######OpenITI# #META#Header#End# ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0044.png) # الحمد لله المنعوت في الأزل بالأبدية، والموصوف في الأبد بالأزلية، والمنفرد ~~أزلا وأبدا بالأحدية والصمدية، الظاهر للعقول ببرهانه، والباطن عن الظنون في ~~عظم شأنه، فالقلوب بنور العقل إليه ناظرة، ولإشراق سبحات وجهه فيه حائرة، جل ~~عن إدراك الأبصار الفانية بدار الفناء، وتجلى للوجوه الناضرة في دار البقاء، ذي ~~المجد والكبرياء، والعظمة والعلاء، الذي بدأ بخلق القلم والخلق في كتم العدم، ~~وسمك العرش على ذروة السبع الشداد بلا علائق وأوتاد، فسبحانه من عظيم أظهر ~~من آيات قدرته ما حير العقول في كنه عظمته، وجلال سلطانه في تدبير مملكته، ~~وردع خطرات النفوس عن تقدير كيفيته، ودلنا بحدوث الكائنات على أزليته. # ثم الصلوات التي تكل عن عددها الألسنة، وتفنى عن مددها الأزمنة، على سيد ~~الأشراف، كريم الأطراف، يتيم الأصداف، غرة آل عبد مناف، محمد المصطفى ~~المبعوث إلى كافة الورى، وعلى آله ذوائب الشرف والمجد، وأطايب الحسب ~~والقد، وعلى أصحابه مصابيح أحداق الإسلام، ومفاتيح أغلاق الأحكام، أخذة ~~مواريثه، ونقلة أحاديثه، وعلى التابعين لهم بإحسان ما دار في الحنك لسان إنسان. # أما بعد: # فقد عرض علي بعض الأئمة - وفقه الله لمرضاته - أربعين مسألة اختارها من ~~غوامض الأصول، ومباحث العقول، فكلفني التورد في مضايقها، وكشف الأغطية ~~عن حقائقها، وإيراد أمثلة محسوسة لدقائقها، تنصب أعلاما موضحة لطرائقها، ~~فالتزمت في ذلك حكمه، واقتفيت فيه رسمه، وكلفت خاطري مزيد البحث فيها، ~~مقتحما في استخراج معانيها، مستجمعا إليها أطراف ما يشاكلها ويدانيها، مستنبطا # 49 PageV01P044 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0045.png) ~~50 ~~مسائلها من إشارات القرآن، وتلويحات الأحاديث، ورموز المشايخ والأئمة، سالكا ~~فيه طريقة لم أسبق إلى سلوكها، حتى أن وضح أكبر مشكلات الدين، وحصل فيها ~~برد اليقين، وبلج عنها ورد كل عين. فكل مسألة وجدت فيها للعقل سوغا أنهيت ~~الكلام بنهاية وبلاغة، وكل مسألة تقاصرت فيها خطى العقل، وكان خصومنا ~~يحملونها إلى المحال، اكتفيت فيها بنظر العقل قدر ما يردها إلى حد الجواز، ثم ~~عدلت عنها إلى إيراد أمثلة(2) 2(3) للعقل في صحة الاعتقاد فيها، داعيه إلى ~~قبولها وتلقيها، وذلك مثل مسائل ms001 البعث والنشور وأخواتها من الأمور الأخروية، ~~كما سيمر بك إن شاء الله تعالى. وعلى ذلك، تارة أقرر أصول المتكلمين على أدق ~~ما يمكنني تقريرها؛ وتارة أستعين بكلام المشايخ، إن كانت المسألة تزل عن ~~الضوابط الكلامية؛ وتارة أتكلم عليها من طريق النحو واللغة إن كانت المسألة تشام ~~طرفا من علم اللغة؛ وتارة ألتجئ إلى استمرار العادة واطرادها فإنها أيضا من ~~حجج الله تعالى. وإذا اتفقت مسألة معضلة ضعفت فيها أقوال الفرق، راجعت نفسي ~~مستمدا من الله إلهام الصواب وصحيح الفكر، فربما انكشف الحق فيها من غير ~~الطرق المعهودة، فتكاد الطباع تنبوا عن قبولها، لا لحيدها عن سنن السداد، لكن ~~لخروجها عن المألوف المعتاد. # ولعمري إن الفطام عن المألوفات عسير، ولكنه وهم وتخييل، إذ المقصد إذا لم ~~يختلف، فلا اعتبار باختلاف السبل(3) إليه، فإن(6 البحر من أي النواحي أتيته واحد، ~~وإليه الإشارة في قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)). ولعل ثلث PageV01P045 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0046.png) ~~الكتاب من هذا القسم. وإني لأرجو من الله سبحانه حسن الثواب، وأظنني في ~~ذلك مصيبا لشاكلة الصواب. ويرحم الله عبدا إذا عرف اعترف، وإذا استنصف ~~أنصف. وسميت الكتاب سراج العقول في منهاج الأصول. ولعمري فهو(2) في ~~الحقيقة كذلك لكونها وسائل الوصول إلى اليقين في مسائل أصول(3) الدين. فيه ~~جلاء لصدأ الصدور، وشفاء لصدى المصدور، ومن لم يجعل الله له [نورا](5) فما له ~~من نور. وجعلت للكتاب فاتحة وخاتمة، ووضعت لمسائلها أربعين بابا. PageV01P046 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0047.png) ~~الأول: في معرفة الله تعالى. ~~الثاني: في جواز رؤية الله عقلا. ~~الثالث: في معنى قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)طه. ~~الرابع: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: : اينزل الله على كرسيه.... ~~الخامس: في إثبات كلام الله من غير حرف وصوت. ~~السادس: في إثبات الكسب وخلق الأفعال. ~~السابع: في حدث العالم(3. ~~الثامن: فيما جاء من مدة العالم وفيه نقض النجوم. ~~التاسع: في بدء الخلق. ~~العاشر: في خلق الأرض وخلق آدم منها عليه السلام. ~~الحادي عشر: في أخذ الميثاق. ~~الثاني عشر: في صفة آدم وفي مقادير ms002 أعمار أولاده. ~~الثالث عشر: في خلق الجنين من النطفة . ~~الرابع عشر: في تصوير الجنين في قرار مكين. PageV01P047 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0048.png) ~~الخامس عشر: في الأرواح وما قيل فيها والمعاد. ~~السادس عشر: في تهيئة الأجساد لقبول الأرواح. ~~السابع عشر: في صورة الصور وإحياء من في القبور. ~~الثامن عشر: في شبه المنكرين للبعث. ~~التاسع عشر: في محصول البدء 31 والإعادة على الإيجاز(2). ~~العشرون: في السبب الداعي إلى إنكار الآخرة لمنكريها. ~~الحادي والعشرون: في الأوليات العظائم المخلوقة للبقاء. ~~الثاني والعشرون: في الرؤيا ورؤية الله تعالى ورسوله في المنام. ~~الثالث والعشرون: في استجابة الدعاء. ~~الرابع والعشرون: في حقيقة حب العبد لله وحب الله للعبد. ~~الخامس والعشرون: في إثبات الجن. ~~السادس والعشرون: في صفة الثور والحوت الحاملين الأرض. ~~السابع والعشرون: في الزلزلة والهدات والصواعق. ~~الثامن والعشرون: في نزول عيسى عليه السلام. ~~التاسع والعشرون: في طلوع الشمس من مغربها. ~~الثلاثون: في صفة الصراط. ~~الحادي والثلاثون: في صفة قراءة الكتب. ~~الثاني والثلاثون: في صفة الميزان. ~~الثالث والثلاثون: في نقل الحسنات من الظالم إلى المظلوم. ~~الرابع والثلاثون: في صفة الجنة ونعيمها. ~~الخامس والثلاثون: في بعثة الأنبياء عليهم السلام. PageV01P048 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0049.png) ~~السادس والثلاثون: دلائل النبوة. ~~السابع والثلاثون: في الفرق بين المعجزة والسحر والشعبذة. ~~الثامن والثلاثون: في الفرق بين المعجزة، والكرامة، والكهانة، واستحالة ~~المعجزة على يد الكاذب. ~~التاسع والثلاثون: في إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~الأربعون: في تكفير الفرق. ~~هذه جملة مسائل الكتاب وأبوابه، وبالله العصمة والتوفيق. PageV01P049 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0050.png) # اعلم أن الله سبحانه وتعالى جعل آدم وبنيه خلائف الأرض وعمارها، فقال ~~تعالى: (هوالذى جعلكم خلايف فى الأرض) . وقال تعالى(: (هوأنشا كم من ~~الأرض واستعمركم فيها) (هود؛1). ولما رشحهم للخلافة فيها، آتاهم من كل آلة ~~يدبرون بها أمور دنياهم وأسباب معاشهم، وقد خلقهم في الدنيا للآخرة، فأعطاهم ~~العقل والنطق فضيلة لهم، فكان العقل والنطق لهم آلتين يتوصلون بهما إلى تدبير ~~معاشهم في الدنيا، وتهيئة أسباب معادهم حسبما جاءتهم به الرسل عليهم السلام. ~~فأما ما يتعلق بأمور الآخرة من معرفة كيفية ms003 الثواب والعقاب، وأوصاف الجنة والنار ~~بحقائقها، ودرك دقائقها، وكيفية سؤال الملكين وجوابهما، وكيفية الحشر والنشر، ~~والصراط، والميزان، وقراءة الكتب، وكيفية الحوض، والشفاعة، وتفاضل لذات ~~الثواب وآلام العقاب التي تستغرق فيها النفوس، لذة كانت أو ألما، سيما لذة النظر ~~إلى وجه ا]4 الله تعالى الكريم، وألم الفزع الأكبر - نعوذ بالله منه - فإن العقل ~~بمجرده لا يستقل بدركه، إذ كان العقل آلة للعبودية، به يدرك تفاصيل(3) الأوامر ~~والنواهي في دار التكليف، وتعرف به مصالح المعاش ومفاسده. قال بعض الأجلة ~~من المشايخ: إن الألسنة عن حقائق أمور الآخرة محتبسة، والعقول عن درك ~~معانيها مختنسة. وإنما أخبرنا الكتاب والسنة عن الآخرة على طريق الإجمال ~~والإرسال بما يقرب من الأفهام معانيها، فغاية النطق الإخبار عنها على الجملة ~~إيجابا بالإيمان بها، وغاية العقل البحث عن تجويزها أو استحالتها. فإذا أخبر بها PageV01P050 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0051.png) ~~الصادق مجملة، واستجازها العقل مرسلة، وجب الإيمان بها صدقا، والاعتقاد لها ~~حقا. ثم يجب كف الفكر عن البحث عن كيفياتها، وردعه عن أن يشرئب للطمع في ~~درك حقائقها، فإن الفكر عن ذلك مصدود، كما أن البصر عن سماع الصوت مردود، ~~اللهم إلا أن يكاشف بعض الأولياء من أحوال الآخرة في حال غيبته عن الخلق ~~وشهوده للحق، فإنه في ذلك الوقت يكون مسلوب النطق، مغلوب العقل، إذ يشاهد ~~أمورا لا تتسع لها ظروف الحروف، ولا تنتهي إليها خطى العقول كما قلت: ~~وإن قميصا خيط من نسج تسعة وعشرين حرفا عن معانيه قاصر # ومن تأمل هذا المعنى انكشف له كثير من الغوامض التي درج عليها المتقدمون، ~~مكلفين عقولهم ما ليس في وسعها طمعا في أن ينالوا ما لا ينال، فكانت عاقبتهم ~~الحيرة والضلال. وإن من هذا القبيل قراءة أهل العرصات الكتب المكتوبة بخط ~~الملائكة الكرام، ولا شك أنها بخلاف كتابة أهل الدنيا، ولهذا يقال لكتابة لا يقدر ~~على قراءتها إنها خط الملائكة. ومن ذلك ما يخلق الله تعالى من إدراك لذات كثير ~~من نعيم الجنة، مطعومها، ومشروبها، ومشمومها، وملبوسها، ومنكوحها، على حالة ~~لا يوجد مثلها ms004 في الدنيا، كما ورد في الأحاديث الكثيرة في ثواب الأعمال. وتلك ~~الإدراكات بلذاتها لا تضاهي شيئا من الإدراكات التي تدرك بها اللذات الدنيوية، ~~فإنها وإن كانت تشاكلها في الجنسية والتسمية، كانت لها اختصاصات عجيبة( تكل ~~العقول عن دركها. وقول ابن عباس (للعه: ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا ~~إلا الأسماء(4 (9. أصل كبير في هذا الباب. ولعدم تلك الإدراكات في الدنيا لا نجد PageV01P051 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0052.png) ~~في أنفسنا لذة النظر إلى وجه الله الكريم وغير ذلك من اللذات الموعودة في الجنة، ~~كما لا يجد الصبي في نفسه ا5 لذة الجماع لأنه لم يخلق له إدراك ذلك. ~~والدليل على هذه الجملة قول النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة جلت قدرته: أعددت ~~لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما ~~أطلعتهم عليه. ثم قرأ: ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين) جد. ~~وهذه خطة ضلت فيها الفلاسفة فأنكروا أمور الآخرة. # قد صح لك أن العقل لا يطلع على كنه حقائق الأشياء الغيبية، ولا يبلغ منتهى ~~سرائرها، بل غايته أن يقيس ما لم يره علي ما رآه بأدني شبه بينهما. وقد جاءت ~~الشرائع بأشياء يعجز العقل عن معرفة عللها وكيفياتها، ولكن إذا حكم بإيجابها ~~وجب الإيمان بها كالحشر، والنشر في الآخرة، وكالنزول، والوجه، والقدم في ~~صفات الله تعالى. وكذلك معرفة مقادير الشرائع والعبادات. وقد درج السلف ~~الصالح والتابعون لهم على التصديق بها جزما، ومنعوا أصحابهم5 عن البحث ~~عنها، وردوها إلى سر القدر المنهي عن الخوض فيه، وقالوا: أمروها كما جاءت ~~بلا كيف. ولم تجد الشبه إلى عقائدهم سبيلا لقوتها وصلابتها، وذلك لغضاضة ~~الإسلام، وقرب العهد بزمان الوحي، ومشاهدة التنزيل، ومهبط جبريل [عليه ~~السلام]5). فلما أن درج القرن الأول، ثم الذين يلونهم، وهم خير القرون، نبغت PageV01P052 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0053.png) ~~الأهواء من كل صقع، وباض الشيطان بكل قطر، ونفث في عقد القلوب، وجال في ~~الخواطر بخطواته، حتى تزلزلت العقائد، واضطربت الآراء، وكثرت مقالات أهل ms005 ~~الأهواء كالقرامطة، والزنادقة خذلهم الله، إذ ألفوا الكتب في الضلالات، وبتوها في ~~الأمصار، ودعوا إليها الأغبياء، فشاعت(1) البدع، وفشا الشرك، وانحلت عقد ~~العقائد، وذلك لبعدها عن زمان المبعث. قال الله تعالى: (فطال عليتهم الأمد فقست ~~قلوبهم)1) ولهذا قال الصديق (ليفه : طوبى لمن مات في النأنأة2. # والمعتقدون اليوم وإن صحت عقودهم، وراجت نقودهم، فكثيرا ما تتخالج في ~~ضمائرهم خواطر الشكوك من كثرة ما يقرع مسامعهم من شبه أولئك الأضاليل. ~~ولعل أحدهم يموت على وخز بين ضلوعه من الشبه وهو لا يجسر أن يسأل عنه، ~~أو لا يجد أحدا يشفي غلته بجوابه، فلا يزال يخفيه عن نفسه فكيف عن غيره. ~~فساقني هذا السبب إلى إيراد أمثلة محسوسة من مضايق المشكلات، وكشف ما ~~يمكنني من المعضلات، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. 61 PageV01P053 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0054.png) # اعلم أن الحق المطلق هو الله جل جلاله، والصدق المحض [هو]1) معرفته ~~والإقرار بوحدانيته. والمعرفة عند أئمة الأصول: هي العلم بالله وصفاته كما ~~سنذكره، وعند مشايخ التصوف: المعرفة صفة من عرف الحق بأسمائه وصفاته، ثم ~~صدق الله في جميع أفعاله وأقواله وأحواله، وانقطع إليه بكليته حتى ينسى سواه، ~~وانمحى عن قلبه إلا هو، فصار [به] عارفا وعن غيره أجنبيا. فعلى هذا عند ~~العلماء لا معبود إلا الله، وعندهم لا موجود إلا الله، لأنهم يرون وجود ما سواه به ~~كان وبإبقائه، حتى إنهم لو قطعوا النظر عنه كان لا يبقى عندهم في الوجود موجود ~~البتة. ثم إنهم في استغراقهم بمعرفته ولهوا به، فصارت كلماتهم في المعرفة مختلفة ~~باختلاف مقادير حالاتهم مع الله تعالى. PageV01P054 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0055.png) # فسئل الجنيد عن المعرفة فقال: تردد السر بين تعظيم الحق عن الإحاطة، ~~وإجلاله عن الدرك، فيا لها حيرة لا حظ لها من أحد، ولا لأحد منها حظ، وإنما هي ~~وجود يتردد في العدم لا تتهيأ العبارة عنه، لأن المخلوق مسبوق، والمسبوق غير ~~محيط بالسابق61). # تفسير، قوله: إنها حالة حيرة لا نصيب لها من مخلوق ولا نصيب لمخلوق ~~منها. إذ لا يشاركه موجود في ms006 وصف فيشتركان في المعرفة. بل وجود مطلق يتردد ~~في العدم. يعني جميع الموجودات بالنسب إليه عدم. قوله: "لا تتهيأ عنه ~~العبارة. لأن العبارة حادثة، والحادث لا يحيط بالقديم. # وقال أبو حفص: مذ عرفت الله ما دخل قلبي حق ولا باطل). وإنما ذلك ~~لاستيلاء الذكر عليه، واستغراق قلبه بمعرفته، فلم يدخل قلبه غير الله سواء كان ذلك ~~الغير حقا أم باطلا. وسئل أبو يزيد عن المعرفة فقرأ: (إن الملوك إذا دخلوا قربية ~~أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة)3 يعني أن معرفته لا تدع في القلب ذكر ~~غيره. PageV01P055 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0056.png) # 61 ~~وقال الشبلي: "ما أحد عرف الله، فقيل له كيف? قال: لو عرفوه ما اشتغلوا ~~بسواه". وقيل: العارف كائن بائن". يعني كائن به بائن عن غيره. ~~وقيل: علامة العارف أن يكون فارغا من الدنيا والآخرة(. ~~وقيل: المعرفة حياة القلب مع الله تعالى لقوله: (أومن كان ميتا فاحييناه) ~~(الأنعام؛ 122)2. ~~وسئل الشبلي: أي شيء أعجب? قال: قلب عرف الله ثم عصاه. ~~قال شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري3) في كتاب منازل السائرين إلى الله5): ~~إن المعرفة إحاطة بعين الشيء كما هو، وهي على ثلاث درجات، والخلق فيها ~~على ثلاث فرق. ا71 الدرجة الأولى معرفة الصفات والنعوت، وقد وردت أساميها ~~بالرسالة، وظهرت شواهدها في الصنعة بتبصر النور القائم في السر، وطيب حياة PageV01P056 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0057.png) ~~العقل بزرع الفكر، وحياة القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاختيار. ~~وهي معرفة العامة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلا بها. وهي على ثلاثة أركان: ~~أحدها إثبات الصفة باسمها من غير تشبيه، ونفي التشبيه عنها من غير تعطيل، ~~والإياس من إدراك كنهها وابتغاء تأويلها. # والدرجة الثانية: معرفة الذات مع إسقاط التفريق بين الصفات والذات، وهي ~~تثبت(5) بعلم الجمع). وهي على ثلاثة أركان: إرسال الصفات على الشواهد، ~~وإرسال الوسائط على المدارج، وإرسال العبارات على المعالم. وهي معرفة ~~الخاصة التي تؤنس من أفق الحقيقة. # والدرجة الثالثة: معرفة مستغرقة في محض التعريف لا يوصل إليها ~~الاستدلال)، ولا يدل عليها شاهد، ولا تستحقها وسيلة. وهي على ms007 ثلاثة أركان: ~~مشاهدة القرب، والصعود عن العلم، ومطالعة الجمع. وهي معرفة خاصة ~~الخاصة(10). PageV01P057 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0058.png) # هذا ما نقلت من كلام الأنصاري رحمه الله في باب المعرفة. # ثم طالبني بعض الأئمة بشرح ما انغلق منه لصعوبة ألفاظه، ودقة معانيه، فأقول ~~في شرحه والله أعلم، أما قوله في تفسير المعرفة أنها إحاطة بعين الشيء كما هو، ~~إنما عنى بالإحاطة العلم كقوله تعالى: (أحاط بكل شىء علما))1 ~~وقوله: (والله محيط بالكافربن)البقرة؛1). ولم يرد به الاحتفاف بالشيء من ~~جوانبه فإن القديم غير محاط به كما قال: (ولا يحيطوت به علما)) (طه). ~~وأن قوله في الدرجة الأولى من المعرفة: وظهرت شواهدها في الصنع. يريد به ~~آثار قدرة الله تعالى في صنائعه التي هي دلائل على وجوده تعالى. وقوله: "بتبصر ~~النور القائم في السر". يريد بالنور المعرفة الفطرية المركوزة في أصل الخلقة ~~البشرية، وهي التي أخذ عليها الميثاق في قوله: (ألست بربكم) الأعراف1) ~~كما سيجيي شرحه إن شاء الله. وقوله: "طيب حياة العقل" يريد به العقل السليم ~~من الآفات، الذي يصح التفكر به في الدلائل. وازرع الفكر" من قوله استعارة، كأنه ~~يزرع الفكر ليحصد العلم منه. وقوله: "وحياة القلب بحسن النظر بين التعظيم ~~وحسن الاختيار" يريد بحياة القلب، حضوره وفراغه عن الأشغال الدنيوية عند نظره ~~في الدلائل. ويريد بقوله: من التعظيم وحسن الاختيار" أن يكون في حال نظره ~~معظما لله فيما خلقه على وفق مشيئته وحسن اختياره كما قال تعالى: (وربك يخلق ما ~~يشآء ويختار2))6) بخلاف نظر الزنادقة والطبائعية( المستحقرين ~~لآيات الله تعالى. ونسب هذه المعرفة إلى معرفة الصفات والنعوت وسماها معرفة ~~العامة، [/08 لأن معرفة الوجود المطلق، فطرة الله التي فطر الناس عليها، فهي PageV01P058 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0059.png) ~~كالضرورية للخلق، وإنما يطلب بالاستدلال العقلي معرفة الصفات والنعوت التي ~~ورد بها الكتاب والسنة من العلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، ~~وسماها معرفة العامة، لأن التكليف ورد بها على العموم. # وأما قوله في الدرجة الثانية أنها معرفة الذات مع إسقاط التفريق بين الصفات ~~والذات1. وسماها معرفة الخاصة التي تؤنس ms008 من أفق الحقيقة1. فهو أنه إذا عرف ~~الوجود المطلق بالفطرة وعرف الصفات المنزلة بالنظر في تفاصيل الصنع، تخصص ~~عن العامة باطلاعه على الذات الموصوفة بتلك الصفات من غير تفريق بينهما، ~~وقد كان في البداية يتخايل في وهمه التفريق بين الوجود والصفات، وهو في هذه ~~الدرجة يتحقق أن لا مغايرة [بين الذات والصفات، إذ لا هي هي بعينها، ولا هي ~~غيرها، وإنما مثالها مثال السبعة من العشرة، لا هي العشرة ولا هي غير العشرة، إذ ~~لا تكمل العشرة إلا بها،](2 بل لا تعقل تلك الصفات إلا مع الذات، ولا الذات إلا ~~مع الصفات، وهو معنى قوله: إنها تثبت بعلم الجمع. ويعني بالجمع: النظر ~~إلى الله من الخلق، ويقابله التفرقة، وهي النظر إلى الخلق من الله فلا يرى إلا واحدا. ~~وهذا في(3 كلام المشايخ شائع، [وشرحه أن من نظر إلى الحق فقد جمع، ومن نظر ~~إلى الخلق فقد فرق])، [فإن الحق قد جمع الكل في حكمه، وفرقهم في حكمته، ~~فلا الحكم يناقض الحكمة، ولا الحكمة تناقض الحكم، فتأمل هذا](5) [الكلام ~~شافيا]. وقوله: إرسال الصفات على الشواهد. يعني: كما أنه في البداية كانت ~~الصنائع شواهد على الصفات، صار [كذا] في هذه الدرجة الصفات شواهد على ~~الذات لأنها لا تثبت إلا بالذات. وقوله: وإرسال الوسائط على المدارج. يعني PageV01P059 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0060.png) ~~بالوسائط: الآيات والبينات الدالة على الصفات، فإنها كلها محمولة على المدارج ~~والمراقي التي يتدرج ويترقى بها إلى معرفة الصفات. وقوله: وإرسال العبارات ~~على المعالم. يريد به أن لتلك الصفات أسماء وعبارات، وهي لا تراد لأعيانها ~~وإنما تراد لمعانيها، فهي معالم المعاني أي أمارات لها وأعلام. # وأما قوله: في الدرجة الثالثة التي هي معرفة خاصة الخاصة. وهي أعلى ~~المراتب في المعرفة، وإنما ينالها من ترقى من هاتين الدرجتين، وهي عطية محضة ~~لا تنال بالكسب، وإنما هي نور يقذفه الله في القلب كما قال الله تعالى: (فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام)2. فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن معنى ~~الشرح فقال: نور يقذفه ms009 الله في القلب فيشرح الصدر به. قيل له: فما علامة ذلك. ~~قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل ~~النزول30). وإنما يتحقق حصول هذه الأشياء الثلاثة لمن عاين حقارة 911 الدنيا ~~وخساستها، واطلع على جلائل الآخرة ونفاستها، وشاهد الحق بعين اليقين، وهي ~~عين قلبه المكحلة بذلك النور، فيشتاق إليها اشتياقا مزعجا إلى الرحيل إليه، وتنقطع ~~حينئذ عنه كل وصلة كانت بينه وبين الدنيا، فاستوحش منها واستعد للموت قبل ~~نزوله، لأن الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب. وهذه العزيمة الصادقة لا ~~تصح لأحد إلا بتلك الموهبة التي سماها معرفة خاصة الخاصة، وهي محض ~~التعريف من الله، لا يوصل إليها بالاستدلالات والشواهد، ولا تنال بالوسائل ~~والأسباب، وأركانها ثلاثة كما قال وهي: مشاهدة القرب بتلك العين المكحولة بنور ~~الرب، وصعوده عن العلم المستفاد بالنظر العقلي الذي كان في المنزلتين الأوليين، ~~ومطالعة الجمع، وهي اطلاعه على الحقيقة، إذ لا يعاين في هذه الدرجة إلا الله ~~وحده لرؤيته كل موجود في قبضته، ويرى ملكوت كل شيء بيده، فتيقن أن لا PageV01P060 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0061.png) ~~وجود لشيء معه حقيقة، بل كل شيء قائم به ومنه وإليه. فهذه مطالعة1 الجمع ~~الذي ذكره [كذا] وهو النظر إلى الله من الخلق، فلا يرى من الكل إلا واحدا، وهو ~~معنى قول الشبلي: هل في الدار من سوى الله. وفي هذا المقام صدر من جماعة ~~كلمات نسبت إلى الحلول، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء3. هذا ما أردنا ~~شرحه من كلمات الأنصاري رحمه الله. وقد رجعنا إلى ذكر المعرفة عند علماء ~~الأصول وبالله التوفيق. # اعلم أن المطلوب من معرفة الصانع أمور ثلاثة: الأول وجوده على الإطلاق، ~~والثاني صفاته الذاتية والمعنوية، والثالث معرفة حقيقة ذاته تعالى. # أما إثبات وجوده مطلقا فمن ثلاثة أوجه: مستشعر بالفطرة السليمة، ومستيقن ~~بشهادة النفس اضطرارا، ومدرك بنظر العقل اعتبارا. # الوجه الأول وهو الاستشعار بالفطرة السليمة: اعلم أن الإنسان إذا دهاه أمر ~~وضاقت به المسالك فلا بد أن يعترف بإله يأله إليه، ويتضرع نحوه، ويلجأ ms010 إلى ذراه ~~في كشف بلواه، ويسمو قلبه صعدا إلى السماء، ويشخص ناظره إليها، فيستغيث من ~~سره بخالقه وبارئه طبعا وجبلة لا تكلفا وحيلة. ومثل هذا قد يوجد في الوحوش ~~والبهائم، فإنها ظاهرة الخوف والرجاء، رافعة رؤوسها إلى السماء عند فقدان الكلا ~~والماء، وإحساسها بالهلاك والفناء. وكذلك شاهدنا الأطفال عند السكرات واللأواء ~~يرفعون مسبحتهم نحو السماء، وهذا كله مركوز في جبلة الحيوانات فضلا عن ~~الإنسان العاقل، وهي الفطرة المذكورة في القرآن والحديث، ولكن أكثر الناس قد ~~ذهلوا عنه في حالة السراء، وإنما يردون إليه في الضراء. قال الله تعالى: (وإذا مسكم ~~الضر ف البحر ضل من تدعود إلا اياء)). PageV01P061 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0062.png) ~~كان بعض الزنادقة 1011 أنكر الصانع عند جعفر الصادق(1) الفغه فقال جعفر: ~~اهل ركبت البحر؟ قال: "نعم. قال: هل رأيت أهواله؟ قال: بلى، هاجت يوما رياح ~~هائلة فكسرت السفن، وغرقت الملاحين، فتعلقت أنا ببعض ألواحها، ثم ذهب عني ~~ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل. فقال ~~جعفر: "قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح، ثم على اللوح تحتك، فلما ~~ذهبت هذه الأشياء عنك، هل أسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد? ~~قال: بل رجوت السلامة". قال: ممن ترجوها؟1 فسكت الرجل. فقال جعفر: "إن ~~الصانع هو الذي كنت ترجو ذلك الوقت، وهو الذي أنجاك من الغرق. فأسلم ~~الرجل. # قال النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بدين العجائز. ليس هو منعا عن الاستدلال العقلي، PageV01P062 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0063.png) ~~ولكنه تنبيه على استصحاب تلك الحالة التي غفل عنها أصحاب السلامة من ~~الأحداث والشبان. قال الله تعالى: ( فاذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين) ~~الآية (العنكبوت؛ 65) 1 وفي كتاب ديانات العرب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحصين بن ~~عمران(3): كم لك من إله؟ قال: عشرة7. قال: فمن لغمك وكربك والأمر ~~العظيم إذا نزل بك? قال: الله. فقال صلى الله عليه وسلم، يا حصين، ما لك من إله إلا الله. ~~ومن هذا القبيل قوله تعالى: (ولين ms011 سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن الله) ~~(لقمان؛ 125 الزمر؛ 38) وقوله: (فلمارأوا بأسنا قالواءامنا بالله وحده وكفرنا بما ~~كنا به مشركين (]) (غافر؛ 84) وكان الجاحظ(5) لا يرى المعرفة إلا هذه، وهو ~~خطأ لأن التكليف يناط بغيرها. # الوجه الثاني من المعرفة وهو الاستيقان بشهادة النفس، وذلك أن عامة الناس ~~في أقطار العالم دعت أنفسهم إلى الاعتراف أن لهم خالقا من غير معلم، ولا إثبات ~~حجة، ولا اصطلاح وقع بين كافتهم من الأتراك، والأكراد، وأهل البوادي، وأقاصي ~~الهند، والصين، وأهل الجزائر، الذين لم يبلغهم داع يدعوهم إلى الإسلام ولا إلى ~~الشرك، فإنهم استيقنوا بشهادة أنفسهم على الأعم الأغلب بالخالق لكثرة ما وجدوا ~~من استجابة دعائهم وتضرعهم، ودرك المساعي، ومفاجأة الفرج في حوادث عظام ~~دهمتهم بعد القنوط عن السلامة. وربما جربوه من الرؤيا الصادقة، والفأل، والزجر، PageV01P063 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0064.png) ~~وبتخلصهم من أيدي الأعداء في مواضع لا ناصر لهم من الخلق، وبحدوث نوادر ~~وعجائب شاهدوها في الآفاق وفي أنفسهم، فكانت نفوسهم شهدت بالإله الحق ~~جل جلاله، وذلك قول الله تعالى:( قالت رسلهم أف الله شكت) ابراهيم؛ ~~10) ورأى أعرابي ثعلبا بال على صنم كان يعبده فقال: ~~أرب يبول الثعلبان برأسهلف # لقد ذل من بالت عليه الثعالب ~~برئت من الأصنام والشرك كله وأيقنت أن الله لا شك غالب # وهذا قريب من الضروريات، ومنه قال ضرار: إن المعرفة ضرورية. PageV01P064 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0065.png) ~~70 # الوجه الثالث من المعرفة ا]11 وهو الاستدلال بنظر العقل: وذلك هو الطريق ~~المشهور عند الجمهور وبه ورد التكليف. قال الله تعالى: (قل انظروا ماذا فى السموات ~~والأرض) (يونس، 1)؛ وقال تعالى: (أفلم ينظروا إلى ألسماء فوقهم كيف ~~بنينها) (ق، 6)، وقال: ( فأنظر إلى عانار رحمت الله كيف يخى الارض بعد موتهأ) ~~(الروم؛ 50) الآية؛ وقال: (افلا ينظرون إلى الإبل ككيف خلقت) الغاشية ؛ 17) ~~إلى غير ذلك من الآيات الباعثة على النظر والاستدلال. وطريقه أن يستدل بالصنع ~~على الصانع كما يستدل بالبناء على الباني، وبالخط على الكاتب، وبالنسج على ~~الناسج، وبحقيقة أن يقال حدوث الحوادث ظاهر. والحادث ما جاز وجوده وجاز ~~عدمه، ms012 فإذا تخصص بالوجود بدلا عن العدم الجائز لا بد له من مخصص، وذلك ~~المخصص إما علة أو طبيعة أو فاعل، حي، عالم، مختار، بطل أن يكون علة أو ~~طبيعة، لأن العلة والطبيعة لو كانتا قديمتين لاقتضتا قدم المعلول والمطبوع، ولو ~~كانتا حادثين فالكلام2) فيهما كالكلام في المعلول والمطبوع. فإذا بطل القسمان ~~تعين الثالث، وهو أنها حادثة مترددة بين جواز الوجود وجواز العدم، وكان ذلك ~~المخصص هو الفاعل القديم العالم المختار. وطريق آخر وهو أن يقال الوجود أعم ~~الأشياء، فلو لم يكن في الوجود قديم لما كان في الوجود موجود البتة، إذ لو كانت ~~كلها حوادث لتسلسلت إلى ما لا أول له وذلك محال، فلا بد أن تستند تلك ~~الحوادث إلى قديم يسبقها بالوجود وهو الخالق تعالى الذي أحدث الحوادث كلها، ~~إذ حدوث الحوادث بنفسها محال. وتحقيقه أن يقال إن كان في الوجود موجود لزم ~~بالضرورة أن يكون في الوجود قديم، والوجود معلوم قطعا، فظهر من الأصلين وجود ~~قديم على الضرورة. فعلى هذا كل لبيب لا يستريب في وجود قديم تستند الحوادث ~~إليه، وهو صانع العالم، ومدبره، ومقدره، ومغيره. وهذا التدبير والتقدير والتغيير ~~لائحات إكذام] في كل شيء من أجزاء العالم، فلا بد لها من مدبر، مقدر، مغير، وذلك PageV01P065 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0066.png) # 71 ~~شيء لا يتوقف في عرفانه عاقل قط. فالناس إذا كلهم يشيرون إلى صانع وإن ~~اختلفت طرائقهم ومللهم. والأنبياء والرسل عليهم السلام ما جاءوا ليعلموا(2 وجود ~~الصانع - بخلاف ما ادعته التعليمية - وإنما جاءوا ليدعونا إلى التوحيد كما قال الله ~~تعالى: (فأعلة أنه لا إله إلا الله)حمد؛) والخلق إنما أشركوا بعد الاعتراف ~~بالوجود لما اعتقدوه من الشركاء لله تعالى، أو لنفي واجب من صفاته، أو لإثبات ~~مستحيل منها أو لإنكارهم النبوات. كان السلطان الغازي محمود بن سبكتكين(3) ~~رحمه الله لما فتح بلاد سومنات بالهند، أتي إليه براهب قد طعن في السن، وكان ~~يهمهم ويزمزم بكلمات، فسأل السلطان الترجمان عما يقوله فذكر أنه يقول: الله، الله. ~~فقال للترجمان قل له: وأنتم تعرفون ms013 الله? فسأله فتكلم بالهندية شيئا فقال الترجمان: ~~يقول الخطوط المستقيمةا12 من المحيط إلى المركز متساوية. # أما المطلوب الثاني من المعرفة فهو إثبات الصفات، وفيه ضلت الفرق والملل ~~وهو على ضربين: صفات النفس، وصفات معنوية زائدة على الذات. ونحن نشير ~~في معظماتها إلى نكت لطاف، إذ الكلام فيها طويل الأذيال، فسيح الأكناف. فمن ~~صفات النفس الوحدانية، ودليلها التمانع المذكور في القرآن، قوله تعالى: (لوكان ~~فيهماءالهة إلا الله لفسدتا) لبء22) والنكتة العجيبة من غير التمانع أن نقول: ~~استحالة فرض موجودين متغايرين لا يختص أحدهما من الثاني بحيز، ولا يكون ~~أحدهما مختصا بالآخر كالصفة بالموصوف، كان ذلك في الخروج عن العقول ~~كاستحالة متحيزين في حيز واحد. وبيانه أنه إنما يتصور تغايرهما إما بالحيز PageV01P066 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0067.png) ~~كالجوهرين، أو بالمحل كالسوادين في الجسم، وإلا فاستحالة تواجدهما كاستحالة ~~المتحيزين في حيز واحد. وأنا أقول، استحالة موجودين غير متحيزين في لا حيز ~~كاستحالة متحيز في حيز واحد، وهذا أبين فتأمله. وبناء هذا الكلام على أصل، وهو ~~أن الحادث إما جسم أو عرض ولا ثالث لهما كما ذكرنا في باب الأرواح ~~والمعاد. ومنها نفي المكان، والنكتة فيه أن التغير على القديم محال، والمكان ذو ~~أول، والقديم ما لا أول له، وهو معنى قول علي الففه: كان ولا مكان ثم خلق ~~المكان ولم يتغير عما كان2). # ومنها جواز الرؤية، والنكتة فيه أن الله تعالى يرى في الدنيا بعين القلب التي هي ~~العلم، فيجوز أن يرى بعين الرأس استكشافا لعلم القلب، وهو المعبر عنه بعين ~~اليقين. ولا عجب، فلعل العينين تتصلان في القيامة، فتصير البصائر والأبصار ~~واحدة، كرامة لأهل الجنة بارتفاع الحجب هنالك كما قال تعالى: (فكشفنا عنك ~~غطاءك فبصرك اليوم حديد)22) والطريق المعهود مشهور، وهو أن كل موجود ~~مرئي، والرب تعالى موجود فيكون مرئيا. ويجيء تحقيق هذا الكلام في باب مفرد ~~إن شاء الله تعالى(3 # والضرب الثاني: الصفات المعنوية الزائدة على الذات، أعني الحياة، والعلم، ~~والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. والنكتة فيها أن الفاعل إذا لم يكن ~~موصوفا بهذه ms014 الصفات كان موصوفا بأضدادها، وأضدادها نقائص، والناقص لا ~~تصح منه الإلهية والخلق والأمر. ومنها أن هذه الصفات له قديمة أزلية، والنكتة ~~فيها أنها لو كانت حادثة لكان [كذا] الذات محلا للحوادث، وكان مثل العالم في ~~حكم الحدوث، فيستدعي محدثا فتسلسل القول فيها. ومنها أن هذه الصفات ليست PageV01P067 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0068.png) ~~عين الذات بل هي زائدة على الذات، والنكتة فيه أن المفهوم من قولنا موجود عالم ~~غير المفهوم من قولنا موجود موجود، فلو كان عالما لذاته أو بذاته من غير معنى ~~زائد على الذات لكان المفهومان واحدا، وكان بمثابة قولنا موجود موجود، ولا ~~خفاء بالفرق بينهما، فلا بد إذا من شيئين يرجع إليهما القول 1311 لأن الشيء ~~الواحد لا يخالف نفسه حتى يكون بينه وبين نفسه فرق وذلك محال. # وأما المطلوب الثالث من المعرفة، وهو معرفة حقيقة الذات، وفيه تاهت ~~العقول. قال الإمام أبو المعالي الجويني قدس الله روحه: درك الذات من ~~مجارات العقول، وإنما يعلم بالدليل وجوده، وما يجوز عليه، وما يجب له، وما ~~يستحيل عليه". وقال في بعض خطبه: "فلا تحييث ولا تمييز، وليس إلا وجهه ~~العزيز، فالركون إلى معتقد محصل تمثيل، والعدول عن الاستدلال بالصنع تعطيل، ~~وليس إلى درك حقيقة الحق سبيل). قوله: فلا تحييث إشارة إلى نفي المكان، ~~أي لا يقال: إنه حيث العرش أو حيث الكرسي. وقوله لا تمييز، لأن التمييز إنما ~~يكون من الجنسين أحدهما يتمايز عن الآخر بوصف، وذات الله لا جنس لها فتتمايز ~~بشيء عن جنسها، وإنما تتمايز الأشياء عنه بحدوثها في نفسها. ومعنى قوله "معتقد ~~محصل7 أي محاط به ينتهي الفكر إليه بالإحاطة. وروى الكلاباذي(2) في بحر PageV01P068 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0069.png) ~~الفوائد1 بإسناده عن أبي ذر الغفاري (يلنفه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول: ~~كلكم في ذات الله حمقى). وجاء في نعت علي أنه كان ممسوسا في ذات الله، ~~أي والها. وذكر الأنصاري() في نكت الأدلة( أن القاضي أبا بكر(3) أثبت لله أخص ~~وصف لا سبيل للخلق إلى إدراكه. ثم قال: "وقد ms015 أشار الأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفراييني إلى هذا المعنى. وقد قال الجويني مرة : للعقل [فيه] مزية فلا ~~يبعد أن يكرم الله بعض العقلاء بمزية يدرك بها حقيقة الذات إذ قال تعالى: (وقل ~~رب زدنى علما) (طه؛114) وإنما يعني بالمزية كمال قوة وتأنق في النظر. وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم انا أعلمكم بالله وأخشاكم منه. ولما مات عمر بن الخطاب النفه PageV01P069 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0070.png) ~~قال ابن مسعود: ذهب تسعة أعشار العلم. ثم قال أعني العلم بالله1). وقال ~~المشايخ: إن الله تعرف للعوام بآياته، وإلى الخواص بذاته، فقال تعالى: ~~(سنريهم اياتنا فى الافاق وفي أنفسهم....) إلى قوله: (أولم يكف بربك...) ~~(فصلت؛ 53)7. # وأنكر جماعة الصفة الأخص وقالوا: صفة الأخص قيامه بنفسه واستغناؤه عن ~~الموجد. وقالت المعتزلة: هي القدم. وقيل الحقيقة عين المحقق، والله سبحانه يتعين ~~في العقول، وإنما تتمايز الحوادث عنه بأنفسها. ومعنى تعينه في العقول، كونه القديم ~~الموصوف بالصفات الإلهية. واعلم أن مدار هذا الأمر على حرف، وهو أنا مكلفون ~~بمعرفة الله حقا، ولا سبيل لنا إلى معرفته في عالم التكليف 14/1 إلا بالاستدلال بنظر ~~العقل من جهة الصنع، ولم يدل الصنع في مباحثات العقول إلا على الذات الموصوفة ~~بهذه الصفات المشهورة التي ورد بها الكتاب والسنة، فمن عرف الله بها فقد كملت ~~معرفته لأنه أتى بما كلف به. ثم لم يقم لنا من الصنع دليل على إثبات صفة سواها ولا ~~على نفيها، فأمسكنا عن القول فيما دون ذلك حذارا من تسويل الشيطان، قال الله تعالى: ~~(وآن تقولوأ على الله ما لا تعلمون ) الأعراف33). # هذا وقد سبق لنا كتاب معروف في هذه المسألة سميناه بنور الحقيقة ونور ~~الحديقة، فلنقتصر ههنا على هذا القدر(. # واعلم أن الطرق إلى معرفة الله تعالى من وجوه صنائعه وفنون بدائعه أكثر من ~~أن تحد بالإحصاء، ويؤتى بها على الاستقصاء، إذ في كل ذرة من الأرض والسماء PageV01P070 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0071.png) ~~76 ~~شواهد على بارئها للعقلاء. ولقد أتيت بكلمات تكون أنموذجة للمعتبرين، ومثالا ~~للمستبصرين. ~~فمن ذلك: قيل لعلي كرم الله ms016 وجهه: ابم عرفت ربك? قال: بفسخ العزائم، ~~ونقض الهمم. ~~وسئل آخر قال: بموت الطبيب، وفقر اللبيب، وذل المهيب. ~~وسئل ما الدليل على الرب ? قال: البعرة تدل على البعير، والروث على الحمير، ~~وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات ~~أمواج، أما تدل على رب فراج؟2. ~~وقال آخر: "عرفته بالنوم تارة، وباليقظة أخرى1. ~~وقال آخر: عرفته بالحركات الست في جهات العالم ~~وقال آخر: بتتابع الأشغال والعجز في الأحوال. ~~وقال آخر: بدعوات أجيبت، وحاجات قضيت7. ~~وقال آخر: بوجود الابتداء والانتهاء في كل شيء. ~~وقال آخر: بالذكر والنسيان1. ~~وقال آخر: بفزع وأنس من حيث لا يدرى تسبيبهما. ~~وقال آخر: عرفته لما وجدت بدني كالسرير معلقا بعضه ببعض. ~~وقال آخر: عرفته باجتماع أضداد في بدن من شأنها التنافر. ~~وقال آخر: بورق فرصاد صار دمقسا، وشوك يحمل منا. ~~وقال آخر: بنار تعقد بيضا، وتحل شمعا7. ~~وقال آخر: بسفينة من خشب شحنت فجرت في البحر. ~~وقال آخر: «بقبول كل شيء أثرا2. ~~وقال آخر: عرفته بإبل يقودها صبي. ~~[وقال آخر: اعرفته بفتح تقدير وضع الأشياء على خلاف أوضاعها](4)». PageV01P071 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0072.png) # وقال آخر: بحجر حك على حديد فسقطت منه نار تضيء الظلام، وتأكل ~~الأشجار العظام. # وقال آخر: "عرفته ببيوض تحوي صفرة وبياضا، ثم يخرج من بعضها غراب، ~~ومن بعضها طاووس، ومن بعضها حمام، ومن بعضها دجاج، ومن بعضها حية، ~~ومن بعضها سلحفاة، وهي في ذواتها متشابهة وما يخرج منها مختلف". # وقال آخر: "عرفته بنخل باسقات خرجت من نوات". # وقال آخر: بنجوم تطلع وتغور، وقطب راكد لا يسير. # وقيل لطبيب: بم عرفت ربك? قال: بإهليلج مجفف أطلق، ولعاب ملين ~~أمسك7. # وقال آخر: "عرفته ا]15 بنحلة بأحد طرفيها العسل وبالآخر اللسع(، هذا ~~شفاء وذاك داء. ومن العجب أن العسل مقلوبه اللسع. # وحكي أن جماعة من الزنادقة سألوا الإمام الشافعي الفضه : ما الدليل على ~~الصانع? فقال: ورقة الفرصاد طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم? ~~فقالوا2): "نعم". قال: "فلم تأكلها دودة [القز]3 فيخرج منها الإبريسم، ويأكلها ~~النحل فيخرج ms017 منها العسل، وتأكلها الشاة فيخرج منها البعر، وتأكلها الظباء فينعقد ~~في نوافجها المسك، فمن الذي جعل هذه الأشياء وهي في نفسها واحد والطبع ~~واحد، والحقيقة الواحدة لا توجب المتضادات لأنه يؤدي إلى قلب الحقائق وذلك ~~مستحيل، فعرف منه [أنه لا بد من صانع مختار يحولها من حال إلى حال. ~~فاستحسنوا] منه ذلك وآمنوا على يده، وكانوا سبعة عشر رجلا5. PageV01P072 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0073.png) # وجاء رجل إلى أبي حنيفة (لمنفه فقال له : ما الدليل على الصانع? قال: النطفة ~~في الرحم في ظلمات ثلاث، يريد الأبوان أن تلد المرأة فلا تلد، ويريدان ألا تلد ~~فتلد، ويريدان ذكرا فتلد أنثى وبالعكس، ويريدان واحدا فتلد توأمين على غير اختيار ~~الوالدين، فلو كان الرحم قالبا منطبعا كما زعموا لكان الجنين أبدا على هيئة واحدة، ~~فلما كان بخلافه دل على رب عالم حكيم. # وسئل أحمد بن حنبل (لنفه عن الله فقال: إني رأيت قلعة حصينة ملساء لا ~~فرجة فيها، ظاهرها كالفضة المذابة، وباطنها كالذهب الإبريز، وجدرانها محكمة؛ ثم ~~رأيت الجدران قد انشقت، فخرج من القلعة حيوان سميع بصير مصوت، فعلمت أن ~~الطبيعة لا يقدر [كذا] على ذلك. إنما عنى بالقلعة البيضة، وبالحيوان الفرخ. ~~وكان الرشيد سأل مالكا عن ذلك فقال: اختلاف الأصوات، وتردد النغمات، ~~وتفاوت اللغات يا أمير المؤمنين دليل على أن المحرك واحد، والنيران الموقدة ~~المتضادة في تركيب الآدمي بعضها لمصلحة، وبعضها لغير مصلحة دليل على ~~الصانع2. وقد قال الله تعالى: ( الذى جعل لكم من الشجر الأخضرنارا)س؛80) ~~تراه كيف جمع بين المتضادات، الماء والنار. # وسئل بعض العلماء عن ذلك فقال: تأملت في دجلة والفرات فقلت: لو كانا ~~يسيلان إلى إقليم يوما واحدا لخرباه، وهما مذ خلق الله الدنيا يسيلان في البحر ولا ~~يزيد في البحر شيي2آ) مع سائر الأنهار الجارية فيه، فعلمت أن ذلك بتدبير إله ~~عالم(5) قادر حكيم2. PageV01P073 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0074.png) # وسئل آخر عنه فقال: "الدليل على الرب وله العالمين عند نزول الصواعق ~~والزلزلة وطوارق الحوادث، واضطراب السفن في تلاطم الأمواج، وأيام القحط ~~والجوع والعطش إلى إله ms018 ا161 قادر ينجيهم من الهلكة، ويغيثهم من اللأواء، ~~يستوي فيها جاهلهم وعالمهم، وصغيرهم وكبيرهم، ومؤمنهم وكافرهم، وكلهم ~~بأجمعهم إليه يتضرعون ويستغيثون على اختلاف ألسنتهم ومذاهبهم. فواحد يقول يا ~~إله، وآخر يا إيلوهيم، وآخر يالاها، وآخر يالها يالغ، وآخر يا تنكريت، وآخر أي ~~خذا، أي بزدان، أي بيلكيا، ومدعوهم واحد. # واعلم أن الكيفية، والكمية، واللمية، والأينية منفيات عن الله تعالى، فلا يقال ~~كيف هو? وكم قدر هو? ولم كان هو؟ وأين هو? فإن هذه عبارات تطلق على ~~الأجسام، فمن قال: كيف هو?1 جوابه: من كيف الكيف لا يقال له كيف. وكذلك ~~يقال لمن قال: أين هو? فجوابه: من أين الأين لا يقال له أين. ومن هو واجب ~~الوجود لا يقال له لم كان. وفي الجملة، إن الخالق لا يتصور، ولا يتقدر، ولا ~~يتخيل، ولا يتمثل، فكل ما يجري في خاطرك من شكل وصورة وخيال ومكان فهو ~~من قضايا الوهم، والعقل يقضي بخلافه. وقضايا الوهم كاذبة، وقضيات العقول ~~صادقة، فإن العقل يقضي بأن الصنع لا بد له من صانع، ثم يقضي بأن الصانع لا ~~يشبه صنعه، والوهم ربما يوافقه في ذلك، ثم يقضي العقل بأن هذا الصانع واجب ~~الوجود، كان قبل العالم لا في مكان ولا في زمان. فالوهم هنا يتقاعس عن ذلك ~~لتقاصره عن الدرك. فعلى هذا، إن قيل: كيف هو? فقل: ملك قادر. وإن قيل: أين PageV01P074 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0075.png) ~~هو؟ فقل: بالمرصاد، كما قال عامر بن عبد القيس لعثمان حين قال له عثمان بن ~~عفان أين الله يا أعرابي? فقال: بالمرصاد، يعز من يشاء ويذل من يشاء. فقال: ~~أحسنت يا مؤمن. يريد بذلك قوله تعالى: (إن ربك لبا لمرصاد) الجر 14). ~~فإن قيل: فأين كان في الأزل? فقل: فأين هو الآن? إذ كان ولا مكان ولا زمان، ثم ~~خلق المكان والزمان، فلم يتغير عما كان. فإن قيل: لقد سأل أبو رزين العقيلي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: اين كان ربنا قبل خلق السماء? قال: في عماء ما فوقه هواء وما ~~تحته ms019 هواء3). والعماء: السحاب الرقيق. الجواب أن أبا رزين كان بدويا لم يمارس ~~العلوم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أ يريه عظمته، ورفعته، واعتلاءه، فعبر عن ذلك ~~بالسحاب المتعالي المرتفع وهو يريد أنه تعالى في علو وارتفاع، ثم نفى عنه ما ~~يبتدر إلى الأوهام عند ذكر الرفعة من المكان والجهة فقال: ما فوقه هواء وما تحته ~~هواء2. فإذا انتفى المكان انتفت لوازمه. ويروى في عمى مقصورا، أي في عماية ~~للخلق عن درك(5) أينيته إذ لا أين له . ومثاله قوله: (بل قلوبهم في غمرة من هاذا) ~~المؤمنون؛ 63) وقوله: (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكرى) ). وكل ~~ما جاء من ذكر الحجاب فهو راجع إلى الخلق لا إلى الخالق فافهم. PageV01P075 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0076.png) ~~وسئل بعض المشايخ أين الله? فقال: يا عجبا مع [كذا] العين تسأل عن ~~الأين1. ~~وسئل آخر عن الدليل على الله فقال: إذا طلع الصباح استغني عن المصباح". ~~وسئل آخر فقال: يا هذا، وهل كان العدد إلا من الأحد?1. ~~وسئل آخر فقال: الشمس 17 خافية عن اللمعان؟. ~~وسئل آخر فقال: يا هذا، يغنيك الأثر عن الخبر". ~~وسئل الشبلي عن الله فقال: "ويحك! وهل في الدارين سوى الله? ورأى بائع ~~خيار يقول: ما بقي إلا واحد. فقال: يا بطال! وهل كان إلا واحدا?. ~~وسئل بعض المحبين عن التوحيد فقال: المحبة لا تنقسم، فلو كانا اثنين ~~لانقسمت1. ~~وسئل الحسين بن هانئ عن التوحيد فأنشد: # إلى آثار ما خلق(2) المليك ~~تأمل في نبات الأرض وانظرإلى آث ~~عيون من لجين ناظرات وأحداق هي الذهب السبيك(3 ~~على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك ~~هذا، ودلائل التوحيد خارجة عن التحديد ليس لها غاية إذ في كل شيء(5 له ~~آية، فلنقتصر على هذا المقدار، فما للفرقد من جدار. PageV01P076 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0077.png) # واعلم أن الأنبياء، صلوات الله عليهم، إنما دعوا الخلق إلى التوحيد لا إلى ~~عرفان وجود الصانع كما ذكرناه. قال الله تعالى: ( فاعل أنه لا إلله إلا الله ) محمد؛ ~~19) ولم يقل: فاعلم أن لك إلها. وقال تعالى: ms020 (ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده ~~كفرتم) (غافر؛ 12) وقد عرفناك أن لأهل الأصول إلى إثبات الصانع طرقا ~~كالاستدلال بإمكان الممكنات على من حج، وغير ذلك، ولكن ما شهدت به الفطرة ~~أقرب إلى الخلق، وأسرع تأتيأ لأن الممكن الخارج والحادث الدال على المحدث ~~موقوفان على استعمال النظر الصحيح، وتلك داعية ضرورية من الباطن. قال الله ~~تعالى: (أمن يجيب المضطراذادعاه)؛ (أمن يبدؤا الخلق...) (النمل؛ ~~64)؛ (أمن جعل الأرض قرارا)) إلى غيرها من الآيات التي كلها ~~استفهامات تقرير، كأنه يقرر على عباده شيئا فطرهم على ذلك الشيء. ومثله قوله: ~~(ألست بربكم)ف72) وقوله: (أفى الله شك) اي. ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق العباد على معرفته فاجتالهم الشيطان عنها3). فالرسل ~~صلوات الله عليهم مبعوثون لتذكير وضع الفطرة وتطهيره عن تسويلات الشيطان ~~بالاستدلالات النظرية، والدلائل العقلية، وبها توجه التكاليف على العقلاء فاعلم PageV01P077 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0078.png) # إلهنا، كيف نطلبك وأنت قبل الطلب موجود، أم كيف نجدك وأنت بعد الطلب ~~مفقود? لست مفقودا بالعين ولكنك مفقود عن العين، ولست موجودا بالعقل، ~~ولكنك موجود للعقل. من مقته جهلك، ومن حجبته جحدك، لقد جهلوك ~~فجحدوك، ولو عرفوك لعبدوك. يا من وضع مفاتيح القلوب في خزائن الغيوب، ~~افتح قلوبنا بيديك، واصرفها عمن سواك إليك. يا مبدي النعم، ويا منتهى الهمم، يا ~~كريم يا جواد(3). PageV01P078 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0079.png) # اعلم أن الرؤية معنى له حقيقة في نفسه، ومحل يقوم به، ومتعلق يتعلق به. ~~فحقيقته أنه نوع إدراك، أو علم مخصوص، أو مزية علم 1811 وانكشاف على ما ~~اختلفوا فيه، ومحله ناظر العين، ومتعلقه في الشاهد اللون، والقدر، والجسم. أما ~~العين بعينها فليست بركن للرؤية لأن الرؤية معنى واحد فلا يقتضي إلا جزءا واحدا ~~حيا يقوم به، ووجود سائر الأجزاء حول ذلك الجزء كعدمها حتى إن ذلك المعنى، لو ~~خلق في قلوبنا أو وجوهنا مثلا، لقلنا رأينا وأبصرنا وصح ذلك منا. فهذا يدل على أن ~~العين بأطباقها وبنيتها آلة للرؤية لا لعينها، بل لكونها محلا حيا موصوفا بتلك الصفة؛ ~~وأما متعلقها فليس ms021 إلا موجودا أي موجود كان، لأن الرؤية تتعلق بالجسم والعرض ~~معا. فلو كانت رؤية لتعلقها بالجسم لما كان المتعلق بالعرض رؤية، وكذلك على ~~العكس. ومن جعل الجهة شرطا لمتعلقها [بطل] ذلك بالعلم، فقد ذكرنا أنها من ~~جنسه في عدم التأثير، على أن الجهة حكم إضافي لا حقيقة لها في نفسها، فدل أن ~~الرؤية صفة متعلقة تقتضي متعلقا موجودا أي موجود كان، من غير التفات إلى ~~تخصيص محلها أو تخصيص متعلقها. ثم لما جئنا به إلى حقيقة الرؤية وتأملنا، فما ~~وجدناها إلا مزية وضوح وانجلاء واستكشاف للعلم، فنسبتها إلى المعلوم كنسبتها ~~إلى المتخيل في الوضوح والانجلاء. وذلك أنا إذا تخيلنا صورة شخص حاضر حالة ~~تغميض الجفن ثم فتحنا العين، رأيناها مطابقة لما تخيلناه مع زيادة وضوح وانكشاف، ~~وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ايس الخبر كالمعاينة. والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، PageV01P079 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0080.png) ~~وذلك لأن الخبر عن صورة مثلا هو تصويرها تحولا في الخيال، ثم المعاينة لها ~~زيادة وضوح على ذلك، فكذلك ما كان من الأشياء التي تعلم بالعقل ولا تتخيل في ~~الخيال مثل المعاني كالعلم، والقدرة، والإرادة، والعشق، والهم، والفرح، وغيرها. ~~ومن جملتها ذات الله تعالى القديم، فإنها تعلم بالعلم ولا تتخيل بالخيال. فإذا علمنا ~~هذه الأشياء بعقولنا كان علمنا بها نوع إدراك، فلا يستحيل في العقل أن يكون لذلك ~~الإدراك2) مزية اتضاح وانكشاف بالرؤية. ولما كانت الرؤية إدراكا ينكشف بها ~~المتخيل أو المعلوم، فلا استحالة إذا في تعلقها بالقديم كما لا يستحيل في(9 تعلق ~~العلم به. والدليل على أن تعلقها بالقديم غير مستحيل أنها لا تؤثر في المتعلق به أثرا ~~البتة، ولا يتأثر بها المتعلق كالعلم بعينه، إذ لا يؤثر ولا يتأثر به المعلوم. وكذلك كل ~~صفة لا تؤثر في المتعلق به ولا توجب معنى فيه من حدث، أو تشبيه، أو نقص، أو ~~انقلاب جنس. وحقيقة جاز تعلق تلك الصفة منا بالقديم مثل العلم، والذكر، والرؤية ~~من جملتها، بخلاف القدرة، والإرادة. # وهذا كلام سديد لا غبار ms022 عليه، وقد اختاره مشايخنا الكبار مثل أبي إسحاق 1911 ~~الإسفراييني، وإمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمهما الله، وحاصله أن الرؤية نوع ~~إدراك محله غير محل العلم بحكم إجراء الله تعالى العادة. واختلفوا في الإدراك، فقال ~~بعضهم إنه من قبيل العلوم غير أنه لا يتعلق بالمعدوم، وقال آخرون هو جنس آخر لأنا ~~إذا علمنا شيئا بالخبر ثم أدركناه بالبصر، وجدنا في أنفسنا، بين المعلوم خبرا وبين ~~المرئي عيانا، فرقانا ظاهرا مع اتفاق المتعلق به، ثم فحصنا عن مرجع تلك التفرقة ~~فوجدناها(9 - بعد البحث الطويل - راجعة إلى مزية انكشاف ووضوح للعلم وانشراح ~~للصدر به. PageV01P080 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0081.png) ~~86 # واعلم أن لمشايخ الطريقة تحقيقا لهذا الكلام، فبسطته أنا وهو أن للعلم اليقيني ~~مرتبتين إحداهما علم اليقين، والأخرى عين اليقين. فعلم اليقين ما تقرر في القلب ~~بالشواهد العقلية، وعين اليقين انكشاف بالمعاينة، وذلك الانكشاف بمزية له على ~~الأول. قال الله تعالى: (لؤتعلمون علم اليقين ( لتروب الجحيم ثم لترونها ~~عين اليقين)) (التكاثر؛ 5 -7). فالرؤية الأولى علم، والثانية مزية انكشاف ~~للعلم. وعلم اليقين بالبصيرة في الدنيا، وعين اليقين بالبصر في العقبى. فيكون ~~ظهور نور عين اليقين على نور علم اليقين كطلوع الشمس على السراج الذي كان ~~يبصر به الأشياء ليلا. ولولا أغطية الحجب من النفس والهوى لرأت العين في الدنيا ~~ما يراه القلب، ولرأى القلب ما تراه العين، وإليه الإشارة في قوله تعالى: (ماكذب ~~الفؤاد ماراى )) يعني ما يراه البصر. وفي الحديث أن البي صلى الله عليه وسلم ال: ~~اليلة المعراج تحول بصري في فؤادي حتى أمكنته الرؤية، رواه محمد الترمذي ~~في كتاب نعت النبيلي صلى الله عليه وسلم وفي القيامة ترتفع الحجب كما قال تعالى: (فكشفنا ~~عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد)22) ولا عجب فإن الآخرة دار خرق العادات، PageV01P081 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0082.png) ~~فيها تتكلم الأيدي والأرجل، وتنطق الجلود، (قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء) ~~(فصلت؛ 21). فلا يستحيل أن يرفع الله هناك حجبا وأغطية عن العيون والقلوب ~~فترى العين ما ترى القلوب، وعند ذلك مرج البحران، بحر العلم، ms023 وبحر العيان. ~~والدليل على أن بين العين والقلب اتصالا في الرؤية هو أن القلب إذا كان مشغولا ~~بشيء، أو غشيته دهشة، لا ترى العين ما كان حاضرا بين يديه. قال الله تعالى: ~~(وترلهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون )1) وقال: (فأغشيناهم فهم ~~لا يبصرون) (يس؛ 9) إلى غير ذلك قال الشاعر: ~~يا ناظرا يرنو بعينه راقدومشاهدا للأمر غير مشاهد(1) # ولعل تلك الحجب هي التي يسميها أهل الأصول المنع في محل الإدراك، إذ ~~قالوا: خلق الله تعالى في محل إدراكنا منعا لولاه لرأيناه في الدنيا، فإذا رفع ذلك ~~في الآخرة أبصرناه2. وقد اختلفوا في ذلك المنع هل يصح أن يرى ا201 لوجوده ~~أم لا تصح رؤيته. وقد جاء في الأحاديث الواردة في الرؤية( يرفع الله الحجاب ~~فيراه أهل الجنة. والله سبحانه غير محتجب وإنما يرفع الحجاب إلى الرائي. ~~وعلى هذه القاعدة يحتمل أن الله تعالى يخلق في كل جزء من أجزاء الوجه إدراكا، ~~إذ قد صح أن البنية ليست بشرط، ونضارة الوجه في قوله (وجوة يومذ ناضر إلربها ~~ناظرة القيامة؛22، 23) إشارة إلى تلك الإدراكات. فقد يسمى الإدراك نور ~~البصر فيكون جميع الوجه مع العين ناظرة إلى ربها كما نطق به القرآن من غير ~~حاجة إلى التأويل، وتخصيص الوجه بالعين، وإنما يكون ذلك مبالغة في زيادة ~~لذة النظر إلى وجه الله الكريم. وقد ألم بعض الشعراء بهذا المعنى فقال: PageV01P082 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0083.png) ~~ياليت جسمي كله حدق حتى أراك وليته يكفي # والذين لا يرفع عنهم (2 الحجب بقوا في حجابهم أبد الآباد كما قال تعالى: ~~(كلا إنهم عن ربهم يو مبذ لحجوون))ف15) وقال: (ووجوه يوميذ باسرة تظن ~~أن يقعل بيافاقر (القيامة؛ 24 25). # وسمعت بعض المحققين من أصحاب القلوب [يقول](3) أن الله تعالى جعل ~~النور في قدر عدسة من عيون بني آدم، يسمى ذلك إنسان العين، وجعلها ألطف ~~أجزاء جسده، فكان يدرك بها الأشياء الحاضرة. وهو ينور يوم القيامة جميع أجزاء ~~وجه المؤمن بالغسل في عين الحياة، ويطهرها بالشراب الطهور كما ورد في الأخبار ~~والآيات". وإليه الإشارة في ms024 قوله تعالى: (يوم تبيض وجوه...) الآية (آل عمران؛ ~~106)، وقوله: (وجوه يومبذ ناعمة)) الغاشية؛8) وقوله: (وجوه يؤمبذ مسفرة ~~ضاحكة مستبشرة) عبس؛ 39،38). فيصير حينئذ وجه الإنسان كله كإنسان ~~عينيه من الصفاء والنور. وقد عبر عن ذلك بالنضارة فقال تعالى: (وجوه يومبذ ناضرة ~~إلى رتها ناظرة) القيامة؛ 22 23). فعلى هذا لا يبعد أن يصير الوجه كله ناظرا إلى ~~ربه، إذ لا كدورة ولا حجب في البين كما أخبرنا عنه. ومعنى المشاهدة هو رفع ~~الحجاب، قال بعض الشعراء: ~~لي حبيب كأنه نصب عيني حبه في ضمائري مكنون ~~إن تذكرته فكلي قلوب أو تأملته فكلي عيون PageV01P083 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0084.png) # ولذلك نفى الله تعالى الإدراك عنه بالأبصار فقال: (لا تدركه الابصار) ~~(الأنعام؛ 103) وأثبت النظر للوجوه فقال: (وجوة يو ميذناضرة)). وقد ~~يعبر عن جميع الذات بالوجه كقوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلل) (الرحمن؛ ~~27) أي ذاته. فعلى هذا الأصل ترى يومئذ الوجوه وجه الله بلا تشبيه ولا جهة ~~ومقابلة، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم ارزقني لذة النظر إلى وجهك الكريم 2. ~~فوجه الله تعالى مرئي، والوجوه الناظرة رائية كما ورد به ظاهر القرآن. والمعنى ما ~~حققناه من غير إيجاب تمثيل ولا احتياج إلى تأويل. هذا وجه ظاهر، غير أن ~~المثبتين للرؤية على أنه يرى بالعين خاصة، والله أعلم. # واعلم أن رؤية الله تعالى(3 عند أهل الحق ليست مثل رؤيتنا هذه الأجسام ~~والألوان المحسوسة بتقليب الحدق في صورها، 21 والإحاطة بجوانبها، ~~[والإقبال عليها] ثم الإدبار عنها، وتصور الشبح المرئي في الخيال، واتصال أشعة ~~من العين بذاته، وانفصالها عنه، أو في جهة أو مقابلة، فإنها كلها تشبيهات ~~وضلالات، تعالى الله وتقدس عن ذلك علوا كبيرا، بل طريقها في عدم التأثير ونفي ~~الجهة طريق العلم كما ذكرناه. واعلم أن أقوى ما يتمسك به في جواز الرؤية من ~~الكتاب قصة موسى عليه السلام، إذ قال لربه: (أرني أنظر إليك)؛ ~~143) فإنه صلوات الله عليه ممن اصطفاه الله برسالته وبكلامه، فمحال أن يعتقد ~~في الله شيئا يستحيل عليه ثم يسأله ms025 ذلك في مقام القرب، لأنه إذا سأل ربه3 ما ~~يستحيل عليه يكون جاهلا بربه وصفاته، والجاهل بالله منحط عن رتبة الرسالة PageV01P084 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0085.png) ~~والنبوة. ولما اصطفاه الله بالرسالة وكلمه كفاحا، دل على أن سؤاله إياه من ~~الممكنات، وإنما اشتبه عليه وقت السؤال، وجهل ذلك لا يخل بالنبوة لأن الغيب ~~عند الله. ثم في جواب الله له: (لن ترانى)ف3) تنبيه على جواز رؤيته، ~~لأنه قد خصص به ولم يقل لن أرى، أو لست بمرئي. ومثال ذلك من ستر في ~~كمه شيئا فقلت له: أعطني ذلك حتى آكله. فيقول: لن تأكله1. دل قوله على أنه ~~مأكول في نفسه، ولكن لا يأكله السائل لأنه لو كان غير مأكول لقال هذا لا يؤكل. ~~واعلم أن العامة أطلقوا القول بأن رؤية الله جائزة عقلا، واجبة شرعا، وظاهر هذه ~~الكلمة خطأ إذ لا تثبت لله صفة جابرة، وإنما الحق أن يقال: رؤية الله جائزة لنا ~~بالتقييد2. حتى يعود الجواز إلى الخلق لا إلى الخالق تعالى. # إلهي تلاشت الكائنات في بقائك، وعاشت الأرواح في بلقائك، وتعاشت ~~العيون دون أنوار تجليك في علائك، إلا أن تداركها بلطفك، فتكحلها بإثمد القدس ~~والطهارة، وتجلو وجوهها بماء النضارة، حتى ترى بك وجهك الكريم، وتلقى من ~~تلقاء لقاءك البر العميم. # إلهي قلوب المشتاقين بين جلالك وجمالك فانية باقية، فاجعل من نظرتك لها ~~واقية، يا كريم. [وبالله التوفيق](2. PageV01P085 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0086.png) # اعلم أن الله سبحانه خلقنا من الأرض [في الأرض،] وخلق فوقنا الهواء، ~~وخلق فوق الهواء السماوات السبع طبقا فوق طبق، وخلق فوق السماوات الكرسي، ~~وخلق فوق الكرسي العرش العظيم الذي هو أعظم المخلوقات. وما بلغنا في كتاب ~~ولا حديث صحيح أنه تعالى خلق فوق العرش شيئا، والذي جاء من ذكر ~~السرادقات، والشرفات، والأنوار فهو من جملة العرش وتوابعه. فقوله جل وعلا(2 ~~(الرحمن على العرش استوى)) اختلف [كذا] فيه آراء العلماء سلفا وخلفا، ~~وذكروا في معانيه ا221 كل رطب ويابس، وضلت المشبهة [في ذلك](3) حتى ~~أداهم إلى التجسيم. وأفضى الأمر بين الأمة إلى التكفير، ms026 والإضلال، والشتم، ~~والثلب، والضرب، والنهب، والقتل، والقتال، والألقاب الموحشة، والتهم الفاضحة، ~~ولله تعالى في ذلك سر. وإلا فالآية عما توهموه بمعزل، وذلك أن الله تعالى ما ذكر ~~الاستواء على العرش في جميع القرآن إلا بعد ذكر [خلق] السماوات والأرض، ~~وذلك في ستة مواضع: في سورة الأعراف(5) (إت ربكم الله الذى خلق السموات ~~والأنض فى ستة أياء ثم استوى عل العري ). وفي سورة يونس() (إن ربك الله الذى خلق PageV01P086 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0087.png) ~~السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر). وفي سورة طه (تنزيلا ~~ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى )). وفي سورة الفرقان(2 ~~( الذى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم أستوى على العرش). وفي سورة ~~السجدة(3) (الذى خلق السوت والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش ما ~~لكم من دونه من ولى ولا شفيع). الآية؛ وفي سورة الحديد (هو الذى خلق السموات ~~والأرض فى سية أيام ثم استوى على العرش يعله ما يلج فى الأرض)5). والمعنى في جميع ذلك، ~~ثم استوى الخلق على العرش، أي استتم فما خلق فوق العرش شيئا. فإذا عرفت ~~هذا فلك الاختيار في تفسير الاستواء، إن شئت فسرتها بالاستقرار كما يقال: استقر ~~الملك على فلان، واستقر الأمر على رأي القاضي، أي ثبت. وهو ما روي عن ابن ~~عباس أنه قال: استقر). وإن شئت فسرتها بالاستكمال والاستتمام كما قال تعالى: PageV01P087 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0088.png) ~~(ولما بلغ أشده واستوى) ) أي استتم شبابه. وقوله: (فاستغلظ ~~فأستوى على سوقه) (الفتح؛ 29) أي استتم الزرع وقوي. وأصل الاستواء في العربية ~~المساواة، قال الله تعالى: (هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون). وقد ~~جعل الله لكل شيء نهاية وكمالا، فإذا بلغ حد الكمال قيل استوى. ومنه استواء ~~الشمس، واستواء الميزان. فإذا تمكن الجالس على موضعه واستقر يقال استوى، ~~قال الله تعالى: (فإذا استويت أنت ومن معكعلى الفلك)2) وقال: ~~لتستوا على ظهوره)) وقال في ذكر السفينة: (وأستوت على الجودي) ~~(هود؛ 44) ولما أكمل الله خلق السماوات والأرض ms027 وأتمه قال: (فسولهن سبع ~~سملوات) لبقرة2) وقال في إتمام خلق آدم وتصويره: (فإذا سويته) ~~(الحجر؛ 29) وقال: (ونفس وما سوها) لشمس؛7). وعلى هذا الأصل ~~تفسير الاستواء في هذه الآيات بالمساواة) أحق وأصدق. وذلك مثل ما ~~يقال: استوى أمر فلان أي استتم واستكمل، وذلك أيضا في العجمية مشهور كما ~~يقال: كار فلان راست شد. ولما كان الفعل الماضي والمستقبل يدلان ~~على المصدر، جاز أن يخرج للمصدر المقدر فعل، ظاهرا كان أم كناية. فالظاهر ~~كقولك ساومت زيدا متاعه فاستوى على العشرة، أي استوى السوم والقيمة على ~~العشرة(3). 231 والكناية كقوله: (جعل لكر من أنقسكم أزواجا ومن الأنعكم أزوجا PageV01P088 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0089.png) ~~يذروكم فيه)ل) أي في الجعل، ومنه قول الشاعر: إذا نهي السفيه ~~جرى إليه1 . أي إلى السفه، فلما دل لفظ السفيه على السفه أعاد الكناية على(2) ~~ذلك. كذلك حكم هذه الآيات. ومثاله في الكلام قولك: بنى زيد بيته فاستوى على ~~السقف، أي استوى بناؤه على السقف، يعني استقر البناء على سقفه واستتم به. ~~[كذلك في الآيات معناه: خلق السماوات والأرض، واستقر الخلق على العرش، ~~واستتم به](3) وما خلق فوقه شيئا. # فإن قيل: فما قولك في سورة طه: (الرحمن على العرش استوى). وفي سورة ~~الفرقان: (ثم أستوى على العرش الرحمان ) الجواب أن الشبهة إنما وقعت فيهما ~~من جهة النظم، وإلا فالقصة في جميع الآيات واحدة، وللنظم طرق عجيبة في ~~القرآن. أما قوله في طه: (تذزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش ~~آستوى ). فإن الرحمن تفسير وإيضاح لقوله: ممن، أي هذا الخالق هو الرحمن، ~~ثم قال: (على العرش آستوى) أي استوى خلقه، وفاعل استوى هو المصدر الذي ~~يدل عليه لفظ خلق، ويسمى ذلك الضمير المستتر، فوقع استوى في آخر الآية ~~لأن مقاطع آيات هذه السورة على الألف المقصورة. وأما في الفرقان ففيه تقديم ~~وتأخير قال الله تعالى: (الذى خلق السموات والأرض وما بينهمافي ستة أيام ثم استوى على PageV01P089 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0090.png) # 95 ~~العرش) من تقديره من الذي خلق السماوات والأرض ? هو الرحمن، ~~ثم استوى على ms028 العرش. فالرحمن ابتداء خبره متقدم عليه، وذلك الخبر قوله: ~~(الذى خلق)، كما تقول الذي جاءك زيد. وقوله: (ثم أستوى على العرش) ~~اعتراض في الكلام، والمعنى كما قلنا: أي استوى خلقه على العرش، يعني استتم. # هذا، وكم [من]) ناظر في كلامي يبادر إلى ملامي ويقول: أبدعت للاية تفسيرا ~~مخالفا لجماهير السلف والخلف، وفي مخالفتهم خرق الإجماع. وأنا أعذره في ~~ذلك، فإن الفطام عن المعهود شديد، والزول عما تلقنه الفتى عن آبائه وشيوخه ~~صعب حقا كان أم باطلا. وأقول: إن الذي ذكرناه محتمل(3) صحيح واضح وإن ~~سماه بدعة، فكم بدعة مستحسنة. والمنكر لذلك أحد رجلين، إما مؤول أو غير ~~مؤول، فإن كان مئولا فليعلم أن أصح التأويلات في استوى أن يكون بمعنى علا ~~لقول العرب: استوى زيد على السطح، واستوى على السرير، ثم قد يستعار فيقال ~~استوى على المملكة، واستوى على البلد، ومنه البيت المشهور: # من غير سيف ودم مهراق(3 ~~قد استوى بشر على العراقمن غي # وهو من قصيدة أولها ~~قمر منير دائم الإشراق قامت عليه قيامة العشاق ~~(1) التكملة من (ش). PageV01P090 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0091.png) # أي علا أمره على العراق. وربما ينقلون معناه إلى لفظ الاستيلاء والأصل ~~واحد، إلا أن فيه إيهاما، لأن الاستيلاء إنما يقال للغاصب، فعلى هذا معنى قوله ~~استوى أي علا، وإذا علا أمره على العرش، ا24 وهو أعظم المخلوقات، كان ما ~~دون العرش أولى بأن علاه. وقد يفسر العرش بالملك، يقال ثلم عرشه إذا انتقض ~~ملكه قال بعض الشعراء: ~~رأوا عرشي تثلم جانباه فلما أن تثلم افردوني # أي رأوا ملكي. وعلى هذا التفسير يكون معنى الآية: الرحمن استعلى على ~~الملك، وهو على العرش، وعرشه أعظم الممالك، فكان الرحمن مستعليا على ~~الممالك كلها. # واعلم أنا إذا نظرنا فوقنا رأينا الهواء، وإذا تأملنا ما فوق الهواء رأينا بالقلب ~~سماء فوق سماء، ثم إذا ترقينا بأوهامنا من السماوات السبع رأينا الكرسي، وإذا ~~ترقينا من الكرسي رأينا العرش الذي هو منتهى المخلوقات التي بجملتها تدل على ~~الخالق جل جلاله، ثم إذا تدرجنا بالفكر من ms029 العرش الذي هو نهاية المخلوقات لم ~~نر للفكر مرقاة البتة، فيقف الفكر هناك لأن مظان الفكر تنتهي بانتهاء الأجسام، فنرى ~~إذ ذاك بقلوبنا وعقولنا الرحمن فوق العرش، لأن رتبة الخالق فوق رتبة المخلوق، ~~فيستيقن أن الصانع فوق العرش فوقية تباين فوقية العرش على الكرسي، لأن فوقية ~~العرش على الكرسي تكون بالجهة والمكان، وفوقية الرب على العرش بالرتبة ~~والمكانة، وذلك كما يقال الصانع فوق الصنع، وهو معنى قول السلف: إن الله فوق ~~عرشه". قال عبد الله بن رواحة(6): ~~شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا PageV01P091 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0092.png) ~~وأن العرش فوق الماء طافوفوق العرش رب العالمينا # وإن كان ذلك المنكر ممن يمنع التأويل أصلا، فليعتقد أن الرحمن استوى على ~~العرش استواء يليق بوصفه، وهو معنى قول السلف، أمروها كما جاءت بلا كيف، ~~وقول مالك بن أنس: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، ~~والسؤال عنه بدعة". فمعنى قوله "الاستواء معلوم( أي ظاهر اللفظ معلوم ~~منصوص عليه في الكتاب والسنة. والكيفية مجهولة" أي لا كيفية لذاته وصفاته ~~فيعلمها أحد، وهو معنى قوله: (ليس كمثله شية [وهو السميع البصير])) ~~(الشورى؛ 11). وقوله: الإيمان به واجب" لأن الاستواء من الكتاب المنزل الذي ~~يجب الإيمان بكله وبعضه. "والسؤال عنه بدعة يريد به من سأل عنه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله. # فهذه ثلاث طرق محققة، فليختر الناظر منها ما شاء يسلم من التشبيه، فإن ~~التشبيه غالب على العقائد. قال ابن عباس (لفعه في قوله تعالى: (ومايؤمن ~~أكثرهم بالله إلاوهم مشركون) (يوسف؛ 106) فهو أنهم شبهوا الله بخلقه ~~فأشركوا من حيث لا يعلمون. فالتوحيد المحض إفراد القديم عن أشباه الحدثان، ~~وتنزيهه عن المكان، وإمكان المكان على أنه لا يخلو منه مكان كما قال تعالى: (ما ~~يكوب من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) الية المجادلة؛7) وقال: (وهو معكم أين ما ~~كنتم) (الحديد؛ 4) وقال: (ونحن اقرب إليه من حبل الوريد)1). وعن كعب ~~الأحبار(4): كان داود عليه السلام يقول إلهي، إن ارتفعت فوق سبع سماوات فأنت PageV01P092 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0093.png) ~~ثمة، وإن نزلت أسفل ms030 أرضيك فأنت ثمة، وإن تحولت طائرا فجلت في الآفاق فأنت ~~ثمة، وإن ا25 تحولت دابة البحر فجلت أكوان البحار فأنت ثمة، فكيف يستطيع ~~الخطاؤون أن يستروا خطاياهم عنك وأنت معهم أينما كانوا، فأنت ظاهر باطن ~~سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت. في هذه المناجاة إشارة إلى أن من وجد بكل ~~مكان لا مكان له، لأن ذاته واحدة والأمكنة كثيرة، فلا يتصور كونه بكل مكان في ~~حال واحدة إلا بالعلم، ونظيره في العرف أن يقول التلميذ لأستاذه: انظر كيف ~~أعمل هذا. فيقول الأستاذ: أنا هناك أي بالعلم والنظر إليك. ~~المناجاة: # سبحان من خلق العرش من دره، ولم يزل في مقدوراته ذرة، فأنى تكون ~~مستقرة? حارت عقول أهل الأرض في قوله: (الرحمن على العرش استوى). ~~وطارت قلوب أهل السماء من قوله: (ما يكوب من نجوى )... وهو بالمنظر ~~الأعلى. يا حامل حاملي عرشك، أما تخشى المشبهة من بطشك? فوعزتك لو علم ~~عرشك بما اتهموه به لارتعد وهاب، واستنكف عن وجوده وذاب. يا أجل الأجلين، ~~ارحم أقل الأقلين. PageV01P093 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0094.png) # روى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم آ قيل له: ما المقام المحمود يا رسول الله? ~~فقال: "يوم ينزل الله على كرسيه فيئط كما يئط الرحل الجديد من تضايقه به، وهو ~~سعة ما بين السماء والأرض، ويجاء بكم حفاة، عراة، غرلا، فيكون أول ما يكسى ~~إبراهيم. يقول الله تعالى: اكسوا خليلي. فيؤتى بريطتين بيضاوين من رياط الجنة، ~~ثم أكسى على إثره، ثم أقوم على يمين الله مقاما يغبطه الأولون والآخرون1). هذا ~~حديث مسند في الصحاح، ولكن معناه مشكل تحير فيه المتأولون. ومضمونه على ~~الإجمال إخبار عن تكريم الله تعالى نبيه المصطفى بالمقام الأشرف، والمحل ~~الأسمى من تقريبه وإدنائه وإرضائه وإعلائه حين طويت السماوات كطي السجل ~~للكتاب، وسارت الجبال سير السحاب، ودكت الأرض دكا وتلاشت كالسراب، فلا ~~يبقى من هذه المكونات إلا العرش والكرسي، فينزل الله على كرسيه، أي يتجلى ~~للكرسي كما تجلى للجبل يوم سأله موسى الرؤية فجعله دكا. ومعنى ms031 نزوله وتجليه ~~انكشاف عظمته لمخلوق، أو استفاضة رحمته، أو ظهور نوره، فحينئذ يتضاءل ذلك ~~الشيء لعظمته، وهو معنى قوله: فيئط كما يئط الرحل الجديد من تضايقه به. ~~والأطيط صوت الرحل، وإنما يئط لنفاد طاقته عن تحمل إقبال الله عليه بعظمته كما ~~كان حال الجبل حين جعله دكا. قال النبي صلى الله عليهوسلم، ولكن الله إذا تجلى لشيء خشع ~~له"4) . يعني يتصاغر ويخشع ذلك الشيء من عظمته. وأما قوله 26/1 ثم أقوم على PageV01P094 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0095.png) ~~يمين الله، فالمعنى إذ ذاك قيامي على قدرة الله التي بها تقوم الأشياء، وتمسك بها ~~السماوات والأرض كما قال: (والسماوات مطويات بيمينه) (الزمر؛ 67) أي ~~بقوته وقدرته. فكنى عن القوة والقدرة باليمين لأن اليمين محل القوة. ومعناه أنه لما ~~كان يومئذ، لم تبق أرض فيقوم عليها النبي، ولا سماء فيقوم عليها، ولا متعلق من ~~الكون فيتعلق به، ق صلى الله عليه وسلم تعلقا بيمين الله التي هي قدرته كما قامت بها اليوم جميع ~~الكائنات، ولا يسار في مقابلة يمينه لأنها ليست بجارحة فتقابلها أخرى، بل كلتا ~~يديه يمين، والتثنية عبارة عن كمال القدرة. ~~مناجاة: # اللهم يا ذا العظمة والقدم، والرحمة والكرم، يا نازلا على كرسيه، بإنزال النزل ~~لجنيه وإنسيه، حتى يئط الكرسي من أثقال تلك الأنزال، كما يئط الرحل الجديد في ~~الرحال. ويا معطي رسوله مقام الشفاعة، لأهل الكبائر من الجماعة، ذلك المقام ~~المحمود، في اليوم المشهود. # إلهي، لقد أنقلت الأوزار ظهورنا، فخففها إما بعفوك الوسيع، وإما بشفاعة هذا ~~الشفيع، يا كبير يا متعال. PageV01P095 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0096.png) # اعلم أن الله سبحانه ملك مطاع، والملك من له الأمر والنهي، والدليل عليه أنه ~~لما كان تردد الخلق في صنوف الحوادث دليلا على كون الإله قادرا عالما، كذلك ~~كان ترددهم في صنوف الأوامر والنواهي دليلا على كونه آمرا ناهيا، والآمر الناهي ~~هو المتكلم قطعا. وأيضا لما دلت أفعاله من حيث الإحكام والإتقان على أنه عالم، ~~استحال أن يعلم شيئا ولا يخبر عنه، لأن الخبر والعلم يتلازمان لا يتصور أحدهما ~~دون الثاني، ms032 والمخبر هو المتكلم، والمتكلم من له قول وتعريف. وأيضا ضد الكلام ~~الخرس، والخرس ضد القول والتعريف، وذلك نقص وآفة، والقديم متعال عن ~~النقائص والآفات. # اعلم أن كلام الله تعالى لا كثرة فيه إذ هو معنى قائم بالذات، فلو كان كثيرا لم ~~يخل من أحد أمرين: إما كونه متعددا إلى ما لانهاية له، وإما كونه(6) متناهيا ~~وكلاهما محال. إذ لو كان غير متناه لما حصره الوجود في العدد، ولو كان متناهيا ~~بعدد مخصوص استدعى مخصصا، والقديم لا يتخصص. PageV01P096 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0097.png) # سؤال: فإن قيل: الكلام أمر ونهي وخبر واستخبار، فكيف يكون واحدا وهذه ~~أقسام مختلفة ? الجواب: الأصل في الجميع الخبر وهو واحد، ولكن له أوصاف هي ~~عبارات مختلفة، فالكلام الواحد المتعلق بالمأمور يسمى أمرا، والمتعلق بالمنهي ~~يسمى نهيا. وحقيقة ذلك أن العاقل يجد في نفسه خبرا عن معلوم له، فإن تعلق ~~ذلك الخبر بالذي ا27 وجب فعله يسمى أمرا، وإن تعلق بالذي يحرم فعله يسمى ~~نهيا، وإن تعلق بالذي فيه اقتضاء وطلب سمي استفهاما واستخبارا، فهو إذا باختلاف ~~متعلقاته متعدد، وحقيقة الجميع هو الخبر عن المعلوم، وذلك شيء واحد. مثاله أن ~~الله تعالى كان قبل خلق آدم عليه السلام عبر عن معلومه بخلافته في ثاني الحال ~~فقال: (إني جاعل فى الأرض خليفة) 3) وكذلك عبر عن معلومه إرسال ~~نوح فقال: (إنا أزسلنا نوحا إلى قومه) ح؛1) ثم بعد انقراض آدم ونوح عليهما ~~السلام كان تعبيره عن خلافة آدم ورسالة نوح فيما مضى بقوله:( إن الله اصطفى ~~ادم ونوحا) ل عمران؛ 33) وإذا عبر عن حال موسى عليه السلام قبل وجوده ~~وحضوره بالوادي المقدس كان على صيغة الأمر وهو ( فاخلع نعليك إنك بالواد ~~المقدس طوى) 2). فالاختلافات راجعات إلى التعبيرات التي هي على ~~وفق المعلوم لا إلى عين الكلام، حتى أنا لو قدرنا لأنفسنا نطقا مطابقا لإدراكات ~~العقل غالبا على الدهر والزمان، بحيث يكون ماضي الزمان وحاضره ومستقبله ~~بالنسبة إليه واحدا، لم نشك أن الاختلاف لا يرجع إلى كثرة معان حدث في ذلك ~~الخبر، بل يكون ms033 راجعا إلى ما يختلف بالأزمنة، ولهذا قال الله تعالى فيما سيكون ~~في القيامة: (وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس...) (لمائدة، 116)، ~~والقيامة لم توجد بعد، ولكن لما كان القول الأزلي متعاليا عن الزمان كان ما PageV01P097 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0098.png) # 103 ~~سيوجد كأن قد [وجد]، وكانت نسبة الخطاب إليه في هذا اليوم كنسبته إليه في ~~ذلك اليوم. ومن أمكنه أن يرفع الزمان من خاطره هان عليه إدراك المعاني العقلية، ~~فإن أكثر التخاليط والمغاليط إنما تقع من توهم الزمان. والمثال الحسي لهذا المعنى ~~شعاع ينفذ من كوة فيقع