~وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' لا يدخل الجنة أحد في قلبه ذرة من كبر '. # قوله تعالى: * (لا جرم) معناه: حقا * (أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ~~إنه PageV03P165 # * (وهم مستكبرون (22) لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا ~~يحب المستكبرين (23) وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ~~(24) ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ~~ألا ساء ما يزرون (25)) * * لا يحب المستكبرين) أي: المتكبرين. # قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم) معناه: وإذا قيل للكفار ~~الذين تقدم ذكرهم: ' ماذا أنزل ربكم '؟ ما الذي أنزل ربكم؟ # وقوله: * (قالوا أساطير الأولين) يعني: أكاذيب الأولين، والأساطير واحدها ~~أسطورة، وقيل: أقاصيص الأولين. # وقوله: * (وليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة) الأوزار هي الذنوب. # وقوله: * (كاملة) إنما ذكر الكمال؛ لأن البلايا والمحن التي تلحقهم في ~~الدنيا لا تكفر عنهم شيئا، وكذلك ما يفعلونه بنية الحسنات. # وقوله: * (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) ومن ذنوب الذين يضلونهم، ~~وهم الأتباع. # فإن قال قائل: كيف يحملون أوزار الأتباع، والله تعالى يقول: * (ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى)؟ والجواب عنه: يحملوا ذنوبهم بحكم الإغواء والدعاء إلى ~~الضلال؛ فإنه روي عن النبي أنه قال: ' أيما داع دعا إلى الهدى (فاتبع)؛ فله ~~أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وأيما ~~داع دعا إلى ضلالة فاتبع فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من ~~غير أن ينقص من أوزارهم شيء '. PageV03P166 # * (قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف ~~من فوقهم) * * وقوله: * (بغير علم) معناه: أنهم رجعوا إلى محض التقليد من ~~غير دليل، ومنهم من قال معناه: أنهم دعوهم إلى الضلال من غير حجة. وقوله: * ~~(ألا ساء ما يزرون) معناه: ألا بئس ما يحملون من الذنوب. # قوله تعالى: * (قد مكر الذين من قبلهم) معناه: قد أشرك الذين من قبلهم، ~~وقيل: المكر هو التدبير الفاسد. # وقوله: * (فأتى ms0833 الله بنيانهم من القواعد) وهذا مذكور على طريق التمثيل، ~~يعني: قلع الله مكرهم من أصله، ورد وبال مكرهم وضرره عليهم، وإلا فليس ثم ~~بنيان ولا أساس ولا سقف. # والقول الثاني في الآية: أن الآية نزلت في نمروذ بن كنعان لما بنى الصرح ~~ليصعد إلى السماء، وفي القصة: أنه بنى قصرا طوله في السماء فرسخان، وقيل: ~~كان خمسة آلاف ذراع وزيادة شيء، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع؛ فبعث الله جبريل - ~~عليه السلام - فرمى برأسه في البحر، ثم خرب الباقي؛ فسقط عليهم وهم تحته، ~~فهذا معنى قوله: * (فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من ~~فوقهم) وهذا محكي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. # فإن قيل: قال: * (فخر عليهم السقف من فوقهم) فأيش معنى قوله: * (من ~~فوقهم) وقد فهم المعنى بقوله: * (فخر عليهم السقف)؟ والجواب: أن ذلك مذكور ~~على طريق التأكيد مثل قوله تعالى: * (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم)، ~~ومثل قوله: * (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم). # جواب آخر ذكره ابن الأنباري وغيره: أن العرب تقول: خر على فلان بيوته، ~~إذا سقطت، وإن لم يكن تحتها، فإذا قالت: خر على فلان بيته من فوقه يفهم أنه ~~كان PageV03P167 # * (وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين ~~شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم ~~والسوء على الكافرين (27) الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا ~~السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن) * * تحته. وقوله: * (وأتاهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون) معناه: من الجهة التي كانوا آمنين منها. قوله تعالى: * (ثم ~~يوم القيامة يخزيهم) يعني: يذلهم ويهينهم فيها. وقوله: * (ويقول أين شركاءي ~~الذين كنتم تشاقون فيهم) أي: تعادون المؤمنين فيهم. # فإن قيل: أين شركائي؟ وليس لله شريك، فكيف معنى الآية؟ والجواب أن ~~معناها: أين شكائي في زعمكم؟! ومنهم من قال: أين الذين كنتم تدعونهم ~~شركاء؟! # وقوله: * (قال الذين أوتوا العلم) يعني: المؤمنين. # وقوله: * (إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين) معناه: أن العذاب اليوم ~~والهوان على الكافرين. # قوله ms0834 تعالى: * (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) قال أهل التفسير: ~~هذه نزلت في قوم أسلموا بمكة، فلما هاجر النبي لم يهاجروا، ثم إن المشركين ~~لما هاجروا إلى بدر أخرجوهم مع أنفسهم، فلما رأوا النبي وقلة من معه ظنوا ~~أنهم يهلكوا على أيدي المشركين، فمكثوا مع الكفار فقتلوا يومئذ فأنزل الله ~~تعالى فيهم هذه الآية: * ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) معناه: في ~~حال ظلمهم أنفسهم بتركهم المهاجرة مع النبي وخروجهم مع الكفار. # قوله: * (فألقوا السلم) أي: استسلموا وانقادوا لملك الموت. # وقوله: * (ما كنا نعمل من سوء) أي: ما كنا مشركين. وقوله: * (بلى إن الله ~~عليم بما كنتم تعملون) معناه: أن الله عليم بأنكم عملتم عمل الكفار - وعمل ~~الكفار هو ترك المهاجرة والخروج مع المشركين - وقد كان في ابتداء الإسلام ~~لا يقبل PageV03P168 # * (الله عليم بما كنتم تعملون (28) فأدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس ~~مثوى المتكبرين (29) وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) جنات ~~عدن يدخلونها تجري) * * الإسلام إلا مع الهجرة، فهؤلاء أسلموا ولم يهاجروا، ~~فلم يقبل إسلامهم. # وقوله: * (فأدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها) أي: مقيمين دائمين فيها، وها ~~هنا إضمار، وهو أنه يقال لهم: ادخلوا أبواب جهنم. وقوله: * (فلبئس مثوى ~~المتكبرين) يعني: منزل الكافرين. # قوله تعالى: * (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم) فإن قيل: قد قال من ~~قبل: * (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين) بالرفع وقال ها ~~هنا: * (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) بالنصب، فكيف وجه الآيتين؟ # والجواب: أن معنى قوله: * (أساطير الأولين) أي: المنزل أساطير الأولين، ~~وقوله: * (قالوا خيرا) معناه: أنزل ربنا خيرا. وقوله: * (للذين أحسنوا في ~~هذه الدنيا حسنة) إحسانهم هو قول: لا إله إلا الله، وقوله: * (حسنة) اختلف ~~القول فيها: # قال ابن عباس: هي تضعيف الأجر إلى العشر فما زاد، وقال الضحاك: الحسنة هو ~~النصر والفتح، وقال مجاهد: هو الرزق الحسن، وقال غيره: ما فتح الله على ~~المسلمين من البلدان، وأفاء عليهم من الغنائم. ms0835 # وقوله: * (ولدار الآخرة خير) معناه: ولحال دار الآخرة خير. # وقوله: * (ولنعم دار المتقين) أكثر المفسرين على أن المراد [منها] الجنة، ~~وروي عن الحسن البصري أنه قال: هي الدنيا، والدنيا دار المتقين، ومنها ~~يتزود إلى الآخرة، [و] فيها يطلب رضا الله تعالى، وروي عن عمر - رضي الله ~~عنه - أنه كان إذا فرق العطايا بين المهاجرين والأنصار قال: هذا لكم في ~~الدنيا وما ادخر الله لكم في الآخرة. PageV03P169 # * (من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين (31) ~~الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم ~~تعملون (32) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل ~~الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم ~~سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به) * * قوله تعالى: * (جنات عدن ~~يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله ~~المتقين) ظاهر. # قوله تعالى: * (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين) يعني: طاهرين زاكين من ~~الشرك، وقيل: معناه: أن وفاتهم تقع طيبة سهلة. # قوله: * (يقولون سلام عليكم) يقال: إن المراد منه تسليم الملائكة، يبلغون ~~سلام الله إليهم، وفي الأخبار: ' أنهم يقولون لكل واحد منهم: السلام عليك ~~يا ولي الله '. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن الميت المؤمن يزف إلى ~~الله كما تزف العروس. وقوله: * (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) يعني: يقال ~~لهم: ادخلوا الجنة بإيمانكم وطاعتكم. # قوله تعالى: * (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) معناه: هل ينظرون إلا ~~أن تأتيهم الملائكة بالموت؟ * (أو يأتي أمر ربك) القيامة. # وفي بعض الآثار: أن أعوان ملك الموت ستة أملاك: ثلاثة يقبضون أرواح ~~المؤمنين، وثلاثة يقبضون أرواح الكفار، وقيل: هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة بالعذاب والقتل للكفار، أو يأتي أمر ربك؟ يعني: الموت. وقوله: * ~~(كذلك فعل الذين من قبلهم) يعني: كذلك كفر الذي من قبلهم. وقوله: * (وما ~~ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فأصابهم سيئات ما عملوا) معناه: فأصابهم وبال السيئات ~~التي PageV03P170 # * (يستهزءون (34) وقال الذين ms0836 أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ~~نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على ~~الرسل إلا) * * عملوا، وقيل: جزاء السيئات التي عملوا. وقوله: * (وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزئون) معناه: نزل بهم، وأحاط بهم ما كانوا به يستهزئون. # قوله تعالى: * (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ~~نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء). # ومعنى التحريم المذكور في الآية هو ما حرموا من البحيرة والوصيلة ~~والسائبة والحام، وقد احتجت القدرية بهذه الآية، ووجه احتجاجهم أن المشركين ~~قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، [* (ولا حرمنا من دونه من شيء)] ~~ثم إن الله تعالى قال في آخر الآية: * (كذلك فعل الذين من قبلهم) ردا ~~وإنكارا عليهم، فدل على أن الله تعالى لا يشاء الكفر، وأنهم فعلوا ما فعلوا ~~بغير مشيئة الله. # والجواب عنه: ذكر الزجاج وغيره أنهم قالوا هذا القول على طريق الاستهزاء ~~لا على طريق التحقيق، ولو قالوا على طريق التحقيق لكان قولهم موافقا لقول ~~المؤمنين، وهذا مثل قوله تعالى في قصة شعيب: * (إنك لأنت الحليم الرشيد) ~~فإنهم قالوا هذا على طريق الاستهزاء لا على طريق التحقيق، وكذلك قوله تعالى ~~في سورة يس، * (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين ~~آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) وهذا إنما قالوه على طريق الاستهزاء؛ ~~لأنه في نفسه قول حق يوافق قول المؤمنين، كذلك هاهنا قالوا ما قالوا على ~~طريق الاستهزاء؛ فلهذا أنكر الله تعالى عليهم، ورد قولهم، والدليل على أن ~~المراد من هذا ما ذكر من بعد وسنبين. # وقوله: * (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) يعني: ليس إليهم الهداية ~~والإضلال، وإنما عليهم التبليغ. PageV03P171 # * (البلاغ المبين (35) ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في ~~الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36) إن تحرص على هداهم ms0837 فإن الله لا ~~يهدي من يضل وما لهم من ناصرين (37) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث ~~الله من يموت بلى وعدا عليه) * * قوله تعالى: * (ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) أي: وحدوا الله واجتنبوا الأصنام. ~~وقوله: * (فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة) معناه: فمنهم من ~~هداه الله للإيمان، ومنهم من وجبت عليه الضلالة، وتركه في الكفر بالقضاء ~~السابق، فهذه الآية تبين أن من آمن بمشيئة الله، وأن من كفر، كفر بمشيئة ~~الله. # وقوله: * (فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) معناه: مآل ~~أمر المكذبين ومرجعهم. # قوله تعالى: * (إن تحرص على هداهم) الحرص: طلب الشيء بالجد والاجتهاد: ~~وقوله: * (فإن الله لا يهدي من يضل) قرأ بقراءتين: قرأ أهل الكوفة: ' لا ~~يهدي من يضل ' بفتح الياء الأولى وضم الثانية، وقرأ الباقون: ' لا يهدي من ~~يضل ' بضم اليائين، أما القراءة الأولى فمعناه: لا يهدي الله من أضله، وأما ~~القراءة الثانية فمعناه: فإن من يضله الله لا يهدى، وقيل: لا يقدر أحد على ~~هدايته، قالوا: وهذا أولى القراءتين. وقوله: * (وما لهم من ناصرين) أي: ~~مانعين من العذاب. # قوله تعالى: * (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) جهد اليمين هو أن يحلف بالله ~~الذي لا إله غيره. وقوله: * (لا يبعث الله من يموت) هذا دليل على أنهم ~~كانوا مستبصرين في كفرهم. # وقوله: * (بلى وعدا عليه حقا) معناه: ليس الأمر كما قالوا، ولكن الله ~~يبعثهم، ثم قال: * (وعدا عليه حقا) أي: واجبا. # وقوله: * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يعني: أن وعد الله حق؛ فإنه إنما ~~يعلمه PageV03P172 # * (حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) ليبين لهم الذي يختلفون فيه ~~وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون (40) والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في ~~الدنيا حسنة ولأجر الآخرة) * * المؤمنون دون الكفار. # قوله تعالى: * (ليبين لهم الذي يختلفون فيه) يعني: ليظهر لهم الحق فيما ~~يختلفون فيه. وقوله: * (وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ms0838 كاذبين) يعني: في ~~الدنيا. # قوله تعالى: * (إنما قولنا لشيء إذا أردناه) فإن قيل: قد قلتم بأن ~~المعدوم ليس بشيء، وقد جعل الله هاهنا المعدوم شيئا حيث قال: * (إنما قولنا ~~لشيء إذا أردناه) ومعناه: أردنا تكوينه. # والجواب: أن الأشياء التي قدر الله كونها هي في علم الله كالكائنة ~~(القائمة)؛ فاستقام قوله: * (إنما قولنا لشيء إذا أردناه) وقيل: إن هذا على ~~طريق المجاز، ومعناه: إنما يكون شيئا إذا أردنا تكوينه. # وقوله: * (أن نقول له) معناه: أن نقول لأجله: * (كن فيكون) أي: كن فكان، ~~وقرئ بقرائتين. ' فيكون ' بالنصب، ' ويكون ' بالرفع. # أما بالرفع معناه: فهو يكون، وأما بالنصب فهو منسوق على قوله: * (أن ~~نقول) وذلك يقتضي النصب. # قوله تعالى: * (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) قال أهل التفسير: ~~نزلت الآية في عمار، وبلال، وصهيب بن سنان، وخباب بن الأرت، وسالم مولى أبي ~~حذيفة. وقوله: * (من بعد ما ظلموا) يعني: من بعد ما عذبوا وأوذوا. # وقوله: * (لنبوئنهم في الدنيا حسنة) قال ابن عباس والشعبي والحسن: هي ~~المدينة، ويقال: هي قدم الصدق، وقيل: التوفيق والهداية. PageV03P173 # * (أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~(43) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون (44) أفأمن) * * وقوله: * (ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) أي: ~~أعظم لو كانوا يعلمون. وقوله: * (لو كانوا يعلمون) منصرف إلى المشركين دون ~~هؤلاء النفر، فإنهم كانوا يعلمون أن أجر الآخرة أكبر. # وقوله: * (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) ظاهر المعنى، وهي نازلة في ~~هؤلاء الخمسة. قوله تعالى: * (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) ~~معناه: إلا رجالا من البشر نوحي إليهم، فإن المشركين كانوا ينكرون إرسال ~~الآدميين، ويطلبون إرسال الملائكة على ما ذكر الله تعالى ذلك في غير موضع. ~~وقوله: * (فاسألوا أهل الذكر) يعني: مؤمني أهل الكتاب، وقيل: حملة أهل ~~الكتابين، فإنهم كانوا لا ينكرون هذا. وقوله: * (إن كنتم لا تعلمون) ظاهر ~~المعنى. # قوله ms0839 تعالى: * (بالبينات والزبر) اختلفوا في أن قوله: * (بالبينات ~~والزبر) إلى ماذا يرجع؟ # قال بعضهم معناه: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا بالبينات والزبر، ومنهم ~~من قال معناه: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم بالبينات والزبر. ~~ثم قال: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). # قوله: * (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم). وقد كان الرسول ~~مبينا للوحي، وقد قال أهل العلم: إن بيان الكتاب في السنة. وقوله: * ~~(ولعلهم يتفكرون) يعني: يتدبرون ويعتبرون. # قوله سبحانه وتعالى: * (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم ~~الأرض) ' مكروا السيئات ' يعني: فعلوا السيئات، وذلك جحدهم التوحيد ~~وعبادتهم غير الله، وعملهم بالمعاصي، وقد قالوا: إن المكر في هذا الموضوع ~~هو السعي بالفساد، وما قلناه أفسد الفساد. PageV03P174 # * (الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث ~~لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو يأخذهم على ~~تخوف) * * وقوله: * (أن يخسف الله بهم الأرض) الخسف معلوم المعنى، وقد ثبت ~~عن النبي أنه قال: ' بينما رجل يتبختر في حلة له فخسف به الأرض، فهو يتجلجل ~~فيها إلى يوم القيامة '. # وحكى النقاش عن بعض أهل العلم مسندا: أن قوما تدافعوا الإمامة بعد ما ~~أقيمت الصلاة فخسف الله بهم الأرض. # وفي بعض المسانيد عن أبي هريرة أن النبي قال: ' يفتح للناس معدن، ويبدو ~~من الذهب أمثال البخت؛ فيميل الناس إليه فيخسف الله بهم وبالمعدن، فهم ~~يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة '. # وقوله: * (أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون) أي: لا يعلمون. قوله ~~تعالى: * (أو يأخذهم في تقلبهم) قال ابن جريج: في إقبالهم وإدبارهم، وقيل: ~~في ليلهم ونهارهم، وقيل: في أسفارهم. وقوله: * (فما هم بمعجزين) أي: ~~بفائتين. # قوله تعالى: * (أو يأخذهم على تخوف) قال ابن عباس: على تنقص، ومعنى ~~التنقص في هذا الموضع أنه يأخذهم الأول فالأول حتى يهلكهم. # والقول الثاني: أن معنى التخوف هو أن يأخذ قوما ولا يأخذ آخرين، وتخوفهم ~~بأخذ هؤلاء، قول الحسن والضحاك. # والقول الثالث: حكى عن الليث ms0840 بن سعد أنه قال: سمعت أنه على عجل. ~~PageV03P175 # * (فإن ربكم لرءوف رحيم (47) أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ~~ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله) * * وقوله: * (فإن ربكم لرءوف رحيم) ~~رحمته للكفار هي إمهالهم في العذاب. # قوله تعالى: (أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله) يتحول ~~ظلاله، وأما الفرق بين الفيء والظل: فيقال: إن الظل بالغداة، والفيء ~~بالعشي، ويقال: إن معناهما واحد. # وقوله: * (عن اليمين) أي: عن الأيمان؛ لأنه قد قال عقيبه: * (والشمائل) ~~والظل دائر من جوانب الإنسان، فمرة يكون عن يمينه، ومرة يكون عن شماله، ~~ومرة يكون قدامه، ومرة يكون خلفه. # وقوله: * (سجدا لله) أكثر السلف أن السجود هاهنا: هو الطاعة لله، وأن كل ~~الأشياء ساجدة لله مطيعة من حيوان وجماد، وهذا محكي عن ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والحسن البصري، قال الحسن: يا ابن آدم، ظلك يسجد لله تعالى، وأنت لا ~~تسجد، فبئس ما صنعت. # وذكر أبو عيسى الترمذي في جامعه برواية ابن عمر عن عمر - رضي الله عنهما ~~- أن النبي قال: أربع بعد الزوال قبل الظهر يعدلن مثلهن من السحر، وما من ~~شيء إلا ويسجد لله في تلك الساعة، ثم تلا قوله تعالى: * (أولم يروا إلى ما ~~خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله) الآية. # قال الضحاك: المراد من سجود الظلال سجود الأشخاص، وذكر بعضهم أن معنى ~~قوله: * (سجدا لله) أي: خاضعة ذليلة خادمة فيما أريد لها بأصل الخلقة، ~~والأشياء. PageV03P176 # * (وهم داخرون (48) ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ~~والملائكة وهم لا يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ~~(50) وقال الله) * * كلها مجبولة على ما أريد لها في أصل الخلقة. # وذكر بعضهم: أنه إنما أضاف السجود إلى هذه الأشياء؛ لأنها تدعو إلى ~~السجود، فكأنها في أنفسها ساجدة، والأصح هو القول الأول ثم الثاني. # وقوله: * (وهم داخرون) أي: صاغرون. # قوله تعالى: * (ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة) المراد ~~من الدابة هاهنا قالوا: هي الحيوان؛ لأن الحيوان من ms0841 شأنه الدبيب، ويقال: ~~ولله يسجد ما في السماوات من الملائكة، وما في الأرض من دابة. # فإن قال قائل: كيف يستقيم هذا المعنى، وقد قال بعده: * (والملائكة)؟ # والجواب من وجهين: أحدهما: أنه خصهم بالذكر تشريفا لهم. # والآخر: أن المراد من الملائكة المذكورين أخيرا هم ملائكة الله في الأرض، ~~يعبدون الله تعالى ويسبحونه. وقوله: * (وهم لا يستكبرن) الاستكبار: طلب ~~الكبر بترك الإذعان للحق. # قوله تعالى: * (يخافون ربهم من فوقهم) قال بعضهم معناه: يخافون عذاب ربهم ~~من فوقهم، والقول الثاني - وهو الأصح - أن هذه صفة العلو [التي] تفرد الله ~~بها، وهو كما وصف به نفسه من غير تكييف. # وقوله: * (ويفعلون ما يؤمرون) يعني: أن الملائكة لا يعصونه. # قوله تعالى: * (وقال الله لا تتخذوا إليهن اثنين) فإن قال قائل: أيش معنى ~~قوله: * (اثنين) وقد قال: * (إلهين)؟ # الجواب من وجهين: أحدهما: على طريق التأكيد، وهو مثل قوله تعالى: * ~~(فصيام PageV03P177 # * (لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51) وله ما في ~~السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) وما بكم من نعمة ~~فمن الله ثم إذا) * * ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا أرجعتم تلك عشرة ~~كاملة). # والجواب الثاني: أن الآية على التقديم والتأخير، ومعناها: وقال الله: لا ~~تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد. * (فإياي فارهبون) يعني: فخافون. # قوله تعالى: * (وله ما في السماوات والأرض) معلوم المعنى. وقوله: * (وله ~~الدين واصبا) أي: دائما، هكذا قاله ابن عباس، والدين بمعنى الطاعة. # وحقيقة المعنى أن [طاعة] غير الله تنقطع وتزول، وطاعة الله لا تزول ولا ~~تنقطع، وقيل: واصبا أي: خالصا، والوصب في اللغة هو التعب، فيقال على هذا: ~~أن معنى الآية أن الطاعات كلها لله، وإن كان فيها الوصب والتعب. # وقوله: * (أفغير الله تتقون) أي: تخافون، وهذا استفهام على طريق الإنكار. # قوله تعالى: * (وما بكم من نعمة فمن الله) معناه: وما يكن لكم من نعمة ~~فمن الله، وفي بعض المسانيد برواية ابن عمر عن النبي أنه قال: ' ما مس عبدا ~~نعمة فعلم أنها من الله ms0842 إلا وقد [شكر] الله، وإن لم يحمده '. # وقوله: * (ثم إذا مسكم الضر) قيل: القحط، وقيل: المرض. وقوله: * (فإليه ~~تجأرون) الجؤار هو الصوت على وجه الاستغاثة، ومنه جؤار البقر، ومعنى الآية ~~أنكم تدعون الله مستغيثين. قال الشاعر: PageV03P178 # * (مسكم الضر فإليه تجأرون (53) ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم ~~بربهم يشركون (54) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55) ويجعلون ~~لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون (56) ~~ويجعلون لله البنات) * * (يراوح في صلوات المليك * فطورا سجودا وطورا ~~وجؤارا) قوله تعالى: * (ثم إذا كشف الضر عنكم) يعني: ما يضركم. وقوله: * ~~(إذا فريق منكم بربهم يشركون) أي: يكفرون. # قوله تعالى: * (ليكفروا بما آتيناهم) معناه: أن حاصل أمرهم هو كفرهم بما ~~آتيناهم من النعمة، وهذه اللام وأمثالها تسمى لام العاقبة، وقيل: إن النعمة ~~هي الآيات التي أراها خلقه على وحدانيته. # وقوله: * (فتمتعوا) أي: عيشوا المدة التي ضرب لكم في طلب اللذة * (فسوف ~~تعلمون) عاقبة أمركم. # قوله تعالى: * (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم) معناه: ويجعلون ~~للأصنام نصيبا مما رزقناهم، وهو معنى قوله تعالى: * (فقالوا هذا لله بزعمهم ~~وهذا لشركائنا). وقوله: * (لا يعلمون) يعني: لا يعلمون أنها تضرهم ولا ~~تنفعهم. # وقوله: * (تالله لتسألن عما كنتم تفترون) معناه: والله لتسألن، والسؤال ~~سؤال إلزام الحجة، لا سؤال الاستعلام والاستفهام. # قوله تعالى: * (ويجعلون لله البنات) هذا معنى قولهم: إن الملائكة بنات ~~الله. وقوله: * (سبحانه) هو بيان تنزيهه عن قولهم. # وقوله: * (ولهم ما يشتهون) أي: البنين، فإنهم كانوا يقولون له البنات، ~~ولنا البنون. وقوله: * (وإذا بشر أحدهم بالأنثى) كان أهل الجاهلية يودون ~~الذكور من الأولاد، ويكرهون الإناث، ويقولون: إنهن لا يقاتلن، ولا يركبن ~~الخيل، وكان الرجل منهم إذا دنت ولادة امرأته توارى من نادى قومه، فإن بشر ~~بالابن ظهر، ويهنئه القوم، PageV03P179 # * (سبحانه ولهم ما يشتهون (57) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو ~~كظيم (58) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في ~~التراب ألا) * * وإن بشر بالأنثى تغير واستخفى وربما ms0843 يئدها؛ فهذا معنى ~~قوله: * (يتوارى من القوم من سوء ما بشر به) يعني: من كراهة ما بشر به. # وأما قوله: * (ظل وجهه مسودا وهو كظيم) معناه: تغير وجهه من الغم، تقول ~~العرب: اسود وجه فلان، إذا تغير بما أصابه من الغم. # وقوله: * (وهو كظيم) أي: ممتلئ حزنا، وقال ابن عباس: حزين، وقال غيره: ~~امتلأ حزنا، فهو يكظمه، أي: يمسكه ولا يظهره. # وأما قوله: * (أيمسكه على هون) قرأ الجحدري: ' على هوان '، وقال الكسائي: ~~الهون والهوان بمعنى واحد، وقالت الخنساء شعرا: # (نهين النفوس ووهن النفوس * ليوم الكريهة أبقى لها) وقرأ عيسى بن عمر: ' ~~أم يدسها في التراب ' ويلزمه على هذه القراءة أن يقرأ: ' أيمسكها '، وأما ~~على القراءة المعروفة فإنها تنصرف إلى لفظة ' ما ' وما بمعنى الذي. # وقوله: (أم يدسه في التراب) أي: يدفنه حيا، وعن قتادة قال: رب أنثى خير ~~لأهلها من غلام، وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: ' ما وضعت امرأة بنتا ~~إلا وضع الملك يده على رأسها وقال: ضعيفة خرجت من ضعيفة، المنفق عليها معان ~~إلى يوم القيامة '. PageV03P180 # * (ساء ما يحكمون (59) للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل ~~الأعلى وهو العزيز الحكيم (60) ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها ~~من دابة ولكن) * * وقوله: * (ألا ساء ما يحكمون) أي: بئس ما يحكمون، ~~وحكمهم: وأد البنات وترك البنين. # قوله تعالى: * (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء) أي: صفة السوء، وقيل: ~~عاقبة السوء. وقوله: * (ولله المثل الأعلى) أي: الصفة العليا، وذلك مثل ~~قولهم: عالم وقادر ورازق وحي، وغير هذا. # وقال مجاهد: ' ولله المثل الأعلى ' شهادة أن لا إله إلا الله، فإن قيل: ~~قد قال في موضع آخر: * (فلا تضربوا لله الأمثال) وقال هاهنا: * (ولله المثل ~~الأعلى) فكيف وجه الجمع؟ والجواب أن معنى قوله: * (فلا تضربوا لله الأمثال) ~~أي: الأمثال التي هي الأشباه فإن الله تعالى لا شبه له، وأما قوله: * (ولله ~~المثل الأعلى) أي: الصفة العليا، وهذا جائز لكل أحد أن يقوله، بل واجب. ~~وقوله: * (وهو العزيز الحكيم) قد بينا. ms0844 # قوله تعالى: * (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم) أي: بكفرهم. وقوله: * (ما ~~ترك عليها من دابة) روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن الجعل في جحره ~~يعذب بذنب بني آدم، وعن أبي هريرة أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا ~~نفسه، فقال له: بئسما قلت، إن الحبارى تموت هزلا من ظلم الظالم. # وقال بعض أهل المعاني معنى الآية: لو أخذ الظالمين فأهلك الآباء انقطع ~~النسل، ولم يوجد الأبناء فيهلك من في الأرض. PageV03P181 # * (يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~(61) ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن ~~لهم النار وأنهم مفرطون (62) تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم ~~الشيطان أعمالهم) * * وقوله: * (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) يعني: إلى يوم ~~القيامة. وقوله: * (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (ويجعلون لله ما يكرهون) يعني: البنات. وقوله: * (وتصف ~~ألسنتهم الكذب) معنى الكذب المذكور هو قولهم: * (أن لهم الحسنى). # وفي الحسنى قولان: أحدهما: أنها البنون، والآخر: أنها الجنة. وقوله: * ~~(لا جرم أن لهم النار) ' لا ' رد لقولهم. وقوله: * (جرم) أي: حقا، وقيل: لا ~~محالة أن لهم النار، وقيل: لا بد، وقد بينا أن رجم بمعنى كسب، وذكرنا عليه ~~الاستشهاد. # وقوله: * (وأنهم مفرطون) أكثر القراء قرأوا بفتح الراء، وقرأ نافع: ' ~~مفرطون ' بالكسر، وقرأ أبو جعفر المدني: ' مفرطون ' بتشديد الراء. # واختلف القول في معنى قوله: * (مفرطون) بفتح الراء، قال سعيد بن جبير ~~ومجاهد: منسيون، وعنهما: متروكون، وقيل: مضيعون، وعن الحسن البصري، مقدمون ~~إلى النار، ومنه الفارط، وهو الذي يتقدم إلى الماء، قال الشاعر: # (استعجلونا فكانوا من صحابتنا * كما تقدم فراط لوراد) وقد ثبت عن النبي ~~أنه قال: ' أنا فرطكم على الحوض ' أي: متقدمكم، واختار الكسائي وأبو عبيدة ~~والفراء معنى قول مجاهد. # وأما قوله: ' مفرطون ' بكسر الراء، هو من الإفراط، يعني: مبالغون في ~~الإساءة، وأما قوله: ' مفرطون ' هو من التفريط، يعني: أنهم مقصرون. # قوله تعالى: * (تالله ms0845 لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) يعني: والله لقد ~~أرسلنا إلى أمم PageV03P182 # * (فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا ~~لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) والله أنزل من ~~السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (65) وإن ~~لكم في الأنعام لعبرة) * * من قبلك. وقوله: * (فزين لهم الشيطان أعمالهم) ~~يعني: كفرهم وجحودهم. وقوله: * (فهو وليهم اليوم) سماه وليا لهم لطاعتهم ~~إياه. وقوله: * (ولهم عذاب أليم) أي: مؤلم. # قوله: * (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) الفرق ~~بين التبيين والتمييز، أن في التبيين طلب العلم، وليس في التمييز طلب ~~العلم، فإن الرجل يميز بين الجيد والردئ (مع علمه) بهما. # وقوله: * (اختلفوا فيه) أي: في الكتاب. وقوله: * (وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون) معناه: أن الكتاب هدى ورحمة للمؤمنين، وقيل: إن الرسول هدى ورحمة ~~للمؤمنين. # قوله تعالى: * (والله أنزل من السماء ماء) أي: المطر. وقوله: * (فأحيا به ~~الأرض بعد موتها) أي: بالنبات. وقوله: * (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) ~~يعني: يسمعون سماع التفهم. # قوله تعالى: * (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم) قرىء بالنصب والرفع، ~~أما بالنصب فمعلوم المعنى، وأما بالرفع فهو أن يجعل لكم سقيا، قال الشاعر ~~في الفرق بينهما: # (سقى قومي بني مجد وأسقي * نميرا والقبائل من هلال) قوله: * (مما في ~~بطونه) فإن قيل: كيف لم يقل: مما في بطونها، والأنعام جمع؟ والجواب عنه: أن ~~معناه: مما في بطون كل واحد منهما أو كل نوع منها، والعرب قد تحذف مثل هذا، ~~قال الشاعر: # (ألا يا سهيل فالقطيخ قد فسد * وطاب ألبان اللقاح فبرد) PageV03P183 # * (نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ~~ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) * * أي بردت. # وقوله: * (من بين فرث ودم) الفرث هو ما يحصل في الكرش من الثقل، ويقال: ~~إن العلف الذي تأكله الدابة يتغير في الكرش فيتحول لبنا وفرثا ودما فأعلاه ~~دم، وأوسطه لبن، وأسفله فرث، ثم ms0846 يميز الله تعالى بينهما، فيجري كل واحد ~~منهما في مجراه على حدة، (فيجعل) اللبن في الضرع، ويجعل الدم في العروق، ~~ويبقى الفرث في الكرش، فهذا معنى قوله: * (من بين فرث ودم). # وقوله: * (لبنا خالصا) أي: ليس عليه لون الدم ولا رائحة الفرث. وقوله: * ~~(سائغا) السائغ: ما يجري في الحلق على السهولة، وفي بعض الأخبار: ما غص أحد ~~بلبن؛ لقوله: * (سائغا). وقوله: * (للشاربين) ظاهر المعنى. # قوله: * (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا) اختلفوا في السكر، ~~فالمروي عن ابن عباس: أن السكر ما حرم من الثمر، والرزق الحسن ما حل من ~~الثمر، وعن مجاهد وقتادة وإبراهيم النخعي والشعبي: أن الآية منسوخة، وهذا ~~قبل تحريم الخمر ثم حرمت. # وروي عن الشعبي أنه قال: السكر هو النبيذ، والرزق الحسن هو التمر ~~والزبيب، وهذا قول من يبيح (النبيذ)، وأما على قول ابن عباس فالمراد من ~~الآية هو الإخبار عنهم، لا الإحلال لهم، وأولى الأقاويل أن قوله: * (تتخذون ~~منه سكرا) منسوخ. # وفي بعض المسانيد أن النبي قال: ' لكم من العنب خمسة حلال: العصير، ~~والزبيب، والخل، والرب، وأن تأكلوه عنبا ' والله أعلم بصحته. وقال الشاعر ~~في PageV03P184 # * (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من ~~الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ~~ربك دللا) * * السكر: # (بئس الضجيع وبئس الشرب شربهم * إذا جرى فيهم المزاء والسكر) أي: المسكر. ~~وقوله: * (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وأوحى ربك إلى النحل) الآية، وأوحى ربك أي: ألهم ربك، ~~والوحي في اللغة هو إعلام الشيء في السترة، وقد يكون ذلك بالكتابة، وقد ~~يكون بالإشارة وقد يكون بالإلهام، وقد يكون بالكلام الخفي، وقال بعضهم معنى ~~قوله: * (وأوحى ربك إلى النحل) أي: جعل في غرائزها ذلك، وقيل: أوحى بمعنى ~~سخر، وذلل، وأصح الأقاويل هو الأول. وقوله: * (إلى النحل) والنحل: ذباب ~~العسل، وفي رواية ابن عمر عن النبي أنه قال: ' كل الذباب في النار إلا ~~النحل ' والخبر غريب. # وقوله: * (أن ms0847 اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر) أي: خلايا، وهي الأمكنة ~~التي يضع النحل فيها العسل، ويقال: إنما يضع العسل في أجواف الأشجار، وقد ~~يضع على أغصان الأشجار، وقوله: * (ومما يعرشون) يعني: يبنون، وقد جرت عادة ~~أهلها أنهم يبنون لها الأماكن فهي تأوي إليها بتسخير الله إياها لذلك. # قوله تعالى: * (ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك) أي: طرق ربك، قال ~~مجاهد: هي تسلك سبلها لا يتوعر عليها مكان. PageV03P185 # * (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون) * * وقوله: * (ذللا) يحتمل وجهين: # يحتمل أنه راجع إلى الطرق، يقال: سبيل ذلول، وسبل ذلل، إذا كانت سهلة ~~المسلك، ويحتمل أنه ينصرف إلى النحل، ومعناه: أنها مطيعة منقادة لما خلقت ~~له، ويقال: إن للنحل يعسوبا - وهو سيد النحل - إذا وقفت وقفت، وإذا سارت ~~سارت، ويقال: ' ذللا ' يعني لأربابها؛ فإنه قد جرت العادة أن أربابها ~~ينقلونها من مكان إلى مكان، فهي مسخرة لذلك. # وقوله: * (يخرط من بطونها). فإن قال قائل: إنما يخرج من أفواهها لا من ~~بطونها؟، والجواب عنه أنه إنما ذكر بطونها لأن الاستحالة تقع في بطونها؛ ~~ولأنه يخرج من بطونها إلى أفواهها، ثم تسيل من أفواهها كهيئة الريق، وروي ~~أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مر على عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ~~وهو مقتول يوم الجمل؛ فقال: هذا يعسوب قريش شفيت نفسي، وقتلت قومي، أشكو ~~إلى الله عجري وبجري، أي: همومي وأحزاني. # وقوله: * (شراب مختلف ألوانه) يعني: أحمر، وأصفر، وأبيض. وقوله: * (فيه ~~شفاء للناس) لا يشكل على أحد أن في العسل شفاء لبعض الأمراض، وقد يجعل في ~~المعجونات وكثير من الأدوية، وروي عن ابن عباس أنه قال: فيه شفاء للناس، ~~أي: في القرآن، والأظهر في الآية هو القول الأول. # وروى أبو سعيد الخدري: ' أن رجلا أتى النبي وذكر أن أخاه اشتكى بطنه ~~فقال: اسقه عسلا، فسقاه، فزاد الوجع، فعاد وذكر له؛ فقال: اسقه عسلا، فسقاه ~~فازداد وجعا، فعاد وذلك له ذلك؛ فقال: اسقه ms0848 عسلا، فسقاه فبرأ، فعاد وذكر ~~ذلك للنبي فقال: صدق الله، وكذب بطن أخيك '. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: من اشتكى شيئا فليأخذ من امرأته أربعة ~~PageV03P186 # (* (69) والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم ~~بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (70) والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما ~~الذين فضلوا) * * دراهم من مهرها وليشتر بها عسلا، وليخلطه بماء المطر ~~وليشربه؛ فإن فيه شفاء. # وكان ابن عمر إذا أصابه وجع طلى على موضع الوجع بالعسل حتى الدمل: وعن ~~أبي حرة أنه كان يكتحل بالعسل. وقوله: * (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) أي: ~~يتدبرون. # قوله تعالى: * (والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) ~~يعني: الهرم، وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: إنه خمس وسبعون سنة، وقيل: ~~ثمانون سنة، حكاه قطرب. وقيل: تسعون سنة، وعن عكرمة قال: من قرأ القرآن لم ~~يرد إلى أرذل العمر، ومعناه: أنه لا يذهب عقله ولا يخرف، وقيل: إن الرد إلى ~~أرذل العمر للكافرين؛ فإن الله تعالى قال: * (ثم رددناه أسفل سافلين إلا ~~الذين آمنوا). # وقوله: * (لكيلا يعلم بعد علم شيئا) يعني: ينتقص علمه وعقله، وهذا دليل ~~على أنه قد يذكر الشيء، ويراد به الأغلب، فإنه إذا رد إلى أرذل العمر لا ~~يذهب جميع علمه إذا، وإنما يذهب أكثر علمه. وقوله: * (إن الله عليم قدير) ~~ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) معناه: بسط لهذا وضيق ~~على هذا، وأكثر لهذا وقلل. # وقوله: * (فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم) في الآية رد ~~على المشركين في اتخاذهم الأصنام آلهة مع الله، ومعنى الآية: أن الأحرار ~~المالكين منكم لا تسخو أنفسهم بدفع أموالهم إلى عبيدهم ليشاركوهم في الملك، ~~فيكونوا وهم سواء؛ فإذا لم ترضوا هذا لأنفسكم؛ فأولى أن تنزهوا ربكم عنه، ~~ونظير هذا ما ذكر في سورة الروم: * (ضرب لكم مثلا من أنفسكم) إلى قوله: * ~~(فأنتم فيه سواء). PageV03P187 # * (برادي رزقهم على ما ملكت ms0849 أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون ~~(71) والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ~~ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) ويعبدون من ~~دون الله ما لا) * * وقوله: * (أفبنعمة الله يجحدون) يعني: بأن أنعم عليكم ~~جحدتموه، واتخذتم غيره إلها معه. # قوله تعالى: * (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا) فيه قولان: أحدهما: أن ~~هذا في آدم - عليه السلام - فإن الله تعالى خلق حواء من بعض أضلاعه. # والقول الثاني: خلق من أنفسكم أزواجا أي: من جنسكم أزواجا. # وقوله: * (وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) في الحفدة أقوال: روي عن عبد ~~الله بن مسعود أنه قال: هم الأختان، وعنه أيضا أنه قال: هم الأصهار، ومعنى ~~الآية على هذا القول: وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهم؛ فيحصل لكم ~~بسببهم الأختان والأصهار. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - ومجاهد وغيرهما أنهم قالوا: الخدم، وعن ~~الحسن البصري قال: الأعوان، وقيل: [أولاد] الأولاد، وقيل: بنو المرأة من ~~غيره. # والحفد في اللغة: هو الإسراع في العمل، وفي دعاء القنوت: وإليك نسعى ~~ونحفد أي: نسرع، وقال الشاعر: # (حفد الولائد حولهن وأسلمت * بأكفهن أزمة الأجمال) وقيل: إن البنين هم ~~الكبار، والحفدة هم الصغار، ويقال: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: وجعل ~~لكم حفدة ومن أزواجكم بنين. وقوله: * (ورزقكم من الطيبات) يعني: من النعم ~~الحلال. # وقوله: * (أفبالباطل يؤمنون) وهذا على طريق الإنكار. وقوله: * (وبنعمة ~~الله هم PageV03P188 # * (يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (73) فلا تضربوا ~~لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) ضرب الله مثلا عبدا مملوكا ~~لا يقدر على شيء ومن) * * يكفرون) يعني: بالإسلام هم يكفرون، وقيل: بمحمدهم ~~يكفرون. # وقوله تعالى: * (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات ~~والأرض شيئا ولا يستطيعون) المراد من الآية ذكر عجز الأصنام عن إيصال نفع ~~أو دفع ضر. وقوله: * (فلا تضربوا لله الأمثال) أي: الأشباه، ومعناه: فلا ~~تجعلوا لله شبها. ولا مثلا؛ فإنه لا شبه له، ولا مثل له. وقوله: ms0850 * (إن الله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه ~~منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا) قال مجاهد والضحاك: ضرب المثل لنفسه ~~وللصنم الذي عبد من دونه، فقوله: * (عبدا مملوكا) أراد به الصنم. وقوله: * ~~(ومن رزقناه منا رزقا حسنا) ضرب مثلا لنفسه على معنى أنه الجواد الرازق ~~الذي يعطي من حيث يعلمه العبد ومن حيث لا يعلمه. # وقال قتادة - وهو القول الثاني - هو ضرب مثلا للكافر والمؤمن، فقوله: * ~~(عبدا مملوكا) أراد به الكافر، وقوله: * (ومن رزقناه منا رزقا حسنا) أراد ~~به المؤمن ، وقيل: إن القول الأول أليق بظاهر الآية؛ لأنه إنما سبق ذكر ~~الأصنام، (وتأخر ذكر الأصنام). # ومن نصر القول الثاني استدل على صحته بقوله: * (عبدا مملوكا) والصنم لا ~~يسمى عبدا، وفي بعض الروايات عن ابن عباس أن الآية في رجلين بأعيانهما: أما ~~الذي رزقه الله رزقا حسنا، فهو ينفق منه سرا وجهرا، هو عمرو بن هشام، وأما ~~[العبد] المملوك فهو هو مولاه أبو الجواب، وكان يأمره بالإيمان ويمتنع، ~~أورده PageV03P189 # * (رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ~~وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو و من يأمر بالعدل ~~وهو على صراط) * * النحاس في تفسيره بإسناده. # وقوله: * (هل يستوون) فإن قال قائل: كيف قال: * (هل يستوون)، وإنما ضرب ~~المثل لاثنين؟ والجواب عنه: أن المراد منه الجنس لا واحد بعينه. وقوله: * ~~(الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) ظاهر المعنى. أي: حمد نفسه على علمه ~~وجهلهم، وقيل: معناه: قل الحمد لله على ما أوضح من الدليل. وبين من الحق بل ~~أكثرهم لا يعلمون، ويقال: الحمد لي فإني أنا المستحق للحمد لا ما يشركون ~~بي، بل أكثرهم لا يعلمون أني أنا المستحق للحمد. # قوله تعالى: * (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم) الأبكم: هو الذي لا ~~ينطق، ms0851 ولا يعقل، ولا يفهم. وقوله: * (لا يقدر على شيء) أي: لا يقدر على ~~النطق. # وقوله: * (وهو كل على مولاه) أي: ثقل على مولاه. وقوله: * (أينما يوجهه ~~لا يأت بخير) يعني: أينما يبعثه لا يهتدي إلى خير. وقوله: * (هل يستوي هو ~~ومن يأمر بالعدل) عنى به نفسه، والله تعالى يأمر بالعدل، ويفعل العدل. # وقوله: * (وهو على صراط مستقيم) أي: على طريق قويم، والمراد من الآية: ~~ضرب مثلا آخر لنفسه وللأصنام، فالأول هو الصنم، والمراد من قوله: * (ومن ~~يأمر بالعدل) هو الله تعالى. وقوله: * (على صراط مستقيم) لأن الله تعالى ~~على طريق الحق، وليس عنه معدل. # وفي الآية قول آخر: وهو ما روى عن ابن عباس أنه قال: الآية في رجلين ~~بأعيانهما: أما الأول: فهو أسيد بن أبي العيض. وقوله: * (ومن يأمر بالعدل) ~~هو عثمان بن عفان، وكان عثمان يأمره بالإسلام فلا يسلم. # قوله تعالى: * (ولله غيب السماوات والأرض) يعني: علم غيب السماوات ~~PageV03P190 # * (مستقيم (76) ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ~~أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير (77) والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) ألم يروا ~~إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون (79)) * * والأرض. وقوله: * (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر) معناه: ~~أنه إذا قال له: كن فيكون. # وقوله: * (أو هو أقرب) يعني: أدنى من لمح البصر، فإن قيل: كيف قال: * (أو ~~هو أقرب)، و ' أو ' للشك ولا يجوز على الله هذا؟ # والجواب من وجهين: أحدهما: أن قوله: * (أو هو أقرب) يعني: بل هو أقرب قال ~~الشاعر: # (بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وبهجته أو أنت في العين أملح) يعني: ~~بل أنت في العين أملح. # والجواب الثاني: أن المراد منه: أو هو أقرب في علمكم. وقوله: * (إن الله ~~على كل شيء قدير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) يعني: لا ~~تعلمون شيئا ms0852 مما علمتم الآن. # وقوله: * (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) أي: الأسماع والأبصار ~~والأفئدة، وهي جمع الفؤاد. وقوله: * (لعلكم تشكرون) أي: نعمتي عليكم. # قوله تعالى: * (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء) أي: مذلالات في ~~كبد السماء، وعن كعب الأحبار أن الطير يرتفع اثنى عشر ميلا ولا يرتفع فوق ~~هذا. وفوق الجو السكاك وفوق السكاك السماء. # وقوله: * (ما يمسكهن إلا الله) يعني: في حال طيرانهن وقبضهن وبسطهن. ~~PageV03P191 # * (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ~~تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ~~ومتاعا إلى حين (80) والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال ~~أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر) * * وقوله: * (إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون) أي: لعبرا. # قوله تعالى: * (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا) أي: مواضع تسكنون فيها. ~~وقوله: * (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا) يعني: الفساطيط والخيم والقباب ~~من الأدم. # وقوله: * (تستخفونها) يعني: يخف عليكم حملها. وقوله: * (يوم ظعنكم) يعني: ~~يوم سفركم. وقوله: * (ويوم إقامتكم) أي: حال إقامتكم. # وقوله: * (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها) الأصواف للغنم، والأوبار ~~للإبل، والأشعار للمعز. وقوله: * (أثاثا) الأثاث: متاع البيت، وهو ما يتأثث ~~به أي: ينتفع به، قال الشاعر: # (أهاجتك الظعائن يوم بانوا * على الزي الجميل من الأثاث) وقيل: الأثاث ~~اللباس. وقوله: * (ومتاعا إلى حين) أي: متعة إلى حين آجالكم. # قوله تعالى: * (والله جعل لكم مما خلق ظلالا) أي: ما يظلكم من الشمس من ~~الأشجار والحيطان والسقوف والجبال وأشباه ذلك. # وقوله: * (وجعل لكم من الجبال أكنانا) أي: الغيران والأسراب، والأكنان ~~جمع الكن. وقوله: * (وجعل لكم سرابيل) أي: قمصا، وقد تكون من الصوف، وقد ~~تكون من القطن، وقد تكون من الكتان. # وقوله: * (تقيكم الحر) هاهنا حذف، ومعناه: تقيكم الحر والبرد. قال ~~الشاعر: # (ولا أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني) قال النحاس: أريد ~~الخير وأتقي الشر؛ لأن كل من يريد الخير فيتقي الشر، وقوله: أيهما يليني ~~أي: الخير والشر. PageV03P192 # * (وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم ms0853 نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) فإن ~~تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم ~~الكافرون (83)) * * وقوله: * (وسرابيل تقيكم بأسكم) أي: الدروع، والبأس هو ~~ما يقع به البأس، وهو السلاح. وقوله: * (كذلك يتم نعمته عليكم) يعني: منته ~~عليكم. وقوله: * (لعلكم تسلمون) أي: تؤمنون، وعن ابن عباس أنه قرأ: ' لعلكم ~~تسلمون ' والقراءة غريبة. # فإن قيل: كيف ذكر هذه النعم من الجبال والظلال والسرابيل والقمص والأوبار ~~والأصواف، ولله تعالى نعم كثيرة فوق هذا لم يذكرها؟ فما معنى تخصيص هذه ~~النعم وترك ما فوقها؟ # والجواب عنه: أن العرب كانوا أصحاب أنعام، وكانوا أهل جبال، وكانت بلادهم ~~حارة؛ فذكر من النعم ما يليق بحالهم، وكانت هذه النعم عندهم فوق كل نعمة؛ ~~فخصها بالذكر لهذا المعنى، وعن قتادة: أن هذه السورة تسمى سورة النعم. # قوله تعالى: * (فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين) هذه تسلية للنبي ~~ومعناه: أنهم إن أعرضوا فلا يلحقك في ذلك عتب ولا سمة تقصيرا؛ فإنما عليك ~~البلاغ وقد بلغت. # قوله تعالى: * (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) قال السدي: هو محمد، وعلى ~~هذا جماعة من أهل التفسير، ويقال: إن معناه الإسلام. وروي عن ابن عباس أن ~~معنى الآية: أنه كان إذا قيل لهم: من أعطاكم هذه النعم؟ فيقولون: الله، ~~فإذا قيل لهم: فوحدوه؛ فيقولون: أعطينا بشفاعة آلهتنا. # وعن قتادة: أنهم يقرون أن النعم من الله، ثم إذا قيل لهم: تصدقوا، ~~وامتثلوا فيها أمر الله تعالى، قالوا: ورثناها من آبائنا. # وعن عون بن عبد الله قال: إنكار النعمة هو أن يقول: لولا كذا لأصبت كذا، ~~ولولا فلان لأصابني كذا. وعن الحسن البصري قال: النعم ستة: محمد، ~~PageV03P193 # * (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون ~~(84) وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) وإذا ~~رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون) * * والقرآن، والإسلام، والعافية، ms0854 والستر، ~~والاستغناء عن الناس. # وقوله: * (وأكثرهم الكافرون) يعني: وكلهم الكافرون؛ لأن الآية في الكفار. # قوله تعالى: * (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) هذا في معنى قوله تعالى: * ~~(فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا). # وقوله: (ثم لا يؤذن للذين كفروا) يعني: في الاعتذار، وقيل: في الكلام ~~أصلا. وقوله: * (ولا هم يستعتبون) يعني: لا يردون إلى الدنيا ليتوبوا، ~~وحقيقة المعنى في الاستعتاب: هو التعريض لطلب الرضا، وهذا الباب منسد على ~~الكفار في الآخرة. # قوله تعالى: * (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب) يعني: جهنم. وقوله: * (فلا ~~يخفف عنهم) أي: لا يسهل عليهم. وقوله: * (ولا هم ينظرون) أي: لا يمهلون. ~~قوله تعالى: * (وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم) هذا في الوقت الذي يبعث ~~الله الأصنام ويحضرها، فإذا رآها الكفار * (قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين ~~كنا ندعوا من دونك). # وقوله: * (فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون) فيه قولان: # الأظهر أن هذا قول الأصنام يقولون للمشركين: إنكم لكاذبون، يعني: في أنا ~~دعوناكم إلى عبادتنا، أو في قولكم: إن هؤلاء آلهة، أو في قولكم: إنا نستحق ~~العبادة. # والقول الثاني: أن الملائكة يقولون: إنكم لكاذبون. # قوله تعالى: * (وألقوا إلى الله يومئذ السلم) أي: استسلم العابد والمعبود ~~لله PageV03P194 # (* (87) الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما ~~كانوا يفسدون (88) ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك ~~شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين (89) إن) * * تعالى. وقوله: * (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي: بطل ~~عنهم ما كانوا يكذبون، وحقيقة المعنى: أنه فات عنهم ما زعموه؛ فإنه كان ~~فرية وكذبا. # قوله تعالى: * (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) يعني: منعوا الناس من ~~طريق الحق. وقوله: * (زدناهم عذابا فوق العذاب) روى مسروق عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال: عقارب كالبغال، وفي رواية أخرى عنه: أفاعي كالفيلة، وعقارب ~~كالنخيل الطوال، وعن أبي الزاهرية قال: [ما] من عذاب يعرفه الناس، أو لا ~~يعرفونه إلا ويعذب الله به أهل ms0855 النار. وروي أنهم يهربون من النار، فيخرجون ~~إلى زمهرير في جهنم، هو أشد عليهم من النار؛ فيعودون إلى النار مستغيثين ~~بها، وقوله: * (بما كانوا يفسدون) أي: [يشركون]. # وقوله تعالى: * (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك ~~شهيدا على هؤلاء) قد بينا المعنى. # وقوله: * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) أي: بيانا للثواب والعقاب، ~~والحلال والحرام. وعن الأوزاعي قال: تبيانا بالسنة. # وقوله: * (وهدى) أي: من الضلالة. وقوله: * (ورحمة) أي: عطفا على من أنزل ~~عليهم. وقوله: * (وبشرى) أي: بشارة * (للمسلمين). # قوله تعالى: * (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) في الآية أقوال: أحدها: أن ~~العدل هو شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: ~~إنه التوحيد، وهو في معنى الأول. PageV03P195 # * (الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي) * * والقول الثاني: أنه الإنصاف وترك [الجور [، وعن محمد بن كعب ~~القرظي أنه دعاه عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة، فقال له: صف لي العدل، ~~فقال: كن للصغير أبا، وللكبير ابنا، ولمثلك أخا، وعاقب الناس على قدر ~~ذنوبهم، وإياك أن تضرب أحدا (بغضبك) والقول الثالث: وهو أن العدل هو أن ~~تستوي سريرة المرء وعلانيته. # وقوله تعالى: * (والإحسان) أن تكون سريرة المرء أفضل من علانيته عند ~~الله، وقوله: * (والإحسان) فيه أقوال: # أحدها: أن الإحسان هو العفو، والآخر: هو أداء الفرائض والثالث: (أنه) أن ~~تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والرابع: أنه التفضل، ~~وقيل: الإحسان أن تكون سريرة المرء أفضل من علانيته. # وقوله: * (وإيتاء ذي القربى) أي: صلة ذوي الأرحام، وقيل: إنه يدخل في هذا ~~جميع بني آدم؛ لأن بينه وبين الكل وصلة بآدم - صلوات الله عليه - وأدنى ما ~~يقع في الصلة ترك الأذى، وأن يحب له ما يحبه لنفسه، ويكره له ما يكره ~~لنفسه. # وقوله: * (وينهى عن الفحشاء) الفحشاء: كل ما استقبح من الذنوب، وقيل: إنه ~~الزنا، وقيل: إنه البخل، وقيل الفحشاء: أن تكون علانية المرء أفظع من ~~سريرته. # وقوله: ms0856 * (والمنكر) يعني: كل ما يكون منكرا في الدين، وقيل: إنه الشرك، ~~فإنه أعظم المناكير. # وقوله: * (والبغي) يقال: إنه الظلم والاستطالة على الناس، وقيل: إنه ~~الكبر، وقيل: إنه الغيبة، وعن قتادة قال: جمع الله تعالى كل ما يحب، وكل ما ~~يكره في هذه الآية. PageV03P196 # * (يعظكم لعلكم تذكرون (90) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ~~(91) ولا تكونوا كالتي) * * وفي بعض المسانيد: أن شتيرا جاء إلى مسروق، ~~فقال له: إما أن تحدثني عن عبد الله فأصدقك، أو أحدثك عن عبد الله فتصدقني، ~~فقال: حدث أنت، فقال: سمعت عبد الله يقول: أجمع آية في القرآن للخير والشر ~~قوله تعالى: * (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) فقال له مسروق: صدقت. # ويقال: إن العدل زكاة الولاية، والعفو زكاة القدرة، والإحسان زكاة ~~النعمة، والكتب إلى الإخوان زكاة الجاه؛ يعني: كتب الوسيلة. # وقوله تعالى: * (يعظكم لعلكم تذكرون) يعني: تعتبرون. # قوله تعالى: * (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) الآية، قال: العهد هاهنا هو ~~اليمين، وعن جابر بن زيد والشعبي أنهما قالا: العهد يمين، وكفارته كفارة ~~اليمين. # وعن عمر قال: الوعد من العهد، ومثله عن ابن عباس. # وقوله: * (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) أي: بعد إحكامها * (وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا) أي: شهيدا، وقيل: توثقتم باسمه كما يتوثق بالكفيل. ~~وقوله: * (إن الله يعلم ما تفعلون) وعيد وتهديد. # قوله تعالى: * (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها) هذه امرأة كانت تسمى ريطة ~~بنت سعد، وكانت بها وسوسة؛ فكانت تجلس بجانب الحجر، وتغزل طول نهارها بمغزل ~~كبير، فإذا كان العشي نقضته. # وقيل: كانت تأمر جواريها بنقضه، فشبه الله من نقض العهد بها، ومعناه: ~~أنها لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت عن النقض، فكذلك أنتم لا كففتم عن ~~العهد، ولا حين عهدتم وفيتم. # وقوله: * (من بعد قوة) أي: بعد إحكام. وقوله: * (أنكاثا) أي: إنقاضا ~~وقطعا. PageV03P197 # * (نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة ~~هي أربى من أمة ms0857 إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه ~~تختلفون (92) ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء ولتسألن عما كنتم) * * وقوله: * (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) أي: غشا ~~وخديعة. # والدخل: ما تدخل في الشيء للفساد، ويقال: إن (الدغل) هو أن يظهر الوفاء، ~~ويبطن النقض، وكذلك الدخل. # وقوله: * (أن تكون أمة هي أربى) أي: أكثر، وأما معناه: فروى عن مجاهد أنه ~~قال: كانوا يعاهدون مع قوم، فإذا رأوا أقواما أعز منهم وأكثر، نقضوا عهد ~~الأولين، وعاهدوا مع الآخرين؛ فعلى هذا قوله: * (أن تكون أمة هي أربى من ~~أمة) يعني: طلبتم العز بنقض العهد بأن كانت أمة أكثر من أمة. # وفي الآية قول آخر: وهي نزلت في قوم عاهدوا مع النبي ثم نقضوا العهد معه، ~~وعاهدوا مع قوم من الكفار، فظنوا أن قوتهم أكثر، لأن عددهم أكثر، ويقال: إن ~~الآية نزلت في المؤمنين، نهاهم الله تعالى عن نقض العهد؛ فكأنه تعالى قال: ~~إذا عاهدتم مع قوم لمخافة، فإذا أمنتم فلا تنقضوا، ليكون جانبكم أقوى ~~وأكثر. # وقوله: * (إنما يبلوكم الله به) يعني: بالكثرة والقلة، وقيل: يبلوكم الله ~~به يعني: بالأمر بالوفاء بالعهد. وقوله: * (وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم ~~فيه تختلفون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) أي: على دين واحد، وهو ~~الإسلام. وقوله: * (ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء) والآية صريحة في الرد ~~على القدرية. # وقوله: * (ولتسألن عما كنتم تعملون) يعني: يوم القيامة، وحقيقة المعنى ~~أني لا أسأل عما أفعل من الإضلال والهداية، وأنتم تسألون عما تعملون من ~~الخير والشر. وقوله تعالى: * (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم) أي: سبب فساد ~~بينكم، وقد PageV03P198 # * (تعملون (93) ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها ~~وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) ولا تشتروا بعهد ~~الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ما عندكم ~~ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما ms0858 كانوا يعملون ~~(96) من عمل صالحا من ذكر) * * بينا معنى الدخل. # وقوله: * (فتزل قدم بعد ثبوتها) يعني: تزل عن الإسلام بعد ثبوتها على ~~الإسلام قال: # (النحو صعب وطويل سلمه * إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه) (زلت به إلى ~~الحضيض قدمه *) وقوله: * (وتذوقوا السوء) بالعذاب. وقوله: * (بما صددتم عن ~~سبيل الله) يعني: سهلتم طريق نقض العهد على الناس بنقضكم العهد. وقوله: * ~~(ولكم عذاب عظيم) أي: كبير. # قوله تعالى: * (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) يعني: شيئا يسيرا من ~~عرض الدنيا. وقوله: * (إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (ما عندكم ينفد) يعني: أن الدنيا وما فيها تفنى. وقوله: * ~~(وما عند الله باق) يعني: الآخرة، وعلى العاقل أن يؤثر ما يبقى، وفي بعض ~~الآثار: للدنيا بنون، وللآخرة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من ~~أبناء الدنيا. # وقوله: * (ولنجزين الذين صبروا أجرهم) يعني: صبروا عن الدنيا. وقوله: * ~~(أجرهم) أي: ثوابهم وجزاءهم. وقوله: * (بأحسن ما كانوا يعملون) أي: بأحسن ~~الذي كانوا يعملون. # قوله تعالى: * (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~طيبة) اختلفوا في الحياة الطيبة على أقاويل: PageV03P199 # * (أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون (97) فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98)) * * ~~روي عن ابن عباس أنه قال: الحياة الطيبة هي الرزق الحلال. وعن مجاهد ~~وعكرمة: أنها القناعة، وفي بعض دعاء النبي: ' اللهم قنعني بما رزقتني ' وفي ~~منثور الكلام: القناعة ملك خفي. # والقول الثالث: روي عن الحسن البصري قال: الحياة الطيبة في الجنة، قال ~~الحسن: وليس في الدنيا حياة طيبة، وعنه أنه قال: الدنيا كلها بلاء، فما كان ~~فيها من خير فهو ريح، وروي أنه سمع رجلا يقول لآخر: لا أراك الله مكروها ~~أبدا، فقال له: دعوت الله له بالموت، فإن الدنيا لا تخلو عن المكروه. # وعن سعيد بن جبير قال: الحياة الطيبة رزق يوم بيوم، وقيل: إنه حلاوة ~~العبادة وأكل الحلال، ويقال: إنها عيش الإنسان في ms0859 بلده مع الكفاية ~~والعافية، وقيل: مطلق الكفاية والعافية. # وقوله: * (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) قد بينا المعنى. # قوله تعالى: * (فإذا قرأت القرآن) روي عن أبي هريرة أنه قال: فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم بعد القراءة؛ لأن الله تعالى قال: * (فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله) وحكى بعضهم عن مالك مثل هذا. # والأصح أن الاستعاذة قبل القراءة، وقد روي ذلك بروايات كثيرة عن النبي ~~وقد روي عن النبي برواية أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ~~أنه قال له: ' إذا افتتحت القراءة فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم '. ~~وثبت PageV03P200 # * (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه ~~على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100) وإذا بدلنا آية مكان آية ~~والله أعلم بما ينزل) * * أن النبي قال: ' اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من ~~همزه ونفثه '. # وأما معنى الآية: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ~~وهذا مثل قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) ~~يعني: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وفي بعض الآثار: أنه لا شيء أشد على ~~إبليس من الاستعاذة، والاستعاذة بالله هي الاعتصام بالله. # وقوله: * (من الشيطان الرجيم) أي: الشيطان المرجوم. # وقوله تعالى: * (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا) أي: ليس له ولاية على ~~الذين آمنوا. وقوله: * (وعلى ربهم يتوكلون) يقال معناه: أنه لا يقدر على ~~إيقاعهم في ذنب ليس لهم منه توبة، وقيل: إنه لا يقدر على إدخالهم في الشرك ~~وإغوائهم. # قوله تعالى: * (إنما سلطانه على الذين يتولونه) يعني: الذين يدخلون في ~~ولايته ويتبعونه. # وقوله: * (والذين هم به مشركون) قال بعضهم: برب العالمين مشركون، وقال ~~ثعلب: والذين هم به مشركون أي: لأجله مشركون أي: لأجل إبليس، وهذا معنى ~~صحيح؛ لأن من يشرك بإبليس يكون مؤمنا بالله، فالمعنى هذا. # قوله تعالى: * (وإذا بدلنا آية مكان آية) قال أهل التفسير: كان النبي إذا ~~نزلت عليه آية شدة، ثم نسخت، وأنزلت عليه آية لين، قال المشركون: انظروا ~~إلى ms0860 PageV03P201 # * (قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ~~ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) ولقد نعلم أنهم ~~يقولون إنما يعلمه) * * هذا الرجل يبدل كلام الله من قبل نفسه، وكانوا ~~يقولون على طريق الاستهزاء: وتبدل الشيء بالشيء؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية: * (وإذا بدلنا آية مكان آية) ' أي: وضعنا آية مكان آية. # وقوله: * (والله أعلم بما ينزل) يعني: والله أعلم بمنفعة العباد فيما ~~ينزل. # وقوله: * (قالوا إنما أنت مفتر) أي: مختلق. وقوله: * (بل أكثرهم لا ~~يعلمون) يعني: كلهم لا يعلمون أني أنا المنزل لجميع الآيات الناسخ ~~والمنسوخ. # قوله تعالى: * (قل نزله روح القدس) أي: جبريل. وقوله: * (من ربك بالحق) ~~أي: بالصدق وقوله: * (ليثبت الذين آمنوا) أي: ليثبت قلوب الذين آمنوا. # وقوله: * (وهدى وبشرى للمسلمين) قد بينا المعنى. # قوله: * (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر) الآية، اختلفت الأقاويل ~~في معنى قوله: * (بشر) روي عن ابن عباس أنه قال: هو غلام لعامر بن الحضرمي، ~~وكان يقرأ الكتب، وكان المشركون يزعمون أن رسول الله يتعلم منه، وقال ~~مجاهد: هو غلام لحويطب، وقال غيره: كان اسمه جبر، ومنهم من قال: غلامان من ~~عين التمر يسمى أحدهما: جبر، والآخر: يسار، وكانا يقرآن الكتب بلسانهما، ~~وقال بعضهم: كان اسمه: أبو (فكيهة)، وقيل: كان اسمه: عايش، قالوا: كان ~~النبي يجلس إليهما، ويدعوهما، إلى الإسلام، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (لسان الذي يلحدون إليه) قرئ: ' يلحدون إليه ' و ' يلحدون '، ~~والإلحاد: الميل، والملحد هو الذي مال عن الحق إلى التعطيل؛ فقوله: * ~~(يلحدون إليه) أي: يميلون إليه. # وقوله: * (يلحدون إليه) أي: يميلون القول إليه، وقال ابن قتيبة: يومئون ~~إليه، PageV03P202 # * (بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103) إن الذين ~~لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) إنما يفتري ~~الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105)) * * وقوله: * ~~(أعجمي) الأعجمي: هو الذي لا يفصح بالعربية. # وقوله: * (وهذا لسان عربي مبين) أي: كلام عربي مبين، ومعنى الآية: أنه ms0861 ~~كيف يأخذ منهم، وهم لا يفصحون بالعربية؟ وقد روي أن ذلك الرجل الذي كانوا ~~يشيرون إليه أسلم، وحسن إسلامه. # قوله تعالى: * (إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله) يعني: لا ~~يرشدهم الله إلى الحق، وقد قال في موضع آخر: * (ومن يؤمن بالله يهد قلبه). # وقوله: * (ولهم عذاب أليم) أي: مؤلم. # قوله تعالى: * (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم ~~الكذبون) فإن قال قائل: قد قال: * (إنما يفتري الكذب) فأيش معنى قوله: * ~~(وأولئك هم الكاذبون)؟ # والجواب عنه: أن قوله: * (إنما يفتري الكذب) هذا إخبار عن فعل الكذب، ~~وقوله: * (وأولئك هم الكاذبون) نعت لازم، ومعناه: أن هذا صفتهم ونعتهم، ~~وهذا كالرجل يقول لغيره: كذبت، وأنت كاذب أي: كذبت في هذا القول، ومن صفتك ~~الكذب. وفي بعض المسانيد عن يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد أنه قال: ' ~~قلت يا رسول الله: المؤمن يزني؟ قال: قد يكون ذلك، فقلت: المؤمن يسرق؟ قال: ~~قد يكون ذلك، فقلت المؤمن يكذب؟ فقال: لا، وقرأ قوله تعالى: * (إنما يفتري ~~الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) ' وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~أنه قال PageV03P203 # * (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) ذلك بأنهم ~~استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (107) ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108) ~~لا جرم أنهم في الآخرة هم ) * *: الكذب مجانب للإيمان. # قوله تعالى: * (من كفر بالله من بعد إيمانه) نزلت الآية في عمار بن ياسر ~~- رضي الله عنه - أخذه المشركون، وأكرهوه على سب النبي فطاوعهم في بعض ~~القول، ثم جاء إلى النبي، فقال له النبي: ' ما وراءك؟ فقال: شر يا رسول ~~الله، لم يتركني الكفار حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، فقال: وكيف وجدت ~~قلبك؟ فقال: مطمئنا بالإيمان؛ فقال: إن عادوا فعد؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية ' وتقدير الآية: من كفر ms0862 بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب من الله ولهم ~~عذاب أليم إلا من أكره، وقلبه مطمئن بالإيمان * (ولكن من شرح بالكفر صدرا) ~~فحكمه ما بينا. وقوله: * (شرح) أي: فتح قلبه لقبول الكفر. # قوله تعالى: * (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) يعني: آثروا ~~الحياة الدنيا على الآخرة. واعلم أن المؤمن يجوز أن يطلب الدنيا، ويطلب ~~الآخرة، ولكن لا يؤثر الدنيا على الآخرة إلا الكافر. وقوله: * (وأن الله لا ~~يهدي القوم الكافرين) لا يرشد القوم الكافرين. # قوله تعالى: * (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك ~~هم الغافلون) أي: عما يراد بهم. # قوله تعالى: * (لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون) أي: حقا أنهم في ~~الآخرة هم المغبونون. PageV03P204 # * (الخاسرون (109) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ~~وتوفى كل) * * قوله تعالى: * (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد فتنوا) نزلت ~~الآية في قوم كانوا بقوا بمكة من المسلمين، وعذبهم المشركون حتى ذكروا كلمة ~~الكفر بلسانهم، منهم عمار وخباب وصهيب وغيرهم. # وقوله: * (من بعد ما فتنوا) أي: عذبوا حتى وقعوا في الفتنة، ثم إنهم بعد ~~ذلك هاجروا، ولحقوا بالنبي. وقوله: * (ثم جاهدوا وصبروا) يعني: على الجهاد ~~والإيمان. # وقوله: * (إن ربك من بعدها لغفور رحيم) أي: من بعد فعلتهم التي فعلوها من ~~إعطاء الكفار بعض ما أرادوا منهم. # فإن قال قائل: إذا كان ذلك رخصة، فلا يحتاج إلى المغفرة والرحمة؟ ~~والجواب: أنه يحتمل أنهم فعلوا ما فعلوا ذلك قبل نزول الرخصة. # قوله تعالى: * (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها). فإن قيل: كيف قال: ~~تجادل، وقد سبق ذكر كل، ولفظ كل مذكر؟ # والجواب عنه: أنه عاد كلمة كل على المؤنث؛ فلهذا المعنى أنث، وهذا كما ~~يقال: كل امرأة قائمة، وما أشبه هذا. # وقوله: * (تجادل عن نفسها) أي: تخاصم عن نفسها، ومجادلتهم هي قولهم: ~~والله ربنا ما كنا مشركين، وقولهم: ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ms0863 من ~~دونك، وما أشبه هذا من الأقوال التي ذكرت في القرآن. # وقيل: تجادل عن نفسها: تدفع عن نفسها. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: تزفر ~~جهنم يوم القيامة زفرة، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا خر وجثى على ~~ركبتيه، ويقول: نفسي نفسي حتى إبراهيم خليل الرحمن فيقول: ربي لا أريد إلا ~~نجاة نفسي، قال كعب: وهو في كتاب الله تعالى: * (يوم تأتي كل نفس تجادل عن ~~نفسها). PageV03P205 # * (نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة ~~مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس ~~الجوع والخوف بما كانوا) * * وروي أنه قال هذا بين يدي عمر - رضي الله عنه ~~- وقد كان عمر قال له: حدثنا، ذكرنا. وقوله: * (وتوفى كل نفس ما عملت وهم ~~لا يظلمون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة) الآية. أكثر أهل ~~التفسير: أن القرية ها هنا هي مكة - وقوله: * (يأتيها رزقها رغدا من كل ~~مكان) هو معنى قوله تعالى: * (وارزقهم من الثمرات). # وقوله: * (فكفرت بأنعم الله) الأنعم: جمع النعمة. وقوله: * (فأذاقها الله ~~لباس الجوع والخوف) ذكر الذوق، لأن المراد من لباس الجوع والخوف التعذيب، ~~ويستقيم أن يقال في التعذيب: ذق، كما قال تعالى: * (ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم). # والمعنى: أن العذاب يتجدد إدراكه كل ساعة كالذوق. # روي أن الله تعالى سلط عليهم القحط سبع سنين حتى أكلوا (الطعام) المحترقة ~~والعلهز، وهو الوبر بالدم، حتى كان ينظر أحدهم إلى السماء فيرى كشبه الدخان ~~من الجوع '. # * (والخوف) هو الخوف من القتل، ومن سرايا النبي. # والمراد من القرية: أهل القرية، وهو مثل قوله تعالى: * (واسأل القرية) ~~وكذلك قوله: * (آمنة) أي: آمن أهلها، وكذلك مطمئنة. # وفي الآية قول آخر: وهو أنه كل بلد من بلدان الكفار. PageV03P206 # * (يصنعون (112) ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ~~(113) فكلوا مما رزقكم الله حلال طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه ~~تعبدون (114) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ms0864 أهل لغير الله ~~به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا) * * وفي الآية قول ثالث: وهو أنها المدينة، ~~وكفران أهلها بأنعم الله هو ما فعلوا بعد النبي من قتل عثمان، وما يعقبه من ~~الأمور، وهو قول ضعيف. وأما ذكر اللباس في الآية، فلأن من جاع لحقه من ~~الهزال والشحوب والتغير ما يزيد ظاهره عما كان من قبل؛ فجعل ذلك كاللباس ~~لجلوده. # وقوله: * (بما كانوا يصنعون) أي: يكفرون. # قوله تعالى: * (ولقد جاءهم رسول منهم) أي: محمد، وقوله: * (منهم) أي: ~~نسبهم، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن ~~كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن ~~خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. # وقوله: * (فكذبوه) أي: كفروا به. وقوله: * (فأخذهم العذاب وهم ظالمون) ~~أي: كافرون. قوله تعالى: * (فكلوا مما رزقكم الله حلال طيبا واشكروا نعمة ~~الله إن كنتم إياه تعبدون) قد بينا المعنى. # قوله تعالى: * (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير ~~الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد) معنى قوله: * (باغ) أي: طالب بذلك ~~ليتقوى على المعصية * (ولا عاد) أي: لا يتعدى القدر الذي جوز له من ~~التناول، وهذا دليل على أن العاصي في السفر لا يترخص بهذه الرخصة. # وقوله: * (فإن الله غفور رحيم) ظاهر المعنى. # قوله: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب) يعني: لوصف ألسنتكم الكذب. ~~وقوله: * (هذا حلال وهذا حرام) المراد منه: ما ذكروه في البحيرة والسائبة ~~PageV03P207 # * (حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون (116) متاع قليل ولهم عذاب أليم (117) وعلى الذين هادوا حرمنا ما ~~قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118) ثم إن ربك ~~للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها ~~لغفور ms0865 رحيم (119) إن) * * والوصيلة والحام، وقد كانوا يحلونها لقوم، ~~ويحرمونها على قوم. وقوله: * (لتفتروا على الله الكذب) أي: لتختلقوا على ~~الله الكذب. وقوله: * (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) أي: لا ~~يفوزون. # قوله تعالى: * (متاع قليل ولهم عذاب أليم) أي: عيشهم في الدنيا متاع ~~قليل، * (ولهم عذاب أليم) أي: وجيع. # قوله تعالى: * (وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل) معناه: ما ~~ذكره في سورة الأنعام، وهو قوله تعالى: * (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر). وقوله: * (وما ظلمناهم) أي: ما نقصنا من حقهم * (ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون) أي: هم الذين نقصوا من حقوقهم. # قوله تعالى: * (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة) قال أهل العلم: وكل ~~من عمل بمعصية، فهو من داعي الجهالة. وقوله: * (ثم تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا) شرط الصلاح هاهنا، ومعناه: الاستقامة على التوبة. وقوله: * (إن ~~ربك من بعدها لغفور رحيم) أي: من بعد الفعلة التي تابوا عنها. # قوله تعالى: * (إن إبراهيم كان أمة) في الأمة أقوال، أحسن الأقاويل ما ~~حكاه مسروق عن ابن مسعود أنه المعلم للخير، وهو الذي يقتدى به ويؤتم؛ وروي ~~أن عبد الله بن مسعود قال بعد موت معاذ بن جبل: كان معاذ بن جبل أمة، وأراد ~~به هذا المعنى. # القول الثاني: كان أمة، أي: إمام هدى، والقول الثالث: كان أمة أي: كان ~~مؤمنا PageV03P208 # * (إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) شاكرا ~~لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين (122) ثم أوحينا إليك أن ابتع ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين (123) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم ~~بينهم يوم القيامة فيما) * * بالله، وجميع الناس كافرون. وقوله: * (قانتا ~~لله) قال ابن مسعود: مطيعا لله، وقال غيره: قائما بأوامر الله، وقيل: دائما ~~على العبادة. # وقوله: * (حنيفا) أي: مخلصا، وقيل: مستقيما على الدين. # قوله: * (ولم يك من المشركين) أي: ممن يعبد الأصنام، وقال بعض أهل ~~المعاني: كان يرى ms0866 العطاء والمنع من الله. # قوله: * (شاكرا لأنعمه) أي: لنعمه. وقوله: * (اجتباه وهداه) أي: اختاره ~~وأرشده. وقوله: * (إلى صراط مستقيم) أي: إلى دين الحق. # قوله: * (وآتيناه في الدنيا حسنة) قيل: هي النبوة، وقيل: لسان الصدق، ~~وقيل: التنويه لذكره بطاعته لربه، وقيل: قبول كل أهل الملل له، وقيل: ~~ضيافته ودعاء الناس له إلى يوم القيامة. وقوله: * (وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) هذا دليل على ~~أنه يجوز للفاضل أن يتبع المفضول. وقوله: * (وما كان من المشركين) ظاهر ~~المعنى. # وقد قال بعض أهل الأصول: إن النبي كان مأمورا بشريعة إبراهيم إلا ما نسخ ~~في شريعته بدليل هذه الآية، وقد قيل غير هذا، والصحيح أنه كان مأمورا ~~باتباع شريعته في بعض الأشياء، وصار ذلك شريعة له. # قوله تعالى: * (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه) معناه: إنما جعل ~~السبت لعنة على الذين اختلفوا فيه. وقوله: * (اختلفوا فيه) أي: خالفوا فيه، ~~وقال PageV03P209 # * (كانوا فيه يختلفون (124) ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ~~(125) وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) ~~* * بعضهم: اختلفوا فيه أي: حرم بعضهم، وأحل بعضهم يعني: السبت. # وقال مجاهد: كان الله تعالى أمرهم بالجمعة فأبوا، وطلبوا السبت فشدد ~~عليهم فيه، وكذلك النصارى أمروا بالجمعة فأبوا، وطلبوا الأحد، وأعطى الله ~~تعالى الجمعة لهذه الأمة فقبلوا، وبورك لهم فيها، وفي الباب خبر صحيح قد ~~بيناه من قبل. # قوله: * (وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) ظاهر ~~المعنى. قوله تعالى: * (ادع إلى سبيل ربك) إلى دين ربك. وقوله: * (بالحكمة) ~~أي: بالقرآن، وقيل: الحكمة معرفة الأشياء على مراتبها في الحسن والقبح، ~~وقيل: الدعاء بالحكمة هو الرد عن القبيح إلى الحسن بشرط العلم. # وقوله: * (والموعظة الحسنة) الموعظة هي الدعاء إلى الله بالترغيب ~~والترهيب، وقيل: الموعظة الحسنة هي القول اللين الرقيق من غير غلظة ولا ms0867 ~~تعنيف. # وقوله: * (وجادلهم بالتي هي أحسن) أي: مع الإعراض عن أذاهم لك والصبر على ~~مكروههم، وقد نسخ هذا بآية السيف. # وقوله: * (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) أكثر أهل التفسير ~~أن هذه الآية نزلت فيما فعله المشركون بحمزة وأصحابه؛ فإنه يروى: ' أن ~~النبي - - مر عليه، وقد بقر بطنه، وأخذ كبده، وقطعت مذاكيره وجعلت في فيه؛ ~~فرأى أمرا فظيعا؛ فقال: لئن قدرت عليهم لأمثلن بسبعين منهم، وروي أن ~~الصحابة قالوا قريبا PageV03P210 # * (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ~~(127) إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128)) * * من هذا القول ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية '. # وقد قال زيد بن أسلم والضحاك: إن الآية مكية، وليست في حمزة وأصحابه، ~~والأصح هو الأول. # وقوله: * (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) يعني: لئن عفوتم * (لهو خير ~~للصابرين) أي: خير للعافين، وقد تحقق هذا العفو في حق وحشي قاتل حمزة بعدما ~~أسلم، وكذلك هذا في كل المشركين الذين أسلموا. # قوله تعالى: * (واصبر وما صبرك إلا بالله) أي: بمعونة الله. وقوله: * ~~(ولا تحزن عليهم) أي: لا تحزن على أفعالهم وإبائهم للإسلام. # وقوله: * (ولا تك في ضيق مما يمكرون) قرئ: ' في ضيق ' ومعنى القراءتين: ~~لا يضيقن صدرك * (مما يمكرون) أي: يشركون، وقيل: مما فعلوا من الأفاعيل. # قوله تعالى: * (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) يعني: اتقوا ~~المناهي * (والذين هم محسنون) بأداء الفرائض، [وقوله]: * (مع) بالحفظ ~~والنصرة والمعونة، والله أعلم. PageV03P211 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (سبحان الذي أسرى) * * تفسير سورة بني إسرائيل ~~وهي مكية إلا خمس آيات، سنذكرها في مواضعها. # وروي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سورة بني إسرائيل ~~والكهف ومريم وطه من تلادي، وهن من العتاق الأول. # قوله تعالى: * (سبحان الذي أسرى بعبده) سبحان: تنزيه الله من كل سوء، ~~وحقيقته تعظيم الله بوصف المبالغة، ووصفه بالبراءة من كل نقص. # وكلمة سبحان؛ ms0868 كلمة ممتنعة لا يحوز أن يوصف بها غير الله؛ لأن المبالغة في ~~التعظيم لا تليق لغير الله، ولا تنصرف حسب ما ينصرف كثير من المصادر؛ لأنه ~~لما لم يستقم الوصف به لغير الله، ولم تتصرف جهاته لزم أيضا منهاجا واحدا ~~في الصرف. # وأما التسبيح في القرآن على وجوه: قد ورد بمعنى الصلاة، قال الله تعالى: ~~* (فلولا أنه كان من المسبحين) أي: من المصلين. # وورد بمعنى الاستثناء، قال الله تعالى: * (قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا ~~تسبحون) أي: تستثنون. # وورد بمعنى التنزيه. وهو قوله تعالى: * (سبحان الذي أسرى بعبده)، وورد في ~~الخبر بمعنى النور، وهو في الخبر الذي قال: ' لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه ~~بصره ' أي: نور وجهه، وقد ورد في الخبر عن النبي ' أنه فسر سبحان الله ~~PageV03P212 # * (بعبده ليلا من المسجد الحرام) * * بتنزيه الله من كل سوء '. # وقوله: * (أسرى بعبده) يقال: أسرى به إذا سيره ليلا، وكذا سرى به. قال ~~الشاعر: # (وليلة ذات ندى سريت * ولم يلتني عن سراها ليت) وقوله: * (بعبده) أي: ~~بمحمد، وقد روي عن النبي أنه قال: ' إن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني ~~رسولا '. # وقوله: * (ليلا) ذكر ليلا؛ لينبه أنه كان في طائفة منه. # وقرأ ابن مسعود: ' أسرى بعبده من الليل '. وقوله: * (من المسجد الحرام) ~~اختلفوا في الموضع الذي أسري منه برسول الله؛ فأحد القولين: أنه من المسجد ~~الحرام، وعليه يدل ظاهر الآية. # وعن محمد بن علي الباقر: أن النبي قال: ' كنت نائما في الحجر، فأتاني ~~جبريل - عليه السلام - وحركني حركة لطيفة، وقال: يا محمد، قم وافدا إلى ربك ~~'. # والقول الثاني: أنه أسرى به من بيت أم هانيء بنت أبي طالب، وهذا في رواية ~~أبي صالح عن ابن عباس. PageV03P213 # * (إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع ~~البصير (1)) * * واختلف القول في الوقت الذي أسرى به؛ قال مقاتل: كان قبل ~~الهجرة بسنة، ويقال: إنه كان في رجب، ويقال: في رمضان. وقال بعضهم أسرى به ~~وهو ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين ms0869 يوما، والله أعلم. # وقوله * (إلى المسجد الأقصى) يعني: إلى مسجد بيت المقدس، وسماه الأقصى ~~لبعده من المسجد الحرام. # وقوله: * (الذي باركنا حوله) يعني: بالماء والشجر، وقيل: باركنا حوله؛ ~~لأنه (مواضع) الأنبياء ومهبط الملائكة. # قوله: * (لنريه من آياتنا) أي: من عجائب قدرتنا، وقد رأى هناك الأنبياء، ~~ورأى آثارهم. # وقوله: * (إنه هو السميع البصير) - ذكر السميع ها هنا لينبه على أنه ~~المجيب لدعائه، وذكر البصير لينبه على أنه كان الحافظ له في ظلمة الليل. # وأما الكلام في الإسراء فاختلف القول على أنه أسري بجسمه وروحه أم بروحه؟ ~~فالأكثرون على أنه أسري بجسمه وروحه جميعا. وعن عائشة - رضي الله عنها - ~~أنها قالت: ما فقد جسم رسول الله وإنما أسري بروحه؟ # وقد تواترت الأخبار الصحيحة على ما يوافق القول الأول، وأتمها حديث أنس ~~عن مالك بن صعصعة، عن النبي، وفيه: أنه أسري به إلى بيت المقدس ثم منه إلى ~~السماء، واستفتح جبريل السماء الدنيا، فقيل له: ومن معك؟ فقال: محمد عليه ~~السلام. # فقالوا: أوبعث؟ قال: نعم. PageV03P214 # قالوا: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، وهكذا في كل سماء، وذكر فيه: أنه رأى ~~في السماء الدنيا آدم - عليه السلام - وفي السماء الثانية ابني الخالة عيسى ~~ويحيى، وفي السماء الثالثة يوسف، وفي السماء الرابعة إدريس عليه السلام، ~~وفي السماء الخامسة هارون، وفي السماء السادسة موسى، وفي السماء السابعة ~~إبراهيم، وفيه أنه قال: ' رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا أوراقها كآذان ~~الفيلة، وإذا نبقها كقلال هجر، ورأيت أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ~~باطنان ونهران ظاهران؛ فأما الباطنان في الجنة، وأما الظاهران: فالنيل ~~والفرات وذكر فيه أن الله تعالى فرض عليه خمسين صلاة.. القصة بطولها إلى أن ~~ردت إلى الخمس. # وقد روى شبها بهذه القصة جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس، وأبو موسى ~~الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وأبو هريرة، وغيرهم. # وروى معمر عن قتادة عن أنس عن النبي ' أن جبريل عليه السلام جاء بالبراق ~~مسرجا ملجما، فأراد الرسول أن يركبها فاستعصت عليه، فقال لها جبريل: والله ~~ما ركبك أحد أكرم ms0870 على الله منه فارفض به عرقا '. ذكره أبو عيسى في جامعه. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' أتيت بدابة دون البغلة وفوق الحمار، خطوها ~~عند منتهى بصرها '. وثبت أيضا عن النبي أنه قال: ' رأيت موسى ليلة أسري بي، ~~كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ربعة أحمر، كأنه خرج من ديماس، ورأيت ~~PageV03P215 # * (وآتينا موسى الكتاب) * * إبراهيم وصاحبكم أشبه الناس به '. # وفي هذا الخبر أنه قال: ' أتيت بإناءين في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، ~~فأخذت اللبن وشربته، فقال جبريل: أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت ~~أمتك '. # وفي القصة: أنه لما أصبح تحدث الناس بمسراه، [ففتن] كثير من الناس، وارتد ~~جماعة ممن آمن به وصدق، وجاء المشركون إلى أبي بكر - رضي الله عنه - وقالوا ~~له: ألا ترى إلى صاحبك يحدث أنه أسري به إلى بيت المقدس ورجع من ليلته، ~~ونحن نضرب أكباد الإبل شهرا حتى نصل إليه! فقال أبو بكر: إن كان قال ذلك ~~فقد صدق، فقالوا له: أتصدق بمثل هذا؟ قال: نعم، وأكثر منه، فأنا أصدقه أنه ~~يأتيه خبر السماء في غدوة أو روحة. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' كنت قائما في الحجر، فرفع لي بيت المقدس ~~(فجعلت أنعته) لهم ' وهذا حين سألوه عن وصفه. # وفي القصة: أن المشركين سألوه عن ركب لهم في الطريق فقال: قد بلغ موضع ~~كذا، ويقدمه جمل أورق، قالوا: ومتى يصل؟ قال: مع طلوع الشمس، فخرج بعضهم ~~يرتقبون العير، وبعضهم يرتقبون طلوع الشمس، فقال أولئك: هذا العير قد أقبل، ~~وقال هؤلاء: هذه الشمس قد طلعت. PageV03P216 # * (وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا (2) ذرية من حملنا ~~مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض) * * وروي أنه قال: ' مررت بإناء مغطى وهو ملآن ماء فشربت بعضه ~~وتركته ' فسئل الركب عن ذلك فأخبروا بصورته. # قوله تعالى: * (وآتينا موسى الكتاب) الآية يعني: أعطينا موسى الكتاب، وهو ~~التوراة. # وقوله: * (وجعلناه هدى لبني إسرائيل) أي: يهتدي به بنو إسرائيل. وقوله: * ~~(ألا ms0871 تتخذوا) قرئ بقراءتين: بالتاء، والياء، فمن قرأ بالتاء فمعناه: وآتينا ~~موسى الكتاب آمرين ألا تتخذوا، ومن قرأ بالياء فمعناه: وعهدنا إليهم ألا ~~يتخذوا. قوله: * (من دوني وكيلا) أي: شريكا، وقيل معناه: أمرناهم أن لا ~~يتوكلوا على غيري، ولا يتخذوا أربابا دوني. # قوله تعالى: * (ذرية من حملنا مع نوح) معناه: يا ذرية من حملنا مع نوح، ~~وقرأ مجاهد بنصب الذال. وعن زيد بن ثابت في بعض الروايات: ' ذرية من حملنا ~~مع نوح ' بكسر الذال. وإنما قال: * (ذرية من حملنا مع نوح) لأن الخلق الآن ~~من أولاد نوح على ما بينا من قبل. # وقوله: * (من حملنا) أي: في السفينة. # وقوله: * (إنه كان عبدا شكورا) سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وقيل: كان ~~اسمه عبد الغفار. ذكره النقاش في تفسيره. # وأما شكره: فروي أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد ~~الله، PageV03P217 # * (مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولي بأس) * * وإذا لبس قال: الحمد الله، وفي بعض الروايات: أنه إذا ~~دخل قال: الحمد الله، وإذا خرج قال: الحمد الله، وكذا في القيام والقعود. # وروي أنه لم يخط خطوة إلا ذكر الله تعالى، فقال: * (إنه كان عبدا شكورا) ~~أي: كثير الشكر. # قوله تعالى: * (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب) الآية. القضاء: فصل ~~الأمر بالأحكام، ومعنى قضينا ها هنا أي: أوحينا، وأعلمنا. # وقيل معناه: وقضينا على بني إسرائيل في الكتاب. # وقوله: * (لتفسدن في الأرض مرتين) أي لتعصن في الأرض مرتين. وقوله: * ~~(ولتعلن) أي: لتتعظمن وتبغن وتتكبرن. # وقوله: * (علوا كبيرا) أي: كبرا عظيما. # قوله تعالى: * (فإذا جاء وعد أولاهما) يعني: أولى المرتين. وفي القصة: أن ~~فسادهم في المرة الأولى وكان بقتل إشعيا النبي - عليه السلام - وارتكابهم ~~المعاصي، ورفضهم ما أمروا به. وفي بعض التفاسير: أنهم عبدوا الأوثان. # والأرض المذكورة: أرض الشام، وأرض بيت المقدس. وقوله: * (بعثنا عليكم ~~عبادا لنا) هذا البعث هو مثل قوله تعالى: * (أنا أرسلنا الشياطين على ~~الكافرين) فيجوز أن تكون بمعنى التسليط، ويجوز أن ms0872 تكون بمعنى التخلية بينهم ~~وبين القوم، [واختلفت] الأقاويل في أنهم من كانوا؟ # قال ابن عباس: هم جالوت وقومه، وقال سعيد بين المسيب: بخت نصر الفارسي، ~~PageV03P218 # * (شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة ~~عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم أحسنتم ~~لأنفسكم وإن) * * وقال غيره: سنحاريب الملك، وقال بعضهم: العمالقة. وأظهر ~~الأقاويل أنه بخت نصر، وروي عن مجاهد أنه قال: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، ~~وكافران؛ أما المؤمنان: فسليمان، وذو القرنين - عليهما السلام - وأما ~~الكافران: فنمروذ، وبخت نصر. # قال الشيخ الإمام الأجل: أخبرنا بهذا أبو علي الشافعي بمكة قال: أخبرنا ~~أبو الحسن بن فراس قال: أنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الديبلي وقال: أنا ~~سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال: أنا [سفيان] بن عيينة عن داود بن شابور ~~عن مجاهد. # وقوله: * (أولي بأس شديد) أي: أولي قوة شديدة. # وقوله: * (فجاسوا خلال الديار) والجوس: طلب الشيء بالاستقصاء. # قال الزجاج: طلبوا خلال الديار هل بقي أحد فيقتل؟ وخلال الديار وسط ~~الديار. # وقوله: * (وكان وعدا مفعولا) أي: وعدا لا بد منه. قال الشاعر: # (في الجوس جسنا إليك الليل بالمطي *) قوله تعالى: * (ثم رددنا لكم الكرة ~~عليهم) أي: الدولة عليهم، وفي القصة: أن هذا التخريب كان بعد ملك سليمان، ~~وأن بخت نصر قتل المقاتلة، وسبى الذرية، وخرب بيت المقدس، وألقى الجيف في ~~مسجده، وكان من موت عزير النبي مائة سنة في هذا التخريب، وما قص الله من ~~أمره في سورة البقرة، ثم إن الله تعالى رد الدولة إلى بني إسرائيل حتى ~~عمروا ما خرب. # وفي بعض القصص: أن الله تعالى أرسل ملكا إليهم حتى رد العمارات، واستنقذ ~~PageV03P219 # * (أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما ~~دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا (7)) * * الأسارى، وعاد البلد أفضل ~~مما كان. فهذا معنى قوله: * (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) وفي تعذيب بخت نصر ~~ومسخه قصة طويلة ليس هذا موضعه. # وقوله: * (وأمددناكم بأموال وبنين) ظاهر المعنى. وقوله: * (وجعلناكم أكثر ~~نفيرا) أي: ms0873 أكثر عددا. # قال الشاعر: # (وأكرم بقحطان من معشر * وحمير أكرم بقوم نفيرا) قوله تعالى: * (إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم) يعني: جلبتم النفع إليها. # وقوله: * (وإن أسأتم فلها) أي: فعليها. # وقوله: * (فإذا جاء وعد الآخرة) يعني: وعد الكرة الآخرة. وقوله: * ~~(ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة) قرئ هكذا، وقرئ: ' ~~ليسوء وجوهكم ' مقصور، وعن علي - رضي الله عنه -: ' لنسوء وجوهكم ' بالنون، ~~وهو اختيار الكسائي، وفي الشاذ: ' لنسوء وجوهكم ' بفتح اللام. أما قوله: * ~~(ليسوء وجوهكم) بالياء يعني: أولئك القوم يسوءوا وجوهكم: وقوله: * (ليسوءوا ~~وجوهكم) أي: ليسوء الوعد وجوهكم. # وقوله: ' لنسوء ' بالنون ظاهر المعنى، وسوء الوجه بإدخال الغم والحزن. # وقوله: * (وليتبروا ما علو تتبيرا) أي: ليخربوا، ويدمروا ما علوا عليه - ~~أي: ما ظهروا - تخريبا. # قال الشاعر: # (وما الناس إلا عاملان فعامل * يتبر ما يبني وآخر رافع) وفي القصة: أن ~~فسادهم الثاني كان بقتل يحيى بن زكريا - عليهما السلام - PageV03P220 # * (عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) * * وكان سبب قتله، أن بغية من بغايا بني ~~إسرائيل طلبت من الملك أن يقتله فقتله، فلما قتله، ووقع دمه على الأرض، جعل ~~يغلي فلا يسكن بشيء، وسلط الله عليهم عدوهم. # فقيل: إن العدو في الكرة الثانية كان بخت نصر، وفي الأولى جالوت. وقيل: ~~إن العدو في المرة الثانية كان ملكا من الروم، جاء وخرب بيت المقدس، وقتل ~~المقاتلة، وسبى الذرية. # فروي أنه استصعب عليه فتح المدينة، فقالت عجوز: أيها الملك، أتريد أن ~~تفتح هذه المدينة؟ فقال: نعم، فقالت: قل اللهم إني أستفتحك هذه المدينة بدم ~~يحيى بن زكريا، فقال هذا القول، فتساقطت حيطان المدينة؛ فدخل بالسيف يقتل، ~~ووصل إلى المكان الذي يغلي فيه دم يحيى. فقال: لأقتلن عليه الناس حتى يسكن ~~الدم؛ فقتل عليه أربعين ألفا فلم يسكن، فقتل خمسين ألفا فلم يسكن، فقتل ~~ستين ألفا فلم يسكن، فقال: والله لا أزال أقتل عليه حتى يسكن، فاستكمل ~~سبعين ألفا فسكن، وقيل: ثمانين ألفا. # وقوله تعالى: * (عسى ربكم ms0874 أن يرحمكم وإن عدتم عدنا) قال مجاهد: عسى من ~~الله واجب. # وقوله: * (أن يرحمكم) أي: يرد الدولة إليكم بعد زوالها. وفي القصة: أن ~~الله تعالى رد إليهم الدولة، وعمر بيت المقدس بعد ما خرب، [و] عاد ملكم على ~~ما كان. # وقوله: * (وإن عدتم عدنا) معناه: وإن عدتم إلى المعصية عدنا إلى ~~الانتقام. فروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: عادوا إلى المعصية، فانتقم الله ~~منهم بالعرب، فهم مقهورون مستذلون إلى يوم القيامة، وقيل: بمحمد. والقولان ~~متقاربان في المعنى. PageV03P221 # * (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) وأن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما (10) ويدع الإنسان بالشر ~~دعاءه بالخير وكان) * * وقوله: * (وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) قال مجاهد: ~~محبسا، وقيل: حصيرا أي: حاصرا، فعيل بمعنى فاعل، قاله ابن قتيبة. # والحصر هو الحبس، والسجن يسمى حصيرا في اللغة. # قوله تعالى: * (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) فيه قولان: أحدهما: ~~للكلمة التي هي أقوم، وأقوم أي: أعدل، والكلمة هي شهادة أن لا إله إلا ~~الله. # والقول الثاني: قاله الزجاج * (يهدي للتي هي أقوم) أي: للحال التي هي ~~أقوم، والحال التي هي أقوم: توحيد الله، واتباع رسله، وطواعيته في أوامره. # وقوله: * (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات) يعني: القرآن يبشر ~~الذين يعملون الصالحات. # وقوله: * (أن لهم أجرا كبيرا) أي: عظيما. # وقوله: * (وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة) معناه: ويبشر الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة أنا * (اعتدنا لهم عذابا أليما) أي: أعددنا. والبشارة هاهنا بمعنى ~~الخبر؛ لأن العرب لا تضع البشارة إلا في موضع السرور. # وحقيقة المعنى أي: ضع هذا الخبر لهم موضع البشارة. # قوله تعالى: * (ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا) ~~دعاء الإنسان بالشر هو أن يدعو على نفسه وأهله وولده حالة الغضب، فيقول: ~~اللهم أهلكهم، اللهم العنهم، وربما يقول لنفسه هذه المقالة. # وقوله: * (دعاءه بالخير) أي: كدعائه بالخير، ويقال: إن هذه الآية نزلت في ~~النضر بن الحارث فإنه قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء ms0875 أو ائتنا بعذاب أليم. PageV03P222 # * (الإنسان عجولا (11)) * * فاستجاب الله له، وضربت عنقه صبرا يوم بدر. # وروي عن النبي أنه قال: ' اللهم إني بشر، أغضب كما يغضب البشر، وأيما ~~مسلم لعنته، أو سببته فاجعلها له صلاة ورحمة '. # وفي بعض الأخبار: ' أتى النبي بأسير فسلمه إلى سودة بنت زمعة لتحفظه، ~~وكان الأسير أتى مشدودا فجعل جميع الليل يئن، فقامت سودة، وأرخت من وثاقه؛ ~~فهرب الأسير، فلما دخل رسول الله قال لها: أين الأسير؟ فذكرت له ذلك فقال: ~~قطع الله يدك، وبعث خلف الأسير من رده، فأخرجت سودة يدها؛ ليجيء من يقطعها ~~بدعاء النبي؛ فدخل عليها النبي، ورآها على تلك الحالة، فسألها: ممن هذا؟ ~~فقالت: لدعائك يا رسول الله؛ فقال رسول الله: ' اللهم إني بشر أغضب كما ~~يغضب البشر.. ' الخبر. # وقوله: * (وكان الإنسان عجولا) يعني: أنه يعجل بدعاء الشر، والله لا يعجل ~~بالإجابة. # وفي الآية قول وهو أن هذا في آدم صلوات الله عليه، وفي القصة: أن الله ~~تعالى أدخل الروح في رأسه، فجعل ينظر إلى نفسه كيف يخلق! فلما بلغ الروح ~~وسطه أراد أن يقوم فلم يقدر، فقال الله تعالى: ' وخلق الإنسان عجولا '. # هذا محكي عن قتادة وغيره، وعن سلمان الفارسي أن الله خلق آدم في آخر ساعة ~~PageV03P223 # * (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب) * * من يوم الجمعة، ~~فجعل الروح تجري في جسده، ويحيى آدم فنظر إلى الشمس، وهي تغرب، فقال: يا ~~رب، قبل الليل - أي أتم خلقي قبل الليل - فقال الله تعالى: ' وخلق الإنسان ~~عجولا '. # وفي أصل الآية قول آخر؛ وهو أن معنى قوله: * (ويدعو الإنسان بالشر) أي: ~~يدعو بفعل المعصية كما يدعو بفعل الطاعة. قال الشاعر: # (عسى فارج الهم عن يوسف * يسخر لي ربة المحمل) والصحيح ما قدمنا من قبل. # قوله: * (وجعلنا الليل والنهار آيتين) أي: علامتين دالتين على أن لهما ~~إلها واحدا. # وقيل: علامتين على الليل والنهار، والمراد من الليل والنهار: هو الشمس ~~والقمر. # وقوله: * (فمحونا آية الليل) ms0876 روي عن علي وابن عباس أنهما قالا: المحو هو ~~السواد الذي في القمر. # وفي بعض الآثار أن ابن الكواء قام إلى علي فسأله عن هذا فقال: أعمى - ~~أراد عمى القلب - يسأل عن عمياء! ثم قال: هو السواد الذي في القمر، وقيل: ~~إن معنى قوله: * (فمحونا آية الليل) أي: جعلنا الليل بحيث لا يبصر فيه كما ~~[لا] يبصر الكتاب إذا محي. # وقال قتادة وجماعة من المفسرين، وهو محكي أيضا عن ابن عباس قالوا: إن ~~الله تعالى خلق الشمس والقمر مضيئين نيرين كل واحد منهما مثل الآخر في ~~الضياء، فلم يكن يعرف الليل من النهار، والنهار من الليل، فأمر جبريل حتى ~~مسح بجناحه PageV03P224 # * (وكل شيء فصلناه تفصيلا (12) وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له ~~يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا (13) اقرأ كتابك) * * وجه القمر. # قال مقاتل: انتقص مما كان تسعة وستون جزءا، وبقي جزء واحد. # وقوله: * (وجعلنا آية النهار مبصرة) أي: مضيئة نيرة، وقيل: ذات أبصار أي: ~~يبصر بها. # وقوله: * (لتبتغوا فضلا من ربكم) بالنهار. # وقوله: * (ولتعلموا عدد السنين والحساب) أي: عدد السنين وحساب الشهور ~~والأيام. # وقوله: * (وكل شيء فصلناه تفصيلا) أي: بيناه تبيينا. # قوله تعالى: * (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) روى عطاء عن ابن عباس ~~قال معناه: ما قدر له من خير وشر. # وعن مجاهد: عمله من خير وشر، وعن الضحاك: أجله ورزقه وسعادته وشقاوته. ~~وعن أبي عبيدة قال: حظه. وقيل: كتابه. # وعن مجاهد في رواية أخرى: ورقة (متعلقة) في عنقه مكتوب فيها شقي أو سعيد. ~~والأقوال متقاربة، وإنما سمي طائرا أي: ما طار له من خير أو شر، وهذا على ~~جهة التمثيل والتشبيه، ومن ذلك السوانح والبوارح، فالسانح: هو الذي يطير من ~~قبل اليمين، فيتبرك به الإنسان، والبارح: هو الذي يطير من قبل الشمال، ~~فيتشاءم به الإنسان. قال الشاعر: # (تطير غدائر الإشراك شفعا * ووترا والزعامة للغلام) وقوله: * (ونخرج له ~~يوم القيامة) وقرئ: ' ويخرج له ' بالياء أي: الطائر يخرج له، PageV03P225 # * (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ms0877 ومن ضل ~~فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~(15) وإذا أردنا) * * وقرئ: ' ويخرج له يوم القيامة كتاب ' على ما لم يسم ~~فاعله، وقرئ ' ويخرج ' بفتح الياء يعني: عمله يخرج * (كتابا) يوم القيامة، ~~كأنه يتحول العمل كتابا في القيامة. # وقوله: * (يلقاه) قرأ الحسن: ' يلقاه ' بضم الياء من التلقية، وهذا في ~~الشاذ. # وقوله: * (منشورا) في الآثار أن الله تعالى يأمر الملكين بطي الصحيفة، ~~إذا تم عمر العبد، فلا ينشر إلى يوم القيامة، وهذا في معنى قوله تعالى: * ~~(وإذا الصحف نشرت). # قوله: * (اقرأ كتابك) فيه إضمار، وهو أنه يقال له: اقرأ كتابك. قال ~~قتادة: يقرأ كل إنسان سواء كان قارئا في الدنيا، أو لم يكن قارئا. # وقوله: * (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) أي: شاهدا قال الحسن: عدل معك من ~~جعلك حسيب نفسك. # وقال بعضهم: يقال له هذا كتاب كان لسانك قلمه، وريقك مداده، وجوارحك ~~قرطاسه، وكتب المملي على كاتبيك، فاقرأ ما أمليت، والله أعلم. # قوله تعالى: * (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه) أي: نفع اهتدائه له. # وقوله: * (ومن ضل فإنما يضل عليها) أي: وبال ضلالته عليه. # وقوله: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) يقال: نزلت هذه الآية في الوليد بن ~~المغيرة، فإنه قال لمن أسلم: ارجعوا إلى دينكم القديم، فإني أحمل أوزاركم؛ ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومعناه: أنه لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، وقيل: ليس ~~لأحد أن يذنب، فيقول: فلان قد أذنب فأنا أتبعه، فإني لا آخذ أحدا بذنب أحد. # وقوله: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) هذا دليل على أن ما وجب وجب ~~PageV03P226 # * (أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها ~~تدميرا (16)) * * بالسمع لا بالعقل، فإن الله تعالى نص أنه لا يعذب أحدا ~~حتى يبعث الرسول. # وفي بعض المسانيد عن أبي هريرة أنه قال: إن الله تعالى يبعث يوم القيامة ~~أهل الفترة و [المعتوه] والأصم والأبكم والأخرس والشيوخ الذين لم يدركوا ~~الإسلام (فيؤجج) لهم نارا، فيقول: ادخلوها، فيقولون: كيف ندخلها، ولم تبعث ~~إلينا ms0878 رسولا؟! ولو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما، فيرسل الله إليهم ~~رسولا، فيطيعه من علم الله أنه يطيعه، ويعصيه من علم الله أنه يعصيه، فيفصل ~~بينهم على ذلك. # قوله تعالى: * (وإذا أردنا أن نهلك قرية) أي: أهل قرية، وقرئ * (أمرنا ~~مترفيها) والمعروف هذا، وقرئ: ' آمرنا ' - بالمد -، ' مترفيها ' وهذل محكي ~~عن علي، وقرئ ' أمرنا ' بالقصر والتشديد، وقرئ: ' أمرنا - بكسر الميم - ~~مترفيها ' وهذا محكي عن ابن عباس. # أما قوله: * (أمرنا) فيه قولان: أحدهما: معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا ~~وعصوا. # وهكذا روي عن ابن عباس وجماعة من التابعين منهم ابن جريج وغيره. # والقول الثاني: أمرنا أي: أكثرنا، يقال: أمر القوم: إذا كثروا، قال ~~الشاعر: # (إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا * يوما يصيروا للهلك والنكد) وأنكر الكسائي ~~أن يكون أمرنا بمعنى أكثرنا، وقال: هو آمرنا بمعنى أكثرنا، وهذا هو اللغة ~~الغالبة. # وأما أبو عبيدة فقال: تقول العرب: أمرنا بمعنى أكثرنا، وإنما احتجنا إلى ~~هذا التأويل؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالمعاصي. # وهذا باتفاق الأمة وفي الآية سؤال معروف، وهو أنه يقال: كيف يأمر مترفيها ~~بالفسق، والله تعالى يقول: * (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، ويقول: * (إن ~~الله PageV03P227 # * (وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ~~(17) من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا (19)) * * لا يأمر بالفحشاء)؟ والجواب ما سبق. # وفي الآية قول ثالث وهو أنه معنى قوله: * (أمرنا مترفيها) أي: بعثنا، وفي ~~قراءة أبي بن كعب: ' وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا مترفيها '، وأما قوله: ~~' أمرنا ' بالتشديد أي: سلطنا. # وقيل: أمرنا أي: جعلناهم أمراء؛ فيجوز أن يكون بعثنا على هذا المعنى. # وأما ' أمرنا ' - بكسر - الميم فقد ذكروا أنه ضعيف في اللغة. # وقوله: * (مترفيها) أي: منعميها، والمترف: الملك المنعم، أورده ثعلب. # وقوله: * (ففسقوا فيها) أي: عصوا فيها. * (فحق عليها القول) أي: وجب ~~عليها العذاب. # وقوله: * (فدمرناها تدميرا) أي: أهلكناها إهلاكا. # قوله تعالى: ms0879 * (وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح). اختلفوا في القرن، ~~فقال بعضهم: القرن مائة وعشرون سنة، وقال بعضهم: مائة سنة، وقال بعضهم: ~~ثمانون سنة، وقال بعضهم: أربعون سنة، والمراد من القرون أهل القرون. # وقوله: * (وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (من كان يريد العاجلة) أي: الدنيا، وهذا وصف الكفار؛ لأنهم ~~الذين يريدون الدنيا، ولا يريدون الآخرة، والآية في قوم أرادوا العاجلة ~~فحسب. # وقوله: * (عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) يعني: لمن نريد إهلاكه. # وقوله: * (ثم جعلنا له جهنم يصلاها) أي: يدخلها، وقيل: يقاسي حرها. # وقوله: * (مذموما مدحورا) والمذموم من الذم، والمدحور هو المطرود والمبعد ~~من PageV03P228 # * (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) انظر ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21)) * * رحمة ~~الله، يقال: (دحره) عن كذا أي: أبعده. # قوله تعالى: * (ومن أراد الآخرة) أي: طلب الآخرة * (وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن) أي: عمل لها عملها، وهو مؤمن. # وقوله: * (فأولئك كان سعيهم مشكورا) أي: مقبولا. # ويقال: إن الشكر من الله هو قبول الحسنات، والتجاوز عن السيئات، وقيل ~~معنى الآية: أنه وضع أعمالهم الموضع الذي يشكر عليها. # قوله تعالى: * (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء) يعني: المؤمنين والكفار. # وقوله: * (من عطاء ربك) أي: من رزق ربك. # وقوله: * (وما كان عطاء ربك محظورا) أي: ممنوعا. # وأجمع أهل التفسير أن معنى عطاء ربك في هذه السورة هو الدنيا، فإن الآخرة ~~للمتقين، وليس للكفار فيها نصيب. # وفي بعض المسانيد عن النبي أنه قال: ' إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم ~~بينكم أرزاقكم، وإن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي ~~الدين إلا من يحب '. # قوله تعالى: * (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض) يعني: الدنيا، ومعنى ~~PageV03P229 # * (لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22)) * * لتفضيل هو ~~التقتير والتوسيع، والتقليل والتكثير، والقبض والبسط، وقد روي في بعض ~~الآثار أن الله تعالى عرض ذرية آدم على آدم فرأى فيهم تفاوتا شديدا! فقال: ms0880 ~~رب هلا سويت بين خلقك؟ فقال: يا آدم، أردت أن أشكر. # وقوله: * (وللآخرة أكبر درجات) قد بينا أن الدرجة ما بين السماء والأرض. # وفي بعض المسانيد عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: ' الجنة مائة درجة؛ ما ~~بين كل درجتين خمسمائة سنة '. # وقوله: * (وأكبر تفضيلا) أي: أعظم تفضيلا. # وفي الأخبار أن النبي قال: ' إن المؤمنين يدخلون الجنة بإيمانهم؛ ~~ويقتسمون الدرجات بأعمالهم '. # قوله تعالى: * (لا تجعل مع الله إلها آخر) فيه قولان: أحدهما: أن الخطاب ~~مع الرسول، والمراد فيه الأمة، وقد بينا نظير هذا من قبل. # والقول الآخر: لا تجعل أيها الإنسان مع الله إلها آخر، وهذا الخطاب مع كل ~~أحد. # وقيل: إن المراد منه النبي على ما هو الظاهر، وهو وإن كان معصوما، فلم ~~يسقط عنه الخطاب بالاحتراز والمباعدة عن الكفر. # وقوله: * (فتقعد مذموما مخذولا) أي: مذموما من غير حمد، ومخذولا من غير ~~نصر. PageV03P230 # * (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو) * * وقيل: مخذولا أي: متروكا من العصمة، والله تعالى إذا ترك ~~العبد فقد أهلكه. # ومعنى قوله: * (فتقعد) أي: فتكون مأفوكا، وتبقى مخذولا. # قوله تعالى: * (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) قرأ عبد الله بن مسعود: ' ~~ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه '، وقال الضحاك: كان في الأصل ' ووصى ' إلا ~~أنه اتصل الواو بالصاد في الكتابة فقرىء: ' وقضى '. والمعروف هو قوله: * ~~(وقضى). وعليه اتفاق القراء؛ ومعناه: وأمر ربك؛ وحقيقة القضاء هو إحكام ~~الشيء وإمضاؤه على وجه الفراغ منه، ومنه قولهم: قضى القاضي بين الخصمين، ~~ومنه قوله تعالى: * (ثم اقضوا إلي ولا تنظرون) أي: أفرغوا ما في أنفسكم ~~وامضوه، فعلى هذا معنى قوله: * (وقضى ربك) أي: حكم عليهم ربك حكم تعبد. # ومعنى الفراغ هاهنا: هو إتمام التعبد. وفي بعض التفاسير: أن رجلا أتى ~~الحسن البصري وقال: إني طلقت امرأتي ثلاثا، فقال: عصيت ربك، وبانت منك ~~امرأتك، فقال الرجل: كذلك كان قضاء الله؟ فقال الحسن: كذبت، ما قضى الله. ~~أي: ما أمر الله، وكان الحسن فصيحا فلم ms0881 يفهم الناس قوله؛ فذكروا أنه ينكر ~~القدر. # وفي بعض الروايات أنه قيل له: إن بني أمية يقتلون الناس، ويقولون: كذا ~~قضاء الله، فقال الحسن: كذب أعداء الله؛ ومعناه ما بينا. # وقيل: إنه أنكر جعلهم ذلك علة لقتلهم، ذكره ابن قتيبة في المعارف. # وقوله: * (ألا تعبدوا إلا إياه) يعني: أن توحدوه ولا تشركوا به. وقوله: * ~~(وبالوالدين إحسانا) أي: أمر أن تحسنوا بالوالدين إحسانا. # وقد ثبت عن النبي برواية ابن مسعود، أنه سأل رسول الله فقال: ' أي الذنوب ~~أعظم؟ فقال: الإشراك بالله. قال: ثم أي؟ قال: عقوق الوالدين '. PageV03P231 # * (كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23)) * * ~~وقوله:: * (إما يبلغان) وقرئ: ' إما يبلغن عندك الكبر ' فقوله: * (يبلغان) ~~ينصرف إليهما؛ فعلى هذا قوله: * (أحدهما أو كلاهما) على وجه الاستئناف. # وقوله: * (يبلغن) ينصرف إلى أحدهما، فقوله: * (أو كلاهما) على البدل منه. # وقوله: * (فلا تقل لهما أف) قرئ: ' أف ' بكسر الفاء، و ' أف ' بفتح ~~الفاء، و ' أف ' بكسر الفاء والتنوين. قالوا: وفيه ست لغات: أفا وأف وأف ~~الثلاثة بالتنوين، وأف وأف وأف بغير التنوين. # قال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار، وقيل: الأف وسخ ~~الأظفار، والتف الشيء الحقير، وحقيقته أنه كلمة تقال عند الضجر من الشيء ~~واستثقاله، وقيل: الأف بأدنى ما يتبرم به، فمنى الآية: لا يتبرم بهما، ولا ~~يستثقل معالجة أذاهما. وذكر مجاهد أنه عند الحدث وذكر البول وصاحبه أنه لا ~~يستثقل معالجتهما في ذلك؛ كما لم يستثقلا معالجته. # وقوله: * (ولا تنهرهما) الانتهار من النهر، [و] هو الزجر بالإغلاظ ~~والصياح. # وقوله: * (وقل لهما قولا كريما) أي: قولا لينا. # وعن محمد بن علي الباقر قال: شر الآباء من يحمله البر على الإفراط، وشر ~~الأبناء من يحمله التقصير على العقوق. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: لو علم الله شيئا أبلغ في الزجر من قوله: ~~* (أف)، لنهى عن ذلك، ثم قال علي: ليعمل البار ما شاء فلن يدخل النار، ~~وليعمل العاق ما يشاء فلن يدخل الجنة. # وفي الأخبار، عن النبي أنه قال: ' البر ms0882 يزيد في العمر '. وذكر مسلم في ~~PageV03P232 # * (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) ~~ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين) * * الصحيح برواية سهيل عن أبيه ~~عن أبي هريرة أن النبي قال: ' رغم أنفه. رغم أنفه، رغم أنفه! فقيل: من يا ~~رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه على الكبر أو أحدهما فلم يدخل الجنة '. # وروى عامر بن ربيعة أن رجلا أتي النبي فقال: ' إن أبوي قد توفيا، فهل بقي ~~شيء أبرهما به؟ فقال: نعم، إنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، والاستغفار لهما، ~~والصدقة عنهما '. # قوله تعالى: * (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) معناه: وألن جانبك لهما. # وعن عائشة - رضي الله عنها - أطعهما ما أمراك. والخفض هو التواضع، وجناح ~~الذل: ترك الاستعلاء. مأخوذ من استعلاء الطائر [بجناحيه]. # وقوله: * (من الرحمة) أي: من الشفقة والعطف. # وقرأ عاصم الجحدري ويحيى بن دثار: ' واخفض لهما جناح الذل ' - بكسر الذال ~~- فالذل - بضم الذال - من التذلل، أي: كن لهما كالذليل المقهور، والذل - ~~بكسر الذال - من الانقياد والطاعة. # وعن سعيد بن المسيب قال: كن بين يديهما كالعبد المذنب بين يدي السيد الفظ ~~الغليظ. PageV03P233 # * (فإنه كان للأوابين غفورا (25) وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ~~ولا تبذر تبذيرا (26)) * * وقوله: * (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) أي: ~~كما رحماني بتربيتي صغيرا. # قوله تعالى: * (ربكم أعلم بما في نفوسكم) أي: بما في قلوبكم. وقوله: * ~~(إن تكونوا صالحين) أي: مطيعين. # وقوله: * (فإنه كان للأوابين غفورا) ووجه اتصال الآية بما قبلها، هو أن ~~الله تعالى قال: * (ربكم أعلم بما في نفوسكم) من العقوق والبر، فإن بدرت من ~~بار بدرة من العقوق، فإن الله كان للأوابين غفورا يعني: [للتوابين] غفورا. # وفي الأواب أقوال كثيرة، روي عن ابن عباس أنه قال: هو الذي يرجع من الشر ~~إلى الخير، وعن سعيد بن المسيب: هو الذي كلما أذنب تاب وإن كثر، وعن عبيد ~~بن عمير: هو الذي لا يقوم من مجلس حتى يستغفر الله من ذنوبه، وقيل: إن ~~الأواب هو المسبح، قال الله ms0883 تعالى: * (يا جبال أوبي معه) وعن محمد بن ~~المنكدر قال: الأواب الذي يصلي بين المغرب والعشاء، وتسمى الصلاة في ذلك ~~الوقت صلاة الأوابين، وعن عون العقيلي قال: الأواب هو الذي يصلي الضحى، وعن ~~السدي قال: هو الذي يذنب سرا ويتوب سرا. # وأصل الأواب: هو الراجع، قال الشاعر: # (يومان يوم مقامات وتفدية * ويوم سير على الأعداء تأويب) قوله تعالى: * ~~(وآت ذا القربى حقه) الأكثرون على أن ذا القربى ها هنا قرابة الإنسان، ~~ومعنى الآية: الأمر بصلة ذوي الأرحام. # وعن علي بن الحسين قال: ذا القربى ها هنا قرابة الرسول. وقوله: * ~~(والمسكين) PageV03P234 # * (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) وإما ~~تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28)) * * أي: ~~السائل الطواف. # وقوله: * (وابن السبيل) قيل: المنقطع به، وقيل: الضيف. وقوله: * (ولا ~~تبذر تبذيرا) أي: لا تسرف إسرافا. # والتبذير: هو الإنفاق في غير طاعة الله تعالى. وعن عثمان بن الأسود قال: ~~كنت أطوف مع مجاهد بالبيت فقال: لو أنفق عشرة آلاف درهم في طاعة الله ما ~~كان مسرفا، ولو أنفق درهما واحدا في معصية الله، كان من المسرفين. # قوله تعالى: * (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) أي: أشباه الشياطين، ~~وقيل: سماهم إخوان الشياطين؛ لأنهم اتبعوا ما سول لهم الشياطين، [وقيل] لمن ~~اتبع إنسانا في شيء هو أخوه. # وقوله: * (وكان الشيطان لربه كفورا) أي: بربه كافرا. # قوله تعالى: * (وإما تعرضن عنهم) الإعراض صرف الوجه عن الشيء (....) أو ~~إلى من هو أولى منه، أو لإذلال من يصرف عنه الوجه. # وقوله: * (ابتغاء رحمة من ربك) أي: طلب رزق من ربك. # وقوله: * (ترجوها) الرجاء: تعليق النفس بمن تطلب منه الخير. وعن علي رضي ~~الله عنه قال: لا ترجون إلا ربك، ولا تخافن إلا من ربك. PageV03P235 # * (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~(29)) * * وقوله: * (فقل لهم قولا ميسورا) اليسر: ضد العسر، والميسور ها ~~هنا هو العدة في قول أكثر المفسرين. وهو أن يقول: يأتينا شيء فنعطيه. وعن ~~سفيان ms0884 الثوري قال: عدة النبي دين، وقيل: القول الميسور هو أن تقول: يرزقنا ~~الله وإياك، أو يقول: بارك الله فيك. # واعلم أن الآية خطاب مع النبي، وقد كان هؤلاء القوم يسألونه، وكان يكره ~~الرد وليس عنده شيء يعطى، فجعل يمسك من القول، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~* (فقل لهم قولا ميسورا). # قوله تعالى: * (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) الآية. روى ابن مسعود: ' ~~أن امرأة بعثت غلاما إلى رسول الله تسأله شيئا، فقال النبي: ليس عندي شيء، ~~فرجع الغلام وذكر لها؛ فردت الغلام وقالت: سله قميصه الذي هو لابسه، فسأله ~~فأعطاه ذلك، وبقي في البيت بلا قميص، فأنزل الله تعالى هذه الآية '. # وقوله: * (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) أي: لا تبخل، والكلام على وجه ~~التمثيل فجعل البخيل الممسك كمن يده مغلولة إلى عنقه. # وقوله: * (ولا تبسطها كل البسط) أي: لا تسرف في الإعطاء. # وقوله: * (فتقعد ملوما محسورا) والملوم: هو الذي أتى بما يلوم به نفسه ~~ويلومه غيره، والمحسور هو المنقطع به الذي قد ذهب ماله، وبقي ذا حسرة، ~~يقال: دابة حسير إذا أعيت من السير فقامت بالراكب. فمعنى الآية لا تحمل على ~~نفسك كل الحمل في الإعطاء، فتصير بمنزلة من بلغت به النهاية في التعب ~~والإعياء. # قال قتادة: محسورا أي: نادما. وأنشدوا في الدابة الحسير: PageV03P236 # * (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) ~~ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ~~(31) ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32)) * * (له ديك حسري * ~~فأما عظامها فبيض * وأما جلدها فصليب) قوله تعالى: * (إن ربك يبسط الرزق ~~لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا) ظاهر المعنى، وقد بينا معنى ~~البسط والقدر من قبل. # قوله تعالى: * (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) أي: خشية الفقر، وقد ~~كانوا يئدون البنات خشية الفقر. # وقوله: * (نحن نرزقهم وإياكم) أي: نحن المعطي للزرق لا أنتم. # وقوله: * (إن قتلهم كان خطأ كبيرا) المعروف: ' خطأ ' بالكسر والقصر. وقرأ ~~ابن كثير ' خطاء ms0885 كبيرا ' بالكسر والمد، وقرأ ابن عامر: ' خطأ ' بفتح الخاء ~~والطاء والقصر، وقرئ: ' خطآء ' بالفتح والمد، فأما قوله: ' خطأ ' بالكسر ~~والقصر أي: إثما كبيرا. وأما قوله: ' خطأ ' بالكسر والمد، وقال الأزهري: ~~أهل اللغة لا يعرفون هذا! ولعله لغة. # وأما قوله: ' خطاء ' بالفتح والقصر مصدر مثل قوله: أخطا، والفرق بين ~~الخطأ والخطأ كلاهما بالقصر أن الخطأ - بالكسر - ما يتعمد بالفعل وآثم ~~فاعله. والخطأ - بالفتح - ما لم يتعمد. وأنشدوا: # (عباد يخطئون وأنت رب * كريم لا يليق بك الذموم) قوله تعالى: * (ولا ~~تقربوا الزنا) ظاهر المعنى. # وقوله: * (إنه كان فاحشة) الفاحشة: فعل قبيح على أقبح الوجوه. # وقوله: * (وساء سبيلا) أي: ساء طريقا، ومعناه بئس السلك هذا الفعل. # وفي بعض الأخبار برواية علي - رضي الله عنه - عن النبي أنه قال: ' في ~~الزنا PageV03P237 # * (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33)) * * ست خصال: (ثلاث) ~~في الدنيا، (وثلاث) في الآخرة؛ أما الثلاث في الدنيا: يذهب نور الوجه، ~~ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما الثلاث في الآخرة: فغضب الرب، وسوء الحساب، ~~ودخول النار '. # وقوله تعالى: * (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) قد ثبت عن ~~النبي أنه قال: ' لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الكفر بعد الإيمان، ~~والثيب الزاني، والقاتل نفسا بغير حق '. # فقوله: * (إلا بالحق) فالقتل بالحق أن يقع بأحد هذه الأشياء الثلاثة. # وقوله: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) أي: سلطان القود، هكذا ~~قاله قتادة وغيره. وعن الضحاك أن السلطان ها هنا هو تخيير ولي القتيل بين ~~أن يقتل أو يعفو، أو يأخذ الدية. # وأصل السلطان هو الحجة، فلما ثبت هذا لولي القتيل بحجة ظاهرة سماه ~~سلطانا، وقيل: معنى الآية أن الولي يقتل؛ فإن لم يكن ولي، قتله السلطان. # وقوله: * (فلا يسرف في القتل) أكثر المفسرين على أن السرف في القتل أن ~~يقتل غير القاتل، وقيل: إن السرف في القتل أن يمثل بالمقتول، وعن سعيد بن ~~جبير قال: السرف ms0886 في القتل أن يطلب قتل الجماعة بالواحد، وقد كانت الجاهلية ~~لا يرضون بقتل القاتل وحده؛ إذا كان المقتول شريفا ويطلبون قتل القاتل ~~وجماعة معه من أقربائه وقومه. PageV03P238 # * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد ~~إن العهد كان مسؤولا (34)) * * وقرئ: ' فلا تسرف ' ' بالتاء ' على خطاب ولي ~~القتيل، وأما ' بالياء ' على المغايبة. وفي الآية قول آخر وهو أن معنى ~~قوله: * (فلا يسرف في القتل) بالياء أي: القاتل الأول المتعدي. # وقوله: * (إنه كان منصورا) على هذا يعني أن القاتل الأول لو تعدى فولي ~~القتيل منصور من قبلي، وقد قال أهل المعاني: أن معنى قوله: * (إنه كان ~~منصورا) معناه أي: القتيل منصور في الدنيا والآخرة؛ أما النصرة في الدنيا ~~ففي إيجاب القود له. وأما النصرة في الآخرة فبتكفير خطاياه، وبإيجاب الثأر ~~لقاتله، وقيل: إنه كان منصورا؛ أي: ولي القتيل. # وقرأ أبي بن كعب: ' فلا تسرفوا في القتل إن ولي القتيل كان منصورا '. # قوله تعالى: * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) معناه: إلا ~~بالعفة التي هي أحسن. واختلفوا في معناه على أقاويل: أحدها: أن القربان ~~بالأحسن هو حفظ الأصول، وتثمير الفروع، والآخر: أن القربان بالأحسن هو ~~التجارة في ماله، وهذا قريب من الأول، والقول الثالث: أن القربان بالأحسن ~~هو أن لا يخالط مال اليتيم بمال نفسه. # فروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه لما نزلت هذه الآية ميز الأوصياء ~~طعامهم من طعام اليتامى، وشرابهم من شراب اليتامى، وكانوا يمسكون طعام ~~اليتيم حتى يأكل أو يفسد، فأنزل الله تعالى: * (وإن تخالطوهم فإخوانكم). # وعن مجاهد أنه قال: القربان بالأحسن أن يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج ~~إليه، فإذا استغنى رد. PageV03P239 # * (وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ~~(35)) * * وقال سعيد بن المسيب: لا يقرب ماله أصلا، ولا يشرب الماء من ~~ماله. # وذهب بعض العلماء منهم أبو يوسف إلى أن قوله تعالى: * (ومن كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) منسوخ بقوله تعالى: * (يا أيها ms0887 ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم). وقد ذكرنا في هذا المعنى من قبل ما هو أكثر من هذا. # وقوله: * (حتى يبلغ أشده) الأكثرون على أن الأشد هو الحلم، ومنهم من قال: ~~(ثمان) عشرة سنة، ومنهم من قال: ثلاث وثلاثون سنة، وهذا وقت منتهى القوة ~~وتمام العقل بالحنكة والتجارب. # وقوله: * (وأوفوا بالعهد) قال قتادة: العهد: كل ما أمر الله تعالى به ~~ونهى عنه. # وقوله: * (إن العهد كان مسؤولا) فيه أقوال: أحدها: أنه كان مظلوما، وهو ~~قول السدي. # والآخر: كان مسؤولا عنه، وهو أحسن الأقاويل، والثالث: أن العهد يسأل عن ~~صاحب العهد. فيقال له: فيم نقضت، كالموءودة تسأل فيم قتلت؟. # وفي معنى العهد قول آخر: وهو أنه كل ما يلتزمه الإنسان على نفسه. # قوله تعالى: * (وأوفوا الكيل إذا كلتم) ظاهر المعنى. # وقوله: * (وزنوا بالقسطاس المستقيم) فيه قولان: أحدهما: أنه القبان، ~~والآخر: أنه كل ميزان يكون. ذكره الزجاج. # واختلفوا أن القسطاس رومي أو عربي؟ قال مجاهد: هو رومي معرب، وقال غيره: ~~PageV03P240 # * (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد) * * هو عربي مأخوذ ~~من القسط، والقسط هو العدل، فعلى هذا معنى الآية وزنوا بالعدل المستقيم. # وقوله: * (ذلك خير) يعني: ذلك خير لكم في الدنيا بحسن الذكر. * (وأحسن ~~تأويلا) وأحسن عاقبة في الآخرة. # قوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) قالوا: معناه ولا تقل ما ليس ~~لك به علم، وقرئ: ' ولا تقف ما ليس لك به علم ' برفع القاف؛ معناه ما ~~ذكرنا، ومنهم من قال: معنى قوله: * (ولا تقف) أي: لا ترم بالظن ما ليس لك ~~به علم. وأصل القيافة اتباع الأثر، يقال: قفوت فلانا، إذا [اتبعت] أثره. ~~وحقيقة المعنى: ولا تتبع لسانك ما ليس لك به علم فيتكلم بالحدس والظن. # وروي عن النبي أنه قال: ' نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا، ولا ~~ننتفي من أبينا '. # وفي بعض الأخبار أن النبي قال: ' من تقوف ما ليس له به علم حبس ms0888 في ردغة ~~الخبال حتى يخرج مما قال '. # وقوله: * (إن السمع والبصر والفؤاد) روي عن قتادة أنه قال: لا تقل سمعت ~~ولم تسمع، ولا رأيت ولم تر، ولا علمت ولم تعلم. واختلف القول في سؤال السمع ~~والبصر والفؤاد؛ ففي أحد القولين: يسأل المرء عن سمعه وبصره وفؤاده. ~~PageV03P241 # * (كل أولئك كان عنه مسؤولا (36) ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق ~~الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) ذلك ~~مما) * * والقول الثاني: أن السمع والبصر والفؤاد يسأل عما فعله المرء. فإن ~~قيل: قد قال: * (كل أولئك كان عنه مسؤولا)، وأولئك لا يقال إلا للعقلاء؟ ~~والجواب: قلنا: يجوز أن يقال لغير العقلاء. قال جرير: # (ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام) قوله تعالى: * ~~(ولا تمش في الأرض مرحا) المرح هو الفرح بالباطل، ويقال: هو الأشر والبطر، ~~ويقال: هو البأو والعظمة، وقيل: الخيلاء. # وقوله: * (إنك لن تخرق الأرض) أي: لن تثقب الأرض، وقيل: لن تقطع الأرض ~~بالسير. # وقوله: * (ولن تبلغ الجبال طولا) أي: لا يقدر أن يتطاول الجبال، وفي ~~المعنى وجهان: أحدهما: أن الإنسان إذا مشى مختالا، فمرة يمشي على عقبيه، ~~ومرة يمشي على صدور قدميه. فقال: لن تثقب الأرض إن مشيت على عقبيك، ولن ~~تبلغ الجبال طولا إن مشيت على صدور قدميك. # والوجه الثاني: أن من أراد أن يخرق الأرض أو يطاول الجبال لا يحصل على ~~شيء، فكذلك من مشى مختالا لا يحصل باختياله على شيء. # وقوله: * (كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها) قرى: ' سيئه ' وقوله: ' سيئة ~~' بالتنوين أي: كل ما نهيت عنه في هذه الآيات فهي سيئة مكروهة عند ربك، ومن ~~قرأ ' سيئه ' بالرفع فمعناه على التبعيض؛ لأنه قد تقدم بعض ما ليس بسيئة ~~مثل قوله: * (وآت ذا القربى حقه)، وكذلك قوله: * (واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة وقل رب ارحمهما) وغير ذلك. فمعناه أن ما تقدم في هذه الآيات من ~~السيئة مكروهة عند ربك. PageV03P242 # * (أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله ms0889 إلها آخر فتلقى في جهنم ~~ملوما مدحورا (39) أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم ~~لتقولون قولا عظيما (40) ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا ~~نفورا (41) قل لو كان معه) * * قوله تعالى: * (ذلك مما أوحى إليك ربك من ~~الحكمة) كل ما أمر الله به ونهاه فهي حكمة. # وقوله: * (ولا تجعل مع الله إلها آخر) قد بينا هذا من قبل، وهو أن الخطاب ~~معه، والمراد منه الأمة. # وقوله: * (فتلقى في جهنم ملوما مدحورا) أي: مطرودا. # قوله تعالى: * (أفأصفاكم ربكم) معناه: أفجعل لكم الصفوة، وجعل لنفسه ما ~~ليس بصفوة؟ وهذا على طريق الإنكار فإنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله. # وقوله: * (بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا) هذا معناه. # وقوله: * (إنكم لتقولون قولا عظيما) أي: فظيعا كبيرا. # قوله تعالى: * (ولقد صرفنا في هذا القرآن) فيه قولان: أحدهما: تكرير ~~الأمر والنهي والمواعظ والقصص، والآخر: تبيين القول بجميع جهاته. # وقوله: * (ليذكروا) معناه: ليتعظوا. # وقوله: * (وما يزيدهم إلا نفورا) أي: ما يزيدهم التبيين إلا نفورا. وقيل: ~~تصريف القول في الأمر والنهي. # قوله تعالى: * (قل لو كان معه) أي: مع الله * (آلهة). # وقوله: * (كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) فيه قولان: ~~أحدهما: إذا لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا بالتقرب إليه، والآخر: وهو الأصح ~~إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا بالمفازة والمغالبة وطلب الملك، وهذا مثل ~~قوله تعالى: * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا). PageV03P243 # * (آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) سبحانه وتعالى ~~عما يقولون علوا كبيرا (43) تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من ~~شيء إلا يسبح) * * قوله تعالى: * (سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا) ~~ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن) قد بينا من قبل. # وقوله: * (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) قال عكرمة: وإن من شيء حي إلا يسبح ~~بحمده وعن عكرمة أيضا قال: الشجرة تسبحه. # وعن مجاهد قال: كل الأشياء تسبح لله حيا كان أو جمادا، وتسبيحها (بسبحان ~~الله وبحمده). # وعن أبي صالح ms0890 أنه سمع صرير باب فقال: هو تسبيحه. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا تضربوا الدواب على رءوسها فإنها ~~تسبح الله، وعن ابن عباس: إن تسبيح هذه الأشياء: يا حليم، يا غفور. # وروى منصور بن المعتمر أبو غياث عن إبراهيم النخعي قال: ' وإن من شيء ~~جماد أو حي إلا يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السقف. # واعلم أن لله في الجماد علما لا يعلمه غيره، ولا يقف عليه غيره، فينبغي ~~أن يوكل علمه إليه. وقال بعض أهل المعاني: تسبيح السماوات والأرض والجمادات ~~وسائر الحيوانات سوى العقلاء، هو ما دلت بلطيف تركيبها وعجيب هيئاتها على ~~خالقها، فيصير ذلك بمنزلة التسبيح منها. # والمنقول عن السلف ما قلنا من قبل، والله أعلم. # وقوله تعالى: * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) أي: لا تعلمون تسبيحهم. # وعن الحسن البصري أن موضع هذه الآية في التوراة ألف آية كان الله تعالى ~~قال: PageV03P244 # * (بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44) وإذا قرأت ~~القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (45) وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة أن) * * سبح لي كذا، وسبح لي كذا، وسبح لي كذا، وعلى القول ~~الأخير قوله: * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) أي: لا تستدلون بمشاهدة هذه ~~الأشياء على تعظيم الله. وهذا ليس بمعتمد، والصحيح ما بينا. # وقوله: * (إنه كان حليما غفورا) قد بينا معنى الحليم والغفور. # وقوله تعالى: * (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة حجابا مستورا) روي في الأخبار أنه لما نزلت سورة * (تبت يدا أبي ~~لهب) جاءته امرأته أم جميل، ومعها فهر، وقصدت النبي وهي تقول: مذمما أبينا، ~~ودينه قلينا، وأمره عصينا، وكان النبي جالسا مع أبي بكر في الحجر، فقال أبو ~~بكر للنبي: هذه المرأة قد جاءت، فقال النبي: إنها لا تراني؛ وقرأ هذه ~~الآية؛ فجاءت المرأة، وقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه هجاني، ~~وهجا أبا لهب، وقد علمت قريش أني بنت سيدها. فلم يقل أبو بكر شيئا، ورجعت ~~وهي تقول: قد كنت جئت ms0891 بهذا الحجر؛ لأرضخ رأسه '. روته عائشة رضي الله عنها. # ومنهم من قال: كان النبي يصلي ويقرأ القرآن، وكان المشركون يقصدونه ~~بالأذى، فكانوا يجيئون ولا يرونه. # وقوله: * (حجابا مستورا) فيه قولان: أحدهما: حجابا ساترا، والآخر: مستورا ~~به. وقيل: إن الحجاب الذي جعله الله هو الأكنة التي خلقها على قلوبهم. # قوله تعالى: * (وجعلنا على قلوبهم أكنة) أي: أغطية، وحكى بعض السلف أنه ~~PageV03P245 # * (يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ~~أدبارهم نفورا (46) نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ~~إذ يقول الظالمون) * * سمع رجلا يقرأ: * (وما منع الناس أن يؤمنوا إذا ~~جاءهم الهدى) فقال: الأكنة. # وقوله: * (أن يفقهوه) معناه: كراهة أن يفقهوه، وقيل: لئلا يفقهوه. # وقوله: * (وفي آذانهم وقرا) أي: ثقلا، ومعناه: لئلا يسمعوه. وفي الآية رد ~~على القدرية صريحا. # وقوله: * (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده) هو قوله: لا إله إلا الله. # وقوله: * (ولوا على أدبارهم نفورا) أي: نافرين. # ومثل هذا قوله تعالى: * (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة). # قوله تعالى: * (نحن أعلم بما يستمعون به) قال أهل التفسير: ' به ' صلة، ~~ومعناه نحن أعلم بما يستمعون، أي: يطلبون سماعه، وهو في معنى قوله تعالى: * ~~(وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون). # وقوله تعالى: * (إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى) أي: ذووا نجوى. وفي القصة: ~~أن النبي كان يقرأ، والمشركون قد اجتمعوا، وكانوا يتناجون فيما بينهم، ~~فيقول هذا: كاهن، ويقول هذا: ساحر، ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون؛ ~~ويريدون به الرسول. # وقوله: * (إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) قال مجاهد: ~~مخدوعا، وقال أبو عبيدة: رجلا له سحر، وهو الرئة، يعني: أنه بشر. قال ~~الشاعر: # (أرانا موضعين (لحتم) غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب) PageV03P246 # * (إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا (48) وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا (49) قل كونوا حجارة أو حديدا (50)) * * أي: نعلل ونخدع، وهو على ~~تأويل الخدع، وهو ms0892 الأصح. # وقيل: مسحورا أي: مصروفا عن الحق. # وقوله تعالى: * (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) أي: الأشباه. # وقوله: * (فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) أي: وصولا إلى طريق الحق. # قوله تعالى: * (وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا) قال الفراء: رفاتا، أي: ~~ترابا، وقال غيره: رفاتا: أي: حطاما. يعني: إذا تحطمنا. # وقوله: * (أءنا لمبعوثون خلقا جديدا) قالوا ذلك على طريق الإنكار. # قوله تعالى: * (قل كونوا حجارة أو حديدا) فإن قيل: كيف يأمرهم بأن يكونوا ~~حجارة أو حديدا، وهم لا يقدرون عليه قطعا؟ والجواب: أن هذا أمر تعجيز، وليس ~~بأمر إلزام، ومعنى الآية أي: استشعروا في قلوبكم أنكم حجارة أو (حديد)، فلو ~~كنتم كذلك لم تفوتوني، وقيل معناه: لو كنتم خلقتم من الحجارة والحديد بدل ~~اللحم والعظم لمتم ثم بعثتم. قاله أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. # قوله تعالى: * (أو خلقا مما يكبر في صدوركم) قال ابن عباس، وابن عمر، ~~وعبد الله بن عمرو بن العاص: هو الموت. ومعناه: لو كنتم الموت بعينه ~~لأدرككم الموت. # وقد ثبت الخبر عن النبي أنه قال: ' يجاء بالموت يوم القيامة على هيئة كبش ~~أغبر، فيوقف بين الجنة والنار؛ فيعرفه كلهم، فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة، ~~خلود لكم ولا موت، ويا أهل النار، خلود ولا موت '. PageV03P247 # * (أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ~~فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) يوم يدعوكم ~~فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52)) * * وعن مجاهد أن معنى ~~قوله: * (أو خلقا مما يكبر في صدوركم) هو السماوات والأرض والجبال. أي: لو ~~كنتم كذلك لمتم وبعثتم. # وقال قتادة: هو كل ما يعظم في عين الإنسان وصدره. وعن الكلبي قال: هو ~~القيامة. # وقوله: * (فسيقولون من يعيدنا) ظاهر المعنى. # وقوله: * (قل الذي فطركم أول مرة) أي: أنشأكم أول مرة، ومن قدر على ~~الإنشاء فهو على الإعادة أقدر. # وقوله: * (فسينغضون إليك رؤوسهم) أي: يحركون إليك رؤوسهم، وهذا على طريق ~~الاستهزاء. # وقوله: * (ويقولون متى هو) أي: متى الساعة؟ وهذا أيضا ms0893 قالوه استهزاء. # وقوله: * (قل عسى أن يكون قريبا) معناه: أنه قريب، ' وعسى ' من الله واجب ~~على ما بينا. # قوله تعالى: * (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده) أي: حامدين له. فإن قيل: كيف ~~يصح هذا؟ والخطاب مع الكفار؛ والكافر كيف يبعث حامدا لربه؟ # والجواب من وجهين: أحدهما: أنه خطاب للمؤمنين، وقد انقطع خطاب الكفار إلى ~~هذه الآية. # والقول الثاني: أن الخطاب مع الكفار، ومعنى قوله: * (فتستجيبون بحمده) ~~أي: مقرين أنه خالقكم وباعثكم. # وقوله: * (وتظنون إن لبثتم إلا قليلا) هذا في جنب مدة القيامة (والخلود) ~~فلو مكث الإنسان في قبره الألوف من السنين، يعد ذلك قليلا في جنب ما يصل ~~إليه من PageV03P248 # * (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان ~~للإنسان عدوا مبينا (53) ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما ~~أرسلناك) * * الخلود. # وعن قتادة قال: إنهم يستحقرون مدة الدنيا في جنب القيامة. # وعن سعيد بن أبي عروبة قال: يقومون فيقولون: سبحانك اللهم وبحمدك. ~~والأولى أن يكون هذا في المؤمنين. # وقال الكلبي: إن الله تعالى يرفع العذاب عن الكفار بين النفختين، وهو ~~أربعون سنة، فإذا حشروا وقد استراحوا تلك المدة قالوا: ما لبثنا إلا قليلا. # قوله تعالى: * (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) في الآية قولان: الأشهر ~~والأظهر أن قوله: * (يقولوا التي هي أحسن) أي: الكفار، وهذا قبل نزوله آية ~~السيف. # قال أهل التفسير: كان المشركون يؤذون المؤمنين، وكان المؤمنون يستأذنون ~~رسول الله في القتال فينهاهم عن ذلك، ويأمرهم بالإحسان في القول، والإحسان ~~في القول هو قولهم للكفار: يهديكم الله. وفي بعض الروايات: أن عمر شتمه بعض ~~الكفار، فأراد أن يقاتله، فأمره رسول الله بالصفح والعفو. # والقول الثاني: في الآية: أن المراد به المؤمنون، وأراد به: أن يقولوا ~~ويفعلوا التي هي أحسن. أي: الخلة التي هي أحسن. # وقيل: المراد منه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. # وقوله: * (إن الشيطان ينزغ بينهم) أي: يفسد بإيقاع العداوة. وقوله: * (إن ~~الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا) أي: عدوا ظاهر العداوة. # قوله ms0894 تعالى: * (ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم) قال: يرحمكم ~~بالتوفيق والهداية، ويعذبكم بالإضلال، وقيل: يرحمكم بالإنجاء من النار، أو ~~يعذبكم بالإيقاع فيه. وقوله: * (وما أرسلناك عليهم وكيلا) أي: كفيلا. قال ~~الشاعر: # ([ذكرت] أبا أروى فبت كأنني * برد الأمور الماضيات وكيل) PageV03P249 # * (عليهم وكيلا (54) وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض ~~النبيين على بعض وآتينا داود زبورا (55) قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم) * * أي: كفيل. # ومنهم من قال معناه: لم يسلطك عليهم بمنعهم من الكفر. # قوله تعالى: * (وربك أعلم بمن في السماوات والأرض) أي: وربك العالم بمن ~~في السماوات والأرض، وهو العالم بأحوالهم وأفعالهم ومقاصدهم. # وقوله: * (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) معناه: أنه اتخذ بعضهم خليلا، ~~وكلم بعضهم، وسخر الجن والإنس والطير والريح لبعضهم، وأحيا الموتى لبعضهم، ~~فهذا معنى التفضيل. # وقوله: * (وآتينا داود زبورا) قالوا: الزبور كتاب يشتمل على مائة وخمسين ~~سورة، كلها تحميد وتمجيد وثناء على الله، ليس فيها أمر ولا نهي ولا حلال ~~ولا حرام. ومعنى الآية: أنكم لما لم تنكروا تفضيل سائر النبيين وإعطائهم ~~الكتب، فلا تنكروا فضل النبي وإعطائه القرآن. فيجوز أن يكون هذا الخطاب مع ~~أهل الكتاب، ويجوز أن يكون مع قوم كانوا مقرين بهذا من مشركي العرب. ~~والزبور مأخوذ من الزبر؛ والزبر هو الكتابة. # وقوله تعالى: * (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه) روي أن المشركين لما ~~قحطوا حتى أكلوا الكلاب والجيف استغاثوا بالنبي، ليدعو لهم؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية: * (قل ادعوا الذين زعمتم) أنهم آلهة * (من دونه) أي: من ~~دون الله. # وقوله: * (فلا يملكون كشف الضر عنكم) أي: كشف الجوع والقحط عنكم. # وقوله: * (ولا تحويلا) أي: لا يملكون نقل الحال، وتحويلا من السقم إلى ~~الصحة، ومن الجدب إلى الخصب، ومن العسر إلى اليسر. # قوله تعالى: * (أولئك الذين يدعون) قرأ ابن مسعود: ' أولئك الذين تدعون ' ~~PageV03P250 # * (أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ms0895 (57) وإن من ~~قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في ~~الكتاب) * * وعنه أنه قال: كان قوم من المشركين يعبدون قوما من الجن، فأسلم ~~الجنيون الذين كانوا يعبدون، وبقي هؤلاء على شركهم؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. معناه: إن الذين كنتم تدعونهم وتعبدونهم * (يبتغون) أي: يطلبون * ~~(إلى ربهم الوسيلة) والوسيلة هي الدرجة الرفيعة في الجنة، وقيل: الوسيلة كل ~~ما يتوسل به إلى الله تعالى أي: يتقرب. # وقوله: * (أيهم أقرب) معناه: ينظرون أيهم أدنى وسيلة، وقيل: أيهم أقرب ~~إلى الله فيتوسلون به، وقيل: الآية في عزير والمسيح وغيرهما، وقيل: الآية ~~في الملائكة؛ فإن المشركين كانوا يعبدون الملائكة، والملائكة عبيد يطلبون ~~إلى الله الوسيلة، وهذا في نفر من المشركين دون جميعهم. # وقوله: * (ويرجون رحمته ويخافون عذابه) يعني: الجنيين الذين أسلموا ~~والملائكة، أو عزيرا والمسيح. # وفي بعض الأخبار عن النبي: ' لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا '. # وقوله: * (إن عذاب ربك كان محذورا) أي: يطلب منه الحذر. قوله تعالى: * ~~(وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة) معناه: وما من قرية إلا نحن ~~مهلكوها فإهلاك المؤمنين بالإماتة، وإهلاك الكفار بالاستئصال والعذاب، وقيل ~~قوله: * (مهلكوها) هذا في حق المؤمنين بالإماتة. # قوله: * (أو معذبوها عذابا شديدا) في حق الكفار. PageV03P251 # * (مسطورا (58)) * * وذكر النقاش في تفسيره بإسناده عن مقاتل بن سليمان ~~قال: وجدت في كتاب ضحاك بن مزاحم - وهو الكتاب المخزون - وقد ذكر فيه ما ~~يهلك الله به أهل كل بلدة، أما مكة فيهلكها الحبشان، وأما المدينة فالجوع، ~~وأما البصرة فالفرق، وأما الكوفة فعدو [سلطه] الله عليهم، وأما الشام ومصر ~~فويل لها من عدوها، وقيل: تخربها الرياح، وأما أصفهان وفارس وكرمان ~~فبالظلمات والصواعق، وكذلك ذكر في أرمينية وأذربيجان، وأما الري، فيغلب ~~عليهم عدوهم من الديلم، وأما الهمذان فيهلكهم عدو لهم فلا همذان بعده، وأما ~~النيسابور فالرعود والبروق والريح، وأما مرو فيغلب عليه الرمل وبهما ~~العلماء الكثير، وأما هراة فيمطرون حيات فتأكلهم، وأما سجستان فتهلك ~~بالريح، وأما بلخ فيغلب عليه الماء فتهلك، وأما ms0896 بخارى فيغلب عليهم الترك، ~~وأما سمرقند وفرغانة والشاش وإسبيجاب وخوارزم فيغلب عليهم بنو قنطورا بن ~~كركرى فيهلكون عن آخرهم، والخبر غريب جدا. وفي بعض الروايات: ' ويل لأهل ~~بغداد يخسف بهم ' والأثر غريب. # وفي بعض المسانيد عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا يهلك الله قوما حتى ~~يظهر فيهم الزنا والربا. # وقوله: * (كان ذلك في الكتب مسطورا) أي: مكتوبا، ومعنى الكتاب: هو اللوح ~~المحفوظ. # وفي الأخبار المشهورة عن النبي أنه قال: ' أول ما خلق الله القلم فقال ~~له: اكتب، فقال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة '. # يقال: سطر إذا كتب. PageV03P252 # * (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) وإذ قلنا لك إن ربك ~~أحاط بالناس وما جعلنا) * * قوله تعالى: * (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ~~أن كذب بها الأولون) الآية. فإن قال قائل: كيف يجوز ألا يرسل الله الآيات ~~لأن الأولين كذبوا بها؟ وما وجه الامتناع عن إرسال الآيات بتكذيب الأولين؟ ~~والسؤال معروف، وهو مشكل. والجواب من وجهين: أحدهما: أن ' إلا ' محذوف، ~~ومثله قول الشاعر: # (وكل أخ مفارقه أخوه * لعمرو أبيك إلا الفرقدان) ومعناه: وما منعنا من ~~إرسال الآيات وإن كذب بها الأولون، يعني: أن تكذيب الأولين لا يمنعنا من ~~إرسال الآيات. # والجواب الثاني - وهو المعروف - وما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحها ~~الكفار، فإنه قالوا للنبي: اجعل لنا الصفا ذهبا، أو بعد عنا هذه الجبال ~~لنزرع الأراضي. # وقوله: * (إلا أن كذب بها الأولون) معنى الاستثناء في إهلاك الأولين حين ~~كذبوا بالآيات المقترحة، وقد حكمنا أن هذه الأمة ممهلة في العذاب، قال الله ~~تعالى: * (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) وتلخيص الجواب: أن الأولين ~~اقترحوا الآيات فلما أعطوا كذبوها فأهلكوا، فلو أعطينا هؤلاء الآيات ~~المقترحة وكذبوا بها عاجلناهم بالعذاب، وقد حكمنا بإمهالهم، والدليل على ~~صحة هذا الجواب أنه قال: * (وآتينا ثمود الناقة مبصرة) أي: آية نيرة مضيئة، ~~أو آية يبصر بها الحق، وقوله: ms0897 * (فظلموا بها) أي: كذبوا بها، فعوجلوا ~~بالعقوبة. فهذا هو المراد، وإن كان غير مذكور. # وقوله: * (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) أي: تحذيرا. # قوله تعالى: * (وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس) قال مجاهد أي هم في ~~قبضته. قال الحسن: حال بينهم وبين أن يقتلوك أو يكيدوك بغير القتل. فهذا ~~معنى الإحاطة. PageV03P253 # * (الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ~~ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (60)) * * وقوله: * (وما جعلنا الرؤيا ~~التي أريناك إلا فتنة للناس) الأكثرون أن هذه الرؤيا هي ليلة المعراج، قاله ~~ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم. # فإن قال قائل: ليلة المعراج كانت رؤية عين لا رؤيا نوم؟ والجواب: أنه قد ~~صح عن عبد الله بن عباس أنه قال في هذه الآية: هي رؤيا عين، أسرى بالنبي ~~تلك الليلة. # * (والشجرة الملعونة) هي شجرة الزقوم. # قال الشيخ الإمام الأجل أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني: أخبرنا أبو ~~علي الشافعي بمكة قال: أنا أبو الحسن بن فراس، قال: أنا أبو جعفر الديبلي، ~~قال: أنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ~~عن عكرمة عن ابن عباس، ذكره البخاري في صحيحه. # وأما ذكر الرؤيا بمعنى الرؤية هاهنا يجوز؛ لأنهما أخذا من معنى واحد. ~~ومنهم من قال: كان له معراجان: معراج رؤية، ومعراج رؤيا. # وأما معنى الفتنة على هذا القول: أن قوما من الذين آمنوا ارتدوا حين ~~سمعوا عن النبي هذا، وفي أصل الآية قول آخر: (وهو) أن الرؤيا المذكورة في ~~الآية هي ' أن النبي رأى في النوم أنه قد دخل مكة، فاستعجل، وسار إلى مكة ~~عام الحديبية محرما بالعمرة، وذكر الصحابة أنه رأى هذه الرؤيا، فلما صد عن ~~مكة حتى احتاج إلى الرجوع افتتن بذلك قوم. PageV03P254 # وفي الخبر المشهور، أن عمر قال لأبي بكر: أليس قد رأى أنه يدخل مكة؟ فقال ~~له أبو بكر: هل قال: إنه يدخل العام؟ قال: لا. قال: سيدخلها.. الخبر إلى ~~آخره. # والقول الثالث في الآية: ms0898 ما حكاه الدمياطي في تفسيره عن ابن عباس قال: ' ~~رأى النبي في منامه كأن أولاد الحكم بن أبي العاص ينزون على منبره نزو ~~القرود - وفي رواية (يتداولون منبره تداول الكرة) - فساءه ذلك، فدعا أبا ~~بكر وعمر وأخبرهما بذلك، ثم سمع أن الحكم بن أبي العاص يحكي الرؤيا، فلم ~~يتهم أبا بكر، واتهم عمر فدعاه، وقال له: لم أفشيت سري؟ فقال: والله ما ~~ذكرته لأحد؟ فقال رسول الله، كيف والحكم يحكي هذا للناس؟! فقال عمر: نجتمع ~~ثانيا حتى أخبرك من أفشاه. قال: فجاء هو وأبو بكر، وقعدا مع الرسول في ذلك ~~الموضع، وجعلوا يذكرون هذا، ثم إن عمر خرج مبادرا، فإذا هو بالحكم يستمع، ~~فذكر ذلك للنبي، فطرده رسول الله من المدينة، ولم يأوه أبو بكر ولا عمر، ~~وما زال طريدا إلى زمن عثمان ' القصة إلى آخرها. هذا هو الرؤيا التي ذكر في ~~الآية. # وقد روي ' أن النبي ما روى مستجمعا [ضاحكا] منذ رأى هذه الرؤيا إلى أن ~~مات. # وأما الشجرة الملعونة فالأكثرون أنها شجرة الزقوم، فإن قيل: أين لعنها في ~~القرآن؟ والجواب: أن المراد من الشجرة الملعونة، أي: الملعون آكلها. وقال ~~الزجاج: العرب تقول لكل طعام كريه: طعام ملعون. فعلى هذا تقدير الآية: * ~~(وما جعلنا الرؤيا التي PageV03P255 # * (وإذ قلنا للملائكة اسجوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت ~~طينا (61)) * * أريناك)، وكذلك ما جعلنا الشجرة الملعونة * (في القرآن) إلا ~~فتنة للناس. # وأما الفتنة في شجرة الزقوم من وجهين: أحدهما: أن أبا جهل قال: إن النار ~~تأكل الشجر، وأن محمدا يزعم أن النار تنبت الشجرة. والوجه الثاني: أن عبد ~~الله بن الزبعري قال: يا قوم، إن محمدا يخوفنا بالزقوم، وما نعرف الزقوم ~~إلا الزبد والتمر، فقال أبو جهل: يا جارية، هلمي فزقمينا. # والقول الثاني: في شجرة الزقوم أنها شجرة الكشوثا التي تلتوي على الشجر ~~فتجففه. والقول الثالث: أن الشجرة الملعونة في القرآن أولاد الحكم بن أبي ~~العاص، وهو مروان وبنوه. # ذكره سعيد بن المسيب، وأنكر جماعة من أهل التفسير هذا القول، ms0899 والله أعلم. # وقوله: * (ونخوفهم) أي: نحذرهم * (فما يزيدهم) أي: ما يزيدهم التخويف * ~~(إلا طغيانا كبيرا) أي: تمردا وعتوا عظيما. # قوله تعالى: * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) قد ذكرنا معنى السجود في ~~سورة البقرة، واختلاف الناس فيه. وقوله: * (فسجوا إلا إبليس قال أأسجد لمن ~~خلقت طينا) معناه: لمن خلقته طينا. وقوله: * (طينا) نصب على الحال أي: في ~~حال طينته، وفي الآية حذف، ومعناه: أأسجد لمن خلقته من طين، وخلقتني من ~~نار، وللنار فضل على الطين، فإن النار تأكل الطين. ولم يعلم الخبيث أن ~~الجواهر كلها من جنس واحد؛ والفضل لما فضله الله تعالى. وفي الطين من ~~المنافع ما يقادم منافع النار، أو يرقى عليها، وللطين من كرم الطبع ما ليس ~~للنار. PageV03P256 # * (قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا (62)) * * وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن الله بعث ~~إبليس حتى أخذ من الأرض قبضة من التراب، وكان فيها المالح والعذب فخلق منها ~~آدم، فمن خلقه من العذب كان سعيدا وإن كان من أبوين كافرين، ومن خلقه من ~~المالح كان شقيا، وإن كان من صلب (بني آدم). # قال ابن عباس فقوله: * (أأسجد لمن خلقت طينا) أي: أأخضع لمن خلقته من ~~طين، وأنا جئت به؟. # قوله تعالى: * (قال أرأيتك هذا الذي) قوله: ' أرأيت ' أي: أخبرني، والكاف ~~لتأكيد المخاطبة. وقوله تعالى: * (هذا الذي كرمت علي) أي: كرمته علي ~~وفضلته. # وقوله: * (لئن أخرتن) أي: أمهلتني * (إلى يوم القيامة) فطمع الخبيث أن ~~ينطر إلى يوم القيامة، وينجو من الموت، فأبى الله تعالى ذلك عليه، على ما ~~قال في سورة الحجر: * (فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم). # وقوله: * (لأحتنكن ذريته) قالوا: لأستأصلنهم؛ يقال: احتنك الجراد الزرع ~~إذا استأصله. ومنهم من قال: هو مأخوذ من حنك الدابة إذا شد في حنكها الأسفل ~~حبلا (رسنا) يسوقها به. # ومعناه: لأسوقنهم إلى المعاصي سوقا، ولأميلنهم إليه ميلا، وقيل: لأستولين ~~عليهم بالإعواء، وقيل: لأضلنهم. # وقوله: * (ذريته) أولاده * (إلا قليلا) والقليل هم الذين قال ms0900 الله تعالى: ~~* (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) فإن قيل: كيف عرف إبليس أن PageV03P257 # * (قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) واستفزز من ~~استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال) * * أكثر ~~ذرية آدم يتبعونه؟ قلنا: الجواب من وجهين: أنه لما رأى انقياد آدم لوسوسته ~~طمع في ذريته. # والثاني: أنه رأى ذلك في اللوح مكتوبا، وعرف كما عرف الملائكة حين قالوا: ~~* (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء). # قوله تعالى: * (قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا) أي: ~~موفرا ومعنى موفرا أي: مكملا وقال الشاعر: # (ومن يجعل المعروف من دون عرضه * يفسره ومن لا يتق الشتم يشتم) قوله ~~تعالى: * (واستفزز) قال الأزهري معناه: وادعوهم دعاء تستفزهم إلى إجابتك، ~~أي: فتستخفهم. # وقيل: استفزز بهم أي: أسرع بهم، وقيل: احملهم على الإغواء. وقوله: * (من ~~استطعت منهم) بينا معنى الاستطاعة، وأنشد الشاعر في معنى الاستفزاز: # (فقلت لها هي فلا تستفزي * ذوات العيون والبيان المحصب) وقوله: * (بصوتك) ~~قال مجاهد: الغناء واللهو، وقال الحسن: الدف والمزمار، وقيل: كل صوت يدعو ~~إلى غير طاعة الله، وقيل: كل كلام يتكلم به في غير ذات الله. # وقوله: * (وأجلب عليهم) أي: اجمع عليهم مكائدك وحيلك، يقال: جلب على ~~العدو إذا جمع عليهم الجيش. وفي المثل: ' إذا لم تغلب فأجلب ' وقيل معناه: ~~أجمع عليهم جيشك وجندك. # وقوله: * (بخيلك ورجلك) كل راكب في معصية فهو من خيل إبليس، وكل ماشي في ~~معصيته فهو في رجل إبليس. والخيل: الراكب، والرجل: المشاة، وفي الخبر: ~~PageV03P258 # * (والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64)) * * ' يا خيل الله، ~~اركبي '. # وقوله: * (وشاركهم في الأموال) كل كسب من حرام، وكل ما أنفق [في] معصية ~~الله، فهو الذي شارك فيه إبليس، وقيل: ما زين لهم من البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام. # وقوله: * (والأولاد) فيه أقوال: قال ابن عباس: الموءودة. # قال مجاهد: أولاد الزنا، وقال غيره: هو تهويدهم وتنصيرهم وتمجيسهم. # وعن ابن عباس في رواية أخرى هو: تسميتهم الأولاد: عبد العزى، وعبد الدار، ~~وعبد ms0901 مناف، وما أشبه ذلك. # وفي بعض المسانيد عن ابن عباس أن رجلا أتاه، وقال: إن امرأتي استيقظت، ~~وكأن في فرجها شعلة نار، قال: ذاك من وطئ الجن. قال: فمن أولادهم؟ قال: ~~هؤلاء المخنثون. # وعن جعفر بن محمد: إن الشيطان يقعد على ذكر الرجل؛ فإذا لم يسم الله أصاب ~~امرأته معه، وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل. وروي قريبا من هذا عن مجاهد. ~~وفي بعض الأخبار عن النبي قال: ' إن فيكم مغربين. قيل: ومن المغربون؟ قال: ~~الذين شارك فيهم الجن '. # وقوله: * (وعدهم) أي: قل لهم: لا جنة ولا نار، وقيل: قل لهم: أن لا بعث. # وقوله: * (وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) الغرور: تزيين الباطل بما يظن ~~أنه حق. وفي بعض التفاسير برواية أنس عن النبي: ' أن إبليس قال: يا رب، ~~لعنتني، وأخرجتني من الجنة لأجل آدم؛ فسلطني عليه وعلى ذريته، فقال الله ~~تعالى: أنت مسلط، فقال: إني لا أستطيعه إلا بك فزدني، فقال: * (واستفزز من ~~استطعت منهم) PageV03P259 # * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65)) * * إلى آخر ~~الآية. فقال آدم: يا رب، أنت سلطت إبليس علي وعلى ذريتي، وإني لا أستطيعه ~~إلا بك فمالي، فقال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظونه، فقال: زدني، ~~فقال: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، فقال: زدني. فقال: التوبة ~~معروضة ما دام الروح في الجسد، فقال: زدني، فقال: * (يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم...) الآية '. وفي هذا الخبر ' أن إبليس قال: يا رب، بعثت ~~أنبياء، وأنزلت كتبا، فما قرآني؟ قال: الشعر. قال: فما كتابي؟ قال: الوشم. ~~قال: فما طعامي؟ قال: كل طعام ما لم يذكر عليه اسم الله. قال: فما شرابي؟ ~~قال: كل مسكر. قال: فما حبائلي؟ قال: النساء. قال: فما آذاني؟ قال المزمار. ~~قال: فما بيتي؟ قال: الحمام. قال: فما منتصبي؟ قال: السوق '. والخبر غريب ~~جدا، والله أعلم. # فإن قال قائل: كيف يأمر الله تعالى بهذه الأشياء، وهو يقول: * (إن الله ~~لا يأمر بالفحشاء) والجواب: أن هذا أمر تهديد ووعيد، وهو مثل ms0902 قوله تعالى: * ~~(اعملوا ما شئتم) وكالرجل يقول لغيره: افعل ما شئت فسترى، ومثل هذا يكثر. # قوله تعالى: * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) قد بينا، وقد قيل إن معناه: ~~ليس لك عليهم سلطان في أن تحملهم على ذنب لا أقبل توبتهم منه. # وقوله: * (وكفى بربك وكيلا) أي: حافظا، أو من يوكل إليه الأمر. ~~PageV03P260 # * (ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما ~~(66) وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم) * * قوله تعالى: * (ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر) أي: يسوق ~~ويسير، قال الشاعر: # (يا أيها الراكب المزجى مطيته * سائل بني أسد ما هذه الصوت) وقوله: * ~~(لكم الفلك في البحر) أي: السفينة في البحر. # * (ولتبتغوا من فضله) أي: لتطلبوا من رزقه. # وقوله: * (إنه كان بكم رحيما) ظاهر. # قوله تعالى: * (وإذا مسكم الضر في البحر) أي: الشدة في البحر، وإنما خص ~~البحر بالذكر؛ لأن اليأس عند وقوع الشدة فيه أغلب. # وقوله: * (ضل من تدعون إلا إياه) أي: بطل وسقط. # وقوله: * (من تدعون) أي: من تدعونه * (إلا إياه) أي: إلا الله، وهذا في ~~معنى قوله تعالى: * (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين). # وقوله: * (فلما نجاكم إلى البر أعرضتم) يعني: عن الإخلاص والالتجاء إلى ~~الله. # وقوله: * (وكان الإنسان كفورا) أي: كافرا. # قوله تعالى: * (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر) الخسف بالشيء: هو تغييبه ~~في الأرض، وقيل: هو ابتلاع الأرض إياه. # وقوله * (جانب البر) أي: طرفا من البر. # وقوله: * (أو يرسل عليكم حاصبا) أي: ريحا ذات حصباء، والحصباء الحجارة. ~~معناه: ريحا ترمي بالحجارة. PageV03P261 # * (حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ~~فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا (69) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم) * * وقال بعض أهل اللغة ms0903 الحاصب: البرد، وقال بعضهم ~~الحاصب: الثلج. قال الفرزدق: # (مستقبلين شمال الريح بطردهم * ذو حاصب كنديف [القطن] منثور) وقوله: * ~~(ثم لا تجدوا لكم وكيلا) أي: من تكلون أمركم إليه فينجيكم؟. # قوله تعالى: * (أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى) أي: في البحر كرة ~~أخرى. وقوله: * (فيرسل عليكم قاصفا من الريح) القاصف: هو الريح التي تكسر ~~كل شيء وصلت إليه. # وقوله: * (فيغرقكم بما كفرتم) أي: بكفركم. # وقوله: * (ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا) أي: ثائرا، وهو طالب الثأر، ~~هكذا قاله الفراء، وقيل: من يتبعنا بالإنكار. # قوله تعالى: * (ولقد كرمنا بني آدم) فيه أقوال: روي عن ابن عباس أنه قال: ~~هو أكلهم باليد، وسائر الحيوانات يأكلون بأفواههم، وقيل: امتداد القامة ~~وانتصابها، والدواب منكبة على وجوهها، وقيل: بالعقل والتمييز، وقيل: بأن ~~سخر جميع الأشياء لهم، وقيل: بأن جعل فيهم خير أمة أخرجت للناس، وقيل: ~~بالخط والقلم. # وقوله: * (وحملناهم في البر والبحر) أي: حملناهم في البر على الدواب، وفي ~~البحر على السفن. # وقوله: * (ورزقناهم من الطيبات) التي رزقها الله تعالى بني آدم في الدنيا ~~معلومة، وقيل: الحلال، وقيل. PageV03P262 # * (على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) يوم ندعو كل أناس بإمامهم) * * ~~(وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) قال أبو النضر محمد بن السائب ~~الكلبي: على كل الخلق سوى طائفة من الملائكة منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~وعزرائيل، وفي تفضيل البشر على الملائكة أو الملائكة على البشر كلام كثير ~~ليس هذا موضعه. وظاهر الآية أنه فضلهم على كثير من خلقه لا على الكل، ويجوز ~~أن يذكر الأكثر، ويراد به الكل، والأولى أن يقال: إن البشر أفضل من ~~الملائكة على تفصيل معلوم، وهو أن عوام المؤمنين الأتقياء أفضل من عوام ~~الملائكة، وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة. وقد قال الله تعالى: * ~~(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) والبرية كل من خلق ~~الله على العموم. # وقوله تعالى: * (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) فيه أقوال: أحدها: بنبيهم، ~~والآخر: بكتابهم، والثالث: بأعمالهم، وعن ابن عباس: إمام هدى وإمام ضلالة، ~~وعن ms0904 سعيد بن المسيب: كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في الخير والشر. وفي الخبر: ~~ينادى يوم القيامة: قوموا يا متبعي موسى، يا متبعي عيسى، يا متبعي محمد، يا ~~متبعي شيطان، يا متبعي كذا وكذا. # وفي جامع [أبي] عيسى الترمذي في هذه الآية: ' أن النبي قال: يعطى المؤمن ~~كتابه بيمينه، ويمد في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه، ويوضع على رأسه تاج من ~~لؤلؤ، فيقبل إلى أصحابه، ويقول لهم: أبشروا؛ فلكل رجل منكم مثل هذا. وأما ~~الكافر فيعطى كتابه بشماله، ويمد في جسمه ستون ذراعا، ويسود وجهه، ويوضع ~~على رأسه تاج من نار، فيقبل (إلى) أصحابه ويقول لهم: أبشروا؛ فلكل رجل منكم ~~مثل هذا '. PageV03P263 # * (فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا (71) ~~ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72) وإن كادوا ~~ليفتنونك عن) * * وقوله تعالى: * (فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون ~~كتابهم) والكتاب: هو صحيفة الحسنات والسيئات. # وقوله: * (ولا يظلمون فتيلا) أي: لا ينقص من حقهم بقدر الفتيل. # والفتيل: هو الذي في شق النواة، وقيل: ما فتل بين الأصابع. # قوله تعالى: * (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) ليس ~~العمى هاهنا هو عمى البصر؛ لأن الناس يحشرون بأتم خلق مصححة الأجساد لخلود ~~الأبد. وفي الخبر عن النبي قال: ' تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما ~~' وقوله: بهما: أي: مصححة الأجساد للخلود. فعلى هذا معنى قوله: * (ومن كان ~~في هذه أعمى) أي: أعمى القلب عن رؤية [الحق] * (فهو في الآخرة أعمى) أي: ~~أشد عمى. # وقيل معناه: من كان في هذه الدنيا بعيدا عن الحق، فهو في الآخرة أبعد، ~~وقيل: من كان في هذه الدنيا أعمى من الاعتبار، فهو في الآخرة أعمى عن ~~الاعتذار. # وقوله: * (وأضل سبيلا) أي: أخطأ طريقا. # قوله تعالى: * (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك) معناه: ليصرفونك ~~عن الذي أوحينا إليك. وسبب نزول الآية أن المشركين قالوا للنبي: اطرد هؤلاء ~~الفقراء عنك حتى نجلس معك ونسلم؛ فهم أن يفعل ثم يدعوهم ms0905 من بعد، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنهما قالا: طلبوا من النبي أن ~~يمس آلهتهم حتى يسلموا ويتبعوه، فقال النبي في نفسه: وما علي أن أفعل ذلك ~~إذا علم الله مني أني كاره له، وكان ذلك خاطر قلب، ولم يكن عزما - فأنزل ~~PageV03P264 # * (الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73) ولولا أن ~~ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74)) * * الله تعالى هذه الآية ' ~~والقول الثالث: أن أهل الطائف لما جاءوا إلى النبي ليسلموا، وكان استصعب ~~عليه أمرهم، وحاصرهم بضع عشرة ليلة، ولم يفتح، فلما جاءوا قالوا للنبي: ~~نسلم بشرط أن لا نركع، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها، وذكروا غير ~~هذا، فقال: ' أما ترك الركوع فلا خير في دين لا ركوع فيه، وأما اللات فلا ~~أترك وثنا بين المسلمين؛ فراجعوه في أمر اللات، وقالوا: لتتحدث العرب زيادة ~~كرامتنا عليك، فسكت النبي، فطمع القوم عند سكوته، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية ' وهذا قول معروف. # وقوله: * (لتفتري علينا غيره) أي: تقول علينا غير ما أنزلناه عليك. ~~وقوله: * (وإذا لاتخذوك خليلا) أي: صاحبا ووديدا. # قوله تعالى: * (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهن شيئا قليلا) معنى كاد ~~أي: قرب، وكدت أي: قربت من الفعل. # وقوله: * (شيئا قليلا) في موضع المصدر كأنه قال: لقد كدت تركن إليهم ~~ركونا. فإن قيل: النبي كان معصوما من الشرك والكبائر، فكيف يجوز أن يقرب ~~مما طلبوه منه؛ والذي طلبوه منه كفر؟ # الجواب من وجهين: أحدهما: أنا نعتقد أن الرسول معصوم من الشرك والكبائر، ~~ونحمل على أن ما وجد منه كان هما من غير عزم، وقد قال النبي: ' إن الله ~~تعالى وضع عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تتكلم به أو تعمل ' وفي الجملة ~~الله PageV03P265 # * (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75)) * ~~* أعلم برسوله من غيره، وقد قال قتادة: لما وقع هذا كان رسول الله يقول بعد ~~ذلك: ' اللهم، لا تكلني إلى نفسي طرفة ms0906 عين '. # والجواب الثاني: وهو أنه قال: * (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن) وقد ثبته ~~ولم يركن، وهذا مثل قوله تعالى: * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) إلى أن ~~قال: * (إلا قليلا) وقد تفضل الله، ورحم، ولم يتبعوا الشيطان. # قوله تعالى: * (وإذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) قال ابن عباس: ضعف ~~عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات. # وقيل: ضعف عذاب الدنيا، وضعف عذاب الآخرة، وقيل: إن الضعف بمعنى العذاب، ~~فكأنه قال: لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، وإنما سمي العذاب ضعفا ~~لتضاعف الألم فيه. # فإن قيل: لم يضاعف العذاب له؟ قلنا: لعلو مرتبته كما يضاعف الثواب له عند ~~الطاعة. وقد قال الله تعالى: * (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين) والمعنى ما بينا. # وقوله: * (ثم لا تجد لك علينا نصيرا) أي: لا تجد من يمنعنا من عذابك. # قوله تعالى: * (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها) الاستفزاز: ~~هو الإزعاج بسرعة. واختلفوا في معنى هذه الآية، فقال بعضهم: إنها نزلت ~~بالمدينة، وسبب نزولها أن يهود قريظة والنضير وبني قينقاع أتوا النبي، ~~وقالوا: يا أبا القاسم، قد علمت أن بلاد الأنبياء هي الشام وهي الأرض ~~المقدسة، ومتى سمعت PageV03P266 # * (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا ~~قليلا (76) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77)) * ~~* بنبي من تهامة؟! فأخرج معنا إلى الشام نؤمن بك وننصرك؛ فهم النبي بالخروج ~~معهم، وضرب بقبته على ثلاثة أميال من المدينة ليخرج؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، والأرض هاهنا هي المدينة، وهذا قول معروف. # وعن قتادة قال: الآية مكية، ومعنى الأرض: أرض مكة، وكان المشركون قد هموا ~~أن يخرجوه منها أو يقتلوه، فأمره الله تعالى بالهجرة، وأن يخرج بنفسه. # وقيل: الأرض جميع الأرض، والإخراج منها هو القتل. # وقوله: * (وإذا لا يلبثون خلفك) وقرئ: ' خلافك ' ومعناه: بعدك * (إلا ~~قليلا) ومعنى القليل على القول الثاني: ما بين خروج رسول الله إلى أن قتلوا ~~ببدر، وعلى القول الأول مدة الحياة. # قوله تعالى: ms0907 * (سنة من قد أرسلناك قبلك من رسلنا) الآية. [انتصبت] السنة؛ ~~لأن معناه: [هذه] السنة كسنة من قد أرسلنا، ثم حذفت الكاف فانتصبت السنة، ~~ومعنى سنة الله هو استئصال القوم بالهلاك إذا أخرجوا الرسول أو قتلوه. # وقوله تعالى: * (ولا تجد لسنتنا تحويلا) أي: تبديلا، وقيل: لعادتنا، ~~ومعناه: ما أجرى الله تعالى من العادة في خلقه. # قوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) اختلفوا في الدلوك: قال ابن ~~[مسعود]: هو الغروب، وقال ابن عباس: هو الزوال، وقد حكي عنهما كلا القولين، ~~وكذلك اختلف التابعون في هذا. وأصل الدلوك من الميل، والشمس تميل إذا زالت ~~أو غربت، وقيل: من الدلك، والإنسان عند الزوال يدلك عينيه لشدة ضوء ~~PageV03P267 # * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا (78)) * * الشمس، ويدلك عينيه عند الغروب، فتبين الشمس لمعرفة ~~جرمها. قال الشاعر: # (مصابيح ليست باللواتي تقودها * نجوم ولا بالآفلات الدوالك) تقول العرب: ~~طريق دوالك إذا كانت ذات شعب. وأولى القولين أن يحمل على الزوال لكثرة ~~القائلين به، فإن أكثر التابعين حملوه عليه، ولأنا إذا حملنا عليه تناولت ~~الآية جميع الصلوات الخمس، فإن قوله: * (لدلوك الشمس) يتناول الظهر والعصر. # وقوله: * (إلى غسق الليل) يتناول المغرب والعشاء. # وغسق الليل: ظهور ظلمته، وقيل: اجتماع سواده. # وقله: * (وقرآن الفجر) أي: صلاة الفجر، واستدل العلماء بهذا على وجوب ~~القراءة في الصلاة حيث سمى الصلاة قرآنا. وقوله: * (إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا) أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. ومعنى تشهده: تحضره. وقد ~~صح برواية الأعمش رحمه الله عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن ~~النبي قال في هذه الآية: ' إن قرآن الفجر - صلاة الفجر - تشهده ملائكة ~~الليل وملائكة النهار '. وقيل معنى قوله: * (مشهودا) أي: أمر الناس بشهودها ~~ليصلوها جماعة. # والصحيح هو القول الأول. # قوله تعالى: * (ومن الليل فتهجد به) يقال: تهجد إذا قام بعد النوم ~~للصلاة، وهجد إذا نام. قال الأزهري: التهجد: إلقاء الهجور، وهو النوم، وعن ~~علقمة والأسود وغيرهما: أنه لا يكون التهجد إلا بعد النوم. ms0908 # وقوله: * (نافلة لك) أي: زيادة لك، قيل: هي زيادة لكل أحد فما معنى ~~PageV03P268 # * (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79)) * * ~~تخصيص النبي بذلك؟ قلنا: لأنه هي تكفير الذنوب لغيره وزيادة له، لأن ذنوبه ~~مغفورة، وقيل: نافلة لك أي: فريضة عليك، وقد كان عليه القيام بالليل فريضة، ~~وقيل: نافلة لك أي: فضيلة لك، وخص بالذكر، ليكون له السبق في هذه الفضيلة؛ ~~وليقتدي الناس به فيها. # وقوله: * (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) أجمع المفسرون أن هذا مقام ~~الشفاعة، وقد ثبت هذا عن النبي. وفي رواية أبي هريرة أن النبي قرأ قوله: * ~~(عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) قال: ' هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي ' ~~وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: ' أنا سيد الأنبياء إذا بعثوا، وأنا ~~وافدهم إذا تكلموا، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا، وأنا إمامهم إذا سجدوا؛ أقول ~~فليسمع، وأشفع فأشفع، وأسأل فأعطي '. # وعن مجاهد أنه قال: يجلسه على العرش، وعن غيره: يقعده على الكرسي بين ~~يديه، وقال بعضهم: يقيمه عن يمين العرش. # وعن حذيفة أنه قال: يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد يسمعهم ~~الداعي، وينفذهم البصر، وهم حفاة عراة قيام، لا يسمع منهم حس، فيقول الله ~~تعالى: يا محمد، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والمهتدى من هديت، ~~تباركت وتعاليت، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، وأنا عبدك بين يديك. قال: ~~فهذا PageV03P269 # * (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا ~~نصيرا (80)) * * هو المقام المحمود. # وعن بعضهم أن المقام المحمود: هو لواء الحمد الذي يعطى النبي وقد ثبت عن ~~النبي، أنه قال: ' شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي '. وقال: ' إن لكل نبي دعوة ~~مستجابة، وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة '. وعنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال: ' لا أزال أشفع حتى يسلم إلي صكاك بأسماء قوم وجبت لهم ~~النار، وحتى يقول مالك خازن النار: ما تركت للنار في أمتك من نقمة '. ~~والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو ms0909 بن عبيد، وهو ضال مبتدع ~~بإجماع أهل السنة. # قوله تعالى: * (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) فيه أقوال: ~~أحدها: أدخلني المدينة مدخل صدق، وأخرج من مكة مخرج صدق، وذكر الصدق لمدح ~~الإخراج، كقوله: * (وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق) فالصدق لمدح القدم، ~~وكذلك قوله: * (في مقعد صدق) لمدح المقعد. وإنما مدح لما يؤول إليه الخروج ~~والدخول من النصر والعز ودولة الدين. # والقول الثاني: أخرجني من مكة، وأدخلني مكة، قاله الضحاك. والقول الثالث: ~~أدخلني في الدين، وأخرجني من الدنيا، والقول الرابع: أدخلني في الرسالة، ~~وأخرجني من الدنيا، وقد قمت بما وجب على من حقها. والقول الخامس: أخرجني ~~يعني من المناهي وأدخلني يعني في الأوامر. # والمشهور هو القولان الأولان. والمخرج بمعنى الإخراج، والمدخل بمعنى ~~الإدخال. PageV03P270 # * (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81)) * * وقوله: * ~~(واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) قال مجاهد: حجة بينة، وقال غيره: ملكا ~~عزيزا، والملك العزيز: هو المؤيد بالقدرة والحجة. # قوله تعالى: * (وقل جاء الحق وزهق الباطل) قال قتادة: الحق: القرآن، ~~والباطل: الشيطان. وقيل: الحق: عبادة الله، والباطل: عبادة الأصنام. وقد ~~ثبت برواية ابن مسعود: ' أن النبي دخل مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون ~~صنما، فجعل يطعنها ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ' ذكره ~~البخاري في الصحيح، قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد أبو المظفر منصور بن ~~محمد السمعاني: أخبرنا به المكي بن عبد الرزاق الكشميهني قال: أنا جدي أبي ~~الهيثم قال: أخبرنا محمد بن يوسف الفربري قال: أخبرنا البخاري قال: أخبرنا ~~علي بن [المديني] قال: أنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي ~~معمر، عن عبد الله بن مسعود الخبر '. # وفي بعض التفاسير: أن النبي كان يشير بيده إلى الصنم فيستلقي الصنم من ~~غير أن يمسه. # وقوله: * (إن الباطل كان زهوقا) أي: ذاهبا. يقال: زهقت نفسه إذا خرجت. # قوله تعالى: * (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة) الآية قيل: إن ' من ' ~~ها هنا للتجنيس لا للتبعيض. ومعناه: وننزل ms0910 القرآن الذي منه الشفاء، وقيل: ~~وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة أي: ما كله شفاء فيكون المراد من البعض ~~هو الكل، كما قال الشاعر: # (أو يعتلق بعض النفوس حمامها *) PageV03P271 # * (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا (82) وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان ~~يئوسا (83)) * * أي: كل النفوس، الحمام: هو الموت. # وأما المراد من الشفاء هو الشفاء من الجهل بالعلم، ومن الضلالة بالهدى، ~~ومن الشك باليقين، وقيل: المراد من الشفاء هو الشفاء من المرض بالتبرك به، ~~وقيل: إن معنى الشفاء هو ظهور دليل الرسالة منه بالإعجاز وعجيب النظم ~~والتأليف. # وقوله: * (ورحمة للمؤمنين) أي: هو بركة وبيان وهدى للمؤمنين. # وقوله: * (ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) معنى زيادة الخسار في القرآن ~~للظالمين: ما كان يتجدد منهم بالتكذيب عند نزوله آية آية، فذلك زيادة ~~الخسار والكفر. # قوله تعالى: * (وإذا أنعمنا على الإنسان) أي: بالصحة، وسعة الرزق، وطيب ~~الحياة، وما أشبه ذلك. # وقوله: * (أعرض) أي: تولى. وقوله: * (ونأى بجانبه) أي: تباعد بجانبه. ~~وقرئ ' وناء بجانبه ' وهذا يقرب معناه من الأول. ومعنى الآية: هو ظهور ~~التضرع والإخلاص في الدعاء والالتجاء إلى الله عند المحنة والشدة، وترك ذلك ~~عند النعمة والصحة. ومعنى التباعد: هو ترك التقرب إلى الله، وما كان يظهره ~~من ذلك عند الضر والشدة. # وقوله: * (وإذا مسه الشر كان يؤسا) أي: آيسا. ومعناه أنه يتضرع ويدعو عند ~~الضر والشدة، فإذا خرت الإجابة يئس، ولا ينبغي للمؤمن أن ييئس من إجابة ~~الله، وإن تأخرت الإجابة مدة طويلة. # وعن بعض التابعين أنه قال: إني أدعو الله بدعوة منذ عشرين سنة ولم يجبني ~~إليها وما آيست منها. قيل: وما تلك الدعوة؟ قال: ترك ما لا يعنيني. # قوله تعالى: * (قل كل يعمل على شاكلته) أي: على جديلته وطبيعته، ومعناه: ~~ما يشاكل خلقه. وصحف بعضهم كل يعمل على جديلته - وهو تصحيف قريب من المعنى ~~- والتصحيف في التفسير. PageV03P272 # * (قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) ويسألونك ms0911 ~~عن) * * وقوله: * (فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا) أي: أوضح طريقا، وأبين ~~مسلكا. # قوله تعالى: * (ويسألونك عن الروح) الآية. روى علقمة عن عبد الله بن ~~مسعود قال: ' كنت مع رسول الله في حرث، وهو متوكئ على عسيب فجاءه قوم من ~~اليهود، وسألوه عن الروح فوقف رسول الله ينظر إلى السماء فعرفت أنه يوحى ~~إليه، وتنحيت عنه، ثم قال: * (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا) وهذا خبر صحيح '. # وعن ابن عباس برواية عطاء ' أن قريشا اجتمعت وقالوا: إن محمدا نشأ فينا ~~بالأمانة والصدق، وما أتهمناه بكذب، وقد ادعى ما ادعى، فابعثوا بنفر إلى ~~اليهود، واسألوهم عنه، فبعثوا بقوم إلى المدينة؛ ليسألوا يهود المدينة عنه، ~~فذهبوا وسألوهم، فقالوا: سلوه عن ثلاثة أشياء: إن أجاب عن اثنين، ولم يجب ~~عن الثالث، فهو نبي، وإن أجاب عن الثلاث، أو لم يجب عن شيء من الثلاثة فليس ~~بنبي، سلوه عن ذي القرنين، وعن فتية فقدوا في الزمن الأول، وعن الروح، - ~~وأرادوا بالذي لا يجيب عنه الروح - فرجعوا وسألوا النبي عن ذلك، وقد اجتمعت ~~قريش فقال: سأجيبكم غدا. ولم يقل: إن شاء الله، فتلبث الوحي أربعين يوما ~~لما أراد الله تعالى، ثم إنه نزل بعد أربعين يوما قوله تعالى: * (ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) ونزل الوحي بقصة (أصحاب) الكهف ~~وقصة ذي القرنين، ونزل بالروح قوله تعالى: * (ويسألونك عن الروح قل الروح ~~من أمر ربي). # واختلفوا في الروح على أقاويل: فروي عن ابن عباس أنه جبريل عليه السلام. ~~وقد قال في موضع آخر * (نزل به الروح الأمين). وعنه أنه قال: خلق في السماء ~~من PageV03P273 # * (الروح قل الروح من أمر ربي) * * جنس بني آدم لهم أيدي وأرجل ليسوا من ~~الملائكة.. وذكره أبو صالح أيضا، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ~~الروح ملك ذو سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان - وفي رواية سبعون ~~لسانا يسبح الله بألسنته كلها. # وعن الحسن البصري: ms0912 إن الروح ها هنا: هو القرآن. وقيل: إنه عيسى عليه ~~السلام. ومعناه أنه ليس كما قال اليهود ولا كما قال النصارى، ولكنه روح ~~الله وكلمته تكون بأمره. # وأصح الأقاويل: أن الروح ها هنا هو الروح الذي يحيا به الإنسان، وعليه ~~أكثر المفسرين. واختلفوا فيه: منهم من قال: هو الدم؛ ألا ترى أن الإنسان ~~إذا مات لم يغب منه إلا الدم، ومنهم من قال: هو تنفس الإنسان من الهواء؛ ~~ألا ترى أن المخنوق يموت لاحتباس النفس عليه، ومنهم من قال: إنه عرض، وقال ~~بعضهم: جسم لطيف يشبه الريح، يجري في تجاويف الإنسان. واستدل من قال إنه ~~جسم [إن] الله تعالى قال: * (بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم ~~الله) وإنما يتصور رزق الأجسام لا رزق الأعراض وتدل عليه أن النبي قال: ' ~~أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلف من ثمر الجنة أو تأكل '. # وروي عن النبي أنه قال: ' إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بأربعة ~~آلاف سنة ' وهذا كله دليل على أن الروح جسم وليس بعرض، وهذا أولى القولين. ~~PageV03P274 # * (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85)) * * وذكر بعض أهل المعاني: أن ~~الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلم والعلو والبقاء، ألا ترى أنه إذا ~~كان موجودا رأت العين وسمعت الأذن، فإذا ذهب الروح فات السمع والبصر، وإذا ~~كان موجودا فالإنسان طيب فإذا خرج أنتن وإذا كان موجودا فيوجد في الإنسان ~~العلم بالأشياء، فإذا فات صار جاهلا، وكذلك توجد فيه الحياة فإذا فات صار ~~الإنسان ميتا، ويوجد فيه العلو واللطافة فات تسفل وكنف. # وأولى الأقاويل في الروح أن يوكل علمه إلى الله. # ويقال: هو معنى يحيا به الإنسان لا يعلمه إلا الله. وذكر القرآن أن الله ~~تعالى لم يخبر أحدا بمعنى الروح، ولا يعلمه غيره. وعن عبد الله بن بريدة ~~أنه قال: إن الله تعالى لم يطلع على معنى الروح ملكا مقربا، ولا نبيا ~~مرسلا، وخرج رسول الله من الدنيا، ولم يعلم معنى الروح، والله أعلم. # وقوله: * (قل الروح من أمر ms0913 ربي) معناه: من علم ربي، وقد قال بعضهم: إن ~~رسول الله علم معنى الروح إلا أنه لم يخبرهم به؛ لأن ترك إخبارهم به كان ~~علما على نبوته. وأيضا لم يخبرهم به؛ لئلا يكون إخباره ذريعة إلى سؤالهم ~~عما لا يعنيهم. # وقوله: * (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) يعني: في جنب علم الله، ويقال: ~~إن هذا خطاب لليهود على معنى أنه قال للنبي: قل لليهود. # وقيل: إنه خطاب للرسول. وقد روي أن اليهود قالوا: قد أوتينا التوراة، ~~وفيها العلم الكثير؛ فأنزل الله تعالى: * (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي) الآية معناه: أن ما أوتيتم من العلم الذي في التوراة قليل في جنب علم ~~الله. PageV03P275 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ ~~نادى ربه نداء خفيا (3)) * * ((تفسير) سورة مريم مكية (و) قد روينا عن ابن ~~مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: ' سورة بني إسرائيل والكهف ومريم وطه من ~~تلادي، وفي رواية: من العتاق الأول '. # وقوله تعالى: * (كهيعص). روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: هذا اسم ~~من أسماء الله تعالى، وحكي عنه أنه قال: (يا الله يا عين صاد)، اغفر لي. ~~وعن الحسن وقتادة: اسم من أسماء السورة. وأما ابن عباس فالمروي عنه: أن كل ~~حرف مأخوذ من اسم، فالكاف مأخوذ من الكافي، ومنهم من قال: من كبير، ومنهم ~~من قال: من كريم، وأما الهاء قال ابن عباس: مأخوذ من الهادي، وأما الياء ~~مأخوذ من حليم، ومنهم من قال: من يمين، ومنهم من قال: من أمين، وقال بعضهم: ~~الياء من ياء النداء، وأما العين فقال ابن عباس: من عليم، وعن غيره: من ~~عزيز. وأما الصادق، قال ابن عباس: من الصادم. وقد بينا قبل هذا أقوالا في ~~الحروف المهجاة في أوائل السور. # وقوله: * (ذكر رحمة ربك عبده زكريا) يعني: هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا، ~~وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير؛ يعني: هذا ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة. # وقوله: * (إذ نادى ربه نداء خفيا) أي: دعا ربه ms0914 دعاء خفيا. وفي بعض ~~الأخبار: ' خير الدعاء الخفي، وخير الرزق ما يكفي '. وفي بعض الأخبار أيضا: ~~' دعوة السر PageV03P276 # * (قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا ~~(4) وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا ~~(5)) * * تفضل دعوة العلانية بسبعين درجة '. # فإن قيل: لم أخفى؟ والجواب من وجوه: أحدها: أنه أفضل، والآخر: لأنه ~~استحيا من الناس أن يدعو جهرا، فيقولون: انظروا إلى هذا الشيخ يسأل على ~~كبره الولد!. ويقال: إنه أخفى، لأنه دعا في جوف الليل، وهو ساجد. # قوله تعالى: * (قال رب إني وهن العظم مني) يعني: رق وضعف من الكبر. قال ~~قتادة: اشتكى سقوط الأضراس. # قوله: * (واشتعل الرأس شيبا) أي: شعر الرأس. والعرب تقول إذا كثر الشيب ~~في الرأس: اشتعل رأسه، وهذا أحسن استعارة، لأنه يشتعل فيه كاشتعال النار في ~~الحطب. # وقوله: * (ولم أكن بدعائك رب شقيا) فيه قولان: أحدهما: أنك عودتني ~~الإجابة، ولم تخيبني، والآخر: ولم أكن بدعائك لي شقيا يعني: لما دعوتني إلى ~~الإيمان آمنت، ولم أشق بترك الإيمان. # وقوله: * (وإني خفت الموالي من ورائي) قال أبو صالح: المراد منه الكلالة. ~~وعن أبي عبيدة: بنو العم. # وقوله: * (ورائي) أي بعدي، وقال أبو عبيدة: ورائي أي: أمامي. والقول ~~الأول أصح. # وفي الشاذ: ' وإني خفت الموالي من ورائي ' أي: قلت. # وقوله: * (وكانت امرأتي عاقرا). العاقر: هي التي لا تلد. # وقوله: * (فهب لي من لدنك وليا). وقوله: * (يرثني) أي: ولدا يرثني. فإن ~~PageV03P277 # * (يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6)) * * قيل: كيف يخاف نبي ~~الله أن يرثه بنو العم والعصبة؟ وأيش معنى هذا الخوف؟! وعن قتادة قال: أي ~~شيء كان على نبي الله زكريا أن يرثه غير ولده؟ # والجواب: أنه اختلف الأقوال في الإرث: فعن ابن عباس: أنه أراد به إرث ~~المال، وهو قول جماعة، وعنه أيضا أن المراد منه: إرث العلم، وهو قول الحسن ~~البصري، وفيه قول ثالث: أنه ميراث الحبورة، فإنه كان رأس الأحبار. # قال الزجاج: والأولى أن يحمل ms0915 على ميراث غير المال؛ لأنه يبعد أن يشفق ~~زكرياء عليه السلام - وهو نبي من الأنبياء - أن يرثه بنو عمه وعصبته مالا، ~~وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' كان زكريا نجارا '. قال الشيخ الإمام الأجل: ~~أخبرنا به أبو الحسن أحمد بن محمد بن النقور، قال أبو القاسم بن حبابة، قال ~~عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال هدبة بن خالد، عن حماد بن ~~سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي... الخبر. خرجه مسلم في ~~الصحيح، ولم يخرجه البخاري؛ لأنه لا يروى عن حماد بن سلمة. # والمراد من الخوف أنه أراد أن يكون وارثه في النبوة والحبورة ولده، وقد ~~قال النبي: ' إذا مات ابن آدم انقطع [عمله] إلا من ثلاثة.. وقال فيها: ولد ~~صالح يدعو له '. # وقوله: * (ويرث من آل يعقوب) قيل: النبوة، وقيل: الملك؛ لأن زكريا كان من ~~بيت الملك. # وقوله: * (واجعله رب رضيا) أي: مرضيا. PageV03P278 # * (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال ~~رب أنى) * * قوله تعالى: * (يا زكريا إنا نبشرك بغلام) معناه: قلنا: زكريا ~~إنا نبشرك. # وقوله: * (بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا) يعني: من تسمى باسمه. ~~فإن قيل: وأي فضيلة له في هذا؟ قلنا: فضيلة التخصيص، وقيل: فضيلة تسمية ~~الله إياه بهذا الاسم. وفي الآية قول آخر: هو أن قوله: * (لم نجعل له من ~~قبل سميا) أي: شبها ومثلا؛ فإنه لم يذنب، ولم يهم بذنب، وما من أحد إلا وقد ~~أذنب أو هم بذنب. وقد روي هذا عن النبي في خبر مسند أنه قال: ' ما من أحد ~~يأتي الله يوم القيامة إلا وقد أذنب أو هم بذنب غير يحيى بن زكريا، ثم أخذ ~~عودا صغيرا من الأرض وقال: ما كان له إلا مثل هذا ' والخبر غريب. ~~PageV03P279 # * (يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك ~~قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) قال رب ms0916 اجعل لي آية ~~قال) * * وقيل في منع الشبهة: أنه لم تلد عاقر من النساء مثله. # قوله تعالى: * (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من ~~الكبر عتيا) أي: يأسا وجفوفا، كأنه شكى نحولة العظم والفحل. # وقرأ ابن مسعود: ' عسيا ' بالسين، والمعنى واحد. # وقيل: كيف سأل الله الولد فلما أجيب قال: * (أنى يكون لي غلام)؟ # والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه كان قال حال الشباب، ثم إنه أجيب في ~~حال الكبر. وهذا قول ضعيف. # القول الثاني: أن معناه: أنى يكون لي غلام؟ يعني: كيف يكون لي غلام؟ ~~أفتردني إلى حال الشباب أو تهب لي الغلام وأنا شيخ؟ وقيل: إنه سأل الولد ~~مطلقا لا من هذه المرأة، فقال: كيف يكون لي الغلام؟ أمن هذه المرأة أو من ~~غيرها؟ # قوله تعالى: * (قال كذلك قال ربك هو علي هين) أي: يسير. # وقوله: * (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا) قد بينا. # قوله تعالى: * (قال رب اجعل لي آية) أي: دلالة. فإن قيل: لم سأل الآية؟ ~~أما صدق الله تعالى حتى يسأل الآية؟. والجواب: أن في القصة: أن الشيطان ~~تمثل له، وقال: إن الذي يجبك ليس هو الله، وإنما هو شيطان يستهزئ بك، ~~فحينئذ سأل الله PageV03P280 # * (آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) فخرج على قومه من المحراب ~~فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) يا يحيى) * * الآية، وقد سأل الآية ~~ليكون زيادة في سكون القلب. # وقوله: * (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) أي: متتابعات، وقيل: ~~فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ألا يتكلم الناس سويا يعني: وأنت سوي لا آفة بك ~~ثلاث ليال. # وفي القصة: أنه لم يقدر أن يتكلم مع الناس، وكان إذا أراد التسبيح وذكر ~~الله يطلق لسانه. # قوله تعالى: * (فخرج على قومه من المحراب) قد بينا معنى المحراب. # وقوله: * (فأوحى إليهم) أي: أومأ إليهم * (أن سبحوا بكرة وعشيا) وروي أنه ~~كان يدور على الأحبار كل يوم بكرة وعشيا، ويأمرهم بالعبادة والصلاة، فلما ~~كان في هذه الأيام جعل يشير، ms0917 ويقال: إنه كتب حتى قرءوا منه. # وقال بعض أهل العلم: إن أخذ لسانه عن الكلام كان عقوبة عليه لما سأل الله ~~تعالى عن الآية بعد أن سمع وعد الله إياه، والله أعلم. # قوله تعالى: * (يا يحيى) قيل: يحيى مأخوذ من قوله: (يا) حي '. وحكى ~~النقاش في تفسيره: أن ' سارة ' كان اسمها ' يسارة ' فسماها جبريل ' سارة '، ~~فقالت: لم نقصت من اسمي حرفا؟ فقال: هو لولد لك يأتي من بعدك، وكان اسم ~~يحيى: ' حي ' في اللوح المحفوظ على معنى أنه حي من كبيرين أيسا من الولد، ~~ثم زيد فيه الياء فصار ' يحيى '. وفي الآية حذف، ومعناه: وهبنا له الولد ثم ~~قلنا: يا يحيى. PageV03P281 # * (خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة وكان ~~تقيا (13) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام عليه يوم ولد ويوم ~~يموت ويوم يبعث) * * وقوله: * (خذ الكتاب بقوة) أي: بجد واجتهاد. # وقوله: * (وآتيناه الحكم صبيا) أي النبوة. هذا قول أكثر المفسرين، وقال ~~قتادة: أعطى النبوة وهو ابن ثلاث سنين. وقيل: المراد من الحكم هو العلم، ~~فقرأ التوراة، وهو صغير. وعن بعض السلف قال: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ، ~~فهو ممن أوتي الحكم صبيا. وفي الآية قول ثالث رواه أبو وائل: وهو أن يحيى ~~قيل له وهو صغير: تعال نلعب، فقال: ما للعب خلقت '. فهو معنى قوله تعالى: * ~~(وآتيناه الحكم صبيا). # قوله تعالى: * (وحنانا من لدنا) أي: رحمة من عندنا، قال الشاعر: # (أبا منذر (أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض) هو مأخوذ ~~من التحنن وهو التعطف. # وقوله: ' وزكاة ' أي ' طهارة وتوفيقا، وقيل: إخلاصا. # وقوله: * (وكان تقيا). وصفه بالتقوى؛ لأنه لم يذنب، ولم يهم بذنب. # وقوله: * (وبرا بوالديه) أي: عطوفا. # وقوله: * (ولم يكن جبارا عصيا) الجبار هو الذي يقتل على وقوله تعالى: * ~~(وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) خص هذه الأحوال بهذه ~~الأشياء، لأن هذه الأحوال أوحش شيء فإنه عند الولادة يخرج من بطن ~~PageV03P282 # * (حيا (15) واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من ms0918 أهلها مكانا شرقيا (16) ~~فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت ~~إني أعوذ) * * الأم على وحشة شديدة، ويموت على وحشة شديدة، ويبعث على وحشة ~~شديدة. ومعنى السلام هو: الأمان في هذه المواضع. # قوله تعالى: * (واذكر في الكتاب مريم إذا انتبذت من أهلها) أي: تنحت ~~واعتزلت. وقوله: * (من أهلها) أي: من قومها. # وقوله: * (مكانا شرقيا) أي: من جانب المشرق، ويقال: كان يوما شاتيا شديد ~~البرد، فذهبت إلى مشرقه تفلي رأسها. وروي أنها كانت طهرت من الحيض فذهبت ~~لتغتسل. # قوله تعالى: * (فاتخذت من دونهم حجابا) اختلف القول في هذا الحجاب: أحد ~~الأقوال: أنه وراء جدار، وقيل: وراء جبل، والقول الثالث: وراء ستر. وروي ~~أنها كانت تجردت لتغتسل. # وقوله: * (فأرسلنا إليها روحنا) الأكثرون على أنه جبريل عليه السلام، ~~وفيه قول آخر: أن المراد من الروح عيسى عليه السلام، جاء في صورة بشر، ~~وحملت به، والصحيح هو القول الأول. # قوله تعالى: * (فتمثل لها بشرا سويا) في القصة: أنه جبريل جاء في صورة ~~غلام أمرد وضىء الوجه، (له) جعد قطط. # قوله تعالى: * (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) يعني: أستجير ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا. فإن قيل: إنما يستعاذ بالرحمن من الشخص إذا كان ~~فاجرا، فأما إذا كان متقيا لا يكون محل الاستعاذة منه؛ لأنه متقي لا يقدم ~~على الفجور، والجواب عنه: أن هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلمني، ~~يعني أنه ينبغي أن PageV03P283 # * (بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما ~~زكيا (19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) قال كذلك ~~قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21) ~~فحملته فانتبذت به) * * يكون إيمانك مانعا من الظلم. كذلك هاهنا معناه: ~~ينبغي أن يكون تقواك مانعا من الفجور وقيل: إنها شكت في حاله، فقالت ما ~~قالت على الشك، والقول الثالث: إن كنت متقيا يعني: ما كنت متقيا جئت دخلت ~~علي في هذه الحالة، وهذا ms0919 مثل قوله تعالى: * (قل إن كان للرحمن ولد) أي: ما ~~كان للرحمن ولد. وعن بعض السلف أنه قال: إن كنت متقيا علمت أن التقى ذو ~~نهية أي: ذو عقل؟ فلهذا قالت: إن كنت تقيا. # قوله تعالى: * (قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك). وقرئ: ' ليهب لك ' ~~فقوله: * (لأهب) أضاف إلى نفسه، لأنه أرسل بالموهوب على يده، وقوله: ' ليهب ~~' أي: ليهب الله لك. وقوله: * (غلاما زكيا) أي: طاهرا صالحا. # قوله: * (قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر) أي: زوج. * (ولم أك ~~بغيا) أي: زانية ومعناه: إن الولد يكون من نكاح أو سفاح، وليس هاهنا واحد ~~منهما. # قوله تعالى: * (قال كذلك قال ربك هو علي هين) أي: يسير. # وقوله: * (ولنجعله آية للناس) أي: علامة للناس ودلالة. # قوله: * (ورحمة منا) أي: ونعمة منا. # وقوله: * (وكان أمرا مقضيا) أي: محكوما [محتما] لا يرد ولا يبدل. # قوله تعالى: * (فحملته) في القصة: أن جبريل عليه السلام نفخ في جيب ~~درعها، وفي رواية: في كم قميصها، وفي رواية: في فيها، فحملت بعيسى في ~~الحال، وأخذ يتحرك في البطن. PageV03P284 # * (مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل ~~هذا وكنت) * * وقوله: * (فانتبذت) أي: فتنحت وتباعدت * (به مكانا قصيا) أي: ~~شاسعا بعيدا. # قال ابن عباس: كان الحمل والولادة في ساعة واحدة. # وقال غيره: حملت به ثمانية أشهر، وولدت لها، ولا يعيش ولد في العالم يود ~~لثمانية أشهر، وكان هذا معجزة لعيسى. # وفي القصة عن مريم أنها قالت: كنت إذا خلوت جعل عيسى يحدثني، وأنا أحدثه ~~وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس، وتكلمت معهم أخذ يسبح وأسمع تسبيحه. # قوله تعالى: * (فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة) وقال أهل اللغة: جاءها ~~وأجاءها بمعنى واحد، كما يقال: أذهبته وذهبت به. قال مجاهد: فأجاءها أي: ~~فألجأها. وفي حرف ابن مسعود: ' فأداها المخاض إلى جذع النخلة '. وفي بعض ~~القراءة: ' فاجأها ' من المفاجئة، قال الشاعر: # (وجار سار معتمدا عليكم * فاجاءته المخافة والرجاء) والمخاض: وجع ~~الولادة. فإن قال قائل: لم التجأت إلى ms0920 جذع النخلة؟ والجواب عنه: لتستظل ~~بها، والأصح أنها التجأت إلى النخلة، لتستند إليها، أو لتتمسك بها، فتستعين ~~بذلك على وجع الولادة. والدليل على أن هذا القول أصح، أو أنه من المشهور أن ~~النخلة كانت يابسة لا رأس لها، وقيل: كانت نخرة مجوفة، ومثل هذا لا يستظل ~~بها والصحيح هو القول الثاني. وعن السدي أنه قال: كانت النخلة يابسة، فلما ~~هزت النخلة حييت، وأورقت وأطلعت ثم صار الطلع بلحا، ثم زهوا ثم أرطبت، ~~وتساقطت عليها. # وقوله تعالى: * (قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا) PageV03P285 # * (نسيا منسيا (23) فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا ~~(24) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) فكلي واشربي وقري ~~عنيا فإما ترين) * * النسي في اللغة: كمل ما (إذا) ألقي لم يذكر ونسي؛ ~~لحقارته وخساسته. وقوله: * (نسيا) أي: متروكا. وعن ابن عباس قال: معناه: يا ~~ليتني لم أخلق، ولم أك شيئا. وعن قتادة: لم أعرف ولم أذكر. وعن مجاهد قال: ~~دم حيضة ملقاة. # فإن قيل: لم تمنت الموت؟. والجواب: أنها تمنت الموت استحياء من قومها. ~~ويقال: إنها تمنت الموت، لأنها علمت أن الناس يكفرون بسبب ابنها وبسببها، ~~فتمنت الموت حتى لا يعصى الله بسببها وبسبب ابنها. # قوله تعالى: * (فناداها من تحتها) قرىء: ' من ' بالفتح والكسر، فأما من ~~قرأ بالفتح فحمل الآية على أن المنادي كان جبريل. وهذا قول ابن عباس وقتادة ~~وجماعة، وأما من قرأ بالكسر فحمل على أن المنادي هو عيسى. وهذا قول الحسن ~~ومجاهد، وأظهر القولين أن المنادي هو جبريل، ويجوز أن تحمل القراءتان على ~~ذلك. # وفي القصة: أن مريم كانت على أكمة، فكان جبريل وراء الأكمة تحتها. # وقوله: * (ألا تحزني). ألا تغتمي بالولادة من غير زوج وبالوحدة. # وقوله: * (قد جعل ربك تحتك سريا) أكثر المفسرين أن السري هاهنا هو: ~~النهر، ويسمى سريا؛ لأنه يسري فيه الماء، وقال إبراهيم النخعي: هو نهر ~~صغير. # وفي القصة: أنه كان هناك نهر يابس فأجرى الله تعالى فيه الماء، والدليل ~~على صحة هذا القول ms0921 أن الله تعالى قال في الآية الأخرى: * (فكلي واشربي) أي: ~~كلي من الرطب، واشربي من النهر، وقال الشاعر في السري بمعنى النهر: # (سهل الخليفة ماجد ذي نائل * مثل السري عدة الأنهار) وفي السري قول آخر، ~~وهو أنه بمعنى: الشريف، والمراد به. عيسى. قال بعض المتأخرين: PageV03P286 # * (من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) ~~فأتت به) * * (إن السري إذا سرى بنفسه * وابن السري إذا سرى أسراهما) قوله ~~تعالى: * (وهزي إليك بجذع الخلة) قد بينا هذا من قبل، وذكرنا أنها هزت ~~وأورقت وأثمرت. # وقوله: * (تساقط عليك رطبا) أي: تتساقط، فأدغمت إحدى التاءين في الأخرى. # والجني: هو الذي بلغ الغاية، وجاء أوان اجتنائه. # قال الكلبي: رطبا بغباره. وعن ابن المسيب بن دارم قال: كان برنيا، وهي ~~أشبع التمر. وعن محمد بن كعب قال: كان عجوة. # قوله تعالى: * (فكلي واشربي) أي: كل من الرطب، واشربي من النهر. # وقوله: * (وقري عينا) أي: طيبي نفسا. ومنه قولهم: أقر الله عينك، وقيل: ~~[أن] العين إذا بكت من السرور بالدمع يكون باردا، وإذا بكت من الحزن يكون ~~حارا، فمن هذا: أقر الله عينك، وأسخن الله عينه. # وقوله: * (فإما ترين) معناه: فإما ترين، وذكر النون للتأكيد. # وقوله: * (من البشر أحدا) معلوم المعنى. # وقوله: * (فقولي إني نذرت للرحمن صوما) قرىء في الشاذ: ' صمتا '. ~~والمعروف: ' صوما ' ومعناه هو: صمت، ويقال: إنها صامت عن الكلام والطعام ~~جميعا، وقيل: كان الرجل من بني إسرائيل إذا اجتهد في العبادة صام عن الكلام ~~والطعام جميعا. # والنذر عقد على البر لو تم أمر. # وقوله: * (فلن أكلم اليوم إنسيا) أي: أحدا. فإن قيل: هي تكلمت بهذا، فكيف ~~تكون صائمة عن الكلام؟ # قلنا: أذن لها في هذا القدر من الكلام. PageV03P287 # * (قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ما ~~كان أبوك امرأ) * * قوله تعالى: * (فأتت به قومها تحمله) في القصة أنها ~~ولدت ثم (حملته) في الحين إلى قومها، وفي بعض الروايات: أنها حملته إلى ~~قومها بعد أربعين يوما من ولادتها. ms0922 # وقوله: * (قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا) قال مجاهد: عظيما منكرا، ~~وقال أبو عبيدة: عجبا. وقيل: مختلقا مفتعلا. وقد روي أنها لما أتت بعيسى ~~إلى قومها وأهل بيتها حزنوا حزنا شديدا - وكانوا أهل بيت صالحين - وظنوا ~~بها الظنون. # قوله تعالى: * (يا أخت هارون) يا شبيهة هارون. قال قتادة: وكان هارون ~~رجلا عابدا في بني إسرائيل، وليس هو هارون أخو موسى، فشبهوها به على معنى ~~أنا ظننا وحسبنا (أنك في) الصلاح مثل هارون، وهذا مثل قوله تعالى: * (إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين) أي: أشباه الشياطين. # وعن كعب: أن هارون كان من أعبد بني إسرائيل وأمثلهم، قال: ولما توفي صلى ~~على جنازته أربعون ألفا، كلهم يسمون هارون سوى سائر الناس، وكانوا يسمون ~~أولادهم باسمه لحبهم إياه. # وروى المغيرة بن شعبة ' أن النبي لما (بعثه) إلى نجران قال له نصارى ~~نجران: إنكم تقرءون: يا أخت هارون! بين مريم وهارون كذا وكذا من السنين، ~~فلم يدر المغيرة كيف يجيب، فلما رجع إلى النبي ذكر ذلك له، فقال: ألا قلت ~~لهم: كانوا يسمون باسم أنبيائهم وصالحيهم '. رواه مسلم في صحيحه. # وفي الآية قول آخر: وهو أن المراد بهارون: أخو موسى، وهذا كما يقول ~~القائل: PageV03P288 # * (سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في ~~المهد صبيا) * * أخا تميم، أو يا أخا ثعلب، إذا كان من أولاده، وقد كانت ~~مريم من أولاد هارون. والقول الثالث: أن هارون كان رجلا فاسقا في بني ~~إسرائيل عظيم الفسق، فشبهوها به. # وفي الآية قول رابع: أن هارون كان أخا مريم لأبيها، فعلى هذا المراد من ~~الأخوة في النسب. # وقوله: * (ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) أي: زانية. ومعناه: ~~كيف جئت مفسدة زانية من أبوين صالحين؟ # قوله تعالى: * (فأشارت إليه) معناه: فأشارت إليه أي: كلموه. قال ابن ~~مسعود: لما لم يكن لها حجة أشارت إليه؛ لتبرىء ساحتها، ويكون كلامه حجة ~~(لها). # وفي القصة: أنها لما أشارت إليه غضب القوم، وقالوا: مع ما فعلت تهزئين ms0923 ~~وتسخرين بنا. # وقوله تعالى: * (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا) فإن قيل: أيش معنى ~~قوله: * (كان في المهد صبيا)، وما من رجل من العالم إلا كان في المهد ~~صبيا؟! والجواب عنه: قال أبو عبيدة: كان صلة، ومعنى الآية: كيف نكلم صبيا ~~في المهد؟. وقال الزجاج: هذا على طريق الشرط، أي: من هو صبي في المهد كيف ~~نكلمه؟. # ومعنى ' كان ': هو، أو معنى ' كان ': صار، وهذا اختيار [ابن] الأنباري. # قوله تعالى: * (قال إني عبد الله) في التفسير: أن مريم لما أشارت إليه ~~فكان يرتضع من ثديها فترك الثدي، وأقبل على (القوم، واتكأ على) يساره، وجعل ~~يشير بيمينه، وقال هذا القول. # وقوله: * (إني عبد الله) أقر بالعبودية أولا؛ لئلا يتخذ إلها. ~~PageV03P289 # (* (29) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا ~~أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم ~~يجعلني جبارا شقيا) * * وقوله: * (آتاني الكتاب). أي: الإنجيل. والأكثرون ~~على أنه أوتي الإنجيل وهو صغير طفل؛ إلا أنهم قالوا: كان يعقل عقل الرجال. ~~هذا قول الحسن وغيره من السلف، وعن الحسن أنه قال: جعل نبيا، وأوتي ~~الإنجيل، وهو في بطن أمه. # وقال بعضهم: * (آتاني الكتاب) أي: سيؤتيني الكتاب، ويجعلني نبيا إذا صرت ~~رجلا. والصحيح هو الأول. وقال بعضهم: كان في ذلك الوقت على وصف آدم في ~~العقل والعلم دون القامة والجثة. # وعن سعيد بن جبير قال: أسلمته أمه إلى المعلم، فقال المعلم: قل بسم. ~~فقال: الله. فقال: قل: الرحمن. قال: الرحيم. فجعل كلما ذكر اسما ذكر هو ~~الذي يليه، فقال المعلم: هذا أعلم مني، ثم جعل يخبر الصبيان بما خبأت ~~أمهاتهم في البيوت، فجعل الصبيان يرجعون إلى بيوتهم ويأخذونها، فضجت ~~الأمهات من ذلك. # فقوله: * (وجعلني مباركا) أي: نفاعا معلما للخير، وقال الضحاك: قضاء ~~للحوائج. # وقال الثوري: آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر. # وقوله: * (أينما كنت) أي: حيث كنت. # وقوله: * (وأوصاني بالصلاة والزكاة) أي: أمرني بالصلاة والزكاة. فإن قيل: ~~لم يكن لعيسى مال، فكيف يؤمر بالزكاة؟ والجواب: أن معناه ms0924 أمرني بالزكاة لو ~~كان لي مال، وقيل: أمرني بالزكاة أي: بالطهارة من الذنوب، ويقال: ~~بالاستكثار من الخير. # وقوله: * (ما دمت حيا) أي: ما حييت. # قوله تعالى: * (وبرا بوالدتي) أي: رؤوفا وعطوفا بوالدتي. PageV03P290 # (* (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن ~~مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35)) * * وقوله: * (ولم يجعلني جبارا ~~شقيا) الجبار: المتكبر، والشقي هو الذي يعصي الله، ويقال: الجبار هو الذي ~~يقتل، ويضرب على الغضب، وهذا قول معروف، ويقال: الجبار هو الذي يظلم الناس، ~~والشقي هو الذي يذنب، ولا يتوب من الذنب. # قوله تعالى: * (والسلام علي يوم ولدت) معناه: التحية والحفظ من الله لي ~~يوم ولدت * (ويوم أموت ويوم أبعث حيا) وقال بعضهم: السلام بمعنى السلامة ~~عند الولادة، هو السلامة من طعن الشيطان وهمزه، والسلامة عند الموت هو من ~~الشرك، فإن أكثر الشرك يكون عند الموت، والسلامة يوم القيامة من الأهوال. # وقيل: السلامة عند الموت من ضغطة القبر، وقيل: سلامة عند الموت بالوصول ~~إلى السعادة. # قوله تعالى: * (ذلك عيسى ابن مريم) يعني: هذا عيسى ابن مريم * (قول الحق ~~الذي فيه يمترون). يعني: هذا القول هو القول الحق، وقوله * (الذي فيه ~~يمترون) أي: يختلفون. # قوله تعالى: * (ما كان لله أن يتخذ من ولد) معناه: ما يصلح لله، وما ~~ينبغي أن يتخذ من ولد. فإن قيل: هلا قال ولدا؟ قلنا: قال من ولد للمبالغة؛ ~~فإن الرجل قد يقول: ما اتخذ فلان فرسا يريد العدد، وإن كان قد اتخذ واحدا. ~~فإذا قال: ما اتخذ فلان من فرس، يكون ذلك نفيا للواحد والعدد. وقد بينا أن ~~الولد يكون من جنس الوالد، والله لا جنس له. # وقوله سبحانه: * (إذا قضى أمرا) قد بينا معنى القضاء. # وقوله: * (فإنما يقول له كن فيكون) قد ذكرنا أيضا. PageV03P291 # * (وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من ~~بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع ms0925 بهم وأبصر يوم يأتوننا ~~لكن) * * قوله تعالى: * (وإن الله ربي وربكم). أكثر المفسرين أن هذا بناء ~~على قول عيسى عليه السلام، ومعناه: قال إني عبد الله... إلى آخره، وقال: إن ~~الله ربي وربكم، وأما أن بالفتح معناه: وأخبر بأن الله ربي وربكم، وقيل ~~تقديره: ولأن الله ربي وربكم، فاعبده، والعامل قوله: * (فاعبدوه). # وقوله: * (فاعبدوه هذا صراط مستقيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فاختلف الأحزاب من بينهم) قال قتادة وابن جريج وغيرهما: ~~لما رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، اختار بنو إسرائيل أربعة من رؤوسهم، ~~وسألوهم عن عيسى، فاختلفوا، فقال أحدهم: كان هو الله نزل من السماء، وصار ~~في بطن مريم، وأحيا وأمات، ثم صعد إلى السماء. فقال الآخرون: كذبت، وهذا ~~قول اليعقوبية من النصارى. # وقال الثاني: كان هو ابن الله، فقال الآخران: كذبت. وهذا قول النسطورية ~~من النصارى. # وقال الثالث: كان ثالث ثلاثة: الله ومريم وعيسى، فعيسى أحد الأقانيم ~~الثلاثة، وهذا قول الملكانية من النصارى، قال الرابع: كذبت. ثم إن الرابع ~~قال: هو عبد الله ورسوله، وتبع كل واحد جماعة فاقتتلوا، وظهر على المسلمين، ~~وبقي الأقوال الثلاثة من النصارى. فهذا معنى قوله تعالى: * (فاختلف الأحزاب ~~من بينهم). # وقوله: * (فويل للذين كفروا). قد بينا معنى الويل. # وقوله: * (من مشهد يوم عظيم) يعني: يوم القيامة. # قوله تعالى: * (أسمع بهم وأبصر) يعني: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة. ~~وإنما PageV03P292 # * (الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر ~~وهم في غفلة) * * وصفهم بهذا؛ لأنه تعالى كان وصفهم بالبكم والعمي والصمم ~~في الدنيا، فأخبر أنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة، ما لم يسمعوا ويبصروا في ~~الدنيا. ويقال: وصفهم بشدة السمع والبصر في الآخرة بحصول الإدراك بغير رؤية ~~ولا فكر. # وقوله: * (يوم يأتوننا) ظاهر المعنى. # وقوله: * (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين) أي: خطأ بين. # ويقال قوله: * (أسمع بهم وأبصر) تهديد ووعيد ومعناه: أنهم يسمعون ما تصدع ~~قلوبهم، ويرون ما يهلكهم. # وقوله تعالى: * (وأنذرهم يوم الحسرة) معناه: يوم الندامة، ويقال: كل ~~الناس يندمون يوم القيامة؛ أما ms0926 المسئ فيندم هلا أحسن، وأما المحسن فيندم ~~هلا ازداد (حسنا). وأما قول أكثر المفسرين في الآية: هذه الحسرة حيث يذبح ~~الموت على الصراط، وقد صح الخبر برواية أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري عن ~~النبي، أنه قال: # ' إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ينادي مناد: يا أهل ~~الجنة، فيشرفون وينظرون، وينادي: يا أهل النار، فيشرفون وينظرون؛ فيؤتى ~~بالموت على صورة كبش أملح، فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعرفه، هذا ~~هو الموت فيذبح '. وفي رواية أبي هريرة: ' يذبح على الصراط ' ثم يقال: يا ~~أهل الجنة خلود (ولا موت)، ويا أهل النار، خلود فلا موت '. وفي بعض ~~الروايات: ' لو مات أهل الجنة لماتوا فرحا، ولو مات أهل النار لماتوا حزنا، ~~ثم قرأ النبي: * (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر).. الآية '. PageV03P293 # * (وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) ~~واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من ~~العلم ما لم يأتك فاتبعني) * * وقوله: * (قضي الأمر) أي: فرغ من الأمر. # وقوله: * (وهم في غفلة) معناه: وهم في غفلة في الدنيا عما يعمل بهم في ~~الآخرة. # وقوله: * (وهم لا يؤمنون) أي: لا يصدقون. # قوله تعالى: * (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها) الآية. معناه: إنا نميت ~~سكان الأرض، ونهلكهم، فتكون الأرض ومن عليها لنا وفي حكمنا. ومعنى الإرث: ~~هو أنه لا يبقى لأحد ملك ولا سبب سوى الله. # قوله: * (وإلينا يرجعون) أي: يردون. # قوله تعالى: * (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا) الصديق هو: ~~الكثير الصدق، القائم عليه. ويقال: من صدق الله في وحدانيته، وصدق أنبياءه ~~ورسله، وصدق بالبعث، وقام بالأوامر فعمل بها؛ فهو صديق. # وقوله: * (نبيا) النبي هو: العالي في الرتبة بإرسال الله إياه، وإقامة ~~الدليل على صدقه. # قوله تعالى: * (إذ قال لأبيه يا أبت) معناه: يا أبي، فأقيمت التاء مقام ~~ياء الإضافة. # وقوله: * (لم تعبد ما ms0927 لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا) أي: لا يسمع ~~إن دعوته، ولا يبصر إن أتيته * (ولا يغني عنك شيئا) لا يدفع عنك، ومعناه: ~~لا يغيثك إن استغثت به. # قوله تعالى: * (يا أبت إني قد جاءني ما لم يأتك) أي: من العلم والمعرفة ~~بالله ما لم يأتك. PageV03P294 # * (أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن ~~عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) ~~قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) ~~قال سلام) * * (فاتبعني أهدك) أرشدك * (صراطا سويا) مستقيما. # قوله تعالى: * (يا أبت لا تعبد الشيطان) معناه: لا تطع الشيطان فيما يزين ~~لك من الكفر والشرك. # وقوله: * (إن الشيطان كان للرحمن عصيا) أي: عاصيا. # قوله تعالى: * (يا أبت إني أخاف) الخوف ها هنا بمعنى: العلم، ومعناه: إني ~~أعلم أنه * (يمسك عذاب من الرحمن) إن أقمت على الكفر. # * (فتكون للشيطان وليا) يعني: يلزمك ولاية أي: موالاة الشيطان وتكون ~~مثله. وقيل: فتوكل إلى الشيطان، ويخذلك الله. # قوله تعالى: * (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) في القصة: أن أبا ~~إبراهيم كان ينحت الصنم ويعبده، وكان يعطي الأصنام بنيه يبيعونها، فكان إذا ~~أعطى إبراهيم صنما يبيعه، فيقول إبراهيم: من يشتري مني ما يضره ولا ينفعه؟! ~~فيرجع وما باع، ويرجع سائر البنين وقد باعوا. # وقوله: * (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) يقال: رغب عن الشيء إذا ~~تركه، ورغب (في الشيء إذا طلبه). # وقوله: * (لئن لم تنته) يعني: عن عملك. * (لأرجمنك). قال الحسن البصري: ~~لأقتلنك بالحجارة، وقال غيره: لأشتمنك، ولأبعدنك عن نفسي بالشتم والقبح من ~~القول '، وهذا أعرف القولين. وقوله: * (واهجرني مليا) قال الحسن: زمانا ~~طويلا. وقال عكرمة: دهرا. PageV03P295 # * (عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون من دون ~~الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48) فلما اعتزلهم وما يعبدون ~~من دون) * * قال مهلهل شعرا: # (فتصدعت صم الجبال لموته * وبكت عليه المرملات مليا) ومنه: ms0928 الملوان هو ~~الليل والنهار. ويقال: مليا أي: سليما سويا من عقوبتي وإيذائي، وحكي هذا عن ~~ابن عباس، ومنه: فلان ملي بأمر كذا، إذا كان كاملا فيه. # قوله تعالى: * (قال سلام عليك). # قال بعضهم: هذا سلام هجران ومفارقة. وقال بعضهم: هو سلام بر ولطف، وهو ~~جواب حليم لسفيه، قال الله تعالى: * (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما). # ويقال: معنى قوله: * (سلاما) أي: سلامة لك مني؛ لأنه لم يكن أمر بقتاله. # وقوله: * (سأستغفر لك ربي). فيه قولان: أحدهما: سأستغفر لك ربي إن آمنت، ~~والقول الثاني: سأسأل الله لك التوبة التي توجب المغفرة، وقد كانت توبته هي ~~الإيمان. وقوله: * (إنه كان بي حفيا) أي: عودني الإجابة لدعائي. وقيل: ~~محبا. # قوله تعالى: * (وأعتزلكم) [هذا الاعتزال] هو: تركهم في مهاجرته إلى الشام ~~على ما قال في موضع آخر: * (وقال إني مهاجر إلى ربي). # وقوله: * (وما تدعون من دون الله) أي: تعبدون من دون الله. # وقوله: * (وأدعو ربي) أي: وأعبد ربي. # وقوله: * (عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا) عسى من الله واجب، والدعاء بمعنى ~~العبادة، والشقاوة: الخيبة من الرحمة. # قوله تعالى: * (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق) ~~PageV03P296 # * (الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من ~~رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا ~~وكان رسولا نبيا) * * (ويعقوب) هو ابن إسحاق. # ومعناه: أنا أعطيناه أولادا كراما بررة عوض الذين كان يدعوهم إلى عبادة ~~الله فلم يجيبوا. # وقوله: * (وكلا جعلنا نبيا) يعني: إسحاق ويعقوب. # * (ووهبنا لهم من رحمتنا) يعني: أنعمنا عليهم، وأعطيناهم من كرامتنا ~~ونعمنا. # وقوله: * (وجعلنا لهم لسان صدق عليا) أي: ثناء حسنا إلى يوم القيامة، وقد ~~بينا أن كل أهل الأديان يتولون: إبراهيم، فهو الثناء الحسن إلى يوم ~~القيامة. # قوله تعالى: * (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا) وقرئ: ' مخلصا ' ' ~~مخلصا ' بالفتح والكسر، فبالكسر أي: موحدا لله وبالفتح أي: مختارا من الله ~~تعالى. وقيل: مخلصا أي: خالصا، وهو مثل قوله تعالى: * (ورجلا سلما لرجل) ~~أي: ms0929 خالصا لرجل. # وقوله: * (وكان رسولا نبيا). قيل: الرسول والنبي واحد، وقد فرق بينهما، ~~وقد بينا من قبل. # قوله تعالى: * (وناديناه من جانب الطور الأيمن) الطور: جبل بين مصر ~~ومدين، ويقال: اسمه الزبير. # وقوله: * (الأيمن) وقيل: يمين الجبل، وقيل: يمين موسى، والأصح يمين موسى؛ ~~لأن الجبل ليس له يمين ولا شمال. PageV03P297 # (* (51) وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من ~~رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد ~~وكان رسولا نبيا) * * وقوله: * (وقربناه نجيا) قال ابن عباس: أدناه حتى سمع ~~صرير القلم، وقيل: صريف القلم. وفي رواية: رفعه على الحجب. # ويقال: قربناه نجيا أي: كلمناه، والتقريب ها هنا هو التكلم، وأما النجي ~~فهو المناجي، وكأن معناه على هذا القول: أن الله يكلمه، وهو يكلم الله. # قوله تعالى: * (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا) قال أهل التفسير: ~~إنما سمى نبوة هارون هبة لموسى؛ لأن موسى كان قال: * (واجعل لي وزيرا من ~~أهلي هارون أخي). # قوله تعالى: * (واذكر في الكتاب إسماعيل). الأكثرون أن هذا: إسماعيل بن ~~إبراهيم أبو النبي، وقال بعضهم: هو إسماعيل بن حزقيل، نبي آخر؛ فإن إسماعيل ~~بن إبراهيم توفي قبل إبراهيم. والصحيح هو القول الأول، وقد كان بعث إلى ~~جرهم [وهي] قبيلة، وأما وفاته قبل إبراهيم لا تعرف. # وقوله: * (إنه كان صادق الوعد) قال سفيان: لم يعد الله شيئا من نفسه إلا ~~وفى به، ومن المعروف أنه وعد إنسانا شيئا فأنتظره ثلاثة أيام في مكان واحد، ~~فسمي صادق الوعد، ويقال: انتظره حولا. # وعن سفيان الثوري أنه قال: إن للكذاب أطرافا، وأعظم الكذب إخلاف ~~المواعيد، واتهام الأبرياء. # وفي بعض الأخبار: ' أن النبي بايع رجلا قبل الوحي، فقال له ذلك الرجل: ~~مكانك يا محمد، حتى أرجع إليك، وذهب ونسي، ثم مر بذلك المكان بعد ثلاثة ~~أيام، فوجد النبي جالسا، فقال له النبي: أتعبتني أيها الرجل، أنا أنتظرك ~~PageV03P298 # (* (54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) واذكر ~~في الكتاب) * * منذ ثلاث '. # وقد ثبت عن النبي أنه ms0930 جعل إخلاف الوعد ثلث النفاق. # وعن زيد بن أرقم، أن من وعد إنسانا ومن نيته أن يفي به، ثم لم يتفق ~~الوفاء، فإنه لا يدخل في هذا الوعيد. # وروى [قباث] بن أشيم أن النبي قال: ' العدة عطية '. هو خبر غريب. # وقوله: * (وكان رسولا نبيا) قد بينا. # قوله: * (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة) قرأ ابن مسعود: ' وكان يأمر ~~قومه بالصلاة '. # وقال أهل التفسير: إن معنى قوله: * (وكان يأمر أهله) أي: أمته، وإن أمة ~~كل نبي أهلوه. # وقوله: * (وكان عند ربه مرضيا) أي: مختارا ومعناه: رضيه الله لنبوته ~~ورسالته. PageV03P299 # * (إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا عليا (57) أولئك الذين ~~أنعم الله) * * قوله تعالى: * (واذكر في الكتاب إدريس). قيل: إدريس هو أبو ~~جد نوح. يسمى إدريس لكثرة درسه الكتب. # وقال محمد بن إسحاق: هو أول من خط بالقلم، وأول من لبس الثياب، وكان من ~~قبله يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار. # قوله: * (إنه كان صديقا نبيا) قد بينا. # وقوله: * (ورفعناه مكانا عليا) قد ثبت برواية أنس أن النبي قال: ' رأيت ~~إدريس ليلة المعراج في السماء الرابعة '. فهو قوله تعالى: * (ورفعناه مكانا ~~عليا) في الجنة يعني: رفعه. # وقيل: هي الرفعة بعلو المرتبة. واختلف القول في أنه في السماء الرابعة حي ~~أم ميت: أحد القولين: أنه حي. # قال قوم من أهل العلم: أربعة من الأنبياء في الأحياء، اثنان في السماء، ~~واثنان في الأرض، أما اللذان في السماء: فإدريس، وعيسى، وأما اللذان في ~~الأرض: فالخضر، وإلياس. # والقول الثاني: إن إدريس ميت. قال كعب الأحبار: كان لإدريس صديق من ~~الملائكة، فقال له: إني أحب أن أعرف متى أموت؛ لأزداد من العمل، فهل لك أن ~~تسأل ملك الموت؟ فقال: أسأله وأنت تسمع، ثم رفعه تحت جناحه إلى السماء، ~~وجاء إلى ملك الموت، فقال: هل تعرف أن إدريس متى يموت؟ فقال: حتى أنظر، ثم ~~PageV03P300 # * (عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم ~~وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ms0931 سجدا وبكيا ~~(58) فخلف من) * * استخرج كتابا، ونظر فيه، فقال: بقي من عمره ست ساعات - ~~وفي رواية لحظة - وقبض روحه ثمة، فهو معنى قوله: * (ورفعناه مكانا عليا) ~~وهذا قول معروف. # قوله: * (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم) والمراد ~~من ذرية آدم: إدريس. # وقوله: * (وممن حملنا مع نوح). أي: ومن ذرية من حملنا مع نوح، والمراد ~~منه: إبراهيم؛ لأنه كان من ولد سام بن نوح. # وقوله: * (ومن ذرية إبراهيم) المراد منه: إسماعيل وإسحاق ويعقوب. # وقوله تعالى: * (وإسرائيل). أي: من ذرية إسرائيل، والمراد منه: موسى ~~وداود وسليمان ويوسف وعيسى، وكل أنبياء بني إسرائيل. # وقوله: * (وممن هدينا واجتبينا) هذا يرجع إلى الأولين، ومعناه: أنا ~~هديناهم، واختبرناهم، وهؤلاء ذريتهم. # وقوله: * (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا) أي: سقطوا، وقيل: وقعوا ~~بوجوههم ساجدين، والسجد جمع ساجد. # وقوله: * (وبكيا) أي: باكين. # وروي أن النبي مر على رجل، وهو ساجد يدعو، فقال: ' هذا السجود وأين ~~البكاء '؟!. # قوله تعالى: * (فخلف من بعدهم خلف) الخلف: الرديء من القوم. والخلف ~~PageV03P301 # (بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) إلا من ~~تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) جنات عدن ~~التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61)) * * الصالح في ~~القوم. والخلف هو الذي يخلف غيره، وذكر الفراء والزجاج أنه يجوز أن يستعمل ~~أحدهما مكان الآخر. # وقوله: * (أضاعوا الصلاة). فيه قولان: أحدهما: أخروها عن وقتها، والآخر: ~~تركوها أصلا. وعن ابن شوذب: هو التأخير عن الوقت، ولو تركوها أصلا لكفروا. # وقال عمر بن عبد العزيز: هو شربهم الخمر، وتركهم الصلاة. # وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزوا بعضهم على بعض في ~~الأسواق والأزقة، وقيل: هم الزناة. ويقال: أضاعوا الصلاة باتباع الشهوات. # وقوله: * (فسوف يلقون غيا) قيل: الغي واد في جهنم، وقيل: غيا: هلاكا، ~~وقيل: غيا: جزءا غيهم. شعر: # (ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما) قوله ~~تعالى: * (إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون ms0932 الجنة ولا يظلمون ~~شيئا). أي: لا ينقصون شيئا. # قوله: * (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب) معناه: جنات إقامة، ~~يقال: عدن بالمكان إذا أقام. # وقوله: * (التي وعد الرحمن عباده بالغيب) أي: بالمغيب. # وقوله: * (إنه كان وعده مأتيا). مفعول في الإتيان، وكل ما أتيته فقد ~~أتاك، والعرب لا تفرق بين أن يقول القائل: أتيت على خمسين سنة أو يقول: أتت ~~على خمسون سنة، وكذلك لا تفرق بين أن يقول القائل: وصل الخير إلي، وبين أن ~~يقول: PageV03P302 # * (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك ~~الجنة التي) * * وصل إلي الخير: # ويقال معنى قوله: (' آتيا ' أي: ' مأتيا ') مفعول بمعنى الفاعل. # قوله تعالى: * (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما) الغغو: هو الفاسد من ~~الكلام، وما لا معنى له، وقيل: هو الهذر من القول، وقيل: القبيح منه، وقيل: ~~هو الحلف الكاذبة. # وقوله: * (إلا سلاما). معناه: لكن يسمعون سلاما. فإن قيل: أيجوز استثناء ~~السلام من اللغو؛ وهو ليس من جنسه؟ قلنا: هو استثناء منقطع كما بينا. وذكر ~~الأزهري أن تقديره: لا يسمعون فيها لغوا، لا يسمعون إلا سلاما. وأما السلام ~~فهو تسليم بعضهم على بعض، وقيل: تسليم الله عليهم. ويقال: هو قول يسلمون ~~منه. والسلام اسم لكلام جامع للخيارت، ومنهم من قال: هو اسم لكلام يتصل به ~~السلامة. # وقوله: * (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) فإن قيل: ما معنى قوله: * (بكرة ~~وعشيا)، وليس في الجنة ليل ولا نهار؟! والجواب عنه أن معناه: بكرة وعشياء ~~أي: على مقادير البكر والعشايا. # ويقال: إنه يعرف وقت النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، ووقت الليل بإسبال ~~الحجب وغلق الأبواب. # والقول الثاني: أن معنى قوله: * (بكرة وعشيا) أي: لهم فيها رفاهة العيش؛ ~~الرزق الواسع من غير تضييق ولا تقتير. # وكان الحسن البصري إذا قرأ هذه الآية قال: لقد علمت العرب أن أرفه العيش ~~هو الرزق بالبكرة والعشية، ولا يعرفون من الرفاهية فوق هذا. PageV03P303 # * (نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين ~~أيدينا وما ms0933 خلفنا) * * قوله تعالى: * (تلك الجنة التي نورث من عبادنا) فيه ~~قولان: أحدهما: يعطى وينول، والقول الآخر: أنه ما من أحد من الكفار إلا وله ~~منزل في الجنة وأهل لو أسلم، فإذا لم يسلم ورثه المؤمنون. # وقوله: * (من كان تقيا) قيل: مخلصا. # قوله تعالى: * (وما نتنزل إلا بأمر ربك). قد ثبت برواية عمر بن ذر، عن ~~أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن جبريل، أبطأ على النبي، فلما نزل، ~~قال: ' يا جبريل لو زرتنا أكثر مما تزورنا، فقال جبريل: وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك '. # وفي بعض الروايات أن النبي قال له: ' يا جبريل، قد كنت مشتاقا إليك، ~~(فقال: يا محمد، وأنا والله قد كنت مشتاقا إليك)، ولكن ما نتنزل إلا بأمر ~~ربك '. # وروي أنه أبطا [اثنتا عشرة] ليلة، وروي أكثر من هذا، والله أعلم. # وقوله: * (له ما بين أيدينا وما خلفنا). يعني: له علم ما بين أيدينا وما ~~خلفنا. وفي الآية أقوال: # أحدها: ما بين أيدينا يعني: الآخرة، وما خلفنا: ما مضى من الدنيا، وما ~~بين ذلك: من الساعة إلى النفخة. # والقول الثاني: ما بين أيدينا: ما قابلناه وواجهناه، وما خلفنا: ما ~~استدبرناه وجاوزناه PageV03P304 # * (وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب السماوات والأرض وما بينهما ~~فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65) ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف ~~أخرج حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فوربك ~~لنحشرنهم) * * (بين) الوقت وما بين ذلك، الحال. # والقول الثالث: ما بين أيدينا: الأرض، وما خلفنا: السماوات، وما بين ذلك: ~~الهواء. # والقول الرابع: ما بين أيدينا: بعد أن نموت، وما خلفنا: قبل أن نخلق، وما ~~بين ذلك. مدة الحياة. # وقوله: * (وما كان ربك نسيا). أي: ما نسيك ربك، ومعنى نسيك أي: تركك. # قوله تعالى: * (رب السماوات والأرض وما بينهما) ظاهر المعنى. # وقوله: * (فاعبده) أي: وحده. # وقوله: * (واصطبر لعبادته) أي: اصبر على عبادته. # وقوله: * (هل تعلم له سميا) قال ابن عباس: هل تعلم أحدا يسمى ' الرحمن ' ~~غير الله؟ وقيل: ms0934 يسمى ' الله ' غير الله، وقال قتادة: هل تعلم له سميا؟ أي: ~~مثلا، وقال بعضهم: سميا أي: ولدا. # قوله تعالى: * (ويقول الإنسان أإذا ما مت) قالوا: نزلت الآية في أبي بن ~~خلف. # وقوله: * (لسوف أخرج حيا) أي: أسوف أخرج حيا؟ # قوله تعالى: * (أولا يذكر) قرأ أبي بن كعب: ' أولا يتذكر الإنسان ' ~~ومعناه: أولا يتفكر، ولا ينظر * (الإنسان). # وقوله: * (أنا خلقناه من قبل ولم [يك] شيئا). ومعناه: أنا لما قدرنا على ~~إنشاء خلقهم، فنحن على الإعادة أقدر. PageV03P305 # * (والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم ~~أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) وإن ~~منكم إلا واردها) * * قوله تعالى: * (فوربك لنحشرنهم والشياطين). في الخبر: ~~أنه يحشر كل كافر مسلسلا مع شيطان. # وقوله: * (ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا) أي: جاثين على الركب. قال السدي: ~~قاعين على الركب من ضيق المكان، ' وحول جهنم ' هو عين جهنم. # قوله تعالى: * (ثم لننزعن من كل شيعة) أي: لنستخرجن ونأخذن من كل شيعة، ~~أي: من كل أمة وأهل دين من الكفار. # وقوله: * (أيهم أشد على الرحمن عتيا) أي: الأعتى فالأعتى، ومعنى الآية: ~~أنا نقدم في إدخال النار من هو أكثر جرما، وأشد أمرا، وقال أهل اللغة: ~~وقوله: * (عتيا) أي: افتراء بلغة تميم. ويقال: هؤلاء هم قادة الكفر ~~ورؤساؤه، وفي بعض الآثار: أنهم يحضرون جميعا حول جهنم مسلسلين مغلولين، ثم ~~يقدم الأكفر فالأكفر. # قوله تعالى: * (ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا) أي: أحق دخولا. ~~ويقال: الذين هم أشد عنوا أولى بها صليا، فهذا تقدير الآية. # قوله تعالى: * (وإن منكم إلا واردها) معناه: وما منكم إلا واردها. ~~واختلفوا فيما ينصرف إليه قوله: * (واردها) قال ابن عباس: هي النار، قال: ~~والورود هو الدخول، وقال: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجو البر، ويبقى ~~الفاجر. وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: تمارا ابن عباس ونافع ~~بن الأزرق في الورود، فقال ابن عباس: هو الدخول، وتلا قوله تعالى: * (إنكم ~~وما تعبدون من ms0935 دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) ثم قال: يا نافع، أنا ~~وأنت داخلها، وأرجو أن ينجيني الله منها، ولا PageV03P306 # ينجيك منها، لأنك كذبت به. # قال الشيخ الإمام الأجل أبو المظفر السمعاني: أخبرنا أبو علي الشافعي ~~بمكة، قال: أخبرنا أبو الحسن بن [فراس] قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن ~~عبد الرحمن بن محمد المقرئ قال: حدثنا جدي محمد بن عبد الله بن يزيد، عن ~~سفيان. # وروى قرة عن ابن مسعود أن الناس يردون النار، ويصدر المؤمنون عنها ~~بأعمالهم، فأولهم كلمح البصر، ثم كالريح ثم كحضر الفرس، ثم كشد الرجل، ثم ~~كالماشي. # وعن ابن ميسرة أنه كان يدخل داره فيبكي، فيقال له: ما يبكيك؟ فيقول: الله ~~تعالى أنبأنا أنا نرد النار، ولم ينبئنا أنا صادرون عنها. # وعن الحسن البصري أنه قال: ' حق لابن آدم أن يبكي... وذكر نحوا من هذا '. # والقول الثاني: أن المراد من الآية هم الكفار. هذا قول عكرمة وسعيد بن ~~جبير. وقرئ في الشاذ: ' وإن منهم إلا واردها '. وعلى هذا كثير من أهل ~~العلم، واستدلوا بقوله تعالى: * (إن الذين سبقت لهم من الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون لا يسمعون حسيسها). # والقول الثالث: أن المراد من الورود هو الحضور والرؤية دون الدخول. وهذا ~~قول الحسن وقتادة، وقد يذكر الورود بمعنى الحضور، قال الله تعالى: * (ولما ~~ورد ماء مدين) أي: حضر. وقال زهير شعرا: # (ولما وردن الماء زرقا جمامه * تركن عصي الحاضر المتخيم) PageV03P307 # والقول الرابع، وروي عن ابن مسعود قال: وإن منكم إلا واردها: القيامة. ~~وقد استحسنوا هذا القول لتقدم ذكر القيامة. # والقول الخامس: أن الصراط. # وفي الآية قول سادس: روي عن مجاهد أنه قال: ورود النار هو الحمى في ~~الدنيا. # وفي بعض المسانيد عن النبي أنه عاد رجلا من وعك - أبي: الحمى - به، فقال: ~~' يقول الله تعالى: هي ناري أسلطها على من شئت من المؤمنين، ليكون حظه من ~~نار جهنم '. # وفي بعض الأخبار: ' الحمى (كي) من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار '. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' الحمى ms0936 من فيح جهنم، فأبردوها بالماء '. # وأولى الأقاويل هو القول الأول، وقد صح عن النبي أنه قال: ' من قدم من ~~الولد لم يلج النار، إلا تحلة القسم '. # وفي بعض الأخبار: ' أنها تستعر على الكفار، وتخمد تحت أقدام المؤمنين '. # روى خالد بن معدان عن النبي أنه قال: ' يدخل الله قوما من المؤمنين ~~الجنة، PageV03P308 # * (كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا (72) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ~~ورءيا (74) قل من كان) * * فيقولون: ألم تعدنا ربنا أن ندخل النار؟ فقال ~~لهم: قد وردتموها وهي خامدة '. # وقوله: * (كان على ربك حتما مقضيا) أي: لازما يصيب به. # قوله تعالى: * (ثم ننجي الذين اتقوا) استدل بهذا من قال: إن الورود هو ~~الدخول؛ لأن التنجية إنما تكون بعد الدخول. وقال أيضا: * (ونذر الظالمين ~~فيها جثيا) وهذا دليل على أن الكل قد دخلوها، وأما من قال: إن الورود هو ~~الحضور قال: يجوز أن تذكر التنجية لأجل الإشراف على الهلاك. # قوله تعالى: * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) معناه: واضحات. # وقوله: * (قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما) أي: ~~مكانا. وقوله: * (وأحسن نديا) قال ثعلب: مجلسا، قال الكسائي: الندي والنادي ~~بمعنى واحد، ومنه دار الندوة؛ لأنهم كانوا يجتمعون فيها. # وسبب نزول الآية: أن المشركين كانوا يقولون لفقراء المؤمنين: نحن أعز ~~مجلسا، وأحسن مكانا، وأكثر مالا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. والمقام: ~~موضع الإقامة، والمقام: فعل الإقامة. قال الشاعر: # (ومقام حسن فرقته * بحسامي ولساني وجدل) (لو يكون الفيل أو فياله * زل عن ~~مثل مقامي ورحل) قوله تعالى: * (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ~~ورئيا) وقرئ: ' وريا ' بغير همز، وفي الشاذ: ' وزيا ' بالزاء، حكي هذا عن ~~سعيد بن جبير. أما قوله PageV03P309 # * (في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب ~~وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) ويزيد الله ms0937 الذين ~~اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا (76) أفرءيت ~~الذي كفر بآياتنا) * * (ورئيا) بالهمز هو المنظرة، وأما بغير الهمز هو من ~~النعمة. وأما الزي هو الهيأة. وعن الحسن البصري قال: [وأحسن رئيا] هو حسن ~~الصورة. وقيل: الري من الارتواء، والمتنعم يظهر فيه ارتواء النعمة، والفقير ~~يظهر عليه ذبول البؤس والفقر. # قوله تعالى: * (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) هذا أمر ~~بمعنى الخبر، ومعناه: أن الله تعالى يتركهم في الكفر، ويمهلهم فيه. # وقوله: * (حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة) العذاب: هو ~~القتل والأسر في الدنيا، والساعة: القيامة. ومعناه: لو نصر عليهم المؤمنون ~~في الدنيا فقتلوا وأسروا، أو جاءتهم الساعة، فأدخلوا النار * (فسيعلمون) ~~عند ذلك * (من هو شر مكانا) أي: منزلا * (وأضعف جندا) أي: ناصرا. # وقوله: * (وأضعف جندا) يرجع إلى الدنيا، وقوله: * (شر مكانا) يرجع إلى ~~الآخرة. # * (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) يعني: يقينا على يقينهم، ورشدا على ~~رشدهم. # وقوله: * (والباقيات الصالحات) قيل: إنها الصلوات الخمس، وقيل: هي ~~الأذكار التي قلناها، وقد بينا. # وقوله: * (خير عند ربك ثوابا) أي: جزاء * (وخير مردا) أي: مرجعا. ونقل ~~الكلبي عن ابن عباس [أن] زيادة الهدى هوالإيمان بالناسخ والمنسوخ. # قوله تعالى: * (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا) سبب ~~نزول الآية ما روى مسروق عن خباب [بن] الأرت قال: ' كنت قينا وحدادا بمكة، ~~فعملت للعاص بن وائل السهمي، فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئته أتقاضاه، فقال: ~~لا PageV03P310 # * (وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) ~~كلا) * * أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر حتى تموت ثم تبعث. فقال ~~العاص: أو مبعوث أنا؟! فقلت: نعم. قال: فإذا بعثت فيكون لي هناك مال وولد، ~~فأقضيك حقك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قال الشيخ الإمام رضي الله عنه: أخبرنا بهذا المكي بن عبد الرزاق، قال: ~~أخبرنا جدي أبو الليث، قال الفربري، قال: ثنا البخاري، قال: ثنا الحميدي، ~~عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق... الحديث. ms0938 # وقوله: * (أطلع الغيب) أي: اللوح المحفوظ، وقيل: علم الغيب، فعلم أن له ~~مالا وولدا بعلم الغيب؟. # وقوله: * (أم اتخذ عند الرحمن عهدا) قال سفيان: عملا صالحا، وقال غيره: ~~لا إله إلا الله. # وروى الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: إذا كان يوم ~~القيامة يقول الله تعالى: ' من كان له عندي عهد (فليقم). فقيل: يا أبا عبد ~~الرحمن، وما ذلك العهد؟ فعلمنا، فقال: قال: ' أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ~~ومساء عهدا؟ قالوا: وكيف؟ قال: يقول: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة، إني أتخذ عندك عهدا في الحياة الدنيا، وإنك إن تكلني إلى ~~نفسي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاحفظ ~~عهدي تؤديه إلي يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد '. PageV03P311 # * (سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا ~~(80) واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ~~ويكونون) * * قوله تعالى: * (كلا سنكتب ما يقول) قوله: * (كلا) يعني: ليس ~~الأمر على ما زعم العاص بن وائل، ثم قال: * (سنكتب ما يقول) أي: يأمر ~~الملائكة حتى يكتبوا. # وقوله: * (ونمد له من العذاب مدا) أي: نطيل مدة عذابه. # وقوله: * (ونرثه ما يقول) قرأ ابن مسعود: ' ونرثه ما عنده ' فإن قيل: ~~القول كيف يورث والمعروف * (ونرثه ما يقول)؟! والجواب عنه قال ثعلب: معناه: ~~ونرثه ما زعم أن له مالا وولدا، أي: لا يعطيه، ويعطي غيره، فيكون الإرث ~~راجعا إلى ما تحت القول، لا إلى نفس القول. # ويجوز أن يكون معنى قوله: * (ونرثه ما يقول) أي: ونرثه ما عنده، على ما ~~قرأ ابن مسعود. # وفي الآية قول ثالث: وهو أن معنى قوله: * (ونرثه ما يقول) أي: نحفظ ما ~~يقول حتى يجاز به. # وقوله: * (ويأتينا فردا) أي: فردا لا أنصار له، ولا أعوان، وقيل: هو في ~~معنى قوله: * (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) الآية وحقيقته: أنه ~~يأتينا ولا مال له ولا ولد. # قوله تعالى: * (واتخذوا من دون الله ms0939 آلهة) يعني: آلهة يعبدونها. # وقوله: * (ليكونوا لهم عزا) أي: منعة، ومعنى المنعة: أنهم يمتنعون بها من ~~العذاب. # قوله تعالى: * (كلا) أي: ليس الأمر كما زعموا. # وقوله: * (سيكفرون بعبادتهم) فيه قولان: أحدهما: أن الأصنام والملائكة ~~PageV03P312 # * (عليهم ضدا (82) ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ~~(83) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) * * يجحدون عبادتهم، والقول ~~الآخر: أن المشركين ينكرون عبادة الأصنام والملائكة. # فإن قيل: ما عرف في المشركين أحد كان يعبد الملائكة؟ قلنا: ليس كذلك، ~~فإنه كان بطن من العرب يسمون: بني المليح، كانوا يعبدون الملائكة. # وقوله: * (ويكونون عليهم ضدا) أي: بلاء. وقيل: أعداء. # قوله تعالى: * (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين) فإن قيل: ~~أتقولون: إن الشياطين مرسلون، والله قال: * (وسلام على المرسلين) فإذا ~~كانوا مرسلين وجب أن يدخلوا في جملتهم؟ والجواب عنه: أنه ليس معنى الإرسال ~~هاهنا هو الإرسال الذي يؤجد في الأنبياء، ولكن معنى الإرسال هاهنا أحد ~~الشيئين: إما التخلية بينهم وبين الكفار، وإما التسليط على الكفار. # وقوله: * (تؤزهم أزا) قال ابن عباس: تزعجهم إزعاجا، كأنه يحركهم ويحثهم ~~ويقول: اقدموا على الكفر. والهز والأز: هو التحريك، وفي الخبر: ' أن النبي ~~كان يصلي، وبجوفه أزيز كأزيز المرجل ' أي: حركة. # قوله تعالى: * (فلا تعجل عليهم) يعني: لا تعجل بطلب عقوبتهم. # وقوله: * (إنما نعد لهم عدا) قال الكلبي: هو عد الأيام. وقال غيره: عد ~~الساعات. # وعن الحسن: عد الأنفاس. وقيل لبعض الصالحين: إنما أيامك أنفاس معدودة، ~~فقال: من صحة العدد أخاف. # وروى الأصمعي عن أبيه أنه قال: رأيت رجلا على باب البصرة أيام الطاعون ~~يعد PageV03P313 # * (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ~~(86) لا) * * الموتى، وقدامه كوز، كلما مر عليه بميت، يلقي فيه حصى. فعد في ~~اليوم الأول ثمانين ألفا، وفي اليوم الثاني مائة وعشرين ألفا. قال: فمررنا ~~عليه بجنازة، ثم عدنا، فإذا عند الكوز غيره. قلنا له: أين ذهب الرجل؟ قال: ~~وقع في الكوز. # قوله تعالى: * (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) الحشر: جمع الأقوام من ms0940 ~~كل (صقع) في موضع واحد. # وقوله: * (وفدا) معناه: ركبانا، وعن علي - رضي الله عنه - أنه قرأ هذه ~~الآية، وقال: يؤتون بنوق من نوق الجنة عليها أرحلة من الذهب، ولها أزمة من ~~الزبرجد، فيركبون عليها حتى يقرعوا باب الجنة. وفي بعض الأخبار عن أبي ~~هريرة أن النبي قال: ' يحشر الأنبياء على دواب في الجنة، وأحشر على البراق، ~~ويحشر الحسن والحسين على العضباء والقصواء، ويحشر بلال على ناقة من نوق ~~الجنة فيؤذن، فإذا بلغ قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول ~~الله، شهد بها جميع الخلق، قبل ممن قبل، ورد على من رد '. # وقيل: * (وفدا) أي: مكرمين. وفي الآية قول ثالث: وهو ما روي في الأخبار ~~عن النبي: ' أن المؤمن إذا بعث يؤتى بعمله على أحسن صورة، فيقول: من أنت؟ ~~فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك فاركبني اليوم. وأما الكافر يؤتى بعمله ~~على أقبح صورة، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، قال: طالما ركبتني، ~~وأنا أركبك اليوم '. # وقوله: * (ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا) أي: مشاة. وقيل: عطاشا. ~~PageV03P314 # * (يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (87) وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ~~ولدا (92)) * * قوله تعالى: * (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن ~~عهدا) قال بعض أهل التفسير: هذا راجع إلى الملائكة. وقال بعضهم: هو راجع ~~إلى المؤمنين. # وقوله: * (إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) يعني: لا يشفعون إلا لمن اتخذ ~~عند الرحمن عهدا، فالعهد هو ' لا إله إلا الله '. ويقال: لا يشفع إلا من ~~اتخذ عند الرحمن عهدا يعني: لا يشفع إلا مؤمن. # وقوله تعالى: * (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا) أي: منكرا ~~عظيما، (والإد) والاتخاذ إعداد الشيء لأمر في العاقبة. # قوله تعالى: * (تكاد السماوات يتفطرن منه) الانفطار: الانشقاق، وتكاد أي: ~~تقرب، وفي التفسير: أن الكافرين لما قالوا: اتخذ الله ولدا غضبت السماوات ~~والأرض، وتسعرت ms0941 جهنم، فطلب الجميع أن ينتقموا من القائلين بهذا القول، فهذا ~~معنى الآية. # وقوله: * (وتنشق الأرض) أي: تخسف بهم، أما الانفطار في السماء فمعناه على ~~هذا: أن [تسقط] عليهم. # وقوله: * (وتخر الجبال هدا) أي: تنكسر انكسارا، ومعناه على ما ذكرنا أي: ~~تنطبق عليهم. # وقوله: * (أن دعوا للرحمن ولدا) أي: حين دعوا للرحمن ولدا. # وقوله: * (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا) قد بينا. PageV03P315 # * (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم ~~وعدهم عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95) إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل) * * وقوله: * (إن كل من في السماوات والأرض) أي: ما كل من ~~في السماوات والأرض. # وقوله: * (إلا آت الرحمن عبدا) وقد أجمع أهل العلم أن البنوة مع العبودية ~~لا يجتمعان، ومن اشترى ابنه يعتق عليه؛ لأنه لا يصلح أن يكون ابنا وعبدا. # قوله تعالى: * (لقد أحصاهم وعدهم عدا) أي: يعلمهم، وعلم عددهم. # وقوله: * (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) قد بينا. # قوله تعالى: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) ~~أي: محبة. قال مجاهد: يحبهم الله، ويحببهم إلى المؤمنين. وقيل: يحب بعضهم ~~بعضا. وفي بعض الآثار: أن الله تعالى جعل مع الإيمان المحبة [والشفقة] ~~والألفة '. # وقد ثبت عن النبي برواية أبي هريرة أنه قال: ' إذا أحب الله عبدا ينادي ~~جبريل، فيقول: أنا أحب فلانا فأحبه، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب ~~فلانا فأحبوه، ثم يوضع له المحبة في الأرض - وفي رواية ' القبول ' - وإذا ~~أبغض عبدا ينادي جبريل فيقول: أنا أبغض فلانا فأبغضه، فينادي في أهل ~~السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، ثم يوضع له البغض في الأرض '. خرجه ~~مسلم في الصحيح. # وحكى الضحاك عن ابن عباس: أن الآية نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، والمراد منه: مودة أهل الإيمان له. PageV03P316 # * (لهم الرحمن ودا (96) فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به ~~قوما لدا (97) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ~~ركزا (98)) * * وقد روي عن ms0942 النبي أنه قال لعلي: ' لا يحبك إلا مؤمن تقي، ~~ولا يبغضك إلا منافق شقي '. خرج مسلم في الصحيح. # قوله تعالى: * (فإنما يسرناه بلسانك) يعني: سهلنا القرآن بلسانك. # وقوله: * (لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا) اللد جمع الألد، والألد: ~~المخاصم بالباطل. وقال أبو عبيدة: هو الذي لا ينقاد للحق ولا يقبله. وقال ~~الحسن البصري: لدا أي: صما عن الحق. وقيل: الألد هاهنا هو الظالم. قال ~~الشاعر: # (أبيت نجيا للهموم كأنني * أخاصم أقوما ذوي جدل لدا) قوله تعالى: * (وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد) معناه: هل ترى منهم من أحد؟. # وقوله: * (أو تسمع لهم ركزا) أي: صوتا. قال أهل اللغة: الركز: الصوت ~~الخفي. قال الحسن: بادوا جميعا، فلم يبق منهم عين ولا أثر. PageV03P317 # بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة طه وهي مكية وفي بعض الغرائب من ~~الأخبار برواية أبي هريرة، أن النبي: قال: ' إن الله تعالى قرأ سورة طه ويس ~~قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فقالت الملائكة: طوبى لأمة نزلت عليهم هذا، ~~وطوبى لقلوب حملت هذه، وطوبى لألسن تكلمت بهذا '. # قوله تعالى: * (طه) روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن رجلا ~~اقرأ عليه: ' طه ' - بالإمالة - فقال: اقرأ * (طه)، فقال الرجل: أليس معناه ~~طيء الأرض بقدميك؟ فقال: ' هكذا أقرأنيه رسول الله '. # واختلفت الأقاويل في معنى طه، فروي عن ابن عباس أنه قال: هو بالسريانية: ~~يا رجل. ونقل الكلبي: أنه يا إنسان بلغة عك. قال الشاعر: # (إن السفاهة طه من خليقتكم * لا قدس الله أرواح الملاعين) وقال آخر: # (هتفت بطه في القتال فلم يجب * فخفت عليه أن يكون مواليا) PageV03P318 # * (طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) ~~تنزيلا) * * ويقال: إن طه اسم للسورة، وقيل: إنه قسم أقسم الله به. # ومن المعروف أن معناه: طىء الأرض بقدميك، وهذا منقول عن ابن عباس أيضا، ~~وسببه أن النبي اجتهد في العبادة حتى جعل يراوح بين الرجلين، فيقوم على ~~واحد، ويرفع واحدا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ms0943 ونقل بعضهم: أنه قام بمفرد ~~قدم. # ومنهم من قال: إن الطاء من الطهارة، والهاء من الهداية، فالطاء: إشارة ~~إلى طهارة قلبه من غير الله، والهاء: إشارة إلى اهتداء قلبه إلى الله. # وقوله: * (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) أي: لتتعب وتنصب، وروي أنه لما ~~اجتهد في العبادة، قال المشركون: يا محمد، ما أنزل القرآن إلا لشقاوتك، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. ومعناه: اجتهد، ولا كل هذا التعب حتى تنسب إلى ~~الشقاوة. # وقوله: * (إلا تذكرة لمن يخشى) معناه: لكن تذكرة، أي: تذكيرا ووعظا لمن ~~يخشى، والخشية والخوف بمعنى واحد، وفرق بعضهم بينهما، فقال: الخشية ما لا ~~يعرف سببه، والخوف ما يعرف سببه، وهو ضعيف. # وذكر الأزهري أن تقدير الآية: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ما أنزلنا إلا ~~تذكرة لمن PageV03P319 # * (ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5) له ما ~~في السماوات وما في الأرض وما بينهما) * * يخشى. # وقوله: * (تنزيلا) أي: منزل تنزيلا من الله (الذي) * (خلق الأرض ~~والسماوات العلى) والعلى: جمع العليا. # وقوله: * (الرحمن على العرش استوى) اعلم أن مخارج الاستواء في اللغة ~~كثيرة: وقد يكون بمعنى العلو، وقد يكون بمعنى الاستقرار، وقد يكون بمعنى ~~الاستيلاء - على بعد - وقد يكون بمعنى الإقبال. # والمذهب عند أهل السنة أنه يؤمن به ولا يكيف، وقد [رووا] عن جعفر بن عبد ~~الله، وبشر الخفاف قالا: كنا عند مالك، فأتاه رجل وسأله عن قوله: * (الرحمن ~~على العرش استوى) كيف استوى؟ فأطرق مالك مليا، وعلاه الرحضاء، ثم قال: ~~الكيف غير معقول، والاستواء مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ~~وما أظنك إلا ضالا، ثم أمر به فأخرج. # ونقل أهل الحديث عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان بن ~~عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في الآيات المتشابهة: أمروها كما ~~جاءت. # وقال بعضهم: تأويله الإيمان به، وأما تأويل الاستواء بالاستقبال، فهو ~~تأويل المعتزلة. # وذكر الزجاج، والنحاس، وجماعة [من] النحاة من أهل السنة: أنه لا يسمى ~~الاستواء استيلاء في اللغة إلا إذا غلب غيره عليه، وهذا لا ms0944 يجوز على الله ~~تعالى. # قوله تعالى: * (له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما) أي: علم ما ~~في السماوات، وما في الأرض، وما بينهما. PageV03P320 # * (وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا ~~إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8)) * * وقوله: * (وما تحت الثرى) فيه ~~أقوال: أحدها: أن الثرى هي الأرض السابعة، والآخر: أن الثرى هو التراب ~~المبتل، وهذا معروف في اللغة. # وحكى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن الأرضين على ظهر الحوت، والحوت على ~~البحر، والبحر على الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما تحت ~~الثرى لا يعلمه إلا الله. # قوله تعالى: * (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) معناه: إن جهرت أو ~~أسررت فلا يغيب عن علمه. واختلف الأقوال في قوله: * (وأخفى) فروي عن ابن ~~عباس أنه قال: ' السر ' ما تحدث به غيرك، ' وأخفى ' ما تحدث به نفسك. وفي ~~الآية تقدير، ومعناه: وأخفى منه، أي: من السر. # والقول الثاني: أن ' السر ' ما تحدث به نفسك، ' وأخفى ' ما يلقيه الله ~~تعالى في قلبك من بعد ولم تحدث به نفسك. # والقول الثالث: أن السر هو العزيمة، وأخفى هو دون العزيمة، كأنه ما يخطر ~~على القلب، ولم تعزم عليه. # والقول الرابع: يعلم السر وأخفى، أي: والخفي. قال الشاعر: # (تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد) أي: بالواحد. # والقول الخامس: يعلم السر وأخفى، أي: أخفى سره من عباده، وهذا قول ابن ~~زيد. # قوله تعالى: * (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى) قيل: فيه إضمار، ~~ومعناه: فادعوا الله بها. وقال: الحسنى للأسماء هو جمع، والحسنى صفة ~~الواحد، وذلك لأن PageV03P321 # * (وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) * * هذه تتناول الأسماء لأنها ~~جمع، كما تتناول الواحدة من المؤنثات، يقال: هذه أسماء؛ فلذلك صح أن يقال: ~~حسنى، ولم يقل: حسان، وهكذا قوله تعالى: * (مآرب أخرى) ولم يقل: آخر. # قوله تعالى: ms0945 * (وهل أتاك حديث موسى) معناه: وقد أتاك حديث موسى، وهو ~~استفهام بمعنى التقرير. # وقوله: * (إذ رأى نارا) في القصة: أن موسى عليه السلام كان رجلا غيورا، ~~فكان يصحب الرفقة بالليل، ويتنحى عنهم بالنهار؛ لئلا ترى امرأته، فأخطأ مرة ~~الطريق - لما كان في علم الله تعالى - فكان ليلا مظلما، فرأى نارا من بعيد ~~* (فقال لأهله امكثوا) أي: أقيموا. # وقوله: * (إني آنست نارا) أي: أبصرت نارا. # وقوله تعالى: * (لعلي آتيكم منها بقبس) القبس: كل ما في رأسه نار من شعلة ~~أو فتيلة. # وقوله: * (أو أجد على النار هدى) أو أجد عند النار من يهديني، ويدلني على ~~الطريق، فروي أنه لما توجه إلى النار رأى شجرة خضراء، أطافت به النار، ~~والنار كأضوء ما يكون، والشجرة كأخضر ما يكون، فلا ضوء النار يغير خضرة ~~الشجرة، ولا خضرة الشجرة تغير ضوء النار. # ويقال: إن الشجرة كانت شجرة العناب، ويقال: شجرة من عوسج، وقيل: من ~~العليق. # وفي القصة: أن موسى أخذ شيئا من الحشيش اليابس، ودنا من الشجرة، فكان ~~كلما دنا من الشجرة نأت منه النار، وإذا نأى هو دنت النار، فبقي واقفا ~~متحيرا، PageV03P322 # * (فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد ~~المقدس طوى (12) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله ~~إلا أنا فاعبدني وأقم) * * فنودي: يا موسى. # قوله تعالى: * (فلما أتاها نودي يا موسى) قد بينا. # وقوله: * (إني أنا ربك) روي أن موسى لما سمع قوله: * (يا موسى) قال: من ~~الذي يكلمني؟ قال: * (إني أنا ربك). # فإن قيل: بم عرف كلام الله عز وعلا؟ قلنا: سمع كلاما لا يشبه كلام ~~المخلوقين، وروي أنه سمع من جميع جوانبه. # وقوله: * (فاخلع نعليك) اختلف القول أنه لم أمره بخلع نعليه؟ وروي عن علي ~~- رضي الله عنه - أنه قال: كانتا من جلد حمار ميت، وهذا قول كعب. # والقول الثاني: أنه أمره بخلع نعليه: ليباشر الوادي بقدميه، وهذا قول ~~مجاهد، وقد جرت عادة المسلمين أنهم يخلعون نعالهم إذا بلغوا المسجد الحرام ~~للحج، ويطوفون ms0946 حفاة. # وقوله: * (إنك بالوادي المقدس) أي: المطهر، قال الشاعر: # (وأنت وصول للأقارب مدرة * تراءى من الآفات إني مقدس) أي: مطهر. # وقيل: معنى المقدس، أي: المبارك فيه. # وقوله: * (طوى) عامة المفسرين أنه اسم الوادي، وقيل: طوى أي: قدس مرتين. # قوله تعالى: * (وأنا اخترتك) أي: اصطفيتك. # وقوله: * (فاستمع لما يوحى) أي: لما يوحى إليك. # قوله تعالى: * (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) أي: لا أحد يستحق ~~العبادة سواي. PageV03P323 # * (الصلاة لذكري (14) إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ~~(15)) * * وقوله: * (وأقم الصلاة لذكري) فيه أقوال: أحدها: لتذكرني فيها. ~~والآخر: تذكرني، وهو قوله: الله أكبر. والثالث: أقم الصلاة لذكري أي: صل ~~إذا ذكرت الصلاة، وهذا قول معروف. روى حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس، أن ~~النبي قال: ' من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها، وقرأ قوله ~~تعالى: * (وأقم الصلاة لذكري) '. # قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسين بن النقور، قال: أخبرنا ~~أبو القاسم بن حبابة، قال: حدثنا ابن بنت منيع، قال: حدثنا هدبة، عن حماد ~~بن سلمة.. الحديث. خرجه مسلم في الصحيح عن هدبة. # قوله تعالى: * (إن الساعة آتية أكاد أخفيها) في الآية أقوال، وهي مشكلة. # روي عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب أنهما قرآ: ' أكاد أخفيها من نفسي ~~'. وبعضهم نقل: ' فكيف أظهرها لكم ' فهذا هو أحد الأقوال في معنى الآية. # فإن قال قائل: كيف يستقيم قوله ' أكاد أخفيها من نفسي '؟ قلنا: هذا على ~~عادة العرب، والعرب إذا بالغت في الإخبار عن إخفاء الشيء، قالت: كتمته حتى ~~من نفسي. والقول الثاني: أن قوله: * (أكاد) أي: أريد، ومعناه: إن الساعة ~~آتية أريد أخفيها. وهذا قول الأخفش. والقول الثالث: أن قوله: * (أكاد) صلة، ~~ومعناه: إن الساعة آتية أخفيها. والقول الرابع: إن الساعة آتية أكاد، ومعنى ~~أكاد: تقريب الورود والإتيان، كما قال ضبائي البرجمي: # (هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله) فقوله: كدت ~~لتقريب الفعل، ثم استأنف قوله: * (أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) ms0947 أي: ~~تأتيكم بغتة، لتجزى كل نفس بما عملت من خير وشر، هذا اختبار PageV03P324 # * (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) وما تلك بيمينك ~~يا موسى (17) قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~آخرى (18)) * * ابن الأنباري. # والقول الخامس: * (أكاد أخفيها) أي: أظهرها، وقرئ: ' أخفيها ' بفتح ~~الألف. ومعنى الإظهار في هذه القراءة أظهر في اللغة. قال الشاعر: # (فإن تدفنوا الداء لم نخفه * وإن تأذنوا بحرب لا نقعد) ومعنى لا نخفه: لم ~~نظهره. # قوله تعالى: * (فلا يصدنك عنها) أي: فلا يمنعنك عن التصديق بها. * (من لا ~~يؤمن بها) أي: من لا يصدق بها. # وقوله: * (واتبع هواه فتردى) أي: تهلك. # قوله تعالى: * (وما تلك بيمينك يا موسى) هذا سؤال تقرير، وليس بسؤال ~~استفهام، والحكمة فيه تثبيته وتوثيقه على أنها عصا، حتى إذا قلبها الله ~~حية، يعلم أنها معجزة عظيمة. وهذا قول على عادة العرب أيضا؛ يقول الرجل ~~لغيره: هل تعرف هذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد به أن ينضم إقراره بلسانه ~~إلى معرفته بقلبه. # قوله تعالى: * (قال هي عصاي أتوكأ عليها) أي: أعتمد عليها. # وقوله: * (وأهش بها على غنمي) أي: أخبط بها (ورق الشجر؛ لترعاه غنمي، ~~وقرأ عكرمة: ' وأهش بها) على غنمي ' بالسين غير المعجمة، والفرق بين الهش ~~والهس؛ أن الهش هو خبط الشجر، وإلقاء الورق عنه، والهس زجر الغنم. # وقوله: * (ولي فيها مآرب أخرى) أي: حاجات أخر، ومن تلك الحاجات؛ قال ~~PageV03P325 # * (قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا ~~تخف) * * أهل المعاني: كان يقتل بها الحيات، ويحارب بها السباع، ويحمل بها ~~الزاد والنفقة، ويصل الحبل إذا استقى من البئر، ويستظل بها إذا قعد، وعن ~~الضحاك: كانت تضئ له بالليل بمنزلة السراج، وقال وهب: كانت العصا من آس ~~الجنة، وطولها اثنا عشر ذراعا، ولها شعبتان، وعليها محجن. وعن سعيد بن ~~جبير، قال: كان اسم العصا ما شاء. وأنشدوا في الهش: # (أهش بالعصا على أغنامي * من ناعم الأراك والبشام) قوله تعالى: * (قال ms0948 ~~ألقها يا موسى) أي: انبذها. # وقوله: * (فألقاها) أي: نبذها. # وقوله: * (فإذا هي حية تسعى) أي: تجئ وتذهب، وذكر محمد بن إسحاق أن موسى ~~عليه السلام نظر فإذا العصا صارت حية من أعظم ما يكون من الحيات، وصارت ~~شعبتاها شدقين، والمحجن صار عرفا يهتز كالبتارك وعيناها تتقدان كالنار، وهي ~~تمر بالحجر كالجمل البارك فتبتلعه، ولها أنياب تقصف الشجر، فرأى موسى أمرا ~~عظيما فهرب، ثم تذكر أمر ربه، فوقف مستحيا. # قوله تعالى: * (قال خذها ولا تخف) لما هرب موسى، قال الله تعالى له: * ~~(أقبل ولا تخف)، فلما أقبل، قال: * (خذها). # وفي القصة: أنه كان على موسى مدرعة من صوف، قد خللها بعيدان، فلما قال ~~الله له: * (خذها)، لف طرف كم المدرعة على يده، فأمره الله أن يكشف يده، ~~فكشف يده، ووضعها في شدق الحية، فإذا هي عصا كما كانت، وإذا يده في شعبتها. # وذكر بعضهم: أنه لما لف كم المدرعة على يده، قال له ملك: أرأيت لو أذن ~~الله لمن تحذره، أكانت تغني عنك مدرعتك؟ فقال أنا ضعيف، خلقت من ضعف. ~~PageV03P326 # * (سنعيدها سيرتها الأولى (21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير ~~سوء آية أخرى (22) لنريك من آياتنا الكبرى (23) اذهب إلى فرعون إنه طغى ( ~~24) قال) * * وقوله: * (سنعيدها سيرتها الأولى). إلى هيئتها الأولى، وإنما ~~انتصب؛ لأن معناه: إلى هيئتها الأولى، فحذف إلى فانتصب. # قوله تعالى: * (واضمم يدك إلى جناحك). فيه قولان: أحدهما: إلى جنبك، ~~والآخر: إلى عضدك. والجناح هو العضد إلى أصل الإبط، قال الشاعر: # (خفضت لهم مني جناح مودة * على كتف عطفاه أهل ومرحب) وقوله: * (تخرج ~~بيضاء من غير سوء) أي: نيرة مشرقة من غير مكروه وعيب، السوء ها هنا بمعنى ~~البرص. # وقال قتادة: كانت اليد لها نور ساطع كضوء الشمس والقمر، تضئ بالليل ~~والنهار. # وقوله: * (آية أخرى) أي: دلالة أخرى. # وقوله: * (لنريك من آياتنا الكبرى). أي: الكبيرة. قال ابن عباس: أكبر ~~الآيتين يده؛ فكان إذا أخرجها من تحت عضده، رأوا لها شعاعا وضياء تحار ~~الأعين فيها، فإذا ردها إلى إبطه، وأخرجها ms0949 عادت إلى ما كانت. # وقوله: * (اذهب إلى فرعون إنه طغى) أي: جاوز الحد في العصيان والتمرد، ~~ويقال: كان اسمه: وليد بن مصعب، وكان أغنى الفراعنة الذين كانوا بمصر. # قوله تعالى: * (قال رب اشرح لي صدري) أي: وسعه للحق، وكان موسى يخاف من ~~فرعون خوفا شديدا؛ لشدة شوكته، وكثرة جنده، فضاق قلبه لما بعث إلى فرعون من ~~الخوف؛ فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق؛ فيعلم أنه لا يقدر أحد أن يعمل ~~به شيئا إلا بإذن الله، أو يناله بمكروه إلا بمشيئته. # وقوله: * (ويسر لي أمري) أي: سهل علي الأمر الذي بعثتني له. PageV03P327 # * (رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) ~~يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري ~~(31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك) * * ~~قوله: * (واحلل عقدة من لساني) قال أهل التفسير: كانت على لسان موسى عقدة ~~من أخذه الجمر، ووضعه إياه في فمه، وسببه أن امرأة فرعون جاءت بموسى إلى ~~فرعون، فوضعته في حجره، فأخذ بلحية فرعون، وفي رواية: لطم وجه فرعون لطمة، ~~فغضب فرعون، وقال: هذا هو عدوي، وأراد أن يقتله، فقالت امرأة فرعون: إنه ~~صبي، لا يعقل ولا يميز، وهو لا يميز بين الجوهر والجمر، فدعي له بطبق من ~~جمر، وطبق من جوهر، فأخذ الجمر، ووضعه في فيه، فاحترق لسانه، وصارت عليه ~~عقدة. وذكر بعضهم: أنه أراد أن يأخذ الجوهر، فصرف جبريل يده إلى الجمر. # وقوله: * (يفقهوا قولي) أي: يفهموا قولي. # * (واجع لي لي وزيرا من أهلي) الوزير من يؤازرك على الشئ، أي: يعينك، ~~ويتحمل عنك بعض ثقله، ووزير الأمير من يتحمل عنه بعض ما عليه. # وقوله: * (هارون أخي) كان هارون أكبر منه بأربع سنين، فكان أفصح منه ~~لسانا، وأجمل منه وجها، وأوسم وأبيض، وكان موسى أدم، أقنى جعدا. # وقوله * (اشدد به أزري) أي: قو به ظهري، ويقال: إنه لم يكن أحد على أخيه ~~أسعد ولأخيه أنفع من موسى لهارون. # وقوله: * (وأشركه في أمري) أي: النبوة وأداء ms0950 الرسالة. # وقوله: * (كي نسبحك كثيرا) أي: نصلي لك كثيرا. # * (ونذكرك كثيرا) نتعاون على ذكرك. # * (إنك كنت بنا بصيرا) أي: خبيرا عليما. PageV03P328 # * (كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) ولقد مننا عليك ~~مرة أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت ~~فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك ~~محبة مني ولتصنع على عيني) * * قوله تعالى: * (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) ~~أي: أعطيت جميع ما سألت. # وقوله: * (ولقد مننا عليك مرة أخرى) أي: أنعمنا عليك مرة أخرى سوى هذه ~~المرة. # قوله تعالى: * (إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) ذكر نعمه وعددها عليه؛ ~~ليعرفها، ويزيد في شكره. # وقوله: * (إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) أي: ألهمنا أمك ما يوحى، أي: ما ~~يلهم. # وقوله تعالى: * (أن اقذفيه) أي: ألهمناها أن أقذفيه. # قوله تعالى: * (في التابوت) هو شيء يتخذ من الخشب. # وقوله: * (فاقذفيه في اليم) اليم: هو البحر، ويقال: إن اليم ها هنا هو ~~النيل، والعرب تسمي الماء الكثير بحرا. # روي أن المسلمين لما وصلوا إلى دجلة يوم فتحوا المدائن، فقالوا: كيف ~~نفعل، وهذا البحر بيننا وبينهم؟ ثم إنهم ارتطموا دجلة بخيولهم، وخاضوا ~~القصة إلى آخرها. # وقوله: * (فليلقه اليم بالساحل) في القصة: أن الماء ألقاه إلى مشرعة دار ~~فرعون، وروي أنها ألقته في النيل، وألقاه النيل في البحر، ثم إن البحر ~~ألقاه بالساحل. # وقوله: * (وألقيت عليك محبة مني) قال عكرمة: لم يره أحد إلا أحبه، وقال ~~قتادة: ملاحة في عينيه تأخذ (بالقلوب). # وقوله: * (ولتصنع على عيني) أي: تربى وتغذى على نظر مني، وهو مثل قوله ~~PageV03P329 # (* (39) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي ~~تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا) * * تعالى: * ~~(واصنع الفلك بأعيننا) فإن قيل: ما من أحد في العالم إلا وهو يربى ويغدى ~~بمرأى من الله ونظر منه، فأي معنى لتخصيص موسى؟ والجواب: أن الله تعالى فعل ~~في اللطف في تربية موسى ms0951 ما لم يفعل في تربية غيره، فالتخصيص إشارة إلى ذلك ~~اللطف. # وقوله: * (إذ تمشي أختك) سنذكر هذا في سورة القصص، إن شاء الله تعالى. # وقوله: * (فتقول هل أدلكم على من يكفله) يعني: على امرأة ترضعه، وتضمه ~~إليها. # وقوله: * (فرجعناك إلى أمك) أي: فرددناك. # وقوله: * (إلى أمك كي تقر عينها) قد بينا معنى قرة العين، وهو إشارة إلى ~~فرحها وسرورها بوجوده. # وقوله: * (ولا تحزن) أي: يذهب عنها الحزن. # وقوله: * (وقتلت نفسا) أي: القبطي، وسنذكره من بعد إن شاء الله تعالى. # وقوله: * (فنجيناك من الغم) أي: من القتل، وقيل: من غم التابوت، وغم ~~البحر. # وقوله: * (وفتناك فتونا) أي: ابتليناك مرة بعد مرة، وقيل: بلاء بعد بلاء، ~~ويقال: أخلصناك إخلاصا. من المشهور المعروف أن سعيد بن جبير، سأل عبد الله ~~بن عباس عن قوله: * (وفتناك فتونا) فقال: تغدو على غدا، فلما جاءه من الغد، ~~أخذ معه في قصة موسى من أولها، وجعل يعد عليه شيئا فشيئا من ولادته في سنة ~~قتل الأبناء، ومن إلقائه في الماء، وجعله في التابوت، ووقوعه في يد فرعون، ~~ولطمه وجهه، وأخذه PageV03P330 # * (فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) واصطنعتك لنفسي ~~(41) اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) اذهبا إلى فرعون إنه طغى ~~(43)) * * الجمرة، ثم من قتله القبطي، ثم فراره إلى مدين... إلى آخر القصة ~~على ما يرد، وجعل يقول كلما ذكر شيئا من هذا: ذلك (من) الفتون يا ابن جبير، ~~حتى عد عليه الجميع. # وقوله: * (فلبثت سنين في أهل مدين) يعني: تراعي الأغنام. # وقوله: * (ثم جئت على قدر يا موسى) أي: على قدر النبوة والرسالة. قال ابن ~~عباس: ولم يبعث الله نبيا إلا على رأس أربعين سنة، وجاء موسى ربه، وهو ابن ~~أربعين سنة؛ فنبأه الله وأرسله، فهذا معنى قوله: * (ثم جئت على قدر يا ~~موسى). وقيل معناه: جئت على موعد يا موسى، ولم يكن هذا الموعد مع موسى، ~~وإنما كان موعدا في تقدير الله تعالى. ويقال: وافيت في الوقت الذي قدرت أي: ms0952 ~~توافى فيه، قال الشاعر: # (نال الخلافة إذ كانت له قدرا * كمثل موسى الذي وافى على قدر) وقوله: * ~~(واصطنعتك لنفسي) قال الزجاج معناه: اخترتك لأمري، وجعلتك القائم بحجتي، ~~والمخاطب بيني وبين خلقي، كأني الذي أقمت عليهم الحجة وخاطبتهم، وقال بعضهم ~~معناه: استكفيتك طلب كفاية أمر من خاص أمري، وصنيعة الإنسان خاصته وتربيته ~~إذا أعده لأمر من مهم أمره. # وقوله: * (اذهب أنت وأخوك بآياتي) أي: بدلائلي. # وقوله: * (ولا تنيا في ذكري). أي: ولا تضعفا في ذكري، وقرأ ابن مسعود: ' ~~ولا تهنا في ذكري '. # وقوله: * (اذهبا إلى فرعون إنه طغى) قد بينا. # قوله تعالى: * (فقولا له قولا لينا). معناه: دارياه [بالرفق]، وارفقا ~~معه، ويقال PageV03P331 # * (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن ~~يفرط علينا أو أن) * * معناه: كنياه. واختلفوا في كنيته: منهم من قال: ~~كنيته أبو الوليد، ومنهم من قال: أبو مرة ومنهم من قال: أبو العباس، والله ~~أعلم. # وقوله: * (لعله يتذكر أو يخشى). أي: يتعظ ويخاف. فإن قيل قوله * (لعله) ~~تطميع، فكيف يطمعهما في إسلامه، وقد قدر أنه لا يسلم؟ قلنا معناه: اذهبا ~~على رجائكما وطمعكما، وقضاء الله وراء أمركما، وقال بعضهم: قد تذكر وخاف، ~~إلا أنه حين لم تنفعه التذكرة والخوف، وقد بينا في سورة يونس. # وفي قوله: * (فقولا له قولا لينا) كلمات معروفة؛ قال بعضهم: هذا رفقك بمن ~~يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله، وهذا رفقك بالكفار، فكيف ~~رفقك بالأبرار؟ وهذا رفقك بمن جحدك، فكيف رفقك بمن وحدك. وهذه تحببك إلى من ~~تعاديه، فكيف إلى من تواليه وتناديه؟. # قوله تعالى: * (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) يعني: أن ~~يبادر ويعجل بعقوبتنا قبل أن نريه الآيات. وحكي عن سعيد بن جبير أنه قال: ~~كان موسى يخاف من فرعون خوفا شديدا، وكان إذا دخل عليه، يقول: اللهم إني ~~أعوذ بك من شره، وأدرأك في نحره، فحول الله تعالى ذلك الخوف إلى فرعون؛ ~~فكان إذا رأى موسى بال في ثيابه كما ms0953 يبول الحمار. # وفي بعض المسانيد برواية ابن مسعود، عن النبي أنه قال: ' إذا دخل أحدكم ~~على سلطان يخاف تغطرسه، فليقل: اللهم إني أعوذ بك من شره، وشر أحزابه؛ أن ~~يفرط أحد منهم علي أو يطغى، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك '. ~~PageV03P332 # * (يطغى (45) قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا ~~رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام ~~على من اتبع الهدى (47) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) ~~قال فمن ربكما) * * وقوله تعالى: * (قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) ~~أي: أسمع دعاءكما فأجيب، وأرى أمركما مع فرعون فأدفعه عنكما. # قوله تعالى: * (فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل) أي: ~~خلهم، وأطلقهم من أعمالك، وقد بينا أنه كان يكلفهم الأعمال الشاقة، وقد ضرب ~~عليهم الضرائب. # وقوله: * (ولا تعذبهم) قد بينا. # وقوله: * (قد جئناك بآية من ربك) بدلالة من ربك. # وقوله: * (والسلام على من اتبع الهدى). ليس المراد منه تحية فرعون، وإنما ~~المراد منه أن من اتبع الهدى فقد سلم من عذاب الله، ومنهم من قال: معناه: ~~(من) أسلم سلم. # وفي بعض الآثار عن السدي: أن موسى عليه السلام قال لفرعون: ' آمن بالله، ~~ولك شباب لا تهرم فيه، وملك لا ينزع منك، ولذة في المطعم والمشرب والمنكح ~~إلى أن تموت، ثم إذا مت دخلت الجنة، فأعجبه هذا الكلام، وكان لا يقطع أمرا ~~دون هامان، فقال: حتى أنظر في ذلك؛ فلما دخل عليه هامان، قال له: ألم تر أن ~~هذا الرجل الذي أتانا قال كذا وكذا، وكان قبل ذلك يسميه الساحر، فلم يسمه ~~الساحر في ذلك اليوم، فقال له هامان: كنت أظن أن لك رأيا وعقلا! تريد أن ~~تصير مربوبا بعد أن كنت ربا، وعبدا بعد أن كنت معبودا، فغلبه عن رأيه، فأبى ~~على موسى ما أراد منه. # قوله تعالى: * (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى). أي: كذب ~~بآيات الله، وتولى عن طاعة ms0954 الله. PageV03P333 # * (يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) قال فما بال ~~القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) ~~الذي) * * قوله تعالى: * (قال فمن ربكما يا موسى) ظاهر المعنى. # وقوله تعالى: * (قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) قال الحسن: أعطى ~~كل شيء ما يصلحه، ثم هداه إليه. وقال مجاهد: معناه أعطى كل شيء صورة، ثم ~~هداه إلى منافعه من المطعم والمشرب والمنكح. # وفيه قول ثالث: وهو أنه أعطى كل حيوان زوجه، ثم هداه إلى مأتاه، وكل ذكر ~~يهتدي كيف يأتي الأنثى. وروي عن أبس سابط أنه قال: أبهمت البهائم إلا عن ~~أربع: تعرف خالقها، وتطلب رزقها، وتدفع عن نفسها، وتعرف كيف يأتي (أنثاه). # قوله تعالى: * (قال فما بال القرون الأولى) معناه: فما حال القرون ~~الأولى، وأراد به ما حالهم فيما دعوتني إليه؟ # وقيل: لما دعاه موسى إلى الإقرار بالبعث سأل وقال: ما حال القرون الأولى ~~في البعث؟ ويقال: إنه انصرف إلى هذا الكلام تعنتا، وعدولا عن الجواب. # قوله تعالى: * (قال علمها عند ربي) أي: علم القرون الأولى عند ربي. # [قوله: * (في كتاب) قال الكلبي: هو اللوح المحفوظ]. # وقوله: * (لا يضل ربي) أي: لا يخطئ ربي، وقال ثعلب: لا يذهب عليه موضعه، ~~وقيل: لا يغيب عن ربي، وقرأ الحسن: ' لا يضل ربي ' برفع الياء، من الإضلال، ~~ويقال: لا يضل ربي: لا يغفل عنه ربي. # وقوله: * (ولا ينسى) أي: لا يتركه، فينتقم من الكافر، ويجازي المؤمن، ~~ويقال: PageV03P334 # * (جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به أزواجا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي ~~النهى (54) منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجم تارة أخرى (55) ولقد ~~أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا ~~موسى (57)). * * هو النسيان حقيقة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: ' ولا ينسى ~~' على ما لم يسم فاعله. # قوله تعالى: * (الذي جعل لكم الأرض مهادا) وقرئ: ' مهدا ms0955 ' إلى هذا الموضع ~~انتهى كلام فرعون مع موسى وجوابه إياه. وقوله: * (الذي جعل لكم الأرض مهدا) ~~ابتداء كلام من الله ومعناه: مستقرا. # وقوله: * (وسلك لكم فيها سبلا) أي: سهل ووطأ لكم فيها طرقا. # وقوله: * (وأنزل من السماء ماء) أي: المطر. # وقوله: * (فأخرجنا به أزواجا) أي: أصنافا: الأحمر، والأصفر، والأخضر. # وقوله: * (من نبات شتى) أي: من نبات متفرقة. # وقوله: * (كلوا وارعوا أنعامكم) أي: كلوا، وأسيموا أنعامكم ترعى. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات لأولي النهى) قال ثعلب: لأولي العقول، وقيل: ~~للذين ينتهي إلى رأيهم، وقيل: للذين يتناهون عن المعاصي وينزجرون عنها ~~بعقولهم. # قوله تعالى: * (منها خلقناكم) أي: من الأرض. # وقوله: * (وفيها نعيدكم) أي: عند الموت. # وقوله: * (ومنها نخرجكم تارة أخرى) أي: عند الحشر. فإن قيل: في الابتداء ~~لم نخرج عن الأرض، فكيف قال: * (تارة أخرى)؟. قلنا معناه: ومنها نخلقكم ~~تارة أخرى، فيصح المعنى على هذا. # قوله تعالى: * (ولقد أريناه آياتنا كلها) هي الآيات التسع التي أعطيها ~~موسى عليه السلام. # وقوله: * (فكذب وأبى) أي: كذب بالتوحيد، وأبى عن الإيمان. # قوله تعالى: * (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى) معناه: لتأخذ ~~رمنا أرضنا؛ فيكون لك الملك والسلطان، وتخرج من تشاء، وتدخل من تشاء. ~~PageV03P335 # * (فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت ~~مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى فرعون ~~فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب) * * قوله: * (فلنأتينك بسحر مثله) يعني: مثل سحرك. # وقوله: * (فاجعل بيننا وبينك موعدا) أي: موعدا للاجتماع. # وقوله: * (لا نخلفه نحن ولا أنت) أي: لا نتخلف نحن ولا أنت. # وقوله: * (مكانا سوى) قرىء بالرفع، وقرئ بالكسر. ومعناه: مكانا عدلا، ~~وقيل: منصفا ويقال: في مكان مستوى لا يغيب عن أحد فيها ما يفعل بعضنا ببعض. # قال ابن فارس: وهذا قول الحسن، ويقال: مكانا سوى أي: يستوي في المسافة ~~إليه. # قوله تعالى: * (قال موعدكم يوم الزينة) قال ابن عباس: يوم الزينة يوم عيد ~~لهم؛ كانوا ms0956 يجتمعون له، ويقال: يوم الفيروز. وعن عطاء: أنه كره الزينة ~~للأعياد؛ قال: هو من عمل الكفار. # وقوله: * (وأن يحشر الناس ضحى) أي: في صدر النهار، وقد جرت العادة أن ~~الأعياد تكون في أول النهار، وكذلك اجتماع الناس في الأمور أكثر ما يكون في ~~أول النهار. # وقوله تعالى: * (فتولى فرعون) معناه: فأعرض، وقيل: ولى الأمر فرعون. # وقوله: * (فجمع كيده) أي: مكره وحيلته. # وقوله: * (ثم أتى) أي: ثم أتى بالموعد. # قوله تعالى: * (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا) قال الضحاك، ~~عن ابن عباس: جمع فرعون سبعين ألفا من السحرة، وذكر مقاتل: حمس عشرة ألفا، ~~وذكر بعضهم: نيفا وسبعين رجلا، وهو قول معروف. PageV03P336 # * (وقد خاب من افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا ~~إن) * * وقوله: * (ويلكم لا تفتروا علي كذبا) أي: لا تختلقوا على الله ~~كذبا، معناه: لا تكذبوا على الله. # وقوله: * (فيسحتكم بعذاب) بنصب الياء، وقرئ: ' فيسحتكم ' برفع الياء، ~~ومعناه: الاستئصال أي: يستأصلكم بالعذاب، قال الفرزدق شعرا: # (وعض زمان يا بن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا أو مجلف) وفرق بعضهم ~~بين الرفع والفتح؛ فقال: هو بالنصب أن لا يبقى شيء، وبالرفع أن يبقى بقية، ~~والأصح أن لا فرق. وقيل: فيسحتكم، أي: (شهد) لكم. # وقوله: * (وقد خاب من افترى) أي: خسر وهلك من افترى. # قوله تعالى: * (فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى) قال قتادة: هذا ~~ينصرف إلى السحرة، وإسرارهم النجوى أنهم قالوا: إن كان ما يأتي به موسى ~~سحرا، فسنغلبه، وإن غلبنا فله أمر، وروي أنهم قالوا: إن غلبنا اتبعناه. # قوله تعالى: * (قالوا إن هذان لساحران) اعلم أن هذه الآية مشكلة في ~~العربية، وفيها ثلاث قراءات: # قرأ أبو عمرو: ' إن هذين لساحران '، وقرأ حفص: ' إن هذان لساحران '، وقرأ ~~الباقون: ' إن هذان لساحران '. # أما قراءة أبي عمرو: فهي المستقيمة على ظاهر العربية، وزعم أبو عمرو أن ' ~~هذان ' غلط من الكاتب في المصحف. PageV03P337 # وعن عثمان - رضي الله عنه - أنه قال: أرى في المصحف لحنا، (تستقيمه) ~~العرب بألسنتها. ومثله عن عائشة - رضي ms0957 الله عنها -. # وأما قراءة حفص: فهي مستقيمة أيضا على العربية؛ لأن إن مخففة يكون ما ~~بعدها مرفوعا، ومعناه: ما هذان إلا ساحران. # وأما قراءة الأكثرين - وهو الأصح - قال الزجاج: لا نرضى قراءة أبي عمرو ~~في هذه الآية؛ لأنها خلاف المصحف، وأما وجه قوله: * (إن هذان) فله وجوه في ~~العربية: أما القدماء من النحويين فإنهم قالوا: ' هو على تقدير: إنه هذان، ~~فحذف الهاء، ومثله كثير في العربية، والوجه الثاني: أن هذا لغة كنانة وخثعم ~~(وزبيد)، وقال الكسائي: لغة بلحارث بن كعب من كنانة، وأنشد الكسائي شعرا: # (تزود مني بين أذناه ضربة * دعته إلى هذه التراب عقيم) وأنشد غيره: # (إن أباها وأبا أباها قد * بلغا في المجد غايتاها) وأنشدوا أيضا: # (أي قلوص راكب تراها * طاروا علاهن فطر علاها) أي: عليهن. # قال الكسائي: على هذه اللغة يقولون: أتاني الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت ~~بالزيدان، ولا يتركون ألف التثنية في شيء منها. # وأما الوجه الثالث، هو أصح الوجوه، فإن القرآن لا يحمل على اللغة ~~البعيدة؛ وهو أن معنى قوله: * (إن هذان) أي: نعم هذان، قال الشاعر: # (بكر العواذل في الصباح * يلمنني وألومهن) (ويقلن شيب قد علاك * وقد كبرت ~~فقلت إنه) PageV03P338 # * (هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم ~~المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا) * * أي: نعم وروي أن أعرابيا أتى ~~عبد الله بن الزبير يطمع شيئا، فلم (يحصل) له طمعه، فقال الأعرابي: لعن ~~الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن، وصاحبها، أي: نعم. وفي قراءة ~~أبي بن كعب: ' إن ذاك إلا ساحران '، وهي شاذة. # وقوله: * (يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما) قد بينا. # وقوله: * (ويذهبا بطريقتكم المثلى) أي: بالطريقة المستقيمة التي أنتم ~~عليها، وكانوا يظنون أنهم على دين مستقيم، والمثلي تأنيث الأمثل. وأما ابن ~~عباس قال: بطريقتكم المثلى أي: الرجال الأشراف. # وقال قتادة: أراد به بني إسرائيل، وكانوا أهل يسار (وعزة). # فقالوا: يريدان أن يذهبا بهؤلاء. والعرب تقول: هؤلاء طريقة القوم أي: ~~أشرافهم. # ومنهم من قال: معناه أهل طريقتكم المثلى. # وقوله: * (فأجمعوا ms0958 كيدكم) وقرئ بالوصل: ' فاجمعوا '. أما قوله: * ~~(فأجمعوا) بالقطع فمعناه: العزيمة والإحكام. قال الأزهري: تقديره: اعزموا ~~كلكم على كيده مجتمعين له، ولا تختلفوا فيختل أمركم. وأما قوله: ' فاجمعوا ~~' بالوصل، معناه: جيئوا بكل كيد لكم؛ لتعارضوا موسى. # وقوله: * (ثم ائتوا صفا) قال أبو عبيدة: مصطفين، وقال غيره: الصف هو ~~PageV03P339 # * (وقد أفلح اليوم من استعلى (64) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن ~~نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) * * [المصلى]، ومعناه: ثم ~~ائتوا المكان الموعود. # وقوله: * (وقد أفلح اليوم من استعلى) أي: سعد وفاز من كانت له الغلبة في ~~اليوم. # قوله تعالى: * (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى) ~~معناه: اختر، إما أن تلقي أنت أولا، أو نلقي نحن أولا. # قوله تعالى: * (قال بل ألقوا) يعني: ابتدءوا أنتم بالإلقاء. فإن قال ~~قائل: إلقاؤهم كان كفرا وسحرا، فهل يجوز أن يأمرهم موسى بالإلقاء الذي هو ~~سحر وكفر؟ الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن هذا أمر بمعنى الخبر، ومعناه: ~~إن كان إلقاؤكم عندكم حجة فألقوا، والثاني: أنه أمرهم بالإلقاء على قصد ~~إبطال سحرهم بما يلقى من عصاه، وهذا جائز. # وقوله: * (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) وقرئ بالياء ~~والتاء ' تخيل '، فمن قرأ بالتاء، فهو راجع إلى العصي والحبال، فأنثت لأنها ~~جمع، وأما بالياء فينصرف إلى الإلقاء. وفي القصة: أنهم لما ألقوا الحبال ~~والعصي رأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيات، وهي تسعى أي: تذهب وتجيء. ~~واعلم أن التخايل ما لا أصل له. ويقال: إنهم أخذوا بأعين الناس، فظنوا ~~وحسبوا أنها حيات، وقيل: إن حبالهم وعصيهم أخذت ميلا من هذا الجانب، وميلا ~~من ذلك الجانب. # قوله تعالى: * (فأوجس في نفسه خيفة موسى) أي: وجد في نفسه خيفة، واختلفوا ~~في هذا الخوف على قولين: PageV03P340 # * (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما ~~صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر ms0959 حيث أتى (69) فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا ~~برب) * * أحدهما: أنه خوف البشرية، والآخر: خاف على القوم أن يلتبس عليهم ~~الأمر، فلا يؤمنوا، ويقال: خاف على قومه أن يشكوا، فيرجعوا عن الإيمان. # قوله تعالى: * (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى) أي: الغلبة والظفر لك. # قوله تعالى: * (وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا) أي: تلتقم وتبتلع. # وفي القصة: أنها فتحت فاها، فابتلعت كل ما كان يمر من العصي والحبال، ~~وفرعون يضحك ويظن أنه سحر، ثم قصدت قبة فرعون، وكان طولها في الهواء ~~[أربعين] ذراعا، ففتحت فاها على قدر ثمانين ذراعا، وأرادت أن تلتقم القبة، ~~فنادى فرعون: يا موسى، بحق التربية، قال: فجاء فأخذها، فعادت عصا على ما ~~كانت. # وقوله: * (إنما صنعوا كيد ساحر) قرىء ' ساحر '، وقرئ ' سحر '، فقوله: * ~~(كيد ساحر) أي: حيلة ساحر. # وقوله: * (كيد سحر) أي: حيلة من سحر. # وقوله: * (ولا يفلح الساحر حيث أتى) في التفسير أن معناه: أين وجد قتل. # وفي بعض المسانيد عن جندب بن عبد الله، أن النبي قال: ' إذا أخذتم الساحر ~~فاقتلوه، وقرأ قوله تعالى: * (ولا يفلح الساحر حيث أتى) '. # قوله تعالى: * (فألقي السحرة سجدا) قد بينا من قبل. # وقوله: * (قالوا آمنا برب هارون وموسى) أي: بإله هارون وموسى، وقدم هارون ~~على موسى على وفق رؤوس الآي. PageV03P341 # * (هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن ~~أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي ~~فطرنا فاقض ما أنت) * * قوله تعالى: * (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم) ظاهر ~~المعنى. # وقوله: * (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) أي: معلمكم الذي علمكم السحر. ~~وحكى الكسائي أن العرب تقول: رجعت من عند كبيري أي: معلمي. # وقوله: * (فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) ظاهر المعنى. # وقوله: * (ولأصلبنكم في جذوع النخل) معناه: على جذوع النخل، وذكر كلمة ~~في؛ لأن المصلوب يصلب مستطيلا على الجذع؛ فالجذع يشتمل عليه. # وقوله: * (ولتعلمن أينا أشد عذابا ms0960 وأبقى) أي: أنا أقوى أو رب موسى؟ وذكر ~~الكلبي: أن فرعون قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم، وذكر غيره: أنه لم يقدر ~~عليهم، واستدل بقوله تعالى: * (لا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما ~~الغالبون). # قوله تعالى: * (قالوا لن نؤثرك) أي: لن نختارك. * (على ما جاءنا من ~~البينات) أي: الدلالات؛ وكان استدلالهم أنهم قالوا: إن كان هذا سحر، فأين ~~حبالنا وعصينا؟ وقيل: من البينات أي: اليقين والعلم. # وقوله: * (والذي فطرنا). فيه قولان: أحدهما: (وقوله) ولن نؤثرك على الذي ~~فطرنا، والآخر: أنه قسم. # وقوله: * (فاقض ما أنت قاض) أي: فاصنع ما أنت صانع. # وقوله: * (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) أي: أمرك وسلطانك في هذه الحياة ~~الدنيا، وسيزول عن قريب. PageV03P342 # * (قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه ~~مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها) * * وقوله: * (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا) أي: ذنوبنا. # وقوله: * (وما أكرهتنا عليه من السحر) فإن قيل: كيف يستقيم هذا وقد جاءوا ~~مختارين، وحلفوا بعزة فرعون أن لهم الغلبة على ما ذكر في موضع آخر؟ والجواب ~~عنه: أنه روي عن الحسن البصري أنه قال: كان فرعون يجبر قوما على تعلم ~~السحر؛ لكيلا يذهب أصله، وكان قد أكرههم في الابتداء على تعلمه، فأرادوا ~~بذلك. # وقوله: * (والله خير وأبقى) قال محمد بن كعب معناه: والله خير ثوابا إن ~~أطيع، وأبقى عقابا إن عصي. يقال: إن أمر السلطان إكراه؛ فلهذا قالوا: وما ~~أكرهتنا عليه من السحر، لما سجدوا أراهم الله تعالى مواضعهم في الجنة، وما ~~أعد لهم من الثواب والكرامة، فلما رفعوا رؤوسهم وقد [رأوا] قالوا ما قالوا. # وعن عكرمة: أصبحوا وهم سحرة، وأمسوا وهم شهداء. # وروي أن الحسن كان إذا بلغ إلى هذه الآية قال: عجبا لقوم كافرين سحرة من ~~أشد الناس كفرا، رسخ الإيمان في قلوبهم حين قالوا ما قالوا، ولم يبالوا ~~بعذاب فرعون، وترى الرجل من هؤلاء يصحب الإيمان ستين سنة، ثم يبيعه بثمن ms0961 ~~يسير. # وفي القصة: أن امرأة فرعون كانت تستخبر في ذلك اليوم لمن الغلبة، فلما ~~أخبرت أن الغلبة كانت لموسى، أظهرت الإيمان لله، فذكر ذلك لفرعون، فبعث ~~قوما، وقال: انظروا إلى أعظم صخرة، فإن أصرت على قولها، فألقوا عليها ~~الصخرة، فأراها الله تعالى موضعها من الجنة، وقبض روحها، فجاءوا وألقوا ~~الصخرة على جسد ميت. # قوله تعالى: * (إنه من يأت ربه مجرما) قال بعضهم: هذا من قول السحرة، ~~وقال بعضهم: هو ابتداء كلام من الله تعالى. قوله: * (مجرما) أي: مشركا. # وقوله: * (فإن له نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيى) أي: لا يحيا حياة ~~ينتفع بها، PageV03P343 # * (ولا يحيى (74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات ~~العلى (75) جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى ~~(76) ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا ~~لا) * * ولا يموت فيستريح، ويقال: إن أرواحهم تكون معلقة بحناجرهم، لا تخرج ~~فيموتون، ولا تستقر في موضعها فيحيون، قال الشاعر: # (ألا من لنفس تموت فينقضي * شقاها ولا تحيا حياة لها طعم) قوله تعالى: * ~~(ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات) أي: أدى الفرائض. قال الحسن: من أدى ~~الفراض فقد استكمل الإيمان، ومن لم يؤد الفرائض فلم يستكمل الإيمان. # وقوله: * (فأولئك لهم الدرجات العلى) جمع العليا، والعليا تأنيث الأعلى. # قوله تعالى: * (جنات عدن) قد بينا هذا من قبل، وفي بعض التفاسير عن عمر - ~~رضي الله عنه - قال: جنة عدن قصر له عشرة آلاف باب، لا يعلم سعتها إلا الله ~~ويقال: نهر في الجنة على حافتيه قصور الجنان. # وقوله: * (تجري من تحتها الأنهار) قد بينا. # وقوله: * (خالدين فيها) أي: مقيمين فيها. # وقوله: * (وذلك جزاء من تزكى) أي: تطهير من الذنوب، وقيل: جزاء من قال: ~~لا إله إلا الله. # قوله تعالى: * (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي) أي: سر بهم ليلا. # وقوله: * (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا) أي: ذا يبس، وقيل: يابسا، أي: ~~لا ندوة فيه، ولا بلل. PageV03P344 # * (تخاف دركا ولا ms0962 تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من ~~عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) كلوا) * ~~* وقوله تعالى: * (لا تخاف دركا ولا تخشى) روي أنهم لما بلغوا البحر قالوا: ~~يا موسى، هذا البحر أمامنا، وفرعون وجنده وراءنا، فقال الله تعالى: * (لا ~~تخاف دركا ولا تخشى). أي: لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك، ولا تخشى أن ~~يغرقك البحر أمامك، وقرأ حمزة: ' ولا تخف ' على الأمر. # قوله تعالى: * (فأتبعهم فرعون بجنوده) قرىء: ' فأتبعهم '، وقرئ: ' ~~فاتبعهم ' أما قوله: * (فأتبعهم) أي: بعث في إثرهم جنوده. # وقوله: * (فاتبعهم) أي: اتبعهم بجنده. # وقوله: * (فغشيهم من اليم ما غشيهم) معناه: غشيهم من البحر ما غرقهم، ~~ويقال: غشيهم من اليم ما غشي قوم موسى فنجا قوم موسى، وغرقوا هم، ويقال: ~~غشيهم من اليم ما أهلكهم. # وقوله: * (وأضل فرعون قومه وما هدى) أي: وما أرشد، وهو جواب لقول فرعون: ~~* (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد). # وقوله تعالى: * (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم) أي: من أعدائكم، ~~ويقال: أراد به فرعون وحده. # وقوله: * (وواعدناكم جانب الطور الأيمن) في التفسير: أن الله تعالى وعد ~~موسى أن يؤتيه كتابا من عنده، وهو التوراة، فهو معنى قوله تعالى: * ~~(وواعدناكم جانب الطور الأيمن) أي: لإعطاء الكتاب. # وقوله: * (ونزلنا عليكم المن والسلوى) قد بيناه في سورة البقرة. وقوله: * ~~(كلوا من طيبات ما رزقناكم) أي: من حلال ما رزقناكم. PageV03P345 # * (من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه ~~غضبي فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما ~~أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب) * * ~~وقوله: * (ولا تطغوا فيه). أي: لا تكفروا النعمة، ويقال: لا تخلطوا الحرام ~~بالحلال، وعن ابن عباس: لا تدخروا ثم لا تدخروا فتدود، ولولا ما صاموا لم ~~يتود طعام. # وقوله: * (فيحل عليكم غضبي) قرىء بالكسر والرفع، أما بالكسر فيجب، وأما ~~بالرفع فينزل. # وقوله: * (ومن ms0963 يحلل عليه غضبي) أي: ينزل عليه، وقرئ: ' ومن يحلل ' أي: ~~يجب. # وقوله: * (فقد هوى) أي: هلك، وعن شفي بن ماتع الأصبحي قال: هوى واد في ~~جهنم يهوي فيه أربعين خريفا، ومعنى الآية أي: وقع فيه. # قوله تعالى: * (وإني لغفار لمن تاب) أي: من الشرك. * (وآمن) أي: آمن ~~بالله. # وقوله: * (وعمل صالحا) أي: أدى الفرائض. # وقوله: * (ثم اهتدى) فيه أقوال: قال ابن عباس: لم يشك في إيمانه وعن ~~قتادة قال: مات على الإيمان. وعن سعيد بن جبير: لزم السنة والجماعة. وقال ~~بعضهم: أخلص، وقال بعضهم: عمل (بعمله) وعن ثابت البناني قال: تولى أهل ~~البيت. # قوله تعالى: * (وما أعجلك عن قومك يا موسى) في القصة: أنه لما جاء مع ~~السبعين الميعاد تعجل بنفسه، وخلف السبعين وراءه، فقال الله تعالى له: * ~~(وما أعجلك عن قومك يا موسى) أي شيء حملك على العجلة؟ # وقوله: * (قال هم أولاء على أثري) أي: يأتوني خلفي. # وقوله: * (وعجلت إليك رب لترضى) أي: لتزداد رضا، وعن بعض السلف: أنه ~~PageV03P346 # * (لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع ~~موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم ~~العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) قالوا ما) * * ~~تعجل شوقا. # قوله تعالى: * (قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك) أي: أوقعناهم في الفتنة. # قوله: * (وأضلهم السامري) أي: ضلوا بسببه، وقد بينا طرفا من هذه القصة في ~~سورة الأعراف. وحكي عن وهب بإسناده عن راشد بن سعد أن الله تعالى لما قال ~~له هذا القول قال: يا رب، من صاغ العجل؟ قال: السامري، قال: فمن أحياه ~~وأظهر منه الخوار؟ قال: أنا، قال: فأنت أضللتهم يا رب، فقال الله تعالى له: ~~يا (رأس) النبيين، أنا رأيت ذلك في قلوبهم فسهلته عليهم. # وقوله: * (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) أي: شديد الحزن لما أصاب قومه ~~من الفتنة. # قوله تعالى: * (قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا) معناه: ما وعد من ~~إنزال ms0964 الكتاب، ومن التنجية من فرعون وقومه، وغير هذا مما وعد وحقق. # وقوله: * (أفطال عليكم العهد) كان موسى وعد أن يعود بعد أربعين يوما، ~~فلما مضت عشرون يوما، عدوا النهار عشرين، والليل عشرين، وقالوا قد مضى ~~الوعد. # وقوله: * (أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم). أي: أردتم أن تفعلوا فعلا ~~يجب عليكم الغضب من ربكم. # وقوله: * (فأخلفتم موعدي) (أو) وعدي. PageV03P347 # * (أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ~~ألقى) * * قوله تعالى: * (قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا). # قرىء: ' بملكنا '، وقرئ: ' بملكنا '؛ فقوله: ' بملكنا ' أي: بطاقتنا، ~~وقوله: ' بملكنا ' أي: بسلطاننا. وكذلك ' بملكنا ' بفتح الميم. وأحسن ما ~~قيل في هذا هو أن المرء إذا وقع في البلية والفتنة لم يملك نفسه. وقد ثبت ~~عن النبي في بعض دعواته: ' اللهم إذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير ~~مفتون '. # وقوله: * (ولكنا (حملنا)) وقرئ: ' حملنا '. في القصة: أنهم استعاروا حلي ~~نساء القبط، ثم لم يردوا حتى خرجوا إلى جانب البحر، فهو معنى قوله: * ~~(حملنا أوزارا من زينة القوم). أي: من حلي القوم، والأوزار: الأثقال، وسمى ~~الحلي أوزارا، لأنهم كانوا أخذوها على وجه العارية، ولم يردوها، فكانت بجهة ~~الخيانة. # ويقال: إن الله تعالى لما أغرقهم نبذ البحر حليهم، فأخذها، ولم تكن ~~الغنيمة حلالا لهم في ذلك الزمان، فسماها أوزارا لهذا المعنى، وقال الشاعر ~~في الأوزار: # (وأعددت للحرب أوزارها * رماحا طوالا وخيلا ذكورا) وقوله تعالى: * ~~(فقذفناها) (روي أن) هارون - عليه السلام - أمر أن يحفر حفرة، ثم أمرهم أن ~~يلقوا تلك الحلي فيها، وأضرم عليها نارا، وفي قول آخر: أن السامري أمرهم ~~بذلك، فهو معنى قوله: * (فقذفناها). # وقوله: * (فكذلك ألقى السامري) يعني: ألقى السامري أيضا ما عنده من ~~الحلي. PageV03P348 # * (السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى ~~فنسي (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89)) ~~* * وقوله: * (فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار) في القصة: أن النار لما أخلصت ~~الذهب والفضة جاء السامري، وألقى فيه قبضة من التراب، ms0965 أخذها من تحت حافر ~~فرس جبريل - عليه السلام - وقال: كوني عجلا له خوار، فصار عجلا يخور. # وقوله: * (جسدا) قيل: جسدا لا رأس له، وقيل: جسدا لا يضر ولا ينفع، وقال ~~الخليل: العرب تسمي كل ما لا يأكل ولا يشرب جسدا، وكان العجل لا يأكل ولا ~~يشرب ويصيح، والقول الأول أضعف الأقوال، واختلفوا في الخوار: فالأكثرون أنه ~~صوت عجل حي، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة وجماعة، وقال مجاهد: هو صوت ~~حفيف الريح، كانت تدخل في جوفه وتخرج، وهو قول ضعيف. # وقوله: * (فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي) فيه قولان: أحدهما: أن هذا ~~إلهكم وإله موسى، تركه موسى هاهنا، وذهب يطلبه. # والثاني: معناه: فنسي السامري الإيمان بالله، أي: ترك. وقيل: فنسي موسى ~~أن يذكر لكم أن هذا هو الإله. # وقوله: * (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا) في بعض التفاسير: أن العجل خار ~~خوارا واحدا، ولم يعد، فهو معنى قوله: * (ألا يرجع إليهم قولا) وقال بعضهم: ~~لا يجيبهم إذا دعوه. # وقوله: * (ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا) ظاهر المعنى. # فإن قيل: السامري كان كافرا، وهذا الذي ظهر على يده معجزة، فكيف يجوز أن ~~تظهر المعجزة على يد كافر؟ والجواب: أن ذلك كان لفتنة بني إسرائيل ~~وابتلائهم. # وعند أهل السنة هذا جائز، ولا نقول: هو معجزة، ولكنه محنة وفتنة. # وفي بعض الآثار: أن هارون مر على السامري، وهو يصوغ العجل، فقال له: ~~PageV03P349 # * (ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ~~(91) قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) ~~قال يا) * * ما هذا؟ فقال: هو [شي] ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون: ~~اللهم أعطه على ما في نفسه، فألقى التراب في فم العجل، وقال: كن عجلا يخور، ~~فكان كذلك بدعوة هارون. # وقد قال أهل العلم: إنه ليس من عجل من ذهب يخور بشبهة تقع في أنه إله ~~ومعبود. # قوله تعالى: * (ولقد ms0966 قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به) أي: ~~ابتليتم به. # * (وإن ربكم الرحمن) أي: معبودكم الرحمن، لا ما اتخذتموه معبودا. # وقوله: * (فاتبعوني) أي: اتبعوني في عبادة الله. * (وأطيعوا أمري) في ترك ~~عبادة العجل. # قوله تعالى: * (قالوا لن نبرح عليه عاكفين) أي: لن نزل مقيمين على عبادته ~~* (حتى يرجع إلينا موسى). # قوله تعالى: * (قال يا هارون) فيه تقدير، وهو أن موسى رجع، وقال: يا ~~هارون. # وقوله: * (ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن) لا زائدة، ومعناه: أن ~~تتبعني. # وقوله: * (أفعصيت أمري) أي: خالفت أمري. فإن قال قائل: هل تقولون إن ~~هارون خالف موسى فيما طلب منه، وأنه داهن عبدة العجل، ولم يشدد في منعهم ~~عنها؟ والجواب: أن موسى لم يطلب من هارون إلا أن يخلفه في قومه، وأن يرفق ~~بهم، فرأى هارون أن لا يقاتلهم، وأن الإمساك عن قتالهم أصلح، ورأى موسى أن ~~يقاتلهم، ورأى أن القتال أصلح، فهذا رأي مجتهد خالف رأي مجتهد، ولا عيب ~~فيه، وإنما PageV03P350 # * (بنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بين إسرائيل ~~ولم ترقب قولي (94)) * * عاتبه موسى في تركه القتال، يعني: لو كنت أنا ~~مكانك كنت أقاتلهم، فهلا فعلت مثل ذلك. # قوله تعالى: * (قال يا بن أم). قرىء: ' يا بن أم ' بالنصب و ' يا بن أم ' ~~بالكسر، وقد بينا هذا من قبل. # وقوله: * (لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) قال ابن عباس: أخذ رأسه بيمينه، ~~وأخذ لحيته بيساره، ويقال: إن المراد من الرأس شعر الرأس، ويقال: أراد ~~بالرأس الأذن، فإن قال قائل: هذا تهاون بنبي من أنبياء الله، فتكون كبيرة ~~من الكبائر، فكيف وجه فعل هذا من موسى؟ والجواب عنه: أنه يحتمل أنه لم يكن ~~مثل هذا الفعل تهاونا في عادتهم، فكان الأخذ باللحية شبه الأخذ بالكف ~~عندهم، وقال بعضهم: أنه أخذ بلحيته كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه عند الغضب ~~فجعله كنفسه، وقد روي أن عمر - رضي الله عنه - كان إذا غضب جعل يفتل شاربه، ~~وأولى الأجوبة أن هذا ms0967 فعل الإنسان بمثله وشكله عند الغضب، فتكون صغيرة لا ~~كبيرة، والصغائر جائزة على الأنبياء، وإنما ذكر هارون ' الأم '، ولم يذكر ' ~~الأب '، ليرققه على نفسه. # وقوله: * (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) هذا بيان ما رأي من ~~الرأي، يعني: خشيت أن تقول: جعلتهم أحزابا، فحزب عبدوا العجل، وحزب قاتلوا، ~~وحزب أمسكوا عن القتال، والتبس عليهم أنه هل يجوز القتال أو لا؟، وحزب ~~أنكروا لم يقاتلون؟ فكل هذا التفرق كان جائزا لو قاتل هارون. # وقوله: * (ولم ترقب قولي) أي: لم تحفظ قولي، وهذا منصرف إلى قوله: * ~~(واخلفني في قومي وأصلح) (وقد بينا أن معنى قوله: * (وأصلح)) أي: ارفق، ~~فرأى أن الرفق أن يكف يده. PageV03P351 # * (قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من ~~أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) قال فاذهب فإن لك في) * * قوله ~~تعالى: * (قال فما خطبك يا سامري) قال أهل التفسير: لما اعتذر هارون بما ~~اعتذر به أقبل موسى على السامري، فقال: * (ما خطبك يا سامري) والخطب هو: ~~الجليل من الأمر، ومعنى الآية: ما هذا الأمر العظيم الذي جئت به؟ # وقوله: * (قال بصرت بما لم يبصروا به) رأيت بما لم يروا، ويقال: فطنت بما ~~لم يفطنوا به. # وقوله: * (فقبضت قبضة من أثر الرسول) المعروف: بالضاد المعجمة، وقرأ ~~الحسن البصري: ' فقبصت ' بالصاد غير المعجمة، والفرق بينهما أن القبض: هو ~~الأخذ بملء الكف، والقبص هو الأخذ بأطراف الأصابع. # وقوله: * (من أثر الرسول) يعني: من تراب حافر فرس جبريل، فإن قال قائل: ~~كيف عرف هذا؟ وكيف رأى جبريل من بين سائر الناس؟ والجواب عنه من وجهين : ~~أحدهما: أن أمه لما ولدته في السنة التي كان يقتل فيها الأنبياء، وضعته في ~~كهف حذرا عليه، فبعث الله جبريل ليربيه ويغذيه لما قضى الله على يده من ~~الفتنة، فلما رآه عرفه وأخذ التراب، والوجه الثاني: أن جبريل كان على فرس ~~حصان أبلق، وكان ذلك الفرس تسمى فرس الحياة، وكان كلما وضع (الفرس) حافره ~~على موضع أخضر ما ms0968 تحت حافره، فعرف أنه فرس الحياة، وكان سمع بذكره، وأن ~~الذي عليه جبريل، فأخذ القبضة. # وقوله: * (فنبذتها) أي: ألقيتها في فم العجل، وقد قال بعضهم: إنما خار ~~العجل لهذا؟ وهو أن التراب كان مأخوذا من تحت فرس الحياة. # وقوله: * (وكذلك سولت لي نفسي) أي: زينت لي نفسي. # قوله تعالى: * (قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس) أي: لا أمس ~~لا PageV03P352 # * (الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ~~ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذي ~~لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد ~~آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) ~~خالدين) * * أمس، وفي القصة: أن موسى دعا عليه فصار يهيم مع الوحش، وروي ~~أنه كان إذا مس أحدا أو مسه أحد حما جميعا، قال الشاعر: * (تميم كرهط ~~السامري وقوله * ألا لا يريد السامري مساسا) وقال سعيد بن جبير: كان ~~السامري رجلا من أهل كرمان، ويقال: من باجرما، والأكثرون أنه كان من بني ~~إسرائيل من رهط يقال لهم: السامري. # وقوله: * (وإن لك موعدا لن تخلفه) أي: لن تكذبه، ومعناه: أن الله يكافئك ~~على فعلك ولا تفوته، وقرئ: ' لن تخلفه ' بكسر اللام أي: توافى يوم القيامة ~~لميعاد العذاب ولا تخلف. # وقوله: * (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا) أي: ظلت عليه مقيما. # وقوله: * (لنحرقنه) وقرئ: ' لنحرقنه ' من الإحراق، وهما في المعنى واحد، ~~وهو التحريق بالنار، وعن علي وابن عباس - رضي الله عنهما - أنهما قرآ: ' ~~لنحرقنه ' وهي قراءة أبي جعفر، ومعناه: لنبردنه بالمبرد، وفي قراءة أبي بن ~~كعب: ' لنذبحنه ثم لنحرقنه '. # وقوله: * (ثم لننسفنه في اليم نسفا) يعني: لنذرينه في البحر تذرية. # قوله تعالى: * (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما) أي: ~~وسع علمه كل شيء، وقالوا هذا من فصيح القرآن. # قوله تعالى: * (كذلك نقص عليك من أنباء ما ms0969 قد سبق) أي: من أخبار من تقدم. # وقوله: * (وقد آتيناك من لدنا ذكرا) الذكر ها هنا هو: القرآن. # قوله تعالى: * (من أعرض عنه) أي: عن القرآن. # وقوله: * (فإنه يحمل يوم القيامة وزرا) أي: ثقلا، ومعناه: إثما يثقله. ~~PageV03P353 # * (فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (101) يوم ينفخ في الصور ونحشر ~~المجرمين يومئذ زرقا (102) يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) نحن ~~أعلم بما يقولون) * * وقوله: * (خالدين فيها) أي: مقيمين في عذاب الوزر. # وقوله: * (وساء لهم يوم القيامة حملا) أي: بئس الوزر حملهم يوم القيامة. # وقوله تعالى: * (يوم ينفخ في الصور) وقرأ أبو عمرو: ' ويوم ننفخ في الصور ~~' واستدل بما عطف عليه من قوله: * (ونحشر المجرمين) وقرأ الباقون: * (يوم ~~ينفخ في الصور) وهذا هو الأولى، وقد بينا معنى الصور من قبل. # وقوله تعالى: * (ونحشر المجرمين يومئذ زرقا) قال الحسن وقتادة وجماعة: ~~عميا. فإن قال قائل: كيف يستقيم هذا، وقد قال الله تعالى: * (ولقد جئتمونا ~~فرادى كما خلقناكم أول مرة) والله تعالى إنما خلقهم بصرا؛ والجواب: أنه حكي ~~عن ابن عباس أن في القيامة تارات وحالات فيحشرون بصرا ثم يعمون. والقول ~~الثاني في قوله: * (زرقا): أنه خضرة العين، فيحشر الكفار زرق الأعين سود ~~الوجوه، والقول الثالث: عطاشا، ومعناه: وقد تغيرت أعينهم من شدة العطش، ~~والقول الرابع: * (زرقا) أي: شاخصة أبصارهم من عظم الخوف، قال الشاعر: # (لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر * كذا كل ضبي من اللؤم أزرق) والقول الخامس: ~~* (زرقا) أي: أحد البصر؛ لأن الأزرق يكون أحد بصرا. # وقوله: * (يتخافتون بينهم) أي: يتساررون، ويتكلمون خفية. # وقوله: * (إن لبثتم إلا عشرا) أي: ما لبثتم إلا عشرا، وقد قال بعضهم: هذا ~~في ' القبر '، وقال بعضهم: في الدنيا، فإن قال قائل: هذا كذب صريح، وقد ~~لبثوا في الدنيا والقبر سنين كثيرة!، والجواب عنه: أن من شدة هول القيامة ~~يظنون أنهم ما PageV03P354 # * (إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104) ويسألونك عن الجبال فقل ~~ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ~~( 107) يومئذ يتبعون الداعي ms0970 لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا ~~همسا) * * لبثوا إلا هذا القدر، وقال بعضهم: إن الله تعالى يرفع العذاب ~~عنهم بين النفختين فيستريحون، فقولهم: * (إن لبثتم إلا عشرا) راجع إلى هذا. # قوله تعالى: * (نحن أعلم بما يقولون) معناه: أني عالم بقولهم وإن خافتوا. # وقوله: * (إذ يقول أمثلهم طريقة) تقول العرب: فلان أمثل قومه أي: أعدل ~~قومه، ومعنى الآية ها هنا: أعقلهم وخيرهم طريقة في نفسه. # وقوله: * (إن لبثتم إلا يوما) أي: ما لبثتم إلا يوما. # قوله تعالى: * (ويسألونك عن الجبال) قال الحسن البصري: سأل المشركون رسول ~~الله ما يفعل الله بهذه الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (فقل ينسفها ربي نسفا) النسف هو القلع من الأصل، ومعنى النسف في ~~الآية: هو تسيير الجبال أو جعلها هباء جعلها رملا سائلا. # وقوله: * (فيذرها قاعا صفصفا) أي: يذر أماكن الجبال قاعا صفصفا، والقاع ~~هو المكان الواسع المستوي، والصفصف هو الأملس الذي لا نبات فيه. # وقوله: * (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) أي: حدبا ونبكا، ومعناه: انخفاضا ~~وارتفاعا. # قوله تعالى: * (يومئذ يتبعون الداعي) قال أهل التفسير: الداعي ها هنا هو ~~إسرافيل يضع الصور في فيه، ويقول: أيتها العظام البالية، والجلود المتمزقة، ~~واللحوم المتفرقة، هلموا إلى عرض الرحمن، أو لفظ هذا معناه. # وقوله: * (لا عوج له) أي: لا يزيغون يمينا ولا شمالا، وقيل: لا يمكنهم ~~ألا يتبعوه. # وقوله: * (وخشعت الأصوات للرحمن) أي: سكنت وخضعت، وقال قتادة: ~~PageV03P355 # (* (108) يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحي ~~القيوم) * * ذلت. قال الشاعر: # ((فما) أتى خبر الزبير تصدعت * سور المدينة والجبال الخشع) وقوله: * (فلا ~~تسمع إلا همسا) الهمس هو الصوت الخفي، ويقال: صوت وطء الأقدام كهمس الإبل، ~~قال الشاعر: # (فباتوا يذبحون وبات يسري * بصير بالدجى هار هموس) قوله تعالى: * (يومئذ ~~لا تنفع الشفاعة) أي: لا تنفع الشفاعة لأحد. # وقوله: * (إلا من أذن له الرحمن) أي: إلا لمن أذن ms0971 الرحمن في الشفاعة له. # وقوله: * (ورضي له قولا) أي: قول لا إله إلا الله، وهو القول المرضي عند ~~الله. # قوله تعالى: * (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) أي: يعلم ما بين أيديهم من ~~الآخرة، وما خلفهم من الأعمال، ويقال: يعلم ما بين أيديهم أي: (لم يخلقهم ~~وهو يريد أن يخلقهم). # وقوله: * (وما خلفهم) أي: الذين خلفهم من قبلهم فخلفوهم. # وقوله: * (ولا يحيطون به علما) أي: لا يحيطون بالله علما، والله يحيط ~~بالأشياء، ولا يحاط به؛ لأن الإحاطة بالشيء هي العلم بالشيء من كل جهة يجوز ~~أن يعلم، والله تعالى لا يقدر قدره، ولا يبلغ كنه عظمته، وأما سائر الأشياء ~~فإن الله يعلم كل شيء بكل جهة يجوز أن تعلم. # قوله تعالى: * (وعنت الوجوه للحي القيوم) أي: ذلت الوجوه، وقال طلق بن ~~أبي حبيب: خرت الوجوه للسجود. # وقوله: * (للحي القيوم) هو الدائم الذي لم يزل، والقيوم هو القائم بتدبير ~~الخلق، PageV03P356 # * (وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما (112) وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم ~~يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من) ~~* * والقائم على كل نفس بما كسبت. # وقوله: * (وقد خاب من حمل ظلما) أي: هلك من حمل شركا، وحمل الشرك هو نفس ~~الإشراك. # قوله تعالى: * (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) ظاهر المعنى. # وقوله: * (فلا يخاف ظلما ولا هضما) قوله: * (ظلما) أي: يحمل عليه ذنب ~~غيره. * (ولا هضما) أي: لا يخاف أن ينقص من حقه، وقيل: ظلما أي: لا يقبل ~~طاعته، و * (هضما) أي: ينقص من ثوابه. # قوله تعالى: * (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا) أي: بلسان العرب. وقوله: * ~~(وصرفنا فيه من الوعيد) أي: صرفنا القول فيه بذكر الوعيد. قال قتادة: هو ~~ذكر وقائع الله في الأمم الخالية. # وقوله: * (لعلهم يتقون) أي: يتقون الشرك والمعاصي. # وقوله: * (أو يحدث لهم ذكرا) أي: يحدث لهم القرآن اعتبارا؛ فيعتبرون به، ~~وقال بعضهم: يحدث لهم الوعيد ذكر العذاب؛ فينزجرون عن ms0972 المعاصي. وقال بعضهم: ~~أو يحدث لهم ذكرا أي: شرفا لإيمانهم به. # قوله تعالى: * (فتعالى الله الملك الحق) ارتفع الملك الحق ذو الحق. # وقوله: * (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) فيه أقوال: ~~المشهور ما ذكره ابن عباس وغيره، أن النبي كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن، ~~تلا أول الآية قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ مخافة التفلت منه والنسيان؛ ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية ' ومعناها: لا تعجل بقراءة القرآن قبل أن يفرغ ~~جبريل من الإبلاغ. والقول PageV03P357 # * (قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114) ولقد عهدنا إلى آدم من ~~قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس) * * الثاني: معناها: ولا تطلب الإنزال من الله تعالى، واصبر حتى ~~يأتيك جبريل بما ينزله الله تعالى. والقول الثالث: معناها: ولا تبين للناس ~~ما لم يصلي إليك تأويله، ومعناه: ولا تبين من قبل نفسك. والقول الأول هو ~~المعروف. # وقوله: * (وقل رب زدني علما) أي: علما إلى ما علمت، فكان ابن مسعود إذا ~~قرأ هذه الآية قال: اللهم زدني إيمانا ويقينا. وعن مالك بن أنس قال: من شأن ~~ابن آدم ألا يعلم كل شيء، ومن شأن ابن آدم أن يعلم ثم ينسى، ومن شأن ابن ~~آدم أن يطلب من الله علما إلى علمه. # قوله تعالى: * (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل) العهد ها هنا هو الأمر. # وقوله: * (فنسي) معناه: فترك، وعن ابن عباس: أن الإنسان سمي إنسانا؛ لأنه ~~ينسى. # وقوله: * (ولم نجد له عزما) معناه: صبرا، وقيل: حزما، وقال عطية: حفظا ~~لما أمر به والعزم هو توطين النفس على الفعل. # وعن الحسن البصري قال: لو قوبل عقل آدم بعقل جميع ولده لرجحهم، وقد قال ~~الله تعالى: * (ولم نجد له عزما). وعن أبي أمامة الباهلي قال: لو وزن حلم ~~آدم بحلم جميع ولده لرجح حلمه، وقد قال الله تعالى: * (ولم نجد له عزما) ~~فإن قيل: أتقولون أن آدم - عليه السلام - كان ناسيا لأمر الله تعالى حين ~~أكل ms0973 من الشجرة؟ قلنا: يجوز أنه نسي، ومنهم من قال: نسي عقوبة الله تعالى، ~~وظن أنه نهي تنزيه، لا نهي تحريم، ومنهم من قال: ظن أنه إنما نهى عن شجرة ~~بعينها، ولم ينه عن جنس الشجرة. # قوله تعالى: * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى) ~~ظاهر المعنى. PageV03P358 # * (أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة ~~فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا ظمأ فيها ولا ~~تضحى) * * وقوله: * (فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى) أي: تتعب وتنصب. وقال السدي: بالحرث والحصد والطحن والخبز. ~~وعن سعيد بن جبير: أن الله تعالى أنزل عليه ثورا أحمرا، فجعل يحرث، ويرشح ~~العرق عن جبينه، فذلك شقاؤه. وروي عن سعيد أنه قال: جعل آدم يسوق الثور، ~~وقد تعب، وعرق، فقال: يا حواء، هذا من قبلك، فبقي ذلك في ولده إلى يوم ~~القيامة، فيقولون عند الحراثة: حوحو. ذكره ابن فارس في تفسيره. # قال أبو الحسين بن فارس في تفسيره. وعليه الخبر المعروف برواية أبي هريرة ~~- رضي الله عنه -، عن النبي قال: ' لقي آدم موسى - صلوات الله عليهما - ~~فقال: يا آدم، أنت الذي أشقيتنا، وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: يا موسى، ~~أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق.. الخبر بطوله. إلى أن قال: فحج ~~آدم موسى ثلاثا '. وفي بعض الحديث: أن الله تعالى لما أهبط آدم إلى الأرض ~~قال: ' لأطعمنك حتى يعرق جبينك، ويتعب بدنك، وفهو معنى قوله: * (فتشقى). ~~فإن قال قائل: كيف لم يقل: فتشقيا، وقد قال من قبل: * (فلا يخرجنكما)؟ # والجواب من وجهين: أحدهما: أن معناه: فتشقيا، ولكنه اكتفى بذكر أحدهما عن ~~الآخر، ونظير هذا قوله تعالى: * (عن اليمن وعن الشمال قعيد) أي: قعيدان. # والآخر: أنه قال: * (فتشقى)؛ لأنه هو الكاد والساعي على المرأة، فالتعب ~~عليه. # قوله تعالى: * (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى) ظاهر المعنى. # وقوله: * (وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى). أي: لا تعطش، ms0974 ولا يصيبك أذى ~~PageV03P359 # (* (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121)) * * الشمس. فإن قيل: ليست في الجنة شمس، ~~فكيف يستقيم هذا الكلام؟ والجواب: أنه مستقيم؛ لأن أهل الجنة في ظل ممدود، ~~فلا يصيبهم أذى الشمس مثل ما يصيبهم في الدنيا، وقيل معناه: لا يصيبك حر ~~يؤذيك، ولا تضحى: لا تعرق، والعرب تقول: أضحى فلان إذا بدر للشمس. وفي بعض ~~الآثار: اضح لمن أخدمت له. وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي أبو الخطاب - ~~وولد ليلة مات عمر - رضي الله عنه -: # (رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأما بالعشي فيخصر) قوله تعالى: * ~~(فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) أي: ~~لا يخلق ولا يفنى، وقد بينا معنى [شجرة] الخلد من قبل. # قوله تعالى: * (فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما) أي: عوراتهما. وقال بعض ~~أهل المعاني: بدت عورتهما لهما دون غيرهما؛ لأن الله تعالى قال: * (فبدت ~~لهما سوءاتهما). # وقوله: * (وطفقا يخصفان) أي: طلبا. يقال: طفق يفعل كذا، إذا جعل يفعله. # وقوله: * (يخصفان) أي: يلصقان الورق بالورق للباسهما. # وقوله: * (عليهما من ورق الجنة) أي: للباسهما. # وقوله: * (وعصى آدم ربه) قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال: عصى آدم، ولكن لا ~~يقال: آدم عاص؛ لأنه إنما يقال: عاص إذا اعتاد فعل المعصية؛ وهذا كالرجل ~~يخيط ثوبه، يقال: خاط ثوبه، ولا يقال: خياط إلا إذا اعتاد الخياطة. # وأما قوله: * (فغوى) معناه: ضل وخاب، والضلال ها هنا بمعنى: أخطأ طريق ~~الحق، والخيبة: فوات ما طمع فيه من الخلود. PageV03P360 # * (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضهم لبعض ~~عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض ~~عن ذكري فإنه له معيشة ضنكا) * * وقال ابن الأعرابي: غوى أي: فسد عيشه، ~~وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب. # قوله تعالى: * (ثم اجتباه ms0975 ربه فتاب عليه وهدى) أي: اختاره ربه وتاب عليه، ~~أي: قبل توبته. وهدى أي: أرشده إلى الإنابة. # قوله تعالى: * (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو) وقد بينا من قبل. # وقوله: * (فإما يأتينكم مني هدى) أي: بيان. # وقوله: * (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) أي: لا يضل في الدنيا، ولا ~~يشقى في الآخرة. وعن الشعبي أنه قال: أجار الله تعالى من تبع القرآن، وعمل ~~بما فيه أن يضل أو يشقى، ثم تلا هذه الآية. # قوله تعالى: * (ومن أعرض عن ذكري) أي: عن وحيي. # وقوله: * (فإن له معيشة ضنكا) فيه أقوال: # روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا: عذاب القبر. ~~قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: يضغط حتى تختلف أضلاعه. وفي بعض ~~المسانيد هذا عن النبي، ولفظه: ' يلتئم عليه القبر، حتى تختلف أضلاعه، ولا ~~يزال كذلك حتى يبعث '. قاله في هذه الآية. # والقول الثاني: قال الضحاك: هو أكل الحرام، وقال بعضهم: هو أن يكسب دون ~~ما يكفيه، والضنك هو الضيق، وقال الحسن: معيشة ضنكا: عذاب جهنم، وقال ~~PageV03P361 # * (ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ~~(125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من ~~أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) أفلم يهد لهم) * * ~~بعضهم: هو الضريع، والزقوم (في النار). # وقوله: * (ونحشره يوم القيامة أعمى) فقال: أعمى عن الحجة، ويقال: أعمى ~~العين، وقد بينا أنه روي عن ابن عباس أنه قال: يحشرهم بصيرا ثم يعمى، وقيل: ~~أعمى عن الحق، وقيل: أعمى عن كل شيء إلا عن عذاب جهنم. # قوله تعالى: * (قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا) معناه: ولم حشرتني ~~أعمى عن الحجة، وقد كنت بصيرا بالحجة؟ وقيل: أعمى العين، وقد كنت بصير ~~العين. # قوله تعالى: * (قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها) أي: تركتها. # وقوله: * (وكذلك اليوم تنسى) أي: تترك. قال قتادة: نسوا من الخير، ولم ~~ينسوا من العذاب. # قوله تعالى: * (وكذلك نجزي من أسرف) أي: من ms0976 أشرك. # وقوله تعالى: * (ولم يؤمن بآيات ربه) ظاهر المعنى. # وقوله: * (ولعذاب الآخرة أشد وأبقى). أي: أعظم وأدوم. # قوله تعالى: * (أفلم يهد لهم) وقرئ: ' نهد ' بالنون، فقوله: * (يهد) ~~بالياء أي: يهدي القرآن، ومعنى نهدي: نبين، وقوله: ' نهدي ' أي: نبين نحن، ~~وصلته باللام دليل على أنه بمعنى التبين. # وقوله: * (كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم) قال أهل التفسير: ~~PageV03P362 # * (كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي ~~النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) فاصبر على ~~ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح) ~~* * هذا الخطاب لقريش، وقد كانوا يسافرون إلى الشام، فيرون ديار المهلكين ~~من أصحاب الحجر وثمود وقريات لوط. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات) أي: لدلالات وعبرا. # وقوله: * (لأولي النهى) أي: لأولي العقول، يقال: فلان ذو نهية أي: ذو ~~عقل. # قوله تعالى: * (ولولا كلمة سبقت من ربك) فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ولولا ~~كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى * (لكان لزاما) أي: العذاب لزاما، والكلمة هي ~~الحكم بتأخير العذاب، والأجل المسمى هو وعد القيامة، قال الله تعالى: * (بل ~~الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر). # وقوله تعالى: * (لزاما) أي: العذاب لا يفارقهم. # قوله تعالى: * (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك) أي: صل بأمر ربك. # وقوله: * (قبل طلوع الشمس) هو الفجر. * (وقبل غروبها) هو العصر * (ومن ~~آناء الليل) المغرب والعشاء. والآناء جمع إني، والإنى: الساعة. # وقوله: * (وأطراف النهار) هو الظهر. فإن قيل: كيف سمي أطراف النهار؟ ~~قلنا: لأنه طرف النصف الأول انتهاء، وطرف النصف الثاني ابتداء، وهذا قول ~~قتادة وأكثر المفسرين. وقال بعضهم: أطراف النهار: ساعات النهار للتطوع، ~~وعلى هذا قوله: قبل غروب الشمس دخل فيه الظهر والعصر، وقال بعضهم: أطراف ~~النهار المراد منه الصبح والعصر، وهو مذكور لتأكيد ما سبق. وقد ثبت برواية ~~جرير بن عبد الله البجلي قال: ' كنا جلوسا مع النبي، فنظر إلى القمر ليلة ~~البدر، فقال: ' إنكم سترون ربكم مثل هذا، وأشار إلى القمر، ms0977 لا تضامون في ~~رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة PageV03P363 # * (وأطراف النهار لعلك ترضى (130) ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه وزرق ربك خير وأبقى (131) وأمر أهلك ~~بالصلاة) * * قبل غروب الشمس، وقبل طلوعها فافعلوا، ثم قرأ هذه الآية: * ~~(فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها). قال الشيخ الإمام: أخبرنا ~~بهذا المكي بن عبد الرزاق، قال: أخبرنا جدي أبو الهيثم، قال: حدثنا ~~الفربري، قال: نا البخاري رضي الله عنه، قال: نا إسحاق بن إبراهيم، عن جرير ~~بن عبد الحميد الضبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عن ~~جرير...... الحديث. # قوله: * (لعلك ترضى) أي: لعلك ترضى ثوابه، وقرئ: ' لعلك ترضى ' على ما لم ~~يسم فاعله، أي: تعطى ثوابه. # قوله تعالى: * (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم) روي عن أبي ~~رافع ' أن النبي نزل به ضيف، ولم يكن عنده شيء، فبعث إلى يهودي يستقرض منه ~~طعاما، فأبى إلا برهن، فرهن منه درعه وحزن منه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~'. # وقوله: * (أزواجا منهم) أي: رجالا، وقيل: أضيافا منهم. # وقوله: * (زهرة الحياة الدنيا). (زينة الحياة الدنيا، وقيل: زهرة الحياة ~~الدنيا) بهجتها وحسنها، وما تروق الناظر منهما. # وقوله: * (لنفتنهم فيه) أي: نوقعهم في الفتنة بسببه. # وقوله: * (ورزق ربك خير وأبقى) أي: خير لك في الآخرة، وأبقى بركة في ~~الدنيا. # وروي عن أبي بن كعب أنه قال: من لم يتعز بعز الله تعالى تقطعت نفسه ~~حسرات، ومن يتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه، ومن ظن أن نعمة الله ~~تعالى PageV03P364 # * (واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132) وقالوا ~~لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (133) ولو أنا ~~أهلكناهم بعذاب) * * في مطعمه ومشربه وملبسه، فقد قل عمله وحضر عذابه. # وعن يزيد بن ميسرة، أنه قال: كانوا يسمون الدنيا: خنزيرة، ولو علموا اسما ~~أسوء منه لسموها به، فكانت إذا أقبلت على أحدهم، قال: إليك يا خنزيرة. ms0978 # قوله تعالى: * (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) في قوله: * (أهلك) ~~قولان: أحدهما: أهل دينك، والآخر: قرابتك وقومك. # وفي بعض المسانيد عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي كان إذا أصاب ~~أهله خير أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية * (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر ~~عليها). # وقوله: * (لا نسألك رزقا) أي: لا نسألك أن ترزق أحدا من خلقي، ولا أن ~~ترزق نفسك، وقيل: ثوابا. # وقوله: * (نحن نرزقك). أي: نوصل إليك رزقك، وقيل: ننشئك. # وقوله: * (والعاقبة للتقوى) أي: (لأهل) التقوى. # قوله تعالى: * (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه) أي: الآية المقترحة، ~~فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة. # وقوله: * (أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى) أي: بيان ما في الصحف ~~الأولى من أنباء الأمم، فإنهم اقترحوا الآيات، فأعطوا ولم يؤمنوا، فأهلكهم ~~الله تعالى، ولو أعطينا هؤلاء أيضا، ولم يؤمنوا ألحقنا إهلاكهم. ~~PageV03P365 # * (من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن ~~نذل ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن ~~اهتدى (135)) * * قوله تعالى: * (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله) أي: من ~~قبل إرسال الرسل وإنزال القرآن. # قوله: * (لقالوا لولا أرسلت إلينا رسولا) أي: لقالوا يوم القيامة. # وقوله: * (فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) أي: نذل في الدنيا، ونخزى في ~~الآخرة. والذل: الهوان، والخزي: الافتضاح. # قوله تعالى: * (قل كل متربص) روي أن المشركين قالوا: نتربص بمحمد حوادث ~~الدهر، فإذا مات تخلصنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية * (قل كل متربص) أي: ~~منتظر. # وقوله: * (فتربصوا) أي: فانتظروا. # وقوله: * (فستعلمون من أصحاب الصراط السوي) في الشاذ: ' من أصحاب الصراط ~~السوى ' على وزن فعلى، والمعروف: ' السوى '. ومعنى الصراط السوى: الدين ~~القويم. # وقوله * (ومن اهتدى) أي: من هدى ورشد، والمهتدون نحن أم أنتم؟ ~~PageV03P366 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ~~ما يأتيهم من ذكر من ربهم) * * تفسير سورة الأنبياء وهي مكية، قال ابن ~~مسعود: سورة بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول، وهن ~~من تلادي. # قوله تعالى: ms0979 * (اقترب للناس حسابهم) قوله: * (اقترب): افتعل، من القرب. ~~وقوله: * (للناس حسابهم) أي: وقت حسابهم، وقيل: عذابهم، وقد ثبت عن النبي ~~أنه قال: ' من نوقش في الحساب عذب. والآية في المشركين دون المؤمنين، وهذا ~~قوله بعضهم، وإنما سمى الساعة قريبة؛ لأنها كانت لا محالة، وكل ما هو كائن ~~لا محالة فهو قريب، وأيضا فإن ما بقي من الدنيا في جنب ما مضى (قليل)، فسمى ~~الساعة قريبة؛ على هذا المعنى، وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية ارتدع ~~المشركون عن بعض ما هم عليه، ثم لما لم يروا للقيامة أثرا انهمكوا فيما ~~كانوا، وهكذا روي أيضا في قوله تعالى: * (أتى أمر الله)، والله أعلم. # وقوله: * (وهم في غفلة معرضون) أي: هم غافلون معرضون، وقيل: في اشتغال ~~بالباطل عن الحق، ويقال: وهم في غفلة عما يراد بهم وأريدوا به. # قوله تعالى: * (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) استدل المعتزلة بهذا على ~~أن القرآن مخلوق، وقالوا: كل محدث مخلوق، والجواب عنه: أن معنى قوله: * ~~(محدث) أي: محدث تنزيله، ذكره الأزهري وغيره، ويقال: أنزل في زمان بعد ~~زمان، قال الحسن البصري: كلما جدد لهم ذكرا استمروا على جهلهم، وذكر النقاش ~~في تفسيره: أن الذكر المحدث هاهنا ما ذكره النبي، وبينه من السنن والمواعظ ~~PageV03P367 # * (محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ~~ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربي يعلم ~~القول في السماء) * * والدلائل سوى ما في القرآن، وأضافه إلى الرب؛ لأنه ~~قاله بأمر الرب تعالى. # وقوله: * (إلا استمعوه وهم يلعبون) أي: استمعوه لاعبين. # وله تعالى: * (لاهية قلوبهم) أي: غافلة، وقيل: مشتغلة بالباطل عن الحق. ~~قال امرؤ القيس: # (فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذي تمائم محول) أي شغلتها. # وقوله: * (وأسروا النجوى) فيه قولان: أحدهما: وأخفوا النجوى، والآخر: ~~وأظهروا النجوى، والعرب تقول: أسر إذا أخفى، وأسر إذا أظهر، وقال بعض أهل ~~اللغة: أسر إذا أخفى بالسين غير المعجمة، وأشر إذا أظهر بالشين المعجمة. ~~قال الشاعر: # (ولما رأى ms0980 الحجاج جرد سيفه * أسر) الحروري الذي كان أضمرا) وقوله: * ~~(الذين ظلموا) أي: أشركوا. # وقوله: * (هل هذا إلا بشر مثلكم) أنكروا إرسال البشر، وطلبوا إرسال ~~الملائكة. # وقوله: * (أفتأتون السحر) أي: تحضرون السحر وتقبلونه. # وقوله: * (وأنتم تبصرون) أي: تعلمون أنه سحر. # قوله تعالى: * (قال ربي يعلم القول في السماء والأرض) يعني: القول يسر ~~به، ويجهر به في السماء والأرض. # وقوله: * (وهو السميع العليم) ظاهر المعنى. PageV03P368 # * (والأرض وهو السميع العليم (4) بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو ~~شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (5) ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناهم ~~أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون (7) وما) * * قوله تعالى: * (بل قالوا أضغاث أحلام) أي: ~~تهاويل أحلام، ويقال: أخلاط أحلام، ويقال: ما لا تأويل له ولا تفسير. # قال الشاعر: # (أحاديث [طسم] أو سراب بقيعة * ترقرق للساري وأضغاث حالم) وقوله: * (بل ~~افتراه) أي: اختلقه. # وقوله: * (بل هو شاعر) أي: مثل أمية بن الصلت ومن أشبه، والمراد من ~~الآية: بيان تناقضهم في قولهم، وأنهم غير مستقرين على شيء واحد. # وقوله: * (فليأتنا بآية كما أرسل الأولون) بالآيات، وطلبوا آية مثل ~~الناقة أو عصا موسى، ويد موسى، وما أشبه ذلك، وقد كان الله تعالى بين ~~الآيات سوى ما طلبوا. # قوله تعالى: * (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها) معناه: ما آمنت قبلهم من ~~أهل قرية طلبوا آية فأعطوا، أي: أعطيناهم الآية، ولم يؤمنوا. وقوله: * ~~(أهلكناها) أي: حكمنا بهلاكها. # وقوله: * (أفهم يؤمنون) معناه: كما لم يؤمن أولئك، فلا يؤمن هؤلاء. # قوله تعالى: * (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) يعني: أنا لم نرسل ~~الملائكة قبلك إلى الأولين، فنرسل ملكا إلى قومك. # وقوله: * (فاسألوا أهل الذكر) الأكثرون على أن المراد بأهل الذكر مؤمنو ~~أهل PageV03P369 # * (جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد ~~فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ~~أفلا تعقلون (10) وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين ~~(11) فلما أحسوا) * * الكتاب، ms0981 وعن علي - رضي الله عنه - أنهم علماء هذه ~~الأمة. # وقوله: * (إن كنتم لا تعلمون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وما جعلناهم جسدا) أي: ذوي أجساد. # وقوله: * (لا يأكلون الطعام) معلوم. وقوله: * (وما كانوا خالدين) أي: في ~~الدنيا، وهذا رد لقولهم: * (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام...) الآية. # قوله تعالى: * (ثم صدقناهم الوعد) معناه: صدقناهم الوعد في العقاب ~~والثواب. # وقوله: * (فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين) أي: أنجينا المؤمنين، ~~وأهلكنا المكذبين، وكل مكذب مشرك مسرف على نفسه، والسرف: مجاوزة الحد. # وقوله تعالى: * (لقد أنزلنا إلكيم كتابا فيه ذكركم) فيه أقوال: أحدها: ~~ذكركم أي: حديثكم، وقيل ذكركم أي: ذكركم ما تحتاجون إليه من دينكم، وقال ~~مجاهد: ذكركم أي: شرفكم، وهو شرف لمن يؤمن به، لا لمن يكفر به. # وقوله: * (أفلا تعقلون) أي: أفلا تعتبرون. # قوله تعالى: * (وكم قصمنا) القصم: الكسر، والفصم - بالفاء - الصدع، وفي ~~الخبر: ' يرفع أهل الدرجات العلا إلى غرفة من در ليس فيها قصم ولا فصم '. # وقوله: * (من قرية كانت ظالمة) أي: ظلم أهلها. # وقوله: * (وأنشئنا بعدها قوما آخرين) أي: فريقا آخرين. # وقوله تعالى: * (فلما أحسوا بأسنا) أي: (وجدوا عذابنا)، وقيل: وصل إليهم ~~PageV03P370 # * (بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ~~ومساكنكم لعلكم تسألون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت ~~تلك دعواهم حتى) * * عذابنا. # وقوله: * (إذا هم منها يركضون) أي: يهربون ركضا، يقال: ركض الدابة إذا ~~أسرع في سيرها. # قوله تعالى: * (لا تركضوا) أي: لا تهربوا. # وقوله: * (وارجعوا إلى ما أترفتم فيه) أي: نعمتم فيه، والمترف: المنعم، ~~وقيل: إلى دنياكم * (ومساكنكم) التي نعمتم فيها. قال أكثر أهل التفسير: هذه ~~الآيات نزلت في أهل مدينة كفروا، فسلط الله عليهم بعض الجبابرة - وقيل: كان ~~بختنصر - فلما أصابهم عذاب السيف هربوا، فقال لهم الملائكة، والسيوف قد ~~أخذتهم: لا تهربوا، وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم. * (لعلكم تسألون) ~~من دنياكم، فتعطون من شئتم، وتمنعون من شئتم، قالوا هذا لهم استهزاء، وقد ~~قيل: هذا في أهل مدينة أصابهم عذاب من السماء، ms0982 فخرجوا هاربين، وقال لهم ~~الملائكة هذا القول، ويقال في قوله: * (لعلكم تسألون) أي: تسألون لم تركتم ~~ما يصلح دينكم وأمر آخرتكم، واشتغلتم بما يوجب العذاب عليكم؟ ويقال: لعلكم ~~تسألون عما عاينتم من العذاب، قالت الملائكة هذا توبيخا لهم. # قوله تعالى: * (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين) الويل: دعاء الهلاك. # وقوله: * (ظالمين) أي: ظالمين لأنفسنا. # قوله تعالى: * (فما زالت تلك دعواهم) أي: دعاؤهم وقولهم. # وقوله: * (حتى جعلناهم حصيدا خامدين) الحصيد: هو المستأصل. # وقوله: * (خامدين) أي: ميتين، ومعنى الآية: جعلناهم كأن لم يكونوا. # قوله سبحانه وتعالى: * (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) أي: ~~PageV03P371 # * (جعلناهم حصيدا خامدين (15) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ~~(16) لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من في ~~السماوات والأرض) * * للعب. # قوله تعالى: * (لو أردنا أن نتخذ لهوا) اختلفوا في اللهو هاهنا على ~~قولين: أحدهما: أن اللهو هو المرأة، والآخر: أن اللهو هو الولد، وهو في ~~المرأة أظهر؛ فإن الوطء يسمى لهوا في اللغة، والمرأة محل الوطء، قال ~~الشاعر: # (ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي) وعن بعضهم: ~~أن اللهو هو الغناء، وهو ضعيف في هذا الموضع. # وقوله: * (لاتخذناه من لدنا) أي: لاتخذناه من عندنا لا من عندكم، ويقال: ~~اتخذناه بحيث لا ترون). # وقوله: * (إن كنا فاعلين) أي: ما كنا فاعلين، ويقال: إن كنا فاعلين، ولم ~~نفعله؛ لأنه لا يليق بنا. # قوله سبحانه وتعالى: * (بل نقذف بالحق على الباطل) الحق هاهنا: قول الله ~~تعالى: ' إنه لا ولد له ' والباطل قولهم: إن الله اتخذ ولدا، ويقال: إن ~~الحق هو القرآن، والباطل هو الشيطان. # وقوله: * (نقذف) أي: نلقي. # وقوله: * (فيدمغه) أي: يزيله، يقال: دمغت فلانا إذا كسرت دماغه وقتلته. # وقوله: * (فإذا هو زاهق) أي: ذاهب، وهذا من حيث بيان الدليل والحجة، لا ~~من حيث إزالة الكفر أصلا، فإن الكفر والباطل في العالم كثير. # وقوله: * (ولكم الويل مما تصفون) ms0983 قال قتادة: مما تكذبون، وقال الحسن: هو ~~لكل واصف كذبا إلى يوم القيامة. PageV03P372 # * (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون (20) أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله) * * قوله تعالى: * (وله من في السماوات والأرض) أي: ~~من في السماوات والأرض عبيدا وملكا. # وقوله: * (ومن عنده) أي: الملائكة. # وقوله: * (لا يستكبرون عن عبادته). أي: لا يتعظمون عن عبادته، وذكر ابن ~~فارس في تفسيره في خبر: أن الله تعالى لما استوى على عرشه، سجد ملك فلا ~~يرفع رأسه من السجود إلى يوم القيامة، فإذا رفع رأسه يوم القيامة قال: ~~سبحانك، ما عبدتك حق عبادتك غير أني لم أشرك بك، ولم أتخذ لك ندا. # وقوله: * (ولا يستحسرون) أي: لا يعيون، يقال: دابة حسيرة إذا كانت عيية، ~~قال كعب الأحبار: التسبيح لهم كالتنفس لبني آدم. # قوله تعالى: * (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) يعني: يسبحون دائما، لا ~~يضعفون ولا يفنون، واعلم أنه ليس عند الملائكة ليل ولا نهار؛ وإنما المراد ~~بذكر الليل والنهار هاهنا: هو الدوام على التسبيح. # قوله تعالى: * (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون) معنى قوله: * (من ~~الأرض) أي: من الخشب والحجارة، (وقد كانت عامة أصنام المشركين من الخشب ~~والحجارة)، وهما من الأرض. # وقوله: * (هم ينشرون) أي: يحيون، ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على ~~الإحياء والإيجاد من العدم؛ لأنه الإنعام بأبلغ وجوه النعم، وهذا لا يليق ~~بوصف البشر وكل محدث. وأنشدوا للأعشى في الانتشار: # (لو أسندت ميتا إلى نحرها * عاش ولم ينقل إلى قابر) (حتى يقول الناس مما ~~رأوا * أيا عجبا للميت الناشر) PageV03P373 # * (لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون) * * وقرئ: ' ينشرون ' بفتح الياء أي: يحيون أبدا، ومعنى الآية هو ~~الإنكار على متخذ الأصنام آلهة، وبيان أنه لا يليق بها الإلهية. # قوله تعالى: * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) قال أكثر أهل ~~التفسير: ' إلا ' هاهنا بمعنى ' غير '، قال الشاعر: # (وكل أخ مفارقه أخوه ms0984 * لعمرو أبيك إلا الفرقدان) يعني: غير الفرقدين، ~~وهذا على ما اعتقدوا من دوام السماء والأرض. # وقال بعضهم: * (إلا الله) ' إلا ' بمعنى ' الواو ' هاهنا، ومعناه: لو كان ~~فيهما آلهة والله (أيضا) لفسدتا، ومعنى الفساد في السماء والأرض إذا كان ~~الإله اثنين، هو فساد التدبير وعدم انتظام الأمور بوقوع المنازعة والمضادة، ~~وهو أيضا معنى قوله تعالى: * (ولعلا بعضهم على بعض). # وقوله: * (فسبحان الله رب العرش عما يصفون) نزه نفسه عما يصفه به ~~المشركون من الشريك والولد. # قوله تعالى: * (لا يسأل عما يفعل وهم (يسألون)) يعني: لا يسأل عما يحكم ~~على خلقه، والخلق يسألون عن (أفعالهم وأعمالهم)، وقيل: لا يسأل عما يفعل؛ ~~لأنه كله حكمة وصواب، وهم يسألون عما يفعلون لجواز الخطأ عليهم، وقيل: معنى ~~لا يسأل عما يفعل: لا يقال له: لم؟، ولماذا؟ بخلاف الخلق، وفي الآية رد على ~~القدرية، وقطع شبهتهم بالكلية. # وقد روى أبو الأسود الدؤلي أن عمران بن حصين قال له: أرأيت ما يسعى فيه ~~الناس ويكدحون، أهو أمر قضي عليهم أو شيء يستأنفونه؟ فقلت: لا، بل أمر قضي ~~عليهم، قال: أفلا يكون ظلما؟ قلت: سبحان الله * (لا يسأل عما يفعل وهم ~~PageV03P374 # (* (23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من ~~قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي) * * يسألون) فقال لي: أصبت يا أبا الأسود، وقد أجزت عقلك، ثم روى ~~عمران أن رجلا من جهينة - أو مزينة - أتى النبي قال له: عما يفعل الناس أو ~~يكدحون فيه، أهو شيء قضي عليهم؟ أم شيء يستأنفونه؟ فقال النبي: ' هو شيء ~~قضي عليهم، فقال ذلك الرجل: يا رسول الله، أفلا يكون ظلما؟ قال: لا، ثم تلا ~~قوله تعالى: * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) ' قال الشيخ: وقد ذكرنا هذا ~~الخبر في كتاب ' مسند القدر '. # قوله تعالى: * (أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم) أي: حجتكم. # وقوله: * (هذا ذكر من معي) أي: ذكر من معي (بما) أمروا من ms0985 الحلال ~~والحرام. # وقوله: * (وذكر من قبلي) أي: من يحيى منهم بالطاعة وهلك بالمعصية، وعن ~~ابن عباس قال: ذكر من معي فهو القرآن، وذكر من قبلي هو التوراة والإنجيل، ~~ومعناه: راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب، هل تجدون فيها أن ~~الله اتخذ ولدا؟ # وقوله: * (بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون) أي: وحدون. # قوله تعالى: * (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) قال قتادة: قال طائفة من ~~المشركين: إن الله تعالى صاهر الجن، فالملائكة بناته. PageV03P375 # * (إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ~~بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن ~~يقل منهم إني) * * وقوله: * (سبحانه) نزه نفسه عما قالوا. # وقوله: * (بل عباد مكرمون) أي: عبيد مكرمون. # قوله تعالى: * (لا يسبقونه بالقول) هذا ثناء من الله على الملائكة، ومعنى ~~قوله: * (لا يسبقونه بالقول) أنهم لا يقولون قولا بخلافه، وهذا مثل قوله ~~تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) أي: لا ~~تقولوا قولا بخلاف الكتاب والسنة، وقد ثبت برواية عائشة - رضي الله عنها - ~~عن النبي أنه قال: ' من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد '. والإحداث في ~~الدين أن يقول بخلاف الكتاب والسنة. # وقوله: * (وهم بأمره يعملون) معناه: أنهم لا يخالفونه، لا قولا، ولا ~~عملا، ويقال معناه: إذ أمر بأمر أطاعوا، فإذا قال لهم: افعلوا قالوا: طاعة. # قوله تعالى: * (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) أي: ما قدموا وأخروا، ~~وقيل: ما بين أيديهم هو الآخرة، وما خلفهم أعمالهم. # وقوله: * (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) معناه: إلا لمن قال: لا إله إلا ~~الله، ويقال: إلا لمن رضي الله عنه عمله. # وقوله: * (وهم من خشيته مشفقون) أي: من عذابه. # قوله تعالى: * (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك ms0986 نجزي ~~الظالمين). فإن قيل: هل قال أحد من الملائكة إني إله من دونه؟ (قلنا) ~~معناه: لو PageV03P376 # * (إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) أو لم ير الذين ~~كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي ~~أفلا يؤمنون) * * قالوا، ولم يقولوا، والجواب المعروف: أن المراد منه إبليس ~~لعنه الله؛ فإنه دعا الناس إلى طاعته، فهو معنى قوله: * (ومن يقل منهم إني ~~إله) وهذا دليل على أن من دعا إنسانا إلى طاعته في معصية الخالق فكأنه قال: ~~اعبدني أو اتخذني إلها. # قوله تعالى: * (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما) فإن قال قائل: قد قال: أو لم ير الكفار، [و] لم يروا شيئا من ~~هذا ولا المسلمون! والجواب عنه: أن معناه أو لم يعلموا بإخبارك إياهم، ~~وقيل: أو لم يخبروا. وأما الرتق في اللغة هو السد، والفتق هو الشق، قال ~~الشاعر: # (يهون عليهم إذا يغضبون * سخط العداة وإرغامها) (ورتق الفتوق وفتق الرتوق ~~* ونقض الأمور وإبرامها) وأما معنى الآية: قال ابن عباس: قوله: * (كانتا ~~رتقا) أي: كان السماء والأرض ملتصقين، ففتقناهما بالهواء، وقال غيره: ~~معناه: كان السماء شيئا واحدا، ففتقناها، وجعلناها سبع سماوات، وكانت الأرض ~~شيئا واحدا ففتقناها، وجعلناها سبع أرضين، والقول الثالث قاله مجاهد: فتقنا ~~السماء بالمطر، والأرض بالنبات. # وقوله: * (وجعلنا من الماء كل شيء حي) فإن قال قائل: قد خلق بعض ما هو حي ~~من غير الماء، فكيف يستقيم قوله: * (وجعلنا من الماء كل شيء حي)؟ وأيضا فإن ~~الإنسان قد يموت بالماء، والشجر والنبات قد يهلك بالماء؟ والجواب من وجهين: ~~أحدهما: أن الماء هاهنا هو النطفة، والحي هو الآدمي، ومعناه: كل شيء حي من ~~الآدمي. والجواب الثاني: أن هذا على وجه التكثير، وأكثر الأحياء في الأرض ~~إنما هو مخلوق من الماء أو بقاؤه بالماء، فاستقام معنى الآية من هذا الوجه. ~~PageV03P377 # (* (30) وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم ~~يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها ms0987 معرضون (32) وهو الذي ~~خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33)) * * وقوله: * ~~(أفلا يؤمنون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وجعلنا في الأرض رواسي) أي: جبالا ثوابت، وقيل: ثقالا، ~~قال الشاعر: # (رسا أصله تحت الثرى وسمائه * إلى النجم فرع لا ينال طويل) وقوله: * (أن ~~تميد بهم). أي: كراهة أن تميد بهم، والميد: الحركة. # وقوله: * (وجعلنا فيها فجاجا سبلا) الفج هو الواسع بين الجبلين. # وقوله: * (سبلا) أي: طرقا مسلوكة. # وقوله: * (لعلهم يهتدون) أي: يهتدون إلى الحق. # قوله تعالى: * (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) أي: محفوظا من وقوعه على ~~الأرض، وهو معنى قوله تعالى: * (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا) ~~ويقال معناه: محفوظا عن الشياطين بالشهب. # وقوله: * (وهم عن آياتها معرضون) آياتها: شمسها وقمرها ونجومها وارتفاعها ~~واستمساكها بغير عمد، وغير ذلك. # قوله تعالى: * (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر) المعروف عن ~~ابن عباس برواية عكرمة أنه قال: إن الله تعالى خلق الليل قبل النهار، وقرأ ~~قوله تعالى: * (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا) أي: ~~كانتا مظلمة بالرتق ففتقتا بالضياء. # وقوله: * (والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) أي: يجرون، ويقال يدور ~~PageV03P378 # * (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة ~~الموت) * * بهم فلك دون السماء، ويقال: يدور بهم السماء، والله أعلم؛ وإنما ~~ذكر * (يسبحون) ولم يقل: يسبح على ما يقال لما لا يعقل؛ لأنه ذكر عنهم ما ~~يذكر من العقلاء، وهو الجري والسبح، فذكر على ما يعقل. # قوله تعالى: * (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) كانوا يقولون: نتربص بمحمد ~~ريب المنون، فقال تعالى: * (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) يعني: أن الموت ~~طريق معهود مسلوك لا بد منه لكل حي. # وقوله: * (أفإن مت فهم الخالدون) معناه: أفهم الخالدون إن مت؟ وقد روي ' ~~أن النبي لما توفي دخل أبو بكر - رضي الله عنه - ووضع فمه بين عينيه ويده ~~على جانب رأسه، وقال: يا رسول الله، طبت حيا وميتا، ثم قرأ قوله تعالى: * ~~(وما جعلنا لبشر من ms0988 قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون) وقد كان عمر يقول: ~~إنه لم يمت، فلما تلا أبو بكر هذه الآية، فكأن الناس لم يسمعوا هذه الآية ~~إللا ذلك الوقت، وأعرضوا عن عمر (وقوله)، وعلموا أنه قد مات '. # قوله تعالى: * (كل نفس ذائقة الموت) قد بينا من قبل. # وقوله: * (ونبلوكم بالشر والخير) أي: بالرخاء والشدة، والصحة والسقم، ~~وبالإشقاء والإسعاد، وغير ذلك مما يختلف على الإنسان، وقيل: بالشر والخير ~~أي: بما يحبون ويكرهون، ويقال: الشر غلبة الهوى على الإنسان، والخير العصمة ~~من المعاصي، قاله سهل بن عبد الله. PageV03P379 # * (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) وإذا رآك الذين كفروا ~~إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36) ~~خلق الإنسان) * * وقوله: * (فتنة) أي: محنة وخبرة. # وقوله: * (وإلينا ترجعون) أي: تردون. # قوله تعالى: * (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا) أي: ما ~~يتخذونك إلا هزوا. # وقوله: * (أهذا الذي يذكر آلهتكم) أي: يعيب آلهتكم، يقال: فلان يذكر ~~فلانا أي: يعيبه، وفلان يذكر الله أي: يعظمه ويجله. # وقوله: * (وهم بذكر الرحمن هم كافرون) قال هذا؛ لأنهم كانوا يقولون: لا ~~نعرف الرحمن إلا مسيلمة، وهم ' الثانية صلة. # قوله تعالى: * (خلق الإنسان من عجل) فيه أقوال: أحدها: سرعة وتعجيل، ~~والإنسان هو آدم - صلوات الله عليه - وقد خلقه الله تعالى من غير ترتيب خلق ~~سائر الآدميين من النطفة، والعلقة، والمضغة، وغيره، وهذا قول حسن. والقول ~~الثاني: من عجل أي: عجولا، ويجوز أن يكون المراد من الإنسان جميع بني آدم، ~~وأما ابن عباس فإنه قال: هو آدم لما نفخ الله فيه الروح وبلغ صدره، أراد أن ~~يقوم، فهو عجلته. وذكر الكلبي: أنه لما نفخ فيه الروح نظر إلى الشمس فإذا ~~هي تغرب، فقال: اللهم أتم خلقي قبل أن تغرب الشمس، فهو عجلته. والقول ~~الثالث: خلق الإنسان والعجلة منه، وقيل: والعجلة فيه، وهذا على طريق ~~المبالغة، والعرب تقول للشرير: خلقت من الشر، وكذلك تقول: خلق فلان من ~~الخير إذا ذكر على طريق المبالغة. # والقول الرابع: قوله: * (خلق ms0989 الإنسان من عجل) أي: من طين. قال الشاعر: # (والنبع في الصخرة الصماء منبته * والنخل ينبت بين الماء والعجل) أي: ~~الطين. PageV03P380 # * (من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ~~ظهورهم ولا هم ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا ~~هم ينظرون (40)) * * وقوله: * (سأريكم آياتي فلا تستعجلون) هذا في ~~المشركين، فإنهم كانوا يستعجلون القيامة على ما قال الله تعالى في موضع ~~آخر: * (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) وقال بعضهم: * (سأريكم آياتي) أي: ~~مواعدي. وقوله: * (فلا تستعجلون) أي: لا تطلبوا العذاب مني قبل وقته، وإنما ~~نزلت هذه الآية؛ لأن النضر بن الحارث كان قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. # قوله تعالى: * (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون) أي: لا يدفعون. # وقوله: * (عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم) ظاهر المعنى. # وقوله: (ولا هم ينصرون). أي: لا يمنعون من العذاب، وفي الآية جواب محذوف ~~ومعناه: لعلموا صدق وعدنا. # وقوله: * (لو يعلم) في ابتداء الآية معناه: لو يرى. # قوله تعالى: * (بل تأتيهم بغتة) أي: القيامة فجأة. # وقوله: * (فتبهتهم). أي: تحيرهم، يقال: فلان مبهوت أي: متحير، وهو معنى ~~قوله تعالى: * (فبهت الذي كفر). # وقوله: * (فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون) أي: يمهلون. # قوله تعالى: * (ولقد استهزىء برسل من قبلك) ظاهر المعنى. PageV03P381 # * (ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به ~~يستهزءون (41) قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم ~~معرضون (42) أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم ~~منا يصحبون (43) بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا ~~نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) * * وقوله: * (فحاق بالذين سخروا منهم) أي: ~~نزل بالذين سخروا منهم. * (ما كانوا به يستهزئون) أي: جزاء ms0990 استهزائهم. # وقوله تعالى: * (قل من يكلؤكم) أي: يحفظكم. قال الشاعر: # (إن سليمى فالله يكلؤها * ضنت بشيء ما كان يرزؤها) وقوله: * (بالليل ~~والنهار من الرحمن) أي: من عذاب الرحمن، والله تعالى يحفظ العباد من عذاب ~~نفسه. # وقوله: * (بل هم عن ذكر ربهم معرضون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا) أي: تمنع العذاب عنهم من ~~دوننا. # وقوله: * (فلا يستطيعون نصر أنفسهم) أي: منع أنفسهم. # وقوله: * (ولا هم منا يصحبون) أي: يجارون، يقال: أجارك الله أي: حفظك، ~~وتقول العرب: صحبك الله أي: حفظك ونصرك، وقد قيل: يصحبون أي: ينصرون. # قوله تعالى: * (بل متعنا هؤلاء وآباءهم) أي: أملينا وأمهلنا، ويقال: ~~متعنا أي: أعطيناهم النعمة. # وقوله: * (حتى طال عليهم العمر) أي: امتد بهم الزمان. # وقوله: * (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) الأكثرون: أن هذا ~~هو ظهور النبي، وفتحه ديار الشرك أرضا أرضا وبلدة بلدة، والدليل على صحة ~~هذا PageV03P382 # * (أفهم الغالبون (44) قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ~~ما ينذرون (45) ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ~~ظالمين (46) ونضع) * * التأويل أنه قال: * (أفهم الغالبون) أي: ليست الغلبة ~~لهم؛ إنما الغلبة لي ولرسولي، وعن ابن جريج قال: ما ينقص من سائر الأرضين ~~يزاد في الشام، وما ينقص من الشام يزاد في أرض فلسطين، وبها المحشر. وقال ~~عكرمة: لو نقص من الأرض ما وجد أحد مكانا يقعد فيه، ولكن المراد من الآية ~~ذهاب خيارها وعلماؤها، ويقال: هو موت أهلها، وقيل: خرابها. # قوله تعالى: * (قل إنما أنذركم بالوحي) أي: بالقرآن. # وقوله: * (ولا يسمع الصم الدعاء) وقرئ: ' لا يسمع الصم الدعاء '، وقرأ ~~عبد الرحمن المقرئ: ' لا تسمع الصم الدعاء '، وأما المعروف هو ظاهر المعنى، ~~والصم هم الكفار، وسماهم صما، لأنهم لم يسمعوا ما ينفعهم. # وقوله: * (إذا ما ينذرون) أي: يخوفون بالوحي. # قوله تعالى: * (ولئن مستهم نفحة) النفحة هي: الدفعة اليسيرة، تقول العرب: ~~نفح فلان بالسيف على هذا المعنى، وهي بخلاف... والنفخة لا بد فيها من خروج ~~الريح من ms0991 الخوف، ومعنى * (ولئن مستهم نفحة) أي: طرف من عذاب ربك، وقيل: ~~أدنى شيء من عذاب ربك. # وقوله: * (ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين) معناه: يا هلاكنا، إنا كنا ~~مشركين، كأنهم أقروا على أنفسهم باستحقاق العقوبة. # قوله تعالى: * (ونضع الموازين القسط) معناه: ذوات القسط، والقسط، العدل، ~~وفي المشهور في الأخبار: أن الميزان له لسان وكفتان، وفي بعض المأثور: أن ~~داود - عليه السلام - قال: يا رب: أرني الميزان الذي يوزن به أعمال العباد، ~~فأراه إياه، PageV03P383 # * (الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من ~~خردل أتينا بها) * * وكل كفة منه مثل ما بين المشرق والمغرب، فقال: يا رب: ~~ومن يملأ هذا من الحسنات؟ فقال: باداود، إذا رضيت عن عبدي ملأته بكسرة أو ~~تمرة والله أعلم. # وأما كيفية الوزن فقد قال بعضهم إنه يوزن الحسنات والسيئات، وقيل: يوزن ~~خواتيم الأعمال، وقال بعضهم: الميزان علامة يعرف بها مقادير استحقاق الثواب ~~والعقاب، والصحيح هو الميزان حقيقة، فإن قيل: قد قال في موضع آخر: * (فلا ~~نقيم لهم يوم القيامة وزنا) فكيف التوفيق بين الآيتين؟ والجواب عنه: أن ~~معنى قوله: * (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) أي: لا يستقيم وزنهم على ~~الحق، فإن ميزانهم شائل ناقص خفيف، ويقال: * (فلا نقيم لهم يوم القيامة ~~وزنا) أي: ثوابا، قال بعض الخوارج في ضربة ابن ملجم لعلي رضي الله عنه: - ~~(يا ضربة من تقى ما أراد بها * إلا ليدرك من ذي العرش رضوانا) (إني لأذكر ~~يوما فأحسبه * أوفى البرية عند الله ميزانا) أي ثوابا، ونحن نبرأ من معنى ~~هذا الشعر ومن قائله. # وقوله تعالى: * (فلا تظلم نفس شيئا) أي: [لا] يزاد في سيئاته، ولا ينقص ~~من حسناته. # وقوله: * (وإن كان مثقال حبة من خردل) أي: زنة حبة خردل. # وقول: * (أتينا بها) أي: أحضرناها؛ لنجازى عليها. # وقرئ في الشاذ: ' آتينا بها ' بمد الألف، من الإيتاء أي: جازينا بها أو ~~أعطينا بها. # وقوله: * (وكفى بنا حاسبين) أي: محاسبين، وقيل: حافظين عالمين، وقيل: ~~محصين. PageV03P384 # * (وكفى بنا حاسبين (47) ولقد آتينا ms0992 موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا ~~للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر ~~مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا ~~به عالمين (51) إذ قال) * * قوله تعالى: * (ولقد آتينا موسى وهارون ~~الفرقان) فيه قولان: أحدهما: أنه التوراة، والآخر: أنه البرهان الذي فرق به ~~بين حق موسى وباطل فرعون. # وقوله: * (وضياء) وقرئ بغير الواو، فأما بالواو فهو صفة أخرى للتوراة، ~~إذا حملنا الفرقان على التوراة، وإن حملناه على البرهان، فمعناه: أعطيناه ~~البرهان، وأعطيناه التوراة التي هي ضياء، فأما بغير الواو فمعنى الفرقان ~~على هذا ليس إلا التوراة، وقوله: * (وضياء) صفة لها. # وقوله: * (وذكرا للمتقين) أي: تذكيرا للمتقين. # قوله تعالى: * (الذين يخشون ربهم بالغيب) إنما قال: * (بالغيب)؛ لأن ~~المؤمنين يخشونه ولا يرونه، فأما هو يراهم وليسوا بغيب عنه. وقوله: * (وهم ~~من الساعة مشفقون) أي: خائفون. # قوله تعالى: * (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) قد بينا معنى المبارك، وقيل: ~~يتبرك به أي: يطلب منه الخير. # وقوله: * (أفأنتم له منكرون) مذكور على وجه التوبيخ والذم لإنكارهم. # قوله تعالى: * (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل) في الرشد قولان: أحدهما: ~~أنه الهداية، والآخر: أنه النبوة. # وقوله: * (من قبل) فيه قولان: أحدهما: من قبل البلوغ، وهو حين خرج من ~~السرب، وهو صغير، ونظر إلى النجوم والشمس والقمر فاستدل، كما ذكرنا في سورة ~~الأنعام، والقول الثاني: من قبل أي: من قبل موسى وهارون. # وقوله: * (وكنا به عالمين) أي: عارفين. PageV03P385 # * (لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا ~~آباءنا لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا ~~أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي ~~فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا ~~مدبرين (57) فجعلهم جذاذا) * * قوله تعالى: * (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه ~~التماثيل التي أنتم لها عاكفون) أي: الأصنام التي أنتم عليها مقيمون ~~للعبادة. # قوله تعالى: * (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين) معناه: وجدناهم كذلك ~~فاتبعناهم. # قوله تعالى: ms0993 * (قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين) أي: في خطأ بين، ~~والبين الواضح، والمبين الموضح. # قوله تعالى: * (قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين) أي: بالصدق ~~والجد، أم أنت من الهازئين؟ # قوله تعالى: * (قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن) أي: خلقهن. # وقوله: * (وأنا على ذلكم من الشاهدين) أي: على أنه الإله الذي لا يستحق ~~العبادة غيره، وأن الأصنام ليست بآلهة، وقيل: وأنا من الشاهدين على أنه ~~خالق السماوات والأرض. # قوله تعالى: * (وتالله لأكيدن أصنامكم) الكيد: إيصال ضر بالغير بضرب من ~~التدبير، وقيل: الكيد شبه المحاربة. # وفي مغازي الرسول غزا موضع كذا، فلم يلق كيدا، أي: حربا. # وقوله: * (بعد أن تولوا مدبرين) أي: بعد أن تدبروا منطلقين إلى عيدكم، ~~فإن قيل: كيف يتصور كيد الأصنام، وهي لا تعقل؟ قلنا: سنبين وجه كيده لها. # قوله: * (فجعلهم جذاذا) قرىء: ' جذاذا ' و ' جذاذا ' وفي الشاذ ' جذاذا ~~'، فقوله: ' جذاذا ' بالرفع هو مثل الحطام والرفات، وقوله: ' جذاذا ' ~~بالكسر فهو جمع PageV03P386 # * (إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه ~~لمن الظالمين) * * الجذيذ، مثل الخفيف والخفاف، ومعناه: أنه قطعها وكسرها، ~~أي: جعلها قطعة قطعة، وكسرة كسرة. # وفي القصة: أنهم لما مروا إلى عيدهم قالوا له: ألا تخرج معنا؟ فقال: لا، ~~إني سقيم، ومعناه: ما برد بعد، ثم قال في نفسه: تالله لأكيدن أصنامكم، ~~فسمعه رجل منهم، ومروا ولم يبق في البلد أحد، فجاء إلى بيت أصنامهم، ومعه ~~فأس، وكان في البيت اثنان وسبعون صنما، بعضها من حجر، وبعضها من فضة، ~~وبعضها من ذهب، وغير ذلك، والصنم الكبير من الذهب، وهو مكلل بالجوهر، ~~وعيناه ياقوتتان تتقدان، وهو على هيئة عظيمة، فأخذ الفأس، وكسر الكل إلا ~~الكبير، فإنه تركه وعلق الفأس في عنقه، وقيل: ربطه بيده، فهذا هو كيد ~~الأصنام، ومعناه: [أنه] كادهم على ما يعتقدون فيهم، فهذا معنى قوله: * ~~(فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم)، وأنشدوا في الجذاذ شعرا: # (جذذ الأصنام في محرابها * ذاك في الله العلي المقتدر) وقوله: * (لعلهم ~~إليه يرجعون) فيه ms0994 قولان: أحدهما: لعلهم عنده يرجعون من الشرك أي: عند هذا ~~الفعل، والقول الثاني: لعلهم إلى الكبير يرجعون، ومعناه: أنهم إذا رأوا ~~أمثال الصنم الكبير مقطعة مكسرة، وعرفوا أنه مثلهم، ولم يكن عندهم دفع، ~~عرفوا أنه لا دفع عنده أيضا، وأما قول من قال: إن معنى الآية: * (لعلهم ~~إليه يرجعون): أن الكبير هو الذي فعل بهم ذلك حمية وأنفة، فهو قول باطل؛ ~~لأنه لا يدخل في عقل أحد أن الصنم الكبير يكسر الأصنام الصغيرة، وإنما علق ~~الفأس في عنق الكبير تعييرا لهم وتبكيتا، وقيل: على طريق إلزام الحجة، فإن ~~اعتقادهم يوجب هذا، وهو أن الكبير لا يرضى بالأصنام الصغار مع هو لو كانوا ~~يعقلون. # قوله تعالى: * (قالوا من فعل هذا بآلهتنا) فيه تقدير، وهو أنهم رجعوا ~~ودخلوا على الأصنام، فلما رأوها قالوا كذلك. PageV03P387 # (* (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) قالوا فأتوا به على ~~أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) ~~قال بل فعله) * * وقوله: * (إنه لمن الظالمين) أي: من المجرمين. # قوله تعالى: * (قالوا سمعنا فتى) أي: شابا * (يذكرهم) أي: يعيبهم، وفي ~~القصة: أن ذلك الرجل الذي سمع منه ذكر كيد الأصنام قال هذا. # وقوله: * (يقال له إبراهيم) معلوم. # قوله تعالى: * (قالوا فأتوا به على أعين الناس) في القصة: أن الملك - وهو ~~نمروذ - قال هذا القول، ومعناه: جيئوا به على مشهد الناس. # وقوله: * (لعلهم يشهدون) فيه قولان: أحدهما: أنهم يشهدون عذابه إذا ~~عذبناه، والقول الآخر: لعلهم يشهدون أي: يسمعون قول الرجل أنه قال كذا في ~~الأصنام، قال السدي: كره الملك أن يعاقبه بغير بينة. # قوله تعالى: * (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) طلبوا منه ~~الإقرار والاعتراف بما فعل. # قوله تعالى: * (قال بل فعله كبيرهم هذا) اعلم أنه قد ثبت عن النبي برواية ~~أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي قال: ' إبراهيم كذب ثلاث ~~كذبات ' - وفي رواية: ' في الله ' - قوله: * (بل فعله كبيرهم)، وقوله: * ~~(إني سقيم)، وقوله لسارة: هذه أختي '. قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا ms0995 ~~الحديث أبو علي الشافعي قال أبو الحسن بن [فراس]، قال: نا أبو جعفر ~~الديبلي، قال: نا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: نا سفيان بن عيينة، عن ~~أبي الزناد.. الحديث. PageV03P388 # * (كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا ~~إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ~~(65) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ~~ولما تعبدون من) * * قال أهل المعاني: قال إبراهيم ما قال بإذن الله تعالى ~~لقصد الصلاح، وهو مثل ما أذن ليوسف أن يقول للإخوة: ' أيتها العير إنكم ~~لسارقون، وقال بعضهم، هو قول يخالف لفظه معناه، ولكل تأويل، أما قوله: * ~~(بل فعله كبيرهم) أي: على زعمكم واعتقادكم، وهو على وجه إلزام الحجة، كما ~~بينا على تحقيق الخبر، وقال بعضهم معناه: بل فعله كبيرهم هذا * (فسألوهم إن ~~كانوا ينطقون)، قاله على سبيل الشرط، قال النحاس: وفي هذا التأويل بعد، وهو ~~مخالف للأخبار الثابتة، وأما قوله: * (إني سقيم) أي: سأسقم وقيل معناه: ~~سقيم أي: مغتم بضلالتكم، فكأنه سقيم القلب بذلك، وأما قوله لسارة: هذه أختي ~~أي: أختي في الدين، والأولى ما ذكرناه من المعنى الأول، وهو قول أهل السنة، ~~وهو أن الله تعالى أذن له فيه. # قوله تعالى: * (فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون) معناه: ~~رجعوا إلى فكرهم وعقولهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون يعني: بعبادتكم ما لا ~~يدفع عن نفسه شيئا. # قوله تعالى: * (ثم نكسوا على رؤوسهم) قال أهل التفسير: أجرى الله تعالى ~~حقا على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، فهو معنى قوله: * (ثم ~~نكسوا على رؤوسهم) ومعناه: رجعوا إلى شركهم، ويقال: نكس المريض إذا رجع إلى ~~حاله الأول، وقيل: نكسوا على رؤوسهم أي: رجعوا، ومعناه: إلى الاحتجاج عن ~~الأصنام. # وقوله: * (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) ومعناه: فكيف نسألهم؟. # قوله تعالى: * (قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم) ~~معناه: لا ينفعكم إن عبدتموه، ولا يضركم إن تركتم عبادته. # وقوله: * (أف لكم) أي: ms0996 نتنا وقذرا لكم. وقوله: * (ولما تعبدو من دون ~~الله) PageV03P389 # * (دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ~~(68) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69)) * * أي: الأصنام. # وقوله: * (أفلا تعقلون) أي: أليس لكم عقل تعرفون هذا؟. # قوله تعالى: * (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم) التحريق هو التقطيع بالنار، ~~واختلفوا أن القائل لقوله: * (حرقوه) من كان؟ فعن ابن عمر - رضي الله عنهما ~~- قال: هو رجل من أكراد فارس، وقال غيره: هو نمروذ الجبار، وعن بعضهم: أنه ~~رجل يقال له: (هيرون) خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. # وقوله: * (وانصروا آلهتكم) قال الأزهري معناه: عظموا آلهتكم بإحراقه، ~~وقيل: وادفعوا عن آلهتكم. # وقوله: * (إن كنتم فاعلين) يعني: إن كنتم ناصرين لها أي: للآلهة. # قوله تعالى: * (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما) في القصة: أنهم بنوا أتونا ~~بقرية من قرى كوثى، وجمعوا الأحطاب مدة. وعن السدي قال: كان الرجل منهم ~~يمرض فيوصي بشراء الحطب وإلقائه فيه، والمرأة تغزل فتشتري الحطب بغزلها ~~فتلقيه فيه، ثم أوقدوا عليها سبعة أيام، ثم ألقوا فيها إبراهيم. وروي أنهم ~~لم يعلموا كيف يلقونه فيها؟ فجاء إبليس - عليه ما يستحق - وعلمهم عمل ~~المنجنيق، فوضعوه فيه، وطرحوه في النار. # وعن بكر بن عبد الله المزني قال: لما طرح إبراهيم في النار ضجت الخليقة، ~~وقالت: يا رب، إن خليلك يلقى في النار، فقال الله تعالى: إنه خليلي، ليس لي ~~خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه، فلم يستغث ~~بأحد. ومن المعروف أنه قال حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل. وروي ~~أنه قال: سبحانك لا إله إلا أنت رب العالمين، ولك الحمد لا شريك لك. وعن ~~كعب الأحبار PageV03P390 # وقتادة أنهما قالا: جعل كل شيء يطفئ عنه النار إلا الوزغة، فإنه جعل ينفخ ~~في النار، فأمر الرسول بقتله. # وفي بعض الأخبار عن النبي: ' من قتل وزغا فكأنما قتل كافرا '. # وقوله: * (قلنا يا نار كوني بردا) أي: ذات برد، قال أهل المعاني: يحتمل ~~أنه ms0997 خلق بردا في النار بدل الحر، ويحتمل أنه أحال بين النار وبين إبراهيم. # وقوله * (وسلاما) (روي) عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لو لم يقل: * ~~(وسلاما) لقتلته البرد ومثله عن كعب. # وعن قتادة قال: لم تحرق منه إلا وثاقه. # ومن المعروف في الآثار: أنه لم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم. # وقوله: * (على إبراهيم) لو لم يقل: * (على إبراهيم) بقيت ذات برد أبدا، ~~وفي القصة: أنهم لما طرحوه في النار، وجعلها الله عليه بردا وسلاما، قال ~~نمروذ وأصحابه: إنه قد سحر النار، فقال أبو لوط - وكان كافرا - اطرحوا فيه ~~رجلا آخر وجربوه، فطرحوا فيها رجلا آخر فأكلته النار في الحال. # وفي بعض الغرائب من المسانيد عن النبي: ' أنه لما طرح إبراهيم في النار ~~بعث الله جبريل إليه، وبعث معه بطنفسة من طنافس الجنة، وقميص من قمص الجنة، ~~فأقعده على الطفنسة، وألبسه القميص وقعد معه يحدثه '. وروي: ' أنهم نظروا ~~فإذا هو في روضة تهتز '. PageV03P391 # * (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي ~~باركنا فيها للعالمين (71) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين ~~(72) وجعلناها أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وكانوا لنا) * * وقوله * (وأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأخسرين) فمعنى الأخسرين ها هنا: أنهم خسروا السعي والنفقة، ولم يحصل لهم ~~مرادهم، وقال بعضهم: معناه: أن الله تعالى أرسل على نمروذ وقومه البعوض، ~~فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم، ودخلت بعوضة في رأس نمروذ حتى أهلكته، ذكره ~~مقاتل وغيره. # قوله تعالى: * (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) ~~يعني: الشام، وبركتها كثرة مياهها وأشجارها، وعموم الخصب بها، حتى يعيش ~~فيها الفقير والغني بعيش طيب، ويقال: بركتها كثرة الأنبياء بها، وفي الآية ~~قول آخر: هو أن المراد من الأرض التي بارك فيها هي مكة، وقيل: مصر، والأصح ~~هو الأول؛ لأنه مشهور أنه خرج وامرأته - يعني: إبراهيم - إلى حران، ثم من ~~حران إلى الشام، وأما لوط فإنه ابن أخي إبراهيم، وكان خرج معه. # قوله تعالى: * (ووهبنا له ms0998 إسحاق ويعقوب نافلة) قال ابن عباس: النافلة هو ~~يعقوب، وأما إسحاق فليس بنافلة؛ لأن الله تعالى أعطاه إسحاق بدعائه، وإنما ~~زاد يعقوب على ما دعا، والنافلة هي الزيادة، وقال مجاهد: كلاهما نافلة، ~~والأصح هو الأول. # وقوله: * (وكلا جعلنا صالحين) ظاهر المعنى. # وقوله تعالى: * (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) يعني: يرشدون بأمرنا. # وقوله: * (وأوحينا إليهم فعل الخيرات) معناه: العمل بالشرائع. # وقوله: * (وإقام الصلاة) أي: المحافظة عليها. # * (وإيتاء الزكاة) معناه: وإعطاء الزكاة. # وقوله: * (وكانوا لنا عابدين) أي: موحدين. PageV03P392 # * (عابدين (73) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت ~~تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من ~~الصالحين (75) ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم (76) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء ~~فأغرقناهم أجمعين (77) وداود وسليمان إذ) * * قوله تعالى: * (ولوطا آتيناه ~~حكما وعلما) وقوله: * (ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث) القرية: ~~هي سدوم، وأما الخبائث قيل: إتيانهم الذكور، ويقال هو: [التضارط] في ~~الأندية. # وقوله: * (إنهم كانوا قوم سوء فاسقين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ونوحا إذ نادى من قبل) نداؤه هو قوله: * (أني مغلوب ~~فانتصر)، (وقيل هو قوله:) * (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا). # وقوله: * (فاستجبنا له) أي: أجبناه. # وقوله: * (فنجيناه وقومه من الكرب العظيم) في القصة: أنه كان أطول ~~الأنبياء عمرا، وأشد الأنبياء بلاء، وروي أنه كان يضرب في اليوم سبعين مرة. # وقوله: * (من الكرب العظيم) أي: من الغرق، وقيل: من الغم والضيق. # قوله تعالى: * (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا) أي: منعناه ~~وحفظناه. # * (إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) اختلف القول في الحرث: ~~PageV03P393 # * (يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ~~ففهمناها) * * قال ابن عباس: كان كرما قد بدت عناقيده، وقال قتادة: كان ~~زرعا، وأما القصة فيه: فروي أنه كان رجلان لأحدهما حرث وللآخر غنم، ms0999 فدخل ~~الغنم في حرث صاحبه ليلا، فأكلت وأفسدت، حتى لم يبق شيء - وهو معنى قوله: * ~~(إذ نفشت فيه غنم القوم) والنفش هو الرعي ليلا، والهمل هو الرعي نهارا - ~~فلما أصبحا جاء صاحب الحرث يخاصم صاحب الغنم عند داود، فقال داود: خذ برقبة ~~الأغنام فهي لك بدل حرثك، وكان سليمان ثم فقال: يا نبي الله، أو غير ذلك؟ ~~هذا قول ابن مسعود، أن سليمان ثمة. # وقال غيره: أنهما خرجا فمرا على سليمان، وذكرا له حكم داود، فقال: قد كان ~~ها هنا حكم هو أرفق بالرجلين، فذكر ذلك لأبيه داود، فدعاه وسأله بحق ~~الأبوة، فقال: تسلم الغنم إلى صاحب الحرث، ينتفع بألبانها وسمونها ~~وأصوافها، وتسلم الحرث إلى صاحب الغنم يقوم عليه، حتى إذا عاد إلى ما كان ~~عليه ليلة نفشت فيه الغنم سلمت الحرث إلى صاحبه؛ فهذا معنى قوله تعالى: * ~~(ففهمناها سليمان) وأخذ داود بذلك. # وأما قوله: * (وكنا لحكمهم شاهدين) أي: لم يغب عنا حكمهما جميعا، وكان ~~بعلمنا ومرامنا. # قوله تعالى: * (ففهمناها سليمان) قد بينا المعنى. # واختلف العلماء أن داود حكم ما حكم بالاجتهاد أو بالوحي؟ وكذلك سليمان، ~~فقال بعضهم: إنهما فعلا بالاجتهاد، وقالوا: يجوز الاجتهاد للأنبياء؛ ~~ليدركوا ثواب المجتهدين، إلا أن داود أخطأ، وسليمان أصاب، والخطأ يجوز على ~~الأنبياء إلا أنهم لا يقرون عليه، واختلفوا [في] أنه هل يجوز على نبينا ~~الخطأ في الحكم كما يجوز على سائر الأنبياء؟ قال أبو علي بن أبي هريرة: لا ~~يجوز؛ لأن شريعته ناسخة، وليس PageV03P394 # بعده نبي، وقال غيره: يجوز كما يجوز على سائر الأنبياء. وقد روي ' أن ~~امرأة أتت النبي وقالت: إن زوجي توفي فأين أعتد؟ فقال لها: اعتدي أين شئت، ~~فلما ولت دعاها وقال: سبحان الله امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب ' والخبر ~~غريب. # وروي أن رجلا أتى النبي وقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت صابرا محتسبا، ~~هل يحجزني من الجنة شيء؟ قال: لا، ثم دعاه وقال: ' إلا الدين، سارني به ~~جبريل ' وهو خبر معروف، والخبران يدلان على أنه يجوز أنه يخطئ، ms1000 إلا أنه لا ~~يقرر عليه. # والقول الثاني في أصل الحكومة: هو أن داود وسليمان - عليهما السلام - ~~حكما بالوحي، إلا أن ما حكم به داود كان منسوخا، والذي حكم به سليمان كان ~~ناسخا، وقال هؤلاء القوم: لا يجوز للنبي أن يجتهد في الحوادث؛ لأنه مستغن ~~بالوحي عن الاجتهاد، وقد قال الله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا ~~وحي يوحى)، والأول هو الأصح. # وأما حكم هذه المسألة في شريعتنا: فاعلم أن ما أفسدت الماشية بالليل ~~عندنا مضمون على صاحبها، وما أفسدت بالنهار فلا ضمان، والحجة فيه ما روى ~~الزهري، عن حرام بن محيصة عن أبيه: ' أن ناقة البراء بن عازب دخلت حرث قوم ~~فأفسدته، فارتفعوا إلى النبي فقضى بأن حفظ الماشية على أربابها ليلا، وأن ~~حفظ الحرث على أربابها نهارا ' وهذا أحسن حكم يكون؛ لأن العادة جرت أن ~~المواشي تحفظ PageV03P395 # * (سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير ~~وكنا فاعلين) * * بالليل، وتسيب بالنهار، وأما الحروث والزروع تحفظ ~~بالنهار، ويتعذر حفظها بالليل. # قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الحديث القاضي الإمام الوالد، قال: نا أبو ~~سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، قال: أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، ~~قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري قال: [حدثنا] عبد الرزاق، عن معمر، عن ~~الزهري.... الخبر. # وقوله: * (وكلا آتينا حكما وعلما) وقد بينا. # فإن قيل: قد كان داود حكم بما حكم به، والحادثة إذا جرى فيها حكم الحاكم ~~لا يجوز أن تنقض بغيره، فكيف وجه هذا؟ والجواب: يحتمل أنه كان طولب بالحكم، ~~ولم يحكم بعد، إلا أنه ذكر وجه الحكم، وقال بعضهم: إنه كان حكم بالاجتهاد، ~~فلما قال سليمان ما قال، نزل الوحي أن الحكم ما قال. # وقوله: * (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير) قيل: تسبيحها صلاتها، ~~وقيل: تسبيحها هو الثناء على الله بالطهارة والتقديس، وقد روي أن الجبال ~~كانت تجاوب داود بالتسبيح، وروي أنه كان إذا قرأ سمعه الله تسبيح الجبال ~~والطير؛ لينشط في التسبيح، ويشتاق إليه. # وقوله: * (وكنا فاعلين). ms1001 أي: قادرين على ما نريد، وقيل معناه: فعلنا ما ~~فعلنا بالتدبير الصحيح. # قوله تعالى: * (وعلمناه صنعة لبوس لكم) اللبوس ها هنا هو الدرع، وفي ~~اللغة: اللبوس ما يلبس، قال قتادة: لم يسرد الدرع، ولم يحلقه أحد قبل داود، ~~وكان قبله PageV03P396 # (* (79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) ~~ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء ~~عالمين (81) ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم ~~حافظين (82)) * * يتخذ الدرع من صفائح، فلما عمل هو الدرع جمع الخفة ~~والحصانة. # وقوله: * (لتحصنكم من بأسكم) أي: من بأس عدوكم. # وقوله: * (لتحصنكم) قرئ بقراءات: بالياء والتاء والنون، أما الياء ~~فمعناه: ليحصنكم اللبوس، وقيل: ليحصنكم الله، وأما التاء فمعناه: لتحصنكم ~~الصنعة، وأما بالنون ينصرف إلى الله. # وقوله: * (فهل أنتم شاكرون) يعني: يا دود وأهل بيته، هل أنتم شاكرون؟. # قوله تعالى: * (ولسليمان الريح عاصفة) الريح العاصفة هي التي يشتد ~~هبوبها، فإن قيل: قد قال في موضع آخر: * (رخاء حيث أصاب) والرخاء: اللين؟ ~~والجواب عنه: أنه كان إذا أراد أن تشتد اشتدت، وإذا أراد أن تلين لانت. # وقوله: * (تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها) في القصة: أنه كان ~~يسير من الشام إلى إصطخر تحمله الريح غدوة، ويسير من إصطخر إلى الشام تحمله ~~الريح عشية. # وقوله: * (وكنا بكل شيء عالمين) يعني: أنه ما غاب عنا شيء من الأشياء. # قوله تعالى: * (ومن الشياطين من يغوصون له) الغوص هو النزول في قعر ~~البحر، فكان الشياطين يفعلون ذلك لسليمان؛ لاستخراج الدر والجواهر. # وقوله: * (ويعملون عملا دون ذلك) أي: سوى الغوص، وهو معنى: * (يعملون له ~~ما يشاء من محاريب وتماثيل...) الآية. # وقوله: * (وكنا لهم حافظين). PageV03P397 # * (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83)) * * قال ~~الفراء والزجاج معنى ذلك: أنا حفظنا الشياطين من أن يفسدوا ما عملوا. وفي ~~القصة: أن سليمان كان إذا بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له: إذ ~~فرغ من عمله قبل الليل، أشغله بعمل آخر؛ ms1002 لئلا يفسد ما عمل، وكان من عادة ~~الشيطان أنه إذا فرغ من العمل، ولم يشغل بعمل آخر يخرب ما عمل، ويفسده، ~~فهذا معنى قوله تعالى: * (وكنا لهم حافظين) على ما ذكرنا من الفراء ~~والزجاج، وروي عن ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: * (وأيوب إذ نادى ربه) أي: دعا ربه. # وقوله: * (أني مسني الضر) أي: البلاء والشدة، وقيل: الجهد. # وقوله: * (وأنت أرحم الراحمين) أي: أرحم من يرحم. # واعلم أن قصة أيوب طويلة، وذكر في التفسير منها، وكذا نذكر بعضها، فروي ~~عن الحسن البصري: أن الله تعالى أعطى أيوب مالا وولدا، ثم أهلك ماله وولده. ~~وذكر وهب بن منبه وغيره: أنه كان ذلك لتسليط إبليس على ماله وولده، قال ~~الحسن: فلما بلغه هلاك ماله وولده، حمد الله حمدا كثيرا وقال: اللهم إنه ~~كان يشغلني مالي وولدي عن عبادتك، والآن قد فرغ لك سمعي وبصري وقلبي وليلي ~~ونهاري. قال وهب: ثم ابتلاه الله تعالى في جسمه، وكان إبليس يحسده في كثرة ~~عبادته وكثرة ثناء أهل السماء عليه فقال: يا رب، لو ابتليته لقصر في ~~عبادتك، فقال الله تعالى له: سلطتك على جسمه سوى قلبه ولسانه وعقله - هذا ~~قول وهب وغيره، والله أعلم - ثم ظهر البلاء في جسم أيوب، واشتد به البلاء ~~غاية الشدة حتى قرح جميع جسده وتدود، واجتنبه جميع قومه، وألقي على مزبلة ~~من مزابل بني إسرائيل، ولم يقربه أحد غير امرأته كانت تتصدق الناس وتطعمه، ~~واختلفوا في مدة بلائه: فقال ابن عباس: سبع حجج، وقال وهب: ثلاث أحوال. ~~PageV03P398 # وأما قوله: * (أني مسني الضر) ففي القصة: أنه لم يدع الله تعالى بكشف ~~الضر في تلك المدة الطويلة إلى أن بلغ وقت الكشف ثم دعا، واختلفوا في سبب ~~دعائه: قال الحسن: كان سبب ذلك أن جماعة من أصدقائه رأوا به ذلك البلاء ~~الشديد فقالوا: لو كانت عبادتك التي كنت تفعل لله تعالى خالصا ما أصابك هذا ~~البلاء. قال حبيب بن أبي ثابت: لم يدع الله تعالى بالكشف حتى ظهرت ثلاثة ~~أشياء أكره ما يكون: ms1003 أما الأول: فقدم عليه صديقان له من الشام حين بلغهما ~~خبره، فجاءا إليه، ولم يبق منه إلا عيناه، ورأيا أمرا عظيما، فقالا له: لو ~~كان لك عند الله منزلة ما أصابك هذا، والثاني: أن المرأة طلبت طعاما فلم ~~تجد شيئا تطعمه، فباعت ذؤابتها، وحملت إليه طعاما، وذكرت له ذلك، والثالث: ~~أن إبليس اللعين لما رأى صبره جزع جزعا شديدا، فاتخذ تابوتا وجع فيه أدوية، ~~وقعد على طريق امرأته يداوي الناس، فمرت عليه امرأته، فلما رأت ذلك قالت: ~~أيها الرجل، إن عندي مريضا أفتداويه؟ قال: نعم، وأشفيه، قالت: ما تريد؟ ~~قال: لا أريد شيئا إلا أن يقول حين أشفيه: أنت شفيتني، فذهبت وذكرت ذلك ~~لأيوب - عليه السلام - فقال: هو إبليس قد خدعك، والله لئن شفاني الله ~~لأضربنك مائة جلدة. # وروي أن إبليس جاء إلى أيوب ووسوس إليه، أن امرأته زنت، وأنه قطعت ~~ذؤابتها لذلك، فحينئذ عيل صبره لهذه الأشياء فدعا وقال: * (أني مسني الضر). # فإن قال قائل: أليس أن الله تعالى سماه صابرا، وقد ترك الصبر حين دعا؟ ~~قلنا: لا، لم يترك الصبر، فإن ترك الصبر بإظهار الشكوى إلى الخلق، فأما ~~بإظهارها إلى الله تعالى فلا يكون تركا للصبر. # وعن سفيان بن عيينة أنه قال: إذا أظهر الشكوى إلى الخلق، وهو راض بقضاء ~~الله، فإنه لا يكون تاركا للصبر أيضا. # وقد روي عن النبي ' أن جبريل دخل عليه في مرض الموت فقال: كيف تجد نفسك؟ ~~فقال: يا جبريل، أجدني مغموما، أجدني مكروبا '. PageV03P399 # * (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم) * * وروي ~~أنه قال لعائشة - صلوات الله (عليه) -: ' بل أنا وا رأساه ' الخبر بطوله. # وفي القصة: أن الدودتين كانتا [تقتتلان] على جسده، فكان يفرق بينهما، ~~ويقول لهما: كلا من رزق الله. # قوله تعالى: * (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر) روي أن الله تعالى أنبع ~~له عينا، وأمره أن يغتسل فيها فاغتسل فيها، وخرج كأصح ما يكون. # وقوله: * (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) قال ابن مسعود وابن عباس والحسن: رد ms1004 ~~إليه أهله وأولاده بأعيانهم، وهذا هو القول المعروف، وظاهر القرآن يدل ~~عليه، وهو أيضا مروي برواية جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي، وذكر ~~في هذا الخبر: أن الله تعالى رد المرأة شبابها، فولدت له ستة وعشرين ولدا ~~بعد ذلك، وفي هذا الخبر أيضا: أن الله تعالى بعث إليه ملكا وقال: إن ربك ~~يقرئك السلام بصبرك، فأخرج إلى ضياع أندرك، فخرج إليه، فأرسل الله عليه ~~جرادا من ذهب، قال: فطارت واحدة فاتبعها وردها إلى أندره، فقال له الملك: ~~أما يكفيك ما في أندرك حتى تتبع الخارج؟ فقال: هذه بركة من بركات ربي، لا ~~أشبع من بركته. # قال الشيخ الإمام: أخبرني بهذا أبو علي بن بندار بإسناده عن إسماعيل بن ~~أبي زياد، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. # وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس: أن الله تعالى أمطر على أيوب ~~PageV03P400 # * (رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84) وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من) ~~* * جرادا من ذهب، فجعل يقبضه في ثوبه ويجمع ذلك، فقيل له: ألا تشبع؟ فقال: ~~إنه من فضل ربي، ولا أشبع من فضله. قال الشيخ الإمام: أنا بهذا أبو علي ~~الشافعي قال: أنا ابن فراس قال: أنا الديبلي قال: أنا سعيد بن عبد الرحمن ~~المخزومي قال: أنا سفيان، عن عمرو... الأثر. # وفي الآية قول آخر: وهو أن معنى قوله: * (وآتيناه أهله) أي: ثواب أهله * ~~(ومثلهم معهم) أي: مثل ذلك كأنه ضوعف له الثواب، وعن عكرمة قال: ' خير أيوب ~~بين أن يرد عليه أهله بأعيانهم، وبين أن يعطى مثل أهله وأولاده، فاختار أن ~~يردوا بأعيانهم ومثلهم معهم فأعطي ذلك. # وقوله: * (رحمة من عندنا) أي: نعمة من عندنا. # وقوله: * (وذكرى للعابدين) أي: وعظا واعتبارا للعابدين. # قوله تعالى: * (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل) أما إسماعيل وإدريس فقد ~~ذكرناه، وأما ذو الكفل قال ابن عباس: كان في بني إسرائيل نبي، وكان مع ذلك ~~ملكا، فلما حضرته الوفاة جمع بني إسرائيل فقال: من يكفل لي أن يقوم الليل ~~لا يفتر، وأن يصوم النهار ms1005 ولا يفطر، وأن يقضي بالحق ولا يغضب؟ فقام شاب ~~وقال: أنا أكفل ذلك، فجعله خليفته، وقبض ذلك النبي، وقام بما كفل به فسمي ~~ذا الكفل. قال ابن عباس فيما روي عنه في هذه القصة: إن إبليس اللعين لما ~~رأى ذلك حسده، فجاء في هيئة شيخ ضعيف نصف النهار، وكان ذو الكفل يقيل ساعة ~~في نهاره، فدخل عليه وقال: إن لي غريما، وهو يمطلني فأحب أن تقوم معي، ~~وتستوفي حقي منه، وذكر كلاما كثيرا، فقام وخرج معه، فلما خرج معه ساعة ~~اعتذر إليه وقال: إن صاحبي قد هرب، فرجع ذو الكفل، وقد ذهب وقت القائلة، ~~ففعل هكذا ثلاثة أيام، ولم يره يغضب في شيء من ذلك، وقد ذهب نومه في الأيام ~~الثلاث، فقال إبليس له عند ذلك: أنا إبليس، وقد حسدتك ولم أقدر عليك، وقد ~~وفيت بما قلت. هذا هو القول المعروف. PageV03P401 # * (الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) وذا النون ~~إذ ذهب) * * وفي الآية قول آخر: وهو أن ذا الكفل رجل كفل أن يصلي كل ليلة ~~مائة ركعة إلى أن يقبضه الله، فوفي بذلك فسمي ذا الكفل، واختلف القول أنه ~~كان نبيا أو لم يكن نبيا، قال بعضهم: كان نبيا، وقال بعضهم: كان عبدا ~~صالحا، ولم يكن نبيا. # وقوله: * (كل من الصابرين) أي: على طاعتنا. # قوله تعالى: * (وأدخلناهم في رحمتنا). قال بعض أهل المعاني: إن قوله: * ~~(وأدخلناهم في رحمتنا) أبلغ من قوله: ورحمناهم؛ لأن قوله: * (وأدخلناهم في ~~رحمتنا) يقتضي أنهم غمروا بالرحمة، وقوله: ورحمناهم يقتضي أنه أصابهم ~~رحمته. # وقوله: * (إنهم من الصالحين) ظاهر المعنى، والصلاح اسم يجمع جميع خصال ~~الخير. # وقوله تعالى: * (وذا النون إذ ذهب مغاضبا) النون: السمكة. قال الشاعر: # (يا حبذا القصر نعم القصر والوادي * وحبذا أهله من حاضر بادي) (ترقى ~~قراقيره والوحش راتعة * والضب والنون والملاح والحادي) وقوله: * (إذ ذهب ~~مغاضبا). قال الشعبي، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير: أي: مغاضبا لربه، ~~وأما ابن عباس قال: أراد به مغاضبا لقومه، والقول الثالث: مغاضبا للملك ~~الذي كان في ms1006 زمانه. # وأما القول الأول فقد كرهه كثير من العلماء؛ لأن من غضب ربه فقد ارتكب ~~كبيرة عظيمة، وذكر بعضهم: أن معنى غاضب ربه أي: أمر ربه، وسبب ذلك أنه وعد ~~قومه أن العذاب يأتيكم يوم كذا، وخرج من بينهم، فلما كان ذلك اليوم، ورأى ~~قوم يونس العذاب، خرجوا وضجوا إلى الله تعالى على ما ذكرنا في سورة يونس، ~~فرد الله عنهم العذاب، فلما بلغ يونس أن العذاب لم ينزل على قومه غضب، فما ~~كان غضبه، لا كراهة بحكم الله، ولكن كراهة أن يسمى كذابا، فهذا معنى هذا ~~القول. PageV03P402 # * (مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه) * * وأما قول ابن عباس وهو المختار فإنه ~~خرج مغاضبا لقومه حين لم يؤمنوا، وهو حسن صحيح لا اعتراض عليه. # وأما قول من قال: إنه غاضب الملك، فروى عطية العوفي عن ابن عباس أنه كان ~~في بني إسرائيل ملك، وكان مع ذلك نبيا يوحى إليه، وكان قد غزا بني إسرائيل ~~قوم، فدعا الملك يونس، وأرسله إلى أولئك القوم، فقال يونس: أمرك الله بهذا ~~أو سماني لك؟ قال: لا، ولكن أرسلك، فغضب وخرج من بينهم متوجها إلى البحر. # وقوله: * (فظن أن لن نقدر عليه) وقرأ ابن عباس: ' فظن أن لن نقدر عليه '، ~~وهو شاذ، وقرأ ابن عامر: ' فظن أن لن نقدر عليه '. واعلم أن في الآية سؤالا ~~معروفا يعد من مشكلات القرآن، وهو أنه قال: * (فظن أن لن نقدر عليه) فكيف ~~يظن هذا بالله، ومن ظن هذا بالله فقد كفر؟ والجواب عنه: أن للآية وجهين: ~~أحدهما: أن معنى قوله: * (فظن أن لن نقدر عليه) أي: لن نقدر عليه بمعنى ~~الحكم والقضاء، يقال: قدر وقدر بمعنى واحد، إلا أنه يقال: قدر يقدر، وقدر ~~يقدر، قال الشاعر: # (فليس عشيات اللوى برواجع * لنا أبدا ما أبرم السلم النضر) (ولا عائدا ~~ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر) يعني: يقدره. # ومن هذا قوله: ' فإن غم عليكم فاقدروا له ' أي: قدروا له، وهو خبر صحيح. # والوجه الثاني من الجواب: وهو ms1007 [أن] معنى قوله: * (فظن أن لن نقدر عليه) ~~أي: لن نضيق عليه، ومن هذا قوله تعالى: * (وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه) PageV03P403 # * (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) ~~فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88)) * * أي: ضيق، واعلم ~~أن معنى التضييق والتقدير عليه هو الحبس في بطن الحوت. # قال أهل العلم: ولم يكن يونس من أولي العزم من الرسل، وكان ضيق الصدر، ~~فلما وضع عليه أعباء النبوة تفسخ تحتها كما يتفسخ الربع، وهذا القول مأثور ~~عن السلف. # وقوله: * (فنادى في الظلمات) في القصة: أنه لما ذهب ركب السفينة، وفي ~~السفينة قوم كثير، فجاء حوت وحبس السفينة، وخشي القوم على أنفسهم الهلاك، ~~وتنبه يونس أنه هو المراد فقال: ألقوني تنجوا، فامتنعوا عن ذلك، ثم إنهم ~~استهموا فخرج السهم عليه مرات، فألقوه فالتقمه الحوت، ومرت السفينة، قال ~~سالم بن أبي الجعد: والتقم الحوت حوت آخر. # وأما قوله: * (فنادى في الظلمات) أي: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن ~~الحوت، وفي القصة: أن الحوت مر به إلى الأرض السابعة، وسمع من تسبيح ~~الأرضين والأحجار ودواب البحار أمرا عظيما، فنادى في الظلمات: * (أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) قال ابن عباس: مكث فيه أربعين يوما، ~~وعن غيره: ثلاثة أيام، وروي أنه لما دعا بهذه الدعوة سمعت الملائكة صوته، ~~فقالوا: يا رب صوت معروف من مكان مجهول، فقال الله تعالى: هو عبدي يونس ~~جعلت بطن الحوت سجنا له فدعوا. # وقوله تعالى: * (فاستجبنا له) يعني: أجبناه. # وقوله: * (ونجيناه من الغم) أي: من غم البحر وضيق المكان. # وقوله: * (وكذلك ننجي المؤمنين) وقرئ: نجى المؤمنين '، والأولى أن يقرأ ~~بنونين، قال الزجاج: بنون واحد لحن، وهو من [الخطأ] روى عاصم عنه. ~~PageV03P404 # * (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا ~~له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا ~~رغبا ورهبا وكانوا) * * وروي عن [سعد بن أبي] وقاص - رضي الله ms1008 عنه - أنه ~~قال: سمعت النبي يقول: ' كلمة أعرفها لا يقولها أحد في كرب إلا فرج عنه، ~~وهي كلمة أخي يونس: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين '. وفي ~~القصة: أن الحوت ألقاه في ساحل البحر: وأنبت الله له شجرة من يقطين، وقصة ~~ذلك تأتي من بعد في سورة: ' والصافات '، فإن قيل: قوله: * (وكذلك ننجي ~~المؤمنين) هو مكتوب في المصحف بنون واحدة فكيف جعلتم أصح القراءتين بنونين؟ ~~والجواب عنه: أنه إنما كتب بنون واحد؛ لأن النون الأولى متحركة، والنون ~~الثانية ساكنة، فخفيت الساكنة في جنب المتحركة، فحذفت، وقد ذكر الفراء وجها ~~لقراءة عاصم، وهو أن معناه: نجى النجاء المؤمنين فخفض المؤمنين على إضمار ~~المصدر. # قوله تعالى: * (وزكريا إذ نادى ربه) أي: دعا ربه. # وقوله: * (رب لا تذرني فردا) أي: وحيدا، ومعناه: هو ما ذكرنا من دعاء ~~الولد. # وقوله: * (وأنت خير الوارثين). # قوله تعالى: * (فاستجبنا له) أي: فأجبناه. # وأما قوله: * (ووهبنا له يحيى) سمي يحيى، لأن رحمها حي بالولد. # وقوله: * (وأصلحنا له زوجه) فيه قولان: أحدهما - وهو المعروف - أنه كان ~~عقيما فجعله ولودا، والآخر: ما روي عن عطاء أنه قال: معنى الإصلاح أنه كان ~~في لسان امرأته طول، وفي خلقها سوء فأصلحها. # وقوله: * (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) ينصرف إلى جميع الأنبياء الذين ~~ذكرهم. PageV03P405 # * (لنا خاشعين (90) والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها ~~وابنها آية للعالمين (91) إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) ~~وتقطعوا أمرهم) * * وقوله: * (يسارعون) أي: يبادرون. # وقوله: * (ويدعوننا رغبا ورهبا) أي: رغبا في الطاعات، ورهبا من المعاصي، ~~(وقيل: رغبا في الجنة، ورهبا من النار). وقال خصيف: رغبا ببطون الأكف، ~~ورهبا بظهورها. # وقوله: * (وكانوا لنا خاشعين) أي: متواضعين، وعن ابن عباس قال: هو أن يضع ~~يمينه على شماله في الصلاة، يومىء ببصره إلى موضع السجود، وقال مجاهد: ~~الخشوع هو الخوف اللازم في القلب، وعن الحسن قال: ذللا لأمر الله تعالى. # * (والتي أحصنت) أي: عفت * (فرجها)، وقيل: منعت من الحرام. # وقوله: * (فنفخنا فيها من روحنا) الأكثرون أن ms1009 هذا جيب الدرع على ما بينا، ~~وفيه قول آخر: أنه نفخ رحمها، وخلق الله المسيح في بطنها، وذكر روحنا ~~تخصيصا وكرامة للمسيح عليه السلام. # وقوله: * (وجعلنا وابنها آية للعالمين). # أي: دلالة للعالمين، فإن قيل: هما كانا آيتين، فهلا قال آيتين؟ والجواب: ~~إنما قال: آية؛ لأن الآية فيهما كانت واحدة، وهي أنها أتت به من غير فحل، ~~قال أهل العلم: وفيها آيات: أحدها: (أنه لم (تعتن) قبلها أنثى للتحرز)، ~~والآخر: إتيانها بعيسى من غير أب، والثالث: مجيىء رزقها من عند الله من غير ~~سبب من مخلوق، ويقال: إنها لم تقبل ثدي أحد سوى أمها. # قوله تعالى: * (إن هذه أمتكم أمة واحدة) أي: ملتكم ودينكم ملة واحدة، ~~PageV03P406 # * (بينهم كل إلينا راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران ~~لسعيه وإنا له كاتبون (94) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) ~~حتى إذا فتحت) * * والأمة في أصل اللغة: اسم للجماعة، وسمى الدين أمة؛ لأنه ~~يبعث على الاجتماع. # وقوله: * (وأنا ربكم فاعبدون) أي: وحدوني، وحقيقة معنى الآية: أن الملة ~~التي دعوتكم إليها هي ملة الأنبياء قبلكم، إذ دين الكل واحد، وهذا في ~~التوحيد، فأما الشرائع يجوز اختلافها، ويقال: معنى الآية: أنكم خلق واحد ~~وكونوا على دين واحد. # قوله تعالى: * (وتقطعوا أمرهم بينهم) أي: دعوت الخلق إلى دين واحد ~~فتفرقوا، ويقال: صاروا قطعا متفرقين. # وقوله: * (كل إلينا راجعون) أي: من تفرق، ومن لم يتفرق. # قوله تعالى: * (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) أي: لا ~~جحود لسعيه، وقيل: لا يخيب سعيه بل يجازى عليه. # وقوله: * (وإنا له كاتبون) أي: حافظون، ويقال: إن معنى الشكر من الله هو ~~المجازاة. # قوله تعالى: * (وحرام على قرية) وقرئ: ' وحرم ' قال ابن عباس معنى قوله * ~~(حرام) أي: واجب، قال الشاعر: # (وإن حراما لا أرى الدهر باكيا * على (شجوة) إلا بكيت على (عمرو)) أي: ~~واجبا، فمعنى الآية على هذا: أنه واجب على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ~~إلى الدنيا، فإن قيل: كيف يوجب عليهم أن لا يرجعوا وليسوا بمحل ms1010 الإيجاب ولا ~~الإباحة [ولا] غيره؟. PageV03P407 # * (يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي) * ~~* والجواب: أن هذا على توسع الكلام، ومعناه: أنا نمنعهم من الرجوع، ~~والتحريم في اللغة هو المنع. # والقول الثاني: أن ' لا ' صلة، قاله أبو عبيد، فمعناه: حرام على قرية ~~أهلكناها أي: يرجعون، وقال الزجاج: قوله: * (وحرام على قرية) معناه: وحرام ~~على أهل قرية * (أهلكناها)، أي: حكمنا بهلاكها أن يتقبل أعمالهم؛ ل * (أنهم ~~لا يرجعون) أي: لا يتولون، قال والدليل على هذا المعنى أنه قد قال في الآية ~~التي قبلها: * (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) أي: يتقبل ~~عمله، ثم ذكر عقبه هذه الآية، وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. # قوله تعالى: * (حتى إذا فتحت) قرىء بالتخفيف والتشديد، ومعنى التشديد على ~~الجمع، ومعنى التخفيف على الوحدان. # وقوله: * (يأجوج ومأجوج) قد بينا، والفتح للسد الذي بيننا وبينهم، ويقال: ~~إن الخلق عشرة أجزاء، تسعة أجزاء كلهم يأجوج ومأجوج، وجزء واحد هم سائر ~~الخلق، ويقال: إن جزءا من ألف جزء سائر الخلق، والباقي هم يأجوج ومأجوج. # قوله: * (وهم من كل حدب ينسلون) الحدب: المكان المرتفع، فمعناه: يسرعون ~~النزول من الآكام، وهو مكان مرتفع من القلاع، ونسلان الذئب: سرعة مشيه، قال ~~الشاعر: # (نسلان الذنب أمسى باديا * برد الليل عليه فينسل) وقيل: من كل حدب أي: من ~~كل جانب، فإن قيل: ما معنى * (حتى) في أول الآية؟ وأين جوابه:؟ والجواب ~~عنه: قال بعضهم: معناه: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ~~اقترب الوعد الحق، والواو مقحمة، قال امرؤ القيس: PageV03P408 # * (شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ~~ظالمين (97) إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو ~~كان هؤلاء آلهة ما) * * (فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى * بنا بطن خبت ذي ~~حقاف عقنقل) والواو في قوله: وانتحى مقحمة. # والثاني: أن معنى قوله: * (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون) قالوا * (يا ويلنا) ويقال: ms1011 ظهر لهم صدق ما قلناه، وفي بعض الغرائب ~~من الأخبار برواية ابن مسعود: ' أن النبي ليلة أسري به اجتمع مع إبراهيم ~~وموسى وعيسى - صلوات الله عليهم - فذكروا أمر الساعة، فبدءوا بإبراهيم ~~وسألوه عنها، فقال: لا علم لي بها، ثم ذكروا لموسى فقال: لا علم لي بها، ثم ~~ذكروا لعيسى فقال عيسى: إن الله تعالى عهد إلي أنها دون وحيها ولا يعلم ~~وحيها، إلا الله، ثم قال عيسى: إن الله يهبطني إلى الأرض فأقتل الدجال '. # ورد الخبر ' أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا فيغلبون على الأرض، ثم إن المسلمين ~~يجأرون إلى الله، فيرسل الله النغف في رقابهم فيهلكون، وقد تنتن الأرض؛ ~~فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتأخذهم وتلقيهم في البحر '. # وعن أبي سعيد الخدري قال: إن الناس يحجون ويعتمرون بعد خروج يأجوج ومأجوج ~~وهلاكهم. # قوله تعالى: * (واقترب الوعد الحق) قد بينا. # وقوله: * (فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا) أي: منزعجة. PageV03P409 # * (وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100)) ~~* * وقوله: * (يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) قرأ علي - رضي ~~الله عنه - ' حطب جهنم '، وقرأ الجحدري: ' حصب جهنم '، وفي الشاذ أيضا: ' ~~حضب جهنم ' بالضاد المعجمة متحركة، وأما المعروفة * (حصب جهنم) وهو ما يرمى ~~به في النار، وأما قوله: * (وما تعبدون من دون الله)، ' روي أن النبي لما ~~قرأ هذه الآية على الكفار، قال عبد الله بن الزبعري: خصمت محمدا ورب ~~الكعبة، ثم قال: يا محمد، أتزعم أن ما يعبد من دون الله يدخلون النار؟ قال: ~~نعم - والورود هاهنا: الدخول - قال عبد الله بن الزبعري: فعيسى وعزير ~~والملائكة يعبدون من دون الله، أفهم معنا في النار؟ فأنزل الله تعالى: * ~~(إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون)، وأنزل الله أيضا في عبد ~~الله بن الزبعري: * (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) ' يعني: أنهم ~~قالوا ما قالوا خصومة ومجادلة بالباطل، وإلا قد ms1012 عرفوا أن المراد هم ~~الأصنام. # وزعم قطرب وجماعة من النحويين أن الآية ما تناولت إلا الأصنام من حيث ~~العربية؛ لأن الله تعالى قال: * (وما تعبدون من دون الله) وهذا يقال فيما ~~لا يعقل، فأما فيمن يعقل فيقال: ومن تبعدون من دون الله. # قوله تعالى: * (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها) أي: ما دخلوها. # وقوله: * (وكل فيها خالدون) أي: مقيمون. PageV03P410 # * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون ~~حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوي السماء كطي ~~السجل للكتب كما بدأنا) * * قوله تعالى: * (لهم فيها زفير) قد بينا معنى ~~الزفير. # وقوله: * (وهم فيها لا يسمعون). # قال ابن مسعود: يجعلون في توابيت من نار، وقال بعضهم: والتوابيت في ~~توابيت، فلا يسمعون ولا يبصرون شيئا، ويظن كل واحد أنه لا يعذب غيره؛ لئلا ~~يكون له تسلى الأسوة، وهذا الخبر ليس من قول ابن مسعود. # قوله تعالى: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) قد بينا. # ويقال: سبقت لهم منا السعادة، ويقال: وجبت لهم الجنة. # قوله: * (أولئك عنها مبعدون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (لا يسمعون حسيسها) أي: حسها. # وقوله: * (وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون) أي: مقيمون. # قوله تعالى: * (لا يحزنهم الفزع الأكبر) قال سعيد بن جبير: الفزع الأكبر ~~هو أن تطبق جهنم، وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه، ويقال: ~~الفزع الأكبر هو ذبح الموت، فيقال لهؤلاء: خلود ولا موت، ولهؤلاء: خلود ولا ~~موت، وقيل الفزع الأكبر: الأمر بالجر إلى النار. # وقوله: * (وتتلقاهم الملائكة) أي: تستقبلهم الملائكة. # وقوله: * (هذا يومكم الذي كنتم توعدون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) وقد ثبت عن النبي أنه ~~قال: ' يطوي الله السماء، ويأخذ الأرض بيمينه فيقول: أنا الملك، أين ملوك ~~الأرض؟ '. PageV03P411 # * (أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104) ولقد كتبنا في الزبور ~~من بعد الذكر أن) * * وقوله: * (كطي السجل للكتب) روي عن ابن إسحاق أن ms1013 ~~السجل كاتب للنبي، وهو قول غريب. والقول الثاني: أن السجل ملك، والقول ~~الثالث - وهو أصح الأقوال - أن السجل هو الصحيفة. # وقوله: * (للكتب) أي: لأجل ما كتب، فمعناه: كطي الصحيفة لأجل المكتوب. # وقوله: * (كما بدأنا أول خلق نعيده) أي: قدرتنا على إعادة الخلق كقدرتنا ~~على إنشائه. # وقوله: * (إنا كنا فاعلين) أي: قادرين عليه، وقد ورد في هذه الآية خبر ~~صحيح وهو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي قال: ' يحشر الناس يوم ~~القيامة حفاة عراة غرلا '، وفي رواية: ' إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة ~~غرلا ' ثم قرأ: * (كما بدأنا أول خلق نعيده)، وأول من يكسى إبراهيم - عليه ~~السلام - ويجاء بقوم من أمتي فيؤمر بهم إلى النار، فأقول: يا رب، أصحابي، ~~فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال ~~العبد الصالح: * (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت ~~الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد) وفي رواية ' أقول: سحقا لأهل النار '. ~~قال الشيخ الإمام: أنا بهذا الحديث المكي بن عبد الرزاق، قال: أنا جدي أبو ~~الهيثم، قال الفربري قال البخاري، قال محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، عن ~~المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير... الخبر. # قوله تعالى: * (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) قال عامر بن شراحيل ~~الشعبي أبو عمرو: الزبور زبور داود، والذكر هو التوراة، وقال سعيد بن جبير: ~~الزبور PageV03P412 # * (الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) ~~وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)) * * هو التوراة والإنجيل، والذكر هو ~~اللوح المحفوظ، ومعناه: من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ. # وقوله: * (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) قال ابن عباس: والأرض أرض ~~الجنة. وعنه أيضا: أن الأرض هي أراضي الكفار، يفتحها الله للمسلمين، ~~ويجعلها لهم، وقيل إن الأرض هي الأرض المقدسة. # قوله تعالى: * (إن في هذا لبلاغا) يجوز أن يكون قوله: * (في هذا) أي: في ~~القرآن، ويجوز أن يكون معناه: في هذه السورة، وقوله: * (لبلاغا) أي: سببا ~~يبلغهم إلى ms1014 رضا الله، وقيل: بلاغا أي: كفاية. # وقوله: * (لقوم عابدين) قيل: عالمين، وقيل: مطيعين. # قوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) من المشهور المعروف عن ~~النبي أنه قال: ' إنما أنا رحمة مهداة ' أي: هدية من الله، ثم اختلفوا في ~~العالمين على قولين: فأحد القولين: أنهم المسلمون، فهو رحمة للمسلمين، ~~والقول الثاني: أنهم جميع الخلق، وهذا القول أشهر، وأما معنى رحمته ~~للكافرين فهو تأخير العذاب عنهم، وقيل: هو رفع عذاب الاستئصال عنهم، وأما ~~رحمته للمؤمنين فمعلومة. PageV03P413 # * (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن ~~تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) إنه ~~يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع ~~إلى حين (111) قال رب احكم بالحق) * * قوله تعالى: * (قل إنما يوحى إلي ~~أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون) أي: أسلموا. # قوله: * (فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء) أي: لتستووا في الإيمان به، ~~وأوضح الأقوال ما ذكره ابن قتيبة، وهو أن معناه: آذنتكم على وجه، نستوي نحن ~~وأنتم في العلم به. # وقوله: * (وإن أدري أقريب أم بعيد) يعني: ما أدري أقريب أم بعيد * (ما ~~توعدون)؟. # قوله تعالى: * (إنه يعلم الجهر من القول...) الآية؟. ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وإن أدري لعله فتنة لكم) اختلفوا في أن الهاء إلى ماذا ~~ترجع في * (لعله) على قولين: أحدهما: أنه يرجع إلى قوله: * (وإن أدري أقريب ~~أم بعيد ما توعدون) يعني: إن هذا الذي أقول لعله فتنة لكم، والقول الثاني: ~~أنه يرجع إلى ما ذكرنا من تأخير العذاب عنهم، وقوله: * (فتنة) أي: محنة ~~واختبار. # وقوله: * (ومتاع إلى حين) أي: إلى القيامة، وقيل: إلى الموت. # قوله تعالى: * (قل رب احكم بالحق) وقرأ حفص عن عاصم: ' قال رب احكم بالحق ~~' على الخبر، والأول هو المختار؛ ولأن سواد المصحف متبع لا يجوز خلافه، فإن ~~قيل: قوله: * (قل رب احكم بالحق) كيف يجوز هذا الدعاء، والله لا يحكم إلا ~~بالحق؟ والجواب عنه: قلنا روي عن قتادة أنه ms1015 قال: كان الأنبياء قبل محمد ~~يقولون: ربنا افصل بيننا وبين قومنا بالحق، فأمر الله رسوله أن يقول: رب ~~احكم بالحق، واختلفوا في معناه، قال بعضهم: رب احكم بالحق أي: عجل الحكم ~~بالحق، PageV03P414 # * (وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112)) * * وقال أبو عبيد: رب ~~احكم بحكمك الحق، والله يحكم بالحق طلب أو لم يطلب، ومعنى الطلب هو ظهور ~~الرغبة من الطالب في حكمه بالحق، وهذا الأخير ليس من قول أبي عبيدة، وقال ~~بعضهم: * (رب احكم بالحق) تعبد من الله، والله يحكم بالحق سئل أو لم يسأل، ~~أورده النحاس. # وقوله: * (وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) أي: تكذبون. ومثله قوله ~~تعالى: * (سيجزيهم وصفهم) أي: سيجزيهم جزاء كذبهم، ويقال: على ما تصفون أي: ~~تكذبون. PageV03P415 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل كل) * * تفسير سورة الحج قال ابن عباس في ~~أظهر الروايتين: هي مكية إلا قوله تعالى: * (هذان خصمان اختصموا في ربهم) ~~وآيتين بعد هذه الآية، وقوله تعالى: * (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا..) ~~الآية، وعن ابن عباس في رواية أخرى: أن هذه السورة مدنية إلا آيات فيها ~~نزلت بمكة. # قوله تعالى: * (يا أيها الناس اتقوا ربكم) أي: احذروا عن عقوبته بطاعته، ~~ويقال: اتقوا ربكم أي: اتقوا جميع المناهي: وفيها الشرك وغيره. # وقوله: * (إن زلزلة الساعة) الزلزلة شدة الحركة على حال هائلة، واختلف ~~القول في هذه الزلزلة، فذكر علقمة والشعبي: أنها قبل يوم القيامة، وذكر ابن ~~عباس الحسن وقتادة والسدي وغيرهم: أنها عند قيام الساعة، وهذه القول أصح ~~القولين لما نذكره من الخبر من بعد. # وقوله: * (شيء عظيم) أي: أمر عظيم. # قوله تعالى: * (يوم ترونها) يعني: الساعة. # وقوله: * (تذهل) أي: تغفل وتشتغل، وفيه تسهو وتنسى، قال الشاعر في ~~الذهول. # (أطالت بك الأيام حتى نسيتها * كأنك عن يوم القيامة ذاهل) وقال عبد الله ~~بن رواحة بين يدي النبي: PageV03P416 # * (مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم ~~بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2)) * * (ضربا ms1016 يزيل الهام عن مقيله * ويذهل ~~الخليل عن خليله) وقوله: * (كل مرضعة عما أرضعت) يعني: كل أم عن ولدها. # وقوله: * (وتضع كل ذات حمل حملها). فإن قال قائل: كيف تضع المرأة حملها ~~يوم القيامة؟ الجواب: قلنا: أما على قولنا إن الزلزلة قبل قيام الساعة، ~~فمعنى وضع الحمل على ظاهره، وإن قلنا إن الزلزلة عند قيام الساعة، فالجواب ~~من وجهين: أحدهما: أن المراد من الآية النساء اللواتي متن وهن حبالى، ~~والوجه الثاني، وهو الأصح: أن هذا على وجه تعظيم الأمر وذكر شدة الهول، لا ~~على حقيقة وضع الحمل، والعرب تقول: أصابنا أمر يشيب فيه الوليد، وهذا على ~~طريق عظم الأمر وشدته، وقد قال الله تعالى: * (يوما يجعل الوالدان شيبا) ~~والمراد ما بينا. # وقوله: * (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) وقرئ: ' سكرى ' بغير الألف، ~~والمعنى واحد، والذي عليه أهل التفسير: أن المراد من الآية سكرى من الفزع ~~والخوف، وليسوا سكارى من الشراب وقالوا أيضا: في صورة السكارى، وليسوا ~~بسكارى، والقول الأول أحسن؛ لأن الله تعالى قال: * (ولكن عذاب الله شديد). # وفي الآية خبر صحيح أورده البخاري وغيره، وهو ما رواه الأعمش، عن أبي ~~صالح، عن أبي سعيد الخدري أن النبي قرأها بين الآيتين ثم قال: ' إذا كان ~~يوم القيامة يقول الله تعالى لآدم: قم يا آدم، فابعث من ذريتك بعث النار ~~فيقول آدم: لبيك وسعديك، والخير في يديك، وما بعث النار؟ فيقول الله تعالى: ~~من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، [وواحد] إلى الجنة، فقال أصحاب ~~رسول الله: وأينا ذلك الواحد؟ فقال النبي: ' سددوا وقاربوا وأبشروا، فإن ~~معكم خليقتين ما كانتا مع قوم إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج وكفرة الجن والإنس ~~من قبلكم '، وفي رواية PageV03P417 # * (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) كتب ~~عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4)) * * قال: ' ~~تسعمائة وتسعة وتسعين من يأجوج ومأجوج، وواحد منكم، ثم قال: ' إني لأرجو أن ~~تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: إني أرجو أن تكونوا ms1017 ثلث أهل الجنة، ~~فكبرنا، ثم قال: إني أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة ما أنتم في ذلك اليوم ~~بين الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في ~~الثور الأبيض ' وفي رواية: ' ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، ~~وكالرقمة في ذراع الدابة '. قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الحديث المكي بن ~~عبد الرزاق، قال: أخبرنا جدي أبو الهيثم، قال الفربري، قال البخاري: قال ~~عمر بن حفص بن غياث قال: أخبرنا أبي، عن الأعمش... الخبر. # قوله تعالى: * (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) الأكثرون على أن ~~الآية نزلت في النضر بن الحارث، وكان ينكر البعث ويجادل فيه، وعن سهل بن ~~عبد الله في هذه الآية قال: هو من يجادل في آيات الله بالهوى، وعن غيره ~~قال: هو الذي يرد النص بالقياس. # وقوله: * (ويتبع كل شيطان مريد) المريد المتمرد، والمتمرد هو المستمر في ~~الشر، يقال: حائط ممرد أي: مطول، وقيل: المريد هو العاري عن الخير، يقال ~~صبي أمرد إذا كان عاريا خده من الشعر. # وقوله: * (كتب عليه) أي: على الشيطان. # وقوله: * (أنه من تولاه فإنه يضله) أي: كتب على الشيطان أن يضل من تولاه. # وقوله: * (ويهديه إلى عذاب السعير) أي: إلى عذاب جهنم. PageV03P418 # * (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من ~~نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة) * * قوله تعالى: * (يا أيها ~~الناس إن كنتم في ريب من البعث) ذكر الله تعالى في هذه الآية الدلالة على ~~منكري البعث، والخطاب للمشركين. # وقوله: * (إن كنتم في ريب من البعث) أي: في شك من البعث. # وقوله: * (فإنا خلقناكم من تراب) ذكر التراب هاهنا؛ لأن آدم خلق من تراب، ~~وهو الأصل. # وقوله: * (ثم من نطفة) النطفة هي الماء النازل من الصلب. # وقوله: * (ثم من علقة) العلقة هي الدم المتجمد، وقيل: المنعقد. # وقوله: * (ثم من مضغة) المضغة هي قطعة لحم كأنها مضغت. # وقوله: * (مخلقة وغير مخلقة). قال ابن عباس * (مخلقة) ms1018 تام الخلق * (وغير ~~مخلقة) ناقص الخلق، والقول الثاني: أن المخلقة هو الولد الذي تأتي به ~~المرأة لوقته، وغير المخلقة هو السقط، وفي هذا الموضع أخبار: منها ما روى ~~علقمة عن ابن مسعود أنه إذا استقرت النطفة في الرحم أخذها الملك بيده ~~فيقول: أي رب، مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة قذفها الرحم دما، ~~ولم تخلق منها نسمة، وإن قال: مخلقة، قال الملك: أشقي أو سعيد؟ أذكر أو ~~أنثى؟ ما رزقه؟ ما عمله؟ ما أجله؟ وأين الموضع الذي يقبض فيه؟ فيقول الله ~~تعالى له: اذهب إلى أم الكتاب ففيه كل ذلك، فيذهب إلى أم الكتاب فيجد فيه ~~أنه شقي أو سعيد، ذكر أو أنثى، فيكتب ذلك، فيسعى الرجل في عمله، ويأكل ~~رزقه، ويمضي في أجله حتى يتوفاه الله تعالى في المكان الذي قدر أين يقبض ~~فيه. # وقد ورد خبران صحيحان عن النبي في هذا، أحدهما ما روى الأعمش عن زيد بن ~~وهب عن عبد الله بن مسعود قال: أخبرني الصادق المصدوق أبو القاسم: أن خلق ~~أحدكم يجمع في رحم أمه أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، PageV03P419 # * (لنبين لكم) * * ثم أربعين يوما مضغة، ثم يؤمر الملك بأربع كلمات؛ ~~فيكتب رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح '. والخبر متفق ~~على صحته. # والخبر الثاني: هو ما روى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي ~~الطفيل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، ~~والسعيد من وعظ بغيره. قال أبو الطفيل: فقلت ثكلتني! أنشقى ولم نعمل؟ فأتيت ~~حذيفة بن أسيد، فذكرت له قول ابن مسعود، فقال: ألا أخبرك بأعجب من هذا، ~~سمعت رسول الله يقول: ' إذا مكثت النطفة في رحم الأم أربعين يوما - أو خمسة ~~وأربعين - جاء الملك فيقول: يا رب، أذكر أو أنثى؟ فيقول الرب، ويكتب الملك، ~~فيقول: أشقي أو سعيد؟ فيقول الرب، ويكتب الملك، فيقول: ما رزقه، ما عمله، ~~ما أجله، ما أثره، ما مصيبته؟ فيقضي الله ما شاء، ويكتب ms1019 الملك، ثم يطوي ~~الصحيفة، فلا يزاد ولا ينقص إلى يوم القيامة ' قال الشيخ الإمام أخبرنا ~~بهذا الحديث أبو علي الشافعي بمكة حرسها الله تعالى، قال: أبو الحسن بن ~~[فراس] قال: أخبرنا أبو جعفر الديبلي قال سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال ~~سفيان... الخبر. أخرجه مسلم في الصحيح. # وأنشدوا في المخلقة: # (أفي غير المخلقة البكاء * فأين العزم ويحكم والحياء) وقوله: * (لنبين ~~لكم) أي: نبين لكم أمر الخلق في الابتداء؛ لتستدلوا (بقدرة PageV03P420 # * (ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا ~~أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم ~~شيئا) * * الله) في الابتداء على قدرته على الإعادة. # وقوله: * (ونقر في الأرحام ما نشاء) أي: نثبت في الأرحام ما نشاء * (إلى ~~أجل مسمى) أي: إلى وقت الولادة: # وقوله: * (ثم نخرجكم طفلا) أي: أطفالا، واحد بمعنى الجمع. # وقوله: * (ثم لتبلغوا أشدكم) قد بينا معنى الأشد. # وقوله: * (ومنكم من يتوفى) وحكى أبو حاتم أن في قراءة بعضهم: ' ومنكم من ~~يتوفى ' بفتح الياء، ومعناه يستوفى أجله، والمعروف * (يتوفى) بالرفع يعني: ~~يتوفى قبل بلوغ الكبر. # وقوله: * (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) أي: إلى أخس العمر، والمراد منه ~~حالة الخرف والهرم، قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يخرف. # وقوله: * (لكيلا يعلم من بعد علم شيئا) أي: لا يعقل من عبد عقله شيئا. # وقوله: * (وترى الأرض هامدة) وهذا ذكر دليل آخر على إحياء الموت. # وقوله: * (هامدة) أي: جافة يابسة لا نبات فيها، وقال قتادة: (هامدة) ~~غبراء منهشمة، وقيل: هامدة: دارسة، قال الشاعر: # (قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا * وأرى ثيابك باليات همدا) وقال آخر: # (رمى الحدثان نسوة آل حرب * بنازلة همدن لها همودا) (فرد شعورهن السود ~~بيضا * ورد وجوههن البيض سودا) PageV03P421 # * (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل ~~زوج بهيج (5) ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير) ~~* * وقوله: * (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت) أي: تحركت، قال الشاعر: ms1020 # (تثنى إذا قامت وتهتز إن ما مشت * كما اهتز غصن البان في (ورق) خضر) ~~وقوله: * (وربت) أي: انتفخت للنبات، وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: ~~وربت واهتزت، ويقال اهتزت أي: النبات، وربت أي: ارتفع، وإنما أنث لذكر ~~الأرض، وقرأ أبو جعفر: ' وربأت ' بالهمز، وهو في معنى الأول. # وقوله: * (وأنبتت من كل زوج بهيج) أي: صنف حسن، فهذا أيضا دليل على إعادة ~~الخلق، وفي بعض ما ينقل عن السلف: إذا رأيتم الربيع فاذكروا والنشور. # وقوله: * (ذلك بأن الله هو الحق) يعني: هذا الذي ذكرته لكم [دليل] بأن ~~الله هو الحق. # وقوله: * (وأنه يحيى الموتى) يعني: هو دليل على أنه يحيي الموتى. # وقوله: * (وأنه على كل شيء قدير) أي: لما قدر على ابتداء الخلق، وعلى ~~إحياء الأرض الميتة، فاعلم أنه على كل شيء قدير، وفي بعض الأخبار عن النبي: ~~' من جاء يوم القيامة (بثلاث) لم يصد وجهه عن الجنة شيء، من علم أن الله ~~وحده لا شريك له، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ~~'. PageV03P422 # (* (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل ~~عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9) ذلك بما ~~قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) ومن الناس من يعبد الله على حرف) ~~* * وقوله: * (وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) قد ~~بينا. # قوله تعالى: * (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى) أي: ولا ~~حجة. # وقوله: * (ولا كتاب منير) أي: ولا كتاب له نور، وفي بعض الأخبار: أن ~~النبي قال: ' إن على الباطل ظلمة، وإن على الحق نورا '. # وعن بعضهم قال: ما عز ذو باطل، وإن طلع من جيبه القمر، وما ذل ذو حق، وإن ~~أصفق العالم. # واعلم أن الآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة، ومجادلته إنكاره البعث ~~وضربه ms1021 لذلك الأمثال. # وقوله: * (ثاني عطفه) أي: لاوى عنقه، وقال ابن جريج: يعرض عن الحق تكبرا. # وقوله: * (ليضل عن سبيل الله) أي: ليضل الناس عن دين الله. # وقوله: * (له في الدنيا خزي) أي: هوان، وقد قتل النضر يوم بدر صبرا، ولم ~~يقتل صبرا غيره وغير عقبة بن أبي معيط. # وقوله: * (ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) أي: المحرق. # وقوله: * (ذلك بما قدمت يداك...) الآية، ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ومن الناس من يعبد الله على حرف) قال مجاهد: على شك، وقال ~~الزجاج: على حرف أي: الطريقة في الدين، لا يدخل فيها دخول متمكن، ولا يدخل ~~بكليته فيه، ويقال: ومن الناس من يعبد الله على حرف أي: على ضعف، كالقائم ~~على حرف الشيء يكون قدمه ضعيفا غير مستقر، ومنهم من قال: على PageV03P423 # * (فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا ~~والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ~~ينفعه ذلك) * * حرف أي: على جهة، ثم فسر الجهة فقال: * (فإن أصابه خير ~~اطمأن به) أي: ثبت على الإيمان، ورضي به، وسكن إليه. # وقوله: * (وإن أصابته فتنة) أي: محنة وبلية. # وقوله: * (انقلب على وجهه) أي: رجع على عقبه وارتد. # وقوله: * (خسر الدنيا والآخرة) الخسران في الدنيا فوات ما أمل وطلب، ~~والخسران في الآخرة هو الخلود في النار، ويقال: الخسران في الدنيا هو القتل ~~على الكفر، والخسران في الآخرة ما بينا، وقرأ مجاهد: ' خاسر الدنيا والآخرة ~~'. # وقوله: * (ذلك هو الخسران المبين) أي: البين. # قال أهل التفسير: نزلت الآية في قوم من المشركين كان يؤمن أحدهم، فإن كثر ~~ماله، وصح جسمه، ونتجت فرسه، قال: هذا دين حسن، وقد أصبت فيه خيرا، وسكن ~~إليه، وإن أصابه مرض أو مات ولده، أو قل ماله، قال: ما أصابني من هذا الدين ~~إلا شر فيرجع. # وفي بعض الأخبار: ' أن رجلا من اليهود أسلم فعمي بصره، وهلك ماله، ومات ~~ولده، فأتى النبي وقال: يا رسول الله، أقلني، فقال: إن الإسلام لا يقال، ms1022 ~~فقال: منذ دخلت في هذا الدين لم أصب إلا شرا؛ أصابني كذا وكذا، فقال النبي: ~~' إن الإسلام ليسبك الرجل، كما تسبك النار خبث الذهب والفضة والحديد '. ~~والخبر غريب. # قوله تعالى: * (يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه) أي: لا يضر إن ~~لم PageV03P424 # * (هو الضلال البعيد (12) يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس ~~العشير (13) * * يعبده، ولا ينفعه إن عبده. # وقوله تعالى: * (ذلك هو الضلال البعيد) أي: الضلال المستمر. # قوله تعالى: * (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه) هذه الآية من مشكلات القرآن، ~~وفيها أسئلة: أولها قال: قالوا في الآية الأولى: * (ما لا يضره) وقال ~~هاهنا: * (لمن ضره). # (فكيف وجه التوفيق؟ الجواب عنه: أن معنى قوله: * (يدعو لمن ضره)). # أي: لمن ضر عبادته، وقوله في الآية الأولى: * (ما لا يضره) أي: (لا يضر) ~~إن ترك عبادته على ما بينا. # السؤال الثاني: قالوا: قال في هذه الآية: * (أقرب من نفعه) والجواب: أن ~~هذا على عادة العرب، وهم يقولون مثل هذا اللفظ، ويريدون أنه لا نفع له ~~أصلا، وهذا مثل قوله تعالى: * (ذلك رجع بعيد) أي: لا رجع أصلا. # السؤال الثالث: وهو المشكل أنه قال: * (لمن ضره) فأيش هذا الكلام؟ ~~الجواب: أنه اختلف أهل النحو في هذا، فأكثر النحويين ذهبوا إلى أن هذا على ~~التقديم والتأخير ومعناه: يدعو من بضره أقرب من نفعه، وأما المبرد أنكر هذا ~~وقال: لا يجوز هذا في اللغة، والجواب عن السؤال على هذا: قال بعضهم: معنى * ~~(يدعو): يقول. # قال الشاعر: # (يدعون [عنترا] (والسيوف) كأنها * أشطان بئر في لبان الأدهم) يعني: ~~يقولون. فعلى هذا معنى الآية: يدعو أي: يقول لمن ضره أقرب من نفعه: ~~PageV03P425 # * (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~إن الله يفعل ما يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة ~~فليمدد) * * هو إله أو مولى، ومنهم من قال: يدعو لمن ضره يعني: إلى الذي ~~ضره أقرب من نفعه، ومنهم من قال معناه: ذلك هو الضلال ms1023 البعيد يدعو أي: في ~~حال دعائه ثم استأنف فقال: * (لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس ~~العشير)، ومنهم من قال: ذلك هو الضلال البعيد يدعو يعني: الذي هو الضلال ~~البعيد يدعو، وذلك بمعنى ' الذي '، ثم استأنف قوله: * (لمن ضره أقرب من ~~نفعه) اختاره الزجاج. وقال ابن فارس حين حكى أكثر هذه الأقاويل: ونكل الآية ~~إلى عالمها. # وقوله: * (لبئس المولى) أي: الناصر، وقيل: المعبود. # وقوله: * (ولبئس العشير) أي: المخالط والصاحب، والعرب تسمى الزوج: عشيرا؛ ~~لأجل المخالطة. # قال النبي: ' إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير ' أي: الزوج. # قوله تعالى: * (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات...) الآية إلى ~~آخرها ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (من كان يظن أن لن ينصره الله) قال ابن عباس: معناه من كان ~~يظن أن لن ينصر الله محمدا. # وروي عنه أنه قال: لما دعا رسول الله أسدا وغطفان إلى الإسلام - وكان ~~بينهم وبين أهل الكتاب حلف - فقالوا: لا يمكننا أن نسلم ونقطع الحلف؛ لأن ~~محمدا ربما لا يظهر ولا يغلب؛ فينقطع الحلف بيننا وبين أهل الكتاب فلا ~~يميروننا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # والقول الثاني: من كان يظن أن لن ينصره الله، أي: لن يرزقه الله، وهذا ~~فيمن PageV03P426 # * (بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك ~~أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة إن) * * أساء الظن بربه، وخاف أن لا يرزقه. # قال أبو عبيدة: تقول العرب: أرض منصورة أي: ممطورة، وعن بعض الأعراب أنه ~~سأل وقال: انصرني ينصرك الله أي: أعطني أعطاك الله. # وقوله: * (في الدنيا والآخرة) ظاهر المعنى. # وقوله: * (فليمدد بسبب إلى السماء) المراد من السماء: سماء بيته في قول ~~جميع المفسرين، وهو السقف. # والسبب: الحبل، ومعناه: فليمدد حبلا من سقف بيته * (ثم ليقطع) أي: ليختنق ~~به. # وقوله: * (فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ) أي: هل له حيلة فيما يغيظه ~~ليدفع عن نفسه؟ ويقال: ثم لينظر ms1024 هل ينفعه ما فعله؟. # قال أهل المعاني: وهو مثل قوله القائل: إن لم ترض بكذا فمت غيظا. # قوله تعالى: * (وكذلك أنزلناه آيات بينات...) الآية. ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا) قد بينا هذا في سورة البقرة. # وقوله: * (إن الله يفصل بينهم يوم القيامة) فإن قيل: ما معنى إعادة ' إن ~~' في آخر الآية، وقد ذكرها في أول الآية؟ والجواب: أن العرب تقول مثل هذا ~~للتأكيد. قال الشاعر: # (إن الخليفة إن الله سربله * سربال ملك به ترجى الخواتيم) وقوله: * (إن ~~الله على كل شيء شهيد) أي: شاهد. # قوله تعالى: * (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض) ~~الآية، قال الزجاج: السجود هاهنا بمعنى الطاعة أي: يطيعه، واستحسنوا هذا ~~القول؛ لأنه موافق للكتاب، وهو قوله تعالى: * (ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين) وأيضا PageV03P427 # * (الله على كل شيء شهيد (17) ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ~~وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ~~(18)) * * فإن من اعتقاد أهل السنة أن الحيوان والموات مطيع كله لله تعالى، ~~وقال بعضهم: إن سجود الحجارة هو بظهور أثر الصنع فيه، على معنى أنه يحمل ~~على السجود والخضوع لمن تأمله وتدبر فيه، وهذا قول فاسد، والصحيح ما قدمنا، ~~والدليل عليه أن الله تعالى وصف الحجارة بالخشية، فقال: * (وإن منها لما ~~يهبط من خشية الله) ولا يستقيم حمل الخشية على ظهور أثر القدرة فيه، وأيضا ~~فإن الله تعالى قال: * (يا جبال أوبي معه) أي: سبحي معه، ولو كان المراد ~~ظهور أثر الصنع لم يكن لقوله: * (مع داود) معنى؛ لأن داود وغيره في رؤية ~~أثر الصنع سواء، وأيضا فإن الله تعالى قال: * (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) ~~أي: يطيع الله بتسبيحه * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) ولو كان المراد بالتسبيح ~~ظهور أثر الصنع فيه لم يستقم ms1025 قوله: * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) ذكر هذه ~~الدلائل أبو إسحاق الزجاج إبراهيم بن السري، وأثنى عليه ابن فارس فقال: ذب ~~عن الدين ونصر السنة. # وقوله: * (والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب) أي: هذه ~~الأشياء (كلها تسبح الله تعالى). # وقوله: * (وكثير من الناس) أي: المسلمون. # وقوله: * (وكثير حق عليه العذاب) هم الكافرون، وإنما حق عليهم العذاب ~~هاهنا بترك السجود، ومعنى الآية: وكثير من الناس أبو السجود فحق عليهم ~~العذاب. # وقوله: * (ومن يهن الله فما له من مكرم) أي: ومن يشقي الله فما له من ~~مسعد، وقال بعضهم: ومن يهن الله: ومن يذله الله، فما له من إكرام أي: لا ~~يكرمه أحد. PageV03P428 # * (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب ~~من) * * وقوله: * (إن الله يفعل ما يشاء) أي: يكرم ويهين، ويشقي ويسعد، ~~بمشيئته وإرادته، وهو اعتقاد أهل السنة. # قوله تعالى: * (هذان خصمان اختصموا في ربهم) في الآية أقوال: أحدها: أنها ~~نزلت في أهل الكتاب (والمسلمين، قال أهل الكتاب): ديننا خير من دينكم، ونحن ~~أحق بالله منكم؛ لأن نبينا وكتابنا أقدم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله ~~منكم، وديننا خير من دينكم؛ لأن كتابنا قاض على الكتب؛ ولأن نبينا خاتم ~~النبيين، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا قول قتادة وجماعة. # والثاني: ما روي عن محمد بن سيرن أنه قال: نزلت الآية في الذين بارزوا ~~يوم بدر من المسلمين والمشركين، فالمسلمون هم: حمزة، وعلي، وعبيدة بن ~~الحارث، والمشركون هم: شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ~~فالآية نزلت في هؤلاء الستة، وكان أبو ذر يقسم بالله أن الآية نزلت في ~~هؤلاء، ذكره البخاري في الصحيح. # والقول الثالث: أن الآية نزلت في جملة المسلمين والمشركين. # والقول الرابع: أنها نزلت في الجنة والنار اختصمتا، فقالت الجنة: خلقني ~~الله؛ ليرحم بي، وقالت النار: خلقني الله؛ لينتقم بي، وهذا قول عكرمة، ~~والمعروف القولان الأولان. قال ابن عباس: ذكر الله تعالى ستة أجناس في ~~قوله: * (إن الذين آمنوا والذين هادوا...) الآية وجعل خمسة ms1026 في النار وواحد ~~للجنة فقوله: * (هذان خصمان) ينصرف إليهم، فالمؤمنون خصم، وسائر الخمسة ~~خصم. # وقوله: * (اختصموا في ربهم) أي: جادلوا في ربهم. # وقوله: * (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار) أي: نحاس مذاب، ويقال: ~~PageV03P429 # * (فوق رؤوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع ~~من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب) * ~~* سمى النار التي يعذبون بها لباسا؛ لأنها تحيط بهم كإحاطة اللباس، وقال ~~بعضهم: يلبس أهل النار مقطعات من النار، وهذا أولى الأقاويل. # وقوله: * (يصب من فوق رؤوسهم الحميم) وهو الماء الذي انتهت حرارته، وفي ~~التفسير: أن قطرة منه لو وضعت على جبال الدنيا لأذابتها. # وقوله: * (يصهر به) أي: يذاب به، وفي الأخبار: أنه يثقب رأس الكافر، ويصب ~~على دماغه الحميم، فيصل إلى جوفه، فتسليه جميع ما في جوفه. # وقوله: * (والجلود) أي: ويذيب الجلود وينضجها. # وقوله: * (ولهم مقامع من حديد) المقمعة هي المرزبة من حديد، ويقال: هي ~~الحرز من حديد، وقيل: إن مقمعة منها لو وضعت في الدنيا، واجتمع الإنس والجن ~~عليها لم يقلوها. # وقوله: * (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم) أي: رجوا وفي التفسير: أن ~~النار تجيش بهم، فترفعهم إلى أعلاها، فيريدون الخروج، فيضربهم الزبانية ~~بالمقامع من الحديد، فيهوون فيها سبعين خريفا. # وقوله: * (وذوقوا عذاب الحريق) أي: تقول لهم الملائكة: ذوقوا عذاب ~~الحريق. # قوله تعالى: * (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار) ظاهر المعنى. # وقوله: * (يحلون فيها من أساور من ذهب) الأساور جمع السوار. # وقوله: * (من ذهب) معلوم المعنى. # وقوله: * (ولؤلؤ) أي: ومن لؤلؤ. PageV03P430 # * (الحريق (22) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) ~~وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) إن الذين كفروا) * * ~~وقرئ: ' لؤلؤا ' أي: يحلون لؤلؤا. # وقوله: * (ولباسهم فيها حرير) أي: من الديباج، وروى شعبة عن خليفة بن ~~كعب، عن ابن الزبير قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ms1027 قال رسول الله ' من لبس ~~الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، (ومن لم يلبسه في الآخرة)، لا يدخل ~~الجنة؛ لأن الله تعالى قال: * (ولباسهم فيها حرير) '. # وفي بعض الأخبار: ' ولو دخل الجنة لم يلبسه في الجنة '. # وقوله: * (وهدوا إلى الطيب من القول) قال ابن عباس: هو شهادة أن لا إله ~~إلا الله، ويقال هو: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله ~~أكبر، وقيل: هو قول أهل الجنة: * (الحمد لله الذي صدقنا وعده) وعن قطرب: ~~أنه القرآن، ويقال: هو الأمر بالمعروف، وقيل: هو القول الذي يثنى به الخلق، ~~ويثيب عليه الخالق. # وقوله: * (وهدوا إلى صراط الحميد) أي: صراط الله، وصراط الله هو الإسلام، ~~ويقال: إلى المنازل الرفيعة. # قوله تعالى: * (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) (تقدير الآية: إن ~~الكافرين والصادين عن سبيل الله، وقال بعضهم معناه: إن الذين كفروا فيما ~~تقدم PageV03P431 # * (ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف ~~فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25)) * * ويصدون عن ~~سبيل الله) في الحال. # وقوله: * (والمسجد الحرام) أي: يصدون عن المسجد الحرام. # وقوله: * (الذي جعلناه للناس) أي: جعلناه للناس قبلة لصلاتهم، ومنسكا ~~لحجهم. # وقوله: * (سواء العاكف فيه والبادي) وقرئ: ' سواء العاكف فيه والباد ' ~~بالنصب والتنوين، فقوله: * (سواء) بالرفع معلوم المعنى، وقوله: * (سواء) ~~بالنصب أي: سويتهم سواء، وقوله: * (العاكف فيه والبادي) المقيم فيه، ~~والجائي. # واختلفوا أن المراد من هذا هو جميع الحرم أو المسجد الحرام؟ فأحد ~~القولين: أن المراد منه هو مسجد الحرام، وهذا قول الحسن وجماعة، ومعنى ~~التسوية هو التسوية في تعظيم الكعبة، وفضل فيه، وفضل الطواف وسائر العبادات ~~وثوابها، والقول الثاني: أن المراد من الآية جميع الحرم، ومعنى التسوية: أن ~~المقيم بمكة والجائي من مكة سواء في النزول، فكل من وجد مكانا فارغا ينزل، ~~إلا أنه لا يزعج أحدا، وهذا قول مجاهد وعمر بن عبد العزيز وعطاء وجماعة من ~~التابعين، وكان عمر - رضي الله عنه - ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في ms1028 زمان ~~الموسم، وفي رواية: منعهم أن يتخذوا الأبواب فاتخذ رجل بابا فضربه بالدرة، ~~وفي الخبر: أن دور مكة كانت تدعى السوائب، من شاء سكن، ومن استغنى أسكن، ~~وعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها، وعلى القول الأول يجوز. # وقوله: * (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) (فيه قولان: أحدهما: أن الباء زائدة، ~~ومعناه: ومن يرد فيه إلحادا بظلم) قال الشاعر: # ([نحن بني جعدة أصحاب الفلج * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج]) PageV03P432 # * (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين) * * أي: تدعو الفرح، وهذا قول الفراء ونحاة الكوفة، وأما المبرد ~~أنكر أن تكون الباء زائدة وقال معنى الآية: من يكون إرادته فيه بأن يلحد ~~بظلم، قال الشاعر: # (أريد لأنسى ذكرها فكأنما * تمثل لي ليلى بكل سبيل) ومعناه: أراد في أن ~~أنسى. # وقوله: * (نذقه من عذاب أليم) أي: يوصل إليه العذاب الأليم، وأما الإلحاد ~~فهو الميل، يقال: لحد وألحد بمعنى واحد، ومنهم من قال: ألحد إذا جادل، ولحد ~~إذا عدل عن الحق، وأما معنى الإلحاد ها هنا، قال بعضهم: هو الشرك، وقال ~~بعضهم: هو كل سيئة حتى شتم الرجل غلامه، وقال عطاء: الإلحاد في الحرم هو أن ~~يدخل غير محرم، أو يرتكب محظور الحرم بأن يقتل صيدا، أو يقلع شجرة. فإن قال ~~قائل: أيش معنى تخصيص الحرم بهذا كله؛ وكل من عمل سيئة، وإن كان خارج الحرم ~~استحق العقوبة؟. والجواب: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: من هم بخطيئة في ~~غير الحرم لم تكتب عليه، ومن هم بخطيئة في الحرم كتب عليه، وعنه أنه قال: ~~وإن كان بعدن أبين، ومعناه: أنه وإن كان بعيدا من الحرم فإذا هم بخطيئة في ~~الحرم أخذ به، وهذا معنى الإرادة المذكورة في الآية. # قوله تعالى: * (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) أي: بينا وأعلمنا، وإنما ~~ذكر * (مكان البيت)؛ لأن الكعبة رفعت إلى السماء من الطوفان، ثم إن الله ~~تعالى لما أمر إبراهيم ببناء البيت، بعث ريحا خجوجا فكنس موضع البيت حتى ~~أبدى ms1029 عن موضع البناء. وفي رواية أخرى: أن الله تعالى بعث سحابة بقدر البيت ~~فيها رأس تكلم فقال: يا إبراهيم، ابن بقدري، فهذا معنى قوله: * (وإذ بوأنا ~~لإبراهيم مكان البيت). # وقوله: * (ألا تشرك بي شيئا) يعني: وقلنا له: لا تشرك بي شيئا. ~~PageV03P433 # * (والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ~~يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات) * * وقوله: * (وطهر بيتي للطائفين) أي: الطائفين بالبيت. # وقوله: * (والقائمين) أي المقيمين. * (والركع السجود) أي: المصلين. # وقوله: * (وطهر بيتي) أي: ابن بيتي طاهرا. # قوله تعالى: * (وأذن في الناس بالحج) وقرأ ابن أبي إسحاق: ' بالحج ' بخفض ~~الحاء، وكذلك في جميع القرآن، وفي القصة: أن إبراهيم - عليه السلام - صعد ~~المقام، فارتفع المقام حتى صار كأطول جبل في الدنيا، وفي رواية: صعد أبا ~~قبيس ثم نادى: يا أيها الناس، إن الله تعالى كتب عليكم الحج فأجيبوا ربكم، ~~فأجابه كل من يحج من أرحام الأمهات وأصلاب الآباء، قال ابن عباس: وأول من ~~أجابه أهل اليمن، فهم أكثر الناس حجا، فالناس يأتون ويقولون: لبيك اللهم ~~لبيك، فهو إجابة إبراهيم، وروي أن إبراهيم - صلوات الله عليه - لما أمره ~~الله تعالى بدعاء الناس قال: يا رب، كيف يبلغهم صوتي؟ قال: عليك الدعاء ~~وعلي التبليغ. # وقوله: * (يأتوك رجالا) أي: رجالة، وهم المشاة، وفي بعض الأخبار: أن آدم ~~- صلوات الله عليه - حج أربعين حجة ماشيا. # وقوله: * (وعلى كل ضامر) أي: وعلى كل بعير ضامر، والضامر هو المهزول، قال ~~ابن عباس: ما أتأسف على شيء، تأسفي أني لم أحج ماشيا؛ لأن الله تعالى قدم ~~المشاة على الركبان. # وقوله: * (يأتين من كل فج عميق) أي: من كل طريق بعيد. # وقوله: * (ليشهدوا منافع لهم) قال أبو جعفر محمد بن علي: هي المغفرة، ~~وقال غيره: منافع لهم أي: التجارة، والقول الأول أحسن، ويقال: منافع الدنيا ~~والآخرة. # وقوله: * (ويذكروا اسم الله عليه في أيام معلومات) قال ابن عباس: الأيام ~~PageV03P434 # * (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس ms1030 الفقير (28) ~~ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29)) * * ~~المعلومات هي العشر، وقال علي وابن عمر: هي يوم النحر وثلاثة أيام بعده. # وقوله: * (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) أي: إذا ذبحوها. # وقوله: * (فكلوا منها) هذا أمر إباحة، وليس بأمر إيجاب، وقال بعضهم: هو ~~أمر (ندب)، ويستحب أن يأكل منها. # وقوله: * (وأطعموا البائس الفقير) البائس هو الذي اشتد بؤسه، والبؤس: ~~العدم، وقيل: البائس هو الذي به زمانه، والفقر معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (ثم ليقضوا تفثهم) التفث ها هنا هو حلق الرأس، وقلم الظفر ~~ونتف الإبط وإزالة الوسخ، وقيل: إن التفث ها هنا رمي الجمار، وقال الزجاج: ~~ولا يعرف التفث ومعناه إلا من القرآن، فأما قطرب حكاه عن أهل اللغة بمعنى ~~الوسخ. # وقوله: * (وليوفوا نذورهم) فيه قولان: أحدهما: أنه الوفاء بما نذره على ~~ظاهره، والقول الآخر: أن معناه الخروج عما وجب عليه نذرا ولم ينذر، والعرب ~~تقول لكل من خرج عن الواجب عليه: وفى بنذره. # وقوله: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) هذا الطواف هو طواف الإفاضة، وعليه ~~أكثر أهل التفسير. # وقوله: * (بالبيت العتيق) في العتيق قولان: أحدهما: أن الله تعالى أعتقه ~~عن أيدي الجبابرة، فلم يتسلط عليه جبار، والثاني: * (العتيق) أي: القديم، ~~وهو قول الحسن، وفي العتيق قول ثالث: وهو أن معنى * (العتيق) أن الله تعالى ~~أعتقه عن الغرق أيام الطوفان، وهذا قول معتمد يدل عليه قوله تعالى: * (وإذ ~~بوأنا لإبراهيم مكان البيت) فلما قال: * (مكان البيت) دل أن البيت رفع أيام ~~الطوفان. PageV03P435 # * (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم فاجتنوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30)) * * قوله ~~تعالى: * (ذلك ومن يعظم حرمات الله) قال مجاهد: حرمات الله الحج والعمرة، ~~وقال عطاء: حرمات الله ما نهى عنه، والحرمة كل ما نهى عن انتهاكها، قال زيد ~~بن أسلم: حرمات الله ها هنا خمسة: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر ~~الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام، وقال بعضهم: تعظيم حرمات الله أن يفعل ~~الطاعة، ويأمر بها، ويترك المعصية، ms1031 وينهى عنها. # وقوله: * (فهو خير له عند ربه). معناه: أن تعظيم الحرمات خير له عند الله ~~في الآخرة. # وقوله: * (وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم) ما يتلى عليكم هو قول ~~الله تعالى في سورة المائدة: * (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير...) ~~الآية. # وقوله: * (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) ' من ' ها هنا للتجنيس، ومعناه: ~~اجتنبوا الأوثان التي هي رجس، ويقال: إن الرجس والرجز هو العذاب، ومعنى ~~قوله: * (فاجتنبوا الرجس) أي: اجتنبوا سبب العذاب. # وقوله: * (واجتنبوا قول الزور) أي: الكذب، قال عبد الله بن مسعود: أشهد ~~لقد عدلت شهادة الزور بالشرك، وتلا هذه الآية: * (فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان واجتنبوا قول الزور). # وروي هذا اللفظ مرفوعا إلى النبي. PageV03P436 # * (حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها ~~من تقوى) * * وفي الآية قول آخر: وهو أن قول الزور هو الشرك، والقول ~~الثالث: أن قول الزور هو تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو ~~لك تملكه وما ملك. # وقوله: * (حنفاء لله غير مشركين به). قال أهل التفسير: كانت قريش يقولون: ~~من حج واحتنف وضحى، فهو حنيف، فقال الله تعالى: * (حنفاء لله غير مشركين ~~به) يعني أن (الحنيفة) إنما يتم بترك الشرك، ومن أشرك لا يكون حنيفا، وقد ~~بينا معنى الحنيف من قبل. # وقوله: * (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء) أي: سقط من السماء، وفي ~~بعض الأخبار عن بعض الصحابة أنه قال: ' بايعت رسول الله أن لا أخر إلا ~~مسلما ' أي: لا أسقط ميتا إلا مسلما. # وقوله: * (فتخطفه الطير) أي: تسلبه الطير وتذهب به. # وقوله: * (أو تهوي به الريح في مكان سحيق). أي: تسقط به الريح في مكان ~~بعيد، ومعنى الآية: أن من أشرك فقد هلك، وبعد عن الحق بعدا لا يصل إليه ~~بحال ما دام مشركا. # قوله تعالى: * (ذلك ومن يعظم شعائر الله) في الشعائر قولان: قال ابن ~~عباس: هي البدن، وتعظيمها استسمانها ms1032 واستحسانها، وعن عطاء: أن شعائر الله ~~هي الجمار، وعن [زيد] بن أسلم قال: شعائر الله: الصفا والمروة، والركن، ~~والبيت، PageV03P437 # * (القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ~~(33) ولكل أمة جعلنا منسكا) * * وعرفة، والمشعر الحرام، والجمار، وقال ~~بعضهم: شعائر الله: معالم دينه. # وقوله: * (فإنها من تقوى القلوب) أي: هذه الفعلة، وهي التعظيم من تقوى ~~القلوب. # وقوله: * (لكم فيها منافع) قال عروة بن الزبير: يعني المنافع من البدن ~~قبل النحر، وذلك ركوبها والشرب من لبنها، وغير ذلك، وقال مجاهد: المنافع ~~التي فيها قبل أن يسمى للهدي، فإذا سميت للهدي فلا ينتفع بها، وهذا قول ابن ~~عباس وطائفة من الصحابة، والقول الأول اختاره الشافعي - رحمة الله عليه - ~~استدلوا (على صحة القول) الأول بما روي: أن النبي رأى رجلا يسوق بدنة، ~~فسأله عنها فقال: إنها بدنة، فقال: اركبها ويلك. # وقوله: * (إلى أجل مسمى) على القول الأول: الأجل المسمى هو النحر، وعلى ~~القول الثاني: الأجل المسمى تسميتها بدنة، وأما إذا حملنا الشعائر على غير ~~البدن فقوله: * (لكم فيها [منافع]) ينصرف إلى ما ذكر الله تعالى من الثواب ~~في تعظيم الشعائر التي ذكرناها. # وقوله: * (ثم محلها إلى البيت العتيق) المحل ها هنا هو وقت النحر ومكانه. # وقوله: * (إلى البيت العتيق) قد بينا. # قوله تعالى: * (ولكل أمة جعلنا منسكا) قال ابن عباس: عيدا، وقال غيره: ~~PageV03P438 # * (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله ~~أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ~~ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) والبدن جعلناها لكم ~~من) * * مذبحا، ويقال: متعبدا. # وقوله: * (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) يعني: ~~ليذكروا اسم الله تعالى على نحر ما رزقهم الله من بهيمة الأنعام. # وقوله: * (فإلهكم إله واحد) يعني: سموا على الذبائح اسم الله تعالى وحده، ~~فإن إلهكم إله واحد. # وقوله: * (فله أسلموا) أي: فله أخلصوا. # وقوله: * (وبشر المخبتين) فيه أقوال: أحدها: أنه بمعنى المتواضعين، وقال ~~إبراهيم النخعي: بمعنى المخلصين، وقال ms1033 غيره: بمعنى الصالحين، ويقال: بمعنى ~~المسلمين، وعن عمرو بن أوس قال: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ~~ينتصروا، وذكر الكلبي أن المخبتين هم الرقيقة قلوبهم، والخبت هو المكان ~~المطمئن من الأرض، قال امرؤ القيس شعرا: # (فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى * بنا بطن خبت ذي خفاف عقنقل) وقوله: * ~~(الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) أي: خافت قلوبهم. # وقوله: * (والصابرين على ما أصابهم) أي: وبشر الصابرين على ما أصابهم. # وقوله: * (والمقيمي الصلاة) أي: المقيمين للصلاة. # وقوله: * (ومما رزقناهم ينفقون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) البدن جمع البدنة، ~~وسميت البدنة لضخامتها، والبعير والبقر يسمى: بدنة، فأما الغنم لا تسمى ~~بدنة. # وقوله: * (جعلناها لكم من شعائر الله) قد بينا، ومعناه: من أعلام دين ~~الله، وسمي البدن شعائر؛ لأنها تشعر، وإشعارها هو أن تطعن في سنامها على ما ~~هو PageV03P439 # * (شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت ~~جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشركون ~~(36) لن ينال) * * المعروف في الفقه، وفي الآثار: أن عمر - رضي الله عنه - ~~حج آخر حجة في آخر سنة، فكان يرمي جمرة العقبة، فأصابت جمرة صلعته فسال ~~الدم منها، فقال رجل: أشعر أمير المؤمنين فلما رجع إلى المدينة قتل. # وقوله: * (لكم فيها خير) قد بينا. # وقوله: * (فاذكروا اسم الله عليها صواف) وعن ابن مسعود أنه قرأ: ' صوافي ~~'، وعن الحسن البصري أنه قرأ: ' صوافن '، والمعروف * (صواف) ومعناه: مصطفة، ~~وأما ' صوافي ' معناه: خالصة، وأما ' صوافن ' فهو أن يقام على ثلاث قوائم، ~~ويعقل يده اليسرى، وهذا هو الصفون. قال الشاعر: # (ألف الصفون فما يزال كأنه * مما يقوم على الثلاث كسير) وقوله: * (فإذا ~~وجبت جنوبها) أي: سقطت على جنوبها. # وقوله: * (فكلوا منها) قد بينا. # وقوله: * (وأطعموا القانع والمعتر) المعروف أن القانع هو السائل، والمعتر ~~هو الذي يتعرض ولا يسأل، قال مالك: أحسن ما سمعت في هذا أن القانع هو ~~المعتر والمعتر، الرائي، قال الشاعر: # (على مكثريهم حق من يعتريهم * وعند المقلين السماحة ms1034 والبذل) ويقال: ~~القانع هو الذي يقنع بما أعطي، والمعروف هو القول الأول أن القانع هو ~~السائل، ويقال: المسكين الطواف. # وقوله: * (كذلك سخرناها لكم) أي: ذللناها لكم. # وقوله: * (لعلكم تشكرون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها) روي أن المشركين كانوا ~~إذا PageV03P440 # * (الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم ~~لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) إن الله يدافع عن الذين ~~آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن ~~الله على نصرهم) * * ذبحوا، أنضحوا بالدم حول البيت، فأراد المسلمون أن ~~يفعلوا مثل ذلك، فأنزل الله تعالى قوله: * (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ~~ولكن يناله التقوى منكم)، ومعناه: لا يصل الدم واللحم إلى الله تعالى؛ ~~وإنما تصل التقوى، وقيل: لا تصل الدماء واللحوم إلا بالتقوى، ويقال: لا ~~يرضى إلا بالتقوى. # وقوله: * (كذلك سخرها لكم) أي: ذللناها لكم. # وقوله: * (لتكبروا الله على ما هداكم) معناه: لتعظموا الله على ما هداكم. # وقوله: * (وبشر المحسنين) قد بينا معنى المحسنين من قبل. # قوله تعالى: * (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وقرئ: ' يدفع '، والمدافعة ~~عنهم بحفظهم ونصرتهم، ويقال: يدافع الكفار عن الذين آمنوا، ويقال: يدافع ~~المؤمنين وساوس الشيطان وهواجس النفوس، ويقال: يدافع عن الجهال بالعلماء، ~~وعن العصاة بالمطيعين. # وقوله: * (إن الله لا يحب كل خوان كفور) الخوان هو كثير الخيانة، والكفور ~~هو الذي كفر النعمة. # قوله تعالى: * (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) قال أهل التفسير: هذه أول ~~آية نزلت في إباحة القتال، وقد رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقرئ: ' أذن ~~للذين يقاتلون ' بنصب الألف والتاء، وإنما ذكر ' أذن ' و ' أذن ' بالرفع ~~والنصب؛ ' لأن المسلمين قبل الهجرة كانوا قد استأذنوا من النبي أن يقاتلوا ~~الكفار فلم يأذن لهم، فلما هاجروا إلى المدينة أنزل الله تعالى آيات القتال ~~'. PageV03P441 # * (لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها ms1035 ~~اسم) * * (ظلموا) أي: لأنهم ظلموا. # وقوله: * (وإن الله على نصرهم لقدير) أي: قادر. # قوله تعالى: * (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق) أي: ظلما. # وقوله: * (إلا أن يقولوا ربنا الله) قال سيبويه: هذا استثناء منقطع، ~~ومعناه: لكن أخرجوا؛ لأنهم قالوا: ربنا الله، وقال بعضهم: لكن أخرجوا ~~لتوحيدهم. # وقوله: * (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) القول المعروف أن الدفع ~~هاهنا هو دفع المجاهدين عن الدين، وعن سائر المسلمين، وعن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - قال: عمن لا يصلي بالمصلى، وعمن لا يجاهد بالمجاهد، وعمن لا ~~يعلم بمن يعلم. # وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: هذا هو الدفع عن التابعين بأصحاب رسول ~~الله، وقال بعضهم: هو الدفع عن الحقوق بالشهود، وعن قطرب - واسمه محمد بن ~~الحسين - قال: هو الدفع عن النفوس بالقصاص. # وقوله: * (لهدمت صوامع وبيع) أي: صوامع الرهبان، وبيع النصارى، * ~~(وصلوات) اليهود أي: مواضع صلاتهم، وقرئ: ' وصلوات ' برفع الصاد واللام ~~قراءة عاصم الجحدري، وعن الضحاك أنه قرأ: ' وصلوات '. # وقوله: * (ومساجد) أي: مساجد المؤمنين، وقال بعضهم: الصوامع للنصارى، ~~والبيع لليهود، والصلوات هي المساجد في الطرق للمسافرين من المؤمنين، وأما ~~المساجد هي المساجد في الأمصار. # وقال بعضهم: الصوامع للصابئين، والبيع للنصارى، والصلوات لليهود، فإن قال ~~قائل: هذه المواضع التي للكفار ينبغي أن تهدم، فكيف قال: لهدمت؟ والجواب ~~عنه: أن معنى الآية: لولا دفع الله لهدمت هذه المواضع في زمان كل نبي؛ ~~فهدمت الصوامع في زمن موسى، والبيع في زمن عيسى، والصلوات في زمن داود ~~وغيره، والمساجد PageV03P442 # * (الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) الذين إن ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور (41) وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد ~~وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت ~~للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة ~~فهي خاوية) * * في زمن محمد. # وقوله: * (يذكر فيها اسم الله كثيرا) معلوم المعنى. # وقوله: * (ولينصرين الله من ينصره إن الله ms1036 لقوي عزيز) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (الذين إن مكناهم في الأرض) هذه الآية تنصرف إلى قوله: * ~~(ولينصرن الله من ينصره). # وقوله: * (أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) ~~الآية نازلة في هذه الأمة، وروي عن ابن عباس أنه قال: الآية نزلت في طلقاء ~~من بني هاشم، وهذا قول غريب. # وقوله: * (ولله عاقبة الأمور) أي: عواقب الأمور. # قوله تعالى: * (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح) أنزل الله تعالى هذه ~~الآية في تعزية النبي وتسليته، فكأنه قال: إن كذبوك قومك * (فقد كذبت قبلهم ~~قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى) يعني: أن ~~هؤلاء الأنبياء قد كذبوا أيضا. # وقوله: * (فأمليت للكافرين) أي: أمهلت للكافرين، والإمهال من الله هو ~~الاستدراج والمكر. # وقوله: * (ثم أخذتهم فكيف كان نكير) أي: إنكاري، وإنكاره بالعقوبة. # قوله: * (فكأين من قرية أهلكناها) أي: فكم من قرية أهلكناها. PageV03P443 # * (على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45)) * * وقوله: * (وهي ظالمة) أي: ~~أهلها ظالمون. # وقوله: * (فهي خاوية على عروشها) أي: ساقطة على سقوفها، والخاوية في ~~اللغة هي الخالية، وذكر الخاوية هاهنا؛ لأن الدور إذا سقطت خلت عن أهلها. # وقوله: * (وبئر معطلة). وقوله: * (وقصر مشيد) أي: وكم من قصر مشيد ذهب ~~أهلوه، وهلكوا. وفي المشيد قولان: أحدهما: أن المشيد هو المطول، والآخر: أن ~~المشيد هي المبني بالشيد، والشيد هو الجص، قال الشاعر: # (شاده مرما وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور) وقال بعضهم: إن البئر ~~المعطلة والقصر المشيد باليمن، أما القصر على قلة جبل، وأما البئر في سفحه، ~~وكان لكل واحد منهما قوم في نعمة عظيمة، فكفروا فأهلكهم الله تعالى، وبقي ~~البئر والقصر خاليتين عن الكل، وحكي أن سليمان بن داود - صلوات الله عليهما ~~- كان إذا مر بخربة قال: أيتها الخربة، أين ذهب أهلوك؟ # وعن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال في خطبته: أين الذين بنوا المدائن ~~ورفعوها؟ وأين الذين بنوا القصر وشيدوها؟ وأين الذين جمعوا الأموال؟ ثم ~~يقرأ * (هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) ms1037 فإن قال قائل: أيش فائدة ذكر ~~البئر المعطلة والقصر المشيد، وفي العالم من هذا كثير، فلا يكون لذكر هذا ~~فائدة؟ والجواب عنه: أنه قد جرت عادة العرب بذكر الديار للاعتبار، وقد ~~ذكروا مثل هذا كثيرا في أشعارهم، فكذلك هاهنا ذكر الله تعالى القصور ~~الخالية والديار [المعطلة]؛ ليعتبر المعتبرون بذلك. # قال الأسود بن يعفر: # (ماذا أومل بعد آل محرق * تركوا منازلهم وبعد إياد) PageV03P444 # * (أفلم يسروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) ويستعجلونك ~~بالعذاب) * * (أهل الخورنق والسرير وبارق * والقصر ذي الشرفات من سداد) ~~(نزلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات يجيء من أطواد) (وأرى النعيم وكل ما ~~يلهى به * يوما يصير إلى بلى ونفاد) قوله تعالى: * (أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها) أي: يعلمون بها، ويقال: إن العقل علم غريزي، ~~واستدل من قال: إن محله القلب بهذه الآية. # وقوله: * (أو آذان يسمعون بها) يعني: ما يذكر لهم من أخبار القرون ~~الماضية فيعتبروا بها. # وقوله: * (فإنها لا تعمى الأبصار) وقد روي عن النبي أنه قال: ' ألا إن ~~العمى عمى القلب '. # وقال بعضهم: عينان في الوجه وعينان في القلب؛ فالعينان في الوجه للنظر، ~~والعينان في القلب للاعتبار، وعن قتادة أنه قال: البصر الظاهر بلغة ومنفعة، ~~وأما بصر القلب فهو البصر النافع. # وقوله: * (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) معناه: أن العمى الضار هو ~~عمى القلوب، وأما عمى البصر فليس بضار في أمر الدين، ومن المعروف في كلام ~~الناس: ليس الأعمى من عمي بصره، وإنما الأعمى من عيت بصيرته. # وحكي عن ابن عباس [أنه] دخل على معاوية بعدما عمي، وكان أبوه قد عمي ~~PageV03P445 # * (ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) وكأين ~~من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) قل يا أيها الناس ~~إنما أنا) * * في آخر عمره، وكذلك جده عبد المطلب، فقال له معاوية: ما لكم ~~يا بني هاشم، تصابون ms1038 في أبصاركم؟ فقال له ابن عباس: وما لكم يا بني أمية، ~~تصابون في بصائركم. # وقوله: * (تعمى القلوب التي في الصدور) هاهنا على طريق التأكيد مثل قوله ~~تعالى: * (يقولون بأفواههم) ومثل قول القائل: نظرت بعيني ومشيت بقدمي. # قوله تعالى: * (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده) نزلت الآية في ~~النضر بن الحارث حين قال: * (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء...) الآية. # وقوله: * (ولن يخلف الله وعده) أي: وعد العذاب. # وقوله: * (وإن يوما عند ربك كألف سنة) فيه قولان: أحدهما: وإن يوما من ~~الأيام التي خلق فيها الدنيا كألف سنة، والقول الثاني: أن معناه: وإن يوما ~~من أيام عذابهم كألف سنة * (مما تعدون) والقول الثاني هو الأولى؛ لأنه قد ~~سبق ذكر العذاب. # قوله تعالى: * (وكأين من قرية أمليت لها) أي: أمهلت لها. # وقوله: * (وهي ظالمة) يعني: أهلها ظالمون. # وقوله: * (ثم أخذتها وإلي المصير) أي: المرجع. # قوله تعالى: * (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين) أي: منذر مرشد. # وقوله: * (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم) الرزق ~~الكريم هو الذي لا ينقطع أبدا، وقيل: هو الجنة. # وقوله: * (والذين سعوا في آياتنا معاجزين) أي: معاندين مشاقين، وقرئ: ' ~~معجزين ' أي: مثبطين الناس عن اتباع النبي، ويقال: ظانين أنهم يعجزوننا ~~بزعمهم أن لا بعث، ولا جنة، ولا نار، ومعنى يعجزوننا أي: يفوتون منا. # وقوله: * (أولئك أصحاب الجحيم) أي: النار، والجحيم عبارة عن معظم النار. ~~PageV03P446 # * (لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم ~~(50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم (51) وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما ~~يلقي) * * وقوله تعالى: * (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي) وقرأ ابن ~~عباس: ' ولا محدث ' قال الشيخ الإمام - رضي الله عنه - أخبرنا بهذا أبو علي ~~الشافعي قال: أخبرنا أبو الحسن بن [فراس] قال: أخبرنا أبو محمد بن عبد الله ~~بن يزيد المقرئ، عن جده محمد، ms1039 عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن ~~عباس أنه قرأ هكذا. # فقوله: ' ولا محدث ' يعني: ملهم، كأن الله حدثه في قلبه، ومن المعروف أن ~~النبي قال: ' قد كان في الأمم السابقة محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، ~~فهو عمر '. # وأما الكلام في الرسول والنبي، فقال بعضهم: هما سواء، وفرق بعضهم بينهما ~~فقال: الرسول هو الذي يأتيه جبريل - عليه السلام - بالوحي، والنبي هو الذي ~~يأتيه الوحي في المنام، أو يلهم إلهاما، ومنهم من قال: الرسول الذي له ~~شريعة يحفظها، والنبي هو الذي بعث على شريعة غيره فيحفظها، وقد قالوا: كل ~~رسول نبي، وليس كل نبي برسول. # وقوله: * (إلا إذا تمنى) الأكثرون على أن معناه: إذا قرأ: * (ألقى ~~الشيطان في أمنيته) أي: في قراءته، قال الشاعر في عثمان: # (تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخرها لاقى حمام المقادر) أي: تلا، وقال ~~بعضهم: تمنى هو حديث النفس، والقصة في الآية: هو ما روي عن ابن عباس، ~~ومجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، والزهري، والضحاك، وغيرهم أن PageV03P447 # النبي قرأ سورة ' والنجم ' في صلاته، وعنده المسلمون والمشركون، ويقال: ~~قرأ في الصلاة، فلما بلغ قوله تعالى: * (أفرأيتم اللات والعزى ومناة ~~الثالثة الأخرى) ألقى الشيطان على لسانه: ' تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ~~لترتجى ' ومر في السورة حتى سجد في آخرها، ففرح المشركون وسروا، وقالوا: قد ~~ذكر آلهتنا بخير، ولا نريد إلا هذا، وسجدوا معه. قال ابن مسعود: ولم يسجد ~~الوليد بن المغيرة، ورفع ترابا إلى جبهته، وقال: سجدت - وكان شيخا كبيرا - ~~قال: فجاء جبريل - عليه السلام - وقال: اقرأ علي سورة ' والنجم ' فقرأ، ~~وألقى الشيطان على لسانه هكذا، فقال: هذا لم آت به، وأخرجه من قراءته، فحزن ~~رسول الله حزنا شديدا، فأنزل الله تعالى هذه الآية عليه: * (وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته). # فإن قال قائل: كيف يجوز هذا على النبي، وقد كان معصوما من الغلط في أصل ~~الدين؟ وقال الله تعالى: * (إن عبادي ليس لك عليهم ms1040 سلطان)، وقال الله ~~تعالى: * (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) أي: إبليس؟ # والجواب عنه: اختلفوا في الجواب عن هذا، قال بعضهم: إن هذا ألقاه بعض ~~المنافقين في قراءته، وكان المنافق هو القارئ فظن المشركون أن الرسول قرأ، ~~وسمى ذلك المنافق شيطانا؛ لأن كل كافر متمرد بمنزلة الشيطان، وهذا جواب ~~ضعيف. PageV03P448 # * (الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) ليجعل ما يلقي ~~الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق ~~بعيد (53)) * * ومنهم من قال: إن الرسول لم يقرأ، ولكن الشيطان ذكر هذا بين ~~قراءة النبي، وسمع المشركون ذلك، وظنوا أن الرسول قرأ، وهذا اختيار الأزهري ~~وغيره. # وقال بعضهم: إن الرسول أغفأ إغفأة ونعس، فجرى على لسانه هذا، ولم يكن به ~~خبر بإلقاء الشيطان، وهذا قول قتادة، وأما الأكثرون من السلف ذهبوا إلى أن ~~هذا شيء جرى على لسان الرسول بإلقاء الشيطان من غير أن يعتقد، وذلك محنة ~~وفتنة من الله (وعادة)، والله تعالى يمتحن عباده بما شاء، ويفتنهم بما ~~يريد، وليس عليه اعتراض لأحد وقالوا: إن هذا وإن كان غلطا عظيما، فالغلط ~~يجوز على الأنبياء، إلا أنهم لا يقرون عليه. # وعن بعضهم: أن شيطانا يقال له: الأبيض عمل هذا العمل، وفي بعض الروايات: ~~أنه تصور بصورة جبريل، وأدخل في قراءته هذا، والله أعلم. # وقوله: * (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) أي: يزيل الله ما يلقي الشيطان. # وقوله: * (ثم يحكم الله آياته) أي: يثبت الله آياته. # وقوله: * (والله عليم حكيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض) أي: ~~محنة وبلية. # وقوله: * (والقاسية قلوبهم) أي: الجافة قلوبهم عن قبول الحق. # وقوله: * (وإن الظالمين لفي شقاق بعيد) أي: في ظلال طويل، وقيل: مستمر، ~~وهو الأحسن. PageV03P449 # * (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ~~وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) ولا يزال الذين كفروا في ~~مرية منه) * * قوله تعالى: * (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ms1041 ربك) ~~يعني: ما أثبته ولم ينسخه. # وقوله: * (فيؤمنوا به) (أي: يعتقدون به من قبل الله تعالى). # وقوله: * (فتخبت له قلوبهم) أي: تسكن إليه قلوبهم. # وقوله: * (وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) أي: إلى طريق ~~قويم، وهو الإسلام. # قوله تعالى: * (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه) أي: في شك منه. # وقوله: * (حتى تأتيهم الساعة بغتة) قيل: هي الموت، وقيل: هي القيامة. # وقوله: * (أو يأتيهم عذاب يوم عقيم) فيه قولان: أحدهما: أن اليوم العقيم ~~هو يوم القيامة، والقول الثاني: أن اليوم العقيم هو يوم بدر، وعليه ~~الأكثرون، وعن أبي بن كعب أنه قال: أربع آيات في يوم بدر: أحدها: هو قوله: ~~* (عذاب يوم عقيم)، والآخر: قوله تعالى: * (يوم نبطش البطشة الكبرى)، ~~والثالث: قوله تعالى: * (فسوف يكون لزاما)، والرابع: قوله تعالى: * ~~(ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر). فالقتل يوم بدر هو العذاب ~~الأدنى، وأما العقيم في اللغة هو المنع، يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم إذا ~~منعا من الولد، وريح عقيم إذا لم تمطر، ويوم عقيم إذا لم يكن فيه خير ولا ~~بركة، (فيوم بدر يوم عقيم؛ لأنه لم يكن فيه خير ولا بركة) للكفار. # قال الشاعر: PageV03P450 # * (حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (55) الملك يومئذ لله ~~يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) والذين هاجروا في سبيل الله ثم ~~قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58) ~~ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب ~~به ثم) * * (عقم النساء فلا يلدن شبيهه * إن النساء بمثله لعقيم) قوله ~~تعالى: * (الملك يومئذ لله يحكم بينهم) أي: يقضي بينهم. # وقوله: * (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم) ظاهر المعنى. # وقوله: * (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين) أي: مذل ~~مخز. # قوله تعالى: * (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم ~~الله رزقا حسنا) الرزق الحسن هو الذي لا ms1042 ينقطع أبدا، وذلك رزق الجنة. # وقوله: * (وإن الله لهو خير الرازقين) أي: أفضل الرازقين. # وقوله: * (ليدخلنهم مدخلا يرضونه). وقرئ: ' مدخلا ' بفتح الميم، والمدخل ~~بالرفع من الإدخال، والمدخل بالفتح الموضع. # وقوله: * (وإن الله لعليم حليم) أي: عليم بأعمال العباد، حليم عنهم. # قوله تعالى: * (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به) روي أن قوما من المسلمين ~~لقوا قوما من المشركين في آخر المحرم، وقد بقيت ليلتان منه، فتصد المشركون ~~المسلمين فقال لهم المسلمون: كفوا، فإن هذا شهر حرام، فلم يكفوا؛ فقاتلهم ~~المسلمون على وجه الدفع، وظفروا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # ويقال: إن قوما من المشركين قتلوا قوما من المسلمين، فظفر بهم النبي ~~PageV03P451 # * (بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (60) ذلك بأن الله يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (61) ذلك بأن ~~الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير ~~(62) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف ~~خبير (63) له ما في السماوات) * * وقتلهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~وإنما سمي الفعل الأول عقوبة، وإن كان في الحقيقة اسم العقوبة يقع على ما ~~يكون جزاء للجناية على ازدواج الكلام؛ لأنه ذكره في مقابلة العقوبة، وهذا ~~كقوله تعالى: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها). # وقوله تعالى: * (ثم بغى عليه) البغي هاهنا ما فعله المشركون بالمسلمين من ~~الظلم والإخراج من الديار وأخذ الأموال. # وقوله: * (لينصرنه الله) ظاهر المعنى. # وقوله: * (إن الله لعفو غفور) أي: ذو تجاوز وعفو عن المسلمين. # قوله تعالى: * (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار...) الآية. ظاهر ~~المعنى. # وقوله: * (ذلك بأن الله هو الحق) أي: ذو الحق. # وقوله: * (وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) يعني: ليس بحق. # وقوله: * (وأن الله هو العلي الكبير) أي: المتعالي المتعظم، ويقال: إن ~~العلي هاهنا ينصرف إلى الدين أي: دينه يعلو الأديان، والكبير صفته تبارك ~~وتعالى، ويقال : الحق اسم من أسماء الله تعالى، ذكره يحيى بن سلام، وأما ms1043 ~~الباطل فيقال: إنه إبليس، ويقال: إنه الأوثان. # قوله: * (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة) أي: ذات ~~خضرة، كما يقال: مسبعة ومبقلة أي: أرض ذات بقل وذات مسبع. # قال عكرمة: الآية نزلت في مكة خاصة، فإن المطر هناك يقع بالليل، وتخضر ~~PageV03P452 # * (وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64) ألم تر أن الله سخر لكم ~~ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا ~~بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم (65) وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم) * * الأرض بالنهار، وعن الخليل قال: ' ألم تر ' تنبيه ثم ابتداء، ~~وقال: ينزل الله المطر فتصبح الأرضين مخضرة، فلهذا رفع تصبح. # وقوله: * (إن الله لطيف خبير) أي: لطيف باستخراج النبات من الأرض وبرزق ~~العباد، خبير بما في قلوبهم أي: بما يعرض في قلوبهم عند نقصان الرزق أو ~~عدمه، وقيل: عند جدوبة الأرض. # قوله: * (له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد) أي: ~~الغني عن أعمال الخلق، المحمود في أفعاله. # قوله تعالى: * (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر ~~بأمره) أي: وسخر الفلك تجري في البحر بأمره، ويقال: ما في الأرض هي الدواب ~~التي تركب في البر، وأما الفلك هو الذي يركب في البحر. # وقوله: * (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) في بعض الآثار: أنه ~~إذا أظهرت الصلبان في الأرض، وضربت بالنواقيس، ارتجت السماء والأرض، وكادت ~~السماء أن تقع، فيرسل الله (ملائكة) فيمسكون بأطراف السماء والأرض، ويقرؤون ~~سورة الإخلاص حتى تسكن، وأما المعروف في معنى الآية أن الله يمسك السماء ~~بغير عمد، على ما ذكرنا من قبل. # وقوله: * (إن الله بالناس لرءوف رحيم) قد بيناه. # قوله تعالى: * (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) الإحياء الأول هو ~~الإنشاء، والإحياء الثاني هو البعث من القبور. # وقوله: * (إن الإنسان لكفور) أي: لكفور (لنعمة الله). PageV03P453 # * (إن الإنسان لكفور (66) لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك ms1044 في ~~الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) وإن جادلوك فقل الله أعلم بما ~~تعملون (68) الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم ~~تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله ~~يسير) * * قوله تعالى: * (لكل أمة جعلنا منسكا) بفتح السين، وقرئ: ' منسكا ~~' بكسرها، فالمنسك بالكسر موضع النسك، كالمجلس موضع الجلوس، وأما المنسك ~~بالفتح هو على المصدر للنسك، قال الفراء: المنسك بالفتح موضع العبادة، ~~والمناسك مواضع أركان الحج، ويقال: المنسك: المذبح، وعن ابن عباس: منسكا ~~أي: عيدا، وقيل: منسكا أي: شريعة وملة. # وقوله: * (هم ناسكوه) أي: عاملون بها. # وقوله: * (فلا ينازعنك في الأمر) منازعتهم أنهم قالوا: أتأكلون مما ~~قتلتموه، ولا تأكلون مما قتله الله؟ # وقال الزجاج: معنى قوله: * (فلا ينازعنك في الأمر) أي: فلا تنازعهم، قال: ~~وهذا مستقيم في كل ما لا يكون إلا بين اثنين، يجوز أن يقال: لا يخاصمنك ~~فلان أي: لا تخاصمه، ولا يجوز أن يقال: لا يضربنك فلان بمعنى لا تضربه؛ لأن ~~الضرب إنما يكون من الواحد، وإنما قال الزجاج هذا؛ لأن قوله: * (فلا ~~ينازعنك) إخبار، وقد نازعوه، ولا يجوز الخلاف في خبر الله تعالى، فذكر أن ~~المعنى: فلا تنازعهم؛ ليكون أمرا لا خبرا، وقرئ: ' فلا ينزعنك في الأمر ' ~~أي: لا يغلبنك. # وقوله: * (وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم) أي: دين مستقيم. # قوله تعالى: * (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم...) ~~الآية ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض) معنى قوله: * ~~(ألم تعلم) أي: قد علمت. # وقوله: * (إن ذلك في كتاب) هو اللوح المحفوظ. PageV03P454 # (* (70) ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم ~~وما للظالمين من نصير (71) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم ~~بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72) يا أيها الناس ~~ضرب مثل) ms1045 * * وقوله: * (إن ذلك على الله يسير) أي: هين. # قوله تعالى: * (ويعبدون من دون الله مالم ينزل به سلطانا) أي: حجة. # وقوله: * (وما ليس لهم به علم) يعني: أنهم فعلوا ما فعلوا عن جهل لا عن ~~علم. # وقوله: * (وما للظالمين من نصير) أي: مانع من العذاب. # قوله تعالى: * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا ~~المنكر) أي: الإنكار. # وقوله: * (يكادون (يسطون)) أي: يقعون. # وقوله: * (بالذين يتلون عليهم آياتنا) يعني: المؤمنين، وقيل: يتناولون ~~بالشتم والمكروه. # وقوله: * (قل أفأنبئكم بشر من ذلكم) أي: بشر عليكم وأكره لكم. # وقوله: * (النار) كأنهم سألوا ما ذلك؟ فقال: أجب، وقل: النار. # وقوله: * (وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير) أي: بئس المرجع. # قوله: * (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له) فإن قال قائل: أين المثل؟ ~~قلنا معناه: ضرب لي مثل أي: شبه لي مثل، على معنى أن المشركين اتخذوا ~~الأصنام معي آلهة * (فاستمعوا له) أي: استمعوا خبر الأصنام وحالها، ثم قال: ~~* (إن الذين تدعون من دون الله) الأصنام. # وقوله: * (لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له) ذكر الذباب لخسته ومهانته ~~وضعفه، PageV03P455 # * (فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا ~~له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73) ما ~~قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) الله يصطفي من الملائكة رسلا ~~ومن الناس) * * وعن بعض السلف قال: خلق الله تعالى الذباب ليذل؛ به ~~الجبابرة، وهو حيوان مستأنس ممتنع؛ لأنه يستأنس بك فيقع عليك، ثم إذا أردت ~~أن تأخذه امتنع منه. # وقوله: * (وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه) قال ابن عباس: كانوا ~~يطلون الأصنام بالزعفران، فإذا جف جاء الذباب واستلب منه شيئا، فأخبر الله ~~تعالى أن الأصنام لا يستنقذون من الذباب ما استلبه، وعن السدي: أنهم كانوا ~~يأتون بالطعام، ويضعون بين يدي الأصنام، فيجيء الذباب ويقعن عليه، ويأكلن ~~منه، فهو معنى قوله تعالى: * (وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه). # وقوله: * (ضعف الطالب والمطلوب) (الطالب الذباب، والمطلوب الصنم، ms1046 ويقال: ~~الطالب الصنم، والمطلوب) الذباب. # وقيل: * (ضعف الطالب والمطلوب) أي: العابد والمعبود. # وقوله: * (ما قدروا الله حق قدره) أي: ما عظموا الله حق عظمته، ويقال: ما ~~عرفوا الله حق معرفته، وقيل: ما وصفوا الله حق صفته، وعن ابن عباس: أن ~~اليهود قالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، واستراح يوم ~~السبت، فأنزل الله تعالى: * (ما قدروا الله حق قدره). # وقوله: * (إن الله لقوي عزيز) أي: قوي على ما يريد، عزيز أي: منيع في ~~ملكه. # قوله تعالى: * (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) أما من الملائكة ~~فهم: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وغيرهم، وأما من الناس فهم: ~~آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وغيرهم صلوات الله عليهم. # وقوله: * (إن الله سميع بصير) سميع لأقوال العباد، بصير بهم. # قوله تعالى: * (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) قد بينا هذا من قبل، ~~ويقال: PageV03P456 # * (إن الله سميع بصير (75) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع ~~الأمور (76) يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون (77) وجاهدوا في الله حق جهاده) * * ما بين أيديهم: ما ~~قدموا من العمل، وما خلفهم: ما أخروها فلم يعملوها. # وقوله: * (وإلى الله ترجع الأمور) تصير الأمور. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) والركوع والسجود ~~معلومان، ولا تقبل صلاة إلا بهما سوى صلاة الجنازة. # وقوله: * (واعبدوا ربكم) أي: وحدوا ربكم، ويقال: أخلصوا في ركوعكم ~~وسجودكم. # وقوله: * (وافعلوا الخير) أي: صلة الأرحام ومكارم الأخلاق وسائر وجوه ~~البر. # وقوله: * (لعلكم تفلحون) (وتفوزون). # وفي هذه الآية سجدة للتلاوة منقولة عن جماعة من الصحابة، وروى مشرح بن ~~هاعان، عن عقبة بن عامر أن النبي قال: ' في الحج سجدتان، من لم يسجدهما فلا ~~يقرأها '، وفي رواية: ' من لم يسجدهما فلم يقرأها '. # قوله تعالى: * (وجاهدوا في الله حق جهاده) اعلم أن الجهاد يكون بالنفس، ~~وبالقلب، وبالمال؛ فأما الجهاد بالنفس فهو فعل الطاعات واختيار الأشق من ~~الأمور، وأما الجهاد بالقلب فهو دفع الخواطر الردية، وأما الجهاد بالمال ~~فهو ms1047 البذل (والإيثار). # وقوله: * (حق جهاده) قال بعضهم: ' هو أن يطيع الله (ولا يعصيه)، ويذكره ~~PageV03P457 # * (هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو ~~سماكم) * * فلا ينساه، ويشكره فلا يكفره، وقال بعضهم: حق جهاده: هو أن لا ~~يخل بفرض ما. # وعن بعض أهل التحقيق قال: حق جهاده هو أن لا يترك جهاد نفسه طرفة عين. ~~وفي بعض الغرائب من الأخبار: أن النبي لما رجع من غزوة تبوك قال: ' رجعنا ~~من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ' وعنى بالجهاد الأصغر هو الجهاد مع ~~الكفار، وبالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس، وأنشد بعضهم. # (يا رب إن جهادي غير منقطع * وكل أرضك لي ثغر وطرسوس) وقوله: * (هو ~~اجتباكم) أي: اختاركم. # وقوله: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (فإن قال قائل: في الدين حرج ~~كثير بلا إشكال فما معنى قوله: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج))؟ قلنا: ~~فيه أقول: أحدها: أن الحرج هو الضيق، ومعنى الآية هاهنا: أنه لا ضيق في ~~الدين بحيث لا خلاص عنه، فمعناه: أن المذنب وإن وقع في ضيق من معصيته، فقد ~~جعل الله له خلاصا بالتوبة، وكذلك إذا حنث في يمينه جعل الله له الخلاص ~~بالكفارة، والقول الثاني: أن معنى الآية أن الله تعالى لم يكلف نفسا فوق ~~وسعها، وقد ذكرنا هذا من قبل، والقول الثالث: أن المراد من الآية أنه إذا ~~كان مريضا فلم يقدر على الصلاة قائما صلى قاعدا، فإن لم يقدر على الصلاة ~~قاعدا صلى بالإيماء، ويفطر إذا شق عليه الصوم بسفر أو مرض أو هرم، وكذلك ~~سائر وجوه الرخص. # وقوله: * (ملة أبيكم إبراهيم) فيه قولان: أحدهما: أن الآية خطاب مع ~~العرب، وقد كان إبراهيم أبا لهم، والقول الثاني: أن الآية خطاب مع جميع ~~المسلمين، وجعل PageV03P458 # * (المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على ~~الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * * إبراهيم أباهم على معنى وجوب ~~احترامه، وحفظ حقه كما يجب احترام الأب وحفظ حقه، وإنما نصب ملة على معنى: ~~ابتغوا ms1048 ملة إبراهيم. # وقوله: * (هو سماكم المسلمين) فيه قولان: أحدهما: أن الله سماكم المسلمين ~~* (من قبل) أو في التوراة والإنجيل. # وقوله: * (وفي هذا) أي: في القرآن، والقول الثاني: أن إبراهيم سماكم ~~المسلمين، والدليل على هذا القول أن الله تعالى قال خبرا عن إبراهيم: * ~~(ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك...) الآية. # وقوله: * (ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس) ذكرنا هذا ~~في سورة البقرة والنساء، وفي الخبر: ' أن الله تعالى أعطى هذه الأمة ثلاثا ~~مثل ما أعطى الأنبياء: كان يقال للنبي: اذهب فلا حرج عليك، وقال الله تعالى ~~لهذه الأمة: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، وكان يقال للنبي: أنت ~~شاهدا على أمتك، فقال الله تعالى لهذه الأمة: * (لتكونوا شهداء على الناس)، ~~وكان يقال للنبي: سل تعطه، فقال الله تعالى لهذه الأمة: * (ادعوني أستجب ~~لكم) '. # وقوله: * (فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) ظاهر المعنى، وروى ابن مسعود عن ~~النبي أنه قال: ' لا تقبل الصلاة إلا بالزكاة '. # وقوله: * (واعتصموا بالله) أي: تمسكوا بدين الله، ويقال معناه: ادعوا ~~الله PageV03P459 # * (واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78)) * * ليثبتكم ~~على دينه، وفيه قول ثالث: أن الاعتصام بالله هو التمسك بالكتاب والسنة، وعن ~~الزهري أنه قال: الاعتصام بالسنة نجاة. # وقوله: * (هو مولاكم) أي: حافظكم * (فنعم المولى) أي: الحافظ * (ونعم ~~النصير) أي: الناصر. PageV03P460 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (قد أفلح المؤمنون (1)) * * تفسير سورة ~~المؤمنين وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: * (قد أفلح ~~المؤمنون) روى عبد الرزاق، عن يونس بن سليم، عن الزهري، عن عروة، عن عبد ~~الرحمن بن عبد القاري، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: ' كنا إذا ~~نزل الوحي على رسول الله سمع عند وجهه دوي كدوي النحل، فأنزل عليه مرة ~~فمكثنا ساعة، فلما سري عنه، استقبل القبلة وقال: اللهم أكرمنا ولا تهنا، ~~وأعطنا ولا تحرمنا، وارضنا وارض عنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، ثم قال: لقد ~~أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، وقرأ: * (قد أفلح المؤمنون) إلى ~~آخر ms1049 العشر '. قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الحديث عبد الرحمن بن عبيد ~~الله بن أحمد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سراج قال: أخبرنا محمد بن محمد ~~بن محبوب قال: أخبرنا محمد بن عيسى بن سورة أخبرنا عبد بن حميد عن عبد ~~الرزاق. الحديث. # وقوله: * (قد أفلح) أي: فقد سعد وفاز وظفر، وقال بعضهم: نال البقاء ~~الدائم والبركة. قال الشاعر: # (نحل بلادا كلها حل قبلنا * ونرجوا الصلاح بعد عاد وحميرا) PageV03P461 # * (الذين هم في صلاتهم خاشعون (2)) * * وقرئ ' ' قد أفلح المؤمنون ' أي: ~~اصيروا إلى ما فيه الصلاح. # وقال لبيد شعرا: # (فاعقلي إن كنت (مما تعقلي * ولقد أفلح من كان عقل) وقال غيره: # (لو كان حي مدرك الفلاح * أدركه ملاعب الرماح) قال ابن عباس: نالوا ما ~~إياه طلبوا، ونجوا مما عنه هربوا. # وقوله: * (المؤمنون) المصدقون. # وقوله: * (الذين هم في صلاتهم خاشعون) أي: خاضعون خائفون، يقال: الخشوع ~~خوف القلب، وحقيقته هو الإقبال في الصلاة على معبوده، والتذلل بين يديه، ~~ويقال: هو جمع الهمة، ودفع العوارض عن الصلاة، وتدبر ما يجري على لسانه من ~~القراءة والتسبيح والتهليل والتكبير، وعن علي - رضي الله عنه - قال: الخشوع ~~أن لا يلتفت عن يمينه ولا عن شماله في الصلاة. # وعن أبي هريرة قال: كان أصحاب رسول الله يرفعون أبصارهم إلى السماء في ~~الصلاة، فلما نزل قوله تعالى: * (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون) رموا بأبصارهم إلى مواضع السجود، وعن إبراهيم النخعي قال: هو السكن ~~في الصلاة. PageV03P462 # * (والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم ~~لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) ~~* * وقوله: * (والذين هم عن اللغو معرضون) قال ابن عباس: يعني الشك، وقال ~~الحسن: المعاصي كلها. ذكر الزجاج أن اللغو هو كل كلام باطل مطرح، ويقال: إن ~~اللغو ها هنا هو معارضة الكفار بالسب والشتم، وهذا قول حسن؛ لأن الله تعالى ~~قال: * (وإذا مروا باللغو مروا كراما) أي: إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا ~~أنفسهم عن الدخول فيه. # قوله تعالى: * (والذين ms1050 هم للزكاة فاعلون) أي: مؤدون. # قال الشعبي: هي زكاة الفطر، وقال بعضهم: الزكاة ها هنا هي العمل الصالح ~~فكأنه قال: والذين هم للعمل الصالح فاعلون. # قوله تعالى: * (والذين هم لفروجهم حافظون) حفظ الفرج هو التعفف عن ~~الحرام. # وقوله: * (إلا على أزواجهم) يقال: إن الآية في الرجال بدليل أن الله ~~تعالى قال: * (أو ما ملكت أيمانهم) والمرأة لا يجوز لها أن تستمتع بملك ~~يمينها، وقيل: إن أول الآية في الرجال والنساء جميعا، وقوله: * (أو ما ملكت ~~أيمانهم) إلى الرجال دون النساء * (فإنهم غير ملومين) أي: غير معاتبين، فإن ~~قيل: إذا أصاب امرأته في حال الحيض أو النفاس وما أشبهه، وكذلك الجارية فقد ~~أتى حراما، وإن كان قد حفظ فرجه عن غير زوجته وملك يمينه ويكون ملوما؟ ~~والجواب عنه: أن تقدير الآية في هذا: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم على وجه يجوز في الشرع فإنهم غير ملومين، وكذلك ~~الجواب عن قول من استدل بهذه الآية في جواز إتيان المرأة في غير مأتاها أو ~~الجارية. # وقوله تعالى: * (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) (أي: سوى ذلك، ~~PageV03P463 # (* (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لآماناتهم ~~وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم) * * وابتغى ~~أي: طلب، وقوله: * (فأولئك هم العادون) أي: الظالمون المتجاوزون عن الحلال ~~إلى الحرام، واستدل العلماء بهذه الآية على أن الاستمناء باليد حرام، وعن ~~ابن عباس سئل عنه فقال: هو نائك نفسه، وعن ابن جريج أنه قال: سألت عطاء عنه ~~فقال: هو مكروه، فقلت أفيه حد؟ فقال: ما سمعت. وعن سالم بن عبد الله بن عمر ~~أنه سئل عن هذا الفعل فقال: ' أف أف! سمعت أن قوما يحشرون وأيديهم حبالى، ~~فأظن أنهم هؤلاء. وعن سعيد بن جبير قال: عذب الله أمة من الأمم كانوا ~~يعبثون بمذاكيرهم. وكرهه مالك والشافعي، وحكى أبو عاصم النبيل عن أبي حنيفة ~~أنه كرهه، فإن جعل بين يديه وبين ذكره حريرة قال: لا بأس به، وذكر النقاش ms1051 ~~في تفسيره عن عمر بن الخطاب أنه قال: أولئك أقوام لا خلاق لهم. # وقوله تعالى: * (والذين هم لآمانتهم وعهدهم راعون) يقال: رعى كذا إذا قام ~~بالمصلحة فيه، ومنه قوله: ' وكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته '، ويقال ~~للوالي: هو راع؛ لأنه يقوم بمصلحة الرعية، ومعنى قوله: * (راعون) ها هنا ~~أداء الأمانة والوفاء بالعهد. # قوله تعالى: * (والذين هم على صلاتهم يحافظون) قد بينا معنى المحافظة، ~~وعن ابن مسعود أنه سئل عن المحافظة فقال: حفظ الوقت، فقيل له: فمن تركها ~~أصلا؟ قال: ذلك الكفر. وأعاد ذكر الصلاة ها هنا؛ ليبين أن المحافظة واجبة ~~كما أن الخشوع واجب. # قوله تعالى: * (أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس) روي الأعمش، عن ~~أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي قال: ' ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ~~ومنزل في النار، فإذا دخل النار ورث أهل الجنة منزله '. PageV03P464 # وعن مجاهد قال: إذا دخل الجنة هدم منزله في النار، وعنه أنه قال: إن الله ~~غرس جنة عدن بيده ثم قال: * (قد أفلح المؤمنون) وأغلق عليها، فلا يدخلها ~~إلا من شاء الله، ويفتح بابها في كل سحر، وكانوا يرون أن نسيم السحر منه. # وفي بعض المسانيد: عن ابن عباس عن النبي: ' إن الله خلق جنة عدن، وخلق ~~فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها: تكلمي ~~فقالت: * (قلد أفلح المؤمنون) أنا محرمة على كل بخيل ومرائي '. # وفي رواية: ' أن الله تعالى قال: * (قد أفلح المؤمنون) ثم قال: وعزتي لا ~~يجاورني فيك بخيل '. # وفي بعض المسانيد أيضا عن النبي قال: ' إن الله تعالى خلق آدم بيده، وغرس ~~جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، ثم قال لجنة عدن وعزتي لا يسكنك بخيل ولا ~~ديوث '. # وفي بعض التفاسير: أن النبي قال: ' أن الله تعالى خلق الفردوس وجعل لها ~~PageV03P465 # * (الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا) ~~* * لبنة من ذهب ولبنة ms1052 من فضة (وحبالها) المسك الأفر '، والأخبار كلها ~~غرائب. * (هم فيها خالدون) أي: مقيمون لا يظعنون أبدا. # قوله تعالى: * (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) قال أهل اللغة: ~~السلالة صفوة الماء المسلول من الصلب، وقوله: * (من طين) الطين ها هنا هو ~~آدم، وعليه الأكثرون، والمراد من الإنسان ولده، ومنهم من قال: المراد من ~~الإنسان هو آدم. وقوله: * (من سلالة) أي: سل من كل تربة، وقال الكلبي: ~~السلالة ها هنا هو الطين الذي إذا قبض عليه الإنسان خرج الماء من جانبي ~~يده، وعن مجاهد قال: هو منى بني آدم. قال الشاعر: # (وهل هند إلا مهرة عربية * [سليلة] أفراس تجللها بغل) (فإن نتجت مهرا ~~[فلله درها * وإن ولدت بغلا فجاء به البغل]) وقوله: * (ثم جعلناه نطفة في ~~قرار مكين) أي: في مكان استقر فيه، وعن مجاهد قال: ما من نطفة إلا ويذر ~~عليها من التربة التي خلق منها. # وقوله: * (ثم خلقنا النطفة علقة) العلقة هي القطعة من الدم. PageV03P466 # * (النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام ~~لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ثم إنكم بعد ذلك ~~لميتون) * * وقوله: * (فخلقنا العلقة مضغة) المضغة هي القطعة من اللحم. # وقوله: * (فخلقنا المضغة عظما) وقري: ' عظاما '، والمعنى واحد. قال ~~الشاعر: # (في حلقهم عظم وقد شجينا *) أي: في حلوقهم عظام. # ويقال: إن بين كل خلقين أربعين يوما. # وقوله: * (فكسونا العظام لحما) أي: ألبسنا. # وقوله: * (ثم أنشأناه خلقا آخر) الأكثرون أن المراد منه نفخ الروح فيه، ~~وقال الضحاك: استواء الشباب، وعن قتادة قال: نبت الأسنان، وعن الحسن: ذكرا ~~أو أنثى. وفي بعض التفاسير أن الله ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر وعشرا من ~~يوم وقعت النطفة في الرحم، ولهذا تقدرت عدة الوفاة بهذا القدر من الزمان. # وقوله: * (فتبارك الله أحسن الخالقين) روي أن عمر - رضي الله عنه - لما ~~سمع هذه الآية (قال: فتبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي: ' هكذا أنزل '. ~~فإن قيل: هذه الآية) تدل على أنا نخلق أفعالنا؛ لأن الله تعالى قال: ms1053 * ~~(فتبارك الله أحسن الخالقين)، فذكر الخالقين على وجه الجمع؟ الجواب أن ~~معناه: أحسن المقدرين، وقد ورد الخلق بمعنى التقدير، قال الشاعر: # (ولأنت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري) PageV03P467 # (* (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما ~~كنا عن الخلق غافلين (17) وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ~~وإنا على ذهاب به لقادرون (18) فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم ~~فيها فواكه) * * [أي]: يقدر. # ويقال: إن معناه: يصنعون وأصنع، وأنا أحسن الصانعين. # قوله تعالى: * (ثم إنكم بعد ذلك لميتون) قال بعضهم: الميت والميت (واحد، ~~وقال بعضهم: الميت هو الذي قد مات، والميت هو الذي يموت في المستقبل، ومثله ~~المائت، وهذا كما قالوا: سيد وسائد هو الذي يسود في المستقبل. # قوله تعالى: * (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) البعث هو الإطلاق فكأنهم ~~حبسوا مدة ثم أطلقوا. # قوله: * (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) الطرائق ها هنا هي السماوات، وفي ~~تسميتها طرائق وجهان: أحدهما: أنها سميت طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض، يقال: ~~طارقت النعل إذا جعلت بعضها فوق بعض. # والوجه الثاني: أنها سميت طرائق؛ لأنها طرائق الملائكة. # وقوله: * (وما كنا عن الخلق غافلين) أي: نحن حافظون لهم، يقال: حفظنا ~~السماء أن تقع عليهم، ويقال: ما تركناهم سدى بغير أمر ولا نهي. # قوله تعالى: * (وأنزلنا من السماء ماء بقدر) في الخبر: ' أن الله تعالى ~~أنزل أربعة أنهار من الجنة: سيحان، وجيحان، ودجلة، والفرات '. # وروي أنه أنزل خمسة أنهار من عين في الجنة، وذكر مع الأربعة التي ذكرناها ~~نيل مصر، وفي هذا الخبر أن الله أودعها الجبال ثم أجراها لمنفعة العباد، ~~وفي هذا الخبر أيضا: ' أنه إذا كان خروج يأجوج ومأجوج رفع الله القرآن ~~والكعبة والركن والمقام وتابوت موسى والأنهار الخمسة فلا يبقى شيء من خير ~~الدنيا والآخرة فهو قوله تعالى: PageV03P468 # * (كثيرة ومنها تأكلون (19) وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ ~~للآكلين (20)) * * (وإنا على ذهاب به لقادرون) '. # قوله تعالى: * (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها ms1054 فواكه كثيرة ~~ومنها تأكلون) ظاهر المعنى، وخص النخيل والأعناب بالذكر؛ لأنهما كانتا أكثر ~~فواكه العرب. # قوله تعالى: * (وشجرة تخرج من طور سيناء)، معناه: وأنشأنا شجرة تخرج من ~~طور سيناء، وهي شجرة الزيتون، وإنما خصها بالذكر؛ لأنها لا تحتاج إلى ~~معاهد، فالمنة فيها أكثر؛ ولأنها مأكول (ومستصبح) بها، وقوله: * (سيناء) ~~بالحبشية هو الحسن، وأما المروي عن ابن عباس معنيان: أحدهما: أن المراد من ~~سيناء هو البركة ومعناه: جبل البركة، والآخر: أن معناه الشجر، يعني الجبل ~~المشجر، أورده الكلبي. # وقوله: * (تنبت بالدهن). وقرئ ' تنبت ' واختلفوا في هذا: منهم من قال: ~~أنبت ونبت بمعنى واحد، قال الشاعر: # (رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل) يعني: حتى ~~إذا نبت البقل، فالمعنى على هذا تنبت بالدهن أي: ومعها الدهن، أو فيها ~~الدهن، وقال أبو عبيدة: الباء زائدة، فالمعنى على هذا: تنبت ثمر الدهن. # وأما من فرق بين تنبت وتنبت، فقال معناه: تنبت ثمرها بالدهن، وتنبت ثمر ~~الدهن. # وأنشدوا في زيادة الباء شعرا: PageV03P469 # * (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ~~ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه) * * (سود المحاجر لا يقرأن بالسور *) أي: لا يقرأن السور. # وقوله: * (وصبغ للآكلين). وقرئ: ' وصباغ للآكلين '، وهو في الشاذ، مثل ~~لبس ولباس، ومعناه: (وإدام) للآكلين، فإن الخبز إذا غمس فيه أي: في الزيت ~~انصبغ به بمعنى تلون، والإدام كل ما يؤكل مع الخبر عادة، سواء انصبغ به ~~الخبر أو لم ينصبغ، روي عن النبي أنه أخذ لقمة وتمرة، وقال: ' هذه إدام هذه ~~'. # وعنه أنه قال: ' سيد إدام أهل الجنة اللحم '. # قوله تعالى: * (وإن لكم في الأنعام لعبرة) يعني الآية: تعتبرون بها. # وقوله: * (نسقيكم مما في بطونها) أي: اللبن. # وقوله: * (ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون) يعني: من لحومها * ~~(وعليها وعلى الفلك تحملون) ظاهر المعنى. PageV03P470 # * (فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) فقال ~~الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر ms1055 مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو ~~شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24) إن هو إلا رجل ~~به جنة فتربصوا به حتى حين (25) قال رب انصرني بما كذبون (26) فأوحينا إليه ~~أن اصنع الفلك) * * قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم ~~اعبدوا الله) أي: وحدوا الله. # * (ما لكم من إله غيره) أي: معبود سواه. وقوله: * (أفلا تتقون) معناه: ~~أفلا تخافون عقوبته إذا عبدتم غيره. # قوله تعالى: * (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم) قد ~~ذكرنا معنى الملأ، وذكرنا إنكارهم إرسال البشر. # وقوله: * (يريد أن يتفضل عليكم) يتفضل أي: يظهر الفضل، ولا فضل له، كما ~~يقال: فلان يتحلم أي: يظهر الحلم، ولا حلم له، ويتظرف أي: يظهر الظرافة، ~~ولا ظرافة له. # وقوله: * (ولو شاء الله لأنزل ملائكة) يعني: بإبلاغ الوحي، وقوله: * (ما ~~سمعنا بهذا في آبائنا الأولين). أي: بإرسال بشر رسولا، وقيل: بدعوة مثل ~~دعوته. # قوله تعالى: * (إن هو إلا رجل به جنة) أي: جنون. # وقوله: * (فتربصوا به حتى حين) قال ابن عباس: إلى وقت ما، ويقال: إلى أن ~~يموت. # قوله تعالى: * (قال رب انصرني بما كذبون) يعني: أهلكهم نصرة لي جزاء ~~تكذيبهم. # قوله تعالى: * (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيينا ووحينا). قد بينا من ~~قبل، ويقال: غرس الشجر أربعين سنة، وجففه أربعين سنة. # وقوله: * (فإذا جاء أمرنا وفار التنور) المراد من الأمر هاهنا: وقت ~~إغراقهم، والتنور تنور الخابزة، وقد بينا غير هذا. # وقوله: * (فاسلك فيها من كل زوجين اثنين) قال ابن عباس معناه: من كل صنف ~~PageV03P471 # * (بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون (27) فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا ~~من القوم الظالمين (28) وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) ~~إن في) * * اثنين اثنين. # وقوله: * (وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم) أي: سبق عليه ms1056 الحكم ~~بإهلاكه، وهو ابن نوح. قال الحسن: كانوا سبعة وثامنهم نوح، وقيل: ستة ~~وسابعهم نوح. # وقوله: * (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) قد بينا. # قوله تعالى: * (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك) أي: استقررت وجلست، ~~وقد يكون الاستواء بمعنى الارتفاع، قال الخليل: دخلنا على أبي ربيعة ~~الأعرابي، (فقال لنا: استووا) أي: ارتفعوا. وقوله: * (فقل الحمد لله الذي ~~نجانا من القوم الظالمين) أي: الكافرين، وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: ~~' مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها سلم، ومن لم يركبها (هلك) '. # قوله تعالى: * (وقل رب أنزلني منزلا مباركا) وقرئ: ' منزلا '، فالمنزل ~~موضع النزول، والمنزل بمعنى الإنزال، وفي موضع النزول قولان: أحدهما: أنه ~~السفينة بعد الركوب، والآخر: أنه الأرض بعد النزول من السفينة، والبركة بعد ~~النزول هو كثرة النسل من أولاده الثلاثة، والبركة قبل النزول هو النجاة. ~~وفي بعض أخبار النبي: ' من نزل منزلا فقال: رب أنزلني منزلا مباركا وأنت ~~خير المنزلين، كان ضمانا على الله أن يحفظه من كل شيء يهوله، وإن توفي في ~~ذلك المنزل دخل الجنة '. ذكره ابن فارس PageV03P472 # * (ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) ~~فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ~~(32) وقال الملأ) * * في تفسيره برواية أبي هريرة، والخبر غريب. # قوله تعالى: * (إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين) قال ابن عباس: مبتلين ~~من أطاع ومن عصى، وعن غيره قال معناه: ما من أمة إلا ونحن قد ابتليناها. # قوله: * (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) (أي: قوما آخرين). # قوله تعالى: * (فأرسلنا فيهم رسولا منهم) في التفسير: أن القرن هم قوم ~~هود، وهم عاد، والرسول هو هود، ويقال: قوم صالح وصالح، والأول أصح وأظهر. # وقوله: * (أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) قد ذكرنا. ~~PageV03P473 # * (من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ~~ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن ~~أطعتم ms1057 بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا ~~وعظاما أنكم) * * قوله تعالى: * (وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا ~~بلقاء الآخرة). أي: بالمصير إلى الآخرة. # وقوله: * (وأترفناهم في الحياة الدنيا) أي: وأغنياهم في الحياة الدنيا، ~~ويقال: وسعنا عليهم المعيشة في الحياة الدنيا حتى أترفوا، والإتراف هو ~~التنعم بملاذ العيش. قال القتيبي: والترفة كالتحفة. # وقوله: * (ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون) ~~يعني: منه. # وقوله تعالى: * (ولئن أطعتم بشرا مثلكم) أي: من لحم ودم مثلكم. # وقوله: * (إنكم إذا لخاسرون) أي: المغبونون، ويقال: تاركون طريقة ~~العقلاء، فتكونون بمنزلة من خسر عقله. # قوله تعالى: * (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخروجون) ~~تحصيل المعنى: أيعدكم أنكم إذا متم وقبرتم ثم خرجتم من قبوركم، وفي قراءة ~~ابن مسعود: ' أيعدكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخروجون ' وأما على ~~القراءة المعروفة فنصب الأول بتقدير الباء أي: بأنكم، وأما إنكم الثانية ~~للتأكيد، قال الزجاج: ونظير هذا في القرآن قوله تعالى: * (ألم يعلموا أنه ~~من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم). # قوله تعالى: * (هيهات هيهات لما توعدون) قال ابن عباس معناه: بعيد بعيد ~~ما توعدون أي: لا يكون ذلك أبدا، هيهات وأيهات بمعنى واحد، قال الشاعر: # (أيهات أيهات العقيق وأهله * أيهات خل بالعقيق نواصله) PageV03P474 # * (مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون (36) إن هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما ~~نحن له بمؤمنين (38) قال رب انصرني بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن ~~نادمين (40) فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (41) ~~ثم) * * قوله تعالى: * (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا) فإن قيل: كيف ~~يستقيم قوله: * (ونحيا) ولم يكونوا مقرين بالبعث؟ والجواب من وجوه: أحدها: ~~أنه على التقديم والتأخير يعني: نحيا ونموت، والآخر: يموت الآباء، ويحيا ~~الأبناء، والثالث: يموت قوم، ويحيا قوم. # قوله: * (وما نحن بمبعوثين) أي: بمنشرين. # وقوله: * (إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن ms1058 له بمؤمنين) أي: ~~بمصدقين. # قوله تعالى: * (قال رب انصرني بما كذبون) قد بينا. # قوله: * (قال عما قليل ليصبحن نادمين) أي: ليصبحون نادمين، ومعنى يصبحون: ~~يصيرون. # قوله تعالى: * (فأخذتهم الصيحة بالحق) في القصة: أن جبريل - عليه السلام ~~- صاح بهم صيحة فتصدعت قلوبهم. # ويقال: إن المراد من الصيحة الهلاك. قال امرؤ القيس: # (فدع عنك نهيا صيح في حجراته * ولكن حديث ما حديث الرواحل) وتمثل بهذا ~~البيت علي رضي الله عنه في بعض حروبه. # وقوله: * (بالحق) أي: بالعدل، ويقال: بما استحقوا. # وقوله: * (فجعلناهم غثاء). الغثاء: ما يبس من الشجر والحشيش، وعلا فوق ~~السيل، ويقال: الغثاء هو الزبد، فالزبد لا ينتفع به، ويذهب باطلا، فشبههم ~~بعد الهلاك به. # وقوله: * (فبعدا للقوم الظالمين) أي: هلاكا للقوم الظالمين. PageV03P475 # * (أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ~~(43) ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا ~~وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون ~~بآياتنا وسلطان) * * قوله: * (ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين) أي: قوما ~~آخرين. # قوله: * (ما تسبق من أمة أجلها) أي: وقت هلاكهم. # وقوله: * (وما يستأخرون) أي: يتأخرون عن وقت هلاكها. # قوله تعالى: * (ثم أرسلنا رسلنا تترى) وقرئ: ' تترى ' بالتنوين، والمعنى: ~~متواترين بعضهم على إثر بعض، ويقال: بين كل نبيين قطعة من الزمان، والأصل ~~في * (تترى) وترى إلا أن الواو قلبت تاء، فكأنه قال: بعثنا الرسل وترا ~~وترا. # وقوله: * (كلما جاء أمة رسولها كذبوه) أي: جحدوه وأنكروه. # وقوله: * (فأتبعنا بعضهم بعضا) أي: في الهلاك. # وقوله: * (وجعلناهم أحاديث) أي: سمرا وقصصا، قال بعضهم شعرا. # (فكن حديثا حسنا ذكره * فإنما الناس أحاديث) وقوله: * (فبعدا لقوم لا ~~يؤمنون) قد بينا. # قوله تعالى: * (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين) أي: ~~بحجة بينة، وهي الآيات التسع. # قوله تعالى: * (إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين) أي: طالبين ~~للعلو بغير الحق، والاستكبار طلب التكبر، ويقال: * (عالين) قاهرين (لمن) ~~تحتهم بالظلم. # وقوله تعالى: * (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا) أي: لموسى ms1059 وهارون. وقوله: * ~~(وقومهما لنا عابدون) قال أبو عبيدة: تقول العرب لكل من أطاع إنسانا قد ~~عبده. PageV03P476 # * (مبين (45) إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا ~~أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين ~~(48) ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (50)) * * وفي بعض التفاسير: أن القبط ~~كانوا يعبدون فرعون، وفرعون كان يعبد الصنم. # قوله تعالى: * (فكذبوهما فكانوا من المهلكين) أي: بالغرق. # قوله تعالى: * (ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون) أي: التوراة. # قوله: * (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) قد بينا. # وقوله: * (وآويناهما إلى ربوة) وقرئ: ' ربوة '، وقرأ أبو الأشهب العقيلي: ~~' رباوة '. وأما الربوة فيها أقوال: عن أبي هريرة قال: هي رملة فلسطين، ~~وروي هذا مرفوعا إلى النبي. # وقال سعيد بن المسيب: هي غوطة دمشق، (ويقال: أنزه المواضع في الدنيا ~~[أربعة] مواضع: غوطة دمشق) في الشام، والإيلة بالعراق، وشعب بران بفارس، ~~وسعد سمرقند، وعن كعب قال: * (ربوة) هي بيت المقدس، وعن وهب بن منبه قال: ~~هي مصر، وفي اللغة: الربوة هو المكان المرتفع. # وقوله: * (ذات قرار) أي: أرض مستوية يستقرون فيها، وقيل: مستوية مرتفعة ~~منبسطة. # وقوله: * (ومعين) أي: ذات ماء جار، ويقال: ذات عيون تجري فيها، يقال: ~~(عانت) البركة إذا جرى فيها الماء، وأنشدوا في المعين شعرا: # (إن الذين غدوا بلبك غادروا * وسلا بعينك لا يزال معينا) قوله تعالى: * ~~(يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) قال مجاهد PageV03P477 # * (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ~~(51)) * * وقتادة والسدي وجماعة: إن المراد من قوله: * (يا أيها الرسل) هو ~~محمد، والعرب تذكر الجمع، وتريد به الواحد، فإنهم يقولون للرجل: أيها ~~القوم، كف عنا أذاك ومنهم من قال: إن المراد منه جميع الرسل. وقال بعضهم ~~المراد: عيسى - عليه السلام - كأنه قال: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل، وقد ~~روى أبو هريرة أن النبي قال: ' يا أيها الناس، إن الله لا يقبل إلا الطيب، ~~وإن الله تعالى أمر المسلمين بما أمر ms1060 به المرسلين فقال: * (يا أيها الرسل ~~كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) وقال للمؤمنين: * (يا أيها الذين آمنوا ~~كلوا من طيبات من رزقناكم واشكروا لله) ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يمد يده إلى ~~السماء، فيقول: يا رب، مطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذى بالحرام، فأنى يستجاب ~~له '؟! # وفي القصة: أن عيسى كان يأكل من غزل أمه، والأكل هو أخذ الشيء بالفم؛ ~~ليوصله إلى البطن بالمضغ، وأما قوله: * (من الطيبات) أي: من الحلال. وقوله: ~~* (واعملوا صالحا) الصلاح هو الاستقامة على ما توجبه الشريعة. # وقوله: * (إني بما تعملون عليم) هذا حث على فعل الطاعة، يعني: اعملوا ~~الصالحات، فإني مجازيكم على عملكم. # قوله تعالى: * (وإن هذه أمتكم أمة واحدة) أي: دينكم دين واحد، وقيل: ~~شريعتكم شريعة واحدة، ويقال: أمرتكم بما أمرت به من قبلكم من الأنبياء ~~والمرسلين، فأمركم واحد. # وقوله: * (وأنا ربكم فاتقون) فاحذروني. # قوله تعالى: * (فتقطعوا أمرهم بينهم) أي: تفرقوا هودا ونصارى وصابئين ~~ومجوسا. * (زبرا) أي: قطعا. قال مجاهد: * (زبرا) كتبا أي: جعلوا كتبهم قطعا ~~ومعناه: آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض، وحرفوا البعض، ولم يحرفوا البعض. # وقوله: * (كل حزب بما لديهم فرحون) أي: مسرورون. PageV03P478 # * (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) أيحسبون ~~أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56)) ~~* * ويعني أن كل فريق مسرورون بما عندهم: فأهل الإيمان مسرورون بالإيمان ~~وبمتابعة النبي، والكفار مسرورون بكفرهم وبمخالفة النبي. # قوله تعالى: * (فذرهم في غمرتهم) أي: في ضلالتهم، وقيل: في عمايتهم. # وقوله: * (حتى حين) معناه: إلى أن يموتوا، والآية للتهديد. # قوله تعالى: * (أيحسبون أنما نمدهم به من مال) الآية. معناه: أيحسبون أن ~~الذي نجعله مددا لهم من المال والبنين * (نسارع لهم في الخيرات) أي: نعجل ~~لهم في الخيرات، ونقدمها ثوابا لهم رضا بأعمالهم، وحقيقة المعنى أن: ليس ~~الأمر على ما يظنون أن المال والبنين خير لهم، بل هو استدراج لهم، ومكر ~~بهم، فهو معنى قوله تعالى: * (بل ms1061 لا يشعرون). # قوله تعالى: * (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون). الخشية: انزعاج النفس ~~لما يتوقع من المضرة، والإشفاق هاهنا هو الخوف من العذاب، فمعنى الآية: أن ~~المؤمنين من خشية ربهم لا يأمنون عذابه. قال الحسن البصري: المؤمن جمع ~~إحسانا وخشية، والمنافق إساءة وأمنا. # قوله: * (والذين هم بآيات ربهم يؤمنون) أي: يصدقون. # قوله تعالى: * (والذين هم بربهم لا يشركون) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (والذين يؤتون ما آتوا) روي عن النبي أنه قرأ: ' والذين ~~يأتون ما أتوا به '، وهو قراءة عائشة - رضي الله عنها. # (وقوله: * (يؤتون ما آتوا) أي: يعطون ما أعطوا. وقوله: ' يأتون ما آتوا ' ~~أي: PageV03P479 # * (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ~~(58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) * ~~* يفعلون ما فعلوا). # وقوله: * (وقلوبهم وجلة) أي: خائفة. # وقوله: * (أنهم إلى ربهم راجعون). أي: لأنهم إلى ربهم راجعون، ومعناه: ~~خافوا لأنهم علموا أن رجوعهم إلى ربهم، وروى عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن ~~عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت للنبي: يا رسول الله، قول الله تعالى: * ~~(والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) أهم الذين يسرقون، ويشربون الخمر، ~~وقلوبهم وجلة؟ قال: لا يا ابنة الصديق، بل هم الذين (يصلون، ويصومون)، ~~ويتصدقون، وقلوبهم وجلة أنها لا تقبل منهم ' وفي رواية: ' ويخشون أن لا ~~تقبل منهم '. قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الشافعي قال: ~~أبو الحسن ابن [فراس]: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن ~~عبد الله المقرئ، أخبرنا جدي محمد، عن سفيان بن عيينة، أخبرنا مالك بن ~~مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب... الخبر. وقال الحسن البصري: عملوا ~~والله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم. هذا هو القول المعروف ~~في الآية، PageV03P480 # * (أنهم إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ~~(61) ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) ~~بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من ms1062 دون ذلك هم لها عاملون) * * والقول ~~الثاني: أن المراد من الآية أنهم عملوا بالمعاصي، وخافوا من الله. # قوله تعالى: * (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) أي: إليها ~~سابقون. # قال الشاعر: # (تجانف عن جو اليمامة ناقتي * وما قصدت من أهلها لسوائكا) أي: إلى ~~سوائكا. ويقال: ' لها سابقون ' أي: من أجلها سابقون، يقول الإنسان لغيره: ~~قصدت هذه البلدة لك أي: لأجلك، وعن ابن عباس أنه قال: * (وهم لها سابقون) ~~أي: سبقت لهم السعادة من الله. # قوله تعالى: * (ولا نكلف نفسا إلا وسعها) قد بينا المعنى، ويقال: لم نكلف ~~المريض الصلاة قائما، ولا الفقير الزكاة والحج، ولا المسافر الصوم، وأشباه ~~هذا. # وقوله: * (ولدينا كتاب ينطق بالحق) أي: عندنا كتاب ينطق بالحق، وهو اللوح ~~المحفوظ، واستدل بعضهم بهذه الآية أن من كتب إلى إنسان كتابا فقد كلمه. # وقوله: * (ينطق بالحق) أي: يخبر بالصدق. # وقوله: * (وهم لا يظلمون) أي: لا ينقص حقهم. # قوله تعالى: * (بل قلوبهم في غمرة من هذا) أي: في غطاء، يقال: فلان غمره ~~الماء، أي: غطاه. # وقوله: * (ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون) (فيه قولان: أن للكفار ~~أعمالا خبيثة محكومة عليهم سوى ما عملوا * (هم لها عاملون)) هذا قول مجاهد ~~وجماعة، وقال قتادة: الآية تنصرف إلى أصحاب الطاعات، ومعناه: أن المؤمنين ~~لهم أعمال سوى ما عملوا من الخير * (هم لها عاملون)، والقول الأول أظهر. ~~PageV03P481 # (* (63) حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) لا تجأروا ~~اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم ~~تنكصون (66) مستكبرين به سامرا تهجرون (67)) * * قوله تعالى: * (حتى إذا ~~أخذنا مترفيهم بالعذاب) قد بينا معنى المترف. # وقوله: * (بالعذاب) وهو السيف يوم بدر، ويقال: هو القحط الذي أصابهم ~~بدعاء الني. # وقوله: * (إذا هم يجأرون) أي: يصيحون ويستغيثون. # قوله تعالى: * (لا تجأروا اليوم) لا تصيحوا اليوم، والجؤار هو رفع الصوت. # وقوله: * (إنكم منا لا تنصرون) أي: ليس أحد يمنعنا من عذابكم، وقيل: * ~~(لا تنصرون) لا ترزقون، يقال: أرض منصورة أي: ممطورة. # قوله تعالى: * (قد ms1063 كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون) أي: ~~ترجعون قهقري على أعقابكم، ويقال: أقبح المشي هو الرجوع على عقبيه قهقري. # قوله تعالى: * (مستكبرين به) اختلف القول في قوله، فأظهر الأقاويل: أن ~~المراد منه الحرم، ويقال: البيت أي: متعظمين بالبيت الحرام، وتعظيمهم أنهم ~~كانوا يقولون: نحن أهل الله وجيران بيته، وكان سائر العرب في خوف، وهم في ~~أمن، هذا قول ابن عباس ومجاهد وجماعة، والقول الثاني: * (مستكبرين به) أي: ~~بالقرآن، على معنى أنهم استكبروا فلم يؤمنوا به، والقول الثالث: أنه الرسول ~~على المعنى الذي ذكرنا في القرآن. # وقوله: * (سامرا) وقرئ في الشاذ: ' سمارا '، والسامر والسمار في اللغة ~~بمعنى واحد. والآية في أنهم كانوا يقعدون بالليل حول البيت يسمرون. قال ~~الثوري: السمر ظل القمر تقول العرب: لا أكلمك السمر والقمر، أي: الليل ~~والنهار. # وقوله: * (تهجرون) أي: تعرضون عن النبي والإيمان به والقرآن والإيمان، ~~PageV03P482 # * (أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) أم لم ~~يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم ~~للحق كارهون (70) ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل ~~أتيناهم) * * وقيل: * (تهجرون) أي: تهذون. وقرئ: ' تهجرون ' من الهجر في ~~الكلام وهو القبيح، وفي الروايات: أنهم كانوا يقعدون عند البيت في ظل القمر ~~ويسبون النبي. # قوله تعالى: * (أفلم يدبروا القول) يعني: ما جاءهم من القول، وهو القرآن. # وقوله: * (أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين) (يعني: أيظنون أنه جاءهم ~~ما لم يأت من قبلهم، ومعناه: أنا بعثنا إليهم رسولا كما بعثنا إلى ~~الأولين). # قوله تعالى: * (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون). يعني: أنهم عرفوه ~~صغيرا وكبيرا، وعرفوا نسبه، وعرفوا وفاءه بالعهد، وأداءه للأمانات، وصدقه ~~في الأقوال، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، على ما ذكرنا من قبل. # قوله تعالى: * (أم يقولون به جنة) أي: جنون. # وقوله: * (بل جاءهم بالحق) أي: بالصدق. وقوله: * (وأكثرهم للحق كارهون) ~~أي: ساخطون. # قوله تعالى: * (ولو اتبع الحق أهواءهم) أي: لو اتبع ما نزل ms1064 من القرآن ~~أهواءهم. # * (لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن) وإنما قال هذا؛ لأنهم كانوا يودون أن ~~ينزل الله تعالى ذكر أصنامهم على ما يعتقدونها، ولأنه هو في معنى قوله ~~تعالى: * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) وفي قراءة ابن مسعود: ' ~~لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ومن خلق '. # والقول الثاني في الآية: أن المراد من * (الحق) هو الله تعالى، ومعناه: ~~لو اتبع (الله) أهواءهم لسمى لنفسه شريكا وولدا، ولفسدت السماوات والأرض ~~ومن PageV03P483 # * (بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71) أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو ~~خير الرازقين (72) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة عن الصراط لناكبون (74)) * * فيهن. # وقوله: * (بل أتيناهم بذكرهم) أي: بما يذكرهم، ويقال: بشرفهم، وهو معنى ~~قوله تعالى: * (وإنه لذكر لك ولقومك) أي: شرف لك ولقومك. # وقوله: * (فهم عن ذكرهم معرضون) أي: عن شرفهم وعما يذكرهم معرضون. # قوله تعالى: * (أم تسألهم خرجا) وقرئ: (' خراجا ')، وكلاهما بمعنى الجعل ~~والأجر، وعن أبي عمرو بن العلاء قال: الخراج في الأرض، والخرج في الرقاب. # وقوله: * (فخراج ربك) أي: ثوابه (* (خير) أي: أجر ربك) خير. # وقوله: * (وهو خير الرازقين) أي: المعطين. # قوله تعالى: * (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم) أي: إلى دين الحق. # قوله تعالى: * (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون). أي: عن ~~طريق الحق لعادلون. # قوله تعالى: * (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر) روي أن النبي دعا على ~~قريش فقال: ' اللهم اجعل عليهم سنين كسني يوسف؛ فأصابهم الجدب والقحط حتى ~~أكلوا العلهز، وهو الدم بالوبر، فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (ولو ~~PageV03P484 # * (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) ولقد ~~أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76)) * * رحمناهم وكشفنا ~~ما بهم من ضر) ' أي: الجوع والقحط. # وقوله: * (للجوا في طغيانهم يعمهون) أي: مضوا في طغيانهم يعمهون، ولم ~~ينزعوا عنه. # قوله تعالى: * (ولقد أخذناهم بالعذاب) فيه قولان: أحدهما: أنه السيف يوم ~~بدر، والآخر: أنه الجوع والقحط، وروي ' أن النبي لما دعا على قومه قدم أبو ~~سفيان ms1065 عليه، فقال: يا محمد، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: نعم، ~~فقال له: قتلت الآباء بالسيف، وأهلكت الأبناء بالجوع، فادع لنا يكشف عنا ~~هذا القحط، فدعا فكشف عنهم '. # وقوله: * (فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) أي: ما خضعوا وما ذلوا لربهم، ~~والاستكانة طلب السكون. # وقوله: * (وما يتضرعون) أي: لم يتضرعوا إلى ربهم، بل مضوا إلى عتوهم ~~وتمردهم. PageV03P485 # * (حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) وهو ~~الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) وهو الذي ~~ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل ~~والنهار أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا أئذا ~~متنا وكنا ترابا) * * قوله تعالى: * (حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب ~~شديد) يقال: بالموت، ويقال: بقيام الساعة. # وقوله: * (إذا هم فيه مبلسون). أي: متحيرون آيسون، وعن السدي قال: * (حتى ~~إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد) هو فتح مكة. ويقال: العذاب الشديد هو ~~الأمراض والشدائد، وعن مجاهد قال: هو القتل يوم بدر. # قوله تعالى: * (وهو الذي أنشأ لكم السمع) أي: الأسماع لتسمعوا، وهذا واحد ~~بمعنى الجمع. وقوله: * (والأبصار) أي: لتبصروا. وقوله: * (والأفئدة) ~~لتعقلوا. وقوله: * (قليلا ما تشكرون) أي: لم تشكروا هذه النعم. # قوله تعالى: * (وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون) أي: خلقكم وأنشركم ~~وكثركم في الأرض. وقوله: * (وإليه تحشرون) أي: تبعثون. # قوله تعالى: * (وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار) أي: تدبير ~~الليل والنهار في الزيادة والنقصان، ويقال: ومنه اختلاف الليل والنهار. # وقوله * (أفلا تعقلون). معناه: أفلا تعقلون الآيات التي وضعتها فيها. # قوله تعالى: * (بل قالوا مثل ما قال الأولون) معناه: كذبوا كما كذب ~~الأولون. # قوله تعالى: * (قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون) أي: ~~محشورون، وقالوا ذلك على طريق الإنكار والتعجب. # قوله تعالى: * (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير ~~الأولين) أي: أكاذيب الأولين، ويقال: أسمار الأولين وأقاصيصهم، وقيل: ما ~~سطره الأولون في PageV03P486 # * (وعظاما أئنا لمبعوثون (82) لقد ms1066 وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا ~~إلا أساطير الأولين (83) قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) ~~سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ~~(86) سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير) * ~~* كتبهم ولا حقيقة له. # قوله تعالى: * (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (سيقولون لله) يعني: هو ملك لله وملكه. # وقوله: * (أفلا تذكرون) أي: تتعظون. # قوله تعالى: * (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم) أي: السرير ~~الضخم. # قوله تعالى: * (سيقولون لله) وقرئ: ' سيقولون الله '. # أما قوله تعالى: ' سيقولون الله ' هذا راجع إلى اللفظ، فالمعنى كالرجل ~~يقول لغيره: من مالك هذا الدار؟ فيقول: زيد. # وأما قوله: * (سيقولون لله) يرجع إلى المعنى دون اللفظ، كما يقول القائل ~~لغيره: من مالك هذه الدار؟ فيقول: هي لزيد. # وقوله: * (قل أفلا تعقلون) أي: أفلا تحذرون. # قوله تعالى: * (قل من بيده ملكوت كل شيء). أي: مالك كل شيء، والتاء ~~للمبالغة، وكذلك فعلوت تذكر للمبالغة مثل قولهم: جبروت ورهبوت، من كلامهم: ~~رهبوت خير من رحموت، ومعناه: أن ترهب خير من أن ترحم. # وقوله: * (وهو يجير ولا يجار عليه) أن يؤمن على كل الناس، ولا يؤمن عليه ~~أحد، ومعناه: أن من أمنه الله لا يقدر عليه أحد، ومن لم يؤمنه الله لم ~~يؤمنه أحد، وقيل: من أراد الله عذابه لا يقدر أحد على منع العذاب عنه، ومن ~~أراد أن يعذب غيره من الخلق قدر الله على منعه منه. وقوله: * (إن كنتم ~~تعلمون) ظاهر المعنى. PageV03P487 # * (ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) ~~بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ~~(91) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (92) قل رب إما تريني ما ~~يوعدون) * * قوله تعالى: * (سيقولون لله قل فأنى تسحرون) أي: تخدعون، وقيل: ~~تصرفون ms1067 عن الحق، قال الحسن: معناه: أين ذهبت (عقولكم)؟، وقال أبو عبيدة: * ~~(فأنى تسحرون) أي: تعمهون. # قوله تعالى: * (بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) أي: بالصدق، إنهم ~~لكاذبون فيما يدعون لله من الشريك والولد. # قوله تعالى: * (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله) أي: من شريك. ~~وقوله: * (إذا لذهب كل إله بما خلق) أي: تفرد بما خلقه، فلم يرض أن يضاف ~~خلقه ونعمته إلى غيره. وقوله: * (ولعلا بعضهم على بعض). أي: طلب بعضهم ~~الغلبة على البعض، كما يفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، ثم نزه نفسه فقال: * ~~(سبحان الله عما يصفون). # قوله تعالى: * (عالم الغيب والشهادة) أي: السر والعلانية. # وقوله: * (فتعالى عما يشركون) أي: تعظم عما يشركون، ومعناه: أنه أعظم أن ~~يوصف بهذا الوصف. # قوله تعالى: * (قل رب إما تريني ما يوعدون) يعني: إن أريتني ما وعدتهم من ~~العذاب * (رب فلا تجعلني في القوم الظالمين) أي: اجعلني خارجا منهم، ولا ~~تعذبني معهم، هكذا ذكره الزجاج. قال أهل التفسير: وهذا دليل على أنه يجوز ~~للعبد أن يسأل الله تعالى ما هو كائن لا محالة. # قوله تعالى: * (وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون) أي: ما نعدهم من ~~العذاب. PageV03P488 # (* (93) رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (94) وإنا على أن نريك ما نعدهم ~~لقادرون (95) ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) وقل رب ~~أعوذ بك من همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) حتى إذا جاء ~~أحدهم الموت قال رب ارجعون (99)) * * قوله تعالى: * (ادفع بالتي هي أحسن ~~السيئة) أكثر أهل التفسير أن المراد منه هو الدفع بالصبر، واحتمال الأذى، ~~والكف عن المقاتلة، وهذا قبل آية السيف، وعن جماعة من التابعين أنهم قالوا: ~~هو أن يسلم على من يؤذيه، فالدفع هو بالسلام عليه، وعن الضحاك، عن ابن عباس ~~قال: هو دفع الشرك بلا إله إلا الله، وعن بعضهم: هو دفع المنكر بالموعظة. # قوله تعالى: * (نحن أعلم بما يصفون) أي: بوصفهم وكذبهم. # قوله تعالى: * (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) وساوسهم، والهمز في ms1068 ~~اللغة مأخوذ من الدفع، ودفع الشياطين غيره إلى المعصية يكون بوسوسته، فعرف ~~أن الهمزات هي الوساوس، وقيل: همز الشيطان إغراؤه على المعصية. # وقوله: * (وأعوذ بك رب أن يحضرون) أي: يحضروا أمري، وإنما ذكر الحضور؛ ~~لأنه يغريه على المعصية، ويوسوسه إذا حضر. # قوله تعالى: * (حتى إذا جاء أحدهم الموت) أي: حضر أحدهم الموت. وقوله: * ~~(قال رب ارجعون) فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب للملائكة، وهم الملائكة الذين ~~يحضرون بقبض الروح، وهذا قول ضعيف؛ لأنه قد قال: * (رب). # وأما القول الثاني - وهذا المعروف - أن الخطاب مع الله، وكأن الكافر يسأل ~~ربه عند الموت أن يرده إلى الدنيا، فإن قيل: كيف يستقيم هذا، وقد قال: * ~~(ارجعون)، والواحد لا يخطاب بخطاب الجمع، ولا يستقيم أن يقول القائل: اللهم ~~اغفروا لي؟ والجواب عنه: أنه إنما ذكر بلفظ الجمع على طريق التفخيم ~~والتعظيم، فإن الله تعالى أخبر عن نفسه بلفظ الجمع فقال: * (إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون) ومثل هذا كثير في القرآن، فذكر قوله: * (ارجعون) ~~على موافقة هذا كما يخاطب الجمع، PageV03P489 # * (لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ ~~إلى يوم يبعثون (100) فإذا نفخ في الصور) * * وعن الخليل أنه سئل عن هذه ~~الآية - وكان شديد التوقي في كلام القرآن - وقال: * (رب ارجعون) معناه: ~~اجعلني مرجوعا. # وقوله تعالى: * (لعلي أعمل صالحا فيما تركت) أي: أقول لا إله إلا الله، ~~وقيل: هو العمل بالطاعة، قال قتادة: طلب الرجوع ليعمل صالحا، لا ليجمع ~~الدنيا، ويقضي الشهوات، فرحم الله امرءا عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى ~~العذاب. # قوله تعالى: * (كلا إنها كلمة هو قائلها) يعني: سؤال الرجعة، وقد قال أهل ~~العلم من السلف: لا يسأل الرجعة عبد له عند الله ذرة من خير؛ لأنه إذا كان ~~له خير عند الله فهو يحب القدوم عليه، واتفقوا أن سؤال الرجعة يكون للكافر ~~لا للمؤمن. # وقوله: * (ومن وراءهم برزخ) أي: حاجز، وهو القبر. # وقوله: * (إلى يوم يبعثون) فالبرزخ هو ما بين الموت إلى البعث، ويقال: ما ~~بين ms1069 الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: * (فإذا نفخ في الصور) حكي عن الحسن البصري أنه قال: أي: في ~~الصور. وهذا قول ضعيف، والصحيح أن الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل، ومن المشهور ~~أن النبي قال: ' كيف أنعم، وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى ~~بأذنه متى يؤمر فينفخ '. # فمن العلماء من يقول: ينفخ ثلاث نفخات: نفخة للصعق، ونفخة للموت، ~~PageV03P490 # * (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101)) * * ونفخة للبعث. ~~والأكثرون أنه ينفخ نفختين: نفخة للموت، ونفخة للبعث، والصعق هو الموت، ~~ويكون بين النفختين أربعون سنة. # قوله تعالى: * (فلا أنساب بينهم يومئذ) أي: لا أنساب يتفاخرون ويتواصلون ~~بها، وأما أصل الأنساب فباقية. # وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ' كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي ' ~~أي: لا ينفع سبب ولا نسب يوم القيامة إلا سببي ونسبي، ويقال: سببه القرآن، ~~ونسبه الإيمان. # وقوله: * (ولا يتساءلون) أي: لا يسأل بعضهم بعضا سؤال تواصل، فإن قيل: ~~أليس أن الله تعالى قال: * (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)؟ # الجواب: ما روي عن ابن عباس أنه قال: يوم القيامة مواطن وتارات، ففي موطن ~~يشتد عليهم الخوف (فتذهل) عقولهم، فلا يتساءلون، وفي موضع يفيقون إفاقة ~~فيتساءلون. # قوله تعالى: * (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون) أي: الفائزون ~~والناجون. # قوله تعالى: * (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم) أي: غبنوا ~~PageV03P491 # * (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) ومن خفت موازينه فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) تلفح وجوههم النار وهم فيها ~~كالحون (104) ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105)) * * أنفسهم ~~بهلاك (الآية). وقوله: * (في جهنم خالدون) أي: مقيمون. # قوله تعالى: * (تلفح وجوههم النار). اللفح أكبر من النفح، ومعناه: يصيب ~~وجوههم حر النار، وقيل: تحرق وجوههم النار وتنضجها. # وقوله: * (وهم فيها كالحون) الكالح في اللغة: هو العابس، وأما المروي في ~~التفسير: هو الذي تقلصت شفتاه، وظهرت أسنانه. # وعن ابن مسعود أنه قال: كالرأس النضيج قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه. وذكر ~~أبو عيسى الترمذي في جامعه برواية أبي سعيد الخدري عن النبي قال في هذه ~~الآية: ms1070 ' هو أن تتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى ~~حتى تضرب سرته '. وفي بعض التفاسير: وتخرج أسنانه عن شفتيه [أربعين] ذراعا. # وعن بعض التابعين من الخائفين: أنه مر على شواء، فرأى رؤوس الغنم وقد ~~أبرزت، فلما نظر إليها غشي عليه، كأنه يذكر هذه الآية. # وقوله تعالى: * (ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون) أي: تجحدون ~~وتنكرون. # وقوله: * (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا) وقرئ: ' شقاوتنا ' وهما بمعنى ~~واحد، والمراد منه: إنما أدخلنا النار بما غلب علينا من حكمك وقضائك ~~بشقاوتنا. وقوله: PageV03P492 # * (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا أخرجنا منها ~~فإن عدنا فإنا ظالمون (107) قال اخسئوا فيها ولا تكلمون (108) إنه كان فريق ~~من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109) ~~فاتخذتموهم سخريا) * * (وكنا قوما ضالين) أي: عن الحق. # قوله تعالى: * (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون) فيتركهم مقدار ~~عمر الدنيا، وفي رواية: مثلي عمر الدنيا. # ثم يقول: * ([قال] اخسئوا فيها ولا تكلمون) قال: فينقطع رجاؤهم حينئذ، ~~ولا يسمع بعد ذلك منهم إلا الزفير والشهيق، وأما قوله: * (اخسئوا) أي: ~~ابعدوا، وهو مثل قولهم: خسأت الكلب أي: أبعدته. # قوله تعالى: * (إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الراحمين). قال أهل التفسير: هذا في بلال وسلمان وعمار ~~وصهيب والفقراء من أصحاب الرسول. # وقوله: * (فاتخذتموهم سخريا) وقرئ: ' سخريا ' فقوله: * (سخريا) من ~~الاستهزاء، وقوله: ' سخريا ' من التسخير. # وقوله: * (حتى أنسوكم ذكري) أي: اشتغلتم بالاستهزاء والسخرية عليهم، ~~وتركتم ذكري، وكان الواجب عليكم أن تذكروني بدل استهزائكم بهم. # وقوله: * (وكنتم منهم تضحكون) وفي الآية دليل على أن الاستهزاء بالناس ~~كبيرة، وهو موعود عليه، وعن جعفر بن محمد - رضي الله عنه - قال: من ضحك ~~ضحكة مج مجة من العلم لا يعود إليه أبدا. # قوله تعالى: * (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون) أي: بصبرهم ~~* (أنهم هم الفائزون) أي: الناجون. PageV03P493 # * (حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) إني جزيتهم اليوم بما صبروا ~~أنهم هم ms1071 الفائزون (111) قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم فاسأل العادين (113) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم ~~تعلمون (114) أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115)) * * ~~قوله تعالى: * (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين). يعني: قال الله تعالى ~~للكفار: * (كم لبثتم في الأرض عدد سنين) (أي: في الدنيا، ويقال: في القبور، ~~وقرئ: ' قل كم لبثتم في الأرض عدد سنين ') ومعناه: قل يا أيها الكافر. # قوله تعالى: * (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) إنما ذكروا يوما أو بعض ~~يوم؛ لأنهم نسوا عدد ما لبثوا من هول ما يلقاهم يوم القيامة، فإن قال قائل: ~~هذه الآية تدل على أن عذاب القبر ليس بثابت للكفار؛ لأنه لو كان ثابتا لم ~~يقولوا: لبثنا يوما أو بعض يوم؟ والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه ذهب عن ~~قلوبهم عذاب القبر من هول ما يلقاهم يوم القيامة، والثاني: أن الله تعالى ~~يرفع العذاب عن أهل القبور بين النفختين، فينسون عذاب القبر، ويستريحون، ~~وإنما يقولون لبثنا يوما أو بعض يوم لهذا. # وقوله: * (فاسأل العادين) أي: الملائكة الذين يعرفون عدد ما لبثوا. # قوله تعالى: * (قال إن لبثتم إلا قليلا) يعني: ما لبثتم إلا قليلا * (لو ~~أنكم كنتم تعلمون) أي: لو تعلمون عدد ما لبثتم، وإنما ذكر قليلا؛ لأن ~~الواحد من أهل الدنيا وإن لبث في الدنيا سنين كثيرة، فإنه يكون قليلا في ~~جنب ما يلبث في الآخرة. # قوله تعالى: * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) أي: لتلعبوا أو تعبثوا، وقد ~~سمى الله تعالى جميع الدنيا لعبا ولهوا فقال: * (اعلموا أنما الحياة الدنيا ~~لعب ولهو) فالآية تدل على أن الآدمي لم يخلق لطلب الدنيا والاشتغال بها، ~~وإنما خلق ليعبد الله ويقوم بأوامره، وعن بعضهم قال: * (أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا) هو في معنى قوله PageV03P494 # * (فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع ~~مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ~~(117) وقل رب) ms1072 * * تعالى: * (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) ومعناه: أنه لا ~~يهمل أمره وقال بعضهم: خلق (لهلاك) الأبد أو لملك الأبد. # وقوله: * (وأنكم إلينا لا ترجعون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) ~~أي: المرتفع، وقيل: الحسن، وقد بينا معنى * (تعالى) من قبل. # قوله تعالى: * (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به) أي: لا بينة ~~ولا حجة له به، قال أهل العلم: لا حجة لأحد في دعوى الشرك، وإنما الحجة ~~عليهم. # وقوله: * (فإنما حسابه عند ربه) هذا في معنى قوله تعالى: * (ثم إن علينا ~~حسابهم)، وروي ' أن أعرابيا أتى النبي وقال: ومن يحاسبنا يوم القيامة؟ قال: ~~الله. قال: نجونا ورب الكعبة، إن الكريم إذا قدر غفر ' والخبر غريب. # وقوله: * (إنه لا يفلح الكافرون) أي: لا يسعد ولا يفوز. # قوله تعالى: * (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) * (اغفر) استر * ~~(وارحم) اعطف، والغفور: الستور، والرحيم هو العطوف. PageV03P495 # * (اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118)) * * قوله: * (وأنت خير ~~الراحمين). أي: خير من رحم. PageV03P496 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (سورة أنزلناها وفرضناها) * * تفسير سورة ~~النور وهي مدنية، وروى الحاكم أبو عبد الله الحافظ فيما خرجه من الزيادة ~~على الصحيحين برواية شعيب بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي ~~الله عنها - أن النبي قال في النساء: ' لا تسكنوهن الغرف، ولا تعلموهن ~~الكتابة، وعلموهن الغزل وسورة النور '. # قوله تعالى: * (سورة أنزلناها) وقراءة الأعرج ومجاهد ' سورة أنزلناها '، ~~والسورة: مجموع آيات مما أنزل الله تعالى معلوم الابتداء والانتهاء، وإنما ~~رفع سورة؛ لأن معناها: هذه سورة، وقوله: ' سورة ' بالنصب فتقديره أنزلنا ~~سورة. # وقوله: * (وفرضناها) قرىء بالتشديد والتخفيف، أما بالتخفيف ففي معناه ~~وجهان: أحدهما: ألزمناكم العمل بما فرض فيها، والآخر: فرضناها أي: قدرنا ما ~~فيها من الحدود، والفرض هو التقدير، ومنه قوله تعالى: * (فنصف ما فرضتم) ~~أي: ما قدرتم، وأما بالتشديد ففي معناه وجهان: # أحدهما: فرضنا فرائضها، وشدد لما فيها من الكثرة. # والوجه الثاني: فرضناها أي: بيناها وفصلناها. # قال مجاهد: هو ms1073 الأمر بالحلال والنهي عن الحرام. PageV03P497 # * (وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة) * * وقوله: * (وأنزلنا فيها آيات بينات) أي: دلالات ~~واضحات. # وقوله: * (لعلكم تذكرون) أي: تتعظون. # قوله تعالى: * (الزانية والزاني) قال أهل العلم: إنما بدأ بالمرأة، لأن ~~رقة القلب عليهن أكثر، فبدأ بهن لئلا يترك إقامة الحد عليها، ويكون أمرها ~~لهم، ومنهم من قال: لأن الشهوة فيهن أكثر، والزنا نتيجة الشهوة، وبدأ في حد ~~السرقة بالرجل؛ لأن القوة والجراءة في الرجال أكثر، والسرقة نتيجة القوة ~~والجراءة، وهذا قول حسن. # وقوله: * (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) الجلد: ضرب الجلد، يقال: ~~جلدته إذا ضربت جلده، وبطنته إذا ضربت بطنه، وظهرته إذا ضربت ظهره، وفي ~~الآية قولان: أحدهما: أن الآية عامة في الأبكار والثيب، فتجلد الثيب مع ~~الرجم. روي عن علي - رضي الله عنه - ' أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس ~~مائة، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ~~'. # وأما قول عامة العلماء فهو: أن الآية مخصوصة للأبكار، وأن الثيب يرجم ولا ~~يجلد، واتفق أهل العلم أن هذه الآية ناسخة؛ لأن المذكورة في الإمساك في ~~سورة النساء. # وقد روي عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن النبي نزل عليه الوحي ~~ونحن عنده، وكان إذا نزل عليه الوحي تغير وجهه، وصرفنا أبصارنا عنه، فلما ~~سرى عنه قال: ' لتأخذوا عني فقلنا: نعم يا رسول الله، فقال: قد جعل الله ~~لهن سبيلا، الثيب بالثيب الرجم، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام '. ~~PageV03P498 # * (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (2)) * * وذكر النقاش أن في حرف أبي بن ~~كعب في سورة الأحزاب، ' الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم '. # وكان عمر - رضي الله عنه - قد هم أن يكتب هذا على حاشية المصحف ثم ترك ~~لئلا يلحق بالقرآن ما ليس منه. # وقوله: * (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) وقرئ: ' رأفة ' بغير همز، ms1074 ~~وقرئ في الشاذ: ' رآفة ' يعني: رحمة. واعلم أن الرحمة والرأفة معنى في ~~القلب لا ينهى عنه؛ لأنه يوجد في القلب من غير اختيار إنسان، وإنما معنى ~~الآية: استعمال الرحمة في (تعطيل الحد) وتخفيفه. # وروي عن عبد الله بن عمر أنه ضرب أمة له الحد، وكانت قد زنت، فجعل يضرب ~~رجلها وظهرها، فقال له سالم ابنه: * (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) ~~فقال: يا بني: إن الله لم يأمرني بقتلها، ولا بضرب رأسها، وقد ضربت فأوجعت. ~~وقد قال أهل العلم: يجتهد في جلدة الزاني ما لا يجتهد في جلدة شارب الخمر ~~لنص الكتاب. # (وقوله: * (في دين الله) أي: في حكم الله). # وقوله: * (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ظاهر المعنى. # وحقيقة معناه: أن المؤمن لا تأخذه رحمة ورقة إذا جاء أمر الرب. # وقوله: * (وليشهد عذابها طائفة من المؤمنين) قال ابن عباس: واحد فما ~~فوقه. وعن عطاء: رجل إلى ألف رجل. وعن سعيد بن جبير وعكرمة: رجلان. وعن ~~الزهري وقتادة: ثلاثة نفر. وقال مالك: أربعة نفر، وهو قول الشافعي وجماعة ~~من أهل العلم. # قوله تعالى: * (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) في الآية أقوال: ~~أحدهما: أن PageV03P499 # * (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو ~~مشرك وحرم) * * الآية نزلت في امرأة تسمى أم مهزول، وكانت بغية، وإذا تزوجت ~~برجل شرطت عليه أن تنفق عليه، فأراد رجل من أصحاب رسول الله أن يتزوج بها، ~~فسأل النبي []، فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (الزاني لا ينكح إلا زانية) ~~ويقال: إن اسم المرأة كان عناق. وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص. # والقول الثاني: قال مجاهد وقتادة وغيرهما: ' كان بالمدينة بغايا على ~~أبوابهن رايات يعرفن بها، وكن مخاصيب الرجال، فلما هاجر أصحاب رسول الله ~~إلى المدينة أراد ناس من فقراء المهاجرين أن يتزوجوا بهن لينفقن عليهم، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # والقول الثالث: روي عن الحسن البصري أنه قال: معنى الآية: ' الزاني ~~المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة، والزانية ms1075 المجلودة لا ينكحها إلا زان ~~مجلود وفي بعض المسانيد: روى هذا القول عن النبي بطريق أبي هريرة. ~~PageV03P500 # والقول الرابع: روي عن علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس أن معنى ~~الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية، ومعنى النكاح [هو الوطء]، قال الزجاج: ~~وهذا القول ضعيف؛ لأنه لم يرد في القرآن ذكر النكاح بمعنى الوطء. # والقول الخامس - وهو أحسن الأقاويل - قول سعيد بن المسيب: أن الآية ~~منسوخة، وقد كان في حكم الإسلام لا يجوز أن يتزوج الزاني بالمزني بها. قال ~~عبد الله بن مسعود. إذا تزوج الزاني بالزانية فهما زانيان أبدا. قال سعيد ~~بن المسيب: ثم نسخ هذا بقوله تعالى: * (وأنكحوا الأيامى منكم) والزانية ~~أيم، فيجوز التزوج بها للزاني وغيره، والدليل على أن الحكم الآن هذا، ما ~~روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه كان جالسا في المسجد وعنده ~~عمر، فجاء رجل وقد دهش، وكان به لوث، فقال أبو بكر: قد جاء هذا لأمر، سله ~~يا عمر، فقال له عمر: ما شأنك؟ فذكر أنه جاءه ضيف، وأن الضيف زنى بابنته، ~~فقال له عمر: قبحك الله، ودق على صدره، وقال: هلا سترت على ابنتك، ثم دعا ~~بالرجل والمرأة، فأمر أبو بكر - رضي الله عنه - أن يجلد الجلد، (ثم زوج ~~المرأة من الرجل) وذكر أبو عبيد - رحمه الله - أنه يكره للرجل أن يتزوج ~~بالفاجرة، وإن فجرت امرأته استحب له طلاقها، قال: وأما الخبر الذي روي عن ~~النبي ' أن رجلا أتاه وقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال: طلقها فقال: ~~إني أحبها. قال: استمتع بها. قال أبو [عبيد] هذا الخبر نقل PageV03P501 # * (ذلك على المؤمنين (3) والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم) * * بروايتين ~~كل واحد منهما مرسل، فليس يثبت هذا عن النبي ولئن يثبت فيحتمل أن قوله: ' ~~إن امرأتي لا ترد يد لامس ' تنفق ما وقع بيدها وتعطي، وكأنه شكا منها الخرق ~~وتضييع ماله، وليس المراد هو أنها تزني، فإنه ms1076 لا يجوز أن يذكر ذلك عند ~~النبي، ثم يأمره بإمساكها. # وقوله: * (وحرم ذلك على المؤمنين) ظاهر المعنى، وقد بينا أن ذلك منسوخ. # قوله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات) والمحصنات هن اللواتي أحصن ~~أنفسهن. # وقوله: * (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) أي: على زناهن، والمراد من الرمي ~~المذكور في الآية هو القذف بالزنا. # وقوله: * (فاجلدوهم ثمانين جلدة) أي: اضربوهم ثمانين سوطا. # وقوله: * (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) اختلف السلف في هذا، فروي عن شريح ~~والحسن وإبراهيم النخعي وجماعة أنهم قالوا: شهادة القاذف لا تقبل أبدا إذا ~~حد وإن تاب، وهذا قول أهل العراق. # وقال عمر بن عبد العزيز والزهري وسعيد بن المسيب والشعبي وجماعة: أنه إذا ~~تاب قبلت شهادته، وهذا قول أهل الحجاز. # وقال الشعبي: يقبل الله توبته، ولا تقبلون شهادته؟! وحكى سعيد بن المسيب ~~أن عمر قال لأبي بكرة: تب تقبل شهادتك، فلم يتب، والمسألة معروفة. # وقوله: * (وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) فمن قال: إن شهادة القاذف ~~PageV03P502 # * (الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ~~(5) والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6)) * * تقبل بعد التوبة ذهب إلى أن قوله: ~~* (إلا الذين تابوا) ينصرف إلى الكل سوى الحد، وعن الشعبي: أن الحد يسقط ~~أيضا بالتوبة، وأما من ذهب إلى أن شهادة القاذف لا تقبل بعد التوبة قال: إن ~~قوله: * (إلا الذين تابوا) ينصرف إلى قوله: * (وأولئك هم الفاسقون) فإن ~~قيل: إذا قبلتم شهادة القاذف بعد التوبة، فما معنى قوله تعالى: * (أبدا)؟ ~~والجواب عنه: قال الزجاج في كتابه: أبد كل إنسان مدته على ما يليق بقصته، ~~فإذا قيل: لا تقبل شهادة الكافر أبدا يراد به ما دام كافرا، وإذا قيل: لا ~~تقبل شهادة القاذف أبدا يراد به ما دام قاذفا، وأما توبة القاذف فبإكذابه ~~نفسه، ويقال: بندامته على ما وجد منه. # قوله: * (وأصلحوا) أي: استقاموا على التوبة. # وقوله: * (فإن الله غفور رحيم) قد بينا من قبل. # قوله: * (والذين يرمون ms1077 أزواجهم). يعني: يقذفون نساءهم بالزنا. # وقوله: * (ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) أي: غير أنفسهم. # وقوله: * (فشهادة أحدهم أربع) بالرفع، وقرئ بالنصب ' أربع '، فأما بالرفع ~~فتقديره: فشهادة أحدهم التي تدرأ الحد أربع، فيكون رفعا على خبر الابتداء، ~~وأما بالنصب فتقديره: فشهادة أحدهم أن يشهد أربع. # وقوله: * (شهادات بالله إنه لمن الصادقين) يعني: فيما رميتها به من ~~الزنا. # قوله تعالى: * (والخامسة أن لعنة الله عليه) وقرئ: ' أن لعنة الله عليه ' ~~بسكون PageV03P503 # * (والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين (7) ويدرأ عنها العذاب ~~أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8) والخامسة أن غضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين (9)) * * النون، ومعناه: أنه لعنة الله عليه، ~~وأنشد سيبويه شعرا: # (في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كل من يخفى وينتعل) يعني: أنه ~~هالك. # وقوله: * (إن كان من الكاذبين) يعني: فيما رماها به من الزنا. # قوله تعالى: * (ويدرأ عنها العذاب) في العذاب قولان: أحدهما: أنه الحد، ~~والآخر: أنه الحبس، وتأويل الحد أظهر؛ لأن الله تعالى قال: * (وليشهد ~~عذابهما طائفة من المؤمنين) أي: الحد. # وقوله: * (أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين) يعني: فيما رماها ~~به من الزنا. # قوله تعالى: * (والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) وقرئ: ' ~~أن غضب الله عليها '، وقرئ: ' أن غضب الله عليها ' بكسر الضاد فقوله: * (أن ~~غضب الله عليها) هذا فعل، وقوله: * (أن غضب الله عليها) اسم، وقوله: * (أن ~~PageV03P504 # غضب الله) هو (فعل) أيضا، يعني: أنه غضب الله. # وقوله: * (إن كان من الصادقين) أي: فيما رماها به من الزنا، وسبب نزول ~~الآية، ما روى ابن عباس ' أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء عند ~~النبي، فقال له النبي: البينة، (وإلا) فحد في ظهرك فقال هلال: يا رسول ~~الله، والذي بعثك بالحق إني لصادق، وسينزل الله ما يبرئ ظهري من الحد، ~~فنزلت هذه الآية، فدعا رسول الله هلالا وامرأته، ولاعن بينهما، فبدأ هلال، ~~والتعن أربع مرات، فلما بلغ الخامسة قال له النبي: أمسك ms1078 فإنها موجبة. فقال ~~هلال إن الله يعلم أني صادق وشهد بالخامسة، ثم قامت المرأة فالتعنت أربع ~~مرات، فلما بلغت الخامسة قال لها النبي: أمسكي فإنها موجبة. قال ابن عباس: ~~فتلكت تلكؤا ساعة، حتى ظننا أنها سترجع ثم قالت: لا أفضح قومي اليوم، وشهدت ~~بالخامسة، فقال النبي: ' إن جاءت بالولد أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج ~~الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به على هذا النعت، فقال النبي: ' لولا ~~الأيمان لكان لي ولها شأن '. والخبر صحيح. # وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: ' كنا جلوسا في المسجد ~~ليلة جمعة، ومعنا رجل فخرج منا ودخل بيته، فوجد مع امرأته رجلا، فجاء إلى ~~النبي، وشكا إليه فقال: عليك بالشهود فقال: وأنى لي بالشهود؟ فقال: قد حرت ~~في هذا الأمر، فإن الرجل إن قتل قتلتموه، وإن تكلم حددتموه، وإن سكت سكت ~~على PageV03P505 # * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) إن الذين جاءوا ~~بالإفك عصبة منكم) * * غيظ، اللهم فاحكم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات '. ~~وفي رواية ثالثة: أنه لما أنزل الله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربع شهداء... الآية) قال [سعد] بن عبادة: يا رسول الله، أرأيت أني ~~وجدت لكاعا (يتفخذ) رجل، فلا أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فإلى ~~أن آتي بالشهداء قد قضى الرجل حاجته، فقال النبي: ' انظروا يا معشر الأنصار ~~ما يقول سيدكم '، فقالوا: يا رسول الله، إنه لرجل غيور، وإنه ما تزوج امرأة ~~قط إلا عذراء، وما طلق امرأة فأحب أحد منا أن يتزوجها، فقال سعد: إني أعلم ~~أن ما أنزل الله حق، ولكني تعجبت، فأنزل الله تعالى آية اللعان ' على ما ~~بينا. # وفي الباب أخبار كثيرة، وفيه حديث عاصم بن عدي [وعويمر] العجلاني ~~وغيرهما، وذلك مذكور في كتب الحديث. # قوله تعالى: * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب رحيم). # جواب الآية محذوف، ومثله قول الرجل إذا شتمه إنسان: أيها الرجل لولا كذا ~~أي: لولا كذا لشتمتك، فعلى هذا معنى قوله تعالى: * (ولولا ms1079 فضل الله عليكم ~~PageV03P506 # ورحمته) لنال الكاذب منكما العذاب في الحال، ومنهم من قال: * (ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته) بتأخير العذاب وإمهاله لعجل عذابه. # قوله تعالى: * (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) هذه الآيات في قصة ~~عائشة - رضي الله عنها - وكان سبب نزولها ما رواه الزهري، عن عروة وسعيد بن ~~المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كلهم عن عائشة - رضي ~~الله عنها - أنها قالت: ' كان رسول الله إذا خرج إلى سفر أقرع بين نسائه، ~~فخرج إلى غزوة غزاها، وأقرع بين نسائه، فخرجت قرعتي ' وفي رواية: أن الغزوة ~~كانت غزوة مريسيع، وفي رواية أخرى: أن الغزوة كانت غزوة بني المصطلق، ~~وقالت: فلما رجعنا قبل المدينة عرس رسول الله ليلة، ثم إنهم آذنوا بالرحيل، ~~فخرجت لحاجتي فلما قضيت شأني رجعت فالتمست صدري، فوجدت عقدا لي من جزع ظفار ~~سقط، فرجعت، وجاء القوم الذين يرحلون هودجي، ووضعوا الهودج على البعير، ~~وظنوا أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا، فإنما يأكلن العلقة من الطعام، ~~فرجعت وقد مر الجيش، فلا داع ولا مجيب، وكان صفوان بن المعطل السلمي كان ~~تأخر عن الجيش، وفي رواية: أنه كان يعتاد التأخر، حتى إن كان سقط من أحد ~~شيء، أو ترك إنسان شيئا يأخذه، ويرده عليه، فجاء ورائي، فاسترجع وما كلمني ~~بكلمة وقد استدلت جلبابي، فأناخ بعيره ووطأه لي حتى ركبته، وجاء يقودني حتى ~~لحقنا بالجيش، وقد نزلوا موغرين في حر الظهيرة، قالت: فلما وصلنا إلى الجيش ~~تكلم الناس، وهلك من هلك ' الخبر بطوله. # قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الحديث المكي بن عبد الرزاق الكشميهني، ~~أخبرنا PageV03P507 # جدي أبو الهيثم بن محمد بن يوسف الفربري [أخبرنا] محمد بن إسماعيل ~~البخاري أخبرنا أبو الربيع الزهراني عن فليح بن سليمان، عن الزهري... ~~الخبر. # ويروى أنه... تلبث الوحي [سبعة] وثلاثين يوما. # وفي هذا الخبر أن عائشة اشتكت واستأذنت رسول الله، ورجعت إلى بيت أبيها، ~~وكان رسول الله يدخل قبل رجوعها إلى بيت أبيها، وهي مشتكية، فيقول: ' كيف ~~تيكم؟ ' ثم ms1080 لما رجعت إلى بيت أبيها عرفت الخبر من قبل أم مسطح فازدادت ~~وبقا، وجعلت تبكي، ولا يرقأ لها دمع، حتى كاد البكاء يصدع قلبها، وذكرت ~~لذلك لأمها، فقالت لها أمها: هوني عليك فقلما تكون امرأة وضيئة عند رجل، ~~ولها ضرائر إلا تكلموا فيها. # وفي هذا الخبر أن النبي دعا عليا وأسامة بن زيد، واستشارهما، فأما علي ~~فقال يا رسول الله، إن في النساء كثرة، وأما أسامة فقال: لا أعلم منها إلا ~~خيرا، وسل الجارية - يعني: بريرة - فسأل بريرة فقالت: لا أعلم منها إلا ~~أنها جارية حديثة السن تعجن، فتدخل الداجن فتأكل عجينها. # وفي هذا الخبر أن النبي جاء إلى بيت أبي بكر - رضي الله عنه - بعد أن مضت ~~المدة التي ذكرناها، فقال: ' يا عائشة، إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله، ~~فإن الله يقبل التوبة: قالت: فقلص دمعي حتى ما أجد منه قطرة، ثم قلت: إن ~~قلت أني فعلت، والله يعلم أني ما فعلت ليصدقنني، وإن قلت: لم أفعل، والله ~~يعلم أني لم أفعل ليكذبنني، وما أعرف مثلي ومثلكم إلا ما قال أبو يوسف، ~~ونسيت اسمه * (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) ثم تنحيت، فأخذ رسول ~~الله [] الوحي، قالت: وكنت أحقر في نفسي أن أظن أن الله ينزل في قرآنا ~~يتلى، PageV03P508 # * (لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ~~والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11)) * * ولكني كنت أظن أنه يرى رؤيا، ~~فلما تغشاه الوحي لم أفزع لما علمت أني بريئة، والله يعلم ذلك '. # وفي بعض الروايات: أن أبوي كادت نفسهما تخرج خوفا، فلما سرى عن رسول الله ~~قال: ' أبشري يا عائشة قد أنزل الله تعالى براءتك، وتلا الآيات: * (إن ~~الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) فقال لي أبي: قومي إلى رسول الله، وقالت ~~أمي: قومي إلى رسول الله، فقلت: لا أقوم ولا أحمد إلا الله، فإن الله تعالى ~~أنزل براءتي '. # قوله تعالى: * (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) الإفك هو أشد الكذب، ms1081 ~~وإنما سمي إفكا لأنه مصروف عن الحق. وقوله: * (عصبة منكم هؤلاء العصبة هم: ~~عبد الله بن أبي بن سلول، ومسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر، وحسان بن ثابت، ~~وحمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبد الله أخت زينب، ونفر آخرون، والعصبة العشرة ~~فما فوقها. # وقوله: * (لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم) هذا خطاب لعائشة وصفوان بن ~~معطل فإنهم قذفوهما جميعا، وقال بعضهم: هو خطاب لعائشة ولأبويها والنبي ~~وصفوان، ومعنى الآية: لا تحسبوه شرا لكم، يعني: هذا الإفك هو خير لكم لأجل ~~الثواب، وما ادخر الله لهم من ذلك. # وقوله: * (لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم) أي: من الإثم بقدر ما اكتسب. # وقوله: * (والذي تولى كبره). وقرئ: ' كبره '، وقرأ الأعرج: ' كبره '. ~~فقوله: * (كبره) أي: إثمه. وقوله: ' كبره '. أي: معظمه، قال الشاعر: ~~PageV03P509 # * (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك ~~مبين (12) لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون (13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة) * * ~~(تنام عن كبر شأنها فإذا * قامت [رويدا] تكاد تنغرف) وأما الذي تولى كبره ~~فالأكثرون أنه عبد الله بن أبي بن سلول، وأما العذاب العظيم فهو النار في ~~الآخرة. # وقد روى مسروق أن حسان بن ثابت استأذن على عائشة فأذنت له، فقال مسروق: ~~أتأذنين له، وقد قال ما قال، فقالت: قد أصابه العذاب العظيم، وكان قد عمى، ~~وقد تاب حسان من تلك المقالة ومدح عائشة فقال: # (حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل) ([فإن كان ما ~~بلغت أني قلته] * فلا رفعت سوطي إلى أناملي) وعن أبي عمرو بن العلاء أنه ~~أنكر الكبر وقال: إنما الكبر في الولاء والنسب. وقد ذكر غيره أن كل واحد ~~منهما صحيح، وقد بينا. # قوله تعالى: * (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا) أي: ~~بمن هو مثل أنفسهم، وهو مثل قول النبي: ' المؤمنون كنفس واحدة '، وقد قال ~~الله تعالى: * (ولا تقتلوا أنفسكم) أي: لا يقتل ms1082 بعضكم بعضا، ويقال: إن معنى ~~ظن هاهنا أيقن. # وقوله: * (وقالوا هذا إفك مبين) أي: كذب ظاهر. PageV03P510 # * (لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون ~~بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) ولولا إذ ~~سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16)) * * ~~قوله: * (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) أي: على ما زعموا. # وقوله: * (فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) فإن قال ~~قائل: كيف يصيرون عند الله كاذبين إذا لم يأتوا بالشهداء، (ومن كان كاذبا ~~فهو كاذب عند الله سواء أتى بالشهداء)، أو لم يأت بهم؟ الجواب: قلنا: قال ~~بعضهم: * (عند الله) أي: في حكم الله، وقال بعضهم: * (عند الله هم ~~الكاذبون) أي: كذبوهم بما أمركم الله، والجواب الثالث: أن هذا في حق عائشة ~~- رضي الله عنها - فمعناه: أولئك هم الكاذبون في غيبي وعلمي. # قوله تعالى: * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم ~~فيما أفضتم فيه عذاب عظيم) أفضتم أي: خضتم، وقوله: * (عذاب عظيم) أي: عذاب ~~لا انقطاع له، هكذا قاله ابن عباس، وفسر بهذا لأن الله تعالى قد ذكر أنه ~~أصاب الذي تولى كبره عذاب عظيم، وكذلك العذاب العظيم هو في الدنيا، وقد ~~أصابه، فإنه قد جلد وحد، وأما العذاب الذي لا انقطاع له لم يصبه في الدنيا، ~~وإنما يصيبه في الآخرة. # وروت عمرة عن عائشة: ' أن النبي لما نزلت هذه الآيات حد أربعة نفر: عبد ~~الله بن أبي، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش '. # قوله تعالى: * (إذا تلقونه بألسنتكم) أي: يلقيه بعضكم، ويرويه بعضكم عن ~~بعض، وعن عائشة أنها قرأت: ' إذ تلقونه بألسنتكم الكذب ' ويقال: هو الإسراع ~~في PageV03P511 # * (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم ~~الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن ms1083 الله رؤوف رحيم (20) يا أيها الذين آمنوا ~~لا) * * الكذب. # وقوله: * (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا) أي: خفيفا. # * (وهو عند الله عظيم) أي: كبير. # قوله تعالى: * (ولولا إذ سمعتموه) ومعناه: هلا إذ سمعتموه. # * (قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) البهتان هو ~~الكذب على المكابرة، يقال: بهته إذا أخبرته بكذبه، وفي بعض الأخبار: أن أم ~~أيوب الأنصاري قالت لأبي أيوب: أما بلغك كذا، وهو ما نسب إلى عائشة؟ فقال ~~أبو أيوب: ما كان لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، قال هذا قبل أن ~~تنزل الآية، ثم نزلت الآية على وفق قوله. # قوله: * (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا) قال مجاهد: ينهاكم الله أن ~~تعودا لمثله أبدا. # * (إن كنتم مؤمنين ويبين لكم الآيات): أي: الدلالات. # * (والله عليم حكيم) عليم بخلقه، حكيم في فعله. # قوله تعالى: * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة) يعني: أن تذيع وتشتهر. # * (في الذين آمنوا) أي: عائشة وصفوان وآل أبي بكر، وكانت إشاعتهم أن ~~بعضهم كان يلقى بعضا فيقول له: أما بلغك كذا وكذا من خبر عائشة. # وقوله: * (لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة) العذاب في الدنيا هو الحد، ~~والعذاب في الآخرة هو النار. # وقوله: * (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) يعني: براءة عائشة وأنه خلقها ~~طيبة طاهرة PageV03P512 # * (تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء ~~والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله ~~يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة) * * ~~من الفواحش. # قوله تعالى: * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم) محذوف ~~الجواب، وجوابه: لنالكم العذاب الشديد في الحال. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان) أي: خطايا ~~الشيطان، وقيل: آثاره، ويقال: تخطيه من الحلال إلى الحرام، ومن الطاعة إلى ~~المعصية. # وقوله: * (ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء) أي: القبائح من ~~الأفعال. # * (والمنكر) أي: كل ما يكرهه الله. # وقوله: * (ولولا ms1084 فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) أي: ما ~~صلح منكم من أحد أبدا. # * (ولكن الله يزكي من يشاء) أي: يصلح من يشاء. قال الشاعر: # (إنما نحن كشيء فاسد * فإذا أصلحه الله صلح) وقوله: * (والله سميع عليم) ~~ظاهر المعنى. # وقوله تعالى: * (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة) هو مأخوذ من الألية، ~~والألية اليمين. قال الشاعر: # (قليل الألايا حافظ ليمينه * وإن بدرت منه الألية برت) نزلت الآية في شأن ~~أبي بكر ومسطح، وكان ابن خالة أبي بكر وفي نفقته، وهو PageV03P513 # * (أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22) إن الذين يرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب) * * رجل من ~~أهل بدر من المهاجرين الأولين، فلما ذكر في عائشة ما ذكر أنزل الله تعالى ~~براءتها من السماء، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه، وكان مسكينا لا شيء له، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقرئ: ' ولا يتأل ' (قرأه أبو جعفر)، ~~فالأكثرون أن معنى قوله: * (ولا يأتل) ما بينا، ومنهم من قال معناه: لا ~~يقصر من قول القائل: لا آلوا في أمركم كذا أي: لا أقصر، وقوله: * (أولو ~~الفضل منكم والسعة) أي: الغنى والسعة. # وقوله: * (أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين) هو مسطح، فإنه كان ~~قريب أبي بكر، وكان مسكينا ومن المهاجرين، فإن قال قائل: كيف ذكر الواحد ~~بلفظ الجمع؟ قلنا: يجوز مثل هذا في اللغة، ويجوز أنه أراده وأراد غيره. # وقوله: * (وليعفوا وليصفحوا) أي: ليعفوا عن أفعالهم، وليصفحوا عن ~~أقوالهم. # وقوله: * (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) هذا خطاب لأبي بكر - رضي الله عنه ~~- وروي أنه لما نزلت هذه الآية، وقرئت عليه قال: بلى والله نحب أن يغفر ~~لنا. # وقوله: * (والله غفور رحيم) أي: ستور صفوح. # قوله تعالى: * (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات) أي: الغافلات ~~عن الفواحش، والغافلة عن الفاحشة أن لا يقع في قلبها فعل الفاحشة، وكانت ~~عائشة - رضي الله عنها - هكذا. PageV03P514 # * (عظيم ms1085 (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ~~(24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25) ~~الخبيثات للخبيثين) * * وقوله: * (لعنوا في الدنيا والآخرة) روي عن خصيف ~~قال: قلت لمجاهد: من قذف مؤمنة لعنه الله في الدنيا والآخرة؟ فقال: ذاك ~~لعائشة. ويقال: هذا في جميع أزواج النبي. # وقوله: * (ولهم عذاب عظيم) قد بينا. # قوله تعالى: * (يوم تشهد عليهم ألسنتهم) شهادة الألسنة يوم القيامة ~~بنطقها من غير اختيار الإنسان. # وقوله: * (وأيديهم وأرجلهم) يقال: تختم الأفواه ثم تتكلم الأيدي والأرجل. # * (بما كانوا يعملون) ظاهر. # قوله تعالى: * (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) أي: حسابهم العدل. # وقوله: * (ويعلمون أن الله هو الحق المبين) أي: العادل المظهر لعدله. # قوله تعالى: * (الخبيثات للخبيثين) في الآية قولان معروفان: أحدهما: ~~الخبيثات من الكلام للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من ~~الكلام، والطيبون والطيبات هكذا. # والقول الثاني: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من ~~الرجال للخبيثات من النساء، وهكذا الطيبات والطيبون، والخبيث من الرجال عبد ~~الله بن أبي بن سلول ودونه، والخبيثات من النساء أهل بيته، ويقال: كلامه في ~~عائشة، والطيبات هي عائشة من النساء وأمثالها، والطيبون للنبي وقومه. # واعلم أن عائشة - رضي الله عنها - كانت تفتخر بأشياء منها: ' أن جبريل - ~~عليه PageV03P515 # * (والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون ~~مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا ~~غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلك خير لكم لعلكم تذكرون) * * ~~السلام - أتى بصورتها في سرقة (من) حرير أي: قطعة، وقال: هذه زوجك، (وذلك) ~~بعد وفاة خديجة، ويقال: أتى بصورتها في كفه، ومنها أن النبي لم يتزوج ~~بعذراء إلا بها، ومنها أن النبي قبض ورأسه في حجرها، ودفن في بيتها، ومنها ~~أنه نزل براءتها من السماء، ومنها أنها بنت خليفة رسول الله، وأنها صديقة ~~'. وكان مسروق إذا روى عن عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة ~~رسول الله المبرأة من السماء. # وقوله: * (أولئك مبرءون مما يقولون) أي: مطهرون بما يقولون. ms1086 # وقوله: * (لهم مغفرة ورزق كريم) المغفرة هو العفو عن الذنوب، والرزق ~~الكريم هو الجنة. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا). # قرأ ابن عباس: ' حتى تستأذنوا ' قال: تستأنسوا غلط من الكاتب، والمعروف ~~تستأنسوا، وفيه ثلاثة أقوال: أشهرها: ' تستأذنوا ' فالاستئناس بمعنى ~~الاستئذان، والقول الثاني: هو ' التنحنح ' قاله مجاهد، والقول الثالث: ' ~~حتى تستأنسوا ' هو التعرف والاستعلام حتى يؤذن له أو لا يؤذن. PageV03P516 # (* (27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم) * ~~* وقوله: * (وتسلموا على أهلها). # السنة إذا بلغ الإنسان باب دار يقول: أدخل؟ وقال بعضهم: إذا وقع العين ~~على العين يقدم السلام، وإذا لم تقع العين على العين قدم الاستئذان. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع ~~' فروي أن أبا موسى الأشعري أتى باب عمر، واستأذن ثلاثا فلم يؤذن له فرجع، ~~فقال عمر: أليس قد سمعت صوت عبد الله بن قيس؟ قالوا: استأذن ثلاثا ورجع، ~~فدعاه وقال: لم رجعت؟ فقال: سمعت رسول الله يقول كذا، فقال: لتأتيني بمن ~~يشهد لك، وإلا لأعلونك بالدرة، فجاء أبي بن كعب وذكر له ذلك، فجاء وشهد له، ~~وقيل: غيره شهد له. # قال الحسن: الأول إعلام، والثاني (مؤامرة)، والثالث استئذان بالرجوع. وعن ~~قتادة قال: إذا لم يؤذن له لا يقعد على الباب، فإن للناس حاجات. وقال ~~بعضهم: إن كان طريقا يجوز أن يقف ويقعد، وإن كان فناء بيته لا يقعد إلا ~~بإذنه. قالوا: وإن كان الباب مردودا فلا ينظر إلى الدار من شق الباب، وإن ~~كان الباب مفتوحا فلا بأس أن ينظر؛ لأنه لما فتح الباب فقد أذن. ~~PageV03P517 # * (ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) ليس عليكم ~~جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما ~~تكتمون) * * وقوله تعالى: * (فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن ~~لكم) أي: لا تدخلوها بغير إذن المالك. # وقوله: * (وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى ms1087 لكم) يعني: إذا كان في ~~البيت قوم وقالوا: ارجع، فليرجع، والسنة أن لا يتغير أذن أو رد لأنه ربما ~~يكون للقوم معاذير، وكان ابن عباس - رضي الله عنه - يأتي باب الأنصاري لطلب ~~الحديث، فيقعد على الباب حتى يخرج ولا يستأذن، فيخرج ذلك الرجل ويقول: يا ~~ابن عم رسول الله، لو أخبرتني؟ فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم. # وقوله: * (هو أزكى لكم) يعني: هو أصلح لكم. # وقوله: * (والله بما تعملون عليم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة). # فيه أقوال: أحدها: أنها المنازل في طريق المسافرين، والقول الثاني: أنها ~~حوانيت التجار، والقول الثالث: أنها المنازل الخربة، والقول الرابع: أنها ~~الخانات والمنازل في الطرق، فهو الدخول فيها والنزول، وأما في حوانيت ~~التجار فالمنفعة هو البيع والشراء، وأما في الخرابات فالبول والغائط. # وقوله: * (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) ظاهر المعنى. # وروي عن شعيب بن الحبحاب قال: كان أبو العالية يأتيني وأنا في دكانتي، ~~فيستأذن ثم يدخل، فأقول له: إنما هو الحانوت، فيقول لي: الإنسان يخلو في ~~حانوته بحسابه ودراهمه، وأما الاستئذان على المحارم فإن كانوا في دار ~~منفردة يستأذن، وإن كانوا في دار واحدة فإذا دخل عليها يتنحنح، ويتحرك أدنى ~~حركة، وقيل لقتادة: لا PageV03P518 # (* (29) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن ~~الله خبير بما يصنعون (30)) * * أستأذن على أمي؟ فقال: أتحب أن ترى عورتها؟ ~~قال: لا، قال: استأذن. وعن إبراهيم النخعي أنه قال: ليس على حوانيت السوق ~~إذن. وعن ابن سيرين أنه كان إذا جاء إلى حانوت السوق يقول: السلام عليكم ~~أدخل؟ ثم يلج. وعن أبي موسى الأشعري وحذيفة أنه يستأذن على ذوات المحارم، ~~ومثله عن الحسن البصري. # قوله تعالى: * (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) الآية. من صلة ومعناه: ~~يغضوا أبصارهم، حكي هذا عن سعيد بن جبير، وقال بعضهم: من ها هنا للتبعيض، ~~وإنما ذكر من ها هنا؛ لأن غض البصر إنما يجب عن الحرام، ولا يجب عن الحلال. # وقوله: * (ويحفظوا فروجهم) هذا أمر ms1088 بالتعفف. قال أبو العالية: حفظ الفرج ~~في كل القرآن بمعنى الامتناع من الحرام، وأما ها هنا فإنه بمعنى الستر. # وقد روي عن النبي أنه قال لعلي - رضي الله عنه - ' إن لك في الجنة كنزا، ~~وإنك ذو قرنيها، فلا تتبع النظرة النظرة؛ فإن الأولى لك، والثانية عليك ' ~~رواه على نفسه، وعن بعض السلف قال: إن النظر يزرع الشهوة في القلب، ورب ~~شهوة أورثت حزنا طويلا. وعن خالد بن أبي عمران أنه قال: إن الرجل لينظر ~~نظرة فينغل قلبه، كما ينغل الأديم، فيفسد قلبه حتى لا ينتفع به. # وروى أبو أمامة عن النبي أنه قال: ' من نظر إلى محاسن امرأة وغض بصره ~~PageV03P519 # * (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها) * * عنها أعطاه الله عبادة يجد حلاوتها '. # وقوله: * (ذلك أزكى لهم) أي: أطهر لهم. # وقوله: * (إن الله خبير بما يصنعون) أي: عليم بما يصنعون. # قوله تعالى: * (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) وروي أن ~~ابن أم مكتوم أقبل إلى النبي وعنده أم سلمة وميمونة فقال لهما رسول الله: ' ~~احتجبا. فقالتا: إنه أعمى، فقال: أعمياوان أنتما '. # وقوله: * (ولا يبدين زينتهن) الزينة: كل ما تتزين [به] المرأة من الحلي ~~والثياب. # وقوله: * (إلا ما ظهر منها) اختلف القول في هذا: قال ابن مسعود: هي ~~الثياب وهذا اختيار أبي عبيد. # والقول الثاني: ما روي عن ابن عباس أنه قال: الكحل. وحكى الكلبي عنه أنه ~~قال: الكحل والخاتم والخضاب، وعنه أنه قال: الوجه والكفان. واعلم أن المراد ~~بالزينة PageV03P520 # * (وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن ~~أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو ~~بني) * * موضع الزينة ها هنا فعلى هذا يجوز النظر إلى وجه المرأة وكفيها من ~~غير شهوة، وإن خاف الشهوة غض البصر، واعلم أن الزينة زينتان: زينة ظاهرة، ~~زينة باطنة، فالزينة الظاهرة هي الكحل والفتخة والخضاب إذا كان في الكف، ~~وأما الخضاب في القدم فهو الزينة الباطنية، وأما السوار ms1089 في اليد، فعن عائشة ~~أنه من الزينة الظاهرة، والأصح أنه من الزينة الباطنة، وهو قول أكثر أهل ~~العلم، وأما الدملج [والمخنقة] والقلادة، وما أشبه ذلك فهو من الزينة ~~الباطنة، فما كان من الزينة الظاهرة يجوز للأجنبي النظر إليه من غير شهوة، ~~وما كان من الزينة الباطنة لا يجوز للأجنبي النظر إليها، وأما الزوج ينظر ~~ويتلذذ، وأما المحارم ينظرون من غير تلذذ. # وقوله: * (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) يعني: بمقانعهن على جيوبهن، وكان ~~النساء في ذلك الوقت يسدلن خمرهن من ورائهن فتبدوا صدورهن ونحورهن، فأمر ~~الله تعالى أن يضربن بالمقانع على جيوبهن؛ لئلا تظهر صدورهن ولا نحورهن، ~~وروت صفية بنت شيبة عن عائشة - رضي الله عنها - أنه لما نزلت هذه الآية عمد ~~نساء الأنصار إلى حجور مناطقهن، فقطعن منها قطعة، وتخمرن، فأصبحن وكأن على ~~رؤسهن الغربان. # وقوله: * (ولا يبدين زينتهن) المراد من هذه الزينة الباطنية. # وقوله: * (إلا لبعولتهن) أي: أزواجهن. # وقوله: * (أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو ~~إخوانهم أو بني إخوانهم أو بني أخواتهن). فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى ~~الزينة الباطنة، إلا أنهم لا ينظرون إلى ما بين السرة إلى (الركبة)، ويحل ~~للزوج النظر إليه، وأما نفس الفرج PageV03P521 # * (أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة ~~من) * * فيه وجهان على ما عرف في الفقه، وقد ورد عن عائشة ما يدل على أنه ~~يكره النظر إلى الفرج، وقيل: إنه يورث العمى. # وقوله: * (أو نسائهن). فيه قولان: أحدهما: أن المراد بهن النساء ~~المسلمات، فعلى هذا لا يجوز للمسلمة أن تبدي محاسنها عند اليهودية ولا ~~النصرانية. # والقول الثاني: أن قوله: * (نسائهن) عام في جميع النساء، فيجوز للمرأة أن ~~تنظر إلى المرأة إلا ما بين السرة إلى الركبة. # وقوله: * (أو ما ملكت أيمانهن). اختلف القول في هذا، فروي عن عائشة وأم ~~سلمة أنهما قالت: المراد منه العبيد، فيجوز للعبد أن ينظر إلى مولاته ما ~~ينظر ذو الرحم المرحم من غير شهوة، وهذا إذا كان العبد عفيفا، والقول ms1090 ~~الثاني قول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أنهم قالوا: لا يجوز للعبد ~~أن ينظر إلى مولاته إلا ما ينظر الأجنبي إلى الأجنبي، فعلى هذا تحمل الآية ~~على الإماء، والقول الأول أظهر في معنى الآية، لأنه قد سبق قوله: * (أو ~~نسائهن) فدخل فيه الحرائر والإماء، وفي الآية قول ثالث: وهو أنه يجوز [أن ~~ينظر] العبد إلى مولاته ما يظهر عند البذلة والمهنة، مثل الساعدين والقدمين ~~والعنق ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، وإنما جاز ذلك؛ لأنه يشق ستر هذا مع ~~العبيد، وأما مع الأجانب لا يشق، وعن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها كاتبت ~~عبدا لها يقال له نبهان، فكانت لا تحتجب عنه، ثم قالت له يوما: يا نبهان، ~~ما بقي من كتابتك، فقال ألفا درهم، فقالت: أدها إلى محمد بن عبد الله بن ~~أبي أمية والسلام عليك، وأرسلت حجابها. # وقوله: * (أو التابعين غير أولي الإربة) اختلف القول فيه: قال مجاهد: هو ~~PageV03P522 # * (الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ~~ليعلم ما يخفين من زينتهن) * * الصغير، وقال عكرمة: هو العنين، وقال بعضهم: ~~هو الشيخ الهرم، وعن بعضهم: أنه المجبوب، ومن المعروف في التفاسير: أنهم ~~الذين يتبعون الرجال، وليس لهم همة إلا بطونهم، ولا يعرفون أمر النساء، ~~ويقال: إنه المخنث الذي ليس له حاجة إلى النساء، وعن عائشة - رضي الله عنها ~~- أن مخنثا يقال له: هيت كان يدخل على أزواج النبي قالت: وكنا نظن أنه من ~~غير أولي الإربة، يعني: أنه لا يعرف أمر النساء شيئا فوصف يوما امرأة فقال: ~~إنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان، فسمع النبي ذلك، فقال: ' ما ظننت أنه يعرف ~~هذا، وأمر بإخراجه '. # وأما الإربة هي الحاجة، مأخوذ من الإرب، ومن هذا حديث عائشة - رضي الله ~~عنها - ' أن النبي كان يقبل وهو صائم، وكان أملككم لإربه ' ومن قال: لا، ~~فقد أخطأ. # وقوله: * (أو الطفل الذين لم يظهروا) أي: الأطفال الذين لم يظهروا، واحد ~~بمعنى الجمع. # وقوله: * (لم يظهروا على عورات النساء) أي: لم يطيقوا ms1091 أمر النساء، ويقال: ~~' لم يظهروا على عورات النساء ' أي: لم يعرفوا العورة من غير العورة فلم ~~يميزوا، وقيل: لم يبلغوا حد الشهوة. PageV03P523 # * (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31) وأنكحوا ~~الأيامى) * * وقوله: * (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) روي ~~أن المرأة كانت تمر على الرجال، وفي رجلها الخلخال، وكانت تضرب برجلها؛ ~~لتسمعهم صوت خلخالها، فنهين عن ذلك، فإن قال قائل: أيش في ضرب الخلخال ما ~~يوجب النهي؟ والجواب عنه: أن فيه استدعاء الميل وتحريك الشهوة. # وقوله: * (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون) فيه قولان: أحدهما: أن ~~المراد منه التوبة من الصغائر؛ لأنه لمم جميع المؤمنين، وإنما الصغائر توجد ~~من جميع المؤمنين، فأما الكبائر فلا، ومنهم من قال: لا بل الآية عامة في ~~الصغائر والكبائر، والتوبة هي الندم على [ما] سلف، والإقلاع في الحال، ~~والعزيمة على ترك العود، وهذا هو معنى النصوح المقرون بالتوبة المذكور في ~~غير هذا الموضع، وذكر بعضهم أن الله تعالى أمر المشركين بنفس التوبة مطلقا ~~فقال: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، وأمر اليهود ~~والنصارى بالتوبة والإصلاح والبيان؛ وهو بيان صفة النبي فقال تعالى: * (إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا وبينوا)، وأمر المنافقين بالتوبة والإصلاح والاعتصام ~~والإخلاص فقال: * (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم ~~لله)، وقد بينا معنى ذلك من قبل، وأمر جميع المؤمنين بالتوبة في هذه الآية، ~~ولا بد لكل إنسان أن يتوب إما من صغيرة أو كبيرة، وقد ثبت برواية الأغر ~~المزني أن النبي قال: ' أيها الناس، توبوا إلى الله فإني أتوب كل يوم مائة ~~مرة ' خرجه مسلم في الصحيح. PageV03P524 # * (منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من ~~فضله) * * وقوله تعالى: * (لعلكم تفلحون) أي: تسعدون وتفوزون. # قوله تعالى: * (وأنكحوا الأيامى منكم). أي: زوجوا الأيامى منكم، والأيم ~~اسم لكل امرأة لا زوج لها ثيبا كانت أو بكرا، قال الشاعر: # (فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي * مدى الدهر ما لم تنكحي أتأيم) وقد ذهب داود ~~وأصحاب الظاهر أن ms1092 النكاح واجب واستدلوا بهذه الآية، وأما عندنا هو مباح في ~~وقت، سنة في وقت، مباح إذا كانت نفسه لا تتوق إلى النساء، سنة إذا تاقت ~~نفسه إلى النساء، وقد روي عن النبي أنه قال: ' من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ~~ومن سنتي النكاح '. # وثبت عن النبي أنه قال: ' من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض ~~للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء '. # وعن بعض السلف أنه قال: من غلبت عليه الشهوة وعنده مال فليتزوج، وإن لم ~~يكن عنده مال فليدم النظر إلى السماء، فإن شهوته تذهب. # وقوله: * (والصالحين من عبادكم وإمائكم). # قرئ في الشاذ: ' من عبيدكم وإمائكم ' زوجوا الأيامى من الحرائر، وزوجوا ~~الصالحين من العبيد والإماء، والمراد من العباد: العبيد. # وقوله: * (إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله) روي عن عمر أنه قال: ~~عجبت PageV03P525 # * (والله واسع عليم (32) وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله ~~من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم) * * لمن يطلب الغنى بغير ~~النكاح، والله تعالى يقول: * (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله). وعن ~~بعضهم: أن الله تعالى وعد الغنى بالنكاح، ووعد الغنى بالتفرق، فقال في ~~النكاح: * (يغنهم الله من فضله) أي: من الله، وقال في الفراق: * (وإن ~~يتفرقا يغني الله كلا من سعته) ويقال: إن الغنى ها هنا هو الغنى بالقناعة، ~~وقيل: باجتماع الرزقين، وقيل في قوله: * (ووجدك عائلا فأغنى) أي: بمال ~~خديجة. # وقوله: * (والله واسع عليم) أي: واسع الغنى، عليم بأحوال العباد، وعن ~~الحسن بن علي - رضي الله عنهما - أنه كان ينكح ويطلق كثيرا، ويقول: إنما ~~أبتغي الغنى من النكاح والطلاق، ويتلو هاتين الآيتين، وقد ذكر بعضهم: أن ~~الأيم كما ينطلق على المرأة ينطلق على الرجل، يقال: رجل أيم إذا لم يكن له ~~زوجة، وامرأة أيم إذا لم يكن لها زوج، والشعر الذي أنشدنا دليل عليه، وفي ~~الخبر: ' أن النبي نهى عن الأيمة ' أي: العزبة. # وعن القاسم بن محمد أنه قال: أمرنا بقتل الأيم أي: الحية. وقال بعضهم: * ~~(وأنكحوا الأيامى ms1093 منكم والصالحين) أي: بالصالحين. وقوله: * (من عبادكم) أي: ~~من رجالكم، ثم أمر من بعد بتزويج الإماء، والقول الأول الذي سبق أظهر. # قوله: * (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا) أي: ليطلب العفة الذين لا يجدون ~~ما لا ينكحون به. # وقوله: * (حتى يغنيهم الله من فضله) فيه معنيان: أحدهما: أن يجدوا مالا ~~يقدرون به على النكاح، والآخر: أن يوفقهم الله للصبر عن النكاح، وعن عكرمة ~~أنه قال: إذا رأى الرجل امرأة واشتهاها فإن كان له امرأة فليصبها، وإن لم ~~يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السماوات والأرض. PageV03P526 # * (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) * * وقوله: * (والذين يبتغون الكتاب مما ~~ملكت أيمانكم) أي: يطلبون الكتابة مما ملكت أيمانكم، أي: من العبيد ~~والإماء، والكتابة هي أن يعقد مع عبده عقدا على مال بشرط أنه إذا أدى عتق، ~~وسبب نزول هذه الآية: أنه كان لحويطب بن عبد العزى غلام، وطلب منه أن ~~يكاتبه، فأبى فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (فكاتبوهم) أكثر أهل العلم على أنه أمر ندب لا حتم، وذهب جماعة ~~إلى أنه أمر حتم إذا كان للعبد مال يؤدى، فروى (أبو محمد بن سيرين): كان ~~عبدا لأنس بن مالك، وطلب من أنس أن يكاتبه، فأبى فذكر ذلك سيرين لعمر، فقال ~~لأنس: كاتبه، فأبى، فعلاه الدرة حتى كاتبه. وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ~~أيجب على المولى أن يكاتب عبده إذا طلب؟ قال: نعم، ومثله عن الضحاك قالا: ~~وهذا إذا كان عند (العقد) مال، فإن لم يكن عنده مال لم يجب، وروي أن عبدا ~~لسلمان قال له: كاتبني، قال: عندك مال؟ قال: لا، قال: أتريد أن تطعمني ~~أوساخ الناس؟ ولم يكاتبه. # وقوله: * (إن علمتم فيهم خيرا) أي: مالا، قاله ابن عباس، ومثله قوله: * ~~(وإنه لحب الخير لشديد) أي: لحب المال. قال الشاعر: # (ماذا ترجى النفوس من طلب * الخير وحب الحياة كاربها) أي: المال، وقال ~~الحسن البصري: * (إن علمتم فيهم خيرا) أي: دينا PageV03P527 # * (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن ~~تحصنا لتبتغوا ms1094 عرض الحياة الدنيا) * * وأمانة، وقال النخعي: وفاء وصدقا، ~~وعن بعضهم: قدرة على كسب المال. # وقال الزجاج: لو أراد بالخير المال لقال: إن علمتم لهم خيرا، فلما قال: * ~~(فيهم خيرا) دل أنه أراد به الوفاء والصدق. # وقوله: * (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) فيه أقوال: روى عبد الله بن ~~بريدة عن أبيه أنه قال: هو حث الناس على معونة الكاتبين. فعلى هذا تتناول ~~الآية المولى وغير المولى. # والقول الثاني: أن المراد منه سهم الرقاب، وقد جعل الله تعالى للمكاتبين ~~سهما في الصدقات، والقول الثالث: هو أن قوله: * (وآتوهم) خطاب للموالي ~~خاصة. # وقوله: * (من مال الله الذي آتاكم) هو بدل الكتابة، روي هذا عن عثمان ~~وعلي والزبير، ثم اختلفوا فقال بعضهم: يعينه بمال الكتابة، وقال بعضهم: يحط ~~عنه من مال الكتابة، وعن علي - رضي الله عنه - أنه يحط عنه الربع، وعن ابن ~~عباس: أنه يحط عنه الثلث، وعن بعضهم: أنه يحط شيئا من غير تحديد، وهذا قول ~~الشافعي، واختلفوا أنه على طريق الندب أم على طريق الإيجاب؟ فعند بعض ~~الصحابة الذي ذكرنا أنه ندب، وعند بعضهم: أنه واجب، والوجوب أظهر. # وقوله: * (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) يعني: على الزنا. نزلت الآية ~~في عبد الله بن أبي بن سلول وقوم من المنافقين، كانوا يكرهون إماءهم على ~~الزنا طلبا للأجعال، فروي أن عبد الله بن أبي بن سلول كان له أمة يقال لها: ~~مثلة، فأمرها بالزنا فجاءت ببرد، ثم أمرها بالزنا فأبت، وأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. # وقوله: * (إن أردن تحصنا) أي: تعففا، فإن قيل: الآية تقتضي أنها إذا لم ~~ترد التحصن يجوز إكراهها على الزنا؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أنه إنما ~~ذكر قوله: * (إن أردن تحصنا) لأن الإكراه إنما يوجد في هذه الحالة، فإذا لم ~~ترد التحصن بغت بالطوع. PageV03P528 # * (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) ولقد أنزلنا إليكم ~~آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (34) الله نور) * ~~* والجواب الثاني: أن قوله: * (إن أردن تحصنا) منصرف إلى الآية ms1095 السابقة، ~~وهو قوله: * (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) إن أردن ~~تحصنا. # وقوله: * (لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) أي: لتطلبوا من أموال الدنيا، وفي ~~بعض الآثار: الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، ~~يحكم فيها ملك قادر، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ~~'. # وقوله: * (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) أي: لهن، وهكذا ~~روي في قراءة ابن عباس: ' فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم '. # قوله تعالى: * (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات) أي: للحلال والحرام، ~~وقوله: * (مبينات) أي: واضحات لا لبس فيها. # وقوله: * (ومثلا من الذين خلوا من قبلكم) معناه: تشبيها لحالكم بحالهم، ~~حتى لا تفعلوا مثل ما فعلوا، فيصيبكم مثل ما أصابهم. # وقوله: * (وموعظة للمتقين) أي: تذكيرا وتخويفا. # قوله تعالى: * (الله نور السماوات والأرض) قال ابن عباس: هادي أهل ~~السماوات والأرض، (وعنه أنه قال: ضياء السماوات والأرض) وعن قتادة وغيره: ~~منور السماوات والأرض. فليقال: نور السماوات بالملائكة، والأرض بالأنبياء. ~~ويقال: نور السماوات بالنجوم والشمس والقمر، ونور الأرض بالنبات والزهر. # وقوله تعالى: * (مثل نوره) قرأ أبي بن كعب: ' مثل نور المؤمن '، وعن ابن ~~مسعود أنه قرأ: ' مثل نوره في قلب المؤمن ' (ومن المعروف * (مثل نوره) وفيه ~~أقوال: PageV03P529 # * (السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة ~~كأنها كوكب دري) * * أحدها: أن معناه: مثل نور الله في قلب المؤمن) وهو ~~النور الذي يهتدى به، وهذا في معنى قوله تعالى: * (فهو على نور من ربه)، ~~والقول الثاني: * (مثل نوره) أي: نور قلب المؤمن بالإيمان، والقول الثالث: ~~أنه نور محمد، ومنهم من أول على القرآن. # وقوله: * (كمشكاة) المشكاة هي الكوة التي ليس له منفذ، ومنهم من قال: ~~المشكاة هي الحديدة التي يعلق بها القنديل، وهي السلسلة، وقيل: الموضع الذي ~~توضع فيه الفتيلة، وهو كالأنبوب. والأول أظهر الأقاويل وأولى، ومعنى ~~المشكاة هاهنا: الصدر، قاله أبي بن كعب. وقوله: * (فيها مصباح) أي: شعلة ~~نار. # وقوله: * (المصباح في زجاجة) الزجاجة شيء معلوم، وهو جوهر ms1096 له ضياء، فإن ~~قيل: لم خص الزجاجة بالذكر؟ قلنا: قال أبي بن كعب: المشكاة الصدر، والزجاجة ~~القلب، والمصباح الإيمان، فإنما ذكر الزجاجة؛ لأن المصباح فيها أضواء، وقال ~~بعضهم: ذكر الزجاجة؛ لأنها إذا انكسرت لا ينتفع منها بشيء، كذلك القلب إذا ~~فسد لا ينتفع منه بشيء. # وقوله: * (الزجاجة كأنها كوكب دري) شبه الزجاجة بالكوكب، قال بعضهم: هذا ~~الكوكب هو الزهرة فإنها أضوء كوكب في السماء، وقال بعضهم: الكواكب الخمسة ~~زحل ومشتري والمريخ وعطارد وزهرة، فإن قيل: لم لم يشبه بالشمس والقمر؟ ~~قلنا: لأن الشمس والقمر يلحقهما الكسوف، والنجوم لا يلحقها الكسوف، وأما ~~قوله: * (كوكب دري) منسوب إلى الدر، ونسبه إلى الدر لصفائه ولونه، وقرئ: ' ~~درىء ' بكسر الدال والهمز والمد، وفيه قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الدراء، ~~PageV03P530 # * (يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية) * * والدراء هو ~~الدفع، والكوكب يدفع الشياطين عن السماء، فإن قيل: لم شبه به في حالة ~~الدفع؟ قلنا: لأنه في تلك الحالة يكون أصفى، والقول الثاني: ' درىء '. أي ~~طالع، يقال: درأ علينا فلان أي: طلع وظهر، وقال الأزهري: وهذا قول حسن، ~~وقرئ: ' درىء ' برفع الدال مهموزا، قرأه حمزة وأبو بكر، وأهل النحو يخطؤنه ~~في هذه القراءة، وقالوا: لا يوجد فعيل في اللغة، والشاذ: ' دري ' بفتح ~~الدال. # وقوله: * (يوقد) أي: الزجاجة، ومعناه: نار الزجاجة، فحذف النار، وقرئ: ' ~~يوقد ' بالياء أي: المصباح، وقرئ: ' توقد ' أي: تتوقد، وفي الشاذ: ' يوقد ' ~~أي: يوقد الله تعالى. # وقوله: * (من شجرة مباركة) أي: من زيت شجرة مباركة، والشجرة المباركة ~~هاهنا هي الزيتون، وفيها من الخير ما ليس في سائر الأشجار، فإنه دهن وإدام ~~وفاكهة تؤكل ويستصبح به، وبفضله يغسل به الثياب وهي شجرة تورق من رأسها إلى ~~أسفلها، واستخراج الدهن منه لا يحتاج إلى عصار كغيره، بل يستخرجه من شاء من ~~غير عسر، وقد روي عن النبي أنه قال: ' ائتدموا بالزيت، وادهنوا منه، فإنه ~~من شجرة مباركة ' رواه معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر الخبر. # وقوله: * (لا شرقية ولا غربية) قال ms1097 الحسن: ليس هذا من أشجار الدنيا، ولو ~~كانت PageV03P531 # * (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35)) * * من أشجار ~~الدنيا لكانت شرقية أو عربية، وقال غيره: بل هو وصف الزيتون - وهو الأصح - ~~وفيه أقوال: أحدها أن معناه: لا شرقية أي: ليست مما تشرق عليها الشمس، ولا ~~تغرب عليها الشمس، فتكون لا شرقية ولا غربية. # وقوله: * (ولا غربية) أي: ليست مما تغرب عليها الشمس ولا تشرق عليها ~~الشمس، فتكون لا غربية ولا شرقية فمعنى الآية. أنها ليست بخالصة للشرق، ولا ~~خالصة للغرب، بل هي شرقية غربية، يعني: بين الشرق والغرب، لا خالصا للشرق، ~~ولا خالصا للغرب، والشمس مشرقة عليها في جميع أوقاتها، وإذا كان كذلك فيكون ~~زيتها أضوأ قالوا: وهذا كما يقال: فلان ليس بأسود ولا أبيض أي ليس بأسود ~~خالص ولا أبيض خالص أي: قد اجتمع فيه البياض والسواد، ويقال: هذا الرمان ~~ليس بحلو ولا حامض أي: اجتمع فيه الحلاوة والحموضة ولم يخلص لواحد منهما، ~~وهذا قول الفراء والزجاج وأكثر أهل المعاني، وزعم ابن قتيبة أن معنى قوله: ~~* (لا شرقية ولا غربية) أي: ليست في مضحاة، ولا في مقتاة، ومعناه: ليست في ~~مضحاة فتكون الشمس عليها أبدا، ولا في الظل فتكون في الظل أبدا، والقول ~~الثالث: أنها شجرة بين الأشجار لا هي بارزة للشمس عند شروقها، ولا هي بارزة ~~عند غروبها. # وقوله: * (يكاد زيتها يضيء) أي: من صفائه ولونه. # وقوله: * (ولو لم تمسسه نار) أي: وإن لم تمسسه نار. # وقوله: * (نور على نور) أي: نور المصباح على نور الزجاجة. # وقوله: * (يهدي الله لنوره من يشاء) أي: نور البصيرة والعقيدة. # وقوله: * (ويضرب الله الأمثال للناس) أي: يبين الله الأمثال للناس. ~~PageV03P532 # وقوله: * (والله بكل شيء عليم) معلوم. # واعلم أنه اختلف القول في معنى التمثيل: منهم من قال: التمثيل وقع للنور ~~الذي في قلب المؤمن، ومنهم من قال: التمثيل وقع لنور محمد، ومنهم من قال: ~~التمثيل وقع لنور القرآن، ms1098 وأما إذا قلنا: إن التمثيل وقع للنور الذي في قلب ~~المؤمن فهو ظاهر المعنى كما بينا. # وقوله: * (يكاد زيتها يضيء) أي: يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين ~~له لموافقته إياه. # وقوله: * (نور على نور) أي: نور العمل على نور الاعتقاد، وعن أبي بن كعب ~~أنه قال: المؤمن بين خمسة أنوار، وقوله نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه ~~نور، ومصيره إلى النور. وعن غيره أنه قال: المؤمن بين أربعة أحوال: إن أعطي ~~شكر، وإن ابتلي صبر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل. وإذا قلنا: التمثيل وقع ~~لنور محمد، فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح هو نورة النبوة. # وقوله: * (توقد من شجرة مباركة) الشجرة المباركة هو إبراهيم - صلوات الله ~~عليه - وذكر زيتونة، لأنها أبرك الأشجار على ما بينا؛ ولأن إبراهيم نزل ~~الشام، وفي زيتون الشام من البركة ما ليس لغيره من البلاد. # وقوله: * (لا شرقية ولا غربية) معناه: أن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ~~ولا إلى المغرب، وهو معنى قوله تعالى: * (ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا) واليهود يصلون إلى المغرب، والنصارى إلى المشرق. وقوله: * (يكاد ~~زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) معناه: لو لم يكن إبراهيم نبيا لألحقه الله ~~بالعمل الصالح بالأنبياء في درجاتهم، ويقال معناه: أن محمدا لو لم تأته ~~معجزة لدلت أحواله على صدقه وعلى نبوته. وقوله: * (نور على نور) أي: نور ~~محمد على نور إبراهيم، وقوله: * (يهدي PageV03P533 # * (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة) * * الله لنوره من يشاء) يعني: يهدي الله للإيمان بمحمد من ~~يشاء، وهذا كله معنى ما رواه الضحاك عن ابن عباس، وفي الآية كلام كثير ذكره ~~أصحاب الخواطر لا يشتغل به، وهذان القولان هما المعروفان. # قوله تعالى: * (في بيوت أذن الله أن ترفع) معناه: توقد في بيوت، ويقال: ~~المصابيح في بيوت، والبيوت هاهنا هي المساجد. وقوله: * (أذن الله أن ترفع) ~~فيه أقوال: قال ms1099 مجاهد: تبنى، وقال الحسن: تعظم. يعني: أنه لا يذكر فيها ~~الخنا من القول، وعن بعضهم: تطهر. # وقوله: * (ويذكر فيها اسمه) ظاهر المعنى. # وقوله: * (يسبح) وقرئ: ' يسبح ' بكسر الباء، فقوله بكسر الباء أي: يسبح ~~رجال، وقوله: ' يسبح ' على مال لم يسم فاعله، ومعنى يسبح: يصلي. # وقوله: * (بالغدو والآصال) أي: بالبكر والعشايا. قال الشاعر: # (وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * أعيت جوابا وما بالربع من أحد) وإنما خص ~~البكرة والعصر؛ لأن صلاة الغداة وصلاة العصر أول ما فرض على المسلمين، وعن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: صلاة الضحى في القرآن ولا يغوص عليها ~~الأغواص، ثم قرأ هذه الآية وهو قوله: (* (بالغدو والآصال) وزعم أن المراد ~~بالتسبيح بالغدو وهو صلاة الضحى، والمعروف ما بينا، وهو أن المراد منه صلاة ~~الصبح وصلاة العصر). # قوله تعالى: * (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) وعن عبيد بن ~~عمير أنه PageV03P534 # * (يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما ~~عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب) * * قال: يضع الله يوم القيامة منابر من نور، ويقول: أين ~~الذين لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون فيجلسهم عليها. # وقال الفراء: التجارة ما بيع من الجلب، والبيع ما بعت على يدك. # وقوله: * (وإقام الصلاة) فإن قيل: إذا حملتم ذكر الله على الصلوات الخمس ~~فما معنى قوله: * (وإقام الصلاة)؟ قلنا: معناه حفظ المواقيت، ومن لم يحفظ ~~المواقيت فلم يقم الصلاة. وقوله: * (وإقام الصلاة) أي: وإقامة الصلاة، ~~فحذفت الهاء بحكم الإضافة. قال الشاعر: # (إن الخليط أجدوا البين فانجردوا * وأخلفوك عدي الأمر الذي وعدوا) أي: ~~عدة الأمور. # وقوله: * (وإيتاء الزكاة) منهم من قال: هي الزكاة المفروضة، ومنهم من ~~قال: الأعمال الصالحة. # وقوله: * (يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار) أي: تتقلب القلوب عما ~~كانت عليه في الدنيا من الشك والكفر، وتنفتح فيه الأبصار من الأغطية، ~~ويقال: يتقلب القلب [بين الخوف] والرجاء، فإنه يخاف الهلاك، ويطمع النجاة، ~~وأما تقلب البصر حتى من ms1100 أين يؤتى كتابه؛ من شماله أو من يمينه، وقال: تتقلب ~~القلوب في الجوف، وترتفع إلى الحنجرة فلا تزول ولا تخرج، وأما تقلب البصر ~~شخوصه من هول الأمر وشدته. # وقوله: * (ليجزيهم الله أحسن ما عملوا) يعني: ليجزيهم بما عملوا من ~~الأعمال الحسنة. PageV03P535 # * (بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من) * ~~* وقوله: * (ويزيدهم من فضله) أي: زيادة على ما يستحقون. # وقوله: * (والله يرزق من يشاء بغير حساب) قد بينا. # قوله تعالى: * (والذين كفروا أعمالهم) اعلم أن الله تعالى لما ذكر المثل ~~في حق المؤمنين أعقبه بالمثل في حق الكفار. # وقوله: * (كسراب) السراب: ما يرى نصف النهار شبه الماء الجاري على الأرض، ~~وأكثر ما يراه العطشان. قال الفراء: السراب ما لزم الأرض، والآل ما ارتفع ~~من الأرض، وهو شعاع بين السماء والأرض شبه الملاة، يرى فيه الصغير كبيرا، ~~والقصير طويلا. # وقال غيره: السراب نصف النهار، والآل بالغدوات، والرقراق بالعشايا، قال ~~الشاعر: # (فلما كففنا الحرب كانت عهودهم * كلمع سراب بالفلا متألق) وقوله: * ~~(بقيعة) القاع: هو الأرض المنبسطة. # وقوله: * (إذا جاءه لم يجده شيئا) أي: لم يجده شيئا مما أمل وحسب. # وقوله: * (ووجد الله عنده) أي: عند علمه، ومعناه: أنه لقي الله في ~~الآخرة. # * (فوفاه حسابه) أي: جزاء عمله، قال الشاعر: # (فولى مدبرا هوى حثيثا * وأيقن أنه لاقى الحسابا) وقوله: * (والله سريع ~~الحساب) ظاهر المعنى. # واعلم أن في نزول الآية قولان: أحدهما: أنها نزلت في شيبة بن ربيعة - ~~وكان يطلب الدين قبل أن يبعث النبي - فكان يلبس الصوف، ويأكل الشعير، ثم ~~لما بعث النبي كفر به. # والقول الثاني: أن الآية نزلت في جميع الكفار، والمراد من الآية: تشبيه ~~أعمالهم بالسراب، وأعمالهم هي ما اعتقدوها خيرا، من الحج وصلة الأرحام، ~~وحسن الجوار، PageV03P536 # * (فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ~~ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) ألم ms1101 تر أن الله يسبح له من في ~~السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) * * وقرى الضيف، ~~والوفاء بالعهد، وما أشبه ذلك، فذكر الله تعالى أن هذه الأعمال كسراب حين ~~لم يصدر عن مؤمن، فهو يرجو منها الخير والثواب، وإذا وصل إليها أخلفه ظنه، ~~ولم يحصل على شيء. # قوله تعالى: * (أو كظلمات في بحر لجي) قال أهل المعاني: المراد من الآية ~~أنك إن شبهت أعمالهم لما يوجد، فهو كما بينا من السراب بالقيعة، وإن شبهت ~~أعمالهم لما يرى، فهو كالظلمات في البحر اللجي، والبحر اللجي هو العميق ~~الذي بعد عمقه، وفي الخبر: أن النبي قال: ' من ركب البحر حين يلج، فقد برئت ~~منه الذمة '. # معناه: حين يتوسط البحر فيصير إلى أعمق موضع، وأما الظلمات: فهي ظلمة ~~البحر، وظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة الموج أيضا. # وقوله: * (يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب) هذا هو الظلمات التي ~~ذكرناها. # وقوله: * (ظلمات بعضها فوق بعض) معناه: ظلمة الموج على ظلمة البحر، وظلمة ~~السحاب على ظلمة الموج. # وقوله: * (إذا أخرج يده لم يكد يراها) أي: لم يرها، وقيل: لم يقارب ~~رؤيتها، ويقال: يكد هاهنا صلة. قال الشاعر: # (وما كادت إذا رفعت سناها * ليبصر ضوءها إلا البصير) وقوله: * (ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور). قال ابن عباس معناه: من لم PageV03P537 # * (والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله ~~المصير (42) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى ~~الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من ~~يشاء) * * يجعل الله له دينا فما له من دين ' ويقال معناه: من لم يهده الله ~~فلا يهده أحد. # وقوله: * (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض) قد بينا. # وقوله: * (والطير صافات) أي: صفات أجنحتهن. # وقوله: * (كل قد علم صلاته وتسبيحه) قال مجاهد: الصلاة للآدميين، ~~والتسبيح لسائر الخلق، ويقال: إن ضرب الأجنحة صلاة الطير، وصوته تسبيحه. # وقوله: * (والله ms1102 عليم بما يفعلون) ظاهر المعنى. وكذلك قوله: * (ولله ملك ~~السماوات والأرض وإلى الله المصير). # قوله تعالى: * (ألم تر أن الله يزجي سحابا) أي: يسوق سحابا. قال الشاعر: # (إني أتيتك من أرضي ومن وطني * أزجي حشاشة نفس ما بها رمق) وقوله: * (ثم ~~يؤلف بينه) أي: يجمع بينه. # وقوله: * (ثم يجعله ركاما) أي: متراكما بعضه على بعض. # وقوله: * (فترى الودق يخرج من خلاله) أي: المطر يخرج من خلاله، والخلال ~~جمع الخلل كالجبال جمع الجبل، قال الشاعر في الودق: # (فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها) وقوله: * (وينزل من السماء ~~من جبال فيها من برد) روي عن ابن عباس أنه قال: في السماء جبال من برد ~~فينزل منها البرد. # قال ابن عباس: وإنما خاطب القوم بما يعرفون، وإلا ما الثلج أكثر من ~~البرد، والعرب ما رأوا الثلج قط. وعن ابن عباس أنه قال: الثلج شيء أبيض ~~ينزل من السماء ما رأيته قط. وقال غيره: قوله: * (وينزل من السماء من جبال) ~~أي: مقدار الجبال في الكثرة، ويقال: فلان له جبال مال، شبه بالجبال للكثرة. ~~PageV03P538 # * (ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب الله الليل ~~والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) * * وقوله: * (من) صلة معناه: ينزل ~~من السماء جبالا * (من برد). # وقوله: * (فيصيب به من يشاء) يعني: بالبرد من يشاء. * (ويصرفه عن من ~~يشاء). # وقوله: * (يكاد سنا برقه) أي: ضوء برقه، وقد ذكرنا شعرا في هذا. # وقوله: * (يذهب بالأبصار) يعني: من شدة الضوء. # وقوله: * (يقلب الله الليل والنهار) أي: يصرف الليل والنهار، وتقليب ~~الليل والنهار اختلافهما، وهو معنى قوله تعالى: * (يكور الليل على النهار ~~ويكور النهار على الليل) وقد صح عن النبي برواية سعيد بن المسيب، عن أبي ~~هريرة أنه قال: ' يقول الله تعالى يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وإنما أنا ~~الدهر، بيدي الليل والنهار (و) أقلبهما '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك المكي بن عبد الرزاق، قال: أخبرنا جدي أبو ~~الهيثم الفربري، أخبرنا البخاري، أخبرنا الحميدي، عن سفيان بن عيينة، ms1103 عن ~~الزهري، عن سعيد بن المسيب الخبر. # ويقال: يقلب الله الليل والنهار أي: يدبر أمر الليل والنهار. # وقوله: * (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) أي: آية وعظة لأولي الأبصار في ~~القلوب، وزعم أهل النحو أن الله تعالى ذكر ' من ' ثلاث مرات في الآية ~~الأولى، ولكل واحد منها معنى، فقوله: * (من السماء) لابتداء الغاية، وقوله: ~~* (من جبال) للتبعيض، وقوله: * (من برد) للتجنيس، وقد قال بعضهم في الآية ~~الثانية: إن معنى التقليب هو أنه يذهب بالليل ويأتي بالنهار، ويذهب بالنهار ~~ويأتي بالليل. PageV03P539 # * (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع) * * قوله تعالى: * (والله خلق كل دابة من ~~ماء) فإن قال قائل: كيف يستقيم قوله: * (خلق كل دابة من ماء) وقد خلق كثيرا ~~من الحيوانات من غير الماء كالجن والملائكة؟ والجواب عنه: أن الله تعالى ~~خلق جميع الحيوانات من الماء، وزعم أهل التفسير أن الله تعالى خلق ماء ثم ~~جعله نارا، فخلق منها الجن، ثم جعله ريحا، فخلق منها الملائكة، ثم جعله ~~طينا، فخلق منه بني آدم. # وقوله: * (فمنهم من يمشي على بطنه) يعني: مثل الحيات والحيتان وما ~~أشبههما، فإن قيل: كيف يتصور المشيء على البطن؟ والجواب: أن المراد منه ~~السير، والسير عام في القوائم وعلى البطن، وقال بعضهم: المشي صحيح في المشي ~~على البطن، يقال: مشى أمر كذا. # وقوله: * (ومنهم من يمشي على رجلين) يعني: مثل بني آدم والطير، فإن قيل: ~~أيسمى الطير دابة؟ قلنا: بلى؛ لأن كل ما يدب على الأرض فهو دابة. # وقوله: * (ومنهم من يمشي على أربع) يعني: البهائم، فإن قيل: قد نرى ما ~~يمشي على أكثر من الأربع، قلنا: قد ذكر السدي أن في قراءة أبي بن كعب: ' ~~ومنهم من يمشي على أكثر من الأربع ' فيكون تفسير للقراءة المعروفة، ويصير ~~كأن الله تعالى قال: * (ومنهم من يمشي على أربع) وعلى أكثر من الأربع، وأما ~~على القراءة المعروفة فإنما لم يزد على الأربع؛ لأن القوائم وإن ms1104 زادت ~~فاعتماد الحيوان على جهاته الأربعة، فكأنها تمشي على أربعة، ويقال: إنها ~~وإن مشيت على أكثر من الأربع فهي في الصورة كأنها تمشي على أربع، فإن قيل: ~~قال: * (ومنهم من يمشي) وكلمة ' من ' لمن يعقل ليس لما لا يعقل، والجواب ~~عنه: أنه إنما ذكر بكلمة ' من ' لأن الكلام إذا جمع من يعقل، ومن لا يعقل ~~غلب من يعقل على ما لا يعقل. PageV03P540 # * (يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (45) لقد أنزلنا آيات ~~مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (46) ويقولون آمنا بالله ~~وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47) ~~وإذا) * * وقوله: * (يخلق الله ما يشاء) يعني: يخلق الله ما يشاء سوى ما ~~ذكر. # وقوله: * (والله على كل شيء قدير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (لقد أنزلنا آيات مبينات) قد بينا. # وقوله: * (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) أي: دين الحق، وهو الصراط ~~المستقيم. # قوله تعالى: * (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا) ذكر النقاش أن هذه ~~الآية نزلت في رجل من المنافقين يسمى بشرا ورجل من اليهود، كانت بينهما ~~خصوصة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن ~~الأشرف، فأنزل الله تعالى في هذا المنافق وأشباهه هذه الآية، وأورد أبو بكر ~~الفارسي في ' أحكام القرآن ' أن النبي لما هاجر إلى المدينة، ترك الأنصار ~~له وللمهاجرين كل أرض لا يصل إليها الماء، فأعطى رسول الله عثمان وعليا من ~~ذلك، فباع علي نصيبه من عثمان، فوجد عثمان الأرض كلها أحجار لا يمكن أن ~~تزرع، فطلب من علي الثمن الذي أعطاه، فقال علي: وما علمي بالأحجار، ولو ~~وجدت كنزا هل كان لي منه شيء؟ فأراد أن يتحاكما إلى النبي، فقال الحكم بن ~~أبي العاص لعثمان: لا تحاكمه إلى محمد، فإنه يقضي لابن عمه، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية في الحكم بن أبي العاص. # وقوله: * (ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك) أي: من بعد ما قالوا آمنا ~~بالله وبالرسول. # وقوله: * (وما أولئك بالمؤمنين) ms1105 أي: بالمصدقين. # قوله تعالى: * (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم) الحكم فصل ~~الخصومة بما توجبه الشريعة. PageV03P541 # * (دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (48) وإن يكن ~~لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن ~~يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) إنما كان قول المؤمنين ~~إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) * * قوله: * ~~(إذا فريق منهم معرضون) أي: عن الحق، وقيل: عن الإجابة، والآية تدل على أن ~~القاضي إذا دعا إنسان ليحكم بينه وبين خصمه، وجبت عليه الإجابة. # قوله تعالى: * (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين) أي: مسارعين منقادين ~~خاضعين. # وقوله: * (أفي قلوبهم مرض) استفهام بمعنى التوبيخ والذم، ومعناه: علة ~~تمنع من قبول الحق. # وقوله: * (أم ارتابوا) أي: شكوا. # وقوله: * (أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله) الحيف هو الميل بغير حق، ~~ويجوز أن يعبر به عن الظلم. # وقوله: * (بل أولئك هم الظالمون) قد بينا. # قوله تعالى: * (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم). # هذا ليس على طريق الخبر، ولكنه تعليم أدب من الشرع، على معنى أن المؤمنين ~~كذا ينبغي أن يكونوا. # وقوله: * (أن يقولوا سمعنا وأطعنا) أي: سمعنا الدعاء، وأطعنا بالإجابة. # وقوله: * (وأولئك هم المفلحون) أي: الفائزون. # قوله تعالى: * (ومن يطع الله ورسوله) أي: من يطع الله فيما أمر، ويطع ~~رسوله فيما سن. # وقوله: * (ويخش الله) أي: فيما مضى. # وقوله: * (ويتقه) أي: يحذره فيما يستقبل. PageV03P542 # * (وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك ~~هم الفائزون (52) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا ~~تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما ~~على الرسول إلا البلاغ المبين (54)) * * وقوله: * (فأولئك هم الفائزون) أي: ~~الناجون. # قوله تعالى: * (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) جهد اليمين هو أن يحلف بالله، ~~قال أهل العلم: ولا حلف ms1106 فوق الحلف بالله. # وقوله: * (لئن أمرتهم ليخرجن) أي: لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن. # وقوله: * (قل لا تقسموا) أي: لا تحلفوا. # وقوله: * (طاعة معروفة) فيه أقوال: أحدها: ليكن منكم طاعة معروفة، ~~والآخر: طاعة معروفة أمثل من يمين بالقول لا يوافقها الاعتقاد، والثالث: ~~هذه طاعة معروفة منكم أن تحلفوا كاذبين، وأن تقولوا ما لا تفعلون، ومعناه: ~~هذا أمر معروف منكم. # وقوله: * (إن الله خبير بما تعملون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا) أي: فإن ~~تتولوا، وقيل: فإن يتولوا، بصرف خطابه المواجهة إلى المغايبة. # وقوله: * (فإنما عليه ما حمل) أي: على الرسول ما حمل من التبليغ. # * (وعليكم ما حملتم) من الإجابة أي: إن أجبتم فلكم الثواب، وإن أبيتم ~~فعليكم العقاب. # وقوله: * (وإن تطيعوه) يعني الرسول * (تهتدوا). # وقوله: * (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) أي: التبليغ البين. # قوله تعالى: * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) قال أبو ~~العالية الرياحي: بعث الله محمدا، فمكث هو وأصحابه بمكة عشر سنين، وأمروا ~~PageV03P543 # * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا لصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم) * * بالصبر على أذى الكفار، فكانوا يصبحون خائفين ~~ويمسون خائفين، ثم إنه هاجر إلى المدينة، وأمروا بالقتال وهم على خوفهم، ~~فكان لا يفارق أحد منهم سلاحه، فقال رجل من المسلمين: أما نأمن يوما من ~~الدهر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذكر بعض أهل التفسير: أن أصحاب رسول ~~الله تمنوا أن يظهروا على مكة، فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم) قال قتادة: كما استخلف داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء الذين ~~ملكوا. # واستدل أهل العلم بهذه الآية على صحة خلافة الخلفاء الراشدين وهم: أبو ~~بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - رضي الله عنهم - ومن المشهور المعروف برواية ~~حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة أن النبي قال: ' الخلافة بعدي ~~ثلاثون سنة '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسين بن النقور ms1107 ببغداد، ~~أخبرنا أبو القاسم بن حبابة، أخبرنا ابن بنت منيع عبد الله بن محمد بن عبد ~~العزيز البغوي، عن هدبة [بن] خالد، عن حماد بن سلمة... الخبر. خرجه مسلم في ~~الصحيح. # وقوله: * (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) أي: ليظهرن دينهم على جميع ~~الأديان، قال أهل العلم: يعين: فارس والروم ومن أشبههم، وفي بعض الغرائب من ~~الأخبار: أن النبي قال: ' ما من بيت مدر ولا وبر في الأرض إلا ويدخله الله ~~PageV03P544 # * (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) * * ~~الإسلام كرها '. # وقوله: * (ارتضى لهم) اختار لهم. # وقد ثبت عن النبي أنه قال لعدي بن حاتم: ' ليظهرن الله هذا الدين، حتى ~~تخرج الظعينة من الحيرة تؤم بيت الله، لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها ~~'. قال عدي بن حاتم: فقلت في نفسي: فأين اللصوص؟ قال عدي: ولقد رأيت ما ~~قاله رسول الله. # وقوله: * (وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا). هذا هو الذي قلناه، وقد روي أن ~~أصحاب رسول الله حين كانوا بمكة لم يكونوا يصلون إلا مختفين، وكان الواحد ~~منهم يحفظ صاحبه حتى يصلي، وصاحبه يحفظه حتى يصلي، ثم إنهم لما هاجروا ~~أمنوا وعبدوا الله جهرا، وما زال يزداد الأمن إلى زماننا هذا... الحديث. # وقوله: * (يعبدونني لا يشركون بي شيئا) يعني: يعبدونني آمنين ولا يشركون. # وقوله: * (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) أكثر أهل التفسير على أنه ~~ليس الكفر هاهنا هو الكفر بالله، وإنما المراد به كفران النعمة بترك ~~الطاعة، فلهذا قال: * (فأولئك هم الفاسقون) ومنهم من قال: هو الكفر بالله، ~~والأصح هو الأول. # قوله تعالى: * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ~~ترحمون) PageV03P545 # * (يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (55) ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن ~~الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) يا أيها ~~الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم) * * أي: ~~افعلوا ما تفعلوا على رجاء الرحمة. # قوله تعالى: * (لا تحسبن ms1108 الذين كفروا معجزين في الأرض) معناه: لا تظنن ~~الذين كفروا يفوتون عنا فوات من نعجز عنه، وحقيقة المعنى: أنا لا نعجز عن ~~أحدهم، (وليس معهم ما يقولون به غنى، فيكونوا بمنزلة من عجزوا غيرهم عنهم). # وقوله تعالى: * (ومأواهم النار ولبئس المصير) أي: ولبئس المرجع. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) فيه ~~أقوال: قال مجاهد: الذين ملكت أيمانكم هم العبيد، وعن بعضهم: أنهم الإماء، ~~روي هذا عن ابن عمر، والأصح أنه في العبيد والإماء. # قوله: * (والذين لم يبلغوا الحلم منكم) ليس هؤلاء هم الذين لم يظهروا على ~~عورات النساء، فإن الذين لم يظهروا على عورات النساء لا حشمة لأحد منهم؛ ~~لأنا بينا أنهم الذين لا يميزون، ولكن هؤلاء هم الذين ميزوا، وعرفوا أمر ~~النساء، ولكن لم يبلغوا. # قوله: * (ثلاث مرات) أي: استأذنوا ثلاث مرات. # وقوله: * (من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة ~~العشاء) خص هذه الأوقات الثلاثة بالأمر بالاستئذان؛ لأنها أوقات ينكشف فيها ~~الناس ويبدوا منهم ما لا يحبون أن يراه أحد، فإن قبل الفجر ينتبهون من ~~النوم فينكشفون، وعند الظهيرة يلقون ثيابهم ليقيلوا، وبعد العشاء (الأخير) ~~ينكشفون للنوم، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة لهذا ~~المعنى، والمراد من الآية: استئذان الخدم والصبيان، فأما غيرهم يستأذنون في ~~جميع الأحوال، PageV03P546 # * (منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن ~~بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن) * * وعن ~~ابن عباس قال: لم يكن للقوم ستور ولا [حجاب]، وكان الخدم والولائد يدخلون ~~عليهم، فيرون منهم ما لا يحبون أن يرى منهم، فأمر الله تعالى بالاستئذان، ~~ثم إن الله تعالى بسط رزفه، واتخذ الناس ستورا و [حجابا]، فرأوا أن ذلك قد ~~أغنى من الاستئذان، قال الشعبي وسعيد بن جبير: هذه الآية غير منسوخة لكن ~~تهاون الناس. وحكى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ثلاث آيات من القرآن لا يعمل ~~الناس بها، وذكر هذه الآية وذكر ms1109 قوله تعالى: * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ~~فلا يزال الناس يقولون: أنا ابن فلان، وأكرم من فلان، وأحسن من فلان، قال ~~عطاء: ونسيت الثالثة. # وقوله: * (ثلاث عورات لكم) قرئ برفع الثاء ونصبه، فقوله: * (ثلاث) ~~بالرفع، أي: هي ثلاث عورات لكم، وقوله: * (ثلاث عورات لكم) بالنصب بدل من ~~قوله: ' ثلاث مرات ' فيكون نصبا على البدل. # وقوله: * (ليس عليكم ولا عليهم جناح) أي: إثم في ترك الاستئذان فيما سوى ~~هذه الأوقات الثلاثة. # وقوله: * (بعدهن) إشارة إلى هذا المعنى. # وقوله: * (طوافون عليكم بعضكم على بعض) ابتداء أي: هؤلاء الخدم والولائد ~~طوافون عليكم، يطوفون عليكم ليخدموكم، ومن هذا قوله في الهرة: ' إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات '. PageV03P547 # * (طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم ~~حكيم (58) وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من ~~قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) والقواعد من النساء) ~~* * وقوله: * (بعضكم على بعض) أي: يطوف بعضكم على بعض. # وقوله: * (كذلك يبين الله لكم الآيات) أي: الدلالات، وقيل: الأحكام. # وقوله: * (والله عليم حكيم) أي: عليم بأمور خلقه، حكيم فيما دبر لهم. # وقوله تعالى: * (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا) قوله: * ~~(الحلم) أي: الاحتلام، وقوله: * (فليستأذنوا) (كما استأذن الرجال البالغون، ~~ويقال): * (كما استأذن الذين من قبلهم) يعني: كما استأذن الذين من قبلهم، ~~(مع إبراهيم وموسى وعيسى). # وقوله: * (كذلك يبين الله لكم آياته) أي: أحكامه. # وقوله: * (والله عليم حكيم) قد بينا. # قوله تعالى: * (والقواعد من النساء). القواعد جمع قاعد، يقال: امرأة قاعد ~~إذا قعدت عن الأزواج، إذا قعدت عن الحيض بالكبر، وأما القاعدة فهي الجالسة. # وقوله: * (اللاتي لا يرجون نكاحا) يعني: لا يردن نكاحا، وقيل: لا يردن ~~الرجال لكبرهن، وقيل: قعدن عن التصرف بالكبر، وإنما قيل: امرأة قاعدة إذا ~~كبرت؛ لأنها تكثر القعود، قاله ابن قتيبة. # وعن ربيعة الرأي قال: هن العجائز اللواتي إذا رآهن الرجال استقذروهن، ~~فأما من كان فيه بقية من جمال، وهي محل الشهوة، فلا تدخل في هذه الآية. # وقوله: * (فليس عليهن ms1110 جناح) أي: إثم. # وقوله: * (أن يضعن ثيابهن) في قراءة ابن مسعود: ' أن يضعن من ثيابهن '، ~~قال PageV03P548 # * (اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات) * ~~* ابن مسعود: وثيابهن ها هنا الرداء والجلباب. وعن ابن عباس قال: الجلباب، ~~وأما الخمار لا يجوز لها أن تضعه، وأما الثوب الذي يكون فوق الخمار يجوز أن ~~تضعه. # وفي بعض الأخبار: أن للزوج ما تحت الدرع، ولذي المحرم ما فوق الدرع، ~~ولغير المحرم ما فوق الدرع والرداء والجلباب والخمار. # وقوله: * (غير متبرجات بزينة) أي: لا يردن بإلقاء الرداء والجلباب إظهار ~~زينتهن ومحاسنهن، وأصل التبرج من الظهور، قال الله تعالى: * (ولا تبرجن ~~تبرج الجاهلية الأولى) أي: لا تنكشفن تكشف الجاهلية الأولى، وفي التفسير: ~~أن المرأة إذا مشت بين يدي الرجال، فقد تبرجت تبرج الجاهلية الأولى. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ~~' رواه أسامة. # وقيل لبعض الحكماء: ما أحن السباع؟ قال: المرأة. وعن بعضهم أنه قال لآخر: ~~لم يدخل باب داري شر قط، قال: من أين تدخل امرأتك؟. [وعن] بعضهم أنه رأى ~~امرأة مصلوبة، فقال: لو أن كل شجرة تثمر مثل هذه، لنجى الناس من شر كبير. # وقوله: * (وأن يستعففن) يعني: ألا يلقين الرداء والجلباب خير لهن، وعن ~~عاصم الأحول قال: كنا ندخل على حفصة، وهي متجلببة متردية متقنعة، فقلنا ~~لها: يا أم المؤمنين، ألست من القواعد؟ فقرأت قوله تعالى: * (وأن يستعففن ~~خير لهن). # وقوله: * (والله سميع عليم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض ~~PageV03P549 # * (بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60) ليس على الأعمى حرج ~~ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من) * * ~~حرج) اختلف القول في هذه الآية، قال الحسن البصري: الآية نزلت في رخصة ~~هؤلاء للتخلف عن الجهاد، والذي ذكره بعده من الأكل عطف رخصة على رخصة. وعن ~~ابن عباس قال: نزلت الآية في رخصة الأكل من ms1111 أولها إلى آخرها، وسبب ذلك أن ~~الناس كانوا يتحرجون من الأكل مع العميان والعرج والمرضى، ويقولون: إن ~~الأعمى لا يستوفي الأكل، والأعرج من الجلوس، والمريض يضعف عن التناول، وكان ~~هؤلاء أيضا يتحرجون من الأكل مع الأصحاء، فيقول الأعمى: لا آكل مع بصير، ~~فربما آكل أكثر مما يأكل، والأعرج يقول: ربما آخذ مكان نفسين، والمريض ~~يقول: يتقذرني الناس، فأنزل الله تعالى هذه الآية ورفع الحرج. # والقول الثالث: أن الناس كانوا يخرجون إلى الغزو، ويخلفون هؤلاء في ~~بيوتهم، فكانوا يتحرجون من الأكل، فأنزل الله تعالى هذه الآية ورفع الحرج، ~~وهذا قول عائشة، والقول الرابع: أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب ~~الطعام فلا يجدون شيئا، فيذهب ذلك الرجل إلى بيت آخر، ويحملهم مع نفسه ~~ليصيبوا من طعام ذلك الرجل، وهذا قول مجاهد، وعن عبد الكريم الجزري قال: ~~المراد من الآية هو الأعمى الذي معه قائد، فيحمل معه قائده ليأكل معه، ~~وكذلك الأعرج والمريض يحملان إنسانا مع أنفسهما. # وقوله: * (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) أي: ولا حرج على أنفسكم ~~أن تأكلوا من بيوتكم، وفي معناه قولان: أحدهما: أنه بيوت الأولاد، روي عن ~~النبي أنه قال: ' أنت ومالك لأبيك '. PageV03P550 # * (بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت ~~أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت) * * ~~والقول الثاني: أن المراد بيوت الأزواج، ويقال: بيت كل إنسان في نفسه، ~~والأولاد أظهر. # وقوله: * (أو بيوت آبائكم...) الآية إلى آخرها ظاهر المعنى. # وقوله: * (أو ما ملكتم مفاتحه) قال ابن عباس: هذا وكيل الرجل وقيمه في ~~ضيعته وغنمه، يأكل من الثمر، ويشرب من اللبن، ولا يحمل ولا يدخر، والقول ~~الثاني: أن المراد من الآية بيوت العبيد، والمفاتح: الخزائن، قال الله ~~تعالى: * (وعنده مفاتح الغيب) أي: خزائن الغيب. # وقوله: * (أو صديقكم) الصديق هو الذي صدقك في المودة، ويقال: الصديق هو ~~الذي ظاهره مثل ظاهرك، وباطنه مثل باطنك، والصديق ها هنا واحد بمعنى الجمع. # قال الشاعر: # ([دعون] الهوى [ثم ارتمين] قلوبنا ms1112 * بأسهم أعداء وهن صديق) وعن بعضهم: أن ~~الله تعالى رفع أمر الصديق على أمر الأبوين، قال الله تعالى حكاية عن أمر ~~جهنم: * (فمالنا من شافعين ولا صديق حميم)، وعن جعفر بن محمد الصادق أنه ~~قال: مثل صديقك مثل نفسك. وعن الحسن وقتادة قالا: كانوا يستحبون أن يدخلوا ~~دور إخوانهم فيتناولون من غير استئذان، وكان يقع ذلك بطيب من نفوسهم ، ~~ومودة في قلوبهم. وعن ابن عمر قال: وما كان أحدنا بأحق بدرهمه وديناره عن ~~صاحبه. وعن بعضهم: أنه ذكر صديقا له فقال: أيأخذ من كيسك PageV03P551 # * (خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا) * * ودراهمك ما تحب فلا تكرهه؟ قال: لا، قال: ليس لك هو بصديق. # وقوله: * (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) روي أن الله تعالى ~~لما أنزل قوله: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض) توقى الناس غاية التوقي، وقالوا: لا نأكل مع أحد حتى لا نأكل باطلا، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي أن الآية نزلت في مالك بن زيد مع الحارث ~~بن عمرو، وكان الحارث خلف مالك بن زيد في داره، وخرج غازيا، وأباح له ~~الأكل، فلم يأكل شيئا. ومن المعروف في التفسير: أن الآية نزلت في بني بكر ~~من كنانة، وكان لا يأكل أحد منهم وحده حتى يجد ضيفا يأكل معه، وإذا لم يجد ~~وأجهده الجوع نصب خشبة ولف عليها ثوبا وأكل عندها؛ ليظن الناس أنه إنسان ~~يأكل معه، وروي أن واحدا منهم نزل بلقاحه واديا، فجاع فحلب لقحة منها، ~~ونادى في الوادي: من كان ها هنا فليحضر ليأكل، وكان في الوادي رجل فاختفى ~~ولم يجب، وأجهده الجوع، فجلس يأكل وحده، فخرج الرجل، وقال له: يا رضيع، ~~أتأكل وحدك، فأخذ الرجل سيفه وعدى عليه وقتله مخافة أن ينشر في الناس ذلك ~~الفعل منه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأباح للقوم أن يأكلوا منفردين ~~وجماعة، فإن قيل: ما قولكم في هذه الآية، وإذا دخل بيت واحد ممن ms1113 سبق ذكره، ~~هل يجوز له أن يأكل بغير إذنه؟ والجواب عنه: قال أبو بكر الفارسي: إن كان ~~سبق منه إذن على الإجمال - وإن لم يكن على التعيين - فإنه يجوز له أن يأكل، ~~وفي غير هؤلاء لا يجوز إلا أن يعين. وقال بعضهم: إذا كان الطعام مبذولا غير ~~محرز، جاز له أن يأكل وإن كان محرزا في حرز لا يجوز له أن يأكل، وأما حمل ~~الزاد ومباذلة الغير فهو حرام ما لم يؤذن على التعيين، وقد قيل: إذا كان ~~يسيرا فلا بأس به للعبيد والخدم. # وقوله: * (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) أي: ليسلم بعضكم على بعض، ~~وهذا كقوله: * (ولا تقتلوا أنفسكم) أي: ولا يقتل بعضكم بعضا، PageV03P552 # * (أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبن الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61)) * * ويقال معنى ~~الآية: إذا دخل بيته يسلم على أهله، وهي سنة قد هجرت، قال قتادة ' أهلك أحق ~~أن تسلم عليهم. وكان الأوزاعي إذا دخل بيته ونسي السلام خرج ثم رجع وسلم. ~~وأما إذا دخل بيتا خاليا، فيقول: السلام علينا من ربنا، وإذا دخل مسجدا ليس ~~فيه أحد يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقد بينا أن السنة ~~إفشاء السلام على من تعرف ومن لا تعرف، وكان ابن عمر يسلم على النسوان كما ~~يسلم على الرجال، وقالوا: إن كانت عجوزا فلا بأس به، وإن كانت شابة فلا ~~يسلم. # وقوله: * (تحية من عند الله مباركة طيبة) أي: حسنة جميلة، قاله ابن عباس، ~~ويقال: ذكر البركة والطيب ها هنا لما فيه من الثواب، ومن أهدى سلاما إلى ~~إنسان، فهي هدية خفيفة المحمل، طيبة الريح، مباركة العاقبة. # وقوله: * (كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه). هذا تعليم أدب من آداب الإسلام، ~~والأمر الجامع كل ما يجمعوا المسلمين، وقد قيل: إنه الجهاد، ويقال: هو ~~الجمعة العيدان، ويقال: ms1114 كل طاعة يجتمع عليها المسملون مع الإمام. # وفي الأخبار: ' أن الرجل من المسلمين كان إذا كان مع النبي في أمر، وأراد ~~الاستئذان لحاجة له، قام وأشار إلى النبي كأنه يستأذن، فيشير إليه النبي ~~أذنت لك '. وقد قالوا: إنما يحتاج إلى الاستئذان إذا لم يكن هناك سبب يمنعه ~~من المقام، فأما إذا عرض سبب يمنعه من المقام مثل امرأة تكون في المسجد ~~فتحيض، أو رجل يجنب، أو عرض له مرض وما أشبه، فلا يحتاج إلى الاستئذان. ~~PageV03P553 # * (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع ~~لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن ~~الله غفور رحيم (62) لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم) * * وقوله: ~~* (إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله) روي أن عمر استأذن ~~رسول الله في غزوة تبوك أن يرجع إلى أهله فقال: ' ارجع فلست بمنافق ولا ~~مرتاب ' يعرضه بالمنافقين، وقيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى في سورة ~~التوية: * (عفا الله عنك لم أذنت لهم). # وقوله: * (فإذا استأذنوك لبعض شأنهم) أي: أمرهم. # وقوله: * (فأذن لمن شئت منهم) معناه: إن شئت فأذن، وإن شئت فلا تأذن. # * (واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم) أي: ادع لهم إذا طلبوا الدعاء ~~منك. # قوله تعالى: * (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) أي: لا ~~تقولوا: يا محمد، يا أبا القاسم، يا ابن عبد الله، ولكن قولوا: يا أيها ~~الرسول، يا أيها النبي، يا رسول الله، وادعوه على التفخيم والتعظيم. # وقوله: * (قد يعلم الله الذين يتسللون) التسلل هو الخروج على خفية، وكان ~~المنافقون يفعلون هكذا، وكان يشق عليهم حضور المسجد والمكث فيه، وسماع خطبة ~~النبي، فكان [يسير] بعضهم ببعض ويخرج من المسجد. # وقوله: * (لواذا) أي: يلوذ بعضهم ببعض، وقيل: (رحلا). # وقوله: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) أي: أمره. # وقوله: * (أن تصيبهم فتنة) معناه: لئلا تصيبهم فتنة أي: بلية. # وقوله: * (أو يصيبهم عذاب ms1115 أليم) يقال: العذاب الأليم في الدنيا، ويقال: ~~في الآخرة. PageV03P554 # * (بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63) ألا إن لله ما في السماوات ~~والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل ~~شيء عليم (64)) * * قوله تعالى: * (ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد ~~يعلم ما أنتم عليه) أي: يعلم، و ' قد ' صلة. # وقوله: * (ويوم يرجعون إليه) يعني: في الآخرة. # وقوله: * (فينبئهم بما عملوا) أي: يخبرهم الله بما عملوا. # وقوله: * (والله بكل شيء عليم) أي: عالم. تم بحمد الله تعالى المجلد ~~الثالث من تفسير أبي المظفر السمعاني ويتلوه المجلد الرابع إن شاء الله ~~تعالى وأوله تفسير سورة الفرقان PageV03P555 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك ~~في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا). * * تفسير سورة الفرقان وهي مكية، قال ~~الضحاك: هي مدنية. # قوله سبحانه وتعالى: * (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده) وقرأ عبد الله ~~بن الزبير: ' على عباده ' على الجمع. قوله: * (تبارك) تفاعل من البركة, ~~وقيل: تبارك أي: جل بما لم يزل ولا يزال، وقال الحسن: تبارك صفة من صفات ~~الله تعالى؛ لأن كل بركة تجئ منه، وقال غيره: لأنه يتبرك باسمه، وأما ~~البركة فهي الخير والزيادة، وقيل: فعل كل طاعة من العباد بركة، والبروك هو ~~الثبوت، ويقال: فلان مبارك أي: ينزل الخير حيث ينزل. # وقوله: * (الذي نزل الفرقان) أي: القرآن, وسمى القرآن فرقانا لمعنيين: ~~أحدهما: لأنه يفرق بين الحق والباطل، والأخر: أن فيه بيان الحلال والحرام. # وقوله تعالى: * (على عبده) أي: محمد. # وقوله: * (ليكون للعالمين نذيرا) أي: الجن والأنس، قال أهل العلم: ولم ~~يبعث نبي إلى جميع العالمين غير نوح ومحمد عليهما الصلاة والسلام. # قوله تعالى: * (الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا) يعنى: كما ~~قاله النصارى. # وقوله: * (ولم يكن له شريك في الملك) ms1116 أي: كما قاله عبدة الأصنام وغيرهم. # وقوله: * (وخلق كل شيء) أي: مما يصلح أن يكون مخلوقا. # قوله: (فقدره تقديرا) أي: سواه تسوية على ما يصلح للأمر الذي أريد له، ~~ويقال: بين مقادير الأشياء ومنافعها، ومقدار لبثها ووقت فنائها. ~~PageV04P005 # * (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ~~ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا وقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير ~~الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة). * * قوله تعالى: * (واتخذوا من دون ~~الله آلهة) يعنى: الأصنام. # وقوله: * (لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) ظاهر المعنى. # وقوله: * (ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا) أي: دفع ضرا وجلب نفع، وهذا ~~يقع في الأصنام التي عبدها المشركون. # وقوله: * (ولا يملكون موتا ولا حياة) أي: إماتة (ولا إحياء). # وقوله: * (ولا نشورا) أي: بعثا بعد الموت. # قوله تعالى: * (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه) أي: كذب اختلقه. # وقوله: * (وأعانه عليه قوم آخرون) يعنى: جبر، ويسار، وعداس، و (أبو) ~~فكيهة، وهؤلاء عبيد كانوا بمكة من أهل الكتاب، وكانوا يجلسون إلى النبي ~~يسمعون منه، فزعم المشركون أن محمدا يأخذ منهم. # وقوله: * (فقد جاءوا ظلما وزورا) أي: بظلم وزور، فلما حذف الباء انتصب. # قوله تعالى: * (وقالوا أساطير الأولين) قال ابن عباس: كان النضر بن ~~الحارث من شياطين أهل الشرك، وكان قد قدم الحيرة، وقرأ أخبار ملوك الفرس، ~~(وكان يقول للمشركين: (إن الدين يقول) محمد أساطير الأولين، وأنا أحدثكم ~~بمثله، يعنى من أحاديث الفرس) وحديث رستم واسفنديار، فالآية نزلت فيه وفيمن ~~قال بقوله، مثل: عبد الله بن أبي أمية المخزومي وغيره. PageV04P006 # * (وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا ~~رحيما وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ~~ملك فيكون معه نذيرا). * * وقوله: * (اكتتبها) أي: طلب أن تكتب له؛ لأنه ~~كان لا يكتب. # وقوله: * (فهي تملى عليه) أي: تقرأ عليه، إذ كان لا ms1117 يكتب حتى تملى عليه ~~ليكتب. # وقوله: * (بكرة وأصيلا) أي: غدوة وعشيا. # * (قل أنزله الذي يعلم السر) أي: الغيب في السماوات والأرض (إنه كان ~~غفورا رحيما) أي: متجاوزا محسنا. # قوله تعالى: * (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق) ~~قالوا هذا على طريق الإنكار، وزعموا أنه إذا كان مثلهم يأكل الطعام ويمشى ~~في الأسواق، فلا يجوز أن يمتاز عنهم بالنبوة، وكانوا يقولون: أنت لست بملك ~~ولا ملك؛ فلست بملك لأنك تأكل الطعام، ولست بملك لأنك تتسوق وتتبذل، ~~والملوك لا يتسوقون ولا يتبذلون، وهذا الذي قالوه كله فاسد؛ وذلك لأن أكله ~~الطعام لا ينافي النبوة، ولا مشيه في الأسواق، فإن أكله الطعام يدل على أنه ~~آدمي محتاج، ومشيه في الأسواق يدل على أنه متواضع غير متكبر، وأما اختصاصه ~~بفضلة النبوة من بين الناس فجائز؛ لأن الله تعالى لم يسو بين الناس، بل ~~فاضل بينهم. # وقوله: * (لولا أنزل إليه ملك) قالوا هذا لأنهم زعموا أن الرسول إن لم ~~يكن ملكا، فينبغي أن يكون له شريك من الملائكة، هذا أيضا فاسد؛ لأنه مجرد ~~تحكم، ويجوز أن يتفرد الآدمي بالنبوة ولا يكون معه ملك، ولأن يكون النبي ~~آدميا أولى من أن يكون ملكا؛ ليفهموا عنه، ويستأنسوا به. # وقوله: * (فيكون معه نذيرا) أي: شريكا. # وقوله: * (أو يلقى إليه كنز) يعنى: ينزل عليه كنز من السماء، أو يظهر له ~~كنز PageV04P007 # * (أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون ~~إلا رجلا مسحورا (8) أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ~~(9) تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ويجعل لك قصورا (10) بل) * * في الأرض. # وقوله: * (أو تكون له جنة يأكل منها) قالوا: هلا جعل الله لك بستانا تعيش ~~به، أوكنزا يدفعه إليك،: فتستغني به عن التعيش والتكسب والتبذل في الأمور، ~~وهذا أيضا فاسد؛ لأن كسبه وتعيشه لم يكن منافيا نبوته. # وقوله: * (وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) أي: مخدوعا، وقيل ~~مصروفا عن الحق، ms1118 وقيل: معللا بالطعام والشراب. # قوله تعالى: * (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) أي: شبهوا لك الأشباه، ~~والأشباه التي ذكروها، قولهم: إنه مخدوع، وقولهم: إنه محتاج متروك في ~~الدنيا، وقولهم: إنه ناقص في التدبير والقيام بأمره. # وقوله: * (فضلوا) أي: أخطئوا و يقال: تناقضوا، فإنهم كانوا يقولون مرة: ~~هو مفتر أي: قاله من قبل نفسه، ومرة يقولون: إنه تعلمه من غيره. # وقوله: * (فلا يستطيعون سبيلا) أي: طريق الحق، وقيل: طاعة الله. # وقوله تعالى: * (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك) أي: خيرا مما ~~طلبوه لك. # وقوله: * (جنات تجرى من تحتها الأنهار) أي: بساتين تجرى من تحت أشجارها ~~الأنهار. # وقوله: * (ويجعل لك قصورا) أي: بيوتا مشيدة، والعرب تسمى كل بيت مشيد ~~PageV04P008 # * (كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) إذا رأتهم من مكان ~~بعيد سمعوا لها). * * قصرا، وروى حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة ' أن الله ~~تعالى عرض مفاتيح خزائن الأرض على محمد فلم يخترها '، وفى بعض الأخبار: ' ~~عرض على بطحاء مكة ذهبا فاخترت أن أكون عبدا نبيا '. # قوله تعالى: * (بل كذبوا بالساعة) أي: بالقيامة. # وقوله: * (وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا) أي: نارا مستعرة، والمستعرة ~~المتوقدة. # قوله تعالى: * (إذا رأتهم من مكان بعيد) الآية. روى عن النبي أنه قال: ' ~~من تقول على ما لم أقل فإنه يوم القيامة بين عيني جهنم، فقيل له: ولجهنم ~~عينان؟ قال: نعم، وقرأ قوله تعالى: * (إذا رأتهم من مكان بعيد). # وقال بعضهم: إذا رأتهم أي: رأت زبانيتها إياهم. PageV04P009 # * (تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ~~ثبورا (13) لا تدعوا) * * وقوله: * (سمعوا لها تغيظا) فإن قيل: كيف يسمع ~~التغيظ، إنما يعلم التغيظ؟ والجواب عنه: قلنا معناه: سمعوا غليان التغيظ، ~~(وقبله): سمعوا لها زفيرا أي: علموا لها تغيظا، قال الشاعر: # (رأيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا) أي: متقلدا سيفا وحاملا رمحا، ~~وقال آخر: # (علفتها تبنا وماء باردا *) أي: علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا. وقد ~~ذكرنا معنى الزفير، وعن عبيد بن عمير أنه قال: تزفر جهنم يوم القيامة ms1119 زفرة، ~~فلا يبقى ملك ولا نبي مرسل إلا خر بوجهه، حتى إن إبراهيم يجثو على ركبتيه، ~~ويقول: نفسي نفسي، ولا أريد غيرها. # وقوله: * (من مكان بعيد) قيل في بعض التفاسير: من مسيرة مائة سنة. # قوله تعالى: * (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين) يقال: تضيق الزج في ~~الرمح. # وقوله: * (مقرنين) أي: مصفدين، وقيل: مغللين، كأنه غلل أيديهم إلى ~~أعناقهم، وقرنوا مع الشياطين، وقد بينا أن كل كافر يقرن مع شيطان في سلسلة. # وقوله: * (دعوا هنالك ثبورا) أي: هلاكا، وهو قولهم: وأهلاكاه، وفي بعض ~~الأخبار: أن أول من يكسى حلة من نار إبليس، فيسحبها إلى جهنم، ويتبعه ~~ذريته. # وقوله: * (لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا) أي: ليس هذا ~~موضع دعاء واحد بالهلاك، بل هو موضع أدعية كثيرة، قال الشاعر: # (إذ أجارى الشيطان في سنن الغي * ومن مال ميله مثبور) أي: هالك. # قوله: * (قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون) فإن قيل: ليس في: ~~جهنم PageV04P010 # * (اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) قل أذلك خيرا أم جنة الخلد ~~التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) لهم فيها ما يشاءون خالدين كان ~~على ربك وعدا مسؤولا (16) ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا). * * خير، أصلا، فكيف يستقيم قوله: * (أذلك ~~خير أم جنة الخلد)؟ والجواب عنه: قلنا: العرب قد تذكر مثل هذا، وإن لم يكن ~~في أحدهما خير أصلا، يقال: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وقال ~~الأزهري: إنما ذكر لفظ ' الخير ' هاهنا لاستواء المكانين في المنزل، على ~~معنى أنهما منزلان ينزل فيهما الخلق، فاستقام أن يقال: هذا المنزل خير من ~~ذلك المنزل لوجود الاستواء في صفة. # وقوله: * (كانت لهم جزاء ومصيرا) أي: مجازاة ومرجعا. # قوله تعالى: * (لهم فيها ما يشاءون خالدين) أي: مقيمين. # وقوله: * (كان على ربك وعدا مسؤولا) أي: مطلوبا، وهو طلب المؤمنين في ~~قوله: * (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) أي: على ألسنة رسلك، ويقال: الطلب ~~من الملائكة للمؤمنين، ms1120 وذلك في قوله تعالى: * (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم) الآية. # وقوله تعالى: * (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله) أي: الملائكة، ~~وقيل: عيسى وعزيزا عليهما السلام. # وقوله: * (فيقول) أي: يقول الله: * (أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل) أي: هم أخطأوا الطريق. # قوله تعالى: * (قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من ~~أولياء) أي: ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك، ويقال: من اتخذ عدو ~~غيره وليا فقد اتخذ من دونه وليا. PageV04P011 # * (السبيل (17) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ~~ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) فقد كذبوكم بما ~~تقولون فما تستطيعون) * * وقوله: * (ولكن متعتهم وآباءهم) أي: بكثرة ~~الأموال والأولاد، ويقال: بطول العمر، ويقال: بنيل المراد. # وقوله: * (حتى نسوا الذكر) أي: نسوا ذكرك وغفلوا عنك، ويقال: تركوا الحق ~~الذي أنزلت. وقوله: * (وكانوا قوما بورا) أي: هلكى، يقال: رجل بائر أي: ~~هالك، وسلعة بائرة أي: كاسدة، وفي الخبر: ' أن النبي كان يتعوذ من بوار ~~[الأيم] قال الشاعر وهو ابن الزبعرى: # (يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور) أي: هالك قوله ~~تعالى: * (فقد كذبوكم بما تقولون) هذا خطاب مع المشركين، فإنهم كانوا ~~يزعمون أن الملائكة وعيسى وعزيزا دعوهم إلى عبادتهم. # وقوله: * (فما تستطيعون صرفا ولا نصرا) أي: صرف العذاب عن أنفسهم، وقيل: ~~صرفك عن الحق. # وقوله: * (ولا نصرا) أي: لا يستطعيون منع العذاب عن أنفسهم. # وقوله: * (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا) أي: عظيما. # قوله تعالى: * (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون في الأسواق). في الآية جواب عن قولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ~~ويمشى في PageV04P012 # * (صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا (19) وما أرسلنا قبلك ~~من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة أتصبرون وكان ربك). * * * الأسواق؟ وهذا في معنى قوله تعالى: * (قل ما ~~كنت بدعا من الرسل) إن أنا [إلا] رسول ms1121 مثل سائر الرسل، فإذا جاز أن يكون ~~سائر الرسل آدميين، فيجوز أن أكون آدميا رسولا. # وقوله: * (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة). فيه قولان: أحدهما: أن معنى * (فتنة) ~~للفقير، فيقول الفقير: مالي لم أكن غنيا مثله؟ والصحيح فتنة للمريض، فيقول: ~~مالي لم أكن صحيحا؟ ومثل الشريف فتنة للوضيع، فيقول: مالي لم أكن شريفا ~~مثله؟. # والقول الثاني: أن الآية نزلت في رؤوس المشركين مع فقراء المؤمنين، ~~وفقراء المؤمنين مثل: عمار، وابن مسعود، وبلال، و صهيب، و خباب، و سلمان ~~وغيرهم، وكان المشرك إذا أراد أن يسلم، فكر في نفسه، فيقول: هذا دين سبقني ~~إليه هؤلاء الأرذال، فلا أكون تبعا لهم، فيمتنع من الإسلام. # وقوله: * (أتصبرون) أي: فاصبروا. # وفي الخبر أن النبي قال: ' فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا '، وهو ~~خبر طويل. # ويقال إن معنى الآية: أتصبرون أو لا تصبرون؟ وعن بعضهم أنه رأى بعض ~~الأغنياء وقد مر عليه في موكبه، فوقف وقرأ قوله تعالى: * (وجعلنا بعضكم ~~لبعض فتنة أتصبرون) ثم قال: بلى نصبر ربنا، بلى نصبر ربنا، بلى نصبر ربنا، ~~ثلاث مرات. وأورد بعضهم هذه الحكاية للمزني مع الربيع بن سليمان المرادي، ~~وعن داود الطائي أنه PageV04P013 # * (بصيرا وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ~~ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا) * * مر عليه حميد الطوسي في ~~موكبه، وداود في أطمار له، فقال لنفسه: أتطلبين دنيا سبقك بها حميد؟. وروى ~~أن رجلا مر على الحسن البصري، وهو في هيئة حسنة، وسيادة عظيمة من الدنيا، ~~فسأل من هذا؟ فقيل: هذا صراط الحجاج، فقال: هذا الذي أخذ الدنيا بحقها. # وقوله: * (وكان ربك بصيرا) أي: بصيرا بأعمالكم. # قوله تعالى: * (وقال الذين لا يرجون لقاءنا) أي: لا يخافون لقاءنا، قال ~~الفراء: والرجاء بمعنى الخوف لغة تهامية، ومنه قوله تعالى: * (مالكم لا ~~ترجون لله وقارا) أي: لا تخافون لله عظمة. قال الشاعر: # (لا ترتجي حين تلاقى الذائذا * أسبعة لاقت معا أم واحدا) أي: لا تخاف. # وقوله: * (لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ms1122 ربنا) ' معناه: هلا أنزل ~~علينا الملائكة أو نرى ربنا '. # وقوله: * (لقد استكبروا في أنفسهم) أي: تعظموا في أنفسهم، واستكبارهم هو ~~أنهم امتنعوا عن الإيمان، وطلبوا آية لم تطلبها أمة قبلهم. # وقوله: * (وعتوا عتوا كبيرا). أي: علو علوا عظيما، والعتو هو المجاوزة في ~~الظلم إلى أبلغ حده، وعتوهم هاهنا طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا. # وقوله تعالى: * (يوم يرون الملائكة) ويوم رؤية الملائكة هو يوم القيامة. ~~@ 15 @ * (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا ~~(22) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) أصحاب الجنة ~~يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) PageV04P014 # وقوله: * (لا بشرى يومئذ للمجرمين) إنما قال هذا؛ لأن الملائكة يبشرون ~~المؤمنين يوم القيامة، فيطلب ظنا منهم أنهم كانوا على الحق، فيقولون: لا ~~بشرى لكم هكذا قال عطية، وقال بعضهم: معنى الآية: أنه لا بشرى للمجرمين حين ~~توجد البشرى للمؤمنين. # وقوله: * (ويقولون حجرا محجورا) أي: حراما محرما، قال ابن عباس: حرام ~~محرم الجنة على من لم يقل لا إله إلا الله، قال الشاعر: # (حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها * حجر حرام ألا إلى تلك الدهاريس) ويقال ~~معنى الآية: يحرم دخول الجنة على الكافر حين يطلق دخولها للمؤمنين. # قوله تعالى: * (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل). أي: عمدنا إلى ما عملوا من ~~عمل. # وقوله: * (فجعلناه هباء منثورا) قال على - رضي الله عنه -: الهباء ~~المنثور هو ما يرى في الكوة إذا وقع شعاع الشمس فيها. وقال غيره: الهباء ~~المنثور هو ما يسطع من سنابك الخيل عند شدة السير. # وعن يعلى بن عبيد قال: هو الرماد، وفرق بعضهم بين الهباء المنثور وبين ~~الهباء المنبث، فقال: الهباء المنثور ما يرى في الكوة، والهباء المنبث ما ~~يطيره الرياح من سنابك الخيل. # قوله تعالى: * (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) فإن قيل: كيف ~~يكون في الجنة مقيل، وفي النار مقيل وليسا بموضع النوم؟ والجواب عنه: قال ~~الأزهري: المقيل موضع الاستراحة نام أو لم ينم، وفي المأثور عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال: لا ms1123 ينتصف يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل ~~النار في النار. فذكر القيلولة لأن نصف النهار وقت القيلولة، ومعناه: ~~النزول هاهنا، وهو أنه ينزل كلا الفريقين في منازلهم، وقد روى أن الله ~~تعالى يقصر اليوم على المؤمنين حتى يرده كأنه من صلاة إلى صلاة. ~~PageV04P015 # * (ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق ~~للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26)) * * قوله تعالى: * (ويوم تشقق ~~السماء بالغمام) قال قتادة: على الغمام، يقال: جاء فلان بدابته أي: على ~~دابته. # والأكثرون على أن السماء تنشق على غمام أبيض ينزل فيه الملائكة، وروى أن ~~السماء الدنيا تنشق، فينزل من الخلق عنها أكثر من عدد الجن والإنس، ثم تنشق ~~السماء الثانية، فينزل من الخلق عنها أكثر من خلق سماء الدنيا ومن الجن ~~والإنس، وهكذا في السماء الثالثة، والرابعة إلى السابعة، ثم ينزل ~~الكروبيون، ثم ينزل حملة العرش، وقد بينا من قبل قوله: * (فهل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة). # وقوله: * (ونزل الملائكة تنزيلا) أي: وأنزل الملائكة تنزيلا. # قوله تعالى: * (الملك يومئذ الحق للرحمن) معناه: الملك الحق يومئذ ~~للرحمن. # * (وكان يوما على الكافرين عسيرا) أي: شديدا، ومن شدته أن الله يطول ~~عليهم ذلك اليوم كما يقصره على المؤمنين على ما بينا. # وفي بعض الأخبار: أن جهنم تفور يوم القيامة، فيتبدد الناس ويتفرقون، ~~فكلما وصلوا إلى قطر من الأقطار، وجدوا سبعة من صفوف الملائكة أدخلوا ~~أجنحتهم بعضهم في بعض، ثم قرأ: * (وكان يوما على الكافرين عسيرا). # وقوله: * (ويوم يعض الظالم على يديه). الظالم هاهنا هو عقبة بن أبي ~~معيطكان قد هم بإجماع أهل التفسير، وسبب نزول الآية: * (أن عقبة بن أبي ~~معيط كان قد هم بالإسلام، وروى أنه اتخذ دعوة ودعا النبي، فقال: لا آكل حتى ~~تشهد أن لا إله إلا الله، فشهد عقبة، وكان عقبة صديقا لأمية بن خلف، فقال ~~له PageV04P016 # * (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سيبلا (27) ~~يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ms1124 (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ~~وكان الشيطان للإنسان خذولا * * أمية: أصبوت يا عقبة؟ وجهي من وجهك حرام إن ~~لم ترجع، فقال: إنما قلت ما قلت ليأكل من طعامي، وأنا على ديني الأول. وروى ~~أنه قال: لا أكلمك أبدا حتى تجيء فتتفل في وجه محمد، فجاء ففعل، وروى أن ~~التفلة رجعت إلى وجهه - لعنة - الله? (وفي رواية قال: ' لو كنت خارج الحرم ~~لضربت عنقك ' فضحك الكافر، وأسر يوم بدر) أورد النقاش ذلك، ففيه نزلت هذه ~~الآية. # وقوله: * (يعض الظالم على يديه) أي: يأكل يديه ندما، وفي بعض التفاسير: ~~أنه يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه، ثم تنبت ثم يأكل، ثم تنبت هكذا. # فقوله: * (يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا) أي: أخذت طريقه. # وقوله: * (يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا). أي: أمية بن خلف، وقيل: ~~الشيطان، والأول هو المعروف. # قول تعالى: * (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني) أي: عن الهدى بعد إذ ~~جاءني، وقيل: عن القرآن. # وقوله: * (وكان الشيطان للإنسان خذولا) أي: تاركا، ومن المعروف في ~~المغازي أن عقبة بن أبي معيط أسر يوم بدر، فقتله النبي صبرا، فقال: أأقتل ~~من بين هؤلاء يا محمد؟ قال: نعم، قال: من للصبية؟ قال: النار '. واختلفوا ~~في قاتله، فقال بعضهم: تولى قتله علي - رضي الله عنه - وقال بعضهم: عاصم بن ~~أبي الأفلح حمى الدبر، ولم يقتل من الأسراء يوم بدر غير عقبة والنضر بن ~~الحارث. PageV04P017 # (* (29) وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) وقال الذين ~~كفروا لولا نزل عليه * * قول تعالى: * (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا ~~هذا القرآن مهجورا) أي: متروكا، ويقال: جعلوه بمنزلة الهجر أي: الهذيان. # قوله تعالى: * (وكذلك جعلنا) هذه الآية أنزلت تعزية للنبي وتسمية له. # وقوله: * (لكل نبي عدوا من المجرمين) أي: أعداء من المجرمين، وعن ابن ~~عباس في رواية: أنه أبو جهل خاصة، وهو أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة ~~عليه لعنة ms1125 الله. # وقوله: * (وكفى بربك هاديا ونصيرا) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) أي: ~~كما أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى. # وقوله: * (كذلك لنثبت به فؤادك) أي: أنزلناه مفرقا كالذي أنزلنا لنثبت به ~~فؤادك أي: لنقوي به فؤادك، وقيل: لتزداد بصيرة في فؤادك، كأنه كلما نزل ~~جبريل بالوحي ازداد هو بصيرة وقوة، وقد أنزل الله تعالى القرآن في ثلاث ~~وعشرين سنة، فحين أكمل الله تعالى ما أراد إنزاله عليه من الوحي أدركته ~~الوفاة. # وقوله: * (ورتلناه ترتيلا). أي: فصلناه تفصيلا، وقيل: بيناه تبيينا. # والقرآءة على الترتيل سنة، ويكره أن يقرأ كحدو الشعر ونثر الدقل. # قوله تعالى: * (ولا يأتونك بمثل) أي: بمعنى يدفعون ما أنت عليه بعثناك ~~به، إلا جئناك بالحق أي: جئناك بما يدفعه ويبطله، فسمى ما يوردون من الشبه ~~مثلا، وسمي ما يدفع الشبه حقا أعطاه إياه. # وقوله: * (وأحسن تفسيرا) التفسير تفعيل من الفسر، والفسر: كشف ما قد غطى. ~~PageV04P018 # * (القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) ولا ~~يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) الذين يحشرون على وجوههم ~~إلى جهنم أولئك شر مكانا * * قوله تعالى: * (الذين يحشرون على وجوههم إلى ~~جهنم) في الأخبار: أن الناس يحشرون ثلاثة أصناف: صنف ركبانا، وصنف مشاة، ~~وصنف على وجوههم '. # وقد ثبت الخبر عن النبي برواية شيبان، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله قيل ~~له: كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: ' إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادرا ~~على أن يمشيهم على وجوههم '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا المكي بن عبد الرزاق، أخبرنا جدي، أخبرنا ~~الفربري، أخبرنا البخاري، أخبرنا عبد الله بن محمد المسندي، عن يونس بن ~~محمد، عن شيبان... الخبر. # وقوله: * (أولئك شر مكانا) أي: شر مكانة ومنزلة. # وقوله: * (وأضل سبيلا) أي: أخطأ طريقا. # قوله تعالى: * (ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا) أي: ~~ناصرا ومعينا. # قوله تعالى: * (فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا) وهو القبط. # وقوله: * (فدمرناهم تدميرا) أي: أهلكناهم إهلاكا. ms1126 PageV04P019 # * (وأضل سبيلا (34) ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ~~(35) فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) وقوم ~~نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا ~~أليما (37) وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا * * قوله تعالى: * (وقوم نوح ~~لما كذبوا الرسل) أي: الرسول، جمع بمعنى الواحد، ويقال: من كذب رسولا واحدا ~~فقد كذب جميع الرسل؛ فلهذا قال: * (كذبوا الرسل). # وقوله: * (أغرقناهم وجعلناهم للناس آية). نزل الماء من السماء أربعين ~~يوما، ونبع من الأرض أربعين يوما، حتى صارت الدنيا كلها بحرا. # وقوله: (وأعتدنا للظالمين عذابا أليما) أي: مؤلما. قوله تعالى: * (وعادا ~~وثمود) أي: وأهلكنا عادا وثمود. # وقوله: * (وأصحاب الرس). الأكثرون على أن الرس بئر، فروى أنه لما جاءهم ~~نبيهم جعلوه في البئر، وألقوا عليه ما أهلكه. # وقال الكلبي: بعث الله إليهم نبيا فطبخوه وأكلوه. # وعن ابن عباس في بعض الروايات: أن أصحاب الرس هم قوم حبيب النجار، ألقوه ~~في البئر حتى هلك، وهو بأنطاكية. # وقوله: * (وقرونا بين ذلك كثيرا) قد بينا معنى القرون من قبل، وروى عن ~~الربيع ابن خثيم أنه مرض، فقيل له: ألا ندعوا لك طبيبا؟ فقال: أنظروني، ثم ~~تفكر في نفسه، ثم قال: قال الله تعالى: * (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا ~~بين ذلك كثيرا) قد كان فيهم مرضى وأطباء، فما بقي المداوي ولا المداوي، ولا ~~المريض ولا الطبيب، ولا أريد أن تدعوا لي طبيبا. # قوله تعالى: * (وكلا ضربنا له الأمثال) أي: الأشباه. # * (وكلا تبرنا تتبيرا) أي: دمرنا تدميرا، وقيل: أهلكنا إهلاكا. # قوله تعالى: * (ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء) يقال: هؤلاء ~~قريات PageV04P020 # * (بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (39) ~~ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا ~~يرجون نشورا (40) وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا ~~(41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب من أضل سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت ms1127 تكون عليه وكيلا ~~(43)) * * لوط، ويقال: كان الحجر ينزل على قدر قامة الإنسان فيقع عليه، ~~فيدمغه ويهلكه. # وقوله: * (أفلم يكونوا يرونها) ذكر هذا لأن مدائن لوط كانت على طريقهم ~~عند ممرهم إلى الشام ورجوعهم منها. # وقوله: * (بل كانوا لا يرجون نشورا) أي: لا يخافون نشورا، ويقال: يرجون ~~على حقيقته أي: لا يرجون المصير إلى الله تعالى. # * (وإذا رأوك إن يتخذونك) أي: ما يتخذونك) * (إلا هزوا). # وقوله: * (أهذا الذي بعث الله رسولا) قالوا هذا على طريق الاستهزاء. # قوله: * (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا) أي: قد قارب أن يضلنا عن آلهتنا. # قال الشاعر: # (هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله) وقوله: * ~~(لولا أن صبرنا عليها) أي: لو لم نصبر عليها لأضلنا عنها. # وقوله: * (فسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا) أي: أخطأ سبيلا. # قاله تعالى: * (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) قال أهل التفسير: كان من ~~اتخاذهم أهواءهم آلهتهم أن الواحد منهم كان يعبد الحجر، فإذا رأى حجرا أحسن ~~منه طرح الأول، وأخذ الثاني وعبده. # وقوله: * (أفأنت تكون عليه وكيلا). أي: حافظا، وقيل: كفيلا. # وفي بعض الآثار: ما من معبود في السماء والأرض أعظم من الهوى، وعن بعضهم ~~قال: هو الطاغوت الأكبر. PageV04P021 # * (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا (44) ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس ~~عليه دليلا (45)) * * قوله تعالى: * (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون). ~~أي: أتحسب. # وقوله: * (إن هم إلا كالأنعام). أي: ما هم إلا كالأنعام، جعلهم كالأنعام؛ ~~لأنهم لم يدركوا طريق الحق، ولم ينتفعوا بما ميزهم الله به عن البهائم من ~~عقولهم وأسماعهم وأبصارهم. # وقوله: * (بل هم أضل سبيلا) أي: أخطأ طريقا، وجعل الكفار أضل من الأنعام؛ ~~لأن الأنعام تسجد وتسبح لله تعالى، والكفار لا يسجدون ولا يسبحون؛ ولأن ~~البهائم لم يعرفوا، ولم يكونوا أعطوا آله المعرفة. وأما الكفار لم يعرفوا ~~وقد أعطوا آله المعرفة، فهم أضل؛ ولأن البهائم لم تفسد ms1128 ما لها من المعارف؛ ~~فإن الله تعالى أعطاها قدرا من المعارف وهم يستعملونها، وأما الكفار فقد ~~أفسدوا ما لهم من المعارف، فهم أضل وأقل من البهائم. # قوله تعالى: * (ألم تر إلى ربك) منهم من قال: هذا على التقديم والتأخير، ~~ومعناه: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك؟ وقيل: هو على ظاهره، ومعنى الرؤية هو ~~العلم، قال الشاعر: # (أريني جوادا مات هزلا لعلني * أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا) واختلفوا في ~~هذا الظل، فالأكثرون على أنه الظل من وقت طلوع الصبح إلى وقت طلوع الشمس، ~~والقول الثاني: أنه من وقت غروب الشمس إلى وقت طلوعها. والظل هو ظل الأرض ~~يقبل عند غروب الشمس، ويدبر عند طلوعها. # وقوله: * (ولو شاء لجعله ساكنا) أي: دائما. # وقوله: * (ثم جعلناه الشمس عليه دليلا) أي: ثم جعلنا الشمس دليلا على ~~الظل، فإن الظل يعرف بالشمس، والنور يعرف بالظلمة، والليل بالنهار، وكذلك ~~كل الأشياء تعرف بأضدادها. PageV04P022 # * (ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم ~~سباتا وجعل النهار نشورا (47) وهو الذي أرسل الرياح بشرا) * * * وقيل: ~~جعلنا الشمس عليه دليلا أي: تتلوه وتتبعه فتنسخه. # وقوله: * (ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) القبض: جمع المنبسط من الشيء، ~~ومعناه: أن الظل يعم الأرض مثل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الظل ~~بالشمس جزءا فجزءا، فيقال: وقت قبض الظل عند الاستواء، حتى لا يبقى ظل في ~~العالم إلا على موضع لا تكون الشمس مستوية عليه. # وقوله: * (يسيرا) أي: هينا. وقال مجاهد: خفيا، وهو أصح القولين.. # قوله تعالى: * (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا) أي: يلبسكم بظلمة الليل ~~عند غشيانه، فكأن الليل لباس الناس، ومنهم من قال: هو في معنى قوله تعالى: ~~* (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) وموضع السكن كاللباس للإنسان. # وقوله: * (والنوم سباتا) أي: راحة، والسبت: القطع، والنائم مسبوت؛ لأنه ~~انقطع عمله مع بقاء الروح فيه. # وقوله: * (وجعل النهار نشورا) أي: زمانا ينشرون فيه. # قوله تعالى: * (وهو الذي أرسل الرياح بشرا) وقرئ: ' نشرا ' بضم النون ~~والشين، وقرئ ms1129 بالباء المضمومة، فقوله: ' نشرا ' بنصب النون أي: لإنشار ~~النبات، وإنشار النبات إحياؤه، وأما ' نشرا ' بضم النون جمع ' نشر ' كالرسل ~~جمع رسول، وأما * (بشرا) بالباء من البشارة، وقد ذكرنا الكلام في الرياح. ~~PageV04P023 # * (بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحيي به بلدة ميتا ~~ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49)) * * وروى عن النبي أنه كان ~~يقول إذا هبت الريح: ' اللهم أجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا '. # قالوا: وإنما ذكر هكذا؛ لأن البشارة في ثلاث من الرياح: الصبا، والشمال، ~~والجنوب، وأما الدبور فليس فيها بشارة؛ لأنها الريح العقيم. وعن مجاهد قال: ~~إن الريح له جناحان وذنب. وعن ابن عباس أنه قال: الريح والماء جند الله ~~الأعظم. # وقوله: * (بين يدي رحمته) أي: المطر. # وقوله: * (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) قال ثعلب: الطهور هو الطاهر في ~~نفسه المطهر لغيره، فالماء طهور؛ لأنه يطهر الناس من الأحداث، ويطهر الأرض ~~من الجدوبة والقحط. # وقوله تعالى: * (لنحيي به بلدة ميتا) أي: بلدا ميتا، وإحياؤه بإنبات ~~النبات، وإخراج الأشجار والثمار. # * (ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا) أي: نسقى بالماء أنعاما وأناسي ~~كثيرا. والأناسي جمع إنسي وقيل: جمع إنسان، وكان أصله أناسين، مثل بستان ~~وبساتين، ثم حذفت النون، وشددت الياء. # ومعنى الآية: أنا نسقى بالماء الحيوان وغير الحيوان، ننمي به كل ما يقبل ~~النماء. PageV04P024 # * (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50)) * * قوله ~~تعالى: * (ولقد صرفناه بينهم) أكثر أهل التفسير على أنها الهاء راجعة إلى ~~المطر، ومعنى التصريف أنه يسقى أرضا ويمنع أرضا. # قال ابن عباس: ' ما عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه بين عباده على ما ~~يشاء. ومثله عن ابن مسعود. # وروى عن النبي أنه قال: ' ما من ساعة تمضي إلا والسحاب يمطر فيها، إلا أن ~~الله تعالى يصرفه عن قوم، ويعطيه قوما ' والخبر غريب. # وقوله: * (ليذكروا) أي: ليتذكروا، ويقال: إن الهاء في قوله: * (صرفناه) ~~تنصرف إلى الفرقان المذكور في أول السورة، وهو قول بعيد. # وقوله: * (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) أي: كفرانا، وكفرانهم هو أنهم إذا ms1130 ~~أمطروا، يقولون: مطرنا بنوء كذا، وهو في معنى قوله تعالى في سورة الواقعة: ~~* (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون). وقد ثبت عن النبي أنه قال يوما، وقد مطروا ~~في ليلته: ' يقول الله تعالى: أصبح الناس فريقين، مؤمن بي وكافر بالكوكب، ~~ومؤمن بالكوكب وكافر بي، فمن قال: مطرنا برحمة الله تعالى وفضله، فهو مؤمن ~~بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب '. ~~PageV04P025 # * (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به ~~جهادا كبيرا (52) وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل ~~بينهما بزرخا وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا ~~وصهرا وكان ربك * * قوله تعالى: * (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا) ظاهر ~~المعنى. # وقوله: * (فلا تطع الكافرين) أي: فيما يدعونك إليه. # وقوله: * (وجاهدهم به جهادا كبيرا) أي: بالحق، وقيل: بالقرآن. # وقوله: * (كبيرا) معناه: شديدا. # قوله تعالى: * (وهو الذي مرج البحرين) أي: خلط البحرين، وقيل: أرسل ~~البحرين. # وأما البحران فيقال: إنه بحر فارس والروم، ويقال: بحر السماء والأرض، ~~ويقال: البحران هو الملح والعذب. # وقوله: * (هذا عذاب فرات) العذب يسمى كل ماء عذب فراتا، ويسمى كل ماء ملح ~~بحرا. # وقوله: * (وهذا ملح أجاج) أي: شديد الملوحة، وقيل: مر. # وقوله: * (وجعل بينهما برزخا) يقال: باليبس بين البحرين، وقيل: بالهواء ~~بين بحر السماء وبحر الأرض، وقيل: بالقدرة بين الملح والعذب، فلا يختلط ~~الملح بالعذب، ولا العذب بالملح، وهذا في موضع مخصوص بخليج مصر، والبرزخ هو ~~الحاجز. # وقوله: * (وحجرا محجورا) أي: مانعا ممنوعا، قال الشاعر: # (فرب ذي سرادق محجور * سرت إليه من أعالي السور) قوله تعالى: * (وهو الذي ~~خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا). # النسب نسبة من قرابة، والصهر خلطة من غير النسب، وقد ذكرنا أن الله تعالى ~~حرم سبعا بالنسب، وسبعا بالسبب، وعددناها في سورة النساء، ويقال: النسب ما ~~يوجب الحرمة، والصهر مالا يوجب الحرمة. PageV04P026 # * (قديرا (54) ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر ~~على ربه ظهيرا (55) وما ms1131 أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل ما أسألكم عليه ~~من اجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) وتوكل على الحي الذي لا يموت ~~وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة * * وقوله: * (وكان ربك قديرا) أي: قادرا. # قوله تعالى: * (ويعبدون من دون الله ما لا ينفهم ولا يضرهم) قد ذكرنا. # وقوله: * (وكان الكافر على ربه ظهيرا) أي: عونا للشيطان على المعاصي، ~~ويقال: ظهيرا أي: هينا كما يقول الرجل: جعلتني بظهر أي: جعلتني هينا. قال ~~الشاعر: # (تميم بن [زيد] لا تكونن حاجتي * بظهر فلا يعيا على جوابها) قوله تعالى: ~~* (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا) أي: مبشرا ومنذرا. # وقوله: (قل ما أسألكم عليه من أجر) أي: من جعل. # وقوله: * (إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا) معناه: لكن من شاء أن يتخذ ~~إلى ربه سبيلا سلك طريق الإيمان، وأخذ به. # قوله تعالى: * (وتوكل على الحي الذي لا يموت) الحي الذي لا يموت هو الله ~~تعالى. # وقوله: * (وسبح بحمده) أي: صل بأمره. # وقوله: * (وكفى به بذنوب عباده خبيرا) أي: كفى بالله بذنوب عباده عالما، ~~وهذا على طريق التهديد والوعيد. # قوله تعالى: * (الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) قد ~~بينا. # وقوله * (ثم استوى على العرش الرحمن) قد بينا. # وقوله: * (فاسأل به خبيرا) يقال معناه: فاسأل عنه خبيرا أي: عالما، وهو ~~الله تعالى. # قال الشاعر: PageV04P027 # * (أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسئل به خبيرا (59) وإذا قيل لهم ~~اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60) تبارك ~~الذي جعل في * * (هلا سألت الخيل يا ابنة مالك * إن كنت سائلة بما لم ~~تعلمي) أي: عما لم يعلم. # ويقال: فاسأل سؤالك إياه للخبير يعني: سلني ولا تسأل غيري، ويقال: إن ~~الخطاب للرسول، والمراد منه الأمة، فإنه كان عالما بهذا، ومصدقا به. # وحقيقة المعنى: أنك أيها الإنسان لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى غيري، ~~قاله الزجاج. # وقوله تعالى: * (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا ms1132 وما للرحمن). # قال أهل التفسير: إنما قالوا هذا؛ لأنهم كانوا لا يعرفون اسم الرحمن في ~~كلامهم، فسألوا عن ' الرحمن ' لهذا. # وروى أن رسول الله لما دعاهم إلى ' الرحمن '، ويقال: إن أبا جهل قال له: ~~يا محمد، من يعلمك القرآن؟ فأنزل الله تعالى: * (الرحمن علم القرآن) قال ~~أبو جهل وغيره: لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة باليمامة، وكان يسمى: رحمان ~~اليمامة. # وقوله: * (أنسجد لما تأمرنا) يعني: الرحمن الذي تأمرنا بالسجود له. # وقوله: * (وزادهم نفورا) أي: تباعدا. # قوله: * (تبارك الذي جعل في السماء بروجا) هي النجوم العظام، وقيل: هي ~~البروج الاثنا عشر. # وقوله: * (وجعل فيها سراجا) أي: الشمس، وقرئ: ' سرجا ' على الجمع، وعلى ~~هذه القراءة قد دخل القمر في السرج، إلا أنه خصه بالذكر لنوع فضيلة له، ~~وهذا مثل قوله تعالى: * (فيها فاكهة ونخل ورمان). PageV04P028 # * (والسماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) وهو الذي جعل الليل ~~والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا * * * وقوله: * (منيرا) أي: مضيئا. # قوله: * (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة) فيه قولان: أحدهما: مختلفين، ~~هذا أسود وهذا أبيض. والثاني: خلفه أي: يخلف أحدهما صاحبه. ويقال: ما فات ~~من الذكر بالليل، فالنهار يخلفه فيه، وما فات من الذكر بالنهار، فالليل ~~يخلفه فيه. قال قتادة: وكذلك في الصلاة، والقول الثالث: خلفه أي: يزداد في ~~هذا ما ينقص من الآخر، ويزداد في الآخر ما ينقص من هذا، وأنشد الشاعر في ~~الخلفة: # (بها العين والآرام يمشين خلفة * واطلاؤها ينهضن من كل مجثم) فعلى هذا ~~خلفة أي: كل واحد منهما خلف صاحبه. # وقوله: * (لمن أراد أن يذكر) أي: يتذكر. # * (أو أراد شكورا) أي: شكرا. # ومعناه: من أراد ذكرا أو شكرا، فالليل والنهار زمانا الذكر والشكر. # وقوله تعالى: * (وعباد الرحمن). فإن قال قائل: كل الناس عباد الرحمن، ~~مؤمنهم وكافرهم؟ قلنا: إن هذا كما يقول القائل: ابني فلان، ويخص بذلك ~~الواحد من بينه، وكذلك يقول: صديقي فلان، ويخص بذلك الواحد من أصدقائه، ~~ومعناه: أن من يكون ابني ms1133 ينبغي أن يكون كفلان، ومن يكون صديقي ينبغي أن ~~يكون كفلان. # وقوله: * (الذين يمشون على الأرض هونا). أي: بالسكينة والوقار. قال ~~الحسن: علماء حكماء، لا يجهلون إذا جهل عليهم. وقال ثعلب: هونا رفقا. # وعن بعضهم: متواضعين لا يتكبرون. # وقوله: * (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) قال الضحاك: إذا أوذوا ~~صفحوا، وقال بعضهم: قالوا قولا يسلمون منه، وعن بعضهم: قالوا سلاما أي: ~~متاركة لا خير PageV04P029 # * (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63) والذين يبيتون لربهم سجدا ~~وقياما (64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ~~(65) * * ولا شر، وليس المراد من السلام هو السلام المعروف، وإنما معناه ما ~~بينا. # والآية مكية، وكان المسلمون قد أمروا قبل الهجرة بالصفح والإعراض، وألا ~~يقابلوا أذى المشركين بالمجازاة، ثم نسخ حين هاجروا بآية السيف. # قوله تعالى: * (والذين يبيتون لربهم) يقال: بات فلان سواء نام أو لم ينم. # قال الشاعر: # (فبتنا قياما عند رأس جوادنا * يزاولنا عن نفسه ونزاوله) قوله: * (سجدا ~~وقياما). # أي: سجدا على وجوههم، وقياما على أرجلهم. # وعن ابن عباس أنه قال: من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر من ذلك، ~~فهو من الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما. # قوله تعالى: * (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم) أي: اعدل عنا ~~عذاب جهنم. # وقوله: * (إن عذابها كان غراما). # أي: ملحا دائما، وقال أبو عبيدة: هلاكا، ويقال: فلان مغرم بالنساء أي: لا ~~صبر له عنهن، ومنه الغريم لأنه يلازم. وقيل غراما أي: شديدا، قال الأعشى: # (إن يعاقب يكن غراما وإن يعط * جزيلا فإنه لا يبالي) وعن محمد بن كعب ~~القرظي قال: طالب الله الكفار بثمن النعمة، فلما عجزوا غرمهم النعمة فبقوا ~~في النار. # وعن الحسن قال: كل غريم يفارق غريمه غير جهنم، فإنها لا تفارق غرماءها ~~أبدا. PageV04P030 # * (إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا لم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما (67) * * * قوله تعالى: * (إنها ساءت مستقرا ومقاما) ~~أي: بئس موضع القرار، وموضع المقام جهنم، وقد بينا الفرق بين المقام ~~والمقام. # قوله تعالى: * (والذين إذا أنفقوا ms1134 لم يسرفوا) قال أبو عبد الرحمن الحلي: ~~كل إنفاق في غير طاعة الله فهو إسراف، وكل منع عن طاعة الله فهو إقتار. # وعن إبراهيم النخعي قال: لم يسرفوا أي: لم يجاوزوا الحد في الإنفاق، وذلك ~~بالإكثار في النفقة على وجه التبذير. # وقوله: * (ولم يقتروا) أي: لم يقلوا في الإنفاق حتى يعروا أو يجيعوا من ~~يجب عليهم الإنفاق عليهم. # وقال بعضهم: لم يسرفوا أي: لم ينفقوا في غير الحق، ولم يقتروا أي: لم ~~يمنعوا من الحق، وهذا القول قريب من القول الأول. # قال النضر بن شميل: وكان بين ذلك قواما: حسنة بين سيئتين، وحكى ثعلب أن ~~عبد الملك بن مروان قال لعمر بن عبد العزيز - وكان قد زوج ابنته فاطمة منه ~~-: كيف نفقتك يا عمر؟ فقال: حسنة بين سيئتين. # وعن وهب بن منبه أنه قال: إذا أخذت بواحد من طرفي العود مال، فإذا أخذت ~~بوسطه اعتدل. # وقوله: * (قواما). أي: عدلا، وهو معنى ما قلناه، والقوام بالفتح من ~~الاستقامة، والقوام بالكسر ما يقيم الأمر به، كأنه ملاكه. # قوله تعالى: * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) معلوم المعنى. # وقوله: * (ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق). الحق هو ما ثبت عن ~~النبي أنه قال: ' لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث... ' وقد بينا. ~~PageV04P031 # * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا (69) * * وقوله: * (ولا يزنون) الزنا فعل معلوم، وأما ~~اللواط: هل هو زنا أوليس بزنا؟ فالأمر فيه على ما عرف في الفقه، وكذلك ~~إتيان البهيمة. # وقد ثبت برواية عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قلت: يا ~~رسول الله، أي الذنب أعظم؟ فقال: ' أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: يا رسول ~~الله، ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك. قلت: ثم أي يا رسول ~~الله؟ قال: أن تزني بحلية جارك، ثم قرأ ms1135 قوله: * (والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر)... الآية '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو العباس الأزهري، [أخبرنا أبو ~~الحسين] أحمد بن محمد الخفاف، أخبرنا أبو العباس السراج، أخبرنا إسحاق ~~الحنظلي، أخبرنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل.. الخبر. # وذكر الكلبي: ' أن وحشيا أرسل إلى النبي يطلب منه توبة لنفسه، فبعث إليه ~~بهذه الآية، فقال وحشي: إني قد أشركت، وقتلت وزنيت، ولا أدري كيف توبتي؟ ~~فأريد آية أوسع من هذه، فأنزل الله تعالى: * (إن الله لا يفغر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فبعث بالآية إلى وحشي، فقال: لا أدري، أأدخل في ~~المشيئة أولا؟ أريد آية أوسع من هذه الآية، فأنزل الله تعالى * (يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) فبعث إليه بالآية، فأسلم ~~'. PageV04P032 # * (إلا من تاب * * * قال أهل العلم: وهذا مستبعد جدا؛ لأن هذه الآية ~~مكية، ووحشي إنما أسلم بعد غزوة حنين والطائف في آخر عهد النبي، وكل هذه ~~الآيات إنما نزلت (من اسلامه عدة). # وفي بعض التفاسير: إن هذه الآية نزلت بمكة إلى قوله: * (إلا من تاب) ومكث ~~الناس سنتين، ثم نزل قوله تعالى: * (إلا من تاب). إلى آخر الآية بعد ذلك. # وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن قوله: * (إلا من تاب) ينصرف إلى الشرك ~~والزنا، فأما قتل النفس فقد أنزل الله تعالى فيه: * (ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا..) الآية قال ابن عباس: وهذه الآية مدنية، وقوله: * (إلا من تاب) ~~مكية، فالحكم في القتل على هذه الآية، ولا توبة لقاتل النفس. # وأما عند غيره من أهل العلم: فالتوبة من الكل مقبولة، وقد بينا هذا من ~~قبل، وظاهر هذه الآية وهو قوله: * (إلا من تاب) يدل على هذا؛ لأنه قد سبق ~~قتل النفس. # وقوله: * (ومن يفعل ذلك يلق أثاما) أي: جزاء الإثم، ويقال: أثاما واد في ~~جهنم، قال الشاعر: # * (جزى الله ابن عروة حيث أمسى * عقوقا والعقوق له أثام) أي: جزاء الإثم. ~~وقال أخر: # (لقيت ms1136 المهالك في حربنا * وبعد المهالك تلقى أثاما) قوله تعالى: * (يضاعف ~~له العذاب يوم القيامة) أي: يستدام له العذاب، ويقال: يضاعف الله العذاب، ~~يجمع عليه عذاب الكبائر التي ارتكبها. PageV04P033 # * (وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات * * وقوله: * ~~(ويخلد فيه مهانا) أي: يخلد فيه وقد أصاب الهوان والذلة، وقرئ: ' يضاعف ' و ~~' يخلد ' بالرفع، ورفعه بالاستئناف، وقرئ: يضاعف ' و ' يخلد ' بالجزم، ~~وجزمه على جواب الشرط. # قوله: * (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا) معناه: إلا من ندم وآمن بربه، ~~وعمل عملا صالحا في المستقبل. # وقوله: * (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) قال الحسن البصري ومجاهد ~~وجماعة: هذا في الدنيا. ومعناه: تبديل الكفر بالإيمان، والشرك بالإخلاص، ~~والمعصية بالطاعة. # وقال سعيد بن المسيب وجماعة: هذا في الآخرة، والله تعالى يبدل سيئات ~~التائب بالحسنات في صحيفته. # وقد ورد في القول الثاني خبر صحيح عن النبي، رواه وكيع، عن الأعمش، عن ~~المعرور بن سويد، عن أبي ذر، أن النبي قال: ' يؤتى بالمؤمن يوم القيامة ~~فيعرض عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، فيسأل ويعترف، وهو مشفق من ~~الكبائر، فيقول الله تعالى: أعطوه مكان كل سيئة حسنة، فيقول: يا رب، إن لي ~~ذنوبا ولا أراها هاهنا؟ فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه '. أخرجه مسلم في ~~صحيحه. # وعن أبي هريرة أنه قال: يعطي المؤمن صحيفته يوم القيامة فيقرأ بعضها، ~~وإذا هي سيئات، فإذا وصل إلى الحسنات ينظر نظرة فيما قبلها، فإذا هي كلها ~~صارت حسنات. # وقد أنكر جماعة من المتقدمين أن تنقلب السيئة حسنة؛ منهم الحسن البصري ~~وغيره، وإذا ثبت الخبر عن النبي لم يبق لأحد كلام. PageV04P034 # * (وكان الله غفورا رحيما (70) ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله ~~متابا (71) والذين لا يشهدون الزور * * وقد قال بعضهم: إن الله يمحو بالندم ~~جميع السيئات، ثم يثبت مكان كل سيئة حسنة. # وقوله: * (وكان الله غفورا رحيما) قد بينا. # قوله تعالى: * (ومن تاب وعمل صالحا) قال بعض أهل العلم: هذا في التوبة عن ~~غير ما سبق ذكره، وأما التوبة المذكورة في الآية ms1137 الأولى، فهي عما سبق ذكره ~~من الكبائر. # وقال بعضهم: هذه الآية واردة أيضا في التوبة عن جميع السيئات، ومعناها ~~على وجهين: أحدهما: أن معنى الآية: ومن أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه ~~الله تعالى، ولا ينبغي أن يريد غيره، كالرجل يقول: من اتجر فليتجر في البر، ~~ومن ناظر فليناظر في الفقه، فيكون قوله: * (فإنه يتوب إلى الله متابا) على ~~هذا القول خبرا بمعنى الأمر، أي: تب إلى الله توبة، والوجه الثاني: أن معنى ~~الآية: من تاب فليعلم أن توبته إلى الله ومصيره إليه و ثوابه منه، كالرجل ~~يقول لغيره: إذا كلمت الأمير فاعلم أنه أمير، وإذا كلمت أباك فاعلم أنه ~~أبوك. # قوله: * (والذين لا يشهدون الزور) أي: الشرك، ومعناه: لا يشهدون شهادة ~~الشرك، ويقال: الكذب. وعن محمد بن الحنيفة: الغناء، [و] هو قول مجاهد. # (وعن بعضهم): الغناء رقية الزنا. وقال بعض أهل السلف: الغناء ينبت النفاق ~~في القلب. وقيل: لا يشهدون الزور أي: أعياد الكفار، وقيل: النوح. # وقوله: * (وإذا مروا باللغو مروا كراما) أي: مروا معرضين كما يمر الكرام، ~~وقيل: أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه. قال الحسن: اللغو هو المعاصي كلها. # وقال عمرو بن قيس: مجلس الخنا. واللغو في اللغة كل ما هو باطل، ولا يفيد ~~فائدة. PageV04P035 # * (وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم ~~يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) أولئك يجزون الغرفة بما ~~صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) * * قوله تعالى: * (والذين إذا ذكروا ~~بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا). # قال القتيبي معناه: لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها، وكأنهم عمى لم ~~يروها. وقال بعضهم معناه: لم يسقطوا عليها صما وعميانا، بل سمعوا وأبصروا. # قوله تعالى: * (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) ~~أي: أولادا، بررة أتقياء، وقرة العين تذكر عند السرور، وسخنة العين عند ~~الحزن، ويقال: دمع العين عند السرور بارد، وعند الحزن حار. وذكر الأزهري ~~أبو منصور: أن ms1138 معنى قرة العين أن يصادف قلبه ما يرضاه قلبه، فتقر عينه عن ~~النظر إلى غيره، يعني: لا تنظر إلى غيره. # وعن محمد بن كعب القرظي قال: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى أهله ~~وولده أتقياء بررة. # وقوله: * (واجعلنا للمتقين إمام) قال الحسن: نقتدي بالمتقين، ويقتدي بنا ~~المتقون. # واستدل بعضهم بهذا على أنه لا بأس بطلب الإمامة في الدين، ويندب إليه. # وقال بعضهم: لا يطلب للرئاسة، ولكن يطلب للدين، ثم حينئذ يقتدي به ~~المتقون، فيصير إماما لهم على ما قال الله تعالى. # قوله: * (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) قال عطاء، عن ابن عباس: الغرفة ~~من الدر والزبرجد والياقوت. ويقال: هي أعلى منازل الجنة. # وقوله: * (بما صبروا) عن الشهوات، وقيل: صبروا عن الدنيا، وقيل: صبروا ~~على الطاعة. # وقوله: * (ويلقون فيها) وقرئ: ' ويلقون ' مخففا، والمعنى والمعنى واحد. # وقوله: * (تحية) أي: ملكا، وقيل: بقاء [دائما]. PageV04P036 # * (خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ~~فقد كذبتم فسوف يكون إلزاما (77) * * وقوله: * (وسلاما) أي: يسلم بعضهم على ~~بعض، وقال عطاء عن ابن عباس: يسلم الله عليهم. وقيل: سلامة من الآفات. # قوله تعالى: * (خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما) أي: مكانا يستقرون فيه. # وقوله: * (ومقاما) أي: يقيمون إقامة. قوله تعالى: * (قل ما يعبأ بكم ربي ~~لولا دعاؤكم) أحسن الأقاويل فيه أن معناه: ما يصنع بكم ربي لولا دعائكم أي: ~~لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد، وهي في معنى قوله تعالى: * (ما يفعل الله ~~بعذابكم إن شكرتم وآمنتم). قال القتيبي معناه: ما يعبأ بعذابكم ربي لولا ~~دعاؤكم أي: لولا إيمانكم، يعني: إذا آمنتم لا يعذبكم. وقال بعضهم: أي قدر ~~لكم عند ربي لولا أنه دعاكم إلى الإيمان فتؤمنون، فالآن يظهر لكم قدر وخطر. # وقوله: * (فقد كذبتم) قرأ ابن عباس: ' فقد كذب الكافرون '، وأما المعروف: ~~* (فقد كذبتم) أي: كذبتم أيها الكافرون، ومعناه: قد دعوتكم إلى الإيمان فلم ~~تؤمنوا. # وقوله: * (فسوف يكون إلزاما) وعيد معناه: سوف يكون العذاب لزاما. قال ابن ~~مسعود: معنى اللزام وهو يوم بدر. ms1139 وقال بعضهم: اللزام: الموت. # قال الشاعر: # (تولى عند حاجتنا أنيس * ولم اجزع من الموت اللزام) وقرئ في الشاذ ' ' ~~لزاما ' بفتح اللام، وهو في معنى الأول. PageV04P037 # بسم الله الرحمن الرحيم * (طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) لعلك باخع ~~نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم ~~لها خاضعين * * تفسير سورة الشعراء وهي مكية إلا أربع آيات في آخر السورة. # قوله تعالى: * (طسم) قال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم ~~السورة. # وعن بعضهم: أن الطاء من الطول، والسين من السناء، والميم من الملك. وقال ~~بعضهم: الطاء شجرة طوبى، والسين سدرة المنتهى، والميم محمد. ويقال: الطاء ~~من اسمه الطاهر، والسين من اسمه السلام، والميم من اسمه المجيد. # وقوله: * (تلك آيات الكتاب المبين) قد بينا من قبل. # قوله تعالى: * (لعلك باخع نفسك) أي: قاتل نفسك، وقيل: مهلك نفسك حزنا. # وقوله تعالى: * (ألا يكونوا مؤمنين) يعني: إن لم يؤمنوا. # قوله: * (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) قال ابن جريج معناه: نريهم ~~أمرا من أمرنا، فلا يعص أحد، وقيل: إن نشأ ننزل من السماء آية فاضطروا إلى ~~الإيمان. # وقوله: * (فظلت أعناقهم لها خاضعين) فيع أقوال: أحدها: خاضعين بمعنى ~~خاضعة، والقول الثاني: أن المراد من أعناق أشراف الناس وكبراؤهم، فعلى هذا ~~معنى الآية: فظل كبراؤهم وأشرافهم للآية خاضعين، والقول الثالث: أنه ذكر ~~الأعناق، والمراد منه أصحاب الأعناق، فانصرف قوله: * (خاضعين) إلى المضمر ~~في الكلام. # قال الشاعر: # * (رأت مر السنين أخذن منى * كما أخذ السرار من الهلال) PageV04P038 # (* (4) وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد ~~كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (6) أو لم يرو إلى الأرض كما ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم (8) وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين * ~~* فرجع قوله: أخذن إلى السنين، لا إلى قوله: مر السنين. # قوله تعالى: * (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث) أي: محدث إنزاله ms1140 إلى ~~النبي، وقد بينا هذا من قبل. # وقوله: * (إلا كانوا عنه معرضين) أي: عن الإيمان. # قوله تعالى: * (فقد كذبوا فسيأتيهم) أي: سوف يأتيهم. # وقوله: * (أنباء ما كانوا به يستهزءون) أي: عاقبة ما كانوا به يستهزءون، ~~أي: عاقبة ما كانوا يستهزءون، وهذا يدل على أن كل مكذب مستهزئ. # قوله تعالى: * (أو لم يرو إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم) أي: ~~من كل صنف حسن، والزوج مثل: الحامض والحلو، والأبيض والأسود، وما أشبهه. # وقال الشعبي: الخلق نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار ~~فهو لئيم، والعرب تقول: نخلة كريمة إذا طاب ثمرها، ورجل كريم إذا حسن فعله. # قوله تعالى: * (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين) أي: مصدقين. # وقوله: * (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) قد بينا من قبل. # قوله تعالى: * (وإذ نادى ربك موسى) أي: من جانب الطور الأيمن، على ما ورد ~~به القرآن، وقال ابن جبير: من السماء. # وقوله: * (أن ائت القوم الظالمين) أي: الكافرين. # وقوله: * (قوم فرعون ألا يتقون) معناه: ألا يخافون. # قوله تعالى: * (قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري) وقرئ: ' ويضيق ~~صدري ' بنصب القاف أي: أخاف أن يضيق صدري. PageV04P039 # (* (10) قوم فرعون ألا يتقون (11) قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق ~~صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون ~~(14) قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا ~~رسول رب العالمين (16) * * وقوله: * (ولا ينطلق لساني) قال هذه للعقدة التي ~~كانت على لسانه. # وقوله: * (فأرسل إلى هارون) معناه: فأرسل إلى هارون مع إرسالي. # وقوله: * (ولهم علي ذنب) أي: دعوى ذنب، وذلك الذنب هو قتلة القبطي. # وقوله: * (فأخاف أن يقتلون) بذلك الرجل وفي القصة: أن فرعون كان يطلبه ~~طول هذه المدة ليقتله بالقبطي. قوله تعالى: * (كلا) أي: لا تخف. # وقوله تعالى: * (فاذهبا بآياتنا) قد بينا تفسير الآيات من قبل. # وقوله: * (إنا معكم مستمعون) ذكر بلفظ الجمع، والمراد منه اثنان، وقيل: ~~إنا معكما ومع بني إسرائيل نسمع ms1141 ما يجيبكم فرعون، وأما قوله: * (مستمعون) ~~قد بينا مثل هذا فيما سبق، وذكرنا أنه قد ذكر نفسه بلفظ الجماعة في مواضع ~~على طريق التفخيم والتعظيم. # وقوله تعالى: * (فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين) فإن قيل: كيف ~~لم يقل: إنا رسولا رب العالمين؟ والجواب: أن معنى الرسول هاهنا هو الرسالة. # قال الشاعر: # (لقد كذب الواشون ما فهمت عندهم * بسوء ولا أرسلتهم برسول) أي: برسالة، ~~فعلى هذا معنى الآية: فقولا إنا ذو رسالة رب العالمين، ويقال: إن قوله: * ~~(رسول رب العالمين) رسولا رب العالمين، واحد بمعنى الاثنين. # وقوله: * (أن أرسل معنا بني إسرائيل) أي: أرسلهم معنا إلى الشام، وكان قد ~~استعبدهم، واستسخرهم في أنواع الأعمال، وقد بينا. # وقوله: * (قال ألم نربك فينا وليدا) في الآية حذف؛ وهو أنه ذهب وجاء إلى ~~PageV04P040 # * (أن أرسل معنا بني إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من ~~عمرك سنين (18) وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) قال فعلتها ~~إذا * * فرعون، ودعاه إلى الله، فأجابه بهذا، وفي القصة: أن موسى رجع إلى ~~مصر وعليه جبة صوف، وفي يده عصاه، والمكتل معلق برأس العصا فيه زاده، فروى ~~أنه جاء ودخل دار نفسه، وطلب هارون، وقال له: إن الله أرسلني إلى فرعون، ~~وأرسلك أيضا إليه حتى ندعو فرعون إلى الله تعالى. # فخرجت أمهما وصاحت، وقالت: إن فرعون يطلبك ليقتلك، فلو ذهبتما إليه ~~قتلكما، فلم يلتفت موسى إلى قولها، وذهبا إلى باب فرعون ليلا، ودقا الباب، ~~ففزع البوابون، وقالوا: من بالباب؟ وروى أنه اطلع البواب عليهما، فقال ~~لهما: من أنتما؟ فقال موسى: أنا رسول رب العالمين، فذهب البواب إلى فرعون، ~~وقال: إن مجنونا بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين، فترك حتى أصبح ثم دعاه. ~~وفي بعض القصص: أنهما مكثا سنة لا يصلان إليه، ثم وصلا. # وقوله: * (قال ألم نربك فينا وليد) في القصة: أن موسى لما دخل عليه، ونظر ~~إليه فرعون عرفة، فقال: ألم نربك فينا وليدا أي: صغيرا. # وقوله: * (ولبثت فينا من عمرك سنين) أي: ثمان عشرة ms1142 سنة، وقال بعضهم: ~~ثلاثين سنة. # وقوله: * (وفعلت فعلتك التي فعلت) أي: قتلت الرجل، وهو الذي كان وكزه ~~فقتله، وقرئ في الشاذ: ' فعلتك ' بكسر الفاء، وقوله: * (وأنت من الكافرين) ~~أي: الكافرين لنعمتي، قال الشاعر: # (والكفر (مخبثة) لنفس المنعم *) قوله تعالى: * (قال فعلتها إذا) أي: فعلت ~~ما فعلت حينئذ * (وأنا من الضالين) أي: من الجاهلين. وقيل: من الناسين. # قوله تعالى: * (ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما) أي: النبوة ~~والعلم. PageV04P041 # * (وأنا من الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني ~~من المرسلين (21) وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22)) * * * * ~~وقوله: * (وجعلني من المرسلين) ظاهر المعنى. # وقوله تعالى: * (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) فيه أقوال: ~~أحدها: أن ألف الاستفهام محذوفة، ومعناه: أو تلك نعمة تمنها على؟ قال ~~الشاعر: # (تروح من الحي أم تبتكر * وماذا يضيرك لو تنتظر) أي: أتروح من الحي أم ~~تبتكر. # والقول الثاني معناه: وتلك نعمة أي: التربية نعمة تمنها على أن تعتد بها ~~على، وقوله: * (أن عبدت بني إسرائيل) أي: استعبدت بني إسرائيل، وعاملتهم من ~~المعاملات القبيحة. # والقول الثالث: وتلك نعمة تمنها على بالتربية، وقوله: * (أن عبدت بني ~~إسرائيل) يعني: باستعبادك بني إسرائيل ربيتني وكفلتني، ومعناه: لولا أنك ~~استعبدت بني إسرائيل ما وقعت إليك، (وما) ربيتني؛ فإنه قد كان لي من ~~يربيني، وحقيقة المعنى دفع متنه. # قوله تعالى: * (قال فرعون وما رب العالمين) وفي بعض الأخبار عن النبي: أن ~~جبريل - عليه السلام - قال: ' كنت واقفا عند ربي حين قال فرعون هذا، فنشرت ~~جناحي وتهيأت لعذابه إذا أمرني الرب، فقال: يا جبريل، إنما يعجل من يخاف ~~الفوت '. والخبر غريب. # واعلم أن سؤال المائية - ولا يجوز على الله - وإنما هذا من أوصاف ~~المخلوقين؛ والدليل عليه أن موسى لم يجب سؤال المائية، فلم يقل: ربي لونه ~~كذا، وهو PageV04P042 # * (قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تسمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم ~~الأولين (26) قال إن رسولكم الذي ms1143 أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب المشرق * * ~~* من كذا، وريحه كذا، ولكن أجاب بذكر أفعاله الدالة عليه، فقال: * (رب ~~السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين). # واعلم أن سؤال المائية سؤال عن جنس الشيء، والله تعالى منزه عن الجنسية، ~~ويقال: إن جواب موسى عن معنى السؤال، لا عن عين السؤال؛ كان معنى السؤال: ~~ومن رب العالمين؟ قال: رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. # ومعنى قوله: * (إن كنتم موقنين) هاهنا أنكم كما توقنون الأشياء التي ~~[تعاينونها]، فأيقنوا أن إله الخلق هو الله تعالى. # قوله تعالى: * (قال لمن حوله ألا تسمعون) يعنى: لا تستمعون، وقال فرعون ~~هذا على استبعاد جواب موسى - عليه السلام - وقد كان أولئك القوم يعتقدون أن ~~آلهتهم ملوكهم، فزاد موسى - عليه السلام - في البيان فقال: * (ربكم ورب ~~آبائكم الأولين). # قوله تعالى: * (قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون) وقد كان عندهم أن ~~من لا يعتقد ما يعتقدون فليس بعاقل، فزاد موسى في البيان فقال: * (رب ~~المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) فأجاب فرعون، وقال: * (لئن ~~اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين) وفي القصة: أن سجنه كان أشد من ~~القتل، فإنه كان يحبس الرجل وحده في موضع لا يسمع شيئا ولا يبصر شيئا، ~~ويهوى في الأرض، فأجاب موسى، وقال: * (أو لو جئتكم بشيء مبين) أي: تحبسني ~~وإن جئتك بشيء مبين أي: بآية بينة. قوله تعالى: * (قال فأت به أن كنت من ~~الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين) والثعبان الذكر من الحيات العظيم ~~منها، فإن قيل: أليس قد قال في موضع آخر: PageV04P043 # * (والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين (29) قال أو لو جئتك بشيء مبين (30) قال فأت به إن ~~كنت من الصادقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) ونزع يده فإذا هي ~~بيضاء * * (كأنها جان) والجان الحية الصغيرة؟ والجواب عنه: أن معنى الجان ~~أنها كالحية الصغيرة في اهتزازها وصفة حركتها، وهي في نفسها حية عظيمة. # وذكر السدي وغيره: أن العصا صارت ms1144 حية صفراء سعراء كأعظم ما يكون من ~~الحيات. # وفي القصة: أنها ارتفعت من الأرض بقدر ميل، فغرت فاها، وقامت على ذنبها، ~~وجعلت تتملظ في وجه فرعون. # وروى أنها أخذت قبة فرعون بين نابها، وصاح فرعون، قول: يا موسى، أنشدك ~~بالذي أرسلك. # وقوله: (مبين) أي: يبين الثعبان أنه حجة عظيمة. # قوله تعالى: * (ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) قد بينا. # وقوله: * (قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم) أي: عالم حاذق. # قوله: * (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره) فإن قال قائل: إنما أراد موسى ~~أن يخرج بني إسرائيل [لا] أن يخرج فرعون وقومه، والجواب عنه: أنهم كانوا قد ~~اتخذوا بني إسرائيل عبيدا وخولا، فلما أراد موسى إخراج بني إسرائيل، فكأنه ~~أراد إخراجهم. # وقوله: * (فماذا تأمرون) أي: ماذا تشيرون. قوله تعالى: (أرجه وأخاه) أي: ~~أخر أمره وأمر أخيه، ومعناه: لا يتم فصل الأمر حتى تظهر لك الحجة عليه. # وقوله: * (وابعث في المدائن حاشرين) قد بينا. PageV04P044 # * (للناظرين (33) قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم (34) يريد أن يخرجكم ~~من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن ~~حاشرين (36) يأتوك بكل سحار عليم (37) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) ~~وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ~~(40) فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين) ~~وقوله: * (يأتوك بكل سحار عليم) أي: ساحر حاذق، وفي القصة: أنه كان يجري ~~الرزق للسحرة، وقد جمع من السحرة ستة آلاف ساحر، وقيل: اثني عشر ألفا. # وقوله: * (فجمع السحرة لميقات يوم معلوم) وهو يوم الزينة على ما بينا من ~~قبل. # وقوله: * (وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم ~~الغالبين) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (فلما جاء السحرة) يعني لموسى * (قالوا لفرعون أئن لنا ~~الأجر أن كنا نحن الغالبين). # قوله: * (قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين) أي: في المنزلة، وفي القصة أن ~~موسى قال لكبير السحرة: أتؤمن بي إن غلبتكم؟ قال له كبير السحرة: إن كنت ~~ساحرا، فلأغلبنك، وإن ms1145 غلبتني لأؤمنن بك. # قوله تعالى: * (قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون). # وقوله: * (فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون) أي: بعز فرعون وملكه ~~* (إنا لنحن الغالبون). # وقوله: * (فألقى موسى عصاه) في القصة: أن جميع الأرض ميلا في ميل صارت ~~حيات وأفاعي في رؤية الناس، فلما ألقى موسى العصا صارت ثعبانا، وجعلت تعظم ~~على قدر حبالهم وعصيهم، ثم جعل يلتقط ويلتقم (واحدا واحدا) حتى أكل الكل، ~~ثم أن موسى أخذ بذنبه فصار عصا كما كان، فتحيرت السحرة عند ذلك، ~~PageV04P045 # * (قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ~~ملقون (43) فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) ~~فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقي السحرة ساجدين (46) ~~قالوا آمنا برب العالمين (47) رب موسى وهارون (48) قال آمنتم له قبل أن آذن ~~لكم أنه * * * فقالوا: إن كان هذا سحر فأين ذهبت عصينا وحبالنا؟! وتيقنوا ~~أن الذي جاء به موسى أمر من عند الله، فوقعوا سجدا وآمنوا، فهو قوله تعالى: ~~* (فألقى السحرة ساجدين). # وقوله: * (فألقى السحرة ساجدين) يجوز أن يكون معناه: وقعوا ساجدين، ويجوز ~~أن يكون معناه: ألقاهم الحق الذي رأوه (ساجدين. # قوله تعالى: * (قالوا آمنا برب العالمين) في القصة: أنهم) لما قالوا ~~هكذا، قال فرعون: أنا رب العالمين، فقال السحرة: * (رب موسى وهارون). # وقوله: * (قال آمنتم له قبل أن آذان لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~فلسوف تعلمون) يعني: سوف تعلمون عاقبة أمركم. # وقوله: * (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين) قد بينا ~~معناه. # قوله تعالى: * (قالوا لا ضير) أي: لا ضرر ولا مكروه. # قال الشاعر: # (وإنك لا يضورك بعد حول * أظبي كان أمك أم حمار) وقوله: * (إنا إلى ربنا ~~منقلبون) أي: راجعون. # قوله تعالى: * (إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا) أي: ذنوبنا. # * (أن كنا أول المؤمنين) قال الفراء: أول المؤمنين من أهل زماننا، وقال ~~الزجاج: هذا ضعيف؛ لأن بني إسرائيل كانوا قد آمنوا بموسى قبلهم، وإنما ~~معناه: أن كنا أول المؤمنين عند ظهور هذه الحجة، ويجوز ms1146 أن يكون معناه: أن ~~كنا أول المؤمنين من قوم فرعون. PageV04P046 # * (لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم أجمعين (49) قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا نطمع أن ~~يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين (51) وأوحينا إلى موسى أن أسر ~~بعبادي * * * قوله تعالى: * (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي) ذكر ' أسر '؛ ~~لأنهم ساروا ليلا. # وقوله: * (إنكم متبعون) يعني: يتبعكم فرعون وقومه، وعن عمرو بن ميمون ~~قال: لما بلغ فرعون أن موسى وقومه قد ساروا، قال لقومه: إذا صاح الديك ~~فاركبوا، فلم يصح ديك في تلك الليلة، حتى بعد موسى وقومه، فلما أصبح دعا ~~بشاة، وأمر بذبحها، ثم قال: لا تسلخ هذه الشاة إلا وقد اجتمع خمسمائة ألف ~~مقاتل، قال: فلم يفرغ السلاخ عن السلخ إلا وقد كان اجتمع خمسمائة ألف مقاتل ~~عددا. # وذكر غيره: أن الملائكة دخلوا بيوت القبط وقتلوا أبكارهم، فاشتغلوا صبيحة ~~ذلك اليوم بدفن الأبكار. # قوله تعالى: * (فأرسل فرعون في المدائن حاشرين) يعني: أرسل الشرط المدائن ~~حتى حشروا الناس. وفي التفاسير: أنه كان ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية. # وقوله: * (إن هؤلاء لشرذمة قليلون) أي: لجماعة قليلة، وأنشدوا في ~~الشرذمة: # (جاء الشتاء وقميصي أخلاق * شراذم يضحك مني النواق) وأنشدوا في قوله: * ~~(قليلون): # * (فرد قواصي الأحياء منهم * فقد رجعوا كحى واحدينا) أي: كحى واحد. # وعن عبد الله بن مسعود: أن موسى كان في ستمائة ألف وسبعين ألفا، فسماهم ~~فرعون شرذمة لكثرة قومه. # وروى أن هامان كان على مقدمته في ألف ألف، وروى أن فرعون كان في سبعة ~~آلاف ألف وروى أنه كان بين يديه مائة ألف ناشب ومائة ألف أصحاب الحراب، ~~ومائة PageV04P047 # * (إنكم متبعون (52) فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة ~~قليلون (54) وإنهم لنا لغائظون (55) وإنا لجميع حاذرون (56) * * * * ألف ~~أصحاب الأعمدة. # وقوله: * (وإنهم لنا لغائظون) يعني: أنهم غاظونا وأغضبونا، وكان غيظه ~~منهم بخروجهم من غير أمره، واستعارتهم الحلي من قومه ومضيهم بها. # وقوله: * (وإنا لجميع حاذرون) وقرئ: ' حذرون ' فالحذر هو المتيقظ، ~~والحاذر ms1147 المستعد. # قال الشاعر: # (وكتب عليه احذر الموت * وحده فلم يبق حاذر) وقرأ ابن أبي عامر: ' وإنا ~~لجميع حاذرون) بالدال غير المعجمة. ويقال: بعير حادر إذا كان ممتلئا من ~~اللحم، عظيم الجثة، وقيل: * (إنا لجميع حاذرون) أي: مؤدون، ومعنى مؤدون أي: ~~معناه الأداة والسلاح. # قوله تعالى: * (فأخرجناهم من جنات وعيون) في القصة: أن البساتين كانت ~~ممتدة على حافتي النيل من أعلاه إلى آخره، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~قال: سيد الأنهار هو النيل، فإذا أجراه الله تعالى أمده من جميع الأنهار، ~~وفجر له ينابيع الأرض، فإذا تم إجراؤه رجع كل ماء إلى عنصره. # وقوله: * (وكنوز) أي: كنوز الأموال، وفي بعض القصص: أنه كان لفرعون ~~ثمانمائة ألف غلام، كل غلام على فرس من عتيق، في عنق كل فرس طوق من ذهب. # وقوله: * (ومقام كريم) أي: منازل حسان، وقد قيل: إن المقام الكريم هو ~~المنابر، وكان بمصر ألف منبر في ذلك الوقت، وقيل: * (ومقام كريم) أي: مجلس ~~الأشراف، وذكر بعضهم: أنه كان إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة ~~كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف، عليهم أقبية الديباج مخوصة بالذهب. # وقوله: * (كذلك وأورثناها بني إسرائيل). وروى أن بني إسرائيل عادوا إلى ~~مصر PageV04P048 # * (فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) * * وأقاموا ~~فيها، فهو معنى قوله: * (وأورثناها بني إسرائيل). # وقوله: (فأتبعوهم مشرقين) أي: عند شروق الشمس، وشروقها طلوعها، وروى أبو ~~بردة [عن] أبي موسى الأشعري ' أن النبي نزل على أعرابي في سفر، فأحسن ~~الأعرابي ضيافته، فلما ارتحل من عنده، قال للأعرابي: لو أتيتنا أكرمناك، ~~فجاءه الأعرابي بعد ذلك، فقال له النبي: ما حاجتك؟ فقال: ناقة برحلها وأخرى ~~أحتلبها، فأمر له النبي بذلك، ثم قال: أيعجز أحدكم أن يكون كعجوز بني ~~إسرائيل؟ فسئل عن ذلك، فقال: لما خرج موسى ببني إسرائيل من مصر ضلوا ~~الطريق، وفي بعض الأخبار: أن القمر خسف، والشمس كسفت، ووقع الناس في ظلمة ~~عظيمة، وتحير موسى، فقال له علماء بني إسرائيل: إن يوسف - عليه السلام - ~~أوصى أن بني إسرائيل ms1148 إذا خرجوا من مصر فلينقلوا عظامه معهم، فعلم موسى انهم ~~ضلوا الطريق لذلك، فقال لهم: ومن يعرف موضع عظامه؟ فقالوا: لا يعرفه سوى ~~عجوز من بني إسرائيل، فدعا بالعجوز وسألها عن موضع العظام، فقالت: لا حتى ~~تقضي حاجتي، فقال: ما حاجتك؟ قالت: حاجتي أن أكون معك في الجنة أي: في ~~درجتك، فكره موسى ذلك، فنزل الوحي أن أعطها ذلك، فأعطاها، ثم إنها دلت على ~~قبر يوسف، فحمل موسى عظام يوسف وانجلت الظلمة '. PageV04P049 # * (كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) فأتبعوهم مشرقين (60) فلما تراءى ~~الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) * * قوله تعالى: * (فلما تراءى ~~الجمعان) أي: التقى الجمعان، ومعنى التلاقي هو أنه رأى هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء ~~هؤلاء. # وقوله: * (قال أصحاب موسى إنا لمدركون) بالتشديد، والمعنى ما بينا. # قوله تعالى: * (قال كلا) أي: ارتدعوا عن هذا القول ولا تقولوه، فإنهم لا ~~يدركونكم. # وقوله: * (إن معي ربي سيهدين) معناه: إن معي ربي بالحفظ والنصرة. # وقوله: * (سيهدين) أي: يدلني على طريق النجاة، والهداية هي الدلالة على ~~طريق النجاة. # قوله تعالى: * (فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر) في القصة: أن مؤمن ~~آل فرعون كان قدام بني إسرائيل، فقال لموسى: يا نبي الله، أين أمرك ربك؟ ~~فقال: أمامك. قال: يا نبي الله، أمامي البحر؟!! قال موسى: والله ما كذبت ~~ولا كذبت. وروى أن يوشع بن نون قال لموسى: يا نبي الله، أين أمرك ربك؟ قال: ~~البحر. قال: أقتحمه؟ قال: نعم، فاقتحم البحر ومر، فلما جاء بنو إسرائيل ~~واقتحموا انغمسوا في البحر، وأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر. وروى ~~أن موسى اقتحم البحر فرده التيار، فقال للبحر: انفرق، فلم ينفرق، فأمر الله ~~تعالى أن يضربه بالعصا فضربه للمرة الأولى، فأط البحر، ثم ضربه الثانية ~~فأط، ثم ضربه الثالثة فانفرق، وهو معنى قوله تعالى: * (فانفلق). # وقوله: * (فكان كل فرق) أي: فلق، والفرق والفلق واحد. # وقوله: * (كالطود العظيم) أي: الجبل العظيم، قال الشاعر: # (حلوا بأبقرة تسيل عليهم * ماء الفرات يجيء من أطواد) والرواية أن ماء ~~البحر (تراكب) بعضه على ms1149 بعض حتى صار كالجبل، وظهر اثنا عشر طريقا، وضربتها ~~الريح حتى جفت، ومر كل سبط في طريق، فقالوا: لا نرى PageV04P050 # * (قال كلا إن معي ربي سيهيدين (62) فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك ~~البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم الآخرين (64) * * ~~* إخواننا، ولعل إخواننا قد غرقوا، فضرب الله لهم كوى - جمع كوة - على ~~الماء حتى نظر بعضهم إلى بعض، وجعلوا يتحدثون. # قوله تعالى: * (وأزلفنا ثم الآخرين) أزلفنا أي: قربنا، قال الشاعر: # (فكل يوم مضى أو ليلة سلفت * فيها النفوس إلى الآجال تزدلف) وقال آخر: # (طي الليالي زلفا فزلفا * سماوة الهلال حتى احقوقفا). # وقال أبو عبيدة: أزلفنا أي: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة أي: ليلة الجمع، ~~وقرأ أبي بن كعب: ' وأزلفناهم الآخرين ' أي: أوقعناهم في موقع زلف، وفي ~~القصة: أن جبريل كان بين بني إسرائيل وبين فرعون وقومه، وكان يسوق بني ~~إسرائيل، فيقولون: ما رأينا سائقا أحسن سياقة من هذا الرجل، وكان يزرع قوم ~~فرعون، فكانوا يقولون: ما رأينا وازعا أحسن زعة من هذا. وعن الحسن البصري ~~قال: لابد للناس من وزعة أي: سلطان يكفهم حصان. # وقد بينا أن جبريل كان على فرس أنثى وديق وفرعون على حصان، فدخل جبريل ~~عليه السلام البحر، وأتبعه فرعون لا يملك نفسه، فلما دخل جمعيهم البحر، ~~وأراد أولهم أن يخرج، وكان بين طرفي البحر [أربعة] فراسخ، وهذا هو بحر ~~القلزم، طرف من بحر فارس، فلما اجتمعوا في البحر جميعا، ودخل آخرهم، وأراد ~~أولهم أن يخرج، أطبق البحر عليهم. # وعن سعيد بن جبير: أن البحر كان ساكنا قبل ذلك، فلما ضربه موسى بالعصا ~~اضطرب، فجعل يمد ويجزر. # قوله تعالى: * (وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين) ظاهر ~~المعنى، PageV04P051 # * (وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) * * والإغراق إهلاك بغمر الماء. # قوله تعالى: * (إن في ذلك لآية) أي: لعبرة. # وقوله: (وما كان أكثرهم مؤمنين) أي: بمصدقين، والمارد به قوم فرعون، وروى ~~أنه لم يؤمن [من] قوم فرعون إلا [أسية] امرأته [وحزقيل]، وماشطة بنت فرعون، ~~والعجوز التي دلت على عظام ms1150 يوسف. # وقوله تعالى: * (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) العزيز هو القادر الذي لا ~~يمكنه معازته أي: مغالبته، والله تعالى عزيز، وهو في وصف عزته رحيم. # قوله تعالى: * (واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون) ~~معناه: أي شيء تعبدون؟!. # قوله تعالى: * (قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين) أي: فنقيم على ~~عبادتها، يقال: ظل فلان يفعل كذا أي: أقام عليه يفعله بالنهار. # و قوله تعالى: * (قال هل يسمعونكم) معناه: هل يسمعون صوتكم ودعاءكم؟ وقرئ ~~في الشاذ: ' هل يسمعونكم ' برفع الياء. # وقوله: * (أو ينفعوكم) أي: بالرزق. # وقوله: * (أو يضرون) أي: يضرونكم إن تركتم عبادتها. # قوله تعالى: * (قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) معناه: أنها لا تسمع ~~أقوالنا، ولا تجلب إلينا نفعا، ولا تدفع عنا ضرا، لكن اقتدينا بآبائنا، ~~واستدل أهل العلم بهذا على أن التقليد لا يجوز. # قوله: * (قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآبائكم الأقدمون) أي: ~~الأولون. # وقوله: * (فإنهم عدو لي) أي: أعداء لي. PageV04P052 # * (ثم أغرقنا الآخرين (66) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68) واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه ~~وقومه ما تعبدون (70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل ~~يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ينفعوكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا ~~كذلك يفعلون (74) قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون ~~(76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي ~~هو يطمعني * * * قوله: * (إلا رب العالمين) اختلف القول فيه: فأحد القولين: ~~أنهم كانوا يعبدون الأصنام مع الله تعالى، فقال إبراهيم: كل من تعبدون ~~أعداء لي إلا رب العالمين، والقول الثاني: أن هذا استثناء منقطع، كأنه قال: ~~فإنهم عدو لي، لكن رب العالمين وليي، فإن قيل: كيف تكون الأصنام أعداء له ~~وهي جمادات، والعداوة لا توجد إلا من حي عاقل؟ # والجواب عنه: قالوا: إن هذا من المقلوب ومعناه: فإني عدو لهم، ويجوز أن ~~يكون معناه: فإنهم عدو لي أي: لا أتوهم، ولا اطلب من جهتهم نفعا، كما لا ~~يتولى العدو ms1151 ولا يطلب من جهته النفع. # قوله تعالى: * (الذي خلقني فهو يهدين) أي: يرشدني إلى طريق النجاة. # وقوله: * (والذي هو يطعمني ويسقين) أي: يغدى لي بالطعام والشراب، وحقيقة ~~المعنى: أن طعامي وشرابي من جهته، ورزقي من قبله، وقد قال بعض أصحاب ~~الخواطر: يطعمني طعام المودة، ويسقني بكأس المحبة، وقيل: يطعمني ذوق ~~الإيمان، ويسقيني بقبول الطاعة. # وقوله: * (وإذا مرضت فهو يشفين) ذكر إبراهيم - عليه السلام - هذا؛ لأنهم ~~كانوا يرون المرض من الأغذية، والشفاء من الأدوية، وقوله: * (وإذا مرضت) هو ~~استعمال أدب، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين، وقال ~~بعض أصحاب الخواطر: وإذا مرضت بالخوف؛ يشفيني بالرجاء، وقيل: إذا مرضت ~~بالطمع؛ يشفيني بالقناعة. PageV04P053 # * (ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) ~~والذي أطمع أن يفغر لي خطيئتي يوم الدين (82) رب هب لي حكما وألحقني ~~بالصالحين (83) واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) واجعلني من ورثة جنة ~~النعيم (85) * * * وقوله: * (والذي يميتني) يعني: يميتني في الدنيا، [و] ~~يحييني في الآخرة. وقال بعض أصحاب الخواطر: يميتني برؤية الخلق، ويحييني ~~بشهادة الحق، وقيل: يميتني بالمعصية ويحييني بالطاعة. # وقوله: * (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) أي: أرجو أن يغفر لي ~~خطاياي، وخطاياه ما ذكرنا من كذباته الثلاث، واعلم أن الأنبياء معصومون من ~~الكبائر، فأما الخطايا والصغائر تجوز عليهم. # وقوله: * (يوم الدين) أي: يوم الحساب، وذكر مسلم في الصحيح براوية عائشة ~~' أنها قالت: يا رسول الله، إن عبد الله بن جدعان كان يقري الضيف، ويحمل ~~الكل، وذكرت أشياء من أعمال الخير، أهو في الجنة أم في النار؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام: ' هو في النار، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين '. # قوله تعالى: * (رب هب لي حكما) أي: العلم والفهم، وقيل: إصابة الحق. # وقوله: * (وألحقني بالصالحين) أي: من الأنبياء والمرسلين. # وقوله: * (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) أي: ثناء حسنا إلى قيام الساعة، ~~ويقال: إن المراد منه تولي جميع أهل الأديان له، وقبول كل الناس إياه، ~~ويقال: إن معناه: اجعل في ms1152 ذريتي من يقوم بالحق إلى قيام الساعة. # وقوله: * (واجعلني من ورثة جنة النعيم) أي: ممن تعطيه جنة النعيم. ~~PageV04P054 # * (واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) ولا تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ~~ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) وأزلفت الجنة ~~للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون (92) ~~من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هو والغاوون (94) ~~وجنود إبليس * * وقوله: * (واغفر لأبي إنه كان من الضالين) قال أهل العلم: ~~هذا قبل أن يتبرأ منه، ويستقين أنه عدو لله، على ما ذكرناه في سورة التوبة، ~~وقال بعضهم: واغفر لأبي أي: جنايته على، كأنه أسقط حقه وعفا عنه. # وعن الحسن البصري: أن إبراهيم - عليه السلام - يتعلق بأبيه يوم القيامة، ~~ويقول: اللهم اغفر له، وأنجز لي ما وعدتني، فيحول الله صورة أبيه إلى صورة ~~ذبح، هو ضبيع قبيح، فإذا رآه إبراهيم تركه، وقال: ليس هذا بأبي. # وقوله: * (ولا تخزني يوم يبعثون) أي: لا تفضحني، وذلك بأن لا يغفر ~~خطيئته، وكل من لم يغفر له الله فقد أخزاه. # وقوله * (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) قال أكثر ~~أهل العلم: سليم من الشرك، فإن الآدمي لا يخلو من ذنب، وقيل: مخلص، وقيل: ~~ناصح، وقيل: قلب فيه لا إله إلا الله. # وقوله: * (وأزلفت الجنة للمتقين) أي: قربت، وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' ~~الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك '. # وقوله: * (وبرزت الجحيم) أي: أظهرت الجحيم. # * (للغاوين) أي: للكافرين، والغاوي من وقع في خيبة لا رجاء فيها. # قوله تعالى: * (وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم) ~~أي: يمنعون العذاب عنكم. PageV04P055 # * (أجمعون (95) قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلال مبين ~~(97) إذ نسويكم برب العالمين (98) وما أضلنا إلا المجرمون (99) فما لنا من ~~شافعين (100) ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) ~~إن في ذلك لآية وما * * وقوله: * (أو ينصرون) أي: يمتنعون. # وقوله: * (فكبكبوا فيها هم) ms1153 قال القتيبي: طرح بعضهم على بعض. وقيل: ~~دهوروا، ودهدهوا، ودهدوا، وقيل: نكسوا فيها، ويقال: كان في الأصل كببوا، ~~فأدخلت الكاف فيه فصار كبكبوا. # وقوله: * (هو الغاوون) أي: الشياطين معهم، ويقال: من اتبعوهم في الشرك. # وقوله: * (وجنود إبليس أجمعون) أي: ذريته. # قوله تعالى: * (قالوا وهم فيها يختصمون) أي: يجادل بعضهم بعضا. # وقوله: * (تالله إن كنا لفي ضلال مبين) أي: في خطأ بين. # وقوله: * (إذ نسويكم برب العالمين) هذا قولهم للأصنام ومعناه: نعدلكم برب ~~العالمين. # وقوله: * (وما أضلنا إلا المجرمون) أي: القادة، ويقال: إبليس وابن آدم ~~الكافر، وهو قابيل. # وقوله: * (فما لنا من شافعين) في الأخبار: أن المؤمنين يشفعون للمذنبين، ~~وكذلك الملائكة والأنبياء. # وقوله: * (ولا صديق حميم) أي: صديق خاص، وقيل: صديق قريب، وسمى حميما؛ ~~لأنه يحم لك ويغضب لأجلك، وعن الحسن البصري قال: استكثروا من الأصدقاء ~~المؤمنين، فإن لهم شفاعة يوم القيامة. والصديق هو الصادق في المودة على شرط ~~الدين، وفي بعض الأخبار عن النبي برواية جابر: ' أن المؤمن يدخل الجنة ~~ويقول: أين صديقي فلان؟ فيقال: هو في النار بذنبه، فيشفع له فيخرجه الله من ~~النار PageV04P056 # * (كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104) كذبت قوم ~~نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح إلا تتقون (106) إني لكم رسول ~~أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسألكم عليه من اجر إن أجري إلا ~~على رب العالمين * * * بشفاعته '. # وقوله: * (فلو أن لنا كرة) أي: رجعة. # وقوله: * (فنكون من المؤمنين) وإذا كنا مؤمنين فيكون لنا شفعاء أيضا كما ~~للمؤمنين شفعاء. # وقوله: * (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم) قد بينا معنى الكل. # قوله تعالى: * (كذبت قوم نوح المرسلين) قال ابن عباس: نوح أول رسول أرسل ~~الله تعالى وهذا محمول على أنه أول رسول أرسله الله تعالى بعد آدم - صلوات ~~الله عليه - وهو صاحب شريعة، وإنما ذكر المرسلين؛ لأن من كذب رسولا فقد كذب ~~جميع الرسل. # وقوله: * (إذ قال لهم أخوهم نوح) يعنيك أنه أخوهم في النسب. # وقوله: * (ألا تتقون) أي: ms1154 ألا تتقوا الله. # وقوله: * (إني لكم رسول أمين) أي: أمين فيما بينكم وبين الله تعالى، وفي ~~بعض التفاسير: أن نوحا كان يسمى الأمين قبل أن يبعثه الله. # وقوله: * (فاتقوا الله وأطيعون) أي: اتقوا الله بترك الشرك، وأطيعون فيما ~~آمركم [به]. # وقوله: * (وما أسألكم عليه من أجر) أي: من جعل. # وقوله: * (إن أجري إلا على رب العالمين) أي: ثوابي، قال أهل العلم: ولا ~~يجوز PageV04P057 # (* (109) فاتقوا الله وأطيعون (110) قالوا نؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) ~~قال وما علمي بما كانوا يعلمون (112) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ~~(113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن ~~لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين (116) قال رب إن قومي كذبون (117) ~~فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه ~~في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا * * للنبي أن يأخذ جعلا على النبوة؛ لأنه ~~يؤدي إلى تنفير الناس عن قبول الإيمان، ويجوز أن يأخذ الهدية؛ لأنه لا يؤدي ~~إلى التنفير. # وقوله: * (فاتقوا الله وأطيعون) أعاده تأكيدا. قوله تعالى: * (قالوا ~~أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) في التفسير: أنهم الحاكة، والحجامون، والأساكفة ~~ومن أشبههم، وقيل: إنهم أسافل الناس. # قوله تعالى: * (وما علمي بما كانوا يعملون) قال الزجاج: الصناعات لا تؤثر ~~في الديانات، ومعنى قول نوح أنه لا علم لي بصناعتهم، وإنما أمرت أن أدعوهم ~~إلى الله، فمن أجاب قبلته فهذا معنى قوله: * (إن حسابهم إلا على ربي لو ~~تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين). # وقوله: * (إن حسابهم) أي: أعمالهم * (إلا على ربي لو تشعرون) أي: لو ~~تعلمون. # قوله تعالى: * (قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن منم المرجومين) أي: ~~المقتولين بالحجارة، وقال السدي وغيره: من المشتومين. # قوله تعالى: * (قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا). # أي: اقض بيني وبينهم بقضائك. تقول العرب: أحاكمك إلى الفتاح أي: إلى ~~القاضي، قال الشاعر: # (ألا أبلغ بني حكم رسولا * بأني عن فتاحتهم غني) PageV04P058 # * (بعد الباقين (120) إن في ذلك للآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ms1155 ~~ربك لهو العزيز الرحيم (122) كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ~~ألا تتقون (124) إني لكم رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما ~~أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) أتبنون بكل ريع آية ~~تعبثون (128) وتتخذون مصانع * * وقوله: * (ونجني ومن معي من المؤمنين) قد ~~بينا عدد من كان معه من المؤمنين. # قوله تعالى: * (فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون) أي: الموفر المملوء، ~~وقد بينا صفة الفلك ومن كان فيه. # وقوله: * (ثم أغرقنا بعد الباقين) أي: بعد إنجائه أغرقنا الباقين أي: من ~~بقي من قومه. # وقوله: * (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين) ظاهر المعنى إلى قوله: ~~* (كذبت عاد المرسلين). # وقوله: * (إذ قال لهم أخوهم هود) أي: أخوهم في النسب. # وقوله: * (ألا تتقون) قد بينا إلى قوله: * (إن أجري إلا على رب ~~العالمين). # قوله تعالى: * (أتبنون بكل ريع) في الريع قولان: أحدهما: أنه المكان ~~المرتفع، والآخر: أنه الطريق الواسع بين الجبلين. # وقوله: * (آية) أي: علامة، وقيل: بنيانا. # وفي القصة: أنهم كانوا يبنون على المواضع المرتفعة ليظهروا قوتهم ~~ويتفاخروا به عن الناس، وعن مجاهد: أن معنى الآية: برج الحمام، وفي القصة: ~~أن قوم فرعون كانوا يلعبون بالحمام، وكذلك قوم عاد. # وقوله: * (تعبثون) أي: تلعبون. # قوله تعالى: * (وتتخذون مصانع) المصانع: جمع مصنعة؛ وهي الحوض وموضع ~~الماء، ويقال: المصانع هاهنا هي الحصون المشيدة، قال الشاعر: PageV04P059 # * (لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله ~~وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين ~~(133) وجنات وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سواء ~~علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) إن هذا إلا خلق الأولين (137) وما ~~نحن بمعذبين (138) فكذبوه * * (تركنا (ديارهم منهم قفارا * وهدمنا المصانع ~~والبروجا) وقوله: * (لعلكم تخلدون) أي: كأنكم تخلدون، وقرئ في الشاذ: ' ~~كأنكم خالدون '، ويقال: طامعين في الخلود. # قوله تعالى: وإذا بطشتم بطشتم جبارين البطش هو العسف (بالقتل) بالسيف ~~والضرب بالسوط، والجبار هو العاتي على غيره بعظم سلطانه، وهو في ووصف الله ~~مدح، وفي وصف الخلق ذم، ويقال: الجبار ms1156 من يقتل على الغضب. # وقوله: * (فاتقوا الله وأطيعون) قد بينا. # قوله: * (واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين) هذا تفسير ما ~~ذكره أولا من قوله: (أمدكم بما تعلمون). # وقوله: (وجنات وعيون) أي: بساتين وأنهار. # وقوله: * (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) أي: شديد. # قوله تعالى: * (قالوا سواء علينا) أي: مستو عندنا. # * (أوعظت أم لم تكن من الواعظين) الوعظ كلام يلين القلب بذكر الأمر ~~والنهي والوعد والوعيد. # وقوله: * (إن هذا) أي: ما هذا. # * (إلا خلق الأولين) أي: اختلاق الأولين وكذبهم. PageV04P060 # * (فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (139) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (140) كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صالح ألا ~~تتقون (142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) أتتركون في ما هاهنا آمنين ~~(146) في جنات وعيون (147) * * * وقرى: ' إن هذا إلا خلق الأولين ' بضم ~~الخاء واللام أي: عادتهم ودأبهم، ويقال معناه: أمرنا كأمر الأولين؛ نعيش ~~ونموت. # وقوله: * (وما نحن بمعذبين) قالوا هذا إنكار لما وعدهم هود من العذاب. # وقوله: * (فكذبوه فأهلكناهم) ظاهر المعنى إلى قوله: * (إن أجري إلا على ~~رب العالمين). # قوله تعالى: * (أتتركون فيما هاهنا آمنين) يعني: في الدنيا آمنين من ~~العذاب. # وقوله: * (في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم) قال الأزهري: الهضيم هو ~~الداخل بعضه في بعض من النضج والنعامة، ويقال: هو اللين الرطب، ويقال: هو ~~الرخو الذي إذا مسه الإنسان تفتت، وقيل: هو المذنب، وهو الذي نضج بعضه من ~~قبل الذنب، ويقال هضيم أي: الهاضم كأنه يهضم الطعام. # وكان الحسن البصري يقول: في وعظه: ابن آدم، تأكل كذا وكذا ثم تقول: يا ~~جارية، هاتي الهاضوم، إنه يهضم دينك لا طعامك. # قوله تعالى: * (وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين) أي: حاذقين، ويقال: ~~معجبين بما نلتم، وقرئ: ' فرهين ' أي: فرحين، وقيل: شرهين، قال الشاعر: # (لا أستكين إذا ما أزمة أزمت * ولن تراني بخير فاره الطلب) ويقال: الفاره ~~والفره بمعنى واحد. # وقوله: * (فاتقوا الله وأطيعون) إلى قوله: * (لا ms1157 يصلحون) ظاهر المعنى، ~~والمراد منه: لا تتبعوا قادتكم في الشرك. PageV04P061 # وزروع ونخل طلعها هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) ~~فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في ~~الأرض ولا يصلحون (152) قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر ~~مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب ~~يوم معلوم (155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها ~~فأصبحوا نادمين (157) * * (قوله تعالى: * (قالوا إنما أنت من المسحرين) أي: ~~سحرت مرة بعد مرة، ويقال: * (من المسحرين) أي: من البشر وهو الذي له سحر ~~وهو الرئة، ويقال: فلان مسحر أي: معلل بالطعام والشراب، قال الشاعر: # (أرانا موضعين لحتم غيب * ونسحر بالطعام (والشراب)) وقال آخر: # (فإن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر) أي: المعلل ~~بالطعام والشراب. # قوله تعالى: * (ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين) قد ~~ذكرنا أنهم طلبوا ناقة حمراء عشراء، تخرج من صخرة وتلد سقيا في الحال. # قوله تعالى: * (قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) في القصة: أن ~~الناقة كانت تشرب ماء البئر يوما في أول النهار، وتسقيهم لبنا في آخر ~~النهار، وكان عظم الناقة [ميلا] في ميل، وكانت إذا شربت تؤثر أضلاع جنبها ~~في الجبل. # وقوله: * (ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فعقروها فأصبحوا نادمين) وسنبين من عقرها في سورة النمل ~~إن شاء الله تعالى. # وقوله: * (فأخذهم العذاب) ظاهر إلى قوله تعالى: * (إن أجري إلا على رب ~~PageV04P062 # * (فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم (159) كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ~~ألا تتقون (161) إني لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون (163) وما ~~أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (164) أتأتون الذكران من ~~العالمين (165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) ~~قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) قال إني لعملكم ms1158 من ~~القالين (168) رب نجني وأهلي مما يعملون (169) فنجيناه وأهله أجمعين (170) ~~إلا عجوز في الغابرين (171) ثم دمرنا * * العالمين) في قصة لوط صلوات الله ~~عليه. # قوله تعالى: * (أتأتون الذكران من العالمين) في القصة: أنهم كانوا يعملون ~~هذا العمل القبيح مع النساء قبل الرجال أربعين سنة ثم عدلوا إلى الرجال. # وقوله: * (وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم) قرأ ابن مسعود: ' ما أصلح ~~لكم ربكم من أزواجكم ' وفي التفسير: أن ما خلق لكم ربكم من أزواجكم معناه: ~~القبل وهو فرج النساء. # قوله: * (بل أنتم قوم عادون) أي: ظالمون مجاوزون الحد. # قوله: * (قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين) أي: من القرية. # وقوله تعالى: * (قال إني لعملكم من القالين) أي: من المبغضين، وقال ~~بعضهم: # (بقيت مالي وانحرفت عن المعالي * ولقيت أضيافي بوجه قالي) قال الصاحب ~~ترجمة لقول الأشتر النخعي: بقيت، وقرئ: وانحرفت عن العلا، ولقيت أضيافي ~~بوجه عبوس أي: لم أشن على أبي هند غارة لم تخل يوما من نهاب نفوس. # قوله تعالى: (رب نجني وأهلي مما يعملون) أي: من العمل الخبيث. # قوله تعالى: * (فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوز في الغابرين * فيه قولان: ~~PageV04P063 # * (الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175) كذب ~~أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني لكم رسول ~~أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا ~~على رب العالمين * * * * أحدهما: أنها كانت عجوز غابرا، على معنى أن الزمان ~~مضى عليها وهرمت، والقول الثاني: أن الغابرين بمعنى الباقين يعني: أن ~~العجوز من أهل لوط بقيت في العذاب ولم تنج. # قوله تعالى: * (ثم دمرنا الآخرين) أي: أهلكنا الآخرين. # وقوله: * (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) قد بينا أن الله تعالى ~~أمطر عليهم الحجارة بعد إهلاكهم. # وقوله: * (إن في ذلك لآية) ظاهر المعنى إلى قوله: * (وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم). # قوله تعالى: * (كذب أصحاب الأيكة المرسلين) وقرئ: ' ليكة المرسلين ' بفتح ~~الهاء؛ فمن قرأ: ms1159 ' ليكة ' جعلها اسم بلد، وهو لا ينصرف، ومن قرأ: ' الأيكة ~~' فصرفه؛ لأن ما لا ينصرف إذا أدخل عليه الألف واللام انصرف. # والأيكة: الغيظة، ويقال: الشجر الملتف، وفي القصة: أن شجرهم كان هو ~~الدوم، ويقال: شجر المقل. # قوله تعالى: * (إذ قال لهم شعيب ألا تتقون) ولم يذكر أخوهم هاهنا؛ لأنه ~~لم يكن أخا لهم، ولا في النسب ولا في الدين. وقوله: (إني لكم رسول أمين) قد ~~بينا إلى قوله: * (إن أجري إلا على رب العالمين) قوله تعالى: (أوفوا الكيل ~~ولا تكونوا من المخسرين) أي: الناقصين لحقوق الناس، وقال يزيد بن ميسرة: كل ~~ذنب يرجو له المغفرة إلا لحقوق الناس، فالرجاء فيه أقل. وقد بينا في سورة ~~هود أن قوم شعيب كانوا يخسرون في المكاييل، والمراد من PageV04P064 # (* (180) أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) ~~واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (148) قالوا إنما أنت من المسحرين (158) ~~وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين (186) فأسقط علينا كسفا من ~~السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ربي أعلم بما تعملون (188) فكذبوه ~~فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه * * قوله تعالى: * (وزنوا بالقسطاس المستقيم) ~~قال الحسن: # القسطاس القبان. وقيل: كل ميزان يكون، ويقال: هو العدل. # قوله تعالى: * (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) يعني: لا تنقصوا الناس حقوقهم. ~~وقوله: * (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) أي: لا تبالغوا في الأرض بالفساد. # وقوله تعالى: * (واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين) أي: خلقكم وخلق ~~الجبلة الأولين، والجبلة: الخليفة، قال الشاعر: # (والموت أعظم حادث * فيما يمر على الجبلة) ويقال: الجبلة بضم الجيم ~~والباء، وفي لغة بغير الهاء. # قوله تعالى: * (قالوا إنما أنت من المسحرين) قد بينا. # وقوله: * (وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فأسقط علينا كسفا من السماء، إن كنت من الصادقين) وقرئ: ' ~~كسفا ' بفتح السين، فأما قوله: ' كسفا ' بسكون السين أي: جانبا من السماء، ~~وأما قوله: كسفا أي: قطعا، ومعناه: قطعة. قال السدي: عذابا من السماء. ms1160 # قوله تعالى: * (قال ربي أعلم بما تعملون) يعني: هو عالم بأعمالكم، فإن ~~أراد أن يبقيكم، وإن أراد أن يهلككم أهلككم. # قوله تعالى: * (فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة) في القصة: أنه أخذهم حر ~~عظيم، فدخلوا الأسراب تحت الأرض، فدخل الحر في الأسراب وأخذ بأنفاسهم. ~~PageV04P065 # * (كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191) وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به ~~الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين ~~(195) وإنه لفي زبر الأولين (196) أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني ~~إسرائيل (197) * * * * فخرجوا إلى الصحراء، فجاءت سحابة حمراء، فاجتمعوا ~~تحتها مستغيثين ليستظلوا بها، فأمطرت السحابة عليهم نارا، فاضطرم الوادي ~~عليهم، فكان أشد عذاب يوجد في الدنيا. # وقوله: * (إن في ذلك لآية) قد بينا إلى آخر الآيتين. # قوله تعالى: * (وإنه لتنزيل رب العالمين) أي: القرآن. # وقوله: * (نزل به الروح الأمين) وقرئ: ' نزل به الروح الأمين ' بدون ~~التشديد، والروح الأمين هو جبريل - عليه السلام - وسمي [جبريل] أمينا؛ لأنه ~~أمين الله على وحيه، وفي بعض الآثار: أنه يرفع سبعين ألف حجاب، ويدخل بغير ~~استئذان، فهو معنى الأمين. # وقوله: * (على قلبك) ذكر القلب هاهنا؛ لأنه كان إذا قرئ عليه وعاه قلبه. # وقوله: * (لتكون من المنذرين) أي: المخوفين. # وقوله: * (بلسان عربي مبين) قال ابن عباس: بلسان قريش، وعن بعضهم: بلسان ~~جرهم، ومنهم أخذ إسماعيل - عليه السلام - العربية. # وقوله: * (وإنه لفي زبر الأولين) فيه قولان: أحدهما: أن ذكر محمد في زبر ~~الأولين أي: في كتب الأولين. # والقول الآخر: ذكر إنزال القرآن في (زبر) الأولين، وقد قالوا: إن كليهما ~~مارد. # قوله تعالى: * (أو لم يكن لهم آية) قرئ: آية بالنصب والرفع، فمن قرأ ~~بالنصب جعل آية خبر يكن، ومعناه: أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل آية ~~أي: علامة، ومن قرأ بالرفع فجعل آية اسم يكن، وأما خبره فقوله: * (أن ~~يعلمه) وأما PageV04P066 # * (ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ~~(199) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ms1161 (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب ~~الأليم (201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون ~~(203) أفبعذابنا يستعجلون (204) * * * * علماء بني إسرائيل في هذا الموضع ~~فهم خمسة نفر: عبد الله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد. وفي ~~مصحف ابن مسعود: ' أوليس لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل '. # وقوله: * (ولو نزلناه على بعض الأعجمين) الفرق بين العجمي والأعجمي، أن ~~العجمي هو الذي ينسب إلى العجم وإن كان فصيحا، والأعجمي هو الذي لا يفصح ~~بالعربية وإن كان عربيا، وقال عبد الله بن مطيع في قوله: * (على بعض ~~الأعجمين) قال: على دابتي، ومعناه أن الدابة لو تكلمت لما آمنوا، وأكثر ~~المفسرين على أن المراد منه بعض العجم أي: نزل عليه القرآن بغير العربية. # وقوله: * (فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين) أي: لم يؤمنوا. # قوله تعالى: * (كذلك سلكناه) قال الحسن ومجاهد: أدخلنا الشرك في قلوبهم. ~~ويقال: أدخلنا التكذيب في قلوبهم. # وقوله: * (لا يؤمنون به) أي: بالقرآن. # وقوله: * (حتى يروا العذاب الأليم) أي: عند نزول البأس. # وقوله: * (فيأتيهم بغتة) أي: فجأة. # وقوله: * (وهم لا يشعرون) أي: لا يعلمون. # وقوله: * (فيقولوا هل نحن منظرون) أي: مؤخرون. # وقوله تعالى: * (أفبعذابنا يستعجلون) روى أنه لما نزلت هذه الآيات قالوا: ~~متى هذا العذاب؟ أو آتنا بهذا العذاب، فأنزل الله تعالى: * (أفبعذابنا ~~يستعجلون) PageV04P067 # * (أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغني ~~عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى ~~وما كنا ظالمين (209) وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون (211) أنهم عن السمع لمعزولون (212) * * وقوله تعالى: (أفرأيت إن ~~متعانهم سنين) قال عكرمة: عمر الدنيا: وعن شريك ابن عبد الله النخعي قال: ~~هو أربعون سنة. وأكثر المفسرين على أنه ليس فيه تقدير، ولكن المراد منه ~~سنين كثيرة، والامتاع هو العيش بما يلذ ويشتهي. # وقوله: * (ثم جاءهم ما كانوا يوعدون) أي: من العذاب. # وقوله: * (ما أغني عنهم ما كانوا يمتعون) أي: دفع عيشهم وتمتعهم بالدنيا ~~من العذاب عنهم. # قوله تعالى: * (وما أهلكنا من ms1162 قرية إلا ولها منذرون) هذا في معنى قوله ~~تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا). # وقوله: * (ذكرى) أي: بعثنا (المنذرين) تذكرة لهم. # وقوله: * (وما كنا ظالمين) معلوم المعنى. # قوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين) كان المشركون يقولون: إن شيطانا ~~ينزل على محمد فيلقنه القرآن، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (وما ينبغي لهم) أي: ولا يصلح لهم أن ينزلوا بالقرآن؛ لأنهم ~~ليسوا بأهل ذلك. # وقوله: * (وما يستطيعون) أي: لا يستطيعون إنزال الوحي. # وقوله: * (إنهم عن السمع لمعزولون) أي: [لمحجوبون]? فإنهم حجبوا من ~~PageV04P068 # * (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) وأنذر عشيرتك ~~الأقربين (214)) * * * السماء ومنعوا بالشهب على ما ذكرنا من قبل. # قوله تعالى: * (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين) روى أن ~~المشركين قالوا له: ارجع إلى دين آبائك، فإن أردت المال جمعنا لك المال، ~~وإن أردت الرئاسة قلدناك الرئاسة علينا، فأنزل الله تعالى: * (فلا تدع مع ~~الله إلها آخر فتكون من المعذبين) أي: في النار. # وقوله تعالى: * (وأنذر عشيرتك الأقربين) روى الزهري عن سعيد بن المسيب ~~[وأبى] سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة أنه لما نزل قوله تعالى: * ~~(وأنذر عشيرتك الأقربين) قال النبي: ' يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله ~~تعالى، ولا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغنى عنكم من الله ~~شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا صفية بنت عبد ~~المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما ~~شئت، لا أغني عنك من الله شيئا '. قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا المكي بن ~~عبد الرزاق، أخبرنا جدى، أخبرنا الفربري، أخبرنا البخاري، أخبرنا أبو ~~اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري... الخبر. # وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه لما نزلت هذه الآية صعد رسول الله ~~الصفا ثم قال: يا صباحاه فاجتمع عنده قريش، فقالوا له: مالك؟ فقال: أرأيتم ~~لو قلت: إن العدو مصبحكم أو ممسيكم، ms1163 أكنتم تصدقونني؟ قالوا: نعم، قال: إني ~~نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا؟ فأنزل ~~الله تعالى: PageV04P069 # * (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني بريء مما ~~تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يراك حين تقوم (218) * * ~~* * (تبت يدا أبي لهب وتب) '. والخبر في الصحيحين. # وفي بعض الأخبار: أن النبي قال لعلي رضي الله عنه: ' اجمع لي بني عيد ~~مناف، فجمعهم على فخذ شاة وقعب من لبن، فلما أكلوا وشربوا، قال لهم رسول ~~الله ما قال، ودعاهم إلى الله، فقام أبو لهب وقال ما ذكرنا وخرجوا '. # وفي تفسير النقاش: أن النبي خص بني هاشم وبني عبد المطلب بالدعاء، وقال: ~~' أنتم خاصتي '. # وقوله: * (واخفص جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) أي: ألن جانبك وحسن خلقك. # وقوله: * (فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وتوكل على العزيز الرحيم) وفي مصحف المدنيين والشاميين ' ~~فتوكل ' بالفاء، والفاء فيها بمعنى الجزاء، ومعنى ذلك: أنهم إذا عصوا فقابل ~~عصيانهم بالتوكل علي. # قوله: * (الذي يراك حين تقوم) أي: تقوم لدعائهم، وقراءة القرآن عليهم، ~~ويقال: تقوم من نومك للصلاة، وقيل: إذا صليت وحدك. PageV04P070 # * (وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم (220) هل أنبئكم على ~~من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم ~~كاذبون (223). * * * وقوله: * (وتقلبك في الساجدين) [أي:] إذا صليت جماعة، ~~وعن ابن عباس معناه قال: أخرجه من صلب نبي إلى صلب نبي إلى صلب نبي هكذا ~~إلى أن جعله نبيا، فهذا معنى التقلب. والساجدون هم الأنبياء - صلوات اللهم ~~عليهم - وعن مجاهد قال: معنى قوله: * (وتقلبك في الساجدين) هو تقلب الطرف، ~~وقد كان يرى من خلفه ما كان يرى من قدامه. # وقوله: * (إنه هو السميع العليم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين) أي: هل أخبركم، وهي جواب ~~لقولهم: إن شيطانا ينزل عليه. # وقوله: * (تنزل على كل أفاك أثيم) أي: تتنزل، والأفاك هو الشديد الكذب، ~~والأثيم هو الذي يأتي بما يأثم به ويقبح فعله. ms1164 # قوله تعالى: * (يلقون السمع) قال أهل التفسير: المراد منه الكهنة، ومعنى ~~* (يلقون السمع) أي: يستمعون إلى الشياطين. # وقوله: * (وأكثرهم كاذبون) أي: كلهم، وروى عن عائشة - رضي الله عنها - ~~أنها قالت: قلت يا رسول الله، إن الكهان يخبرون بأشياء وتكون حقا؟! قال: ' ~~تلك الخطفة يخطفها الجنى، فيلقيها في سمع الكاهن، فيكذب معها مائة كذب '. # وقد ذكرنا انهم يسترقون من الملائكة، ويعلوا بعضهم بعضا ثم يرمون بالشهب. ~~PageV04P071 # * (والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226). * * وفي الخبر المشهور المعروف: أن النبي ~~قال: ' من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقولون، فقد كفر بما أنزل على محمد ~~'. # قوله تعالى: ( والشعراء يتبعهم الغاوون) قال أهل التفسير: المراد من ~~الشعراء هم الشعراء الذين كانوا يهجون المسلمين من الكفار، ويسبون النبي، ~~وهم مثل: عبد الله بن الزبعرى، وأبي عزة الجمحي، وأبي سفيان بن الحارث بن ~~عبد المطلب، وهبيرة بن وهب، ومن أشبههم. # وقوله تعالى: * (يتبعهم الغاوون) فيه أقوال: قال ابن عباس: هو الرواة. ~~وروى الضحاك عنه: أن المراد من الآية هو الشاعر أن يتهاجيان فيتبع هذا قوم، ~~ويتبع ذاك قوم. # وعن مجاهد: الغاوون هم الشياطين، وعن بعضهم: هم السفهاء من الناس. # وفي الأخبار: أن النبي قال: ' من مشى سبعة أقدام إلى شاعر فهو من الغاوين ~~' والخبر غريب. # قوله تعالى: * (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) أي: في كل مرة يفتنون، ~~وذكر الوادي على طريق التمثيل، يقال: أنا في واد، وأنت في واد، وعن قتادة ~~قال: في واد يهيمون: أن يمدحون بالباطل ويذمون بالباطل. قال بعضهم: إن ~~الشاعر يمدح بالصلة، ويهجو بالحمية، ويتشبب بالنساء، ويثير خاطره العشيق، ~~وقال بعضهم: في PageV04P072 # * (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) * * * * كل واد يهيمون أي: على حرف ~~من حروف الهجاء يصوغون القوافي، والهائم هو الذي ترك القصد في الأشياء؛ ~~يقال: هام فلان على وجهه إذا لم يكن له مقصد صحيح يقصده ويذهب إليه. # قوله: * (وأنهم يقولون ما لا يفعلون) أي: يكذبون في شعرهم، ويقولون: ~~فعلنا ms1165 كذا وكذا ولم يفعلوا، وفي بعض الآثار: أن أبا محجن الثقفي قال شعرا ~~وأقر فيه بشرب الخمر، فأراد عمر أن يحده، فقال علي - رضي الله عنه - إن ~~كتاب الله يدرأ عنه الحد، وقرأ هذه الآية: * (وأنهم يقولن ما لا يفعلون) ~~فترك عمر حده. # وقوله: * (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال أهل التفسير: هؤلاء ~~شعراء المسلمين الذين كانوا يجتنبون شعراء الجاهلية ويهجونهم، ويذبون عن ~~النبي وأصحابه، وينافحون عنهم، وهم مثل: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ~~وكعب ابن مالك، ومن أشبههم. # وروى عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال: يا رسول الله، ما تقول ~~في الشعر؟ فقال: ' إن المسلم ليجاهد بيده ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ~~ترمونهم بالنبال '. # وروى شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب أن النبي قال لحسان بن ~~ثابت: ' أهجم - أو هاجهم - وروح القدس معك '. ذكره البخاري في PageV04P073 # * (وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا * * الصحيح. قال رضي الله ~~عنه: أخبرنا بهذا المكي بن عبد الرزاق، حدثني جدي، أخبرنا الفربري، أخبرنا ~~البخاري، أخبرنا حفص بن عمر عن شعبة... الخبر. # وعن عائشة - رضي الله عنه - أنها قالت: الشعر كلام، فمنه الحسن ومنه ~~القبيح، فخذ الحسن ودع القبيح. # وروى أبي بن كعب عن النبي أنه قال: ' إن من الشعر لحكمة '. # وعن بعضهم قال: الشعر أدنى درجات الرفيع، وأرفع درجات الدنيء. # وعن الشعبي أنه قال ' كان أبو بكر - رضي الله عنه - يقول الشعر، وكان عمر ~~- رضي الله عنه - يقول الشعر، وكان علي - رضي الله عنه - أشعر الثلاثة. وفي ~~بعض التفاسير: أن قوله: * (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) هم أبو بكر ~~وعمر - رضي الله عنهم - وهو قول غريب. # وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: إذا أرأيت الشيخ ينشد الشعر في المسجد، ~~فاقرع رأسه بالعصا. # وأما عبد الله بن عباس كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشد، فروى أنه دعا ~~عمر بن أبي ربيعة المخزومي واستنشده القصيدة التي أنشدها، في أوله. # (أمن آل نعمى أنت غاد ms1166 فمبكر * غداة غد أو رائح فمهجر) فأنشده ابن أبي ~~ربيعة القصيدة إلى آخرها، وهي قريب من سبعين بيتا، ثم إن ابن عباس أعاد ~~القصيدة جمعيها، وكان حفظها لمرة واحدة ثم قال: ما رأيت أروى من عمر، ولا ~~أعلم من علي. هذه الحكاية أوردها المبرد في مشكل القرآن. # قوله: * (وذكروا الله كثيرا) ظاهر المعنى. PageV04P074 # * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227) * * وقوله: * (وانتصروا من ~~بعد ما ظلموا) يعني: بجواب الكفار عن أشعارهم التي هجوا بها المسلمين، قال ~~حسان بن ثابت: # (هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء) فإن أبى ووالدتي وعرضي ~~* لعرض محمد منكم وقاء) وقوله: * (وسيعلم الذين ظلموا) أي: الكفار الذين ~~هجوا المسلمين. # وقوله: * (أي منقلب ينقلبون) أي: أي مرجع يرجعون، وقرئ في الشاذ: ' أي ~~منفلت ينفلتون بالفاء من الإنفلات والوقوع في الشيء وقد ذكر أبو بكر الصديق ~~- رضي الله عنه - هذه الآية في وصية لعمر - رضي الله عنه - حين استخلفه، ~~فروى أنه قال لعثمان - رضي الله عنه - أكتب: هذا ما عهد أبو بكر عند آخر ~~عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، حين يؤمن الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلف ~~عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وصدق فذلك ظني به، وإن غير وبدل فالخير أردت، ~~ولا يعلم الغيب إلا الله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ~~PageV04P075 # بسم الله الرحمن الرحيم * (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى ~~للمؤمنين (2) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو بالآخرة هو يوقنون (3) ~~إن الذين لا * * تفسير سورة النمل وهي مكية قوله تعالى: * (طس) قد بينا ~~معناه في السورة المتقدمة. # وقوله: * (تلك آيات القرآن) أي: هذه آيات القرآن. # * (وكتاب) أي: وآيات كتاب مبين، وأما اشتقاق القرآن والكتاب قد بينا، قال ~~أهل المعاني: أظهر الآيات بالقراءة تارة، وبالكتبة تارة أخرى، فالآيات ~~مظهرة بكونها كتابا، وبكونها قرآنا. # قوله تعالى: * (هدى وبشرى للمؤمنين) أي: هدى من الضلالة، وبشرى بالثواب ~~وهو الجنة، ويقال: الآيات هادية مبشرة. # وقوله: * (للمؤمنين) أي: للمصدقين. # قوله تعالى: * (الذين يقيمون الصلاة) إقامة الصلاة أداؤها بفرائضها ~~وسننها، ms1167 وقيل: إقامة الصلاة حفظ مواقيتها. # وقوله: (ويؤتون الزكاة) أي: يعطون الزكاة، والزكاة هي زكاة المال، وقيل: ~~زكاة الفطر. # وقوله: (وهو بالآخرة هو يوقنون) أي: يصدقون. # قوله تعالى: * (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم) الأكثرون ~~على أنها أعمال المعصية، وقيل: أعمال الطاعات وذلك بإقامة الدليل على ~~حسنها. # وقوله: * (فهم يعمهون) أي: يتحيرون ويترددون، ويقال: يعمون. PageV04P076 # * (يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) أولئك الذين لهم سوء ~~العذاب وهو في الآخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقي القرآن من لدن حكيم عليم ~~(6) إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم * * قوله ~~تعالى: * (أولئك الذين لهم سوء العذاب) أي: أشده. # وقوله: * (وهم في الآخرة هم الأخسرون) أي: حظا ونصيبا. # قوله تعالى: * (وإنك لتلقي القرآن من لدن حكيم عليم) أي: تؤتي القرآن، ~~وقيل: تأخذ القرآن، وقيل: تلقن. # وقوله: * (من لدن حكيم عليم) أي: من عنده. قوله تعالى: * (إذا قال موسى ~~لأهله إني آنست نارا) أي: أبصرت نارا، ومنه الإنس سموا إنسا؛ لأنهم مرئيون ~~مبصرون، وفي القصة: أن موسى كان أخطأ الطريق، وذكر بعضهم أن موسى - عليه ~~السلام - كان يرعى أغنامه على شفير الوادي، فرأت الأغنام النار ففزعت، ~~وتفرقت ولم يكن موسى راءها، فصاح بها موسى بالأغنام حتى اجتمعت ثم تفرقت ~~ثانيا، فصاح بها حتى اجتمعت ثم تفرقت ثالثا، فنظر موسى فرأى النار فذهب ~~موسى - عليه السلام - في طلبها. # قوله تعالى: * (سآتيكم منها بخبر) أي: بخبر عن الطريق. # وقوله: * (أو آتيكم بشهاب قبس) قرئ بالتنوين، وقرئ على الإضافة: ' بشهاب ~~قبس ' والشهاب والقبس معناهما متقاربان، فالعود إذا كان في أحد طرفيه نار، ~~وليس في الطرف الآخر نار سمي: شهابا، ويسمى: قبسا، وقال بعضهم: الشهاب هو ~~شيء ذو نور مثل العمود، والعرب تسمي كل أبيض ذي نور: شهابا، والقبس هو ~~القطعة من النار، قال الشاعر: (في كفه صعدة مثقفة * لها) سنان كشعلة القبس) ~~وأما قراءة التنوين فقد جعل القبس نعتا للشهاب، وأما قراءة الإضافة هو ~~إضافة PageV04P077 # * (بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي ms1168 أن بورك من في النار ومن ~~* * لشيء إلى نفسه، مثل قوله تعالى: * (ولدار الآخرة) ومثل قولهم: يوم ~~الجمعة، وما أشبه ذلك. # وقوله: * (لعلكم تصطلون) فيه دليل على أنهم كانوا شاتين، وإنه أصابه ~~البرد والعرب تقول: هلم إلى الصلى والقرى. # قوله تعالى: * (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار) قال أهل التفسير: ~~لم يكن ما رآه نارا، بل كان نورا، وإنما سماه نارا؛ لأن النار لا تخلو من ~~النور؛ ولأنه كان في ظن موسى أنه نار. # وقوله: * (من في النار) فيه أقوال: أكثر المفسرين على أنه نور الرب، وهو ~~قول ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم، وذكر أبو بكر الهذلي عن الحسن ~~البصري أنه الله تعالى، وذكر الفراء أن من في النار هو الملائكة، ومن حولها ~~الملائكة أيضا (على القول الأول، ومن حولها الملائكة أيضا). # وفي الآية قوله رابع: وهو أن من في النار موسى، فإن قيل: لم يكن موسى في ~~النار. قلنا: قد كان قريبا من النار، والعرب تسمي من قرب من الشيء في الشيء ~~يقولون: إذا بلغت ذات عرق فأنت في مكة، قالوا هذا لأجل القرب من مكة، وموسى ~~قد كان قرب من النار فجعله كأنه في النار. # وفي الآية قول خامس: وهو أن ' من ' بمعنى ' ما ' ومعنى الآية: أن بوركت ~~النار وما حولها، وذكر بعضهم، أن في قراءة أبي: ' بوركت النار ومن حولها ' ~~والعرب تقول: بارك الله، وبارك الله عليك، وبورك فيك بمعنى واحد. # وقوله: * (وسبحان الله رب العالمين) نزه الله نفسه، وهو المنزه عن كل سوء ~~PageV04P078 # * (حولها وسبحان الله رب العالمين (8) يا موسى إنه أنا الله العزيز ~~الحكيم (9) وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى ~~لا تخف إني * * وعيب. # قوله تعالى: * (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) أي: إني أنا الله ~~العزيز الحكيم. قال الفراء: الهاء عماد في هذا الموضع. # قوله تعالى: * (وألق عصاك فلما رآها تهتز) أي: تتحرك. # وقوله: * (كأنها جآن) الجآن هي الحية الصغيرة التي يكثر ms1169 اضطرا بها، وقد ~~بينا التوفيق بين هذه الآية وبين قوله: * (فإذا هي ثعبان مبين). # وقوله: * (ولى مدبرا): أي: هرب، ويقال: رجع إلى الطريق التي جاء منها. # وقوله: * (ولم يعقب) أي: لم يلتفت. # وقوله: * (يا موسى لا تخف) (في بعض التفاسير: أن موسى لما فزع وهرب قال ~~الله تعالى له: * (أقبل) فلم يرجع، فقال: * (لا تخف) إنك من الآمنين) فلم ~~يرجع، فقال: * (سنعيدها سيرتها الأولى) فلم يرجع حتى جعلها عصا كما كانت، ~~ثم رجع وأخذها، والله أعلم. # قوله: * (إني لا يخاف لدى المرسلون) يعني: إذا أمنتهم، وقيل: لا يخافون ~~من عقوبتي، فإني لا أعاقبهم. # فإن قيل: أليس أن جميع الأنبياء خافوا الله، وقد كان النبي يخشى الله، ~~وقد قال: ' أنا أخشاكم '؟ والجواب عنه: أن الخوف الذي هو شرط الإيمان لا ~~يجوز PageV04P079 # * (لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور ~~رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى * * أن ~~يخلو أحد منه، فأما هذا الخوف من العقوبة على الكفر والكبائر، والله تعالى ~~قد عصم الأنبياء من الكفر والكبائر. # وقوله: * (إلا من ظلم) فيه أقوال: أحدها: ولا من ظلم * (ثم بدل حسنا بعد ~~سوء) أي: تاب وندم، وهذا القول ضعيف عند أهل النحو، والقول الثاني: أن معنى ~~الآية: إني لا يخاف لدى المرسلون وإنما يخاف غير المرسلين، إلا من ظلم ثم ~~بدل حسنا بعد سوء فإنه لا يخاف، والقول الثالث: أن الاستثناء ها هنا منقطع، ~~ومعناه: لكن من ظلم فخاف فإن بدل حسنا بعد سوء فإنه لا يخاف. وفي بعض ~~التفاسير: أن المراد بقوله: * (إلا من ظلم) هو موسى بقتله القبطي، وأما ~~تبديله الحسن بعد السوء توبته وندامته، وذلك في قوله تعالى: * (قال رب إني ~~ظلمت نفسي). # قوله تعالى: * (وأدخل يديك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) قد بينا، وفي ~~القصة: أنها كانت تلألأ مثل البرق. # وقوله: * (في تسع آيات) أي: مع تسع آيات، وقيل: من تسع آيات، قال امرؤ ms1170 ~~القيس: # [وهل] ينعمن من كان آخر عهده * [ثلاثين] شهرا في ثلاثة أحوال أي: من ~~ثلاثة أحوال. # وقوله: * (إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين) أي: خارجين من ~~الطاعة. PageV04P080 # * (فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ~~قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر ~~كيف كان عاقبة المفسدين (14) ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله ~~الذي * * قوله تعالى: * (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة) أي: بنية واضحة. # قوله: * (قالوا هذا سحر مبين) أي: سحر ظاهر. # قوله تعالى: * (وحجدوا بها) أي: جحدوها، والباء صلة، وقيل: جحدوا ~~بالدلالة التي ظهرت منهما. # وقوله: * (واستيقنتها أنفسهم) يعني: وقد علموا أنها من قبل الله تعالى. # وقوله: * (ظلما وعلوا) أي: شركا وتكبرا. # وقوله: * (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) ظاهر المعنى. # وقوله تعالى: * (ولقد آتينا داود وسليمان علما) أي: علم القضاء وعلم منطق ~~الطير ومنطق الدواب، وعن بعضهم: علم الكيمياء، وهو قول شاذ. # وقوله: * (وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (وورث سليمان داود) قال أهل التفسير: ليس المراد منه وراثة ~~المال، وإنما المراد منه إرث الملك والنبوة، وكان داود ملكا نبيا، [وكذلك] ~~سليمان ملكا نبيا، وأعطى سليمان ما أعطى داود من الملك، وزيد له تسخير ~~الريح، ولم يكن هذا لأبيه، وكذلك تسخير الشياطين. قال الكلبي: كان لداود ~~تسعة عشر ولدا ذكرا، وورث ملكه ونبوته سليمان من بينهم. # وفي بعض المسانيد: عن أبي هريرة أن الله تعالى أمر داود أن يسأل سليمان ~~عن عشر مسائل: فإن أجاب فهو خليفته. وروى أن الله تعالى بعث إلى داود ~~PageV04P081 # * (فضلنا على كثير من عباده المؤمنين (15) وورث سليمان داود وقال يا أيها ~~الناس * * بصحيفة مختومة فيها جواب المسائل فجمع داود الأحبار والرهبان، ~~وأحضر سليمان وسأله عن المسائل، وكانت المسائل العشر أن داود سأل سليمان - ~~صلوات الله عليهما - فقال: ما أقرب الأشياء؟ وما أبعد الأشياء؟ وما آنس ~~الأشياء؟ وما أوحش الأشياء؟ وما الشيئان القائمان؟ وما الشيئان المختلفان؟ ~~وما الشيئان المتباغضان؟ [وما ms1171 الذي إذا استعمل في أول الشيء حمد في آخره؟] ~~وما الذي إذا استعمل في أول الشيء ذم في آخره؟ فقال: أما أقرب الأشياء ~~فالآخرة، وأما أبعد الأشياء فالذي فاتك من الدنيا، وأما آنس الأشياء فجسد ~~فيه روحه، وأما أوحش الأشياء فجسد لا روح فيه، وأما الشيئان القائمان ~~فالسماء والأرض، وأما الشيئان المختلفان فالليل و النهار، وأما الشيئان ~~المتباغضان فالحياة والموت، وأما الذي إذا استعمل في أول الشيء حمد في ~~آخره، فالحلم عند الغضب، وأما الذي إذا استعمل في أول الشيء ذم في آخره ~~فالحدة عند الغضب، فلما أجاب سليمان بهذه الأجوبة، فك الختم عن الصحيفة ~~التي بعثها الله تعالى، فإذا الأجوبة على وفق ما قال سليمان صلوات الله ~~عليه وسلم. # وفي هذا الخبر: أن سليمان لما أجاب بهذه الأجوبة سألته الأحبار عن مسألة ~~أخرى فقالوا: ما الشيء الذي إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد ~~كله؟ فقال: هو القلب. فقالت الأحبار له: حق لك الخلافة يا سليمان، فحينئذ ~~استخلفه داود عليه السلام. # فإن قيل: إذا كان داود استخلفه، فكيف يستقيم قوله تعالى: * (وورث سليمان ~~داود)؟ قلنا: المراد من الإرث هاهنا هو قيامه مقام داود في الملك والنبوة ~~والعلم، وليس المراد من الإرث الذي يعلم في الأموال، وهذا مثل قولهم: ~~العلماء ورثة الأنبياء، والمراد منه ما بينا. PageV04P082 # * (علمنا منطق الطير * * وقوله: * (وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير) ~~سمى صوته منطقا لحصول الفهم بمعناه، كما يفهم معنى كلام الناس، إلا أن صوت ~~الطير على صيغة واحدة، وأصوات الناس على صيغ مختلفة، ويحتمل أن ذلك في زمان ~~سليمان خاصة معجزة له أنه جعل لأصواتهم معاني مفهومة كما يفهم الناس بعضهم ~~من بعض. # وقد روى نافع، عن ابن عمر أن النبي قال: ' الديك الأبيض صديقي، وصديق ~~صديقي وعدو عدوى، فقيل: يا رسول الله، وماذا يقول؟ قال: يقول اذكروا الله ~~يا غافلين '. وهذا خبر غريب. # وفي بعض المسانيد: أن جماعة من اليهود أتوا عبد الله بن عباس: فقالوا له: ~~إنا سائلوك عن ms1172 أشياء فإن أجبتنا أسلمنا، فقال: سلوا تفقها، ولا تسألوا ~~تعنتا، فقالوا: ماذا يقول القس في صفيره؟ والديك في صقيعه؟ والضفدع في ~~نقيقه؟ والحمار في نهيقه؟ والفرس في صهيله؟ وماذا يقول الزرزور أو الدراج؟ ~~فقال: أما القس يقول: اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد، وأما الديك يقول: ~~اذكروا الله يا غافلين، وأما الضفدع يقول: سبحان المعبود في لجج البحار، ~~وأما الحمار فيقول: اللهم العن العشارين، وأما الفرس إذا حمحم عند التقاء ~~الصفين فإنه يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وأما الزرزور فإنه يقول: ~~اللهم أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق، وأما PageV04P083 # * (وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمان جنوده ~~من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) * * الدراج فيقول: الرحمن على العرش ~~استوى، قال: فأسلم اليهود. # وقد ثبت عن النبي أنه قال في الحمار: ' إذا نهق فإنه قد رأى شيطانا '. # وقوله: * (وأوتينا من كل شيء) أي: من كل شيء يؤتى الأنبياء والملوك، ~~وقيل: إنه قال هذا على طريق الكثرة والمبالغة، مثل قول القائل: كلمت كل أحد ~~في حاجتك. # وقوله: * (إن هذا لهو الفضل المبين) أي: الزيادة الظاهرة على جميع الخلق. # قوله تعالى: * (وحشر لسليمان جنوده) قال محمد بن كعب القرظي: كان معسكره ~~مائة فرسخ: خمسة وعشرون فرسخا للإنس، وخمسة وعشرون فرسخا للجن، وخمسة ~~وعشرون فرسخا للوحوش، وخمسة وعشرون فرسخا للطيور. # وعن سعيد بن جبير: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي، يجلس الإنس فيما ~~يليه، ثم يليهن الجن، ثم تظلهم الطير ثم تقلهم الريح. قال رضي الله عنه: ~~أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الشافعي، أخبرنا أبو الحسن بن فراس، أخبرنا ~~الديبلي، أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ~~ابن سلام، عن سعيد بن جبير... الأثر. # وقوله: * (فهم يوزعون) أي: يساقون، وقيل: يجمعون، والقول المعروف: يكفون، ~~ومعناه: يكف أولهم حتى يلحق آخرهم، قال الشاعر: # (على حين عاتبت المشيب على الصبا * فقلت ألما أصح والشيب وازع) وعن الحسن ~~البصري قال: لابد للناس من وزعة. قال هذا حين ولى ms1173 القضاء، وازدحم عليه ~~الناس. # وعن عثمان قال: ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن. ومعناه: ما يمتنع ~~الناس منه خوفا من السلطان أكثر مما يمتنع الناس منه خوفا من القرآن. ~~PageV04P084 # * (حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم * ~~* وعن بعضهم في الفرق بين عمر وعثمان: أن عمر أساء الظن فشدد في الأمر ~~فصلحت رعيته، وعثمان أحسن الظن فساهل الأمر ففسدت رعيته. # وفي القصة: أنه كان على كل صنف من الإنس والجن والطير والدواب لسليمان ~~صلوات الله عليه، وزعة. # قوله تعالى: * (حتى إذا أتوا على واد النمل) يقال: هو واد بالشام، وقال ~~كعب: واد بالطائف. وقال بعضهم: واد كان سكنه الجن، وأولئك النمل مراكبهم ~~وهي كالذئاب. وقيل: كالبخاتي، والمشهور أنه النمل الصغير، وسميت نملا ~~لتنملها أي: لكثرة حركتها. # وعن عدي بن حاتم انه كان يفت الخبز للنمل. قال رضي الله عنه: أخبرنا به ~~أبو علي الشافعي بذلك الإسناد، والذي بينا عن سفيان بن عيينة، عن مسعود، عن ~~رجل، عن عدي بن حاتم. # وقوله: * (قالت نملة) يحتمل أن الله تعالى خلق للنمل في ذلك الوقت كلاما ~~مفهوما، والنمل عند العرب من الحكل، والحكل مالا صوت له، قال الشاعر: # ((علم سليمان الحكل)) وقوله: * (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) ولم يقل: ~~ادخلي، وحق اللغة أن يقول: ادخلي، وإنما يقال: ادخلوا لبني آدم، لكنهم لما ~~تكلموا بمثل كلام الآدميين خوطبوا مثل خطاب الآدميين. # وقوله: * (لا يحطمنكم) أي: لا يسكرنكم كسر الهلاك, * (سليمان وجنوده) ~~(وقيل: لا يطأنكم، فإن قال قائل: كيف يستقيم هذا، وإنما الريح كانت تحمل ~~سليمان PageV04P085 # * (لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكا من قولها * ~~* وجنوده)? فإنه روى أن سليمان وجنوده كانوا يجتمعون على بساط، والريح تحمل ~~البساط؛ والجواب: يحتمل أنه كان فيهم مشاة، وكانت الأرض تطوى لهم، ويحتمل ~~أن هذا كان قبل تسخير الريح لسليمان والله أعلم. فإن قيل: لم يكن النمل من ~~الطير، وهو كان تعلم منطق الطير؟ والجواب عنه: قال الشعبي: كانت نملا لها ms1174 ~~أجنحة فيكون طيرا. # وقوله: * (وهم لا يشعرون) قال أهل التفسير: علم النمل أن سليمان ملك ليس ~~له جبرية وظلم، ومعنى الآية: أنكم لو لم تدخلوا المساكن وطئوكم، ولم يشعروا ~~بكم، ولو عرفوا لم يطئوا، وفي القصة [أيضا]: أن سليمان لما بلغ وادي النمل ~~حبس جنده حتى دخل النمل بيوتهم، وفي القصة أيضا: أن سليمان سمع كلام النمل ~~على ثلاثة أميال، وكان الله تعالى أمر الريح أن تأتيه بكل خبر وكل كلام، ~~وفي الآية دليل على أن النمل يكره قتلها، وعن الحسن البصري أنه قال في ~~قوله: * (إن الأبرار لفي نعيم) قال: هم الذين لا يؤدون الذر، وهو صغار ~~النمل. فإن قيل: كيف يصح أن يثبت للنمل مثل هذا العلم؟ والجواب عنه: يجوز ~~أن يخلق الله تعالى فيه هذا النوع من الفهم والعلم، ويقال: إنه أسرع جسة ~~إدراكا، وهو إذا أخذ الحبة من الحنطة قطعها بنصفين لئلا تنبت، وإذا أخذ ~~الكزبرة قطعها أربع قطع؛ لأن الكزبرة إذا قطعت قطعتين تنبت، فإذا قطعت أربع ~~قطع لم تنبت. # قوله تعالى: * (فتبسم ضاحكا من قولها) قال الزجاج: ضحك الأنبياء التبسم. # وقوله: * (ضاحكا) أي: متبسما، ويقال: كان أوله التبسم وآخره الضحك، فإن ~~قيل: لم ضحك؟ والجواب من وجهين: أحدهما: فرحا بثناء النملة عليه، والآخر: ~~سمع عجبا، ومن سمع عجبا يضحك، وربما يغلب في ذلك. PageV04P086 # * (وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل ~~صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19) وتفقد الطير فقال ما * ~~* وقوله: * (وقال رب أوزعني) أي: ألهمني. # وقوله: * (أن أشكر نعمتك التي أنعمت على) يقال: الشكر انفتاح القلب لرؤية ~~المنة، ويقال: هو الثناء على الله تعالى بإنعامه. # قوله: * (وعلى والدي) أي: أباه داود وأمه آيسا. # وقوله: * (وأن أعمل صالحا ترضاه) أي: من طاعتك. # وقوله: * (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) أي: مع عبادك الصالحين ~~الجنة. # قوله تعالى: * (وتفقد الطير) التفقد هو طلب ما قد فقد. # وقوله: * (ما لي لا أرى الهدهد) الهدهد طير معروف، فإن قيل: لم طلبه؟ ~~والجواب ms1175 من وجهين: أحدهما: أن الطير كانت تظل سليمان وجنده من الشمس، فنظر ~~فرأى موضع الهدهد خاليا تصبيه الشمس منه، فطلب لهذا، والثاني: ما روى عن ~~ابن عباس أن الهدهد كان يعرف موضع الماء في الأرض، وكان يبصر الماء فيها ~~كما يبصر في الزجاجة، وكان يذكر قدر قرب الماء وبعده، فاحتاج سليمان إلى ~~الماء في مسيره، فطلب الهدهد لذلك. فروى أن نافع بن الأزرق كان عند ابن ~~عباس وهو يذكر هذا فقال: يا وصاف انظر ما تقول، فإن الصبي منا يضع الفخ ~~ويحثو عليه التراب، فيجئ الهدهد فيقع في الفخ. فقال له ابن عباس: إن القدر ~~يحول دون البصر، وروى أنه قال: إذا جاء القضاء والقدر ذهب اللب والبصر. # وقوله: * (أم كان من الغائبين) يعني: أكان من الغائبين؟ والميم فيه صلة، ~~كأنه أعرض عن الكلام الأول، وذكر هذا على طريق الاستفهام، ويقال: إنه لما ~~قال: * (مالي لا أرى الهدهد) دخله شك، فقال: أحاضر هو أم غائب؟. ~~PageV04P087 # * (لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه عذابا شديدا أو ~~لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط ~~به وجئتك * * قوله تعالى: * (لأعذبنه عذابا شديدا) فيه أقوال: أحدها - وهو ~~الأشهر - أنه نتف ريشه وإلقاؤه في الشمس فيأكله النمل، ويقال: هو حبسه مع ~~الضد، ويقال: إخراجه من جنسه إلى غير جنسه، فهو العذاب الشديد. # وقوله: * (أو لأذبحنه) معلوم المعنى. # وقوله: * (أو ليأتيني بسلطان مبين) أي: بعذر ظاهر، ويقال: بحجة بينة، وفي ~~القصة: أن أمير الطير كان هو الكركر، فسأله سليمان عند الهدهد أنه حاضر أم ~~غائب؟. # قوله تعالى: * (فمكث غير بعيد) أي: غير طويل. # وقوله: * (فقال أحطت بما لم تحط به) فيه حذف، ومعناه: أن الهدهد جاء ~~وسأله سليمان - عليه السلام - عن غيبته فقال: * (أحطت بما لم تحط به). # وفي القصة: أن الهدهد قال لما أخبر بمقالة سليمان: * (لأعذبنه عذابا ~~شديدا أو لأذبحنه) قال الهدهد: هل استثنى نبي الله؟ قالوا: نعم، قد قال: ~~(أو ليأتيني بسلطان مبين) قال: فنجوت ms1176 إذا. # فإن قال قائل: التعذيب إنما يكون بعد التكليف، والهدهد لم يكن مكلفا، ~~وإذا لم يكن مكلفا لم يكن عاصيا بالغيبة، وإذا لم يكن عصيا لا يستحق ~~العذاب؟ والجواب عنه: يحتمل أن الطير أعطاها الله تعالى في ذلك الوقت ما ~~يعقلون به الأمر، فصح نهيهم عن الغيبة والإخلال بمركز الخدمة، فإذا غبن ~~استحققن العذاب. # وأما قوله: * (أحطت بما لم تحط به) الإحاطة هو العلم بالشيء من جميع ~~جهاته. # وقوله: * (وجئتك من سبأ) وقرئ: ' سبأ ' بغير صرف، فمن صرف سبأ صرفه على ~~أنه اسم رجل، وفي بعض التفاسير: عن النبي أنه سئل عن سبأ فقال: ' هو ~~PageV04P088 # * (من سبأ بنبأ يقين (22) إني وجدت امرأة تملكهم * * * رجل ولد عشرة من ~~البنين تيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة، فأما الذي تيامنوا فهم كندة، ~~والأشعر، والأزد، وحمير، ومذحج، وأنمار، وأما الذين تشاءموا فهم: لخم، ~~وجذام، وعاملة، وغسان '. # ومن لم يصرفه جعله اسما للبقعة، واعلم أن العرب قد صرفت سبأ مرة ولم ~~تصرفه مرة، قال الشاعر في صرف سبأ: # (الواردون وتيم في ذرى سبأ * قد عض أعناقهم جلد الجواميس) وقال آخر: في ~~ترك صرفه: # (من سبأ الحاضرين مأرب إذ * يبنون من دون سيله العرما) وقوله: * (بنبأ ~~يقين) أي: بخبر حق. # وقوله تعالى: * (إني وجدت امرأة تملكهم) هذه المرأة هي بلقيس بنت شراحيل. ~~قال مجاهد: ولدها أربعون ملكا، آخرهم أبوها. وعن قتادة قال: كان أحد أبويها ~~من الجن. وعن الحسن البصري قال: ولوا أمرهم علجة يضطرب ثدياها. # وقد ثبت عنه برواية أبي بكرة حين بلغه أن العجم ولوا عليهم بنت كسرى، ~~PageV04P089 # * (وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من ~~دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون * * ~~فقال: ' لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة '.)). # وعن خالد بن صفوان في ذم اليمن: هم من بين دابغ جلد, وسايس قرد, وحائك ~~برد, ملكتهم امرأة, ودل عليم هدهد وغرقتهم فأرة. # واعلم أن أهل اليمن ممدوحون على لسان النبي، وإنما الذم الذي ذكرنا ms1177 لأهل ~~الشرك منهم. # وقوله: * (وأوتيت من كل شيء) أي: من كل شيء يؤتى مثلها. # وقوله: * (ولها عرش عظيم) أي: سرير ضخم، وفي القصة: أنه كان طول السرير ~~[ثمانين] ذراعا في عرض ثمانين، وقيل: أقل من ذلك، والله أعلم. # قالوا: وكان مكللا بالجواهر واليواقيت والزبرجد، وما أشبه ذلك. # وقوله: * (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل) أي: عن سبيل الإسلام. # وقوله: * (فهم لا يهتدون) أي: الطريق الحق. # قوله تعالى: * (ألا يسجدوا لله) وقرئ: ' ألا يسجدوا ' مخففا، فأما من ~~قرأ: * (إلا) مشددا فمعناه: فصدهم عن السبيل ألا يسجدوا يعني: لئلا يسجدوا، ~~وقيل معناه: وزين لهم الشيطان أعمالهم ألا يسجدوا، وعلى هذه القراءة لا ~~سجود عند تلاوته، هكذا ذكره أهل التفسير، وأما قراءة التخفيف فمعنى قوله: ' ~~ألا يسجدوا ' PageV04P090 # (* (24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما ~~تخفون وما تعلنون (25) لله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) قال سننظر ~~أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم * ~~* أي: ألا يا هؤلاء اسجدوا. # (ألا يسلمى يادارمي على البلى * ولا زال منهلا بجرعائك القطر) ومعناه: ~~ألا يا اسلمى يا دار. وقال آخر: # (ألا يسلمى يا هند هند بنى * بدر وإن كان حيانا غدا آخر الدهر) ومعناه: ~~ألا يا اسلمى هند، ويحتمل أن يكون هذا من قول الهدهد، ويحتمل أن يكون من ~~قول الله تعالى ابتداء، قال أهل التفسير: وعلى هذه القراءة يسن السجدة؛ ~~لأنه أمر بالسجود وقال بعضهم: على القراءة الأولى يسجد أيضا مخالفة ~~للمشركين. # وقوله: * (الله الذي يخرج الخبء) أي: ما غاب في السماوات والأرض، والذي ~~غاب في السماء هو المطر، والذي غاب في الأرض هو النبات، وقيل: [كل] ما غاب. # وقوله: * (ويعلم ما تخفون وما تعلنون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) ذكر العرش ها هنا، ~~لأنه أخبر أنه كان لها عرش عظيم، وفائدة الذكر [أن] عرشها صغير حقير في جنب ~~عرش ms1178 الله تعالى. # قوله تعالى: * (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) فيه دليل على أن ~~الملوك يجب عليهم التثبت فيما يخبرون. # وقوله: * (أم كنت من الكاذبين) أي: أم أنت من الكاذبين. # قوله تعالى: * (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم) PageV04P091 # * (فانظر ماذا يرجعون (28) قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ~~(29) إنه من سليمان * * قالوا: فيه تقديم وتأخير ومعناه: ألقه إليهم فانظر ~~ماذا يرجعون ثم تول عنهم، وقيل معناه: تول عنهم أي: تنح عنهم ثم أنظر ماذا ~~يرجعون. قال بعضهم: علم الهدهد أدب الدخول على الملوك يعني: إذا دخل الداخل ~~على الملك ينبغي أن لا يقف، بل يذهب في الحال ثم يرجع ويطلب الجواب. # قوله تعالى: * (قالت يا أيها الملأ) في الآية حذف، وهو أن الهدهد ذهب ~~وحمل الكتاب، وفي القصة: أنه دخل عليها من جهة الكوة، وكانت هي في خلوة ~~مستلقية على سريرها، فطرح الكتاب على صدرها، وقيل: كانت نائمة فوضعه ~~بجنبها، ويقال: ذهب بالكتاب وطرحه على حجرها، في ملأ من الناس، وأما الملأ ~~فهم أشراف القوم وكبراؤهم. ويقال: كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر قائدا، كل ~~قائد على اثني عشر ألفا، ويقال: كان لها اثنا عشر ألف قائد، كل قائد على ~~ألف رجل. # وقوله: * (إني ألقي إلي كتاب كريم) أي: حسن، ويقال: مختوم. وفي الأخبار ~~عن النبي برواية ابن عباس: ' من كرامة الكتاب ختمه '، والقول الثالث: كتاب ~~كريم أي: كريم كاتبه ومرسله. # قوله تعالى: * (إنه من سليمان) في التفسير: أن سليمان كان قد كتب: من عبد ~~الله سليمان بن داود إلى بلقيس بنت شراحيل * (بسم الله الرحمن الرحيم ~~PageV04P092 # * (وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30)) * * ألا تعلوا على وأتوني مسلمين). # قال أهل العلم: وهذا الكتاب أوجز ما يكون من الكتب، فإنه جمع العنوان ~~والكتاب والمقصود في سطرين، وكتب الأنبياء على غاية الإيجاز. # وعن الشعبي: ' كان رسول يكتب أولا باسمك اللهم، فلما أنزل الله تعالى ~~قوله: * (بسم الله مجريها ومرساها) كتب بسم الله، فلما أنزل الله تعالى: * ~~(قل ادعوا الله ms1179 أو ادعوا الرحمن) كتب بسم الله الرحمن، فلما أنزل الله ~~تعالى في سورة النمل: * (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) كتب ~~بسم الله الرحمن الرحيم '. # قال عاصم: قلت للشعبي: رأيت كتابا للنبي في ابتدائه بسم الله الرحمن، ~~فقال: ذلك هو الكتاب الثالث. # وعن بريدة - رضي الله عنه - أن رسول الله قال له: ' إني أعلم آية أنزلت ~~علي لم تنزل على نبي بعد سليمان بن داود، والله لا أخرج من المسجد حتى ~~أخبرك بها. قال: فقام وأخرج إحدى رجليه من المسجد، فقلت في نفسي: إنه قد ~~حلف، فالتفت إلي، وقال لي: بم تفتتح صلاتك? يعني قراءتك؟ قلت: بسم الله ~~الرحمن PageV04P093 # * (ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ~~ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد * ~~* لرحيم قال: هي هي، ثم خرج '. # قوله تعالى: * (ألا تعلوا علي) أي: لا تتعظموا على، وقيل: لا تتكبروا ~~على، ومعناه: لا تمتنعوا وتتركوا الإجابة، فإن الامتناع وترك الإجابة من ~~العلو والتكبر. # وقوله: * (وأتوني مسلمين) فيه قولان: أحدهما: هو من الإسلام، والآخر: من ~~الاستسلام. قوله تعالى: * (قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري) قالت هذا ~~على طريق الاستشارة؛ لأنها علمت أن ملك سليمان أعظم من ملكها، وقوله: * ~~(أفتوني في أمري). أي: أجيبوني في أمري. # وقوله: * (ما كنت قاطعة أمرا) أي: قاضية ومبرمة أمرا * (حتى تشهدون) أي: ~~تحضرون، وقرأ ابن مسعود: ' ما كنت قاضية أمرا '. # قوله تعالى: * (قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد) أخبروا بكثرتهم ~~وشجاعتهم. # وقوله: * (والأمر إليك) ثم ردوا الأمر إليها لتقاتل أو تترك القتال، فهو ~~معنى قوله: * (فانظري ماذا تأمرين). PageV04P094 # * (والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) قالت أن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم بهدية ~~فناظرة * * * وقوله تعالى: * (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها) أي: ~~خربوها. # وقوله: * (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) الأعزة هو القوم الذين يمتنعون من ~~قبول الذل بقوتهم وقدرتهم، فجعلهم أذلة في ms1180 هذا الموضع إنما هو بالاستعباد ~~والاستسخار. # وقوله: * (وكذلك يفعلون) أكثر المفسرين على أن هذا من قول الله تعالى على ~~طريق التصديق لها، لا على طريق الحكاية عنها. # قوله تعالى: * (وإني مرسلة إليهم بهدية) الهدية هي العطية على طريق ~~المثامنة، والهدايا بين الإخوان مستحبة، وقد روى عن النبي: ' تهادوا تحابوا ~~'. # وقد ثبت عن النبي: ' كان يقبل الهدية، ويرد الصدقة '. # وروى عنه أنه قال: ' هدايا الأمراء غلول '. # وروى أن رجلا أهدى إلى عمر - رضي الله عنه - رجل جزور، وكان بينه وبين ~~PageV04P095 # * (إبم يرجع المرسلون (35) فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني ~~الله خير مما آتاكم * * * نسان خصومة، فلما ارتفعا إليه قال: يا أمير ~~المؤمنين، افصل بيني وبينه كما يفصل من الجزور رجله، فقال: أنت ذاك، ثم إنه ~~رد عليه رجل الجزور، وقضى عليه. # وقوله: * (فناظرة بم يرجع المرسلون) روى أنها قالت: إن كان سليمان ملكا ~~فأرضيه بالمال، وإن كان نبيا فلا يرضى بالمال. # وأما الهدية التي بعثتها إلى سليمان، فعن ابن عباس أنه قال: كانت مائة ~~وصيف ومائة وصيفة. # وعن مجاهد أنه قال: مائتا غلام ومائتا جارية. # وكان بعضهم يشبه البعض في الصورة والصوت والهيئة، وقالت للرسول: قل له: ~~ليميز بين الغلمان [والجواري]. # وعن سعيد بن جبير أنه قال: أهدت إليه لبنة من ذهب ملفوفة في الدبياج. ~~وروى أنها أهدت إليه من الحرير والكافور والمسك والطيب شيئا كثيرا. # وفي القصة: أنها بعثت إليه بخرزتين، أحدهما لا ثقب لها، والأخرى لها ثقب ~~معوج، وطلبت أن يدخل الخيط في الثقب المعوج من غير علاج إنس ولا جن، وأن ~~يثقب الخرزة الأخرى من غير علاج إنس ولا جن، وبعثت إليه بقدح، وطلبت منه أن ~~يملأه من ماء لم ينزل من السماء ولا نبع من الأرض. قوله تعالى: * (فلما جاء ~~سليمان قال أتمدونن بمال) الإمداد إلحاق الثواني بالأوائل، وقيل: أن يلحق ~~الثاني بالأول، والثالث بالثاني، والرابع بالثالث إلى أن ينتهي. # وقوله: * (فما آتاني الله خير مما آتاكم) ما أعطاني الله من النبوة ~~والملك والمال أفضل ms1181 مما آتاكم. PageV04P096 # * (بل أنتم بهديتكم تفرحون (36) * * وقوله: * (بل أنتم بهديتكم تفرحون) ~~معناه: أن بعضكم يفرح بالإهداء إلى بعض، فأما أنا فلا أفرح بهداياكم. # وفي القصة: أن المرأة كانت قالت للرسل: إن كان سليمان ملكا فلا يجلسكم، ~~وإن كان نبيا فيجلسكم، فروى أن (الرسول) لما جاءوا وقربوا من سليمان، جاء ~~جبريل عليه السلام وأخبره بمجيئهم وما معهم، فأمر سليمان بلبنات من ذهب ~~وفضة، حتى جعلت تحت أرجل الدواب، وجعلت الدواب تروث وتبول عليها؟، فلما رأى ~~الرسل ذلك استحقروا ما عندهم. # وفي القصة: أنهم لما دخلوا قاموا قياما، فقال لهم سليمان عليه السلام: إن ~~الله تعالى رفع السماء وبسط الأرض، فمن شاء جلس ومن شاء قام. # وروى أنه أمرهم بالجلوس ودعا بالغلمان والجواري بأن يتوضئوا، فمن صب ~~الماء على بطن ساعده قال: هي جارية، ومن صب الماء على ظهر ساعده قال: هو ~~غلام. # وروى أنه جعل من بدأ بالمرفق في الغسل غلاما، ومن بدأ بالزند في الغسل ~~جارية، وروى أنه جعل من أغرف الأناء غلاما، ومن صب على يده جارية. # ودعا بالخرزتين فجاءت دودة تكون في الرطبة، وقيل: في الصفصاف، فقالت: أنا ~~أدخل الخيط في هذا الثقب على أن يكون رزقي في الصفصاف، فجعل لها ذلك فربط ~~الخيط عليها، وقيل: أخذت الخيط بفيها ودخلت في الثقب [فخرجت] من الجانب ~~الآخر. وأما الخرزة الأخرى فجاءت دودة تكون في الفواكه، وثقبت الخرزة على ~~أن يكون رزقها في الفواكه، فجعل لها ذلك، ثم دعا بالقدح وأمر بإجراء الخيل، ~~وملأ القدح من عرقها، ثم رد الهدايا على الرسل حتى ردوها على المرأة. ~~PageV04P097 # * (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجهم منها أذلة وهو ~~صاغرون (37) قال يا أيها الملأ أيكم يأتني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ~~(38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي ~~أمين (39) * * * قال أهل العلم: وقد كان الأنبياء لا يقبلون هدايا ~~المشركين. # قوله تعالى: * (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها). أي: لا طاقة ~~لهم ms1182 بها. # وقوله: * (ولنخرجهم منها أذلة) أي: من بلادهم. وقوله: * (وهم صاغرون) أي: ~~نخرجهم على وجه الذلة والصغار، وذلك يكون بالأسر والاستعباد، وما أشبه ذلك. # قوله تعالى: * (قال يا أيها الملأ) أكثر المفسرين على أن سليمان قال هذا ~~بعد أن أرجع الرسول ورد الهدايا، فإن قال قائل: لما رد الهدايا كيف طلب ~~عرشها وسريرها؟ والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه أحب أن يكون ذلك السرير ~~له، وكان قد وصف. # والوجه الثاني: أنه أحب أن يراه فإنه كان قيل له: إنه من ذهب وقوائمه من ~~جوهر وهو مكلل باللؤلؤ. # والوجه الثالث: أنه أراد أن يريها معجزة عظيمة، فإنه روى أنها جعلت ذلك ~~العرش في سبعة أبيات بعضها داخل في البعض، وغلقت الأبواب واستوثقت منها، ~~فأراد أن يريها عرشها عنده حتى إذا رأت هذه المعجزة العظيمة آمنت. # وقوله: * (أيكم يأتيني بعرشها) قد بينا. وقوله: * (قبل أن يأتوني مسلمين) ~~أي: مستسلمين، وقيل: هو من الإسلام. وفي القصة: أن بلقيس أقبلت في جنودها ~~إلى سليمان - عليه السلام - طلبا للصلح ودخولا في طاعته. # قوله تعالى: * (قال عفريت من الجن) قرئ في الشاذ: ' قال عفرية من الجن ' ~~والعفريت والعفريت هو الشديد القوي، وفي بعض التفاسير: أنه كان صخر الجني، ~~وروى أنه كان بمنزلة جبل، وكان يضع قدمه عند منتهى طرفه. # وقوله: * (أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) يعني: قبل أن تقوم من مجلسك ~~PageV04P098 # * (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك * * * ~~لذي جلسته للقضاء بين الناس، وقد كان مجلسه غدوة إلى قريب من نصف النهار، ~~وفي القصة: أن المرأة كانت قد وصلت إلى قريب من فرسخ، فلما سمع سليمان ذلك ~~قال في طلب العرش. # وقوله: * (وإني عليه لقوي أمين) على حمل العرش، أمين على ما عليه من ~~الجواهر. # قوله تعالى: * (قال الذي عنده علم من الكتاب) روى أن هذا العفريت لما قال ~~هكذا قال سليمان: أريد أسرع من ذلك، فحينئذ قال الذي عنده علم من الكتاب: * ~~(أنا آتيك به ms1183 قبل أن يرتد إليك طرفك). # واختلف القول في الذي كان عنده علم من الكتاب، فأشهر الأقاويل: أنه آصف ~~ابن برخيا بن سمعيا، وكان رجلا صديقا في بني إسرائيل، وكان يعلم اسم الله ~~الأعظم. # والقول الثاني: أنه الخضر، ذكره ابن لهيعة، والقول الثالث: أنه ملك من ~~الملائكة، أورده ابن بخر، والقول الرابع: أنه سليمان عليه السلام، وهذا قول ~~معروف، والأصح هو القول الأول. # واختلف القول في أنه بماذا دعا الله؟ فقال بعضهم: إنه قال: يا إلهي وإله ~~الخلق إلها واحدا، لا إله إلا أنت، ائت به، وروى أنه قال: يا حي يا قيوم، ~~وروى أنه قال: يا ذا الجلال والإكرام، والله أعلم. # وقوله: * (قبل أن يرتد إليك طرفك) فيه أقوال: أحدها: أن يرفع بصره إلى ~~السماء، فقبل أن يرده إلى الأرض يرى العرش عنده، وقال بعضهم: هو أن يطرف ~~طرفة، وقال بعضهم: هو أن ينظر إلى رجل يأتي، فقبل أن يصل إليه ذلك الرجل، ~~يكون قد وصل العرش إليه، وقال بعضهم: هو أن ينظر إلى رجل يذهب، فقبل أن ~~PageV04P099 # * (فلما رآه مسقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن ~~شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) قال نكروا لها عرشها ~~ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما جاءت قيل أهكذا عرشك ~~قالت * * * * يرتد طرفه من ذلك الذاهب، يكون قد وصل إليه. وفي القصة: أنه ~~لما دعا الله خرق الله الأرض عند عرشها، فساخ العرش في الأرض، وظهر عند ~~سرير سليمان، وكانت المسافة مقدار شهرين، وقال بعضهم: إن الله تعالى أعدم ~~ذلك العرش، وأوجد مثله على هيئته عند سليمان، والقول الأول أولى. # وقوله: * (فلما رآه مستقرا عنده) قال السدي: جزع سليمان حين رأى ذلك، ~~وكان جزعه أنه كيف قدر ذلك الرجل على ما لم يقدر هو عليه؟ ثم إنه رجع إلى ~~نفسه، فقال: * (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر). # وقوله: * (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم) ms1184 أي: غنى ~~عن شكره، كريم في قبول شكره وإثابته عليه. # قوله تعالى: * (قال نكروا لها عرشها) معناه: غيروا لها عرشها. وقوله: * ~~(ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون) في التفسير: أن الجن كانوا قالوا ~~لسليمان عليه السلام: إن في عقلها شيئا، وقالوا له أيضا: إن قدمها كحافر ~~الحمار، وعلى ساقها شعر كثير. وإنما غير عرشها ليعرف بذلك عقلها، وروى أنه ~~جعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، وروى أنه جعل مكان الجواهر الأحمر أخضر، ~~ومكان الأخضر أحمر، وروى أنه زاد فيه ونقص منه. # وقوله تعالى: * (ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون) يعني: أتعرف ~~عرشها أم لا تعرف؟ # قوله تعالى: * (فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو) لم تقل: لا خوفا ~~من الكذب، ولم تقل: نعم خوفا من الكذب، ولكنها قالت: كأنه هو. وقال مقاتل: ~~شبهوا عليها فشبهت عليهم، وقد كانت عرفته. وروى أنه إنما أشبه عليها؛ لأنها ~~كانت خلفت العرش في بيوتها، فرأته أمامها عند سليمان، فاشتبه عليها الأمر، ~~وقالت PageV04P100 # * (كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) وصدها ما كانت تعبد ~~من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل هلا أدخلي الصرح فلما رأته ~~حسبته * * * * ما قالت. # وقوله: * (وأوتينا العلم من قبلها) هذا من قول سليمان أي: علمنا حالها ~~وأمرها وحال عرشها قبل أن تعلم. قوله: * (وكنا مسلمين) أي: مسلمين لله ~~طائعين له. # قوله تعالى: * (وصدها ما كانت تعبد من دون الله) (أي: صدها عن عبادة الله ~~ما كانت تعبد من دون الله). # وقوله: * (إنها كانت من قوم كافرين) ظاهر المعنى. # وقد كانت عربية من ملوك اليمن. وقال بعضهم: قوله: (أنها كانت من قوم ~~كافرين) قال هذا؛ لأنها كانت من قوم مجوس يعبدون الشمس. وعن بعضهم: قال ~~معنى قوله: * (وصدها ما كانت تعبد من ودون الله) أي: صدها عن عبادة الله ~~نقصان عقلها، بل ما كانت تعبد من دون الله، لأن الجن كانوا قالوا لسليمان: ~~إن في عقلها [شيئا]. # قوله تعالى: * (قيل لها ادخلي الصرح) الصرح ms1185 في أصل اللغة هو المكان ~~المرتفع، ذكره أبو عبيد في غريب المصنف وغيره. # وأما الصرح هاهنا ففيه أقوال: قال مجاهد: هو بركة من الماء ألبس قوارير. # وقال الزجاج: الصرح والصرحة والساحة والباحة بمعنى واحد، وهو الصحن. وعن ~~بعضهم: أن الصرح هو القصر، وقيل: هو البيت. وفي القصة: أن الجن قالوا ~~لسليمان: إن مؤخر رجلها كحافر الحمار، وهي هلباء شعراء، وكانوا خشوا أن ~~يتزوجها سليمان فتطلعه على أسرار الجن، وكانت أمها جنية، فأراد سليمان - ~~عليه السلام - أن يرى رجلها، فأمر باتخاذ بركة عظيمة، وجعل فيها من الحيتان ~~والضفادع PageV04P101 # * (لجة وكشفت عن ساقيها قال أنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت ~~نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (44) * * * وما أشبهها شيئا كثيرا، ~~ثم أمر أن يلبس الماء غشاء من قوارير. وفي بعض الروايات: أنه اتخذ صحنا من ~~قوارير، وجعل تحته تماثيل من الحيتان والضفادع، وكان الواحد إذا رآه ظنه ~~ماء. وروى أن سليمان - عليه السلام - أمر بسريره حتى وضع في وسط الصرح، ثم ~~دعاها إلى مجلسه، فلما وصلت إلى الصرح ونظرت ظنت أنه ماء، فكشفت عن ساقيها ~~لتدخل في الماء، فصاح سليمان: * (إنه صرح ممرد من قوارير) ورأى ساقيها، ~~وكان عليها شعر كثير. # وذكر بعضهم: أنه رأى قدما لطيفا وساقا حسنا وعليه شعر. # فإن قال قائل: لم طلب سليمان هذه الرؤية؟ والجواب عنه من وجهين: أحدهما: ~~أنه أراد أن يعرف صدق الجن وكذبهم، والآخر: أنه أراد أن يتزوج بها، فقصد أن ~~ينظر إلى ساقيها، وقد كانوا قالوا: إن عليه شعرا. # وقد ذكر أهل التفسير: أن سليمان - عليه السلام - قال للشياطين: ما الذي ~~يذهب الشعر؟ فاتخذوا النورة، وهو أول من اتخذ الحمام والنورة. # [وقوله: * (فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح] ممرد). # أي: مملس، وقيل: الممرد هو الواسع طولا وعرضا، قال الشاعر: # (غدوت صباحا باكرا فوجدتهم * قبيل الضحا والبابلي الممرد) أي: وقوله: * ~~([من قوارير]. قالت رب إني ظلمت نفسي) أي: بالشرك، ويقال: إنها لما بلغت ~~الصرح وظنته لجة، ms1186 وهو ماء له عمق، قالت في نفسها: إن سليمان يريد أن ~~يغرقني، وقد كان القتال أهون من هذا. # وقوله: * (ظلمت نفسي) يعني، بذاك الظن. # وقوله: * (وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) ظاهر المعنى. وكل من أسلم ~~PageV04P102 # * (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان ~~يختصمون (45) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون ~~الله لعلكم ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك) * * * بنبي فهو مع ذلك ~~النبي في الإسلام بالله. وقد ذكر بعضهم: أنه تزوج بها. وروى أن عبد الله بن ~~عتبة سئل عن ذلك، فقال: انتهى إلى قوله: * (وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين) يعني: أنه لا علم وراء ذلك. # وأما مدة ملك سليمان: اختلفوا فيه، فروى أن الملك وصل إليه وهو ابن ثلاث ~~[عشرة] سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين، وفي بعض الروايات عن أبي جعفر بن ~~محمد بن علي: أنه ملك سبعمائة سنة، وهذه رواية غريبة. # قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله) أي: ~~وحدوا الله. # وقوله: * (فإذا هم فريقان يختصمون) أي: مؤمن وكافر، وعن قتادة: مصدق ~~ومكذب. # قوله تعالى: * (قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة) أي: بالعذاب ~~قبل الرحمة، وقد كانوا قالوا لصالح: إن كنت صادقا فأتنا بالعذاب. # وقوله: * (لولا تستغفرون لله) أي: هلا تستغفرون الله، والاستغفار هاهنا ~~بمعنى التوبة. # قوله: * (لعلكم ترحمون) ظاهر [المعنى]. # قوله تعالى: * (قالوا طيرنا بك وبمن معك) أي: تشاءمنا بك وبمن معك، وفي ~~سبب قولهم هذا قولان: أحدهما: أنهم قالوا ذلك؛ لتفرق كلمتهم، والقول ~~الثاني: أنهم قالوا ذلك؛ لأنهم أصابهم الجدب والقحط، فقالوا فقالوا لصالح: ~~هذا من شؤمك. # واعلم أن الطيرة منهي عنها، وفي بعض الأخبار عن النبي: ' لا عدوى ~~PageV04P103 # * * ولا طيرة '. # وعنه: ' أنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة '. # ووفي بعض المسانيد عن النبي قال: ' لا ينج ابن آدم من ثلاث: من الظن، ~~والحسد، والطيرة، فإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا تطيرت فامضه ~~'. # وفي بعض الأخبار: * (لا ms1187 ينجو من الطيرة أحد، ويذهبها التوكل على الله '. # وقد كان أهل الجاهلية، يتطيرون، وكان الرجل منهم إذا خرج لحاجة فطار ~~طائر، أو لقي شيئا، أو سمع كلاما يتطير بذاك، إما في الامتناع من ذلك ~~الفعل، أو في الدخول في ذلك الفعل، وقد قال بعض الشعراء شعرا: # (لعمرك ما تدرى الطوارق بالحصى * ولا زاجرات الطير ما الله صانع) ~~PageV04P104 # * (قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) وكان في المدينة تسعة ~~رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم ~~لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49)) * * وقال الخليل بن ~~أحمد في النجوم: # (أبلغوا عني المنجم أني * كافر بالذي قضته الكواكب) (عالم أن ما يكون وما ~~كان * حتم من المهيمن واجب) وقوله: * (قال طائركم عند الله) أي: ما يصيبكم ~~من الخير والشر من الله، ويسمى ذلك طائرا؛ لسرعة نزوله بالإنسان، فإنه لا ~~شيء أسرع نزولا من قضاء محتوم، وقيل: * (طائركم عند الله) أي: عملكم عند ~~الله، وسمي ذلك طائرا، لسرعة صعوده إلى السماء. # وقوله: * (بل أنتم قوم تفتنون) أي: تبتلون وتختبرون، وقيل: تعذبون. # قوله تعالى: * (وكان في المدينة تسعة رهط) هؤلاء التسعة هم الذين اتفقوا ~~على عقر الناقة، وكان رأسهم في ذلك قدار بن سالف وهو الذي تولى عقرها. # وقوله: * (يفسدون في الأرض ولا يصلحون) قال سعيد بن المسيب: بكسر الدراهم ~~والدنانير. وعن قتادة: بتتبع عورات الناس. وقيل: بالمعاصي وفعل المناكير. # قوله تعالى: * (قالوا تقاسموا بالله) أي: احلفوا بالله. # وقوله: * (لنبيتنه) أي: لنقتلته بياتا أي: ليلا، قالوا ذلك لصالح. # وقوله: * (وأهله) أي: وقومه الذين أسلموا معه. # وقوله: * (ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله) وقرئ: ' مهلك ' بنصب ~~الميم: فيجوز أن يكون بمعنى الإهلاك، ويجوز أن المراد منه موضع الهلاك. # وقوله: * (وإنا لصادقون) أي: ننكر قتل صالح، وقالوا ذلك؛ لأنهم خافوا من ~~عشيرته. PageV04P105 # * (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة ~~مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ~~ذلك لآية لقوم ms1188 يعلمون (52) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) ولوطا إذ ~~قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) أئنكم لتأتون الرجال شهوة من) ~~* * قوله تعالى: * (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا) أي: دبروا تدبيرا ودبرنا ~~تدبيرا، فروي أن الله تعالى بعث بالملائكة حتى شدخوا رؤوسهم بالأحجار. وقال ~~الضحاك: كان صالح يدخل كهفا في الجبل يعبد الله، فدبروا أن يدخلوا إليه ~~ويقتلوه غيلة، فذهبوا وجعلوا يترصدون ذلك، فأهوت حجارة من أعلى الجبل، ~~فهربوا ودخلوا، فوقع الحجر على باب الغار وأطبق عليهم، فهذا معنى قوله: * ~~(ومكرنا مكرا). # وقوله: * (وهم لا يشعرون) أي: لا يعلمون كيف مكرنا بهم. # قوله تعالى: * (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم) أي: ما آل إليه مكرهم. # وقوله: * (أنا دمرناهم وقومهم أجمعين) أي: أهلكنام وقومهم أجمعين. # قوله تعالى: * (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا) أي: خالية بما كفروا. # وقوله: * (إن في ذلك لآية لقوم يعلمون) أي: يعلمون تدبيرنا ومكرنا ~~بالكفار. # وقوله تعالى: * (وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) قد بينا. وفي القصة: ~~أن قوم صالح لما أهلكهم الله تعالى جاء صالح إلى مكة وتوفي بها، وكذلك هود ~~عليه السلام. # قوله تعالى: * (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) أي: ~~تعلمون أنها فاحشة. وقيل معنى قوله: * (وأنتم تبصرون) أي: يراها بعضكم من ~~بعض فلا تستترون عنها. # وقوله: * (أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون) ~~قد بينا. # قوله تعالى: * (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم ~~إنهم أناس يتطهرون) قد بينا. PageV04P106 # * (دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ~~أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) فأنجيناه وأهله إلا امرأته ~~قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58) قل ~~الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الله خير أما يشركون (59) أمن خلق ~~السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان ~~لكم أن) * * قوله تعالى: * (فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من ~~الغابرين) أي: جعلناها من الباقين في العذاب. ms1189 # قوله تعالى: * (فأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) في القصة: أن قوم ~~لوط خسف بهم، وتتبع الحجر الشذاذ منهم فأهلكهم. # وقوله: * (فساء مطر المنذرين) أي: بئس مطر المنذرين، والمنذرون هم الذين ~~خوفوا بالهلاك. # قوله تعالى: * (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) قوله: * ~~(عباده الذين اصطفى). فيه أقوال: روي عن ابن عباس أنه قال: هم أصحاب رسول ~~الله، وعنه أيضا أنه قال: هم أمة محمد، وعنه أيضا أنه قال: كل المؤمنين من ~~السابقين والخالفين. # وقوله: * (آلله خير أما يشركون) أي: عبادة الله خير أم عبادة ما يشركون؟ ~~فإن قيل: ليس في عبادة غير الله خير أصلا، فكيف يستقيم معنى الآية؟ ~~والجواب: أنهم كانوا يعتقدون أن في ذلك خيرا، فخرجت الآية على ذلك. وقال ~~بعضهم: كانوا يعتقدون أن الأصنام آلهة، ولولا اعتقادهم لم يستقم قوله: * ~~(آلله خير أما يشركون). وقد حكى سيبويه أن العرب تقول: أيها الرجل، الشقاوة ~~خير أم السعادة؟ وهو يعلم أن لا خير في الشقاوة، وأن كل الخير في السعادة. # وقال حسان بن ثابت: # (أتهجوه ولست له بند * فشركما لخيركما الفداء) وقال بعضهم: آلله خير أما ~~يشركون معناه: الخير في هذا أم في هذا الذي تشركون به مع الله؟ ويجوز أن ~~يكون معناه: ثواب الله خير أو ثواب ما تشركون به؟. # قوله: * (أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء) معناه: الخير ~~PageV04P107 # * (تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن جعل الأرض قرارا ~~وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل ~~أكثرهم) * * فيما تقولون وتدعون من الآلهة، أم فيمن خلق السماوات والأرض؟ ~~أي: أنشأهما وقوله: * (وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة) ~~كل بستان محوط عليه فهو حديقة. وقوله: * (ذات بهجة) أي: ذات منظر حسن، ~~وقيل: البهجة ما يبتهج به. # وقوله: * (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) أي: ما ينبغي لكم أن تفعلوا ذلك؛ ~~لأنكم لا تقدرون عليه. # وقوله: * (أإله مع الله) استفهام بمعنى الإنكار ms1190 أي: لا إله مع الله. # وقوله: * (بل هم قوم يعدلون) أي: عن الحق، وقيل: يشركون معه غيره، ~~ويجعلونه عدلا له أي: مثلا قوله تعالى: * (أمن جعل الأرض قرارا) أي: موضعا ~~يستقرون عليه. # وقوله: * (وجعل خلالها أنهارا) أي: خلال الأرض. # وقوله: * (وجعل لها رواسي) أي: جبالا ثوابت. # وقوله: * (وجعل بين البحرين حاجزا) اختلف القول في البحرين، (منهم من ~~قال: بحر السماء والأرض)، ومنهم من قال: بحر فارس والروم، ومنهم من قال: ~~البحر المالح والعذب. وقوله: * (حاجزا) قد بينا معنى الحاجز، ويقال: يكف ~~الملح عن العذب، والعذب عن المالح بقدرته، وهذا دليل على أنه يجوز أن يكف ~~النار عن الإحراق، والسيف عن القطع. # وقوله: * (أإله مع الله) قد بينا. # وقوله: * (بل أكثرهم لا يعلمون) أي: لا يعلمون مالهم وعليهم. # قوله تعالى: * (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) إنما ذكر المضطر، وإن كان يجيب ~~PageV04P108 # * (لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء ~~الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ~~ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون ~~(63) أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ثم ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله ~~قل) * * دعاء المضطر وغير المضطر؛ لأن رغبة المضطر أقوى، ودعاؤه أخضع. # وقوله: * (ويكشف السوء) أي: الضر. # وقوله: * (ويجعلكم خلفاء الأرض) أي: يجعل بعضكم خلفاء بعض، وقيل: يجعل ~~أولادكم خلفاءكم، وقال بعضهم معناه: يجعلكم خلفاء الجن في الأرض. # وقوله: * (أإله مع الله قليلا ما تذكرون) وقرئ: ' يذكرون) فقوله: * ~~(تذكرون)، على المخاطبة. وقوله: ' يذكرون ' على المغايبة. # قوله تعالى: * (أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر) أي: يرشدكم. # وقوله: * (ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) أي: مبشرة، قرئ: ' نشرا ' ~~أي: ناشزة. # وقوله: * (بين يدي رحمته) أي: المطر. وقوله: * (أإله مع الله تعالى الله ~~عما يشركون) أي: تقدس وارتفع عما يشركون. # قوله تعالى: * (أمن يبدأ الخلق ثم يعيده) فقوله: * (ثم يعيده) أي: يعيدهم ~~أحياء بعد موتهم. # وقوله: * (ومن يرزقكم من السماء والأرض) ms1191 معناه: من السماء بالمطر، ومن ~~الأرض بالنبات. # وقوله: * (أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) أي: مع الله ~~إلها آخر؟. # قوله تعالى: * (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما ~~يشعرون PageV04P109 # * (هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) قل لا يعلم من في السماوات والأرض ~~الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65) بل ادارك علمهم في الآخرة بل ~~هم في شك منها بل هم منها عمون (66)) * * أيان يبعثون) أي متى يبعثون؟. # قوله تعالى: * (بل ادارك) وقرئ: ' بل أدرك '، فمنهم من قال: معناهما ~~واحد، ومنهم من قال: ' ادارك ' أي: تتابع وتلاحق، وقوله ((أدرك)) أي: فصل ~~ولحق، وأما معنى الآية: قال السدى: أي صاروا علماء في الآخرة بما لم يعلموا ~~في الدنيا، وهو في معنى قوله تعالى: * (أسمع بهم وأبصر) وعن (ابن) سعيد ~~الضرير قال: ' بل أدرك ' أي: علموا في الآخرة أن الذي كانوا يوعدون حق. ~~وهذا قريب من الأول، وأنشدوا (للأخطل): # (وأدرك علمي في سواءة أنها * تقيم على الأوتار والمشرب الكدر) أي: أحاط ~~علمي بها أنها هكذا. وذكر علي بن عيسى: أن معنى بل هاهنا هو: لو أدركوا في ~~الدنيا ما أدركوا في الآخرة لم يشكوا. وقال الفراء: قوله: * (بل أدرك علمهم ~~في الآخرة) أي: غاب علمهم وسقط في الدنيا، على معنى أنهم لم يعلموا. وعن ~~ابن عباس أنه قرأ: ' بلى ادارك ' على طريق الاستفهام: أي لم يتدارك، وهذا ~~يؤيد قول الفراء. # وقوله: * (بل هم في شك منها) أي: هم في شك منها اليوم. # وقوله: * (بل هم منها عمون) أي: لا يهتدون إليها، ويقال: بل الأولى بمعنى ~~لو على ما بينا، وبل الثانية على معنى أم، وبل الثالثة على حقيقتها. وذكر ~~بعض أهل العلم أن قوله: * (بل ادارك علمهم) أي: تدارك ظنهم في الآخرة ~~(وتتابع) بالقول بالظن والحدس. # وقوله: * (بل هم منها عمون) أي: هم جهلة بالآخرة. PageV04P110 # * (وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (67) لقد وعدنا ~~هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين ms1192 (68) قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما ~~يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) قل عسى أن) * * ~~قوله تعالى: * (وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون) قد ~~بينا. # وقوله: * (لقد وعدنا...) إلى آخر الآية قد سبق. # قوله: * (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين) أي: من قوم ~~صالح، وقوم لوط، وأصحاب الحجر، وغيرهم. # قوله تعالى: * (ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق) أي: لا يضيق قلبك مما ~~يمكرون، ومكرهم وحيلتم بالباطل. # وقوله تعالى: * (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) أي: القيامة. # وقوله: * (قل عسى أن يكون ردف لكم) وردفكم بمعنى واحد، ويقال: ردف لكم، ~~وردفكم أي: دنا لكم. قال أبو عبيدة: جاء بعدكم، وقال القتيبي: تبعكم، ومنه ~~ردف المرأة الرجل، قال الشاعر: # (عاد السواد بياضا في مفارقه * لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا) وقوله: * ~~(بعض الذي تستعجلون) يقال: هو القتل يوم بدر، ويقال: إنه عذاب الآخرة. # قوله تعالى: * (إن ربك لذو فضل على الناس) أي: أفضال على الناس، وفي بعض ~~الأخبار: أن النبي قال: ' يحشر الخلق يوم القيامة فيؤتى بقوم فيقال لهم: لم ~~عبدتم ربكم؟ فيقولون: يا رب، وعدتنا بالجنة فعبدناك طمعا فيها وشوقا إليها، ~~فيدخلهم الجنة، ثم يؤتى بقوم فيقال لهم: لم عبدتم ربكم؟ فيقولون: يا رب، ~~خوفتنا من النار فعبدناك خوفا منها، فينجيكم الله من النار ويدخلهم الجنة، ~~ثم يؤتى بقوم فيقال لهم: لم عبدتم ربكم؟ فيقولون محبة لك، فيتجلى لهم الرب ~~تعالى فينظرون إليه، فذلك قوله: * (وإن ربك لذو فضل على الناس). والخبر ~~غريب جدا. PageV04P111 # * (يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن ~~أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) وما من ~~غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين (75) إن هذا القرآن يقص على بني ~~إسرائيل أكثر الذين هم فيه يختلفون (76) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ~~ربك يقضي بينهم بحكمه وهو ms1193 العزيز العليم (78) فتوكل * * وقوله: * (ولكن ~~أكثرهم لا يشكرون) أي: نعم الله. # قوله تعالى): * (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم) أي: تخفى صدورهم. # وقوله: * (وما يعلنون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وما من غائبة في السماء والأرض) أي: جملة غائبة من جميع ~~الغائبات، وقيل: وما من خبر غائب. # وقوله: * (إلا في كتاب مبين) هو: اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: * (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه ~~يختلفون) أي: يبين لبني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون. # قوله تعالى: * (وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين) فيه قولان: أحدهما: أنه ~~الرسول، والآخر: أنه القرآن. # قوله تعالى: * (وإن ربك يقضي بينهم بحكمه) أي: يفصل بينهم بحكمه الحق. # وقوله: * (وهو العزيز الحكيم) أي: المنيع في ملكه، العليم بأمر خلقه. # قوله تعالى: * (فتوكل على الله) أي: ثق بالله. * (إنك على الحق المبين) ~~أي: الحق المبين. # قوله تعالى: * (إنك لا تسمع الموتى) المراد من الموتى هاهنا: هم الكفار، ~~وهو مثل قوله تعالى: * (أموات غير أحياء) فسماهم موتى؛ لأنهم ميتوا القلب؛ ~~ولأنهم لم ينتفعوا صاروا كالموتى. PageV04P112 # * (على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم ~~الداء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا) * ~~* وأنشد بعضهم: # (لقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن (أنادي)) وقوله: * (ولا تسمع ~~الصم الدعاء) وقرئ: ' لا يسمع الصم الدعاء ' فقوله: * (لا تسمع) على مخاطبة ~~النبي، وقوله: ' لا يسمع الصم الدعاء ' على الخبر. # وقوله: * (إذا ولوا مدبرين) أي: معرضين، فإن قيل: إذا كانوا صما، فما ~~معنى قوله: * (إذا ولوا مدبرين) فإذا كانوا صما فهم لا يسمعون، سواء ولوا ~~مدبرين أو لم يولوا؟ قلنا: الأصم إذا كان حاضرا فقد يسمع إذا شدد في الصوت، ~~وقد يعلم بنوع إشارة؛ فإذا ولى مدبرا لم يسمع أصلا، ويجوز ن يكون ذكره على ~~طريق التأكيد والمبالغة. # قوله تعالى: * (وما أنت بهادي لعمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن ~~بآياتنا) أي: جاء قاصدا للإيمان بآياتنا، وقيل: لا تسمع إلا ms1194 المؤمنين. # وقوله: * (فهم مسلمون) أي: لله. # قوله تعالى: * (وإذا وقع القول عليهم) أي: حق العذاب عليهم، وقال قتادة: ~~إذا غضب الله عليهم. وعن ابن عمر: إذا لم يأمروا بمعروف، ولم ينهوا عن ~~منكر. # وقوله: * (أخرجنا لهم دابة من الأرض) روي عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه أنه قال: ليست بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية. كأنه يشير إلى أنه رجل ~~وليست بدابة، والأكثرون على أنها دابة، (وهي) تخرج في آخر الزمان. # ويقال: إن أول أشراط الساعة طلوع لشمس من مغربها وخروج دابة الأرض. # وقال ابن عباس: لها زغب وريش وأربع قوائم. PageV04P113 # * (من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم ~~دابة من الأرض) * * وعن ابن الزبير قال: هي دابة رأسها من رأس ثور، وعينها ~~عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن إبل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر ~~أسد، وجلدها جلد نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وقوائمها قوائم بعير، بين كل ~~مفصلين منها اثنا عشر ذراعا. # وقال ابن مسعود: تخرج من الصفا تجري كجري الفرس ثلاثة أيام لا يخرج إلا ~~ثلثها، ويبلغ رأسها السماء. # وفي بعض المسانيد: عن النبي أنه قال: (' بئس الشعب شعب جياد، قيل: ولم يا ~~رسول الله؟ قال): تخرج منه الدابة، وتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين ~~الخافقين '. # وعن حذيفة بن أسيد قال: تخرج الدابة ثلاثا، تخرج الخرجة الأولى ببعض ~~الأودية، ثم تكمن، ثم تخرج في قبائل العرب، ثم تخرج في جوف، وأشار إلى أنها ~~تخرج في المسجد الحرام. # وعن عبد الله بن عباس أنه صعد الصفا وقرع بعصاه الحجر وقال: إن الدابة ~~لتسمع قرع عصاي هذه. وروى قريبا من هذا عن عبد الله بن عمرو. # وقد روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن خالد بن أوس، عن أبي هريرة ~~PageV04P114 # أن النبي قال: ' تخرج الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه ~~المؤمن، وتحطم وجه الكافر، حتى إن القوم يجتمعون على الخوان فتقول: هذا ~~لهذا يا كافر، وتقول: هذا لهذا يا مؤمن '. قال ms1195 الشيخ الإمام رضي الله عنه: ~~أخبرنا بهذا الخبر أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، أخبرنا ~~أبو العباس بن سراج، أخبرنا أبو العباس بن محبوب، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، ~~أخبرنا عبد بن حميد، عن روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، الحديث. # وفي التفسير: أن دابة الأرض تسم وجه المؤمن بنكتة بيضاء، فيبيض بها وجهه، ~~وتسم وجه الكافر بنكتة سوداء، فيسود بها وجهه. وعن عبد الله بن مسعود أنه ~~قرأ قوله تعالى: * (وإذا وقع لقول عليهم) ثم قال: طوفوا بالبيت قبل أن ~~يرفع، واقرءوا القرآن قبل أن يرفع، وقولوا لا إله إلا الله قبل أن تنسى، ثم ~~ذكر أنه يأتي زمان ينسى الناس فيه قول لا إله إلا الله، وتقع الناس في ~~أشعار الجاهلية. # وقوله: * (تكلمهم) وقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير وعاصم الجحدري: ' تكلمهم ~~' أي: تجرحهم، والكلم هو الجراحة، ويقال: تسمهم، قال الشاعر: # ((في الكلم مطرقا يكذب عن إعرابه * بنقص الآية الكلم إذا الكلم التام)) ~~والقراءة لمعروفة: * (تكلمهم) وقال بعض أهل لعلم: ظهور الآية منها كلام، ~~ونطق على وجه المجاز لا أنها تتكلم، والأصح أنها تتكلم، واختلف القول أنها ~~بماذا تتكلم؟ فأحد القولين: أن كلامها أن هذا مؤمن وهذا كافر، والقول ~~الآخر: أنها تتكلم بما قال الله تعالى: * (أن الناس كانوا بآياتنا لا ~~يوقنون). # وقرئ: ' أن ' و ' إن ' بنصب الألف وكسره، فمن قرأ ' أن ' بنصب الألف ~~فمعناه: بأن، ومن قرأ: ' إن ' فعلى الاستئناف، وقرأ أبي بن كعب: ' دابة ~~تنبئهم '، وفي بعض PageV04P115 # * (تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82) ويوم نحشر من كل أمة ~~فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ~~ولم تحيطوا) * * القراءة: ' تحدثهم ' وفي قراءة ابن مسعود: ' تكلمهم بأن ~~الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون '. # قوله تعالى: * (ويوم نحشر من كل أمة فوجا) له من كل قرن فوجا. وقوله: * ~~(ممن يكذب بآياتنا). أي: من المكذبين، وليس ' من ' هاهنا للتعبيض؛ لأن جميع ~~المكذبين يحشرون. # وقوله: * (فهم يوزعون) أي: يساقون إلى النار، فإن ms1196 قيل: وغير المكذبين ~~أيضا يحشرون؟ قلنا: الحشر الذي يساق فيه إلى النار إنما يكون للمكذبين. # قوله تعالى: * (حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما) ~~أي: جاهلين بالأمر، وقيل: بعاقبة لتكذيب. # وقوله: * (أماذا كنتم تعملون) استفهام على طريق الإنكار. # قوله تعالى: * (ووقع القول عليهم بما ظلموا) أي: وجب العذاب عليهم بما ~~أشركوا. # وقوله: * (فهم لا ينطقون) قال قتادة: كيف ينطقون ولا حجة لهم؟ # قوله تعالى: * (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه) قد بينا. # وقوله: * (والنهار مبصرا) أي: ذا إبصار، قال الشاعر: # (كلينى لهم [يا أميمة] ناصب *) أي: ذا نصب، وقيل: مبصرا أي: تبصر فيه، ~~كما يقال: ليل نائم أي: ينام فيه قال الشاعر: PageV04P116 # * (بها علما أماذا كنتم تعملون (84) ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ~~ينطقون (85) ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون (86) ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من) * * (تقول سليمى لا تعرض ببلغة * وليلك عن ليل الصعاليك ~~نائم) أي: تنام فيه. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ويوم ينفخ في الصور) قد بينا. وقوله: * (ففزع من في ~~السماوات ومن في الأرض) أي: فصعق من في السماوات ومن في الأرض، وإنما ذكر ~~الفزع يؤد بهم إلى الصعقة، ويقال: ينفخ إسرافيل عليه السلام ثلاث نفخات: ~~نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين، وقد ذكر أن الحسن ~~البصري قال: الصور هو الصور، وأول بعضهم كلامه، وقال: إن الأرواح تجعل في ~~[القرن] ثم ينفخ فيه، فتذهب الأرواح إلى الأجساد، وتحيا الأجساد. # وقوله: * (إلا من شاء الله) فيه قولان: أحدهما: أن المراد من ذلك جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وملك الموت صلوات الله عليهم، والقول الآخر: أن المراد ~~منه الشهداء. وفي بعض الآثار: الشهداء ثنية الله أي: الذين استثناهم الله ~~تعالى، وإنما صح الاستثناء فيهم؛ لأنهم أحياء كما قال الله تعالى. وفي بعض ~~الأخبار: ' هم أحياء متقلدوا السيوف يدورون حول العرش. # وقوله: ms1197 * (وكل آتوه داخرين) أي: صاغرين وقرئ: ' وكل أتوه ' على الماضي، ~~والمعنى متقارب. # قوله تعالى: * (وترى الجبال تحسبها جامدة) أي: واقفة. # وقوله: * (وهي تمر مر السحاب) أي: تسير سير السحاب، وهذا كما أن سير ~~السحاب لا يرى لعظمه، كذلك سير الجبال يوم القيامة لا يرى لكثرتها، قال ~~الشاعر: PageV04P117 # * (شاء الله وكل أتوه داخرين (87) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة ~~فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون (89)) * * (بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ~~* وقوف لحاج والركاب تهملج) أي: تتهملج. # وقوله: * (صنع الله الذي أتقن كل شيء) أي: أحكم كل شيء. # وقوله: * (إنه لخبير بما تفعلون) أي: بما تصنعون. # قوله تعالى: * (من جاء بالحسنة فله خير منها) أي: له منها خير، وقال ~~بعضهم: له خير يصل إليه منها، ومنهم من قال: خير منها أي: أنفع منها، وأما ~~الحسنة ففي قول عامة المفسرين هي قول لا إله إلا الله، وقيل: هي كل طاعة، ~~وعن أبي ذر أنه سئل وقيل له: قول لا إله إلا الله حسنة؟ فقال: هي أحسن ~~الحسنات. # وقوله: * (وهم في فزع يومئذ آمنون) قد بينا معنى الفزع من قبل، وقرئ: ' ~~فزع يومئذ ' على الإضافة، وقرئ: ' فزع يومئذ ' على التنوين، قال أبو علي ~~الفارسي: ((فزع يومئذ)) على التنوين، يدل على التكثير، و: ' فزع يومئذ ' ~~على الإضافة لا يدل على التكثير. # قوله تعالى: * (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار) وقوله: * (هل ~~تجزون إلا ما كانوا يعملون) ظاهر المعنى. # وقال بعضهم في قوله: * (خير منها): إنما قال هذا؛ لأن جزاء الحسنات مضاعف ~~أي: أن يبلغ العشر وزيادة فقوله: * (خير منها) أي: أكثر منها. # قوله تعالى: * (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها) وقرأ ابن ~~مسعود وابن عباس: ' التي حرمها ' فقوله: * (التي حرمها) ينصرف إلى البلدة، ~~(وقوله: * (الذي) ينصرف إلى الله، وهو المعروف، وأما التحريم فهو تحريم ~~الصيد، وكان ما ذكرناه من قبل). PageV04P118 # * (ومن جاء بالسيئة فكبت ms1198 وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ~~(90) إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون ~~من المسلمين (91) وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل ~~إنما أنا من المنذرين (92) وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك ~~بغافل عما تعملون (93)) * * وقوله: * (وله كل شيء) أي: ولله كل شيء. وقوله: ~~* (وأمرت أن أكون من المسلمين). أي: من المسلمين لله. # قوله تعالى: * (وأن أتلو القرآن) أي: وأمرت أن أتلو القرآن، قال أهل ~~العلم: نتلوا ونعمل به، وعن الحسن البصري قال: أمر الناس أن يعملوا ~~بالقرآن، فاتخذوا تلاوته عملا. # وقوله: * (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه) أي: نفع اهتدائه راجع إليه. # وقوله: * (ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين) أي: المخوفين. # قوله تعالى: * (وقل الحمد لله) هو خطاب للنبي وسائر المؤمنين. # وقوله: * (سيريكم آياته) أي: دلالاته. # وقوله: * (فتعرفونها) أي: تعرفون الدلالات. # وقوله: * (وما ربك بغافل عما تعملون) ظاهر المعنى. # وقد ورد خبر في الآية المتقدمة، وهو قوله تعالى: * (من جاء بالحسنة)، فإن ~~أكثر المفسرين على أن المراد من الحسنة الإيمان، ومن السيئة الشرك، وقد روى ~~صفوان بن عسال المرادي، أن النبي قال: ' يأتي الإيمان والشرك يوم القيامة ~~(فيجثوان بين يدي الرحمن، ويطلب كل واحد منهما أهله)، فيقول الله تعالى ~~للإيمان: # انطلق بأهلك إلى الجنة، ويقول الله تعالى للشرك: انطلق بأهلك إلى النار، ~~وتلا قوله تعالى: * (من جاء بالحسنة فله خير منها) الآية '. والخبر غريب، ~~والله أعلم. PageV04P119 # بسم الله الرحمن الرحيم * (طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلو عليك ~~من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الأرض وجعل ~~أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم) * * تفسير سورة القصص وهي مكية إلا قوله ~~تعالى: * (الذين آتيناهم الكتاب) إلى قوله تعالى: * (لا نبتغي الجاهلين). # وفي هذه السورة آية ليست بمكية ولا مدنية، وهي قوله تعالى: * (إن الذي ~~فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) نزلت هذه الآية بين مكة والمدينة، ورسول ~~الله بالجحفة، وهو منزل ms1199 من المنازل، وذلك حين هاجر النبي من مكة إلى ~~المدينة. # قوله تعالى: * (طسم) قال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعن الحسن أنه قال: ~~هو اسم من أسماء السورة، وعن ابن عباس في رواية قال: هو اسم الله الأعظم، ~~وقد بينا غير هذا. # وقوله: * (تلك آيات الكتاب المبين) يقال: بان وأبان بمعنى واحد، وكذلك ~~قولهم: بينت الشيء وأبينه. وقال الزجاج: المبين للحلال من الحرام، والحق من ~~الباطل. # قوله تعالى: * (نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق) أي: بالصدق. # وقوله: * (لقوم يؤمنون) أي: يصدقون، والنبأ اسم للخبر. # قوله تعالى: * (إن فرعون علا في الأرض) أي: تكبر وتجبر، ويقال: طغى وقهر، ~~والأرض هي أرض مصر. * (وجعل أهلها شيعا) أي: فرقا. # وقوله سبحانه وتعالى: * (يستضعف طائفة منهم) المراد من الطائفة: بنو ~~PageV04P120 # * (يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) ونريد أن نمن ~~على) * * إسرائيل، وتفسير الاستضعاف: ما يذكر من بعد، وهو قوله تعالى: * ~~(يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم) وقرئ في الشاذ: ' يذبح أبناءهم ' بغير ~~التشديد، وسمي هذا استضعافا؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفع هذا عن أنفسهم، ~~وذكر وهب بن منبه وغيره: أن فرعون رأى في منامه كأن نارا خرجت من جانب ~~الشام حتى أحاطت بمصر، وأحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل، فلما أصبح دعا ~~الكهنة، وأخبرهم برؤياه، فقالوا: يخرج رجل من بني إسرائيل يكون هلاكك وهلاك ~~القبط على يده. وبعضهم روى أنهم قالوا: يولد مولود؛ فحينئذ أمر فرعون بذبح ~~الذكور من أولاد بني إسرائيل واستبقاء إناثهم. قال الزجاج: وهذا من حمقه؛ ~~لأنه إن كانت الكهنة صادقين فما يغني القتل، وإن كانوا كاذبين فلا معنى ~~للقتل أيضا. قال وهب: فلما فعلوا ذلك في ولدان بني إسرائيل، وتسارع الموت ~~إلى شيوخهم، فاجتمع الأشراف من القبط إلى فرعون، وقالوا له: إنك تقتل أولاد ~~بني إسرائيل، وقد تسارع الموت إلى شيوخهم، فعن قريب لا يبقى منهم [أحد]، ~~وترجع الأعمال إلينا، وقد كانوا يستعملون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة. # قال السدي في قوله: * (وجعل أهلها شيعا) كانوا جعلوا بني إسرائيل فرقا، ms1200 ~~ففرقة يبنون، وفرقة يحرثون ويزرعون، وفرقة يغرسون، وفرقة يرعون الدواب، إلى ~~مثل هذا من الأعمال، ومن لم يمكنه أن يعمل عملا كان يؤخذ منه الجزية، فلما ~~سمع فرعون قولهم أمر أن يقتلوا الأولاد سنة ولا يقتلون سنة، فولد هارون ~~عليه السلام في السنة التي لا يقتل فيها الأولاد، وولد موسى في السنة التي ~~يقتل فيها الأولاد. # وقوله: * (إنه كان من المفسدين) أي: في الأرض. # قوله تعالى: * (ونريد أن نمن) أي: ننعم. PageV04P121 # * (الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم ~~في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (6) وأوحينا إلى ~~أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا ~~رادوه إليك) * * وقوله: * (على الذين استضعفوا في الأرض) أي: بني إسرائيل. # وقوله: * (ونجعلهم أئمة) أي: ولاة. # وقوله: * (ونجعلهم الوارثين) أي: الوارثين لملك فرعون والقبط، وقد روي أن ~~فرعون لما أغرقه الله، رجع بنو إسرائيل إلى مصر، واستعبدوا من بقي من ~~القبط. # قوله تعالى: * (ونمكن لهم في الأرض) أي: نجعل لهم مصرا مكانا يستقرون ~~فيه. # وقوله: * (ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) الحذر هو ~~التوقي من الضرر. # قوله تعالى: * (وأوحينا إلى أم موسى) في القصة: أن أم موسى لما حبلت ~~بموسى لم يظهر عليها الحمل كما يظهر على النساء، وولدت ولم يعلم بولادتها ~~أحد، وجعلت ترضعه في خفية، ثم إنها خشيت أن يطلع عليه الناس ويذبح، فألقى ~~الله تعالى في قلبها ما ذكره في هذه الآية. # والوحي هو الإعلام في خفية، فأكثر المفسرين على أن معنى قوله: * (وأوحينا ~~إلى أم موسى) هو إلهامها، وألقى هذا المعنى في قلبها، وقال بعضهم: رأت ذلك ~~رؤيا، [وقال] بعضهم: هو الوحي حقيقة، وأتاها الملك بهذا من الله، إلا أنها ~~لم تكن نبية. # وقوله: * (أن أرضعيه) اختلف القول في مدة الرضاع، منهم من قال: ثمانية ~~أشهر، ومنهم من قال: أربعة أشهر، ومنهم من قال: ثلاثة أشهر. # وقوله: * (فإذا خفت عليه فألقيه في اليم) الخوف عليه هو ms1201 لخوف من الذبح. ~~PageV04P122 # * (وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن ~~فرعون) * * وقوله: * (فألقيه في اليم) اليم: البحر، والمراد منه هاهنا على ~~قول جميع المفسرين هو النيل، قال ابن عباس: دعت بنجار واتخذت تابوتا، فذهب ~~ذلك النجار وأخبر فرعون، وجاء بالأعوان، فطمس الله على عينه حتى لم يهتد ~~إلى شيء، فعاهد مع الله إن رد عليه بصره ليصرفن الأعوان عنه، فرد الله بصره ~~عليه، فصرف الأعوان، ثم إنه آمن بموسى عليه السلام من بعد، وهو مؤمن آل ~~فرعون، واسمه حزقيل. # وقوله: * (ولا تخافي ولا تحزني) أي: لا تخافي عليه من الغرق، وقيل: من ~~الضيعة، وقوله: * (ولا تحزني) أي: ولا تحزني على فراقه. # وقوله: * (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) ظاهر المعنى، وقد اشتملت ~~الآية على أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين، أما الأمران: فقوله: * (أن ~~أرضعيه)، وقوله: * (فألقيه في اليم)، وأما النهيان: فقوله: * (ولا تخافي ~~ولا تحزني)، وأما الخبران: فقوله: * (وأوحينا إلى أم موسى) وكذلك قوله: * ~~(فإذا خفت عليه) وأما البشارتان: فقوله تعالى: * (إنا رادوه إليك وجاعلوه ~~من المرسلين)، الآية تعد من فصيح القرآن. # قوله تعالى: * (فالتقطه آل فرعون) الالتقاط هو وجود الشيء من غير طلب. ~~وفي القصة: أن أم موسى وضعت موسى في التابوت، وجاءت به وألقته في النيل، ~~فمر به الماء إلى جانب دار فرعون، وقد كانت الجواري خرجن لاستقاء الماء، ~~فرد الماء التابوت في المشرعة التي يستقون منها، ويقال: تعلق التابوت ~~بالشجر التي كانت ثم، وموسى هو بالعبرية موشى، و ' مو ' هو الماء، و ' شى ' ~~هو الشجر، وسمي موشى؛ لأنه وجد بين الماء والشجر، فأخذت الجواري التابوت، ~~وذهبن به إلى امرأة فرعون، وهي آسية بنت مزاحم، ويقال: إنها كانت من بني ~~إسرائيل، وكان فرعون نكح منهم هذه المرأة. # وقوله: * (ليكون لهم عدوا وحزنا) (هذه اللام لام العاقبة، وقيل: لام ~~الصيرورة، فإنهم ما التقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا)، ولكن صار أمرهم إلى ~~هذا، فذكر PageV04P123 # * (وهامان وجنودهما كانوا خاطئين (8) وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ولك ~~لا تقتلوه ms1202 عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) وأصبح فؤاد أم ~~موسى) * * اللام على معنى الصيرورة، وهذا كقول الشاعر: # (أموالنا لذوي الميراث نجمعها * ودورنا لخراب الدهر نبنيها) وقوله: * (إن ~~فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) أي: تاركين طريق الحق. # قوله تعالى: * (وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك) في الخبر: أن امرأة ~~فرعون حملت الصبي إلى فرعون، وقالت: قرة عين لي ولك، فقال فرعون: قرة عين ~~لك، فأما لي فلا. وفي هذا الخبر أن النبي قال: ' لو قال فرعون قرة عين لي، ~~لهداه الله تعالى كما هدى امرأته ' والخبر غريب. # وفي بعض التفاسير: أن فرعون قصد قتله، وقال: لعله من الأعداء، فاستوهبته ~~امرأته فوهبه لها. # وقوله: * (لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) روي أن آسية لم يكن ~~لها ولد، وقيل: كان يموت أولادها، فقالت: أو نتخذه ولدا لهذا. # وقوله: * (وهم لا يشعرون) أي: لا يعلمون حقيقة الأمر. # قوله تعالى: * (وأصبح) قيل: وأصبح أي: صار، ويقال: هو على حقيقته، ~~واستعماله في هذا الموضع على طريق المجاز، ومعناه: أصبحت أم موسى وفؤادها ~~فارغا، واختلف القول في قوله * (فارغا) الأكثرون على أن المراد به فارغا من ~~كل شيء إلا من ذكر موسى والوجد عليه، هذا قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد ~~PageV04P124 # * (فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ~~(10) وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون (11) وحرمنا عليه ~~المراضع من) * * وقتادة والضحاك وغيرهم. # والقول الثاني: أن قوله: * (فارغا) أي: فارغا من الحزن عليه لعلمها بصدق ~~وعد الله تعالى، وهذا قول أبي عبيدة، وأنكر القتيبي وغيره هذا القول، ~~وقالوا: كيف يصح هذا والله تعالى يقول: * (إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا ~~على قلبها)؟ والقول الثالث: ' فارغا ' أي: ناسيا للوحي الذي أنزل عليها، ~~والعهد الذي أخذ عليها بألا تحزني من شدة البلية عليه، وهذا معنى قول ~~الحسن، وقرئ في الشاذ: ' فزعا '، وقد بينا أن معنى قوله: * (فأصبح) أي: ~~صار، وأنشدوا في هذا شعرا: # (مضى ms1203 الخلفاء بالأمر الرشيد * وأصبحت المذمة للوليد) وقوله: * (إن كادت ~~لتبدي به) قال ابن عباس: كادت تقول: يا إبناه. # وقوله: * (لولا أن ربطنا على قلبها) أي: بالصبر، وقيل: بالإيمان بالوعد، ~~وقيل: بالعصمة. # وقوله: * (لتكون من المؤمنين) أي: من المصدقين، وقوله تعالى: * (وقالت ~~لأخته قصيه) في القصة: أن اسم [أخته] كانت مريم، وقوله: * (قصيه) أي: اتبعي ~~أثره، ومنه القصص؛ لأنها رواية يتبع بعضها بعضا. # وقوله: * (فبصرت به عن جنب) أي: [عن بعد]، وقيل: عن جانب، وفي القصة: ~~أنها كانت تمشي جانبا، وتنظر مختلسة وتري الناس أنها لا تنظر. # وقوله: * (وهم لا يشعرون) أي: لا يشعرون أن هلاكهم على يد موسى، وقيل: ~~وهم لا يعلمون أن الصبي موسى، وأن طالبه أمه وأخته، وأنشدوا قول الشاعر عن ~~جنب بمعنى بعد: PageV04P125 # * (قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون (12) ~~فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون (13)) * * (فلا تسألني نائلا عن جنابة * فإن امرؤ وسط القباب ~~غريب) قوله تعالى: * (وحرمنا عليه المراضع من قبل) أي: منعناه من قبول ~~الرضاع، وليس المراد من التحريم هو التحريم الشرعي؛ وإنما المراد من ~~التحريم هو المنع، قال امرؤ القيس شعرا: # (جالت لتصرعني فقلت لها اقصري * إني امرؤ صرعى عليك حرام) أي: ممتنع، وفي ~~القصة: أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثديا، ويصيح وهم في طلب مرضعة له. # وقوله: * (فقالت هل أدلكم) يعني: قالت أخت موسى: هل أدلكم * (على أهل بيت ~~يكفلونه لكم)؟. # وقوله: * (وهم له ناصحون) أي: عليه مشفقون، والنصح ضد الغش، وقيل: النصح ~~تصفية العمل من شوائب الفساد، ومنه قوله: ' إلا إن الدين النصيحة. قيل: ~~لمن؟ قال: لله ولرسوله وكتابه والمؤمنين ' والخبر ثابت، رواه تميم الداري. # وفي لقصة: أن قوم فرعون استرابوا بقول أخت موسى فقالوا: [إنك] تعرفينه، ~~وإلا فما معنى نصحك له؟ فألهمها الله تعالى حتى قالت: قلت هذا رغبة في سرور ~~الملك واتصالنا به، وروي أن أم موسى لما أتي بها، ووجد ms1204 موسى ريحها، (نزا) ~~إلى ثديها فجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريا، وقال السدي: كانوا يعطونها كل ~~يوم دينارا. PageV04P126 # * (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) ~~ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته ~~وهذا من) * * وقوله: * (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها) أي: تقر عينها برد ~~موسى إليها * (ولا تحزن) أي: ولئلا تحزن. # وقوله: * (ولتعلم أن وعد الله حق) لأنه كان قد وعدها أنه يرده إليها. # وقوله: * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أي: لا يعلمون أن وعد الله حق. # قوله تعالى: * (ولما بلغ أشده) قال ابن عباس: الأشد: ثلاثون سنة، وعن ~~سفيان الثوري: أربع وثلاثون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون سنة، وقيل خمس وعشرون ~~سنة، وقيل: عشرون سنة، وقيل: [ثماني عشرة] سنة. # وقوله: * (واستوى) قال ابن عباس: أربعون سنة، وعن غيره: * (استوى) أي: ~~انتهى شبابه. # وقوله: * (آتيناه حكما وعلما) أي: الفقه والعقل والعلم. # وقوله: * (وكذلك نجزي المحسنين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ودخل لمدينة) في التفسير: أن المدينة كانت مدينة عين شمس، ~~وقيل: مدينة منف، وعن السدي قال: كان موسى يركب من مراكب فرعون، ويلبس من ~~ملابسه، وكان يسمى ابن فرعون، فركب فرعون مرة في حشمه إلى بعض المدائن، ~~وكان موسى غائبا فرجع وقد ركب فرعون، فركب في أثره، فوصل إلى المدينة وقت ~~القائلة، وقد اشتغل الناس بالقيلولة، فهو معنى قوله: * (ودخل المدينة على ~~حين غفلة من أهلها) أي: غفلوا عن ذكر موسى. # وقوله: * (فوجد فيها رجلين يقتتلان) في القصة: أنه وجد قبطيا يسخر ~~إسرائيليا في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون، وقوله: * (يقتتلان) أي: يختصمان ~~ويتنازعان، وقوله: * (هذا من شيعته وهذا من عدوه) أي: الإسرائيلي من شيعته، ~~والقبطي من PageV04P127 # * (عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه ~~قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر ~~لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين) * * عدوه، ms1205 وكانت بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى؛ لأنهم كانوا ~~يعلمون أنه منهم، ويقال: * (هذا من شيعته وهذا من عدوه) أي: هذا مؤمن وهذا ~~كافر. # وقوله: * (فاستغاثه الذي من شيعته) الاستغاثة: طلب المعونة، وقوله: * ~~(فوكزه موسى) قرأ (ابن مسعود): ' فلكزه موسى ' واللكز والوكز (واحد، وهو ~~الضرب بجمع الكف، وقيل الوكز هو الضرب في الصدر، واللكز) هو الضرب في ~~الظهر. وفي بعض التفاسير: (أن موسى) عقد ثلاثا وثمانين وضربه ضربة به في ~~صدره، وكان شديد البطش، فقتل الرجل، فهو معنى قوله: * (فقضى عليه) أي: ~~قتله، يقال: قضى فلان أي: مات. فإن قيل: كيف يجوز هذا على موسى؟ قلنا: وهو ~~لم يقصد القتل، وإنما وقع القتل خطأ، وكان قصده استنقاذ الإسرائيلي من ~~ظلمه. # وقوله: * (قال هذا من عمل الشيطان) أي: من تزيينه، وقوله: * (إنه عدو مضل ~~مبين) أي: مضل بين الضلالة، قوله تعالى: * (قال رب إني ظلمت نفسي) يعني: ~~بقتل القبطي من غير أمره * (فاغفر لي) أي: فاغفر لي بما عملت. # وقوله: * (فغفر له إنه هو الغفور الرحيم) أي: غفر الله له، إن الله غفور ~~رحيم. # قوله تعالى: * (قال رب بما أنعمت علي) مننت علي بالمغفرة. # وقوله: * (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) أي: معاونا للمجرمين، وفي بعض ~~التفاسير: أن قوله: * (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) كانت زلة من موسى حين لم ~~يقرن به مشيئة الله أو الاستغاثة من الله، وقلما يقول الإنسان هذا القول، ~~ويطلق هذا الإطلاق إلا ابتلى، فابتلى موسى في اليوم الثاني ما ذكره الله ~~تعالى، وهو قوله تعالى: PageV04P128 # (* (17) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ~~قال له موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ~~قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون ~~جبارا في الأرض وما تريد) * * * (فأصبح في المدينة خائفا يترقب). قال سعيد ~~بن جبير: يلتفت ويقال: ينتظر الطلب، وفي القصة: أن موسى حين قتل ذلك الرجل ~~لم يره أحد، ودفن لرجل في الرمل. وروي ms1206 أن قومه وجدوه قتيلا، فجاءوا إلى ~~فرعون وذكروا له ذلك. فقال: اطلبوا قاتله لأقيده به، فجعلوا يطلبونه وموسى ~~يخاف. # وقوله: * (فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه) أي: يستغيث به ويصيح به من ~~بعد، وكان ذلك الإسرائيلي سخره قبطي آخر، فبصر به موسى فطلب منه المعونة. # وقوله: * (قال له موسى إنك لغوى مبين) الأكثرون أن هذا قاله موسى ~~للإسرائيلي، فإنه كان أغواه أمس أي: أوقعه في الغواية، فمعنى قوله: * ~~(غوى): موقع في الغواية. # وقوله: * (مبين) أي: بين، ويقال: إن هذا قاله للقبطي، والأصح هو الأول. # قوله تعالى: * (فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما) في التفسير: إن ~~موسى أدركته الرقة والرحمة للإسرائيلي، فقصد أن يبطش بالقبطي، فظن ~~الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ لأنه كان قال له: ' إنك لغوى مبين '. # وقوله: * (قال يا موسى أتريد أن تقتلني) يعني: قال الإسرائيلي: * (كما ~~قتلت نفسا بالأمس إن تريد) أي: ما تريد * (إلا أن تكون جبارا في الأرض)، ~~أي: تقتل على الغضب، وكل من قتل على الغضب فهو جبار، ويقال: من قتل نفسين ~~بغير حق فهو من جبابرة الأرض. # وقوله: * (وما تريد أن تكون من المصلحين) أي: الرافقين بالناس، وفي ~~القصة: أن الإسرائيلي لما قال هذا وسمعه القبطي، عرف أن الذي قتل بالأمس ~~إنما قتله موسى، فمر إلى فرعون وذكر له ذلك، فبعث في طلب موسى ليقتله به. # قوله تعالى: * (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) يقال: كان اسمه شمعون، ~~ويقال: شمعان، وقيل: هو (حزقيل) مؤمن [من] آل فرعون. PageV04P129 # * (أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى ~~إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأخرج إني لك من الناصحين (20) فخرج منها ~~خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) ولما توجه تلقاء مدين قال ~~عسى ربي أن) * * وقوله: * (قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك) أي: يتشاورون ~~في قتلك، وقيل: يأمر بعضهم بعضا بقتلك، وقيل: إن فرعون قال: أين وجدتموه ~~فاقتلوه. # وقوله: * (فأخرج إني لك من الناصحين) أي: من الناصحين ms1207 لك في الأمر ~~بالخروج، والنصح للإنسان هو الإشارة عليه بما يصلح أمره، وقد كان السلف ~~يطلب هذا بعضهم من بعض. قال أبو بكر رضي الله عنه حين خطب: إن أحسنت ~~فأعينوني، وإن زغت فقوموني. وروي أن رجلا قال لعمر: اتق الله يا عمر، فأنكر ~~عليه بعضهم، فقال عمر: دعه، فما نزال بخير ما قيل لنا هذا. وعن بعضهم أنه ~~قيل له: أتريد أن تنصح؟ قال: أما سرا فنعم، وأما جهرا فلا. # قوله: * (فخرج منها خائفا يترقب) أي: ينتظر الطلب، وفي القصة: أن فرعون ~~بعث لطلبه حين أخبر بهربه، وقال: اركبوا ثنيات الطريق، فإنه لا يعرف كيف ~~الطريق. # وروي أنه خرج متوهجا لا يدري أين ذهب، فبعث الله تعالى ملكا حتى هداه إلى ~~الطريق، وفي بعض التفاسير: أنه خرج حافيا يعدو ثمان ليال ليس معه زاد، قال ~~ابن عباس: وهو أول ابتلاء من الله لموسى يسقط خف قدمه، وجعل يأكل البقل حتى ~~كان يرى خضرته في بطنه. # وقوله: * (قال رب نجني من القوم الظالمين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولما توجه تلقاء مدين) أي: قبل مدين. # وقوله: * (قال عسى ربي أن يهديني) أي: يرشدني ربي * (سواء السبيل) أي: ~~وسط الطريق، ووسط الطريق هو السبيل الذي يوصل إلى المقصود، ومدين اسم رجل ~~نسبت البلدة إليه، قال الشاعر في المدائن: PageV04P130 # * (يهديني سواء السبيل (22) ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر ~~الرعاء وأبونا شيخ) * * (رهبان مدين لو رأوك تنزلوا * والعصم من شعف العقول ~~الفادر) وقال أهل المعاني: التوجه إلى جهة من الجهات. # وقوله: * (تلقاء مدين) قال أبو عبيدة: نحو مدين. # وقوله: * (عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) قال مجاهد: طريق مدين. # قوله تعالى: * (ولما ورد ماء مدين) يعني: لما ورد موسى ماء مدين، وهو بئر ~~كانوا يسقون منها أغنامهم ومواشيهم. # وقوله: * (وجد عليه أمة من الناس يسقون) أي: جماعة. # وقوله: * (ووجد من دونهم امرأتين) أي: سوى الجماعة امرأتين، وقيل: ms1208 بعيدا ~~من الجماعة امرأتين. # وقوله: * (تذودان) أي: تحبسان وتكفان أغنامهما من مخالطة أغنام الناس. # وقال قتادة: تزودان أي: تكفان الناس عن أغنامهما، قال الشاعر: # (فقد سلبت عصاك بنو تميم * فلا أدري بأي عصا تذود) وأنشد قطرب شعرا: # (أبيت على باب القوافي كأنما * أذود بها سربا من الوحش نزعا) وقوله: * ~~(ما خطبكما) أي: قال موسى للمرأتين: ما خطبكما؟ أي: ما شأنكما؟ والخطب: ~~الأمر المهم، وإنما سأل هذا عنهما؛ لأنهما لا تسقيان الغنم مع الناس. # وقوله: * (قالتا لا نسقي) يعني: لا نسقي غنمنا، وقوله: * (حتى يصدر ~~الرعاء) (وقرئ: ' حتى يصدر الرعاء ' فقوله: * (حتى يصدر الرعاء) أي: يرجع ~~الرعاء بأغنامهم، وقوله: * (حتى يصدر الرعاء)). أي: يصدر الرعاء أغنامهم، ~~قال PageV04P131 # (كبير (23) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير ~~فقير (24) فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ~~ما) * * قتادة. كانتا تسقيان أغنامهما ما تفضل من مياه القوم. وقال بعضهم: ~~لم تسقيا أغنامهما كراهة مزاحمة الرجال. # وقوله: * (وأبونا شيخ كبير) لا يقدر على سقي الغنم، كأنهما جعلتا ذلك ~~عذرا لهما، وقيل: إنما قالتا ذلك استعطافا لقلب موسى حتى يسقيهما، قال ابن ~~عباس: وصل موسى أي: ماء مدين وخضرة البقل يرى في أمعائه من الهزال. # وقوله: * (فسقى لهما) في القصة: أن القوم رجعوا بأغنامهم، وغطوا رأس ~~البئر بحجر، لا يرفعه إلا عشرة نفر، فجاء موسى ورفع الحجر وحده، وسقى غنم ~~المرأتين. ويقال: إنه نزع ذنوبا ودعا فيه بالبركة، فروى منه جميع الغنم. ~~وذكر ابن إسحاق: أن موسى زاحم القوم وأخرهم، ونحاهم عن رأس البئر وسقى غنم ~~المرأتين. # وقوله: * (ثم تولى إلى الظل) يقال: كان ظل شجرة، ويقال: كان ظل حائط بلا ~~سقف. # وقوله: * (فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) أجمع المفسرون على أنه ~~طلب من الله الطعام لجوعه، قال ابن عباس فلقة خبز، أو قبضة تمر. وقال سعيد ~~بن جبير: لم يكن على وجه الأرض أكرم منه، وكان محتاجا إلى شق تمرة. وقال ms1209 ~~مجاهد: طلب الخبز. وفي بعض الآثار: أن الله تعالى أخرج للخبز بركات ~~السماوات والأرض. وعن بعضهم: لولا الخبز ما عبد الله. والعرب تسمي الخبز ~~جابرا، قال بعضهم شعرا: # (لا تلوموني ولوموا جابرا * فجابر كلفني الهواجرا) يعني: العمل بالهاجرة. # قوله تعالى: * (فجاءته إحداهما) في الآية حذف، وهو أن المرأتين رجعتا إلى ~~أبيهما، وأكثر أهل التفسير أن أباهما كان هو: شعيب النبي عليه السلام وقال ~~الحسن البصري: هو رجل ممن آمن بشعيب، وقال بعضهم: هو ابن أخي شعيب، فلما ~~PageV04P132 # * (سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ~~(25) قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) قال ~~إني أريد) * * رجعتا إلى أبيهما بسرعة أنكر رجوعهما، فذكرتا له قصة الرجل، ~~فبعث إحداهما في طلبه. # وقوله: * (تمشي على استحياء) روى عمرو بن ميمون، عن عمر أنه قال: ليبست ~~بسلفع من النساء، ولا خراجة ولا ولاجة، ولكن وضعت كمها على وجهها استحياء. # وقوله: * (قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) أي: ليطعمك ويثيبك ~~أجر ما سقيت لنا أي: عوض ما سقيت لنا. قال أبو حازم سلمة بن دينار: لما سمع ~~موسى هذا أراد ألا يذهب ولكن كان جائعا، فلم يجد بدا من الذهاب، فمشت ~~المرأة ومشى موسى خلفها، فجعلت الريح تضرب ثوبها، وتصف عجيزتها، فكره موسى ~~ذلك، فقال: يا أمة الله، امشي خلفي وصفي لي الطريق، ففعلت كذلك، فلما وصل ~~موسى إلى دار شعيب، فإذا العشاء تهيأ، فقال: يا شاب، اجلس، فكل، فقال: # معاذ الله، إنا أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضا من الدنيا، ~~فقال له شعيب: إن هذا عاداتي وعادات آبائي، نقري الضيف ونطعم الطعام، فجلس ~~وأكل. هذا كله قول أبي حازم. # وقوله: * (فلما جاءه وقص عليه القصص) يعني: ما لقي من فرعون وأمره من ~~أوله إلى آخره. # وقوله: * (لا تخف نجوت من القوم الظالمين) إنما قال هذا؛ لأنه لم يكن ~~لفرعون سلطان على مدين، والظالمين: فرعون وقومه. # قوله تعالى: ms1210 * (قالت إحداهما يا أبت استأجره) أي: استأجره لرعي الغنم. ~~وفي القصة: أن شعيبا قال لابنته: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته ~~فلأنه حمل حجرا لا يحمله إلا عشرة من الرجال، وأما أمانته فإنه قال لي: امش ~~خلفي لئلا تصف PageV04P133 # * (أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا ~~فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) قال ~~ذلك بيني) * * الريح بدنك، ويقال: القوى فيما ما يلي، والأمين فيما يستودع. # قوله تعالى: * (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين) أكثر أهل التفسير: ~~أنه زوجه الصغرى منهما، واسمها صفوراء، وهي التي ذهبت لطلب موسى. # وقوله: * (على أن تأجرني) أي: تكون أجيري، وقيل: على أن تثيبني. * (ثماني ~~حجج) أي: ثمان سنين. # قوله: * (فإن أتممت عشرا فمن عندك) يعني: هو تبرع من عندك. # وقوله: * (وما أريد أن أشق عليك) أي: ما ألزمك تمام العشرة إلا أن تتبرع. # وقوله: * (ستجدني إن شاء الله من الصالحين) أي: الرافقين بك، وهو مثل ~~قوله تعالى: * (قال اخلفني في قومي وأصلح) أي: ارفق. # قوله تعالى: * (قال ذلك بيني وبينك) أي: هذا الشرط بيني وبينك. * (أيما ~~الأجلين قضيت) أي: أي الأجلين قضيت، و ' ما ' صلة. # وقوله: * (فلا عدوان علي) أي: لا أطلب بالزيادة، وقوله: * (والله على ما ~~نقول وكيل) أي: شاهد، وقيل: حفيظ. وقد روي عن النبي أنه قال: ' أجر موسى ~~نفسه بطعمة بطنه وعفة فرجة '. وفي بعض الأخبار: أن النبي سئل: أي ~~PageV04P134 # * (وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل (28) ~~فلما قضى) * * الأجلين وفى موسى؟ قال: ' أكملهما وأتمهما '. # وروى شداد بن أوس عن النبي: ' أن شعيبا بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره، ~~(ثم بكى حتى عمي، فرد الله عليه بصره)، ثم بكى حتى عمي، فقال الله تعالى: ~~لم تبك يا شعيب؟ أخوفا من النار أو طمعا في الجنة؟ فقال: لا يا رب، ولكن ~~أحبك وقال بعضهم: شوقا إلى لقائك قال: يا شعيب، ولذلك أخدمتك ms1211 موسى كليمي ' ~~والخبر غريب. # وأما قصة العصا: إن شعيبا قال لابنته: أعطي موسى عصا ليتقوى بها على رعي ~~الغنم، وكان عنده عصا أودعها ملك منه، فدخلت بنت شعيب، ووقعت هذه العصا ~~بيدها وخرجت بها، فقال شعيب: ردي هذه العصا، وخذي عصا أخرى، فردتها، وأرادت ~~أن تأخذ عصا أخرى فوقعت بيدها هذه العصا، هكذا ثلاث مرات، فسلم PageV04P135 # * (موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني ~~آنست نارا) * * شعيب العصا إلى موسى، وخرج موسى بالعصا، ثم إن الشيخ ندم ~~فذهب في أثره، وطلب منه أن يرد العصا إليه، وأبي موسى، فقالا: نتحاكم إلى ~~أول من يلقانا، فلقيهما ملك في صورة رجل، (فحكم بأن يطرح) العصا، فمن أطاق ~~حملها فهي له، فطرح موسى العصا، فجاء شعيب ليأخذها فلم يطق حملها، وجاء ~~موسى فأخذها وذهب بالعصا. أورد هذا وهب وابن إسحاق وغيرهما. # قوله تعالى: * (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله) في القصة: أن موسى لما ~~أتم الأجل وسلم شعيب ابنته إليه، قال موسى للمرأة: اطلبي من أبيك ليجعل بعض ~~الغنم لنا، فطلبت من أبيها ذلك، فقال شعيب: كل ما ولدت هذا العام على غير ~~شيتها، وقيل: كلما ولدت بلقاء فهي لكما، فجاء موسى إلى الماء الذي تشرب منه ~~الغنم، ووضع العصا في الماء، وروي أنه كلما شربت شاة من الغنم فجعل يضرب ~~جنبها بالعصا، فولدت ذلك العام كلها على غير شيتها، وقال: ولدت بلقاء، ثم ~~إن موسى عليه السلام استأذن من شعيب ليرجع إلى مصر، يزور والدته وأخاه، ~~فأذن له، فسار بأهله إلى جانب مصر. # وقوله: * (آنس من جانب الطور نارا) روي أن موسى كان رجلا غيورا، وكان ~~يصحب الرفقة بالليل، ويفارقهم بالنهار، فلما كانت الليلة التي أراد الله ~~كرامته فيها، أخطأ الطريق؛ لأن الظلمة اشتدت واشتد البرد، وانقطع عن الرفقة ~~فجعل يقدح الزند فلا يورى، ثم إنه أبصر نارا من قبل الطور، وكان نورا ولم ~~تكن نارا، فهو معنى قوله تعالى: * (آنس من جانب الطور نارا) أي: أبصر. ms1212 # وقوله: * (قال لأهله امكثوا إني آنست نارا) أي: أبصرت نارا. PageV04P136 # * (لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) فلما أتاها ~~نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني ~~أنا الله رب العالمين) * * قوله تعالى: * (لعلي آتيكم منها بخبر) أي: بخبر ~~عن الطريق؛ لأنه قد أخطأ الطريق، وقوله: * (أو جذوة من النار) أي: قطعة من ~~النار، وقيل: عود في رأسه نار. # وقوله: * (لعلكم تصطلون) أي: (تصطلون) بها فتذهب عنكم البرد، ويقال: أحسن ~~من الصلى في لشتاء. # قوله تعالى: * (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن) أي: يمين موسى، ~~والشاطئ هو الجانب. # وقوله: * (في البقعة المباركة) سمى البقعة المباركة لأن الله تعالى كلم ~~موسى فيها، فإن قيل: فلم لم يسم الشجرة مباركة وقد قال: * (من الشجرة)؟ ~~قلنا: لأنه إذا ذكرت البركة في البقعة، فقد ذكرت في الشجرة، فذكر البقعة؛ ~~لأنها أعم. # وقوله: * (من الشجرة) قالوا: كانت شجرة العوسج هي أول شجرة غرست في ~~الأرض، وقيل: شجر العليق. # وقوله: * (أن يا موسى إني انا الله رب العالمين) أي: رب الجن والإنس ~~والملائكة والخلائق أجمعين. # وقوله: * (من الشجرة) قال الزجاج والنحاس وغيرهما: كلم الله موسى من ~~الشجرة بلا كيف. وعن الضحاك: من نحو الشجرة. وعند المعتزلة: أن الله تعالى ~~خلق كلاما في الشجرة، فسمع موسى ذلك الكلام، وهذا عندنا باطل، وذلك لأن ~~الله تعالى هو الذي كلم موسى على ما ورد به النص، وإذا كان على هذا الوجه ~~الذي قالوا فيكون الله خالقا لا مكلما؛ لأنه يقال: خلق فهو خالق، ولا يقال: ~~خلق فهو مكلم. # وفي القصة: أن موسى لما رأى النار، ترك أهله وولده، وتوجه نحو النار، ~~فبقي أهله PageV04P137 # ((30) * وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا ~~موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير ~~سوء) * * في ذلك المكان ثلاثين سنة، حتى مر بها راع فرآها حزينة باكية، ~~فردها إلى أبيها، ذكره النقاش ms1213 في تفسيره. # وقوله: * (إني أنا الله رب العالمين) قد بينا من قبل، قوله تعالى: * (وأن ~~ألق عصاك) وفي القصة: أن العصا كان من آس الجنة، وقعت إلى آدم، ثم من آدم ~~إلى نوح، ثم من نوح إلى إبراهيم، ثم من إبراهيم إلى شعيب، وكان لا يأخذها ~~غير نبي إلا أكلته، وكان مكتوبا عليها بالسريانية أنا الأول أنا الآخر أنا ~~الحي الذي لا يموت أبدا. # وقوله: * (فلما رآها تهتز) أي: تتحرك * (كأنها جان) الجان: الحية ~~الصغيرة، والثعبان: الحية العظيمة. # وقد ذكرنا التوفيق بين الآيتين، قد قال بعضهم: كان في ابتداء الأمر حية ~~صغيرة، ثم صارت تعظم حتى صارت ثعبانا. # وقوله: * (ولى مدبرا) أي: من الخوف، فإن قيل: لم خاف موسى وهو في مثل ذلك ~~المقام؟ قلنا: لأنه رأى شيئا بخلاف العادة، ومن رأى شيئا بخلاف العادة فخاف ~~عذر، وقد روي أنها لما صارت حية ابتلعت ما حولها من لصخور والأشجار، وسمع ~~موسى لأسنانها صريفا عظيما، فهرب. # وقوله: * (ولم يعقب) أي: لم يلتفت، وقوله: * (يا موسى أقبل ولا تخف إنك ~~من الآمنين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (اسلك يدك في جيبك) أي: أدخل يدك في جيبك، وفي القصة: أنه ~~كانت عليه مدرعة مصرية من صوف. # وقوله: * (تخرج بيضاء من غير سوء) يقال: خرجت ولها شعاع كضوء الشمس. # وقوله: * (واضمم إليك جناحك من الرهب) حكى عطاء عن ابن عباس أن ~~PageV04P138 # 3 * (واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه ~~إنهم كانوا قوما فاسقين (32) قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ~~(33) وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن ~~يكذبون (34)) * * معناه: ضع يدك على صدرك. والجناح: اليد، قال: وما من خائف ~~بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وذكر الفراء في كتابه: أن ~~الجناح هاهنا هو لعصا، ومعناه: اضمم إليك عصاك. ومن المعروف أن الجناح هو ~~العضد، وقيل: جميع اليد، وقيل: ما تحت الإبط، والخائف إذا ضم إليه يده خف ~~خوفه. ms1214 وعن أبي عمرو بن العلاء أن الرهب هو الكم به، فيكون معنى الآية على ~~هذا: واضمم إليك عصاك ويدك التي في كمك فقد جعلناها آيتين لك، ويقرأ: ' من ~~الرهب ' وقيل: الرهب والرهب بمعنى واحد كالرشد والرشد، والمعنى الظاهر فيه ~~أنه الخوف. # وقوله: * (فذاناك برهانان من ربك) أي: آيتان وحجتان من ربك. # وقوله: * (إلى فرعون وملئه) يعني: وأتباعه. # وقوله: * (إنهم كانوا قوما فاسقين) أي: خارجين عن الطاعة. # وقوله تعالى: * (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون) يعني: ~~القبطي. # وقوله: * (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا) قال أهل التفسير: كان في لسان ~~موسى عقدة من الوقت الذي أخذ بلحية فرعون، وأخذ الجمرة بعد ذلك وألقاه في ~~فيه على ما ذكرنا من قبل. # وقوله: * (فأرسله معي ردءا) أي: عونا. * (يصدقني) أي مصدقا لي، وقرئ: ' ~~يصدقني ' بسكون القاف أي: إن كذبوني هو يصدقني. # وقوله: * (إني أخاف أن يكذبون) يعني: فرعون وقومه. PageV04P139 # * (قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا ~~أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35) فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما ~~هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي ~~أعلم بمن جاء بالهدى من) * * قوله تعالى: * (قال سنشد عضدك بأخيك) وهذا على ~~طريق التمثيل؛ لأن قوة اليد بالعضد. وفي الكلام المنقول من العرب أن رجلا ~~قيل له: مات أبوك، قال: ملكت نفسي، قيل له: مات ولدك، قال: تفرغ قلبي، قيل: ~~ماتت زوجتك، قال: تجدد فراشي، قيل: مات أخوك، قال: وانفصام ظهراه، وقال ~~الشاعر: # (أخاك أخاك إن من لا أخا له * كساع إلى لهيجا بغير سلاح) (وإن ابن عم ~~المرء فاعلم جناحه * وهل ينهض البازي بغير جناح؟!) وقدم الله الأخ على سائر ~~الأقارب في قوله تعالى: * (يوم يفر المرء من أخيه) لأن الإنسان إلى أخيه ~~أميل، وبه آنس، وإليه أسكن. # وقوله: * (ونجعل لكم سلطانا) أي: حجة. # وقوله: * (فلا يصلون إليكما بآياتنا) أي: لا يصلون إليكما لمكان آياتنا، ~~ويقال: في الآية تقديم وتأخير، وتقديره: ونجعل لكما سلطانا ms1215 بآياتنا فلا ~~يصلون إليكما. # وقوله: * (أنتما ومن اتبعكما الغالبون) الغالبون لفرعون وقومه. # وقوله تعالى: * (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات) أي: واضحات. # وقوله: * (قالوا ما هذا إلا سحر مفترى) أي: مختلق. # وقوله: * (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) أي: الذين مضوا. # وقوله تعالى: * (وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده) يعني: أعلم ~~PageV04P140 # * (عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) وقال فرعون ~~يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل ~~لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) واستكبر هو ~~وجنوده في الأرض بغير الحق) * * بمن جاء بالهدى، فأنا الذي جئت بالهدى من ~~عنده. # وقوله: * (ومن تكون له عاقبة الدار) أي: وأعلم بمن تكون له عاقبة الدار، ~~وهي الجنة. # وقوله: * (إنه لا يفلح الظالمون) أي: لا يسعد من أشرك بالله. # قوله تعالى: * (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري) يقال: ~~إنه كان بين قول هذا وبين قوله: * (أنا ربكم الأعلى) أربعون سنة. # وقوله: * (فأوقد لي يا هامان على الطين) أي: اطبخ لي الطين حتى يصير ~~آجرا، ويقال: إنه أول من اتخذ الآجر. # وقوله: * (فاجعل لي صرحا) أي: قصرا عاليا، وقيل: منارة. # وقوله تعالى: * (لعلي أطلع إلى إله موسى) أي: أناله وأصيبه. # وفي القصة: أن طول الصرح كان شيئا كبيرا. ذكر في بعض التفاسير: أن صرح ~~فرعون كان طوله خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعا، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع ونيف. # وكان فرعون لا يقدر أن يقوم على أعلاه؛ مخافة أن تنسفه الريح، وذكر السدي ~~أن فرعون علا ذلك الصرح، ورمى بنشابة إلى السماء، فرجعت إليه متلطخة بالدم، ~~فقال: قد قتلت إله موسى. # وقوله: * (وإني لأظنه من الكاذبين) أي: لأظنه من الكاذبين في زعمه أن ~~للأرض والخلق إلها غيري. PageV04P141 # * (وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (40) وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم ~~القيامة لا ينصرون (41) وأتبعناهم في ms1216 هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين (42) ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ~~بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون) * * قوله تعالى: * (واستكبر هو ~~وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) أي: لا ينقلبون. # قوله تعالى: * (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) أي: طرحناهم في البحر. # وقوله: * (فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) يعني: فرعون وقومه. # قوله تعالى: * (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) أي: قادة. # وقوله: * (ويوم القيامة لا ينصرون) أي: لا يمنعون من العذاب. # وقوله تعالى: * (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة) أي: أتبعنا العذاب في ~~الدنيا لعنة. # وقوله: * (ويوم القيامة هم من المقبوحين) أي: المعذبين، ويقال من ~~المشبوهين أي: بسواد الوجه وزرقة العين. # قوله تعالى: * (ولقد آتينا موسى الكتاب) أي: التوراة، وقوله: * (من بعد ~~ما أهلكنا القرون الأولى) وهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب ~~وغيرهم. # وقوله: * (بصائر للناس) أي: دلالات للآخرين. # وقوله: * (وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون) أي: يتعظون بالدلالات. # قوله تعالى: * (وما كنت بجانب الغربي) أي: ما كنت بناحية الجبل مما يلي ~~الغرب، وقوله: * (إذا قضينا إلى موسى الأمر) أي: أحكمنا مع موسى الأمر، ~~وذلك بإرساله إلى فرعون وقومه. PageV04P142 # (* (43) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من ~~الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل ~~مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا ولكن رحمة من ربك) * * وقوله: * (وما كنت من الشاهدين) أي: الحاضرين ~~ذلك المقام، ومعنى هذا: أنك لم تكن تكن شاهدا ولا حاضرا ذلك المقام، وهذا ~~العلم لك من قبلنا. # قوله تعالى: * (ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر) روي عن أبي سعيد ~~الخدري أنه قال: ما أهلك الله تعالى أمة من الأمم بعد إنزاله التوراة على ~~موسى غير القرية التي اعتدت في السبت، فمسخوا، يعني: أهل القرية. # وقوله: * (وما كنت ثاويا) أي: مقيما * (في أهل مدين). # وقوله: * (تتلوا عليهم آياتنا) وقال هذا لأن شعيبا كان يتلوا ms1217 عليهم آيات ~~الله، وقيل: هذا كان موسى، والأول أظهر، وقوله: * (ولكنا كنا مرسلين) أي: ~~نحن الذين أرسلناهم. # قوله تعالى: * (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا) روي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أنه قال في معنى هذه الآية: إن الله تعالى قال: يا أمة محمد، ~~أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني، وغفرت لكم قبل أن ~~تستغفروني. فهذا هو معنى النداء، ونقل بعضهم هذا مسندا إلى النبي. # وقال مقاتل بن حيان: معنى قوله: * (نادينا) هو أنه قال لهذه الأمة، وهم ~~في PageV04P143 # * (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) ولولا أن ~~تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك ونكون من المؤمنين (47) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا مثل ~~أوتي موسى أو لم يكفروا بما) * * أصلاب آبائهم: آمنوا بمحمد إذا بعثته. # وفي القصة: أن موسى لما سمع هذا من الله تعالى: قال: يا رب، إنما جئت ~~لوفادة أمة محمد. # وقوله: * (ولكن رحمة من ربك) قد ثبت عن النبي أنه قال: ' إن الله تعالى ~~كتب كتابا قبل أن يخلق آدم بألفي عام، وهو عنده فوق عرشه: سبقت رحمتي غضبي ~~'. # وقوله تعالى: * (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون) ~~ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين) معنى الآية: أنهم لولا ~~قولهم هذا، واحتجاجهم بترك إرسال الرسل، وإلا لعاجلناهم بالعقوبة، ومنهم من ~~قال: في الآية تقديم وتأخير، وتقدير الآية: ولولا أنهم يقولون: لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك، ونكون من المؤمنين، لأصابتهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم، والمصيبة: العقوبة. # قوله تعالى: * (فلما جاءهم الحق من عندنا) في الحق قولان: أحدهما: أنه ~~محمد، والآخر: أنه القرآن. PageV04P144 # * (أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم ~~يستجيبوا لك) * * وقوله: * (قالوا) يعني: قال ms1218 المشركون * (لولا أوتي) أي: ~~هلا أوتي * (مثل ما أوتي موسى) أي: من العصا، واليد البيضاء. # وقوله: * (أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل) يعني: أن المشركين كفروا ~~بموسى. # وقوله: * (قالوا ساحران تظاهرا) يعني: موسى ومحمدا، وقال مجاهد: موسى ~~وهارون. وقرئ: ' سحران تظاهرا ' واختلف القول في لسحرين، أحد القولين: ~~أنهما التوراة والقرآن، والآخر: التوراة والإنجيل. # وقوله: * (تظاهرا) أي: تعاونا، وهذا في الساحرين حقيقة، وفي السحرين على ~~طريق التوسع، وقوله: * (قالوا إنا بكل كافرون) أي: جاحدون. # وقوله تعالى: * (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما) يعني: من ~~التوراة والقرآن. # وقوله: * (أتبعه) يعني: اتبع (الكتاب) الذي جئتم به من عند الله. # وقوله: * (إن كنتم صادقين) معناه: أن الحق معكم. # قوله تعالى: * (فإن لم يستجيبوا لك) أي: لم يأتوا بما طلبت، وقوله: * ~~(فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) واتفق أهل المعرفة أن الهوى مرد مهلك. # وقد روي عن النبي أنه قال: ' إن أخوف ما أخاف عليكم شحا مطاعا، وهوى ~~متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه '. PageV04P145 # * (فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين (50) (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ~~(51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم ~~قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا) * * وقوله: * (ومن أضل ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله) أي: بغير بيان من الله، وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن ~~يكون الهوى موافقا للحق، وإن كان نادرا. وروي أن بعض المشايخ سئل عن هوى ~~وافق حقا، فقال: هو الزبد بالنرسيان، والنرسيان نوع من التمر بالبصرة أجود ~~ما يكون. # وقوله: * (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) أي: المشركين، وفي الآية دليل ~~على أن النبي طلب منهم أن يأتوا بكتاب مثل كتابه، وتحداهم بذلك مرارا، ولم ~~يأتوا به، ولو قدروا لأتوا به، ولو ببذل النفوس والأموال، ولو أتوا به لعرف ~~ذلك، وسارت به الركبان. # قوله: * (ولقد وصلنا لهم القول) أي: ذكرنا لهم إهلاك الأمم ms1219 الماضية، ~~فاتصل بعضهم ببعض من الكفر، واتصل عذاب بعضهم ببعض. # وقوله تعالى: * (لعلهم يتذكرون) أي: [يتعظون]. # قوله تعالى: * (الذين آتيناهم الكتاب من قبله) قال سعيد بن جبير: هؤلاء ~~قوم من مؤمني الحبشة، آمنوا بالنبي، وقدموا المدينة، وجاهدوا معه. # وعن [ابن] عباس قال: نزلت الآية في ثمانين من أهل الكتاب، وأربعون من ~~نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشام. # وقال بعضهم: نزلت الآية في قوم كانوا يطلبون الدين قبل لنبي، فلما بعث ~~آمنوا به، وقالوا: كان فيهم عبد الله بن سلام، وسلمان، والجارود العبدري ~~وغيرهم. # وقوله: * (هم به يؤمنون) بالكتاب، وقيل: بمحمد. # قوله تعالى: * (وإذا يتلى عليهم) يعني: القرآن * (قالوا آمنا به إنه الحق ~~من ربنا إنا PageV04P146 # * (كنا من قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون ~~بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ~~وقالوا لنا أعمالنا) * * كنا من قبله مسلمين) أي: موحدين. # قوله تعالى: * (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) يعني: أجر الإيمان ~~بالكتاب الأول، وأجر الإيمان بالكتاب الثاني. # وقد ثبت برواية أبي موسى الأشعري عن النبي أنه قال: ((ثلاثة يؤتون أجرهم ~~مرتين: رجل آمن بالكتاب الأول، والثاني عبد أدى حق الله وحق مواليه، ورجل ~~له جارية فأدبها وأحسن تأديبها،، وعلمها وأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها ~~'. # وفي التفسير: أن أهل الكتاب الذين آمنوا فاخروا أصحاب النبي بهذه الآية، ~~وقالوا: إن الله تعالى يؤتي أجرنا مرتين، ويؤتيكم الأجر مرة، فأنزل الله ~~تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته) الآية. # وقوله: * (بما صبروا) أي: صبروا على الحق، ولم يزيغوا عنه، وقوله: * ~~(ويدرءون بالحسنة السيئة) أي: بقول لا إله إلا الله الشرك، ويقال: بالمعروف ~~المنكر، وبالخير الشر، ويقال: وبالحلم جهل الجاهل. # وقوله: * (ومما رزقناهم ينفقون) أي: ينفقون في طاعة الله. # وروي أن القوم الذين آمنوا من الحبشة لما قدموا المدينة، وجاهدوا، ~~واستئذنوا من النبي أن يرجعوا إلى الحبشة، ويحملوا أموالهم، فأذن لهم، ~~فذهبوا وحملوا الأموال، وأنفقوا. # وقوله تعالى: * (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا ms1220 عنه) أي: الكلام الباطل، وقيل: ~~إن PageV04P147 # * (ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) إنك لا تهدي من أحببت ~~ولكن) * * المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون: تبا لكم، تركتم ~~دينكم واتبعتم غلاما منا. فهو معنى اللغو المذكور في الآية. # وقوله: * (وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) أي: لنا ديننا، ولكم دينكم، ~~وقيل: لكم سفهكم، ولنا حلمنا. # وقوله: * (سلام عليكم) ليس المراد من السلام هاهنا هو التحية، ولكن هذا ~~السلام هو سلام المتاركة، ويقال معناه: سلمتم من معارضتنا لكم بالجهل ~~والسفه. # وعن بعض السلف أنه كان يسب فيقول: سلام سلام، وعن بعضهم: أي قالوا قولا ~~يسلمون منه. # وقوله: * (لا نبتغي الجاهلين) أي: لا ندخل في جهل الجاهلين. # قوله تعالى: * (إنك لا تهدي من أحببت) أكثر أهل التفسير أن الآية في أبي ~~طالب، وقد صح برواية أبي هريرة عن النبي أن أبا طالب لما حضره الموت، دخل ~~النبي وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية وغيرهما، فقال رسول الله: ' يا ~~عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال له أبو جهل وعبد ~~الله بن [أبي] أمية: أزغت عن ملة الأشياخ؟ فما زال رسول الله يقول ذلك، وهم ~~يقولون، حتى كان كلمة قالها: أنا على ملة الأشياخ)). والمعنى بالأشياخ: عبد ~~المطلب، وهاشم، وعبد مناف. وهذا الخبر في الصحيحين، [وروى] مسلم في صحيحه: ~~أن النبي دخل على أبي طالب وقد حضره الموت، فقال: ' يا عم، أشهد أن لا إله ~~إلا الله؛ أشفع لك يوم القيامة '. فقال: لولا أن PageV04P148 # * (الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) وقالوا إن نتبع الهدى معك ~~نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرما يجبي آمنا إليه ثمرات كل شيء رزقا من ~~لدنا ولكن) * * تعيرني نساء قريش، فيقلن: جزع عند الموت، لأقررت بها عينيك ~~'. وفي رواية: ' لولا أن تعيرك نساء قريش، ويكون سبه عليك، لأقررت بها ~~عينيك '. والأول في الصحيح، فأنزل الله تعالى: * (إنك لا تهدي من أحببت) ~~أي: من أحببت أن يهتدي، وقيل: من ms1221 أحببته لقرابته * (ولكن الله يهدي من ~~يشاء) أي: يهدي لدينه من يشاء. # وعن [سعيد بن أبي راشد]: أن هرقل بعث رسولا من تنوخ إلى رسول الله: فجاء ~~إليه وهو بتبوك يحمل كتاب هرقل، فقال له النبي: ' يا أخا تنوخ، أسلم. فقال: ~~إني رسول ملك جئت من عنده؛ فأكره أن أرجع إليه بخلاف ما جئت، فضحك النبي، ~~وقرأ قوله تعالى: * (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) '. # وقوله: * (وهو أعلم بالمهتدين) وهو أعلم بمن قدر له الهداية. # وقوله تعالى: * (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) الاختطاف هو ~~الاستلاب بسرعة. ويقال: إن القائل لهذا القول هو الحارث بن نوفل بن عبد ~~مناف، قال للنبي: إنا نعلم ما جئت به حق، ولكنا إن أسلمنا معك لم نطق ~~العرب؛ فإنا أكلة رأس، ويقصدنا العرب من كل ناحية، فلا نطيقهم. # وقوله: * (أو لم نمكن لهم حرما أمنا) أي: ذا أمن، ومن المعروف أنه يأمن ~~فيه الظباء من الذئاب، والحمام من الحدأة. PageV04P149 # * (أكثرهم لا يعلمون (57) وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم ~~لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (58) وما كان ربك مهلك القرى ~~حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ~~ظالمون (59)) * * وقوله: * (يجبي إليه ثمرات كل شئ) أي: يجمع إليه ثمرات كل ~~شئ؛ يقال: جبيت الماء في الحوض أي: جمعته. # وقوله: * (رزقا من لدنا) أي: رزقناهم رزقا من لدنا. # وقوله: * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أي: ما أقوله حق. ومعنى الآية: أنا مع ~~كفركم أمناكم في الحرم، فكيف نخوفكم إذا أسلمتم؟. # وقال مجاهد: وجد عند المقام كتاب فيه: أنا الله ذو بكة، صغتها يوم خلقت ~~الشمس والقمر، وحرمتها يوم خلقت السماوات والأرض، حففتها بسبعة أملاك ~~حنفاء، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، مبارك لها في اللحم والماء، أول من ~~يحلها أهلها. # وقد بينا من قبل، أن الرجل كان من أهل الحرم يخرج فلا يتعرض له، ويقال: ~~هؤلاء أهل الله. # قوله تعالى: * (وكم ms1222 أهلكنا من قرية) أي: من أهل قرية * (بطرت معيشتها) ~~أي: بطرت في معيشتها. وقال الفراء: أبطرتها معيشتها. # وقوله: * (فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا) أي: خربنا أكثرها. ~~ويقال: معنى القليل هاهنا أن المسافر ينزل مسكنا خرابا، فيمكث فيه يوما أو ~~بعض يوم. # وقوله: * (وكنا نحن الوارثين) قد بينا. # قوله تعالى: * (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا) أي: مكة، ~~ويقال: في أمها رسولا أي: في أكثرها من سائر الدنيا رسولا. # وقوله: * (يتلوا عليهم آياتنا) معلوم المعنى. # وقوله: * (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) أي: لم نهلك أهل قرية ~~إلا بعد أن أذنبوا. PageV04P150 # * (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير ~~وأبقى أفلا تعقلون (60) أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع ~~الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين (61) ويوم يناديهم فيقول أين ~~شركائي الذين كنتم تزعمون (62) قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين ~~أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا) * * قوله تعالى: * (وما أوتيتم من شئ ~~فمتاع الحياة الدنيا) المتاع على معنيين: أحد المعنيين: هو المتعة والمعنى ~~الآخر: ما يتأثث به. # وقوله: * (وزينتها) أي: وزينة الدنيا. # وقوله: * (وما عند الله خير وأبقى أفلا يعقلون) أي: أفلا ينظرون، ليعقلوا ~~أن الباقي خير من الفاني. # قوله تعالى: * (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه) قال السدي: هذا ورد في ~~حمزة وأبي جهل، وقال غيره: في النبي وأبي جهل. # وقوله: * (فهو لاقيه) أي: ملاقيه وصائر إليه، والوعد الحسن هو الجنة. # وقوله: * (كمن متعناه متاع الحياة الدنيا) أي: متعناه متاع الحياة ~~الدنيا، ثم مرجعه إلى النار؛ فهو معنى قوله: * (ثم هو يوم القيامة من ~~المحضرين) أي: من المحضرين النار. # وقوله تعالى: * (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) يعني: ~~أين شركائي الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي؟. # قوله تعالى: * (قال الذين حق عليهم القول) أي: وجبت عليهم كلمة العذاب. # وقوله: * (ربنا هؤلاء الذين أغوينا) أي: دعوناهم إلى الغي. # وقوله: * (أغويناهم كما غوينا) أي: أضللناهم ms1223 كما ضللنا. # وقوله: * (تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون) يعني: أنهم لم يعبدونا، ~~ولكن دعوناهم فأجابوا. PageV04P151 # * (إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ~~ماذا أجبتم المرسلين (65) فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) ~~فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) وربك يخلق ما ~~يشاء ويختار ما كان لهم) * * قوله تعالى: * (وقيل ادعوا شركاءكم) يعني قيل ~~للكفار: ادعوا شركاءكم أي: الأصنام، ومعنى قوله: * (شركاءكم) أي: شركائي في ~~زعمكم. # وقوله: * (فدعوهم فلم يستجيبوا لهم) أي: لم يجيبوا لهم. # وقوله: * (ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون) معناه: لو أنهم كانوا ~~يهتدون ما رأوا العذاب. # وقوله تعالى: * (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) أي: ينادى ~~الكفار. # وقوله: * (فعميت عليهم الأنباء يومئذ) أي: الحجج؛ فكأنهم لما لم يجدوا ~~حجة فقد عجزوا عنها. # وقوله: * (فهم لا يتساءلون) قد بينا أن هذا في بعض المواطن، ويقال: لا ~~يتساءلون سؤال التواصل والعطف، ويقال: لا يسأل بعضهم بعضا أي: لا يحمل غيره ~~ذنبه؛ لأنه لا يجد. # وقوله: * (فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين) أي: من ~~السعداء الناجحين، وفي بعض التفاسير: أن عسى واجب في جميع القرآن، إلا في ~~قوله: * (عسى ربه إن طلقكن). # قوله تعالى: * (وربك يخلق ما يشاء ويختار) أي: يخلق ما يشاء من الخلق، ~~ويختار من يشاء للنبوة. ويقال: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة حيث ~~قال لولا أنزل القرآن على رجل من القريتين عظيم، فأراد به الوليد بن ~~المغيرة نفسه وعروة بن مسعود الثقفي، والقريتين: مكة والطائف، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. PageV04P152 # * (الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم ~~وما يعلنون (69) وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله ~~الحكم وإليه ترجعون (70) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم ~~القيامة من إله غير) * * قوله: * (ما كان لهم الخيرة) يعني: أن ms1224 الاختيار ~~إليه، وليس لهم اختيار على الله، وقيل: إن الآية نزلت في ذبائحهم للأصنام، ~~وكانوا يجعلون الأسمن للأصنام، ويجعلون ما هو شر لله. # وقوله: * (سبحان الله وتعالى عما يشركون) نزه نفسه عما ينسبه إليه ~~المشركون. # قوله تعالى: * (وربك يعلم ما تكن صدورهم) أي: ما تخفى صدورهم * (وما ~~يعلنون) أي: يظهرون. # قوله تعالى: * (وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة) أي: ~~في الدنيا والآخرة. ويقال: في الأولى والآخرة أي: في الأرض والسماء. # وقوله: * (وله الحكم) أي: فصل القضاء بين العبيد. # وقوله: * (وإليه ترجعون) قد بينا. # قوله تعالى: * (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم ~~القيامة) أي: دائما. # وقوله: * (من إله غير الله يأتيكم بضياء) أي: بنهار. # وقوله: * (أفلا تسمعون) أي: أفلا تعقلون، ويقال: أفلا تسمعون سمع تفهم. # قوله تعالى: * (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا) أي: دائما، ~~وقوله: * (من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون) معناه: ~~أفلا تعلمون، فإن قال قائل: ما وجه مصلحة الليل في الدنيا، وليس في الجنة ~~ليل؟ والجواب عنه أن الدنيا لا تخلو عن تعب التكاليف والتكليفات، فلا بد له ~~من وقت يفضى فيه إلى الراحة (من التعب وأما الجنة فهو موضع التصرف في ~~الملاذ، وليس فيها تعب أصلا، PageV04P153 # * (الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون (72) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون (73) ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ~~ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون (75) إن قارون كان) * * فلا يحتاج إلى وقت يفضى فيه إلى ~~الراحة) أصلا. # قوله تعالى: * (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه) أي: ~~لتسكنوا في الليل، وقوله: * (ولتبتغوا من فضله) أي: بالنهار. # وقوله: * (ولعلكم تشكرون) أي: تشكرون نعم الله. # قوله تعالى: * (ويوم ms1225 يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) قد ~~بينا المعنى، ويجوز أن يوجد نداء بعد نداء لزيادة التقريع والتوبيخ. # قوله تعالى: * (ونزعنا من كل أمة شهيدا) أي: استخرجنا من كل أمة شاهدا ~~يشهد عليهم، والأظهر أن الشهيد على كل أمة نبيهم. # وقوله: * (فقلنا هاتوا برهانكم) أي: حجتكم وبينتكم. # وقوله: * (فعلموا أن الحق لله) أي: عجزوا عن إظهار الحجة، وعلموا أن الحق ~~لله. # وقوله: * (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي: ضل عنهم يوم القيامة ما كانوا ~~يفترون في الدنيا، ومعنى ضل: فات وذهب. # قوله تعالى: * (إن قارون) قال قتادة وابن جريح: كان ابن عم موسى لحا. ~~وقال محمد بن إسحاق: كان ابن أخي موسى غير هارون. # وقوله: * (فبغى عليهم) قال الضحاك: أي: بالشرك. وقال شهر بن حوشب: بغى ~~عليهم: زاد في ثيابه شبرا على ثياب الناس. وقال بعضهم: بغى عليهم بالتكبر ~~PageV04P154 # * (من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة ~~أولي القوة إذ) * * والعلو. ومن المعروف في التفاسير: أن قارون كان أقرأ ~~رجل من بني إسرائيل للتوراة، وكان حسن الصوت، ثم إنه نافق؛ فروى أنه قال ~~لموسى: أنت أخذت النبوة، وهارون أخذ المذبح والحبورة، فأيش لي؟ # وفي القصة: أنه أعطى امرأة بغيا من بني إسرائيل ألفي درهم، وطلب منها أن ~~تأتي نادي بني إسرائيل، وموسى فيهم، فتدعي عليه أنه زنا بها، ومنهم من قال: ~~تدعي عليه أنه دعاها إلى نفسه، فجاءت وادعت عليه ذلك. وروى أنها خافت، ~~وأخبرت أن قارون أعطاها مالا لتدعي ذلك. وفي الرواية الأولى: أنها لما ادعت ~~على موسى ذلك تغير موسى تغيرا شديدا، وقال لها: بالذي أنزل التوراة وفلق ~~البحر اصدقي، فحينئذ خافت، وذكرت الأمر على وجهه، فدعا الله تعالى موسى على ~~قارون، فسلطه الله تعالى عليه، وجعل الأرض طوعا له على ما سنذكره. # وقوله: * (وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه) فيه قولان: أحدهما: خزائنه، ~~وهو مثل قوله تعالى: * (وعنده مفاتح الغيب) أي: خزائن الغيب، والثاني: أن ~~المفاتح هو مقاليد الخزائن. وعن بعضهم: ms1226 أن كل مفتاح كان على قدر أصبع، وكان ~~يحملها ستون بغلة، وقيل: أربعون بغلة، ويقال: أربعون رجلا، وقوله * (لتنوء) ~~أي: تثقل العصبة. قال أبو عبيدة: هذا من المقلوب، وتقديره: ما إن العصبة ~~لتنوء بها. يقال: ناء فلان بكذا أي: نهض به مثقلا، ويقال معناه: لتنوء ~~بالعصبة. # وأما العصبة ففيها أقاويل: أحدها: أنهم سبعون رجلا، والآخر: أربعون رجلا، ~~وقال بعضهم: من العشرة إلى الأربعين، وقال بعضهم: ستة أو سبعة، وقال بعضهم: ~~عشرة؛ لأن إخوة يوسف قالوا: ونحن عصبة، وقد كانوا عشرة. والعصبة في اللغة ~~هم القوم الذين يتعصب بعضهم ببعض. # وقوله: * (بالعصبة أولى القوة) أي: أولى الشدة. PageV04P155 # * (قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) وابتغ فيما آتاك ~~الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا ~~تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) قال إنما أوتيته على علم ~~عندي أو لم يعلم أن الله قد) * * وقوله: * (إذ قال له قومه لا تفرح) أي: لا ~~تبطر ولا تأشر، والفرح هاهنا هو السرور بغير حق. # وقوله: * (إن الله لا يحب الفرحين) ظاهر. # قوله: * (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) قال الحسن البصري: بطلب ~~الحلال. وقال السدي: بالصدقة وصلة الرحم. وعن بعضهم قال: بالتقرب إلى الله ~~بكل وجوه التقرب. # وقوله: * (ولا تنس نصيبك من الدنيا) أي: طلب الآخرة بالذي تعمل في ~~الدنيا، ومعناه: اعمل في الدنيا لآخرتك، وقال بعضهم: ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا أي: بالاستغناء بما أحل الله عما حرم الله. وفي بعض أدعية الصالحين: ~~اللهم أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك. # وقوله: * (وأحسن كما أحسن الله إليك) أي: وأحسن بطاعة الله كما أحسن الله ~~إليك بنعمه، ويقال: وأحسن بطلب الحلال كما أحسن الله إليك بالحلال. # وقوله: * (ولا تبغ الفساد في الأرض) أي: بالمعصية، وكل من عصى الله فقد ~~طلب الفساد في الأرض. # وقوله: * (إن الله لا يحب المفسدين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (قال إنما أوتيته على علم عندي) فيه أقوال: أحدها: ms1227 إن الله ~~تعالى أعطاني هذا المال لفضل علمه عندي، والقول الثاني: أنه علم الكيمياء. ~~PageV04P156 # * (أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ~~ذنوبهم المجرمون (78) فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة ~~الدنيا يا ليت لنا) * * وفي تفسير النقاش: أن موسى - عليه السلام - علم ~~يوشع بن نون ثلث الكيمياء، وعلم قارون ثلث الكيمياء؛ وعلم هارون ثلث ~~الكيمياء؛ فكثر بذلك ماله. والقول الثالث: على علم عندي بوجوه المكاسب ~~والتصرفات. # وعن عطاء بن أبي رباح أن قارون وجد كنزا ليوسف، فكان ماله من هذا الوجه. # وقوله: * (أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه ~~قوة وأكثر جمعا) أي: للمال. # وقوله: * (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) أي: يوم القيامة، فإن قال قائل: ~~قد قال تعالى: * (فوربك لنسألنهم أجمعين) وأمثال هذا من الآيات، وهاهنا ~~قال: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) فكيف وجه التوفيق بين الآيتين؟ والجواب ~~إنا بينا أن في القيامة مواقف؛ ففي موقف يسألون، وفي موقف لا يسألون، ~~ويقال: لا يسألون سؤال استعلام، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، ويقال: لا ~~يسألون سؤال من له عذر في الجواب، وإنما يسألون على معنى إظهار قبائحهم ~~ليفتضحوا على رؤوس الجمع. # وعن قتادة قال: الكافر لا يحاسب، بل يؤمر به إلى النار من غير حساب ولا ~~سؤال. وقال بعضهم: ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون؛ لأنهم يعرفون بسيماهم، قال ~~الله تعالى، * (يعرف المجرمون بسيماهم). # قوله تعالى: * (فخرج على قومه في زينته) الزينة بهجة الدنيا ونضارتها، ~~وعن إبراهيم النخعي قال: خرج قارون وقومه في ثياب حمر وصفر. وعن مقاتل قال: ~~خرج على بغلة شهباء، عليها سرج من ذهب، وللسرج مثبرة من أرجو، ومعه أربعة ~~آلاف من الخيل عليها الفرسان، قد تزينوا بالأرجوانات، ومعه ثلاثمائة جارية ~~بيض على PageV04P157 # * (مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ~~ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80) فخسفنا به ~~وبداره ms1228 الأرض) * * البغال الشهب، عليهن من الحلى. # وعن بعضهم قال: خرج مع سبعين ألفا، عليهم المعصفرات. # وفي بعض المسانيد عن النبي قال: ' أربعة أشياء من خصال قوم قارون: جو ~~نعال السيوف، ولبس الخفاف المتلونة، والثياب الأرجوان، وكان أحدهم لا ينظر ~~إلى وجه خادمه تكبرا ' وعن عطاء قال: كان موسى يقص لبني إسرائيل ويعظهم، ~~فخرج قارون ومعه أربعة آلاف على البغال في الأرجوانات، ومر على موسى، ~~فالتفت بنو إسرائيل إليه، وشغلوا عن موسى، فشق ذلك على موسى، فأرسل إليه: ~~لم فعلت ذلك؟ فقال: فضلت بالنبوة، وفضلت بالمال، وإن شئت دعوت ودعوت. ثم إن ~~موسى دعا الله تعالى على قارون، فجعل الأرض في طاعته. # وقوله: * (قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ~~إنه لذو حظ عظيم) أي: نصيب عظيم من الدنيا. # قوله تعالى: * (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير) أي: ثواب ~~الله في الآخرة * (خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها) أي: ولا يؤتى العمل ~~الصالح إلا الصابرون، وقيل: لا يؤتى هذه الكلمة، والكلمة قوله: * (ويلكم ~~ثواب الله خير لمن أمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون). # ويقال: الصابرون هم الذين صبروا عما أوتي أعداء الله من زينة، ولم ~~يتأسفوا عليها، ولا تمنوها. PageV04P158 # قوله تعالى: * (فخسفنا به وبداره الأرض) وفي بعض التفاسير: أن قارون قال ~~لموسى: سلمنا لك النبوة، فما بال الحبورة ولهارون؟ وإذا كان لك النبوة، ~~ولهارون الحبورة فمالي؟ فقال موسى: إني لم أعطه الحبورة، ولكن الله تعالى ~~أعطاه الحبورة، فقال: لا أصدقك على ذلك حتى تريني آية، فأمر موسى حتى جمعوا ~~عصيهم، وقال: من اخضرت عصاه فالحبورة له، فاخضرت عصا هارون، وجعلت تهتز من ~~بين العصى، فقال قارون: هذا من سحرك، وليس هذا بأول سحر أتيت به، فحينئذ ~~دعا الله موسى على قارون. # وروى أنه لما واضع المرأة البغي حتى ادعت على موسى أنه زنا بها، أو دعاها ~~إلى الفاحشة، غضب موسى ودعا الله تعالى. وفي بعض القصص: أنه كان مع قارون ~~قوم كثير ms1229 من بني لاوى، فجاء موسى إليهم، وقال: إن الله بعثني إلى قارون كما ~~بعثني إلى فرعون، فمن أرادني فليعتزله، فاعتزل منه جميع قومه إلا [رجلين] ~~بقيا معه من بني أعمامه، ثم إن موسى خاطب الأرض، وقال: خذيهم، فأخذت الأرض ~~بأقدامهم، ثم قال: خذيهم، فأخذت إلى ركبهم، ثم قال: خذيهم: فأخذت إلى ~~حقوهم، ثم قال: خذيهم، فأخذت إلى أعناقهم. # وفي التفسير: أن قارون في كل ذلك يستغيث بموسى وينشده والرحم، ويقول: ~~ارحمني، ثم قال: خذيهم، فأطبقت الأرض عليهم. # قال قتادة: فهم يذهبون في الأرض كل يوم قامة إلى يوم القيامة. # وعن ابن عباس أن الله تعالى قال لموسى: ما أقسى قلبك؛ استغاث بك عبدي، ~~فلم تغثه، ولو استغاث بي مرة لأغثته. # وفي بعض الآثار: لا أجعل الأرض بعدك طوعا لأحد. # وذكر أبو الحسين بن فارس في تفسيره: أن الأرض لما أخذت قارون إلى عنقه ~~نزع موسى نعليه، وضرب بهما وجهه، وقال: اذهبوا بني لاوى، وأطبقت بهم الأرض. ~~PageV04P159 # * (فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (81) ~~وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ويقدر لولا أن) * * وذكر أيضا أن يونس بن متى لقيه في ظلمات الأرض ~~حين يطوف به الحوت، فقال له قارون: يا يونس، تب إلى الله تجد الله تعالى في ~~أول قدم ترجع إليه، فقال له يونس: فأنت لم لا تتوب؟ فقال: جعلت توبتي إلى ~~ابن عمي. # وقوله: * (وبداره الأرض) روى أن بني إسرائيل قالوا: إنما أهلك موسى قارون ~~ليأخذ أمواله، وكانت أراضي دوره من فضة، وأثاث الحيطان من ذهب، فأمر موسى ~~الأرض حتى أحضرت دوره، ثم أمرها حتى خسفت بها، فانقطع الكلام. # وقوله: * (فما كان له من فئة) أي: من جماعة * (ينصرونه) أي: يمنعونه * ~~(من دون الله). # وقوله: * (وما كان من المنتصرين) أي: من الممتنعين، ومعناه: لم يكن يمنع ~~نفسه، ولا يمنعه أحد من عذاب الله. # قوله تعالى: * (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس) يعني: أن يكونوا مكانه، ms1230 ~~وفي منزلته. # وقوله: * (يقولون ويكأن الله) وقوله: * (ويكأن) فيه أقوال: قال الفراء: ~~ويكأن عند العرب تقرير، ومعناه: ألم تر أنه؛ وحكى الفراء أن أعرابية قالت ~~لزوجها: أين ابنك؟ فقال لها: ويكأنه وراء البيت، ومعناه: أما ترينه وراء ~~البيت. # وقال بعضهم ويكأنه: معنى ' ويك ' أي: ويلك، وحذفت اللام، وقوله: * (أنه) ~~كلمة تندم، كأن القوم لما رأوا تلك الحالة تندموا على ما تمنوا، ثم قالوا: ~~كان الله يبسط الرزق لمن يشاء أي: أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي: ~~يوسع ويضيق. وأنشدوا فيما قلنا من المعاني: # (سالتان الطلاق أن رأتاني * قل مالي قد جئتماني بنكر) PageV04P160 # * (من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (82) تلك الدار ~~الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ~~(83) من جاء بالحسنة) * * (وى كأن من يكن له نشب يحبب * ومن يفتقر يعيش عيش ~~ضر) وأنشدوا أيضا قول عنترة في أن ويك بمعنى ويلك: # (ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها * قول الفوارس ويك عنتر أقدم) ومن المعروف في ~~التفاسير عن العلماء المتقدمين: ويكأن الله: ألم تر أن الله، وحكى مثل هذا ~~عن أبي عبيدة. # وقوله: * (لولا أن من الله علينا لخسف بنا) أي: لولا أن أنعم الله علينا ~~لخسف بنا مثل ما خسف بقارون. # وقوله: * (ويكأنه لا يفلح الكافرون) قد بينا. # قوله تعالى: * (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض) ~~أي: استكبارا، وأصل التكبر هو الشرك بالله، قال الله تعالى: * (إنهم كانوا ~~إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) ومن التكبر الاستطالة على الناس ~~واستحقارهم، والتهاون بهم، ويقال إرادة العلو هو ترك التواضع. # وقيل: * (لا يريدون علوا في الأرض) معناه: لا يجزعون من ذلها، ولا ~~ينافسون في عزها. # وقوله: * (ولا فسادا) أي: العمل بالمعاصي، وقال عكرمة: هو أخذ مال الناس ~~بغير حق. # وقوله: * (والعاقبة للمتقين) أي: الجنة للمتقين، وقيل: العاقبة الحسنة ~~للمتقين، وروى زاذان عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يمشي ويدور في ~~الأسواق، يعين الضعيف، وينصر المظلوم، ويمر ms1231 بالبقال والبياع فيفتح عليه ~~القرآن، ويقرأ: * (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في ~~الأرض..) الآية. # وعنه أيضا أنه قال: من أعجبه شسع نعله على شسع أخيه، فهو ممن يريد العلو ~~في PageV04P161 # * (فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما ~~كانوا يعملون (84) إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من ~~جاء بالهدى ومن) * * الأرض. # قوله تعالى: * (من جاء بالحسنة فله خير منها) ظاهر المعنى. # * (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات) أي: المعاصي * (إلا ما ~~كانوا يعملون) وعن عبد الله بن عبيد بن عمير أنه قال: ما أحسن الحسنات عقيب ~~السيئات، وما أقبح السيئات عقيب الحسنات، وأحسن الحسنات الحسنات عقيب ~~الحسنات، وأقبح السيئات السيئات عقيب السيئات). # ومن المعروف عن النبي أنه أوصى معاذا - رضي الله عنه - فقال: ' اتق الله ~~حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن '. # قوله تعالى: * (إن الذي فرض عليك القرآن) ويقال: فرض عليك أي: أوجب عليك ~~العمل به. # وقوله: * (لرادك إلى معاد) الأكثرون على أن المراد منه: إلى مكة، وقالوا: ~~هذه الآية نزلت على رسول الله وهو بالجحفة، والجحفة منزل من المنازل بين ~~مكة والمدينة. # فالآية ليست بمكية ولا مدنية، وفي بعض التفاسير: ' أن النبي لما هاجر من ~~مكة إلى المدينة سار في غير الطريق خوفا من الطلب، ثم إنه لما أمن عاد إلى ~~الطريق، فوصل إلى الجحفة، ورأى الطريق الشارع إلى مكة فاشتاق إليها، فجاء ~~جبريل عليه السلام فقال: إن ربك يقول: وتشتاق إلى مكة وتحن إليها؟ فال: ~~نعم، إنها أرضي ومولدي، فقال: إن ربك يقول: * (إن الذي فرض عليكم القرآن ~~لرادك إلى معاد) يعني: رادك إلى مكة ظاهرا على أهلها '. PageV04P162 # * (هو في ضلال مبين (85) وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ~~ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت ~~إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر ms1232 لا ~~إله إلا هو كل شئ) * * وفي الآية قول آخر، وهو أن معنى قوله: * (لرادك إلى ~~معاد) أي: إلى يوم القيامة، ويقال: إلى الجنة. # وروى عن علي - رضي الله عنه - كان يمدح جابر بن عبد الله ويذكره بالخير، ~~فسئل عن ذلك، فقال: إنه يحشر معي. قوله تعالى: * (إن الذي فرض عليك القرآن ~~لرادك إلى معاد) وقوله: * (قل ربي أعلم من جاء بالهدى) يعني: يعلم من جاء ~~بالهدى، وأنا الذي جئت بالهدى. # وقوله: * (ومن هو في ضلال مبين) أي: ويعلم من هو في ضلال مبين أي: ~~الكفار. # قوله تعالى: * (وما كنت ترجو) أي: تأمل * (أن يلقى إليك الكتاب) أي: يوحي ~~إليك القرآن. # وقوله: * (إلا رحمة من ربك) هذا استثناء منقطع، ومعناه: لكن ربك رحمك ~~فأعطاك القرآن. # وقوله: * (فلا تكونن ظهيرا) أي: معينا * (للكافرين). # قوله تعالى: * (ولا يصدنك عن آيات الله) يعني: لا يمنعك الكفار عن اتباع ~~سبيل الله، وقال بعضهم معناه: اشدد على الكفار، واغلظ عليهم، ولا تتساهل ~~حتى يطمعوا في صدك عن سبيل الله. # وقوله: * (بعد إذ أنزلت إليك) أي: بعد إذ أنزلت إليك الآيات المبينة ~~للسبيل. # وقوله: * (وادع إلى ربك) أي: إلى دين ربك. # وقوله: * (ولا تكونن من المشركين) أي: أثبت على التوحيد. # قوله تعالى: * (ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو) أي: لا إله ~~غيره. PageV04P163 # * (هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88)) * * وقوله: * (كل شئ هالك ~~إلا وجهه) قال سفيان الثوري: إلا ما أريد به وجهه ورضاه من العمل. # ويقال: * (إلا وجهه) أي: إلا هو. # وعن سفيان بن عيينة قال: كل ما وصف الله به نفسه في الكتاب فتفسيره ~~قراءته، لا تفسير له غيره. وقد ذكر الله تعالى (الوجه في أحد عشر موضعا من ~~القرآن، قد بينا أنه صفة من صفات الله، يؤمن به على ما ذكره الله تعالى). # وأنشدوا في الوجه بمعنى التوجه وطلب رضاه قول الشاعر: # (استغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل) أي: التوجه. # وقوله: * (وله الحكم) أي: فصل ms1233 القضاء. # وحكمه أن يبعث قوما إلى الجنة، وقوما إلى النار، ومن حكمه أيضا أن يبيض ~~وجوه قوم، ويسود وجوه قوم، ويثقل موازين قوم، ويخفف موازين قوم، وأمثال ~~هذا، وهذا في الآخرة، وأما في الدنيا فتنفيذ القضايا والأحكام على ما علم ~~وأراد. # وقوله: * (وإليه ترجعون) يعني: في الآخرة. PageV04P164 # بسم الله الرحمن الرحيم * (ألم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا) * * تفسير سورة العنكبوت وهي مكية في قول ~~عطاء والحسن، ومدنية في أحد قولي ابن عباس، وعنه في رواية أخرى أنها مكية، ~~فبعضها نزل بالمدينة وبعضها نزل بمكة، وعن الشعبي أنها مكية إلا عشر آيات ~~من أولها مدنية. # وعن علي أنه قال: نزلت بين مكة والمدينة. وهذه رواية غريبة. # قوله تعالى: * (ألم) قد بينا معناه. # وقوله: * (أحسب الناس) الحسبان والظن قريبان، وهو تغليب أحد النقيضين على ~~الآخر، والشك وقف بين نقيضين، والعلم قطع بوجود أحدهما. # وقوله: * (أن يتركوا أن يقولوا آمنا) معناه: أظنوا أن يقنع منهم بأن ~~يقولوا آمنا، وقوله: * (وهم لا يفتنون) أي: لا يبتلون. قال مجاهد: لا ~~يبتلون في أموالهم وأنفسهم. ويقال معناه: لا يؤمرون ولا ينهون، وابتلاء ~~الله عباده بالأمر والنهي. # وقال بعضهم: إن الله تعالى أمر الناس أولا بمجرد الإيمان، ثم إنه فرض ~~عليهم الصلاة والزكاة وسائر الشرائع فشق عليهم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وعن الشعبي وغيره أنه قال: لما هاجر أصحاب رسول الله بقي قوم بمكة ~~ممن آمنوا ولم يهاجروا؛ فكتب (إليهم) من هاجر أن الله الله تعالى لا يقبل ~~أيمانكم حتى تهاجروا، فهاجروا، فتبعهم قوم من المشركين وآذوهم، (فقتل من) ~~قتل، وتخلص، من تخلص فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعن بعضهم: أن الآية نزلت ~~في عياش بن أبي ربيعة، وكان قد هاجر إلى المدينة، فجاء أخواه لأمه أبو جهل ~~والحارث ابنا هشام، وقالا له: إن أمنا قد عاهدت إن لم ترجع لا تأكل ولا ~~تشرب، ولا يأويها سقف بيت؛ وإن محمدا يأمر بالبر، فارجع معنا فرجع معهما، ~~فلما كان في ms1234 بعض الطريق غدراه وأوثقاه وحملاه إلى PageV04P165 # * (الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) أم حسب ~~الذين) * * مكة، وجلده كل واحد منهما مائة سوط، ثم لما وصل إلى أمه جعلت ~~تضربه بالسياط حتى رجع عن دينه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقد حسن ~~إسلامه بعد ذلك. # ومن المشهور الثابت: ' أن النبي كان يدعو في القنوت فيقول: ' اللهم، انج ~~سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد والمستضعفين بمكة، ~~واشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف. فدعا (هكذا) شهرا ثم ~~ترك، فقيل له في ذلك، فقال: ألا تراهم قد قدموا '. # قوله تعالى: * (ولقد فتنا الذين من قبلهم) أي: ابتلينا الذين من قبلهم، ~~يعني الأنبياء والمؤمنين، ويقال: ابتلينا بني إسرائيل بفرعون، وكذلك ~~ابتلينا كل نبي بعدو له. وقد ثبت أن النبي قال: حين شكا إليه أصحابه ما ~~يلقون من الكفار: ' إنكم تعجلون، وقد كان فيمن قبلكم ينشر بالمناشير فما ~~يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله أمره '. # وقوله: * ([فليعلمن] الله الذين صدقوا) يعني: نبتليهم ابتلاء من يستعلم ~~حالهم، ويقال: وليعلمن الله الذين صدقوا أي: علم الشيء واقعا، وهو الذي ~~يجازي عليه، وقيل: فليعلمن الله الذين صدقوا أي: فليظهرن الله الصادقين من ~~الكاذبين. # وقوله: * ([وليعلمن] الكاذبين) قد ذكرنا. # قوله تعالى: * (أم حسب الذين يعملون السيئات) والسيئة: كل خصلة تسوء ~~عاقبتها، والحسنة: كل خصلة تسر عاقبتها. PageV04P166 # * (يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) من كان يرجو لقاء الله ~~فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن ~~الله لغني عن العالمين (6) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم ~~سيئاتهم ولنجزينهم) * * وقوله: * (أن يسبقونا) أن يفوتونا، ومن سبق شيئا ~~فقد فاته، وقوله: * (ساء ما يحكمون) أي: بئس الحكم حكمهم). # قوله تعالى: * (من كان يرجو لقاء الله) قال الزجاج: يخشى لقاء الله. وقال ~~غيره: يأمل لقاء الله، وقيل: لقاء الله هو لقاء جزائه، ويقال: لقاء الله هو ~~الرجوع إليه يوم القيامة. # وقوله: * (فإن أجل الله لآت) معناه: إن وعد ms1235 الله لآت، والأجل هو الوعد ~~المضروب، ومعنى الآية: أن من يخشى أو يأمل فليستعد. وقد روى مكحول: ' أن ~~النبي قال لما نزلت هذه الآية لعلي وفاطمة: يا علي، ويا فاطمة، قد أنزل ~~الله تعالى قوله: * (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) فاستعدوا '. ~~والخبر غريب. # وقوله: * (وهو السميع العليم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه) الجهاد هو الصبر على الشدة، ~~ثم قد يكون الصبر على الشدة في الحرب على ما أمر به الشرع، وقد يكون الصبر ~~على الشدة في مخالفة النفس بأي معنى كان. # وقوله: * (فإنما يجاهد لنفسه) أي: منفعة ذلك راجعة إليه. # وقوله: * (إن الله لغني عن العالمين) أي: لا يعود إليه ضر ولا نفع في ~~طاعة ولا معصية. # قوله تعالى: * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرون عنهم سيئاتهم) ~~التكفير إذهاب السيئة بالحسنة، وهو معنى قوله تعالى: * (إن الحسنات يذهبن ~~السيئات) PageV04P167 # * (أحسن الذين كانوا يعلمون (7) ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك ~~لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ~~(8)) * * والإحباط هو إذهاب الحسنة بالسيئة. # وقوله: * (ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعلمون) هذا هو معنى قوله تعالى: * ~~(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ومعناه: ويعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن. # قوله تعالى: * (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) معناه: يفعل حسنا، وقرئ: ' ~~إحسانا ' أي: يحسن إحسانا. # وقوله: * (وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) أي: فلا ~~تطعهما في معصيتي، ومن المعروف عن النبي أنه قال ' لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق '. # وقوله: * (ما ليس لك به علم) إنما قال هذا؛ لأن الشرك كله عن جهل، فإن ~~العالم لا يشرك بالله. # وقوله: * (إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) ظاهر المعنى. # أكثر المفسرين (أن) الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك أبو ~~إسحاق الزهري، وأمه حمنة من بني أمية. فروى أنه لما أسلم - وقد كان من ~~السابقين PageV04P168 # * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) ومن الناس من ms1236 ~~يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر ~~من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين (10) ~~وليعلمن الله الذين آمنوا) * * الأولين في الإسلام - فكان بارا بأمه، فلما ~~سمعت أمه بذلك دعته، وقالت له: ما هذا الدين الذي أحدثته؟ والله لا آكل ولا ~~أشرب حتى ترجع عن دينك أو أموت، فتعير بذلك أبد الدهر، ثم إنها مكثت يوما ~~وليلة لم تأكل، فجهدت جهدا شديدا، ثم مكثت يوما وليله أخرى لم تأكل ولم ~~تشرب، فجاء سعد إليها، وقال: يا أماه، لو كان لك مائة نفس فخرجت، لم أرجع ~~عن ديني، فلما أيست منه أكلت وشربت، وأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره ~~بالبر بوالديه، ونهاه أن يشرك طاعة لهما. وقيل: الآية عامة. # قوله تعالى: * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين) أي: ~~في زمرة الصالحين. # قوله تعالى: * (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله) أي: جزع من عذاب الناس كما (يجزع] من عذاب الله. # وقوله: * (ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم) الآية في القوم ~~الذين تخلفوا بمكة ممن أسلموا، فلما آذاهم المشركون لم يصبروا، وأعطوهم ما ~~طلبوا. # وقوله: * (نصر من ربك) أي: فتح من ربك ودولة للمؤمنين. # وقوله: * (ليقولن إنا كنا معكم) يعني: كنا مسلمين، وإنما أكرهنا حتى قلنا ~~ما قلنا. # وقوله: * (أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين) أي: يعلم ما في ~~صدورهم، فيميز صدقهم من كذبهم. # قوله تعالى: * (وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين) قد بينا، ~~ويقال: PageV04P169 # * (وليعلمن المنافقين (11) وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ~~ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون (12) وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون (13) ~~ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) * * آمنوا أي: وفوا بما عهدوا، وحققوا أقوالهم ~~بأفعالهم، وأما المنافقون خالفوا أقوالهم بأفعالهم. # قوله تعالى: * (وقال الذين كفروا للذين آمنوا) روى أن أبا سفيان وذويه ms1237 ~~قالوا للذين أسلموا: اتبعوا سبيلنا أي: الطريق الذي نحن عليه. # وقوله: * (ولنحمل خطاياكم) أي: ونحن نحمل خطاياكم إن خفتم من عقوبته، ~~فنحن كفلا بكم، ونتحمل عنكم العقوبة. # وقوله: * (وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون) يعني: في ضمان ~~تحمل الخطايا. # قوله تعالى: * (وليحملن أثقالهم) أي: أوزارهم، والأوزار: الذنوب. # وقوله: * (وأثقالا مع أثقالهم) أي: أوزارا مع أوزارهم. # فإن قيل: كيف يستقيم هذا، والله تعالى قال في آية أخرى: * (ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى)؟ والجواب عنه: أن معنى قوله: * (وأثقالا مع أثقالهم) أي: إثم ~~دعائهم إلى ترك الإيمان، ويقال: إن الأشراف فيهم [يحملون] ذنوب الأتباع؛ ~~لأنهم سنوا لهم الضلالة ودعوهم إليها. وقد روى عن النبي أنه قال: ' من دعا ~~إلى ضلالة فاتبع عليها، فعليه وزر من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شئ ~~'. # وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي أنه قال: ' يؤتى بعبد يوم القيامة وقد ~~ظلم هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، فتؤخذ حسناته ويعطون، فيقال: يا رب، قد ~~بقي PageV04P170 # * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (14) ~~فأنجيناه) * * عليه سيئات، ولم تبق له حسنات، فيقول الله تعالى: احملوا ~~ذنوبهم عليه، ثم تلا قوله تعالى: * (وليحملن أثقالهم) الآية. # وقوله تعالى: * (وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون) أي: يكذبون. # قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) روى أنس أن النبي قال: ' إن ~~نوحا أول نبي بعث إلى أهل الأرض '. # وقوله: * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) روى عن ابن عباس أنه قال: ~~بعث نوح وهو ابن أربعين سنة، ومكث بعد خروجه من السفينة ستين سنة، [وتوفاه] ~~الله تعالى وهو ابن ألف وخمسين سنة، وفي رواية: أن عمر نوح كان ألف ~~وأربعمائة [وخمسين] [سنة]، بعث وهو ابن مائتي وخمسين سنة، وقد قيل غير هذا، ~~والله أعلم. # وروى أن ملك الموت لما جاء إلى نوح ليقبض روحه قال: يا أطول الأنبياء ~~عمرا، كيف وجدت الدنيا؟ وكان له دار لها بابان، فدخل من أحدهما وخرج من ~~الآخر، وقال: ms1238 هكذا وجدت. PageV04P171 # * (وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين (15) وإبراهيم إذ قال لقومه ~~اعبدوا الله) * * وروى أنه كان له بيت من شعر، وكان [يقال] له: لو بنيت ~~بيتا من طين، فكان يقول: أموت غدا، أو أموت بعد غد. فخرج من الدنيا على ~~ذلك، ولم يبن بيتا. فإن قيل: قوله: * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) ~~أيش فائدة الاستثناء في هذه الآية؟. # وهلا قال: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما؟ والجواب عنه: أن فائدة ~~الاستثناء هو التأكيد؛ فإن العرب إذا قالت: جاءني اخوتك، يجوز أن تريد به ~~جميع الاخوة، ويجوز أن تريد به الأكثر، فإذا قال: جاءني اخوتك إلا زيدا ~~فتعلم قطعا أنه جاء كل الاخوة إلا زيدا، فقد أفاد الاستثناء التأكيد من هذا ~~الوجه، وقد قال بعضهم: قد كان الله تعالى جعل عمر نوح ألف سنة، فاستوهب بعض ~~بنيه منه خمسين عاما فوهبها له، ثم لما لما بلغ الأجل طلب تمام الألف فلم ~~يعط، فذكر الله تعالى بلفظ الاستثناء ليدل على أن النقص كان من قبله، وهذا ~~قول غريب. # وقوله: * (فأخذهم الطوفان) الطوفان: كل شئ كثير يطيف بالجماعة مثل: غرق، ~~أو موت، أو غير ذلك. قال الراجز: # (أفناهم طوفان موت جارف *) وقوله: * (وهم ظالمون) أي: مشركون. # قوله تعالى: * (فأنجيناه وأصحاب السفينة) قد بينا عدد من كان في السفينة. # وقوله: * (وجعلناها آية للعالمين) أي: جعلنا عقوبتنا إياها بالغرق آية ~~للعالمين، ويقال: جعلنا السفينة آية للعالمين، فإنها كانت ملقاه على الجودى ~~مدة (مديدة). # قوله تعالى: * (وإبراهيم) معناه: وأرسلنا إبراهيم * (إذ قال لقومه اعبدوا ~~الله واتقوه) أي: أطيعوا الله واحذروا معصيته. PageV04P172 # * (واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (16) إنما تعبدون من دون الله ~~أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ~~فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (17) وإن تكذبون ~~فقد كذب أمم من قبلكم) وقوله: * (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) أي: عبادة ~~الله وتقواه خير لكم إن كنتم تعلمون، وقد قيل: إن قوله: * (اعبدوا الله) ~~أي: ms1239 وحدوا الله، وكل عبادة في القرآن بمعنى التوحيد. # قوله تعالى: * (إنما تعبدون من دون الله أوثانا) أي: أصناما. # وقوله: * (وتخلقون إفكا) أي: وتصنعون كذبا، وقال قتادة: تخلقون إفكا؛ أي: ~~أصناما. وسمى الأصنام إفكا لأنهم سموها آلهة. فإن قيل: قد قال: * (وتخلقون) ~~وقال في موضع آخر: * (هل من خالق غير الله) أي: لا خالق غير الله، فكيف وجه ~~التوفيق بين الآيتين؟ والجواب عنه: أن الخلق بمعنى التقدير هاهنا، قال ~~الشاعر: # (ولأنت تفرى ما خلقت * وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى.) ويقال: وتخلقون إفكا ~~أي: تنحتون الأصنام بأيديكم وتعبدونها. وحكى أن بنى حنيفة اتخذوا صنما من ~~الخيس - وهو التمر مع السمن - ثم إنه أصابتهم مجاعة فأكلوه، قال الشاعر: # (أكلت حنيفة ربها * زمن التفحم والمجاعة) (لم يحذروا من ربهم * سوء ~~العواقب والتباعة) قوله تعالى: * (إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون ~~لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق) أي: فاطلبوا عند الله الرزق. # وقوله: * (واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم) وهم مثل، عاد، وثمود، ~~PageV04P173 # * (وما على الرسول إلا البلاغ المبين (18) أو لم يروا كيف يبدي الله ~~الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف ~~بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20) يعذب ~~من يشاء ويرحم من يشاء وإليه) * * وقوم لوط، وغيرهم. # وقوله: * (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) معناه: إلا الإبلاغ الواضح. # قوله تعالى: * (أو لم يروا كيف يبدي الله الخلق ثم يعيده) فإن قيل: أيش ~~معنى قوله: * (أو لم يروا) وهم لم يروا إعادة الخلق؟ والجواب عنه: أن قوله: ~~* (أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق) قد تم الكلام، وقد كانوا يقرون بهذا، ~~(وقوله): * (ثم يعيده) ابتداء كلام. ومنهم من قال: أو لم يروا كيف يبدئ ~~الله الخلق بإنشاء النهار، ثم يعيد بإدخال الليل وإعادة النهار بعده. حكوه ~~عن الربيع بن أنس. ومنهم من قال: أو لم يروا كيف يبدئ ms1240 الله الخلق بالإحياء ~~ثم يعيدهم بالإماتة وجعلهم ترابا كما كانوا. # وقوله: * (إن ذلك على الله يسير) أي: هين. # قوله تعالى: * (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) أي: خلق الخلق. # وقوله: * (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة) وقرئ: ' النشاءة الآخرة '، وهما ~~بمعنى واحد كقولهم: رأفة ورآفة. # وقوله: * (إن الله على كل شئ قدير) أي: على النشأة الأولى والنشأة ~~الآخرة. # قوله تعالى: * (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء) ظاهر المعنى. وعن بعضهم: ~~يعذب من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة. وقيل: يعذب من يشاء بسوء ~~الخلق، ويرحم من يشاء بحسن الخلق، ويقال: يعذب من يشاء ببعض الناس له، ~~ويرحم من يشاء بمحبة الناس له. PageV04P174 # * (تقلبون (21) وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير (22) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من ~~رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم (23) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو ~~حرقوه فأنجاه الله من) * * ويقال: يعذب من يشاء بقبول البدعة، ويرحم من ~~يشاء بملازمة السنة. # وقوله: * (وإليه تقلبون) أي: تردون. # قوله تعالى: * (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء) (أي: بمعجز ~~الله عن عذابكم، ومعناه: أنكم لا تفوتونه كما يفوت عن الإنسان ما يعجز، فإن ~~قيل: قد قال: * (ولا في السماء) والخطاب مع الآدميين، وليسوا في السماء، ~~فكيف يستقيم هذا الكلام؟ والجواب من وجهين: أحدهما: وما أنتم بمعجزين في ~~الأرض، ولا في السماء معجز. قال الفراء: وهذا من غامض العربية. قال حسان بن ~~ثابت شعرا: # (ومن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء) أي: ومن يمدحه وينصره ~~منكم سواء، والجواب الثاني: أن معنى قوله: * (ولا في السماء) أي: لو كنتم ~~في السماء لم تعجزوه أيضا كالرجل يقول: ما أنت هاهنا بمعجزي ولا بالبصرة ~~أي: ولو كنت بالبصرة لم تعجزني أيضا. # وقوله: * (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) أي: من وال ولا مانع. # قوله تعالى: * (والذين كفروا بآيات الله ولقائه) قال قتادة: ذم الله ms1241 ~~أقواما هانوا عليه، فقال: * (أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم) ~~أي: موجع مؤلم. # قوله تعالى: * (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا) اعلم أن الآيات التي ~~تقدمت معترضة من قصة إبراهيم ودعائه قومه إلى الله وجوابهم له، وتلك الآيات ~~في النبي وحجاجه مع المشركين، ثم وقع العود في هذه الآية إلى جواب قوم ~~إبراهيم له. PageV04P175 # * (النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله ~~أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25) فآين له لوط وقال إني ~~مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ~~ذريته النبوة والكتاب) * * وقوله: * (إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه ~~الله من لنار) قال مجاهد: حرقت النار وثاقه ولم تحرقه. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) أي: يصدقون. # قوله تعالى: * (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا) أي: أصناما، وقوله: ~~* (مودة بينكم) أي: هي مودة (بينكم)، أو تلك مودة بينكم في الحياة الدنيا، ~~ومعناه: أن تواخيكم وتوادكم في الدنيا خاصة، وينقطع إذا جاءت الآخرة، وقيل: ~~إن كل خلة تنقطع يوم القيامة إلا خلة المتقين. وقرئ: ' مودة بينكم ' بالنصب ~~بإيقاع الفعل عليه أي: اتخذتموها للمودة، وقرئ على غير هذا، والمعاني ~~متقاربة. # وقوله: * (ثم يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) ومعنى ~~الجمع: هو وقوع التبرؤ بين القادة والأتباع. # وقوله: * (ومأواكم النار وما لكم من ناصرين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فآمن له لوط) وقد تقام اللام مقام الباء. # وقوله: * (وقال إني مهاجر إلى ربي) أي: متوجه إلى ربي أطلب رضاه. وقد ~~بينا أن هجرته كانت من كوثى إلى الشام، وكوثى قرية من سواد الكوفة. وفي ~~القصة: أنه هاجر بعد أن مضت [خمس] وسبعون سنة من عمره؛ وهاجر معه لوط ~~وسارة. # وقوله: * (إنه هو العزيز الحكيم) أي: الغالب في أمره * (الحكيم) في ~~تدبيره. PageV04P176 # * (وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ms1242 الصالحين (27) ولوطا إذ ~~قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (28) أئنكم ~~لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه ~~إلا أن قالوا أئتنا) * * قوله تعالى: * (ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ~~ذريته النبوة والكتاب) يقال: إن الله تعالى لم يبعث نبيا بعد إبراهيم إلا ~~من نسله، فإن قيل: كيف لم يذكر إسماعيل، وذكر إسحاق ويعقوب، وقد كان ~~إسماعيل نبيا مثل إسحاق؟ قلنا: قد دخل إسماعيل في قوله: * (وجعلنا في ذريته ~~النبوة والكتاب) وأيضا فإن الله تعالى يذكر البعض، ويترك البعض اختصارا ~~وإيجازا، وإن كان المعنى في الكل واحد. # وقوله: * (وآتينا أجره في الدنيا) أي: الثناء الحسن. # وقال قتادة: هو قبول كل أهل الأديان له ورضاهم به. وقال السدى: هو الولد ~~الصالح. وقيل: هو أنه أري مكانه في الجنة، وقيل: إنه جعل الأنبياء من ~~أولاده. # وقوله: * (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) أي: في زمرة الصالحين. # قوله تعالى: * (ولوطا إذا قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين) في التفسير: أنه لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط، قوله ~~تعالى: * (أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل) أي: لتأتون الرجال ~~بالفاحشة، وتقطعون السبيل: فيه قولان: أحدهما: تقطعون سبيل النسل بإيثار ~~الرجال على النساء. # والقول الثاني: وتقطعون السبيل أي: الطريق، وكانوا يأخذون الغرباء ~~والمسافرين ويرتكبون منهم الفاحشة. # وقوله: * (وتأتون في ناديكم المنكر) النادي هو المجلس، وأما المنكر الذي ~~أتوا به ففيه أقوال: أحدهما: هو ارتكاب الفاحشة من الرجال في مجالسهم، قاله ~~مجاهد. # وعن عائشة قالت: كانوا يتضارطون فيما بينهم. وعن عبد الله بن سلام: كان ~~بعضهم يبزق على بعض. وفي بعض الأخبار مسندا إلى النبي: ' أنهم كانوا ~~PageV04P177 # * (بعذاب الله إن كنت من الصادقين (29) قال رب انصرني على القوم المفسدين ~~(30) ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته) * * يجلسون على الطريق، ويخذفون ms1243 الناس ويسخرون منهم '. # وعن بعضهم هو لصفير والرمي بالجلاهق، واللعب بالحمام، وبالشرك في الطريق، ~~وحل الإزار. # وقوله: * (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~لصادقين) أي: فيما تقوله قوله: * (قال رب انصرني على القوم المفسدين) ~~وفسادهم كما بينا. # قوله تعالى: * (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) قد بينا معنى البشرى في ~~سورة هود. # وقوله: * (إنا مهلكوا أهل هذه القرى) أي: سدوم، وفي القصة: أنهم كانوا ~~يجلسون وبين يدي كل واحد منهم قعب فيه حصى فإذا مر بهم إنسان خذفه كل واحد ~~منهم بحصاة، فمن أصابه كان أولى به، فكان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاث ~~دراهم، ولهم قاض يقضي بذلك. # وقوله: * (إن أهلها كانوا ظالمين) قد بينا ظلمهم. # قوله تعالى: * (قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها) أي: قالت ~~الملائكة نحن أعلم بمن فيها. # وقوله: * (لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) أي: الباقين في ~~العذاب. PageV04P178 # * (كانت من الغابرين (32) ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا ~~وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) ~~إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) ولقد ~~تركنا منها آية بينة) * * قوله تعالى: * (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم) ~~أي: سئ بالملائكة، ومعناه: أنه ساءه مجيء الملائكة أضيافا لما علم من خبث ~~قومه. # وقوله: * (وضاق بهم ذرعا) أي: ضاق ذرعا بمجيئهم. يقال: ضاق فلان ذرعا ~~بكذا إذا كرهه. # وقوله: * (قالوا لا تخف ولا تحزن) لا تخف من قومك علينا، ولا تحزن ~~بإهلاكنا إياهم. # وقوله: * (إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين) أي: الباقين في ~~العذاب. # قوله تعالى: * (إنا منزلون على أهل هذه القرية) أي: سدوم. # وقوله: * (رجزا من السماء) أي: عذابا من السماء. # وقوله: * (بما كان يفسقون) أي: يعصون. # قوله: * (ولقد تركنا منها آية بينة) أي: من قريات قوم لوط. # قال قتادة: الآية البينة (هي [الأحجار] التي أهلكوا بها، وقد كان قد بقي ms1244 ~~بعضها حتى أدركته أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: الآية البينة): ظهور الماء ~~الأسود من قراهم. # وقوله: * (لقوم يعقلون) أي: يتدبرون الآيات تدبر ذوي العقول. PageV04P179 # * (لقوم يعقلون (35) وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله ~~وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين (37) وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين ~~لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقارون وفرعون ~~وهامان ولقد جاءهم) * * قوله تعالى: * (وإلى مدين أخاهم شعيبا) معناه: ~~وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا. # وقوله: * (فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر) أي: وخشوا اليوم ~~الآخر، ويقال: الرجاء على حقيقته، وهو الأمل. # وقوله: * (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) أي: لا تفسدوا في الأرض. [والعيث] ~~أشد الفساد. # وقوله تعالى: * (فكذبوه فأخذتهم الرجفة) الرجفة: زعزعة تؤدي إلى الهلاك. # وقوله: * (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) أي: ميتين، وقيل: خامدين. # قوله تعالى: * (وعادا وثمود) أي: وأهلكنا عادا وثمود. # وقوله: * (وقد تبين لكم من مساكنهم) أي: المنازل التي سكنوها. # وقوله: * (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل) أي: صدهم عن سبيل ~~الحق. # وقوله: * (وكانوا مستبصرين) أي: ارتكبوا ما ارتكبوا وقد علموا أن عاقبة ~~أمرهم بوار. # قوله تعالى: * (وقارون وفرعون وهامان) أي: وأهلكنا قارون وفرعون وهامان. ~~وفي تفسير النقاش: أن فرعون كان يبيع البطيخ في ابتداء أمره، وهامان كان ~~طيانا. PageV04P180 # * (موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا ~~بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به ~~الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40) ~~مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو) * * وقوله: * (ولقد جاءهم موسى بالبينات) أي: ~~بالدلالات. # قوله: * (فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين) أي: فائتين عن عذابنا، ~~كالسابق على الشيء فيكون قد فاته. # قوله تعالى: * (فكلا أخذنا بذنبه) أي: أخذنا كل هؤلاء بذنبهم. # وقوله: * (فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا) الحاصب هي الريح التي ms1245 تحمل ~~الحصباء، والحصباء: الحصى (الصغار)، والذين أهلكوا بالحصباء قوم لوط. # وقوله: * (ومنهم من أخذته الصيحة) يعني: قوم صالح، وهم ثمود. # وقوله: * (ومنهم من خسفنا به الأرض) أي: قارون. # وقوله: * (ومنهم من أغرقنا) أي: قوم نوح وقوم فرعون. # وقوله: * ([وما] كان الله ليظلمهم) أي: ما ظلمهم الله * (ولكن هم اللذين ~~ظلموا أنفسهم). # قوله تعالى: * (مثل الذين اتخذوا من دون الله) المثل: كلام سائر يتضمن ~~تشبيه حال الآخر بالأول. # وقوله: * (أولياء) أي: الأصنام. # وقوله: * (كمثل العنكبوت) العنكبوت: دابة [أعطاها] الله تعالى آلة تنسج ~~PageV04P181 # * (كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز ~~الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) خلق ~~الله السماوات) * * بها بيتا تأوي إليه، (وبيته) في غاية الضعف والوهاء، ~~وإنما مثل عبادة الأصنام ببيت العنكبوت؛ لأن بيت العنكبوت لا يقي حرا ولا ~~بردا، وكذلك عبادة الأصنام لا تجلب نفعا، ولا تدفع ضرا. # وفي بعض الأخبار: أن النبي أنه قال: ' العنكبوت شيطان مسخ فاقتلوه ' ~~والخبر غريب. # وعن علي رضي الله عنه أنه أمر ألا يترك نسيج العنكبوت في البيت، وقال: ~~تركه يورث الفقر. وقد بينا أن الله تعالى جعل العنكبوت جند النبي في الغار. # وقوله: * (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) أي: لو كانوا ~~يعلمون أن عبادة الأصنام لا تغني شيئا، كما علموا أن بيت العنكبوت لا يدفع ~~شيئا. # قوله تعالى: * (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء) أي: يعلم ما يدعون ~~من دونه من الأصنام وغيرها. # وقوله: * (وهو العزيز الحكيم) أي: العزيز بالانتقام من أعدائه، الحكيم في ~~تدبير خلقه. # قوله تعالى: * (وتلك الأمثال نضربها للناس) أي: الأشباه التي يقع بها ~~التمثيل. # وقوله: * (وما يعقلها إلا العالمون) (أي: العالمون بمعاني كلامي، وعن بعض ~~السلف قال: يستحب أن يقف عند كل مثل في القرآن، فإن الله تعالى يقول: * ~~(وما يعقلها إلا العالمون). PageV04P182 # * (والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) أتل ما أوحي إليك من ~~الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ms1246 والمنكر ولذكر الله أكبر ~~والله يعلم ما تصنعون) * * قوله تعالى: * (خلق الله السماوات والأرض بالحق) ~~أي: بالحكمة. # وقوله: * (إن في ذلك (لآية) للمؤمنين) أي: لعبرة للمؤمنين. # قوله تعالى: * (أتل ما أوحى إليك من الكتاب) أي: القرآن. # وقوله: * (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) الفحشاء كل ~~قبيح من الأفعال، والمنكر كل ما ينكره الشرع، (فإن قيل: كيف قال: * (إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) وقد رأينا من يصلي ولا ينتهي عن الفحشاء ~~والمنكر؟ قلنا: روي عن حماد بن سلمة أنه قال: تنهى عن الفحشاء والمنكر ما ~~دام في الصلاة، وعن غيره: تنهى عن الفحشاء والمنكر) فيها وبعدها. ومعنى ~~النهي على هذا القول أنه يقرأ القرآن والقراءة، تنهاه عن الفحشاء والمنكر. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لا صلاة لمن لم يطع الصلاة. وفي هذا ~~اللفظ إشارة إلى ما بينا. # وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: ' من لم تنهه صلاته عن الفحشاء ~~والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا '. PageV04P183 # (* (45) ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ~~وقولوا آمنا) * * وعن الحسن وقتادة أنهما قالا: من صلى ولم ينته عن الفحشاء ~~والمنكر، فصلاته وبال عليه. # وقوله: * (ولذكر الله أكبر) فيه قولان: أحدهما: ولذكر الله أفضل من كل ~~الطاعات، وروي عن ثابت البناني أن رجلا أعتق أربع رقاب، وجعل آخر يذكر الله ~~بالتسبيح والتحميد والتهليل، ثم سئل عن ذلك جماعة من أهل العلم، فقالوا: ~~ذكر الله تعالى أفضل؛ لأن الله تعالى قال: * (ولذكر الله أكبر). # والقول الثاني أن معناه: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، وهذا قول ~~ابن عباس، وروي إن رجلا قال لابن عباس: إن فلانا (يقول) في قوله: * (ولذكر ~~الله أكبر): إن معناه: إذا ذكره وانتهى عن معاصيه، فقال: هذا كلام حسن. ~~وليس بمعنى الآية؛ وإنما معنى الآية ما ذكرنا عنه، وهو قوله: ولذكر الله ~~إياكم أكبر من ذكركم إياه. ومنهم من قال: ولذكر الله في الثواب أكبر من ~~ذكركم في الطاعة. ms1247 # وقوله: * (والله يعلم ما تصنعون) أي: تفعلون. # قوله تعالى: * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) فيه قولان: ~~أحدهما: ولا تجادلوا أهل الكتاب الذين قبلوا الجزية إلا بالتي هي أحسن، ~~وقوله: * (إلا الذين ظلموا منهم) المراد بهم على هذا القول أهل الحرب. # والقول الثاني: * (ولا تجادلوا أهل الكتاب) يعني: المؤمنين منهم، ومعنى ~~النهي عن المجادلة معهم بعد إيمانهم، هو أنهم كانوا يخبرون عن أشياء في ~~كتبهم لم يعلمها المؤمنون، [فنهى] عن مجادلتهم فيها، فلعلها صحيحة. # وقوله: * (إلا الذين ظلموا منهم) هم الذين لم يؤمنوا. وعن قتادة قال: ~~الآية PageV04P184 # @ * (بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ~~(46) وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء ~~من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلو من قبله من ~~كتاب ولا تخطه بيمينك) * * منسوخة بآية السيف. # وقوله: * (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم) (روي عن النبي هم ~~أنه قال: ' إذا أخبركم أهل الكتاب بشيء لم تعرفوه فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، ~~ولكن قولوا: * (آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم) وإلهنا وإلهكم واحد ~~ونحن له مسلمون ') '. # قوله تعالى: * (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب) أي: كما بعثناك بالحق أنزلنا ~~إليك الكتاب. # وقوله: * (فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به) أي: يصدقون به، وقوله: * ~~(ومن هؤلاء من يؤمن به) أي: ومن المشركين من يصدق به، فقوله: * (هؤلاء) ~~إشارة إلى المشركين الذين كانوا بمكة. # قوله تعالى: * (وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وما كنت تتلو من قبله من كتاب) أي: من قبل بعثنا إياك، ~~وإنزال القرآن عليك. # وقوله: * (ولا تخطه بيمينك) أي: لم تكن تقرأ ولا تكتب. # وقوله: * (إذا لارتاب المبطلون) أي: إذا لشك الكافرون لو قرأت وكتبت، أما ~~أهل الشرك وكانوا يزعمون أنه قرأ من كتب الأولين وانتسخ منها، وأما أهل ~~الكتاب فقد PageV04P185 # * (إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ~~وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه ms1248 قل ~~إنما الآيات عند الله) * * كان من نعته في كتبهم أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، ~~فلو قرأ وكتب وقع لهم الشك. # وعن الشعبي قال: لم يخرج النبي من الدنيا حتى كتب وقرأ. وهو قول ضعيف لا ~~يعتمد عليه، [وأظن] أنه لا يصح عن الشعبي هذا؛ لأنه كان عالما كبيرا. # قوله تعالى: * (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) أي: القرآن ~~آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، ويقال معناه: أن محمدا ذو آيات ~~بينات في صدور الذين أوتوا العلم. وقد صح عن النبي أنه قال: ' (إن الله ~~تعالى) قال لي: بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله ~~الماء، تقرأه نائما ويقظانا ' وهو إشارة إلى ما بينا أن القرآن في صدور ~~المؤمنين لا ينسخه ولا يغسله شيء. # وقوله: * (وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) أي: الكافرون. # قوله: * (وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه) يعني: مثل ما أنزل على عيسى ~~من المائدة، وأعطي صالح من الناقة، وموسى من اليد والعصا * (قل إنما الآيات ~~عند الله) يعني: إن الآيات عند الله يعطيها بمشيئته وإرادته. # وقوله: * (وإنما أنا نذير مبين) قد بينا. واعلم أن الله تعالى قد أعطى ~~رسوله محمدا المعجزات الكثيرة، ولكنه لم يعطه على ما اقترحوا، وقد كانوا ~~يطلبون أن تكون الآيات على وفق اقتراحاتهم. PageV04P186 # * (وإنما أنا نذير مبين (50) أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم ~~شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك ~~هم الخاسرون (52)) * * قوله تعالى: * (أو لم يكفهم) الكفاية: بلوغ (غاية) ~~تنافي الحاجة. # وقوله: * (إنا أنزلنا عليك الكتاب) أي: القرآن. # وقوله: * (يتلى عليهم) أي: يقرأ عليهم. # وقوله: * (إن في ذلك لرحمة) أي: لنعمة لمن آمن به. # وقوله: * (وذكرى) أي: موعظة وتذكيرا، وقد بينا وجه الإعجاز في القرآن من ~~حيث النظم والمعنى والإخبار عن الغيوب وغيره. # قوله تعالى: * (قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا) الشهادة: خبر عن ms1249 مشاهدة ~~يبني عليه حكم شرعي، والله تعالى شهيد على أفعال المؤمنين والكفار جميعا. # وقوله: * (يعلم ما في السماوات والأرض) ظاهر المعنى. # وقوله: * (والذين آمنوا بالباطل) أي: بغير الله. وقد ثبت أن النبي قال: ' ~~أصدق كلمة قالت العرب قول لبيد: # (ألا كل شيء ما خلا الله باطل * وكل نعيم لا محالة زائل) ثم قال: إلا ~~نعيم الجنة '. # واعلم أن الإيمان إذا أطلق يراد به الإيمان بالله، وإذا قيد يجوز أن ~~يقال: آمن بإبليس، وآمن بالطاغوت، وما أشبه ذلك، وهذا كما إذا قيل: فلان ~~قائم، وأطلق يراد PageV04P187 # * (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم ~~لا يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم) * * ~~به المتصف، فإذا قيل: يجوز أن يقال: قائم بالتدبير قائم بالملك. وقال يحيى ~~بن سلام: الباطل هاهنا: إبليس. # وقوله: * (وكفروا بالله) أي: جحدوا بالله. # وقوله: * (وأولئك هم الخاسرون) الخاسرون: من خسر رأس المال، فالكفار لما ~~فعلوا فعلا عرضوا أنفسهم للهلاك سماهم الله خاسرين. # قوله تعالى: * (ويستعجلونك بالعذاب) قد بينا أن النضر بن الحارث قال: * ~~(اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) الآية ~~فهذا هو الاستعجال بالعذاب. # وقوله: * (ولولا أجل مسمى) أي: وعد القيامة، وقيل: النفخة في الصور ~~ويقال: الوقت الذي عين لعذابهم. # وقوله: * (لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة) أي: فجأة * (وهم لا يشعرون) أي: ~~لا يعلمون بمجيئها. وفي رواية أبي هريرة أن النبي قال: ' إن الرجل ليرفع ~~لقمته فلا يضعها في فيه حتى تقوم الساعة '. # وقوله تعالى: * (يستعجلونك بالعذاب) يقال: المراد به هو المراد بالآية ~~الأولى، أعاده للتأكيد، وقيل: إن هذه الآية نزلت على قوم من جهال هذه ~~الأمة، والقول الأول أولى. # وقوله: * (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) أي: جامعة لعذابهم، ويقال معناه: ~~لا بد أن يدخلوها. # قوله تعالى: * (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم) يعني: يصيبهم العذاب من ~~PageV04P188 # * (يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ~~(55) يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة ms1250 ~~الموت ثم) * * فوقهم ومن تحت أرجلهم، وهو مثل قوله تعالى في آية أخرى: * ~~(لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل) وقوله: * (ويقول ذوقوا ما كنتم ~~تعملون) قد بينا معنى الذوق من قبل. # وقوله: * (ما كنتم تعملون) أي: جزاء بما كنتم تعملون. # قوله تعالى: * (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة) قال إبراهيم النخعي ~~في هذه الآية: كانوا إذا ظهرت المعصية بأرض خرجوا منها. وعن سعيد بن جبير ~~وعطاء أنهما قالا: إذا أمرت بالمعصية في (بلدة) فأخرج منها (وفي رواية: ' ~~إذا ظهرت المعصية في بلدة فأخرج منها). # وذكر أهل العلم أنه إذا لم يمكنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خرج ~~أيضا، والآية نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى إن هاجرنا ~~من الجوع وضيق المعيشة؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولم يعذرهم في ترك ~~الخروج، وفي الآية قول آخر: وهو أن معنى قوله: * (إن أرضي واسعة) أي: رزقي ~~واسع، ذكره مطرف ابن عبد الله ابن الشخير. # وقوله: * (فإياي فاعبدون) أي: وحدوني وأطيعوني. # قوله: * (كل نفس ذائقة الموت) معناه: أن تخلفهم (عن) الهجرة لا ينجيهم من ~~الموت، وقد روى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه ' أن النبي ~~PageV04P189 # * (إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة ~~غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين صبروا ~~وعلى ربهم يتوكلون) * * لما توفى سمعوا حس شخص ولم يروه، وقال: السلام ~~عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته * (كل نفس ذائقة الموت) الآية، إن في ~~الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودرجا من كل فائت، ألا بالله ~~فثقوا، وإياه فارجوا، والمصاب من حرم الثواب '. # وقوله: * (ثم إلينا ترجعون) أي: تردون. # قوله تعالى: * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا) ~~أي: لنسكننهم من الجنة غرفا، أي: علالي، وروى أبو مالك الأشعري رضي الله ~~عنه أن النبي قال: ' إن لله غرفا في الجنة، يرى ظهورها من بطونها، وبطونها ~~من ظهورها، قيل: لمن هي يا ms1251 رسول الله؟ قال: لما أطاب الكلام، وأطعم الطعام، ~~وصلى بالليل والناس نيام '. # وقرئ: ' لنثوينهم ' والثوى هو الإقامة، والتبوؤ هو النزول في الموضع الذي ~~يسكن فيه، وفي أخبار الجاهلية: أن المهلهل لما قتل ابن الحارث بن عباد في ~~حرب بكر وتغلب قال: تبوء بشسع نعل كليب. # ومن المعروف عن الحسين أنه قال للحسن في قتل أبي ملجم: لا تجعله ثوى ~~بأبينا أي: لا ننزله منزلة أبينا. # وقوله: * (تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين) أي: ~~العاملين بالطاعة. # قوله تعالى: * ([الذين] صبروا وعلى ربهم يتوكلون) أي: صبروا على ~~PageV04P190 # (* (59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع ~~العليم) * * الشدائد، وقوله: * (وعلى ربهم يتوكلون) أي: يعتمدون. # قوله تعالى: * (وكأين من دابة) أي: وكم من حيوان يدب على الأرض. # وقوله: * (لا تحمل رزقها) أي: لا تحمل رزقها معها، وقيل: لا تدخر رزقها ~~للغد. # وعن أبي سعيد الخدري والمعروف أنه عن سفيان الثوري: ' ليس من الحيوان ما ~~يدخر شيئا للغد سوى ابن آدم والفأرة والنملة والعقعق. وذكر النقاش في ~~تفسيره: أن المراد من قوله: * (وكأين من دابة لا تحمل رزقها) أي: محمد: ~~وكان لا يدخر شيئا للغد، وقد ثبت برواية أنس: ' أن النبي كان لا يدخر شيئا ~~لغد '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو منصور بكر بن محمد بن حميد ~~النيسابوري ببغداد من لفظه، أخبرنا أبو الحسن الخفاف، أخبرنا أبو العباس ~~السراج، عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت، عن أنس... الخبر. # وفي بعض الأخبار برواية ابن عمر أنه قال: ' دخلت مع رسول الله يلتقط ~~التمر ويأكله، فكدت لا آكله، فقال لي: ألا تأكله يا ابن عمر؟ فقلت: لا ~~أشتهيه. فقال: لكني أشتهيه، وهذا صبح رابع أربعو أيام ولم أذق طعاما، ولو ~~طلبت من الله لأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، ثم قال: كيف بك يا ابن عمر إذا ~~بقيت في قوم يدخرون الرزق لسنتهم، ويضعف اليقين؟! قال: فلم نبرح من ذلك ~~الموضع حتى أنزل الله تعالى: * (وكأين ms1252 من دابة لا تحمل رزقها). ' والخبر ~~غريب. PageV04P191 # (* (60) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله ~~بكل شيء عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله) * * وقوله: * (الله يرزقها وإياكم) يعني: يرزق تلك ~~الدابة وإياكم. # وقوله: * (وهو السميع العليم) ظاهر المعنى، ومن المشهور عن النبي قال: ' ~~لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصا، وتروح ~~بطانا '. # ومن المعروف أيضا أنه عليه السلام قال: ' إن روح القدس نفث في روعي، أن ~~لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب '. # قوله تعالى: * (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر) ~~أي: وذلل الشمس والقمر. # وقوله: * (ليقولن الله فأنى يؤفكون) أي: يصرفون عن الحق. # قوله تعالى: * (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) أي: يوسع ~~على من يشاء، ويضيق على من يشاء. # وقوله: * (إن الله بكل شيء عليم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله قل الحمد لله) يعني: على أن الفاعل لهذه الأشياء هو ~~الله. PageV04P192 # * (قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ~~ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في ~~الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (56) ~~ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) أو لم يروا أنا جعلنا حرما ~~آمنا وينخطف الناس من) * * وقوله: * (بل أكثرهم لا يعقلون) أي: لا يعلمون ~~أن الفاعل لهذه الأشياء هو الله تعالى. # قوله تعالى: * (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) اللهو هو الاستمتاع ~~بلذات الدنيا، وسمي لهوا؛ لأنها فانية بخلاف لذات الآخرة. # وقوله: * (ولعب) أي: وعبث، ويقال: إنما سمي ذلك لهوا ولعبا؛ لأنه إنما ~~يستعمل بها من لا يتفكر في العواقب. # وقوله: * (وإن الدار ms1253 الآخرة لهي الحيوان) أي: لهي الحياة الدائمة. وقال ~~أهل اللغة: الحيوان والحياة بمعنى واحد، يحكى هذا عن أبي عبيدة وأبي. ومعنى ~~الآية: أن في الآخرة الحياة الدائمة. # وقوله: * (لو كانوا يعلمون) أي: لو كانوا يعلمون أن الدنيا تفنى، والآخرة ~~تبقى. # قوله تعالى: * (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين) أي: دعوا ~~الله وتركوا دعاء الأصنام، وحكي عن عكرمة قال: لو كانوا يركبون البحر ~~ويحملون أصنامهم معهم، فإذا هاجت البحر وخافوا الغرق، طرحوا أصنامهم في ~~البحر، وقواول: يا رب، يا رب. # وقوله: * (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) أي: عادوا إلى ما كانوا ~~عليه. # وقوله: * (ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون) على طريق التهديد. # وقوله: * (أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا) أي: ذا أمن، وقوله: * (ويتخطف ~~الناس من حولهم) الاختطاف هو الاستلاب بسرعة، وقد بينا هذا المعنى من قبل. ~~PageV04P193 # * (حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (68) ~~والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69)) * * وقوله: ~~* (أفبالباطل يؤمنون) يعني: أفغير الله يؤمنون؟ وهو لفظ استفهام بمعنى ~~الإنكار. # وقوله: * (وبنعمة الله يكفرون) أي: يجحدون. # قوله تعالى: * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) أي: كذب على الله، ~~وادعى أنه أنزل ما لم ينزله. # وقوله: * (أو كذب بالحق لما جاءه) يعني: القرآن، وقيل: محمدا. # وقوله: * (أليس في جهنم مثوى للكافرين) أي: مقام ومستقر للكافرين. # قوله تعالى: * (والذين جاهدوا فينا) روي عن الحسن أنه قال: أفضل الجهاد ~~مخالفة الهوى. ويقال: الجهاد هاهنا هو العمل بما علمه، وعن سفيان الثوري ~~أنه قال لإبراهيم بن أدهم: ألا تأتينا فتتعلم منا؟ فقال: إني سمعت حديثين ~~فإذا فرغت منهما تعلمت الثالث، ثم روي بإسناد أن النبي قال: ' من زهد في ~~الدنيا نور الله قلبه '. # ويقال: المجاهدة: هو الصبر على الطاعات واجتناب المعاصي، ويقال: قتال ~~الكفار، ويقال: تحقيق الإخلاص في الأعمال، وهو حقيقة قوله تعالى: * (فينا). # وقوله: * (لنهدينهم سبلنا) ms1254 لنزيدنهم هدى، ويقال: لنرشدهم إلى (الطرق) ~~المستقيمة، والطرق المستقيمة هي التي توصل إلى رضى الله تعالى. وعن ابن ~~المبارك أنه قال: قال لي سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فعليك بما قاله ~~لأهل الجهاد والثغور، فإن الله تعالى قال: * (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا). # وقوله: * (وإن الله لمع المحسنين) أي: بالنصرة والمعونة. PageV04P194 # بسم الله الرحمن الرحيم * (ألم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من ~~بعد غلبهم سيغلبون (3) في) * * تفسير سورة الروم وهي مكية قوله تعالى: * ~~(ألم) قد بينا، ولأصح أن معناه هاهنا هو القسم. # وقوله: * (غلبت الروم) أي: قد غلبت الروم، فوقع القسم على هذا، وقد تحذف ~~قد عند أهل اللغة في الكلام، قال الشاعر: # (أكلفتني ذنب امرئ وتركته * كذى العر [يكوي] غيره وهو راتع) أي: لقد ~~كلفتني. # وقوله: * (في أدنى لأرض) الأدنى بمعنى الأقرب، ومعناه: الأدنى إلى أرض ~~فارس من أرض الروم، قال مجاهد. هي لجزيرة، وهي بلاد بين دجلة والفرات تسمى ~~الجزيرة منها حران، ورحبة مالك بن طوق، والرقة، والرهى، وغير ذلك. # وقوله: * (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) معناه: أن الروم من بعد غلبة فارس ~~عليهم سيغلبون. فإن قيل: قال: * (من بعد غلبهم) وهم غلبوا ولم يغلبوا؟ ~~والجواب عنه: ذكر غلبتهم، والمراد منه غلبة غيرهم عليهم، وإنما أضاف الغلبة ~~إليهم لاتصال تلك الغلبة بهم، واتصال الغلبة بهم وقوع الغلبة عليهم، وهذا ~~مثل قوله تعالى: * (ويطعمون الطعام على حبه) والطعام لا يكون صاحب الحب، ~~وإنما الإنسان هو صاحب الحب، ولكن إضافة إلى الطعام لاتصال الحب منه، وكذلك ~~قوله تعالى: * (وذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) والمقام للعبد إلا أنه ~~[أضافه] إلى الله؛ PageV04P195 # * (بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر ~~الله ينصر) * * لأنه يقوم بين يدي الله، فيتصل بالله من هذا الوجه. # وقوله: * (في بضع سنين) في البضع قولان: أحدهما: من الواحد إلى العشر، ~~والقول الثاني: من الثلاث إلى السبع. # وكذلك اختلف القول في النيف، فمنهم من قال: من الواحد إلى الثلاث، ومنهم ~~من قال: ms1255 من الواحد إلى العاشر. # وأما سبب نزول الآية فروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ' أنه كان بين فارس ~~والروم قتال قائم، فكان المشركون يؤذون أن تغلب فارس الروم، والمسلمون ~~يودون أن تغلب الروم فارس، لأنهم كانوا أهل الكتاب، قال: فغلب فارس الروم ~~مرة، فشمت المشركون بالمسلمين، وقالوا: إنا سنغلبكم كما غلبت فارس الروم، ~~فجاء المسلمون إلى النبي وذكروا له ذلك، فقال: أما إن الروم سيغلبون فارس. ~~فقال أصحاب النبي: متى ذلك؟ فقال: إلى بضع سنين، وأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # قال: فجاء أبو بكر إلى أبي بن خلف، وذكر له ذلك، فقال: والله لا تغلب ~~الروم فارس أبدا، ثم قال لأبي بكر: أخاطرك؟ قال: نعم فخاطره على قلائص من ~~الإبل. واختلفوا في عدد القلائص منهم من قال: كان ستا، وقيل: كان سبعا. ~~وقيل: غير ذلك، ووضعا المدة إلى خمس سنين. # قال قتادة: وكان ذلك في وقت لم يكن حوم القمار بعد. # فجاء أبو بكر إلى النبي، وذكر له ذلك، فقال له النبي: يا أبا بكر، زد ~~PageV04P196 # * (من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر ~~الناس لا) * * في الخطر، وأبعد في الأجل ' فزاد في عدد القلائص، وجعل المدة ~~إلى سبع سنين '. ثم إن الروم ظهرت على فارس، واسترجعوا ديار الجزيرة والشام ~~وغير ذلك من فارس، وكان فارس قد استولوا على الكل، وأخذوا صليبهم الأعظم، ~~فاستردوا هذه الديار، واستردوا صليبهم، وهزموا فارس. # واختلفوا في وقت ذلك، منهم من قال: كان يوم بدر، ومنهم من قال: كان عام ~~الحديبية. # وفي بعض التفاسير: أن أبا بكر لما قصد الهجرة جاء إلى أبي بن خلف، وطلب ~~منه كفيلا بالقلائص، فكفل بها ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر، ثم لما خرج أبي ~~بن خلف إلى أحد طلب عبد الرحمن منه كفيلا، فكفل بالقلائص ابنه، ثم إنه لما ~~ظهرت الروم على فارس أخذ أبو بكر القلائص. # وفي بعض الروايات: أن المدة كانت إلى خمس سنين لا زيادة، ومضت الخمس ولم ~~تغلب ms1256 الروم على فارس، واخذ أبي بن خلف القلائص، ثم بعد ذلك ظهرت الروم على ~~فارس. # وهذه الآية من معجزات النبي؛ لأنه أخبر عن غيب لا يعلمه إلا الله، وكان ~~الأمر على ما أخبر. # وقوله: * (لله الأمر من قبل ومن بعد) أي: من قبل غلبهم، ومن بعد غلبهم. # وقوله: * (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) أي: ينصر الله أهل الكتاب على ~~غير أهل الكتاب، وإنما فرحوا بذلك لصدق وعد الله تعالى؛ ولأنهم قالوا: كما ~~نصر الله أهل الكتاب على غير أهل الكتاب، وكذلك ينصرنا عليكم. # وقوله: * (ينصر من يشاء) أي: من يشاء من عباده. # وقوله: * (وهو العزيز الحكيم) أي: الغالب على أمره، المنعم على عباده. ~~PageV04P197 # * (يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ~~(7) أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) أو لم يسيروا ~~في الأرض فينظروا كيف) * * قوله تعالى: * (وعد الله لا يخلف الله وعده) أي: ~~هذه النصرة من وعد الله، ولا يخلف الله وعده * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ~~أن وعد الله حق. # قوله تعالى: * (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) قال ابن عباس: أمر ~~معايشهم ومعالجهم في الدنيا يعني: متى يزرعون ومتى يحصدون، ومتى يغرسون، ~~ومتى يبنون. وقال الضحاك: بنيان الدور، وغرس الأشجار، وتشقيق الأنهار، وعمل ~~التجارات. وروى عن الحسن البصري - رضي الله عنه - قال: إن أحدهم لينقد ~~الدراهم بطرف ظفره، ويذكر وزنه فلا يخطئ، وهو لا يحسن أن يصلي. # وقوله: * (وهم عن الآخرة هم غافلون) فهم الأول ابتداء، وهم الثاني ابتداء ~~آخر، ومعناه: أنهم غافلون ساهون عن الآخرة. # قوله تعالى: * (أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق) أي: للعدل، ويقال: لإقامة الحق، وقيل: للحق. وقد روي في ~~بعض الأخبار: ' أن النبي مر على قوم وهم يتفكرون، فقال: تفكروا في خلق ~~الله، ولا تتفكروا في الله '. وهذا خبر غريب. # وقوله: * (وأجل مسمى) أي: ومدة مسماه، ms1257 واختلفوا في المدة المسماة، فقال ~~بعضهم: هي الساعة، وقال بعضهم: هو الوقت الذي قدر هلاكهم فيه. # وقوله: * (وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون) أي: جاحدون، ولقاء ~~ربهم هو البعث يوم القيامة. # قوله تعالى: * (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم) يعني: الأمم الذين مضوا. PageV04P198 # * (كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها ~~أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله ~~وكانوا بها يستهزءون) * * وقوله: * (كانوا أشد منهم قوة) أي: أكثر منهم ~~قوة. # وقوله: * (وأثاروا الأرض) أي: حرثوا الأرض. # وقوله: * (وعمروها أكثر مما عمروها) أي: عمروا الأرض أكثر مما عمرها أهل ~~مكة، فإنما قال ذلك؛ لأنه لم يكن لأهل مكة حرث. # وقوله: * (وجاءتهم رسلهم بالبينات) أي: بالدلالات. # وقوله: * (فما كان الله ليظلمهم) أي: لينقص حقوقهم، ولكنهم نقصوا وبخسوا ~~حقوقهم. # [وقوله تعالى: * (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)]. # قوله تعالى: * (ثم كان عاقبة الذين أساءوا) أي: كفروا، وقوله: * (السوأى) ~~هي جهنم، ونعوذ بالله، وقرأ الأعمش: ' ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء '. ~~وقيل: السوأى: قبح العاقبة. # ومنه قوله: ' سواء ولود خير من حسناء عقيم '. يعني: قبيحة ولود خير من ~~حسناء عقيم. PageV04P199 # (* (10) الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة ~~يبلس المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ~~(13) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فهم في) * * وقوله: * (أن كذبوا بآيات الله) أي: لأن كذبوا بآيات ~~الله. # وقوله: * (وكانوا بها يستهزئون) أي: بآيات الله يستهزئون. # قوله تعالى: * (الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون) ظاهر المعنى، ~~وقد بينا. # قوله تعالى: * (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) أي: ييأس المجرمون، ~~ويقال: (يسكتون) وتنقطع حجتهم، قال الشاعر: # (يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا) وقال مجاهد: يبلس ~~المجرمون: يفتضحون. وقيل: يتحيرون. # وقوله: * (ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء) أي: الأصنام ms1258 التي اتخذوها شركاء ~~لله. # وقوله: * (وكانوا بشركائهم كافرين) أي: كفروا بالأصنام، وتبرءوا منها يوم ~~القيامة، ومعنى كانوا: صاروا. # قوله: * (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) يعني: يتميز أهل الجنة من أهل ~~النار، وقيل معناه: أنه يفرق بين أهل المعصية و [أهل] الطاعة؛ فيعاقب أهل ~~المعاصي، وينعم على المطيعين، وعن قتادة قال: هو افتراق لا اجتماع بعده. # قوله تعالى: * (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون) ~~الروضة: هي لبستان الذي هو في غاية النضارة والحسن. # قال الطائي: PageV04P200 # * (روضة يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ~~فأولئك في العذاب محضرون (16) فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله ~~الحمد) * * ((إنما البشر روضة فإذا * كان [ربوة] فروضة وغدير)) قوله: * ~~(يحبرون) أي: يكرمون وينعمون، ومنه ثوب الخبرة لحسنة، وعن يحيى ابن كثير ~~قال: يحبرون: هو السماع في الجنة. وذكر ابن قتيبة معنى قوله: * (يحبرون) ~~أي: يسرون. # قوله تعالى: * (وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء لآخرة) أي: البعث ~~يوم القيامة. # وقوله: * (فأولئك في العذاب محضرون) أي: معذبون. # قوله: * (فسبحان الله) بينا أن سبحان الله: تنزيه الله، وتبرئته عن كل ~~سوء. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: هو اسم ممتنع لا ينتحله مخلوق. # وقوله: * (سبحان الله) أي: سبحوا الله، وعن ابن عباس قال: كل سبحة في ~~القرآن فهي في معنى الصلاة. # وفي بعض الأخبار: ' أن لنبي سئل عن أفضل الكلام فقال: سبحان الله وبحمده ~~'. # وقد ثبت برواية أبي هريرة أن النبي قال: ' كلمتان خفيفتان على اللسان، ~~ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله ~~العظيم '. وهذا آخر خبر ذكره البخاري في الصحيح. قال رضي الله عنه: حدثنا ~~PageV04P201 # * (في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج الحي من الميت ويخرج) ~~* * بهذا الحديث من لفظها كريمة بنت أحمد بمكة، قالت: أخبرنا أبو الهيثم، ~~أخبرنا الفربري، أخبرنا البخاري بإسناده عن أبي هريرة.. الخبر. # وفي بعض الآثار: ' أن سبحان الله وبحمده صلاة أهل السماوات وصلاة الخلق ~~كلهم '. # وقوله: * (حين تمسون) أي: تدخلون في المساء. # وقوله: * (وحين ms1259 تصبحون) أي: تدخلون في الصباح. # وقوله: * (وله الحمد في السماوات والأرض) قال الضحاك: الحمد لله رداء ~~الرحمن. # وقد ثبت عن النبي برواية علي رضي الله عنه أن النبي لما رفع رأسه من ~~الركوع قال: ' سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، ~~وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال ~~العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد '. # وقوله: * (وعشيا) أي: صلوا لله عشيا. PageV04P202 # * (الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (19) ومن آياته أن) ~~* * وقوله: * (وحين تظهرون) أي: تدخلون في الظهر، وفي الآية إشارة إلى ~~أوقات الصلاة الخمس، فقوله: * (حين تمسون) إشارة إلى صلاة المغرب والعشاء، ~~وقوله: * (حين تصبحون) إشارة إلى صلاة الصبح، وقوله: * (وعشيا) إشارة إلى ~~صلاة العصر. # وقوله: * (وحين تظهرون) إشارة إلى صلاة الظهر. # قوله تعالى: * (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) قد بينا معناه ~~من قبل؛ وهو إخراج البيضة من الدجاجة، وإخراج الدجاجة من البيض، وإخراج ~~الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر، وغير ذلك. # وقوله: * (ويحيي الأرض بعد موتها) أي: كما أحيا الأرض بعد موتها كذلك ~~يحييكم بعد موتكم، وهو معنى قوله: * (وكذلك تخرجون). # وقال بعضهم: يخرج البليد من الفطن، والفطن من البليد. # وروى الزهري عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: ' أن النبي دخل على بعض ~~نسائه وعندها خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث: فقال: من هذه؟ قالوا: هي خالدة ~~بنت الأسود بن يغوث. فقال: سبحان الله! يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من ~~الحي '، وكانت المرأة صالحة، وأبوها كان كافرا. PageV04P203 # * (خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) من آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون (21) ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن ~~في ذلك) * * قوله تعالى: * (ومن آياته أن خلقكم من تراب) أي: خلق أصلكم من ms1260 ~~تراب؛ وهو آدم صلوات الله عليه. # وقوله: * (ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) أي: تجيئون وتذهبون، ويقال: ~~(تنتشطون). # قوله تعالى: * (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا) فيه قولان: ~~أحدهما: أن معناه: خلق حواء من ضلع آدم، والقول الثاني: أن معناه: خلق من ~~أمثالكم أزواجا لكم، والنساء من جنس الرجال؛ لأنهم جميعا من بني آدم. # وقوله: * (لتسكنوا إليها) هو في معنى قوله تعالى: * (وخلق منها زوجها ~~ليسكن إليها) أي: ليأنس بها. # وقوله: * (وجعل بينكم مودة ورحمة) المودة: الحب والعطف، وقد يتفق بين ~~الزوجين من العطف والمودة ما لا يتفق بين الأقارب. وعن مجاهد والحسن وعكرمة ~~أنهم قالوا: المودة: الوطئ، والرحمة: الولد. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) التفكر: هو طلب المعنى من ~~الأشياء فيما يتعلق بالقلب. # قوله تعالى: * (ومن آياته أن خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم) فيه قولان: أحدهما: أن اختلاف الألسنة هو اختلاف اللغات؛ فللفرس ~~لغة، وللروم لغة، وللترك لغة، وللعرب لغة، وما أشبه هذا. وذكر كعب الأحبار ~~أن الله تعالى قسم اثنتين وسبعين لغة بين الناس، فلولد سام [تسع عشرة] لغة ~~ولولد حام [سبع PageV04P204 # * (لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من ~~فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا ~~وينزل من السماء ماء) * * عشرة] لغة، والباقي لولد يافث. وأما اختلاف ~~الألوان فهو أن هذا أحمر، وهذا أسود، وهذا أبيض، ما أشبه هذا. # والقول الثاني: أن اختلاف الألسنة هو اختلاف النغمات، فلا يتفق لاثنين ~~نغمة واحدة، واختلاف الألوان معلوم بين الناس، وإن كان كلهم بيضا أو سودا، ~~فلا يتفق لونان من جميع الوجوه. وفيه حكمة عظيمة، وهو أنه لو اتفقت الألوان ~~والأسنة [لبطل] التمييز، فلم يعرف الأب ابنه، والابن أباه، وكذلك في الأخوة ~~والأزواج وجميع الناس. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات للعالمين) قرأ حفص بن عاصم: ' للعالمين ' هو ~~جمع عالم، وأما القراءة المعروفة: ' للعالمين ' يعني: الجن والإنس وجميع ~~الخلق. # قوله تعالى: * (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله) أي: ms1261 ~~منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار. ويقال معناه: ومن آياته منامكم ~~[واشتغالكم] من فضل الله بالليل والنهار. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) أي: يسمعون ما يذكر لهم من هذه ~~الآيات. # قوله تعالى: * (ومن آياته يريكم البرق) معناه: من آياته أنه يريكم البرق، ~~وقد بينا وجه القول في البرق. وعن بعضهم قال: إذا أبرقت السماء أربعين برقة ~~فلا يخلفه أي: لا يتأخر المطر، قال الشاعر: # (لا يكن (برقا كبرق) خلبا * إن خير البرق [ما] الغيث معه) PageV04P205 # * (فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ومن آياته ~~أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ~~(25) وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي يبدأ الخلق ثم ~~يعيده وهو أهون) * * وقوله: * (خوفا وطمعا) أي: خوفا للمسافر، وطمعا ~~للحاضر، ويقال: خوفا من الصواعق، وطمعا في الغيث. # وقوله: * (وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) فيه قولان: ~~أحدهما: أن معناه: تكونا بأمره، والقول الثاني: يدوم قيامهما بأمره). وقد ~~أقام السماء بغير عمد ودام ذلك إلى وقته المسمى، وهو بأمره. # وقوله: * (ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض) قيل: إن الدعوة من صخرة بيت ~~المقدس، ويقال: هي من السماء. والدعوة: هي دعوة إسرافيل. # وقوله: * (من الأرض) أي: يدعوكم أن تخرجوا من الأرض، وهذا على القول الذي ~~يقول إن الدعوة من السماء. # وقوله: * (إذا أنتم تخرجون) قد ذكرنا. # قوله تعالى: * (وله من في السماوات والأرض كل له قانتون) أي: مطيعون، ~~ويقال: مقربون بالعبودية. # وقوله: * (وله) أي: وله ملكا وخلقا. فإن قيل: إذا حملنا القنوت على ~~الطاعة فليس كل من في السماوات والأرض يطيعونه! والجواب: أنه ليست الطاعة ~~هاهنا بمعنى طاعة العبادة، إنما الطاعة هاهنا بمعنى الانقياد بذل كل شيء ~~لما خلق له. # قوله تعالى: * (وهو الذي يبدأ الخلق) أي: ينشئ الخلق * (ثم يعيده) أي: ~~PageV04P206 # * (عليه وله ms1262 المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (27) ضرب ~~لكم) * * يحييكم بعد ما يميتهم. # وقوله: * (وهو أهون عليه) فإن قيل: كيف يستقيم قوله: * (وهو أهون عليه) ~~والله لا يشتد عليه شيء؟ والجواب عنه: أن معنى قوله: * (وهو أهون عليه) أي: ~~هو هين عليه. وفي قراءة ابن مسعود: ' وهو عليه هين '. قال الفرزدق شعرا: # (إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول) ((بيت) زرارة محتب ~~بفنائه * ومجاشع وأبو الفوارس نهشل) وقوله: أعز وأطول أي عزيزة طويلة، وقال ~~آخر: # (لعمرك لا أدري وإني لأوجل * على أينا تعدو المنية أول) أي: (لوجل). ~~والقول الثاني في الآية أن معناه: وهو أهون عليه على ما يقع في عقولهم؛ فإن ~~الذي يقع في عقول الخلق أن الإعادة أهون من الإنشاء، ويقال معناه: هو أهون ~~على الخلق؛ لأن من ابتدأ شيئا مما يشق عليه، فإذا (أعاد) ثانيا يكون أسهل ~~وأهون. # وقوله: * (وله المثل الأعلى) أي: الصفة الأعلى، والصفة الأعلى أنه لا ~~شريك له وليس كمثله شيء، قاله ابن عباس. وقال قتادة: الصفة الأعلى أنه لا ~~إله إلا الله. # وقوله: * (في السماوات والأرض) يعني: هذه صفة له عند أهل السماوات ~~والأرض. # وقوله: * (وهو العزيز الحكيم) أي: العزيز من حيث الانتقام، الحكيم من حيث ~~التدبير. PageV04P207 # * (مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم ~~فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقم يعقلون (28) ~~بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ~~ناصرين (29)) * * قوله تعالى: * (ضرب لكم مثلا من أنفسكم) أي: شبها من ~~مثالكم، ثم ذكر الشبه فقال: * (هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء فيما ~~رزقناكم) ومعناه: هل لكم في أموالكم شركاء من عبيدكم يساونكم فيها؟ فإذا لم ~~ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف ترضونه لي وتصفونني به؟. # وقوله: * (فيما رزقناكم) أي: فيما أعطيناكم من الرزق والمال. # وقوله: * (فأنتم فيه سواء) إشارة إلى ما قلنا. # وقوله: * (تخافونهم كخيفتكم أنفسكم) أي: تخافون من مشاركتهم لكم ms1263 في ~~أموالكم كما تخافون من أمثالكم، وهو الشريك الحر من الشريك الحر، وأنفسكم ~~هنا بمعنى أمثالكم، وفيه قول آخر قاله سعيد بن جبير، وهو أن الآية نزلت في ~~تلبية المشركين، فإنهم كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك، لا شريك لك إلا ~~شريكا هو لك، تملكه وما ملك. # وقوله: * (تخافونهم كخيفتكم أنفسكم) أي: تخافونهم في اللائمة كما تخافون ~~لائمة أمثالكم. # وقوله: * (كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون) أي: ينظرون إلى هذه الدلائل ~~بعقولهم. # قوله تعالى: * (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم) الأهواء جمع الهوى، والهوى ~~ما يهواه الإنسان، وعن بعضهم: الهوى أعظم معبود. # وقوله: * (بغير علم) أي: اتبعوا أهواءهم جهلا بما لا [يجب] عليهم. # وقوله: * (فمن يهدي من أضل الله) أي: أضله الله. PageV04P208 # * (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل) * * ~~وقوله: * (وما لهم من ناصرين) أي: يمنعهم من عذابنا. # قوله تعالى: * (فأقم وجهك للدين حنيفا) أي: أخلص دينك لله، وإقامة الوجه ~~هو إقامة الدين، وقد بينا معنى الحنيف. # وقوله: * (فطرة الله التي فطر الناس عليها) أما نصب الفطرة على الإغراء ~~أي: الزم فطرة الله التي فطر الناس عليها، واختلفوا في هذه الفطرة، فمنهم ~~من قال: إن الفطرة هاهنا بمعنى الدين. # وقوله: * (فطر الناس عليها) أي: خلق الناس عليها، ويقال هذا القول عن ابن ~~عباس والكلبي ومقاتل وغيرهم. وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' كل مولود يولد ~~على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه '. # وثبت أيضا عن النبي أنه قال فيما يحكى عن ربه أنه قال: ' خلقت عبادي ~~حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم '. # فإن قيل: كيف يستقيم هذا على أصولكم، وعندكم أن الله تعالى خلق الناس ~~صنفين: مؤمنين، وكافرين؟ هذه الآية والأخبار تدل على أن الله تعالى خلق ~~عباده مؤمنين؛ وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أخرج ذرية ~~آدم من صلبه، وخاطبهم بقوله: * (ألست بربكم) فأقروا بالعبودية والإيمان، ~~فالناس يولدون على ذلك، والجواب عنه: أن أهل العلم اختلفوا في هذا، فحكى ~~النحاس في تفسيره عن ابن ms1264 المبارك: أن الآية في المؤمنين خاصة، وحكى أبو ~~(عبيد) في غريب الحديث عن محمد بن الحسن أنه قال: هذا قبل نزول الأحكام ~~والأمر بالجهاد، كأنه أشار إلى أن الآية منسوخة، ثم ذكر النحاس أن كلا ~~المعنيين ضعيف. PageV04P209 # أما [ما] ذكره ابن المبارك فهو مجرد تخصيص، وليس عليهم دليل، وأما ما ~~ذكره محمد بن الحسن فهو إثبات النسخ في الأخبار، والأخبار لا يرد عليها ~~النسخ، والصحيح في معنى الآية والخبر أن معنى الفطرة هو أن كل إنسان يولد ~~على أنه متى سئل: من خلقك؟ فيقول: الله خلقني، هو المعرفة التي تقع في أصل ~~الخلقة. # قال أبو (عبيد) الهروي: وهو معرفة الغريزة والطبيعة، وإلى هذا وقعت ~~الإشارة في قوله: * (ولئن سألتهم من خلقكم ليقولون الله) وبهذا القدر لا ~~يحصل الإيمان المأمور به، فالناس خلقوا على هذه الفطرة، وأما حقيقة الإيمان ~~وحقيقة الكفر فالناس من ذلك على قسمين على ما ورد به الكتاب والسنة. قال ~~الزجاج والنحاس: وهذا قول أهل السنة. وهذا القول اختيار ابن قتيبة أيضا. # وقوله: * (لا تبديل لخلق الله) على هذا القول أي: لا أحد يرجع إلى نفسه ~~إلا ويعلم أن له إلها وخالقا. # والقول الثاني في الآية: هو أن فطرة الله هاهنا بمعنى دين الله، فالخلق ~~يولدون على العهد الذي أخذ عليهم يوم لميثاق، وهو فطرة الله، وهذا القول ~~حكي عن الأوزاعي وحماد بن سلمة. # وقد ورد في الخبر الذي روينا، وهو قوله: ' كل مولود يولد على افطرة ~~فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتج البهيمة بهيمة هل تحسون فيها من جدعاء ~~'؟! قال: اقرءوا إن شئتم: * (فطرة الله التي فطر الناس عليها). # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث على الفظ محمد بن. عبد الله بن ~~محمد ابن أحمد، قال: أخبرنا أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، ~~أخبرنا الغدافري، أخبرنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ~~سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي.. الحديث. PageV04P210 # * (لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) منيبين ms1265 ~~إليه واتقوه) * * وفي الآية قول ثالث: وهو ما روى أبو عبيد الهروي في ~~الغريبين عن ابن المبارك قال: قوله: ' على الفطرة ' أي: على ابتداء الخلقة ~~التي فطر عليها الإنسان في الرحم من سعادة أو شقاوة، فأبواه يهودانه يعني: ~~في حكم الدنيا. وقد صحح كثير من أهل المعاني ما ذكرناه من قبل، وهو أن ~~الآية في المسلمين خاصة، وهو عموم بمعنى الخصوص. # وقوله: * (لا تبديل لخلق الله) فيه أقوال: أحدها: ما بينا من قبل، والقول ~~الثاني: لا تبديل لخلق الله أي: لا ينقلب السعيد شقيا، ولا الشقي سعيدا إذا ~~خلق على أحدهما. # والقول الثالث: لا تبديل لخلق الله أي: لا أحد يثق مثل خلق الله، ومعناه: ~~أنه لا خالق غيره. # وعن عكرمة قال: لا تبديل لخلق الله: هو تحريم الإخصاء. # وقد اختلف العلماء فيه، منهم من حرم في الكل، ومنهم من أباح في جميع ~~البهائم سوى الآدمي، ومنهم من أباح في جميع البهائم سوى الفرس؛ لأن فيه قطع ~~النسل، والنسل يقصد في الخيل ما لا يقصد في غيره. وروى عن النبي أنه قال: ' ~~خير المال سكة مأبورة، وفرس مأمورة '. والسكة المأبورة هي النخل المصطفة ~~التي قد أبرت، والفرس المأمورة كثيرة النتاج. # وأما إذا حملنا الفطرة على الدين فقوله: * (لا تبديل لخلق الله) خبر ~~بمعنى الأمر، كأنه قال: لا تبدلوا دين الله. وقد ورد في الخير: الفطرة ~~بمعنى كلمة الإسلام. # روى البراء بن عازب أن النبي قال: ' إذا أخذ أحدكم مضجعه ثم قال: اللهم ~~أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجا منك ~~إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، قال: فإن مات مات ~~على الفطرة '. # وقد وردت الفطرة بمعنى السنة، وذلك في الخبر المعروف عن النبي أنه قال: ' ~~عشر من الفطرة ' أي: من السنة الخبر. # وقوله: * (ذلك الدين القيم) أي: الدين المستقيم، ويقال: الحساب المستقيم. # وقوله: * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ظاهر المعنى، وأنشدوا في الفطرة ~~قول كعب بن مالك شعرا: (إن تقتلونا فدين ms1266 الله فطرتنا * والقتل في الحق عند ~~الله تفضيل) قوله تعالى: * (منيبين إليه أي: اتبعوا دين الله * (منيبين ~~إليه) أي: راجعين [إليه]. قال الحسن البصري: راجعين إلى الله بصلاتكم ~~وأعمالكم. وعن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: المنيب هو الذي يمشي على ~~الأرض وقلبه عند الله. فإن قيل: كيف يستقيم قوله: * (منيبين) وقد خاطب غب ~~الابتداء واحدا، وهو الرسول بقوله: * (فأقم وجهك للدين حنيفا)؟ والجواب ~~عنه، أن قوله: * (فأقم وجهك) أي: فأقم وجهك وأمتك معك منيبين إلى الله، ~~وحقيقة المعنى: اتبعوا الدين القيم منيبين إلى الله. PageV04P211 # * (وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم ~~منيبين إليه ثم إذا) * * وقوله: * (واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من ~~المشركين) أي: الجاحدين. # قوله تعالى: * (من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا) أي: تركوا دينهم، ~~وقرئ: ' فرقوا دينهم ' أي: تفرقوا في دينهم. وفي الآية أقول، أظهر ~~الأقاويل: أن المراد منهم اليهود والنصارى. # وقد روى في بعض الأخبار: ' أن اليهود افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، ~~والنصارى افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ~~فرقة، كلها في النار إلا واحدة '. # والقول الثاني: أن المراد من الآية هم الخوارج، حكى هذا عن أبي أمامة ~~الباهلي. # والقول الثالث: أن المراد من الآية أهل الأهواء والبدع، وقد روى هذا في ~~خبر مسند عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي قال لها: ' إن الذين فارقوا ~~دينهم وكانوا شيعا هم أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة، يا عائشة، إن لكل ~~قوم توبة إلا أهل الأهواء والبدع فليس لهم توبة، أنا منهم برئ، وهم مني ~~براء '. # وقوله: * (كل حزب بما لديهم فرحون) أي: راضون بما عندهم. وقال بعض أهل ~~PageV04P213 # * (أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم ~~فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا ~~يشركون (35) وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم إذا هم ms1267 يقنطون) * * اللغة: الحزب بمعنى الناصر، قال الشاعر: (أم كيف ~~أخنوا وبلال حزبي *) أي: ناصري قوله تعالى: * (وإذا مس الناس ضر) أي: شدة. # وقوله: * (دعوا ربهم منيبين إليه) أي: منقلبين إليه بالدعاء، ومعناه: ~~أنهم إذا وقعوا في الشدة تركوا دعاء الأصنام، ودعوا الله وحده. # وقوله: * (ثم إذا أذاقهم منه رحمة) أي: كشف الشدة عنهم برحمته. # وقوله: * (إذا فريق منهم بربهم يشركون) أي: عادوا إلى رأس شركهم. # قوله تعالى: * (ليكفروا بما آتيناهم) قد بينا من قبل. # وقوله: * (فتمتعوا فسوف تعلمون) صورة أمر بمعنى التهديد، وقرأ ابن مسعود: ~~' وليتمتعوا فسوف يعلمون '. # قوله تعالى: * (أم أنزلنا عليهم سلطانا) أي: حجة وعذرا، ويقال: أم أنزلنا ~~عليهم سلطانا أي: كتابا ينطق بشركهم، وهذا معنى قوله تعالى: * (فهو يتكلم ~~بما كانوا به يشركون). # قوله تعالى: * (وإذا أذقنا الناس رحمة) أي: الخصب وكثرة المطر، ويقال: ~~الأمن والعافية. # وقوله: * (فرحوا بها) الفرح هاهنا فرح البطر وترك الشكر. # وقوله: * (إن تصبهم سيئة) أي: الجدب وقلة المطر، ويقال: الخوف والبلاء. ~~PageV04P214 # (* (36) أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون (37) فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين ~~يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) وما آتيتم من ربا ليربو في أموال ~~الناس فلا يربو عند الله) * * وقوله: * (بما قدمت أيديهم) يعني: من الذنوب. # وقوله: * (إذا هم يقنطون) أي: ييأسون، وهذا علامة غير المؤمنين، فأما ~~علامة المؤمنين فهو شكر الله عند النعمة، ورجاء الكشف عند الشدة. # وقوله تعالى: * (أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء). # وقوله: * (ويقدر) أي: يضيق. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) أي: يصدقون. # قوله تعالى: * (فآت ذا القربى حقه) أكثر المفسرين على أن المراد من إيتاء ~~ذي القربى هاهنا صلة الرحم بالعطية والهدية، وقال قتادة: من لم يعط قرابته، ~~ويمشي إليه برجليه فقد قطع رحمه. وقد حمل بعضهم الآية على إعطاء ذوي قربى ~~الرسول. # قوله: * (والمسكين) أي: الطواف. # وقوله: * (وابن السبيل) أي: المسافر، وقيل: الضيف. # وقد صح ms1268 أن النبي قال: ' من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه '. # وروى عنه عليه الصلاة والسلام قال: ' الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم ~~وليلة '. # قال مالك: ومعنى الجائزة أنه يتكلف له في يوم وليلة، وأما ما سوى ذلك ~~فيقدم إليه ما حضر. # وقوله: * (ذلك خير للذين يريدون وجه الله) أي: يطلبون رضا الله عنه. # وقوله: * (وأولئك هم المفلحون) أي: الفائزون. # قوله تعالى: * (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس) أكثر أهل ~~التفسير أن PageV04P215 # * (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله الذي ~~خلقكم ثم) * * المراد من الآية هو أن يعطي الرجل غيره عطية ليعطيه أكثر ~~منها، وهذا جائز للناس أن يفعلوا غير أنه في القيامة لا يثاب عليه، فهو ~~معنى قوله: * (فلا يربوا عند الله) وقد كان هذا الفعل حراما على النبي، قال ~~الله تعالى له: * (ولا تمنن تستكثر) أي: لا تعط وتطلب أن تعطى أكثر مما ~~أعطيت. وعن إبراهيم النخعي قال: كان الرجل يعطى صديقه مالا ليكثر مال ~~الصديق، ولا (يرد) به وجه الله، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وقرئ ' ~~لتربوا في أموال الناس ' من أموال الناس ' فلا يربوا عند الله ' أي: لا ~~يكثر عند الله. # وقوله: * (وما آتيتم من زكاة) أي: صدقة. # وقوله: * (تريدون وجه الله) قد بينا. # وقوله: * (فأولئك هم المضعفون) أي: ذو الأضعاف. # تقول العرب: القوم مسمنون ومهزلون وملبنون، والمعنى ما بينا. قال الشاعر: ~~((يخبرهم على حذر وقالت * بنى (معلكم) بظل مسيف) أي: ذو سيف. # قوله تعالى: * (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم) الآية ~~ظاهر المعنى. # وقوله: * (هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ) أي: مثل ذلكم من شئ. # وقوله: * (سبحانه وتعالى عما يشركون) قد بينا من قبل. PageV04P216 # * (رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ~~سبحانه وتعالى عما يشركون (40) ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأرض فانظروا ~~كيف) ms1269 * * قوله تعالى: * (ظهر الفساد في البر والبحر) في الآية أقول: أحدها: ~~ما روى عن ابن عباس أنه قال: الفساد في البر هو قتل أحد ابني آدم أخاه، ~~والفساد في البحر هو غصب الملك السفينة، فكلاهما في القرآن. # وعن الضحاك قال: كانت الأرض خضرة زهرة نضرة مؤنقة، وكان لا يأتي ابن آدم ~~شجرة إلا وجد عليها ثمرة، وكان ماء البحر عذبا، وكان لا يقصد الأسد البقر ~~والغنم، ولا السنور الفأرة، وما أشبه ذلك، فلما قتل أحد بني آدم أخاه ~~اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار، وصار ماء البحر ملحا زعاقا، وقصد الحيوانات ~~بعضها بعضا. # والقول الثاني في الآية أن المراد من الفساد في البر هو الجدوبة والقحط، ~~والفساد في البحر قلة المطر، فإن قيل: وأي فساد بقلة المطر في البحر والبر؟ ~~قلنا: أما في البر فظهور الشدة والقحط، وأما في البحر فقد قالوا: إنه إذا ~~لم يأت المطر في البحر عميت دواب البحر، ويقال: إذا لم يأت المطر في البحر ~~خلت أجواف الأصداف من اللؤلؤ، فإن الصدف إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه ~~البحر، ويفتح فاه، فما يقع فيه يصير لؤلؤا. # والقول الثالث في الآية - وهو الأظهر - أن البر هو البوادي والمفازة، ~~والبحر هو القرى والأمصار، والعرب تسمى كل قرية أو مصر على ماء جار بحرا. # وقوله: * (بما كسبت أيدي الناس) أي: بما أذنبوا، وقد قال الله تعالى: * ~~(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء). # وقوله: * (ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) أي: يرجعون إلى الله ~~بالتوبة. # قوله تعالى: * (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل) ~~أي: آخر أمر الذين كانوا من قبل. PageV04P217 # * (كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم ~~من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ~~ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~فضله إنه) * * وقوله: * (كان أكثرهم مشركين) أي: بالله. # قوله تعالى: * (فأقم وجهك للدين ms1270 القيم) أي: اقصد جهة الدين القيم، وقيل: ~~سدد عملك للدين القيم، ويقال: استقم على الدين القيم. # وقوله: * (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له) أي: القيامة لا يقدر أحد على ~~رده من الله. # وقوله: * (يومئذ يصدعون) أي: يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير. # قال الشاعر: # (وكنا كندمانى جذيمة حقبة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا) أي: لن يتفرقا. # وقوله تعالى: * (من كفر فعليه كفره) أي: وبال كفره. # وقوله: * (ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون) أي: موطئون المضاجع، ويقال: ~~يبسطون الفرش، قال الشاعر: # (أمهد لنفسك حان السقم والتلف * ولا تضيعن نفسا ما لها خلف) وقوله: * ~~(ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات) الريح: جسم رقيق يجري ~~في الجو يمينا وشمالا على ما دبر من حركاته في جهاته ممتنع القبض عليه ~~للطفه. وعن عبد الله بن عمرو قال: الرياح أربعة للرحمة، وأربعة للعذاب، ~~وجملتها ثمانية: فالتي للرحمة: المبشرات، والناشرات، والذاريات، والمرسلات، ~~والتي للعذاب: العقيم، والصرصر في البر، والعاصف، والقاصف في البحر. ~~PageV04P218 # * (لا يحب الكافرين (45) ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من ~~رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا ~~من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان ~~حقا علينا نصر) * * وقوله: * (وليذيقكم من رحمته) أي: المطر، ويقال: طيب ~~الريح ولذتها. # وقوله: * (ولتجري الفلك بأمره) أي: لتجري الفلك في البحر بهذه الرياح ~~بأمره. # وقوله: * (ولتبتغوا من فضله) أي: لتطلبوا من فضل الله تعالى بالتجارات في ~~البحر. # وقوله: * (ولعلكم تشكرون) يعني: تشكرون الله تعالى. # قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات) ~~أي: بالدلالات. # وقوله: * (فانتقمنا من الذين أجرموا) أي: أجرموا بالتكذيب. # وقوله: * (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) أي: نصرة المؤمنين بإنجائهم، ~~وقيل: نصرة المؤمنين بالذب عنهم، ودفع العذاب [عنهم]. # وفي بعض المسانيد برواية أم الدرداء أن النبي قال: ' من ذب عن غرض أخيه ~~المسلم كان حقا على ms1271 الله أن يرد عنه النار يوم القيامة، ثم تلا قوله تعالى: ~~* (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) '. # وقوله تعالى: * (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا) أي: ينشر السحاب، ~~وفي بعض التفاسير أن الله تعالى يرسل ريحا فتقم الأرض قما، ثم يرسل ريحا ~~فتدر PageV04P219 # * (المؤمنين (47) الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء ~~كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من ~~عباده إذا هم يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله ~~لمبلسين (49) فانظر إلى) * * السحاب بالمطر، فهذا معنى الآية. # وقوله تعالى: * (فيبسطه في السماء كيف يشاء) أي: مسيرة يوم ومسيرة يومين ~~وأكثر على ما يشاء. # وقوله: * (ويجعله كسفا) أي: قطعا. # وقوله: * (فترى الودق يخرج من خلاله) قرأ الضحاك ' ' من خلله '، والودق: ~~المطر، قال الشاعر: # (فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها) وقيل: الودق: هو البرق، ~~والأول أظهر. # وقوله: * (فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون) أي: يبشر ~~بعضهم بعضا. # وقوله: * (وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين) أي: آيسين. ~~وفي حرف ابن مسعود: ' وإن كانوا من قبل أن ننزل عليهم من قبله لمبلسين '. # فإن قيل: فما معنى تكرار قوله: * (من قبل) هاهنا، وأي فائدة فيه؟ والجواب ~~عنه من وجهين: أحدهما: أنه على طريق التأكيد وهو قول أكثر أهل النحو، ~~والعرب تفعل كثيرا مثل هذا. والثاني: أن معناه: من قبل: السحاب، ' ومن قبل، ~~إنزال المطر؛ فأحدهما يرجع إلى إنزال المطر، والأخر يرجع إلى إنشاء السحاب. # قوله تعالى: * (فانظر إلى آثار رحمة الله) وقرئ: ' أثر رحمة الله ' ~~والآثار جمع PageV04P220 # * (آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على ~~كل شيء قدير (50) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) ~~فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما أنت ~~بهاد العمي عن) * * الأثر، والأثر بمعنى الآثار. # وقوله: * (كيف يحيي الأرض بعد موتها) أي: كيف يحيي الله الأرض ms1272 بالمطر بعد ~~موتها؟ فهو يحيي الموتى يوم القيامة. وقد قال بعضهم: يحيي الأرض بعد موتها ~~أي: القلوب الغافلة بنور العلم واليقين والتفسير. # وقوله: * (وهو على كل شيء قدير) أي: قادر. # قوله تعالى: * (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا) فيه قولان: أحدهما: رأوا ~~الريح مصفرا، وإذا كان الريح على هذا الوجه لم ينفع. والقول الثاني وهو ~~المعروف فرأوه مصفرا أي: رأوا الزرع مصفرا. # وقوله: * (لظلوا من بعده يكفرون) يقال: ظل فلان يفعل كذا أي: جعل يفعل ~~كذا وهو مثل قولهم: أضحى فلان يفعل كذا، إلا أن قوله ظل يفعل في العادة ~~تستعمل في جميع النهار، وقوله أضحى تستعمل في أول النهار. # وقوله: * (يكفرون) أي: يجحدون، وقيل: يكفرون النعمة. # قوله تعالى: * (فإنك لا تسمع الموتى) أي: الكفار، وجعلهم بمنزلة الميت؛ ~~لأنهم لم ينتفعوا بحياتهم. # وقوله: * (ولا تسمع الصم الدعاء) جعلهم بمنزلة الصم؛ لأنهم لم ينتفعوا ~~بأسماعهم. # وقوله: * (إذا ولوا مدبرين) أي: معرضين، فإن قيل: الأصم لا يسمع سواء ~~أقبل أو أدبر، فأيش معنى هذا الكلام؟ والجواب عنه: إذا كان مقبلا إن لم ~~يسمع يفهم بالإشارة، وإذا كان مدبرا لم يسمع ولا يفهم بالإشارة. ~~PageV04P221 # * (ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (53) الله الذي خلقكم ~~من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء ~~وهو العليم) * * قوله تعالى: * (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم) أي: بصارف ~~العمي عن ضلالتهم، والعمي هم الكفار. ويقال: بمرشد العمى من ضلالتهم. # وقوله: * (إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) أي: ما تسمع إلا من يؤمن ~~بآياتنا. # وقوله: * (فهم مسلمون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (الله الذي خلقكم من ضعف) وقرئ: ' من ضعف ' بالفتح والضم ~~جميعا، وهما بمعنى واحد. والأولى ' من ضعف ' بالضم لما روي عن عطية أنه ~~قال: ' قرأت على عبد الله بن عمر هذه الآية، فقرات: ' من ضعف ' بالنصب، ~~فقال: ' من ضعف ' بالضم، وقال: أخذ على رسول الله كما أخذته عليك '. # وقوله: * (من ضعف) أي: من ماء مهين، وقيل: ms1273 من ذي ضعف. # وقوله: * (ثم جعل من بعد ضعف قوة) أي: شبابا، وهو وقت القوة. # وقوله: * (ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة) وهو الهرم والشيب، [والشيب]: ~~نذير الموت، قال الشاعر: # (رأيت الشيب من نذر المنايا * لصاحبه وحسبك من نذير) وقوله: * (يخلق ما ~~يشاء وهو العليم القدير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون) أي: يحلف المجرمون. ~~PageV04P222 # * (القدير (54) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك ~~كانوا يؤفكون (55) وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع ~~الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن ~~من كل مثل ولئن جئتهم بآية) * * وقوله: * (ما لبثوا غير ساعة) أي: في ~~قبورهم، وقيل: في الدنيا، وإنما قالوا ذلك من هول ما رأوا من القيامة؛ ~~فنسوا ما كان قبل ذلك. # وقوله: * (كذلك كانوا يؤفكون) أي: يصرفون عن الحق. # قوله تعالى: * (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله) ~~أي: في حكم الله وعلمه، قال الشاعر: # (ومال لولاء بالبلاء فملتم * وما ذاك قال الله [إذ] هو يكتب) أي: يحكم، ~~وقيل: في الآية تقديم وتأخير ومعناه: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله ~~والإيمان لقد لبثتم إلى يوم البعث. # وقوله: * (فهذا يوم البعث) أي: القيامة. # وقوله: * (ولكنكم كنتم لا تعلمون) أي: لا تعلمون أن القيامة حق. # قوله تعالى: * (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم) أي: عذرهم، ~~والمعذرة: إظهار ما يسقط اللائمة. # وقوله: * (ولا هم يستعتبون) أي: لا يستبانون. وقيل: لا يطلب منهم العتبى. # قوله تعالى: * (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) أي: من كل ~~شبه. # وقوله: * (ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون) ظاهر ~~المعنى. # وقوله تعالى: * (كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون) الطبع والختم ~~بمعنى واحد، وهو الذي يمنع القلب من البصر. وقد روي عن النبي أنه قال: ~~PageV04P223 # * (ليقولن الذين كفروا إن أنتم ms1274 إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب ~~الذين لا يعلمون (59) فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ~~(60)) * * ' أعوذ بالله من طمع يدني إلى طبع '، قال الأعشي: # (له أكاليل بالياقوت فضلها * صواعها لا ترى عيبا ولا طبعا) قوله تعالى: * ~~(فاصبر إن وعد الله حق) يعني: وعد القيامة. # وقوله تعالى: * (ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) أي: لا يستهجلنك؛ فإن ~~الخفة تؤدي إلى الجهل، ومعناه: لا يحملنك الذين لا يوقنون وأتباعهم في ~~الغي، فأمره الله تعالى بالصبر على الحق وترك أتباعهم في الضلالات، وأن لا ~~يصغي إلى أقوالهم. وقد روي أن عليا رضي الله عنه كان يصلي مرة فناداه رجل، ~~وقال: لا حكم إلا لله، وكان الرجل من الخوارج؛ فقرأ علي في صلاته: * (فاصبر ~~إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون). PageV04P224 # بسم الله الرحمن الرحيم * (ألم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة ~~للمحسنين (3) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) ~~أولئك على هذى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث ليضل عن) * * تفسير سورة لقمان كلها مكية إلا ثلاث آيات نبينها إذا ~~وصلنا إليها، والله أعلم. # قوله تعالى: * (ألم تلك آيات الكتاب الحكيم) أي: المحكم بالحلال والحرام ~~وذكر الأحكام، ويقال: بالوعد والوعيد، والثواب والعقاب. وقال بعضهم: الحكيم ~~الذي يبين الحكمة، كالحكيم الذين ينطق بالحكمة. # وقوله: * (هدى ورحمة) الأكثرون قرءوا بالنصب، قال الزجاج: هو نصب على ~~الحال. وقرا حمزة: ' هدى ورحمة ' أي: هو هدى ورحمة، ومعناه: بيان من ~~الضلالة، ورحمة من العذاب. # وقوله: * (للمحسنين) أي: للمسلمين، والمسلم محسن إلى نفسه، وقد صح الخبر ~~أن النبي سئل عن الإحسان فقال: ' أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه ~~فإنه يراك '. ويقال: المحسن هو الذي يحب للناس ما يحب لنفسه. # وقوله: * (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون) قد ~~بينا. # قوله تعالى: * (أولئك على هدى من ربهم) وقوله: * (وأولئك هم المفلحون) ~~أي: السعداء، ويقال: الناجون، وقيل: هم الذين أدركوا ما أملوا، ونجوا ms1275 مما ~~عنه هربوا. # قوله تعالى: * (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) ذكر الكلبي ومقاتل أن ~~الآية PageV04P225 # نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة، وكان يأتي الحيرة فيشتري أحاديث العجم، ~~وكان النبي إذا قرأ القرآن، قام وقال: أيها الناس إن محمدا يحدث عن عاد ~~وثمود، وأنا أحدثكم عن رستم واسفنديار والعجم، فأنا أحسن حديثا منه، فأنزل ~~الله تعالى فيه هذه الآية. # وروى أبو أمامة الباهلي عن لنبي أنه قال: ' حرام تعليم المغنيات وبيعهن ~~وشرائهن وأثمانهن حرام، ثم تلا قوله تعالى: * (ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث) وقال: ما من رجل رفع عقيرته بالغناء إلا ويأتي شيطانان، فيقعد ~~أحدهما على كتفه الأيمن، والآخر على كتفه الأيسر، ويضربان برجلهما على ظهره ~~وصدره حتى يكون هو يسكت '. # وعن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة وأكثر ~~المفسرين أن الآية نزلت في الغناء، وكان عبد الله بن مسعود يحلف على ذلك. ~~وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يقولون الغناء ينبت النفاق في القلب. قال ~~إبراهيم: وكانوا يسدون أفواه السكك ويخرقون الدفوف. وعن الضحاك قال: * (ومن ~~الناس من يشتري لهو الحديث) هي الشرك بالله. وعن ابن جريج: هو الطبل. وفي ~~الأخبار المسندة أن النبي قال: ' هو المعازف والقيان '. وعن سهل بن عبد ~~الله التستري قال: لهو الحديث هو الجدال في الدين، والخوض في الباطل. # وقوله: * (ليضل عن سبيل الله) أي: دين الله، وقرئ ' ليضل عن سبيل الله '. ~~PageV04P226 # * (سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) وإذا تتلى ~~عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم ~~(7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين فيها وعد ~~الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في ~~الأرض رواسي أن) * * بفتح الياء، فقوله: * (ليضل) أي: ليضل غيره. # وقوله: * (ليضل) أي: ليصير إلى الضلال. # وقوله: * (بغير علم ويتخذها هزوا) أي: يتخذ آيات الله هزوا، ويقال: يتخذ ~~سبيل الله هزوا، والسبيل يذكر ويؤنث، قال الشاعر: # (تمنى ms1276 رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد) وقوله: * (أولئك ~~لهم عذاب مهين) ظاهر المعنى، وقد بينا من قبل. # قوله تعالى: * (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها) أي: ~~كأن لم يسمع الآيات. # وقوله: * (كأن في أذنيه وقرا) أي: صمما، وإنما جعله كذلك؛ لأنه لم ينتفع ~~بما يسمع، فصار بمنزلة الأصم، والوقر هو الثقل في الأذن. # وقوله: * (فبشرناه بعذاب أليم) أي: مؤلم، ومعنى المؤلم: هو الموجع. # قوله تعالى: * (إن الذين آمنوا وعملوا لصالحات لهم جنات النعيم خالدين ~~فيها وعد الله حقا) ومعناه: مقيمين في الجنة كما وعد الله. # وقوله: * (وهو العزيز الحكيم) والعزيز هو المنتقم من أعدائه، والحكيم هو ~~المصيب في تدبير خلقه. # قوله تعالى: * (خلق السماوات بغير عمد) أي: بغير عمد كما، ترونها، ~~والمعنمى الثاني: أي بغير عمد ترونه، وثم عمد لا ترونها، وذلك العمد هو ~~قدرة الله تعالى، قال الله تعالى: * (إن الله يمسك السماوات والأرض أن ~~تزولا). # وقوله: * (وألقى في الأرض رواسي) أي: جبالا ثوابت، وذكر السدي أن الله ~~PageV04P227 # * (تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من ~~كل زوج كريم (10) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون ~~في ضلال مبين) * * تعالى خلق الأرض فجعلت تميل؛ فقالت الملائكة: يا ربنا، ~~هذه الأرض لا يستقر على ظهرها أحد، فأصبحوا وقد أرسى الله تعالى بالجبال. ~~فقالوا: يا ربنا، هل خلقت شيئا أشد من الجبال؟ قال: نعم؛ الحديد. قالوا: يا ~~ربنا، وهل خلقت شيئا أشد من الحديد؟ قال: نعم؛ النار. قالوا: وهل خلقت شيئا ~~أشد من النار؟ قال: نعم؛ الماء. قالوا: وهل خلقت شيئا أشد من الماء؟ قال: ~~نعم؛ الريح. قالوا: وهل خلقت شيئا أشد من الريح؟ قال: نعم؛ الآدمي. وقد ~~أسند هذا بعضهم إلى رسول الله، وفي آخر الخبر: ' الآدمي يتصدق فيخفي صدقته ~~حتى لا تعلم شماله ما تصدقت يمينه، فهو أقوى من الجميع '. # وقوله: * (أن تميد بكم) أي: لئلا تميد بكم، ويقال: كراهة أن تميد ms1277 بكم، ~~والميد: هو الميل. # وقوله: * (وبث فيها من كل دابة) أي: فرق فيها من كل دابة، والدابة كل ~~حيوان يدب على الأرض. # وقوله: * (وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم) أي: صنف ~~حسن. # قوله تعالى: * (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) أي: الذين ~~يعبدون من دونه، وهم الأصنام، وقد روي عن بعض السلف قال: ما رأيت شيئا إلا ~~ورأيت الله فيه. وذكر بعضهم هذا عن عامر بن عبد قيس وهو عامر بن عبد الله، ~~وهو تلو أويس القرني في زهاد التابعين رضي الله عنهم ورءوس الزهاد من ~~التابعين PageV04P228 # (* (11) ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ~~ومن كفر) * * ثمانية نفر: أولهم أويس، ثم عامر بن عبد قيس، ثم هرم بن حيان، ~~ثم أبو مسلم الخولاني، ثم الأسود، ثم مسروق بن الأجدع، ثم الربيع بن خثيم، ~~ثم الحسن. # وقوله: * (بل لظالمون في ضلال مبين) أي: في خطأ بين. # قوله تعالى: * (ولقد آتينا لقمان الحكمة) اختلفوا في لقمان. هل كان نبيا ~~أو لم يكن نبيا؟ فذهب أكثر أهل العلم أنه لم يكن نبيا. # وقال الشعبي وعكرمة: إنه كان نبيا. وعن بعضهم: أن الله تعالى خيره بين ~~النبوة والحكمة، فاختار الحكمة؛ نام نومة فذريت الحكمة على لسانه، فانتبه ~~ينطق بالحكمة. وذكر بعضهم أنه سئل: لم اخترت الحكمة على النبوة؟ فقال: خشيت ~~أن أضعف عنها، ولو كان الله أعطانيها ابتداء ولم يخبرني أعانني عليها، فلما ~~خيرني خشيت الضعف. # وعن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان عبدا أسود من سودان مصر. وعن غيره ~~قال: كان عبدا حبشيا غليظ الشفتين متشقق القدمين، وحكي أن عبدا أسود سأل ~~سعيد بن المسيب عن مسألة فأجاب، ثم قال له: لا يحزنك سوادك، فقد كان قبلك ~~ثلاثة من السودان هم من خير الناس، ثم ذكر لقمان الحكيم، وبلالا مؤذن رسول ~~الله، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، وهو أول شهيد في الإسلام، استشهد يوم بدر. # واختلفوا في صناعة لقمان؛ فقال بعضهم: ms1278 كان خياطا. وقال بعضهم: كان نجارا. ~~وقال بعضهم: كان راعي غنم. فروي أن بعضهم لقيه وهو يتكلم بالحكمة فقال: ~~ألست فلانا الراعي! فبم بلغت ما بلغت؟ فقال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، ~~وتركي ما لا يعنيني. # ومن (حكمه) المنقولة: أن مولاه دفع إليه شاة وقال: اذبحها وائتني بأطيب ~~مضغتين منها، فجاءه بلسانها وقلبها، فسأله مولاه عن ذلك، فقال: لا شيء أطيب ~~PageV04P229 # * (فإن الله غني حميد (12) وإذا قا لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك ~~بالله إن الشرك لظلم عظيم (13) ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على ~~وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) وإن جاهداك على ~~أن تشرك بي ما) * * منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وعن وهب بن ~~منبه قال: تكلم لقمان باثني عشر ألف باب من الحكمة، أدخلها الناس في كلامهم ~~ووصاياهم. # ومعنى الحكمة المذكورة في هذه الآية هو الفقه والإصابة في القول. ويقال: ~~العقل الكامل. # وقوله: * (أن اشكر لله) أي: على نعمه. # وقوله: * (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) أي: منفعة الشكر تعود إليه. # وقوله: * (ومن كفر فإن الله غني حميد) أي: غني عن خلقه، محمود في فعله. # قوله تعالى: * (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه) يقال: كان اسم ابنه مشكم، ~~ويقال: أنعم، وقيل: غيره. # وقوله: * (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) أي: لا تعدل بالله ~~أحدا في الربوبية. # وقوله: * (إن الشرك لظلم عظيم) الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، من أشرك ~~مع الله غيره فقد وضع الشيء في غير موضعه. # قوله تعالى: * (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن) أي: ضعفا ~~على ضعف، ويقال: مشقة على مشقة. قال الزجاج: المرأة إذا حملت توالى عليها ~~الضعف والمشقة. ويقال: الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف. # وقوله: * (وفصاله في عامين) أي: فطامه في عامين، والحولان نهاية مدة ~~الفطام. # وقوله: * (أن اشكر لي ولوالديك) قال سفيان بن عيينة: من صلى الصلوات ~~الخمس في مواقيتها فقد شكر الله تعالى، ومن استغفر لأبويه ms1279 في كل صلاة فقد ~~شكر PageV04P230 # * (ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من ~~أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) يا بني إنها إن تك ~~مثقال حبة من خردل) * * أبويه. # وقوله: * (إلى المصير) أي: إلى المرجع. # قوله تعالى: * (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم) قد بينا ~~معنى هذه الآية، وذكرنا أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقال بعضهم: الآية ~~عامة في الجميع. # وقوله: * (فلا تطعهما) أي: فلا تطعهما في الشرك ومعصيتي. # وقوله: * (وصاحبهما في الدنيا معروفا) أي: صاحبها في الدنيا بالبر ~~والصلة، وهو المعروف من غير أن تطيعهما في معصيتي. # وقوله: * (واتبع سبيل من أناب إلي) الأكثرون أنه محمد. # وقوله: * (ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) ظاهر المعنى. # وروي [عن] عطاء عن ابن عباس في قوله: * (واتبع سبيل من أناب إلي) أن ~~المراد منه أبو بكرالصديق رضي الله عنه قال ابن عباس: لما أسلم أبو بكر، ~~رضي الله عنه جاء عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ~~إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهم فقالوا: يا أبا بكر، قد صدقت هذا لرجل، ~~وآمنت به؟ قال: نعم، هو صادق فآمنوا به، [و] حملهم إلى النبي حتى أسلموا، ~~فهؤلاء القوم لهم سابقة الإسلام، وأسلموا بإرشاد أبي بكر رضي الله عنهم ~~وأنزل الله تعالى في أبي بكر، * (واتبع سبيل من أناب إلي). # وقوله: * (أناب) أي: رجع إلي، وعلى هذا القول هو أبو بكر رضي الله عنه. # قوله تعالى: * (يا بني إنها إن تك) فإن قيل: قوله: * (إنها) هذه كناية، ~~والكناية لا بد لها من مكنى، فأيش المكنى؟ والجواب عنه: أنه روي أن ابن ~~لقمان قال: يا PageV04P231 # * (فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف ~~خبير (16) يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما ~~أصابك إن ذلك من) * * (أبه)، أرأيت لو وقع شيء في مقل ms1280 البحر ومقل البحر ~~مغاصيه أي: وسطه أيعلم الله تعالى موضعه؟ فقال: يا بني، إنها إن تك مثقال ~~حبة من خردل، يعني: إن وقعت حبة على هذا الوزن على [هذا] البحر فالله تعالى ~~يعلم موضعها. وذكر النقاش في تفسيره: أن لقمان ألقى خردلة في عرض نهر ~~اليرموك، وقعد على شطه وبسط يده، فغاصت ذبابة وحملت الخردلة فوضعتها على ~~كفه. وفي الآية قول آخر: وهو أن قوله تعالى: (إنها إن تك) يرجع إلى ~~الخطيئة، يعني: إن تكن الخطيئة كمثقال حبة من خردل يأت بها الله تعالى يوم ~~القيامة أي: يجازك بها. قال الحسن البصري: معنى الآية: هو الإحاطة بالأشياء ~~صغيرها وكبيرها. # وقوله: * (فتكن في صخرة) أي: في جبل، وقال السدي: هي الصخرة التي عليها ~~الأرضون السبع، وهي صخرة خضراء، خضرة السماء منها. # وقوله: * (أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله). # وقوله: * (إن الله لطيف خبير) قال أبو العالية: لطيف باستخراج الخردلة، ~~خبير بمكانها، وفي بعض التفاسير: أن هذه الحكمة آخر حكمة تكلم بها لقمان، ~~فلما تكلم بها انشقت مرارته من هيبتها فتوفى. # قوله: * (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) قد بينا معنى ~~المعروف ومعنى المنكر من قبل. # وقوله: * (واصبر على ما أصابك) أي: من الأذى. # وقوله: * (إن ذلك من عزم الأمور) أي: من الأمور التي يؤمر بها ويعزم ~~عليها، وقد روى حذيفة عن النبي أنه قال: ' ليس للمؤمن أن يذل نفسه، فقيل: ~~وكيف يذل PageV04P232 # * (عزم الأمور (17) ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا ~~يحب) * * نفسه؟ قال: يتحمل من البلاء ما لا يطيق '. وفي هذا الخبر رخصة في ~~ترك الأمر بالمعروف على السلاطين والظلمة إذا خشي الهلاك، وإن أمر بالمعروف ~~فقتل فهو شهيد. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر '. # وروي عن الني أنه قال: ' سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب، ثم ~~رجل قام إلى سلطان يخاف منه ويرجو، فأمره بمعروف أو نهاه عن منكر، ms1281 فقتله ~~على ذلك '. # قوله تعالى: * (ولا تصعر خدك للناس) أيك لا تعرض عنهم تكبرا. والصعر هو ~~الميل. وفي بعض الأخبار أن النبي قال: ' يأتي عل الناس زمان لا يبقى إلا من ~~هو أصعر '. يعني: ما يدعي الدين '. ويقال: إن قوله: * (ولا تصعر خدك للناس) ~~نهى عن التشدق في الكلام، وعن الربيع بن أنس قال: ليكن الغني والفقير عندك ~~سواء. # وقوله: * (ولا تمش في الأرض مرحا) أي: لا تمشي في الأرض مختالا. # وقوله: * (إن الله لا يحب كل مختال فخور) أي: مختال على الأرض، فخور ~~PageV04P233 # * (كل مختال فخور (18) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات) * * ~~بالدنيا. # قوله تعالى: * (واقصد في مشيك) يعني: أسرع في مشيك، ويقال معناه: واقصد ~~في مشيك أي: لا تسرع في مشيتك، وفي بعض الأخبار عن النبي قال: ' سرعة المشي ~~تذهب بها الوجه '. # وقوله: * (واغضض من صوتك) أي: لا تجهر، ومعنى اغضض أي: انقص. يقال: غض ~~فلان من فلان أي: نقص من حقه. # وقوله: * (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) أي: أقبح الأصوات لصوت الحمير. ~~يقال: جاءني فلان بوجه منكر أي: قبيح، فإن قال قائل: لم جعل صوت الحمار ~~أقبح الأصوات؟ والجواب عنه إنما جعله أقبح الأصوات، لأن أوله زفير، وآخره ~~شهيق، والزفير والشهيق: صوت أهل النار. وعن سفيان الثوري قال: كل شيء يسبح ~~إلا الحمار؛ فلهذا جعل صوته أقبح الأصوات. # وذكر النقاش في تفسيره: أن أهل الجاهلية كانوا يتنافسون في شدة الصوت، ~~وكانوا يقولون: من كان أجهر صوتا فهو أعز عند الله. وكانوا يجهرون بأصواتهم ~~ويرفعونها بغاية الإمكان، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومعناه: أنه ليست ~~العزة في شدة الصوت، ولو كان من هو أشد أعز، لكان الحمار أعز من الكل. وعن ~~جعفر بن محمد بن الصادق أنه قال في قوله تعالى: * (إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير): هي العطسة القبيحة المنكرة. PageV04P234 # * (لصوت الحمير (19) ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في ~~الأرض) * * ومن حكم لقمان سوى ما ذكرنا ما روي أنه قال: لا ms1282 مال كصحة البدن، ~~ولا نعيم كطيب النفس. ومن حكمه أيضا أنه قال: أدب الوالد لولده كالسماد ~~للزرع. # وحكى عكرمة أن لقمان دخل على داود عليه السلام وهو يصنع درعا، فلم يدر ما ~~يصنع؛ فأراد أن يسأله، وكان (حكمه) تمنعه منه، فلما أتم داود الدرع لبسها، ~~وقال: نعم جبة الحرب هي. فقال لقمان: الصمت حكم وقليل فاعله. # وحكى أيضا عكرمة أن مولاه خاطر قوما على شرب ماء البحر في حال سكره، فدعا ~~لقمان وقال: لمثل هذا اليوم كنت أعدك، وذكر له القصة. فقال: اجمع القوم ~~الذين خاطرتهم؛ فجمعهم، فقال لهم: احبسوا مواد البحر حتى يشرب ماء البحر. ~~فقالوا: كيف نحبس مواد البحر؟ فقال: كيف يشرب ماء البحر ومواده غير منقطعة؟ ~~فخلص مولاه. # وحكى أيضا عكرمة أنه كان لمولى لقمان عبيد سواه، ولم يكن فيهم أخس منه ~~عنده، فبعثهم إلى بستان له ليحملوا له فاكهة، فذهبوا وأكلوا الفاكهة؛ فلما ~~رجعوا أحالوا على لقمان أنه هو الذي أكل، وصدقهم مولاه لخسة لقمان عنده، ~~وأراد أن يؤذيه، فقال لقمان لمولاه: إن ذا اللسانين وذا الوجهين لا يكون ~~وجيها عند الله، فاسقني ماء حميما، واسق هؤلاء العبيد ماء حميما؛ فسقاهم، ~~فقاء سائر العبيد ما أكلوا من الفاكهة، وقاء هو ماء بحتا، فعرف صدقه ~~وكذبهم. # قوله تعالى: * (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض) ~~أي: ذلل. # وقوله: * (وأسبغ عليهم نعمة) أي: أتم عليكم وأكمل نعمه ظاهرة وباطنة، قال ~~ابن عباس: النعمة الظاهرة هي الإسلام وحسن الخلق، والنعمة الباطنة هي ما ~~يستر من العيوب. وقال بعضهم: النعمة الظاهرة هي الإقرار باللسان، والباطنة ~~هي الاعتقاد @ 236 @ * (وأسبع عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل ~~في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منيروإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ~~قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب ~~السعير ومن يسلم وجهه إلى اللهوهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى ~~الله عاقبة الأمور ومن كفر فلا) بالقلب. ms1283 ويقال النعمة الظاهرة: نعمة ~~الدنيا، والباطنة: نعمة العقبى. وقيل النعمة الظاهرة: نعمة الأبدان، ~~والباطنة: نعمة الأديان. ويقال: النعمة الظاهرة: تمام الرزق، والنعمة ~~الباطنة: حسن الخلق، ويقال النعمة الظاهرة: الزي والرياش الحسن. والنعمة ~~الباطنة: ما أخفى من المعصية وسترها. وقال بعضهم: النعمة الظاهرة: الولد، ~~والباطنة: الوطء. # وقوله: * (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) ~~نزلت هذه الآية في أمية بن خلف وأبي بن خلف وأبي جهل بن هشام والنضر بن ~~الحارث وأشباههم؛ كانوا يجادلون النبي بالباطل في الله وفي صفاته. # قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا ~~عليه آباءنا) ظاهر المعنى. # وقوله: * (أو لو كان الشيطان يدعوهم) هذا جواب عن محذوف, والمحذوف: ~~أيتبعون الشيطان، وإن كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير. # وقوله تعالى: * (ومن يسلم وجهه إلى الله) أي: ومن يخلص دينه لله، وقيل: ~~يسلم نفسه وعمله إلى الله. وقرأ أبو عبد الحمن السلمى: ((يسلم)) بالتشديد، ~~وقوله: * (يسلم) من التسليم, وقوله: ((يسلم)) من الانقياد. # وقوله: * ([وهو محسن] فقد استمسك بالعروة الوثقى): قول لا إله إلا الله. ~~وقيل العروة الوثقى: السبب الذي يوصل إلى رضا الله تعالى. والوثقى تأنيث ~~الأوثق. والعهد الوثيق، هوالعهد المحكم الشديد، والأوثق الأشد. # وقوله: * (وإلى الله عاقبة الأمور) أي: خاتمة الأمور. @ 237 @ * (يحزنك ~~كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم ~~قليلا ثم نطرهم إلى عذاب غليظ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون لله ما في السماوات و الأرض إن الله ~~هو الغني الحميد ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعد سبعة ~~أبحر ما نفدت كلما ت الله إن الله عزيز حكيم ما خلقكم) قوله تعالى: * (ومن ~~كفر فلا يحزنك كفره) أي: لا تحزن بكفره. # وقوله: * (إلينا مرجعهم) أي: مصيرهم. # وقوله: * (فننبئهم بما عملوا) أي: نخبرهم بما عملوا. # وقوله: * (إن الله عليم بذات الصدور) أي: عالم بما في ms1284 الصدور. # قوله تعالى: * (نمتعهم قليلا) الإمتاع هو التمتع بما في الدنيا من ~~نعيمها. # وقوله: * (ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) أي: نلجئهم إلى عذاب غليظ. # قوله تعالى: * (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون) قد بينا. # قوله تعالى: * (لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغنى الحميد) أي: ~~الغنى عن خلقه، المحمود في فعله. # قوله تعالى: * (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) روى أن المشركين ~~قالوا: إن ما أتى به محمد من الكلام ينقطع ويفنى، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، بمعنى: أن جميع أشجار العالم ونباتها لو بريت أقلاما، وصارت البحور ~~مدادا ما نفدت كلمات الله أي: كلام الله وعلمه. # وقوله: * (إن الله عزيز حكيم) قد بينا. # قوله تعالى: * (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) معناه: ما خلقكم إلا ~~PageV04P235 # * (ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) ألم تر أن الله يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل ~~مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من ~~دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (30) ألم تر أن الفلك تجري في البحر ~~بنعمت الله ليريكم من آياته إن) * * كخلق نفس واحدة، ولا بعثكم إلا كبعث ~~نفس واحدة، يعني: في قدرته. # وقوله: * (إن الله سميع بصير) سميع لأقوال العباد، بصير بأفعالهم. والآية ~~التي تلي هذه الآية إلى آخرها قد بينا معناها، وأما الآيات الثلاث التي ~~نزلت بالمدينة فهي من قوله تعالى: * (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) ~~إلى آخر الآيات الثلاث. # قوله تعالى: * (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله) أي: بإنعام ~~الله. # وقوله: * (ليريكم من آياته) أي: من عجائب صنعه وقدرته. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) روي عن النبي أنه قال: ' الصبر ~~نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين هو الإيمان كله '. وفي بعض ~~الأخبار: أن أحب العباد إلى ms1285 الله من يصبر عند البلاء، ويشكر عند النعماء، ~~ويرضى بالقضاء. PageV04P236 # * (في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله ~~مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ~~ختار كفور (32) يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ~~ولا مولود هو جاز عن) * * قوله: * (وإذا غشيهم موج كالظلل) الظلل: جمع ~~الظلة، والظلة: هي الجبل. # وقوله: * (دعوا الله مخلصين له الدين) أي: أخلصوا في الدعاء، وفي ~~التفسير: أن الآية نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين هرب من مكة يوم فتحها رسول ~~الله، وكان رسول الله أمن جميع الناس إلا نفرا منهم عكرمة بن أبي جهل، فهرب ~~عكرمة إلى البحر، فجاءهم ريح عاصف، فقال صاحب السفينة: أخلصوا، فإنه لا ~~ينجيكم إلا الإخلاص. وروي أنه قال لهم: لا تدعوا آلهتكم؛ فإن آلهتكم لا ~~تغني عنكم شيئا، وادعوا الله وحده. # فقال عكرمة: إنما هربت من هذا، ولئن نجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد، ~~ولأضعن يدي في يده. ثم سكن الريح، وخرج عكرمة ورجع إلى مكة، وأسلم وحسن ~~إسلامه، واستشهد يوم اليرموك بالشام. # وقوله: * (فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد) أي: عدل في فعله على معنى ~~الوفاء بما وعده، ومنهم من قال: مقتصد أي: مقتصد في القول لا يسرف، ومنهم ~~من يسرف. # وقوله: * (وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور) الختر: هو أشد الغدر. # قال الشاعر: # (فإنك لو رأيت أبا عمير * ملأت يديك من ختر وغد) قوله تعالى: * (يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده) أي: PageV04P239 # * (والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله ~~الغرور (33) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في لأرحام وما ~~تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (34)) ~~* * لا يغني والد عن ولده، قال ابن عباس: كل امرء تهمه نفسه. # وقوله: * (ولا مولود هو جاز عن والده ms1286 شيئا) أي: مغني عن والده شيئا. # وقوله: * (إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله ~~الغرور) يعني: الشيطان، وتغريره للإنسان هو تزيينه للمعاصي وتمنيه المغفرة ~~من الله، وعبر عنه بتزيينه له المعاصي وتمنيه المغفرة. وفي الخبر أن النبي ~~قال: ' الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت (أي حاسب نفسه) والفاجر من ~~أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله (المغفرة) '. # قوله تعالى: * (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث) الآية. في التفسير: ~~أن رجلا من بني محارب بن خصفة أتى النبي وقال: يا محمد، إن أرضنا أجدبت، ~~فمتى ينزل الغيث؟ وإني تركت امرأتي حبلى، فماذا تلد؟ وقد علمت ما أعمل ~~اليوم، فماذا أعمل غدا؟ وأخبرني أنى بأي أرض أموت؟ وأخبرني متى الساعة؟ ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى آخرها. # وقد روينا برواية أبي هريرة أن النبي قال: ' مفاتيح الغيب خمسة، وقرأ هذه ~~الآية إلى آخرها '. وهو خبر مشهور. # وقوله: * ([ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا] وما تدري ~~نفس بأي أرض تموت) يقال معناه: على أي قدم تموت. فإنه ما من قدم يرفعها ~~ويضعها إلا ويجوز أن تموت قبل ذلك * (بأي أرض تموت) أي: على أي صفة تموت من ~~الشقاوة والسعادة. # وقوله: * (إن الله عليم خبير) ظاهر المعنى. PageV04P240 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (ألم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب ~~العالمين (2) أم يقولون افتراه بل هو) * * تفسير سورة السجدة وهي مكية إلا ~~ثلاث آيات نزلت في علي رضي الله عنه سنذكرها. # وقد روى جابر أن النبي كان لا ينام كل ليلة حتى يقرأ. ' ألم تنزيل ' ~~السجدة، و ' تبارك الذي بيده الملك '. # وقد ثبت أن النبي كان يقرأ في صلاة الصبح من يوم الجمعة سورة السجدة، ~~وسورة ' هل أتى '. # قوله تعالى: * (ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) أي: لا شك ~~فيه، والريب: هو الشك، وقد بينا من قبل قوله: * (أم يقولون افتراه) معناه: ~~بل يقولون افتراه، قال الشاعر في أم بمعنى: بل: # (كذبتك ms1287 عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام على الرباب جبالا) PageV04P241 # * (الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3) ~~الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ثم يعرج إليه) * * معناه: بل رأيت. # وقوله: * (بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم [من نذير من قبلك]) ما ~~ها هنا بمعنى النفي، ومعناه: لتنذر قوما لم [يشاهدوا] وآباؤهم قبلك نبيا، ~~فإن قيل: إذا لم يشاهدوا نبيا ولم ينذروا، كيف يستجوبوا النار بترك ~~الإيمان؟ والجواب: أنه لزمهم الإيمان بالله بإرسال الرسل الذين كانوا من ~~قبل، وقد سمعوا ذلك. # وقال بعضهم: إن إسماعيل كان نبيا إلى العرب، وقد تركوا دينه، ويقال: إنهم ~~تركوا دين إبراهيم صلوات الله عليه. # وقوله: * (لعلهم يهتدون) أي: يرشدون. # قوله تعالى: * (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) ~~قد بينا، وعن الحسن أنه قال: هو يوم من أيام الدنيا. فإن قال قائل: حين خلق ~~الله السماوات والأرض لم يكن نهارا ولا ليلا، فكيف يستقيم هذا الكلام؟ ~~والجواب: أن معناه: بقدر ستة أيام من أيام الدنيا. # وقوله: * (ثم استوى على العرش) قد بينا. # وقوله: * (ما لكم من دونه ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون) معناه: أفلا ~~تتعظون. # قوله تعالى: * (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) أي: يحكم ويقضي الأمر من ~~السماء إلى الأرض. PageV04P242 # * (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (5) ذلك عالم الغيب والشهادة ~~العزيز) * * وقوله: * (ثم يعرج إليه) ثم فيه قولان: أحدهما: ثم يعرج الملك ~~إليه بعد نزوله بالأمر. والقول الثاني: ثم يعرج إليه أي: يعرج الأمر إليه، ~~ومعنى عروج الأمر إليه: صيرورة الأمر كله إليه، وسقوط أمر الخلق كلهم. # وقوله: * (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) هذه الآية تعد مشكلة، ~~ووجه الإشكال: أن الله تعالى قال في آية أخرى: * (في يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة) قال ms1288 مجاهد: * (في يوم كان مقداره ألف سنة) معناه: أن من السماء ~~إلى الأرض إذا نزل الملك خمسمائة سنة، وإذا صعد خمسمائة سنة فيكون ألف سنة. # وأما قوله: * (خمسين ألف سنة) هو من قرار الأرض إلى العرش. وقال بعضهم: ~~خمسين ألف سنة، وألف سنة كلها في القيامة، فيكون يوم القيامة على بعضهم ألف ~~سنة، وعلى بعضهم خمسين ألف سنة، واليوم واحد. # وفي بعض الأخبار: ' أن الله تعالى يقصره على المؤمن حتى يكون كما بين ~~صلاتين '. # وقال بعضهم: يعرج بعض الأملاك في مقدار ألف سنة، ويعرج بعض الأملاك في ~~مقدار خمسين ألف سنة، والله أعلم. # قوله تعالى: * (ذلك عالم الغيب والشهادة) أي: ما غاب عن العباد، وما لم ~~يغب PageV04P243 # * (الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل ~~نسله من سلاسة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9) وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا ~~لفي خلق) * * عنهم، ويقال: الغيب ما في الآخرة، والشهادة ما في الدنيا. # وقوله: * (العزيز الرحيم) أي: المنيع في ملكه، الرحيم بخلقه. # قوله تعالى: * (الذي أحسن كل شيء خلقه) وقرئ: ' خلقه ' بفتح اللام، فمن ~~قرأ: ' خلقه ' أي: أحسن خلق كل شيء، ومن قرأ: ' خلقه ' معناه: حسن كل شيء ~~خلقه. قال ابن عباس: * (أحسن كل شيء خلقه) أي: أتقن وأحكم. وقيل: أما إن ~~است القرد ليس بحسن، ولكنه محكم، وقيل: خلق البهائم على صورة البهائم، ~~والآدميين على صورة الآدميين، ولم يخلق الآدميين على صورة البهائم، ولا ~~البهائم على صورة الآدميين، فكل حيوان كامل حسن في خلقته، وهذا معنى قول ~~الحكماء الذين مضوا: كل حيوان كامل في نقصانه؛ يعني: أنه لو قوبل بغيره كان ~~ناقصا، وهو في نفسه وأداته كامل. وذكر بعضهم في معنى الآية: طول رجل ~~البهيمة، وطول عنق الطائر؛ ليصل كل واحد منهما إلى معاشه. # وقوله: * (وبدا خلق الإنسان من طين) أي: آدم وذريته. # قوله تعالى: * (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) قد ms1289 بينا معنى السلالة. ~~وقوله: * (من ماء مهين) أي: ضعيف. # قوله تعالى: * (ثم سواه ونفخ فيه من روحه) قد ذكرنا. # وقوله: * (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) أي: الأسماع والأبصار ~~والأفئدة. # وقوله: * (قليلا ما تشكرون) أي: قليلا تشكرون. # قوله تعالى: * (وقالوا أئذا ضللنا في الأرض) أي: هلكنا في الأرض، يقال: ~~ضل PageV04P244 # * (جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون (10) قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ~~ثم) * * اللبن في الماء أي: هلك، ويقال: بلينا وصرنا ترابا، وقرئ في الشاذ: ~~' صللنا ' بالصاد غير معجمة. أي: تغيرنا، يقال: صل اللحم إذا أنتن. # وقوله: * (أئنا لفي خلق جديد) أي: نرجع أحياء بعد ما متنا، وقالوا هذا ~~على طريق الجحد والإنكار. # وقوله: * (بل هم بلقاء ربهم كافرون) أي: بالبعث بعد الموت جاحدون. # قوله تعالى: * (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) ملك الموت هو ~~عزرائيل، وقيل: يتوفاكم بنفسه، ويقال: بأعوانه. وفي بعض الأخبار: أن ملك ~~الموت على معراج بين السماء والأرض، فينزع أعوانه روح الإنسان فإذا بلغ ~~ثغرة نحره قبضه ملك الموت. وروى أن الدنيا عند ملك الموت كطست بين رجلي ~~إنسان. # وعن أنس رضي الله عنه أنه قال: لقي جبريل ملك الموت ببحر فارس، فقال: يا ~~ملك الموت، كيف تقبض أرواح الناس إذا وقع الوباء، فيموت من هذا الجانب عشرة ~~آلاف، ومن هذا الجانب عشرة آلاف؟ فقال: تزوي الأرض بين عيني فألتقطهم ~~التقاطا. # وروى جعفر بن محمد عن أبيه: ' أن النبي دخل على رجل من الأنصار يعوده، ~~فرأى ملك الموت عند رأسه، فقتال له: ارفق بهذا الرجل من أصحابي، فقال: طب ~~نفسا وقر عينا، فإني بكل مؤمن رفيق، ثم قال: يا محمد، والذي نفسي بيده لو ~~أردت قبض روح بعوضة ما قدرت عليه حتى يأمر الله بقبضه، وإني أتصفح وجوه ~~الناس كل يوم خمس مرات ' والخبر غريب. PageV04P245 # * (إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ~~ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12) ولو شئنا لآتينا كل ~~نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن ms1290 جهنم من الجنة والناس أجمعين (13) ~~فذوقوا بما نسيتم) * * وفي بعض المسانيد برواية أنس أن النبي قال: ' ~~الأمراض والأوجاع رسل الموت، فإذا قبض ملك الموت روح عبد، فتصارخوا عليه ~~قال: ماذا تصرخون؟ والله ما نقصت له رزقا، ولا قدمت له أجلا، ولا ظلمت منكم ~~أحدا، وإنما دعاه الله فأجابه، فليبك كل امرئ على نفسه، وإن لي إليكم عودات ~~ثم عودات حتى لا أبقى منكم أحدا ' والخبر من الغرائب أيضا. # وأما التوفي فهو استيفاء العدد، ومعناه: أنه يقبض أرواحهم حتى لا يبقى ~~أحد من العدد الذي كتب موتهم، قال الشاعر: # (إن بنى الأدرم ليسوا من أحد * ولا توفيهم قريش من عدد) يعني: ما ~~استوفاهم قريش من عددهم. # وقوله: * (ثم إلى ربكم ترجعون) أي: تصيرون. # قوله تعالى: * (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم) معناه: ولو ترى ~~المجرمين ناكسين رؤوسهم من فرط الندم وشدة الوجل، وفي الآية حذف، والمحذوف ~~هو: أنك لو ترى المجرمين ناكسين رؤوسهم عند ربهم لرأيت ما يعتبر به. # وقوله: * (ربنا أبصرنا وسمعنا) أي: قائلين ربنا أبصرنا وسمعنا أي: أبصرنا ~~صدق وعيدك، وسمعنا منك تصديق رسلك. قال قتادة: أبصروا حين لم ينفعهم البصر ~~. وسمعوا حين لم ينفعهم السمع. ويقال: أبصرنا معاصينا، وسمعنا ما قيل فينا. # وقوله: * (فارجعنا نعمل صالحا) أي: ردنا نعمل صالحا. # وقوله: * (إنا موقنون) أي: مصدقون بالبعث. # قوله تعالى: * (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) أي: هدايتها، ومعناه: لو ~~شئنا PageV04P246 # * (لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) ~~إنما يؤمن) * * لأدخلناهم في الإيمان. # وقوله: * (ولكن حق القول مني) أي: وجب القول مني، ويقال: سبق القول مني. ~~قال الشاعر: # (فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا * وحقت لك العتبى لدينا وقلت) وقوله: * ~~(لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)، وقوله: * (الجنة) هم الجن، والجآن: ~~أب الجن، كآدم أب (الإنس). # ورفع خارجة خبرا إلى النبي ' أنه سئل هل يدخل مؤمنو الجن الجنة؟ فقال: ~~نعم. قيل: هل يصيبون من نعيمها؟ قال: يلهمهم الله تسبيحة وذكره، فيصيبون من ~~لدنه ما يصيبه بنو آدم ms1291 من نعيم الجنة ' حكاه النقاش في تفسيره. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' تحاجت الجنة والنار؛ فقالت النار: أوثرت ~~بالجبابرة والمتكبرين، وقالت الجنة: ما بالي يدخلني سفلة الناس وسقطهم وفي ~~رواية: ضعفاء الناس ومساكينهم، وهو الأشهر فقال الله تعالى للجنة: أنت ~~رحمتي، أرحم بك من شئت، وقال للنار: أنت عذابي، أعذب بك من شئت، ولكل واحدة ~~منكما ملؤها '. # قوله تعالى: * (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا) أي: بما تركتم من ~~التصديق بلقاء يومكم هذا. # وقوله: * (إنا نسيناكم) أي تركناكم من الخير والرحمة، وقيل: تركناكم في ~~العذاب. # وقوله: * (وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون) أي: العذاب الدائم جزاء ~~على PageV04P247 # * (بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما ~~رزقناهم ينفقون (16)) * * عملكم. وحكى عن قتادة أنه قال في قوله: * (ولكن ~~حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) أي: بذنوبهم. قال ~~الأزهري: وهو كما قال. # قوله تعالى: * (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها) أي: إذا دعوا إلى ~~الصلوات الخمس أجابوا إليها، حكاه أبو معاذ النحوي، ويقال: إذا وعظوا بآيات ~~الله اتعظوا. # وقوله: * (خروا سجدا) أي: وقعوا سجدا، والخرور في اللغة: هو السقوط، وعن ~~حكيم بن حزام قال: ' بايعت رسول الله أن لا أخر إلا قائما ' أي: لا أموت ~~إلا وأنا ثابت على الإسلام، وقوله: * (وسبحوا بحمد ربهم) أي: وصلوا بأمر ~~ربهم. # ويقال: سبحوا [الله] وحمدوه. # وقوله: * (وهم لا يستكبرون) أي: لا يتكبرون، ويقال: من سجد لله فقد طرح ~~التكبر عن رأسه، وفي بعض الأخبار: من سجد لله سجدة رفعه الله بها درجة. # قوله تعالى: * (تتجافى جنوبهم) أي: تنبوا وترتفعوا، ومعناه: أنهم يتركون ~~المضاجع ويقومون إلى الصلاة، قال حسان بن ثابت: # (يبيت يجافي جنبه عن فراشه * إذا استثقلت بالمشركين المضاجع) واختلف ~~القول في هذه الآية، فروى عن عطاء أنه قال: كانوا لا ينامون حتى يصلوا ~~العتمة، فانزل الله هذه الآية. # وعن الحسن وقتادة قالا: هو الصلاة بين المغرب ms1292 والعشاء. # وقال الضحاك: إذا استيقظوا ذكروا الله وسبحوه. # وعن أبي الدرداء وأبي ذر وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم أنهم قالوا: هو ~~PageV04P248 # * (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) ~~أفمن كان) * * صلاة العشاء الآخرة والفجر في جماعة. # وأشهر الأقاويل: أن المراد منه صلاة الليل، قاله مجاهد ومالك والأوزاعي ~~وجماعة. # وعن النبي أنه قال: ' عليكم بصلاة الليل، فإنها دأب الصالحين قبلكم '. # وقد ثبت عن النبي أنه قال في عبد الله بن عمر: نعم الرجل عبد الله لو كان ~~يصلي بالليل، فلم يترك بعد ذلك صلاة الليل حتى توفاه الله تعالى '. # وفي حديث معاذ بن جبل أن النبي قال: ' الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، ~~والصلاة جوف الليل، ثم قرأ قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) '. # وقوله: * (يدعون ربهم خوفا وطمعا) أي: خوفا من النار، وطمعا في الجنة. # وقوله: * (ومما رزقناهم ينفقون) يقال: إن المراد منها الزكاة المفروضة، ~~ويقال: الصدقة والتطوع. PageV04P249 # * (مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فلهم جنات) * * قوله تعالى: * (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) ~~وقرئ: ' قرأت أعين '. # وقد ثبت عن النبي برواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي ~~قال: ' يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إن شئتم قوله تعالى: * (فلا تعلم نفس ~~ما أخفي لهم من قرة أعين) '. # قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا بالحديث أبو علي الشافعي، أخبرنا أبو ~~الحسن بن [فراس] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن المقرئ، أخبرنا ~~جدي محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي ~~الزناد.. الخبر. # وقوله: * (من قرة أعين) أي: ما تقر به أعينهم، وحكى النقاش في تفسيره عن ~~موسى بن يسار قال: يمكث المؤمن في الجنة مع زوجته حينا، فتطلع عليه أخرى، ~~فتقول له: أما آن يكون لنا منك دولة؟ فيقول لها: من أنت؟ فتقول: ms1293 أنا من ~~الذين قال الله تعالى: * (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) فينتقل ~~إليها ويمكث معها حينا، فتشرف عليه أخرى، وتقول مثل ما قالت الأولى، فيقول ~~لها: من أنت؟ فتقول: أنا من الذين قال الله تعالى: * (ولدينا مزيد). # وعن ابن سيرين قال: ما أخفي لهم من قرة أعين: هو النظر إلى الله تعالى. ~~(وعن بعضهم) قال: أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم. # قال الحسن البصري: الخفية بالخفية، والعلانية بالعلانية. # وقوله: * (جزاء بما كانوا يعملون) ظاهر المعنى. PageV04P250 # * (المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا فمأواهم النار ~~كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي ~~كنتم به تكذبون (20) ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون (21) ومن أظلم) * * قوله تعالى: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) ~~أكثر المفسرين أن الآية نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط، وذكر بعضهم: عقبة، والأصح هو الأول. قال الوليد: أنا أحد منك سنانا، ~~وأبسط منك لسانا، وأملأ منك للكتيبة. فقال له علي: اسكت، إنما أنت فاسق، ~~فانزل الله تعالى هذه الآية. وقد بينا أن ثلاث آيات من هذه السورة نزلت ~~بالمدينة، وهي من هذه الآية إلى آخر الثلاث، واستدل أهل الاعتزال بهذه ~~الآية في القول بالمنزلة بين المنزلتين، وأن الفاسق لا يكون مؤمنا، والدليل ~~عليهم ظاهر. وأما الفاسق ها هنا بمعنى الكافر. وقال بعضهم: سماه فاسقا على ~~موافقة قول علي رضي الله عنه وقيل: إن الآية على العموم. # قوله تعالى: * (لا يستوون) أي: لا يستوون في الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: * (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا ~~بما كانوا يعملون) أي: عطاء بما كانوا يعملون، وجنات المأوى هي الجنات التي ~~يأوي المؤمنون إليها. # قوله تعالى: * (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار) أي: [يأوون] إلى النار، ~~ويأوون: ينقلبون. # وقوله: * (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) في بعض التفاسير: أن ~~لجهنم ساحلا كساحل البحر، فيخرج الكفار إليه فتحمل عليهم حيات لها أنياب ms1294 ~~كالنخيل، فيرجعون إلى النار ويستغيثون بها. # وقوله: * (وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) والأثر الذي ~~ذكرناه أورده أبو الحسين بن فارس في تفسيره. PageV04P251 # * (ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) ولقد ~~آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل (23) ~~وجعلنا منهم أئمة) * * قوله تعالى: * (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) قال ابن ~~مسعود: هو الجوع الذي أصاب الكفار حتى أكلوا الميتات والجيف، وذلك بما دعا ~~عليهم رسول الله من السنين، وعن ابن عباس قال: هو القتل ببدر، وعن جماعة من ~~التابعين أنهم قالوا: هو المصائب. وعن بعضهم: هو الحدود، وعن جعفر بن محمد: ~~العذاب الأدنى هو غلاء السعر، والعذاب الأكبر هو خروج المهدي بالسيف. وعلى ~~أقوال من ذكرنا من قبل العذاب الأكبر: يوم القيامة، ونعوذ بالله منها. # وقوله: * (دون العذاب الكبر) أي: سوى العذاب الأكبر. # وقوله: * (لعلهم يرجعون) أي: يرجعون عن الكفر. # قوله تعالى: * (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه) أي: وعظ بآيات ربه، وآيات ~~ربه هو القرآن. # وقوله: * (ثم أعرض عنها إنا من لمجرمين منتقمون) روى معاذ أن النبي قال: ~~' ثلاث من فعلهن فهو مجرم، من عقد لواء بغير حق فهو مجرم ومن مشى مع ظالم ~~لينصره فهو مجرم، ومن عق والديه فهو مجرم، ثم قرأ قوله تعالى: * (إنا من ~~المجرمين منتقمون) '. # قوله تعالى: * (ولقد آتينا موسى الكتاب) أي: التوراة. # وقوله: * (فلا تكن في مرية من لقائه) أي: في شك في لقائه، وفي معناه ~~أقاويل: PageV04P252 # * (يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (24) إن ربك هو يفصل ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) أو لم يهد لهم كم أهلكنا من ~~قبلهم من القرون) * * أحدها: ما روى أبو صالح عن ابن عباس أن معناه: فلا ~~تكن في شك من لقائك موسى، وقد كان لقيه ليلة الإسراء. وفي الخبر ان النبي ~~قال: ' رأيت موسى آدم طوالا جعد الشعر كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا ~~ربعة إلى الحمرة سبط الشعر... ' والخبر ms1295 طويل. والقول الثاني: فلا تكن في ~~مرية من لقائه أي: من لقاء موسى الكتاب، ولقاء موسى الكتاب: تلقيه بالقبول، ~~ذكره الزجاج وغيره، والقول الثالث: فلا تكن في مرية من لقاء موسى ربه، حكاه ~~النقاش، وفي الآية قول رابع: وهو أن معناه على التقديم والتأخير كأنه قال: ~~ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل. # وقوله: * (فلا تكن في مرية من لقائه) راجع إلى ما سبق من قوله تعالى: * ~~(ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) ومعناه: فلا تكن في مرية ~~من لقاء يوم العذاب، والله أعلم. * (وجعلناه هدى لبني إسرائيل) يقال: إنه ~~راجع إلى موسى، ويقال: راجع إلى الكتاب. # وقوله: * (وجعلنا منهم أئمة) أي: قادة إلى الخير، وقال بعضهم: هم ~~الأنبياء، وقال بعضهم: أتباع الأنبياء. # وقوله: * (يهدون بأمرنا لما صبروا) أي: يرشدون بوحينا لما صبروا، وقرئ ' ~~لما صبروا ' أي: عن المعاصي، وقيل: عن شهوات الدنيا. # وقوله: * (وكانوا بآياتنا يوقنون) أي: يصدقون. # قوله تعالى: * (إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة) أي: يحكم بينهم حكم ~~الفصل. # وقوله: * (فيما كانوا فيه يختلفون) ظاهر المعنى. PageV04P253 # * (يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (26) أو لم يروا أنا ~~نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا ~~يبصرون (27) ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ~~ينفع الذين كفروا) * * قوله تعالى: * (أو لم يهد لهم) معناه: أو لم يبين ~~لهم محمد؟ وقيل: الكتاب، وقرئ: ' أو لم نهد لهم ' أي: نبين لهم. # وقوله: * (كما أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم) أي: يمشي أهل ~~مكة في مساكنهم. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون) أي: سماع قبول. # قوله تعالى: * (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز) أي: اليابس ~~الذي لا ينبت شيئا، قال ابن عباس: هو ارض باليمن، وقال مجاهد: بأندلس، ~~ويقال: الأرض الجرز هو الذي أكل زرعها ولم يبق فيها شيء. # وقوله: * (فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم) يعني: من العشب والتبن. # وقوله: ms1296 * (وأنفسهم) من الحنطة والشعير وسائر الأقوات. # وقوله: * (أفلا يبصرون) ظاهر المعنى. # وقوله تعالى: * (ويقولون متى هذا الفتح عن كنتم صادقين) فيه أقوال: ~~أحدهما: أن الفتح هو فتح مكة. والآخر: أنه القتل بالسيف. والثالث: هو يوم ~~القيامة. والرابع: هو قضاء الله بين العباد. # قوله تعالى: * (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم) يعني: يوم ~~القيامة. ومن حمل الفتح على فتح مكة أو القتل بالسيف يوم بدر، فقال: معنى ~~قوله: * (لا ينفع الذين كفروا إيمانهم)، أي: بعد الموت. # وقوله: * (ولا هم ينظرون) أي: يمهلون ليتوبوا أو يعتذروا، وقد كانوا ~~يمهلون في PageV04P254 # * (إيمانهم ولا هم ينظرون (29) فاعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30). * * ~~الدنيا ليتوبوا أو يعتذروا. # قوله تعالى: * (فأعرض عنهم) هذه الآية قبل آية السيف، وقد نسختها آية ~~السيف، ويقال: فأعرض عن أذاهم وإن أذوك. # وقوله: * (وانتظر إنهم منتظرون) أي: وانتظر عذابهم ووعيدنا فيهم فإنهم ~~منتظرون. كذلك فإن قيل: كيف قال: * (إنهم منتظرون) العذاب، وما كانوا آمنوا ~~بالعذاب؟ والجواب: لما كان الله تعالى وعدهم بالعذاب، وكان ذلك واصلا إليهم ~~لا محالة؛ سماهم: منتظرين على مجاز الكلام، ويقال: فإنهم منتظرون: أي موتك ~~وحوادث الدهر لك؛ ليستريحوا منك. PageV04P255 # بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين إن الله كان عليما حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله ~~كان بما تعملون خبيرا (2) وتوكل على الله) * * تفسير سورة الأحزاب وهي ~~مدنية في قول الجميع * (يا أيها النبي اتق الله) فيه أقوال: أحدها: (أي) دم ~~على التقوى، كالرجل يقول لغيره وهو قائم قم ها هنا أي: أثبت قائما، والقول ~~الثاني: أن الخطاب مع الرسول، والمراد أمته. # وقيل أيضا في الآية: * (اتق الله) أي: استكثر من أسباب التقوى، والتقوى: ~~هي العمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، وترك معصية الله خوف ~~عذاب الله على نور من الله، وفي الآية قول رابع: وهو ما روي أن أبا سفيان ~~وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا المدينة في مدة الهدنة، ms1297 وطلبوا ~~من رسول الله أشياء كريهة؛ فهم رسول الله والمسلمون أن يقتلوهم؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية: * (يا أيها النبي اتق الله) يعني: لا تنقض العهد الذي ~~بينك وبينهم، ذكره الضحاك. # وقوله: * (ولا تطع الكافرين والمنافقين) أي: الكافرين من أهل مكة، ~~والمنافقين من أهل المدينة. # وقوله: * (إن الله كان عليما حكيما) أي: عليما بخلقه قبل أن يخلقهم، ~~حكيما فيما دبره لهم. # وقوله تعالى: * (واتبع ما يوحى إليك من ربك) أي: من القرآن. # وقوله: * (إن الله كان بما تعملون خبيرا) أي: خبيرا بأعمالكم. # قوله تعالى: * (وتوكل على الله) أي: ثق بالله. PageV04P256 # * (وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل ~~أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم ~~بأفواهكم) * * وقوله: * (وكفى بالله وكيلا) أي: وكفى بالله حافظا لك، ~~ويقال: وكفى بالله كفيلا يرزقك. # قوله تعالى: * (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) في الآية أقوال: ~~أحدها: ما ذكر السدي وغيره: أن رجلا كان يقال له: جميل بن معمر والأصح أبو ~~معمر جميل ابن أسد، وكان أهل الجاهلية يسمونه ذا القلبين لشدة ذكائه ~~وفطنته، فلما هزم الله تعالى المشركين يوم بدر فكان هو معهم انهزم أيضا؛ ~~فلقيه أبو سفيان وإحدى نعليه في رجله والأخرى قد علق بيده. فقال له: ما شأن ~~الناس؟ قال: هزموا. فقال: ما شأن نعلك بيدك؟ فقال: ما علمت إلا أنها في ~~رجلي؛ فعلموا أنه ليس له إلا قلب واحد، وأنزل الله تعالى هذه الآية. # والقول الثاني: أن المنافقين كانوا يقولون: لمحمد قلبان؛ قلب معكم، وقلب ~~مع أصحابه؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية وأخبر أنه ليس له إلا قلب واحد. # والقول الثالث: ما روي عن الحسن البصري أنه قال: كان الواحد منهم يقول: ~~إن لي نفسا تأمرني بالخير، ونفسا تأمرني بالشر؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وأخبر أنه ليس لأحد إلا نفس واحدة وقلب واحد، وإنما الأمر بالخير ~~بإلهام الله، والأمر بالشر بإلهام الشيطان. # والقول الرابع: ما جعل الله لرجل من ms1298 قلبين في جوفه أي: ما جعل لرجل ~~أبوين، وقد احتج به الشافعي في مسألة القائفة، وقال هذا: لأن زيد بن حارثة ~~كان ينسب إلى النبي بالنبوة، فقال الله تعالى: * (ما جعل الله لرجل) أبوين ~~أي: هو ابن حارثة، وليس بابن النبي. # وقوله: * (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم) والظهار هو أن ~~يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، وقد كانوا يعدونه طلاقا، فإن قيل: ~~كيف PageV04P257 # * (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ~~فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به ولكن) * * وجه الجمع بين هذا وبين ما سبق؟ والجواب عنه: أن معناه ~~ليس الأمر كما زعمتم من اجتماع قلبين لرجل أو أبوين، ولا كما زعمتم من أن ~~المرأة تصير كالأم بالظهار. وأما معنى الظهار وحكمه فسنذكر في سورة ~~المجادلة. # وقوله: * (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) في الآية نسخ التبني، وقد كان الرجل ~~في الجاهلية يتبنى الرجل ويجعله ابنا له مثل الابن المولود، وعلى ذلك تبنى ~~رسول الله زيد بن حارثة، فنسخ الله تعالى ذلك. # وقوله: * (ذلكم قولكم بأفواهكم) أي: هو قول لا حقيقة له. # وقوله: * (والله يقول الحق) أي: قوله الحق بما نهى من التبني. # وقوله: * (وهو يهدي السبيل) أي: يرشد إلى طريق الحق. # قوله تعالى: * (ادعوهم لآبائهم) قد ثبت برواية موسى بن عقبة، عن سالم، عن ~~ابن عمر أنه قال: ' ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى أنزل ~~الله تعالى: * (ادعوهم لآبائهم) '. # قال الشيخ الإمام: أخبرنا بذلك مكي بن عبد الرزاق، أخبرنا أبو الهيثم، ~~أخبرنا الفربري، أخبرنا البخاري أخبرنا معلى بن أسد، عن عبد العزيز بن ~~المختار عن موسى ابن عقبة.. الحديث. # وقوله: * (هو أقسط عند الله) أي: أعدل عند الله. # وقوله: * (فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين) أي: سموهم بأسماء ~~إخوانكم في الدين، وذلك مثل، عبد الله، وعبد الكريم، وعبد الرحمن، وعبد ~~العزيز، وأشباه ذلك. PageV04P258 # * (ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ms1299 (5) النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين) * * وقوله: * (ومواليكم) هذا قول الرجل للرجل: أنا أخوك ومولاك، ~~أو يقول: أنا أخوك ووليك، ويقال: إخوانكم في الدين من كانوا في الأصل ~~أحرارا ومواليكم من أعتقوا، ويقال: مواليكم من أسلم على أيديكم. # وقوله: * (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) الخطأ في هذا أن يقول لغيره: ~~يا بن فلان، وهو يظن أنه ابنه، ثم يتبين أنه ليس بابنه. # والقول الثاني: الخطأ ها هنا هو ما فعلوا قبل النهي، والتعمد ما فعلوه ~~بعد النهي. # وقوله: * (وكان الله غفورا رحيما) أي: ستورا عطوفا. # قوله تعالى: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) أي: من بعضهم ببعض. # وقد ثبت أن النبي قال: ' أنا أولى بكل مؤمن ومؤمنة من نفسه، فمن ترك مالا ~~فلورثته ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي '. # وفي الآية قول آخر: وهو أن معناه: أن الرسول إذا دعاه إلى شيء، ونفسه ~~دعته إلى شيء، فيتبع الرسول ولا يتبع النفس، والقول الثالث: هو ما روي أن ~~النبي كان يخرج إلى الجهاد، فيقول قوم: يا رسول الله، نذهب فنستأذن من ~~آبائنا وأمهاتنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (وأزواجه أمهاتهم) أي: في الحرمة خاصة دون النظر إليهن والدخول ~~عليهن، وفي قراءة ابن مسعود وأبي: ' وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم '. ~~PageV04P259 # * (والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب ~~مسطورا (6)) * * واختلفوا في المرأة التي فارقها النبي قبل الوفاة على ~~ثلاثة أوجه: فأحد الوجوه: أنها محرمة أيضا، والوجه الآخر: أنها ليست ~~بمحرمة، والوجه الثالث: أنها إن كان دخل بها فهي محرمة، وإن لم يكن دخل بها ~~فليست بمحرمة. # واختلف الوجه أيضا في أنهن هل يكن أمهات المؤمنات، فأحد الوجهين أنهن ~~أمهات المؤمنات كما أنهن أمهات المؤمنين، والوجه الآخر: انهن أمهات الرجال ~~دون النساء، وروى أن امرأة قالت لعائشة: يا أماه، فقالت: أنا أم رجالكم دون ~~نسائك. # وأما أخوة أزواج النبي فليسوا بأخوال المؤمنين، وكذلك أخوات أزواج النبي ~~لستن خالات ms1300 المؤمنين. # وقد روى أنه كانت عند الزبير أسماء بنت أبي بكر، فقالت الصحابة: عند ~~الزبير أخت أم المؤمنين، ولم يقولوا: عنده خالة المؤمنين. # وقوله: * (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) أي: أولى بعضهم ~~ببعض ميراثا في حكم الله، وقد كانوا يتوارثون بالهجرة، فنسخ الله تعالى ذلك ~~إلى التوارث بالقرابة. وروى أن النبي آخى بين المهاجرين والأنصار، وكان يرث ~~بعضهم بعضا '، ثم نسخ ذلك. # وقوله: * (من المؤمنين والمهاجرين) دليل على أن المؤمنين لا يرث الكافر، ~~والكافر لا يرث المؤمن. # وقوله: * (والمهاجرين) دليل على أن المهاجر لا يرث من غير المهاجرين، ولا ~~غير المهاجر من المهاجر. # وقوله: * (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) فيه قولان: أحدهما: إلا أن ~~توصوا وصية لغير الأقرباء الذين هم أهل دينكم، وحقيقة المعنى: أنه نسخ ~~ميراثهم، وأبقى جواز الوصية، والقول الثاني: أن المراد من الآية هو الوصية ~~للكفار، فالمعنى على PageV04P260 # * (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين ~~عذابا) * * هذا: أن الكفار لا يرثون المسلمين، ولو أوصى لهم جاز. # وقوله: * (كان ذلك في الكتاب مسطورا) أي: في اللوح المحفوظ، ويقال: في ~~القرآن وسائر كتب الله. # وقوله: * (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) الميثاق: العهد الغليظ، وأشد ~~العهد هو التحليف بالله. # وقوله: * (ومنك ومن نوح) اختلف القول في تقديم النبي، فأحد القولين: ما ~~رواه أبو هريرة عن النبي أنه قال: ' أنا أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا '. # وعن قتادة قال: بدأ به في الخلق، وختم به في البعث، والقول الثاني: أن ~~الواو توجب الجمع، ولا توجب تقديما ولا تأخيرا، فكأنه قال: أخذنا من هؤلاء ~~النبيين ميثاقهم، وخص هؤلاء لأنهم كانوا أصحاب الشرائع وهم: نوح، وإبراهيم، ~~وموسى، وعيسى [ابن مريم]، ومحمد. وأما معنى الميثاق: قال أهل التفسير: أخذ ~~عليهم أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادة الله، ويصدق بعضهم بعضا، وينصحوا ~~الناس، ويقال: أخذ على نوح أن يبشر بإبراهيم، وعلى إبراهيم أن يبشر بموسى، ~~[وعلى ms1301 موسى أن يبشر بعيسى]، وهكذا إلى محمد. # وقوله: * (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) قد بينا من قبل. # وروى عن أبي بن كعب أنه قال: أخذ ذرية آدم من ظهر آدم، والنبيون فيهم، ~~PageV04P261 # * (أليما (8) يا أيها وا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم) * * كأنهم سرج تزهو، وأخذ عليهم الميثاق. وعن بعضهم: خلق ~~الأرواح قبل الأجساد، وأخذ الميثاق على الأرواح. # قوله تعالى: * (ليسأل الصادقين عن صدقهم) أي: ليسأل النبيين عن تبليغهم ~~الرسالة، فإن قال قائل: وأي حكمة في سؤالهم عن تبليغ الرسالة؟ والجواب عنه: ~~الحكمة في ذلك تبكيت الذين أرسلوا إليهم، وعلى هذا المعنى قوله تعالى: * ~~(وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله). # ويقال: ليسأل الصادقين عن عملهم لله، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن ~~صدقهم في قلوبهم. # وقوله: * (وأعد للكافرين عذابا أليما) قد تم الكلام الأول، وهذا ابتداء ~~كلام، ومعناه معلوم. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم) أي: منة ~~الله عليكم. # وقوله: * (إذ جاءتكم جنود) المراد من الجنود هم الأحزاب الذين تحزبوا على ~~رسول الله وهم: قريش عليهم أبو سفيان، وأسد عليهم طليحة بن (خويلد)، وغطفان ~~عليهم عيينة بن حصن، وكانت عدتهم بلغت اثني عشر ألفا، (ورئيس الجماعة) أبو ~~سفيان، وقصدوا استئصال النبي وأصحابه، ودخل يهود قريظة معهم وأمرهم معهم ، ~~ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي في قصة طويلة؛ فلما بلغ النبي ~~أمرهم حفر الخندق حول المدينة، [وهذه هي] غزوة الخندق وجمع الأحزاب. ~~PageV04P262 # * (تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل ~~منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) ~~هنالك ابتلي) * * وقوله: * (فأرسلنا عليهم ريحا) في التفسير: أن الله تعالى ~~أرسل عليهم ريح الصبا حتى هزمتهم، قال عليه الصلاة والسلام: ' نصرت بالصبا، ~~وأهلكت عاد، بالدبور '. وكانت الريح تقلع فساطيطهم، وتقلب قدورهم، وتسف ~~التراب في وجوههم، وجالت خيلهم بعضا في بعض؛ فانهزموا ومروا، وكفى الله ~~أمرهم. # وقوله: * (وجنودا لم ms1302 تروها) أي: الملائكة. # وقوله: * (وكان الله بما تعملون بصيرا) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إذ جاءوكم من فوقكم) في التفسير: أن الذين جاءوا من فوقهم ~~هم أسد وغطفان. # وقوله: * (ومن أسفل منكم) هم قريش وكنانة. ويقال: الذين جاءوا من فوقهم ~~قريظة، ومن أسفل منكم قريش وغطفان. # وقوله: * (وإذ زاغت الأبصار) أي: شخصت الأبصار، وفي العربية معنى زاغت: ~~مالت، فكأنها مالت شاخصة، فهذا من الرعب والخوف. # وقوله: * (وبلغت القلوب الحناجر) أي: بنت عن أماكنها وارتفعت، قال قتادة: ~~لو وجدت مسلكها لخرجت من الحناجر، ولكنها ضاقت عليها. والأصح من المعنى أن ~~هذا على طريق التمثيل، والعرب تقول: بلغ قلب فلان حنجرته، أي: من الرعب ~~والخوف والحنجرة حرف الحلقوم وهو كلمة عبارة عن شدة الفزع. # وقوله: * (وتظنون بالله الظنونا) أي: ودخلت الألف لموافقة (أواخر) الآيات ~~في السورة. PageV04P263 # * (المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) وإذ يقول المنافقون الذين في ~~قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12) وإذ قالت طائفة منهم يا ~~أهل يثرب لا مقام لكم) * * قال الشاعر: # (أقلى اللوم عاذل والعتابا * وقولي إن أصبت لقد أصابا) أي: أقلى يا عاذلي ~~اللوم والعتاب. # قوله تعالى: * (هنالك ابتلى المؤمنون) هنالك في اللغة للبعيد، وهنا ~~للقريب، وهناك للوسط، ومعنى هنالك ها هنا أي: عند ذلك ابتلي المؤمنون. # وقوله: * (وزلزلوا زلزالا شديدا) أي: حركوا حركة شديدة، وقرئ: ' زلزالا ' ~~بفتح الزاي، والأشهر بكسر الزاي ' زلزالا '، وهو الأصح في العربية. ومن ~~الأخبار المشهورة: أن رجلا قال لحذيفة رضي الله عنه: رأيت رسول الله ~~وصحبته، والله لو رأيناه حملناه على أعناقنا. فقال حذيفة: أخبرك أيها الرجل ~~أنا كنا مع رسول الله في غزوة الخندق، فبلغ بنا الجهد والجوع والخوف ما ~~الله به أعلم، فقال رسول الله من منكم يذهب فيأتي بخبر القوم، والله يجعله ~~رفيقي في الجنة؟ فما أجابه منا أحد من شدة الأمر، ثم قال ثانيا، فما أجابه ~~منا أحد، ثم قال ثالثا، فما أجابه منا أحد فقال: يا حذيفة، فلم أستطع أن لا ~~أجيب فجئته، فقال: اذهب وأتنى بخبر القوم، ms1303 ولا تحدثن أمرا حتى تأتيني، ~~ودعاني فذهبت، وأتيته بخبر القوم في قصة.. '. # وإنما أراد حذيفة بهذه الرواية أن لا يتمنى ذلك الرجل ما لم يدركه، فلعله ~~لا يصبر على البلوى إن أدركته. # قوله تعالى: * (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا) اختلفوا في القائل لهذا القول، قال بعضهم: هو أوس بن ~~قيظي، وقال PageV04P264 # بعضهم: عبد الله بن أبي، وقال بعضهم: معتب بن قشير، وأما الوعد الذي سموه ~~غرورا فهو ما روي ' أن النبي لما أمر بحفر الخندق قسم الحفر على أصحابه، ~~فوقع سلمان مع بني هاشم، فجعل يحفر فبلغ صخرة لا يستطيع حفرها، فأخذ رسول ~~الله المعول من يده، وضرب على الصخرة ضربة فأضاءت كالشهاب، ثم كذلك في ~~الثانية والثالثة، فقال سلمان: يا رسول الله، لقد رأيت عجبا! فقال رسول ~~الله: ولقد رأيتها؟ قال نعم، رأيت في الضربة الأولى قصور اليمن، وفي الضربة ~~الثانية المدائن البيض أي: قصر كسرى، وفي الضربة الثالثة رأيت قصور الشام، ~~فقال:: ليفتحنها الله على أمتي، فانتشر ذلك في الناس؛ فلما بلغ بهم الأمر ~~ما بلغ، قال هؤلاء القوم: إن محمدا يعدنا ملك كسرى وقيصر، وإن أحدنا لا ~~يستطيع أن يفارق رحله (ويذهب) إلى الخلاء، ما هذا إلا الغرور، فأنزل الله ~~تعالى ما ذكرنا من الآية '. # قوله تعالى: * (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب) هو المدينة، ويقال: ~~يثرب موضع والمدينة منه، قال حسان بن ثابت شعرا: # (سأهدي لها في كل عام قصيدة * وأقعد مكفيا بيثرب مكرما). # وفي بعض الأخبار: ' أن النبي نهى أن تسمى المدينة يثرب، وقال: هي طابة ' ~~كأنه عليه الصلاة والسلام كره هذه اللفظة؛ لأنه من التثريب. # وقوله: * (لا مقام لكم) وقرئ ' لا مقام لكم ' برفع الميم، فقوله: * (لا ~~مقام لكم) أي: لا إقامة لكم، وقوله: * (لا مقام لكم) بفتح الميم أي: لا ~~منزل لكم. PageV04P265 # * (فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة ~~إن يريدون إلا فرارا (13) ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم ms1304 سئلوا الفتنة ~~لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا (14) ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا ~~يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا) * * وقوله: * (فارجعوا) أي: ارجعوا عن ~~أتباع محمد، وخذوا أمانكم من المشركين. # وقوله: * (ويستأذن فريق منهم النبي) هؤلاء بنو سلمة وبنو حارثة، وقيل: ~~غيرهم. # وقوله: * (يقولون إن بيوتنا عورة) أي: ذات عورة، وقيل: معورة يسهل عليها ~~دخول السراق، ويقال: إن بيوتنا عورة أي: ضائقة، وقال الفراء: عورة ذليلة ~~الحيطان، وليست بحريزة، وقرئ في الشاذ: ' عورة ' بفتح العين وكسر الواو، ~~والمعنى يرجع إلى ما بينا. # وقوله: * (وما هي بعورة) يعني: إنهم كاذبون في قولهم، وإنما يريدون ~~الفرار، فهو معنى قوله تعالى: * (إن يريدون إلا فرارا) وأنشدوا في العورة: # (حتى إذا ألقت يدا في كافر * وأجن عورات الثغور ظلامها) قوله تعالى: * ~~(ولو دخلت عليهم من أقطارها) أي: من نواحيها. # وقوله: * (ثم سئلوا الفتنة) أي: الشرك، ويقال: القتال في العصبية. # وقوله: * (لآتوها) بالمد، وقرئ: ' لأتوها '، فقوله ' لآتوها ' بالمد أي: ~~لأعطوها، وقوله: ' لآتوها '. أي: [لقصدوها]. # وقوله: * (وما تلبثوا بها إلا يسيرا) أي: ما احتسبوا إلا يسيرا، وأعطوا ~~ما طلب منهم طيبة بها أنفسهم. # قوله تعالى: * (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار) ~~الأدبار: جمع PageV04P266 # (* (15) قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون ~~إلا قليلا (16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) قد يعلم الله المعوقين ~~منكن والقائلين) * * الدبر، أي: لا ينهزمون. وذكر مقاتل وغيره أن هذا في ~~الذين بايعوا مع رسول الله ليلة العقبة، وقالوا: يا رسوا الله، اشترط لربك، ~~فقال: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، فقالوا: اشترط لنفسك. فقال: أن ~~تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأولادكم ' وكان الذين بايعوا ليلة العقبة ~~[سبعين] نفرا، وأول من بايع أبو الهيثم بن التيهان، وهذا القول ليس بمرض؛ ~~لأن أصحاب العقبة لم يكن فيهم شاك، ولا من يقول مثل هذا القول، وإنما ms1305 الآية ~~في قوم عاهدوا أن يقاتلوا ولا يفروا حتى يقتلوا ونقضوا العهد. # وقوله: * (وكان عهد الله مسؤولا) أي: مسؤولا عنه. # قوله تعالى: * (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت الموت أو القتل) ~~يعني: أن الأجل يدرككم في وقته. # وقوله: * (وإذا لا تمتعون إلا قليلا) معناه: إلى منتهى آجالكم، وفي بعض ~~الحكايات: أن رجلا انهزم [في] بعض الحروب، فكان يلام على ذلك، ويقرأ عليه ~~هذه الآية * (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل إذا لا ~~تمتعون إلا قليلا) فقال: ذلك القليل أطلب. # قوله تعالى: * (قل من ذا الذي يعصمكم من الله) أي: يجيركم ويمنعكم. # وقوله: * (إن أراد بكم سوءا) أي: الهزيمة وظفر عدوكم بكم. # وقوله: * (أو أراد بكم رحمة) أي: خيرا ونصرة. # وقوله: * (ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا) أي: قريبا ينفعهم، ~~وناصرا يمنعهم. # قوله تعالى: * (قد يعلم الله المعوقين منكم) يقال: عاقه واعتاقه وعوقه ~~إذا صرفه PageV04P267 # * (لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم فإذا ~~جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ~~ذهب الخوف * * عما يريده. ويقال: المعوقين منكم أي: المثبطين منكم. # وقوله: * (والقائلين لإخوانكم هلم إلينا) أي: ارجعوا إلينا وقوله: * (ولا ~~يأتون البأس إلا قليلا) أي: لا يقاتلون إلا قليلا رياء وسمعة من غير حسبة، ~~والآية نزلت في قوم من المنافقين قالوا حين أحاط الجنود بالمسلمين: إن ~~محمدا وقومه أكله رأس، والله لو كان محمد وأصحابه لحما لالتهمهم أبو سفيان ~~وحزبه أي: ابتلعهم، وكانوا يقولون لأصحاب محمد من الأنصار: دعوا محمد، فإن ~~محمدا يريد أن يقتلكم جميعا. وقال الكلبي في قوله: * (إلا قليلا) يعني: إلا ~~رميا بالحجارة. # قوله تعالى: * (أشحة عليكم) أي: بخلا بالنصرة والموافقة في القتال، وقال ~~قتادة: بخلاء عند الغنيمة، فكأن الله تعالى قال: هم أحسن قوم عند القتال، ~~وأشح قوم عند الغنيمة. # وقوله: * (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى ~~عليه من الموت) والمغشي عليه من الموت قد ms1306 ذهب عقله، وشخص بصره، وهو المحتضر ~~الذي قرب من الموت. # وقوله: * (فإذا ذهب الخوف سلقوكم) قال الفراء: وقعوا فيكم بألسنة سليطة ~~ذرية. وعن بعضهم: سلقوكم بألسنة حداد يعني: عند طلب الغنائم، وعند ~~المجادلات بالباطل، وقد روى عن النبي أنه قال: ' البذاء (والبيان) شعبتان ~~من النفاق، والحياء والعي شعبتان من الإيمان '. PageV04P268 # * (سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله ~~أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت ~~الأحزاب يودوا لو أنهم بأدون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ~~ما قاتلوا إلا قليلا (20) * * وتقول العرب: خطيب مسلاق وسلاق إذا كان بليغا ~~في الخطابة، وعن ابن عباس قال: سلقوكم أي: عضهوكم وتناولوكم بالنقص ~~والغيبة، قال الأعشى: # (فيهم الخصب والسماحة والنجدة فيهم والخاطب السلاق) وقوله: * (أشحة على ~~الخير) قد بينا أنها عند الغنيمة. # وفي الخبر: ' أن النبي قال للأنصار: إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند ~~الطمع ' أي: تجمعون عند القتال، وتتفرقون عند أخذ المال، وأما وصف ~~المنافقين على الضد من هذا، فإنهم كانوا جبناء عند القتال، بخلاء عند ~~المال. # وقوله: * (أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم) أي: أبطل الله أعمالهم. # وقوله: * (وكان ذلك على الله يسيرا) أي: سهلا. # قوله تعالى: * (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا) أي: من الجبن والخوف. # وقوله: * (وإن يأت الأحزاب) أي: يرجعوا بعد الذهاب. # وقوله: * (يودوا لو أنهم بأدون في الأعراب) البادون: خلاف الحاضرين، وهم ~~الذين يسكنون البادية، وقولة: * (في الأعراب) أي: مع الأعراب. # وقوله: * (يسألون عن أنبأكم) أي: [عن] أخباركم، ومعنى سؤالهم عن الأخبار ~~هو أن الظفر كان للمشركين، أو لمحمد وأصحابه. # وقوله: * (ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا) أي: تعذيرا، ومعنى تعذيرا ~~أي: PageV04P269 # * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ~~وذكر الله كثيرا (21) ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله وصدق الله) * * يقاتلون شيئا يسيرا يقيمون به عذرهم، فيقولون قد ~~قاتلنا. # قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة ms1307 حسنة) أي: قدوة حسنة، ~~والتأسي: هو الاقتداء، وإنما ذكر الأسوة ها هنا حتى ينصروا (ويقومون) ~~ويصبروا على ما يصيبهم، كما فعل رسول الله فإنه كسرت رباعيته يوم أحد، وشج ~~في جبهته، وكسرت البيضة على رأسه، وقتل عمه فلم يفتر في أمر الله، وصبر على ~~جميع ذلك. # وقوله: * (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) أي: يرجو ثواب الله، وقيل: ~~لمن كان يخشى الله واليوم الآخر، والرجاء يكون بمعنى الخشية، وقد يكون ~~بمعنى الطمع. # وقوله: * (وذكر الله كثيرا) أي: في جميع المواطن على السراء والضراء. # قوله تعالى: * (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله وصدق الله ورسوله) قال قتادة: معنى هذه الآية راجع إلى قوله تعالى ~~في سورة البقرة: * (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى ~~نصر الله) والآية تتضمن أن المؤمنين يلقاهم ويستقبلهم مثل هذا البلاء، فلما ~~رأوا ذلك يوم الخندق قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله. # وعن بعضهم أن النبي قال لأصحابه: ' إن المشركين سائرون إليكم فنازلون بكم ~~عشرا ' أو كما قال فلما رأى المؤمنون الأحزاب [قالوا: هذا ما وعدنا الله ~~PageV04P270 # 3 * (ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) من المؤمنين رجال صدقوا ~~ما عاهدوا الله * * ورسوله] وقد ساروا إليهم * (وما زادهم إلا إيمانا ~~وتسليما) أي: تصديقا بالله، وتسليما لأمر الله. # قوله تعالى: * (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) أي: قاموا ~~بما عاهدوا الله عليه، ويقال: قاموا بالأمر على الوفاء والصدق. # وقوله: * (فمنهم من قضى نحبه) النحب يرد بمعاني كثيرة، وأولى المعاني أنه ~~بمعنى العهد، فمعنى الآية: أتم العهد وقام به، قال الحسن البصري: أي أقام ~~بالوفاء والصدق. وقال ابن قتيبة: النحب هو النذر، ومعنى قضى نحبه ها هنا ~~أي: قتل في سبيل الله، كأن القوم بقبولهم الإيمان نذروا أن يموتوا على ما ~~يرضاه الله، فمن قتل في سبيل الله فقد قضى نذره. # قال محمد بن إسحاق: الآية في الذين ms1308 استشهدوا يوم أحد، وهم حمزة رضي الله ~~عنه ومن استشهد معه. # وقد ثبت برواية يزيد بن هارون، عن حميد، عن انس رضي الله عنه أن عمه ~~النضر بن أنس كان تخلف عن بدر فقال: تخلفت عن أول غزوة غزاها رسول الله، ~~لئن أراني الله قتالا مع المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد ~~وانهزم المسلمون، ورأى ذلك النضر بن أنس قال: اللهم إني أعتذر إليك ما جاء ~~به هؤلاء يعني المسلمين وابرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين ثم مضى ~~بوجوه الكفار، فلقي سعد بن معاذ دون أحد، فقال له سعد: أنا معك، قال سعد: ~~فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فوجد به بضع وثمانون من ضربة سيف، وطعنة برمح، ~~ورمية بسهم. وفي رواية أخرى: فلم تعرفه إلا أخته بثناياه. قال أنس: ففيه ~~وفيمن استشهد نزل قوله: * (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر). PageV04P271 # * (عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) ليجزي ~~الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان ~~غفورا رحيما ( 24) ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله ~~المؤمنين القتال وكان) * * يعني: من المؤمنين من بقي بعد هؤلاء الذين ~~استشهدوا، وهم ينتظرون أحد الأمرين إما الشهادة في سبيل الله وإما الظفر، ~~وأنشدوا في النحب شعرا: # (قضى نحب الحياة وكل حي * إذا يدعي لميتته أجابا) ومن المعروف أيضا أن ~~النحب هو الخطر العظيم. قال جرير في النحب: # (بطخفة جالدنا الملوك وخلينا * عشية بسطام جرين على نحب) أي: على الخطر ~~العظيم وقوله: * (وما بدلوا تبديلا) أي: لم يتركوا ما قبلوه وعاهدوا عليه. # قوله تعالى: * (ليجزي الله الصادقين بصدقهم) أي: جزاء صدقهم، وصدقهم هو ~~وفاؤهم بالعهد. # وقوله: * (ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم) فيهديهم للإيمان. # وقوله: * (وكان الله غفورا رحيما) أي: ستورا عطوفا. # قوله تعالى: * (ورد الله الذين كفروا بغيظهم) أي: ردهم ولم يشتفوا من ~~محمد وأصحابه، وقد كانوا قصدوا قصد الاستئصال. # وقوله: * (لم ينالوا) أي: ms1309 لم يظفروا بما أرادوا. # وقوله: * ([خيرا] وكفى الله المؤمنين القتال) أي: بما أرسل من الريح ~~عليهم، وفي بعض الروايات الغريبة عن ابن عباس: وكفى الله المؤمنين القتال ~~أي: لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد كان قتل عمرو بن عبد ود في ذلك ~~اليوم، وكان رأسا من رؤوس الكفار كبيرا فيهم، وضربه عمرو بن عبد ود في ذلك ~~اليوم على رأسه PageV04P272 # * (الله قويا عزيزا (25) وانزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ~~وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم) * * ضربة فلما ضربه، ابن ملجم وقعت ضربة ابن ملجم على ~~موضع ضربة عمرو بن عبد ود، فهلك في ذلك رضي الله عنه. # وقوله: * (وكان الله قويا عزيزا) أي: قويا في ملكه، عزيزا في انتقامه. # قوله تعالى: * (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب) أي: عاونوهم من أهل ~~الكتاب، وهم قريظة، وقد كانوا في عهد النبي، وسيدهم كعب بن أسد، وأما بنو ~~النضير فسيدهم حيي بن أخطب، فلما أجلى رسول الله بني النضير إلى الشام، ذهب ~~حيي بن أخطب، إلى قريش و (استنصرهم)، وجمع الأحزاب وجاء بهم لقتال النبي، ~~ثم جاء إلى قريظة وحملهم على نقض العهد في قصة طويلة، وعاهد معهم أن ~~المشركين لو رجعوا ولم يظفروا دخل معهم في حصنهم ليصيبه ما يصيبهم، فلما ~~هزم المشركون دخل معهم في حصنهم، وأما قريظة فنقضوا العهد، وقصدوا حرب ~~النبي مع الأحزاب في قصة مذكورة في المغازي. # وقوله: * (من صياصيهم) أي: من حصونهم، ومنه صياصي البقر أي: قرونها لأنها ~~تمتنع بها. # وقوله: * (وقذف في قلوبهم الرعب) أي: الخوف. # وقوله: * (فريقا تقتلون) قتل رسول الله من قريظة أربعمائة وخمسين، وفي ~~رواية ستمائة، وفيهم حيي بن أخطب وسادتهم، وكانوا يقولون: هذا ذبح كتبه ~~الله على بني إسرائيل. # وقوله: * (وتأسرون فريقا) أسر منهم سبعمائة وخمسين، وفي رواية سبعمائة ~~PageV04P273 # * (وأرضا لم تطئووها وكان الله على كل شيء قديرا (27) يا أيها النبي قل ~~لأزواجك إن) * * (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم) أي: أغنمكم. # وقوله: * (وأرضا ms1310 لم تطئوها) أظهر الأقاويل: أنها خيبر، وقال عكرمة: جميع ~~ما فتح الله تعالى ويفتحه من أراضي المشركين إلى يوم القيامة. وعن بعضهم ~~فارس والروم. # وقوله: * (وكان الله على كل شيء قديرا) أي: قادرا. # وأما قصة قتل قريظة [فهو على] ما روى ' أن النبي لما رجع من الخندق إلى ~~بيته ووضع لامته أي: درعه واغتسل جاء جبريل عليه السلام على فرس ودعاه، ~~فلما خرج من بيته قال: أتضع سلاحك ولم تضع الملائكة أسلحتكم! وكان الغبار ~~على وجهه ووجه فرسه، وقال: يا جبريل، إلى أين؟ قال: إلى قريظة '، ' فخرج ~~النبي وخرج أصحابه إلى قريظة، ونادى في أصحابه: لا يصلين أحد منكم العصر ~~إلا في [بني] قريظة، فلم يصلوا حتى غربت الشمس، فبعضهم صلى العصر، وبعضهم ~~لم يصل حتى وصل، فلم يعنف واحدا من الفريقين ' وحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، ~~ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، وكانوا حلفاءه في الجاهلية وسعد بن معاذ سيد ~~الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج فلما نزلوا على حكمه، وكان سعد مريضا ~~بالمدينة في بيته برمية أصابت أكحله يوم الخندق، وكان الدم لا يرقأ، فدعا ~~الله تعالى وقال: اللهم أبقني حتى تريني ما يقر عيني في قريظة، فرقأ الدم. ~~PageV04P274 # * (كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعتكن وأسرحكن سراحا جميلا ~~(28) وإن) * * فلما نزلوا على حكمه استحضره رسول الله، فجاء على حمار موكف ~~وقد حف به قومه، وجعلوا يقولون له: حلفاؤك ومواليك، فقال سعد: قد آن لسعد ~~أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فلما جاء إلى النبي قال عليه الصلاة ~~والسلام للأنصار: قوموا إلى سيدكم، ثم إنه حكم بأن يقتل المقاتلة، وتسبى ~~الذرية، ويقسم المال، فقال له النبي: حكمت بحكم الملك. وروى أنه قال: حكمت ~~بحكم الله من فوق عرشه، ثم إنه فعل بهم ما حكم، ثم إن سعدا قال لما قتلوا: ~~اللهم إن كنت أبقيت حربا بين رسولك وبين قريش فأبقني لها، وإن كنت قد وضعت ~~الحرب بين رسولك وبين قريش فاقبضني إليك، فانفجر كلمه في الحال، فلم يرعهم ms1311 ~~إلا والدم يسيل إليهم، وتوفى في ذلك رضي الله عنه. # قوله تعالى: * (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها) الآية. قال المفسرون: سبب نزول الآية أن نساء النبي سألنه شيئا من ~~الدنيا، ولم يكن عنده، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيره بعضهن على ~~بعض؛ فأنزل الله تعالى آية التخيير. # وحكى النقاش في تفسيره عن الضحاك: أن زينت بنت جحش سألته ثوبا ممصرا، وهو ~~البرد المخطط، وميمونة سألته حلة يمانية، وأم حبيبة سألته ثوبا من ثياب ~~خضر، وجويرية سألته معجرا، وعن بعضهن: أنها سألته قطيفة، ولم يكن عنده شيء ~~من ذلك. وحكى أنهن قلن: لو كنا عند غيره كان لنا حليا وثيابا، فأنزل الله ~~تعالى آية التخيير. وقد ثبت أن النبي آلى منهن شهرا واعتزل في غرفة في قصة ~~PageV04P275 # * (كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا ~~عظيما (29) يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ~~وكان) * * طويلة. # وفي بعض الروايات عن ابن عباس أن النبي كان في بيت حفصة فتشاجرا، فقال ~~لها رسول الله: أجعل بيني وبينك رجلا، أتريدين أباك؟ قالت: نعم، فدعا عمر ~~رضي الله عنه فلما دخل قال النبي لحفصة: تكلمي. # فقالت حفصة: يا رسول الله، تكلم ولا تقل إلا حقا. فرفع عمر يده وضرب ~~وجهها، وقال: يا عدوة نفسها، أتقولين هذا لرسول الله؟ ثم إن رسول الله آلى ~~منهن شهرا واعتزل، وأنزل الله تعالى آية التخيير، فلما أنزل الله آية ~~التخيير بدأ بعائشة رضي الله عنها. # وقد ثبت هذا برواية الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة أن النبي بدأ بها لما ~~أنزل الله تعالى آية التخيير، قالت عائشة: فدخل علي وقال: ' يا عائشة، إني ~~ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لا ~~يأمرانني بفراقه، ثم تلا على الآية، فقلت: أفي هذا أستأمر أبواي؟ لقد اخترت ~~الله ورسوله والدار الآخرة، ثم عرض ذلك على سائر نسائه؛ فقلن مثل ms1312 ذلك '. ~~وروى هذا الخبر البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، والإسناد كما ~~بينا من قبل، وأما أزواجه اللاتي خيرهن فكن تسعا، خمسة قرشيات هن: عائشة ~~بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم سلمة بنت أمية، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، ~~وسودة بنت زمعة، وأما غير القرشيات: فزينب بنت جحش الأسدية، وصفية بنت حيي ~~الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. ~~PageV04P276 # قال المفسرون: فلما اخترنه شكر الله تعالى لهن ذلك، فنهى النبي أن يتزوج ~~بسواهن أو يتبدل بهن، وذلك في قوله تعالى: * (لا يحل لك النساء من بعد ولا ~~أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن) وسنذكر حكم ذلك من بعد واختلف ~~العلماء في هذا الخيار، أكان طلاقا؟ وإنما خيرهن على إن اخترن الدنيا ~~فارقهن بلا طلاق، وإن اخترنه أمسكهن، وذهب جماعة إلى أن هذا الخيار كان ~~طلاقا فكأنه خيرهن، ولو اخترن أنفسهن كان طلاقا. # واختلف الصحابة في الرجل يقول لامرأته: اختاري. فتقول: اخترت نفسي، فذهب ~~عمر إلى أنها لو اختارت زوجها لا تكون شيئا، وإن اختارت نفسها فطلقة واحدة، ~~والزوج أحق برجعتها. # وقال علي: إن اختارت زوجها فطلقة واحدة، والزوج أحق برجعتها، وإن اختارت ~~نفسها فواحدة بائنة، ولا يملك الزوج رجعتها، وذهب إلى أنها إن اختارت زوجها ~~فواحدة رجعية، وإن اختارت نفسها فثلاث، وقد قيل غير هذا. وهذه الأقوال ~~الثلاثة هي المعروفة، وقد ذهب إلى كل قول من هذه الأقوال جماعة من العلماء، ~~والدليل على أنها إذا اختارت زوجها لا تكون طلاقا أن عائشة قالت: خيرنا ~~رسول الله فاخترناه، أفكان طلاقا؟! # وقوله: * (فتعالين أمتعكن) أي: متعة الطلاق، وقد بينا في سورة البقرة. # وقوله تعالى: * (وأسرحكن سراحا جميلا) السراح الجميل هو المفارقة ~~الجميلة، وذلك من غير تعنيف ولا أذى. # قوله تعالى: * (وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد ~~للمحسنات) والمحسنات هي اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وجميع ~~نساء النبي قد اخترن ذلك، فجميعهن محسنات. ويجوز أن تذكر ' من ' ولا تكون ~~للتبعيض، فلا ms1313 يدل ذلك على أن منهن من ليست بمحسنة. PageV04P277 # * (ذلك على الله يسيرا (30) ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها ~~أجرها) * * وقوله: * (أجرا عظيما) وفي التفسير: أن الله تعالى خيرهن بين ~~الدنيا والآخرة، وبين الجنة والنار، فاخترن الآخرة على الدنيا، والجنة على ~~النار. # قوله تعالى: * (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة) فإن قيل: أيدل ~~هذا الخطاب على أن منهن من أتت بفاحشة أو تأتي بفاحشة؟ قلنا: لا، كما أن ~~الله تعالى قال للنبي: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) وهذا لا يدل على أنه قد ~~أتى بشرك أو يأتي. # جواب آخر: أنه قد حكى عن ابن عباس أنه قال: الفاحشة ها هنا بمعنى النشوز ~~وسوء الخلق. # وقوله: * (يضاعف لها العذاب ضعفين) وقرئ: ' يضعف ' من التضعيف، وقرئ: ' ~~نضعف ' بالنون، فقوله * (نضعف) بالنون ظاهر المعنى، وهو نسبة الفعل إلى ~~نفسه، وقوله: ' يضعف ' و ' يضاعف ' خبر. # وقوله: * (ضعفين من العذاب) أي: مثلي عذاب غيرها، فإن قيل: ولم تستحق ~~مثلي عذاب غيرها؟ قلنا: لشرف حالها بصحبة النبي، وهذا كما أن الحرة تحد ~~مثلي حد الأمة لشرف حالها. وقد استدل أبو بكر الفارسي في أحكام القرآن بهذه ~~الآية على أنهن أشرف نساء العالم. # وقوله: * (وكان ذلك على الله يسيرا) أي: هينا، وقد ذكر بعضهم أن قوله: * ~~(يضاعف لها العذاب) يقتضى ثلاثة أعذبة؛ لأن ضعف الواحد مثلاه، والأصح هو ~~الأول. # قوله تعالى: * (ومن يقنت منكن لله ورسوله) القنوت هو المداومة على ~~الطاعة، ومنه القنوت في الصلاة، وهو المداومة على الدعاء. # وقوله: * (وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين) أي: مثلي أجر غيرها، وهذا على ~~PageV04P278 # * (مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ~~إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) ~~وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة ~~وأطعن الله ورسوله إنما) * * طريق مقابلة الثواب بالعقاب. # وقوله: * (وأعتدنا لها رزقا كريما) أي: الجنة. # قوله تعالى: * (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) فإن قيل: هلا ms1314 قال ~~كواحدة من النساء؟ والجواب، أنه قال: * (كأحد من النساء) ليكون أعم في ~~الكل. # وقوله: * (إن اتقيتن) التقوى هي الاحتراز عن المعاصي، والحذر عما نهى ~~الله عنه. # وقوله: * (فلا تخضعن بالقول) أي: لا تلن في القول، ولا ترققن فيه. ويقال: ~~الخضوع في القول أن تتكلم على وجه يقع بشهوة المريب. # وقوله: * (فيطمع الذي في قلبه مرض) قال قتادة: أي النفاق، وقال عكرمة: ~~شهوة الزنا. # وقوله: * (وقلن قولا معروفا) أي: قولا يوجبه الدين والإسلام بصريح وبيان. # قوله تعالى: * (وقرن في بيوتكن) وقرئ بكسر القاف؛ فقوله بالكسر من السكون ~~والهدوء وترك الخروج. والقراءة بالنصب تحتمل هذا، وتحتمل الأمر بالوقار. ~~وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ما تعبدت الله امرأة بمثل تقوى الله ~~وجلوسها في بيتها. وفي بعض الآثار، أنه قيل لسودة: ألا تخرجين كما تخرج ~~أخواتك؟ قالت: قد حججت واعتمرت، وقد أمرني الله تعالى أن أقر في بيتي، فلا ~~أريد أن أعصي الله تعالى، فلم تخرج من بيتها حتى أخرجت على جنازتها. # وقوله: * (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) قال المبرد: التبرج هو أن ~~تظهر من PageV04P279 # * (يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما ~~يتلى) * * نفسها ما أمرت بستره. وعن ابن أبي نجيح قال: هو التبختر. وعن ~~قتادة قال: المشي بالتغنج والتكسر. وعن مجاهد قال: هو المشي بين يدي ~~الرجال. # وأما الجاهلية الأولى فقيل: هي زمان نمروذ، وقد كانت المرأة تخرج وعليها ~~قميص من لؤلؤ ثم تخيط جانباه، وعن بعضهم: ما بين نوح وإدريس، وعن الشعبي: ~~مل بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ويقال: إن أول ما ظهر من الفاحشة ~~في بني آدم أنه كان بطنان من بني آدم أحدهما يسكنون الجبل، والآخر يسكنون ~~السهل، وكان رجال الجبل صباحا، وفي النساء دمامة، ونساء السهل صبيحات، وفي ~~الرجال دمامة، فاحتال إبليس حيلة حتى أتخذ عيدا، وجمع بينهم فارتكب بعضهم ~~من بعض الفاحشة. وذكر بعضهم أن في الجاهلية الأولى [كانت المرأة تكون] بين ~~رجلين، فنصفها الأسفل لأحدهما والأعلى للآخر، فيجتمع ms1315 على المرأة زوجها ~~وحبها، وقال في ذلك بعضهم شعرا: # (أترغب في البدال أبا جبير * وأرضى بالكواعب والعجوز) وأما الجاهلية ~~الأخرى فقوم يفعلون مثل فعلهن وذلك في آخر الزمان، وقال بعضهم: يجوز أن ~~يذكر الأولى وإن لم يكن لها أخرى، ألا ترى أن الله تعالى قال: * (وأنه أهلك ~~عادا الأولى) ولم يكن لها أخرى. # وقوله: * (وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله) ظاهر المعنى. # وقوله: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) في الآية أقوال: ~~روى سعيد بن جبير عن أبن عباس: أنها نزلت في نساء النبي، وقد [قاله] عكرمة ~~وجماعة. PageV04P280 # وذهب أبو سعيد الخدري وأم سلمة وجماعة كثيرة من التابعين منهم مجاهد ~~وقتادة وغيرهما أن الآية في أهل بيت النبي، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين. # وروت أم سلمة ' أن النبي كان في بيتها وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية فجللهم بكساء وقال: اللهم؛ هؤلاء أهل بيتي. ~~قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك، فقال: إنك إلى خير '. ~~ذكره أبو عيسى في جامعه. # وروى أيضا بطريق أنس ' أن النبي كان يمر بعد نزول هذه الآية على بيت ~~فاطمة بستة أشهر، ويقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا '. # واستدل من قال بهذا القول أن الله تعالى قال: * (إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس) ولم يقل: ' عنكن '، ولو كان المراد به نساء النبي لقال: ' عنكن ~~' ألا ترى أنه في الابتداء والانتهاء لما كان الخطاب مع نساء النبي خاطبهن ~~بخطاب الإناث. # والقول الثالث: أن الآية عامة في الكل، وهذا أحسن الأقاويل، فآله قد ~~دخلوا في الآية، ونساؤه قد دخلن في الآية. واستدل من قال: إن نساءه قد دخلن ~~في الآية؛ أنه قال: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) وأهل ~~بيت الرسول هن نساءه؛ (ولأنه تقدم ذكر نسائه)، والأحسن ما بينا من التعميم. ~~PageV04P281 # * (في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا (34) إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين ms1316 والقانتات والصادقين ~~والصادقات) * * وقد روى أن زيد بن أرقم سئل: من آل النبي. فقال: هم الذين ~~حرم عليهم الصدقة. وأما الرجس فمعناه: ما يدعو إلى المعصية. وقال بعضهم: ~~عمل الشيطان. والرجس في اللغة هو كل مستقذر مستخبث. # وقوله: * (ويطهركم تطهيرا) أي: من المعاصي بتقوى الله تعالى، وذهب بعض ~~(أصحاب) الخواطر إلى أن معنى قوله: * (ويذهب عنكم الرجس) أي: الأهواء ~~والبدع * (ويطهركم تطهيرا) بالسنة، وقال بعضهم: يذهب عنكم الرجس أي: الغل ~~والحسد (ويطهركم تطهيرا) بالتوفيق والهداية، وقال بعضهم: يذهب عنكم الرجس: ~~البخل والطمع * (ويطهركم تطهيرا) بالقناعة والإيثار، والتفسير ما بينا من ~~قبل. # قوله تعالى: * (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) أي: ~~القرآن والسنة. # وقوله: * (إن الله كان لطيفا خبيرا) أي: رحيما بهم، خبيرا بأعمالهم. # قوله تعالى: * (إن المسلمين والمسلمات) سبب نزول الآية ما روى أن أم سلمة ~~قالت: ' يا رسول الله، ما بال الرحال يذكرون في القرآن، ولا يذكر النساء، ~~ونخشى ألا يكون فيهن خير '. # وفي رواية أسماء بنت عميس: قدمت من الحبشة فدخلت على نساء النبي: وقالت ~~لهن: هل ذكر الله تعالى النساء بخير في القرآن؟ قلن: لا. قالت: هذا هو ~~PageV04P282 # * (والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات ~~والصائمين) * * الخيبة والخسار، أخشى ألا يكون لله فيهن حاجة، ثم أتت النبي ~~وذكرت ذلك له '. # وفي رواية ثالثة: ' أن التي قالت ذلك أم عمارة الأنصارية، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، وذكر النساء بخير كما ذكر الرجال '. # قوله تعالى: * (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات) قد بينا معنى ~~الإسلام ومعنى الإيمان، وقد فرق بعض أهل السنة بين الإيمان والإسلام، ولم ~~يفرق بعضهم. والمسألة فيها كلام كثير. # وقوله: * (والقانتين والقانتات) المطيعين والمطيعات. # وقوله: * (والصادقين والصادقات) أي الصادقين في إيمانهم، والصادقات في ~~إيمانهن. يقال: إن المراد بالصدق هو صدق القول في جميع الأشياء. # وقوله: * (والصابرين والصابرات) أي: الصابرين على الطاعة، والصابرين عن ~~المعصية، وكذلك معنى الصابرات. # وقال قتادة: الصبر عن المعصية أفضل من الصبر على الطاعة، وعليه الأكثرون. # وقوله: * (والخاشعين والخاشعات) أي: المتواضعين والمتواضعات. ms1317 ويقال: إن ~~المراد بالخشوع هو الخشوع في الصلاة. # وعن سعيد بن جبير قال: الخشوع في الصلاة ألا يعلم من على يمينه ولا من ~~على PageV04P283 # * (والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ~~أعد الله) * * يساره. وقال غيره: من الخشوع أن لا تلتفت. # وقوله: * (والمتصدقين والمتصدقات) أي: المتصدقين على الفقراء والمتصدقات ~~عليهم. # وقوله: * (والصائمين والصائمات) معلوم. وروى عن بعضهم: من صام ثلاثة أيام ~~في كل شهر فهو من الصائمين والصائمات، ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو من ~~المتصدقين، ومن لم يلتفت في صلاته فهو من الخاشعين، أورده النقاش في ~~تفسيره. # وقوله: * (والحافظين فروجهم والحافظات) أي: من ارتكاب الفواحش. # وحكى النقاش: أن من لم يزن فهو من الحافظين لفروجهم. # وقوله: * (والحافظات) أي: والحافظاتها. # وقوله: * (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) أي: والذاكراته، قال الشاعر: # (فكمتا مدماة كأن متونها * جرى فوقها واستشعرت لون مذهب) يعني: جرى فوقها ~~لون مذهب واستشعرته. # وأما الذكر الكثير، فروى عن مجاهد أنه قال: لا يكون العبد من الذاكرين ~~الله كثيرا حتى يذكره قائما وقاعدا ومضطجعا. # وروى الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس أن النبي قال: ' من قال سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كتب ~~من الذاكرين الله كثيرا، وتحات عنه خطاياه كما يتحات الورق عن الشجر، ونظر ~~الله إليه، ومن نظر إليه (لم) يعذبه '. # وفي بعض المسانيد برواية أبي سعيد الخدري أن النبي قال: ' أيما رجل أيقظ ~~PageV04P284 # * (لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا) * * امرأته من الليل، فقاما وتوضيا وصليا ركعتين، كتبا من ~~الذاكرين الله كثيرا والذاكرات '. # وقوله: * (أعد لهم مغفرة وأجرا عظيما) أي: مغفرة للذنوب، وأجرا عظيما: هو ~~الجنة. # قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة) الآية نزلت في شأن زينب بنت جحش ~~وأخيها عبد الله بن جحش، وكانا ولدي عمة رسول الله، وهي أميمة بنت عبد ~~المطلب، فكانا من قبل الأب من بني أسد من أولاد غنم بن دودان، فروى ms1318 ' أن ~~النبي خطب زينب لزيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، وقالت: أنا بنت عمتك، ~~أتزوجني من مولاك؟! وكذلك كره أخوها، فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (وما ~~كان لمؤمن) أي: عبد الله بن جحش * (ولا مؤمنة) أي: زينب '. # وقوله: * (إذا قضى الله ورسوله أمرا) أي: أراد الله ورسوله أمرا، وذلك هو ~~نكاح زيد لزينب. PageV04P285 # * (أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ~~(36) وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت أمسك عليك عليه زوجك واتق الله ~~وتخفي في) * * وقوله: * (أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) أي: يكون لهم ~~الاختيار، والمعنى: أن يريد غير ما أراد الله، أو يمتنع مما أمر الله ~~ورسوله به. # وقوله: * (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) أي: أخطأ خطأ ظاهرا؛ ~~فلما سمعا ذلك سلما الأمر، وزوجها رسول الله من زيد بن حارثة. # قوله تعالى: * (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه) أي: أنعم الله عليه ~~بالإسلام. # وقوله: * (وأنعمت عليه) أي: بالعتق، وهو زيد بن حارثة، وقد كان جرى عليه ~~سبي في الجاهلية، فاشتراه رسول الله وأعتقه وتبناه على عادة العرب. # وقوله: * (أمسك عليك زوجك) أي: امرأتك، وأما سبب نزول هذه الآية: ' أن ~~النبي لما زوج زينب من زيد ومضت على ذلك مدة، دخل عليها رسول الله يوما ~~فرآها قائمة، وكانت بيضاء جميلة ذات خلق، وهي في درع وخمار، فلما رآها وقعت ~~في قلبه وأعجبه حسنها، وقال: سبحان مقلب القلوب. وسمعت ذلك زينب، وخرج رسول ~~الله وفي قلبه ما شاء الله، فلما دخل عليها زيد ذكرت ذلك له '. وفي بعض ~~التفاسير: ' أن زيدا جاء يشكو زينب، وكانت امرأة لسنة، فذهب رسول الله ~~ليعظها، فكان الأمر على ما ذكرنا، ثم إن زيدا أتى رسول الله وقال: يا رسول ~~الله، إني أشكو إليك سوء خلق زينب، وإن فيها كبرا، وإني أريد أن أطلقها، ~~فقال له رسول الله: أمسك عليك زوجك أي امرأتك واتق الله في أمرها '. ~~PageV04P286 # * (نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق ms1319 أن تخشاه فلما قضى زيد منها ~~وطرا) * * وقوله: * (وتخفي في نفسك ما الله مبديه) قال قتادة: هو محبته ~~لها. وقال الحسن: ود النبي طلاقها ولم يظهره. وذكر علي بن الحسين أن معنى ~~الآية: هو أن الله تعالى كان أخبره أن زيدا يطلقها وهو يتزوج بها، فالذي ~~أخفاه هو هذا، وهذا القول هو الأولى وأليق بعصمة الأنبياء. ومنهم من قال: ~~الذي أخفي في نفسه هو أنه لو طلقها زيد تزوج بها، وهذا أيضا قول حسن. # وقوله: * (وتخشى الناس) أي: تستحي من الناس، ويقال: تخشى مقالة الناس ~~ولائمتهم، وأنهم يقولون إنه تزوج بامرأة ابنه. # وقوله: * (والله أحق أن تخشاه) فإن قيل: هذا يدل على أنه لم يخش الله ~~فيما سبق منه في هذه القصة. والجواب من وجهين: أحدهما: أن معنى قوله: * ~~(والله أحق أن تخشاه) ابتداء كلام في جميع الأشياء، وقد أمر الله تعالى ~~جميع عباده بالخشية في عموم الأحوال. # والجواب الثاني: أنك أضمرت شيئا ولم تظهره، فإن خشيت الله تعالى في ~~إظهاره فاخشه في إضماره. وحقيقة المعنى: أنه لا خشية إلا من الله فيما تظهر ~~و [إلا] فيما تضمر، فلا تراقب الناس. # فإن قيل: إذا كان قد ود أن يطلقها كيف قال أمسك عليك زوجك؟ والجواب: أن ~~ذاك الود ود طبع وميل نفس، والبشر لا يخلو عنه. # وأما قوله: * (أمسك عليك زوجك واتق الله) أمر بالمعروف، وليس عليه إثم ~~فيما يقع في قلبه من غير اختياره، وعلى أنا قد ذكرنا سوى هذا من الأقوال، ~~وقد ثبت برواية مسروق عن عائشة أنها قالت: ' لو كتم النبي شيئا من الوحي ~~لكتم هذه الآية '، وروى أنه لم تكن آية أشد عليه من هذه الآية. # وقوله: * (فلما قضي زيد منها وطرا زوجناكها) في التفسير: أن زيدا لما ~~أخبر PageV04P287 # بالأمر طلقها، وقد ذكر بعضهم: أن النبي تركها حتى انقضت عدتها ثم تزوجها ~~'. # وليس في أكثر التفاسير ذكر عدة، ولا ذكر تزويج من ولي، وإنما المنقول أن ~~زيدا طلقها، وأن الله زوجها منه، وهو ظاهر. # قوله تعالى: ms1320 * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) وقوله: * (وطرا) أي: ~~حاجة، وهو بلوغ منتهى ما في النفس، قال الشاعر: # (أيها الرايح المجد ابتكارا * قد قضى من تهامة الأوطار) وقال جرير: # (وبان الخليط غداة الجناب * ولم تقض نفسك أوطارها) وقد ثبت في الصحيحين: ~~أن زينب كانت تفتخر على سائر زوجات النبي وتقول: زوجكن أهلوكن، وزوجني الله ~~من فوق سبع سماوات '. # وروى ' أن النبي لما أراد أن يتزوجها بعث زيدا يخطبها، فدخل عليها زيد ~~وخطبها لرسول الله، فقالت: حتى أوآمر ربي، وقامت إلى مسجدها، وأنزل الله ~~تعالى: * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) ' وهذا خبر معروف، قال أهل ~~التفسير: ' ولما نزلت هذه الآية جاء رسول الله ودخل عليها بغير إذن، وأولم ~~عليها بالخبز واللحم '. وقد ثبت برواية أنس ' أن النبي ما أولم على أحد من ~~نسائه ما أولم على زينب بنت جحش، أشبع الناس من الخبز واللحم '. ومن فضائل ~~زينب ' أن النبي قال لنسائه عند الوفاة: ' أسرعكن بي لحوقا أطولكن، ~~PageV04P288 # * (زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا ~~منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) ما كان على النبي من حرج فيما فرض ~~الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) ~~الذين يبلغون رسالات الله) * * يدا ' فكانت زينب أول من توفيت من أزواج ~~النبي بعده، وكانت امرأة صناعا، تكثر الصدقة بكسب يدها، فعرفوا أن معنى طول ~~اليد هو كثرة الصدقة '. # وهي أيضا أول من اتخذ عليها النعش، فإنه روى أنها لما ماتت في زمن عمر ~~رضي الله عنه وكانت امرأة خليقة، كره عمر أن تخرج كما يخرج الرجال؛ فبعثت ~~أسماء بنت عميس النعش فأمر عمر حتى (اتخذ) ذلك، وأخرجت في النعش، وقال عمر: ~~نعم خباء الظعينة هذا، فجرت السنة على ذلك إلى يومنا هذا. قالوا: وقد كانت ~~أسماء رأت ذلك بالحبشة. # وقوله: * (لكيلا يكون على المؤمنين حرج) أي: إثم. # وقوله: * (في أزواج أدعيائهم) أي: في نساء يتبنونهم، وقد كانت العرب تعد ~~ذلك حراما، فنسخ ms1321 الله التبني، وأحل امرأة (المتبنين). # وقوله: * (إذا قضوا منهن وطرا) قد ذكرنا. # وقوله: * (وكان أمر الله مفعولا) أي: كان حكم الله نافذا لا يرد. # قوله تعالى: * (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله) أي: فيما أحل ~~الله. # وقوله: * ([له] سنة الله في الذين خلوا من قبل) أي: كسنة الله في الذين ~~خلوا من قبل، فلما نزع (الخافض انتصب)، وقيل: إنه نصب على الإغراء كأنه ~~قال: الزموا سنة الله. # أما قوله: * (في الذين خلوا من قبل) أي: داود وسليمان، فقد بينا عدد ما ~~كان PageV04P289 # * (ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ما كان محمد ~~أبا أحد من) * * لداود وسليمان من النساء. وذكر (بعضهم)، أن المراد من ~~الآية تشبيه حال النبي بحال داود؛ فإن داود هوى امرأة فجمع الله بينهما على ~~وجه الحلال، وكذلك الرسول هوى امرأة فجمع الله بينهما على وجه الحلال. # قوله: * (وكان أمر الله قدرا مقدورا) أي: قضاء مقضيا. # قوله تعالى: * (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا ~~الله) أي: [خشية] تحول بينهم وبين معصيته، وهذا هو الخشية حقيقة. # وقوله: * (ولا يخشون أحدا إلا الله) أي: غير الله، ومعناه: أنهم لا ~~يراقبون أحدا فيما أحل لهم. وفي بعض (الآثار): من لم يستح مما أحل الله له ~~خفت مؤنته. # وقوله: * (وكفى بالله حسيبا) أي: حافظا، ويقال: محاسبا، تقول العرب: ~~(أحسبني) الشيء أي: كفاني. # قوله تعالى: * (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) أكثر المفسرين أن المراد ~~منه زيد بن حارثة، ومعناه: أنه ليس بأبي زيد بن حارثة، فإن قيل: أليس انه ~~قد كان له أولاد ذكور وإناث، وكذلك الحسن والحسين كانا ولديه. # وقد ثبت عن النبي أنه قال للحسن بن علي: ' إن ابني هذا سيد يصلح الله به ~~بين فئتين عظيمتين من المسلمين '. # وفيه إشارة إلى الصلح الذي وقع بين أهل العراق وأهل الشام حين بايع الحسن ~~معاوية وسلم إليه الأمر، والقصة معروفة. والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن ~~@ 291 @ * (رجالكم ولكن رسول الله ms1322 وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما ~~(40) يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا ~~(42) هو الذي يصلي) * * معنى قوله: * (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) أي: ~~أبا رجل لم يلده، ولم يكن ولد زيد بن حارثة؛ فلم يكن أباه، وقد كان له ~~أولاد ذكور ولدهم وهم: القاسم، والطيب، والطاهر، وإبراهيم رضي الله عنهم ~~وجعل بعضهم بدل الطاهر المطهر. # والجواب الثاني: أنه قال: * (من رجالكم) وهؤلاء كانوا صغارا، والرجال اسم ~~يتناول البالغين. وروى عطاء عن ابن عباس أن الله تعالى لما حكم أنه لا نبي ~~بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا، ولو أعطاه ولدا ذكرا يصير رجلا لجعله ~~نبيا. # وقد قال بعض العلماء: ليس هذا بمستنكر، ويجوز أن يكون له ولد رجل ولا ~~يكون نبيا، وما ذكرناه محكى عن ابن عباس، والله أعلم. # وقوله: * (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) وقرئ: ' خاتم ' بنصب التاء، ~~فأما قوله: * (وخاتم النبيين) بالفتح أي: آخر النبيين، وأما بالكسر أي: ختم ~~به النبيين. # وقوله: * (وكان الله بكل شيء عليما) أي: عالما، وقد ثبت برواية جابر بن ~~عبد الله أن النبي قال: ' مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا ~~فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة منها، فجعل كل من يدخل الدار يقول: ما ~~أحسنها وأكملها لولا موضع اللبنة، فأنا اللبنة، ولا نبي بعدي '. # وفي بعض الغرائب من الأخبار: أن النبي قال: ' لا تقوم الساعة حتى يبعث ~~دجالون كذابون قريبا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه نبي، ولا نبي بعدي '. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا) فيه قولان: ~~أحدهما: PageV04P290 # * (عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما ~~(43)) * * أن المراد بالذكر الكثير هو الصلوات الخمس، والثاني: أن المراد ~~بالذكر الكثير هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وأشباهها، وهذه ~~الأذكار هي التي لا يمنع منها مسلم بجنابة ولا حدث ولا بغير ذلك. وقال ~~بعضهم: الذكر الكثير يكون بالقلب، وهو الذكر الذي يستديم به طاعة الله، ~~وينتهي به عن معصيته. # وقوله: * (وسبحوه ms1323 بكرة وأصيلا) أي: صلوا لله بكرة وأصيلا، والأصيل: ما ~~بين العصر والمغرب، ويقال: صلاة الأصيل هي الظهر والعصر والمغرب والعشاء ~~الآخرة. # قوله تعالى: * (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) اختلفوا في معنى (الصلوات) ~~من الله تعالى؛ قال أبو العالية: هو الثناء من الله على عباده، (وعن) ~~بعضهم: إشاعة الذكر الجميل لهم، وأشهر الأقوال: ان الصلاة من الله تعالى ~~بمعنى الرحمة والمغفرة، وأما صلاة الملائكة بمعنى الاستغفار للمؤمنين. وذكر ~~الحسن البصري: أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: أيصلي ربك؟ فذكر ~~موسى ذلك لله تعالى؛ فقال الله تعالى: إني أصلي، وصلواتي أن رحمتي سبقت ~~غضبي '. # وفي بعض التفاسير: أن الله تعالى لما أنزل قوله تعالى: * (إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي) قالت الصحابة: يا رسول الله، هذا لك! فما لنا؟ ~~فأنزل الله تعالى: * (هو الذي يصلي عليكم وملائكته). # وقوله: * (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) أي: من ظلمة الضلالة إلى نور ~~الهداية، ومن ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، وقيل: من ظلمة النار إلى نور ~~الجنة. # وقوله: * (وكان بالمؤمنين رحيما) يعني: لما حكم لهم من السعادة. ~~PageV04P292 # * (تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) ~~وبشر المؤمنين بأن) * * قوله تعالى: * (تحيتهم يوم يلقونه سلام) وفيه ~~أقوال: أحدها: أن معنى ' يلقونه ' أي: يلقون الله تعالى، والسلام من الله ~~تعالى لهم إثبات السلامة الأبدية والأمن من الآفات. وقيل: يسلم الله عليهم ~~تسليما. # والقول الثاني: أن معنى قوله: ' يلقونه ' أي: ملك الموت عليه السلام، وقد ~~وردت الكناية عن غير مذكور في مواضع كثيرة من القرآن. قال البراء بن عازب: ~~ما من مؤمن إلا ويسلم عليه ملك الموت إذا أراد قبض روحه. والقول الثالث: أن ~~المراد منه تسليم الملائكة، ومعناه: أنهم إذا بعثوا سلم عليهم ملائكة الله ~~وبشروهم بالجنة. # وقوله: * (وأعد لهم أجرا كريما) أي: الجنة، واعلم أنه قد ورد أخبار في ~~الحث على ذكر الله تعالى؛ منها ما ثبت عن النبي أنه قال: ' يقول ms1324 الله ~~تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني '. # وقد ثبت أيضا عن النبي قال: ' يقول الله تعالى: إذا ذكرني العبد في نفسه ~~ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم.. ' الخبر. # وفي بعض المسانيد أن النبي قال: ' من عجز عن الليل أن يكابده، وجبن عن ~~العدو أن يجاهده، وبخل بالمال أن ينفقه، فعليه بذكر الله تعالى '. # * (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا) أي: شاهدا على إبلاغ الرسل رسالة ~~ربهم. # وقوله: * (ومبشرا) أي: بالجنة، وقوله: * (ونذيرا) أي: من النار. ~~PageV04P293 # * (لهم من الله فضلا كبيرا (47) ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (48) يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من) * * وقوله: * (وداعيا إلى الله) أي: إلى الإسلام. ~~وقيل: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. # وقوله: * (بإذنه) أي: بأمره. وقوله: * (وسراجا منيرا) أي: ذا سراج منير، ~~والسراج المنير هو القرآن. وقيل: وسراجا هو الرسول؛ سماه سراجا لأنه يهتدي ~~به كالسراج يستضاء به، قال الشاعر: # (إن الرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول) وقوله: * (وبشر ~~المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) روى أن الله تعالى لما أنزل قوله: * ~~(إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) قالت ~~الصحابة: يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: * (وبشر ~~المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا). # قوله تعالى: * (ولا تطع الكافرين والمنافقين) الكافرين: أبو سفيان، ~~وعكرمة بن أبي جهل وقد أسلموا من بعد وأبو الأعور السلمي، والمنافقين: عبد ~~الله بن أبي، وطعمة بن أبيرق، وابن (سفنة)، وأشباههم. # وقوله: * (ودع أذاهم) قال مجاهد: اصبر على أذاهم، ويقال: إن هذه الآية ~~نسختها آية السيف. # وقوله: * (وتوكل على الله) أي: ثق بالله. # وقوله: * (وفكى بالله وكيلا) أي: حافظا. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن) في ~~الآية دليل على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح؛ لأنه رتب الطلاق على ms1325 النكاح ~~فدل [على] أنه لا يتقدمه، وقد حكى هذا المعنى عن ابن عباس. PageV04P294 # * (قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا ~~جميلا (49) يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ~~ملكت يمينك مما) * * وقد روي عن النبي أنه قال: ' لا طلاق قبل النكاح ' ~~وهذا يقوي ما ذكرناه من الاستدلال بالآية. # وقوله: * (من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) في الآية ~~دليل على أنه لو طلق قبل الدخول لا تجب العدة، وأما إذا خلا بالمرأة ثم ~~طلقها هل تجب العدة؟ في المسألة خلاف معروف على ما عرف. # وقوله: * (تعتدونها) أي: تستوفون عدتها. # وقوله: * (فمتعوهن) قد بينا المتعة في سورة البقرة. وعن بعضهم: أن هذه ~~الآية منسوخة بقوله تعالى: * (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة فنصف ما فرضتم) ولهذا وجب نصف المفروض قبل الدخول ولم تجب المتعة، ~~وإنما تجب المتعة للمطلقة التي لا تجب لها نصف المفروض. # وقوله: * (وسرحوهن سراحا جميلا) والتسريح الجميل هو الطلاق مع قضاء ~~الحقوق. # قوله تعالى: * (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) ~~أي: مهورهن. # قوله: * (وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك) أي: أغنمك الله. ويقال: رد ~~الله عليك من الكفار، ومما أفاء الله عليه صفية بنت حيي بن أخطب وجويرية ~~بنت أبي ضرار المصطلقية، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه، وولد له منها ~~إبراهيم ابنه. # وقوله: * (وبنات عمك) أي: أولاد عبد المطلب. PageV04P295 # * (أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من) * * وقوله: * (وبنات عماتك) أي: من أولاد بنات عبد المطلب. # وقوله: * (وبنات خالك وبنات خالاتك) أي: من أولاد عبد مناف بن زهرة بن ~~كلاب. # وقوله: * (اللاتي هاجرن معك) فيه قولان: أحدهما: أسلمت معك، فيقتضى أن ~~غير المسلمة لا تحل له وإن كانت يهودية أو نصرانية، وهي حلال لأمته. والقول ~~الثاني: ms1326 هاجرن معك إلى المدينة، فاقتضت الآية أن غير المهاجرة لا تحل له؛ ~~وفي معناه قولان: أحدهما: أن غير المهاجرة لا تحل له من الأجنبيات ~~والقرابات. والقول الثاني: أن غير المهاجرة لا تحل من القرابات واللاتي ~~ذكرهن، فأما من الأجنبيات فحلال. # وروى أبو صالح عن أم هانئ أن رسول الله لما فتح مكة خطبني، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، فلم أحل له لأني لم أكن من المهاجرات، وكنت من الطلقاء. ~~وأم هانئ أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # وقوله: * (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) وقرئ: ' إن وهبت ' بالفتح ~~إذ بالكسر على العموم، وبالفتح على امرأة بعينها. # وعن ابن عباس أنه قال: لم يكن ممن أمسكها النبي من النساء أحد وهبت ~~نفسها. # وعن غيره أن ميمونة بنت الحارث كانت ممن وهبت، وممن وهبت نفسها أم شريك، ~~وكانت امرأة صالحة. وروى أنها عطشت في سفر، فأنزل الله تعالى عليها دلوا من ~~السماء، وعلقت عكة فارغة فأصاب فيها سمنا، فيقال: من آيات الله عكة أم ~~PageV04P296 # * (دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم ~~لكيلا يكون) * * شريك، ' وقد كان رسول الله عهدها جميلة، فسأل عنها يوم فتح ~~مكة فبلغها ذلك، فجاءت ووهبت نفسها للنبي، فلم يرها كما عهدها فتركها '. # وعن عائشة رضي الله عنها أن خولة بنت حكيم ممن وهبت نفسها للنبي. # وعن الشعبي: أن التي وهبت نفسها للنبي زينب بنت خزيمة الأنصارية أم ~~المساكين. # وقوله: * (إن أراد النبي أن يستنكحها) أي: يطلب نكاحها. # وقوله: * (خالصة لك من دون المؤمنين) فيه قولان: أحدهما: أن معني خالصة: ~~أنها حلال لك بغير صداق، ولا تحل لغيرك بغير صداق، وهذا قول عكرمة وجماعة. ~~والقول الثاني: أن معنى قوله: * (خالصة لك) يعني: أن جواز النكاح بلفظ ~~الهبة [خالص] لك، نسب هذا إلى الشافعي رحمه الله. # وقوله: * (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم) أي: أوجبنا عليهم في ~~أزواجهم من الأحكام؛ والأحكام أن النكاح لا يجوز إلا بشهود وولي وصداق ~~وفراغ عن العدة ms1327 وأشباه ذلك. # وقوله: * (وما ملكت أيمانهم) أي: وما أوجبنا من الأحكام فيما ملكت ~~أيمانهم. # وقوله: (* (عليهم و) * أيمانهم) ينصرف إلى المؤمنين. # وقوله: * (لكيلا يكون عليك حرج) أي: ضيق. معناه: وسعنا عليك الأمر لكي لا ~~يكون عليك حرج. PageV04P297 # * (عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من ~~تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ~~ويرضين) * * وقوله: * (وكان الله غفورا رحيما) قد بينا. # قوله تعالى: * (ترجى من تشاء منهن) فيه ثلاثة أقوال: أحدها: تطلق من تشاء ~~منهن، وتؤوي إليك من تشاء أي: تمسك من تشاء منهن، حكي هذا عن ابن عباس. ~~والقول الثاني: ترجى من تشاء منهن: لا تتزوجهن. وقوله: * (وتؤوى إليك من ~~تشاء) أي: من تشاء نكاحهن. والقول الثالث: ترجى من تشاء منهن أي: تؤخرهن ~~فيخرجن من القسم. # وقوله: * (وتؤوي إليك من تشاء) أي: تدخلهن في القسم، وهذا أشهر الأقاويل، ~~فكأن الله تعالى جوز أن يقسم لمن شاء، ويترك من شاء منهن. ثم اختلف القول ~~في أنه هل أخرج أحدا منهن عن القسم؟ فأحد القولين: أنه لم يخرج أحدا منهن ~~عن القسم. والقول الثاني: حكاه أبو رزين أنه أخرج خمسة وقسم لأربعة، ~~فالخمسة التي أخرجهن: سودة، وأم حبيبة، وصفية، وجويرية، وميمونة، وأما ~~اللاتي قسم لهن: فعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، والأظهر هو القول الأول. # وقد روى ' أنه كان في مرض موته يدور على نسائه حتى رضين بأن يمرض في بيت ~~عائشة '. # وقوله: * (ومن ابتغيت ممن عزلت) أي: ممن رأيت منهن وقد أخرتها * (فلا ~~جناح عليك) أي: لا إثم عليك. # وقوله: * (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن) ~~معناه: أنهن إذا علمن أن هذا مما أنزل الله تعالى كان أطيب لأنفسهن، وأقل ~~لحزنهن، وأقرب إلى رضاهن. ويقال: إذا علمن أن لك أن تؤوي من شئت، فمن عزلت ~~كان أقرب إلى PageV04P298 # * (بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) ~~لا يحل لك النساء ms1328 من بعد ولا من أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ~~ما ملكت يمينك) * * ما ذكرنا. وفي بعض التفاسير: ' أن النبي أراد أن يطلق ~~جماعة من نسائه، فقلن له: اتركنا على حالنا، واقسم كما شئت '. # وقوله: * (والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما) أي: عليما ~~بأمر خلقه، حليما عن فعل خلقه. # قوله تعالى: * (لا يحل لك النساء من بعد) قد بينا أن الله تعالى لما أمر ~~رسوله أن يخير أزواجه فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ شكر لهن اختيارهن ~~وحرم عليه ما سواهن من النساء، ونهاه عن الاستبدال بهن، ثم اختلف القول أنه ~~هل أحل له النساء من بعد أولا؟ فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ' ما ~~توفي رسول الله حتى أحل له النساء '. # والقول الثاني: أن الحرمة بقيت إلى أن توفي النبي. # وقوله: * (ولو أعجبك حسنهن) ظاهر المعنى، وفي الآية قول آخر. وهو ما روي ~~عن مجاهد أنه قال: * (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج) ~~أي: ليس لك أن تختار غير المسلمات على المسلمات، ومعناه: أنه لا يجوز له أن ~~يتزوج يهودية ولا نصرانية. وفي بعض التفاسير: أن التي أعجبته هي أسماء بنت ~~عميس الخثعمية، وكانت عند جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد عنها أراد النبي ~~أن يخطبها، فنهى عن ذلك. # وقوله: * (إلا ما ملكت يمينك) يعني: سوى ما ملكت يمينك، وقوله * (وكان ~~الله على كل شيء وقيبا) أي: حفيظا. PageV04P299 # * (وكان الله على كل شيء رقيبا (52) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فأدخلوا ~~فإذا طعمتم فانتشروا ولا) * * قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوت النبي) سبب نزول الآية: ما روى أن الصحابة كانوا يدخلون بيوت ~~النبي بغير إذن، وينتظرون إدراك الطعام، فإذا فرغوا من الطعام جلسوا ~~يتحدثون وأطالوا الجلوس، وكان النبي يتأذى بهم ويستحي منهم؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، وعلمهم هذا الأدب ms1329 بينهم وبين النبي. # وقد ثبت برواية أنس ' أن النبي أو لم على زينب بنت جحش ودعا أصحابه، فلما ~~فرغوا وخرجوا، جلس رجلان يتحدثان، وأحب النبي أن يخرجا فيخلوا بأهله فلم ~~يخرجا '. وفي رواية: أنه خرج مرات ليتبعاه فلم يخرجا أيضا، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. ومن المعروف أيضا أن نساء النبي لم يكن يحتجبن عن الرجال ~~على عادة العرب، وكان عمر يقول: يا رسول الله، احجب نساءك؛ فإنه يدخل عليك ~~البر والفاجر؛ وكان النساء يتزرن بالليل، ويخرجن إلى المناصع لحاجتهن، ~~فخرجت سودة ليلة وكانت امرأة طويلة، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة، ورفع ~~صوته حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله تعالى آية الحجاب '. ومن المعروف ~~أيضا ' أن النبي كان يأكل مع عائشة حيسا، فمر عمر فدعاه فجعل يأكل معهما، ~~فوقع أصبعه على أصبع عائشة، فقال عمر: حس لو أطاع فيكن [ما رأتكن] عين، ~~فأنزلت آية الحجاب '. PageV04P300 # * (مستئنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من ~~الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ~~وما كان) * * وقوله: * (غير ناظرين إناه) أي: إدراكه ونضجه، قال الشاعر: # (تمخضت المنون له بيوم * أنى ولكل حاملة تمام) وقوله: * (ولكن إذا دعيتم ~~فأدخلوا) وقوله: * (فإذا طعمتم فانتشروا) قال الحسن البصري وغيره: نزلت ~~الآية في الثقلاء. وعن إبراهيم النخعي: من عرف أنه ثقيل فليس بثقيل. # وقوله: * (ولا مستأنسين لحديث) أي: لا يقعدوا في بيت النبي بعد الفراغ من ~~الطعام يتحدثون مستأنسين بالحديث. # وقوله: * (إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم) أي: يستحي من إخراجكم. # وقوله: * (والله لا يستحي من الحق) أي: لا يترك بيان الحق [وذكره] حياء. # وقوله: * (وإذا سألتموهن متاعا) أي: حاجة. # وقوله: * (فاسألوهن من وراء حجاب) أي: من وراء ستر. وفي التفسير: أنه لم ~~يكن يحل بعد آية الحجاب لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء النبي، منتقبة كانت ~~أو غير منتقبة؛ لأن الله تعالى قال: * (من وراء حجاب) وروى أن عائشة كانت ~~إذا طافت ستروا ms1330 وراءها. # وقوله: * (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) أي: أطهر من الريب. # وقوله: * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) قال أهل التفسير: لما نزلت ~~آية الحجاب ومنع الرجال من الدخول في بيوت النبي، قال رجل من الصحابة: ما ~~بالنا نمنع من الدخول على بنات أعمامنا، والله لئن حدث أمر لأتزوجن عائشة، ~~والأكثرون على أن القائل لهذا طلحة بن عبيد الله، وكان من رهط أبي بكر ~~الصديق. PageV04P301 # * (لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا أن ذلكم ~~كان عند الله عظيما (53) إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء ~~عليما (54) لا جناح) وكان ذلك القول زلة منه؛ فأنزل الله تعالى [قوله هذا]: ~~* (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله). # وقوله: * (ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله ~~عظيما) أي: ذنبا عظيما. # قوله تعالى: * (إن تبدوا شيئا أو تخفوه) والذي أبدى وأظهرهو قول ذلك ~~القائل: ما بالنا نمنع من الدخول على بنات أعمامنا. # وقوله: * (أو تخفوه) والذي أخفي هو إضماره نكاح عائشة بعد النبي، وروى ~~أنه لم يقل هذا، ولكنه أضمر. # وقوله: * (فإن الله كان بكل شيء عليما) أي: عالما. في تفسير النقاش: أن ~~النبي خطب بعد نزول هذه الآية، وقال: ' أيها الناس، إن الله فضلني على سائر ~~الرجال، وفضل نسائي على سائر النساء، وإن الله حرمهن عليكم وجعلهن ~~كأمهاتكم، فلا تعتدوا حدوده فسيحتكم بعذاب أليم، ألا وإن صفوتي من نسائي ~~عائشة بنت أبي بكر إلا ما كان من خديجة بنت خويلد، وإن فاطمة سيدة نساء ~~العالمين إلا ما كان من مريم بنت عمران، والحسن والحسين رضي الله عنهما ~~سيدا شباب أهل الجنة، وإن أبا بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة ما خلا النبيين ~~والمرسلين '. # قوله تعالى: * (لا جناح عليهن في آبائهن) الآية. روى أن الآية الأولى لما ~~نزلت قام الآباء والأبناء، فقالوا: ما حالنا يا رسول الله أندخل عليهن أم ~~لا؟ فأنزل الله تعالى قوله: * (لا جناح عليهن) أي: لا إثم ms1331 عليهن * (في ~~آبائهن ولا أبنائهن، ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن) فإن ~~قيل: لم يذكر الأعمام، وبالإجماع يجوز للأعمام أن يدخلوا عليهن، إنه قد ~~قال: * (في آبائهن) وقد دخل الأعمام في جملة PageV04P302 # * (عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء ~~أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل ~~شيء شهيدا (55) إن) * * الآباء وقد سمى الله تعالى العم أبا في القرآن، قال ~~الله تعالى حاكيا عن الأسباط أنهم قالوا ليعقوب: * (نعبد إلهك وإله آبائك ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) وقد كان إسماعيل عم يعقوب. # وقوله: * (ولا نسائهن) فيه قولان: أحدهما: أن المراد من نسائهن المسلمات، ~~فعلى هذا القول لم يكن يجوز لليهوديات والنصرانيات الدخول عليهن. والقول ~~الثاني: أن قوله: * (ولا نسائهن) عام في المسلمات وغير المسلمات، فعلى هذا ~~القول إنما قال: * (ولا نسائهن) لأنهن من أجناسهن، وعلى القول الأول قال: * ~~(ولا نساءهن) لأن نسائهن المسلمات دون غير المسلمات. # وقوله: * (ولا ما ملكت أيمانهن) فيه قولان: أحدهما: أن ما ملكت أيمانهن ~~هن الإماء، قال سعيد بن المسيب: لا يغرنكم قوله: * (ولا ما ملكت أيمانهن) ~~فإنما المراد منه الإماء دون العبيد. # والقول الثاني: أن المراد منه العبيد والإماء. # واختلف القول أن العبيد إلى ماذا يحل لهم النظر على هذا القول؟ فأحد ~~القولين: أنه يحل لهم النظر إلى ما يحل للمحارم. # والقول الآخر: أنه يحل [النظر] إلى ما يبدو في العادة من الوجه واليدين ~~والقدمين، ولا يحل النظر إلى ما سوى ذلك، هذا هو الأحوط. # وقوله: * (واتقين الله) هذا خطاب لأزواج النبي حتى لا يبرزن ولا يكشفن ~~الستر عن أنفسهن. # وقوله: * (إن الله كان على كل شيء شهيدا) أي: شاهدا. PageV04P303 # * (الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما (56) إن) * * وقوله تعالى: * (إن الله وملائكته يصلون على النبي) ~~الصلاة من الله بمعنى الرحمة والمغفرة، والملائكة والمؤمنين بمعنى الدعاء. # قال ثعلب: قول القائل: اللهم صل على محمد أي: زده بركة ورحمة، ms1332 وأصل ~~الصلاة في اللغة الدعاء، وقد بينا من قبل. وقد ثبت عن النبي أنه قال: ((صلى ~~على مرة صلى الله عليه عشرا)). # وفي بعض الأخبار: ((أن جبريل عليه السلام لما نزل بهذا سجد الرسول الله ~~شكرا)). # وقد ثبت برواية كعب بن عجرة أنه قال: يا رسول الله، قد عرفنا السلام ~~عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما ~~صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)). # وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: إذا صليتم على رسول ~~الله فأحسنوا الصلاة عليه؛ فلعلها تعرض عليه؛ قالوا له: فعلمنا. قال: قولوا ~~اللهم صل على محمد عبدك ونبيك، سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم ~~النبيين، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه المقام ~~المحمود الذي يغبطه به الأولون @ 305 @ * (الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم ~~الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) والآخرون. # وروى الأصمعي قال: سمعت المهدي وهو محمد بن عبد الله بن جعفر المنصوري ~~على منبر البصرة يقول: إن الله تعالى أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى ~~بملائكته، فقال: * (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما). # وأما السلام على الرسول فهو أن تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته، هذا في حق أصحاب رسول الله، وكانت السنة لهم أن يواجهوا الرسول ~~على هذا الوجه، فأما في حق سائر المؤمنين ففي التشهد يقول على ما هو ~~المعروف. # وقد ذكر بعض العلماء أنه يقول في التشهد: السلام على النبي ورحمة الله ~~وبركاته. ولا يقول: عليك. # والصحيح ما بينا، وإنما خارج المصلى، فإنه يقول: السلام على النبي ورحمة ~~الله وبركاته. # ويستدل بهذه الآية في وجوب الصلاة على النبي إذا صلى، على ما هو مذهب ~~الشافعي رحمه الله ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أمرنا بالصلاة على النبي، ~~وأولى موضع بوجوب الصلاة فيه هو الصلاة. فوجب في الصلاة، أن يصلي على رسول ~~الله. # قوله تعالى: * (إن الذين يؤذون ms1333 الله ورسوله) قد ثبت عن النبي أنه قال: ' ~~يقول الله تعالى: يشتمني عبدي، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني عبدي، وما ~~ينبغي له أن يكذبني. أما شتمه إياي هو أن يزعم أني اتخذت ولدا. وأما تكذيبه ~~إياي هو أنه يزعم أني لن أعيد خلقي، وأنا المبدئ المعيد '. PageV04P304 # * (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا (58) يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن) * * وقال بعضهم: * (إن الذين يؤذون الله ورسوله) أي: ~~أولياء الله. # وأصح القولين أن قوله: * (يؤذون الله) على طريق المجاز، وأما على الحقيقة ~~فلا يلحقه أذى من قبل أحد. # وقوله: * (لعنهم الله في الدنيا والآخرة) أي: طردهم وأبعدهم من رحمته. # وقوله: * (وأعد لهم عذابا مهينا) أي: يهينهم ويخزيهم. # قوله تعالى: * (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) أي: ~~يقعون فيهم، ويعيبونهم بغير جرم وجد من قبلهم. # وذكر [هنا] مقاتل أن الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه وذكر الكلبي أن الآية نزلت في قوم من المنافقين كانوا يمشون في ~~الطريق ويغمزون النساء. # وقوله: * (فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن) ذكر المفسرون أن المدينة كانت ضيقة المنازل، وكان ~~النساء يخرجن إلى البوار بالليالي لقضاء الحاجات، وكان قوم من المنافقين ~~والفاسقين يرصدونهن ويتعرضون لهن، فمن كانت عفيفة منهن صاحت وتركوها، ومن ~~كانت غير عفيفة أعطوها شيئا وواقعوها. # وفي رواية: أنهم كانوا يتعرضون للإماء، ولا يتعرضون للحرائر، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # وقوله تعالى: * (يدنين عليهن من جلابيبهن) أي: يشتملن بالجلابيب، ~~والجلباب PageV04P306 # * (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا) * * هو الرداء، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق ~~الدرع والخمار. # قال عبيدة السلماني: تتغطى المرأة بجلبابها فتستر رأسها ووجهها وجميع ~~بدنها ms1334 إلا إحدى عينيها. # وروى أن الله تعالى لما أنزل هذه الآية اتخذ نساء الأنصار أكيسة سوداء ~~واشتملن بها فخرجن كأن رؤوسهن الغربان. # وقوله: * (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) أي: يعرفن أنهن حرائر * (فلا ~~يؤذين) أي: لا يتعرض لهن. # وقوله: * (وكان الله غفورا رحيما) قد بينا من قبل. # وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة قد تقنعت وتجلببت علاها بالدرة، ~~ويقول: أتتشبهين بالحرائر. # قوله تعالى: * (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض) أي: شهوة ~~الزنا. # وقوله: * (والمرجفون في المدينة) قد كان قوم من المنافقين يكثرون ~~الأراجيف، وكان إذا خرجت سرية أو غازية، قالوا: قد هزموا وقتلوا، ويوقعون ~~بين المسلمين أمثال هذه الأشياء؛ لتضعف قلوبهم ويحزنوا. # وقوله: * (لنغرينك بهم) أي: نسلطنك عليهم، ونحملنك على قتلهم. # وفي بعض التفاسير: أن قوما منن المنافقين هموا بإظهار الكفر، فأمر الله ~~تعالى رسوله أن يقتلهم إذا أظهروا. # وقال السدي: من تتبع امرأة في طريق وكابرها قتل محصنا كان أو غير محصن ~~لهذه الآية. PageV04P307 # (قليلا (60) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61) سنة الله في ~~الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) يسألك الناس عن الساعة قل ~~إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا (63) إن الله لعن ~~الكافرين وأعد لهم سعيرا) * * وقوله: * (ثم لا يجاورونك فيها) أي: في ~~المدينة. # وقوله: * (إلا قليلا) أي: إلا وقتا قليلا. # قوله تعالى: * (ملعونين) وهو نصب على الحال. # وقوله: * (أينما ثقففوا) معناه: أينما صدفوا ووجدوا. # وقوله: * (أخذوا وقتلوا تقتيلا) فقوله: قتلوا تقتيلا، قال السدي: (ما ~~قال) قوله تعالى: * (سنة الله في الذين خلوا من قبل) وفعلوا مثل هذا الفعل. # وقوله: * (ولن تجد لسنة الله تبديلا) أي: تغييرا. # قوله تعالى: * (يسألك الناس عن الساعة) أي: متى قيامها. # وقوله: * (قل إنما علمها عند الله) أي: علم قيامها عند الله. # وقوله: * (وما يدريك) أي: وما يعلمك؟ أي: لا تعلم وقت قيامها. # وقوله: * (لعل الساعة تكون قريبا) أي: قريبة. # قوله تعالى: * (إن الله لعن الكافرين) أي: أبعدهم عن الرحمة، ms1335 وطردهم من ~~الخيرات. # وقوله: * (وأعد لهم سعيرا) أي: نارا مسعرة. # وقوله: * (خالدين فيها أبدا) قد بينا. # قوله تعالى: * ([لا يجدون وليا ولا نصيرا] يوم تقلب وجوههم في النار) أي: ~~PageV04P308 # (* (64) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب وجوههم ~~في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (66) وقالوا ربنا إنا ~~أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلوا السبيلا (67) ربنا آتهم ضعفين من العذاب ~~والعنهم لعنا كبيرا (68) يا أيها) * * يسحبون على وجوههم في النار. # وقوله: * (يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) أي: الرسول، وذكر ~~الرسولا على موافقة رؤوس الآي على ما بينا من قبل. # قوله تعالى: * (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا) وقرئ: ' ساداتنا ~~'، وقوله: * (وكبراءنا) هم الأشراف ورءوس الناس. # قوله: * (فأضلونا السبيلا) أي: السبيل، ومعناه: صدونا عن طريق الحق. # قوله تعالى: * (ربنا آتهم ضعفين من العذاب) أي: عذبهم ضعفي عذاب غيرهم. ~~وقيل: عذبهم عذاب الدنيا والآخرة، والأول أولى. # وقوله: * (والعنهم لعنا كبيرا) أي: مرة بعد مرة، وقرئ: ' كثيرا ' بالثاء، ~~والمعنى واحد. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى) معناه: ~~لا تؤذوا محمدا فتكونوا كالذين آذوا موسى، وفيما أوذي به الرسول قولان: ~~أحدهما: أنهم آذوه في أمر زيد بن حارثة ونكاحه زينب. # والثاني: ما روى أنه قسم غنيمة فقام رجل وقال: اعدل، فإنك لم تعدل، فقال ~~النبي: ' رحم الله موسى؛ لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر '. # وأما الذي أوذي به موسى ففيه قولان: أحدهما وعليه أكثر أهل التفسير ما ~~روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: ' كان موسى رجلا حييا، وكان لا ~~يغتسل إلا وحده، وكان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى (عورة ~~PageV04P309 # * (الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان ~~عند الله وجيها (69) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ~~(70) يصلح لكم أعمالكم) * * البعض)، فقالوا: إن موسى لا يغتسل إلا وحده؛ ~~لأن به آفة، وقالوا: إنه آدر، فاغتسل موسى مرة ووضع ثوبه على حجر، فعدا ~~الحجر بثوبه، ms1336 فأخذ موسى العصا وجعل يقول: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى مر ~~على ملأ من بني إسرائيل فنظروا إليه ولم يروا به بأسا، وقام الحجر فطفق ~~يضربه بالعصا '. # قال أبو هريرة: قال رسول الله: ' وكأني بالحجر ندبا من أثر ضربه أربعا أو ~~خمسا '. والخبر في الصحيحين '. # وفي الخبر: ' أن الله تعالى أنزل في هذا قوله [تعالى]: * (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى) الآية. # وفي بعض الروايات: أن الحجر قال له: يا موسى، لم تضربني، إنما أنا عبد ~~مأمور. # والقول الثاني في الآية: ما روى عن علي رضي الله عنه أنه قال: صعد هارون ~~وموسى الجبل، فمات هارون ونزل موسى وحده، فقالت له بنو إسرائيل: أنت قتلت ~~هارون، وقد كان ألين جانبا منك وأحب إلينا، فبعث الله الملائكة حتى حملوا ~~هارون ميتا إليهم، وتكلموا بموته حتى سمعوا بني إسرائيل ذلك، ثم إن ~~الملائكة حملوا هارون ودفنوه فلم يعرف أحد موضع قبره إلا الرخم، فجعله الله ~~تعالى أصم أبكم. # وقوله: * (فبرأه الله مما قالوا) أي: طهره الله مما قالوا. # وقوله: * (وكان عند الله وجيها) أي: بتكليمه إياه، والوجيه في اللغة هو ~~ذو الجاه. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) أي: ~~صوابا، PageV04P310 # * (ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71) إنا ~~عرضنا الأمانة) * * ويقال: صدقا. # وعن ابن عباس: هو كلمة لا إله إلا الله. وقال بعضهم: سديدا، أي: مستقيما، ~~يقال: سدد أي: استقم، قال زهير: # (فقلت له سدد وأبصر طريقه * وما هو فيه عن وصاتي شاغله) أي: عن وصيتي، ~~وقال بعضهم: قولا سديدا أي: قولا يوافق باطنه ظاهره. # وقوله: * (يصلح لكم أعمالكم) أي: يزك لكم أعمالكم. وقيل: يصلح لكم ~~أعمالكم: يتقبل منكم الحسنات. # وقوله: * (ويغفر لكم ذنوبكم) أي: يسترها ويعف عنها. # وقوله: * (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) أي: ظفر بالخير كله. # قوله تعالى: * (إنا عرضنا الأمانة) قال ابن عباس: الأمانة الفرائض. وقال ~~الضحاك: الطاعة. وعن أبي العالية الرياحي: ms1337 ما أمر به ونهى عنه. وقال أبي بن ~~كعب: الأمانة ها هنا حفظ الفرج. # وأولى الأقاويل ما ذكرنا عن ابن عباس، وقول الضحاك وأبي العالية قريب من ~~ذلك. وفي بعض التفاسير: أن أول ما خلق الله تعالى من ابن آدم فرجه وأتمنه ~~عليه، وقال: إن حفظته حفظتك. # وعن أبي حمزة السكري أنه قال: إني أعلم من نفسي أني أؤدي الأمانة في مائة ~~ألف دينار، ومائة ألف دينار، ومائة ألف دينار إلى أن ينقطع النفس، ولو باتت ~~عندي امرأة وأتمنت عليها خفت ألا أسلم منها. # وعن ابن مسعود أنه قال: من الأمانة أداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم ~~رمضان، وحج البيت، والصدق في الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكاييل ~~والموازين، قال: وأشد من هذا كله الودائع. وهذا القول قريب من قول ابن ~~عباس. PageV04P311 # * (على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان إنه) * * وقال أهل العلم: الأمانة قطب الإيمان، قال النبي: ' لا ~~إيمان لمن لا أمانة له '. # ومن الأمانة أن يكون الباطن موافقا للظاهر، فكل من عمل عملا يخالف عقيدته ~~فقد خان الله ورسوله. وقد قال الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم) نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، ~~وقد كان وضع أصبعه على حلقه، يشير إلى بني النضير إنكم إن نزلتم فهو الذبح، ~~وقد بينا. # وقوله: * (على السماوات والأرض والجبال) فيه أقوال: # الأول: وهو قول أكثر السلف، وهو المحكي عن ابن عباس وجماعة التابعين: هو ~~أن الله تعالى عرض أوامره على السماوات والأرض والجبال عرض تخيير لا عرض ~~إلزام، وقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟! فقال: إن ~~أحسنتن جوزيتن، وإن عصيتن عوقبتن، فقلن: لا نتحمل الأمانة، ولا نريد ثوابا ~~ولا عقابا، وعرضها على آدم فتحملها بما فيها. وفي بعض التفاسير: أنه قال: ~~بين أذني وعاتقي. # قال ابن جريج: عرض على السماء، فقالت: يا رب، خلقتني وجعلتني سقفا ~~محفوظا، وأجريت في الشمس والقمر والنجوم، ومالي قوة لحمل الأمانة، ثم عرضها ms1338 ~~على الأرض، فقالت: يا رب، خلقتني وجعلتني بساطا ممدودا، وأجريت في الأنهار، ~~وأنبت في الأشجار، وما لي قوة لحمل الأمانة، وذكر عن الجبال قريبا من هذا، ~~وجملها آدم وأولاده. وعن مجاهد قال: أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملوا ~~الأمانة، وجملها آدم فما كان بين أن حملها وخان فيها وأخرج من الجنة إلا ما ~~بين الظهر والعصر. # وحكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: مثلت الأمانة كصخرة ملقاة، ~~PageV04P312 # * (كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات) * * ودعيت السماوات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها، ~~وقالوا: لا نطيق حملها، وجاء آدم من غير أن يدعي وحرك الصخرة، وقال: لو ~~أمرت بحملها. فقلن له: احمل، فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها وقال: والله لو ~~أردت أن أزداد لزدت فقلن: احمل، فحملها حتى بلغ حقوه ثم وضعها وقال: والله ~~لو أردت أن أزداد لزدت، فقلن: احمل، فحملها حتى وضع على عاتقه، وأراد أن ~~يضعها، فقال الله تعالى: مكانك، فهي في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة. # فإن قال قائل: كيف عرضها على السماوات والأرض والجبال، وهي لا تعقل شيئا؟ ~~قلنا: قد بينا الجواب عن أمثال هذا من قبل. وقال بعض أهل العلم: يحتمل أن ~~الله تعالى خلق فيها عقلا وتمييزا حين عرض الأمانة عليهن حتى أعقلت الخطاب، ~~وأجابت بما أجابت. # وأما قوله: * (فأبين أن يحملنها وأشفقن منها) أي: لم يقبلوا حمل الأمانة ~~وخافوا منها. # وقوله: * (وحملها الإنسان) يعني: آدم عليه السلام. # وقوله: * (إنه كان ظلوما جهولا) قال الحسن البصري: ظلوما لنفسه، جهولا ~~بربه، حكاه أبو الحسين بن فارس. والقول الثاني: ظلوما لنفسه بأكل الشجرة، ~~جهولا بعاقبة أمره. # وعن جماعة من العلماء: أن المراد بالظلوم الجهول هو المنافق والمشرك. وقد ~~حكى هذا عن الحسن في رواية. # والقول الثاني، في أصل الآية أن المراد من العرض على السماوات والأرض ~~والجبال هو العرض على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال وهو مثل قوله: * ~~(واسأل القرية) أي: أهل القرية. PageV04P313 # * (ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا ms1339 رحيما (73).) * * ~~والقول الثالث ذكره الزجاج وغيره من أهل المعاني قالوا: إن الله تعالى ~~ائتمن آدم وأولاده على شيء، وأتمن السماوات والأرض والجبال على شيء، فأما ~~الأمانة في حق بني آدم معلومة، وأما الأمانة في حق السماوات والأرض والجبال ~~فهو بمعنى الخضوع والطاعة. قال الله تعالى: * (ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أوكرها قالتا أتينا طائعين). # وحكى السجود عن السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر ~~والدواب، وذكر في الحجارة قوله: * (وإن منها لما يهبط من خشية الله). # وقوله: * (فأبين أن يحملنها) أي: أدين الأمانة فيها، يقال: فلان لم يتحمل ~~الأمانة أي: لم يخن فيها. # وقوله: * (وأشفقن منها) أي: أدين الأمانة خوفا منها. # وقوله: * (وحملها الإنسان) أي: خان فيها وأثم، يقال: فلان حمل الأمانة ~~أي: أثم فيها بالخيانة، قال الله تعالى: * (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم) وقوله: * (إنه كان ظلوما جهولا) قد بينا، قال الأزهري: وقد أحسن ~~وأجاد أبو إسحاق الزجاج في هذا القول وأثنى عليه، وقول السلف ما بينا من ~~قبل. # قوله تعالى: * (ليعذب الله المنافقين والمنافقات) اللام ها هنا لام كي، ~~ومعناه: كي يعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات يعني إذا ~~خانوا. # وقوله: * (ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات) أي: يهديهم ويرحمهم إذا ~~أدوا الأمانة. وعن ابن قتيبة قال معناه: ليظهر المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات، ويعذبهم على الخيانة في الأمانات، ويظهر المؤمنين ~~والمؤمنات بأداء الأمانة. # وقوله: * (وكان الله غفورا رحيما) ظاهر المعنى. PageV04P314 # بسم الله الرحمن الرحيم * (الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الأرض وما ~~يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج) * * تفسير سورة سبأ وهي مكية. # * (الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض) أي: له ملك السماوات ~~والأرض. ويقال: خلق ما في السماوات وما في الأرض. # وقوله: * (وله الحمد في الآخرة) فيه قولان: أحدهما: أن معناه له الحمد في ~~الأولى والآخرة على ما قال في موضع ms1340 آخر. وفي الأولى والآخرة وجهان: أحدهما: ~~أنهما الدنيا والآخرة، والآخر: أنهما السماوات والأرض. # والقول الثاني: أن قوله: * (وله الحمد في الآخرة) وهو ما جاء من ذكر ~~الحمد عن أهل الجنة، وهو في قوله تعالى: * (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين)، وفي قوله: * (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن)، وفي قوله: * ~~(الحمد لله الذي صدقنا وعده). # وقوله: * (وهو الحكيم الخبير) أي: الحكيم في ملكه، الخبير بخلقه. # وقوله تعالى: * (يعلم ما يلج في الأرض) أي: يدخل فيها من المطر. # وقوله: * (وما يخرج منها) أي: من الزرع، ويقال: إن المراد منه الأموات ~~يدخلون إذا قبروا، ويخرجون إذا حشروا. # وقوله: * (وما ينزل من السماء) أي: من المطر والملائكة والأحكام ~~والأقضية. # وقوله: * (وما يعرج فيها) أي: يصعد إليها من الملائكة والأعمال والأدعية ~~PageV04P315 # * (فيها وهو الرحيم الغفور (2) وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (3) ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك) * * المقبولة. # وقوله: * (وهو الرحيم الغفور) قد بينا. # قوله تعالى: * (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة) قالوا هذا تكذيبا ~~بالبعث. # وقوله: * (قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب) فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ~~قل بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم الساعة، وقرأ حمزة: ' علام الغيب '. # وقوله: * (لا يعزب عنه) أي: لا يغيب عنه، وقرأ يحيى بن وثاب: ' لا يغرب ~~عنه ' بالغين المعجمة والراء. # وقوله: * (مثقال ذرة في السماوات ولا في والأرض) أي: وزن ذرة * (ولا أصغر ~~من ذلك ولا أكبر) أي: أصغر من الذرة إلى أن لا يحيط به العقل، وأكبر إلى ~~ألا يحيط به العقل، والمعنى أن كل ذلك في علمه. # وقوله: * (إلا في كتاب مبين) أي: بين. # قوله تعالى: * (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي: ليثيب الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات. # وقوله: * (أولئك لهم مغفرة ورزق كريم) أي: العيش الهنيء. # قوله تعالى: * (والذين سعوا في آياتنا معاجزين) معناه: اضطربوا وعملوا في ~~التكذيب بآياتنا. ms1341 # وقوله: * (معاجزين) أي: مشاقين، ويقال: مسابقين، ويقال: فائتين، وقرئ: ' ~~معجزين ' أي: مثبطين، وقيل: ظانين أنا نعجز عنهم، فيكون معنى معجزين أنهم ~~نسبوا العجز إلينا. PageV04P316 # * (لهم مغفرة ورزق كريم (4) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم ~~عذاب من رجز أليم (5) ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو ~~الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (6) وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ~~ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به ~~جنة بل الذين) * * وقوله: * (أولئك لهم عذاب من رجز أليم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ويرى الذين أوتوا العلم) قال بعضهم: هذا في مؤمني أهل ~~الكتاب مثل عبد الله بن سلام وغيره، والصحيح أن الآية في الذين آمنوا ~~بالنبي من أهل مكة وغيرهم، وهو بمكة؛ لأن السورة مكية، وعبد الله بن سلام ~~وأشباهه إنما آمنوا بالمدينة. # وقوله: * (الذي أنزل إليك من ربك هو الحق) يعني: أنه من الله تعالى. # وقوله: * (ويهدي إلى صراط العزيز الحميد) يعني: أن القرآن الذي أنزله ~~الله يهدي إلى صراط العزيز الحميد، وهو الله تعالى. # قوله تعالى: * (وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم) أي: يخبركم. # وقوله: * (إذا مزقتم كل ممزق) أي: إذا فرقتم كل تفريق، وقطعتم كل تقطيع، ~~والمعنى: إذا أكلتم الأرض، وصرتم رفاقا وترابا ينبئكم محمد إنكم لفي خلق ~~جديد، قالوا ذلك على طريق الجحد والتكذيب. # وقوله: * (أفترى على الله كذبا) وقرئ بنصب الألف وكسرها، أما من قرأ ~~بالكسر فهو راجع إلى الحكاية عن الكفار، كأنهم قالوا: افترى محمد على الله ~~كذبا. # وقوله: * (أم به جنة) معناه: أو به جنون لا يدري ما يقول. # وأما من قرأ بالنصب ففيه قولان: أحدهما معناه: أفترى على الله كذبا يعني: ~~لم يفتر، ويكون ابتداء كلام من الله تعالى. قال الشاعر: PageV04P317 # * (لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) أفلم يروا إلى ما بين ~~أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم ~~كسفا من السماء إن ms1342 في ذلك لآية لكل عبد منيب (9) ولقد آتينا داوود منا فضلا ~~يا جبال أوبي) * * (استحدث القلب من أشياعهم خبرا * أم راجع القلب من ~~أطرابهم طرب) ومعناه: استحدث. والقول الثاني: أن معنى قوله: * (أفترى على ~~الله كذبا) أي أفترونه افتراء على الله كذبا. # وقوله: * (بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد) فعلى ~~القراءة الأولى وهو بالكسر هذا ابتداء كلام من الله تعالى ردا عليهم، وعلى ~~القراءة الثانية هو مسوق على ما تقدم. # وقوله: * (في العذاب والضلال البعيد) أي: الشقاء الطويل؛ ذكره السدي، ~~وقال: في الخطأ البعيد من الحق. # قوله تعالى: * (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض) ~~قال أهل التفسير: إنما ذكر هذا؛ لأن الإنسان إذا خرج من داره لا يرى إلا ~~السماء والأرض وما فيهما. ويقال: إنما قال هذا؛ لأن السماء والأرض محيطتان ~~بالخلق، فكأن أحدهما بين أيديهم، والأخرى خلفهم بمعنى الإحاطة. # وقوله: * (إن نشأ نخسف بهم الأرض) أي: يغيبهم في الأرض. # وقوله: * (أو نسقط عليهم كسفا من السماء) أي: جانبا من السماء. وقيل: ~~قطعة من السماء. # وقوله: * (إن في ذلك لآية لكل عبد منيب) أي: راجع إلى الله تعالى بقلبه. ~~وقيل: منيب: أي: مجيب. # قال الشاعر: # (أناب إلى قولي فأصبحت مرصدا * له بالمكافأة المنيبة والشكر) PageV04P318 # * (معه والطير وألنا له الحديد (10) أن اعمل سابغات وقدر في السرد ~~واعملوا صالحا) * * قوله تعالى: * (ولقد آتينا داود منا فضلا) اختلف القول ~~في الفضل الذي أوتي داود؛ فقال بعضهم: هو النبوة. وقال بعضهم: هو الملك. ~~ويقال: القضاء بالعدل. وقيل: حسن الصوت. وقيل: تليين الحديد له، وجميع ما ~~أعطي وخص به. # وقوله: * (يا جبال أوبي معه) أكثر أهل التفسير على أن معناه: سبحي معه؛ ~~وهو عن ابن عباس وغيره، ويقال: رجعي معه. # وقرأ الحسن: ' أوبي معه ' بضم الألف وسكون الواو، وهو في معنى الأول. # وفي بعض التفاسير: أن داود عليه السلام كان إذا لحقه فتور أسمعه الله ~~تعالى تسبيح الجبال منشطا له. # وقوله: * (والطير) أي: وأمرنا الطير أن تسبح ms1343 معه. # وقوله: * (وألنا له الحديد) قال قتادة: كأن الحديد جعل له كالعجين، فيعمل ~~الدرع من غير نار ولا مطرقة. # وقوله: * (أن اعمل سابغات) أي: الدروع الكوامل. ويقال: الطوال التي تسحب ~~في الأرض. # قال الشاعر: # (وأكثرهم دروعا سابغات * وأمضاهم إذا طعنوا سنانا) وقوله: * (وقدر في ~~السرد) أي: عدل في السرد، ومعناه: قدر المسامير في حلق الدروع حتى يكون ~~بمقدار لا يغلظ المسمار ويضيق الخلق فتفصم الحلقة، ولا توسع الحلقة وتدقق ~~المسمار فيسلس ويقلق وهذا قول مجاهد، وقال: قدر في السرد أي: احكم نسج ~~الدرع. وقال قتادة: السرد: المسامير في الحلق. وهو قريب من قول مجاهد، ~~وأنشدوا: # (أجاد المسدي سردها وإذا لها) PageV04P319 # * (إني بما تعملون بصير (11) ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ~~وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن ~~أمرنا نذقه من عذاب) * * يقول: وسعها وأجاد حلقها يقال: درع مسرودة إذا ~~كانت مسمورة الحلق، ويقال: قدر في السرد أي: اجعله على القصد وقدر الحاجة. # وقوله: * (واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير) ظاهر المعنى. # وفي القصة: أن داود عليه السلام كان يعمل كل يوم درعا، ويبيعه بستة آلاف ~~درهم، فينفق ألفين منها على نفسه وعياله، ويتصدق بأربعة آلاف على فقراء بني ~~إسرائيل. وفي بعض التفاسير: أنه عمل ألف درع. # قوله تعالى: * (ولسليمان الريح غدوها شهر) أي: وسخرنا لسليمان الريح. # وقوله: * (غدوها شهر ورواحها شهر) أي: مسيرة غدوها شهر، ومسيرة رواحها ~~شهر، ومعناه: أنه كان يسير مسيرة شهرين في يوم واحد. وفي القصة: أنه كان ~~يسير من بيت المقدس إلى إصطخر مسيرة شهر للراكب المسرع غدوة، ويقيل بها ثم ~~يروح مسيرة شهر إلى بابل مسيرة شهر للركب المسرع. وقيل: كان يتغدى بالري، ~~ويتعشى بسمرقند. وقيل: كان يتغدى بصنعاء، ويتعشى ببابل وهو العراق والله ~~أعلم. # وفي التفسير: أن الريح كانت تحمله وجنوده ولا تثير ترابا ولا تقلب ورقة ~~على الأرض، ولا تؤذي طائرا في السماء. # وقوله: * (وأسلنا له عين القطر) أي: أسلنا له عين النحاس. # وفي ms1344 التفسير: أن الله تعالى أذاب له النحاس، وجعل يسيل ثلاثة أيام من كل ~~شهر مثل الماء. # وقوله: * (ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه) أي: بأمر ربه. # وقوله: * (ومن يزغ منهم عن أمرنا) أي: يعدل منهم عن أمرنا فلا يعمل ~~لسليمان. # وقوله: * (نذقه من عذاب السعير) أي: في الآخرة، هذا أحد القولين، والقول ~~PageV04P320 # * (السعير (12) يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب ~~وقدور) * * الآخر: أنه كان (يكون) عند سليمان ملك قائم بيده سوط من نار، ~~فإذا عصى أحد من الشياطين ضربه فيحرقه، فهو معنى قوله: * (نذقه من عذاب ~~السعير). # قوله تعالى: * (يعملون له ما يشاء من محاريب) أي: المساجد، ويقال: ~~الأبنية المرتفعة. وفي القصة: أنه أمرهم ببناء الحصون بالصخر، فبنوا باليمن ~~حصونا كثيرة عجيبة، وهي صرواح ومرواح وفلتون وهندة وهنيدة وغمدان وغير ذلك. # وقوله: * (وتماثيل) أي: الصور. فإن قال قائل: أليس أن عمل الصور مكروه؟ ~~قلنا: هو في هذه الشريعة، ويحتمل أنها كانت مباحة في شريعته، وقد كان عيسى ~~يصور من الطين وينفخ فيه فيجعله الله طيرا. واختلف القول في الصور التي ~~اتخذتها الشياطين؛ فأحد القولين: أنها صورة السباع والطيور من العقبان ~~والنسور، وما أشبه ذلك. # والقول الثاني: أنه أمرهم باتخاذ صورة الأنبياء والزهاد والعباد، حتى إذا ~~نظرت بنو إسرائيل إليهم ازدادوا عبادة. # وقوله: * (وجفان كالجواب) أي: كالحياض، والجفان جمع جفنة. وفي القصة: أن ~~كل جفنة كان يقعد عليها ألف إنسان. وأنشد حسان في الجفنة شعرا: # (لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى * وأسيافنا من نجدة تقطر الدما) وأنشدوا ~~في الجابية: # (كجابية الشيخ العراقي تفهق) أي: تمتلئ. # وحكى عثمان بن عطاء عن أبيه أنه رأى مرة من هذه القصاع الصغار فقال: ~~والله لقد ذهبت البركة من كل شيء، وقرأ قوله: * (وجفان كالجواب). # وفي القصة: أنه كان لسليمان عليه السلام سماط يسع أربعمائة ألف إنسان، ~~PageV04P321 # * (راسيات اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا ~~عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت ~~الجن ms1345 أن لو كانوا) * * وكان يأكل خبز الشعير، ويطعم أهله وحاشيته خبز ~~الخشكار ويطعم الفقراء الدرمك، وهو الخبز النقي. # وقوله: * (وقدور راسيات) أي: ثابتات مرتفعات، ومنه الجبال الرواسي. وفي ~~القصة، أنه كان يصعد إليها بالسلاليم. # وقوله: * (اعملوا آل داود شكرا) قال: تقدر اشكروا الله شكرا، ويقال: إن ~~الشكر هو تقوى الله والعمل بطاعته. وقيل: إن آل داود هو داود نفسه، ويقال: ~~داود وسليمان وأهل بيته. وفي القصة: أنه لما نزل هذا على داود قال: والله ~~لا يزال منا بالليل والنهار قائم وصائم، فكان لا يأتي يوم إلا ومن آل داود ~~فيه صائم، ولا تأتي ساعة من الليل إلا ومن آل داود فيها قائم. وروى أنه ~~ناوب ساعات الليل وكان يقوم ما شاء الله، فإذا أراد أن يرقد أيقظ بعض أهله. # وروى أنه قال لسليمان عليه السلام يا بني، اكفني أمر النهار يعني: في ~~العبادة أكفك أمر الليل، فقال سليمان: لا أقدر، فقال: اكفني أول النهار ~~وأكفك الباقي. وروى أنه قال: يا رب، كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك علي؟ ~~فقال: الآن شكرتني. # وقوله: * (وقليل من عبادي الشكور) ظاهر المعنى. والفرق بين الشاكر ~~والشكور: أن الشكور هو الذي يتكرر منه الشكر، والشاكر الذي يشكر مرة. وقيل: ~~هما واحد. # قوله تعالى: * (قلما قضينا عليه الموت) أي: على سليمان الموت. # وقوله: * (ما دلهم على موته إلا دابة الأرض) قال بعض المفسرين: كانت الجن ~~تعمل لسليمان عليه السلام في بناء مسجد بيت المقدس؛ فقرب موت سليمان وقد ~~بقي من العمل بقية، فقبض الله روح سليمان وهو متكئ على عصا، وكانوا يظنون ~~أنه حي، ويجتهدون في العمل، فأكلت الأرضة العصا فخر سليمان عليه ~~PageV04P322 # السلام ميتا بعد حول، وقد فرغوا من العمل؛ فلما عرفوا موته تفرقوا بعد أن ~~بقوا في العمل سنة بعد موته. قال ابن عباس: فشكرت الجن ذلك للأرضة، فهم ~~يأتونه بالطين والماء في جوف الخشب. وذكر بعضهم: أن سليمان عليه السلام كان ~~إذا رأى شجرة نابتة سألها: ما اسمك؟ فتخبره إن كانت للغرس غرست، ms1346 وإن كانت ~~للدواء كتب اسمها، فصلى مرة فرأى شجرة نبتت في مصلاة، فقال لها: ما اسمك؟ ~~قالت: الخروب، فقال: لم نبت؟ قالت: لخراب هذه الأرض، فعلم أن موته قد قرب، ~~فسأل الله تعالى أن يعمي على الجن موته. فقال أهل التفسير: وكانت الجن تزعم ~~أنهم يعلمون الغيب، فأمر الله تعالى سليمان أن يتخذ عصا ويتوكأ عليها. ~~وقيل: اتخذها من تلك الشجرة فقبض الله تعالى روحه وهو قائم متوكئ على ~~العصا، فكانت الجن ينظرون إليه ويظنون أنه حي، ويعملون إلى أن سقط بعد حول. ~~وأراد الله تعالى بذلك أن يعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب، وقيل: ليعلم ~~الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب وكانوا قد شبهوا على الإنس ذلك، فإن قيل على ~~التأويل الأول: كيف يشتبه على أحد أنه يعلم الغيب أو لا يعلم الغيب؟ وإن ~~خفي عليه أمر غيره لا يخفى عليه أمر نفسه؟ والجواب: أن مردة الجن كانوا ~~صوروا لضعفاء الجن أنهم يعلمون الغيب، وكان يقع بعض الاتفاقات، فكانوا ~~يظنون أنهم يعلمون الغيب لغلبة الجهل، وعند بعضهم: أن عملهم لم يكن في بناء ~~مسجد بيت المقدس، فإنه قد كان وقع الفراغ عن فعل ذلك بسنين، وإنما كانوا ~~يعملون غير ذلك من الأعمال. # وقوله: * (تأكل منسأته) أي: عصاته، والمنسأة: العصا بلغة الحبشة، وقرئ: ' ~~منسأته ' بسكون الهمزة، وهي ما بينا. # قال الشاعر: # (إذا ادببت على المنساة من كبر * فقد تباعد عنك اللهو والغزل) ويقال ~~كلاهما بالعربية. ويقال: نسأت الغنم إذا زجرتها وسقتها ويقال: نسأ الله في ~~أجلك أي: أخره. # وقوله: * (فلما خر تبينت الجن) أي: تبينت الجن للإنس أن لو كانوا يعلمون ~~PageV04P323 # * (يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) لقد كان لسبأ في مسكنهم ~~آية جنتان) * * الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أي: التعب والشقاء الطويل، ~~ذكره الأزهري على هذا التقرير. وأما المتقدمون قالوا معناه: تبينت الإنس أن ~~الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، والقراءة هكذا في ~~مصحف ابن مسعود، وهكذا قرأ ابن عباس أيضا. والتأويل الثالث: ms1347 أن، معنى ~~الآية: * (تبينت الجن) أي: عرفت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في ~~العذاب المهين. وروى الضحاك عن ابن عباس في رواية أخرى: أن سليمان لم يكن ~~متوكئا على العصا، وإنما كان في بيت مغلق وتوفاه الله تعالى، وأكلت الأرضة ~~عتبة الباب، فسقط الباب بعد حول، وظهر للجن موته. # وأشهر القولين هو الأول، وفي القصة: أن سليمان عليه السلام لما فرغ من ~~بناء المسجد ذبح [اثنتي عشرة] ألف بقرة ومائة وعشرين ألف شاة تقربا إلى ~~الله تعالى وأطعمها الناس، وكان بناه بالصخر والقار، وزخرف الحيطان، وزين ~~المحراب بالجواهر واليواقيت، وعملوا شيئا عجيبا، ثم إنه قام على الصخرة ~~وقال: اللهم، أنت أعطيتني هذا السلطان العظيم، وسخرت لي ما سخرت، فأوزعني ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وتوفني مسلما، ~~وألحقني بالصالحين، اللهم إني أسألك لمن دخل هذا المسجد ليصلي فيه خمس ~~خصال: إن كان مذنبا تغفر له ذنبه، وإن كان فقيرا أغنيته، وإن كان سقيما ~~شفيته، وإن كان خائفا أمنته، وأسألك ألا تصرف بصرك عمن دخله حتى يخرج منه، ~~إلا من دخله بإلحاد أو ظلم. # قوله تعالى: * (لقد كان لسبأ) أكثر أهل التفسير على أن سبأ اسم رجل، ~~ونسبت القبيلة إليه، كما أن تميما اسم رجل، ونسبت القبيلة إليه. وروى فروة ~~بن (مسيك الغطيفي) أن رسول الله قال: سبأ اسم رجل ولد عشرة من الذكور ~~PageV04P324 # * (عن يمين وشمال من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) ~~فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ~~وأثل) * * فتيامن منهم ستة، وتشام أربعة، وأما الستة الذين تيامنوا: فحيمر، ~~وكندة، ومذحج، والأزد، والأشعر، وأنمار، وأما الأربعة الذين تشاموا: ~~فعاملة، وغسان، ولخم، وجذام '. وأما سبأ فهو ابن يشخب بن يعرب بن قحطان. ~~وقد قيل: إن سبأ اسم بلد، والأصح هو الأول. # وقوله: * (في مساكنهم آية) وقرئ: ' في مسكنهم ' والآية هي العلامة، ~~ومعناها: أنا جعلنا لهم آية تدلهم على أن النعم التي لهم من الله ms1348 تعالى. # وقوله: * (جنتان عن يمين وشمال) في القصة: أنه كان لهم واد يسيل، وعلى ~~يمين الوادي جنات مصطفة أي: البساتين وكذلك على يسار الوادي. # وقوله: * (كلوا من رزق ربكم) أي: قلنا لهم كلوا من رزق ربكم. # وقوله: * (واشكروا له) أي: واشكروا الله على نعمه. # وقوله: * (بلدة طيبة) أي: طيبة الهواء، عذبة الماء، كثيرة الفواكه، وذكر ~~ابن زيد: أنه لم يكن بها بعوض ولا بق ولا ذباب ولا عقرب ولا حية ولا شيء من ~~أمثال هذا، وكان الرجل الغريب يدخلها وفي ثيابه القمل، فيموت القمل في ~~ثيابه من صحة الهواء وطيبه. # وقوله: * (ورب غفور) أي: ورب غفور للذنوب إن شكرتم نعمه. # فإن قيل: أي فائدة لتخصيصهم بهذا، والله غفور لكل العباد؟ والجواب عنه: ~~أن مغفرة الرب مع طيب البلدة على تلك الغاية لم تكن إلا لهم. # قوله تعالى: * (فأعرضوا) أي: فأعرضوا عن شكر النعم. # وقوله: * (فأرسلنا عليهم سيل العرم) اختلفوا في العرم على أربعة أقاويل: ~~أولها: PageV04P325 # أنه اسم الوادي، والآخر: أنه اسم المسنأة، وقد كانوا بنوا المسناة بالصخر ~~والقار بينه وبين الماء، وجعلوا على المسناة أبوابا تفتح وتسد، فإذا ~~احتاجوا إلى الماء فتحوا، وإذا استغنوا سدوا. # وذكر النقاش: أنه كان ذلك من عمل بلقيس، وكانت جعلت على المسناة اثني ~~عشرة مخرجا، يخرج منها اثنا عشر نهرا، وكانت المسناة سدا بين جبلين، ~~والمياه وراء السد تجتمع من السيول. والقول الثالث: أن العرم هو السيل ~~الشديد أي: أرسلنا عليهم السيل الشديد. والقول الرابع: أن العرم هو اسم ~~الجرذ، وهو الفأرة، وقيل: كان اسم الخلد، وسلطه الله تعالى على المسناة حتى ~~نقبها، ودخل الماء وغرق البلد والبساتين. قال ابن الأعرابي: العرم والبر من ~~أسماء الفأرة، ومنه قولهم: فلان لا يعرف هرا من برا أي: السنور من الفأرة، ~~وذكر أبو (الحسين) بن فارس في تفسيره: أن القوم كانوا قد سمعوا أن هلاك ~~بلدهم بالفأر من كهانهم، فجاءوا بالسنانير وربطوها عند كل جرف (في ~~المسناة)، فجاءت فأرة حمراء كبيرة وساورت السنور وهزمته ودخلت في الجرف، ~~وتغلغلت ms1349 المسناة حتى نقبتها وخرقتها. # وقوله: * (وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي) أي: بدلناهم بجنتيهم اللتين ~~كانتا ذواتي فاكهة بجنتين ذواتي * (أكل خمط) بتنوين اللام، وقرئ: ' أكل خمط ~~' بغير التنوين على الإضافة، والقراءة على الإضافة أظهر القرائتين في ~~المعنى لأن الخمط اسم لشجر له شوك. قال أبو عبيدة: كل شجر له شوك فهو خمط ~~إذا لم يكن له ثمر. وعن بعضهم: أن الخمط شجر له ثمر يسمى فسوة الضبع، لا ~~ينتفع به ويتفرك إذا أدرك من غير أن ينفع أحدا، والمعروف في التفسير أن ثمر ~~الخمط هو البربر، والبربر ثمر الأراك، فالخمط هو الأراك، فهو معنى قوله: * ~~(أكل خمط). والأكل هو الثمر. PageV04P326 # * (وشئ من سدر قليل (16) ذلك جريناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ~~(17) وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها ~~السير سيروا فيها) * * وأما قراءة التنوين: قال الفراء والزجاج: كل نبت له ~~مرارة وعصوفة فهو خمط، فعلى هذا قوله: * (خمط) صفة الأكل، ومعناه: ذواتي ~~ثمر على هذا الوصف، وهو المرارة والعفوصة. # وقوله: * ([وأثل] وشئ من سدر قليل) السدر: شجر معروف، وهو شجر النبق. ~~وقيل: إن هذا السدر كان بريا لا ينتفع به، وأما السدر الذي ينتفع به لغسل ~~اليد وغيره، فهو الذي كنا نعرف في البساتين، ولم يكن لهم ذلك. # وقوله: * (ذلك جزيناهم بما كفروا) النعمة. # وقوله: * (وهل نجازي إلا الكفور) يقال في العقوبة: نجازي، وفي المثوبة: ~~نجزي، يعني: وهل نجازى مثل هذه المجازاة إلا من كفر النعم؟ ويقال: وهل ~~نجازى إلا الكفور؟ أي: هل نحاسب إلا الكفور؟ وقد ثبت برواية عائشة رضي الله ~~عنها أن النبي قال: ' من نوقش الحساب عذب '. قالت عائشة: فقلت يا رسول ~~الله: أليس قال الله تعالى: * (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا) فقال: ذلك العرض، ومن نوقش [الحساب] عذب '. # فإن قيل: قد قال: * (بدلناهم بجنتيهم جنتين) والأرض التي فيها أشجار ~~الأثل والخمط لا تسمى جنة؟ والجواب عنه: إنما سمي ذلك على طريق المقابلة، ~~وهو مثل قوله تعالى: * (فمن اعتدى ms1350 عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ~~وقوله: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها). # قوله تعالى: * (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة) ~~القرى التي PageV04P327 # * (ليالي وأياما آمنين (18) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم ~~فجعلناهم) * * باركنا فيها (هي) الشام، ومعنى القرى الظاهرة أي: المتصلة، ~~وقيل: ظاهرة يعني: [للرائي]، على معنى أنهم كانوا إذا نزلوا بقرية رأوا ~~قرية أخرى. # وقوله: * (وقدرنا فيها السير) أي: السير أي: قدرنا سيرهم بين هذه القرى، ~~والمعنى: أنهم كانوا إذا غدوا يقيلون بقرية، وإذا رجعوا يبيتون بقرية. ~~وقيل: تقدير السير أن سيرهم كان في الرواح والغدو على قدر نصف يوم، فكانوا ~~إذا (جازوا) نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار. قال قتادة: كانوا لا ~~يحتاجون أن يحملوا زادا. وقال أيضا: كانت المرأة تضع مكتلها على رأسها، ~~وتمر تحت الأشجار فيمتلئ المكتل من الثمار من غير اجتناء. # وقوله: * (سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) أي: قلنا لهم سيروا فيها ~~بالليالي والأيام آمنين من الخوف والجوع والظمأ، ومعنى قوله: * (سيروا) أي: ~~مكناهم من السير. ويقال: إن معنى قوله: * (سيروا) أي: يسيرون، أمر بمعنى ~~الخبر، ومعناه: يسيرون فيها ليالي وأياما آمنين، وعلى ما ذكرنا. # قوله تعالى: * (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا) وقرئ: ' بعد بين أسفارنا ' ~~بغير ألف، وقرأ يحيى بن يعمر: ' ربنا باعد بين أسفارنا ' بنصب العين ~~والدال، فعلى القراءة المعروفة معنى الآية سؤال، وعلى القراءة الشاذة معنى ~~الآية على وجه الخبر. قال مجاهد: بطروا النعمة وسأموا الراحة. ومثله عن ابن ~~عباس فقالوا: [ربنا] بعد بين القرى لنركب الرواحل، ونحمل الأزواد في ~~الفلوات، وهذا مثل قول بني إسرائيل: * (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام ~~واحد) الآية. وأما القراءة الشاذة فكأنهم استبعدوا القريب على ما يفعله ~~الجهلة. # وقوله: * (وظلموا أنفسهم) أي: بترك الشكر. PageV04P328 # * (أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) ولقد صدق ~~عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له عليهم من ~~سلطان إلا) * * وقوله: * (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق) ms1351 أي: أحاديث في ~~القرون التي تأتي، وفرقناهم وبددناهم كل مفرق ومبدد. قال الشعبي: تفرقوا في ~~البلاد لما غرقت قراهم وهلكت جناتهم، فمر الأزد إلى عمان، وخزاعة إلى ~~تهامة، وغسان إلى الشام، وآل (خزيمة) إلى العراق، والأوس والخزرج إلى يثرب. ~~وكان الذي قدم المدينة منهم عمرو بن عامر وهو جد الأوس والخزرج. # وفي بعض التفاسير: أن قراهم كانت [أربع] آلاف وسبعمائة قرية، وكانت متصلة ~~من سبأ إلى الشام قرية قرية. وعن بعضهم في معنى قوله: * (فجعلناهم أحاديث) ~~أن الناس يضربون بهم المثل في التمزق والتفرق، والعرب تقول: صارت بنو فلان ~~أيدي سبأ وأيادي سبأ إذا تفرقوا وتبددوا. وأنشد الأزهري: # (غيبا نرى الناس إليه تنسبا * من صادر أو وارد أيدي سبا) وقوله: * (إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار شكور) أي: صبار على البلاء، شكور للنعمة. # قوله تعالى: * (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) وقرئ: ' صدق ' بالتخفيف أما ~~بالتشديد فمعناه: أنه ظن ظنا وصدقه، وظنه في قوله تعالى: * (ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم) إلى قوله: * (ولا تجد أكثرهم شاكرين) ويقال: إنه ظن ~~أنه إذا أغواهم اتبعوه، وكان كذلك. # وفي التفسير أن إبليس قال: لقد أخرجت آدم من الجنة مع كثرة علمه وأغويته، ~~فأنا على ذريته أقدر. PageV04P329 # * (لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ (21) ~~قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما) * * وأما قراءة التخفيف فمعناه: صدق عليهم في ظنه. # وقوله: * (فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) يعني: إلا كل المؤمنين، هكذا ~~قاله أكثر أهل التفسير؛ لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين، وقد قال الله ~~تعالى: * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) يعني: المؤمنين وعن بعضهم: إلا ~~فريقا من المؤمنين: خواص المؤمنين؛ وهم الذين يطيعون الله ولا يعصونه. # قال الحسن البصري: والله إنه لم يسل عليهم سيفا ولا ضربهم بسوط، وإنما ~~وعدهم ومناهم فاغتروا. # قوله تعالى: * (وما كان له عليهم من سلطان) أي: من سلطان على المؤمنين. ms1352 # وقوله: * (إلا لنعلم) معناه: لكي نعلم * (من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في ~~شك) أي: لنعلم المؤمن من الكافر علم وقوع، وقد علم علم الغيب، وقد بينا هذا ~~من قبل. قال ابن فارس: هذا على عادة كلام العرب مع الجهلة، فإنك لو قلت: ~~السكين تقطع اللحم، أو اللحم يقطع السكين، وقد علم قطعا أن السكين هو الذي ~~يقطع اللحم، ولكن يخرج الكلام على خطاب الجاهل، وتقرير الأمر له. # وقوله: * (وربك على كل شيء حفيظ) أي: رقيب. # قوله تعالى: * (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله) أي: الذين زعمتم ~~[أنهم] آلهة من دون الله. وفي الآية حذف، والمحذوف ادعوهم ليكشفوا عنكم ~~الضر الذي نزل بكم، وذلك في سني الجوع، وكان الله تعالى ضربهم بالجوع حتى ~~أكلوا الميتات يعني قريش ثم قال: * (لا يملكون مثقال ذرة) أي: الأصنام لا ~~تملك مثقال ذرة أي: وزن ذرة من النفع والضر، والذرة هي النملة الحمراء. ~~PageV04P330 # * (لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفاعة عنده إلا ~~لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو ~~العلي الكبير (23) قل) * * وقوله: * (في السماوات ولا في الأرض) ظاهر. # وقوله: * (وما لهم فيهما من شرك) أي: ما للآلهة التي تدعون من دون الله ~~شركة في السماوات والأرض. # وقوله: * (وما له منهم من ظهير) أي: معين. # قوله تعالى: * (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) أي: أذن الله له، ~~وقرئ: ' إلا لمن أذن له ' أي: إلا لمن أذن له في شفاعته. # وقوله: * (حتى إذا فزع عن قلوبهم) لا بد أن يكون ها هنا محذوف؛ لأن حتى ~~من ضرورته أن يتصل بما تقدم، ولم يوجد شيء يتصل به، فيجوز أن يكون المحذوف ~~إثبات فزع والملائكة وخوفهم إذا قضى الله تعالى بأمر من السماء إلى الأرض. # وقوله: * (فزع عن قلوبهم) أي: كشف الفزع عن قلوبهم. # وقرئ في الشاذ: ' فزع عن قلوبهم ' أي: فرغت قلوبهم عن الخوف. # وقد ثبت عن النبي برواية أبي ms1353 هريرة: ' أن الملائكة تسمع صوت الوحي شبه ~~السلسلة على الصفوان فيصعقون، ويضربون بأجنحتهم خضعانا لله تعالى '. # وفي رواية: ' يخرون على جباههم، فإذا كشف الفزع عنهم * (قالوا ماذا قال ~~ربكم) ' أي: قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ # وقوله: * (قالوا الحق) أي: قالوا: قال الله تعالى الحق أي: الوحي وذكر ~~السدي وغيره: أنه لما كان زمان الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة ~~والسلام وكانت بمقدار ستمائة سنة، فلم تسمع الملائكة وحيا في هذه المدة، ~~فلما بعث محمد PageV04P331 # * (من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين) * * نزل جبريل بالوحي، ففزعوا لذلك خوفا من قيام الساعة، فلما ~~كشف الفزع عن قلوبهم سألوا عما قضاه الله من أمره، فذكر لهم أن الله تعالى ~~أوحى إلى محمد. # وقوله: * (وهو العلي الكبير) أي: المتعالي العظيم في صفاته. # قوله تعالى: * (قل من يرزقكم من السماوات والأرض) فالرزق من السماوات هو ~~المطر، ومن الأرض هو النبات. # وقوله: * (قل الله) يعني: إن لم يقولوا: إن رازقنا هو الله تعالى، فقل ~~أنت إن رازقكم هو الله تعالى. # وقوله: * (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) فإن قيل: ' أو ' في ~~كلام العرب للشك، فكيف تستقيم كلمة أو في هذا الموضع؟ ولا يجوز لأحد أن يشك ~~أنه على الهدى أو على الضلال، والجواب عنه من وجوه: أحدها: ما ذكره الفراء ~~وهو: أو ها هنا بمعنى الواو، والألف صلة، فكأنه قال: ' وإنا وإياكم لعلى ~~هدى أو في ضلال مبين ' يعني: نحن على الهدى وأنتم في الضلال. قال أبو ~~الأسود الدؤلي شعرا: # (يقول الأرذلون بنو قشير * طوال الدهر لا تنسى عليا؟) (أحب محمدا حبا ~~شديدا * وعباسا وحمزة والوصيا) (فإن يك حبهم رشدا أصبه * وفيهم أسوة إن كان ~~غيا) فقيل: ما شككت، وقرأ قوله تعالى: * (وإنا أو إياكم لعلى هذى أو في ~~ضلال مبين). وروى معنى هذا القول عن عكرمة. # والجواب الثاني: أن قوله: * (وإنا أو إياكم) خرج على شدة الاستبصار، وعلى ~~طريق المناصفة في الكلام، ms1354 كالرجل يقول لغيره: أحدنا كاذب، فهل من سامع؟ وهو ~~متيقن أن الصادق هو، والكاذب صاحبه. وكذلك يقول المولى لعبده عند شدة ~~الغضب: تعال ننظر أينا يضرب صاحبه، وهو يعلم أنه هو الذي يضرب غلامه. # والثالث: ما روي عن قتادة أنه فال معنى الآية: ما نحن وأنتم على طريقة ~~واحدة، PageV04P332 # (* (24) قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون (25) قل يجمع بيننا ~~ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) قل أروني الذين ألحقتم به ~~شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا ولكن أكثر الناس) * * بل أحدنا على الهدى، والآخر على الضلالة، ثم ~~المهتدى من الفريقين معلوم، والضال من الفريقين معلوم، وهذا القول قريب من ~~الأول، وهو حسن. # قوله تعالى: * (قل لا تسألون عما أجرمنا) أي: عن جرمنا. # وقوله: * (ولا نسأل عما تعملون) أي: عن عملكم من الكفر والمعاصي. # قوله تعالى: * (قل يجمع بيننا ربنا) يعني: يوم القيامة. # وقوله: * (ثم يفتح بيننا) أي: يحكم بيننا، والعرب تسمي الحاكم فتاحا، وقد ~~ذكرنا. # وقوله: * (وهو الفتاح العليم) ظاهر. ويقال: هو الحاكم العالم بوجوه ~~المصلحة. # قوله تعالى: * (قل أروني الذين ألحقتهم به شركاء) أي: ألحقتموهم بالله ~~شركاء. # وقوله: * (أروني) أي: أعلموني ماذا خلقوا؟ وماذا صنعوا؟ # وقوله: * (كلا) يعني: فإن لم تجيبوا بالحق، فقل: كلا أي: ليس الأمر على ~~ما زعمتم. # وقوله: * (بل هو الله العزيز الحكيم) أي: الغالب على أمره، الحكيم في ~~تدبيره. # قوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) أي: جامعا بالإنذار ~~والإبلاغ. وقيل: وما أرسلناك إلا للناس كافة، على التقديم والتأخير، وقد ~~ثبت عن النبي أنه قال: ' بعثت إلى الأحمر والأسود '. # وعن ابن زيد: كافة للناس أي: كافا للناس عن الكفر، والهاء للمبالغة. # وقوله: * (بشيرا ونذيرا) أي: مبشرا ومنذرا. # وقوله: * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي: لا يعلمون أنك نبي. وفي بعض ~~التفاسير: أن أجل فائدة للعباد من الله هو العلم والقدرة؛ لأن بهما يكتسب ~~الإنسان PageV04P333 # * (لا يعلمون (28) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ms1355 (29) قل لكم ~~ميعاد يوما لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30) وقال الذين كفروا لن ~~نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم ~~لكنا مؤمنين (31) قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى ~~بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين) * * ما يوصله إلى رضا الله تعالى، قال: ~~والعلم أكثر فائدة من القدرة؛ لأن العلم يتمخض نفعا، والقدرة قد يكتسب بها ~~المعصية. # قوله تعالى: * (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) يعني: القيامة. # وقوله: * (قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون) قد فسر ~~هذا بيوم البعث، وقد فسر بيوم الموت، وكلاهما صحيح. # قوله تعالى: * (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن) إي: أشركوا. # وقوله: * (ولا بالذي بين يديه) يعني: من التوراة والإنجيل. # وقوله: * (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم) أي: محبوسون عند ربهم. # وقوله: * (يرجع بعضهم إلى بعض القول) أي: يجادل بعضهم بعضا. # وقوله: * (يقول الذين استضعفوا) أي: استحقروا، وهم الأتباع. # وقوله: * (للذين استكبروا) أي: تجبروا، وهم القادة والأشراف. # وقوله: * (لولا أنتم لكنا مؤمنين) أي: لولا أنكم كنتم قادتنا ورؤساءنا ~~لآمنا بالله وبرسوله. # قوله تعالى: * (قال الذين استكبروا) أي: تكبروا. # وقوله: * (للذين استضعفوا) أي: الأتباع. # وقوله: * (أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم) أي: منعناكم. PageV04P334 # (* (32) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ ~~تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ~~وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) ~~وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون (34) ~~وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن) وقوله: * (بل كنتم مجرمين) أي: ~~الجرم كان لكم في اتباعكم أهواءكم. # قوله تعالى: * (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل ~~والنهار) أي: مكركم بنا في الليل والنهار. والعرب قد تضيف الفعل إلى الليل ~~والنهار على توسع الكلام، قال الشاعر: ms1356 # (لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم) وقيل: بل ~~مكر الليل والنهار معناه: طول الأمل، وطول الأمل هو مكر الليل والنهار على ~~طريق المجاز، وقرئ في الشاذ: ' بل مكر الليل والنهار ' أي: كرور الليل ~~والنهار. # وقوله: * (إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا) أي: أشباها. # وقوله: * (وأسروا الندامة) قد بينا أن قوله: * (وأسروا) قد يكون بمعنى ~~أخفوا، وقد يكون بمعنى أظهروا. # قوله: * (لما رأوا العاب) أي: عاينوه. # وقوله: * (وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا) هو فرع من عذاب أهل ~~النار. # وقوله: * (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) أي: يعملون من الكفر والمعاصي. # قوله تعالى: * (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها) أي: منعموها ~~وأغنياؤها، والترفة: النعمة. # وقوله: * (إنا بما أرسلتم به كافرون) أي: جاحدون. # قوله تعالى: * (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا) يعني: قال المترفون ~~للفقراء الذين آمنوا نحن أكثر أموالا وأولادا. PageV04P335 # * (بمعذبين (35) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (36) وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن ~~وعمل صالحا) وقوله: * (وما نحن بمعذبين) العذاب الذي يعذبون به في الدنيا، ~~وهو الفقر. والقول الثاني وهو أظهر القولين أن الذي خولنا وأعطانا الأموال ~~والأولاد في الدنيا لا يعذبنا في الآخرة. # قوله تعالى: * (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) الآية. وردت لرد ~~قولهم، ومعناه: يبسط الرزق امتحانا وابتلاء، ويضيق الرزق (نظرا). # وقوله: * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ظاهر. # قوله تعالى: * (وما أموالكم وأولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى) أي: قربى. ~~وروى عن طاوس اليماني أنه كان يدعو، ويقول: اللهم جنبني المال والولد، ~~وارزقني الإيمان والعمل. # وفي الأخبار أن النبي قال: ' اللهم من أحبني فارزقه العفاف والكفاف، ومن ~~أبغضني فأكثر ماله وولده '. # وقوله: * (إلا من آمن وعمل صالحا) فيه قولان: أحدهما: أن هذا استثناء ~~منقطع، ومعناه: لكن [من] آمن وعمل صالحا. # والقول الثاني: أن معنى الآية * (إلا من آمن وعمل صالحا) فأولئك تقربهم ~~أموالهم وأولادهم إلى ms1357 طاعة الله، وهذا أظهر القولين. PageV04P336 # * (فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) والذين ~~يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) قل إن ربي يبسط الرزق ~~لمن يشاء) * * وقوله: * (فأولئك لهم جزاء الضعف) أي: التضعيف، ويقال: جزاء ~~المضاعفة. والمضاعفة هو أنه يجزي بالواحد عشرا إلى سبعمائة. # وقوله: * (وهم في الغرفات آمنون) أي: (في) غرفات الجنة آمنون من العذاب، ~~وقيل: من الموت، وقيل: من الأحزان. # قوله تعالى: * (والذين يسعون في آياتنا معاجزين) قد بينا معنى قوله: * ~~(معاجزين) و * (معجزين). # وقوله: * (أولئك في العذاب محضرون) أي: مدخلون. # قوله تعالى: * (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) فإن ~~قيل: هذا تكرار للآية الأولى فلا يكون فيه فائدة؟ والجواب عنه: أن فيه ~~فائدة، وهو أن الآية الأولى فيمن لا يعلم؛ لأنه قال: * (ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون) والآية الثانية فيمن يعلم حكمة الله تعالى (في) البسط والتقدير. # وقوله: * (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه) أي: يعطي خلفه. واختلف القول في ~~موضع إعطاء الخلف فالأكثرون أن (ذلك) في الآخرة أو الدنيا. # روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: ' ما من صباح إلا وينادي ~~ملكان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا ~~تلفا '. # وعن الحسن البصري قال: هو في الدنيا خاصة، ولو لم يكن يخلف في الدنيا ~~لبقي العبد بلا رزق. والقول الأول أحسن. PageV04P337 # * (من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) ~~ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) ~~فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا أو ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار ~~التي كنتم بها) * * وقوله: * (وهو خير الرازقين) أي: خير من يرزق ويعطي. # قوله تعالى: * (ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون) يقول الله تعالى ذلك للملائكة توبيخا لمن عبدهم، وهو مثل قوله ~~تعالى: * (وإذ قال ms1358 الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله) والمعنى على ما بينا. # قوله تعالى: * (قالوا سبحانك) تسبيح الله: تعظيم له على وجه ينفي عنه كل ~~سوء. # وقوله: * (أنت ولينا من دونهم) أي: نحن نتولاك ولا نتولاهم. # وقوله: * (بل كانوا يعبدون الجن) (فإن قيل: كيف يصح قوله: * (بل كانوا ~~يعبدون الجن)) وهم عبدوا الملائكة؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أنه قال: * ~~(بل كانوا يعبدون الجن) لأن الجن هم الذين زينوا لهم عبادة الملائكة، ~~(والمراد من الجن الشياطين، والقول الثاني: أنهم صوروا صور الجن، وقالوا: ~~هؤلاء الملائكة) فاعبدوهم. # وقوله: * (أكثرهم بهم مؤمنون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا) أي: جلب نفع ~~ودفع ضر. # وقوله: * (ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون) أي: ~~PageV04P338 # * (تكذبون (42) وإذ تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد ~~أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين ~~كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وما آتيناهم من كتب ~~يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) وكذب الذين من قبلهم وما ~~بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف) * * تجحدون. # قوله تعالى: * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) أي: واضحات. # وقوله: * (قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم) أي: يمنعكم * (غما كان ~~يعبد آباؤكم) أي: من الأصنام. # وقوله: * (وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى) يعني: القرآن كذب مختلق. # وقوله: * (وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين) أي: ~~بين. # قوله تعالى: * (وما آتيناهم من كتب يدرسونها) أي: يقرءونها. # وقوله: * (وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير) أي: لم يأت العرب قبلك نبي، ~~ولا ينزل عليهم كتاب، والمراد منه قريش. # قوله تعالى: * (وكذب الذين من قبلهم) معناه: الذين مضوا من قبلهم، وهم ~~عاد وثمود وقوم موسى وقوم إبراهيم وقوم لوط وغيرهم. # وقوله: * (وما بلغوا معشار ما آتيناهم) أكثر أهل التفسير أن المراد من ~~الآية هو أن ms1359 هؤلاء الكفار وهم قريش ما بلغوا معشار ما آتينا الذين من قبلهم ~~في القوة والمال والآلة. والقول الثاني أن معناه: وما بلغ الذين من قبلهم ~~معشار ما آتينا هؤلاء يعني: أن كتاب هؤلاء أبين كتاب، ورسولهم أفضل رسول، ~~والقول الأول هو المعروف. وأما المعشار فهو العشر، وقيل: عشر العشر، وذلك ~~جزء من مائة (جزء)، وقيل: هو عشر عشر العشر، وهو جزء من ألف جزء. ~~PageV04P339 # * (كان نكير (45) قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم ~~تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قل ~~ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (47) ~~قل إن ربي يقذف) * * وقوله: * (فكذبوا رسلي فكيف كان نكير) أي: إنكاري ~~وتغييري. # قوله تعالى: * (قل إنما أعظكم بواحدة) وقال مجاهد: بطاعة الله. وقيل: ~~بتوحيد الله، وهو قوله لا إله إلا الله. وذكر أهل المعاني مثل الفراء ~~والزجاج وغيرهما أن معنى قوله: * (أعظكم بواحدة) أي: آمركم بخصلة واحدة، ثم ~~بين الخصلة (فقال): * (أن تقوموا لله مثنى وفرادى) أي: تجتمعون فتنظرون ~~وتحاورون وتنفردون، وتخلون فتتفكرون والمعنى: انظروا في حال محمد عند ~~الاجتماع وعند الخلوة فتعرفوا أنه ليس بساحر، ولا بكاهن، ولا به جنون، ولا ~~الذي أتى به شعرا. # وقوله: * (تقوموا لله) قال أهل التفسير: ليس المراد منه القيام الذي هو ~~ضد الجلوس، وإنما هو مثل قوله تعالى: * (وأن تقوموا لليتامى بالقسط). # وقوله: * (ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة) أي: جنون. # وقوله: * (إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد) أي: عظيم. # قوله تعالى: * (قل ما سألتكم من أجر) أي: من جعل فهو لكم أي: تركته لكم. ~~والمعنى: أني ما سألتكم من جعل، لا أنه سأل وترك. # وقوله: * (إن أجري إلا على الله) أي: ما ثوابي إلا على الله. # وقوله: * (وهو على كل شيء شهيد) أي: شاهد. # قوله تعالى: * (قل إن ربي يقذف بالحق) أي: يأتي بالحق. # وقوله: * (علام الغيوب) منصوب بأن، وقرئ: ' علام ms1360 الغيوب ' بالرفع أي: هو ~~علام الغيوب. PageV04P340 # * (بالحق علام الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) قل ~~إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب) * ~~* قوله تعالى: * (قل جاء الحق) أي: القرآن، وقيل: الرسول. # وقوله: * (وما يبدئ الباطل) قال قتادة: الباطل هو الشيطان ها هنا أي: ما ~~يبدئ الشيطان شيئا [* (وما يعيد)]. وفي الآية قول آخر: وهو أن الله تعالى ~~يقذف بالحق على الباطل، فيذهب الباطل ولا يبقى منه بقية تبدئ شيئا أو ~~تعيده. وقيل: الباطل هو الأصنام. # قوله تعالى: * (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي) قال المفسرون: لما بعث ~~رسول الله وجعل يعيب الأصنام، قال له المشركون: إنك قد ضللت بتركك دين ~~آبائك؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (فإنما أضل على نفسي) أي: إثم ضلالتي علي. # وقوله: * (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي) أي: من القرآن والحجج. # وقوله: * (إنه سميع قريب) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولو ترى إذ فزعوا) معناه: ولو ترى إذ فزعوا حين يبعثون، ~~وفي الآية جواب محذوف، والمحذوف: ولو ترى إذا فزعوا حين يبعثون لرأيت عبرة ~~يعتير بها، ويقال: ولو ترى إذ فزعوا أراد به وقت الموت. # وقوله: * (فلا فوت) أي: لا يفوتون من الله، كما قال الله في موضع آخر: * ~~(ولات حين مناص). # وقوله: * (وأخذوا من مكان قريب) في التفسير: أخذوا من تحت أقدامهم. ~~ويقال: أخذوا من بطن الأرض (إلى ظهرها). # (* (50) ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقولوا آمنا ~~به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب ~~من مكان) * * قوله: * (وقالوا آمنا به) يعني: في القيامة، وقيل: عند الموت، ~~وهو في معنى قوله تعالى: * (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده). # وقوله: * (وأنى لهم التناوش) قال مجاهد وقتادة وكثير من المفسرين: ~~التناوش هو التناول قال الشاعر: # (وهي تنوش الحوض نوشا من علا * نوشا به تقطع) أجواز الفلا) ومعنى الآية ~~على هذا أنهم يريدون أن يتناولوا ms1361 الإيمان، وقد بعد عنهم ذلك وفاتهم، فأنى ~~لهم ذلك. وقرئ ' وأنى لهم التناوش ' بالهمز، وذكر أهل اللغة أن النئيش هو ~~الحركة في إبطاء، فالمعنى على هذا أنه من أنى لهم حركتهم فيما لا حيلة لهم ~~فيه. وعن ابن عباس قال: معنى قوله: * (وأنى لهم التناوش) أنهم يسألون الرد ~~إلى الدنيا، وأنى لهم الرد. # وقوله: * (من مكان بعيد) أي: من الآخرة إلى الدنيا. # وقوله تعالى: * (وقد كفروا به من قبل) أي: بالقرآن، وقيل: بمحمد. # وقوله: * (من قبل) أي: في الدنيا. # وقوله: * (ويقذفون بالغيب) أي: يظنون ظن الغيب، ومعنى ظن الغيب: أنهم ~~يقولون ما لا يعلمون؛ وقولهم فيما لا يعلمون هو أنهم قالوا: محمد ساحر، ~~وكاذب، وكاهن، وشاعر، ويقال: قولهم فيما لا يعلمون أنهم يقولون: (لا بعث ~~ولا جنة) ولا نار. PageV04P341 # * (بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم ~~كانوا في شك مريب (54). * * وقوله: * (من مكان بعيد) أنهم يقولون: ما أبعد ~~هذا، (ويقال): من مكان بعيد أي: بعيد من (علمهم). والقذف هو الرجم والرمي، ~~وجملة المعنى أنهم يخوضون فيما لا علم لهم به. # قوله تعالى: * (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) قال الحسن البصري: هو الإيمان ~~وقبول التوبة. ويقال: المال والولد. (وقيل): نعمة الدنيا وزهوتها. وعن ~~إبراهيم النخعي أنه قال: ما تلوت هذه الآية إلا وذكرت الماء البارد. # وقوله: * (كما فعل بأشياعهم من قبل) أي: الأمم الماضية. وقيل: بأصحاب ~~الفيل. والأشياع: جمع شيعة، وهم الفرق. # وقوله: * (إنهم كانوا في شك مريب) أي: في شك مرتابين، وفي الآية دليل على ~~أن الشاك كافر بخلاف ما قاله بعض الناس، وهو غلط عظيم في الدين، وقد دلت ~~هذه الآية على أن الشاك كافر وهو في النار، وكذلك دل على هذا قوله تعالى: * ~~(وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين ~~كفروا من النار) فقد أوجب لهم الكفر والنار بالظن. وقد روي عن سعيد بن جبير ~~في قوله تعالى: * (وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش) قال: هذه الآية ms1362 نزلت ~~في جيش السفياني، وهو رجل [يخرج] في أخواله من كلب، فخسف الله بهم بالبيداء ~~إلا رجلا واحدا يخبر الناس ما صنع الله بهم، وفيه قصة. PageV04P343 # بسم الله الرحمن الرحيم * (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة ~~رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث) * * تفسير سورة فاطر وهي مكية * (الحمد لله ~~فاطر السماوات والأرض) قد بينا معنى الحمد، قوله: * (فاطر السماوات والأرض) ~~أي: مبدعهما ومنشئهما بلا مثال. # (وقوله): * (جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة) أي: ذوي أجنحة. # وقوله: * (مثنى وثلاث ورباع) أي: مثنى مثنى، وثلاث وثلاث، ورباع ورباع ~~أي: اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. شعر في المثنى: # * أحم الله ذلك من لقاء * أحاد أحاد في شهرحلال * قال الضحاك: مثنى ~~جبريل، وثلاث ميكائيل، ورباع إسرافيل، ومن المشهور أن النبي قال: ' رأيت ~~جبريل (عليه السلام) وله ستمائة جناح قد سد الأفق '. وروي أنه لما رآه على ~~هذه الصورة صعق '. وفي بعض الأخبار: ' أن جبريل عليه السلام يغتسل كل يوم ~~في نهر ثم ينتقضن فما تقع قطرة إلا خلق الله تعالى منها ملكا '. وفي بعض ~~الأخبار أيضا أن الله تعالى خلق ملكا في PageV04P344 # * (ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم (2) يا) * * السماء شرفه ورفعه، وذلك في الخبر ما شاء الله من عظمه، ~~فهو يسبح الله تعالى، فما ينطق بتسبيحه إلا خلق الله تعالى منها ملكا. # وقوله: * (يزيد في الخلق ما يشاء) أظهر الأقاويل: أن الله تعالى يزيد في ~~خلق الملائكة وأجنحتهم ما يشاء على ما ذكرنا. وعن قتادة قال: يزيد في الخلق ~~ما يشاء: هو الملاحة في العيش. وعن الزهري قال: هو حسن الصوت. وحكى النقاش ~~في تفسيره: أنه الشعر الجعد. وعن بعض التفاسير: أنه زيادة العقل والتمييز. ~~وعن بعضهم: هو العلم بالصناعات. # وقوله: * (إن الله على كل شيء قدير) أي: قادر. # قوله تعالى: * (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ms1363 ممسك لها) أي: من رزق ~~وغيث. وقيل: من عافية * (فلا ممسك لها) أي: لا حابس لها. # وقوله: * (وما يمسك فلا مرسل له من بعده) أي: ما يمنع فلا مرسل له من بعد ~~الله أي: سوى الله وقد ثبت أن النبي كان يقول عقيب صلاة الفريضة: ' لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم ~~لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد '. # وثبت هذه اللفظة عنه أنه قالها في القيام بين الركوع والسجود. # وقوله: * (وهو العزيز الحكيم) أي: الغالب في ملكة (الجحيم في تدبير ~~خلقه). # قوله تعالى: * (يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم) أي: منة الله ~~عليكم. # * (أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من ~~قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (5) إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من) * * وقوله: * (هل من خالق غير الله) ~~استفهام على وجه التقرير، كأنه قال: لا خالق غير الله. # وقوله: * (يرزقكم من السماء والأرض) أي: من السماء المطر، ومن الأرض ~~النبات. # وقوله: * (لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) أي: تصرفون عن الحق. # وقوله: * (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور) أي: ~~ترد الأمور. # قوله تعالى: * (يا أيها الناس إن وعد الله حق) يعني: وعد القيامة حق. # وقوله: * (فلا [تغرنكم] الحياة الدنيا) وفي الأثر: أن الله تعالى ما أعطي ~~أحدا شيئا من الدنيا إلا اغترارا، وما زوى من أحد شيئا من الدنيا إلا ~~اختبارا. # وقوله: * (ولا يغرنكم بالله الغرور) أي: لا يغرنكم الغرور، وهو الشيطان. ~~قال الحسن: من الغرور أن تعمل المعصية، وتتنمى على الله المغفرة. # قوله تعالى: * (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) أي: عادوه بطاعة الله. # وقوله: ms1364 * (إنما يدعو حزبه) أي: أتباعه. # وقوله: * (ليكونوا من أصحاب السعير) أي: ليكونوا في السعير، والسعير هو ~~النار المتوقدة. PageV04P345 # * (أصحاب السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة وأجر كريم (7) أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن ~~الله) قوله تعالى: * (الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا ~~الصلحات لهم مغفرة وأجر كبير) أي: عظيم. # قوله تعالى: * (أفمن زين له سوء عمله) نزلت الآية في أبي جهل وأبي بن خلف ~~وعتبة وشيبة والعاص بن وائل والأسود بن عبد يغوث وعقبة بن أبي معيط ~~وأشباههم. والقول الثاني: أن الآية نزلت في أهل الأهواء والبدع، والأولى أن ~~يقال: إن الآية نزلت في الكفار؛ لأن عليه أكثر أهل التفسير. وعن قتادة: أنه ~~قال: منهم الخوارج الذين يستحلون الدماء والأموال، قال: وأما أهل الكبائر ~~فليس منهم؛ لأنهم لا يستحلون الكبائر. وكذلك العمال الظلمة، لأنهم يظلمون، ~~ويعلمون أنها ليست بحلال لهم. # وقوله: * (فرآه حسنا) (وفي الآية حذف على طريقتين أحدهما: أن معنى الآية ~~أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) كمن هداه الله * (فإن الله يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء) والطريق الثاني، أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ذهبت نفسك ~~عليه حسرة، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يضل من يشاء، ويهدي من ~~يشاء، والحسرة هو الندم الشديد على ما فات. # وقوله: * (إن الله عليم بما يصنعون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (والله الذي أرسل الرياح فتشير سحابا فسقناه إلى بلد ميت) ~~أي: لا ينبت فيها. # وقوله: * (فأحيينا به الأرض بعد موتها [كذلك] النشور) أي: كذلك النشور ~~PageV04P347 # * (يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم ~~بما يصنعون (8) والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9) من كان يريد العزة فلله العزة ~~جميعا إليه يصعد) * * في الآخرة. وروى وكيع بن عدس عن أبي رزين العقيلي أنه ~~قال: ' يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال ms1365 له: هل مررت قط بأرض قحل ~~أي: يابس ثم مررت بها وهي تهتز خضرا قال: نعم. قال: كذلك يحيي الله الموتى ~~'. # قوله تعالى: * (من كان يريد العزة) العزة: هي المنعة. # وقوله: * (فلله العزة جميعا) قال الفراء: معنى الآية: من كان يريد أن ~~يعلم لمن العزة، فلله العزة جميعا. وقال قتادة معناه: من كان يريد العزة ~~فليتعزز بطاعة الله. قال أهل النحو: هذا مثل ما يقول الإنسان: من كان يريد ~~المال فالمال لفلان أي: ليطلب المال عند فلان، كذلك معنى قوله: * (من كان ~~يريد العزة فلله العزة جميعا) أي: فليطلب العزة من عنده. وقال بعض أهل ~~التفسير: كان أهل الجاهلية يعبدون الأصنام، ويتقربون بذلك إلى الله تعالى، ~~ويطلبون العز من عند الأصنام، قال الله تعالى * (واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا) فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمرهم أن يطلبوا العز من ~~الله لا من الأصنام. # وقوله: * (إليه يصعد الكلم الطيب) في الكلم الطيب أقوال أحدها: أنه لا ~~إله إلا الله. والآخر: أنه القرآن، ذكره شهر بن حوشب، والثالث: أنه ذكر ~~الله. وعن قتادة PageV04P348 # * (الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ~~ومكر) * * قال: إليه يصعد الكلم الطيب [أي]: يقبل الله الكلم الطيب. وعن ~~(ابن مسعود) قال: ما نحدثكم بحديث إلا أتيناكم تصديق ذلك من كتاب الله ~~تعالى، ثم قال: ما من عبد يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر وتبارك الله، إلا قبض عليهن (ملك) وضمهن تحت جناحه، ثم يصعد بها ~~إلى السماء، ثم [لا] يمر بجمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء ~~بهن وجه الرحمن ثم تلا قوله تعالى: * (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه) وقيل: الكلم الطيب هو الدعاء من العباد. # وفي بعض المسانيد برواية أنس عن النبي أنه قال: ' يقول الله تعالى كل ~~يوم: أنا العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز '. # وقوله: * (والعمل الصالح يرفعه) فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما روي عن الحسن ~~وسعيد بن جبير ms1366 وعكرمة والضحاك وغيرهم أنهم قالوا: والعمل الصالح يرفعه أي: ~~العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، والقول الثاني: قول قتادة؛ قال: والعمل ~~الصالح يرفعه أي: يرفعه الله. # والقول الثالث: والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب. وأولى الأقاويل هو ~~الأول، PageV04P349 # * (أولئك هو يبور (10) والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا ~~وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا ~~في كتاب إن) * * وقد روي عن الحسن البصري أنه قال: يعرض القول على العمل، ~~فإن وافقه رفع القول مع العمل، وإن خالفه كان العمل أولى به. وفي بعض ~~الآثار: أن العبد إذا قال: لا إله إلا الله بنية صادقة رفع إلى الله تعالى ~~وله دوى كدوى النحل، حتى يلقى بين يديه فينظر الله تعالى [له] نظرة لا ييأس ~~بعدها أبدا؛ هذا إذا وافقه عمله، وإن خالفه وقف قوله حتى يتوب من عمله. ~~(وإن خالفه وقف). # قوله تعالى: * (والذين يمكرون السيئات) أي: يعملون السيئات، ويقال: نزلت ~~في مكر الكفار برسول الله حتى خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة على ما ذكرنا. # وقوله: * (لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور) أي: يهلك ويبطل. قوله ~~تعالى: * (والله خلقكم من تراب) التراب (جسم) مدقق من جنس الطين. # وقوله: * (ثم من نطفة) ذكر السدي أن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل ~~عظم وشعر و (عصب) فإذا مضت أربعون يوما نزلت إلى الرحم، وخلق الله منها ~~العلقة. # وقوله: * (ثم جعلكم أزواجا) أي: أصنافا. وفي تفسير ابن فارس: * (جعلكم ~~أزواجا) أي: زوج بعضكم من بعض. # وقوله: * (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) أي: لا يغيب عنه شيء من ~~ذلك. # وقوله: * (وما يعمر من معمر) يعني: ما يطول عمر معمر حتى يدركه الهرم. ~~وقوله: * (ولا ينقص من عمره) فيرجع إلى الأول، والجواب: أنه يجوز أن يذكر ~~على PageV04P350 # * (ذلك على الله يسير (11) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه ~~وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون ms1367 حلية تلبسونها وترى الفلك ~~فيه) * * هذا الوجه، ويراد به غير الأول، وهذا كما أن الرجل يقول: عندي ~~درهم ونصفه أي: نصف درهم آخر، أورده الزجاج وغيره. والقول الثاني: * (وما ~~يعمر من معمر ولا ينقص من عمره) هو منصرف إلى الأول. قال كعب الأحبار حين ~~حضرا [عمر] الوفاة: والله لو دعا عمر ربه أن يؤخر أجله لأخره، فقالوا له: ~~إن الله يقول: * (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون). فقال: ~~هذا إذا حضره الأجل، فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ هذه الآية. ~~وذكر بعضهم: أن مثال هذا أن الله تعالى يكتب أن عمر فلان مائة سنة إن ~~أطاعني، وعمره خمسون أو ستون إن عصاني، وهذا جائز. # وقوله: * (إلا في كتاب) معناه: إلا وهو مكتوب في كتاب. وفي التفسير أن ~~الله تعالى يكتب أجل العبد في كتاب، ثم يكتب في كتاب (آخر): قد انتقص من ~~عمره يوم، شهر، سنة، إلى أن يستوفى أجله. وذكر بعضهم أنه يكتب تحت ذلك ~~الكتاب الأول. # وقوله: * (إن ذلك على الله يسير) أي: هين. # قوله تعالى: * (وما يستوي البحران هذا عذب فرات) أي: شديد العذوبة. # وقوله: * (سائغ شرابه) أي: سهل المدخل. # وقوله: * (وهذا ملح أجاج) أي: ملح شديد الملوحة. وفي الآية بيان القدرة ~~في خلق الماء العذب والأجاج. # وقوله: * (ومن كل تأكلون لحما طريا) أي: الحيتان. # وقوله: * (وتستخرجون حلية تلبسونها) الدر والمرجان والجواهر. قال عكرمة: ~~ما PageV04P351 # * (مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له ~~الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم ولو) * * قطرت من السماء قطرة إلى الأرض إلا أنبتت عشبة، وما قطرت ~~في البحر قطرة إلا صارت درة، فإن قيل: قد قال: * (وتستخرجون حلية تلبسونها) ~~والدر والمرجان والجواهر لا تخرج من الأجاج، وإنما تخرج من العذب؟ وقد قال: ~~* (ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون [حلية]) الجواب عنه: يجوز أن ms1368 ينسب ~~إليهما وإن كان يستخرج من أحدهما، ومثل هذا في كلام العرب كثير. # والثاني: وهو أن في البحر الأجاج تكون عيونا عذبة، فتمتزج بالملح، وتكون ~~من بين ذلك الجواهر. # وقوله: * (وترى الفلك فيه مواخر) قال الحسن: مواقير أي: ممتلئة. وعن ~~بعضهم: معترضة تجيء وتذهب. وقيل: جواري. والمخر: هو الشق، فكأن الفلك يشق ~~الماء بصدره، فذكر مواخر على هذا المعنى. # وقوله: * (ولتبتغوا من فضله) أي: لتطلبوا من فضله، وفضله هو التجارات في ~~البحر. # وقوله: * (ولعلكم تشكرون) أي: تشكرون نعم الله. # قوله تعالى: * (يولج الليل في النهار) قد بينا هذا من قبل. # وقوله: * ([ويولج النهار في الليل] وسخر الشمس والقمر) قال قتادة: طول ~~الشمس ثمانون فرسخا، وعرضها ستون فرسخا. وعن عكرمة قال: جرم الشمس كسعة ~~الدنيا (وزيادة ثلث، وجرم القمر كسعة الدني) بلا زيادة. # وقوله: * (كل يجري لأجل مسمى) ظاهر المعنى. # وقوله: * (ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه) أي: من ~~الأصنام. PageV04P352 # * (سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ~~(14) يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) إن ~~يشأ) * * وقوله: * (ما يملكون من قمطير) قال مجاهد: القطمير: لفافة النواة، ~~وهو كسحل البصلة، وعن بعضهم: القمطير وسط النواة، والمعنى أنه يملك شيئا ~~قليلا ولا كثيرا. # قوله تعالى: * (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم) يعني: إن تدعوا الأصنام لا ~~يسمعوا دعاءكم. # وقوله: * (ولو سمعوا ما استجابوا لكم) أي: ما أجابوكم. # وقوله: * (ويوم القيامة يكفرون بشرككم) أي: يجحدون بشرككم وموالاتكم ~~إياهم. # وقوله: * (ولا ينبئك مثل خبير) أي: ولا ينبئك بهذا أحد مثلي، والخبير هو ~~الله تعالى، والمعنى أن الذي أنبأك بهذا خبير بالأمور، عالم بها. # قوله تعالى: * (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله) أي: إلى فضل الله، ~~والفقير هو المحتاج. # وقوله: * (والله هو الغني الحميد) أي: الغني عن خلقه، المحمود في إحسانه ~~بخلقه. # قوله تعالى: * (إن يشأ يذهبكم) أي: يهلككم حتى لا يبقى منكم عين تطرف. # وقوله: * (ويأت بخلق جديد) أي: خلق لم يكونوا أنشأهم ms1369 وابتدأهم. # وقوله: * (وما ذلك على الله بعزيز) أي: بشديد. # قوله تعالى: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) أي: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. # وقوله: * (وإن تدع مثقلة) أي: مثقلة بالذنوب * (إلى حملها) أي: إن دعوت ~~أحدا أن يحمل ذنوبه عنه. PageV04P353 # * (يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ~~إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى ~~لنفسه وإلى الله المصير (18) وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ~~ولا النور (20) ولا الظل ولا) * * وقوله: * (لا يحمل منه شيء ولو كان ذا ~~قربى) أي: لا يجد من يحمل عنه، وإن كان المدعو قريبا أبا أو أبناء. وعن ابن ~~عباس أنه قال: إن الرجل (يلقي) يوم القيامة أباه أو ابنه، فيقول: احمل عني ~~بعض ذنوبي، فيقول: لا أستطيع، حسبي ما علي. وفي بعض التفاسير: أن الوليد بن ~~المغيرة المخزومي قال لمن اسلم من بني مخزوم: ارجعوا عن الإسلام، وأنا أحمل ~~ذنوبكم يوم القيامة إن خفتم من الذنوب؛ فانزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب) قد بينا الخشية بالغيب. # وقوله: * (وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه) معنى التزكي ها ~~هنا هو العمل الصالح. # وقوله: * (وإلى الله المصير) أي: المرجع. # قوله تعالى: * (وما يستوي الأعمى والبصير) معنى الأعمى: عن الهدى، ~~والبصير بالهدى. وعن بعضهم: الأعمى عن الحق، والبصير بالحق. # وقوله: * (ولا الظلمات ولا النور) والظلمات هي الضلالات * (ولا النور) هو ~~الهداية والبيان من الله تعالى. وقيل: هذا تمثيل الكفر والإيمان. # وقوله: * (ولا الظل ولا الحرور) أي: الجنة والنار. قال أبو عبيدة: الحرور ~~يكون بالنهار مع الشمس. وعن غيره: السموم بالنهار، والحرور بالليل. وعن ~~بعضهم: الحرور هو الحر الدائم ليلا كان أو نهارا، قال الشاعر: PageV04P354 # * (الحرور (21) وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما ~~أنت بمسمع من في القبور (22) إن أنت إلا نذير (23) إنا أرسلناك بالحق ms1370 بشيرا ~~ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (24) وإن يكذبوك فقد كذب الذين من ~~قبلهم جاءتهم) * * (وهاجرة يشوي الوجوه حرورها *) وقوله: * (وما يستوي ~~الأحياء ولا الأموات) أي: المؤمنون والكفار. وعن [ابن] قتيبة قال: العلماء ~~والجهال. # وقوله: * (إن الله يسمع من يشاء) أي: من يشاء إسماعه. # وقوله: * (وما أنت بمسمع من في القبور) أي: لا تسمع الكفار، وشبههم ~~بالأموات في القبور. # وقوله: * (إن أنت إلا نذير) أي: منذر. # قوله تعالى: * (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا) أي مبشرا ومنذرا. # وقوله: * (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) أي: منذر. وفي بعض التفاسير: ~~إلا العرب لم يكن لهم نبي سوى النبي. وفي بعض الحكايات: أن بهلول المجنون ~~لقي أبا يوسف القاضي، فقال له: إن الله تعالى يقول: * (وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير) وقال النبي: ' لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها '، فما ~~نذير الكلاب؟! فتحير أبو يوسف؛ فأخرج حجرا من كمه وقال: هذا نذير الكلاب. # قوله تعالى: * (وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات ~~وبالزبر وبالكتاب المنير) أي: الكتاب الواضح، وذكر الكتاب بعد الزبر على ~~طريق PageV04P355 # * (رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير (25) ثم أخذت الذين كفروا ~~فكيف كان نكير (26) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات ~~مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ~~ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء إن الله عزيز غفور) * * التأكيد. # قوله تعالى: * (ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير) أي: إنكاري وتغييري. # قوله تعالى: * (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) (قوله): * (فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها) أي: أبيض وأحمر وأصفر، وما أشبه ذلك. # وقوله: * (ومن الجبال جدد) أي: طرائق (وخطط) * (بيض)، والجدد: جمع جدة، ~~وهو الطريق. # وقوله: (* (وحمر)) أي: طرائق حمرة. # قوله: * (مختلف ألوانها وغرابيب سود) أي: سود غرابيب على التقديم ~~والتأخير، يقال: أسود غربيب أي: شديد السواد، وفي بعض الأخبار: ' أن الله ~~يكره الشيخ الغربيب ms1371 ' أي الذي يسود لحيته، والخضاب بالحمرة سنة، أما ~~بالسواد مكروه. ومعنى الآية أي: طرائق سود. # وقوله: * (ومن الناس والدواب والأنعاممختلف ألوانه كذلك) أي: مختلف ألوان ~~هذه الأشياء، كما اختلفت ألوان ما سبق ذكره. PageV04P356 # (* (28) إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه ~~غفور شكور (30) والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن ~~الله بعباده) * * وقوله: * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ومن المعروف ~~في الآثار: ' رأس العلم خشية الله '. ومن المعروف أيضا: كفى بخشية الله ~~علما، وبالاغترار به جهلا. ويقال: أول كلمة في الزبور رأس الحكمة خشية ~~الله. وعن ابن عباس قال: إنما يخشى الله من عباده العلماء أي: من يعلم ملكي ~~وعزي وسلطاني. وعن بعضهم: إنما يخشى الله من عباده العلماء الذين يعلمون أن ~~الله على كل شيء قدير، وعن بعض التابعين قال: من لم يخش الله فليس بعالم. ~~ويقال: خف الله بقدر قدرته عليك، واستح من الله بقدر قربه منك. # وقوله: * (إن الله عزيز غفور) أي: عزيز في ملكه، غفور (لذنوب عباده). # قوله تعالى: * (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور) أي: لن تهلك ولن تفسد، والمراد ~~من التجارة ما وعده الله من الثواب. # قوله تعالى: * (ليوفيهم أجورهم) أي: ثواب أعمالهم. # وقوله: * (ويزيدهم من فضله) هو تضعيف الحسنات، قال بعضهم: هو الشفاعة لمن ~~أحسن إليهم، فعلى هذا يشفع الفقير للغنى الذي تصدق عليه. # وقوله: * (إنه غفور شكور) يقال: يغفر الكثير من الذنوب، ويشكر اليسير من ~~الطاعات. PageV04P357 # * (لخبير بصير (31) ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) ~~جنات) * * قوله تعالى: * (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما ~~بين يديه) أي: من الكتب المتقدمة. # وقوله: * (إن الله بعباده لخبير بصير) أي خبير بما في ضمائرهم، بصير ~~[بأفعالهم]. # قوله تعالى: ms1372 * (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) الأكثرون على ~~أن المراد من قوله: * (الذين اصطفينا من عبادنا) هذه الأمة، وعن بعضهم: أن ~~المراد منه الأنبياء، وعن بعضهم: أن المراد منه بنو إسرائيل، والقول الأول ~~هو المشهور. # وقوله: * (وأورثنا الكتاب) المراد من الكتاب: هو القرآن. # ومعنى الآية: أي انتهى إليهم الأمر بإنزالنا عليهم القرآن، وبإرسالنا ~~محمدا إليهم. # وقوله: * (فمنهم ظالم لنفسه) اختلف القول في المراد بالظالم، فقال بعضهم: ~~المراد بالظالم هو الكافر، ذكره الكلبي وغيره. وعن بعضهم: أن المراد منه ~~المنافق، فعلى هذا لا يدخل الظالم في قوله: * (جنات عدن يدخلونها) وقد روي ~~هذا القول أيضا عن ابن عباس أنه حمل الظالم على الكافر. # والقول المشهور أن الظالم لنفسه من المؤمنين، وعلى هذا يستقيم نسق الآية، ~~وعلى القول الأول يحمل قوله: * (الذين اصطفينا من عبادنا) على الاصطفاء في ~~الخلقة وإرسال الرسول وإنزال الكتاب، وعلى القول الثاني يحمل الاصطفاء على ~~الزيادة التي جعلها الله تعالى لهذه الأمة من بين سائر الأمم. وقد روى شهر ~~بن جوشب أن عمر رضي الله عنه قال: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا ~~مغفور. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: السابق هم الذين مضوا على عهد ~~النبي، والمقتصد هم الذين اتبعوهم، والظالم مثلي ومثلك، تقول ذلك للمخاطب. ~~PageV04P358 # * (عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ~~(33) * * وعن أبي الدرداء قال: السابق هو الذي لا يحاسب أصلا يوم القيامة، ~~والمقتصد هو الذي يحاسب حسابا يسيرا ويدخل الجنة، والظالم هو الذي يحاسب ~~حسابا شديدا ويدخل النار ثم ينجو. # وعن بعضهم: أن الظالم لنفسه هم أصحاب المشأمة، والمقتصد هم أصحاب ~~الميمنة، والسابقون هم المقربون، ذكره السدي، فعلى هذا الظالم لنفسه كافر. ~~وعن بعضهم: أن الظالم لنفسه هم أصحاب الكبائر، والمقتصد هم أصحاب الصغائر، ~~والسابق هو الذي لم يرتكب صغيرة ولا كبيرة، وعبر بعضهم عن هذا؛ قال: ~~المقتصد هم أصحاب التوسط في الطاعات، فعلى هذا من غلبت سيئاته على حسناته ~~فهو ظالم، ومن استوت سيئاته وحسناته فهو مقتصد، ms1373 ومن غلبت حسناته على سيئاته ~~فهو سابق، وهذا قول معروف مأثور [عن رسول الله]. # وعن بعضهم قال: الظالم آدم، والمقتصد إبراهيم، والسابق هو محمد. وقال ~~بعضهم: الظالم هو المريد، والمقتصد هو المحب، والسابق هو الواله. وقال ~~بعضهم: الظالم هو الذي همه نفسه والدنيا، والمقتصد هو الذي همه الجنة، ~~والسابق هو الذي همه ربه. # وعن بعضهم قال: الظالم هو الواقف، والمقتصد هو السائر، والسابق هو ~~الواصل. وفي الآية كلام كثير. # وقوله: * ([ومنهم مقتصد ومنهم سابق] بالخيرات بإذن الله) أي: بالطاعات: ~~بعلم الله. # وقوله: * (ذلك هو الفضل الكبير) أي: الفضل العظيم. # قوله تعالى: * (جنات عدن يدخلونها) روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه ~~PageV04P359 # * (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذي ~~أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (35) ~~والذين كفروا لهم) * * أنه قال: أرجى آية في كتاب الله تعالى هذه الآية؛ ~~لأنه جمع بين الظالم والمقتصد والسابق، ثم قال: * (جنات عدن يدخلوها) وعن ~~بعضهم قال: إن الواو في قوله: * (يدخلونها) أحب إلي من كذا وكذا. وعن كثير ~~من السلف أنهم قالوا: كل هؤلاء من هذه الآية. # وقوله: * (يحلون فيها من أساور من ذهب) ظاهر المعنى. والأساور: جمع ~~السوار. # وقوله: * (ولؤلؤ) أي: من ذهب ولؤلؤ، وقرئ: ' ولؤلؤا ' بالنصب أي: يحلون ~~لؤلؤا. # وقوله: * (ولباسهم فيها حرير) أي: الديباج. ومن المعروف أن النبي قال: ' ~~من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة '، وقال: ' هو لهم في الدنيا، ~~ولنا في الآخرة '. # قوله تعالى: * (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) قال ابن عباس: حزن ~~النار. وعن قتادة: حزن الموت. وعن بعضهم: هم المعيشة. # وقال مجاهد: هم الخبز. والأولى أن يحمل على جميع الأحزان، فهم ينجون عن ~~كلها، ومن المعروف أن الحزن: هو حزن أهوال القيامة. # وقوله: * (إن ربنا لغفور شكور) قد بينا. # قوله تعالى: * (الذي أحلنا دار المقامة من فضله) قد بينا معنى المقامة ~~والمقامة. # وقوله تعالى: * (لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب) ms1374 أي: تعب وإعياء. # قوله تعالى: * (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا) أي: لا ~~يقضي عليهم الموت فيموتوا. # وقوله: * (ولا يخفف عنهم من عذابها) أي: من عذاب النار. PageV04P360 # * (نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل ~~كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أو ~~لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ~~(37)) * * وقوله: * (كذلك نجزي كل كفور) أي: كفور للنعمة. # قوله تعالى: * (وهم يصطرخون فيها) يصطرخون يفتعلون من الصراخ، وهو ~~الصياح. # وقوله: * (ربنا أخرجنا) أي: يصطرخون ويقولون: * (ربنا أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل) أي: نعمل من الصالحات بدل ما كنا نعمل من السيئات. # وقوله: * (أو لم نعمركم) أي: يقول الله تعالى لهم: * (أو لم نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر) معناه: أو لم نعمركم العمر الذي يتذكر فيه من تذكر. ~~واختلف القول في ذلك العمر؛ فالأكثرون على أنه ستون سنة، (وهذا) مروي عن ~~علي رضي الله عنه وقد روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: ' من عمره الله ستين ~~سنة فقد أعذر إليه في العمر '. وعن بعضهم: أنه أربعون سنة. وعن بعضهم: ~~ثمانية عشر سنة. وقال الحسن البصري: هو البلوغ. وعن بعضهم: هو سبعون سنة؛ ~~لأنه، عند ذلك يدخل في الهرم. # وقوله: * (وجاءكم النذير) أي: محمد. # والقول الثاني: أنه الشيب، حكى ذلك عن وهب بن منبه وغيره. وفي الأثر: ما ~~من شعرة تبيض إلا قالت لأختها: يا أختي، استعدي فقد قرب الموت. وقال بعضهم: ~~الشيب (حطام) المنية. وسماه بعضهم بريد الموت. PageV04P361 # * (إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) هو الذي ~~جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم ~~إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) قل أرأيتم شركاءكم الذين ~~تدعون من دون) * * والقول الثالث: أن قوله: * (وجاءكم النذير) كل ما ينذر ~~ويخوف بها. وفي غريب التفسير: أنه الحمى. وقيل ms1375 أيضا: هو العقل. # وقوله: * (فذوقوا فما للظالمين من نصير) أي: ناصر. # قوله تعالى: * (إن الله عالم غيب السماوات والأرض) (الآية) ظاهر المعنى. ~~قوله تعالى: * (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض) أي: يخلف بعضكم بعضا، وكل من ~~تلا إنسانا، وقام بعده فهو خليفته، ولهذا سمي أبو بكر خليفة رسول الله؛ ~~لأنه قام بالأمر بعده، وإلا فعند أهل العلم أن الرسول توفي، ولم يستخلف ~~أحدا. ومن هذا قول عمر رضي الله عنه حين حضرته الوفاة. وقيل له: استخلف. ~~فقال: إن لم أستخلف فلم يستخلف رسول الله، وإن استخلف فقد أستخلف أبو بكر، ~~وهذا قو ل ثابت عن عمر. # وقوله: * (فمن كفر فعليه كفره) أي: فعليه وبال كفره. # وقوله: * (ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا) أي: بغضا. وقيل: ~~ما يوجب لهم المقت. # وقوله سبحانه وتعالى: * (ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا) أي: خسرانا. # قوله تعالى: * (قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله) أي: الذين ~~جعلتموهم شركائي على زعمكم من الأصنام والملائكة. # وقوله: * (أروني ماذا خلقوا من الأرض) أي: أعلموني. # وقوله: * (أم لهم شرك في السماوات) أي: شركة. PageV04P362 # * (الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم ~~كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا (40) إن ~~الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ~~إنه كان حليما غفورا (41)) * * وقوله: * (أم آتيناهم كتابا فهم على بينة ~~منه) أي: على دلائل واضحة منه. # وقوله: * (بل إن يعد الظالمون) أي: ما يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا ~~غرورا، والغرور كل ما يغر الإنسان مما لا أصل له. # قوله تعالى: * (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا) معناه: لئلا ~~تزولا، وقيل: كراهة أن تزولا. # وقوله: * (ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) أي: لا يمسكهما أحد ~~سواه، فإن قيل: ما معنى قوله: * (ولئن زالتا) وهي لا تزول؟ # والجواب: أن الله تعالى قد قال: * (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر ms1376 الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا) والله تعالى يمسكهما عن هذه الأشياء. ~~وفي بعض الآثار: أن موسى عليه السلام قال: يا رب، كيف أعلم [أنك] لا تنام؟ ~~فوضع في يديه قارورتين على ما ذكرنا. # وفي بعض التفاسير: أن الأرض ثقيلة متسلفة، والسماء خفيفة مستطيرة، وقد ~~ألصق الله تعالى أطراف السماوات بأطراف الأرضين، فالسماء تمنع الأرض ~~بتصعدها عن التسفل، والأرض تمنع السماء بثقلها عن الصعود، حكاه النقاش، ~~والله أعلم. # وقوله: * (إنه كان حليما غفورا) فإن قيل: ما معنى ذكر الحلم ها هنا؟ # قلنا: لأن هذه الأشياء همت بما همت عقوبة للكفار، فأمسكها الله تعالى، ~~ولم يدعها أن تزول تركا للمعالجة في العقوبة، وكان ذلك حلما منه جل جلاله. ~~PageV04P363 # * (وأقسموا بالله جهد أيمانكم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ~~فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا ~~يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله ~~تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين) * * قوله تعالى: * (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) هذا في ~~مشركي مكة، فإنهم كانوا قالوا: لو جاءنا نذير لكنا أهدى أي: أقبل للكتاب، ~~وألزم له من اليهود والنصارى، فلم يفوا بما قالوا حين جاءهم الرسول، فأنزل ~~الله تعالى في شأنهم، فهو معنى قوله: * (لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم) أي: اليهود والنصارى. # وقوله: * (فلما جاءهم نذير) أي: محمد * (ما زادهم إلا نفورا) أي: ما ~~زادهم المجيء إلا نفورا. # قوله تعالى: * (استكبارا في الأرض) يعني: أنهم ردوا ما ردوا استكبارا في ~~الأرض. # وقوله: * (ومكر السيئ) أي: وفعل المكر السيئ، وفي قراءة ابن مسعود: ' ~~ومكرا سيئا '. وفي المكر السيئ قولان: أحدهما: أنه الشرك، والآخر: أنه ~~المكر برسول الله. # وقوله: * (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) أي: لا تنزل عقوبة المكر ~~السيئ إلا بأهله، وحقيقة المعنى: أن وبال المكر راجع إليهم. # وقوله: * (فهل ينظرون إلا سنة الأولين) (أي: طريقة الأولين) في ms1377 الإهلاك ~~ونزول العذاب لهم. # وقوله: * (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) ظاهر ~~المعنى، والمراد من التكرار هو التأكيد. # قوله تعالى: * (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه) أي: ليفوت عنه. ~~PageV04P364 # * (من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ~~ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ~~ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله ~~كان بعباده بصيرا (45)). * * * وقوله: * (من شيء في السماوات ولا في الأرض ~~إنه كان عليما قديرا) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا) من القبائح والمعاصي. # وقوله: * (ما ترك على ظهرها من دابة) أي: على ظهر الأرض بما كسب الناس من ~~الذنوب. وعن ابن مسعود قال: إن الجعل تعذب في حجرها بذنب ابن آدم. # وقوله: * (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) أي: إلى مدة معلومة. # وقوله: * (فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا) أي: بصيرا بأعمالهم ~~يجازيهم عليها، الحسنة بالحسنة، والسيئة بالسيئة. @ 366 @ بسم الله الرحمن ~~الرحيم * (يس (1) والقرآن الكريم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط ~~مستقيم) * * تفسير سورة يس وهي مكية، وروى مقاتل بن حيان، عن قتادة، عن ~~أنس، عن النبي قال: ' إن لكل شيء قلبا، وإن قلب القرآن سورة يس، ومن قرأ ~~سورة يس أعطاه الله ثواب قراءة القرآن عشر مرات. # والخبر غريب أورده أبو عيسى في جامعه، والله أعلم. # قوله تعالى: * (يس) قال ابن عباس: قسم أقسم الله به، وقال قتادة: اسم ~~للسورة، وقال مجاهد: يس من فواتح القرآن، وقال (الحسن) وسعيد بن جبير ~~والضحاك وجماعة معنى قوله: * (يس) يا إنسان، وهذا هو أشهر الأقاويل، قال ~~ثعلب: هو يا إنسان بلغة طي، وقال غيره: بلغة كلب، وقرأ عيسى بن عمر: ' يسن ~~' بالنصب، ويقال معناه: يا محمد. # وقوله: * (والقرآن الحكيم) يعني: والقرآن الذي أحكم بالأمر والنهي ~~والثواب ms1378 والعقاب، وقوله، * (إنك لمن المرسلين) على هذا وقع القسم؛ فكأن ~~الله تعالى أقسم بالقرآن أن محمدا من المرسلين. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: سمى الله رسوله محمدا في PageV04P365 # (* (4) تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ~~(6) لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا فهي إلى) * * القرآن بسبعة أسماء: محمد، وأحمد، وطه، ويس، والمدثر، ~~والمزمل، وعبد الله. # وقوله: * (على صراط مستقيم) فيه وجهان: أحدهما: أنه خبر بعد خبر، والآخر ~~أن معناه: إنك لمن المرسلين الذين هم على صراط مستقيم. # وقوله: * (تنزيل العزيز الرحيم) أي: هو تنزيل العزيز الرحيم، وقرئ: ' ~~تنزيل ' بنصب اللام أي: أنزله الله تنزيل العزيز الرحيم. # قوله تعالى: * (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم) فيه قولان: أحدهما: أن ' ما ' ~~للنفي، والمعنى. لم ينذر آباؤهم أصلا؛ فإن الله تعالى ما بعث إلى قريش سوى ~~النبي. # والقول الثاني: أن ' ما ' ها هنا بمعنى الذي، فمعنى الآية على هذا لتنذر ~~قوما بالذي أنذر آباؤهم. # وقوله: * (فهم غافلون) أي: عن الإنذار، وحكى النقاش في تفسيره عن النبي ' ~~أن مضر كان قد أسلم '. # وحكى أبو عبيدة أن تميما كان يكنى أبا زيد، وكان له صنم يعبده، فأسلم ~~ودفن صنمه، ثم إن ابنه زيدا استخرج الصنم من ذلك المكان، وعبده فسمى زيد ~~مناة. # قوله تعالى: * (لقد حق القول) أي: وجب القول على أكثرهم، ومعنى وجوب ~~القول هو وجوب الحكم بالعذاب، وقوله: * ([على أكثرهم] فهم لا يؤمنون) أي: ~~لا يصدقون. # قوله تعالى: * (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا) فإن قيل: الغل إنما يكون ~~على اليد! والجواب عنه: أن العادة أن اليد تغل إلى العنق، فذكر الأعناق ~~لهذا المعنى، واكتفى PageV04P367 # * (الأذقان فهم مقحمون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم) * * بذكرها عن ذكر الأيدي، قال الأزهري: معنى الآية: إنا جعلنا ~~في أعناقهم وأيديهم أغلالا، فهي كناية عن الأيدي. # فإن قيل: فكيف يكنى عن الأيدي ولم يجر لها ذكر؟ والجواب عنه: أن العرب ~~تكني عن الشيء وإن ms1379 لم تجر له ذكرا، إذا كان معلوما. # قال الشاعر: # (ولا أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني) (أألخير الذي أنا ~~أبتغيه * أم الشر الذي هو يبتغيني) فقد كنى بقوله: أيهما عن الشر والخير، ~~والشر غير مذكور. # وقوله: * (إلى الأذقان) معناه: إلى الأعناق إلا أنه ذكر الأذقان لقرب ~~الأعناق من الأذقان، وقوله: * (فهم مقحمون) المقمح: هو الذي رفع رأسه وغض ~~طرفه، والعرب تسمى الكانونين شهري القماح؛ لأن الإبل ترد الماء وتشرب، ~~فترفع رأسها من شدة البرد، قال الشاعر: # (ونحن على جوانبه قعود * نغض الطرف كالإبل القماح) وقرأ ابن مسعود: ' إنا ~~جعلنا في أيمانهم أغلالا '، وهي قراءة معروفة عنه. # قوله تعالى: * (وجعلنا من بين أيديهم سدا) وقرئ: ' سدا ' برفع السين. # قال عكرمة: ما كان من صنع الله فهو سد، وما كان من صنع المخلوقين فهو سد، ~~وقال غيره: السد ما يرى، والسد ما لا يرى، ومنهم من لم يفرق بينهما، وقال ~~هما بمعنى واحد. # قال أهل التفسير: ذكر السد ها هنا على طريق ضرب المثل، وكذلك ذكر الأغلال ~~في الآية الأولى على قول بعضهم، والمعنى من ذكر الأغلال منعهم عن الإنفاق ~~في PageV04P368 # * (فهم لا يبصرون (9) وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10) ~~إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) ~~إنا نحن) * * سبيل الله. والمعنى من السد هو المنع من الهداية. وذكر بعضهم: ~~أن الآية نزلت على سبب، وهو أن قوما من بني مخزوم تشاوروا في قتل النبي، ~~فجاء أحدهم ليقتله وهو في الصلاة؛ فجعل يسمع صوته ولا يرى شخصه، وجاء آخر ~~فرأى شيئا عظيما يقصده بالهلاك، فخاف ورجع، ويقال: إن الثاني كان أبو جهل ~~عليه لعنة الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية في هذا، وهو قوله ' * (وجعلنا ~~من بين أيديهم سدا). # وقوله: * (فأغشيناهم) من التغشية والتغطية، وقرأ ابن عباس وعمر بن عبد ~~العزيز ' فأغشيناهم ' بالعين غير المعجمة، من قوله تعالى: * (ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن نقيض له شيطانا [فهو له قرين]) أي: تعمى، فمعنى قوله: ms1380 [* ~~(أغشيناهم)] أي: أعميناهم. # وقوله: * (فهم لا يبصرون) أي: طريق الحق. # قوله تعالى: * (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) هذا في ~~أقوام بأعيانهم، وقد مضوا ولم يؤمنوا على ما قال الله تعالى. # قوله تعالى: * (إنما تنذر من اتبع الذكر) أي: استمع الذكر، وهو القرآن، ~~واتبع ما فيه، وقوله: * (وخشي الرحمن بالغيب) أي: خاف الرحمن بالغيب. # وقوله تعالى: * (فبشره بمغفرة وأجر كريم) أي: الجنة. # قوله تعالى: * (إنا نحن نحيي الموتى) أي: في الآخرة، ويقال: يحيي القلوب ~~الميتة بنور الإيمان، وقوله: * (ونكتب ما قدموا) أي: ما عجلوا. # وقوله: * (وآثارهم) أي: ونكتب آثارهم، وفي آثارهم قولان: PageV04P369 # * (نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ~~(12) واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذ أرسلنا إليهم ~~اثنين) * * أحدهما: أن معناها ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة. # والقول الثاني: أن قوله: * (وآثارهم) أي: الخطا إلى المساجد، وروى أبو ~~سعيد الخدري: ' أن بني سلمة كانت منازلهم في ناحية من المسجد أي: بعيدة؛ ~~فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، وقال لهم النبي: منازلكم، منازلكم، ~~تكتب آثاركم، فتركوا الانتقال '. # وقد ورد في الخبر عن النبي أنه قال: ' من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من ~~عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة فله ~~وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أوزارهم شيء '. # وقوله: * (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) أي: جمعناه في كتاب مبين، ~~والإمام المبين هو اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: * (واضرب لهم مثلا) ضرب المثل هو تمثيل المثل، ومعنى الآية: ~~واذكر لهم مثل حالهم من قصة أصحاب القرية. # وأما القرية: فأكثر أهل التفسير أن القرية هي أنطاكية، وقال بعضهم: هي ~~بلد من بلاد الروم، وقوله: * (إذ جاءها المرسلون) في القصة: أن عيسى عليه ~~السلام بعث إليهم برجلين من الحواريين، ثم بعث بثالث بعدهما، فهو معنى قوله ~~تعالى: PageV04P370 # (فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) قالوا ما أنتم إلا ~~بشر مثلنا ms1381 وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون (15) قالوا ربنا يعلم ~~إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين (17) قالوا إنا تطيرنا ~~بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) * * (إذا أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا ~~بثالث) والثالث كان اسمه شمعون رأس الحواريين، وقوله: * (عززنا) أي: شددنا ~~وقوينا، وقرأ عاصم وحده: ' فعززنا ' بالتخفيف، وهو في معنى الأول. # وفي التفسير: أن القوم كذبوا الرسولين الأولين وهموا بقتلهما، فجاء هذا ~~الثالث وتلطف الدخول على الملك، وكانت قد توفيت ابنته ودفنت، فقال للملك: ~~اطلب من [هذين] الرجلين أن يحييا ابنتك، فإن أحيياها فهما [صادقان] فطلب ~~منهما الملك ذلك؛ فقاما وصليا [ودعيا] الله تعالى، ودعا شمعون معهما في ~~السر، فأحيا الله تعالى المرأة، وانشق القرب عنها وخرجت، وقالت للقوم: ~~أسلموا، فإنهما صادقان، ولا أظنكم تسلمون، ثم طلبت من الرسولين أن يرادها ~~إلى مكانها، فذريا ترابا على رأسها، وعادت إلى قبرها كما كانت، ولم يؤمن ~~القوم. # قوله تعالى: * (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن ~~أنتم إلا تكذبون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) فإن قيل: كيف يكون ~~علم الله تعالى أنهم رسل الله حجة عليهم؟ # الجواب عنه: أن معناه: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون بما أظهر على أيدينا ~~من الآيات والمعجزات؛ فصارت الحجة قائمة بالآيات والمعجزات، لا بنفس العلم. # وقوله: * (وما علينا إلا البلاغ المبين) أي: الإبلاغ البين. # قوله تعالى: * (قالوا إنا تطيرنا بكم) أي: تشاءمنا بكم، وفي التفسير: أنه ~~كان PageV04P371 # * (وليمسنكم منا عذاب أليم (18) قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم ~~مسرفون (19) وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين ~~(20) اتبعوا من) * * حبس عنهم المطر حين جاءهم هؤلاء الرسل. # واختلف القول في أنهم كانوا رسل الله أو رسل عيسى، فأحد القولين: انهم ~~كانوا رسل عيسى عليه السلام كما بينا، والقول الآخر: أنهم كانوا رسل الله. # قوله: * (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) أي: [لنقتلنكم] بالحجارة، وقيل: ~~نشتمنكم، والأول أولى. # وقوله: * (وليمسنكم منا عذاب أليم) ms1382 أي: مؤلم، والمؤلم هو الموجع. # قوله تعالى: * (قالوا طائركم معكم) أي: شؤمكم معكم بكفركم وتكذيبكم ~~الرسل. وقيل: طائركم معكم أي: أقداركم وأعمالكم تابعة إياكم، تقول العرب: ~~طار بمعنى صار قال الشاعر: # (تطير غدائر الإشراك شفعا * ووترا والزعامة للغلام) وقيل: طائركم معكم ~~أي: ما طار لكم من عمل خير أو شر فهو معكم ولازم إياكم. وقوله: * (أئن ~~ذكرتم) معناه: أئن ذكرتم بالله تطيرتم، وقرئ ' أن ذكرتم ' أي: لأن ذكرتم ~~تطيرتم. وقوله: * (بل أنتم قوم مسرفون) أي: مجاوزون الحد. # قوله تعالى: * (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) ذهب أكثر المفسرين أنه ~~كان رجل يسمى حبيب النجار، وقال السدي: كان قصارا. وعن بعضهم: أنه كان ~~إسكافا قال قتادة: كان رجلا يعبد الله في غار؛ فسمع بخبر الرسل فجاءهم، ~~وقال: أتطلبون جعلا على رسالتكم؛ قالوا: لا؛ فأقبل على قومه، وقال لهم ما ~~قال الله، وهو قوله: * (يا قوم اتبعوا المرسلين) والمدينة: هي القرية التي ~~ذكرناها، وهي الأنطاكية. # وقوله: * (اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) ظاهر المعنى. # وعن بعضهم أنه قال: مسكن الأشراف الأطراف، واستدل بهذه الآية، وهو قوله: ~~PageV04P372 # * (لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (21) وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ~~ترجعون (22) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم ~~شيئا ولا ينقذون (23) إني إذا لفي ضلال مبين (24) إني آمنت بربكم فاسمعون ~~(25) قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي وجعلني من ~~المكرمين (27)) * * * (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) أي: من أبعد موضع ~~بالمدينة. # قوله تعالى: * (وما لي لا أعبد الذي فطرني) معناه: ولم لا أعبد الذي ~~فطرني * (وإليه ترجعون). # فإن قيل: كيف أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم؟ # والجواب عنه: أنه أضاف الفطرة إلى نفسه؛ لأن النعمة كانت عليه أظهر، ~~وأضاف الرجوع إليهم؛ لأن الزجر كان بهم أحق، وفي ذكر الرجوع معنى الزجر. # قوله تعالى: * (أأتخذ من دونه آلهة) استفهام بمعنى الإنكار أي: لا أتخذ، ~~وقوله: * (إن يردن الرحمن بضر) أي: بسوء ومكروه، وقوله: * (لا ms1383 تغن عني ~~شفاعتهم شيئا) أي: لا تغني عني الأصنام شيئا؛ لأنه لا شفاعة لهن، وقد كانوا ~~يزعمون الكفار أنها تشفع لهم يوم القيامة. # وقوله: * (ولا ينقذون) أي: لا ينقذونني من العذاب لو عذبني الله. # قوله: * (إني إذا لفي ضلال مبين) أي: في خطأ ظاهر لو فعلت هذا. # قوله تعالى: * (إني آمنت بربكم فاسمعون) قال أبو عبيدة: مجازه فاسمعوا ~~مني، قوله: * (قيل ادخل الجنة) في التفسير: أنه لما قال هذا القول وثب ~~القوم عليه وثبة واحدة فوطئوه بأرجلهم حتى قتلوه، وحكى هذا عن ابن مسعود، ~~ويقال: وطئوه حتى خرج قصبه من دبره؛ فأدخله الله الجنة، فهو ثم حي يرزق، ~~وهو معنى قوله: * (قيل ادخل الجنة). # وقوله: * (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي) أي: بمغفرة ربي لي، قال ~~قتادة: PageV04P373 # * (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن ~~كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) يا حسرة على العباد ما يأتيهم من ~~رسول إلا) * * * نصحهم حيا وميتا، وقوله: * (وجعلني من المكرمين) أي: ممن ~~دخل الجنة، ومن أدخل الجنة فقد أكرم، ومن أدخل النار فقد أهين. # قوله تعالى: * (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء) أي: من ~~ملائكة، وقوله: * (وما كنا منزلين) أي: وما كنا لنفعل هذا، بل الأمر في ~~هلاكهم كان أيسر مما تظنون. # قوله تعالى: * (إن كانت إلا صيحة واحدة) أي: ما كانت إلا صيحة واحدة. وفي ~~القصة: أن جبريل عليه السلام جاء ووقف على باب المدينة وصاح بهم صيحة فخروا ~~ميتين كأن لم يكونوا، وصاروا كرماد خامدين هامدين. # وفي الأخبار: أن عروة بن مسعود الثقفي لما أسلم استأذن من رسول الله أن ~~يذهب لي قومه وهم ثقيف ويدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله: ' إني أخشى أن ~~يقتلوك، فقال: لو كنت نائما ما أيقظوني، ثم إنه ذهب إليهم ودعاهم إلى ~~الإسلام، فرماه رجل بسهم فأصاب أكحله ومات، فبلغ النبي فقال: هو في هذه ~~الأمة مثل صاحب يس، وهو حبيب النجار '. # قوله ms1384 تعالى: * (يا حسرة على العباد) فإن قيل: كيف يستقيم نداء الحسرة، ~~والحسرة لا تعقل شيئا؟ وأيضا كيف يتحسر الله تعالى على العباد الذين ~~أهلكهم، PageV04P374 # * (كانوا به يستهزءون (30) ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم ~~إليهم لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع لدينا محضرون (32) وآية لهم الأرض ~~الميتة أحييناها) * * ولا يجوز عليه هذه الصفة؟ والجواب عنه: أن معنى قول ~~القائل يا حسرة مثل قوله: يا عجبا، وكذلك قوله: يا حسرتاه، مثل قوله: يا ~~عجباه، والعرب تقول هذا على طريق المبالغة، والنداء عندهم بمعنى التنبيه، ~~فيستقيم فيمن يعقل وفيمن لا يعقل، وقوله: يا عجباه أبلغ من قولهم: أنا ~~أتعجب من كذا، فكأنه قال : أيها العجب هذا وقتك، وأيها الحسرة هذا زمانك، ~~وحقيقة المعنى: أن هذا الزمان زمان الحسرة والتعجب. # وأما قوله: إن الحسرة على الله لا تجوز، قلنا: نعم، ومعنى الآية: يا حسرة ~~على العباد من أنفسهم؛ وكأنهم يتحسرون على أنفسهم غاية الحسرة، والحسرة هي ~~التلهف على أمر فائت بأبلغ وجوهه حتى يبقى الرجل حسيرا منقطعا من شدته، ~~وقرئ في الشاذ: ' يا حسرة العباد ' وجواب آخر: أنه تعالى قال: * (يا حسرة ~~على العباد) لأنهم صاروا بمنزلة يتحسر عليهم، ويقال معناه: يا حسرة الرسل ~~والملائكة على العباد، والجواب الأول أحسن الأجوبة. # وقوله: * (ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون) أي: استهزاء ~~التكذيب. # قوله تعالى: * (ألم يروا كم أهلكنا) قرأ ابن مسعود ' ألم يروا من أهلكنا ~~'، والمعروف كم أهلكنا، وهو للتكثير. # وقوله: * (قبلهم من القرون) اختلفوا في مدة القرن، وقد بينا من قبل، وقد ~~روي عن النبي: أنه قال لعبد الله بن بسر المازني: ' إنك تعيش قرنا؛ فعاش ~~مائة سنة '، وقوله: * (أنهم إليهم لا يرجعون) أي: لا يرجعون إلى الدنيا. # قوله تعالى: * (وإن كل لما) ' إن ' ها هنا بمعنى: ما، و ' لما ' بمعنى: ~~إلا، فمعنى الآية: وما كل إلا جميع لدينا محضرون، وفي مصحف أبي بن كعب على ~~هذا الوجه. PageV04P375 # * (وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب ~~وفجرنا ms1385 فيها من العيون (34) ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ~~(35) سبحان) * * قوله تعالى: * (وآية لهم الأرض الميتة) وقرئ: ' الميتة ' ~~بالتشديد. # وقوله: * (أحييناها) أي: بالمطر. # وقوله: * (وأخرجنا منها حبا) أي: الحنطة والشعير وما أشبه هذا، وقوله: * ~~(فمنه يأكلون) أي: من الحب يأكلون. # وقوله تعالى: * (وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب) أي: في الأرض جنات من ~~نخيل وأعناب. # وقوله: * (وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره) أي: وفجرنا فيها ~~المياه من العيون؛ ليأكلوا من الثمر الحاصل بالماء. # وقوله: * (وما عملته أيديهم) أي: وليأكلوا مما عملته أيديهم مما يحرثون ~~ويزرعون ويغرسون، وقرئ: ' وما عملت أيديهم ' بمعنى الأول. # والقول الثاني في الآية: أن ' ما ' للنفي ها هنا، ومعناه: أنا رزقناهم ~~مما لم تعمله أيديهم. # وقوله: * (أفلا يشكرون) يعني: هذه النعم. # قوله تعالى: * (سبحان الله الذي خلق الأزواج كلها) أي: الأصناف كلها. # وقوله: * (سبحان الذي) أي: سبحوا الله الذي خلق الأزواج كلها. وقوله: * ~~(مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) أي: من النبات، والحيوان الذي ~~لا يعلمونه. # وذكر بعض أهل التفسير: أن ما لا يعلمون ها هنا هو الروح، والله تعالى خلق ~~الروح في النفس ولا يعلمه أحد، وذكر بعضهم أن قوله: * (وما عملته أيديهم) ~~راجع إلى العيون، ومن العيون والأنهار ما لم تعلمها أيدي الخلق مثل: دجلة، ~~PageV04P376 # * (الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) ~~وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقر ~~لها ذلك) * * * والفرات، والنيل، وسيحان، وجيجان. # قوله تعالى: * (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) أي: نكشط ونزيل، ومعناه: ~~نذهب بالنهار، ونجيء بالليل، فكأنه استخرج منه، وقوله: * (فإذا هم مظلمون) ~~أي: داخلون في الظلمة. # قوله تعالى: * (والشمس تجري لمستقر لها) قرأ ابن عباس رضي الله عنهما ' ~~والشمس تجري لمستقر لها ' أي: تسير وتجري أبدا من غير قرار ولا وقوف. وأما ~~القراءة المعروفة ' لمستقر لها ' وفيه قولان: أحدهما: أن مستقرها هو نهاية ~~دورانها إذا قامت الساعة. # والقول الثاني: أن مستقرها نهاية ارتفاعها في ms1386 السماء في الصيف، ونهاية ~~هبوطها في الشتاء، وقد ثبت عن النبي برواية الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن ~~أبيه، عن أبي ذر أنه قال: ' كنت عند النبي حتى غابت الشمس، فقال: يا أبا ~~ذر، أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: إنها تذهب وتستأذن في ~~السجود '. وفي رواية: ' تذهب إلى تحت العرش وتستأذن في السجود؛ فيؤذن لها ~~في السجود، ويقال لها: اطلعي من حيث كنت تطلعين، وكأنها قد قيل لها يوما يا ~~أبا ذر: اطلعي من حيث جئت؛ فتطلع من مغربها، ثم قرأ النبي قوله تعالى: ' ~~وذلك مستقر لها '. قال: وفي هذا الخبر أنه كذلك في قراءة عبد الله بن ~~مسعود. # قال الشيخ الإمام: أخبرنا بهذا الخبر عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، ~~أخبرنا أبو العباس الطحان، أخبرنا أبو العباس بن محبوب، أخبرنا أبو عيسى ~~الترمذي، أخبرنا PageV04P377 # * (تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم (39) لا) * * [هناد بن السري، أخبرنا] أبو معاوية الضرير، عن ~~الأعمش.. الخبر. # وقوله: * (ذلك تقدير العزيز العليم) ظاهر المعنى، وذكر البخاري في الصحيح ~~برواية أبي ذر أيضا: ' أنه سأل النبي عن قوله تعالى: * (والشمس تجري لمستقر ~~لها) قال: مستقرها تحت العرش '. # وذكر الأزهري في قوله: * (تجري لمستقر لها) أي: تجري للأجل الذي أجل لها، ~~والتقدير الذي قدر لها. # قوله تعالى: * (والقمر قدرناه منازل) قرئ بالرفع، وقرئ بالنصب، فأما ~~بالنصب: وقدرنا القمر منازل، وأما بالرفع فمعناه: وآية لهم القمر قدرناه ~~منازل. # وروى أن سعيد بن المسيب سمع رجلا ينشد: # (وغاب قمير كنت أرجو أفوله * وروح رعيان ونوم سمر) فقال: قاتله الله، لقد ~~صغر ما عظمه الله، قال الله تعالى: * (والقمر قدرناه منازل). # وقوله: * (حتى عاد كالعرجون القديم) قال جعفر بن محمد: كعذق النخلة ~~القديمة، والأكثرون أن العرجون هو عود الكباسة إذا دق ويبس وتقوس. # وقوله: * (القديم) هو البال، ويقال القديم هو الذي مضى عليه حول. # وأما منازل القمر فهي ثمانية وعشرون منزلا: السرطان، والبطين، والثريا، ~~والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، ~~والصرفة، ms1387 PageV04P378 # * (الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك ~~يسبحون (40)) * * والعواء، والسماك، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، ~~والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع وسعد السعود، وسعد ~~الأخبية، وفزع الدلو المقدم وفزع الدلو المؤخر، وبطن الحوت. # فهذه ثمانية وعشرون منزلا للقمر ينزل كل ليلة منزلا منها، ويكون أربعة ~~عشر منها أبدا ظاهرة، وأربعة عشر منها غائبة، كلما طلع منزل غاب منزل، ~~ويقال: الذي يغرب رقيب الذي يطلع، واثنا عشر منها تكون في سواد الليل من ~~وقت غروب الشمس إلى وقت طلوع الصبح، واثنان منها من عند طلوع الصبح إلى ~~طلوع الشمس. # قوله تعالى: * (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) أي: لا يدخل الليل على ~~النهار قبل انقضائه، ولا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه. # قوله: * (ولا الليل سابق النهار) أي: يتعاقبان بحساب معلوم إلى أن تنقضي ~~الدنيا، ويقول: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، يعني: لا تطلع الشمس ~~بالليل، ولا يطلع القمر بالنهار، ويكون له ضوء، فلا يدخل واحد منهما في ~~سلطان الآخر. # وقيل: لا يذهب واحد منهما بمعنى الآخر، وذكر يحيى بن سلام أن قوله تعالى: ~~* (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) هذا ليلة البدر خاصة؛ فإن الشمس لا ~~تطلع إلا وقد غاب القمر، فلا يجتمعان في رؤية العين، ويقال: لا تدركه أي: ~~لا يجتمع معه في فلك واحد؛ فإنهم قالوا: إن الشمس في السماء الرابعة، ~~والقمر في السماء الدنيا. # وقوله: * (ولا الليل سابق النهار) أي: لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما ~~نهار فاصل. # وقوله: * (وكل في فلك يسبحون) أي: يجرون ويدورون. PageV04P379 # * (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ~~ما يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة ~~منا ومتاعا إلى حين (44) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ~~ترحمون (45) وما) * * * قوله تعالى: * (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم) أي: ~~آباءهم، هكذا قاله ثعلب وغيره، واسم الذرية كما يقع على الأبناء ms1388 يقع على ~~الآباء. # وقوله: * (في الفلك المشحون) أي: الموفر، وقيل: الممتلئ، وعن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه أنه قال: المراد بالآية أنا حملناهم في بطون الأمهات، ~~وشبه بطون الأمهات بالسفن المشحونة. # قوله تعالى: * (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) فيه قولان: أحدهما: أن ~~المراد به الزواريق الصغار والسفن التي تجري في الأنهار، فهي في الأنهار ~~كالسفن الكبار في البحر، وهذا القول قول قتادة والضحاك وغيرهما. # والقول الثاني: وهو ما رواه أبو صالح عن ابن عباس أن معنى قوله: * ~~(وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) أي: الإبل، الإبل في البوادي كالسفن في ~~البحار. # قوله تعالى: * (وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم) أي: لا مغيث لهم (ولا هم ~~ينقذون) أي: ولا هم ينجون، وقوله: * (إلا رحمة منا) معناه: أن إنقاذهم ~~برحمتنا. # وقوله: * (ومتاعا إلى حين) وليمتعوا إلى مدة معلومة. # قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم) أي: اتقوا ~~ما بين أيديكم أي: القيامة فاحذروها * (وما خلفكم) أي: الدنيا فلا تغتروا ~~بها. # والقول الثاني: أن معنى قوله: * (اتقوا ما بين أيديكم) أي: اتقوا مثل ~~عذاب الأمم الذين كانوا بين أيديكم؛ لئلا يصيبكم مثل ما أصابهم. # وقوله: * (وما خلفكم) أي: اتقوا عذاب النار، وقوله: * (لعلكم ترحمون) أي: ~~كونوا على رجاء الرحمة. PageV04P380 # * (تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وإذا قيل لهم ~~أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله ~~أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~(48) ما ينظرون إلا) * * قوله تعالى: * (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ~~إلا كانوا عنها معرضين) أي: معرضين بالجحد والتكذيب. # وقوله تعالى: * (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله) أي: مما أعطاكم ~~الله. # وقوله: * (قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) قال ~~ابن عباس: كان بمكة زنادقة، فكان إذا قيل لهم: أنفقوا على الفقراء مما ~~(أعطاكم) الله؛ قالوا هذا القول على سبيل ms1389 الاستهزاء، وعن البصري قال: هذا ~~قول اليهود، وكانوا يقولون: كيف نعطيهم وقد أفقرهم الله تعالى، ولو شاء أن ~~يعطيهم أعطاهم؟ وذكر القتيبي في كتاب ' المعارف ': أن أبا الأسود الدؤلي ~~كان من خلقه أغناهم، فهذا حجة البخلاء في البخل، وهي حجة باطلة؛ لأن الله ~~تعالى منع الدنيا من الفقراء لا بخلا ولكن ابتلاء، وأمر الأغنياء بالإنفاق ~~لا بحكم الحاجة إلى أموالهم لكن ابتلاء شكرهم. # وقوله: * (إن أنتم إلا في ضلال مبين) أي: في خطأ بين. # قوله تعالى: * (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) أي: وعد القيامة. # قوله تعالى: * (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون) أي: ~~يختصمون، وهكذا في قراءة أبي بن كعب، ويقال: هم يخصمون أي: يتقاولون في ~~حاجاتهم، وفي الخبر عن النبي: ' إن الساعة تقوم والرجل يسقي ماشيته، وتقوم ~~والرجل يلط حوضه، وتقوم والرجل يعرض سلعته على البيع، وتقوم والرجل قد رفع ~~لقمته ليضعها في فيه، فتقوم قبل أن يضعها في فيه '. PageV04P381 # * (صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم ~~يرجعون (50) ونفخ في الصور فإذا همم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا ~~يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت ~~إلا) * * * قوله تعالى: * (فلا يستطيعون توصية) أي: إيصاء وقوله: * (ولا ~~إلى أهلهم يرجعون) أي: ينقلبون، والمعنى: أن الساعة لا تمهلهم بشيء. # قوله تعالى: * (ونفخ في الصور) الأول: هي النفخة الأولى، والثاني: هي ~~النفخة الأخرى، وبينهما أربعون سنة. # وقوله: * (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) أي: من القبور. # وقوله: * (إلى ربهم ينسلون) أي: يسرعون، قال الشاعر: # ((عسلان) الذئب أمسى قاربا * برد اليل عليه فنسل) وقال امرؤ القيس: # (فسلى ثيابي من ثيابك تنسل *) والنسلان فوق المشي ودون العدو. # وقوله تعالى: * (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) قال ابن عباس: يرفع ~~عنهم العذاب ما بين النفختين. وعن أبي بن كعب قال: ينامون نومة قبل البعث. ~~وعن مجاهد قال: يرفع عنهم العذاب فيهجعون ويرقدون. # وعن بعضهم: أن هذا القول من ms1390 المؤمنين. وأظهر القولين هو القول الأول، ~~وأنه قول الكافرين، وقرأ ابن مسعود: ' من أهبنا من مرقدنا '. # وقوله: * (هذا ما وعد الرحمن) هو قول المؤمنين إجابة للكفار، وعلى القول ~~الآخر قول المؤمنين، ويجيبون به أنفسهم وقوله: * (وصدق المرسلون) ظاهر. # وقوله: * (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون) أي: ~~PageV04P382 # * (صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ~~ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون ~~(55) هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما ~~يدعون) * * * حاضرون. # قوله تعالى: * (فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) ~~ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل) وقرئ: ' في شغل ' بالجزم، ~~قال ابن عباس: في افتضاض الأبكار، وعنه أيضا أنه قال: في ضرب الأوتار، ~~والأول هو المعروف بين المفسرين. # والقول الثالث: في شغل عن عذاب أهل النار. # وقوله: * (فاكهون) وقرئ: ' فكهون ' فمنهم من قال: هما بمعنى واحد مثل ~~الحذر والحاذر، ومنهم من فرق بينهما، قال: الفكه هو طيب النفس معجب بحاله، ~~والفاكه هو ذو الفاكهة. والمزاح يسمى فكاهة، قال الحطيئة: # (ودعوتني وزعمت أنك لابن بالضيف تأمر) أي: ذو تمر، وذو لبن، وقال آخر: # (فكه إلى جنب الخوان إذا غدت * نكبا تقلع ثابت الأطناب) قوله تعالى: * ~~(هم وأزواجهم في ظلال) الظلال: جمع الظل، وقوله: * (على الأرائك) في ~~التفسير: سرر من الذهب مكللة بالدر والزبرجد والياقوت، عليها حجال. # قال ثعلب: لا تكون الأرائك أريكة حتى تكون تحت حجلة. # وقوله: * (متكئون) أي: أنهم ذوو اتكاة، وذكر الاتكاء في الجنة؛ لأنهم لا ~~ينامون. # قوله تعالى: * (لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون) أي: ما يتمنون، تقول ~~العرب: ادع على ما شئت أي تمن على ما شئت، قال الأعشى: PageV04P383 # (* (57) سلام قولا من رب رحيم (58) وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) ~~ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) وأن ~~اعبدوني هذا) * * * (ركا شهي نشأة الذي * سار ملكه ms1391 له ما ادعى) (راح عتيق ~~ما ادعى *) قوله تعالى: * (سلام قولا من رب رحيم) أكثر المفسرين أن معناه: ~~يسلم الله عليهم سلاما. وقوله: * (قولا) أي: يقول قولا. # وفي رواية جابر عن النبي قال: ' بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم ~~نور وأشرف عليهم ربهم جل وعلا فيسلم عليهم ' الخبر إلى آخره، ويقال: تسلم ~~عليهم الملائكة من ربهم، وقيل: يعطيهم الله السلامة، ويقول: اسلموا السلامة ~~الأبدية، وقوله: * (من رب رحيم) أي: عطوف. # قوله تعالى: * (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) أي: امتازوا من المؤمنين. ~~وفي التفسير: اليهود قوم، والنصارى قوم، والمجوس قوم، والصابئون قوم، ~~والمشركون قوم، والمؤمنون قوم، والمعنى أن الله تعالى يميز بين أهل الصلاح ~~وأهل الفساد، وبين المشركين وبين المؤمنين، وبين المنافقين وبين المخلصين. # قوله تعالى: * (ألم أعهد إليكم) أي: ألم آمركم * (يا بني آدم ألا تعبدوا ~~الشيطان) أي: لا تطيعوا الشيطان، وعبادة الشيطان طاعته، وقوله: * (إنه لكم ~~عدو مبين) أي: عدو بين العداوة. # وقوله: * (وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) أي: طريق مستقيم على الحق. ~~PageV04P384 # * (صراط مستقيم (61) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) ~~هذه جهنم التي كنتم توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) اليوم ~~نختم على) * * * قوله تعالى: * (ولقد أضل منكم جبلا) وقرئ: ' جبلا كثيرا '، ~~وقرئ: ' جبلا ' برفع الجيم والباء، ومعناه: خلقا كثيرا، قال الضحاك: عشرة ~~آلاف فما زاد، وعن بعضهم: خلقا كثيرا لا يحصى عددهم إلا الله، وقوله: * ~~(أفلم تكونوا تعقلون) يعني: أفلم تعقلوا آياتي، وتنظروا فيها نظر من يعقل، ~~قوله تعالى: * (هذه جهنم التي كنتم توعدون) أي: توعدون دخولها بكفركم. # قوله تعالى: * (اصلوها اليوم) أي: ادخلوها وقاسوا حرها [* (بما كنتم ~~تكفرون)]، قوله تعالى: * (اليوم نختم على أفواههم) قال أهل التفسير: هذا ~~حين ينكر الكفار كفرهم وتكذيبهم رسل الله، فيختم الله على أفواههم، ويأذن ~~للجوارح في الشهادة بما عملت، وفي المشهور من الأخبار أن النبي قال: ' يقول ~~العبد يوم القيامة: يا رب، لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، فيختم الله على ~~فمه، ويقول لجوارحه: انطقي، فتتكلم ms1392 الجوارح بما عملت، ثم يخلي بينه وبين ~~لسانه، فيقول لجوارحه: بعدا لكن وسحقا، فعنكن أناضل '. # وفي الخبر أيضا أن النبي قال: ' يجاء بالناس يوم القيامة مفدمة أفواههم ~~بالفدام، وتشهد جوارحهم بما عملت، فأول ما يشهد فخذ الإنسان وكفه '. ~~PageV04P385 # * (أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (65) ولو نشاء ~~لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو نشاء لمسخناهم على ~~مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا ~~يعقلون) * * وقوله: * (وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) قد ~~بينا. # وقد أنكر بعضهم كلام الجوارح، وقال: معنى الكلام وجود دلالة تدل على أنها ~~قد عملت ما عملت، والصحيح أنها تتكلم حقيقة، وغير مستبعد كلام الجوارح في ~~قدرة الله تعالى. # قوله تعالى: * (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم) أي: أعميناهم، ويقال: ~~أضللناهم عن الهدى. قال المبرد وثعلب: المطموس والطميس هو الذي ليس في ~~عينيه شق. # قوله تعالى: * (فاستبقوا الصراط) أي: فتبادروا الطريق، وقوله: * (فأنى ~~يبصرون) معناه: من أين يبصرون؟ وقيل: فكيف يبصرون؟ # قوله تعالى: * (ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم) أي: جعلناهم قردة وخنازير ~~في منازلهم، وقيل: أقعدناهم من أرجلهم، وقوله: * (فما استطاعوا مضيا) أي: ~~ذاهبا، وقوله: * (ولا يرجعون) أي: لا يرجعون إلى أهاليهم. # قوله تعالى: * (ومن نعمره ننكسه في الخلق) وقرئ: ((ننكسه في الخلق)) أي: ~~ومن نطل عمره ننكسه في الخلق أي: نرده إلى أرذل العمر، ويقال: التنكيس في ~~الخلق هو ضعف الجوارح بعد قوتها، وقوله: * (أفلا يعقلون) معناه: أفلا ~~يعقلون آياتي؟. # قوله تعالى: * (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) قالوا: كان المشركون ~~يزعمون أن محمدا شاعر، وأن القرآن شعر؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له) أي: لا يسهل ولا يتزن له شعر، وفي الخبر: ' أن ~~النبي أنشد PageV04P386 # (* (68) وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) ~~لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) أو لم يروا أنا خلقنا لهم ~~مما عملت أيدينا أنعاما) * * * * يوما: # (كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا *) فقال ms1393 أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول ~~الله هو: # (كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا *) فقال النبي: ' كلاهما واحد ' فقال ~~أبو بكر: أشهد أنك لا تقول الشعر، ولا ينبغي لك '. # وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي أنشد شعر طرفة: # (ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من [لم] تزود) فقال ~~النبي: ' ويأتيك من لم تزود بالأخبار '. # وقوله: * (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) أي: تذكرة وقرآن بين. # قوله تعالى: * (لينذر من كان حيا) أي: عاقلا، وقيل: مؤمنا، وقال قتادة: ~~حي القلب، وقوله: * (ويحق القول على الكافرين) أي: تجب حجة العذاب على ~~الكافرين. # قوله تعالى: * (أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا) أي: مما ~~تولينا خلقه وإبداعه، والأولى في الأيدي أن يؤمن بها ولا تفسر. # وقوله: * (أنعاما فهم لها مالكون) أي: ضابطون، وأنشد سيبويه: PageV04P387 # * (فهم لها مالكون (71) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ~~ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ~~ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) فلا يحزنك قولهم ~~إنا نعلم ما) * * * ((لست من أجمل الأنام السلام * ولا أملك رأس البعير إذ ~~نفرا)) أي: أضبط. # قوله تعالى: * (وذللناها لهم) أي: جعلناها ذليلة لهم، وقوله: * (فمنها ~~ركوبهم) الركوب: ما يركب، وقوله: * (ومنها يأكلون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون) أي: في الأنعام ~~منافع من الأصواف والأوبار والأشعار، وقوله: * (ومشارب) أي: من الألبان، ~~وقوله: * (أفلا يشكرون) يعني: هذه النعم. # قوله تعالى: * (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون) أي: تدفع عنهم ~~العذاب، قوله تعالى: * (لا يستطيعون نصرهم) أي: لا تستطيع الأصنام دفع ~~العذاب عنهم. # وقوله: * (وهم لهم جند محضرون) فيه قولان: أحدهما: وهم لهم جند أي: ~~الكفار للأصنام جند وأتباع. # القول الثاني: أن هذا في القيامة، وهو أنه يدعا بكل معبود عبد من دون ~~الله، فيجاء به ومعه أتباعه، والذين عبدوه كأنهم جنده، وقوله: * (فهم ~~محضرون) أي: يحضرون النار، ومعناه: يدخلونها. # قوله: * (فلا يحزنك قولهم) أي: قولهم فيك إنه ms1394 ساحر أو كاذب أو شاعر. # وقوله: * (إنا نعلم) هذا ابتداء كلام، وقوله: * (ما يسرون) يعني: من ~~PageV04P388 # * (يسرون وما يعلنون (76) أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو ~~خصيم مبين (77) وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم (78) ~~قل يحييها) * * * التكذيب، وقوله: * (وما يعلنون) أي: من عبادة الأصنام. # قوله تعالى: * (أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) ~~نزلت الآية في شأن أبي بن خلف، فإنه روي أنه أخذ عظما باليا ففتته بين ~~أصابعه، وقال: # يا محمد، أتزعم أن هذا يحيي ويبعث. # وفي بعض التفاسير: أن القائل هذا كان هو العاص بن وائل السهمي، والأول ~~أشهر؛ فقال رسول الله: ' نعم، وإن الله تعالى يميتك ثم يبعثك ثم يدخلك نار ~~جهنم '. # وقوله: * (فإذا هو خصيم مبين) أي: مخاصم بين الخصمومة. وأما وجه الحجة ~~عليهم في خلق الإنسان من نطفة، هو أن إعادة الخلق أهون فيما يعقله الناس من ~~إنشاء الخلق. # قوله تعالى: * (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه) ضربه المثل ما بينا من قوله. ~~وقوله: * (ونسي خلقه) أي: وترك النظر في إنشاء خلقه. # وقوله: * (قال من يحيي العظام وهي رميم) الرمة: من العظام هي التي بليت. # قوله تعالى: * (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) أي: ~~عالم. PageV04P389 # * (الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80)) * * * قوله تعالى: * (الذي جعل لكم ~~من الشجر الأخضر نارا) قال أهل التفسير: والمراد منه هو المرح والعفار، ~~وهما خشبتان توري العرب منهما النار كما يوري الناس من الحديد والحجر، ~~وقوله: يوري أي: يقدح، تقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المرح والعفار ~~وعن أبي صالح قال: في الأشجار نار سوى شجرة العفار. # وقوله: * (فإذا أنتم منه توقدون) أي: تقدحون وتورون. # وقوله: * (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم) على ~~أن ينشئ خلقا مثلهم، وقيل: على أن يعيدهم يوم القيامة؛ فيكونوا خلقا كما ms1395 ~~كانوا. # وقوله: * (بلى وهو الخلاق العليم) معناه: قل: بلى، وهو خطاب للرسول، وقد ~~بينا [الفرق] بين بلى ونعم فيما سبق، ولا يستقيم في جواب النفي إلا بكلمة ~~بلى، وقيل: إن الله تعالى قال مجيبا لنفسه: بلى وهو الخلاق العليم، والخلاق ~~هو الذي يخلق مرة بعد مرة، والعليم هو (العالم) بخلقه. # قوله تعالى: * (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) قد بينا ~~هذا من قبل، قوله: * (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء) أي: ملك كل شيء. # وقوله: * (وإليه ترجعون) أي: تردون يوم القيامة. PageV04P390 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) ~~فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد (4) رب السماوات والأرض وما بينهما ورب ~~المشارق (5) إنا زينا السماء الدنيا) * * * تفسير سورة الصافات وهي مكية ~~قوله تعالى: * (والصافات صفا) روى مسروق عن ابن مسعود، وعكرمة عن ابن عباس: ~~أنهم الملائكة، وروى الضحاك عن ابن عباس: أنهم عباد السماء. # وعن بعضهم: أن المراد منه صفوف المسلمين في الجماعات، وروي عن النبي أنه ~~قال: ' ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها). # وأشهر الأقاويل هو القول الأول، والملائكة صفوف في السماء يذكرون الله ~~تعالى ويذكرهم، ويقال: إن معنى الآية أن الملائكة تصف أجنحتها إذا نزلت إلى ~~الأرض. # وقوله تعالى: * (فالزاجرات زجرا) ذهب أكثر المفسرين أن المراد بهم ~~الملائكة تزجر السحاب لتسوقه إلى الموضع الذي يريده الله تعالى. # والقول الثاني: أنها زواجر القرآن. # فأما قوله: * (فالتاليات ذكرا) ذهب أكثرهم أن المراد بها الملائكة وهي ~~تتلوا ذكر الله. # والقول الثاني: انهم الأنبياء يتلون ما أنزل الله تعالى والقول الثالث: ~~أنها آيات القرآن تتلى لذكر الله تعالى. # وقوله: * (إن إلهكم لواحد) هذا هو موضع القسم، فأقسم الله تعالى بما قدم ~~ذكره، وقوله: * (والصافات) أي: ورب الصافات صفا، وهكذا فيما بعده. # وقوله: * (رب السماوات والأرض وما بينهما) ومعنى الآية أن إلهكم لواحد، ~~وهو PageV04P391 # * (بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7) لا يسمعون إلى الملأ ~~الأعلى) * * * رب السماوات والأرض وما بينهما * (ورب المشارق) أي: ورب ~~المسارق والمغارب. # فإن قيل: ms1396 قد قال في موضع آخر * (رب المشرق والمغرب) وقال في موضع آخر: * ~~(رب المشرقين ورب المغربين) وقال ها هنا: * (رب المشارق) فكيف وجهه التوفيق ~~بين هذه الآية وأخواتها؟ # والجواب عنه: أما قوله: * (رب المشرق والمغرب) فالمراد منه الجهة، ~~وللمشرق جهة واحدة، وللمغرب جهة واحدة. # وأما قوله: * (رب المشرقين ورب المغربين) فالمراد من المشرقين: مشرق ~~الشتاء، ومشرق الصيف، فأما قوله: * (ورب المشارق) فللشمس مشارق تطلع كل يوم ~~من مشرق غير المشرق الذي طلعت فيه أمس، وكذلك المغارب، فاستقام على هذا ~~وجوه الآيات. # قوله تعالى: * (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) أي: بحسن الكواكب ~~وضيائها، وقرأ عاصم: ' بزينة الكواكب ' أي: بتزيينا الكواكب، وقرأ حمزة: ' ~~بزينة الكواكب ' بخفض الباء وتنوين الزينة، والكواكب على هذه الرواية تدل ~~على الزينة، والمعنى: إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب. # وقوله: * (وحفظا) أي: وحفظناها حفظا، وقوله: * (من كل شيطان مارد) أي: ~~متمرد، والشيطان: كل متمرد عات من إنس أو جن أو جنة، قال الشاعر: # (ما ليلة القفير إلا شيطان *) والقفير: البئر البعيدة القعر، قوله * (لا ~~يسمعون) وقرئ: ' لا يسمعون ' بنصب السين، وقوله: * (لا يسمعون) أي: لا ~~يستمعون، وقوله: * (لا يسمعون) أي: لا يستمعون. PageV04P392 # * (ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9) إلا من خطف الخطفة ~~فأتبعه شهاب ثاقب (10) فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من) ~~* * * وقوله: * (إلى الملأ الأعلى) أي: الملائكة، ومعنى الآية: أنهم لا ~~يستطيعون الاستماع إلى الملأ الأعلى. # وقوله: * (ويقذفون) أي: يرجمون، وقوله: * (من كل جانب) من جوانب السماء، ~~وقوله: * (دحورا) قال مجاهد: أي: مطرودين، وقال قتادة: يرمون رميا، والدحر ~~هو الإبعاد، ويقال: دحره الله أي: أبعده الله. # وقوله: * (ولهم عذاب واصب) أي: دائم، قوله تعالى: * (إلا من خطف الخطفة) ~~قال أهل التفسير: هذا استثناء منقطع، ومعناه: لكن من خطف الخطفة، والخطف هو ~~الاستلاب بسرعة، واختطافهم واستلابهم كلام الملائكة. # وقوله: * (فأتبعه شهاب ثاقب) أي: شهاب مضيء، وقيل: محرق، وعن يزيد ~~الرقاشي قال: ثاقب أي: يثقبهم فينفذ من جانب آخر، والشهاب: هو النجم ها ~~هنا. ms1397 # قوله تعالى: * (فاستفتهم) أي: فاسألهم * (أهم أشد خلقا أم من خلقنا) قال ~~ابن عباس وغيره: المراد منه السماوات والأرض والجبال، وزعم أهل المعاني: ~~أنه لا بد أن تكون الملائكة وما خلقه الله من الجن والذين يعقلون مرادا ~~بالآية؛ لأن الله تعالى قال * (أم من خلقنا) ومن لا تذكر إلا فيما يعقل. # وقوله: * (إنا خلقناهم من طين لازب) أي: لاصق، وقال أبو عبيدة: هو لازم؛ ~~قال الشاعر: * (ولا تحسبون الخير لا شر بعده * ولا تحسبون الشر ضربة لازب) ~~أي: لازم. # وقوله: * (بل عجبت) وقرأ حمزة والكسائي: ' بل عجبت ' على إضافة التعجب ~~إلى الله، وهي قراءة علي وابن مسعود وابن عباس. PageV04P393 # * (طين لازب (11) بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا) ~~* * * وفي بعض الآثار المسندة عن شقيق بن سلمة أنه قال: كنت عند شريح؛ ~~فقرأت ' بل عجبت ويسخرون ' فقال شريح: بئس القراءة هكذا، والله تعالى لا ~~يتعجب من شيء، وهو عالم بالأشياء كلها؛ فقال شقيق: قد ذكرت ذلك لإبراهيم ~~النخعي، فقال إبراهيم: إن شريحا رجل معجب بعلمه، وعبد الله بن مسعود أعلم ~~منه. # فأما القراءة بالنصب، فهو خطاب للنبي ومعناه: بل عجبت من وحينا إليك، ~~وقيل: من تكذيبهم إياك مع وضوح الدلائل. # وقوله: * (ويسخرون) أي: يسخرون ويستهزءون بك، وأما القراءة بضم التاء ~~فالتعجب من الله ليس هو مثل التعجب من الآدميين، وقد قال الله تعالى في ~~موضع آخر: * (فيسخرون منهم سخر الله منهم) وقال تعالى: * (الله يستهزئ بهم) ~~فمعنى قوله: * (عجبت) أي: عظم حلمي عن ذنوبهم، والمتعجب هو الذي يرى ما ~~يعظم عنده، وقيل: * (بل عجبت) أي: حل فعلهم محل ما يتعجب منهم. # وقد روي عن النبي أنه قال: ' عجب ربكم من شاب ليس له صبوة)) وروى عن ~~النبي - - أنه قال: ((عجب ربكم من إلكم وقنوطكم وسرعة PageV04P394 # * (رأوا آية يستسخرون (14) وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أئذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون (16) أو آباؤنا الأولون (17) قل نعم وأنتم ~~داحرون (18) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) وقالوا يا ويلنا هذا ~~يوم ms1398 الدين (20) هذا) * * * إجابته [إياكم] '. # وقوله: * (وإذا ذكروا لا يذكرون) وإذا وعظوا لا يتعظون. # وقوله: * (وإذا رأوا آية يستسخرون) أي: يسخرون، ويقال: يستدعى بعضهم من ~~بعض سخريا، وقوله: * (وقالوا إن هذا إلا سحر مبين) أي: سحر بين. # وقوله: * (أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما ائنا لمبعوثون) قالوا ذلك على ~~طريق الإنكار، وقوله: * (أو آباؤنا الأولون) أي: نبعث ويبعث آباؤنا ~~الأولون. # قوله تعالى: * (قل نعم) أي: نعم لتبعثون، وقوله: * (وأنتم داخرون) أي: ~~صاغرون ذليلون، قال الشاعر: # ((ولم يبق إلا داخر في مخيس * ومنجحر في غير أرضك في جحري)) قوله تعالى: ~~* (فإنما هي زجرة واحدة) أي: صيحة واحدة. # قوله: * (فإذا هم ينظرون) أي: ينتظرون، وقيل: ينظر بعضهم إلى بعض. # قوله تعالى: * (وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين) أي: يوم الحساب ويوم ~~الجزاء، قوله تعالى: * (هذا يوم الفصل) أي: يوم القضاء، وقيل: يوم الفصل ~~بين المحسن والمسيء، وقوله: * (الذي كنتم به تكذبون) أي: تجحدون. # قوله تعالى: * (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) الذين ظلموا هم المشركون. ~~PageV04P395 # * (يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما ~~كانوا يعبدون (22) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم ~~مسؤولون (24) ما لكم لا تناصرون (25) بل هم اليوم مستسلمون (26) وأقبل) * * ~~* وقوله: * (وأزواجهم) أي: وأشباههم، وقيل: وقرناءهم، ويقال: وأتباعهم. # وقوله: * (وما كانوا يعبدون من دون الله) من الأصنام، وقوله تعالى: * ~~(فاهدوهم إلى صراط الجحيم) أي: ارشدوهم إلى طريق النار. # قوله تعالى: * (وقفوهم) فإن قيل: كيف قال: (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) ثم ~~قال: * (وقفوهم) قلنا: لأنهم يوقفون على الصراط للمساءلة، ويقال: إن هذا ~~أشد في التعذيب والتوبيخ. وفي الخير عن النبي قال: ' لا تزول قدما بني آدم ~~يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، ~~وعن ماله من أين اكتسبه وأين وضعه، وعن علمه ماذا فعل به؟ '. # قوله تعالى: * (ما لكم لا تناصرون) أي: لا تتناصرون؛ فينصر بعضكم بعضا. ~~وفي التفسير: أن أبا جهل هو القائل: نحن جميع منتصر، على ما حكى الله تعالى ~~فقال ms1399 الله تعالى ردا لقوله: * (ما لكم لا تناصرون) أي: لينصر بعضكم البعض ~~اليوم إن كنتم صادقين. # قوله تعالى: * (بل هم اليوم مستسلمون) يعني: استسلموا وعضوا بأيديهم، ~~وعرفوا أنه لا خلاص لهم من الهلاك والعذاب. # وقوله: * (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) معناه أي: ويتلاومون، قوله ~~تعالى: * (قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين) قال الفراء والزجاج وغيرهما ~~من أهل المعاني: أي من قبل الذين تلبسونه علينا، وقيل: من قبل الجنة ~~تثبطوننا عنها، وذكر بعضهم: أن رؤساء الكفار كان يحلفون [للأتباع] أنهم على ~~الحق. PageV04P396 # * (بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم تأتوننا عن اليمين (28) قالوا ~~بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين ~~(30) فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) ~~فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم ~~كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أئنا لتاركوا ~~آلهتنا لشاعر مجنون (36) بل جاء) * * * فقوله: * (إنكم كنتم تأتوننا عن ~~اليمين) أي: عن الأيمان التي حلفوا بها أنهم صادقون، واليمين يذكر ويراد به ~~القوة، قال الشاعر: # (إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين) أي: بالقوة. قوله تعالى: ~~* (قالوا بل لم تكونوا مؤمنين) أي: رؤساء يقولون ذلك للأتباع، وقوله: * ~~(وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين) يعني: إنكم فعلتم ما ~~فعلتم بأنفسكم، ولم نفعل بكم شيئا. # قوله تعالى: * (فحق علينا قول ربنا) أي: وجب علينا عذاب ربنا، قال الحسن: ~~الضال والمضل جميعا في النار؛ فهو معنى قوله تعالى: * (إنا لذائقون) أي: ~~ذائقون العذاب. # قوله تعالى: * (فأغويناكم إنا كنا غاوين) أي: أضللناكم إنا كنا ضالين. ~~قوله: * (فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون) يعني: أنهم جميعا في العذاب. # قوله تعالى: * (إنا كذلك نفعل بالمجرمين) ظاهر المعنى، والجرم ها هنا هو ~~الشرك. قوله تعالى: * (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) ~~عن كلمة التوحيد، ويمتنعون منها. # قوله تعالى: * (أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون) قالوا ذلك للنبي، فقال ~~الله تعالى ردا عليهم: ms1400 * (بل جاء بالحق وصدق المرسلين) أي: المرسلين الذين ~~سبقوا في الرسالة. PageV04P397 # * (بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم لذائقوا العذاب الأليم (38) وما تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون (39) إلا عباد الله المخلصين (40) أولئك لهم رزق معلوم ~~(41) فواكه وهم مكرمون (42) في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) ~~يطاف عليهم بكأس من معين (45) بيضاء لذة للشاربين (46) لا فيها غول ولا هم ~~عنها ينزفون) * * * قوله تعالى: * (إنكم لذائقوا العذاب الأليم وما تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون) ظاهر المعنى، قوله تعالى: * (إلا عباد الله المخلصين) ~~أي: الذين أخلصوا في التوحيد. # قوله تعالى: * (أولئك لهم رزق معلوم) أي: مقدر، ورزقهم المقدر هو رزقهم ~~بكرة وعشيا، وقوله: * (فواكه وهم مكرمون) الفواكه جمع الفاكهة. # وقوله: * (وهم مكرمون) أي: بإدخالهم الجنة. # قوله تعالى: * (في جنات النعيم) يعني: إنهم في جنات النعيم. # وقوله: * (على سرر متقابلين) قال أهل التفسير: لا ينظر بعضهم في قفا ~~البعض. # قوله تعالى: * (يطاف عليهم بكأس من معين) أي: الخمر الجاري. # وقوله: * (بيضاء لذة للشاربين) قال الحسن البصري: خمر الجنة أبيض من ~~اللبن، قرأ ابن مسعود: ' صفراء لذة للشاربين '. # قوله تعالى: * (لا فيها غول) أي: لا تغتال عقولهم، قال الشاعر: # (فما زالت الكأس تغتالنا * وتصرع بالأول الأول) ويقال: الخمر غول العقل، ~~والحرب غول النفس، ويقال: الغول هو الغائلة، ومن الغائلة ذهاب عقلهم، وسائر ~~المفاسد التي في الخمر، ويقال في الخمر أربعة أشياء: السكر، والصداع، ~~والقيء، و (البول)، ولا يوجد من هذه الأربع في خمر الجنة. # وقوله: * (ولا هم عنها ينزفون) يقال: أنزف الرجل إذا سكر، قال الشاعر: # (لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم * لبئس الندامى كنتم آل أبجرا) PageV04P398 # (* (47) وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) فأقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) يقول أئنك لمن) ~~* * قوله تعالى: * (وعندهم قاصرات الطرف) أي: اللاتي قصرن أطرافهن على ~~أزواجهن أي: عينهن أي: حبسن فلا ينظرن إلى غير أزواجهن. # وقوله: * (عين) أي: حسان الأعين، وفي التفسير: البياض شديد البياض، ~~والسواد شديد السواد، يعني في العين. # وقوله: * (كأنهن بيض مكنون) العرب ms1401 تشبه وجه المرأة في البياض بيضة ~~النعامة، ويقولون: أحسن اللون بياض اللون مشوب بالصفرة، قال ذو الرمة: # (كحلاء في بزخ صفراء في دعج * كأنها فضة قد مسها ذهب) وقوله: * (مكنون) ~~أي: مستور مصون من الريش (والخمار). # وقال بعضهم: في قوله * (بيض مكنون) شبههن ببياض البيضة عند خروجها من ~~قشرتها، وقيل: شبه بالسحاء الذي بين القشر الأعلى وبين البياض. # قوله تعالى: * (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) أي: يسأل بعضهم بعضا عن ~~حاله في الدنيا. # قوله تعالى: * (قال قائل منهم إني كان لي قرين) قال مجاهد: القرين ها ~~هنا: هو الشيطان (يغويه)، ويقال: القرين ها هنا: قرينه الذي كان يدعوه إلى ~~الكفر. # قال عطاء الخراساني: نزلت الآية في رجلين كانا في بني إسرائيل اكتسبا ~~مالا عظيما، ويقال: ورثا مالا عظيما واقتسماه، فأنفق أحدهما نصيبه على ~~الفقراء، وأما الآخر فاشترى به عقارا ودورا وأثرى، وهما اللذان ذكرهما الله ~~تعالى في سورة الكهف، وقال بعضهم: هما أخوان سواهما. PageV04P399 # * (المصدقين (52) أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون (53) قال هل ~~أنتم مطلعون (54) فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين ~~(56) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا ~~موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا ~~فليعمل العاملون (61)) * * * وقوله: * (يقول أئنك لمن المصدقين) أي: ~~المصدقين بالبعث. # وقوله: * (أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون) هذا قول قرينه، ~~وقوله: * (لمدينون) أي: محاسبون، وقيل: مجزيون، يقال: كما تدين تدان. # قوله تعالى: * (قال هل أنتم مطلعون) اختلف القول في هذا، فأحد القولين: ~~أن الله تعالى يقول لهم: * (هل أنتم مطلعون). # والآخر: أن هذا المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة هل أنتم مطلعون؟ # قوله تعالى: * (فاطلع فرآه في سواء الجحيم) أي: في وسط الجحيم، وإنما سمي ~~وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه. # قوله تعالى: * (قال تالله إن كدت لتردين) أي: لتهلكني، يقال: كاد يفعل ~~كذا أي: قارب، وقرأ ابن مسعود: ' إن كدت لتغويني ' من الإغواء. # قوله تعالى: * (ولولا نعمة ربي لكنت من ms1402 المحضرين) أي: ولولا رحمة ربي ~~لكنت من المحضرين النار أي: الذين دخلوا النار. # قوله تعالى: * (أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين) ~~فيقال: أجيبونا فلا يجيبون لاستغراقهم في العذاب، يقولون: * (إن هذا لهو ~~الفوز العظيم) وعن بعضهم: ' أنه يجاء بالموت على صورة كبش فيذبح على ما ورد ~~به الخبر '، فحينئذ يقولون: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى على طريق ~~الإقرار والتعجب والسرور بذلك. # * (لمثل هذا فليعمل العاملون) أي: لمثل هذا المنزل، ولمثل هذا النعيم، ~~فليعمل PageV04P400 # * (أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) ~~إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رؤوس الشياطين (65) فإنهم ~~لآكلون منها) * * * * العاملون. # قوله تعالى: * (أذلك خير نزلا) النزل: هو العطاء الدار، ويقال: النزل هو ~~إصلاح ما ينزل عليهم. # فإن قيل: كيف قال: * (أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم) ولا خير في شجرة ~~الزقوم أصلا؟ # الجواب عنه قد سبق وعن مثل هذا، والعرب تقول: تعال ننظر الصلح خير أم ~~الحرب، والفقر خير أم الغنى، والصحة خير أم السقم، وإنما يريد تقرير الأمر ~~للمخاطب أنه لا خير إلا في أحدهما. # وقوله: * (أم شجرة الزقوم) اختلفوا في هذه الشجرة، فالأكثرون أنها شجرة ~~لا يعرف لها مثل في الدنيا، وقال قطرب: هي شجرة مرة خبيثة تكون بتهامة، ~~وقال بعضهم: نبت قاتل. # وفي التفسير: أنه لما نزلت هذه الآية؛ قال أبو جهل: هل تعرفون الزقوم؟ ~~فقال عبد الله بن الزبعري: نعم نعرفه؛ هو بلسان البربر الزبدة والتمر وأورد ~~بعضهم: أنه بلغة اليمن فقال أبو جهل لجاريته: ابغي لنا زبدا وتمرا، فجاءت ~~بذلك، فقال: هو الزقوم الذي خوفكم به محمد، فتزقموا؛ فأنزل الله تعالى * ~~(إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم) أي: في قعر الجحيم. # وقوله: * (طلعها كأنه رؤوس الشياطين) فإن قيل: كيف قال: * (طلعها كأنه ~~رؤوس الشياطين) ورءوس الشياطين لم يرها أحد، ولا يجوز التعريف إلا بما ~~يعرف؟ # والجواب عنه: أنه كان مستقرا في النفوس قبح رؤوس الشياطين، وأن جميعهم ~~على أقبح صورة؛ فشبه بها على ما ms1403 استقر في النفوس، قال الشاعر: # (يقاتلني والمشرفي مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال) PageV04P401 # * (فمالئون منها البطون (66) ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) ثم إن ~~مرجعهم لإلى الجحيم (68) إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم على آثارهم ~~يهرعون (70) ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) ~~فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) إلا عباد الله المخلصين (74) ولقد ~~نادانا نوح فلنعم المجيبون) * * فشبه بأنياب الأغوال، ولم ير الأغوال، ولكن ~~صح التشبيه لما تقرر في النفوس قبحها، وقال بعضهم: الشيطان ها هنا حية ~~قبيحة المنظر، فمعناه: كأنها رؤوس الحيات، والعرب تسمي كل قبيح مكروه ~~شيطانا، وقال بعضهم: هو اسم لنبت من الثمر خشن اللمس منتن الريح. # وقوله: * (إنا جعلناهم فتنة للظالمين) فتنتهم بها هو ما قال أبو جهل، ~~وزعم أنه الزبد والتمر، ومن فتنتهم أيضا بها أنهم قالوا كيف تنبت شجرة في ~~النار، والنار تحرق الشجر؟ # قوله تعالى: * (فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون) ظاهر المعنى. # وقوله: * (ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم) أي: لخلطا من حميم. # وقوله: * (ثم إن مرجعكم لإلى الجحيم) أي: منقلبهم، ويقال: إن شجرة الزقوم ~~في الباب السادس من أبواب النار؛ فيخرجون من الجحيم إليه حتى يأكلون الزقوم ~~ثم يردون إلى الجحيم؛ فهو معنى قوله تعالى: * (قم ثم إن مرجعكم لإلى ~~الجحيم). # قوله تعالى: * (إنهم ألفوا آباءهم ضالين) أي: وجدوا آباءهم على الضلالة، ~~وقوله: * (فهم على آثارهم يهرعون) أي: يسرعون، والإهراع هو الإسراع، قوله ~~تعالى: * (ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر كيف ~~كان عاقبة المنذرين) معلوم المعنى. # قوله تعالى: * (إلا عباد الله المخلصين) وقرئ: ' مخلصين ' بكسر اللام، ~~فقوله: * (مخلصين) أي: الذين أخلصهم الله واختارهم، وأما بالكسر أي: الذين ~~أخلصوا العمل لله تعالى. PageV04P402 # (* (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) وجعنا ذريته هم الباقين (77) ~~وتركنا عليه في الآخرين (78) سلام على نوح في العالمين (79) إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا الآخرين (82) وإن من ~~شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ قال لأبيه وقومه ماذا ~~تعبدون ms1404 (85) أئفكا آلهة) * * * وقوله تعالى: * (ولقد نادانا نوح فلنعم ~~المجيبون) أي: نعم المجيب نحن له، وإنما قال: * (المجيبون) على ما يقول ~~الملوك والعظماء، ويخبرون عن أنفسهم بلفظ الجماعة. # وقوله تعالى: * (ونجيناه وأهله من الكرب العظيم) أي: الغم العظيم، قوله ~~تعالى: * (وجعلنا ذريته هم الباقين) قد بينا أن الناس من نسل نوح عليه ~~السلام ولم يبق أحد من نسل غيره. # وقوله: * (وتركنا عليه في الآخرين) أي: وتركنا عليه الذكر الجميل والثناء ~~الحسن في الآخرين، قوله تعالى: * (سلام على نوح في العالمين) أي: السلامة ~~له منا في العالمين، ويقال: السلام منا عليه في العالمين، قوله تعالى: * ~~(إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين) معلوم المعنى. # وقوله: * (ثم أغرقنا الآخرين) هم الكفار، وقد سبق ذكر نوح من قبل. # قوله تعالى: * (وإن من شيعته لإبراهيم) يقال: أن الهاء ها هنا راجع إلى ~~محمد والأصح انه راجع إلى نوح، والشيعة هم الأتباع، وإنما قال من شيعته؛ ~~لأنه كان على مسلكه، ومنهاجه. # وقوله: * (إذ جاء ربه بقلب سليم) أي: سليم من الشرك، قال عروة بن الزبير: ~~لم يلعن شيئا قط، فهم معنى قوله: * (سليم). # قوله تعالى: * (إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون) معناه: أي شيء تعبدون؟ ~~وهو استفهام بطريق الإنكار والتوبيخ. PageV04P403 # * (دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب العالمين (87) فنظر نظرة إلى ~~النجوم (88) فقال إني سقيم (89) فتولوا عنه مدبرين (90) فراغ إلى آلهتهم ~~فقال ألا تأكلون) * * * قوله تعالى: * (أئفكا آلهة) أي: تطلبون آلهة ~~مؤتفكة، ومعنى تطلبون أي: تطلبون منها ما يطلب من الله تعالى، والإفك: ~~الكذب، ومعنى المؤتفكة: أي كذبتم لأجلها على الله، واخترعتموها من قبل ~~أنفسكم. # قوله تعالى: * ([أئفكا آلهة دون الله تريدون] فما ظنكم برب العالمين) ~~معناه: فما ظنكم برب العالمين إذا لقيتموه، وأي شيء تتوقعون منه، وقد فعلتم ~~ما فعلتم! # قوله تعالى: * (فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم) قال الخليل والمبرد: ~~تقول العرب لكل من نظر في أمره وتدبر ماذا يفعل قد نظر في النجوم، هذا قول، ~~والقول الثاني: أنه كان نجم يطلع في ms1405 ذلك الزمان، وكان كل من نظر إليه ~~يزعمون أنه يصيبه الطاعون، ويقال: إنه كان زحل؛ فقوله: * (فنظر نظرة في ~~النجوم) أي: نظر إلى النجم: * (فقال إني سقيم) أي: أصابني الطاعون على ما ~~تزعمون، وكانوا يفرون من المطعون فرارا عظيما، ويزعمون أنه يعدي، ذكره ~~السدي. # والقول الثالث: أن معنى قوله: * (فنظر نظرة في النجوم) أي: فيما نجم له ~~من الأمر أي: ظهر. # والقول الرابع: أن قوله: * (فنظر نظرة في النجوم) أي: ينظر في النجوم على ~~ما ينظر فيه أهل النجوم، وكايدهم بذلك عن دينه، وكانوا أهل نجوم، ويزعمون ~~أن الأحكام تصدر منها، والحوادث تكون عنها؛ فنظر في النجوم، وقال هذه ~~المقالة ليتركوه، ويتوصل بذلك إلى كيد أصنامهم. # وعن عائشة رضي الله عنها أن علم النجوم كان حقا إلى أن حبست الشمس ليوشع ~~بن نون فتشوش الأمر عليهم، والله أعلم. # وقوله: * (إني سقيم) قد بينا، سقيم أي: سأسقم، ولا بد لكل صحيح أن يسقم، ~~وقيل: يسقم القلب لقبح أفعالكم، وهذا هو إحدى الكذبات الثلاث التي كذبها ~~PageV04P404 # (* (91) ما لكم لا تنطقون (92) فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا ~~إليه يزفون (94) قال أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) ~~قالوا ابنوا له) * * * إبراهيم في الله، والخبر في ذلك معروف صحيح، وقد ~~روينا. # وقال بعضهم: كان ذلك من معاريض الكلام، ولم يكن كذبا صريحا. # قوله تعالى: * (فتولوا عنه مدبرين) أي: تولوا عنه وتركوه. # وقد ذكرنا أنهم خرجوا إلى عيد لهم، فلما خرجوا وبقي إبراهيم وحده عمد إلى ~~بيت أصنافهم ودخله، وكان الطعام موضوعا بين أيديهم؛ فقال: ألا تأكلون؟ فهو ~~معنى قوله: * (فراغ إلى آلهتهم) وقوله: ' راغ ' أي: مال. # وقوله: * (ألا تأكلون) هذا على طريق الإنكار على المشركين؛ لأنهم كانوا ~~قدموا الطعام إليهم ليأكلوا. # قوله: * (ما لكم لا تنطقون) أي: لا تتكلمون، وهو أيضا مذكور على طريق ~~الإنكار، قوله تعالى: * (فراغ عليهم) أي: فمال عليهم يضرب ضربا باليمين. # وقوله: * (باليمين) فيه أقوال: أحدها أن معناه: يضربهم بيمينه، ومعنى ~~يضربهم أي: يكسرهم، ويقال باليمين أي: بالقوة. # والقول الثالث: باليمين ms1406 أي: باليمين التي سبقت منه، وهو قوله تعالى: * ~~(وتالله لأكيدن أصنامكم). # قوله تعالى: * (فأقبلوا إليه يزفون) أي: يسرعون، وقوله: * (قال أتعبدون ~~ما تنحتون) أي: تنحتون بأيديكم، وقوله: * (والله خلقكم وما تعملون) من هذه ~~الأصنام، فإذا كان الله خلقها فلا يصلح أن تتخذوها آلهة، وفي الآية دليل ~~على أهل الاعتزال في أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى والدليل في ذلك ~~واضح، وهو معلوم في (الكتب). # قوله تعالى: * (قالوا ابنوا له بنيانا) أي: حظيرة، وقيل: إيوانا. ~~PageV04P405 # * (بنيانا فألقوه في الجحيم (97) فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) ~~وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) رب هب لي من الصالحين (100) فبشرناه ~~بغلام حليم) * * وقال ابن عباس: بنوا موضعا وجعلوا حوائطه من حديد، طوله في ~~السماء ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا. # وقوله: * (فألقوه في الجحيم) الجحيم كل موضع عظمت فيه النار وكثرت، ~~ويقال: الجحيم نار على نار، وجمر على جمر. # وقوله: * (فأرادوا به كيدا) كيدهم: هو قصدهم إحراقه بالنار، وقوله: * ~~(فجعلناهم الأسفلين) أي: المهلكين، وقيل: الأسفلين في الحجة، كان حجة ~~إبراهيم عليهم، وظهرت عليهم. # قوله تعالى: * (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين). # في القصة: أن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار؛ قال حين ألقي: حسبي ~~الله ونعم الوكيل؛ فجعل الله النار عليه بردا وسلاما، قال كعب: لم تحرق ~~شيئا منه إلا وثاقه، وفي القصة: أن نمروذ اطلع عليه فرآه في روضة خضراء عن ~~يمينه شخص، وكان هو جبريل عليه السلام وعن يساره فراش من حرير أنزله الله ~~عليه من الجنة. # وقوله: * (وقال إني ذاهب إلى ربي) فيه قولان: أحد القولين: أنه قال بعد ~~أن خرج من النار، وأمره الله بالهجرة إلى الشام. # والقول الآخر: أنه قال هذا قبل أن [يلقى] في النار، وكان عنده أنه إذا ~~ألقي في النار هلك، ولم يتخلص منها؛ فقال هذا القول إني ذاهب إلى ربي. # وقوله: * (سيهدين) على هذا القول معناه: إلى طريق الجنة، وعلى القول ~~الأول سيهدين أي: سيرشدني إلى الموضع الذي أمرت بالهجرة إليه. # وقوله تعالى: * (رب هب لي ms1407 من الصالحين) أي: هب لي ولدا صالحا من ~~الصالحين، قوله تعالى * (فبشرناه بغلام حليم) أي: غلام حليم في صغره، عليم ~~في PageV04P406 # (* (101) فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ~~فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ~~(102) فلما أسلما وتله) * * * كبره، وفي الآية دليل على أنه بشره بأنه ~~يكبر، ويعمر حتى يوصف (بالحلم) والوقار. # واختلفوا أن هذا الغلام كان إسماعيل أو إسحاق. # فذهب قوم إلى أنه إسحاق عليه السلام وهو قول علي وابن مسعود وكعب وقتادة ~~وجماعة، وذهب جماعة إلى أنه إسماعيل عليه السلام وهو مروي عن ابن عباس ~~وسعيد بن المسيب والحسن وغيرهم. # قوله تعالى: * (فلما بلغ معه السعي) قال ثعلب: السعي مشي بسرعة، واختلفوا ~~في السعي هاهنا، قال بعضهم: هو العمل معه، كأنه صار يعينه في عمله، وقيل: ~~السعي إلى الجبل، ويقال: بلغ معه السعي أي: العبادة لله تعالى. # وقوله: * (قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك) أي: أمرت بذبحك، قال ~~ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي، ويقال: رأيت في المنام ما يدل على أني أمرت ~~بذبحك. # وقوله: * (فانظر ماذا ترى) وقرأ حمزة: ' ماذا ترى ' أما قوله: * (ماذا ~~ترى) أي: ماذا ترى فيما أمر الله به، فإن قيل: كيف يشاوره فيما أمره الله ~~به، وهو أمر حتم لا يجوز تركه؟ # والجواب عنه على وجهين: أحدهما: أن المراد منه إخباره. # والآخر: أنه أراد امتحانه في التسليم بحكم الله. # وأما القراءة الأخرى، وهي قوله: * (ماذا ترى) فيه معنيان أحدهما: ماذا ~~تشير؟ والآخر: ماذا ترى من صبرك؟ ذكره الفراء. # وقوله: * (قال يا أبت افعل ما تؤمر) قال ذلك انقيادا لأمر ربه وطواعية، ~~وقوله: PageV04P407 # * (للجبين (103) وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرءيا إنا كذلك ~~نجزي) * * * (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) أي: الصابرين على حكم الله. # قوله تعالى: * (فلما أسلما) قرأ ابن مسعود: ' فلما سلما '. # وقوله: * (أسلما) أي: استسلما، ومعناه: أن إبراهيم سلم ابنه للذبح، ~~والولد سلم روحه. # وقوله: ms1408 * (وتله للجبين) أي: صرعه للجبين، والجبهة بين الجبينين، قال ~~الشاعر: # (شككت له بالرمح جنبي قميصه * فخر تليلا اليدين للفم * وقال آخر: # * فتله للجبينمنعفرا * منه مناط الوتين منتصب) واختلفوا في الموضع الذي ~~أراد ذبحه فيه، فمن قال: إن الذبيح كان إسماعيل قال: كان بمنى، ومن قال: إن ~~الذبيح كان إسحاق قال: كان بالشام. # وفي التفسير: أن إسماعيل عليه السلام قال لإبراهيم: اقذفني على جبيني؛ ~~لئلا ترى وجهي فترحمني، وحتى لا أرى الشفرة فأجزع منها، وفي القصة: أن ~~إبراهيم عليه السلام خرج إلى جانب منى، وأمر إسماعيل أن يتبعه بالشفرة ~~والحبل، فرفعهما واتبعه؛ فجاء إبليس عليه اللعنة وقال لإسماعيل: هل تدري ما ~~يريد بك أبوك؟ فقال: لا، قال: إنه يريد أن يذبحك؛ فقال: ولم؟ قال: يزعم أن ~~الله أمره به. فقال: هو أهل أن يطاع، ثم جاء إلى أمه ووسوس كذلك؛ فأجابت ~~كما قلنا، يعني: كما قال إسماعيل عليه السلام. # وفي التفسير: أن إبراهيم عليه السلام جعل يحز ولا يقطع، وروى أن الله ~~تعالى ضرب على عنق إسماعيل عليه السلام صفيحة من نحاس؛ فجعل لا يقطع، وأورد ~~بعضهم: أنه كان يقطع ويلتئم. # وقوله: * (وناديناه أن يا إبراهيم) فإن قيل: أين جواب قوله: * (فلما ~~أسلما وتله PageV04P408 # * (المحسنين (105) إن هذا لهو البلاء المبين (106) وفديناه بذبح عظيم ~~(107) وتركنا) * * * * للجبين)؟ # الجواب: أن جوابه قوله * (وناديناه) والواو صلة، وجعل بعضهم الجواب ~~محذوفا، وقوله: * (وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) أي: حققت الرؤيا ~~بما أمرت به. وقوله: * (إنا كذلك نجزي المحسنين) أي: الموحدين، فإن قيل: ~~كيف قال: صدقت الرؤيا، ورأى أنه يذبح ولم يذبح؟ # والجواب: أنه قد أتى بما قدر عليه من الذبح؛ فجعله مصدقا بهذا المعنى، ~~والآخر: أن المقصود من الأمر والمطلوب منه كان هو استسلامهما، هذا لولده، ~~وهذا لروحه، فلما فعلا ذلك سماهما مصدقين. # واختلفوا في سن إسماعيل في ذلك الوقت، منهم من قال: كان سنه [ثلاث] عشرة ~~سنة، ومنهم من قال: كان سنه سبع سنين. # * (إن هذا لهو البلاء المبين) أي: البلاء البين، ومنهم ms1409 من قال: النعمة ~~البينة، والنعمة في صرف الذبح عنه، والفداء الذي أنزل عليه. # قوله تعالى: * (وفديناه بذبح عظيم) قال ابن عباس: أنزل الله تعالى عليه ~~كبشا من الجنة، وهو الكبش الذي تقبله الله تعالى من هابيل، ويقال: كبش رعى ~~في الجنة أربعين خريفا، وقال الحسن البصري: أروية من الجبل. # وقوله: * (عظيم) منهم من قال: المراد منه العظيم في الشخص، وقيل: عظيم في ~~الثواب، وقال مجاهد: عظيم؛ لأنه كان مقبولا من الله. # وفي التفسير: أن الكبش نزل عليه من جبل منى؛ فقال لإسماعيل: قم فإن الله ~~تعالى أرسل فداك، وفي القصة: أن الكبش هرب؛ فتبعه إبراهيم حتى أخذه، فلما ~~PageV04P409 # * (عليه في الآخرين (108) سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي المحسنين ~~(110) إنه من عبادنا المؤمنين (111) وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) ~~وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) ولقد ~~مننا على موسى وهارون (114) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (115) ~~ونصرناهم فكانوا هم) * * * كان بين الجمرتين اضطجع، ولم يطق إبراهيم حمله؛ ~~فذبحه هنالك. # وقوله: * (وتركنا عليه في الآخرين) أي: تركنا له في الآخرين حسنا وذكرا ~~جميلا، وقوله: * (سلام على إبراهيم) قد بينا، وقوله: * (كذلك نجزي ~~المحسنسن) قد بينا. # وقوله: * (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين) استدل من قال إن إسماعيل كان ~~هو الذبيح؛ فإنه ذكر قصة الذبيح بتمامه، ثم قال: * (وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين) دل أنه كان غير إسحاق، وأما من قال: كان الذبيح إسحاق، فقال في ~~هذه الآية: إن البشارة وقعت بالنبوة في إسحاق، والبشارة الأولى بولادته ~~وإعطائه إياه. # وقوله: * (وباركنا عليه وعلى إسحق) أي: باركنا على إبراهيم وعلى إسحق، ~~والبركة هاهنا: كثرة الولد، ويقال: البركة كثرة الأنبياء [في] أولادهما. # وقوله: * (ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) أي: موحد ومشرك. # قوله تعالى: * (ولقد مننا على موسى وهارون) أي: أنعمنا. # وقوله: * (ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم) أي: من الغم العظيم، وهو ~~الغرق والهلاك. # وقوله تعالى: * (ونصرناهم فكانوا هم الغالبين) أي: ونصرناهما، فذكر ~~الاثنين بلفظ الجمع، وقد يذكر الواحد بلفظ الجمع أيضا، وقد بينا من ms1410 قبل. # وقوله: * (وآتيناهما الكتاب المستبين) أي: التوراة. PageV04P410 # * (الغالبين (116) وآتيناهما الكتاب المستبين (117) وهديناهما الصراط ~~المستقيم (118) وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام على موسى وهارون (120) ~~إنا كذلك نجزي المحسنين (121) إنهما من عبادنا المؤمنين (122) وإن إلياس ~~لمن المرسلين (123) إذ قال لقومه ألا تتقون (124) أتدعون بعلا وتذرون أحسن ~~الخالقين (125) الله ربكم) * * * وقوله: * (وهديناهما الصراط المستقيم) أي: ~~الإسلام، وقوله: * (وتركنا عليهما في الآخرين) قد بينا، وقوله: * (سلام على ~~موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين) قد بينا. # قوله تعالى: * (وإن إلياس لمن المرسلين) في التفسير: أن إلياس كان من ولد ~~هارون، وبعثه الله إلى بني إسرائيل، وياقل بعثه الله إلى بعلبك، وهي بلدة، ~~وقد كان أهلها يعبدون صنما يسمى بعلا. # قوله تعالى: * (إذ قال لقومه ألا تتقون) معناه: ألا تخافون الله ~~وتحذرونه. # قوله سبحانه: * (أتدعون بعلا) هو الصنم الذي قلنا، ويقال: إنه كان من ذهب ~~مزين بالجواهر، وعن ابن عباس أنه قال: أتدعون بعلا أي: ربا، والبعل هو ~~الرب، ومعناه: أتدعون هذا الصنم ربا؟. # وروى عن ابن عباس أنه كان جالسا، فسئل عن هذه الآية؛ فسكت؛ فمر رجل من ~~الأزد ومعه بقرة؛ فقال له رجل: أتبيعها؟ قال: إنما يبيعها بعلها أي: ربها؛ ~~فعرف ابن عباس أن البعل هو الرب، وكان الأزد من أفصح اليمن، وسمي الزوج ~~بعلا من هذا، قال الشاعر: # (ورأيت بعلك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا) وقوله: * (وتذرون أحسن ~~الخالقين) أي: المقدرين، وهو الله تعالى، قوله تعالى: * (الله ربكم) أي: هو ~~ربكم، وقرئ بالنصب: ' الله ربكم '، وهو منصرف إلى قوله: * (وتذرون أحسن ~~الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين). # قوله تعالى: * (فكذبوه فإنهم لمحضرون) أي: لمحضرون النار، وفي القصة: أن ~~ذلك PageV04P411 # * (ورب آبائكم الأولين (126) فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) إلا عباد الله ~~المخلصين (128) وتركنا عليه في الآخرين (129) سلام على إل ياسين (130) إنا ~~كذلك نجزي المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132) وإن لوطا لمن ~~المرسلين (133) إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في الغابرين (135) ~~ثم دمرنا الآخرين (136) * * * الملك كانت له امرأة قتالة للأنبياء، وكانت ~~قد تزوجت سبعة ms1411 من الملوك، قالوا: هي التي قتلت يحيى بن زكريا عليهما السلام ~~فقصدت قتل إلياس؛ فدعا الله تعالى وسأله أن يرفعه إليه، ويؤخر عنه الموت؛ ~~فبعث الله إليه بفرس من نار، وقيل: لونه كلون النار، وأمره أن يركبه؛ فركبه ~~فألبسه الله النور، وذكر بعضهم: أن الله تعالى أنبت له الريش، وجعله أرضيا ~~سمائيا ملكيا إنسيا، وروى أنه موكل بالفيافي، والخضر موكل بالبحار. # وقوله: * (إلا عباد الله المخلصين) وقد بينا، وقوله: * (وتركنا عليه في ~~الآخرين) قد بينا. # وقوله تعالى: * (سلام على إل ياسين) وقرأ نافع: ' آل إلياس '. وقرأ ابن ~~مسعود: ' سلام على إدراسين ' وعلى هذه القراءة: * (وإن إدريس لمن المرسلين) ~~وقد روي أن إلياس هو إدريس. # وأما قوله: * (إلياسين) أي: إلياس وأتباعه وذووه؛ فسمي الجميع باسم واحد، ~~مثل قول الرجل: رأيت المحمدين، أي: محمدا وأتباعه وأتباعه. # وأما قوله: * (سلام على إل ياسين) وقيل فيه قولان: أحدهما: أنه الرسول ~~وآله، وهذا قول ضعيف؛ لأنه لم يسبق لهم ذكر. # والثاني: إن معنى قوله: * (إل ياسين) هو قوله ((إلياسين)) كأنه قال: آل ~~إلياس، فعبر بياسين عن إلياس، وباقي الآيتين قد بينا. # قوله تعالى: * (وإن لوطا لمن المرسلين) أي: من جملة المرسلين، وهم ~~الأنبياء، وقوله: * (إذ نجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين) أي: ~~الباقين في العذاب PageV04P412 # * (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون (138) وإن يونس ~~لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان من ~~المدحضين) * * * * والهلاك، ومعنى الآية: أنها لم تنج وبقيت في العذاب مع ~~قوم لوط. # وقوله: * (ثم دمرنا الآخرين) التدمير: هو الإهلاك بوصف التنكيل. # وقوله: * (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل) أي: تمرون عليهم بالليل ~~والنهار إذا ذهبتم إلى أسفاركم ورجعتم. # قوله تعالى: * (وإن يونس لمن المرسلين) أي: من جملة رسل الله. # وقوله: * (إذ أبق إلى الفلك المشحون) أي: السفينة الموفرة المملوءة. # وقوله: * (فساهم) أي: قارع. # وقوله: * (فكان من المدحضين) أي: من المقروعين، وقيل: من المغلوبين، ~~يقال: دحضت حجة فلان إذا بطلت، وأدحض الله حجته إذا أبطلها، والدحض الزلق، ~~قال الشاعر: # (أبا منذر ms1412 رمت الوفاء فهبته * وحدت كما حاد البعير عن الدحض) وفي ~~التفسير: أن يونس صلوات الله عليه وعد قومه العذاب، وكان الله تعالى أخبره ~~أنه يرسل عليهم العذاب في يوم كذا؛ فأخبرهم يونس صلوات الله عليه بذلك فلم ~~يصدقوه؛ فخرج من بينهم، وظن أن الله تعالى إذا أرسل العذاب أهلكهم، ولم ~~يصرفه عنهم، وقد كان الله تعالى أخبره بإرسال العذاب عليهم، ولم يخبره ~~بإهلاكهم، ثم إن الله تعالى أرسل العذاب، فلما رأوا ذلك، ولم يكن نزل بهم ~~بعد، خرجوا إلى الصحراء، وأخرجوا معهم النساء والصبيان والبهائم، وفرقوا ~~بين الأمهات والأولاد، فضجوا إلى الله ضجة واحدة، واستغاثوا وبكوا ودعوا؛ ~~فصرف الله عنهم العذاب، فلما بلغ يونس عليه السلام أنه لم ينزل بهم العذاب، ~~ولم يهلكوا، خرج من الموضع الذي كان التجأ إليه كالمنشور الخجل من قومه، ~~وظن أنه وعدهم وعدا من الله تعالى، ولم يحصل مصداق ذلك، فتوجه إلى جانب ~~البحر. PageV04P413 # (* (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه كان من المسبحين (143) ~~للبث في) * * * وقوله تعالى: * (أبق) أي: ذهب وتباعد، ويقال: شبه بآبق، ~~فعتب الله تعالى عليه في ذلك، وابتلاه ببطن الحوت وسجنه فيه. # وفي القصة: أنه لما وصل إلى البحر كان معه امرأته وابنان له؛ فجاء مركب ~~وأراد أن يركب معهم في السفينة، قدم امرأته في المركب ليركب بعدها؛ فجاءت ~~موجة وحالت بينه وبين المركب، ومر المركب، ثم جاءت موجة أخرى وأخذت ابنه ~~الأكبر، وجاء ذئب وأخذ ابنه الأصغر وبقي فريدا وحيدا، فظهر مركب آخر فلوح ~~لهم ليحملوه فجاء المركب وركب فيه، وقعد ناحية من القوم، فلما مرت السفينة ~~في البحر ركدت ولم تسر، واضطرب البحر، وخافوا الغرق، فقال صاحب السفينة: إن ~~فيكم رجلا مشئوما وفي رواية: مذنبا وقال: لا بد أن نلقيه في البحر حتى يسكن ~~البحر وننجو وفي رواية قال: إن فيكم عبدا آبقا؛ فقام يونس عليه السلام ~~فقال: أنا العبد المذنب، وأنا الآبق، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا يونس بن ~~متي؛ فعرفوه، وقالوا: لا نلقيك يا رسول الله، ولكن نتساهم؛ ms1413 فتساهموا ثلاث ~~مرات، وخرجت القرعة عليه، وروى أنهم قالوا: نكتب اسم كل واحد منا على خشبة؛ ~~فمن غرق اسمه فهو المطلوب؛ فغرق اسم يونس من بينهم، وأوحى الله إلى حوت ~~عظيم حتى قصد السفينة، قالوا: فلما رآه أهل السفينة وقد فغر فاه، وهو مثل ~~الجبل عظيما؛ خافوا الهلاك، وجعل الحوت ينظر إلى من في السفينة، كأنه يطلب ~~شيئا، ثم إن يونس لما رأى ذلك زج نفسه في الماء، وروى أن القوم ألقوه برضاه ~~فالتقمه الحوت ومر به، وسكن البحر وسارت السفينة. # وفي بعض الآثار: أن الله تعالى أوحى إلى الحوت: إني لم أجعله لك رزقا، ~~فإياك أن تكسر له عظما أو تخدش له لحما، وإنما جعلت بطنك له حرزا ومسجدا. # قوله تعالى: * (فالتقمه الحوت وهو مليم) قد بينا الالتقام. # وقوله: * (وهو مليم) أي: أتى بما يلام عليه. PageV04P414 # * (بطنه إلى يوم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) وأنبتنا ~~عليه شجرة من) * * * قوله تعالى: * (فلولا أنه كان من المسبحين) أي: من ~~المصلين لله تعالى والذاكرين إياه قبل أن يلتقمه الحوت * (للبث في بطنه إلى ~~يوم يبعثون) أي: جعلنا بطن الحوت له قبرا فيحشر منه، وقيل: فلولا أنه كان ~~من المسبحين في بطن الحوت، وتسبيحه ما ذكرنا من قبل: * (إني كنت من ~~الظالمين). # قال الضحاك: شكر الله تعالى له طاعته القديم، وعن بعضهم قال: العمل ~~الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، ويأخذ بيده إذا صرع. # وفي بعض الآثار: أن يونس صلوات الله عليه لما دعا الله تعالى في بطن ~~الحوت، قالت الملائكة: صوت معروف من بلاد غريبة؛ فقالت الملائكة: يا ربنا ~~من هو؟ قال: عبدي يونس عصاني؛ فسجنته في بطن الحوت. # وذكر النقاش في تفسيره: أن يونس صلوات الله عليه دعا ربه في بطن الحوت، ~~وقال: إلهي من البيوت أخرجتني، وفي البحار سترتني، وفي بطن الحوت حبستني، ~~فإن كنت عملت لك عملا صالحا ففرج عني. # وذكر أيضا: أنه لقي قارون في لجج البحار؛ فسمع قارون صوت يونس عليه ~~السلام فكان في عذاب شديد؛ فطلب أن ms1414 يمسك عنه العذاب، حتى يسأل يونس؛ فأمر ~~الله تعالى بإمساك العذاب عنه، فسأل قارون يونس عن ابن عمه موسى؛ فقال: قد ~~توفي، وسأل عن هارون؛ فقال: قد توفي قبله؛ فقال: واحزناه فأمر الله تعالى ~~أن يرد عنه العذاب إلى يوم القيانة لما سأل عن ابن عمه. # وذكر أيضا: أن الحوت قر به في لجج البحار مسيرة ستة آلاف سنة، وذكر أنه ~~بلغ به نجوم الأرضين السابعة؛ فسمع من تسبيح الحصى وما في قعر البحر شيئا ~~عظيما، وذكر أن البحر تكلم معه، وقال: إلى أين كنت تريد أن تهرب من مولاي ~~أيها العبد الخاطئ؟! إلى الأرض، أم إلى السماء، أم إلى البحار، أم إلى ~~الجبال! وإنا نسبح الله تعالى منذ خلقنا ونعبده، ونخاف أن يعذبنا، والله ~~أعلم. PageV04P415 # * (يقطين (146) وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) فآمنوا فمتعناهم ~~إلى حين (148) * * * قوله تعالى: * (فنبذناه بالعراء وهو سقيم) اختلف القول ~~في مقدار مكث يونس في بطن الحوت، فذكر ابن جريج (والسدي): أنه مكث أربعين ~~يوما، وذكر مقاتل: أنه مكث ثلاثة أيام، وذكر الضحاك: أنه مكث عشرين يوما ~~وذكر عطاء: أنه مكث سبعة أيام، وذكر الشعبي أنه مكث دون يوم، والتقمه الحوت ~~ثم لفظه بعد ساعات يسيرة. # وعن ابن مسعود قال: ألقاه الحوت، وهو مثل الفرخ، وفي التفسير: أنه ألقاه ~~الحوت وقد بلي لحمه، ورق عظمه، ولم يبق له قوة. # وقوله: * (بالعراء) فيه قولان: أحدهما: أن العراء وجه الأرض، والآخر: أنه ~~الموضع الخالي، ذكره أبو عبيدة، قال الشاعر: # (ورفعت رجلي لا أخاف عثارها * ونبذت بالبلد العراء ثيابي) قوله: * (وهو ~~سقيم) أي: ضعيف، وقيل: بمنزلة السقيم، قوله تعالى: * (وأنبتنا عليه شجرة من ~~يقطين) ها هنا هو [الدباء] في قول جميع المفسرين، وقال ثعلب: كل شجرة ليس ~~لها ساق، وهي تنبسط على وجه الأرض فهو يقطين، والقطينة معروف، وجمعه ~~القطاني. # وذكر النقاش: أن ذلك [الدباء] كان من بذر الجنة، وكان عليه ألف ورقة. # وفي القصة: أن يونس استظل بتلك الشجرة، وجعل يأكل منها، ويشرب من مائها ~~حتى قوي، ms1415 ثم إن الله تعالى أيبس الشجرة، وقد نام نومة فاستيقظ، وقد يبست ~~الشجرة؛ فحزن حزنا شديدا، وأصابه أوار الشمس، وجعل يبكي؛ فبعث الله إليه ~~جبريل عليه السلام وقال: أتحزن على شجرة، ولا تحزن على مائة ألف من أمتك، ~~وقد أسلموا وتابوا إلي، ثم إن الله تعالى أمره أن يرجع إلى قومه، فهو معنى ~~قوله: * (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون). PageV04P416 # * (فاستفهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ~~شاهدون) * * * قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كانت نبوته بعد أن أخرجه ~~الله تعالى من بطن الحوت، والأصح أنه كان نبيا من قبل، وقد دل على هذا قوله ~~تعالى: * (وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق). # وقوله: * (إلى مائة ألف أو يزيدون) قال الفراء: بل يزيدون، وقيل: يزيدون، ~~وقال المبرد: كلمة ' أو ' ها هنا على بابها، ومعناه: أو يزيدون على تقديركم ~~وظنكم، وهو كالرجل يرى فوما؛ فيقول: هؤلاء ألف ثم يقول: ألف أو يزيدون؛ ~~فيكون الشك راجع إلى من رآهم لا إلى الله تعالى، وأما قدر الزيادة فأشهر ~~الأقاويل: أنها عشرون ألفا، وذكره أبو عيسى في جامعه مرفوعا إلى النبي. # والقول الثاني: خمسة وثلاثون ألفا، والقول الثالث: سبعون ألفا. # وأما البلد الذي أرسل إليه فهو ' نينوي) من بلاد الموصل. # قوله: * (فآمنوا فمتعناهم إلى حين) أي: إلى منتهى آجالهم. # فإن قيل: قال ها هنا: * (فنبذناه بالعراء وهو سقيم) وقال في موضع آخر * ~~(لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء) وهو يدل على أنه لم ينبذ، فكيف ~~وجه التوفيق بين الآيتين؟ # والجواب عنه: أن الله تعالى قال في تلك الآية: * (لنبذ بالعراء وهو ~~مذموم) أي: لولا رحمتنا ونعمتنا لنبذ بالعراء وهو مذموم، ولكن تداركته ~~النعمة؛ فنبذ وهو غير مذموم، وأنشد ' أو ' بمعنى بل. # (بدت مثل عين الشمس في رونق * الضحى وصورتها أو أنت في العين أملح) أي: ~~بل أنت. # قوله تعالى: * (فاستفتهم) معناه: سلهم، وهو سؤال توبيخ وتقرير، وقوله: ~~PageV04P417 # (* (150) ألا أنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون (152) ~~أصطفى البنات على ms1416 البنين (153) ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) ~~أم لكم سلطان مبين (156) فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) وجعلوا بينه ~~وبين الجنة نسبا) * * * (ألربك البنات ولهم البنون) معناه: جعلوا لربك ~~البنات، ولأنفسهم البنين، أي: اختاروا كذلك. # وقوله: * (أم خلقنا الملائكة إناثا) معناه: أخلقنا الملائكة إناثا * (وهم ~~شاهدون) خلقنا إناثا، وقد كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله. قال أهل ~~التفسير: ولم يكن يزعم هذا جميع قريش، وإنما قال هذا بعض قريش، وقوم من بني ~~كنانة، وهم بنو مدلج. # قوله تعالى: * (ألا إنهم من إفكهم) أي: من كذبهم، وقوله: * (ليقولون ولد ~~الله وإنهم لكاذبون) وهو على ما قال الله تعالى. قوله تعالى: * (أصطفى ~~البنات على البنين) معناه: أصطفى البنات على البنين، وهو استفهام بمعنى ~~الزجر والتوبيخ، وقرئ: ' اصطفى ' بكسر الألف (على) الخبر، ومعناه: اصطفى ~~البنات على البنين في زعمكم وقولكم. # وقوله: * (ما لكم كيف تحكمون) أي: كيف تقولون أن الله تعالى اختار البنات ~~على البنين، وأنتم لا تختارون إلا البنين. # وقوله: * (أفلا تذكرون) أي: أفلا تتعظون، قوله تعالى: * (أم لكم سلطان ~~مبين) أي: حجة بينة، وقوله: * (فأتوا بكتابكم) أي: بكتاب من عندكم يدل على ~~ما قلتموه * (إن كنتم صادقين). # وقوله تعالى: * (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا) الجنة: ها هنا هم الملائكة ~~في قول أكثر المفسرين، وعن بعضهم: أنهم الجن، وقد كان زعم بعض قريش أن ~~الملائكة بنات الله على ما ذكرنا؛ فقال أبو بكر الصديق لهم: فمن أمهاتهم؟ ~~فقالوا: سروات الجن؛ فهذا معنى قوله تعالى: * (وجعلوا بينه وبين الجنة ~~نسبا). PageV04P418 # * (ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحان الله عما يصفون (159) إلا ~~عباد الله المخلصين (160) فإنكم وما تعبدون (161) ما أنتم عليه بفاتنين ~~(162) إلا من هو صال الجحيم (163) وما منا إلا له مقام معلوم (164) وإنا ~~لنحن الصافون (165) وإنا لنحن) * * * وقوله: * (ولقد علمت الجنة إنهم ~~لمحضرون) أي: محضرون الحساب، وقيل: محضرون العذاب، قوله تعالى: * (سبحان ~~الله عما يصفون) نزه نفسه عما وصفوه به من هذا القول الشنيع. # وقوله: * (إلا عباد الله المخلصين) قد ذكرنا من قبل، فإن قيل: ms1417 أي: اتصال ~~لقوله: * (إلا عباد الله المخلصين) بقوله: * (سبحان الله عما يصفون) وكيف ~~يصح الاستثناء في هذا الباب، وكلمة إلا للاستثناء؟ # والجواب عنه: أن في الآية تقديما وتأخيرا، فكأن الله تعالى قال: ولقد ~~علمت الجنة إنهم لمحضرون العذاب إلا عباد الله المخلصين فإنهم لا يحضرون، ~~ثم قال سبحان الله عما يصفون؛ فهذا هو التقدير في الآية. # قوله: * (فإنكم وما تعبدون) أي: من الأصنام، وقوله: * (ما أنتم عليه ~~بفاتنين) أي: ما أنتم على الله بمضلين إلا من أضله الله، قال ابن عباس: لا ~~يضلون إلا من كتب الله له الضلال، وروى هذا القول عن الحسن البصري ومحمد بن ~~كعب القرظي وإبراهيم النخعي والضحاك وغيرهم. # قال الشاعر: # (فرد بنعمته كيده * عليه وكان لنا فاتنا) أي: مضلا. # وقال بعضهم: لا يضلون إلا من كتب الله أنه يدخل الجحيم، وقيل: إلا من ~~أشقاه الله؛ فهذا معنى قوله: * (إلا من هو صال الجحيم) قوله تعالى: * (وما ~~منا إلا له مقام معلوم) هذا خبر عن الملائكة، ومعناه: وما منا PageV04P419 # * (المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون (167) لو أن عندنا ذكرا من الأولين ~~(168) لكنا عباد الله المخلصين (169) فكفروا به فسوف يعلمون (170) ولقد ~~سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا ~~لهم الغالبون (173)) * * * ملك إلا وله مقام معلوم، وفي الخبر عن النبي أنه ~~قال: ' ليس موضع قدم في السماء إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد '. # ويقال: إن مقام جبريل عند سدرة المنتهى ولا مجاوزة له إلى مأواها. # قوله تعالى: * (وإنا لنحن الصافون) أي: المصطفون في السماء للعبادة * ~~(وإنا لنحن المسبحون) أي: الممجدون لله، والمنزهون إياه عما لا يليق به. # قوله تعالى: * (وإن كانوا ليقولون) أي: كتابا ككتاب الأولين. # وقوله: * (لكنا عباد الله المخلصين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فكفروا به) فيه حذف، والمحذوف: أنه قد جاءهم الكتاب ~~والذكر فكفروا به، وقوله: * (فسوف يعلمون) تهديد من الله لهم. # قوله تعالى: * (ولقد سبقت كلمتنا) أي: حكمنا، وقوله: * (لعبادنا المرسلين ~~إنهم لهم المنصورون) أي: النصرة تكون لهم، وقد قال [الله] في موضع ms1418 آخر: * ~~(كتب الله لأغلبن أنا ورسلي). # وقوله: * (وإن جندنا لهم الغالبون) أي: الغلبة تكون للمؤمنين، وهذا لقوم ~~دون PageV04P420 # * (فتول عنهم حتى حين (174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا ~~يستعجلون (176) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى ~~حين (178)) * * قوم، وفي وقت دون وقت؛ لأن المسلمين قد يغلبون وينصر عليهم ~~غيرهم، وقيل: العاقبة تكون لهم. # وقوله تعالى: * (فتول عنهم حتى حين) أي: أعرض عنهم حتى حين أي: حين ~~الموت، وقيل: إلى أن يأتيهم عذاب الله. # وقوله: * (وأبصرهم فسوف يبصرون) قال قتادة: أبصروا حين لم ينفعهم البصر، ~~قوله تعالى: * (أفبعذابنا يستعجلون) قد بينا أنهم قالوا: * (اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) على ما قال الله، وقال ~~تعالى في موضع آخر: * (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) أي: يستعجل ~~بالقيامة الذين لا يؤمنون بها. # قوله تعالى: * (فإذا نزل بساحتهم) أي: نزل بساحتهم، ومعناه: أصابهم ~~العذاب، وقوله: * (فساء صباح المنذرين) أي: فبئس صباح الذين أنذروا ~~بالعذاب، وقد ثبت أن النبي لما غزا خيبر، ووصل إليها رأى اليهود وقد خرجوا ~~بمكاتلهم ومساحيهم من حصونهم؛ فلما رآوا الجيش، قالوا: محمد والخميس؛ فقال ~~النبي: ' الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ~~'. # قوله تعالى: * (وتول عنهم حتى حين) هو بمعنى الأول، وذكره على التأكيد، ~~وقوله: * (وأبصر فسوف يبصرون) أي: انتظر حالتهم وما يؤول إليه أمرهم؛ ~~فينتظرون لحالهم وما ينزل بهم. PageV04P421 # * (وأبصر فسوف يبصرون (179) سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام ~~على المرسلين (181) والحمد لله رب العالمين (182)) * * قوله تعالى: * ~~(سبحان ربك رب العزة عما يصفون) أي: ذو العزة، وقوله: * (وسلام على ~~المرسلين) أي: الأنبياء الذين أرسلوا إلى الخلق. # وقوله: * (والحمد لله رب العالمين) على ما ذكرنا، وروى الأصبغ بن نباتة ~~عن علي رضي الله عنه أنه قال: من أراد أن يكتال الأجر يوم القيامة بالمكيال ~~الأوفى، فليكن آخر كلامه في مجلسه: * (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) إلى ~~آخر السورة '. # وفي بعض الأخبار برواية أبي سعيد الخدري ((أن ms1419 النبي كان إذا صلى أو انصرف ~~من مجلسه قال * (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) إلى ى خر السورة)) (1). ~~PageV04P422 # بسم الله الرحمن الرحيم * (ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة ~~وشقاق (2) كم أهلكنا من) * * * تفسير سورة ص وهي مكية قوله تعالى: * (ص) ~~قرأ الأكثرون: * (ص) بالتسكين، وقرأ الحسن: * (ص) بخفض الدال، وقرأ عيسى بن ~~عمر النحوي: * (ص) بفتح الدال، والقراءة المعروفة بالتسكين. # وعلة التسكين أنه حرف من حروف التهجي، وعند العرب أن هذا يكون ساكنا، ~~وأما قراءة الحسن فمعناه: صاد القرآن بعملك أي: عارضه بعملك، واما قراءة ~~الفتح فمعناه: إنك صاد. # وأما معنى ' ص ': روى عن ابن عباس أنه قال: صدق محمد، وعن الضحاك: صدق ~~الله، وقال مجاهد: هذا من فواتح السور، وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، ~~وهو قسم، وذكر الكلبي أن معناه: والصادق المعنى على القسم. # وقوله: * (والقرآن ذي الذكر) أي: ذي الشرف، وقد قال في موضع آخر: * (لقد ~~أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم) أي: شرفكم. # وقوله: * (بل الذين كفروا في عزة وشقاق) وقرئ في الشاذ: ' في غرة وشقاق ' ~~بالغين المعجمة، والمعروف بالعين والزاي. # وقوله: * (في عزة) أي: في حمية، قال قتادة: معنى قوله: * (عزة) أي: نفروا ~~عن قبول الحق، وتكبروا عن الانقياد، وأما القراءة بالغين فهو من الغرور ~~والغفلة، وقوله: * (وشقاق) أي: عداوة واختلاف. # قوله تعالى: * (كم أهلكنا) اعلم أنه اختلف قول أهل التفسير في جواب ~~القسم؛ فقال بعضهم: جواب القسم هو قوله تعالى: * (إن ذلك لحق تخاصم أهل ~~PageV04P423 # * (قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ~~وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب) ~~* * النار) وهذا قول ضعيف؛ لأنه قد تخلل بين القسم وبين هذا الجواب أقاصيص ~~وأخبار كثيرة، والقول الثاني: أن جواب القسم قوله: * (كم أهلكنا) وفيه حذف، ~~ومعناه: لكم أهلكنا. # والقول الثالث: أن جواب القسم محذوف، ومعناه: صاد والقرآن ذي الذكر، ليس ~~الأمر على ما زعموا يعني: الكفار. # وقوله: * (كم أهلكنا من قبلهم ms1420 من قرن) كم للتكثير، والقرن قد بينا من ~~قبل. # وقوله: * (فنادوا) أي: استغاثوا عند الهلاك، وقوله: * (ولات حين مناص) ~~أي: ليس حين (فرار)، وقيل: ليس حين (مغاب)، ويقال: نادوا وليس حين نداء. # ' ولات ' بمعنى ليس لغة يمانية، وقيل: ضمت ' التاء ' إلى ' لا ' للتأكيد، ~~كما يقال: ربت وثمت بمعنى رب وثم، وقال أهل اللغة: ناص ينوص إذا تأخر، وباص ~~يبوص إذا تقدم، قال الشاعر: # (أمن ذكر سلمى إن نتك تنوص * فتقصر عنها خطوة حين وتبوص * وقال آخر في ~~((لات)) بمعنى ليس: # * طلبوا صلحنا ولات أوان * فأجبنا أن ليس حين بقاء * وذكر بعضهم: أنه كان ~~من عادة العرب إذا اشتدت الحرب، يقول بعضهم لبعض: مناص مناص، أي: احملوا ~~حملة واحدة ينجو فيها من نجا، ويهلك [فيها] من PageV04P424 # (* (5) وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ~~(6) ما) * * * هلك فقالوا ذلك حين أصابهم العذاب من الله تعالى، فقال الله ~~تعالى لهم: ' ولات حين مناص ' أي: وليس (حين هذا) القول، وأنشد بعضهم شعرا: # (تذكر حب ليلى لات حينا * ويضحي الشيب قد قطع القرينا) قوله تعالى: * ~~(وعجبوا أن جاءهم منذر منهم) أي: محمد، وقوله: * (وقال الكافرون هذا ساحر ~~كذاب) أي: خادع كذاب. # قوله تعالى: * (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب) أي: عجب، وعجيب ~~وعجاب بمعنى واحد، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: ' إن هذا لشيء عجاب ' ~~بالتشديد، وهو بمعنى الأول. # قوله تعالى: * (وانطلق الملأ منهم) سبب نزول هذه الآية هو ' أنه جاء وجوه ~~قريش إلى أبي طالب، وهم أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وعتبة وشيبة وطعيمة ~~بن عدي، وعقبة بن أبي معيط، وأبي وأمية ابنا خلف، وزمعة بن الأسود، وغيرهم، ~~وشكوا إليه محمدا، وقالوا: إنه يسب آلهتنا ويسفه أحلامنا، ويذكر أن آباءنا ~~في النار؛ فدعا أبو طالب النبي وقال: يا بن أخ، هؤلاء قومك جاءوا يشكونك، ~~ويذكرون كذا وكذا، فماذا تطلب منهم؟ قال: أطلب منهم كلمة واحدة إن قالوها ~~دانت لهم العرب، وأدت إليهم العجم الجزية، فقال القوم: نحن نقول عشر ms1421 كلمات، ~~فماذا تريد؟ فقال: قولوا لا إله إلا الله، فنفروا وقاموا، وقالوا: لا ~~نقولها أبدا، وجعل بعضهم يقول لبعض: امشوا واصبروا على آلهتكم أي: الزموها، ~~وأقيموا على عبادتها '. # وقوله: * (إن هذا لشيء يراد) أي: أمر محمد شيء، يراد بالناس فيه الشر ~~PageV04P425 # * (سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) أؤنزل عليه الذكر ~~من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) أم عندهم خزائن رحمة ~~ربك) * * والهلاك، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه ' وانطلق الملأ يمشون أن ~~اصبروا على آلهتكم '، ويقال: إن هذا لشيء يراد أي: لشيء يراد بأهل الأرض في ~~إرسال محمد ويقال: يراد أي: يراد بمحمد ويملك علينا ويرأس. # وفي الآية قول آخر، وهو أنها نزلت في إسلام عمر رضي الله عنه وما حصل ~~للمسلمين من القوة بمكانه، فقال الكفار لما أسلم عمر: إن هذا لشيء يراد أي: ~~إن أمر محمد لشيء يراد، حيث قوي بإسلام عمر. # قوله تعالى: * (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة) أي: النصرانية، هكذا قاله ~~ابن عباس وابن جريج والسدي، وهي آخر الملل، ولم يكونوا موحدين، فإنهم كانوا ~~يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، وقال مجاهد: ما سمعنا هذا في الملة الآخرة أي: ~~في ملة قريش، وقيل: في ملتنا هذه، وعن مؤرج بن عمرو قال: في الملة الآخرة ~~أي: في الملة الأولى، وهو لغة لبعض العرب. # وقوله: * (إن هذا إلا اختلاق) أي: افتعال وكذب. # قوله تعالى: * (أأنزل عليه الذكر من بيننا) معناه: أن أهل مكة قالوا: ~~أأنزل على محمد القرآن من بيننا، وليس بأفضلنا ولا أشرفنا؟. # وقوله: * (بل هم في شك من ذكري) أي: مما أنزلت. # وقوله: * (بل لما يذوقوا عذاب) أي: لم يذوقوا عذابي وسيذقونه. # قوله تعالى: * (أم عندهم خزائن رحمة ربك) معناه: أعندهم خزائن رحمة ربك؟ ~~والخزائن: هي البوت التي تعد فيها الأشياء النفيسة. # وحقيقة المعنى: أنه ليس عندهم خزائن الرحمة والنبوة، فيعطونها من شاءوا، ~~ويمنعونها من شاءوا. PageV04P426 # (العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في ms1422 ~~الأسباب (10) جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد ~~وفرعون) * * * * وقوله: * (العزيز الوهاب) العزيز: هو المنيع في ملكه، ~~الغالب على خلقه، الوهاب: المعطي لخلقه، وقوله تعالى: * (أم لهم ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما) أي: ليس لهم ذلك. # وقوله: * (فليرتقوا في الأسباب) أي: فليعلوا في أسباب القوة والمنعة إن ~~كان لهم ذلك على ما زعموا، قاله أبو عبيدة، وقيل: فليقعدوا إلى أبواب ~~السماء. والأسباب هي الموصلاة في الغة، والحبل يسمى سببا؛ لأته يوصل به إلى ~~الشيء، فالارتقاء في الأسباب هو التوصل من شيء إلى شيء حتى يبلغ أعلاه، ~~والمراد من الآية إثبات عجزهم، وإبطال زعمهم فيما ادعوه من المنعة والقوة. # قوله تعالى: * (جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب) أي: جند هنالك، ' وما ' ~~صلة، والمعنى أنهم مهزومون مقموعون، واختلف القول في المعنى لهم، فأحد ~~القولين: هم الأصنام، والقول الآخر: أن المعنى هم مشركو قريش، وهم الذين ~~قتلوا وأسروا ببدر، وقيل: إن هنالك إشارة إلى مصارعهم من بدر. # وقوله: * (من الأحزاب) أي: من الذين تحزبزا وتجمعوا على الأنبياء ~~بالتكذيب، قوله تعالى: * (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد) قد بينا. # وقوله: * (وفرعون ذو الأوتاد) في الأوتاد أقوال: أحدها: أنها البنيان، ~~قال الشاعر: # (ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة * في ظل ملك ثابت الأوتاد) أي: الأبنية، ~~وقيل: الأوتاد جمع الوتد، وكان إذا أراد قتل إنسان وتد في يديه ورجليه ~~أربعة أوتاد وهو مستلقي، ووجهه إلى السماء. # والقول الثالث: أن الأوتاد هي الملاعب بالأرسان المشدودة بالأوتاد، وقد ~~كان PageV04P427 # * (ذو الأوتاد (12) وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) إن ~~كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من ~~فواق (15) وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) اصبر على ما ~~يقولون واذكر) * * * * لفرعون ذلك. # وقوله: * (وثمود وقوم لوط) قد بينا، وحكى عطاء عن ابن عباس: أنه ما من ~~نبي إلا ويكون له أمة يوم القيامة سوى لوط عليه السلام فإنه يأتي وحده، ~~وذكر بعضهم: أن قوم لوط كانوا أربعمائة ألف ms1423 بيت، في كل بيت عشرة نفر، ولم ~~يسلم أحد منها. # وقوله: * (وأصحاب الأيكة) أي: الغيضة، وقوله: * (أولئك الأحزاب) يعني: ~~الذين تحزبوا على الأنبياء. # قوله تعالى: * (إن كل إلا كذب الرسل) أي: ما منهم قوم إلا وقد كذب الرسل، ~~وقوله: * (فحق عقاب) أي: فوجب عذابي عليهم. # قوله تعالى: * (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة) والصيحة ها هنا هي نفخة ~~في الصور، وقوله: * (ما لها من فواق) قرئ بالنصب والرفع، وقال بعضهم: هما ~~بمعنى واحد. وقال بعضهم: هما مختلفان؛ فقوله بالنصب: من الإفاقة، وقيل: ~~مثنوية، ويقال: رجوع وتأخير، وقوله بالرفع أي: من انتظار، والفواق في اللغة ~~ما بين الحلبتين، والمعنى أن العذاب لا يمهلهم، ولا يلبثهم بذلك القدر. # وقوله تعالى: * (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا) قال سعيد بن جبير: أي: نصيبنا ~~(من) الجنة، وقال الحسن البصري: قطنا أي: نصيبنا من العذاب، وإنما قالوا ~~ذلك تكذيبا واستهزاء، والقط هو الكتاب الذي يكتب فيه الجائزة، والقطوط كتب ~~الجوائز. وفي الآية قول آخر: وهو أن الله تعالى لما أنزل قوله: * (فأما من ~~أوتي كتابه PageV04P428 # * (عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب (17) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن ~~بالعشي والإشراق * * بيمينه) * (وأما من أوتي كتابه بشماله) فسمع المشركون ~~ذلك؛ فقالوا: ربنا عجل لنا قطنا أي: صحيفتنا. # وقوله: * (قبل يوم الحساب) ظاهر، وإنما قالوا تكذيبا واستهزاء. # قوله تعالى: * (واصبر على ما يقولون) أي: على ما يقول الكفار. # وقوله: * (واذكر عبدنا داود) هو داود بن إيشا، وقد بينا، قوله: * (ذا ~~الأيد) أي: ذا القوة، فيقال: ذا القوة في العبادة، ويقال: ذا القوة في ~~الملك. # وأما قوله في العبادة؛ فقد كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان يقوم سدس ~~الليل وينام نصفه، ويقوم ثلثه، وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' أحب الصيام إلى ~~الله تعالى صيام داود، وأحب القيام إلى الله قيام داود '، وقوله: * (إنه ~~أواب) أي: تواب، وقيل: رجاع، فقال: آب يئوب إذا رجع، قال الشاعر: # (وكل ذي غيبة يئوب * وغائب الموت لا يئوب) وقيل: أواب معناه: أنه كان ~~كلما ذكر ms1424 ذنبه استغفر الله تعالى. # قوله تعالى: * (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي) العشي: آخر النهار. # وقوله: * (والإشراق) هو وقت الضحى، وعن ابن عباس قال: ما كنت أعرف معنى ~~الإشراق حتى أخبرتني أم هانئ رضي الله عنها أن النبي صلى صلاة الضحى ~~PageV04P429 # (* (18) والطير محشورة كل له أواب (19) وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل ~~الخطاب (20) وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على ~~داوود) * * في بيتها، ثم قال: ' هذه صلاة الإشراق ' والإشراق: أنه تشرق ~~الشمس حتى تتناهى في ضوئها. # قوله تعالى: * (والطير محشورة) وسخرنا الطير محشورة، وقوله: * (محشورة) ~~مجموعة، وقوله: * (كل له أواب) اختلف القول في معنى قوله: * (كل له أواب) ~~فأحد القولين معناه: كل لله أواب أي: مسبح. # والقول الثاني: كل له أواب أي: لداود يعني: أواب معه. # والأواب ها هنا هو المسبح، والتسبيح هو عبادة أهل السماوات والأرض. # قوله تعالى: * (وشددنا ملكه) أي: وقوينا ملكه، قال مجاهد: كان له ~~أربعمائة ألف رجل يحرسونه، ومن المعروف ستة وثلاثون ألفا يحرسونه. وعن ~~بعضهم: أربعون ألفا مستلأمة أي: في السلاح، وقد لبس لأمته أي: درعه وسلاحه. # وقوله تعالى: * (وآتيناه الحكمة) أي: النبوة، وقيل: الفقه في الدين، ~~ويقال: الفهم في القضاء. # وقوله: * (وفصل الخطاب) فيه أقوال: # أحدها: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، وهو فصل الخطاب، وهذا ~~قول مشهور ومعروف. # والقول الثاني: أن فصل الخطاب هو البيان الفاصل بين الحق والباطل. ~~PageV04P430 # * (ففرع منهم قالوا لا تخف خصمان بغي بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ~~ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي ~~نعجة واحدة) * * * والقول الثالث: أن معناه: أما بعد، ذكره الشعبي، وإنما ~~سمي: أما بعد فصل الخطاب؛ لأن الإنسان يذكر الله ويحمده، فإذا شرع في كلام ~~آخر قال: أما بعد، فقد كان كذا، وكان كذا. # وقد ورد في القصة: أن رجلا أتى داود عليه السلام وادعى أن فلانا اغتصب ~~منه بقرا، فدعا المدعي عليه، فجحد؛ فرأى في المنام أنه أمر بقتل المدعى ~~عليه فلم يفعل ms1425 فرأى ثانيا وثالثا وأنذر بالعذاب إن لم يفعل فدعا المدعى ~~عليه وأخبره أن الله تعالى أمره بقتله؛ فقال: أو حق هو؟ قال: نعم. # فقال: أتقتلني بغير حجة؟ فقال له: والله لأنفذن أمر الله فيك. # فقال: إني لم أقتل بهذا، ولكني كنت اغتلت أبا هذا الرجل وقتلته، وأقر به، ~~فقتله داود عليه السلام فلما رأت بنو إسرائيل ذلك هابوه أشد الهيبة، فهي ~~معنى قوله * (وشددنا ملكه). # قوله تعالى: * (وهل أتاك نبأ الخصم) أي: خبر الخصم، وأنشدوا في النبأ ~~بمعنى الخبر: # (إني أرقت فلم أغمض جاري * جزعا من النبأ العظيم السار) والخصم اسم يقع ~~على الواحد والاثنين والجماعة، وقيل معناه: ذو خصم ذوا خصم وذوو خصم، فعلى ~~هذا يتناول الكل. # وقوله: * (إذ تسوروا المحراب) أي صعدوا وعلوا، والمعنى: أنهم دخلوا من ~~جانب سور المحراب لا من مدخل الذي يدخل الناس. # واتفقت عامة المفسرين على أن الذين دخلوا كانوا ملكين، وقيل: إنه كان ~~أحدهما جبريل والآخر ميكائيل، وذكر تسوروا بلفظ الجمع؛ لأن الجمع يتناول ~~الاثنين فصاعدا. PageV04P431 # وقوله: * (إذ دخلوا على داود ففزع منهم) أي: خاف منهم واختلف القول في ~~علة الخوف، فقال بعضهم: إنه خاف منهم، لأنهم دخلوا في غير وقت الدخول، ~~وقيل: خاف منهم؛ لأنهم دخلوا من أعلى السور. # وقوله: * (قالوا لا تخف) يعني: فلا تخف * (خصمان بغى بعضهم على بعض) فإن ~~قيل: كيف قال: * (خصمان بغى بعضنا على بعض) ولم يكن من الملكين من بغى ~~أحدهما على الآخر؟ # والجواب عنه أن معناه: أرأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر، فهذا من معاريض ~~الكلام، وليس على معنى تحقيق بغي أحدهما على الآخر. # وقيل معناه: قالا: ما قولك في خصمين بغى أحدهما على الآخر؟ وهذا قريب من ~~الأول، وقوله: * (فاحكم بيننا بالحق) أي: بالعدل. # وقوله: * (ولا تشطط) يقال: أشط يشط إذا جار، وشطا يشط إذا أبعد، قال ~~الشاعر: # (شطت مزار العاشقين، فأصبحت * عسرا علي طلابك ابنة مخرم) وقال عمر بن أبي ~~ربيعة: * (تشط غدا دار جيراننا * وللدار بعد غد أبعد) فمعنى قوله: * (ولا ~~تشطط) ms1426 أي: لا تجر، وقرئ بنصب التاء أي: لا تبعد عن الحق، وقوله: * (واهدنا ~~إلى سواء الصراط) أي: إلى الطريق المستقيم الصواب والعدل، وقوله: * ~~(واهدنا) أي: وأرشدنا. # قوله تعالى: * (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة) ذكر أهل التفسير أن سبب ~~ابتلاء داود عليه السلام أنه فتن بامرأة أوريا بن حنان، وسبب ذلك أن داود ~~صلوات الله عليه كان قسم أيامه، فكان يخلو يوما للعبادة، ويخلو يوما ~~لنسائه، ويجلس للقضاء يوما مع بني إسرائيل فيذاكرهم ويذاكرونه، فجلس يوما ~~مع بني إسرائيل يذاكرهم، فذاكروا فتنة النساء، فأضمر داود في نفسه أنه إن ~~ابتلي اعتصم. PageV04P432 # وفي بعض التفاسير: أن داود عليه السلام رأى قرينيه من الملائكة، فقال ~~لهما: ما بالكما معي، فقالا: نحفظك ونحرسك، فتفكر في نفسه أنه كان ما يحترز ~~عنه من الأشياء يكون بحفظهما، أو ما يفعل من العبادة فيكون بحفظهما، فهو لا ~~يحمد في ذلك؛ فأمر الله تعالى الملكين أن يخلياه يوما. # وفي بعض القصص: أن الله تعالى حذره يوما، وقال: هو يوم فتنتك، وفي بعضها: ~~أنه سمع بني إسرائيل يقولون في دعواتهم: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ~~فأحب أن يذكر معهم، فذكر ذلك لله تعالى في مناجاته، فقال: يا داود إني ~~ابتليتهم فصبروا. فقال: لو ابتليتني صبرت، فقال: يا داود إني مبتليك يوم ~~كذا، فلما كان ذلك اليوم دخل في متعبده، وتخلى للعبادة، وهذا الوجه الثالث ~~غريب، والمشهور ما ذكرنا من قبل، قالوا: ولما كان في ذلك اليوم وتخلى ~~للعبادة وجعل يصلي ويقرأ التوراة والزبور ويكب على قراءتهما، فبينما هو ~~خلال ذلك؛ إذ سقط طير من ذهب قريبا منه، ويقال: إنه إبليس تصور في صورة ~~طير، وكان جناحاه من الدر والزبرجد، فأعجبه حسن الطير، فقصد أن يأخذه ~~فتباعد منه، وجعل هو يتبعه إلى أن أسرف في اتباعه إلى دار من دور جيرانه، ~~فرأى امرأة تغتسل، فأعجبه حسنها وخلقها، وفتن بها، فلما أحست المرأة بمن ~~ينظر إليها؛ حللت شعرها، فغشاها شعرها؛ فازداد داود فتنة، ورجع وسأل عن ~~المرأة؛ فقيل: إنها ms1427 امرأة أوريا بن حنان، فكان في ذلك الوقت توجه غازيا إلى ~~بعض الثغور، فأحب أن يقتل ويتزوج بامرأته، فذكر بعضهم أن ذنبه كان هذا ~~القدر. # وذكر بعضهم: انه كتب إلى أمير الجيش أن يجعل أوريا قدام التابوت، وكان من ~~جعل قدام التابوت فإما أن يقتل أو يفتح الله على يديه، فلما جعل قدام ~~التابوت قتل، فتزوج داود المرأة بعدما انقضت عدتها. # وروى مسروق عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير عن ابن عباس أنهما قالا: كان ذنب ~~داود انه التمس من الرجل أن ينزل عن امرأته، هذا قول ابن مسعود، وأما لفظ ~~ابن عباس: التمس أن يتحول له عنها. PageV04P433 # * (فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ~~نعاجه وإن) * * * قال أهل التفسير: وقد كان ذلك مباحا لهم غير أن الله ~~تعالى لم يرض له بذلك، لأنه كان ذلك رغبة في الدنيا، وازدياد من النساء، ~~وقد أغناه الله تعالى عنها بما أعطاه من غيرها. # وذكر بعضهم: أن ذنبه كان هو أنه خطب امرأة، وقد خطبها غيره، فدخل على ~~خطبة غيره، وكان ذلك منهيا في شريعتهم، كما هو منهي في شريعتنا. # قوله تعالى: * (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة) النعجة ها هنا كناية عن ~~المرأة، والعرب تكنى عن المرأة بالنعجة والشاة، قال الشاعر: # (فرميت غفلة عينه عن شاته * فأصبت حبة قلبه وطحالها) والمراد من الشاة ها ~~هنا هي المرأة، وقرأ ابن مسعود: ' تسعة وتسعون نعجة أنثى ' قال بعضهم: ذكر ~~أنثى على طريق التأكيد. # وقد روي عن النبي أنه قال: ' ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر ' فقوله: ' ~~ذكر ' مذكور على وجه التأكيد. # وقيل: يجوز أن يقال: تسعة وتسعون نعجة، وإن كان في خلالها ذكر، فلما قال: ~~تسعة وتسعون نعجة أنثى، عرف قطعا أنه ليس في خلالها ذكر. # وقوله: * (ولي نعجة واحدة) في التفسير: أنه كان لأوريا امرأة واحدة، ~~ولداود تسعة وتسعون امرأة، فهذا هو المعني بالنعاج والنعجة. # وقوله: * (فقال أكفلنيها) أي: ضمها إلي: وقيل: انزل لي عنها، وقيل: ~~اجعلني قيمها ms1428 وكفيلا بأمرها. # وقوله: * (وعزني في الخطاب) أي: غلبني في الخطاب، وقهرني في الخطاب أي: ~~PageV04P434 # * (كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ~~(24) فغفرنا له ذلك وإن له) * * في القول لقوة ملكه. # وحقيقة المعنى: أن الغلبة كانت له لضعفي في يده، وإن كان الحق معي، وعن ~~مجاهد قال: تحدث بنو إسرائيل عند داود أنه لا يمضي على ابن آدم يوما إلا ~~ويذنب فيه ذنبا، واعتقد داود صلوات الله عليه أنه يحفظ نفسه من الذنب، وعين ~~يوما، فلما كان ذلك اليوم تخلى في متعبده، وجعل يصلي ويسبح، ويقرأ التوراة ~~والزبور، فابتلي بما ابتلي به على ما ذكرنا. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: من زعم أن داود ارتكب محرما من تلك المرأة ~~جلدته مائة وستين جلدة، يعني ضعف ما يجلد الإنسان في غيره. # قوله تعالى: * (قال لقد ظلمك) معناه: لقد ظلمك بسؤاله نعجتك إلى نعاجه، ~~فإن قيل: كيف قال: لقد ظلمك بمجرد قوله، ولم يكن سمع قولة صاحبه؟ # الجواب عنه: أن يحتمل لقد ظلمك بمجرد قوله، ولم يكن صاحبه أقر بذلك، ~~ويحتمل أنه قال: إن كان الأمر على ما ذكرت فقد ظلمك بسؤاله نعجتك إلى ~~نعاجه، وفي الآية حذف، والمحذوف بسؤاله أن تضم نعجتك إلى نعاجه، وقد ثبت عن ~~ابن عباس أنه كان سأل زوج المرأة أن ينزل له عن امرأته، رواه سعيد بن جبير ~~عنه. # وقوله: * (وإن كثيرا من الخلطاء) أي: من الشركاء، يقال: هذا خليطي أي: ~~شريكي، وقوله: * (ليبغي بعضهم على بعض) أي: يظلم بعضهم بعضا. # وقوله: * (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) يعني: أنهم لا يظلم بعضهم ~~بعضا، وقوله: * (وقليل ما هم) أي: وقيل هم، و ' ما ' صلة. # وقوله: * (وظن داود أنما فتناه) أي: وأيقن داود أنما فتناه أي: ابتليناه، ~~وأوقعناه في الفتنة، وقرئ: ' إنما فتناه ' بالتخفيف، يعني: أن الملكين ~~فتناه. PageV04P435 # وقوله: * (فاستغفر ربه) أي: طلب المغفرة من ربه (وخر راكعا) أي: ساجدا، ms1429 ~~فعبر عن السجود بالركوع؛ لأن كل واحد منهما نوع من الانحناء. # وقوله: * (وأناب) أي: رجع وتاب، قال مجاهد: مكث داود ساجدا أربعين يوما ~~لا يرفع رأسه. ويقال: مكث في السجود وبكى حتى نبت العشب حول رأسه. # وذكر النقاش في تفسيره: أن الله تعالى بعث إليه ملكا بعد أربعين يوما أن ~~أرفع رأسك، فلم يرفع، فقال له الملك: أيها العبد، أول أمرك ذنب وآخره ~~معصية، ارفع رأسك حين أمرك ربك. # وذكر وهب بن منبه: أن داود صلوات الله عليه لم يشرب بعد ذلك ماء، إلا وقد ~~مزجه بدموعه، ولم يأكل طعاما إلا وقد بله بدموعه، ولم ينم على فراش إلا وقد ~~غرقه بدموعه. # وأم حكم السجود في هذه الآية، فذكر بعضهم: أنها سجدة شكر، وذكر بعضهم: ~~أنها سجدة عزيمة، وقد روى الشافعي رحمه الله بإسناده عن عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه أنه كان لا يسجد في ' سورة ص ' ويقول: إنها توبة نبي. # وفي بعض التفاسير: أن داود عليه السلام لما قال ما قال ضحك أحد الملكين ~~إلى صاحبه، ثم ارتفعا إلى السماء، فعلم داود أنهما أراداه بذلك القول ~~وأنهما ملكان مبعوثان من قبل الله تعالى فحينئذ وقع على الأرض ساجدا. # قوله تعالى: * (فغفرنا له ذلك) فغفرنا له ذنبه ذلك، وعن [أبي] سليمان ~~الداراني: أن الله تعالى قال: يا داود قد غفرت ذنبك، وأما المودة التي كانت ~~بيني وبينك فقد مضت. # وفي القصة: أن الوحوش والطيور كان تستمع إلى قراءاته وتصغي إليها، فلما ~~فعل ما فعل، [كان] يقرأ الزبور بعد ذلك، ولا تصغي الطيور ولا الوحوش إلى ~~ذلك، PageV04P436 # * (عندنا لزلفى وحسن مآب (25) يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم ~~بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) وما خلقنا) * * * فروى أنها ~~قالت يعني الوحوش والطيور: يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة صوتك. # وقوله: * (وإن له عندنا لزلفى) أي: قربى * (وحسن مآب) أي: حسن مرجع ~~ومنقلب، ms1430 وفي بعض التفاسير: أن داود صلوات الله عليه يحشر وخطيئته منقوشة في ~~كفه، فحين يراها؛ يقول: يا رب، ما أرى خطيئتي إلا مهلكي، فيقول الله تعالى ~~له: إلي يا داود، فهو معنى قوله تعالى: * (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) ~~وأنشدوا في الركوع بمعنى السجود على ما بينا شعرا: # (فخر على وجهه راكعا * وتاب إلى الله من كل ذنب) قوله تعالى: * (يا داود ~~إنا جعلناك خليفة في الأرض) أي: خليفة عمن سبق، ويقال: خليفتي؛ ومن هذا ~~يجوز أن يسمى الخلفاء خلفاء الله. # وقوله: * (فاحكم بين الناس بالحق) أي: بالعدل، وقوله: * (ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله) أي: يصدك ويردك عن سبيل الله. # وقوله: * (إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم ~~الحساب) فيه تقديم وتأخير، ومعناه: لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا أي: ~~تركوا أمر الله وغفلوا عن القيامة. # وفي القصة: أن الله تعالى كان قد بعث سلسلة من السماء، وكان يختصم إلى ~~داود، والخصمان والسلسلة قدام مجلسه، فكان يأمر كل واحد منهما أن يأخذ ~~السلسلة، وكان ينالها المحق ولا ينالها المبطل، فاشتدت هيبته في بني ~~إسرائيل لذلك، فاختصم رجلان في عقد لؤلؤ أودعه أحدهما من صاحبه وجحده ~~المودع، فعمد المودع إلى عصا وقورها، وجعل العقد فيها، فلما اختصما إلى ~~داود أمرهما بالتحاكم إلى السلسلة، فذهب المدعي إلى السلسلة، وقال: اللهم ~~إن كنت تعلم أني أودعت هذا PageV04P437 # * (السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا ~~من النار (27) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار (28) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر ~~أولوا الألباب (29) * * الرجل عقد لؤلؤ، ولم يرده إلى، فأنلني السلسلة، ثم ~~رفع يده ونالها، وجاء صاحبه إلى السلسلة، والعصا في يده، فقال للمدعي: أمسك ~~هذه العصا حتى آخذ السلسلة، فأخذها منه، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد ~~رددتها إليه فأنلني السلسلة، ثم إنه رفع يده، ونال السلسلة؛ فتحير داود ~~وبنو إسرائيل في ms1431 ذلك. # ورفع الله السلسلة، وأمر داود عليه السلام بأن يقضي بين الناس بالبينة ~~واليمين؛ فجرت السنة على ذلك إلى قيام الساعة. # قوله تعالى: * (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) أي: لعبا، ~~وقيل: لغير حكمة، وقوله: * (ذلك ظن الذين كفروا) وهذا دليل على أن الله ~~تعالى يعذب الكفار بالظن الباطل، وقوله: * (فويل للذين كفروا من النار) أي: ~~من نار جهنم. # قوله تعالى: * (أم نجعل الذين آمنوا) معناه: أنجعل الذين آمنوا (وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض) أي: لا نجعل. # وقوله: * (أم نجعل المتقين كالفجار) أي: المؤمنين كالكفار، ويقال: المراد ~~بالمتقين ها هنا أصحاب رسول الله، وقيل: بنو هاشم وبنو المطلب، والفجار هم ~~وجوه المشركين وسادتهم. # قوله تعالى: * (كتاب أنزلناه إليك مبارك) أي: هذا كتاب أنزلناه إليك ~~مبارك. # وقوله: * (ليدبروا آياته) أي: ليتدبروا ويتفكروا في آياته، وقوله: * ~~(وليتذكروا أولو الألباب) أي: يتذكر أولو العقول، قال الحسن في قوله: * ~~(أولو الألباب) عاتبهم لأنه أحبهم. # قوله تعالى: * (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب) قد بينا. ~~PageV04P438 # * (ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد (31) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت ~~بالحجاب (32)) * * قوله: * (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد) أي: الخيل ~~الجياد، والصافنات: هي الخيل التي قامت على ثلاث قوائم، وثنى إحدى قوائمه، ~~وقام على السنبك. # وقيل: والصافن في اللغة: هو القائم، وقد روى عن النبي أنه قال: ' من سره ~~أن يكون الناس له صفونا فليتبوأ مقعده من النار ' أي: قياما. قال الشاعر: # (ألف الصفون فما يزال كأنه * مما يقوم على الثلاث كسيرا) وقوله: * ~~(الجياد) أي: السراع، قال إبراهيم التيمي: كانت [عشرين] فرسا لها أجنحة، ~~وقال عكرمة: عشرون ألف فرس لها أجنحة، وقال بعضهم: كانت ألفا من الخيل ~~العتاق أي: الكرام، ويقال أيضا: إن الله تعالى كان أخرجها له من البحر. # قوله تعالى: * (إني أحببت حب الخير) أي: آثرت حب الخير، وأما الخير؛ ~~فأكثر المفسرين على أنها الخيل في هذه الآية، وكذا قرأ ابن مسعود باللام. ms1432 # وروى أن زيد الخيل الطائي وفد إلى النبي فقال له النبي: ' من أنت؟ فقال: ~~أنا زيد الخيل. فقال: أنت زيد الخير '. PageV04P439 # * (ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) ولقد فتنا سليمان وألقينا ~~على كرسيه) * * * والقول الثاني: أن الخير ها هنا هو الدنيا أي: آثرت ~~الدنيا على ذكر ربي أي: صلاة العصر. # قوله: * (حتى توارت بالحجاب) أي: توارت الشمس بالحجاب، فكنى عن الشمس وإن ~~لم يجر لها ذكر، وقد بينا مثال هذا، ويقال: قد سبق ما يدل على ذكر الشمس، ~~فاستقامت الكناية عنها، وذلك قوله تعالى: * (إذ عرض عليه بالعشي) والعشي لا ~~يعرف إلا بالشمس. # وأما الحجاب، فيقال: إنه جبل قاف، والشمس تغرب من ورائه، ويقال: إنه جبل ~~من ياقوت أخضر، وخضرة السماء منه. # قوله تعالى: * (ردوها علي) أي: ردوا الخيل علي، وقوله: * (فطفق مسحا ~~بالسوق والأعناق) ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد منه أنه قطع عراقيبها ~~وأعناقها، وهذا مروي عن ابن عباس والحسن وقتادة، وأورده الفراء والزجاج. # قال الحسن: كسف عراقيبها وضرب أعناقها، قال الزجاج: ويجوز أن يكون الله ~~تعالى أباح له في ذلك الوقت وحرم في هذا الوقت علينا ولم يكن ليقدم نبي ~~الله تعالى على ذلك، وهو محرم عليه، وكيف يستغفر من ذنب بذنب؟!. # وعن ابن عباس في بعض الروايات: أن سليمان عليه السلام جعل يمسح عراقيبها ~~وأعناقها بيده وثوبه؛ شفقة عليها، وهذا قول ضعيف، ولا يليق هذا الفعل بما ~~سبق، والمشهور هو القول الأول. # وذكر الكلبي: أن الخيل كانت ألفا، فقتل منها تسعمائة وبقيت مائة، فهي أصل ~~الخيل العتاق التي بقيت في أيدي الناس. # ويقال: إنها كانت خيلا أخذها من العمالقة، وكانت تعرض عليه؛ فغفل عن صلاة ~~العصر حتى غربت الشمس، فأمر بردها عليه، وقطع عراقيبها، وضرب أعناقها؛ ~~لأنها ألهته عن ذكر الله، ويقال: ذبحها ذبحا وتصدق بلحومها، وكان الذبح ~~حلالا في شريعته على ذلك الوجه. PageV04P440 # * (جسدا ثم أناب (34) قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ~~إنك) * * قوله تعالى: * (ولقد فتنا سليمان) أي: ms1433 اختبرنا سليمان فابتليناه، ~~ويقال: فتنا سليمان أي: ألقيناه في الفتنة. # وقوله: * (وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب) ذهب أكثر المفسرين إلى أن ~~الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان هو صخر الجني. # قال السدي: كان اسمه حبقيق، وعن بعضهم: ان اسمه كان آصف، والمعروف هو ~~الأول، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وأما قصته: فزعموا أن صخرا كان شيطانا ماردا لا يقوى عليه أحد، فابتلى ~~الله تعالى سليمان به، وسلبه ملكه، وقعد هذا الشيطان على كرسيه يقضي بين ~~الناس، وكان سبب ذلك فيما زعموا أن ملك سليمان كان في خاتمه، قال وهب: وكان ~~ذلك الخاتم فما ألبسه الله تعالى آدم عليه السلام في الجنة، وكان يضيء كضوء ~~الشمس، فلما أكل آدم من الشجرة، وعصى الله تعالى سلب الخاتم. # ثم إن الله تعالى أنزله على سليمان، وعقد به ملكه، قالوا: وكان الخاتم ~~مربعا له أربعة أركان، في ركن منه مكتوب: أنا الله لم أزل، وفي الركن ~~الثاني مكتوب: أنا الله الحي القيوم، وفي الركن الثالث مكتوب: أنا العزيز ~~لا عزيز غيري، وفي الركن الرابع مكتوب: محمد رسول الله. # ويقال: كان المكتوب عليه آية الكرسي، قالوا: وكان سليمان عليه السلام إذا ~~دخل مغتسله سلم الخاتم إلى جارية له، فدخل مرة وسلم الخاتم إلى الجارية، ~~فجاء صخر في صورة سليمان فأخذ الخاتم من الجارية، وخرج سليمان يطلب الخاتم، ~~فقالت: قد أخذت مني الخاتم مرة، فعلم [سليمان] أن الله تعالى سلبه ملكه. # وذهب سليمان يسيح في الأرض، ولم يعرفه أحد بصورته، وكان يستطعم الناس ~~PageV04P441 # ويقول: أنا سليمان بن داود، فيكذبونه ويؤذونه ويزعمون أنه مجنون. حتى روى ~~أنه استطعم مرة من قوم وزعم أنه سليمان بن داود، فقام رجل وشج رأسه بعصا في ~~يده، ثم إنهم أعطوه كسرة يابسة، فحمل الكسرة إلى شط نهر ليبليها بالماء، ~~وكان جائعا لم يصب طعاما منذ أيام، فذهب الماء بالكسرة. # ويقال: إنه كان على شط البحر، فجاءت موجة وحملت الكسرة، فدخل هو البحر في ~~إثرها حتى خاف الغرق ms1434 فرجع ورجعت الكسرة ثم إنه طمع فيها وذهب ليأخذها، ~~فذهبت الكسرة، هكذا مرات؛ فبكى سليمان وتضرع إلى الله تعالى فرحمه الله ~~تعالى ورد إليه ملكه. # وكان سبب رد ملكه إليه أنه مر على قوم صيادين؛ فسألهم شيئا ليأكله فأعطوه ~~سمكة ميتة، فشق جوفها، فوجد خاتمة فيها، فجعله في إصبعه، وعاد إليه ملكه، ~~وعكفت الطير في الوقت على رأسه، واجتمع إليه الإنس والجن والشياطين. # وأما مدة ذهاب ملكه كان [أربعين] يوما، وأما حديث صخر الجني فإنه لما أخذ ~~الخاتم، وقد تحول في صورة سليمان، ذهب وقعد على كرسيه، وجعل ينفذ ما كان ~~ينفذه سليمان إلا أن الله تعالى منعه نساء سليمان، هكذا روي عن الحسن. # وقد ذكر غيره أنه كان يصيب من نساء سليمان في الحيض، وذكر أنه يصيب في ~~الحيض وغير الحيض، والله أعلم. # واختلف القول في أنه هل بقي معه الخاتم أولا؟ فأحد القولين: أنه ذهب وطرح ~~الخاتم في البحر. # والقول الآخر: أنه كان معه، والقول الأشهر أولى وأعرف. # وذكر النقاش في تفسيره: أن بني إسرائيل أنكروا أمر صخر الجني؛ لأنه كان ~~يقضي بغير الحق؛ فذهبوا إلى نساء سليمان، وقالوا لهن: تنكرون من أمر سليمان ~~شيئا، فقلن: نعم؛ فحينئذ وقع في قلبهم أن سليمان قد ابتلي، وأن الله تعالى ~~سلبه ملكه، وأن الشخص الذي على الكرسي شيطان. PageV04P442 # فأخذوا التوراة وجاءوا إلى حول الكرسي وجعل يقرءونها؛ فطار صخر إلى أشرف ~~القصر، ثم طار من شرف القصر ومر فوقع في البحر. # وفي التفسير: أن الله تعالى لما رد على سليمان ملكه، أمر الشياطين يطلب ~~صخر، فوجدوه وحملوه إلى سليمان؛ فصفده بالحديد، وجعله في صندوق، وألقاه في ~~البحر، فهو في البحر إلى يوم القيامة. # وأما السبب [الذي] ابتلي الله لأجله سليمان، ففيه أقوال كثيرة: # أحدها: أن الله تعالى كان أمره ألا يتزوج امرأة من غير بني إسرائيل، ~~فخالف وتزوج امرأة من غيرهم، فابتلاه الله تعالى بما ذكرنا. # والقول الثاني: أنه تزوج بامرأة؛ فعبدت المرأة صنما في داره من غير أن ~~يشعر سليمان ms1435 بذلك، فابتلاه الله تعالى لغفلته، وهذا قول مشهور. # والقول الثالث: أنه كانت عنده امرأة، وكان يحبها حبا شديدا، فخاصم أخوها ~~إلى سليمان في شيء مع إنسان، فطلبت المرأة من سليمان أن يقضي لأخيها؛ فقال ~~لها: نعم، ولم يفعل ذلك، فابتلاه الله تعالى. # والقول الرابع: أنه احتجب من الناس ثلاثة أيام، ولم يأذن لأحد، ذكره شهر ~~بن حوشب، وابتلاه الله تعالى بما ذكرنا، وأوحى الله تعالى يا سليمان، إني ~~إنما بعثتك وأعطيتك هذا الملك؛ لتنصف المظلومين، وتكون عونا للضعفاء على ~~الأقوياء، ولم أعطك لتحتجب عن الناس. # والقول الخامس: أنه قال مرة: والله لأطوفن الليلة على نسائي، وكان له ~~ثلاثمائة امرأة، وسبعمائة سرية، ولتحملن كل امرأة منهن، وتلد غلاما يقاتل ~~في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل، فلم تحمل امرأة ~~منهن إلا امرأة واحدة حملت، فولدت نصف إنسان، وابتلاه الله تعالى. ~~PageV04P443 # * (أنت الوهاب (35) فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36)) * * ~~* وهذا خبر مرفوع إلى النبي وعلى هذا القول كان الجسد الذي ألقي على كرسيه ~~هو ولده، وذكر بعضهم: أن سليمان عليه السلام ولد له ابن، فخاف عليه من ~~الشياطين، فأودعه السحاب لتربيه؛ فسقط على كرسيه ميتا، فهو معنى قوله ~~تعالى: * (وألقينا على كرسيه جسدا) والله أعلم. # والقول السادس: ما روي عن الحسن قال: إنه كان أصاب من بعض نسائه في حالة ~~الحيض، فابتلاه الله تعالى بما ذكرنا، والله أعلم بما كان، ولا شك أن الآية ~~تدل على أن الله تعالى قد أقعد على كرسيه غيره، وسلبه شيئا كان له. # وقوله: * (ثم أناب) أي: رجع إلى ملكه. # قوله تعالى: * (قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) فإن ~~قال قائل: كيف قال: * (لا ينبغي لأحد من بعدي) وهل كان هذا حسدا منه لغيره، ~~حتى لا ينال غيره ما نال هو؟ # والجواب: أن معنى قوله: * (لا ينبغي لأحد من بعدي) أي: لا يكون لأحد من ~~بعدي على معنى انك تسلبه وتعطيه غيره، كما سلبت ms1436 من قبل ملكي وأعطيت صخرا.. ~~الخبر. # ويقال: إنما طلب ذلك لتظهر كرامته وخصوصيته عند الله تعالى وقد ثبت ~~برواية أبي هريرة عن النبي أنه قال: ' عرض لي الليلة شيطان، وأراد أن يفسد ~~علي صلاتي؛ فأمكنني الله تعالى منه، فأخذته وأردت أن أربطه حتى تصبحوا ~~فتنظروا إليه، ثم ذكرت قول أخي سليمان * (رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي) فتركته، ورده الله خائبا خاسئا '. # وقوله: * (إنك أنت الوهاب) أي: المعطي. PageV04P444 # * (والشياطين كل بناء وغواص (37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) ~~واذكر) * * قوله تعالى: * (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء) أي: لينة، ~~وقيل: رخاء مطيعة ليست بعاصية. # وقوله: * (حيث أصاب) معناه: حيث أراد، ويقال: إنه كان يغدو بإيلياء، ~~ويقيل بقزوين، ويبيت ببابل، والعرب تقول: أصاب الصواب فأخطأ الجواب أي: ~~أراد الصواب فأخطأ الجواب وقال الشاعر: # (وغيرها ما غير الناس قبلها * فناءت وحاجات الفؤاد تصيبها) أي: تريدها، ~~وقوله: * (والشياطين كل بناء وغواص) أي: وسخرنا الشياطين له كل بناء وغواص ~~منهم، وتسخير الريح والشياطين له بعد ابتلائه بما ذكرنا. # وقوله: * (وآخرين مقرنين في الأصفاد) أي: مغلولين في السلاسل، وكان يأخذ ~~[الشيطان] فيقربه بالشيطان ويصفدها في الحديد ويوبقهما في السلاسل ثم ~~يجعلهما في صندوق من حديد، ويلقي الصندوق في قعر البحر. # قوله تعالى: * (هذا عطاؤنا) فيه أقوال: أحدها وهو الأولى أن الملك عطاؤنا ~~لك * (فامنن) أي: أعط من شئت. # وقوله: * (أو امسك) أي: امنع من شئت * (بغير حساب) أي: بغير حرج. # والقول الثاني: * (هذا عطاؤنا) أي: تسخير الشياطين. # وقوله: * (فامنن أو أمسك) أي: أرسل من شئت، واحبس من شئت. # والقول الثالث: * (هذا عطاؤنا) أي: النسوة عطاؤنا. وقوله: * (فامنن أو ~~أمسك) أي: طلق من شئت، واحبس من شئت * (بغير حساب) أي: بغير حرج، قوله ~~تعالى: * (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) أي: حسن مرجع. PageV04P445 # * (عبدنا أيوب إذ نادى ربه إني مسني الشيطان وعذاب (41) اركض برجلك هذا ~~مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له أهله ومثلهم ms1437 معهم رحمة منا وذكرى لأولي) ~~قوله تعالى: * (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسني الشيطان بنصب وعذاب) ~~وقرئ: ' بنصب وعذاب ' بفتح النون والصاد، والنصب والنصيب بمعنى واحد ~~كالحزنن والحزن، ويقال: بنصب في الجسد، وعذاب في المال. # وقد بينا قصة أيوب من قبل وما أصابه من البلاء، وذكرنا مدة بلائه، ويقال: ~~إنه مكث في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام، وكانت الدواب تجري في ~~جسده، وقد ألقى على مزبلة، وتأذى منه قومه غاية الأذى. # قوله تعالى: * (اركض) أي: اركض الأرض برجلك، فيقال: إنه داس الأرض دوسة، ~~فنبعت عين [ماء]؛ فأمره الله تعالى أن يغتسل منها، فاغتسل فذهب كل داء كان ~~في جسده، ومشى أربعين خطوة، فأمره الله تعالى أن يدوس الأرض برجله دوسة ~~أخرى؛ ففعل؛ فنبعت عين أعذب ما تكون وأبرده؛ فأمره الله تعالى أن يشرب ~~منها؛ فذهب كل داء كان في باطنه، وصار كأصح ما يكون من الرجال وأكملهم؛ فهو ~~معنى قوله تعالى: * (هذا مغتسل بارد وشراب). # قوله تعالى: * (ووهبنا له أهله) قد بينا أن الله تعالى رد عليه أهله ~~وأولاده الذين أهلكهم بأعيانهم، وقد قلنا غير هذا، والقول الأول أشبه بظاهر ~~القرآن، ويقال: إن الأرض انشقت؛ فرأى إبله وبقره وغنمه على هيئتها وخرجت ~~إليه، ورأى أيضا أهله وأولاده كهيئتهم وخرجوا إليه. # وقوله: * (ومثلهم معهم) يقال: [إنهم كانوا سبعة] بنين، وثلاث بنات فأعطاه ~~الله تعالى مثل عددهم، وردهم الله بأعيانهم. # وقوله: * (رحمة منا وذكرى لأولي الألباب) أي: لأولي العقول. PageV04P446 # * (الألباب (43) وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم ~~العبد إنه أواب (44) واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي ~~والأبصار (45)) * * قوله تعالى: * (وخذ بيدك ضغثا) أي: فقلنا له: وخذ بيدك ~~ضغثا، والضغث: كل ما يملأ الكف من خشب أو حشيش أو غيره. # قوله: * (فاضرب به ولا تحنث) يعني: فاضرب به امرأتك، ولا تحنث في يمينك، ~~وكان سبب يمينه أن المرأة أتته بطعام يوما أكثر مما كانت تأتيه كل يوم؛ ~~فاتهمها بخيانة في نفسها، وكانت بريئة، فحلف ms1438 ليضربنها [مائة] سوط إذا برأ ~~من مرضه. # ويقال: إن إبليس قعد على طريق المرأة طبيبا يداوي الناس، فمرت به المرأة، ~~وقالت: إن لي مريضا وأحب أن تداويه، فقال لها: أنا أداويه، فلا أريد شيئا ~~سوى أن يقول إذا شفيته: أنت شفيتني، فجاءت إلى أيوب وذكرت له ذلك، فعرف أنه ~~كان إبليس اللعين، فغضب وحلف على ما ذكرنا. # ويقال: إنها باعت ذؤابتيها برغيفين لطعامه، فلما رأى ذلك أيوب عليه ~~السلام غضب وحلف، وهذا قول غريب. # وقوله: * (فاضرب به ولا تحنث) يعني: فاضرب بالضغث الذي يشتمل على مائة ~~عود صغار * (ولا تحنث) أي: ولا تدع الضرب فتحنث، قال مجاهد: هذا لأيوب ~~خاصة، وقال عطاء: له وللناس عامة. # وقوله: * (إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) أي: رجاع إلى طاعة الله. ~~وفي القصة: أن أيوب قيل له: ما أشد ما مر عليك في بلائك؟ فقال: شماتة ~~الأعداء. # قوله تعالى: * (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار) ~~إنما خص هؤلاء الثلاثة؛ لأن الله تعالى ابتلاهم فصبروا، أما ابتلاء إبراهيم ~~فكان بالنار، وابتلاء إسحق كان بالذبح، وأما ابتلاء يعقوب بفقد الولد. # وقوله: * (أولي الأيدي والأبصار) معناه: أولي القوة في الطاعة، وأولي ~~الأبصار PageV04P447 # * (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين ~~الأخيار (47) واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) هذا ذكر ~~وإن للمتقين) * * * في المعرفة، وقيل: أولي القوة ظاهرا، وأولي الأبصار ~~باطنا، فالقوة قوة الجوارح، والأبصار أبصار القلوب، قال الله تعالى * ~~(فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور). # قوله تعالى: * (إنا أخلصناكم بخالصة ذكرى الدار) وقرئ: ' بخالصة ' من غير ~~تنوين، فأما بالتنوين: فمعناه: بخلة خالصة، وهي ذكرى الدار. # وقيل: إن ذكرى الدار بدل عن قوله: * (خالصة) على هذه القراءة، وأما ~~القراءة بالإضافة، [فمعناها]: أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة، حكى هذا عن أبي ~~زيد، وقال مجاهد: أخلصناهم ما ذكرنا بالجنة لهم. # وعن مالك بن دينار قال ابن عباس: أزلنا عن قلوبهم حب الدنيا وذكرها ~~وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها، وعن بعضهم: وأخلصناهم ms1439 عن الآفات والعاهات، ~~وجعلناهم يذكرون الدار الآخرة، والأولى في قوله: * (أخلصناهم) أي: جعلناهم ~~مخلصين بما أخبرنا عنهم، وقوله: * (وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (واذكر إسماعيل واليسع) إسماعيل: هو إسماعيل بن إبراهيم، ~~وقوله: * (واليسع) اليسع: هو نبي من الأنبياء، ويقال: اليسع هو تلميذ إلياس ~~النبي _ عليه السلام _ ولما رفع الله إلياس _ عليه السلام _ خلف اليسع في ~~قومه، وقوله: * (وذا الكفل) قد بينا، ويقال: إنه رجل كفل لملك بالجنة إن ~~آمن وأطاع الله تعالى وقوله: * (وكل من الأخيار) ظاهر المعنى. # [قوله تعالى: * (هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب)]. PageV04P448 # * (لحسن مآب (49) جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين فيها يدعون ~~فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) هذا ما ~~توعدون ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) هذا وإن للطاغين ~~لشر مآب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) ~~وآخر) * * قوله تعالى: * (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب) أي: أبوابها. # قوله تعالى: * (متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب) أي: بفاكهة ~~الجنة وشرابها، وذكر كثيرة؛ لأن ما في الجنة كثير لعدم انقطاعه، واتساع ~~وجوده. # قوله تعالى: * (وعندهم قاصرات الطرف) أي: قصرن أطرافهن على أزواجهن، ~~وقوله: * (أتراب) أي: أمثال، ويقال: لدات مستويات الأسنان، وعن مجاهد: ~~أتراب متواخيات لا تتعادين ولا تتباغضن، وقيل: لا تتغايرن، قال يحيى بن ~~سلام: بنات ثلاث وثلاثين سنة، وعن بعضهم: أتراب أي: خلقن على مقادير ~~أزواجهن، وأنشد الشاعر في القاصرات: # (من القاصرات الطرف لو دق محول * من الذر فوق الإتب منها لأثرا) قوله ~~تعالى: * (هذا ما توعدون ليوم الحساب) أي: هذا الذي أخبرنا عنه هو ما ~~توعدون ليوم الحساب. # قوله تعالى: * (إن هذا لرزقنا ما له من نفاذ) أي: انقطاع، ومعنى قوله: * ~~(لرزقنا) أي: إعطاؤنا. # قوله تعالى: * (هذا وإن للطاغين لشر مآب) أي: مرجع: والمراد من الطاغين ~~هم الكفار. # وقوله تعالى: * (جهنم يصلونها) أي: يدخلونها، وقيل: يقاسون حرها، وقوله: ~~* (فبئس المهاد) أي: فبئس ما مهدوا لأنفسهم، ويقال: بئس الفراش. # قوله ms1440 تعالى: * (هذا فليذوقوه حميم وغساق) يقال: في الآية تقديم وتأخير ~~PageV04P449 # * (من شكله أزواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار ~~(59)) * * * ومعناه: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وأما معنى الحميم فقد بينا، ~~وهو الماء الحار الذي انتهى في الحرارة، وأما الغساق فهو القيح الذي يسيل ~~من جلودهم، وعن السدي قال: الدموع التي تسيل من أعينهم، وحكى بعضهم عن ابن ~~عباس: أنه الزمهرير يحرقهم ببرده، وحكى النقاش: أن الغساق هو المنتن ~~بالتركية، فعرب، وقد قرئ بالتشديد والتخفيف، فبعضهم قال: لا فرق بينهما في ~~المعنى، وبعضهم فرق بينهما ببعض الوجوه التي ذكرناها. # قوله تعالى: * (وأخر من شكله أزواج) وقرئ: ' وآخر من شكله '، فقوله: * ~~(وأخر) يتناول العدد وقوله: * (وأخر) بالمد يتناول الواحد. # وقوله: * (من شكله) أي: مثله، وقوله: * (أزواج) أي: أصناف، وقيل: أنواع. ~~قال الشاعر: # (لما اكتست من ضرب كل شكل * حمرا وخضرا كاخضرار البقل) ومعنى الآية: أن ~~لأهل النار أنواعا أخر من العذاب على شكل ما سبق ذكره يعني: في الشدة. # قوله تعالى: * (هذا فوج مقتحم معكم) أي: فوج مقتحم معكم بعد الفوج الأول، ~~والاقتحام هو الدخول، واختلف القول في الفوج الأول والفوج الثاني. # فأحد القولين: الفوج الأول هم بنو إسرائيل، والفوج الثاني هم بنو آدم، ~~ويقال: الفوج الأول هم الرؤساء والقادة، والفوج الثاني هم الأتباع. # وقوله: * (لا مرحبا بهم) الرحب هو السعة، وقول القائل: لا مرحبا بفلان ~~أي: لا رحبت أي: لا اتسعت عليه، قال الشاعر: # (إذا جئت بوابا له قال مرحبا * ألا مرحبا ناديك غير مضيق) PageV04P450 # * (قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) قالوا ~~ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) وقالوا ما لنا لا نرى ~~رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار (63) ~~إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) * * وقوله: * (إنهم صالوا النار) أي: داخلوا ~~النار معكم، قوله تعالى: * (قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم) يعني: قال الأتباع ~~للقادة بل أنتم لا مرحبا بكم. # وقوله: * (أنتم قدمتموه لنا) ms1441 أي: قدمتم هذا العذاب لنا بدعائكم إيانا إلى ~~الضلالة والكفر، وقوله: * (فبئس القرار) أي: فبئس دار القرار النار. # وقوله تعالى: * (قالوا ربنا من قدم لنا هذا) أي: قال الأتباع: ربنا من ~~قدم لنا هذا؟ وقوله: * (فزده عذابا ضعفا في النار) أي: ضاعف عليه العذاب في ~~النار. # قوله تعالى: * (وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار) قال ~~ابن عباس: يقول أبو جهل وذووه حين يدخلون النار: أين بلال؟ أين عمار؟ أين ~~خباب؟ وفلان وفلان؟ # وعن بعضهم قال: أهل النار يقولون هذا حين يفقدون أهل الجنة. # وقوله: * (كنا نعدهم من الأشرار) قال بعضهم: من الأرذال، وقال بعضهم: كنا ~~نعدهم من شرار قومنا؛ لأنهم قد تركوا دين آبائهم. # قوله تعالى: * (اتخذناهم سخريا) أي: كنا سنخر منهم، وقرئ: ' اتخذناهم ~~سخريا ' على الاستفهام، قال أهل المعاني: والقراءة الأولى أولى، لأنهم قد ~~علموا حقيقة الأمور في القيامة، فلا يتصور منهم الاستفهام، وقال الفراء: ~~الألف في قوله: * (اتخذناهم) ألف التوبيخ والتعجب، والعرب تذكر مثل هذه ~~الألف على طريق التوبيخ والتعجب. # وقوله: * (أم زاغت عنهم الأبصار) أي: مالت عنهم الأبصار، ومعناه: أنهم ~~معنا في النار ولا نراهم. PageV04P451 # (* (64) قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) رب ~~السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66) قل هو نبأ عظيم (67) أنتم ~~عنه معرضون (68) ما كان) * * قوله تعالى: * (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) ~~أي: مراجعة بعضهم بعضا القول بمنزلة المتخاصمين. # قوله تعالى: * (قل أنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار) أي: ~~أنا الرسول المنذر، والله الواحد القهار [القاهر] عباده بما يريد. # قوله تعالى: * (رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار) أي: المنيع ~~في ملكه، الغفار لذنوب عباده. # قوله تعالى: * (قل هو نبأ عظيم) أي: القرآن نبأ عظيم، وقيل: ذو شأن عظيم، ~~وأول بعضهم النبأ العظيم بالقيامة، وقوله: * (أنتم عنه معرضون) أي: عنه ~~لاهون، وله تاركون. # قوله تعالى: * (ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصون) ذهب أكثر أهل ~~التفسير إلى أن المراد ms1442 بالملأ الأعلى هم الملائكة، وهذا قول ابن عباس ~~وغيره. # وقوله: * (إذ يختصمون) قال ابن عباس رضي الله عنه هو قولهم لله تعالى في ~~أمر آدم: * (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) الآية إلى آخرها. # وأما المأثور عن النبي في الآية فهو ما رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه ' ~~أن النبي احتبس عنا ذات غداة حتى كدنا نتراءى عين الشمس، ثم خرج سريعا، ~~وثوب بالصلاة، وصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم قال: هل تدرون بما احتبست عنكم؟ ~~فقلنا: لا. فقال: إني قمت من الليل وتطهرت وصليت ما شاء الله، ثم نعست ~~واستثقلت، PageV04P452 # * (لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلي إلا أنما أنا ~~نذير مبين)) * * فإذا ربي في أحسن صورة. # فقال: يا محمد، قلت: لبيك. # فقال: أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا فوضع كفه بين كتفي حتى ~~وجدت برد أنامله في ثندوتي؛ فتجلى لي كل شيء، وعرفته. # ثم قال لي: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ # فقلت: نعم في الكفارات، قال: ما هن؟ قلت: في مشي الأقدام إلى الجماعات، ~~وإسباغ الوضوء على المكروهات، والجلوس في المساجد بعد الصلاة. # قال: وفيم أيضا؟ # قلت: في إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام. # فقال لي: سل يا محمد. # فقلت: أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي ~~وترحمني، وأسألك حبك، وحب من يجبك وحب عمل يقربني إلى حبك. # ثم قال النبي: ' إنهن حق فادرسوهن وتعلموهن ' قال أبو عيسى الترمذي: هذا ~~حديث صحيح، وقد روى هذا الخبر بوجوه أخر، ولم يذكر في بعضها النوم، وأصحها ~~هذه الرواية، والله أعلم. # وفي الآية قول آخر: أن الملأ الأعلى هم أشراف قريش واختصامهم أن بعضهم ~~قالوا: الملائكة بنات الله، وبعضهم قالوا غير ذلك، فهو اختصامهم، والأصح هو ~~القول الأول. PageV04P453 # (* (70) إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) إلا ~~إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) قال يا إبليس ms1443 ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي أستكبرت أم كنت من العالين (75) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته ~~من طين) * * واختصام الملائكة هو كلامهم في هذه الأعمال، وأقدار المثوبة ~~فيها، وزيادة بعض الأعمال على البعض في الثواب. # قوله تعالى: * (إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين) أي: ما يوحى إلي إلا ~~أنما أنا نذير مبين. # قوله تعالى: * (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين) يعني: آدم ~~صلوات الله عليه قوله تعالى: * (فإذا سويته) أي: جمعت خلقه وأتممته. # وقوله: * (ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من ~~الكافرين) قد بينا، قوله تعالى: * (قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي) قد بينا. # وقوله: * (أستكبرت) أي: تعظمت، وقوله: * (أم كنت من العالين) أي: من ~~القوم المتكبرين، قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة، وكان خازن ~~الجنان، وأمين السماء الدنيا، فأعجبته نفسه، ورأى أن له فضلا على غيره، ~~فلما أمره الله تعالى بالسجود لآدم امتنع لذلك الذي كان في نفسه. # قوله تعالى: * (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) وإنما قال ~~إبليس هذا لأنه [ظن] أن الدنيا فضلا على الطين، ولم يكن على ما ظن، بل ~~الفضل لمن أعطاه الله الفضل. # قوله تعالى: * (قال فأخرج منها فإنك رجيم) أي: مرجوم، والمرجوم: هو ~~المبعد PageV04P454 # (* (76) قال فأخرج منها فإنك رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ~~(78) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) إلى ~~يوم الوقت المعلوم (81) قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم ~~المخلصين (83) قال فالحق والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين (85) قل) * * باللعنة، قوله تعالى: * (وإن عليك لعنتي إلى يوم ~~الدين) أي: إلى يوم القيامة، وقيل: إلى يوم الحساب. # قوله تعالى: * (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) أي: أمهلني، وقوله: * ~~(قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) أي: إلى نفخ الصور، وهو ~~النفخة ms1444 الأولى، وإنما أراد اللعين أن يمهل إلى النفخة الثانية فينجو من ~~الموت، فعلم الله تعالى مراده، فلم يجبه إلى مراده، وأمهله إلى أن ينفخ في ~~الصور للنفخة الأولى، ويموت الخلق فيموت معهم. # قوله تعالى: * (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين) أي: لأضلنهم أجمعين. # وقوله تعالى: * (إلا عبادك منهم المخلصين) أي: الذين أخلصتهم لنفسك. # قوله تعالى: * (قال فالحق والحق أقول) وقرئ: ' فالحق والحق أقول '، أما ~~القراءة بالنصب فيهما فعلى معنين: # أحدهما: حقا حقا أقول: والمعنى الثاني: أن الأول نصب على معنى أقول الحق، ~~والثاني: نصب على الإغراء كأنه قال: الزموا الحق، ذكره الأزهري، وأما ~~القراءة الثانية قوله: * (فالحق) أي: أنا الحق، وقيل: مني الحق، وقوله: * ~~(والحق) أي: أقول الحق، وقوله: * (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) ~~ظاهر المعنى. # قوله: * (قل ما أسألكم عليه من أجر) أي: من جعل، وقوله: * (وما أنا من ~~المتكفلين) أي: لم أقل ما قلته من تلقاء نفسي، وكل من قال شيئا من تلقاء ~~نفسه فقد تكلف له. PageV04P455 # * (ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) إن هو إلا ذكر ~~للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88).) * * قوله تعالى: * (إن هو إلا ~~ذكر للعالمين) أي: ما هو إلا ذكر للعالمين أي: شرف للعالمين تذكير لهم. # قوله تعالى: * (ولتعلمن نبأه بعد حين) أي: يوم القيامة، ويقال: بعد ~~الموت، وقيل: يوم بدر، وكان الحسن البصري يقول: يا ابن آدم، عند الموت ~~يأتيك الخبر. PageV04P456 # بسم الله الرحمن الرحيم * (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين ~~الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما) * * تفسير سورة الزمر ويقال: سورة ~~الغرف، وهي مكية إلا قوله تعالى: * (الله نزل أحسن الحديث) وإلا قوله ~~تعالى: * (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) وعن وهب بن منبه أنه قال: ~~من أحب أن يعرف قضاء الله تعالى بين خلقه، فليقرأ سورة الغرف. # قوله تعالى: * (تنزيل الكتاب) الآية. معناه: هذا تنزيل الكتاب، ويقال: ~~تنزيل الكتاب، مبتدأ، وخبره ' من الله ms1445 '، وقوله: * (العزيز الحكيم) أي: ~~العزيز في ملكه، الحكيم في أمره. # قوله تعالى: * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق) أي: بما حق إنزاله لما ~~حكمت بذلك في كتب المتقدمين، ويقال: بالحق أي: بحقي عليك وعلى جميع خلقي. # وقوله * (فاعبد الله مخلصا له الدين) الإخلاص هو التوحيد، ويقال: الإخلاص ~~هو تصفية النية في طاعة الله تعالى. # وقوله: * (ألا لله الدين الخالص) أي: الدين الذي ليس فيه شرك هو لله أي: ~~واقع برضاه، وأما الدين الذي فيه شرك فليس لله، وإنما ذكر هذا؛ لأنه قد ~~يوجد دين ولا توحيد ولا إخلاص منه، ويقال: * (ألا لله الدين الخلاص) يعني: ~~هو ينبغي أن يوحد، ولا يشرك به سواه، وهذا لا ينبغي لغيره، وعن قتادة قال: ~~ألا لله الدين الخالص: هو قول القائل لا إله إلا الله. # قوله تعالى: * (والذين اتخذوا من دونه أولياء) أي: من دون الله أولياء * ~~([ما] نعبدهم) قرأ ابن عباس [وابن] مسعود ومجاهد قالوا: * (ما نعبدهم)، وفي ~~PageV04P457 # * (عبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه ~~يختلفون إن إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) لو أراد الله أن يتخذ ولدا ~~لأصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار (4) خلق السماوات ~~والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو) * * حرف أبي بن كعب: * (ما نعبدكم)، ~~والمعنى على القراءة المعروفة أي: قالوا ما نعبدهم، أو يقولون: ما نعبدهم ~~أي: ما نعبد الملائكة * (إلا ليقربونا إلى الله زلفى) أي: القربة. # ومعنى الآية: انهم يشفعون لنا عند الله. # وقوله: * (إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون) يعني: يوم القيامة. # قوله تعالى: * (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) أي: كاذب على الله، ~~كفار بنعم الله تعالى. # قوله تعالى: * (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى) أي لاختار * (مما ~~يخلق) ثم نزه نفسه، فقال: * (سبحانه) يعني: لا ينبغي له أن يفعل، ولا يليق ~~بطهارته. # وقوله: * (هو ms1446 الله الواحد القهار) أي: الواحد في ذاته، القهار لعباده. # قوله تعالى: * (خلقكم من نفس واحدة) أي: آدم، وقوله: * (وخلق منها زوجها) ~~أي: حواء، وقد بينا أنه خلقها من ضلع من أضلاعه. # وقوله: * (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) أي: وخلق لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج، وهو مثل قوله تعالى: * (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يواري سوءاتكم) أي: خلقنا، ومثل قوله: * (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) أي: ~~PageV04P458 # * (العزيز الغفار (5) خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من ~~الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ~~ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) إن تكفروا فإن ~~الله غني عنكم ولا) * * * خلقنا، وفي بعض التفاسير: أن الله تعالى خلق ~~الأنعام في سماء الدنيا [ثم]. أنزلها إلى الأرض، وهي ثمانية أزواج: جمل ~~وناقة، وثور وبقرة، وكبش ونعجة، وتيس وعنز. # وفي تفسير النقاش: أن الله تعالى أنزل على آدم المعلاة والمطرقة ~~والكلبتين، وكان على جبل، فرأى قضيبا ثابتا من حديد؛ فأخذه وضرب به ~~الأشجار، وكانت يابسة، فتكسرت يعني: الأشجار ثم أورى نارا من الحديد ~~والحجر، وأوقد بالأشجار على الحديد حتى ذاب، ثم ضرب منه مدية، ثم بعد ذلك ~~اتخذ منه تنورا، وهو التنور الخابزة، وذلك أول ما اتخذه آدم. # وقوله: * (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق) أي: نطفا ثم علقا ثم ~~مضغا ثم عظاما. # وقوله: * (في ظلمات ثلاث) قال ابن عباس: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة ~~المشيمة. وعن بعضهم: ظلمة الصلب، وظلمة الرحم، وظلمة البطن، وهذا لأن الولد ~~يخلق حين يخلق في الرحم، ثم يرتفع إلى البطن. # قوله تعالى: * (ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون) أي: ~~عن الحق، قوله تعالى: * (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده ~~الكفر) فيه قولان: أحدهما: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر. # والآخر: أنه لا يرضى لجميع عباده الكفر، وعلى هذا القول فرق بين الإرادة ~~وبين الرضا، ms1447 فقال: إن المعاصي بإرادة الله تعالى وليست برضاه ومحبته، وقد ~~نقل هذا PageV04P459 # * (يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ~~ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) وإذا مس ~~الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل وجعل لله) * * * عن قتادة، وكلا القولين محتمل. # والثاني هو الأولى والأقرب بمذهب السلف. # وقوله: * (وإن تشكروا يرضه لكم) أي: يختار الشكر لكم، وقوله: * (ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى) أي: لا يحمل على أحد ذنب أذنبه غيره، وقوله: * (ثم إلى ~~ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور). # قوله تعالى: * (وإذا مس الإنسان ضر) أي: بلاء وشدة * (دعا ربه منيبا ~~إليه) راجعا إليه، وقوله: * (ثم إذا خوله) أي: أعطاه، قال الشاعر: (أعطى ~~فلم يبخل ولم يبخل * كوم الذرى من خول المخول) وقوله: * (نعمة منه) أي: ~~عطية منه، وقوله: * (نسي ما كان يدعو إليه من قبل) أي: نسي دعاءه الذي كان ~~يدعو من قبل، ويقال: نسي الله الذي كان يدعوه من قبل. # وقوله: * (وجعل لله أندادا) أي: وصف الله بالأنداد والأشباه، وقوله: * ~~(ليضل عن سبيله) أي: عن سبيل الحق. # وقوله: * (قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار) أي: يوم القيامة. قال ~~أهل التفسير: نزلت هذه الآية في أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله ~~المخزومي، وقيل: في كل كافر. # قوله تعالى: * (أمن هو قانت) وقرئ: ' أمن هو قانت ' أي: مطيع، وقيل: ~~قائم، وقوله: * (آناء الليل) أي: ساعات الليل، وقوله: * (ساجدا وقائما) أي: ~~ساجدا على وجهه، قائما على رجليه كمن ليس حاله هذا، وهو ما ذكرنا من قبل، ~~وقيل: أهذا أفضل أو هذا؟ وأما القراءة بالتخفيف ففيه قولان: PageV04P460 # * (أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار (8) أمن ~~هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ms1448 (9) قل يا عباد ~~الذين آمنوا اتقوا) * * أحدهما أمن هو قانت كمن ليس بقانت، والقول الآخر: ~~معناه: يا من هو قانت عل النداء، قال الشاعر: (أبني لبينى لستم بيد * إلا ~~يدا ليست لها عضد) أي: يا بني لبيني، واختلف القول في أن الآية فيمن نزلت، ~~فعن ابن عمر. أنها نزلت في عثمان بن عفان، وعن الضحاك: أنها نزلت في أبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهما وحكى الكلبي: أنها نزلت في ابن مسعود وعمار ~~وسلمان، وفي بعض الروايات: أبو ذر وصهيب معهم. # وقوله: * (يحذر الآخرة) أي: يخاف الآخرة (ويرجو رحمة ربه) أي: يطمع في ~~رحمة ربه. # وقوله: * (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) بمعنى: لا يستوون، ~~ويقال: الذين يعلمون هم المؤمنون، والذين لا يعلمون هم الكفار، ويقال: ~~الذين يعلمون العلماء، والذين لا يعلمون الجهال. # وحكى النقاش في تفسيره عن أبي جعفر محمد بن علي الباقرأنه قال: الذين ~~يعلمون محبونا وشيعتنا، والذين لا يعلمون أعداؤنا، وقوله: * (إنما يتذكر ~~أولو الألباب) أي: أولو العقول. # قوله تعالى: * (قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم) أي: احذروا ربكم ~~وخافوه. # وقوله: * (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة) أحسنوا أي: آمنوا، ويقال: ~~أحسنوا بطاعة الله، وقوله: * (في هذه الدنيا حسنة) أي: الصحة والعافية، ~~وقيل: الرزق الواسع، ويقال: العيش في طاعة الله. PageV04P461 # * (ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب (10) قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ~~(11) وأمرت لأن أكون أول المسلمين (12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم ~~عظيم (13) قل) * * وقوله: * (وأرض الله واسعة) قال سعيد بن جبير: من أمر ~~بالمعاصي فليهرب، وفي الآية أمر بالهجرة عن البلد الذي تظهر فيه المعاصي ~~إلى بلد لا تظهر فيه المعاصي، ويقال فيه: أرض الله واسعة أي: المدينة، فأمر ~~بالمهاجرة من مكة إلى المدينة، ويقال: نزلت الآية في جعفر بن أبي طالب ~~وأصحابه، حيث هاجروا من مكة إلى الحبشة. # وقوله: * (إنما يوفى الصابرون) أي: الغربة والخروج من الوطن ms1449 فرارا بدينهم ~~* (أجرهم بغير حساب) أي: بغير تقدير، وفي الخبر أن النبي قال: ' لما أنزل ~~الله تعالى: * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) رب زد أمتي، فأنزل الله ~~تعالى: * (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل) ثم قال: زد أمتي؛ فأنزل الله تعالى: * (إنما يوفى الصابرون أجرهم ~~بغير حساب). # وعن علي رضي الله عنه قال: كل مطيع يكال كيلا ويوزن وزنا إلا الصابرون؛ ~~فإنهم يحثى لهم حثيا. # قوله تعالى: * (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين) أي: مخلصا له ~~التوحيد، وإخلاص التوحيد: أن لا تشرك به غيره. # وقوله: * (وأمرت لأن أكون أول المسلمين) أي: أول المسلمين من قريش، قوله ~~PageV04P462 # * (الله أعبد مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين ~~الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) ~~لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد ~~فاتقون (16) والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم ~~البشرى فبشر عباد (17) الذين) * * تعالى * (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب ~~يوم عظيم) أي: عصيت ربي بالشرك. وقيل بالشرك وغيره، ويجوز أن يكون الخطاب ~~معه، والمراد به الأمة. # قوله تعالى: * (قل الله أعبد مخلصا له ديني) أي: توحيدي، وقوله: * ~~(فاعبدوا ما شئتم من دونه) هذا على طريق التهديد والوعيد. # وقوله: * (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة) فإن ~~قال قائل: أيش معنى خسران الأهلين؟ # قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: أنه ما من أحد إلا وباسمه أهل في الجنة، ~~فإذا كفر وأدخل النار خسر أهله على معنى أنه يعطي الذي كان باسمه غيره. # والوجه الثاني: أن خسران النفس بإدخاله النار، وخسران الأهل بأن يفرق ~~بينه وبين أهله. # وقوله: * (ألا ذلك هو الخسران المبين) أي: البين، قوله تعالى: * (لهم من ~~فوقهم ظلل من النار) والظلل: جمع الظلة، والظلة: الجبل، والمراد من قوله: ' ~~ظلل ' كثرة العذاب، وقوله: * (ومن تحتهم ظلل) قد بينا. # وقوله: * (ذلك ms1450 يخوف الله به عباده) أي: يحذرهم. # وقوله: * (يا عباد فاتقون) أي: فاحذروا عذابي. # قوله تعالى: * (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها) أي: الشيطان، ويقال: ~~الطاغوت اسم أعجمي، وقيل: اسم عربي مشتق من الطغيان. # وقوله: * (وأنابوا إلى الله) أي: رجعوا إلى الله. PageV04P463 # * (يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا ~~الألباب (18) أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19) لكن ~~الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد ~~الله لا يخلف الله) * * وقوله: * (لهم البشرى) أي: البشارة بالجنة، وقوله: ~~* (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه). # في الآية أقاويل: # أحدها: يستمعون القول أي: القرآن، فيتبعون أحسنه، والأحسن هو العفو، ~~والانتصار على الظالم مذكور في القرآن، والعفو مذكور، والعفو أحسن الأمرين. # والقول الثاني: يستمعون القول أي: يستمعون القرآن وغير القرآن. # وقوله: * (فيتبعون أحسنه) أي: القرآن، وقال بعضهم: يستمعون الرخص ~~والعزائم، فيتبعون أحسنها أي: العزائم. # والقول الرابع: يستمعون القول أي: الكلام، فيتبعون أحسنه أي: قول لا إله ~~إلا الله، وقوله: * (أولئك الذين هداهم الله) أي: أرشدهم الله إلى الحق. # وقوله: * (وأولئك هم أولوا الألباب) أي: أولوا العقول. # قوله تعالى: * (أفمن حق عليه كلمة العذاب) كلمة العذاب: قوله تعالى: * ~~(لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) ويقال: كلمة العذاب: قوله ' هؤلاء في ~~النار ولا أبالي '. # وقوله: * (أفأنت تنقذ من في النار) أي: لا تنفذه، قوله تعالى: * (لكن ~~الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد ~~الله لا يخلف الله الميعاد) أي: ميعاده. # قوله تعالى: * (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في ~~الأرض) أي: PageV04P464 # * (الميعاد (20) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في ~~الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ~~إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (21) أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم) * * أجراه أنهارا في الأرض. # وقوله: * (ثم يخرج ms1451 به زرعا مختلفا ألوانه) أي: أصفر وأحمر وأخضر. # وقوله: * (ثم يهيج) أي: ييبس، يقال: هاج النبات إذا يبس. # وقوله: * (فتراه مصفرا) أي: ترى النبات مصفرا، وقوله: * (ثم يجعلهه ~~حطاما) أي: فتاتا، وقوله: * (إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب) ظاهر المعنى، ~~والذكرى هي: التذكرة. # قوله تعالى: * (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) أي: وسع ~~الله صدره للإسلام. # وقوله: * (فهو على نور من ربه) في الخبر: أن النبي قال: ' إذا دخل النور ~~في قلب المؤمن انشرح وأنفسح، قيل يا رسول الله، وهل لذلك من علامة؟ قال: ~~نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت ~~قبل حلول الموت '. # وقوله: * (فهو على نور من ربه) يحتمل أن يكون النور قبل أن يسلم، ويحتمل ~~أن يكون بعد الإسلام، ثمرة إسلامه، وأما شرح الصدر: هو التوطئة للإسلام ~~والتمهيد له. # وقوله: * (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) أي: الذين لا يذكرون الله، ~~وكل من ترك ذكر الله فقد قسا قلبه، قوله: * (أولئك في ضلال مبين) أي: بين. ~~PageV04P465 # * (من ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله ذلك هدى) * * قوله تعالى: * (الله نزل أحسن الحديث) أي: القرآن، ~~وسماه حديثا؛ لأنه حديث إنزاله، وقيل: ' الله نزل أحسن الحديث ' أي: أحسن ~~الكلام. # وقد ورد في الأخبار: ' فضل كلام الله على كلام خلقه كفضله على خلقه '. # وقوله: * (كتابا متشابها) أي: يشبه بعضه بعضا في الصدق وصحة المعنى، ~~ويقال: متشابها أي: الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة. # وقوله: * (مثاني) أي: ثنى فيه ذكر الوعد والوعيد، وذكر الأمر والنهي، ~~ويقال: مثاني أي: الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة. # وقوله: * (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) أي: قلوب الذين يخشون ربهم؛ ~~فكنى بالجلود عن القلوب، ويقال: معنى الجلود هي نفس الجلود، وفي بعض ~~الآثار: ' من أخذته قشعريرة من خوف الله تعالى تحاتت عنه خطاياه كما يتحايت ~~ورق الشجر '. # وقوله: ms1452 * (ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) أي: بذكر الله، وحقيقة ~~PageV04P466 # * (الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) أفمن يتقي ~~بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (24) كذب ~~الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) فأذاقهم الله الخزي في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (26) ولقد ضربنا للناس ~~في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم ~~يتقون (28) ضرب الله) * * المعنى: أن قلوبهم تقشعر عند الخوف، وتلين عند ~~الرجاء. # وقوله: * (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء) أي: من يشاء من عباده، وقوله: * ~~(ومن يضلل الله فما له من هاد) أي: من مرشد. # قوله تعالى: * (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة) فيه قولان: ~~أحدهما: أنه سحب في النار سحبا على وجهه. # والقول الآخر: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب؛ لأن يد الكافر تكون مغلولة، ~~فيتقي بوجهه العذاب، كما يتقي الرجل بيده. # وقوله: * (وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون) ظاهر المعنى. # وقوله: * (كذب الذين من قبلهم) أي: بالقيامة، وقوله: * (فأتاهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون) أي: لا يعلمون. # قوله تعالى: * (فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا) أي: العذاب الذي ~~يخزيهم، وقوله: * (ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) أي: عذاب الآخرة ~~وهو عذاب النار أكبر من كل عذاب. # قوله تعالى: * (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) أي: شبه ~~ومثال، وقوله: * (لعلهم يتذكرون) أي: يتذكرون ما فيه من الأمثال. # قوله تعالى: * (قرآنا عربيا غير ذي عوج) أي: أنزلنا قرآنا عربيا غير ذي ~~عوج أي: غير ذي لبس، قال مجاهد: ويقال: غير مختلف؛ لأن بعضه يصدق البعض، ~~وروى الوالبي عن ابن عباس أنه قال: غير ذي عوج أي: غير مخلوق، وحكى سفيان ~~بن PageV04P467 # * (مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم) * * عيينة عن سبعين ms1453 من التابعين: أن القرآن ليس بخالق ~~ولا مخلوق، وهذا اللفظ أيضا منقول عن علي بن الحسين زين العابدين، وقوله: * ~~(لعلهم يتقون) أي: يتقون الله. # قوله تعالى: * (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون) أي: متعاسرون، ~~وقوله: * (ورجلا سلما لرجل) أي: سلما خالصا لرجل، وهذا ضرب مثل للمؤمن ~~والكافر؛ فإن الكافر يعبد أصناما كثيرة، والمؤمن لا يعبد إلا الله وحده. # وقوله: * (هل يستويان مثلا) أي: شبها، وقوله: * (الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون) معناه: الحمد لي على ما بينته من الحق، وقوله: * (بل أكثرهم لا ~~يعلمون) أي: الكفار. # قوله تعالى: * (إنك ميت وإنهم ميتون) أي: ستموت، والميت والميت واحد، ~~وفرق بعضهم بينهما؛ فقال: الميت: هو الذي مات حقيقة، والميت هو الذي سيموت؛ ~~قال الشاعر: # (ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء) وفائدة الآية أن ~~الله تعالى بين أن محمدا يموت لما علم من اختلاف أصحابه في موته. # قوله تعالى: * (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) ظاهر المعنى. # وفي بعض المسانيد برواية الزبير بن العوام رضي الله عنه أنه قال لرسول ~~الله حين نزلت هذه الآية: * (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون): ' يا ~~رسول الله، أيكرر علينا ما كان بيننا من خواص الذنوب؟ قال رسول الله: نعم، ~~PageV04P468 # * (تختصمون (31) فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في ~~جهنم مثوى للكافرين (32) والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33)) ~~* * فقال الزبير: إن الأمر إذا لشديد '. # وعن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت هذه الآية: * (ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون) لم ندر ما هذه الخصومة حتى وقع بين أصحاب رسول ~~الله ما وقع؛ فعرفنا أنها هي. # قوله تعالى: * (فمن أظلم ممن كذب على الله) قال مجاهد وقتاة: كذبهم على ~~الله: زعم اليهود أن عزيرا ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله. # وقال بعضهم: كذبهم على الله: تكذيب أنبياء الله، وقال السدي: هو الشرك، ~~وزعم قريش أن الملائكة بنات الله. # وقوله: * (وكذب بالصدق ms1454 إذ جاءه) أي: بالقرآن إذ جاءه، ويقال: بالرسول إذ ~~جاءه. وقوله: * (أليس في جهنم مثوى للكافرين) استفهام بمعنى التقرير. # قوله تعالى: * (والذي جاء بالصدق وصدق به) أظهر الأقاويل: أن معنى قوله: ~~* (والذي جاء بالصدق) محمد * (وصدق به) هم المؤمنون. وفي قراءة عبد الله ~~ابن مسعود: ' والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به ' ومعنى قوله: * (والذين جاءوا ~~بالصدق) هم المؤمنون * (وصدقوا به) أي: صدقوا به في الدنيا، وجاءوا بالصدق ~~في الآخرة، وأول مجاهد القراءة المعروفة على هذا. # قال أهل اللغة: وقد يذكر الذين والذي بمعنى واحد، قال الشاعر: ~~PageV04P469 # * (لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ ~~الذي) * * (وإن الذي جاثت بفلح دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالد) ~~والقول الثاني في الآية: أن الذي جاء بالصدق هو جبريل - عليه السلام - وصدق ~~به هو محمد. # والقول الثالث: والذي جاء بالصدق محمد وصدق به أبو بكر - رضي الله عنه - ~~قاله عوف بن عبد الله وغيره. # والقول الرابع: والذي جاء بالصدق محمد، وصدق به علي - رضي الله عنه - ~~حكاه ليث عن مجاهد وقوله: * (أولئك هم المتقون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (لهم ما يشاءون عند ربهم) أي: ما يختارون. # هذه الآية تدل على النائم قد خرجت الروح من جسده، ونحن نعلم قطعا أن ~~الروح في جسده، ألا ترى أنه يتنفس ويرى الرؤيا، وذلك لا يكون إلا مع قيام ~~الروح؟ # والجواب عنه: أن النفس على وجهين: أحدهما: النفس المميزة التي تكون لها ~~إدراك الأشياء. # والآخر: هي النفس التي بها الحياة، وفي الخبر: ' أن النبي قال: ' كما ~~تنامون تموتون، وكما تستيقظون تبعثون '. # ويقال: للإنسان نفس وروح، فعند النوم تخرج النفس وتبقى الروح، وهذا القول ~~قريب من القول الأول. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في ~~الجسد؛ فبذلك ترى الرؤيا، وإذا نبه من النوم عادت الروح إلى جسده بأسرع من ~~اللحظة، والله أعلم. # وقد ثبت عن النبي أنه كان يقول عند النوم: ' اللهم إنك تتوفاها؛ فإن ~~PageV04P470 # * (عملوا ويجزيهم ms1455 أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35) أليس الله بكاف ~~عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد (36) ومن يهد ~~الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي ~~الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ~~فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاي يجزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) إنا أنزلنا ~~عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت ~~عليهم بوكيل (41) الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ~~فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون (42) أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو) * * أمسكتها ~~فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين '. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) أي: لعبرا لقوم يتفكرون في ~~آياتنا. # قوله تعالى: * (أم اتخذوا من دون الله شفعاء) أي: أصناما تشفع لهم، وهذا ~~على طريق الإنكار والتوبيخ. # وقوله: * (قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون) أي: طلبوا الشفاعة ~~ممن لا يملك شيئا ولا يعقل، قوله تعالى: * (قل لله الشفاعة جميعا) معناه: ~~أنه لا يشفع أحد إلا بإذنه، فالشفاعة من عنده؛ لأنها لا تكون إلا بإذنه. # وقوله: * (له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون) ظاهر المعنى. # وروي أن جبريل - عليه السلام - قال للنبي: لله خلق السماوات وما فيهن، ~~PageV04P471 # * (كانوا لا يمكلكون شيئا ولا يعقلون (43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك ~~السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44) وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45) قل اللهم ~~فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا ~~فيه يختلفون (46)) * * وخلق الأرض وما فيهن، وخلق ms1456 ما بينهم مما يعلم ومما ~~لا يعلم. # قوله تعالى: * (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت) أي: نفرت وانقبضت، وقوله: * ~~(قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي: الكفار. # وفي التفسير: أن رسول الله كان إذا قال: لا إله إلا الله نفروا جميعا ~~(عن) قوله. # وقوله: * (وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) أي: يفرحون، ويقال: ~~إن هذه الآية نزلت حين ألقى الشيطان على لسان النبي من ذكر الأصنام ~~بالشفاعة، وهو قوله: تلك الغرانيق العلى على ما ذكرنا، فهو معنى قوله: * ~~(إذا هم يستبشرون) لأنهم لما سمعوا ذلك استبشروا وفرحوا، وقالوا للنبي: يا ~~محمد، ما كنا نريد منك إلا هذا، وهو ألا تعيب آلهتنا، ولا تذكرها إلا ~~بالخير، وإلا فنحن نعلم أن الله خالق السماوات والأرض. # قوله تعالى: * (قل اللهم فاطر السماوات والأرض) أي: خالق السماوات والأرض ~~* (عالم الغيب والشهادة) أي: السر والعلانية. # وقوله: * (أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون) أي: من أمر دينهم، ~~وعن بعضهم قال: صحبت الربيع بن خثيم كذا كذا سنة، فلم أسمع منه كلاما إلا ~~ذكر الله تعالى، فلما قتل الحسين - رضي الله عنه - قلنا: الآن يتكلم بشيء؛ ~~فأخبر بذلك؛ فلما سمع قرأ هذه الآية: * (قل اللهم فاطر السماوات والأرض ~~عالم الغيب والشهادة) الآية. PageV04P472 # * (ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء ~~العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم ~~سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (48) فإذا مس الإنسان ضر ~~دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين) * * قوله تعالى: * (ولو أن للذين ~~ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به) قد بينا هذا من قبل، وقد ~~ثبت عن النبي: ' أن الله تعالى يقول يوم القيامة للكافر: أرأيت لو كان لك ~~ملء الأرض ذهبا، أكنت مفتديا بها؟ فيقول: نعم. فيقول الله تعالى: سألتك ~~أهون من ذلك وأنت في صلب ms1457 أبيك أن لا تشرك بي شيئا؛ فأبيت إلا أن تشرك بي '. # وقوله: * (من سوء العذاب يوم القيامة) أي: من العذاب القبيح والشديد يوم ~~القيامة، وقوله: * (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) أي: ظهر لهم من ~~الله ما لم يأملوه، ولم يكن في حسابهم وظنهم، وروى أن محمد بن المنكدر جزع ~~عند الموت؛ فسئل عن ذلك؛ فقال: أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أحتسب. # وقوله: * (وبدا لهم سيئات ما كسبوا) أي: ظهر لهم مساوئ أعمالهم. وقوله: * ~~(وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) أي: نزل بهم جزاء ما كانوا به يسخرون. # قوله تعالى: * (فإذا مس الإنسان ضر) أي: شدة وبلية، وقوله: * (دعانا) أي: ~~طلب منا كشفه، وقوله: * (ثم إذا خولناه نعمة منا) أي: أعطيناه نعمة منا. # وقوله: * (قال إنما أوتيته على علم) أي: أعطيته على علم أي: لعلمي وجهدي، ~~ويقال: أعطيته على علم الله منه - جل جلاله - أني أهل لما أعطانيه، ويقال: ~~على شرف مني وكرامة لي. # وقوله: * (بل هي فتنة) أي: اختبار وبلية، وقوله: * (ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون) أي: لا يعلمون أن ما نعطي من النعمة اختبار وبلية. PageV04P473 # * (من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم سيئات ما كسبوا ~~والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51) أو لم ~~يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ~~(52) قل يا عبادي) * * قوله تعالى: * (قد قالها الذين من قبلهم) أي: قال ~~هذه الكلمة الذين من قبلهم، وفي التفسير: أن المراد من هذا هو قارون، فإنه ~~قال: إنما أوتيته على علم عندي. # وقوله: * (فما أغنى عنهم ما يكسبون) أي: لم يغن عنهم ما اكتسبوا شيئا. # قوله تعالى: * (فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم ~~سيئات ما كسبوا) أي: يصيب الكفار من هذه الأمة من البلاء والعقوبة ما أصاب ~~الأمم الماضية. # وقوله: * (وما هم بمعجزين) أي: بفائتين ولا سابقين. # قوله تعالى: * (أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق ms1458 لمن يشاء ويقدر) يبسط ~~أي: يوسع، ويقدر أي: يقلل. # وفي بعض الأخبار ((أن الله يخير لعبده، فإن كان الخيرة له في التوسع وسع ~~عليه، وإن كان الخيرة له في التضيق ضيق عليه)) (1). # وقوله: * (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) أي: يصدقون. # قوله تعالى: * (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) يقال: نزلت الآية ~~في PageV04P474 # * (الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو) * * وحشي مولي مطعم بن عدي، ويقال: نزلت في قوم من رؤساء ~~الكفار أسلموا يوم فتح مكة مثل: سهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وصفوان بن ~~أمية، وغيرهم. # وفي التفسير: أنهم قالوا: إن محمدا يقول: من أشرك بالله أو زنا أو قتل ~~نفسا فقد هلك، ونحن قد فعلنا هذا كله؛ فكيف يكون حالنا؟ فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. # وروى أن وحشيا لما أسلم كان النبي لا يطيق أن يراه؛ فظن وحشي أن إسلامه ~~لم يقبل؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وروى ثوبان عن النبي أنه قال: ' ما يسرني بهذه الآية الدنيا وما فيها ' ~~وعن زيد بن علي رضي الله عنهما أنه قال: هذه الآية أوسع آية في القرآن. # وعن عبيد بن عمير: أن آدم صلوات الله عليه قال: يا رب، إنك سلطت إبليس ~~علي وعلى ولدي، وإني لا أطيقه إلا بك. # فقال: يا آدم، إنه لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه، فقال: يا رب، ~~زدني فقال: باب التوبة مفتوح على ولدك لا يغلق حتى تقوم الساعة. # قال: يا رب، زدني، قال: الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. # قال: يا رب، زدني، قال: * (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله) الآية. PageV04P475 # * (الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم ~~العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن ~~يأتيكم العذاب بغتة) * * وقرأ ابن مسعود: ' لا تأيسوا من رحمة الله '، وهو ~~معنى قوله: * (لا تقنطوا). # وقوله: * (إن الله ms1459 يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) ظاهر المعنى، ~~قال أهل التفسير: يغفر الذنوب جميعا إن شاء. # وروى أنه لما نزلت هذه الآية؛ قال رجل: ' يا رسول الله، ومن أشرك؟ فسكت ~~النبي، ثم قال: ومن أشرك؟ قال: إلا من أشرك '. # وروى أن عبد الله بن مسعود مر بقاص يقص، ويشدد على القوم فقال: أيها ~~الرجل، لا تفعل كذلك، وقرأ هذه الآية: ' قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم ' الآية. # وروى شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد. ' أن النبي قرأ: ' قل يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~ولا يبالي ' ذكره أبو عيسى في جامعه. # قوله تعالى * (وأنيبوا إلى ربكم) معناه: وارجعوا إلى ربكم، وقوله: * ~~(وأسلموا له) أي: وأخلصوا له، ويقال: واستسلموا له، وقوله: * (من قبل أن ~~يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) أي: لا تمنعون. # قوله تعالى: * (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) قد بينا معنى الأحسن ~~فيما سبق، ويقال: * (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) أي: الحسن الذي ~~أنزل إليكم من ربكم. PageV04P476 # (وأنتم لا تشعرون (55) أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن ~~كنت لمن الساخرين (56) أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو ~~تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك ~~آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59) ويوم القيامة ترى الذين ~~كذبوا على) * * وقوله: * (من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة) أي: فجأة * (وأنتم ~~لا تشعرون) أي: لا تعلمون. # قوله تعالى: * (أن تقول) معناه: واتبعوا طاعة الله حذرا وحذارا من أن ~~تقول * (نفس يا حسرتا) أي: يا ندامتا، ويقال: معنى قوله: * (يا حسرتا) أي: ~~يا [أيتها] الحسرة هذا وقتك. # وقوله: * (على ما فرطت في جنب الله) أي: ضيعت في ذات الله. # وقال مجاهد: في أمر الله، وقال الحسن: في طاعة الله، وقيل: في ذكر الله، ~~وقال بعضهم: على ما فرطت في الجانب الذي يؤدي إلى ms1460 رضى الله تعالى، وقيل: ' ~~في جنب الله ' أي: في قرب الله وجواره، حكاه النقاش وغيره. # وقوله: * (وإن كنت لمن الساخرين) أي: من المستهزئين. # قوله تعالى: * (أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين) معناه: على ~~الوجه الذي بينا من الحذار. # قوله تعالى: * (أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة) أي: رجعة. # وقوله: * (فأكون من المحسنين) أي: المحسنين في طاعة الله. # قوله تعالى: * (بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت) أي: تكبرت، ~~وقوله: * (وكنت من الكافرين) أي: الجاحدين لنعمي. # وقوله: * (بلى) في الابتداء تقدير تحسراتهم وتأسفهم ونداماتهم على ما ~~سبق. PageV04P477 # * (الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (60) وينجي الله الذين ~~اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) الله خالق كل شيء وهو ~~على كل شيء وكيل (62) له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله ~~أولئك هم الخاسرون (63) * * قوله تعالى: * (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا ~~على وجوههم مسودة) ومعنى كذبوا على الله أي: زعموا أن الله اتخذ ولدا أو ~~شريكا، ويقال: هو عام في كل كذب على الله. # وقوله: * (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) هو استفهام بمعنى التقرير، قوله ~~تعالى: * (وينجي الله الذين اتقوا بمفازاتهم) أي بالطرق التي تؤديهم إلى ~~الفوز والنجاة. # وقوله: * (لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون) ظاهر. # قوله تعالى: * (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) أي: حافظ، ويقال ~~مدبر الأمور على مشيئته. # قوله تعالى: * (له مقاليد السماوات والأرض) أي: عنده خزائن السماوات ~~والأرض، ويقال: مفاتيح الخزائن، وفي بعض الأخبار برواية عثمان رضي الله عنه ~~أن النبي قال في تفسير المقاليد: ' سبحان الله، والله أكبر، ولا إله إلا ~~الله، والحمد لله، وأستغفر الله، ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر، ~~والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم '. PageV04P478 # * (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) ولقد أوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله ~~فاعبد وكن من الشاكرين (66) وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ms1461 ~~القيامة والسماوات) * * فهذا تفسير المقاليد، وأنشدوا في الإقليد: (لم يؤده ~~الديك بصوت يعريك * ولم تعالج غلقا بإقليد) قوله تعالى: * (والذين كفروا ~~بآيات الله أولئك هم الخاسرون) أي: خسروا الثواب وحل بهم العقاب. # قوله تعالى: * (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون) روى أن ~~المشركين قالوا للنبي: استلم بعض آلهتنا ونحن نؤمن بك، وروى أنهم قالوا: ~~نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله: * (أيها الجاهلون) أي: الجاهلون بالله وسلطانه وقدرته وعظمته. # قوله تعالى: * (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن ~~عملك) يقال: هذا خطاب للرسول، والمراد منه غيره، ويجوز أن يكون تأديبا ~~للرسول، وتخويفا له ليتمسك بما عليه. # وقوله: * (ولتكونن من الخاسرين) أي: الذين خسروا جميع ما يأملون. # قوله تعالى: * (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) خطاب للرسول. # وقوله: * (وكن من الشاكرين) أي: الشاكرين لنعمي. # قوله تعالى: * (وما قدروا الله حق قدره) معناه: وما عظموا الله حق عظمته، ~~ويقال: ما وصفوا الله حق صفته. # وقوله: * (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة) وقد ثبت برواية عبد الله بن ~~مسعود: أن يهوديا أتى النبي وقال: إذا كان يوم القيامة يضع الله السماوات ~~على PageV04P479 # * (مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) ونفخ في الصور فصعق من ~~في) * * إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، وجميع الخلائق على ~~إصبع؛ فضحك النبي، وقرأ قوله تعالى: * (وما قدروا الله حق قدره) وفي رواية: ~~' فضحك النبي تعجبا وتصديقا له ' والخبر على الوجه في الصحيحين. # وفي رواية [ابن عمر] عن النبي: ' إن الله يقبض الأرض ويطوي السماوات ~~بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ قال ابن عمر: وجعل النبي ~~يتحرك على منبره؛ حتى قلنا: يكاد يسقط '. وفي رواية: ' جعل المنبر يتحرك ~~هكذا وهكذا '. # وفي رواية عائشة رضي الله عنها ' أن النبي قرأ: * (والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه) قالت عائشة: فأين يكون الناس؟ قال: ~~على الصراط '. وروى أنه قال: ' على جسر جهنم '. # ويقال: إن قبضته ويمينه لا بوصف، قال سفيان ms1462 بن عيينة: كل ما ورد في ~~القرآن من هذا فتفسيره قراءته، حكاه النقاش وغيره. وقيل: قبضته قدرته، ~~والأول أولى بما بينا من قبل. # وقوله: * (سبحانه وتعالى عما يشركون) نزه نفسه عما وصفه به المشركون. # قوله تعالى: * (ونفخ في الصور) روى عن بعض السلف أنه قال: من أراد أن ~~يشاهد يوم القيامة يعني: بقلبه فليقرأ آخر سورة الزمر. PageV04P480 # * (السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون (68) وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء ~~وقضي بينهم) * * وأما الصور وقد بينا انه قرن ينفخ فيه، رواه عبد الله بن ~~عمرو عن النبي. # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي أنه قال: ' كيف أنعم، والتقم صاحب ~~[القرن]، وحنى جبهته وأصغى سمعه ينظر حتى يؤمر فينفخ '. # وقوله: * (فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) في قوله: * ~~(إلا من شاء الله) قولان: # أحدهما: أنهم الشهداء، والآخر: أنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. # وفي تفسير الكلبي وغيره: لا يبقى إلا هؤلاء الأربعة بعد ما ينفخ في ~~الصور، ثم إن الله تعالى يقبض روح ميكائيل، ويقبضه ملك الموت، ثم روح ~~إسرافيل، ثم روح ملك الموت، ثم يكون آخرهم موتا جبريل عليه السلام فيسقطون، ~~ويكون فضل جبريل عليه السلام عليهم كفضل الجبل على الظراب. # وقوله: * (ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) أي: ينظرون ماذا يؤمر ~~في حقهم، وقد ثبت عن النبي، برواية أبي هريرة أن يهوديا قال في سوق ~~المدينة: لا والذي اصطفى موسى على البشر؛ فرفع رجل من الأنصار يده وصك ~~وجهه، وقال: كذبت، فذكروا ذلك للنبي، فقال النبي: ' إن الله تعالى يبعث ~~الخلق فأكون أول من يرفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش؛ فلا ~~أدري أبعث قبلي أو هو ممن استثنى الله تعالى؟ ثم قال: من قال أنا خير من ~~موسى فقد كذب '. # قوله تعالى: * (وأشرقت الأرض بنور ربها) أي: بنور خالقها ومالكها، وعن ~~الحسن: بعدل ربها، ويقال: يخلق الله ms1463 نورا؛ فتشرق به أرض القيامة. ~~PageV04P481 # * (بالحق وهم لا يظلمون (69) ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ~~(70) وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم) * * وقوله: * (ووضع الكتاب) المراد من الكتاب: كتاب الأعمال. ~~وعن عطاء بن السائب أنه قال: إن أول من يحاسب جبريل عليه السلام لأنه كان ~~أمين الله على جميع وحيه، وروى أن أول من يحاسب الأنبياء، وثبت في بعض ~~الروايات أن النبي قال: ' أول ما يقضي الله تعالى فيه بين الخلق هو الدماء ~~'. # وقوله: * (وجئ بالنبيين والشهداء) أي: الذين يشهدون للأنبياء التبليغ، ~~وعلى الأمم بالتكذيب، وقد بينا هذا من قبل. # وقوله: * (وقضى بينهم بالحق) أي: بالعدل، وقوله: * (وهم لا يظلمون) أي: ~~لا يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم. # قوله تعالى: * (ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون) أي: يصنعون، ~~وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي ' أن الله تعالى يأمر من ينادي يوم ~~القيامة: يا أهل الجنة، إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا، وأن تصحوا فلا تسقموا، ~~وأن تشبوا فلا تهرموا، وأن تنعموا فلا تبأسوا؛ ثم قرأ قوله تعالى: * (ووفيت ~~كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون) '. # قوله تعالى: * (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا) أي: أفواجا زمرة بعد ~~زمرة، وقوله: * (حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم ~~رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا) أي: يخوفونكم. # وقوله: * (قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب) هو قوله تعالى: * (لأملأن ~~جهنم PageV04P482 # * (يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا ~~بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين ~~فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى ~~إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ~~(73) وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث ~~نشاء فنعم أجر) * * من الجنة والناس أجمعين) وقوله: * (على الكافرين) ms1464 ومعنى ~~حقت: وجبت. # قوله تعالى: * (قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) ~~أي: منزل المتكبرين عن الإيمان بالله. # قوله تعالى: * (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها ~~وفتحت أبوابها). # واعلم أن عند الكوفيين هذه الواو محذوفة في المعنى، وعند البصريين ليست ~~بمحذوفة، والتقدير على قول البصريين: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها دخلوها. # وقوله: * (وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم) أي: نعمتم، ويقال: صححتم ~~للجنة، وعن علي رضي الله عنه قال: يكون [على] باب الجنة عينان، يغتسل ~~المؤمن من أحدهما؛ فيظهر ظاهره، ويشرب من الأخرى؛ فيظهر باطنه، ثم يدخله ~~الله الجنة، وقرأ قوله تعالى: * (طبتم فادخلوها خالدين). # قوله تعالى: * (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده) أي: وفى لنا بوعده ~~وأتمه، وقوله: * (وأورثنا الأرض) أي: أرض الجنة * (نتبوأ منها) أي: ننزل ~~منها * (حيث نشاء فنعم أجر العاملين) بالطاعات. # قوله تعالى: * (وترى الملائكة حافين من حول العرش) أي: محدقين محيطين ~~PageV04P483 # * (العاملين (74) وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ~~وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (75)) * * به، وقوله: * ~~(يسبحون بحمد ربهم) أي: بأمر ربهم، وقيل: يسبحون حامدين لربهم، ويقال: إن ~~هذا التسبيح تسبيح تلذذ لا تعبد. # وقوله: * (وقضى بينهم بالحق) أي: بالعدل. # وقوله: * (وقيل الحمد لله رب العالمين) يعني: وقال أهل الجنة: الحمد لله ~~رب العالمين، وقد ذكر في موضع آخر: * (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين) وقد بينا هذا من قبل. PageV04P484 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ~~(2) غافر الذنب وقابل التوب شديد) تفسير سورة المؤمن ويقال: سورة الطول، ~~وهي مكية وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إذا وقعت في آل حميم وقعت في ~~روضات أتأنق فيهن، وتسمى الحواميم ديابيج القرآن. وفي بعض الأخبار: ' أن ~~مثل الحواميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب '. # وفي بعض الأخبار أيضا أن النبي قال: ' من قام بالحواميم في ليلة غفر الله ~~له '. # قوله تعالى: * (حم) قال ابن عباس: قسم أقسم الله به. ms1465 وقال قتادة: اسم من ~~أسماء القرآن. وعن بعضهم: الحاء من (الحليم)، والميم من الملك. وعن سعيد بن ~~جبير قال: ' الر ' و ' حم ' و ' نون والقلم ' بمجموعها هو اسم الرحمن. ~~ويقال: ' حم ' معناه: حم ما هو كائن أي: قضى ما هو كائن. وقرأ عيسى بن عمر: ~~' حم ' على نصب الميم على معنى أتل حميم. # قال الأشتر النخعي شعرا: # (يذكرني حميم والرمح شاجر * فهلا تلا حميم قبل التقدم) وقال الشاعر في حم ~~بمعنى قضى: # (فحم يومي فسر قوم * كأن ليس للشامتين يوم) وقوله: * (تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز العليم) أي: المنيع في ملكه، العليم بخلقه. # قوله تعالى: * (غافر الذنب) أي: ساتر الذنب. PageV05P005 # * (العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) ما يجادل في آيات الله ~~إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) كذبت قبلهم قوم نوح ~~والأحزاب من بعدهم) * * وقوله: * (وقابل التوب) أي: التوبة. # وقوله: * (شديد العقاب) أي: شديد العقاب للكفار. # وقوله: * (ذي الطول) أي: القدرة. وقيل: السعة والغنى. ويقال: هو التفضيل. ~~وقال بعضهم: غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله. وروى حماد عن ثابت قال ~~ثابت: كنت في فسطاط مصعب بن الزبير أقرأ هذه الآية * (غافر الذنب وقابل ~~التوب شديد العقاب ذي الطول) فمر شيخ على بغلة شهباء، فقال لي: قل يا غافر ~~الذنب اغفر لي، ويا قابل التوب اقبل توبتي، ويا شديد العقاب [اعف] عني، ~~وياذا الطول طل علي بخير، ثم لم أر الشيخ بعد. # وقوله * (لا إله إلا هو إليه المصير) أي: المرجع. # قوله تعالى: * (ما يجادل في آيات الله) أي: في دفع آيات الله بالتكذيب. # وقوله: * (إلا الذين كفروا) أي: جحدوا. وقوله: * (فلا يغررك تقلبهم في ~~البلاد) أي: تقلبهم سالمين في البلاد. قال ابن جريج: لا يغررك تجارتهم من ~~مكة إلى الشام، ومن الشام إلى اليمن. وفي بعض التفاسير: أن أصحاب رسول الله ~~قالوا متوجعين: نحن فقراء، والكفار مياسير ذو أموال، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. فعلى هذا معنى قوله: * (لا يغررك تقلبهم في البلاد) ms1466 أي لا يغررك ~~يسارتهم وسعتهم. # قوله: * (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم) وهم الذين تحدثوا على ~~الأنبياء. # وقوله: * (وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه) أي: ليقتلوه. ويقال: ليأسروه. ~~PageV05P006 # * (وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم ~~فكيف كان عقاب (5) وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ~~(6) الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم) * * والعرب تسمي الأسير أخيذا، قال الأزهري: ليأخذوه فيتمكنوا من ~~قتله. # وقوله: * (وجادلوا بالباطل) أي: بالجدال الباطل ليدحضوا به الحق. ~~والجدال: هو فتل الخصم عما هو عليه بحق أو باطل، وأما المناظرة لا تكون إلا ~~بين محقين، أو بين محق ومبطل، والجدال قد يكون بين المبطلين. # وقوله: * (فأخذتهم) أي: أخذتهم بالعقوبة. # وقوله: * (فكيف كان عقاب) قال قتادة: شديد والله. # قوله تعالى: * (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا) أي: وجب حكم ربك على ~~الذين كفروا أنهم * (أصحاب النار) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (الذين يحملون العرش ومن حوله) ذكر النقاش: أن حملة العرش ~~الكروبيون، وهم سادة الملائكة. وفي بعض التفاسير: أن أقدامهم في تخوم ~~الأرضين، والأرضون والسماوات إلى حجزهم، وهم يقولون: سبحان ذي العز ~~والجبروت، سحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبوح قدوس رب ~~الملائكة والروح. # وقوله: * (ومن حوله) أي: حول العرش. # وقوله: * (يسبحون بحمد ربهم) قد بينا. # وقوله: * (ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما) أي: وسع ~~[علمك] ووسعت رحمتك كل شيء. # وقوله: * (فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك) أي: دينك وطاعتك. ~~PageV05P007 # * (عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات ~~يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) إن الذين كفروا ينادون لمقت ~~الله) * * وقوله: * (وقهم عذاب الجحيم) معناه: وادفع عنهم عذاب الجحيم، ~~والجحيم معظم النار. وعن بعض السلف: أنصح الخلق للمؤمنين هم الملائكة، وأغش ~~الخلق ms1467 للمؤمنين هم الشياطين. # قوله تعالى: * (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم) بينا أن جنة عدن هي ~~بطنان الجنة. ويقال: مصر الجنة. # وقوله: * (ومن صلح من آبائهم) أي: ومن وحد من آبائهم، ويقال: ومن عمل ~~صالحا من آبائهم. # وقوله: * (وأزواجهم وذرياتهم) أي: وأهليهم وأولادهم، قال سعيد بن جبير: ~~يدخل المؤمن الجنة فيقول: أين أبي؟ أين أمي؟ أين زوجتي؟ فيقال: إنهم لم ~~يعملوا مثل عملك، فيقول: إني عملت لنفسي ولهم، فيدخلهم الله الجنة ويجمعهم ~~إليه. # وعن بعض السلف أنه قال: إن المؤمن يحب أن يجمع شمله، ويضم إليه أهله، ~~فيجمع الله شمله، ويضم إليه أهله في الآخرة. # وقوله: * (وقهم السيئات) قد بينا. # وقوله: * (ومن تق السيئات يومئذ) أي: ومن تق السيئات يومئذ أي: العقوبات، ~~ويقال: جزاء السيئات. # وقوله: * (فقد رحمته) أي: أنعمت عليه. # وقوله: * (وذلك هو الفوز العظيم) يعني: النجاة العظيمة. # قوله تعالى: * (إن الذين كفروا ينادون) في التفسير: أن الكافر تعرض إليه ~~أعماله السيئة فيمقت نفسه أشد المقت، فيناديهم الله تعالى: * (لمقت الله \ ~~أكبر من مقتكم PageV05P008 # * (أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون (10) قالوا ربنا ~~أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج في سبيل (11) ~~ذلكم بأنه إذا دعي الله) * * أنفسكم) أي: مقت الله إياكم في الدنيا أعظم من ~~مقتكم اليوم أنفسكم بما ظهر لكم من أعمالكم السيئة. وقد حكى معنى هذا عن ~~ابن عباس. وقال بعضهم: لمقت الله إياكم في الدنيا أكبر من مقت بعضكم بعضا، ~~وذلك حين يتبرأ بعضهم من بعض. # قوله: * (إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون) يعني: إن مقت الله إياكم كان لأن ~~الله دعاكم إلى الإيمان فكفرتم. # قوله تعالى: * (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) الإماتة ~~الأولى: هو أنهم كانوا نطفا في أصلاب الآباء موتى، ثم أحياهم بالخلق وإدخال ~~الروح، ثم يميتهم الموت المعلوم الذي لا بد من ذوقه، ثم يحييهم يوم ~~القيامة. هذا قول مجاهد وقتادة وجماعة. # والقول الثاني في الآية: أن الإحياء الأول حين أخرجهم من صلب آدم وأخذ ~~عليهم الميثاق، ثم ms1468 أماتهم بالرد إلى الأصلاب، ثم أحياهم بالإخراج ثانيا، ثم ~~يميتهم الموت المعروف. فإن قيل: فأين الحياة في الآخرة؟ قلنا: المراد على ~~هذا القول حياتان وموتتان في الدنيا سوى الحياة في الآخرة. # والقول الثالث: أن الإماتة الأولى هو الموت المعروف، والإحياء الأول هو ~~الإحياء في القبر للمسائلة، والإماتة الثانية هي الإماتة بعد الإحياء في ~~القبر، والإحياء الثانية هي الإحياء للبعث، هكذا ذكره السدى. # وقوله: * (فاعترفنا بذنوبنا) أي خطايانا وقوله * (فهل إلى خروج من سبيل) ~~أي: فهل إلى خروج عن النار من سبيل. # قوله تعالى: * (ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم) معناه: أن تخليدكم في ~~النار PageV05P009 # * (وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12) هو الذي ~~يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب (13) فادعوا ~~الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) رفيع الدرجات ذو العرش يلقي ~~الروح من أمره على من) * * ومكثكم فيها كان بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم. # * (وإن يشرك به تؤمنوا) أي: يشرك بالله تؤمنوا، أي: تصدقوا بالشرك. # وقوله: * (فالحكم لله العلي الكبير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (هو الذي يريكم آياته) أي: عبره ودلائله. # وقوله: * (وينزل لكم من السماء رزقا) أي: المطر؛ لأنه سبب الأرزاق. # وقوله: * (وما يتذكر إلا من ينيب) أي: وما يتعظ إلا من يرجع إلى الله في ~~جميع أموره. # قوله تعالى: * (فادعوا الله مخلصين له الدين) أي: مخلصين له التوحيد. ~~ومعناه: وحدوا الله ولا تشركوا به شيئا. # وقوله: * (ولو كره الكافرون) أي: سخط الكافرون، وهو مثل قوله تعالى: * ~~(ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) وقد بينا هذا من قبل. # قوله تعالى: * (رفيع الدرجات ذو العرش) قال ابن عباس برواية عطاء: رافع ~~السماوات، سماء فوق سماء. وعن بعضهم: رافع درجات الأنبياء والأولياء. وقال ~~بعضهم: رفيع الدرجات أي: عظيم الصفات، وهو راجع إلى الله تعالى، قاله ~~مقاتل. قال: الله فوق كل شيء، وليس فوقه شيء. # وقوله: * (ذو العرش) أي: له العرش خلقا وملكا. # وقوله: * (يلقي الروح من أمره) قال ms1469 مجاهد: هو الوحي، وسمي روحا؛ لأنه ~~يحيا به الخلق. وقال قتادة: هو النبوة. وقيل: هو جبريل يرسله على من يشاء ~~من أنبيائه PageV05P010 # * (يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15) يوم هم بارزون لا يخفى على الله ~~منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (16) اليوم تجزى كل نفس بما ~~كسبت لا ظلم) * * وروح الإنسان ما يحيا به الإنسان. # وقوله: * (من أمره) أي: بأمره. # وقوله: * (على من يشاء من عباده) من النبيين والرسل. # وقوله: * (لينذر يوم التلاق) المعروف بالياء، وقرئ بالتاء. # بالياء أي: لينذر الله، وقيل: لينذر الوحي. وأما بالتاء فالمراد به ~~الرسول. # وقوله: * (يوم التلاق) قال قتادة: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، ~~الأولون والآخرون. وعن بعضهم: يلتقي فيه الخلق والخالق. وقال ميمون بن ~~مهران: يلتقي فيه الظالم والمظلوم. وعن ابن عباس: يلتقي فيه آدم وآخر ولد ~~من أولاده. # وقوله: * (يوم هم بارزون) أي: بأدون ظاهرون ولا يتسترون بشيء من جبل ~~وغيره. # قوله تعالى: * (لا يخفى على الله منهم شيء) أي: من أعمالهم. # وقوله: * (لمن الملك اليوم) قال ابن عباس: يقول الله تعالى هذا حين تفنى ~~الخلائق، ولا يكون أحد يجيبه، فيجيب نفسه [بنفسه] ويقول: لله الواحد ~~القهار. وعلى هذا عامة المفسرين. وقد ثبت برواية ابن عمر وغيره أن النبي ~~قال: ' يقبض الله السماوات والأرض بيمينه، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، أين ~~ملوك الأرض '؟ # وفي الآية قول آخر: وهو أن الله تعالى يبعث الخلائق ويحشرهم، ثم يقول ~~لهم: لمن الملك اليوم؟ فيجيبون: لله [الواحد] القهار. # وقيل: إنهم لا يقدرون على الجواب هيبة، فيجيب الله تعالى نفسه. والقول ~~الأول PageV05P011 # * (اليوم إن الله سريع الحساب (17) وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى ~~الحناجر) * * هو المشهور. # قوله تعالى: * (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) أي: المحسن بإحسانه، والمسيء ~~بإساءته. # قوله: * (لا ظلم اليوم) أي: أنه تعالى يفعل ما يفعل بالعدل لا بالظلم. # وقوله: * (أن الله سريع الحساب) في التفسير: أن الله تعالى يحاسبهم في ~~مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. وعن الضحاك: ما بين صلاتين. ms1470 وقيل: بقدر شربة ~~ماء. # وقد ثبت أن النبي [قال]: ' أول ما يقضي الله تعالى بين الخلق في الدماء ~~'. # وفي بعض الآثار: أن الله تعالى يقول يوم القيامة: ' أنا الملك الديان، لا ~~ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولا لأحد من أهل النار أن يدخل ~~النار، وعليه مظلمة لأحد إلا وأقتصه منه '. # قوله تعالى: * (وأنذرهم يوم الآزفة) أي: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها، ~~كأنها قريبة عند الله تعالى، وإن كان الناس يستبعدونها. وقيل: هي قريبة ~~لأنها كائنة لا محالة، وكل كائن قريب. # وقوله: * (إذ القلوب لدى الحناجر) وعن عكرمة أنه قال: تضيق للناس أرض ~~القيامة، حتى لا يكون لأحد إلا موضع قدمه، ثم يضيق لهم أيضا حتى يوضع القدم ~~على القدم، ثم يبكون حتى تنفد دموعهم، ثم يبكون الدم حتى ينفد، ثم تشخص ~~قلوبهم إلى حناجرهم، ثم قرأ قوله تعالى: * (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب ~~لدى PageV05P012 # * (كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (18) يعلم خائنة الأعين وما ~~تخفي الصدور (19) والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن ~~الله هو) * * الحناجر [كاظمين]) قال قتادة: ترتفع القلوب من الصدور إلى ~~الحلوق، وتلتصق بها من الخوف والفزع، فلا هي ترجع من أماكنها، ولا هي تخرج. # وقوله: * (كاظمين) الكاظم هو الممسك على قلبه بما فيه. وقيل: مغمومين ~~مكروبين. ويقال: باكين. ومن هذا كظم الغيظ إذا أمسكه (وصبر) عليه. # وقوله: * (وما للظالمين من حميم ولا شفيع) الحميم: القريب. والشفيع: الذي ~~يدعو فيجاب. وعن الحسن البصري أنه قال: استكثروا من أصدقاء المؤمنين فإن ~~لهم شفاعة عند الله تعالى. # وقوله: * (يطاع) أي: يجاب. # وقوله: * (يعلم خائنة الأعين. أي: خيانة الأعين وخيانة الأعين مسارعة ~~النظر إلى ما لا يحل. # قال ابن عباس: هو الرجل يكون بين الرجال، فتمر بهم امرأة فينظر إليها، ~~فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره. قال السدى: خائنة الأعين هو الرص بالعين. # وقوله: * (وما تخفي الصدور) هو شهوة القلب. وقيل: هو أنه لو قدر عليها هل ~~يزنى أو لا؟ # وعن ms1471 السدى قال: هو وسوسة القلب. وعن بعضهم قال (خيانة العين) أن يقول: ~~رأيت ولم ير، وخيانة القلب هو أن يقول: علمت ولم يعلم. # وقوله: * (والله يقضي بالحق) أي: بالعدل. # وقوله: * (والذين يدعون من دونه) أي: الأصنام وما أشبهها. PageV05P013 # * (السميع البصير (20) أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله ~~بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق (21) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (22) ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا وسلطان مبين (23) إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) ~~فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا) * * وقوله: * (لا يقضون بشيء) أي: لا ~~يحكمون بشيء؛ لأنه ليس بأيديهم شيء. # وقوله: * (إن الله هو السميع البصير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض) الآثار في الأرض: هو الأبنية ~~والمساكن وسائر العمارات. # وقوله: * (فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق) أي: لم يكن ~~لهم من يمنعهم من الله. # قوله تعالى: * (ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات) أي: بالدلالات ~~والمعجزات. # وقوله: * (فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين) أي: بالمعجزات ~~البينة والحجة الظاهرة. # وقوله: * (إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب) أي: كثير الكذب. ~~وعن الضحاك قال: لم يكن هامان من بني إسرائيل، ولا من القبط، وكان من غير ~~الفريقين. وقد طعن بعضهم فقال: إن هامان رجل معروف (بين) الفرس، ولم يكن ~~صاحب فرعون. وليس هذا بشيء؛ لأنه يجوز أن يكون في الفرس رجل يسمى هامان، ~~وكان PageV05P014 # * (اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا ~~في ضلال (25) وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم ~~أو أن يظهر في) * * صاحب فرعون هو هامان، فكل ما في القرآن حق وصدق. # قوله ms1472 تعالى: * (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين ~~آمنوا معه) في القصة: أن فرعون كان رفع القتل عن أولاد بني إسرائيل؛ فلما ~~جاء موسى إليه رسولا أعاد القتل عليهم. # وقوله: * (واستحيوا نساءهم) قد بينا. # وقوله: * (وما كيد الكافرين إلا في ضلال) أي: في هلاك، وإنما جعل كيدهم ~~هلاكا؛ لأنه يؤدي إلى هلاكهم. # قوله تعالى: * (وقال فرعون ذروني أقتل موسى) فإن قال قائل: ومن الذي كان ~~يمنع فرعون من قتل موسى حتى يقول ذروني أقتل موسى؟ والجواب من وجهين: ~~أحدهما أن معناه: ذروني أقتل موسى أي: أشيروا علي بقتل موسى، كأنه طلب ~~المشورة منهم أيقتله أو لا يقتله؟ # والثاني: كان في جملة قومه من يحذره من قتل موسى خوفا من هلاك فرعون، ~~فقال على هذا: ذروني، لا تمنعوني واتركوني أقتله. # وقوله: * (وليدع ربه) أي: وليدع ربه لينصره. قال هذا على طريق الاستبعاد. # وقوله: * (إني أخاف أن يبدل دينكم) أي: يبدل دينكم الذي أنتم عليه بغيره. # وقوله: * (أو أن يظهر في الأرض الفساد) هذا بأربعة وجوه ' أن يظهرا '، و ~~' أن يظهر ' بغير ألف، ' أو أن يظهرا ' مع الألف ونصب الياء، ' وأن يظهر ' ~~بغير الألف ونصب الياء، ومعنى يظهر أي: يظهر موسى الفساد، ومعنى يظهر بفتح ~~الياء أي: يظهر الفساد كأنه جعل الفعل للفساد بعينه. وقال بعضهم: معنى ~~الفساد هاهنا: أن PageV05P015 # * (الأرض الفساد (26) وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب (27) وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن ~~يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك ~~صادقا يصبكم) * * موسى إذا ظهر يقتل أبناءكم، ويستحي نساءكم كما فعلتم أنتم ~~بهم، فهو إظهار موسى الفساد في الأرض. # قوله تعالى: * (وقال موسى إني عذت بربي وربكم) قال أهل التفسير: لما سمع ~~موسى كلام فرعون استعاذ بالله والتجأ إليه، وقال: إني عذت بربي وربكم. # وقوله: * (من كل متكبر) أي: من كل متعظم * (لا يؤمن بيوم الحساب) ويوم ~~الحساب: يوم ms1473 القيامة. # قوله تعالى: * (وقال رجل مؤمن من آل فرعون) قال الكلبي: هو كان من ولي ~~العهد لفرعون، وكان يكون له من بعده، ويقال: كان ابن عم فرعون. وعن بعضهم: ~~كان من بني إسرائيل، وعلى هذا القول في الآية تقديم وتأخير، فمعناه: وقال ~~رجل يكتم إيمانه من آل فرعون. وأما اسمه قال بعضهم: اسمه حزبيل، وفي معاني ~~الزجاج: أن اسمه سمعان، وقيل: حبيب. وفي التفسير: أنه لم يؤمن من القبط إلا ~~ثلاثة نفر: امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، والذي جاء فقال يا موسى إن الملأ ~~يأتمرون بك ليقتلوك. # وقوله: * (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) أي: لأن قال ربي الله. # وقوله: * (وقد جاءكم بالبينات من ربكم) أي: بالدلالات الواضحات. # وقوله: * (وإن يك كاذبا فعليه كذبه) أي: وبال كذبه. # وقوله: * (وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم) هذه آية مشكلة؛ لأنه قال: ~~* (بعض الذي يعدكم) وكل ما وعده الرسل وموسى حق. والجواب عن هذا من وجوه: # أحدها: أن معنى قوله: * (يصبكم بعض الذي يعدكم) أي: كل الذي يعدكم، ~~PageV05P016 # بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) يا قوم لكم الملك ~~اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم ~~إلا ما) * * فيكون البعض بمعنى الكل، قاله أبو عبيدة، وأنشد: # (أو يرتبط بعض النفوس حمامها *) أي: كل النفوس وأنشد غيره: # (قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزلل *) وقوله: بعض ~~حاجته أي: كل حاجته. # والوجه الثاني: أنه قال: * (بعض الذي يعدكم) على طريق الاستظهار، كأنه ~~قال: أقل ما في تكذيبكم إن كان صادقا أن يصبكم بعض الذي يعدكم. وفي ذلك ~~البعض هلاككم. وزعم أهل النحو أن هذا أحسن من الأول؛ لأن البعض بمعنى الكل ~~لا يعرف في اللغة. # والوجه الثالث: أن قوله: * (يصبكم بعض الذي يعدكم) أي: عذاب الدنيا، وقد ~~كان وعدهم عذاب الدنيا والآخرة. # والوجه الرابع: أن قوله: * (يصبكم بعض الذي يعدكم) أي: من العقاب، وقد ~~كان وعد العقاب إن أنكروا، ms1474 والثواب إن صدقوا، والعقاب بعض الوعيد. # وقوله: * (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) أي: مشرك كذاب. # قوله تعالى: * (يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض) أي: عالين ~~غالبين. # وقوله: * (فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) أي: من يمنع منا عذاب الله ~~إن جاءنا. # وقوله: * (قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى) يعني: ما أرشدكم إلا إلى ما ~~أنا عليه، PageV05P017 # * (أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف ~~عليكم مثل يوم الأحزاب (30) مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ~~وما الله يريد ظلما للعباد (31) ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد) * * ~~وما رأيت لكم من الحق. # وقوله: * (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) أي: طريق الرشد والهدي. وعن معاذ ~~بن جبل أنه قرأ: ' إلا سبيل الرشاد ' بتشديد الشين أي: سبيل الله، والرشاد ~~هو الله تعالى. # قوله تعالى: * (وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب) ~~الأحزاب: الأمم الخالية مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود، ومعنى يوم الأحزاب أي: ~~يوم عذابهم. # وقوله: * (مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود) الدأب في اللغة بمعنى العادة، ~~ومعنى قوله: * (مثل دأب قوم نوح) أي: مثل حال قوم نوح وعاد وثمود. ويقال: ~~كذب هؤلاء وتعودوا التكذيب مثل عادة أولئك في التكذيب. # وقوله: * (وما الله يريد ظلما للعباد) معناه: أنه لا يعذب أحدا حتى يقيم ~~الحجة عليه. # قوله تعالى: * (ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد) يعني: يوم التنادي. ~~وفي معنى التنادي وجوه: أحدها: أنه تنادى كل أمة بكتابها وإمامها، قاله ~~قتادة. # والثاني أن معناه: تنادى أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة، ~~وذلك وذكور في سورة الأعراف، وهو قوله تعالى: * (ونادى أصحاب الجنة أصحاب ~~النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا) الآية، وقوله: * (ونادى أصحاب النار ~~أصحاب الجنة...) الآية. PageV05P018 # * (يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ~~(33) ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم ms1475 في شك مما جاءكم به حتى إذا ~~هلك قلتم لن) * * والثالث: أن معنى الآية مناداتهم بالويل والثبور ودعاؤهم ~~على أنفسهم: واهلاكاه، واويلاه، وغير ذلك. وقرئ في الشاذ: ' يوم التناد ' ~~بتشديد الدال، من ند يند إذا هرب، وحكى هذه القراءة عن الضحاك، وهو معنى ~~قوله تعالى: * (أين المفر) وعن بعضهم: يظهر عنق من النار فيفر الناس، فيحيط ~~بهم ذلك العنق، حينئذ يعلمون أن لا مفر لهم. # وقوله: * (يوم تولون مدبرين) في الحديث أن للناس جولة يوم القيامة، ~~فيتبعهم الملائكة ويردونهم. وقيل: إنهم إذا سمعوا زفير النار فروا، فهو ~~معنى قوله تعالى: * (يوم تولون مدبرين) وفي الآية قول آخر: أن معنى قوله: * ~~(يوم تولون مدبرين) هو انطلاقهم إلى النار بسوق الملائكة. # وقوله: * (ما لكم من الله من عاصم) أي: مانع، وقيل: ناصر. # وقوله: * (ومن يضلل الله فما له من هاد) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات) هو يوسف بن يعقوب نبي ~~الله. وعن بعضهم: أن الله تعالى أرسل إليهم يعني: إلى القبط نبيا من الجن ~~يسمى يوسف، وهذا قول ضعيف، والصحيح هو الأول؛ لأنه أطلق ذكر يوسف، فينصرف ~~إلى يوسف المعروف مثل إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم. وفي القصة: أن الله ~~تعالى بعث يوسف بن يعقوب إليهم رسولا فدعاهم إلى الله تعالى، ومكث فيهم ~~عشرين سنة بعد وفاة يعقوب عليه السلام. # وقوله: * (بالبينات) أي: بالدلالات الواضحات. # وقوله: * (فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا) وقرأ أبي وابن مسعود: ' ألن يبعث الله من بعده رسولا ' بزيادة ~~الألف. PageV05P019 # * (يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) وقال فرعون يا هامان ابن لي ~~صرحا لعلي) * * وقوله: * (كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب) أي: مسرف على ~~نفسه بالكفر والظلم، والمرتاب هو الشاك. # قوله تعالى: * (الذين ms1476 يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم) فمعنى ~~المجادلة هو المجادلة بالتكذيب، ومعنى السلطان هو الحجة. # وقوله: * (كبر مقتا) أي: كبر جدالهم مقتا، وفي التفسير: أنه يمقتهم الله ~~تعالى، ويمقتهم الملائكة والأنبياء، ويمقتهم المؤمنون، وهو معنى قوله: * ~~(عند الله وعند الذين آمنوا). # وقوله: * (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) فالقراءة الأولى على ~~الإضافة، والطبع على القلب هو الختم عليه حتى لا يدخله الحق. # وأما القراءة الثانية فهي على وصف القلب بالتكبر، يقال: قلب متكبر أي: ~~صاحبه متكبر، وقرأ ابن مسعود: ' على قلب كل متكبر جبار '. # قوله تعالى: * (وقال فرعون يا هامان) قال الحسن البصري: كان هامان صاحب ~~شرط فرعون، فكان من همدان، أورده أبو الحسن بن فارس في تفسيره. # وقوله: * (ابن لي صرحا) أي: قصرا عاليا، ويقال: إن أول من طبخ اللبن حتى ~~صار آجرا هو هامان، فعله لفرعون. وفي تفسير النقاش: أن هامان استعمل خمسين ~~ألف إنسان في البناء سوى من يطبخ الآجر، ومن يعمل في الخشب وغيره. # ويقال: إنه عمل في بناء الصرح سبع سنين، وكان فرعون يصعد عليه راكبا، ثم ~~إن الله تعالى بعث ريحا عاصفا فجعله ثلاث قطع، فألقى قطعة في البحر، وقطعة ~~بالهند، وقطعة ببلاد المغرب. PageV05P020 # * (أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه ~~كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب ~~(37) وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) يا قوم إنما هذه ~~الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها ومن عمل صالحا) * * وقوله: * (لعلى أبلغ الأسباب أسباب السماوات) ~~والأسباب هي الأبواب هاهنا. ويقال معناه: الأسباب التي تؤديني إلى السماء، ~~وتبلغني إليها. فإن قيل: كيف يتصور هذا في عقل عاقل أن يقصد صعود السماء، ~~وذلك مستحيل بهذه الحيلة؟ # والجواب: أن الجهل في العالم كثير، وليس هذا بأبدع من ادعائه الربوبية، ~~وهو يعرف حال نفسه ويشاهدها. # وقوله: * (فأطلع إلى إله موسى) أي: أنظر إلى إله ms1477 موسى. # وقوله: * (وإني لأظنه كاذبا) في دعواه أن له إلها. # وقوله: * (وكذلك زين لفرعون سوء عمله) أي: قبيح عمله. # وقوله: * (وصد عن السبيل) وقرئ: ' وصد ' بنصب الصاد، فقوله بالرفع أي: صد ~~فرعون عن السبيل. وبالنصب أي: وصد فرعون الناس عنة سبيل الله. # وقوله: * (وما كيد فرعون إلا في تباب) أي: وما حيلة فرعون ومكره إلا في ~~هلاك وخسران، وقال ذلك لأنه أدى إليه. # قوله تعالى: * (وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد) أي: ~~سبيل الرشد. # وقوله: * (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع) أي: سريع فناؤه، والتمتع ~~به قليل. # وقوله: * (وإن الآخرة هي دار القرار) أي: المستقر. # قوله تعالى: * (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) أي: بغير ~~انقطاع، PageV05P021 # * (من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ~~(40) ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) تدعونني ~~لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42) ~~لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا ~~إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض ~~أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (44)) * * ويقال: بغير حساب أي: لا ~~يحسب عليهم قدر مكثهم في الجنة واستمتاعهم، فيقول: مكثهم كذا، وأكلهم كذا، ~~وفعلهم كذا. وقيل: بغير حساب أي: يزيد في مدة بقائهم في الجنة على مدة ~~أعمالهم إلى ما لا يتناهى من المدة. # قوله تعالى: * (ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ~~تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز ~~الغفار) العزيز هو المنتقم من أعدائه، والغفار هو الساتر لذنوب عباده. # قوله تعالى: * (لا جرم) قد بينا معناه فيما سبق، وعن المفضل الضبي الكوفي ~~أنه قال: لا جرم أي: لابد. # وقوله: * (أنما تدعونني إليه ليس له دعوة) أي: ms1478 استجابة دعوة في الدنيا. ~~ويقال: إيصال نفع في الدنيا ولا في الآخرة. ويقال: جواب قوله: * (في الدنيا ~~ولا في الآخرة). # وقوله: * (وأن مردنا إلى الله) أي: مرجعنا إلى الله. # وقوله: * (وأن المسرفين هم أصحاب النار) أي: المشركين. # قوله تعالى: * (فستذكرون ما أقول لكم) يعني: حين تعاينون العذاب. # وقوله: * (وأفوض أمري إلى الله) أي: أسلم أمري إلى الله، وقال يحيى بن ~~سلام: أي: أتوكل على الله. # وقوله: * (أن الله بصير بالعباد) ظاهر المعنى. PageV05P022 # * (فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45) النار ~~يعرضون عليها) * * قوله تعالى: * (فوقاه الله سيئات ما مكروا) اختلف القول ~~في نجاته، منهم من قال: نجا حين نجا موسى وبنو إسرائيل، وذلك عند مجاوزة ~~البحر. وفي القصة: أنه كان قدام موسى حين توجهوا إلى البحر، فقال: إلى أين ~~يا نبي الله؟ # قال: أمامك. # فقال: إنما أمامي البحر. # فقال: والله ما كذبت وما كذبت. # والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون لما قال هذه الأقوال، ونصح هذه النصيحة ~~طلبه فرعون ليقتله فهرب، فبعث في طلب جماعة، فوجدوه في حبل يصلي وحواليه ~~السباع يحرسونه ففزعوا ورجعوا. # وقوله: * (وحاق بآل فرعون) أي: نزل بآل فرعون، * (سوء العذاب) أي: العذاب ~~السيء. # قوله تعالى: * (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا) أكثر المفسرين أن هذا في ~~القبر. ومن المعروف عن ابن مسعود أنه قال: أرواح آل فرعون في حواصل طير سود ~~يردون النار غدوا وعشيا. وقد ثبت برواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن ~~النبي قال: ' إن أحدكم إذا مات يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من ~~أهل فالجنة، وإن كان من أهل النار النار، ويقال: هذا مقعدك يوم القيامة '. ~~قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك المكي بن عبد الرزاق الكشميهني، أخبرنا أبو ~~الهيثم جدي، أخبرنا الفربري، أخبرنا البخاري، أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس، ~~عن مالك... الحديث. # وفي الآية قول آخر: وهو أنه العرض على النار يوم القيامة. PageV05P023 # * (غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (46) وإذ ~~يتحاجون في النار ms1479 فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا نصيبا من النار) * * قال الفراء: وفي الآية تقديم وتأخير، وكأنه ~~قال: ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، النار يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا، وهذا قول فاسد، والصحيح هو الأول. # وقوله: * (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) قرئ: ' ادخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب ' على الأمر لآل فرعون بالدخول. # وقرئ: * (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) على الأمر لخزنة النار. # والدليل على أن الصحيح هو القول الأول أنه قال: * (يعرضون عليها غدوا ~~وعشيا) إذا كان يوم القيامة، فهو الإدخال حقيقة لا العرض، وإنما العرض في ~~القبر على ما ورد في الحديث. وفي بعض التفاسير: أن الكافر يحيا في القبر كل ~~غدوة وعشية حتى ينظر إلى مقعده من النار، ثم يميته الله تعالى ثانيا، فيكون ~~نظره إلى مقعده من النار أشد عليه من موته، وهو قول شاذ. # وأما آل فرعون فهو فرعون وقومه، وقيل: فرعون نفسه. # قال الشاعر: # (فلا تبك ميتا بعد ميت أحبة * علي وعباس وآل أبي بكر) معناه: وأبي بكر ~~نفسه. وروى عن عبد الله بن أوفى أنه قال: أتيت رسول الله بصدقة بعثها أبي ~~إليه، فقال: ' اللهم صل على آل أبي أوفى '. أي: أبي أوفى نفسه. # قوله تعالى: * (وإذ يتحاجون في النار) أي: يتخاصمون في النار. # وقوله: * (فيقول الضعفاء للذين استكبروا) أي: الأتباع قالوا للقادة. ~~PageV05P024 # * (قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48) وقال ~~الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا ~~أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين ~~إلا في ضلال (50)) وقوله: * (إنا كنا لكم تبعا) أي: أتباعا. # وقوله: * (فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار) أي: هل تتحملون عنا بعض ~~عذاب النار؟ # قوله تعالى: * (قال الذين استكبروا إنا كل فيها) أي: القادة والأتباع ~~جميعا. # وقوله: * (إن الله قد حكم بين العباد) أي: فصل بين العباد فأدخل أهل ~~الجنة الجنة، ms1480 وأهل النار النار. # قوله تعالى: * (وقال الذين في النار لخزنة جهنم) في القصة: أنهم يقولون ~~ذلك بعد أن دعوا الله تعالى ألف عام، ولم يروا إجابة. # وقوله: * (ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب) أي: يوما واحدا من أيام ~~الدنيا. # قوله تعالى: * (قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى فادعوا ~~وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) أي: في هلاك وبطلان، ومعناه: أن دعاءهم غير ~~مستجاب. # قوله تعالى: * (إنا لننصر رسلنا) قال أبو العالية: بإيضاح الحجة. وقال ~~غيره: بالانتقام من أعدائهم. وعن السدى قال: الأنبياء قد تولى الله نصرتهم، ~~وإن قتلوا في الدنيا، فإن الله يبعث من بعدهم من ينتقم لهم من أعدائهم. # وقوله: * (والذين آمنوا في الحياة الدنيا) أي: وينصر الذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا. # وقوله: * (ويوم يقوم الأشهاد) يعني: يوم القيامة. # والأشهاد جمع شاهد، كالأصحاب جمع صاحب. ويقال: شهيد وأشهاد مثل: ~~PageV05P025 # * (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ~~(51) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) ولقد ~~آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى لأولي الألباب ~~(54) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار ~~(55) إن الذين يجادلون في) * * شريف وأشراف. # قوله تعالى: * (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم) أي: اعتذارهم؛ لأنه لا عذر ~~لهم * (ولهم اللعنة) أي: عليهم اللعنة * (ولهم سوء الدار) أي: الدار ~~السيئة، وهي النار. # قوله تعالى: * (ولقد آتينا موسى الهدى) أي: النبوة. # وقوله: * (وأورثنا بني إسرائيل الكتاب) أي: التوراة. # وقوله: * (هدى وذكرى لأولي الألباب) ظاهر المعنى. # قوله: تعالى: * (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك) تمسك من جوز ~~الصغائر على الأنبياء بهذه الآية، فأمرهم بالاستغفار عن الصغائر. ومن لم ~~يجوز الصغائر على الأنبياء [قال]: إنه أمر بالاستغفار تعبدا؛ لينال بذلك ~~رضا الله تعالى، ويقتدي به من يأتي بعده. # وقوله: * (وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) أي: صل شاكرا لربك بالعشي ~~والإبكار، والعشي من وقت زوال الشمس إلى الغروب، والإبكار ما بين طلوع ~~الفجر إلى ms1481 طلوع الشمس. # قوله تعالى: * (إن الذين يجادلون في آيات الله) أي: في دفع آيات الله ~~بالتكذيب. # وقوله: * (بغير سلطان أتاهم) أي: أتاهم بغير حجة. PageV05P026 # * (آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ~~فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق ~~الناس ولكن أكثر الناس) * * وقوله: * (إن في صدورهم إلا كبر) أي: ما في ~~صدورهم إلا كبر. والكبر الذي في صدورهم هو الاستكبار عن الإقرار بالتوحيد. ~~ويقال: طلب الغلبة والعلو علو محمد. # وقوله: * (ما هم ببالغيه) أي: ما هم ببالغي إرادتهم، وكان مرادهم أن يهلك ~~محمد ويهلك أصحابه، ويندرس أثره ويصيروا حكاية. ويقال: كان مرادهم أن ~~يغلبوا محمدا ويعلو أمرهم أمره. وفي الآية قول ثالث، قاله ابن جريج وغيره. # (وهذا أن) الآية نزلت في اليهود فكانوا يقولون: يخرج منا في آخر الزمان ~~من يغلب على جميع الأرض، ويكون البحر إلى ركبتيه، والسحاب على رأسه، ويقتل ~~ويحيي، ومعه جبل من جنة، وجبل من نار. قالوا: يعني أهل العلم وهو الدجال ~~الذي ذكره الرسول، فلما قالوا هذا أنزل الله تعالى هذه الآية. # ومعنى قوله: * (ما هم ببالغيه) على هذا القول أن الغلبة لا تكون للدجال ~~على المسلمين، بل تكون للمسلمين على الدجال، فإن عيسى عليه السلام ينزل ~~ويقتل الدجال نصرة للمسلمين. # وقوله: * (فاستعذ بالله) أي: من شرك الدجال على هذا القول. # وقوله: * (إنه هو السميع البصير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس) أي: رفع ~~السماوات بغير عمد، وإجراء الكواكب والشمس والقمر في مجاريها، وبسط الأرض، ~~ونصب الجبال أهول في قلوب الناس من خلق الآدميين. ويقال: لخلق السماوات ~~والأرض أكبر من قتل الدجال واحدا وإحيائه، فالناس هاهنا: هو الدجال على هذا ~~القول. # وقوله: * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي: لا يعلمون حقيقة الأمور. ~~PageV05P027 # * (لا يعلمون (57) وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ولا المسئ قليلا ما تتذكرون (58) إن الساعة لآتية لا ريب فيها ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (59) وقال ms1482 ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي) * * قوله تعالى: * (وما يستوي الأعمى والبصير) إلى ~~قوله: * (قليلا ما تتذكرون) بالتاء، وقرئ بالياء، والمعنى قريب بعضه من ~~بعض. # قوله تعالى: * (إن الساعة لآتية لا ريب فيها) أي: لا شك فيها. # وقوله: * (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) أي: لا يصدقون. # قوله تعالى: * (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) قد ثبت برواية نعمان بن بشير ~~أن النبي قال: ' الدعاء هو العبادة. وقرأ هذه الآية '. # وعن ثابت قال: قلت لأنس: الدعاء نصف العبادة، قال: هو كل العبادة. # وقوله: * (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) أي: عن دعائي، ويقال: عن توحيدي. # وقوله: * (سيدخلون جهنم داخرين) أي: صاغرين. # وعن كعب الأحبار قال: أعطيت هذه الأمة (ثلاثا) لم يعط أحد من الأمم: قال ~~الله تعالى لكل نبي من الأنبياء السالفة: أنت شاهد على أمتك، وقال لهذه ~~الأمة: أنتم شهداء على الأمم، وقال الله تعالى لكل نبي: ما عليك في الدين ~~من حرج، وقال لهذه الأمة: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقال لكل نبي: ~~ادع أستجب لك، وقال لهذه الأمة * (ادعوني أستجب لكم). PageV05P028 # * (سيدخلون جهنم داخرين (60) الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ~~ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) كذلك يؤفك ~~الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63) الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء ~~بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب ~~العالمين (64) هو الحي) * * قوله تعالى: * (الله الذي جعل لكم الليل ~~لتسكنوا فيه) أي: لتسترخوا فيه من الأعمال، وقيل: لتناموا. # وقوله: * (والنهار مبصرا) أي: مبصرا فيه، ومعناه: أن الناس يبصرون فيه ~~الأشياء. # وقوله: * (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) ~~قد بينا. # وقوله: * (كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون) أي: يصرف عن ms1483 الحق من ~~كان مشركا بالله جاحدا لآياته. # قوله تعالى: * (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا) أي: تستقرون فيها، * ~~(والسماء بناء) أي: بناءة فوقكم. # وقوله: * (وصوركم فأحسن صوركم) في التفسير: أنه لا يأكل بيده [شيء] سوى ~~الآدميين، ولا صورة على هذه الصورة أحسن من الآدميين. # وقوله: * (ورزقكم من الطيبات) أي: مما تستلذوها مما هو حلال لكم. # وقوله: * (ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) ومعناه: تعالى وتعظم ~~رب العالمين عما يقول الكفار. PageV05P029 # * (لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65) قل ~~إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت ~~أن أسلم لرب العالمين (66) هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم ~~يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ~~ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67) هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون) * * قوله تعالى: * (هو الحي لا إله إلا هو فادعوه ~~مخلصين له الدين) والدعاء على الإخلاص ألا يدعوا معه سواه. # وقوله: * (الحمد لله رب العالمين) روى عن ابن سيرين أنه قال: من السنة أن ~~يقول العبد لا إله إلا الله، ثم يقول عقيبة: الحمد لله رب العالمين. # قوله تعالى: * (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني ~~البينات من ربي) أي: الحجج الواضحة. # وقوله: * (وأمرت أن أسلم لرب العالمين) أي: أستسلم وأنقاد لحكمه. # قوله تعالى: * (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم ~~طفلا) أي: أطفالا، واحدا بمعنى الجمع، ويقال: طفلا طفلا. # وقوله: * (ثم لتبلغوا أشدكم) قد بينا معنى الأشد. # وقوله: * (ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل) أي: من قبل أن صار ~~شيخا. # وقوله: * (ولتبلغوا أجلا مسمى) أي: ما قدر لكم من الحياة. # وقوله: * (ولعلكم تعقلون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون) أي: تكوينه الأشياء ms1484 يكون بمرة واحدة، لا بمرة بعد مرة. PageV05P030 # ((68) * ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) الذين ~~كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) إذ الأغلال في ~~أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون (72) ثم قيل ~~لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من ~~قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين (74) ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تمرحون) * * وقوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين يجادلون في ~~آيات الله) أي: يجادلون في دفع آياتنا بالتكذيب. # وقوله: * (أنى يصرفون) أي: كيف يصرفون عن الحق. # قوله تعالى: * (الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون) ~~وعيد وتهديد. # قوله تعالى: * (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل) وقرئ: ' والسلاسل ' بنصب ~~اللام، فمن قرأ بالرفع، فمعناه: الأغلال في أعناقهم والسلاسل، ومن قرأ ~~بالنصب، فمعناه: ويسحبون السلاسل. # وقوله: * (يسحبون في الحميم) أي: يجرون في الحميم. # وقوله: * (ثم في النار يسجرون) أي: يوقدون في النار كما توقد التنانير ~~بالخشب. # قوله تعالى: * (ثم قيل لهم أينما كنتم تعبدون من دون الله قالوا ضلوا ~~عنا) يعني: أين هم لينصروكم؟ فيقولون: قد فاتوا وذهبوا عنا. # وقوله: * (بل لم نكن ندعو من قبل شيئا) أي: لم نكن ندعو من قبل شيئا يدفع ~~عنا ضرا، أو يجلب إلينا نفعا. # وقوله: * (كذلك يضل الله الكافرين) أي: عن الحق. # قوله تعالى: * (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق) هذا دليل على ~~أنه PageV05P031 # ((75) * ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر ~~إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77) ~~ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما ~~كان لرسول أن) * * قد يكون فرح بحق. # وقوله: * (وبما كنتم تمرحون) الفرح: السرور. والمرح والبطر والأشر. وفي ~~بعض الأخبار عن النبي أنه قال: ' إن الله تعالى يبغض البذخين الفرحين ~~المرحين، ويحب كل قلب حزين، ويبغض الحبر السمين، ويبغض أهل بيت ms1485 اللحمين أي: ~~الذين يكثرون أكل اللحم، ويقال: الذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة. والخبر ~~غريب. # وقوله: * (فأدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (فاصبر إن وعد الله حق) إلى آخر الآية. ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم ~~نقصص عليك) قال السدى: بعث الله تعالى ثمانية آلاف نبيا: أربعة آلاف من بني ~~إسرائيل، وأربعة آلاف من غير بني إسرائيل. وفي بعض التفاسير: أن جميع من ~~ذكرهم الله تعالى [في] القرآن من الأنبياء خمسة وعشرون نبيا، أولهم آدم، ~~وآخرهم محمد، ذكر ثمانية عشر منهم في سورة الأنعام، والباقين في غيرها. وعن ~~علي رضي الله عنه أن الله تعالى بعث نبيا حبشيا لم يذكر اسمه في القرآن. ~~وأما الذي في أفواه الناس أن الله تعالى بعث مائة وأربعة وعشرين ألف نبي. ~~PageV05P032 # * (يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك ~~المبطلون (78) الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ~~ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ~~(80) ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) * * وهو مروي عن ابن عباس برواية ضعيفة. # وقوله: * (وما كان لرسول أن يأتي إلا بإذن الله) هذا جواب للكفار، سألوا ~~النبي معجزة بعينه، وقالوا: افعل كذا وكذا، فرد الله عليهم ذلك بقوله: * ~~(وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله). # وقوله: * (فإذا جاء أمر الله قضى بالحق وخسر هنالك المبطلون) أي: هلك عند ~~ذلك المبطلون. # وقوله: * (أمر الله) أراد به القيامة. # قوله تعالى: * (الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون) ~~قال أهل التفسير: الأنعام هي الإبل والبقر والغنم في اللغة، إلا أنها الإبل ~~خاصة في هذه الآية. # وقوله: * (ولكم فيها منافع) يعني: سوى الركوب والأكل من الرسل والنسل ~~والوبر وغير ذلك. # وقوله: * (ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم) قال قتادة: الانتقال من بلد ~~إلى ms1486 بلد. قال مجاهد: أي حاجة كانت. # وقوله: * (وعليها وعلى الفلك تحملون) ظاهر المعنى، والفلك: السفينة. # قوله تعالى: * (ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون) يعني: مع ظهورها ~~ووضوحها. # قوله تعالى: * (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض) قال مجاهد: قوله: * ~~(وآثارا في PageV05P033 # * (كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزئون (83) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا ~~بما كنا به مشركين) * * الأرض) معناه: المشي فيها بأرجلهم. ويقال: الآثار ~~في الأرض هي العروش والزروع والأبنية. # وقوله: * (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) أي: لم يدفع عنهم كسبهم شيئا ~~حين ينزل العذاب بهم. # قوله تعالى: * (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم) ~~فإن قيل: كيف يستقيم هذا، ولم يكن عندهم [علم] أصلا؟ # قلنا: قد كان في ظنهم أنهم علماء، فسمى ما عندهم علما على ظنهم، وكان ~~الذي ظنوه أن لا بعث ولا جنة ولا نار ولا حياة بعد الموت. # والقول الثاني في الآية: أن قوله: * (فرحوا) يرجع إلى الرسل، ومعنى ~~الآية: فرح الرسل بما عندهم من العلم بهلاك أعدائهم. # ويقال: فرحوا بما عندهم من العلم أي: رضوا بما عندهم من العلم، ولم ~~يطلبوا العلم الذي أنزله الله على الأنبياء وقنعوا بما عندهم، وهو كان جهلا ~~على الحقيقة. # وقوله: * (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) أي: نزل بهم وبال ما كانوا به ~~يستهزئون. # قوله تعالى: * (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده) قد ذكرنا معنى ~~البأس. # وقوله: * (وكفرنا بما كنا به مشركين) وهكذا جميع الكافرين، يؤمنون عند ~~البأس، ولا ينفعهم ذلك. PageV05P034 # ((84) * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون (85)) وقوله: * (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا) وقد استثنى منهم قوم يونس في سورة يونس، وقد ذكرنا. # وقوله: * (سنة ms1487 الله التي قد خلت في عباده) أي: مضت في عباده، ومعنى ~~السنة: هو إيمانهم وعدم النفع في إيمانهم. # وقوله: * (وخسر هنالك الكافرون) أي: هلك هنالك الكافرون. # فإن قيل: كيف قال * (هنالك) وهذا يقتضي ألا يكونوا في الحال خاسرين؟ # والجواب: أن الزجاج قال: كل كافر خاسر، إلا أنه إذا رأى العذاب تبين له ~~الخسران. فبهذا المعنى قال: * (هنالك) والله أعلم. PageV05P035 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت ~~آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون (3) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا ~~يسمعون (4) وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر) * * ~~تفسير سورة حم السجدة وهي مكية قوله سبحانه وتعالى: * (حم) قد ذكرنا معناه. # وقوله: * (تنزيل من الرحمن الرحيم) منهم من قال: في الآية تقديم وتأخير ~~كأنه: تنزيل كتاب من الرحمن الرحيم فصلت آياته. وقال بعضهم: في الآية مضمر ~~محذوف، والمحذوف هو القرآن، وكأنه قال: تنزيل القرآن من الرحمن الرحيم. قال ~~الزجاج: وقوله: * (تنزيل) مبتدأ، قوله: * (كتاب) خبره. # وقوله: * (فصلت آياته) قال مجاهد: فسرت، وقال الحسن البصري: فصلت بالوعد ~~والوعيد، والثواب والعقاب. ويقال: فصلت بالحلال والحرام. # وقوله: * (قرآنا عربيا) أي: بلسان العرب. # وقوله: * (لقوم يعلمون) أي: يتدبرون ما فيه عن علم. # قوله: * (بشيرا ونذيرا) معناه: قرآنا بشيرا ونذيرا. فالقرآن بشير ~~للمؤمنين، نذير للكافرين. # وقوله: * (فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون) أي: لا يستمعون إلى القرآن. # وقوله تعالى: * (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) أي: في أغطية. ~~قال مجاهد: كالجعبة للنبل. # وقوله: * (وفي آذاننا وقر) أي: صمم. PageV05P036 # * (ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون (5) قل إنما أنا بشر مثلكم ~~يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) ~~الذين لا يؤتون) * * وقوله: * (ومن بيننا وبينك حجاب) أي: حاجز. وقال ~~بعضهم: (تفرق في النحلة حاجز في الطريقة). وروى بعضهم: أن أبا جهل استغشى ~~بثوب ثم قال: يا محمد، بيننا وبينك حجاب. استهزاء، ومعنى الآية: أنهم لما ~~لم يستمعوا إلى القرآن استماع من يقبله كانوا كأن قلوبهم في أغطية، وفي ms1488 ~~آذانهم وقر وصمم، وبينه وبينهم حجاب. # وقوله: * (فاعمل إننا عاملون) معناه: [فاعمل] بما [تعلم] من دينك إننا ~~عاملون بما نعلم من ديننا، قاله الفراء. وقال بعضهم: فاعمل في هلاكنا فإنا ~~نعمل في هلاكك. وقال بعضهم: فاعمل لمعبودك فإنا نعمل لمعبودنا. # قوله: * (إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا ~~إليه) أي: توجهوا إليه بالطاعة والعبادة. # وقوله: * (واستغفروه) أي: من الشرك الذي أنتم عليه. # وقوله: * (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) أي: لا يرون الزكاة ~~واجبة عليهم كما يراه المسلمون. ويقال: معنى الإيتاء هو على ظاهره، والكافر ~~يعاقب في الآخرة بترك إيتاء الزكاة؛ لأنهم مخاطبون بالشرائع. ذكره جماعة من ~~أهل العلم. وقال بعضهم: لا يؤتون الزكاة أي: لا يفعلون ما يصيرون به ~~أزكياء. وقال بعضهم: لا يؤتون الزكاة أي: لا يقولون لا إله إلا الله، قال ~~ابن عباس، في رواية عطاء، فعلى هذا معناه: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بقبول ~~التوحيد. وعن قتادة قال: الزكاة فطرة الإسلام؛ فمن قبلها نجا، ومن ردها ~~هلك. وأما القول الذي قلناه إنها الزكاة بعينها، PageV05P037 # * (الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~أجر غير ممنون (8) قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها ~~أقواتها في) * * قاله الحسن البصري وجماعة. # وقوله: * (وهم بالآخرة هم كافرون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) أي: ~~غير مقطوع، ويقال معناه: غر ممنون عليهم. # قوله تعالى: * (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) قال ابن ~~عباس: يوم الأحد ويوم الاثنين. فإن قال قائل: ما الحكمة في خلقها في يومين، ~~وقد كان قادرا على خلقها في ساعة وأقل من ذلك؟ قلنا: خلق في يومين ليرشد ~~خلقه إلى الإناة في الأفعال؛ وليكون أبعد من توهم اتفاق أو فعل طبع، ولأنه ~~لا سؤال عليه في خلقه فكيفما شاء خلق. # وقوله: * (وتجعلون له أندادا) أي: أشباها ms1489 وأمثالا وشركاء. قال حسان بن ~~ثابت: # (أتهجوه ولست له بند * فشركما لخير كما الفداء) قال أهل المعاني: قوله * ~~(وتجعلون له أندادا) أي: تطيعون غيره في معاصيه. وقال بعضهم: من ذلك أن ~~يقول الرجل: لولا كلبة فلان لدخل اللصوص داري، ولولا إرشاد فلان لهلكت، وما ~~أشبه ذلك. # وقوله: * (ذلك رب العالمين) أي: الذي فعل ذلك الفعل هو رب العالمين. # قوله تعالى: * (وجعل فيها رواسي) أي: جبالا رواسي، وسماها رواسي لثبوتها. ~~وفي القصة: أن الله تعالى لما خلق الأرض جعلت تميد ولا تستقر، فخلق الله ~~الجبال عليها فاستقرت، فهو معنى قوله: * (وجعل فيها رواسي من فوقها). # وقوله: * (وبارك فيها) أي: أكثر فيها البركة. والبركة: المنافع، ومن ~~بركاتها PageV05P038 # * (أربعة أيام سواء للسائلين (10) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض) * * الأشجار التي تنبت بغير غرس، والحبوب التي تنبت بغير بذر، وكل ~~ما لم يعمله بنو آدم. وفي بعض الآثار: أن الله تعالى جمع في (الخبز) بركات ~~السماء والأرض. # وقوله: * (وقدر فيها أقواتها) في التفسير أن معناه: الحنطة لقوم، والشعير ~~لقوم، والذرة لقوم، والتمر لقوم، والسمك لقوم، واللحم لقوم. ويقال: المصري ~~لمصر ، والسابري لسابر، والعربي للعرب، وكل طعام في موضعه. # وقوله: * (في أربعة أيام) أي: (في تمام أربعة أيام). فإن قال قائل: قد ~~قال هاهنا خلق الأرض في يومين فذكر أنه بدأ بخلق الأرض وقال في موضع آخر: * ~~(والأرض بعد ذلك دحاها) فكيف وجه الجمع بين الآيتين؟ والجواب: أن معنى ~~قوله: * (والأرض بعد ذلك دحاها) أي: مع ذلك، وهذا ضعيف في اللغة، والأصح أن ~~معنى قوله: (والأرض بعد ذلك دحاها) أي: بسطها، وكان الله تعالى خلق الأرض ~~قبل السماوات في يومين، وخلق الأرزاق والأقوات فيها، وأجرى الأنهار، وأظهر ~~الأشجار، وخلق البحار في يومين آخرين، فذلك تمام أربعة أيام، ولم يكن بسط ~~الأرض وجعلها بحيث يسكن فيها، فلما خلق السماوات بسط الأرض وجعلها بحيث ~~يسكنها الناس. # وقوله: * (سواء للسائلين) أي: عدلا للسائلين، ومعناه: من سألك عن هذا ~~فأجبه بهذا، فإنه الحق والعدل. # قوله تعالى: ms1490 * (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) أي: قصد إلى خلق السماء ~~وهي دخان، وفي القصة ان الله تعالى خلق أول ما خلق ماء يضطرب، فأزبد الماء ~~زبدا، وارتفع من الزبد دخان، فخلق الأرض من الزبد، وخلق السماء من الدخان. # وقوله: * (فقال لها وللأرض ائتيا طوع أو كرها) قال بعضهم: معنى قوله: ~~PageV05P039 # * (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضاهن سبع سماوات في ~~يومين وأوحى في) * * (ائتيا) أي: كونا كما قدرتكما طوعا أو كرها، وعلى هذا ~~يكون هذا القول قبل الخلق، والقول الثاني هو قول الأكثرين أن هذا القول من ~~الله تعالى بعد أن خلقهما، فعلى هذا معنى قوله: (ائتيا طوعا أو كرها) أي: ~~أعطيا الطاعة فيما خلقهما له جبرا واختيارا. # وقوله: * (قالتا أتينا طائعين) منهم من قال: هذا كله على طريق المجاز، ~~وليس على طريق الحقيقة، وكأن الله تعالى لما أجرى أمرهما على مراده وتقديره ~~جعل ذلك بمنزلة قول منه وإجابة منهما بالطواعية، والعرب قد تذكر القول في ~~مثل هذا الموضع، قال الشاعر: # (امتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني) وقال بعضهم: إن القول ~~والإجابة على طريق الحقيقة، وركب في السماوات والأرض ما عقلا به خطابه ~~وأجاباه بالطواعية، وهذا هو الأولى. وعن ابن السماك في موعظه: سل الأرض: من ~~غرس أشجارك؟ وأجرى أنهارك؟ وأخرج ثمارك؟ فإن لم تجبك اختيارا أجابتك ~~اعتبارا. فإن قيل: كيف قال: * (طائعين) وكان من حق اللغة أن يقول: طائعات ~~قلنا: إنما قال: * (طائعين) لأنه لما جعلها بمنزلة من يعقل في الخطاب معها ~~وجوابها ذكر الكلام على نعت العقلاء. # قوله تعالى: * (فقضاهن سبع سماوات) أي: خلقهن سبع سماوات * (في يومين) ~~وهو يوم الخميس و [يوم] الجمعة. وفي بعض الآثار: ' أن الله تعالى خلق الأرض ~~يوم الأحد والاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق الأقوات والأشجار يوم ~~الأربعاء، وخلق السماوات يوم الخميس، وخلق فيها البروج والكواكب والشمس ~~والقمر يوم الجمعة، وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة على عجل '، وقد ~~حكيت اللفظة PageV05P040 # * (كل سماء أمرها وزينا ms1491 السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز ~~العليم (12)) * * الأخيرة عن ابن عباس. # وقوله: * (وأوحى في كل سماء أمرها) أي: قدر في كل سماء أمرها، ويقال: خلق ~~في كل سماء ما أراد أن يخلق فيها، وذلك من سكانها وغير ذلك. # وقوله: * (وزينا السماء الدنيا بمصابيح) أي: بالكواكب. # وقوله: * (وحفظا) أي: حفظنا السماء بالكواكب من الشيطان. # وقوله: * (ذلك تقدير العزيز العليم) ظاهر المعنى، ويذكر تفسير هذه الآية ~~من وجه آخر على ما نقل في التفاسير. # فقوله تعالى: * (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) هو يوم ~~الأحد والاثنين، والاثنان هو العدد العدل؛ لأنه أكثر من الواحد الذي ليس ~~دونه شيء، ولم يبلغ الثلاث الذي هو جمع. وقيل: هو خلق في يومين، ليكون ~~اعتبارا للملائكة في النظر إلى خلقه أكثر، فيكون أدل على وحدانيته. # وقوله: * (وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين) قد بينا. # وقوله: * (وجعل فيها رواسي من فوقها) روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال: خلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق السماء والأشجار والبحار والأنهار يوم ~~الأربعاء. # وقوله: * (وبارك فيها) أي: أكثر فيها الخير. # وقوله: * (وقدر فيها أقواتها) في التفسير: أنه جعل في كل بلد ما ليس في ~~غيره، ليتعايش الناس ويتجروا فيها نقلا من بلد إلى بلد. يقال هو اليماني ~~باليمن، PageV05P041 # والقوهى بقوهستان، والسابري بسابور، والقراطيس بمصر، والمروى بمرو، ~~والبغدادي ببغداد، والهروي بهراة. وعن مجاهد قال: قوله: * (قدر فيها ~~أقواتها) هو المطر. # وقوله: * (في أربعة أيام) أي: في تمام أربعة أيام، فإن قيل: قد ذكر يومين ~~في الآية الأولى، وأربعة في هذه الآية، ويومين من بعد، فيكون قد خلق الله ~~السماوات والأرض في ثمانية أيام؟ قلنا: لا، بل خلقها في ستة أيام. # وقوله: * (في أربعة أيام) أي: في تمام أربعة أيام مع اليومين الأولين، ~~وهذا كالرجل يقول: ذهبت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وذهبت من بغداد ~~إلى الكوفة في خمسة عشر يوما أي: في تمام خمسة عشر يوما مع العدل الأول، ~~هذا كلام العرب، ومن طعن فيه ms1492 فلم يعرف كلام العرب. # وقوله: * (سواء للسائلين) قد بينا أحد المعنيين، والمعنى الآخر: وقدر ~~فيها أقواتها في أربعة أيام للسائلين أي: المحتاجين إلى القوت. # وقوله: * (سواء) ينصرف إلى الأيام أي: مستويات تامات. وقيل: (ذوات) سواء. ~~وقد قرئ بالخفض: ' سواء للسائلين '. ويقال: استوى سواء على القراءة الأولى. # قوله تعالى: * (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) في التفسير: أن الدخان كان ~~من تنفس الماء، ويقال: إنه خلق سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سماوات، وقد ~~ذكرنا من قبل وقوله: * (فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها) قال بعضهم: هو ~~على طريق المجاز مثل: قول الشاعر: # (وقالت له العينان سمعا وطاعة * وحذرتا كالدر لما تثقب) وتقول العرب: قال ~~الحائط فمال وقوله: * (ائتيا طوعا أو كرها) أي: أجيبا طوعا وإلا ألجأتكما ~~إلى الإجابة كرها، PageV05P042 # وإنما ذكروا هذا المعنى؛ لأن الأمر لا يرد إلا بالفعل طوعا. وذكر بعضهم: ~~أن الله تعالى خلق في السماوات تمييزا وعقلا، فخاطبهما وأجابا على الحقيقة، ~~وقد ذكرنا. وأورد بعضهم: أن الخطاب لمن في السماوات والأرض. وفي تفسير ~~النقاش: أن الموضع الذي أجاب من الأرض هو الأردن، وفيه أيضا: أن الله تعالى ~~خلق سبعة عشر نوعا من الأرض، هذا الذي تراه أصغر الكل، وأسكن تلك الأرضين ~~قوما ليسوا بإنس ولا جن ولا ملائكة، والله أعلم. # وقوله: * (قالتا أتينا طائعين) ولم يقل: طائعتين، قالوا: لأن المراد هو ~~السماوات بمن فيها، والأرض بمن فيها. ويقال: لأن السماوات سبع والأرضون ~~سبع، وهذا مروي عن الحسن البصري في الأرض فقال: طائعين لأجل هذا العدد. # قوله تعالى: * (فقضاهن سبع سماوات في يومين) أي: خلقهن. وفي التفسير: أن ~~الله تعالى خلق السماوات يوم الخميس، وخلق الشمس والقمر والكواكب والملائكة ~~وآدم يوم الجمعة، وسميت الجمعة جمعة؛ لأنه اجتمع فيها الخلق. وفي بعض ~~التفاسير: أن الله تعالى خلق آدم في آخر ساعة من ساعات الجمعة، وتركه ~~أربعين سنة ينظر إليه ويثني على نفسه، ويقول: * (تبارك الله رب العالمين) ~~وفي بعض التفاسير أيضا: أن الله تعالى لما خلق الأرض قال ms1493 لها: أخرجي أشجارك ~~وأنهارك وثمارك فأخرجت، ولما خلق الله السماء قال لها: أخرجي شمسك وقمرك ~~ونجومك فأخرجت. # وقوله: * (وأوحى في كل سماء أمرها) أي: ما يصلحها، ويقال: جعل فيها ~~سكانها من الملائكة. # وقوله: * (وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا) قد بينا. # وقوله: * (وحفظا) أي: وحفظناها حفظا من الشياطين بالشهب والنجوم. # وقوله: * (ذلك تقدير العزيز العليم) أي: تقدير القوى على ما يريد خلقه، ~~العليم بخلقه وما يصلحهم. PageV05P043 # * (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم ~~الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا ~~لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) فأما عاد فاستكبروا في الأرض ~~بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد ~~منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15)) * * قوله تعالى: * (فإن أعرضوا) أي: ~~أعرضوا عن الإيمان بما أنزلت عليك. # وقوله: * (فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) الصاعقة نار تنزل من ~~السماء إلى الأرض، وهي في هذا الموضع كل عقوبة مهلكة. # وقوله: * (إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم) أي: إلى الآباء * (ومن خلفهم) ~~أي: الأبناء الذين كانوا خلف الآباء، ويجوز أن يرجع قوله: * (ومن خلفهم) ~~إلى خلف الرسل الأولين. # وقوله: * (ألا تعبدوا إلا الله) ظاهر. # وقوله: * (قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون) ~~أي: جاحدون. # قوله تعالى: * (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا ~~قوة) وفي القصة: أنه كان من قوتهم أن الرجل منهم كان يضرب رجله على الصخرة ~~الصماء فتغوص فيها رجله إلى ركبته، ومن قوتهم أنهم سدوا الفج الذي كان يخرج ~~منه الريح بصدورهم، حتى قويت الريح وأهلكتهم واحدا بعد واحد. # وقوله: * (أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا ~~يجحدون) أي: ينكرون. # قوله تعالى: * (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا) قال مجاهد: شديدة السموم. وقال ~~قتادة: شديدة البرد من الصر وهو البرد ويمكن الجمع بين القولين؛ لأنه قيل: ~~إنها كانت ريحا ms1494 باردة تحرق كما يحرق السموم، ويقال: صرصرا أي: ذات صيحة، ~~ومنه سمي نهر الصرصر، وهو نهر يأخذ من الفرات. PageV05P044 # * (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17) ونجينا ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ~~(19) حتى إذا) * * وقوله: * (في أيام نحسات) وقرئ: ' نحسات ' بجزم الحاء ~~أي: مشئومات، وكانت هذه الأيام مشائيم عليهم؛ لأنهم عذبوا فيها. # وقوله: * (لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا) أي: عذابا يخزيهم وينكل ~~بهم. # وقوله: * (ولعذاب الآخرة أخزى) أي: أشد إخزاء * (وهم لا ينصرون) أي: لا ~~يمنعون من عذابنا. # قوله تعالى: * (وأما ثمود فهديناهم) حكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~أنه قال: هديناهم أي: دللناهم على الهدى. وقال مجاهد: بينا لهم طريق الهدى. ~~وقيل: طريق الخير والشر. وفي بعض التفاسير: هديناهم أي: دعوناهم. # وقوله: * (فاستحبوا العمى على الهدى) أي: آثروا طريق الضلال على طريق ~~الرشد. # وقوله: * (فأخذتهم صاعقة العذاب الهون) فصاعقة العذاب: نار نزلت من ~~السماء إلى الأرض فتصيب من يستحق العذاب. # وقوله: * (الهون) أي: ذي الهون، والهون والهوان بمعنى واحد، وهو عذاب ~~يهينهم ويهلكهم. # وقوله: * (بما كانوا يكسبون) ظاهر المعنى. # وقوله تعالى: * (ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) أي: يتقون الشرك. # قوله تعالى: * (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون) أي: يحتبس ~~أولهم على آخرهم. PageV05P045 # * (ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) ~~وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو ~~خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ~~أبصاركم ولا) * * قوله تعالى: * (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون) أكثر المفسرين أن الجلود هاهنا هي ~~الفروج، وفي بعض الأخبار: ' أن الله تعالى يحشر العباد مقدمين بالفدام، ~~فأول ما ينطق من جوارح الإنسان فخذه وكفه ' وقيل: ms1495 إن قوله: * (وجلودهم) هي ~~الجلود المعروفة. وفي الخبر المعروف برواية أنس ' أن النبي ضحك مرة، فسئل: ~~مم ضحكت؟ فقال: عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة فيقول: أي رب، أليس ~~وعدتني أن لا تظلمني؟ فيقول: نعم. فيقول العبد: فإني لا أجيز اليوم شاهدا ~~علي إلا مني، فحينئذ يختم الله على فمه وتنطق جوارحه بما فعله، فيقول ~~العبد: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل '. # قوله تعالى: * (وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شيء) أي: كل شيء ينطق. # وقوله تعالى: * (وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون) أي: تردون. # قوله تعالى: * (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا ~~جلودكم) في الأخبار المعروفة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كنت ~~مستترا تحت ستر الكعبة، فجاء قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه ~~قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فقال بعضهم لبعض: أسمع الله ما نقول؟ فقال أحدهم: ~~يسمع إذا جهرنا، ولا يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله تعالى: * (وما كنتم ~~تستترون) أي: تستخفون. # وقوله: * (أن يشهد) معناه: من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا ~~جلودكم. PageV05P046 # * (جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) وذلكم ظنكم ~~الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) فإن يصبروا فالنار مثوى ~~لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24)) * * وقوله: * (ولكن ظننتم أن ~~الله لا يعلم كثيرا مما تعملون) هو قول من قال: إن الله يسمع إذا جهرنا، ~~ولا يسمع إذا أخفينا. # قوله تعالى: * (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم) هو ما قلناه. # وقوله: * (أرداكم) أي: أهلككم. وقد ثبت أن النبي قال: '... أنا عند ظن ~~عبدي، وأنا معه حين يذكرني... '. # وفي بعض الأحاديث: ' أن الله تعالى يأمر بعبد من عبيده إلى النار، فيقول: ~~أي رب، ما كان هذا ظني بك. فيقول: وما كان ظنك بي؟ فيقول العبد: كان ظني أن ~~تغفر لي وتدخلني الجنة، فيغفر الله له '. # وفي بعض التفاسير: أن العبد إذ ظن الخير فعل الخير، وإذا ظن الشر ms1496 فعل ~~الشر. # وقوله: * (فأصبحتم من الخاسرين) أي: الهالكين. # قوله تعالى: * (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم) المثوى: المنزل. # وقوله: * (وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين) الاستعتاب طلب الإعتاب، ~~والإعتاب أن يعود الإنسان إلى ما يحبه بعد أن فعل ما يكرهه. تقول العرب: ~~أستعتب فلانا فأعتبني، بمعنى ما قلنا. # وقوله: * (فماهم من المعتبين) أي: لا يرجع بهم إلى ما كانوا يحبون. وقيل: ~~إن ما يحبون هو أن يعيدهم إلى الدنيا فيعبدوا الله ويطيعوه. # وأما قوله: * (فإن يصبروا) معناه: فإن يصبروا أو لا يصبروا. ومعناه: لا ~~ينفعهم PageV05P047 # * (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول ~~في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) وقال الذين ~~كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون (26) فلنذيقن الذين ~~كفروا عذابا شديدا) صبر ولا جزع. # قوله تعالى: * (وقيضنا لهم) أي: صيرنا لهم، ويقال: سببنا لهم. # وقوله: * (قرناء) أي: الشياطين. # وقوله: * (فزينوا لهم) أي: الشياطين زينوا لهم. # * (ما بين أيديهم) أي: زينوا لهم أن لا بعث ولا جنة ولا نار. # وقوله: * (وما خلفهم) أي: زينوا لهم لذات الدنيا، وزينوا لهم جمع المال ~~وإمساكه وترك إنفاقه في سبيل الخير. # وقوله: * (وحق عليهم القول) أي: وجب عليهم القول * (في أمم) أي: مع أمم. # وقوله: * (قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين) أي: ~~هالكين، فكل من هلك فقد خسر نفسه. # وقوله تعالى: * (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) ~~اللغو كل كلام لا وجه له ولا معنى تحته. وقيل: كل مالا يعبأ به فهو لغو. ~~ويقال: اللغو هاهنا هو الصفير والتصفيق اللذان كان يفعلهما المشركون عند ~~سماع القرآن، وذلك المكاء والتصدية. وقد ذكرنا من قبل. وقرئ في الشاذ: ' ~~والغوا فيه ' بضم الغين، وهو في معنى الأول. وقيل معناه: استعلوا عند سماع ~~القرآن باللغو، وهو الضجيج والصياح لكيلا تسمعوا. # وقوله: * (لعلكم تغلبون) أي: تغلبون محمدا. # قوله تعالى: * (فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي ~~كانوا يعملون) ms1497 أي: جزاء أعمالهم السيئة. PageV05P048 # * (ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) ذلك جزاء أعداء الله النار لهم ~~فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون (28) وقال الذين كفروا ربنا ~~أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين ~~(29) إن الذين قالوا ربنا) * * قوله تعالى: * (ذلك جزاء أعداء الله النار ~~لهم فيها دار الخلد) أي: دار الخلود. # قوله تعالى: * (جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون) أي: ينكرون. # قوله تعالى: * (وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن ~~والإنس) قال أهل التفسير: الذي من الجن هو إبليس، والذي من الإنس قابيل ~~الذي قتل هابيل، وهما أول من سن المعصية من الجن والإنس، وهذا هو القول ~~المشهور، وهو محكي عن علي رضي الله عنه ذكره الأزهري بإسناده. وفي الآية ~~قول آخر: وهو أن المراد كل داع إلى الضلالة من الجن والإنس. وفي بعض ~~الآثار: أنه ما من أحد من الجن يعمل شرا إلا ويلعن إبليس عند موته، وما من ~~أحد من الإنس يعمل شرا إلا ويلعن ابن آدم عند موته، وهو قابيل. ويقال: ~~يلعنهما كل عامل بالشر؛ لأنهما اللذان سنا الشر والمعاصي. # وقوله: * (نجعلهما تحت أقدامنا) أي: نجعلهما تحت أقدامنا في النار، وهو ~~الدرك الأسفل. وقالوا ذلك حقدا عليهم وانتقاما منهم. # وقوله: * (ليكونا من الأسفلين) أي: أسفل منا في النار وأشد منا في ~~العذاب. # وأما قوله: * (ربنا أرنا) قيل معناه: أعطنا، وقيل معنى قوله: * (أرنا) ~~أي: دلنا عليهما، وهو الأولى. وعن السدى قال: ما من كافر يدخل النار إلا ~~وهو يلعن إبليس؛ لأنه أول من سن الكفر، وما من عاص يدخل النار إلا ويلعن ~~قابيل؛ لأنه أول من سن المعصية. # قوله تعالى: * (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) وروى عن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه أنه قال: استقاموا أي لم يشركوا بالله شيئا، وعن عمر ~~رضي الله عنه قال: لم يروغوا روغان الثعالب. ومن المعروف أن الاستقامة [هي] ~~طاعة الله، وأداء فرائضه، واتباع سنة نبيه محمد. PageV05P049 # * (الله ثم استقاموا تتنزل ms1498 عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا ~~بالجنة التي كنتم) * * روى ثابت عن أنس: ' أن النبي قرأ قوله تعالى: * (إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) ثم قال: قد قال قوم ولم يستقيموا عليه، ~~فمن قال ومات عليه فقد استقام '. # وعن سفيان بن عبد الله الثقفي أنه قال: ' قلت يا رسول الله، قل لي في ~~الإسلام قولا أثبت عليه، فقال له: قل ربي الله ثم استقم. فقلت له: يا رسول ~~الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: هذا وأشار إلى لسانه '. # ومن المعروف أيضا أن النبي قال: ' استقيموا ولن تحصوا، ولا يحافظ على ~~العصر إلا مؤمن '. # وقوله: * (تتنزل عليهم الملائكة) أي: عند الموت، ويقال: عند البعث. في ~~التفسير: أنه إذا بعث العبد تلقاه الملكان اللذان كانا يحفظانه ويكتبان ~~عليه، ويقولان له: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد، ولا يهولك ~~الذي تراه، فإنما أريد به غيرك. وعن أبي العالية الرياحي قال: يبشر المؤمن ~~في [ثلاثة] مواطن: عند دخول القبر، وعند البعث، وعند دخوله الجنة. # وقوله: * (ألا تخافوا) أي: لا تخافوا ما بين أيديكم. # وقوله: * (ولا تحزنوا) على ما خلفتم من أهل وولد وضيعة. # وقوله: * (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) أي: توعدون في كتب الله وعلى ~~ألسنة رسله. PageV05P050 # * (توعدون (30) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) ولكم فيها ما ~~تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم ومن أحسن قولا ممن دعا ~~إلى الله وعمل صالحا قوله: * (نحن أولياكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) ~~ومعنى الولاية: هو الحفظ والنصرة والمعونة. # وقوله: * (في الحياة الدنيا) أي: عند الموت. # * (وفي الآخرة) أي: بعد البعث. # وقوله: * (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم) أي: تلذه أنفسكم. ويقال: ما يخطر ~~على قلوبكم. # وقوله: * (ولكم فيها ما تدعون) أي: تتمنون، تقول العرب: ادع على ما شئت ~~أي: تمن على ما شئت. # ويقال (ولكم فيها ما تدعون) أي ما ادعيت أنه لك فهو لك. # وقوله: * (نزلا من غفور رحيم) أي: عطاء من غفور رحيم. ومنه ms1499 نزل الضيف. ~~أي: عطاؤه. ويقال: منا. # * (من غفور رحيم) والغفور الساتر، والرحيم العطوف. # قوله تعالى: * (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا) قال ابن ~~عباس: من دعا إلى الله هو الرسول. وحكى عن ابن عباس أنه قال: ' دعا إلى ~~الله ' عام في كل من يدعو إلى الله. وعن مجاهد أنه قال: الآية في المؤذنين. ~~وحكى هذا القول عن عائشة رضي الله عنها وقد ضعف بعضهم هذا القول؛ لأن ~~السورة مكية، والأذان كان بعد الهجرة إلى المدينة. # وقوله: * (وعمل صالحا) أي: عمل بينه وبين ربه. ويقال: عمل صالحا بأداء ~~الفرائض، وقيل: عمل صالحا بإخلاص الدعوة والعمل. PageV05P051 # وقال إنني من المسلمين (33) ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي ~~أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34)) * * وقوله: * (وقال ~~إنني من المسلمين) أي: أقر بالإسلام وثبت عليه. ويقال: من المستسلمين لحكم ~~الله. ومن المعروف عن عائشة رضي الله عنها أن المراد من قوله: * (وعمل ~~صالحا) هو ركعتان بين الأذان والإقامة. وهذا على القول الذي قلنا: إنه ورد ~~في المؤذنين. # قوله تعالى: * (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) معناه: ولا تستوي الحسنة ~~والسيئة و ' لا ' صلة. # وأما الحسنة والسيئة ففيهما أقوال: # أحدها: أنهما التوحيد والشرك، والآخر: أنهما العفو والانتصار، والثالث: ~~أنهما المداراة والغلظة. والرابع: أنهما الصبر والجزع. والخامس: أنهما ~~الحلم عند الغضب والسفه. # وقوله: * (ادفع بالتي هي أحسن) أي: ادفع السيئة بالخلة التي هي أحسن، ~~والخلة هي أحسن الحلم عند الغضب، والعفو عند القدرة، والصبر عند البلاء، ~~وما أشبه ذلك. # وفي الآية قول آخر: أن معنى قوله: * (ادفع بالتي هي أحسن) أي: بالسلام، ~~قاله مجاهد. ومعناه: أنه يسلم على من يؤذيه، ولا يقابله بالأذى، وعن ابن ~~عباس: أن معنى قوله تعالى: * (ادفع بالتي هي أحسن) هو أنه إذا أذاك إنسان ~~وشتمك ونسبك إلى القبيح تقول له: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا ~~فغفر الله لك. # وقوله: * (فإذا الذي بينك وبينه عداوة) هذا في الحلم عند الغضب، والعفو ~~عند ms1500 القدرة. # وقوله: * (كأنه ولي حميم) أي: صديق قريب، فالولي هو الصديق، والحميم هو ~~القريب. PageV05P052 # * (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) وإما ~~ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) ومن آياته ~~الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي ~~خلقهن إن كنتم) * * قوله تعالى: * (وما يلقاها إلا الذين صبروا) أي: وما ~~يؤتى هذه الخصلة، وهي دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا أي: صبروا على ~~أوامر الله. # وقوله: * (وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) أي: ذو نصيب وافر من الدين. ويقال: ~~وما يلقاها أي: وما يؤتى الجنة إلا ذو حظ عظيم أي: نصيب وافر. وقيل: ذو جد ~~عظيم، والجد هو البخت. # قوله تعالى: * (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ) أي: غضب. وفي بعض الأخبار: ~~أن الغضب جمرة في الإنسان يوقد فيها الشيطان. ويقال: نزغ أي: (وسوسة). # وقوله: * (فاستعذ بالله) أي: اعتصم بالله. وقد روينا أن النبي كان يقول: ~~' أعوذ بالله من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه '. # وقوله: * (أنه هو السميع لعليم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر) فالآية في الليل ~~والنهار في زيادتها ونقصانها، والآية في الشمس والقمر في دورانهما على حساب ~~معلوم. # وقوله: * (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر) قال عكرمة: الشمس مثل الدنيا ~~وثلثها، والقمر مثل الدنيا مرة واحدة. وعن بعضهم قال: الشمس طولها ثمانون ~~فرسخا، وعرضها ستون فرسخا، والله أعلم. # وقوله: * (واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) أي: توحدون. # قوله تعالى: * (فإن استكبروا) أي: تكبروا. PageV05P053 # * (إياه تعبدون (37) فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل ~~والنهار وهم لا يسأمون (38) ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير ~~(39) إن الذين يلحدون في) * * وقوله: * (فالذين عند ربك) أي: الملائكة. # * (يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون) أي: لا يملون. وعن كعب ~~الأحبار أنه قال: التسبيح للملائكة كالنفس والطرف لبني آدم، فكما ms1501 لا يلحق ~~الآدمي تعب في الطرف والنفس، فكذلك لا يلحقهم التعب بالتسبيح. # قوله تعالى: * (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة) أي: هامدة متهشمة ميتة ~~ليس عليها شيء. # وقوله: * (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت) أي: تحركت للنبات. # وقوله: * (وربت) أي: ارتفع النبات. والقول الثاني: أن هذا على التقديم ~~والتأخير، ومعناه: ربت واهتزت، أي: ربت الأرض بخروج النبات منها، واهتزت ~~أي: تحركت. # وقوله: * (إن الذي أحياها) أي: أحيا الأرض الميتة * (المحى الموتى) أي: ~~في القيامة. # وقوله: * (إنه على كل شيء قدير) أي: قادر. # قوله تعالى: * (إن الذين يلحدون في آياتنا) أي: يميلون إلى الحجد و ~~[التكذيب] في آياتنا. وكل من مال من الحق إلى الباطل، ومن التوحيد إلى ~~الشرك فهو ملحد. # وقوله: * (لا يخفون علينا) أي لا يخفى كفرهم علينا. # قوله: * (أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة) فيه ~~أقوال: أحدها: أن الذي يلقى في النار هو أبو جهل، والذي يأتي آمنا هو عمار، ~~قال عكرمة وغيره. PageV05P054 # * (آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) إن الذين كفروا بالذكر ~~لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأنيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد (42) ما يقال) * * والقول الثاني: أن من يلقى في النار ~~هو أبو جهل، ومن يأتي آمنا هو حمزة بن عبد المطلب. # والقول الثالث: أن من يلقى في النار هو كل كافر، والذي يأتي آمنا هو ~~الرسول. ويقال: كل مؤمن قد أمن من الخلود في النار. ويقال: من يلقى في ~~النار هم الذين يبغضون آل النبي، ومن يأتي آمنا هم الذين يحبونهم، وقيل: ~~هذا في الصحابة. والله أعلم. # وقوله: * (اعملوا ما شئتم) هذا على طريق التهديد والوعيد. ومعناه: اعملوا ~~ما شئتم فستقدمون عليه. # وقوله: * (إنه بما تعملون بصير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم) أي: بالقرآن، وفيه حذف، ~~والمحذوف، سيجازون على ذلك. # وقوله: * (وأنه لكتاب ms1502 عزيز) أي: كريم على الله. ويقال: كتاب أعزه الله. # وقوله: * (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) فيه قولان: أحدهما: ~~لا يأتيه التكذيب من الكتب المتقدمة، ولا يأتيه من بعده كتاب ينسخه ويرفعه، ~~والقول الثاني: أن الباطل هو إبليس عليه اللعنة، ومعناه: أنه لا يأتيه ~~بزيادة ولا نقصان أي: لا سلطان له عليه بواحدة منهما. # وقوله: * (تنزيل من حكيم حميد) أي: حكيم في فعله، محمود في قوله. # قوله تعالى: * (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك) هذا على طريق ~~التعزية والتسلية للنبي، فإن الكفار كانوا يقولون: إنه كافر وساحر وشاعر ~~ومجنون، فقال PageV05P055 # * (لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43) ~~ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي) * * تعالى ~~معزيا ومسليا له: * (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك) أي: لست بأول ~~من قيل له هذا، فقد نسب الأنبياء من قبلك إلى هذه الأشياء. وقد تم الكلام ~~على هذا ثم قال: * (وإن ربك لذو مغفرة) أي: لذنوب العباد، لمن أراد أن يغفر ~~له. # وقوله: * (وذو عقاب أليم) أي: لمن أراد أن لا يغفر له. # وفي قوله: * (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) قول آخر: وهو أن ~~معناه: لا يأتيه الباطل قبل تمام نزوله فهو من بين يديه. # وقوله: * (من بين يديه) أي: قبل النزول، فإن الرسل بشرت بالقرآن، فلا ~~يأتيه ما يدحضه ويبطله * (ولا من خلفه) أي: بعد النزول، ومعناه: أنه لا ~~يأتيه كتاب ينسخه. # قوله تعالى: * (ولو جعلناه قرآنا أعجميا) أي: بلسان العجم. ويقال: أعجميا ~~أي: غير مبين، قاله المفضل، والأول هو المشهور. # وقوله: * (لقالوا لولا فصلت آياته) أي: بينت آياته * (أأعجمي وعربي) ~~معناه: أقرآن أعجمي، ورسول عربي؟. # وقرأ ابن عباس والحسن: ' لولا فصلت آياته عجمي وعربي ' لا على وجه ~~الاستفهام أي: هلا جعل بعض آياته عجميا، وبعض آياته عربيا، والمختار هي ~~القراءة الأولى على المعنى الأول. والأعجمي كل ms1503 من في لسانه عجمة، وإن كان ~~عربيا، ومنه زيادة الأعجمي الشاعر. والعجمي هو الواحد من العجم، والأعرابي ~~كل من يسكن البدو، والعربي الواحد من العرب، قال الشاعر: # (ولم أر مثلي هاجه صوت مثلها * ولا عربيا هاجه صوت أعجما.) ويقال: إن ~~الآية نزلت في يسار بن فكيهة غلام ابن الحضرمي، وكان يدخل على رسول الله، ~~وكان يهوديا قد قرأ الكتب، فقالوا: علم محمدا يسار أبو فكيهة، PageV05P056 # * (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد (44) ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف ~~فيه ولولا كلمة) * * فقال أبو فكيهة: لا، بل أنا أتعلم منه، وهو يعلمني. # وقوله: * (قل هو للذين آمنوا) أي: القرآن * (هدى وشفاء) أي: هدى للأبصار، ~~وشفاء للقلوب. # وقوله: * (والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر) أي: ثقل وصمم، كأنه جعلهم ~~بمنزلة الصم حين لم يسمعوا سماع قابل. # وقوله: * (وهو عليهم عمى) قال الفراء: عموا وصموا على القرآن حيث لم ~~ينتفعوا به. وقيل: عميت أبصارهم عن القرآن، فالقرآن عليهم بمنزلة العمى. # وقوله: * (أولئك ينادون من مكان بعيد) أي: بعيد من قلوبهم، حكى هذا عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويقال: ينادون من مكان بعيد أي: السماء، قال ~~الفراء: تقول العرب لمن لا يفهم القول: إنه يأخذه من مكان بعيد، وإذا كان ~~يفهم يقولون: إنه يأخذه من مكان قريب. # وذكر بعض النحويين أن قوله: * (أولئك ينادون من مكان بعيد) جواب لقوله ~~تعالى: * (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم) والذي ذكرنا أن الجواب محذوف ~~هو الأولى، وقد بينا. أورده النحاس. # قوله تعالى: * (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه) الكتاب هو التوراة، ~~والاختلاف فيه أنه آمن به بعضهم وكفر بعضهم. # وقوله: * (ولولا كلمة سبقت من ربك) أي: تأخير القيامة إلى أجل معلوم ~~عنده. وعن عطاء قال: الكلمة التي سبقت من ربه هي أن آدم صلوات الله عليه ~~لما عطس ألهمه الله تعالى حتى قال: الحمد لله، فقال الله تعالى: يرحمك ربك. ~~فهي الكلمة ms1504 التي سبقت من الله. PageV05P057 # * (سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (45) من عمل صالحا ~~فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46) إليه يرد علم الساعة وما ~~تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم ~~أين شركائي) * * وقوله: * (لقضي بينهم) أي: لعجل لهم العذاب. # وقوله: * (وإنهم لفي شك منه مريب) أي: مرتاب. # وقوله: * (من عمل صالحا فلنفسه) أي: نفع ذلك عائد إلى نفسه. # وقوله: * (ومن أساء فعليها) أي: وبال ذلك راجع إليه. # وقوله: * (وما ربك بظلام للعبيد) لأن ما يفعله يكون عدلا، ولا يكون ظلما. ~~ويقال: معنى قوله: * (وما ربك بظلام للعبيد) أي: لا يعاقب أحدا من غير جرم. # قوله تعالى: * (إليه يرد علم الساعة) معناه: إلى الله برد علم الساعة، ~~وهذا على العموم، فإن كل من سئل عن الساعة يقول: الله أعلم. # وقوله: * (وما تخرج من ثمرة من أكمامها) أي: من أوعيتها وغلفها، والكم: ~~غلافها، ويقال: هو جف الطلع. # وقوله: * (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعمله) أي: يعلم مدة الحمل، ~~ويعلم وقت وضعه. # وقوله: * (ويوم يناديهم) يعني: ينادي الكفار * (أين شركائ) على زعمكم؟ # وفي التفسير: أن الله تعالى يقول: أين الملوك؟ أين الجبابرة؟ أين الآلهة؟ ~~أنا الرب، لا رب غيري، أنا الله، لا إله غيري، أنا الملك، لا ملك غيري. # وقوله: * (قالوا آنذاك) أي: أعلمناك، ومنه أخذ الأذن والأذان والمؤذن. ~~وهذا من قول الآلهة. # قال الفراء وغيره: ومعناه: أن الآلهة تقول: آذناك أي: أعلمناك يا رب ~~تكذيبهم وكفرهم * (ما منا من شهيد) أي: ليس منا أحد يشهد أن قولهم حق، ~~وزعمهم صحيح. PageV05P058 # * (قالوا آذناك ما منا من شهيد (47) وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل ~~وظنوا ما لهم من محيص (48) لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر ~~فيئوس قنوط (49) ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما ~~أظن الساعة قائمة ولئن) * * وقوله: * (وضل عنهم) أي: بطل عنهم وفات عنهم * ~~(ما كانوا ms1505 يدعون من قبل). # وقوله: * (وظنوا ما لهم من محيص) أي: أيقنوا مالهم من ملجأ ومهرب. # قوله تعالى: * (لا يسأم الإنسان من دعاء لخير) أي: من دعاء المال. ويقال: ~~هو الغنى بعد الفقر، والعافية بعد السقم. وقيل إن الآية نزلت في الوليد بن ~~المغيرة كان لا يزال يدعو بكثرة المال، وفيه نزل قوله تعالى: * (وجعلت له ~~مالا ممدودا وبنين شهودا). # وقوله: * (وإن مسه الشر) أي: البلاء الفقر والشدة. # وقوله: * (فيئوس قنوط) أي: يئوس من الخير، قنوط من الرحمة. وقيل: قنوط: ~~أي: سئ الظن بربه، كأنه يقول: لا يكشف الله تعالى ما بي من البلاء والشدة. # قوله تعالى: * (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته) أي: رخاء بعد ~~شدة، وغنى بعد فقر. # وقوله: * (ليقولن هذا لي) أي: باجتهادي واستحقاقي. # وقوله: * (وما أظن الساعة قائمة) أي: آتية. # وقوله: * (ولئن رجعت إلى ربي) أي: رددت. # وقوله: * (إن لي عنده للحسنى) أي: للخير الكثير. # قال بعض أهل العلم: الكافر بين منيتين باطلتين في الدنيا والآخرة، أما في ~~الدنيا يقول: لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى، وأما في الآخرة يقول حين ~~رأى ما PageV05P059 # * (رجعت إلى ربي أن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ~~وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض (51) قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم ~~به من أضل ممن هو في) * * قدمت يداه: يا ليتني كنت ترابا. وفي تفسير ~~النقاش: أن الآية نزلت في شأن عقبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن ~~المغيرة وأبي بن خلف وأمية بن خلف وغيرهم، وقد كانوا يمنون أنفسهم ~~الأباطيل. # وقوله: * (فلننبئن الذين كفروا بما عملوا) هذا على طريق التهديد والوعيد. # وقوله: * (ولنذيقهم من عذاب غليظ) أي: شديد. # قوله تعالى: * (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونآى بجانبه) وقرئ: ' وناء ~~بجانبه ': ومعنى نائ بجانبه تباعد بجانبه. # وقوله: * (وإذا مسه الشر) أي: الشدة والبلاء. # وقوله: * (فذو دعاء عريض) أي: كثير. قال النقاش: والآية ms1506 في الذين سبق ~~ذكرهم. وعن بعض أهل العلم أنه قال: رب عبد يعرف الله في الرخاء، ولا يعرفه ~~في الشدة، ورب عبد يعرف الله في الشدة ولا يعرفه في الرخاء. والمؤمن من ~~يعرفه في الرخاء والشدة جميعا. وفي الخبر المعروف أن النبي قال لابن عباس: ~~' احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك ~~في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله.... '. الخبر إلى ~~آخره. # قوله تعالى: * (قل أرأيتم إن كان من عند الله) معناه: قل يا أيها الكفار ~~أرأيتم إن كان من عند الله؟ أي: القرآن. # وقوله: * (ثم كفرتم به) أي: بالقرآن. # وقوله: * (من أضل ممن هو في شقاق بعيد) أي: في عناد للحق كبير، والمعنى: ~~أنكم أيها الكافرون في الشقاق والضلال. # قوله تعالى: * (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) الآيات في الآفاق ~~آيات PageV05P060 # * (شقاق بعيد (52) سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53) ألا أنهم في مرية من لقاء ~~ربهم ألا إنه بكل شيء محيط (54)) * * السماوات والأرضين، وذلك من رفع ~~السماء، وخلق الكواكب، ودوران الفلك، وإضاءة الشمس والقمر، وما أشبه ذلك، ~~وكذلك بسط الأرض، ونصب الجبال، وتفجير الأنهار، وغرس الأشجار، إلى ما لا ~~يحصى. # وقوله: * (وفي أنفسهم) أي: من السمع والبصر، وخلق سائر الجوارح وجميع ~~الحواس. وفي بعض التفاسير: أن من الآيات في النفس دخول الطعام والشراب من ~~مكان واحد، وخروجه من مكانين. وقيل: دخول الأطعمة على ألوان كثيرة، وخروجها ~~على لون واحد. وقال السدى: الآيات في الآفاق هي فتح الأمصار، وفي الأنفس ~~فتح الرسول مكة. ويقال: الآيات في الآفاق هي الفتوح التي كانت بعد الرسول، ~~وفي أنفسهم هي التي كانت في زمان الرسول. وقيل: الآيات في الآفاق ما أخبر ~~من الأمم المتقدمة وما نزل بهم، والآيات في الأنفس هي ما أنذرهم من الوعيد ~~والعذاب. وقال مجاهد: الآيات في الآفاق هو إمساك المطر من السماء. والآيات ~~في الأنفس هي البلايا ms1507 في الأجساد. # وقوله: * (حتى يتبين لهم أنه الحق) يعني: أن الرسول حق. وقيل: القرآن حق. # وقوله: * (أولم يكف بربك) يعني: أولم يكفك يا محمد من ربك [أنه] على كل ~~شيء شهيد وقيل معناه: أوليس في شهادة ربك كفاية. وقيل: أوليس في الدلالة ~~التي أقامها على التوحيد كفاية. # وقوله: * (إنه على كل شيء شهيد) أي: لأنه على كل شيء شهيد، أو بأنه على ~~كل شيء شهيد. # قوله تعالى: * (ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم) أي: في شك من البعث ~~والنشور. # وقوله: * (ألا إنه بكل شيء محيط) أي: محيط علمه بجميع ذلك. تمت السورة. ~~PageV05P061 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (حم (1) عسق (2) كذلك يوحي إليك) * * تفسير ~~سورة حم عسق وهي مكية (قال مقاتل): إلا قوله تعالى: * (ذلك الذي يبشر الله ~~عباده الذين آمنوا) الآية، وكذلك قوله تعالى: * (والذين إذا أصابهم البغي ~~هم ينتصرون). # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: * (حم عسق) حكى عكرمة عن ابن عباس: ~~أن الر، وحم، ونون نظم قوله الرحمن، وعن الحسن وقتادة: أنه اسم من أسماء ~~القرآن. وعن محمد بن كعب القرظي: الحاء من الحليم والميم من الملك، والعين ~~من العالم، والسين من القدوس، والقاف من القادر، وعن بعضهم: أن هذا قسم ~~فكأنه أقسم بحلمه وملكه وعلمه وسنائه وقدرته، وحكى الضحاك عن ابن عباس: أن ~~' حم عسق ' اسم الله الأعظم، وقرأ ابن مسعود وابن عباس: ' حم سق ' بغير ~~العين، وعن حذيفة رضي الله عنه قال: معناه مضى عذاب سيكون واقعا. وقيل: إن ~~الحاء إشارة إلى حرب سيكون، والميم انتقال ملك من قوم إلى قوم، والعين عدو ~~يغلب العرب، ثم الدولة تكون للعرب، والسين هو [سنو] المجاعة، والقاف قدرة ~~الله النافذة في ملوك الأرض. وفي تفسير النقاش: أن حروف الهجاء التي في أول ~~هذه السورة إشارة إلى فتن تكون في هذه الأمة، قال: وبها كان علي رضي الله ~~عنه يعلمها ويقضي بها. وقوله: * (كذلك) في التفسير: أن ' حم عسق ' أوحى إلى ~~كل نبي من الأنبياء. # وقوله: * (كذلك يوحى إليك) أي: ms1508 كما أوحى الله نعالى إلى الأنبياء هذه ~~PageV05P062 # * (وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم (3) له ما في السماوات وما في ~~الأرض وهو العلي العظيم (4) تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة ~~يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) ~~الكلمات، كذلك يوحيها إليك. ويقال: المراد منه الوحي على الجملة. # وقوله: * (وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم) يعني: أن الله تعالى ~~يوحي إليك وإلى الذين من قبلك وهو العزيز الحكيم أي: من صفته العزة ~~والحكمة، ومعناه: عزيز في نصرته، حكيم في فعله، وقرئ: ' كذلك نوحي إليك ' ~~بالنون، ومعناه معلوم. # قوله تعالى: * (له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (تكاد السماوات يتفطرن) وقرئ: ' ينفطرن ' ومعناه: يتشققن. # وقوله: * (من فوقهن) أي: من فوق الأرضين، وانفطارها لعظيم ما جاء به ~~الكفار. وقيل: خوفا من الله تعالى. ويقال: هيبة وإجلالا. وقيل: لعظمة الله ~~تعالى. # وقوله: * (والملائكة يسبحون بحمد ربهم) أي: يصلون بحمد ربهم، ويقال: ~~ينزهون ربهم. # وقوله: * (ويستغفرون لمن في الأرض) معناه: للمؤمنين الذين في الأرض، وهذا ~~محكى عن ابن عباس، واللفظ عام أريد به الخاص، وقيل: إن الذين يستغفرون ~~للمؤمنين حملة العرش خاصة على ما ذكر تعالى في سورة المؤمن. وقيل: هم جميع ~~الملائكة. وفي التفسير: أن استغفارهم لمن في الأرض من الوقت الذي افتتن ~~هاروت وماروت بالمرأة التي تسمى زهرة، وفعلا ما فعلا، واختارا عذاب الدنيا، ~~وقد كانت الملائكة من قبل يدعون على العصاة، فمن ذلك الوقت كانوا يستغفرون ~~للعصاة من المؤمنين. # وقوله: * (ألا إن الله هو الغفور الرحيم) أي: الستور لذنوب عباده. ~~PageV05P063 # * (والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل ~~(6) وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم ~~الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7)) * * وقوله: * ~~(الرحيم) أي: الرحيم بهم. # قوله تعالى: * (والذين اتخذوا من دونه أولياء) أي: من دون الله أولياء. # وقوله: * (الله حفيظ عليهم) أي: شاهد لأعمالهم، ms1509 حافظ لها؛ ليجازيهم بها. # وقوله: * (وما أنت عليهم بوكيل) أي: بمسلط، وهذا قبل نزول آية السيف. # قوله تعالى: * (وكذلك أوحينا إليك) قد بينا من قبل. # وقوله: * (لتنذر أم القرى: أي أهل أم القرى. وهى مكة، وسميت أم القرى، ~~لأن الأرض دحيت من تحتها. # وقوله: * (ومن حولها) أي: وتنذر أهل من حولها. # وقوله: * (وتنذر يوم الجمع) أي: يوم القيامة، وهو اليوم الذي يجتمع فيه ~~أهل السماوات وأهل الأرض، وقيل: يجتمع فيه الأولون والآخرون. ومعناه: لتنذر ~~بيوم الجمع. # وقوله: * (لا ريب فيه) أي: لا شك في مجيئه. # وقوله: * (فريق في الجنة وفريق في السعير) روى عبد الله بن عمرو بن ~~العاص: أن النبي خرج يوما وفي يده كتابان، ثم قال لأصحابه: ' هل تدرون ما ~~فيهما؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال للكتاب الذي في يمينه: هذا كتاب فيه ~~أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم، قد أجمل على آخرهم لا يزداد فيهم ولا ينقص، ~~وقال للكتاب الذي في شماله: هذا كتاب فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم، ~~قد أجمل على آخرهم، لا يزاد فيها ولا ينقص، قالوا: ففيم نعمل إذا؟ قال: ~~اعملوا، فمن كان من أهل الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، ومن كان من أهل ~~النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل PageV05P064 # * (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ~~ما لهم من ولي ولا نصير (8) أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو ~~يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير (9) وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله ذلكم الله ربي) * * أي عمل، ثم قال: فرغ ربكم من خلقه، فريق في الجنة، ~~وفريق في السعير '. # وفي التفسير: أنهم يتفرقون في الجنة والسعير فلا يجتمعون أبدا. # قوله تعالى: * (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة) أي: أهل دين واحد. # وقوله: * (ولكن يدخل من يشاء في رحمته) أي: يدخل من يشاء في الإسلام. # وقوله: * (والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير) أي: ولي يشفع لهم، وولي ~~ينصرهم من العذاب. ms1510 # قوله تعالى: * (أم اتخذوا من دونه أولياء) أي: بل اتخذوا من دون الله ~~أولياء. # وقوله: * (فالله هو المولى) أي: هو المتولي للأشياء. # وقوله: * (وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) استدل من منع ~~القياس في الحوادث بهذه الآية، قال: الحكم إلى الله لا إلى رأى الرجال، ~~وكذلك كان الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله، وأنكروا الحكمين، وهذا ~~الاستدلال فاسد؛ لأن عندنا من قال بالقياس والاجتهاد فهو رجوع إلى الله في ~~حكمه، فإن أصول المقايسات هي: الكتاب، والسنة. PageV05P065 # * (عليه توكلت وإليه أنيب (10) فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم ~~أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ~~(11) له مقاليد) * * وقوله: * (ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب) أي: ~~به وثقت، وإليه أرجع في أموري. # قوله تعالى: * (فاطر السماوات والأرض) أي: خالق السماوات والأرض. # قوله: * (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) أي: النساء، وقيل: ' من أنفسكم ~~أزواجا ' أي: أصنافا، ذكورا، وإناثا. # وقوله: * (ومن الأنعام أزواجا) أي: أصنافا ذكورا وإناثا. # وقوله: * (يذرؤكم فيه) قال الفراء: أي: يكثركم به، وقال مجاهد: نسلا من ~~بعد نسل من الناس والبهائم إلى قيام الساعة. وفي الآية قول آخر: وهو أن ~~معنى قوله: * (يذرؤكم فيه) أي: يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكره. # وقوله: * (ليس كمثله شيء) قال ثعلب: ليس كهو شيء، وزعم كثير من النحويين ~~أن الكاف هاهنا زائدة، ومعناه: ليس مثله شيء، وزعم بعضهم: أن لغة تهامة ~~أنهم يقولون: أنا كمثلك أو أنت كمثلي أي: أنت مثلي وأنا مثلك. وقال أهل ~~المعاني: ولا يستقيم قول من يقول: ليس كمثله شيء أي: ليس كمثله مثل؛ لأن في ~~هذا (إثبات) المثل، والله تعالى لا يوصف بالمثل، جل وتعالى عن ذلك. # وقوله تعالى: * (وهو السميع البصير) ظاهر المعنى، وأنشدوا على القول ~~الأول: # (سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم * ما إن كمثلهم في الناس من أحد) قوله ~~تعالى: * (له مقاليد السماوات والأرض) في المقاليد قولان: ms1511 أحدهما: أنها ~~فارسية، وهي الأكاليد واحدها إكليد. والقول الثاني: وهو الأصح أنها عربية، ~~قال الشاعر في المقاليد: PageV05P066 # * (السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم (12) شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى) * * (فتى لو تنادى الشمس ألقت قناعها * أو القمر الساري لألقي ~~المقالد) واختلف القول في معنى المقاليد، قال بعضهم: مقاليد السماوات هي ~~الأمطار، ومقاليد الأرض هي أنواع النبات. وقيل: مقاليد السماوات والأرض هي ~~العيون فيها. وقيل: ما يحدثه بمشيئته. وفي بعض الأخبار عن ابن عمر أن النبي ~~قال في مقاليد السماوات والأرض: ' لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان ~~الله وبحمده، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر، ~~والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، فمن قالها ~~عصم من إبليس وجنوده '. # وقوله: * (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي: يوسع الرزق على من يشاء، ويضيق ~~على من يشاء. # وقوله: * (إنه بكل شيء عليم) أي: عالم. # قوله تعالى: * (شرع لكم من الدين) أي: بين لكم من الدين، والشرع هو ~~البيان، ويقال: أظهر لكم وأمركم. # وقوله: * (ما وصى به نوحا) أي: أمر به نوحا، ويقال: إن نوحا عليه السلام ~~أول من جاء بتحريم الأمهات والأخوات والبنات. # وقوله: * (والذي أوحينا إليك) أي: وشرع الذي أوحينا إليك. # وقوله: * (وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) أي: وما أمرنا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى. # وقوله: * (أن أقيموا الدين) أي: اثبتوا على التوحيد، وقيل: أقيموا الدين ~~أي: استقيموا على الدين. ويقال: أقيموا الدين هو فعل الطاعات وامتثال ~~الأوامر. PageV05P067 # * (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) وما تفرقوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم ~~وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14) فلذلك فادع) * * ~~وقوله: * (ولا تتفرقوا فيه) أي: كما ms1512 تفرقت اليهود والنصارى أي: آمنوا ~~بالبعض وكفروا بالبعض. # وقوله: * (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) أي: عظم عند المشركين ما ~~تدعوهم إليه من التوحيد، وهو معنى قوله تعالى: * (أجعل الآلهة إلها واحدا ~~إن هذا لشيء عجاب). # وقوله: * (الله يجتبي إليه من يشاء) أي: يستخلص لدينه من يشاء. # وقوله: * (ويهدي إليه من ينيب) أي: يرشد إلى الرجوع إليه من اختار الرشد ~~والإنابة. # قوله تعالى: * (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) يعني: ~~اليهود والنصارى، وقوله: * (بغيا بينهم) أي: حسدا بينهم. # وقوله: * (ولولا كلمة سبقت من ربك) قال أهل التفسير: الكلمة التي سبقت من ~~الله قوله تعالى: * (بل الساعة موعدهم). # وقوله: * (إلى أجل مسمى لقضى بينهم) أي: لفصل بينهم الأمر في الحال * ~~(وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم) أي: من الذين تقدموا، وقوله: * ~~(أورثوا) أي: أعطوا. # وقوله: * (لفي شك منه مريب) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فلذلك فادع) أي: فإلى هذا فادع، وهو التوحيد، وذكر ~~النحاس: أن في الآية تقديما وتأخيرا، ومعناه: كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه فلذلك فادع [أي]: إلى ذلك فادع، وقد تذكر اللام بمعنى إلى، قال ~~الشاعر: PageV05P068 # * (واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ~~وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا ~~وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) والذين يحاجون في الله) * * أوحى ~~لها القرار فاستقرت أي أوحى إليها. # وقوله: * (واستقم كما أمرت) قد بينا. # وقوله: * (ولا تتبع أهواءهم) أي: أهواء الكفار. # وقوله: * (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) أي: التوراة والإنجيل والقرآن ~~وسائر الكتب. # وقوله: * (وأمرت لأعدل بينكم) أي: لأقضي بينكم بالعدل. # وقوله: * (الله ربنا وربكم) أي: خالقنا وخالقكم. # وقوله: * (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) أي: لنا جزاء أعمالنا، ولكم جزاء ~~أعمالكم. # وقوله: * (لا حجة بيننا وبينكم) أي: لا محاجة بيننا وبينكم، وقد كان من ~~حجتهم أنهم قالوا: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ومعنى قوله: * (لا ~~حجة بيننا وبينكم) أي: لا (حجة) لكم؛ ms1513 لأن الله تعالى قد أدحض حجتكم، وإذا ~~أدحض حجتهم لا تبقى بينهم وبين المؤمنين محاجة. # وقوله: * (الله يجمع بيننا) يعني: يوم القيامة. # وقوله: * (وإليه المصير) أي: وإليه المرجع. # قوله تعالى: * (والذين يحاجون في الله) أي: يخاصمون في الله، وقد بيننا ~~حجتهم التي تعلقوا بها، والمخاصمة في الله أنهم كانوا يقولون: نحن أولى ~~بالله منكم، وهو معنى قوله تعالى: * (هذان خصمان اختصموا في ربهم). ~~PageV05P069 # * (من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ~~(16) الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) ~~* * وقوله: * (من بعد ما استجيب له) أي: من بعد ما استجاب المؤمنون للرسول. # وقوله: * (حجتهم داحضة) أي: باطلة. # وقوله: * (عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد) قد بينا من قبل. فإن قيل: ~~قد قال: من بعد ما استجيب له، فأي معنى لاستجابة الناس له في هذا المحل، ~~وحجتهم داحضة سواء استجاب له الناس أو لم يستجيبوا له؟ والجواب: أن الكفار ~~ظنوا أن أمر محمد سيزول عن قريب، ويعود الأمر إلى ما هم عليه، وأن الناس لا ~~يستجيبون له ولا يدخلون في دينه، فذكر من بعد ما استجيب له أي: قد استجابه ~~الناس، وبطل ظنكم أن أمره يزول عن قريب، وهذا أحسن فائدة. وفيه قول آخر: أن ~~قوله: * (من بعد ما استجيب له) أي: من بعد ما استجاب الله بما طلب من إظهار ~~المعجزات علبه. وعن بعضهم: أن المحاجة بالباطل هي نصرة الاعتقاد الفاسد، ثم ~~نصرة الاعتقاد الفاسد تكون على وجهين: بإيراد شبهة، وبمدافعة حجة من غير ~~حجة. # قوله تعالى: * (الله الذي أنزل الكتاب بالحق) أي: أنزل القرآن بالأمر ~~والنهي والثواب والعقاب. # وقوله: * (والميزان) أي: العدل، وسمي العدل ميزانا؛ لأن الميزان يكون ~~(مناصف) الناس فيما بينهم، وقيل: هو الميزان نفسه، ومعنى الإنزال: أن الله ~~تعالى أنزل الحديد من السماء، ومن الحديد لسان الميزان وصنجاته. # وقوله: * (وما يدريك لعل الساعة قريب) فإن قيل: يتم لم يقل قريبة، ~~والساعة مؤنثة؟ والجواب: أن تأنيث الساعة ليس ms1514 بحقيقي؛ لأنها بمعنى الزمان ~~والوقت، ويجوز أن تكون الساعة بمعنى البعث والنشور، فتكون الكتابة راجعة ~~إلى المعنى. PageV05P070 # * (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقين منها ويعلمون ~~أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) الله لطيف ~~بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) من كان يريد حرث الآخرة) * * ~~وقوله: * (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) في التفسير: أن الكفار كانوا ~~يأتون النبي ويسألونه عن الساعة متى تكون؟ ويقولون: هلا سألت ربك أن يقيمها ~~الآن؟ وكان بعضهم يقول: اللهم من كان منا على الباطل فأقم عليه القيامة ~~الساعة؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) وكان استعجالهم بها على طريق ~~الاستبعاد لقيامها تكذيبا بها. # قوله: * (والذين آمنوا مشفقون منها) أي: خائفون وجلون منها، وخوفهم من ~~المحاسبة الموعودة والجزاء الواقع على الأعمال. # وقوله: * (ويعلمون أنها الحق) أي: أنها قائمة لا محالة. # وقوله: * (ألا إن الذين يمارون في الساعة) أي: يشكون فيها، وقيل: يختلفون ~~فيها اختلاف الشاكين. # وقوله: * (لفي ضلال بعيد) أي: في خطأ طويل. # قوله تعالى: * (الله لطيف بعباده) أي: بار حفي رحيم بهم، ويقال: معنى ~~اللطيف هاهنا الرزاق أي: لا يهلكهم جوعا بل يرزقهم. وقد قال بعض أهل العلم: ~~إن المعني بعباده في كل موضع ذكره هو المؤمنون خاصة، والهاء للإضافة، وباء ~~التخصيص توجب هذا وتقتضيه. # وقوله: * (ويرزق من يشاء وهو القوي العزيز) أي: القوي في نصرة المؤمنين، ~~وقيل: في القدرة على إيصال الرزق إليهم، وقوله: * (العزيز) أي: الغالب الذي ~~لا يغالب. # قوله تعالى: * (من كان يريد حرث الآخرة) أي: العمل للآخرة، ومنه قول ~~PageV05P071 # * (نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة ~~من نصيب (20) أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا ~~كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) ترى الظالمين ~~مشفقين مما كسبوا وهو واقع) * * عبد الله بن عمرو وقيل: ابن مسعود: احرث ~~لدنياك كأنك تعيش ms1515 [أبدا]، واحرث لآخرتك كأنك تموت غدا. # وقوله: * (نزد له في حرثه) أي: نضاعف له في الحسنات، وعن قتادة قال: إن ~~الله تعالى يعطي الدنيا بعمل الآخرة، ولا يعطي الآخرة بعمل الدنيا. فهذا ~~قول ثان في معنى الآية، والقول الثالث: أن معنى الآية: * (نزد له في حرثه) ~~أي: نعنه [ونوفقه] على زيادة الطاعات والاستكثار منها. # وقوله: * (ومن كان يريد حرث الدنيا) أي: عمل الدنيا * (نؤته منها) أي: ~~على ما نشاء ونريد، على ما قال في آية أخرى: * (من كان يريد العاجلة عجلنا ~~له فيها ما نشاء لمن نريد) وقيل: نؤته منها بقدر ما قسم له. # وقوله: * (وما له في الآخرة من نصيب) هذا فيمن لم يعمل إلا للدنيا، فأما ~~من عمل للدنيا والآخرة فيجوز أن يؤتيه الله الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: * (أم لهم شركاء) أي: بل لهم شركاء. # وقوله: * (شرعوا لهم من الدين) أي: وضعوا. # وقوله: * (ما لم يأذن به الله) أي: لم يأمر به الله. # وقوله: * (ولولا كلمة الفصل) أي: ما أخر لهم من العذاب (لقضي بينهم) أي: ~~لفصل الأمر بينهم في الحال. # وقوله: * (وإن الظالمين لهم عذاب أليم) أي: شديد. # قوله تعالى: * (ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا) أي: خائفين وجلين. ~~PageV05P072 # * (بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ~~ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * * وقوله: ~~* (وهو واقع بهم) ومعناه: أن العذاب الذي يخافونه نازل بهم، وهذا يوم ~~القيامة. # وقوله: * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات) أي: البساتين. # وقوله: * (لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير) أي: العظيم. # قوله تعالى: * (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ~~أي: هذا الذي يبشر الله عباده. # وقوله: * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) فيه أربعة ~~أقاويل: أظهرها وأشهرها أن معناه: لا أسألكم إلا أن تودوني لقرابتي منكم. ~~وقيل: تصلوا القرابة التي بيني وبينكم بالاستجابة ms1516 لي إلى ما أدعو إليه، ~~وتكفوا عني أذاكم، وهذا قول ابن عباس أورده البخاري عنه في الصحيح على لفظ ~~معلوم مقبول، وهو قول طاوس ومجاهد وقتادة، وعامة المفسرين. قال قتادة: كانت ~~قريش تصل الأرحام، فطلب منهم النبي أن يصلوا القرابة التي بينه وبينهم، ~~وألا يقطعوها. # وعن ابن عباس قال: ما من بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله فيهم قرابة، ~~فسألهم أن يصلوها. # والقول الثاني: ما حكى عن الحسن البصري أنه قال: * (قل لا أسألكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى) معناه: أن يتوددوا إلى الله بما يقربكم إليه من ~~العمل الصالح. # والقول الثالث: ما حكى عن الضحاك أن الآية منسوخة بقوله: * (قل ما سألتكم ~~من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله) وهذا القول غير مرضي عند أهل ~~PageV05P073 # * (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور (23)) * * ~~المعاني؛ لأن قوله: * (إلا المودة في القربى) ليس باستثناء صحيح حتى يكون ~~مخالفا لقوله: * (إن أجري إلا على الله) بل هو استثناء منقطع، ومعناه: قل ~~لا أسألكم عليه أجرا أي: مالا، وتم الكلام. ومعنى قوله: * (إلا المودة في ~~القربى) لكن صلوا قرابتي بالاستجابة لي أو تكفوا أذاكم عني. # وفي بعض التفاسير: أن أهل الجاهلية لما علموا جد النبي ظنوا انه يطلب ~~مالا، فجمعوا له شيئا حسنا من أموالهم، وقالوا: نعطيك هذا المال، وكف عما ~~أنت عليه، فأنزل الله الآية على المعنى الذي قدمنا. # والقول الرابع: ما روى في بعض الغرائب من الروايات برواية سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس أن معنى قوله: * (إلا المودة في القربى) أن تودوا أقربائي ~~وتحبوهم. # وحكى بعضهم: أن النبي سئل عن هذه، وعن معنى القربى فقال: ' علي وفاطمة ~~وولدهما '، وهذا أغرب الأقاويل وأضعفها. # وقوله: * (ومن يقترف حسنة) أي: يكتسب حسنة أي: طاعة * (نزد له فيها حسنا) ~~أي: نضاعف له الحسنة. # وقوله: * (إن الله غفور شكور) أي: غفور للكثير من الذنوب، شكور لليسير في ~~الطاعات. PageV05P074 # * (أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم ms1517 على قلبك ويمح الله ~~الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) وهو الذي يقبل التوبة ~~عن عباده ويعفو) * * قوله تعالى: * (أم يقولون افترى على الله كذبا) أي: ~~يقول على الله ما لم يقله ولم ينزله. # وقوله: * (فإن يشأ الله يختم على قلبك) أي: ينسك القرآن حتى لا تذكر منه ~~حرفا، قاله قتادة، والقول الثاني: يختم على قلبك أي: يربط بالصبر على ~~أذاهم، وهذا قول معروف أورده الفراء والزجاج وغيرهما. # وقول: * (ويمح الله الباطل) قيل: هذا ابتداء كلام، ومعناه: ويمحو الله ~~الكفر ويزيله. # وقوله: * (ويحق الحق بكلماته) أي: ينصر دينه بالمعجزات التي يظهرها، ~~وقيل: بتحقيق وعده، وقيل: بنصرة رسوله بإظهار دينه على الدين كله. # وقوله: * (إنه عليم بذات الصدور) أي: بما في الصدور. # قوله تعالى: * (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات) أي: ~~الذنوب * (ويعلم ما تفعلون) أي: تعملون، وقد ثبت عن النبي برواية الزهري، ~~عن [أبي] سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال: ' لله أفرح بتوبة ~~عبده من أحدكم يضل بعيره بفلاة وعليه متاعه وطعامه فيطلبه ولا يجده، ثم ~~ينام نومة فينتبه فإذا هو عند رأسه '. قال الشيخ الإمام أخبرنا أبو محمد ~~عبد الله ابن أحمد أخبرنا أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن الرازي، أخبرنا ~~أبو بكر محمد ابن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد ~~الرزاق، عن معمر، عن الزهري الخبر. PageV05P075 # * (عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد (26) ولو بسط الله الرزق لعباده ~~لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) وهو الذي ~~ينزل) * * وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن رجل زنى بامرأة ثم ~~تزوجها، هل يجوز؟ قال: نعم، وقرأ قوله تعالى: * (وهو الذي يقبل التوبة عن ~~عباده...) إلى آخر الآية. # قوله تعالى: * (ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي: يجيب دعاءهم. # وقوله: * (ويزيدهم من فضله) أي: الثناء الحسن في الدنيا، وقيل: الشفاعة ~~في ms1518 الآخرة، والمعروف مضاعفة الحسنات. # وقوله: * (والكافرون لهم عذاب شديد) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولو بسط الله الرزق لعباده) أي: وسع عليهم الرزق، وقيل: ~~أعطاهم كل ما يتمنونه. # وقوله: * (لبغوا في الأرض) أي: عصوا وطغوا في الأرض، والبغي في الأرض هو ~~العمل فيها بغير حق (وقيل: هو) البطر والأشر. # وقوله: * (ولكن ينزل بقدر ما يشاء أي بقدر كما تشاء. # وقوله: * (إنه بعباده خبير بصير) أي: خبير بما يصلحهم، بصير بما يفعلونه ~~ويطلبونه. # قوله تعالى: * (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا) أي: أيسوا، وفي بعض ~~الأخبار، أن رجلا اتى النبي وقال: يا رسول الله، قد أجدبت الأرض، وقنط ~~الناس، فادع الله ينزل الغيث لنا فقال [له]: ' ارجع إلى قومك فقد مطرتم '. ~~فكان PageV05P076 # * (الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) ومن آياته ~~خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ~~(29) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (30)) * * كما ~~قال. # * (وينشر رحمته) أي: بإنزال الغيث. # وقوله: * (وهو الولي الحميد) أي: المالك لما يفعله، المستحق للحمد فيما ~~ينزله من الغيث. # قوله تعالى: * (ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة) فيه ~~قولان: أحدهما: أن المراد به وما بث في الأرض من دابة، فذكر السماء والأرض، ~~والمراد أحدهما، وهو مثل قوله تعالى: * (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) وإنما ~~يستخرج من أحدهما، وهو المالح دون العذب. # والقول الثاني: أن قوله: * (وما بث فيهما من دابة) وهو على حقيقته، ~~والدابة كل ما يدب، والملائكة مما يدب، قاله مجاهد وغيره. # * (وهو على جمعهم إذا يشاء قدير) أي: قادر. # قوله تعالى: * (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) فإن ~~قال قائل: قد نرى من تصيبه المصيبة بغير ذنب سبق منه، فكيف وجه الآية؟ ~~والجواب من وجوه: أحدها: أن قوله: * (وما أصابكم من مصيبة) هي الحدود تقام ~~إلا على العاصي ولا تقام على العاصين، وهذا قول حسن. PageV05P077 # * (وما أنتم بمعجزين في الأرض وما ms1519 لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) ~~ومن آياته) * * والثاني: أن قوله: * (وما أصابكم من مصيبة) يراد بها ~~المعاقبة فيما كسبت أيديكم، فعلى هذا يجوز أن يصيب الإنسان مصيبة من غير ~~ذنب ولا كسب إذا لم يرد بها المعاقبة. # والقول الثالث: أن الآية على العموم، ولا يصيب أحدا بلاء وشدة إلا بذنب ~~سبق منه، أو تنبيه لئلا يعمل ذنبا، أو ليعتبر به ذو ذنب. # وقد روي عن النبي [أنه] أنه قال: ' ما من خدش أو عثرة قدم أو اختلاج عرق ~~إلا بذنب، وما يغفر الله أكثر '. وعن العلاء بن بدر: ما يصيب أحدا مصيبة ~~إلا بذنب منه، فقيل له: كيف هذا، وقد عميت صغيرا، وما كنت أعمى؟ فقال: بذنب ~~والدي. # تعلق بهذه الآية بعض من يقول بالتناسخ، وقال: إنا نرى البلاء يصيب ~~الأطفال ولم يكن منهم ذنب، فدل انه سبق منهم ذنوب من قبل وعوقبوا بها. # وتعلق بهذه الآية أيضا من يقول إن الأطفال لا يألمون أصلا فكذلك البهائم، ~~وإنما صياحهم لأذى قلوب الوالدين. # وكلا القولين باطل، ويجوز عند أهل السنة أن يوجد الله الألم إلى ما يشاء ~~من عباده بغير ذنب سبق منه، وكذلك على جميع الحيوانات، وأما وجه الآية قد ~~بينا، وكذلك قول من يقول: إن الأطفال لا يألمون باطل؛ لأنه دفع الحس ~~والعيان. # وقوله: * (وما أنتم بمعجزين في الأرض) أي: بمعجزين الله في الأرض، وقد ~~بينا معناه فيما سبق. PageV05P078 # * (الجوار في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ~~ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ~~(34)) * * وقوله: * (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام) أي: السفن، وقوله: * ~~(كالأعلام) أي: كالجبال، قالت الخنساء تمدح أخاها صخرا: # (وإن صخرا لتأتم الهداة * به كأنه علم في رأسه نار) أي: جبل. # وقوله: * (إن يشأ يسكن الريح) معناه: إن يشأ تسكين الريح يسكن الريح، قال ~~قتادة: إن السفن تجري بالرياح؛ ms1520 فإذا هبت سارت، وإذا سكنت وقفت. # وقوله: * (فيظللن رواكد على ظهره) أي: ثوابت على ظهر البحر، ومعناه: ~~الريح إذا سكنت بقيت السفن ثوابت على ظهر البحر، لا تجرى. # قوله: * (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) أي: صبار على البلايا، شكور ~~للنعم، وعن بعضهم: إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أي: المؤمن؛ لأن المؤمن ~~هو الصبار الشكور، قال مطرف: نعم العبد المؤمن إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي ~~شكر. وعن عون بن عبد الله قال: رب منعم عليه غير شكور، ومبتلى غير صبور. # قوله تعالى: * (أو يوبقهن بما كسبوا) أي: يهلك السفن بمن فيها، وقيل: أهل ~~السفن. وقوله: * (بما كسبوا) أي: بما كسبوا من الذنوب، وقوله: * (أو) ~~معناه: أو إن يشأ يوبقهن. # وقوله: * (ويعف عن كثير) أي: يتجاوز عن كثير من الذنوب، وحكى أن شريحا ~~رؤي وفي يده (قرحة) فقيل له: ما هذا يا أبا أمية؟ فقال: وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. PageV05P079 # * (ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35) فما أوتيتم من شيء ~~فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ~~(36) والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا وهم يغفرون (37) ~~والذين استجابوا) * * وقوله: * (ويعلم الذين يجادلون في آياتنا) وقرئ: ' ~~ويعلم ' بضم الميم، فأما القراءة بنصب الميم فبتقدير أن، وأما بالرفع ~~فمعناه وسيعلم الذين يجادلون في آياتنا. # * (ما لهم من محيص) أي: ملجأ ومهرب، قاله السدى وغيره. # وقوله: * (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا) أي: منفعة الحياة ~~الدنيا. # وقوله: * (وما عند الله خير وأبقى) أي: الجنة خير وأدوم. # وقوله: * (للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (والذين يجتنبون كبائر الإثم) وقرئ: ' كبير الإثم '، وقد ~~بينا تفسير الكبائر من قبل. # وفي التفسير: أن قتل النفس، وقذف المحصنات، والإشراك بالله، وعقوق ~~الوالدين والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والتأفيف، والسحر، وشرب ~~الخمر؛ من الكبائر، ويقال: كل ما أوعد الله عليه في النار فهو من الكبائر. ~~وأما إضافة ms1521 الكبائر إلى الإثم فيقال: إنما أضافها إليه؛ لأن في الإثم كبيرا ~~وصغيرا. ويقال: إضافة الكبائر إلى الإثم كإضافة الصفة إلى الموصوف. # وقوله: * (والفواحش) الفواحش: هي القبائح من الزنا وغيره. # وقوله: * (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) أي: يتجاوزون، وفي الخبر المعروف أن ~~النبي قال: ' ألا أنبئكم بالشديد؟ قالوا: نعم. قال: من ملك نفسه عند الغضب ~~'. PageV05P080 # * (لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقتاهم ينفقون (38) ~~والذين إذا) * * قوله تعالى: * (والذين استجابوا لربهم) يقال: إن الآية ~~نزلت في الأنصار، ويقال: إنها عامة. # وقوله: * (وأقاموا الصلاة) إقامة الصلاة إتيانها بشرائطها وحفظها ~~بحدودها. # وقوله: * (وأمرهم شورى بينهم) ذكر النقاش: أن هذا في الأنصار وكانوا ~~يتشاورون في الأمر بينهم؛ فمدحهم الله على ذلك، وذلك دليل على اتفاق ~~الكلمة، وترك الاستبداد بالرأي، والرجوع إلى الرأي عند نزول الحادثة. وقيل: ~~إن الأنصار تشاوروا فيما بينهم حين دعاهم النبي إلى الإيمان، ثم أجابوا إلى ~~الإيمان. # وعن الحسن البصري قال: ما تشاور قوم إلا هدوا إلى ارشد أمورهم. والشورى ~~مأخوذة من قولهم: شرت الدابة أشورها إذا سيرتها مقبلة، ومدبرة لاستخراج ~~السير منها. ويقال: لذلك الموضع المشوار. والعرب تقول: إياك والخطب فإنها ~~مشوار كثير العناد. وفي الخبر برواية [أبي] عثمان النهدي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن النبي قال: ' إذا كانت أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياؤكم ~~وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم، من بطنها، وإذا كانت أمراؤكم ~~شراركم، وأغنياؤكم (بخلاؤكم)، وأمركم إلى نسائكم؛ فبطن الأرض خير لكم من ~~ظهرها '. # واعلم أن هذه السورة تسمى سورة الشورى. # وقوله: * (ومما رزقناهم ينفقون) أي: يتصدقون. # قوله تعالى: * (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) أي: الظلم، وقوله: ~~PageV05P081 # * (أصابهم البغي هم ينتصرون (39) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على) * * (ينتصرون) أي: يتناصرون، فينتصر بعضهم بعضا لرفع البغي، وهو ~~من باب الحسبة، ينتصرون بالأمر بالمعروف. وقيل: ينتصرون أي: ينتصرون من ~~الظالم، والانتصار من الظالم هو أخذ الحق منه. وفي التفسير عن الحسن البصري ~~وغيره قال: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم حتى لا يجترئ عليهم ms1522 الفساق. # وذكر الكلبي: أن الآية نزلت في شأن أبي بكر الصديق، فروى أن رجلا من ~~الأنصار سب أبا بكر عند النبي، فسكت أبو بكر وسكت التبي، ثم إن أبا بكر ~~أجابه، فقام النبي مغضبا، وذهب فتبعه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، إن الذي ~~فعلت بي أشد مما فعله الأنصاري، سبني فسكت، ولم تنكر عليه، ثم لما أجبت قمت ~~مغضبا، فقال: كان الملك يرد عليه حين سكت؛ فلما أجبت ذهب الملك؛ فذهبت، ~~وأنزل الله تعالى هذه الآية: * (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) فيجوز ~~للمظلوم الانتصار من ظالمه. # قوله تعالى: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) سمى الثاني [سيئة] على ازدواج ~~الكلام، وعند الفقهاء أن الآية في القتل والجراحات؛ فإذا قتله يقتله وليه، ~~وإذا حرجه. يجرحه، وذهب جماعة من السلف إلى أن هذا في غير القتل والجراحات ~~أيضا فإذا قال: أخزاك الله، يقول: أخزاك الله، وإذا قال: لعنك الله، يقول: ~~لعنك الله، ولا يزيد عليه، وكذلك قالوا: إذا سب سبه، وهذا فيما لا يدخله ~~الكذب، فأما ما يدخله الكذب فلا ينبغي أن يكذب عليه، وما ذكرنا مروي عن ~~مجاهد وغيره. PageV05P082 # * (الله إنه لا يحب الظالمين (40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم ~~من سبيل (41) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير ~~الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) ~~ومن يضلل الله) * * قوله: * (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) يعني: عفا عن ~~الظالم وأصلح الأمر بينه وبينه * (فأجره على الله) أي: ثوابه على الله، وفي ~~بعض الأخبار: ' أن الله تعالى يقول يوم القيامة:: ألا ليقم من أجره على ~~الله فلا يقوم إلا من عفا '. # وقوله: * (إنه لا يحب الظالمين) أي: من يتجاوز عن الحق إلى غير الحق. # قوله تعالى: * (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) أي: من ~~سبيل في القيامة. # وقوله: * (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير ~~الحق) أي: يطلبون زيادة ليست لهم، وقيل: يسعون في الأرض ms1523 بالمعاصي. # وقوله: * (أولئك لهم عذاب أليم) أي: مؤلم موجع. # قوله تعالى: * (ولمن صبر وغفر) أي: صبر على الأذى، وغفر للمؤذي، ويقال: ~~صبر عن المعاصي وغفر لمن يظلمه. ويقال: صبر عن ظلم الناس، ومن ظلمه عفا ~~عنه. # وقوله: * (إن ذلك من عزم الأمور) أي: من حق (الأمور)، وقيل: من عزائم ~~الله التي ندب إليها عباده. ويقال: من ثابت الأمور التي لا تنسخ. قال ~~الزجاج: ندب الله تعالى المظلوم أن (يعفو) عن الظالم، ويصبر عن الظلم؛ ~~لينال الثواب في PageV05P083 # * (فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى ~~مرد من سبيل (44) وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي ~~وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ~~إن الظالمين في) * * الآخرة، فمن كان أرغب في ثواب الآخرة فهو أتم عزما على ~~الصبر. # وقوله تعالى: * (ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده) أي: يضلله الله. # وقوله: * (فما له من ولي من بعده) أي: لا يجد من بعد الله من يهديه. # وقوله: * (وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل) أي: ~~من رجوع إلى الدنيا ليتوب. # قوله تعالى: * (وتراهم يعرضون عليها) أي: على النار، ويقال: إن الآية في ~~آل فرعون، ويقال: في آل فرعون وغيرهم. والأصح أن هذا في القيامة، ويعرضون ~~على النار ليدخلوا فيها. # وقوله: * (خاشعين من الذل) أي: خاضعين من الذل، ومعناه: [الانكسار] وذلة ~~النفس حين يرون العذاب وتنزل بهم الندامة. # قوله: * (ينظرون من طرف خفي) أي: يسارقون النظر إلى النار، ويقال: ينظرون ~~بأنصاف عيونهم، ولا يفتحون أعينهم عليها خوفا منها. وعن بعضهم قال: ينظرون ~~بقلوبهم؛ لأنهم يحشرون عميا، فالطرف الخفي هو رؤية القلب. # وقوله: * (وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة) أما خسرانهم أنفسهم فبدخولهم النار، وأما خسرانهم أهليهم فلأنهم ~~لو آمنوا أصابوا أهلا في الجنة، فلما كفروا ودخلوا النار فاتهم أهلوهم في ~~الجنة، فهو خسران الأهل. ويقال: لكل واحد من ms1524 الكفار أهل مسمى في الجنة لو ~~آمن. # وقوله: * (ألا إن الظالمين في عذاب مقيم) أي: دائم. PageV05P084 # * (عذاب مقيم (45) ما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل ~~الله فما له من سبيل (46) استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من ~~الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير (47) فإن أعرضوا فما أرسلناك ~~عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها ~~وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم) * * قوله: * (وما كان لهم من أولياء ~~ينصروهم من دون الله) أي: يمنعون عنهم عذاب الله. # وقوله: * (ومن يضلل الله فما له من سبيل) أي: من طريق إلى الجنة. # قوله تعالى: * (استجيبوا لربكم) أي: استجيبوا لربكم بقول: لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله. # وقوله: * (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) أي: لا رد له. # وقوله: * (ما لكم من ملجأ يومئذ) أي: مهرب وملاذ. # وقوله: * (وما لكم من نكير) أي: إنكار، ويقال: ليس لكم من أن تنكروا ~~العقوبة التي تنالكم. وقيل: ما لكم من نكير أي: تغيير. # وقوله تعالى: * (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا) أي: حافظا. # وقوله: * (إن عليك إلا البلاغ) أي: التبليغ. # وقوله: * (وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة) أي: النعمة والعافية. # وقوله: * (فرح بها) أي: سر بها. # وقوله: * (وإن تصبهم سيئة) أي: شدة وبلاء، وقيل: الجدب الذي هو ضد الخصب. # وقوله: * (بما قدمت أيديهم) أي: من الذنوب. # وقوله: * (فإن الإنسان كفور) معناه: كافر لنعم الله لا يشكرها. ~~PageV05P085 # * (فإن الإنسان كفور (48) لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن ~~يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من ~~يشاء عقيما إنه عليم قدير (50) وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب أو يرسل) * * قوله تعالى: * (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما ~~يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور) أي: يعطي الإناث دون ~~الذكور، والذكور دون الإناث. ms1525 # وقوله: * (أو يزوجهم ذكرانا وإناثا) أي: يجمع الذكور والإناث في العطاء، ~~ومعنى قوله: * (يزوجهم) أي: يصنفهم كأنه يجعل الأولاد صنفين: صنفا إناثا، ~~وصنفا ذكورا. # وقوله: * (ويجعل من يشاء عقيما) أي: لا يولد له أصلا، وفي التفسير: أن ~~الآية في الأنبياء، فقوله: * (يهب لمن يشاء إناثا) هو لوط النبي كان له ~~بنات، ولم يكن له ولد ذكر، وقوله: * (ويهب لمن يشاء الذكور) هو إبراهيم ~~صلوات الله عليه كان له بنون، ولم تكن له أنثى، وقوله: * (أو نزوجهم ذكرانا ~~وإناثا) هو الرسول صلوات الله عليه ولد له أربعة بنين، وأربع بنات، ~~فالبنون: القاسم وبه كني رسول الله، وعبد الله، والطاهر، وكان يسمى الطيب ~~أيضا وإبراهيم، فالثلاثة الأولون من خديجة رضي الله عنها وإبراهيم بن مارية ~~القبطية، وأما البنات: فزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، كلهن من خديجة رضي ~~الله عنها وعنهن، وقوله: * (ويجعل من يشاء عقيما) وهو يحيى وعيسى عليهما ~~السلام لم يكن لهما ولد ولا زوجة. # وقوله: * (إنه عليم قدير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا) ذكر النقاش في ~~تفسيره: أن سبب نزول الآية هو ان المشركين قالوا للنبي: هلا كلمك الله ~~ونظرت إليه كما كان موسى؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (إلا وحيا) فيه قولان: أحدهما أنه الإلهام من الله تعالى بالنفث ~~في PageV05P086 # * (رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا) * * صدره، والآخر: أنه الرؤيا في المنام. وفي بعض الروايات عن ~~ابن عباس: لم ير جبريل من الأنبياء غير أربعة هم: موسى، وعيسى، وزكريا، ~~ومحمد عليهم الصلاة والسلام وأما الباقون فكان لهم وحي وإلهام، وهذه رواية ~~غريبة. # وقوله: * (أو من وراء حجاب) أي: كما كلم موسى من وراء حجاب، وقيل: ~~بالحجاب على موضع الكلام لا على الله. [وقيل]: إن موسى عليه السلام لما سمع ~~كلام الله ولم يره كان بمنزلة من يسمع من وراء الحجاب. # وقوله: * (أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) يعني: يرسل جبريل بالوحي ~~إلى ms1526 من يشاء من الأنبياء، [وجملة] الذي وصل إلى الأنبياء من الوحي على ~~ثلاثة وجوه: وحي إلهام، ورؤيا في المنام، ووحي بتكليم الله تعالى، ووحي ~~بلسان جبريل عليه لسلام. وعن مجاهد أنه قال: أوحى الله تعالى الزبور إلى ~~داود فقرأه من قلبه، ولم يكن على لسان جبريل. وفي بعض الآثار: أن الله ~~تعالى وكل بحفظ الوحي جبريل عليه السلام، وكذلك بإيصاله إلى الأنبياء، ~~وكذلك وكله بنصرة الأنبياء وعذاب الكفار، ووكل ميكائيل بالقطر والنبات، ~~ووكل إسرافيل بالصور، وهو أيضا من حملة العرش، ووكل ملك الموت بقبض ~~الأرواح؛ فهم موكلون على هذه الأشياء بإذن الله تعالى. # وفي بعض الأخبار أن جبريل عليه السلام كان يلقى النبي في ثياب بياض ~~ملفوفة بالدر والياقوت ورجلاه مغموستان في خضرة. وقد ذكرنا في رواية عن ~~النبي ' أن المرسلين من الأنبياء مائة [وخمسة] عشر [جما غفيرا] أولهم آدم ~~PageV05P087 # * (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء ~~من عبادنا) * * وآخرهم محمد عليهما السلام '. # وقوله: * (إنه علي حكيم) أي: متعال مما يصفونه (المشركون)، حكيم في جميع ~~ما يفعله. # قوله تعالى: * (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) الروح هاهنا هو القرآن ~~سماه روحا؛ لأنه تحيا به القلوب كالروح تحيا به النفوس، وقيل: إنه النبوة، ~~والأول أشهر. # وقوله: * (من أمرنا) أي: بأمرنا. # وقوله: * (وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) الكتاب هو القرآن، وقيل: ~~ما كنت تدري ما الكتاب لولا أنزلنا إياه عليك. وقوله: * (ولا الإيمان) ~~المعروف أن المراد به شرائع الإيمان، وهذا قد حكى عن محمد بن إسحاق بن ~~خزيمة وغيره من أئمة السنة. # وعن بعضهم أن معناه: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان أي: قبل البلوغ. ~~والقول الثالث: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان أي: أهل الإيمان، وهذا ~~حكى عن الحسين بن الفضل البجلي. # وفي بعض المسانيد برواية النزال بن سبرة عن علي رضي الله عنه أنه قال: ' ~~قيل لرسول الله: هل عبدت وثنا قط؟ قال: لا. وقيل له: هل شربت خمرا ms1527 قط؟ قال: ~~لا. وما زلت أعرف أن ما هم عليه باطل، ولم يوح إلى كتاب ولا إيمان ' والخبر ~~غريب. # وقوله: * (ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم) أي: تدعو، وفي قراءة أبي بن كعب: ' وإنك لتدعو إلى صراط ~~مستقيم ' PageV05P088 # * (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) صراط الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (53) * * هي تبين معنى القراءة ~~المعروفة، وقرأ عاصم الجحدري: ' وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ' على ما لم ~~يسم فاعله، ومعناه بين. # قوله تعالى: * (صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى ~~الله تصير الأمور) أي: ترجع الأمور، والله أعلم. PageV05P089 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون (3) وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) أفنضرب عنكم ~~الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5)) * * تفسير سورة الزخرف وهي مكية * ~~(حم) قد ذكرنا معنى حم. # وقوله: * (والكتاب المبين) هو القرآن، وسماه مبينا؛ لأنه أبان فيه الهدى ~~من الضلالة، والخير من الشر، وأبان فيه جميع ما يؤتى وجميع ما يتقى. ومعنى ~~الآية هو القسم، فكأنه أقسم بحم وبالقرآن، وجواب القسم قوله: * (إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا) وكذلك قوله: * (وإنه في أم الكتاب) جواب القسم أيضا. # قوله تعالى: * (إنا جعلناه) قال السدى: أنزلناه وقال مجاهد: قلناه. وعن ~~بعضهم: بيناه، قاله سفيان الثوري. واستدل بهذا من زعم أن القرآن مخلوق، ~~وذكر أن الجعل بمعنى الخلق بدليل قوله تعالى: * (الذي جعل لكم الأرض مهدا) ~~أي: خلق لكم، وعندنا هذا التعلق باطل، والقرآن كلام الله غير ومخلوق، وعليه ~~إجماع أهل السنة، وزعموا أن من قال: إنه مخلوق فهو كافر؛ لأن فيه نفي كلام ~~الله تعالى، وقد بينا وجه الآية عند السلف ومن يعتمد في تفسيره. # وقد ورد الجعل في القرآن لا بمعنى الخلق، قال الله تعالى: * (وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) ومعناه: أنهم وصفوهم بالأنوثة وليس ~~المعنى أنهم خلقوهم. # وقوله: * (قرآنا عربيا) أي: ms1528 بلسان العرب. # وقوله: * (لعلكم تعقلون) أي: تعقلون ما فيه. # قوله تعالى: * (وإنه في أم لكتاب) أي: القرآن في اللوح المحفوظ. وفي بعض ~~PageV05P090 # ((5) * وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به ~~يستهزئون (7) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (8) ولئن سألتهم من ~~خلق) * * التفاسبر: أن أم الكتاب مذكور عند الله تعالى، قد بين فيه جميع ~~الأشياء، فإذا كان يوم القيامة عورض ما كان من المكاتبات بذلك الذكر فتوجد ~~على السواء. # وقد ثبت عن النبي [أنه] قال: ' إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: ~~اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة '. # وقوله: * (لدينا) أي: عندنا. # وقوله تعالى: * (لعلى) أي: رفيع لا يناله أحد بتبديل ولا تغيير. # وقوله: * (حكيم) أي: أحكمت آياته لا يزاد فيها ولا ينقص. # قوله تعالى: * (أفنضرب عنكم الذكر صفحا) معناه: أفنصفح عنكم وقد كذبتم ~~بآياتي وتركتم أوامري. قال القتيبي: وهذا مأخوذ من قولهم: ضرب فلان دابته ~~وصفحت عنه أي: مالت عنه، وحقيقة المراد: أفنضرب عنكم الذكر صافحين أي: ~~نمهلكم ونترككم فلا نأمركم ولا ننهاكم ولا نعرفكم ما يجب عليكم * (أن كنتم ~~قوما مسرفين) أي لان كنتم قوما مسرفين. ويقال معناه: نترككم والتكذيب ولا ~~نعاقبكم عليه. # قوله تعالى: * (وكم أرسلنا من نبي في الأولين) كم للتكثير. # وقوله: * (من نبي في الأولين) أي: في القرون الماضية. # قوله تعالى: * (وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون) أي: يسخرون، ~~وهذا على الأكثر؛ لأنه قد كان فيهم من آمن. # وقوله: * (فأهلكنا أشد منهم بطشا) أي: فأهلكنا من هو أشد من قومك بطشا ~~أي: قوة. # وقوله: * (ومضى مثل الأولين) أي: عقوبات الأولين، وذكر بلفظ المثل على ~~PageV05P091 # * (السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (9) الذي جعل لكم لأرض ~~مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) والذي نزل من السماء ماء بقدر ~~فأنشرنا به) * * معنى أنها سنة المكذبين من قبل. وقرئ: ' مثل الأولين ' بضم ~~الميم والثاء على الجمع، ومعناه ما بينا. # قوله تعالى: * (ولئن سألتهم من ms1529 خلق السماوات والأرض) أي: ولئن سالت ~~المشركين من خالق السماوات والأرض * (ليقولن خلقهن العزيز العليم) وهذا على ~~طريق التعجيب من حالهم أي: كيف يعبدون الأصنام ويزعمون أن لله شريكا، وقد ~~أقروا أن الله تعالى خالق السماوات والرض؟ # قوله تعالى: * (الذي جعل لكم الأرض مهدا) هذا ابتداء كلام من الله تعالى ~~من غير أن يكون حكاية عن الكفار؛ لأن كلامهم قد تم في الآية الأولى. # وقوله: * (وجعل لكم الآرض مهدا) قد بينا من قبل. # وقوله: * (وجعل لكم فيها سبلا) أي: [طرقا]. # وقوله: * (لعلكم تهتدون) أي: تهتدون بسلوكها في أسفاركم. وقيل: في ~~معايشكم وتصرفاتكم. # قوله تعالى: * (والذي نزل من السماء ماء بقدر) أي: بمقدار معلوم، فلا ~~ينقص عن حاجات الناس فلا ينتفعون به، ولا يزيد فيكون سيلا مهلكا، وهذا على ~~أكثر الأحوال، وقد يكو بخلافه. # وقوله: * (فأنشرنا به بلدة ميتا) معناه: أحيينا به أرضا ميتة. # وقوله: * (كذلك تخرجون) يعني: تبعثون يوم القيامة. # قوله تعالى: * (والذي خلق الأزواج كلها) أي: الأصناف كلها، ويقال: لكل ~~شيئين قرينين زوجان، وكل واحد منهما زوج صاحبه، وذلك السماء والأرض، والليل ~~والنهار، والشمس والقمر، والجنة والنار، وما أشبه ذلك. وكذلك ما يعود إلى ~~PageV05P092 # * (بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون (12) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا ~~استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنا ~~إلى ربنا لمنقلبون) * * أحوال الإنسان من المرض والصحة، والفقر والغنى، ~~والخير والشر، والنوم واليقظة، وما أشبه ذلك. # وقوله: * (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) الفلك: هي السفن، ~~واختلف القول في الأنعام، فذهب مقاتل إلى أنها الإبل والبقر، والقول ~~الثاني: أنها الإبل خاصة، وهو الأولى، قال أبو معاذ النحوي: ومتى ركبت ~~البقرة؟! وفي بعض الأخبار: أن رجلا ركب بقرة فتكلمت البقرة، وقالت: ما ~~خلقنا لهذا، وإنما خلقنا للحرث. # وقوله: * (لتستوا على ظهوره) فإن قيل: كيف لم يقل: على ظهورها، وقد تقدم ~~لفظ الجمع؟ والجواب: أن قوله: * (على ظهوره) ينصرف ms1530 إلى كلمة ' ما '، ~~ومعناه: لتستووا على ظهور ما تركبونه. # وقوله: * (ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر ~~لنا هذا وما كنا له مقرنين) أي: مطيقين، أي: ما كنا نطيق تذليله وتسخيره ~~لولا أن الله تعالى ذلله وسخره لنا. قال عمرو بن معد يكرب: # (وقد علم القبائل ما عقيل * لنا في النائبات بمقرنينا) وعن بعضهم أنه ركب ~~بعيره وقال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، فسمعه الحسين بن ~~علي رضي الله عنهما فقال: أهكذا أمرت؟ إنما أمرت أن تذكر نعمة الله تعالى ~~ثم تقول هذا، فإذا ركبت فقل: الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومن علينا ~~بمحمد، والحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، ثم قال: ' سبحان ~~الذي سخر لنا هذا '. # وقد ثبت برواية ابن عمر أن النبي كان إذا استوى على بعيره متوجها في سفر، ~~PageV05P093 # * (وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) أم اتخذ مما ~~يخلق) * * كبر الله ثلاثا، ثم قال: ' سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى والعمل بما ترضى، اللهم ~~هون علينا سفرنا، واطو علينا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في ~~الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في ~~الأهل والمال والولد '. وإذا رجع قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون '. ~~خرجه مسلم في الصحيح. # وفي بعض الكتب عن سليمان بن يسار أنه قال: كنا في سفر وكان الناس إذا ~~استووا على دوابهم قالوا: * (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) ~~وكان أعرابي على بعير هزيل فاستوى على بعيره وقال: أما إني لهذا مقرن، ~~[فقمص] به، فوقع واندقت عنقه ومات. # وفي بعض الآثار أيضا: أن رجلا شابا خرج في حلة له، قد رجل شعره، فقيل له: ~~إنك لحميل اليوم، فقال: إن الله يعجب من جمالي؛ فمسخه الله تعالى. # وعن بعضهم أيضا أنه كان يكتب القرآن فانعقد حبره ولم يحضره الماء، ms1531 فقطر ~~فيه قطرة بول فكتب، فجفت يده. # قوله تعالى: * (وإنا إلى ربنا لمنقلبون) أي: راجعون. # قوله تعالى: * (وجعلوا له من عباده جزءا) أي: نصيبا، والنصيب الذي جعلوه ~~لله تعالى هو أنهم قالوا: الملائكة بنات الله تعالى. [يقال]: أجزأت المرأة، ~~إذا PageV05P094 # * (بنات وأصفاكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل ~~وجهه مسودا وهو كظيم (17) أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ~~(18)) * * ولدت أنثى. # وقوله: * (إن الإنسان لكفور مبين) أي: كفور للنعم بين الكفران. # قوله تعالى: * (أم اتخذ مما يخلق بنات) معناه: أم اتخذ الله مما يخلق ~~بنات * (وأصفاكم بالبنين) أي: اختار لكم البنين، وهذا، [على] طريق الإنكار ~~لقولهم. وفي التفسير: أن هذا القول كان يقوله بنو كنانة وبنو عامر وحي ~~ثالث. وعن بعضهم: أن جميع قريش كانت تقوله، فقيل لهم: من أين تقولون هذا؟ ~~فقالت: سمعنا آباءنا يقولون كذلك، ونحن نشهد أنم لم يكذبوا. # قوله تعالى: * (وإذا بشر أحدكم بما ضرب للرحمن مثلا) أي: وصف الله به. # وقوله: * (ظل وجهه مسودا وهو كظيم) أي: حزين مكروب، ويقال مملوء غما ~~وهما. # قوله تعالى: * (أو من ينشأ في الحلية) أي يربي وينبت. وقرئ: ' أو من ينشأ ~~أي: ينبت وقوله: * (في الحلية) أي: في الحلي، والحلية: الزينة، والمعنى: ~~أنها مشغولة بزينتها ليس لها رأي في الأمور، ولا تصرف في الأشياء. # وقوله: * (وهو في الخصام غير مبين) أي: في الجدال ضعيف القول. وفي ~~التفسير: قلما تكلمت امرأة بحجة فأمكنها أن تبلغ حجتها، ويقال: قلما تكلمت ~~امرأة بحجة إلا وتتكلم ما يكون حجة عليها، والآية وردت للإنكار عليهم يعني: ~~أنكم جعلتم نصيبي من عبادي مثل هؤلاء، وجعلتم نصيبكم البنين. # قوله تعالى: * (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) معناه: ~~وصفوا، PageV05P095 # * (وجعلوا لملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب ~~شهادتهم ويسألون (19) وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم ~~إن هم إلا) * * وليس الجعل هاهنا بمعنى الخلق، إنما هو بمعنى الوصف ~~والتسمية كما يقول القائل: جعل فلان ms1532 زيدا أعلم الناس أي: وصفه به، وحكم له ~~بذلك، وقرئ: ' عند الرحمن ' وهو عبارة عن القرب والرفعة. # وقوله: * (أشهدوا خلقهم) معناه: أحضروا خلقهم فعرفوا أنهم خلقوا إناثا، ~~وقرئ: (اشهدوا خلقهم) معناه: احضروا. # وقوله: * (ستكتب شهادتهم) وقرئ (سنكتب) بالنون يعنى: [أنهم] يجازون ~~بشهادتهم الكاذبة. وقيل سنكتب ليجاوز. # وقوله: * (ويسألون) أي: يسألون عن شهادتهم يوم القيامة. # قوله تعالى: * (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) تعلق بهذه الآية ~~القدرية، وقالوا: حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم، ثم عقبه بالإنكار والتهديد فقال: * (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يخرصون) أي: يكذبون، وعندكم أن الأمر على ما قالوا. والجواب من وجهين: ~~أحدهما: أن معنى قوله: * (ما لهم بذلك من علم) أي: مالهم بقولهم إن ~~الملائكة بنات الله من علم إن هم إلا يخرصون يعنى: في هذا القول وقد تم ~~الكلام على هذا عند قوله: * (لو شاء الرحمن ما عبدناهم) والإنكار غير راجع ~~إليه، ويجوز أن يحكى من الكفار ما هو حق مثل قوله: * (وإذا قيل لهم أنفقوا ~~مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) ~~وهذا القول حق وصدق، فإن قيل: أول الآية وآخرها خرج مخرج الإنكار عليهم ~~فكيف يحكى عنهم ما هو حق؟ والجواب عنه: أنهم قالوا هذا لا على اعتقاد الحق ~~ولكن لدفع القبول عن أنفسهم، وقد كانوا أمروا PageV05P096 # * (يخرصون (20) أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) وكذلك ما أرسلنا من ~~قبلك في قرية من) * * بالقبول، فأرادوا أن يدفعوا القبول من أنفسهم بهذا ~~القول، كما أن في الآية الآخرى أرادوا أن يدفعوا الأمر بالإنفاق عن أنفسهم ~~بما قالوه، والقول على هذا القصد غير صحيح. # والوجه الثاني: أن معنى قوله: * (ما لهم بذلك من علم) أي: ما لهم في هذا ~~القول من عذر. # وقوله: * (إن هم غلا يخرصون) أي: يطلبون ما لا يكون من طلب العذر بهذا ~~الكلام، ms1533 حكاه النحاس، والأول ذكره الفراء والزجاج وغيرهما. # قوله تعالى: * (أم أتيناهم كتابا من قبله) أي: بما زعموا ان الملائكة ~~خلقوا إناثا. # وقوله: * (فهم به مستمسكون) أي: مستمسكون، وهذا على طريق الإنكار أيضا. # قوله تعالى: * (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة) وقرئ: ' إمة ' بكسر ~~الألف فقوله: * (على أمة) أي: على ملة ودين، قال الشاعر: # (حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع) أي: ذو ملة. # وأما الإمة بكسر الألف فهي بمعنى الطريقة، قال الشاعر: # (ثم بعد الفلاح والملك وإلامة * وارتهم هناك القبور) فقوله: والإمة يعني: ~~الطريقة الحسنة. # وقوله: * (وإنا على آثارهم مهتدون) أي: متبعون. # قوله تعالى: * (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوها) PageV05P097 # * (نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون (23) قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما ~~أرسلتم به كافرون (24) فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) ~~وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) إلا الذي فطرني ~~فإنه سيهدين (27) وجعلها كلمة باقية في عقبه) * * أي: متنعموها. ووجه ~~الإنكار أن الرفه منعهم عن طلب الحق. # وقوله: * (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) ظاهر ~~المعنى. # وفي الآيتين دليل على ذم التقليد والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة. # قوله تعالى: * (قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم) معناه: ~~أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه. # وقوله: * (قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) أي: جاحدون. # قوله تعالى: * (فانتقمنا منهم) أي: بالإهلاك والعقوبة. # وقوله: * (فانظر كيف كان عاقبة المكذبين) أي: الجاحدين. # قوله تعالى: * (وإذا قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون) وفي ~~قراءة ابن مسعود: ' بريء ' فقوله: * (براء) بمعنى قوله: ' بريء '، ويقال: ~~إنه لغة أهل الحجاز يعني قوله: * (براء) وهو مما لا يثنى ولا يجمع. # وقوله: * (إلا الذي فطرني) فيه قولان: أحدهما: أنه على حقيقة الاستثناء ~~إلا أنهم كانوا يعبدون الله وما دونه، فيستقيم الاستثناء ms1534 على هذا. والثاني: ~~أنه استثناء منقطع، ومعناه: لكن لذي فطرني أي: جعلني * (فإنه سيهدين) أي: ~~يرشدني. # قوله تعالى: * (وجعلها كلمة باقية) قال مجاهد: هي قول لا إله إلا الله. ~~وقال قتادة: هي الإخلاص والتوحيد. وعن بعضهم: أن الكلمة هي قول إبراهيم: ~~PageV05P098 # * (لعلهم يرجعون (28) بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين ~~(29) ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (30) وقالوا لولا نزل ~~هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا ~~بينهم) * * (أسلمت لرب العالمين). وذلك عندما قيل له: * (أسلم). وأما قوله: ~~* (في عقبة) أي: في ولده. وفي التفسير: لا يزال في عقب إبراهيم من هو ~~مستقيم على كلمة التوحيد. وقيل: * (في عقبه) هو رجل واحد، وذلك محمد. وقال ~~السدى: في عقبه يعني: في آل محمد ورضي عنهم. # وقوله: * (لعلهم يرجعون) أي: يرجعون إلى الهدى بعد الضلالة. # قوله تعالى: * (بل متعت هؤلاء وآباءهم) أي: أمتعتهم بأنفسهم وأموالهم ~~وأولادهم، وأمتعت آباءهم. # وقوله: * (حتى جاءهم الحق ورسول مبين) أي: جاءهم القرآن يبين الهدى من ~~الضلالة، والحق من الباطل. # وقوله: * (ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون) أي: جاحدون. # قوله تعالى: * (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) ~~وتقديره: على رجل من رجلي القريتين عظيم. والقريتان هما مكة والطائف، وأما ~~الرجلان اختلفوا فيهما، قال ابن عباس: الذي من مكة هو الوليد بن المغيرة، ~~والذي من الطائف هو حبيب بن عمرو الثقفي. وقيل: الذي من مكة هو عتبة بن ~~ربيعة، والذي من الطائف هو عروة بن مسعود الثقفي، قاله قتادة. وقال مجاهد ~~في الذي من الطائف: هو ابن عبد ياليل الثقفي. وعن السدى أيضا فيه: أنه ~~كنانة بن عدي بن عمرو. # وقوله: * (أهم يقسمون رحمة ربك) أي: رسالة ربك فيختارون لها من شاءوا. ~~ومعناه: أنه ليس لهم هذا الاختيار. PageV05P099 # * (معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ms1535 ~~لجعلنا) * * وقوله: * (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) أي: كما ~~قسمنا معيشة الحياة الدنيا فاخترنا للغنى من شئنا، وللفقر من شئنا، فكذلك ~~اخترنا واصطفينا للرسالة من شئنا. وقد روى ابن مسعود أن النبي قال: ' إن ~~الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من ~~يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحبه، ومن أعطاه الدين فقد أحبه '. ~~وعن قتادة: رب رجل ضعيف (الجبلة) عيي اللسان [مبسوط له] في الرزق، ورب رجل ~~شديد (الجبلة)، فصيح اللسان مقتر عليه في الرزق. # وقوله: * (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) أي: في الدنيا، فغني وفقير، وفاضل ~~ومفضول، وحر وعبد، وصحيح وسقيم، وأشباه ذلك. # وقوله: * (ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) أي: خولا. وقيل: بتسخير الغني الفقير ~~بماله، والقوي الضعيف بفضل قوته. ويقال: تتخذونهم مماليك وعبيدا، وبهذا ~~القيام صلاح العالم، وأنشد بعضهم: # (سبحان من سخر [الأنام] بعضهم * للبعض حين استوى التدبير واطردا) (فصار ~~يخدم هذا ذاك من جهة * وذاك من جهة هذا وإن بعدا) (كل بما عنده مستبشر فرح ~~* يرى السعادة فيما نال واعتقدا) وقوله: * (ورحمة ربك خير مما يجمعون) أي: ~~النبوة خير مما يجمعون من الدنيا، وقيل: الآخرة خير من الدنيا. وقرئ: ' ~~تجمعون ' بالتاء، والأول أشهر. # قوله تعالى: * (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة) معناه: ولولا أن يكون ~~الناس كلهم كفارا. وقيل: لولا أن الدنيا تميل بالناس عن الدين، لو فعلنا ~~هذا بالكفار لفعلنا PageV05P100 # * (لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) ~~ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون (34) وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع ~~الحياة الدنيا والآخرة) * * هذا لهوان الدنيا عندنا. # وقوله: * (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة) وقرئ: ' سقفا ' ~~بفتح السين يعني: جعلنا جدرها فضة. # وقوله: * (ومعارج عليها يظهرون) أي: جعلنا لهم مراقي من فضة يظهرون عليها ~~على السقف. ومعناه: يظهرون يصعدون ويعلون. وفي الأخبار: أن نابغة بن جعدة ~~أنشد للنبي: # (بلغت السماء عفة وتكرما * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا) أي: معلا، فقال له ~~النبي: ' إلى ms1536 أين يا أبا ليلى؟ ' قال: إلى لجنة. قال: ' أجل إن شاء الله '. # وقوله: * (ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون) أي: جعلنا ذلك لهم من ~~فضة. # وقوله: * (وزخرفا) فيه قولان: أحدهما: وذهبا أي: (جعلنا) جميع ذلك من ~~ذهب. فإن قال قائل لم أنتصب؟ قلنا: لأن المعنى من فضة ومن ذهب، فنزعت ' من ~~' فانتصب. وفي قراءة ابن مسعود: ' وذهبا ' وهذا يبين صحة هذا القول. # والقول الثاني: أن قوله: * (وزخرفا) أي: غنى. وعن الحسن قال: الزخرف هي ~~النقوش. وقيل: كل ما هو زينة في الدنيا. # وقوله: * (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا) أي: تكون مدة ويفنى سريعا. ~~PageV05P101 # * (عند ربك للمتقين (35) ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له ~~قرين (36) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37)) * * وقوله: ~~* (والآخرة عند ربك للمتقين) أي: للمتقين من الشرك والمعاصي. # قوله تعالى: * (ومن يعش عن ذكر الرحمن) قال قتادة: يعرض. ومنه قولهم: ~~فلان يعشو أي: يمشي ببصر ضعيف. [يقال]: عشا يعشو إذا ضعف بصره، وعشى يعشي ~~إذا عمى بصره، ومنه الأعشى. وفي الحديث أن سعيد بن المسيب ذهبت إحدى عينيه ~~وجعل يعشو بالأخرى أي: يبصر بصرا ضعيفا. وقرئ: ' يعش ' بنصب الشين أي: ~~يعمى. ويقال في معنى قوله: * (يعش عن ذكر الرحمن) أي: يذهب عن ذكره؛ فيسير ~~في ظلمة وخبط عن جهالة. # وقوله: * (نقيض له شيطانا) أي: نوكل به شيطانا. ويقال: نلقيه شيطانا. وفي ~~التفسير: أن الكافر إذا خرج من القبر لقيه شيطان، فأدخل يده في يده، ولا ~~يزال معه حتى يصير إلى النار، والمؤمن إذا خرج من قبره يلقاه ملك، فيدخل ~~يده في يده، فلا يزال معه حتى يصير إلى الجنة. # وقوله: * (فهو له قرين) أي: مقارن. ويقال: يجعلان في سلسلة واحدة. # قوله تعالى: * (وإنهم ليصدونهم عن السبيل) أي: الشياطين يصدونهم عن طريق ~~الحق. # وقوله: * (ويحسبون أنهم مهتدون) أي: الكفار يحسبون أنهم مهتدون بإرشاد ~~الشياطين. # وفي بعض المسانيد برواية أبي بكر رضي الله عنه أن النبي قال: ' عليكم بلا ~~إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منها ms1537 فإن إبليس قال: أهلكت بني آدم ~~بالذنوب، PageV05P102 # * (حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) ~~ولن ينفعكم اليوم إذا ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39)) * * وأهلكوني بلا ~~إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، ثم قرأ النبي: * ~~(ويحسبون أنهم مهتدون) '. # قوله تعالى: * (حتى إذا جاءنا) وقرئ: ' جاءانا '، فقوله: ' جاءنا ' هو ~~الكافر وحده، وقوله: ' جاءانا ' هو الكافر وقرينه الشيطان. # وقوله: * (قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) فيه قولان: ~~أحدهما: بعد المشرق من المغرب، وسماها مشرقين على عادة العرب، فإنهم يذكرون ~~[شيئين] مختلفين ويسمونهما باسم واحد، قال الشاعر: # (أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع) أي الشمس ~~والقمر. # وقال آخر: # (وبصرة الأزد لنا والعراق * والموصلان ومنا مصر والحرم) وأراد بالموصلين ~~الموصل والجزيرة. # وروى أن أهل البصرة قالوا لعلي رضي الله عنه حين حاربوه مع عائشة يوم ~~الجمل: إنا نطلب منك سنة العمرين يعني: أبا بكر وعمر، وقال جرير: # (ما كان يرضى رسول الله فعلهم * والعمران أبو بكر ولا عمر) والقول ~~الثاني: بعد المشرقين أي: مشرق الشتاء ومشرق الصيف. # وقوله: * (فبئس القرين) أي: بئس المقارن أنت. # قوله تعالى: * (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) أي: ~~لن يسهل عليكم عذابكم رؤيتكم غيركم مشاركين لكم في العذاب، فكأن الله ~~PageV05P103 # * (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) فإما نذهبن ~~بك فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) ~~فاستمسك) * * تعالى منعهم التأسي بما يسهل على الإنسان المصيبة والعقوبة، ~~فإنه إذا كان في مصيبة فرأى غيره في مثلها سهل عليه. والتأسي [التسلي]. ~~قالت الخنساء في أخيها صخر: # (ولولا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلت نفسي) (وما يبكون مثل أخي ~~ولكن * أعزي النفس [عنه] بالتأسي) وقوله تعالى: * (أفأنت تسمع الصم أو تهدي ~~العمي ومن كان في ضلال مبين) أي: لا تسمع ولا تهدي. # وقوله تعالى: * (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون) فيه قولان: أحدهما ~~معناه: فإنما نخرجنك من مكة، فإنا ms1538 منتقمون منهم يوم بدر بالقتل والأسر. # والقول الثاني: * (فإما نذهبن بك) يعني: بالوفاة، فإنا منتقمون منهم ~~بعدك، ويقال: يوم القيامة. # قوله تعالى: * (أو نرينك الذي وعدناهم) قال السدى: هذا في المشركين. وقال ~~الحسن وقتادة: هذا في أمته. ' وروى أن النبي أرى في أمته بعض ما يصيرون ~~إليه، فما رؤي ضاحكا نشيطا بعد ذلك إلى أن فارق الدنيا '. # وفي بعض التفاسير: أنه ما من نبي إلا وأري النقمة في أمته إلا نبينا، فإن ~~الله تعالى لم يره النقمة في أمته، وقد كان في أمته من النقمات، ويكون إلى ~~قيام الساعة. # وقوله: * (فإنا عليهم مقتدرون) أي: قادرون. PageV05P104 # * (بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر لك ولقومك وسوف ~~تسألون (44) واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة) ~~* * قوله تعالى: * (فاستمسك بالذي أوحى إليك) أي: بالقرآن. # وقوله: * (إنك على صراط مستقيم) أي: طريق واضح. # وقوله: * (وإنه لذكر لك ولقومك) أي: القرآن شرف لك ولقومك. # وقوله: * (وسوف تسألون *) أي: تسألون عن شكر هذه النعمة. وعن قتادة أو ~~غيره في هذه الآية قال: يقال للرجل: ممن أنت؟ فيقول: من العرب. فيقال له: ~~من أي العرب؟ فيقول: من قريش، فهو معنى قوله: * (وإنه لذكر لك ولقومك) وروى ~~بعضهم عن مالك بن أنس قال: * (وإنه لذكر لك ولقومك) هو قول القائل: حدثني ~~أبي عن جدي، والمعروف هو القول الأول، ومعنى شرف قريش: أن القرآن نزل ~~بلغتهم، والرسول كان منهم. # * ([واسأل من أرسلنا من قبلك] من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون) المعروف من القول في هذه الآية أن معناه: واسأل أمم من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا. قال ابن الأنباري معناه: وسل تباع من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا. وقال بعضهم: واسأل الذين يقرءون الكتاب ممن أرسلنا إليهم رسلا من ~~قبلك. وفي مصحف ابن مسعود: ' واسال الذين أرسلنا إليهم رسلا من قبلك هل ~~جعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ' وهي تفسير القراءة المعروفة. # والقول الثاني في الآية: ما رواه عطاء عن ms1539 ابن عباس: أن الله تعالى جمع ~~المرسلين ليلة الإسراء في مسجد بيت المقدس ثم إن جبريل أذن، ثم أقام، ثم ~~قال للنبي: تقدم وصل بهم، فلما فرغ من صلاته، قال له: ' وسل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا PageV05P105 # * (يعبدون (45) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول ~~رب العالمين (46) فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) وما نريهم من ~~آية إلا هي أكبر) * * وزعم بعضهم أنه سألهم فأجابوا وقالوا: ما أمرنا الله ~~تعالى إلا بالتوحيد والإخلاص. وفي بعض التفاسير: أن ميكائيل قال لجبريل: هل ~~سأل محمد الرسل عما أمر به؟ فقال: لا، كان أشد يقينا وأعلم بالله من أن ~~يسال عن ذلك. فإن قال قائل: ما وجه السؤال والجواب في هذه المسالة؟ والسؤال ~~عن هذا إنما يكون من شاك في الأمر أما من مستقين فلا، والجواب: أن المراد ~~من الآية هو تقرير الرسول على ما يعتقده وتوبيخ الكفار وتوقيفهم أن الأمر ~~على ما يقول الرسول. وقال بعضهم: الخطاب للرسول والمراد منه الأمة، ويقال: ~~[إن] الخطاب للمشركين كأنه أمرهم أن يسألوا مؤمني أهل الكتاب، هل أمر الله ~~بما يزعمونه في كتاب من كتبهم، وهو عبادة الأصنام وتعظيمها؟ وقد كانوا ~~يرجعون إلى قول أهل الكتاب في بعض الأشياء، ويعتمدون عليه، والله أعلم. # قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول ~~رب العالمين) ظاهر المعنى. # وقوله: * (فلما جاءهم بآياتنا) أي: بالمعجزات والدلالات. # وقوله: * (إذا هم منها يضحكون) يعني: ضحك المستهزئين المكذبين، والمراد ~~من الآية تعجيب الرسول من ضحكهم وتكذيبهم مع ورود الآيات الظاهرة مع موسى ~~صلوات الله عليه. # قوله تعالى: * (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها) أي: أعظم من ~~الآية المتقدمة. وفي تفسير النقاش: أن الآية الأولى من آيات موسى أن فرعون ~~كان قد جعل على قصره سبع حوائط، بين كل حائطين سباغ وغياض، والأبواب على ~~الحيطان كانت تقفل ولا تفتح إلا بإذنه؛ فلما حضر موسى باب فرعون، انفتحت له ~~الأبواب، PageV05P106 # * (من أختها وأخذناهم ms1540 بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يا أيها الساحر ~~ادع لنا ربك) * * وانكسرت الأقفال، وسجدت له السباع حتى وصل إلى قصر فرعون، ~~فهذه الآية الأولى، ثم إنه لما أحضر فرعون السحرة وألقوا العصا والحبال، ~~وهي شبه الحيات الكبار في أعين الناس ثم ألقى موسى العصا التي كانت معه، ~~وتلقفت جميع الحبال والعصي على ما هو المعروف في القصة، فهذه الآية أعظم من ~~الأولى. وزعم بعضهم أن الآيات كلها سواء في الإعجاز والدلالة، إلا أنه سمى ~~الآية الحاضرة أكبر من الذاهبة لحضور هذه الآية وذهاب تلك. وهذا كالرجل ~~يقول في علة تصيبه: ما مرت بي علة مثل هذه العلة، وإن كان قد مرت عليه علل ~~هي أكبر منها أو مثلها، ولكنه يقول هذا القول (لحضور) هذه العلة وذهاب تلك ~~العلة. ومنهم من قال: المراد من الآيات قوله تعالى: * (فأرسلنا عليهم ~~الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم) وما من آية أظهرها بعد آية إلا وهي ~~أكبر من الأولى، وما ذكرناه من القول الأول هو الأحسن في المعنى. # وقوله: * (وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون) أي: إلى الله تعالى. # قوله تعالى: * (وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا ~~لمهتدون) فإن قيل: كيف قالوا: يا أيها الساحر ثم قالوا: إننا لمهتدون بك ~~[ولا يهتدي أحد] بالساحر؟ والجواب: أن الساحر عندهم هو العالم، ومعنى قوله ~~* (يا أيها الساحر) أي: يا أيها العالم، وهذا قول الكلبي وغيره. وقال ~~الزجاج: قالوا يا أيها الساحر على ما (كانوا) من قولهم له. وقال بعضهم: ~~إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء والسخرية ولم يكونوا اعتقدوا أن يؤمنوا ~~به. # وقوله: * (بما عهد عندك) إنما قالوا ذلك لأن موسى قال لهم: إن آمنتم كشف ~~الله عنكم هذه العقوبة، وهذا مذكور في سورة الأعراف على ما سبق. ~~PageV05P107 # * (بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم العذاب إذ هم ينكثون ~~(50) ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي) * * قوله تعالى: * (فلما كشفنا عنهم العذاب إذ هم ينكثون) ms1541 أي: ينقضون ~~العهد، ولا يقولون بقولهم. # قوله تعالى: * (ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر) قال ~~بعضهم: كان ملكه أربعين فرسخا في أربعين. وقال بعضهم: مسيرة أربعين يوما في ~~أربعين يوما. # وقوله: * (وهذه الأنهار تجري من تحتي) أي: من تحت قصري، وقال قتادة: بين ~~يدي. وفي تفسيرالنقاش: أنه كان في زمان فرعون خمسة أنهار بمصر اندرست من ~~بعد، ولم يبق منها شيء. وفي هذا التفسير أيضا: أنه كان بمصر سبع خلج التي ~~واحدها خليج، واندرست من بعد، وكان فرعون يركب من فيوم إلى دمياط ~~والإسكندرية فلا يسير إلا تحت الأشجار ملتفة وأنهار جارية. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' رأيت ليلة المعراج سدرة المنتهى وإذا يخرج ~~من أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران قال: فسألت جبريل عن ~~الأنهار فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات '. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن الله تعالى يغذي النيل بجميع ~~الأنهار من بين المشرق والمغرب، وذلك عند زيادته إلى أن تنتهي الزيادة ~~منتهاها، ثم يرجع إلى ما كان عليه. # وقوله: * (أفلا تبصرون) يعني: أفلا ترون. وفي بعض التفاسير: أن معنى ~~الأنهار في هذه الآية هي الأموال، وسماها أنهار لكثرتها وظهورها. # وقوله: * (تجري من تحتي) أي: أفرقها على من شئت. قالوا: وإظهار الترغيب ~~PageV05P108 # * (أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) ~~فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترين (53)) * * ~~والقدرة في هذا أكبر منه في الأنهار، ذكره الماوردي أبو الحسن القاضي. # قوله تعالى: * (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) قال بعضهم قوله: * (أم) ~~متصل بما قبله، ومعناه: أفلا تبصرون أم تبصرون. وقيل: أم أنتم بصراء وتم ~~الكلام على هذا، ثم ابتداء قوله: * (أنا خير) وهذا محكي عن الخليل وسيبويه، ~~وقال بعضهم: ' أم ' صلة زائدة، والكلام في قوله: * (أنا خير من هذا الذي هو ~~مهين) وفي بعض القراءات: (أنا خير) على التفخميم. # وقوله: * (من هذا ms1542 الذي هو مهين) أي: ضعيف حقير. # وقوله: * (ولا يكاد يبين) قال أهل التفسير: إنما قال هذا للثغة التي كانت ~~في لسانه، وذلك بما كان بقي في لسانه من العقدة بإلقائه الجمرة في فيه. ~~وقال بعضهم: إنه كان بلسانه لا يمكنه تبيين الكلام غاية البيان، وأنشدوا ~~فيما ذكرنا من قوله: * (أم) قول الشاعر: # (فيا ظبية الوغا بين خلاخل * وبين النقا أنت أم سالم) معناه: أنت أحسن أم ~~سالم. # قوله تعالى: * (فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب) وفي قراءة ابن مسعود: ' ~~أساور من ذهب ' وفي القصة: أنهم كانوا إذا سوروا [رجلا] سوروه بسوار من ذهب ~~في يده، وطوقوه بطوق من ذهب في عنقه. والمراد من الآية أنهم قالوا: ولو كان ~~موسى نبيا فهلا سوره الله سوارا، أو طوقه بطوق، أو بعث معه لملائكة أعوانا ~~له على أمره، فهو معنى قوله: * (أو جاء معه الملائكة مقترنين) أي: متتابعين ~~يتب بعضهم بعضا. PageV05P109 # * (فاستخف قومه فأطاوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) فلما آسفونا انتقمنت ~~منهم فأغرقناهم أجمعين (55) فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) ولما ضرب ابن ~~مريم) * * وقوله: * (فاستخف قومه فأطاعوه) أي: حركهم بدعائه إياهم (إلى) ~~باطله، فخفوا معه وأجابوه، ويقال: استفزهم، فأطاعوه بجهلهم. # وقوله: * (إنهم كانوا قوما فاسقين) أي: خارجين عن الطاعة. ويقال: استخف ~~قومه أي: حملهم على خفة الجهل، ومع العقل الوقار، ومع الجهل الخفة. # قوله تعالى: * (فلما آسفونا) أي: أغضبونا وأسخطونا. فإن قيل: الأسف إنما ~~يكون على شيء فائت، والله تعالى لا يفوته شيء؟ # والجواب [عنه]: أن معناه الغضب كما بينا، وقال بعضهم: آسفونا أي: فعلوا ~~فعلا لو فعلوه مع مخلوق لكان متأسفا حزينا. وفي بعض الآثار: أن عروة بن ~~الزبير كان جالسا مع وهب بن منبه، فجاء قوم فشكوا عاملهم، وكان العامل ~~حاضرا، فغضب وهب بن منبه وأخذ عصا وشج رأس العامل، فضحك عروة بن الزبير ~~فقال: انظروا إلى هذا ينهى عن الغضب ويغضب؟ فقال وهب: لا، لا تلمني، فإن ~~الله تعالى يغضب وهو خالق الأحلام، ثم قرأ قوله تعالى: * (فلما آسفونا ~~انتقمنا منهم) ms1543 ومعنى قوله: * (انتقمنا منهم) أي: بالإغراق والإهلاك، وهو ~~معنى قوله: * (فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين) أي: سلفا ~~للكبار ومن بعدهم، ومثلا لمن فعل مثل فعلهم. ومعنى ' مثلا ' أي: عظة وعبرة. ~~وقرئ ' سلفا ' وهو جمع سليف، وقرئ: ' سلفا ' والمعنى في الكل واحد. وعن زيد ~~بن أسلم قال: ما من أحد إلا وله سلف في الخيروالشر. # قوله تعالى: * (ولما ضرب ابن مريم مثلا) أكثر المفسرين على أن هذه الآية ~~نزلت في مخاصمة عبد الله بن الزبعري رسول الله في قوله تعالى: * (إنكم وما ~~PageV05P110 # * (مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك ~~إلا جدلا بل) * * تعبدون من دون الله حصب جهنم)، فإنه لما نزل قوله تعالى: ~~* (إنكم وما تعبدون) إلى قوله: * (أنتم له واردون) وقرأها رسول الله على ~~كفار قريش، قال عبد الله بن الزبعري: هذا لنا ولآلهتنا خاصة أم لنا ولجميع ~~الأمم وآلهتهم؟. فقال: بل لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم وآلهتهم، فقال ابن ~~الزعبري: خصمتك ورب الكعبة، ثم ذكر ما أوردنا من قبل في حق عيسى وعزيز ~~والملائكة عليهم السلام، فعلى هذا قوله تعالى: * (ولما ضرب ابن مريم مثلا) ~~معناه: لما جعلوا ابن مريم مثلا لآلهتهم، وقالوا: إذا كان ابن مريم في ~~النار فرضينا أن نكون نحن وآلهتنا في النار '. # وقوله: * (إذا قومك منه يصدون) بكسر الصاد أي: يضجون ضجاج المجادلين، ~~ويقال: يصدون أي: يضحكون ويفرحون بقول ابن الزبعري. وقرئ ' ' يصدون ' بضم ~~الصاد، ومعناه: يعرضون، وفي الآية قول آخر: وهو أن النبي لما ذكر حديث ~~[عيسى] لقريش، وأنه خلقه الله تعالى من غير أب كما خلق آدم من غير أب، وذكر ~~ما أظهر الله على يده من الآيات جعلت قريش يضحكون، وقاوا ما يريد محمد من ~~ذكر عيسى إلا أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى، وهذا قول مجاهد. # قوله تعالى: * (وقالوا أآلهتنا خير أم هو) على القول الأول معناه: ~~أآلهتنا خير أم عيسى؟ بل عيسى خير من آلهتنا، فإذا كان عيسى في النار فلتكن ~~آلهتنا في النار. ms1544 وعلى القول الثاني: أآلهتنا خير أم هو؟ يعني: محمدا، فإذا ~~كان محمد يطلب أن نعبده فنحن نعبد آلهتنا. وفي قراءة أبي بن كعب: ' أآلهتنا ~~خير أم هذا '؟ وهذا يؤيد القول الثاني. # وقوله: * (ما ضربوه لك إلا جدلا) يعني: ما قالوا هذا القول إلا مجادلة ~~بالباطل؛ PageV05P111 # * (هم قوم خصمون (58) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني ~~إسرائيل (59) ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60) وإنه لعلم ~~للساعة فلا تمترن) * * لأنهم علموا أن ابن مريم لا يدخل النار وعلموا أنه ~~غير داخل في الآية؛ لأن الله تعالى قال: * (إنكم وما تعبدون) و ' ما ' لمن ~~لا يعقل، لا لمن يعقل. # وقوله: * (بل هم قوم خصمون) أي: مخاصمون بغير الحق، وقد ثبت عن النبي ~~برواية أبي أمامة رضي الله عنه أنه عليه السلام قال: ' ما ضل قوم بعد هدى ~~كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ قوله تعالى: * (ما ضربوه لك إلا جدلا ~~بل هم قوم خصمون). والمراد بالآية المجادلة بالباطل لا المجادلة في طلب ~~الحق أو لبيان الحق؛ لأنه تعالى قد قال في موضع آخر: * (وجادلهم بالتي هي ~~أحسن) وقال تعالى: * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن). # قوله تعالى: * (إن هو إلا عبد) يعني: عيسى عليه السلام وما عيسى ابن مريم ~~إلا عبد * (أنعمنا عليه) أي: بالنبوة والآيات. # وقوله: * (وجعلناه مثلا) أي: عظة وعبرة لبني إسرائيل، ويقال: جعلناه مثلا ~~لهم أي: بشرا مثلهم. # وقوله: * (ولو نشاء لجعلنا منكم) أي: بدلا منكم * (ملائكة في الأرض ~~يخلفون) أي: تخلفكم، ويقال: يخلف بعضكم بعضا. # قوله تعالى: * (وإنه لعلم للساعة) معناه. أن عيسى عليه السلام شرط من ~~PageV05P112 # * (بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين (62) ولما جاء عيسى بلبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون فيه) * * أشراط الساعة، فيعلم بنزوله علم الساعة، وقد ثبت عن النبي ~~أنه قال: ' لينزلن ابن مريم حكما مقسطا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير '. ~~الخبر. # وفي بعض الأخبار: أنه ' ينزل على ثنية ms1545 فوق جبل من جبال بيت المقدس وليه ~~ممصرتان وبيده حربة يقتل بها الدجال '، وقرأ ابن عباس: * (وإنه لعلم ~~للساعة) أي: آية من آيات حضورها. # قال الفرزدق يمدح علي بن الحسين: # (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والركن يعرفه والحل والحرم) (هذا ابن خير ~~عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم) وقوله: * (فلا تمترن بها ~~واتبعون هذا صراط مستقيم) أي: لا تشكن فيها أي: القيامة، والباقي ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين) قال ابن عباس: من ~~عداوته أنه أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنهم لباس النور. # قوله تعالى: * (ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم ~~بعض الذي تختلفون فيه) قال أبو عبيدة: كل الذي تختلفون فيه. وقال غيره من ~~أهل اللغة: لا يصح البعض بمعنى الكل، ومعنى الآية: ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون فيه في الإنجيل، وبعض الذي تختلفون فيه في غير الإنجيل. ويقال ~~معناه: ولأبين لكم ما اختلفتم فيه من أمر دينكم لا من أمر دنياكم، فهو بعض ~~ما اختلفتم فيه، والله أعلم. PageV05P113 # * (فاتقوا الله وأطيعون (63) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم (64) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ~~(65) هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) الأخلاء ~~يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا) * * وقوله: * (فاتقوا الله وأطيعون) ظاهر ~~المعنى. # وقوله: * (إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) قد بينا. # قوله تعالى: * (فاختلف الأحزاب من بينهم) هؤلاء هم الذين اختلفوا في عيسى ~~بعد رفعه إلى السماء، فقال بعضهم: هو ابن الله، وقال بعضهم: هو الله، وقال ~~بعضهم: هو ثالث ثلاثة. # وقوله: * (فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم) أي: موجع. # قوله تعالى: * (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة) أي: فجأة، وقوله: * ~~(وهم لا يشعرون) أي: لا يعلمون بمجيئها، قال أهل العلم: وقد أخفى الله ~~تعالى أمر الساعة وزمان قيامها ليكون أبلغ في الإنذار والتخويف. # قوله تعالى: * (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو) ms1546 في التفسير: أنهم أمية بن ~~خلف، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو جهل بن ~~هشام، والنضر بن الحارث، وحفص بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة. وذكر النقاش: أن ~~عقبة بن أبي معيط كان صديقا لأمية بن خلف، وكان غقبة يأتي النبي ويجلس عنده ~~ويسمع كلامه، فقال له أمية بن خلف: لقد صبوت يا عقبة، فقال: والله ما صبوت. ~~فقال: وجهي من وجهك حرام إن لم تتفل في وجه محمد، ففعل عقبة ذلك، فقال له ~~الرسول: ' لئن قدرت عليك خارج الحرم لأريقن دمك، فضحك عقبة، وقال: يا ابن ~~أبي كبشة، ومن أين تقدر علي خارج الحرم؟ فلما كان يوم بدر وأسر عقبة أمر ~~النبي عليا في بعض الطريق أن يضرب عنقه، فقال: يا معشر قريش، مالي أقتل من ~~بينكم. فقال النبي: بتكذيبك الله وتكذيبك رسوله. فقال: ومن للمصبية؟ فقال: ~~النار '. PageV05P114 # * (المتقين (67) يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68) الذين ~~آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) ~~يطاف عليهم) * * وفي بعض الأخبار عن النبي، وقيل: هو عن علي، قال: ' ~~الأخلاء أربعة: مؤمنان، وكافران، فيتقدم أحد المؤمنين فيقال له: ما تقول في ~~فلان؟ يعني: خليله فيقول: لقد عرفته آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، اللهم ~~بشره كما بشرتني، وارض عنه كما رضيت عني، ويتقدم أحد الكافرين فيقال له: ما ~~تقول في فلان؟ يعني: خليله، فيقول: عرفته آمرا بالمنكر ناهيا عن المعروف، ~~اللهم أدخله النار كما أدخلتني، واخزه كمت أخزيتني '؟ # وفي التفسير: أن كل أخوة تكون في الدنيا عن معصية تصير عداوة يوم ~~القيامة، وكل أخوة تكون عن دين تبقى يوم القيامة. # وعن مجاهد قال: قال لي ابن عباس: أحب لله وأبغض لله، ووال في الله، وعاد ~~في الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بهذا. # وقوله: * (إلا المتقين) فقال: إن هذا في أصحاب النبي حين آخى رسول الله ~~بينهم قال: رسول الله وعلى أخوان، وأبو بكر وعمر أخوان، وطلحة والزبير ~~أخوان، وعثمان وعبد الرحمن بن ms1547 عوف أخوان، إلى غير هذا. # قوله تعالى: * (يا عباد لا خوف عليكم اليوم) وروى أن الله تعالى يقول يوم ~~القيامة: * (يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) فيرفع جميع ~~الخلائق رؤوسهم، فيقول: * (الذين آمنوا بآياتنا) فيرفع جميع المؤمنين ~~واليهود والنصارى رؤوسهم فيقول: * (وكانوا مسلمين) فينكس جميع الخلق رؤوسهم ~~سوى المسلمين. وذكر بعضهم قوله: * (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين) مرة ~~واحدة في النداء. # قوله تعالى: * (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون) أي: تنعمون، وقيل: ~~PageV05P115 # * (بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها ~~خالدون (71) وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) لكم فيها ~~فاكهة كثيرة منها تأكلون (73) إن المجرمين في عذاب حهنم خالدون (74) لا ~~يفتر عنهم وهم فيه) * * تكرمون. والحبورة في اللغة هي السرور والفرح. يقال: ~~ما من حبرة إلا وبعدها عبرة، وعن يحيى بن أبي كثير قال: تحبرون هو السماع ~~في الجنة. # قوله تعالى: * (يطاف عليهم بصحاف من ذهب) الصحاف: القصاع، واحدها [صحفة]. ~~وفي التفسير: سبعون ألف [صحفة] فيها ألوان الأطعمة. # وقوله: * (وأكواب) الأكواب واحدها كوب، وهو إناء مستدير ليس له عروة ولا ~~خرطوم. # وقوله: * (وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين) أي: تشتهيه الأنفس، وقد ~~قرئ هكذا في بعض القراءة المعروفة. # وقوله: * (وتلذ الأعين) إنما نسب اللذة إلى الأعين؛ لأن المناظر الحسنة ~~تلذ النفوس، فنسب اللذة إلى الأعين؛ لأن نسبتها كانت إليها أليق. # وقوله: * (وأنتم فيها خالدون) أي: مقيمون لا يخرجون أبدا. # قوله تعالى: * (وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) قال ابن عباس: ما ~~من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فيرث المؤمن منزل الكافر في ~~الجنة، ويرث الكافر منزل المؤمن في النار. # قوله تعالى: * (لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون) أي: مقيمون. # وقوله: * (لا يفتر عنهم) أي: لا يخفف عنهم. PageV05P116 # * (مبلسون (75) وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) ونادوا يا مالك ~~ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77) لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق ms1548 ~~كارهون (78) أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم بلى) * * وقوله: * (وهو فيه مبلسون) أي: آيسون من الخروج، والملبس ~~في اللغة هو الساكت الذي سكت تحيرا ويأسا. # قوله تعالى: * (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين) معناه: إنا جازيناهم ~~بعملهم، ولم نزد عليهم شيئا. # قوله تعالى: * (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك) أي: ليمتنا ربك. قال عبد ~~الله ابن عمرو بن العاص: ينادون [مالكا] أربعين سنة. وقال ابن عباس: ~~ينادونه ألف سنة ثم يجيبهم فيقول: إنكم ماكثون، ثم ينادون الله تعالى، ~~ويقولون * (ربنا غلبت علينا شقوتنا) فلا يجيبهم عمر الدنيا، ثم يقول: * ~~(اخسأوا فيها ولا تكلمون). فلا يسمع منهم بعد ذلك إلا شبه صوت الحمر من ~~الزفير والشهيق. # قوله تعالى: * (لقد جئناكم بالحق) أي: بالقرآن. # وقوله: * (ولكن أكثرهم للحق كارهون) أي: كرهتم مجيء الحق ودعوتكم إليه. # قوله تعالى: * (أم أبرموا أمرا) الإبرام هو إحكام الأمر، ومعناه: أنهم ~~عزموا وأجمعوا على التكذيب، ونحن أجمعنا على التعذيب، فهذا معنى قوله: * ~~(فإنا مبرمون) ويقال: أم أبرموا أي: كادوا كيدا، ومكروا مكرا، وقوله: * ~~(فإنا مبرمون)) أي: نقابل كيدهم ومكرهم بالإبطال، ونجازيهم جزاء مكرهم، وهو ~~في معنى قوله تعالى: * (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين). # قوله تعالى: * (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم) روى أن الأخنس ~~والأسود بن عبد يغوث كانا عند الكعبة، فقال أحدهما لصاحبه: أترى الله يسمع ~~ما PageV05P117 # * (ورسلنا لديهم يكتبون (80) قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ~~(81) سبحان) * * نقول: فقال الآخر: إن جهرنا يسمع، وإن أسررنا لم يسمع؛ ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (بلى ورسلنا) يعني: بلى نسمع * (ورسلنا لديهم يكتبون) أي: ~~يكتبون بما يعملون ويقولون. # قوله تعالى: * (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) الآية مشكلة، ~~وفيها أقوال: أحدها: قول مجاهد، وهو أن معناه: قل إن كان للرحمن ولد على ~~زعمكم فأنا أول العابدين أنه إله لا ولد له ولا شريك له، وأن ما قلتموه ~~باطل وكذب، وهذا أحسن الأقاويل. # والقول الثاني: أن ' إن ms1549 ' هاهنا بمعنى ' ما '، ومعناه: قل ما كان للرحمن ~~ولد وتم الكلام، ثم قال: فأنا أول العابدين، وأهل النحو يستبعدون هذا، ~~ويقولون: لا يجوز أن تكون ' إن ' بمعنى ' ما ' إلا على بعد عظيم. # والقول الثالث: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أي: الآنفين، ~~يقال: عبد إذا أنف، قال الفرزدق: # (أولئك آبائي فجئني بمثلهم * وأعبد أن يهجى كليب بدارم) أي: آنف. وحكى ~~بعضهم: أن عليا رضي الله عنه قال: قيل لي: إنك قتلت عثمان فعبدت وسكت أي: ~~أنفت. # وحقيقة المعنى في الآية على هذا القول: أنى غضب (وله غضب) أنف أن ينسب ~~إليه ولد كما تزعمون. PageV05P118 # * (رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعون (83) وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو ~~الحكيم العليم (84) وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده ~~علم الساعة وإليه ترجعون (85) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من ~~شهد) * * والقول الرابع: أن هذا على النفي من الجانبين بمعنى: إن كان ~~للرحمن ولد فأنا أول العابدين، وليس له ولد ولا أنا أول عابد، وهذا كالرجل ~~يقول لغيره: إن كنت كاتبا فأنا حاسب يعني: لست بكاتب ولا أنا حاسب، وحكى ~~هذا عن سفيان بن عيينة والسدي. # قوله تعالى: * (سبحان رب السماوات والأرض) أي: خالق السماوات والأرض. # وقوله: * (رب العرش عما يصفون) أي: عما يصفونه بالولد. # قوله تعالى: * (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون) أي: ~~يوم القيامة. # قوله تعالى: * (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) أي: معبود في ~~السماء والأرض. # وقوله: * (وهو الحكيم العليم) قد بينا. # قوله تعالى: * (وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم ~~الساعة) أي: علم قيام الساعة. # وقوله: * (وإليه ترجعون) أي: تردون. # قوله تعالى: * (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة) قال مجاهد: أي: ~~عيسى وعزيز والملائكة. وقال قتادة: الأصنام لأن للملائكة والنبيين شفاعة. # وقوله: * (إلا من شهد بالحق) معناه على القول الأول: إلا لمن شهد بالحق، ms1550 ~~وهو من شهد بلا إله إلا الله. وعلى القول الثاني: لكن من شهد بالحق وهو ~~يشفع، فعلى PageV05P119 # * (بالحق وهم يعلمون (86) ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون ~~(87) وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) فاصفح عنهم وقل سلام فسوف ~~يعلمون (89)) * * هذا الأنبياء يشفعون، والمؤمنون يشفعون. # وقوله: * (وهو يعلمون) ظاهر المعنى، ومعناه: يشهدون عن علم. # قوله تعالى: * (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون) أي: ~~يصرفون. # قوله تعالى: * (وقيله يا رب) فيه قراءتان معروفتان: ' وقيله ' بنصب ~~اللام، ' وقيله ' بكسر اللام، والقراءة الثالثة: ' قيله ' بالضم، وهي قراءة ~~الأعرج، أما بنصب اللام فمعناه: ويسمع قيله، فهو راجع إلى قوله: * (أم ~~يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى) أي: بلى نسمع سرهم ونجواهم، ونسمع ~~قيله. وقال الزجاج: ونعلم قيله، وهو راجع إلى قوله: * (وعنده علم الساعة) ~~ويعلم قيله. وعن بعضهم: ' وقيله ' أي: وقال: قيله أي: قال: قوله من الشكوى ~~عن الكفار يعني: الرسول صلوات الله عليه. # وأما القراءة بكسر اللام فمعناه: وعنده علم قيله، وهو عطف على قوله ~~تعالى: * (وعنده علم الساعة). # وأما رفع اللام فعلى الابتداء، فكأنه قال: وقوله يا رب، إن هؤلاء قوم لا ~~يؤمنون. # قوله تعالى: * (فاصفح عنهم) أي: أعرض عنهم، وهذا قبل نزول آية السيف. ~~[فنسخت] بآية السيف. # وقوله: * (وقل سلام) أي: قل ما تسلم به عن شرهم، قال الحسن: ' وقل سلام ' ~~أي: احلم عنهم. ويقال: هذا سلام توديع، وليس بسلام تحية. # وقوله: * (فسوف يعلمون) تهديد ووعيد. PageV05P120 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ~~ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4)) * * تفسير سورة ~~حم الدخان وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: * (حم والكتاب ~~المبين) أي: الكتاب الذي بين فيه الحلال والحرام، والثواب والعقاب، والوعد ~~والوعيد. # قوله تعالى: * (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) فيه قولان: أحدهما: أنها ~~ليلة القدر، وهذا قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين. # والقول الثاني: قول عكرمة، وهو أنها ليلة النصف من شعبان، وسماها ms1551 مباركة ~~لكثرة الخير فيها. والبركة: نماء الخير، ونقيضة الشؤم: نماء الشر. وقيل: ~~مباركة لأنه يرجى فيها إجابة الدعاء. # وقوله: * (إنا أنزلناه) أي: القرآن، وفي معنى هذا الإنزال قولان: أحدهما: ~~أنه أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم كان جبريل عليه ~~السلام يأتي به شيئا فشيئا إلى أن أنزل جميعه. # والقول الثاني: أن المراد بالإنزال هاهنا ابتداء الإنزال. # ومعنى قوله: * (أنزلناه) أي: ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. # وقوله: * (إنا كنا منذرين) أي: مخوفين. # قوله تعالى: * (فيها يفرق كل أمر حكيم) أي: يقضي كل أمر محكم، وذلك من ~~الأرزاق والآجال والحياة والموت والخير والشر. قال مجاهد: إلا السعادة ~~والشقاوة PageV05P121 # * (أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم ~~(6) رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحيي ~~ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) بل هم في شك يلعبون (9) فارتقب يوم تأتي ~~السماء) * * فإنهما لا يبدلان ولا يغيران، وعن بعضهم: إلا الموت والحياة ~~أيضا، وفي التفسير: أنه يفرق الأحكام في هذه الليلة إلى السنة القابلة عند ~~هذه الليلة. # وقوله: * (أمرا من عندنا) نصب على المصدر كأنه قال: يفرق فرقا، ثم وضع ~~أمرا مكان قوله: فرقا. # وقوله: * (من عندنا إنا كنا مرسلين) أي: منزلين هذه الأشياء. # قوله تعالى: * (رحمة من ربك) أي: إنزال القرآن رحمة من ربك. # وقوله: * (إنه هو السميع العليم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (رب السماوات والأرض) وقرئ: ' رب السماوات ' فقوله: ' رب ' ~~بضم الباء عطف على قوله: * (هو السميع العليم) وأما بالكسر بدل عن قوله: * ~~(من ربك). # وقوله: * ([وما بينهما] إن كنتم موقنين) اليقين ثلج الصدر بما يعلمه. # قوله تعالى: * (لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين) أي: ~~المتقدمين. # قوله تعالى: * (بل هم في شك يلعبون) أي: يسمعون سماع لاعب، ويقولون قول ~~لاعب، ويقبلون قبول لاعب. # قوله تعالى: * (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين) قال ابن مسعود: هذا ~~الدخان في الدنيا، وذلك أن النبي دعا على كفار مضر، وقال: ms1552 ' اللهم اشدد ~~وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ' فأصابتهم المجاعة والقحط ~~PageV05P122 # * (بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) ربنا اكشف عنا العذاب ~~إنا مؤمنون (12) أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13)) * * الشديد، ~~وأجدبت الأرض حتى أكلت العظام والميتات، وكان الرجل منهم ينظر إلى السماء ~~فيرى بينه وبين السماء شبه الدخان من الجوع، فروى ' أن أبا سفيان قدم على ~~النبي، وقال: يا محمد دعوت على قومك يعني قريشا وإنما هم إخوانك وأعمامك ~~وأمهاتك وخالاتك فادع لهم فدعا لهم حتى سقوا '. # وروى أنه بعث معه بذهب إلى فقراء مكة حتى قسمه فيهم. # والقول الثاني: أن الدخان يكون في القيامة، وهذا قول الحسن وقتادة، وقيل: ~~هو الأصح. وفي التفسير: أن الناس يوم القيامة يأخذهم شبه دخان، فأما ~~المؤمنون فيصيبهم مثل الزكام، وأما الكافرون فيدخل الدخان في مسامعهم ~~وأنوفهم، وتصير رؤوسهم مثل الجنابذ، وقيل: إن الدخان شرط من أشراط الساعة، ~~وفي بعض الأخبار: ' بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ~~والدابة، والدجال، وخاصة الرجل في نفسه، وأمر العامة ' ومعنى خاصة الرجل هو ~~الموت، ومعنى أمر العامة هو القيامة. وكان ابن مسعود يقول: قد مضى خمس: ~~الدخان، والدم، والقمر، والبطشة، واللزام. # قوله تعالى: * (يغشى الناس هذا عذاب أليم) أي: مؤلم. # قوله تعالى: * (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون) أي: مصدقون بمحمد إن ~~كشفت، وهو حكاية عن الكافرين. # قوله تعالى: * (أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين) معناه: التذكرة ~~PageV05P123 # * (ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم ة ~~عائدون (15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16) ولقد فتنا قبلهم قوم ~~فرعون وجاءهم رسول كريم (17) أن أدوا إلى عباد الله إني لكم رسول أمين ~~(18)) * * والاتعاظ، وقوله: * (مبين) أي: موضح، * (أنى) بمعنى: كيف. # قوله تعالى: * (ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون) والمعنى: أين لهم ~~الاتعاظ والتذكر، وقد تولوا عن مثل هذا الرسول وأعرضوا عنه، وزعموا أنه ~~معلم مجنون، ومعنى قوله: * (معلم) أي: علمه جبر غلام ابن الحصرمي وعداس، ~~وقد ذكرنا من قبل. # قوله ms1553 تعالى: (إنا كاشفوا العذاب قليلا) أي: بدعاء النبي، والعذاب هو ~~الدخان والقحط الذي ذكرنا، وقوله: * (قليلا) أي: مدة قليلة. # وقوله: * (إنكم عائدون) أي: عائدون إلى الكفر، وقيل: صائرون إلى العذاب ~~وهو النار. # وقوله تعالى: * (يوم نبطش البطشة الكبرى) فيه قولان أحدهما: أنه يوم بدر، ~~والبطشة الكبرى بالأسر والقتل، والقول الآخر: أنه القيامة، وهو الأصح. # وقوله: * (إنا منتقمون) أي: منتقمون بالعقوبة من الكفار. # قوله تعالى: * (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون) أي: ابتلينا. # وقوله: * (وجاءهم رسول كريم) أي: كريم على الله، ويقال: كريم أي: حسن ~~الأخلاق، وهو موسى عليه السلام. # قوله تعالى: * (أن أدوا إلى عباد الله) أي معناه: أرسلوا معي عباد الله، ~~يعني: بني إسرائيل، وقيل معناه: * (أدوا إلى عباد الله) أي: يا عباد الله، ~~كأنه قال: أجيبوا لي وأطيعون يا عباد الله، فهو معنى الأول. # وقوله تعالى: * (إني لكم رسول أمين) أي: ذو أمانة، وعن أبي بكر الصديق ~~PageV05P124 # * (وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) وإني عذت بربي ~~وربكم أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) فدعا ربه أن هؤلاء ~~قوم مجرمون (22) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23)) * * رضي الله عنه وألا ~~تعلوا على عباد الله أي: لا تتكبروا ولا تبغوا بالجحود والتكذيب. # وقوله: * (إني آتيكم بسلطان مبين) أي: بحجة بينة. # قوله تعالى: * (وإني عذت بربي وربكم) أي: التجأت إلى ربي وربكم واعتصمت ~~به. # وقوله: * (أن ترجمون) أي: تقتلون، وكانوا أوعدوه بالقتل، وقيل: أن ترجمون ~~أي: تسبون، والقول الأول أولى؛ لأنهم وصلوا إليه بالسب، فإن النسبة إلى ~~السحر والكذب أعظم السب، ولم يصلوا إليه بالقتل. # قوله تعالى: * (وإن لم تؤمنوا لي) أي: تصدقوني * (فاعتزلون) أي: اعتزلوا ~~منى، وكونوا كفافا، لا لي ولا علي. # قوله تعالى: * (فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون) أي: مشركون. # قوله تعالى: * (فأسر بعبادي) أي: أوحى الله تعالى أن أسر بعبادي * (ليلا) ~~أي: بليل. # وقوله: * (إنكم متبعون) يعني: أن فرعون وجنده يتبعونكم. # قوله تعالى: * (واترك البحر رهوا) في قوله: * (رهوا) أقوال: أحدها: ~~ساكنا، والآخر: يبسا، والثالث: ms1554 طريقا، والرابع: سهلا دمثا، وقال الشاعر: # (يمشين رهوا فلا الأعجاز داخلة * ولا الصدور على الأعجاز تتكل) وفي ~~القصة: أن موسى لما عبر البحر عطف على البحر ليضربه بعصا فيعود إلى ~~PageV05P125 # * (واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) كم تركوا من جنات وعيون (25) ~~وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوما ~~آخرين (28) فما بكت عليهم السماء والأرض) * * ما كان، فأوحى الله تعالى: * ~~(واترك البحر رهوا) أي: ساكنا. # وقوله: * (إنهم جند مغرقون) أي: فرعون وقومه، وروى أن جند فرعون كانوا ~~سبعة آلاف ألف رجل، وجند موسى ستمائة ألف و (نيف)، وقيل: ألف وستمائة ألف: ~~والله أعلم. # قوله تعالى: * (كم تركوا من جنات) أي: بساتين، وقيل: كان من الفيوم إلى ~~دمياط والإسكندرية بساتين متصلة. # وقوله: * (وعيون) أي: أنهار. # وقوله: * (وزروع) أي: حروث. # وقوله تعالى: * (ومقام كريم) أي: المنازل الحسنة، ويقال: المنابر، وقيل: ~~إن فرعون كان قد أمر باتخاذ منابر كثيرة بمصر ليثني عليها فيها. # وقوله: * (ونعمة كانوا فيها فاكهين) أي: متنعمين، وقرئ: ' فكهين ' أي ' ~~معجبين، والنعمة ما يتنعم به. # قوله تعالى: * (كذلك وأورثناها قوما آخرين) أي: بني إسرائيل، وفي القصة: ~~أن الله تعالى لما أغرق فرعون وقومه رجعت بنو إسرائيل إلى مصر، ونزلوا ~~منازل آل فرعون وسكنوها. # قوله تعالى: * (فما بكت عليهم السماء والأرض) فيه أقوال: أحدها: ما روى ~~أنس أن النبي قال: ' ما من مسلم إلا وله بابان في السماء باب يصعد منه ~~عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، ثم تلا قوله تعالى: * (فما ~~بكت عليهم PageV05P126 # السماء والأرض) '. وعن مجاهد قال: إذا مات العبد المسلم بكى عليه مصلاه ~~أربعين صباحا، وفي رواية عن علي رضي الله عنه أنه إذا مات العبد المسلم بكى ~~عليه موضعه الذي كان يصلي فيه، وبابه الذي كان يصعد [منه] عمله. قال أبو ~~يحيى: قلت لمجاهد: كيف تبكي السماء والأرض؟ فقال: ألا تبكي الأرض على من ~~يعمرها بالركوع والسجود، ولا تبكي السماء على مؤمن يصعد عليه عمله الصالح؟! ~~وعن الحسن البصري قال: فما بكت ms1555 عليهم السماء والأرض أي: أهل السماء والأرض، ~~مثل قوله تعالى: * (واسأل القرية) أي: أهل القرية. وعن بعضهم: أن بكاء ~~السماء حمرة أطرافها، وعن بعض التابعين: أن الحسين بن علي رضي الله عنهما ~~لما قتل احمرت أطراف السماء أربعين صباحا، وكان ذلك لبكائها عليه. وعن ~~بعضهم: أن معنى بكاء السماء والأرض هاهنا هو أنهما لو كانا ممن يبكيان لم ~~يبكيا على الكافر لما يعرفان من شدة غضب الله عليه. # والمعروف من الأقوال هو الأول، وهو المنقول عن السلف. وعن بعضهم قال: ~~إنما ذكر بكاء السماوات والأرض؛ لأن العرب تقول في المصيبة العظيمة مثل ~~هذا، فيقولون: كسفت الشمس لموت فلان، وبكت السماء عليه، قال الشاعر: # (فالشمس كاسفة ليس بطالعة تبكي * عليك نجوم الليل والقمرا) وقوله: * (وما ~~كانوا منظرين) أي: مؤخرين ممهلين. PageV05P127 # * (وما كانوا منظرين (29) ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) ~~من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين (31) ولقد اخترناهم على علم على ~~العالمين (32) وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين (33) إن هؤلاء ليقولون ~~(34) إن هي إلا موتتنا) * * قوله تعالى: * (ولقد نجينا بني إسرائيل من ~~العذاب المهين) في التفسير: أن فرعون كان يستحقر بني إسرائيل ويستذلهم، ~~وكان لإسرائيل وأولاده قدر عظيم عند الله تعالى. # وقوله: * (من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين) أي: جبارا متكبرا من ~~المشركين. # قوله تعالى: * (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) معناه: اخترناهم على ~~علم منا بهم، وقوله: * (على العالمين) أي: على عالمي زمانهم، ويقال: على ~~جميع العالمين؛ لأنه خصهم بكثرة الأنبياء منهم، فلهم الفضل على جميع ~~العالمين بهذا المعنى، والمعروف هو الأول. # قوله تعالى: * (وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين) الآيات مثل: فلق ~~البحر وإنحراق فرعون، وإنجاء موسى ومن معه، وإنزال المن والسلوى، إلى غير ~~ذلك من الآيات، وقوله: * (ما فيه بلاء مبين) أي: نعمة حسنة، تقول العرب: ~~لفلان عندي بلاء حسن أي: نعمة حسنة، وفي القصة: أن فرعون كان يستعمل ~~الأقوياء من بني إسرائيل في العمل حتى دبرت صدورهم وظهورهم من نقل الحجارة، ~~ويذبح الأبناء، ms1556 ويستحي النساء، ويستعلمهن في الغزل والنسيج، وما أشبه ذلك، ~~وكان قد ضرب على ضعفاء بني إسرائيل على كل واحد منهم ضريبة فيؤديها كل يوم، ~~وكان القبطي يأتي إلى الإسرائيلي فيسخره فيما شاء من العمل، فإذا كان الظهر ~~خلاه، وقال: اذهب واكتسب ما تأكله، ولا يعطيه شيئا يأكله؛ فنجاهم الله ~~تعالى من هذه البلايا. # وقوله تعالى: * (إن هؤلاء ليقولون) يعني: مشركي مكة. # وقوله: * (إن هي إلا موتتنا الأولى) معناه: أنا نموت مرة ولا نبعث بعد ~~ذلك. # وقوله: * (وما نحن بمنشزين) أي: بمبعوثين، قال الشاعر: PageV05P128 # * (الأولى وما نحن بمنشرين (35) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) أهم ~~خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) وما خلقنا ~~السماوات والأرض) * * (يا آل بكر أنشروا لي كليبا * يا آل بكر أين أين ~~الفرار) قوله تعالى: * (فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين) قال أهل التفسير: إن ~~أبا جهل قال: يا محمد، أنسر لنا بعض آبائنا وليكن فيهم قصي بن كلاب، فإنه ~~كان شيخا صدوقا. وروى أنهم طلبوا منه أن يحيي لهم لؤي بن غالب، ومرة بن ~~كعب، وقصي بن كلاب. # قوله تعالى: * (أهم خير أم قوم تبع) يعني: أهم أكثر قوة وأعظم نعمة أم ~~قوم تبع. وفي بعض الأخبار: أن النبي قال: ' لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم ~~'. # وعن عائشة رضي الله عنها أن تبعا كان مسلما، والتبابعة في ملوك اليمن ~~كالقياصرة في ملوك الروم، والأكاسرة في ملوك العجم. # وفي القصة: أن تبعا خرج إلى العراق فحير الحيرة، وغزا الصين، وهو الذي ~~هدم حصن سمرقند، واستدل من قال: إن تبعا كان قد أسلم، أن الله تعالى ذم قوم ~~تبع، ولم يذم تبعا، وفي القصة: أن إسلامه كان على يد اليهود، وكان أولئك ~~اليهود على الحق. # وقوله: * (والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين) أي: ذو جرم. # قوله تعالى: * (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين) أي: ~~عابثين. PageV05P129 # * (وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~(39) أن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم ms1557 لا يغنى مولى عن مولى شيئا ولا ~~هم ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) إن شجرة الزقوم ~~(43) طعام الأثيم) * * قوله تعالى: * (وما خلقناهما إلا بالحق) يعني: ~~للثواب العظيم، والعذاب العظيم، والمراد أهل السماوات والأرض. # وقوله: * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) قوله تعالى: * (إن يوم الفصل ميقاتهم ~~أجمعين) يعني: يوم القيامة يفصل فيه بين الخلائق أي: يقضي، ويقال: يقضي فيه ~~بين المرء وعمله. # وقوله تعالى: * (يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا) أي: قريبا عن قريب شيئا، ~~ومعناه: أن المؤمن لا ينصر قريبه الكافر، ويقال: لا يتولى المؤمن الكافر ~~لقرابته منه، ومنه قول النبي: ' من كنت مولاه فعلي مولاه ' أي: من تولينه ~~انا فعلي مولاه من (موالاة) المحبة والنصرة، ويقال: إن الخبر ورد على سبب، ~~وهو أن عليا قال لأسامة رضي الله عنه: أنت مولاي، فقال أسامة: لست مولاك، ~~إنما أنا مولى رسول الله: فقال رسول الله: ' من كنت مولاه فعلي مولاه '. # وقوله: * (لا يغنى) أي: لا يدفع. # وقوله: * (ولا هم ينصرون) أي: لا يمنعون من العذاب. # قوله تعالى: * (إلا من رحم الله) يعني: أن المؤمنين يشفع بعضهم بعضا، ~~ويتولى بعضهم بعضا، فالشفاعة: هو نفع الموالاة. # وقوله: * (إنه هو العزيز الرحيم) أي: المنيع في ملكه، الرحيم بخلقه. # قوله تعالى: * (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) أي: الفاجر، وقيل: الكافر، ~~وهو أبو PageV05P130 # ((44) * كالمهل يغلي في البطون (45) كغلي الحميم (46) خذوه فاعتلوه إلى ~~سواء الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم (49) إن هذا ما كنتم به تمترون (50)) * * جهل في قول أكثر المفسرين، ~~وقد بينا معنى الزقوم، وروى أن المشركين أتوا أبا جهل وقالوا له: إن محمدا ~~توعدنا بالزقوم، فهل تدري ما الزقوم؟ فقال: والله إذا أنزلته غارت، هو ~~الصرفان بالزبد، نوع من التمر الجيد. واعلم أن الزقوم في اللغة كل طعام ~~يتناول على كره شديد. وقال بعضهم: إن الزقوم هو الطعام اللين في لسان ~~البربر لا في لسان العرب. # وقوله: * (كالمهل) هو عكر الزيت، وقيل: عكر القطران، ms1558 وقيل: الفضة ~~المذابة. # قوله تعالى: * (يغلي في البطون كغلي الحميم) أي: يغلي المهل في البطون، ~~وقيل: القوم في البطون، وهو الأصح. # وقوله: * (كغلى الحميم) أي: كغلي الماء الحار الذي انتهى حره. # قوله تعالى: * (خذوه فاعتلوه) أي: جروه، وقيل: سوقوه بعنف. # وقوله: * (إلى سواء الجحيم) أي: إلى وسط الجحيم. # قوله تعالى: * (ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم) في التفسير: أنه يثقب ~~وسط رأس أبي جهل ويصب فيه الحميم، فتخرج أمعاؤه من أسفله. # قوله تعالى: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) أي: يقال له: ذق، وقوله: * ~~(العزيز الكريم) أي: في زعمك، وكان يقول: أنا أعز أهل (الوادي) وأكرمهم. ~~ويقال: إنك أنت العزيز الكريم أي: لست بعزيز ولا كريم. وقيل: إن هذا يقال ~~على طريق الاستهزاء به. # قوله: * (إن هذا ما كنتم به تمترون) أي: تشكون. PageV05P131 # * (إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون (52) يلبسون من سندس ~~وإستبرق متقابلين (53) كذلك وزوجناهم بحور عين (54) يدعون فيها بكل فاكهة ~~آمنين (55) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم ~~(56) فضلا من ربك) * * قوله تعالى: * (إن المتقين في مقام أمين) أي: في ~~منزل يأمنون فيه من الموت والزوال، قال علي: وأمنوا من الموت فطاب لهم ~~العيش. # وقوله: * (في جنات وعيون يلبسون من سندس) أي: الرقيق من الديباج، وقيل: ~~الخز الموشى. # وقوله: * (وإستبرق) أي: الديباج الغليظ، ويقال: الإستبرق هو الديباج ~~المرتفع الذي له بريق في الأعين. # وقوله: * (متقابلين) أي: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وقيل: متقابلين ~~بالمحبة غير متدابرين بالعداوة. # قوله تعالى: * (كذلك وزوجناهم بحور عين) أي: كما فعلنا بهم ما ذكرنا كذلك ~~نزوجهم بالحور العين، والحور الجواري البيض، والعين: الحسان الأعين، وقيل: ~~سمين الحور؛ لأن الأبصار تحار من جمالهن. وقرأ ابن مسعود: ' [وعيس] عين ' ~~أي: البيض. # قوله: * (يدعون فيها بكل فاكهة آمنين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) أي: سوى الموتة ~~الأولى. والموتة الأولى لا تكون في الجنة، وإنما قال على طريق التوسع. ~~وقيل: هذا استثناء منقطع، ومعناه: لكن ms1559 الموتة الأولى قد ذاقوها. # وقوله: * (ووقاهم عذاب الجحيم) أي: عذاب النار، والجحيم معظم النار. # قوله تعالى: * (فضلا من ربك) أي: تفضلا من ربك * (ذلك هو الفوز العظيم) ~~PageV05P132 # * (ذلك هو الفوز العظيم (57) فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون فارتقب ~~إنهم مرتقبون) أي النجاة العظيمة. # قوله تعالى: * (فإنما يسرناه بلسانك) أي: يسرنا القرآن بلسانك، ويقال: ~~أطلقنا به لسانك، وهو في معنى قوله: * (ولقد يسرنا القرآن للذكر....) ~~الآية. # وقوله: * (لعلهم يتذكرون) أي: يتعظون. # قوله تعالى: * (فارتقب إنهم مرتقبون) أي: ترقب عذابهم وانتظره إنهم ~~منتظرون. PageV05P133 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ~~(2) إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة ~~آيات لقوم يوقنون (4)) * * تفسير سورة الجاثية وهي مكية ألا آية واحدة وهي ~~قوله تعالى: * (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) فإنها ~~نزلت بالمدينة، ويقال: إن الجميع مكية. # قوله تعالى: * (حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) قوله: * (حم) ~~مبتدأ، و * (تنزيل الكتاب) خبره، وقوله: * (من الله العزيز الحكيم) أي: ~~الغالب على الأمور، العدل في الأحكام. # قوله تعالى: * (إن في السماوات والأرض لآيات) أي: لدلائل وعبرا، وذلك في ~~رفعها بغير عمد، وما خلق فيها من الشمس والقمر والنجوم، ومن بسط الأرض ~~واستقرارها بمن فيها، وما نصب فيها من الجبال وأجرى فيها من الأنهار، وخلق ~~من الأشجار، وغير ذلك، وقوله: * (للمؤمنين) أي: للمصدقين. # قوله تعالى: * (وفي خلقكم) أي: في خلقكم من التراب ثم من نطفة. # وقوله: * (وما يبث من دابة) أي: ما ينشر في الأرض من دابة، والدابة كل ~~حيوان يدب على الأرض. # وقوله: * (آيات) وقرئ: ' آيات ' بالرفع والخفض، فمن قرأ بالخفض فمعناه: ~~إن في السماوات وإن في خلقكم لآيات، ومن قرأ بالرفع فعلى الابتداء ~~والاستئناف. # وقوله: * (لقوم يوقنون) قال ابن مسعود: الإيمان هو اليقين كله. ~~PageV05P134 # * (واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض ~~بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق فبأي حديث بعد الله ms1560 وآياته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع ~~آيات الله تتلى) * * قوله تعالى: * (واختلاف الليل والنهار) ومعنى الاختلاف ~~وهو الزيادة والنقصان والمجيء والذهاب. # وقوله: * (وما أنزل الله من السماء من رزق) أي: المطر، قال كعب الحبر: ~~ينزل المطر وفيه البنت فيدخل في الأرض ثم يخرج منها. # وقوله: * (فأحيا به الأرض بعد موتها) قد ذكرنا. # * (وتصريف الرياح) معناه: مرة جنوبا، ومرة شمالا، ومرة رحمة، ومرة عذابا. # وقوله: * (آيات لقوم يعقلون) أي: يعقلون الآيات، وفي الخبر أن النبي قال: ~~' الريح من روح الله تأتي مرة بالعذاب ومرة بالرحمة؛ فلا تسبوها ولكن إذا ~~جاءت فسلوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها '. # قوله تعالى: * (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله ~~وآياته يؤمنون) أي: يصدقون، وحقيقة المعنى أنهم إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب ~~فبأي كتاب بعده يؤمنون، ولا كتاب بعد هذا الكتاب. # قوله تعالى: * (ويل لكل أفاك أثيم) في التفسير أن الويل واد في جهنم يهوى ~~الكافر فيه سبعين خريفا قبل أن يبلغ قعره. وقوله: * (لكل أفاك أثيم) أي: ~~كذاب فاجر. # قوله تعالى: * (يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا) أي: يصر على ~~الكفر معرضا عن الحق إعراض المتكبرين، والإصرار هو العقد على الشيء بالعزم ~~PageV05P135 # * (عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) وإذا علم من ~~آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) من ورائهم جهنم ولا يغني ~~عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (10) ~~هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم (11)) * * الصحيح. # وقوله: * (كأن لم يسمعها) أي: كأن لم يسمع الآيات. # وقوله: * (فبشره بعذاب أليم) أي: موجع. # قوله تعالى: * (وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذوها هزوا) نزلت الآية في ~~النضر بن الحارث بن كلدة كان يقول في القرآن إنه أساطير الأولين، وهو مثل ~~حديث رستم واسفنديار، وكان يقول ذلك على جهة الاستهزاء. # وقوله: * (أولئك لهم عذاب مهين) قد بينا. # قوله تعالى: * (من ورائهم جهنم) قال أبو ms1561 عبيدة: من قدامهم جهنم. # وقوله: * (ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا) قال بعض أهل التفسير: الآية في ~~عبد الله بن أبي بن سلول، وكسبه هو جهاده مع الرسول وصومه وصلاته وشفقته ~~على أصحاب النبي. وقوله: * (ولا يغني) أي: لا يدفع، وإنما لم يدفع؛ لأنه ~~كان منافقا يظهر الإسلام بلسانه ويعتقد الكفر، والأكثرون على أن هذه الآية ~~في النضر بن الحارث أيضا، وهذا هو الأولى؛ لأن السورة مكية، وكسبه ما فعله ~~من الخير على زعمه. # وقوله: * (ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء) أي: الأصنام. # وقوله: * (ولهم عذاب عظيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (هذا هدى) أي: القرآن هدى للخلق. # وقوله: * (والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم) أي: عذاب من ~~جهنم موجع. PageV05P136 # * (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ~~ذلك لآيات لقوم يتفكرون (13) قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام ~~الله) * * قوله تعالى: * (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ~~ولتبتغوا من فضله) أي: من رزقه. # وقوله: * (ولعلكم تشكرون) قال ابن عيينة: الشكر واجب على كل مسلم؛ لأن ~~الله تعالى قال: * (لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) فرزق العباد ليشكروه. # قوله تعالى: * (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض) أي: ذلل، ومعنى ~~التسخير والتذليل خلقها على وجه ينتفع بها العباد، والانتفاع من السماء ~~والأرض معلوم. # وقوله: * (جميعا منه) قال الفراء والزجاج: نعمة ورحمة منه، وروى عكرمة عن ~~ابن عباس أنه قال: منه النور ومنه الشمس والقمر والنجوم. وفي بعض الآثار: ~~أن رجلا أتى عبد الله بن عمر وقال: مم خلق الله الخلق؟ فقال: من النور ~~والظلمة والريح، فقال: مم خلق النور والظلمة والريح فقال: لا أدري، فأتى ~~ابن عباس وسأل عن الأول فذكر مثل ما ذكره ابن عمر، فسأله عن الثاني فقرأ ~~قوله تعالى: * (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه) أي: من ~~تكوينه ms1562 كأنه قال لها: كن فكانت. وعن ابن عباس أنه قرأ: ' منة ' أي: سخر ما ~~سخر نعمة من الله. # وقوله: * (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) أي: يتدبرون. # وفي الخبر: ' تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق '. # قوله تعالى: * (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) ذكر ~~الضحاك وأبو صالح أن النبي وأصحابه نزلوا على ماء بالمريسيع، فبعث عبد الله ~~بن أبي بن سلول غلامه ليأتيه بالماء، فأبطأ الغلام، فلما رجع قال له: ما ~~الذي أبطأ بك؟ قال: جاء غلام عمر وجلس على فم البئر، ومنع الناس حتى ملأ ~~قربه النبي وقربة أبي بكرو قربة PageV05P137 # * (ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (14) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ~~فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (15) ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم ~~والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين (16) وآتيناهم بينات من ~~الأمر) * * مولاه، فغضب عبد الله بن أبي لما سمع ذلك، وقال: ما مثلنا ومثل ~~محمد إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك. ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك عمر فجاء بالسيف مشتملا عليه ليضرب به عبد الله ~~بن أبي، واستأذن النبي في ذلك، فأنزل الله تعالى قوله: * (قل للذين آمنوا ~~يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) وهذا على القول الذي قلنا إن الآية نزلت ~~بالمدينة، وقال بعضهم: شتم رجل من الكفار عمر بمكة فهم أن يبطش به؛ فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (للذين لا يرجون أيام الله) أي: لا يسألون الله نعمه، والمعنى: ~~أنهم لا يعترفون بأن النعم من عند الله، وقيل: لا يرجون أيام الله أي: لا ~~يخافون عقوبات الله ونقمه. وقيل: لا يطعمون في ثواب، ولا يخافون من عقوبة. # وقوله: * (ليجزي قوما بما كانوا يكسبون) يعني: يوم القيامة، ويقال: ليكون ~~الله تعالى هو المجازي والمنتقم منهم لا أنتم. # قوله تعالى: * (من عمل صالحا فلنفسه) أي: نفع ذلك يعود إليه. # وقوله: * (ومن أساء فعليها) أي: وبال ذلك عليه. # وقوله: * (ثم إلى ربكم ترجعون) أي: تردون. ms1563 # قوله تعالى: * (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب) أي: التوراة. # وقوله: * (والحكم والنبوة) أي: العلم والنبوة. # وقوله: * (ورزقناهم من الطيبات) أي: الحلال، وهي المن والسلوى وغير ذلك. # وقوله: * (وفضلناهم على العالمين) أي: على عالمي زمانهم. # قوله تعالى: * (وآتيناهم بينات من الأمر) أي: دلالات واضحات، ويقال: ~~بينات PageV05P138 # * (فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم ~~يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (17) ثم جعلناك على شريعة من الأمر ~~فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (18) إنهم لن يغنوا عنك من الله ~~شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين (19) هذا بصائر ~~للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) أم حسب) * * من الأمر ما يدلهم على أمر ~~محمد. # وقوله: * (فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم) أي: ما اختلفوا في ~~الحق إلا من بعدما جاءهم العلم بالحق. # وقوله: * (بغيا بينهم) أي: حسدا وظلما وعنادا للحق. # وقوله: * (إن ربك يقضي بينهم) ظاهر معناه إلى آخر الآية. # قوله تعالى: * (ثم جعلناك على شريعة من الأمر) أي: طريق واضح، ويقال: على ~~أمر بين، والشرعة هي المذهب والملة، وكذلك الشريعة. # وقوله: * (فاتبعها) أي: اتبع الشريعة التي جاءتك من الله تعالى. # وقوله: * (ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) في التفسير: أن المشركين ~~كانوا يقولون: يا محمد، ارجع إلى دين آبائك فإنه أولى من الدين الذي جئت ~~به. # وقوله: * (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) أي: لن يدفعوا عنك شيئا يريده ~~الله بك إن اتبعت أهواءهم. # وقوله: * (وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض) أي: بعضهم محبو البعض. # وقوله: * (والله ولي المتقين) أي: محب المتقين وحافظهم. # قوله تعالى: * (هذا بصائر للناس) أي: هذا الذي أنزلناه إليك بصائر للناس ~~أي: دلالات يبصر بها الناس. # وقوله: * (وهدى ورحمة لقوم يوقنون) أي: يعلمون. PageV05P139 # * (الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21) وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى ~~كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون (22)) * * قوله تعالى: * (أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات) ms1564 أي: اكتسبوا السيئات، والسيئات ما قبحت شرعا، والحسنات ما ~~حسنت شرعا. # وقوله: * (أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي: في دخول الجنة، ~~وما يعطى أهل الإيمان من النعيم. والظاهر أن الآية في الكفار وإن كانت ~~عامة. # وقوله: * (سواء محياهم ومماتهم) وقرئ: ' سواء ' بالنصب، فمن قرأ بالرفع ~~فمعناه: أن الكافر سواء محياه ومماته أي: يحيا كافرا ويموت كافرا. # وفي الخبر ' يموت ' المرء على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه '. # وأما القراءة بالنصب فهو في موضع مستو فانتصب لهذا، ويقال معناه: أم ~~حسبوا أن نجعلهم والمؤمنين سواء في المحيا والممات يعني: أنهم لا يستوون. # وقوله: * (ساء ما يحكمون) أي: بئس ما يحكمون لأنفسهم. وفي التفسير: أنهم ~~كانوا يقولون للمؤمنين: إن دخلتم الجنة فنحن معكم، وإن دخلنا النار فأنتم ~~معنا. # وفي بعض الآثار عن مسروق بن الأجدع قال: قدمت مكة ودخلت المسجد الحرام ~~فقيل لي: هذا مقام أخيك تميم الداري، جعل يصلي ليلة إلى الصباح يركع ويسجد ~~ويبكي ويقرأ هذه الآية: * (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) لا يجاوزها. # قوله تعالى: * (وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزي كل نفس بما كسبت ~~وهم لا يظلمون) أي: لا ينقص من حقوقهم شيء. PageV05P140 # * (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم على سمعه وقلبه وجعل ~~على) * * قوله تعالى: * (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) قال سعيد بن جبير: كان ~~الواحد منهم يعبد الشيء، فإذا رأى شيئا أحسن منه طرح الأول وأخذ الثاني ~~فعبده. وقال قتادة في معنى الآية: لا يهوى شيئا إلا ركبه، فهو يعبد هواه. ~~وقيل: اتخذ إلهه هواه أي: أطاع هواه وانقاد له كما ينقاد العبد لمعبوده. ~~وقد ثبت أنه قال: ' تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة '. # وفي بعض الأخبار أنه [قال]: ' ما عبد تحت ظل السماء شيء وهو أبغض عند ~~الله من هوى '. # وقوله: * (وأضله الله على علم) أي: على ما حكم [له] في علمه السابق، وهو ~~رد على القدرية، وقد أولوا هذا وقالوا: معنى قوله: * (وأضله الله) أي: ms1565 وجده ~~ضالا، أو سماه ضالا، وهو تأويل باطل؛ لأن العرب لا تقول: فعل فلان كذا إذا ~~وجده كذلك. # وقوله: * (وختم على سمعه) أي: ختم على سمعه فجعله لا يسمع الحق. # وقوله: * (وقلبه) أي: وختم على قلبه فجعله لا يقبل الحق. PageV05P141 # * (بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ما هي إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) * * وقوله: * (وجعل على ~~بصره غشاوة) أي: غطاء فلا يبصر الحق. # وقوله: * (فمن يهديه من بعد الله) يعني: إذا كان الله لا يهديه فمن يهديه ~~من بعد الله؟!. # وقوله: * (أفلا تذكرون) أي: أفلا تتعظون. # قوله تعالى: * (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا) فيه أقوال: ~~أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، ومعناه: نحيا ونموت، وهكذا قرأ ابن ~~مسعود. # والقول الثاني: نموت ونحيا: أي: يموت البعض منا، ويحيا البعض منا. وفيه ~~قولان آخران: أحدهما: وهو القول الثالث: نموت ونحيا أي: نموت نحن ويحيا ~~أولادنا، والقول الرابع: هو أنه خلقنا أمواتا ثم أحيانا. # وقوله: * (وما يهلكنا إلا الدهر) قال قتادة: من الأيام والليالي. ويقال: ~~ما يهلكنا إلا الدهر أي: إلا الموت، قال الشاعر. # (أمن المنون وريبها يتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع) أي: الموت. ويقال: ~~وما يهلكنا إلا الدهر أي: طول العمر، وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' لا تسبوا ~~الدهر فإن الله هو الدهر '. # قال الشيخ الإمام رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو الحسين النقور، أخبرنا ~~أبو القاسم بن حبابة، أخبرنا البغوي هو ابن بنت منيع واسمه عبد الله بن ~~محمد أبو PageV05P142 # * (وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~بينات ما كان) * * القاسم، أخبرنا هدبة بن خالد، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ~~أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة الخبر. # وروى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي قال: ' يقول ~~الله تعالى: استقرضت من ابن آدم فلم يقرضني، ويسبني وهو لا يعلم، ويقول: ~~يادهراه يادهراه ' وفي رواية ' يا خيبة الدهر ms1566 وأنا الدهر '. # وفي رواية ثالثة عن النبي أنه قال: ' يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم ~~يسب الدهر وأنا الدهر، أدبر الأمر أقلب الليل والنهار '. # وفي معنى الخبر ثلاثة أوجه: أحدها: أن معناه: لا تسبوا الدهر؛ فإن الله ~~هو الدهر أي: خالق الدهر. # والوجه الثاني: لا تسبوا الدهر فإني فاعل الأشياء. وكانوا يضيفون الفعل ~~إلى الدهر ويسبونه، فإن الله هو الدهر يعني: أن الله فاعل الأشياء لا ~~الدهر، وهذا قول معتمد. # والوجه الثالث: وهو أنهم كانوا يعتقدون بقاء الدهر، وأنه لا يبقى شيء مع ~~بقاء الدهر فقال: لا تسبوا الدهر يعني: لا تسبوا الذين يعتقدون أنه الباقي؛ ~~فإن الله هو الدهر يعني: فإن الله هو الباقي بقاء الأبد على ما يعتقدون في ~~الدهر. # وقوله: * (ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون) أي: قالوا ما قالوه على ~~ظن وشك لا عن علم ويقين. # قوله تعالى: * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ~~ائتوا بآبائنا PageV05P143 # * (حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (25) قل الله يحييكم ~~ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(26) ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) ~~وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون (28) ~~هذا كتابنا ينطق) * * إن كنتم صادقين) وقد بينا قول أبي جهل في هذا. # قوله تعالى: * (قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ~~ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي: لا يعلمون الحق. # قوله تعالى: * (ولله ملك السماوات والأرض، ويوم تقوم الساعة) أي: ~~القيامة. # وقوله: * (يومئذ يخسر المبطلون) أي: يهلك الكافرون. # قوله تعالى: * (وترى كل أمة جاثية) فيه أقوال: أحدها: مستوفزين أي: جلوسا ~~على الركب، قال سفيان الثوري: المستوفز من لا تصيب الأرض منه إلا ركبتاه ~~وأطراف أصابعه. والقول الثاني: جاثية أي: مجتمعة. والقول الثالث: جاثية أي: ~~خاضعة ذليلة، وقيل: هو لغة قريش. والقول الأول هو المختار المعروف، ms1567 ومنه ~~جثا فلان بين يدي القاضي ينتظر قضاءه، وعن سلمان الفارسي قال: إن في ~~القيامة ساعة هي عشر سنين من سنين الدنيا يخر فيها الناس، ويجثون على الركب ~~حتى إبراهيم خليل الرحمن، ويقول: نفسي لا أسالك إلا نفسي. ويقال: ترى كل ~~أمة رسول جاثية أي: كل أحد جاثيا، والأمة تكون بمعنى الواحد. ويقال معناه: ~~كل أمة رسول جاثية، والله أعلم. # وقوله: * (كل أمة تدعى إلى كتابها) معناه: إلى قراءة كتابها. # وقوله تعالى: * (اليوم تجزون ما كنتم تعملون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) أي: يظهر ما عملتم بالحق. ~~PageV05P144 # * (عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين (30) وأما ~~الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين (31) ~~وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن ~~نظن إلا ظنا وما نحن) * * وقوله: * (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) فيه ~~أقوال: أحدها: نستكتب ما كنتم تعملون أي: نأمر الكتبة أن يكتبوا ويحفظوا ~~أعمالكم. والقول الثاني: نستنسخ ما كنتم تعملون أي: نأخذ نسخة مما كتبت ~~الملائكة عليكم. والقول الثالث: وهو المعروف، وهو مروي عن ابن عباس قال: ~~يأمر الله تعالى الملائكة بأن يأخذوا نسخة من اللوح المحفوظ على ما يعمله ~~العبد في يومه وليلته، ثم يكتبون ما عمله العبد، ثم يقابلون ما كتبوا على ~~العبد بما نسخوا من اللوح المحفوظ، فيكونان سواء لا زيادة ولا نقصان فيه، ~~قال ابن عباس: أنظروا هل يكون الاستنساخ إلا من أصل. قوله تعالى: * (فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته) أي: جنته. وقوله: (ذلك ~~هو الفوز المبين) أي: البين. قوله تعالى: * (وأما الذين كفروا أفلم تكن ~~آياتي تتلى عليكم) يعني يقال لهم: أفلم تكن آياتي تتلى [عليكم] أي: ألم تكن ~~آياتي تتلى عليكم؟. وقوله: (فاستكبرتم) أي: طلبتم الكبرياء والعظمة بترك ~~التوحيد، وكل كافر متكبر، وكل مؤمن متواضع. # وقوله: (وكنتم مجرمين) ms1568 أي: ذوى جرم. قوله تعالى: (وإذا قيل إن وعد الله ~~حق والساعة لا ريب فيها) أي: لاشك فيها. # وقوله: (قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا) أي: نظن أنك كاذب، ونظن ~~أنك صادق، ولا دليل معنا على صدقك، وأن ما قلته حق. PageV05P145 # بمستيقنين (32) وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ~~(33) وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ~~ناصرين (34) ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم ~~لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (35) فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب ~~العالمين (36) وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37)) * ~~* وقوله: * (وما نحن بمستيقنين) أي: متيقنين. # قوله تعالى: * (وبدا لهم سيئات ما عملوا) أي: ظهر لهم سيئات ما عملوا. # وقوله: * (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) أي: نزل بهم وأحاط بهم جزاء ما ~~كانوا به يستهزئون، وفي التفسير: أنه إذا كان يوم القيامة ينادي واحدا ~~فيقال: يا فلان تعال فخذ نورك، وينادي آخر فيقال: اذهب فلا نور لك. # قوله تعالى: * (وقيل اليوم ننساكم) أي: نترككم، ومعناه: نترككم من الرحمة ~~وإعطاء الثواب. وقيل معناه: نترككم في العذاب، فلا نخرجكم منها كما نخرج ~~المؤمنين. # وقوله: * (كما نسيتم لقاء يومكم هذا) أي: كما تركتم العمل ليومكم هذا. # وقوله: * (ومأواكم النار ومالكم من ناصرين) أي: من يمنع عذابنا منكم. # قوله تعالى: * (ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا ~~فاليوم لا يخرجون منها) أي: من النار. # * (ولا هم يستعتبون) أي: لا يرجعون ولا يردون إلى ما كانوا عليه من ~~العافية. ويقال: يستقيلون فلا يقالون. ويقال: ولا هم يستعتبون أي: لا يعطون ~~العتبى، وهو طلب رضاهم ومرادهم. # قوله تعالى: * (فلله الحمد رب السماوات ورب والأرض رب العالمين) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (وله الكبرياء في السماوات والأرض) أي: العظمة والعلو، وقد ~~PageV05P146 # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي قال: ' يقول الله تعالى: الكبرياء ~~ردائي، والعظمة إزراري، فمن نازعني واحدة منهما ألقيته ms1569 في جهنم '. # وقوله: * (وهو العزيز الحكيم) أي: العزيز في انتقامه، الحكيم في تدبيره، ~~والله أعلم. PageV05P147 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ~~(2) ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا ~~عما أنذروا معرضون (3) قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من ~~الأرض أم لهم شرك في السماوات) * * تفسير سورة الأحقاف وهي مكية قوله ~~تعالى: * (حم) أي: حم الأمر وقضى، وقال قتادة: أسم من أسماء القرآن. وقال ~~غيره: قسم، وجواب القسم قوله: * (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق). # وقوله: * (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) قد بينا. # قوله تعالى: * (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) يعني: ~~إلا للثواب والعقاب، ويقال: إلا لإقامة الحق. # وقوله: * (وأجل مسمى) أي: أمد ينتهي إليه، وهذا إشارة إلى فناء السماوات ~~والأرض لمدة معلومة. # وقوله: * (والذين كفروا عما أنذروا معرضون) أي: معرضون إعراض المكذبين ~~الجاحدين. # قوله: * (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله) أي: الأصنام. # وقوله: * (أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات) أي: في خلق ~~السماوات فتعبدونها لذلك، ومعناه: أنه ليس لهم شرك، لا في خلق الأرض، ولا ~~في خلق السماء أي: نصيب، فكيف تعبد مع الله؟! # وقوله: * (ائتوني بكتاب من قبل هذا) أي: بكتاب من قبل القرآن يدل على ما ~~زعمتموه. PageV05P148 # * (ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) ومن أضل ~~ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم ~~غافلون (5)) * * وقوله: * (أو أثارة من علم) قال أبو عبيدة: أي: بقية من ~~علم. يقال: ناقة ذات أثارة أي: بقية من سمن، ويقال: أو أثارة من علم مأثور، ~~ومعناه: إن كان [عندكم] كتاب من كتب الأولين، أو علم مأثور [عنهم] ترونه ~~يدل على صدق ما قلتم فأتوا بذلك، وأرونيه إن كنتم صادقين. ويقال: ' أو ~~أثارة من علم ' هو الخط، وهذا حكي عن ابن عباس، وروى منصور عن (ابن ms1570 ~~إبراهيم) أن نبيا من الأنبياء كان يخط له، وكان ذلك هو الوحي إليه، وقد روي ~~هذا في خبر مرفوع. # وفي بعض التفاسير: أن من خط خطه علم علمه، وعن ابن إسحاق قال: أول من خط ~~بالقلم إدريس النبي عليه السلام. # وعن (مطرف بن الوراق) قال: قوله: * (أو أثارة من علم) هو الإسناد. # وقوله: * (إن كنتم صادقين) أي: صادقين فيما تقولونه. # قوله تعالى: * (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم ~~القيامة) أي: لا يستجيب أبدا. # وقوله: * (وهم عن دعائهم غافلون) أي: لا يسمعون دعاءهم وإن دعوا، والمراد ~~من الآية هو الأصنام، يعني: كيف يعبدون الأصنام؟ ولو دعوهم لم يستجيبوا لهم ~~PageV05P149 # * (وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (6) وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين (7) أم ~~يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما ~~تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) قل ما كنت بدعا ~~من الرسل وما أدري ما يفعل بي) ولم يسمعوا كلامهم. # قوله تعالى: * (وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء) أي: الأصنام كانوا لهم ~~أعداء، * (وكانوا بعبادتهم كافرين) يعني: أنهم يقولون: ما دعوناكم إلى ~~عبادتنا. # قوله تعالى: * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما ~~جاءهم هذا سحر مبين). # قوله تعالى: * (أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله ~~شيئا) في التفسير: أن أبا جهل قال للنبي: يا محمد، إنك تفتري على الله حيث ~~تزعم أن هذا القرآن من وحيه وكلامه، وإنما هو كلام تقوله من تلقاء نفسك. # وقوله: * (فلا تملكون لي من الله شيئا) أي: إن افتريت على الله وعاقبني ~~لا تملك دفع عقوبته عني. # وقوله: * (هو أعلم بما تفيضون فيه). # وقوله: * (كفى به شهيدا بيني وبينكم) أي: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم. # وقوله: * (وهو الغفور الرحيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (قل ما كنت بدعا من الرسل، وما أدري ms1571 ما يفعل بي ولا بكم) ~~معناه: ما كنت أول رسول أرسل إلى بني آدم، وقوله: * (وما أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم) قال الحسن البصري: هذا في الدنيا، فأما في الآخرة فلا، ومعناه: في ~~الدنيا ولا أدري أترك بينكم أو أقتل؟ ويقال: لا أدري أخرج كما أخرجت ~~الأنبياء من قبل أو PageV05P150 # * (ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) قل أرأيتم ~~إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن ~~واستكبرتم إن الله لا) * * أقتل كما قتلت الأنبياء من قبل. # وقوله: * (ولا بكم) هذا خطاب مع الكفار، ومعناه: لا أدري أتؤخرون في ~~العذاب أو يعجل لكم العذاب، وفي بعض التفاسير: أن الله تعالى لما أنزل هذه ~~الآية وجد النبي والمؤمنون وجدا شديدا أي: اغتموا؛ فأنزل الله تعالى قوله: ~~* (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فقيل ~~له: يا رسول الله، هذا لك خاصة أولنا ولك؟ فقال: هي لي ولكم إلا ما فضلت به ~~من النبوة ' والخبر غريب. # وقوله: * (إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين) أي: نذير بين ~~النذارة. # قوله تعالى: * (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله) قال ابن سيرين وجماعة: هو عبد الله بن سلام، وقد روي هذا ~~أيضا عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغيرهم، وعلى هذا القول هذه الآية مدنية من ~~جملة السورة؛ لأن عبد الله بن سلام أسلم بالمدينة بالاتفاق. وفي بعض ~~الأخبار: أن جماعة من اليهود أتوا النبي وقد جعل رسول الله عبد الله بن ~~سلام وراء ستر، فقال لهم: كيف ابن سلام فيكم؟ فقالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، ~~وخيرنا وابن خيرنا. # فقال النبي: أرأيتم لو أسلم هل تسلمون أنتم؟ فقالوا: معاذ الله أن يسلم، ~~فخرج عبد الله بن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~فقالوا: هو شرنا وابن ms1572 شرنا، وأجهلنا وابن أجهلنا، وجعلوا يشتمونه، فهو قوله ~~تعالى ' * (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله) '. PageV05P151 # * (يهدي القوم الظالمين (10) وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونا إليه) وفي الآية قول آخر: وهو أن المراد به رجل من بني إسرائيل ~~على الجملة، وعلى هذا في الكتاب الآية مكية مثل سائر آيات السورة. وفي ~~الآية قول ثالث: وهو أن الشاهد من بني إسرائيل هو موسى عليه السلام شهد ~~بمثل ما شهد به الرسول من وحدانية الله تعالى، وأن عبادة الأصنام باطلة، ~~وهذا قول مسروق وغيره، وفي بعض التفاسير: أن قوله: * (وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل) هو يامين بن يامين، وكان من علماء اليهود أسلم على يد النبي، ~~والقول الأول هو المشهور. # وقوله تعالى: * (فآمن واستكبرتم) أي: آمن بما جاء به من محمد، وتعظمتم ~~أنتم عن الإيمان به بعد ظهور الحق. # وقوله: * (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) ظاهر المعنى. وفي التفسير: أن ~~في الآية حذفا، وتقديره: ' قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ألستم قد ظلمتم وأتيتم بالقبيح الذي لا ~~يجوز ' ثم قال: * (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) ابتداء، يعني: ~~الكافرين. # قوله تعالى: * (وقال الذين كفروا للذين آمنوا...) الآية. روى أن أمة يقال ~~لها: (زنيرة) أسلمت فقال مشركو قريش: لو كان في هذا الدين خير ما سبقتنا ~~إليه هذه الأمة، ويقال: كانت آمة لعمر بن الخطاب. وفي بعض التفاسير: أن هذه ~~الأمة عميت بعدما أسلمت، فقال الكفار: إنما أصابها ما أصابها بإسلامها، فرد ~~الله عليها بصرها. # وفي الآية قول آخر: وهو أن مزينة وجهينة وغفار وأسلم آمنوا بالنبي، وهي ~~قبائل حول المدينة، فقال بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع، وهؤلاء رؤوس قبائل ~~العرب: لو كان في الدين خير ما سبقتنا إليه مزينة وجهينة وأسلم وغفار رعاة ~~البهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم. # وقوله: * (وإذا لم يهتدوا به) أي: بالقرآن وبما جاء به محمد. PageV05P152 # * (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون ms1573 هذا إفك قديم (11) ومن قبله كتاب موسى ~~إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ~~(12) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~(13) أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (14) ووصينا ~~الإنسان بوالديه إحسانا) * * وقوله: * (فسيقولون هذا إفك قديم) أي: حديث ~~مثل حديث المتقدمين، وهي كذب وزور. # قوله تعالى: * (ومن قبله كتاب موسى) أي: كتاب من قبل القرآن كتاب موسى. # وقوله: * (إماما) نصب على الحال. # وقوله: * (ورحمة) معطوف عليه. # وقوله: * (وهذا كتاب مصدق) أي: مصدق للتوراة. # وقوله: * (لسانا عربيا) نصب على الحال أيضا، ويقال معناه: بلسان عربي. # وقوله: * (لينذر الذين ظلموا) أي: القرآن ينذر الذين ظلموا، وأما من قرأ ~~بالتاء أي: تنذر يا محمد الذين ظلموا. # وقوله: * (وبشرى للمحسنين) بإيمانهم وأعمالهم الصالحة. # وقوله تعالى: * (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) وقوله: * (فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون) قد ذكرنا أيضا. # قوله تعالى: * (أولئك أصحاب الجنة....) الآية ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها) ~~الكره: هو الإكراه، والكره هو المشقة في الحمل حين يثقل الحمل، والمشقة في ~~الوضع عند الطلق، ومعنى الكره قريب من هذا أي: على كراهة منها، وفي تفسير ~~النقاش: حملته سرورا، ووضعته سرورا، حكى عن الفراء: أن الكره بالضم هو ~~السرور، والكره بالفتح هو الكراهة، حكاه النقاش. PageV05P153 # * (حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ ~~أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من ~~المسلمين (15) أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في ~~أصحاب الجنة وعد) * * وقوله: * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) معناه: أن أقل ~~مدة الحمل ستة أشهر، ومدة الفصال سنتان، فذلك ثلاثون شهرا، وروى أن امرأة ~~أتت بولد لستة أشهر من وقت النكاح في زمان عمر رضي الله عنه فهم عمر ~~برجمها، فقال ms1574 علي رضي الله عنه لا سبيل لك عليها، وتلا قوله تعالى: * ~~(وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) فقال عمر: لولا علي لهلك عمر. # وفي بعض التفاسير: أن المرأة وضعت لستة أشهر فمدة الفصال أربعة وعشرون ~~شهرا، وإن وضعت لتسعة أشهر فمدة الفصال [أحد] وعشرون شهرا، وهذا خلاف قول ~~الفقهاء؛ فإن عند أكثر الفقهاء مدة الفصال حولان بكل حال. # وقوله تعالى: * (حتى إذا بلغ أشده) قد بينا معنى الأشد. # وقوله: * (وبلغ أربعين سنة) قد بينا أيضا، وهو منتهى مدة كمال العقل. # وقوله: * (قال رب أوزعني) أي: ألهمني. # * (أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح ~~لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) ظاهر المعنى، واختلف المفسرون ~~فيمن نزلت هذه الآية؟ فقال الكلبي ومقاتل والضحاك: إنها نزلت في أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه وقال الحسن البصري: إنها عامة في جميع المؤمنين. ومعنى ~~الآية: هو الإرشاد إلى شكر الله ودعاء الوالدين. # قوله تعالى: * (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا) أي: الأحسن من ~~PageV05P154 # * (الصدق الذي كانوا يوعدون (16) والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن ~~أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق ~~فيقول ما هذا) * * أعمالهم، والأحسن من الأعمال كل ما يرضاه الله تعالى. # وقوله: * (ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة) أي: مع أصحاب الجنة. # وقوله: * (وعد الصدق الذي كانوا يوعدون) أي: يوعدون من الثواب على ~~الأعمال الصالحة، ويقال: إن الآية الأولى نزلت في سعد بن أبي وقاص، وكان قد ~~أسلم ومنعه أبواه من الإسلام وشددا عليه الأمر ليرجع عن دينه، وقد بينا هذا ~~من قبل. ويقال: نزلت في أخيه عمير بن أبي وقاص، ومعنى الآية على هذا: هو ~~الوصية بالإحسان إليهما دون الموافقة في الشرك. # قوله تعالى: * (والذي قال لوالديه أف لكما) زعم جماعة من أهل التفسير أن ~~الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما [ووالديه] أبو بكر ~~وأمه [أم] رومان. # وقوله تعالى: * (أف لكما) ms1575 تبرم واستقذار، وكانا يقولان: اللهم اهده، ~~اللهم أقبل بقلبه، وكان يقول: أتعدانني أن (أبعث) أي: أتوعداني بالبعث، ~~وهذا هو معنى قوله: * (أتعدانني أن أخرج). # وقوله: * (وقد خلت القرون من قبلي) أي: مضت القرون: من قبل، أين عبد الله ~~بن جدعان؟ وفلان وفلان؟. # وقوله: * (وهما يستغيثان الله) أي: يستغيثان بالله. # وقوله: * (ويلك آمن) أي: ويحك، آمن * (إن وعد الله حق). # وقوله: * (فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين) أي: أقاصيص الأولين، وأنكر ~~كثير PageV05P155 # * (إلا أساطير الأولين (17) أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (18) ولكل درجات مما عملوا ~~وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون (19) ويوم يعرض الذين كفروا على النار ~~أذهبتم طيباتكم في حياتكم) * * من أهل التفسير هذا القول، وروي عن عائشة ~~أنها كانت تنكر أن المراد بالآية أخوها، وكذلك ذكر الزجاج في كتاب المعاني ~~وغيره، واستدلوا على ضعف هذا القول وفساده بأن الله تعالى قال عقيب هذه ~~الآية: * (أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن ~~والإنس) أي: وجب عليهم القول بالتعذيب في النار. # وقد قال الله تعالى: * (ما يبدل القول لدى) وعبد الرحمن بن أبي بكر أسلم ~~وحسن إسلامه، وهو من أفاضل المسلمين، فالصحيح أن الآية في غيره، وهو الكافر ~~العاق (بوالديه) الذي مات على الكفر. # وقوله تعالى: * (في أمم) أي: مع أمم. # وقوله: * (قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين) أي: ~~هالكين. # قوله: * (ولكل درجات مما عملوا) أي: لكل المؤمنين درجات مما عملوا. # وفي التفسير: أن الدرجات من الذهب والفضة والياقوت والزبرجد والزمرد ~~واللؤلؤ وغيره من الجواهر، وفي بعض الأخبار: أن الله تعالى يدخل المؤمنين ~~الجنة ويأمرهم أن يقسموها بأعمالهم. # وقوله: (* (ولنوفينهم) أعمالهم وهم لا يظلمون) أي: لا يزاد في إساءة ~~المسئ، ولا ينقص من إحسان المحسن. # وقوله تعالى: * (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا) أي: أذهبتم طيباتكم في الآخرة من معاصيكم في الدنيا، ويقال: ~~شغلتكم PageV05P156 # * (الدنيا واستمتعتم ms1576 بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في ~~الأرض بغير) * * الشهوات عن الطاعات. وقيل: أخذتم نصيبكم في الدنيا فلا ~~نصيب لكم في الآخرة. # وقوله: * (واستمتعتم بها) أي: تلذذتم وانتفعتم بها، وفي المشهور من الخبر ~~' أن عمر رضي الله عنه دخل على النبي في خزانته وهو مضطجع على [خصفة] وبعضه ~~على الأرض، وتحت رأسه وسادة حشوها ليف، وفي البيت أهب وقليل من القرظ، فبكى ~~عمر، فقال له رسول الله: ماذا (يبكيك)؟ فقال: ذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه ~~من النعم وحالك على ما أرى، وأنت نبي الله وصفوته وخيرته، فقعد رسول الله ~~وقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم ~~الدنيا، وأخرت لنا إلى الآخرة '. # وروي أن عمر رضي الله عنه قال: ما أجمل لذيذ العيش لو شئت أمرت بصغار ~~المعزى فيمسط لنا، وأمرت بلباب البر فيخبز لنا، وأمرت بالزبيب فينبذ لنا ~~حتى يصير كعين اليعقوب، فآكل من هذا مرة، وأشرب من هذا مرة، ولكن سمعت الله ~~يقول لقوم: * (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا)، فأنا أخاف أن أكون منهم. # وروي أنه رأى جابر بن عبد الله وبيده لحم قد اشتراه قال: ما هذا؟ قال: ~~اشتريته بدرهم. فقال: أو كلما قام أحدكم اشترى بدرهم لحما. وفي رواية: كلما ~~اشتهيت اشتريت، أما سمعت الله يقول: * (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) ~~أم تخافون أن تكونوا منهم؟ # وقوله: * (اليوم تجزون عذاب الهون) أي: الهوان، وهو كذلك في قراءة ابن ~~مسعود. # وقوله: * (بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق) أي: تطلبون العلو ~~والرفعة PageV05P157 # الحق وبما كنتم تفسقون واذكر أخا عاد إذ انذر قومه بالأحقاف وقد خلت ~~النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ~~قال والغلبة بغير حق وقوله: * (وبما كنتم تفسقون) أي: تخرجون عن طاعة الله. # وقوله تعالى * (واذكر أخا عاد) وهو هود عليه السلام وكان أخاهم في ms1577 النسب ~~لا في الدين. # وقوله: * (إذا أنذر قومه بالأحقاف) أي: قومه عادا، والأحقاف: جمع حقف، ~~وهو الرمل المعوج وفي الخبر: (مر رسول الله بظبي حاقف) أي قد انثنى عنقه ~~ويقال الأحقاف رمال مستطيلة شبه الدكاكين. وقيل: رمال مشرفة على البحر ~~بالشحر من اليمن وعن ابن عباس أرض بين عمان ومهرة وعن ابن إسحاق أرض بين ~~عمان وحضرموت كانت منازل عاد بها وروى أبو الطفيل عن علي رضي الله عنه أنه ~~قال شر بئر في الأرض بئر وادي حضرموت يقال له: برهوت يجعل فيها أرواح ~~الكفار وخير بئر في الأرض بئر زمزم. ويقال: جبال بالشام والأصح أنهم كانوا ~~باليمن وأما منازل ثمود وقوم لوط بين المدينة والشام. # وقوله * (وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه) أي خلت النذر قبل هود ~~وبعده. # وقوله: * (ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) أي: كبير ~~قوله تعالى: * (قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا) أي: تصرفنا. # وقوله: (فأتنا بما تعدنا) أي: من العذاب. @ 159 @ * (إنما العلم عند الله ~~وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) فلما رأوه عارضا مستقبل ~~أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب) * * ~~وقوله: * (إن كنت من الصادقين) يعني: إن كنت نبيا من قبل الله تعالى. # قوله تعالى: * (قال إنما العلم عند الله) أي: وقت عذابكم يعلمه الله، ولا ~~أعلمه أنا. # وقوله: * (وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون) ومعناه: أن إلي ~~تبليغ الرسالة، وليس إلي إنزال العذاب، وإنما هو إلى الله تعالى. # قوله تعالى: * (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم) العارض: هو السحاب هاهنا ~~قال الشاعر: # (إذا نظرت إلى أسرة وجهه * برقت كبرق العارض المتهلل) وقال آخر: # (يا من يرى عارضا قد [بت] أرمقه * كأنما البرق في حافاته الشعل) وفي ~~القصة: أن الله تعالى حبس عنهم القطر ثلاث سنين، فجعلوا يدعون ويسألون الله ~~المطر، وروي أنهم وفدوا وفدا إلى الحرم يسألون الغيث، وكان لهم واد يقال ~~له: المغيث، وكان غيثهم يأتي من ms1578 قبل ذلك الوادي، فرأوا سحابة جاءت من جانب ~~ذلك الوادي، وكانت سوداء فاستبشروا و * (قالوا هذا عارض ممطرنا) أي: سحاب ~~يرسل علينا المطر؛ فقال هود عليه السلام، وكان جالسا معهم: * (بل هو ما ~~استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم). # وقوله: * (بل هو ما استعجلتم به) أنهم كانوا قد قالوا: ' فأتنا بما تعدنا ~~إن كنت من الصادقين '. وذكر ابن إسحاق أن أول من رأى العذاب في السماء ~~امرأة منهم فقالت: أرى نيرانا أمامها رجال يقودونها. PageV05P158 # " أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي ~~القوم المجرمين (25) ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا ~~وأبصارا وأفئدة) * * وفي القصة: أن قوم هود قالوا لهود: أتوعدنا بالريح، ~~وأي الريح تصرعنا وتهلكنا، فروى أن الله تعالى أمر الملك الذي هو على خزانة ~~الريح أن يرسل الريح من الخزانة فقال: وكم أرسله؟ فقيل له: على مقدار منخر ~~الثور، فقال: إذا تقلب الأرض بمن فيها. فقيل له: على قدر حلقة الخاتم ~~فأرسلت على هذا القدر فجعلت تطير بالظعن بين السماء والأرض، وتحمل الراعي ~~مع غنمه وإبله وتروحها إلى الهواء، ثم تطرحها على الجبال وتشدخها، وكذلك ~~فعلت بجميع عاد حتى أهلكتهم، وفي التفسير: أنها كانت تحمل الرجال بين ~~السماء والأرض حتى يرى كالجراد، وكان هذا العذاب مسخرا عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما على ما ذكر الله تعالى في موضع آخر. # وفي القصة: أن هود عليه السلام اعتزل بقومه الذين آمنوا به وخط لهم خطا، ~~وكانت الريح في ذلك الخط ألين ريح وأطيبها، وهي تعمل بقومه العجائب. وروي ~~أنهم لما رأوا العذاب وأرسلت الريح عليهم دخلوا بيوتهم، وهي من صخر، ~~وأغلقوا الأبواب، ففتحت الريح أبوابهم ونزعتهم من بيوتهم، وأهالت الرمال ~~عليهم حتى أهلكتهم تحت الرمال، وإن أنين بعضهم يسمع تحتها. # وقوله: * (تدمر كل شيء بأمر ربها) أي: بإذن ربها. # وقوله: * (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) روي أن الله تعالى لما أهلكهم بعث ~~بطير كثير حتى التقطتهم وألقتهم في البحر، فأصبحت مساكنهم خالية ms1579 عن جميعهم، ~~فذلك قوله تعالى: * (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم). # وقوله: * (كذلك نجزي القوم المجرمين) أي: ذو الإجرام. # وقوله تعالى: * (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه) فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: فيما لم نمكنكم فيه أي: جعلنا تمكينهم ونعمهم في الأرض أكثر وأوسع. # والقول الثاني: مكناهم فيما مكناكم فيه، ' وإن ' صلة. PageV05P160 # * (فما اغنى عنهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات ~~الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ~~وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (27) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة بل) * * والقول الثالث: إن في الآية حذفا، وتقديرها: ولقد ~~مكناكم فيما إن مكناهم فيه كان عنادكم وعتوكم أكثر، وهذا هو المحذوف. # وقوله: * (وجعلنا لهم سمعا) أي: أسماعا. # وقوله: * (وأبصارا وأفئدة) أي: (أعينا) يبصرون بها، وقلوبا يعلمون بها. # وقوله: * (فما أغنى عنهم) أي: ما دفعت عنهم وسمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم حتى نزل بهم العذاب. # وقوله: * (من شيء إذا كانوا يجحدون بآيات الله) أي: ينكرون آيات الله. # وقوله: * (وحاق بهم) أي: نزل بهم. # وقوله: * (ما كانوا يستهزئون) أي: جزاؤه. # قوله تعالى: * (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم ~~يرجعون) أي: منازل عاد باليمن، ومنازل ثمود، و [مدائن] قوم لوط فيما بين ~~المدينة والشام، وقوله: * (وصرفنا الآيات) أي: مرة عاقبناهم، ومرة أنعمنا ~~عليهم، ويقال: خوفناهم مرة، وأطعمناهم مرة. # وقوله: * (لعلهم يرجعون) أي: عن الكفر الذي كانوا عليه. # قوله تعالى: * (فلولا نصرهم الذين اتخذوا) معناه: فهلا نصرهم * (الذين ~~اتخذوا من دون الله قربانا آلهة) أي: منع الأصنام منهم عذابنا. وقوله: * ~~(قربانا) إنما قال ذلك؛ لأنهم كانوا يقولون إن عبادتنا لها تقربنا إلى ~~الله. PageV05P161 # * (ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28) وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم ~~منذرين (29)) * * وقوله: * (بل ضلوا عنهم) أي: ضلوا عن عبادة الأصنام ولم ~~تنفعهم أبدا. # وقوله: * (وذلك إفكهم وما كانوا يفترون) أي: ذلك كذبهم وفريتهم. # قوله تعالى: ms1580 * (وإذا صرفنا إليك نفرا من الجن...) الآية معناه: وجهنا ~~وجوههم إليك، وأما سبب نزول الآية: وهو أن النبي لما دعا كفار مكة إلى ~~الإسلام وأبوا أن يسلموا خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإيمان، فلما رجع إلى ~~مكة وكان ببطن نخلة، مر عليه أشراف من جن نصيبين وهو يصلي صلاة الصبح، ~~ويقال: إنهم رأوه ببطن نخلة وهو عامد إلى عكاظ. واختلفوا في عددهم، فقال ~~بعضهم: كانوا سبعة نفر. وقال بعضهم: كانوا تسعة نفر. ويقال: كان فيهم ~~زوبعة. وقد ذكر في أسمائهم حسى ومسى ويسى وشاصر وناصر، والله أعلم. فلما ~~سمعوا قراءة النبي اجتمعوا لسماعه. وفي التفسير أيضا: أن الجن كانوا ~~يستمعون إلى السماء قبل زمان النبي؛ فلما كان زمان النبي رموا بالشهب، ~~فاجتمعوا وقالوا: ما هذا إلا لأمر حدث في الأرض، فضربوا في الأرض يمينا ~~وشمالا حتى وجدوا النبي ببطن نخلة يصلي ويقرأ القرآن وحوله الملائكة ~~يحرسونه؛ فعرفوا أن ما حدث من الأمر كان لأجله '. # وقوله: * (فلما حضروه قالوا أنصتوا) أي: أسكت بعضهم بعضا، وروي أنه قال ~~بعضهم لبعض: صه أي: اسكتوا. # وقوله: * (فلما قضى) معناه: فلما فرغ من القراءة. # وقوله: * (ولوا إلى قومهم منذرين) أي: محذرين، ويقال: ولوا دعاة إلى ~~التوحيد. وقد قيل: إن الجن كانوا من جن الموصل، وهي نينوى بلدة يونس بن ~~متى، ويقال: من حران، وقيل: غير ذلك. # قوله تعالى: * (قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى) فإن ~~قيل: كيف PageV05P162 # * (قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ~~يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ~~يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31) ومن لا يجب داعي الله فليس ~~بمعجز في الأرض وليس) * * ذكر من بعد موسى ولم يذكر عيسى، وعيسى نبي مثل ~~موسى عليهما السلام وقد آتاه الله الإنجيل أيضا وهو كتابه؟ والجواب عنه: ~~يحتمل أنهم لم يكونوا سمعوا بذكر عيسى، ويحتمل أنهم سمعوا بذكر موسى وعيسى ~~جميعا إلا أنهم ذكروا ms1581 موسى لأنه أقدم؛ ولأنه عامة ما في الإنجيل من الأحكام ~~موافقة لما في التوراة إلا في أشياء معدودة. # وقوله: * (مصدقا لما بين يديه) أي: لما بين يديه من الكتب. # وقوله: * (يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) أي: مستو. # قوله تعالى: * (يا قومنا أجيبوا داعي الله) أي: محمدا. # * (وآمنوا به) أي: صدقوا به * (يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم) ~~أي: النار. # قوله تعالى: * (ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض) أي: لا يفوت ~~الله ولا يسبقه. # وقوله: * (وليس له من دونه أولياء) أي: أنصار [يمنعونهم] من العذاب. # وقوله: * (أولئك في ضلال مبين) أي: خطأ بين، وفي الأخبار: أن وفد الجن ~~ذهبوا وأنذروا قومهم، وعادوا إلى النبي بعد ما أسلم طائفة كثيرة منهم، وذهب ~~النبي وقرأ عليهم القرآن وعلمهم الأحكام، وفي حمله عبد الله بن مسعود مع ~~نفسه اختلاف كثير، فروي أنه لما أراد أن يذهب إلى الجن قال: ' ليقم منكم ~~معي رجل ليس في قلبه مثقال خردل من كبر، فقام عبد الله بن مسعود وحمله مع ~~نفسه، وخط له خطا وقال له: إياك أن تبرح هذا الخط، وذهب يخاطب الجن، وكان ~~هذا الاجتماع بالحجون، وهو موضع بأعلى مكة، فروي انه لما سمع عبد الله بن ~~مسعود PageV05P163 # * (له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (32) أو لم يروا أن الله الذي ~~خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على ~~كل شيء قدير) * * لغظهم وأصواتهم ظن بالنبي الظنون، فأراد أن يخرج من الخط، ~~ثم إنه ذكر وصية النبي فلم يخرج، وذكر ذلك للنبي من بعد فقال: لو خرجت لم ~~تلقني أبدا '. وروي أنه رأى بعضهم ورأى آثار نيرانهم. # وفي هذا كلام كثير، وروايات مختلفة، وفي رواية علقمة عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال: لم يكن معه منا أحد ليلة الجن، والله أعلم في ذلك. # وقال أهل العلم: في الآية دليل على أن النبي كان مبعوثا إلى الجن والإنس. # وقوله تعالى: * (أو لم ms1582 يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي ~~بخلقهن) أي: لم يعجز عن خلقهن، وقيل: لم يتعب ولم ينصب بخلقهن، خلاف ما ~~قالته اليهود: أنه تعب من خلقهن فاستراح يوم السبت. # وقوله: * (بقادر) أي: قادر * (على أن يحي الموتى). # وقوله: * (بلى إنه على كل شيء قدير) أي: قادر. # قوله تعالى: * (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق) معناه: ~~يقال لهم: أليس هذا بالحق. # وقوله: * (قالوا بلى وربنا) أي: نعم. # وقوله: * (قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) أي: تكفرون بالله. # قوله تعالى: * (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) أي: فاصبر على ما ~~يصيبك من أذى المشركين. # وقوله: * (كما صبر أولوا العزم من الرسل) أكثر المفسرين على أنهم أربعة: ~~نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، وقال مقاتل: أولوا العزم، نوح ~~صبر على PageV05P164 # ((33) * ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا ~~قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34) فاصبر كما صبر أولوا العزم من ~~الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ~~بلاغ فهل يهلك إلا القوم) * * أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق ~~صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد الولد، ويوسف صبر على السجن، وأيوب صبر ~~على الضر. وقيل: أولوا العزم هم: نوح، وهود، وإبراهيم. وفي الآية قول آخر ~~وهو معروف: أن جميع الأنبياء هم المراد بالآية، وليست ' من ' للتبعيض وإنما ~~للتبيين، وقال من ذهب إلى هذا القول: ليس في الأنبياء أحد ليس له عزم ولا ~~حزم ولا رأى ولا عقل، بل كانوا جميعا بهذه الأوصاف. ومنهم من قال: أولوا ~~العزم من الرسل: هم الذين أمروا بالقتال ومنابذة المشركين فقاتلوا ونابذوا، ~~وفي بعض المسانيد برواية عائشة رضي الله عنها أن النبي قال لها: ' مالي ~~وللدنيا يا عائشة، وإنما أمرت ان أصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، صبروا ~~على مكروهها، وصبروا على محبوبها أي: مكروه الدنيا ومحبوب الدنيا والله ~~لأفعلن كما فعلوا، وأجتهدن حتى أنال رضا ربي ms1583 ' والخبر غريب. والقول الذي ~~ذكرناه أخيرا ذكره الكلبي وغيره، وفي قول هؤلاء ليس آدم من أولي العزم ولا ~~يونس صلوات الله عليهما. # وقوله: * (ولا تستعجل لهم) في التفسير: أن النبي استبطأ عذاب الكفار ~~[بعض] الاستبطاء؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية: * (ولا تستعجل لهم) وقوله: * ~~(كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار) واليوم الذي يوعدون ~~يوم القيامة، وقوله: * (بلاغ) أي: هذا بلاغ، وهو إشارة إلى القرآن، وقرأ ~~(أبو) مجلز لاحق بن حميد ' بلغ ' على وجه الأمر. PageV05P165 # * (الفاسقون (35)) * * وقوله: * (فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) أي: ~~الكافرون، والفاسق: [هو] الخارج عن طاعة الله، وذلك الكافر، ويقال: إن هذه ~~الآية أرجى آية في القرآن. قال قتادة: لا يهلك على الله إلا هالك، ثم فسر ~~الهالك قال: هو كافر ولى الإسلام ظهره، أو منافق يصف الإيمان بلسانه وينكر ~~بقلبه. PageV05P166 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ~~(1) والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ~~ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح) * * تفسير سورة محمد وهي مدنية، وهذه السورة ~~تسمى سورة القتال، وسورة الأنفال تسمى سورة الجهاد، وكان أصحاب رسول الله ~~إذا قاتلوا العجم وغيرهم بعد رسول الله قرءوا هاتين السورتين بين الصفين؛ ~~ليحرضوا المسلمين على القتال. # قوله تعالى: * (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم) أي: أحبط ~~أعمالهم. قال المفسرون: نزلت الآية في المطعمين يوم بدر، وهو اثنا عشر ~~نفرا، كان كل واحد منم ينحر كل يوم عشرا من الجزور، هذا هو القول المشهور، ~~و * (أعمالهم) إطعامهم، أحبطها الله تعالى ولم يقبلها منهم. ويقال: إن ~~الآية في جميع أهل مكة من الكفار. # قوله تعالى: * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد) ~~القول المشهور في الآية: أن المراد بهم الأنصار، وقيل: إنه في جميع من آمن ~~مع النبي. # وقوله: * (وهو الحق من ربهم) أي: آمنوا بما هو الحق من ربهم. # وقوله: * (كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم) أي: حالهم، [يقال]: ما بالك وما ms1584 ~~حالك بمعنى واحد. # قوله تعالى: * (ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل) أي: ذلك الذي فعلناه ~~من إحباط (أعمال) الكفار، وقبول أعمال المؤمنين وتكفير سيئاتهم وإصلاح ~~بالهم، كان بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ~~ربهم. PageV05P167 # * (بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) فإذا لقيتم الذين كفروا ~~فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى ~~تضع الحرب أوزارها ذلك ولو) * * وقوله: * (كذلك يضرب الله للناس أمثالهم) ~~أي: أمثال سيئات الكفار وحسنات المؤمنين، يقال: ضربت لفلان مثلا أي: ذكرت ~~له نوعا من الكلام لمعنى معلوم. # قوله تعالى: * (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) أي: فاضربوا الرقاب، ~~وضرب الرقاب جزها وقطعها. # وفي التفسير: ' أن قوما من المسلمين كان بعثهم النبي لقتال قوم من ~~الكفار، فأحرقوا بعض الكفار؛ فبلغ النبي فأنكره، وقال: ' إني ما بعثت لأعذب ~~بعذاب الله أحدا '. فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعلمهم كيفية القتل. # وقوله: * (حتى إذا أثخنتموهم) الإثخان: بلوغ الغاية في النكاية، ويقال: ~~الاستكثار من القتل. # وقوله: * (فشدوا الوثاق) أي: فأسروهم وشدوهم. وسئل الأوزاعي كيف نشد ~~الأسير؟ قال: بحبل، قيل: هل نشد بالقد؟ قال: ذاك عظيم، وقيل له: نشد ~~المرأة؟ قال: نعم. # وقوله: * (فإما منا بعد وإما فداء) في الآية أقوال: أحدها: أنها محكمة، ~~وهو المعروف. قال مجاهد وغيره: والإمام بالخيار في الأسرى؛ إن شاء قتل، وإن ~~شاء فادى، وإن شاء من، وإن شاء استرق، وحكى هذا عن ابن عباس، والذي ذكرناه ~~قول الشافعي وكثير من الأئمة. # والقول الثاني: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: * (فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم) قاله قتادة والسدي وغيرهما. PageV05P168 # * (يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل ~~الله فلن يضل) * * والقول الثالث: أن الآية ناسخة لقوله تعالى: * (فاقتلوا ~~المشركين) ذكره الضحاك، ولا يجوز في الأسر القتل. والأول أولى الأقاويل؛ ~~لأنه قد ثبت بروايات كثيرة ' أن النبي فادى كثيرا من الأسارى، ومن على ms1585 كثير ~~من الأسارى ' على ما ذكر في الكتب الصحيحة. # وقوله: * (حتى تضع الحرب أوزارها) قال قتادة: حتى لا يبقى إلا مسلم أو ~~مسالم وقال سعيد بن جبير: حتى ينزل عيسى [ابن مريم] من السماء، ويكسر ~~الصليب، ويسلم كل كافر. وقد ثبت أن النبي قال: ' لا تزال طائفة من أمتي ~~يقاتلون على الحق حتى تقوم الساعة '. وفي رواية أخرى: ' حتى يكون آخر من ~~يقاتلون الدجال '. وفي الجملة لا تضع الحرب أوزارها ما بقي في العالم كافر ~~حربي. # قوله تعالى: * (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم) أي: فانتصر منهم بجند من ~~الملائكة، أو بأي جند أراد، والانتصار هاهنا هو الانتقام، ومعناه: أنه لو ~~يشاء لم يأمركم بقتال الكفار، وانتقم بنفسه منهم * (ولكن ليبلو بعضكم ببعض) ~~أي: ليبلو المسلمين بالكافرين، والكافرين بالمسلمين، مرة تكون النصرة ~~للمؤمنين، ومرة تكون النصرة للكافرين مثل ما كان ببدر وأحد، وهو تبلية الله ~~كيف يشاء لمن يشاء. # وقوله: * (والذين قتلوا في سبيل الله) أي: الشهداء. PageV05P169 # * (أعمالهم (4) سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) يا ~~أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين كفروا ~~فتعسا) * * وقوله: * (فلن يضل أعمالهم) أي: يثيبهم على أعمالهم. # وقوله: * (سيهديهم ويصلح بالهم) أي: حالهم. # وقوله: * (ويدخلهم الجنة عرفها لهم) القول المشهور أن معناه: عرفهم ~~منازلهم، ومعنى قوله: * (عرفها لهم) أي: بينا لهم، فيكونون أهدى إلى ~~منازلهم من القوم يعودون من الجمعة إلى دورهم. قال سلمة بن كهيل: عرفهم ~~(طرق) منازلهم في الجنة. ويقال: عرفها لهم أي: طيبها لهم. وقيل: عرفها لهم ~~أي: رفعها لهم، والعرف: هو الريح. وفي الخبر ' أن من أعان على قتل أخيه ~~بشطر كلمة لم يجد عرف الجنة، وأن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام '. وهذا ~~القول محكي عن ابن عباس. وعن مقاتل أنه قال: إذا حشر المؤمن وأمر به إلى ~~الجنة يقدمه الملك الذي كان يكتب عمله ويطوف به في الجنة، ويريه منازله حتى ~~إذا بلغ أقصى منازله ورأى جميعها انصرف الملك، وترك المؤمن في قصوره يتنعم ~~فيها ms1586 كما يشاء بما شاء. # وعن مجاهد أنه قال: لا يحتاج المؤمن إلى دليل إلى قصوره ومنازله، بل يكون ~~عارفا بها كما يكون عالما بمنزله في الدنيا. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم) معناه: إن ~~تنصروا نبي الله أو دين الله ينصركم. والنصرة من الله: هو الحفظ والهداية. ~~وعن قتادة قال: من ينصر الله ينصره، ومن يسأله يعطه، ويقال: ينصركم ~~بتغليبكم على عدوكم وإعلائكم عليهم. # وقوله: * (ويثبت أقدامكم) أي: في القتال. ويقال: يثبت أقدامكم على ~~الصراط، وقد حكى هذا عن ابن عباس. PageV05P170 # * (لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9) ~~أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم ~~وللكافرين) * * وقوله: * (والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم) أي: بعدا ~~لهم. والتعس في اللغة هو العثور والسقوط. وقال ثعلب: التعس: الهلاك. # قال ابن السكيت: التعس أن [يخر] على وجهه، والنكس أن يخر على رأسه. # ويقال: فتعسا لهم أي: شرا لهم وتبا لهم. والذي جاء في الخبر ' تعس وانتكس ~~'، قد بينا معنى تعس. وأما معنى قوله: انتكس أي: انقلب أمره وفسد، وهذا على ~~معنى الدعاء. # وقوله: * (وأضل أعمالهم) أي: أضل الله أعمالهم بمعنى: أحبطها، فإن قيل: ~~وأي عمل للكفار حتى يحبطه الله تعالى؟ والجواب: أنهم كانوا يعملون أعمالا ~~على فضل الخير والتقرب إلى الله تعالى مثل: الصدقة، وصلة الرحم، والحج، ~~والطواف، وما أشبه ذلك، ويظنون أن الله تعالى يثيبهم عليها، فأخبر الله ~~تعالى أنه يحبطها بكفرهم. # قوله تعالى: * (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) أي: كرهوا ~~نبوة محمد وماأنزله الله من القرآن. # قوله تعالى: * (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم دمر الله عليهم) أي: أهلكهم بكفرهم. # وقوله: * (وللكافرين أمثالها) أي: لهؤلاء الكافرين من سوء العاقبة مثل ما ~~لأولئك الكفار. # وقوله: * (ذلك بأن الله مولى الذين أمنوا) أي: ولي الذين آمنوا، وهو كذا ~~في قراءة ابن مسعود. PageV05P171 # * (أمثالها (10) ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ms1587 الكافرين لا مولى لهم ~~(11) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تختها الأنهار ~~والذين كفروا) * * وقوله: * (وأن الكافرين لا مولى لهم) أي: لا يتولاهم ~~الله تعالى، بمعنى: أنه لا يهديهم ولا ينصرهم. وفي بعض الآثار: أن عليا رضي ~~الله عنه سأل ابن الكوا فقال: من رب العالمين؟ قال: الله. قال: صدقت قال من ~~مولى الناس قال الله قال كذبت، وتلا قوله تعالى: * (ذلك بأن الله مولى ~~الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم) وعن قتادة قال: ' نزلت الآية في حرب ~~أحد، فإنه لما فشا القتل والجراحات في أصحاب رسول الله، وفعل بالنبي ما ~~فعل، نادى المشركون: يوم بيوم بدر والحرب سجال، ثم قالوا: لنا العزى، ولا ~~عزى لكم، فقال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، ولا سواء؛ قتلانا في ~~الجنة وقتلاكم في النار '. # قوله تعالى: * (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام) يعني: لا ~~يخافون عقابا، ولا يرجون ثوابا. وقيل: ليس لهم هم إلا التمتع والأكل ~~كالأنعام. # وقوله: * (والنار مثوى لهم) أي: منزل لهم. # قوله تعالى: * (وكأين من قرية) ' وكائن من قرية '، بالتخفيف. # وأنشد الأخفش قول لبيد: # (وكائن رأينا من ملوك وسوقة * ومفتاح قيد للأسير المكبل) ومعناه: وكم من ~~أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التي أخرجتك أي: أخرجك أهلها. ~~PageV05P172 # * (يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) وكأين من قرية ~~هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم (13) أفمن كان على ~~بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (14) مثل الجنة التي وعد ~~المتقون فيها أنهار) * * وقوله: * (أهلكناهم فلا ناصر لهم) أي: لم يكن لهم ~~أحد يمنعهم من عذابنا. # قوله تعالى: * (أفمن كان على بينة من ربه) أي: على يقين من أمر ربه. # ويقال: المراد من الآية محمد. # وقوله: * (كمن زين له سوء عمله) هو أبو جهل، وقيل: الآية في جميع ~~المؤمنين والكفار. ومعنى الآية: أن الفريقين ms1588 لا يستويان، فحذف هذا لفهم ~~المخاطب، وهذا كالرجل يقول: من فعل الخيار سعد، ومن فعل السيئات شقي. ثم ~~يقول: أفمن سعد كمن [شقي]، يعني: لا يكون، وحذف لفهم المخاطب. وقيل: الألف ~~في قوله: * (أفمن) ألف توقيف وتقرير لما علم المخاطب منه. # وقوله: * (واتبعوا أهواءهم) أي: اتبعوا أهواءهم في اتباع الكفر. # قوله تعالى: * (مثل الجنة التي وعد المتقون) في قراءة علي رضي الله عنه: ~~' أمثال الجنة التي وعد المتقون ' والمعنى: صفة الجنة التي وعد المتقون أي: ~~صفات الجنة التي وعد المتقون، ومعناه: وعد المتقون من (الشرك). # وقوله: * (فيها أنهار من ماء غير الخير آسن) أي: غير متغير. يقال: أسن ~~الماء يأسن إذا تغير، وأجن يأجن إذا تغير أيضا، وإنما قال ذلك لأن الماء ~~يتغير بطول المكث، وماء الجنة لا يتغير بطول المكث. # وقوله: * (وأنهار من لبن لم يتغير طعمه) أي: يحمض. وإنما قال ذلك لأن ~~اللبن إذا مر عليه الزمان يتغير ويحمض، وقد ثبت أن النبي قال: ' أوتيت ~~بإناءين ليلة المعراج في أحدهما خمر، وفي الآخر لبن، فأخذت اللبن وشربته، ~~فقال جبريل عليه السلام: أصبت الفطرة '. PageV05P173 # * (من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين وأنهارا من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن ~~هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعائهم (15) ومنهم من يستمع إليك ~~حتى إذا خرجوا من عندك) * * ومن المعروف أيضا ' أن النبي كان إذا أكل طعاما ~~شكر الله تعالى، وسأل [الله] أن يرزقه خيرا منه إلا اللبن، فإنه كان إذا ~~شرب اللبن شكر الله تعالى ولم يقل وارزقنا خيرا منه '. # وقوله: * (وأنهار من خمر لذة للشاربين) واللذة: طيبة النفس في الشرب، وقد ~~بينا وصف خمر الجنة قبل هذا. # وقوله: * (وأنهار من عسل مصفى) أي: منقى من الكدر والعكر. # ويقال: مصفى من الشمع ألا يكون فيه شمع. # وقوله: * (ولهم فيها من كل الثمرات) أي: الفواكه. # وقوله: * (ومغفرة من ربهم) أي: العفو من ربهم. # وقوله: * (كمن هو خالد ms1589 في النار) أي: من يعطي مثل هذه النعم يكون حاله ~~كحال من هو خالد في النار. # وقوله: * (وسقوا ماء حميما) الحميم: هو الماء الذي تناهى في الحر، وفي ~~التفسير: أنه ماء سعرت عليه نيران جهنم منذ خلقت، فإذا قربه الكافر إلى ~~وجهه للشرب شوى وجهه، وسقطت جلدة وجهه وفروة رأسه. PageV05P174 # * (قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم وأهواءهم) * * وفي بعض المسانيد برواية أبي أمامة الباهلي أن النبي ~~قال: ' إذا شرب الكافر الحميم؛ قطع أمعاءه فخرجت من دبره، ثم تلا قوله ~~تعالى: * (وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم). # وفي بعض الحكايات عن محمد بن عبيد الله الكاتب قال: رجعت من مكة فمررت ~~بطيزناباد وهو موضع بين الكوفة وبغداد فرأيت كرما فيه عنب كثير، فذكرت قول ~~أبي نواس: # (بطيزناباد كرم ما مررت به * إلا تعجبت (ممن) يشرب الماء) فسمعت قائلا ~~يقول أسمع صوته ولا أراه: # (وفي الجحيم حميم ما تجرعه * خلق فأبقى له في البطن أمعاء) قوله تعالى: * ~~(ومنهم من يستمع إليك) يعني: ومن الكفار من يستمع إليك أي: يستمع إلى قولك. # وقوله: * (حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم) قال عبد الله ~~بن بريدة وجماعة: هو عبد الله بن مسعود، وقيل: إنه أبو الدرداء. وفي الآية ~~قول آخر: أنه جميع أصحاب رسول الله. # وقوله: * (ماذا قال آنفا) أي: ماذا قال الآن صاحبكم؟ وآنفا: قريبا، ~~وكانوا يقولون هذا على طريق الاستهزاء يعني: إنا شغلنا عن سماع كلامه، ~~فماذا قال؟ # وقوله: * (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم) أي: ختم الله على قلوبهم، ~~ولم يهدهم لقبول قول رسوله. وقال ابن الأعرابي: الختم على القلب (من) فهم ~~القول. PageV05P175 # ((16) * والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) فهل ينظرون إلا ~~الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) ~~فاعلم أنه لا إله إلا) * * وقوله: * (واتبعوا أهوائهم) أي: هواهم. والمراد ~~من الآية وفائدتها: هو منع المسلمين أن يكونوا مثل هؤلاء، وبيان حالهم ~~للمؤمنين. # قوله تعالى: * (والذين اهتدوا زادهم ms1590 هدى) أي: زادهم بيانا ورشدا، ويقال: ~~زادهم هدى أي: العمل بالناسخ بعد العمل بالمنسوخ، ويقال: الأخذ بالعزائم ~~بعد العمل بالرخص. # وقوله: * (وآتاهم تقواهم) أي: جزاء تقواهم. # قوله تعالى: * (فهل ينظرون إلا الساعة) أي: فهل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة أي: تجيئهم فجأة. # وقوله: * (فقد جاء أشراطها) أي: علاماتها. وفي التفسير: أن قوله: * (فقد ~~جاء أشراطها) هو محمد. وقد روي عنه أنه قال: ' بعثت والساعة كهاتين، وأشار ~~إلى السبابة والوسطى فسبقتها كما سبقت هذه ' وفي رواية: كادت تسبقني. وقد ~~اختلفت الروايات في أول أشراط الساعة عن بعض الأخبار ' أن أول أشراط الساعة ~~طلوع الشمس من مغربها، وحينئذ يغلق باب التوبة، و * (لا ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من قبل) على ما قال الله تعالى '. وفي خبر آخر: ' أن ~~PageV05P176 # * (الله واستغفر لذنبك للمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ~~(19) ويقول) * * أول أشراط الساعة نار تخرج من المشرق فتسوق الناس إلى ~~المغرب '. # ويقال: ' أول أشراطها خروج الدابة '، وفي الأخبار: [أن] هذه الأشراط تكون ~~في مدة قريبة، ويتتابع بعضها في إثر بعض '. وقيل: ' كلؤلؤ العقد إذا انحل ~~نظامه، كان بعضه في إثر بعض '. # وقوله: * (فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم) معناه: فأين لهم المفر والملجأ ~~إذا جاءهم ما يذكرهم؟ يعني: إذا عاينوا الأمر وحضرت هذه الأشراط. وقال ~~قتادة معناه: ' فأنى لهم إذا جاءتهم ' أي: الساعة ' ذكراهم ' أي: أنى لهم ~~التذكر؟ أي: منفعة التذكر لو طلبوه إذا جاءتهم الساعة، والمقصود فوات منفعة ~~التذكر عند حضور الأمر. # قوله تعالى: * (فاعلم أنه لا إله إلا الله) فإن قيل: كيف قال: فاعلم أنه ~~لا إله إلا الله وقد علم؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن المراد منه هو ~~الثبات على العلم لا ابتداء العلم. والثاني: أن معناه: فاذكر أنه لا إله ~~إلا الله، فعبر عن الذكر بالعلم لحدوثه عنده. ويقال: الخطاب مع الرسول، ~~والمراد منه الأمة. PageV05P177 # وقوله: * (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) قد ثبت برواية الزهري عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي قال: ' إني لأستغفر الله في اليوم ms1591 سبعين ~~مرة '، وفي رواية: ' مائة مرة '. # فإن قيل: كيف أمره بالاستغفار وكان معصوما من الذنوب؟ والجواب: أنه كان ~~لا يخلو من الخطأ والزلل وبعض الذنوب التي هي من الصغائر، فأمره الله تعالى ~~بالاستغفار منها، وأمره بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، وكان يدعو لهم ~~ويستغفر لهم. # وفي المشهور من الخبر أن النبي لما ابتدأ به المرض الذي توفى فيه خرج إلى ~~أحد، واستغفر لشهداء أحد، ثم استغفر للمؤمنين والمؤمنات '... والخبر فيه ~~طول. # وقوله: * (والله يعلم متقلبكم ومثواكم) أي: منصرفكم وموضع مقامكم، ويقال: ~~متقلبكم بالنهار ومثواكم بالليل. وقيل: متقلبكم ومثواكم أي: يعلم جميع ما ~~أنتم عليه في جميع أحوالكم. ويقال: يعلم متقلبكم أي: منصرفكم في الدنيا، ~~ومثواكم أي: منقلبكم في الآخرة، وإما إلى الجنة، وإما إلى النار. وقد ثبت ~~برواية حمران عن عثمان أن رسول الله قال: ' من مات وهو يعلم أن لا إله إلا ~~الله دخل الجنة PageV05P178 # * (الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين) * * وعن عبيد بن المغيرة قال: قال حذيفة بن اليمان: قوله: * ~~(واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) ثم قال: كنت رجلا ذرب اللسان على أهلي ~~فقلت: يا رسول الله، إني أخاف أن يدخلني لساني النار. فقال: أين أنت [من] ~~الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة '. وفي بعض الأخبار عن ~~النبي أنه قال: ' خير العمل لا إله إلا الله، وخير الدعاء أستغفر الله '. ~~وفي بعض الآثار: ' أن الرجل إذا استغفر للمؤمنين والمؤمنات رد الله تعالى ~~عليه عن كل مؤمن ومؤمنة '. # قوله تعالى: * (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة) أي: هلا أنزلت سورة، ~~وفي التفسير: أنهم كانوا يأنسون بالوحي إذا نزل ويستبطئونه إذا تأخر. # وقوله: * (فإذا أنزلت سورة محكمة) وفي قراءة ابن مسعود: ' محدثة ' وفي ~~قوله: * (محكمة) وجهان: أحدهما: محكمة أي: محكمة بذكر الجهاد والقتال مع ~~الكفار، والجهاد والقتال أشد الأوامر على النفس. PageV05P179 # * (في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم (20) ~~طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان ms1592 خيرا لهم (21) فهل ~~عسيتم إن) * * والوجه الثاني: محكمة بالأوامر والنواهي. # وقوله: * (رأيت الذين في قلوبهم مرض) أي: نفاق، فإن قيل: كيف أخبر عن ~~المؤمنين في ابتداء الآية ثم قال: * (رأيت الذين في قلوبهم مرض) وهم ~~المنافقون، والمنافق لا يكون مؤمنا؟ والجواب عنه: أن في الآية حذفا، ~~ومعناه: فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال، فرح المؤمنون واستأنسوا ~~بها. و * (رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت) ~~أي: شخصوا بأبصارهم نحوك، ونظروا نظرا شديدا، شبه الشاخص بصره عند الموت، ~~وإنما أصابهم مثل هذا؛ لأنهم إن قاتلوا خافوا الهلاك، وإن لم يقاتلوا خافوا ~~ظهور النفاق. # والآية في عبد الله بن أبي سلول، ورفاعة بن الحارث، وسائر المنافقين. # وقوله: * (فأولى لهم) هذا وعيد وتهديد. قال ابن عباس: هو لمن كرهها، ~~والعرب تقول لمن قرب من عطب ونجا: أولى لك، ويريدون به تحذيره من مثل ذلك. ~~وعن محمد ابن الحنفية أنه كان إذا مات ميت بعقوته أي: بقرب منه، قال لنفسه: ~~أولى لك، كدت تكون السواد المخترم. # وقوله: * (طاعة وقول معروف) فيه أقوال: أحدها: أنه بمعنى الأمر، ومعناه: ~~قولوا آمنا طاعة وقول معروف. والقول المعروف هو الإجابة بالسمع والطاعة. # والقول الثاني: أن قوله: * (طاعة وقول معروف) أي: طاعة وقول معروف أحسن ~~وأميل لهم. # والقول الثالث: أن هذه حكاية منهم قبل نزول آية القتال، كانوا يقولون على ~~هذا الوجه فإذا نزلت آية القتال كرهوا وجزعوا. ويقال: وقوله: * (طاعة وقول ~~معروف) PageV05P180 # * (توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) أولئك الذين لعنهم ~~الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ~~(24) إن) * * اعتراض في الكلام المنسوق على الأول. # وقوله: * (فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم) ومعنى قوله: * ~~(فإذا عزم الأمر) أي: جهد الأمر ولزم فرض القتال. * (فلو صدقوا الله) أي: ~~لو وفوا بما وعدوه من الجهاد، وقابلوا أمر الله بالامتثال لكان خيرا لهم. # قوله تعالى: * (فهل عسيتم إن توليتم) فيه قولان: أحدهما: إن توليتم ولاية ~~أي: كانت ms1593 لكم ولاية. والثاني: إن توليتم عن الإيمان بالرسول وبالقرآن أي: ~~أعرضتم، فهل يكون منكم سوى أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم؟ وقيل على ~~القول الأول: أنه قد كان هذا في صدر الإسلام؛ فإن قريشا لما تولوا الأمر ~~أفسدوا في الأرض وقطعوا الأرحام، وذلك من قتل بني هاشم قريشا، وقتل قريش ~~بني هاشم. # وقوله: * (أولئك الذين لعنهم الله) أي: طردهم الله. # وقوله: * (فأصمهم) أي: جعلهم بمنزلة الصم. وقوله: * (وأعمى أبصارهم) أي: ~~بمنزلة العمى. # قوله تعالى: * (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) التدبير: هو ~~التفكر والنظر فيما يؤول إليه عاقبة الأمر. # وقوله: * (أم على قلوب أقفالها) معناه: بل على قلوب أقفالها، وهو على ~~طريق المجاز، فذكر القفل بمعنى انغلاق القلب عن فهم القرآن. وفي التفسير: ' ~~أن النبي كان يقرئ شابا هذه الآية، فقال ذلك الشاب: بل على قلوب أقفالها ~~حتى يفتحها الله، فقال النبي له: صدقت '. # وعن بعضهم: مثل قفل الحديد على الباب. # وقوله: * (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى) الهدى ~~هو PageV05P181 # * (الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم ~~وأملى لهم (25) ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنعطيكم في بعض ~~الأمر والله يعلم إسرارهم (26) فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم (27) ذلك) * * البيان المؤدي إلى الحق. # وقوله: * (الشيطان سول لهم) أي: زين لهم. # وقوله: * (وأملى لهم) أي: أمهلهم بالمد لهم في العمر، وهو راجع إلى الله ~~تعالى ومعناه: وأملى لهم الله تعالى، وقرئ: ' وأملي لهم ' على مالم يسم ~~فاعله، وقرئ في الشاذ ' وأملي لهم ' بتسكين الياء، أي: وأنا أملي لهم. # وقوله تعالى: * (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله) في الآية ~~قولان: أحدهما: أنه قول اليهود للمنافقين، قالوا للمنافقين: سنطيعكم في بعض ~~الأمر أي: في كتمان صفة محمد مع علمنا بأنه رسول. والقول الثاني وهو الأظهر ~~أنه قول المنافقين لليهود. # وقوله: * (كرهوا ما أنزل الله) هم اليهود، وإنما كرهوا حسدا وبغيا. # وقوله: * (سنطيعكم في بعض الأمر) أي: ms1594 في بغض محمد والعداوة معه. # وقوله: * (والله يعلم إسرارهم) أي: ما أسر بعضهم إلى بعض، وهذا القول ~~أولى؛ لأن الآيات المتقدمة في المنافقين. # قوله تعالى: * (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم) أي: ~~يضربون وجوههم عند الموت بصحائف الكفر، وقيل: في القيامة. # وقوله: * (وأدبارهم) أي: يضربون أدبارهم عند سوقهم إلى النار، وهذا في ~~القيامة. وفي بعض التفاسير: مامن عاص يموت إلا وتضرب الملائكة وجهه ودبره ~~عند إدخاله القبر. PageV05P182 # * (بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم أم حسب الذين ~~في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم ~~بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين) قوله تعالى * (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ~~فأحبط أعمالكم أي: أبطلها، وقد بينا معناه من قبل. # قوله تعالى: * (أم احسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم) ~~الأضغان: جمع ضغن، وهو بمعنى: الحقد والغل والغش، ومعنى الآية: أي: أحسب ~~المنافقون والكفار أن لن يظهر ما في قلوبهم لرسوله وللمؤمنين. # قال الشاعر في الضغن: # (قل (لأبي) هند ما أردت بمنطق * ساء الصديق (وسود) الأضغان) أي: الأحقاد. # قوله تعالى: * (ولو نشاء لأريناكهم) أي: لعرفناهم إياك. # وقوله: * (فلعرفتهم بسيماهم) أي: جعلنا لهم في وجوههم سمة تعرفهم بها. # وقوله: * (ولتعرفنهم في لحن القول) أي: في فحوى القول ومقصده ومغزاه. وعن ~~بعضهم: قول الإنسان وفعله دليل على نيته. ويقال: لحن في القول إذا ترك ~~الصواب، واللحن هاهنا: هو قول يفهم المخاطب معناه مع إخفاء القائل المراد ~~فيه، قال الشاعر: # (منطق صائب ويلحن أحيانا * وخير القول ما كان لحا) وفي الخبر المعروف أن ~~النبي قال: ' إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ' أي: أفطن. ~~وعن بعضهم: عجبت لمن يعرف لحن الكلام كيف يكذب. وفي التفسير: أنه لم يخف ~~منافق بعد هذه الآية على رسول الله، وكان PageV05P183 # * (منكم والصابرين ونبلو أخباركم (31) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ms1595 لن يضروا لله شيئا وسيحبط أعمالهم ~~(32) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ~~(33) إن الذين) * * يعرفهم في لحن كلامهم. # وقوله تعالى: * (والله يعلم أعمالكم) يعني: التي تعملونها. # قوله تعالى: * (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم) أي: نعلم علم ~~الشهادة، وهو العلم الذي يقع عليه الوعد والوعيد. ويقال: [لنعاملكم] معاملة ~~من يريد أن يعلم أعمالكم. ويقال معناه: حتى تعلموا أنا علمنا أعمالكم. # وقوله: * (والصابرين ونبلوا أخباركم) أي: نعلم الصابرين، ونعلم أخباركم. ~~وكان مجاهد إذا بلغ إلى هذه الآية قال: اللهم إنا نسألك أن لا تبلو أخبارنا ~~فإنا نفتضح. # قوله تعالى: * (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) أي: منعوا الناس عن ~~الإيمان بالله. # وقوله: * (وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى) أي: خالفوا الرسول من ~~بعد ما تبين لهم الهدى. # وقوله: * (لن يضروا الله شيئا) أي: ينقصوا الله شيئا. # وقوله: * (وسيحبط أعمالهم) أي: يبطل أعمالهم. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا ~~تبطلوا أعمالكم) عن أبي العالية الرياحي قال: كانوا يقولون أي: الصحابة لن ~~يضر مع الإيمان شيء كما لا ينفع مع الكفر شيء، حتى أنزل الله تعالى هذه ~~لآية: * (ولا تبطلوا أعمالكم) بالشك والنفاق، ويقال: بالمكر والخداع، ~~والمعروف بالكبائر. PageV05P184 # * (كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم (34) ~~فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ~~(35) إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا ~~يسألكم أموالكم (36) إن) * * قوله تعالى: * (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم) أي: (لا تضعفوا). # وقوله: * (وتدعوا إلى السلم) أي: إلى الصلح، نهى الله تعالى المسلمين أن ~~يطلبوا الصلح مع الكفار إذا أمكنهم القتال. # وقوله: * (وأنتم الأعلون) أي: الغالبون القاهرون. # وقوله تعالى: * (والله معكم) أي: بالنصرة والحفظ. # وقوله تعالى: * (ولن يتركم أعمالكم) أي: لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا، ~~وقد ms1596 ثبت عن النبي أنه قال: ' مامن ساعة تمر على العبد المسلم لا يذكر الله ~~فيها إلا كانت عليه ترة يوم القيامة ' أي: نقص. # قوله تعالى: * (إنما الحياة لدنيا لعب ولهو) أي: ما يلهى ويلعب به. # وقوله: * (وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم) فيه ~~أقوال: أحدها: ولا يسألكم جميع أموالكم، إنما يسألكم قدر الزكاة، وهو ~~المعروف. والقول الثاني: لا يسألكم أموالكم لنفسه، إنما يسألكم لكم. والقول ~~الثالث: ولا يسألكم أموالكم؛ لأنها ليست لكم في الحقيقة، إنما هي له. ~~PageV05P185 # * (يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) ها أنتم هؤلاء تدعون ~~لتنفقوا في) * * وقوله تعالى: * (إن يسألكموها فيحفكم) أي: يبالغ في ~~مسألتكم، ويقال: يلح عليكم ويجهدكم. وفي بعض أمثال العرب: ليس للسائل ~~المحفي مثل منع (الخامس). # وفي بعض الأخبار عن النبي: ' إن الله يحب الحيي المتعفف، ويبغض السائل ~~الملحف '. # قوله * (تبخلوا) أي: تمنعوا 1850 و قوله: * (ويخرج أضغانكم) أي: ويخرج ~~الإحفاء أضغانكم، ويظهر ما في بواطنكم من البخل والإمساك والنفاق والشك. ~~وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: ' أخبر تقله ' أي: أخبر الإنسان ببغضه، ~~وعن بعضهم أنه قال: ' أقله بخبر، يعني: ابغضه، فهو المختبر. وفي بعض ~~الحكايات أن مخارقا غني للمأمون. PageV05P186 # * (سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني ~~وأنتم الفقراء وإن تنولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم (38).) * ~~* (إني لمشتاق إلى ظل صاحب * يرق ويصفو إن كدرت عليه) فقال المأمون: خذ مني ~~الخلافة وأتني بهذا الصاحب. # قوله تعالى: * (ها أنتم هؤلاء) أي: يا هؤلاء * (تدعون لتنفقوا في سبيل ~~الله) أي: في الجهاد. # وقوله: * (فمنكم من يبخل) أي يمنع. وقوله * (ومن يبخل فإنماعن نفسه) أي: ~~يفوت حظ نفسه. # وقوله: * (والله الغني وأنتم الفقراء) أي: الغني عنكم، وأنتم الفقراء ~~إليه. # وقوله: * (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم) أي: إن تعرضوا. # وقوله: * (قوما غيركم) فيه أقوال أحدها: ملائكة السماء، وهذا أشد ~~الأقوال. والقول الثاني: إن تتولوا يا معشر قريش يستبدل قوما غيركم أي: أهل ~~اليمن، وقد كان الأنصار منهم، فإن ms1597 الأوس والخزرج حيان من اليمن، وقد قال ~~الشاعر: # (ولله أوس آخرون وخزرج *) والقول الثالث: وهو المعروف، وإن تتولوا يا ~~معشر العرب يستبدل قوما غيركم أي: العجم. وفي الخبر المعروف: أن قوما سألوا ~~النبي عن معنى هذه الآية وقالوا: من الذين يستبدلهم بنا؟ وكان سالما جالسا ~~بجنبه فقال: هذا وقومه ثم قال: ' لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من ~~فارس '. # وقوله: * (ثم لا يكونوا أمثالكم) أي: يكونوا خيرا منكم وأطوع لي، ومعناه: ~~لا يكونوا أمثالكم في مخالفة الأوامر، والله أعلم. PageV05P187 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته) * * تفسير سورة الفتح وهي مدنية في ~~قولهم جميعا، وعن بعضهم: انها نزلت بين مكة والمدينة عند منصرفه من ~~الحديبية، قاله مسور بن مخرمة ومروان وغيرهما. وروى مالك عن زيد بن أسلم، ~~عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله في سفر ~~فقال: ' لقد أنزلت البارحة علي سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها، ثم ~~قرأ: * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) أخرجه البخاري عن (القعنبي) عن مالك. # وروي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: لما انصرفنا من مكة وقد منعنا من ~~نسكنا، وبنا من الحزن والكآبة شيء عظيم، فأنزل الله تعالى هذه السورة، فقال ~~النبي: ' هي أحب إلي من جميع الدنيا '. # قوله تعالى: * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) أي: قضينا لك قضاء بينا. ومعنى ~~القضاء هو الحكم بالنصرة على الأعداء، والفتح في اللغة هو انفتاح المنغلق، ~~وقيل: هو الفرح المزيل الهم، ومنه انفتاح المسألة، وهو انكشاف البيان الذي ~~يؤدي إلى البغية، وأما معنى ما وقع عليه اسم الفتح، فالأكثرون من العلماء ~~والمفسرين على أنه صلح الحديبية، فإن قيل: كيف يكون الصلح فتحا؟ وإن كان ~~فتحا للمسلمين فهو فتح للكفار أيضا؛ لأن الصلح يشتمل على الجانبين، والجواب ~~عنه: أنه قد أشكل هذا على عمر، ' فإنه لما أنزل الله تعالى هذه السورة، قال ~~عمر: يا ms1598 رسول الله، أفتح هو؟ PageV05P188 # قال: نعم '. # وقيل: إنه أعظم فتح كان في الإسلام؛ لأنه لما صالح مع المشركين ووداعهم ~~فكان قد صالح على وضع الحرب عشر سنين، فاختلط المشركون مع المسلمين بعد ~~ذلك، وسمعوا القرآن، ورأوا ما عليه رسول الله وأصحابه فرغبوا في الإسلام، ~~وأسلم في مدة الصلح من المشركين أكثر مما كان أسلم في مدة الحرب، وكثر سواد ~~الإسلام، وأسلم في هذه المدة: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن ~~طلحة العبدري، وكثير من وجوه المشركين، وقد كان في غزوة الحديبية بيعة ~~الرضوان، ووعد فتح خيبر وظهور الروم على الفرس، وكان ذلك من معجزات الرسول، ~~وكان ذلك مما سر المسلمين وساء المشركين؛ لأن المسلمين كانوا يودون ظهور ~~أهل الكتاب، والمشركون كانوا يودون ظهور الفرس والعجم فحقق الله ما يوده ~~المسلمون وكان المشركون قالوا حين ظهرت الفرس على الروم: كما ظهر الفرس على ~~الروم كذلك نحن نظهر عليكم، فحين أظهر الله الروم على الفرس كان ذلك علامة ~~لظهور المسلمين على المشركين. وقيل في الحديبية: هو إباحة الحلق والنحر قبل ~~بلوغ الهدي محله، وفي الآية قول آخر: وهو أن المراد من الفتح هو فتح مكة، ~~وذلك لأن الله تعالى وعده فتح مكة في غزوة الحديبية. # قوله تعالى: * (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) قال ثعلب معناه: ~~كي يغفر الله لك، فاللام بمعنى كي، قال: وحقيقة المعنى هو أنه يجمع لك ~~المغفرة مع الفتح، فيتم عليك النعمة بها. وقال أبو حاتم السجستاني النحوي: ~~معنى قوله: * (ليغفر لك الله) أي: ليغفرن الله لك، فلما أسقط النون خفض ~~اللام. # وقوله: * (ما تقدم من ذنبك وما تأخر) أي: ما تقدم من ذنبك قبل زمان ~~النبوة، وما تأخر عن زمان النبوة، وقيل: ما تقدم من ذنبك قبل الفتح، وما ~~تأخر عن الفتح. وعن الثوري قال: ما كان وما يكون مالم تفعله، وأنت فاعله، ~~فكأنه غفر له قبل الفعل. PageV05P189 # * (عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا (3) هو الذي ~~أنزل) * * فإن قال قائل: ms1599 وأي ذنب كان له؟ قلنا: الصغائر، وقد كان معصوما من ~~الكبائر. # وفي تفسير النقاش: أنه كان متعبدا قبل النبوة بشريعة إبراهيم في النكاح ~~والطلاق والعبادات والمعاملات وغير ذلك، وكان قد تزوج خديجة وهي مشركة، ~~وكذلك زوج ابنته رقية من عتبة بن أبي لهب وهو مشرك، و [كذلك] زوج ابنته ~~زينب من [أبي] العاص بن الربيع وكان مشركا فهذه ذنوبه قبل النبوة، وقد ~~غفرها الله تعالى له، وكان ذلك منه لا على طريق القصد. وقد ثبت عن النبي ' ~~أنه صلى حتى تورمت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدا شكورا. # وذكر الدمياطي في تفسيره عن ابن عباس: أن سب نزول الآية هو أن الله تعالى ~~لما أنزل قوله: * (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) شمت به المشركون واليهود، ~~وقالوا: هذا رجل لا يدري ما يفعل به ولا بأصحابه، فكيف ندخل في دينه؟ وقال ~~عبد الله بن أبي بن سلول الأنصاري: أتدخلون في دين رجل وهو لا يدري ما يفعل ~~به، فحزن المسلمون لذلك حزنا شديدا، فأنزل الله تعالى قوله: * (إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) الآية، فقال ~~المسلمون: هنيئا لك يا رسول الله، فكيف أمرنا؟ فأنزل الله تعالى قوله: * ~~(ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار). # وقوله: * (ويتم نعمته عليك) أي: (يتم) نعمته عليك بالنصر على الأعداء ~~PageV05P190 # * (السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود ~~السماوات والأرض) * * وبالإرشاد إلى شرائع الإسلام، وقد أول الفتح المذكور ~~في الآية بالإرشاد إلى الإسلام. # وقوله: * (ويهديك صراطا مستقيما) أي: يدلك على الطريق المستقيم. # وقوله: * (وينصرك الله نصرا عزيزا) أي: (نصرا) مع عز لا ذل فيه. وفي أصل ~~الآية قول آخر: وهو أن قوله تعالى: * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك ~~الله) هو في معنى قوله تعالى في سورة النصر: * (إذا جاء نصر الله والفتح) ~~فذلك الفتح هو هذا الفتح. وقوله: ms1600 * (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ~~فسبح بحمد ربك واستغفره) فذلك الأمر بالتسبيح والاستغفار مدرج هاهنا، فكأن ~~الله تعالى قال: (* (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) * فسبح بحمد ربك واستغفره) * ~~(ليغفر لك الله) ذكره أبو الحسين ابن فارس في تفسيره، وجعل هذا الأمر جوابا ~~لسؤال من يسال عن الآية أنه. كيف يجعل قوله: * (ليغفر) جوابا لقوله: * (إنا ~~فتحنا)؟ وكلاهما من الله تعالى؟ فأجابه بهذا الوجه. # قوله تعالى: * (هو الذي أنزل السكينة) قد بينا أن السكينة فعليه من ~~السكون، وحقيقتها هو السكون إلى وعد الله والثقة. ويقال: السكينة هو ما ~~ألهم الله تعالى المؤمنين من الصبر والتوكل عليه في لأمور كلها. # وقوله: * (في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) أي: تصديقا مع ~~تصديقهم، وقيل: يقينا مع يقينهم. وعن ابن عباس: أن الله تعالى أمر المؤمنين ~~بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلما قبلوا ذلك زادهم ~~الصلوات الخمس، فلما قبلوا ذلك زادهم الزكاة، ثم زادهم الحج، ثم زادهم ~~الجهاد، فلما أكمل شرائعه أنزل قوله: * (اليوم أكملت لكم دينكم). ~~PageV05P191 # * (وكان الله عليما حكيما (4) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا ~~عظيما (5) ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ~~ظن السوء عليهم) * * وقوله: * (ولله جنود السماوات والأرض) أي: جموع ~~السماوات والأرض، فلو سلط أصغر خلقه على جميع العالم لقهرهم. ويقال: له ~~جنود السماوات والأرض أي: ما خلق الله في السماوات من الملائكة، وما خلق ~~الله في الأرض من الجن والإنس وغيرهم. # وقوله: * (وكان الله عليما حكيما) أي: عليما بخلقه، حكيما في تدبيره. # قوله تعالى: * (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما) أي: نجاة ~~[عظيمة]. # قوله تعالى: * (ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظاني ~~بالله ظن السوء) ومعنى ظن السوء هاهنا: هو أنهم كانوا قد ظنوا على أن أمر ~~محمد لا يتم، ويضمحل عن قريب. ويقال: إن الرسول لما ms1601 توجه إلى مكة عام ~~الحديبية مع أصحابه معتمرين، ولم يحمل معه من السلاح إلا السيوف في القراب، ~~قال المنافقون وسائر الكفار: إن محمدا لا يرجع عن وجهه هذا أبدا وأنه يهلك ~~هو وأصحابه، فهو معنى ظن السوء. # وقوله: * (دائرة السوء) وقرئ: ' دائرة السوء) برفع السين، ومعناهما ~~متقارب أي: عليهم عاقبة الهلاك وقيل معناه: لهم سوء العاقبة لا للرسول. # وقوله: * (وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا) أي: بئس ~~المنقلب PageV05P192 # * (دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) ~~ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما (7) إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة ~~وأصيلا (9)) * * قوله تعالى: * (ولله جنود السماوات والأرض) في التفسير: أن ~~المنافقين قالوا: وما يغني عن محمد أصحابه؟ ولئن ظفر بقومه فكيف يظفر بجميع ~~العرب وكسرى وقيصر؟ ما وعد محمد أصحابه إلا الغرور، فأنزل الله تعالى قوله: ~~* (ولله جنود السماوات والأرض) ومعناه: أن الظفر من قبلي، والجنود كلها لي، ~~فمن شئت أن أنصره لم يعسر ذلك علي، قل أعداؤه أو كثر. # وقوله: * (وكان الله عزيزا حكيما) منيعا في النصر، حكيما في التدبير. # وقوله تعالى: * (إنا أرسلناك شاهدا) أي: شاهدا على أمتك يوم القيامة. ~~ويقال: شاهدا بتبليغ الأمر والنهي. # وقوله: * (ومبشرا) أي: مبشرا للمطيعين. # وقوله: * (ونذيرا) أي: مخوفا للعاصين. # وقوله: * (لتؤمنوا بالله ورسوله) أي: لكي تؤمنوا أيها الناس بالله ~~ورسوله. # وقوله: * (وتعزروه) أي: تعظموه، وقرئ في الشاذ: ' وتعززوه ' أي: تقدموا ~~بما يكون عزا له. # وقوله: * (وتوقروه) أي: تفخموه وتبجلوه، ويقال: وتعذروه معناه: [تنصروه] ~~بالسيف، وهو القول المعروف، فإن قال قائل: فإلى من ترجع الهاء؟ والجواب من ~~وجهين أحدهما: أنها راجعة إلى الرسول، والثاني: أنها راجعة إلى الله تعالى. ~~PageV05P193 # * (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث ~~فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (10) ~~سيقول لك المخلفون) * * وقوله: * (وتسبحوه بكرة وأصيلا) تنصرف إلى الله ~~قولا واحدا. # والتسبيح بالبكرة وهو صلاة الصبح، ms1602 وبالأصيل صلاة الظهر والعصر. # قوله تعالى: * (إن الذين يبايعونك) هذا في البيعة يوم الحديبية. وقد ~~كانوا بايعوه على ألا يفروا، وفي رواية: بايعوه على الموت. # وقوله: * (إنما يبايعون الله) أي: من أخذ العهد منك فقد أخذ العهد مني، ~~ومن بايعك فقد بايعني. وعن بعضهم: من دخل في الإسلام فقد بايع الله، وهو ~~معنى قوله: * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم...) الآية. # وقوله: * (يد الله فوق أيديهم) أي: يد الله في النصرة والمنة عليهم فوق ~~أيديهم بالطاعة لك. ويقال معناه: يد الله في الوفاء بقوله * (فوق أيديهم) ~~في الوفاء بعهدهم ويقال: إحسان الله تعالى إليهم فوق إحسانهم إليك بالنصرة، ~~ومنة الله عليهم فوق منتهم عليك في قبول ما جئت به. # وقوله: * (فمن نكث) أي: من نقض العهد. # وقوله: * (فإنما ينكث على نفسه) أي: وبال نقض عهده عليه. ويقال: إن الآية ~~نزلت في الجد بن قيس، وكان من المنافقين، فلما بايع رسول الله مع أصحابه ~~بيعة الرضوان اختبأ تحت إبط بعير ولم يبايع. ومعنى النكث: [هو] الترك. # وقوله: * (ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) أي: كثيرا. # قوله تعالى: * (سيقول لك المخلفون من الأعراب) نزلت الآية في مزينة ~~وجهينة وأشجع وأسلم، وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله في غزوة الحديبية، ~~واعتذروا PageV05P194 # * (من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتم ما ليس ~~في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا ~~بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون ~~إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في) * * بالشغل في الأموال والأولاد، فلما رجع ~~رسول الله جاءوا معتذرين، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. # وقوله * (شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا) أي أطلب لنا المغفرة من ~~الله تعالى وقوله: * (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) يعني: أنهم لا ~~يبالون استغفرت لهم أو تركت الاستغفار لهم لنفاقهم، وإنما يظهر طلب ~~الاستغفار تقية وخوفا. وهذا في المنافقين من هذه القبائل لا في ms1603 جميعهم، ~~فإنه قد كان فيهم مسلمون محققون إسلامهم. # وقوله: * (قل فمن يملك لكم من الله شيئا) أي: يدفع عنكم عذاب الله، ومن ~~يمنعكم من الله إن أراد عقوبتكم. # وقوله: * (إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا) أي: ليس الأمر في جميع هذا ~~إلا بيده وقوله. بل كان الله بما تعملون خبيرا) أي: عليما. ويقال في قوله: ~~* (شغلتنا أموالنا) أي: ليس لنا من يقوم بها. # وقوله: * (وأهلونا) أي: ليس لنا من يخلفنا في القيام بأمرهم. # وقوله: * (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) قال ابن عباس: كان في ~~قلوبهم الشك. # وقوله: * (قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا) أي: الهزيمة. # وقوله: * (أو أراد بكم نفعا) أي: النصرة والغنيمة. PageV05P195 # * (قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ~~ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين سعيرا (13) ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن ~~يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما (14) سيقول المخلفون إذا انطلقتم ~~إلى مغانم لتأخذوها) * * قوله تعالى: * (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا) قد بينا ظنهم * (وزين ذلك في قلوبكم) أي: زينه ~~الشيطان. # وقوله: * (وظننتم ظن السوء) قد بينا معناه. # وقوله: * (وكنتم قوما بورا) أي: هلكى. قال عبد الرحمن بن زيد بن اسلم: هو ~~الذي لا خير فيه. ويقال: إن في لغة أزد عمان البور: الفاسد، ويقال: رجل ~~بور، ورجلان بوران، ورجال بور، ويقال: أصبحت اعمالهم بورا ومساكنهم قبورا. ~~وقيل: بورا: فاسدة قلوبهم، لا محسنين ولا متقين. وفي التفسير: أنه كان ظنهم ~~أن محمدا وأصحابه يقتلون في ذلك الوجه، ولا يرجعون أبدا إلى المدينة. # قوله تعالى: * (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين سعيرا) ~~قال ابن عباس: السعير هو الطبق السادس من جهنم. # قوله تعالى: * (ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ~~وكان الله غفورا رحيما) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها) سبب نزول ~~الآية: هو أن الله تعالى وعد أهل الحديبية غنائم خيبر، ms1604 وقد كان هؤلاء ~~الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله وظنوا ظن السوء طمعوا في غنائم خيبر ~~وكان الله قد جعل غنائم خيبر لأهل الحديبية خاصة، فلما رجع النبي وأصحابه ~~إلى المدينة، وتوجهوا قبل خيبر جاء هؤلاء الأعراب، واستأذنوا رسول الله أن ~~يكونوا معه في هذه الغزوة، وقالوا: ذرونا نتبعكم. # وقوله: * (يريدون أن يبدلوا كلام الله) يعني: حكم الله الذي حكم في غنائم ~~PageV05P196 # * (ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تبعونا كذلكم قال الله ~~من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) قل ~~للمخلفين من الأعراب) * * خيبر أنها لأهل (المدينة) خاصة، حيث طمعوا أن ~~يصيبوا منها، ويقال معنى قوله: * (يريدون أن يبدلوا كلام الله) هو قوله ~~تعالى: * (قل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) فأرادوا [أن] ~~يبدلوا هذا الكلام الذي قاله الله، ويظهروا أنا خرجنا وقاتلنا خلاف ما قاله ~~الله. وفي التفسير: أنهم لما قالوا: ذرونا نتبعكم، قال لهم أصحاب رسول ~~الله: نأذن لكم في القتال على أن تكونوا متطوعين في القتال لا سهم لكم في ~~الغنيمة؛ لأن غنيمة خيبر لأهل الحديبية خاصة. # وقوله: * (قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل) فعلى القول الأول [لن] ~~تتبعونا أصلا، وعلى القول الثاني قل لن تتبعونا لأخذ الغنيمة. # وقوله: * (كذلكم قال الله من قبل) أي: حكم الله من قبل. # وقوله: * (فسيقولون بل تحسدوننا) أي: لم تأذنوا لنا في اتباعكم [حسدا] ~~منكم لنا لئلا نصيب ما تصيبون. # وقوله: * (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) أي: لا يعلمون ما لهم وما عليهم ~~في الدين إلا قليلا. # قوله تعالى: * (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) ~~أصح الأقاويل أنهم بنو حنيفة، أولوا بأس شديد حيث قاتلوا المسلمين مع ~~مسيلمة الكذاب. قال رافع بن خديج: ما كنا نعلم معنى قوله: * (أولي بأس ~~شديد) حتى PageV05P197 # * (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم ~~الله أجرا) * * دعانا أبو بكر رضي الله عنه إلى قتال مسيلمة، ms1605 وكان ذلك ~~الحرب حربا شديدا على المسلمين، استشهد فيه كثير من الصحابة. # ويقال: استشهد فيه سبعمائة نفر من أصحاب رسول الله فيهم زيد بن الخطاب ~~أخو عمر بن الخطاب وعكاشة بن [محصن]. # والقول الثاني: أن قوله: * (أولي بأس شديد) هو هوازن وثقيف، قاله الضحاك ~~عن ابن عباس. # والقول الثالث: أنهم فارس، وكان الحرب معهم أشد حرب على المسلمين في زمان ~~عمر رضي الله عنه. # وفي القول الأول، وفي هذا القول دليل على خلافة أبي بكر وعمر، لأنهما ~~دعوا المسلمين إلى قتال مسيلمة وقتال فارس، وقد كان مع فارس وقعة القادسية، ~~وفيها قتل رستم صاحب جيش العجم، ووقعة جلولا ووقعة نهاوند، وهي تسمى فتح ~~الفتوح، ولم تقم بعدها قائمة، وتمزق ملكهم، وصدق الله دعوة النبي حيث قال: ~~' اللهم فمزق ملك فارس '. وروي أن أن كسرى لما مزق كتاب النبي وبلغ ذلك ~~رسول الله فقال: ' مزق ملكه '. وعن كعب الأحبار قال في قوله: * (إلى قوم ~~أولي بأس شديد) قال: هم الروم ومعهم الملحمة الكبرى في آخر الزمان. ~~PageV05P198 # * (حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (16) ليس على ~~الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله ~~يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) لقد رضي ~~الله عن المؤمنين) * * وأصح الأقاويل هو القول الأول؛ لأن الله تعالى يقول: ~~* (تقاتلونهم أو يسلمون) ومعناه: أو يسلموا، وهذا إنما يكون في المرتدين ~~الذين لا يجوز أخذ الجزية منهم، فأنما المجوس والنصارى فيجوز أخذ الجزية ~~منهم. وأما مجاهد حمل الآية على أهل الأوثان. # وقوله: * (فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا) أي: الجنة. # وقوله: * (وإن تتولوا كما توليتم من قبل) أي: تعرضوا كما أعرضتم من قبل. # وقوله: * (يعذبكم عذابا أليما) أي: وجيعا. فإن قيل: ذكر في هذه الآية ~~قوله: * (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) وقال في آية أخرى: * (قل لن تخرجوا ~~معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) وإنما قاتلوا مع أبي بكر وعمر ولم يقاتلوا ~~مع ms1606 الرسول. # قوله تعالى: * (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض ~~حرج) يعني: لا حرج على من تخلف عنك بهذه الأعذار عن غزوة الحديبية. # والحرج: الإثم، ومعنى الآية: أن الله تعالى أباح غنائم خيبر لقوم تخلفوا ~~عن غزوة الحديبية بهذه الأعذار. وقيل: إن هؤلاء القوم: أبو أحمد بن جحش، ~~وأمه آمنة بنت عبد المطلب، وعبد الله بن أم مكتوم الأعمى، وغيرهم. # وقوله: * (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن ~~يتول يعذبه عذابا أليما) ظاهر المعنى. PageV05P199 # * (إذ يبايعونك تحت الشجرة) * * قوله تعالى: * (لقد رضي الله عن المؤمنين ~~إذ يبايعونك تحت الشجرة) القول المعروف في الآية أنه لما توجه إلى مكة عام ~~الحديبية معتمرا هو وأصحابه، وساقوا الهدي مع أنفسهم، فلما بلغوا الحديبية، ~~وهي بئر بمكان معلوم على طرف الحرم، وتلك البقعة سميت باسم البئر، وقد ظهرت ~~معجزة لرسول الله في هذا البئر؛ ' فإن أصحاب رسول الله ورضي [الله] عنهم ~~لما وصلوا إليها نزحوها حتى لم يبق من الماء شيء فشكوا إلى رسول الله ~~العطش؛ فجاء رسول الله وقعد على شفير البئر ودعا بماء فتمضمض به وصبه في ~~البئر، فجاشت البئر بالروى، فاستقى الناس، وسقوا الركاب، ولم ينزف بعد '. # رجعنا إلى أصل القصة: ' فلما بلغوا الحديبية بركت ناقة النبي وهي ~~القصواء، فبعثوها فلم (تنبعث)، فقالوا: خلأت القصواء. فقال رسول الله: ' ما ~~خلأت، ولا هو لها بخلق، ولكنها حبسها حابس الفيل، والله لا يسألوني خطة ~~فيها تعظيم حرم الله إلا أعطيتهم إياها '، ثم دعا عمر وأراد أن يبعثه إلى ~~أهل مكة يستأذنهم في الدخول، ليقضي عمرته، وينحر هديه، فقال عمر: يا رسول ~~الله، ما لي بها من حميم ولا عشيرة وقد عرفوا شدة عداوتي لهم، وإني أخافهم ~~على نفسي، ولكن أدلك على من هو أعز مني بها عسيرة، قال: ' ومن ذلك؟ '، قال: ~~عثمان، فأرسله إلى مكة. ثم إنه بلغ النبي أن عثمان قتل، وعن بعضهم أن إبليس ~~خرج وقال: إن عثمان قتل فحينئذ قام النبي واستند ms1607 إلى الشجرة وهي شجرة سمرة ~~فبايع مع أصحابه وهي بيعة الرضوان، وكان بايع على القتال إلى أن يموتوا، ~~ويقال: بايع على ألا يفروا ' واختلف القول في عدد القوم، قال ابن أبي أوفى: ~~PageV05P200 # * (فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18)) * * ~~ألف وثلاثمائة. وقال جابر: ألف وأربعمائة، وهو الأصح. وعن ابن عباس: ألف ~~وخمسمائة. ثم ظهر أن عثمان لم يقتل. # وفي الآية قول آخر، رواه ابن أبي زائدة عن الشعبي قال: ' مراد الله من ~~البيعة المذكور في الآية بيعة رسول الله مع السبعين من الأنصار ليلة ~~العقبة، والقصة في ذلك: أنه قدم سبعون نفرا من أهل المدينة ليلقوا النبي في ~~أيام الحج قبل الهجرة، ورأسهم أبو أمامة أسعد بن زرارة، فخرج النبي ومعه ~~العباس ليلا حتى أتوا العقبة، وحضر من أهل المدينة هؤلاء السبعون، فقال ~~العباس لهم: ليتكلم متكلمكم ولا يطول، فإن عليكم عينا، وإن تعرف قريش ~~بمكانكم يؤذوكم. فقال أسعد بن زرارة: يا رسول الله، اشترط لربك، واشترط ~~لنفسك، واذكر مالنا إذا قبلنا، فقال النبي: ' اشترط لربى أن لا تشركوا به ~~شيئا، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأولادكم. قال: فما ~~لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: الجنة، قال: رضينا '. # روي أن إبليس صرخ على العقبة: يا معشر قريش، هؤلاء الصباة قد اجتمعوا مع ~~محمد يبايعون عليكم. فلما سمعوا ذلك تفرق النبي وأولئك، فجاء المشركون فلم ~~يجدوا أحدا، والصحيح هو القول الأول. # وقوله: * (فعلم ما في قلوبهم) أي: من الصدق والوفاء. وقيل: هو الإخلاص. # وقوله: * (فأنزل السكينة عليهم) أي: الطمأنينة. ويقال: الثقة بوعد الله، ~~والصبر على أمر الله، ويقال: اعتقاد الوفاء. # وقوله: * (وأثابهم فتحا قريبا) أي: فتح خيبر، ويقال: فتح مكة، والأول هو ~~المعروف. PageV05P201 # * (ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) وعدكم الله مغانم ~~كثيرة تأخذذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم) * * قوله تعالى: * ~~(ومغانم كثيرة يأخذونها) يعني: أموال خيبر، وكانت لهم أموال كثيرة من ~~العقارات والنخيل وغيرها. # وقوله: * (وكان الله عزيزا حكيما) قد بينا. # قوله ms1608 تعالى: * (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها) قال مجاهد معناها: ~~الغنائم التي تؤخذ من الكفار إلى قيام الساعة. وقال الحسن البصري: غنائم ~~فارس والروم. وقيل: فتح مكة. # وقوله: * (فعجل لكم هذه) أي: غنائم خيبر. # وقوله: * (وكف أيدي الناس عنكم) في التفسير: أن أسد وغطفان كانوا حلفاء ~~يهود خيبر، فلما توجه رسول الله إلى خيبر أراد أسد وغطفان أن يغيروا على ~~المدينة، فألقى الله الرعب في قلوبهم وتفرقوا. وروي أن رسول الله مال إليهم ~~ليقاتل معهم أولا، فهربوا وتفرقوا وخلوا أهل خيبر، فرجع رسول الله إلى خيبر ~~وفتحها. ويقال: كف أيدي الناس عنكم: جميع المشركين، ولم يكن في الأمم أمة ~~أذل وأقل من العرب فأعزهم الله بالإسلام، وأغنمهم كنوز العجم والروم، ~~وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وكان أول ما دخل الذل على العجم حرب ذي ~~قار، وهو موضع بعث كسرى بجنوده إلى بني شيبان ليقاتلوا معهم بسبب قصة ~~طويلة، فقاتلوا بذي قار، وجعل العرب شعارهم اسم محمد، قال رئيسهم لهم: ~~اجعلوا شعاركم اسم هذا القرشي الذي خرج يدعو الناس إلى الله تعالى، ~~فاقتتلوا وهزم الله المشركين، وقتل أكثر جنود كسرى، فلما بلغ النبي قال: ' ~~اليوم انتصفت العرب من العجم، وبي نصروا، من ذلك الوقت دخل الذل على العجم ~~وفني ملكهم. PageV05P202 # * (ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما (20) وأخرى لم تقدروا ~~عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (21) ولو قاتلكم الذين ~~كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) سنة الله التي قد خلت ~~من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم ~~عنهم ببطن مكة من بعد) * * وقوله: * (ولتكون آية للمؤمنين) أي: معجزة، ~~والآية في دعوة رسول الله فتح خيبر وغنائم العجم والروم، وتحقق ذلك عن ~~قريب. # وقوله: * (ويهديكم صراطا مستقيما) يؤديكم إلى رضا الله تعالى. # قوله تعالى: * (وأخرى لم تقدروا عليها) أي: أرض العجم. ويقال: أرض مكة. ~~ويقال: جميع ما فتح الله من الأراضي، ويفتحها إلى قيام الساعة. # وقوله: * (قد أحاط الله بها) أي: ms1609 أحاط علمه بها. # وقوله: * (وكان الله على كل شيء قديرا) أي: قادرا. # قوله تعالى: * (ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار) أي: انهزموا وكان ~~الظفر لهم. # وقوله: * (ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا) قد بينا من قبل. # قوله تعالى: * (سنة الله التي قد خلت من قبل) أي: سن الله هذه السنة، وهي ~~نصرة أوليائه وإهلاك أعدائه. ويقال: هي أن العاقبة للمؤمنين، ومعناه: أن ~~هذه السنة التي سننتها لكم هي سنتي فيمن خلا من قبلكم. # وقوله: * (ولن تجد لسنة الله تبديلا) أي: تغييرا. # قوله تعالى: * (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة) روى ~~PageV05P203 # * (أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (24) هم الذين كفروا ~~وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ~~ونساء مؤمنات لم) * * عبد الله بن مغقل المزني ' أن النبي كان جالسا تحت ~~الشجرة يبايع أصحابه وفي رواية: وعنده علي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو يكتبا ~~كتاب الصلح فثار في وجوهنا ثلاثون شابا من المشركين قدموا من مكة بقصد رسول ~~الله، فدعا رسول الله فأخذ الله بأبصارهم فقمنا وجئنا بهم نقودهم إلى رسول ~~الله فقال: ' هل لكم عهد؟ هل لكم إيمان؟ ' فقالوا: لا. فخلى سبيلهم، فأنزل ~~الله تعالى قوله: * (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم) '. # وروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: أهبط ثمانون رجلا متسلحين من ~~جبل التنعيم، فأخذهم أصحاب رسول الله وجاءوا بهم إلى النبي، فاستحياهم وخلى ~~سبيلهم، وأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (ببطن مكة) يعني: الحديبية، وإنما سماها بطن مكة لقربها من مكة. # وقوله * (من بعد أن أطفركم عليهم) قد بينا. # وقوله: * (وكان الله بما تعملون بصيرا) أي: عليما. # قوله تعالى: * (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا) ~~أي: وصدوا الهدي معكوفا، ونصبه على الحال، ومعناه: محبوسا. # وقوله: * (أن يبلغ محله) أي: منحره، وكان رسول الله قد ساق سبعين بدنة. # وقوله: * (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) قال أهل التفسير: معنى الآية: ~~أنه PageV05P204 # * (تعلموهم أن ms1610 تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من ~~يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما (25) إذ جعل الذين ~~كفروا في قلوبهم) * * كان قد أسلم رجال ونساء (بمكة)، وأقاموا هنالك ~~مختلطين بالمشركين، ولم يكن يعرف مكانهم، فقال الله تعالى: ولولا هم يعني ~~القوم الذين ذكرنا * (لم تعلموهم أن تطئوهم) يعني: توقعوا بهم وتصيبوهم ~~بغير علم إن دخلتم محاربين مقاتلين. # وقوله: * (فتصيبكم منهم معرة بغير علم) أي: سبة، ويقال: عيب وملامة، ~~ومعناه: أن الكفار يعيبونكم، ويقولون: إنهم يقتلون أهل دينهم. ويقال في ~~المعرة: هي لزوم الدية عند القتل. # وقوله: * (ليدخل الله في رحمته من يشاء) فيه تقدير محذوف، ومعناه: حال ~~بينكم وبينهم؛ ليدخل الله في رحمته من يشاء أي: في الإسلام من يشاء. # وقوله: * (لو تزيلوا) أي: لو تميزوا أي: لو فارق المسلمون الكافرين * ~~(لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) ومعناه: لولا أصابتكم المعرة ~~واختلاط [المسلمين] بالكفار لعذبنا الذين كفروا أي: بالقتل بالسيف. # قوله تعالى: * (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية) ~~الحمية: الأنفة والامتناع عن الشيء غضبا، ومن الأنفة محمود ومذموم. ويقال: ~~فلان حام حومته أي: مانع لحوزته. ومعنى حمية الجاهلية هاهنا: هي أن الكفار ~~لم يتركوا النبي أن يدخل [هو] وأصحابه مكة في ذلك العام، وقالوا: لا يدخل ~~علينا محمد أبدا على كره منا ما بقي منا أحد، وكان ذلك أنفة منهم وحمية، ثم ~~إن الرسول لما صالح معهم كان في الصلح أن يرجع هذا العام، ويعود في العام ~~القابل في ذلك الشهر بعينه، ويقضي نسكه، ويقيم ثلاثا ويرجع. وفي الآية قول ~~آخر: وهو أن [معنى] حمية الجاهلية: أن سهيل بن عمرو ومعه حويطب بن عبد ~~العزى [جاءوا] ليعقدوا PageV05P205 # * (الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وألزمهم كلمة) * * عقد الصلح، فلما كان أوان (الكتبة) قال النبي لعلي رضي ~~الله عنه: ' اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا نعرف ما الرحمن ~~الرحيم! اكتب كما نكتب: باسمك اللهم. فقال المسلمون: لا ms1611 إله إلا الله تعجبا ~~من قولهم ورجت بها جبال تهامة، ثم إنه قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد ~~رسول الله، فقال سهيل: ولو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك؛ اكتب هذا ما ~~صالح عليه محمد بن عبد الله، وكتب علي ذلك، وقال عليه الصلاة والسلام: أنا ~~محمد رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله. وكان في عقد الصلح أيضا: أن من جاء ~~إلى النبي من المشركين مسلما في مدة الصلح يرد إليهم، ومن ذهب من المسلمين ~~إلى الكفار مرتدا لم يردوه، وكان هذا كله من حمية الجاهلية، وعند هذه ~~الشروط وقعت الفتنة لعمر، وأتى رسول الله وقال: ألست رسول الله؟ قال: بلى. ~~قال: أولسنا على الحق؟ قال: بلى. قال: علام نعطي الدنية في ديننا؟ يعني: ~~نرضى بالخصلة الأدنى لأنفسنا، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا رسول الله ولا ~~يضيعني، وذهب إلى أبي بكر وذكر له مثل ذلك، فقال له: إنه رسول الله، ولن ~~يضيعه الزم [الغرز]، ثم إن سهيل بن عمرو أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وقام في ~~الإسلام مقامات مشهودة. # وقوله: * (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) قد بينا معنى ~~السكينة، والمعنى هاهنا: هو الثبات على الدين مع هذه الأمور. # وقوله: * (وألزمهم كلمة التقوى) روى ابن الطفيل عن أبي بن كعب عن النبي ~~هي: ' لا إله إلا الله '. # وفي الخبر المشهور عن عمر قال: إني سمعت رسول الله يقول: ' أنا أعلم ~~PageV05P206 # * (التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما (26) لقد صدق ~~الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين ~~رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ~~(27)) * * كلمة إذا قالها العبد مخلصا من نفسه دخل الجنة، ولا أدري ما هي، ~~فقال: أنا اردري هي الكلمة التي ألاص عليها عمه أي: ألح على عمه أن يقولها ~~وهي لا إله إلا الله '. وعن الزهري: أن كلمة التقوى بسم الله الرحمن ~~الرحيم. # وقوله: * (وكانوا أحق بها وأهلها) أي: كانوا ms1612 محلا لهذه الكلمة وأهلا لها، ~~ويقال: كانوا أهلها في علم الله وحكمه، وهو الأصح. # وقوله: * (وكان الله بكل شيء عليما) أي: عالما. # قوله تعالى: * (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق) قال المفسرون: كان ~~النبي رأى في منامه أنه دخل مكة مع أصحابه محلقين ومقصرين، فقص ذلك على ~~أصحابه، ولم يشكوا أن ذلك حق، وظنوا أن يكون في العام الذي هم فيه، واعتمر ~~النبي وأصحابه وخرجوا على ذلك، فلما صدهم المشركون عن البيت ورجعوا، اغتم ~~المسلمون غما شديدا، وظنوا أنهم لا يدخلون، فأنزل الله هذه الآية. ومعنى ~~قوله: * (لقد صدق الله) أي حقق الله رسوله أي: الرؤيا بالحق. # وقوله * (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين ~~لا تخافون) وهذا التحقيق حصل في العام الثاني حين اعتمروا عمرة القضاء. # وقوله: * (فعلم ما لم تعلموا) أي: وقت ظهور الرؤيا. # وقوله: * (فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) أي: فتح خيبر، وفي الآية سؤال ~~PageV05P207 # * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا) * * معروف، وهو على قوله: * (إن شاء الله) ما معنى قوله * (إن شاء ~~الله) والله تعالى هو المخبر، وما يخبر عنه كائن لا محالة، والاستثناء إنما ~~يدخل على شيء يجوز أن يكون، ويجوز ألا يكون؟ والجواب من وجوه: أحدها: أن ~~معنى قوله: * (إن شاء الله) إذا شاء الله. # والوجه الثاني: أن الآية على التقديم والتأخير، ومعناه: لتدخلن المسجد ~~الحرام آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون إن شاء الله. # والوجه الثالث: أنه كان مع النبي قوم عند نزول هذه الآية، منهم من غاب، ~~ومنهم من مات قبل أن يحصل الموعود، فالاستثناء إنما وقع على هذا أنه يدخل ~~بعضهم أو جميعهم. # والوجه الرابع وهو الأولى أن الله تعالى قال: * (إن شاء الله) هاهنا على ~~ما أحب ورضي وأمر به عباده، فإنه أمرهم أن يستثنوا فيما يخبرون به من ~~الأمور المستقبلة، ويعدونه على ما قال الله تعالى: * (ولا تقولن لشيء إني ~~فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) ms1613 وهذا أمر له ولجميع الأمة، فقال تعالى: * ~~(إن شاء الله) وإن علم وقوع الفعل وإن علم وقوع الفعل ليقتدي به المؤمنون ~~ولا يتركون هذه الكلمة فيما يخبرون به من الأمور التي لم يعلموا وقوعها. ~~قال الأزهري: وكأنه قال: لما قلت إن شاء الله فيما علمت وقوعه، فلأن تقولوا ~~إن شاء الله فيما لم تعلموا وقوعه أولى. # قوله تعالى: * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله) أي: على الأديان كلها، ومن المشهور أن عيسى عليه السلام ينزل من ~~السماء، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يبقى يهودي ولا نصراني إلا أسلم، ~~وحينئذ تضع الحرب أوزارها، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد. # وقوله: * (وكفى بالله شهيدا) أي: شاهدا. PageV05P208 # ((28) * محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك ~~مثلهم في) * * قوله تعالى: * (محمد رسول الله) هذه الآية شهادة من الله ~~تعالى لرسوله بالحق وأنه رسوله حقيقة. # وقوله: * (والذين معه) يعني: أصحابه. # وقوله: * (أشداء على الكفار) أي: غلاظ شداد عليهم، وهو في معنى قوله: (* ~~(أعزة على الكافرين) * رحماء بينهم) أي: متوادون ومتواصلون بينهم، وهو في ~~معنى قوله: * (أذلة على المؤمنين). # وقوله: * (تراهم ركعا سجدا) أي: راكعين ساجدين. # وقوله: * (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) أي: الجنة والثواب الموعود. # وقوله: * (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) قال ابن عباس: هو في القيامة، ~~وذلك من آثار الوضوء على ما قال: ' أمتي غر محجلون من آثار الوضوء ' فعلى ~~هذا يكون (المؤمنون) بيض الوجوه من أثر الوضوء والصلاة. وقال عكرمة: من أثر ~~السجود: هو التراب على الجباه، وقد كانوا يسجدون على التراب، وقال الحسن: ~~هو السمت الحسن، وعن سعيد بن جبير: هو الخضوع والتواضع، وهو رواية عن ابن ~~عباس، ويقال: صفرة الوجه من سهر الليل، وهذا قول معروف. # وقوله: * (ذلك مثلهم في التوراة) أي: صفتهم في التوراة. # وقوله: * (ومثلهم في الإنجيل) منهم من قال: الوقف على قوله: * (ذلك مثلهم ~~في ms1614 التوراة)، وقوله: * (ومثلهم في الإنجيل) كلام مبتدأ بمعنى: صفتهم في ~~الإنجيل كزرع، ومنهم من قال: الوقف على قوله: * (في الإنجيل). PageV05P209 # * (التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على ~~سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~منهم مغفرة وأجرا عظيما (29)) * * وقوله: * (كزرع) معناه: هم كزرع. # وقوله: * (أخرج شطأه) أي: فراخه. يقال: أشطأ الفزرع إذا فرخ، ومعنى ~~الفراخ: هو أنه ينبت من الحبة الواحدة عشر سنابل وأقل وأكثر. # وقوله: * (فآزره) أي: قواه، وقرئ: ' فأزره ' بغير مد، وهو بمعنى الأول. # وقوله: * (فاستغلظ) أي: استحكم واشتد وقوي. # وقوله: * (فاستوى على سوقه) أي: انتصب على ساق. # وقوله: * (يعجب الزراع) أي: الحراث. وهذا كله ضرب مثل النبي وأصحابه، ~~وذكر صفتهم وما قوى الله بهم النبي ونصره بهم. # وعن جعفر بن محمد الصادق قال: * (والذين معه) أبو بكر * (أشداء على ~~الكفار) عمر * (رحماء بينهم) عثمان) * (تراهم ركعا سجدا) علي رضي الله عنهم ~~* (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) العشرة. # وقوله: * (كزرع) محمد * (أخرج شطأه) أبو بكر * (فآزره) بعمر * (فاستغلظ) ~~بعثمان * (فاستوى على سوقه) بعلي رضي الله عنهم أجمعين، وهذا قول غريب ذكره ~~النقاش، والمختار والمشهور هو القول الأول، أن الآية في جميع أصحاب النبي ~~من غير تعيين، وعليه المفسرون. # وقوله: * (ليغيظ بهم الكفار) أي: ليدخل الغيظ في قلوبهم. # وقوله: * (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) ~~اختلفوا في قوله: * (منهم) فقال قوم: من هاهنا للتجنيس لا للتبعيض. قال ~~الزجاج: هو تخليص للجنس، وليس المراد بعضهم؛ لأنهم كلهم مؤمنون، ولهم ~~المغفرة والأجر العظيم. PageV05P210 # وعن ابن عروة قال: كنا عند مالك بن أنس فذكروا رجلا (يتبغض) أصحاب رسول ~~الله، فقال مالك: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله فقد أصابته هذه ~~الآية، وهو قوله: * (ليغيظ بهم الكفار). # والقول الثاني: أن معنى قوله: * (منهم) أي: من ثبت منهم على الإيمان ~~والعمل الصالح فله المغفرة والأجر العظيم، أورده النحاس في تفسيره. ~~PageV05P211 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (يا أيها الذين آمنوا ms1615 لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله) * * تفسير سورة الحجرات وهي مدنية باتفاق القراء، وروى (ثوبان) عن ~~النبي أنه قال: ' أعطيت السبع الطول مكان التوراة، وأعطيت المائين مكان ~~الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلني ربي بالمفصل '. # ومنهم من قال: المفصل من سورة محمد، والأكثرون على أن المفصل من هذه ~~السورة، والله أعلم. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) روى ~~علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أن معنى قوله: * (لا تقدموا بين يدي ~~الله ورسوله) أي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وقال مجاهد: لا تفتاتوا ~~على الله ورسوله حتى يقضي الله على لسان رسوله ما شاء. قال: ومعنى ' لا ~~تفتاتوا ' أي: لا تعارضوا. ويقال معناه: لا تعجلوا بالقول قبل قول الرسول، ~~ولا بالفعل قبل فعل الرسول، وهو فيما يوجد عنه من أمر الدين فعلا وقولا. # وعن قتادة قال: كان ناس يقولون: لو أنزل كذا، لو أنزل كذا، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. وعن الحسن البصري قال: ذبح الناس أضحيتهم قبل صلاة النبي ~~يوم العيد، PageV05P212 # * (واتقوا الله إن الله سميع عليم (1) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت) * * فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وعن عائشة رضي الله عنها أن ناسا صاموا يوم الشك، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # وقال الزجاج معناه: لا تفعلوا الطاعات قبل وقت فعلها، وهذا في جميع ~~العبادات إلا ما قام (على جوازه) دليل من السنة. # وروى عبد الله بن الزبير ' أن وفد بني تميم قدموا على النبي، فقال أبو ~~بكر: يا رسول الله، أمر عليهم الأقرع بن حابس، وقال عمر: يا رسول الله، أمر ~~عليهم فلانا غير الذي قال أبو بكر، ويقال: إن الرجل الذي أشار إليه عمر هو ~~القعقاع بن معبد بن زرارة، فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما ما أردت [إلا ~~خلافي]، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا عند النبي، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية '. # وقرأ الضحاك: ' لا تقدموا ' وهي قراءة يعقوب الحضرمي، ومعناه: لا ~~تتقدموا. ms1616 # وقوله: * (واتقوا الله إن الله سميع عليم) أي: سميع لقولكم، عليم لما ~~أنتم عليه. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) في ~~التفسير: أن الأعراب الجهال [كانوا يقدمون] على النبي، ويرفعون أصواتهم ~~PageV05P213 # * (النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض) * * فوق صوته، ويدعونه ~~باسمه فيقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، وكان ذلك نوع تهاون بحقه، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية؛ ليكلموه كلام المبجل المعظم له الدال على توفية حقه ~~في الخطاب. # وروي أن ثابت بن قيس بن شماس كان به صمم، وكان جهير الصوت، فلما أنزل ~~الله تعالى هذه الآية جلس في بيته غما. ويقال: سمر بابه بالحديد، وقال: ~~أخاف أن يكون قد حبط عملي، فدعاه النبي وقال: ' أما ترضى أن تعيش حميدا ~~وتموت شهيدا ' قال: نعم. قال: ' تكون كذلك ' واستشهد يوم اليمامة. # وروي أنه قال له: ' أنت من أهل الجنة '. # وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لما نزلت هذه الآية: والله لا أكلم ~~رسول الله إلا كأخى السرار. # وعن عمر رضي الله عنه أنه كان بعد نزول هذه الآية لا يكلم رسول الله إلا ~~خافضا صوته حتى كان يستفهمه رسول الله ما يقوله. # وقوله: * (ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض) وهو نهى عن رفع الصوت ~~في حضرته. وقال بعضهم: هو أن تناديه باسمه، وهو أن تقول: يا محمد، يا أبا ~~القاسم، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمر ان يدعى باسم النبوة والرسالة. وحكي ~~عن مالك بن أنس أنه قال: من قال إن رسول الله وسخ يريد به النقص كفر بالله ~~PageV05P214 # * (أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن ~~الذين) * * تعالى. # وقوله: * (أن تحبط أعمالكم) أي: فتحبط أعمالكم، وكذلك قرأ ابن مسعود، ~~ويقال: لئلا تحبط أعمالكم. # وقوله: * (وأنتم لا تشعرون) أي: لا تعلمون بحبوط الأعمال. # قوله تعالى: * (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله) أي: يخفضونها. ms1617 # وقوله: * (أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) أي: أخلص الله قلوبهم ~~للتقوى. ويقال: امتحن الله قلوبهم فوجدها خالصة. ويقال: إن المراد من ~~القلوب أرباب القلوب يعني امتحنهم الله تعالى وابتلاهم ليكونوا متقين، ~~واللام لام الصيرورة، وهو مثل قوله تعالى: * (ليكون لهم عدوا وحزنا). # وقوله تعالى: * (لهم مغفرة وأجر عظيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات) ذكر المفسرون أن وفد ~~تميم قدموا على النبي وجعلوا ينادونه من وراء الحجرات يا محمد، يا محمد ~~اخرج إلينا، وكان فيهم قيس بن عاصم المنقري، والزبرقان بن بدر، والأقرع بن ~~حابس، والقعقاع بن معبد، وغيرهم. # وروي أن الأقرع بن حابس قال: يا محمد إن مدحي زين، وذمي شين، فقال رسول ~~الله: ' ذاك هو الله '. PageV05P215 # * (ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا حتى ~~تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5)) * * وقوله: * (أكثرهم لا ~~يعقلون) أي: هم من قوم أكثرهم لا يعقلون. ويقال: كان فيهم من إذا علم يعقل ~~ويعلم، وكان فيهم من لا يعقل ولا يعلم وإن علم، فلهذا قال: * (أكثرهم لا ~~يعقلون) وإن علموا وعقلوا. # قوله تعالى: * (ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم) روي أن ~~النبي بعث سرية فأصابوا سبايا من (بلعمر) بن غنم، فجاء رجالهم يطلبون ~~الفداء وجعلوا ينادون: يا محمد، يا محمد اخرج إلينا نفاديك فخرج، وخلى عن ~~بعض السبي وفادى البعض، وكان قد أراد أن يخلى عن جميعهم فلما أساءوا الأدب ~~خلى عن بعضهم وفادى البعض فهذا معنى قوله تعالى: * (ولو أنهم صبروا حتى ~~تخرج إليهم لكان خيرا لهم) أي: كان خيرا لهم بأن يخلي عن جميع السبي. # وقوله: * (والله غفور رحيم) ظاهر المعنى. وفي هذه الآيات بيان استعمال ~~الأدب في مجلس النبي. وذكر بعضهم عظم الجناية في ترك ذلك، وما يؤدي إلى ~~حبوط العمل واستحقاق العقاب. وقد كان أصحاب رسول الله يهابون أن يتكلموا ~~بحضرته، وكانوا يحبون أن يأتي الأعرابي من البادية فيسأل رسول الله عن ~~الشيء ليسمعوا الجواب؛ لأنهم ms1618 كانوا يهابون السؤال. # وفي حديث ذي اليدين ' أنه قال لرسول الله حين سلم عن ركعتين: أقصرت ~~الصلاة أم نسيت؟ وقد كان في القوم أبو بكر وعمر ووجوه أصحاب رسول الله ~~فهابوا أن يكلموه، وتكلم هذا الرجل؛ لأنه لم يكن يعلم من قدره وعظم حقه ما ~~كانوا يعلمون '. PageV05P216 # * (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما ~~بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو ~~يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) * * قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) قال أهل التفسير: نزلت الآية في الوليد بن عقبة ~~بن معيط، بعثه رسول الله إلى بني المصطلق من خزاعة ليأخذ صدقاتهم، وكان ~~بينه وبينهم (إحنة) في الجاهلية، فلما قرب منهم مجيئه وسمعوا بقربه تلقوه ~~ليكرموه، فخافهم ورجع، وقال للرسول: يا رسول الله، إنهم منعوا الزكاة وفي ~~رواية: إنهم ارتدوا عن الإسلام ولم يعطوا شيئا، فبعث النبي خالد بن الوليد ~~سرية إليهم، [وأمره] أن يتعرف حالهم، فإن كان على ما قال الوليد قاتلهم، ~~فذهب خالد وجاءهم ليلا فسمع صوت المؤذنين بينهم، وسمع تلاوة القرآن، فرجع ~~وأخبر النبي، وأنزل الله تعالى هذه الآية. وقد روي أن النبي لما سمع قول ~~الوليد غضب، وبعث من يقاتلهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ذكر هذا قتادة ~~وغيره. فحكى عن رسول الله أنه قال بعد هذا: ' التأني من الله، والعجلة من ~~الشيطان '. # وقوله: * (إن جاءكم فاسق) قالوا: الفاسق هاهنا هو الكذاب. وأما اللغة قد ~~بينا أنه الخارج عن طاعة الله. # وقوله: * (فتبينوا) وقرئ: ' فتثبتوا ' ومعناهما متقارب، وهو ترك العجلة، ~~والتدبر والتأني في الأمر. # وقوله: * (أن تصيبوا قوما بجهالة) معناه: لئلا تصيبوا قوما بجهالة، ومعنى ~~الإصابة هاهنا: هو الإصابة من الدم والمال بالقتل والأسر والاغتنام. # وقوله: * (فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) أي: تصيروا نادمين على فعلكم، ~~وليس المراد منه الإصباح للذي هو ضد الإمساء. # قوله تعالى: * (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر ~~لعنتم) PageV05P217 # * (ولكن ms1619 الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان أولئك هم لراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم ~~(8) وإن طائفتان) * * أي: لهلكتم. وقيل: غويتم وضللتم. ويقال: نالكم التعب ~~والمشقة. # وقوله: * (يطيعكم) نوع مجاز؛ لأن الطاعة في الحقيقة فعل من الأدون على ~~موافقة قول الأعلى. وقد روي عن بعض السلف أنه قال: نعم الرب ربنا، لو ~~أطعناه ما عصانا، وهو على طريق المجاز والتوسع في الكلام، قال الشاعر: # (رب من أصبحت غيظا صدره * لو تمنى في موتا لم يطع) أي: لم يدرك ما تمناه، ~~وهو على طريق المجاز. # وقوله: * (ولكن الله حبب إليكم الإيمان) يقال: حببه بإقامة الدلائل على ~~وحدانيته وهدايتهم إليها. ويقال: حببه بذكر الثواب والوعد الصادق. # وقوله: * (وزينه في قلوبكم) حتى قبلوه وآثروه على طريق غيره، وطبع الآدمي ~~مجبول على اختيار ما زين في قلبه، فلما هدى الله المؤمنين إلى الإيمان، ~~وأمال قلوبهم إليه حتى قبلوه، سمى ذلك تزيينا للإيمان في قلوبهم. # وقوله: * (وكره إليكم الكفر) يقال: كره الكفر بذكر الوعيد والتخويف على ~~فعله. # وقوله: * (والفسوق والعصيان) والفسوق: كل ما يفسق به الإنسان أي: يخرج به ~~عن طاعة الله. والعصيان: مخالفة الأمر. # وقوله: * (أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة) أي: المهتدون تفضلا من ~~الله وإنعاما. # وقوله: * (والله عليم حكيم) أي: عليم بخلقه، حكيم فيما يدبره لهم. # قوله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) قال سعيد بن جبير ~~وغيره: الآية في الأوس والخزرج، كان بينهم قتال بالجريد والنعال والأيدي في ~~أمر تنازعوه بينهم. PageV05P218 # * (من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) * * وقال غيره وهو قتادة: هو في ~~رجلين اختصما في عهد النبي في حق بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذن منك ~~عنوة تعززا بكثرة عشيرته، وقال الآخر: لا، بل أحاكمك إلى رسول الله، فلم ~~يزل بينهما الأمر حتى تواثبا وتضاربا، (وكان بينهما قتال) بالنعل واليد، ~~وأنزل الله تعالى هذه الآية. # قال مجاهد: الطائفة اسم للواحد إلى ألف وأكثر. # وروي أن النبي لما قدم المدينة قيل له: لو أتيت عبد ms1620 الله بن أبي بن سلول ~~فدعوته إلى الإيمان، فركب حمارا وتوجه إليه، وكانت الأرض أرضا سبخة، ~~وأصحابه حوله فثار الغبار، فلما بلغ الموضع الذي فيه عبد الله بن أبي بن ~~سلول وعنده جماعة، قال: إليك عنا يا محمد، فقد أذانا نتن حمارك. فقال عبد ~~الله بن رواحة: والله إن حماره أطيب (ريحا) منك. فغضب لعبد الله بن أبي ~~سلول قوم، ولعبد الله بن رواحة قوم، فثار بينهم الشر، وتقاتلوا بالعصي ~~والنعال وما أشبه ذلك، وأراد النبي أن يسكنهم فلم يمكنه، ثم إنهم سكنوا، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. وذكر البخاري خبرا في الصحيح برواية أنس قريبا ~~من هذا في سبب نزول هذه الآية، وإنما سمى الله تعالى ذلك مقاتلة؛ لأن الجري ~~عليه يؤدي إلى القتل، والذي ذكرناه من قصة عبد الله بن أبي بن سلول وعبد ~~الله بن رواحة ذكره الكلبي ومقاتل وغيرهما. # وقوله: * (فأصلحوا بينهما) أي: فاسعوا (لدفع) الفساد وإزالة الشر. واعلم ~~أنه إذا وقع مثل هذا بين طائفتين يجب على الإمام أن ينوب عن الإمام ينظر ~~بينهما ويحملهما على الحق، فإن امتنعت إحدى الطائفتين عن قبول الحق [ردها] ~~PageV05P219 # * (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ~~فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما ~~المؤمنون إخوة) * * إلى الحق أولا بالكلام، ثم يترقى درجة درجة إلى أن يبلغ ~~القتال، وهو معنى قوله تعالى: * (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) أي: ترجع إلى أمر الله. # وقوله: * (فإن فاءت) أي: رجعت، ومعناه: انقادت للحق. # وقوله: * (فأصلحوا بينهما بالعدل) أي: بالحق. # وقوله: * (وأقسطوا) أي: وأعدلوا. # وقوله: * (إن الله يحب المقسطين) أي: العادلين، وفي الخبر عن النبي أنه ~~قال: ' المقسطون يوم القيامة عن يمين الرحمن، قيل: ومن هم يا رسول الله؟ ~~قال: الذين عدلوا في حكمهم لأنفسهم وأهليهم وما ولوا '. # قوله تعالى: * (إنما المؤمنون إخوة) أي: في التوالي والتعاضد والتراحم، ~~وهو في معنى قوله تعالى: * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ms1621 أولياء بعض). وروي ~~عن النبي أنه قال: ' المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا '. وروي عنه ~~عليه الصلاة والسلام أنه قال: ' المؤمنون كنفس واحدة، إذا اشتكى بعضه تداعى ~~سائره للحمى والسهر '. # وقد ثبت برواية ابن عمر أن النبي قل: ' المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا ~~PageV05P220 # * (فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) يا أيها الذين ~~آمنوا لا يسخر) * * يشتمه، ومن كان في حاجة أخيه المسلم كان الله في حاجته، ~~ومن ستر على أخيه المسلم ستر الله عليه يوم القيامة، ومن فرج عن أخيه ~~المسلم فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة '. خرجه البخاري ومسلم. # وقوله: * (فأصلحوا بين أخويكم) ذكر الأخوين ليدل بوجوب الإصلاح بينهما ~~على وجوب الإصلاح بين الجمع الكثير. # وقوله: * (واتقوا الله) أي: اتقوا الله من أن لا تتركوهم على الفساد، وأن ~~تسعوا في طلب الصلاح. # وقوله: * (لعلكم ترحمون) أي: يعطف الله تعالى عليكم، ويعفو عنكم. ويقال: ~~* (فأصلحوا بين أخويكم) أي: إخوانكم، وروى أسباط عن السدى أن رجلا من ~~الأنصار كانت له امرأة، فأرادت أن تزور أهلها فمنعها زوجها، وجعلها في علية ~~له، فجاء أهلها ليحملوها إليهم، واستعان الرجل بقومه في منعها؛ فوقع بينهم ~~شر وقتال، وأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم) السخرية: هو ~~الاستهزاء والبطر يعني: المهانة والاحتقار. # وقوله: * (قوم من قوم) القوم هاهنا بمعنى الرجال، قال الشاعر: # (ولا أدري ولست أخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء) وإنما سمي الرجال قوما ~~دون النساء؛ لأنهم الذين يقومون بالأمور. # قال مجاهد: الآية في الاستهزاء؛ الغني بالفقير، والقوي بالضعيف. # ويقال: استهزاء الدهاة بأهل سلامة القلوب. PageV05P221 # * (قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا ~~منهن ولا تلمزوا أنفسكم و تنابزوا بالألقاب) * * وقوله: * (عسى أن يكونوا ~~خيرا منهم) أي: عسى أن يكون المستهزئ منه خيرا من المستهزئ. # وقوله: * (ولا نساء من نساء) أي: ولا يسخر نساء من نساء عسى أن تكون خيرا ~~منهن، أي: ms1622 عسى أن تكون المستهزأة منها خيرا من المستهزئة، والمراد في ~~الآخرة. # وفي الخبر أن النبي قال لأبي ذر: ' أنظر إلى أوضع رجل في المسجد عندك، ~~فأشار إلى فقير عليه أطمار. فقال: انظر إلى أرفع رجل في المسجد عندك، فأشار ~~إلى بعض الأغنياء وعليه شارة فقال: هذا يوم القيامة أفضل من ملء الأرض من ~~هذا ' وعنى به الفقير. # وقوله: * (ولا تلمزا أنفسكم) أي: (لا يعيب) بعضكم بعضا [أي:] مثل قوله ~~تعالى: * (ولا تقتلوا أنفسكم) أي: لا يقتل بعضكم بعضا. # قال الضحاك: لا يلعن بعضكم بعضا، ويقال: لا يطعن بعضكم على بعض. # وقوله: * (ولا تنابزوا بالألقاب) النبز واللقب بمعنى واحد. # ومعنى النبز هاهنا: هو اللقب المكروه الذي يكره الإنسان أن يدعى به. وعن ~~PageV05P222 # * (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) * * [أبي] جبيرة الأنصاري قال: ' قدم ~~رسول الله علينا المدينة ولأحدنا الاسم والاسمان والثلاثة، فكان رسول الله ~~يدعو بذلك الاسم، فقيل له: إنه يغضب إذا دعي بهذا، فترك ذلك، وأنزل الله ~~تعالى هذه الآية '. قال مجاهد والحسن: هو أن يقول لمن أسلم: يا يهودي، يا ~~نصراني تعييرا بما كان عليه من قبل. وقال قتادة وأبو العالية: هو أن يقول ~~يا منافق، يا فاسق. وفي بعض التفاسير: أنه كان بين كعب بن مالك وعبد الله ~~بن أبي حدرد الأسلمي منازعة فقال كعب بن مالك لعبد الله: يا أعرابي، وقال ~~عبد الله لكعب: يا يهودي، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهاهم عن مثل هذا. ~~وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: ' من حق المسلم على المسلم أن يدعوه ~~بأحب أسمائه إليه '. # وقوله: * (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) استدل بهذا من قال إن الفاسق ~~PageV05P223 # * (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا ~~كثيرا من الظن إن) * * لا يكون مؤمنا، قال: لأنه لو كان الفاسق مؤمنا لم ~~يستقم قوله: * (بعد الإيمان) والجواب: أن المراد منه النهي عن قوله: يا ~~فاسق، يا منافق، وكأنه قال: بئس الوصف بالفسوق بعد الإيمان بالله. وقال: إن ~~' بعد ' هاهنا بمعنى: ' مع ms1623 ' ومعناه: بئس اسم الفسوق مع الإيمان. # وقوله: * (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) أي: من لم يتب عن هذه الأشياء ~~التي كانوا يفعلونها في الجاهلية؛ فأولئك هم الظالمون. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن ~~إثم) قد ثبت برواية أبي هريرة أن النبي قال: ' إياكم والظن، فإن الظن أكذب ~~الحديث '. # وفي بعض الأخبار: ' إذا حسدت فلا تبغ، وإذا نظرت حداء فامض، وإذا ظننت ~~فلا تحقق '. # وعن أنس أن النبي قال: ' احترسوا من الناس بسوء الظن '. وهو خبر غريب. ~~وعن سلمان الفارسي قال: ' إني لأعد عراق اللحم في القدر مخافة سوء الظن. ~~وعن ابن مسعود أنه قال: الختم خير من (الظن) وعن السوء [أبي] العالية ~~الرياحي أنه ختم على سبع سكرات لئلا يظن ظن السوء. PageV05P224 # * (بعض الظن إثم ولا تجسسوا) * * واعلم أن الظن المنهي عنه هو ظن السوء ~~بأهل الخير، فأما بأهل الشر فجائز. # وقوله: * (إن بعض الظن إثم) يعني: هذا الظن. # وقوله: * (ولا تجسسوا) التجسس: هو البحث عن عورات الناس، قاله مجاهد وقرأ ~~ابن سيرين: ' ولا تحسسوا ' بالحاء. واختلفوا في التجسس والتحسس، منهم من ~~قال: هما واحد، ومنهم من فرق، وقال: التجسس هو البحث عن عورات (الناس) كما ~~قلنا. والتحسس هو الاستماع إلى حديث القوم، ويقال: التجسس هو البحث عن ~~الأمور، والتحسس هو الإدراك ببعض الحواس، وقد ثبت عن النبي برواية أنس أنه ~~قال: ' لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تجسسوا وكونوا ~~عباد الله إخوانا ' قال الشيخ الإمام رحمه الله: أخبرنا [الشيخ] أبو علي ~~الشافعي بمكة، أخبرنا أبو الحسن بن فراس، أخبرنا أبو محمد ابن عبد الله بن ~~عبد الرحمن بن محمد عبد الله بن يزيد المقرئ، عن جده، عن محمد، عن سفيان بن ~~عيينة، عن الزهري، عن أنس... الحديث. # وفي بعض الآثار أن عمر رضي الله عنه خرج ومعه عبد الرحمن بن عوف يعس ~~ليلة، فمرا بدار وسمعنا منها لغظا وأصواتا، فقال عمر: أرى أنهم يشربون ~~الخمر! ماذا نفعل؟! فقال ms1624 عبد الرحمن بن عوف: أرى أنا أتينا ما نهينا عنه ~~يعني: التجسس ورجع. # وفي هذا الأثر أن تلك الدار كانت دار ربيعة بن أمية بن خلف. # وفي أثر آخر أنه قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبه ولحيته تقطر ~~خمرا وكان الوليد أمير الكوفة، وابن مسود فقيهها فقال: إنا نهينا عن ~~التجسس. PageV05P225 # * (ولا يغتب بعضكم بعضا) * * وقوله: * (ولا يغتب بعضكم بعضا) الغيبة: أن ~~يذكر أخاه في الغيبة بما يكره ذلك إذا سمعه. وفي حديث أبي هريرة أن النبي ~~سئل عن الغيبة؟ فقال: ' ذكرك أخاك بما يكره ' فقيل: يا رسول الله، إن كان ~~في أخي ما أقول؟ فقال: ' إن كان في أخيك ما تقوله فقد اغتبته، وإن لم يكن ~~في أخيك ما تقوله فقد بهته ' وفي الأخبار أن امرأة دخلت على عائشة رضي الله ~~عنها فلما خرجت قالت عائشة: ما أحسنها لولا بها قصرا، فقال النبي: ' لقد ~~اغتبتيها، فاستغفري الله ' وروي عن النبي أنه قال: ' إذا اغتاب أحدكم أخاه ~~فليستغفر له؛ فإن ذلك كفارته '. # وفي بعض الأخبار أيضا عن النبي أنه قال: ' إياكم والغيبة، فإن الغيبة أشد ~~من الزنا، وإن الزاني يزني ثم يتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا ~~يغفر له حتى يغفر له صاحبه ' يعني: يعفو عنه. PageV05P226 # * (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب ~~رحيم (12) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم) * * وقد ورد في الأخبار: ' أنه ليس لفاسق غيبة '. # وقال: ' اذكروا الفاجر بما فيه، يحذره الناس ' قال أهل العلم: ليس لثلاثة ~~غيبة: السلطان الظالم، والفاسق المعلن، والذي أحدث في الإسلام حدثا يعني: ~~المبتدع. # وكذلك قال أهل العلم: إذا سأل إنسان إنسانا لغرض له صحيح، فلا بأس أن ~~يذكر ما فيه. والغيبة مأخوذة من الغيب؛ كأنه لما ذكره بظهر الغيب بما يسوءه ~~كان ذكره له غيبة. وقد كان السلف يحترزون أشد الاحتراز من مثل هذا. روي أن ~~طبيبين دخلا على ابن سيرين، فلما ms1625 خرجا قال: لولا أن يكون غيبة لذكرت أيهما ~~أطب. وعن معاوية بن قرة قال: لو دخل عليك رجل أقطع فقلت: هذا الأقطع يعني: ~~بعد ما خرج كنت قد اغتبته، قال أبو إسحاق: صدق يعني: السبيعي وقال أهل ~~العلم: إذا قال فلان الأعمش أو فلان الأعور أو فلان البطين [يريد] بذلك ~~تعريفه، PageV05P227 # * (عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ~~ورسوله لا يلتكم من أعمالكم) * * ولا يعرف إلا به، لا بأس به. وكان بعض ~~أئمة الحديث إذا روي عن مسلم البطين يقول: حدثنا مسلم، وأشار بيديه إلى كبر ~~البطن. # وذكر ابن سيرين إبراهيم النخعي ووضع يده على عينه وكان إبراهيم أعور ~~فقال: رأيته تلك المشاهدة، وما خلف بعده مثله. # وقوله تعالى: * (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه) أي: كما ~~يكره أحدكم أن يأكل لحم أخيه وهو ميت، فكذلك فليكره أن يذكره بالسوء وهو ~~غائب، فإن قال قائل: أيش التشابه بينهما في المعنى؟ والجواب: أنه إذا أكل ~~لحمه وهو ميت فقد هتك حرمته، وهو لا يشعر به، وإذا ذكره بالسوء بظهر الغيب ~~فقد هتك حرمته، وهو لا يشعر به. وعن عمرو بن العاص أنه مر على حمار ميت ~~فقال: لأن يملأ أحدكم جوفه من هذا اللحم خير له من أن يغتاب أخاه. ويقال ~~للمغتاب في اللغة: فلان يأكل لحوم الناس: وأنشد في التفسير في هذا المعنى: # (فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم * وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا) وقوله: * ~~(واتقوا الله إن الله تواب رحيم) أي: قابل التوبة عن خلقه عطوف بهم. # قوله تعالى: * (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) أي: آدم وحواء ~~عليهما السلام * (وجعلناكم شعوبا وقبائل) روي عن ابن عباس أنه قال: الشعوب: # الجمهور مثل: مضر، وربيعة، والقبائل: هم البطون منهم، كتميم من مضر، ~~وشيبان من ربيعة، ومنهم من قال: الشعوب هم الأبعدون في النسب، والقبائل هم ~~الأقربون في النسب. وعن ms1626 بعضهم: أن الشعوب في العجم، والقبائل في العرب. ~~والواحد من الشعوب شعب وشعب بفتح الشين وكسرها، وهو من التشعب. # وقوله: * (لتعارفوا) أي: ليعرف بعضكم بعضا، وقرأ الأعمش: ' لتتعارفوا ' ~~وعن ابن عباس أنه قرأ: ' لتعرفوا '، وقيل على هذه القراءة: ' لتعرفوا إن ~~أكرمكم عند الله PageV05P228 # * (شيئا إن الله غفور رحيم (14) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ~~(15) قل أتعلمون الله) * * أتقاكم ' (بفتح الألف). والصحيح هو القراءة ~~الأولى، والمراد من الآية قطع التفاخر بالأحساب والأنساب. # وقوله: * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) في الخبر أن النبي قال: ' يقول ~~الله تعالى يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم؛ أين المتقون؟ '. # وفي خبر آخر: أن الله تعالى يقول يوم القيامة: ' أيها الناس إنكم رفعتم ~~أنسابكم ووضعتم نسبي؛ فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم؛ أين المتقون؟ ' وفي ~~التفسير: ' أن ثابت بن قيس بن شماس كان به صمم، وكان يحب الدنو من رسول ~~الله يسمع كلامه، فجاء يوم وقد أخذ الناس مجالسهم، فجعل يدخل بين القوم ~~ليقرب من رسول الله، فقال له رجل: اجلس حيث انتهى بك المجلس، فقال له: من ~~أنت؟ فقال: أنا فلان فقال: ابن فلانة، وذكر أما له في الجاهلية كان يعير ~~بها، فسمع ذلك رسول الله، فقال: ' يا ثابت انظر في القوم '، فنظر، فقال: ' ~~ليس لك منهم فضل إلا بالتقوى ' وقد ذكر هذا في سبب نزول قوله تعالى: * (ولا ~~تلمزوا أنفسكم) والتقوى هو PageV05P229 # * (بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم ~~(16) يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان إن) * * الاحتراز عن كل ما نهى الله عنه. وقد قال أهل العلم: ~~قد يكون للنسيب فضل في الدنيا على معنى أن غير النسيب لا يكون كفأ للنسيب، ~~وإذا اجتمع النسيب وغير النسيب في الإمامة، فالنسيب أولى إذا اتفقا في ~~العلم والتقوى، فأما في الآخرة فلا فضل للنسيب، إنما الفضل للتقوى. # وقوله: ms1627 * (إن الله عليم خبير) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) أي: ~~استسلمنا وانقدنا. والآية نزلت في قوم كانوا يظهرون الإيمان بلسانهم ولا ~~يصدقون بقلوبهم. واختلف أهل العلم في الإيمان والإسلام، قال بعضهم: هما ~~واحد، وفرق بعضهم بينهما. وفي بعض الأخبار عن النبي قال: ' الإسلام علانية، ~~والإيمان في القلب ' وعن لزهري: الإسلام هو الكلمة، والإيمان العمل. وفي ~~خبر ' جبريل صلوات الله عليه حيث جاء يسأل عن الإسلام والإيمان، وفرق ~~الرسول بينهما، فجعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو التصديق ~~الباطن '.. وهذا خبر صحيح. # وثبت أيضا أن النبي أعطى قوما، ولم يعط رجلا، فقال سعد بن أبي وقاص: إنك ~~أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا وهو مؤمن؟ فقال: ' أو مسلم ' واستدل من ~~PageV05P230 # * (كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما ~~تعملون (18)) * * قال في أنهما واحد بقوله تعالى: * (فأخرجنا من كان فيها ~~من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين). وأكثر الأخبار دالة على ~~التفريق، فيجوز أن نفرق ما قلنا وعلى ما ورد في الأخبار، ويجوز أن يقال: ~~هما واحد، فيكون الإسلام بمعنى الإيمان، والإيمان بمعنى الإسلام، وهو ~~المتعارف بين المسلمين أن يفهم من أحدهما ما يفهم من الآخر، والله أعلم. # وقوله: * (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) هو دليل على أنهم لم يكونوا ~~مصدقين في الباطن. # وقوله: * (وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم) وقرئ: ' لا ~~يألتكم ' أي: لا ينقصكم. # وأما من قرأ: ' لا يألتكم من أعمالكم شيئا ' فهو بمعنى النقص أيضا، قال ~~الشاعر: # (وليلة ذات سري سريت * ولم يلتني عن سراها ليت) قوله تعالى: * (إن الله ~~غفور رحيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) ~~أي: صدقوا ولم يشكوا. # وقوله: * (وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) أي: قدوا أنفسهم ~~وبذلوا أموالهم في طلب رضى الله. # وقوله: * (أولئك هم الصادقون) بمعنى هم المحققون في الإيمان، فكأنه لما ~~ذكر PageV05P231 # المنافقين في الآية الأولى ذكر صفة المؤمنين ms1628 المحققين في هذه الآية الكون ~~الرغبة إليه. # قوله تعالى: * (قل أتعلمون الله بدينكم) علم هاهنا بمعنى أعلم. # وقوله: * (والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم) ~~أي: عالم، وقد كانوا يقولون: إن الإسلام كذا، وقد أسلمنا، والإيمان كذا، ~~وقد آمنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: * (يمنون عليك أن أسلموا) قال سعيد بن جبير وغيره: نزلت ~~الآية في أعراب من بني أسد كانوا يقولون: يا رسول الله، إنا آمنا بك، ولم ~~نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وكانوا ~~يقولون ذلك منا عليه، وفي رواية أخرى: أن أعرابا قدموا المدينة وهم (جمع) ~~كثير، فأغلوا الأسعار وتحبسوا الطرق، فكانوا يقولون: يا رسول الله، إنا قد ~~آمنا بك فأعطنا كذا كذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) ~~أي: هو الذي أنعم عليكم بإخراجكم من الكفر إلى الإيمان. # وقوله: * (إن كنتم صادقين) معناه: واعلموا أن المنة لله عليكم إن كنتم ~~صادقين أنكم آمنتم بالله. # قوله تعالى: * (إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون) ~~قد ذكرنا من قبل. وروى عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي خطب يوم فتح ~~مكة وقال: ' أيها الناس، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها ~~بالآباء؛ فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، ~~والناس بنو آدم، وآدم من PageV05P232 # تراب، ثم قرأ قوله تعالى: * (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى...) ~~* الآية. وروى سمرة بن جندب أن النبي قال: ' الحسب: المال، والكرم: التقوى ~~'. أورد هذين الخبرين أبو عيسى الترمذي في جامعه في تفسير هذه السورة. ~~PageV05P233 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (ق والقرآن المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر ~~منهم فقال الكافرون هذا شيء) * * تفسير سورة ق قال الشيخ الإمام رضي الله ~~عنه: هي مكية. # قوله تعالى: * (ق) قال قتادة: هو اسم من أسماء السورة، وقال مجاهد: * (ق) ~~جبل ms1629 محيط بالدنيا من زمردة خضراء [منه] خضرة السماء، ومن خضرة السماء خضرة ~~البحار، وحكي مثل هذا عن ابن عباس، وفي رواية: أن جبل ' ق ' من زبرجد أخضر، ~~والسماء مقببة عليه، والجبل محيط بالدنيا، فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل ~~الأرض حرك ذلك الجبل فتزلزلت الأرض، وهذا عند قيام الساعة. # وفي الآية قول آخر: قال عكرمة: إن ' ق ' من القاهر. # وفيه قول رابع: أن معناه: قضي ما كان مثل قوله: ' حم ' أي: حم ما كان. # وقوله: * (والقرآن المجيد) أي: عظيم الكرم، ويقال: الكريم. # يقال: تماجد القوم إذا تفاخروا بالكرم، وأظهروه من أنفسهم، وقيل: ' ~~والقرآن المجيد ': أي: الرفيع، ومعناه: رفيع القدر والمنزلة. # فقوله: * (والقرآن المجيد) قسم، فإن قيل: أين جواب القسم؟ # والجواب: أنهم اختلفوا فيه، منهم من قال: جواب القسم قوله: * (قد علمنا ~~ما تنقص الأرض منهم) أي: لقد علمنا. # والقول الثاني: أن جواب القسم محذوف، ومعناه: * (ق والقرآن المجيد) ~~لتبعثن. # والقول الثالث: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: * (بل عجبوا أن جاءهم ~~منذر منهم) أي: محمد. PageV05P234 # * (عجيب (2) أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) قد علمنا ما تنقص ~~الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم ي أمر مريج ~~(5) * * وقوله: * (فقال الكافرون هذا شيء عجيب) وتعجبهم كان من البعث بعد ~~الموت، وهو تعجب من غير عجب، والتعجب من غير عجب مستنكر مستقبح. # قوله تعالى: * (أئذا متنا وكنا ترابا) معناه: أنبعث إذا متنا وكنا ترابا، ~~قالوه على طريق الإنكار. # وقوله تعالى: * (ذلك رجع بعيد) أي: رجوع يبعد كونه. # قوله تعالى: * (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم) قال الحسن أي: يموت منهم، ~~وقال مجاهد: ما تأكل الأرض من لحومهم وجلودهم. وعن بعضهم: موت علمائها. # وقوله: * (وعندنا كتاب حفيظ) أي: حافظ، وهو اللوح المحفوظ، وقيل: محفوظ ~~ما فيه. # قوله تعالى: * (بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج) أي: مختلط. ~~قال أبو ذؤيب الهذلي: # (فخر كأنه خوط مريج * وقال غيره: # (فجالست فالتمست به حشاها * فخر كأنه غصن مريج) ويقال: مريج: ملتبس. ms1630 # ووجه الالتباس أنهم كانوا يقولون للنبي مرة هو ساحر، ومرة هو شاعر، ومرة ~~هو كاهن، [وكانوا] أيضا يقرون بالبعث مرة، وينكرون البعث مرة، فهذا هو معنى ~~الاختلاط والالتباس. PageV05P235 # * (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ~~(6) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) ~~تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات ~~وحب الحصيد (9)) * * قوله تعالى: * (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها وزيناها) أي: بالنجوم والشمس والقمر. # وقوله: * (وما لها من فروج) أي: شقوق. # وقوله تعالى: * (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي) أي الجبال. # وقوله: * (وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) أي: من كل صنف حسن، والبهجة: ~~الحسن، وعلى هذا قوله في موضع آخر: * (ذات بهجة) أي: ذات حسن. # وقوله: * (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) أي: (تبصرا) للآيات، وموعظة للقلوب. ~~ويقال: تبصرة أي: يبصر بها ذوو العيون ' وذكرى ' أي: يذكر بها ذوو القلوب. # وقوله: * (لكل عبد منيب) أي: راجع في أموره إلى الله تعالى. # قوله تعالى: * (ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات) أي: ~~البساتين. # وقوله: * (وحب الحصيد) أي: حب النبت المحصود، وهو البر والشعير وغيره. ~~ويقال: ' حب الحصيد ': هو الحصيد نفسه، كأنه أضافه إلى نفسه، مثل قولهم: ~~صلاة الأولى، ومسجد الجامع، ومثل قوله تعالى: * (حق اليقين). # قوله تعالى: * (والنخل باسقات لها) أي: طوالا. قال عكرمة: طوالا في ~~استقامة. ويقال في صفة النخيل: الباسقات في الوحل، المطعمات في المحل. ~~PageV05P236 # * (والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا ~~كذلك الخروج (11) كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون ~~وإخوان) * * وقوله: * (لها طلع نضيد) أي: منضود، وهو المتصل بعضه ببعض. # ويقال: المتراكم بعضه على بعض. قال أهل اللغة: وإنما يسمى نضيدا ما دام ~~في الطلع، فإذا خرج من الطلع لم يكن نضيدا، وعن بعضهم قال: إن نخيل الجنة ~~مثمرة من أعلاها إلى أسفلها، وهي كالقلال كلما أخذت واحدة نبتت مكانها ~~أخرى. # وقوله: * (رزقا للعباد) الرزق: ms1631 العطاء الجاري من الله تعالى على توظيف، ~~وقد يكون بطلب، وقد يكون بغير طلب، وقد يكون بدعاء يدعو به العبد، وقد يكون ~~بغيره. # وقوله: * (وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج) يعني: كما نحيي الأرض ~~اليابسة ونخرج منها الأشجار (والزرع) والكلأ، كذلك نحيي الأجساد بعد الموت ~~ونخرجها من الأرض. وفي التفسير: أن الله تعالى يمطر من السماء ماء على ~~الأرض حين يريد أن يبعث الخلق كمنى الرجال (فينبت) بها الأجساد في الأرض، ~~ويجمع الجلود إليها ثم يبعثهم. # قوله تعالى: * (كذبت قبلهم قوم نوح وأصاب الرس) قال كعب الأحبار: هم قوم ~~رسوا نبيهم في بئر، ويقال: هي بئر باليمامة، ويقال: بالفلج، كان عليها قوم ~~أتاهم نبي فكذبوه فأهلكهم الله تعالى، وفي تفسير النقاش: أن اسم نبيهم كان ~~حنظلة بن صفوان، والله أعلم. ويقال: كان بئرا بأذربيجان. # وقوله: * (وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط) في بعض التفاسير: أن لوطا يبعث ~~وحده وليس معه أحد آمن به. PageV05P237 # * (لوط (13) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) أفعيينا ~~بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15) ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما) ~~* * وعن بعضهم: أن فرعون كان رجلا أعجميا من أهل إصطخر فارس، ذكره أبو ~~الحسين بن فارس في تفسيره، وذكر فيه أنه عاش مائتين وعشرين سنة لم يؤذه ~~شيء، ودعاه موسى ثمانين سنة، ثم أغرقه الله فجميع مدة ملكه ثلاثمائة سنة، ~~وقوله: * (وأصحاب الأيكة) وقرئ: ' ليكة ' في موضع آخر، فليكة اسم القرية، ~~والأيكة أسم الاناحية مثل: (بكة) ومكة. # وقوله: * (وقوم تبع) في التفسير: أن تبع أسعد بن لمكيكرب، وكنيته أبو ~~كرب. وفي القصة: أنه خرج من اليمن غازيا سائحا في الأرض ومعه جيش عظيم، وهو ~~أول من حير الحيرة أي: بناها مر ببلاد العجم حتى أتى سمرقند [وهدمها]. ~~ويقال: إن الذي هدم سمرقند هو شمر. ومنه سمرقند أي: شمر كندة، وهو من ملوك ~~اليمن أيضا، ولتبع ابن يقال له: حسان بن تبع، وكان فيهم من غزا الصين وأسكن ~~ثم قوما من العرب، فيقال: أن ms1632 ' التبت ' منهم، وهم على خلقة العرب نحاف سمر. # وقد روينا أن النبي قال: ' لا تسبوا تبعا؛ فإنه كان قد أسلم '. وقد دل ~~على هذا قوله هاهنا: * (وقوم تبع) ولم يذكره بينهم. # وقوله: * (كل كذب الرسل فحق وعيد) أي: حق عليهم وعيدي وعذابي. # قوله تعالى: * (أفعيينا بالخلق الأول) وجوابه محذوف، ومعناه: أفعيينا ~~بالخلق الأول فنعيا بالخلق الثاني أي: عسر علينا ذلك فيعسر علينا هذا، ~~ويقال: عيي فلان بالأمر إذا عجز عنه. PageV05P238 # * (توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (16) إذ يتلقى الملتقيان ~~عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) ~~وجاءت سكرة) * * وقوله: * (بل هم في لبس من خلق جديد) أي: في شك من الخلق ~~الثاني. # قوله تعالى: * (ولقد خلقنا الإنسان) يقال: إن المراد به آدم صلوات الله ~~عليه وحده. ويقال: إنه في كل الناس. # وقوله: * (ونعلن ما توسوس به نفسه) الوسوسة: حديث النفس، وإن كان المراد ~~بالآية هو آدم فالوسوسة في حقه حديث نفسه بأكل الشجرة. وقد ثبت عن النبي ~~أنه قال: ' من توضأ فأحسن الوضوء، وصلى ركعتين ولم يحدث فيهما نفسه؛ غفر ~~الله له ما تقدم من ذنبه '. # وقوله: * (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) حبل الوريد: عرق في باطن العنق، ~~ويقال: في البدن عرق يسمى الأكحل نهر البدن، وفي الساق يقال له: النساء، ~~وفي البطن يسمى الحالب، وفي الظهر يسمى الأنهر، وفي اليد يسمى الأكحل، وفي ~~العنق يسمى الوريد، وفي القلب يسمى الوتين، ويقال هما وريدان تحت الودجين. ~~قال الشاعر: # (كان كأن وريديه رشاء حبل * أي: ليف. ومعناه: أن الله تعالى أقرب إليه من ~~كل شيء حتى إنه أقرب إليه من مماته وحياته، وحياة الإنسان بهذا العرق، حتى ~~إذا انقطع لم يبق حيا. # قوله تعالى: * (إذ التقى الملتقيان) معناه: اذكر يا محمد إذ يتلقى ~~الملتقيان، وهما الملكان. والتقى: هو القبول والأخذ، فالملك يأخذ مله ونطقه ~~فيثبته، ومنه قوله تعالى: * (فتلقى آدم من ربه كلمات) أي: أخذ. # وقوله: * (عن اليمين وعن الشمال قعيد) ms1633 أي: قاعد، فاكتفى بذكر أحدهما عن ~~الآخر، معناه: عن اليمين قاعد وعن الشمال قاعد. وفي بعض الأخبار: الصماخان ~~مقعد الملكين، وهما جانبا الفم. PageV05P239 # * (الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ~~(20)) * * وقوله: * (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) أي: رقيب حاضر. # قال الحسن: يكتب الملكان كل شيء حتى قوله لجاريته اسقيني الماء، وناوليني ~~نعلي، أو أعطيني ردائي، ويقال: يكتب كل شيء حتى صفيره بشرب الماء. # وفي الخبر برواية أبي أمامة أن النبي قال: ' ملك اليمين أمير على ملك ~~الشمال، فإذا عمل العبد حسنة كتبها ملك اليمين في الحال عشرا، وإذا عمل ~~العبد سيئة فأراد صاحب الشمال ان يكتب، قال له صاحب اليمين: أمسك سبع ~~ساعات، فإن تاب لم يكتب، وإن لم يتب قال: اكتبها واحدة '. # واعلم أن ملك اليمين يكتب الحسنات، وملك لشمال يكتب السيئات، واليمين ~~محبوب الله ومختاره، ومنه ما روي عن النبي ' أنه كان يحب التيامن في كل ~~شيء، حتى في ترجله وتنعله وطهوره '. ومن هذا إذا دخل المسجد يبدأ باليمين ~~ليقدمها إلى موضع الخير، وإذا خرج يبدأ بالشمال ليكون مكث اليمين في موضع ~~الخير أكثر وإن قل، وعلى عكس هذا دخول موضع الخلاء والخروج منه. # قوله تعالى: * (وجاءت سكرة الموت بالحق) السكرة هي (الغشية) والغمرة التي ~~تلحق الإنسان عند القرب من الموت. # وقوله: * (بالحق) فيه قولان: أحدهما: أن الحق هو نفس السكرة التي هي سكرة ~~الموت، ويقال: الحق هو الله، وفي الموت لقاء الله، فهو معنى قوله: * ~~(بالحق) أي: بلقاء الحق. ويقال: هو إشارة إلى الجنة والنار؛ لأنه إذا مات ~~إما أن يدخل الجنة، وإما أن PageV05P240 # * (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك ~~غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) ألقيا في ~~جهنم) * * يدخل النار. وفي الأثر المعروف أن أبا بكر رضي الله عنه لما ~~احتضر كانت عائشة عنده فأنشدت: # (لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق ms1634 بها الصدر) فقال ~~أبو بكر رضي الله عنه لا تقولي هذا، ولكن قولي: وجاءت سكرة الحق بالموت ' ~~فيقال: إنه زل لسانه، ويقال: هذه قراءته. قالت عائشة: فدعا بصحيفة يستخلف، ~~وكتب وظننت أنه سيستخلف طلحة، وكنت أود ذلك؛ لأن طلحة من أقرباء أبي بكر، ~~فقال: اللهم إني لم آل ولم أوال، فعرفت أنه غير مستخلف إياه. # وقوله: * (ذلك ما كنت به تحيد) أي: تفر وتهرب، ويستحب للمؤمن حب الموت؛ ~~لأنه به يستخلص من الأوزار، ويصل إلى محبوبه إن قدر له خير. وعن بعض السلف: ~~لا يكره الموت إلا مريب. وإنما كره تمني الموت بضر نزل به على ما في الخبر. ~~فأما إذا تمنى الموت ليستخلص من الدنيا وفتنها وشوقا إلى لقاء ربه فهو ~~محبوب. # وقوله: * (ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد) أي: يوم وعيد الكفار ووعد ~~المؤمنين. # قوله تعالى: * (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) السائق: هو الملك، ~~والشهيد: هو العمل، قاله قتادة ومجاهد والضحاك. ويقال: السائق: ملك ~~السيئات، والشهيد: ملك الحسنات. ويقال: السائق: الشيطان، والشهيد: الملك. ~~وقيل في الشهيد: إنه الجوارح. # قوله تعالى: * (لقد كنت في غفلة من هذا) يقال: إن هذا في الكفار؛ لأنهم ~~في الغفلة من الآخرة على الحقيقة. ويقال: في كل غافل. # وقوله: * (فكشفنا عنك غطاءك) أي: كشفنا عنك ما غشيك وغطى سمعك وبصرك ~~وعقلك، حتى لم تسمع ولم تبصر ولم تعقل الحق، وهو في معنى قوله تعالى: * ~~(أسمع بهم وأبصر). PageV05P241 # * (كل كفار عنيد (24) مناع للخير معتد مريب (25) الذي جعل مع الله إلها ~~آخر فألقياه) * * وقوله: * (فبصرك اليوم) أي: نافذ، وقيل: شديد. ويقال: ~~بصرك اليوم * (حديد) إلى لسان الميزان، ومنه حدة البصر. # قوله تعالى: * (وقال قرينه) أي: الملك. # * (هذا ما لدي عتيد) أي: هذا الذي كتبته، وهو عندي ولدي عتيد أي: معد، ~~ويقال: حاضر. # وقوله: * (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) فإن قيل: ما معنى قوله: ' ألقيا ' ~~ومن المخاطب؟ والجواب: أن المخاطب ملك واحد، ولكنه قال: ألقيا على عادة ~~العرب، فإنهم يخاطبون الواحد بخطاب الاثنين. # قال الشاعر: ms1635 # (فإن تزجراني يا بن عفان أنزجر * وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا.) وقال آخر: # (خليلي مرابي على أم جندب * لنقضي حاجات الفؤاد المعذب) (ألم تر كلما جئت ~~طارقا * وجدت بها طيبا وإن لم تطيب) وأراد بالخليلين الواحد. وكان الحجاج ~~إذا أمر بقتل إنسان قال: ياحرسي اضربا. وقال المبرد: معنى قوله: * (ألقيا) ~~أي: ألق ألق، فلما ثنى خاطب يخاطب اثنان. # عن بعضهم: أنه يقول لملكين حتى يلقياه في النار. # وقوله: * (كل كفار عنيد) أي: معاند، وعن إبراهيم النخعي قال: العنيد: هو ~~الذي يكابر الحق كأنه يقربه وينكره. # وقوله: * (مناع للخير معتد مريب) أي: ذي عدوان ذي ريبة، والمناع للخير: ~~هو PageV05P242 # * (في العذاب الشديد (26) قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال ~~بعيد (27) قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (8) ما يبدل القوي ~~لدي وما أنا) * * مانع الحقوق والصدقات والزكوات. # وقوله: * (الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد) أي: عذاب ~~النار. وذكر لنحاس في تفسيره قولا: أن * (قرينه) في الآية المتقدمة هو ~~الشيطان. وقوله: * (هذا ما لدي عتيد) أي: هذا عمله وهو حاضر، والذي قلنا: ~~أن المراد به الملك فهو ألقى وأليق بقوله: * (هذا ما لدي عتيد) يعني: يقول ~~الملك: هذا الذي كتبته عليه، وقد أحضرته. وقال النحاس في قوله: * (ألقيا في ~~جهنم) الأولى خطاب للملكين اللذين أحدهما يسوقه والآخر يشهد عليه، وهما ~~اللذان كتبا العمال. # وقوله: * (معتد مريب) أي: معتد في سيرته ونطقه وخلقه. # يقال: أرابني كذا فأنا مريب أي: شاك قال الشاعر: # (بثينة قالت يا جميل أربتنى * فقلت كلانا يا بثين مريب) ويقال في قوله: * ~~(مناع للخير) أي: الزكاة المفروضة. وقال الضحاك: الآية وردت في الوليد بن ~~المغيرة المخزومي. # قوله تعالى: * (قال قرينه ربنا ما أطغيته) القرين: هاهنا هو الشيطان ~~باتفاق المفسرين. وقوله: * (ربنا ما أطغيته) أي: ما أضللته. # وقوله: * (ولكن كان في ضلال بعيد) أي: وجدته وقد اختار الضلالة لنفسه، ~~وهو معنى قوله تعالى حكاية عن إبليس: * (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ms1636 ~~دعوتكم فاستجبتم لي...) الآية. # قوله تعالى: * (قال لا تختصموا لدي) أي: عندي. PageV05P243 # * (بظلام للعبيد (29) يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) ~~وأزلفت) * * وقوله: * (وقد قدمت إليكم بالوعيد) أي: بعثت الرسل وأنزلت ~~الكتب وبينت الأمر والنهي والوعد والوعيد. فإن قيل: قد قال في موضع آخر: * ~~(ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) [و] قال هاهنا * (لا تختصموا لدي) ~~فكيف وجه التوفيق؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن للقيامة مواطن ومواقف، ~~فهذا في موطن. وذلك في موطن ما على بينا. # والوجه الثاني: أن قوله: * (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) ~~للمؤمنين، وقوله: * (لا تختصموا لدى) للكفار. ويقال إنه يقول لهم لا ~~تختصموا لدى بعد أن اختصموا، واختصامهم ما ذكر في سورة القصص والصافات. # قوله تعالى: * (ما يبدل القول لدي) أي: لا يكذب عندي؛ فإنه لا يخفى على ~~حقيقة الأمور وبواطنها. ويقال: ' ما يبدل القول لدي ' أي: لا يبدل قولي: إن ~~السيئة بمثلها، والحسنة بعشر أمثالها. # وقوله: * (وما أنا بظلام للعبيد) أي: لا أنقص ثواب المحسنين، ولا أزيد في ~~مجازاة المسيئين. # قوله تعالى: * (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد) فيه قولان: ~~أحدهما: أن معنى قوله: * (هل من مزيد) أي: قد امتلأت، فلا مزيد في، وحقيقته ~~أنك قد وفيت بما وعدت، وملأتني فلا موضع للزيادة. وهذا مثل قوله عليه ~~الصلاة والسلام: ' وهل ترك لنا عقيل من دار ' أي: ما ترك. # والقول الثاني: أن معنى قوله: * (هل من مزيد) أي: طلب الزيادة بقوله ~~تغيظا على الكفار، وطلبا لزيادة الانتقام. والأول أحسن. وقد ثبت برواية أنس ~~وأبي هريرة أن PageV05P244 # * (الجنة للمتقين غير بعيد (31) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) من ~~خشي) * * النبي قال: ' لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع الجبار فيها ~~قدمه فتقول قط قط ' أي: حسبي. # وهذا الخبر يؤيد القول الثاني، والخبر من المتشابه، وقد بينا وجه الكلام ~~في المتشابه. وقال بعضهم: أن القول من جهنم هاهنا على طريق المجاز مثل قول ~~الشاعر: # (امتلأ الحوض وقال قطني ms1637 * مهلا ورويدا قد ملأت بطني) فقوله: قطني أي: ~~حسبي. ووجه المجاز فيه أنه لما امتلأ الحوض ولم يكن فيه مزيد وكأنه قال: قد ~~امتلأت فحسبي. كذلك في جهنم، وهو على توسع الكلام. والأصح أن هذا النطق من ~~جهنم على طريق الحقيقة، وهذا اللائق بمذهب أهل السنة في الإيمان بتسبيح ~~الجمادات، وما نزل في ذلك من آي القرآن. وعن الحسن البصري قال: لو لم يعص ~~الله إلا رجل واحد لملأ الله منه جهنم يوم القيامة. # قوله تعالى: * (وأزلفت الجنة للمتقين) أي: قربت. # وفي الآثار: أن الناس إذا بعثوا من قبورهم رأوا الجنة والنار على قرب ~~منهم. وقيل إن الجنة والنار يعرضان على المؤمنين والكفار قبل دخولهم فيهما. # وقوله: * (هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ) الأواب هو الذي اعتاد الرجوع إلى ~~الله تعالى في كل أموره. والحفيظ هو الذي يحفظ الأمر والنهي. وعن بعضهم: أن ~~الأواب هو المسبح. # وعن بعضهم: أنه الكثير الصلاة. # وعن بعضهم: أنه الدعاء. PageV05P245 # * (الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) ~~لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (34) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم ~~بطشا) * * وعن بعضهم: أنه الذي يحفظ قوله وفعله في مجلسه، فإذا أراد أن ~~[يقوم] قال: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. # ويقال: حفيظ أي: حافظ لعهد الله. # قوله تعالى: * (من خشي الرحمن بالغيب) إنما قال بالغيب؛ لأنهم آمنوا ~~بالبعث والجنة والنار والثواب والعقاب، وذلك كله غيب. # وقوله: * (وجاء بقلب منيب) المنيب قد بينا معناه فيما سبق، والرجل هو ~~المنيب؛ لكنه أضاف إلى القلب؛ لأن الأكثر من أعمال الإيمان يعمله المؤمن ~~بقلبه. # وقوله: * (ادخلوها بسلام) يقال: إن الله تعالى يقول ذلك، ويقال: الملك ~~يقولها. # وقوله: * (بسلام) أي: بسلامة. # وقوله: * (ذلك يوم الخلود) هو الخلود في الجنة والنار. # وقوله: * (لهم ما يشاءون فيها) أي: ما يشتهون فيها. # قوله: * (ولدينا مزيد) فيه قولان: أحدهما: أن المزيد هو ما لم يخطر ~~ببالهم، ولم تصل [إليه] شهوتهم وإرادتهم. والآخر: أنه النظر إلى ms1638 الله ~~تعالى. # وقوله: * (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) قد بينا معنى القرن، والأصح أنه أقصى ~~مدة عمر كل قوم في عمرهم؛ فقرن نوح على ما كان في زمانه، وقرن إبراهيم على ~~ما كان في زمانه، وكذا إلى زمانا، فعلى هذا قوله: ' من قرن ' أي: من أهل ~~قرن. # وقوله: * (هم أشد منهم بطشا) أي: قوة. # وقوله: * (فنقبوا في البلاد) أي: طوفوا وساروا. PageV05P246 # * (فنقبوا في البلاد هل من محيص (36) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد (37) ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام وما مسنا من لغوب (38) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب (39) ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40) واستمع يوم ~~يناد المناد) * * قال امرؤ القيس. # (وقد نقبت في البلدان حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب) * ([هل من محيص] إن ~~في ذلك لذكرى) أي: موعظة وتذكير. # وقوله: * (لمن كان له قلب) أي: عقل. يقول الإنسان لغيره: مالك من قلب أي: ~~مالك من عقل، ويقول: أين قلبك أي: أين عقلك. # وعند بعض العلماء أن محل العقل هو القلب بدليل هذه الآية. وعن بعضهم: أن ~~محله الدماغ. يقال: فلان خفيف الدماغ أي: خفيف العقل. # وقوله: * (أو ألقى السمع وهو شهيد) أي: استمع بأذنه وهو حاضر بفؤاده، ~~يقول الإنسان لغيره: ألق سمعك وارعني سمعك أي: استمع إلي، والمعنى: أنه ~~يستمع، ولا يشغل قلبه بما يمنعه من السماع. # قوله تعالى: * (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما ~~مسنا من لغوب) أي: إعياء ونصب، وهو رد لما قالته اليهود أن الله تعالى خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام واستراح يوم لسبت. # قوله تعالى: * (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك) أي: صل حامدا ربك. # وقوله: * (قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) قبل طلوع الشمس هو صلاة الصبح. ~~وقبل الغروب هو الظهر والعصر. # وقوله: * (ومن الليل فسبحه) هو المغرب والعشاء. PageV05P247 # * (من مكان قريب (41) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) إنا ~~نحن نحيي ونميت ms1639 وإلينا المصير (43) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر ~~علينا) * * وقوله: * (وأدبار السجود) القول المعروف أنه الركعتان بعد ~~المغرب، ورد القرآن به لزيادة التأكد والندب إليه، وهو قول علي وأبي هريرة. ~~وقيل: إنه جميع النوافل بعد الفرائض. وقيل: إنه الوتر؛ لأنه آخر ما يفعله ~~الإنسان عند فراغه من الصلوات، وقد ذكرنا الخبر فيما جرى من الرؤية، وقوله ~~عليه الصلاة والسلام في آخر ذلك الخبر: ' فإن استطعتم أن [لا] تغلبوا على ~~صلاة قبل طلوع الشمس وعلى صلاة قبل غروبها فافعلوا ' وقرأ هذه الآية. # قوله تعالى: * (واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب) القول المعروف أنه ~~إسرافيل عليه السلام ينادي الناس على صخرة بيت المقدس، فيقول: أيتها العظام ~~البالية، والجلود المتمزقة، والأجساد المتفرقة، والأوصال المتقطعة، ارجعي ~~إلى ربك، وقيل بلفظ آخر. # وفي الآية قول آخر: وهو أن قوله: * (من مكان قريب) أي: من تحت أقدامهم. ~~ويقال في صماخ آذانهم، وقيل: إن هذا النداء هو النفخة الأولى بهلاك الناس. # وقوله تعالى: * (يوم يسمعون الصيحة بالحق) هو النفخة الثانية، والأصح أن ~~[كليهما] واحد، وذكره بلفظين. # وقوله: * (ذلك يوم الخروج) أي: من القبور لحساب الأعمال ودخول الجنة ~~والنار. # قوله تعالى: * (إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير) أي: المرجع. # قوله تعالى: * (يوم تشقق الأرض عنهم سراعا) أي: لا يلبثون بعد سماع ~~الصيحة، والمعنى: أنهم إذا سمعوا الصيحة تشققت عنهم الأرض، وخرجوا من غير) ~~* * @ 249 @ * (يسير (44) نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر ~~بالقرآن من يخاف وعيد (45)) * * لبث ولا زمان. # وقوله: * (ذلك حشر علينا يسير) هو جواب لقولهم في أول السورة ذلك رجع ~~بعيد. # قوله تعالى: * (نحن أعلم بما يقولون) أي: بما يقولون من الشرك والكذب على ~~الله وعلى رسوله. # وقوله: * (وما أنت عليهم بجبار) أي: بمسلط، وهو مثل قوله تعالى: * (لست ~~عليهم بمسيطر) والجبار في صفات الله محمود، وفي صفات الخلق مذموم، وكذلك ~~المتكبر؛ لأن الخلق أمروا بالتواضع والخشوع والخضوع ولين الجانب وخفض ~~الجناح، وأما الرب جل جلاله فيليق به الجبروت والكبرياء: لأنه المتعالي ms1640 عن ~~إدراك الخلق، القاهر لهم في كل ما يريده، ولم يصفه أحد حق صفته، ولأعظمه ~~أحد حق تعظيمه، ولا عرفه أحد حق معرفته. وقد قيل: إن الجبار في اللغة هو ~~القتال، وهو في معنى قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام * (إن تريد إلا أن ~~تكون جبارا في الأرض) أي: قتالا. # وقال بعضهم: إن الآية منسوخة، وهي قبل نزول آية السيف، نسختها آية السيف. ~~وفي بعض التفاسير: أن قوله: * (فاقتلوا المشركين) نسخت سبعين آية من ~~القرآن. # وقوله: * (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) أي: عظ بالقرآن من يخافني. فإن ~~قيل: أليس يوعظ بالقرآن الكافر والمؤمن جميعا، فكيف معنى قوله: * (من يخاف ~~وعيد) والكافر لا يخاف وعيد الله؟ والجواب: أنه لما لم ينتفع بالقرآن إلا ~~المؤمن فكأنه لم يخوف بالقرآن إلا المؤمنون، والله أعلم. # * (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود (28) وطلح منضود) * ~~* التحية. وقد قالوا: إن الاستثناء هاهنا من غير جنس المستثنى منه، فهو ~~منقطع، وهو بمعنى لكن. وقيل: إنه من جنس المستثنى منه؛ لأن اللغو كلام ~~مسموع، والسماع كلام مسموع. واختلفوا في نصب قوله: * (سلاما) قال بعضهم: # انتصب لأن معناه: سلمك الله سلاما أي: يقول بعضهم لبعض، ومنهم من قال: ~~انتصب تبعا لقوله: * (قيلا) لأن سلاما هو الفعل المذكور. # وقوله تعالى: * (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين) قد بينا، وعن ميمون بن ~~مهران قال: لهم منزلة دون منزلة المقربين. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن ~~جده: أنهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ثم تابوا. # وذكر الضحاك عن ابن عباس: أن الله تعالى مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فاستخرج ~~منها ذرية شبه الذر بيضا؛ وقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ثم مسح صفحة ظهره ~~اليسرى واستخرج منها ذرية كالحمم سوداء، وقال لهم: ادخلوا النار ولا أبالي. # وفي رواية: أخذ بيمينه كل طيب، وأخذ بشماله كل خبيث. # وفي الصحيح ' أن كلتا يديه يمين '. فعلى هذا معنى قوله: * (وأصحاب ~~اليمين) هم الذين أخذوا من صفحة ظهر آدم اليمنى. # وقوله: * (في سدر مخضود) ms1641 أي: قد قطع شوكه ونزع. والسدر: شجر النبق، قال ~~السدى: ثمرة أحلى من العسل. وقيل: مخضود أي: موقر حملا. ويقال: لا عجم في ~~ثمره. وفي اللغة الخضد هو القطع. قال النبي في صفة مكة: ' لا يخضد شجرها ' ~~أي: لا يقطع. # وقوله: * (وطلح منضود) قرأ علي رضي الله عنه: ' وطلع منضود ' وهو مثل ~~قوله PageV05P248 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) ~~فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات) * * تفسير سورة الذاريات وهي مكية في قول ~~الجميع قوله تعالى: * (والذاريات ذروا) وروى أبو الطفيل أن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه خطب وقال: سلوني: فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم ~~القيامة إلا حدثتكم به، سلوني عن كتاب الله، ما من آية نزلت إلا وأنا أعلم ~~بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل، وفيم أنزلت، فقام ابن الكوا وقال: ~~ما لذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا؟ فقال علي ~~رضي الله عنه سل تفقها، ولا تسأل تعنتا، ' والذاريات ذروا ' هي الرياح، ~~فالحاملات وقرا ' هي السحاب ' فالجاريات يسرا ' هي السفن ' فالمقسمات أمرا ~~هي الملائكة، ومثل هذا عن ابن عباس، وعلى أكثر هذا المفسرين. # فقوله: * (والذاريات) هي من ذرت الريح التراب وأذرته إذا فرقته، ويقال: ~~إن الذاريات هي النساء الحوامل تذرين الأولاد، والأول هو المختار. # وقوله: * (فالحاملات وقرا) قيل: إنها الرياح تحمل السحاب، والوقر هو ~~السحاب. # وقوله: * (فالجاريات يسرا) يقال: إنها الرياح أيضا تجري بسهوله ويسر، ~~ويقال: * (فالجاريات يسرا) هي: الكواكب السبة: الشمس، والقمر، والمشتري، ~~وعطارد، والزهرة، وبهرام، وزحل، والقول الأول هو المختار. # وقوله: * (فالمقسمات أمرا) يقال: إنها الرياح أيضا. ومعنى قسمة الأمر: أن ~~الرياح تقسم المطر فتصب البعض ولا تصب البعض، والقول الأول هو المختار، ~~والمعنى من الملائكة هم أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل؛ ~~فجبريل على الوحي والعذاب، وميكائيل على الرزق والمطر والرياح، وإسرافيل ~~على الصور، وعزرائيل على قبض الأرواح، وقال الأعشى في وصف السحاب. ~~PageV05P250 # * (أمرا (4) إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) والسماء ذات ~~الحبك (7) إنكم لفي قول مختلف (8)) * * (كأن مشيتها ms1642 من بيت جارتها * مشي ~~السحاب لا ريث ولا عجل) وقوله: * (إنما توعدون لصادق) قال مجاهد معناه: أن ~~القيامة كائنة. # وقوله: * (لصادق) أي: ذو صدق، وكذلك قالوا في قوله: * (في عيشة راضية) ~~أي: ذات رضا، ويقال: سمي الوعد صادقا؛ لأن الصدق يقع عليه، كما يقال: ليل ~~نائم، وخبر كاذب، وسر كاتم، وما أشبه ذلك. # وقوله: * (وإن الدين لواقع) قال قتادة: إن الجزاء لواقع. قال لبيد شعرا: # (قوم يدينون بالنوعين مثلهما * بالسوء سوءا وبالإحسان إحسانا) يعني: ~~يجازون. فإن قيل: ما معنى القسم بالرياح والسفن والسحاب وما أشبه ذلك؟ فكيف ~~يقسم الله بخلقه؟ والجواب معناه: ورب الذاريات، ورب الحاملات والجاريات. ~~ويقال: إن قسمه بالشيء يدل على جلالة ذلك وعظم منفعة العباد به. وقيل: ~~التقدير: أقسم بالذاريات. # قوله تعالى: * (والسماء ذات الحبك) قال عكرمة: ذات الخلق الحسن، وقيل: ~~ذات التأليف، المحكم: ويقال ذات الطرائق في الرمل والماء إذا ضربتها الرياح ~~حبائك، ويقال: الحبك هو بهاؤها واستواؤها، ويقال: شدتها وإحكامها، قال ~~الشاعر: # (مكلل بأصول النبت تنسجه * ريح خريق مايد حبك) وقال أبو كثير الهذلي: # (ممن حملن به وهن عواقد * حبك النطاق تشب غير مهبل) وعن الحسن البصري: ~~والسماء ذات الحبك أي: النجوم. # وقوله: * (إنكم لفي قول مختلف) يعني: مصدق ومكذب، ويقال معناه: أن * ~~(فجعلناهن أبكارا (36) عربا أترابا (37) لأصحاب اليمين (38) ثلة من الأولين ~~(39) وثلة من الآخرين (40)) * * سبعين ضعفا ' ذكره النقاش، وهو غريب جدا. # وقوله: * (فجعلناهن أبكارا) أي: عذارى. قال الضحاك: أهل الجنة لا يأتون ~~النساء من مرة إلا وجدوهن عذارى. # وقوله تعالى: * (عربا) أي: محببات إلى أزاجهن. وعن ابن عباس: عواشق ~~لأزواجهن. وعن بعضهم: غنجات. وعن بعضهم: شكلات. وعن بعضهم: مغتلمات. تقول ~~العرب للناقة إذا كانت تشتهي الفحل: عروبة. # وعن زيد بن أسلم: حسنات الكلام. وعن بعضهم: عربا أي: يتكلمن بالعربية. ~~والمعروف الأول، [و] يمكن الجمع بين هذه الأقوال كلها، فكأنها تتحبب إلى ~~زوجها بغنج، وشكل، وكلام حسن، وميل شديد، وبلفظ عربي. # وقوله: * (أترابا) أي: لدات، كأنهن على سن واحد وميلاد واحد. # ويقال: أترابا: أشكالا لأزواجهن ms1643 في الجسم والمقدار، قال الشاعر: # (أبرزوها مثل المهاة تهادى * بين جنس كواعب أتراب) وقوله: * (لأصحاب ~~اليمين) أي: هذا الذي قلنا لأصحاب اليمين. # وقوله تعالى: * (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) أي: جماعة من الأولين، ~~وهم الذين اتبعوا الأنبياء والمتقدمين صلوات الله عليهم أجمعين وجماعة من ~~الآخرين، وهم الذين اتبعوا نبينا، والثلة: القطعة. # وقد روى أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي قرأ هذه ~~PageV05P251 # * (يؤفك عنه من أفك (9) قتل الخراصون (10) الذين هم في غمرة ساهون (11)) ~~* * بعضهم يقول: هو ساحر، وبعضهم يقول: شاعر، وبعضهم يقول: مجنون، وعلى هذا ~~وقع القسم، وقيل: * (إنكم لفي قول مختلف) أي: مناقض، ذكره القفال الشاشي. ~~ومعنى التناقض في هذا: أنهم أقروا بالنشأة الأولى، وأنكروا النشأة الأخرى، ~~وهذا تناقض؛ لأن من قدر على النشأة الأولى فهو على النشأة الأخرى أقدر. # وقوله: * (يؤفك عنه من أفك) أي: يصرف عنه من صرف، وقيل: يصرف عن الإقرار ~~به من صرف عنه في علم الله وحكمه، ويقال: من صرف عن هذا الخير فقد صرف عن ~~الخير كله، كما يقال: من حرم عن كذا فقد حرم. وفي التفسير: أن أمر النبي ~~لما انتشر من قبائل العرب جعلوا يبعثون الواحد والاثنين يسألون عن خبره، ~~فكان المشركون في أيام الموسم يبعثون الناس في الطرقات حتى إذا جاء السائل. ~~[وسألهم] عن محمد قالوا: هو مجنون كذاب، وذكروا أمثال هذا، [وكانوا] يرجعون ~~قبل أن يلقوه، ويقولون: قومه أعلم به. # وقوله: * (قتل الخراصون) أي: لعن الكذابون، وهذا هو المتفق عليه من أهل ~~التفسير. وعن بعضهم: أنه لا يعرف قتل بمعنى لعن في اللغة، ومعناه: أن ~~الخراصين قد أتوا بما يستحقون [به] القتل، ولعنة الله إياهم إهلاك لهم، فهو ~~قتلهم. والخارص هو الذي يقول بالحدس والظن. # وقوله: * (الذين هم في غمرة ساهون) قال السدى: في غفلة لاهون، ويقال: في ~~حيرة وعمى، وقيل: في شك وجهالة، كأن الجهل والعمى غمر حالهم، ومنه الماء ~~الغمر إذا كان يغطي من ينزل فيه. ويقال: ساهون يتمادون يعني: ms1644 أن الشك ~~والضلالة يتمادى بهم. PageV05P252 # * (يسألون أيان يوم الدين (12) يوم هم على النار يفتنون (13) ذوقوا ~~فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون (14) إن المتقين في جنات وعيون (15) ~~آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا من قبل ذلك محسنين (16) كانوا قليلا من ~~الليل ما يهجعون (17)) * * وقوله: * (يسألون أيان يوم الدين) أي: متى يوم ~~الجزاء، وكانوا يسألون عن ذلك تعنتا وتكذيبا. # وقوله: * (يوم هم على النار يفتنون) أي: يعذبون. قال أبو عبيدة: يحرقون، ~~وذكره القتيبي وغيره. ويقال: يفتنون أي: يدخلون النار، ومنه فتنت الذهب، ~~وقد بينا من قبل. # وقوله: * (ذوقوا فتنتكم) أي: عذابكم. # وقوله: * (هذا الذي كنتم به تستعجلون) ومعنى استعجالهم: أنهم كانوا ~~يقولون متى يوم الدين، متى يوم الحساب، متى يوم القيامة، والمراد من الآية ~~أنه يقال لهم ذلك . # قوله تعالى: * (إن المتقين في جنات وعيون) أي: بساتين وأنهار. # وقوله: * (آخذين ما آتاهم ربهم) أي: آخذين ما أعطاهم ربهم، ومعنى الأخذ ~~هو دخولهم الجنة ووصولهم إلى ما وعدوا من الثواب. # وقوله: * (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) أي: من قبل أن ينالوا ما نالوا ~~محسنين في الدنيا. ومعنى الإحسان هاهنا هو طاعة الله تعالى، ثم فسر فقال: * ~~(كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) قل إبراهيم النخعي: كانوا يقومون أكثر ~~الليل. وعن الضحاك أن قوله: * (قليلا) يقع على الناس، ومعناه: أن قليلا من ~~الناس كانوا لا يهجعون. وعن سعيد بن جبير أن معناه: قلما مرت عليهم ليلة لم ~~يصلوا فيها. وقال الحسين البصري: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم استغفروا الله. ~~وعن أنس بن مالك معناه: كانوا يصلون بين العشاء والعتمة، وهذا أثر مسند. ~~ويقال: إنه في أهل قباء كانوا يفعلون ذلك. وعن بعضهم أن معناه: كانوا لا ~~ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة. PageV05P253 # * (وبالأسحار هم يستغفرون (18) وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) وفي) ~~* * وقوله: * (وبالأسحار هم يستغفرون) فيه قولان: أحدهما: أنه الاستغفار ~~نفسه، والآخر أن معناه: الصلاة. وقد كان في قيام الليل من دأب أصحاب رسول ~~الله والتابعين من بعد. روي عن العباس بن عبد المطلب وكان ms1645 جارا لعمر رضي ~~الله عنهما قال: عجبا لعمر نهاره صيام وحوائج الناس، وليلة قيام. وعن علي ~~رضي الله عنه أنه كان يصلي أكثر الليل. وعن عثمان أنه كان يحيي الليل ~~بركعة، وهي وتره. وعن ابن عمر أنه كان لا ينام من الليل إلا القليل. وعن ~~شداد بن أوس أنه كان إذا مال إلى فراشه يكون كالحية على المقلاة، ثم يقول: ~~إن النار منعتني النوم، ثم يقوم فيصلي حتى يصبح. وحديث عبد الله بن عمرو بن ~~العاص معروف ' أنه كان يقوم الليل ويصوم النهار إلى أن سهل عليه رسول الله ~~بعض ذلك '. # وقوله: * (وفي أموالهم حق) يقال: إنه الزكاة المفروضة، ويقال: ما سوى ~~الزكاة من الحقوق، وذلك أن يحمل كلا، أو يصل رحما، أو يعطي في نائبة، أو ~~يعين ضعيفا. # وقوله: * (للسائل) هو الطواف على الأبواب. ويقال: كل من سأل. # وقوله: * (والمحروم) فيه أقوال: قال ابن عباس: هو المحارف، وهو الذي لا ~~يتيسر له كسب ولا معيشة. وعن بعضهم: هو الذي لا سهم له من الغنيمة، وقد ضعف ~~هذا القول؛ لأن السورة مكية، والغنائم كانت بعد الهجرة. # ويقال: المحروم هو الذي لا يسأل الناس، ولا يفطن له فيعطى. # وعن الحسن بن محمد الحنفية: هو الذي أصابته (الجائحة) في ماله، وهذا قول ~~حسن يشهد له قوله تعالى في سورة ' ن ' * (فلما رأوا قالوا إنا لضالون بل ~~نحن محرومون) وكان قد هلك مالهم بالجائحة. ويقال: المحروم هو الكلب، ذكره ~~النقاش في تفسيره، ورواه عن محمد بن علي بن الحسين، وعمر بن عبد العزيز. ~~روي PageV05P254 # * (الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء ~~رزقكم وما توعدون (22) فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23) ~~هل) * * أن عمر بن عبد العزيز كان يأكل وثم كلب، فأمر أن يلقى له الطعام، ~~وقال: إني إخال أنه المحروم. # وقوله: * (وفي الأرض آيات للموقنين) أي: دلالات وعبر. # وقوله: * (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) قال عبد الله بن الزبير معناه: سبيل ~~الخلاء والبول. ويقال: ما يدخل في جوفه وما ms1646 يخرج منه. والأولى أن يقال: هو ~~سائر الآيات التي في النفس مما يدل على أن لها خالقا وصانعا. # وقوله: * (وفي السماء رزقكم) أي: المطر، ويقال: إن مع كل قطرة مكتوب رزق ~~فلان. # وقوله: * (وما توعدون) قال عطاء: الثواب والعقاب. والعقاب. # وقال الكلبي: الخير والشر. والمعروف أنه الجنة؛ لأنها في السماء عند سدرة ~~المنتهى، كما قال تعالى: * (عندها جنة المأوى) وعن سعيد بن جبير قال: * ~~(وفي السماء رزقكم) الثلج، وكل ما نزل من السماء فهو مذاب من الثلج. # وعن بعضهم: أنه يحتمل ' وفي لسماء رزقكم ' أي: تقدير رزقكم. # وقوله: * (فورب السماء والأرض إنه الحق) يعنى أن الوعد حق وما ذكرت أن في ~~السماء رزقكم وما توعدون حق. وقال الكلبي: إنه لحق يعني: ما سبق من أول ~~السورة إلى هذا الموضع. # وقوله: * (مثل ما أنكم تنطقون) روي عن رسول الله أنه قال: ' ويل لقوم ~~يقسم لهم ربهم ثم لا يصدقونه ' رواه الحسن مرسلا. ومعنى قوله: * (مثل ما ~~أنكم تنطقون) يعني: أنه حق مثل نطقكم، كما يقول القائل لغيره: إنه لحق كما ~~أنك PageV05P255 # * (أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال ~~سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26)) * * هاهنا، أو ما ~~كما أنك تتكلم. # قوله تعالى: * (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) قد ذكرنا من قبل، ~~وإكرامه إياهم هو خدمتهم بنفسه. وقد ثبت برواية أبي شريح الخزاعي وغيره أن ~~النبي قال: ' من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل ~~خيرا أو ليصمت '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا أبو علي الشافعي بمكة، أخبرنا ابن فراس، أخبرنا ~~أبو محمد المقرئ، أخبرنا جدي محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان بن عيينة، ~~عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن [أبي] شريح، عن النبي الحديث. # والكرامة إياهم هو تعجيل الطعام. # وقوله: * (إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما) وقرئ: ' فقالوا سلما ' فمعنى ~~قوله: * (سلاما) أي: ms1647 سلموا سلاما، ومعنى قوله: ' سلما ' أي: عن سلم. # وقوله: * (قال سلام) هو جواب سلامهم. # وقوله: * (قوم منكرون) إنما قال ذلك لأنه أنكر هيئتهم، ولم يكن رآهم من ~~قبل. # قال الشاعر: # (فأنكرتني وما كان الذي (نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا) ويقال: * ~~(قوم منكرون) أي: يخافون، يقال: أنكرت فلانا إذا خفته. # وقوله: * (فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين) في القصة: أن أكثر أموال ~~إبراهيم PageV05P256 # * (فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه ~~بغلام عليم (28) فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) ~~قالوا) * * كان هو البقر، وكان يسمى أبا الضيفان، ويقال: كان يمشي ميلا ~~وميلين في طلب (الضيف)، فكان لا يأكل إلا مع الضيف. # وقوله: * (فراغ) أي: ذهب خفية. # وقوله: * (فقربه إليهم قال ألا تأكلون) في الآية حذف، وتقديره: فقربه ~~إليهم فلم يأكلوا قال ألا تأكلون. وفي القصة: أن إبراهيم عليه السلام كان ~~إذا قعد مع الضيف نكس رأسه، وجعل يأكل ولا ينظر إلى الضيف، ففعل مثل ذلك مع ~~الملائكة، وهم أربع: جبريل، وميكائيل، وروبيل، وملك آخر، فقالت سارة: ارفع ~~رأسك فهم لا يأكلون، فرفع رأسه وقال: ألا تأكلون. # قوله تعالى: * (فأوجس منهم خيفة) أي: دخل في نفسه منهم خيفة. وفي ~~التفسير: أن السبب في ذلك أن الرجل كان إذا طرقه ضيف (فقدم) إليه شيئا ~~وأكله أمن منه، وإن لم يأكل خاف شره. # وقوله: * (قالوا لا تخف) يعني: نحن ملائكة الله فلا تخف. # وقوله: * (وبشروه بغلام عليم) أجمع المفسرون على أنه إسحاق عليه السلام. # قوله تعالى: * (فأقبلت امرأته في صرة) أي: صيحة، كأنها ولولت مثل ما تفعل ~~النساء، ويقال: في صرة هو حكاية صوتها في الضحك، وقد قال في موضع آخر: * ~~(فضحكت) وهو مثل: صرير الباب، وخرير الماء، والقهقهة غير ذلك، فالقهقهة ~~أخذت من حكاية صوت الضاحك. # وقوله: * (فصكت وجهها) أي: ضربت وجهها مثل ما تفعل النساء. # وقوله: * (وقالت عجوز عقيم) وإنما فعلت ذلك؛ لأنها أنكرت ولادتها غلاما ~~وقد PageV05P257 # * (كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم ms1648 (30) قال فما خطبكم أيها المرسلون ~~(31) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) ~~مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما ~~وجدنا فيها) * * صارت عجوزا عقيما، وقد ذكرنا سنها، أنها كانت بنت تسع ~~وتسعين سنة. # وقوله: * (قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم) أي: الحكيم فيما ~~يدبر، العليم بأمور خلقه. # قوله تعالى: * (قال فما خطبكم أيها المرسلون) أي: ما شأنكم؟ ولأي شيء ~~أرسلتم؟ # قوله تعالى: * (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) أي: كافرين، وقيل: ذوي ~~جرم. # وقوله: * (لنرسل عليهم جارة من طين مسومة) أي: معلمة، ويقال: العلامات هي ~~اخواتيم على الأحجار، وقيل: كان اسم كل من يهلك بذلك الحجر من الكفار ~~مكتوبا على ذلك الحجر. وعن ابن عباس قال: * (مسومة) أي: حمرة في بياض. ~~ويقال: مخططة. # وقوله: * (عند ربك للمسرفين) أي: المشركين، وهم الذين أسرفوا في المعاصي، ~~وكل مشرك مسرف في المعصية. فإن قيل: ما معنى قوله: * (حجارة من طين) وكيف ~~تكون الحجارة من طين؟ والجواب من وجوه: أحدها: أن كان في الأصل طينا ~~فاستحجر بشروق الشمس عليه. # والثاني: أنه كان مطبوخا من طين كما يطبخ الآجر. # والثالث: أن قوله: * (جارة من طين) ذكر الطين هاهنا لكي يعلم أنه لم يرد ~~به البرد، والعرب تسمي البرد النازل من السماء حجارة. # وقوله تعالى: * (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت ~~من المسلمين) فيه دليل لمن قال: إن الإسلام والإيمان واحد، وقد بينا من ~~قبل. وعن PageV05P258 # * (غير بيت من المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم ~~(37) وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38)) * * قتادة أنه قال: ~~لو كان في قريات لوط بيت من المسلمين غير بيت لوط لم يهلكهم الله تعالى؛ ~~ليعرف قدر الإيمان عند الله تعالى. واختلف القول أنه هل كان آمن بلوط عليه ~~السلام أحد. فأحد القولين: أنه كان آمن به بضع [عشرة] نفسا. # والقول الثاني: أنه لم يكن آمن به أحد إلا ابنتاه. # قوله تعالى: * (وتركنا ms1649 فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم) أي: عبرة، ~~والعبرة في قريات لوط بينة لمن مر بها، فإنها أرض سوداء (مبيئة). ويقال: ~~معنى الآية المذكورة في قريات لوط هو ما بقي من الحجارة فيها. # وفي القصة عن ابن عباس: أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت الأرض ~~السابعة، واقتلع مدائن قوم لوط من أصلها، ورفعها حتى بلغ بها السماء ~~الدنيا، وحتى تسمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وصوت الديكة منها، ثم ~~قلبها وأرسل الله تعالى حجارة على ما بينا، ويقال: أرسل الحجارة على الشذاذ ~~والمسافرين منهم حتى أهلكهم كلهم. # وفي القصة أيضا: أن إبراهيم عليه السلام أصبح جالسا في مسجده بعد أن ذهبت ~~الملائكة مكثوا عند إبراهيم عليه السلام حتى قالوا قيلولة، ثم راحوا إلى ~~مدائن لوط، وكان بين قرية إبراهيم ومدائن لوط أربعة فراسخ فلما أصبح ~~إبراهيم رأى دخانا ساطعا في السماء من مدائن لوط، فعرف أنهم قد عذبوا. # قوله: * (وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين) أي: وفي إرسال موسى ~~آية وعبرة. # وقوله: * (بسلطان مبين) أي: بحجة بينة. PageV05P259 # * (فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ~~وهو مليم (40) وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41)) * * قوله تعالى: ~~* (فتولى بركنه) قال ابن عباس: بجمعه وجنوده. وعن قتادة: بقوته في نفسه. ~~وعن بعضهم: برهطه الذين يتقوى بهم. وركن الشيء ما يتقوى به الشيء، ومنه ~~قوله تعالى مخبرا عن لوط عليه السلام * (أو آوى إلى ركن شديد) أي: إلى رهط ~~وقوم أتقوى بهم، وكذلك هاهنا أيضا معناه: أعرض معتمدا على رهطه وقومه الذين ~~يتقوى بهم، وقيل: تولى بركنه أي: نأى بجانبه. # وقوله: * (وقال ساحر أو مجنون) قال أهل العلم: هذا تناقض؛ لأن السحر لا ~~يكون إلا بعقل كامل، والمجنون هو الذي لا عقل له. # قوله تعالى: * (فأخذناهم وجنوده فنبذناهم في اليم) أي: (طرحناهم) ~~وألقيناهم في البحر. # وقوله: * (وهو مليم) يقال: ألام الرجل فهو مليم، إذ أتى بما يلام عليه. # قوله تعالى: * (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) ms1650 الريح العقيم هي ~~الريح التي لا خير فيها أصلا، كأنها لا تلقح شجرا، ولا تثير سحابا، ولا ~~تأتي بمطر. وفي بعض التفاسير: أن الريح العقيم ريح محبوسة تحت الأرض ~~السابعة أرسل منها على مقدار منخر ثور، حتى أهلكت عاد ودمرتهم، ثم ردها إلى ~~موضع حبسها. وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ~~'. # وعن سعيد بن المسيب والزهري: أنهم أهلكوا بالجنوب، فقيل لسعيد: إن الجنوب ~~تأتي بالرحمة، فقال: إن الله يصرفها كيف يشاء. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: الريح العقيم هي النكباء. PageV05P260 # * (ما تذر من شيء أنت عليه إلا جعلته كالرميم (42) وفي ثمود إذ قيل لهم ~~تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون (4) فما ~~استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما ~~فاسقين (46)) * * قوله تعالى: * (ما تذر من شيء أنت عليه إلا جعلته ~~كالرميم) قال السدى: كالتراب. وعن مؤرج قال: كالرماد بلغه حضرموت. ويقال: ~~كالعظم البالي المنسجق ومنه الرمة. ويقال كالنبت الذي يبس وديس بالرجل. # قوله تعالى: * (وفي ثمود إذ قيل لهم تمتوا حتى حين) أي: إلى ثلاثة أيام، ~~وقد بينا هذا من قبل. # قوله تعالى: * (فعنتوا عن أمر ربهم) أي: عصوا، ويقال: خالفوا أمر ربهم. # وقوله: * (فأخذتهم الصاعقة) وقرئ: ' الصعقة ' وهما بمعنى واحد، ويقال: ~~الصعقة الصيحة، والصاعقة فاعلة من الصعقة. # وقوله: * (وهم ينظرون) أي: نهارا جهارا، وهم يرون نزول العذاب، ومعناه: ~~أنه لم يكن بليل وهم نيام ولم يشعروا به. # قوله تعالى: * (فما استطاعوا من قيام) أي: وقعوا وقوعا لم يستطيعوا بعده ~~القيام. ويقال: لم يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم العذاب أي: أن يقوموا ~~بالدفع. يقول الرجل: أنا لا أستطيع أن أقوم بهذا الأمر أي: لا أستطيع دفع ~~هذا الأمر عن نفسي. # وقوله: * (وما كانوا منتصرين) أي: ممتنعين من نزول العذاب بهم. # قوله تعالى: * (وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين) أي: خارجين عن ~~طاعة الله تعالى. # وقوله: * (من قبل) أي: من قبل عاد ms1651 وثمود، أهلكناهم كما أهلكنا عادا ~~وثمود. # قوله تعالى: * (والسماء بنيناها بأيد) أي: بقوة وقدرة. PageV05P261 # * (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم الماهدون ~~(48) ومن كل شيء خلقنا زوجين) * * وقوله: * (وإنا لموسعون) قال مجاهد: ~~معناه يسع قدرتنا أن تخلق سماء مثلها، ويقال: * (وإنا لموسعون) أي: في ~~وسعنا خلق ما هو أحكم وأرفع من هذه السماء التي ترونها، وحقيقة المعنى: أن ~~هذا الذي خلقنا ليس هو جهد قدرتنا، فإن في وسعنا أن نخلق أمثال هذا ~~وأضعافه. ويقال: وإنا لموسعون أي: في رزق العباد. ويقال: في تدبير أمر ~~العباد. # قوله تعالى: * (والأرض فرشناها) أي: بسطناها. وفي تفسير النقاش: أنها ~~مسيرة خمسمائة عام. # وقوله: * (فنغم الماهدون) أي: الباسطون، والمعنى: أنا بسطنا الأرض على ~~الهيئة التي يستقر عليها العباد، ولا تنكفئ بهم على ما يبسط الإنسان فرشا ~~يمهد به لغيره موضع استقرار وسكون. # قوله تعالى: * (ومن كل شيء خلقنا زوجين) أي: صنفين. ويقال: معناه زوجين ~~زوجين، وذلك مثل: السماء والأرض، والليل والنهار، والنور والظلمة، والذكر ~~والأنثى، والبر والبحر، وعن مجاهد قال: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، ~~والهدى والضلالة. وعن الكلبي قال: السماء والأرض زوج، والليل والنهار زوج، ~~والشمس والقمر زوج، وعد به أشياء من ذلك، ثم قال: والله هو الوتر. وروى ~~حذيفة عن النبي أنه قال: ' إن الله خالق كل شيء، صانع وصنعته '. # وفي بعض الأخبار أيضا عن النبي مخبرا عن الله تعالى: ' لا إله إلا أنا، ~~PageV05P262 # * (لعلكم تذكرون (49) ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (51) كذلك ما أتى الذين من ~~قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52)) * * خلقت الشر، وخلقت من يجري ~~على يده الشر، فويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يده، وخلقت الخير، ~~وخلقت من يجري الخير على يده، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يده ~~' وذكر النقاش في تفسيره برواية سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي أنه ~~قال: ' إن الله خلق الإيمان وحفه بالسماحة والحياء، وخلق ms1652 الكفر وحفه بالشح ~~والجفاء '. # وفي بعض الأخبار أيضا: أن الله خلق الرفق فلو رأيته رأيت شيئا حسنا، وخلق ~~الخرق فلو رأيته رأيت شيئا قبيحا. # وقوله: * (لعلكم تذكرون) أي: تتعظون. # قوله تعالى: * (ففروا إلى الله) أي: من معصيته إلى طاعته، ويقال: من سخطه ~~إلى رحمته، ومن عقابه إلى عفوه. # وقوله: * (إني لكم منه نذير مبين) قد بينا من قبل. # قوله تعالى: * (ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين) ~~الآية. قد بينا. # قوله تعالى: * (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون) ظاهر المعنى، وهذا تسلية للنبي أي: كما قيل لك فقد قيل لمن قبلك من ~~الرسل. PageV05P263 # * (أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر ~~فإن الذكرى تنفع المؤمنين (55) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما ~~أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57)) * * قوله تعالى: * (أتواصوا به) ~~أي: أوصى بعضهم بعضا بهذا القول، ويقال: أوصى الأول الأخير بالتكذيب. # قوله: * (بل هم قوم طاغون) أي: عاصون يبالغون في العصيان. # قوله تعالى: * (فتول عنهم فما أنت بملوم) في بعض الآثار عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه أنه لما نزلت هذه الآية حزن أصحاب رسول الله حزنا شديدا، ~~وظنوا أنه لا ينزل الوحي بعد ذلك حيث أمر النبي بالإعراض والتولي، وعذر ~~بقوله: * (فما أنت بملوم) فأنزل الله تعالى: * (وذكر فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين) ففرحوا، وقيل: إن هذه الآية قبل نزول آية السيف، ثم نسخت بآية ~~السيف. # قوله تعالى: * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) في قراءة أبي بن كعب ' ~~وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون ' وهو تفسير القراءة ~~المعروفة. # قال الضحاك: الآية عامة أريد بها الخاص، وهم المؤمنون، وهذا القول اختيار ~~الفراء والقتيبي وغيرهما. # والقول الثاني: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي: لآمرهم بالعبادة. ~~وقال مجاهد: لآمرهم وأنهاهم، وحكى بعضهم هذا عن علي. # والقول الثالث: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي: لينقادوا ويخضعوا ~~لي، وانقيادهم ms1653 وخضوعهم هو استمرارهم على مشيئته وحكمه، وهو معنى خضوع ~~السماوات والأرضين وطواعيتها وانقيادها، والمختار هو القول الأول. # قوله تعالى: * (ما أريد منهم من رزق) أي: أن يرزقوا عبادي، ويقال: أن ~~يرزقوا أنفسهم. # * (وما أريد أن يطعمون) هو على المعنيين الأولين، أي: يطعموا عبادي، أو ~~يطعموا أنفسهم، فإذا قلت في الأول هو رزق أنفسهم فمعنى هذا إطعام العباد، ~~وإذا PageV05P264 # * (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ~~ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون ~~(60)) * * قلت في الأول رزق العباد فمعنى هذا إطعامهم أنفسهم، وإنما قال: * ~~(يطعمون) لأن الخلق عباد الله، فإذا أطعمهم (فكأنه) أطعم الله على المجاز. # وقد ثبت عن النبي أنه قال حاكيا عن الله تعالى فيما يقول لعبده يوم ~~القيامة: ' استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: يا رب، وكيف أطعمك، وأنت رب ~~العالمين؟ فيقول: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ولو أطعمته لوجدته عندي... ~~الخبر إلى آخره '. # قوله تعالى: * (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)، الرزاق بمعنى ~~الرازق، ويقال: يقتضي مبالغة وتكثيرا. # وقوله: * (ذو القوة المتين) أي: القوة البالغة. # قوله تعالى: * (فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم) أي: نصيب من ~~العذاب مثل نصيب أصحابهم، أي: أمثالهم من المشركين الذين تقدموا، فجعلهم ~~أصحابهم لما اجتمعوا في الكفر، وإن تفرقت بهم القرون. والذنوب في اللغة: هو ~~الدلو لعظيم، ومنه أخذ النصيب. # وقوله: * (فلا يستعجلون) أي: العذاب نازل بهم فلا ينبغي أن يستعجلوا، وقد ~~تقدم ذكر استعجالهم فيما سبق. # قوله تعالى: * (فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون) قد بينا معنى ~~الويل. وقوله: * (من يومهم الذي الذي يوعدون) هو يوم القيامة، وهو اليوم ~~الموعود المنتظر لجزاء العباد، ونسأل الله حسن العاقبة بفضله ومنه (آمين). ~~PageV05P265 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (والطور (1) وكتاب مسطور (2)) * * تفسير سورة ~~الطور وهي مكية. وقد ثبت برواية جبير بن مطعم أنه قال: ' سمعت النبي يقرأ ~~في المغرب سورة الطور '. # قوله تعالى: * (والطور) قال مجاهد: هو بالسريانية اسم للجبل. والأصح أنه ~~اسم الجبل بالعربية. ms1654 وحكي عن ابن عباس أنه قال: كل جبل ينبت فهو طور، وكل ~~ما لا ينبت فليس بطور. وقال كعب الأحبار وغيره: هو الطور الذي كلم الله ~~عليه موسى. وقد روي هذا القول عن قتادة وعكرمة. وعن نوف البكالي: أن الله ~~تعالى أوحى إلى الجبال أني منزل على جبل منكن، فشمخت الجبال بأنفسها، ~~وتواضع الطور وقال: أنا راض بما قسم الله لي، وكان عليه الأمر. # وقوله: * (وكتاب مسطور) فيه أقوال: أنه القرآن، وهو مروي عن الحسن ~~البصري. والآخر: أنه التوراة كتبها الله تعالى في الألواح. والثالث أنه ~~الكتاب الذي أثبت الله فيه أعمال بني آدم، ويخرج يوم القيامة وفيكون صحائف، ~~فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، وآخذ وراء ظهره، وهذا قول معروف ذكره الفراء ~~وغيره. # ويقال: إن المراد منه الصحف التي تقرأ منها الملائكة في السماء القرآن ~~على ما قال تعالى: * (في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة) ويقال: إنه ~~اللوح المحفوظ قد كتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة. PageV05P266 # * (في رق منشور (3) والبيت المعمور (4) * * وقوله: * (في رق منشور) ~~والرق: هو الأديم الذي يكتب فيه الشيء. # وقوله: * (منشور) أي: مبسوط، وهذا يؤيد القول الذي قلنا إن الكتاب هو ~~صحائف الأعمال في الآخرة، لأن الله تعالى قد قال في موضع آخر: * (وإذا ~~الصحف نشرت) والمراد منه صحائف الأعمال في الآخرة. # قوله تعالى: * (والبيت المعمور) قال بعضهم: هو الكعبة، وعمارته بالحج ~~والطواف. والقول المعروف أنه بيت في السماء، قاله ابن عباس وعامة المفسرين ~~وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيضا. # واختلفوا في موضعه، فروى أنس بن مالك بن صعصعة عن النبي في قصة المعراج ~~أنه قال: ' رفع لي البيت المعمور في السماء السابعة '. # وعن علي رضي الله عنه أنه في السماء السادسة. وعن الربيع بن أنس وغيره ~~أنه في السماء الدنيا بحيال الكعبة لو سقط سقط عليه. # وفي القصة: أن البيت المعمور [أنزله] الله تعالى من السماء لآدم، ووضعه ~~مكان الكعبة فلما كان زمان نوح رفعه الله تعالى إلى السماء ms1655 الدنيا فهو موضع ~~حج الملائكة وحرمته كحرمة الكعبة في الأرض. # قال علي وغيره: اسمه الضراح يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ~~أبدا وقد أسند هذا اللفظ إلى الرسول. # وعن بعضهم أنه في السماء الرابعة. وفي بعض المسانيد ' أن الله تعالى خلق ~~نهرا PageV05P267 # * (والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6)) * * تحت العرش يسمى نهر ~~الحيوان فيدخله جبريل عليه السلام كل يوم حين تطلع الشمس ثم يخرج، وينتفض ~~انتفاضة فيقطر منه سبعون ألف قطرة يخلق الله تعالى من كل قطرة منها ملكا ~~فهم العباد في البيت المعمور '. وهذا خبر غريب. # قوله تعالى: * (والسقف المرفوع) فيه قولان: أحدهما: أنه السماء، والآخر: ~~أنه العرش. # وقوله: * (والبحر المسجور) أشهر الأقاويل فيه أنه الممتلئ. وعن ربيع بن ~~أنس في قوله تعالى: * (وكان عرشه على الماء) قال: إن الله تعالى جعل ذلك ~~الماء نصفين حين خلق السماوات والأرض، فجعل نصفا منه تحت الأرض السابعة ~~ونصفا منه تحت العرش، فإذا كان بين النفختين ينزل الله منه قطرا على الأرض، ~~فينبت به الأجساد في القبور. # والقول الثاني في الآية: أن البحر المسجور هو المفجور على ما قال الله ~~تعالى في موضع آخر: * (وإذا البحار فجرت) وتفجيرها هو بسطها وإرسالها على ~~الأرض. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: البحر المسجور هو المرسل، وذلك لمعنى ~~ما بينا. # والقول الثالث: أن البحر المسجور هو الموقد نارا، من قولهم: سجرت التنور. ~~وعن علي رضي الله عنه أنه قال لكعب الأحبار: أين جهنم؟ قال: هو البحر، ~~فقال: ما أراك إلا صادقا، وقرأ قوله تعالى: * (وإذا البحار سجرت) والقول ~~الرابع: أن البحر المسجور هو البحر الذي يبس ماؤه وذهب، كأن بحار الأرض ~~تفرغ عن الماء يوم القيامة. وعبر بعضهم عن هذا البحر المسجور بالفارغ. ~~PageV05P268 # * (إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من دافع (8) يوم تمور السماء مورا (9) ~~وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ للمكذبين (11) الذين هم في خوض يلعبون ~~(12) * * قوله تعالى: * (إن عذاب ربك لواقع) على هذا وقع القسم، وإلى هذا ~~الموضع كان قسما على التقدير ms1656 الذي قلناه في السورة المتقدمة. # وقوله: * (واقع) أي: كائن. # وقوله: * (ما له من دافع) أي: ماله دافع من الكفار. وعن جبير بن مطعم: ' ~~أنه أتى المدينة ليفدي بعض أسارى بدر، فسمع النبي يقرأ في الصلاة سورة ~~الطور، فلما سمع قوله: * (إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع) غشية وجل وخوف، ~~وكان ذلك سبب إسلامه '. # قوله: * (يوم تمور السماء مورا) أي: تدور، ويقال: تجيء وتذهب والمراد ~~سيرها ويقال تكفأ بأهلها. # وقوله * (وتسير الجبال سيرا) أي تجىء وتذهب على وجه الأرض، ويقال: سيرها ~~سير السحاب بين السماء والأرض على ما قال تعالى: * (وهي تمر مر السحاب). # وقوله: * (فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون) أي: في باطل ~~لاهون، ويقال: يخوضون في أمر النبي بالتكذيب، ويلعبون بما هو [الجد]. وعن ~~بعضهم: أنه رؤي في المنام، فقيل له: كيف الأمر؟ فقال: الأمر جد فإياك أن ~~تخلطه بالهزل. وقيل: إن الله تعالى جعل كل ما فيه الكفار لعبا. # قوله تعالى: * (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا) أي: يدفعون في نار جهنم. # وقوله: * (دعا) أي: دفعا. والدع في اللغة: هو الدفع بشدة وعنف. ~~PageV05P269 # * (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (13) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) ~~أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم ~~إنما تجزون) * * وقوله: * (هذه النار التي كنتم بها تكذبون) يقال لهم هذا ~~على طريق التوبيخ والتقريع. # قوله تعالى: * (أفسحر هذا) في التفسير: أنهم لما كانوا يرون الآيات في ~~الدنيا ودلائل نبوة الرسول فيقولون: إنها سحر ونحن لا نبصر ما يقول أي: لا ~~نعلم فإذا كان يوم القيامة وعاينوا العذاب يقال لهم: أفسحر هذا كما تزعمون ~~في الدنيا لما رأيتم من الآيات أم أنتم لا تبصرون، أي: هل أنتم لا تبصرون ~~كما لم تبصروا في الدنيا على زعمكم؟. # والقول الثاني في قوله: * (أم أنتم لا تبصرون) أي: معناه بل كنتم لا ~~تبصرون، أي: لا تعلمون، وهذا قول معروف. # وقوله: * (اصلوها) أي: ادخلوها. ويقال: قاسوا حرها. # وقوله: * (فاصبروا ms1657 أو لا تصبروا) هو مثل قوله تعالى: * (سواء علينا ~~أجزعنا أم صبرنا) والمعنى: أنكم سواء صبرتم أو جزعتم، فالعذاب واقع بكم ولا ~~يخفف عنكم. وفي بعض الآثار: أن أهل النار يجزعون مدة مديدة، وينادون على ~~أنفسهم بالويل والثبور ثم يقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون أيضا مدة مديدة فلا ~~ينفعهم واحد من الأمرين، وهو معنى قوله تعالى: * (سواء عليكم) أي: مستو ~~[كلتا] الحالتين، والعذاب مستمر بكم فيهما. # وقوله: * (إنما تجزون ما كنتم تعملون) يعني: أن هذا عملكم بأنفسكم. # قوله تعالى: * (إن المتقين في جنات ونعيم) أي: بساتين ونعمة. PageV05P270 # * (ما كنتم تعملون (16) إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ~~ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ~~(19)) * * وقوله: * (فاكهين) قال ابن عرفة وهو نفطويه النحوي فاكهين: ~~ناعمين. ويقال: فاكهين ذوي فاكهة. يقال: فلان لابن أي: ذو لبن: وتامر أي: ~~ذو تمر. وقرئ: * (فكهين) أي: معجبين مسرورين بحالهم. # وقوله: * (بما آتاهم ربهم) أي: أعطاهم ربهم. # وقوله: * (ووقاهم ربهم عذاب الجحيم) أي: عذاب النار، والجحيم: معظم ~~النار. # قوله تعالى: * (كلوا واشربوا هنيئا) أي: تهنئون هنيئا. # وقوله: * (بما كنتم تعملون) أي: تعملون من الطاعات. # قوله تعالى: * (متكئين على سرر) هو جمع سرير. # وقوله: * (مصفوفة) أي مضموم بعضها إلى بعض. ويقال: مصطفة. # وفي التفسير: أن ارتفاع السرير يكون كذا كذا ميلا، فإذا أراد المؤمن أن ~~يصعده تطامن حتى يرتفع عليه المؤمن، ثم يعود إلى ما كان. # وقوله: * (وزوجناهم) أي: قرناهم، قاله الفراء والزجاج وغيرهما من أهل ~~المعاني. قالوا: وليس المراد منه التزويج المعروف الذي يكون في الدنيا، فإن ~~عقد التزويج من عقود الدنيا ليس من عقود الآخرة. # وقوله: * (بحور عين) الحور: البيض، ومنه الحواري، ومنه الحواريون، لأصحاب ~~عيسى، وهم القصارون الذين يبيضون الثياب. والعرب تسمى نساء الأمصار حواريات ~~لبياضهن. # وقال بعضهم: # (فقال للحواريات يبكين غيرنا * ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح) وقوله: * ~~(عين) أي: حسان العين. ويقال: سميت الواحدة منهن حوراء؛ لشدة PageV05P271 # * (متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم) * * بياضها، ms1658 وسواد (حدقتيها). # قوله تعالى: * (والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم) وقرئ: ' واتبعتهم ذريتهم ~~' وفي الخبر موقوفا على ابن عباس ومرفوعا إلى رسول الله: ' أن الله تعالى ~~يرفع ذرية المؤمن إلى درجته، وإن لم يبلغها عملهم؛ لتقر عينهم بهم ' وعن ~~بعضهم أن هذا في الآباء مع الأولاد، والأولاد مع الآباء جميعا، كأن الله ~~تعالى يبلغ الوالد درجة الولد إذا كان أرفع منه في الدرجة، ويبلغ الولد ~~درجة الوالد إذا كان أرفع منه في الدرجة. وقد ورد في بعض الكتب: أن هذا ~~يكون أيضا للأخ مع أخيه في الإيمان يقول الأخ: يا رب، ارفعه إلى درجتي، ~~فيقول: إنه لم يعمل مثل عملك، فيقول: إني عملت لنفسي وله. # وفي بعض الأخبار عن النبي ' أن أولاد المؤمنين يكونون مع آبائهم في الجنة ~~وأولاد الكفار مع آبائهم في النار. ' PageV05P272 # (* (بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم) * وفي بعض الأخبار: ' أن أولاد المشركين ~~يكونون خدم أهل الجنة '. وقد ثبت برواية عائشة رضي الله عنها: أنه مات صبي ~~من الأنصار، فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: ' يا عائشة أو غير ذلك؟ إن الله تعالى خلق النار وخلق لها أهلا، ~~وخلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق الجنة وخلق لها أهلا، خلقهم لها وهم ~~في أصلاب آبائهم '. قال الشيخ الإمام رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو علي ~~الشافعي رحمه الله بمكة، أخبرنا أبو الحسن بن فراس أخبرنا أبو محمد المقرئ ~~أخبرنا جدي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عائشة بنت طلحة، عن ~~عائشة أم المؤمنين، عن النبي... والخبر في صحيح مسلم. # وقد قال أهل العلم: إن الأصح في ذرارى المؤمنين أنهم في الجنة، ويحتمل أن ~~النبي إنما قال ذلك على ما كان عرفه في الأصل، ثم إن الله تعالى أخبره أن ~~ذرارى المسلمين في الجنة بهذه الآية وغيرها، وأنما ذرارى الكفار: فالأصح أن ~~الأمر فيهم على التوقف على ما روى عن النبي ' أنه سئل عن أطفال المشركين ~~فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين '. # وقوله: ms1659 * (بإيمان) أي: بإيمانهم، إما بإيمانهم بأنفسهم، أو بثبوت الإيمان ~~لهم PageV05P273 # * (وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) وأمددناهم ~~بفاكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنازعون فيها كأسا) بإيمان الآباء. # * (ألحقنا بهم ذريتهم) أي: في الدرجة على ما قلنا. # وقوله: * (وما ألتناهم من عملهم من شيء) أي: ما نقصناهم من عملهم من شيء. ~~وقرأ ابن كثير: ' وما ألتناهم ' بكسر اللام، والأول هو الأولى. وقرأ ابن ~~مسعود: ' وما لتناهم ' والكل بمعنى واحد. # قال الشاعر: # (أبلغ بنى ثقل عني مغلغلة * جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا) قوله تعالى: * ~~(كل امرئ بما كسب رهين) هذا في المشركين، ومعناه: أن الكفار محبوسون في ~~النار بعملهم، وأما المؤمن فهو غير محبوس ولا مرتهن، فإن ارتهن بعمله فلا ~~بد أن يدخل النار. وفي الخبر المعروف أنه عليه الصلاة والسلام قال: ' لن ~~ينجي أحدا منكم عمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن ~~يتغمدني الله برحمة منه وفضل له '. # قوله تعالى: * (وأمددناهم بفاكهة) هذا رجوع إلى صفة أهل الجنة. # وقوله: * (ولحم طير مما يشتهون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (يتنازعون فيها كأسا) أي: يتعاطون، والمعنى: بعضهم يعطي ~~بعضا على ما يفعل الشراب في الدنيا. # قال امرؤ القيس: # (فلما تنازعنا الحديث وأسمحت * هصرت بغصن ذي شماريخ ميال) PageV05P274 # * (لا لغو فيها ولا تأثيم) ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ منكون وأقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا في أهلنا مشفقين وقوله ~~* (لا لغو فيها ولا تأثيم) أي: لا يجري بينهم كلام باطل، ولا كلام يأثم به ~~قائله، على ما يكون بين الشراب في الدنيا. قال القتيبي: معناه: لا يسكرون ~~فيكون منهم كلام لغو أو كلام يأثمون به. # قوله تعالى: * (ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون) أي: مصون مستور ~~من الشمس والريح، ومن كل ما يذهب صفاءه وبهاءه ويغيره. # قوله تعالى: * (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) في الآية دليل على أن أهل ~~الجنة يجتمعون، ويذكرون أحوال الدنيا، ويسأل بعضهم بعضا عن ms1660 ذلك. # وقوله: * (قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) أي: وجلين خائفين، فيقال: ~~إن خوفهم ووجلهم هو من يوم القيامة. ويقال: إن خوفهم ووجلهم من أن لا تقبل ~~منهم أعمالهم، وهو في معنى قوله تعالى: * (إن الذين هم من خشية ربهم ~~مشفقون) قالت عائشة: عملوا ما عملوا من الطاعات، وخافوا أن لا تقبل منهم. ~~ويقال: إن المؤمن في بيته وجل؛ لأنه يحتاج إلى معاشرة أهله وولده، ولا بد ~~له مع ذلك أن يتقي الله تعالى، ولا يقول ولا يفعل ما لا يرضاه الله، وهذا ~~هو أشد شيء على المؤمنين أن يكونوا على حذر من ربهم وعلى طلب رضاه منهم ~~فيما بين أمورهم مع الخلق. # قوله تعالى: * (فمن الله علينا) أي: أنعم الله علينا. # وقوله: * (ووقانا عذاب السموم) أي: عذاب جهنم، فيقال: إن السموم اسم من ~~أسماء جهنم. ويقال: عذاب السموم أي: عذاب سموم جهنم. # قوله تعالى: * (إنا كنا من قبل ندعوه) أي: نوحده ونعبده، والدعاء هاهنا ~~بمعنى PageV05P275 # * (فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو ~~البر الرحيم (28) فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون ~~شاعر نتربص) * * التوحيد، وعليه أكثر المفسرين. ويقال: إنه الدعاء المعروف. # قوله: * (إنه هو البر الرحيم) قرئ بفتح الألف وكسرها، فمن قرأ بالكسر فهو ~~على الابتداء والاستئناف، ومن قرأ بالفتح فمعناه: إنا كنا من قبل ندعوه ~~بأنه هو البر الرحيم أي: لأنه. والبر: هو البار اللطيف بعباده، ولطفه ~~بعباده هو إنعامه عليهم مع عظم جرمهم وذنبهم. والرحيم: هو العطوف على ما ~~ذكرنا. وعن بعضهم: أن البر الذي يصدق وعده لأوليائه. # وعن ابن عياس في عذاب السموم قال: السموم هو الطبق السابع من النار، وهو ~~الطبق الأعلى. والسموم يكون بالحر ويكون بالبرد. # قال الشاعر: # (اليوم يوم بارد سمومه * من يجزع اليوم فلا ألومه) ويقال ' السموم وهج ~~النار. # قوله تعالى: * (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون) قوله: * (فذكر) ~~أي: فعظ، ويقال: ذكر عقاب الكافرين، ونعيم المؤمنين. # وقوله: * (بكاهن ولا ms1661 مجنون) الكاهن هو الذي يخبر عن الغيب كذبا. يقال: ~~تكهن كهانة إذا فعل ذلك. والمجنون: هو الذي زال عقله واختلط. # قوله تعالى: * (أم يقولون شاعر) يقال: إن ' أم ' هاهنا بمعنى الاستفهام ~~يعني: أتقولون شاعر. ويقال: المعنى: بل. قال النحاس: ' أو ' في اللغة ~~للخروج من حديث إلى حديث. # وقوله: * (شاعر نتربص به ريب المنون) معناه: حوادث الدهر. # وقال الخليل: المنون هو الموت، ذكره ابن السكيت أيضا. وقيل: هو صرف ~~الدهر، PageV05P276 # * (به ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) أم تأمرهم ~~أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) ~~فليأتوا بحديث) * * وقال الشاعر: أمن المنون وريبها نتوجع * والموت ليس ~~بمعتب من يجزع) والمنون يؤنث ويذكر، فمن ذكر فعلى اللفظ، ومن أنث فهو على ~~أنه بمعنى المنية. ويقال: (ريب) المنون الدهر، مكاره الدهر، فقال: رابني ~~كذا أي: أصابني منه ما أكره. وفي التفسير: أن هذا القول قاله أبو جهل وعقبة ~~بن أبي معيط وشيبة بن ربيعة والنضر بن الحارث وغيرهم. قالوا: هو شاعر ننتظر ~~به حوادث الدهر، وتتخلص منه بها كما تخلصنا من فلان وفلان. # قوله تعالى: * (قل تربصوا) أي: انتظروا. # * (فإني معكم من المتربصين) أي: المنتظرين، وانتظاره كان [إما] أن يظفر ~~بهم أو يسلموا. # وقوله تعالى: * (أم تأمرهم أحلامهم بهذا) أي: عقولهم، وكانوا يدعون أنهم ~~ذوو عقول وأحلام. والعقل: هو الداعي إلى الحلم فسماه باسمه. ويقال: إن ~~المعنى من هذا هو تسفيههم وتجهيلهم أي: ليس لهم حلم ولا عقل حيث قالوا مثل ~~هذا القول، وحيث نسبوا إلى الشعر والجنون من دعاهم إلى التوحيد وأتاهم ~~بالبراهين. # وقوله: * (أم هم قوم طاغون) أي: بل هم قوم طاغون. # قوله تعالى: * (أم يقولون تقوله) أي: افتراه واختلقه. # وقوله: * (بل لا يؤمنون) أي: لا يصدقون. # قوله تعالى: * (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) أي: بكتاب مثل ما ~~أتى به PageV05P277 # * (مثله إن كانوا صادقين (34) أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) ~~أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36)) * * محمد إن كانوا صادقين ms1662 أنه ~~اختلقه وافتراه. وهذا بمعنى التحدي على ما ذكره في مواضع كثيرة. # قوله تعالى: * (أم خلقوا من غير شيء) فيه قولان: أحدهما أن معناه: أم ~~خلقوا من غير أن يكون لهم خالق وصانع أي: تكونوا بأنفسهم. # وقوله: * (أم هم الخالقون) أي: خلقوا أنفسهم، والمراد على هذا القول، ~~أنهم إذا لم يدعوا أنهم تكونوا من غير خالق وصانع، ولا ادعوا أنهم الذين هم ~~خلقوا أنفسهم، وأقروا أن خالقهم هو الله، فلا ينبغي أن يعبدوا معه غيره. ~~والقول الثاني أن معناه: أم خلقوا من غير شيء أي: لغير شيء، وهو مثل قوله ~~تعالى: * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) ومثل قوله تعالى: * (أيحسب الإنسان ~~أن يترك سدى) فإن قال قائل: هل يجوز أن يكون ' من ' بمعنى اللام؟ والجواب: ~~أن بعضهم قد أجاز ذلك، ومن لم يجز قال معناه: أم خلقوا من غير شيء توجبه ~~الحكمة يعنى: أن الحكمة أوجبت خلقهم ذكره النحاس أيضا والأول أظهر في ~~المعنى قوله * (بل لا يوقنون) أي لا يوقنون بما يدعون وقيل أم خلقوا ~~السماوات والأرض أي أهم الذين خلقوا السماوات والأرض. معناه: أنهم لم ~~يخلقوا السماوات والأرض. # وفي التفسير: أنهم كانوا مقرين بأن الله خالق السماوات والأرض. فالمعنى: ~~أنهم إذا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق فلم يشركوه معه غيره؟!. ~~PageV05P278 # * (أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون فيه ~~فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ولكم البنون (39) أم تسألهم ~~أجرا فهم من) * * قوله تعالى: * (أم عندهم خزائن ربك) أي: عطايا ربك، ~~ويقال: خزائنه من الرزق والمطر، فهم يملكون ويعطون من شاءوا. # قوله: * (أم هم المسيطرون) أي: الأرباب المسلطون. قال أبو عبيدة والمعنى: ~~أنهم ليسوا كذلك. يقال: تسيطر الرجل على فلان، إذا حمله على ما يحبه ~~ويهواه. # قوله تعالى: * (أم لهم سلم) أي: درج ومرقى. # وقوله: * (يستمعون فيه) أي: عليه، وهو مثل قوله تعالى: * (ولأصلبنكم في ~~جذوع النخل) أي: على جذوع النخل. # وقوله: * (فليأت مستمعهم بسلطان مبين) أي: فليأت من ادعى الاستماع منهم ~~بحجة بينة. ms1663 وفي بعض التفاسير: كما أتى جبريل بالحجة في أنه قد سمع الوحي. # قوله تعالى: * (أم له البنات ولكم البنون) معناه: كيف تقولون أن له ~~البنات وأنتم لا ترضون ذلك لأنفسكم؟ والمعنى: أنه ليس الأمر كما تزعمون. # قوله تعالى: * (أم تسألهم أجرا) أي علا على تبليغ الرسالة. # وقوله * (فهم من مغرم مثقلون أي: فهم من المغرم الذي لحقهم مثقلون. يقال: ~~لحق فلانا دين فادح، أو دين ثقيل، فهو مثقل. # قوله تعالى: * (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) معناه: علم الغيب، ويقال: ~~اللوح المحفوظ، فهم يكتبون منه ما يزعمونه ويدعونه، ومعناه: أنه ليس عندهم ~~ذلك، فقد ادعوا ما ادعوا فقالوا ما قالوا زورا وكذبا. ويقال: أم عندهم ~~الغيب أي: كتاب من الله فهم يقولون ما يقولون منه. # قوله تعالى: * (أم يريدون كيدا) أي: كيدا بك، وكيدهم: هو ما دبروه في ~~أمره PageV05P279 # * (مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا ~~فالذين كفروا هم المكيدون (42) أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون ~~(43) وإن) * * ليخرجوه من مكة أو يقتلوه أو يحسبوه. # وقوله: * (فالذين كفروا هم المكيدون) أي: هم المقتولون، وقد قتلوا ببدر. ~~ويقال: معناه: أن كيدنا ومكرنا نازل بهم. # قوله تعالى: * (أم لهم إله غير الله) فإن قيل: قد كانوا يدعون أن لهم ~~آلهة غير الله، فكيف يصح قوله أم لهم إله غير الله يحي ويميت، ويعطي ويمنع، ~~ويرزق ويحرم؟!. # وقوله: * (سبحان الله عما يشركون) نزه نفسه عن شركهم، وعما كانوا ~~يعتقدونه من عبادة غيره. # قوله تعالى: * (وإن يروا كسفا من السماء) أي: جانبا من السماء، أو قطعة ~~من السماء، وإنما قال ذلك لأن بعض الكفار قالوا: * (فأسقط علينا كسفا من ~~السماء إن كنت من الصادقين). والمعنى أنه [لو] سقط عليهم جانب من السماء ~~فظلوا فيه يعرجون لقالوا: إنما سكرت أبصارنا. # قوله تعالى: * (فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون) وقرئ: ' يصعقون ~~' يعني: يموتون. ويقال: هو يوم القيامة، ويصعقون هو نزول العذاب بهم. # قوله تعالى: * (يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا) أي: ms1664 حيلتهم. # وقوله: * (ولا هم ينصرون) أي: لا يمنع منهم العذاب. ويقال: لا يكون لهم ~~ناصر يدفع عنهم. # قوله تعالى: * (وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك) الأكثرون على أنه عذاب ~~PageV05P280 # * (يروا كسفا من السماء ساقطا يقولون سحاب مركوم (44) فذرهم حتى يلاقوا ~~يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون ~~(46) وإن) * * لقبر. وعن مجاهد: أنه الجوع في الدنيا. ويقال * (أكثرهم لا ~~يعلمون) أي: لا يعلمون أن العذاب نازل بهم، فهذا دليل على أنه قد كان فيهم ~~من هو متعنت يعرف وينكر. # قوله تعالى: * (واصبر لحكم ربك) أي: لما حكم عليك، وهذا تعزية وتسلية له ~~في الأذى الذي كان يلحقه من الكفار. # وقوله: * (فإنك بأعيننا) قال ابن عباس: بمرأى منا، ويقال: نحن نراك ~~ونحفظك ونرعاك. قال أهل المعاني: وهذا إنما قاله لتيسير الأمر عليه ~~وتسهيله، لأنه إذا علم أن الأذى الذي يلحقه من الكفار بحكم الله ومرأى منه، ~~سهل عليه بعض السهولة، فإنه لا يترك مجازاتهم على ذلك وإثابته على ما لحقه ~~من الأذى. # وقوله: * (وسبح بحمد ربك) أي: صل حامدا لربك. # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن معناه: هو أنه إذا قام إلى الصلاة ~~يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. # وعن بعضهم أنه إذا قام إلى الصلاة يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله ~~كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا، فهو المراد من الآية، قاله زر بن حبيش. ~~وقال أبو الأحوص معناه: أنه يقول: سبحانك وبحمدك إذا قام [من] أي مجلس كان. ~~وعن بعضهم أنه بقول: إذا قام من المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا ~~أنت، استغفرك وأتوب إليك. فهو كفارة لكل مجلس جلسه الإنسان. # وقوله: * (حين تقوم) قد بينا. # قوله تعالى: * (ومن الليل فسبحه) أي: صل له، ويقال: إنه صلاة المغرب ~~PageV05P281 # * (للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) واصبر لحكم ربك ~~فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن الليلة فسبحه وإدبار النجوم ~~(49)) * * والعشاء. قال مجاهد: هو الليل ms1665 كله. # وقوله: * (وإدبار النجوم) قال علي وابن عباس: هو الركعتان قبل الصبح. وقد ~~روي عن النبي أنه قال: ' ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها '. # فعلى هذا معنى ' إدبار السجود ' ركعتا المغرب، قاله ابن عباس، ' وإدبار ~~النجوم ' ركعتا الصبح، وإنما سماهما إدبار النجوم لأن الرجل يصليهما عندما ~~يزول سلطان النجوم من الضوء، كالرجل يدبر عن الشيء فيزول سلطانه عنه. ~~ويقال: معنى قوله: * (وإدبار النجوم) هو التسبيح بعد صلاة الصبح. ~~PageV05P282 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (والنجم إذا هوى (1) * * تفسير سورة والنجم ~~وهي مكية، وفي قول بعضهم إلا قوله تعالى: * (الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم) الآية. قال: هي نزلت بالمدينة. # وهذه السورة أول سورة أعلنها النبي وقرأها جهرا عند المشركين. # قوله تعالى: * (والنجم) قال ابن عباس في رواية الوالبي هو الثريا، [وهي] ~~إحدى الروايتين عن مجاهد. وروى أسباط عن السدى: أنه الزهرة. وعن ابن عباس ~~في رواية أخرى، وهو قول جماعة: أن المراد به القرآن أنزل نجما نجما في ~~عشرين سنة. وقيل: في ثلاث وعشرين سنة. # والقول الرابع: قول قتادة وغيره أنه جميع النجوم في السماء، عبر عنها ~~باسم الجنس، وهذا أظهر الأقاويل؛ لأنه يطابق اللفظ من كل وجه. ويجوز أن ~~يذكر النجم بمعنى النجوم. # قال [عمر] بن أبي ربيعة: # (أحسن [النجم] في السماء الثريا * والثريا في الأرض زين السماء) ومعناه: ~~أحسن النجوم. # وقوله: * (إذا هوى) أي: غاب وغار هذا إذا حملناه على النجم المعروف وأما ~~إذا حملناه على نجوم القرآن؛ فمعناه: إذا نزل يعني نزل جبريل عليه السلام. # وعن بعضهم أنه قال: * (والنجم إذا هوى) أي: تساقطت يوم القيامة أي: ~~PageV05P283 # * (ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى ~~(4) علمه شديد القوى (5) * * النجوم، وهو في معنى قوله تعالى: * (وإذا ~~النجوم انكدرت) أي: انتثرت. وعن بعضهم: * (إذا هوى) معناه: انقضاضها في أثر ~~الشياطين، وهو الرمي بالشهب على ما ورد به القرآن في مواضع كثيرة. # قوله تعالى: * (ما ضل صاحبكم وما غوى) الآية الأولى وردت على وجه ms1666 القسم ~~ومعناه ورب النجم. # وقوله * (ما ضل صاحبكم) على هذا وقع القسم، وكانت قريش يقولون: إن محمدا ~~ضال غاو، فأقسم الله تعالى أنه ما ضل وما غوى، أي: ما أخطأ [طريقا] * (وما ~~غوى) أي: ما خرج عن الرشد في أمر دينه ودنياه، والغي: ضد الرشد. ويقال: ما ~~غوى أي: ما خاب سعيه فيما يطلبه. كأنه أشار إلى وجود ما هو في طلبه. # قال الشاعر: # (ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما) أي: من ~~خاب سعيه، ولم يجد ما يطلبه. # قوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى) قال أبو عبيدة: بالهوى. وقال غيره: ما ~~ينطق عن هواه أي: ما ينطق بغير الحق؛ لأن من اتبع الهوى في قوله قال بغير ~~الحق. # وقوله: * (إن هو إلا وحي يوحى) الوحي في اللغة: إلقاء الشيء إلى النفس ~~خفية، وهو في عرف أهل الإسلام عبارة عما ينزله الله تعالى على الأنبياء، ~~ومن الأنبياء التبليغ إلى الخلق. # قوله تعالى: * (علمه شديد القوى) أكثر أهل التفسير على أن المراد به ~~جبريل عليه السلام، وهو الذي علم الرسول ما أنزله الله تعالى عليه. ~~PageV05P284 # * (ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا فتدلى (8)) * * وروى ~~عباد بن منصور عن الحسن البصري أن قوله: ' علمه شديد القوى ' هو الله ~~تعالى. والقوى جمع القوة. قال ابن عباس: من قوة جبريل أنه أدخل جناحه تحت ~~الأرض السابعة، وقلع مدائن لوط، ورفعها إلى السماء، ثم قلبها. وعن كعب ~~الحبر: أن إبليس تعرض لعيسى عليه السلام على عقبة من الأعقاب، وقصده، فنفخه ~~جبريل بجناحه نفخة ألقاه إلى الهند. # قوله تعالى: * (ذو مرة فاستوى) قال الحسن: ذو مرة أي: ذو منظر حسن. وقال ~~غيره وهو الأولى ذو قوة. يقال: حبل مري أي: محكم الفتل. # وقوله: * (فاستوى) أي: فاستوى جبريل في أفق السماء على صورته التي خلق ~~فيها. وكذا قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وعلقمة وقرة بن شراحيل ~~وأكثر أهل التفسير. وعن الحسن البصري: أنه الله تعالى، والأصح هو الأول. ms1667 # قوله تعالى: * (وهو بالأفق الأعلى) هو الأفق الذي تطلع من جانبه الشمس. ~~وقيل: الذي يجيء منه النهار. والأفق: جوانب السماء. ويقال بالأفق الأعلى ~~أي: بالسماء. وفي الأخبار: ' أن جبريل عليه السلام أظهر نفسه للنبي على ~~صورته التي خلق عليها، وقد سد الأفق '. # وفي بعض الروايات: رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فقد ملأ بجناحيه ما ~~بين المشرق والمغرب. # قوله تعالى: * (ثم دنا) أي: دنا جبريل من النبي عليه الصلاة والسلام. # وقوله: * (فتدلى) أي: زاد في الدنو. وقال بعضهم: قوله: * (ثم دنا فتدلى) ~~على التقديم والتأخير. # وقوله: * (تدلى) أي: هوى وأرسل نفسه من السماء، ثم دنا أي: دنا جبريل من ~~PageV05P285 # * (فكان قاب قوسين أو أدنى (9) * * النبي وصار ما بينهما قاب قوسين أو ~~أدنى، وهو معنى قوله: * (فكان قاب قوسين أو أدنى) أي: كان (بينهما) مقدار ~~قوسين أو أقل من ذلك، وقاب لغة يمانية في هذا المعنى، قال الشاعر: # ((ألم تعلموا أن رشيمة لم تكن * لتبخسنا من وراء قاب إبهام)) وعن عائشة ~~رضي الله عنه قاب نصف الإبهام. وروى أسباط عن السدى أن قوله: * (فكان قاب ~~قوسين أو أدنى) أي: قدر ذراعين. وقال مجاهد: من الوتر إلى المقبض. وقيل: من ~~السية إلى السية، فإن قيل: إذا حملتم هذا على جبريل، فكيف تقدير الآية؟ ~~والجواب: أن معناه: ' أن جبريل لما استوى في الأفق الأعلى على صورته غشي ~~على النبي ' وهو مروي في الأخبار من عظم ما رأى، فانتقل جبريل من صورته إلى ~~الصورة التي كان يلقى النبي فيها، وهو صورة رجل، ودنا من النبي، وهو معنى ~~قوله: * (ثم دنا) ثم نكس رأسه إليه، بمعنى قوله: * (فتدلى) وضمه إليه، ~~فسكنه من روعته. # فإن قيل: ما معنى قوله: * (فكان قاب قوسين أو أدنى) [و] ' أو ' كلمة ~~تشكيك، ولا يجوز الشك على الله تعالى. وإن كان بمعنى الواو، فكان ينبغي أن ~~يقول: فكان منه أدنى من قاب قوسين، وأيضا فقد قال: * (قاب قوسين أو أدنى) ~~وأي معنى لذكر القوسين هاهنا وتخصيصهما بالذكر، وقد كان يمكنه تمثيله ms1668 ~~وتشبيهه بشيء واحد غير القوس فلا يحتاج إلى ذكر القوسين؟ والجواب: أن ~~القرآن نزل بلغة العرب على ما كانوا يتخاطبون به، ويفهم بعضهم من بعض، فعلى ~~هذا PageV05P286 # نزلت الآية، إنكم لو رأيتموه لقلتم إن القرب الذي بينهما قاب قوسين أو ~~أدنى أو أنقص، وقيل: أزيد أو أنقص، وأما ذكر القوس فهو على ما كانوا ~~يعتادونه، وقرب القوس من الوتر معلوم. ويقال: إن القوسين هاهنا بمعنى القوس ~~الواحد، وقد ذكرنا أن الشيء الواحد يذكر بلفظ التثنية. والظاهر أن المراد ~~منه القوسان على الحقيقة، وهو غير مستنكر في لغة العرب، ولا يستبعد. # القول الثاني في الآية: أن قوله: * (ثم دنا) أي: دنا محمد من ربه. # وقوله: * (فتدلى) أي: زاد في الدنو. وفي رواية مالك بن صعصعة أن النبي ~~[قال]: ' بينا أنه قاعد إذ أتاني جبريل فلكزني بين كتفي، فقمت فإذا شجرة ~~عليها شبه وكرين، فجلست في أحدهما، وجلس جبريل في الآخر، وارتفعنا إلى ~~السماء، ورأيت نورا عظيما، ونظرت فإذا جبريل كالحلس فعرفت فضل خشيته على ~~خشيتي، ولط دوننا الحجاب '. وفي بعض الروايات قال: ' فارقني جبريل، وهدأت ~~الأصوات، وسمعت من ربي: ادن يا محمد '. وقد ذكر هذا اللفظ في الصحيح، وهو ~~دنو محمد من ربه ليلة المعراج. # والقول الثالث: أن معنى قوله: * (ثم دنا) أي: دنا الرب من محمد، وهو لفظ ~~ثابت أيضا، وهو على ما شاء الله. # وقوله: * (فتدلى) أي: زاد في الدنو، والمعروف عند الأكثرين القول الأول، ~~وهو الأسلم. PageV05P287 # * (فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى (11) * * قوله ~~تعالى: * (فأوحى إلى عبده ما أوحى) فيه قولان: أحدهما: فأوحى جبريل إلى عبد ~~الله ما أوحى، وهو محمد. # والقول الثاني: فأوحى إلى عبده ما أوحى أي: أوحى الله تعالى إلى محمد ما ~~أوحى. وفي الأخبار: أنه كان مما أوحى الله إليه أنه فرض على هذه الأمة ~~خمسين صلاة في اليوم والليلة ثم ردت إلى الخمس، [ومما] أوحى إليه أيضا ~~خواتيم سورة البقرة، ومما أوحى إليه تلك الليلة أنه غفر لأمته المقحمات ms1669 ما ~~لم يشركوا بالله ' يعني: يغفر. # قوله تعالى: * (ما كذب الفؤاد ما رأى) قال المفسرون معناه: رأى شيئا، ~~وصدق فيما أخبر عن رؤيته. ويقال: ما كذب الفؤاد ما رأى أي: رأى الفؤاد ما ~~رآه حقيقة، ولم يكن على تخييل وحسبان. # تقول العرب: كذبت فلانا عينه: إذا تخيل له الشيء على غير حقيقته. # قال أبو معاذ النحوي: يقال: ما كذب فلان الحديث. أي: ما كذب فيه. # وقرئ: * (ما كذب الفؤاد ما رأى) من التكذيب، والأول أولى، قال الشاعر: # (كذبتك عينيك أو رأيت بواسطة * غلس الظلام من الرباب خيالا) ويقال: ما ~~كذب الفؤاد العين أي: لم توهمه أنه علم شيئا ولم يعلمه. وقد ثبت عن ابن ~~عباس رضي الله عنه أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين. فإن قال قائل: ~~المؤمنون يرونه بفؤادهم، وليس ذلك إلا العلم به، فما معنى تخصيص النبي؟ ~~PageV05P288 # * (أفتماروه على ما يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13)) * * والجواب: أنهم ~~قالوا: إن الله تعالى خلق رؤية لفؤاده، فرأى بفؤاده مثل ما يرى الإنسان ~~بعينه. وعلى القول الأول الرؤية منصرفة إلى جبريل. # قوله تعالى * (أفتمارونه على ما يرى) بعني أفتجادلونه وكانت مجادلتهم ~~مجادلة الشاكين المكذبين وقد روى أنهم استعوصفوه مسجد بيت المقدس واستخبروه ~~عن عيرهم في الطريق وقربها من مكة وقرئ ' أفتمرونه على ما يرى أي أفتجحدونه ~~قال الشاعر: # (لئن هجرت أخا صدق ومكرمة * فقد مريت أخا ما كان يمركما) أي جحدت. # قوله تعالى: * (ولقد رآه نزلة أخرى) أي: رأى جبريل عليه السلام نزلة أخرى ~~أي: مرة أخرى. فإن قيل: قد كان رآه كثيرا، فما معنى نزلة أخرى؟ والجواب: ~~أنه لم ير جبريل في [صورته التي خلق عليها] إلا مرتين: مرة بالأفق الأعلى، ~~وكان ذلك عند ابتداء الوحي، وقال أهل المعاني: كان ذلك شبه آية أراها النبي ~~ليعلم أنه من الله. والمرة الثانية رآه عند سدرة المنتهى ليلة المعراج كما ~~قال: * (ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى) والسدرة شجرة النبق. وفي ~~التفسير: أنها في السماء السابعة، ويقال: في السادسة. وعن ms1670 عكرمة: هي على ~~يمين العرش. # وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كقلال هجر، ~~وأوراقها كآذان الفيلة، يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران ~~باطنان '. على ما بينا. # واختلف القول في معنى المنتهى، قال بعضهم: ينتهي إليها علم الملائكة، ولا ~~يعلمون ما وراء ذلك، وهو القول المعروف. PageV05P289 # والقول الثاني: ينتهي إليها ما يصعد إلي السماء، وينتهي إليها ما يهبط من ~~فوق. # وفي بعض الأخبار: أن الملائكة تصعد بأعمال بني آدم حتى إذا انتهوا إلى ~~سدرة قبضت منهم، ولم يعلموا ما وراء ذلك. # وقد ذكر أبو عيسى القول الثاني الذي ذكرنا مسندا إلى النبي. # والقول الثالث: أن معنى المنتهي أنه ينتهي إليها مقام جبريل. وفي الآية ~~قول آخر: وهو أن معنى قوله: * (ولقد رآه نزلة أخرى) أي: رأى محمد ربه نزلة ~~أخرى، وقد ذكرنا قول ابن عباس من قبل. # واختلف أصحاب رسول الله ورضي عنهم في هذا، فقال ابن مسعود وجماعة: إنه ~~رأى جبريل ولم ير الله تعالى. # وعن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله عنها من زعم ثلاثا فقد أعظم الفرية، ~~من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم الفرية؛ قال الله تعالى: * (إن ~~الله عنده علم الساعة) وذكرت الآية، ومن زعم أن محمدا كتم من الوحي فقد ~~أعظم الفرية؛ قال الله تعالى: * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) ومن زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية، ~~قال الله تعالى: * (لا تدركه الأبصار...) الآية. # وروى عكرمة عن ابن عباس: ' أن محمدا رأى ربه ليلة المعراج بعينه '. وهو ~~قول أنس وكعب الأحبار وجماعة كثيرة من التابعين منهم: الحسن، وعكرمة: أن ~~الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورأى محمد ربه ~~PageV05P290 # * (عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى ~~(16) * * مرتين. وهذا قول جماعة من الأئمة منهم أحمد بن حنبل، وإسحاق، ~~وغيرهما. وفي بعض الروايات: جعلت الخلة لإبراهيم، والكلام ms1671 لموسى، والرؤية ~~لمحمد. # فإن قيل: كيف تجوز الرؤية على الله تعالى في الدنيا؟ والجواب: أنه لم يكن ~~في الدنيا، وإن كان في الدنيا فكل ما فعل الله تعالى وأكرم به نبيا من ~~أنبيائه فجائز بلا كيف. # وفي رواية [زرين] حبيش عن ابن مسعود في معنى الآية ' أن النبي رأى جبريل ~~وله ستمائة جناح ' والخبر صحيح. وقد ثبت برواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي ~~قال: ' رأيت ربي في أحسن صورة ' والله أعلم. # وقوله: * (عندها جنة المأوى) أي: يأوى إليها المؤمنون يوم القيامة، ~~ويقال: تأوى إليها أرواح الشهداء. وقيل: [تأوى] إليها الملائكة. # قال سفيان بن عيينة: كالغربان يقعن على الشجر. وفي الآية دليل على أن ~~الجنة في السماء وأنها مخلوقة، ومن زعم أنها غير مخلوقة فهو كافر بهذه ~~الآية. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جنة المأوى جنة المبيت. وعن ~~بعضهم: جنة المثوى والمقام. وعن بعضهم: يأوى إليها جبريل والملائكة ~~المقربون. # قال كعب الأحبار: هي جنة فيها طير خضر في حواصلها أرواح الشهداء. # قوله تعالى: * (إذ يغشى السدرة ما يغشى) قال ابن مسعود: يغشاها فراش من ~~ذهب. وعن الحسن: يغشاها نور الرب تعالى. في بعض الأحاديث: أن الملائكة ~~استأذنوا لربهم أن ينظروا إلى محمد ليلة المعراج، فأذن لهم، فاجتمعوا على ~~السدرة. PageV05P291 # وفي هذا الحديث أن النبي قال: ' رأيت على كل ورقة منها ملكا قائما يسبح ~~الله تعالى '. أورده أبو الحسن بن فارس قال: فهو معنى قوله: * (إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى) وفي بعض الروايات: يغشاها جراد من ذهب. واعلم أن السدرة ~~شجرة تجمع ثلاثة أشياء: الظل المديد، والطعم اللذيذ، والرائحة الطيبة، كذلك ~~الإيمان يجمع ثلاثة أشياء: النية، والقول، والعمل. واعلم أنا قد ذكرنا ~~اختلاف أصحاب رسول الله ورضي عنهم في أنه هل رأى ربه ليلة المعراج أولا؟ # وذكر أبو الحسين بن فارس في تفسيره آثارا سوى ما ذكرناها؛ فحكي عن ابن ~~عمر أن الله تعالى احتجب عن خلقه بنور وظلمة ونار. وروي عن [أبي] العالية ~~الرياحي رحمه الله ms1672 أن النبي قال: ' رأيت ليلة المعراج نهرا، ورأيت وراءه ~~حجابا، ورأيت وراء الحجاب نورا، ولا أدري ما وراء ذلك '. وروي عن محمد بن ~~كعب القرظي ' أن النبي رأى ربه بفؤاده كما يرى بالعين '. # وفي رواية أبي ذر ' أن النبي سئل هل رأيت ربك؟ فقال: نور أني أراه '. ~~فالروايات مختلفة في الباب، والله أعلم بالصواب من ذلك. وينبغي أن يقال: إن ~~ثبت النقل أنه رأى ربه نحكم بالرؤية ونعتقدها، وإن لم يثبت النقل فالأمثل ~~أنه لم ير. # قوله تعالى: * (ما زاغ البصر وما طغى) في التفسير أن معناه: لم يلتفت ~~يمينا ولا PageV05P292 # * (ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) أفرأيتم ~~اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20)) * * شمالا. ويقال معناه: ما ~~قصر عما أمر بالنظر إليه، وما جاوز بصره في النظر إلى غير ما أمر به ~~بالنظر. ومعنى الزيغ في اللغة: هو الميل به، ومعنى الطغيان: هو التجاوز. # قوله تعالى: * (ولقد رأى من آيات ربه الكبرى) قال ابن مسعود: أي: جبريل ~~وله ستمائة جناح قد سد الأفق. وفي رواية ينتشر من ريشه الدر والياقوت ~~(والتعاويذ). وفي رواية أخرى عن ابن مسعود: أنه رأى رفرفا أخضر قد ملأ ~~الأفق. # وتقدير الآية: ' رأى من آيات ربه الآية الكبرى '. وقيل: رأى من آيات ربه ~~الكبرى، أي: النور الذي رآه في تلك الليلة. # قوله تعالى: * (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) معناه: ~~أفرأيتم هذه الأصنام التي تعبدونها، هل تملك شيئا مما ذكر الله تعالى؟ أو ~~هل لها من العلو والرفعة والقدرة مثل ما ذكرنا؟. # وأما تفسير هذا الأصنام: ' فلات ' صنم كانت ثقيف تعبده، وقيل: إنه كان ~~صخرة. وأما ' العزى ' فشجرة كانت تعبدها غطفان وجشم وسليم. ويقال: كانت بيت ~~عليه سدنة، وكانت العرب قد علقوا عليه السوار، وزينوه بالعهن وما يشبهه. ~~وقد روي عن النبي ' أنه بعث خالد بن الوليد ليهدم العزى فقطع شجرات ثم، ~~وهدم بعض الهدم، فرجع إلى النبي وأخبره، فقال: هل رأيت شيئا؟ فقال: لا. ~~قال: إنك لم تفعل، عد، فعاد ms1673 وبالغ في الهدم وقتل السدنة، وكانوا يقولون: يا ~~عزى عوزيه، يا عزى خبليه. قال: فخرجت امرأة عريانة من جوف العزى، ناشرة ~~شعرها، تدعو بالويل والثبور، وتحثو التراب على رأسها، فعمها خالد بالسيف ~~وقتلها، ورجع PageV05P293 # إلى النبي وذكر له ذلك. فقال: تلك العزى لا تعبد بعد اليوم '. وهذا خبر ~~معروف. وأما ' مناة ' صنم كان ' بقديد ' بين مكة والمدينة. ويقال: بالمشلل. # قال أهل التفسير: وإنما قال: * (ومناة الثالثة الأخرى) لأنهم كانوا ~~يعتقدون أن مناة دون اللات والعزى. وفي التفسير: أن ' اللات ' كان رجل يلت ~~السويق على حجر، فكان كل من يأكل منه سمن، فلما مات عبدوه، واتخذوا حجرا ~~(بصورته). # قال الشاعر: # (لا تعبدوا اللات إن الله مهلكها * وكيف ينصركم من ليس ينتصر) واعلم أنا ~~قد ذكرنا في سورة الحج: ' ' أن النبي قرأ هذه السورة على المشركين، فلما ~~بلغ هذه الآية ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ~~لترتجى '. رواه سعيد بن جبير. وغيره عن ابن عباس قال: ' فلما قرأ (كذلك) ~~فخرج المشركون وقالوا: ما كنا نطلب منك إلا هذا، وهو أن لا تعيب آلهتنا ولا ~~تسبها، وتعلم أن لها شفاعة يوم القيامة. لما بلغ آخر السورة سجد النبي وسجد ~~المسلمون والمشركون جميعا، ثم إن جبريل أتاه وأمره أن يقرأ عليه السورة، ~~فقرأ كما قرأ على المشركين، فقال: إن هذا لم أنزله عليك، واستخرج ذلك من ~~قراءته، وحزن النبي بذلك حزنا شديدا حيث عمل الشيطان على لسانه ما عمل، ~~فأنزل الله تعالى مسليا ومعزيا له: * (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ~~إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته....) الآية. ثم إن الرسول لما رجع عما ~~سمع منه، وعاد إلى PageV05P294 # * (ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم) * * سب آلهتهم وعيبها، عاد المشركون إلى ما كانوا ~~عليه '. # وفي القصة: أنه كان قد وصل ذلك الخبر إلى الحبشة، أن المسلمين والمشركين ~~اتفقوا، وأن الكفار قد سجدوا بسجود النبي حتى الوليد بن المغيرة، وقد كان ms1674 ~~شيخهم وكبيرهم فرفع التراب إلى جبهته وسجد عليه، فرجع المسلمون من الحبشة، ~~فلما صاروا في بعض الطريق بلغهم الخبر فرجعوا إلى الحبشة. # قوله تعالى: * (ألكم الذكر وله الأنثى) هذا على طريق الإنكار عليهم، ~~لأنهم كانوا يقولون: هذه الأصنام على صور الملائكة، والملائكة بنات الله، ~~وهذا قول بعضهم. # وقوله: * (تلك إذا قسمة ضيزى) أي: جائرة. وحقيقة المعنى: أنكم إذا كرهتم ~~البنات لأنفسكم فأولى أن تكرهوها لله تعالى. # وقد حكى أهل اللغة هذه الكلمة عن العرب على أربعة أوجه: ضيزى، وضوزى بغير ~~همزة، وضأزى، وضازي بغير همزة، وهذه اللغات وراء ما ورد به التنزيل. # قوله تعالى: * (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها ~~من سلطان) أي: حجة. وعن ابن عباس: أن كل سلطان في القرآن هو بمعنى الحجة. # وقوله: * (إن يتبعون إلا الظن) في بعض الآثار: أن المؤمن أحسن العمل فحسن ~~ظنه، وأن المنافق أساء العمل فساء ظنه. وفي بعض الأخبار: ' أكذب الحديث هو ~~الظن '. PageV05P295 # * (ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد ~~جاءهم من ربهم الهدى (23) أم للإنسان ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى ~~(25) وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ~~لمن يشاء ويرضى (26) إن) * * وقوله: * (وما تهوى الأنفس) أي: ما تدعو إليه ~~هو النفس. # وقوله: * (ولقد جاءهم من ربهم الهدى) أي: طريق الرشد والحق. # وقوله تعالى: * (أم للإنسان ما تمنى؟ معناه: اللأنسان ما تمنى؟ أي: ليس ~~له ما تمنى. واعلم أن الأمنية مذمومة، والإرادة محمودة، والفرق بينهما أن ~~الأمنية شهوة لا يصدقها العمل، والإرادة هو ما يصدقه العمل. وفي بعض ~~الأخبار عن النبي أنه قال: ' الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، ~~والفاجر من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله المغفرة '. وعن بعضهم: الأماني ~~رأس مال المفاليس. # وقوله: * (فلله الآخرة والأولى) أي: الملك في الآخرة والأولى. # قوله تعالى: * (وكم من ملك في السماوات) روى عن كعب الأحبار أنه قال: ما ~~من موضع ms1675 شبر في السماء إلا وفيه ملك قائم أو ساجد. # وقد روى مثل هذا في الأرض أيضا عن غيره. وكم في اللغة للتكثير. # وقوله: * (لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) ~~والمعنى: أنهم لا يملكون الشفاعة لأحد حتى يأذن الله فيه ويرضاه. وفي بعض ~~التفاسير: أن هذا جواب لقول المشركين: إن الغرانقة تشفع يوم القيامة عند ~~الله تعالى، وهي الأصنام، فأخبر الله تعالى أن أحدا لا يملك الشفاعة إلا ~~بإذن الله تعالى ورضاه في ذلك. # قوله تعالى: * (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية ~~الأنثى) هو قولهم للأصنام وتسميتهم إياها اللات، والعزى، ومناة تسمية ~~الإناث. وكانوا يقولون: إن هذه الأصنام على صورة الملائكة. PageV05P296 # * (الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما لهم ~~به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) فأعرض عن ~~من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من العلم أن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن) * * وقوله: * (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا ~~الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) أي: لا ينوب على الحق أبدا. # قوله تعالى: * (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) ~~يقال: إن هذه الآية نزلت قبل نزول آية السيف، ثم نسختها آية السيف. # وقوله: * (ذلك مبلغهم من العلم) أي: لا يعلمون إلا أمر المعاش في الحياة ~~الدنيا. وعن الحسن البصري قال: رب رجل ينقر درهما بظفره فيذكرونه ولا يخطئ ~~فيه، وهو لا يحسن يصلي. # وقوله: * (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) أي: يعلم ~~المهتدي والضال، والمؤمن والكافر، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم. # وقوله: * (ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما ~~عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) أي: بالجنة. # قوله تعالى: * (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) وقرئ: ' كبير الإثم ~~' وقد بينا معنى الكبائر من قبل. وقيل: إنه كل ما أوعد ms1676 الله عليه بالنار. ~~والفواحش: المعاصي. # وقوله: * (إلا اللمم) قال ابن عباس وغيره: وهو أن يلم بالذنب ثم يتوب ~~منه. أي: يفعل ذلك مرة ولا يصر عليه. وعنه أيضا أنه قال: ما رأيت شيئا أشبه ~~باللمم مما رواه أبو هريرة أن النبي قال: ' إن الله تعالى كتب على ابن آدم ~~حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اليد اللمس، ~~والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أويكذبه '. وهو حديث صحيح. ~~PageV05P297 # * (سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) ولله ما في السماوات وما في الأرض ~~ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم ~~إذا أنشأكم من الأرض وإذ) * * فعلى هذا القول: اللمم هو النظر واللمس وما ~~يشبه ذلك. وفيه حديث نبهان التمار الذي ذكرنا في سورة هود. # وفي الآية قول ثالث: أن اللمم هو الصغائر. وفيه قول رابع: أن اللمم هو ما ~~فعله المسلمون في الجاهلية قبل إسلامهم، فلما أسلموا وقع العفو عنها. # وقيل: إن اللمم هو النظر فجأة، ثم يغض بصره في الحال. وعن بعضهم: # (إن تغفر اللهم فاغفر جما * فأي عبد لك لا ألما.) وقد روى بعضهم هذا ~~مسندا إلى النبي وأما معنى ' إلا ' في الآية، فقال بعضهم: هو منقطع، فكأنه ~~قال: لكن اللمم. ومنهم من قال: الاستثناء على حقيقته، واللمم: فواحش إلا أن ~~الله تعالى يعفو عنها بمشيئته. # وقوله: * (إن ربك واسع المغفرة) أي: كثير المغفرة. # وقوله: * (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض) معناه: هو ابتداء خلقكم من ~~تراب ثم من نطفة. # وقوله تعالى: * (وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم) يعني: أنه كان عالما ~~بأحوالكم وأنتم أجنة في بطون الأمهات جاهلون بأحوالكم. # وقوله: * (فلا تزكوا أنفسكم) أي: لا تمدحوا أنفسكم. # وقوله: * (هو أعلم بمن اتقى) أي: هو أعلم بالمتقين. وعن عطاء بن أبي ~~رباح: أن اللمم أن يعزم على الذنب ثم لا يفعل. ذكره القفال الشاشي في ~~تفسيره. وحكي عن أبي هريرة ms1677 أنه قال: اللمم: الغمزة والقبلة. PageV05P298 # * (أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) ~~أفرأيت الذي) * * وأما قوله: * (فلا تزكوا أنفسكم) قد بينا. وفي تفسير ~~النقاش: أن الرجل من اليهود كان إذا مات له طفل يقول: هو صديق، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية ردا عليهم. ويقال: إن الآية في الرجل يخبر بصومه وصلاته ~~وفعله الخير بين الناس، وقد كان منهم من يقول كذلك فعلنا كذا، وصنعنا كذا، ~~فنهاهم الله تعالى عن ذلك. واعلم أن مدح الرجل نفسه مكروه، وكذلك مدح الرجل ~~غيره في وجهه. # وفي الخبر المعروف: أن رجلا مدح رجلا عند النبي فقال: ' ويلك قطعت عنق ~~أخيك فإن كنت قائلا شيئا، فقل: أحسب فلانا كذا، ولا أزكى على الله أحدا '. # وفي خبر آخر ' احثوا التراب في وجوه المداحين '، رواه المقداد عن النبي. # وقوله: * (هو أعلم بمن اتقى) قد بينا. # قوله تعالى: * (أفرأيت الذي تولى) أي: أعرض عن الإيمان بالله. # وقوله: * (وأعطى قليلا وأكدى) معنى قوله أكدى: أي: قطع عطاءه. # ويقال: أكدى معناه: أجبل. ومنه الكدية، وهي إذا حفر الرجل بئرا فبلغ ~~موضعا لا يمكنه العمل فيه من صخرة وما يشبهها، يقال له: الكدية. ومعنى قوله ~~أجبل أي: بلغ جبلا. وفي التفسير: أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، ~~ويقال: في العاص بن وائل، كان يحضر مجلس النبي ويستمع إلى القرآن، ثم إن ~~المشركين عيروه فقال: إني أخشى العذاب، فقال له بعضهم: أعطني شيئا أتحمل ~~عنك العذاب يوم القيامة، فأعطاه وتحمل عنه، فعلى هذا قوله: ' أعطى قليلا ' ~~أي: استمع ورغب في الإسلام. PageV05P299 # * (تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى (35) أم لم ~~ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى) ~~* * وقوله: * (أكدى) أي: قطع ما أعطى. وقال مقاتل: أعطى بلسانه وقطع بقلبه. ~~وحكى بعضهم عن ابن عباس أن معنى الآية: أطاع ثم عصى. وذكر بعضهم: أن رجلا ~~من جهلاء الأعراب، وكان قد أسلم وقدم المدينة فجعل يقول: من يشتري حسناتي ~~بصاع ms1678 من تمر، فقال أبو خيثمة الأنصاري، وكان رجلا فيه خير: أنا أشتريها منك ~~بوسق من تمر. والوسق: ستون صاعا، فباع الأعرابي منه حسناته وأخذ الوسق، ~~فأنزل الله تعالى في الأعرابي هذه الآية. والمعروف هو القول الأول. # قوله تعالى: * (أعنده علم الغيب فهو يرى) أي: يعلم. والرؤية تكون بمعنى ~~رؤية البصر، وتكون بمعنى العلم. تقول العرب: رأيت فلانا عالما أي: علمت. # ومعنى الآية: أكان عند من (تحمل) الذنوب عن الوليد علم الغيب فهو يعلم ~~أنه يتحملها عنه يوم القيامة؟. # قوله تعالى: * (أم لم ينبأ بما في صحف موسى) معناه: أم لم يخبر. # وقوله: * (بما في صحف موسى) ذكر وهب بن منبه: أن الله تعالى أنزل مائة ~~[وأربعة] كتب؛ ثلاثون صحيفة على شيث، وخمسون على إدريس، وعشرون على ~~إبراهيم، وأربعة على موسى وداود وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. # قوله: * (وإبراهيم الذي وفى) قرأ الحسن البصري ' وفى ' مخففا أي: بما أمر ~~به. ويقال: [وفى في ذبح ابنه]. # وأما القراءة المعروفة بالتشديد فيجوز أن تكون بمعنى ' وفى ' إلا أنه ~~أكده بالتشديد ويقال: وفى [بسهام] الإسلام. قال الحسن: لم يؤمر بأمر إلا ~~عمل به. PageV05P300 # ((38) * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه ~~الجزاء الأوفى (41) وأن إلى ربك المنتهى (42) وأنه هو أضحك وأبكى (43) ~~وأنه) * * وعن ابن عباس أنه قال: الإسلام ثلاثون سهما، ولم يتم جميعها غير ~~إبراهيم ومحمد عليهما السلام. وقال الفراء: ' وفى ' معناه: بلغ. وعن الهذيل ~~بن شرحبيل قال: كان بين نوح وإبراهيم قرون يأخذون الجار بذنب الجار، وابن ~~العم بذنب ابن العم، والصديق بذنب الصديق، فجاء إبراهيم وبلغ عن الله ~~تعالى: * (ألا تزر وازرة وزر أخرى) أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره. # قوله تعالى: * (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) معناه: إن سعي في الخير يلق ~~الخير، وإن سعى في الشر يلق الشر. # وقوله: * (وأن سعيه سوف يرى) أي: يراه على معنى أن الله تعالى يريه إياه، ~~وهو الجزاء الذي يجازيه عليه، وهو معنى قوله: * (ثم يجزاه الجزاء الأوفى) ~~أي: ms1679 الأكمل الأتم. # قوله تعالى: * (وأن إلى ربك المنتهى) أي: مصير العباد ومرجعهم إليه. قال ~~محمد بن علي الباقر: تاه فيه العقول أي: تحيرت. فعلى هذا معنى الآية: أن ~~العقول إذا انتهت إلى أوصافه تحيرت، يعني: أنها لا تدرك أوصافه على الكمال. ~~وفي بعض التفاسير: أن بعض الملائكة تفكر في الله تعالى فصيحت عليه صيحة، ~~فتاه عقله، فهو يسمى بين الملائكة التائه. # قوله تعالى: * (وأنه هو أضحك وأبكى) قال ابن عباس: أضحك أهل الجنة، وأبكى ~~أهل النار. ويقال: أضحك بالوعد، وأبكى بالوعيد. ويقال: أضحك الأرض بالنبات، ~~وأبكى السماء بالمطر. والأصح من الأقاويل أنه أضحك الخلق وأبكاهم. # قوله تعالى: * (وأنه هو أمات وأحيا) يقال: أمات الآباء، وأحيا الأبناء ~~وقيل: أمات قوما بالضلالة، وأحيا بالهداية. والأصح أنه أمات الخلق وأحياهم. # قوله تعالى: * (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى) أي: الصنفين. قال ~~الضحاك: PageV05P301 # * (هو أمات وأحيا (44) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا ~~تمنى (46) وأن عليه النشأة الأخرى (47) وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو ~~رب) * * آدم وحواء. والأصح أنه الذكر والأنثى من بني آدم. # وقوله: * (من نطفة إذا تمنى) أي: تقدر. تقول العرب: ما تمنى تلك ~~[الأماني] أي: يقدر ذلك المقدر. وقيل: إذا تمنى، هو عبارة عن الوطء أي: من ~~نطفة تحصل بالجماع. # قوله تعالى: * (وأن عليه النشأة الأخرى) أي: البعث يوم القيامة، وإنما ~~قال: ' الأخرى ' لأنها ثانية النشأة الأولى، والنشأة الأولى ابتداء الخلق. # قوله تعالى: * (وأنه هو أغنى وأقنى) معناه: أعطى وأوسع، فقوله: * (أقنى) ~~أي: أعطى القنية، والقنية: هي أصل مال يتخذ. قالوا: وهو مثل الإبل والبقر ~~والضياع والنبات وما أشبه. ويقال: أغنى بالذهب والفضة، وأقنى بغيرهما من ~~الأموال. ويقال: أغنى وأقنى: أي: أعطى وقنع بما أعطى. قال القتيبي: أغنى ~~أي: أعطى المال وأفنى أي أخدم كأنه أعطاه من يخدمه وقال أغنى أي أعطى بما ~~أعطى. وعن بعضهم أغنى: أي: أغنى نفسه، كأنه وصف نفسه بالغنى. وقوله: * ~~(وأقنى) أي: أفقر خلقه إلى نفسه، ويقال: أغنى وأقنى: أي: وسع وقتر. # قوله تعالى: * (وأنه هو ms1680 رب الشعرى) في التفسير: أنه كان رجل من خزاعة ~~خالف دين آبائه وعبد الشعر العبور، وهو كوكب خلف الجوزاء تسمى المرزم، وهما ~~الشعريان: [إحداهما]: الغميصاء، والأخرى: العبور، فالغميصاء في المجرة، ~~والعبور خلف الجوزاء وتسمى كلب الجوزاء. وكان ذلك الرجل يعبد الشعرى، ~~ويقول: إنها تقطع الفلك عرضا دون سائر الكواكب، فإنها تقطع أموالا، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية، وذكر أنه خالق الشعرى التي تعبدونها. [قاله] مجاهد ~~وقتادة وغيرهما. وعن بعضهم: أنها الزهرة، وهذا مخالف لظاهر الآية. ~~PageV05P302 # * (الشعرى (49) وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح ~~من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما غشى ~~(54)) * * قوله تعالى: * (وأنه أهلك عادا الأولى) فإن قيل: ما معنى قوله: ' ~~عادا الأولى '، وعاد كانت واحد لا اثنين؟ والجواب: أن ثمودا وعادا كانا من ~~ولد آدم بن سام بن نوح، فعاد هم قوم هود، وهم عاد الأولى، وثمود هم قوم ~~صالح وهم عاد الأخرى. # وقوله: * (وثمود فما أبقى) أي: أبادهم وأفناهم. # قوله تعالى: * (وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى) أي: أكبر وأشد ~~طغيانا. وفي القصة: أن الرجل منهم كان يأتي بابنه إلى نوح فيقول: احذر هذا ~~الشيخ، وإياك أن يضلك، فإن أبي حملني وأنا في مثل سنك إليه وحذرني منه كما ~~حذرتك منه. # قوله تعالى: * (والمؤتفكة أهوى) المؤتفكة هي مدائن لوط، ائتفكت بهم الأرض ~~أي: انقلبت بهم. # وقوله: * (أهوى) يقال: هوى إذا سقط، وأهوى إذا أسقط. وقد بينا أن جبريل ~~عليه السلام قلعها من أصلها، وبلغ بها السماء الدنيا حتى سمع أهل السماء ~~الدنيا نباح الكلاب وأصوات ديكتهم، وكان فيها أربعمائة ألف رجل. وقد قيل ~~أكثر من ذلك، ثم أن جبريل قلبها فجاءت تهوى فهو معنى قوله: * (والمؤتفكة ~~أهوى) قال عكرمة: فهي تتجلجل في الأرض إلى قيام الساعة. والعرب تقول: أهوى ~~أي: وقع في هوة، والهوة: الحفرة. # قوله تعالى: * (فغشاها ما غشى) أي: غشاها من الحجارة ما غشى. يقال: من ~~عذاب الله ما غشى. والتغشية: التغطية. وفي القصة: أن الحجر ms1681 يتبع شرادهم حتى ~~أهلكهم جميعا، وكان في الحرم رجل منهم فوقف حجر في الهواء سبعة أشهر، ثم ~~خرج فلما خرج وخطا خطوة سقط عليه الحجر وأهلكه، وكان اسمه أبو رغال. # قوله تعالى: * (فبأي آلاء ربك تتمارى) أي: تتشكك، ومعناه: تشك، وقيل: ~~PageV05P303 # * (فبأي آلاء ربك تتمارى (55) هذا نذير من النذر الأولى (56) أزفت الآزفة ~~(57) ليس لها من دون الله كاشفة (58) أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ~~ولا) * * تكذب. والمرية: هي الشك في اللغة. والخطاب للكافر أي: فبأي آلاء ~~ربك تتمارى أيها الكافر. # وقوله: * (هذا نذير من النذر الأولى) أي: نبي يشبه الأنبياء المتقدمين. # وقوله: * (أ زفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة) فإن قيل: ما معنى ~~قوله: ' كاشفة '؟ ولم أدخل هاء التأنيث؟ والجواب: أن بعضهم قال: لموافقة ~~رؤوس الآي وقال بعضهم معناه ليس لها من دون الله نفس كاشفة وهذا أحسن ومعنى ~~الآية: أنه لا يعلم علمها سوى الله تعالى. وهو علم قيامها وتجليها ويقال لا ~~يأتي بها أحد سوى الله تعالى. # يقال: كشف عن الشيء إذا أظهره أي: لا يكشف عن القيامة ولا يظهرها غير ~~الله تعالى. # قوله تعالى: * (أفمن هذا الحديث تعجبون) أي: القرآن. # وقوله: * (تعجبون) أي: تتعجبون، وتعجبهم أنهم قالوا: كيف أنزل على واحد ~~مثلنا. ويقال: تعجبهم من قوله إن الله واحد على ما قال في موضع آخر * (أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب). # وقوله: * (وتضحكون ولا تبكون) يعني: من حقكم أن تبكوا لا أن تضحكوا. وفي ~~التفسير: ' أن النبي لما نزلت هذه الآية لم ير ضاحكا إلى أن خرج من الدنيا، ~~غير أنه كان يبتسم '. وفي بعض الأخبار: عجبت من ضاحك (ملء فيه والموت ~~يطلبه). PageV05P304 # * (تبكون (60) وأنتم سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62)) * * وقوله: * ~~(وأنتم سامدون) أي: لاهون غافلون، ويقال: متكبرون. قال مجاهد: السمود هو ~~الغناء بلغة حمير. يقولون: يا جارية سمدى لنا: أي: غنى. ويقال له: البرطمة ~~أيضا وأنشد بعضهم: # (رمى الحدثان نسوة آل حرب * بداهية سمدان لها سمودا) ويروى: # (بمقدار سمدن له سمودا. # * (فرد شعورهن السود ms1682 بيضا * ورد وجوههن البيض سودا) وقوله: * (فاسجدوا ~~لله واعبدوا) حمل بعضهم هذا على الصلوات الخمس. وقيل: إن الآية نزلت بمكة ~~قبل فرض الصلوات الخمس، والسورة مكية، فعلى هذا معناه: فاسجدوا لله واعبدوا ~~أي: اخضعوا لله ووحدوا. ويقال: المراد منه أصل السجود، والمراد من العبادة ~~هي الطاعة، وهو موضع سجود عند أكثر الفقهاء إلا مالك حيث قال: ليس في ~~المفصل سجود أصلا. وقد ثبت عن النبي برواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~' أنه عليه الصلاة والسلام قرأ سورة النجم فسجد فيها، فما بقي من القوم أحد ~~إلا سجد غير رجل واحد أخذ حصى ووضعه على جبهته، وقال: يكفيني هذا. وقال عبد ~~الله: فرأيته قتل كافرا '. والله أعلم. PageV05P305 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (اقتربت الساعة وانشق القمر (1)) * * تفسير ~~سورة القمر وهي مكية إلا قوله تعالى: * (سيهزم الجمع ويولون الدبر) والآية ~~التي بعدها. # قوله تعالى: * (اقتربت الساعة) أي: دنت القيامة، وهو مثل قوله تعالى: * ~~(أزفت الآزفة)، ومثل قوله: * (اقترب للناس حسابهم)، وقد روى أنس أن النبي ~~خطب عند مغيربان الشمس حتى كادت تغرب، فقال: ' ما بقي من الدنيا فيما مضى ~~إلا كما بقي من هذا اليوم فيما مضى منه '. وعن كعب ووهب: أن مدة الدنيا ~~سبعة آلاف سنة، والذي يمضى هو الألف السابع. # وقوله: * (وانشق القمر) روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: بينما نحن مع ~~رسول الله بمنى فانشق القمر فلقتين، فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، وأنزل ~~الله تعالى * (اقتربت الساعة وانشق القمر). وعن ابن عباس: أن المشركين ~~سألوا من النبي آية. وروي أنهم قالوا له إن كنت صادقا فشق القمر لنا حتى ~~نرى قطعة منه على أبي قبيس، وقطعة منه على (قعيقعان)، فدعا الله تعالى ~~وانشق القمر على ما أرادوا، فقال النبي: ' اشهدوا اشهدوا '. PageV05P306 # * (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2)) * * فإن قيل: ابن عباس لم ~~يكن رأى انشقاق القمر، فكيف تصح روايته؟ وأما ابن مسعود فقد تفرد بهذه ~~الرواية، ولو كان قد انشق القمر لرواه جميع أصحاب رسول الله، ms1683 وأيضا لو كان ~~ثابتا لرواه جميع الناس، ولأرخوا له تاريخا؛ لأنهم قد أرخوا ما دون هذا من ~~الحوادث، وإنما معنى الآية: انشق القمر أي: ينشق، وذلك يوم القيامة. ويقال: ~~معنى انشق القمر أي: انكسف. # والجواب: أنه قد ثبت انشقاق القمر بالرواية الصحيحة. رواه ابن مسعود ~~وجبير بن مطعم شهدا بالرؤية، ورواه ابن عباس وابن عمر وأنس، وروى بعضهم عن ~~بعضهم عن عبد الله بن عمرو، ومن المحتمل أنه روي عن رؤية، وقد كان ابن ~~مسعود روى هذا عن [رؤيته]، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان ذلك اتفاقا ~~منهم، ثم الدليل القاطع على ثبوته الآية. # وقوله إن معناه سينشق القمر. قلنا: هذا عدول عن ظاهر الآية، ولا يجوز إلا ~~بدليل قاطع، ولأن الله تعالى قال: * (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر ~~مستمر) وهذا دليل على أنهم قد رأوها، ولأنه سماه آية، وإنما يكون آية إذا ~~كانت في الدنيا؛ لأن الآية هاهنا بمعنى الدلالة والعبرة. # وقوله: إن الناس لم يروا. قلنا: يحتمل أنه كان في زمان غفلة الناس، أو ~~تستر عنهم بغيم، وقد رد الله تعالى الشمس ليوشع بن نون، ولم ينقل أرخ لذلك ~~أيضا. وقد ذكر في بعض التفاسير أن أهل مكة قالوا: سحرنا ابن أبي كبشة، فقال ~~بعضهم: سلوا السفار الذين يقدمون، فإنه إن كان سحرنا فلا يقدر أن يسحر جميع ~~الناس، فقدم السفار وسألوهم وأخبروا أنهم قد رأوا. # قوله تعالى: * (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) قال الفراء: أي: ~~يشبه بعضه بعضا، فيحتمل أن يكون معناه: فعله هذا في السحر يشبه سائر أفعاله ~~في PageV05P307 # * (وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ولقد جاءهم من الأنباء ما ~~فيه مزدجر (4) حكمة بالغة فما تغن النذر (5) * * السحر، ويحتمل أن معناه: ~~سحره يشبه سحر موسى وعيسى وغيرهما. وعن بعضهم: أن قوله: * (مستمر) أي: ذاهب ~~باطل، يبطل ويذهب بمضي الزمان، ذكره أبو عبيدة. ويقال: سحر مستمر: أي: شديد ~~محكم. ويقال: استمر من الأرض إلى السماء أي: ظهر سحره في السماء. # وقوله: * (وكذبوا واتبعوا ms1684 أهواءهم) أي: اتبعه ما دعته نفوسهم إليه من ~~الباطل. # وقوله: * (وكل أمر مستقر) قال مجاهد: الخير لأهل الخير، والشر لأهل الشر. ~~ويقال: الجنة لمن يعمل بالطاعة، والنار لمن يعمل بالمعصية. وقيل: كل أمر ~~مستقر: أي: واقع. وقيل: لكل قول حقيقة وغاية ونهاية في وقوعه وحلوله، ذكره ~~السدى. وعن بعضهم: ويحتمل أن يكون معناه: الإشارة إلى دوام ثواب المؤمنين ~~في الجنة، وعقاب الكافرين في النار. # قوله تعالى: * (ولقد جاءهم من الأنباء) أي: من الأخبار، وهي الأقاصيص ~~وأخبار الأنبياء. # وقوله: * (ما فيه مزدجر) أي: متعظ. يقال: زجرته فانزجر، وكففته فكف، ~~ووعظته فاتعظ. # وقوله: * (حكمة بالغة) معناه أي: القرآن، وما بلغه الرسول عن الله حكمة ~~بالغة، أي: تامة كاملة، ويقال معناه: أنه صواب كله. وقد بينا أن الحكمة هي ~~الإصابة قولا وفعلا. # وقوله: * (فما تغن النذر) أي: أي شيء تغني النذر. ويقال: ' ما ' بمعنى ' ~~لا ' أي: لا تغني النذر عنهم شيئا، وهذا في أقوام بأعيانهم، علم الله منهم ~~أنهم لا يؤمنون، (وأنه) لا ينفعهم إنذار الرسل وإقامة الآيات. PageV05P308 # * (فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من) * * ~~قوله تعالى: * (فتول عنهم) منهم من قال: قوله: * (فتول عنهم) عليه الوقف، ~~وبه تم الكلام ثم ابتدأ، وقال: * (يوم يدع الداع)، ومنهم من قال: معناه: ~~فتول عنهم يوم يدعو الداعي. وأما معنى دعاء الداعي. في التفسير أنه قيام ~~إسرافيل عليه السلام على صخرة بيت المقدس، ونفخه في الصور. ويقال: هو دعاء ~~الناس إلى الحساب. # وقوله: * (إلى شيء نكر) أي: فظيع شديد هائل. وكل ما يهول الإنسان فهو ~~منكر عنده. ويقال: نكر أي: لا يطاق حمله. وعن مجاهد أنه قرأ: * (يوم يدع ~~الداع إلى شيء نكر) بخفض الكاف وفتح الراء، أي: جحد وكفر به، وهذه قراءة ~~شاذة. وعن ابن عمر أنه قرأ: * (إلى شيء نكر) بتسكين الكاف وأنشدوا في هذا ~~شعرا (أبى الله إلا عدله ووفاءه * فلا النكر معروف ولا العرف ضائع) وقوله * ~~(خشعا أبصارهم) أي: خاشعة أبصارهم، يعني: ذليلة، وقرئ: ' خاشعا أبصارهم ' ~~ويجوز ms1685 التوحيد إذا تقدم فعل الجماعة دون ما إذا تأخر، يقال: مررت بشباب ~~حسان وجوههم، وحسن وجوههم، وحسنة وجوههم. # قال الشاعر: # (في شباب حسن أوجههم * من إياد بن نزار بن معد) وقوله: * (يخرجون من ~~الأجداث) أي: من القبور، واحدتها جدث. وفي لغة تميم هو الجذف. وفي الخبر عن ~~النبي أنه قال: ' مواتهم أجداثهم ' أي: قبورهم. # وقوله تعالى: * (كأنهم جراد منتشر) أي: داخل بعضهم في بعض كالجراد، وقال ~~تعالى في موضع آخر: * (كالفراش المبثوث) هو المنتشر والمختلط أيضا، لا ~~يقصدون جهة واحدة، بل ينتشر في جهات مختلفة بخلاف الجراد، فإن الكل يتبعون ~~جملة واحدة. PageV05P309 # * (الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم ~~عسر (8) كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه ~~أني مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) * * وروي أن ~~مريم عليها السلام سألت ربها أن يطعمها لحما بغير دم، فقالت: اللهم أعشها ~~بغير [رضاع]، وتابع بينها بغير شياع. ثم ذكر أن التوفيق بين الآيتين هو أن ~~الناس إذا خرجوا من قبورهم يختلط بعضهم ببعض، ولا يتبعون جملة واحدة، فهم ~~كالفراش المبثوث، ثم يدعون إلى المحشر أو إلى الحساب فيتبع كلهم الجهة التي ~~يدعون إليها، فهم كالجراد المنتشر. # وقوله: * (مهطعين إلى الداع) أي: مسرعين مقبلين، ويقال: مهطعين الإهطاع: ~~هو النسلان، ويقال: الخبب. # وقوله: * (يقول الكافرون هذا يوم عسر) أي: غير سهل. # قوله تعالى: * (كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا) أي: نوحا عليه السلام. # وقوله: * (وقالوا مجنون وازدجر) أي: زجر بالشتم والسب. # ويقال: زجرا بالتخويف بالقتل، قاله سعيد بن جبير وقتادة وغيرهما. ويقال: ~~ازدجر، أي: استطر عقله، كأنهم قالوا: مجنون ومعتوه. # وقوله: * (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) أي: انتصر لدينك بالانتقام من ~~أعدائك. # وقوله: * (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) قال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه (فتح) موضع المجرة، وهي شرج السماء. وفي القصة: أن الله تعالى أرسل ~~الماء من السماء بدون سحاب، ولم يكن أرسل المطر قبله ولا بعده إلا من ~~PageV05P310 # * (وفجرنا الأرض عيونا ms1686 فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ~~ألواح ودسر (13) تجري بأعيينا جزاء لمن كان كفر (14)) * * سحابة، وقيل: إن ~~الأبواب هاهنا بطريق المجاز، والمعنى: أرسلنا من السماء بماء منهمر أي: ~~كثير. # قال الشاعر: # (أعيني جودا بالدموع الهوامر * على حتى باد من بعد وضامر)) ويقال: منهمر ~~أي: منصب سائل. # قوله: * (وفجرنا الأرض عيونا) أي: فتحنا عيون الأرض بالماء. # وقوله: * (فالتقى الماء على أمر قد قدر) أي: التقى ماء السماء وماء الأرض ~~على أمر قد قدر كونه، وهو تغريق أهل الأرض سوى أصحاب السفينة. ويقال: على ~~أمر قد قدر: هو تقدير الماء، يعني: أن الماء أنزل من السماء وفجر من العيون ~~على كيل وتقدير معلوم. # وقوله تعالى: * (وحملناه على ذات ألواح ودسر) أي: على السفينة ذات ألواح، ~~ودسر أي: مسامير، ويقال: ودسر أي: معاريض السفينة، وهي الخشب التي تعرض ~~عليها. ويقال: دسر أي: صدر السفينة، كأنها قد تدسر الماء بصدرها، أي: تدفع. # وقوله: * (تجري بأعيننا) أي: بمرأى منا وحفظ منا. # وقوله تعالى: * (جزاء لمن كان كفر) أي: جزاء على ما صنع بمن كفر به، وهو ~~نوح عليه السلام. ويقال: جزاء النوع وهو الذي كفر به ذكره الزجاج وغيره ~~وقيل جزاء عمن كفر به وهو الله تعالى. وقرئ في الشاذ: ' جزاء لمن كان كفر ' ~~وهو ظاهر. PageV05P311 # * (ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) ~~إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس) * * قوله ~~تعالى: * (ولقد تركناها آية) أي: تركنا السفينة آيو وعبرة، قال قتادة: بقيت ~~سفينة نوح ببا قردى من بلاد الجزيرة حتى أدركها أوائل هذه الأمة. # وقوله: * (فهل من مدكر) أي: متعظ متذكر. # وقوله: * (فكيف كان عذابي ونذر) أي: كيف كان تعذيبي وإنذاري. # قوله تعالى: * (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) أي: متفكر، ومعنى ~~تيسر القرآن للذكرى: هو قراءته عن ظهر قلب، ولم يعط هذا في كتاب الله غير ~~هذه الأمة، فإن ms1687 أهل الكتابين إنما يقرءوا فهما عن الصحف. # قوله تعالى: * (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر) أي: تعذيبي وإنذاري لهم. # وقوله: * (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا) أي: باردة، ويقال: شديدة الهبوب. # وقوله: * (في يوم نحس) أي: في يوم مشئوم، وعن جعفر بن محمد قال: كان في ~~أربعاء لا تدور، ذكره النقاش. ويقال: كان زحل راجعا هابطا، وهو ضعيف متروك. # وقوله: * (مستمر) أي: دائم الشؤم، ودوام الشؤم أن الريح استمرت بهم سبع ~~ليال وثمانية أيام. ويقال: مستمر أي: استمر بهم العذاب حتى أوقعهم في جهنم. # قوله تعالى: * (تنزع الناس) أي: تقلع الناس. وفي القصة: أن الريح كانت ~~تقلعهم، وتجعل أعلاهم أسفلهم وأسفلهم أعلاهم. قال الحسن البصري: لما جاءت ~~الريح أخذ بعضهم بيد بعض، وجعلوا دست، وضربوا بأقدامهم على الحجر حتى رسخت ~~فيه، وقالوا: من الذي يزيلنا من أماكننا؟ وفي القصة: أن طول الواحد منهم ~~كان ستمائة ذراع وخمسمائة، والأقصر ثلاثمائة ذراع بذراعهم، فلما فعلوا ذلك ~~خرجت من تحت أقدامهم وقلعتهم. PageV05P312 # * (كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر (21) ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا ~~واحد نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر (24) أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو) * ~~* وقوله: * (كأنهم أعجاز نخل منقعر) أي: أصول نخل منقلع. فإن قيل: قد قال ~~في موضع آخر: * (كأنهم أعجاز نخل خاوية) وقال ها هنا: * (منقعر) ولم يقل ~~منقعرة. قلنا: النخل يذكر ويؤنث. فإن قيل: فلم شبه بأصول النخل لا بجميعه؟ ~~قلنا في القصة: أن الريح كانت تقلع رؤوسهم أولا، ثم تخرب أجسادهم وتجعلها ~~(كأصول) النخل، فهو معنى الآية. # وقوله: * (فكيف كان عذابي ونذر) قد بينا. # قوله تعالى: * (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر). # * (كذبت ثمود بالنذر) أي: بالرسل. ويجوز أن يكون أراد به صالحا وحده، ~~وذكر الواحد باسم الجمع. # قوله تعالى: * (فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه) أي: نتبع بشرا منا واحدا. ~~قالوا على طريق الإنكار، أي: لا نتبعه. # وقوله: * (إنا إذا لفي ضلال وسعر) أي: في ضلال ms1688 وعناء، ويقال: في ضلال ~~وجنون. يقال: ناقة مسعورة، أي: كالمجنونة من النشاط. # قوله تعالى: * (أؤلقي الذكر عليه من بيننا) أي: النبوة. # وقوله: * (بل هو كذاب أشر) أي: كذاب متكبر. والأشر: البطر الفرح، كأنه ~~يتكبر بطرا وفرحا. PageV05P313 # * (كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (26) إنا مرسلوا الناقة ~~فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر) * ~~* وقوله: * (سيعلمون غدا من الكذاب الأشر) أي: يوم القيامة حتى يلقون جزاء ~~أعمالهم. وقرئ في الشاذ: ' من الكذاب الأشر ' وقرئ أيضا: ' الأشر ' بضم ~~الشين. والأشر والأشر بمعنى واحد، وهو مثل حذر وحذر. # قوله تعالى: * (إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم) في القصة: أن قوم صالح طلبوا ~~منه أن يخرج من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة بعينها ناقة حمراء عشراء، ~~والعشراء: هي الناقة الحامل التي أتى على حملها عشرة أشهر، وتلد سقبا في ~~الحال، ثم ترد ماءهم وتشرب جميع ما فيها، وتعطي لبنا بقدر ما شربت من ~~الماء، فأعطاهم الله تعالى هذه الآية. وروي أن الصخرة تمخضت كما تتمخض ~~الناقة عند الولادة، ووضعت ناقة في الحال كأعظم ما يكون. وروي أن عظم ~~الناقة كان بحيث إذا مشت بين الوادي أخذ بطنها ما بين الجبلين. # وقوله: * (فتنة لهم) أي: اختبارا لهم. # وقوله: * (فارتقبهم واصطبر) أي: انتظرهم واصبر. # وقوله: * (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم) أي: للناقة يوم ولهم يوم. # وقوله: * (كل شرب محتضر) أي: كل نصيب بحضرة من له. # قوله تعالى: * (فنادى صاحبهم) يعني: قدار بن سالف، وهو أحمر ثمود. وفي ~~المثل: أشأم من أحمر عاد. يعني: على قومه. وإنما قيل: عادا لأن ثمود من نسب ~~عاد. وفي الخبر أن النبي قال: ' انبعث له يعني لقتل الناقة رجل عزيز في ~~قومه مثل [أبي] زمعة '. PageV05P314 # ((28) * فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا ~~أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتضر (31) ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر (32) كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا ~~إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34)) * * وقوله: * (فتعاطى فعقر) أي: ارتكب ~~المعصية ms1689 فعقر الناقة. والعقر: هو القتل. وفي الخبر: ' أفضل الجهاد من أريق ~~دمه وعقر جواده '. # وقوله: * (فكيف كان عذابي ونذر) قد بينا. # قوله تعالى: * (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة) في القصة: أن جبريل عليه ~~السلام قام في جانب قريتهم، وصاح عليهم صيحة واحدة، فماتوا جميعا. # وقوله: * (فكانوا كهشيم المحتضر) الهشيم ما يبس من النبات والشجر، ~~والهشيم هاهنا: ما تناثر من التراب عن الجواد، يعني: صاروا كذلك. # وقوله: * (المحتضر) وفرئ: ' المحتضر ' بفتح الظاء. قال أهل المعاني: هو ~~أن يأخذ الراعي حظيرة حوالي غنمه من شوك وشجر، فإذا يبس وتناهى في اليبس ~~تكسر وتشتت، فشبهم حين هلكوا بذلك. وأما المحتضر هو الذي يتخذ الحظيرة، ~~والمحتضر بالفتح هو المتخذ. # قوله تعالى: * (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) أي: متعظ. قال ~~قتادة: هل من طالب خير فيعان عليه. # قوله تعالى: * (كذبت قوم لوط بالنذر) فإن قيل: كيف قال: * (بالنذر) ولوط ~~كان واحدا؟ قلنا: لأن من كذب واحدا من الرسل، فكأنه كذب جميع الرسل. # قوله تعالى: * (إنا أرسلنا عليهم حاصبا) أي: ريحا ذات حصباء، وهي ~~الحجارة. # قوله: * (إلا آل لوط نجيناهم بسحر) هو لوط وابنتاه. وفي الخبر: أنه ~~وأعنزة بين PageV05P315 # * (نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا ~~بالنذر (36) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) ~~ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38)) * * يديه، وهي أربعون يسوقها، وهو آخذ ~~بيد ابنته الكبرى بيمينه، وبيد ابنته الصغرى بيساره، وامرأته خلفه، فلما ~~سمعوا الوصية في هلاك القوم سجد هو وابنتاه شكرا، والتفتت المرأة فأصابتها ~~الحجارة وهلكت. # وقوله: * (نعمة من عندنا) أي: إنعاما من عندنا. # وقوله: * (كذلك نجزي من شكر) أي: شكر نعم الله. # وقوله: * (ولقد أنذرهم بطشتنا) أي خوفهم بطشتنا بهم في الإهلاك وقوله * ~~(فتماروا بالنذر) أي: شكوا برسالة الرسل. # قوله تعالى: * (ولقد راودوه عن ضيفه) أي: طلبوا من لوط أن يسلم إليهم ~~أضيافه. وفي القصة: أن جبريل عليه السلام جاء ومعه ملكان، وكان قوم لوط قد ~~قالوا له: إنا لا نمتنع من عملنا، ms1690 فإياك أن تضيف أحدا من الغرباء، فلما جاء ~~جبريل عليه السلام مع الملكين في صورة البشر، مرت العجوز الخبيثة وأخبرتهم ~~بورودهم، وذكرت لهم حسن وجوههم، فجاءوا يطلبون الفاحشة، فهو معنى قوله ~~تعالى: * (راودوه عن ضيفه). # وقوله: * (فطمسنا أعينهم) روي أن جبريل عليه السلام صفق أعينهم صفقة ~~بجناحه، فصاروا عميانا يلتمسون الجدار بالأيدي. وروي أن وجوههم صارت سطحا ~~واحدا ما بقي عليها أثر شيء. # وقوله: * (فذوقوا عذابي ونذر) أي: فذوقوا عذابي وعاقبة إنذاري. # قوله تعالى: * (ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) أي: نزل بهم العذاب واستقر ~~بكرة. ومعنى الاستقرار هو هلاكهم بذلك العذاب. PageV05P316 # فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ولقد جاء آل ~~فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذهم أخذ عزيز مقتدر أكفاركم خير من ~~أولائكم أم لكم براءة في الزبر أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر وقوله * (فذوقوا عذابي ونذر) قد بينا. # وقوله تعالى: * (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) قد ذكرنا. # وقوله: * (ولقد جاء آل فرعون النذر) يعني: موسى وهارون، ويقال: جاءهم ~~الإنذار. # وقوله: * (كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر) أي: قوي قادر، ~~وقد بينا معنى العزيز القادر. # قوله تعالى: * (أكفاركم خير من أولئكم) معناه: أكفاركم خير من الكفار ~~الذين كانوا قبلكم، يعني: ليسوا بخير منهم، فكما أهلكناهم فسنهلك هؤلاء. # وقوله: * (أم لكم براءة في الزبر) أي: براءة من الكتب أنا لانهلككم كما ~~أهلكنا من قبلكم. # وقوله: * (أم يقولون نحن جميع منتصر) يعني: أيقولون نحن جميع ينصر بعضنا ~~بعضا، أو ننتصر من أعدائنا. وفي المغازي أنه لما كان يوم بدر خرج أبو جهل ~~على قدميه، وهو يقول: نحن جميع منتصر، فأنزل الله تعالى قوله: * (سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر)، قال عمر: فرأيت النبي يثب في درعه، ويقول: ' سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر '. وفي بعض التفاسير: أن عمر رضي الله عنه قال: نزل ~~قوله تعالى: * (سيهزم الجمع ويولون الدبر) ولم أعرف تأويله، حتى كان يوم ~~بدر فرأيت النبي PageV05P317 # * (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) إن ms1691 المجرمين في ضلال وسعر ~~(47) يوم يحبسون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) إنا كل شيء) * * ~~يثب في درعه ويقول: ' سيهزم الجمع ويولون الدبر '. وهذا الخبر دليل أيضا أن ~~هذه الآية مكية، وقد بينا في رواية أخرى أنها مدنية. والدبر بمعنى الأدبار. # وقوله: * (بل الساعة موعدهم) أي: القيامة موعدهم، وسميت الساعة لقرب ~~كونها. وقيل: سميت ساعة؛ لأنها كائنه لا محالة كالوقت، وهو كائن لا محالة ~~فسمى ساعة. # وقوله: * (والساعة أدهى وأمر) أي: أقطع وأشد. والداهية: كل أمر لا يهتدي ~~إلى الخروج منه. ' وأمر ': هو من المرارة. # قوله تعالى: * (إن المجرمين في ضلال وسعر) قد بينا. وعن الأخفش: أن السعر ~~جمع السعير جمع السعير، ويقال معناه: في نار يحترقون فيها ولا يعلمونها، ~~وهذا إشارة إلى العاقبة، وما يصير إليه حالهم. # قوله تعالى: * (يوم يسحبون في النار على وجوههم) قال ابن مسعود: ' يوم ~~يسحبون في النار '. والمعروف الأول، وهو من السحب والجر. # وقوله: * (ذوقوا مس سقر) أي: يقال لهم ذلك، وهو على طريق المجاز، كما ~~يقول القائل لغيره وهو يضربه: ذق وبال أمرك، أي: عمله، ومثله كثير في ~~العربية وكلامهم. # قوله تعالى: * (إنا كل شيء خلقناه بقدر) نصب كل بتقدير فعل محذوف، وكأنه ~~قال: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر. وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' كل ~~PageV05P318 # * (خلقناه بقدر (49) وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) ولقد أهلكنا ~~أشياعكم) * * شيء بقدر حتى الكيس والعجز '. وعن ابن عباس: كل شيء بقدر حتى ~~وضعك يدك على خدك. وعن علي: ما طن ذباب إلا بقدر. # وعن أبي أمامة الباهلي قال: أشهد أن هذه الآية نزلت في القدرية ردا عليهم ~~وتلا هذه الآية: * (إنا كل شيء خلقناه بقدر) وهو خبر غريب. # وعن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: لو صام إنسان حتى يصير كالحبل هزلا، ~~وصلى حتى يصير كوتد، وذبح ظلما بين الركن والمقام، ثم كان مكذبا بقدر الله، ~~لأدخله الله النار، ويقال له: ذق مس سقر. # وفي رواية عائشة أن النبي قال: ' إذا كان يوم القيامة ms1692 نادى مناد: أين ~~خصماء الرحمن؟ فيقوم القدرية ثم تلا قوله: * (إن المجرمين في ضلال وسعر) ~~وما بعدها '. وخصومتهم أنهم يقولون: قدرت علينا المعاصي وكيف تعذبنا؟ # وقوله: * (وما أمرنا إلا واحدة) يعني: إلا مرة واحدة. # وقوله: * (كلمح بالبصر) أي: كسرعة اللمح بالبصر في النفوذ والوقوع، وفي ~~بعض التفاسير في قوله تعالى: * (إنا كل شيء خلقناه بقدر) أي: جعلنا لكل شيء ~~ما يصلح له، مثل ثياب الرجال للرجال، وثياب النساء للنساء، والسرج للفرس، ~~والإكاف للحمار، وما أشبه ذلك، والمعنى: أي: قدرنا لكل شيء ما يصلح له، ~~ذكره PageV05P319 # * (فهل من مدكر (51) وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر ~~(53) إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر)) * * بن ~~فارس في تفسيره. # وقوله تعالى: * (ولقد أهلكنا أشياعكم) أي: أشبابهكم ونظراءكم من الكفار. # وقوله: * (فهل من مدكر) أي: متعظ. # وقوله: * (وكل شيء فعلوه في الزبر) أي: مسطور مكتوب في الزبر. ويقال: كل ~~شيء محفوظ في الزبر. # وقوله: * (وكل صغير وكبير مستطر) أي مسطور مكتوب في اللوح المحفوظ. وفي ~~الآثار المروية عن ابن عباس أنه قال: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء ~~ودفتاه من ياقوت أحمر، قلمه ذهب وكتابه نور، ينظر الله كل يوم فيه ثلاثمائة ~~وستين نظرة، يخلق، ويحيي، ويميت، ويرزق، ويفعل ما يشاء. وهذا أثر معروف. # قوله تعالى: * (إن المتقين في جنات ونهر) في بعض الآثار: أن الرجل لا ~~يكون متقيا حتى يدع ما ليس به بأس حذرا مما به بأس، وقد روى بعضهم هذا ~~مرفوعا إلى النبي، وهو غريب. # وقوله تعالى: * (في جنات ونهر) أي: بساتين وأنهار، واحد بمعنى الجمع، ~~والأنهار هذه ما ذكرها الله تعالى في ' سورة محمد '. # والقول الثاني: أن معنى قوله: * (في جنات ونهر) أي: ضياء وسعة. # قال قيس بن الخطيم: # (ملكت بها كفى فأنهرت فتقها * يرى قائما من دونها ما وراءها) أي: أوسعت. ~~وقرئ: ' في جنات ونهر ' بضم النون والهاء، وهو بمعنى النهار. # وقال الشاعر: PageV05P320 # (لولا الثريدان هلكنا بالضمم * ثريد ليل وثريد بالنهر) وعن ms1693 أبي عمران ~~الجوني قال: ليس في الجنة ليل، هو نهار كله، ويعرف مجيء النهار بفتح ~~الأبواب ورفع الستور، ويعرف مجيء الليل برد الأبواب وإرخاء الستور. # وقوله: * (في مقعد صدق) أي: مجلس حسن، ويقال: في مقعد لا لغو فيه ولا ~~تأثيم. وكل مكان ليس فيه لغو ولا تأثيم، فهو مقعد صدق. # وقوله: * (عند مليك مقتدر) يقال: إن الملك والمليك بمعنى واحد. # قال ابن الزبعري: # (يا رسول المليك إن لساني * رائق ما فتقت إذ أنا بور) أي: رسول الملك. ~~وقيل: إن المليك هو المستحق للملك، والملك: القائم بالملك. ومعنى الآية: ~~ذكر كرامة المؤمنين وقربهم من الله تعالى، وهو النهاية في الإكرام. ~~PageV05P321 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ~~الشمس)) تفسير سورة الرحمن وهي مكية في قول الأكثرين وقال بعضهم هي مدنية ~~قوله تعالى * (الرحمن) قال الحسن هو اسم لا يستطيع أحد أن ينتحله ويقال اسم ~~ممتنع وإنما لم يصح أن يقال لغير وصح أن يقال راحم ورحيم لأن معنى الرحمن ~~أن رحمته وسعت كل شيء وهذا لا يصح في غير الله جل وعلا وحكى بعضهم أن ~~الرحمن هو مجموع فواتح ثلاث سور ' الر - حم - ن '. # وقوله * (علم القرآن) أي يسر وسهل تعلمه. # وقوله (خلق الإنسان) قال قتادة: هو آدم - صلوات الله عليه - وقال الضحاك ~~هو محمد وعن بعضهم هو جنس الناس واحد بمعنى الجمع مثل قوله تعالى * (والعصر ~~إن الإنسان لفى خسر) اى الناس. وقوله * (علمه البيان) فعلى القول الذي قلنا ~~إن المراد به آدم فمعنى تعليم البيان تعليم الأسماء وعلى القول الذي يقول ~~إنه محمد فمعنى تعليم البيان هو أنه بين له الحلال والحرام ويقال بين له ~~طريق الهدى وطريق الضلالة ويقال بين الخير والشر وإذا حملنا على جنس الناس ~~فمعنى البيان هو المنطق والكلام وكل عاقل مميز له بيان يعقله وتمييزه. # وقوله * (الشمس والقمر بحسبان) أي بحساب قاله مجاهد وغيره ويقال بحسبان ~~أي بجرى معلوم في منازل معلومة وقال السدي بأجل معلوم فإذا بلغا أجلهما ~~هلكا. ms1694 وقيل الحسبان قطب الرحا والمعنى أنهما يدوران كما يدور @ 323 @ * ~~(والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ووضع الميزان ~~(7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) ~~والأرض وضعها للأنام (10) * * الرحا على القطب. # وقوله: * (والنجم والشجر يسجدان) قال أهل اللغة: النجم كل ما نبت لا على ~~ساق، والشجر ما نبت على ساق. ويقال: النجم نجم السماء، والشجر جميع ~~الأشجار. وأما سجودهما، قال ابن عباس: يسجدان إذا طلعت الشمس وإذا قالت ~~الشمس إلى أن تغرب. ويقال: سجودهما هو ما سخرهما الله تعالى على مشيئته ~~وأمره. والأولى هو أن يقال: إن سجود الموات ثابت بنص الكتاب، هو على ما ~~أراد الله تعالى، والعلم بحقيقته موكول إليه، وهو مذهب أهل السنة. ويقال: ~~سجودهما بدوران الظل يمينا وشمالا. # قوله تعالى: * (والسماء رفعها) أي: أعلاها بحيث لا تنالها الأيدي. # وقوله: * (ووضع الميزان) فيه قولان، أحدهما: أنه الميزان المعروف، ~~والآخر: أن المراد منه العدل. # وقوله: * (أن لا تطغوا في الميزان) قرأ ابن مسعود: ' لا تطغوا في الميزان ~~' أي: لا تجوروا فيه، ولا تجوزوا الحد. والطغيان: مجاوزة الحد. # وقوله: * (وأقيموا الوزن بالقسط) أي: بالعدل. وإقامة الوزن: إقامة لسان ~~الميزان من غير ميل وجور. # وقوله: * (ولا تخسروا الميزان) أي: لا تنقصوا ولا تبخسوا. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه قال: يا معشر الموالي يعني: العجم إنكم وليتم أمر من ~~فيهما هلك كثير من الأمم قبلكم المكيال والميزان. # قوله تعالى: * (والأرض وضعها للأنام) أي: بسطها. وفي الأنام ثلاثة أقوال، ~~أحدها: ذكره الحسن البصري أنه الجن والإنس. والآخر: أنه الإنس خاصة. ~~والثالث: PageV05P323 # * (فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو العصف والريحان (12) ~~فبأي) * * كل ما دب ودرج. # قوله تعالى: * (فيها فاكهة) الفاكهة كل ما يتفكه به. # وقوله: * (ذات الأكمام) جمع الكم، والكم: كل ما يغطي شيئا، ومنه الكم ~~المعروف، فلأنها تغطي اليد. والقلنسوة تسمى الكمة؛ لأنها تغطي الرأس. ومعتى ~~الكم هاهنا: هو الغلاف الذي يكون لثمرة النخل، ويقال: الكم هو الطلع. # قوله تعالى: * (والحب ذو العصف والريحان) العصف: ms1695 ورق الزرع، فإذا يبس صار ~~تبنا، ويقال: العصف هو البقل الذي ينبت من الأرض. # وقوله: * (والريحان) أي: الثمرة. قال ابن كيسان: إذا نبت الزرع فأوله ~~يكون عصفا، ثم يظهر فيه الريحان، وهو ثمرته. وقيل: إن الريحان هو الرزق، ~~قال الشاعر: # (سلام الإله وريحانه * ورحمته وسماء درر) قال الحسن البصري: هو الريحان ~~الذي يشم. وأولى الأقاويل أن العصف هو التبن، والريحان هو الحب الذي خلق ~~فيه للأكل، سماه ريحانا؛ لأن منه رزق العباد. وفي المصاحف: ' والحب والعصف ~~' ومعناه: وخلق الحب ذا العصف. # وقوله: * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) معناه: بأي نعم ربكما تكذبان أيها ~~الإنس والجن؟ والمراد من الآلاء النعم التي عدها من قبل. وقد ثبت برواية ~~محمد بن المنكدر عن جابر أن النبي قرأ سورة الرحمن على أصحابه، فلم يجيبوا ~~بشيء، فقال: ' ما لي أراكم سكوتا! للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم ~~هذه الآية من مرة * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ~~ربنا نكذب، فلك الحمد '. @ 325 @ * (آلاء ربكما تكذبان (13) خلق الإنسان من ~~صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(16)) * * قوله تعالى: * (خلق الإنسان من صلصال كالفخار) الصلصال: الطين ~~اليابس الذي يصوت إذا نقر وحرك. # وقوله: * (كالفخار) أي: الخزف. فإن قيل: قد قال في موضع آخر: * (من طين ~~لازب)، وقال في موضع: * (من حمأ مسنون)، وقال هاهنا: * (من صلصال) فكيف وجه ~~التوفيق؟ # الجواب عنه: أن الجميع صحيح على القطع، فالله تعالى خلق آدم من تراب جعله ~~طينا لازبا، ثم جعله حمأ مسنونا، ثم جعله صلصالا كالفخار، ثم صوره. قال ~~قتادة: هو الماء يصيب الأرض، ثم يذهب الماء فيجف موضع الماء وييبس وينشق، ~~فهو الصلصال كالفخار. وذكر أبو الحسين بن فارس في تفسيره: أنه ورد في بعض ~~الحديث أن الله تعالى حين أراد أن يخلق آدم عليه الصلاة والسلام جعل التراب ~~طينا لازبا، وتركه أربعين سنة، ثم جعله صلصالا كالفخار، وتركه أربعين سنة، ~~ثم صوره وتركه جسدا لا روح فيه أربعين ms1696 سنة، وكانت الملائكة يمرون عليه ~~فيقولون: سبحان الذي خلقك لامر ما خلقك. وقد ثبت عن النبي ' أن إبليس عليه ~~اللعنة لما رأى الصورة فوجده أجوف، فعلم أنه خلق لا يتمالك '. # قوله تعالى: * (وخلق الجان من مارج من نار) أي: من لهب النار. ويقال: ~~خالص النار. وإن الجان هو أبو الجن. # وقوله: * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قد بينا معناه. وقال الحسن: الجان هو ~~PageV05P324 # * (رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي آلاء ربكما تكذبان (18) مرج ~~البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(21) * * إبليس. # وقوله: * (من مارج من نار) قد ذكرنا. وقال سعيد بن جبير: المارج: الخضرة ~~التي تكون بين النار وبين الدخان. ويقال: المارج نار مختلطة بسواد. وقال ~~الفراء في قوله: * (من نار): هي نار دون الحجاب، ومنها الصواعق التي يراها ~~الناس. # قوله تعالى: * (رب المشرقين ورب المغربين) معناه: مشرق الصيف، ومشرق ~~الشتاء. والذي قال في موضع آخر: * (رب المشرق والمغرب) هو مشرق كل يوم في ~~الصيف والشتاء. ويقال: المشرقان: الشمس والفجر، والمغربان: الشمس والشفق. # قوله تعالى: * (مرج البحرين يلتقيان) أي: خلاهما وأرسلهما، قاله الفراء ~~والزجاج وغيرهما، وعن بعضهم: مرج البحرين أي: لاقى بينهما. # وقوله: * (البحرين) فيه أقوال: قال مجاهد: بحر السماء والأرض. وقال ~~الحسن: بحر فارس والروم. ويقال: بحر المشرق والمغرب. ويقال: بحر الملح ~~والعذب. # وقوله: * (يلتقيان) أي: يلقي أحدهما صاحبه. # وقوله: * (بينهما برزخ لا يبغيان) أي حاجزه وقوله: لا يبغيان أي: لا ~~يخلتط أحدهما بالآخر، لا يختلط الملح بالعذب [فيفسده]، ولا العذب بالملح ~~فيختلج. ويقال: الحاجز حاجز من القدرة. # والآية وردت في موضع مخصوص من بحر فارس والروم. وقيل: في موضع مخصوص من ~~العذب والملح. والعذب هو النيل، والملح هو بحر الروم، يلتقيان ولا يختلطان. ~~PageV05P326 # * (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ربكما تكذبان (23) وله ~~الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) فبأي آلاء ربكما تكذبان (25)) * * ~~وقال بعضهم: الحاجز هو الأرض من بحر السماء وبحر الأرض. وعن بعضهم: أن ~~الحاجز هو جزيرة العرب. # قوله تعالى: * (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) وقرئ: ' يخرج ' و ms1697 ' يخرج ' ~~أي: يخرج الله. وأما اللؤلؤ، فهو الحب المعروف منه الصغار والكبار، وأما ~~المرجان، قال ابن مسعود: هو خرز أحمر. ويقال: إنه [البسد] جوهر معروف. وقال ~~قتادة وغيره: المرجان كبار اللؤلؤ، واللؤلؤ صغاره، وقيل على العكس: المرجان ~~صغار اللؤلؤ، واللؤلؤ كباره. فإن قيل: قد قال: * (يخرج منهما) وأجمع أهل ~~العلم بهذا الشأن أنه يخرج من الملح دون العذب. والجواب: أنه ذكرهما ~~والمراد أحدهما، كما تقول العرب: أكلت خبزا ولبنا، وإنما الأكل في أحدهما ~~دون الآخر. قال الزجاج: لما ذكر البحرين ثم ذكر اللؤلؤ والمرجان، وهو يخرج ~~من أحدهما، صحب الإضافة إليهما على لسان العرب. وذكر القفال الشاشي في ~~تفسيره: أن اللؤلؤ والمرجان لا يكون إلا في ملتقى البحرين في أول ما يخلق، ~~ثم حينئذ موضع الأصداف هو البحر الملح دون العذب، فصح قوله: * (يخرج منهما) ~~لأنهما في ابتداء عند ملتقى البحرين، وهذا قول حسن إن كان كذلك. وروى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس: أن السماء إذا أمطرت ارتفعت الأصداف إلى وجه البحر ~~وفتحت أفواهها، فما وقع من قطر السماء في أفواها يكون الدر. # قوله تعالى: * (وله الجوار المنشآت) وقرئ بكسر الشين، والأول أشهر؛ فمعنى ~~الكلمة على الفتح أي: المرفوعات الشرع، ويقال: المخلوقات. ومعنى الكلمة ~~بالكسر أي: المقيلات، ويقال: المبتدئات في السير، فعلى هذا المعنى إذا قرئ ~~بالفتح فمعناه: أبتدئ بهن في السير، ذكره الأزهري. والجواري: هي السفن. # وقوله: * (في البحر كالأعلام) أي: الجبال، قال الشاعر: PageV05P327 # * (كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (28) يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) ~~فبأي آلاء) * * (إذا قطعن علما بدا علم * وقالت الخنساء: # (وإن صخرا ليأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار) أي: جبل. ويقال: ~~كالأعلام أي: كالقصور. وعن بعضم: أن السفن في البحر كالجبال في البر. # قوله تعالى: * (كل من عليها فان) أي: كل من على الأرض هالك. # وقوله: * (ويبقى وجه ربك) أي: يبقى ربك، وروى الضحاك عن ابن عباس: أنه ~~يبقى ms1698 ما أريد به وجه ربك. # وقوله: * (ذو الجلال والإكرام) أي: الكبرياء والعظمة. وأما الإكرام: هو ~~ما أكرم أولياءه، وأصفياءه. # قوله تعالى: * (يسأله من في السماوات والأرض) في الآية أقوال: أحدها: ~~يسأله من في السماء الرحمة، ومن في الأرض الرزق والمغفرة. قال الكلبي: لا ~~يستغني عنه أحد من أهل السماء وأهل الأرض. وقال قتادة: يسأله أهل السماء ~~وأهل الأرض المغفرة. وعن بعضهم: يسأله من في السماء أي: الملائكة لأهل ~~الأرض المغفرة والرزق، ويسأله من في الأرض لأنفسهم المغفرة والرزق، وهذا ~~قول الحسن البصري. فالمسئول له في السؤالين أهل الأرض. والجملة أن معنى ~~الآية: أن كل أهل السماء وأهل الأرض يسألونه حوائجهم، ولا غنى لأحد عنه. # وقوله: * (كل يوم هو في شأن) روى أبو الدرداء عن النبي قال: ' يغفر ذنبا، ~~PageV05P328 # * (ربكما تكذبان (30) سنفرغ لكم أيها الثقلان (31) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (32) يا) * * ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين '. # وعن بعضهم: يعطي سائلا، ويجيب داعيا، ويفك عانيا. وعن بعضهم: يحيي ويميت، ~~ويعز ويذل، ويخلق ويرزق. وعن بعضهم: يعتق رقابا، ويعطي رغابا، ويفحم خطابا. # قوله تعالى: * (سنفرغ لكم أيها الثقلان) أي: الجن والإنس. # والثقل في كلام العرب: كل ما يتنافس فيه، ويسمون بيض النعامة ثقلا؛ لأنه ~~يتنافس فيها. وفي الخبر أن النبي قال: ' تركت فيكم الثقلين، كتاب الله ~~وعترتي '. وهو إخبار عن عظم قدرهما. فإن قيل: قد قال: * (سنفرغ) والفراغ لا ~~يكون إلا عن شغل، ولا يجوز الشغل على الله تعالى، فكيف معناه؟ # والجواب: أن هذا على طريق التهديد والوعيد، كالإنسان يقول لغيره: سأفرغ ~~لك، وإنه لم يكن في الحال في شغل. وقال الزجاج: والفراغ يكون على وجهين: ~~أحدهما: الفراغ من الشغل. والآخر: بمعنى القصد، كالرجل يقول لغيره: قد ~~تفرغت لأذاى ومكروهي أي أخذت في كروهى وأذاى ويقول الرجل لغيره اصبر حتى ~~أتفرغ PageV05P329 # * (معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ~~فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) فبأي آلاء ربكما تكذبان (34) يرسل ~~عليكما شواظ من نار) * * لك أي: أقصدك وأعمدك، فمعنى قوله: * (سنفرغ ms1699 لكم) ~~أي: سنقصد ونعمد بلمؤاخذة والمجازاة. # وأنشد المبرد في هذا المعنى قول جرير: # (لما اتقى القين العراقي [باسته] * فرغت إلى العبد المقيد في الحجل) قوله ~~تعالى: * (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض) أي: جوانب السماوات والأرض. # وقوله: * (أن تنفذوا) أي: تخرجوا. # وقوله: * (فانفذوا) أي: اخرجوا، وهذا على طريق التهديد. # وقوله: * (لا تنفذون إلا بسلطان) أي: حجة. ويقال: لا تنفذون إلا في ~~سلطان، والباء بمعنى في، حيثما كنتم فأنتم في سلطاني وملكي. واختلفوا أن ~~هذا القول متى يكون؟ فالأكثرون على أنه يوم القيامة يكون، وينزل الله تعالى ~~لملائكة حتى ينفذوا على أقطار السماوات والأرض، فإذا رأى الجن والإنس أهوال ~~القيامة هربوا، فتردم الملائكة. # وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: بينما يكون الناس في أسواقهم إذا رأوا ~~السماء قد تشققت، ونزلت الملائكة، فيهرب الناس، فتتبعهم الملائكة ويردونم ~~إلى أمر الله تعالى وهو الهلاك. وهذا قول غريب. ويقال: إن المراد هو الهرب ~~من الموت، يعني: إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض هربا من ~~الموت فانفذوا. # وقوله: * (لا تنفذون إلا بسلطان) يعني: حيث ما كنتم أدرككم. # قوله تعالى: * (يرسل عليكما شواظ من نار) أي: لهب من نار، قاله ابن عباس. ~~PageV05P330 # * (ونحاس فلا تنتصران (35) فبأي آلاء ربكما تكذبان (36) فإذا انشقت ~~السماء فكانت وردة كالدهان (37) فبأي آلاء ربكما تكذبان (38) فيومئذ لا ~~يسأل عن ذنبه) * * وقال مجاهد: قطعة من النار فيها خضرة. والمراد بالإرسال ~~هو إرسال العذاب. # وقوله: * (عليكما) منصرف إلى الجن والإنس. # وقوله: * (ونحاس) يقرأ بكسر السين وضمها، والنحاس من الدخان، وفي قول ~~الأكثرين، قال الشاعر: # (يضيء كضوء سراج السليطة * لم يجعل الله فيه نحاسا) وقال مجاهد: النحاس: ~~الصفر المذاب على رؤوس الكفار. # وقوله: * (فلا تنتصران) أي: لا تمتنعان، يقال: لا يكون لكما قوة دفع ~~العذاب. # قوله تعالى: * (فإذا انشقت السماء فكانت وردة) أي: حمراء. # وقوله: * (كالدهان) وقال ابن عباس: كالأديم الأحمر، وفي رواية أخرى عنه: ~~أن الوردة وردة النبات، وهي تكون حمراء في الأغلب، قال عبد ms1700 بني الحساس: # (فلو كنت وردا لونه [لعشقنني] * ولكن [ربي شانني] بسواديا) وذكر الفراء ~~والزجاج وغيرهما أن الوردة هاهنا: لون الفرس الورد، وهو الكميت. وذلك يتلون ~~في فصول السنة، فيكون أصفر في فصل، وأحمر في فصل، وأغر في فصل. والدهان جمع ~~الدهن، وهي مختلفة الألوان. فمعنى الآية: أن السماء يختلف لونها يوم ~~القيامة كاختلاف لون الورد، واختلاف لون الدهن. وقال تعالى في موضع آخر * ~~(يوم تكون السماء كالمهل) قالوا: هو دردي الزيت، أي: في اللون. # وقال بعضهم: يصير مثل الدهن الأصفر، وهذا كله من فزع القيامة وهولها. # قوله تعالى: * (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) أي: لا يسأل سؤال ~~PageV05P331 # * (إنس ولا جان (39) فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) يعرف المجرمون بسيماهم ~~فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) فبأي آلاء ربكما تكذبان (42) هذه جهنم التي ~~يكذب بها المجرمون (43) يطوفون بينها وبين حميم آن (44) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (45)) * * استعلام، وإنما يسأل سؤال تقريع وتوبيخ، ولا يقال لهم: هل ~~فعلتم؟ بل يقال لهم: لم فعلتم؟ # وعن بعضهم: أن معناه: لا يسأل بعضهم بعضا. وعن بعضهم: أن الملائكة لا ~~يسألون عن ذنوب بني آدم؛ لأنهم قد رفعوا الصحف، وأدوا الأمانة فيها. والقول ~~الأول هو الصحيح. # قوله تعالى: * (يعرف المجرمون بسيماهم) قال الحسن البصري وغيره: بسواد ~~الوجوه وزرقة العيون. # وقوله: * (فيؤخذ بالنواصي والأقدام) أي: يجرون بنواصيهم وأقدامهم إلى ~~النار، ويقال: يجمع بين نواصيهم وأقدامهم ويشد، ثم يلقى (في) النار. # قوله تعالى: * (هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون) يقال لهم هذا حين يرون ~~جهنم، وهذا على طريق التقريع والتوبيخ، يعني: ما أنكرتموه وجحدتموه فأبصروه ~~عيانا. # وقوله: * (يطوفون بينها وبين حميم آن) أي: يطاف بهم مرة إلى الحميم، ومرة ~~إلى الجحيم. # وقوله: * (آن) هو الحميم الذي انتهى حره. وقيل: آن أي: آن وحضر وقت ~~عذابهم به وشربهم إياه. # قوله تعالى: * (ولمن خاف مقام ربه جنتان) لما ذكر عذاب الكفار أتبع ذكر ~~نعيم المؤمنين. PageV05P332 # * (ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي ألاء ربكما تكذبان (47)) * * ~~وقوله: * (خاف مقام ربه) أي: قيامه بين يدي ربه ms1701 للسؤال والحساب، ويقال: هو ~~من قدر على الذنب فذكر ربه فخاف منه وتركه. وعن عطية بن قيس: ' أن الآية ~~وردت في الرجل الذي أوصى بنيه، وقال: إذا مت فأحرقوني واسحقوني وذروني في ~~الريح، لعلي أضل الله، ففعلوا، فأحياه الله تعالى وقال: لم فعلت ذلك؟ قال: ~~مخافتك، فغفر الله له '. وهذا خبر صحيح. # وعن الزبير أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهذا محكي عن ~~عطاء بن أبي رباح. قال الضحاك: شرب أبو بكر رضي الله عنه لبنا، ثم سأل عنه، ~~وكان من غير وجهه، فاستقاه، فأنزل الله هذه الآية. # وقوله: * (جنتان) أي: بستان. ويقال: بستان لمسكنه، وبستان لخدمه وحشمه. ~~ويقال: مسكن له، وبستان له. وعن بعضهم معناه: جنة عدن، وجنة النعيم، وهذا ~~قول حسن. وقال مجاهد في قوله: * (خاف مقام ربه) أي: هم بالمعصية فتركها ~~خوفا من الله تعالى. # وقال الفراء: الجنتان هاهنا بمعنى الجنة الواحدة، وقد ورد هذا في الشعر. # قال الشاعر: # (ومهمهمين فرقدين مرتين * وأراد به الواحدة. وقد أنكر عليه ذلك. وقيل: ~~هذا ترك الظاهر، وإنما الجنتان بستانان. وفي الخبر المشهور أن النبي قال: ' ~~جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ' رواه ~~أبو موسى. PageV05P333 # * (ذواتا أفنان (48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان ~~(50) فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة زوجان (52) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (53) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق) * * قوله تعالى: * ~~(ذواتا أفنان) فيه قولان: أحدهما أن معناه: ذواتا ألوان من الفاكهة، كأن ~~الأفنان بمعنى الفنون. والقول الثاني: أن الأفنان بمعنى الأغصان، وهو ~~الأظهر. قال عكرمة: ظل الأغصان على الحيطان. وأما الأول قاله الضحاك، وجمع ~~عطاء بين القولين فقال: على كل غصن ألوانه من الفواكه. # قوله تعالى: * (فيهما عينان تجريان) فقال: هما التسنيم والسلسبيل، وعن ~~بعضهم: تجريان بكل خير وبركة. # قوله تعالى: * (فيهما من كل فاكهة زوجان) أي: نوعان وصنفان، وهو الرطب من ~~الفواكه وما يشبهها، كالعنب والزبيب، والرطب والتمر، ونحو ذلك. وعن ابن ~~عباس: ليس مما ms1702 وصف في الجنة في الدنيا شيء إلا الأسماء. كأنه ذهب إلى أن ~~شيئا مما في الدنيا لا يماثل ما في الجنة. # قوله تعالى: * (متكئين على فرش بطائنها من إستبرق) قال الحسن البصري: ~~بطائنها أي: ظواهرها، تقول العرب: هذه بطن السماء، وهذه ظهرها، لما يرى من ~~السماء، وهذا القول ذكره الفراء أيضا، وأما سائر أهل التفسير قالوا: إن ~~المراد من البطائن حقيقة البطانة. والإستبرق: هو الديباج الغليظ، مثل ما ~~يعلق من الديباج على الكعبة. وقيل: إنها فارسية معربة من قولهم: إستبر. وعن ~~بعضهم: أنه مثل الحرير الصيني. قال أبو هريرة: هذه البواطن، فما ظنكم ~~بالظواهر، ومثله عن ابن مسعود. وعن سعيد بن جبير قال: ظواهرها نور يتلألأ. ~~وعن بعضهم: ظواهرها مما قال الله تعالى: * (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين). PageV05P334 # * (وجنى الجنتين دان (54) فبأي آلاء ربكما تكذبان (55) فيهن قاصرات الطرف ~~لم يطمثهن إنس ولا جان (56) فبأي آلاء ربكما تكذبان (57)) * * وقوله: * ~~(وجنى الجنتين دان) أي: ثمار الجنتين دانية، ومنه قول العرب: هذا جناي خيار ~~فيه، إذ كل جان يده إلى فيه، وهو يحكي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين ~~دخل بيت المال بالكوفة، ورأى ما فيه من الذهب ولبفضة فقال: يا صفراء، ويا ~~بيضاء غرا غيري، ثم قال: هذا جناي... إلى آخره. # وقوله: * (دان) أي: قريب المتناول. قال قتادة: لا يرده عنها بعد ولا شوك. ~~وقال غيره: يتناولها قائما وقاعدا ومضطجعا. # قوله تعالى: * (فيهن قاصرات الطرف) فإن قيل: كيف قال: * (فيهم) وإنما ذكر ~~الجنتين؟ # والجواب: قال بعضهم: إن الاثنين يذكران بلفظ الجمع، فيجوز أن يرد الكلام ~~إليهما بلفظ الجمع. والأصح أن قوله: * (فيهن) ينصرف إلى الفرش، ومعناه: ~~عليهن، مثل قوله: * (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي: على جذوع. # وقوله: * (قاصرات الطرف) أي: قصرن أطرافهن على أزواجهن لا يرون غيرهم، ~~وهذا أحسن خصلة من خصال النساء. قال ابن مسعود: لسن بمتبرجات، ولا ضماخات، ~~ولا دفرات. وقال بعضهم: لسن بمتشرغات، ولا بمتطلعات، ولا صياحات، ولا ~~صخابات. وقال الحسن: لسن ms1703 بالطوافات في الأسواق. # وقوله: * (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) أي: لم يمسسهن إنسي ولا جني. قال ~~الفراء: الطمث: هو الوطء بالتدمية، وهو الافتضاض. # قال الفرزدق: PageV05P335 # * (كأنهن الياقوت والمرجان (58) فبأي آلاء ربكما تكذبان (59) هل جزاء ~~الإحسان إلا الإحسان (60) فبأي آلاء ربكما تكذبان (61)) * * (رفعن إلي لم ~~يطمثن فبلي * وهن أصح من بيض النعام) وعن الحسن البصري: أن المراد من قوله: ~~* (فيهن قاصرات الطرف) هن المؤمنات من الآدميات. فعلى هذا قال بعضهم: يجوز ~~أن يطأ الجني الإنسية، واستدل بظاهر الآية. وأما الأكثرون أنكروا هذا، ~~وقالوا: معنى الآية: لم يطمثهن، الجنية جني، ولا الإنسية إنسي، وقوله: * ~~(فيهن قاصرات الطرف) يتناول الإنسيات والجنيات. فإن قال قائل: هل يقولون إن ~~الجن يدخلون الجنة، ويكون لهم أزواج مثل الإنس؟ # والجواب: أن العلماء اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يدخل الله المؤمنين منهم ~~الجنة كما يدخل الكافرين منهم النار، وهو قول ضمرة بن جندب وغيره. وقال ~~بعضهم: ليس لهم ثواب. قال ليث بن أبي سليم: مؤمنو الجن يحاجزون من النار ثم ~~يجعلون ترابا، وأما الكفار منهم يخلدون في النار. # وأما على الأول إذا حملنا الآية على الحور العين لا يرد شيء من هذه ~~الأسئلة. # قوله تعالى: * (كأنهن الياقوت والمرجان) أي في صفاء الياقوت وبياض ~~المرجان وقد بينا أن المرجان هو اللؤلؤ الصغار وقيل الكبار قوله تعالى: * ~~(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) معناه: هل جزاء الطاعة إلا الثواب. ويقال: ~~هل جزاء من قال لا إله إلا الله إلا الجنة. وفي رواية ابن عمر عن النبي أنه ~~قال حاكيا عن الله تعالى: ' جزاء ما أنعمت عليه بالتوحيد إلا أن أدخلته ~~جنتي '. وقيل: الآية على الجملة، ومعناها: هل جزاء من أحسن إلا أن يحسن ~~إليه. وعن بعضهم: أنه يحتمل أن معنى الآية: هل جزاء إحسان الله إليكم إلا ~~أن تحسنوا بالطاعة. PageV05P336 # * (ومن دونهما جنتان (62) فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) فيهما عينان نضاختان (66) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (67) فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) فبأي آلاء ربكما تكذبان (69)) * * ~~قوله تعالى: * (ومن دونهما ms1704 جنتان) أي: من دون الجنتين جنتان، فيقال: ~~الجنتان، فيقال: الجنتان المذكورتان أولا للمقربين، والمذكورتان آخرا ~~لأصحاب اليمين، ويقال: المذكورتان أولا للسابقين، والمذكورتان آخرا ~~للتابعين. واختلف القول في قوله: * (ومن دونهما جنتان) قال بعضهم معناه: أن ~~الجنتين المذكورتين آخرا دون الجنتين المذكورتين أولا في النعيم والكرامة. ~~وقال بعضهم: هو مأخوذ من الدنو على معنى القرب، كأن هاتين الجنتين أقرب إلى ~~المؤمن يعني: إلى مسكنه ومنزله من الجنتين الأولتين. فإن قال قائل: أي ~~كرامة في ذكر الجنتين، وهنا ذكر جنة واحدة؟ # والجواب: أن التنقل من بستان إلى بستان من الاستلذاذ والتنعم ما لا يخفى، ~~فذكر الجنتين للزيادة والكرامة والنعمة. # قوله تعالى: * (مدهامتان) أي: خضراوتان من الري. قال مجاهد: مسودتان من ~~شدة الخضرة، وهذا قول صحيح؛ لأنه ما من أخضر إلا واشتدت خضرته يضرب إلى ~~السواد، والعرب كانت تسمى قرى العراق سوادا لشدة خضرتها، وكثرة أشجارها. # قوله تعالى: * (فيهما عينان نضاختان) أي: فوارتان، والنضخ فوق النضح ودون ~~الجري. ويقال: نضاختان بالعنبر والمسك. # قوله تعالى: * (فيهما فاكهة ونخل ورمان) حكي عن ابن عباس أنه قال: الرمان ~~ليس من الفاكهة، وكذلك الرطب؛ لأنهما أفردا بالذكر عن الفاكهة، وذكر الفراء ~~هذا أيضا. و [هذا] عن ابن عباس قول غريب، والأكثرون على أن الجميع فاكهة؛ ~~لأن الفاكهة ما يتفكه به، والإفراد بالذكر للتنبيه على نوع فضل، لا أنه ليس ~~من الفاكهة، وهو مثل قوله تعالى: * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) ~~ومثل قوله PageV05P337 # * (فيهن خيرات حسان (70) فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) حور مقصورات في ~~الخيام (72) فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) ~~فبأي آلاء) * * تعالى: * (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال). # والرمان نوع فاكهة يمص ويرمى بثفله. وعن الحسن البصري قال: لو قال رجل ~~لامرأته: إن أكلت فاكهة فأنت طالق، فأكلت الرمان أو الرطب وقع الطلاق. وهذا ~~قول أكثر أهل العلم وهو المختار وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يقع الطلاق ~~قال سعيد بن جبير: نخل الجنة جذوعها من ذهب، وأغلافها من ذهب، ms1705 وكرانيفها من ~~زمرد، وسعفها كسوة أهل الجنة، وثمرها كالدلاء، أحلى من كل شيء، وألين من كل ~~شيء. # قوله تعالى: * (فيهن خيرات حسان) قرئ في الشاذ: ' خيرات حسان ' وهما ~~بمعنى واحد، مثل: هين وهين، وليل ولين. ومعنى الآية: خيرات الأخلاق، حسان ~~الوجوه. # قوله تعالى: * (حور مقصورات في الخيام) أي: محبوسات، وليس هذا الحبس ~~إهانة، إنما هو حبس الكرامة، قال عمر رضي الله عنه الخيمة مجوفة. وعن ابن ~~مسعود قال: كل خيمة لها أربعة أبواب، يدخل عليه من كل يوم هدية جديدة من ~~الله تعالى. وعن ابن عباس: الخيمة فرسخ في فرسخ من درة واحدة، لها أربعة ~~آلاف مصراع من ذهب. وقال بعضهم: الخيمة بمعنى القبة، وهي قباب العرب التي ~~كانوا يسكنونها في البادية، فذكر لهم مثل ما كانوا يستلذونها ويستطيبونها، ~~وقد كانوا يستطيبون السكنى في الخيام في البوادي، وقد قيل: إن هذه الخيام ~~خارج الجنة كالبوادي للحاضرة. # وقوله: * (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) قد بينا. # قوله تعالى: * (متكئين على رفرف) قال الفراء: هو رياض الجنة. وقال أبو ~~عبيدة: PageV05P338 # * (ربكما تكذبان (75) متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (77) تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78)) * * فرش الجنة. ~~وعن ابن مسعود في قوله: * (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) أي: رفرفا أخضر قد ~~سد الأفق، وهو البساط. وعلى الجملة: الرفرف كل فرش يرتفع، مأخوذ من الرف، ~~وهو المرتفع في الجدار. # وقوله: * (وعبقري حسان) وقرئ في الشاذ: ' عباقري حسان ' قال الحسن ~~البصري: عبقري حسان هو الوسائد. # وقال أبو عبيدة: الطنافس، وعن بعضهم: الزرابي، وعبقري: قرية باليمن ينسج ~~بها الوشي، وهم ينسبون إليها كل شيء حسن. وفي ' كتاب الغريبين ': أن عبقر ~~قرية يسكنها الجن، والعرب ينسبون كل شيء فائق إليها، قال الشاعر: # (بخيل عليها جنة عبقرية * جديرون يوما أن ينالوا ويستعلوا) وقد ذكر بعضهم ~~أن العبقري هاهنا: هو الوشي. قال مجاهد: هو الديباج. وعن بعضهم: هو الديباج ~~الذي عمل فيه بالذهب. وأما الخبر الذي روي عن النبي أنه قال في عمر: ' فلم ms1706 ~~أر عبقريا يفري فرية '. معناه: فلم أر سيد قوم وجليلهم يعمل عمله. # قوله تعالى: * (تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام) وفرئ: ' ذي الجلال ~~والإكرام ' معناه: ذو العظمة والمهابة. ويقال: ذو الجلال والإكرام أي: يجل ~~المؤمنين ويكرمهم، والقول الأول أولى؛ لأنه ينصرف إلى عظمة الله وعلو شأنه. ~~PageV05P339 # وقوله: * (ذو الجلال) ينصرف إلى الاسم، وقوله: * (ذي الجلال) ينصرف إلى ~~الرب، والاسم والمسماة واحد عند أكثر أهل السنة. وقد روي عن النبي أنه قال: ~~' ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام ' أي: الزموا وداموا عليه. # فإن قال قائل: ما معنى تكرير قوله: * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) في هذه ~~السورة؟ وكان يوقف على المعنى بالمرة الواحدة؟ # والجواب: أن القرآن نزل على لسان العرب على ما كانوا يعتادونه ويتعارفونه ~~في كلامهم، ومن عادتهم أنهم إذا ذكروا النعم على إنسان، يكررون التنبيه على ~~الشكر أو ذكر التوبيخ عند عدم الشكر، والله تعالى عد النعم في هذه السورة، ~~وذكر عند كل نعمة هذه الكلمة؛ لئلا ينسوا شكرها، ويعرفوا إحسان الله عليهم، ~~ويجددوا الحمد عليها. تمت السورة. PageV05P340 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) ~~خافضة رافعة (3) إذا رجت) * * تفسير سورة الواقعة وهي مكية، وعن مسروق أنه ~~قال: من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة وأهل النار، ~~ونبأ الدنيا والآخرة، فليقرأ سورة الواقعة. والله أعلم. # قوله تعالى: * (إذا وقعت الواقعة) معناه: إذا كانت القيامة، وهذا قول ~~عامة المفسرين. وسميت القيامة واقعة؛ لأنه لا بد من وقوعها. والعرب تسمي كل ~~متوقع لا بد منه واقعا، وقال الضحاك: الواقعة هاهنا هي الصيحة لموت ~~الخلائق. وقيل: سميت القيامة واقعة؛ لكثرة ما يقع فيها من الشدة. وعن ~~بعضهم: لأنها تقع على غفلة من الناس. فإن قيل: أين جواب قوله: * (إذا)؟ ولا ~~بد لهذه الكلمة من جواب، والجواب: أن جوابه قوله: * (فأصحاب الميمنة). # وقوله: * (ليس لوقعتها كاذبة) قال قتادة: ليس مثنوية ولا رد ولا رجعة. ~~ويقال معناه: هي صدق ولا كذب فيها. وقيل: ليس لوقوعها من نفس كاذبة، حكي ~~هذا ms1707 عن سفيان، ومعناه: ليس عند وقوعها مكذب بها. # وقوله: * (خافضة رافعة) قال ابن عباس: تخفض أقواما، وترفع آخرين، وعنه في ~~رواية أخرى: تخفض أقواما ارتفعوا، وترفع أقواما خفضوا في الدنيا. وعن ~~السدى: ترفع أقواما في الجنة، وتخفض أقواما في النار. ومعنى هذا: تخفض أهل ~~المعصية بإيجاب النار لهم، وترفع أهل الطاعة بإيجاب الجنة لهم. قال ابن ~~جريج: خافضة رافعة بالحسنات والسيئات. # قوله تعالى: * (إذا رجت الأرض رجا) قال المبرد: الرجة حركة يسمع منها ~~صوت، PageV05P341 # * (الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) وكنتم أزواجا ~~ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب المشأمة ما) * * وهي ~~أكثر من الصيحة. فعلى هذا معنى الآية: حركت الأرض بمن فيها، وهو في معنى ~~قوله تعالى: * (إذا زلزلت الأرض زلزالها). # وقوله: * (وبست الجبال بسا) قال ابن عباس: فتتت فتا. وعن الحسن البصري: ~~قلعت من أصلها. وقال السدى: كسرت كسرا. قال مجاهد: بست كما يبس السويق أي: ~~دقت، والبسيسة هي الدقيق، والسويق يلت ويتخذ منه الزاد. وقال قتادة: بست ~~أي: جعلت كبيس الشجرة تذروه الرياح، وقال الشاعر في البس بمعنى اللت: # (لا تخبزا خبزا وبسا بسا * أورده النحاس. وقال بعضهم: بست أي: سيرت، ومنه ~~قوله عليه السلام: ' يخرج من المدينة قوم يبسون والمدينة خير لهم ' أي: ~~يسيرون. # وقوله: * (فكانت هباء منبثا) قال علي رضي الله عنه هو ما سطع من سنابك ~~الخيل من المرضح والغبار، ثم يذهب. # وعن بعضهم: إن الهباء المنبث هو الذي يرى في الكوة من ضوء الشمس كالعمود ~~الممدود. # والأصح هو الأول هو الهباء المنبث. وعن بعضهم: أن الهباء المنبث هو ~~الرماد. # وقوله: * (وكنتم أزواجا ثلاثة) أي: أصنافا ثلاثة. # قوله تعالى: * (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب ~~المشأمة) قال يزيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من الشق الأيمن من آدم عليه ~~السلام، PageV05P342 # * (أصحاب المشأمة (9) والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) في) * ~~* وأصحاب المشأمة هم الذين أخذوا من الشق الأيسر. وعن محمد بن كعب القرظي ~~قال: أصحاب الميمنة هم الذين يعطون الكتاب بإيمالهم. وأصحاب ms1708 المشأمة هم ~~الذين يعطون الكتاب بشمالهم وقال السدى: أصحاب الميمنة: جمهور أهل الجنة، ~~وأصحاب المشأمة: جمهور أهل النار. ويقال: أصحاب الميمنة هم الميامين على ~~أنفسهم، وأصحاب المشأمة هم المشائيم على أنفسهم. والعرب تسمي الجانب الأيسر ~~الجانب الأشأم، وتسمي اليسار الشؤمى، واليمين اليمنى. # وقوله: * (ما أصحاب الميمنة) و * (ما أصحاب المشأمة) هذا في كلام العرب ~~للتعجيب، وهو في كلام الله مع عباده للتنبيه على عظم شأن الأمر. # وقوله: * (والسابقون السابقون) قال كعب: هم الأنبياء عليهم السلام. وعن ~~بعضهم: هو كل من صلى إلى القبلتين. وعن ابن عباس في بعض الروايات: مؤمن آل ~~فرعون سبق إلى موسى، ومؤمن آل ياسين سبق إلى عيسى، وعلي سبق إلى محمد ~~بالإيمان، أورده أبو الحسين بن فارس. ويقال: السابقون هم المبادرون إلى ~~الطاعات. # وقوله: * (السابقون) تقدير الآية: والسابقون إلى الخيرات والطاعات هم ~~السابقون في الدرجات. وقيل: هو على طريق التأكيد. # وقوله: * (أولئك المقربون) أي: المقربون من المنزلة والكرامة والوصول إلي ~~رضا الله تعالى. وذكر في موضع آخر أصنافا ثلاثة فقال: * (ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات) فذهب بعض أهل التفسير إلى أن الأصناف المذكورين في سورة الواقعة ~~[كلهم] من المؤمنين مثل الأصناف المذكورين في تلك السورة، وأن أصحاب ~~المشأمة هم PageV05P343 # * (جنات النعيم (12) ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14)) * * ~~الظالمون لأنفسهم، وأصحاب الميمنة هم المقتصدون، والسابقون هم السابقون ~~بالخيرات. والقول الأول هو الأصح، وأن أصحاب المشأمة هم الكفار؛ ولأن الله ~~تعالى قال بعده: * (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم) ووصفهم ~~بالكفر على ما سيأتي. # وقوله: * (في جنات النعيم) ذكر النقاش في تفسيره عن النبي في وصف جنة ~~النعيم: ' أن لبنة منها فضة، ولبنة ذهب، وطينها المسك، وترابها الزعفران، ~~وحصباءها الدر والياقوت '. # قوله: * (ثلة من الأولين) أي: جماعة من الأولين، ولفظ الثلة مأخوذ من ~~الثل وهو القطع. # وقوله: * (وقليل من الآخرين) اختلف أهل التفسير فيه على القولين: أحدهما: ~~أن المراد من الأولين هم أتباع الأنبياء المتقدمين قبل ms1709 نبينا محمد. # وقوله: * (وقليل من الآخرين) هم من أمة محمد. # والقول الثاني: أنهما جميعا من هذه الأمة، وقد روي هذا في خبر مرفوع، وهو ~~قول الحسن وابن سيرين. فإن قيل على القول الأول: كيف يستقيم هذا، وأتباع ~~الرسول من المؤمنين أكثر من أتباع الأنبياء؟ والجواب: أن المراد من الأولين ~~هو من رأى جمع الأنبياء وآمن بهم، ومن الآخرين من رأى محمدا وآمن به، وعلى ~~القطع PageV05P344 # * (على سرر موضونة (15)) * * يعلم أن أولئك ممن رأى نبينا وآمن به، فإن ~~الله تعالى قال في يونس عليه السلام: * (وأرسلنا إلى مائة ألف أو يزيدون) ~~هذا في نبي واحد، فكيف في جميع الأنبياء؟ وإنما كثرت هذا الأمة بعد وفاة ~~الرسول، وقد روي ' أنه لما نزلت هذا الآية حزن أصحاب رسول الله حزنا شديدا ~~لقوله: * (وقليل من الآخرين) فقال النبي: ' إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل ~~الجنة، بل ثلث أهل الجنة، بل نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني '. ~~وفي بعض الأخبار: أن أهل الجنة مائة وعشرون صفا، ثمانون من هذه الأمة '. # قوله تعالى: * (على سرر) فالسرر جمع سرير. وفي بعض الأخبار: أن ارتفاعه ~~سبعون ذراعا، وقيل: أكثر من ذلك، والله أعلم. # وقوله: * (موضونة) أي: مرمولة بقضبان الذهب. وقيل: مشبكة منسوجة بالدر ~~والياقوت. والوضين في كلام العرب هو الحزام الذي يشد به بطن الدابة، سمي ~~وضينا لنسجه وإدخاله بعضه في بعض، قال الشاعر: # (إليك تعدو قلقا وضينها * معترضا في بطنها جنينها) (مخالفا دين النصارى ~~دينها * PageV05P345 # * (متكئين عليها متقابلين (16) يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب ~~وأباريق وكأس من معين (18) لا يصدعون عنها) * * وقال آخر: # (ومن نسج داود موضونة * تساق مع الحي عيرا فعيرا) والسرير المرمول أوطأ ~~من السرير الذي هو غير مرمول. وقيل: موضونة أي: مصفوفة. # وقوله: * (متكئين عليها) الاتكاء هو الاستناد على طريق التنعم. # وقوله: * (عليها متقابلين) هو مثل قوله: * (إخوانا على سرر متقابلين) أي: ~~لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، ووجوههم إلى وجوه إخوانهم. # قوله تعالى: * (يطوف عليهم ولدان مخلدون) أي: غلمان. # وقوله: * (مخلدون) أي: لا ms1710 يموتون. وقيل: مخلدون مسرورون. وقيل: مقرطون، ~~قال الشاعر: # (ومخلدات باللجين كأنما * أعجازهن [أقاوز] الكثبان) وقوله: * (بأكواب) ~~قال أبو عبيدة: الأكواب هي الأواني المستديرة الرؤوس، وليست لها خراطيم، ~~والأباريق التي لها خراطيم. وفي الخبر في وصف الكوثر أكاويبه عدد نجوم ~~السماء. # وقوله: * (وكأس من معين) في التفسير: أن العرب لا تسمى الإناء كأسا حتى ~~يكون فيه الخمر. # قوله تعالى: * (معين) أي: خمر جار. ويقال: إن خمر أهل الجنة تكون بيضاء، ~~وقيل: حمراء، والله أعلم. PageV05P346 # * (ولا ينزفون (19) وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) ~~وحور عين (22) كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) جزاء بما كانوا يعملون (24) لا ~~يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) إلا قليلا سلاما سلاما (26)) * * وقوله: ~~* (لا يصدعون عنها) أي: لا يلحقهم من شربها صداع مثل ما يصيب شارب الخمر في ~~الدنيا. # وقوله: * (ولا ينزفون) أي: ولا تذهب عقولهم. وقيل: لا يسكرون. وقيل: لا ~~تتغير ألوانهم، وقيل: لا يقيئون مثل ما يقئ شارب الخمر في الدنيا. وفي ~~اللغة يسمى ذاهب اللون منزوفا، وذاهب العقل نزيفا، وكذلك العطشان، قال ~~الشاعر: # (فلثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج) وقرأ ابن مسعود: ~~' ولا ينزفون ' بكسر الزاي، ومعناه: لا تفنى خمرهم. # قوله تعالى: * (وفاكهة مما يتخيرون) أي: يختارون. # وقوله تعالى: * (ولحم طير مما يشتهون) أي: يريدون. # وقوله: * (وحور عين) بالرفع فيهما، وقرئ بالكسر فيهما، وقرئ بالفتح فيهما ~~في الشاذ، فعلى الرفع معناه: ولهم حور عين، وعلى الكسر معناه: ويطاف عليهم ~~بحور عين، وعلى النصب معناه: ويعطون حورا عينا. والمشهور بالرفع والخفض، ~~وسميت الحور حورا؛ لبياضهن وشدة سواد أعينهن، وقيل: سمين حورا؛ لأن الطرف ~~يحار فيهن. # وقوله: * (عين) أي: حسان الأعين، وهو ما ذكرنا من بياض البشرة وسواد ~~الحدقة. # وقوله: * (كأمثال اللؤلؤ المكنون) أي: اللؤلؤ المكنون في أصدافه لم تنله ~~يد. # وقوله: * (جزاء بما كانوا يعملون) أي: ثوابا لهم لعملهم. # قوله تعالى: * (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما) أي: كلاما باطلا، وكلاما ~~يأثم به قائله، واللغو كل ما يلغى. # وقوله: * (إلا قليلا سلاما سلاما) معناه: إلا قولهم ms1711 السلام بعد السلام، ~~والتحية بعد PageV05P347 # ((29) * وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ~~ولا) * * في موضع آخر: * (لها طلع نضيد) وقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري ~~وابن عباس والحسن وغيرهم: هو الموز. # قوله: * (منضود) أي: متراكم بعضه على بعض، وذكر النحاس أن العرب تقول: ~~عسى يا فلان تطلح، أي: بنعمة، قال الشاعر: # (كم رأينا من أناس هلكوا * ورأينا المرء عمرا بطلح) أي: بنعمة. ويقال: إن ~~الطلح هاهنا هو شجر العضاه، وهو أكثر شجر العرب، وله منظر حسن. وروي أن ~~أصحاب رسول الله ورضي الله عنهم لما ذهبوا إلى الطائف أعجبهم طلح وج، فذكر ~~الله تعالى أن لهم في الجنة طلحا. فإن قال قائل: كيف يكون لهم في الجنة ~~شجرة شوك؟: قلنا: لا يكون ثم شوك، إلا أنه شجر يشبه الطلح في الكبر وحسن ~~المنظر، ويجوز أن يكون في الجنة شجرا؛ لأكل الثمر منه، وشجر يحسن النظر ~~إليه، والأصح أنه الموز. # وقوله تعالى: * (منضود) قالوا معناه: أن ثمره وورقه من أوله إلى آخره ~~ليست لها ساق بارزة. # وقوله: * (وظل ممدود) قال الحسن: لا ينقطع. وعن يحيى بن أبي كثير: أن ~~ساعات الجنة تشبه الغداة الباردة في الصيف. ويقال: إنها مثل سجسج ليس فيه ~~حر ولا برد. وقد ثبت أن النبي قال: ' إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها ~~مائة عام لا يقطعه، واقرءوا إن شئتم: * (وظل ممدود) '. # وقوله: * (وماء مسكوب) أي: مصبوب، ومعناه: أنه ينصب إليهم من العلو. قال ~~الحسن: مسكوب أي: جار لا ينقطع أبدا. # وقوله تعالى: * (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة) قال الزجاج: لا ~~مقطوعة PageV05P349 # * (ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) إنا أنشأناهن إنشاء (35)) أي: لا يكون ~~في حين دون حين، ولا ممنوعة أي: لا يخطر عليها كما يخطر على البساتين في ~~الدنيا، وقيل: لا مقطوعة: لا ينقطع أبدا، والمعنى على هذا أنها إذا جنيت ~~ظهر مكانها في الحال مثلها أو خير منها. # وقوله: * (ولا ممنوعة) أي: لا يمنع الأخذ منها، وقيل: لا يمنع الأخذ بعد ~~ولا شوك. وعن ابن ms1712 شوذب قال: رأيت الحجاج بن فرافصة واقفا في سوق الفاكهة ~~بالبصرة، فقلت: ما تصنع هاهنا؟ فقال: أنظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة. # وقوله تعالى: * (وفرش مرفوعة) أي: عالية، ويقال: بعضها فوق بعض. وروى أبو ~~سعيد الخدري أن النبي قال: ' ارتفاعها ما بين السماء والأرض، ومسيرة ما ~~بينهما خمسمائة عام '. وذكر أبو عيسى الترمذي هذا الحديث في كتابه، وقال: ~~هو غريب. وذهب جماعة من التابعين أن الفرش المرفوعة هاهنا هي النساء، ~~والعرب تسمي المرأة فراش الرجل ولحافه. وسماهن مرفوعة؛ لأنهن رفعن بالفضل ~~والجمال والكمال. والعرب تسمي كل فاضل رفيعا. ويقال: سماهن فرشا؛ لأنهن على ~~الفرش، فكنى بالفرش عنهن. # قوله تعالى: * (إنا أنشأناهن إنشاء) فيه قولان: لأنهن الحور، ومعنى ~~الإنشاء فيهن أن الله تعالى يجعل الصبايا والعجز على سن واحدة في الصورة ~~والشباب. وعن بعض التابعين أنه قال في هذه الآية: هن العجز الرمص العمش. ~~وفي بعض الروايات عن النبي أنه قال: ' تفضل المرأة الصالحة في الحسن على ~~الحور PageV05P350 # * (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل من يحموم ~~(43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45)) * * الآية: * ~~(ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) وقال: ' الثلتان من أمتي '. فعلى هذا ~~الثلة الأولى هم الذين عاينوا النبي وآمنوا به، والثلة الثانية هم الذين ~~آمنوا به ولم يروه. # فإن قيل: كيف وجه الجمع بين هذه الآية وبين الآية التي تقدمت، وهي قوله: ~~* (وقليل من الآخرين) والجواب: قد روينا أن تلك الآية لما نزلت حزن أصحاب ~~رسول الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذكرنا معنى القليل، وهم من عاين ~~النبي واتبعه، فعلى هذا معنى الثلة هاهنا جميع من اتبعه، عاينه أو لم ~~يعاينه. # قوله تعالى: * (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال) فقد ذكرنا معناه. # قوله: * (في سموم) هي الريح الحارة. وقيل: إنه اسم جهنم. # وقوله: * (وحميم) أي: الماء الذي انتهى حره. وفي التفسير: أنه يخرج من ~~صخرة في جهنم. وفي التفسير أيضا عن ابن مسعود: أن أنهار الجنة تخرج من جبل ~~من الكافور في الجنة. ms1713 # وقوله: * (وظل من يحموم) أي: دخان أسود يغشي أهل النار، ويصيبهم من حره ~~ما يغلي دماغهم. وعن بعضهم: أن اليحموم اسم من أسماء جهنم. وعن (ابن ~~البريدة): أن اليحموم جبل في النار يظل أهل النار مدة أن يستظلوا بظله، ~~فيؤذن لهم بعد مدة، فيصيبهم من حره ما يستغيثون منه، ويكون ذلك أشد عليهم ~~مما كانوا فيه. # وقوله: * (لا بارد ولا كريم) أي: لا بارد المدخل، ولا كريم المنظر. قال ~~الفراء: العرب تجعل الكريم تابعا في كل ما يبقى عنه، وصف يراد به الذم. ~~يقول: هذه الدار ليست بواسعة ولا كريمة، وهذا الفرس ليس بجواد ولا كريم. ~~PageV05P352 # * (وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون (47) أو آباؤنا الأولون (48) قل إن الأولين ~~والآخرين (49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) ثم إنكم أيها الضالون ~~المكذبون (51) لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالئون منها البطون (53) ~~فشاربون عليه من) * * قوله تعالى: * (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين) أي: ~~منعمين، والترفة: النعمة. وفي بعض الأخبار: أن عباد الله ليسوا بالمتنعمين. ~~والمعنى: التوسع في الحرم وما لا يحل؛ لأن التوسع في الحلال والتنعم منه ~~جائز، ولا يستحق عليه عقوبة. # وقوله: * (وكانوا يصرون على الحنث العظيم) قال مجاهد وقتادة: الشرك. ~~ويقال: هو الإثم العظيم. ويقال للصبي إذا بلغ: قد بلغ الحنث أي: بلغ زمان ~~الإثم. وعن علي رضي الله عنه قال: الحنث العظيم: اليمين الفاجرة. وعن ~~الشعبي: هو اليمين الغموس. # وقوله تعالى: * (يصرون) أي: يقيمون عليه إلى أن ماتوا. # وقوله: * (وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون) أي: ~~بعث القيامة، قالوا ذلك على طريق الإنكار. # وقوله: * (أو آباؤنا الأولون) أي: أو يبعث آباؤنا الأولون بعد أن صاروا ~~ترابا ورمما. # قوله تعالى: * (قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم) ~~وهو يوم القيامة. # وقوله: * (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم) والزقوم ~~كل طعام يصعب على الإنسان أكله ويشق عليهم، وقد بينا معناه من قبل. # وقوله: * (فمالئون منها البطون) قال ms1714 أهل اللغة: الشجر يؤنث ويذكر، وذكره ~~علي بن عيسى. PageV05P353 # * (الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) هذا نزلهم يوم الدين (56) نحن ~~خلقناكم فلولا تصدقون (57) أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت) * * وقوله: * (فشاربون عليه من ~~الحميم) قال ذلك لأن من أكل شيئا و [وغص] منه عطش وشرب. # وقوله: * (فشاربون شرب الهيم) قال ابن عباس: الإبل العطاش. وعند أهل ~~اللغة أن الهيم داء يصيب الإبل، فتعطش، ولا تروى أبدا حتى لا تزال تشرب ~~فتهلك. # ويقال: شرب الهيم: الرمل كلما يصب عليه الماء لم يظهر عليه ويشربه. # وقوله: * (هذا نزلهم يوم الدين) أي: رزقهم وعطاؤهم. فإن قيل: النزل إنما ~~يستعمل في الإكرام والإحسان، والجواب: أنه لما جعل هذا في موضع النزل لأهل ~~الجنة سماه نزلا، وهو كما أنه سمى عقوبتهم ثوابا، ووعيدهم بشارة، والمعنى ~~فيه ما بينا. # وقوله: * (نحن خلقناكم فلولا تصدقون) أي: هلا تصدقون مع ظهور هذه الدلائل ~~أي: صدقوا. # قوله تعالى: * (أفرأيتم ما تمنون) الإمناء: إلقاء المنى. # وقوله: * (أأنتم تخلقونه) أي: تخلقون منه الإنسان. # وقوله: * (أم نحن الخالقون) أي: بل نحن الخالقون. قال الأزهري في هذه ~~الآية: إن الله تعالى احتج عليهم بأبلغ دليل في البعث والإحياء بعد الموت ~~في هذه الآية، وذلك لأن المنى الذي يسقط من الإنسان ميت، ثم يخلق الله منه ~~شخصا حيا، وقد كانوا مقرين أن الله خلقهم من النطف، وكانوا منكرين للإحياء ~~بعد الموت، فألزمهم أنهم لما أقروا بخلق حي من نطفة ميتة يلزمهم أن يقروا ~~بإعادة الحياة في ميت. ومعنى الآية: كما أقررتم بذلك فأقروا بهذا. ~~PageV05P354 # * (وما نحن بمسبوقين (60) على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ~~(61) ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62) أفرأيتم ما تحرثون (63) ~~أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون ~~(65) إنا) * * قوله تعالى: * (نحن قدرنا بينكم الموت) يعني: إنا نميتكم أي: ~~لو كنا نعجز عن إحيائكم بعد الموت لعجزنا عن إماتتكم بإخراج أنفسكم. # وقوله تعالى: * (وما نحن بمسبوقين) أي: بمغلوبين. قال الفراء معناه: إذا ms1715 ~~أردنا أن نعيدكم لم يسبقنا سابق، ولم يفتنا شيء. ويقال: لو أراد غيرنا أن ~~يفعل مثل فعلنا لعجز عنه، تقول العرب: ما أسبق في هذا الفعل أي: لا يفعل ~~مثل فعلي أحد. # وقوله: * (على أن نبدل أمثالكم) أي: لو شئنا أن نميتكم ونخلق أمثالكم ~~لقدرنا عليه. # وقوله: * (وننشئكم فيما لا تعلمون) من الهيئة والصورة أي: لو شئنا فعلنا ~~ذلك. ويقال: أن نجعلكم في صورة القردة والحنازير. ويقال: ننشئكم من مكان لا ~~تعلمون أي: في عالم لا تعلمونه. # قوله تعالى: * (ولقد علمتم النشأة الأولى) أي: الخلق الأول، استدل عليهم ~~بالنشأة الأولى على النشأة الثانية. # وقوله تعالى * (فلولا تذكرون) أي: هلا تتعظون وتعتبرون. # وقوله تعالى: * (أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) أي: ~~تنبتونه. يقال للولد: زرعه الله أي: أنبته الله. # قوله: * (أم نحن الزارعون) أي: نحن المنبتون. # وقوله: * (لو نشاء لجعلناه حطاما) أي: يابسا يتفتت وينكسر لا شيء فيه. # وقوله: * (فظلتم تفكهون) أي: تتعجبون. ويقال: تندمون وتتحسرون. ~~PageV05P355 # * (لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) ~~أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (69) لو نشاء جعلنا أجاجا) * * ~~وقوله: * (إنا لمغرمون) أي: معذبون. قاله مجاهد. وقال قتادة: ملقون بالشر، ~~وعن بعضهم: أنه من الغرام، وهو الهلاك. وقيل: من الغرم؛ لأنهم غرموا ولم ~~يصيبوا شيئا. # وقوله: * (بل نحن محرمون) أي: حرمنا الجد، ولم نصل إلى ما كنا نأمله ~~ونرجوه. وعن تغلب: أن المغرم هو المولع، يقال: فلان مغرم أي: مولع به، فعلى ~~هذا معنى قوله: * (إنا لمغرمون) أي: ولع بنا المصيبة والحرمان. ويقال: إنا ~~لمغرمون أي: غرمنا كما غرمنا ولم نصب شيئا، وقال الشاعر في الغرم بمعنى ~~العذاب: # (ويوم النيار ويوم الجفا * ركانا عذابا فكانا غراما) قوله تعالى: * ~~(أفرأيتم) هذا مذكور للتنبيه على ما فيه من الدليل. # وقوله: * (الماء الذي تشربون) معلوم. # وقوله: * (أأنتم أنزلتموه من المزن) أي: من السحاب. قال نفطويه: المزن هو ~~السحاب الملآن من الماء، قال جرير: # (كأنها مزنة غراء رائحة أو * درة لا يواري لونها الصدف) وقوله: * (أم نحن ms1716 ~~المنزلون) أي: نحن أنزلنا الماء من المزن، ولم تنزلوه أنتم، ينبههم بذلك ~~على عظيم قدرته. # قوله تعالى: * (لو نشاء جعلناه أجاجا) أي: مرا شديد المرارة. وقيل: ملحا ~~شديد الملوحة. يقال: أج الماء تأج إذا ملح. والمعنى: أنا لو نشاء جعلناه ~~أجاجا بحيث لا يمكن شربه، ينبههم بذلك على الشكر. وفي بعض الأخبار: أن ~~النبي كان إذا PageV05P356 # * (فلولا تشكرون (70) أفرأيتم النار التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها ~~أم نحن المنشئون (72) نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (73)) * * شرب قال: ~~' الحمد الله الذي جعله عذبا فراتا، ولم يجعله ملحا أجاجا '. أو لفظ هذا ~~معناه. # قوله: * (فلولا تشكرون) أي: فهلا تشكرون. # قوله تعالى: * (أفرأيتم النار التي تورون) أي: تقتدحون. # يقال: أورت الزند إذا استخرج النار منه. ويقال: زند وزندة للحجر الذي ~~يقدح منه النار. # وقوله: * (أأنتم أنشأتم شجرتها) أي: خلقتم شجرتها. # وقوله: * (أم نحن المنشئون) يعني: أم نحن خلقنا الشجرة. وشجرة النار شجرة ~~معروفة، ويقولون: في كل شجر نار، واستمجد [المرخ والعفار]. # وقوله تعالى: * (نحن جعلناها تذكرة) أي: جعلنا النار تذكرة من النار ~~الكبرى، وهي نار جهنم. وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' إن ناركم هذه هي جزء من ~~سبعين جزءا من نار جهنم '. وفي بعض الروايات: ' ضربت بالماء مرتين '. # وقوله: * (ومتاعا للمقوين) أظهر الأقاويل فيه: أن المقوين المسافرين، وهم ~~الذين ينزلون في الأرض القفر الخالية. والقول الثاني: أنه لجميع الناس ~~المقيمين والمسافرين. وعلى القول الأول خص المسافرين؛ لأن منفعتهم بالنار ~~أكثر؛ لأجل الاصطلاء من PageV05P357 # * (فسبح باسم ربك العظيم (74) فلا أقسم بمواقع النجوم (75)) * * البرد، ~~والاستضاءة بالليل، وفي إيقاد النار رد السباع، ومنفعة الاستضاءة الاهتداء ~~عند ضلال الطريق. # قال أبو عبيدة: ومتاعا للمقوين أي: منفعة لكل من ليس له (زاد) ولا مال. # ويقال: أقوى المكان إذا خلا عن الشيء. وأنكر القتيبي وغيره هذا القول، ~~وقالوا: منفعة الغني بالنار أكثر من منفعة الفقير، والعرب تقول للفقير ~~مقوى، وللغني مقوى؛ تقول للفقير مقوى؛ لنفاد ما معه وخلوه عنه، وللغني مقوى ~~لقوته وقدرته على ما لا يقدر عليه الفقير، فعلى ms1717 هذا معنى الآية: أن النار ~~منفعة لجميع الناس من الفقراء والأغنياء والمقيمين والمسافرين. # وقوله: * (فسبح باسم ربك العظيم) لما ذكر الله الدلائل على الكفار في هذه ~~الآية المتقدمة، ووجه الدليل فيها أنهم كانوا مقرين أن فاعل هذه الأشياء هو ~~الله، وأنهم عاجزون عنها، وينكرون البعث والنشأة الآخرة؛ فقال الله تعالى ~~لهم: لما لم تنكروا قدرة الله تعالى على هذه الأشياء وما فيها من عجيب ~~الصنع، فكيف تنكرون قدرته على بعثكم وإحيائكم بعد موتكم؟ فلما ألزمهم ~~الدليل قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: * (فسبح باسم ربك العظيم) كأنه ~~أرشده إلى الاشتغال بتنزيه الرب وتسبيحه وتقديسه حين لزم الكفار الحجة، وقد ~~ثبت أن النبي قال: ' أفضل الكلام سبحان الله وبحمده '. # قوله تعالى: * (فلا أقسم بمواقع النجوم) أي: أقسم، و ' لا ' صلة. وقيل: ~~إن معنى ' لا ' أي: ليس الأمر كما قالوا من أن القرآن شعر وسحر وكهانة، بل ~~أقسم بمواقع النجوم. وعن ابن عباس: أن معنى مواقع النجوم أي: مساقط النجوم. ~~ويقال: مساقطها ومطالعها أقسم بها لما علق بها من مصالح العباد. وعن ابن ~~عباس في رواية أخرى وهو قول جماعة كثيرة من التابعين (منهم): الحسن، ~~وقتادة، وعكرمة، PageV05P358 # * (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون ~~(78) لا) * * وغيرهم أن مواقع النجوم هاهنا نجوم القرآن، ومعنى المواقع ~~نزوله نجما نجما. وفي الخبر: أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى السماء ~~الدنيا، ثم أنزل نجما نجما في ثلاث وعشرين سنة إلى النبي. # وفي الآية قول ثالث: وهو أن المراد من مواقع النجوم انتثارها وتساقطها ~~يوم القيامة. # وقوله: * (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) قال ذلك لان قسم الله عظيم، وكل ما ~~أقسم به. ويقال: إن تخصيصه هذا القسم بالعظم؛ لأنه أقسم بالقرآن على ~~القرآن؛ قاله القفال الشاشي. # وقوله: * (إنه لقرآن كريم) هو موضع القسم، وهو المقسم [عليه]. # وقوله: * (كريم) أي: كثير الخير والبركة. تقول العرب: هذه الناقة كريمة، ~~وهذه النخلة كريمة، إذا كثرت فوائدها ومنافعها. # قوله: * (في كتاب مكنون) أي: مصون، وقد فسر باللوح ms1718 المحفوظ، وفسر أيضا ~~بكتاب في السماء عند الملائكة فيه القرآن. # وقوله: * (لا يمسه إلا المطهرون) أكثر المفسرين على أن المراد به أنه لا ~~يمس ذلك الكتاب إلا الملائكة المطهرون. قال قتادة: فأما المصحف يمسه كل ~~أحد، وإنما المراد ذلك الكتاب في السماء. والقول الثاني: أن المراد به ~~المصحف، وقوله: * (لا يمسه إلا المطهرون) خبر بمعنى النهي أي: لا تمسوه إلا ~~على الطهارة. وقد ورد أن النبي كتب في كتاب عمرو بن حزم ' ولا يمس القرآن ~~إلا طاهر '. وعن علقمة والأسود PageV05P359 # * (يمسه إلا المطهرون (79) تنزيل من رب العالمين (80) أفبهذا الحديث أنتم ~~مدهنون (81) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82)) * * أنهما دخلا على سلمان ~~ليقرأ عليه القرآن، فجاء من الغائط، فقالا له: توضأ لنقرأ عليك القرآن، ~~فقال: اقرآني، لا أريد أن أمسه، ثم قرأ: * (لا يمسه إلا المطهرون). # وقوله: * (تنزيل من رب العالمين) أي: القرآن نزله رب العالمين. # قوله تعالى: * (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون) أي: مكذبون تكذيب منافق. ~~والمدهن والمداهن بمعنى واحد، والمداهن هو ذو الوجهين، وهو الذي يكون قلبه ~~خلاف لسانه، ولسانه خلاف قلبه. ويقال: المدهنون: هم الذين يدفعون الصدق ~~والحق بأحسن وجه يقدر عليه، ومنه قوله تعالى: * (ودوا لو تدهن فيدهنون) ~~يعني: تكذب فيكذبون، وترائي فيراءون. # وقوله: * (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) قرأ علي: ' وتجعلون شكركم أنكم ~~تكذبون ' وهو معنى القراءة المعروفة يعني: تضعون التكذيب موضع الشكر، ومنه ~~قول الشاعر: # (تحية بينهم ضرب وجيع *) أي: يضعون الضرب الوجيع موضع التحية. ويقال معنى ~~الآية: تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه ~~مقامه، مثل قوله تعالى: * (واشتعل الرأس شيبا) أي: شعر الرأس. # وعن الحسن البصري: أن الرزق هاهنا بمعنى الهداية التي أعطاهم الله تعالى ~~بالقرآن، فكأن الله تعالى لما أنزل القرآن، وبين لهم طريق الحق به فكذبوه ~~وأنكروا، سمي بذلك البيان رزقا، وجعل تكذيبهم كفرانا لهذا الرزق. وروي عن ~~الحسن البصري أنه قال: خسر قوم جعلوا حظهم من القرآن التكذيب. والقول ~~الثالث وهو PageV05P360 # * (فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه ms1719 ~~منكم ولكن لا تبصرون (85) فلولا إن كنتم غير مدينين (86)) * * المعروف في ~~الآية أن الرزق هاهنا هو المطر، والتكذيب هو قولهم: مطرنا بنوء كذا. وقد ~~ثبت برواية أبي هريرة أن النبي قال: ' ألا ترون إلى ما قال ربكم؟ قال: ما ~~أنعمت على عبادي نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون الكوكب ~~وبالكوكب.. ' أورده مسلم في صحيحه. وفي خبر آخر برواية (معاوية) الليثي أن ~~النبي قال: ' يصبح القوم مجدبين، فيأتيهم الله برزق من عنده، فيصبحوا ~~مشركين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا '. # قوله تعالى: * (فلولا إذا بلغت الحلقوم) أي: بلغت النفس الحلقوم. الآية ~~في بيان عجزهم، وذكر قدرته عليهم. # وقوله: * (وأنتم حينئذ تنظرون) الخطاب لأهل الميت. # وقوله: * (ونحن أقرب إليه منكم أي بالقدرة وقد قيل ملك الموت وأعوانه ~~يعني: أنهم أقرب إلى الميت منكم. # وقوله: * (ولكن لا تبصرون) أي: لا ترون. # وقوله تعالى: * (فلولا إن كنتم) أي: فهلا إن كنتم، [وقوله]: * (غير ~~مدينين) أي: غير مدبرين مملوكين مقهورين يعني: إن كنتم قادرين على ما شئتم، ~~ولم تكونوا في ملكنا وقهرنا [فردوا] روح الميت إلى مكانه، وهو معنى قوله: ~~PageV05P361 # * (ترجعونها إن كنتم صادقين (87) فأما إن كان من المقربين (88) فروح ~~وريحان) * * (ترجعونها إن كنتم صادقين) ينبئهم بذلك على عجزهم. ويقال: غير ~~مدينين أي: غير محاسبين ومجزيين. # والقول الأول هو الوجه في معنى الآية. # قوله تعالى: * (فأما إن كان من المقربين) ذكر الله تعالى في هذه الآيات ~~حال الأصناف الثلاثة عند الموت، وهي الأصناف التي ذكرهم في أول السورة، ~~فقال تعالى: * (فأما إن كان من المقربين) أي: السابقين إلى الخيرات، ~~المبرزين في الطاعات. # وقوله تعالى: * (فروح) قراءة عائشة رضي الله عنها: ' فروح ' واختاره ~~يعقوب الحضرمي، والأشهر: ' فروح ' بفتح الراء، ومعناه: الرحمة. ويقال: ~~[الروح] الاستراحة، ومن قرأ بضم الراء فهو بمعنى الحياة الدائمة التي لا ~~فناء بعدها. وفي الخبر: ' أنه إذا وضع المؤمن في قبره، وأجاب بجواب الحق ~~يقال له: نم نومة العروس لا هم ولا بؤس ' وفي خبر آخر ' يفتح له باب إلى ~~الجنة ويقال ms1720 له هذا موضعك '. # وقوله تعالى: * (وريحان) أي: رزق، وهو الرزق الذي يدر عليه من الجنة في ~~القبر. وقد بينا من قبل الريحان بمعنى الرزق في شعر العرب: # (سلام الإله وريحانه * ورحمته وسماء درر) وقال الحسن البصري: هو الريحان ~~الذي يشم. قال أبو الجوزاء: يؤتى بضبائر من ريحان الجنة فتجعل روحه فيها. # وقوله: * (وجنة نعيم) هي الجنة الموعودة. قال أهل التفسير: الروح ~~والريحان في القبر، وجنة نعيم يوم القيامة. ويقال: الروح عند الموت، ~~والريحان في القبر، وجنة نعيم في القيامة عند البعث. وقد ثبت أن النبي قال: ~~' من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، ~~وقيل: يا رسول الله، لكنا نكره الموت قال: PageV05P362 # * (وجنة النعيم (89) وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب ~~اليمين (91) وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) ~~وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح اسم ربك العظيم (96)) * * ~~لا، إن المؤمن إذا بشر برحمة من الله أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن ~~الكافر إذا بشر بالنار كره لقاء الله وكره الله لقاءه ' وقرأ هذه الآية. # قوله تعالى: * (وأما إن كان من أصحاب اليمين) قد بينا أصحاب اليمين. # وقوله: * (فسلام لك من أصحاب اليمين) أي: تسلم الملائكة عليهم. وقيل: ~~يسلم الله عليهم، فيقول: سلام عليك. ولك بمعنى عليك. # وقوله تعالى: * (من أصحاب اليمين) أي: لأنك من أصحاب اليمين. وهذا قول ~~كثير من المفسرين. وقال بعضهم: الخطاب للنبي ومعناه: أبشر بالسلامة لأصحاب ~~اليمين، كأنه يقول: لا تشغل قلبك بهم، فإنهم قد نالوا السلامة. وقيل: ~~المراد من الآية تسليم بعضهم على بعض، كأن بعضهم يسلم على بعض، ويهنئ ~~بالسلامة. # قوله تعالى: * (وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم) أي: المعد ~~له شراب من حميم. # وقوله: * (وتصلية جحيم) أي: دخول الجحيم يقال: أصلى كذا أي: قاسه، فعلى ~~هذا تصلية جحيم أي: مقاساة الجحيم. # قوله تعالى: * (إن هذا لهو حق اليقين) أي: محض اليقين، يشير إلى أنه كائن ~~لا ms1721 خلف فيه. ويقال معناه: إنه يقين أحق اليقين، كما يقال: حق عالم أي: عالم ~~حق. # وقوله: * (فسبح باسم ربك العظيم) أي: نزه ربك وعظمه، كأنه أرشده إلى ~~الاشتغال بثنائه وتسبيحه وتقديسه ليصل إلى درجة المقربين. PageV05P363 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم (1) له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) هو ~~الأول والآخر والظاهر) * * تفسير سورة الحديد وهي مكية في قول الكلبي ~~وجماعة. وقال بعضهم: إنها مدنية. وعن سعيد بن جبير أنه قال: اسم الله ~~الأعظم في ست آيات من أول سورة الحديد. وعن أبي التياح أنه قال: من أراد أن ~~يعرف كيف وصف الجبار نفسه فليقرأ ست آيات من أول سورة الحديد. والله أعلم. # قوله تعالى: * (سبح لله ما في السماوات والأرض) أي: صلي وتعبد، ويقال: ~~نزه وقدس. وقد ذكر بعضهم أن تسبيح الجمادات هو أثر الصنع فيها. والأصح أنه ~~التسبيح حقيقة، وهو قول أهل السنة؛ لأنه لو كان المراد منه أثر الصنع لم ~~يكن لقوله: * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) معنى، لأن أثر الصنع يعلمه ويفهمه ~~كل واحد. # وقوله: * (وهو العزيز الحكيم) أي: الغالب الحكيم في أمره. # قوله تعالى: * (له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت) أي: له الملك في ~~السماوات والأرض محييا ومميتا. قال الزجاج: يحيي من النطفة الميتة، ويميت ~~الشخص الحي. # وقوله تعالى: * (وهو على كل شيء قدير) أي: قادر. # قوله تعالى: * (هو الأول والآخر) أي: الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل ~~شيء. وقيل: الأول فلا أول له، والآخر فلا آخر له، وهو في معنى الأول. وقيل: ~~الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء. PageV05P364 # * (والباطن وهو بكل شيء عليم (3) هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) له ~~ملك السماوات) * * وقوله: * (والظاهر والباطن) أي: الظاهر بالدلائل ~~والآيات، والباطن لأنه لا يرى ms1722 بالأبصار، ولا يدرك بالحواس. وقيل: الظاهر هو ~~الغالب؛ وهذا يحكى عن ابن عباس. والباطن المحتجب عن خلقه. (وعن) بعضهم: ~~العالم بما ظهر وما بطن. # وقوله: * (وهو بكل شيء عليم) أي: عالم. # قوله تعالى * (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) في التفسير أن ~~كل يوم ألف سنة وقيل أسامي الأيام أبجد هوز حطى كلمن سعفص قرشت. # قوله تعالى: * (ثم استوى على العرش) قد بينا. وعن وهب بن منبه قال: خلق ~~العرش من نوره. وعن بعضهم: هو ياقوتة حمراء. وسمي العرش عرشا لارتفاعه. # وقوله: * (يعلم ما يلج في الأرض) أي: يدخل فيها من مطر وحب وميت. # وقوله: * (وما يخرج منها) أي: يدخل فيها منطر وحب وميت وقوله تعالى * ~~(وما يخرج منها) أي من نبات وشجرة ونحوه. # وقوله تعالى: * (وما ينزل من السماء) أي: من المطر والرزق والملائكة. # وقوله تعالى: * (وما يعرج فيها) أي: من الملائكة وأعمال بني آدم. # وقوله: * (وهو معكم أينما كنتم) أي: بعلمه وقدرته، ذكره ابن عباس وغيره. ~~وقال الحسن: هو معكم بلا كيف. # وقوله: * (أينما كنتم) أي: حيثما كنتم. # وقوله: * (والله بما تعملون بصير) أي: خبير. # قوله تعالى: * (له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور) أي: ترد ~~الأمور. PageV05P365 # * (والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) يولج الليل في النهار ويولج النهار ~~في الليل وهو عليم بذات الصدور (6) آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجرا كبير (7) وما لكم لا ~~تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين ~~(8) هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن ~~الله بكم لرءوف رحيم (9) وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث ~~السماوات والأرض لا يستوي منكم من) * * قوله تعالى: * (يولج الليل في ~~النهار) أي: ينقص من الليل، ويزيد في النهار. # وقوله: * (ويولج النهار في الليل) أي: ينقص من النهار، ويزيد في الليل. # وقوله: * (وهو عليم بذات الصدور) أي: بما فيها. # قوله تعالى: * (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا ms1723 مما جعلكم مستخلفين فيه) أي: ~~أنفقوا من الأموال التي خلفتم فيها من قبلكم. وقيل: مستخلفين فيه أي: ~~معمرين بالرزق. # وقوله: * (فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير) أي: عظيم. # قوله تعالى: * (وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ~~وقد أخذ ميثاقكم) أي: العهد منكم * (إن كنتم مؤمنين) أي: مصدقين. # قوله تعالى: * (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور) أي: من الكفر إلى الإيمان. # وقوله: * (وإن الله بكم لرءوف رحيم) قد بينا. # قوله تعالى: * (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله) معناه: أي: فائدة لكم ~~إذا تركتم الإنفاق في سبيل الله، وأموالكم تصير إلى غيركم؟ والمعنى: هو ~~الإنكار، كأنه قال: ولم لا تنفقون أموالكم لتصلوا بها إلى ثواب الله، وهي ~~لا تبقى لكم إذا لم تنفقوا؟ # وقوله: * (ولله ميراث السماوات والأرض) هو إشارة إلى ما بينا من قبل. ~~PageV05P366 # * (أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا) * * وقوله: * (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) ~~أي: لا يستوي من أنفق وقاتل قبل فتح مكة، ومن أنفق وقاتل بعد فتح مكة. ~~وإنما لم يستويا؛ لأن أصحاب النبي نالهم من التعب والمشقة والمكروه والشدة ~~قبل الفتح ما لم ينلهم بعده. وذكر الكلبي أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه وقد ورد في بعض المسانيد عن ابن عمر ' أن النبي كان جالسا ~~وعنده أبو بكر الصديق، وعليه عباءة قد خللها في صدره؛ فجاء جبريل عليه ~~السلام وقال للنبي: يقول الله تعالى: سلم على أبي بكر، وقل له: أراض أنت ~~عني في فقرك أم ساخط؟ فقال النبي لأبي بكر: هذا جبريل يقرئك من ربك السلام، ~~ويقول كذا، فبكى أبو بكر وقال: بل أنا راض عن ربي، بل أنا راض عن ربي '. # وذكر النقاش أن الآية نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه وكان قد جهز ~~جيش العسرة، وأعطى سبعمائة وثلاثين بعيرا، وأعطى سبعين فرسا، وكان أعطاها ms1724 ~~بآلاتها. # وفي رواية: جاء بخمسة آلاف دينار وصبها بين يدي النبي، فجعل النبي عليه ~~الصلاة والسلام يقلبها بيده ويقول: ' ما ضر عثمان ما يفعل بعد هذا '. # وقوله: * (أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا) قد بينا ~~المعنى في ذلك. PageV05P367 # * (وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10) من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا) * * وقوله: * (وكلا وعد الله الحسنى) أي: الجنة. # وقوله: * (والله بما تعملون خبير) أي: عالم، والمعنى: أن الله تعالى وعد ~~جميع المتقين الجنة، وإن تفاضلوا في الدرجة. # قوله تعالى: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) قال عكرمة: لما أنزل ~~الله تعالى هذه الآية تصدق أبو الدحداح بحائط فيه ستمائة نخلة. وفي رواية: ~~تصدق بنصف جميع ماله حتى نعليه تصدق بأحدهما، ثم جاء إلى أم الدحداح وقال: ~~إني بعت ربي، فقالت: ربح البيع. فقال رسول الله: ' كم من نخلة مدلاة لأبي ~~الدحداح في الجنة، عروقها من زبرجد وياقوت '. # وعن بعضهم: أنه لما نزلت هذه الآية جاء اليهود إلى النبي، وقالوا: أفقير ~~ربنا فيستقرضنا؟ فأنزل الله تعالى قوله: * (لقد سمع الله قول الذين قالوا ~~إن الله فقير ونحن أغنياء). # وقال الزجاج: العرب تقول لكل من كل فعل فعلا حسنا: قد أقرض، قال الشاعر: # (وإذا جوزيت قرضا فاقضه * إنما يجزي الفتى ليس الإبل) فمعنى الآية على ~~هذا: من الذي يعفه فعلا حسنا فيجازيه الله بذلك. وهو على العموم. ~~PageV05P368 # * (فيضاعفه له وله أجر كريم (11) يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم ~~بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ذلك هو الفوز العظيم (12) يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من) وقوله تعالى: * (فيضاعفه له) قرئ برفع الفاء ونصبها، ~~فبالرفع هو معطوف على قوله: * (يقرض) وبالنصب يكون على جواب الاستفهام ~~بالفاء. # وقوله: * (وله أجر كريم) أي: حسن. # قوله تعالى: * (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم) قال ~~الحسن البصري: على الصراط. وعن ابن مسعود قال: نور كل إنسان على قدر عمله، ~~فمنهم من نوره ms1725 كالجبل العظيم، ومنهم من نوره كنخلة، ومنهم من نوره على ~~إبهامه ينطفي مرة ويتقد أخرى. وفي بعض الأخبار: أن نورهم ما بين صنعاء إلى ~~عدن. يعني: في القدر. وعن ابن عباس في رواية الضحاك قال: الصراط في دقة ~~الشعرة، وحدة (الشفرة)، والمؤمنون يمرون عليه نورهم من بين أيديهم، بعضهم ~~كالبرق، وبعضهم كالريح، وبعضهم كالطير، وبعضهم (كحضرة) الفرس. # وقوله تعالى: * (وبأيمانهم) أي: النور بأيمانهم. # وقوله: * (بشراكم اليوم) أي: بشارتكم اليوم * (جنات تجري من تحتها ~~الأنهار). # وقوله: * (خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم) أي: النجاة [العظيمة]. # قوله تعالى: * (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا) من ~~الإنظار، وأشهر القراءتين هي الأولى، ومعناه: انظرونا. وأما بنصب الألف ~~فمعناه: اصبروا لنا، قال الشاعر: # (أبا هند فلا تعجل علينا * وأنظرنا نخبرك اليقينا) PageV05P369 # * (نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه ~~فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب (13) ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ~~ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ~~وغركم بالله الغرور) وقوله: * (نقتبس من نوركم) في الأخبار: أن الناس ~~يحشرون والمنافقون مختلطون بالمؤمنين، ثم إن الله تعالى يرسل نورا للمؤمنين ~~فيمشون في نورهم، فيتبعهم المنافقون ويقولون: انظرونا نقتبس من نوركم، ~~وكانوا قد بقوا في الظلمة، وفي رواية أخرى: أن الناس يحشرون فيغشاهم أمر من ~~أمر الله، فيبيض وجوه المؤمنين، ويسود وجوه الكفار، ثم يغشاهم أمر آخر، ~~فيقسم بين المؤمنين النور على قدر أعمالهم، ويبقى الكفار والمنافقون في ~~الظلمة، فيقولون للمؤمنين: ' انظرونا نقتبس من نوركم '. # وقوله: * (نقتبس) أي: نأخذ شيئا من نوركم. # وقوله: * (قيل ارجعوا وراءكم) أي: إلى الموضع الذي قسم فيه النور. # وقوله: * (فالتمسوا نورا) أي: اطلبوا نورا ثم، فيرجعون فلا يجدون شيئا. ~~وقال بعضهم معناه: فارجعوا إلى الدنيا، واطلبوا النور بالأعمال الصالحة، ~~وهذا على التعيير والتبكيت، وهو قول غريب، والمعروف هو الأول. # وقوله: * (فضرب بينهم بسور له باب) في التفسير: أنهم إذا رجعوا إلى ذلك ~~الموضع ولم يجدوا النور، عادوا ليتبعوا نور المؤمنين، فيغشاهم عذاب ms1726 من عذاب ~~الله، ويضرب بينهم وبين المؤمنين بسور، وهو معنى قوله تعالى: * (فضرب بينهم ~~بسور له باب) وقيل: هو الأعراف الذي [ذكر] في سورة الأعراف. وعن عبادة بن ~~الصامت وعبد الله بن عمرو بن العاص أن السور حائط مسجد بيت المقدس الشرقي ~~منه، فالذي يلي المسجد هو الذي قال: * (باطنه فيه الرحمة) والذي يلي وادي ~~جهنم هو الذي قال: * (وظاهره من قبله العذاب) وثم واد يقال له: وادي جهنم، ~~وهو معروف. PageV05P370 # ((14) * فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي ~~مولاكم وبئس المصير (15) ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما ~~نزل من الحق ولا) * * قوله تعالى: * (ينادونهم ألم نكن معكم) يعني: أن ~~المنافقين ينادون المؤمنين ألم نكن معكم؟ معناه: ألم نكن معكم في صلاتكم ~~وصيامكم ومساجدكم، وما أشبه ذلك. # وقوله: * (قالوا بلى) أي: بلى كنتم في الظاهر. # وقوله: * (ولكنكم فتنتم أنفسكم) أي: استعملتم أنفسكم في الفتنة، ويقال: ~~فتنتم أنفسكم أي: اتبعتم المعاصي والشهوات. # وقوله: * (وتربصتم) أي: تربصتم بالنبي وبالمؤمنين دوائر الدهر. ويقال: ~~تربصتم بالتوبة أي: أخرتموها. # وقوله: * (وارتبتم) أي: شككتم في الدين. # وقوله: * (وغرتكم الأماني) أي: أمنيتكم أن محمدا يهلك، ويبطل أمره. # وقوله: * (حتى جاء أمر الله) أي: أمر الله بنصر نبيه والمؤمنين. ويقال: ~~النار. # وقوله: * (وغركم بالله الغرور) أي: الشيطان، وإنما سمى الشيطان غرورا؛ ~~لأن الناس تغر الناس بتمنية الأباطيل. # وعن سعيد بن جبير أنه قال: الغرور: أن تعمل بالمعصية، وتتمنى على الله ~~المغفرة. # قوله تعالى: * (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية) في قراءة أبي بن كعب: ' جزية ' ~~ومعنى الفدية: هو ما يفتدي به نفسه من العذاب. # وقوله: * (ولا من الذين كفروا مأواكم النار) أي: [منزلتكم] النار. # وقوله: * (هي مولاكم) أي: النار أولى بكم. PageV05P371 # * (يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ~~وكثير منهم فاسقون (16) اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم ~~الآيات لعلكم) * * وقوله: * (وبئس المصير) أي: بئس المنقلب النار. # قوله تعالى: * (ألم يأن للذين آمنوا) معناه: ms1727 ألم يحن، من الحين وهو ~~الوقت. # يقال: آن يئين وحان يحين بمعنى واحد. # وقوله: * (أن تخشع قلوبهم لذكر الله) أي: تلين وترق. # قال ابن عباس: في الآية حث لطائفة من المؤمنين على الرقة عند الذكر. وعن ~~ابن مسعود قال: ما كان بين إسلام القوم وبين أن عاتبهم الله على ترك الخشوع ~~والرقة إلا أربع سنين. وعن مقاتل: أن أصحاب رسول الله أخذوا في نوح من ~~المرح فأنزل الله تعالى هذه الآية وعن بعضهم أن أصحاب رسول الله أصابتهم ~~ملة فقالوا: (حدثنا) يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: * (نحن نقص عليك أحسن ~~القصص)، ثم أصابتهم ملة، فأنزل الله: * (الله نزل أحسن الحديث) ثم أصابتهم ~~ملة، فأنزل الله تعالى: * (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله). # وقال مقاتل بن حيان: إن قوله: * (ألم يأن للذين آمنوا) هو في مؤمني أهل ~~الكتاب، حثهم على الإيمان بالرسول. وعن بعضهم: هو في المنافقين؛ آمنوا ~~بألسنتهم، ولم يؤمنوا بقلوبهم * (وما نزل من الحق) [أي]: القرآن. # وقوله: * (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل) أي: اليهود والنصارى. # وقوله: * (فطال عليهم الأمد) أي: المدة. ويقال: الأجل. وعن ابن مسعود أنه ~~قال: PageV05P372 # * (تعقلون (17) إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ~~ولهم أجر كبير (18) والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء ~~عند ربهم) * * لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فقد طال عليهم الأمد فقست ~~قلوبهم، ولكن ما أمركم به القرآن فأتمروا به، وما نهاكم عنه فانتهوا. # وقوله: * (فقست قلوبهم) أي: يبست. # وقوله: * (وكثير منهم فاسقون) أي: خارجون عن طاعة الله. ويقال: هو في ~~ابتداعهم الرهبانية. # قوله تعالى: * (اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها) في الخبر عن [أبي] ~~رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ فقال: ' أرأيت ~~أرضا مخلاء ثم أرأيتها خضراء، قال: نعم. قال: هو كذلك '. وعن صالح المزني ~~قال: يحيي القلوب بتليينها بعد قساوتها. فهو المراد بالآية. # وقوله: * (قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إن ms1728 المصدقين والمصدقات) قرئ: بتشديد الصاد وتخفيفها، فعلى ~~تخفيف الصاد يعني: المؤمنين، وعلى تشديد الصاد يعني: المتصدقين. # وقوله: * (وأقرضوا الله قرضا حسنا) قيل: لا تكون الصدقة قرضا حسنا حتى ~~تجتمع فيها خصال: أولها: أن تكون من حلال، وأن يعطيها طيبة بها نفسه، وأن ~~لا يتبعها منا ولا أذى، وأن يتيمم الجيد من ماله لا الخبيث والرديء، وأن ~~يعطيها ابتغاء وجه الله لا مراءاة للخلق، وأن يخرج الأحب من ماله إلى الله ~~تعالى، وأن يتصدق وهو صحيح يأمل العيش ويخشى الفقر، وأن لا يستكثر ما فعله ~~بل يستقله، وأن يتصدق بالكثير. # وقوله: * (يضاعف لهم ولهم أجر كريم) أي: كثير حسن. PageV05P373 # * (لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ~~(19) اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما وفي الآخرة) * * قوله تعالى: * (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون) الصديق هو كثير الصدق، كالسكيت كثير السكوت. # وعن أبي هريرة قال: كلكم صديق وشهيد. فقيل له: كيف يا أيا هريرة؟ فقرأ ~~قوله في هذه الآية. واختلف القول في قوله: * (والشهداء) فأحد الأقوال: أنهم ~~الشهداء المعروفون، وهم الذين استشهدوا في سبيل الله. # والقول الثاني: أنهم النبيون، ذكره الفراء. # والقول الثالث: أنهم جميع المؤمنين. فعلى هذا يكون الشهداء معطوفا على ~~قوله: * (أولئك هم الصديقون) وعلى القولين الأولين تم الوقف والكلام على ~~قوله: * (أولئك هم الصديقون)، وقوله: * (والشهداء عند ربهم) ابتداء كلام. ~~وفي قوله: * (عند ربهم) إشارة إلى منزلتهم ومكانتهم عند الله. # وقوله: * (لهم أجرهم ونورهم) أي: ثوابهم وضياؤهم. # وقوله: * (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم) معلوم ~~المعنى، والجحيم معظم النار. # وقوله تعالى: * (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة) أي: هي ما ~~يلعب به ويلهي ويتزين به. والمراد به: كل ما أريد به غير الله، أو كل ما ~~شغل عن الدين. ويقال: لعب ولهو: أكل وشرب. ويقال: اللعب الأولاد، واللهو ~~النساء. # وقوله تعالى: * (وتفاخر بينكم) أي: تفاخر ms1729 من بعضكم على بعض. # وقوله: * (وتكاثر في الأموال والأولاد) أي: تطاول بكثرة الأولاد ~~والأموال. والفرق بين التفاخر والتكاثر: أن التفاخر قد يكون ممن له ولد ~~ومال مع من لا ولد له PageV05P374 # * (عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ~~(20) سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ~~آمنوا بالله) * * ولا مال، وأما التكاثر لا يكون إلا ممن له ولد ومال مع من ~~له ولد ومال. # وقد ورد في بعض الأخبار أن النبي قال: ' من طلب الدنيا تعففا عن السؤال، ~~وصيانة للولد والعيال، جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلبها ~~تفاخرا وتكاثرا ورياء للناس، فليتبوأ مقعده من النار ' أو لفظ هذا معناه. # وقوله: * (كمثل غيث أعجب الكفار نباته) أي: الزراع، وذلك حين ينبت ويحسن ~~في أعين الناس. # وقوله: * (ثم يهيج فتراه مصفرا) أي: ييبس ويجف. # وقوله: * (مصفرا) أي: أصفر يابسا. # وقوله: * (ثم يكون حطاما) أي: يتكسر ويتهشم. وقيل: يكون نبتا لا قمح فيه. # وقوله: * (وفي الآخرة عذاب شديد) يعني: لمن آثر الدنيا على الآخرة. # وقوله: * (ومغفرة من الله ورضوان) يعني لمن آثر الآخرة على الدنيا. # قال قتادة: رجع الأمر إلى هذه الكلمات الثلاث * (وفي الآخرة عذاب شديد ~~ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) ومتاع الغرور قد ~~بينا من قبل، وهو كل ما لا أصل له، أو كل ما لا بقاء عليه. # قوله تعالى: * (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) أي: سارعوا، يقال: إن المسابقة ~~بالإيمان. ويقال: بالتكبيرة الأولى والصف الأول، حكي هذا عن رباح بن عبيدة. ~~وعن وكيع بن الجراح قال: كنا إذا رأينا الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى ~~علمنا أنه لا يفلح. PageV05P375 # * (ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (21) ما أصاب ~~من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على ~~الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا ~~يحب كل مختال) ms1730 * * وقوله: * (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) المراد منه: ~~ألصق بعضه ببعض فما يبلغ عرض الجميع، فهو عرض الجنة. وقيل: المراد من ~~المسابقة: المسابقة إلى التوبة. وقيل: إلى النبي. # وقوله: * (عرضها كعرض السماء والأرض) أي: سعتها، قال الشاعر: # (كأن بلاد الله وهي عريضة * على الخائف المطلوب كفة حابل) وقوله تعالى: * ~~(أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله) أي: صدقوا الله، وصدقوا له رسله. # وقوله: * (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم) المصيبة في ~~الأرض: ما يصيب الأرض من الجدب والقحط وهلاك الثمار وما أشبه ذلك، والمصيبة ~~في الأنفس هي الأسقام والأمراض وما يشبهها. # وقوله: * (إلا في كتاب) قد ثبت أن النبي قال: ' لما خلق الله القلم قال ~~له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة '. والكتاب ~~هو اللوح المحفوظ. # وقوله: * (من قبل أن نبرأها) أي: من قبل أن نخلقها. والكتابة يجوز أن ~~ترجع إلى النقوش، ويجوز أن نرجع إلى المصيبة. # وقوله: * (إن ذلك على الله يسير) أي: هين. # قوله تعالى: * (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) الأسى: هو الحزن والتندم. ~~PageV05P376 # * (فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو ~~الغني الحميد (24) لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط) * * وقوله: * (ولا تفرحوا بما آتاكم) أي: لا تبطروا ~~ولا تأشروا. وعن ابن عباس قال: ما من أحد إلا ويحزن، ولكن المراد بالآية هو ~~أن نشكر عند النعمة، ونصبر عند المصيبة. وعن بعضهم معناه: لا يجاوز ما حده ~~الله تعالى يعني: لا يجزع عند المصيبة جزعا يخرجه إلى ترك الرضا، ولا يفرح ~~عند النعمة فرحا يخرجه عن طاعة الله، أو يمسكها عن حقوقها، ولكن إذا علم أن ~~الكل بقضاء الله وقدره، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم لكم يكن ~~ليخطئه، هان عليه ما فات، ولم يفرح بما أصاب. وعن عمر بن عبد العزيز أنه ~~قال: إذا استأثر ms1731 الله عليك بشيء [ما فاتك] ذلك عن ترك ذكره. # ومن المعروف قول النبي ' لله ما أخذ، ولله ما أعطى '. # وقوله: * (والله لا يحب كل مختال فخور) أي: متكبر منان بما أعطى. # قوله تعالى: * (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) قال أهل العلم: البخل ~~حقيقته هو منع المال عن حق الله تعالى. وقال بعضهم: إذا وضعه في غير موضعه ~~فهو بخيل، وإن أعطى وأكثر، وإذا وضعه في موضعه فليس ببخيل وإن قل. وعن ~~بعضهم أنه قال: من أدى زكاة ماله فقد برئ من البخل. # وفي الآية قول آخر ذكره السدى وغيره: أن الآية في اليهود؛ وبخلهم هو ~~كتمان صفة الرسول، وأمرهم بالبخل أمرهم بالكتمان. # وقوله: * (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد) أي: الغني عن طاعة خلقه، ~~الحميد في فعاله. وقيل: الغني عن صدقات الخلق، الحميد في إفضاله عليهم. # وعن سعيد بن جبير قال: يبخلون أي: لا يتصدقون، ويأمرون الناس بالبخل، أي: ~~PageV05P377 # * (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله ~~بالغيب إن الله قوي عزيز (25) ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما ~~النبوة والكتاب) * * بترك الصدقة. والفرق بين البخيل والسخي: أن السخي هو ~~الذي يلتذ بالإعطاء، والبخيل هو الذي يلتذ بالإمساك. وقيل: البخيل هو الذي ~~يعطي ما يعطي ونفسه غير طيبة، والسخي هو الذي يعطي ما يعطي طيبة بها نفسه. # قوله تعالى: * (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب) أي: ~~الكتب. # وقوله: * (والميزان) قال قتادة: العدل. وقال الكلبي: الميزان المعروف ~~الذي توزن به الأشياء. ومعناه: وضعنا الميزان، وعلى القول الأول معناه: ~~أمرنا بالعدل. # وقوله: * (ليقوم الناس بالقسط) أي: بالعدل في الميزان. # وقوله: * (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) قوله: * (أنزلنا الحديد) فيه ~~قولان: أحدهما: أن معناه: وخلقنا الحديد وأحدثناه. # والقول الثاني: أن المراد به هو الإنزال من السماء حقيقة، ' وأن الله ~~تعالى لما أنزل آدم إلى الأرض أنزل معه العلاة والكلبتين والميقعة ' وهي ~~المطرقة وقيل: أنزل معه الحجر الأسود وعصا موسى من آس الجنة وما ذكرنا من ~~الحديد. # وقوله: ms1732 * (فيه بأس شديد) أي: هو سلاح وجنة. فالسلاح يقاتل به، والجنة ~~يتقى وقوله * (منافع للناس) هي ما يتخذ من الآلات من الحديد مثل الفأس ~~والقدوم والمنشار والمسلة والإبرة ونحوها بها. # وقوله: * (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) ذكر هاهنا هذا؛ لأن نصرة ~~الله تعالى ونصرة رسله بالقتال، والقتال بآلات الحديد، وإنما قال: * ~~(بالغيب) لأن كل ما يفعله العباد من الطاعات إنما يفعلونه بالغيب، على ما ~~قال الله تعالى: * (الذين يؤمنون بالغيب). # وقوله: * (إن الله قوي عزيز) ظاهر المعنى. PageV05P378 # * (فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (26) ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا ~~بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ~~ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق ~~رعايته فآتينا الذين آمنوا منهم) * * قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا نوحا ~~وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد) أي: مسلم. * (وكثير ~~منهم فاسقون) أي: كافرون. # قوله تعالى: * (ثم قفينا على آثارهم برسلنا) أي: أتبعنا. # وقوله: * (وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل) أي: أعطيناه الإنجيل ~~جملة. # وقوله: * (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) الرأفة: أشد الرحمة، ~~والمراد بهؤلاء: هم الذين بقوا على دين الحق، ولم يغيروا ولم يبدلوا بعد ~~عيسى عليه السلام. # وقوله: * (ورهبانية ابتدعوها) أي: وابتدعوها رهبانية من تلقاء أنفسهم، ~~والرهبانية هي ما ابتدعوها من السياحة في البراري (والمفاوز). قيل: هو ~~التفرد في الديار والصوامع للعبادة. وقد روي عن النبي أنه قال: ' لا ~~رهبانية في الإسلام '. وفي رواية قال: ' رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله ~~'. وفي الأخبار: أن سبب ابتداعهم الرهبانية أن الملوك بعد عيسى عليه السلام ~~بدلوا دين عيسى، وقتلوا العباد والأخيار من بني إسرائيل حين دعوهم إلى ~~الحق؛ فقال الأخيار فيما بينهم وهم الذين بقوا إنهم وإن قتلونا لا يسعنا ~~المقام فيما بينهم والسكوت، فلحق بعضهم بالبراري وساحوا، وبنى بعضهم ~~الصوامع وتفردوا فيها للعبادة، فكان أصل الرهبانية بهذا السبب. # وقوله: * (ما كتبناها عليهم) أي: ما فرضناها عليهم. PageV05P379 # * (أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) يا أيها الذين ms1733 آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور ~~رحيم (28) لئلا) * * وقوله: * (إلا ابتغاء رضوان الله) انتصب لمحذوف، ~~والمحذوف: ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله. # وقوله: * (فما رعوها حق رعايتها) أي: ما قاموا كما يجب القيامة بها. # وقوله: * (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) أي: ثوابهم، وهم الذين آمنوا ~~بمحمد بعد أن ترهبوا. # وقوله: * (وكثير منهم فاسقون) أي: الذين بقوا على الكفر. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم ~~كفلين من رحمته) أي: نصيبين. وقيل: أجرين من رحمته. وفي التفسير: أن سبب ~~نزول الآية أن الله تعالى لما أنزل عليهم قوله: * (وإذا يتلى عليهم قالوا ~~آمنا به إنه الحق من ربنا) إلى قوله: * (أولئك يؤتون أجرهم مرتين) تفاخر ~~الذين آمنوا من أهل الكتاب على سائر المؤمنين من الصحابة، وقالوا: إنكم ~~تؤتون أجوركم مرة، ونحن نؤتى مرتين، فأنزل الله تعالى هذه الآية بشارة ~~لسائر المؤمنين. وقد ثبت عن النبي برواية أبي موسى الأشعري أنه قال عليه ~~الصلاة والسلام: ' ثلاثة يؤتون أجورهم مرتين: رجل آمن بالكتاب الأول ثم آمن ~~بالكتاب الثاني، ورجل اشترى جارية فأدبها وأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها، ~~وعبد أطاع ربه ونصح لسيده '. وقيل: قوله: * (يؤتكم كفلين من رحمته) وهو أجر ~~السر وأجر العلانية. وقيل: أجر أداء حق الله تعالى وأداء حق العباد. # وقوله: * (ويجعل لكم نورا تمشون به) هو النور الذي بينا من قبل يضيئهم ~~على الصراط. وقيل: هو نور الإسلام. # وقوله: * (تمشون به) أي: تسلكون طريق الإسلام بنوره. PageV05P380 # * (يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29).) * * وقوله: * (ويغفر لكم والله ~~غفور رحيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (لئلا يعلم أهل الكتاب) وهما بمعنى واحد، وهو تفسير ~~القراءة المعروفة. وقد قال الأخفش والفراء وغيرهما: إن ' لا ' صلة هاهنا، ~~وهو مثل قول الشاعر: # (ولا ألزم البيض أن لا تسحروا *) أي: أن تسحروا. # وقوله: * (ألا يقدرون على ms1734 شيء من فضل الله) معناه: إنا أعطينا ما أعطينا ~~من الكفلين من الرحمة للمؤمنين؛ ليعلم أهل الكتاب أن ليس بأيديهم إيصال فضل ~~الله الواحد، ويعلم المؤمنون أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وهو معنى ~~قوله: * (وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) أي: يعطيه من يشاء، وقيل معنى ~~الآية: ليعلم أهل الكتاب أن من لم يؤمن بمحمد ليس له نصيب من فضل الله يوم ~~القيامة. # وقوله: * (ألا يقدرون على شيء من فضل الله) أي: لا يصلون إلى شيء من فضل ~~الله حين لم يؤمنوا بمحمد، والفضل بيد الله يوصله إلى المؤمنين بمحمد ~~بمشيئته، والفضل هاهنا هو الجنة. # وقوله: * (والله ذو الفضل العظيم) أي: له الفضل العظيم، وهو القادر على ~~إيصال الفضل العظيم يعني: إلى من يشاء من عباده والله أعلم بالصواب. ~~PageV05P381 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي ~~إلى الله والله يسمع تحاوركما إن) * * تفسير سورة المجادلة وهي مدنية قوله ~~تعالى: * (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله) نزلت ~~الآية في خولة بنت ثعلبة، وهي امرأة أوس بن الصامت، ويقال: خولة بنت خويلد. ~~وقيل: خولة بنت الصامت، والأصح هو الأول، وعليه أكثر أهل التفسير منهم: ~~مجاهد، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وغيرهم. وكان أوس بن الصامت ظاهر ~~منها. وفي رواية عن خولة أنها قالت: ' كان بأوس بن الصامت لمم، فراجعته في ~~بعض الأمر فظاهر منى '. قال محمد بن كعب القرظي: أتت خولة بنت ثعلبة رسول ~~الله وقالت: إن أوس بن الصامت زوجي وابن عمي وأحب الناس إلي وقد ظاهر مني، ~~فقال عليه السلام: ' ما أراك إلا وقد حرمت عليه '، فجعلت تشتكي وتقول: أبو ~~ولدي وزوجي ولا أستطيع فراقه، ورسول الله يقول: ' ما أراك إلا وقد حرمت ~~عليه '، وهي تراجعه مرة بعد أخرى، فأنزل الله تعالى هذه الآية: (قد سمع ~~الله قول التي تجادلك في زوجها) ' قالت عائشة رضي الله عنها: سبحان الذي ~~وسع سمعه الأصوات، كنت في جانب البيت ms1735 ولا أسمع ما تقوله خولة، فأنزل الله ~~تعالى: * (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها). # وقوله: * (وتشتكي إلى الله) اشتكى وشكا بمعنى واحد وقوله * (والله يسمع ~~تحاوركما) أي: تراجعكما. # وقوله: * (إن الله سميع بصير) ظاهر. PageV05P382 # * (الله سميع بصير (1) الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن ~~أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله ~~لعفو غفور (2) والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة ~~من قبل أن يتماسا ذلكم) * * قوله تعالى: * (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ~~ما هن أمهاتهم) أي: ليس هن بأمهاتهم، والمعنى: أنه ليس أزواجهن كما قالوا: ~~إن ظهورهن كظهر أمهاتهم. # وقوله: * (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول ~~وزورا) قال قتادة: أي: كذبا. والكذب هو قوله لها: أنت علي كظهر أمي. # وقوله: * (وإن الله لعفو غفور) أي: لمن ندم على قوله، وهذا قوله تعالى: * ~~(والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير) قال الحسن وطاوس ~~والزهري: العود هو الوطء، وهذا قول مالك. وعن ابن عباس: هو أن يندم على ما ~~قال ويرجع إلى الألفة. ومذهب الشافعي في العود أنه يمسكها على النكاح عقيب ~~الظهار ولا يطلقها، قال: وإنما يكون هذا عودا؛ لأن الظهار قصد التحريم، ~~فإذا مضى وقت عقيب الظهار، ولم يحرمها على نفسه بالطلاق، فهو عائد عما قال. ~~ويجوز أن يكون على هذا قول ابن عباس الذي ذكرنا. # وأما مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه فإنه قال: العود هو أن يعزم على ~~إمساكها، فإذا فعل ذلك فقد تحقق العود. والفرق بين هذا وبين قول الشافعي ~~أنه إذا مضى عقيب الظهار وقت يمكنه أن يطلقها فيه ولم يطلق فهو عائد، وإن ~~لم يعزم على إمساكها. # وعند أبي حنيفة ما لم يعزم على إمساكها لا يكون عائدا. # وفي الآية قول رابع، وهو قول أبي العالية وبكير بن عبد الله الأشج: أن ~~العود هو أن يكرر لفظ الظهار وأولا العود لما قالوا بهذا. وقال القتيبي: ~~ثبت الظهار ms1736 بنفس القول وتجب الكفارة. ومعنى العود في هذا هو العود إلى ما ~~كان عليه أهل الجاهلية من فعل PageV05P383 # * (توعظون به والله بما تعملون خبير (3) فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ~~من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ~~ورسوله وتلك حدود) * * الظهار، وكأنه قال: ' ويعودون لما قالوا ' يعني: إلى ~~ما قاله أهل الجاهلية. وقال الأخفش سعيد بن مسعدة: في الآية تقديم وتأخير، ~~وتقديرها: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون فتحرير رقبة بما قالوا. # وقوله: * (من قبل أن يتماسا) يعني: الوطء، وأما اللمس فيما دون الفرج ~~اختلفوا فيه، فحكي عن الحسن البصري أنه قال: يجوز. # وقال الزهري: لا يجوز، والأصح أنه لا يجوز حتى يكفر. # وقوله: * (ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير) ظاهر المعنى. # وقوله: * (فتحرير رقبة) قال ابن عباس: مؤمنة. وعن الشعبي قال: رقبة قد ~~صلت وعرفت الإيمان. وفي الخبر أن النبي دعا أوس بن الصامت وقال: ' اعتق ~~رقبة. فقال: لا أجدها. فقال: صم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع وكان شيخا ~~قد أسن وكبر فقال: أطعم ستين مسكينا، فقال: ' نعم '. وروي أنه قال: ' لا ~~أجد إلا أن تعينني، فأعانه رسول الله بفرق من تمر، وأعانته المرأة بفرق من ~~تمر '. وفي رواية: ' أنه لما أعطاه رسول الله التمر قال: ليس في المدينة ~~أحد أحوج إليه مني، فقال: كله أنت وعيالك '. # قوله تعالى: * (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا) قد ~~بينا. وعن سعيد بن المسيب قال: إذا أفطر بعذر يقضي يوما مكانه ولا يستقبل. ~~وقال إبراهيم النخعي: يستقبل. وعليه أكثر الفقهاء. PageV05P384 # * (الله وللكافرين عذاب أليم (4) إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما ~~كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) يوم ~~يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء ~~شهيد (6) ألم تر أن الله) * * وقوله: * (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) ~~قد بينا، والأصح أنه يطعم مدا مدا، وهو قول ابن عباس. # وقوله: * (ذلك ms1737 لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله) أي: سنة الله، ~~ويقال: أوامر الله. # وقوله: * (وللكافرين عذاب أليم) أي: مؤلم. # قوله تعالى: * (إن الذين يحادون الله ورسوله) أي: يكونون في حد غير حد ~~المؤمنين. ويقال: إن الذين يحادون الله ورسوله أي: يعادون الله ورسوله. ~~وقوله في موضع آخر: * (ومن يشاقق الله ورسوله) أي: يكون في شق غير شق ~~المؤمنين. # وقوله: * (كبتوا) أي: أخزوا، قاله قتادة. ويقال: أهلكوا. # قال أبو عبيدة: ويقال: لعنوا، قاله السدى. # وقوله: * (كما كبت الذين من قبلهم) أي: كما أخزى وأهلك ولعن الذين من ~~قبلهم. # وقوله: * (وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين) أي: يهينهم، وهو ~~من الهوان، ومن عذبه الله فقد أهانه. # قوله تعالى: * (يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا) أي: يخبرهم. # وقوله: * (أحصاه الله ونسوه) أي: أحاط به علم الله، ونسوه أي: نسيه من ~~عمل به. # وقوله: * (والله على كل شيء شهيد) أي: شاهد. # قوله تعالى: * (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون ~~من نجوى PageV05P385 # * (يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم إلا ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم ~~أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (7) ~~ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم) * * ثلاثة إلا هو رابعهم) ذكر الزجاج ~~أن السرار والنجوى بمعنى واحد. وعن بعضهم: أن السرار يكون بين اثنين، ~~والنجوى [تكون] بين ثلاثة وأكثر إذا إخفي. # وقوله: * (إلا هو رابعهم) يعني: بالعلم والقدرة. # وقوله: * (ولا خمسة إلا هو سادسهم) هو كما بينا. # وقوله: * (ولا أدنى من ذلك ولا أكثر هو معهم أينما كانوا) هو كما بينا. # وقوله: * (ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم) أي: ~~عالم. # قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى) نزلت الآية في قوم من ~~المنافقين كان رسول الله إذا بعث سرية قالوا فيما بينهم: ms1738 قد أصاب السرية، ~~وكذا قد أسروا وقتلوا وما يشبه ذلك إرجافا بالمسلمين، فنهاهم النبي عن ذلك، ~~فكانوا يقولون قد نبئنا. [قوله]: * (ثم يعودون [لما نهوا عنه]). # قوله: * (ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول) وهو بالمعنى الذي ~~بيناه من قبل. # وقوله: * (وإذا جاءوك وحيوك بما لم يحيك به الله) هذا في اليهود. ويقال: ~~إن أول الآية في اليهود أيضا، وتحيتهم أنهم كانوا يقولون: السام عليك يا ~~محمد، وكان السام في لغتهم الموت والهلاك، وكان رسول الله يقول: ' وعليكم ~~'. فروي في بعض الأخبار: ' أن عائشة سمعتهم يقولون ذلك، فجعلت تسبهم ~~وتلعنهم، فزجها النبي عن ذلك وقال لها: ' يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش ~~والتفحش، وقالت: PageV05P386 # * (يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا ~~جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم ~~فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا ~~الله الذي إليه تحشرون) * * يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟! فقال رسول ~~الله: ألم تسمعي ما قلت، قلت: وعليكم، وإنا نستجاب فيهم، ولا يستجابون فينا ~~'. # وقوله: * (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول) المعنى: أنهم ~~كانوا يقولون: لو كان محمد نبيا لعذبنا الله بما نقول. # وقوله: * (حسبهم جهنم) أي: كافيهم عذاب جهنم. # وقوله: * (يصلونها) أي: يدخلونها. # وقوله: * (وبئس المصير) أي: المنقلب والمرجع. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى) أي: وما تتقون به. # وقوله: * (واتقوا الله الذي إليه تحشرون) يوم القيامة. وإذا حملنا الآية ~~على المنافقين فقوله: * (يا أيها الذين آمنوا) أي: آمنوا بألسنتهم، والأصح ~~أن الخطاب للمؤمنين، أمرهم الله تعالى ألا يكونوا كالمنافقين وكاليهود. # قوله تعالى: * (إنما النجوى من الشيطان) يعني: أن النجوى بينهم على ما ~~بينا [هي] من الشيطان. # وقوله: * (ليحزن الذين آمنوا) أي: ليحزنوا بما يسمعون من الإرجاف ~~بالسرية. PageV05P387 # ((9) * إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا ms1739 وليس بضارهم شيئا إلا ~~بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10) يا أيها الذين آمنوا إذا قيل ~~لكم تفسحوا في) * * وقوله تعالى: * (وليس بضارهم شيئا) يعني: أن الإرجاف لا ~~يضر السرية. # وقوله تعالى: * (إلا بإذن الله) أي: بعلم الله. وقوله: * (وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون) أي: فليتق المؤمنون. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس ~~فافسحوا يفسح الله لكم) معناه: إذا قيل لكم توسعوا في المجلس أي: في مجلس ~~رسول الله فوسعوا يوسع الله لكم. أي: في الجنة. # وفي التفسير: أن الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان به صمم، فجاء ~~يوما وقد (جلس) الناس عند النبي، فطلب أن يوسعوا له ليقرب من النبي ويسمع، ~~فوسعوا له إلا رجلا واحدا وكان قريبا من النبي لم يوسع له، وقال له: قد ~~أصبت موضعا فاقعد، فعيره ثابت بن قيس بأم كانت له في الجاهلية، فسمع النبي ~~ذلك فقال: ' يا ثابت، انظر من القوم فليس لك على أحد منهم فضل إلا بالتقوى ~~'. وأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمر المسلمين أن يتوسعوا في المجلس. قال ~~الحسن البصري: نزلت الآية في صفوف الجهاد. والمراد من التفسح هاهنا هو ~~القعود في المكان من (اختباء) لا للحرب. والقول الأول أظهر. # وقوله: * (وإذا قيل انشزوا فانشزوا) قال قتادة معناه: إذا دعيتم إلى خير ~~فأجيبوا. وقال الحسن: هو في الحرب. وقيل: هو النهوض في جميع الأشياء بعد أن ~~يكون من الخيرات، وذلك مثل: الجهاد، وصفوف الجماعات، والأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك. PageV05P388 # * (المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير (11) يا ~~أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير ~~لكم وأطهر فإن لم تجدوا) * * وفي الآية قول ثالث: أن قوله: * (فانشزوا) هو ~~إذا فرغ النبي فأخرجوا من عنده، ولا تلبثوا عنده فتثقلوا عليه، وهو في معنى ~~قوله تعالى: * (فإذا أطعمتم فانتشروا ولا مستأنسين ms1740 لحديث). # وقوله: * (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) أي: ~~بإيمانهم وعلمهم. وقيل: كان النبي يستحب أن يكون بالقرب منه أولوا العلم ~~والنهي من أصحابه، فكان غيرهم يأتي ويقرب من النبي، ثم إذا حضر الأكابر ~~وأولوا العلم من أصحابه كان يقول: ' يا فلان، قم، ويا فلان، قم وتأخر؛ ~~ليقعد أولوا العلم والنهي بالقرب منه، فعلى هذا معنى قوله: * (يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) إشارة إلى ما كان يرفعهم النبي ~~ويقعدهم بالقرب. يعني: أنهم أصابوا ما أصابوا من الرفعة والرتبة بالإيمان ~~والعلم. # وقوله: * (والله بما تعملون خبير) أي: عليم. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة) سبب نزول الآية أن الناس كانوا يستكثرون من السؤال على النبي، ~~وكان الواحد منهم يتناجى مع رسول الله طويلا، فأراد الله أن يخفف عن نبيه، ~~فأنزل هذه الآية. وعن مجاهد عن علي رضي الله عنهما أنه قال: لم يعمل بهذه ~~الآية غيري، كان عندي دينار فتصدقت به، وانتجيت مع الرسول. وفي رواية: أنه ~~صارف الدينار بعشرة دراهم، فكان كلما أراد أن يتناجى مع الرسول عليه الصلاة ~~والسلام تصدق بدرهم. # وذكر النقاش في تفسيره: أن المنافقين قالوا: قد طال نجوى محمد مع ابن عمه ~~PageV05P389 # * (فإن الله غفور رحيم (12) أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا ~~لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ~~ورسوله والله خبير بما) * * فقال النبي: ' ما انتجيته أنا ولكن الله انتجاه ~~'. # في بعض التفاسير: أن هذا لأمر لم يبق إلا ساعة من النهار حتى نسخ. # وفي التفسير أيضا: أن النبي قال لعلي: ' كم تقدر في الصدقة؟ فقال: شعيرة، ~~فقال: إنك لزهيد '، ' وكان الرسول قد قال: ' يتصدقون بدينار. فقال علي: ~~إنهم لا يطيقونه '. # وذكر بعضهم: أن المنافقين كانوا يأتون النبي [ويتناجون] معه طويلا تصنعا ~~ورياء، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فبخلوا بأموالهم وكفوا عن النجوى. # وقوله تعالى: * (ذلك خير لكم وأطهر) أي: أزكى. # وقوله: * (فإن لم ms1741 تجدوا فإن الله غفور رحيم) أي: إن لم تجدوا ما تتصدقون ~~به فإن الله غفر لكم، ورحمكم بإسقاط الصدقة عنكم. # وقوله تعالى: * (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات) معناه: أأشفقتم ~~على أموالكم وبخلتم بها؟ # وقوله: * (فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأطيعوا الله ورسوله) نسخ ذلك الأمر بهذه الآية، كأنه قال: فإذا لم تفعلوا ~~ونسخناه منكم * (فأقيموا الصلاة) أي: حافظوا عليها * (وآتوا الزكاة) أي: ~~أدوها * (وأطيعوا الله PageV05P390 # * (تعملون (13) ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ~~ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ~~ساء ما كانوا يعملون (15) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب ~~مهين (16) لن) * * ورسوله) فيما يأمران من الأمر * (والله خبير بما تعملون) ~~أي: عليم بأعمالكم. # قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم) نزلت في ~~المنافقين كانوا [يتولون] اليهود، وقالوا لهم: نحن معكم في السر. # وقوله: * (ما هم منكم ولا منهم) أي: المنافقين. # وقوله: * (ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) روي ' أن النبي دعا عبد الله ~~ابن نبتل وكان أحد المنافقين فقال له: مالك تشتمني وتؤذيني وقومك وأصحابك، ~~فذهب وجاء بأصحابه يحلفوا أنهم لم يقولوا له إلا خيرا '، فهو معنى قوله: * ~~(ويحلفون على الكذب وهم يعلمون). # وقوله: * (أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون) أي: ساءت ~~أعمالهم. # قوله تعالى: * (اتخذوا أيمانهم جنة) معناه: اتقوا بأيمانهم كما يتقي ~~المحارب PageV05P391 # * (تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون (17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون ~~أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر ~~الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) إن الذين ~~يحادون الله ورسوله) * * بجنته، وهي ترسه. # وقوله: * (فصدوا عن سبيل الله) أي: أعرضوا عن سبيل الله. # وقوله: * (فلهم عذاب مهين) ظاهر المعنى. # قوله: * (لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ms1742 من الله شيئا) أي: لن تدفع ~~عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا. # وقوله: * (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) أي: دائمون. قوله تعالى: * ~~(يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم) أي: يحلفون لله كذبا ~~كما حلفوا لكم كذبا. # وقوله: * (ويحسبون أنهم على شيء) أي: يظنون أنهم على شيء. # وقوله: * (آلا إنهم هم الكاذبون) أي: الكاذبون على الله وعلى رسوله. # قوله: * (استحوذ عليهم الشيطان) أي: غلب عليهم الشيطان. وفي صفات عمر رضي ~~الله عنه أنه كان أحوذيا نسيج وحده. وفي رواية أحوزيا. ومعناه بالذال أي: ~~غالبا على الأمور. # وقوله: * (فأنساهم ذكر الله) أي: أنساهم الشيطان ذكر الله. # وقوله: * (أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) أي: خسروا ~~رضا الله تعالى والجنة. # قوله تعالى: * (إن الذين يحادون الله ورسوله) قد بينا. PageV05P392 # * (أولئك في الأذلين (20) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ~~(21) لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه) * * وقوله: * (أولئك في الأذلين) أي: الأقلين. ~~وكل كافر ذليل، وكل مؤمن عزيز. ومعناه: هم أقل درجة ورتبة. # وقوله: * (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) أما غلبة الله معلومة؛ لأن كل ~~الأشياء على مراده ومشيئته، أما غلبة رسله فهي بالنصر تارة وبالحجة أخرى. # وقوله: * (إن الله قوي عزيز) أي: قوي في الأمور، غالب عليها. # قوله تعالى: * (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله) أي: لا يكون من صفة المؤمنين أن يوادوا من حاد الله ورسوله * ~~(ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) في نزول الآية قولان: ~~أحدهما: أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى مكة يؤذنهم بغزو ~~النبي؛ وستأتي قصة ذلك في سورة الممتحنة. والقول الثاني: أن الآية نزلت في ~~غيره. # وقوله: * (ولو كانوا آباءهم) نزل في أبي عبيدة بن الجراح، وكان قتل أباه ~~الكافر وجاء ms1743 برأسه إلى النبي. وقد قيل: إن أباه مات قبل أن يسلم أبو عبيدة، ~~والله أعلم. # وقوله: * (أو أبناءهم) نزل في أبي بكر رضي الله عنه أراد أن يخرج إلى ~~ابنه عبد الرحمن فيبارزه، فمنعه النبي عن ذلك وقال: ' نبله منه غيرك '. # وقوله: * (أو إخوانهم) نزل في عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل أخاه هشام ~~بن العاص يوم بدر، وكان أخاه من أمه. # وقوله: * (أو عشيرتهم) نزل في حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم ~~بارزوا مع عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، وقد كانوا عشيرتهم وقرابتهم. ~~PageV05P393 # * (ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22).) * * وقوله: * ~~(أولئك كتب في قلوبهم الإيمان) أي: أدخل في قلوبهم الإيمان. وقيل: كتب أي: ~~جعل في قلوبهم علامة تدل على إيمانهم. # وقوله: * (وأيدهم بروح منه) أي: قواهم بنصر منه. وقيل: بنظر منه. وقيل: ~~برحمة منه. # وقوله: * (ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه) معلوم المعنى. # وقوله: * (أولئك حزب الله) أي: جند الله. وقيل: خاصة الله وصفوته. وتقول ~~العرب: أنا في حزب فلان أي: في شق فلان وجانبه. # وقوله: * (ألا إن حزب الله هم المفلحون) أي: هم السعداء الباقون في نعيم ~~الأبد. وقيل: هم الذين نالوا رضا الله تعالى، والله أعلم. PageV05P394 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم (1) هو الذي أخرج) * * تفسير سورة الحشر وهي مدنية وعن ابن عباس: ~~أنه سماها سورة النضير، والله أعلم قوله تعالى: * (سبح لله ما في السماوات ~~وما في الأرض) أي: صلى وتعبد لله. والتسبيح لله تعالى: هو تنزيهه من كل ~~سوء. وذكر بعضهم عن ابن عباس أنه قال: كل تسبيح ورد في القرآن فهو بمعنى ~~الصلاة. ومنه قوله: سبحة الضحى أي: صلاة الضحى. # وقوله: * (وهو العزيز الحكيم) أي: الغالب على الأشياء، الحكيم في الأمور. # قوله تعالى: * (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ms1744 من ديارهم) قال ~~جماعة المفسرين: هم بنو النضير من اليهود، وكان رسول الله وادعهم وشرط ~~عليهم أن لا ينصروا مشركي قريش، فنقضوا العهد. وروي أن نقضهم العهد كان هو ~~أن النبي أتاهم يستعين بهم في دية التلاديين وقيل العامريين قتلى عمرو بن ~~أمية الضمري، فجاء وقعد في أصل حصنهم فقالوا: ما جاء بك يا محمد؟! فذكر لهم ~~ما جاء فيه، واستعان بهم، فدبروا ليلقوا عليه صخرة ويقتلوه؛ فجاء جبريل ~~عليه السلام وأخبره، فرجع إلى المدينة ثم حاصرهم وأجلاهم '. # وقوله: * (لأول الحشر) قال الحسن: معنى أول الحشر: هو أن الشام أرض الحشر ~~والمنشر، وكان رسول الله أجلاهم إلى الشام، فإجلاءه إياهم كان هو الحشر ~~الأول، والحشر الثاني يوم القيامة، وهو قول عكرمة أيضا. وقال عكرمة: من شك ~~أن الشام أرض المحشر فليقرأ قوله تعالى: * (لأول الحشر). وقيل: إن بني ~~النضير كانوا أول من PageV05P395 # * (الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا ~~وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار (2) ولولا أن) * * أجلوا عن بلادهم من اليهود فقال: * (لأول الحشر) ~~بهذا المعنى. ثم إن عمر رضي الله عنه أجلى باقي اليهود عن جزيرة العرب ~~استدلالا بقوله عليه الصلاة والسلام: ' لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ' ~~قال أبو عبيدة: وجزيرة العرب من حفر أبي موسى إلى أقصى حجر باليمن طولا، ~~ومن رمل يبرين إلى منقطع السماوة عرضا. والقول الثاني قول مجاهد وغيره. # وقوله: * (ما ظننتم أن يخرجوا) معناه: ما ظننتم أيها المؤمنون أن يخرجوا؛ ~~لأنهم كانوا أعز اليهود بأرض الحجاز وأمنعهم جانبا. # قوله: * (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) أي: من عذاب الله. # وقوله: * (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) قال السدى: هو بقتل كعب بن ~~الأشرف، قتله محمد بن مسلمة الأنصاري حين بعثه رسول الله وكان صديقا لكعب ~~في الجاهلية فجاءه ليلا ودق عليه باب الحصن، فنزل وفاغتاله وقتله، وروي ms1745 أن ~~محمد بن مسلمة قال لكعب: ألست كنت تعدنا خروج هذا النبي؟ وتقول: هو الضحوك ~~القتال يركب البعير، ويلبس الشملة، يجترئ بالكسرة، سيفه على عاتقه، له ~~ملاحم وملاحم. فقال: نعم، ولكن ليس هو بذاك. فقال كذبت يا عدو الله، بل ~~حسدتموه. # وقوله: * (وقذف في قلوبهم الرعب) أي: الخوف، وقد ثبت أن النبي قال: ' ~~نصرت بالرعب مسيرة شهر '. # وقوله: * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) وقرئ: ' يخربون ' من ~~PageV05P396 # * (كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ~~(3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب (4) ~~ما قطعتم من لينة) * * الإخراب، فمنهم من قال: هما واحد، والتشديد للتكثير. ~~وقال أبو عمرو: يخربون من فعل التخريب، ويخربون بالتخفيف أي: يتركوها ~~خرابا. فإن قيل: كيف قال: * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) ولا ~~يتصور أن يخربوا بيوتهم بأيدي المؤمنين؟ والجواب: إنما أضاف إليهم؛ لأنهم ~~هم الذين ألجأوا المؤمنين إلى التخريب، وحملوهم على ذلك بامتناعهم عن ~~الإيمان. فإن قال قائل: لم يخربوا بيوتهم؟ قلنا: طلبوا من ذلك توسيع موضع ~~القتال. وعن الزهري: أن المسلمين كانوا يخربون من خارج الحصن، واليهود ~~كانوا يخربون من داخل الحصن، وكان تخريبهم ذلك ليحملوا ما استحسنوه من سقوف ~~بيوتهم مع أنفسهم. وقيل: لئلا تبقى للمؤمنين. # وقوله: * (فاعتبروا يا أولي الأبصار) والاعتبار هو النظر في الشيء ليعرف ~~به جنسه ومثله. وقيل معناه: فانظروا وتدبروا يا ذوي العقول والفهوم، كيف ~~سلط الله المؤمنين عليهم، وسلطهم على أنفسهم؟ وقد استدل بهذه الآية على ~~جواز القياس في الأحكام، لأن القياس نوع اعتبار؛ إذ هو تعبير شيء بمثله ~~بمعنى جامع بينهما ليتفقا في حكم الشرع. # قوله تعالى: * (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا) أي: ~~بالسيف. واستدل بعضهم بهذه الآية على أن الإخراج من الدار بمنزلة القتل؛ ~~وعليه يدل قوله تعالى: * (أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم). # وقوله: * (ولهم في الآخرة عذاب النار) أي: عذاب جهنم. # وقوله تعالى: * (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) أي: خالفوا الله ورسوله. ms1746 ~~وقد ذكرنا أن معناه: صاروا في شق غير شق المؤمنين. # وقوله: * (ومن يشاق الله) أي: يخالف الله * (فإن الله شديد العقاب). ~~PageV05P397 # * (أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (5) وما ~~أفاء الله على) * * قوله تعالى: * (ما قطعتم من لينة) قال سعيد بن جبير: ~~اللينة كل تمر سوى البرني والعجوة، وأهل المدينة يسمون التمور الألوان. ~~وقيل: اللينة: النخلة. وعن بعضهم أن اللينة: جمع الأشجار، سميت لينة للينها ~~بالحياة. وعن سفيان قال: اللينة كرائم النخيل. وقيل: هو الفسيل، سمي لينة ~~لأنه لا يكون في شدة الحر. ومن المشهور أن النبي قال: ' العجوة من الجنة ~~وفيها شفاء من السم '. # وفي القصة: أن أصحاب رسول الله لما حاصروا بني النضير كان بعضهم يقطع ~~النخيل وبعضهم يتركها. # وفي رواية: ' أن النبي أمرهم بقطع النخيل، فخرج اليهود حين رأوا ذلك ~~وقالوا: يا محمد، ألست تنهى عن الفساد، وهذا من الفساد، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية '. # وقد ثبت برواية نافع عن ابن عمر ' أن النبي حرق نخيل بني النضير وقطعها، ~~فأنزل الله تعالى: * (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن ~~الله) ' أي: بأمر الله، قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الخبر المكي بن عبد ~~الرزاق، أخبرنا جدي، أخبرنا الفربري، أخبرنا البخاري، عن قتيبة، عن الليث ~~بن سعد، عن نافع. الخبر. وفي رواية: أن النبي حرق البويرة، وقال شاعرهم ~~شعرا: # (وهان على سراة بني لؤي * حريق بالبويرة مستطير) والبويرة: موضع بني ~~النضير PageV05P398 # * (رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على ~~من يشاء والله على كل شيء قدير (6) ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ~~فلله وللرسول) * * وقوله: * (وليخزي الفاسقين) هم اليهود، وإخزاؤهم هو ~~رؤيتهم كيف يتحكم المؤمنون في أموالهم. # قوله تعالى: * (وما أفاء الله على رسوله منهم) أي: من بني النضير، والفيء ~~كل مال رد الله تعالى من الكفار إلى المسلمين، وهو مأخوذ من الفيء بمعنى ~~الرجوع يقال: فاء إذا رجع، ومنه فيء الظل، والفرق بين الفيء ms1747 والغنيمة: أن ~~الغنيمة هي ما أخذه المسلمون من الكفار بإيجاف الخيل والركاب، والفيء ما ~~صار إلى المسلمين من أموال الكفار من غير إيجاف خيل وركاب. # وقوله: * (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) الركاب: الإبل، والمعنى: أن ~~أموالهم صارت إلى رسول الله من غير إيجافكم بخيل أو إبل. والإيجاف: ~~الإسراع. فجعل الله تعالى أموال بني النضير للنبي خاصة، لأن النبي ظهر ~~عليهم من غير قتال من المسلمين، وكان يدخر منها قوت سنة لعياله، والباقي ~~يتخذ منه الكراع وعدة في سبيل الله '. # وفي تفسير قتادة: أن المسلمين طلبوا أن يقسم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وجعل ما أصابوه للرسول خاصة، وكان رسول الله لما أجلاهم شرط أن لهم ~~ما تحمله إبلهم إلا الحلقة، يعني: السلاح. # وقوله: * (ولكن الله يسلط رسله على من يشاء) أي: رسوله على من يشاء. # وقوله: * (والله على كل شيء قدير) أي: قادر. # قوله تعالى: * (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) في الآية بيان مصارف الخمس، وقد ~~بينا من قبل، PageV05P399 # * (ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ~~إن الله شديد العقاب (7) للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون (8) والذين تبوءوا الدار) * * والقرى هي القرى العربية مثل: خيبر، ~~ووادي القرى، وفيماء، وغيرها. ومن المشهور في التفسير أيضا: أن النبي قسم ~~أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر: ~~سهل بن حنيف، وأبا دجانة، والحارث بن الصمة، وهذا قول غير القول الأول الذي ~~ذكرنا، وهو الأشهر، فعلى هذا جعل الله أموال بني النضير للرسول خاصة قسمها ~~بين المهاجرين ليكفي الأنصار مؤنتهم. # وقوله تعالى: * (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) أي: لئلا يتداوله ~~الأغنياء منكم. والتداول هو النقل من يد إلى يد. # وقوله: * (وما أتاكم الرسول فخذوه ms1748 وما نهاكم عنه فانتهوا) حث الله تعالى ~~المسلمين في هذه الآية على التسليم لأمر الله تعالى ونهيه؛ لأن المعنى وما ~~أتاكم الرسول عن الله فخذوه، وما نهاكم عن الله فانتهوا. # وقوله: * (واتقوا الله إن الله شديد العقاب) أي: العقوبة. # قوله تعالى: * (للفقراء المهاجرين) يعني: ما أفاء الله على رسوله للفقراء ~~المهاجرين * (الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) فديارهم مكة وغيرها، ~~وأموالهم ما خلفوها عند هجرتهم. # وقوله: * (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) أي: يطلبون فضل الله ورضاه. # وقوله: * (وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) أي: الصادقون عقدا ~~وقولا وفعلا. # قوله تعالى: * (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم) أجمع أهل التفسير ~~على أن المراد بهم الأنصار. PageV05P400 # * (والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم) * ~~* وقوله: * (تبوءوا الدار والإيمان) أي: استوطنوا المدينة، وقبلوا الإيمان. ~~وقيل: تبوءوا الدار أي: أعدوا الديار للمهاجرين وواسوهم في كل مالهم. # وقوله: * (والإيمان) أي: جعلوا دورهم دور الإيمان، وذلك بإظهارهم الإيمان ~~فيما بينهم، فإن قيل: كيف يستقيم قوله: * (من قبلهم) والأنصار إنما آمنوا ~~من بعد المهاجرين؟ والجواب أن قوله: * (من قبلهم) ينصرف إلى تبوء الدار لا ~~إلى الإيمان والثاني أن قوله * (من قبلهم) وإن انصرف إلى الإيمان فالمراد ~~منه قبل هجرتهم؛ لأن الأنصار كانوا قد آمنوا قبل هجرتهم. # وقوله: * (يحبون من هاجر إليهم) أي: من أهل مكة وغيرهم. # وقوله: * (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) قال قتادة: وعند كثير من ~~المفسرين معناه: حسدا مما أعطوا، وقيل: ضيقا في قلوبهم مما أعطي المهاجرين، ~~وهو بمعنى الأول. وقد ذكرنا ما أعطى رسول الله المهاجرين من أموال بني ~~النضير، فالمعنى ينصرف إليهم. # وقوله: * (ويؤثرون على أنفسهم) أي: يقدمون المهاجرين على أنفسهم. # وقوله: * (ولو كان بهم خصاصة) أي: فقر وحاجة. ومن المعروف برواية أبي ~~هريرة أن بعض الأنصار أضاف رجلا من الفقراء، ولم يكن عنده فضل عما يأكله ~~ويأكل أهله وصبيانه. وفي رواية: أن ms1749 ذلك الرجل كان جاع ثلاثة أيام ولم يجد ~~شيئا، وطلب رسول الله له شيئا في بيوت أزواجه ولم يجد، فأضافه هذا ~~الأنصاري، حمله إلى بيته وقال لأهله: نومي الصبية وأطفئي السراج [بعلة] ~~الإصلاح، ففعلت ذلك، وجعلا يمدان أيديهما ويضربان على (الصحفة)؛ ليظن الضيف ~~أنهما يأكلان، ولا يأكلان ففعلا ذلك وأكل الضيف حتى شبع، فلما غدا ~~PageV05P401 # * (المفلحون (9) والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا) * * على النبي قال: ' لقد عجب الله من صنيعتكم البارحة ' ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # ومن المعروف أن النبي قال للأنصار: ' إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند ~~الطمع '. # وقوله: * (ومن يوق شح نفسه) أي: بخل نفسه * (فأولئك هم المفلحون) أي: ~~السعداء الفائزون. وعن ابن مسعود أن رجلا قال له: إني لا أستطيع أن أعطي من ~~مالي شيئا أفتخش البخل. قال: ذلك البخل، وبئس الشيء البخل، وإنما الشح أن ~~تأخذ المال من غير حقه. وقيل: البخل أن يبخل بماله نفسه والشح أن يبخل بمال ~~غيره وقال مقاتل بن سليمان ومن يوق شح نفسه أي: حرص نفسه. وقيل: هوى نفسه. ~~وقال سعيد بن جبير: هو منع الزكاة. وعن ابن زيد: هو أن يأخذ ما ليس له أن ~~يأخذ، ويمنع ما لا يجوز له منعه. # قوله تعالى: * (والذين جاءوا من بعدهم) هم التابعون. وقيل: الذين يؤمنون ~~إلى يوم القيامة. # وقوله: * (يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا ~~تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا) أي: خيانة وحقدا، وفي الآية دليل على أن ~~الترحم للسلف PageV05P402 # * (بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم (10) ~~ألم تر إلى) * * والدعاء لهم بالخير وترك ذكرهم بالسوء من علامة المؤمنين. ~~وروي أن رجلا جاء إلى مالك بن أنس فجعل يقع في جماعة من الصحابة مثل: أبي ~~بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم، فقال له: أنت من الفقراء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم؟ قال: لا. قال: أنت من الذين تبوءوا الدار ~~والإيمان من قبلهم؟ قال: لا. فقال: أشهد أنك لست ms1750 من الذين جاءوا من بعدهم ~~يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. # وعن ابن عباس أنه قال: ليس لمن يقع في الصحابة ويذكرهم بالسوء في الفيء ~~نصيب، وتلا هذه الآيات الثلاث. وروي أن عمر بن عبد العزيز سئل عما جرى بين ~~الصحابة من القتال وسفك الدماء فقال: تلك دماء طهر الله يدي عنها، فلا أحب ~~أن أغمس لساني فيها. # من المعروف أن النبي قال: ' إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر ~~فأمسكوا ' والمراد به الإمساك عن ذكر المساوئ لاعن ذكر المحاسن. وفي بعض ~~الروايات: ' إذا ذكر النجوم فأمسكوا '. # وقوله: * (ربنا إنك رؤوف رحيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين نافقوا) هم عبد الله بن أبي سلول، وعبد ~~الله بن نفيل، وزيد بن رفاعة وغيرهم. PageV05P403 # * (الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم ~~لكاذبون (11) لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن ~~نصروهم ليولن) * * وقوله: * (يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب) ~~فيه قولان: أحدهما: أنهم بنو النضير، قال لهم المنافقون ذلك قبل أن أجلوا. # والقول الآخر: أنهم بنو قريظة، قال لهم المنافقون ذلك بعد أن أجلي بنو ~~النضير. # وقوله: * (لئن أخرجتم لنخرجن معكم) أي: لئن أخرجتم من المدينة لنخرجن ~~معكم في القتال. # وقوله: * (ولا نطيع فيكم أحدا أبدا) أي: لا نطيع محمدا فيكم. # وقوله: * (وإن قوتلتم لننصرنكم) معناه: ولئن قاتلكم [محمدا] لنكونن معكم ~~في القتال. # وقوله: * (والله يشهد إنهم لكاذبون) أي: في هذا القول. # قوله تعالى: * (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم) يعني: لئن أخرج اليهود لا ~~يخرج معهم المنافقون. # وقوله: * (ولئن قوتلوا لا ينصرونهم) أي: لئن قوتل اليهود لا ينصرهم ~~المنافقون. # وقوله: * (ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون) فإن قيل: كيف قال: * ~~(لا ينصرونهم) ثم قال * (ولئن نصروهم) وإذا أخبر الله تعالى أنهم لا ~~ينصرونهم كيف يجوز أن ينصروهم؟ والجواب من وجوه: أحدها: أن قوله: * (لا ~~ينصرونهم) في ms1751 قوم من المنافقين، وقوله: * (ولئن نصروهم) أي: في قوم آخرين ~~منهم، وهم الذين لم يقولوا ذلك القول. # والوجه الثاني: أن قوله: * (لا ينصرونهم) أي: طائعين. PageV05P404 # * (الأدبار ثم لا ينصرون (12) لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك ~~بأنهم قوم لا يفقهون (13) لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء ~~جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ~~(14) كمثل الذين من) * * وقوله: * (ولئن نصروهم) أي: مكرهين. # والوجه الثالث: أن قوله: * (لا ينصرونهم) أي: لا يدومون على نصرهم. ~~وقوله: * (ولئن نصروهم) أي: نصروهم في الابتداء. # والوجه الرابع كما قاله الزجاج: هو أنهم لا ينصرونهم على ما قال الله ~~تعالى، وقوله: * (ولئن نصروهم) أي: قصدوا نصرتهم، لولوا الأدبار أي: ~~انهزموا، وذلك بما يلقي الله تعالى في قلوبهم من الرعب. # وقوله: * (ثم لا ينصرون) أي: لا ينصر اليهود. # قوله تعالى: * (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله) قال ابن عباس: يعني: ~~أنتم [أشد] رهبة في صدورهم من الله إذ يخافون منكم ما لا يخافون منه. # وقوله: * (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) أي: لا يعلمون عظمة الله وقدرته ~~فيخافون منه. # قوله تعالى: * (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر) ~~يعني: أنهم لا يمكنهم أن يصافوكم في القتال [ويواجهوكم] به، وإنما ~~يقاتلونكم في الحصون ووراء الجدر لقتلهم ودخول الرعب عليهم. # قوله: * (بأسهم بينهم شديد) قال مجاهد: يعني أنهم يقولون فيما بينهم: ~~لنفعلن كذا ولنفعلن كذا. # وقوله: * (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) يعني: أن المنافقين قط لا يخلصون ~~لليهود، ولا اليهود للمنافقين. # وقوله: * (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) أي: لا يتدبرون بعقولهم، فهم بمنزلة ~~من PageV05P405 # * (قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (15) كمثل الشيطان إذ ~~قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين (16) ~~فكان عاقبتهما) * * لا عقل له. # قوله تعالى: * (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر) أي: مثل هؤلاء ~~المنافقين مع اليهود كمثل الشيطان مع الكافر. وأكثر المفسرين على أن ms1752 هذا ~~الكافر هو رجل من بني إسرائيل يعبد الله تعالى في صومعة دهرا طويلا، وكان ~~اسمه برصيصا العابد، وكان في بني إسرائيل ثلاثة إخوة لهم أخت حسناء بها شيء ~~من اللمم، وقيل: كانت مريضة، فعرض لهم سفر فقالوا: نسلم أختنا إلى فلان ~~العابد فيحفظها إلى أن نرجع وفي رواية: يدعو لها ويقوم عليها فإن ماتت ~~دفنها، وإن برأت فكانت عنده إلى أن نرجع، فسلموها إليه بجهد، فقام عليها ~~حتى برأت. ثم أن الشيطان جاءه وزين له أن يواقعها فواقعها وحبلت منه، ثم ~~جاء الشيطان وقال: إنك تفضح إذا قدم إخوتها فاقتلها وادفنها وقل أنها ماتت، ~~ففعل ذلك ودفنها في أصل صومعته، فلما رجع الإخوة وجاءوا [إليه] ذكر لهم ~~أنها قد ماتت فصدقوه، ثم أن الشيطان أراهم في المنام أن العابد قد قتل ~~أختكم ودفنها في موضع كذا، فجاءوا إلى ذلك الموضع، وحفروا واستخرجوا أختهم ~~مقتولة، فذهبوا وذكروا ذلك للملك، فجاء الملك والناس واستنزلوا العابد من ~~صومعته ليقتلوه، فجاءه الشيطان وقال: أنا الذي فعلت بك ما فعلت فأطعني حتى ~~أنجيك، فقال: أيش أفعل؟ فقال: تسجد لي سجدة ففعل، وقتل على الكفر، ونزلت ~~هذه الآية في هذه القصة وقد روى عطية عن ابن عباس قريبا من هذا وذكر بعضهم ~~هذه القصة مسندة إلى الرسول برواية سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار بألفاظ ~~قريبة من هذا في المعنى. قال الشيخ: أخبرنا بذلك أبو علي الشافعي بمكة، ~~أخبرنا ابن فراس، أخبرنا أبو جعفر الديبلي، أخبرنا سعيد بن PageV05P406 # * (أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين (17) يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما ~~تعملون (18) ولا تكونوا * * عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان. # وقوله: * (فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين) هذا مثل ~~قوله تعالى: * (فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني ~~أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب) وقيل: إن خوفه من العقوبة ~~في ms1753 الدنيا لا من العقوبة في الآخرة. وقيل: هو الخوف من العقوبة في الآخرة ~~إلا أن خوفه لا ينفعه لعدم الإيمان. وقيل: إن الآية نزلت في جميع الكفار لا ~~في كافر مخصوص، والمشهور هو القول الأول. # قوله تعالى: * (فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها) يعني: عاقبة ~~الكافر وإبليس (خالدين فيها) أي: دائمين فيها. # وقوله: * (وذلك جزاء الظالمين) أي: الكافرين. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) ~~قال قتادة: ما زال يقرب الساعة حتى جعل كالغد. # وقوله: * (واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) الأمر بالتقوى على طريق ~~التأكيد. # قوله تعالى: * (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) أي: تركوا ~~أمر الله فتركهم من نظره ورحمته. وقيل معناه: تركوا طلب الحظ لأنفسهم في ~~الآخرة بما تركوا من أمر الله، ونسب إلى الله تعالى؛ لأن تركهم طلب الحظ ~~لأنفسهم وفواته إياهم كان لأجل ما توجه عليهم من أمر الله، وقيل معناه: ~~أغفلهم عن حظ أنفسهم عقوبة لهم. قال النحاس: ويستقيم في العربية أن يقال: ~~نسيهم فلان بمعنى تركهم. ولا يستقيم أنساهم بمعنى تركهم. PageV05P407 # * (كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) لا يستوي ~~أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (20) لو أنزلنا هذا ~~القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها ~~للناس لعلهم يتفكرون * * وقوله: * (أولئك هم الفاسقون) أي: الخارجون عن ~~طاعة الله. # قوله تعالى: * (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هو ~~الفائزون) أي: الناجون. # قوله تعالى: * (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من ~~خشية الله) أي: إذا جعلنا له ما يميز ويعقل. قيل: هو مذكور على طريق ~~التمثيل لا على طريق الحقيقة، وعند أهل السنة: أن لله تعالى في الموات ~~والجمادات علما (لا) يقف عليه الناس. وقد قال في موضع آخر: * (ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم) وهو دليل على ما ذكرنا من قبل. # وقوله: * (خاشعا) أي: ذليلا، وقيل: متصدعا أي: متشققا من خشية الله. # وقوله: * (وتلك ms1754 الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) أي: يتدبرون. # قوله تعالى: * (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة) أي: ~~السر والعلانية، وقيل: عالم الغيب والشهادة أي: ما كان وما يكون. # وقوله: * (هو الرحمن الرحيم) قد بينا. # قوله: * (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك) أي: المقتدر على الأشياء. # وقوله: * (القدوس) أيك الطاهر، وقيل: المنزه من كل نقص وعيب، وقيل ~~القدوس: المقدس، يعني: يقدسه الملائكة ويسبحونه، وفي تسبيح الملائكة: سبوح ~~PageV05P408 # * (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ~~(22) هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ~~العزيز الجبار المتكبر * * قدوس رب الملائكة والروح. ومنه بيت المقدس، ومنه ~~حظيرة القدس، وهي الجنة. قال رؤبة:. # (دعوت رب العزة القدوسا * دعاء من لا يقرع الناقوسا) وقوله: * (السلام) ~~قال قتادة: معناه: مسلم من الآفات والعيوب. وقال مجاهد: سلم الناس من ظلمه. ~~وفي بعض الأخبار: أن النبي قال: ' السلام اسم من أسماء الله تعالى [ووضعه] ~~بينكم فأفشوه '. # وقوله: * (المؤمن) فيه أقوال: أحدها: أنه يؤمن المؤمنين من النار ~~والعذاب. والآخر: أن المؤمنين أمنوا من ظلمه فهو مؤمن. والقول الثالث: أنه ~~شهد لنفسه بالوحدانية، فهو مؤمن بهذا المعنى، وشهادته لنفسه بالوحدانية هو ~~قوله تعالى: * (شهد الله أنه لا إله إلا هو) وقوله: * (المهيمن) قال قتادة: ~~أي: الشهيد. وقال بعضهم: هو الأمين، ومعنى كونه أمينا: أنه لا يضيع أعمال ~~العباد، فكأن أعمال العباد في أمانته لا يضيعها. وقيل: هو الرقيب. وقيل: إن ~~المهيمن أصله المؤيمن إلا أنه قد قلبت الهمزة هاء مثل قولهم: أرقت الماء ~~وهرقته. # وقوله: * (العزيز) أي الغالب. وقيل: القاهر. وقيل: المنيع. # وقال الشاعر في المهيمن. PageV05P409 # * (سبحان الله عما يشركون (23) هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء ~~الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (24).) * * (مليك ~~على عرش السماء مهيمن * [لعزته] تعنو الوجوه وتسجد) وقوله: * (الجبار) أي: ~~جبر الخلق على مراده ومشيئته. وقيل: الجبار أي: العظيم. وقيل: هو الذي يفوت ~~عن الأوهام والإدراك. # يقال: ms1755 نخلة جبارة إذا كانت طويلة لا يوصل إليها بالأيدي. # قوله: * (المتكبر) أي: الكبير. وقيل: المتكبر هو الذي أعلى نفسه وعظمها، ~~وهذا ممدوح في صفات الله، مذموم في صفات الخلق؛ لأن الخلق لا يخلون عن ~~نقيصة، فلا يليق بهم إعظامهم أنفسهم وإعلاؤهم إياهم، والله تعالى لا يجوز ~~عليه نقص فيصح مدحه لنفسه وإعظامه. # وقيل: مدح نفسه ليعلم خلقه مدحهم إياه ليثيبهم عليه، إذ لا يجوز أن يعود ~~إليه ضر ولا نفع. # وقوله: * (سبحان الله عما يشركون) قد بينا في كثير من المواضع. # قوله تعالى: * (هو الله الخالق البارئ) أي: مقدر الأشياء ومخترعها. # وقوله: * (البارئ) قيل: هو في معنى الخالق على طريق التأكيد، وقيل: إن ~~معناه المحيي بعد الإماتة. قال الشاعر: # (وكل نفس على سلامتها * يميتها الله ثم يبرؤها) ذكره أبو الحسن بن فارس. # وقوله: * (المصور) هو التصوير المعلوم يصور كل خلق على ما يشاء. وقيل: ~~PageV05P410 # التصوير هو تركيب مخصوص في محل مخصوص من الخلق. # وقوله تعالى: * (له الأسماء الحسنى) الحسنى: هو تأنيث الأحسن، وهي هاهنا ~~بمعنى العليا. # وقوله: * (يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) ظاهر ~~المعنى. وقد ورد في بعض المسانيد برواية ابن عباس عن النبي أنه قال: ' إن ~~اسم الله الأعظم في ثلاث آيات من آخر سورة الحشر '. والله أعلم. ~~PageV05P411 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا) * * تفسير سورة الممتحنة وهي مدنية، ~~والله أعلم قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء) نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب كتابا إلى المشركين ~~يخبرهم ببعض أمر النبي، والخبر في ذلك ما أخبرنا به أبو علي الحسن بن عبد ~~الرحمن بن الحسن الشافعي، أخبرنا أبو الحسن بن فراس، أخبرنا أبو محمد ~~المقرئ، أخبرنا جدي محمد بن عبد الله ابن يزيد المقرئ، أخبرنا سفيان بن ~~عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، عن عبيد الله بن ~~أبي رافع قال: سمعت ms1756 غليا رضي الله عنه يقول: ' بعثني رسول الله والزبير ~~والمقداد بن الأسود فقال: انطلقوا إلى روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب، ~~فخرجنا [تتعادى] بنا خيلنا حتى بلغنا روضة خاخ، فوجدنا بها ظعينة وقلنا ~~لها: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنقلبن ~~ثيابك. فأخرجت كتابا من غقاص شعرها، فأخذناه وأتينا به النبي، فإذا هو كتاب ~~من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي، فدعا حاطبا ~~وقال له: ' ما هذا؟ ' فقال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت أمرأ ملصقا ~~في قريش يعني حليفا ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم ~~قراباتهم، قرابات يحمون بها قراباتهم ولم يكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذ ~~فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، والله ما فعلته شكا في ~~الإسلام، ولا رضا بالكفر، فقال النبي: ' لقد صدقكم ' فقال عمر: يا رسول ~~الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي: ' إنه قد شهد بدرا، ولعل ~~الله PageV05P412 # * (بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم ~~خرجتم) * * اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم '. # قال أهل التفسير: ' وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد غزوا ورى بغيره '. ~~وكان يقول: ' الحرب خدعة ' فلما أراد أن يغزو مكة كتم أمره أشد الكتمان، ~~وكتب حاطب بن أبي بلتعة على يدي امرأة تسمى سارة كتابا إلى أهل مكة يخبرهم ~~بمسير النبي، فأطلع الله نبيه على ذلك، وكان الأمر على ما بينا، وأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا) في الآية دليل على أن حاطب لم يخرج ~~من الإيمان بفعله ذلك. # وقوله: * (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) أي: أعدائي وأعداءكم، وهم مشركو ~~قريش. # وقوله: * (تلقون إليهم بالمودة) أي: تلقون إليهم أخبار النبي وسره ~~بالمودة التي بينكم وبينهم. ويقال: تلقون إليهم بالمودة أي: بالنصيحة، قاله ~~مقاتل. وقيل: تلقون إليهم بالمودة أي: بالكتاب. وسمي ذلك مودة وكذلك ~~النصيحة؛ لأن ms1757 ذلك دليل المودة. # وقوله: * (وقد كفروا بما جاءكم من الحق) الواو واو الحال قاله الزجاج. ~~ومعناه: وحالهم أنهم كفروا بما جاءكم من الحق. # وقوله: * (يخرجون الرسول وإياكم) أي: أخرجوا الرسول وأخرجوكم، ومعنى ~~الإخراج هاهنا هو الإلجاء إلى الخروج. PageV05P413 # * (جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما ~~أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) إن يثقفوكم ~~يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون ~~(2) قد كانت لكم) * * وقوله تعالى: * (أن تؤمنوا بالله ربكم) أي: لأنكم ~~آمنتم بالله ربكم. # وقوله: * (إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي) قالوا: في الآية تقديم وتأخير، ~~والمعنى: إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء. وقيل معناه: لا تسروا إليهم بالمودة إن كنتم خرجتم جهادا في ~~سبيلي وابتغاء مرضاتي، فهو معنى قوله: * (تسرون إليهم بالمودة) خبر بمعنى ~~النهي. # وقوله: * (وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم) أي: بما أسررتم وما ظهرتم. # وقوله: * (ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) أي: أخطأ طريق الحق. # قوله تعالى: * (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء) معناه: إن يظفروا بكم، ~~والعرب تقول: فلان ثقف لقف، إذا كان سريع الأخذ. # وقوله: * (يكونوا لكم أعداء) أيك يعاملونكم معاملة الأعداء. # وقوله: * (ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء) أي: أيديهم بالسيف، ~~وألسنتهم بالشتم. # وقوله: * (وودوا لو تكفرون) أي: وأحبوا لو تكفرون كما كفروا. # قوله تعالى: * (لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم) يعني: أنكم فعلتم ما ~~فعلتم لأجل قراباتكم وأرحامكم، ولن ينفعكم ذلك يوم القيامة. # وقوله: * (يوم القيامة يفصل بينكم) أي: يفصل بينكم يوم القيامة؛ فيبعث ~~أهل الطاعة إلى الجنة، وأهل المعصية إلى النار. # وقوله تعالى: * (والله بما تعملون بصير) ظاهر المعنى. PageV05P414 # * (أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما املك لك من الله ~~من شيء ربنا عليك توكلنا ms1758 وإليك أنبنا وإليك المصير (4) ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك) * * قوله تعالى: * (قد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة) أي: قدوة حسنة. # وقوله: * (في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا) ~~المعنى في الكل: أنه أمرهم بأن تأسوا بإبراهيم في التبرؤ من المشركين وترك ~~الموالاة معهم. # وقوله: * (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) قال قتادة معناه: اقتدوا ~~بإبراهيم إلا في هذا [الموضع]، وهو استغفاره لأبيه المشرك، وقد بينا سبب ~~استغفار إبراهيم لأبيه من قبل. وقوله: * (وما أملك لك من الله من شيء) أي: ~~لا أدفع عنك من الله من شيء، وهو قول إبراهيم لأبيه. # وقوله: * (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير) إخبار عن إبراهيم ~~وقومه من المؤمنين يعني: إنهم ذلك. # قوله تعالى: * (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) قال مجاهد وغيره: أي: ~~لا تعذبنا بأيدي الكفار ولا بعذاب من عندك، فيظن الكفار أنا على غير الحق ~~حيث عذبنا، فيصير فتنة لهم في دينهم، ويظنون أنا كنا على الباطل؛ لأنهم ~~يقولون لو كان هؤلاء على الحق لم يعذبوا ولم يظفر بهم. # وقوله: * (واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة) كرر المعنى الأول على طريق ~~التأكيد. PageV05P415 # * (أنت العزيز الحكيم (5) لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (6) عسى الله أن يجعل ~~بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (7) لا ~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب) * * وقوله: * (لمن كان يرجو الله واليوم ~~الآخر) أي: يخاف الله، ويخاف يوم القيامة. # وقوله: * (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد) أي: المستغني عنهم، الحميد ~~في فعاله. والمعنى: أنهم إذا خالفوا أمره، وتولوا الكفار لم يعد إلى الله ms1759 ~~من ذلك شيء. # قوله تعالى: * (عسى الله) قد بينا أن عسى من الله واجب. # وقوله تعالى: * (أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتهم منهم مودة) أكثر ~~المفسرين على أن المراد منه تزويج أم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله. ~~وقيل: هو إسلام أبي سفيان بن حرب، وأبي سفيان بن الحارث، وسهيل بن عمرو، ~~وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية وغيرهم. وفي بعض التفاسير: أن النبي توفي ~~وأبو سفيان بن حرب أمير على بعض اليمن، فلما ارتدت العرب قاتل هودا الحمار ~~وقومه على ردتهم، فكان [هو] أول من يجاهد مع المرتدين. # وقوله: * (والله قدير) أي: قادر على أن يجعل بينكم وبينهم مودة. # وقوله: * (والله غفور رحيم) أي: لما كان منهم قبل إسلامهم، وقبل حدوث ~~المودة بينكم وبينهم. # قوله تعالى: * (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم) فيه أقوال: أحدها: أن المراد منه قوم كانوا على عهد ~~النبي من الكفار من خزاعة، وهي مدلج وغيرهم. والقول الثالث: أن قتيلة [كانت ~~كافرة، و] كانت PageV05P416 # * (المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ~~دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) ~~يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن) * * أم أسماء، فلم تقبل أسماء هديتها حتى سألت النبي، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية، ورخص في القبول والمكافأة، قاله عبد الله بن الزبير. # والقول الرابع: أن هذا قبل نزول آية السيف، ثم نسخت بآية السيف، قال ~~قتادة وغيره. # وقوله: * (أن تبروهم وتقسطوا إليهم) أي: تحسنوا إليهم، وتستعملوا العدل ~~معهم أي: المكافأة. # وقوله: * (إن الله يحب المقسطين) أي: الفاعلين للعدل. # قوله تعالى: * (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ~~دياركم وظاهروا على إخراجكم) أي: عاونوا على إخراجكم. # وقوله: * (أن تولوهم) معناه: أن تتولوهم. # وقوله: * (ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) أي: وضعوا الموالاة في غير ~~موضعها. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات) سماهن ms1760 ~~مؤمنات قبل وصولهن إلى النبي؛ لأنهن على قصد الإيمان وتقديره، ذكره ~~الأزهري. # وقوله: * (فامتحنوهن) أي: اختبروهن. قال أهل التفسير: نزلت الآية ' في ~~العهد الذي كان بين النبي وبين المشركين، وهو عهد الحديبية، وكان النبي ~~عاهد مع المشركين على أن من جاءه منهم يرده (عليهم)، ومن لحق بهم من ~~المؤمنين لم يردوا '، وأن الله تعالى نسخ هذا العهد، ورفعه في النساء وأمره ~~بالامتحان. وقال PageV05P417 # * (علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون ~~لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا ~~تمسكوا بعصم) * * بعضهم: كان العهد مطلقا، ولم يكن نص في النساء بردهن ~~عليهم. وقال بعضهم: كان قد نص في النساء أن يردهن عليهم وإن جئن مؤمنات، ثم ~~نسخ، وهو الأشهر، فكانت التي أتت مؤمنة مهاجرة بعد العهد: أم كلثوم بنت ~~عقبة بن أبي معيط، وأما الأمتحان، قال ابن عباس: هو أن يحلفها أنها ما ~~هاجرت إلا جبا لله ورسوله، ورغبة في الإسلام، وأنها لم تهاجر بحدث أحدثته، ~~ولا لبغض زوج، ولا لرغبة في مال، ولا حبا لإنسان. # وقوله: * (الله أعلم بإيمانهن) يعني: إخلاصهن في إيمانهن. # وقوله: * (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) فإن قال قائل: ~~كيف التوفيق بين قوله: * (فإن علمتموهن مؤمنات) وبين قوله: * (والله أعلم ~~بإيمانهن)؟ والجواب عنه: أن معنى قوله: * (فإن علمتموهن مؤمنات) أي: إيمان ~~الإقرار والامتحان، كأنهن أقررن بالإيمان، وحلفن عند الامتحان. # وقوله: * (فلا ترجعوهن إلى الكفار) أي: لا ترودهن. # وقوله تعالى: * (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) أي: لا هن حل للكفار ~~نكاحا ولا هم يحلون للمؤمنات نكاحا. # وقوله: * (وآتوهم ما أنفقوا) أوجب الله على المسلمين أن يردوا على ~~أزواجهن ما أعطوهن من المهور. # وقوله: * (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذ آتيتموهن أجورهن) أي: مهورهن، ~~وفيه دليل على أن النكاح لا يكون إلا بمهر. # وقوله: * (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) أي: لا تمسكوا بنكاح الكوافر، ~~والكوافر جمع الكافر، والمعنى: أن الرجل إذا أسلم وهاجر إلينا، ms1761 وخلف امرأته ~~في دار الحرب PageV05P418 # * (الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم ~~بينكم والله عليم حكيم (10) وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم ~~فآتوا الذين ذهبت) * * كافرة لم يعتد بها، ولم يبق نكاح بينه وبينها. وروي ~~أن عمر رضي الله عنه لما هاجر خلف امرأتين بمكة مشركتين، فتزوج (إحديهما) ~~معاوية، والأخرى صفوان بن أمية. # وقوله: * (واسألوا ما أنفقتم) أي: ما أعطيتم، وهذا في المرأة من المسلمات ~~إذا لحقت بالمشركين، فطالب زوجها المشركين بالمهر الذي أعطاها. # وقوله: * (وليسألوا ما أنفقوا) أي: ما أعطوا من المهر وهو ما قدمنا، وليس ~~هذا معنى الأمر والواجب أن يسألوا لا محالة، ولكن معناه: إن سألوا أعطوا، ~~وكل هذا منسوخ، وقد كان ذلك عهدا بين الرسول وبينهم، وقد ارتفع ذلك. # وقوله: * (ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار) أي: [التحقت] واحدة ~~من أزواجكم إلى الكفار، يعني: النساء * (فعاقبتم) أي: غنمتم. قال القتيبي: ~~معناه: كانت لكم عقبى خير في الغنيمة والظفرة. وقرئ: ' فعقبتم '. وهو ~~(بذلك) المعنى أيضا. # قوله: * (فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) أي: مثل الذي أعطوا من ~~المهر. ومعنى الآية: أن امرآة المسلم إذا التحقت بالمشركين ولم يردوا ~~المهر، وظفر المسلمون بهم وغنموا، يردون من الغنيمة التي أخذوا مهر الزوج ~~الذي أعطاه. # وقوله: * (واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) أي: مصدقون، وهذا الحكم ~~منسوخ أيضا. PageV05P419 # * (أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11) يا أيها ~~النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا ~~يزنين ولا يقتلن أولادهن) * * قوله تعالى: * (يا أيها النبي إذا جاءك ~~المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا ~~يقتلن أولادهن) الآية وردت في بيعة النساء، وكان قد بايع الرجال على ~~الإيمان والجهاد فحسب، وبايع النساء على هذه الأشياء كلها، فروي ' أن النبي ~~قعد على الصفا حين فتح مكة، وقعد دونه ms1762 عمر، وجاءته النساء يبايعنه، وفيهن ~~هند بنت عتبة منتقبة متنكرة، فلما قال النبي: ' إنا نبايعكن على أن لا ~~تشركن بالله شيئا ' قالت هند: ما جئنا إليك وقد بقي في قلوبنا شرك، فلما ~~قال: ' وعلى أن لا تسرقن ' قالت هند: إني قد أخذت من مال أبي سفيان هنات ~~وهنات ولا أدري أتحللها لي أو لا؟ وكان أبو سفيان حاضرا، فقال: حللتك عما ~~مضى وعما بقي. وفي رواية: أنها لما قالت ذلك عرفها النبي فقال: ' أو هند ~~بنت [عتبة]؟ ' قالت: نعم، اعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك، فقال: ' ~~إن الإسلام يجب ما قبله '، فلما قال النبي: ' وعلى أن لا تزنين ' قالت هند: ~~أو تزني الحرة؟! فضحك عمر رضي الله عنه فلما قال: ' وعلى ألا تقتلن أولادكن ~~والمعنى: لا تئدن أولادكن قالت هند: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا وكان ~~قتل ابنها حنظلة بن أبي سفيان يوم بدر فلما _ كان) قال: * (ولا يأتين ~~ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) قالت هند: ما علمت البهتان إلا قبيحا ~~'. ومعنى الآية: لا تلحق المرأة PageV05P420 # * (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف ~~فبايعهن) * * بزوجها ولدا ليس منه. وقيل معناه: أن تلتقط ولدا، وتقول ~~لزوجها: هذا ولدي منك. ومن حمل على هذا قال: هذا أولى، لأن الله تعالى قال: ~~* (ولا يزنين) فقد تضمن اليمين عن الزنا اليمين على المعنى الأول، فلا بد ~~لهذا من معنى آخر. # وقوله: * (يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) قال ذلك؛ لأن الولد إذا سقط من ~~المرأة سقط بين يديها ورجليها. وقيل: لأن الثدي بين يدين، والفرج بين ~~الرجلين، والمرأة تضع وترضع. وقيل: إن ذكر اليدين والرجلين على طريق ~~التأكيد، مثل قوله تعالى: * (ذلك بما [قدمت] أيديكم) يعني: بما كسبتم، وذكر ~~الأيدي على طريق التأكيد، فلما قال النبي: ' ولا تعصينني في معروف ' قالت ~~هند: ما جئناك لنعصيك. وروي أنها قالت: إنك لتأمر بمكارم الأخلاق '. # وأما المعروف ففيه قولان: أحدهما: أنه جميع الطاعات، والآخر: أنه النياحة ~~وما يفعله النساء على الموتى من ms1763 شق الجيوب، وخمش الوجوه، وقطع الشعور، وما ~~أشبه ذلك. وهذا القول هو الأشهر، وقد روته أم عطية مسندا إلى النبي فسر ~~بالنياحة. وفي بعض الروايات: ' ما وفت بذلك امرأة إلا أم عطية '. وروى أبو ~~عيسى الترمذي في جامعه برواية شهر ابن حوشب عن أم سلمة الأنصارية أن امرأة ~~من النسوة قالت: ' ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: ' ~~لا تنحن ' فقالت: يا رسول الله، إن بني فلان قد أسعدوني على عمي ولا بد من ~~قضائهن، فعاتبته مرارا، فأذن لي في قضائهن، فلم أنح بعد في قضائهن ولا غيره ~~حتى الساعة، ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري '. قال الشيخ ~~الإمام: أخبرنا بذلك عبد الرحمن ابن عبد الله بن أحمد القفال، أخبرنا أبو ~~العباس بن سراج، أخبرنا أبو العباس المحبوبي PageV05P421 # * (واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم (12) يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتولوا قوما غضب الله) * * أخبرنا أبو عيسى، أخبرنا عبد بن حميد، عن أبي ~~نعيم، عن يزيد بن عبد [الله] الشيباني، عن شهر بن حوشب.. الحديث: قال أبو ~~عيسى: وأم سلمة الأنصارية هي أسماء بنت يزيد السكني. # وقوله: * (فبايعهن واستغفر لهن الله) أي: قد غفر الله لكن. # وقوله: * (إن الله غفور رحيم) قد بينا. وقد ثبت برواية عائشة ' أن النبي ~~ما مس بيده يد امرأة قط إلا يد امرأة يملكها '. والمشهور في بيعة النساء ' ~~أنه دعا بإناء فيه ماء وغمس فيه يده فجعل كل من بايعت غمست فيه يدها ' وقد ~~قيل: ' إنه أخذ بيدهن وراء الثوب ' والأصح هو الأول. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) فيه ~~رجوع إلى قصة حاطب بن أبي بلتعة، وتأكيد النهي عن موالاة الكفار. وقيل: إن ~~الآية عامة. # وقوله: * (قوما غضب الله عليهم) قيل: هم المنافقون. وقيل: هم اليهود، ~~وعلى PageV05P422 # * (عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13).) * * ~~القول الأول هم المشركون. # وقوله: * (قد يئسوا من الآخرة) أي: يئسوا من البعث ms1764 بعد الموت، وهذا في ~~المشركين ظاهر؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم ~~قالوا: * (ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) وكذلك ~~في المنافقين ظاهر. وأما إذا حملنا على اليهود، فالمراد من الآية هم اليهود ~~الذين كانوا يعرفون النبي، ويعلمون أنه نبي الله، وينكرون نبوته حسدا ~~وبغيا. ومعنى إياسهم من الآخرة هو اليأس من الثواب؛ لأنهم إذا عرفوا الحق ~~[وأنكروه] متعنتين عرفوا حقيقة أنهم في النار في الآخرة. وقيل: إن المعنى ~~على هذا القول هو أن اليهود كانوا يقولون: ليس في الجنة أكل ولا شرب ولا ~~استمتاع، فمعنى اليأس هو يأسهم عن هذه النعم لمكان اعتقادهم. # وقوله تعالى: * (كما يئس الكفار من أصحاب القبور) فيه قولان: أحدهما: كما ~~يئس الكفار من أصحاب القبور عن إصابتهم الثواب، ووصولهم إلى الجنة؛ لأنهم ~~عاينوا الأمر، وعرفوا أنهم أهل النار قطعا. # والقول الثاني: كما يئس الكفار من أصحاب القبور أنهم لا يعودون إليهم، ~~فعلى القول الأول المراد من الكفار هم الكفار الذين ماتوا، وعلى القول ~~الثاني المراد من الكفار هم الأحياء منهم. والله أعلم. PageV05P423 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم (1) يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر ~~مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) إن الله) * * تفسير سورة الصف ~~وهي مدنية قوله تعالى: * (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض) قد بينا ~~معنى هذه الآية. وفي بعض الأخبار: أن أحب الكلام إلى الله تعالى سبحان ~~الله، ولحبه هذه الكلمة ألهمها أهل السماوات والأرض. # وقوله: * (وهو العزيز الحكيم) قد بينا. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) قال ابن ~~عباس: اجتمع أصحاب رسول الله وتذاكروا البعث وأمر الآخرة ثم قالوا: لو ~~علمنا ما يحبه الله ففعلنا ولو نبذل نفوسنا. وفي رواية: أن عبد الله بن ~~رواحة كان يقول لمن يلقاه: تعال نؤمن ساعة، ونذكر الله تعالى، ويقول: وددت ~~أن لو ms1765 عرفت ما يحبه الله فأفعله؛ فلما فرض الله الجهاد وأمرهم ببذل النفس ~~والمال، وكتب عليهم القتال أحبوا الحياة وكرهوا القتال، فأنزل الله تعالى ~~قوله: * (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) وعن قتادة: أن أصحاب ~~رسول الله لما فروا يوم أحد إلا نفرا يسيرا منهم أنزل الله تعالى هذه ~~الآية. والآية وإن كانت عامة فإنها في بعض الصحابة دون البعض، فإن الله ~~تعالى قال في موضع آخر: * (من المؤمنين رجال صدقوا وما عاهدوا الله عليه ~~فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) وهذا دليل ظاهر على أن ~~الآية في هذه السورة لم ترد في حق جميعهم على العموم. وفي التفسير: أن عبد ~~الله بن رواحة قال: لما نزلت آية الجهاد حبست نفسي في سبيل الله، ثم إنه ~~لما خرج إلى غزوة مؤتة، ' وكان النبي أمر زيد بن حارثة، فإن PageV05P424 # * (يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (4) وإذ قال موسى ~~لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) وإذ قال عيسى ابن مريم يا ~~بني إسرائيل إني رسول الله) * * استشهد فجعفر بن أبي طالب، فإن استشهد فعبد ~~الله بن رواحة [قال: فاستشهد زيد] بن حارثة، ثم أخذ الراية جعفر فاستشهد، ~~ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد، ثم إنه أخذ الراية خالد بن ~~الوليد وقاتل حتى رجع بالمسلمين '. # وقوله: * (كبر مقتا عند الله) أي: بغضا * (أن تقولوا ما لا تفعلون) ~~والمعنى: أن الله تعالى يبغض من يقول شيئا ولا يفعل. # قوله تعالى: * (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص) أي: ملزق بعضه ببعض. وقيل: يثبتون في الحرب مع الكفار ثبات البنيان ~~الذي وضع بعضه على بعض وسد بالرصاص. والعرب إذا بنت البناء بالحجارة يرصون ~~الحجارة ثم يجعلونه في خلال البناء، ويسمونه البناء المرصوص. # قوله تعالى: * (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني) قد بينا ما ms1766 كان ~~يؤذون به موسى عليه السلام في سورة الأحزاب. # وقوله: * (وقد تعلمون أني رسول الله إليكم) أي: وتعلمون، ' وقد ' صلة. # وقوله: * (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) أي: مالوا عن الحق [فأمال] الله ~~قلوبهم، أي: زادهم ميلا عن الحق. # وقوله: * (والله لا يهدي القوم الفاسقين) أي: الكافرين. # قوله تعالى: * (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله ~~إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد) ~~وقد ثبت PageV05P425 # * (إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين (6) ومن أظلم ممن افترى على ~~الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين (7) يريدون ~~ليطفئوا نور الله) * * برواية محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن النبي ~~قال: ' لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله بي ~~الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي لا نبي ~~بعدي '. قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الشافعي، أخبرنا ~~[ابن] فراس، أخبرنا أبو جعفر الديبلي، أخبرنا سعيد بن (جبير) عبد الرحمن ~~المخزومي، عن سفيان، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه.. ~~الحديث. # وقوله: * (فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) أي: ظاهر. وفي تفسير ~~النقاش: أن اسم الرسول في الإنجيل فار قليطا، وبشر عيسى به بما أخذ عليه من ~~العهد، والعهد المأخوذ هو في قوله تعالى: * (وإذ أخذ الله ميثاق النبين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه...) ~~الآية وأما معنى اسمه أحمد على وجهين: أحدهما: لأنه كان يحمد الله كثيرا. # والثاني: لأن الناس حمدوه في فعاله. # قوله تعالى: * (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام ~~والله PageV05P426 # * (بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (9) يا أيها الذين ms1767 ~~آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) ~~يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات ~~عدن ذلك الفوز) * * لا يهدي القوم الظالمين) قد بينا من قبل. # قوله تعالى: * (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم) يقال: هو القرآن. ~~ويقال: هو محمد. # وقوله: * (والله متم نوره ولو كره الكافرون) أي: يتم أمر نوره ولو كره ~~الكافرون. # قوله تعالى: * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله ولو كره المشركون) أي: على جميع الأديان شرقا وغربا، ومصداق هذه الآية ~~على الكمال إنما يكون عند نزول عيسى ابن مريم حيث لا يبقى إلا دين الإسلام. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ~~أليم) والتجارة أن تبذل شيئا وتأخذ شيئا، فكأنه جعل بذل النفس والمال وأخذ ~~الثواب تجارة، وهو على طريق المجاز. # قوله تعالى: * (تؤمنون بالله ورسوله) في قراءة ابن مسعود: ' آمنوا بالله ~~ورسوله ' وهو معنى القراءة المعروفة، وجوابه: يغفر لكم ذنوبكم. # وقوله: * (وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون) ظاهر المعنى. # قوله: * (يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) أي: ~~بساتين، والأنهار هي الأنهار الأربعة تجري من غير أخدود. # وقوله: * (ومساكن طيبة في جنات عدن) أي: يسطيبونها، والعدن موضع الإقامة، ~~قال ابن مسعود: هو بطنان الجنة. وفي بعض الأخبار: أن الله غرس جنة عدن ~~PageV05P427 # * (العظيم (12) وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين (13) ~~يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من ~~أنصاري إلى الله) * * بيده. # وقوله: * (ذلك هو الفوز العظيم) أي: النجاة العظيمة. # قوله تعالى: * (وأخرى تحبونها) أي: تودونها. # وقوله تعالى: * (وأخرى) أي: خصلة أخرى. وقيل: تجارة آخرى. # وقوله: * (نصر من الله وفتح قريب) هو فتح مكة. وقيل: هو فتح فارس والروم. # وقوله: * (وبشر المؤمنين) أي: بالنصر في الدنيا، وبالجنة ms1768 في الآخرة. # قوله: * (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله) وقرئ: ' أنصارا لله '. # وقوله: * (كما قال عيسى ابن مريم للحواريين) الحواريون صفوة الأنبياء ~~وخالصتهم، ومنه قول النبي للزبير: ' هو ابن عمتي وحواري من أمتي '. ومنه ~~الخبز الحواري لبياضه ونفائه. والعرب تسمي نساء الأمصار الحواريات، قال ~~الشاعر: # (فقل للحواريات يبكين غيرنا * ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح) وفي القصة: ~~أن عيسى عليه السلام جمع الحواريين في بيت وهم اثنا عشر رجلا وقال: إن ~~أحدكم يكفر بي اليوم اثنتي عشر مرة، فكان كما قال: وقال: من يختار منكم أن ~~يلقي عليه شبهي فيقتل ويصلب؟ فقام شاب منهم وقال: أنا. فقال: اقعد. ثم قال ~~ذلك ثلاث مرات، وفي الجميع يقوم ذلك الشاب، فقال عيسى: أنت هو. ثم إن الله ~~تعالى رفعه من الروزنة إلى السماء، ودخل اليهود وألقى الله تعالى شبه عيسى ~~على ذلك الرجل فقتلوه وصلبوه. PageV05P428 # * (قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ~~فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين (14).) * * وقوله: * (من ~~أنصاري إلى الله) أي: مع الله. وقيل معناه: من أنصاري ينصر منه إلى: نصر ~~أي: مضموم إليه. # وقوله: * (قال الحواريون نحن أنصار الله) ظاهر المعنى. # وقوله: * (فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة) في التفسير: أن عيسى ~~صلوات الله عليه لما رفعه الله تعالى إلى السماء اختلف أصحابه؛ فقال بعضهم: ~~كان هو الله فنزل إلى الأرض ثم رفعه إلى السماء، وهم النسطورية. وقال ~~بعضهم: كان هو ابن الله أنزله إلى الأرض ففعل ما شاء ثم إرتفع إلى السماء، ~~وهم اليعقوبية. وقال بعضهم: هو ثالث ثلاثة، وثلاثة هو أب وابن وزوج، ~~وقالوا: ثلاثة قدما أقانيم، وعيسى أحد الثلاثة، وهم الملكانية؛ وعليه أكثر ~~النصارى. وقال قوم: هو عبد الله ورسوله فغلبت الطائفة الثلاثة هذ الطائفة ~~قبل النبي فلما بعث عليه الصلاة والسلام غلبت الطائفة المؤمنة الطوائف ~~الثلاث، فهو معنى قوله تعالى: * (فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم) أي: نصرنا ~~وقوينا. # وقوله: * (فأصبحوا ظاهرين) أي: غالبين. والله أعلم. PageV05P429 # بسم الله ms1769 الرحمن الرحيم (* (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك ~~القدوس العزيز الحكيم (1) هو) * * تفسير سورة الجمعة مدنية في قول الجميع، ~~وذكر بعضهم: أنها مكية، وليس بصحيح. # قوله تعالى: * (يسبح لله) قد بينا معنى التسبيح، وهو تنزيه الرب عن كل ما ~~لا يليق به. ويقال: التسبيح لله هو ذكر الله. وذكر القفال الشاشي: أن معنى ~~تسبيح الجمادات هو ما جعل فيها من دلائل حدثها، وأن لها صانعا وخالقا. وهذا ~~ليس بصحيح، وقد ذكرنا من قبل ما قاله أهل السنة فيها. # وقوله: * (ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس) أي: الطاهر من كل ~~عيب وآفة. # وقوله: * (العزيز الحكيم) أي: الغالب في أمره، العدل في فعله. # قوله تعالى: * (هو الذي بعث في الأميين رسولا) روى منصور، عن إبراهيم: أن ~~الأمي هو الذي لا يكتب ولا يقرأ. وروى ابن عمر أن النبي قال: ' نحن أمة ~~أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا '. وأشار بأصابعه العشر، ~~وحبس إبهامه في المرة الثالثة. # ويقال: سمي الأمي أميا نسبة إلى ما ولدته عليه أمه. ويقال: سمي أميا لأنه ~~الأصل في جبلة الأمة، والكتابة لا تكون إلا بتعلم. وعن بعضهم: سميت قريش ~~أميين نسبة إلى أم القرى وهي [مكة] فإن قال قائل: لم يكن كل قريش أميا، وقد ~~قال: * (في الأميين) والجواب: أن الله تعالى سماهم أميين باعتبار غالب ~~أمرهم، وقد كانت الكتابة نادرة فيهم، وقد كانت العرب تسمي من علم الكتابة ~~والسباحة والرمي شاعرا الكامل. قال ابن عباس: تعلمت قريش الكتابة من أهل ~~PageV05P430 # * (الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم لما يلحقوا ~~بهم وهو) * * لحيرة، وتعلمها أهل الحيرة من أهل الأنبار. # والحكمة في كون الرسول أميا انتفاء التهمة عنه في تعلم أخبار الأولين ~~ودراستها من كتبهم. ويقال: ليكون موافقا لصفته في كتب الأولين. # وقوله: * (يتلو عليهم آياته) أي: القرآن. # وقوله: * (ويعلمهم الكتاب) أي: كتاب الله. وعن ابن عباس: ms1770 هو الخط بالقلم، ~~فإن الكتابة كثرت في قريش وسائر العرب بعد رسول الله، وهذا موافق لقوله ~~تعالى: * (علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم). # وقوله: * (والحكمة) أي: السنة. ويقال: الفقه في الدين. # وقوله تعالى: * (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) أي: في ضلال من الحق ~~بين. # قوله تعالى: * (وآخرين منهم) قال الأزهري: هو في موضع الخفض يعني: بعث في ~~الأميين وفي آخرين. # وقوله: * (لما يلحقوا بهم) أي: لم يلحقوا بهم وسيلحقون. ويقال في قوله: * ~~(وآخرين) أي: يعلمهم الكتاب والحكمة، ويعلم آخرين، أورده النقاش. # واختلفت الأقوال في المراد بالآخرين من هم؟ قال عكرمة: هم التابعون. وقال ~~سعيد بن جبير: هم العجم. (وقائل) هذا القول ما رواه أبو هريرة ' أن النبي ~~قرأ هذه الآية وأشار إلى سلمان، وقال: لو كان الدين معلقا بالثريا لناله ~~رجال من قوم PageV05P431 # * (العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~(4) مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس ~~مثل القوم) * * هذا ' أي: العجم. وقال الضحاك: هو كل من آمن وعمل صالحا إلى ~~يوم القيامة. # وقوله تعالى: * (وهو العزيز الحكيم) قد بينا. # قوله تعالى: * (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) أي: النبوة. ويقال: ما سبق ~~ذكره من تعليم الكتاب والحكمة. # وقوله: * (والله ذو الفضل العظيم) ظاهر. وقد ورد في الخبر ' أن الفقراء ~~شكوا إلى النبي وقالوا: ذهب أهل الدثور بالأجور، فأرشدهم الرسول إلى ~~التسبيح والتهليل وأنواع من الذكر؛ فسمع الأغنياء بذلك فجعلوا يقولون مثل ~~ما يقول الفقراء؛ فجاء الفقراء إلى رسول الله وذكروا له ذلك؛ فقرأ هذه ~~الآية، وهو وقوله: * (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ~~وهو خبر مشهور. # قوله تعالى: * (مثل الذين حملوا التوراة) أي: حملوا القيام بها ~~(واستعمالها)، وهو من الحمالة وليس من الحمل أي: ضمنوا القيام بها والعمل ~~بما فيها. # وقوله: * (ثم لم يحملوها) أي: ضيعوها ولم يعملوا بما فيها * (كمثل الحمار ~~يحمل أسفارا) قرأ ابن مسعود: ' كمثل حمار يحمل أسفارا ' والأسفار ms1771 جمع سفر، ~~والسفر هو الكتاب، فجعل الكفار لما ضيعوا كتاب الله ولم يعملوا بما فيه مثل ~~الحمر تحمل الكتب ولا تدري ما فيها. PageV05P432 # * (الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (5) قل يا أيها ~~الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين (6) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (7) قل ~~إن الموت الذي تفرون منه فإنه) * * وقوله: * (بئس مثل القوم الذين كذبوا ~~بآيات الله) أي: بئس المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله وقوله: * ~~(والله لا يهدي القوم الظالمين) أي: الكافرين. # قوله تعالى: * (قل يا أيها الذين هادوا) وفي بعض التفاسير: أن يهود ~~المدينة بعثوا إلى يهود خيبر يسألونهم عن النبي، فكتب يهود خيبر إلى يهود ~~المدينة، وقالوا: إنا لا نعرف نبيا يخرج من العرب، وإن هذا الرجل يريد أن ~~يضعكم ويصغر شأنكم، وأنتم أولياء الله وأحباؤه فلا تتبعوه، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # وقوله: * (إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس) هو ما قلنا. # وقوله: * (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) أي: صادقين أنكم أولياء الله، ~~فإنكم إذا متم وصلتم إلى كرامة الله وجنته على زعمكم، فتمنوا لتصلوا. وفي ~~أكثر التفاسير: أن الآية معجزة للرسول، فإن الله كان قد قضى أنهم لو تمنوا ~~ماتوا في وقتهم ذلك، فلم يتمن أحد منهم، ففي صرفهم عن التمني مع حرصهم على ~~إظهار كذب الرسول، وفي علمهم أنهم لو تمنوا ماتوا، دليل على صدق الرسول. # قوله تعالى: * (ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم) أخبر أنهم لا يتمنون، ~~ولم يتمن أحد منهم. # وقوله: * (والله عليم بالظالمين) أي: بظلمهم على أنفسهم بكتمانهم وصف ~~الرسول عليه الصلاة والسلام في كتبهم. # قوله تعالى: * (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) في الآية دليل ~~على أنهم لو تمنوا ماتوا، وإنهم لم يتمنوا فرارا من الموت. # وقوله: * (فإنه ملاقيكم) أي: الموت ملاقيكم. PageV05P433 # * (ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ~~(8) يا أيها الذين آمنوا إذا ms1772 نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ~~الله وذروا البيع ذلكم) * * وقوله: * (ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة) ~~أي: عالم بما ظهر وخفي. # وقوله: * (فينبئكم بما كنتم تعملون) أي: بما عملتم. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) أي: ~~لصلاة الجمعة من يوم الجمعة، وسمي اليوم جمعة؛ لأنه جمع في هذا اليوم خلق ~~آدم. وقد روى بعضهم هذا مرفوعا إلى النبي. # وقوله تعالى: * (فاسعوا إلى ذكر الله) قرأ عمر وابن مسعود وابن الزبير: ' ~~فامضوا إلى ذكر الله '. قال ابن مسعود: لو قرأت: ' فاسعوا إلى ذكر الله ' ~~لسعيت حتى يسقط ردائي. والمعروف: ' فاسعوا ' وقد روي عن بعض التابعين أنهم ~~كانوا يعدون. قال ثابت البناني: كنت عند أنس بن مالك: فنودي لصلاة الجمعة ~~فقال: قم نسع. والصحيح أن السعي هاهنا بمعنى العمل والفعل، قاله مجاهد ~~وغيره، وحكي ذلك عن الشافعي، واستشهد بقوله تعالى: * (وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى) أي: إلا ما عمل، وكذلك قوله تعالى: * (إن سعيكم لشتى) وأمثال هذا. ~~وقد قال الشاعر: # (أسعى على جل بني مالك * كل امرئ في شأنه ساعي) فالسعي هاهنا بمعنى العمل ~~والتصرف. وعن الحسن وقتادة: أن المراد من قوله: * (فاسعوا) هو النية بالقلب ~~والإرادة لها. وقال عبد الله بن الصامت: كنت أمشي مع أبي ذر إلى الجمعة ~~فسمعنا النداء للصلاة، فرفعت في مشي، فجذبني جذبة، وقال: PageV05P434 # * (خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ~~وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) وإذا رأوا تجارة ~~أو لهوا انفضوا) * * ألسنا نسعى. وقوله: * (إلى ذكر الله) فيه قولان: ~~أحدهما: أنه الخطبة، والآخر: أنه الصلاة. وهو الأصح. # وقوله تعالى: * (وذروا البيع) أي: واتركوا البيع. ويقال المراد منه: إذا ~~دخل وقت الصلاة وإن لم يؤذن لها بعد، ويقال: إنه بعد سماع النداء. والأول ~~أحسن. ومن قال بالثاني، قال: النداء هو الآذان إذا جلس الإمام على المنبر ~~وهو الذي كان في زمان رسول الله وأما الآذن الأول أحدثه عثمان رضي ms1773 الله عنه ~~حين كثر الناس. والمراد من قوله: * (وذروا البيع) أي: البيع والشراء وكل ما ~~يشغل عن الجمعة. واختلف العلماء أنه لو باع هل يجوز ذلك البيع؟ فذهب أكثرهم ~~إلى أن البيع جائز، والنهي عنه كراهة. وذهب مالك وأحمد إلى أن البيع لا ~~يجوز أصلا. وحكى بعضهم عن مالك أنه رجع من التحريم إلى الكراهة، والقول ~~الأول أولى؛ لأن الله تعالى قال: * (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) جعل ترك ~~البيع خيرا، وهذا يشير إلى الكراهة في الفعل دون التحريم، ولأن النهي عن ~~العقد للاشتغال عن الجمعة لا لعين العقد. # قوله تعالى: * (فإذا قضيت الصلاة) أي: فرغ منها. # قوله تعالى: * (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) هو أمر ندب لا ~~أمر حتم وإيجاب، مثل قوله تعالى: * (وإذا حللتم فاصطادوا) وعن ابن محيريز ~~قال: يعجبني أن يكون لي حاجة بعد الجمعة فأنصرف إليها، وابتغى من فضل الله ~~منها. وعن عبد الله [بن] بسر: أنه كان يخرج من المسجد إذا صلى الجمعة، ثم ~~يعود ويجلس إلى أن يصلي العصر. وفي بعض الأخبار عن النبي في معنى قوله ~~PageV05P435 # تعالى: * (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) قال: ' ليس هو طلب ~~دنيا، وإنما هو عيادة مريض، أو شهود جنازة، أو زياح أخ في الله '. والخبر ~~غريب. # وقوله: * (واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) سبب نزول هذه ~~الآية أن رسول الله كان على المنبر يخطب، وقد كان أصاب أهل المدينة غلاء ~~ومجاعة، فقدمت عير تحمل الطعام ويقال: كانت لدحية بن خليفة الكلبي فنزلوا ~~عند أحجار الزيت، وضربوا بالطبل ليعلم الناس، فسمع المسلمون ذلك في المسجد ~~فذهبوا إليها، وبقي النبي مع اثني عشر نفرا فيهم أبو بكر وعمر. وأورد ~~البخاري خبرا في هذا، وأورد هذا العدد. وقيل: في [ثمانية] رجال، والأول ~~أصح، فانزل الله تعالى هذه الآية. # والتجارة معلومة، وهي التجارة في الطعام وتحصيلها، واللهو هو الطبل، قاله ~~مجاهد. ويقال: هو المزامير، وكان الأنصار يستعملون ms1774 ذلك إذا زفوا امرأة إلى ~~زوجها، وذلك مثل الدف والطبل وما يشبهه، فعلى هذا القول سمع المسلمون صوتها ~~في السوق وكانوا يزفون امرأة فذهبوا إليها، والأول هو المشهور، وهو الثابت. # وقوله: * (وتركوك قائما) لأنه كان يخطب، وفيه دليل على أن السنة أن يخطب ~~قائما، وأول من خطب قاعدا معاوية وتبعه على ذلك مروان. والسنة ما بينا. فإن ~~قال قائل: كيف قال: * (انفضوا إليها) وقد تقدم سببان؛ التجارة واللهو، ولم ~~يقل: ' انفضوا إليهما '؟ والجواب أن معناه: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، ~~وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه، فاكتفى بأحدهما عن الآخر. وقد ذكرنا من قبل أن ~~العرب قد تذكر شيئين وترد الكناية إلى أحدهما، والمراد كلاهما، قال الشاعر: ~~PageV05P436 # * (إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله ~~خير الرازقين (11).) * * نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف) ~~ويقال: في الآية تقديم وتأخير ومعناه: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو ~~لهوا والانفضاض هو الذهاب بسرعة. # وقوله: * (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة) أي: ذكر الله تعالى ~~والاشتغال في الصلاة خير من اللهو والتجارة، وقوله: * (والله خير الرازقين) ~~قال الزجاج معناه: أنه يرزقكم ولا يمسكه عنكم فلا تشتغلوا بطلبه عن الصلاة ~~وعن ذكر الله. ويقال: الرزق مسجلة للبر والفاجر. وروى الحسين البصري أن ~~النبي قال حين نفر الناس إلى العير وبقي في اثني عشر رجلا: ' لو لحق آخرهم ~~أولهم لاضطرم الوادي عليهم نارا '. # وقد وردت أخبار كثيرة في فضل الجمعة وثوابها منها: ما روى سعيد بن ~~المسيب، عن جابر، عن عبد الله أن النبي قال: ' يا أيها الناس توبوا إلى ~~ربكم من قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا ~~الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له والصدقة في السر والعلانية تنصروا ~~وتجبروا وترزقوا، واعلموا أن الله تعالى قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا ~~في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي ~~أو بعد موتي ms1775 وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها وجحودا لها، ألا فلا جمع ~~الله شمله، ولا بارك له في أمره ألا لا... '. PageV05P437 # وروى مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي قال: ' من اغتسل ~~يوم الجمعة ثم راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة ~~الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ~~ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة ~~فكأنما قرب بيضة، فإذا [شرع] الإمام طويت الصحف، وحضرت الملائكة يستمعون ~~الذكر '. قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو الحسين بن النقور، أخبرنا أبو ~~طاهر المخلص أخبرنا يحيى بن محمد بن صاعد، أخبرنا أبو مصعب عن مالك الخبر. # وورد أيضا برواية عمران بن الحصين، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن ~~النبي قال: ' من اغتسل يوم الجمعة غسلت ذنوبه وخطاياه، فإذا راح كتب الله ~~بكل قدم عمل عشرين سنة، فإذا قضيت الصلاة أجيز بعمل مائتي سنة ' والخبر ~~غريب جدا. # والخبر الثالث أن النبي قال: ' من اغتسل يوم الجمعة من الجنابة، ولبس من ~~صالح ثيابه، ومس من طيب بيته، ولم يفرق بين اثنين غفر له ما بينه وبين ~~الجمعة PageV05P438 # الأخرى وزيادة ثلاثة أيام '. ذكره البخاري في كتابه. # وورد أيضا في بعض الأخبار أن النبي قال: ' من ترك الجمعة ثلاث مرات من ~~غير عذر طبع الله على قلبه '. والله أعلم. PageV05P439 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) اتخذوا ~~أيمانهم جنة) * * تفسير سورة المنافقين وهي مدنية في قول الجميع. والله ~~أعلم. # قوله تعالى: * (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله) قال أهل ~~التفسير: نزلت السورة في شأن عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، كانوا يأتون ~~النبي ويقولون: نحن مؤمنون بك، ونشهد إنك لرسول الله، وأن ما جئت به حق، ثم ~~إذا رجعوا إلى ما بينهم أظهروا الكفر. وعن بعضهم: أن ms1776 قوله تعالى: * (نشهد) ~~معناه: نحلف بدليل أن الله تعالى قال بعد هذه الآية: * (اتخذوا أيمانهم ~~جنة). # قال الشاعر: # (وأشهد عند الله أني أحبها * فهذا لها عندي فما عندها ليا) أي: أحلف. # وقوله: * (والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) هو ~~تطييب لقلب النبي وتسلية له، ومعناه: أن علمي أنك رسول الله وشهادتي لك ~~بذلك خير من شهادتهم. # وقوله: * (إنهم لكاذبون) قال أبو عبيد: أي: الكافرون، يسمي الكفر باسم ~~الكذب. وقال غيره: هو الكذب حقيقة. وسمي قولهم كذبا؛ لأنهم كذبوا على ~~قلوبهم. وقيل: لما أظهروا بألسنتهم خلاف ما كان في ضمائرهم سمي بذلك كذبا، ~~كالرجل يخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه. # قوله تعالى: * (اتخذوا أيمانهم جنة) أي: سترة لما أبطنوه من الكفر. وقيل: ~~جنة أي: يترسوا بها عن القتل، مثل المجن يتترس بها المقاتل بها المقاتل عن ~~سلاح العدو. PageV05P440 # * (فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) ذلك بأنهم آمنوا ثم ~~كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن ~~يقولوا) * * وقوله: * (فصدوا عن سبيل الله) أي: منعوا الناس عن سبيل ~~الإيمان. ومعنى صدهم الناس عن سبيل الله أنهم كانوا يقولون لضعفة المسلمين: ~~إنا نشهد عند هذا الرجل ونظهر خلاف ما نسر، فلو كان نبيا لعلم إسرارنا، ~~ومنعنا من المخالطة مع أصحابه. # وقوله: * (إنهم ساء ما كانوا يعملون) أي: بئس العمل عملهم. وقرئ في ~~الشاذ: ' اتخذوا إيمانهم جنة ' بكسر الألف، والمعروف إيمانهم بالفتح جمع ~~اليمين. # قوله تعالى: * (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا) أي: آمنوا بألسنتهم، وكفروا ~~بقلوبهم. # وقوله: * (فطبع على قلوبهم) أي: ختم على قلوبهم فلا يدخلها الإيمان وقبول ~~الحق. # وقوله: * (فهم لا يفقهون) أي: لا يتدبرون، والفقه هو التدبر والتفهم. ~~وقيل: فهم لا يفقهون أي: لا يعقلون، كأنهم لم يقبلوا الدين مع ظهور الدلائل ~~عليه بمنزلة من لا يعقل. # قوله تعالى: * (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) في التفسير: أن عبد الله بن ~~أبي بن سلول كان رجلا جسيما فصيحا صبيحا ذلق اللسان. قال الزجاج: ms1777 أخبر الله ~~تعالى بصحة أجسامهم وحسن مناظرهم وفصاحة ألسنتهم. وهو في قوله: * (وإن ~~يقولوا تسمع لقولهم) أي: للسان الذي لهم، ثم قال في شأنهم: * (كأنهم خشب ~~مسندة) أي: هم مناظر بلا مخابر، وصور بلا معاني، وإنما مثلهم بالخشب؛ لأن ~~الخشب لا قلب له ولا عقل، ولا يعي خبرا ولا يفهمه. ويقال في العادة: فلان ~~خشب أي: ليس له عقل ولا فهم. وقرئ: ' خشب ' بسكون الشين، وكلاهما بمعنى ~~واحد، يقال: بدن وبدنة وثمر وثمرة، فالخشب والخشب جمع، والواحدة خشبة، ~~ومثاله ما ذكرنا. PageV05P441 # * (تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون (4) وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ~~لووا) * * وقوله تعالى: * (مسندة) أي: ممالة إلى الجدار. قال علي بن عيسى: ~~جعلهم كخشب نخرة، متآكلة في الباطن، صحيحة في الظاهر. # وقوله: * (يحسبون كل صيحة عليهم) يعني: إذا سمعوا نداء أو سمعوا من ينشد ~~ضالة أو أي صوت كان، ظنوا أنهم المقصودون بذلك الصوت، وأن سرائرهم قد ظهرت ~~للمسلمين، وهو وصف لجبنهم وخوفهم من المسلمين. وفي بعض التفاسير أن معناه: ~~هو أن كل من سار النبي بشيء كانوا يظنون أن ذلك في أمرهم وشأنهم. وقيل: كان ~~كلما نزلت لآية أو سورة ظنوا من الخوف أنها نزلت فيهم، قاله ابن جريح. ~~وأنشدوا لجرير في الجبن: # (ما زلت تحسب كل شيء بعدهم * خيلا تكر عليهم ورجالا) وقال غيره: # (لقد خفت حتى لو تمر كمامة * لقلت عدوا وطليعة معشر) وقوله: * (هم العدو) ~~أي: الأعداء. # وقوله: * (فاحذرهم) قال ذلك لأنهم يطلعون المشركين على أسرار المسلمين، ~~ويجبنون ضعفاء المسلمين. # قوله: * (قاتلهم الله) أي: أخزاهم وأهلكهم. وقيل: نزلهم منزلة من يقاتله ~~عدو قاهر له. # وقوله: * (أنى يؤفكون) أي: كيف يصرفون عن الحق مع ظهوره؟ وهو يتضمن تقبيح ~~فعلهم وتعجيب رسول الله منهم. # قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله) كان المؤمنون ~~يقولون للمنافقين: احضروا النبي واعترفوا بذنوبكم يستغفر لكم، وكانوا يهزون ~~PageV05P442 # * (رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون (5) سواء عليهم ms1778 استغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين (6) هم الذين ~~يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات ~~والأرض ولكن) * * رؤوسهم، وينظرون يمنة ويسرة استهزاء، قيل: هذا في عبد ~~الله بن أبي بن سلول خاصة. قال بعض الصحابة له ذلك فثنى رأسه وحركه ~~استهزاء، فهو معنى قوله: * (لووا رؤوسهم) ويقرأ بالتخفيف. ومعناه: ثنوا ~~رؤوسهم، ومن قرأ بالتشديد فهو تأكيد. # وقوله: * (ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون) أي: يعرضون وهم ممتنعون عن ~~الإيمان. # وقوله: * (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم) ~~ومعناه: أن استغفارك لهم لا ينفعهم، وعندهم أن وجوده وتركه واحد. فإن قيل: ~~كيف أستغفر لهم رسول الله وقد علم أنهم منافقون؟ والجواب: أنه كان يستغفر ~~لهم لأنهم كانوا يأتون يطلبون الاستغفار، ويسألون منه الصفح والعفو، مثل ما ~~ذكرنا في سورة التوبة، ولم يكن ينفعهم؛ لأنهم كانوا كفارا عند الله. # وقوله: * (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) أي: المنافقين، وهم كفار ~~وفساق ومنافقون. وحكى بعضهم عن حذيفة بن اليمان أنه قيل له: من المنافق؟ ~~قال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به. وعن عمر رضي الله عنه قال: إني لا أخاف ~~عليكم مؤمنا تبين إيمانه، ولا كافرا تبين كفره، وإنما أخاف عليكم كل منافق ~~عليم اللسان. # قوله تعالى: * (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا) وقرئ في الشاذ ' حتى ينفضوا ' من النفض أي: حتى ينفضوا أوعيتهم ~~فيفتقروا ويتفرقوا. # وقوله: * (هم الذين يقولون) يقال: الواو محذوفة، ومعناه: وهم الذين ~~يقولون، وكذلك في قوله: * (لئن رجعنا إلى المدينة) أي: ويقولون، قال ~~الشاعر: PageV05P443 # (لأمر ما تصرفت الليالي * لأمر ما تحركت النجوم) أي: ولأمر. # وقوله: * (لا تنفقوا على من عند رسول الله) نزلت الآية على سبب، وهو ما ~~رواه الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد أن عمر رضي الله عنه كان استأجر ~~رجلا من غفار يقال له: ' جهجاه ' ليعمل له في بعض الغزوات، ms1779 وهي غزوة ' ~~المريسيع ' فجرت بينه وبين رجل من الأنصار منازعة على رأس بئر للإسقاء فقال ~~الأنصاري: يا للأنصار، وقال جهجاه: يا للمهاجرين، فسمع النبي ذلك فقال: ' ~~ما بال دعوى الجاهلية دعوها فإنها ميتة '. وبلغ ذلك عبد الله بن أبي سلول ~~فغضب وقال: هذا مثل ما قال الأول سمن كلبك، وقال: أما إنكم لو أطعتموني لم ~~تنفقوا على من اجتمع عند هذا الرجل وكان الأنصار ينفقون على المهاجرين، ~~وكانوا ينفضون عنه وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ~~وعنى بالأعز نفسه، وبالأذل محمدا فبلغ ذلك النبي وقال عمر: دعني أضرب عنق ~~هذا المنافق. فقال عليه الصلاة والسلام: ' لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل ~~أصحابه ' أي: لا أقتله لهذا قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو علي الشافعي ~~بمكة أخبرنا أبو الحسن بن فراس أخبرنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الديبلي، ~~أخبرنا أبو عبد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، أخبرنا سفيان عن ~~الزهري... الحديث. # وقد ذكر البخاري هذا الخبر في كتابه برواية زيد بن أرقم قال: كنت مع عمر ~~في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله حتى ينفضوا، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل. قال فجئت إلى عمر وذكرت له ذلك، وذكر عمر ذلك لرسول الله، فجاء ابن ~~أبي بن سلول إلى النبي وحلف أنه ما قاله فصدقه وكذبني، فأصابني من الهم ما ~~لم يصبني مثله قط حتى جلست في بيتي، فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي ~~قبلها، PageV05P444 # * (المنافقين لا يفقهون (7) يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل) * * فدعاني رسول الله وقال: ' إن الله تعالى قد صدقك '. # وفي رواية سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر ' أن رجلا من المهاجرين كسع ~~رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: ياللأنصار، وقال المهاجري: ياللمهاجرين ~~وكان الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدم رسول الله المدينة، ثم كثر ~~المهاجرين من بعد فلما سمع عبد الله بن أبي بن سلول ms1780 ذلك قال ما ذكرناه، ~~(وساق) الحديث قريبا من الذي ذكرناه أولا '. قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك ~~أبو علي الشافعي بمكة بالإسناد الذي ذكرنا عن سفيان. # وقوله: * (حتى ينفضوا) أي: يتفرقوا. # وقوله تعالى: * (ولله خزائن السماوات والأرض) معناه: أنهم لو لم تنفقوا ~~فلله خزائن السماوات والأرض فهو يرزقكم. ويقال: خزائن السماوات بالمطر، ~~وخزائن الأرض بالنبات. وعن بعضهم: خزائن السماوات ما قضاه، وخزائن الأرض ما ~~أعطاه. وقال بعض أرباب الخواطر: خزائن السماوات: الغيوب، وخزائن الأرض: ~~القلوب. والصحيح الأول. # قوله: * (ولكن المنافقين لا يفقهون) قد بينا. # قوله تعالى: * (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) ~~قد ذكرنا، والأعز هو الأقدر على منع الغير، والأذل هو الأعجز عن نفع الغير. ~~وقيل معناه: ليخرجن العزيز منها الذليل. وفي أفعل بمعنى فعيل قال الفرزدق: # (إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول) PageV05P445 # * (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك ~~هم الخاسرون (9) وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ~~رب لولا أخرتني) * * أي: عزيز طويلة. # وقوله: * (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) أي: الغلبة والمنعة والقوة، ~~والعزة لله لعزة في ذاته، والعزة لرسوله وللمؤمنين بما أعطاهم الله تعالى ~~من الغلبة والمنعة والقوة. # وقوله: * (ولكن المنافقين لا يعلمون) أي: لا يعلمون أن العزة والغلبة لله ~~ولرسوله وللمؤمنين. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم) أي: ~~لا تشغلكم، ومعناه: لا تشتغلوا بالقيام على أموالكم وأولادكم فيشغلكم ذلك ~~عن ذكر الله كما شغل المنافقين. وذكر الله هو الإيمان به هاهنا. # وقوله: * (ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) أي: المغبونون بحظوظهم. ~~ويقال: هم الذين غبنوا أنفسهم وخسروها في الآخرة. وعن عطاء: أن ذكر الله ~~هاهنا هو الصلوات الخمس. وقال الضحاك: هو جميع ما فرضه الله تعالى. # قوله تعالى: * (وأنفقوا مما رزقناكم) الأصح أنه الزكاة، وقيل: هو صدقة ~~التطوع، وكل ما ندب الله تعالى ms1781 إليه من النفقة في الخيرات. # وقوله: * (من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني) أي: هلا ~~أخرتني. # قوله: * (إلى أجل قريب) أي: إلى مدة قريبة. قال ابن عباس: كل من كان له ~~مال ولم يؤد زكاته يسأل الله الرجعة إذا حضره الموت. فقالوا له: يا ابن ~~عباس، اتق الله، فإنما الرجعة للكافر، فقال: اتلوا هذه الآية: * (وأنفقوا ~~مما رزقناكم) الآية. وفي رواية: أن هذا في الحج بدل الزكاة. PageV05P446 # * (إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10) ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء ~~أجلها والله خبير بما تعملون (11).) * * وقوله: * (فأصدق وأكن من الصالحين) ~~وقرئ: ' وأكون ' ومن قرأ ' وأكون ' فهو معطوف على قوله فأصدق. وقيل لابن ~~عمر: وكيف خالفت المصحف في قوله: * (وأكون من الصالحين)؟ فقال: هو مثل ~~قولهم في هجاء أبجد كلمن، وهو كلمون. # وأما تقرير الآية على القراءة بدون الواو: ' وإن أخرتني أصدق وأكن من ~~الصالحين '. وقيل: ' أصدق ' أي: أزكي، ' وأكن من الصالحين ' أي: أحج. # قوله تعالى: * (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها) أي: لا يتقدم ولا ~~يتأخر إذا جاء الأجل. # وقوله: * (والله خبير بما تعملون) ظاهر المعنى. PageV05P447 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم ~~مؤمن) * * تفسير سورة التغابن وهي مدنية في قول الأكثرين. وقال الضحاك: ~~مكية. وقال الكلبي: مكية ومدنية. ومعناه: أن بعضها مكية، وبعضها مدنية. ~~والله أعلم. # قوله تعالى: * (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير) قد ذكرنا معاني هذا من قبل. # قوله تعالى: * (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) قال علي بن أبي ~~طلحة الوالبي: خلقكم كفارا وخلقكم مؤمنين، قاله ابن عباس، وقد أيد هذا ~~المعنى قوله تعالى: * (إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا ~~وحصورا) فأخبر أن الله تعالى خلقه كذلك. وفي الخبر أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال: ' إن الله تعالى ms1782 خلق يحيى سعيدا في بطن أمه، وخلق فرعون كافرا في بطن ~~أمه '. # وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن [أبي] الطفيل قال: سمعت ابن مسعود رضي ~~الله عنه يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فقلت: ثكلت ~~أم الشقي من قبل أن يعمل، فلقيت حذيفة بن أسيد وكنيته أبو شريحة الغفاري ~~فذكرت له ذلك فقال: ألا أخبرك بأعجب من هذا! سمعت رسول الله يقول: ' إذا ~~استقرت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة أو قال: خمسا PageV05P448 # * (والله بما تعملون بصير (2) خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن) * ~~* وأربعين ليلة دخل عليها الملك فيقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيقول الله، ~~ويكتب الملك. فيقول أذكر أم أنثى فيقول الله ويكتب الملك فيقول: يا رب، ما ~~أجله؟ ما عمله؟ ما رزقه؟ ما مصيبته؟ فيقضي الله تعالى، ويكتب الملك، ثم ~~يطوي الصحيفة، فلا يزاد ولا ينقص إلى يوم القيامة '. # وروى سفيان أيضا عن طلحة بن يحيى، عن عمته، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة ~~أم المؤمنين أن النبي أتى بصبي من الأنصار ليصلي عليه، فقلت: طوباه عصفور ~~من عصافير الجنة. فقال: ' أو غير ذلك يا عائشة؛ إن الله تعالى خلق الجنة ~~وخلق لها أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا ~~وهم في أصلاب آبائهم '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذين الحديثين أبو علي الشافعي بمكة، أخبرنا ~~أبو الحسن بن فراس، أخبرنا الديبلي، أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، ~~عن سفيان بن عيينة.. الخبر كما ذكرنا. # والقول الثاني في الآية أن معناها: فمنكم كافر بأن الله خلقه، ومنكم مؤمن ~~ومنكم فاسق. والمعروف هو القول الأول. # وقوله: * (والله بما تعملون بصير) ظاهر. # قوله تعالى: * (خلق السماوات والأرض بالحق) أي: بالعدل. ويقال: بإحكام ~~الصنعة وحسن (التقدير)، ويقال: للحق. # وقوله: * (وصوركم فأحسن صوركم) قال مقاتل: خلق آدم بيده، فهو معنى قوله: ~~* (وصوركم فأحسن صوركم) وعن غيره: أنه في معنى قوله تعالى: * (لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم وعن بعضهم قال ms1783 خلق الإنسان في أحسن PageV05P449 # * (صوركم وإليه المصير (3) يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون ~~وما تعلنون والله عليم بذات الصدور (4) ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل ~~فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (5) ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فقالوا ابشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد (6)) * * ~~صورة، ولو عرض الله عليه الصور ما اختار غير صورته. # وقوله: * (وإليه المصير) أي: المرجع. # قوله تعالى: * (يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون ~~والله عليم بذات الصدور) أي: بما تكنه الصدور. # قوله تعالى: * (ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل) هذا خطاب لمشركي قريش. # وقوله: * (فذاقوا وبال أمرهم) أي: في الدنيا. # وقوله: * (ولهم عذاب أليم) أي: في الآخرة. # قوله تعالى: * (ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات) أي: بالدلالات ~~الواضحات. # وقوله: * (فقالوا أبشر يهدوننا) مثل قوله تعالى: * (وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا). # وقوله: * (فكفروا وتولوا) أي: جحدوا وأعرضوا. # وقوله: * (واستغنى الله) يعني: أن الله غني عن طاعتهم وعبادتهم وتوحيدهم. # وقوله: * (والله غني حميد) أي: مستغني عن أفعال العباد، مستحمد إلى خلقه ~~بالإنعام عليهم. ويقال: حميد أي: مستحق للحمد. ويقال حميد أي: يحب أن يحمد. ~~وقد ثبت أن النبي قال: ' ما من أحد [أغير] من الله وما أحب أحد إليه ~~PageV05P450 # * (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير (7) فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما ~~تعملون خبير (8) يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن) * * الحمد من ~~الله، وما أحد أحب إليه العذر من الله '. # وقوله تعالى: * (زعم الذين كفروا) حكي عن مجاهد أنه كان يكره لفظة زعموا، ~~وكذلك حكي عن ابن مسعود. وفي بعض التفاسير عن ابن عمر قال: كنية الكذب. ~~ونحو ذلك عن شريح. فزعموا هاهنا بمعنى قالوا وأخبروا، قال الشاعر: # (ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وألا يحسن السر أمثالي) وقوله: * (أن ~~لن يبعثوا) يعني: ms1784 بعد الموت. # وقوله: * (قل بلى وربي لتبعثن) قوله: * (بلى) في هذا الموضع لتكذيب القوم ~~فيما زعموا، وهو مثل قول القائل لغيره: وقد أمرتك بكذا وكذا، فيقول الرجل: ~~ما سمعت وما أمرتني به، فيقول: بلى، أي: وكذبت، قد سمعت وقد أمرتك. # وقوله: * (ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير) أي: هين. # قوله تعالى: * (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) أي: القرآن الذي ~~أنزلناه على محمد * (والله بما تعملون خبير) أي: عليم. # قوله تعالى: * (يوم يجمعكم ليوم الجمع) أي: يوم القيامة، وسمي يوم الجمع؛ ~~لأنه يجتمع فيه الأولون والآخرون، ويجتمع أهل السماوات وأهل الأرض. # وقوله: * (ذلك يوم التغابن) عن ابن عباس أنه قال: هو اسم ليوم القيامة. ~~وفي التغابن معنيان: أحدهما: أن أهل الحق يغبنون أهل الباطل، وأهل الإيمان ~~يغبنون أهل الكفر. PageV05P451 # * (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير (10) ما أصاب من مصيبة ~~إلا بإذن الله ومن) * * والقول الثاني: أن الله تعالى سمى لكل أحد من خلقه ~~منزلا في النار ومنزلا في الجنة، فمن كان مؤمنا يرث منزلة الكافر في الجنة، ~~ومن كان كافرا يرث منزل المؤمن في النار، وهو معنى التغابن يوم القيامة. ~~وعن بعضهم: أن الغبن هو أخذ الشيء بدون قيمته، فبالتفاوت الذي يقع بين ~~القيمة وما دونها يحصل التغابن، فالمؤمنون لما عملوا للجنة وللنعيم الباقي ~~فقد غبنوا أهل النار، والكفار لما اختاروا النعيم المنقطع على النعيم ~~الباقي، والدار التي تفنى على الدار التي لا تفنى؛ فقد غبنوا. قال زيد بن ~~علي: غبنوا أنفسهم. والغبن هاهنا يعني الخسران في (غير) هذا الموضع. # وقوله تعالى: * (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين ~~فيها وبئس المصير) أي: المرجع والمنقلب. # قوله تعالى: * (ما ms1785 أصاب من مصيبة إلا بإذن الله) أي: بعلمه وقضائه ~~وتقديره. # وقوله: * (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) قال علقمة: ومن يؤمن بالله في ~~المصيبة أي: يعلم أنها من الله يهد قلبه للاسترجاع والتسليم لأمر الله ~~تعالى. ومثله عن سعيد بن جبير. وعن بعضهم: يهد قلبه أي: للصبر إذا ابتلي، ~~وللشكر إذا أنعم عليه، وللعفو إذا [ظلم] وقال عكرمة: يهد قلبه لليقين، ~~فيعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه. وذكر ~~الأزهري في كتابه أن معنى قوله: * (يهد قلبه) أي: يجعله مهتديا، وقد أيد ~~هذا القول ما حكي عن ابن جريج أنه قال: من عرف الله فهو مهتدي القلب. ~~PageV05P452 # * (يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم (11) وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين (12) الله لا إله إلا هو ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ~~(14) إنما أموالكم وأولادكم فتنة) * * وقوله: * (والله بكل شيء عليم). # قوله تعالى: * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا ~~البلاغ المبين) أي: البين. # قوله تعالى: * (الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون) قد بينا. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم) أي: أعداء لكم فاحذروهم. قال ابن عباس: نزلت الآية في قوم أسلموا ~~بمكة، وكانوا يريدون أن يهاجروا إلى المدينة فيمنعهم أولادهم وأهلوهم ~~ويقولون: فارقتمونا بدينكم فلا تفارقونا بأنفسكم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. وعن مجاهد قال: نزلت الآية في عوف بن مالك الأشجعي، وكان قد لقي ~~جفاء من أهله وولده. # وقوله: * (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم) قال ابن عباس: ~~لما تخلف هؤلاء بسبب أهليهم ثم هاجروا من بعد فرأوا قوما قد أسلموا من ~~قومهم، وتقدموا في الهجرة وتفقهوا في الدين، حزنوا لذلك حزنا شديدا، وهموا ~~أن يعاقبوا أهليهم وبنيهم ويتركوا الإنفاق عليهم، فأنزل الله تعالى قوله: * ~~(وإن تعفوا ms1786 وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم). # قوله تعالى: * (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) أي: بلاء ومحنة، ومعنى ~~البلاء والمحنة من الأموال والأولاد أنه يشتغل بهم عن طاعة الله تعالى، ~~ويحمله طلب المال ورضا الأولاد على معصية الله تعالى. وفي بعض الأخبار عن ~~النبي أنه قال: ' الولد مبخلة مجبنة محزنة مجهلة '. ومعناه: أنه يحمل على ~~البخل والجبن والحزن PageV05P453 # * (وا لله عنده أجر عظيم (15) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ~~وأنفقوا خيرا) * * والجهل. وعن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: من اتخذ ~~أهلا ومالا وولدا كان للدنيا عبدا. # وروى عبد الله بن بريدة [عن أبيه] ' أن النبي كان يخطب فدخل الحسن ~~والحسين رضي الله عنهما وعليهما قميصان أحمران يعثران في ذلك، فنزل النبي ~~عن المنبر وحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قرأ قوله تعالى: * (إنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة) ثم قال: رأيت هذين الصبيين يعثران في قميصهما، فما ملكت ~~نفسي حتى نزلت وحملتهما '. # وأنشدوا في لفظ الفتنة لبعضهم: # (قد فتن الناس في دينهم * وخلى ابن عثمان شرا طويلا) يعني: قد ابتلي ~~الناس. # وقوله: * (والله عنده أجر عظيم) أي: كثير. # قوله تعالى: * (فاتقوا الله ما استطعتم) قال ربيع بن أنس: بجهدكم ~~وطاقتكم. وروى معمر، عن قتادة أن هذه الآية نسخت قوله تعالى: * (اتقوا الله ~~حق تقاته) ومثل هذا عن جماعة من التابعين. وقال جماعة من أهل العلم: الأولى ~~أن يقال: هذه الآية رخصة وليست بناسخة. وذكر القفال أن هذه الآية مبينة ~~لقوله تعالى: * (اتقوا الله حق تقاته) لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها. وذكر مثل ذلك على ابن عيسى وغيره. PageV05P454 # * (لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (16) إن تقرضوا الله قرضا ~~حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17)) * * والمختار ما عليه ~~السلف، وهو القول الأول. وقد ذكرنا عن ابن مسعود في قوله تعالى: * (اتقوا ~~الله حق تقاته) هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر ولا ينسى، ويشكر فلا يكفر. # وقوله: * (واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم) نصب قوله: * (خيرا) على ~~تقدير: اتقوا في الإنفاق ms1787 خيرا. ومثله قوله تعالى: * (انتهوا خيرا لكم). # وقوله: * (ومن يوق شح نفسه) أي: بخل نفسه، ويقال: الشح هو منع حقوق الله ~~الواجبة. وقال سفيان بن عيينة: الشح هاهنا هو الظلم دون البخل؛ لأن الله ~~تعالى قد قال: * (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه). # وقوله: * (فأولئك هم المفلحون) قد بينا. # قوله تعالى: * (إن تقرضوا الله قرضا حسنا) قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: هو الإنفاق في سبيل الله. ويقال: هو جميع حقوق المال، وسمي ذلك قرضا؛ ~~لأن الله تعالى يثيبهم عليه ويعطيهم عوضه، فهو بمنزلة القرض. # وفيه قول ثالث: أن الإقراض هاهنا هو قول القائل: سبحان الله، والحمد لله، ~~ولا إله إلا الله، والله أكبر. وذكر القفال: أن بعض السلف كان إذا سمع ~~سائلا يقول: من يقرض الله قرضا حسنا يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله ~~إلا الله، والله أكبر. وأما قوله: * (حسنا) أي: طيبة بها أنفسكم. ويقال: من ~~خيار المال لا من رذاله. # وقوله: * (يضاعفه لكم) أي: يجعل الواحد عشرا. ويقال: يضاعف لا إلى عدد ~~معلوم. # وقوله: * (ويغفر لكم والله شكور حليم) الشكر من الله هو جزاؤه المحسنين ~~جزاء PageV05P455 # * (عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم (18)) * * من يشكرهم على إحسانهم. ~~ويقال: الشكر من الله هو العفو عن السيئات وقبول الحسنات. ويقال: هو العفو ~~عن الكثير وقبول القليل. # وقوله: * (حليم) معناه: إمهال العباد وترك معالجتهم بالعقوبة. # قوله تعالى: * (عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم) ظاهر المعنى. ~~PageV05P456 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن) * * تفسير سورة الطلاق وهي مدنية في قول الجميع قوله تعالى: * (يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء) فإن قيل: كيف خاطب النبي وحده في الابتداء ثم ~~قال: * (إذا طلقتم النساء)؟ والجواب من أوجه: أحدها: أن خطاب النبي عليه ~~الصلاة والسلام خطاب لأمته، مثل خطاب الرئيس يكون خطابا للأتباع وكأنه قال: ~~يا أيها النبي والمؤمنون إذا طلقتم النساء. # والجواب الثاني أن قوله: * (إذا طلقتم النساء) على تحويل الخطاب إلى ~~الغير مثل قوله تعالى: * (حتى إذا كنتم ms1788 في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ~~وفرحوا بها..). # والجواب الثالث: أن فيه تقدير محذوف، وتقديره: يا أيها النبي قل للمؤمنين ~~إذا طلقتم النساء. وروى قتادة عن أنس أن النبي طلق حفصة، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية، وقال له جبريل: يقول لك ربك: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من ~~أزواجك في الجنة. # وقوله: * (فطلقوهن لعدتهن) معناه: لزمان عدتهن وهو الطهر، وفيه دليل على ~~أن الأقراء التي تنقض بها العدة هي الأطهار، وهذا قول أهل الحجاز. وأما من ~~قال: إن الأقراء هي الحيض، قال معنى قوله: * (لعدتهن) أي: ليعتددن مثل قوله ~~تعالى: * (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) أي: ليحزنوا، ذكره ~~النحاس، وقرأ في الشاذ: ' فطلقوهن لقبل عدتهن ' وقيل: إنها قراءة النبي، ~~فمن قال: إن الأقراء هي الحيض استدل بهذه القراءة، لأن هذه اللفظة تقتضي أن ~~يكون زمان الطلاق قبل PageV05P457 # * (وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم) * * زمان العدة، وأن زمان العدة يتعقب ~~زمان الطلاق. # وأما من قال: بأن الأقراء هن الأطهار، قال فمعنى قوله: ' لقبل عدتهن ' ~~أي: لوجه عدتهن؛ فإن قيل: إن قبل الشيء وجهه، والمراد في أول زمان الطهر، ~~فإن قيل: أول زمان الطهر وآخره واحد في الطلاق؛ فليس المعنى إلا ما ذكرنا. # قلنا: ليس كذلك، بل الأولى أن يطلق في أول زمان الطهر إذا أراد الطلاق؛ ~~لأنه إذا أخر لم يأمن أن يجامعها ثم يطلق، فيكون قد طلق طلاق البدعة. # وقد روي عن عمر وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيره من التابعين معنى ~~قوله: * (لعدتهن) أي: طاهرا من غير جماع. وقد ثبت هذا اللفظ عن النبي ~~برواية نافع عن ابن عمر أنه طلق امرأته في حال الحيض، فقال له النبي: ' ~~راجعها ثم أمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شئت طلقها طاهرا من غير ~~جماع '. وتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء. وفي رواية: ~~أنه قال لعمر: ' مره فليراجعها '. وفي رواية ' ثم إذا طهرت إن شاء طلقها ~~طاهرا من غير جماع ' ولم يذكر ثم تحيض ms1789 ثم تطهر. وعن أنس [و] ابن سيرين أنه ~~قال لابن عمر: ' احتسبت بتلك الطلقة؟ قال: نعم. # (وفي رواية: خمسة). وفي رواية ثالثة: قال: نعم وإن عجزت واستحمقت. # وقوله: * (وأحصوا العدة) هذا خطاب للأزواج، أمرهم أن يحصوا العدة ليعرفوا ~~زمان الرجعة ومدة انقطاعها. ويقال: ليعرفوا مدة الإنفاق عليهن. # وقوله: * (واتقوا الله ربكم) يعني: طلقوا للسنة، ولا تطلقوا للبدعة. ~~ويقال: اتقوا ربكم في ترك إخراجهن من البيوت، وأما صفة طلاق السنة فهو من ~~حيث الوقت أن PageV05P458 # * (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) * * ~~يطلقها طاهرا من غير جماع، وأما من حيث العدة، فمذهب مالك والثوري وأبي ~~حنيفة وكثير من العلماء أنه يكره الطلاق ثلاثا جملة، والسنة أن يطلقها ~~واحدة ويتركها حتى تنقضي عدتها، هذه هو الأولى، قاله مالك. وإن أراد أن ~~يطلق ثلاثا فرق على الأطهار، فيطلق لكل طهر طلقة، وأما مذهب الشافعي رحمه ~~الله أنه ليس في الجمع والتفريق سنة ولا بدعة. وقد ذكر الأصحاب الأولى أن ~~يطلق واحدة وإن لم يكره الجمع بين الثلاث، قالوا: وهو المذهب. وفي الآية ~~دليل (الشافعي) على قوله؛ لأن الله تعالى أباح الطلاق بقوله: * (فطلقوهن ~~لعدتهن) مطلقا ولم يفرق بين أن يطلق واحدة أو أكثر منها، ولأن الله تعالى ~~بين وقت الطلاق ولم يبين عدده، والآية وردت لبيان المسنون من الطلاق، فلو ~~كان في عدد الطلاق سنة لم يؤخر بيانها. # وقوله: * (لا تخرجوهن من بيوتهن) أي: في زمان العدة، ونسب البيوت إليهن ~~لأجل السكنى. # وقوله: * (ولا يخرجن) أي: لا يخرجن بأنفسهن. # وقوله: * (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) اختلف القول في معنى الفاحشة ~~هاهنا، فأظهر الأقاويل: أنها الزنا، وهذا قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ~~ابن عباس وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة و (حماد بن أبي سلمة) والليث وجماعة ~~كثيرة، والمراد من الآية على هذا إلا أن تزني فتخرج لإقامة الحد. # والقول الثاني: أن الفاحشة هي أن تبذو على أهلها، قاله ابن عباس في إحدى ~~الروايتين، ويقال في قراءة أبي بن كعب: ms1790 ' إلا أن يفحشن ' وهذه القراءة تقوي ~~هذا القول. وروي عن عائشة أنها قالت لفاطمة بنت قيس: اتقي الله فإنك تعلمين ~~أن PageV05P459 # * (وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا (1) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن) * * ~~الرسول أخرجك، يعني: من بيت زوجها، وكانت تبذو بلسانها. # والقول الثالث ما روي عن ابن عمر أنه قال: الفاحشة نفس الخروج. وهو محكي ~~عن إبراهيم النخعي. فعلى هذا تقدير الآية إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~بخروجهن. # وقال بعضهم: الفاحشة هاهنا جميع المعاصي. وأولى الأقاويل هو الأول لكثرة ~~من قال به؛ ولأنه موافق لقوله: * (واللاتي يأتين الفاحشة) وأجمعوا على أن ~~المراد به الزنا. # وقوله: * (وتلك حدود الله) قال السدى: هي شروط الله. ويقال: شرع الله، ~~وقيل: أمره ونهيه. # وقوله: * (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) أي: أهلك نفسه وأوبقها. # وقوله: * (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) القول المعروف في هذا أنه ~~الرغبة في المراجعة، وفيه دليل على أن المراد بقوله: * (فطلقوهن) في ابتداء ~~الآية هو الطلقة والطلقتان دون الثلاثة، ويقال: إن المراد منه الواحدة ~~والثلاث جميعا. قال في قوله تعالى: * (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) ~~قال: هو النسخ؛ ومعناه: لعل الله ينسخ هذا الحكم ويرفعه. وقيل: هو الرغبة ~~في ابتداء النكاح بعد زوج آخر. # وقوله: * (فإذا بلغن أجلهن) أي: قاربن بلوغ أجلهن، وهو انقضاء العدة. # وقوله: * (فأمسكوهن بمعروف) أي: راجعوهن بمعروف، ومعناه: على أمر الله ~~تعالى. ويقال: المعروف هاهنا: هو أن يراجعها ليمسكها لا أن يراجعها ~~فيطلقها، فيطول العدة عليها على ما كان يفعله أهل الجاهلية. # وقوله: * (أو فارقوهن بمعروف) معناه: أن يتركها لتنقضي العدة فتقع ~~الفرقة. والمعروف: هو ما أمر الله تعالى به من إيصال حقها إليها من السكنى ~~والنفقة في PageV05P460 # * (بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من) * * ~~موضع الوجوب، ms1791 ويقال: بمعروف أي: من غير قصد مضارة. # قوله: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الإشهاد واجب ~~في الطلاق والرجعة بظاهر الآية. # والقول الثاني: أن الإشهاد يجب في الرجعة ولا يجب في المفارقة وهو أحد ~~قولي الشافعي رضي الله عنه وهو قول طاوس من التابعين. # والقول (الثاني): أنه يندب إلى الإشهاد في الرجعة، ولا يجب، وعليه أكثر ~~أهل العلم، وهو قول آخر الشافعي رحمة الله عليه. # وأما العدل هو مستقيم الحال في معاملات الشرع وأوامره. وقال منصور: سألت ~~إبراهيم عن العدل فقال: هو الذي لم يظهر فيه ريبة. # وقوله: * (وأقيموا الشهادة لله) هو خطاب للشهداء بأداء الشهادات على ~~وجوهها. # وقوله: * (ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) وقوله: * (ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا) قال ابن عباس: من كل أمر ضاق على الناس. وعنه قال: ~~إذا اتقى الله في الطلاق على وجه السنة بأن طلق واحدة، جعل له مخرجا منه في ~~جواز الرجعة وروي أن رجلا أتاه وقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا فهل له مخرج؟ ~~فقال: إن عمك عصى الله فأثم، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا. وفي بعض ~~الأخبار برواية ابن عباس أن النبي قال في قوله: ' * (ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا) قال: ' من غموم الدنيا وغمرات الموت وشدائد الآخرة '. # وقوله: * (ويرزقه من حيث لا يحتسب) أي: من حيث لا يرجو ولا يأمل، وقيل: ~~PageV05P461 # * (حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا (3) واللائي يئسن من المحيض من نسائكم) * * يقنعه بما ~~رزقه. وفي التفسير: ' أن هذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر ابنه، ~~فجاء إلى النبي يشكو إليه فقال: ' اصبر واتق الله ' فرجع، ثم إن العدو ~~غفلوا عن ابنه، مرة، فهرب منهم وساق مع نفسه إبلا ورجع إلى أبيه وجاء ~~بالإبل، فأتى النبي وأخبره بذلك، وسأله عما ساقه إليه ابنه هل يحل له ذلك؟ ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية ' فالمعنى بقوله: ms1792 * (ويرزقه من حيث لا يحتسب) ~~هو ما جاء به ابن عوف ابن مالك إلى أبيه من الإبل. # وقوله تعالى: * (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) أي: يثق بالله ويفوض أمره ~~إليه: ويقال: التوكل على الله هو الرضا بقضائه. وفي بعض الأخبار عن النبي ~~أنه قال: ' من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ومن انقطع إلى الخلق وكله ~~إليهم '. # وقوله: * (إن الله بالغ أمره) أي: كل ما يريده في خلقه. # وقوله: * (قد جعل الله لكل شيء قدرا) أي: مقدارا وأجلا ينتهي إليه. # قوله تعالى: * (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم) الآية مشكلة لقوله: * ~~(إن ارتبتم) واختلفت الأقوال في قوله: * (إن ارتبتم) أظهر الأقاويل: أن ~~الله تعالى لما بين عدة ذوات الأقراء قال جماعة من أصحاب رسول الله قد ~~عرفنا عدة ذوات PageV05P462 # * (إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن) * * الأقراء، فكيف عدة الآيسات والصغائر وذوات الأحمال؟ فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (إن ارتبتم) خطاب لأولئك الجماعة أي: شككتم في عدتهن فلم ~~تعرفوها. وفي بعض التفاسير: أم معاذ بن جبل سأل رسول الله عن ذلك. وعن ~~بعضهم: أن أبي بن كعب سأل رسول الله عن ذلك. # والقول الثاني: أن قوله تعالى: * (إن ارتبتم) أي: لم تعرفوا أنها تحيض، ~~أو لا تحيض وذلك في المرأة الشابة إذا ارتفع حيضها لعلة. قال عمر رضي الله ~~عنه: تنتظر سبعة أشهر، فإن لم تر الحيض اعتدت بثلاثة أشهر، وهذا قول مالك، ~~وحكي عن مجاهد نحو ما ذكرنا. # والقول الثالث أن قوله: * (إن ارتبتم) راجع إلى قوله تعالى: * (لا ~~تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن) والمعنى إن ارتبتم في انقضاء عدتها فلا ~~تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن، ذكره النحاس. وأما الآيسة فهي التي لا ترى ~~أمثالها الحيض فعدتها ثلاثة أشهر. وعلى مذهب أكثر العلماء أن الشابة وإن ~~ارتفع حيضها لعلة لا تنقضي عدتها بالشهور ما لم تيئس، قالوا: ولو شاء الله ~~لابتلاها بأكثر من ذلك. # وقوله: * (واللائي لم يحضن) هن ms1793 الصغائر. # وقوله: * (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) هذا الحكم متفق عليه في ~~المطلقات الحوامل، فأما المتوفى عنها زوجها اختلف الصحابة في ذلك، فقال علي ~~وابن عباس: إن عدتها أبعد الأجلين. وقال عمر وابن مسعود وابن عمر وأبو ~~هريرة: إن عدتها بوضع الحمل، وهذا هو القول المختار. وعن ابن مسعود أنه ~~قال: نزلت سورة PageV05P463 # * (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن ~~يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا (5) أسكنوهن من حيث سكنتم من) * * ~~النساء القصوى بعد قوله تعالى: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا) فقد ~~نقل ابن مسعود نسخ تلك الآية بهذه الآية. وفي رواية عنه أنه قال: هذه الآية ~~ناسخة لتلك الآية. وروي أن أبا هريرة وابن عباس اختلفا في هذه (المسألة)، ~~فقال ابن عباس: تعتد بأبعد الأجلين، وقال أبو هريرة: تعتد بوضع الحمل؛ فبعث ~~ابن عباس كريبا مولاه إلى أم سلمة يسألها عن ذلك، فروت أن سبيعة الأسلمية ~~توفي عنها زوجها وهي حامل فوضعت لنصف شهر؛ فسألت رسول الله عن ذلك فقال: ' ~~حللت للأزواج '. وهذا خبر صحيح. # وقوله: * (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) أي: يتق الله في أمر ~~الطلاق فيطلب للسنة. # وقوله: * (يجعل له من أمره يسرا) أي: الرجعة (وقال بعضهم): ' ومن يتق ~~الله ' أي: يحذر من المعاصي ويعمل بالطاعات ' يجعل له من أمره يسرا ' أي: ~~يوفقه ويسدده وييسر عليه الأمور. # قوله تعالى: * (ذلك أمر الله أنزله إليكم) أي: ما تقدم من الأمر والنهي ~~في الطلاق وأحكامه. # وقوله: * (ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا) أي: في القيامة. # قوله تعالى: * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) اختلف العلماء في وجوب ~~السكنى للمبتوتة مع اتفاقهم أنها واجبة للرجعية؛ فمذهب الشافعي: أن السكنى ~~واجبة لها دون النفقة إلا الحامل تجب لها النفقة والسكنى، وهو قول مالك. ~~PageV05P464 # * (وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) * * ومذهب أحمد وجماعة: ms1794 أن السكنى ~~والنفقة غير واجبين للمبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس. # ومذهب أبي حنيفة رحمه الله: أنهما واجبتان. # وقوله: * (من وجدكم) أي: من سعتكم. وقال الفراء: مما تجدون. وقرأ الأعرج: ~~' من وجدكم ' وهو لحن لأن الوجد من الوجد من الجدة، والجد من الحزن والحث ~~والعطف، وليس هذا موضعه. # وقال: * (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) قال منصور عن [أبي] الضحى: المضارة ~~هو أن يرجعها حين تشرف على انقضاء العدة من غير رغبة لطول عليها العدة. ~~ويقال: [إن] المراد من المضارة هاهنا هو المضارة في المنزل والسكنى، قاله ~~مجاهد. # وقوله: * (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) من لم يوجب ~~النفقة للمبتوتة الحامل استدل بهذه الآية وقال: إن الله تعالى: شرط في وجوب ~~النفقة للمبتوتات أن يكن حوامل. ومن أوجب النفقة لهن قال: قوله: * (ولا ~~تضاروهن لتضيقوا عليهن) أي: في ترك الإنفاق على العموم في المبتوتات. # وقوله: * (وإن كن أولات حمل) تخصيص بعض ما تناوله اللفظ الأول بالذكر مثل ~~قوله تعالى: * (وجبريل وميكال) بعد ذكر الملائكة. قال بعضهم: الآية لبيان ~~مدة النفقة يعني: أن النفقة تجب للحامل وإن طالت مدة حملها إلى أن تضع ~~الحمل. # وقوله: * (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) أي: الأم إذا أرضعت بعد الطلاق ~~PageV05P465 # * (وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من ~~سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما) * ~~* يؤتيها الأب أجرها. # وقوله: * (وأتمروا بينكم بمعروف) أي: لينفق الوالد والوالدة على ما هو ~~الأنفع للصبي، فلا تمتنع الوالدة من الإرضاع، ولا يمتنع الأب من إعطاء ~~الأجر. قال السدى: ' وأنتمروا بينكم بمعروف ' أي: تشاوروا بينكم بالمعروف. ~~وهو قول ضعيف. وقال المبرد: ليأمر بعضكم بعضا بالمعروف. # وقوله: * (وإن تعاسرتم) أي: تضايقتم وتنازعتم في الأجر. # وقوله: * (فسترضع له أخرى) أي: إذا لم ترض الأم بأجر المثل وطلبت أكثر ~~منه يسلم الولد إلى غيرها لترضع بأجر المثل. # وقوله: * (فسترضع له أخرى) خبر بمعنى الأمر أي: لترضع، مثل قوله تعالى: * ~~(والوالدات يرضعن ms1795 أولادهن). # وقوله: * (لينفق ذو سعة من سعته) أي: بمقدار سعته، وهو حث على التوسع في ~~النفقة لمن وسع الله عليه. # وقوله: * (ومن قدر عليه رزقه) أي: ضيق عليه رزقه، ولم يكن له إلا القوت ~~وما يشبهه وهو قوله: * (فلينفق مما آتاه الله) أي: على قدر ذلك. وعن عمر ~~رضي الله عنه أنه سمع أن أبا عبيدة بن الجراح يلبس الثوب الخشن، ويأكل ~~الطعام (الجشب)، فبعث إليه بألف دينار من بيت المال، وأمر الرسول أن يتعرف ~~حاله بعد ذلك، فتوسع وأكل الطيب من الطعام، ولبس اللين من الثياب، فرجع ~~الرسول فأخبر عمر بذلك فقال: إنه تأول قوله تعالى: * (لينفق ذو سعة من سعته ~~ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله) ذكره القفال في تفسيره. # وقوله: * (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) PageV05P466 # * (آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ~~ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها ~~وكان عاقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي ~~الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) رسولا يتلوا عليكم) * * ~~وقوله: * (سيجعل الله بعد عسر يسرا) أي: بعد ضيق سعة، وبعد فقر غنى. قال ~~أهل التفسير: أراد به أصحاب رسول الله كانوا في ضيق، ثم وسع الله عليهم. # قوله تعالى: * (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله) أي: عتى أهلها عن ~~أمر ربها، والعتو هو المبالغة في العصيان. وعن ابن عباس: أن الله تعالى لم ~~ينزل قطرة من السماء إلا بوزن معلوم إلا في زمان نوح، ولا يرسل ريحا إلا ~~بكيل معلوم إلا في زمان عاد، فإنها عتت على خزانها. # وقوله: * (فحاسبناها حسابا شديدا) الحساب الشديد هو الذي ليس فيه عفو ولا ~~تجاوز. # وقوله: * (وعذبناها عذابا نكرا) أي: ينكر، والمنكر: الفظيع. # قوله تعالى: * (فذاقت وبال أمرها) أي: عاقبة أمرها من المكروه، ويقال: ~~طعام وبيل أي: مكروه، وهو ضد الهنيء من الطعام. ويقول: الوبيل من الطعام: ~~هو الذي تؤدي عاقبته إلى ms1796 الهلاك. # وقوله: * (وكان عاقبة أمرها خسرا) أي: هلاكا، وقيل: نقصانا. # وقوله تعالى * (أعد الله لهم عذابا شديدا) وهو النار. # وقوله تعالى: * (فاتقوا الله يا أولي الألباب) أي: أولي العقول الذين ~~آمنوا، وهذا يدل على أن العقل إنما ينفع مع الإيمان، وأما بدون الإيمان لا ~~ينفع. PageV05P467 # * (آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى ~~النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) الله الذي خلق سبع سماوات ومن) * * ~~وقوله: * (قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا) فيه وجوه: أحدها: أنزل إليكم ~~ذكرا أي: دليلا، وأنزل رسولا. ويقال: الذكر: القرآن، وقوله: * (رسولا) ~~منصوب على البدل. وقيل: ' رسولا ' أي: رسالة. فمعناه: أنزل قرآنا رسالة. # وقوله: * (يتلو) يقال: هو محمد، (ويقال): هو جبريل عليه السلام. # وقوله: * (عليكم آيات مبينات) أي: واضحات. # وقوله: * (ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور) أي: ~~من الكفر إلى الإيمان، ومن الباطل إلى الحق، وما أشبه ذلك. # وقوله: * (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا) أي: الجنة. # قوله تعالى: * (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن) ليس في القرآن ~~آية تدل على عدد الأرضين بسبع مثل عدد السماوات سوى هذه الآية، وقد ثبت ~~أيضا عن النبي أنه قال: ' من غصب شبرا من أرض طوقه الله من سبعين أرضين '. # وعن ابن عباس أنه قال: سبع سماوات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها تحت ~~بعض، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة سنة، وكذلك بين كل أرض وأرض. وعنه ~~أنه قال: خلق السماء الدنيا من موج مكفوف، والسماء الثانية من صخرة، ~~والسماء الثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، والخامسة من فضة، والسادسة ~~PageV05P468 # * (الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن ~~الله قد أحاط بكل شيء علما (12)) * * من ذهب، والسابعة من درة، وخلق الكرسي ~~فوق السماوات والأرض في جنب الكرسي ms1797 كحلقة في فلاة ويحمل الكرسي أربعة أملاك ~~لكل ملك أربعة أوجه، وجه على صورة الآدميين يسأل الرزق للبشر، ووجه على ~~صورة سيد السباع وهو الأسد يسأل الرزق للسباع، ووجه على صورة سيد الطير وهو ~~النسر يسأل الرزق للطيور. ووجه على صورة سيد الأنعام وهو الثور يسأل الرزق ~~للأنعام. # قال ابن عباس: ما زالت على وجهه الذي هو على صورة الثور عمامة منذ عبد ~~العجل من دون الله، فملكان يقولان: اللهم لك الحمد على حملك بعد علمك، ~~وملكان يقولان: اللهم لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. # وعنه رضي الله عنه أنه قال: في كل ارض آدم كآدم أبي البشر، ونوح مثل نوح، ~~وإبراهيم كإبراهيم، وموسى كموسى، وعيسى كعيسى، ومحمد كمحمد. ذكر هذه الآثار ~~عن ابن عباس أبو بكر محمد بن الحسن النقاش في تفسيره. وعن قتادة قال: في كل ~~سماء وفي كل أرض خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه. # وقوله تعالى: * (يتنزل الأمر بينهن) أي: بين السماوات والأرضين، وهو معنى ~~ما بينا. # وقوله: * (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير) أي: قادر. # وقوله: * (وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) ظاهر المعنى، وهو منصوب على ~~(التفسير)، والله أعلم. PageV05P469 # بسم الله الرحمن الرحيم (* (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي ~~مرضات أزواجك والله غفور رحيم (1)) * * تفسير سورة التحريم وهي مدنية قوله ~~تعالى: * (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله ~~غفور رحيم) في الآية قولان معروفان: أظهر القولين: أنها نزلت في تحريم رسول ~~الله على نفسه مارية القبطية، وسبب ذلك: أن النبي خلا بها في بيت حفصة، ~~وكانت حفصة قد خرجت لزيارة أبيها، فلما رجعت وعرفت ذلك فوقفت على الباب، ~~وخرج النبي ورأى الكآبة في وجهها. وفي رواية: أنها راجعته في ذلك بعض ~~المراجعة وقالت هذا من حقارتي عندك وصغر شأني ولو كانت في بيت غيري لم تفعل ~~ذلك، فحرم مارية على نفسه لطلب رضاها وقال لها: ' لا تخبري بذلك عائشة ms1798 '. # والقول الثاني: ' أن النبي كان يشرب عسلا في بيت زينب بنت جحش وفي رواية: ~~في بيت سودة، وفي رواية: في بيت أم سلمة فتواطأت عائشة وحفصة على أن النبي ~~إذا دخل على واحدة منهما أيتهما كانت قالت: إني أجد منك ريح مغافير ' وقد ~~روى أن صفية كانت معهما في هذه المواطأة، فدخل النبي على عائشة فقالت له ~~ذلك، ودخل على حفصة فقالت له ذلك، ودخل على صفية فقالت له ذلك، فكان النبي ~~يكره أن يوجد منه ريح لأجل الملائكة فقال: شربت عسلا عند زينب. فقلن له: ~~جرست نخلة العرقط والعرقط شجرة يوجد منها ريح PageV05P470 # * (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) * * مكروه فحرم العسل على نفسه، وقال: ~~لا أعود إلى شربه أبدا '. حكى هذا القول عبيد بن عمير عن عائشة. والأول قول ~~عمر وابن مسعود وابن عباس وعامة المفسرين. # وعن ابن عباس في رواية: أن الآية وردت في الواهبة نفسها للنبي، وهو قول ~~شاذ، ومعنى الآية: هو المعاتبة مع النبي في تحريم ما أحل الله له لطلب رضا ~~أزواجه. # وقوله: * (والله غفور رحيم) قد بينا. # قوله تعالى: * (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) أي: كفارة أيمانكم، والفرض ~~ها هنا بمعنى البيان والتسمية ويقال: بمعنى التقدير؛ لأن الكفارات مقدرة ~~معدودة، فإن قيل: أين اليمين في الآية، والله تعالى قال: * (قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم)؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن النبي كان حرم وحلف ~~فعاتبه على التحريم، وأمره بالتفكير في اليمين، وهذا قول منقول عن جماعة من ~~التابعين منهم مسروق والشعبي وغيرهما. # والوجه الثاني: أنه كان حرم ولم يحلف إلا أن تحريم الحلال يوجب الكفارة، ~~وهذا قول ابن عباس وغيره. # واختلف العلماء في تحريم الحلال، فذهب ابن مسعود أنه إذا حرم حلالا أي ~~حلال كان، فعليه الكفارة، وهذا قول جماعة من التابعين، وهو قول سفيان ~~الثوري والكوفيين. وأما مذهب مالك والشافعي أن تحريم الحلال في النساء يوجب ~~الكفارة، وفي غير النساء لا يوجب شيئا. وذهب جماعة إلى أن تحريم الحلال ليس ~~بشيء، ms1799 قال مسروق: لا أبالي أحرمت امرأتي أو قصعة من ثريد يعني: أنه ليس ~~بشيء. وعن بعضهم: أنه إيلاء. وعن بعضهم: أنه ظهار. وعن بعضهم: أنه يلزمه ~~الطلاق الثلاث بتحريم الحلال في النساء. وعن بعضهم: أنه على نيته. وتحلة ~~اليمين كفارة اليمين، وسماها تحلة؛ لأنه يتحلل بها عن اليمين أي: يخرج. وعن ~~بعضهم: أن تحلة اليمين PageV05P471 # * (والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه ~~حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه) * * هو الاستثناء؛ لأنه ~~يخرج به عن اليمين. والأول هو المعروف. وبيان الكفارة في سورة المائدة في ~~قوله تعالى: * (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) الآية، فروى ' أن النبي ~~أعتق رقبة '. # وقوله: * (والله مولاكم) أي: ولي أموركم، يهديكم إلى الأرشد والأقوم ~~والأولى. # وقوله: * (وهو العليم الحكيم) أي: العالم بأمر خلقه، الحكيم بما يدبره ~~لهم. # قوله تعالى: * (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا) هي حفصة رضي الله ~~عنها والذي أسره إليها هو تحريمه مارية. وقال ميمون بن مهران: أسر إليها ~~هذا، وأسر إليها أن الخلافة بعده لأبي بكر، ثم لأبيها بعده، وهذا مذكور في ~~كثير من التفاسير عن ميمون بن مهران وغيره. # وقوله: * (فلما نبأت به) روى أن النبي قال لحفصة: ' لا تخبري بذلك أحدا ' ~~وكانت لا تكتم شيئا عن عائشة رضي الله عنها فذهبت وأخبرت عائشة بذلك؛ فنزل ~~جبريل وأخبره بما كان بينهما، وذلك قوله: * (وأظهره الله عليه). # وقوله: * (عرف بعضه) أي: عرفها بعض ما كان بينهما، وأعرض عن البعض تكرما ~~وصفحا، والتغافل عن كثير من الأمور من شيمة العقلاء وأهل الكرم. ويقال: ~~العاقل هم المتغافل. والذي أظهره لها هو إخبارها بتحريم مارية، والذي أعرض ~~عنه هو حديث أبي بكر وعمر كرامة أن يفشو ذلك بين الناس. وقرأ الكسائي: ' ~~عرف بعضه ' بالتخفيف. قال الفراء: أي: جازى عليه، ومجازاته إياها أنه ~~طلقها، ثم إنه نزل جبريل وأمره بمراجعتها، وقال: إنها صوامة قوامة. وقال ~~الفراء: وهو مثل قول القائل لغيره: لأعرفن ما عملت أي: لأجازينك عليه. وهو ~~أيضا ms1800 مثل قوله تعالى: * (وأوحينا إليه PageV05P472 # * (وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم ~~الخبير (3) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) * * لتنبئنهم بأمرهم) أي: ~~لتجازينهم. # وقوله: * (وأعرض عن بعض) أي: لم يجاز عليه. # وقوله: * (فلما نبأها به) أي: أخبرها. # وقوله: * (قالت من أنبأك هذا) أي: من أخبرك بهذا. # وقوله: * (قال نبأني العليم الخبير) أي: الله، فإنه العليم بالأمور، ~~الخبير بما في الصدور. # وقوله تعالى: * (إن تتوبا إلى الله) هذا خطاب لعائشة وحفصة، ومعناه: إن ~~تتوبا فقد فعلتما ما عليكما، التوبة في ذلك، والذي فعلنا: المظاهرة على ~~النبي بالمواطأة على ما بينا، وبالسرور بما يكرهه من تحريم ما أحل الله له، ~~وبشدة الغيرة عليه وأذاه بذلك. # وقوله: * (فقد صغت قلوبكما) أي: مالت قلوبكما عن الصواب. وقد روى ' أنه ~~كان يصغي الإناء للهرة ' أي: يميل. # وقوله: * (قلوبكما) أي: قلباكما. قال الفراء: هو مثل قول العرب: ضربت ~~ظهوركما، وهشمت رءوسكما أي: رأسيكما وظهريكما. ويقال: إن أكثر ما في ~~الإنسان من الجوارح اثنان اثنان، وإذا هي تذكر باسم الجمع، فما كان واحدا ~~جرى ذلك المجرى، مثل: الرأس والقلب وغير ذلك، ذكره النقاش. PageV05P473 # * (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة ~~بعد ذلك ظهير (4) عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن) * * وقوله: ~~* (وإن تظاهرا عليه) ثبت أن ابن عباس سأل عمر رضي الله عنهما عن المرأتين ~~اللتين تظاهرتا على النبي أي: توافقتا على فعل ما يشتد عليه ويؤذيه غيره ~~عليه، فقال: هما حفصة وعائشة. # وقوله: * (فإن الله هو مولاه) أي: ناصره وحافظه * (وجبريل) أي: ينصره ~~أيضا ويحفظه. # وقوله: * (وصالح المؤمنين) فيه أقوال: أحدها: قال العلاء بن زياد: هم ~~الأنبياء، وهو قول قتادة في إحدى الروايتين، وهو قول سفيان الثوري. # وعن قتادة في رواية أخرى قال: هو أبو بكر وعمر، وهما أبوا المرأتين. قال ~~سعيد بن أبي عروبة وهو الحاكي ذلك عن قتادة: ذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: ~~صدق قتادة. وروى الليث عن مجاهد أنه ms1801 قال: هو علي رضي الله عنه. وعن بعضهم: ~~هو خيار المؤمنين. # وقوله: * (والملائكة بعد ذلك ظهير) أي: ظهراء وأعوان، واحد بمعنى الجمع، ~~مثل قوله تعالى: * (وحسن أولئك رفيقا) أي: رفقاء. قال الشاعر (إن العواذل ~~ليس لي بأمير *) أي: بأمراء. وروي أن عمر عاتب حفصة وقال: لو أمرني رسول ~~الله أن أضرب رقبتك لضربت. # قوله تعالى: * (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن) فإن قيل: ~~كيف خيرا منكن ولم يكن في ذلك الوقت أحد من النساء خيرا منهن؟ والجواب: أن ~~معناه: إن طلقكن بإلجائكن إياه إلى الطلاق، وشدة آذاكن له، وترك التوبة ~~فيبدله خير منكن أي: أطوع له منكن، ويقال: أحب له منكن. PageV05P474 # * (مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (5) يا أيها ~~الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) * * وقوله: * (مسلمات) أي: خاضعات ~~منقادات. # وقوله: * (مؤمنات) أي: مصدقات. # وقوله: * (قانتات) أي: مطيعات. # وقوله: * (تائبات) أي: تائبات من كل الذنوب، ومن كل ما يؤذي النبي. # وقوله: * (عابدات) أي: متذللات أو فاعلات للطاعة كما أمرهن الله تعالى. # وقوله: * (سائحات) أي: صائمات، قال ابن قتيبة: سمي الصائم سائحا؛ لأن ~~السائح يسيح بغير زاد، فإن وجد شيئا أكل على جوع شديد. ويقال: سائحات أي: ~~مهاجرات. # وقوله: * (ثيبات وأبكارا) ظاهر المعنى. ويقال: الثيب مثل آسية، والأبكار ~~مثل: مريم عليهما السلام. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) أي: بفعلكم ~~طاعة الله، وأمركم إياهن بطاعة الله. ويقال: أدبوهن وعلموهن ودلوهن على ~~الخير. وفي بعض الغرائب من الأخبار: ' علق السوط حيث يراه أهلك ' يعني: ~~بالتأديب. وعن عمرو بن قيس الملائي قال: ' إن المرأة لتخاصم زوجها يوم ~~القيامة عند الله فتقول: إنه كان لا يؤدبني، ولا يعلمني شيئا، كان يأتيني ~~بخبز السوق. وقيل: قوا أنفسكم وأهليكم نارا أي: قوا أنفسكم نارا وقوا ~~أهليكم نارا بما ذكرنا، وهو تقدير الآية. PageV05P475 # * (وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون (6) يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما ms1802 ~~كنتم تعملون (7)) * * وقوله: * (وقودها الناس والحجارة) قد بينا في سورة ~~البقرة، وهو حجارة الكبريت. # وقوله: * (عليها ملائكة غلاظ شداد) أي: غلاظ القلوب، شداد الأيدي. وفي ~~التفسير: أن واحدا منهم يلقي سبعين ألفا بدفعة واحدة في النار. وفي بعض ~~الآثار: ' أن الله تعالى لم يخلق في قلوب الزبانية شيئا من الرحمة '. وعن ~~بعضهم: أنه يأخذ العبد الكافر بعنف شديد، فيقول ذلك العبد: أما ترحمني؟! ~~فيقول: كيف أرحمك، ولم يرحمك أرحم الراحمين. # وفي بعض الآثار أيضا: أن الله تعالى يغضب على الواحد من عبيده، فيقول ~~للملائكة: خذوه فيبتدره مائة ألف ملك، كلهم يغضبون بغضب الله تعالى، ~~فيجرونه إلى النار، والنار أشد غضبا عليه منهم بسبعين ضعفا. # وقوله: * (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم) يعني: يقال لهم ~~يوم القيامة: لا تعتذروا، أي: لا عذر لكم فتعتذروا. # وقوله: * (إنما تجزون ما كنتم تعملون) أي: بعملكم في الدنيا. # قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا) قال (الزهري): كل موضع في القرآن * ~~(يا أيها الذين آمنوا) افعلوا كذا فالنبي عليه السلام فيهم. وعن خيثمة قال: ~~كل ما في القرآن * (يا أيها الذين آمنوا) فهو في التوراة يا أيها المساكين. ~~وقد ذكرنا عن ابن مسعود أنه قال: إذا سمعت الله يقول: * (يا أيها الذين ~~آمنوا) فارعها سمعك، فإنه شيء تؤمر به، أو شيء تنهى عنه. PageV05P476 # * (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ~~واغفر لنا إنك على كل) * * وقوله: * (توبوا إلى الله توبة نصوحا) قال عمر ~~وابن مسعود: هو أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه أبدا، ويقال: نصوحا أي: ~~صادقة، ويقال: خالصة، وقيل: محكمة وثيقة. وهو مأخوذ من النصح وهو الخياطة، ~~كأن التوبة ترقع خرق الذنب فيلتئم، كالخياط يخيط بالشيء فيلتئم. وقرئ: ms1803 ' ~~نصوحا ' بضم النون أي: ذات نصح. # وقوله: * (عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم) قد بينا أن عسى من الله واجبة. # وقوله: * (ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) أي: بساتين. # وقوله: * (يوم لا يخزي الله النبي) أي: لا يهينه ولا يفضحه، وهو إشارة ~~إلى كرامة في الآخرة؛ يعني: يكرمه ويشرفه في ذلك اليوم، ولا يهينه، ولا ~~يذله. # وقوله: * (والذين آمنوا معه) أي: كذلك يفعله بالذين آمنوا معه. # وقوله: * (نورهم يسعى بين أيديهم) هو نور الإيمان يكون قدامهم على الصراط ~~يمشون في ضوئه. وفي التفسير: أن لأحدهم مثل الجبل، ولآخر على قدر ظفره ~~ينطفئ مرة ويتقد أخرى. # وقوله: * (وبأيمانهم) فيه قولان: أحدهما: وبأيمانهم كتبهم، والآخر: ~~وبأيمانهم نورهم كالمصابيح. # وقوله: * (يقولون ربنا أتمم لنا نورنا) وفي [التفسير]: أنهم يقولون ذلك ~~حين يخمد وينطفئ نور المنافقين، فيقولون ذلك إشفاقا على نورهم. # وقوله: * (واغفر لنا إنك على كل شيء قدير) أي: قادر. PageV05P477 # * (شيء قدير (8) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ~~ومأواهم جهنم وبئس المصير (9) ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة ~~لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا) * * قوله تعالى: * (يا أيها النبي جاهد الكفار) أي: بالسيف. # وقوله: * (والمنافقين) أي: باللسان، ويقال: بالغلظة عليهم. قال ابن ~~مسعود: أن يلقاهم بوجه مكفهر. ويقال: بإقامة الحدود عليهم، ذكره قوم من ~~التابعين. # وقوله: * (واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير) أي: المنقلب. # قوله تعالى: * (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط) في بعض ~~التفاسير: أن اسم (إحديهما) كانت والهة، والأخرى كانت والغة. # وقوله: * (كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين) أي: نوح ولوط عليهما ~~السلام. # وقوله تعالى: * (فخانتاهما) اختلف القول في هذا؛ فأحد الأقوال: أنه ~~الخيانة بالكفر. # والقول الثاني: أنه الخيانة بالنفاق، كانتا تظهران الإيمان وتسران الكفر. # والقول الثالث: بالنميمة. # والقول الرابع: بالنسبة إلى الجنون لنوح، والدلالة على الأضياف للوط، ~~فكانت امرأة نوح تقول لمن يقصد نوحا عليه السلام، ليسمع كلامه: إنه مجنون، ~~وامرأة لوط كانت تدل قومها ms1804 على أضياف لوط لقصد الفاحشة. وفي القصة: أنها ~~كانت بالنهار ترسل، وبالليل تدخن وتوقد نارا ليعلموا. قال ابن عباس: ما بغت ~~امرأة نبي قط أي: ما زنت. # وقوله: * (فلم يغنيا عنهما من الله شيئا) أي: لم (يدفعا) نوح ولوط عنهما ~~PageV05P478 # * (وقيل ادخلا النار مع الداخلين (10) وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة ~~فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من ~~القوم الظالمين (11) ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من ~~روحنا) * * أي: عن امرأتيهما. والمراد تحذير عائشة وحفصة، يعني: أنكما إن ~~عصيتما ربكما لم يدفع رسول الله عنكما شيئا، كما لم يدفع نوح ولوط عن ~~امرأتيهما. # وقوله: * (وقيل ادخلا النار مع الداخلين) أي: قيل للمرأتين. # وقوله تعالى: * (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون) وهي آسية بنت ~~مزاحم، وكانت آمنت بالله وبموسى عليه السلام سرا ثم أظهرت، فعذبها فرعون ~~وعاقبها، وفي القصة: أنه وتدها بأربعة أوتاد من حديد، وفي القصة: أن أول من ~~آمنت امرأة خازن فرعون، ويقال: ماشطة بنت فرعون، فعذبها فرعون فصبرت على ~~ذلك، فأظهرت حينئذ آسية إيمانها. # وقوله: * (إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة) أي: دارا. # وقوله: * (ونجني من فرعون وعمله) فيه قولان: أحدهما: من شركه، والآخر: من ~~المضاجعة معه. ويقال: من الجماع. # وقوله: * (ونجني من القوم الظالمين) أي: من قوم فرعون. # قوله تعالى: * (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها) أشهر القولين أنه ~~الفرج بعينه. والعرب تقول: أحصنت فلانة فرجها إذا عفت عن الزنا. # والقول الثاني: أن الفرج هاهنا هو الجيب. قال الفراء: كل خرق في درع أو ~~غيره فهو فرج، ويقال: في قراءة أبي بن كعب: ' فنفخنا في جيبها من روحنا ' ~~وقوله: * (فنفخنا فيه من روحنا) في القصة: أن جبريل عليه السلام نفخ في جيب ~~درعها فحملت بعيسى، وروي أنه دخل عليها في صورة شاب أمرد جعد قطط، وهي في ~~مدرعة صوف. قال أبو معاذ النحوي: في مدرعتها. وعلى القول الأول إذا ~~PageV05P479 # * (وصدقت بكلمات ربها ms1805 وكتبه وكانت من القانتين (12)) * * قلنا إنه الفرج ~~بعينه يصير النفخ في جيب درعها كالنفخ في فرجها بعينه. # وقوله: * (وصدقت بكلمات ربها) وقرئ: ' بكلمة ربها ' فمعنى الكلمات ما ~~أخبر الله تعالى من البشارة بعيسى وصفته وكرامته على الله وغير ذلك. ويقال: ~~بكلمات ربها أي: بآيات ربها. وأما قوله: * (بكلمة ربها) هو عيسى عليه ~~السلام. # وقوله: * (وكتابه) أي: الإنجيل، وقرئ: ' وكتبه ' أي: التوراة والزبور ~~والإنجيل. # وقوله: * (وكانت من القانتين) فإن قيل: كيف قال * (من القانتين) ولم يقل: ~~' من القانتات '؟ قلنا: قال أبو العباس ثعلب معناه: كانت من قوم قانتين. ~~والقنوت هو الطاعة على ما بينا. ويقال: قنوتها هاهنا هو صلاتها بين المغرب ~~والعشاء، وهو أيضا فعل القانتين على هذا القول، والله أعلم. PageV05P480 # بسم الله الرحمن الرحيم * (تبارك الذي بيده الملك)) تفسير سورة الملك وهي ~~مكية روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي عليه الصلاة والسلام - قال: ~~' إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غفر له، وهي * (تبارك ~~الذي بيده الملك) '. # وروى أبو الزبير عن جابر أن النبي كان لا ينام حتى يقرأ: * (ألم تنزيل ~~الكتاب)، و * (تبارك الذي بيده الملك) قال طاوس: يفضلان سائر السور بسبعين ~~حسنة. # وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أن رجلا ضرب خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه ~~قبر، فسمع قارئا: * (تبارك الذي بيده الملك) حتى ختم السورة، فأتى النبي ~~فذكر له ذلك، فقال: ' هي المنجية، هي المانعة، تنجيه من عذاب القبر ' ذكر ~~هذه الأخبار أبو عيسى الترمذي في جامعه بإسناده. # وفي غيره أن الزهري روى عن حميد ابن عبد الرحمن أن النبي قال: ' سورة ~~الملك تجادل عن صاحبها يوم القيامة '. PageV06P005 # * (وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا) وروى مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود: أن رجلا أتى في قبره من ~~جوانبه، فجلت سورة من القرآن تجادل عن صاحبها حتى الجنة. # قال مرة: فنظرت أنا وخيثمة فإذا هي سورة الملك، والله أعلم. # قوله تعالى: * (تبارك الذي بيده) ms1806 قد بينا أن تبارك تفاعل من البركة، ~~والمعنى: أن جميع البركات منه تعالى. # ويقال: تبارك أي: تعظم وتقدس وتعالى، ومنه البرك في الصدر. # وقوله * (الذي بيده الملك) أي: ملك السماوات والأرض. # ويقال: ملك النبوة، يعز به من اتبعه، ويذل به من خالفه، حكى ذلك عن محمد ~~بن إسحاق. # وقوله * (وهو على كل شيء قدير) أي: قادر. # وقوله تعالى: * (الذي خلق الموت والحياة) أي: الموت في الدنيا، والحياة ~~في الآخرة. # ويقال: خلق الموت أي: النطفة في الرحم لأنها ميتة، والحياة هو أنه نفخ ~~فيها الروح من بعد. # ويقال: خلق الموت والحياة، أي: الدنيا والآخرة. # وحكى أبو صالح عن ابن عباس: ' أن الله تعالى خلق الموت على صورة كبش ~~أغبر، لا يمر بشيء، ولا يطأ على شيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات، وخلق الحياة ~~على صورة فرس أنثى بلقاء لا تمر على شيء، ولا تطأ على شيء ولا تجد [ريحها] ~~شيء إلا حيى. # قال: وهي دون البغلة وفوق الحمار، خطوها مد البصر، وكان جبريل راكبا ~~[عليها] يوم غرق فرعون، ومن تحت حافرها أخذ السامري القبضة. # وقال بعضهم: خلق الدنيا للحياة ثم للموت، وخلق الآخرة للجزاء ثم للبقاء. # وقوله * (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) أي: ليختبركم فيظهر منكم أعمالكم ~~الحسنة وأعمالكم السيئة ويجازكم عليها. # وقوله * (أحسن عملا) فيه أقوال: أحدها: أتم عقلا وأورع عن محارم الله، ~~وهو PageV06P006 # * (وهو العزيز الغفور (2) الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين) قول ~~مأثور. # والقول الثاني: أحسن عملا أخلص عملا. # والقول الثالث: أحسن عملا أي: أزهد في الدنيا وأترك لها، وهو مروي عن ~~الحسن وسفيان الثوري. # والقول الرابع: أحسن عملا أي: أشدكم ذكرا للموت وأحسنكم لها استعدادا. # ويقال: أشدكم لله مخافة. # ويقال: أبصركم بعيوب نفسه. # وقوله: * (وهو العزيز الغفور) قد بينا. # قوله تعالى: * (الذي خلق سبع سماوات طباقا) أي: بعضها فوق بعض، بين كل ~~سماءين أمر من أمره، وخلق من خلقه. # وقوله * (ما ms1807 ترى في خلق الرحمن من تفاوت) أي: من خلل وعيب. # ويقال: من اضطراب وتباين. # وقرئ ' تفوت ' واختاره أبو عبيد. # قال الفراء: تفوت وتفاوت بمعنى واحد كما يقال: تعهد وتعاهد وغير ذلك. # ويقال: تفوت أي: لا تفوت بعضه بعضا. # وقوله: * (فارجع البصر) أي: رد البصر. # وقوله: * (هل ترى من فطور) أي: صدوع وشقوق وخروق. # ويقال: فطر ناب البعير أي: انشق. # وقوله: * (ثم ارجع البصر كرتين) أي: مرتين، ومعناه: مرة بعد مرة، وإن زاد ~~على المرتين، كالرجل يقول لغيره: قد قلت لك هذا القول مرة بعد مرة، وقد كان ~~قال له مرات، ذكر القفال. # وقال بعضهم: إنما ذكر المرتين، لأن الإنسان في المرة الثانية يكون أحد ~~بصرا وأكثر بصرا وأكثر نظرا. # ويقال: الكرة الأولى بالعين. # والأخرى بالقلب. # قال الفراء: يجوز أن يكون معنى كرتين كرة واحدة وأنشدوا: PageV06P007 # * (ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ~~وجعلناها رجوما للشياطين) (مهمهين قذفين مرتين * قطعته [بالسمت] لا ~~بالسمتين) وأراد مهمها واحدا. # وقوله: * (ينقلب إليك البصر) أي: يرجع إليك البصر * (خاسئا) أي: صاغرا * ~~(وهو حسير) أي: كليل يعني ضعيف عن إدراك ما أراده من طلب العيب والخلل. # ويقال: دابة حسرى أي: كالة. # قال الشاعر: # (به جيف الحسرى فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب) قال الزجاج: معنى ~~الآية: أنه يبالغ في النظر، فرجع البصر إليه خاسئا ولم ينل ما أراده، ولم ~~ير عيبا وخللا. # وقوله: * (خاسئا) من ذلك قولهم للكلب اخسأ وابعد، قال الفرزدق في جرير: # (اخسأ إليك جريرا يا معر * نلنا السماء نجومها وهلالها) قوله تعالى: * ~~(ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) أي: بسرج، وسمى النجوم مصابيح لإضاءتها. # وقوله: * (وجعلناها رجوما للشياطين) أي: رجمنا بها الشياطين عن استراق ~~السمع. # قال محمد بن كعب القرظي: إن النجم لا يطلع لموت أحد ولا لحياته، ولكنه ~~زينة الدنيا ورجوم الشياطين. # وعن قتادة قال: خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: جعلها زينة للسماء الدنيا، ~~ورجوما للشياطين، وهاديا للناس في الطرق، فمن تكلف غير ذلك فقد قال ما لا ~~علم ms1808 له به. PageV06P008 # * (وأعتدنا لهم عذاب السعير (5) وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس ~~المصير (6) إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من ~~الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ظلال كبير ~~(9)). # وقوله تعالى: * (وأعتدنا لهم عذاب السعير) أي: المسعرة. # وعن ابن عباس: أن السعير هو الطبق الرابع من جهنم. # وقوله: * (وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم) إنما سمى جهنم جهنما لبعد ~~قعرها، تقول العرب: ركية جهنام أي: بعيدة القعر. # وقوله: * (وبئس المصير) أي: المرجع. # قوله: * (إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا) أي: لجهنم، والشهيق: أول صوت ~~الحمار. # وقيل: الشهيق. # أول صوته، والزفير. # آخر صوته. # وقيل: الشهيق في الصدر، والزفير في الحلق. # وقيل: إن الشهيق من الكفار حين يدخلون جهنم. # والقول الأول أظهر في هذه الآية. # وقوله: * (وهي تفور) قال ابن مسعود: تغلي غليان القدر بما فيه. # وعن مجاهد: تغلي غليان الماء الكثير بالحب القليل. # وقوله: * (تكاد تميز من الغيظ) أي: تتقد وتتفرق. # يقال: فلان امتلأ غيظا حتى يكاد يتقد. # وغيظها حنقا على أعداء الله وانتقامها. # وقوله: * (كلما ألقى فيها فوج) أي: قوم * (سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير) ~~أي: رسول. # وعن مجاهد قال: الرسل من الإنس، والنذر من الجن. # وهو قول مهجور. # قوله تعالى: * (قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ~~إن أنتم إلا في ظلال كبير) أي: عظيم. # ويقال: خاطئين. PageV06P009 # * (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10) فاعرفوا ~~بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير (11) إن الذين يخشون ربهم بالغيب). # قوله تعالى: * (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل) أي: نسمع سماع من يميز ~~ويتفكر، ونعقل عقل من يتدبر وينظر * (ما كنا في أصحاب السعير) والمعنى: أنا ~~لم نسمع الحق ولم نعقله أي: لم ننتفع بأسماعنا وعقولنا. # وفي بعض الغرائب من الأخبار: أن النبي قال: ' لكل شيء دعامة، ودعامة ~~الدين العقل '. # وروى أيضا أن النبي ms1809 قال: ' إن الرجل يكون من أهل الجهاد وأهل الصلاة وأهل ~~الصيام، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإنما يجازى يوم القيامة على قدر ~~عقله ' وهو حديث حسن الإسناد. # قوله تعالى: * (فاعترفوا بذنبهم) أي: بذنوبهم، واحد بمعنى الجمع، وقوله: ~~* (فسحقا لأصحاب السعير) أي: بعدا، يقال: مكان سحيق أي: بعيد. # وعن مجاهد: السحق اسم واد في جهنم. # قوله تعالى: * (إن الذين يخشون ربهم بالغيب) أي: بالوعد والوعيد الذي غاب ~~عنه، ويقال: بالجنة والنار، ويقال: في الخلوات. PageV06P010 # * (لهم مغفرة وأجر كبير (12) وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور (13) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14) هو الذي جعل لكم الأرض ~~ذلولا). # وقوله: * (لهم مغفرة وأجر كبير) أي: عظيم. # قوله تعالى: * (وأسروا قولكم أو اجهروا به) في التفسير: أن الكفار كان ~~بعضهم يقول لبعض: أسروا بقولكم حتى لا يسمع رب محمد فيخبره قولكم، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # وقوله: * (إنه عليم بذات الصدور) أي: بما في الصدور. # قال الحسن: يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ويعلم من العلانية ما يعلم ~~من السر. # قوله تعالى: * (ألا يعلم من خلق) استفهام بمعنى الإنكار والتوبيخ، ~~والمعنى: ألا يعلم من في الصدور من خلق الصدور. # ويقال: ألا يعلم ما خلق ' من ' بمعنى ' ما '، وهو مثل قوله تعالى: * ~~(والسماء وما بناها) أي: ومن بناها. # وقوله: * (وهو اللطيف الخبير) أي: اللطيف في علمه، يعلم ما يظهر وما يسر ~~وكل ما دق، يقال لطيف، ويقال: الخبير هو العالم. # قوله تعالى: * (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا) أي: مذللة، وتذليلها: تسهيل ~~السير فيها والقرار عليها. # وقوله: * (فامشوا في مناكبها) أي: في جوانبها، ويقال: في فجاجها، ويقال: ~~في طرقها، وقيل: في جبالها. # وعن بشير بن كعب الأنصاري أنه كان يقرأ هذه السورة فبلغ هذه الآية، فقال ~~لجارية له: إن عرفتي معنى قوله: * (في مناكبها) فأنت حرة، فقالت: في ~~جبالها. # فشح الرجل بالجارية وجعل يسأل أبا الدرداء فقال: دع ما يريبك إلى مالا ~~يريبك خلها. # وحكى قتادة عن أبي الجلد قال: الأرض ms1810 كلها أربعة وعشرون ألف فرسخ، اثنا ~~عشر ألفا للسودان، وثمانية آلاف للروم، وثلاثة آلاف للعجم، وألف للعرب. ~~PageV06P011 # * (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (15) أأمنتم من في ~~السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) أم أمنتم من في السماء أن يرسل ~~عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير ~~(18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل ~~شيء بصير). # وقوله: * (وكلوا من رزقه وإليه النشور) أي: في الآخرة. # قوله تعالى: * (أأمنتم من في السماء) قال ابن عباس أي: الله. # وقوله: * (أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور) أي: تضطرب وتدور، ويقال: تمور ~~أي: تخسف بكم حتى تجعلكم في أسفل الأرضين، قال الشاعر: # (رمين فأقصدن القلوب ولن ترى * دما مائرا إلا جرى في الحيازم) أي: سائلا. # قوله تعالى: * (أم أمنتم من في السماء) أي: أأمنتم ربكم * (أن يرسل عليكم ~~حاصبا) أي: ريحا ذات حصباء، ويقال: حجارة فيهلككم بها. # والحصباء الحجارة. # وقوله: * (فستعلمون كيف نذير) أي: إنذاري، والمعنى: كنت محقا في إنذاري ~~إياكم العذاب. # قوله تعالى: * (ولقد كذب الذين من قبلهم فيكف كان نكير) أي: إنكاري. # قوله تعالى: * (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات) يقال: صف الطير جناحه ~~إذا بسطه، وقبضه إذا ضربه، والمراد من القبض: هو ضرب الجناحين بالجنبين، ~~وهذا القبض والبسط في بعض الطيور لا في جميع الطيور، فإن بعضها يقبض بكل ~~حال، وبعضها يبسط تارة ويقبض أخرى. # وقوله: * (ما يمسكهن إلا الرحمن) يعني: ما يمسكهن عن الوقوع إلا الرحمن. # قالوا: والهواء للطير بمنزلة الماء للسابح، فهو يسبح في الهواء بجناحيه ~~كما يسبح الإنسان في الماء بأطرافه. # وقوله: * (إنه بكل شيء بصير) أي: عليم. PageV06P012 # (* (19) أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا ~~في غرور (20) أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) ~~أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22)). # قوله تعالى: * (أمن هذا الذي ms1811 هو جند لكم ينصركم) معناه: أين هذا الذي هو ~~جند لكم يمنعكم من عذاب الله؟ وهو استفهام بمعنى التوبيخ والإنكار. # وقوله تعالى: * (إن الكافرون إلا في غرور) أي: ما الكافرون إلا في غرور. # قوله تعالى: * (أمن هذا الذي يرزقكم) المعنى: أن الله هو الذي يرزقكم إن ~~أمسك رزقه، فمن ذا الذي يرزقكم سواه؟. # وقوله: * (بل لجوا في عتو ونفور) العتو هو التمادي في الكفر، والنفور هو ~~التباعد عن الحق. # ويقال المعنى: أن اللجاج حملهم على الكفر والنفور عن الحق، فإن الدلائل ~~أظهر وأبين من أن تخفى على أحد، والعرب تسمي كل سفيه متمرد متماد في الباطل ~~عاتيا. # قوله تعالى: * (أفمن يمشي مكبا على وجهه) في الضلالة لا يبصر الحق. # ويقال: مكبا على وجهه أي: لا ينظر من بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره ~~ولا من خلفه. # وقيل: إن هذا في الآخرة، فإن الله تعالى يحشر الكفار على وجوههم على ما ~~نطق به القرآن في غير هذا الموضع، وقد ثبت أن النبي قال: ' إن الذي قدر أن ~~يمشيهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم '. # وقوله: * (أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم) أي: يمشي في طريق الحق ~~بنور الهدى. # ويقال: ينظر من بين يديه وعن يمينه وعن يساره ومن خلفه. # وقيل: هو في الآخرة. # وعن عكرمة قال: قوله * (أفمن يمشي مكبا على وجهه) هو أبو جهل، وقوله: * ~~(أم من يمشي سويا على صراط مستقيم) هو عمار بن ياسر. # وحكى بعضهم عن ابن عباس: أنه حمزة بن عبد المطلب وكنيته أبو عمارة. ~~PageV06P013 # * (قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~(23) قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى هذا الوعد ~~إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (26) فلما ~~رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27)). # قوله تعالى: * (قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~قليلا ما تشكرون) أي: قل شكركم ms1812 لهذه النعم. # قوله تعالى (قل هو الذي ذرأكم في الأرض) أي: خلقكم في الأرض * (وإليه ~~تحشرون) أي: في الآخرة. # قوله تعالى: * (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) أي: القيامة. # قوله تعالى: * (قل إنما العلم عند الله) أي: علم الساعة عند الله. # وقوله: * (وإنما أنا نذير مبين) أي: منذر بين النذارة. # قوله: * (فلما رأوه زلفة) قال المبرد وثعلب: أي: رأوا العذاب حاضرا. # وقيل: قريبا. # وقوله: * (سيئت وجوه الذين كفروا) أي: تبين السوء والكآبة في وجهوهم. # ويقال: اسودت وجوههم. # قوله تعالى: * (وقيل هذا الذي كنتم به تدعون) وقرئ في الشاذ: ' تدعون ' ~~بغير تشديد. # وعن بعضهم: أن تدعون وتدعون بمعنى واحد، فقوله: * (تدعون) أي: تدعون الله ~~به. # وقوله: * (تدعون) أي: تتداعون به، وهو مثل قوله * (اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) وقال تعالى في آية أخرى: * ~~(قالوا ربنا عجل لنا قطنا) أي: نصيبنا من العذاب. # قال ابن قتيبة: تدعون افتعال من الدعاء. # وعن بعضهم: تدعون أي: تكذبون. # ويقال: تستعجلون PageV06P014 # * (قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم (28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ظلال مبين ~~(29) قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30)). وتمترون ~~وتختلفون. # وقيل: تدعون تمنون. # تقول العرب لغيره: ادع ما شئت أي: تمن، وهذا القول يقرب من القول الأول. # قوله تعالى: * (قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا) قال أهل ~~التفسير: كان الكفار يقولون: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس، يهلكون عن قريب، ~~وكل يرجون الأباطيل في حق الرسول وأصحابه، فقال الله تعالى: * (قل أرأيتم ~~إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا) يعني: إن نجونا أو هلكنا * (فمن يجير ~~الكافرين من عذاب أليم) أي: فمن يجيركم من عذاب الله تعالى وقد كفرتم به. # قوله تعالى: * (قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ~~ظلال مبين) أي: خطأ بين، وتباعد من الحق وضلال عنه. # قوله ms1813 تعالى: * (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا) أي: غائرا، ومعناه: ذاهبا. # قال قتادة: ويقال: لا تناله الدلاء، قاله سعيد بن جبير. # وقيل: إن الآية نزلت في بئر زمزم وبئر ميمون، وهما بمكة. # وقوله: * (فمن يأتيكم بماء معين) قال ثعلب: أي ظاهر. # وهو منقول عن الحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم. # ويقال: بماء عذب، ويقال: بماء جار. # يعني: أن الله هو القادر أن يأتي به، ولا تصلون إليه بأنفسكم. ~~PageV06P015 # بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة القلم وهي مكية في قول الأكثرين. # وعن بعضهم: أن بعضها مكية، وبعضها مدنية. # قوله تعالى: * (ن) اختلف القول فيه؛ قال مجاهد: هي السمكة التي عليها ~~قرار الأرضين. # وفي تفسير النقاش: أن جميع المياه تنصب من شدقها. # والقول الثاني: أنه اسم من أسماء السورة. # والقول الثالث: أنه حرف من حروف التهجي. # وعن ابن عباس: أن ' الر ' و ' حم ' و ' ن ' مجموع من اسم الرحمن. # والقول الرابع: أن النون هي الدواة، وهو قول الحسن وقتادة، وفيه خبر ~~مأثور برواية أبي هريرة أن النبي قال: ' إن الله خلق أول ما خلق القلم، ثم ~~خلق النون وهي الدواة، ثم قال للقلم: اكتب. # فقال: وما أكتب؟! فقال: اكتب ما يكون وما كان من عمل وأجل ورزق إلى يوم ~~القيامة. # فكتب القلم وختم الله على في القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ~~ثم خلق العقل، وقال له: ما خلقت خلقا أعجب إلي منك، وعزتي لأكملنك فيمن ~~أحببت، ولأنقصنك فيمن أبغضت، ثم قال النبي: ' أكمل الناس عقلا أطوعهم لله ~~وأعملهم بطاعته، وأنقص الناس عقلا أطوعهم للشيطان وأعملهم بطاعته '. ~~PageV06P016 # * (ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لأجرا). # قوله * (والقلم) في التفسير: أنه خلق من نور، وطوله ما بين السماء ~~والأرض. # وفي خبر عبادة بن الصامت أن النبي قال: ' أول ما خلق الله القلم وقال له: ~~اكتب. # فقال: وما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة '. # واختلف القول في هذه الدواة والقلم، الأكثرون أنه الدواة والقلم الذي كتب ~~به الذكر ms1814 في السماء. # والقول الثاني: أنه الدواة والقلم الذي يكتب به بنو آدم. # ومعنى الآية هو القسم، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه. # وقال قتادة: لولا القلم ما قام لله دين، ولا كان للخلق عيش. # وقوله: * (وما يسطرون) أي: ما يكتبون من أعمال بني آدم يعني: الملائكة. # وحكى النقاش عن ابن عباس: أن الكفار لا يكتب لهم حسنات ولا سيئات، وإنما ~~يكتب ذلك للمؤمنين وما يفعلون من الحسنات في الدنيا ويكافئون عليها، وما ~~يفعلون من السيئات، فالشرك أعظم من ذلك كله. # قوله تعالى: * (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) هذا موضع القسم، وهو جواب ~~لقولهم على ما حكى الله تعالى عنهم: * (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر ~~إنك لمجنون). # وقوله: * (بنعمة ربك) أي: برحمة ربك. # ويقال: بإنعامه عليك، كأنه نفى عنه الجنون بما أنعم الله عليه، كما يقول ~~القائل لغيره: أنت عاقل أو غني بنعمة الله عليك. # وقوله: * (وإن لك لأجرا غير ممنون) أي: غير منقطع. # ويقال: غير محسوب. # ويقال: غير ممتن به عليك. PageV06P017 # * (غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4)). # وقوله: * (وإنك لعلى خلق عظيم) أي: على الخلق الذي أدبك الله به مما نزل ~~به القرآن من الإحسان إلى الناس، والعفو، والتجاوز، وصلة الأرحام، وإعطاء ~~النصفة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك. # وفي حديث سعد بن هشام أنه سأل عائشة - رضي الله عنها - عن خلق النبي ~~فقالت: ' كان خلقه القرآن '. # أي: كان موافقا لما نزل به القرآن. # وفي رواية أنها قالت: ' لم يكن رسول الله فحاشا ولا متفحشا، ولا يجزئ ~~السيئة بمثلها، ولكن يعفو ويصفح '. # وقال السدي: وإنك لعلى خلق عظيم أي: على الإسلام. # وقال زيد بن أسلم: على دين عظيم، وهو الدين الذي رضيه الله تعالى لهذه ~~الأمة، وهو أحب الأديان إلى الله تعالى. # وقد روى عن النبي أنه قال: ' إن الله تعالى خلق مائة وسبعة عشر خلقا، فمن ~~جاء بواحدة منها دخل الجنة '. # وعنه أنه قال: ' بعثت لأتمم مصالح PageV06P018 # * (فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6)). الأخلاق '. # وقيل: على ms1815 خلق عظيم أي: طبع كريم. # قوله: * (فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون) وقال أبو عبيدة الباء صلة. # ومعناه: أيكم المفتون، وأنشد شعرا: # (نضرب بالسيف ونرجوا بالفرج *) أي: الفرج. # وأما الفراء والزجاج وسائر النحويين لم يرضوا هذا القول، وذكروا قولين ~~آخرين: أحدهما: أن معنى قوله: * (بأيكم المفتون) أي: بأيكم الفتنة يقال: ما ~~لفلان معقول ولا مجلود أي: عقل ولا جلد. # والقول الثاني: بأيكم المفتون أي: في أيكم المفتون (يعني): في الفرقة ~~التي فيها رسول الله وأصحابه، أو في الفرقة التي فيها أبو جهل وذووه. # وحقيقة المعنى: أنكم تبصرون يوم القيامة، وتعلمون أن المجنون كان فيكم، ~~لا في رسول الله وأصحابه أي: في الفرقة التي فيها رسول الله وأصحابه. # وذكر النحاس قولين أيضا قال: معنى قوله * (بأيكم المفتون) أي: بأيكم فتنة ~~المفتون مثل قوله PageV06P019 # * (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7) فلا تطع ~~المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز ~~مشاء). تعالى: * (واسأل القرية) أي: أهل القرية. # قوله تعالى: * (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) ظاهر ~~المعنى. # قوله تعالى: * (فلا تطع المكذبين) يعني: المكذبين بآيات الله. # وقوله: * (ودوا لو تدهن فيدهنون) أي: تضعف في أمرك فيضعفون، أو تلين لهم ~~فيلينون. # والمداهنة معاشرة في الظاهر، ومحالمة من غير موافقة الباطن. # وقال القتيبي في معنى الآية: إن الكفار قالوا للنبي نعبد معك إلهك مدة، ~~وتعبد معنا إلهنا مدة، فهو معنى قوله: * (ودوا لو تدهن فيدهنون) أي: تميل ~~إلى مرادهم فيميلون إلى مرادك. # قوله تعالى: * (ولا تطع كل حلاف مهين) قال ابن عباس: هو الوليد بن ~~المغيرة. # وعن مجاهد: هو الأسود بن عبد يغوث. # وعن بعضهم: هو الأخنس بن شريق. # وقيل: هو على العموم. # وقوله: * (كل حلاف) أي: كثير الحلف. # وقوله: * (مهين) أي: حقير، ومعناه هاهنا: قلة الرأي والتمييز. # وقوله: * (هماز) أي: (عتاب) مغتاب طعان في الناس. # وقوله: * (مشاء بنميم) أي: بالنميمة، وهو نقل الحديث من قوم إلى قوم. # وقد ثبت عن النبي برواية ms1816 حذيفة أنه قال: ' لا يدخل الجنة قتات) أي: نمام. # وعنه PageV06P020 # * (بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) عتل). عليه الصلاة والسلام أنه ~~قال: ' شرار الناس المشاءون بالنميمة الباغون للبراء العنت '. # وعن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام في يوم ما لا يفسده الساحر في ~~شهر. # وقوله: * (مناع للخير) أي: بخيل: ويقال: مناع من الإسلام. # وكان الوليد بن المغيرة قال لبنيه وأهله: من أسلم منكم قطعت منه رفدي ~~ورفقي. # وقوله: * (معتد) أي: متجاوز في الظلم. # وقوله: * (أثيم) أي: كثير الإثم. # قوله: * (عتل) أي: الفاحش الخلق. # وقيل: الجافي الغليظ. # وقال ابن عباس: من يعمل السوء ويعرف به. # أورده النقاش. # وقد روى عن النبي أنه قال: ' ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل جعظري جواظ صخاب ~~بالأسواق، جيفة بالليل حمار بالنهار، وعالم بالدنيا جاهل بالآخرة '. # فمعنى الجعظري: هو الأكول الشروب الظلوم، وهو كالعتل. # والجواظ: هو الجماع المناع، ذكره شداد بن أوس، وقال ثعلب: الجواظ: هو ~~الكثير اللحم المختال في مشيته. # ويقال: فلان جظ، أي: ضخم. PageV06P021 # * (بعد ذلك زنيم (13) أن كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~أساطير الأولين (15) سنسمه على الخرطوم (16) إنا بلوناهم) وفي بعض الغرائب ~~من الأخبار أن النبي - عليه السلام - قال: ' تبكي السماء من عبد أصح الله ~~جسمه، وأرحب جوفه، وأعطاه مقضما ثم يكون ظلوما، وتبكي السماء من شيخ زان، ~~وتكاد الأرض لا تقله '. # وقوله: * (بعد ذلك زنيم) أي: دعي. # وقيل: ملصق بالقوم وليس منهم. # ويقال: الذي له زنمة في الشر يعرف بها مثل زنمة الشاة. # قال حسان في الزنيم: # (زنيم تداعاه الرجال زيادة * كما زيد في عرض الأديم الأكاريع) قوله ~~تعالى: * (أن كان ذا مال وبنين) وقرئ: ' أأن كان '. # فقوله: * (أن) أي: لأن كان ذا مال وبنين يفعل كذا ويقول كذا أي: لأجل ~~أنه. # وقوله: ' أأن كان ' أي: ولا تطعه، وإن كان ذا مال وبنين. # وقوله: * (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين) قد بينا. # والأساطير واحدها أسطورة. # وقال الكسائي: ترهات من الكلام لا نظام لها. # وقوله تعالى: * (سنسمه على الخرطوم) ms1817 قال أبو عبيدة والمبرد وغيرهما: ~~الخرطوم: الأنف. # ومعناه: يجعل على أنفه سمة يعرف بها أنه من أهل النار. # قال جرير: # (لما وضعت على الفرزدق ميسمي * وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل) ويقال: معنى ~~قوله: * (سنسمه على الخرطوم) أي: سنسود وجهه، (ووصف) الأنف موضع الوجه لأنه ~~منه. # وقيل: يلصق به عارا ومسبة وشيئا لا يفارقه أبدا. # قوله تعالى: * (إنا بلوناهم) أي: أهل مكة، وذلك حين دعا رسول الله ~~PageV06P022 # * (كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) ولا يستثنون ~~(18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19)) وقال: ' اللهم اجعلها عليهم ~~سنين كسنى يوسف؛ فأصابهم الجوع حتى أكلوا العلهز والعظام المحترقة '. # وقوله: * (كما بلونا أصحاب الجنة) في أكثر التفاسير أن هذا رجل شيخ ~~باليمن كان له بنون، وله بستان يتصدق منه على المساكين، وينفق منه على نفسه ~~وأولاده. # ويقال: كان يتصدق بالثلث، وينفق على نفسه وأولاده الثلث، ويرد الثلث في ~~عمارة الجنة، فلما مات الشيخ قال بنوه: العيال كثير، والدخل قليل ولا يفي ~~بإعطاء المساكين، فتوافقوا على أن يذهبوا إلى البستان حين يصبحون على سدفة ~~من الليل، فيصرموا ويقطعوا قبل أن يعلم المساكين. # وكان المساكين قد اعتادوا الحضور عند الجذاذ والصرام؛ فحين اتفقوا على ~~ذلك أرسل الله تعالى نارا من السماء في تلك الليلة فاحترق البستان ~~والأشجار، ويقال: إن هذا الرجل هو رجل من ثقيف. # وقوله: * (إذا أقسموا) أي: حلفوا. # وقوله: * (ليصرمنها مصبحين) أي: يقطعون في الوقت الذي قلنا. # وقوله: * (ولا يستثنون) أي: لم يقولوا: إن شاء الله. # وقوله: * (فطاف عليها طائف من ربك) أي: طرق طارق من العذاب، وهي النار ~~التي أرسلها الله تعالى. # والعرب لا تستعمل الطائف إلا في العذاب. # وفي بعض التفاسير: أن الله تعالى أمر ملكا حتى اقتلع تلك الجنة بأشجارها ~~وغروسها فوضعها في موضع الطائف اليوم. # وقوله: * (وهم نائمون) ذكرنا. PageV06P023 # * (فأصبحت كالصريم (20) فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم ~~صارمين (22) فانطلقوا وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ~~(24)). # قوله: * (فأصبحت كالصريم) أي: كالليل المظلم. # ويقال: كالنهار الذي ms1818 لا شيء فيه. # والعرب تسمي العامر من الأرض نهارا لبياضه، والغامر ليلا لسواده وخضرته. # والصريم من الأضداد، هو اسم لليل والنهار جميعا؛ لأن كل واحد منهما يقطع ~~عن صاحبه. # ويقال: كالصريم أي: المصروم فاعل بمعنى مفعول يعني: أنه لم يبق شيء فيها. # وقوله: * (فتنادوا مصبحين) أي: نادى بعضهم بعضا عند الصباح. # وقوله: * (أن اغدوا على حرثكم) أي: اقصدوا حرثكم. # وفي القصة: أنه كانت لهم حروث وأعناب. # وقوله: * (إن كنتم صارمين) أي: قاطعين. # يقال: في العنب الصرام، وفي الزرع الحصاد. # قال الشاعر: # (غدوت عليه غدوة فوجدته * قعودا عليه بالصريم عواذله) والصريم ها هنا: هو ~~الجرة السوداء. # وقد ذكره ابن فارس في معنى الصريم الذي ذكرناه من قبل. # وعن ابن جريج أنه قال: خرجت عنق من النار من جوف واديهم فأحرقت جنتهم. # وقوله: * (إن كنتم صارمين) قال مجاهد: المراد منه صرام العنب. # وكان حرثهم العنب. # قوله: * (فانطلقوا وهم يتخافتون) أي: يتكلمون سرا وخفية، وكان كلامهم لا ~~يدخلنها اليوم عليكم مسكين أي: لا تتركوا المساكين [يدخلون] عليكم. ~~PageV06P024 # * (وغدوا على حرد قادرين (25) فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن ~~محرومون (27) قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا سبحان ربنا إن ~~كنا ظالمين). # وقوله: * (وغدوا على حرد قادرين) أشهر الأقاويل أن معناه: على حسد، وهو ~~قول قتادة ومجاهد والحسن وجماعة. # وعن الشعبي وسفيان أنهما قالا: على غضب. # أي: على المساكين. # وقال أبو عبيدة: ' على حرد ' أي: على منع. # يقال: حاردت السنة فليس فيها مطر، وحاردت الناقة إذا لم يكن بها لبن. # ومعنى المنع هو ما عقدوه من منع المساكين. # وعن الحسن في رواية: على حرص. # وقيل: على قصد. # قال الشاعر: # (أقبل سيل جاء من أمر الله * يحرد حرد الجنة المغلة) أي: يقصد. # وعن السدي: أن الحرد اسم جنتهم. # وقوله: * (قادرين) أي: قادرين عند أنفسهم على الصرام. # وقيل: ' قادرين ' أي: على أمر أسسوه بينهم. # قوله تعالى: * (فلما رأوها قالوا إنا لضالون) يعني: أنهم لما رأوا موضع ~~الجنة وليس فيها شجر ولا نبات قالوا: إنا لضالون ms1819 أي: أخطأنا طريق جنتنا. # وقوله: * (بل نحن محرومون) معناه: أنهم تنبهوا على الأمر، وعرفوا أنهم لم ~~يخطئوا الطريق فقالوا: بل نحن محرومون أي: نزل العذاب وحرمنا ثمار جنتنا. # قوله تعالى: * (قال أوسطهم) أي: خيرهم وأعدلهم. # ومثله قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) أي: عدلا خيارا. # وقال سعيد بن جبير: أعقلهم. # وقوله: * (ألم أقل لكم لولا تسبحون) أي: هلا قلتم إن شاء الله تعالى. # ووضع التسبيح ها هنا موضع المشيئة؛ لأن التسبيح هو تنزيه الله تعالى عن ~~كل سوء. # وقوله: إن شاء الله فيه معنى التنزيه، وهو أنه لا يملك أحد فعل شيء إلا ~~بمشيئة، فينزه أن PageV06P025 # (* (29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين ~~(31) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) كذلك العذاب ~~ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) إن للمتقين عند ربهم جنا النعيم ~~(34)). # يكون شيء في ملكه إلا أن يريده. # وعن عكرمة: أنه كان استثناؤهم هو التسبيح يعني: أنهم كانوا يقولون مكان ~~قولنا إن شاء الله: سبحان الله. # وقوله: * (قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين) أي: بمنع المساكين. # وقوله: * (فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون) أي: يلوم بعضهم بعضا، فيقول هذا ~~لذاك: أنت فعلت والذنب لك، ويقول ذلك لصاحبه مثله. # وقوله: * (قالوا يا ويلنا) دعوا بالويل على أنفسهم. # وقوله: * (إنا طنا طاغين) أي: ظالمين. # وقوله: * (عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها) هذا إخبار عن توبتهم وندامتهم، ~~وسؤالهم من الله تعالى أن يبدلهم بجنتهم خيرا منها فيعطوا حق المساكين. # وفي بعض التفاسير: أن الله تعالى قبل توبتهم وأعطاهم جنة خيرا منها. # والله أعلم. # وقوله: * (إنا إلى ربنا راغبون) أي: بسؤالنا. # وقوله: * (كذلك العذاب) أي: كذلك عذاب الدنيا. # وقوله: * (ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) أي: عذاب الآخرة. # ويقال: كما عذبنا هؤلاء وأنزلنا بهم، كذلك نعذب قريشا وننزله بهم. # وروى في التفسير: أن الله تعالى أنزل العذاب بهم يوم بدر، فإنهم لما ~~خرجوا إلى بدر قالوا: لنقتلنهم ولنقتلن محمدا ولنأسرنهم، ونرجع إلى مكة ~~فنطوف بالبيت ms1820 ونحلق رؤوسنا، ونشرب الخمر، وتعزف على رؤوسنا القيان، وحلفوا ~~على ذلك، فأخلف الله ظنهم ونزل بهم ما نزل من القتل والأسر. # قوله تعالى: * (إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم) لما ذكر عذاب الكفار ~~وما ينزله بهم ذكر ما وعده للمؤمنين من هذه الآية؛ فروى أن عتبة بن ربيعة ~~قال لما نزلت PageV06P026 # * (أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب ~~فيه تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون (38) أم لكم أيمان علينا بالغة إلى ~~يوم القيامة إن لكم لما تحكمون (39) سلهم أيهم بذلك زعيم (40) أم لهم ~~شركاء). هذه الآية: لئن أعطاكم الله تعالى في الآخرة جنات النعيم فيعطينا ~~مثل ما يعطيكم أو خيرا منها، فأنزل الله تعالى: * (أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين) [أي]: نسوي بين المسلمين والمشركين في إعطاء جنات النعيم، وهو ~~مذكور على طريق الإنكار أي: لا يفعل كذلك. # وقوله: * (ما لكم كيف تحكمون) أي: كيف تقضون؟ والمراد من الحكم هو حكمهم ~~في أنفسهم بالجنة. # وقوله: * (أم لكم كتاب فيه تدرسون) أي: تدرسون ما تحكمون به. # وقيل: ترددون النظر فيه، فتحكمون منه لأنفسكم ما حكمتم. # وقوله: * (إن لكم فيه لما تخيرون) أي: تختارون، وهو بيان لذلك الحكم. # وقوله تعالى: * (أم لكم أيمان علينا بالغة) أي: مؤكدة، ومعنى البالغة في ~~كلام العرب في مثل هذه المواضع: هو بلوغ النهاية، يقال: هذا شيء جيد بالغ، ~~أي: بلغ النهاية في الجودة. # وقوله: * (إلى يوم القيامة) يعني: اللزوم والثبات، وقيل: ألكم أيمان ~~مؤكدة ألا نعذبكم إلى يوم القيامة. # وقوله: * (إن لكم لما تحكمون) تفسير لما وقع عليه اليمين. # وقوله: * (سلهم أيهم بذلك زعيم) أي: كفيل. # وقوله: * (أم لهم شركاء) هذا على توسع الكلام. # ومعناه: عندهم وفي زعمهم. # وقيل: أم بهذا شهد الشركاء بمعنى الشهداء، ذكره النقاش. PageV06P027 # * (فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41) يوم يكشف عن ساق). # وقوله: * (فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) أي: بشركاء فيهم على زعمهم ~~على القول الأول، وعلى القول الثاني بشهاداتهم إن كانوا صادقين. # قوله تعالى: * (يوم يكشف عن ساق) قال عكرمة عن ms1821 ابن عباس: عن الأمر ~~الشديد، وفي هذه الرواية عن ابن عباس أنه قال: إذا أشكل عليكم القرآن ~~فالتمسوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، وأنشد: # (وقامت الحرب بنا على ساق *) وهذا قول معروف، وقال ابن قتيبة: كانت العرب ~~إذا اشتد بهم الأمر عبروا بهذا اللفظ؛ لأن الإنسان إذا وقع له الأمر وأخذه ~~بجد وجهد يقول: شمر عن ساقه، فوضعت الساق موضع الشدة. # قال الشاعر: # (أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا) وقال ~~دريد بن الصمة: # (كميش الإزار خارج نصف ساقه * صبور على العوراء (طلاع) أنجد) وفي رواية ~~أخرى عن ابن عباس: يوم يكشف عن ساق أي: عن هول وكربة وشدة، وهو بمعنى ~~الأول. # وقال مجاهد: هو أول ساعة من ساعات القيامة، وهي أفظعها وأشدها على الناس. # هذا كله قول واحد. # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي أنه قال: ' إذا كان يوم القيامة يكشف ربنا ~~عن ساقه فيسجد كل مؤمن ومؤمنة، ويذهب المنافقون ليسجدوا فلا يستطيعون '. # وعن ابن مسعود أنه قال نحوا من هذا. # وقال الحسن البصري: يوم يكشف عن ساق أي: الستر بين الدنيا والآخرة. # ويقال: الغطاء بين الدنيا والآخرة، ومعناهما قريب. PageV06P028 # * (ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد ~~كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43)) وقوله: * (ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون) أي: لا يستطيع المنافقون: السجود. # وفي الخبر: فيعقم أصلابهم أي أصلاب المنافقين وقوله: يعقم أي: يصير طبقا ~~واحدا. # وفي رواية: تصير كسفا قيد الحديد. # وفي الخبر برواية أبي موسى الأشعري عن النبي أنه قال: ' إذا كان يوم ~~القيامة مثل لكل قوم ما كان [يعبدونه] في الدنيا فيتبعونه، ويبقى أهل ~~التوحيد فيقال لهم: قد ذهب الناس فماذا تنتظرون؟ فيقولون: إن لنا ربا كنا ~~نعبده. # فيقال لهم: هل تعرفونه لو رأيتموه؟ فيقولون: نعم. # فيقال [لهم]: كيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: إنه لا شبه له. # فيكشف لهم الحجاب فيسجد كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى المنافقون فلا يستطيعون ~~السجود، وتصير ظهورهم كصياص البقر. # فيقول الله تعالى ms1822 للمؤمنين: ارفعوا رءوسكم فقد جعلت بدل كل رجل [منكم ~~رجلا] من اليهود والنصارى في النار '. # وقوله: * (خاشعة أبصارهم) أي: ذليلة أبصارهم، والمراد منه ذل الندامة ~~والحسرة. # وقوله: * (ترهقهم ذلة) أي: يغشاهم الذل والهوان. # وقوله: * (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهو سالمون) أي: يدعون إلى صلاة ~~الجماعة وهم سالمون أي: معافون، والآن السجود لهم (مهيات). PageV06P029 # * (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملي ~~لهم إن كيدي متين (45)). # وظاهر الآية أن معناها السجود في الصلاة. # وعن إبراهيم التيمي أنه قال: هو الصلاة المكتوبة. # وقال سعيد بن جبير: يدعون إلى السجود بحي على الفلاح وهم سالمون فلا ~~يجيبون. # قوله تعالى: * (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث) أي: خلني وإياه وكله إلي ~~لأجازيه بعمله. # وقيل ذرني أي: لا تشغل قلبك به، ودعني وإياه فإني مجازيه ومكافئه، وهو ~~بمعنى الأول. # والعرب تقول مثل هذا القول، وإن لم يكن هناك أحد يمنعه منه، قال الشاعر: # (ذريني والثعلب أم سعد * تقلني الأرض (أو بيتك) أمالا) وقوله: * ~~(سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) الاستدراج في كلام العرب هو الأخذ قليلا ~~قليلا، ومنه درج الصبي إذا مشى قليلا قليلا. # وروى عبد الرحمن بن داود الخريبي عن سفيان الثوري أنه قال: الاستدراج هو ~~إسباغ النعم، ومنع الشكر. # وقيل: هو أنه كلما جدد ذنبا جدد الله له نعمة. # وعن عقبة بن مسلم قال: إذا كان العبد على معصية الله ثم أعطاه الله ما ~~يحب، فليعلم أنه في استدراج. # وعن الحسن البصري قال: كم من مستدرج يحسن الثناء عليه، ومغرور يستر الله ~~عليه. # (وقيل): سنستدرجهم أي: نمكر بهم من حيث لا يعلمون. # وقوله: * (وأملي لهم) أي: أمهلهم ولا أباغتهم جهرا، بل آخذهم وأمكر بهم ~~قليلا قليلا. # وقد بينا معنى الإمهال والإملاء من قبل. # وقوله: * (إن كيدي متين) أي: شديد. PageV06P030 # * (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون ~~(47) فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لولا أن ~~تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو ms1823 مذموم (49) فاجتباه ربه فجعله من ~~الصالحين (59) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم). # قوله تعالى: * (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون) أي: أجرا على تبليغ ~~الرسالة فهم من الغرم مثقلون. # وقوله: * (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) أي: عندهم اللوح المحفوظ، وسماه ~~غيبا لأنه كتب فيه ما غاب عن العباد. # وقوله: * (فهم يكتبون) أي: يكتبون منه ما يحكمون لأنفسهم ويقع بشهواتهم. # قوله تعالى: * (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت) أي: في الضجر وترك ~~الصبر. # ويقال: لا تغاضب كما غاضب صاحب الحوت، وهو ذو النون، واسمه يونس بن متى ~~صلوات الله عليه. # وقوله: * (إذ نادى وهو مكظوم) أي: مملوء كربا وغما. # ويقال: كظم البعير بجرته إذا حبسها، والمعنى: أنه لم يجد للغم الذي في ~~قلبه نفاذا ومساغا فكظم عليه أي: حبسه. # وقوله: * (لولا أن تداركه نعمة من ربه) أي: رحمة من ربه. # وقوله: * (لنبذ بالعراء) العراء هو وجه الأرض. # ويقال: المكان الخالي البارز. # وقوله: * (وهو مذموم) أي: نبذ غير مذموم، ولولا رحمة ربه لكان مذموما. # قوله تعالى: * (فاجتباه ربه) أي: اصطفاه واختاره. # وقوله تعالى: * (فجعله من الصالحين) أي: من عباده الصالحين. # وقد ذكرنا قصته من قبل. # قوله تعالى: * (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم) قرأ ابن عباس: ~~PageV06P031 # * (لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين ~~(52). ' ليزهقونك بأبصارهم ' والزلق هو السقوط، والإزلاق: الإسقاط. # وفي الآية قولان معروفان: أحدهما: ليزلقونك بأبصارهم أي: يعتانونك، ~~ومعناه: يصيبونك بأعينهم. # ذكره الكلبي ومقاتل وغيرهما، وذكره الفراء أيضا في كتابه. # وروى أن الرجل من العرب كان يجوع نفسه ثلاثة أيام، ثم يخرج فتمر عليه إبل ~~جاره أو غنمه فيقول: ما أحسنها، وما أعظمها، وما أسمنها ومثل هذا؛ فيسقط ~~(منها) العدة فتهلك. # وفي بعض التفاسير: أن هذا كان في بني أسد من العرب وكان الرجل يعتان إبل ~~الواحد منهم أو الغنم، ثم يقول لغلامه: اذهب بمكتل ودرهم لتأخذ لنا من ~~لحمه، وكان يتيقن أنه يسقط فينحر. # والقول الثاني في الآية - وهو أحسن القولين - أن المراد منها ms1824 هو أنهم ~~ينظرون إليك نظر البغضاء والعداوة فيكادون من شدة نظرهم أي: يصرعونك ~~ويسقطونك، وهذا على مذهب كلام العرب. # تقول العرب: نظر فلان نظرا يكاد يصرعه أو يأكله، أو ينظر إلي فلان نظرا ~~يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني به أي: لو أمكنه أن يصرعني به يصرعني أو يأكلني ~~به لأكلني. # وهذا اختيار الزجاج وغيره من أهل المعاني. # وأنشدوا: # (يتلاحظون إذا التقوا في موطن * نظرا يزيل (مواطن) الأقدام) وقوله: * ~~(لما سمعوا الذكر) أي: القرآن وكانت عداوتهم وبغضاؤهم تشتد إذا سمعوه يقرأ ~~القرآن. # وقوله: * (ويقولون إنه لمجنون) اسم سموه به. # وقوله: * (وما هو إلا ذكر للعالمين) أي: شرف للعالمين، وهو كناية عن ~~الرسول. # والأظهر أن القرآن ذكر للعالمين. # وقيل: الرسول مذكر للعالمين، وقد بينا معنى العالمين من قبل. PageV06P032 # تفسير سورة الحاقة وهي مكية وذكر النقاش في كتابه بروايته أن عمر - رضي ~~الله عنه - قال: تعرضت لرسول الله قبل أن أسلم - فمضيت إلى المسجد فوجدته ~~قد سبقني إليه، وقام يصلي فقمت خلفه - فقرأ سورة الحاقة، فجعلت أتعجب من ~~تأليف القرآن، وأقول: هو شاعر كما يقوله قريش حتى بلغ قوله تعالى: * (إنه ~~لقول رسول كريم ما هو بقول شاعر) إلى آخر السورة، فعلمت أنه ليس بشاعر، ~~ووقع الإسلام في قلبي. PageV06P033 # بسم الله الرحمن الرحيم * (الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة ~~(3) كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5)). # قوله تعالى * (الحاقة ما الحاقة) هي اسم للقيامة. # وسميت القيامة حاقة؛ لأن فيها حواق الأمور، أي: حقائقها. # ويقال: لأنها حققت على كل إنسان عمله من خير وشر، وتظهر جزاءه من الثواب ~~والعقاب. # قال الأزهري: سميت حاقة؛ لأنها تحق الكفار الذين حاقوا الأنبياء في ~~الدنيا إنكارا لها. # تقول العرب: حاققت فلانا فحققته، أي خاصمته فخصمته. # وقوله: * (ما الحاقة) مذكور على وجه التعظيم والتفخيم. # قال امرؤ القيس: # (فدع عنك نهبا صيح في حجراته * ولكن حديث ما حديث الرواحل) فما ~~للاستفهام، وهو مذكور في هذا الموضع لتعظيم أمر الرواحل. # كذلك هاهنا. # وقوله: * (وما أدراك ما الحاقة) قال ابن ms1825 عباس: كل ما قال ' أدراك ' فقد ~~أعلم النبي، وما قال: ' وما يدريك ' فلم يعلمه. # وهو مذكور أيضا على طريق التعظيم والتهويل. # ومثله قول أبي النجم شعرا: # (أنا أبو النجم وشعري شعري *) قوله تعالى: * (كذبت ثمود وعاد بالقارعة) ~~القارعة اسم للقيامة أيضا. # قال المبرد: سميت القيامة قارعة؛ لأنها تقرع القلوب، وتهجم عليها بالشدة ~~والكرب. # وقوله: * (فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية) قال مجاهد: بطغيانهم، وهو قول أبي ~~PageV06P034 # * (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من ~~باقية (8)). عبيدة أيضا. # ويقال: بالطاغية أي: بالصيحة. # (وقيل): بالرجفة. # وسمى الصيحة طاغية؛ لأنها زادت على المقدار الذي تطيقه الأسماع. # وقوله: * (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر) أي: ذات برد شديد. # وعلى هذا القول أخذ من الصر وهو البرد. # وقيل [هي] ذات صيحة. # وعلى هذا مأخوذ من الصرة وهي الصيحة. # وقوله * (عاتية) أي: عتت على خزانها. # قال قبيصة بن ذؤيب. # لم يرسل الله ريحا إلا بقدر معلوم غير الريح التي أرسلها على عاد، فإنها ~~خرجت بغير قدر معلوم غضبا بغضب الله تعالى. # وقد روى هذا عن ابن عباس. # ويقال: سمى هذه الريح عاتية؛ لأنها جاوزت المقدار. # وقوله: * (سخرها عليهم) أي: سلطها وأرسلها عليهم * (سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما) أي: متتابعة. # وقيل: مشائيم. # ويقال: سماها حسوما؛ لأنها قتلتهم وأفنتهم، من الحسم وهو القطع. # وفي التفسير: أن ابتداءه كان من غداة يوم الأربعاء، ويقال: من غداة يوم ~~الأحد. # وقوله * (فترى القوم فيها صرعى) أي: صرعوا وصاروا * (كأنهم أعجاز نخل) أي ~~أصول نخل منقطعة عن أماكنها. # * (خاوية) قال الأزهري: سماه خاوية؛ لأنها إذا (انقلعت) خلت أماكنها ~~منها. # وقوله * (فهل ترى لهم من باقية) أي: من نفس باقية. # ويقال: من بقاء. PageV06P035 # * (وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم ~~أخذة رابية (10) إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها لكم ~~تذكرة وتعيها أذن واعية (12)). # قوله تعالى: * (وجاء فرعون ومن قبله) وقرئ: ' ومن قبله ' أي: الأمم ms1826 الذين ~~كانوا قبله. # وقوله: * (والمؤتفكات) هي قريات لوط. # فعلى هذا معناه: وأهل المؤتفكات. # وقيل المؤتفكات: هم قوم لوط؛ لأنه ائتفك بهم. # وقوله: * (بالخاطئة) أي: بالخطأ العظيم، أي: بالذنب العظيم. # وقوله: * (فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية) أي: زائدة على الأخذات. # ويقال: زاد العذاب على قدر أعمالهم. # قوله تعالى: * (إنا لما طغى الماء) قال سعيد بن جبير: غضب بغضب الله ~~فطغى. # ويقال: طغى أي: جاوز المقدار. # فيقال: إنه زاد كل شيء في العالم خمسة [أذرع]. # وقد قيل أكثر من ذلك. # وقوله: * (حملناكم في الجارية) أي: السفينة، وجمعها الجواري وهي السفن. # وقوله: * (لنجعلها لكم تذكرة) أي: عبرة وعظة. # قال قتادة: أدرك أوائل هذه الأمة سفينة نوح، وكم من السفن قد هلكت، ولكن ~~الله تعالى أبقى هذه السفينة تذكرة لهذه الأمة وعبرة لها. # ويقال: جعلها لكم تذكرة، أي: تذكروا هذه القصة فتكون لكم ولمن سمعها عبرة ~~وعظة. # وقوله تعالى: * (وتعيها أذن واعية) أي: أذن عقلت أمر الله وعملت به. # وروى مكحول أن هذه الآية لما نزلت قال النبي لعلي رضي الله عنه: ' سألت ~~الله أن يجعلها أذنك '. # قال علي: فما سمعت بعد ذلك شيئا فنسيته. PageV06P036 # * (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة ~~واحدة (14) فيومئذ وقعت الواقعة (15) وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) ~~والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17) يومئذ). # قوله تعالى: * (فإذا نفخ في الصور) قد بينا معنى الصور. # وقوله: * (نفخة واحدة) أي: النفخة الأولى. # وقوله: * (واحدة) أي: ليست لها مثنوية. # وقوله تعالى: * (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة) أي: زلزلتا زلزلة ~~واحدة. # ويقال: فتتا فتة واحدة. # وقيل: ضرب أحدهما بالآخر فانهدمتا وهلكتا. # وقوله: * (فيومئذ وقعت الواقعة) أي: قامت القيامة. # وقوله: * (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) أي: ضعيفة. # قال علي بن أبي طالب: تنشق من المجرة. # يقال: شقا واه أي: ضعيف متخرق. # ومن أمثالهم: # (خل سبيل من وهى شقاؤه * ومن هريق بالفلاة ماؤه) وقيل: فهي يومئذ واهية، ~~أي: منشقة منخرقة، لأن ما وهى ينشق ويتخرق. # وقوله: * (والملك ms1827 على أرجائها) أي: على أطرافها. # قال الكسائي: على حافتها. # وقيل: على (مواضع) شقوقها ينظرون إلى الدنيا. # وقوله: * (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون) قيل: ثمانية ~~صفوف من الملائكة. # وفي جامع أبي عيسى الترمذي برواية الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب ~~أن النبي كان جالسا في عصابة من أصحابه، فمرت سحابة فقال: ' هل تدرون ما ~~اسم هذه؟ قالوا: نعم، هذا السحاب. # قال رسول الله: المزن؟ قالوا: والمزن. # قال رسول الله: والعنان؟ قالوا: والعنان. # قال لهم رسول الله: PageV06P037 # تدرون كم بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا، والله ما ندري. # قال: فإن بعد ما بينهما إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ~~والسماء التي فوقها كذلك حتى عدهن سبع سماوات. # قال: فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء إلى ~~السماء، وفوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى السماء، ~~ثم فوق ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه ما بين السماء إلى السماء، والله فوق ~~ذلك. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك والدي أبو منصور محمد بن عبد الجبار ~~السمعاني، أخبرنا أبو العباس بن محبوب أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا [عبد ~~بن حميد] أخبرنا عبد الرحمن بن سعد، عن عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، ~~عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف ابن قيس، عن العباس بن عبد المطلب... ~~الخبر. # وفي بعض الأخبار: أن من جملة حملة العرش ملكا على صورة ديك، رجلاه في ~~تخوم الأرضين ورأسه تحت العرش، وجناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب، إذا سبح ~~الله تعالى سبح له كل شيء. # وروى الزهري عن أنس أن النبي قال لجبريل ' إني أريد أن أراك في صورتك. # فقال: إنك لا تطيق ذلك، فقال: أنا أحب أن تفعل، قال: فخرج رسول الله إلى ~~البطحاء، وأراه جبريل نفسه في صورته التي خلقه الله تعالى عليها، وجناح له ~~بالمشرق وجناح له بالمغرب، ورأسه في السماء، فغشى على النبي ثم أفاق ورأسه ~~في حجر جبريل، ms1828 وقد وضع إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، ثم قال: لو ~~رأيت إسرافيل وله اثنا عشر جناحا، والعرش على كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا ~~من خشية الله حتى يصير مثل الوضع، فلا يحمل العرش PageV06P038 # * (تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم ~~اقرءوا كتابيه (19) إني ظننت أني ملاق حسابيه (20)). إلا عظمة الله '. # وقوله تعالى: * (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) أي: فعلة خافية ~~والمعنى: أنه لا يخفى شيء على الله تعالى. # وقد روى عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، ~~وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر. # وعن أبي موسى الأشعري قال: في القيامة ثلاث عرضات: عرضتان جدال ومعاذير، ~~والعرضة الثالثة فيها تطاير الكتب. # وقد روى هذا مرفوعا. # وفي بعض الأخبار عن عائشة قالت: ' يا رسول الله، هل تذكرون أهاليكم يوم ~~القيامة؟ قال: أما في ثلاثة مواطن فلا، وذكر عند تطاير الكتب، وعند ~~الميزان، وعلى الصراط '. # قوله تعالى: * (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه) أي: ~~تعالوا اقرءوا كتابيه. # وقيل: خذوا. # تقول العرب للواحد: هاء وللاثنين هاؤما، وللجماعة هاؤموا. # وقد روى: ' أن رجل نادى رسول الله وقال: يا محمد. # فقال النبي: هاؤم '. # وقوله: * (إني ظننت أني ملاق حسابيه) أي: أيقنت. # قال الحسن البصري: إن PageV06P039 # * (فهو في عيشة راضية (21) في جنة عالية (22) قطوفها دانية (23) كلوا ~~واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) وأما من أوتي كتابه ~~بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما حسابيه (26) يا ليتها ~~كانت القاضية (27) ما أغنى عني مالية (28) هلك عني سلطانيه (29)). المؤمن ~~أحسن الظن بالله فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن بالله فأساء العمل. # وقوله * (فهو في عيشة راضية) أي: ذات رضا. # وقال أبو عبيدة: مرضية. # ويقال: عيشة راضية: الجنة. # وقوله: * (في جنة عالية) أي: مرتفعة. # وقوله تعالى: * (قطوفها دانية) قال البراء بن عازب: يتناولها قائما ~~وقاعدا ونائما، أي: مضطجعا. # ومعنى دانية: قريبة المتناول، لا يمنع منها بعد ولا شوك. # وقوله: * (كلوا ms1829 واشربوا هنيئا بما أسلفتم) أي: قدمتم * (في الأيام ~~الخالية) أي: الماضية، وهي في الدنيا. # وعن بعضهم: أن الآية في الصائمين. # قوله تعالى: * (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه) ~~أي: كتابي * (ولم أدر ما حسابيه). # أي: لم أتق حسابي، لأنه لا يرى لحسابه حاصلا، ويرى كل شيء عليه. # وقوله: * (يا ليتها كانت القاضية) أي: يا ليت الميتة كانت قاضية أي: لم ~~أحي بعدها، فقضت علي الفناء أبدا. # وقيل: يا ليتها أي: يا ليتني مت الآن. # وقوله: * (ما أغنى عني مالية) أي: مالي. # وقوله: * (هلك عني سلطانية) أي: بطلت حجتي، ولم يسمع عذري، وإنما لا يسمع ~~لأنه لا عذر له. # وسمى السلطان سلطانا؛ لأنه يقام عنده الحجج، أو لأنه حجة على الخلق ~~ليقيموا أمورهم. # قال قتادة: ليس هو أن يلي قرية فيجيبها، ولكنه أراد به سلطانه على نفسه، ~~حيث ضيع ما جعله الله له، وارتكب المعاصي، وضيع الأوامر. PageV06P040 # * (خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ~~فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين ~~(34) فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله ~~إلا الخاطئون (37) فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39)). # قوله تعالى: * (خذوه فغلوه) هو من غل اليد إلى العنق. # وقيل: يشد قدمه برقبته ثم يجر على وجهه. # وقوله: * (ثم الجحيم صلوه) أي: اشوه. # وقوله: * (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا) قال نوف البكالي: كل ذراع ~~سبعون باعا، وكل باع من هاهنا إلى مكة، وكان بالكوفة يومئذ. # وروى نحوا من ذلك عن سعيد بن جبير. # وقوله: (فاسلكوه) في التفسير: أنها تدخل في فيه حتى تخرج من دبره، فهو ~~معنى قوله * (فاسلكوه). # وقوله: * (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين) أي: ~~لا يحث. # قال الحسن: أدركت أقواما يعزمون على أهليهم إذا خرجوا أن لا يردوا سائلا، ~~وأدركت أقواما كان الواحد منهم يخلف أخاه في أهله أربعين عاما. # وقوله: * (فليس له اليوم هاهنا ms1830 حميم) أي: قريب. # وقوله: * (ولا طعام إلا من غسلين) الغسلين: صديد أهل النار. # وعن الربيع بن أنس قال: هو شجرة تخرج طعاما هو أخبث أطعمة أهل النار. # وفي الخبر أن دلوا من غسلين لو صب في الدنيا لأنتن أهل الدنيا. # وقوله: * (لا يأكله إلا الخاطئون) أي: المشركون. # ويقال: أهل المعصية. # وقوله تعالى: * (فلا أقسم بما تبصرون) أي: أقسم، و ' لا ' صلة. # وقيل معنى (وما لا تبصرون) أي: الملائكة. # وفي التفسير: أن في الآية ردا على المشركين PageV06P041 # * (إنه لقول رسول كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا ~~بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) تنزيل من رب العالمين (43) ولو تقول علينا ~~بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين (45). حيث قال بعضهم: إن محمدا ساحر، ~~وهو وليد بن المغيرة ومن تبعه، وقال بعضهم: هو شاعر، وهو أبو جهل ومن تبعه، ~~وقال بعضهم: هو كاهن، وهو عقبة بن أبي معيط ومن تبعه. # وقوله: * (إنه لقول رسول كريم) أي: رسول كريم على الله. # وقيل: إنه جبريل. # وقيل: إنه محمد. # فإن قال قائل: كيف قال: * (إنه لقول رسول كريم) وإنما هو قول الله ~~تعالى؟. # والجواب من وجهين: أحدهما: أن معناه تلاوة رسول كريم، والثاني: قول الله ~~وإبلاغ رسول كريم، فاتسع في الكلام واكتفى بالفحوى. # وقوله: * (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون) أي: لا تؤمنون أصلا. # يقول الرجل لغيره: قليلا ما تأتيني، أي: لا تأتيني أصلا. # وقوله: * (ولا بقول كاهن) الكاهن هو الذي يخبر عن الغيب كذبا. # وقيل: بظن وحدس لا عن علم. # وقوله تعالى: * (قليلا ما تذكرون) أي: لا تتعظون أصلا كما بينا. # وقوله: * (تنزيل من رب العالمين) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) يعني: أن محمدا لو تقول ~~علينا بعض الأقاويل، أي: قال ما لم نقله. # وقوله: * (لأخذنا منه باليمين) أي: بالقوة. # أي: انتقمنا منه بقوتنا وقدرتنا، قاله مجاهد. قال الشماخ: PageV06P042 # * (ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) وإنه ~~لتذكرة للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على ms1831 ~~الكافرين (50) وإنه لحق اليقين (51) فسبح باسم ربك العظيم (52)). # (رأيت عرابة الأوسي يسمو * إلى الخيرات منقطع القرين) (إذا ما راية رفعت ~~لمجد * تلقاها [عرابة] باليمين) أي: بالقوة. # وقال مؤرخ: قوله: * (لأخذنا منه باليمين) وعن ثعلب: بالحق. # وهو مروي عن السدي أيضا. # وعن الحسن. # لأخذنا منه باليمين، أي: أذهبنا قوته. # ويقال: ' لأخذنا منه باليمين ' هو مثل قول القائل: خذ بيمينه إذا فعل ~~شيئا - أي: بالقوة - يستحق العقوبة. # وقوله: * (ثم لقطعنا منه الوتين) أي: نياط القلب؛ فإذا انقطع لم يحي ~~الإنسان بعده. # قال الشماخ أيضا مخاطبا لناقته: # (إذا بلغتني وحملت رحلي * عرابة فاشرقي بديم الوتين) وقوله: * (فما منكم ~~من أحد عنه حاجزين) يعني. # إنكم تنسبونه إلى الكذب علي، ولو أخذته لم يقدر أحد منكم على دفعنا عنه. # وقوله: * (وإنه لتذكرة للمتقين) أي: القرآن. # وقوله: * (وإنا لنعلم أن منكم مكذبين) أي: بالقرآن وبالرسول. # وقوله: * (وإنه لحسرة على الكافرين) أي: البعث حسرة على الكافرين. # وقوله: * (وإنه لحق اليقين) أي: البعث محض اليقين وعين اليقين. # وقوله: * (فسبح باسم ربك العظيم) أي: نزه ربك العظيم، واذكره بأوصافه ~~المحمودة اللائقة. # وفيه دليل أن الاسم هو المسمى، ولا فرق بينهما. PageV06P043 # بسم الله الرحمن الرحيم * (سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع ~~(2)). # تفسير سورة المعارج وهي مكية قوله تعالى: * (سأل سائل بعذاب واقع) أي: ~~واقع أي: دعا داع. # والآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة وأنه قال: اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزلت هذه ~~الآية. # قوله تعالى: * (بعذاب واقع) ' الباء ' صلة. # ومعناه: دعا داع، والتمس ملتمس عذابا من الله تعالى. # وقوله: * (واقع) أي: كائن حاصل في حق الكافرين، وذلك يوم القيامة يقع بهم ~~ذلك لا محالة. # وقيل: هو في الدنيا، وقد وقع ذلك بالنضر بن الحارث، حيث قتل صبرا يوم ~~بدر. # وهذا الذي ذكرنا معنى قول مجاهد وغيره. # والقول الثاني في الآية: سأل سائل عن عذاب واقع، ' فالباء ' بمعنى ' عن ' ~~قاله الفراء وغيره. # والمعنى: سأل سائل ms1832 بمن يقع العذاب؟ وعلى من ينزل العذاب؟ فقال الله ~~تعالى: * (للكافرين) يعني: على الكافرين. # وقرئ في الشاذ: ' سال سائل ' يقال: سال بمعنى سأل على الهمز. # وقيل: سال سائل أي: واد في جهنم يسيل على الكفار بالعذاب. # وقوله تعالى: * (ليس له دافع) أي: لا يدفع العذاب على الكافرين أحد، ولا ~~يمنعه منهم. PageV06P044 # * (من الله ذي المعارج (3) تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة (4)). # وقوله: * (من الله ذي المعارج) أي: ذي السماوات، وسميت السماوات معارج، ~~لأن الملائكة يعرجون إليها. # ويقال: ذي المعارج أي: ذي الفواضل. # ويقال: ذي الدرجات على معنى إكرامه المؤمنين بالدرجات وإعطائها إياهم. # وقوله: * (تعرج الملائكة والروح إليه) قد بينا معنى الروح. # وقيل: هم في خلق السماء يشبهون الآدميين، وليسوا بآدميين. # وقوله: * (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) قال ابن عباس: هو يوم ~~القيامة، وهو أصح القولين. # وروى الحسن مرسلا وأبو سعيد الخدري مسندا في بعض الغرائب من الروايات: ' ~~أن الله تعالى يخففه على المؤمنين، فيجعله بقدر صلاة مكتوبة خفيفة '. # وفي بعض الآثار: ' بقدر ما بين الظهر إلى العصر '. # وقال وهب بن منبه: من قرار الأرض إلى فوق العرش خمسين ألف سنة. # وقيل معنى قوله: * (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) يعني: لو عمل عامل ~~أو حاسب محاسب ما يعمل الله تعالى في ساعة أو في يوم واحد، لم ينقطع إلى ~~خمسين ألف سنة. # وعن ابن عباس في بعض الروايات أن قوله تعالى: * (في يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة) وقوله: * (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) آيتان لا يعلم ~~معناهما إلا الله. # ومثله عن قتادة. PageV06P045 # * (فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) يوم تكون ~~السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) ولا يسأل حميم حميما (10) ~~يبصرونهم) وقوله: إن قوله: * (ألف سنة) هو مسافة ما بين السماء والأرض ~~صاعدا ونازلا. # وقوله: * (خمسين ألف سنة) مسافة ما بين الأرض إلى العرش صاعدا. # والله أعلم. # وقوله: * (فاصبر صبرا جميلا) أي: صبرا لا جزع فيه ولا ms1833 شكوى. # وعن قيس بن الحجاج في قوله: * (فاصبر صبرا جميلا) قال: هو أن يكون صاحب ~~المصيبة في القوم و لا يدرى من هو، وإنما أمره بالصبر؛ لأن المشركين كانوا ~~يؤذونه، فأمره بالصبر إلى أن ينزل بهم عذابه. # وقوله: * (إنهم يرونه بعيدا) أي: العذاب. # وقوله: * (ونراه قريبا) لكونه ووقوعه لا محالة. # قوله تعالى: * (يوم تكون السماء كالمهل) أي: كدردى الزيت، ويقال: كعكر ~~القطران. # وعن ابن مسعود قال: هو المذاب من جواهر الأرض مثل النحاس والرصاص والفضة، ~~فالكل مهل. # وقوله: * (وتكون الجبال كالعهن) والعهن: الصوف المصبوغ، وشبهه به في ضعفه ~~ولينه. # وقوله: * (ولا يسأل حميم حميما) أي: لا يسأل قريب عن حال قريبه لشغله ~~بنفسه. # وقرئ: ' ولا يسأل حميم حميما ' أي: لا يسأل أحد أين حميمك؟ # وقوله: * (يبصرونهم) أي: يعرفونهم. # ومعناه: يعرف بعضهم بعضا، ولا يسأله عن حاله لشغله بنفسه. # وقيل: يعرف بعضهم بعضا بالسمات والعلامات، فإن لأهل الجنة سمات وعلامات، ~~وكذلك لأهل النار. PageV06P046 # * (يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) وصاحبته وأخيه (12) ~~وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه (14) كلا إنها لظى ~~(15) نزاعة للشوى (16) تدعو من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى) وقوله: * (يود ~~المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته) أي: امرأته. # * (وأخيه) هو الأخ المعروف. # وقوله: * (وفصيلته التي تؤويه) أي: عشيرته التي يأوي إليهم، وقيل: ~~أقربائه الأدنون. # والفصيلة أحضر وأدنى من الفحل. # ويقال: العباس هو من فصيلة الرسول. # وقوله: * (ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه) أي: لو يفتدى بمن في الأرض جميعا ~~لينجو فلا ينجو. # وقوله: * (كلا) هو ما بينا من المعنى. # وعن عمر بن عبد الله مولى غفرة: أن كل ما جاء في القرآن ' كلا ' هو بمعنى ~~كذبت. # وقوله: * (إنها لظى) اسم من أسماء جهنم. # ويقال: ' إنها لظى ' عذاب لازم لا ينجو منها أبدا. # وقوله: * (نزاعة للشوى) الأكثرون أن الشوى هو الأطراف مثل اليدين ~~والرجلين وغير ذلك. # وذكر الفراء أنها جلدة الرأس. # وقيل: قحف الرأس. # ويقال: الجلد واللحم حتى يبقى العظم. # وقيل: الجلد واللحم والعظم إلى ms1834 أن يصل إلى القلب، وهو نضيج، ذكره مجاهد. # وقوله: * (تدعو من أدبر و تولى) أي: تنادي من أدبر وتولى من الكفار ~~فتقول: يا فلان وتذكر اسمه أقبل إلي وتأخذه. # وقال المبرد في قوله: * (تدعو) أي: تعذب. # وروى عن النضر عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول لآخر: دعاك الله، أي: عذبك ~~الله. # وأما ثعلب فإنه قال: تناديهم واحدا واحدا بأسمائهم. # وهو الأظهر. # وقوله: * (وجمع فأوعى) أي: جمع المال فأوعاه، أي: جعله في وعاء وأوكأ ~~PageV06P047 # (* (18) إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه ~~الخير منوعا (21) إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين ~~في أموالهم حق معلوم (24) للسائل والمحروم (25) والذين) عليه، وهو كناية عن ~~البخل ومنع الحق. # قوله تعالى * (إن الإنسان خلق هلوعا) أي: جزوعا. # قال ثعلب: سألني محمد ابن عبد الله بن طاهر عن هذه الآية، فقلت: الهلع ~~أسوأ الجزع. # وقيل: هلوعا: ضجرا. # وعن الحسن: ضعيفا. # وقال الضحاك: بخيلا. # وعن غيرهم: حريصا. # ويقال تفسيره هو قوله: * (إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا) أي: ~~إذا مسه الشر لم يصبر، وإذا مسه الخير لم يشكر. # وقوله: * (إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون) هذا الاستثناء منصرف ~~إلى ابتداء الكلام، ومعناه: أن هؤلاء ينجون من العذاب. # وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: الآية في الصلوات المكتوبة. # وقيل: إدامتها هو إقامتها في أوقاتها. # ويقال: ليست إدامتها أن يصلي أبدا، ولكن إدامتها أنه إذا صلى لم يلتفت ~~يمينا ولا شمالا. # ويقال: إدامة الصلوات: ألا يتركها، وهذا قول حسن. # وعن بعض السلف هو ألا يؤخرها عن المواقيت؛ فأما إذا تركها كفرز وقوله: * ~~(والذين في أموالهم حق معلوم للسائل) وهو الطواف الذي يسأل (عن) الناس. # وقوله: * (والمحروم) هو الذي لا يسأل، ويقال: هو المحارف، وقيل: المحدود. # وكلاهما بمعنى واحد. # يقال: فلان مجدود، وفلان محدود، والمجدود الذي يوافقه الجد، والمحدود ~~المحروم. # قال ابن عمر: المحروم هو الكلب. # وعن الشعبي قال: أعياني أن أعرف معنى المحروم. # وقيل: هو الفقير الذي لا شيء له. # وقوله: * (والذين ms1835 يصدقون بيوم الدين) أي: يؤمنون به. PageV06P048 # * (يصدقون بيوم الدين (26) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن عذاب ~~ربهم غير مأمون (28) والذين هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (29) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ~~(31) والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون (32)). # وقوله: * (والذين هم من عذاب ربهم مشفقون) أي: خائفون. # وعن معاذ بن جبل قال: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الخائفون؟ ~~فيحشرون في كنف الرحمن لا يحتجب الله منهم. # ذكره أبو الحسين بن فارس في تفسيره. # وفي الخبر المعروف أن النبي قال حاكيا عن الله تعالى: ' لا أجمع على عبدي ~~خوفين ولا أمنين، فإذا خافني في الدنيا أمنته في الآخرة، وإذا أمنني في ~~الدنيا خوفته في الآخرة '. # قوله: * (إن عذاب ربهم غير مأمون) ظاهر المعنى. # وقوله: * (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين) قال ابن عيينة، من لام أحدا فيما ملكت يمينه وإن كثر، أو ~~لامه في نسائه إذا بلغ الأربع، فقد عصى الله تعالى؛ لقوله تعالى: * (فإنهم ~~غير ملومين) وقال أيضا: من تزوج [بأربع] نسوة، أو تسرى بمماليك، فلا خلل في ~~زهده في PageV06P049 # * (والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) ~~أولئك في جنات مكرمون (35) فما للذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن ~~الشمال عزين (37)). # الدنيا، فإن عليا - رضي الله - عنه قتل عن أربع عقائل [وتسع عشرة] سرية ~~وكان أزهد الصحابة. # وفي الآية دليل على تحريم المتعة. # وسئلت عائشة عن المتعة فقالت: بيني وبينكم كتاب الله، وتلت هذه الآية. # وسئل ابن عمر عن ذلك فقال: هو زنا. # فقيل: إن فلانا يبيحها، فقال: أفلا ترمرم به في زمان عمر، والله لو أخذه ~~فيها لرجمه. # وقوله: * (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) هو دليل على ما بينا. # والعادي والمتعادي واحد. # وقوله: * (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) أي: حافظون. # وقيل: أصل الأمانة أن كلمة التوحيد ائتمن الله تعالى المؤمنين عليها. # وقوله: * (والذين هم بشهادتهم قائمون) وقرئ: ms1836 ' بشهاداتهم ' إحداهما بمعنى ~~الجمع، والأخرى بمعنى الوحدان. # ومعنى * (قائمون) أي: يؤدونها على وجهها. # وقوله: * (والذين هم على صلاتهم يحافظون) قد بينا المعنى. # وقوله: * (أولئك في جنات مكرمون) أي: بساتين يكرمهم الله بأنواع النعم. # وقوله تعالى: * (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين) أي: مسرعين. # قال أبو جعفر النحاس: والآية في المعنى مشكلة، والمراد والله أعلم: فما ~~للذين كفروا يسرعون إليك لاستماع القرآن، ثم يتفرقون بلا قبول له والإيمان ~~به. # وفي التفسير: أنهم كانوا يأتون ويجلسون حول النبي وينظرون إليه نظر ~~البغضاء والعداوة، ويستمعون القرآن استماع الاستهزاء والتكذيب. # وقوله: * (عن اليمين وعن الشمال عزين) أي: متفرقين حلقا حلقا. # وروى أن PageV06P050 # * (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة النعيم (38) كلا إنا خلقناهم مما ~~يعلمون (39) فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل ~~خيرا منهم) النبي خرج إلى المسجد وأصحابه متفرقون كل جماعة في موضع، فقال: ~~' مالي أراكم عزين '. # والسنة أن يجلسوا حلقة واحدة، أو بعضهم خلف بعض، ولا يتفرقون في الجلوس. # قوله تعالى: * (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم) قال المفسرون: لما ~~ذكر الله تعالى الجنة للمؤمنين قال الكفار: ونحن أيضا ندخل معكم؛ فأنزل ~~الله تعالى: * (كلا) أي: لا يكون الأمر كما يطمع ويظن. # وقوله: * (إنا خلقناهم مما يعلمون) أي: من الأقذار والنجاسات. # والمعنى: أنه ليس إدخال من يدخل الجنة بكونه مخلوقا؛ لأنه خلق من شيء نجس ~~قذر، فلا يستحق دخول الجنة، و إنما يستحق دخول الجنة بالتقوى والدين. # ويقال: إنا خلقناهم من أجل ما [يعلمون]، وهو عبادة الله والإيمان به. # قال الشاعر: # (أأزمعت من آل ليلى ابتكارا * وشطت على ذي هوى أن تزارا) أي: من أجل آل ~~ليلى. # وقيل: * (إنا خلقناهم مما يعلمون) أي: ممن يعلمون. # والقول الأصح هو الأول. PageV06P051 # * (وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون (42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) خاشعة ~~أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون (44)). # قوله تعالى: * (فلا أقسم برب المشارق والمغارب) معناه: أقسم، وهو ms1837 على ~~مذهب العرب، وكانوا يقولون هكذا. # وذكر هاهنا المشارق والمغارب؛ لأن الشمس في كل يوم تشرق من مكان آخر غير ~~ما كان في اليوم الأول، وكذلك في المغرب. # وفي التفسير: أنها تطلع كل يوم من كوة أخرى، وتغرب من كوة أخرى. # وقوله: * (إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم) أي: أطوع لله منهم، وأمثل ~~منهم. # وقوله: * (وما نحن بمسبوقين) أي: معاجزين، وقد بينا من قبل. # قوله تعالى: * (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون) هو ~~يوم القيامة. # وهو مذكور على طريق التهديد لا على طريق الإطلاق والإذن. # وقوله تعالى: * (يوم يخرجون من الأجداث سراعا) أي: من القبور. والجدث: ~~القبر، والأجداث الجمع. # وقوله: * (كأنهم إلى نصب يوفضون) أي: يخرجون سراعا كأنهم إلى علم نصب لهم ~~يسرعون، وقرئ: ' نصب يوفضون ' بضم النون، والنصب والنصب بمعنى الأصنام، وقد ~~كانوا يسرعون إلى أصنامهم إذا ذهبوا إليها، فيعظموها ويستلموها. # وقوله: * (خاشعة أبصارهم) أي: ذليلة أبصارهم * (ترهقهم ذلة) أي: مذلة. # وقوله: * (ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون) أي: يقال لهم: هذا اليوم هو ~~اليوم الذي وعدتم في الدنيا. # والله أعلم. PageV06P052 # بسم الله الرحمن الرحيم * (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل ~~أن يأتيهم عذاب أليم (1) قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون (3) يغفر لكم)) تفسير سورة نوح عليه السلام وهي مكية وهو ~~نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ. # وعن ابن عباس: أنه بعث وهو ابن أربعين سنة. # وعن عوف بن أبي شداد: أنه بعث وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة. # ويقال: سمي نوحا؛ لأنه كان ينوح على نفسه. # والله أعلم. # قوله تعالى: * (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك) معناه: بأن أنذر ~~قومك إلا أنه حذف الباء. # وفي قراءة ابن مسعود * (أنذر قومك) من غير ' أن ' ومعناه: وقلنا له أنذر ~~قومك. # وقوله * (من قبل أن يأتيهم عذاب أليم) قيل: هو الغرق في الدنيا. # وقيل هو النار في الآخرة. # قوله تعالى: * (قال يا قوم إني لكم نذير مبين) ms1838 أي: بين النذارة. # وقوله * (أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون) وهذا هو الذي بعث الله لأجله ~~الرسل، فإن الله تعالى ما بعث رسولا إلا ليعبدوه ويتقوه ويطيعوا رسوله. # وقوله: * (يغفر لكم من ذنوبكم) أي: من ذنوبكم التي أوعدكم عليها العقوبة. # وقد كانت لهم ذنوب أخر عفا الله عنها. # وقال الفراء: ' من ' ليست هاهنا للتبعيض، PageV06P053 # * (من ذنوبكم ويؤخركم إلى آجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون (4) قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا ~~فرارا (6)). ولكنها للتخصيص على معنى تخصيص الذنوب بالغفران. # وقوله: * (ويؤخركم إلى آجل مسمى) أي: إلى الموت. # فإن قيل: هذه الآية تدل على أنه يجوز أن يكون للإنسان أجلان، وأن العقوبة ~~تقع قبل الأجل المضروب للموت. # والجواب من وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يقال: إن الأجل أجلان: أحدهما: ~~إلى سنة أو سنتين إن عصوا الله، والآخر: إلى عشر سنين أو عشرين سنة إن ~~أطاعوا الله، فعلى هذا قوله تعالى: * (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر) أي: في ~~حالتي الطاعة والمعصية. # والوجه الثاني: أن الأجل واحد بكل حال. # وقوله * (ويؤخركم إلى أجل مسمى) أي: يميتكم غير ميتة الاستئصال والعقوبة، ~~وهو الموت الذي يكون بلا غرق ولا قتل ولا حرق. # وقيل: يؤخركم إلى أجل مسمى، أي: عندكم، وهو الأجل الذي تعرفونه، وذلك موت ~~من غير هذه الوجوه. # وهذا القول أقرب إلى مذهب أهل السنة، فعلى هذا قوله: إن أجل الله إذا جاء ~~لا يؤخر) هو الأجل المسمى المضروب لكل إنسان). # وقوله * (لو كنتم تعلمون) [أي]: إن كنتم تعلمون. # قوله تعالى: * (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا) قال الفراء: أي: من كل ~~وجه وفي كل زمان أمكنت فيه الدعوة من ليل أو نهار. # وقوله تعالى: * (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) أي: فرارا من الإيمان. ~~PageV06P054 # * (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت) ~~وقوله: * (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم) أي: ms1839 ليؤمنوا فتغفر لهم، فكنى ~~بالمغفرة عن الإيمان؛ لأن الإيمان سبب المغفرة. # وقوله: * (جعلوا أصابعهم في آذانهم) يعني: فعلوا ذلك لئلا يسمعوا. # وقوله: * (واستغشوا ثيابهم) أي: تغطوا بثيابهم لئلا يروا نوحا، ولا ~~يسمعوا كلامه، وذكر النحاس قولا آخر وقال: إن معنى قوله: * (واستغشوا ~~ثيابهم) أي: أظهروا العداوة. # ويقال: لبس فلان ثياب العداوة على معنى إظهار العداوة. # وقوله: * (وأصروا) قال (أبو عبيد): [أي]: أقاموا عليه. # والإصرار أن يفعل الفعل ثم لا يندم. # وفي بعض الغرائب من الآثار؛ ' لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع ~~الاستغفار '. # وقوله: * (واستكبروا استكبارا) أي: تكبروا تكبرا. # وقد بينا أن الشرك وترك الإقرار بالتوحيد استكبار. # قوله تعالى: * (ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا) ~~فإن قيل: أليس قد دخل هذا في قوله تعالى: (رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا)؟ ~~قلنا: كلام بحيث يجوز أن يكون قال هذا على وجه التأكيد، والإعلان والجهر ~~بمعنى واحد، وهو كلام بحيث يسمع الجماعة، وأن الإسرار هو أن يقوله مع ~~الإنسان وحده في خلوة. # والجواب الثاني: أن معنى قوله: * (إني دعوت قومي ليلا ونهارا) إلى ~~التوحيد، وأما قوله: * (ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم ~~إسرارا) هو دعاؤه إياهم إلى الاستغفار لما يتلوه من بعد، وهو قوله تعالى: * ~~(فقلت استغفروا PageV06P055 # * (لهم وأسررت لهم إسرارا (9) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) ~~يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل ~~لكم أنهارا (12) ما لكم لا ترجون لله وقارا (13)). ربكم إنه كان غفارا). # وقوله: * (يرسل السماء عليكم مدرارا) أي: ليرسل. # ومدرارا، أي: متتابعا. # والسماء: المطر. # وقيل هو المطر في إبانه. # وفي بعض الأخبار: إذا أراد الله بقوم خيرا أمطرهم في وقت الزرع، وحبس ~~عنهم في وقت الحصاد، وإذا أراد بقوم سوءا أمطرهم في وقت الحصاد وحبس في وقت ~~الزرع. # وروى الشعبي أن عمر - رضي الله عنه - خرج (مرة) للاستسقاء فلم يزد على ~~الاستغفار ثم نزل. # فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنك لم تستسق! فقال: لقد طلبت ms1840 الغيث بمجاديح ~~السماء التي يستنزل بها المطر، وتلا قوله تعالى: * (استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا). # وقوله: * (ويمددكم بأموال وبنين) قال قتادة: علم أن القوم أصحاب دنيا، ~~فحركهم بها ليؤمنوا. # وعن بعضهم: أن الله تعالى أعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، وحبس عنهم المطر ~~أربعين سنة، فهو معنى قول نوح: * (يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال ~~وبنين). # وقوله تعالى: * (ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) أي: بساتين وأنهارا ~~تجري فيما بينها. # قوله تعالى: * (ما لكم لا ترجون لله وقارا) أي: تخافون لله عظمة وقدرة. # وقال قطرب: مالكم لا تبالون من عظمة الله تعالى. # وقيل: وقارا، أي: طاعة، ومعناه: مالكم لا ترجون طاعة الله، أي: لا ~~تستعملونها. # والقول الأول هو المعروف، ذكره الفراء والزجاج وغيرهما، وقد يذكر الرجاء ~~بمعنى الخوف؛ لأنه لا يكون الرجاء إلا ومعه خوف الفوت. PageV06P056 # * (وقد خلقكم أطوارا (14) ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (15) ~~وجعل القمر) قال الشاعر: # (إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب (عوامل)) وقال آخر: # (إذا أهل الكرامة أكرموني * فلا أرجو الهوان من اللئام). # أي: لا أخاف. # وقوله: * (وقد خلقكم أطوارا) قال أبو عبيدة: الطور: الحال. # وذكره ا بن الأنباري أيضا. # قال الشاعر: # (والمرء يخلق طورا بعد (أطوار *) ومعنى الحالات هاهنا: أنه خلقه نطفة ثم ~~علقة ثم مضغة ثم عظما ولحمها إلى أن أتم خلقه. # قوله تعالى: * (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا) قد بينا. # وقوله: * (وجعل القمر فيهن نورا) فإن قال قائل: القمر إنما خلق في سماء ~~الدنيا، فكيف قال: * (فيهن نورا)؟ # والجواب من وجوه: أحدهما: أنه يجوز في لسان العرب أن (يقال): فيهن نورا، ~~وإن كان في إحديهن، كالرجل يقول: توارى فلان في دور فلان، وإن كان توارى في ~~إحديها. # ويقول القائل: ونزلت على بني تميم، وإن كان نزل عند بعضهم. PageV06P057 # * (فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم ~~يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18). # والوجه الثاني: ما قاله عبد الله بن عمرو بن العاص أن وجه ms1841 القمر إلى ~~السماوات السبع وقفاه إلى الأرض، وكذا قال في الشمس، فعلى هذا قوله: * ~~(فيهن نورا) أي: نوره فيهن. # والوجه الثالث: أن السماوات في المعنى كشيء واحد، فقال: * (فيهن نورا) ~~لهذا، وإن كان في سماء واحد. # والوجه الرابع: أن معنى قوله: * (فيهن نورا) أي: معهن نورا. # قال امرؤ القيس: # (وهل ينعمن من كان آخر عهده * ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال) أي: مع ثلاثة ~~أحوال. # وقوله: * (وجعل الشمس سراجا) أي: فيهن، والمعنى ما بينا. # وعن عبد الله بن عمرو أيضا قال: ما خلق الله شيئا أشد حرارة من الشمس، ~~ولولا أن السماء تحول بين الأرض وبين ضوئها وإلا (لأحرقت) كل شيء في الأرض. # وروى أنه سئل لماذا يبرد الزمان في الشتاء، وبم يكون الحر في الصيف؟ ~~فقال: تكون الشمس في الصيف في السماء الدنيا، وفي الشتاء في السماء ~~السابعة. # قوله تعالى: * (والله أنبتكم من الأرض نباتا) يجوز في اللغة إنباتا و ~~نباتا. # وقيل: أنبتكم فنبتم نباتا. # وقوله: * (ثم يعيدكم فيها) أي: بالموت. # وقوله: * (ويخرجكم إخراجا) عند النشور. # قوله تعالى: (والله جعل لكم الأرض بساطا) أي: بسطها بسطا. PageV06P058 # * (والله جعل لكم الأرض بساطا (19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) قال نوح ~~رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) ومكروا مكرا ~~كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم لا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق) ~~وقوله: * (لتسلكوا منها سبلا فجاجا) أي: طرقا واسعة. # والسبيل قد يذكر ويؤنث. # قال الشاعر: # (تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد) أي: بواحد. # وقوله: * (قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا ~~خسارا) يعني: أن الضعفاء اتبعوا الأشراف والأكابر والرؤوس من الكفار الذين ~~لم تزدهم أموالهم وأولادهم إلا خسارا. # وقوله: * (ومكروا مكرا كبارا) أي: كبيرا، وكبار في اللغة أشد من الكبير. # وقوله: * (وقالوا لا تذرن آلهتكم) أي: لا تذروا آلهتكم، * (ولا تذرن) أي: ~~ولا تذروا * (ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) هذه الأسماء أسماء ~~أصنامهم التي كانوا يعبدونها. ms1842 # وفي التفسير: أن ودا كانت لكلب، والسواع كانت لهذيل، ويغوث كانت لبني ~~غطيف بن دارم، ويعوق كانت لهمدان، ونسرا كانت لحمير، وقد قيل على خلاف هذا. # وكانت بقية هذه الأصنام لهم من زمان نوح قد غرقت، فاستخرجها لهم إبليس ~~حتى عبدوها. # وعن أبي عثمان النهدي قال: كانت يغوث من رصاص رأيته، وكانوا يحملونه على ~~جمل أجرد إذا سافروا ولا يهيجون الجمل ويجعلونه قدامهم، فإذا برك في موضع ~~نزلوا، وقالوا: رضى ربكم بالمنزل. # وعن محمد بن كعب القرظي قال: هذه الأسماء أسماء قوم صالحين قبل نوح، فلما ~~ماتوا زين الشيطان لأبنائهم ليتخذوا أشخاصا على صورهم، فيكون نظرهم إليها ~~حثا لهم على العبادة، ثم إنهم عبدوها من بعد لما تطاول لهم الزمان. ~~PageV06P059 # * (ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) مما ~~خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) وقال ~~نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ~~ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27). # قوله تعالى: * (وقد أضلوا كثيرا) أي: ضل كثير من الناس بسببهم. # وقوله: * (ولا تزد الظالمين إلا ضلالا) دعا عليهم هذا الدعاء عقوبة لهم، ~~وهو مثل دعاء موسى على قوم فرعون * (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم). # قوله تعالى: * (مما خطيئاتهم) أي: من خطيئاتهم، * (أغرقوا فأدخلوا نارا) ~~يعني: أغرقوا في الدنيا، وأدخلوا نارا في الآخرة. # وقيل: هو في القبر. # وعن الحسن قال: البحر طبق جهنم. # وقيل: البحر نار ثم نار. # وقوله: * (فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا) أي: أحدا يمنعهم من عذاب ~~الله. # قوله تعالى: * (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) أي: ~~أحدا. # وقيل: ديارا أي: من ينزل دارا، مأخوذ من الدار. # وقوله: * (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) وهذا على ~~ما أخبره الله تعالى عنهم * (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) وعن ~~مجاهد: أن الرجل منهم كان يأتي نوحا فيضربه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: ms1843 ~~اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. # ثم إنه لما أخبر الله تعالى أنه لا يؤمن أحد منهم دعا عليهم. # وفي القصة: أن الرجل منهم كان يحمل ابنه على كتفه إليه ويقول: احذر هذا ~~الشيخ المجنون، فإن أبى أحذرني إياه كما حذرتك، ففعلوا كذلك حتى مضى سبعة ~~قرون، PageV06P060 # * (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد ~~الظالمين إلا تبارا (28)). فروى أن آخر من جاءه منهم قال كذلك لابنه، فقال ~~ذلك الصبي: أنزلني فأنزله، فجعل يرميه بالحجر حتى شجه، فغضب حينئذ ودعا ~~عليهم. # قوله تعالى: * (رب اغفر لي ولوالدي) قرأ سعيد بن جبير: ' لوالدي ' وفي ~~بعض القراءات: ' لوالدي '. # وقوله: * (ولمن دخل بيتي مؤمنا) أي: سفينتي. # وقيل: صومعتي. # وقيل: بيتي الذي أسكنه. # وقوله: * (وللمؤمنين) أي: لكل المؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة. # وقوله: * (ولا تزد الظالمين إلا تبارا) أي: هلاكا. PageV06P061 # بسم الله الرحمن الرحيم * (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن)) تفسير ~~سورة الجن وهي مكية قوله تعالى: * (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن) سبب ~~نزول هذه الآية ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ' أن النبي انطلق في نفر ~~من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، فمر بالنخلة، وقد كان الشياطين منعوا من ~~السماء، وأرسلت الشهب عليهم، فقالوا لقومهم: قد حيل بيننا وبين خبر السماء، ~~فقالوا: إنما ذلك لأمر حدث في الأرض. # وروى أنهم قالوا ذلك لإبليس، وأن إبليس قال لهم: اضربوا في مشارق الأرض ~~ومغاربها لتعرفوا ما الأمر الذي حدث؟ فمر نفر منهم نحو تهامة فرأوا النبي ~~يصلي بأصحابه صلاة الفجر ببطن نخلة، وهو يقرأ القرآن، فقالوا: هذا هو الأمر ~~الذي حدث، ورجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية '. # وقد روى البخاري في الصحيح نحوا (من رواية) ابن عباس. # وذكر ابن جريح في تفسيره عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن ابن مسعود ~~' أن النبي انطلق إلى الجن ليقرأ عليهم القرآن ويدعوهم إلى الله، فقال ~~لأصحابه: من يصحبني منكم؟ وفي ms1844 رواية: ليقم منكم رجل معي ليس في قلبه حبة ~~خردل من كبر. # فسكت القوم. # فقال ذلك ثانيا وثالثا، فقام عبد الله بن مسعود، قال ابن مسعود: فانطلقت ~~مع رسول الله قبل الحجون حتى دخلنا شعب أبي دب، فقال: فخط لي خطا فقال: لا ~~تبرح هذا الخط، ونزل عليه الجن مثل الحجل. # قال فقرأ عليهم PageV06P062 # القرآن وعلا صوته، فلصقوا بالأرض حتى لا أراهم ' وفي رواية: انهم قالوا ~~له: ' ما أنت؟ ما أنت؟ قال: نبي. # قالوا: ومن يشهد لك؟ فقال: هذه الشجرة، قال: فدعا الشجرة فجاءت تجر ~~عروقها، لها قعاقع، وشهدت الشجرة له بالنبوة، ثم عادت إلى مكانها ' وفي هذا ~~الخبر: ' أنهم سألوه الزاد فأعطاهم العظم والبعر، فكانوا يجدون العظم أوقر ~~ما يكون لحما، والبعر علفا لدوابهم، ونهى الرسول حينئذ الاستنجاء بالعظم ~~والروث '. # قال جماعة من أهل التفسير: أن أمر الجن كان مرتين، مرة بمكة ومرة ببطن ~~نخلة، فالذي رواه ابن عباس هو الذي كان ببطن نخلة، والذي رواه ابن مسعود هو ~~الذي كان بمكة، فأما الذي كان ببطن نخلة فإنهم مروا بالنبي واستمعوا ~~القرآن، وأما الذي كان بمكة فإن الرسول انطلق إليهم، وقرأ عليهم القرآن ~~ودعاهم إلى الإيمان، فهذا هو الجمع بين الروايتين. # وقد روى أن عبد الله بن مسعود رأى بالعراق قوما من الزط، فقال: أشبههم ~~بالجن ليلة الجن. # وفي رواية علقمة: أنه قال لعبد الله بن مسعود: هل كان منكم أحد مع رسول ~~الله ليلة الجن؟ قال: لا، ما شهده منا أحد، وساق خبرا ذكره مسلم في كتابه. # وفي الباب اختلاف كثير في الروايات، وأما ما ذكرناه هو المختصر منها، ~~ويحتمل أن ابن مسعود كان مع رسول الله ليلة الجن إلا أنه لم يكن معه عند ~~خطاب الجن وقراءة القرآن، عليهم، فإنه روى أنه قال: ' خط رسول الله لي خطا ~~وقال: لا تبرح هذا الخط وانطلق في الجبل، قال فسمعت لغطا وصوتا عظيما، ~~فأردت أن أذهب في أثره، فذكرت قول رسول الله: لا تبرح الخط فلم أذهب، فلما ~~رجع ms1845 ذكرت له ذلك، فقال لي: لو خرجت من الخط لم ترني أبدا '. # قوله تعالى: * (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن) قال الفراء: النفر ~~اسم لما بين الثلاثة إلى عشرة. # وحكاه ابن السكيت أيضا عن ابن زيد. # يقولون: عشرة نفر، ولا يقولون: عشرون نفرا، ولا ثلاثون نفرا. # وقد روى أنهم كانوا تسعة نفر، وذكروا أسماءهم، وقد بينا. # وروى عاصم عن زر أنه كان فيهم زوبعة. PageV06P063 # * (فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك ~~بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ربنا) وقوله تعالى: * (فقالوا إنا سمعنا ~~قرآنا عجبا) أي: عجبا في نظمه وتأليفه وصحة معناه، ولا يصح قوله: * (إنا ~~سمعنا) إلا بالكسر. # قوله: * (يهدي إلى الرشد) أي: إلى الصواب وطريق الحق. # وقوله تعالى: * (فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا) أي: لا نجعل أحدا من خلقه ~~شريكا له. # قوله تعالى * (وأنه تعالى جد ربنا) قرئ بالكسر والفتح، فمن قرأ بالكسر ~~فهو أن الجن قالوا، ومن قرأ بالفتح فنصبه على معنى: آمنا وأنه تعالى جد ~~ربنا، فانتصب بوقوع الإيمان عليه، والقراءة بالكسر أحسن القراءتين. # وقوله تعالى: * (جد ربنا) أي: عظمة ربنا، هذا قول قتادة وغيره. # والجد: العظمة، وهو البخت أيضا، وهو أب الأب. # وفي حديث أنس: كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا، أي: عظم ~~[فينا]. # وقوله عليه الصلاة والسلام: ' ولا ينفع ذا الجد منك الجد ' أي: لا ينفع ~~ذا البخت منك بخته إذا أردت به سوءا أو مكروها. # وعن الحسن قال: تعالى جد ربنا أي: غني ربنا. # وعن إبراهيم والسدي قالا: جد ربنا أي: أمر ربنا. PageV06P064 # * (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) ~~وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من) ~~وقوله تعالى: * (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) أي: زوجة وولدا. # قوله تعالى: * (وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا) فيه قولان: أحدهما: ~~أن السفيه هو إبليس عليه اللعنة، وهو قول مجاهد، والآخر: أنه ms1846 كل عاص متمرد ~~من الجن. # وقوله: * (شططا) أي: كذبا. # وقيل: جورا. # قوله تعالى: * (وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا) وقرأ ~~يعقوب: ' أن لن تقول الإنس والجن ' أي: لن تقول، معناه ظاهر، كأنهم ظنوا أن ~~كل من قال على الله شيئا فهو كما قال، وأنه لا (يجزى) الكذب على الله. # قوله تعالى: * (وأنه كان رجال من الإنس) فإن قال قائل: قد قرئ هذا كله ~~بالنصب، فما وجه النصب فيه؟ والجواب عنه: قد بينا وجه النصب فيما سبق، ~~وباقي الآيات نصبت بحكم المجاورة والعطف، أو بتقدير آمنا أو ظننا أو شهدنا، ~~والعرب قد تتبع الكلمة الكلمة في الإعراب بنفس المجاورة والعطف مثل قولهم: ~~جحر ضب خرب. # وقوله * (يعوذون برجال من الجن) في التفسير: أن الرجل كان يسافر والقوم ~~كانوا يسافرون، فإذا بلغوا مكانا قفرا من البرية وأمسوا قالوا: نعوذ بسيد ~~هذا الوادي من سفهاء قومه. # وحكى عن بعضهم - وهو السائب بن أبي كردم - أنه قال: انطلقت مع أبي في سفر ~~ومعنا قطعة من الغنم، فنزلنا واديا قال: فجاء ذئب وأخذ حملا من الغنم، فقام ~~أبي وقال: يا عامر الوادي، نحن في جوارك، فحين قال ذلك أرسل الذئب الحمل، ~~فرجع الحمل إلى الغنم فلم تصبه كدمة. # فإن قال قائل: كيف برجال من PageV06P065 # * (الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن ~~لن يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ~~الجن، والجن لا يسمون رجالا؟ والجواب: قلنا يجوز على طريق المجاز، وقد ورد ~~في بعض أخبار العرب في حكاية أن قوما من الجن قالوا: نحن أناس من الجن، ~~فإذا جاز أن يسموا أناسا جاز أن يسموا رجالا. # وأما قوله: * (فزادوهم رهقا) فيه قولان: أحدهما: إلا أن الإنس زادوا الجن ~~رهقا أي: عظمة في أنفسهم، كأن الإنس لما استعاذوا بالجن ازدادوا الجن في ~~أنفسهم عظمة. # والقول الثاني: هو أن الإنس ازدادوا رقها بالاستعاذة من الجن. # ومعناه: طغيانا وإثما، كأن الإنس لما استعاذوا بالجن وأمنوا ms1847 على أنفسهم ~~ازدادوا كفرا، وظنوا أن أمنهم كان من الجن. # وقيل: رهقا أي: غشيانا للمحارم. # وقيل: مفارقة اللائم. # قال الأعشى: # لا شيء ينفعني من دون رؤيتها * هل يشتفي عاشق ما لم يصب رهقا) قوله ~~تعالى: * (وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا) في الآية دليل على ~~أنه كان في الجن قوم لا يؤمنون بالبعث كما في الإنس. # قوله تعالى: * (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا) أي: ~~ملئت حرسا بالملائكة. # وقوله: * (شهبا) جمع شهاب، وهو قطعة من النار، وقد ذكرنا من قبل صورة ~~كيفية استراق الشياطين السمع من السماء، وأنهم كانوا يسمعون الكلمة فيضمون ~~إليها عشرة ويلقونها إلى الكهنة، فلما كان في زمان النبي حرست السماء، ورمى ~~الشياطين بالشهب. # فإن قال قائل: لم يزل هذا الأمر معهودا قبل الرسول، وهو انقضاض الكواكب، ~~وذكره شعراء الجاهلية في أشعارهم، وقال بعضهم. PageV06P066 # (* (8) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ~~(9) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10)). # (فانقض كالدري يتبعه * نقع (يثور) تخاله طنبا) (قاله لاقوه إلا وروى). # وإذا كان هذا أمرا معهودا في الجاهلية فما معنى تعليقه بنبوة محمد، ~~وعندكم أنه كان معجزة له وأساسا لنبوته؟ والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه ~~لم يكن هذا من قبل، وإنما حدث في زمان نبوة الرسول، والأشعار كلها منحولة ~~على الجاهلية، أو قالوها بعد مولده حين قرب مبعثه. # وذكر السدي: أن أول من تنبه للرمي بالشهب هو هذا الحي من ثقيف، فخافوا ~~خوفا شديدا وظنوا أن القيامة قد قربت، فجعلوا يعتقون العبيد ويسيبون ~~المواشي، فقال لهم ابن عبد يا ليل: لا تعجلوا، وانظروا إلى النجوم المعروفة ~~هل هي في أماكنها؟ فقالوا: هي في أماكنها. # قال: فإن هذا لأمر هذا الرجل الذي خرج بمكة. # والجواب الثاني - وهو الأصح - أن الرمي بالشهب قد كان من قبل، ولكنه لما ~~كان في زمان الرسول كثر وقوي. # قال معمر: قلت للزهري: أكان الرمي بالشهب قبل الرسول ms1848 في الجاهلية؟ قال: ~~نعم، ولكنه لما كان زمان الرسول كثر واشتد. # قوله تعالى: * (وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع) أي: مقاعد للاستماع. # وقوله: * (فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا) أي: يجد شهابا أرصد له ~~[وهيء] ليرمى به. # قوله تعالى: * (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا) أي: أريد بهم الصلاح في ذلك أو الفساد أو الخير أو الشر. PageV06P067 # * (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن ~~نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن ~~يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ~~فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (14). # قوله تعالى: * (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك) أي: سوى ذلك. # قال الحسن البصري: في الجن قدرية ومرئجة وروافض وخوراج، وغير ذلك من ~~الفرق، وفيهم العاصي والمطيع والمصلح، وغير ذلك من المؤمن والكافر. # وقوله: * (كنا طرائق قددا) أي: ذا أهواء مختلفة. # وقددا معناه: متفرقة. # قال الشاعر: # (القابض الباسط الهادي بطاعته * في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد) أي: ~~متفرقة. # قوله تعالى: * (وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض) معنى الظن هاهنا: ~~اليقين أي: أيقنا أن لن نعجزه في الأرض أي: لن نفوته، ولا يعجز عنا بأخذه ~~إيانا. # وقوله: * (ولن نعجزه هربا) قد بينا. # قوله تعالى: * (وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به) أي: بالهدى، والهدى هو ~~القرآن لأنه يهدي الناس. # وقوله: * (فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا) أي: نقصانا من حسناته ~~ولا زيادة في سيئاته. # وقيل: أي: ظلما. # قوله تعالى: * (وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون) أي: الجائرون هم ~~الكفار. # يقال: أقسط إذا عدل، وقسط إذا جار. # فمن أقسط مقسط، ومن قسط قاسط. # قال الفرزدق: # (قومي هم قتلوا ابن هند عنوة * عمرا وهم قسطوا على النعمان) PageV06P068 # * (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) وأن لو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا). # أي: جاروا. # وقوله: ms1849 * (فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا) أي: طلبوا الرشد (وتوخوا) له. # والمتحري والمتوخي بمعنى واحد. # وقوله: * (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) أي: الكافرون، وهو في معنى ~~قوله تعالى: * (وقودها الناس والحجارة). # قوله تعالى: * (وأن لو استقاموا على الطريقة) في الطريقة قولان: أحدهما: ~~أنها الإيمان، وهذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة وجماعة، وهو في معنى قوله ~~تعالى: * (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحتنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض ولكن كذبوا). # والقول الثاني: أن الطريقة هاهنا طريقة الكفر والضلالة، وهذا قول أبي ~~مجلز لاحق بن حميد من التابعين، وهو قول الفراء وجماعة، وهو في معنى قوله ~~تعالى * (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ~~سقفا من فضة) الآية. # فجعل تماديهم في الكفر سببا لتوسيع النعم عليهم، وكذلك قوله تعالى: * ~~(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء) الآية، ومعناه: أبواب كل ~~شيء من الخيرات والنعم. # قالوا: والقول الأول أولى؛ لأنه عرف الطريقة بالألف واللام، فينصرف إلى ~~الطريقة المعروفة المعهودة شرعا وهي الإيمان. # وقوله: * (لأسقيناهم ماء غدقا) أي: كثيرا. # تقول العرب: فرس غيداق إذا كان كثير الجري واسعة. # ومعناه: أكثرنا لهم المال والنعمة؛ لأن كثرة الماء سبب لكثرة المال. # وقوله: * (لنفتنهم فيه) أي: لنبتليهم فيه، ونختبرهم فيه. PageV06P069 # * (صعدا (17) وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18)). # واستدل بهذا من قال: إن معنى الطريقة هو الكفر والضلالة؛ لأنه قال: * ~~(ولنفتنهم فيه) وهذا لا يلزم من قال بالقول الأول؛ لأن كثرة النعم فتنة ~~للمؤمنين والكفرة جميعا. # وقوله: * (ومن يعرض عن ذكر ربه) أي: عن الإيمان بربه * (يسلكه عذابا ~~صعدا) أي: شاقا. # والعذاب الشاق هو النار، ومعناه: يدخله النار. # ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح. # أي شقت. # وعن ابن عباس: أن قوله: * (صعدا) هو جبل في جهنم. # وقيل: هو صخرة من نار يكلف الصعود عليها، فإذا صعد عليها وقع في الدرك ~~الأسفل. # قوله تعالى: * (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) اتفق القراء ms1850 على ~~فتح الألف في هذه الآية، وعلة النصب أن معناه: ولأن المساجد لله، ثم حذفت ~~اللام فانتصب الألف. # وقيل: انتصبت لأن معناه: أوحى إلي أن المساجد لله. وسبب نزول هذه الآية ~~أن الجن قالوا للنبي: نحن نود أن نصلي معك، فكيف نفعل ونحن ناءون عنك؟ ~~فأنزل الله تعالى قوله: * (وأن المساجد لله) ومعناه: أنكم إن صليتم ~~فمقصودكم حاصل من عبادة الله تعالى، فلا تشركوا به أحدا، وهو معنى قوله: * ~~(فلا تدعوا مع الله أحدا) ويقال: هو ابتداء كلام. # والمعنى: أن اليهود و النصارى يشركون في البيع والصوامع، وكذلك المشركون ~~في عبادة الأصنام، فأنتم أيها المؤمنون اعلموا أن الصلوات والسجود والمساجد ~~كلها لله، فلا تشركوا معه أحدا. # وفي المساجد أقوال: أحدها: أنها بمعنى السجود، وهي جمع مسجد. # يقال: سجدت سجودا ومسجدا والمعنى: أن السجود لله يعني: هو المستحق ~~للسجود. # والقول الثاني: أن المساجد هي المواضع المبنية للصلاة المهيأة لها، وهي ~~جمع مسجد، ومعنى قوله: * (لله) نفي الملك عنها، أو معناه: الأمر بإخلاص ~~العبادة فيها لله. # والقول الثالث: أن المساجد هي الأعضاء التي يسجد عليها الإنسان من جبهته ~~ويديه وركبتيه وقدميه، والمعنى: أنه لا ينبغي أن يسجد على هذه الأعضاء إلا ~~لله. PageV06P070 # * (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) قل إنما ~~أدعو ربي ولا أشرك به أحدا (20)). # وقد روى ابن عباس عن النبي أنه قال: ' أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وألا ~~أكف ثوبا ولا شعرا '. # قوله تعالى: * (وأنه لما قام عبد الله) فمن قرأ بالكسر ينصرف إلى قول ~~الجن، ومعناه: قال الجن: * (وإنه) وقيل: ينصرف إلى قول الله أي: قال الله ~~تعالى: وإنه لما قام عبد الله ومن قرأ بالفتح معناه: أوحى إلي أنه لما قام ~~عبد الله. # فعلى القول الأول قوله: * (كادوا يكونون عليه لبدا) ينصرف إلى أصحاب ~~النبي وعبد الله هو الرسول، والمعنى: أن الجن لما رأو النبي وأصحابه خلفه ~~وشاهدوا طواعيتهم له قالوا: كادوا يكونون عليه لبدا أي: يركب بعضهم بعضا من ~~الطواعية. # وعلى القول ms1851 الثاني المعنى: هو أن الله تعالى حكى عن الجن أن الرسول لما ~~قرأ القرآن عليهم - يعني: على الجن - كادوا يكونون عليه لبدا أي: على ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - أي: يركب بعضهم بعضا لحب الإصغاء إلى ~~قراءته والاستماع إليها. # ويقال: إن الرسول كان صلى بهم وازدحموا عليه، وكاد يركب بعضهم بعضا. # وفي بعض التفاسير: كادوا يسقطون عليه. # وأما على قراءة الفتح قوله: * (كادوا يكونون عليه لبدا) ينصرف إلى الجن ~~أيضا، و (هو) أظهر القولين أن الانصراف إلى الجن. # ومن اللبد قالوا: تلبد القوم إذا اجتمعوا، ومنه اللبد، لأن بعضه على بعض. # وقيل: كادوا يكونون عليه لبدا أي: تلبدت الجن والإنس واجتمعوا على أن ~~يطفئوا نور الله لما قام الرسول يدعوه أي: يدعو الله، وقرئ: ' لبدا ' أي: ~~كثيرا. # واللبد أيضا اسم آخر نسر من نسور (نعمان) بن عاد، وكان عاش سبعمائة سنة. # وقيل في المثل: طال لبد على أمد. # قوله تعالى: * (قل إنما ادعوا ربي) وقرئ: ' قال إنما ادعوا ربي ' في ~~التفسير: أن PageV06P071 # * (قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ~~ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ~~ورسوله) النضر بن الحارث قال للنبي: إنك جئت بأمر عظيم، وخالفت دين آبائك، ~~وأن العرب لا يوافقونك على هذا، فارجع إلى دين آبائك فأنزل الله تعالى ~~قوله: * (قل إنما ادعوا ربي) أي: أوحد ربي * (ولا أشرك به أحدا) أي: معه ~~أحدا. # ويقال: إن هذا قاله مع الجن، وهو نسق على ما تقدم. # قوله تعالى: * (قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا) يعني: لا أملك ذلك ~~بنفسي، وإنما هو من الله تعالى وبعونه وتوفيقه). # قوله تعالى: * (قل إني لن يجيرني من الله أحد) روى أن النضر بن الحارث ~~قال له: ارجع إلى دين آبائك ولا تخف من أحد، فإنا نجيرك ونمنعك، فأنزل الله ~~تعالى: * (قل إني لن يجيرني من الله أحد) أي: لن ينصرني ويمنعني من عذاب ~~الله أحد. # ويقال: إنه ms1852 خطاب الجن نسقا على ما تقدم. # وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس: أن ابن مسعود خرج مع النبي ليلة الجن، ~~فازدحم الجن على النبي وتعاووا عليه، فقال واحد منهم يقال له وردان: يا ~~محمد، لا تخف فأنا أجيرك منهم، فأنزل الله تعالى: * (قل إني لن يجيرني من ~~الله أحد). # وقوله: * (ولن أجد من دونه ملتحدا) أي: ملجأ. # وقيل: مهربا. # ويقال: متعرجا. # وقوله: * (إلا بلاغا من الله) أي: لا أملك شيئا من الضر والرشد إلا أن ~~أبلغ رسالة ربي أي: ليس بيدي إلا هذا وهذا التبليغ. # وقد قيل: ضرا ولا رشدا أي: لا أدفع عنكم ضرا، ولا أسوق إليكم خيرا، وليس ~~بيدي إلا أن أبلغ رسالة ربي. # وقوله: * (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) أي: ~~دائما. # قوله تعالى: * (حتى إذا رأوا ما يوعدون) أي: القيامة، قاله سعيد بن جبير ~~وغيره. # وقيل: العذاب في الدنيا، قاله قتادة وغيره. PageV06P072 # * (فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون ~~فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل ~~له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من ~~رسول فإنه يسلك من بين يديه) وقوله: * (فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا) ~~أي: وأقل جندا وأعوانا. # ويقال: معنى قوله: * (وأقل عددا) أي: في القيامة. # وفي التفسير: أن الله تعالى يعطي المؤمنين من الأزواج والولدان والحور ~~والقهارمة (و) وما يكثر عددهم ويزيدوا على أهل بلدة كثيرة من بلاد الدنيا، ~~فهو معنى قوله: * (فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا) فإن المشركين كانوا ~~يعيرون النبي والمؤمنين بقلة الناصر وقلة العدد، فقال: * (فسيعلمون من أضعف ~~ناصرا وأقل عددا) أي: في القيامة، وإذا وصل كل أحد إلى مستقره. # قوله تعالى * (قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا) أي: مدة ~~وغاية، والمعنى: لا أدري أنه يعجل لكم العذاب أو يؤخره، ويعجل لكم مدة ~~ومهلة. # وقد روى أن المشركين كانوا يستعجلونه ms1853 العذاب، ويقولون: إلى متى توعدنا ~~العذاب؟ فأين العذاب؟ فأمره الله تعالى أن يكل ذلك إلى الله تعالى، وأن ~~يقول: إنه بيد الله لا بيدي. # قوله تعالى: * (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) أي: هو عالم الغيب ~~فلا يظهر على غيبه أحدا * (إلا من ارتضى من رسول) فإنه يطلعه على غيبه بما ~~ينزله عليه من الآيات والبينات. # وقوله: * (فإنه يسلك من بين يديه) أي: يجعل من بين يديه * (ومن خلفه ~~رصدا) أي: حفظة. # وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: ملائكة يحرسونه. # وفي التفسير: أن الله تعالى ما بعث وحيا من السماء إلا ومعه ملائكة ~~يحرسونه. # فإن قال قائل: ومن ماذا يحفظونه ويحرسونه؟ والجواب: أن الحفظ والحراسة ~~لخطر شأن PageV06P073 # * (من خلفه رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم ~~وأحصى كل شيء عددا (28)). الوحي ولتعظيمه في النفوس، لا بحكم الحاجة إلى ~~الحراسة والحفظة. # يقال: إن الحفظ والحراسة من المسترقين للسمع، لئلا يسرقوا شيئا من ذلك ~~ويلقوه إلى الكهنة. # وقد ورد في الأخبار: ' أن الله تعالى لما أنزل سورة الأنعام بعث معها ~~سبعين ألف ملك يحرسونها '. # وفي الآية دليل على أن من قال بالنجوم شيئا وادعى علما من الغيب بجهتها ~~فهو كافر بالقرآن. # وقد قال بعضهم: الطرق والجبت والكهان كلهم مضللون ودون الغيب أشاروا. # وقد ورد في الأخبار: ' أن النبي نهى عن النظر في النجوم '. # والمعنى هو النظر فيها للقول بالغيب عنها، فأما النظر فيها للاهتداء أو ~~للاعتبار أو لمعرفة القبلة وما أشبه ذلك مطلق جائز. # وقوله تعالى: * (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) وقرئ: ' رسالة ربهم ' ~~وهي واحد الرسالات. # واختلف القول في قوله تعالى: * (ليعلم) فأحد الأقوال هو أن معناه: ليعلم ~~محمد أن الرسل الذين كانوا قبله قد أبلغوا رسالات ربهم على ما أنزل إليهم. # والقول الثاني: أنه منصرف إلى الجن. # وقرئ: ' ليعلم الجن أن قد أبلغ الرسل رسالات ربهم على ما أنزل إليهم '. # والقول الثالث: ليعلم المؤمنون. # والقول الرابع: ليعلم الله، أورده الزجاج وغيره. # فإن قال قائل: ms1854 ما معنى قوله: ليعلم الله، وهو عالم PageV06P074 # بالأشياء قبل كونها ووجودها؟ والجواب: أنا قد بينا الجواب فيما سبق في ~~مواضع كثيرة. # وقد قيل: ليعلم الله تعالى أن قد أبلغ الرسل رسالات ربهم شهادة ووجودا، ~~وقد كان يعلم ذلك غيبا. # وقوله: * (وأحاط بما لديهم) أي: أحاط علمه بما عندهم. # وقوله: * (وأحصى كل شيء عددا) أي: وأحصى كل شيء معدودا. # ويقال: عد كل شيء عددا، وهذا على معنى أنه لا يخفى على الله شيء كثير أو ~~قليل، جليل أو دقيق. # والله أعلم. PageV06P075 # بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2)). # تفسير سورة المزمل وهي مكية. # وعند بعضهم هي مكية إلا قوله تعالى: * (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ~~ثلثي الليل) إلى آخر السورة. # قوله تعالى: * (يا أيها المزمل) معناه: يا أيها المتزمل، أدغمت التاء في ~~الزاي، ومثله قوله تعالى: * (يا أيها المدثر) أي: يا أيها المتدثر، أدغمت ~~التاء في الدال. # قال ابن عباس: لما تراء له جبريل - صلوات الله عليه - في ابتداء الوحي ~~فرق منه فرقا شديدا، فرجع إلى بيته وتزمل بثيابه؛ فأنزل الله تعالى قوله: * ~~(يا أيها المزمل) ثم إن جبريل - علي السلام - أكثر المجيء إليه حتى أنس. # قال إبراهيم النخعي: وكان متزملا في قطيفة. # وعن الضحاك في قوله: * (يا أيها المزمل) يا أيها النائم. # وفي بعض الروايات أن جبريل - عليه السلام - جاء إليه وهو نائم، فقال: يا ~~أيها المزمل - أي النائم - قم، واتخذ لنفسك ظلا يوم لا ظل إلا ظله. # وفي بعض التفاسير عن عكرمة: * (يا أيها المزمل) يا أيها المتزمل بالنبوة. # وهو غريب. # وأنشد في المزمل: # (كأن ثبيرا في عرانين وبلة * كبير أناس في بجاد مزمل). # وقرئ في الشاذ: ' يا أيها المزمل '. # وقوله: * (قم الليل إلا قليلا) أي: إلا شيئا يسيرا منه. # قال الكلبي: هو الثلث، ومعناه: قم (ثلثي) الليل. # وعن وهب بن منبه: إلا PageV06P076 # * (نصفه أو انقص منه قليلا (3) أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4)). ~~قليلا هو دون السدس. # وقوله: * (نصفه) يدل على الليل ms1855 أي: قم نصفه إلا قليلا. # وقيل في القليل على هذا القول: نصفه السدس. # وقوله: * (أو انقص منه قليلا) أي: من النصف إلى الثلث. # وقوله * (أو زد عليه) أي: زد على النصف إلى الثلثين. # والمعنى من الآية: إيجاب القيام عليه مع توسيع الأمر في المقدار. # وذكر النقاش أن قوله: ' نصفه ' معناه: أو نصفه. # وقوله: * (ورتل القرآن ترتيلا) أي: بينه تبيينا. # قال الضحاك: حرفا حرفا. # وحقيقة الترتيل هو الترسل في القراءة وإلقاء الحروف حقها من الإشباع بلا ~~عجل ولا (هذرمة). # وروى أبو جمرة عن ابن عباس قال: لأن أقرأ سورة البقرة أرتل ترتيلا أحب ~~إلي من أن أقرأ جميع القرآن هذرمة. # وعن أنس أنه سئل عن قراءة النبي فقال: ' كان يمد مدا '. # وفي الحكايات عن صدقة المقابري أنه قال: قمت ليلة وقرأت أحدر حدرا فرأيت ~~في المنام كأني أزرع شعيرا، ثم رتلت فرأيت في المنام كأني أزرع حنطة، ثم ~~حققت فرأيت في المنام كأني أزرع سمسما. # وقد صح برواية سعد بن هشام أنه قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: أخبريني ~~عن قيام رسول الله بالليل. # فقالت: ألست تقرأ سورة المزمل؟ قلت: نعم. # قالت: PageV06P077 # * (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) إن ناشئة الليل هي أشد وطئا) ' فرض ~~الله تعالى قيام الليل على النبي وأصحابه، فقاموا سنة حتى تورمت أقدامهم، ~~ثم أنزل الله تعالى قوله: * (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل) ~~فنسخ قيام الليل '. # وفي هذا الخبر أنه أنزل أول السورة وأمسك خاتمتها سنة. # وفي بعض الروايات: ستة عشر شهرا. # وفي بعض الغرائب من الروايات: عشر سنين. # قوله تعالى: * (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) قال الحسن: ثقيلا العمل به. # وقال الزجاج: هو الصلاة والصيام وسائر الأوامر والنواهي، لا يفعلها ~~الإنسان إلا بتكلف يثقل عليه. # وعن قتادة قال: ثقيل والله حدوده وفرائضه. # وقيل: ثقيلا في الميزان يوم القيامة، قاله الحسن في إحدى الروايتين. # وقال الفراء: هو قول ثقيل، أي: ليس بخفيف ولا بسفساف، وهو ثقيل، أي: له ~~وزن بصحته وبيانه وتقشعه. # يقال: هذا ms1856 كلام رزين صين أي: ليس بقول لا معنى له. # قوله تعالى: * (إن ناشئة الليل) روي عن ابن عباس وابن الزبير ومجاهد ~~وسعيد ابن جبير: أنه الليل كله. # وعن ابن عمر وأنس: هو ما بين المغرب والعشاء. # وعن الكسائي: أول الليل. # وعن بعضهم: من صلاة العشاء الأخيرة إلى الصبح، قاله الحسن والحكم بن ~~عتيبة. # وعن ابن الأعرابي: هو أن يستيقظ بعد أن ينام. # وناشئة الليل: ساعات الليل، وحقيقته هي أن ساعات الناشئة من الليل، أي: ~~التي ينشأ بعضها في إثر بعض. # وقوله: * (هي أشد وطئا) وقرئ: ' وطاء ' أما قوله: * (وطأ) قال الأخفش ~~سعيد ابن مسعدة: أشد قياما. # والوطء في اللغة هي الثقل. # قال النبي ' اشدد وطأتك على مضر '. # يقال: اشتد وطء السلطان في بلد كذا، أي: ثقله. # فعلى هذا معنى PageV06P078 # * (وأقوم قيلا (6) إن لك في النهار سبحا طويلا (7)). # قوله: * (أشد وطئا) أي: ثقلا. # والمعنى: أنه أثقل على البدن؛ لأنه وقت الراحة والسكون، فيكون القيام فيه ~~أثقل، وإذا كان القيام أثقل فالثواب أعظم، فإن الجهد إذا كان أشد، والعمل ~~أتعب، فالثواب أكبر، وهو المراد بالآية في هذه القراءة. # وأما القراءة الثانية أي: أشد مواطأة، ومعناه: موافقة بين السمع والبصر ~~والقلب، وذلك لقلة الحركات وهدء الأصوات، فإن بالنهار تكون العين مشتغلة ~~بالنظر، والأذن بالسمع، والقلب مشتغل بالتصرفات، فلا تقع الموافقة ~~بالاستماع والتفهم. # قال الفراء: * (أشد وطأ) أي أجدر أن تحصوا مقادير قيامكم لفراغ قلوبكم. # وقوله: * (وأقوم قيلا) قال الكلبي ومقاتل: أبين قولا. # وعن أنس أنه قرأ قوله: * (أشد وطاء) ' أهيأ وطاء ' وهو قريب المعنى من ~~الأول. # وعن ابن مسعود أنه قال: ناشئة الليل هو جميع الليل بالحبشية، وهي معربة. # قوله تعالى: * (إن لك في النهار سبحا طويلا) أي: فراغا طويلا للاستراحة. # وقال ابن قتيبة: سبحا طويلا، أي: تصرفا وإقبالا وإدبارا في أمورك. # وقرأ يحيى بن يعمر ' سبخا طويلا ' بالخاء المعجمة. # قال ثعلب: السبح هو الاضطراب، والسبخ هو السكون. # ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة - رضي الله عنها - في السارق منها: ~~' لا تستبخي برأيك ms1857 عليه '، أي: لا تخففي. PageV06P079 # * (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرني) ~~وقوله: وقوله * (واذكر اسم ربك) قال مقاتل: إذا قرأت فقل: بسم الله الرحمن ~~الرحيم عند افتتاح السورة. # وقيل: اذكر ربك. # وقوله: * (وتبتل إليه تبتيلا) أي: انقطع إليه انقطاعا. # ومنه العذراء البتول لمريم، أي: المنقطعة إلى الله تعالى في النسك. # وكذلك الزهراء البتول لفاطمة، أي: المنقطعة عن أقرانها في الفضل، ومنه ~~صدقة بتلة، أي: منقطعة خارجة من مال المتصدق بها. # وقيل: * (وتبتل إليه تبتيلا) أي: أخلص له إخلاصا. # وذكر النقاش عن محمد بن علي الباقر: أنه رفع اليدين في الصلاة. # وعن زيد بن أسلم: أنه رفض الدنيا، وطلب ما عند الله تعالى. # قوله تعالى: * (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا) قال ~~الفراء: كفيلا. # وقيل: إلها. # وقيل: كل أمورك. # قوله تعالى: * (واصبر على ما يقولون) وهذا في ابتداء الإسلام قبل نزول ~~آية السيف، وكذلك قوله تعالى: * (واهجرهم هجرا جميلا) وقد نسخ بآية السيف. # والهجر الجميل قيل: هو الذي لا جزع فيه. # قوله تعالى * (وذرني والمكذبين) فإن قال قائل: أيش معنى قوله: * (وذرني ~~والمكذبين) ولا حائل يحول عنهم؟ # والجواب: أن العرب تقول ذلك وإن لم يكن ثم حائل ولا مانع على ما بينا. # وقوله: * (أولي النعمة) أي: التنعم. # وفي بعض الأخبار عن النبي قال: ' إن PageV06P080 # * (والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما (12) ~~وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13)). عباد الله ليسوا بمتنعمين '. # وقوله: ومهلهم قليلا) أي: أمهلهم مدة قليلة. # قالت عائشة رضي الله عنها: لم يكن بين نزول هذه الآية ووقعة بدر إلا شيئا ~~(يسيرا). # وقد قيل: إن الآية نزلت في بني المغيرة، وهو مغيرة بن عبد الله بن عمر بن ~~مخزوم. # ويقال: إنها نزلت في اثني عشر رهطا من قريش، هم المطعمون يوم بدر. # قوله تعالى: * (إن لدينا أنكالا) أي: قيودا. # وقالت الخنساء: # (دعاك فقطعت أنكاله * ولولاك يا صخر لم تقطع). ms1858 # وقال أبو عمران الجوني: إن لدينا أنكالا أي: اللجم من النار. # وقوله: * (وجحيما) قد بينا. # وقوله: * (وطعاما ذا غصة) قال مجاهد: هو الزقوم، وقيل: هو شوك يحصل في ~~الحلق، فلا ينزل ولا يخرج. # وقيل: هو الضريع. # وفي الحكايات أن الحسن البصري طوى ثلاث ليال ولم يفطر، وكان كلما قدم ~~إليه الطعام ذكر هذه الآية فيأمر برفعه، حتى أكره من بعد على شربة سويق. # وقد ورد في بعض الغرائب من الأخبار ' أن النبي قرئ عنده هذه الآية فصعق ~~صعقة '، PageV06P081 # * (يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) إنا أرسلنا ~~إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) فعصى فرعون ~~الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان ~~شيبا (17)). وهو غريب جدا. # قوله: * (وعذابا أليما) أي: موجعا. # وفي بعض الأخبار أن الله تعالى يحب النكل على النكل. # أي: الرجل القوي المجرب على الفرس المجرب. # قوله تعالى: * (يوم ترجف الأرض والجبال) أي: تتزلزل، ومنه الرجفة، أي: ~~الزلزلة. # وقوله: * (وكانت الجبال كثيبا مهيلا) أي: رملا سائلا. # ويقال: المهيل هو الذي إذا أخذ الطرف منه انهال الطرف الآخر. # قوله تعالى: * (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم) وهو محمد. # وقوله تعالى: * (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا) هو موسى صلوات الله عليه. # وقوله: * (فعصى فرعون الرسول) أي: خرج عن أمره. # وقوله: * (فأخذناه أخذا وبيلا) أي: شديدا. # يقال: طعام وبيل إذا أكله الإنسان فلم يستمرئه. # وقيل وبيلا: ثقيلا. # قوله تعالى: * (فكيف تتقون إن كفرتم يوما) أي: كيف تتقون [إن كفرتم من ~~عذاب يوم؟] ثم وصف اليوم فقال: * (يجعل الولدان شيبا) وهذا على طريق كلام ~~العرب في ذكر شدة اليوم، فإنهم يقولون: هو يوم تشيب [فيه] النواصي، ويوم ~~يبيض فيه القار. # فالمراد من الآية هو الإخبار عن شدة الأمر. # وفي التفسير: أنه يشيب فيه ولدان الكفار لا ولدان المؤمنين. PageV06P082 # * (السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ~~ربه سبيلا (19) إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ms1859 ~~وطائفة من) وقوله: * (السماء منفطر به) قد ورد عن كثير من السلف أن قوله: * ~~(منفطر به) أي: بالله، وهو نزول يوم القيامة لفصل القضاء بلا كيف. # وقيل: السماء منفطر به أي: فيه، يعني أن السماء منشقة في يوم القيامة. # ذكره أبو جعفر النحاس، وذكر أنه أحسن المعاني. # وقوله: * (كان وعده مفعولا) أي: متحققا كائنا لا محالة. # قوله تعالى: * (إن هذه تذكرة) أي: السورة تذكرة عبرة عظة. # قوله: * (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) أي: طريقا ووجهة إلى الله تعالى. # قوله تعالى: * (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه) وقرئ: ' ~~ونصفه ' فمن قرأ بفتح الفاء نصبه على تفسير الأدنى، ومن قرأ بكسر الفاء، ~~أي: أدنى من نصفه. # وقوله: * (وثلثه) معطوف [على] النصف في القراءتين. # وقوله: * (وطائفة من الذين معك) قد بينا أن النبي وأصحابه قاموا حولا حتى ~~تورمت أقدامهم. # وفي التفسير: أنهم كانوا يقومون جميع الليل مخافة أن ينقصوا من المقدار ~~المفروض. # واختلف القول في أنه كان القيام مفروضا على النبي وجميع أصحابه أو على ~~النبي وحده؟ # ففي أحد القولين: أنه كان مفروضا عليه وعلى جميع أصحابه. # وفي قول آخر: كان مفروضا عليه وحده [ذكره] أبو الحسن الماوردي، وذكر أيضا ~~قولين في أنه هل بقي عليه قيام الليل بعد النسخ؟ PageV06P083 # * (الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ~~فاقرءوا ما تيسر من القرآن) فأحد القولين: أن النسخ كان في حق الصحابة، ~~وأما في حقه بقي إلى أن توفاه الله تعالى. # والقول الثاني: أنه صار منسوخا في حقه والصحابة جميعا، وإنما بقي التنفل ~~والتطوع به فحسب. # وقوله: * (والله يقدر الليل والنهار) أي: لا يفوت عن علمه ساعات الليل ~~والنهار، فيعلم ما يقومون من ذلك وما يتركون. # وقوله: * (علم أن لن تحصوه) أي: لن [تطيقوه]. # والمعنى: أنه يشق عليكم معرفة مقدار المفروض والقيام بالأمر، وذلك لأن ~~الإنسان إذا نام ثم استيقظ لا يدري وكم نام وكم بقي من الليل، وقد كان الله ~~تعالى فرض قيام الليل ms1860 على مقدار معلوم، وهو لا ينقص من الثلث، ويبلغ ~~الثلثين إن أراد. # وقوله: * (فتاب عليكم) أي: نسخة عليكم ورفضه، ومعنى التوبة هو الرفع ~~والعفو هاهنا. # وقوله: * (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) فيه قولان: # أحدهما: صلوا ما تيسر من (الصلاة)، وهذا على طريق النافلة والتطوع لا على ~~طريق الفرض. # وقال الحسن وقتادة: يجب قيام الليل ولو حلب شاة لهذه الآية. والأصح هو ~~القول الأول؛ ' لأنه قد ثبت أن النبي جاءه أعرابي ثائر الرأس يسمع دوي ~~صوته، ولا يفهم ما يقول... الخبر إلى أن قال: هل على غيرهن؟ قال: لا، إلا ~~أن PageV06P084 # * (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله) تطوع '. # فدل هذا الخبر أن قيام الليل ليس بمفروض، وفيه إجماع. # والقول الثاني: [أن] قوله: * (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) أي: فاقرءوا في ~~الصلاة ما تيسير من القرآن من غير توقيف ولا تقدير. # وهذا على قول الشافعي وعامة العلماء فيما وراء الفاتحة. # وقد ذكر أبو [الحسن] الدارقطني في كتابه بإسناده عن قيس بن أبي حازم أنه ~~قال: صليت خلف ابن عباس فقرأ الفاتحة في الركعة الأولى، وقرأ الآية الأولى ~~من سورة البقرة، ثم قام في الركعة الثانية وقرأ الفاتحة والآية الثانية من ~~سورة البقرة، فلما فرغ قرأ قوله تعالى: * (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) ~~يعني: أنه الذي تيسر. # قال علي بن عمر وهو الدارقطني: هو دليل على قول من يقول أن ما تيسير هو ~~ما وراء الفاتحة. # وقوله: * (علم أن سيكون منكم مرضى) أي: (ذوو) مرض. # قوله: * (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) أي: التجار وسائر ~~المسافرين. # وقوله: * (وآخرون يقاتلون في سبيل الله) أي: الغزاة. # والكل بيان وجوه المشقة في قيام الليل. PageV06P085 # * (فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا ~~واستغفروا ا لله إن الله غفور رحيم (20)). # وقوله: * (فاقرءوا ما تيسر منه) معناه على ms1861 ما بينا. # وقوله: * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) أي: الصلوات الخمس المفروضة، ~~والزكاة المفروضة. # وقيل بأن الزكاة هاهنا: زكاة الرؤوس، وهي زكاة الفطر. # وقيل: * (وأقرضوا الله قرضا حسنا) قد ذكرنا من قبل. # وقيل: هو جميع النوافل ووجوه الصلاة. # وقيل: هو قوله: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. # ويقال: إنه النفقة على الأهل. # وقوله: * (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) أي: ثوابه عند الله ~~يوم القيامة. # وقوله: * (هو خيرا وأعظم) نصبه على أنه مفعول ثان من تجدوه. # وقيل: هو فصل كلام، ذكره الأزهري. # وقوله: * (وأعظم أجرا) معطوف على الأول. # وقوله: * (واستغفروا ا لله إن الله غفور رحيم) ظاهر المعنى والله أعلم. ~~PageV06P086 # تفسير سورة المدثر وهي مكية وذكر جابر بن عبد الله أنها أول سورة أنزلت ~~من القرآن. # وروى أن النبي قال: ' جاورت بحراء شهرا، فلما نزلت واستبطنت الوادي نوديت ~~يا محمد، فنظرت من قدامي وخلفي ويميني وشمالي فلم أر أحدا، فنوديت ثم نوديت ~~ثم نوديت، فرفعت رأسي فإذا هو في العرش في الهواء. # يعني جبريل عليه السلام، فجئثت منه فرقا، فرجعت إلى البيت وقلت: زملوني ~~دثروني '. # وفي رواية: ' صبوا علي ماء باردا، ثم جاءني جبريل فقال: * (يا أيها ~~المدثر قم فأنذر). # ومن المعروف أن أول ما نزل من القرآن سورة اقرأ، ونبين من بعد ويمكن ~~الجمع بين الروايتين فيقال: إن سورة اقرأ أول ما نزل من القرآن حين بدئ ~~بالوحي، وسورة المدثر أول ما نزل بعد فتور الوحي، والله أعلم. PageV06P087 # بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها المدثر (1) ثم فأنذر (2)). # قوله تعالى: * (يا أيها المدثر) معناه: يا أيها المتدثر، مثل قوله: * (يا ~~أيها المزمل) أي: المتزمل. # والفرق بين الشعار والدثار، أن الشعار هو الثوب الذي يلي جلد الإنسان، ~~والدثار هو الثوب الذي فوق ذلك. # وقد روى معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول ~~الله يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: ' بينما أنا أمشي سمعت صوتا من ~~السماء، فرفعت رأسي، ms1862 فإذا الملك الذي جاءني بحراء [جالسا] على كرسي بين ~~السماء والأرض، فجئثت منه رعبا، فرجعت وقلت: زملوني دثروني، فأنزل الله ~~تعالى: * (يا أيها المدثر)، وهذا خبر متفق على صحته. # قال رضي الله عنه: أخبرنا به أبو محمد عبد الله بن محمد ابن أحمد، أخبرنا ~~أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا ~~[العذافري]، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أخبرنا عبد الرزاق عن معمر... ~~الخبر. # قوله تعالى: * (قم فأنذر) قال أبو الحسين بن فارس: القيام في لغة العرب ~~على وجهين: قيام جد وعزم، وقيام انتصاب، فقيام الانتصاب معلوم، وقيام الجد ~~والعزم فهو مثل قول الشاعر: # (قد رضيناه فقم فسمه *) قاله لبعض الخلفاء في بعض ولاة العهد. # وقال الضحاك: كان النبي قائما فنزل PageV06P088 # * (وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4)). * (يا أيها المدثر) أي: النائم. # * (قم فأنذر) أي: قم من النوم وأنذر الناس. # وقوله: * (وربك فكبر) أي: عظمه، ودخلت الفاء بمعنى جواب الجزاء. # وقيل: ربك فكبر، أي قل: الله أكبر. # وقوله: * (وثيابك فطهر) قال مجاهد وقتادة معناه: لا تلبسها على غدر ~~وفجور. # وقال السدي: وعملك فأصلح. # وقال الشاعر في القول الأول: # (وإني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست ولا من غدرة أتقنع) وقال السدي: تقول ~~العرب فلان نقي الثياب إذا كانت أعماله صالحة، وفلان دنس الثياب إذا كانت ~~أعماله خبيثة. # وقيل: ' وثيابك فطهر ' أي: قلبك فأصلح. # قال امرؤ القيس: # (فإن يك قد ساءتك مني خليقة * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل) وقال طاوس: ~~وثيابك فطهر، أي: قصر، فإن الثوب إذا طال انجر على الأرض فيصيبه ما ينجسه. # وقال عمر في رجل يجر ثيابه: قصر من ثيابك فإنه أنقى وأبقى وأتقى. # وعن ابن سيرين في قوله: * (وثيابك فطهر) أي: [اغسلها]، من النجاسات. # وهو قول مختار عند الفقهاء. # وذكر الزجاج أن التطهير هو التقصير على ما ذكرنا عن طاوس. # وقيل: ونساءك فأصلح، أي: تزوج المؤمنات العفيفات. # وقد بينا أن اللباس يكنى PageV06P089 # * (والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) فإذا نقر في ~~الناقور ms1863 (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكافرين غير يسير (10)). به عن ~~النساء، فكذلك يجوز في الثياب. # وقوله: * (والرجز فاهجر) قال مجاهد وإبراهيم معناه: فاهجر، أي: ابعد، ~~والقول الثاني: في الأوثان فاهجر، وهو قول معروف. # وقد قرئ: ' والرجز فاهجر ' لهذا المعنى. # وقال الفراء: الرجز والرجز بمعنى واحد. # وقيل: الرجز هو الرجس، يعني: اجتنب الرجاسات والنجاسات. # وعلى هذا القول أبدلت السين بالزاي. # ويقال: الرجز هو العذاب، والمعنى: اجتنب ما يؤدي إلى العذاب. # وقوله * (ولا تمنن تستكثر) وقرأ ابن مسعود: ' ولا تمنن أن تستكثر '. # قال الكسائي: سقطت ' أن ' فارتفع. # وقال الحسن معناه: لا تمن بعطائك على أحد. # وذكر الاستكثار لأنه إنما يمن إذا رآه كثيرا. # والقول المعروف: لا تعط أحدا لتعطي أكثر مما تعطي. # قال إبراهيم: وهذا في حق النبي خاصة؛ لأن الله تعالى أمره بأشرف الآداب ~~وأجل الأخلاق، فأما في حق غيره فلا بأس به. # رواه المغيرة بن مقسم الضبي عن إبراهيم. # وقد حكى هذا الذي قلناه عن غير إبراهيم. # وقوله: * (ولربك فاصبر) قال مجاهد: على ما أوذيت. # وقيل: على الحق وإبلاغ الرسالة. # وعن إبراهيم قال: ولربك فاصبر حتى تثاب على عملك. # أورده النحاس عنه. # قوله تعالى * (فإذا نقر في الناقور) أي: الصور. # ويقال: هو النفخة الأولى. # ويقال: هو الثانية. # وقد روى أن زرارة بن أبي أوفى كان يصلي بقوم فقرأ: * (فإذا نقر في ~~الناقور) فخر مغشيا [عليه]. # وقيل: إنه شبه البوق. # وقوله: * (فذلك يومئذ يوم عسير) أي: شديد * (على الكافرين غير يسير) أي: ~~PageV06P090 # * (ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا ~~(13)). غير هين ولا لين. # * (قوله تعالى: * (ذرني ومن خلقت وحيدا) قوله: * (ذرني) معناه: دعني. # وقد بينا وجه ذلك. # وقوله: * (وحيدا) فيه قولان: أحدهما: خلقته وحده لا مال له ولا ولد. # والثاني: خلقته وحدي لم يشركني في خلقه غيري، وهو الوليد بن المغيرة على ~~قول أكثر المفسرين. # وقوله: * (وجعلت له مالا ممدودا) فيه أقوال كثيرة: أحدها: أنه ألف دينار، ~~قاله ابن عباس وعن سفيان: أربعة آلاف دينار، وقال قتادة: ستة ms1864 آلاف دينار. # وعن مجاهد في بعض الروايات: مائة ألف دينار. # والقول الأول معروف؛ لأن الحساب يمتد إليه فيقطع. # وعن عمر بن الخطاب: غلة شهر بشهر. # وقد ورد أنه كان له بستان بالطائف لا ينقطع دخله شتاء ولا صيفا. # ويقال: هو المال الذي يستوعب جميع وجوه المكاسب من التجارة والزرع والضرع ~~وغير ذلك. # وعن ابن عباس في بعض الروايات: كانت له الإبل المؤبلة والخيل المسومة ~~والأنعام من الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة وغير ذلك. # قوله تعالى: * (وبنين شهودا) في التفسير: أنه كان له [عشرة] بنين، وقيل: ~~ثلاثة عشر. # وقيل: غير ذلك. # وقوله: * (شهودا) أي: حضور لا يغيبون عنه لحاجة أو لخوف. # (رواه مسلم). PageV06P091 # * (ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا ~~(16) سأرهقه صعودا (17)). # [و] من بنيه أسلم اثنان: خالد بن الوليد، وهشام بن الوليد، والباقون ~~ماتوا في الجاهلية. # وقوله: * (ومهدت له تمهيدا) التمهيد هو التهيئة والتوطئة. # وقيل: وسعت عليه الأمر توسيعا. # (ويقال): بسطت له ما بين اليمن والشام. # أي: في التجارة. # وقيل: التمهيد هو تيسير أسباب المعيشة، كأنه كان يتيسر عليه كل ما كان ~~يطلبه ويريده من أسبابها. # وقوله: * (ثم يطمع أن أزيد) وروى أن النبي لما ذكر ما أعد الله تعالى ~~للمسلمين من نعيم الجنة، قال الوليد بن المغيرة: أنا أيسركم وأكثركم بنين، ~~فأنا أحق بالجنة منكم، فأنزل الله تعالى: * (ثم يطمع أن أزيد كلا) أي: لا ~~أزيد. # وقيل هذا في الدنيا، وقد أعسر من بعد واحتاج. # وقوله: * (إنه كان لآياتنا عنيدا) أي: معاندا. # وقيل: جاحدا. # وقوله: * (سأرهقه صعودا) الإرهاق في اللغة: هو حمل الرجل على (الشيء). # وقوله: * (صعودا) روى أبو سعيد الخدري عن النبي قال: ' هو جبل من نار ~~يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوى به كذلك فيه أبدا '. # ذكره أبو عيسى الترمذي في كتابه، وروى أنه صخرة من نار إذا وضع يده عليها ~~ذابت، وإذا رفعها عادت. PageV06P092 # * (إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ~~ثم عبس و بسر (22)). # قال ms1865 الكلبي: يجر من قدامه بالسلاسل ويضرب من خلفه بالمقامع فإذا صعد ~~عليها هوى هكذا أبدا. # ويقال الصعود: العقبة الشاقة. # وهذا القول قريب مما ذكرنا. # قوله تعالى: * (إنه فكر) أي: تدبر. # وقوله: * (وقدر) هو بمعنى التفكر أيضا. # وقوله: * (فقتل كيف قدر) أي: لعن كيف قدر. # قال صاحب النظم معناه: لعن على أي حال قدر ما قدر. # وقوله: * (ثم قتل كيف قدر) على وجه التأكيد، ومعناه ما بينا. # وقوله: * (ثم نظر) أي: برأيه وعقله في أمر النبي. # وروى إسحاق [بن] إبراهيم الحنظلي في كتابه بإسناده عن مجاهد أن المشركين ~~اجتمعوا عند الوليد بن المغيرة وقالوا: هذا الموسم يأتي ويقدم فيه الناس، ~~ويسألوننا عن هذا الرجل، فإن سألونا نقول: إنه شاعر. # فقال الوليد: إنهم يسمعون كلامه ويعلمون أنه ليس بشاعر. # فقالوا: نقول: إنه مجنون: فقال: إنهم يسمعون حديثه فيعلمون أنه عاقل. # فقالوا: نقول إنه كاهن. # فقال: إنهم قد رأوا الكهنة فيعلمون أنه ليس بكاهن. # قالوا: فماذا نقول؟ فحينئذ فكر وقدر ونظر. # وقوله تعالى: * (ثم عبس و بسر) أي: قطب وجهه. # يقال للقاطب: وجهه باسر. # وقيل: العبوس بعد المحاورة، والبسور قبل المحاورة. # والأصح أنهما بمعنى واحد، وإنما قال ذلك؛ لأن الإنسان إذا أهمه الأمر، ~~وجعل يتفكر فيه، ويؤتى بعبس وجهه كالمتكاره بشيء. # ثم إن الوليد لما فعل جميع ما فعل للقوم [قال]: قولوا: إنه ساحر؛ فإن ~~الساحر يبغض بين المتحابين، ويحبب بين PageV06P093 # * (ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول ~~البشر (25) سأصليه سقر (26) وما أدراك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28)). # المتباغضين، وإن محمدا كذلك، فخرجوا واجتمعوا على هذا القول، وجعلوا ~~يقولون لكل من يلقاهم: إنه ساحر، فهو معنى قوله تعالى: * (فقال إن هذا إلا ~~سحر يؤثر) أي: القرآن. # وقوله: * (يؤثر) أي: يأثره عن غيره. # كانوا يقولون: إنه يتعلم من غلام ابن الحضرمي، وقيل غيره. # وقوله: * (ثم أدبر واستكبر) أي: تولى وتكبر. # قوله: * (إن هذا إلا قول البشر) أي: القرآن قول البشر، ليس بقول الله ~~تعالى. # وقوله تعالى: * (سأصليه ms1866 سقر) سأدخله، وسقر اسم من أسماء جهنم. # قال ابن عباس: هو الدرك الخامس، والدركات سبع كلها في القرآن: جهنم لظى، ~~والجحيم، وسقر، وسعير، والهاوية، والحطمة. # وقوله: * (وما أدراك ما سقر) قاله تعظيما لأمر السقر. # وقوله: * (لا تبقي ولا تذر) قال مجاهد: لا تبقى حيا فيستريح، ولا ميتا ~~فيتخلص، وهو معنى قوله تعالى: * (لا يموت فيها ولا يحيى). # ويقال: * (لا تبقى ولا تذر) أي لا تبقى لحما ولا عظما (ولا تذر) أي: إذا ~~أحرقت الكل لم تذر؛ لأنه يعود خلقا جديدا. # وقيل: لا تبقى أحدا من الكافرين، أي: تأخذ جميع الكافرين ولا تذرهم من ~~العذاب وقتا ما، أي: تحرقهم أبدا. # وفي بعض التفاسير: أن كل شيء يسأم ويمل سوى جهنم. # وقوله: * (لواحة للبشر) أي محرقة. # قال أبو رزين: تحرقهم حتى يصيروا سودا PageV06P094 # * (لواحة للبشر (29) عليها تسعة عشر (30) وما جعلنا أصحاب النار إلى ~~ملائكة كالليل المظلم. # وقيل: لواحة للبشر أي: تحرق اللحم حتى تلوح العظم. # ويقال معناه: أن بشرة أجسادهم تلوح على النار، حكى هذا عن مجاهد. # وقيل: لواحة للبشر، أي: معطشة للبشر، قال الشاعر: # (سقتني على لوح من الماء شربة * سقاها به الله الرباب والغواديا) وقوله: ~~* (عليها تسعة عشر) أي: من الزبانية وخزنة النار. # وفي التفسير: أن من منكب أحدهم إلى المنكب الآخر مسيرة سنة، ويأخذ بكفه ~~مثل عدد ربيعة ومضر، ويدفع في النار بدفعة واحدة سبعين ألفا. # وقيل: تسعين ألفا، وأعينهم كالبرق الخاطف، وأسنانهم كصياص البقر. # وذكر الكلبي أن لهم من الأعوان و الجند ما لا يعلم عددهم إلا الله تعالى. # وقوله تعالى: * (وما جعلنا أصحاب النار إلى ملائكة) سبب نزول هذه الآية ~~أن النبي لما أخبر بعدد الزبانية، وقال أبو جهل: أرى محمدا يوعدكم بتسعة ~~عشر و أنتم الدهم، أفلا تقرنون معهم ليعمد كل عشرة منكم إلى واحد فيدفعه. # وقال أبو الأسد بن كلدة - وكان رجلا من بني جمح -: أنا أتقدمكم على ~~الصراط، فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر، ونمر إلى الجنة. # وقال: كلدة بن أسيد: أنا أكفيكم ms1867 سبعة عشر، فاكفوني أنتم اثنين؛ فأنزل ~~الله تعالى: * (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة) أي: هؤلاء التسعة عشر من ~~الملائكة، وكيف تطيقونهم؟ وروى أن المسلمين لما سمعوا منهم هذا قالوا: ~~تقيسون الملائكة بالحدادين؟ أي: (السجانين). PageV06P095 # * (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستقين الذين أوتوا الكتاب ~~ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول ~~الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من ~~يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو) وقوله تعالى: * (وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا) أي: منحة وبلية حتى قالوا ما قالوا. # وقوله: * (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب) أي: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ~~أن محمدا قال ما قال من الله تعالى؛ فإنه وافق هذا العدد الذين (وعدوا) في ~~التوراة والإنجيل. # وقوله: * (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) أي: يزداد الذين آمنوا من أهل ~~الكتاب إيمانا. # وقيل: يزداد جميع المؤمنون إيمانا إذا رأوا ما قاله النبي موافقا لما ~~حكاه أهل الكتاب. # وقوله: * (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون) أي: لا يشكوا في ~~العدد إذا وجدوا التوراة والإنجيل والقرآن متفقة على هذا العدد. # وقوله: * (وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا) أي: كيف ذكر الله هذا العدد وخص الزبانية به؟ وهو تفسير قوله تعالى: ~~* (إلا فتنة للذين كفروا). # وقوله: * (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) يعني: كما أضل الكفار ~~بهذا العدد، وهدى المؤمنين لقبوله، كذلك يضل الله من يشاء، ويهدي من يشاء ~~بما ينزل من القرآن. # وقوله تعالى: * (وما يعلم جنود ربك إلا هو) روى أن الكفار لما سمعوا هذا ~~العدد PageV06P096 # * (وما هي إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) والليل إذا أدبر (33) ~~والصبح إذا أسفر (34) إنها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر (36)). قالوا: ما ~~أقل هذا العدد؛ فأنزل الله تعالى: * (وما يعلم جنود ربك إلا هو) أي: له من ~~الجنود سوى هذا العدد ما لا يعلم عددها إلا هو. # وقوله: * (وما هي إلا ذكرى للبشر) أي: هذه ms1868 الآية عظة وعبرة للبشر. # قوله تعالى: * (كلا والقمر) كلا: هو رد لما قالوا. # وقوله: * (والقمر) ابتداء قسم. # وقوله: * (والليل إذا أدبر) وقرئ: * (إذا أدبر) أي: تولى وذهب. # وقوله: * (إذا أدبر) أي: إذا جاء خلف النهار. # وروى أن عبد الله بن عباس سئل عن قوله: * (والليل إذا أدبر) فقال للسائل: ~~امكث. # فلما أذن المؤذن للصبح قال: هذا حين دبر الليل. # وقد أنكر بعضهم هذه القراءة. # وقالوا: إذا دبر، إنما يقال في ظهر البعير. # والصحيح ما بينا، وهما قراءتان معروفتان. # وقال الكسائي والفراء: دبر وأدبر بمعنى واحد. # وقوله: * (والصبح إذا أسفر) أي: تبين وأضاء. # يقال: سفرت المرأة عن وجهها، (وسفر) الرجل بيته إذا كنسه حتى كشف عن تراب ~~البيت. # وقوله: * (إنها لإحدى الكبر) أي: القيامة لإحدى العظائم. # ويقال: الكبر دركات جهنم. # وقوله: * (إنها لإحدى الكبر) أي: سقر إحدى دركات جهنم، فينصرف (إلى ما) ~~ذكرنا. # وقوله: * (نذيرا للبشر) أي: إنذارا للبشر. # وذكر النحاس أنه رجع إلى قوله: PageV06P097 # * (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا ~~أصحاب اليمين (39) في جنات يتساءلون (40) عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر ~~(42) قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع ~~الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين (47) فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين (48)). # * (قم) أي: قم نذيرا للبشر. # وقوله: * (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) أي: يتقدم إلى الإيمان أو ~~يتأخر عنه. # وقوله: * (كل نفس بما كسبت رهينة) أي: مرتهنة. # وقوله: * (إلا أصحاب اليمين) فليسوا بمرتهنين؛ لأنه ليست لهم ذنوب. # قال زاذان عن علي: هم ولدان المسلمين. # وقيل: هم الأنبياء. # وقيل: هم الذين يعطون الكتاب بأيمانهم. # وقيل: هم الذين أخذوا من صلب آدم من الجانب الأيمن، وقال الله تعالى لهم: ~~هؤلاء في الجنة ولا أبالي. # وعن ابن عباس: أنهم الملائكة. # وقوله: * (في جنات) أي: بساتين. # وقوله: * (يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر) أي: ما أدخلكم في سقر، ~~وإنما سألوا عن ذلك؛ لأنهم لم يعرفوا الذنوب، وهذا يصح إذا حملنا ms1869 على ~~الملائكة وولدان المسلمين، وأما إذا حملنا على غيرهم، فهو سؤال مع المعرفة، ~~ويجوز أن يسأل الإنسان عن غيره مع معرفة حاله. # قوله تعالى: * (قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع ~~الخائضين) قال قتادة: كلما غوى قوم غوينا معهم. # وقيل: كنا نخوض مع الخائضين في أمر محمد، وننسبه إلى السحر والشعر وغير ~~ذلك. # وقوله: * (وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين) أي: الموت. # وقوله: * (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) لأنهم كفرة، فلا يكون لهم شفيع ولو ~~PageV06P098 # * (فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة ~~(51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) كلا بل لا يخافون ~~الآخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55)). كان لم ينفعهم. # وفي التفسير: أن هذا حين يخرج قوم من المؤمنين من النار بشفاعة الأنبياء ~~والرسل والملائكة والعلماء والصديقين، وكل هذا مروي [في] الأخبار، ويبقى ~~الكفار في النار على الخصوص. # وقوله: * (فما لهم عن التذكرة معرضين) أي: العظة والعبرة. # وقوله: * (كأنهم حمر مستنفرة) وقرئ: * (مستنفرة) بفتح الفاء. # وقوله: * (مستنفرة) نافرة. # وقوله: * (مستنفرة) أي: مذعورة. # وقوله: * (فرت من قسورة) قال ابن عباس وأبو هريرة: هو الأسد. # وقال ابن عباس: يقال بالعربية الأسد، وبالحبشية القسورة، وبالفارسية شير، ~~وبالنبطية أريا. # وعن أبي موسى الأشعري فرت من قسورة: هم النقابون. # وقيل: هم رماة النبل. # وقوله: * (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة) روى أن الكفار ~~قالوا: لا نؤمن بك يا محمد حتى تأتي كل واحد منا كتابا من الله أن آمن ~~بمحمد فإنه رسولي. # وقوله: * (كلا) أي: لا يؤتون هذه الصحف. # وقيل: كلا أي: لو أوتوا هذه الصحف لم يؤمنوا. # وقوله: * (بل لا يخافون الآخرة) أي: لو خافوا لم يطلبوا هذه الأشياء. # وقوله: * (كلا إنه تذكرة) أي: القرآن عظة وعبرة. # وقوله: * (فمن شاء ذكره) أي: اتعظ به واعتبر به، ثم رد المشيئة إلى نفسه ~~فقال: PageV06P099 # * (وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56)). # * (وما يذكرون إلا أن ms1870 يشاء الله) أي: لا يعتبرون ولا يتعظون إلا بمشيئتي. # وقوله: * (هو أهل التقوى وأهل المغفرة) أي: أهل أن أبقى خالدا في الجنة ~~من اتقى، ولم يجعل معي إلها. # * (وأهل المغفرة) أي: من اتقى ولم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له. # وفي هذا خبر مسند برواية أنس عن النبي على نحو هذا المعنى ذكره أبو عيسى ~~في كتابه. # وعن محمد بن النضر بن الحارث في هذه الآية أن قوله: * (هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة) المعنى: أنا أهل أن أتقي بترك الذنوب * (وأهل المغفرة) أي: ~~وأنا أهل أن أغفر للمذنبين إن لم يتقوا. # وذكر الأزهري في قوله * (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة) قولا ~~آخر: هو أن المشركين قالوا: كانت بنو إسرائيل إذا أذنب الواحد منهم ذنبا ~~ظهر ذنبه مكتوبا على باب داره، فما بالنا لا يكون لنا ذلك إن كنا مذنبين؛ ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبر على هذا المعنى، وأخبر أنه لا يفعل ذلك ~~لهذه الأمة، وأن ذلك كان مخصوصا ببني إسرائيل. # والله أعلم. PageV06P100 # بسم الله الرحمن الرحيم * (لا أقسم بيوم القيامة (1). # تفسير سورة القيامة وهي مكية وعن عمر - رضي الله - عنه أنه قال: من أراد ~~أن يشاهد القيامة فليقرأ سورة القيامة. # وعن المغيرة بن شعبة أنه قال: يقولون القيامة ومن مات فقد قامت قيامته. # أورد هذين الأثرين النقاش في تفسير. # قوله تعالى: * (لا أقسم بيوم القيامة) قال سعيد بن جبير معناه: أقسم بيوم ~~القيامة. # وعنه أيضا أنه سأل ابن عباس عن قوله: * (لا أقسم بيوم القيامة) فقال: إن ~~ربنا تعالى يقسم بما شاء من خلقه. # واختلفوا في قوله: ' لا ' على أقوال: أحد الأقوال: أنها صلة، أي: زائدة ~~على ما هو مذهب كلام العرب، وأنكر الفراء هذا وقال: الصلة إنما تكون في ~~أثناء الكلام، فأما في ابتداء الكلام فلا، ومعنى قوله: * (لا) أي: ليس ~~الأمر كما يزعمون أن لا بعث ولا جنة ولا نار، ثم ابتدأ بقوله: * (أقسم) ~~وأجاب من قال بالقول الأول أن القرآن ms1871 كله متصل بعضه بالبعض في المعنى، ~~فيصلح أن تكون ' لا ' صلة في هذا الموصل وإن كان (عند) ابتداء السورة. # والقول الثالث أن معنى قوله: * (لا) على معنى التنبيه، كأنه قال: ألا ~~فتنبه ثم أقسم، ومثله قول الشاعر: # (ألا وأبيك ابنة العامري * لا يدعي قوم أني أفر) وقرأ ابن كثير: ' لأقسم ~~بيوم القيامة ' وهي قراءة الحسن والأعرج. # وأنكر النحويون PageV06P101 # * (ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه (3) بلى ~~قادرين على أن نسوي بنانه (4)). من البصريين هذه القراءة وزعموا أنها لحن، ~~وقالوا: لا بد من دخول النون إذا كان على هذا الوجه، والصحيح هي القراءة ~~المعروفة، وأكثر القراء على هذا. # وقوله: * (بيوم القيامة) سميت القيامة؛ لأن الناس يقومون في هذا اليوم ~~للحساب وجزاء الأعمال. # وقوله: * (ولا أقسم بالنفس اللوامة) أي: أقسم. # وعن الحسن أنه قال: أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة. # والأصح أن القسم بهما. # وفي اللوامة أقوال: أحدها: أنها الفاجرة تلام يوم القيامة، فمعنى ~~اللوامة: الملومة هاهنا على هذا القول. # والقول الثاني - وهو الأصح -: أنها المؤمنة تلوم نفسها على ما تفعل من ~~المعاصي. # قال مجاهد: المؤمن يلوم نفسه على المعاصي، والكافر يمضي قدما قدما في ~~المعاصي ولا يفكر فيه. # وفي التفسير: أنه ما من أحد إلا ويلوم نفسه يوم القيامة؛ إن كان محسنا ~~يلوم ألا ازداد واستكثر من الإحسان، وإن كان مسيئا يلوم نفسه ألا أقلع عن ~~الإساءة والمعاصي. # وقوله * (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) أي: لن نحيي عظامه (فنجمعها) ~~للإحياء بعد تفرقها. # وقوله: * (بلى) هو جواب القسم، وعليه وقع القسم. # وقوله: * (قادرين) أي: بلى لنجمعنكم قادرين. # وقيل: بلى نقدر قادرين. # وقوله: * (على أن نسوي بنانه) أي: على تسوية بنانه، وهي أطراف الأصابع، ~~وفيها عظام صغار، وخصها بالذكر؛ لأنه تعالى إذا قدر على جمع العظام الصغار ~~فعلى الكبار أقدر على جمعها وإحيائها. # وعن قتادة في قوله: * (على أن نسوي بنانه) أن PageV06P102 # * (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) يسأل أيان يوم القيامة (6) فإذا برق ~~البصر (7) وخسف القمر (8)). نجعل أصابعه ms1872 بمنزلة خف البعير وحافر الحمار، ~~وهذا قول مشهور في التفاسير. # قوله تعالى: * (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) في التفسير: أن معناه: يقدم ~~الذنب ويؤخر التوبة. # وهو بمعنى التسويف في ترك المعاصي والتوبة إلى الله. # وروى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أن معناه: هو التكذيب ~~بالقيامة، والفجور هو الميل عن الحق، والكاذب مائل عن الصدق فهو فاجر. # وحكى ابن قتيبة أن أعرابيا جاء إلى عمر - رضي الله - عنه وقال: إن بعيري ~~قد دبر فاحملني على بعير، فلم يحمله عمر، فولى الأعرابي وهو يقول: # (أقسم بالله أبو حفص عمر * ما مسه من نقب ولا دبر) (اغفر له اللهم إن كان ~~فجر *) أي: كذب. # قال مجاهد في قوله تعالى: * (يفجر أمامه) أي: يمضي أمامه راكبا هواه لا ~~يفكر في ذنب، ولا يتوب عن معصية. # قوله تعالى: * (يسأل أيان يوم القيامة) أي: متى يوم القيامة، وكانوا ~~يقولون ذلك على وجه الاستهزاء، وهو دليل على صحة القول الذي ذكرناه عن ابن ~~عباس. # قوله تعالى: * (فإذا برق البصر) وقرئ: ' برق ' بالفتح، فقوله: ' برق ~~البصر ' أي: شخص من الهول فلم يطرف. # وقوله: ' برق ' أي: تحير وجزع، ويقال: غشيه مثل البرق. # وقوله: * (وخسف القمر) أي: ذهب ضوءه. # ومنه يقال: بئر منخسفة وغير منخسفة. # وعن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي أنه قال: الكسوف أن يذهب بعض ~~PageV06P103 # * (وجمع الشمس والقمر (9) يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) كلا لا وزر ~~(11) إلى ربك يومئذ المستقر (12) ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13)). ~~الضوء، والخسوف أن يذهب جميع الضوء. # وهو قول مروي عن غيره أيضا. # وقوله: * (وجمع الشمس والقمر) أي: في الخسفة وإذهاب الضوء. # قال ابن مسعود: يصيران كالبعيرين القرينين، ثم يلقيان في النار فيصيران ~~نارا على الكفار، وهذا على معنى قوله. # وعن مجاهد: وجمع الشمس والقمر أي: كور كلاهما. # وقوله: * (يقول الإنسان يومئذ أين المفر) أي: أين المهرب؟ وقرئ: ' أين ~~المقر ' أي: أين موضع القرار. # وقوله: * (كلا لا وزر) أي: لا مهرب ولا فرار. # وأما قوله: * (لا وزر) فيه أقوال: ms1873 قال سعيد بن جبير: لا محيص. # وقال عكرمة: لا منعة. # وعن مجاهد: لا منجا. # وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير، والضحاك: لا جبل. # وهو قول مشهور، وقد كانت العرب إذا طرقتهم الخيل قالوا: الوزر الوزر، أي: ~~الجبل الجبل. # قال الشاعر: # (لعمرك ما للفتى من وزر * إذا الموت يدركه والكبر) وهذا على المعنى ~~المنجا. # وقوله: * (إلى ربك يومئذ المستقر) أي: يظهر مستقر العباد في الجنة أو ~~النار. # وقوله: * (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر) قال ابن مسعود وابن عباس: ~~بما قدم من طاعه فعمل بها، وأخر من (سنة) سيئة، فعمل بها بعده. # ويقال: * (بما قدم وأخر) بأول عمله وآخره. # وهو محكي عن مجاهد وإبراهيم. # وقيل: * (بما قدم وأخر) PageV06P104 # * (بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15) لا تحرك به ~~لسانك لتعجل به (16). أي: يلقى جزاء جميع أعماله من طاعة ومعصية. # وعن زيد بن أسلم: بما قدم من المال للصدقة، وأخر من المال للورثة. # وقوله: * (بل الإنسان على نفسه بصيرة) أي: شاهد، والمعنى: هو لزوم الحجة ~~عليه كما يلزم بالشهادة، وما من أحد إلا وله من نفسه على نفسه حجة. # وقيل: هو شهادة الجوارح عليه يوم القيامة. # قال ابن عباس: تشهد عليه يداه ورجلاه وفرجه وغير ذلك. # ودخلت التاء في قوله * (بصيرة) للمبالغة مثل قولهم: علامة ورواية وما ~~يشبهها. # وقوله: * (ولو ألقى معاذيره) فيه قولان معروفان: أحدهما: ولو جاء بكل ~~عذر، وأدلى بكل حجة أي: لا يقبل منه ذلك؛ لأنه لا عذر له ولا حجة. # والقول الثاني: أن قوله: * (ولو ألقى معاذيره) أي: ستوره، واحدها معذار، ~~قال الزجاج: وهو الستر. # وقيل: هو لغة يمانية. # والمعنى: أنه وإن ستر جميع أعمله بالستور، فإنما تظهر يوم القيامة ويجازى ~~عليه. # قوله تعالى: * (لا تحرك به لسانك لتعجل به) روى سفيان بن عيينة، عن موسى ~~ابن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ' أن النبي كان إذا نزل عليه ~~الوحي يحرك به لسانه يريد أن يحفظه فأنزل الله تعالى قوله: * (لا تحرك به ms1874 ~~لسانك لتعجل به) قال: وحرك سعيد بن جبير شفتيه، وحرك ابن عباس شفتيه '. قال ~~رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الشافعي، أخبرنا أبو الحسن بن ~~(فراس)، أخبرنا أبو جعفر الديبلي، أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن ~~ابن عيينة. # الحديث. PageV06P105 # * (إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا ~~بيانه (19) كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة ~~(22) إلى ربها ناظرة (23)). واختلف القول أن النبي لماذا كان يحرك لسانه؟ ~~فأحد القولين: أنه كان يحركه مخافة الانفلات لكيلا ينساه، وهو المعروف. # والقول الثاني: أنه كان يحرك لسانه حبا للوحي، ذكره الضحاك. # وقوله: * (إن علينا جمعه وقرآنه) أي: جمعه في صدرك. # و ' قرآنه ' أي: نيسر قراءته عليك؛ فالقرآن هاهنا بمعنى القراءة. # وقال قتادة: إن علينا جمعه وقرآنه في صدرك وتآليفه على ما أنزلناه. # وقوله: * (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) أي: إذا أنزلناه فاستمع له. # ويقال: إذا قرأه جبريل عليك فاتبع قرآنه، وقيل: فاتبع قرآنه أي: فاتبع ~~القرآن بالعمل به في الحلال والحرام والأمر والنهي. # وقوله: * (ثم إن علينا بيانه) أي: علينا أن نجمعه في صدرك لتبينه للناس ~~وتقرأه عليهم، وهو مذكور بمعنى تيسير الحفظ عليه وتسهيله بمعونة: الله ~~تعالى، وقد كان يلقى من الحفظ شدة قبل ذلك، فلما أنزل الله تعالى هذه الآية ~~كان إذا قرأ عليه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأ كما أنزل. # قوله تعالى: * (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة) هي خطاب للكفار؛ ~~لأنهم كانوا يعملون للدنيا ولا يعملون للآخرة، فهذا هو معنى الآية. # وقوله: * (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) قوله: * (ناضرة) بالضاد أي: ~~مسرورة طلقة هشة بشة. # والنضرة: هي النعمة والبهجة في اللغة. # وقوله: * (إلى ربها ناظرة) هو النظر إلى الله تعالى بالأعين، وهو ثابت ~~للمؤمنين في الجنة بوعد الله تعالى وبخبر الرسول. PageV06P106 # قال رضي الله عنه: أخبرنا أبو الحسن بن النقور، أخبرنا أبو القاسم بن ~~حبابة، أخبرنا البغوي، أخبرنا هدبة [بن] خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت ~~البناني عن عبد الرحمن بن ms1875 أبي ليلى عن صهيب عن النبي قال: ' إذا دخل أهل ~~الجنة الجنة يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض ~~وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا ~~شيئا أحب إليهم من النظر إلى الله تعالى '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا أبو علي الشافعي بمكة، أخبرنا أبو الحسن بن ~~فراس بإسناده عن إسرائيل عن ثوير بن أبي فاختة عن ابن عمر - رضي الله عنهما ~~- أن النبي قال: ' إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه ألف سنة يرى ~~أقصاه كما يرى أدناه، وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى كل يوم ~~مرتين '. # وفي رواية: ' غدوة وعشيا، ثم قرأ قوله تعالى: * (وجود يومئذ ناضرة) '. ~~PageV06P107 # * (ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) كلا إذا بلغت ~~التراقي (26)). # والذي ذكرناه من النظر إلى الله هو قول عامة المفسرين، وهو مروي عن الحسن ~~البصري أيضا أنه حمل الآية على هذا، وذكره سائر الرواة. # وحكى بعضهم عن مجاهد: إلى ثواب ربها ناظرة، وليس يصح؛ لأن العرب لا تطلق ~~هذا اللفظ في مثل هذا الموضع إلا والمراد منه النظر بالعين، ولعل القول ~~المحكي عن مجاهد لا يثبت؛ لأنه لم يورد من يوثق بروايته. # وحمل بعضهم قوله: * (ناظرة) أي: منتظرة، وهذا أيضا تأويل باطل؛ لأن العرب ~~لا تصل قوله: ' ناظرة ' بكلمة ' إلى ' إلا بمعنى النظر بالعين، قال الشاعر: # (نظرت إليها بالمحصب من منى * ولي نظر ولولا التحرج عارم) فأما إذا ~~[أراد] الانتظار فإنهم لا يصلونها بإلى، قال الشاعر: # (فإنكما إن تنظراني ساعة * من الدهر تنفعني لدى أم جندب) أي: تنتظراني، ~~وعلى المعنى لا يصح أيضا هذا التأويل؛ لأن الطلاقة والهشاشة والسرور إنما ~~يكون بالوصول إلى المطلوب فأما مع الانتظار فلا، فإن في الانتظار تنغصا ~~ومشقة. # وقوله: * (ووجوه يومئذ باسرة) أي: كالحة عابسة. # وقوله: * (تظن أن يفعل بها فاقرة) أي: تتيقن أن الذي يفعل بها فاقرة، ~~والفاقرة هو الأمر الشديد الذي ينكسر معه فقار الظهر. # وقيل: فاقرة: واهية، أو أمر عظيم. ms1876 # قوله تعالى: * (كلا إذا بلغت التراقي) المعنى: أنه ليس الأمر كما يظنون ~~ويتوهمون، (ويستعملون) ذلك إذا بلغت النفس التراقي. # والتراقي جمع ترقوة، PageV06P108 # * (وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت الساق بالساق (29) إلى ~~ربك يومئذ المساق (30) فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب ~~إلى أهله يتمطى (33)). وهو مقدم الحلق المتصل بالصدر، وهو موضع الحشرجة، ~~ذكره أبو عيسى. # وقوله: * (وقيل من راق) أي: هل من طبيب يشفي ويداوي، قاله قتادة. # وقيل معناه: أن الملائكة يقولون من يرقي بروحه أي: تصعد ملائكة الرحمة أو ~~ملائكة العذاب. # وقوله: * (وظن أنه الفراق) قرأ ابن عباس: ' وأيقن أنه الفراق '. # وهو صحيح عنه، وهو المعني. # وقوله: * (والتفت الساق بالساق) أي: [اتصلت] شدة الدنيا بشدة الآخرة. # وقيل: يجتمع عليه كرب الموت وهول المطلع. # قال الضحاك: هو في أمر عظيم، الناس يجهزون بدنه، والملائكة يجهزون روحه. # وعن الحسن: ' والتفت الساق بالساق ' أي: في الكفن، وهو الساق المعروف، ~~وعلى القول الأول الساق بمعنى الشدة. # وقد ذكرنا من قبل. # وقوله: * (إلى ربك يومئذ المساق) أي: السوق، فإنه يساق إما في الجنة، ~~وإما إلى النار بأمر الله تعالى. # قوله تعالى: * (فلا صدق ولا صلى) معناه: فلا صدق الكافر ولا صلى معناه: ~~لم يصدق الكافر ولم يصل. # قال المفسرون: نزلت الآية في أبي جهل بن هشام. # قوله: * (ولكن كذب وتولى) أي: كذب بآيات الله، وأعرض عن الحق. # وقوله: * (ثم ذهب إلى أهله يتمطى) أي: يتبختر. # ومشية المطيطاء هي مشية التبختر. # وقيل: هو أن يولي مطاؤه، والمطا الظهر. # وفي بعض التفاسير: أنه مشية بني مخزوم. # وقيل: التمطي: هو التمدد من كسل أو مرض، فأما من المرض فهو غير مذموم، ~~وأما من الكسل إذا كان تثاقلا عن الحق فهو مذموم. PageV06P109 # * (أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) أيحسب الإنسان أن يترك سدى ~~(36) ألم يك نطفة من مني يمنى (37)). # وقوله: * (أولى لك فأولى) اختلف القول في هذه اللفظة، فأحد الأقوال: أن ~~معناها: الويل لك ثم الويل لك. # والثاني: معناها: وليك المكروه وقارب منك، وهذا ms1877 قول قتادة وجماعة. # والقول الثالث: الذم أولى لك، ثم طرحت لفظ الذم للاستغناء عنها ولأنه ~~معلوم، ذكره علي بن عيسى. # وفي التفسير: ' أن النبي لقي أبا جهل وهو يخرج من باب بني مخزوم يتبختر، ~~فأخذ بيده وهزه مرة أو مرتين، ثم قال له: أولى لك فأولى، فأخبر الله تعالى ~~في القرآن قول الرسول على ما قال '، وهذا قول حسن؛ لأن أولى في لغة العرب ~~بمعنى كاد وهم، ولفظة كاد بالخلق أليق؛ فهو حكاية من الله تعالى لقول ~~الرسول. # وأنشدوا في كلمة أولى قول الخنساء: # (هممت بنفسي بعض الهموم * فأولى لنفسي أولى لها) (سأحمل نفسي على آلة * ~~فإما عليها وإما لها) آلة أي: حالة. # قوله تعالى: * (أيحسب الإنسان أن يترك سدا) أي: مهملا لا يؤمر ولا ينهى. # قاله مجاهد. # وقيل: لا يبعث ولا يحاسب ولا يعاقب، قال الشاعر: # (فأقسم بالله جهد اليمين * ما ترك الله شيئا سدى) وقوله: * (ألم يك نطفة ~~من مني يمنى) وقرئ بالتاء: ' تمنى '. # والمني ماء معروف يخلق منه الإنسان، فالقراءة بالياء تتصرف إلى المنى، ~~والتاء تنصرف إلى معناه، وهو النطفة. # وقوله: * (يمنى) أي: يقذف في الرحم. # وقيل: يقدر. PageV06P110 # * (ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40)). # قال الشاعر: # (ما يمنى لك الماني *) أي: ما يقدر لك القدر. # قوله تعالى: * (ثم كان علقة) أي: المني علقة، وهو الدم المنعقد. # وقوله: * (فخلق فسوى) أي: فخلق منه الإنسان فسوى خلقه. # وقوله: * (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) وقيل: من المني الذكر ~~والأنثى. # وقوله: * (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) معناه: أليس الله الذي خلق ~~الإنسان من النطفة بقادر على أن يحيى الموتى؟ يعني: هو قادر. # وعن ابن عباس أنه كان إذا بلغ هذه الآية قال: اللهم بلى. # وفي رواية: سبحانك بلى. # وقد روى هذا مرفوعا في بعض المسانيد. # والله أعلم وأحكم. PageV06P111 # بسم الله الرحمن الرحيم * (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفة ms1878 أمشاج). # تفسير سورة الإنسان وهي مكية في قول بعضهم. # مدنية في قول بعضهم، وقيل: بعضها مكية وبعضها مدنية. # قوله تعالى: * (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) معناه: قد أتى على ~~الإنسان حين من الدهر، قاله الفراء. # وقيل أتى على الإنسان حين من الدهر، والإنسان هو آدم على قول أكثر ~~المفسرين. # وعن ابن جريج: أنه كل إنسان من الآدميين. # وقوله تعالى: * (حين من الدهر) هم أربعون سنة. # قال محمد بن إسحاق: صور الله آدم - عليه السلام - ثم تركه أربعين سنة ~~ينظر إليه، ثم نفخ فيه الروح. # وفي رواية: خلقه من طين ثم بعد أربعين سنة صار صلصالا من غير أن تمسه ~~النار. # وفي رواية: كان أربعين سنة طينا، وأربعين سنة حمأ مسنونا، وأربعين سنة ~~صلصالا. # وقوله: * (لم يكن شيئا مذكورا) أي: كان شيئا إلا أنه لم يكن شيئا يذكر. # وروى أنه قرأت هذه الآية عند عمر - رضي الله عنه - فقال: يا ليتها تمت، ~~أي: تلك الحالة. # قوله تعالى: * (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) أي: أخلاط. # قال ابن مسعود: أمشاجها عروقها التي في النطفة. # وفي اللغة: أن الأمشاج واحدها مشيج، وهو الخلط. # (والمعنى): هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، أو اختلاط الدم بالنطفة. ~~PageV06P112 # * (نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما ~~كفورا (3) إنا اعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4)). # وقيل: إن الله تعالى خلق الطبائع التي في الإنسان في النطفة من الحرارة ~~والبرودة والرطوبة واليبوسة، فهي الأمشاج، ثم عدلها ثم بنى البنية ~~الحيوانية على هذه الطبائع المعدلة، ثم نفح فيها الروح، ثم شق لها السمع ~~والبصر، فسبحان من خلق هذا الخلق من نطفة مهينة أو علقة نجسة. # وقيل: أمشاج أي: أطوار، فالنطفة طور، والعلقة طور، والمضغة طور، وكذلك ما ~~بعدها. # وقيل: أمشاج أي: ألوان. # وفي الخبر: ' أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فإذا علا ~~ماء المرأة ماء الرجل آنثتت، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت '. # وقوله: * (نبتليه) أي: نختبره ونمتحنه. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ms1879 ومعناها: فجعلناه سمعيا [بصيرا] نبتليه ~~ونختبره. # قوله تعالى: * (إنا هديناه السبيل) أي: الخير والشر، وهو مثل قوله تعالى: ~~* (وهديناه النجدين). # وقيل بينا له طريق الإيمان والكفر. # وقوله تعالى: * (إما شاكرا وإما كفورا) عند البصريين أن ' إما ' بمعنى ' ~~أو ' وعند الكوفيين أن معناه: إما كان شاكرا وإما كان كفورا. # وقيل: إما شقيا، وإما سعيدا. # قوله: * (إنا اعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا) وقرئ: ' سلاسل '، ~~والأصل سلاسل لا تنصرف، وأما صرفه على (قراءة) من قرأ ' سلاسلا وأغلالا ~~PageV06P113 # * (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5)). وسعيرا ' على ~~موافقة قوله: * (أغلالا) وذلك جائز على مذهب العرب. # والأغلال جمع غل. # وروى جبير بن نفير عن أبي الدرداء أنه قال: ارفعوا أيديكم إلى الله قبل ~~أن تغل بالأغلال. # وقوله: * (سعيرا) أي: نارا موقدة. # وفي بعض الأخبار برواية عطية، عن أبي سعيد الخدري: أن الله تعالى يبعث ~~سحابة فتقف على رؤوس أهل النار، ويقال لهم: ما تريدون: فيقولون: الشراب، ~~فيمطرهم الله منها السلاسل والأغلال والحميم. # قال الحسن: إن الله لا يغل الكفار عجزا عن حفظهم، ولكن حتى إذا خبت النار ~~عنهم أرسبتهم [أغلالهم] في أسفل النار. # قوله تعالى: * (إن الأبرار يشربون) الأبرار: هم المطيعون. # وقيل: هم الذين بروا الآباء والأبناء. # وعن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذر. # وفي بعض الأخبار: ' ما من ولد ينظر إلى والده نظر بر وعطف إلا كتب الله ~~له به حجة، فقيل: يا رسول الله، وإن نظر في اليوم مائة مرة! قال: الله أكبر ~~وأطيب '. # وقوله: * (من كأس) قال الزجاج: العرب لا تذكر الكأس إلا إذا كانت فيها ~~الخمر. # قال الشاعر: # (صرفت الكأس عنا أم عمرو * وكان الكأس مجراها اليمينا) PageV06P114 # * (عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون ~~يوما كان شره مستطيرا (7). # وقوله: * (كان مزاجها كافورا) أي: يمزج بالكافور، وهو مزاج وجود الرائحة ~~لا مزاج وجود الطعم. # وقيل: إن الكافور والزنجبيل اسمان لعينين من عيون الجنة. # وقوله: * (عينا يشرب بها عباد الله) النصب على المدح، أعني عينا * (يشرب ~~بها عباد الله) ms1880 أي: منها - عباد الله. # وقوله: * (يفجرونها تفجيرا) أي: يجرونها [جراء] على ما يريدون ويشتهون. # وقيل: إن الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي والزبير وعبد الرحمن بن عوف ~~وسعد وأبي عبيدة. # وفي بعض التفاسير: وابن مسعود وحذيفة وسلمان وأبي ذر. # قوله تعالى: * (يوفون بالنذر) أي: يوفون بأقوالهم. # وقيل: هو نفس النذر. # والأولى أولى؛ لأن النذر مكروه على ما ورد في بعض الأخبار: ' أن النذر ~~يستخرج به من البخيل '. # والمعنى: أن الجواد لا يحتاج إلى النذر، وعلى الجملة الوفاء بالنذر ~~محمود. # وقوله: * (ويخافون يوما كان شره مستطيرا) أي: فاشيا. # وقيل: ممتدا. # وقيل: منتشرا. # قال الشاعر: # (وهان على سراة بين لؤي * حريق بالبويرة مستطير) أي: منتشر، وانتشار شر ~~يوم القيامة في السماوات والأرض، أما في السماوات فبتكوير شمسها، وخسوف ~~قمرها، وانتشار كواكبها، وطي السماوات كطي السجل، PageV06P115 # * (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه ~~الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا (9)). وما أشبه ذلك. # وأما شره في الأرض فبقلع جبالها، وطم أنهارها، وإخراب نباتها، وكسر بعضها ~~على بعض، وما شبه ذلك من تبديل الأرض وإهلاك الخلق وغيره. # وقوله: * (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا) أي: على حب الطعام وشهوتهم ~~إياه وحاجتهم إليه. # وقوله: * (مسكينا) هو المحتاج (ويتيما) هو الذي لا أب له * (وأسيرا) قال ~~سعيد بن جبير: هو المحبوس المسجون. # وعن مجاهد وقتادة وجماعة: هو الأسير من المشركين. # وعن أبي (سليمان) الداراني: على حب الله. # واختلف القول فيمن نزلت هذه الآية، فأصح الأقاويل: أن الآية على العموم. # والقول الثاني: أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين، رواه عمر بن ~~عبيد، عن الحسن البصري، وحكى عن ابن عباس ذلك في بعض الروايات. # وفي القصة: أن عليا وفاطمة أصبحا صائمين، فهيأت فاطمة ثلاثة أقراص من ~~شعير لتأكل قرصا بنفسها، ويأكل علي قرصا، وللحسن والحسين قرص؛ فلما كان ~~المساء جاء مسكين فأعطوه أحد الأقراص، ثم جاء يتيم فأعطوه القرص الثاني، ثم ~~جاء أسير فأعطوه القرص الثالث وطووا. # وفي رواية: أن عليا كان أجر نفسه ms1881 من يهودي يستقي له بشيء من شعير، وحمل ~~ذلك الشعير إلى فاطمة، وأخذت منه الأقراص الثلاثة. # وفي بعض الروايات؟ أن ذلك كان في ثلاث ليال. # والله أعلم. # وفي هذه القصة خبط كثير تركنا ذكره. # وقيل: إن الآية نزلت في أبي الدرداء. # قوله تعالى: * (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا) أي: ~~جزاء بالفعل، ولا ثناء بالقول. # وفي التفسير: أنهم لم يقولوا هذا القول، ولكنه كان في PageV06P116 # * (إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ~~ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين). # ضميرهم فأخبر الله تعالى على ما كان في ضميرهم. # قوله: * (إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا) لأن الوجوه تنعبس فيه، ~~وأضاف العبوس إلى اليوم على طريق مجاز. # ومعنى ' نخاف من ربنا يوما ' أي: من عذاب يوم. # وقوله: * (قمطريرا) أي: شديدا. # يقال: يوم قمطرير وقماطر إذا اشتد فيه الأمر. # قال الشاعر: # (بنى عمنا هل تذكرون بلاءنا * عليكم إذا ما كان يوم قماطر) وقوله تعالى: ~~* (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرور) أي: نضرة في الوجه، وسرورا ~~في القلوب. # والنضرة: هي الحسن في الوجوه من النعمة، وهي التنعم. # وقوله: * (وجزاهم بما صبروا) على الأمر والنهي. # وقيل: على المحن والشدائد، وعلى الجوع مع الإيثار. # وقوله: * (جنة وحريرا) أي: البساتين والثياب من الديباج. # وقوله تعالى: * (متكئين فيها على الأرائك) الأرائك: هي [السرر] في الحجال ~~عليها الفرش، والعرب لا تسميها أريكة إلا إذا كانت في حجلة. # وقوله تعالى: * (لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) أي: حرا ولا بردا. # قال الشاعر: # (منعمة طفلة مهاة * لم تر شمسا ولا زمهريرا) PageV06P117 # * (فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ~~ضلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت ~~قوارير (15) قوارير من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها ~~زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18)). # قوله تعالى: * (ودانية عليهم) نصب ' ودانية ' عطفا على قوله: * (متكئين). # وقوله: * (عليهم ظلالها) أي: ظلال الحجال. # وقوله: ms1882 * (وذللت قطوفها تذليلا) أي: أدنيت قطوفها إليهم. # وفي التفسير: أنهم إذا قاموا ارتفعت إليهم، وإذا قعدوا نزلت إليهم، وإذا ~~اضطجعوا دنت منهم، وقيل: لا يمنعهم منها بعد ولا شوك. # وقوله تعالى: * (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب) والأكواب هي الأباريق ~~التي لا خراطيم لها، واحدها كوب. # وقوله تعالى: * (كانت قوارير) قال الشعبي: لها صفاء القوارير وبياض ~~الفضة. # وعن ابن عباس: أنه لو أخذت قطعة من فضة وجعلت في الرقة كجناح ذباب لم ير ~~من داخله، وفضة الجنة يرى من داخلها، فهو في صفاء القوارير على هذا المعنى. # وعنه أيضا: أن القوارير في الدنيا أصلها من الرمل، فإذا كان أصلها من ~~الفضة في الجنة فكيف تكون في الحسن والصفاء. # وعنه أيضا: أنه لا يشبه شيء في الجنة شيئا في الدنيا، وإنما في الدنيا ~~الأسامي مما في الجنة فحسب. # وقوله: * (قوارير من فضة قدروها تقديرا) أي: مقدرة على قدر الري لا زيادة ~~ولا نقصان. # وقيل: على قدر الكف أي: على ما يسعه. # وقيل: ممتلئة. # وقوله: * (ويسقون فيها كأسا) أي: من كأس. # وقوله: * (كان مزاجها زنجبيلا) كانت العرب تستطيب طعم الزنجبيل، فذكر ذلك ~~على ما [اعتادوه]. # وقيل: الزنجبيل اسم العين لا أنه زنجبيل معروف في الطعم PageV06P118 # * (ويطوف عليهم ولدان مخلدون). والرائحة. # فعلى هذا قوله: * (مزاجها زنجبيلا) أي: مزاجه من عين الزنجبيل. # وقوله: * (عينا فيها تسمى سلسبيلا) يقال: إن السلسبيل هي عين الزنجبيل ~~أيضا، ونصب على المدح، ومعناه: أعني عينا. # وقوله: * (تسمى سلسبيلا) أي: سلسبيل الجري في حلوقهم. # وفي بعض الآثار: أنها إذا أدنيت من أفواههم تسلسلت في حلوقهم. # ومن قال في قوله * (سلسبيلا) سلني سبيلا إليها فقد أبعد، وهو تأويل باطل، ~~وليس هو من قول أهل العلم. # وعن ابن الأعرابي قال: لم أسمع سلسبيلا إلا في القرآن. # وقيل: هو اسم العين على ما ذكرنا. # فإن قيل: إذا جعلتهم سلسبيل اسم العين فكيف ينصرف؟ والجواب: إنما انصرف؛ ~~لأنه رأس آية، وقد بينا من قبل. # وروى سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: سلسبيلا ms1883 أي: شديدة الجري. # وقال قتادة: سلسة أي: تجري في حلوقهم على غاية السهولة. # وقال ثعلب: سلسبيلا أي: لينا. # وعن سعيد بن المسيب: السلسبيل عين تجري تحت العرش في قضيب من ذهب. # وفي قوله: * (كان مزاجها زنجبيلا) كلام آخر، وهو أنه تمزج لسائر أهل ~~الجنة، ويشربه المقربون صرفا، وهو مثل التسنيم على ما يأتي من بعد. # وأنشدوا في الزنجبيل: # * (وكأن طعم الزنجبيل به * إذ دقته وسلافة الخمر) وهذا يدل على أنهم ~~كانوا يستطيعون طعم الزنجبيل. # وقيل في السلسبيل أيضا: إنه يسيل عليهم في قصورهم وغرفهم وعلى مجالسهم. # قوله تعالى: * (ويطوف عليهم ولدان مخلدون) أي: غلمان مخلدون. # وقوله: * (مخلدون) أي: لا يبلون ولا يفنون. # وقيل: مخلدون مقرطون مسورون. # قال الشاعر: PageV06P119 # * (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا ~~كبيرا (20) عاليهم ثياب سندس خصر). # (ومخلدات باللجين كأنما * أعجازهن أقاوز الكثبان) وقوله: * (إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا) إنما شبه باللآلئ في الصفاء والحسن والكثرة. # وذكر منثورا لأن اللؤلؤ المنثور في المجلس أحسن منه منظوما. # وفي تفسير النقاش: أنهم ينشرون في الخدمة، فلهذا قال: * (لؤلؤا منثورا) ~~فلو كان صفا واحدا لقال منظوما. # قوله تعالى: * (وإذا رأيت ثم رأيت) فيه حذف، والمعنى: إذا رأيت ما ثم ~~رأيت * (نعيما وملكا كبيرا) قال سفيان الثوري: بلغنا أنه تسليم الملائكة ~~عليهم. # وعن الكلبي ومقاتل وغيرهما أنهم قالوا: هو استئذان الملائكة للتسليم ~~عليهم، فهو الملك الكبير. # وفي بعض الأخبار برواية أبي سعيد الخدري: ' أن أدنى أهل الجنة منزلة يكون ~~له ثمانون ألف خادم واثنتان وستون زوجة '. # وفي بعض الأخبار أيضا: للواحد منهم سبعون قصرا، في كل قصر سبعون دارا، في ~~كل دار سبعون بيتا، في كل بيت خيمة طولها في السماء فرسخ، وعرضها فرسخ في ~~فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب. # قوله تعالى: * (عاليهم) وقرئ: ' عاليهم ' فمن قرأ بفتح الياء أي: فوقهم، ~~ومن قرأ بسكون الياء فمعناه: عليهم. # ويقال: عليهم أي: عال الحجال المذكور من قبل. # وقوله: * (ثياب سندس خضر) وخضر أي: ألوانها خضر. # فمن قرأ ms1884 بالرفع فينصرف إلى الثياب، ومن قرأ بالكسر فهو نعت السندس. # والسندس هو ما رق من PageV06P120 # * (وإستبرق وحلو أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان ~~لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22)). الديباج والإستبرق ما غلط منه. # وقوله: * (وإستبرق) وقرئ: ' وإستبرق ' فعلى الرفع ينصرف إلى الثياب، وعلى ~~الخفض على تقدير من إستبرق. # وقوله: * (وحلو أساور من فضة) الأساور والأسورة جمع السوار، فإن قيل: وأي ~~زينة في السوار والأغنياء لا يبالون بها؟ والجواب عنه: أنه قد ذكر الذهب ~~واللؤلؤ في موضع آخر، فيحلون من ذهب تارة، ومن فضة (تارة)، ومن لؤلؤ تارة؛ ~~ليكون أجمع لمحاسن الزينة. # ويقال: الذهب للنساء، والفضة للرجال. # وقيل: إن الذهب إنما يفضل الفضة في الدنيا لكثرة الفضة وعزة الذهب، وهذا ~~التفاوت لا يوجد في الجنة، وإنما المقصود عين الزينة، والزينة توجد فيهما ~~جميعا. # وقوله: * (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) قال الزجاج: ليس برجس كخمر الدنيا. # وعن أبي قلابة وإبراهيم أنهما قالا: إذا فرغ أهل الجنة من الطعام يؤتون ~~بالشراب الطهور، فيطهر أجوافهم، ويضمر بطونهم، ويوجد منهم جشاء ورشح له ~~رائحة المسك فيشتهون الطعام مرة أخرى. # وقيل: إن الشراب الطهور من عين على باب الجنة، فإذا شرب منها المسلمون ~~طهرت أجوافهم من كل غل وخيانة وحسد، وهذا قول لأن الطهور هو الطاهر المطهر ~~على ما ذكر في القصة. # والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام [حين] سئل عن التوضؤ بماء البحر ~~فقال: ' هو الطهور ماؤه ' أي: المطهر ماؤه. # قوله تعالى: * (إن هذا كان لكم جزاءا وكان سعيكم مشكورا) الشكر المضاف ~~PageV06P121 # * (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم ~~آثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له ~~وسبحه). إلى الرب تعالى هو بمعنى قبول الحسنات والعفو عن السيئات. # قوله تعالى: * (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا) ظاهر المعنى. # وقوله: * (فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا) في التفسير: أن ~~الآثم هو عتبة بن ربيعة، والكفور هو الوليد بن المغيرة. # وقيل: إن ms1885 الآثم هو أبو جهل. # وفي بعض التفاسير: أن الوليد بن المغيرة قال للنبي: لو تركت دين آبائك؟ ~~ولعلك إنما تركت للفقر، فارجع إلى دين آبائك وأعطيك نصف مالي. # وقال أبو البختري بن هشام: أنا أزوجك ابنتي، وهي أحسن النساء جمالا، ~~وأفصحهن منطقا، وأعذبهن لسانا. # وقد علمت قريش ذلك. # فسكت النبي فقال: أبو مسعود الثقفي: إن كنت تخاف من الله فأنا أجيرك منه. # فحين سمع النبي ذلك قام وذهب؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهو قوله * ~~(إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا) إلى آخر الآيتين. # فإن قيل: هلا قال: آثما وكفورا؟ وأيش معنى ' أو ' هاهنا؟ والجواب عنه: أن ~~لكلمة ' أو ' هاهنا زيادة معنى لا توجد في الواو، وهو المنع من طاعة كل ~~واحد منهما على الانفراد، فإن الرجل إذا قال لغيره: لا تطع فلانا وفلانا، ~~فإذا أطاع أحدهما ما كان عاصيا على الكمال، وإذا قال: لا تطع فلانا ولا ~~فلانا أو فلانا فإذا أطاع أحدهما كان عاصيا على الكمال. # وهو مثل قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين معناه: أيهما جالسته فأنت مصيب، ~~وإذا قال: جالس الحسن وابن سيرين فلا تكون مصيبا إلا إذا جالستهما. # وكذلك يقال: اقتد بمالك أو الشافعي على هذا المعنى. # قوله تعالى: * (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا) أي: بالغدو والعشي. # وفي بعض الغرائب من الأخبار أن النبي كان إذا صلى الغداة قال: ' الله ~~أكبر ثلاثا، وإذا صلى العصر قال: الله أكبر ثلاثا '. # قوله تعالى: * (ومن الليل فاسجد له) أي: صل له. # وقيل: هو صلاة المغرب PageV06P122 # * (ليلا طويلا (26) إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ~~(27) نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدنا أمثالهم تبديلا (28) إن هذه ~~تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29)). # وقوله: * (وسبحه ليلا طويلا) هو التطوع من بعد صلاة العشاء الأخيرة إلى ~~الصبح، وهذا على الندب والاستحباب. # قوله تعالى: * (إن هؤلاء يحبون العاجلة) معناه: إن هؤلاء الكفار يحبون ~~العاجلة أي: الدنيا. # وقوله تعالى: * (ويذرون وراءهم يوما ثقيلا) هو يوم القيامة، وتركهم له هو ~~تركهم العمل ms1886 والسعي له. # وقوله: * (ثقيلا) يجوز أن يكون سماه ثقيلا لشدة الهول والفزع فيه، ويجوز ~~أن يكون سماه ثقيلا لفصل القضاء فيه بين العباد وعدله معهم، وهو في غاية ~~الثقل عليهم إلا من تداركه الله بفضله. # قوله تعالى: * (نحن خلقناكم وشددنا أسرهم) أي: قوينا خلقهم. # وقيل شددنا مفاصلهم. # وقيل: هي الأوصال فشددها بالعروق والأعصاب. # وعن مجاهد: أن الأسر هو الشرج، وذلك مصر الإنسان (تسترخيان) عند الغائط ~~ليسهل خروج الأذى، فإذا خرج انقبضا. # قوله تعالى: * (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا) أي: أهلكناهم وخلقنا ~~خلقا غيرهم. # قوله: * (إن هذه تذكرة) أي: الآيات التي أنزلناها تذكرة أي: موعظة وعبرة. # قوله تعالى: * (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) أي: من شاء منكم أيها ~~المخاطبون أن يتخذ إلى ربه سبيلا فيسهل ذلك عليه لوجود الدلائل ورفع ~~الأعذار، فليفعل. PageV06P123 # * (وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (30) يدخل من ~~يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما (31)). # وقيل: هو بمعنى الأمر. # وقوله: * (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) رد مشيئتهم إلى مشيئته، والمعنى: ~~لا يريدون إلا بإرادة الله، وهو موافق لعقائد أهل السنة، أنه لا يفعل أحد ~~شيئا ولا يختاره ولا يشاؤه إلا بمشيئة الله. # وفي بعض الأخبار: أن رجلا كان يقول: إلا ما شاء الله وشاء محمد؛ فسمع ~~النبي - عليه السلام - ذلك فقال: ' أمثلان؟ ثم قال: قل إلا ما شاء الله ثم ~~شاء محمد '. # وقوله: * (إن الله كان عليما حكيما) قد بينا. # قوله تعالى: * (يدخل من يشاء في رحمته) أي: في جنته، وقيل: في الإسلام. # والأول أفضل في هذا الموضع، لأن الله تعالى قال عقيبه: * (والظالمين أعد ~~لهم عذابا أليما) أي: النار، ونصب الظالمين؛ لأن تقديره: وأعد للظالمين ~~عذابا أليما. # وأورد أبو الحسين بن فارس في تفسيره في آخر السورة برواية جابر الجعفي عن ~~قيس مولى علي أن الحسن والحسين مرضا مرضا شديدا، فنذر علي صيام ثلاثة أيام، ~~ونذرت فاطمة كذلك، ونذر الحسن والحسين كذلك، فلما شفاهما الله تعالى ~~ابتدءوا جميعا الصوم، فلما ms1887 كان في اليوم الأول خبزت فاطمة ثلاثة أقراص من ~~شعير، وقدموها عند إفطارهم ليفطروا، فجاء مسكين، وقال: يا أهل بيت رسول ~~الله، مسكين على الباب أطعموا مما أطعمكم الله. # فأعطوه الأقراص وطووا، ثم (إنه) لما كان في اليوم الثاني اتخذت فاطمة - ~~رضي الله عنها - مثل ما اتخذت في اليوم الأول، وقدموه عند المساء لقطروا، ~~فجاء يتيم ودعا كما ذكرنا، فأعطوه وطووا، ثم لما كان في اليوم الثالث اتخذت ~~فاطمة ما بينا وقدموه [في] المساء ليفطروا فجاء أسير وقال: يا PageV06P124 # بسم الله الرحمن الرحيم * (والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) ~~والناشرات نشرا (3)) تفسير سورة المرسلات وهي مكية وعن ابن عباس وقتادة: ~~قالا: هي مكية إلا قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) وروى ~~إبراهيم عن الأسود عن عبد الله بن مسعود قال: نزلت سورة والمرسلات على رسول ~~الله ونحن معه على جبل حراء، فأخذتها رطبا من في رسول الله، فخرجت حية من ~~جحرها فقصدناها فدخلت حجره، فقال النبي: ' وقيت شركم كما وقيتم شرها '. # والله أعلم. # قوله تعالى: * (والمرسلات عرفا) قال أكثر المفسرين: على أنها الرياح ترسل ~~عرفا أي: تتبع بعضها بعضا كعرف الفرس. # وعن ابن مسعود وأبي هريرة قالا: هي الملائكة ترسل بالعرف أي: المعروف. # وقوله: * (فالعاصفات عصفا) هي الرياح، وعصفها: شدة هبوبها، يقال: عصفت ~~الريح وأعصفت إذا اشتدت، قاله ابن السكيت. # يقال: الرياح عاصفات لأنها تأتي بالعصف أي: بورق الزرع. # وقيل: إنها الملائكة تعصف بأرواح الكفار. # وقوله: * (والناشرات نشرا) وهي الرياح أيضا تنشر السحاب. # وقيل: إنها الملائكة تنشر الصحف على العباد يوم القيامة. # وقال أبو صالح: هي الأمطار تنشر النبات. # قال الأعشى: PageV06P125 # * (فالفارقات فرقا (4) فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون ~~لواقع (7)). # (لو (أسندت) ميتا إلى صدرها * عاش ولم ينقل إلى قابر) (حتى يقول الناس ~~(مما) رأوا * يا عجبا للميت الناشر) وقوله: * (فالفارقات فرقا) في قول أكثر ~~المفسرين: هم الملائكة يأتون بالفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام. # وقال قتادة: هي آي القرآن فرقت بين الحق والباطل والحلال والحرام. # وقوله: * (فالملقيات ذكرا) ms1888 هي الملائكة تلقي الوحي على الأنبياء والرسل. # وقيل: إنهم الأنبياء، وكذلك فسرت الآية الأولى، وهي مثل قوله: * ~~(فالفارقات فرقا) في بعض الأقوال: والإلقاء طرح الشيء على الشيء، وهو في ~~هذا الموضع للتبيين والإفهام؛ فالملائكة يلقون على الأنبياء، والأنبياء ~~يلقون على الأمم، والعلماء يلقون على المتعلمين. # وقوله: * (عذرا أو نذرا) وقرئ: ' عذرا ' بتسكين الذال. # قال الفراء: إعذارا أو إنذارا. # وقيل: للإعذار والإنذار. # وقال الحسن: ليقيم عذره [على خلقه] بإقامة الحجة عليهم، وأنه عذبهم حين ~~استحقوا العذاب بإنكارهم بعد إقامة الحجج. # والعذر ظهور معنى يوضع اللوم عن الإنسان، وهذا الحد في حق الخلق، فأما في ~~حق الله فلا. # ونصب ' عذرا ' على أنه بدل من قوله: ' ذكرا ' وكأنه قال: فالملقيات عذرا ~~أو نذرا. # قوله تعالى: * (إنما توعدون لواقع) إلى هذا الموضع كان قسما. # وقوله: * (إنما توعدون لواقع) عليه وقع القسم. # وقيل: إن الله تعالى أقسم بهذه PageV06P126 # * (فإذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) وإذا الجبال نسفت (10) ~~وإذا الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم الفصل (13) وما أدراك ما يوم ~~الفصل (14) ويل يومئذ للمكذبين (15)). الأشياء، [و] له أن يقسم بما شاء من ~~خلقه. # وقيل: في الآيات إضمار، ومعناه: ورب المرسلات عرفا، ورب العاصفات... إلى ~~آخره، فيكون قد أقسم بنفسه. # قوله تعالى: * (فإذا النجوم طمست) أي: محيت وأذهب ضوءها. # وقوله: * (وإذا السماء فرجت) أي: شقت. # وقوله: * (وإذا الجبال نسفت) أي: قلعت من أماكنها. # وقوله: * (وإذا الرسل أقتت) أي: جمعت لوقتها، وهو يوم القيامة؛ ليشهدوا ~~على الأمم. # وقيل: التوقيت تقدير الوقت لوقوع الفعل، فلما كانت الرسل - عليهم السلام ~~- قد قدر إرسالهم لأوقات معلومة بحسب صلاح العباد (بها)، كانت قد وقتت بكل ~~الأوقات. # وقرئ: ' وقتت ' و ' وقتت ' و ' أوقتت ' بمعنى واحد، والواو إذا ضمت ~~وابتدأ بها الكلمة أبدلت بالهمز، تقول العرب: ووجوه وأجوه، ووجدانا ~~وأجدانا. # وقيل: ' وإذا الرسل وقتت ' أي: أجلت. # وقوله: * (لأي يوم أجلت) أي: لأي يوم أخرت. # وقوله: * (ليوم الفصل) أي: أخرت ليوم الفصل، وهو يوم القيامة. # وقوله: * (وما أدراك ما يوم الفصل) قال الحسن: والله ما ms1889 درى حتى أعلمه ~~الله تعالى. # وقوله: * (ويل يومئذ للمكذبين) قال النعمان بن بشير: الويل واد في جهنم ~~فيه ألوان من العذاب. # وهو مروي عن ابن مسعود أيضا. PageV06P127 # * (ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين ~~(18) ويل يومئذ للمكذبين (19) ألم نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار ~~مكين (21) إلى قدر معلوم (22) فقدرنا فنعم القادرون (23)). # قوله تعالى: * (ألم نهلك الأولين) أي: قوم نوح وعاد وثمود ومن قرب من ~~زمانهم. # وقوله: * (ثم نتبعهم الآخرين) أي: الذين كانوا بعد ذلك من فرعون وهامان ~~وقارون ومن بعدهم. # وقوله: * (كذلك نفعل بالمجرمين) أي: مشركي مكة ننزل بهم مثل ما نزل بهم، ~~لأنهم عملوا مثل عملهم. # وقيل: ' ثم نتبعهم الآخرين ' هم كفار قريش. # وقوله: * (كذلك نفعل بالمجرمين) هم الذين يأتون بعدهم من الكفار إلى يوم ~~القيامة. # وقرأ ابن مسعود: ' ثم سنتبعهم الآخرين ' وقرأ الأعرج: ' ثم نتبعهم ' بجزم ~~العين. # وقوله: * (ألم نخلقكم من ماء مهين) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ضعيف. # وقوله: * (فجعلناه في قرار مكين) قال عطاء وابن جريج والربيع بن أنس: هو ~~الرحم، والماء المهين هو النطفة. # وقوله: * (إلى قدر معلوم) أي: إلى وقت معلوم، وهو إشارة إلى مدة مكثه في ~~البطن في رحم الأم. # قوله: * (فقدرنا فنعم القادرون) وقرئ: ' فقدرنا ' بتشديد الدال. # قال القتيبي: هما بمعنى واحد. # والعرب تقول: قدر وقدر. # ومنه قوله عليه السلام: ' فإن غم عليكم فاقدروا له ' أي: قدروا له. # (وقد اعترض على هذا القول، فقيل: لو كان قدرنا PageV06P128 # * (ويل يومئذ للمكذبين (24) ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا ~~(26) وجعلنا فيها رواسي شامخات). بمعنى قدرنا) لقال. # فنعم المقدرون. # والجواب: أنه جمع بين اللغتين، وقال الشاعر في مثل هذا: # (وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا) وقيل: في ~~الفرق بين قدرنا وقدرنا، بالتخفيف معناه: ملكنا فنعم المالكون، ومعنى قدرنا ~~بالتشديد أي: قدرنا خلق الإنسان على تارات مختلفة من نطفة وعلقة ومضغة، وما ~~بعد ذلك إلى أن جعلناه إنسانا سويا. # وقيل: قدرنا شقيا وسعيدا، وصغيرا وكبيرا، وأسود وأبيض وغير ذلك. # قوله ms1890 تعالى: * (ألم نجعل الأرض كفاتا) أي: كفتا. # وقيل: مجمعا، فالكفت هو الضم، ومعنى الكفات هاهنا: هو أن الأرض تضم الخلق ~~أحياء وأمواتا، فالضم في حال الحياة هو باكتنانهم واستقرارهم على ظهرها، ~~وبعد الممات باكتنانهم في بطنها وهو القبور، وكان بقيع الفرقد يسمى الكفتة ~~وعن (ابن) يحيى بن سعيد وربيعة: أن اللباس يقطع إذا أخرج الكفن ومن الحرز، ~~وقرأ قوله تعالى: * (ألم لنجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا) رواه سليمان بن ~~(بليل). # وعن الخليل بن أحمد: أن الكفت هو التقلب. # وقوله: * (كفاتا) أي: متقلبا. # قوله تعالى: * (وجعلنا فيها رواسي شامخات) أي: مرتفعات: يقال: شمخ فلان ~~بأنفه إذا رفع قدره، قال بعضهم: # (إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي * وقام بأمري خازم وابن خازم) PageV06P129 # * (وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين (28) انطلقوا إلى ما ~~كنتم به تكذبون (29) انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ظليل ولا يغني من ~~اللهب (31)). # (عطست بأنف شامخ وتناولت * يداي الثريا قاعدا غير قائم) وقوله: * ~~(وأسقيناكم ماء فراتا) أي: عذبا. # وعن ابن عباس قال: أصول الأنهار العذبة أربعة: جيحان وهو نهر بلخ، ودجلة ~~وفرات للكوفة، ونيل مصر. # وذكر الكلبي أن في الدنيا ثلاثة في الجنة [الدجلة]، والفرات، ونهر ~~الأردن، وأنشد الشاعر: # (إذا غاب عنا غاب فراتنا * وإن شهد إحدى نبله وفواضله) قوله: * (انطلقوا ~~إلى ما كنتم به تكذبون) في التفسير: أن الناس يقفون على رؤوس قبورهم أربعين ~~عاما إذا بعثوا، وتدنوا الشمس من رؤوسهم ويزاد في حرها حتى يأخذهم الكرب ~~العظيم وحتى تأخذ بأنفاسهم ثم إن الله تعالى ينجي المؤمنين إلى ظل من ظله ~~برحمته، ويبقى الكفار فيخرج لهم دخان من النار ويتشعب ثلاث شعب فيقال لهم: ~~انطلقوا إلى ذلك الدخان فاستظلوا به فهو معنى قوله تعالى: * (انطلقوا إلى ~~ما كنتم به تكذبون) وإنما قال: * (ما كنتم به تكذبون) لأنهم كانوا يكذبون ~~بالنار. # وهذا دخان النار. # وقوله تعالى: * (انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب) فهو ما ذكرنا وهو بيان ~~الأول. # وقوله: ([لا] ظليل) الظل: حجاب عال يدفع أذى الحر عن الإنسان فقوله: ms1891 * ~~(لا ظليل) أي: لا يدفع الأذى فهو في صورة ظل وليس له معنى الظل. # وقوله: * (ولا يغني من اللهب) أي: لا يدفع عنهم أذى اللهب، واللهب لهب ~~النار. # وعن قطرب قال: اللهب هو العطش. PageV06P130 # * (إنها ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر (33)). # وقوله: * (إنها ترمي بشرر) أي: يتطاير منها الشرر. # وقوله: * (كالقصر) قال أبو عمرو: كالبناء العظيم. # وقيل: كالخيمة من خيام العرب، والعرب تسمي ذلك قصرا. # وقرأ ابن عباس: ' كالقصر ' بتحريك الصاد. # وقيل: إنها أعناق النخيل. # وقيل: أصول النخيل. # وعن بعضهم أنه خشبة كان أهل الجاهلية يتنضدون بها نحو ثلاثة أذرع يسمونها ~~القصر. # وعن مجاهد: أن القصر بتسكين الصاد هو الجبل. # وعن قتادة: أعناق الدواب وهو بنصب الصاد. # (وعن ابن عباس في رواية هو قلوس السفن). # وقيل: [حبال السفن]. # وعن (المبرد) قال: هو الجزل العظيم من الخطب. # وقوله: * (كأنه جمالات صفر) أي: نوق سود، والجمالات جمع جمل. # وقيل: إنها جمع الجمع كأنهم قالوا جمل وجمال وجمالات، وهو مثل قولهم: ~~رجال ورجال ورجالات. # وقرئ بضم الجيم، وهي جمال. # وقرئ: ' جمالة ' على الوحدان مثل حجر وحجارة وحمل وحمالة. # وقوله: * (صفر) أي: سود وإنما سماها صفرا لأنه يشوبها لون من السود وإن ~~كانت صفرا. # ومنه يقال: [البيض الظباء] أدم لأنه يشوبها شيء من الكدورة وإن كانت ~~بيضاء. # وقال الشاعر: # (تلك خيلي منها وتلك ركابي * هن صفر (ألوانها) كالزبيب) PageV06P131 # * (ويل يومئذ للمكذبين (34) هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون (36) ويل يومئذ للمكذبين (37) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين ~~(38) فإن كان لكم كيد فكيدون (39) ويل يومئذ للمكذبين (40) إن المتقين في ~~ظلال وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (42) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم ~~تعملون (43) إن كذلك نجزي المحسنين (44) ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا ~~وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46)). # أي: سود قوله تعالى: * (هذا يوم لا ينطقون) فإن قال قائل: قد قال في موضع ~~آخر: * (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) فكيف الجمع بين الآيتين؟ والجواب: ~~بينا أن ليوم القيامة مواطن ومواقف. # وقوله: * (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) لأنه لا عذر لهم فيعتذرون. # وقوله: ms1892 * (هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون) أي: ~~إن كان لكم حيلة فاحتالوا. # قوله تعالى: * (إن المتقين في ظلال وعيون) قيل: ظلال القصور والأشجار. # وقيل: إن الظل هو ما يدفع أذى الحر عن الإنسان. # وهواء الجنة ينافي كل أذى فهو ظل على هذا المعنى وإن لم يكن هناك شمس. # وقوله: * (وفواكه مما يشتهون) أي: يتمنون. # وقوله: * (كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون) قد بينا من قبل. # وقوله: * (إنا كذلك نجزي المحسنين) قال الحسن البصري: المحسن من أدى جميع ~~فرائض الله واجتنب جميع مناهي الله. PageV06P132 # * (ويل يومئذ للمكذبين (47) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ويل ~~يومئذ للمكذبين (49) فبأي حديث بعده يؤمنون (50)) [المرسلات: 1 - 50] قوله ~~تعالى: * (كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون) هذا على طريق التهديد والوعيد ~~لا على طريق الأمر. # ومعناه: افعلوا ما أنتم فاعلون فسينالكم رعب ذلك وعاقبته. # وقوله: * (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) معناه: إذا قيل لهم: صلوا لا ~~يصلون. # وقيل: إنها نزلت في ثقيف استعفوا من الصلاة. # وقيل: كانوا استعفوا من الركوع والسجود فقال النبي: ' لا خير في دين ليس ~~له ركوع ولا سجود '. # وقوله: * (فبأي حديث بعده يؤمنون) أي: بأي كتاب بعد القرآن يؤمنون إن لم ~~يؤمنوا بهذا الحديث بعد ظهور براهينه وقيام الدلائل على أنه من عند الله؟! ~~فإن قال قائل: ما وجه التكرار في قوله: * (ويل يومئذ للمكذبين) في هذه ~~السورة والمرة الواحدة تغني عن المراد به؟ والجواب قد بينا هذا في سورة ~~الرحمن. # ووجه ذلك أنه لما كرر ذكر النعم في تلك السورة كرر الزجر عن كفرانها ~~والنهي عنها بقوله: * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ولما كرر ذكر الآيات في هذه ~~السورة لإقامة الحجيج عليهم كرر ذكر العقوبة عليهم بذكر الويل ليكون أبلغ ~~في الإنذار والإعذار وهو على عادة كلام العرب فإن الرجل يقول لغيره: ألم ~~أحسن إليك بأن فعلت لك كذا؟ ألم أحسن بأن خلصتك من المكاره؟ ألم أحسن بأن ~~تشفعت لك إلا فلان؟ وغير ذلك فيحسن منه التكرير لاختلاف ما ms1893 يقرره به. # قال مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليبا على هذا المعنى: # (علي أن ليس عدلا من كليب * إذا طرد (اللئيم) عن الجزور) (علي أن ليس ~~عدلا من كليب * إذا ما ضيم جيران المجير) PageV06P133 # (علي أن ليس عدلا من كليب * إذا خرجت مخبأة الخدور) (على أن ليس عدلا من ~~كليب * غداة بلائك الأمر الكبير) (علي أن ليس عدلا من كليب * إذا ما ضام ~~جار المستجير) والله أعلم. PageV06P134 # بسم الله الرحمن الرحيم * (عم يتساءلون (1) عن النبأ العظيم (2) الذي هم ~~فيه مختلفون (3) كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الأرض مهادا ~~(6)). # تفسير سورة النبأ وهي مكية قوله تعالى: * (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) ~~معناه: عن ما يتساءلون فأدغمت النون في الميم، وأسقطت الألف فصار عم. # قال الزجاج: لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى تفخيم القصة مثل القائل: أي شيء ~~زيد؟ # وفي التفسير: أن رسول الله لما بعث ودعا المشركين إلى التوحيد جعل بعضهم ~~يسأل بعضا فبماذا بعث محمد؟ وإلى ماذا يدعو؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # ومعنى يتساءلون أي: يسأل بعضهم بعضا. # وقوله: * (عن النبأ العظيم) قيل معناه: عن النبأ العظيم: واختلف القول في ~~النبأ العظيم: روى أبو صالح عن ابن عباس: أنه القرآن، وعن قتادة: أنه ~~البعث، وهو قول أبي العالية والربيع بن أنس وجماعة، وعن الحسن أنه قال: هو ~~النبوة، والقولان الأولان معروفان. # وقوله: * (الذي هم فيه مختلفون) أي: منهم المصدق، ومنهم المكذب. # وقوله: * (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) قال الحسن: هو تهديد بعد تهديد. # وعن الضحاك قال: قوله: * (كلا سيعلمون) أي: الكفار. # وقوله: * (ثم كلا سيعلمون) أي: المؤمنون، والظاهر أنهما جميعا للكفار. # قوله تعالى: * (ألم نجعل الأرض مهادا) لما أخبر الله تعالى باختلافهم في ~~القرآن والقيامة - وكان اختلافهم في البعث بالتصديق والتكذيب - واختلافهم ~~في القرآن PageV06P135 # * (والجبال أوتادا (7) وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) ~~وجعلنا الليل لباسا (10)). أنه سحر أو شعر أو كهانة، فذكر الله تعالى ~~الدلائل عليهم في التوحيد، وأن ما أنزله حق وصدق، وعدد نعمه عليهم، ~~ليعترفوا به ويشكروه. # قوله تعالى: ms1894 * (مهادا) أي: بساطا وفراشا والنعمة في تذليلها وتوطئتها ~~لهم. # وقوله: * (والجبال أوتادا) قال ابن عباس: لما خلق الله تعالى الأرض جعلت ~~تكفأ - وحرك ابن عباس يده - فخلق الله الجبال وأرساها بها - أي: أثبتها - ~~فهي أوتاد الأرض، كما يثبت الشيء على الحائط بالوتد. # وقوله: * (وخلقناكم أزواجا) أي: أصنافا وموضع النعمة هي سكون بعضهم إلى ~~بعض، فالرجل والمرأة زوج، وكذلك السماء والأرض، والليل والنهار، وغير ذلك ~~من الخلق، وقيل: أزواجا أي: متآلفين، تألفون أزواجكم، وتألفكم أزواجكم. # وقوله: * (وجعلنا نومكم سباتا) قال ثعلب: قطعا لأعمالكم، وأصل السبات هو ~~التمدد والسكون. # والمعنى: أنهم ينقطعون عن الحركة بالليل فيسكنون ويستريحون، وقيل: سباتا ~~أي: راحة. # وقال الشاعر: # ومطوية (الأقتاب) أما نهارها * فسبت وأما ليلها فزميل) أي قطيع. # وقوله تعالى: * (وجعلنا الليل لباسا) أي: سترا لكم، وهو مذكور على طريق ~~المجاز، ووجهه أن ظلمة الليل لما غشيت كل إنسان كما يغشاه اللباس، سماه ~~لباسا PageV06P136 # * (وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا ~~وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) على طريق المجاز. # وقوله: * (وجعلنا النهار معاشا) أي: مبتغى معاش ومطلب معاش، والمعنى: أنه ~~الزمان الذي يعيشون وينصرفون فيه. # وقوله: * (وبنينا فوقكم سبعا شدادا) أي: السماوات السبع. # وقوله: * (شداد) أي: صلبة، وفي الآثار: أن غلط كل سماء مسيرة خمسمائة ~~عام. # وقوله: * (وجعلنا سراجا وهاجا) أي: جعلنا الشمس وقادا متلألئا. # وقوله: * (وأنزلنا من المعصرات ماء) قال ابن عباس: هي الرياح، وتسميتها ~~بهذا الاسم؛ لأن الرياح تلقح السحاب ليكون فيه المطر، فكأن المطر كان من ~~الرياح، والقول الثاني: أن المعصرات هي السحاب، وهو مروي عن ابن عباس أيضا، ~~وهو قول مجاهد وجماعة. # قال المبرد: تسميته بالمعصرات، لأنه ينعصر بالمطر شيئا فشيئا، وقيل: من ~~المعصرات أي: بالمعصرات ماء ثجاجا. # وقوله: * (ثجاجا) أي: منصبا بعضه في إثر بعض. # وعن النبي أنه قال: ' أفضل الحج العج والثج ' فالعج رفع الصوت بالتلبية، ~~والثج إراقة الدماء. # وعن PageV06P137 # * (لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) إن يوم الفصل كان ميقاتا ~~(17) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (18) وفتحت ms1895 السماء فكانت أبوابا (19) ~~وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم كانت مرصادا (21) قتادة: أن ~~المعصرات هو السماء، وهو قول غريب. # قوله: * (لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا) أي: ملتفة، وواحد الألفاف ~~لف، والملتفة هي الداخل بعضها في بعض. # قوله تعالى: * (إن يوم الفصل كان ميقاتا) أي: ميعادا للخلائق، وهو يوم ~~القيامة. # وقوله: * (يوم ينفخ في الصور) ذكر النقاش في تفسيره: أن إسرافيل - عليه ~~السلام - ينزل فيجلس على صخرة بيت المقدس، وتجعل الأرواح في الصور كأمثال ~~النحل، واستدارة فم الصور كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، ثم ~~ينفخ فتخرج الأرواح منها، وترجع إلى أجسادها. # وقوله: * (فتأتون أفواجا) قال مجاهد: زمرا زمرا. # وقوله: * (وفتحت السماء) أي: جعلت طرقا، و قيل: فتحت أبواب السماء لنزول ~~الملائكة. # وقوله: * (فكانت أبوابا) أي كانت طرقا على ما بينا. # وقوله: * (وسيرت الجبال فكانت سرابا) أي: هباء منبثا، وقيل: هو يصير ~~كالسراب ترى أنه شيء وليس بشيء. # وقوله: * (إن جهنم كانت مرصادا) قال أهل اللغة: كل شيء كان أمامك فهو ~~رصد، والمراد أنه المكان الذي يرصد فيه الكفار لنزول العذاب بهم. # وعن بعضهم: يا صاحب الرصد، اذكر الرصد، وقيل: مرصادا أي: يرصدون بالعذاب ~~أي: على معنى أنه يعد لهم. # وقوله: * (للطاغين مآبا) أي: منقلبا، يقال: آب إلى مكان كذا أي: رجع ~~وانقلب. PageV06P138 # * (للطاغين مآبا (22) لابثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا ~~شرابا (24)). # وقوله: * (لابثين فيها أحقابا) الحقبة في اللغة قطعة من الزمان مثل ~~الحين. # قال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا: # (وكنا كندماني جذيمة حقبة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا) أي: قطعة، وأما ~~المنقول في التفاسير عن السلف في معنى الحقب: فأظهر الأقوال أنه ثمانون ~~سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم ألف سنة، وهو مروي عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص، وسعيد بن جبير، وقتادة وغيرهم، ومثله عن أبي هريرة. # وعن بعضهم: أنه ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم مثل ~~مدة الدنيا، وعن بعضهم: بضع وثمانون عاما، فإن قيل: هذه ms1896 الآية تدل على أن ~~عذاب الكفار ينقطع عند مضي الأحقاب؟ والجواب من وجوه: (أحدها): أن معناه ~~لابثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا أي: يعذبون بهذا النوع ~~من العذاب أحقابا، وثم أحقاب أخر لسائر أنواع العذاب، قاله المبرد. # والوجه الثاني: وهو أن معنى لابثين فيها أحقابا لا تخبو عنهم النار، فإذا ~~خبت النار وزيدوا سعيرا لبثوا أبدا والوجه الثالث: ما قاله ابن كيسان، وهو ~~أن معناه لابثين فيها أحقابا إلى أحقاب لا تنقطع أبدا. # قال النحاس: وهو أبين الأقوال. # وقوله: * (لا يذوقون فيها بردا) قال ثعلب، نوما، وتقول العرب: منع البرد، ~~والبرد أي: نوم، وقال الشاعر: # (فإن شئت حرمت النساء سواكم * وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا) النقاخ ~~الماء الزلال وقيل: ' بردا ' أي: (راحة)، وقيل: ' بردا ' لا يبرد عنهم حر ~~السعير ولهبه. # وقوله: * (ولا شرابا) أي: لا يسكن منهم العطش. PageV06P139 # * (إلا حميما وغساقا (25) جزاءا وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا ~~(27) وكذبوا بآياتنا كذابا (28) وكل شيء أحصيناه كتابا (29) فذوقوا فلن ~~نزيدكم إلا عذابا (30)). # وقوله: * (إلا حميما وغساقا) قال أبو عبيدة: الحميم الماء الحار، ومنه ~~الحمى، ومنه قوله تعالى: * (وظل من يحموم) وقيل: الحميم هو أنه تجمع دموعهم ~~فيسقون. # وقوله: * (وغساقا) أي: القيح الغليظ، وقيل: [هو] صديد أهل النار، وقيل: ~~الحميم ما هو في نهاية الحر، والغساق ما هو في نهاية البرد وهو الزمهرير، ~~فيعذبون بكل واحد من العذابين. # وقوله: * (جزاءا وفاقا) أي: جزاء يوافق أعمالهم. # قال ابن زيد: عملوا شرا، فجوزوا شرا. # قوله تعالى: * (إنهم كانوا لا يرجون حسابا) أي: لا يخافون، وقد بينا ~~الرجاء بمعنى الخوف فيما سبق. # وقوله: * (وكذبوا بآياتنا كذابا) أي: تكذيبا، قال الفراء: هي لغة فصيحة ~~يمانية. # وقوله: * (وكل شيء أحصيناه كتابا) هو مثل قوله تعالى: * (وكل شيء أحصيناه ~~في إمام مبين) أي: بيناه في اللوح المحفوظ. # وقوله: * (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا) أي: يقال لهم: فذوقوا العذاب فهو ~~غير منقطع عنكم، ولا تزادون إلا العذاب. # قال الشاعر: PageV06P140 # * (إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب ms1897 أترابا (33) وكأسا ~~دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء حسابا). # (فصدقتها وكذبتها * والمرء ينفعه كذابه) قوله تعالى: * (إن للمتقين ~~مفازا) أي: فوزا، والمفاز: موضع الفوز. # وقوله: * (حدائق وأعنابا) ظاهر المعنى، وقد بينا. # وقوله: * (وكواعب أترابا) الكواعب: هي النواهد، يقال: جارية كاعب أي خرج ~~ثديها مثل الكعب وهي ناهد. # وقوله: * (أترابا) أي لدات، وقيل: بنات ثلاث وثلاثين سنة. # وقوله: * (وكأسا دهاقا) أي ممتلئة، قاله مجاهد، وقال عكرمة: صافية، وعن ~~بعضهم: متتابعة، والقول الأول أظهر، وهو محكي عن ابن عباس، وعنه أنه قال: ~~كثيرا سمعت العباس يقول: اسقيني يا جارية الكأس وادهقي، وعنه أيضا: أنه دعا ~~بكأس فجاءت به الجارية ملآن فقال: هذا هو الدهاق. # وقوله: * (لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا) اللغو: هو الكلام المطرح. # وقوله: * (كذابا) أي: لا يكذب بعضهم بعضا، وقرئ ' كذابا ' بالتخفيف ~~ومعناه: الكذب لا غير، قال الشاعر: # (فصدقتها وكذبتها * والمرء ينفعه كذابه) أي: كذبه. # وقوله تعالى: * (جزاء من ربك عطاء حسابا) أي: عطاء كافيا يقال: أعطاني ~~فلان حتى أحسبني، يعني: حتى قلت حسبي، وقال قتادة: عطاء حسابا أي: كثيرا، ~~وقال الشاعر في المعنى الأول. # (ونقفي وليد الحي إن كان جائعا * ونحسبه إن كان ليس بجائع) وقوله: * ~~(جزاء من ربك عطاء) أي: جوزوا جزاء، وأعطوا عطاء. PageV06P141 # (* (36) رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) ~~يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ~~(38) ذلك اليوم الحق). # قوله تعالى: * (رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن) كلاهما بالرفع، ~~وقرئ: ' رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن ' الأول بالجر، والآخر ~~بالرفع. # وقرئ كلاهما بالكسر: ' رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن ' فوجه ~~القراءة الأولى أن قوله: * (رب السماوات والأرض) رفع بالابتداء والرحمن ~~خبره، ووجه القراءة الثانية أن قوله: * (رب السماوات والأرض) مخفوض اتباعا ~~لقوله: * (من ربك) وقوله: * (الرحمن) ابتداء، ووجه القراءة الثالثة، أن ~~كليهما مخفوض اتباعا لقوله: * (من ربك). # وقوله تعالى: * (لا يملكون منه خطابا) أي: لا يتكلمون مع الله، ويمنعون ~~من ms1898 الكلام معه، وقيل: لا يملكون منه خطابا أي: لا يشفعون لأحد إلا بإذنه، ~~على ما قال من بعد قوله تعالى: * (يوم يقوم الروح) قال مجاهد: الروح خلق ~~يشبهون بني آدم، وليسوا بني آدم، وقيل: هو جبريل - عليه السلام - وقيل: هو ~~خلق من خلق الله لم يخلق بعد العرش أعظم منه يقوم يوم القيامة صفا و جميع ~~الملائكة صفا، وقيل: صفا، أي: صفوفا وموضع صلاة العبد يسمى صفا، لأنه موضع ~~الصفوف. # وقوله: * (لا يتكلمون) أي: لا يشفعون، أي: الملائكة وقيل: لا يتكلمون ~~مطلقا. # قوله: * (إلا من أذن له الرحمن) أي: بالشفاعة والكلام. # وقوله: * (وقال صوابا) أي: حقا، وقيل: هو لا إله إلا الله، والمعنى: أنهم ~~لا يتكلمون إلا بالإذن أو كلاما صوابا، وهو لا إله إلا الله. # قوله تعالى: * (ذلك اليوم الحق) أي: القيامة هو اليوم الحق، ومعنى الحق ~~هاهنا: أنه PageV06P142 # * (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر ~~المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا (40)). كائن لا محالة. # وقوله: * (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) أي منقلبا حسنا بالطاعة والعبادة. # وقوله تعالى * (إنا أنذرناكم عذابا قريبا) أي النار وكل آت فهو قريب. # وقوله * (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه) أي ما قدمت يداه من الخير والشر. # وقوله * (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) روى [جعفر بن برقان] عن ابن ~~الأحم عن ابن عباس أن الله تعالى يجمع الخلق يوم القيامة من الدواب والطيور ~~والناس والجن فرذا نزل الثقلين منازلهم، قال للطيور والبهائم والدواب: كوني ~~ترابا، فتكون ترابا فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو محمد عبد الله بن أحمد أخبرنا ~~أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البراز أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا ~~الغدافري أخبرنا الدبري هو إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرازق عن معمر عن ~~جعفر بن برقان.. الحديث. # وقيل: إن الكافر هاهنا هو أبو جهل. # وذكر النقاش في تفسيره عن الحسن بن ms1899 واقد قال: إن الكافر يقول: يا ليتني ~~كنت خنزيرا فأصير ترابا، فيقول التراب له: لا ولا كرامة لك - يعني لا يكون ~~مثلي. # وحكى مثل هذا عن السدي أيضا. # وعن بعضهم أن معنى قوله * (يا ليتني كنت ترابا) أي يا ليتني لم أبعث. # وقد ورد في الحقب الذي ذكرنا أثران عن ابن عمر أنه قال: ليعمل أحدكم ~~بالطاعة ولا يتكلمن على أنه يدخل النار ثم يخرج منها فإنه لا يدخل النار ~~أحد فيخرج منها إلا بعد أن يمكث أحقابا وذكر الحقب كما بينا من ذكر ~~الثمانين. PageV06P143 # والأثر الثاني ما روى عن ابن مسعود في بقاء النعيم لأهل الجنة والعذاب ~~لأهل النار وهو ما روى السدي عن مرة عن عبد الله أنه قال: لو علم أهل النار ~~أنهم يمكثون في النار عدد الحصى سنين ثم يخرجون منها لفرحوا ولو علم أهل ~~الجنة أنهم يمكثون عدد الحصى سنين ثم يخرجون منها لحزنوا. # والأثران غريبان. PageV06P144 # بسم الله الرحمن الرحيم * (والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2)). # تفسير سورة والنازعات وهي مكية، والله أعلم. # قوله تعالى: * (والنازعات غرقا) فيه أقوال: أظهرها: أنها الملائكة تنزع ~~أرواح الكفار بشدة، وهو قول ابن عباس وجماعة وروي مثله عن ابن مسعود في ~~رواية مسروق. # قوله: * (غرقا) أي: إغراقا يقال: أغرق في النزع إذا بلغ الغاية. # وعن الحسن: أنها النجوم تنزع من أفق إلى أفق، أي: تطلع وتغرب، وعن عطاء ~~بن أبي رباح: أنها القسي وهو من نزع القوس والإغراق فيه. # وقوله: * (والناشطات نشطا) على القول الأول هي الملائكة أيضا تنشط أرواح ~~الكفار أي: تجذبها بسرعة، قال الشاعر: # (أمست همومي تنشط المناشطا * الشام بي طورا وطورا واسطا) والنشط في ~~اللغة: هو الجذب، و يقال: تجذب روح الكفار كما يجذب السفود من الصوف الرطب، ~~وقيل: إن معنى الناشطات أخذ الملائكة أرواح المؤمنين بسهولة كما ينشط ~~البعير من العقال. # وفي الأخبار: أن الملائكة تأخذ روح الكفار بغاية الشدة، فإذا بلغت ترقوته ~~ردوا الروح في جسده، ثم نزعته هكذا مرات عقوبة له، وتأخذ روح المؤمن سرعة ms1900 ~~وسهولة، والقول الثاني: أن الناشطات هي النجوم على ما ذكرنا عن الحسن، ~~والمراد سرعة PageV06P145 # * (والسابحات سبحا (3) فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5)). سيرها، ~~ويقال: رجوعها من المغرب إلى مطالعها، وذلك في السبع السيارة، وهو في معنى ~~قوله تعالى: * (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) على ما سنبين، ذكره النقاش. # والقول الثالث: أنها الأوهاق. # وقوله تعالى: * (والسابحات سبحا) على القول الأول هي الملائكة، وسبحها ~~سيرها بين السماء والأرض، وعلى القول الثاني أنها النجوم، وسبحها في الفلك، ~~والقول الثالث: أنها الخيل، وسبحها سرعة جريها، يقال للفرس الجواد: سابح. # وقوله: * (فالسابقات سبقا) على القول الأول هي الملائكة، وسبقها مبادرتها ~~إلى الأعمال الصالحة والخيرات. # ويقال: سبقها: هو المسابقة إلى تبليغ الوحي قبل استراق الشياطين السمع، ~~وعلى القول الثاني هي النجوم تسبق بعضها بعضا في السير، وعلى القول الثالث ~~هي الخيل أيضا يسبق بعضها بعضا عند المسابقة، ويقال: إنها النفوس تسبق إلى ~~الخروج عند الموت. # وقد ذكر السدي أيضا أن معنى النازعات: هي النفوس والأرواح تنزع عند ~~الموت. # وقوله تعالى: * (فالمدبرات أمرا) هي الملائكة في قول الجميع، إلا ما روى ~~في رواية غريبة برواية خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل: أنها النجوم. # فمعنى التدبير من الملائكة هو ما جعل الله إليها من الأمور. # قال عبد الرحمن بن سابط: فإلى جبريل الجنود، وإلى ميكائيل القطر والنبات، ~~وإلى عزرائيل قبض الأرواح، وإلى إسرافيل إنزال PageV06P146 # * (يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) قلوب يومئذ واجفة (8) ~~أبصارها خاشعة (9) يقولون). لأمور إليهم في هذه الأشياء [إلى]: الملائكة، ~~وأما إذا حملناه على النجوم، فيجوز أن يعلق الله تعالى على مطالعها ~~ومغاربها وسيرها أشياء، وأضاف التدبير إليها على طريق المجاز. # واختلف القول في المقسم به والمقسم عليه: فأحذ القولين: أنه أقسم بهذه ~~الأشياء، ولله أن يقسم من خلقه بما شاء، والقول الثاني: أن معناه: ورب ~~النازعات، فذكر الرب مضمر في هذه الكلمات، وإنما أقسم بنفسه لا بهذه ~~الأشياء. # وأما الذي وقع عليه القسم ففيه قولان: أحدهما: أنه محذوف، والمعنى: ~~لتبعثن ولتحاسبن، وما أشبه ذلك. # والقول الثاني: ms1901 أن الذي وقع عليه القسم هو قوله تعالى: * (إن في ذلك ~~لعبرة لمن يغشى). # قوله تعالى: * (يوم ترجف الراجفة) الرجف والراجفة هي الاضطراب والزلزال ~~الشديد، وهو في معنى قوله تعالى: * (إذا زلزلت الأرض زلزالها) وقيل: ~~الراجفة هي الصيحة الأولى التي يميت بها الخلائق. # وقوله: * (تتبعها الرادفة) فيه قولان: أحدهما: أنها القيامة، والآخر: ~~أنها الصيحة الثانية. # وعن ابن عباس: أن بينهما أربعين سنة، وتمطر السماء في هذه الأربعين فتهتز ~~الأرض، وتنبت الناس في القبور، ثم ترد إليهم أرواحهم في الصيحة الثانية. # وقوله تعالى: * (قلوب يومئذ واجفة) أي: مضطربة، يقال: وجف يجف، ووجب يجب ~~بمعنى واحد وقيل: واجفة أي: وجلة. # وقوله: * (أبصارها خاشعة) أي: ذليلة. # وقوله: * (يقولون) هذا إخبار عن قولهم في الدنيا أي: يقولون في الدنيا: * ~~(أئنا PageV06P147 # * (أئنا لمردودون في الحافرة (10) أإذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا تلك ~~إذا كرة خاسرة (12) فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14)). ~~لمردودون في الحافرة) أي: إلى أول أمرنا، والمعنى: أنرد أحياء بعد أن متنا ~~على طريق الإنكار، يقال: رجع فلان على حافرته إذا رجع من حيث جاء. # العرب تقول: النقد عند الحافرة أي: عند أول كلمة، أي: في السوم. # وقال الشاعر: # (أحافرة على صلع وشيب * معاذ الله من سفه وعار) وقال السدي: * (أئنا ~~لمردودون في الحافرة) أي: إلى الحياة، وهو على ما قلنا وقيل: إلى النار. # وقوله تعالى: * (أئذا كنا عظاما نخرة) وقرئ: ' ناخرة '، قال الفراء: هما ~~واحدة، وهي البالية الفانية. # وعن أبي عمرو بن العلاء: أن النخرة هي التي قد بليت، والناخرة هي التي لم ~~تبل بعد، وعن وكيع قال: هي التي تدخل الريح في جوفها فتنخر، وهو منقول أيضا ~~عن أهل اللغة. # وقوله: * (قالوا تلك إذا كرة خاسرة) أي: رجعة ذات خسران، والمعنى: أنا ~~نكون في خسار إن رجعنا، ويجوز أن يكون المراد أنهم يخسرون إذا رجعوا. # وعن الحسن قال: خاسرة أي: كاذبة يعني: ليست بكائنة. # وقوله: * (فإنما هي زجرة واحدة) هو إخبار عن سهولة الأمر على الله في ~~الفهم، والزجرة: الصحية. # وقوله: ms1902 * (فإذا هم بالساهرة) القول المعروف أنها وجه الأرض يعني: أنهم ~~يخرجون من بطنها إلى ظهرها، وسميت الأرض ساهرة، لأن عليها سهر الخلق ~~ونومهم، وقال النخعي ' فإذا هم بالساهرة ' أي: فوق الأرض. # وعن وهب بن منبه أنه قال: الساهرة جبل بجنب بيت المقدس، قال الشاعر في ~~الساهرة: # (فإنما قصرك ترب الساهرة * ثم تعود بعدها في الحافرة) PageV06P148 # * (هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) ~~فأراه الآية الكبرى (20)). # (من بعد ما كنا عظاما ناخرة *) قوله تعالى: * (هل أتاك حديث موسى) أي: قد ~~أتاك. # وقوله: * (إذ ناداه ربه بالواد المقدس) أي: المطهر. # وقوله: * (طوى) أي: طوى بالبركة والتقديس مرتين، وقيل: سماه طوى لأن موسى ~~وطئه بقدمه، وقيل: إنه اسم الوادي وقيل: هو الأرض التي بين المدينة ومصر. # وقرأ الحسن: ' طوى ' بكسر الطاء، والمعروف طوى، وهو غير مصروف لأنه اسم ~~البقعة من الوادي وهو معروف وعن الزجاج قال: يجوز أن يكون معدولا من طاو، ~~فلهذا لم يصرف مثل: عمرو معدول عامر، وقرئ: مصروفا وأنشدوا: # * (أعاذل إن اللوم في غير كنهه * على طوى من غيك المتردد). # وقول: * (اذهب إلى فرعون إنه طغى) قد بينا، والطغيان هو مجاوزة الحد. # وقوله: * (فقل هل لك إلى أن تزكى) وقرئ: ' تزكى ' بالتشديدين. # قال أبو عمرو ابن العلاء: لا يجوز بالتشديدين، ويجوز بالتخفيف؛ لأن تزكى ~~هو من إعطاء الزكاة. # وقوله: * (تزكى) هو الدخول في طهارة الإسلام، وتابعه أبو عبيد على هذا ~~[وذكر] النحاس في تفسيره: أن هذا غلط، وتزكى وتزكى بمعنى واحد، فتزكى مدغم، ~~وتزكى محذوف منه يقال: زكاه الله أي: طهره بالإسلام فتزكى ويقال أيضا لمن ~~أعطى زكاة ماله: تزكى. # وقوله: * (وأهديك إلى ربك فتخشى) أي: إذا أصبت الهداية حسنت منك. # وقوله: * (فأراه الآية الكبرى) يقال: (هي) العصا، وقيل: إنها اليد ~~البيضاء، ويقال: كلاهما. PageV06P149 # * (فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى (23) فقال أنا ربكم ~~الأعلى (24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ms1903 ذلك لعبرة لمن يخشى ~~(26) أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27)). # وقوله: * (فكذب وعصى ثم أدبر يسعى) أي: أعرض وجعل يسعى في إبطال أمر ~~موسى. # وقوله: * (فحشر فنادى) الحشر هو الجمع من كل جهة. # وقوله: * (فنادى) أي ناداهم، وقال لهم * (أنا ربكم الأعلى) أي: لا رب ~~فوقي. # قال الحسن: كان فرعون علجا من أهل أصبهان طوله أربعة أشبار، وعن مجاهد: ~~علج من أهل همذان، وعن بعضهم: أنه من أهل إصطخر. # وفي القصة: أن موسى قال لفرعون: لك ملك لا يزول، وشباب لا هرم فيه، ولك ~~الجنة في الآخرة فقل: هو ربي وأنا عبده فقال: حتى استشير هامان، فلما ~~استشار ه قال: أتصير عبدا بعد أن كنت معبودا، لا تقل هذا. # فأبى أن يقول. # ذكره النقاش في تفسيره. # وقوله: * (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) أي: أخذه أخذا نكالا لمقالته ~~الآخرة والأولى، فمقالته الأولى قوله: * (ما علمت لكم من إله غيري)، ~~ومقالته الآخرة، قوله * (أنا ربكم الأعلى) ويقال: نكل به وعاقبه في الدنيا ~~والآخرة، ففي الدنيا هو الغرق، وفي الآخرة هو النار. # وقوله: * (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) أي: اعتبارا لمن يخاف الله تعالى. # قوله تعالى: * (أأنتم أشد خلقا) استدل عليهم بهذه الآيات في قدرته على ~~البعث، والمعنى بأن إعادتكم خلقا جديدا أشد أم خلق السماء؟ وهو مثل قوله ~~تعالى: * (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس). # وقوله: * (أم السماء بناها) معناه: أم السماء التي بناها؟ وقيل المعنى: ~~أأنتم أشد PageV06P150 # * (رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك). ~~خلقا أم السماء؟ وتم الكلام ثم قال: * (بناها) أي: بناها الله تعالى. # وقوله: * (رفع سمكها فسواها) هو في معنى قوله تعالى: * (هل ترى من فطور) ~~أي: من شقوق وفروج، وقيل: معنى التسوية هاهنا هو أنه ليس بعضها أرفع من بعض ~~ولا أخفض من بعض، والسمك الارتفاع. # وقوله: * (وأغطش ليلها وأخرج ضحاها) أي: أظلم ليلها. # وقوله: * (وأخرج ضحاها) أي: أبرز نهارها، وقيل: أظهر ضوءها، وأضاف الظلمة ~~والضوء إلى السماء لأنهما يظهران من جانب ms1904 السماء عند طلوع الشمس وغروبها * ~~(والأرض بعد ذلك دحاها) أي: بسطها. # قال أمية بن أبي الصلت: # (وبث الخلق فيها إذ دحاها * فهم قطانها حتى التنادي) وقال سعيد بن زيد: # (أسلمت بوجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا) دحاها فلما استوت ~~شدها * وأرسى عليها جبالا) وقوله: * (بعد ذلك) أي: مع ذلك، وقيل: إنه خلق ~~الأرض قبل السماء على ما قال في ' حم السجدة '، ثم بسطها بعد خلق السماء. # وفي الأثر عن ابن عباس: أنه لم يكن إلا العرش والماء، فخلق على الماء ~~حجرا كالفهر، ثم خلق عليه دخانا ملتصقا به، ثم خلق موجا على الماء، ثم رفع ~~الدخان من الحجر، وخلق من الحجر الأرض، ومن الدخان السماء، ومن الموج ~~الجبال. PageV06P151 # * (دحاها (30) أخرج منها ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها (32) متاعا ~~لكم ولأنعامكم (33) فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر الإنسان ما سعى ~~(35) وبرزت الجحيم لمن يرى (36) فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) ~~فإن الجحيم هي المأوى (39)). # وقوله: * (أخرج منها ماءها ومرعاها) أي: أخرج من الأرض الماء لحياة ~~النفوس، والمرعى للأنعام. # وقوله: * (والجبال أرساها) أي: أثبتها. # وقوله: * (متاعا لكم) أي: إمتاعا لكم * (ولأنعامكم) وإنما انتصب لأن ~~معناه: للإمتاع، ثم نزعت اللام الخافضة فانتصب. # قوله تعالى: * (فإذا جاءت الطامة الكبرى) الطامة في اللغة: هي الداهية ~~العظيمة، وقيل: هي الأمر الذي لا يستطاع ولا يطاق، يقال: طم الوادي إذا جاء ~~منه ما لا يطاق وعلا كل شيء، وعن ابن عباس: أن الطامة اسم القيامة، وسميت ~~القيامة طامة؛ لأنها تطم كل شيء أي: فوق كل شيء. # وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: ' ما من طامة إلا وفوقها طامة ' وهو ~~خبر غريب. # وقوله: * (يوم يتذكر الإنسان ما سعى) أي: يذكر. # قوله: * (وبرزت الجحيم لمن يرى) وفي التفسير: أن الحكمة في إظهار الجحيم ~~مشاهدة الكفار مكان عقوبتهم، وليعلم المؤمنون من أي عذاب نجوا. # وقوله: * (فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا) أي: على الآخرة. # وحكى أبو الحسين بن فارس في تفسيره عن حذيفة: أن من أكل على مائدة ثلاثة ms1905 ~~ألوان من الطعام، فقد آثر الحياة الدنيا، وأورد في خبر مرفوع أن النبي قال: ~~' من آثر الحياة الدنيا على الآخرة شتت الله عليه همه، ثم لم يبال بأيها ~~هلك '. # وقوله: * (فإن الجحيم هي المأوى) أي: مأواه الجحيم، وهو معظم النار. ~~PageV06P152 # * (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى ~~(41) يسألونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ذكراها (43) إلى ربك ~~منتهاها (44) إنما أنت منذر من يخشاها (45)). # وقوله: * (وأما من خاف مقام ربه) أي: قيامه عند ربه للحساب. # وقوله: * (ونهى النفس عن الهوى) أي: عما هواه ويشتهيه على خلاف الشرع. # وقوله: * (فإن الجنة هي المأوى) أي: منزلة ومأواه الجنة، وفي بعض ~~التفاسير: أن الآية الأولى نزلت في النضر بن الحارث وأمية بن خلف وعقبة ~~وعتبة ابني أبي لهب وجماعة، والآية الثانية نزلت في مصعب بن عمير، وكان قد ~~وقي رسول الله بنفسه يوم أحد حتى دخلت المشاقص في جوفه، واستشهد في ذلك ~~اليوم، وكان صاحب لواء المهاجرين. # قوله تعالى: * (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) أي: متى قيامها؟ ومرساها: ~~منتهاها، والمعنى عن ماهيتها. # وقوله: * (فيم أنت من ذكراها) أي: مالك ومعرفة وقت قيام الساعة؟ وفي بعض ~~التفاسير: ' أن النبي كان يسأل كثيرا جبريل متى الساعة، فلما أنزل الله ~~تعالى هذه الآية، ارتدع وكف ولم يسأل بعد ذلك ' وهو مثل قول القائل لغيره: ~~مالك وهذا الأمر؟ وفيه زجر إياه عن السؤال. # قوله: * (إلى ربك منتهاها) أي: منتهى علم قيامها، وقيل معناه: أن كل من ~~يسأل عنه يقول: الله أعلم، فيرد علمها إلى الله. # وقوله: * (إنما أنت منذر من يخشاها) أي: تنذر بعذاب يوم القيامة من يخشى ~~القيامة. PageV06P153 # * (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46)). # وقوله: * (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) أي: أول نهار ~~أو آخر نهار، فأول النهار من طلوع الشمس إلى ارتفاعها، وآخر النهار من ~~العصر إلى غروبها، وهو مثل قوله تعالى: * (كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ~~بلاغ) فإن قيل: ms1906 كيف أضاف ضحى النهار إلى عشيته، وإنما ضحى النهار يضاف إلى ~~النهار فبأي وجه تستقيم هذه الإضافة؟ والجواب: أنه يجوز مثل هذا في كلام ~~العرب، وهم يفعلون كذلك ويريدون بمثل هذه الإضافة، الإضافة إلى النهار. # قال الشاعر: # (نحن صبحنا عامرا في دارها * عيشة الهلال أو سرارها) وقيل معنى ذلك: كأن ~~لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها أي: يوما من الأيام، فالمراد من العشية هو ~~اليوم، والضحى هو اليوم أيضا، فإن قيل: كيف يصح هذا الظن، وعندكم أنهم ~~يعذبون في قبورهم؟ والجواب: أنهم يخفتون خفتة بين النفختين، فإذا بعثوا ~~ظنوا ما بينا، لأنهم نسوا العذاب في تلك الخفتة، والله أعلم. PageV06P154 # بسم الله الرحمن الرحيم * (عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2)). # تفسير سورة عبس وهي مكية، والله أعلم. # قوله تعالى: * (عبس وتولى) هو الرسول في قول الجميع، ومعنى عبس: كلح ~~وجهه، وتولى أي: أعرض، و المعنى: أظهر الكراهة. # وقوله: * (أن جاءه الأعمى) قال الزجاج معناه: لأن جاءه الأعمى، ونصب على ~~أنه مفعول، وهو عبد الله بن أم مكتوم في قول [الجميع]. # وسبب نزول الآية ' هو أن النبي كان يكلم رجلا من أشراف المشركين، ويدعوه ~~إلى الإسلام - قال عطاء: كان عتبة بن ربيعة، وقال قتادة: كان أبي بن خلف، ~~وقال مجاهد: كان عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبي بن خلف - وكان يدعوهم إلى ~~الإسلام، ويقرأ عليهم القرآن، وفي بعض الروايات: أنه كان عنده جماعة من ~~أشراف قريش، وكان يدعوهم إلى الإسلام، واشتد طمعه فيهم، فجاء عبد الله بن ~~أم مكتوم، وجعل يقول: يا رسول الله، علمني مما علمك الله، أرشدني. # وفي رواية، أنه جاء مع قائده، فأشار النبي إلى قائده أن كفه، فدفع في ظهر ~~قائده، وأقبل النبي '. PageV06P155 # * (وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى (5) ~~فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى ~~(9)). # وفي بعض الروايات عن سفيان الثوري أن الذي كان يكلمه ويدعوه إلى الإسلام ~~كان العباس بن عبد المطلب، فلما دخل ابن أم مكتوم ms1907 في خطابه، وجعل يكرر عليه ~~قوله: علمني أرشدني، كره رسول الله ذلك حتى ظهرت الكراهة في وجهه، وعبس ~~وأعرض عنه، فأنزل الله تعالى هذه الآية معاتبا له فيما فعله. # وفي بعض الروايات: أنه عليه السلام قام وذهب. # وقوله: * (وما يدريك لعله يزكى) أي: يتزكى، والمراد منه ابن أم مكتوم. # وقوله: * (يزكى) أي: يقبل ما تذكره به وتعلمه، وقيل: يتطهر. # وقوله: * (أو يذكر) معناه: أو يتذكر. # وقوله: * (فتنفعه الذكرى) أي: تنفعه التذكرة والعظة. # والمعنى: أنك تعرض عنه إعراض من لا ينفعه تعليمه وتذكيره، ولا تدري لعله ~~ينفعه التعليم والتذكير، فعليك أن تعلمه وتذكره. # وقوله: * (أما من استغنى) يعني: من أظهر الاستغناء عنك. # وقوله: * (فأنت له تصدى) أي: تتعرض وتقبل عليه، وقيل: إن أصله تصدد فقلبت ~~إحدى الدالين ياء. # قوله: * (وما عليك ألا يزكى) أي: وما عليك ألا يسلم، والمعنى أنه لو لم ~~يسلم ذلك الذي أقبلت عليه، لم يكن عليك من ذلك شيء. # وقوله: * (وأما من جاءك يسعى) أي: يطلب الخير. # وقوله: * (وهو يخشى) أي: يخاف الله تعالى. # وقوله: * (فأنت عنه تلهى) أي: تعرض، وقيل: تشتغل عنه بغيره. # ومن هذا ما PageV06P156 # * (فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف ~~مكرمة (13)). روى عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أنه قال: إذا رأيت ~~الله استأثر عليك بشيء فاله عنه - أي: اتركه وأعرض عنه، وقد قال سفيان بن ~~عيينة: ' كان النبي بعد ذلك إذا جاءه عبد الله بن أم مكتوم بسط رداءه وقال: ~~يا من عاتبني فيه ربي '. # واستخلفه على المدينة مرتين، وقيل مرات حين خرج إلى الغزو. # وفي بعض التفاسير: ' أن النبي ما رئى بعد ذلك متصديا لغنى، ولا معرضا عن ~~فقير '. # قوله تعالى: * (كلا) قال الحسن: حقا، وقيل: المعنى هو للردع والزجر يعني: ~~ليس ينبغي أن يكون الأمر على هذا، وهو ما سبق ذكره. # وقوله: * (إنها تذكرة) أي: هذه السورة تذكرة، وقيل: الأنباء والقصص ~~تذكرة. # وقوله: * (فمن شاء ذكره) أي: فمن شاء الله ألهمه وذكره. # وقوله: * (في ms1908 صحف) يعني: القرآن، وقيل: الأنباء والقصص، فعلى القول الأول ~~قوله * (فمن شاء ذكره) ينصرف إلى القرآن. # والصحف جمع صحيفة. # وقوله: * (مكرمة) أي: كريمة على الله، وقيل: مكرمة لأنها نزلت من رب ~~كريم. # وقوله: * (مرفوعة) يجوز أن يكون المعنى مرفوعة في المكان، ويجوز أن يكون ~~المعنى مرفوعة القدر والمنزلة عند الله تعالى. # وقوله تعالى: * (مطهرة) قال الحسن: مطهرة من كل دنس، وقيل: مطهرة أي: ~~مصونة من أن تنالها أيدي الكفار الأنجاس. # وقوله: * (بأيدي سفرة) السفر هي الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله ~~وبين رسوله، ويقال للكتاب سفر، وللمصلح بين الجماعة سفير، وهو مأخوذ من ~~تبين الأمر وإيضاحه، يقال: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته، ويقال: أسفر ~~الصبح إذا أضاء، PageV06P157 # * (مرفوعة مطهرة (14) بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) قتل الإنسان ما ~~أكفره (17)). # ومنه قول نوبة بن حمير: # * (إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد * رابني منها الغداة سفورها). # أي: ظهورها. # وقال قتادة والضحاك: * (بأيدي سفرة): هم القراء الذين يقرءون الآيات. # وقال الفراء في قوله: * (مرفوعة مطهرة) سماها مرفوعة مطهرة؛ لأنها أنزلت ~~من اللوح المحفوظ. # وقيل: سفرة هم ملائكة موكلون بالأسفار من كتب الله تعالى، ومنه أسفار ~~موسى، واحدها سفر. وقال الشاعر: # (فما أدع السفارة بين قومي * وما أمشي بغش إن مشيت) وسمي التفسير بين ~~الاثنين سفيرا؛ لأنه يظهر عما في قلب هذا وعما في قلب الآخر ليصلح بينهما. # وقوله: * (كرام بررة) فقوله: * (كرام) صفة الملائكة أي: كرام على الله، ~~وقوله: * (بررة) أي: مطيعين، وهو في معنى قوله: * (لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون) وفي بعض الكتب أن في السماء ملائكة بأيديهم الصحف ~~يقرءون القرآن وعبادتهم ذلك، و هذا راجع إلى ما بينا من قبل قول الضحاك. # قوله تعالى: * (قتل الإنسان ما أكفره) ثم بين الله تعالى من العبر ~~والآيات في الآدمي ما لا ينبغي أن يكفر معها. # وقوله: * (قتل) أي: لعن، والإنسان هو الكافر، وقيل: هو الوليد بن ~~المغيرة، وقيل: أمية بن خلف. # وروى الضحاك عن ابن عباس ' أن الآية نزلت في عتبة ms1909 بن أبي لهب لما أنزل ~~الله تعالى سورة ' والنجم ' قال عتبة: أنا أكفر بالنجم إذا هوى، فقال ~~النبي: ' اللهم سلط عليه كلبا من كلابك '، وروى أنه قال: ' اللهم سلط عليه ~~أسد الغاضرة ' - والغاضرة موضع - ثم إنه خرج بعد ذلك في رفقة، فلما بلغ ذلك ~~PageV06P158 # * (من أي شيء خلقه (18) من نطفة خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم ~~أماته فأقبره (21) ثم إذا شاء أنشره (22)). الموضع ذكر قول الرسول، فأمر ~~أهل الرفقة أن يحرسوه تلك الليلة ففعلوا، وجاء الأسد وثب وثبة وصار على ~~ظهره وافترسه '. # وقوله: * (ما أكفره) ويجوز أن يكون أيضا على وجه التوبيخ، وإن كان اللفظ ~~لفظ الاستفهام فالمعنى: أي شيء أكفره بالله، وقد أراه من قدرته ما أراه. # وقوله: * (من أي شيء خلقه) معناه: أفلا يتفكر هذا الكافر من أي شيء خلقه ~~الله تعالى، ثم بين من أي شيء خلقه، وقوله: * (من نطفة خلقه)، وقوله تعالى: ~~* (فقدره) قال الكلبي: سوى خلقه من يديه ورجليه وعينيه وسائر جوارحه ~~الظاهرة والباطنة، وهو في معنى قوله تعالى: * (خلقك فسواك) وقيل: فقدره أي: ~~وضع كل شيء موضعه، وهيأ له ما يصلحه. # وقوله: * (ثم السبيل يسره) أكثر أهل التفسير على أن المراد منه هو الخروج ~~من الرحم، وقيل معناه: يسر له سبيل الخير، وقيل: بين له سبيل الشقاوة ~~والسعادة، قاله مجاهد، والذي تقدمه قول الحسن. # وقوله: * (ثم أماته فأقبره) أي: جعل له قبرا يدفن فيه، يقال: قبرت فلانا ~~إذا دفنته، وأقبرته إذا جعلت له موضعا يدفن فيه. # قال الأعشى: # (لو أسندت ميتا إلى نحرها * عاش ولم ينقل إلى قابر) وقوله: * (ثم إذا شاء ~~أنشره) أي: أحياه وبعثه. # قال الأعشى: # (حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر) PageV06P159 # * (كلا لما يقض ما أمره (23) فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا صببنا ~~الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27)). # وقوله: * (كلا لما يقض ما أمره) يعني: لم يفعل ما أمره الله تعالى. # قال مجاهد: ليس أحد من الخلق يفعل كل ما أمره الله تعالى. # وعن ابن ms1910 عباس: * (كلا لما يقض ما أمره) أي: ما أخذ عليه من العهد يوم ~~الميثاق. # وقوله تعالى: * (فلينظر الإنسان إلى طعامه) أي: فلينظر الإنسان إلى ~~الطعام والعلف الذي خلقه الله تعالى لحياة الخلق، وعن ابن عباس معناه: ~~فلينظر الإنسان إلى طعامه أي: إلى ما يخرج منه كيف انقلب من الطيب إلى ~~الخبيث. # وعن الحسن: أن الله تعالى وكل ملكا فإذا جلس الإنسان على حاجته ثنى رقبته ~~لينظر إلى ما يخرج منه ذكره النقاش. # وأورد أيضا: أن أبا الأسود الدؤلي سأل عمران بن الحصين لم ينظر الإنسان ~~إلى ما يخرج منه؟ فلم يدر عمران ما يجيبه به، ثم ذهب عمران إلى المدينة، ~~فذكر ذلك لأبي بن كعب فقرأ هذه الآية: * (فلينظر الإنسان إلى طعامه) ثم ~~قال: ينظر ليعلم إلى ما صار ما بخل به. # وقوله: * (أنا صببنا الماء صبا) قرئ بكسر الألف وفتحها؛ فقوله بالكسر ' ~~إنا ' على الابتداء، وقوله: * (أنا) بالفتح منصوب على البدل من الطعام كأنه ~~قال: فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا، ذكره الفراء. # وقيل معناه: فلينظر الإنسان إلى طعامه لأنا صببنا. # وقوله: * (صببنا الماء صبا) أي: أجريناه إجراء. # وقوله: * (ثم شققنا الأرض شقا) أي: بخروج النبات. # وقوله: * (فأنبتنا فيها حبا) هو البر والشعير، وكل ما هو قوت الناس. # وقوله: * (وعنبا) هو العنب المعروف. # وقوله: * (وقضبا) هو القت بلغة أهل مكة، وعن ابن عباس: هو الرطبة - وهو ~~PageV06P160 # * (وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا ~~(31) متاعا لكم ولأنعامكم (32) فإذا جاءت الصاخة (33)). قول معروف - وسمي ~~قضبا؛ لأنه يقضب أي: يقطع وينبت، ثم يقطع وينبت هكذا. # وقوله: * (وزيتونا) وهو الزيتون المعروف. # وقوله: * (ونخلا وحدائق غلبا) الحديقة كل بستان يتحوط عليه، وما لا يكون ~~محوطا عليه لا يكون حديقة. # وقوله: * (غلبا) أي: غلاظ الأعناق، يقال: رجل أغلب إذا كان شديدا غليظ ~~الرقبة. # وقيل: ' غلبا ' ملتفة أي: دخل بعضها في بعض. # وقوله: وفاكهة وأبا) الفاكهة هي الثمار، والأب هي الكلأ. # قال ابن عباس ومجاهد: الأب مرعى الأنعام، وقيل: الأب للبهائم بمنزلة ~~الفاكهة للناس. # وقال (الضحاك): ms1911 الأب التين، وعن الحسن: أن الفاكهة ما طاب واحلو لي من ~~الثمار. # ومن المعروف أن عمر - رضي الله عنه - قرأ قوله تعالى: * (وفاكهة وأبا) ثم ~~قال: قد عرفت الفاكهة فما الأب؟ ثم قال: يا ابن الخطاب، هذا والله هو ~~(التكذيب)، وألقى العصا من يده. # وقوله: * (متاعا لكم ولأنعامكم) أي: منفعة لكم ولأنعامكم. # وقوله: * (فإذا جاءت الصاخة) هي اسم من أسماء يوم القيامة، ذكره ابن عباس ~~مثل الطامة والحاقة والقارعة وأشباهها، وقيل: الصاخة هي الداهية التي يعجز ~~عنها الخلق، وقيل: الصاخة الصاكة، يقال: صخ فلانا إذا صكه. PageV06P161 # * (يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل ~~امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وجوه يومئذ مسفرة (38)). # قال الشاعر: # (يا جارتي هل لك أن تجالدي * جلادة كالصخ بالجلامد) أي: كالصك، وقيل: إن ~~الصاخة صيحة إسرافيل تصك الأسماع، وعن بعضهم: أن الصاخة ما يصخ له كل شيء ~~أي: ينصت يقال: رجل أصخ أي أصم. # وقوله: * (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) يفر منهم ~~لأنه لا يمكنه أن ينفعهم وينتفع بهم. # قيل: يفر لئلا يروا الهوان الذي ينزل فيه، وقيل: يفر منهم ضجرا لعظم ما ~~هو فيه، وفي بعض التفاسير: أن قوله: * (من أخيه) قابيل من هابيل. # وقوله: * (وأمه) هو الرسول من أمه. # وقوله: * (وأبيه) هو إبراهيم - صلوات الله عليه - من أبيه. # وقوله: * (وصاحبته) هو لوط - عليه السلام - من زوجته. # وقوله: * (وبنيه) هو آدم - عليه السلام - من بنيه المفسدين، وقيل: هو نوح ~~- عليه السلام - من ابنه. # وقوله: * (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) أي: شيء يكفيه ويشغله، وقال ~~القتيبي: شيء يصرفه عن غيره، والشأن: هو الأمر العظيم، يقال: فلان في شأن، ~~أي: في أمر عظيم. # وقرئ في الشاذ: ' يعنيه ' من عنى يعني بالعين غير معجمة. # قوله تعالى: * (وجوه يومئذ مسفرة) أي: [ذات] فرحة مسرورة، وقيل: نيرة، ~~وقيل: هو في معنى قوله تعالى: * (يوم تبيض وجوه) أي: وجوه يومئذ تبيض. ~~PageV06P162 # * (ضاحكة مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها قترة (41) ~~أولئك هم الكفرة الفجرة (42)). # وقوله: ms1912 * (ضاحكة مستبشرة) أي: من السرور والفرح. # وقوله: * (ووجوه يومئذ عليها غبرة) أي: كسوف وسواد. # وقوله: * (ترهقها قترة) أي: تعلوها الكآبة والحزن، وقيل: هو في معنى قوله ~~تعالى: * (وتسود وجوه) عن عطاء الخرساني: * (وجوه يومئذ مسفرة) لكثرة ما ~~أغبرت في الدنيا بالحق. # وقوله: * (ووجوه يومئذ عليها غبرة) من كثرة ما ضحكت في الباطل. # وقوله: * (أولئك هم الكفرة الفجرة) يعني: أصحاب الوجوه هم الذين كفروا ~~بالله وفجروا، والله أعلم. PageV06P163 # بسم الله الرحمن الرحيم * (إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2)). # تفسير سورة (كورت)) وهي مكية روى عبد الرزاق، عن عبد الله بن بجير، عن ~~عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله: ' من ~~سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى عين ذلك اليوم فليقرأ: * (إذا الشمس ~~كورت) و * (إذا السماء انفطرت) و (إذا السماء انشقت). # قال رضي الله عنه أخبرنا بهذا الحديث أبو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد ~~الله بن أحمد القفال، أخبرنا أبو العباس السنجي الطحان، أخبرنا العباس بن ~~عبد العظيم العنبري، أخبرنا عبد الرزاق. # قوله تعالى: * (إذا الشمس كورت) قال ابن عباس: ذهب ضوؤها. # وروى سفيان الثوري، عن أبيه، عن الربيع بن خثيم قال: كورت رمى بها. # وعن سعيد بن جبير كور العمامة، والمعنى: أنها لفت وجمعت وطرح بها. # وقوله: * (إذا النجوم انكدرت) أي: تناثرت وتساقطت، وفي بعض التفاسير: أن ~~النجوم في قناديل من نور معلقة بالسماء الدنيا بسلاسل في أيدي الملائكة، ~~فإذا جاء PageV06P164 # * (وإذا الجبال سيرت (3) وإذا العشار عطلت (4) وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا ~~البحار سجرت (6)). يوم القيامة تساقطت السلاسل من أيدي الملائكة، وانتثرت ~~النجوم. # وروى أن أهل الأرضين يسمعون إدة عظيمة من وقوع النجوم على الأرض. # وقوله: * (وإذا الجبال سيرت) أي: سيرت وكانت سرابا، وقيل: دقت دقا، وصارت ~~بمنزلة الهباء، والآية في معنى قوله تعالى * (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي ~~تمر مر السحاب). # وقوله: * (وإذا العشار عطلت) العشار واحدها عشراء، وهي الناقة التي أتت ~~عشرة أشهر على حملها، وهي أحسن ما يكون ms1913 من النوق، وأعزها على أربابها، ~~وتعطيلها إهمالها وتركها بلا راع يرعاها، ولا يفعل ذلك إلا يوم القيامة، ~~والمعنى: أن كل إنسان يشتغل بنفسه عن كل شيء، وإن كان عزيزا عنده. # وقوله: * (وإذا الوحوش حشرت) فيه قولان: أحدهما: أن المعنى ماتت، والحشر ~~هو الجمع، فكأنها جمعت في الموت، والقول الثاني: وهو الأظهر أن حشرها ~~إحياؤها يوم القيامة. # وقد ورد في الخبر المشهور عن النبي أنه قال: ' يقتص للجماء من القرناء '. # وعن ابن عباس قال: يحشر كل شيء حتى الذباب. # وقوله: * (وإذا البحار سجرت) قال الحسن: يبست، وعنه أنه قال: فاضت أي: ~~أدخل بعضها في بعض. # وعن كعب الأحبار سجرت أي: ملئت نارا. # وقال شمر بن عطية: تسجر كما يسجر التنور. PageV06P165 # * (وإذا النفوس زوجت (7) وإذا الموءودة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9)). # وعن سعيد بن المسيب أن عليا - رضي الله عنه - سأل رجلا من اليهود عن ~~جهنم؟ فقال: هو البحر، فقال: ما أراه إلا صادقا، ثم قرأ قوله تعالى: * ~~(وإذا البحار سجرت). # وعن بعضهم: أن بحر الروم وسط الأرض، وفي أسفله آبار من نحاس مطبقة، فإذا ~~كان يوم القيامة سجرت نارا، ومن هذا قوله تعالى: * (والبحر المسجور) وقد ~~بينا، ويجوز أن يجمع بين هذه الأقاويل، فيقال: إن البحار يدخل بعضها في بعض ~~فتصير بحرا واحدا، ثم يفيض وييبس ثم يملأ نارا. # وقوله: * (وإذا النفوس زوجت) قال الشعبي: الأبدان بالأرواح، وقيل: قرنت ~~بأعمالها. # وعن عمر - رضي الله عنه - قال: الصالح مع الصالح، والفاجر مع الفاجر. # وعن بعضهم: المؤمنون يقرنون بالحور العين، والكفار بالشياطين. # * (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت) الموءودة: هي الولد، كان أهل ~~الجاهلية يقتلونه، وكان الواحد منهم إذا ولد له ابن تركه، وإذا ولد له بنت ~~دفنها حية. # وذكر بعضهم. # أن المرأة كانت إذا أخذها المخاض حفرة حفيرة، وجلست عليها فإن ولدت ابنا ~~حبسته، وإن ولدت بنتا ألقتها في الحفيرة، وقد كان بعضهم يترك الجارية حتى ~~تصير شديدة، ثم يقول لأمها: طيبيها زينيها، وقد حفر بئرا في الصحراء، ~~ويحملها مع نفسه، ويأمرها أن ms1914 تطلع في البئر، ثم يدفعها من خلفها في البئر، ~~ويهيل التراب، وكانوا يفعلون ذلك إما خشية الإملاق، أو [دفعا] للعار وأنفة ~~عن أنفسهم. # وقوله: * (سئلت بأي ذنب قتلت) هو سؤال توبيخ للوائد؛ لأن من جواب هذا ~~السؤال أن يقول: قتلت بغير ذنب. # وقرأ ابن عباس والضحاك وجماعة: ' وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت ' ~~والمعنى معلوم. # وذكر بعضهم في تفسيره: أنها تأتي متلطخة بالدماء، وتتعلق بثدي أمها ~~وتقول: يا رب، هذه أمي وقد قتلتني. # واعم أنه ورد كثير من الأخبار في أن أولاد المشركين خدم أهل الجنة. ~~PageV06P166 # وكان ابن عباس يقول: من قال الموءودة في النار فقد كذب، وتلا هذه الآية. # وعن النبي أنه قال: ' سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر فأعطانيهم '. # وعنه عليه الصلاة والسلام: ' أنه سئل عن أطفال المشركين؟ فقال: هم خدم ~~أهل الجنة. # وقد وردت أخبار أخر أن أولاد المشركين في النار، وقد ذكرنا بعض ذلك فيما ~~سبق، وعنه أنه قال لعائشة: ' لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار '، وعنه عليه ~~- الصلاة والسلام - أنه قال: ' الوائدة والموؤدة في النار '، وقد ثبت ~~برواية أبي هريرة أن النبي سئل عن أطفال المشركين؟ فقال: ' الله أعلم بما ~~كانوا عاملين '. # فالأولى أن يتوقف، ويوكل علم ذلك إلى الله تعالى، وهم على مشيئته يفعل ~~بهم ما يشاء. # واعلم أنه قد كان في العرب من يحيي الأطفال الموءودة، وذلك بأنهم (يفرون) ~~من آبائهم. # وقال الفرزدق يفتخر: # (ومنا الذي منع لوائدات * فأحيا الوئيد فلم يوأد) قاله في جده صعصعة بن ~~مجاشع. PageV06P167 # * (وإذا الصحف نشرت (10) وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) ~~وإذا الجنة أزلفت (13) علمت نفس ما أحضرت (14) فلا أقسم). # قوله تعالى: * (وإذا الصحف نشرت) يعني: على الخلائق، فمنهم من يعطي ~~بيمينه، ومنهم من يعطي بشماله. # وقوله: * (وإذا السماء كشطت) وقرأ ابن مسعود: ' قشطت ' وهما بمعنى واحد، ~~كالكافور والقافور. # وقوله: * (كشطت) أي: قلعت، وقيل: نزعت. # وقوله: * (وإذا الجحيم سعرت) أي: أوقدت، وهي توقد مرة بعد مرة فاستقام ~~على هذا الكلام. # قال قتادة: سعره غضب الله وخطايا ms1915 بني آدم. # وقوله: * (وإذا الجنة أزلفت) أي: قربت وأدنيت، وهي للمتقين. # وقوله: * (علمت نفس ما أحضرت) قال الربيع بن خثيم: إلى هذا جرى الكلام، ~~وحكى معنى هذا عن ابن عباس. # والمعنى: أنه إذا كانت هذه الأشياء علمت نفس ما أحضرت يعني: من الخير ~~والشر. # قوله تعالى: * (فلا أقسم بالخنس) قال علي - رضي الله عنه - هي خمسة ~~كواكب: بهرام، وعطارد، وزحل، والزهرة، والمشتري، وذكر بعضهم الشمس والقمر ~~في ذلك. # وعن بعضهم: أنها جميع النجوم. # وقوله: * (الخنس) أي: تغيب في سيرها، وقيل: تغيب في النهار، وتظهر ~~بالليل، وقيل: ترجع في مسيرها من المغرب، وذلك ظاهر في الكواكب الخمسة. # وقوله: * (الجوار الكنس) أي: النساء السائرات الكنس، والكنس المستترات عن ~~الأبصار. # وقيل: بالغروب، وقيل: بالنهار. # وهذه الكواكب هي الكواكب التي يسميها المنجمون المتحيرة، وقد تفردت حيث ~~تسير بخلاف سائر الكواكب؛ لأن سائر الكواكب تسير من المشرق إلى المغرب، وهي ~~تسير من المغرب إلى المشرق، ويحيلون PageV06P168 # * (بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا تنفس ~~(18) إنه لقول رسول كريم (19) ذي قوة عند ذي العرش مكين (20)). عليها ~~الأفعال في العالم، ونحن نتبرأ إلى الله تعالى من هذا الاعتقاد، ونحيل ~~الجميع على الله تعالى، وإنما النجوم آيات ودلائل ومسخرات خلقت لمعاني ~~ذكرناها من قبل، وفي الآية قول آخر: وهو أن الخنس هي بقر الوحوش. # قال عمرو بن شرحبيل: قال لي عبد الله بن مسعود: أنتم قوم عرب، فما معنى * ~~(الخنس الجوار الكنس)؟ قال عمرو: هي بقر الوحش، قال ابن مسعود: وأنا أرى ~~ذلك وهو أيضا إحدى الروايتين عن ابن عباس، والقول الأول هو المشهور. # والخنس على هذا القول: هي صغار الأنف، والكنس من استتارها في كنسها. # وقوله: * (والليل إذا عسعس) أي: أقبل بظلامه، وقيل: أدبر، وهو من ~~الأضداد. # والأول هو المعروف. # وقوله: * (والصبح إذا تنفس) أي: ظهر وطلع، وقيل: ارتفع. # وقوله: * (إنه لقول رسول كريم) أي قول أنزله رسول كريم أي كريم على مرسله ~~وهو جبريل صلوات الله عليه. # وحمل الآية على ما جاء به جبريل عليه ms1916 السلام على الرسول من غير القرآن. # فعلى هذا يجوز أن يقال: هو قول جبريل. # وقيل: إن قوله * (رسول كريم) وهو محمد والقول الأول هو المشهور. # وقوله: * (ذي قوة عند ذي العرش مكين) في الخبر أن النبي سأل جبريل عن ~~قوته وأمانته؟. # فقال: ' أما قوتي فإن الله تعالى أرسلني إلى مدائن لوط، وهي أربع مدائن ~~في كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذرية فأدخلت جناحي تحتها ورفعتها إلى ~~السماء الدنيا حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وصياح الديكة ثم ~~قلبتها. # وأما أمانتي فإني لم أعد ما أمرت به إلى غيره. PageV06P169 # * (مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ولقد رآه بالأفق المبين ~~(23) وما هو على الغيب بضنين (24) وما هو بقول شيطان رجيم (25) فأين تذهبون ~~(26)). # وقوله: * (مكين) هو بمعنى المكانة أو المنزلة عند الله تعالى. # وذي العرش: هو الله تعالى. # وقوله: * (مطاع ثم أمين) في التفسير أن الملائكة يطيعونه فيما يأمرهم به. # وقد قيل: إن معناه أنه قال: لرضوان خازن الجنان ليلة المعراج: افتح الباب ~~لمحمد ففتحه. # وقال لمالك خازن النار: افتح اللباب لمحمد ففتحه. # وقوله: * (أمين) قد ذكرنا. # وقيل في معنى الأمانة، أنه يرفع سبعين سرادقا من غير استئذان. # وقيل: يلج سبعين حجابا من نور من غير استئذان. # وقوله تعالى * (وما صاحبكم بمجنون) معنى الرسول. # وعن عطية أن نبي الله سأل جبريل أن يريه نفسه على ما يكون في السماء؟ ~~فقال: ليس ذلك إلي حتى استأذن ربي، فأذن الله تعالى له في ذلك. # فلما رأى جبريل على ما خلقه الله من العظمة وكثرة الأجنحة على ما ذكرنا ~~غشي عليه، فلما رآه قريش مغشيا عليه قالوا: مجنون مجنون فأنزل الله تعالى * ~~(وما صاحبكم بمجنون). # وقوله: * (ولقد رآه بالأفق المبين) في التفسير أنه عند مطلع الشمس، والذي ~~رآه جبريل، وقد بينا هذا في سورة والنجم. # وقوله: * (وما هو على الغيب بضنين) قرئ بالضاد والظاء. # قال إبراهيم النخعي: بظنين بالظاء، بمتهم، وبضنين بالضاد، ببخيل. # أورده النحاس وهو قول جماعة من المفسرين والغيب: هو الوحي. # وقوله ms1917 * (وما هو بقول شيطان رجيم) قال: هذا لأنهم كانوا يقولون أن محمدا ~~يقول ما يقول عن الشيطان. # وقوله: * (فأين تذهبون) أي: أين تذهبون عن هذا الحق الذي ظهر بدلائله؟. ~~PageV06P170 # * (إن هو إلا ذكر للعالمين (27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله رب العالمين (29)). # وقوله: * (إن هو إلا ذكر للعالمين) أي: تذكرة وعظة للعالمين. # وقوله: * (لمن شاء منكم أن يستقيم) في التفسير أنه لما نزلت هذه الآية، ~~قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله ~~تعالى قوله، * (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) ردا عليه. # وفي الباب أحاديث كثيرة منها ما روي عن مالك عن زيد بن أبي أنيسة أن عبد ~~الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سئل عن هذه الآية * (وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم) إلى أن قال: * (ألست بربكم) الآية. # فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله سئل عنها؟ فقال: ' إن الله خلق آدم ~~فمسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل ~~الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل ~~النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله: إن ~~الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل ~~أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار ~~حتى يموت، وهو على عمل أهل النار فيدخله به النار، وقال الله تعالى * (ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله). # وقال تعالى * (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) قال رضي الله عنه: ~~أخبرنا بهذا الحديث أبو محمد هياج بن عبيد الخطيبي بمكة قال: أخبرنا أبو ~~محمد الحسن بن جميع، أخبرنا جدي، أخبرنا محمد بن عبدان القزاز، أخبرنا ms1918 أبو ~~مصعب عن مالك الحديث. # والله أعلم. PageV06P171 # بسم الله الرحمن الرحيم * (إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت ~~(2) وإذا البحار فجرت (3) وإذا القبور بعثرت (4) علمت نفس ما قدمت وأخرت ~~(5) يا أيها). # تفسير سورة (انفطرت)) وهي مكية قوله تعالى: * (إذا السماء انفطرت) معناه: ~~انشقت، ومنه انفطر ناب البعير. # وقوله: * (وإذا الكواكب انتثرت) أي: تساقطت. # وقوله: * (وإذا البحار فجرت) قال الحسن: يبست. # وعن غيره: ملئت، والمعروف فجر بعضها في بعض، العذب في المالح، والمالح في ~~العذب، وقيل: فجرت أي: جعلت بحرا واحدا، وذلك بتفجير بعضها في بعض. # وقوله: * (وإذا القبور بعثرت) أي: بحثرت وبحثت، والمعنى: قلبت ترابها، ~~وأخرج ما فيها من الموتى. # وفي الخبر: أن الأرض تلقى أفلاذ كبدها يوم القيامة، فتخرج كنوزها وموتاها ~~وكل ما فيها. # ومن المعروف أن النبي قال: ' يوشك أن يحسر الفرات على جبل من ذهب، فيقتتل ~~الناس عليه '. # قال القفال: يجوز أن يكون ما ذكره الله تعالى من هذه الأشياء قبل قيام ~~الساعة، ويجوز أن يكون بعد قيام الساعة. # وقوله: * (علمت نفس ما قدمت وأخرت) أي: * (ما قدمت) فعملت من عمل * ~~(وأخرت) أي: ترك من العمل، وقيل: ما قدمت وأخرت أي: ما عملت من قديم ~~PageV06P172 # الإنسان ما غرك بربك الكريم (6)). وحديث، وقيل في قوله: * (وأخرت) أي: من ~~سنة سيئة عمل بها بعده. # قوله تعالى * (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) قيل: نزلت الآية في ~~الوليد بن المغيرة، وقيل: في أبي جهل، وقيل: في غيرهما. # وقوله: * (ما غرك بربك الكريم) أي: أي شيء غرك وجرأك وسول لك حتى ارتكبت ~~ما ارتكبت؟ # وقوله: * (بربك الكريم) يتجاوز عنك، وذلك في الدنيا. # وفي بعض التفاسير: أن الآية نزلت في أبي الأسد، وكان قد ضرب النبي، فلم ~~يعاقبه الله تعالى في الدنيا، فهو معنى قوله: * (بربك الكريم) الذي تجاوز ~~عنك، ولم يعاقبك في الدنيا. # قال رضي الله عنه: أخبرنا محمد بن عبد العزيز الجنوجردي: أخبرنا أبو ~~إسحاق الثعالبي: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه: أخبرنا أبو ~~علي بن حبش ms1919 المقرئ: أخبرنا أبو القاسم بن الفضل المقرئ: أخبرنا أبو علي بن ~~الحسين: أخبرنا المقدمي، أخبرنا كثير بن هشام: أخبرنا جعفر بن برقان قال: ~~حدثني صالح بن مسمار، قال: ' بلغني أن النبي تلا هذه الآية: * (يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم) قال: جهله '. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله ~~به يوم القيامة فيقول: يا ابن آدم، ما غرك بي؟ يا ابن آدم، ماذا عملت فيما ~~عملت؟ يا ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين؟ وعن السدي (بن المفلس) قال: غره ~~رفقه به. # وعن إبراهيم بن الأشعث أن الفضيل بن عياض قيل له: لو قال الله تعالى لك: ~~ما غرك بي فماذا تقول له؟ قال: أقول ستورك المرخاة. # ونظم ذلك بعضهم: PageV06P173 # * (الذي خلقك فسواك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8)). # (يا كاتم الذنب أما تستحي * والله في الخلوة ثأنيكا) (غرك من ربك إمهاله ~~* وستره طول مساويكا) وعن يحيى بن معاذ قال: لو يقول الله تعالى: ما غرك ~~بربك؟ فأقول: تركك لي سالفا وآنفا. # وعن أبي بكر الوراق قال: أقول غرني كرم الكريم. # وعن منصور بن عمار قال: أقول غرني ما علمت من سابق أفضالك. # وقال بعضهم: # (يا من خلا في الغي والتيه * وغره طول تماديه) أمل لك الله فبارزته * ولم ~~تخف غب معاصيه) وقوله: * (الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة) قال عطاء: ~~جعلك قائما معتدلا حسن الصورة، وقيل: سواك أي: سوى بين يديك ورجليك وعينيك ~~وأذنيك، [و] ووضع كل شيء موضعه، وهو أيضا معنى قوله: * (فعدلك) ذكره الكلبي ~~وغيره. # وقيل: عدلك أي عدل خلقك، وهو على ما بينا. # وقرئ بالتخفيف أي: صرفك في أي صورة شاء من حسن وقبيح، وطويل وقصير. # وفي بعض الغرائب من الأخبار: ' أن الله تعالى إذا أراد خلق عبد أحضر خلقه ~~كل عرق كان بينه وبين آدم، فيخلقه على ما يريد من الشبه بمن شاء '. # وقد قيل: فعدل في أي صورة ما شاء ركبك أي: من شبه أب ms1920 وأم وعم وخال، وقال ~~أبو علي الفارسي: معنى عدلك PageV06P174 # * (كلا بل تكذبون بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) ~~يعلمون ما تفعلون (12) إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم). ~~بالتخفيف أي: في عدل بعضك ببعض، فكنت معتدل الخلق مناسبها فلا تفاوت فيها. # قوله تعالى: * (كلا بل تكذبون بالدين) أي: بيوم القيامة، وقيل: بالحساب. # وقوله: * (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين) في بعض الأحاديث ' أن النبي ~~قال: أكرموا الكرام الكاتبين فإنهم معكم، إلا عند الجنابة والتبرز للحاجة ~~'. # وقد ورد عن ابن عباس في قوله تعالى: * (كرام بررة) أنهم الملائكة، يكرموا ~~أن يكونوا مع ابن آدم عند خلوته بأهله، وعند حاجته. # وقوله: * (كاتبين) هم الملائكة يقعدون عن يمين الإنسان ويساره، فيكتبون ~~ما عليه وله، وقيل: واحد عن يمينه، وواحد عن يساره، فالذي عن يمينه يكتب ~~الحسنات، والذي عن يساره يكتب السيئات، وقيل: إن الذي عن يمينه أمين على ~~الذي على يساره لا يكتب إلا بإذنه. # وفي الخبر برواية أبي هريرة عن النبي: ' إن العبد إذا هم بحسنة يكتب له ~~الملك حسنة، فإذا عملها كتب له عشر حسنات، وإذا هم بسيئة لم تكتب عليه ~~شيئا، فإذا عملها كتب سيئة '. # وقوله: * (يعلمون ما تفعلون) ظاهر المعنى. # قوله تعالى: * (إن الأبرار لفي نعيم) في الخبر أن النبي قال: ' هم الذين ~~بروا آباءهم وأبناءهم '. # وظاهر المعنى أنهم المطيعون. PageV06P175 # (* (14) يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما ~~يوم الدين (17) ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ~~والأمر يومئذ لله (19)). # وقوله: * (وإن الفجار لفي جحيم) هي النار، نعوذ بالله منها. # وفي الحكايات: أن سليمان بن عبد الملك حج، فلقي أبا حازم سلمة بن دينار ~~فقال: يا أبا حازم، كيف القدوم على الله؟ فقال: أما المحسنون فكالغائب يقدم ~~على أهله، وأما المسئ فكالعبد الآبق يرد إلى سيده، فبكى سليمان، ثم قال: ~~ليت شعري نعلم ما حالنا عند الله؟ فقال أبو حازم: اعرضها على كتاب الله ~~تعالى، فقال: وعلى أي ذلك أعرض؟ فقال على ms1921 قوله تعالى: * (إن الأبرار لفي ~~نعيم وإن الفجار لفي جحيم) قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من ~~المحسنين. # قوله تعالى: * (يصلونها يوم الدين) أي: يدخلونها يوم القيامة. # وقوله: * (وما هم عنها بغائبين) أي: مبعدين. # وقوله: * (وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين) هو على معنى ~~تفخيم الأمر وتعظيمه. # وقوله: * (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا) أي: لا تغني نفس عن نفس شيئا. # ويوم منصوب على الظرف، وقرئ ' يوم ' بالرفع، وهو ظاهر. # وقوله: * (والأمر يومئذ لله) أي: الأمر يوم القيامة لله ليس لأحد معه ~~أمر، والله أعلم. PageV06P176 # بسم الله الرحمن الرحيم * (ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3)). # سورة المطففين وهي مدنية قال ابن عباس: هي أول سورة نزلت بالمدينة، قدم ~~رسول الله المدينة، وهم أخبث الناس كيلا ووزنا، فأنزل الله تعالى هذه ~~السورة، فاستقاموا، فهم أوفى الناس كيلا ووزنا إلى (اليوم). # قوله تعالى: * (ويل للمطففين) الويل: هو الدعاء بالشدة والهلاك. # وعن السدي هو واد في جهنم، يسيل فيه صديد أهل النار. # وقوله: * (للمطففين) هم الذين لا يوفون الكيل والوزن ويبخسون. # قال الزجاج: سمى مطففا، لأنه لا يطف بهذا الفعل بالشيء الطفيف أي: اليسير ~~وقد بينا أنها نزلت في أهل المدينة، وقيل: نزلت في أبي جهينة، كان رجلا من ~~أهل المدينة له صاعان يكيل بأحدهما على الناس أي: عن الناس ويقال: اكتلت ~~على فلان أي: استوفيت ما عليه. # وقوله: * (يستوفون) أي: يستوفون حقوقهم على الكمال، وقيل: يستوفونه ~~راجحا. # وقوله: * (وإذا كالوهم) كالوا لهم. # وكذلك: * (أو وزنوهم) أي: وزنوا لهم. # [قاله] أبو عبيدة والأخفش والفراء - والأخفش هو سعيد بن [مسعدة]، وهو ~~الأخفش الكبير - وقال الفراء: هو لغة حجازية سمعت بعضهم بمكة يقول: إذا ~~PageV06P177 # * (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين (6)). صدر الناس أتينا التاجر، فكال المد والمدين إلى العام ~~المقبل أي: كال لنا. # و * (يخسرون) أي: ينقصون. # وقوله: * (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون) أي: ألا يستيقنوا ms1922 أولئك أنهم ~~مبعوثون. # وعن ابن عباس أنه قال: خمس بخمس: ما نقص قوم العهد إلا سلط الله عليهم ~~عدوهم، وما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم ~~الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، وما نقصوا من المكيال والميزان إلا منعوا ~~النبات وأجدبوا بالسنين، وما منع قوم الزكاة إلا حبس عنهم القطر. # وعن مالك بن دينار قال: دخلت على جار لي أعوده، وقد نزل به الموت، فجعلت ~~ألقنه كلمة الشهادة، وهو يقول: جبلان من نار، جبلان من نار. # فما زال يقول حتى مات، فسالت عنه؟ قالوا: كان له مكيال وميزان يطفف بهما. # وقيل في قوله: * (ألا يظن) يعني: أنهم لا يعملون عمل من يظن أنهم ~~مبعوثون. # وقوله: * (ليوم عظيم) هو يوم القيامة. # سماه عظيما لعظم ما فيه وشدته. # وقوله: * (يوم يقوم الناس لرب العالمين) روى ابن عمر عن النبي أنه قال: ' ~~يقومون مائة سنة على رؤوس قبورهم '، وعن بعض الصحابة: ثلاثمائة سنة، وعن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص: يقومون ألف عام في الظلمة. # وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي أنه قال في ~~قوله تعالى * (يوم يقوم الناس لرب العالمين) قال: ' يقومون حتى يبلغ الرشح ~~PageV06P178 # * (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7)). أطراف آذانهم '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسين بن النقور، أخبرنا أبو ~~طاهر المخلص. # أخبرنا ابن بنت منيع - هو أبو القاسم البغوي - أخبرنا أبو نصر التمار، ~~أخبرنا حماد بن سلمة، الحديث. # خرجه مسلم في صحيحه عن أبي نصر التمار، وذكر البخاري هذا الحديث بإسناده، ~~وذكر أنهم يقومون حتى يبلغ الرشح أنصاف آذانهم، وروى سليم بن عامر، عن ~~المقداد بن الأسود أن النبي قال: ' تدنى الشمس من رؤوس الخلائق، حتى تكون ~~على قدر ميل من رؤوسهم ' قال سليم: فلا أدري أراد ميل المسافة أم ميل الذي ~~يكتحل به - قال: ' فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق على قدر أعمالهم، فمنهم ~~من يأخذه العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ms1923 ومنهم إلى حقوه، ومنهم من ~~يلجمه إلجاما، ووضع رسول الله يده على (فمه) '. # وفي بعض الأخبار: ' أن العرق يذهب في الأرض سبعين ذراعا ' والله أعلم. # قوله تعالى: * (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين) كلا ردع وزجر وتنبيه، كأنه ~~يقول: ليس الأمر كما تزعمون فارتدعوا. # وقوله: * (إن كتاب الفجار لفي سجين) فيه قولان: أحدهما: أنه كتاب ~~الأعمال، والآخر: أنه أرواح الكفار، والأظهر هو الأول. PageV06P179 # * (وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين ~~يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه). # وقوله: * (لفي سجين) هو فعيل من السجن، قال عطاء الخراساني: هو الأرض ~~السفلي فيها إبليس وذريته. # وعن مجاهد: صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، ويجعل تحتها كتاب الفجار. # وعن الحبر أنه قال في قوله: * (إن كتاب الفجار لفي سجين): هو روح الكافر ~~تقبض ويصعد به إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبله، ثم يهبط به إلى الأرض، ~~فتأبى الأرض أن تقبله، فيهبط به تحت الأرضين، فيجعل تحت خد إبليس. # وفي بعض الأخبار عن النبي: ' أن الفلق جب في جهنم مغطى، والسجين جب في ~~جهنم مفتوح '. # وقوله: * (وما أدراك ما سجين) قال الزجاج: لم يعلمه رسول الله حتى أعلمه ~~الله. # وقوله: * (كتاب مرقوم) أي كتاب الفجار، وقال بعضهم: كتاب مرقوم يرجع إلى ~~السجين، والأصح ما بينا. # قوله: * (ويل يومئذ للمكذبين) قد بينا. # وقوله: * (الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا ~~تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين) أي: أباطيل الأولين وأكاذيبهم. # قوله تعالى: * (كلا بل ران على قلوبهم) أي: غلب على قلوبهم. # قال الفراء: استكثروا من المعاصي والذنوب فأحاطت بقلوبهم. # وروى القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي أنه قال: ' ~~إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت، ~~وإن عاد زيد فيها حتى يغلق قلبه، فهو PageV06P180 # * (آياتنا قال أساطير الأولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون (14) كلا إنهم عن ربهم ms1924 يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم ~~(16) ثم). لرين الذي قال الله تعالى: * (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون). # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث الشريف أبو نصر محمد بن محمد بن ~~علي الزينبي، أخبرنا أبو طاهر المخلص، أخبرنا البغوي، أخبرنا زغبة، عن ~~الليث، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم الحديث. # ويقال: ران أي: غطى وغشى، وهو قريب من الأول. # قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يسود قلبه، وروى نحو هذا عن مجاهد. # قوله تعالى: * (كلا إنهم عن ربهم يؤمئذ لمحجوبون) في الآية دليل على أن ~~المؤمنين يرون الله تعالى، وقد نقل هذا الدليل عن مالك والشافعي - رحمة ~~الله عليهما - قال مالك: لما حجب الله الفجار عن رؤيته دل أنه ليتجلى ~~للمؤمنين حتى يروه. # ومثل هذا رواه الربيع بن سليمان، عن الشافعي، قال الربيع: قلت للشافعي: ~~أيرى الله بهذا؟ فقال: لو لم أوقن أن الله يرى في الجنة لم أعبده في ~~الدنيا. # وقد روي هذا الدليل عن (أحمد بن يحيى بن ثعلب الشيباني ابن عباس). # وعن الحسن البصري قال: لو عرف المؤمنون أنهم لا يرون الله في الآخرة، ~~لانزهقت أرواحهم في الدنيا. # وفي الآية أبين دليل من حيث المعنى على ما قلنا، لأنه ذكر قوله: * (كلا ~~إنهم عن PageV06P181 # * (يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ~~(18) وما أدراك ما عليون (19) كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) إن ~~الأبرار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة ~~النعيم). ربهم يومئذ لمحجوبون) في حق الكفار عقوبة لهم، فلو قلنا: إن ~~المؤمنين يحجبون، لم يصح عقوبة الكفار به. # وقد ذكر الكلبي في تفسيره عن ابن عباس في هذه الآية: أن المؤمنين يرونه ~~في الجنة، ويحجب الكفار. # وعن الحسين بن الفضل قال: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، كذلك في الآخرة ~~عن رؤيته. # وقوله: * (ثم إنهم لصالوا الجحيم) أي: لداخلوا الجحيم. # وقوله: * (ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون) يقال لهم ذلك على طريق ~~التوبيخ والتعبير. # قوله ms1925 تعالى: * (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين) قال الفراء: ارتفاع بعد ~~ارتفاع. # وقال كعب: يقبض روح المؤمن فيصعد به إلى السماء، فتتلقاه الملائكة إلى أن ~~تبلغ السماء السابعة، فيوضع تحت العرش. # يقال: إن الكتاب هو كتاب الأعمال، وقد بينا أنه أظهر القولين، والمعنى: ~~أنه يوضع في أعلى الأمكنة إظهارا لخسة عمل الفجار. # وقوله: * (وما أدراك ما عليون) قال الزجاج: لم يدر حتى أعلمه الله. # وقوله: * (كتاب مرقوم يشهده المقربون) أي كتاب مكتوب، أو كتاب عليه علامة ~~القبول، يشهده الملائكة، وقيل: يشهده مقربو كل سماء. # قوله تعالى: * (إن الأبرار لفي نعيم) أي: في نعيم الجنة. # وقوله: * (على الأرائك ينظرون) الأرائك جمع أريكة، وهي السرر في الحجال ~~كما بينا. # وقوله: * (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) أي: بهجة النعيم وحسنها. # وهو PageV06P182 # (* (24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ~~(26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون (28) إن). مثل قوله ~~تعالى: * (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة). # وقوله: (يسقون من رحيق مختوم) روى مسروق عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير عن ~~ابن عباس أنهما قالا: الرحيق هو الخمر وقيل: هو الشراب الذي لا غش فيه. # وقوله: * (مختوم) أي: لم تمسسه الأيدي. # وقوله: * (ختامه مسك) قال إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير: آخره رائحة ~~المسك، وطعمه طعم ألذ الأشربة. # وعن جماعة من المفسرين أنهم قالوا: إذا بلغ آخر الشرب وجد رائحة المسك ~~والمعنى: أن الشراب الذي يكون في الدنيا يكون في آخره الكدر، وما تكرهه ~~النفس، فذكر الله تعالى أن شراب الآخرة على خلافه. # وقرأ علي - رضي الله عنه - ' خاتمة مسك ' وقرأ عيسى بن عمر ' خاتمة مسك ' ~~بكسر التاء، وقيل في معنى قوله تعالى: ' خاتمه مسك ' بفتح التاء أي: ~~(طينته) مسك وفي قوله: ' خاتمه مسك ' بكسر التاء أي: آخره وعاقبته. # وقوله: * (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) أي: فليتبادر المتبادرون، ~~والمنافسة إظهار شدة الطلب، وقيل: هي المسابقة إلى التحصيل. # وقوله: * (ومزاجه من تسنيم) قال سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعلقمة عن ابن ~~مسعود: هو أشرف ms1926 شراب لأهل الجنة يشربه المقربون صرفا، ويمزج للأبرار، ومثله ~~رواه منصور عن مالك بن الحارث. # وقيل في التسنيم: هو عين تتسنم على أهل الجنة من الغرف، وقيل: هو عين من ~~ماء. # وقوله: * (عينا يشرب بها المقربون) قد بينا، ونصب عينا بمعنى: أعني عينا، ~~أو أريد عينا. PageV06P183 # * (الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) وإذا مروا بهم ~~يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا ~~إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون (34)). # وقوله: * (بها) أي: منها. # قوله تعالى: * (إن الذين أجرموا) هم الكفار. # وقيل: هذا في قوم مخصوصين من قريش، منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة، ~~والأسود بن عبد يغوث، والنضر بن الحارث وغيرهم. # وقوله: * (كانوا من الذين آمنوا يضحكون) قيل: إنه في قوم مخصوصين من ~~المؤمنين منهم خباب وبلال وأبو ذر وعمار وغيرهم من فقراء الصحابة. # وقوله: * (وإذا مروا بهم يتغامزون) أي: يشيرون بالأعين والحواجب. # وقوله: * (وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين) أي معجبين بأفعالهم. # وقيل: طيبين الأنفس مستبشرين. # والعرب تقول: رجل فكه وفاكه إذا كان ضحوكا طيب النفس. # وقوله: * (وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون) أي: أخطأوا الحق وطريق ~~الرشد واتبعوا الباطل. # وقوله: * (وما أرسلوا عليهم حافظين) أي ما أرسلوا عليهم ليحفظوا أعمالهم. # أي ما أرسل الكفار على المؤمنين، والمعنى: أنهم ما وكلوا بالمؤمنين ~~ليحفظوا عليهم ما يفعلون. # وقيل: إن هذه الآية نزلت في المنافقين. # وقيل: إنها نزلت في أبي جهل وأصحابه. # وقوله: * (من الذين آمنوا) علي رضي الله عنه وأصحابه. # وهو قول بعيد. # وقوله: * (فاليوم الذين آمنوا) هم المؤمنون من أصحاب الرسول. PageV06P184 # * (على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36)). # وقوله: * (من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون) في بعض التفاسير إن ~~للجنة كوى إلى أهل النار متى شاء أهل الجنة فتحوا الكوى ونظروا إلى النار ~~وضحكوا منهم. # وقد بينا معنى الأرائك من قبل. # وقوله: * (هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون) أي هل جوزي الكفار ما كانوا - ~~أي بما كانوا ms1927 - يفعلون. PageV06P185 # بسم الله الرحمن الرحيم * (إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) ~~وإذا الأرض مدت (3)). # تفسير سورة الكدح وهي مكية، والله أعلم قوله تعالى: * (إذا السماء انشقت) ~~هو في معنى قوله: * (إذا السماء انفطرت) ويقال: انشقت بالغمام، مثل قوله ~~تعالى: * (ويوم تشقق السماء بالغمام) وقد ذكرنا، وقيل: انشقت لنزول ~~الملائكة. # وفي تفسير النقاش: انشقت لنزول الرب عز اسمه، وهو بلا كيف، وقيل: (مزقت). # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: تنشق السماء من المجرة، ويقال: هي باب ~~السماء. # وقوله: * (وأذنت لربها وحقت) أي: واستمعت لأمر ربها، وحق لها أن تستمع. # قال الشاعر: # (القلب تعلل بددن * إن همي في سماع وأذن) وقال بعضهم: صم إذا سمعوا خيرا ~~ذكرت به، وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا، أي: استمعوا. # وفي الخبر عن النبي: ' ما أذن الله بشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن '. # وأما استماع السماء فيجوز أن يكون على الحقيقة، ويجوز أن يكون استماعها ~~انقيادها لما تؤمر به، والله أعلم. # وقوله: * (وإذا الأرض مدت) أي: مدت مد الأديم لا يبقى عليها جبل ولا شيء ~~إلا PageV06P186 # * (وألقت ما فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الإنسان إنك ~~كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6)). دخل في جوفها، وقيل: زيد في سعتها لتسعهم. # وعن بعضهم: غيرت عن هيئتها بالتبديل، وغير ذلك، فهو معنى قوله: * (مدت). # وقوله: * (وألقت ما فيها وتخلت) أي: وألقت ما في جوفها، من الكنوز ~~والموتى فخلى جوفها، ويقال: ألقت بما استودعت، وتخلت عما استحفظت، وكأنها ~~ألقت ما على ظهرها، وتخلت عما في جوفها. # وقوله: * (وأذنت لربها وحقت) قد بينا. # فإن قيل: أين جواب قوله: * (إذا السماء انشقت) وهو يقتضي جوابا؟ والجواب ~~من وجوه: قال الفراء: جوابه محذوف، والمعنى: إذا السماء انشقت وكان كذا، ~~رأى كل إنسان ما وجد من الثواب والعقاب، ويقال: علم كل منكر للبعث أنه كان ~~في ضلالة وخطأ. # والوجه الثاني: أن الجواب قوله: * (وأذنت) والواو زائدة، فالجواب: أذنت. # والوجه الثالث: أن الجواب قوله: * (فملاقيه) أي: يلقى عمله من خير وشر. # والوجه الرابع: أن في ms1928 الآية تقديما وتأخيرا، والمعنى: يا أيها الإنسان ~~إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت. # قوله تعالى: * (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) قال ~~قتادة: عامل لربك عملا. # والكدح هو السعي بتعب ونصب. # قال الشاعر: # (ومضت بشاشة كل عيش صالح * وبقيت أكدح للحياة وأنصب) ويجوز أن يكون ذكر ~~الواحد هاهنا بمعنى الجمع، فيكون بمعنى يا أيها الناس. # وكان الحسن البصري يقول: يا أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل. PageV06P187 # * (فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8)). # وقوله تعالى: * (فملاقيه) قال قتادة: أي: فملاق عملك من خير وشر. # ويقال: ملاق ربك. # وقوله: * (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا). # أي هينا، وقيل في اليسير: هو أن يقبل الحسنات، ويتجاوز عن السيئات. # وقد ثبت برواية أبي مليكة عن عائشة أن النبي قال: ' من نوقش في الحساب ~~هلك، قلت: يا رسول الله، فإن الله عز وجل يقول: * (فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا) قال: ذلك العرض ' قال رضي الله عنه أخبرنا ~~بهذا الحديث أبو الحسين ابن النقور، أخبرنا أبو طاهر (بن) المخلص، أخبرنا ~~أبو محمد يحيى بن صاعد، أخبرنا الحسن بن الحسين المروزي، عن عبد الله بن ~~المبارك، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة الخبر. # وأورد أبو عيسى برواية (ابن عمر) أن النبي قال: ' من حوسب عذب '، وهو ~~بإسناد غريب. # وفي رواية ثالثة عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي رآها، وقد رفعت ~~يديها وهي تقول: اللهم حاسبني حسابا يسيرا. # فقال: ' يا عائشة، أتدرين PageV06P188 # * (وينقلب إلى أهله مسرورا (9) وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10)). ما ~~ذلك الحساب؟ قالت عائشة: فقلت ذكر الله في كتابه: * (فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسير) فقال رسول الله: من حوسب خصم، وذلك الممر ~~بين يدي الله تعالى '. # وذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ في المستدرك على الصحيحين بإسناده عن ~~أبي هريرة أن النبي قال: ' ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابا يسيرا، وأدخله ~~الجنة ms1929 برحمته. # قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله، لمن ذلك؟ قال: ' أن تصل من قطعك، وتعفو ~~عمن ظلمك، وتعطي من حرمك '. # وقوله: * (وينقلب إلى أهله مسرورا) أي: فرحا مستبشرا، ويجوز أن ينقلب إلى ~~أهله من الحور العين، ويجوز أن يكون المعنى ينقلب إلى أهله الذين كانوا له ~~في الدنيا، وقيل: نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد، وكان زوج أم سلمة، وهو ~~أول من هاجر إلى المدينة. # وقوله: * (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) نزلت في الأسود بن عبد الأسد. # قوله تعالى: * (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) قال مجاهد: يخلع يده ~~اليمنى، ويجعل يده اليسرى وراء ظهره، فيوضع كتابه فيها. # وقال الكلبي: تغل يده اليمنى، ويوضع كتابه في شماله من وراء ظهره. # وروى أبو PageV06P189 # * (فسوف يدعو ثبورا (11) ويصلى سعيرا (12) إنه كان في أهله مسرورا (13) ~~إنه ظن أن لن يحور (14)). موسى الأشعري - وهو عبد الله بن قيس - أن النبي ~~قال: ' يكون في القيامة ثلاث عرضات: فعرضتان جدال ومعاذير، والعرضة الثالثة ~~عند تطاير الصحف، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله '. # وذكر النقاش في تفسيره بإسناده أن النبي قال: ' من حاسب نفسه في الدنيا ~~هون الله عليه الحساب في الآخرة '. # * (فسوف يدعو ثبورا) معناه: يقول واثبوراه، ومعنى قوله: واثبوراه: ~~واهلاكاه. # يقال: رجل مثبور أي: هالك. # وقوله: * (ويصلى سعيرا) أي: يقاسي النار، ويقال: يدخل، ومنه قوله تعالى * ~~(اصلوها) أي: ادخلوها، وقرئ: ' ويصلى سعيرا ' أي: يكثر عذابه بنار جهنم، ~~ذكره الأزهري. # قوله تعالى: * (إنه كان في أهله مسرورا) أي: لم يحزن للتقصير في أوامر ~~الله تعالى، ولم يتعب، ولم ينصب في العمل بطاعة الله، ذكره القفال. # ويقال: كان في أهله مسرورا، أي: راكبا هواه، متبعا شهوته. # وقوله: * (إنه ظن أن لن يحور) أي: أن لن يرجع إلى الله تعالى، وهو إخبار ~~عن إنكاره بالبعث. # وقوله: * (يحور) يرجع، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ' أعوذ بالله من ~~الحور بعد الكور ' أي: النقصان بعد الزيادة. # وفي رواية: ' من الحور بعد الكور ' أي: من انتشار أمره بعد أن كان ~~مجتمعا، ms1930 أو من فساد أمره بعد أن كان صالحا. PageV06P190 # * (بلى إن ربه كان به بصيرا (15) فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق ~~(17) والقمر إذا اتسق (18)). # وقال الشاعر: # (وما المرء إلا كالشهاب وضوئه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع) وقوله: * ~~(بلى إن ربه كان به بصيرا) أي: عالما. # وقوله تعالى: * (فلا أقسم بالشفق) أي: أقسم بالشفق، قال مجاهد: هو النهار ~~كله. # والمعروف أن الشفق هو الحمرة من عند غروب الشمس إلى العشاء الآخرة. # قال الفراء: سمعت العرب تقول على فلان ثوب كأنه الشفق، وكان عليه ثوب ~~مصبوغ بالحمرة. # وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: ' الشفق هو الحمرة '. # وهو قول جماعة من الصحابة وجماعة من التابعين منهم: ابن عمر، وسعيد بن ~~المسيب، وغيرهما. # وعن أبي هريرة: أن الشفق هو البياض، وهو قول عمر بن عبد العزيز. # قوله: * (والليل وما وسق) أي: وما جمع ولف، وضم الأشياء بعد انتشارها، ~~وإنما قال ذلك؛ لأنه إذا كان الليل آوى كل شيء إلى مأواه، ورجع كل إنسان ~~إلى منزله، وإذا كان النهار انتشروا في التصرف. # وقوله: * (والقمر إذا اتسق) أي: إذا اجتمع ضوءه، ويقال: امتلأ نورا، وهو ~~ليلة الثالث عشر من الشهر والرابع عشر والخامس [عشر]. PageV06P191 # * (لتركبن طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم ~~القرآن لا يسجدون (21)). # قال الشاعر: # (إن لنا قلائصا حقائقا * مستوسقات (لو) يجدن سائقا) وقوله: * (لتركبن ~~طبقا عن طبق) وقرئ: ' لتركبن ' على الوحدان، فمن قرأ على الجمع فمعناه: ~~لتركبن أيها الناس حالا بعد حال، والحال هو بمعنى الطبق. # قال الشاعر: # (فبينا المرء في عيش لذيذ ناعم * خفض أتاه طبق يوما على منقلب دحض) ومعنى ~~حال بعد حال: هو أنه يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ينفخ فيه الروح، وبعد ~~ذلك تتبدل أحواله، ويختلف على المعهود المعلوم من طفولية، وشباب، وهرم، ~~وغير ذلك. # ويقال: لتركبن طبقا عن طبق أي: شدة على شدة، والمعنى: أنه حياة ثم موت ثم ~~بعث ثم جزاء. # فأما القراءة على الوحدان ففيه قولان. # أحدهما: أن المراد منه ms1931 السماء، والمعنى: أنه ينشق ويكون مرة كالدهان، ~~ومرة كالمهل، ومرة مشقوقة، ومرة صحيحة، وهو مروي عن ابن مسعود وغيره. # والقول الثاني: أنه خطاب للنبي، والمعنى لتركبن أطباق السماء طبقا على ~~طبق، وذلك ليلة الإسراء، ويقال: لتركبن طبقا عن طبق يعني: أصلاب الآباء، ~~وذلك للرسول. # قال العباس في مدح النبي: # (من قبلها طبت في الصلاب * وفي مستودع حين يخصف الورق) (تنقل من صالب إلى ~~رحم * إذا مضى عالم بدا طبق) PageV06P192 # * (بل اللذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب ~~أليم (24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25)). # وقوله * (فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) في ~~التفسير: أن النبي سجد وأصحابه، والكفار على رؤوسهم يصفقون ويصفرون فأنزل ~~الله تعالى * (فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) وقد ثبت ~~برواية أبي هريرة ' أن النبي سجد سجد في هذا الموضع '. # وقوله: * (بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون) أي: يكتمون ~~ويجمعون في صدورهم. # قوله: * (فبشرهم بعذاب أليم) أي أجعل لهم النار موضع البشارة للمؤمنين ~~بالجنة. # وقوله: * (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) أي غير ~~منقوص ولا مقطوع. # ويقال: لا يمتن عليهم أحد غير الله تعالى فيكدره عليهم المنة والله أعلم. ~~PageV06P193 # بسم الله الرحمن الرحيم * (والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) ~~وشاهد ومشهود (3)). # تفسير سورة البروج وهي مكية قوله تعالى: * (والسماء ذات البروج) أي: ~~النجوم العظام. # قال عكرمة: ذات القصور. # ويقال: ذات الخلق الحسن، ويقال: ذات المنازل، وهي منازل القمر، وهي ~~ثمانية وعشرون منزلا ذكرناها من قبل. # وقوله: * (واليوم الموعود) وهو يوم القيامة بالاتفاق. # وقوله: * (وشاهد ومشهود) فيه أقوال: روى أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي - ~~رضي الله عنه - أن الشاهد هو يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الأثر أبو محمد عبد الله بن محمد ~~الصريفيني، أخبرنا أبو القاسم بن حبابة أخبرنا أبو القاسم البغوي، عن علي ~~بن الجعد، عن شريك، عن [أبي] إسحاق. # الأثر. # والقول الثاني: ms1932 الشاهد يوم النحر، والمشهود يوم عرفة، قاله إبراهيم ~~النخعي. # والقول الثالث: أن الشاهد هو الملائكة، والمشهود هو الإنسان، قاله السدي، ~~والقول الرابع: أن الشاهد هو محمد، والمشهود يوم القيامة، وهو مروي عن ~~الحسن بن علي، وابن عمر، وابن الزبير - رضي الله عنهم - والقول الخامس: ~~الشاهد هو الله، PageV06P194 # * (قتل أصحاب الأخدود (4)). والمشهود هو يوم القيامة، والقول السادس: أن ~~الشاهد هو عيسى ابن مريم، والمشهود يوم القيامة، والقول السابع: أن الشاهد ~~هو الجوارح، والمشهود هو نفس الإنسان، والقول الثامن: أن الشاهد يوم ~~الاثنين، والمشهود يوم الجمعة، وشهادة الأيام شهادتها على الأعمال ومعنى ~~المشهود في الأيام هو أنه يشهدها الناس، وهو في يوم القيامة على معنى أنه ~~تشهده الملائكة وجميع الخلائق. # قوله تعالى: * (قتل أصحاب الأخدود) والأخدود جمع خد، وهو شق في الأرض، ~~واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؟. # قال علي: في قوم من الحبشة، وعن مجاهد: في قوم من نجران، وعن ابن عباس: ~~في قوم من اليمن، وعن بعضهم قوم بالروم، وقيل غير ذلك. # وفي التفسير: أنه كان بنجران قوم على شريعة عيسى بن مريم - صلوات الله ~~عليه - يدينون بالتوحيد، فجاءهم ذو نواس وأحضرهم - وهو ملك من ملوك اليمن - ~~وخيرهم بين اليهودية والإحراق بالنار، فاختاروا الإحراق بالنار، فخد لهم ~~أخدودا، وأضرم فيها النار، وأمرهم بالتهود أو يلقوا أنفسهم فيها، فألقوا ~~أنفسهم فيها حتى احترقوا. # وفي بعض التفاسير: أنه كان في آخرهم امرأة ومعها صبي رضيع، فلما بلغت ~~النار توقفت فتكلم الصبي وقال: يا أماه، سيري ولا تنافقي، فإنما هي غميضة. # وقد ذكر مسلم في الصحيح في هذا قصة طويلة، وكذلك أبو عيسى على غير هذا ~~الوجه الذي ذكرنا، وذكرا فيه حديث الملك والراهب والساحر، وهو ما روى عن ~~ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال: ' كان رسول الله ~~إذا صلى العصر همس، والهمس في بعض قولهم تحرك شفتيه كأنه يتكلم، فقيل له: ~~إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست قال: إن نبيا من الأنبياء كان أعجب ~~بأمته، من ms1933 يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم منهم وبين ~~أن أسلط PageV06P195 # عليهم عدوهم، فاختاروا النقمة، فسلط عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ~~ألفا قال: وكان إذا حدث بهذا الحديث حدث بهذا الحديث الآخر، قال: كان ملك ~~من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له، فقال (الكاهن): انظروا لي غلاما ~~(فهما) - أو قال فطنا لقفا - فأعلمه علمي هذا، فإني أخاف أن أموت فينقطع ~~منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم من يعلمه. # قال: فنظروا له على ما وصف، وأمروه أن يحضر ذلك الكاهن وأن يختلف إليه. # قال: فجعل يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعة - قال معمر: ~~أحسب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين - قال: فجعل الغلام يسأل ذلك ~~الراهب كلما مر به، فلم يزل به حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله. قال: فجعل ~~الغلام يمكث عند الراهب، ويبطئ عن الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام إنه ~~لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك ~~الكاهن: أين كنت؟ فقل: عند أهلي، فإذا قال لك أهلك: أين كنت؟ (فأخبرهم أنك) ~~كنت عند الكاهن. # قال فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثير قد حبستهم دابة - ~~وقال بعضهم: إن الدابة كانت أسدا - قال: فأخذ الغلام صخرا وقال: اللهم إن ~~كان ما يقول الراهب حقا فأسألك أن أقتله، ثم رمى فقتل الدابة. # فقال الناس: من قتلها؟ فقالوا: الغلام، ففزع الناس وقالوا: قد علم هذا ~~الغلام علما لم يعلمه أحد. # قال: فسمع به أعمى، وقال له: إن أنت رددت بصري فلك كذا كذا. # فقال له: لا أريد منك هذا، ولكن إن أنت شرطت إن رجع إليك بصرك أن تؤمن ~~بالذي رده عليك فعلت؟ قال: فدعا الله فرد عليه بصره، فآمن الأعمى، فبلغ ~~الملك أمرهم، فبعث إليهم، فأتي بهم فقال: لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل ~~[بها] صاحبه، فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق ~~أحدهما فقتله، وقتل الآخر بقتلة ms1934 أخرى، ثم أمر بالغلام فقال: انطلقوا به إلى ~~جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه، فلما انتهوا إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن ~~يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون، حتى لم يبق منهم إلا ~~PageV06P196 # الغلام. # قال: ثم رجع، فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه، ~~فانطلقوا إلى البحر، فغرق الله الذين كانوا معه وأنجاه، فقال الغلام: إنك ~~لا تقتلني حتى تصلبني وترميني، وتقول إذا رميتني: باسم الله رب هذا الغلام. # قال: فأمر به فصلب ثم رماه، وقال: باسم الله رب هذا الغلام. # قال: فوضع الغلام يده على صدغه حين رمى به ثم مات، فقال الناس: لقد علم ~~هذا الغلام علما ما علمه أحد، فإنا نؤمن برب الغلام. # قال: فقيل للملك: [أجزعت] إن خالفك ثلاثة، فهذا العالم كلهم قد خالفوك. # قال: فخد أخدودا، ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس. # فقال: من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار، فجعل ~~يلقيهم في تلك الأخدود. # قال: يقول الله تعالى: * (قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود) حتى بلغ * ~~(ذو العرش المجيد) قال: فأما الغلام فإنه دفن. # قال: فذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب، وأصبعه على صدغه كما وضعها حين ~~قتل '. # قال أبو عيسى: حديث حسن غريب (صحيح). # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو عبد الرحمن ابن عبد الله بن ~~أحمد، أخبرنا أبو العباس بن سراج، أخبرنا أبو العباس [المحبوبي]، أخبرنا ~~عبد الرزاق، عن معمر... الخبر. # وذكر مسلم هذا الخبر في كتابه، وخالف في مواضع أخر منه. # وفي بعض الروايات: أن اسم ذلك الغلام كان عبد الله بن التامر. # قال محمد بن إسحاق: حفر في زمن عمر - رضي الله عنه - حفيرة، فوجدوا عبد ~~الله بن التامر، ويده على صدغه فكان كلما أخروا يده عن ذلك الموضع (انثعب) ~~دما، وإذا تركوا PageV06P197 # * (النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون ~~بالمؤمنين شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ms1935 الحميد ~~(8)). اليد ارتدت إلى مكانها، وكان في أصبعه خاتم حديد مكتوب عليه: ربي ~~الله، فأمر عمر أن يرد إلى ذلك الموضع كما وجد. # وعن الحسن البصري أن النبي كان إذا ذكر هذه القصة قال: ' اللهم إني أعوذ ~~بك من جهد البلاء '. # وقد ذكر بعض أهل المعاني أن قوله: * (قتل أصحاب الأخدود) هو جواب القسم. # قوله: * (النار ذات الوقود) على قول البدل من الأخدود كأنه قال: ' قتل ~~أصحاب الأخدود النار ذات الوقود، والوقود ' ما يوقد به النار، وقيل: ذات ~~الوقود أي: ذات التوقد، وهو الأصح. # قوله: * (إذ هم عليها قعود) أي: جلوس، وفي القصة: أن الملك وأصحابه كانوا ~~قد قعدوا على كراسي عند الأخاديد. # وقوله: * (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) فعل ما فعل بالمؤمنين ~~بحضورهم. # وقوله: * (وما نقموا منهم) قال ابن عباس: وما كرهوا. # وعن غيره: وما عابوا. # وذكر الزجاج: ما أنكروا. # قال عبد الله بن قيس (بن) الرقيات: # (ما نقموا من بني أمية إلا * أنهم يحملون إن غضبوا) (وأنهم سادة الملوك * ~~فلا يصلح إلا عليهم العرب) وقوله: * (إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) ~~والمعنى أنهم ما أنكروا عليهم إلا إيمانهم بالله. PageV06P198 # * (الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) إن الذين ~~فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ~~(10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك ~~الفوز الكبير (11) إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد (13) وهو ~~الغفور). # وقوله: * (العزيز الحميد) أي: الغالب بقدرته، الحميد في أفعاله. # قوله تعالى: * (الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد) ظاهر ~~المعنى. # قال الزجاج: والمراد من الآية أن الله تعالى ذكر قوما بلغت بصيرتهم في ~~الدين أن خيروا بين الكفر وبين الإحراق بالنار، فصبروا حتى أحرقوا بالنار. # وقد ورد في بعض الأخبار عن النبي قال: ' لا تشرك بالله وإن قتلت وأحرقت ~~'. # قوله تعالى: * (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) أي: أحرقوا، يقال: ~~فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها، ويقال: حرة ms1936 فتين إذا كانت سوداء ~~كالمحترقة * (ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) بكفرهم ونوعا ~~من العذاب بإحراقهم المؤمنين. # وعن الربيع بن أنس: أن النار التي أحرقوا المؤمنين فيها ارتفعت من ~~الأخدود، فأحرقت الملك وأصحابه، فهو معنى قوله: * (ولهم عذاب الحريق). # قوله تعالى: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير) أي: العظيم، وهذا على ما جرى أمر القرآن، فإنه ~~إذا ذكر الوعد للكفار يذكر الوعد للمؤمنين بجنبه، وهو ظاهر في أكثر القرآن. # قوله تعالى: * (إن بطش ربك لشديد) البطش هو الأخذ بعنف وشده. # قوله تعالى: * (إنه هو يبدئ ويعيد) أي: يبدئ الخلق في الدنيا، ثم يعيدهم ~~في الآخرة. # قوله تعالى: * (وهو الغفور الودود) الغفور هو الستور بذنوب عباده، الودود ~~هو PageV06P199 # * (الودود (14) ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) هل أتاك حديث ~~الجنود (17) فرعون وثمود (18)). المحب للمؤمنين، وقيل: المتودد إلى ~~المؤمنين بجميل أفعاله وكثير إحسانه. # وذكر الأزهري: أنه يجوز أن يكون الودود، بمعنى المودود كالحلوب والركوب ~~بمعنى المحلوب والمركوب، فعلى هذا في قوله: * (الودود) معنيان: أحدهما: أنه ~~المحب لعباده المؤمنين. # والآخر: الذي يحبه المؤمنون. # وقوله: * (ذو العرش المجيد) قرأ أكثر القراء بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي ~~بالخفض. # والعرش هو السرير في اللغة، وأما في القرآن هو العرش المعروف فوق ~~السماوات. # وفي التفسير: أنه لا يقدر قدره. # وعن بعضهم: ذو العرش ذو الملك، يقال: كل عرش فلان أي: ملك فلان، ويقال: ~~تبوأ فلان على سرير ملكه أي: استقر ملكه، وإن لم يكن ثم سرير في ذلك الوقت، ~~حكاه القفال، والقول الصحيح الأول. # وأما قراءة الرفع فهو صفة الله تعالى، وذلك بمعنى العلو والعظمة، وأما ~~قراءة الخفض ففيه أقوال: أحدهما: أنه صفة العرش، ومعنى المجيد فيه العالي ~~الرفيع، والقول الثاني: أنه صفة الله تعالى إلا أنه خفض بالجوار، والقول ~~الثالث: أنه راجع إلى قوله: * (إن بطش ربك) كأنه قال: إن بطش ربك المجيد ~~لشديد، أورده النحاس. # وعن بعضهم: أن جواب القسم قوله: * (إن بطش ربك لشديد) وهو ms1937 قول الأكثرين. # وقوله تعالى: * (فعال لما يريد) أي: ما يشاء ويختار. # وفي بعض الآثار أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه مرض فدخل القوم يعودونه ~~فقالوا له: ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال: قد دعوته. # فقالوا: فماذا قال؟ قال أبو بكر: فقال أنا فاعل لما أريد. # قوله تعالى: * (هل أتاك حديث الجنود) أي قد آتيك حديث الجنود. # وقوله: * (فرعون وثمود) أي جنود فرعون وثمود. # وذكر النقاش أن فرعون لما أتبع بني إسرائيل كانوا خمسة آلاف وخمسمائة ~~ألف. PageV06P200 # * (بل الذين كفروا في تكذيب (19) والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرآن ~~مجيد (21) في لوح محفوظ (22)). # وقوله: * (بل الذين كفروا في تكذيب) أي في تكذيب الرسل. # وقوله: * (والله من وراءهم محيط) أي محيط بأفعالهم وأقوالهم. # وقوله: * (بل هو قرآن مجيد) في بعض التفاسير أن الرسول لما قرأ عليهم ما ~~ذكرنا من الآيات قالوا له: لعلك غلطت أو سهوت؟ ولعل الذي ينزل عليك ليس من ~~قبل الله؟ فأنزل الله تعالى * (بل هو قرآن مجيد) هو المتجمع بخصال الخير. # وقرأ محمد اليمامي: ' بل هو قرآن مجيد ' على الإضافة معنى قرآن رب مجيد. # وقوله: * (في لوح محفوظ) قرئ بالرفع والخفض مع التنوين فيهما، ففي الرفع ~~ينصرف إلى القرآن، وفي الخفض ينصرف إلى اللوح. # وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن اللوح المحفوظ من درة بيضاء دفتاه ~~ياقوت أحمر كتابته نور وقلمه نور ينظر الله فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ~~يميت ويحيي، ويعز ويذل، ويفقر ويغني، ويفعل ما يشاء. # وفي بعض الأخبار: أنه مكتوب في صدره لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله. # وذكر الحفظ هاهنا ليبين أن ما يوحى إليه من القرآن هو محفوظ من السهو ~~والغلط، وأن ما يقوله النبي يقوله عن الله سبحانه وتعالى. # وعن فرقد السبخي: أن قوله: * (في لوح محفوظ) هو قلب المؤمن، وهو قول ~~ضعيف، والله أعلم. PageV06P201 # بسم الله الرحمن الرحيم * (والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) ~~النجم الثاقب (3)). # تفسير سورة الطارق ms1938 وهي مكية قوله تعالى: * (والسماء والطارق) الطارق ~~هاهنا هو النجم، وأما في لغة العرب فالطارق هو كل ما يطرق ليلا، وقد قيل: ~~هو الذي يطرق ليلا كان أو نهارا. # وأما قول القائل: # (نحن بنات طارق *) أي: بنات النجوم شرفا وعلوا. # وقال جرير: # (طرقت صائدة القلوب وليس ذا * وقت المقامة فارجعي بسلام) وقوله: * (وما ~~أدراك ما الطارق) إنما قال ذلك؛ لأن الطارق يتناول النجم وغيره، فذكر هاهنا ~~قوله: * (وما أدراك ما الطارق) لأن الرسول لم يدر أي طارق أراد. # وقوله: * (النجم الثاقب) قال ابن عباس: المضيء. # وعن مجاهد: هو المتوهج. # وعن بعضهم: هو المستدير. # وعن بعضهم: الثاقب النجم الذي يثقب الشياطين بالنار. # وذكر الفراء: أنه زحل، وهو أكبر النجوم. # وقد حكى هذا القول عن علي. # وعن بعضهم: أنه نجم خلقه الله في السماء السابعة، لم يخلق فيها غيره، ~~يطرق PageV06P202 # * (إن كل نفس لما عليها حافظ (4) فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء ~~دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8)). ~~السماوات ثم يرجع إلى مكانه. # وعلى القول الذي قلنا [أن زحل هو الثاقب]، يعني أنه يثقب السماوات ~~بضيائه. # وعن ابن زيد: أنه الثريا. # والعرب إذا أطلقت النجم عنت به الثريا. # وقوله: * (إن كل نفس لما عليها حافظ) هو جواب القسم. # وقد قرئ بالتشديد والتخفيف، فمعنى التشديد: إلا عليها حافظ، ومعنى ~~التخفيف: لعلها حافظ، و ' ما ' زائدة، والحافظ: هو الملك، وعن بعضهم: قرينه ~~الذي يحفظ عليه عمله، وقيل: الحافظ هو الله تعالى يحفظ عليهم أعمالهم. # وقوله تعالى: * (فلينظر الإنسان مم خلق) أي: من أي شيء خلق. # وقوله: * (خلق من ماء دافق) أي: مدفوق مثل قوله تعالى: * (في عيشة راضية) ~~أي: مرضية، وقيل: * (ماء دافق) أي: منصب جار. # وقوله: * (يخرج من بين الصلب والترائب) أي: من صلب الرجل، وترائب المرأة. # وفي الخبر: أنه يخرج من كل خرزة من صلبه، والترائب ثمانية أضلاع: أربعة ~~يمنة، وأربعة يسرة، وقيل: هو الصدر، وقيل: بين الثديين، وقيل: ما دون ~~الترقوة. # وقوله: * (إنه على رجعه لقادر) ms1939 فيه أقوال: أحدها: على رد النطفة في ~~الإحليل لقادر، قاله مجاهد وإبراهيم وعكرمة، والقول الثاني: هو قادر أن ~~يرده إلى حالة الطفولية، وقيل: يرد من (الشيخوخة) إلى الكهولة، ومن الكهولة ~~إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصغر، ومن الصغر إلى الطفولية، ومن الطفولية ~~إلى رحم المرأة، ومن الرحم إلى الصلب، فهو معنى قوله: * (إنه على رجعه ~~لقادر). # والقول الثالث - وهو أولى الأقاويل - أن المراد منه، أنه على إحيائه بعد ~~الإماتة لقادر، ذكره الفراء والزجاج وغيرها. PageV06P203 # * (يوم تبلى السرائر (9) فما له من قوة ولا ناصر (10) والسماء ذات الرجع ~~(11) والأرض ذات الصدع (12) إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14) إنهم ~~يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16)). # قوله تعالى: * (يوم تبلى السرائر) أي: تختبر وتمتحن، وقيل: تظهر، وهو ~~الأولى. # وفي التفسير: أنه يظهر سر كل إنسان، ويبدو أثره على وجهه، فتبيض بعض ~~الوجوه، وتسود بعض الوجوه. # وقوله: * (فما له من قوة ولا ناصر) أي: قوة يتقوى بها، وناصر ينصره، ~~فيدفع به العذاب عن نفسه. # وقوله تعالى: * (والسماء ذات الرجع) أي: المطر، وهو القول المعروف، وسمى ~~المطر رجعا؛ لأنه يرجع مرة بعد أخرى. # والقول الثاني: أنه الشمس والقمر والنجوم، وسميت رجعا؛ لأنها تطلع وتغيب، ~~وترجع من المغرب إلى المشرق. # وقوله: * (والأرض ذات الصدع) أي: النبات، وهو قول الجميع، وسمى صدعا؛ لأن ~~الأرض تنصدع به. # وقوله: * (إنه لقول فصل) أي: ذو فصل، وهو الفصل بين الحق والباطل. # وقوله: * (وما هو بالهزل) أي: باللعب، والعبث، والمعنى: أنه قول جد. # قوله تعالى: * (إنهم يكيدون كيدا) أي: يمكرون مكرا، والكيد في اللغة هو ~~صنع يصل به إلى الشيء على الخفية والاستتار. # * (وأكيد كيدا) الكيد من الله هو الاستدراج من حيث لا يعلمون الكفار، ~~والاستدراج هو الأخذ قليلا قليلا، وقيل: هي الأخذ من حيث يخفى عليهم، وقيل: ~~* (وأكيد كيدا) أي: أعاقبهم عقوبة كيدهم. # وقوله: * (فمهل الكافرين) أي: أمهل الكافرين، وهذا قبل آية السيف. ~~PageV06P204 # * (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17)). # وقوله: * (أمهلهم رويدا) أي: أمهلهم قليلا، والعرب تقول: رويدك يا فلان ~~أي: كن على أودة ورفق، ms1940 وأما هاهنا فهو بمعنى القليل على ما بينا. # وقد أخذهم يوم بدر بالسيف، وسيأخذهم بعذاب الآخرة عن قريب. PageV06P205 # بسم الله الرحمن الرحيم * (سبح اسم ربك الأعلى (1)). # تفسير سورة الأعلى وهي مكية وفي رواية الضحاك أنها مدنية، والأصح هو ~~الأول، والله أعلم. # قوله تعالى: * (سبح اسم ربك الأعلى) أي: عظم ربك الأعلى، وقيل: نزه، ~~وتنزيه الله - عز اسمه - ألا يوصف بوصف لا يليق به. # وروى أبو صالح، عن ابن عباس أن معناه: صل بأمر ربك، وقيل: صل لربك ~~المتعالي. # وفي الآية دليل أن الاسم والمسمى واحد؛ لأن المعنى سبح اسم ربك الأعلى ~~وفي قراءة أبي: ' سبحان ربك الأعلى '. # وقال الشاعر: # (إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر) أي: ثم ~~السلام عليكما. # وروى إسرائيل، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن علي - رضي الله عنه - ' ~~أن الني كان يحب سورة سبح اسم ربك الأعلى '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو بكر محمد بن عبد الصمد ~~الترابي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، أخبرنا إبراهيم بن خزيم ~~الشاشي، أخبرنا عبد ابن حميد، أخبرنا وكيع، عن إسرائيل الخبر. PageV06P206 # * (الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3)). # وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - ' أن رسول الله كان يقرأ في الركعة ~~الأولى من الوتر * (سبح اسم ربك الأعلى)، وفي الثانية: * (قل يا أيها ~~الكافرون) في الثالثة: سورة الإخلاص والمعوذتين '. # وعن علي وابن عباس وابن عمر أنهم كانوا إذا قرءوا سبح اسم ربك الأعلى ~~قالوا: سبحان ربي الأعلى امتثالا للأمر. # [والأولى] أن يقول كذلك. # [و] من المعروف عن عقبة بن عامر أنه قال: لما نزل قوله تعالى: * (سبح اسم ~~ربك الأعلى) قال النبي: ' اجعلوه في سجودكم، ولما نزل قوله: ' سبح اسم ربك ~~العظيم ' قال: اجعلوه في ركوعكم '. # وقوله: * (الذي خلق فسوى) أي: خلقك وجعلك رجلا سويا. # وهو في معنى قوله: * (الذي خلقك فسواك) على ما بينا. # وقوله: * (الذي قدر فهدى) قال السدي: قدر خلق الذكر والأنثى، وهدى أي: ~~PageV06P207 # * (والذي أخرج ms1941 المرعى (4) فجعله غثاء أحوى (5) سنقرئك فلا تنسى (6)). هدى ~~الذكر إلى الأنثى. # وقيل: قدر خلق كل شيء، وهداه إلى ما يصلحه، وهذا في الحيوانات. # وقيل: هداه إلى رزقه، كالطفل يهتدي إلى الثدي، ويفتح فاه حين يولد طلبا ~~للثدي، والفرخ يطلب الرزق من أمه وأبيه وكذلك كل شيء. # وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير، والشر والسعادة والشقاوة. # ويقال: في الآية حذف، والمعنى: وهدى وأضل. # وقوله: * (والذي أخرج المرعى) أي: مرعى للأنعام. # قال الشاعر: # (وقد ينبت المرعى على دمن الثرى * وتبقى حزازات النفوس كما هيا) وقوله: * ~~(فجعله غثاء أحوى) في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: أخرج المرعى أحوى. # * (فجعله غثاء) أي: يابسا. # والغثاء هو ما حمله السيل من النبات اليابس والحشيش، والطفاط ما ألقاه ~~القدر من الزبد، والأحوى الأسود، والحوة (السواد). # وإنما سماه أحوى؛ لأن كل أخضر يضرب إلى السواد إذا اشتدت خضرته. # قال ذو الرمة: # (لمياء في شفتيها حوة لعس * وفي اللثات وفي أنيابها شنب) ويقال: أخرج ~~المرعى أخضر، ثم جعله أحوى، ثم جعله غثاء. # قوله: * (سنقرئك فلا تنسى) ذكر [ابن] أبي نجيح بروايته عن ابن عباس أن ~~النبي: ' كان إذا قرأ عليه جبريل سورة من القرآن فيحرك شفتيه بقراءتها ~~مخافة أن PageV06P208 # * (إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (7) ونيسرك لليسرى (8) فذكر ~~إن نفعت الذكرى (9)). يتفلت منه، فأنزل الله تعالى قوله: * (سنقرئك فلا ~~تنسى). # والمعنى: أنك كفيت النسيان، (فلم ينس) بعد ذلك. # وقوله: * (إلا ما شاء الله) يعني: إلا ما شاء الله أن ينساه، والمراد منه ~~نسخ التلاوة، وقيل: النسيان هاهنا بمعنى الترك، أي: لا يترك إلا ما شاء ~~الله أن يترك بالنسخ. # وعن بعضهم: أن قوله: * (إلا ما شاء الله) ذكر مشيئته على التعليم حتى ~~يقرن لفظ المشيئة بجميع أقواله مثل قوله: * (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله [آمنين]) قد قال: * (إلا ما شاء الله) يعني: أن تنسى، ولم يشأ. # مثل قوله تعالى: * (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ~~ولم يشأ، ذكره ابن فارس. # وقوله: * (إنه ms1942 يعلم الجهر وما يخفى) أي: السر والعلن، ويقال: ما في ~~القلب، وما على اللسان. # وقوله: * (ونيسرك لليسرى) اليسرى فعلى من اليسر، ومعناه: للأيسر من ~~الأمور. # وقوله: * (فذكر إن نفعت الذكرى) فإن قال قائل: كيف قال: إن نفعت الذكرى، ~~وهو مأمور بالتذكير على العموم نفعت أو لم تنفع؟ # والجواب من وجهين: أحدهما: أن معنى قوله: * (إن نفعت الذكرى) إذ نفعت ~~الذكرى، مثل قوله تعالى: * (وخافون إن كنتم مؤمنين) ومعناه: إذ كنتم ~~مؤمنين. PageV06P209 # * (سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) ~~ثم لا يموت فيها ولا يحيى (13) قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى). # والوجه الثاني: ذكر بكل حال، فقد نفعت الذكرى، فهو تعليق بمتحقق والمعنى: ~~إن نفعت، وقد نفعت. # قوله تعالى: * (سيذكر من يخشى) يقال: نزل هذا في عبد الله بن أم مكتوم. # وقيل: هو على العموم والمعنى: من يخشى الله. # وقوله: * (ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى) يقال: هو الوليد بن ~~المغيرة وعتبة بن ربيعة. # وقوله: * (يصلى النار الكبرى) أي: يدخل النار الكبرى. # قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو الطبق الأسفل من جهنم. # وقوله: * (ثم لا يموت فيها ولا يحيى) أي: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة ~~فيها راحة، ويقال: لا يموت، ولا يجد (روح الحياة). # قوله تعالى: * (قد أفلح من تزكى) أي: تطهر بالعمل الصالح، ويقال: فلان ~~تزكى بقول لا إله إلا الله. # وقال سعيد بن جبير: آمن ووحد ربه. # وعن عطاء: أي أعطى زكاة ماله. # [و] قال ابن مسعود من لم يزك لم تقبل الصلاة منه. # وعن ابن عمر: أنها صدقة الفطر. # وهو قول عمر بن عبد العزيز. # وكان ابن عمر يقول لنافع حين يصبح يوم العيد: أخرجت زكاة الفطر؟ فإن قال: ~~نعم، توجه إلى الصلاة، وإن قال: لا، يأمره بالإخراج، ثم يتوجه، وهذا على ~~القول الذي قلنا أن السورة مدنية، فأما إذا قلنا: مكية، وهو الأصح، فلا يرد ~~هذا القول؛ لأن صدقة الفطر لم تكن واجبة بمكة، وإنما وجبت بالمدينة، وكذلك ~~صلاة العيد، ms1943 إنما صليت بالمدينة. # وقوله: * (وذكر اسم ربه فصلى) أي: ذكر ربه فصلى، ويقال: الذكر هو ~~التكبير، PageV06P210 # (* (15) بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى (17) إن هذا لفي ~~الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19)). والصلاة هي الصلاة المعروفة، ~~وقيل: صلاة العيد. # قوله تعالى: * (بل تؤثرون الحياة الدنيا) أي: تختارون. # قال ابن مسعود: عجلت لهم الدنيا، وغيبت عنهم الآخرة، فاختاروا الدنيا على ~~الآخرة، ولم عاينوا الآخرة ما اختاروا عليها شيئا. # وروى أبو موسى الأشعري عن النبي أنه قال: ' من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن ~~أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى '. # وقوله: * (والآخرة خير وأبقى) أي: أدوم [وأبقى]. # وقوله: * (إن هذا لفي الصحف الأولى) أي: ما ذكره الله في هذه السورة، ~~وقيل: من قوله - تعالى -: * (قد أفلح من تزكى) إلى قوله: * (وأبقى) قال ~~قتادة: في جميع كتب الأولين أن الآخرة خير وأبقى. # وقوله: * (صحف إبراهيم وموسى) أي: الكتب التي أنزلها الله تعالى على ~~إبراهيم وموسى، وقد أنزل على إبراهيم صحفا، وأنزل على موسى التوراة، فهي ~~المراد بالآية، والله أعلم. PageV06P211 # بسم الله الرحمن الرحيم * (هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة ~~(2) عاملة ناصبة (3) تصلى نارا حامية (4)). # تفسير سورة الغاشية وهي مكية بالإجماع قوله تعالى: * (هل أتاك حديث ~~الغاشية) أي: القيامة، وسميت غاشية؛ لأنها تغشى كل شيء بالأهوال، ويقال: ~~تغشى كل كافر وفاجر بالعذاب، والغاشية هي المجللة، ومعنى هل أتاك: قد أتاك. # وقوله: * (وجوه يومئذ خاشعة) أي: ذليلة لما ترى من سوء العاقبة، والمعنى: ~~ركبها الذل. # وقوله: * (عاملة ناصبة) أي: عملت في الدنيا لغير الله، فنصبت وتعبت في ~~الآخرة بعذاب الله. # وعن السدي وجماعة: أنهم الرهبان وأصحاب الصوامع من النصارى واليهود. # وقد روى عن عمر أنه لما قدم الشام فمر بصومعة راهب فناداه فاطلع عليه، ~~وقد تنحل من الجوع والضر والعبادة، وعليه برنس، فبكى عمر - رضي الله عنه - ~~فقالوا: يا أمير المؤمنين، وما يبكيك؟! فقال: مسكين طلب أمرا، ولم يصل ~~إليه، وسلك طريقا وأخطأه، ثم قرأ قوله: * (عاملة ناصبة) الآية. # وقوله: * (تصلى نارا ms1944 حامية) أي: تقاسي حرها. # وقوله: * (تسقى من عين آنية) أي: انتهت في الحر. # قال الحسن البصري: أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردا، أي: ~~عطاشا. PageV06P212 # * (تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغني ~~من جوع (7) وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في جنة عالية)). # قال النابغة: # (ويخضب نحبة (غدرت) وهانت * بأحمر من جميع الجوف آن) وفي بعض التفاسير: ~~أنهم إذا دنوا ذلك من وجوههم سلخت وجوههم، فإذا شربوا منها قطعت أمعاءهم. # وقوله: * (ليس لهم طعام إلا من ضريع) هو شجر يسمى بالحجاز: الشبرق، له ~~شوك كثير، فإذا يبس يسمى الضريع. # قال ابن قتيبة: الضريع شيء إذا وقعت عليها الإبل فأكلته هلكت هزلا. # ويقال: الضريع هو الحجارة، وهو مروي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو قول ~~غريب. # ويقال: نبت فيه سم. # وفي التفسير: أن أهل النار سلط الله عليهم الجوع حتى يعدل بما هم فيه من ~~العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام [ذي] غصة، ~~ثم يذكرون أنهم كانوا في الدنيا يدفعون الغصة بالماء، فيستغيثون فيتركون ~~ألف سنة يستسقون ثم يسقون الحميم وقوله: * (لا يسمن ولا يغني من جوع) روى ~~أن المشركين قالوا: إن إبلنا تسمن على الضريع، وقد كذبوا في ذلك، فأنزل ~~الله تعالى: * (لا يسمن ولا يغني من جوع). # قوله تعالى: * (وجوه يومئذ ناعمة) أي: ذات نعمة. 3 وقوله: * (لسعيها ~~راضية) أي: مرضية. # وقوله: * (في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية) أي: لغوا فاعلة بمعنى ~~المصدر، وهو PageV06P213 # (* (10) لا تسمع فيها لاغية (11) فيها عين جارية (12) فيها سرر مرفوعة ~~(13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة (16) أفلا). # في معنى قوله: * (لا تسمع فيها لغوا ولا تأثيما). # وقوله: * (فيها عين جارية) قد قد بينا من قبل. # وقوله: * (فيها سرر مرفوعة) أي: مرتفعة عن أرض الجنة. # ويقال في التفسير: السرر مرتفعة، عليها فرش محشوة، كل فرش كجنبذ. # وفيه أيضا أنها تتطامن للمؤمن، فإذا صعد عليها ارتفعت. # وقوله: * (وأكواب موضوعة) قد بينا معنى الأكواب، وهي الأباريق التي لا ms1945 ~~خراطيم لها. # وقوله: * (ونمارق مصفوفة) أي: وسائد صف بعضها إلى بعض، قال الشاعر: # (وإنا لنجري الكأس بين شروبنا * وبين أبي قابوس فوق النمارق) وقوله: * ~~(وزرابي مبثوثة) أي: بسط، واحدها زربية. # وقوله: * (مبثوثة) متفرقة، ومعنى المتفرقة: أنها قد فرقت في المجالس، ~~وفرشت المجالس بها. # وقوله تعالى: * (أفلا ينظرون) فإن قيل: كيف يليق هذا بالأول؟. # والجواب: أن النبي لما ذكر لهم ما أوعده الله للكفار ووعده للمؤمنين ~~استبعدوا ذلك غاية الاستبعاد. # وقالوا: لا نفهم حياة بعد الموت، ولا ندري وعدا ولا وعيدا، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، وذكر لهم من الدلائل ما هي مجرى أبصارهم. # قال أبو سليمان الخطابي - رضي الله عنهم - ذكر الله تعالى هذه الأربع وهي ~~الإبل، والسماء، والأرض، والجبال، وخصها بالذكر من بين سائر الأشياء؛ لأن ~~الأعرابي إذا ركب بعيره، وخرج إلى البرية، PageV06P214 # * (ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى ~~الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف سطحت (20) فذكر إنما أنت مذكر (21) ~~لست عليهم بمسيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله) فلا يرى إلا ~~بعيره الذي هو راكبه، والسماء التي فوقه، والأرض التي تحته، والجبال التي ~~هي نصب عينه. # وقوله: * (إلى الإبل كيف خلقت) في الإبل من أعجوبة الخلق ما ليس في ~~غيرها؛ لأنها مع كبرها وعظمها تنقاد لكل واحد يقوده، وأيضا فإنها تبرك ~~ويحمل عليه الحمل الثقيل، وتقوم من بروكها، ولا يوجد هذا في غيره، والطفل ~~الصغير يقوده فينقاد، وينخه فيستنخ. # وفي بعض الحكايات أن فارة جرت بزمام بعير، ودخلت جحرها، فنزل البعير، ~~وجرت الفأرة الزمام، فوضع فاها على الجحر. # قوله تعالى: * (وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض ~~كيف سطحت) أي: بسطت. # وعن أبي عمرو بن العلاء: أن قوله: * (إلى الإبل كيف خلقت) أنها السحاب، ~~وهو قول شاذ، ويجوز أن يحمل هذا على هذا إذا شدد ومد. # وقرئ في الشاذ بالتشديد. # وقال المبرد: قد قيل الإبل: القطع العظام من السحاب، يقال: فلان يوبل على ~~فلان أي: يكبر عليه ويعظم. # قوله تعالى: * (فذكر ms1946 إنما أنت مذكر) في التفسير: أنه عظة للمؤمن، وحجة ~~على الكافر، ويقال: ذكر أي: اذكر دلائل توحيد الله تعالى، وما أنعم عليه من ~~النعمة. # وقوله: * (لست عليهم بمسيطر) أي: بمسلط، وقيل: إن هذا قبل آية السيف، ~~فأما بعد نزولها فقد سلط عليهم. # وقوله: * (إلا من تولى وكفر) استثناء منقطع كأنه قال: لكن من تولى وكفر * ~~(فيعذبه الله العذاب الأكبر). # وقوله: * (إن إلينا إيابهم) أي: رجوعهم، يقال: آب يئوب إذا رجع، قال ~~الشاعر: # (وكل ذي غيبة يئوب * وغائب الموت لا يؤوب) PageV06P215 # * (العذاب الأكبر (24) إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26)). # وقوله: (ثم إن علينا حسابهم) أي: في القيامة. # فإن قيل: قال: * (ليس لهم طعام إلا من ضريع)، وقال في موضع آخر * (فليس ~~له اليوم هاهنا حميم ولا طعام إلا من غسلين) فكيف وجه الجمع بينهما؟. # والجواب من وجوه: أحدها: أن الضريع والغسلين واحد. # والوجه الثاني: أن هذا لقوم، وذاك لقوم آخرين. # والوجه الثالث: أن الغسلين طعام لا ينفع، ولا يغنيهم من شيء، فوضع الضريع ~~موضع ذلك؛ أن الكل بمعنى واحد، ذكره النحاس، والله أعلم. PageV06P216 # بسم الله الرحمن الرحيم * (والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3))) ~~تفسير سورة الفجر وهي مكية قوله تعالى: * (والفجر) روى أبو صالح عن ابن ~~عباس: أنه فجر المحرم، وذلك أول يوم منه، وفي رواية أخرى عنه: أنه فجر يوم ~~النحر، ويقال: هو الفجر في كل الأيام. # وقوله: * (وليال عشر) أكثر الأقاويل: أنها عشر ذي الحجة، وعن ا بن عباس ~~في رواية: أنها العشر الأخير من رمضان، وعن مسروق: أنها العشر التي قال ~~الله تعالى في قصة موسى: * (وأتممناها بعشر) وعن بعضهم: أنها العشر الأول ~~من المحرم. # وقوله: * (والشفع والوتر) روى عمران بن حصين عن النبي: ' (أنه) الصلاة، ~~منها شفع، ومنها وتر ' رواه أبو عيسى في جامعه. # والقول الثاني: أن الشفع هو يوم نحر، والوتر يوم عرفة، وروى بعضهم هذا ~~مرفوعا PageV06P217 # * (والليل إذا يسر (4) هل في ذلك قسم لذي حجر (5)) إلى النبي. # وهو مروي عن ابن عباس أيضا. # وهو قول ms1947 معروف. # وعن ابن الزبير: أن الشفع هو قوله تعالى: * (فمن تعجل في يومين) فاليومان ~~الأولان من أيام الرمي شفع، واليوم الثالث وتر. # وروى هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم أن الشفع هو الزوج، والوتر هو الفرد. # قال مجاهد: هو العدد كله، منه الشفع، ومنه الوتر، وهو قريب من قول ~~إبراهيم. # وعن عطاء قال: الشفع هو عشر ذي الحجة، والوتر أيام التشريق. # وعن جماعة أنهم قالوا: الشفع هو الخلق، والوتر هو الله تعالى. # ويقال: الشفع هو آدم وحواء، والوتر هو الله. # وقرئ ' والوتر ' بالفتح، وقال أهل اللغة: بالفتح والكسر بمعنى واحد. # وقوله: * (والليل إذا يسر) قال أبو العالية: إذا أقبل، وقال إبراهيم: إذا ~~استوى، وعن بعضهم: ' إذا يسر ' يعني: إذا يسرى فيه، فيذهب بعضه في إثر بعض، ~~وقيل يسرى فيه. # وقد أول بليلة جمع، وهي ليلة يوم النحر. # وقوله: * (هل في ذلك قسم لذي حجر) أي: لذي عقل. # وقال الفراء: ' لذي حجر ' أي: لمن كان ضابطا لنفسه قاهرا لهواه. # ويقال: ' لذي حجر ' أي لذي حكم، والحجر في اللغة: هو المنع، والحجر مأخوذ ~~منه، وسمى PageV06P218 # * (ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7)) العقل حجرا؛ لأنه ~~يمنع الإنسان من القبائح، وهذا لتأكيد القسم، وليس بمقسم عليه. # قوله تعالى: * (ألم ترى كيف فعل ربك بعاد إرم) هو أبو عاد؛ لأنهم قالوا: ~~هو عاد ابن إرم بن عوص بن سام بن نوح، ومنهم من قال: هو اسم بلدة، ولهذا لم ~~يصرف، فإن قلنا: هو اسم رجل، فلم نصرفه؛ لأنها اسم أعجمي. # وعن مالك بن أنس: أن إرم كورة دمشق. # وعن محمد بن كعب القرظي: أنه الإسكندرية. # وقوله: * (ذات العماد) أي: ذات البناء الرفيع، هذا إذا قلنا: إن إرم اسم ~~بلدة. # والقول الثاني: أن قوله * (ذات العماد) أي: ذات الأجسام الطوال. # يقال: رجل معمد إذا كان طويلا، فعلى هذا عاد اسم القبيلة، فقوله: * (ذات ~~العماد) منصرف إلى القبيلة. # وفي القصة: أن طول الطويل منهم كان خمسمائة ذراع، والقصير ثلاثمائة. # وعن أبي هريرة قال: كان الواحد ms1948 منهم يتخذ المصراع من الحجر، فلا ينقله ~~خمسمائة نفر منكم، وقال مجاهد: ذات عماد أي: ذات عمود، والمعنى: أنهم أهل ~~خيام لا يقيمون في موضع واحد، بل ينتجعون لطلب الكلأ أي: ينتقلون من موضع ~~إلى موضع، وقال الضحاك: ذات العماد أي: ذات القوة، مأخوذ من قوة الأعمدة. # وفي القصة: أن عاج بن عوج كان منهم. # وذكر النقاش: أن طول موسى كان سبعة أذرع، وعصاه سبعة أذرع، ووثب سبعة ~~أذرع، فأصاب كعب عاج بن عوج فقتله. # وفيما نقل فيه أيضا في القصص: أن ضلعا من أضلاعه جسر أهل مصر كذا كذا سنة ~~أي: كان جسرا لهم وهو على النيل، وفي التفسير أن عادا اثنان: عادا الأولى، ~~وعادا الأخرى، فعاد الأولى عاد إرم، وعاد الثانية هو عاد المعروفة، وهو ~~الذي أرسل إليهم هود النبي عليه السلام. # قال ابن قيس الرقيات: PageV06P219 # * (التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) ~~وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد ~~(12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14)) (مجدا تليدا بناه ~~أوله * أدرك عادا وقبله إرما) وقوله: * (التي لم يخلق مثلها في البلاد) أي: ~~لم يخلق مثل (أجسامهم) في البلاد. # وفي رواية أبي بن كعب وابن مسعود: ' الذين لم يخلق مثلهم في البلاد '. # وقوله: * (وثمود الذين جابوا الصخر بالواد) قطعوا ونقبوا، وهو في معنى ~~قوله تعالى: * (وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين). # وقوله: * (وفرعون ذي الأوتاد) يقال: كان له أربعة أوتاد، فإذا غضب على ~~إنسان وعذبه زند يديه ورجليه على الأرض بتلك الأوتاد. # في القصة: أنه عذب امرأته آسية بمثل هذا العذاب، ووضع على صدرها صخرة حتى ~~ماتت، وعن بعضهم: أنه كان له أربع أساطين، يشد الرجل بيديه ورجليه بها. # وقيل: ذي الأوتاد أي: ذي الملك الشديد، قال الشاعر: # (في ظل ملك ثابت الأوتاد *) وقوله: * (الذين طغوا في البلاد) أي: جاوزوا ~~الحد بالمعاصي، ويقال: تمادوا فيها. # وقوله: * (فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب) أي: عذبهم وقيل: ~~إنه جعل عذابهم ms1949 موضع السوط في العقوبات، وعن بعضهم: أنهم كانوا يعدون الضرب ~~بالسياط إلى أن يموت أشد العذاب، فذكر العذاب بذكر السوط هاهنا، على معنى ~~أنه بلغ النهاية في عذابهم. # وقوله: * (إن ربك لبالمرصاد) أي: إليه مرجع الخلق ومصيرهم، والمعنى: أنه ~~PageV06P220 # * (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) ~~وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا تكرمون ~~اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18)) لا يفوت منه أحد، وعن ~~الحسن: أنه بمرصاد أعمال العباد، وعن ابن عباس أن قوله: * (إن ربك ~~لبالمرصاد) أي: يسمع ويرى، وعنه أيضا: أن على جهنم سبع قناطر، فيسأل على ~~القنطرة الأولى عن الإيمان، وعن الثانية عن الصلاة، وعلى الثالثة عن ~~الزكاة، وعلى الرابعة عن صيام رمضان، وعلى الخامسة عن الحج والعمرة، وعلى ~~السادسة عن صلة الرحم، وعلى السابعة عن المظالم. # وقوله: * (إن ربك لبالمرصاد) وقع القسم. # قوله تعالى: * (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن) نزلت الآية في أمية بن خلف الجمحي، ويقال: هذا على العموم. # وقوله: * (فيقول ربي أكرمن) أي: أنا كريم عليه حيث أعطاني هذه النعم. # وقوله: * (وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه) أي: ضيق عليه. # [وقوله] * (فيقول ربي أهانن) أي: فعل ما فعل بي لهواني عليه، والمعنى: ~~أنهم زعموا أن الله يكرم بالغني، ويهين بالفقر. # وقوله: * (كلا) رد لما قالوا يعنى: أن الله لا يكرم بالغنى، ولا يهين ~~بالفقر، وإنما يكرم بالطاعة، ويهين بالمعصية، وعن كعب الأحبار قال: إني ~~لأجد في بعض الكتب أن الله تعالى يقول: لولا أنه يحزن عبدي المؤمن، لكللت ~~رأس الكافر بالأكاليل، فلا يصدع، ولا ينبض منه عرق يوجع. # وقوله: * (بل لا تكرمون اليتيم) ذكر ما يفعله الكفار، واستحقوا به العذاب ~~في قوله: * (لا تكرمون اليتيم) فيه قولان: أحدهما: هو أكل مالهم أي: ~~اليتامى. # والقول الثاني: أنه ترك الإحسان إليهم. # وقوله: * (ولا يحضون على طعام المسكين) أي: لا يحثون، وقرئ: ' ولا تحاضون ~~PageV06P221 # * (وتأكلون التراث أكلا لما (19) وتحبون ms1950 المال حبا جما (20) كلا إذا دكت ~~الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجئ يومئذ بجهنم يومئذ ~~يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى (23) يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24)) على ~~طعام المسكين ' أي: لا يحض بعضهم بعضا. # وقوله: * (وتأكلون التراث أكلا لما) التراث والوارث بمعنى واحد، وهو ~~الميراث. # وقوله: * (أكلا لما) أي: بخلط الحلال بالحرام. # وقال مجاهد: * (لما) أي: سفا، فيجمع البعض إلى البعض ويسف سفا. # وقوله: * (وتحبون المال حبا جما) أي: كثيرا، وقرئ بالتاء والياء، فمن قرأ ~~بالياء فعلى الخبر، ومن قرأ بالتاء فهو على الخطاب. # قوله تعالى: * (كلا إذا دكت الأرض دكا دكا) أي: فتت ودقت. # وقوله: * (وجاء ربك) وهو من المتشابه الذي يؤمن به ولا يفسر، وقد أول ~~بعضهم: وجاء أمر ربك، والصحيح ما ذكرنا. # وقوله: * (والملك صفا صفا) أي: صفوفا. # وقوله: * (وجئ يومئذ بجهنم) وفي بعض الأخبار عن النبي: ' أنه يجاء بجهنم ~~مزمومة بسبعين ألف زمام، ويقودها الملائكة، فتقام على سائر العرش فحينئذ ~~يجثوا الأنبياء على ركبهم، ويقول كل واحد: نفسي، نفسي '. # والخبر غريب، وهو معروف عن غير الرسول. # قوله: * (يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى) أي: يتعظ، وأنى له ~~الاتعاظ، أي: نفع الاتعاظ. # وقوله: * (يقول يا ليتني قدمت لحياتي) أي: لآخرتي، وهو في معنى قوله: * ~~(وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) أي الحياة الدائمة، والمعنى هاهنا: لحياتي ~~في الآخرة. # وقوله: * (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد) بالكسر، وهو ~~الأشهر PageV06P222 # * (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه أحد (26) يا أيتها ~~النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29)) ~~من القراءتين، ومعناه: لا يعذب أحد في الدنيا بمثل ما يعذبه الله في ~~الآخرة، ولا يوثق أحد في الدنيا مثل ما يوثقه الله في الآخرة، وقرئ: ' ~~فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ' بفتح الذال، ومعناه: لا يعذب أحد مثل عذاب هذا ~~الكافر، أو لا يعذب أحد مثل عذاب هذا الصنف من الكفار، وكذلك قوله: * ~~(يوثق) بفتح الثاء. # قوله تعالى: * (يا أيتها النفس المطمئنة) أي: المؤمنة ms1951 الساكنة، ويقال: ~~المطمئنة إلى وعد ربها، وقيل: إن المراد بالنفس هو الروح هاهنا، ويقال: هو ~~جملة الإنسان إذا كان مؤمنا. # وقوله: * (ارجعي إلى ربك راضية مرضية) أي: رضيت عن الله، وأرضاها الله ~~تعالى عن نفسه. # وفي بعض الآثار: أن ملكين يأتيان المؤمن عند قبض روحه، فيقولان: أخرج ~~أيها الروح إلى روح وريحان، ورب غير غضبان. # وقوله: * (فادخلي في عبادي) أي: مع عبادي. # * (وادخلي جنتي) وهذا القول يوم القيامة. # وقرئ في الشاذ: ' فادخلي في عبدي ' أي: يقال للنفس - أي: الروح - ادخلي ~~في عبدي أي: في جسده، وادخلي في جنتي، وذلك عند البعث. # وعن عكرمة: أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: إن هذا لخير كثير، فقال ~~النبي: ' أما إن الملك سيقولها لك '. # وعن (أبي بريدة): أن الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب. PageV06P223 # * (وادخلي جنتي (30)) وعن بعضهم: أنها نزلت في خبيب بن عدي، وهو الذي أسر ~~وصلب بمكة، وهو أول من سن الصلاة ركعتين عند الصلب، وهو القائل: # (فلست أبالي حين أقتل مسلما * على أي جنب كان في الله مصرعي) (وذلك في ~~ذات الإله وإن يشأ * يبارك في شلو الأديم الممزع)) وعن عامر بن قيس: أنه ~~وفد على عثمان - رضي الله عنه - فجلس على بابه، فخرج عليه عثمان فرأى ~~أعرابيا في بت، فلم يعرفه، فقال: أين ربك يا أعرابي؟ قال: بالمرصاد. # فأفحم عثمان، وهذا على قوله: * (إن ربك لبالمرصاد) والله أعلم. ~~PageV06P224 # بسم الله الرحمن الرحيم * (لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد ~~(2)) تفسير سورة البلد وهي مكية قوله تعالى: * (لا أقسم بهذا البلد) معناه: ~~أقسم، و ' لا ' صلة. # قال الفراء: وهو على مذهب كلام العرب يقولون: لا والله لا أفعل كذا. # أي: واالله، وكذلك لا والله لأفعلن كذا، أي: والله، فيجوز أن تكون ' لا ' ~~صلة، ويجوز أن يكون ردا لقول سابق، وابتداء القسم من قوله والله، فكذلك ~~قوله: * (لا أقسم) يجوز أن يكون ' لا ' صلة، ويجوز أن يكون ردا لزعمهم من ~~إنكار البعث أو إنكار نبوة الرسول، والقسم من ms1952 قوله: * (أقسم) وقال الفراء: ~~هذا الثاني أولى. # وقوله: * (بهذا البلد) هو مكة في قول الجميع، ذكره مجاهد وسعيد بن جبير ~~وقتادة وغيرهم. # وقوله: * (وأنت حل بهذا البلد) فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أي: حلال لك أن ~~تقاتل في هذا البلد، ولم يحل لأحد قبلك، وقد ثبت أن النبي قال: ' إن مكة ~~حرام، حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد ~~بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار '. # والقول الثاني: أن قوله: * (وأنت حل بهذا البلد) أي: استحلوا منك ما حرمه ~~الله من الأذى، وإيصال المكروه إليك مع اعتقادهم حرمة الحرم، ذكره القفال. # والقول الثالث: * (وأنت حل بهذا البلد) أي: نازل بهذا البلد، وهو إشارة ~~إلى زيادة حرمة وشرف للبلد لمكان النبي فيه. PageV06P225 # * (ووالد وما ولد (3)) وقوله: * (ووالد وما ولد) قال مجاهد وقتادة وسعيد ~~بن جبير وأبو صالح معناه: آدم وولده، وعن أبي عمران [الجوني]: هو إبراهيم ~~وولده. # وروى عكرمة عن ابن عباس أن قوله: * (ووالد وما ولد) هو الوالد والعاقر، ~~معنى الذي يلد، والذي لا يلد، فتكون ما للنفي. # وقوله: * (لقد خلقنا الإنسان في كبد) على هذا وقع القسم، (ومعنى القسم) ~~ومعنى الكبد: الشدة. # وروى شريك، عن عاصم، عن زر عن علي في قوله: * (ووالد وما ولد) آدم ~~وذريته، على ما ذكرنا. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو محمد الصريفيني، أخبرنا أبو القاسم بن ~~حبابة، أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، عن شريك... الأثر. # وأما الكبد بينا أنه الشدة. # وروى علي بن الجعد، عن علي بن علي الرفاعي، عن الحسن البصري قال: ليس أحد ~~يكابد من الشدة ما يكابده الإنسان. # وقال سعيد ' خلقنا الإنسان في كبد ' أي: في مضائق الدنيا وشدائد الآخرة. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بما ذكرنا عن الحسن: الصريفيني، عن [ابن] ~~حبابة، عن البغوي، عن علي ابن الجعد. # وقيل في تفسير الكبد: هو أنه يكابد ضيق الرحم، وعسر الخروج من بطن الأم، ~~ثم يكون في الرباط والقماط، ثم نبات الأسنان، ms1953 ثم الختان، ثم إذا بلغ ~~التكليفات والأوامر والنواهي، ثم يكابد أمر معيشته، والأحوال المنقلبة عليه ~~إلى أن PageV06P226 # * (لقد خلقنا الإنسان في كبد (4) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول ~~أهلكت مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره أحد (7)) يموت، ثم بعد ذلك ما يعود ~~إلى أهوال القبر وأهوال القيامة، إلى أن يستقر في إحدى المنزلتين. # وقال لبيد في الكبد. # * (يا عين هلا بكيت أربد إذ * قمنا وقام الخصوم في كبد) أي: في شدة. # وقال إبراهيم ومجاهد وعبد الله بن شداد: في كبد أي: في انتصاب، والمعنى: ~~أنه خلق منتصبا في بطن أمه، غير منكب على وجهه بخلاف سائر الحيوانات. # وفي تفسير النقاش: أن الله تعالى وكل ملكا بالولد في بطن الأم فإذا قامت ~~المرأة، أو اضطجعت رفع رأس الولد؛ لئلا يغرق في الدم. # قوله تعالى: * (أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه أحد) نزلت الآية في [أبي] ~~الأشدين، فكان رجلا من بني جمح من أقوى قريش وأشدهم، وكان يبسط له الأديم ~~العكاظي، فيقوم عليه، ويجتمع القوم على الأديم، فيجذبونه من تحت قدمه ~~فينقطع ولا تزول قدمه، وكان شديدا في عداوة النبي، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية فيه. # ومعناه: أيظن أن لن يقدر عليه الله، وقال ذلك لأنه كان مغترا بقوته ~~وشدته. # وقوله: * (يقول أهلكت مالا لبدا) أي: أنفقت مالا كثيرا في عداوة محمد، و ~~' لبدا ' أي: بعضه على بعض. # قال الكلبي: (وكان يكذب في ذلك، فقال الله تعالى: * (أيحسب أن لم يره ~~أحد) أيحسب أن الله لم ير ما أنفقه، ويقال: أيحسب أن لم يطلع الله على فعله ~~فيكذب، ولا يعلم الله كذبه. # قال معمر: قرئت هذه الآية عند قتادة، فقال: أيحسب أن لن يسأله الله تعالى ~~من أين جمعه، وأين أنفقه؟. # وعن أبي هريرة أن النبي قال: ' يؤتى بالعبد يوم PageV06P227 # * (ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه النجدين (10)) ~~القيامة، فيقال له: ماذا عملت بمالك؟ فيقول: أنفقت، وزكيت طلبا لرضاك، ~~فيقول: كذبت إنما أنفقت وأعطيت، ليقال: فلان سخي، وقد قيل ذلك، فجروه ms1954 إلى ~~النار '. # والخبر طويل صحيح خرجه مسلم. # ومن المعروف أن النبي قال: ' لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل ~~عن أربعة: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله من أين كسبه ~~وأين وضعه '. # قوله تعالى: * (ألم نجعل له عينين) قال أهل التفسير: ثم إن الله تعالى ~~ذكر نعمه عليه وعظيم قدرته، ليعرف أن الله تعالى قادر على إعادته يوم ~~القيامة خلقا جديدا، وأنه مسؤول عما يفعله. # وقوله: * (ولسانا وشفتين) ظاهر المعنى. # وقوله: * (وهديناه النجدين) قال ابن مسعود: سبيل الخير وسبيل الشر. # وروى عكرمة عن ابن عباس أن قوله: * (وهديناه النجدين) أي: اليدين. # والقول الأول أشهر، وهو قول أكثر المفسرين. # وقد روي عن النبي أنه قال: ' إنما هما نجدان، نجد خير، ونجد شر، فلا تجعل ~~نجد الشر أحب السبيل من نجد الخير '. PageV06P228 # * (فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13)) وقوله: ~~* (فلا اقتحم العقبة) أي: فهلا أنفق ماله الذي أنفقه في عداوة محمد في ~~اقتحام العقبة، ويقال: * (فلا اقتحم العقبة) أي: لم يقتحم العقبة، ومعناه: ~~لم يجاوزها، وقيل: إن العقبة جبل في النار، ويقال: هبوط وصعود، مصعد سبعة ~~آلاف سنة، ومهبط ألف سنة. # وقيل: مصعد ألف عام، وفيها غياض ممتلئة من الأفاعي والحيات والعقارب. # قال الحسن البصري في العقبة: إنها مجاهدة النفس والهوى والشيطان. # فعلى هذا ذكر العقبة تمثيل؛ لأن العقبة يشق صعدوها، كذلك الإنسان يشق ~~عليه مجاهدة النفس والشيطان. # وقوله: * (وما أدراك ما العقبة) أي: فما أدراك (ما تجاوز بها) العقبة، ثم ~~فسر فقال: * (فك رقبة) وفك الرقبة إعتاقها. # وروى عقبة بن عامر: أن النبي قال: ' من أعتق رقبة، كانت فكاكه من النار ~~'. # ومن المعروف أن رجلا أتى النبي فقال: ' يا رسول الله، علمني عملا يدخلني ~~الجنة، فقال: لئن أقصرت الخطبة فقد أعرضت في المسألة، أعتق النسمة، وفك ~~الرقبة، فقال: أوليسا واحدا يا رسول؟ قال: لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، ~~وفك الرقبة أن تعين في ثمنها، وعليك بالفيء على ذي الرحم الظالم، فإن ms1955 لم ~~يكن ذلك، فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وأنه PageV06P229 # * (أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15)). عن المنكر، فإن ~~لم تطق ذلك، فكف لسانك إلا من خير '. # وورد - أيضا - عن النبي أنه قال: ' من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل ~~عضو منها عضوا منه من النار '. # والخبر صحيح. # وقرئ: ' فك رقبة '، فمن قرأ بالرفع فمعناه: هي فك رقبة، ومن قرأ بالنصب ~~فمعناه: لا يقتحم العقبة إلا من فك رقبة. # وقوله: * (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) أي: إطعام مسكين في يوم ذي جوع ~~والسغب: الجوع، والمسغبة: المجاعة. # قال الشاعر: # (فلو كنت جارا يا بن قيس بن عاصم * لما بت شبعانا وجارك ساغب) أي: جائع. # وقوله: تعالى: * (يتيما ذا مقربة) أي: ذا قرابة، واليتيم هو الذي لا والد ~~له، ويقال: هو الذي ليس له أبوان. # قال قيس بن الملوح: # (إلى الله أشكو فقد ليلي كما شكا * إلى الله فقد الوالدين يتيم) وقوله: * ~~(أو مسكينا ذا متربة) أي: لصق بالتراب من الفقر. # قال مجاهد: لا يحول بينه وبين التراب شيء. # وقيل: ذا متربة، أي: ذا زمانة، وقيل ذا متربة أي: ليس له أحد من الناس. ~~PageV06P230 # * (أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر ~~وتواصوا بالمرحمة (17) أولئك أصحاب الميمنة (18) والذين كفروا بآياتنا هم ~~أصحاب المشأمة (19) عليهم نار مؤصدة (20)). # وقوله: * (ثم كان من الذين آمنوا) يعني: يقتحم العقبة من فعل هذه ~~الأشياء، فكان من الذين آمنوا. # فإن قيل: كلمة ' ثم ' للتراخي باتفاق أهل اللغة، فكيف وجه المعنى في ~~الآية، وقد ذكر الإيمان متراخيا عن هذه الأشياء؟ # والجواب: قال النحاس: هو مشكل، وأحسن ما قيل فيه أن معناه: ثم أخبركم أنه ~~كان من الذين آمنوا حين فعل هذه الأشياء، وقد قيل: إن ' ثم ' بمعنى الواو، ~~وليس يصح. # وقوله: * (وتواصوا بالصبر) أي: بالصبر عن معاصي الله، وقيل: بالصبر على ~~طاعة الله، وقيل: بالصبر عن لذات الدنيا وشهواتها. # وقوله: * (وتواصوا بالمرحمة) أي: مرحمة بعضهم على بعض، وتواصوا بالمرحمة ~~هو وصية البعض ms1956 البعض. # وقوله: * (أولئك أصحاب الميمنة) أي: أصحاب اليمين، وهم الذين استخرجوا من ~~شق آدم الأيمن، ويقال: الذين [يعطون] الكتاب بأيمانهم، وقيل: الميامين على ~~أنفسهم. # وقوله: * (والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة) أي: المشائيم على ~~أنفسهم، ويقال: هم الذين يعطون الكتاب بشمالهم، وكذلك القول الأول. # وقوله: * (عليهم نار مؤصدة) أي: مطبقة، يقال: وصدت الباب، وأصدته إذا ~~أطبقته، ويقال: مؤصدة أي: مبهمة لا باب لها. # قال الشاعر: # (قوم يصالح شدة أبنائهم * وسلاسلا حلقا وبابا مؤصدا) أي مطبقا ~~PageV06P231 # بسم الله الرحمن الرحيم * (والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) ~~والنهار إذا جلالها (3) والليل إذا يغشاها (4) والسماء وما بناها (5) ~~والأرض وما طحاها (6) ونفس وما). # تفسير سورة والشمس وهي مكية قوله تعالى: * (والشمس وضحاها) أي: وضوئها، ~~وقيل: هو النهار كله. # وقوله: * (والقمر إذا تلاها) أي: تبعها، وهو قول مجاهد وقتادة وعامة ~~المفسرين، وهو مروي أيضا عن ابن عباس، ومعنى تبعها: يعني أن الشمس إذا غربت ~~يليها القمر في الضوء، ويقال: هو في الأيام البيض إذا غربت الشمس طلع ~~القمر، وقيل: هو في أول ليلة من الشهر، إذا غربت الشمس رئي الهلال، وعلى ~~الجملة القمر أحد النيرين، وهو يتلو الشمس إذا استدار واستتمه في إضاءة ~~الدنيا. # وقوله: * (والنهار إذا جلاها) فيه قولان: أحدهما: جلا الظلمة فكنى عن ~~الظلمة من غير ذكرها، وهو كثير في كلام العرب، والقول الآخر: جلاها أي: جلا ~~الشمس؛ لأن النهار إذا ارتفع أضاءت الشمس وانبسطت. # وقوله: * (والليل إذا يغشاها) يعني: إذا يغشى الشمس أي: يستر ضوءها. # وقوله: * (والسماء وما بناها) معناه: ومن بناها، وقيل: والذي بناها. # وعن ابن الزبير أنه سمع صوت الرعد فقال: سبحان ما سبحت له، أي: الذي سبحت ~~له، ويقال: وما بناها أي: وبنائها. # وقوله: * (والأرض وما طحاها) أي: ومن بسطها، وقيل: الأرض وطحوها أي: ~~وبسطها. # وقوله: * (ونفس وما سواها) أي: ومن سواها، وقد بينا معنى التسمية، وقيل: ~~هو PageV06P232 # * (سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب ~~من دساها (10)). اعتدال القامة. # وقوله: * (فألهمها فجورها وتقواها) أي: عرفها وأعلمها، وقال ms1957 مجاهد ~~والضحاك وغيرهما: جعل في قلبه فجورها وتقواها، وهو أولى من القول الأول؛ ~~لأن الإلهام في اللغة فوق التعريف والإعلام. # وقال الزجاج: عدلها للفجور، ووفقها للتقوى * (قد أفلح من زكاها) على هذا ~~وقع القسم، والمعنى: قد أفلحت نفس زكاها الله. # وقوله: * (وقد خاب من دساها) أي: وخاب نفس دساها الله، وقيل: أفلح من زكى ~~نفسه وأصلحها، وخاب من أخمد نفسه ودسها، فعلى هذا قوله: * (دساها) أي: ~~دسيها. # يقول الشاعر: # (يقضي البازي إذا البازي انكسر *) أي: يقضض البازي. # قال الفراء: العامل بالفجور خامل عند الناس غامض الشخص، منكسر الرأس، ~~والمتقي عال مرتفع. # وقال ثعلب: ' من دساها ' أي: أغواها، وعنه أنه قال: دساها أي: دس نفسه في ~~أهل الخير وليس منهم. # قال الشاعر: # (وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت * حلائله منه أرامل ضيعا) وقوله: ' دساها ' ~~هاهنا: أهلكت، فعلى هذا معنى قوله: * (وقد خاب من دساها) أي: أهلكها ~~بالمعاصي. # وروى نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة قال: قالت عائشة - رضي الله ~~عنها - انتبهت ليلة فوجدت رسول الله وهو يقول: ' أعط نفس تقواها، وزكها أنت ~~خير من زكاها، أنت وليها ومولاها '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو PageV06P233 # * (كذبت ثمود بطغواها (11) إذ انبعث أشقاها (12) فقال لهم رسول الله ناقة ~~الله وسقياها (13) فكذبوه فعقروها). الغنائم عبد الصمد بن علي العباسي، ~~أخبرنا أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى، أخبرنا البغوي، أخبرنا داود بن ~~عمرو الضبي، عن نافع بن عمر... الحديث. # وقوله: * (كذبت ثمود بطغواها) أي: بطغيانها، ويقال: بأجمعها. # وقوله: * (إذ انبعث أشقاها) هو قدار بن سالف، وقد بينا من قبل. # وروى رشدين، عن يزيد بن عبد الله بن سلامة، عن عثمان بن صهيب، عن أبيه ~~قال: قال رسول الله لعلي: ' من أشقى الأولين؟ قال: عاقر الناقة، قال: صدقت، ~~قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال: قلت: لا أعلم يا رسول الله. # قال: الذي يضربك على هذه، وأشار بيده إلى يافوخه '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا كريمة بنت أحمد قالت: أخبرنا أبو علي زاهر ~~بن أحمد، ms1958 أخبرنا محمد بن إدريس [السامي]، أخبرنا سويد بن سعيد، عن رشدين.. ~~الخبر وهو غريب. # وقوله: * (فقال لهم رسول الله)، وهو صالح. # وقوله: * (ناقة الله وسقياها) أي: ذروا ناقة الله وسقياها، ومعنى سقياها: ~~شربها على ما قال في موضع آخر: * (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم). # وقوله: * (فكذبوه فعقروها) أي: فكذبوا صالحا، و عقروا الناقة. ~~PageV06P234 # * (فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) ولا يخاف عقباها (15)). # وقوله: * (فدمدم عليهم ربهم بذنبهم) عن ابن الزبير: أنه ' فرمرم عليهم ~~ربهم '، وهو معنى القراءة المعروفة، ويقال: دمدم أي: غضب عليهم ربهم، يقال: ~~فلان يدمدم إذا كان يتكلم بغضب. # والقول المعروف أن معنى قوله: * (فدمدم عليهم) أي: أطبق عليهم بالعذاب ~~يعني: عمهم ولم يبق منهم أحدا، ويقال: الدمدمة هو الهلاك باستئصال. # وقوله: * (بذنبهم فسواها) أي: سواهم بالأرض، فلم يبق منهم أحدا صغيرا ولا ~~كبيرا. # ويقال: سوى بينهم بالعذاب. # وقوله: * (ولا يخاف عقبيها) وقرئ: ' فلا يخاف عقباها ' وفيه قولان: ~~أحدهما: أن الله تعالى لا يخاف أن يتبعه أحد بما فعل، قاله الحسن وغيره، ~~والقول الثاني: لم يخف عاقر الناقة عاقبة فعله، والله أعلم. PageV06P235 # بسم الله الرحمن الرحيم * (والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما ~~خلق الذكر والأنثى (3) إن سعيكم لشتى (4)). # تفسير سورة والليل وهي مكية قوله تعالى: * (والليل إذا يغشى) قال قتادة: ~~يغشى الأفق بظلمته، وفي رواية عنه: يغشى ما بين السماء والأرض بظلمته. # وقيل: * (والليل إذا يغشى) أي: أظلم. # ويقال: يغشى النهار. # وقوله: * (والنهار إذا تجلى) معناه: إذا أضاء وانكشف، ويقال: جل الظلمة ~~فكأنه قال: تجلت الظلمة بها. # وقوله: * (وما خلق الذكر والأنثى) قرأ ابن مسعود وأبو الدرداء: ' والذكر ~~والأنثى ' وقد صح هذا بروايتهما عن النبي أنه قرأ كذلك، وأما القراءة ~~المعروفة: * (وما خلق الذكر والأنثى) وفيه قولان: أحدهما: وما خلق الذكر ~~والأنثى مثل قوله: * (والسماء وما بناها) أي: فمن بناها. # والقول الثاني: وما خلق الذكر والأنثى. # وذكر الفراء والزجاج: أن الذكر والأنثى هو آدم وحواء. # وقد قيل: إنه على العموم، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه، ms1959 وقد ذكرنا أن ~~القسم على تقديره ذكر الرب، وكأنه قال: ورب الليل، ورب النهار إلى آخره. # وقوله: * (إن سعيكم لشتى) على هذا وقع القسم، والمعنى: إن عملكم ~~PageV06P236 # * (فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من ~~بخل واستغنى (8)). مختلف، وقيل: إن سعيكم لشتى أي: منكم المؤمن والكافر، ~~والصالح والطالح، والشكور والكفور، وأمثال هذا. # قال الشاعر: # (سعى الفتى لأمور ليس يدركها * فالنفس واحدة والهم منتشر) (والمرء ما عاش ~~ممدود له أثر * لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر) قوله تعالى: * (فأما من ~~أعطى واتقى) ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، ~~رضي الله عنه. # وقوله تعالى: * (أعطى واتقى) أي: بذل المال بالصدقة، وحاذر من الله ~~تعالى. # وقوله تعالى: * (وصدق بالحسنى) أي: بالخلق من الله تعالى [قاله] عكرمة عن ~~ابن عباس، وهو أشهر الأقاويل. # والقول الثاني: وصدق بالحسنى أي: بالجنة، قاله مجاهد. # وقيل: بالثواب، وقال أبو عبد الرحمن السلمي وعطاء: صدق بالحسنى أي: بلا ~~إله إلا الله. # وقوله: * (فسنيسره لليسرى) أي: للحالة اليسرى والمعنى: يسهل عليه طريق ~~(الطاعات)، والأعمال الصالحة، قال الأزهري: ييسر عليه ما لا ييسر إلا على ~~المسلمين. # قوله تعالى: * (وأما من بخل واستغنى) يقال: نزلت الآية في أمية بن خلف، ~~وقيل: في أبي سفيان بن حرب. PageV06P237 # * (وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10)). # وقوله: * (بخل) أي: بخل بماله، واستغنى أي: عن ثواب ربه. # وقوله: * (وكذب بالحسنى) هو ما بينا. # وقوله: * (فسنيسره لليسرى) أي: يسهل عليه طريق الشر، وروى أبو صالح عن ~~ابن عباس قال: يحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله. # قال الفراء: فإن سأل سائل قال: كيف يستقم قوله: * (فسنيسره للعسرى) وكيف ~~ييسر العسير؟ أجاب عن هذا: أن هذا مثل قوله تعالى * (فبشر الذين كفروا ~~بعذاب أليم) فوضع البشارة موضع الوعيد بالنار، وإن لم تكن بشارة على ~~الحقيقة، كذلك وضع التيسير في هذا الموضع، وإن كان تعسيرا في الحقيقة. # وقد ذكر عطاء الخراساني أن الآية نزلت في رجل من الأنصار كان له حائط، ~~وله نخلة تتدلى في ms1960 دار جاره، ويأكل جاره مما يسقط من ثمارها، فمنعه ~~الأنصاري، فشكى ذلك الفقير إلى رسول الله، فقال النبي للأنصاري: ' بعني هذه ~~النخلة بنخلة لك في الجنة، فأبى أن يبيع، فاشتراها منه أبو الدحداح بحائط ~~له، وأعطاها ذلك الفقير، فأنزل الله تعالى فيهما هذه الآيات. # والأصح أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لأن السورة ~~مكية على قول الجميع، فلا يستقيم أن تكون الآية منزلة في أحد من الأنصار. # وقد (ورد) في الآيتين خبر صحيح، وهو ما روى منصور بن المعتمر، عن سعد بن ~~عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: ' كنا في جنازة ~~بالبقيع، فأتى النبي فجلس وجلسنا معه، ومعه عود ينكت به في الأرض، فرفع ~~رأسه إلى السماء وقال: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مدخلها، فقال القوم: ~~يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا، فمن كان من أهل السعادة فإنما يعمل ~~للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء، قال: PageV06P238 # * (وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة ~~والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصلاها إلى الأشقى (15) الذي كذب ~~وتولى). بل اعملوا فكل ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل ~~السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه ييسر بعمل الشقاء، ثم قرأ: * ~~(فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى). # قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو علي الشافعي بمكة، أخبرنا أبو الحسن ~~بن فراس، أخبرنا الديبلي أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، أخبرنا سفيان ~~بن عيينة، عن منصور الحديث. # قوله تعالى: * (وما يغني عنه ماله إذا تردى) معناه: إذا هلك، يقال: تردى ~~أي: سقط في النار، وهو الأصح؛ لأن التردي في اللغة هو السقوط، يقال: تردى ~~من مكان كذا أي: سقط. # وقوله: * (إن علينا للهدى) قال الزجاج: علينا بيان الحلال والحرام، ~~والطاعة والمعصية. # ويقال: من سلك سبيل الهدى، فعلينا هداه مثل قوله ms1961 * (وعلى الله قصد ~~السبيل) أي: بيان السبيل لمن قصد. # وقوله: * (وإن لنا للآخرة والأولى) أي: ملك الآخرة والأولى، وقيل: ثواب ~~الآخرة والأولى. # وقوله: * (فأنذرتكم نارا تلظى) أي: تتلظى، ومعناه: تتوهج. # وقوله: * (لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى) أي: كذب بالله، وأعرض عن ~~طاعته. # وفي الآية سؤال للمرجئة والخوارج، فإن الله تعالى قال: * (لا يصلاها إلا ~~الأشقى) أي: لا يقاسي حرها، ولا يدخلها إلا الأشقى الذي كذب و تولى، فدل أن ~~PageV06P239 # (* (16) وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18)). # المؤمن وإن ارتكب الكبائر لا يدخل النار، هذا للمرجئة، وأما الخوارج ~~قالوا: قد وافقتمونا أن صاحب الكبائر يدخل النار، فدل أنه كفر بارتكاب ~~الكبيرة، والتحق بمن كذب وتولى حيث قال الله تعالى: * (لا يصلاها إلا ~~الأشقى الذي كذب وتولى). # والجواب من وجوه: أحدها: أن معناه: لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، ~~فالأشقى هم أصحاب الكبائر، والذي كذب وتولى هم الكفار. # والعرب تقول: أكلت خبزا لحما تمرا. # أي: ولحما وتمرا، وحذفوا الواو، وكذلك هاهنا، وأنشد أبو زيد الأنصاري: # (كيف أصبحت كيف أمسيت فما * يثبت الود في فؤاد الكريم) أي: وكيف أمسيت؟ # والوجه الثاني: أن للنار دركات، و المراد من الآية دركة بعينها، لا ~~يدخلها إلا الكفار، قال الله تعالى: * (إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار) دلت الآية أنه مخصوص للمنافقين، وهذا جواب معروف. # والوجه الثالث: أن المعنى: لا يصلاها، لا يدخلها خالدا فيها إلا الأشقى ~~الذي كذب وتولى، وصاحب الكبيرة وإن دخلها لا يخلد فيها. # وقوله: * (وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى) أي: يعطي ماله ليصير ~~زاكيا طاهرا، وهو وارد في أبي بكر الصديق على قول أكثر المفسرين، ويقال: إن ~~الآية الأولى نزلت في أمية بن خلف، وأما إيتاؤه المال فهو أنه أعتق سبعة ~~نفر كانوا يعذبون في الله، منهم بلال الخير، وعامر بن فهيرة، والنهدية، ~~وزنيرة، وغيرهم. # وروى أنه لما اشترى الزنيرة وأعتقها - وكانت قد أسلمت - عميت عن قريب، ~~فقال المشركون: أعماها اللات والعزى، فقالت: أنا أكفر باللات والعزى، فرد ~~الله ms1962 عليها بصرها. # ومن المعروف أن النبي مر على بلال، وهو يعذب في رمضاء مكة، وهو يقول: أحد ~~أحد، فقال النبي: ' سينجيك أحد، ثم إنه أتى أبا بكر وقال: رأيت بلالا ~~PageV06P240 # * (وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ~~ولسوف يرضى (21)). يعذب في الله، فذهب أبو بكر إلى بيته، وأخذ رطلا من ذهب، ~~وجاء إلى أمية بن خلف واشتراه منه وأعتقه، فقالت قريش: إنما أعتقه ليد له ~~عنده، فأنزل الله تعالى: * (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى) أي: إلا طلب رضاء ربه المتعالى. # وقوله: * (ولسوف يرضى) أي: يرضى ثوابه في الآخرة، والمعنى: يعطيه الله ~~حتى يرضى. # وذكر النقاش في تفسيره: ' أن جبريل - عليه السلام - أتى النبي فقال: قل ~~لأبي بكر يقول الله تعالى: أنا عنك راض، فهل أنت عني راض؟، فذكر ذلك لأبي ~~بكر [فبكى] وخر ساجدا، وقال: أنا عن ربي راض، أنا عن ربي راض '. # وروى علي أن النبي قال: ' رحم الله أبا بكر، زوجني ابنته، وحملني إلى دار ~~الهجرة، واشترى بلالا وأعتقه '. PageV06P241 # بسم الله الرحمن الرحيم * (والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك ~~وما قلى (3)). # تفسير سورة الضحى وهي مكية قوله تعالى: * (والضحى) أقسم بالنهار كله، ~~وقيل: بوقت الضحوة، وهو وقت ارتفاع الشمس. # قال مجاهد: سجى: استوى، وقال عكرمة: سكن الخلق فيه، وقيل: استقرت ظلمته. # قال الأصمعي: سجو الليل: تغطية النهار، يقال: ليل داج، وبحر ساج، وسماء ~~ذات أبراج، قال الراجز: # (يا حبذا القمراء والليل (الداج * وطرق مثل ملاء النساج) وقال آخر: # (فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم * وبحرك ساج (ما) يواري الدعامصا) وقوله: ~~* (ما ودعك ربك وما قلى) قال أهل التفسير: أبطأ جبريل عن الرسول مرة؛ فقالت ~~قريش: ودعه ربه وقلاه. # وروي أن امرأة قالت له: يا محمد، أرى أن شيطانك قد تركك؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه السورة، و أقسم بما ذكرنا أنه ما ودعه وما قلاه. # وروى زهير، عن الأسود بن قيس، عن جندب البجلي قال: كنت مع ms1963 النبي في ~~غازية، فدميت أصبعه، فقال النبي. PageV06P242 # * (هل أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت) قال: فأبطأ جبريل - ~~عليه السلام - فقال المشركون: قد ودع محمد؛ فأنزل الله تعالى قوله * (ما ~~ودعك ربك وما قلى) قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو محمد المكي بن ~~عبد الرزاق الكشميهني، أخبرنا جدي أبو الهيثم الفربري، أخبرنا البخاري، ~~أخبرنا أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية بن حديج الحديث. # وذكر بعضهم: أن الآية نزلت حين سأل اليهود رسول الله عن خبر أصحاب الكهف ~~وعن ذي القرنين، وعن الروح فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فتأخر ~~جبريل - عليه السلام - سبعة عشر يوما، وقيل: أقل أو أكثر، فقال المشركون: ~~قد ودعه ربه وقلاه؛ فأنزل الله تعالى هذه السورة '. # وقد قرئ في الشاذ بالتخفيف، والمعروف بالتشديد أي: ما قطع عنك الوحي، ~~(وقيل): ما أعرض عنك. # وبالتخفيف معناه: ما تركك، تقول العرب: دع هذا، وذر هذا، واترك هذا بمعنى ~~واحد. # وقوله: * (وما قلى) أي: ما قلاك بمعنى: ما أبغضك، (وقيل): ما تركك منذ ~~قبلك، وما أبغضك منذ أحبك. # قال الأخطل: # (المهديات هو من بيته * والمحسنات لمن قلين مقالا) أي: أبغضن. ~~PageV06P243 # * (وللآخرة خير لك من الأولى (4) ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك ~~يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7)). # وقوله: * (وللآخرة خير لك من الأولى) يعني: ثواب الله خير لك من نعيم ~~الدنيا، وقد روى أن عمر - رضي الله عنه - دخل على النبي فرآه مضجعا على ~~حصير، قد أثر الحصير في جنبه، فبكى عمر - رضي الله عنه - فقال رسول الله: ' ~~وما يبكيك يا عمر؟ فقال: ذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه من النعيم، وذكرت ~~حالك وأنت رسول الله. # فقال له النبي: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا '. # وقوله: * (ولسوف يعطيك ربك فترضى) أي: من الثواب والكرامة والمنزلة حتى ~~[ترضى]، وفي بعض التفاسير: هو ألف قصر من اللؤلؤ وترابها المسك، والقول ~~الثالث: أنه الشفاعة لأمته، وعن محمد بن علي الباقر قال: إنكم تقولون: إن ~~أرجى آية في ms1964 كتاب الله تعالى قوله: * (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا تقنطوا من رحمة الله) الآية، ونحن نقول: أرجى آية في كتاب الله تعالى هو ~~قوله: * (ولسوف يعطيك ربك فترضى) يعني: أنه يشفعه في أمته حتى يرضى. # قوله تعالى: * (ألم يجدك يتيما فآوى) سماه يتيما؛ لأن أباه توفي وهو حمل، ~~وقيل: بعد ولادته بشهرين، وتوفيت أمه وهو ابن ست سنين، وكفله جده عبد ~~المطلب، ثم مات وهو ابن ثمان سنين، وكفله عمه أبو طالب، ومعنى قوله: * ~~(فأوى) أي: جعل لك مأوى، وهو أبو طالب، والمعنى: يأوي إليه، وتوفي أبو طالب ~~قبل الهجرة بثلاث سنين. # وقوله: * (ووجدك ضالا فهدى) أي: عن الشرائع والإسلام فهداك إليها، ويقال: ~~عن النبوة، وقيل: ووجدك ضالا أي: غافلا عما يراد بك فهداك إليه، وهو أحسن ~~PageV06P244 # * (ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا تقهر (9)) الأقاويل. # وقيل: ضالا عن طريق الحق فهداك إليه. # وعن بعضهم: وجدك في قوم ضال، وأولى الأقاويل أن يكون محمولا على الشرائع، ~~وما أنزل الله مثل قوله سبحانه وتعالى: * (ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان) أو يكون المعنى وجدك ضالا أي: غافلا عن النبوة والوحي الذي أنزل ~~إليه مثل قوله في قصة موسى - صلوات الله عليه -: * (قال فعلتها إذا وأنا من ~~الضالين) أي: من الغافلين. # وقوله: * (ووجدك عائلا فأغنى) أي: فقيرا فأغناك بمال خديجة. # [وقال الكلبي ومقاتل]: أغناك بالرضا والقناعة بما أعطاك، وهو أولى ~~القولين، وقد ثبت عن النبي أنه قال: ' ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى ~~غنى القلب '، وأنشد بعضهم: # (فما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل) أي: يفتقر. # ويقال: * (ووجدك عائلا) أي: ذا عيال، فأغنى أي: كفاك مؤنتهم، ومن المعروف ~~أن النبي قال: ' يا رب، إنك اتخذت إبراهيم خليلا وموسى كليما، وسخرت مع ~~داود الجبال، وفعلت كذا وكذا، فما فعلت بي؟ فأنزل الله تعالى: * (ألم يجدك ~~يتيما فآوى) والسورة الأخرى، وهي قوله تعالى: * (ألم نشرح لك PageV06P245 # * (وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11)) صدرك) وفي هذا ms1965 ~~الخبر أن الرسول قال: ' وددت أني لم أقل ما قلت '. # قوله سبحانه وتعالى: * (فأما اليتيم فلا تقهر) أي لا تحتقره، والمعروف: ~~لا تظلمه أي: تأخذ حقه وتتقوى به، وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك في ~~أموال اليتامى. # وقرأ ابن مسعود: ' فلا تكهر ' أي: لا تزجره. # وقوله: * (وأما السائل فلا تنهر) أي: رد برفق ولين، فإما أن تعطيه، وإما ~~أن ترده بالرفق وتدعو له، وحكى عن الحسن البصري أنه قال: محمول على سائل ~~العلم دون سائل الطعام، وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه كان إذا جاءه ~~طالب علم قال: مرحبا بأحبة رسول الله، وعن إبراهيم بن أدهم - قدس الله روحه ~~- قال: إني أظن أن الله تعالى يصرف العقوبة عن أهل الدنيا برحلة أصحاب ~~الحديث في طلب العلم. # وقوله تعالى: * (وأما بنعمة ربك فحدث) أي: بالنبوة. # وقوله: * (فحدث) أي: ادع الناس إليها، وقد كان يكتم زمانا ثم أظهرها، ~~وقيل: هو القرآن فعلى هذا قوله: * (فحدث) أي: اتله على الناس، ويقال: جميع ~~النعم. # وقوله: * (فحدث) أي: أظهر بالشكر، وعن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - ~~أنه قال: إذا أصبت خيرا أو نعمة فحدث به الثقات من إخوانك. # وعن عمرو بن ميمون أنه قال: من قام لورده في الليل فلا بأس أن يحدث به ~~الثقة من إخوانه، ويقول: رزقني الله كذا وكذا. # وفي PageV06P246 # بعض الأخبار: ' أن إظهار النعمة شكر، والسكوت عنها كفر ' والله أعلم. # وقرأ ابن كثير - رحمة الله عليه - من هذا الموضع بالتكبير في خواتم السور ~~إلى آخر القرآن، وذكر أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وقرأ مجاهد على ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - فأمره بذلك، وقرأن ابن عباس على أبي بن كعب - رضي ~~الله عنهما - فأمره بذلك، وقرأ (ابن مسعود) على النبي فأمره بذلك. # والتكبير هو قوله: الله أكبر، قالوا: وسبب هذا أن المشركين لما قالوا ~~للنبي إن ربه ودعه وقلاه، وفي رواية أنهم قالوا: قد هجره شيطانه، فلما أنزل ~~الله تعالى هذه السورة وفيها قوله تعالى: * (ما ودعك ربك وما ms1966 قلى) كبر ~~النبي فرحا بنزول هذه السورة، فصار سنة إلى آخر القرآن. # والله أعلم. PageV06P247 # بسم الله الرحمن الرحيم * (ألم نشرح لك صدرك)) تفسير سورة ألم نشرح وهي ~~مكية قوله تعالى: * (ألم نشرح لك صدرك) معناه: ألم نفتح لك صدرك؟ وقيل: ألم ~~نوسع لك صدرك، والقول الأول، قاله مجاهد والحسن. # وقال السدي: ألم نلين لك قلبك، وقال الحسن في رواية أخرى: * (ألم نشرح لك ~~صدرك) معناه: أنه ملئ حكمة وإيمانا. # وقد ورد في الأخبار برواية قتادة، عن أنس، [عن] مالك بن صعصعة، أن نبي ~~الله قال: ' بينما أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول: ~~هو بين الثلاثة، فأتيت بطست من ذهب فيه ماء زمزم، فشرح الله صدري إلى كذا ~~وكذا. # قال قتادة: قلت: ما تعني؟ قال: إلى أسفل بطني، فاستخرج قلبي وغسله بماء ~~زمزم، ثم أعاده إلى مكانه، ثم حشاه إيمانا وحكمة '. # وفي الحديث قصة طويلة، قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث القاضي ~~الإمام أبو الدرداء، أخبرنا أبو العباس بن سراج، أخبرنا أبو العباس بن ~~محبوب أخبرنا أبو عيسى الحافظ، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا محمد بن جعفر، ~~وابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي (عروبة)، عن قتادة، عن أنس بن مالك الحديث. # وهو حديث صحيح. # وورد أيضا في الأخبار أن النبي قال: ' إذا دخل النور في قلب المؤمن انشرح ~~وانفسخ. # فقيل يا رسول الله وهل لذلك من علامة؟ قال التجافي عن دار الغرور، ~~والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الموت '. PageV06P248 # * (ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك (4)) وقوله: * ~~(ووضعنا عنك وزرك) قال مجاهد: أي غفرنا لك، وهو في معنى قوله تعالى * ~~(ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر). # وقوله: * (وزرك) قال مجاهد: أي: ثقلك. # وعن بعضهم: ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك ثقلك. # وفي رواية ابن مسعود: وحللنا عنك وقرك. # وقوله: * (الذي أنقض ظهرك) قال الزجاج، أي: أثقلك ثقلا، يسمع منه نقيض ~~ظهرك: وهذا على طريق التشبيه والتمثيل، يعني: لو ms1967 كان شيئا يثقل، يسمع من ~~ثقله نقيض ظهرك. # فإن قال قائل: وأيش كان وزره؟ وهل كان على دين قومه قبل النبوة أو لا؟ # والجواب: قد ورد في التفسير: أنه كان على دين قومه قبل ذلك، ومعنى ذلك: ~~أنه كان يشهد مشاهدهم، ويوافقهم في بعض أمورهم من غير أن يعبد صنما أو يعظم ~~وثنا، وقد كان الله عصمه عن ذلك، فما ذكرنا هو الوزر الذي أنقض ظهره. # وقوله: * (ورفعنا لك ذكرك) فيه أقوال: أحدها: ورفعنا لك ذكرك بالنبوة ~~والرسالة. # والآخر: رفعنا لك ذكرك أي: جعلت طاعتك طاعتي، ومعصيتك معصيتي، والقول ~~المعروف في هذا أني لا أذكر إلا ذكرت معي، قال ابن عباس: في الأذان ~~والإقامة والتشهد وعلى المنابر في الجمع والخطب في العيدين ويوم عرفة وغير ~~ذلك. # وقال قتادة: ما من متشهد ولا خطيب ولا صاحب صلاة إلا وهو ينادي أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. # وقد ورد في بعض الأخبار هذا مرفوعا إلى جبريل - عليه السلام - برواية أبي ~~سعيد الخدري عن النبي قال لي: ' إن جبريل قال: قال الله عز وجل: إذا ذكرت ~~PageV06P249 # * (فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6)) وقال حسان بن ثابت يمدح ~~النبي: # (أغر عليه للبنوة خاتم * من الله مشهود يلوح ويشهد) (وضم الإله اسم النبي ~~مع اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد) (وشق له من اسمه ليجله * فذو ~~العرش محمود وهذا محمد) قوله تعالى: * (فإن من العسر يسرا) أي: مع العسر ~~يسرا. # في التفسير أن المشركين عيروا النبي وأصحابه، وقالوا: لو شئت جمعنا لك ~~شيئا من المال لترجع عن هذا القول، فأكربه ذلك، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # والمعنى: إن مع الفقر غنى، ومع الضيق سعة، وإن مع الحزونة سهولة، ومع ~~الشدة رخاء. # وقد حقق الله ذلك في الدنيا بما فتح على النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~وعلى أصحابه، فإن الله تعالى فتح للنبي الحجاز، وتهامة، وما والاها، وعامة ~~بلاد اليمن، وكثيرا من البوادي إلى [قريب] من العراق والشام، وفتح ms1968 على ~~أصحابه ما فتح وأغنمهم كنوز كسرى وقيصر، وقد صار حال النبي في آخر أمره أنه ~~كان يهب المائين من الإبل، والألوف من الغنم، ويدخر لعياله قوت سنة، فهذا ~~الذي ذكرناه هو معنى الآية. # وقد روى معمر (عن أيوب) عن الحسن ' أن النبي خرج يوما مسرورا إلى أصحابه ~~وقال: أبشروا لن يغلب عسر يسرين، ثم قرأ قوله تعالى: * (فإن مع العسر يسرا ~~إن مع العسر يسرا) قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو محمد عبد الله ~~بن محمد بن أحمد، أخبرنا سهل بن عبد الصمد بن عبد الرحمن البراز أخبرنا ~~العذافري، أخبرنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر... الحديث. PageV06P250 # فإن قال قائل: ما معنى قوله: لن يغلب عسر يسرين، وقد كرر كلاهما؟ # والجواب عنه: أن الفراء ذكر أن النكرة إذا كررت نكرة، فالثاني غير الأول، ~~والنكرة إذا أعيدت معرفة فالثاني هو الأول تقول العرب: كسبت اليوم درهما، ~~وأنفقت الدرهم. # فالثاني هو الأول. # ونقول: وعلى معنى هذا ورد قوله تعالى: * (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ~~فعصى فرعون الرسول) وعن ابن مسعود قال: لو دخل العسر في جحر لتبعه اليسر ~~حتى يستخرجه. # وفي معنى اليسرين قولان: أحدهما: يسر الدنيا، والآخر يسر الآخرة، فعلى ~~هذا معنى الخبر، إن غلب العسر يسر الدنيا، فلا يغلب يسر الآخرة. # والقول الثاني: أن اليسر الأول هو للرسول، واليسر الثاني لأصحابه. # قال رضي الله عنه: أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن عبد العزيز الجنوجردي ~~قال: أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي الحسن بن محمد النيسابوري قال: سمعت محمد بن ~~عامر البغدادي قال سمعت عبد العزيز بن يحيى قال: سمعت عمر قال العتبي يقول: ~~كنت ذات ليلة في البادية، فألقى في روعي بيت من شعر، فقلت: # (أرى الموت لمن أصبح * مغموما أروح) فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف من ~~الهواء: # (ألا أيها المرء الذي * الهم به يبرح) (وقد أنشد بيتا * لم يزل في فكره ~~يسنح) (إذا اشتدت بك العسرى * ففكر في ألم نشرح) (فعسر بين يسرين * إذا ~~أبصرته فافرح) ms1969 قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي. # قال رضي الله عنه: وأنشدنا أبو بكر قال: أنشدنا أبو إسحاق قال أنشدنا ~~الحسن بن محمد بن الحسن قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الحيري قال: ~~أنشدنا PageV06P251 # * (فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8)) إسحاق بن بهلول القاضي: # (فلا تيأس وإن أعسرت يوما * فقد أيسرت في دهر طويل) (ولا تظنن بربك ظن ~~سوء * فإن الله أولى بالجميل) (وإن العسر يتبعه يسار * وقول الله أصدق كل ~~قيل) قال رضي الله عنه: وأنشدنا أبو بكر قال: أنشدنا أبو إسحاق قال: أنشدنا ~~الحسن قال: أنشدنا الحسن بن محمد قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ ~~(الكرخي) قال أنشدنا أبو بكر بن الأنباري: # (إذا بلغ العسر مجهوده * فثق عند ذاك بيسر سريع) (ألم تر نحس الشتاء ~~النطيع * يتلوه سعد الربيع البديع) قال رضي الله عنه: وأنشدنا أبو بكر، ~~أنشدنا أبو إسحاق، أنشدني عيسى بن زيد الطفيلي أنشدني سليمان بن أحمد ~~الرقي: # (توقع إذا ما عدتك الخطوب * سرورا يسردها عندك فسرا) (ترى الله يخلف ~~ميعاده * وقد قال إن مع العسر يسرا) قوله تعالى: * (فإذا فرغت فانصب) قال ~~مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل: إذا فرغت من الصلاة فانصب للدعاء، ~~وارغب إلى الله في المسألة. # وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك. # وروى نحو ذلك عن الزهري وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب لقيام ~~الليل. # وعن بعضهم إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب لجهاد الكفار. # وقوله: * (وإلى ربك فارغب) هو الحث على الدعاء [و] المسألة. # وقال الزجاج: إلى ربك فارغب وحده، ولا تكن رغبتك إلى أحد سواه. # والله أعلم. PageV06P252 # بسم الله الرحمن الرحيم * (والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا ~~البلد الأمين (3) لقد خلقها الإنسان في أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل ~~سافلين (5))) تفسير سورة التين وهي مكية وقد ثبت برواية البراء بن عازب أن ~~النبي قرأ هذه السورة في صلاة المغرب خرجه مسلم في كتابه. # قوله تعالى: * (والتين والزيتون) قال مجاهد والحسن: هو التين الذي يؤكل ~~والزيتون الذي يعصر. ms1970 # والمعنى: ورب التين والزيتون. # وقال قتادة: التين هو الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون هو الجبل الذي عليه ~~بيت المقدس. # وقال كعب: هو دمشق وبيت المقدس. # وحكى الفراء أنهما جبلان ما بين حلوان إلى همذان. # ويقال: أراد منابت التين والزيتون. # قال النحاس: وهذا قول يخالف ظاهر الآية، ولم ينقل عمن يكون قوله حجة. # وقوله: * (وطور سنين) أكثر المفسرين أنه الجبل الذي كلم الله عليه موسى. # وقد ثبت عن عمر أنه قرأ: ' وطور سيناء '، وفي حرف ابن مسعود: ' وطور ~~سيناء ' بكسر السين. # وقال الحسن: الطور هو الجبل، وسنين: المبارك. # وعن الأخفش: طور: اسم الجبل وسنين: اسم الشجر. # وقوله: * (وهذا البلد الأمين) هو مكة بالإجماع، ومعنى الأمين أي: آمن من ~~فيه. # وقوله: * (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) هو جواب القسم. # قال مجاهد وإبراهيم وجماعة: في أحسن تقويم أي: في أحسن صورة. # وقيل: في أحسن تقويم: هو اعتداله واستواؤه. # وقوله: * (ثم رددناه أسفل سافلين) قال مجاهد والحسن: إلى النار إلا من ~~آمن. # فعلى هذا تكون الآية في الكفار. # وقد قيل: إنه ورد في كافر بعينه فيقال: إنه أبو PageV06P253 # * (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) فما يكذبك ~~بعد بالدين (7) أليس الله بأحكم الحاكمين (8)) جهل. # وقيل: إنه الوليد بن المغيرة. # وقيل غيرهما. # وقال إبراهيم والضحاك وجماعة: ثم رددناه أسفل سافلين: هو أرذل العمر، ~~والسافلون هم الضعفاء والمرضى والشيوخ العجزة. # وقوله: * (إلا الذين آمنوا) الاستثناء مشكل في هذه السورة، فعلى قول ~~الحسن ومجاهد يكون الاستثناء ظاهرا والمعنى: رد الناس إلى النار إلا من آمن ~~وعمل صالحا فإنه لا يرد إلى النار، ومعنى الإنسان: الناس. # وأما على قول إبراهيم والضحاك فالاستثناء مشكل على هذا القول، قاله ~~النحاس. # والمعنى على هذا إلا الذين آمنوا فلا يردون إلى أرذل العمر، ومعناه: أنه ~~يكتب لهم أعمالهم الصالحة بعد الهرم على ما كانوا يعملونها في حالة الشباب ~~وإن عجزوا عنها، فكأنهم لم يردوا إلى أرذل العمر، وقد حكى معنى هذا عن ~~إبراهيم، وروى ذلك مرفوعا في بعض الأخبار ms1971 إلى الرسول. # وقوله: * (فلهم أجر غير ممنون) فيه قولان: أحدهما: لا يمتن به عليهم أحد ~~- سوى الله - منة تكدر النعمة عليهم. # والقول المعروف: غير مقطوع وهو مؤيد لما ذكرناه من التأويل. # قوله تعالى: * (فما يكذبك بعد بالدين) المعنى: فما يكذبك أيها الشاك بيوم ~~الحساب بعد ما شاهدت من قدرة الله تعالى ما شاهدت، هذا هو القول المعروف. # وفي الآية قول آخر: أن معناه: فمن يكذبك بعد بالدين على خطاب النبي أي: ~~من الذي يكذبك بيوم الحساب بعد أن ظهر من البراهين والآيات ما ظهر، ذكره ~~أبو معاذ النحوي، القول الأول أولى؛ لأن ما بمعنى من، يبعد في اللغة. # وقوله: * (أليس الله بأحكم الحاكمين) هو استفهام بمعنى التحقيق وهو مثل ~~قول جرير: # (ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح) أي: أنتم كذلك. # وقد ورد عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا إذا ختموا السورة قالوا: اللهم ~~بلى، وفي رواية: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين؛ منهم أبو هريرة وابن عباس ~~رضي الله عنهما. PageV06P254 # بسم الله الرحمن الرحيم * (اقرأ باسم ربك الذي خلق (1))) تفسير سورة ~~العلق وهي مكية قوله تعالى: * (اقرأ باسم ربك الذي خلق) أكثر أهل العلم ~~[أن] هذه السورة أول سورة أنزلت من القرآن، وهو مروي عن علي، وابن عباس، ~~وعائشة، وابن الزبير. # وروى محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ' أن أول سورة أنزلت ~~من القرآن، سورة اقرأ باسم ربك الذي... ' قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا ~~الحديث الحاكم أبو عمرو ومحمد بن عبد العزيز القنطري، أخبرنا أبو الحارث ~~علي بن القاسم الخطابي أخبرنا أبو لبابة محمد بن المهدي، أخبرنا أبو عماد ~~بن الحسين بن بشر، عن [سلمة] بن الفضل عن محمد بن إسحاق. # الخبر. # وعن جابر: أن أول سورة أنزلت سورة المدثر، [و] قد بينا، والأصح هو القول ~~الأول، وقد ثبت برواية عائشة - رضي الله عنها - قالت: ' أول ما بدئ به رسول ~~الله من الوحي الرؤيا (الصادقة) في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت ms1972 مثل ~~فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات ~~العدد - وهو التعبد - ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها، حتى ~~(فجئه) الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: أقر، فقال النبي قلت: ما ~~أنا بقارئ. # قال: PageV06P255 # * (خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم ~~الإنسان ما لم يعلم (5) كلا إن الإنسان ليطغى (6)) فأخذني فغطني حتى بلغ ~~مني الجهد، ثم، أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني ~~الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ ~~فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ' اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق... حتى بلغ ما لم يعلم '. # والخبر طويل مذكور في الصحيحين. # وقوله: * (باسم ربك) أي: اقرأ مفتتحا باسم ربك، وقيل: اقرأ اسم ربك، ~~والباء زائدة، قاله أبو عبيدة، ومثله قول الشاعر: # (هن الحرائر لأرباب أخمرة * سود المحاجر لا يقرأن بالسور) أي: السور، ~~والباء زائدة. # وقيل: اقرأ على اسم ربك، كما يقال: سر باسم الله أي: على اسم الله، ~~والقولان الأولان هما المعروفان. # وقوله: * (الذي خلق) يعني: خلق الناس. # وقوله: * (خلق الإنسان من علق) أي: العلقة وهي الدم، وذكرها هنا العلقة؛ ~~لأنها من الأمشاج، فدل بها على غيرها. # وقوله: * (اقرأ وربك الأكرم) أي كريم، ومن كرمه أن يحلم عن ذنوب العباد، ~~ويؤخر عقوبتهم، وعن بعضهم: من كرمه أن يعبد الآدمي غيره، ولا يقطع عنه ~~رزقه. # وقوله: * (الذي علم بالقلم) أي: الكتابة بالقلم، وهي نعمة عظيمة، قال ~~قتادة: القلم نعمة من الله عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش، ~~واختلف القول في المراد بالتعليم، فأحد القولين هو آدم صلوات الله عليه، ~~والقول الآخر: كل آدمي يخط بالقلم. # وقوله: * (علم الإنسان ما لم يعلم) قد بينا، وهو ظاهر المعنى. # قوله: * (كلا إن الإنسان ليطغى) نزل في أبي جهل، وقد ورد في بعض الأخبار ~~PageV06P256 # * (أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت الذي ينهى (9) عبدا ~~إذا صلى ms1973 (10) أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت إن ~~كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفعا ~~بالناصية) عن النبي أنه قال: ' إن لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة أو جهل ~~'. # وهو خبر غريب. # وقوله: * (ليطغى) أي: يجاوز الحد في العصيان، قال الكلبي: من الطغيان أن ~~يتنقل من منزلة إلى منزلة في اللباس والطعام. # وفي بعض التفاسير: هو أنه إذا كثر ماله زاد في طعامه وشرابه وثيابه ~~(ومركبه). # وعن ابن مسعود أنه قال: منهومان لا يشبعان طالب علم، وطالب مال لا ~~يستويان، أما طالب العلم فيبتغي رضا الرحمن، وأما طالب المال فيطلب رضا ~~الشيطان. # وقوله: * (أن رآه استغنى) أي: رأى نفسه غنيا. # وقوله: * (إن إلى ربك الرجعى) أي: الرجوع والمرجع. # وقوله تعالى: * (أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى) هو أبو جهل أيضا، والعبد ~~الذي يصلي هو الرسول، وقد ثبت برواية ابن عباس: أن أبا جهل قال: إن رأيت ~~محمدا يصلي لأطأن على رقبته، فذكر له أنه يصلي فجاء ليطأ على رقبته، فلما ~~قرب منه نكص على عقبيه، فقيل له: ما لك يا أبا الحكم؟ فقال: رأيت بيني ~~وبينه خندقا من نار، وهؤلاء ذوو أجنحة، فقال النبي: لو دنى مني لاختطفته ~~الملائكة عضوا عضوا ' خرجه مسلم في كتابه. # وقوله: * (أرأيت) هو تعجيب للسامع، وقيل PageV06P257 # (* (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) فليدع نادية (17) سندع الزبانية (18) كلا ~~لا تطعه واسجد واقترب (19)) معناه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، كيف يأمن ~~عذابي؟ وقيل معناه أمصيب هو؟ يعني: ليس بمصيب، وفي قول سيبويه معناه: أرأيت ~~من كان هذا عمله، أخبرني عن أمره في الآخرة؟ وهو إشارة إلى أنه يصير إلى ~~عقوبة الله في الآخرة. # قول تعالى: * (أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى) يعني: محمدا. # وقوله: * (أرأيت إن كذب وتولى) يعني: أبا جهل، والمعنى: أن من كذب وتولى ~~ونهى عبدا إذا صلى، كيف يكون كمن آمن بربه واتقى وصلى!. # وقوله: * (ألم يعلم بأن الله يرى) هو تهديد ووعيد. # قوله تعالى: * (كلا لئن ms1974 لم ينته لنسفعا بالناصية) أي: لنجرن بناصيته إلى ~~النار، وقيل: لنسودن وجهه، وذكر الناصية ليدل على الوجه، وقيل: لنسمن موضع ~~الناصية بالسواد، فاكتفى به من سائر الوجه. # وفي اللغة: الأسفع: الثور الوحشي الذي في خديه سواد، وأنشدوا على القول: # (قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم * من بين ملجم مهرة أو سافع) أراد وأخذ ~~بناصيته. # وأنشدوا على القول الثاني: # (وكنت (إلى) نفس الغوى نزت به * سفعت على العرنين منه بميسم) أراد وسمته ~~على عرنينه. # وقوله: * (ناصية كاذبة خاطئة) أي: ناصية صاحبها كاذب خاطئ. # وقوله تعالى: * (فليدع نادية) روى: ' أن أبا جهل لما أنكر على النبي ~~صلاته، PageV06P258 # انتهره النبي - عليه الصلاة والسلام - فقال له أبو جهل: أتنهرني يا محمد، ~~وما بها أكثر ناديا مني؛ أعمر مجلسا وأكثر قوما، فأنزل الله تعالى: * ~~(فليدع نادية) أي قومه الذي يتعزز بهم، وهم أهل مجلسه. # وقوله: * (سندع الزبانية) هم الملائكة الذين قال الله تعالى في وصفهم: * ~~(عليها ملائكة غلاظ شداد) وقيل: هم أعوان ملك الموت. # (وواحد الزبانية زبنية في قول الكسائي زباني، وعن بعضهم: زبان). # وقوله: * (كلا لا تطعه واسجد واقترب) أي: واسجد لله واقترب منه بالطاعة، ~~وقيل: واسجد يا محمد واقترب يا أبا جهل، لترى عقوبة الله وهو قول غريب. ~~PageV06P259 # بسم الله الرحمن الرحيم * (إنا أنزلناه في ليلة القدر (1)) تفسير سورة ~~القدر وهي مدنية قوله تعالى: * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) أي: القرآن، ~~وقد ذكرنا أن الله تعالى أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء ~~الدنيا، ثم أنزله تفاريق على الرسول، بعضه في إثر بعض والهاء كناية عن ~~القرآن، وإن لم يكن القرآن مذكورا، وصح ذلك لأنه معلوم. # وليلة القدر: هي ليلة الحكم. # قال مجاهد في التفسير: إن الله تعالى يقسم فيها [الأرزاق] والأعمال. # واختلفوا في ليلة القدر، فحكى عن بعضهم: أنها رفعت حين توفي النبي وليس ~~بصحيح، بل هي باقية إلى قيام الساعة. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: في الحول، ومن يقم حولا يصيبها. # والصحيح أنها في العشر الأخير من رمضان، ms1975 وقد ثبت برواية زر بن حبيش أنه ~~قال لأبي بن كعب: ' إن أخاك عبد الله بن مسعود يقول: إنها في الحول، فقال ~~أبي بن كعب: يرحم الله أبا عبد الرحمن! لقد علم أنها في العشر الأخير من ~~رمضان، وعلم أنها ليلة السابع والعشرين، ولكن أراد أن لا يتكل الناس على ~~ذلك، ثم حلف أبي بن كعب، ولم يستثن أنها ليلة السابع والعشرين، قال زر: ~~فلما رأيته يحلف: قلت: يا أبا المنذر، بم تعرف ذلك؟ قال بالعلامة الذي ~~ذكرها لنا رسول الله، وهي أن تطلع الشمس في صبيحتها ولا شعاع لها '. ~~PageV06P260 # * (وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر خير من ألف شهر (3)) وقد ثبت ~~أيضا عن النبي أنه قال: ' تحروها في العشر الأواخر من رمضان '. # أي: اطلبوها، وفي بعض الروايات: ' اطلبوها في الأفراد '، وفي رواية أبي ~~سعيد الخدري: ' أنها ليلة الحادي والعشرين '. # وقيل غير ذلك، وأصح الأقاويل وأشهرها أنها ليلة السابع والعشرين، ومن قام ~~العشر أدركها قطعا وحقيقة. # وقوله: * (وما أدراك ما ليلة القدر) قد بينا أن ما ورد في القرآن على هذا ~~اللفظ، فقد أعلمه الله تعالى. # وقوله: * (ليلة القدر خير من ألف شهر) أي: ثواب العمل فيها أكثر من ثواب ~~العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وذكر أبو عيسى الترمذي في جامعه ~~برواية يوسف بن سعد، أن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - لما بايع معاوية، ~~وسلم إليه الخلافة، قال له رجل: يا مسود وجوه المؤمنين، أو يا مذل ~~المؤمنين، فقال: لا تقل بها، فإن رسول الله أري بني أمية على منبره، فساءه ~~ذلك، فأنزل الله تعالى عليه: * (إنا أعطيناك الكوثر)، وأنزل أيضا: * (إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر)، وقال * (ليلة القدر خير من ألف شهر) أي: خير من ~~ألف شهر يملك فيها بنو أمية '. # قال أبو عيسى: وهو غريب. # وفي بعض التفاسير: أن النبي قال: ' إن رجلا من بني PageV06P261 # * (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع ~~الفجر (5)) إسرائيل جاهد أعداء الله ms1976 ألف شهر، وكان مع ذلك يقوم بالليل، ~~ويصوم النهار، فاغتم من ذلك لقصر أعمار أمته، وقلة أعمالهم، فأنزل الله ~~تعالى هذه السورة، وأخبر أنه أعطاه ليلة يكون العمل فيها خيرا من عمل ذلك ~~الرجل ألف شهر '. # وقد ثبت في فضلها عن النبي أنه قال: ' من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا ~~غفر له ما تقدم من ذنبه '. # وقوله: * (تنزل الملائكة والروح فيها) أي: جبريل فيها. # وقوله: * (بإذن ربهم من كل أمر) أي: لكل أمر، وهو ما ذكرنا من مقادير ~~الأشياء. # وقوله: * (سلام هي) فيه قولان: # أحدهما: أن المراد منه تسليم الملائكة على من يذكر الله تعالى في تلك ~~الليلة. # والقول الثاني: * (سلام) أي: سلامة، والمعنى: أنه لا يعمل فيها داء ولا ~~سحر ولا شيء من عمل الشياطين والكهنة. # وقوله: * (حتى مطلع الفجر) وقرئ: ' مطلع الفجر ' بكسر اللام، فالبفتح على ~~المصدر وبالكسر على وقت الطلوع. PageV06P262 # بسم الله الرحمن الرحيم * (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~منفكين حتى تأتيهم البينة (1) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة (2) فيها كتب ~~قيمة (3) وما تفرق الذين)) تفسير سورة لم يكن وهي مكية في قول بعضهم، ~~(مدنية في قول بعضهم، والله أعلم) قوله تعالى: * (لم يكن الذين كفروا من ~~أهل الكتاب) قرأ أبي بن كعب: ' ما كان الذين كفروا ' وهو شاذ، والمعروف هو ~~الأول. # وقوله تعالى: * (من أهل الكتاب والمشركين منفكين) أي: منتهين، ومعناه: أن ~~الكفار من أهل الكتاب والمشركين ما كانوا منتهين عن كفرهم حتى تأتيهم ~~البينة أي: حتى أتاهم الرسول، مستقبل بمعنى الماضي، وقيل: البينة هي ~~القرآن، وهذا قول معروف معتمد، والقول الثاني: أن أهل الكتاب والمشركين ~~الذين سمعوا منهم لم يزالوا على إقرار بالنبي قبل ظهوره، فلما ظهر اختلفوا، ~~فأقر بعضهم، وأنكر البعض، وقوله: * (رسول من الله) أي: هو رسول من الله، ~~وقيل: حتى أتاهم رسول من الله. # وقوله: * (يتلو صحفا مطهرة) أي: ما في الصحف، وقوله: * (مطهرة) أي: من ~~التغيير والتبديل والإدناس والإنجاس. # وقوله: * (فيها كتب قيمة) أي: أحكام مستقيمة عادلة، والكتاب ms1977 يأتي بمعنى ~~الحكم، والكتب بمعنى الأحكام، وفي قصة العسيف أن النبي قال: ' لأقضين ~~بينكما بكتاب الله ' أي: بحكم الله. PageV06P263 # * (أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ~~(5) إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك ~~هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (7)) ~~وقوله: * (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب) أي: في أمر النبي وما جاء به. # وقوله: * (إلا من بعد ما جاءتهم البينة) أي: البينات والبراهين والدلائل. # قوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) قد ~~ذكرنا معنى الحنيف، وقيل: إذا كان مسلما فهو الحاج، وإذا كان غير مسلم فهو ~~الإسلام، والمعنى: أمروا أن يكونوا حنفاء، فإن كان الخطاب مع المسلمين ~~فالمراد منه أن يكونوا حجاجا وإن كان الخطاب مع الكفار فالمراد أن يكونوا ~~مسلمين. # وقوله: * (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) أي: ذلك الملة ~~القيمة، وقيل: دين الأمة المستقيمة على الحق، وقيل: دين الملة القيمة. # قوله تعالى: * (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم ~~خالدين فيها أولئك هم شر البرية) قرئ بالهمز وترك الهمز، فالقراءة بالهمز ~~من برأ الله الخلق، وبترك الهمزة من البرى، وهو التراب أي: شر من خلق من ~~البرى، والعرب تقول: بفيك البرى والثرى. # وقوله: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) قد ~~ذكرنا، وروى سفيان الثوري، عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك: ' أن رجلا ~~قال للنبي يا خير البرية قال: ذاك إبراهيم - صلوات الله عليه ' أورده أبو ~~عيسى الترمذي في جامعه، وقال: هو صحيح غريب. PageV06P264 # * (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8)) وقوله: * (جزاؤهم عند ربهم جنات ~~عدن تجري) قال ابن عمر: خلق الله أربعة أشياء بيده: القلم، والعرش، وجنة ~~عدن، وآدم - صلوات الله عليه، ms1978 وقال لسائر الأشياء كوني فكانت. # وقوله: * (تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه) أي: رضي أعمالهم، ورضوا ثوابه. # وقوله: * (ذلك لمن خشي ربه) أي: خاف ربه. PageV06P265 # بسم الله الرحمن الرحيم * (إذا زلزلت الأرض زلزالها (1))) تفسير سورة إذا ~~زلزلت وهي مكية، وقل: مدنية. # وقد روى أنس أن النبي قال: ' من قرأ: * (إذا زلزلت الأرض زلزالها) عدلت ~~له بنصف القرآن، ومن قرأ: * (قل يا أيها الكافرون) عدلت له بربع القرآن، ~~ومن قرأ: * (قل هو الله أحد) عدلت بثلث القرآن ' أورده أبو عيسى في جامعه ~~وقال: هو حديث غريب. # وأورد - أيضا - برواية سلمة بن وردان عن أنس بن مالك قال: إن النبي قال ~~لرجل من أصحابه: ' هل تزوجت يا فلان؟ قال: لا والله، ولا عندي ما أتزوج به، ~~فقال: أليس معك * (قل هو الله أحد)؟ قال: بلى، قال: ثلث القرآن، قال: أليس ~~معك * (إذا جاء نصر الله والفتح)؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس ~~معك * (قل يا أيها الكافرون)؟ قال: بلى. # قال: ربع القرآن، قال: أليس معك * (إذا زلزلت الأرض زلزالها)؟ قال: بلى، ~~قال: ربع القرآن، قال: تزوج تزوج '. PageV06P266 # * (وأخرجت الأرض أثقالها (2) وقال الإنسان ما لها (3) يومئذ تحدث أخبارها ~~(4)) قوله تعالى: * (إذا زلزلت الأرض زلزالها) قال ابن عباس: حركت من ~~أسفلها. # والزلزال هو التحريك الشديد، وعن ابن عباس أنه عقيب النفخة الأولى. # وفي التفسير: أن إسرافيل إذا نفخ في الصور النفخة الأولى يكسر كل شيء على ~~وجه الأرض من شدة نفخته، ويدخل في جوف الأرض، فإذا نفخ النفخة الثانية ~~أخرجت جميع ما في جوفها، وألقتها على (وجهها). # وقوله: * (وأخرجت الأرض أثقالها) هو ما ذكرنا، وذلك عقيب النفخة الثانية، ~~قال مجاهد وقتادة: كنوزها وموتاها. # وقوله: * (وقال الإنسان ما لها) أي: وقال الكافر ما لها؟ يعني: ما للأرض ~~أخرجت أثقالها. # وإنما قال الكافر ذلك؛ لأنه لم يكن يؤمن بالبعث. # وقوله: * (يومئذ تحدث أخبارها) أي: تحدث بما عمل عليها من خير وشر - يعني ~~الأرض - وروى سعيد بن أبي أيوب، عن ms1979 يحيى بن أبي سليمان، عن سعيد المقبري، ~~عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله هذه الآية: * (يومئذ تحدث أخبارها) قال: ~~أتدرون ما أخبارها؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد ~~على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا ~~وكذا، قال: فهذه أخبارها. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسين بن النقور أخبرنا أبو ~~طاهر (بن) المخلص، أخبرنا يحيى بن محمد بن صاعد، أخبرنا [الحسين ~~PageV06P267 # * (بأن ربك أوحى لها (5) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8)) بن الحسن] ~~المروزي، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي أيوب.. الحديث، ~~ويقال: المعنى: وقال الإنسان ما لها؟ أي: ما للأرض تحدث أخبارها. # قوله: * (بأن ربك أوحى لها) أي: أوحى إليها أن تحدث. # قال الشاعر: # (أوحى لها القرار فاستقرت *) أي: إليها. # والمعنى: أن الأرض أخبرت بوحي الله إليها. # قال أبو جعفر النحاس: الوحي على وجهين: أحدهما: وحي الله إلى أنبيائه ~~عليهم السلام، والآخر: بمعنى الإلهام، مثل قوله تعالى: * (وأوحى ربك إلى ~~النحل)، ومثل هذه الآية، وهو قوله تعالى: * (بأن ربك أوحى لها) أي: ألهمها ~~أن تحدث. # قوله تعالى: * (يومئذ يصدر الناس أشتاتا) أي: متفرقين. # يقال: شتان ما بين فلان وفلان أي: ما أشد التفرقة بينهما. # وقوله: * (ليروا أعمالهم) أي: أعمالهم التي عملوها. # وقوله: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) قال ~~ابن مسعود: هذه الآية أحكم آية في القرآن. # وروى أن عمر بن الخطاب سأل قوما: أي آية في كتاب الله أحكم؟ فقالوا: * ~~(فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) فقال: أفيكم ابن ~~أم عبد؟ فقالوا: نعم، وأراد أن هذا جائز منه. # وروى أن صعصعة عم الفرزدق أتى النبي فأسلم، فسمع هذه الآية: * (فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) قال: حسبي لا أبالي ألا ms1980 ~~اسمع من القرآن غيرها. # رواه الحسن مرسلا. PageV06P268 # وروى المغيرة بن قيس عن ابن الزبير، عن جابر قال: ' قلت يا رسول الله، ~~إلى ما ينتهي الناس يوم القيامة؟ قال: إلى أعمالهم؛ من عمل مثقال ذرة خيرا ~~يره، ومن عمل مثقال ذرة شرا يره '. # وفي الذرة قولان: أحدهما: أنها النملة الحمراء الصغيرة - وهو قول معروف، ~~والآخر: هي ما يعلق بيد الإنسان إذا وضع يده على الأرض، وقيل: هي الذرة ~~التي ترى في الكوة منبثا في الهواء في ضوء الشمس، وذكر النقاش عن بعضهم: أن ~~الذرة جزء من ألف وأربعة و (عشرين) جزءا من شعيرة. # وعن بعضهم: أنه بسط ذرات كثيرة على وجه إحدى كفتي الميزان، فلم تمل عين ~~الميزان. # وعن ابن عباس قال: [يرى المؤمن حسناته وسيئاته فيرد عليه حسناته وتأخر ~~سيئاته]. # وعن بعضهم: أن ذكر الذرة على طريق التمثيل والتشبيه، والمعنى أنه يلقى ~~عمله الصغير والكبير، فما أحب الله أن يغفر غفر، وما أحب الله أن يؤاخذ به ~~أخذ والله أعلم. PageV06P269 # بسم الله الرحمن الرحيم * (والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) ~~فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به نقعا (4) فوسطن به جمعا (5) إن الإنسان لربه ~~لكنود (6))) تفسير سورة العاديات وهي مكية قوله تعالى: * (والعاديات ضبحا) ~~قال علي وابن مسعود: هي الإبل. # قال علي: لم يكن يوم بدر إلا فرسان: أحدهما للمقداد، والآخر للزبير. # وقال ابن عباس: هي الخيل. # وهذا القول أظهر. # وأقسم بالخيل العادية في سبيل الله، وضبيحها. # صوت أجوافها، وقيل: صوت أنفاسها عند العدو. # قال ابن عباس: ليس بصهيل ولا حمحمة. # وقوله: * (فالموريات قدحا) قال ابن مسعود: هي الإبل تقدح بمناسمها، وعلى ~~قول ابن عباس: هي الخيل تقدح الأحجار بحوافرها، فتورى النار. # وقوله: * (فالمغيرات صبحا) قال ابن مسعود: هي الإبل حين يفيضون من جمع، ~~وعلى قول ابن عباس: هي الخيل تغير في سبيل الله، قال قتادة: أغارت حين ~~أصبحت. # قوله تعالى: * (فأثرن به نقعا) على قول ابن مسعود أثرن بالوادي فكنى عنه ~~وإن لم يكن مذكورا، وعلى قول ابن عباس بالمكان المغار. # قال مجاهد عن ms1981 ابن عباس: النقع التراب، وقال قتادة: هو الغبار. # وقوله تعالى: * (فوسطن بها جمعا) فعلى قول ابن مسعود أي: جمع المزدلفة، ~~وعلى قول ابن عباس جمع العدو، فأقسم الله تعالى برب هذه الأشياء، وقيل: ~~بهذه الأشياء بأعيانها، وقيل: إن النبي كان بعث سرية إلى بني كنانة فأغاروا ~~عند الصباح، وتوسطوا جمع العدو، وكانوا أصحاب خيل، فأقسم الله تعالى بهم. # وقوله: * (إن الإنسان لربه لكنود) على هذا وقع القسم. PageV06P270 # * (وإنه على ذلك لشهيد (7) وإنه لحب الخير لشديد (8)) وقوله: * (لكنود) ~~أي: لكفور، وقيل: هو البخيل السيء الخلق. # وفي بعض الأخبار مرفوعا إلى النبي برواية أبي أمامة عن النبي في قوله: * ~~(إن الإنسان لربه لكنود) قال: ' هو الذي يأكل وحده، ويمنع رفده ويضرب عبده ~~'. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث الحاكم محمد بن عبد العزيز ~~القنطري، أخبرنا محمد بن الحسين [الحدادي]، أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا ~~إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا (المؤتمن) بن سليمان، عن جعفر بن الزبير، عن ~~القاسم، عن أبي أمامة الحديث. # وقوله: * (وإنه على ذلك لشهيد) أي: وإن الله على ذلك لشهيد أي: على كفره. # وقال عطاء عن ابن عباس: وقوله: * (وإنه لحب الخير لشديد) معناه: إن ~~الإنسان لأجل حب المال لبخيل. # يقال: شديد ومشدد أي: بخيل. # قال طرفة: # (أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى * عقيلة مال الفاحش المتشدد) أي: البخيل ~~PageV06P271 # * (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم ~~بهم يومئذ لخبير (11)) قوله تعالى: * (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور) ~~أي: أخرج، وقرأ ابن مسعود: ' بحث ' وعن غيره وهو أبي بن كعب: ' بحثر ' أي: ~~قلب. # قوله: * (وحصل ما في الصدور) أي: أظهر ما فيها. # وقيل: جمع يعني: ما في صحائف الأعمال. # وقوله: * (إن ربهم بهم يومئذ لخبير) أي: عالم، ويقال: أي: يجازيهم ~~بأعمالهم، ومثله قوله تعالى: * (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم) أي: ~~يجازيهم الله بما في قلوبهم. # وكذلك قوله: * (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) أي: يجازي عليه، وقيل في ~~قوله: * (وحصل ما في ms1982 الصدور) أي: ميز ما فيها من الخير والشر، والله أعلم. ~~PageV06P272 # بسم الله الرحمن الرحيم * (القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما ~~القارعة (3) يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) وتكون الجبال كالعهن ~~المنفوش (5) فأما من ثقلت)) تفسير سورة القارعة وهي مكية قوله تعالى: * ~~(القارعة ما القارعة) هي القيامة، سميت قارعة؛ لأنها تقرع القلوب بالهول ~~والشدة. # وقوله: * (ما القارعة) مذكور على وجه التعظيم والتهويل، وكذلك * (وما ~~أدراك ما القارعة). # قوله تعالى: * (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث) الفراش هو صغار الحيوان ~~من البق والبعوض والجراد وما يجتمع عند ضوء السراج، والمبثوث سماه مبثوثا؛ ~~لأنه يركب بعضه بعضا، وقيل: يمرج بعضه في بعض، وهو مثل قوله تعالى: * ~~(كأنهم جراد منتشر) وشبه الناس عند الحشر به؛ لأنه يمرج بعضهم في بعض. # وقوله: * (وتكون الجبال كالعهن) أي: الصوف الذي يدف، والعهن هو الصوف ~~المصبوغ، وهو أرخى ما يكون من الصوف، وذكر هذا على معنى أن الجبال من هول ~~يوم القيامة مع صلابتها وقوتها تصير كالعهن المنفوش. # قوله تعالى: * (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية). # قال الفراء والزجاج: أي ذات رضا. # وقيل: مرضية. # وقوله: * (وأما من خفت موازينه) في بعض التفاسير: أن لكل إنسان ميزانا ~~على حدة لعمله من الخير والشر. # وقوله: * (فأمه هاوية) أي مرجعه إلى الهاوية، وسماها أمه؛ لأن الإنسان ~~يأوي إلى PageV06P273 # * (موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه ~~هاوية (9) وما أدراك ما هية (10) نار حامية (11)) أمه؛ فالهاوية تؤوي ~~الكفار، فهي أمهم، وفي بعض الأخبار في نعت النار: فبئست الأم، وبئست ~~المربية، ويقال: الهاوية كل موضع يهوى فيه الإنسان ويهلك. # وقوله: * (وما أدراك ما هية) الهاء في قوله: * (ما هية) هاء الوقف على ~~فتحة الياء. # وقوله: (نار حامية) أي: حامية على الكفار محرقة لهم، والله أعلم. ~~PageV06P274 # بسم الله الرحمن الرحيم * (ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا ~~سوف تعلون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون ~~الجحيم (6) ثم)) تفسير سورة التكاثر وهي مكية قول تعالى: * (ألهاكم ~~التكاثر) أي: شغلكم التكاثر ms1983 بالأموال والأولاد عما أمرتم به. # وقوله: * (حتى زرتم المقابر) فيه قولان: أحدهما: حتى متم، والقول الثاني: ~~هو أنه تفاخر حيان من قريش، وهما بنو عبد مناف، وبنو الزهرة، وقيل: بنو ~~زهرة وبنو جمح - وهو الأصح - فعدوا الأحياء فكثرتهم بنو زهرة فعدوا الأموات ~~فكثرتهم بنو جمح، فهو معنى قوله تعالى: * (حتى زرتم المقابر) أي: عددتم من ~~في القبور. # وروى شعبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: ~~انتهيت إلى رسول الله وهو يقول: ' ألهاكم التكاثر ' قال: يقول ابن آدم: ~~مالي مالي، وما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت ~~فأمضيت؟ '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو محمد عبد الله بن محمد ~~الصريفيني المعروف بابن هزارمرد، أخبرنا أبو القاسم بن حبابة، أخبرنا ~~البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، عن شعبة.. الحديث، خرجه مسلم عن بندار، عن ~~غندر، عن شعبة. # وقوله تعالى: * (كلا سوف تعلمون) تهديد ووعيد. # وقوله: * (ثم كلا سوف تعلمون) تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد، والمعنى: ~~ستعلمون عاقبة تفاخركم وتكاثركم إذا نزل بكم الموت. PageV06P275 # * (لترونها عين اليقين (7)) قوله تعالى: * (كلا لو تعلمون عل اليقين) ~~جوابه محذوف، والمعنى: كلا لو تعلمون علم اليقين لارتدعتم عما تفعلون، ~~وقيل: ما ألهاكم التكاثر. # وقوله: * (لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين) قال بعضهم: الثاني تأكيد ~~للأول، والمعنى فيهما واحد، وقال بعضهم: لترون الجحيم عن بعد إذا أبرزت، ثم ~~لترونها عين اليقين إذا دخلتموها. # وعن قتادة قال: كنا نتحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد ~~الموت. # ويقال: لترون الجحيم في القبر، ثم لترونها عين اليقين في القيامة. # وقوله: * (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ~~النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله تعالى عباده يوم القيامة ~~فيم استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهم. # وعن ابن مسعود: أنه الأمن والصحة. # وعن قتادة: هو المطعم الهني والمشرب الروي. # وروى أبو هريرة مرفوعا إلى النبي ' أنه الظل البارد والماء البارد ms1984 '. # وروى عمر بن أبي سلمة أن النبي وأبا بكر وعمر أتوا منزل أبي الهيثم بن ~~التيهان، وأكلوا عنده لحما وتمرا، ثم قال النبي: ' هذا من النعيم الذي ~~تسألون عنه '. # وروى أن عمر قال: ' يا رسول الله، نسأل عن هذا؟ قال: نعم إلا كسرة يسد ~~الرجل بها جوعه، وخرقة يستر بها عورته، وحجرا يدخل فيه من الحر والقر '. # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كل لذات الدنيا. # وعن بعضهم: النوم مع العافية. PageV06P276 # * (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم (8)) وذكر أبو عيسى أخبارا في هذه، منها ما ~~روينا من حديث مطرف، وقال: هو حديث حسن صحيح، ومنها حديث المنهال بن عمرو، ~~عن زر بن حبيش، عن علي قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت * (ألهاكم ~~التكاثر). # قال أبو عيسى: وهو حديث غريب. # ومنها حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير بن ~~العوام، عن أبيه قال: ' لما نزلت * (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) قال ~~الزبير: يا رسول الله، وأي النعيم يسأل عنه، وإنما هما الأسودان: التمر ~~والماء؟ قال: أما إنه سيكون ' قال: وهو حديث حسن. # وروى عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: ' لما نزلت هذه ~~الآية: * (ثم لتسألن يومئذ عن ا لنعيم) قال الناس: يا رسول الله، عن أي ~~النعيم نسأل، وإنما هما الأسودان، والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا؟ قال: ~~إن ذلك سيكون '. # روى عن الضحاك بن عبد الرحمن [بن] عرزم الأشعري قال: سمعت أبا هريرة ~~يقول: قال رسول الله: ' إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة - يعني العبد من ~~النعيم - أن يقال له: ألم نصحح لك جسمك، ونروك من الماء البارد '. # قال: وهو حديث غريب، والله أعلم. PageV06P277 # بسم الله الرحمن الرحيم * (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3))) تفسير سورة ~~العصر وهي مكية قوله تعالى: * (والعصر إن الإنسان) قال ابن عباس: هو الدهر، ~~وفيه العبرة لمرور الليل والنهار أنهما على ترتيب واحد. # وعن ms1985 الحسن وقتادة: أنه العشي. # قال الشاعر: # (تروح بنا عمر وقد قصر العصر * وفي الروحة الأولى المثوبة والأجر) ~~والعصران: هما الليل والنهار، ويقال: هما الغداة والعشي. # وقال مقاتل: العصر هو صلاة العصر. # وعن بعضهم: أنه عصر النبي أقسم به، وحكى أن في حرف علي: ' العصر ونوائب ~~الدهر إن الإنسان لفي خسر. # وهو فيه إلى آخر العمر '. # وقال الزجاج: والمعنى: ورب العصر. # وقوله: * (إن الإنسان لفي خسر) معناه: لفي غبن، ويقال: في شر، ويقال: في ~~هلاك، والخسران هو ذهاب رأس المال، ورأس مال الآدمي هو عمره ونفسه، فإذا ~~كفر فقد ذهب رأس ماله، والإنسان هو الكافر، وقيل: واحد بمعنى الجمع، وقيل: ~~هو في كافر بعينه، فقيل: إنه أبي بن خلف، وقيل: وليد بن المغيرة، وقيل: أبو ~~جهل بن هشام. # وقوله: * (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي: بالطاعات. # وقوله: * (وتواصوا بالحق) قال الحسن وقتادة: أي بالقرآن واتباعه، وقيل: ~~بالتوحيد. # وعن السدي: بالله أي: تواصوا بالله، وعن الفضيل بن عياض قال: يحث بعضهم ~~بعضا على طاعة الله. PageV06P278 # وقوله: * (وتواصوا بالصبر) عن المعاصي، وقيل: بالصبر على الطاعة، وقد ورد ~~خبر غريب برواية أبي أمامة أن قوله: * (إن الإنسان لفي خسر) هو أبو جهل بن ~~هشام. # وقوله: * (إلا الذين آمنوا) هو أبو بكر * (وعملوا الصالحات) هو عمر * ~~(وتواصوا بالحق) هو عثمان * (وتواصوا بالصبر) هو علي، رضي الله عنهم. ~~PageV06P279 # بسم الله الرحمن الرحيم * (ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده ~~(2) يحسب أن ماله أخلده (3) كلا لينبذن في الحطمة (4) وما أدراك ما الحطمة ~~(5) نار الله الموقدة)) تفسير سورة الهمزة وهي مكية، والله أعلم قوله ~~تعالى: * (ويل لكل همزة) قد بينا معنى الويل. # وقوله: * (همزة لمزة) قال ابن عباس: الهمزة الذي يطعن في الناس ويعيبهم، ~~واللمزة هو الذي يغتابهم ومثله عن مجاهد، وقيل على العكس، فالهمزة هو ~~المغتاب، واللمزة الذي يطعن في الناس، قاله السدي وغيره، وعن بعضهم: أن ~~الهمزة هو الذي يؤذي الناس بلسان أو يد، واللمزة هو الذي يؤذيهم بحاجب ~~(وعين)، وهو قول غريب، وعن ابن ms1986 عباس في رواية: أن الآية نزلت في الأخنس بن ~~شريق الزهري، وهو قول معروف، وأنشدوا في الهمزة واللمزة: # (تدلى بودي إذا لاقيتني كذبا * وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة) وقوله: * ~~(الذي جمع مالا وعدده) بالتشديد والتخفيف، فقوله: * (جمع) بالتخفيف معلوم، ~~وبالتشديد فالمعنى: أنه جمع من كل وجه شيئا فشيئا. # وقوله: * (وعدده) أي أعده لنفسه ولحوادثه، وقرئ: ' وعدده ' بالتخفيف، ~~ومعناه: جمع عددا أي: قوما وأنصارا يتقوى بهم. # وقوله: * (يحسب أن ماله أخلده) أي: يبقى حتى بقيته، قاله الحسن، وقال ~~بعضهم: أي: يمنع الموت عنه. # وقوله: * (كلا لينبذن في الحطمة) هو اسم من أسماء جهنم، وقرأ ابن مصرف: ~~PageV06P280 # (* (6) التي تطلع على الأفئدة (7) إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) ~~' لينبذن في الحطمة ' يعني: نفسه وماله، وسميت النار حكمة؛ لأنها تأكل كل ~~شيء. # يقال: رجل حطمة أي: أكول، وقيل: لأنها تكسر كل شيء من الحطم وهو الكسر. # وقوله: * (وما أدراك ما الحكمة) قد بينا. # وقوله: * (نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة) يعني: يصل ألمها ~~ووجعها إلى الفؤاد. # قال محمد بن كعب القرظي: تأكل النار أجسادهم، فإذا وصلت النار إلى القلب ~~أعيدوا كما كانوا، وتعود النار إلى أكلهم فهكذا أبدا. # وقوله: * (إنها عليهم مؤصدة) قال ابن عباس وأبو هريرة: مطبقة، وقيل: ~~مغلقة. # يقال: أصدت الباب أي أغلقته. # وقوله: * (في عمد) وقرئ ' في عمد ممددة ' بفتح العين ورفعه، وقرأ الأعمش ~~وطلحة ويحيى بن وثاب: ' بعمد ممدة ' وهو معنى القراءة المعروفة، وعن بعضهم: ~~أن العمد الممدة هي الأغلال في أعناقهم، وعن بعضهم: [هو] القيود في أرجلهم، ~~وعن بعضهم: قيود على قبرهم من نار يعذبون فيها، وأولى الأقاويل هو أنها ~~مطبقة بعمد يعني: مسدودة لا يخرج منها غمر، ولا يدخلها روح. # وعن قتادة: يعذبون بالعمد، وهي جمع عمود. # وعن أبي جعفر القارئ: أنه بكى مرة حين قرئت هذه السورة عليه، فقيل له: ما ~~يبكيك يا أبا جعفر؟ قال: أخبرني زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون فذلك ~~أبكاني. # وقوله: * (ممدة) وقيل: مطولة، ويقال: ممدودة. # وذكر النقاش في ms1987 تفسيره: أنه يبقى رجل من المؤمنين في النار ألف سنة يقول: ~~يا حنان، يا منان، وهو في شعب من شعاب النار، فيقول الله لجبريل: أخرج عبدي ~~من النار، فيجيء جبريل - عليه السلام - فيجد النار مؤصدة أي: مطبقة، فيعود ~~ويقول: يا رب، إني وجدت النار مؤصدة، PageV06P281 # فيقول: يا جبريل عد وفكها، وأخرج عبدي من النار، فيعود جبريل ويخرجه، وهو ~~مثل الخلال (أسود) فيلقيه على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعرا ولحما ودما ~~ويدخله الجنة. # رواه عن سعيد بن جبير، وذكر أن النار تطبق عليهم لييأسوا من الخروج منها، ~~والله أعلم. PageV06P282 # بسم الله الرحمن الرحيم * (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1))) تفسير ~~سورة الفيل وهي مكية قوله تعالى: * (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) ~~الفيل دابة معلومة، ومعنى قوله: * (ألم تر) أي: ألم تعلم؟ وقيل: ألم تر ~~آثار ما فعل ربك بأصحاب الفيل. وأصحاب الفيل هم جند من الحبشة أميرهم أبرهة ~~بن الصباح أبو يكسوم وقيل: غيره. # غزوا الكعبة، وقصدوا تخريبها وهدمها، وأصح ما حكى في سببه أن أبرهة كان ~~نصرانيا بني بيعة بصنعاء اليمن، وزينها بالفاخر من الثياب والجواهر، وقال: ~~بنيت هذا، يحجه العرب وأكفهم عن حج الكعبة، وأمر الناس بذلك وأجبرهم عليه، ~~فجاء رجل من العرب - وقيل: إنه كان من بني كنانة - ودخل البيعة، وأحدث فيها ~~وهرب، فذكر ذلك لأبرهة فغضب غضبا شديدا وحلف بالنصرانية والمسيح ليغزون ~~الكعبة، وليهدمنها حجرا حجرا، ثم إنه غزا الكعبة مع جيش عظيم. # وفيه قصة طويلة، وساق مع نفسه فيلا يقال له: محمود، وقيل: كانت ثمانية من ~~الفيلة أكبرها هذا الفيل، ولقي في الطريق جندا من العرب وهزمهم، وقتل منهم ~~حتى أتى الطائف، ثم إنه توجه من الطائف إلى مكة، ودليله أبو رغال، فمات أبو ~~رغال في الطريق فقبره هو القبر الذي ترجمه العرب، وهو بين مكة والطائف، ~~ونزل أبرهة والجند بالمغمس، وسمع أهل مكة بذلك، وسيدهم يومئذ عبد المطلب بن ~~هاشم، وأغار الجند على ما وجدوا من أموال أهل مكة وإبلهم، ms1988 وأخذوا مائتي ~~بعير لعبد المطلب ثم إنه جاء عبد المطلب، إلى أبرهة في طلب بعيره - وكان ~~رجلا جسيما وسيما - فلما رآه أبرهة أعجبه حسنه وجماله فقال: ما حاجتك؟ ~~فقال: أن ترد على إبلي. # فقال لترجمانه: قل PageV06P283 # * (ألم يجعل كيدهم في تضليل (2)) له: أعجبني ما رأيت من هيئتك، ثم رغبت ~~عنك حين سمعت كلامك، فقال عبد المطلب: وما الذي رغب الملك عني؟ فقال: # جئت لأهدم شرفك وشرف آبائك، فتركت ذكره وسألتني إبلا أخذت لك! فقال له ~~عبد المطلب: أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا يمنعه، فأمر برد الإبل عليه، فعاد ~~عبد المطلب، وأمر أهل مكة حتى تنصرف في رؤوس الجبال، وقال: قد جاءكم مالا ~~قبل لكم به. # ثم أخذ عبد المطلب بحلقة الكعبة وقال: # (يا رب: لا أرجو لهم سواكا * يا رب، فامنع منهم حماكا) (إن عدو البيت من ~~عاداك *) ومن المعروف أيضا أنه قال: # (يا رب إن المرء يمنع * حله فامنع حلالك) (لا يغلبن صليبهم * ومحالهم ~~أبدا محالك) والمحال: العقوبة. # (إن كنت تاركهم وكعبتنا * فامر ما بدالك) ثم خرج مع القوم وخلوا مكة، ~~فروى أن الفيل كان إذا أحس التوجه قبل مكة امتنع، فإذا وجه نحو اليمن أسرع ~~وهرول، وحبس الله الفيل عن البيت، وهو معنى ما ثبت عن النبي أنه قال يوم ~~الحديبية حين بركت ناقته - وهي القصواء - وقال الناس: خلأت القصواء فقال ~~النبي: ' لا، لكن حبسها حابس الفيل ' ثم إن الله تعالى بعث عليهم طيرا خرجت ~~من قبل البحر، قال ابن عباس: لها خراطيم الطير وأنف الكلاب، وقيل: كانت ~~سوداء، وقيل: حمراء، ومع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في كفيه، وحجر في ~~منقاره، وفي القصة: أن الحجر كان دون الحمص وفوق PageV06P284 # * (وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) فجعلهم كعصف ~~مأكول (5) العدس، فجاءت الطير ورمتهم بالأحجار، وفي القصة: أن الحجر كان ~~يصيب رأس الإنسان، فيخرج من دبره، فيسقط ويموت، وكان إذا وقع على جانب منه ~~خرج من الجانب الآخر، وهرب القوم وتساقطوا في الطريق. # وقيل: إن الحجر ms1989 إذا أصاب الواحد منهم نفط موضعه وأصابه الجدري، فهو أول ~~ما رئى الجدري في ديار العرب، والله أعلم. # وأما أبرهة فتساقط في الطريق أنملة أنملة، ثم إنه انصدع صدره عن قلبه ~~ومات. # وعام الفيل هو العام الذي ولد فيه النبي، وقد قيل: إنه ولد بعد ذلك ~~بسنتين، والصحيح هو الأول، وقال أهل العلم: كان ذلك إرهاصا لنبوة النبي ~~وتأسيسا بها. # قوله تعالى: * (ألم يجعل كيدهم في تضليل) أي: أبطل مكرهم وسعيهم، ويقال: ~~قوله: * (في تضليل) أي: ضل عنهم، وفاتهم ما قصدوا. # وقوله: * (وأرسل عليهم طيرا أبابيل) قال أبو عبيدة: جماعات في تفرقة، ~~وعند أبي عبيدة والفراء: لا واحد لها، وعند الكسائي: واحدها: أبول مثل ~~عجاجيل وعجول. # ويقال: طيرا أبابيل أي: كثيرة، ويقال: أقاطيع يتبع بعضها بعضا. # وقوله: * (ترميهم بحجارة من سجيل) قال ابن عباس: السجيل بالفارسية (سنك) ~~كل، ويقال: من سجيل من السماء، وهو اسم سماء الدنيا. # وقوله: * (فجعلهم كعصف مأكول) العصف: هو ورق الزرع، ومعناه: كعصف قد أكل ~~ما فيه، وقيل: كل ثمره. # والمعنى: أن الله تعالى شبههم بالزرع الذي أكلته الدواب وراثته وتفرقت، ~~ولم يبق من ذلك شيء فشبه هلاكهم بذلك، والله أعلم. PageV06P285 # بسم الله الرحمن الرحيم * (لإيلاف قريش (1)) تفسير سورة لإيلاف وهي مكية ~~قوله تعالى: * (لإيلاف قريش) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: * ~~(لإيلاف قريش) قال: نعمتي على قريش بإيلافهم رحلة الشتاء والصيف. # والإيلاف في اللغة هو ضد الإيجاش، وهو نظير الإيناس، فإن قال قائل: ما ~~معنى ابتداء السورة باللام؟ والجواب من وجهين: أحدهما أن معناه: اعجبوا ~~لإيلاف قريش وتركهم الإيمان بي، كأنه يذكر نعمته عليهم، ويذكر كفرانهم ~~لنعمته بترك الإيمان، والوجه الثاني أن معناه: أن هذا متصل في المعنى ~~بالسورة المتقدمة، وكأنه قال: * (فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش) أي: ليبقى ~~لهم ما ألفوه من رحلتي الشتاء والصيف. # وذكر القتيبي في معنى السورة: أن القوم لم يكن لهم زرع ولا ضرع إلا ~~القليل، وكانت معايشهم من التجارة وكانت لهم رحلتان: رحلة في الصيف إلى ms1990 ~~الشام، ورحلة في الشتاء إلى اليمن، وقيل: غير هذا، وكانوا إذا خرجوا من مكة ~~لا يتعرض لهم أحد، فإذا لقيهم قوم قالوا: نحن أهل الله فيكفون عنهم ولا ~~يحاجون. # وروى أنهم كانوا يقولون: نحن من حرم الله، فتقول العرب: هؤلاء أهل الله ~~فيكفون عنهم، وهو معنى قوله تعالى: * (أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ~~ويتخطف الناس من حولهم) فذكر الله تعالى في هذه السورة والسورة المتقدمة ~~منته عليهم في دفع أصحاب الفيل عنهم، ليبقى لهم ما ألفوه من التجارة في ~~رحلتي الشتاء والصيف. # وأما قريش: فهم أولاد النضر بن كنانة، فكل من كان من أولاد النضر بن ~~كنانة فهو PageV06P286 # * (إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي ~~أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4)) قرشي واختلفوا في اشتقاق هذا الاسم، فقال ~~الأكثرون: سموا قريشا للتجارة، وكانوا أهل تجارة، والقرش: الكسب، يقال: كان ~~فلان يقرش لعياله ويقترش أي: يكتسب. # وعن ابن عباس: أنه سميت قريش قريشا بدابة تكون في البحر، يقال لها: ~~القرش، لا تمر بغث ولا سمين إلا أكلته وأنشدوا في ذلك: # (وقريش هي التي تسكن البحر * وبها سميت قريش قريشا) (تأكل الغث والسمين ~~ولا تترك * فيه لذي الجناحين ريشا) (هكذا في البلاد هي قريش * يأكلون ~~البلاد أكلا كميشا) (ولهم آخر الزمان نبي * يكثر القتل فيهم والخموشا) ~~وقوله: * (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع) قال ذلك لأنهم كانوا ~~يجلبون الطعام من المواضع البعيدة وكان هو الذي يسهل لهم ذلك، ويرزقهم ~~إياها بتيسير أسبابها لهم. # وقوله: * (وآمنهم من خوف) أي: من خوف الغارة والقتل على ما قلنا، وقيل: ~~من خوف الجذام، والأصح هو الأول. # وفي بعض التفاسير: أن أول من جمع قريشا على رحلتي الشتاء والصيف هاشم بن ~~عبد مناف، وكانوا يأخذون في بضائعهم باسم الفقراء شيئا معلوما فإذا رجعوا ~~أعطوهم ذلك تقربا إلى الله. # وقال الشاعر في هاشم: # (عمرو العلا هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف) (الخالطين فقيرهم ~~بغنيهم * حتى يصير فقيرهم كالكاف) PageV06P287 # بسم الله الرحمن ms1991 الرحيم * (أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع ~~اليتيم (2) ولا يحض على طعام المسكين (3) فويل للمصلين (4))) تفسير سورة ~~أرأيت وهي مكية وقيل: إنها مدنية، وقيل: نصفها مكية، ونصفها مدنية، فالنصف ~~الأول إلى قوله * (فويل للمصلين) مكية، والنصف الباقي مدنية، والله أعلم. # قوله تعالى: * (أرأيت الذي يكذب بالدين) أي: بالجزاء، وقيل: بالحساب، ~~قاله مجاهد، والمعنى: أرأيت من يكذب بالدين أمخطئ هو أم مصيب؟ يعني: أنه ~~مخطئ فلا توافقه ولا تتبعه. # وقوله: * (فذلك الذي يدع اليتيم) وورد في الحديث أن النبي قال: ' من ضم ~~يتيما من بين المسلمين إلى نفسه، وجبت له الجنة '. # وقرئ في الشاذ: ' يدع اليتيم ' أي: يترك العطف عليه والرحمة له. # وقوله تعالى: * (ولا يحض على طعام المسكين) قيل: لا يطعم بنفسه، ولا يأمر ~~به غيره. # قوله تعالى: * (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) قال قتادة: ~~غافلون. # وروى المغيرة عن إبراهيم قال: مضيعون للوقت، وهذا قول معروف، وهو وارد عن ~~جماعة من التابعين، وذكروا أن المراد بالسهو هاهنا هو تأخير الصلاة عن ~~وقتها، والقول الثالث: وهو أن الآية وردت في المنافقين. # ومعنى قوله: * (الذين هم عن صلاتهم ساهون) يعني: أنهم إن صلوها لم يرجوا ~~PageV06P288 # * (الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراءون (6) ويمنعون الماعون ~~(7)) ثوابا، وإن تركوها لم يخافوا عقابا. # قال ابن زيد: هم المنافقون صلوها، وليست الصلاة من شأنهم. # وروى الوالبي عن ابن عباس قال: هم المنافقون، كانوا إذا حضروا صلوها ~~رياء، وإذا غابوا تركوها. # وقال محمد بن كعب القرظي: هو المنافق، إذا رأى الناس صلى، وإذا لم ير ~~الناس لم يصل. # وقيل: ساهون أي: لاهون، والمعنى أنهم يشتغلون بغيره عنها. # وقوله: * (الذين هم يراءون) قد بينا. # وقوله: * (ويمنعون الماعون) قال علي: هو الزكاة، حكاه مجاهد عنه، وهذا ~~القول محكي أيضا عن الحسن وإبراهيم التيمي. # وقال ابن عباس: هو العارية، وسميت ماعونا: لأن الناس يعين بعضهم بعضا. # وقد ورد في الخبر: أنه مثل الماء والملح والفأس والقدر والمقدحة وما أشبه ~~ذلك. # وفي بعض الأخبار عن عائشة - رضي ms1992 الله عنها - أنها سألت النبي ما الذي لا ~~يحل منعه؟ قال: ' الماء والملح والنار '. # وفي بعض الروايات زيادة: ' والحجر والدلو '. # وحكى أبو الحسين بن فارس عن أبيه فارس، أن الماعون هو الماء، حكاه عن أهل ~~اللغة، وقد ذكره النحاس أيضا في كتابه. # وأنشدوا: # (يمج صبيرة الماعون مجا *) وأنشدوا في الماعون بمعنى الزكاة: # (قوم على الإسلام لما يمنعوا * ماعونهم ويضيعوا التهليلا) PageV06P289 # بسم الله الرحمن الرحيم * (إنا أعطيناك الكوثر (1))) تفسير سورة الكوثر ~~وهي مكية روى المختار بن فلفل عن أنس قال: ' بينا رسول الله ذات يوم بين ~~أظهرنا، إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما، فقلت: ما أضحكك يا رسول ~~الله؟ فقال: أنزلت علي آنفا سورة ' فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم * (إنا ~~أعطيناك الكوثر فصلي لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر) ثم قال: أتدرون ما ~~الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. # قال: فإنه نهر وعدنيه ربي خيرا كثيرا، هو حوضي ترد عليه أمتي يوم ~~القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من ~~أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك '. # رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر عن المختار بن فلفل. # قوله تعالى: * (إنا أعطيناك الكوثر) قد بينا. # وروى همام، عن قتادة عن أنس أن رسول الله قال: ' بينا أنا أسير في الجنة ~~إذا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا ~~الكوثر الذي أعطاك ربك، فضرب الملك بيده، فإذا طينه مسك أذفر '. # قال رضي الله عنه: PageV06P290 # * (فصل لربك وانحر (2)) أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسن بن النقور، أخبرنا ~~أبو القاسم بن حبابة، أخبرنا البغوي، أخبرنا هدبة، عن همام.. الحديث. # وأخرجه البخاري عن هدبة، وذكره أبو عيسى في كتابه بروايته عن قتادة، عن ~~أنس قال: قال رسول الله: ' بينا أنا أسير في الجنة إذا عرض [لي] نهر حافتاه ~~قباب اللؤلؤ، قلت للملك: ما هذا؟ قال هذا الكوثر الذي أعطاكه الله، قال: ثم ~~ضرب بيده إلى طينه فاستخرج مسكا، ثم رفعت لي ms1993 (سدرة المنتهى) فرأيت عندها ~~نورا عظيما '. # قال: وهو حديث حسن صحيح، وروى أيضا بطريق [محارب] بن دثار عن عبد الله بن ~~عمر قال: قال رسول الله: ' الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب ومجراه على ~~الدر والياقوت، [و] ترتبه أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من ~~الثلج '. # قال: هو حديث حسن. # وفي بعض التفاسير برواية عائشة - رضي الله عنها - أن النبي قال: ' من ~~أراد أن يسمع خرير الكوثر، فليدخل أصبعه في أذنه '. # وهو غريب جدا. # وفي الكوثر قول آخر، وهو أنه الخير الكثير، فهو فوعل من الكثرة، وقد أعطى ~~الله PageV06P291 # * (إن شانئك هو الأبتر (3)) رسوله محمدا من الخير ما لا يحصى ولا يعد ~~كثرة في الدنيا والآخرة، وقال الحسن البصري: هو القرآن، وقيل: العلم ~~والقرآن. # وقوله: * (فصل لربك وانحر) أي: صل الصلوات الخمس، وانحر البدن، وقيل: صل ~~بجمع، وانحر بمنى، قاله مجاهد وعطاء، وعن علي - رضي الله عنه - أن معنى ~~قوله: * (وانحر) هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة على النحر. # وقيل: وانحر واستقبل القبلة بنحرك. # قال الشاعر: # (أبا حكم هل أنت عم مجالد * وسيد أهل الأبطح المتناحر) أي: المتقابل. # وروى مقاتل بن حيان، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - قال: ' لما نزلت على النبي * (إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر) ~~قال النبي لجبريل - عليه السلام -: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ ~~قال: إنها ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا (تحرمت) بالصلاة، أن ترفع يديك إذا ~~كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، فإنها من صلاتنا وصلاة ~~الملائكة في السماوات السبع. # وعن محمد بن كعب القرظي: أن قوما كانوا يصلون وينحرون PageV06P292 # لغير الله، فقال الله تعالى: * (فصل لربك وانحر) أي: اجعل صلاتك ونحرك ~~لله. # وقوله: * (إن شانئك هي الأبتر) أكثر المفسرين أن المراد به هو العاص بن ~~وائل السهمي، كان إذا ذكر له رسول الله قال: دعوا ذكره، فإنه أبتر يعني: ~~أنه لا ولد له، فإذا مات انقطع ذكره، واسترحتم منه، ms1994 وكانت قريش تقول لمن ~~مات ابنه، أو لم يكن له ابن: أبتر. # فقال الله تعالى: * (إن شانئك هو الأبتر) يعني: مبغضك هو الأبتر أي: الذي ~~انقطع خيره وذكره في الدنيا والآخرة والبتر هو القطع. # وقيل إن الآية في عقبة بن أبي معيط وقيل: إن المراد به كعب بن الأشرف، ~~قدم مكة، فقالت له قريش: ما تقول أيها الحبر في هذا (الصنبور)؟ أهو خير أم ~~نحن؟ إنه سب ألهتنا، وفرق جمعنا، ونحن أهل حرم الله وحجيج بيته وسدنته، ~~فقال: بل أنتم خير منه، فأنزل الله تعالى: * (إن شانئك هو الأبتر) فيه. ~~PageV06P293 # بسم الله الرحمن الرحيم * (قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون ~~(2) ولا أنتم عابدون ما أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم)) تفسير سورة * (قل يا أيها الكافرون)) وهي ~~مكية قوله تعالى: * (قل يا أيها الكافرون) قال المفسرون: لما قرأ رسول الله ~~سورة والنجم، وألقى الشيطان على لسانه عند ذكر أصنامهم: وإن شفاعتهن ~~لترتجى، فقال الكفار: يا محمد، نصطلح تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، ~~ونعظم إلهك، وتعظم آلهتنا، وذكروا من هذا النوع شيئا كثيرا، فحزن النبي ~~لمقالتهم، ورجع إلى بيته حزينا، فأنزل الله تعالى هذه السورة، وهي * (قل يا ~~أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) أي: اليوم. # * (ولا أنتم عابدون ما أعبد) اليوم. # * (ولا أنا عابد ما عبدتم) في المستقبل. # * (ولا أنتم عابدون ما أعبد) في المستقبل. # * (لكم دينكم ولي دين) لكم جزاء عملكم، ولي جزاء عملي. # قالوا: وهذا في قوم بأعيانهم، منهم الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، ~~والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وقد كان الله أخبر أنهم يموتون على ~~الكفر. # وقيل: إن هذه السورة نزلت قبل آية السيف، ثم نسخت بأية السيف. # وقد ورد في الخبر: أن قراءة هذه السورة براءة من الشرك. # روى أبو خيثمة، عن ابن إسحاق، عن فروة بن نوفل، عن أبيه أنه أتى النبي ~~وقال: جئت يا رسول الله لتعلمني شيئا أقوله عند منامي، فقال: ms1995 ' إذا أخذت ~~مضجعك فاقرأ: * (قل يا أيها الكافرون) ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من ~~الشرك '. # وعن PageV06P294 # * (ولي دين (6)) بعضهم قال: ' كنت أمشي مع النبي في ليلة ظلماء، فسمع ~~رجلا يقرأ: * (قل يا أيها الكافرون) فقال: أما هذا فقد برئ من الشرك، وسمع ~~رجلا يقرأ: * (قل هو الله أحد) فقال: أما هذا فقد غفر له '. # وفي السورة سؤال معروف، وهو السؤال عن معنى التكرير؟ وقد أجبنا، ويقال: ~~إنهم كرروا عليه الكلام مرة بعد مرة، فكرر الله تعالى عليهم الإجابة. # وفي السورة سؤال آخر، وهو في قوله: * (قل) كيف قرئت هذه الكلمة، وهي أمره ~~بالقراءة؟ وكذلك في قوله: * (قل هو الله أحد). # والجواب عنه: أن قوله: * (قول يا أيها الكافرون) جميعه قرآن، ونحن أمرنا ~~بتلاوة القرآن على ما أنزل، فنحن نتلو كذلك. # وفي السورة سؤال ثالث وهو أنه قال: * (ولا أنتم عابدون ما أعبد) ولم يقل: ~~من أعبد؟ # والجواب عنه أنه قال ذلك على موافقة قوله: * (ولا أنا عابد ما عبدتم) وقد ~~قيل: إن ' ما ' بمعنى ' من ' هاهنا، والله أعلم PageV06P295 # بسم الله الرحمن الرحيم * (إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا (2) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3))) ~~تفسير سورة النصر وهي مدنية قوله تعالى: * (إذا جاء نصر الله والفتح) ~~أجمعوا على أن الفتح هو فتح مكة، وقيل: إن النصر فيه أيضا، ويقال: إن النصر ~~هو يوم الحديبية، والأول هو الأظهر والأشهر. # وقوله: * (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا) أي: زمرا زمرا، وفوجا ~~فوجا. # وفي التفسير: أن رسول الله لما فتح مكة قال المشركون: إن محمدا قد نصره ~~الله على قريش، وهم أهل الله وأهل حرمه، فقد منع الله الفيل عنهم فلا يدان ~~لأيد [أحد] بمحمد يعني: لا قوة، فدخلوا في دينه أفواجا وكانت القبيلة ~~بأسرها تسلم، ووفد عليه الوفود من الجوانب، ودخل أكثر ديار العرب في ~~الإسلام، ولم يبق إلا القليل، وقد كان قبل ذلك يدخل الواحد والاثنان على ~~خوف شديد، فهو معنى قوله ms1996 تعالى: * (ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا). # وقوله: * (فسبح بحمد ربك) أي: صل حامدا لربك. # والأصح أن معناه: * (اذكره بالتحميد والشكر لهذه النعمة العظيمة، فإن ~~التسبيح هو بمعنى الذكر فصار معنى الآية على هذا: فاذكر ربك بالتحميد ~~والشكر. # وقوله: * (واستغفره) أي: اطلب التجاوز والعفو عنه. # وقوله: * (إنه كان توابا) أي: توابا على عباده، ويقال: التواب هو المسهل ~~لسبيل التوبة، ويقال: هو القابل لها. PageV06P296 # وقد ثبت عن ابن عباس أن في الصورة نعي النبي إلى نفسه، وأمره بالتسبيح ~~والاستغفار ليكون؛ آخر أمره وخاتمة عمله على زيادة الطاعة والذكر لله. # وورد أيضا أن عمر - رضي الله عنه - كان إذا حضر المهاجرين واستشارهم في ~~شيء، أحضر معهم عبد الله بن عباس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن لنا أولادا ~~مثله - يعني أنك لا تحضرهم - فقال: إنه من حيث تعلمون، ثم إنه سألهم مرة عن ~~هذه السورة فقالوا: إن الله تعالى أمر رسول الله بالتسبيح والاستغفار حين ~~جاءه الفتح، ودخل الناس في الدين أفواجا، فسأل عبد الله بن عباس عن معنى ~~السورة فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى نعى إلى رسول الله نفسه بهذه ~~السورة، وأمره بزيادة العمل والذكر؛ ليكون خاتمة عمره عليه فقال لسائر ~~المهاجرين: إنما أحضره لهذا وأمثاله، أو كلام هذا معناه، واللفظ المذكور في ~~الصحيح في هذا الخبر أن ابن عباس قال: إنما هو أجل رسول الله أعلمه إياه ~~فقال له عمر: والله لا أعلم منها إلا ما تعلم. # وقيل: إن السورة نزلت في أوسط أيام التشريق. # وقيل: إن رسول الله لم يعش بعد هذه السورة إلا ثمانين ليلة. # وقد قيل: إنها آخر سورة نزلت من القرآن كاملة، والله أعلم. PageV06P297 # بسم الله الرحمن الرحيم * (تبت يدا أبي لهب وتب (1))) تفسير سورة تبت وهي ~~مكية قوله تعالى: * (تبت يدا أبي لهب وتب) سبب نزول هذه السورة هو ما روى ~~أبو معاوية [الضرير محمد بن خازم] عن الأعمش، عم عمرو بن مرة، عن سعيد ابن ~~جبير، عن ابن عباس أن النبي صعد ms1997 ذات يوم الصفا وقال: ' يا صباحاه ' فاجتمعت ~~قريش فقالوا له: مالك؟ فقال: ' (أرأيتم) لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ~~ممسيكم، أما (تصدقونني؟) ' قالوا: بلى. # قال: ' فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ' فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا ~~دعوتنا جميعا فأنزل الله تعالى: * (تبت يدا أبي لهب وتب) إلى آخر السورة '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو محمد المكي بن عبد الرزاق، ~~أخبرنا جدي أبو الهيثم، أخبرنا الفربري، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا ~~(محمد) بن سلام، عن [أبي] معاوية.. الحديث PageV06P298 # * (ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى نارا ذات لهب (3)) قوله: * (وتب) ~~قال مقاتل وغيره: خسرت، والتباب في اللغة هو الهلاك، وهو الخسران أيضا. # قال الفراء: الأول دعاء، والثاني إخبار، فالأول هو قوله * (تبت يدا أبي ~~لهب) والثاني قوله: * (وتب) على ما معنى الخبر أي: وقد خسر وهلك، وفي قراءة ~~ابن مسعود: ' وقد تبت '. # وقوله: * (ما أغنى عنه ماله وما كسب) أي: لا يدفع عنه ماله وولده شيئا من ~~عذاب الله، فيكون قوله: * (وما كسب) بمعنى وما ولد على هذا القول. # قال أبو جعفر النحاس: ويبعد أن تكون ما بمعنى من في اللغة. # فقوله: * (وما كسب) أي: وما كسب من جاء وما يشبهه وأما أبو لهب فهو عم ~~النبي واسمه عبد العزي، ويقال: سمي أبو لهب لتلهب وجهه حسنا. # وذكره الله تعالى بكنيته؛ لأنه كان معروفا بذلك أو لأن اسمه كان عبد ~~العزي فكره أن تنسب عبوديته إلى غيره. # وفي تفسير النقاش: أن أبا لهب انتفى بني هاشم، وانتسب إلى أبي أمية، ~~وقال: لا أكون من قوم فيهم كذاب مثل محمد. # ومن المعروف عن طارق المحاربي أنه قال: ' كنت بسوق ذي المجاز فإذا أنا ~~بشاب يقول: أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وإذا الرجل خلفه ~~يرميه بالحجر، وقد أدمى (عقبيه)، وهو يقول: أيها الناس، لا تصدقوه فإنه ~~كذاب. # قال: فسألت عنهما، فقيل: إن الشاب محمد، والرجل الذي خلفه عمه أبو لهب '. ~~PageV06P299 # * (وامرأته حمالة الحطب (4) في جيدها ms1998 حبل من مسد (5)). # ويقال في قوله: * (ما أغنى عنه ماله): أي: أي شيء أغنى عنه ماله * (وما ~~كسب) إذا دخل النار؟. # وقوله: * (سيصلى نارا ذات لهب) يقال: صلى الشيء إذا قاسى شدته وحره. # ويقال: صليته أي شويته، ومنه: شاة مصلية أي مشوية والمعنى: سوف يصلى أي ~~يدخل نارا ذات لهب أي: ذات التهاب وتوقد. # وقوله: * (وامرأته) أي: تصلى امرأته أيضا. # وقوله: * (حمالة الحطب) فيه قولان: أحدهما: ما رواه الضحاك عن ابن عباس ~~أنها كانت تحمل الشوك فتلقيه على طريق النبي لتعقر رجله. # قال عطية: كانت تلقى العضاة في طريق النبي. # وكانت كالكثيب من الرمل لقدم النبي، والقول الثاني: أن قوله: * (حمالة ~~الحطب) معناه: الماشية بالنميمة. # قال الشاعر: # (إن بني الأجرم حمالوا الحطب * هم الوشاة في الرضا وفي الغضب) (عليهم ~~اللعنة تترى والحرب *) وامرأته هي أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان. # وقد قرئ: ' حمالة الحطب ' بالنصب فالبرفع على معنى حمالة الحطب، وبالنصب ~~على معنى أعني حمالة الحطب. # وقوله: * (في جيدها حبل من مسد) فيه قولان: أظهرهما أنه السلسلة التي ذكر ~~الله تعالى في كتابه: * (في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا) والمسد هو الفتل ~~والإحكام قال: لأنه أحكم من الحديد، والقول الثاني: إن المراد من الآية ~~أنها كانت تحمل الحطب بحبل من مسد في عنقها فذكر الله تعالى ذلك على أحد ~~وجهين: إما PageV06P300 # لبيان تخسيسها وتحقيرها، أو لأنها عيرت رسول الله بالفقر فابتلاها الله ~~تعالى بما هو من عمل الفقراء، وقيل: حبل من مسد أي: حبل من شعر أحكمت فتله، ~~وقيل: من ليف أحكم فتله. # وروى ' أن هذه السورة لما نزلت وسمعتها امرأة أبي لهب أخذت (فهرا) بيدها، ~~وجاءت تطلب النبي وتقول: # (مذمم أبينا * ودينه قلبينا * وأمره عصينا *) وتعني بمذمم محمدا - عليه ~~الصلاة والسلام - لأن كفار قريش كانوا يشتمونه مذمما، فلما جاءت، قال أبو ~~بكر للنبي: إن هذه المرأة قد جاءت، فقال: إنها لا تراني فدخلت ولم تر رسول ~~الله، فقالت لأبي بكر: أين صاحبك؟ فقال: ما شأنك؟ فقالت: بلغني ms1999 أنه هجاني، ~~فجئت لأكسر رأسه بهذا الحجر، فقال أبو بكر: إنه ما هجاك، فرجعت وعثرت في ~~مرطها، فقالت: تعس مذمم ومضت '. PageV06P301 # بسم الله الرحمن الرحيم * (قل هو الله أحد (1)). # تفسير سورة الإخلاص وهي مدنية وقيل: إنها مكية يزيد بن كيسان، عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله: ' احشدوا أقرأ عليكم ثلث القرآن فخرج رسول الله، ~~فقرأ عليهم: * (قل هو الله أحد) ثم دخل بيته قال: فقال القوم: قال لنا رسول ~~الله: احشدوا أقرأ عليكم ثلث القرآن فقرأ: * (قل هو الله أحد) ثم دخل، ما ~~هذا إلا شيء؟ قال: فسمعها فخرج إلينا فقال: إن هذه السورة تعدل ثلث القرآن ~~' رواه مسلم في كتابه عن محمد بن حاتم ويعقوب الدورقي، عن يحيى بن سعيد، عن ~~(يزيد) بن كيسان.. الحديث. # وروى إسماعيل بن أبي (زياد) عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: دخلت ~~اليهود على نبي الله فقالوا: يا محمد، صف لنا ربك، وانسبه لنا فقد وصف نفسه ~~في التوراة ونسبها فارتعد رسول الله حتى خر مغشيا عليه، فقال: ' كيف ~~تسألونني عن صفة ربي ونسبه، ولو سألتموني أن أصف لكم الشمس لم أقدر عليه '، ~~فهبط جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد، قل لهم: الله أحد الله الصمد لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أي: ليس بوالد ولا بمولود، وليس له ~~PageV06P302 # * (الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3)). شبيه من خلقه '. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث الشيخ العفيف أبو علي بن بندار ~~بهمدان بإسناده عن إسماعيل بن أبي زياد.. الحديث. # وفي بعض (الأخبار): أن سورة قل يا أيها الكافرون وسورة قل هو الله أحدهما ~~المقشقشتان أي: تبرئان من الشرك و النفاق، ويقال: قشقش المريض من علته إذا ~~برأ، وسميت السورة سورة الإخلاص لأنه ليس فيها إلا وصف الرب عن اسمه وليس ~~فيها أمر ولا نهى ولا وعد ولا وعيد. # وذكر أبو عيسى الترمذي في كتابه برواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن ~~أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن ms2000 كعب أن المشركين قالوا: يا رسول الله، انسب ~~لنا ربك، فأنزل الله تعالى: * (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد) ~~لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ~~ولا يورث، * (ولم يكن له كفوا أحد) قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس ~~كمثله شيء. # قوله تعالى: * (قل هو الله أحد) أي: قل هو الله الواحد، أحد بمعنى ~~الواحد، وقد فرق بين الأحد والواحد. # وقيل: إن الأحد أبلغ من الواحد، يقال: فلان لا يقاومه أحد نفيا للكل، ~~ويقال: لا يقاومه واحد، ويجوز أن يقاومه اثنان، وأيضا فإن الواحد يكون الذي ~~يليه الثاني والثالث في العدد، والأحد لا يكون بمعنى هذا الحال، وأكثر ~~المفسرين أنه بمعنى الواحد. # وقوله: * (هو) الابتداء فيه اسم مضمر، كأنه أشار إلى أن الذي سألتموني ~~عنه هو الله الواحد، فيكون قوله: * (الله أحد) تبيينا وكشفا لاسم المضمر في ~~قوله: * (هو). # وقوله: * (الله الصمد) فيه أقوال: أحدها: أنه الذي يصمد إليه في الحوائج، ~~والآخر: أنه هو الذي انتهى في السؤدد وبلغ كماله. # قال الشاعر: # (ألا بكر الناعي بخير لي بني أسد * بعمر وابن مسعود وبالسيد الصمد) ~~PageV06P303 # * (ولم يكن له كفوا أحد (4)). # وقال آخر: # (علوته بحسام ثم قلت له * خذها حذيف فأنت السيد الصمد) والقول الثالث: ~~أنه الذي ليس له جوف أي لا يأكل، والقول الرابع: أن تفسيره قوله: * (لم يلد ~~ولم يولد) وقيل: إنه الباقي الذي لا يفنى، وقيل: إنه الدائم الذي لا يزول. # وقوله: * (لم يلد ولم يولد) أي: ليس له والد ولا ولد. # وقيل: إنه نفي لقول اليهود والنصارى: عزير بن الله، والمسيح ابن الله، ~~ونفي لقول المشركين: إن الملائكة بنات الله. # فهذا كله في قوله: * (لم يلد). # وقوله: * (ولم يولد) فيه نفي لقول النصارى: إن مريم - عليها السلام - ~~ولدت إلها، وهو المسيح. # وقوله: * (ولم يكن له كفوا أحد) أي لم يكن أحد نظيرا له ولا شبيها، فهو ~~على التقديم والتأخير كما ذكرنا، ومعنى أحد في ms2001 آخر السورة غير معنى أحد في ~~أول السورة. PageV06P304 # بسم الله الرحمن الرحيم * (قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن ~~شر غاسق إذا وقب (3)). # تفسير سورة الفلق وهي مكية قوله تعالى: * (قل أعوذ برب الفلق) فيه أقوال: ~~أحدها - وهو الأظهر -: أن الفلق هو الصبح، قال الله تعالى: * (فالق ~~الإصباح)، والقول الثاني: أنه جميع الخلق، والقول الثالث: أنه بيت في ~~النار، إذا فتح بابه صاح أهل جهنم من شدة حره، قاله كعب الحبر، والقول ~~الرابع: جب في جهنم، قاله مجاهد. # وقوله: * (من شر ما خلق) أي: من شر جميع ما خلق. # وقوله: * (ومن شر غاسق إذا وقب) فيه أقوال أيضا: أحدها: من شر الليل إذا ~~أظلم، فالغاسق هو الليل، قاله الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة، ويقال: من شر ~~الليل إذا أقبل. # يقال: وقب: دخل، وقيل: أقبل، ومعنى الاستعاذة من الليل؛ (لأن) فيه يكون ~~تحرك الهموم وهجوم كل ذي شر بقصد، والقول الثاني: أن قوله: * (ومن شر غاسق ~~إذا وقب) هو القمر، وفيه خبر معروف روى ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد ~~الرحمن، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: ' أخذ رسول الله بيدي، وأشار إلى ~~القمر وقال: تعوذي بالله من شر هذا، هو الغاسق إذا وقب '. # وذكره أبو عيسى PageV06P305 # * (ومن شر النفاثات في العقد (4) ومن شر حاسد إذا حسد (5)). في جامعه ~~وقال: هو حديث صحيح. # قال النحاس: يجوز أن تكون الاستعاذة من القمر، لأن قوما أشركوا بسببه، ~~فنسب إليه الاستعاذة على المجاز. # قال القتيبي: من شر غاسق إذا وقب: هو القمر إذا دخل في شاهوره - أي: في ~~غلافه - وهو إذا غاب. # وذكر بعضهم: أن الاستعاذة من القمر؛ لأن أهل البرية يتحينون وجه القمر - ~~أي غروبه - وهم اللصوص وأهل الشر والفساد، والقول الثالث: أن الغاسق هو ~~الثريا. # وقوله: * (إذا وقب) إذا غاب، وذكر ذلك إذا غاب الثريا ظهرت العاهات ~~والبلايا، وإذا طلع الثريا رفعت العاهات والبلايا. # وقد ورد عن النبي أنه قال: ' إذا طلع النجم رفعت العاهة عن كل بلد '. # وذلك مثل ms2002 الوباء والطواعين والأسقام وما يشبهها. # وقيل: ' من شر غاسق إذا وقب ' أي: من شر الشمس إذا غربت. # وذكر النقاش بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: من شر غاسق إذا ~~وقب: من شر الذكر إذا دخل، قال النقاش: فذكرت ذلك لمحمد بن إسحاق بن خزيمة، ~~وقلت: هل يجوز أن تفسر القرآن بهذا؟! قال: نعم، قال النبي: ' أعوذ بك من شر ~~منيى '، وهو خبر معروف، وهو أن النبي قال: ' أعوذ بك من شر سمعي ومن شر ~~بصري ' فعدد أشياء، وقال في آخرها: ومن شر منيى '. # وقوله: * (ومن شر النفاثات في العقد) أي: السواحر، والنفث هو النفخ ~~بالفم، PageV06P306 # والتفل هو إذا كان معه ريق. # وقوله: * (ومن شر حاسد إذا حسد) الحسد هو تمني زوال النعمة عن المنعم ~~عليه، وقد ذكرنا في الحسد أشياء من قبل، وقيل: من شر حاسد إذا حسد أي: إذا ~~ظلم. # واعلم أن المفسرين قالوا: إن هذه السورة والتي تليها نزلتا حين سحر ~~النبي، سحره لبيد بن أعصم اليهودي. # والنفاثات في العقد يقال: إنهن بناته. # وكان لبيد قد سحر النبي، وجعل ذلك في بئر (ذي أروان) (فاعتل) النبي، ~~واشتدت علته وكان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، ثم إن جبريل - عليه ~~السلام - أنزل المعوذتين. # وروى أنه قال لعائشة: ' هنا [و] أنا نائم نزل علي ملكان، فقعد أحدهما عند ~~رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما حال الرجل؟ فقال: مطبوب، ~~فقال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي، فقال: وأين ذلك؟ فقال: في مشط ~~ومشاطة تحت راعونة في بئر (ذي أروان)، ثم إن النبي بعث علينا، وقيل: إنه ~~بعث عمارا، وقيل: بعث أبا بكر وعمر حتى استخرجوا ذلك السحر، وأنزل الله ~~تعالى هاتين السورتين، وكان على ذاك الشيء [إحدى عشرة] عقدة، فقال له ~~جبريل: اقرأ آية فانحلت عقدة، وكان كلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت ~~العقد كلها، وقام النبي كأنما أنشط من عقال '. PageV06P307 # بسم الله الرحمن الرحيم * (قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله ~~الناس ms2003 (3) من شر الوسواس الخناس (4) الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة ~~والناس (6)). # تفسير سورة الناس وهي مدنية قوله تعالى: * (قل أعوذ برب الناس ملك الناس ~~إله الناس من شر الوسواس الخناس) هو الشيطان، والمعنى من شر الشيطان ذي ~~الوسواس، ويقال: سمى وسواسا؛ لأنه يجثم، فإن ذكر العبد ربه خنس _ أي تأخر - ~~وإن لم يذكر: وسوس. # وفي رواية: التقم ووسوس أي القلب. # وفيه خبر صحيح على هذا المعنى. # وقوله: * (الخناس) معناه ما قلنا يعني: إذا ذكر العبد ربه وسبح رجع أي: ~~تأخر وخنس وتنحى. # وقوله: * (الذي يوسوس في صدور الناس) هو الشيطان. # وقوله: * (من الجنة) أي: من الجن. # وقوله: * (والناس) أي: ومن الناس. # والمعنى: أنه أمره بالاستعاذة من شياطين الجن والإنس، والشيطان كل متمرد ~~سواء كان جنيا أو إنسيا، وقد ورد في الأخبار المعروفة ' أن النبي كان إذا ~~أراد أن ينام قرأ سورة الإخلاص والمعوذتين، وينفث في كفيه، ثم يمسح بكفيه ~~ما استطاع من جسده، ويبدأ بوجهه ورأسه '. # وروى أنه كان يعوذ بهما الحسن والحسين - رضي الله عنهما - وذكر أبو عيسى ~~الترمذي برواية إسماعيل بن أبي خالد قال: حدثني قيس بن أبي حازم، عن عقبة ~~بن عامر الجهني، PageV06P308 # عن النبي أنه قال: ' قد أنزل الله تعالى علي آيات لم ير مثلهن * (قل أعوذ ~~برب الناس) إلى آخر السورة، و * (قل أعوذ برب الفلق) إلى آخر السورة ' قال: ~~وهو حديث حسن صحيح. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بذلك أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبد الله بن ~~أحمد أخبرنا أبو العباس بن سراج السبخي، أخبرنا أبو العباس بن محبوب أخبرنا ~~أبو عيسى الحافظ، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا يحيى بن سعيد القطان، عن ~~إسماعيل بن أبي خالد.. الحديث. # فإن قال قائل: لم لم يكتب ابن مسعود هاتين السورتين في مصحفه؟ وهل يجوز ~~أن يشتبه على أحد أنهما من القرآن أو ليستا من القرآن؟ والجواب عنه: أن ~~حماد بن سلمة روى عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي ms2004 بن كعب: ~~إن ابن مسعود لم يكتب في مصحفه المعوذتين! فقال أبي: قال رسول الله: ' قال ~~جبريل - عليه السلام - * (قل أعوذ برب الفلق) فقلتها، وقال * (قل أعوذ برب ~~الناس) فقلتها ' فنحن نقول: يقول رسول الله. # كأن أبيا وافق ابن مسعود. # قال رضي الله عنه: أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسين بن النقور، أخبرنا أبو ~~القاسم بن حبابة، أخبرنا البغوي، أخبرنا هدبة، عن حماد بن سلمة. # الحديث خرجه مسلم في الصحيح فيجوز أن ابن مسعود وأبيا من كثرة ما سمعا ~~النبي يقرأ هاتين السورتين ويتعوذ بهما ظنا أنهما عوذة، فلم يثبتاهما في ~~المصحف، وقد قيل: إنهما مكتوبتان في مصحف أبي. PageV06P309 # وذكر بعضهم أن عبد الله بن مسعود لم يشتبه عليه أنهما من القرآن، ولكن لم ~~يكتبهما لشهرتهما، كما ترك كتبة سورة الفاتحة لشهرتها، والله أعلم وأحكم ~~بالصواب، وإليه المرجع والمآب. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين وسلم تسليما كثيرا.# PageV06P310 #####ENDNOTES# ms2005