على طرف رحى دائرة فإنه يكون في نفسه شيئا واحدا، ~~ولكنه بالنسبة إلى مرور أطراف الرحى عليها مختلف إذ يلاقيه بعضها، وانقضى عنه ~~بعضها، وبعضها لم يلاقه بعد، فالشعاع بالنسبة إلى ما يلاقيه من طرف الرحى كان ~~حاضرا، وبالنسبة إلى ما انقضى عنه ماضيا، وبالنسبة إلى ما لم يلاقه بعد مستقبلا، ~~وهو في نفسه ممتد على حالة واحدا. # اعلم أن اختلاف تصوير الأرواح والمعاني في صورة الأشخاص من هذا القبيل، ~~قال الله تعالى: (فأرسلنا إليهار وحنافتمثل لها بشراسويا)) مريم1). كان ~~جبريل لم تتبدل حقيقته بالبشرية حتى صار بشرا محضا، ولا كان بشرا وملكا معا ~~في حالة واحدة، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم حين أشار إليه: هذا جبريل جاءكم ~~ليعلمكم الدين. وكان إذ ذاك في صورة دحية الكلبي(، بل تبدلت صورته في أعين ~~الناظرين ولم تتبدل(3) حقيقته التي هو عليها. فكذلك الكلام الأزلي والأمر الأحدي ~~يتمثل باللسان العربي تارة، وباللسان العبري مرة، 281 وباللغة السريانية أخرى، PageV01P098 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0099.png) ~~وهو في ذاته أمر واحد أزلي. فالكافر المشرك يسمع كلام الله، والكليم ~~صلوات الله عليه يسمع كلام الله، وبين سماعهما بعد المشرقين، إذ لو كان سماعهما ~~واحدا لبطل اصطفاء موسى عليه السلام، وقد قال الله تعالى [له]3): إن ~~اصطفيتك على الناس برسالات وبكلمى) 14. فمثال سماع كلامه بالحرف ~~كمثال جبريل في صورة دحية، ومثال سماع جبريل من رب العزة، وسماع ~~المصطفى ليلة المعراج، وسماع ms034 موسى بالطور كمثل رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بريل على ~~صورته الخاصة في الأفق الأعلى، فتأمل هذا الكلام فإنك لا تجده في كتاب. # اعلم أن حقيقة الكلام معنى قائم بالنفس، فإن كل عاقل إذا راجع نفسه وجد من ~~نفسه حديثا وقولا يجول في قلبه، وتارة إخبارا عن أمور قد رآها وسمعها، وتارة ~~حديثا مع نفسه بأمر ونهي ووعد ووعيد لأشخاص على تقدير وجودهم، ثم يعبر ~~عن تلك الأحاديث وقت المشاهدة. ومن أنكر ذلك فقد جحد الضرورة. ولا يقال ~~إن ذلك علم وإرادة، فإن العلم تابع للمعلوم على ما هو به ليس فيه اقتضاء وطلب، ~~ولا استفهام ونداء. والإرادة قصد إلى تخصيص الفعل، وإنما الكلام اقتضاءات ~~وتدبيرات من حديث النفس، ولا تكون النفس عنها خالية قط، حتى إنه في النوم ~~يتكلم ويسمع. وإن الكاتب البليغ قد يأخذ طومارا، وتملي عليه نفسه من أحاديثها، ~~فيكتب حتى يملأه وهو ساكت. قال الحطيئة: ~~لا يعجبك من أمير خطبة حتى يكون مع الكلام أصيلا ~~إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا PageV01P099 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0100.png) # ثم هذه القضيات النفسية قد يعبر عنها تارة بالعبارات النطقية المصطلحة بين ~~الأمم، المركبة من الحروف، وتارة بالنقرات والرسوم والإشارات. قال بعض ~~الشعراء: ~~كلمته بجفون غير ناطقة فكان من رده ما قال حاجبه(2) ~~تراه كيف عبر عن الكلام الذي جرى بينهما بالإيماء والإشارة. # ونحن لما عجزنا عن إفهام الدواب والطيور مقاصدنا فيها من التقدم، والتأخر، ~~والإسراع، والإبطاء، والتصويب، والتصعيد، والإيراد، والإصدار، ألسنا قد وضعنا PageV01P100 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0101.png) ~~لها رموزا تقرب من أصواتها وطباعها من الزجر، والنقر، والصفير بالشفة فتفهم هي ~~مرادنا بذلك منها ? وقال بعض الشعراء في معنى تكلم الذئب: ~~تهتم علينا بأن الذئب كلمكم وقد لعمري أبوكم كلم الذئبا # ذا السنيدي لا أصل ولا طرف يكلم الفيل تصعيدا وتصويبا( # اعلم أن الصفة الأزلية المعبر عنها بالكلام عالية رفيعة قاهرة بالسلطان، منيعة ~~نافذة الأمر، جائزة الحكم، لها كبرياء القدم، وعظم الجبروت، تصخ آذان القديسين ~~دون منالها، وتطاير عقول ا]29 ms035 الكروبيين عند سماعها، فلا مطمع لمخلوق من ~~حيث هو أن يأهل لاستماعه، ولكن الله من سعة رحمته، وفرط كرمه، اصطفى من ~~الملائكة رسلا ومن الناس، وآتاهم قوة سماع كلامه بما شاء كيف شاء، نعمة مضافة ~~منه إلى سائر نعمه. # فإن قيل: هل يتصور أن يسمع كلام بغير حرف وصوت? الجواب: بلى يتصور، ~~والدليل عليه أن المسموع كلام، والكلام على ما بيناه قد يكون عبارة لفظية على ~~التوسع، وقد يكون اقتضاء في النفس(3)، وكلاهما مسموعان. فالعبارة اللفظية ظاهرة لا ~~شبهة فيها. والاقتضاء النفسي، فنحن إذا أثبتنا في النفس كلاما بلا حرف وصوت، ~~كذلك نثبت في النفس سماعا بلا حرف وصوت، ثم ذلك السماع قد يكون بواسطة ~~وحجاب، وقد يكون من غير واسطة وحجاب، قال الله تعالى: (* وما كان لبشر أن PageV01P101 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0102.png) ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآبى جاب أو يرسل رسولا) ورى؛ 51). فالوحي بلا ~~واسطة وحجاب كما قال [تعالى]1): (فأوحى إى عبده ما أوحد)1 ~~وقال: (وكلمه ربه) لعراف1. وما يكون بواسطة وحجاب فهو مثل ما ~~يسمع في المنام، أو يسمع من هاتف لا يدرى شخصه، ملكا كان، أو جنيا، أو ~~خضرا صلوات الله عليه. وقوله: أو يرسل رسولا". فهو ما سمعه من جبريل ~~مشافهة، أو من ملك من الملائكة أرسل إليه يشاهده. فالوحي من الله بلا واسطة ~~هو سماع نفس الكلام بلا واسطة، حرف وصوت كما بيناه. والسماع من وراء ~~الحجاب يكون في تقدير الحروف كما يقرأ أحدنا القرآن في قلبه، فإن له قراءة ~~وسماعا على تقدير الحروف والصوت، ولا حرف ولا صوت هناك. والسماع من ~~رسول من الملائكة يكون بحرف وصوت يليق بهم أرق وألطف من أصواتنا. وفي ~~الجملة أن العبارة الدالة على الكلام إنما تقع في السمع، فتصل بعد الاستماع إلى ~~القلب، فوصولها إلى القلب يكون بهذه الوسائط. فلو قدرنا رفع الوسائط من البين ~~حتى يدرك السمع ما في نفس المتكلم من كلامه لكان يتحقق كلام من جانب ~~المتكلم وسماع من جانب المستمع، ولا حرف ولا صوت ms036 في البين، وهذا شيء ~~متصور في العقل، فيحمل سماع موسى وجبريل ومحمد عليهم السلام من الرب ~~[تعالى]() على ذلك، وكيف وقد قرن الله تعالى بين الكلام والرسالة فقال: ~~(برسالاتى وبكلامى) عراف 1). فالرسالة بواسطة الرسل، والكلام من غير ~~الواسطة. أما في حقنا فكلام الله مسموع بأسماعنا [محفوظ في صدورنا، فإنا قد ~~سمعناه[(8) بأسماعنا من الأستاذين، ووعيناه في قلوبنا بالحفظ والتكرار. PageV01P102 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0103.png) # فإن قيل: فبين لنا كيف سمع موسى كلام الله من غير حرف وصوت. الجواب ~~عنه أن السؤال عن كيفية سماع كلام الله لغو لامتناع طريق جوابه، ويتنزل ذلك منزلة ~~قول الأصم الأصلخ إذا قال لنا: 3011 أنتم اليوم كيف تسمعون كلام الله? أليس ~~طريق جوابه مسدودا علينا لأنه لم يعط حاسة السمع في أصل خلقته? فكيف نعرفه ~~ذلك? وبأي شيء نمثله ولا مثال عنده للمسموعات حتى نقيس عليه ذلك؟ إذ لو ~~كان له سمع شيء ما لقلنا كما تسمع أنت أخبار الرسول، وخطب الخطباء، وشعر ~~الشعراء. فلما لم يخلق له سمع البتة، انسد طريق التعريف عليه. وغايتنا أنا نقول ~~بالإشارة المصطلحة بين الأطارشة الصم أنا نسمع كلام الله كما تبصر أنت الألوان ~~ببصرك، وشتان ما بين المسموع والمرئي. فإذا قد انسد باب كيفية سماع موسى ~~كلام الله بلا حرف وصوت على الخلق، إذا نحن من عدم الإدراك الذي يسمع به ~~الكلام المعرى عن الحروف والأصوات بمنزلة الأصم الأصلخ في عدم إدراك ~~السمع الذي يدرك به الكلام المؤلف من الحرف والصوت، وأن ذلك الإدراك ~~اختصاص لموسى، ومحمد، وجبريل عليهم السلام، وهو المعبر عنه بالاصطفاء في ~~قوله تعالى: ( الله يصطفى مب الملبكة رسلا ومب الناس) 7) ومنه ~~سمي محمد المصطفى عليه السلام. فمن حرم ذلك الاصطفاء لا مطمع له في ~~سماع الكلام المعرى عن الحرف والصوت البتة. نعم، غاية وكدنا2 أن نصحح ~~جوازه في العقل، وقد بينا أن حقيقة الكلام اقتضاء وطلب في النفس فيعبر عن ذلك ~~إما بعبارات مصطلحة، وإما بإشارات موضوعة. فلعل الله تعالى أبدع لموسى ~~وجبريل عليهما السلام طريقا إلى ms037 استماع الكلام المجرد عن الحرف والصوت ~~كرامة لهما، فإن قدرة الله واسعة لا تقصر عن ممكن قط، ولكن عقولنا وأفهامنا ~~وأوهامنا لا تبلغ إلى كيفية ذلك البتة، فإنه تعالى يخلق ما لا تعلمون. وهذا جائز في ~~العقل قياسا على ما أعطاه الله إيانا من التعبير بالحروف والأصوات والإشارات PageV01P103 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0104.png) ~~وغيرها. وما أشبه هذا السؤال بسؤال المفحم الذي لا ذوق له حين سأل صاحب ~~الذوق عن كيفية معرفته باستقامة وزن الشعر وانزحافه، أليس طريق جوابه يكون ~~مسدودا؟ إذ ليس عنده من جنس الذوق شيء حتى يمثل ذلك به فيفهم منه، ودع ~~العروض فإنها كالقالب المحفور يرسم به ولا يدرى ما هو. # اعلم أن الأصوات مثل طاقات الإبريسم، والحروف لها بمنزلة الأصباغ ~~المختلفة في الألوان، وتركيبها كلمات كالاسم والحرف والفعل بمنزلة السدى ~~واللحمة والرباطات، وتركيبها(3) كلاما مفهوما مثال النسيج من ذلك، وكونها عربية ~~وعبرية وسريانية مثال المقراضي، والبغدادي، والبقليسي، فإن لكل نسيج منها ~~خصائص، والمعاني المفهومة من جملتها، أعني من جملة الكلمات، مثال الكتابات ~~المرقومة، وتماثيل الحيوانات المنقوشة عليها من الخيول، والفيول، والطيور، ~~والأشجار وغيرها، فإنها ترى بالعين، وتفهم بالقلب. كذلك الكلام يسمع بالآذان ~~من الكلمات، وتفهم معانيها بالقلب، فاستوى المثالان. وكما أن أداة الناسج بتلك ~~التماثيل ا31 والكتابات بواسطة هذه الأشياء ليست بإبريسم، ولا صبغ، ولا ~~نسيج، ولا مقراضي، ولا بغدادي كذلك كلام الله ليس بصوت، ولا حرف، ~~ولا نظم، ولا عربية، وعبرية(3). وكما أن هذه آلات متوسطة إلى درك تلك الكتابات ~~والتماثآيل، كذلك الصوت والحرف بالعربية والعبرية آلات يتوسل بها إلى كلام ~~الله. ولما كان ذلك مورده العين سمي رؤية، ومورد الكلام السمع سمي سماعا، PageV01P104 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0105.png) ~~قال الله تعالى: (إنا جعلناه قرء نا عربيا)رف 3) وقال: (ولو جعلنه قرءانا أعجميا ~~لقالوا...) الآية (فصلت؛ 44). # قالت الحنابلة : إن الأمة قد اجتمعت سلفا وخلفا على أن لله قولا وأمرا وكلاما، ~~وأن أمره غير خلقه، بل هو قديم أزلي كما قال: (ألا له الخلق والامر) رالأعراف؛ ~~54) ولا شك أن إضافة الأمر إليه بخلاف ms038 إضافة الخلق إليه، لأن(1) إضافة الخلق ~~إليه إبداع فقط، وإضافة القول والأمر إليه إضافة اتباع واختصاص به، والكائنات ~~كلها تكونت بقوله وأمره كما قال: (إنماقولنا لشتء)؛ وإنما أمرنا لشيء. ~~فالآيتان دلتا على أن جميع الحادثات تكونت بقوله وأمره وهو كن: الكاف والنون، ~~وكن كلمة، والكلمة كلام. ثم أجمعت السلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ~~من غير بحث منهم بأنه القراءة أو المقروء، والكتابة أو المكتوب. كما أجمعوا أنهم ~~إذا زاروا قبر البي صلى الله عليه وسلم صلوا عليه وسلموا تسليما، أن المزور والمصلى والمسلم ~~عليه هو النبي صلى الله عليه وسلم، من غير بحث أنه شخصه أم روحه. ثم قالوا في تحقيق هذا ~~الكلام أن الله تعالى وحد الأمر فقال: (وما أمرنا إلا واحدة [لم]...) القمر؛ ~~50) وكثر الكلمات فقال: (مانفدت كلمات الله)2) فكان أمره وكلماته ~~قديمة أزلية. والأمر يفهم من الكلمات، والكلمات مركبة من الحروف، فالحروف ~~أيضا قديمة قدسية. فالكون كله قائم بكلمات الله، محفوظ بأمر الله، فتكون كلماته ~~وحروفه قديمة، بخلاف كلماتنا وحروفنا، كما أن ذاته لا تشبه ذواتنا، وصفاته لا ~~تشبه صفاتنا. ألا ترى أنه لما سئل موسى عليه السلام عن سماعه كلام الله قال: PageV01P105 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0106.png) # 111 ~~ااسمع كجر السلسلة على الصخر". وقال مرة: كصوت الشبور. وهو قرن ينفخ فيه ~~فيخرج منه صوت ممتد. وكان نبي صلى الله عليه وسلم قول: وإنه أحيانا يأتينا كصلصلة الجرس ~~وهو أشد، فيفصم عني وقد وعيت. وهذه كلها إشارة إلى امتداد لا انقطاع له، ~~بخلاف حروفنا وكلماتنا فإنها متقطعات ولها مبادئ ومقاطع. # وجواب هذا الكلام [المضطرب](2) أن يقال: الأمر خلاف الخلق، وهو عبارة ~~عن كلام الحق الأزلي المنزه عن الحروف والصوت، والكلمة والكلمات عبارة ~~عنه، وإنما جمعت على طريق المبالغة كما قال امرئ القيس: # يزل الغلام الخف عن صهواته ~~وللفرس صهوة واحدة ولكنه جمعها مبالغة. ونفي نفاد الكلمات إشارة إلى ~~القدم، وكونها مركبة من الحروف صحيحة، ولكن التركيب راجع إلى العبارة التي ~~هي مخلوقة لا إلى المعبر عنه من الصفة ms039 3211 القديمة. [وقوله كن عبارة] عن ~~سرعة تعلق القدرة القديمة بالمقدور المعلوم على حسب الإرادة الأزلية في إيقاعه ~~في الحال من غير استمهال كما ذكرناه في هذا الكتاب. واعلم أن عامة الحنابلة ~~اليوم على أن الله [تعالى]5) متكلم بحروف وأصوات قديمة قائمة بذاته، وهي أيضا PageV01P106 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0107.png) ~~تقوم بذات كل قارئ من جبريل، والنبي صلى الله عليه وسلم ، وغيرهما من القراء. حتى قالوا إن ~~الواحد منا إذا سمع القارئ آية فهو مثل سماع موسى عليه السلام الكلام من الله ~~تعالى، وسماع محمد صلى الله عليه وسلم ول المعراج بلا فرق. وقالوا: وكل شيء وجد فيه القرآن ~~مكتوبا من رق، وكاغد، وخشب، وجص فهو قديم، وكذلك كل ما يكتب به القرآن ~~من حبر ومداد ينقلب قديما، وإن كتب به كلام مخلوق بقي على حدوثه. وهذا كله ~~تعنت صراح، وكلام من لا يعرف القديم من المحدث، كأنهم طلبوا بذلك تعظيم ~~القدم، فزلت بهم القدم إذ عزلوا حاكم العقل وهو حجة لله على خلقه. قال الله ~~تعالى: (إن فى ذلك لاية لقوم يعقلون)لل7). وكان قصاراهم التشنيع علينا ~~بأنكم تقولون: إن القرآن ليس في المصاحف، وإنما فيها رقوم سود من حروف ~~ونقط، وقد قال الله تعالى: (إنه لقران كريم في كناب مكنون)واقعة،، ~~78) وأجمعت السلف على أن ما بين الدفتين كلام الله. فإن قلنا لهم: القرآن ~~مكتوب في الصحف حقا على معنى أن ذكره فيه، كما يقال القدية والباغ في الصك، ~~ضجوا وقالوا إنكم ادعيتم قرآنين أحدهما في ذات الله والثاني في المصحف. فإن ~~قلنا إنهما ليسا بقرآنين في الحقيقة، فإن القرآن واحد، وهو الصفة القديمة القائمة ~~بذاته تعالى، وإنما سمي ما في المصحف قرآنا على طريقة اللغة العربية، فإن القرآن ~~عربي، والعرب أطلقت لفظ القرآن على المقروء والقرآن جميعا. قال بعض ~~الشعراء: ~~ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا PageV01P107 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0108.png) # وقال الله تعالى: (وقرءان الفجر إن قرءان الفجر كان مشهودا)) الإسراء؛ 78 ~~يعني قراءة صلاة الفجر. فعند ذلك لغوا ولغطوا ولجوا ms040 مواجهين بالفحش والخنا، ~~(فذرهم في غمرتهم حتى حين)) المؤمنون؛، فلا علاج للداء الدفين. # واعلم أن جماعة من متحذلقي الحنابلة ادعت أن لله تعالى سبعة وعشرين حرفا ~~قديمة هي بمنزلة الصفات، وهي قدسية أزلية تركب منها كلمات عند الخطاب، ثم ~~ذكر بعض مشايخ بغداد قولا ونسبه إلى جعفر بن محمد الصادق ضما وهو: أن ~~الحروف كانت في الأصل أحدية نورية لا صورة لها في العقول، ولا للعلم ~~والمعرفة إلى كيفيتها سبيل. فأما بعد بروزها من الغيب فصحت معرفتها، وذلك أن ~~كل موجود ومعقول ومحسوس كانت الحروف التسعة والعشرون دلت عليه وبانت ~~عنه، وأصل الحروف كلها [هو]( الألف، ومنها بدأ سائرها، وهي إشارة إلى ~~التوحيد المحض، لا صورة لها في الحس، بل هي موهومة في الأصل، فلما برز من ~~الموهوم إلى المعقول جعل له مثال في الرسم، فخط خط مستقيم منفرد له حدود ~~ثلاثة: النقطة، والمدة، والرفع، ا33 فأعطاك الثلاثة معنى الواحد وهذه صورتها آ، ~~فبان لك صورة واحدة قائمة بنفسها، دالة على نفسها فقط، لا تتصل بشيء ~~ويتصل بها كل شيء. ثم إذا أرادوا أن يخرج الألف المعقول إلى المحسوس ليعرف ~~ذلك المعقول القائم بالنفس ألفوها أحرفا ثلاثة وهي هجاء الألف: ألف، لام، فا، ~~وصورتها الألف، فأعطاك هذه [كذا] الثلاثة معنى الواحد في المنزلة الثانية وهي ~~المعروفة المحسوسة، فقد عرفت الواحد بالثلاثة وكانت واحدة في الأصل ثلاثية ~~في الفرع، والواحدة هي الثلاثية إلا أنها فيما هي واحدة وفيما أتت ثلاثة، وهكذا ~~حكم جميع المعاني البارزة من الغيب إلى عالمنا هذا. فالحروف المستخرجة عن ~~الألف كلها هكذا، هي عند الله أحدية سرمدية، وفيما عندنا في هذا العالم متعددة ~~ذوات نهايات وبدايات. وفي() هذا المقام غلطت العقول فظن بعضهم أنها حادثة، PageV01P108 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0109.png) ~~وادعى آخرون أنها قديمة، وإلا فكيف ينقلب القديم حادثا والحادث قديما ولكن ~~(ما عندكم ينفد وما عند الله باق) قالوا: وتشبيه الكليم صلوات الله عليه ~~سماعه بصوت الشبور، وبجر السلسلة إشارة إلى بروز ذلك الموهوم إلى المسموع ~~في سمع موسى ms041 عليه السلام. # هذا غاية كلام القوم في هذه المسألة. ولم أر أحدا أنهاها إلى هذا الحد وهو ~~كما ترى. وإني لأظن أن هذا الكلام من وضع بعض المتقدمين، وإنما نسبوه إلى ~~جعفر بن محمد الصادق ترويجا له عند القوم، فاغتر به بعض الحنابلة وظنه [حقا ~~وهو] دعوى مجردة عن البرهان لم يدل عليها العقل، ولا جاء به كتاب ولا سنة، ~~وإنما الحروف المعهودة التي كنا تكلمنا على حدوثها أجراس خلقها الله تعالى في ~~حلق الإنسان وفمه وشفته. # ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان() أن الهند زعمت أن كثرة مخارج حروف بني ~~آدم لكثرة كلامهم، وكثرة كلامهم لكثرة حاجاتهم وخواطرهم، ولما قلت وجوه ~~حاجت سائر الحيوانات قلت مخارج أصواتهم أو كانت أصواتها فيما بينها كلاما. ~~ثم إن حقيقة الحرف هيئة الصوت، والصوت اصطكاك أجرام في هواء الجوف، ~~وهو نفس مستطيل يخرج من الصدر فيعرض له مقاطع في الحلق والفم والشفة، ~~فيتقطع فيها فيسمى ذلك الصوت المنقطع حرفا، والمقطع مخرجا. هكذا ذكره PageV01P109 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0110.png) # 115 ~~أبو الفتح ابن جني في أول كتابه [الموسوم] بسر الصناعة في [علم] ~~التصريف3). فإذا كانت الحروف كما ذكرنا متنشأة من هيئات الحلق والفم والشفة، ~~كانت لا محالة مختصة بخلقة الآدمي ومن خصائصه، فهي تستدعي الجسمية، ~~والله سبحانه وتعالى يتقدس عن التجسيم والتركيب المختص بالإنسان. ثم جعلت ~~الأمم لهذه الحروف أشكالا ورقوما مختلفة يعرفونها بها، وهي مذكورة في المسانيد ~~القديمة في خطوط العبرانيين، وأهل يونان، والروم، والهند، والترك، والفرس ~~وغيرهم. وكان الخط العربي أحسنها ا34 وأعجبها، وقد نسب إلى إسماعيل عليه ~~السلام، وبعضهم نسبه إلى يعرب بن قحطان. هذه هي الحروف عندنا، فما أدري ما ~~يريد الحنابلة بالحروف القديمة التي انزلوها منزلة صفات الله تعالى، فإن أثبتوا لله ~~تعالى مخارج مركبة مثل مخارج الآدمي فقد أبطلوا قدمه وقدم حروفه، وإن لم ~~يثبتوا له مخارج فالذي ظنوه حروفا وهم وخيال. # واعلم أن الأئمة الكبار من علماء السلف وشيوخهم مثل أحمد بن حنبل، ~~وسفيان الثوري، وسائر أصحاب الحديث قدس الله أرواحهم، ms042 كانوا أكبر عقلا، ~~وأغزر علما من أن يخفى عليهم هذا المعنى، ولكنهم إنما زجروا أصحابهم عن ~~الخوض فيه وعن تعاطي علم الكلام لغموضه ودقته، ولصعوبة استخلاص الحق PageV01P110 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0111.png) ~~المحض من بين فرث التشبيه ودم التعطيل. فإن عامة الناس لا يفطنون للفرق بين ~~المقروء والقراءة، فخافوا أن تتزلزل عليهم عقيدتهم فأمروهم بمحافظة الظاهر ~~والإيمان به قطعا من غير بحث عن المعنى، إذ قد صح إيمان المؤمنين بتزكية الله ~~في قوله: (ءامن الرسول بما أنزل إليه من رببه [والمؤمنون كلءامن بالله (ومكيكنه) ~~وكينبه ء ورسله]2...} الآية (البقرة؛ 285) ورأوا ما وراء ذلك في حقهم بدعة فقالوا ~~لهم: أمروها كما جاءت بلا كيف". وقولوا: "آمنا به وصدقنا. وهذا لعمري ~~مصلحة عظيمة للعوام وأصحاب الحرف المشتغلين بصناعاتهم (هل يستوى الذين ~~يعلؤن والذين لا يعلمون إنما يتد كر ألوا الألببه )) الزمر،) وهم الراسخون في العلم ~~الذين يعلمون تأويله. انتهى الكلام في مسألة الكلام. # سبحان من جعل ابن عمران نبيا، وقربه نجيا، وكلمه بالطور، وراء سرادقات ~~النور، كلاما صمت الأصوات عنه، وانحرفت الحروف منه، وأنا يبلغان كبرياء ~~القديم3 إحداهما أو كلاهما، إذ هو الأزلي وهما هما. فيا لها من صفة جلت ~~وتجلت في جلباب تعاليها، فتدكدك الجبل من نور تجليها، وخر موسى صعقا(4 من ~~حلاوة معانيه5؛ لا الحرف حريفها، ولا الصوت أليفها. # إلهي قرط أسماعنا بحلى كلامك، ولذذ قلوبنا بحلاوة معانيه، وعطر أفواهنا ~~بطيب مجاريه، واستعمل جوارحنا بامتثال أوامره ونواهيه، واجعله لنا في القيامة ~~شافعا نافعا يا سميع يا مجيب. PageV01P111 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0112.png) # وفيه فصلان: الأول في حكاية المذاهب [فيه]، والثاني: في كشف الغطاء عن ~~وجه الكسب. # اعلم أن مسألة الكسب من أدق مسائل الأصول وأغمضها، وألباب أرباب ~~المعاني من الفرق في دركها تائهة، وآرائهم فيها مضطربة، وذلك أن أفعال ~~الإنس وجميع الحيوانات وحركاتهم في معاشهم وتصرفاتهم مشاهدة لا إنكار ~~لها من أحد. ثم إذا راجعنا حاكم العقل لا يكاد يحكم بثبوتها 3511 حكما ~~جليا بحيث لا يبقي [من](2 حزازة في الصدر، وذلك أن القضيات العقلية فيها ms043 ~~ثلاث، وهي أنها إما أن تكون كلها مقدورة لله تعالى على الاستبداد، أو مقدورة ~~للخلق على الاستبداد، أو تكون مقدورة لله وللخلق معا، ولا رابع لهذه ~~الأقسام. # أما القسم الأول وهي أن تكون مقدورة لله على الاستبداد والانفراد بحيث لا ~~حظ في شيء منها للعباد، فيلزم عليه أمران شنيعان، أحدهما استحالة تكاليف ~~الشرع، إذ خطاب الشارع لمن لا قدرة له على الفعل كخطابه للجمادات من الشجر ~~والنبات بالأوامر والنواهي. والثاني يلزم عليه إنكار التفرقة الضرورية بين حركة ~~الرغبة الاضطرارية، وبين حركة اليد الاختيارية، وهذا هو مذهب الجبرية، وحاصله ~~أنه يقول للعبد أفعل ما أنا فاعله. PageV01P112 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0113.png) # وأما القسم الثاني وهي أن تكون كلها مقدورة للعبد على سبيل الانفراد ~~باختراعها، فيلزم عليه أيضا أمور شنيعة منها، اشتراك الباري تعالى في الخلق وقد ~~قال الله تعالى: (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه)... إلى قوله : ... (قل الله خالق كل ~~شيء] وهوالواحد القهار) الرعد؛ 16). وأجمع السلف على قولهم لا خالق ~~إلا الله، قال الله: (هل من خالق غير الله) فاطر؛ 3). ومنها أن يكون الرب [تعالى]( ~~ممنوعا عاجزا عن بعض المخلوقات التي هي أفعال عباده، وقد قال: ((قل كل من عند ~~الله)لسء). ومنها يلزم عليه نسبة الخلق والاختراع إلى من لا علم له ~~بمخترعه، فإن حركات الإنسان وغيره من الحيوان لو سئل أصحابها عنها وعن ~~أعدادها في تفاصيلها، وجملها، ومقاديرها، وهيئاتها، لم يكن عندهم علم ذلك ~~وخبره، ومن جوز هذا فقد أفسد عليه باب إثبات علم الله من وجه إحكام صنائعه ~~وإتقانها، وهذا هو مذهب المعتزلة. # وأما القسم الثالث وهو أن تكون كلها مقدورة بين قادرين، فيلزم عليه أن ~~الحركة الواحدة تعلقت بها قدرتان قديمة وحادثة3. وهي إذا تعلقت بها قدرة ~~واحدة استغنت عن [القدرة] الثانية فما فائدة هذه الثانية ? وما متعلقها؟ وما كيفية ~~تعلقها ? ومتى تعلقها، وهي بالقدرة الأولى كائنة موجودة? وحالاتها ثلاث: حالة ~~عدم، وحالة إيجاد، وحالة وجود. وتعلق القدرة الثانية بها في هذه الحالات الثلاث ~~محال. ثم لو قدرنا مقدورا من ms044 قادرين حاصلا بدواعيهما وإرادتيهما لوجب أنه إذا ~~امتنع أحدهما من فعله ولم يمتنع الثاني كان الحاصل فعلا موجودا معدوما وهو من ~~أمحل المحال. [بقي أن يقال إنما يلزم المحال](3) إذا تعلق به القدرتان من وجه PageV01P113 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0114.png) ~~واحد، أما إذا كان الفعل مضافا إلى قادرين من وجهتين مختلفتين فلا استحالة فيه، ~~وذلك أن تعلق قدرة القديم به من وجه الإيجاد، وتعلق القدرة الحادثة به من وجه ~~الاكتساب، وهذا غير محال. فيقال له: لو جاز ذلك لجاز أن يقع الوجهان في ~~حالتين، يعني 3611 كأن يقع الوجود بإيجاد القدرة القديمة في حالة، ويقع ~~الحدوث باكتساب القدرة الحادثة في حالة ثانية وهو محال، إذ حدوثها قد حصل ~~بالقدرة القديمة، فكيف تعلقت القدرة الحادثة بعد وجودها? ولو وقع الفعل بقدرة ~~ممتزجة من القديم والحادث حتى تصلح للإيجاد والاكتساب كان من أمحل ~~المحال. على أن الاكتساب للموجد محال، والإيجاد للمكتسب محال، وهذا القسم ~~مع دقته وغموضه اختيار شيخنا أبي الحسن(، وتابعه النجار( على اختلاف ~~بينهما، وإنما اختار ذلك ضرورة إذ لم يبق من الأقسام الثلاثة إلا هذا القسم، وإن ~~كان فيه دقة وصعوبة فهو بالنسبة إلى القسمين الأوليين أسهل. قال الشاعر: ~~إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا فلا رأي للمضطر إلا ركوبها PageV01P114 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0115.png) ~~120 # ثم توجهت عليه أسئلة أظهزها، إن كان للقدرة الحادثة أثر في المقدور فهو ~~شرك، وإن لم يكن لها أثر فتقدير وجود تلك القدرة وعدمها سواء، إذ قدرة لا يقع ~~بها المقدور كانت بمثابة العجز. ومن أجل هذا الاعتراض افترق أصحابه، فقال ~~بعضهم : لا أثر للقدرة الحادثة أصلا في المقدور، فيلزمه الجبر أيضا. وقال آخرون: ~~القدرة الحادثة لها أثر في المقدور، وهو اختيار القاضي أبي بكر، واستدل بأن ~~الإنسان يحس من نفسه تفرقة بين حركتي الاضطرار والاختيار، وهذه التفرقة لا ~~ترجع إلى نفس الحركتين من حيث الحركة لأنهما مثلان، بل ترجع إلى أمر زائد ~~عليهما وهو كون أحدهما [كذا] مقدورة مرادة، والثانية غير مقدورة ولا مرادة. ثم لا ~~يخلو من ms045 أن تعلق القدرة بأحديهما كتعلق العلم بالمعلوم من غير تأثير فتؤدي إلى ~~نفي التفرقة، فإن نفي التأثير كنفي التعلق فيما يرجع إلى ذاتي الحركتين، والإنسان ~~يجد التفرقة بينهما فيهما لا في أمر زائد على وجودهما، أو يكون تعلق القدرة ~~بأحديهما تعلق تأثير. ثم لا يخلو ذلك من أمرين إما أن ترجع إلى الوجود ~~والحدوث، وإما أن تكون راجعة إلى صفة من صفات الوجود. فالأول باطل لأنه لو ~~أثر في الوجود لأثر في كل موجود، فتعين أنه يرجع التأثير إلى صفة أخرى، وهي ~~حال زائدة على الوجود مثل قادرية القادر عند أبي هاشم(، فإنها لا تؤثر إلا في ~~حال الوجود. فقالوا للقاضي: أثبتت حالا مجهولة لا اسم لها ولا معنى". أجاب ~~وقال: بل هي معلومة بالدليل الذي ذكرت، ولكن لا يتيسر لي عبارة عنها باسم ~~خاص كما نثبت الوجوه والاعتبارات للفعل الواحد وليس لها عبارات(2) خاصة30). PageV01P115 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0116.png) # 121 # وأما الشيخ أبو الحسن (لنغه، فما أثبت للقدرة الحادثة أثرا وقال: إنما ~~تعلقها بالمقدور مثل تعلق العلم بالمعلوم في عدم التأثير2). قال: والتفرقة ترجع ~~إلى اعتقاد العبد(3) بتيسير الفعل له عند سلامة الآلة 3611 ووجود الاستطاعة، وكل ~~ذلك من الله تعالى. قال خصومه: نفي الأثر عن القدرة يؤدي إلى نفي(5) حقيقة ~~القدرة، فإن القدرة فارقت العلم بتأثيرها في المقدور، فإذا كانت في عدم التأثير ~~كالعلم لاكتفى الفاعل بعلمه عن القدرة1. فعلى هذه القاعدة الكسب هو مقدور ~~القدرة الحادثة عنده. # وعند القاضي، الكسب حال وحكم هو مقدور القدرة الحادثة. فيقال له: هذه ~~الحال أهي مقدورة لله [أم ليست بمقدورة? فإن لم تكن مقدورة لله] فهي لا محالة ~~تكون مقدورة للعبد، وهو مذهب المعتزلة [بعينه])، وإن كانت مقدورة لله فلم يبق ~~للعبد شيء البتة، وذلك مذهب الجبرية بعينه، فلا فائدة في التمسك بالحال في هذا ~~المقام. وقد غلا إمام الحرمين أبو المعالي إذ أثبت للقدرة الحادثة أثرا هو الوجود، ~~غير أنه لم يثبت للعبد استقلالا بالإيجاد ما لم يستند إلى سبب آخر، ثم تسلسل ms046 ~~الأسباب في سلسلة الترقي إلى الباري تعالى المستقل بالإبداع من غير حاجة إلى ~~سبب. وقال في بعض كتبه: إن القدرة الحادثة مقدورة القدرة القديمة كأنها من ~~أثرها7. وقال في مدارك العقول: إن العبد فاعل على الحقيقة، وإن قدرته مؤثرة في PageV01P116 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0117.png) ~~إيقاع الفعل ومقدمة عليه. وقال فيها أيضا: نحن نقول بأن قدرتنا الحادثة تؤثر في ~~غير محلها على شرط الاتصال". وقال في النظامية : إن القدرة الحادثة هي الموقعة ~~للفعل. وشبهها بالعبد في بيع ماله بإذن سيده( [في البيع]3). فأراه كالمتردد فيه، ~~تارة يثبت أثرها وتارة ينفيه. هذه نهاية آراء الأئمة في هذه المسألة العويصة ~~المشكلة، فمن تأملها وكرر النظر فيها علم غموض معانيها وصعوبة مراقيها فلا ~~يتجازف فيها. # اعلم أن القضاء والقدر عبارتان عن علم الله تعالى في الأزل بما سيكون، ~~وحكمه الحتم في كل شيء من الجمادات والحيوانات، إلا أن أحكامه تجري على ~~الجمادات جبرا مثل خلق الحركة في الأشجار، والإحراق في النار. وعلى ~~الحيوانات كذلك تجري أحكامه جبرا غير أن الحيوان لما أعطي الحياة، والحياة ~~شرط القدرة والإرادة والعلم وغيرها، فكان الله سبحانه إذا قضى أمرا لحيوان وخلق ~~فيه فعلا، اشتبه على العقول أن ذلك من قدرة هذا الحيوان أو من قدرة الله تعالى، ~~فوقع الخلاف في ذلك بين الأمم. والحق الصراح أن قضاياه تعم الخلق كلهم، ~~والقدر خيره وشره من الله، وكل من عند الله، والله خالق كل شيء، وبيده ملكوت ~~كل شيء، خالق كل صانع وصنعته، ولكنه لما رشح الإنسان للآخرة وأكرمه بالعقل ~~والفهم، وأقامه في معرض التكليف بأوامره ونواهيه، واستدعى منه الأعمال ~~المنجيات، 38/1 وحذره من الأعمال المهلكات، أعطاه مزيد(5) قوة على سائر PageV01P117 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0118.png) ~~الحيوانات، وهي القوة التي حمل بها الأمانة [المعروضة] على الأرض ~~والسماوات، في قوله: (وحملها الإنسن)لآحزاب2). فالأقضية تجري على ~~الجمادات جبرا محضا، وعلى الحيوانات تسخيرا بحتا، وعلى الإنسان مقارنة ~~بقدرة حادثة ضعيفة. ولعل قوله تعالى: (ظلوما جهولا)حزاب) ~~إشارة إلى عظم الحمل، وضعف الحامل، فصارت تلك القوة الضعيفة الحادثة مناطا ~~للتكاليف ms047 كلها. وبيانه أن الله تعالى إذا أراد أن يحرك يد إنسان بقدرته خلق له معها ~~قدرة حادثة مقارنة لتعلق القدرة القديمة به، فأقدر الإنسان على تحريك يده. فالله هو ~~القادر حقا والمقدر خلقا، والإنسان عاجز حقا ومختار جبرا. وأزيد في البيان ~~وأقول: إن الإنسان إذا أراد شيئا(3) من حركة يد وغيرها، يصح له أن يقول إن شئت ~~حركت يدي وإن شئت لا أحركها. ولكنه إذا عنت له مشيئة تحريك اليد لا يصح له ~~أن يقول: إن شئت أشاء تحريك يدي، وإن شئت لا أشاء تحريكها، لأن المشيئة ~~ليست إليه، إذ لو كانت المشيئة إليه لافتقرت تلك المشيئة إلى مشيئة أخرى ~~وتسلسل القول فيها إلى غير نهاية، قال الله تعالى: (وما تشاء ون إلا أن يشاء الله) ~~(التكوير؛ 29). ولكن الله إذا ألقى في قلب عبد مشيئة أمر جبرا يخلق له قدرة تباشر ~~ذلك الأمر، ويخترع جل جلاله ذلك الأمر [بقدرته القديمة فلا تتعلق قدرة العبد] ~~إلا عند قدرته القديمة الموقعة للفعل، وهو معنى قولنا: اختيار العبد بين طرفي ~~الجبر، لأن أول(5) الفعل وآخره إلى الله تعالى. فإنه أجرى العادة بأن يخلق عقب ~~مشيئة العبد قدرة له، وعقب قدرته إيقاع الفعل من حركة اليد وغيرها، وجعل هذه PageV01P118 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0119.png) ~~الأشياء أسبابا مرتبا بعضها على بعض على طريق الشروط لا على طريق الإيجاب ~~والتولد، خلافا للفلاسفة والمعتزلة، وهذه مزلة الأقدام فتنبه لها. # فعلى هذا إنك إذا وقفت النظر رأيت مشيئة العبد بمشيئة الله جبرا، ورأيت قدرة ~~العبد مسخرة لمشيئته، أعني مشيئة العبد، ورأيت حركة اليد مسخرة لقدرته، وكلها ~~للعبد ضروريات ليس له أن يدفعها عن نفسه. فلا يحصل العبد من جميع ذلك ~~إلا على وجدان تفرقة من حركتي الرعشة والقصد عند خلق الله تعالى فعلا في ~~محل قدرته، وهو الاختيار الذي نسميه كسبا بكتاب الله تعالى (جزاء بما كانوا ~~يكسبون)ب). فالعبد إذا مجبور من عين الاختيار إذ هو مجبور على ~~الاختيار. ولذلك لما سئل بعض الحكماء عن حد الإنسان فقال: حيوان مضطر ~~3911 ms048 في صورة مختار". وقال بعضهم: "الإنسان مطلق في الظاهر مقيد في ~~الباطن. وقيل: مجبر في خلقه مخير في فعله. قال النبي صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل مسير ~~لما خلق له 2. وقال تعالى: (والله خلقكمر وما تعملون )اا6 # فإن قيل: فبين هذا الاختيار وما هو؟ فالجواب: أنا إذا فحصنا عن حقيقة هذا ~~الاختيار كنا نتأمل في مشيئة العبد فنراها جبرا، ثم نتأمل في قدرته فنراها مسخرة ~~لمشيئته ضرورة، ونرى حركة اليد مسخرة للقدرة القديمة. ثم تأملنا الحركة ~~والقدرة والمشيئة جميعا فرأيناها كلها مسخرات للقدرة القديمة، فإن العبد ~~بإقدار الله إياه قد قدر فصار مجبورا على القدرة، وقادرا في عين الجبر. فعلى هذا ~~قد وجد في العبد سبب الاضطرار وسبب الاختيار، فسبب اضطراره عجزه عن رد ~~خاطره الداعي إلى حركة اليد، وهو الذي عبرنا عنه بالمشيئة، وسبب اختياره وجدان ~~الفرق بين حركة الرعشة وحركة القصد، وهو باعتبار هذين السببين تارة ينسب PageV01P119 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0120.png) ~~الفعل إليه، وتارة يسلب الفعل عنه كما قال تعالى: (فلم تقشلوهم ولاكب الله قلهة ~~وما رميت إذ رميت ولكب الله رمى)1) وقال: (قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ) 1) وقال: (وأصبر وماصبرك إلا بالله)12. ~~وذلك مثل ما ينسب الفعل إلى السبب الأقرب تارة وإلى السبب الأبعد أخرى. ~~فالأقرب كقولهم قطع السيف يد فلان، والأبعد قطع الأمير يد فلان، ونظيره قوله ~~تعالى: ( قل ينوفاكم ملك الموت)) وفي موضع: (الله يتوف الأنفس ~~حين موتها) الزمر؛ 42) قال ابن نباتة: ~~إذا ما الإله قضى أمرهفأنت لما قد قضاه السبب # وعلى هذه القضية، من زعم أنه لا عمل للعبد أصلا فقد عاند وجحد، ومن زعم ~~أنه مستبد بالعمل فقد أشرك وابتدع، وذلك لأن الرب لا يخلق له(3 القدرة إلا ~~ويخلق ذات المقدور مع قدرته كوجود الشرط مع المشروط. ولذلك يجد ~~المكتسب في نفسه اختيارا، فإنه إذا هم بأمر صادف من نفسه قدرة عليه وسهولة ~~تأتيه له، وذلك مورد التكليف. فظهر من تضاعيف هذا الكلام أن العبد بين طرفي ~~الاضطرار والاختيار مضطر على الاختيار، وظهر منه سبب ms049 اختلاف الأئمة في إثبات ~~أثر القدرة ونفيه، فإن من نفاه نظر إلى سياقة حكم الله وقضائه أولا وآخرا، ولم ينظر PageV01P120 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0121.png) ~~إلى السبب المتوسط الذي هو قدرة العبد، إذ فائدتها شيء آخر دون الاختراع، ~~وأجراها مجرى القدر في إحماء جسم الماء، وجعل قدرة الله مثال النار 01 ~~المحمية لما في القدر، ولا أثر للقدر في إحماء الماء أصلا، وإنما فائدتها حمل ~~الماء فقط. وفي قوله تعالى: (وحملها الإنسن) حزاب؛72) إيماء إلى هذا ~~المعنى. ولأهل النحو مسألة الابتداء والخبر على هذه الصيغة، فإنهم قالوا الابتداء ~~يعمل في المبتدأ، ثم هو بواسطة المبتدأ عامل في الخبر تشبيها بإحماء النار جسم ~~القدر والماء معا2). وأما من أثبت للقدرة الحادثة أثرا في الفعل فإنه نظر إلى عين ~~القدرة الحادثة فوجدها سببا لاختيار العبد، فشبهها بصفاء الزجاج المؤدي لإشراق ~~نور المصباح على(3) الحائط، ورأى للنور الواقع على الحائط مزية(5) حاله كحال ~~نور السراج، فجعل تلك الحالة أثرا للسبب الذي هو صفاء الزجاجة، فكأنه نظر إلى ~~قول الله تعالى: (الصباح في نجاجة الزرجاجة كانها كوكب دري)35). وهذان ~~المثالان إنما أوردناهما [تقريبا] للإفهام فافهم. # سئل بعض الكبراء عن هذا المعنى فأنشد قول الشاعر: ~~لله من قدرته خاتم تجري المقادير على نقشه PageV01P121 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0122.png) ~~وفي ضمن هذا البيت عجائب من كشف غموض هذه المسألة فأعرضنا خوف ~~التطويل، وهي بادية للمتوسمين. # هذا وقد ضربت الأئمة للقضاء والقدر واختيار العبد أمثلة محسوسة لظهور ~~المعنى في الأفهام. فمنها: أن تصريف الله الإنسان وتصرفه الذي هو اختياره ~~كالفارس الحاذق يركب الفرس لغرض له، فهو يغمزه بفخذه برسم الحركات التي ~~يريدها منه من السرعة، والإبطاء، والتصويب، والتصعيد، والاستواء، والانعراج، ثم ~~بعنانه يقدر تلك الحركات منه حتى لا يكون فيها افراط ولا تفريط. فالغمز ~~كالقضاء، وتصريف عنانه كالقدر، ورفع قوائم الفرس ووضعها على حكم الفارس ~~من الغمز وصرف العنان كالاختيار. ومنها: القدر كتقدير النقاش الصورة في ذهنه، ~~والقضاء كرسمه تلك الصورة لتلميذه بالأسرب، ووضع التلميذ الأصباغ عليها متبعا ~~لرسم الأستاذ هو الكسب والاختيار، ms050 والتلميذ في اختياره لا [يخرج عن رسم ~~الأستاذ كذلك العبد في اختياره](1 لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر، ولكنه ~~متردد بينهما. ومنها: مثال تشبيه المقدور الواحد إلى قادرين مختلفين، كحانوت ~~يملكه زيد ويسكنه عمرو، فيقال: هذا حانوت زيد وهذا حانوت عمرو. ونسبته إلى ~~زيد من جهة التملك، وإلى عمرو من جهة السكنى، وسكنى عمرو مقدرة بتقدير ~~زيد. ومنها: مثال في النحو وهو قولهم زيد أبوه قائم. زيد ابتداء أول وأبوه ابتداء ~~ثان، وقائم خبر الابتداء الثاني، والابتداء الثاني مع خبره خبر للابتداء الأول. كذلك ~~قولنا الله عبده قائم، الله فاعل وعبده فاعل، ا1ه ثم العبد وفعله فعل الله سبحانه، ~~كما قال: ( والله خلق كم وما تعملون )). # واعلم أن بعض الأئمة الكبار أمسك عن النظر في هذه المسألة لقول النبي صى الله عليه وسلم ~~إذا ذكر القدر فأمسكوا2). وقوله: القدر سر الله فلا تخوضوا فيه. وقول الصادق: PageV01P122 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0123.png) ~~الناظر في القدر كالناظر في عين(1 الشمس كلما ازداد نظرا ازداد حيرة2. وعدوا ~~هذه المسألة من التعبدات التي لا يعقل معناها كمناسك الحج، ومقادير الشرائع، ~~وشبهوها بما نراه من عجائب الأشياء وخواصها التي تتقاعس العقول عن دركها، ~~مثل فزع معضوض الكلب(3) من الماء، وموت مجروح النمر بنثر النار التراب ~~عليه من الغماء، ومثل جذب المغناطيس الحديد، وقلع الزمرد عين الأفعى، ~~ومحاكاة الصور في المرآة ونحوها، فإن علم هذه الأشياء عند الله، وقد قال: (وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا قه)). # سبحان من مد من قدرته فيك ظلا ظليلا، ثم جعل شمس قدرتك عليه دليلا، ثم ~~قبضه إليه قبضا يسير)، إذ كان بالحقيقة لظله مادا لشمسك مديرا، وعلى كل ~~شيء قديرا . لقد أدارك يا إنسان0 بصولجان القدر في ميدان القهر بحوله وقوته، ~~فتدور وأنت مقدور في ممرك إلى مقرك. افتراك بقدرتك لشخصك مديرا? بل كان ~~أمر الله قدرا مقدورا. # إلهنا لا تكلفنا فوق طاقتنا [وقد عجلت لنا من طاقتنا فاقتنا إليك،]) وأن PageV01P123 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0124.png) ~~قدرتنا طوع قدرتك، ومشيئتنا رهن مشيئتك، فإنا لك وبك ms051 في الظاهر مختارون، ~~متحملون لأوامرك وزواجرك، وفي الباطن مجبورون لجبر جبروتك. قدرتنا قطرة ~~في بحار قدرتك فغمرتها، ومشيئتنا لمعة في شموس مشيئتك فسترتها. # إلهنا عبادك يترددون في مقادك(2)، وعبادك يتعبدون بلطف أمدادك، (إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزي الحكيم )آ. PageV01P124 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0125.png) # اعلم أن المعلومات قد انحصرت في العقول السليمة في ثلاثة أقسام: واجب، ~~ومستحيل، وممكن. فالواجب ما هو ضروري الوجود، وتقدير عدمه محال. ~~والمستحيل ما هو ضروري العدم، وتقدير وجوده محال. والممكن ما لا ضرورة في ~~وجوده ولا عدمه، بل استوى طرفاه وجودا وعدما، فجاز أن يوجد وجاز ألا يوجد. ~~وهذا العالم بما فيه من الجواهر والأعراض القائمة بها هو كشخص واحد، ولا ~~يخلو من هذه الأقسام الثلاثة. فنتيقن أنه ليس بواجب ضروري الوجود(1) لأنا نراه ~~متغير 4211 الأحوال عيانا بحيث لا نتمادى فيه. والواجب الضروري الوجود لا ~~يتغير البتة لوجوب وجوده، وليس هو أيضا مستحيل ضروري العدم بمشاهدة ~~وجوده، فتعين حسا(4) أنه ممكن الوجود، متساوي الطرفين في جواز الوجود وجواز ~~العدم، وهو الحادث لا محالة. ونقتصر على هذه النكتة، فقد دون العلماء دلائل ~~حدث العالم في كتب كثيرة لا مزيد عليها. ثم إذا تخصص جانب الوجود عن ~~جانب العدم الجائز كان مفتقرا إلى مخصص يخصص الوجود بعد العدم، وذلك ~~المخصص لا يمكن أن يكون من هذه الأقسام الثلاثة إلا واجب الوجود بنفسه، إذ ~~لو قدر ممكنا لاستحال ذلك بالتسلسل، ولو قدر مستحيلا ضروري العدم لم يكن ~~له فعل البتة. فلم يبق من الأقسام إلا الواجب، فيجب أن يكون هذا الواجب هو ~~المخصص الموجد للعالم. فتتخذ من مجموع هذا الكلام حدوث العالم، وقدم ~~موجده القادر على الإيجاد، الواجب الوجود، القديم ليس كمثله شيء. وقد صدرنا ~~الكتاب ببيان توحيده بما يكفي فلنقتصر على هذه النكتة. PageV01P125 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0126.png) # فإن قيل: بل هو ضروري الوجود لأن الإرادة قديمة، وهي الموجبة عندكم ~~لوجود العالم، وتأخر الموجب على الموجب محال. # قلنا: إنما وجد [العالم متى وجد] على الوصف الذي وجد ms052 بالإرادة القديمة، ~~وحقيقة الإرادة تخصيص الشيء عن مثله، وإلا لوقع الاكتفاء بالقدرة. فمن قال لم ~~اختص بوقت دون وقت كمن قال لم صارت الإرادة إرادة. # فإن قيل: قد جاء في الحديث: كان الله ولا شيء معه ثم خلق الخلق2). فالمدة ~~التي بين كينونته إلى خلق العالم متناهية أم غير متناهية ? فإن كانت متناهية فقد ثبتت ~~أوليته فلا يكون قديما، وإن لم تكن متناهية لم يتحقق أولية العالم. # الجواب أن هذا السؤال مصدره الوهم والخيال، وهو في نفسه محال لأن وجود ~~ما لا يقبل الزمان لم يجز عليه التقدم والتأخر والمعية الزمانية، وذلك لأن المدة ~~تقدمها وتأخرها ومعيتها إما مشروطة بشرط الزمان، ولا صباح عند ربك ولا مساء، ~~فإذا انعدم الشرط انعدم المشروط. وبيانه أن وجود الزمان موقوف على وجود دور ~~السماوي، وقد قال تعالى: الشمس والقمرداببين) إبراهيم 33) وقال: ~~(والشمس تجرى لمستقرلها) (يس؛ 3) ووجود دور الفلك بكواكبها موقوف ~~على وجود الحركة، ووجود الحركة موقوف على وجود الجسم، وما لم يتحقق ~~وجود جسم لم يتحقق وجود حركة، وما لم يتحقق وجود حركة لم يتحقق وجود ~~مكان ولا تقدير مكان. فكذلك ما لم يكن جسم متحيز لم يتحقق زمان ولا تقدير ~~زمان. فقولهم المدة بينهما متناهية أم غير متناهية لغو، ولفظ المدة ههنا غلط وسهو ~~لما ذكرناه من استحالة تقدير الزمانية مع وجود الباري تعالى في الأزل. والنكتة فيه PageV01P126 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0127.png) ~~أن سبيل الفكر من المتناهي إلى المتناهي متناه، [وسبيله من المتناهي إلى غير ~~المتناهي غير متناه] وهذه مرتبة شريفة عقلية 4311 لا يبلغ الوهم إليها لأن ~~مطار(4) الوهم ومألفه أفق الأجسام المحصورة تحت الأزمنة، فإذا ارتفع عنه تاه ~~وضل. # فإذا عرفت هذا فاعلم أن السؤال عن علة الخلق والغرض فيه محال أيضا، ~~فلا يصح أن يقال لم خلق الله الخلق? ولأي علة خلقه? وأي غرض له في ~~الخلق ? بل الحق أنه تعالى خلق العالم بما فيه لا لعلة حاملة له على خلقه، أو ~~لغرض له في ذلك، سواء كان ذلك الغرض نافعا ms053 له أو دافعا عنه، إذ ذاته لا تقبل ~~النفع والضر، فلا يجوز أن يبعثه على الخلق باعث البتة، بل علة كل شيء صنعه ولا ~~علة لصنعه. ومعناه نفي العلة عنه مطلقا لأنه منزه عن جلب نفع إلى نفسه ودفع ضر ~~عنها. قال الإمام أبو المعالي الجويني رحمه الله: لو قلت: فعل الله تعالى ~~بالإضافة إلى نفسه لا يسمى خيرا ولا شرا لصدقت، فإنه تعالى إنما يفعل الخير ~~والشر منفعة أو مضرة لغيره فتسمى أفعاله منافع، ومضار، وخيرات، وشرورا ~~بالإضافة إلى الخلق، وهو يتعالى ويتقدس عن الانتفاع بها والتضرر منها. والدليل ~~عليه أنه لو خلق الخلق لغرض لكان مفتقرا إلى ذلك الغرض، والافتقار إعواز ~~الشيء، وذلك في نفسه نقص، ومن كان منقوصا كان منحطا عن رتبة [الإلهية ~~والخالقية، فلا يتأتى منه الخلق. فكيف خلق الخلق بلا أهلية الخالقية] والإلهية ? ~~ولما خلق دل على أنه خلقهم من غير علة حاملة له على الخلق، ولا حاجة وغرض ~~ومنفعة. # وعند المعتزلة أن الله تعالى خلق الخلق لحكمة، فإن الفعل من غير غرض عبث ~~وسفه. قالوا: والدليل عليه إظهار الآيات الدالة في العالم على الوحدانية لقوله PageV01P127 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0128.png) # 133 ~~تعالى: (وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت) ~~22) وقال بعضهم خلقهم ليعبدوه لقوله تعالى: (وماخلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ((]} (الذاريات؛ 56) وقيل ليعلموا بصنعه أن لهم صانعا. قال ابن عباس: ~~إلا ليعبدون، أي ليعرفون. تصديقه (الله الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن )... ~~إلى قوله: (لنعلموا أن الله على كل شيء قدير...) الآية (الطلاق؛12) . والظاهر عندي أن ~~اللام في الآيتين لام العاقبة كقوله: (فالنقطهال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) ~~(القصص؛ 8). وقال قوم: خلق الخلق لجوده وكرمه ورحمته كما قال: (ومن ~~رحمته، جعل لكم اليل والنهار) ) فإن بإفاضة الجود على المجود عليه ~~يظهر جوده، كما أن بإظهار المقدور يظهر قدرته. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لولم تذنبوا ~~لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم ويدخلهم الجنة. وقيل خلق لعلمه السابق أنه ~~يخلقهم، والعلم لا ينقلب ms054 جهلا، وهذا هو الخاطر الذي خطر لداود [النبي](3 عليه ~~السلام حيث قال: أي رب لم ا441 خلقت الخلق؟ فقال تعالى: "كنت كنزا مخفيا ~~أو خفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق. وذلك المعنى الذي اقتضى إحداث PageV01P128 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0129.png) ~~الخلق هو الذي كنى عنه بقوله: أحببت أن أعرف". وقد تحير أكياس الناس في ~~ذلك. قالت المشايخ: الحقيقة فيه أن صفة الجلال والجمال تستدعي أن يعرف، ~~ويعبد، ويحب، ويذكر لذاتها لا لينجبر بذلك نقص، أو ينتفع هو بمعرفتهم ~~وعبادتهم، بل الجلال لنفسه مرهوب، والجمال لذاته محبوب، والكمال لنفسه ~~مطلوب، ولم يتحقق راهب، ومحب، وطالب، وعابد في الأزل إلا بتكوينه، فخلق ~~الخلق وكونهم وهداهم حتى عرفوه، وأحبوه، وعبدوه، وذكروه. فهذا معنى قوله: ~~فأحببت أن أعرف1. وحقيقته ترجع إلى الإرادة، وحقيقة الإرادة تخصيص المعلوم ~~المعدوم الممكن بالوجود فاعلم. # فإن قيل: هذا الجلال والجمال لم يزل صفته، فهلا خلق الخلق في الأزل? ~~الجواب أن تقدير الخلق في الأزل محال لأن الخلق ما له أول، والأزل لا أول ~~له. وكذلك [تقدير] القبل والبعد هناك مستحيل لعدم الزمان وتقديره في ~~الأزل. # وذكر الإمام أبو القاسم الأنصاري في كتاب الغنية أن بعض الحكماء3 ~~سئل: لم خلق الخلق ومن خلقهم? فأجاب بأنه خلقهم واحد لم يزل، دائم كما ~~لم يزل، غير متناه ولا متغير، وخلق لحكمة كاملة، لتدبير لم يطلع عليه أحد ~~من خلقه، وأظن أنه كما خلقه هكذا يبطله. قال: وسئل آخر : لم أحدث العالم? ~~فقال: لم غير جائزة عليه لأن لم" يقتضي علة، والعلة محمولة فيما هي علة PageV01P129 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0130.png) ~~له من معل فوقه ولا معل فوقه، وليس بمركب فيحتمل ذاته العلل، [فلفظ لم ~~عنه منفي، وإنما فعل ما فعل لجوده. قيل: فهلا فعل في الأزل](2) فإنه لم ~~يزل جوادا؟ قال: "معنى لم يزل لا أول له، والفعل يقتضي أولا، واجتماع أن يكون ~~ما لا أول له وذو أول في القول والذات متناقض. قيل: فهل يبطل هذا العالم? قال: ~~نعم يبطله". قيل: فإذا أبطله بطل الجود. قال: لا، ms055 ولكنه ليصوغه الصيغة التي لا ~~تقبل الفساد وذلك غاية الجود3). وهذه النكتة إشارة إلى المعاد والحياة الأبدية ~~فتأملها. ~~مناجاة: # سبحانك اللهم يا فردا في ديمومية الأزل، موصوفا بالصفات العلى لم يزل، لقد ~~زخرت بحار جودك المواجة، ورمت جوهرة إلى الظهور مجاجة، فخلقت الكون ~~منها لا لحاجة، بل لإظهار قدرتك الأزلية، وإعلان ربوبيتك الخفية، فأبدعت عالما ~~بلا علة وغرض، مركبا من جوهر وعرض، فالجوهر جوهر بعد خفائه، والعرض ~~عرض له بعد انتفائه، متعانقين متلاصقين، فصغت منهما الخضراء والغبراء وما ~~بينهما، ا45 ووسمتهما بمياسيم الغير دلالة على حدوثهما لأهل النظر، فالعاقل ~~جعلها مدارج إلى ذراك، والجاهل اتخذها وطنا فشغل عنك بذاك، فبينا هو قد بنى PageV01P130 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0131.png) ~~به وطنه، وفارق روحه بدنه، فندم حين لا تغني الندامة، وترهقه المذلة يوم ~~القيامة. # اللهم اجل بصائرنا وأبصارنا حتى نرى عالمك بمعالمك، ولا تكلنا إليه فننسى ~~به مكارمك، يا كريم يا ذا الفضل العميم. والله أعلم. PageV01P131 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0132.png) # قال القاضي أبو الحسن محمد بن حبيب الماوردي رحمه الله في كتاب ~~النبوة): إن مدة الدنيا من ابتدائها إلى قيامها سبعة آلاف سنة على ما جاء ~~في التوراة وذكره أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام. قال: "وقد وافق ذلك من ~~يحاسب بتسيير الكواكب السبعة على أن سير كل كوكب ألف سنة، وقد جاء نبي ~~آخر الزمان صلوات الله عليه في الألف الآخر الذي هو دور القمر عندهم، وانشقاق ~~القمر بإيمائه معجزة له تبينة بقرب الساعة. قال الله تعالى: (أقتربت الساعة وانشق ~~القمر) القمر؛ 1). وعن عبد الله بن عباس فض الدنيا أسبوع من أسابيع ~~الآخرة2) ثم قرأ: (وإب يوما عند ربك كألف سنة مما تعدوب)) الحج؛ ~~47). وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي من الدنيا إلا كمثل ثوب شق نصفين فتعلق ~~بخيوط. وقال النعمان بن بشير: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول على المنبر: لم PageV01P132 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0133.png) ~~138 ~~يبق من الدنيا إلا مثل الذباب تمور في جوها، فالله الله في إخوانكم من أهل القبور، ~~فإن أعمالكم ms056 تعرض عليهم. وروى سلمة بن عبد الله الجهني عن أبي رحاب أنه ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم، أيتك على منبر له سبع درج وأنت على أعلاها. فقال صلى الله عليه وسلم لك ~~الدنيا سبعة آلاف سنة أنا2) في آخرها ألفا»(3). وروى أبو نصر عن أبي سعيد ~~الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عد صلاة العصر يقول: أيها الناس، إن الدنيا ~~خضرة حلوة، وإني مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون. وأخد في الخطبة حتى ~~قال: الأعرفن رجلا منعته مهابة الناس أن يتكلم بحق إذا رآه وشهده58). ثم قال وقد ~~أزف غروب الشمس: إن ما بقي من الدنيا [فيما مضى منها]) كبقية يومكم هذا ~~فيما مضى يوفى بكم سبعون أمة، وقد توفى منها تسع وتسعون وأنتم في آخرها. ~~واعلم أن آخر هذا الحديث يحتاج إلى شرح، وهو ا صلى الله عليه وسلم شير إلى أن الدنيا سبعة ~~آلاف سنة، أهل كل ألف عشر أمم عظام، يكون الجميع سبعين أمة عظيمة، ثم إن ~~كل أمة منهم انقسم إلى مائة [أمة] صغيرة، فأنتم في الألف الأخير، وقد مضى من ~~أممه الصغار تسع وتسعون أمة ا]6 أنتم في مئاتها. وبالنسبة إلى الأمم العظام ~~أنتم في سبعينها، [فبكم] توفى سبعون أمة من العظام الذين هم أهل الدنيا PageV01P133 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0134.png) ~~جميعا، وبكم تتم المائة من الأمم الصغار الذين هم أهل الألف الأخير. وما رأيت ~~أحدا شرح الحديث. # وفي رواية أنه قال: ما بقي من الدنيا إلا كمقدار إذا صليت العصر1). ويروى ~~عنه أيضا: لم يبق من الدنيا إلا كذنب العقرب فيه سمها وحمتها2). وذلك إشارة ~~إلى فتن آخر الزمان. وقال صلى الله عليه وسلم: بعثت في نفس الساعة. أي قربها، [ومعناه أن ~~الإنسان إذا قرب منك يبلغك نفسه] وقال صلى الله عليه وسلم : بعثت أنا والساعة كهاتين5. ~~وأشار بالسبابة والوسطى). قال أبو العباس الطبري(: "يريد به قدر زيادة طول ~~الوسطى على السبابة. وهي إذا قسمت الوسطى سبعة أقسام كان الباقي من التفاوت ~~بينها وبين ms057 السبابة هذا المقدار. وقد كان الماضي من مدة الدنيا إلى بعثه على ~~الأظهر ستة آلاف سنة وثلاثمائة وتسعون سنة، ومنها إلى تمام السبعة الآلاف تقوم ~~الساعة وهى عشر وستمائة سنة. ولقد كان من مبعثه إلى الهجرة ثلاث عشرة سنة، ~~فيكون الباقي على هذا الحساب من مبعث النبي صلى الله عليه وسلمإلى القيامة سبعا وتسعين ~~وخمسمائة سنة. وقال ابن فضال المغربي: إن حروف أوائل السور إذا حوسبت PageV01P134 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0135.png) ~~غير مكررات دلت على مدة بقاء العالم1. ومثله قال مقاتل في بعض تفاسيره أنها ~~تدل على انقراض الدنيا). وإنما التبس على حيي بن أخطب، وأخيه، وكعب بن ~~الأشرف تكرار الحروف، فإنهم ربما قرأوا في بعض صحف الأولين أن مدة الدنيا ~~مرموزة في أول كتاب نبي آخر الزمان، وقد سمعوا (الم0) ذلك الكتاب) (البقرة؛ ~~2،1) فقالوا: "لا ندخل في دين تكون مدته إحدى وسبعين سنة1. إلى أن سمعوا مع ~~ذلك "المص1. المر. فاشتبه عليهم المكررات فقالوا: "اشتبه علينا الأمر فلا ندري ~~بأي قوليك نأخذ يا محمد58). وهذه الحروف كلها من غير تكرار أربعة عشر حرفا ~~وهي: ر، ق، ص، ي، ع، س، ك، ن، ه، م، ط، ا، ل، ح، وجملتها في حساب ~~الجمل ستمائة وثلاث وتسعون. وإن أردت جمعها في اللفظ للحفظ قلت: مطالعه ~~كقصر حسين1. وقال وهب بن منبه(6: "الدنيا سبعة آلاف سنة قد خلا خمسة آلاف PageV01P135 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0136.png) ~~وستمائة، وقيل وثمانمائة1. وقال ابن عباس: "الدنيا جمعة من جمع الآخرة، وقد ~~خلا منها ستة آلاف ومئتا سنة، وستبقى الدنيا ليس عليها من يوحد الله تعالى مئين ~~من السنين أقلها ثلاثمائة". وقد جاء في الحديث أن الدنيا تعمر بعد نزول عيسى ~~عليه السلام. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى 4711 تكون قبلها عشر ~~[آيات]1) : طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، والدجال، ويأجوج ~~ومأجوج، ونزول عيسى عليه السلام، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف ~~بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن، تسوق ~~الناس الى محشرهم ms058 كحشر الذر والنمل3). وقال عبد الله ابن عباس لولده علي: ~~لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ال لجدك العباس: إن هذا الأمر كائن في ولدك عند ~~زوال الأمر عن بني أمية، فمن ولي منكم أمر الأمة، فليتق الله وليعمل الحق. ولما ~~دخل أبو العباس السفاح مع أبيه وهو صبي على الوليد بن يزيد بن عبد الملك، قال ~~الوليد للحاضرين، وأشار إلى أبي العباس: هذا صاحب بني أمية. قيل له: "من أين ~~عرفت؟(1 قال: من كتب دانيال عليه السلام2. وروي عن عبد الله بن عباس: "إذا ~~كانت سنة مائة وثلاثين، لم يظهر أحد بالمشرق يرفع رأسه براية سوداء إلا نصر ~~وفتح الأمر له، ثم يتوارثونها، وأكثرهم أربعون إلى المهدي الذي يملأ الأرض عدلا ~~كما ملأت جورا. وعن مكحول، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يخرج الدجال في ~~الثمانين. قال العلماء لما لم يخرج في ثلاثمائة وثمانين، ولا في أربعمائة ~~وثمانين، فيوشك أن يخرج في خمسمائة وثمانين، [وهذه السنة لم يخرج والله أعلم ~~بحقيقة](3) هذه الأخبار. والآثار كلها تدل على قرب الساعة ولا تدل على تحقيق PageV01P136 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0137.png) ~~142 ~~وقتها كما قال الله تعالى: (لا يجليها لوقنها إلاهو)ف) وقال: ( إن الله ~~عنده علم الساعة) . # وأما المنجمون من الأمم السالفة فقد اختلفوا فيها اختلافا كثيرا. قال الكندي: ~~امدة هذه الملة ستمائة وثلاث وتسعون سنة1. وزعم أن الزهرة كانت عند ابتدائها ~~في الحوت، وقد بقي لها إحدى عشر درجة وثلاث وثلاثون دقيقة، فوجب أن يكون ~~بقاؤها بقدر دقائقها سنين. واستشهد على ذلك بعدد حروف المعجم بعد اسقاط ~~المكررات كما تقدم ذكرها. وحكى القمي عن أبي معشر(3 أنه لما بلغ القسمة ~~السابع والعشرون درجة من الحوت، وهي درجات الزهرة، وكان القران في العقرب ~~الذي هو دليل العرب، دل أن نبيا من العرب يخرج ويكون مدته مقدار الدرجات ~~الباقية من الحوت، وهي إحدى عشر درجة إلا قليلا، وتلك( المدة ستمائة وعشر ~~سنين. وزعم بعض المنجمين: 2الواجب أن يبقى قدر دور الزهرة ms059 الأعظم، وهو ألف ~~ومائة وخمسون سنة(1. قالوا: وسأله أنو شروان بزرجمهر عن ملكه قال: إن ~~صاحب العرب يولد في السنة الخامسة والأربعين من ملكك، فحينئذ يدفع المشتري PageV01P137 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0138.png) ~~التدبير إلى الزهرة، فيبقى الملك فيهم دور الزهرة1. وقال محمد بن موسى بن ~~شاكر المنجم : لما هبط آدم وحواء في الأرض كان قلب الأسد، وهو النجم ~~الذي ممره في منطقة البروج، في خمس درجات وثمان وثلاثين دقيقة من أول ~~الثور، فسيرناه برصدنا إلى سنة 4811 الهجرة فوجدناه في مدة سنة ألف ومائتين ~~وإحدى عشرة سنة شمسية ومائتين واثنين وسبعين يوما قد كان في تسع درجات ~~وخمسين دقيقة من الأسد، فسيرناه إلى تمام سبعة آلاف سنة بالفارسية، فيبقى ~~تسعمائة وأربع وستون سنة فارسية. [العجب من هذا الأحمق في هذه الدعوى، من ~~الذي حضر عند هبوط آدم فأخذ طالع هبوطه? وأحمق منه من يصغي إلى أباطيلهم، ~~ولكل ساقطة لاقطة](3). وزعموا أنه ستنزل بأهل الأرض آفتان، إحداهما ستفسد ~~الأرض وما فيها، والأخرى نار تحرق أقطار العالم، وهذه النار إنما تأتي إذا صار ~~قلب الأسد من برج الأسد في إحدى وعشرين درجة وثلاث وأربعين دقيقة إلى ~~أربع وعشرين درجة، فحينئذ تكون في درجة المريخ وحده وصورته. ولعلها النار ~~التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا تخرج من قبل اليمن تطرد الناس إلى محشرهم. # وزعم بعض قدمائهم أن بقاء العالم مذ دار الفلك إلى أن قدر انحلاله مقدار ~~سير قلب الأسد من أول الحمل إلى آخر الحوت، فيكون ثلاثا وعشرين ألف سنة ~~وسبعمائة وستين ألف سنة. وأما المجوس فزعم زعماؤهم أن مدتها اثني عشر ألفا ~~على عدد البروج. وحكى النوبختي(3) منهم أنه مضى من أول المزاج إلى إحدى PageV01P138 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0139.png) ~~وسبعين ومئتين من الهجرة إحدى عشر ألفا وسبعمائة سنة، وبقي إلى الخلاص ~~ثلاثمائة سنة، وقيل [يريدون بالمزاج امتزاج النور بالظلمة على دينهم]. وزعم ~~أهل السند أن سني العالم أربعة ألف2 ألف ألف سنة ثلاث مرات، وثلاثمائة ألف ~~ألف مرتين، وعشرة ألف(3) ألف سنة مرتين، ms060 وذلك من ابتداء الكواكب بحركتها ~~مجتمعة في أول الحمل إلى أن تجتمع في آخر الحوت بأوجاتها وجوزهراتها. وقال ~~آخرون منهم: مدته ثلاثمائة ألف وستون ألف سنة، وذلك عند اجتماع الكواكب ~~السبعة في آخر الحوت من غير أوجات ولا جوزهرات، وقد انقضى منها إلى ~~الهجرة مائة ألف سنة وثلاث وثمانون ألفا وسبعمائة وثلاث وعشرون سنة وثلاثة ~~أشهر وثمانية وعشرون يوما وثمان ساعات واثنتا عشرة دقيقة. وقيل انقضاء مدة ~~العالم إذا انتقل أوج الشمس إلى أول الميزان، وأنه رئي ذلك في المنام. # وحكي أنه وجد بنواحي مصر لوح ذهب على صدر ميت بالكتابة الأولى، أن ~~أخوين من القبط يسميان أيلو ويرثا كانا من ولد رجل من أهل مصر لم ينج من ~~الطوفان هناك غيره، وكان مع نوح في السفينة، وهو الذي علم ولده الكتب القديمة ~~فورثا منه هذا اللوح، وكان في اللوح أن بقاء العالم هو قدر سير قلب الأسد من ~~أول الحمل إلى آخر الحوت، وهو ثلاث وعشرون ألف ألف سنة وسبعمائة وستين ~~ألف سنة. ووجدت كتابا قديما منقولا من الرومية، صنف في عهد الإسكندر ذي ~~القرنين عليه السلام، ذكر فيه أن بعد نبي العرب يملك الأرض ملوك عدة آخرهم ~~أربع وثلاثون ملكا بأرض بابل، ويعني بأرض بابل بغداد، ولعلهم الخلفاء من() بني PageV01P139 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0140.png) ~~العباس(، وآخرهم يملك مرتين(2) 491 يخلع ثم يملك ثم يخلع، ويملكها رجل ~~من عبيده ثم يهلك عن قريب، ثم يملك الأرض بعدهم اثنان وعشرون ملكا وعن ~~قريب يهلكون، ثم تظهر الدابة على صورة عجيبة غريبة(3) فتملك الناس أشهرا، ثم ~~تهيج الفتنة وتنكسف الشمس سوداء حتى تسود الأرض كلها، ويحمر القمر، ويظهر ~~ثلاثة كواكب أمثال الشهب فتضيء الليل كالنهار، ثم تهيج الملاحم في جميع ~~الأرض فيقتتلون حتى لا يبقى منهم إلا القليل، فتمر الطير في الهواء فيموت من نتن ~~جيفهم، فعند ذلك يخرج رجل هو رأس الفتنة والضلالة من أرض المشرق أعور ~~إحدى عينيه، أفطس، أكشف، سبط الشعر، يسير من المشرق إلى المغرب راكبا على ~~ثور أبيض، ms061 يظهر العجائب ويملك الأرض كلها، ثم ينزل العبد الصالح، يعني ~~عيسى عليه السلام، من السماء ومعه الملائكة، ويهلك ذلك الرجل، وتسكن الفتنة، ~~ويصيب أهل الأرض في زمانه الأمن والعافية والفرح إلى مدة سبع سنين، ثم يقبض ~~الله تعالى ذلك العبد الصالح، وعند ذلك يجتمع الكواكب في أول درجة من ~~الحمل، ويهلك الناس والحيوان والنبات كلها. ثم تسير الكواكب بعد هلاك أهل ~~الأرض مدة حتى تبلغ أول السرطان، فحينئذ تفتح أبواب السماء فلا يبقى في ~~السماء قطرة إلا انحدرت إلى الأرض، فيغمر الماء الأرض من جميع أقطارها كلها، ~~وتصير الأرض في وسط الماء محاطة جوانبها بالماء علوا وسفلا وتبقى كذلك حتى ~~تصل الكواكب إلى برج الأسد، فعند ذلك تفتح نار عظيمة من جانب المشرق PageV01P140 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0141.png) ~~فتغلي ذلك الماء غليا متواترا حتى تجف الأرض والبحار من نواحيها كلها، ثم ~~تذيب الجبال وتحرقها حتى تصير كالسراب وتمكت تلك النار حتى تذيب وتهلك ~~كل ذي جسد في الأرض ومن فيها ويصير الملك كله لله الواحد القهار. هكذا ~~وجدت في ذلك الكتاب العتيق، وأنا أتبرأ من صحته وخطإه جميعا، ولا أدري أن ~~اعتماد واضع هذا الكتاب) على حساب مسير الكواكب، أم أخذه من كتب بعض ~~الأنبياء المتقدمين عليهم السلام، إذ رأيته يوافق بعضها ما جاء في أحاديث نبينا ~~صلوات الله عليه. هذا ما نقلته والعهدة على من رواه. وفي بعض الكتب القديمة ~~طوفان الهواء وهبوب الرياح العظيمة تكون في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ~~يزدجردية(9، وانقلاب(3) العالم على ما يوجبه الظن والتخمين في [سنة](0) ثلاث ~~وتسعين وخمسمائة هجرية. [والقران الثامن في المثلث الأ... يدل على خراب ~~الأرض وانقضاء الدنيا. هكذا ذكر، والاعتقاد على أن لا اعتماد على قولهم] PageV01P141 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0142.png) ~~وذكر الخازمي - من المتأخرين منهم - أن اجتماع الكواكب السبعة مع الذنب في ~~الميزان يوم الثلاثاء سلخ جمادي الآخرة سنة اثنين وثمانين وخمسمائة هجرية، ~~والطالع لقبة الأرض الميزان، والكواكب ظاهرة فوق الأرض تدل على طوفان ~~هوائي ممتزج بأرضي، وزلازل، وخسفات، وهبوب رياح مفسدة لجميع ما على ~~وجه ms062 الأرض شرقا وغربا. وزعم أن ذلك موافق سبعة آلاف سنة من عهد آدم، وقبل ~~ذلك يفتح سد يأجوج ومأجوج بخمس سنين(2). وزعم أن ثابت بن قرة استخرج ~~ذلك وعينه. # قال المصنف ومن العجب العجاب أني رأيت في المنام كأن شيخا يقول لي إن ~~المدة إلى القيامة مخبوءة في لفظ 5011 القيامة، فانتبهت وتفكرت في لفظها ~~واشتقاقها وما يتعلق بها فلم أظفر بشيء، ثم لما حاسبت حروفها بالجمل كان ~~الألف واحدا، واللام ثلاثين، والقاف مائة، والياء عشرة، والألف واحدا، والميم ~~أربعين، والتاء أربعمائة، فكانت الجملة اثنين وثمانين وخمسمائة، وقد حكيت هذه ~~الحكاية في رسالتي الواوية وهذا من غرائب المنامات وعجائب الاتفاقات والله ~~أعلم بذلك. # واعلم أن هذه الاختلافات والخرافات التي أوردتها من هؤلاء الأمم ظلمات ~~بعضها فوق بعض، وإنما أوردتها لتكون عبرة لأولي الأبصار في أن من يبادي الله ~~في مكتوم علمه وينازعه في مكنون حكمته كيف يفتضح ( الحمد لله بل أكثرهم لا PageV01P142 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0143.png) ~~يعلمون )2؛ (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) الجن؛ ~~26) . إن من لم يشهد خلق السماوات والأرض كيف يطلع على كيفية خلقهما ~~وكمية مدتهما وإنما يعلمها من خلقها (آلا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ~~(الملك؛ 14). وقلت أنا في قصيدة: ~~ضل المنجم في قضايا أنجمرن الإله # قرن الإله يجريها تدبيره ~~الله يعلم دورهن حقيقة إذ كان خالق كلها ومديره ~~أبدى وأبدع أنجما وأنارها وأبان للورى فيها تقديره ~~ما كان بطليموس يشهد خلقها فيجيل في هيئاتها تفكيره ~~تبا له ماذا يرجم ظنه فوق السماء وليس يعلم بيره ~~هيهات قد طوى الغيوب عن الورى لا خلق يعلم بدأه ومصيره ~~ولكل نجم دار يعلم دوره وحسابه رب قضى تدويره11 # فإن قيل: فقد كثرت الروايات عن النبي صلى الله عليه سلم إن الدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في ~~آخرها ألفا2). ويروى عه صلى الله عليه وسلم من أول يوم من الدنيا إلى آخرها خمسون ألف ~~سنة. ويروى عنه أيضا إن الله قدر المقادير قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ~~ألف عام). وعن ms063 عبد الله بن عباس أنه قيل لموسى عليه السلام: "مذ كم خلق الله ~~السماوات والأرض؟ فقال: يا إلهي، أما تسمع ما يقول عبادك؟1 فأوحى الله: يا ~~موسى إني خلقت قبل الدنيا أربع عشرة مدينة من فضة، وملأتها خردلا، ثم خلقت ~~طائرا وجعلت رزقه كل يوم حبة فأفنى ذلك، ثم خلقت الدنيا". وأمثال هذه ~~الأحاديث عن نبينا وعن صحف الأولين من الأنبياء المتقدمين كثير. الجواب: إن ما PageV01P143 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0144.png) ~~يصح من هذه الأحاديث المختلفة فلاختلافه في طول المدة وقصرها وجه صحيح، ~~وهو أن كل ما جاء في السبعة آلاف وكان صحيحا فهو من تاريخ هبوط آدم وحواء ~~في الأرض، وما جاء من الألوف الكثيرة المتطاولة فهو من تاريخ بدء الخلق، أعني ~~من ابتداء خلق العقل، والقلم، واللوح، والعرش، والملائكة، والسماوات، والأرض، ~~والجن، والشياطين، وسائر الحيوانات، إذ هي من عوالم الله تعالى، ولكل عالم منها ~~مبدأ وتاريخ. وقد جاء في الأحاديث الصحاح أن سكان الأرض قبل آدم كانوا الجن ~~والشياطين، ولذلك قدمهم الله تعالى بالذكر على الإنس في قوله: (يمعشر الجن ~~والإنس...}) (الرحمن؛ 33) وقوله : (من الجنة والناس) الناس؛6) ~~وذلك من تقديم ا511 خلقهم لا تقديم فضلهم. وقال تعالى: (الحمد لله الذى ~~خلق السموات والأرض وجعلالظلمات والنور)... إلى قوله ... (هو الذى خلقكم من طين) ~~(الأنعام؛ 1، 2)1. # فإن قيل: فإذا صح أن المدة سبعة آلاف فقد صح ما ذكره المنجمون من كمية ~~البقية منها. الجواب: أن ههنا إشكالا، وهو أن المدة الماضية من آدم إلى الهجرة ~~غير محققة عند العلماء، إذ المخبر عن ذلك هو التوراة، وللتوراة أربع نسخ، نسخة ~~عبرانية، ونسخة يونانية، ونسخة سريانية، ونسخة سامرية. فالمدة بين آدم والهجرة ~~في العبرانية أربعة آلاف وثمانمائة وإحدى وأربعون سنة، فيكون الباقي بعد الهجرة ~~ألفين ومائة وتسعا وخمسين سنة. وفي النسخة اليونانية المدة بين آدم والهجرة سبعة ~~آلاف وميتان(1) وستة عشر سنة، والباقي إلى سبعة آلاف يكون سبعمائة وأربعا ~~وثمانين سنة. وفي النسخة السريانية المدة بينهما خمسة آلاف وثلاثمائة وإحدى ~~وثمانون سنة وخمسون يوما، فيبقى ms064 إلى تمام السبعة آلاف سنة بعد الهجرة ألف ~~وستمائة وثماني عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرة أيام. وفي النسخة السامرية كان ~~بينهما خمسة آلاف ومائة وسبع وثلاثون سنة، فالباقي ألف وثمانمائة وثلاث وستون PageV01P144 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0145.png) ~~سنة. فإذا وقع بين هذه النسخ الأربع هذه الاختلافات المتفاحشة، كيف يمكننا أن ~~نحكم على مقدار ما بقي من الدنيا حكما جزما ? بل غايتنا أن نقطع بقرب الساعة منا ~~كما قال الله تعالى: (إنهم يرونه بعيدااونرته وريبا)) المعارج؛ ،7) وقال: (إن ~~الساعة عانية أكاد أخفيها) ط 15) يعني أكاد أسترها عنكم لفرط قربها منكم. ~~وقيل أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهرها? وذلك لما رأى من مصلحة الخلق في ~~خفائها. قال النبي صلى الله عليه وسلم مثلي ومثل الساعة كفرسي رهان سبق أحدهما الآخر ~~بأذنه1). أما الساعة والوقت على التحقيق فلا يعلمه إلا الله تعالى كما قال عز وعلا: ~~(إن الله عنده علم الساعة) ) وقال: (لا يبجليها لوقها إلا هو ثقلت في السموات ~~والأرض لا تأتيكد إلا بغلة) 1) ومعنى ثقلت، قال ابن عرفة(2): اثقلت ~~علما ومعرفة. وقال القتيبي: خفيت، وإذا خفي عليك الشيء فقد ثقل. قال ~~ابن راغب(3: "ثقل القول على فلان أي كره سماعه6). وأرى أن معناه ثقلت PageV01P145 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0146.png) # 151 ~~وطأتها في السماوات والأرض لأنها تشقق السماوات، وتدكدك الأرض، وتهد ~~الجبال. وقوله إلا بغتة" أي فجأة، والبغتة لا تكون معلومة للخلق البتة. # وأما المقدمات فمعلومة. قال الله تعالى: (فقد جاء أشراطها) محمد؛ 1) يعني ~~مقدماتها. قيل: هي نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: الآيات المنذرة وقد ظهرت المقدمات ~~الصغار التي جاءت بها الأخبار مثل قوله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يكون الولد ~~غيظا، والمطر قيظا، وتفيض اللئام فيضا، وتغيض الكرام غيضا. ا521 إلى غير ~~ذلك. والعظائم من الآيات فمنتظرة بعد، مثل خروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، ~~والدابة، ونزول عيسى عليه السلام، وتلك تظهر في أيام قلائل. قال ابن عباس: إنها ~~كخرزات في سلك إذا انقطع واحدة منها كان يتبع بعضه بعضا في مقدار أربعين ~~يوما. ms065 وقال أبو العالية : في ستين يوما. وقيل: في أربعين سنة، والله أعلم. # هذا نهايات ما بلغنا من أهل التواريخ والحساب، ونقلة الأخبار والآثار، ~~ومستنبطي المعاني الأبكار، من إشارات الحروف والكلمات، وحاصلها ما قال الله ~~تعالى: (قل لا يعلو من في السموات والأرض الغيب إلا الله)). أما التواريخ فقد ~~سقط الاعتماد عليها من كثرة الاختلاف فيها وعدم الثقة بناقليها. وهب أنه يصح أن ~~مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، فإذا لم ندر كم الماضي منها كيف نعرف كم الباقي? ~~وأما قول الذين عدوا الحروف من أوائل السور على شريطة ترك المكررات منها ~~فدعوى لا برهان عليها. وحيي بن أخطب وأتباعه إنما قالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم عنتا ~~وعنادا أو إيهاما لعامتهم بأن عندهم علما ابتغاء الفتنة. ثم تزك المفسرين بعدهم ~~المكررات من الحروف واقتصارهم على المفردات، وعدهم إياها بحساب الجمل، PageV01P146 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0147.png) ~~وحكمهم بأن الباقي من مدة الهجرة إلى الساعة أو مدة مولد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الساعة ~~هذا القدر، كلها دعاوى من غير مستند عقلي ولا شرعي ولا حسي. وقد يقال لهم: ~~ولعل في تلك المكررات التي طرحتموها من غير حجة أسرارا ومعاني قد غفلتم ~~عنها، فإن الله تعالى قد كرر الألف فيها ثلاث عشرة مرة، وكذلك اللام ثلاث عشرة ~~مرة، وكرر الميم سبع عشرة مرة، وكرر الحاء سبع مرات، والطاء أربع مرات، والراء ~~ست مرات، والسين خمس مرات، والصاد ثلاث مرات، والعين مرتين، والهاء ~~مرتين، والقاف مرتين، والياء مرتين، والكاف مرة، والنون مرة، فلعل في اختصاص ~~تكرير كل حرف بهذه الأعداد معاني عجيبة لا يطلع عليها أحد، ولعل مبلغ حسابها ~~هو منتهى مدة أمة محمد عليه السلام، ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمس وثمانون سنة. ~~فمن قطع الحكم على تعيين هذه المحتملات من غير دليل كانت دعواه باطلة ~~وظنه كاذبا. # هذا، وقد ذكر في تفسير هذه الحروف قريبا من سبعين قولا، بعضها منسوب ~~إلى أكابر الصحابة، وبعضها إلى التابعين، وبعضها إلى المتأخرين من المفسرين. ~~وأقربها إلى الصواب أنها ms066 أقسام أقسم الله تعالى بها في أوائل سور القرآن تعظيما ~~لها، لأن حروف التهجي أصول الكلام كله، ومباني أسماء الله الحسنى وصفاته ~~العلى، ومبادئ تأليفات كتبه المنزلة على أنبياءه تنبيها للخلق ا531 بأن هذا الكتاب ~~المنزل هو من هذه الحروف التي أصلها عندكم، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله، فلو ~~كان من عند غير الله لقدرتم على إتيان مثله من تركيب هذه الحروف مع تظاهركم ~~على ذلك، وهذا هو المعنى الكلي فيها. أما تخصيصها بهذه الحروف الأربعة عشر ~~مع ما بلغ من مكرراتها فشيء لا يبلغ إليه أفهام البشر، وهو السر الذي قد روي ~~عن) أبي بكر الصديق (لففه: إن هذه الحروف من أسرار الله لا يعلمها إلا هو3. PageV01P147 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0148.png) # 153 # وأما قول المنجمين فظنون كاذبة، وأحاديث ملفقة لا طائل تحتها، لأن الحكم ~~على وقوع الشيء إما أن يكون بالحس، أو بالعقل، أو بالشرع، أو بالتجربة والعادة ~~المستمرة المتواترة. أما معرفته بالحس فمحال بالإجماع، وأما معرفته بالعقل فلا ~~برهان لأهل الأحكام النجومية من حيث العقل أصلا، وما تكلفوا في ذلك فخرافات ~~وتمويهات يضحك منها الصبية والمجانين فضلا عن العقلاء. وأما الشرع فقد ~~جاء بخلافه، قال الله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة)الآية (لقمان؛ 4) وقال: ~~ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم)5) وقال: (قل لا ~~يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله)) وقال: وعنده مفاتح الغيب ~~لا يعلمها إلا هو)) وقال: (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) عمران؛ ~~17) وقال النبي صلى الله عليه وسلم كذب المنجمون ورب الكعبة. وقال: إذا ذكر النجوم ~~فأمسكوا. وقال: من آمن بالنجوم فقد كفر بما أنزل على أبي القاسم. وقا صلى الله عليه وسلم ~~أصبح الناس بين مؤمن وكافر، فالمؤمن من قال مطرنا بفضل الله ورحمته، والكافر ~~قال مطرنا بنوء كذا2 إلى غير ذلك. فإن نسبوها إلى إدريس النبي عليه السلام، قلنا ~~هذه دعوى لكم من غير إسناد، وقد روينا بطلانه بالإسناد الصحيح عن أفضل ~~الأنبيا لى الله عليه وسلم، كذب المنجمون، إن أشد ms067 ما أخاف على أمتي الإيمان بالنجوم PageV01P148 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0149.png) ~~وأما التجربة واستمرار العادة والتواتر فمعدومة أيضا، لأن التجربة إنما ينتفع بها في ~~الأمور الممكنة الواقعة على الأكثر الأغلب لا على النادر المستغرب، والعادات إنما ~~تكون مستمرة متكررة، وقد شاهدنا أحكامهم غير متكررة ولا مستمرة، بل تصيب ~~مرة وتخطئ ألف مرة، والعادة ليست كذلك، والتجارب إنما تكون بالامتحانات ~~الطويلة، وهي في أحكامهم باطلة، فإنهم يحكمون بالقرانات التي تقع في كل ألف ~~سنة وأكثر وأقل، وقد زعموا أن الكواكب إذا اجتمعت كلها في برج واحد، في ~~درجات ودقائق مخصوصة، يدل على طوفان يعم الأرض، وذلك يكون في كل ~~ثلاثين ألف سنة، ومن الذي عاش أضعاف هذه المدة حتى حصلت له هذه التجربة ~~بالتكرار والتواتر? ثم ادعوا أن من ابتداء العالم ا54 إلى انتهائه سبعة آلاف سنة، ~~كل ألف في تدبير كوكب، وهذا يناقض قولهم الأول. وزعم بعضهم أن مدة الدنيا ~~اثنا عشر ألف سنة على عدد البروج، ولا حجة لهم على هذه الدعاوى، وإنما ~~أصولهم كلها تحكمات ومسلمات ودعاوى عارية عن البراهين. ثم إن كل ما ~~يدعونه من أصولهم لو عارضهم إنسان بخلافه أو ضده لم يجدوا بينهما فرقا، وإن ~~زيجاتهم التي بنوا الحساب عليها في سير الكواكب مختلفة جدا مثل الزيج ~~الماموني، والبتاني، وزيج سند وهند، والزيج الممتزج، وزيج الفاخر، والمعتبر ~~السنجري وغيرها لا يوافق العمل بواحد منها الآخر، بل يتفاوت بعضها بعضا في ~~درجات ودقائق كثيرة. وإذا كان الحساب غير موثوق كان الحكم عليه خطأ لا ~~محالة. ولو تتبعنا نقائصهم لطال الكلام، ولكننا نشير إلى بعض مخازيهم ~~وفضائحهم في دعاويهم ليعتبر بها العاقل ويرى سخافة عقولهم وركاكة آرائهم. PageV01P149 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0150.png) ~~فمنها قولهم أن الكواكب الثابتة في فلك البروج ألف واثنان وعشرون، وهي أيضا ~~نحوس وسعود على أمزجة السيارات السبع، ولها أحكام وتأثيرات في العالم ~~الأسفل. ثم إنهم معترفون بقصور العلم عنها، ومعرفة مواضعها، ودرجاتها، ~~ودقائقها، وسعادتها، ونحوستها، إلا مقدار نيف وأربعين نجما هي في العظم الأول ~~والثاني، أوردها الصوفي في صور ms068 الكواكب، وذلك عندهم معروف. فيقال ~~لهم: إنكم إذا حكمتم على طالع سنة أو طالع مولود بالسعادة لنظر سعد إلى الطالع ~~من تثليث أو تسديس أو وقوعه في درجة الطالع، ثم اتفق مجاسدة نحس ذلك ~~السعد من نحوس تلك الثوابت التي(3) لا تعرفونها، أليس يبطل حكمهم أصلا ~~وينقلب السعد نحسا [وكذلك بالعكس من ذلك]؟ وهذا ما لا جواب له(5) أصلا. ~~ومنها نقول: ما قولكم في مولودين يسقطان من الرحم في لحظة واحدة، أو توأمين ~~خرجا في مشيمة واحدة بطالع واحد، أليس يجب أن يكونا متساويين في الصورة، ~~والجثة، والأخلاق، والأعمال، والأرزاق، والآجال، والصحة، والأمراض، وجميع ~~الأحوال بحيث لا يتمايز أحدهما عن الآخر بوجه ما؟ وهذا شيء لم ير قط! ومنها PageV01P150 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0151.png) ~~نقول: ما قولكم في الخلق الكثير والجمع الخفير مع اختلاف مواليدهم وطوالعهم ~~يموتون في وقت واحد، كما تكون عند الزلزلة والطوفان أو غرق سفينة، أو قتلوا ~~في ملحمة، كالجمل، وصفين، أو بالقحط والطاعون، أليست طوالع مواليدهم، ~~وعطايا هيلاجاتهم، ومواضع القواطع من 5511 تسييراتهم كانت مختلفة دالة على ~~اختلاف آجالهم [وليست الكواكب كلها في تلك الساعة دالة على قطع ~~آجالهم]?2، فكيف يعمهم الهلاك ودلائل طوالعهم بموجب الكواكب مختلفة، ~~ويكون فيهم الأطفال والكهول والشيوخ ? فإن قالوا هذه دلالة كلية وتلك دلالات ~~جزئية، والجزئيات مندرجة تحت الكليات. قلنا فعلى هذا إذا بطلت الأحكام ~~الجزئية بكليات تعلوها وتغلبها على الندور [والاتفاقات]2) فقد بطلت الثقة بأحكام ~~النجوم أصلا، إذ لو كانت صحيحة في نفسها لما أبطلها الطارئ عليها، ووقوع ~~الطارئ غير معلوم. ومنها ادعاؤهم نحوسة بعض الكواكب، وسعادة بعضها ~~[وهو] باطل، إذ لا سعادة في هذا العالم ولا نحوسة على الإطلاق، [يعني أن ~~السعادة والنحوسة يكونان بالإضافة إلى أناس مختلفين](5) ولهذا قيل مصائب قوم ~~عند قوم فوائد. ومنها أن الأجرام العلوية عندهم في ذواتها غير قابلة للتأثيرات، PageV01P151 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0152.png) ~~إذ لا اختلاف في طباعها، فما معنى قولهم في اختراق الكواكب، ونحوستها، ~~وسعادتها، ووبالها، وهبوطها، وبطاءتها، وسرعتها، ورجوعها، واستقامتها، ~~وحضيضها، وذروتها، وتثليثها، وتربيعها، ومقابلتها، مع ms069 اعترافهم أن تلك ~~[الأحوال] تعرض عليها على سبيل الإضافة إلى أماكن بأعيانها، وهي في أنفسها ~~وذواتها مبرآت عن ذلك، وإنما الاختلافات(2) في اعوجاجها واستقامتها لأجل ~~الأماكن لا لذواتها، فما الذي يوجب من اختلاف الأماكن بالإضافة إليها هذه ~~الأوصاف لها من السعادة والنحوسة في الأجرام السفلية من الحيوان والنبات? ~~وأعجب من ذلك استدلالهم ببياض الزهرة والمشتري على الصلاح والسعادة(3، ~~وبحمرة المريخ على إراقة الدماء. فلو وجب أن كل ما كان لونه بياضا دالا على ~~الصلاح، وما كان لونه شبيها بالدم كالمريخ دالا على القتال وإراقة الدماء، لوجب ~~أن يكون كل أبيض من الأجسام السفلية دليلا في الأرض على الصلاح، وكل أحمر ~~منها دليلا على النحوسة وإراقة الدم، إذ هي أقرب إلينا من الكواكب. وكذلك لو ~~أوجب كل ما حركته سريعة أو بطيئة من الكواكب دليلا على السرعة والتباطؤ في ~~الحوادث الأرضية وحوائج الإنسان لوجب أن يكون كل بطيء وسريع من ~~الأجسام الأرضية مؤثرة في أهل الأرض، إذ هي أقرب منها وأشد اتصالا. ومنها ~~قولهم إن زحل أبطء الكواكب سيرا والقمر أسرع الكواكب سيرا، وهذا بالعكس ~~أولى لأن الواجب أن يقال إن زحل أسرع الكواكب سيرا لأن مسافة دوره أبعد، ~~والقمر أبطأ الكواكب لأن مسافة دوره أقرب. ومنها قولهم أن ا561 الكواكب غير ~~مركبة من الطبائع الأربعة، فلا حرارة هناك ولا برودة ولا يبوسة ولا رطوبة، ثم ~~يزعمون أن زحل بارد يابس، والزهرة باردة رطبة، والشمس حارة يابسة، وعطارد ~~ممتزج، والقمر بارد رطب، إلى غير ذلك، وهل هذا إلا تناقض? PageV01P152 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0153.png) # فإن قالوا إنما نريد بأنها تؤثر في الأجسام الأرضية بالحرارة والرطوبة والبرودة ~~واليبوسة، قلنا إذا سلمتم بأن ليس هناك طبع فكيف يرطب ما لا يكون رطبا، وكيف ~~يحرر ما لا يكون حارا في نفسه? ألا ترى أن الماء مرطب وهو في نفسه رطب ~~والنار محررة وهي حارة في نفسها، وكذلك العقاقير كالزنجبيل والكافور. ولو قلتم ~~إنها تعمل باختيارها لوجب أن يختار زحل مرة سعادة ومرة نحوسة، وكذلك ~~المشتري مرة نحوسة ms070 ومرة سعادة، وأنتم لا تقولون ذلك. ومنها قولهم إن القمر يمر ~~تحت جرم الشمس فيستر ضوءها عن أبصار ناس بأعيانهم في مواضع مخصوصة، ~~هذا هو الذي يسمونه الكسوف، ثم يحكمون عند ذلك بموت ملك من الملوك في ~~بعض الأقاليم، ولو صح ذلك لوجب أن يكون كل إنسان استتر من الشمس بحائط ~~أو سقف أو دخل في سرب كان يموت( أو يحدث في الأرض حادث، وهذا لا ~~يقوله المجانين. فإن ادعوا على صحة نجومهم بصحة حسابهم في الكسوفين، ~~قلنا ليس العلم بالكسوفين من جنس العلم بأحكام الكسوفين، وإنما هو بمثابة ~~مطالع الشمس المختلفة في الشتاء والصيف التي يعرفها عامة الناس عادة مستمرة ~~أجراها الله تعالى على سبيل واحد، إلا أن ذلك أخفى فيحتاج إلى حساب. # وهب أن علم النجوم صحيح فلا تستقيم دعواهم أيضا في كمية مدة العالم، لأنهم ~~حكموا في ذلك على قرانات العلويين وهم معترفون بالعجز عن استخراج وقت ~~اقترانهما حقيقة درجة ودقيقة لتباطء حركتيهما، فعدلوا عن ذلك إلى طالع سنة القران ~~وحكموا عليه، وهذا عجز منهم وحيرة ودليل على بطلان ما قالوه. هذا ولولا شغف ~~النفوس بمعرفة الغيوب وحب الذهب لم يغتر عاقل بعلم النجوم والكيميا قط فاعلم. # سبحان من بنى الدنيا قنطرة على سبعة طيقان من قتام(2)، مسافة كل طاق منها ~~ألف عام، وجعلها ممرا للأنام، إلى مقر العز في دار السلام، فإذا مروا بآخرهم عليها PageV01P153 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0154.png) ~~إلى الآخرة، انهدمت القنطرة بالرجفة الفاقرة، فإذا هم بالساهرة. هكذا قال المسيح ~~عليه السلام: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها 10). فالعاقل يعبرها ذميلا، 5711 ~~والجاهل يتخذها مقيلا، فطوبى لقلب يرقى ببراق اليقين، من وهدة عالم التكوين، ~~إلى ربوة ذات قرار ومعين، عانيا بهمته إلى عليين، ولا يشف إلى هذه الدنيا الدنية ~~الغارة الغاشة، البسور في صورة الهاشة، القصيرة العمر، الكثيرة الغدر، يقطر من ~~نسيمها السموم، ومن غمامها الغموم، أم سوء تأكل أولادها، تسترد(6) مستفادها، ~~أهلها بالبقاء يفنون، وبالسلامة يضنون، لذتهم خناق من عسل، وأسرة سرورهم ~~سرير(3) المغتسل. # إلهي، افتح من ms071 أبواب قلوبنا أقفال الأغفال، ونح عن نواحي عيوننا أغطية ~~الخيال، حتى نرى دمامة الدنيا فنقلاها، ووسامة الأخرى فنهواها، يا جواد الأجواد، ~~[وبالله التوفيق]. PageV01P154 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0155.png) # اختلف الناس في أول ما خلق الله من المتقدمين والمتأخرين. فأما الخارجون ~~عن الإسلام فلا نعبأ بمقالاتهم فضربنا عنهم الذكر صفحا. والمعتزون إلى ~~الإسلام فكثير من المفسرين، والوعاظ، والمحدثين قد تعلقوا بأحاديث غريبة، ~~وروايات بعيدة في الأوليات استغرابا واستعجابا. وقد قيل: من اتبع غرائب ~~الأحاديث كذب. وأكثرها أخبار وأحاديث لا توجب العلم، سيما الوهبيات، فإن ~~وهب بن منبه لما أسلم، وكان حبرا لليهود، خلط الإسلام بأشياء كثيرة وجدها في ~~الصحف الأولى وأخبار الإسرائيليات، وكان ينسبها إلى التوراة، ولا خفاء في ~~تحريف التوراة، قال الله تعالى: (ويقولون هو من عند الله وماهو من عند الله) ~~(آل عمران؛ 78). وكان أئمة الصحابة زجروه عن ذلك مرات. فلما رأينا الأمر على ~~هذه الصورة، تتبعنا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وجمعنا ~~من الإشارات المتفرقة فيه إلى كل أصل من الأصول في بدء الخلق والإعادة، ~~واعتمدنا على الأحاديث المشهورة المتواترة المذكورة في المسانيد الصحاح التي لا ~~غبار عليها، فمنها قول النبي صلى الله عليه وسلم أول ما خلق الله العقل إلى آخره. وقوله: أول ~~ما خلق الله القلم. ثم تأملنا فإذا الشيئان المتغايران لا يكون واحد منهما أولا في ~~التكوين والإيجاد على الإطلاق، إذ لا يخلوا إما أحدثا مصاحبين أو أحدثا ~~متعاقبين. فإن أحدثا متصاحبين معا فلا يختص أحدهما عن الآخر بالأولية، فلا PageV01P155 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0156.png) # 161 ~~يكون واحد منهما أولا على الانفراد، وإن أحدثا متعاقبين يكون المبتدأ أولا ~~والعاقب ثانيا، فيكون الأول واحدا منهما لا محالة. فهذه الجملة تدل على أن ~~المخلوق الأول 5811 المطلق لا يكون إلا واحدا، بل لو كان لكل واحد من ~~المبدعات أجناس، وأوصاف، وخصائص لجاز أن يجري اسم الأولية على كل ~~واحد منها، ولكن بشرط التقييد، فيقال: أول الأجسام كذا، وأول المعاني كذا، وأول ~~الأنوار كذا، وأول الإنسان كذا، وأول ms072 البهائم كذا. فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: أول ما ~~خلق الله نوري2). وفي رواية روحي". ومعناهما واحد، أي أول ما خلق الله من ~~الأرواح روحي، والأرواح نورانية. فأما إذا أطلق فلا يحمل إلا(3) على العموم، ولا ~~يحتمل ذلك الأول إلا واحدا هو أول المخلوقات ابتداء، وسائره توابعه. فعلى هذا ~~قال بعض الكبراء من الأئمة: إن أول المخلوقات على الإطلاق ملك كروبي يسمى ~~العقل، وهو صاحب القلم بدليل توجيه الخطاب عليه في قوله: أقبل، فأقبل. ثم قال ~~له : أدبر، فأدبر. والحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل، ~~فأقبل؛ ثم قال له: أدبر، فأدبر؛ ثم قال له: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا أحب إلي ~~منك، بك أعرف، وبك آخذ، وبك أعطي، وبك أعاقب، وبك أثيب. وفي رواية ~~وبك أغبد". ومعنى قوله: "ما خلقت خلقا". أي ما قدرت، أو تكون بمعنى ~~المستقبل، أي ما أخلق. ولما سماه قلما قال له: اجر بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة5). وتسميته قلما كتسمية صاحب السيف سيفا، وقد قيل لخالد بن الوليد ~~اسيف الله وهو أول لقب في الإسلام. وسمي ذلك الملك عقلا لوفور عقله، وقلما ~~باعتبار كتابته على اللوح المحفوظ بأمر الله تعالى. وقوله: بك آخذ. إشارة إلى PageV01P156 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0157.png) ~~جنس ما خصه به من العقل، فإن عقول الخلق لم تكن حينئذ مخلوقة، ولا يبعد أن ~~يكون هذا الملك العظيم هو الذي يقوم صفا، والملائكة صفا، ويسمى أيضا روحا ~~لغلبة روحانيته كما سمي جبريل روحا، وذلك كقولهم: فلان شعلة نار لحدة ذهنه. ~~والكروبي، بتخفيف الراء، هو المقرب من قولهم: كرب الأمر إذا قرب، فعلى هذا ~~التقدير والتأويل يكون ذلك الملك الكروبي هو المخلوق الأول، ولكنه لهذه ~~الاعتبارات عقل، وقلم، وروح. والقلم قريب المعنى من العقل. قال الله تعالى: ~~(علم بالقلم)ل) قال بعضهم أي بالعقل، لأن الأشياء تعلم بالعقل. وقد ~~يكون العقل بمعنى العاقل كالعدل بمعنى العادل. # فإن قيل: إذا كان العقل عبارة عن ملك بهذه ms073 الاعتبارات، فما وجه الحديث ~~الصحيح: إن الملائكة خلقوا من نور2). فيجب أن يكون النور سابقا على العقل ~~والملك جميعا? الجواب: وقد جاء أيضا أن القلم خلق من نور، وقد سمى الله تعالى ~~العقل نورا في مواضع من القرآن، فالنور إذا /59 لا ينافي هذه الأشياء إذ من ~~غلبة النورية على ذلك المخلوق كأنه خلق من نور، كما قال الله تعالى: (خلق ~~الإ نسان من عجل)ب3) وذلك لغلبة العجلة عليه، تصديقه قوله: (سأوريكم ~~اياتي فلا تستعجلون) الأنبياء؛ 37). # وأما الحديث المشهور: أول ما خلق الله جوهرة، وفي رواية درة، فنظر إليها ~~وخلق منها كذا وكذا، فهو أن الأجسام على ضربين: لطيفة، وكثيفة، فمعناه: أول ~~ما خلق من الأجسام اللطيفة الملك الذي سماه عقلا وقلما، وأول ما خلق الله من PageV01P157 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0158.png) # 163 ~~الأجسام الكثيفة الدرة التي سماها جوهرة، فلا يكون فيه تناقض والله أعلم. وهذا ~~أصل كبير لمن تأمله. وبيانه أن الله تعالى أبدع أوليات الأشياء بقدرته من غير شيء، ~~وهو معنى قوله: (كن فيكون). وهذه اللفظة، أعني (كن) عبارة عن سرعة ~~تعلق القدرة بالمقدور المعلوم من غير زمان، إذ لا زمان هناك، فكأنه لما أراد تكوين ~~الشيء كون، فكان ذلك الشيء في الحال من غير استمهال. فسرعة وقوع ذلك ~~الشيء بقدرته هي قوله: (كن)، وهذه من مقتضيات الأشياء تسمى لسان الحال. ~~قال منصور بن الشماخ يصف ضعفه وهرمه، وكان من المعمرين: # وها أنا هذا ارتجي مر أربع ~~ثلاث مئين قد مررن كواملا وها أنا هذا ارتج # إذا رام تطيارا يقال له: قع ~~فأصبحت مثل الفرخ في العش ثاوياإذا رام تطيارا يق # قوله قع، عبارة عن سرعة وقوعه عند النهضة، وليس هناك قول أحد له قع، ~~وكذلك المعنى في قوله: (كن). وإنما شرحت هذا المعنى لغموضه فاعلم. # ثم إنه تعالى لما أبدع الأوليات من لا شيء، كان يخلق بعد ذلك الشيء من ~~شيء سابق في الوجود على المخلوق الثاني كما خلق آدم من تراب، والسماء من ~~دخان، والملائكة من نور، والجان من ms074 نار السموم، والناقة من صخر، والفرس من ~~ريح. وقد صرح بذلك في كتابه، قال الله تعالى: (أولة ينظروا في ملكوت السموات PageV01P158 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0159.png) ~~والأرض وما خلق الله من شيء)) فنبه على أن الملكوت [أوليات]1 لم ~~تخلق من شيء، وما سواها خلق من شيء، ثم نبه على خطر فوات النظر بانقطاع ~~الأجل فقال: (وأن عسي أن يكون قد اقترب أجلهم)1) وهذا بيان ما ~~سبقني أحد إليه فيما أظن، ولعل ذلك أقرب من الصواب مما قيل: إن الأوليات عام ~~ومعناها خاص، كقوله: (وأنا أول المؤمنين)لأعراف،1) لأن عموم ~~الأولية في كل شيء إذا جاز تخصيصه، لم يتحقق قط إيجاد مخلوق أولا لاستواء ~~الجميع في قبول التخصيص بشيء ما. ومما يحقق هذا الأصل قوله تعالى: ن ~~والقلم وما يسطرون) (القلم؛ 1. قال الحسن: النون الدواة). وقيل النور، ~~وقيل الحوت، وقيل نهر في الجنة. وقالوا إن مداد القلم من تلك الدواة هو النور؛ ~~وهذه أقوال متقاربة. # واعلم أن هذا القلم جار في يد صاحبه على اللوح المحفوظ، واللوح هو الخلق ~~الثاني بعد القلم القابل لأثر مجاري القلم من الكتابة، 6011 على ما دلت عليه ~~الأحاديث الصحيحة. وإنما سمي لوحا لسعته، ومنه سمي الهواء لوحا. ويحتمل أنه ~~سمي به لما يلوح عليه من الخطوط، أي يظهر عليه، وسمي محفوظا لأن ما كتب ~~فيه محفوظ من المحو والتغايير أبدا، فلا مبدل لكلمات الله. وسمي إماما لأن ~~الكوائن تنسخ منه، فكأنها تأتم به في الوجود، ومنه سمي المصحف المكتوب بيد PageV01P159 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0160.png) ~~عثمان لنغه إماما. قال الله تعالى: (وكل شيء أحصينه في إماءم مبين )يس12) ~~أي في اللوح المحفوظ. # واعلم أن للوح مع العرش على ما دلت عليه الأحاديث اتصالا خفيا عن أفهام ~~الخلق، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلمأن قال: ما من شيء من الخلق إلا وصورته تحت ~~العرش1). فإن قيل: قد قال الله تعالى: (يمحوا الله ما يشاء ويثبت) ~~وقال: ((ولا مبدل لكلمدت الله)آ فكيف الجمع بينهما? فاعلم أنه قد ذكر ~~فيه2) أقوال كثيرة، ولكني ms075 أرى أن الصواب أن يحمل المحو والإثبات على دفع ~~القضاء عن بعض المقضي عليه إما بدعاء، أو بصدقة، أو بصلة رحم إلى غير ذلك، ~~فإن أصل المكتوب لا يكاد ينمحي قط ولكنه يندفع عن المقضي عليه بسبب، ~~والدليل عليه قوله تعالى بعد ذلك: (وعنده أم الكتاب)عد3) فهو ~~في الكتاب مثبت كما كان، ولكن بالنسبة إلى المقضي عليه كأنه قد محي إذ دفع ~~عنه بسبب. ومثاله أن زمهرير الشتاء لا يرد من الهواء ولكنه قد يدفع عن بعض ~~الناس بالاصطلاء ولبس الأوبار والفراء، وفي هذا سر الدعاء المستجاب كما ~~قل صلى الله عليه سلم: لا يرد القضاء إلا الدعاء). وسيأتي باب الدعاء على الاستقصاء. وهذه ~~المسألة قد سأل جم الملك إدريس النبي صلى الله عليه وسلم قال له إدريس: هل رأيت حبة سالمة ~~خرجت من فم الرحى الدائرة؟1 قال جم: نعم1. قال إدريس: "لما أراد الله سلامة ~~تلك الحبة ما استوقف الرحى عن الدوران، ولكنه هيأ لها حفرا بين الحجرين، ~~وحماها من الانكسار بازدحام أخواتها عند الطحن، فانتقلت الحبة من حفرة إلى ~~حفرة حتى خرجت سالمة والرحى تدور كما كانت. كذلك الله سبحانه إذا أراد دفع ~~بلاء عن عبد، هيأ لدفعه عنه أسبابا دوافع فتنزل ويندفع البلاء في الطريق فلا PageV01P160 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0161.png) ~~يصيبه(1). وهكذا جاء في الحديث: ينزل القضاء ويصعد الدعاء فيعتلجان في ~~الهواء حتى يموت صاحبه. تأمل هذا الكلام فإنك لا تجده في كتاب. # واعلم أن القضاء والقدر عبارتان عن مجاري هذا(9) القلم على اللوح بمقتضى ~~علم الله تعالى ومشيئته، ولذلك تارة يعبر عن علمه بالقضاء، وتارة عن حكمه ~~ومشيئته، والأصل ما ذكرته. والفرق بين القضاء والقدر هو أن القدر أعم والقضاء ~~أخص، فتدبير الأوليات قدر كما قال تعالى: (إنا كل شىء خلقته بقدر وما أمرنا إلا ~~واحدة [كلمج بالبصر])... (القمر؛ 49، 50)وسوق تلك الأقدار بمقاديرها ~~وهيئاتها إلى مقتضاها هو القضاء. قال الله تعالى: (وإذا قضي أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون)البقرة ) فالقدر إذا تقدير الأمر بدأ، والقضاء فضله وقطعه ذلك ms076 ~~الأمر. يقال قضى القاضي بينهم أي فصل الحكم وقطعه. قال ا61 الله تعالى: ~~(لقضى إليهم أجلهم) يون؛) أي قطع. فمثال القدر وضع الشطرنج لواضعه ~~الأول في ذهنه وهو صنعة ابن داهره، ومثال(53) القضاء ظهور منصوباتها وأشكال ~~لعبها إلى يوم القيامة، فإنها لا تخرج قط عن أصل الوضع الأول البتة وإن اختلفت ~~أوضاعها وتكاثرت صورها إلى ما لا نهاية. وعند تأملك هذا المثال، تجد كسب PageV01P161 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0162.png) ~~العباد موقوفا على وفق قضاء الله وقدره، ومشيئتهم رهن مشيئته. ولقد غلط من قال ~~إن الشطرنجي قدري، فإنه مع حذقه وجودة لعبه إلى الجبر أقرب، إذ لا يمكنه ~~الخروج عن أصل الوضع، وإنما اختياره بالنسبة إلى الوضع الأصلي في محل ~~الجبر، مثل صاحب النرد كما بيناه في باب الكسب، فافهم واعرف قدره. وكان ~~حجة الإسلام الغزالي رحمه الله وضع القضاء بإزاء الأمر الواحد الكلي الذي هو ~~كلمح البصر، والقدر بإزاء التفصيل لإجاد المقدرات. ذكره في المقصد الأسنى ~~ولكن الأئمة القدماء على خلافه والله أعلم. # سبحان من في الأزل منعوتا بالصفات الأزلية من القدرة والعلم والمشيئة، فبدأ ~~الخلق بإبداع ملك عظيم وسماه قلما إشارة منه إلى أنه مخلوق بتلازم هذه الصفات ~~الثلاث، فالقاف من قدرته، واللام من علمه، والميم من مشيئته. ثم لما ملكه أمر ~~الملكوت سماه ملكا، ثم ختم الخليقة بخلق خليفته آدم من طين، وملكه ممالك ~~الأرض وسمي ملك الطين. فهذا ملك بالكسر وهذا ملك بالفتح لأن ملك هذا في ~~السفل وملك ذاك في العلو، والكسرة سافلة والفتحة عالية. ثم فوض الكتابة إلى ~~القلم، وفوض العلم إلى آدم، فما كتبه القلم هناك قرأه آدم هنا، وهو قوله: ( وعلم ~~ءادم الأسماء كلها) (البقرة؛ 31). # إلهي انقش على ألواح(2) أرواحنا علوما نافعة، وهيء لأركان أشباحنا أعمالا ~~رافعة، زين صفحات أيامنا بأنوار العبادة، واختمها على النجح والسعادة، يا حنان يا ~~منان يا كريم(3 PageV01P162 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0163.png) # عن عمران بن حصين رحمه الله قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا جاءه قوم من ~~تميم قالوا: جئناك ms077 لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان. فقال صلى الله عليه ولم. ~~كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، ~~[وكتب في الذكر كل شيء. هذا حديث يدل على أن عرشه قبل السماوات ~~والأرض.]3) وعن جعفر بن محمد اليغه عن أبيه عن جده أنه قال: لما نظر الله ~~إلى الجوهرة التي خلقها أولا جمذت فصارت حمراء، ثم نظر نظرا ثانيا فذابت ~~وارتعدت من خوف ربها فصارت ماء، ثم نظر إليها نظر الرحمة فجمد نصفها فخلق ~~منه العرش، فارتعد العرش فكتب الله [عليه]) لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن ~~العرش، وترك الماء على حاله يرتعد إلى يوم القيامة، وفي العرش تمثال جميع ما ~~خلق الله تعالى. 62 وعن أنس بن مالك (لففه عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال: خلق الله ~~العرش من عظمته له ثلاثة وستون برجا من ياقوتة حمراء ومن زبرجدة خضراء، ~~ومن لؤلؤة بيضاء، كل برج أوسع من الدنيا ثلاث مرات". وعن أبي ذر الغفاري ~~رحمه الله قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أة آية أنزلها الله عليك أعظم ? قال:آية ~~الكرسي7. ثم قال: يا أبا ذر، ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في ~~فلاة، والكرسي من بدئ العرش). وفي خطبة علي [بن أبي طالب] لفه: PageV01P163 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0164.png) # 169 ~~كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة، ولجج بحار زاخرة، تلتطم أوادي ~~أمواجها، وتصطفق متقاذفات أثباجها، وترغو زبدا كالفحول عند هياجها11). فهذه ~~أخبار وآثار صحاح تركنا أسانيدها مخافة التطويل، وهي بجملتها تدل على أن أول ~~ما خلق الله من الأرض ذرة، وأنها ذابت من هيبة(2) الله فصارت ماء، وأن لطائفها ~~تصاعدت بقدرته إلى فوق، فخلق منها العرش المحيط بجوانبها، وذلك قوله: ~~(وكان عرشه على الماء) هود؛ 7) ثم خلق السماوات والأرض" أي: ثم ~~من تلاطم الأمواج أيضا صعدت أدخنة وارتفع بعضها متراكما على بعض فخلق ~~منها السماوات السبع طبقا فوق طبق، وكان لها زبد طاف كما ms078 أخبر. (ثم استوى إلى ~~السماء وهى دخان) (فصلت، 11) وإنما خلقها من دخان ولم يخلقها من بخار لأن ~~الدخان خلق متماسك الأجزاء يستقر عند منتهاه، والبخار يتراجع، وذلك من كمال ~~علمه وحكمته؛ ثم بعد ذلك مد الزبد على وجه الماء ودحاه فصار أرضا بقدرته، ~~وذلك قوله : (والأرض بعد ذلك دحلها) (النازعات؛ 30) ثم نظر إليها بعين الرحمة ~~فجمدت كما جاء في الحديث قوله: فجمد بعضها" وهو التذلل في قوله تعالى: ~~(جعل لكم الأرض ذلولا)) وأشار إلى هذه الجملة بقوله تعالى: ~~( أولم ير الذين كفروا أن السموت والأرض كانا رتقا ففنقناهما وجعلنا من الماء كل شيء ~~حى) (الأنبياء؛ 30) فتأملها. # ثم لما أراد خلق خليقة الأرض بعث إليها عزرائيل [عليه السلام])، بعدما رجع ~~جبريل وميكائيل عليهما السلام كما جاء في الحديث، فأخذ عزرائيل قبضة تراب PageV01P164 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0165.png) ~~170 ~~سلها من جميع وجه الأرض وطرحها وسط الأرض، وهو بين مكة وطائف، لأنه ~~جذبها من أطراف الأرض ونواحيها إلى وسطها وسرتها، وكان عزرائيل يومئذ يتولى ~~القبضة ولم يعبأ لشكاية الأرض مما نقص منها، كما في الحديث، كذلك هو متولي ~~قبض الأرواح من أجسادها إلى القيامة، ولا يرثي لباك حتى يرد جميع وديعة ~~الأرض إليها، كما قال الله تعالى: ( منبا خلقناكم وفيما نعيدكم) (ط55) فما من ~~أحد يموت إلا ويدفن في التربة التي خلق منها على ما جاء في الحديث. ولما ~~نظر الله سبحانه إلى الأرض بعد خلقها نظر الرحمة، كان الذي قبضه عزرائيل من ~~الذرات مواقع نظره تعالى، وهي أديم الأرض كلها، فخلق آدم وذريته منها، وكانت ~~إليه الإشارة بقوله [تعالى]: سبقت رحمتي غضبي. لأنهم مخلوقون من مواقع ~~نظر رحمته أولا. ولما كانت تلك القبضة وجه الأرض، ا631 ولجلدة الوجه ظاهر ~~وباطن، يسمى ظاهرها بشرة وباطنها أدمة، سمي المخلوق منها آدم باعتبار خلقه من ~~أدمة الأرض، وهي طرف جلدتها مما يلي الباطن، وسمي بشرا باعتبار خلقه من ~~بشرتها الظاهرة فقال تعالى: (إن خلق بشرا من طين)ص1). وفيه نكتة وهي ~~أن ذرات بشرة الأرض ظاهرة وذرات أدمتها ms079 باطنة، فكانت البشرية من الإنسان ~~عبارة عن صورته الظاهرة وأدميته عبارة عن أخلاقه الحميدة في الباطن. قال محمد ~~ابن عبد الله الترمذي في كتاب غور الأمور: إن إبليس كان يمشي على وجه PageV01P165 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0166.png) ~~الأرض، فبعض مواضع الأرض مس قدمه وصار موطأ رجله، وبعضها صار بين ~~قدميه، وبعضها لم يصل إليه قدمه ولا ظله، فالنفس الباطنة خلقت من تراب قدميه، ~~والنفس الظاهرة خلقت مما بين قدميه حيث سامته ظله، [وخلق القلب من تراب لم ~~يصل إليه قدم إبليس ولا ظله] وهو التراب المنظور إليه نظر الرحمة. ثم قال: ~~وهذا مثل آدم عليه السلام، لما أهبط جال جميع الدنيا فما وطئ عليه قدمه نالته ~~رحمة وبركة فصار بلدة ومدينة، وما كان بين قدميه من الأرض صار قرى وسبلا، ~~وما لم يصل إليه من الأرض صار مفاوز. وقال أيضا رحمه الله في بعض كتبه عن ~~بعض الكبراء، أظنه الخضر عليه السلام، أنه قال: "محل المعرفة من الإنسان [هو ~~الذرة التي نظر إليها الرحمن يوم جمد الماء أرضا، وباقي جسده توابعها] وذلك ~~ما لم يصبها إبليس بقدميه وظله، وهو لب القلب في حبته السوداء وعلى تلك ~~يدور العود والإنشاء1. وهذا أصل كبير، وسيجيئ بعد هذا مشروحا. قال: وجاء في ~~الحديث أن إبليس سأل الله تعالى السبيل إلى القلب فقال: إنه محرم عليك أن ~~تدخله ولكن لك السبيل في مجاري عروقه المشتبكة بالنفس إلى حد القلب، وذلك ~~أن العروق أصلها في النفس ورأسها في القلب، فإذا دخلت العروق وجريت فيها ~~عرقت في العروق من ضيق مجاريها، فامتزج عرقك بماء الرحمة المترشح من ~~جانب القلب في مجرى واحد، ويصل بذلك سلطانك إليه فتغلب صاحبه، ومن ~~جعلته نبيا أو وليا قلعت تلك العروق من باطن قلبه فيصير القلب سليما، فإذا ~~دخلت العروق لم تجاوز المشتبكة فلم يصل إلى القلب سلطانك). ومنه أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم شق قلبه وأخرج العلقة عنه فانسد طريق الشيطان. وهذه الجملة في ~~معنى قوله: (إنه ليس له سلطن على الذينءامنوا) ms080 الآية النحل؛. ويقال لما بلغ PageV01P166 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0167.png) ~~روح آدم عليه السلام إلى تلك الذرة التي أودعت صميم القلب، استعجل وبادر إلى ~~القيام ونصفه الأسفل طين كما قال تعالى : (وكان الإنسان عجولا))ء. # واعلم أن جميع الذرات المأخوذة من بشرة الأرض أودعت 11 64 ظهر آدم ~~عليه السلام، ولذلك كانت جثته أعظم الخلق، وقامته أطول، حتى إن رأسه كان ~~يصطك بالسحاب فصلع لذلك، ثم تصاغر أولاده شيئا فشيئا. فكل ما كان منه أبعد ~~كان أصغر قامة إذ كان أشخاصهم بقدر ما أودع فيها من ذرات الأولاد قرنا بعد ~~قرن، حتى انتهوا إلى صغر يأجوج ومأجوج. وكان قد يتقاصر أعمارهم إذ كانت ~~فيما مضى طويلة، حتى أن كثر النسل واستخرجت الذرية من الأصلاب، ~~ولاستخراج تلك الذرات نذب أولاده إلى النكاح، كما قال نبي صلى الله عليه وسلم تناكحوا ~~تكثروا الحديث. ولهذا شدد النكير والوعيد في تضييع الماء باللواطة، والعزل، ~~والاستمناء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا ركب الذكر الذكر اهتز العرش. وقال: العزل ~~أحد الوأدين). وقال: ناكح اليد ملعون. ولو لم يكن في ذلك الماء خطر لكان ~~صبه مباحا كسائر المياه. PageV01P167 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0168.png) # واعلم أن أولاد آدم على ضربين، ضرب يتصل بهم النسل إلى يوم القيامة ~~فتتقلب تلك الذرات في أصلابهم من بطن إلى بطن، كما قال الله تعالى لنيه صلى الله عليه وسلم ~~(وتقلبك في الساجدين)ء2). وقصة ظهور نوره في أجبنة آبائه ~~مشهورة، وضرب ينقطع نسلهم في أزمان وأوقات معلومة لله تعالى من يوم ولد ~~أولاده إلى يوم القيامة. وقال بعضهم: ~~تواصل حبل النسل ما بين آدم وبيني فلم يوصل بلامي باء # يريد باللام شخصه وبالباء النكاح. ولانقطاع العمر أسباب خفية وذلك أن لكل ~~ذرة أجلا مسمى عند الله، فبعضها ينقطع وهي بعد نطفة، وبعضها تغيض الأرحام، ~~وبعضها يموت جنينا [في البطن]، وبعضها يخرج سقطا، وبعضها يموت في ~~المهد، وبعضها في الصبى فلم يبلغ. وعلى هذا المثال يكون لها آجال مقدرة إلى أن ~~تنتهي إلى أكمل العمر وهو الأرذل، قال الله ms081 تعالى: (ومنكمر من يرد إل أذل العمر لكي لا ~~يعلم بعد علم شيءا)) وإنما سماه أرذل لتخاذل الأعضاء، وضعف ~~الأركان، ونقصان الإحساس فيه. وقد قيل: الشيب وكل عيب18) حتى لا يرغب فيه ~~أحد، قال بعضهم: PageV01P168 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0169.png) ~~تعب هذه الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد # واعلم أن الأخبار والآثار دلت على أن أشرف ذرة منها هي ذرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وكان عبد الله بن عباس الفغه أشار إلى أن أصله من صرة الأرض بمكة. وقال ~~القاضي الماوردي في كتاب النبوة عن أبي نصر السكسكي( أن ما نطق من الأرض ~~موضع الكعبة، ومن السماء ما بحيالها فقالتا: (أنينا طأبعين) (فصلت؛ 11)(3 ~~وهذا يشعر بأن تلك الذرة المجيبة من موضع الكعبة هي ذرة المصطف صلى الله عليه وسلم، وكانت ~~الكائنات متطفلة له [لوجودها، وفيه معنى ما جاء في الأحاديث: لولاك ما خلقت ~~الكون.](4، 6511 ولذلك قالتا: أتينا طائعين، ولم يقل طائعات لغلبة العقلاء على ~~الجمادات. وكان روحه يومئذ مخلوقة لقوله صلى الله عليه وسلم، اول ما خلق الله روحي. PageV01P169 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0170.png) ~~وحين سئل ابن عباس عن معنى ص والقرآن1، قال: ص، بحر بمكة كان عليه ~~عرش الرحمن إذ لم يكن ليل ولا نهار). وقال مرة أخرى: ص، الصادق وهو ~~محمد صلى الله عليه وسل . وإنما أراد بالبحر الجوهرة السيالة من هيبة نظر الله تعالى، وكان لها ~~زبد طاف بسط أرضا، فجوهرة3 النبي صلى الله عليه وسلم ان قلبها ولبها. وقد قرئ في الشواذ ~~صاد والقرآن، معناه: صاد الله قلب محمد صلى الله عليه بمحبته. وقال آخرون ~~الصاد والصيد بمعنى كالعاب والعيب، وتأويله أنه المصطفى والمختار في بدء ~~الخل صلى الله عليه وسلم: وذلك معنى قوله: كنت نبيا وآدم بين الماء والطين.وفي رواية ~~وآدم منجدل في طينته07). وقال: أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا. ولذلك ~~سمي أميا لأن مكة أم القرى، دحيت الأرض من تحتها، وكانت تلك الذرة أم ~~لخليقة، فكان صلى الله عليه أميا لمعنيين [كذا] جميعا. ms082 # فإن قيل: فلم دفن بالمدينة وقد قال صلى الله عليه وسلم ما من أحد يموت إلا ويدفن في ~~التربة التي(8) خلق منها؟(3) قيل: إنه يحتمل أن أصل جوهره كان بمكة وسط PageV01P170 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0171.png) ~~الأرض، ولكن الماء لما تموج رمى بالزبد إلى النواحي فوقعت جوهرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى ما يحاذي تربته بالمدينة. كما قال علي بن أبي طالب ننفه في خطبته: تلتطم ~~أوادي أمواجها، وتصطفق متقاذفات أثباجها1). والأثباج الطهور. وكان رسول الله ~~على هذا المعنى مكيا مدنيا، وصار ذلك الموضع ترعة من ترع الجنة. ولذلك كان ~~حنينه إلى مكة وهو بالمدينة لأنه أول منزله. قال أبو تمام: ~~كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل(2 # ولما قدم عليه أصيل الخزاعي من مكة، كان النبي صلى الله عليه وسلم سأله عن أحوال مكة ~~قال: أنتشر إذخرها، وأبرم سلمها، وفاحت خزاماها فقال صلى الله عليه وسلم 66: يا أصيل، ~~دع القلوب تقر. ولذلك قال: "حب الوطن من الإيمان". ولذلك كان بدء وحيه ~~بمكة. # واعلم أن ذرات الذرية لما أودعت في طينة آدم وهي في التخمير كما قل صلى الله عليه وسلم ~~إن الله خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا5). ومعنى التخمير، تعجينها بما أودع ~~وأشرب في جبلتها من الأخلاق والمعاني له ولأولاده إلى يوم القيامة؛ ومعنى بيده: ~~اليد والأيد في اللغة القوة، ولما خلق الله القوة في اليد، سمى هذا العضو يدا باعتبار PageV01P171 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0172.png) ~~ما خص به من القوة والقدرة كما يسمى العين بصرا لما فيه من البصر، والأذن سمي ~~سمعا؛ وقوله أربعين صباحا" خص بهذا العدد لأن كمال مراتب الأعداد أربعة: ~~الواحد، والعشرة، والمائة، والألف. والعشرة عدد كامل من الآحاد لقوله: (تلك ~~عشرة كاملة) لبقرة؛ 1) فإذا كرر أربع مرات بلغت النهاية في الكمال. وأما ~~قوله: أربعين صباحا. ففيه معنى لطيف وهو أن الله تعالى رش في مدة التخمير كل ~~صبحة رشة من نوره1 على طينة آدم عليه السلام، والصبحة وقت ظهور الأنوار ~~وهبوب نفحات الأسحار، وكانت ذرات ms083 أولاده مختلطة مختمرة بطينته، والطينة ~~مظلمة، فمن أصابه من ذلك النور في صباحه اهتدى وهم السعداء، والذين لم ~~يصبهم من رشاش ذلك النور بقوا في ظلام طينتهم، ولم يسفر لهم صبح قط، وهم ~~الأشقياء. وفي المثل السائر ليس للعمي صباح". قال امرؤ القيس: ~~ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح، وما الإصباح فيك بأمثل # 691 وإنما عنى بالظلمة ظل الطينة البشرية، ومما يدل على هذه الجملة قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك ~~النور اهتدى، ومن لم يصبه ضل وغوى1 # واعلم أن الذرات الأصلية في الخلقة ذارت من أول الجوهرة في أطوارها من ~~تخمير طينة آدم وتقلبها في أصلاب ذريته وأرحام الأمهات، ثم في تراب البرزخ، ثم ~~في إعادة الأرواح لها عند السؤال، ثم في القيامة إلى حصولها في النعيم أو ~~الجحيم، والله تعالى يزيد في الخلق ما يشاء. وأصل الفطرة فيهم باق على ما كان، ~~والزائد متغير بالنشوء، والمرض، والسمن، والهزال. ولا إنكار في هذه الزوائد، فإن PageV01P172 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0173.png) ~~قطرة المني إلى أن يبلغ إنسانا كاملا قد لحقتها أجزاء كثيرة، إلا أن الجميع إذا ~~صوره الله إنسانا اتخذ حكمه وصار إنسانا واحدا، وإن تزايد بعض الأشخاص على ~~بعض، فافهم، فقد ضل في هذا المحل عالم، ولم يشرح هذا الشرح عالم. فإذا ~~انتهت الذرات التي أصابها النور إصابة صواب على وفق العلم والمشيئة لا إصابة ~~اتفاق، فعند ذلك تقوم الساعة، ولا مبالاة في بقاء الذرات التي لم يصبها النور. عن ~~أنس بن مالك (ليفه عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى لا يقال على وجه الأرض ~~الله، الله. وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة إلا على شرار ~~الناس2). هذا الذي دلت عليه لمحات الكتاب، وتنبيهات الرسل، وإشارات ~~المشايخ المكاشفين بالحقائق والمحدثين بها، ومباحثات العقول السليمة، وعلم الله ~~فوق ذلك وهو أعلم العالمين. # سبحان من خلق طينة آدم وجعله ms084 في نفسه عالما(3)، فأسجد له جباه أهل ~~سماواته، وأظهره آية عظيمة من آياته، ثم ابتلاه بأكل حبة، فأهبطه عاريا إلى هذه ~~التربة، ثم خرج في الأرض بنوه، واغتروا بزخارف الدنيا ونسوه، وواعظ الله فيهم ~~ينادي، من 6811 بطن كل وادي: يا أيها الطاووس المغرور بوشيه الملبوس، إلى ~~كم تجلو نفسك جلوة العروس، لا يغرنك النظر إلى ريشك ورياشك، ولا إلى ~~نعومة بدنك ورقة معاشك، ولا إلى زهوك في مشيك وانتقاشك، ولا إلى زخارف ~~أعشاشك، ولكن انظر إلى ذمامة رجليك، ومصارع أبويك، والأهوال التي بين PageV01P173 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0174.png) ~~يديك. رجلاك حاملتاك من الخلد إلى دار الابتلاء، وأبواك أوقعاك في سجن البلى ~~والبلاء، فيا غرضا معترضا لسهام ثلاث: سهم بلية، وسهم رزية، وسهم منية. تنبه ~~للمنية يا نؤوم، يا من حياته نفس بين نفسين، ولا يأمن على روحه طرفة عين. # إلهي نبهنا من نومة الغافلين، واجعلنا من عبادك الصالحين، صف عيون أفهامنا ~~من هبوات أوهامنا، ونق صحائفنا من لطخات الخطيئة، واكتب فيها رقوم السعادة ~~الأبدية، وامسح وجوه عقولنا عن غبرات الشهوات، يا مجيب الدعوات. PageV01P174 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0175.png) # قال الله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بن ادم من ظهورهم ذريتهم) الآية رالأعراف، ~~172) فيها اثنتا عشرة مسألة مشكلة منها، أن يقال: أين أخذ هذا الميثاق? ~~ومنها كيف استخرجهم من ظهر آدم? ومنها، كيف جوابهم عن قوله: (ألست ~~بربكم ) (الأعراف؛ 172) أكانوا إذ ذاك عقلاء، أم قالوه بلسان الحال، أم ~~كان المخاطب يومئذ أرواحا ? ومنها، إذ قال الجميع: "بلى" فلم قبل قوما ورد ~~قوما ? ومنها، لو سبق لنا عهد وميثاق، فلم لا نذكره اليوم؟ ومنها، هل كانت ~~تلك الذرات مصورة بصورة الإنسان أم لا? ومنها، متى تعلقت الأرواح بها، ~~أقبل خروجها من ظهره أم بعد الخروج? ومنها، ما الحكمة في أخذ الميثاق ~~عليهم? ومنها، أنه تعالى أعادهم إلى ظهره وهم أحياء أم استرد أرواحهم ~~6911 ثم أعادهم أمواتا؟ ومنها، أين رجعت الأرواح بعد رجوع الذرات إلى ~~ظهره? ومنها، أن الله تعالى يقول: (وإذ أخذ ربك من بني آدم ms085 من ظهورهم ذرينهم) ~~(الأعراف؛ 172) وعامة الناس يقولون أنه أخرجهم من ظهر آدم وحده? ومنها، ~~أنه جاء أن كتاب العهد والميثاق مستودع في الحجر الأسود، وأن للحجر عينين ~~ولسانا. # فهذه اثنتا عشرة مسألة قد تحيرت فيها عقول الفحول من العلماء، ولم أر في ~~كتاب من المتقدمين والمتأخرين فيها بيانا شافيا، وها أنا ذاكر على قدر وسعي ~~بيانها، مستمدا من الله سبحانه المعونة وإلهام الصواب. # المسألة الأولى: قولهم أين أخذ الله الميثاق? PageV01P175 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0176.png) # 181 # الجواب: قال ابن عباس: كان ذلك ببطن نعمان، وهو واد بجنب عرفة. ~~وقال بعضهم: كان بسرنديب(5) أرض بالهند، وهو الموضع الذي هبط به آدم من ~~الجنة. وقال الكلبي3: بين مكة وطائف [كذا]. وقال علي بن أبي طالب الفت: ~~كان أخذ الميثاق في الجنة. وكلها محتمل ولا فائدة في التعيين بعد صحة الاعتقاد ~~بأخذ الميثاق. # المسألة الثانية: قولهم كيف استخرجهم من ظهره? # الجواب: جاء في الحديث الصحيح: أن الله مسح ظهر آدم وأخرج ذريته منه ~~كلهم كهيئة الذر. وهذا حديث مشهور بألفاظ مختلفة، ثم اختلف الناس في أنه شق ~~ظهره واستخرجهم منه، أو استخرجهم من بعض ثقوب رأسه، وكلا الوجهين بعيد ~~والأقرب أنه استخرجهم من مسام شعرات ظهره، إذ تحت كل شعرة ثقبة دقيقة يقال ~~لها سم مثل سم الخياط، وجمعه مسام، ويمكن خروج الذرة الصغيرة منها كما PageV01P176 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0177.png) ~~يخرج منها العرق المتصبب والصئبان، وهذا غير بعيد في العقل، فيجب الاعتقاد ~~بإخراجها منه كما شاء. ومعنى مسح ظهره أنه أمر بعض ملائكته بالمسح، فنسب ~~ذلك إلى نفسه لأنه بأمره كان كقوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس [حين موتها]) ~~(الزمر؛ 42) والرب تعالى وتقدس أن يقال: مسح ظهره بيده على سبيل 7011 ~~المماسة، إذ لا اتصال بين القديم والحادث. ويحتمل أن يقال مسح ظهره، أي ~~أحصى، وعد، وعلم مقادير الذرات في ظهره، كما يقال مسحت الأرض إذا عرفت ~~مقادير أبعادها. # المسألة الثالثة: قولهم كيف أجابوه بقولهم [بلى](3)، أكانوا أحياء عقلاء أم قانوه ~~بلسان الحال? # الجواب: قد قيل الخطاب للأرواح، وأطالوا القول ms086 في ذلك، وقيل كان ~~المخاطب ذرات لا أرواح فيها [وإنما] أجابوا بلسان الحال لا بلسان النطق ~~والمقال، كما قال الشاعر: ~~امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني # فإن صورة الحال اقتضت ذلك وليس هناك قول، وأمثاله في كلام العرب كثيرة. ~~وكان الإمام الغزالي رحمه الله يقوله: السيف في الغمد قاطع، والماء في الكوز ~~مرو، ولكن ذلك بشرط الضرب وهذا بشرط الشرب. معناه، للسيف صلاحية PageV01P177 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0178.png) # 183 ~~القطع، وللماء استعداد الإرواء. والصحيح عندنا أن جوابهم كان بالنطق وهم أحياء ~~إذ لا يستحيل في العقل أن يؤتيهم الله الحياة والعقل والنطق مع صغرهم، فإن بحار ~~قدرته واسعة، وحدث عن البحر ولا حرج. وغاية وسعنا في كل مسألة أن نثبت ~~الجواز ثم نكل كيفيتها إلى الله تعالى. # المسألة الرابعة: قولهم إذا قال الجميع: بلى، فلم قبل قوما ورد قوما? # الجواب: قال محمد بن علي الترمذي: تجلى الله للكفار بالهيبة فقالوا ~~بلى مخافة، فلم يكن ينفعهم إيمانهم لأن إيمانهم كإيمان المنافقين؛ وتجلى ~~للمؤمنين بالرحمة فقالوا بلى طوعا فنفعهم إيمانهم. وقيل إنما قال السعداء ~~عمدا، وقال الأشقياء تقية، فامتحنهم(2) الله بالسجود فسجد السعداء ولم يقدر ~~الأشقياء أن يسجدوا لما كان في أصلابهم مثل سفافيد وكلاليب. وقيل إن أصحاب ~~اليمين قالوا: بلى" حقا فرجع صوتهم إلى جانب أصحاب الشمال وهم سكوت، ~~وكان ذلك لهم كارتداد الصوت في شعاب الجبال والكهوف الخالية الذي يسمونه ~~الصدى. وكان هواء الأرض يومئذ خاليا عن الأصوات، إذ لم يكن أحد في ~~الأرض غير آدم عليه السلام، وإنما هو محاكات للصوت الأول ولا حقيقة له. قال ~~الشاعر: ~~ودع كل صوت غير صوتي فإنني أنا القائل المحكي والآخر الصدى3 PageV01P178 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0179.png) # وقيل إنما قالوا تسخيرا لا اختيارا كما قال الله تعالى: (وسخرنامع داود ~~الجبال يسبحن والطير) (الأنبياء؛ 79). # والصحيح عندي أن قولهم بلى كان على وفق السؤال، وذلك أن الله تعالى ~~سألهم عن مربيهم ولم يسألهم عن إلههم ومعبودهم، ولم يكونوا يومئذ في زمان ~~التكليف، بل كانوا في حالة التخليق والتربية، ms087 وهي الفطرة فقال: (ألست برببكم قالوا ~~بلى (الأعراف؛ 172) لأن تربيتهم إذ ذاك مشاهدة، فصدقوا في ذلك كلهم. ثم ~~لما انتهوا إلى زمان التكليف وظهور ما قضى الله لكل أحد في اللوح من السعادة ~~والشقاوة، فكان منهم من وافق اعتقاده في قبول الإلهية إقراره الأول، ومنهم من ~~خالف، وهذا كلام صحيح. # المسألة الخامسة: قولهم لو سبق لنا عهد وميثاق مثل هذا فلم لا نذكره اليوم? # الجواب: إنما لا نذكره لأن تلك البنية قد انتقصت وتداولته الغير بمرور الدهور ~~عليها في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ثم تداركته أجزاء كثيرة زادها الله فيها، ثم ~~استحالت بتصريفها في الأطوار الواردة عليها من العلقة، والمضغة، واللحم، ~~والعظم، وهذه كلها مما يوجب النسيان. فإن محل الذكر إذا اختل ذهب الذكر لا ~~محالة. وقد روي عن علي (لن : اإني لأذكر العهد الذي عهد إلي ربي. وإنما ~~أخبر الله تعالى عن أخذ الميثاق منا تذكرة وإلزاما للحجة علينا فهذه فائدته. # المسألة السادسة: هل كانت تلك الذرات مصورة بصورة الإنسان أم لا? # الجواب: ما ورد في ذلك شيء، إلا أن الأقرب في العقول أنها لم تكن مصورة ~~إذ السمع والنطق لا يفتقران إلى الصورة بل يقتضيان محلا حيا، فإذا أعطاها الله ~~الحياة والفهم جاز أن يتعلق بها السمع والنطق، وإن كانت الذرة غير مصورة بصورة ~~الإنسان فالبنية عندنا ليست بشرط وإنما يشترطها المعتزلة، ويحتمل أن يصورهم PageV01P179 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0180.png) ~~بصورة الآدمي لقوله تعالى: (من ظهوره ذريتهم). ولم يقل ذراتهم، ولفظ الذرية ~~يقع على المصورين والله أعلم. # المسألة السابعة: متى تعلقت الأرواح بالذريات، أقبل خروجها من ظهره أم بعد ~~خروجها؟ # الجواب: الظاهر أنه تعالى استخرجهم أحياء لأنه سماهم ذرية، والذرية هم ~~الأحياء لقوله: ((وماية لهم أنا حملنا ذريتهم...) (يس؛ ) وقال: (وجعلنا ذريته هم ~~الباقين))) فيحتمل أن الله تعالى 72 خلق الأرواح فيهم وهم ~~في ظلمات ظهر أبيهم، ويخلقها فيهم مرة أخرى وهم في ظلمات بطون أمهاتهم، ~~ويخلقها فيهم مرة ثالثة وهم في ظلمات بطون الأرض، هكذا جرت سنة الله (ولن ~~تجدلسنة ms088 الله تبديلا)حزاب2). # المسألة الثامنة : ما الحكمة في أخذ الميثاق منهم? # الجواب: لأن معهم هناك معرفة الفطرة كما ذكرناه، وهم يصيرون بعد ذلك إلى ~~مقام الإدراك والتكليف، فيأتيهم الشيطان والأبوان فيدعونهم إلى غير التوحيد، ~~فجعل الله تعالى الميثاق حجة مبينة يتبين بها من وفى بالعهد الأول ومن حاد عنه ~~وغير. ومثاله من دفع إلى صائغ قطعة ذهب ليصوغ له حليا، فأخذ عياره في محك، ~~ويضع المحك في درج، ويختم عليه إلى وقت خروج الحلي من يد الصائغ، فيقابل ~~عياره بالمحك الأول هل هو باق على العيار الأول أم متغير بخيانة الصائغ? وما ~~أشبه خيانة الأبوين المربيين بخيانة الصائغ، والحجر الأسود بالمحك الأسود، وهذه ~~الجملة معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه كما يتناتج الإبل من بهيمة جمعاء، هل تحس من جدعاء? قالوا يا رسول ~~الله: أفرأيت من يموت صغيرا?1 قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. وفي رواية PageV01P180 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0181.png) ~~كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه. وحقيقة هذا الأمر ما ذكره ~~الترمذي رحمه الله أن الله تعالى لما خلق الخلق، نظر إليهم نظر العظمة والجلال ~~فأسبت الخلق كلهم، فسمي ذلك اليوم يوم السبت، وهو من السبات الذي هو ~~الدهش والوله، ليس من الاستراحة كما ظنت اليهود، فكانوا يومئذ عرفوه بتلك ~~النظرة معرفة ضرورية ليس لأحد أن ينكره. فتلك اللحظة كانت فطرة للخلق التي ~~فطر الناس عليها. والفطرة انكشاف الغطاء، يقال: فطرت الأرض إذا شققتها ~~لينكشف باطنها. فلما استخرجهم ذرية من ظهره وآتاهم الحياة [والنطق، استنطقهم ~~فقال: ألست بربكم؟ فعرفوه يومئذ بالفطرة]) الأصلية فقالوا: بلى، فأخذ منهم ~~الميثاق وثيقة ليوم يرجعون إليه في الآخرة. فعلى هذا كل مولود فولادته من بطن ~~أمه على تلك الفطرة، فما دام صغيرا فله حكمان: حكم في الدنيا، وحكم في ~~الآخرة. أما حكم دنياه فتابع لأبيه وأمه لأنه من كسبه وزرعه [كما](3) قال النبي ~~صلى ا731 الله عليه وسلم: وأن ولده من كسبه. وإن كان الأب مسلما ms089 فالولد ~~مسلم، وإن كان الأب يهوديا أو نصرانيا فالولد كذلك لأنيه كالعضو منه. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: فاطمة بضعة مني. ولذلك لا يسقط الولد في الميراث لأنه كبعض ~~أبيه، فكأن بعض الأب باق بعده على ملكه، وتلك الحالة تدوم بالولد حتى يعرب ~~عنه لسانه فيصير حينئذ له حكم آخر بالإدراك والبلوغ، فإن أعرب بعد البلوغ ~~بالإسلام فهو مسلم، وإن أعرب بغيره فهو كالأب من اليهودية والنصرانية. فأما إذا ~~مات قبل البلوغ فيكون(3) له حكم آخر، لأن حكم آخرته بخلاف حكم دنياه، PageV01P181 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0182.png) # 197 ~~فحينئذ ينقطع عنه عصمة تبعية الأبوين وقد مات وليس بيده مفتاح الجنة، وهو قول ~~لا إله إلا الله، فلم يلق الله موحدا قابلا للعبودية فيستوجب الجنة به، وكذلك لم ~~يشرك بالله فيستوجب النار بالشرك، فعند ذلك سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكمهم في ~~الآخرة فقال: الله أعلم بما كانوا فاعلين). ثم بعد ذلك بزمان قال: سألت ربي ~~اللاهين من أولاد البشر فقلت: يا رب، هب لي أولاد المشركين، فوهبهم لي ~~وجعلهم خدام أهل الجنة. وذلك لأن أهلها ملوك بالعبودية، وهؤلاء لم يعبدوه ~~وإنما صاروا إلى الجنة لأنهم لم ينقضوا العهد الأول، وهم الذين قال الله تعالى: ~~(يطوف عليهم ولدان مخلدون) (الواقعة؛ 1) قيل هو من الخلود، وقيل معناه ~~مقرطون، والخلدة القرط، ويحتمل أنهم محبوبون إلى القلوب، والخلد إلى القلب. # المسألة التاسعة: قولهم أأعادهم الله إلى ظهره أحياء أم استرد أرواحهم ثم ~~أعادهم إليه مواتا? # الجواب: الظاهر أنه لما أعادهم إلى ظهره قبض أرواحهم بناء على أنه لما أراد ~~في الدنيا أن يعيدهم إلى بطن الأرض يقبض أرواحهم، ثم يعيدهم فيها والله أعلم. # المسألة العاشرة : أين رجعت الأرواح بعد رد الذرات إلى ظهره? # الجواب: إن هذه مسألة غامضة لا يتطرق إليها النظر العقلي، ولم يج فيها ~~نص، ولكني لما دفعت إلى مضايقها في سياقة إيراد الأسئلة الواردة [على]5 الآية، ~~لزمني بدل المجهود وبالله العصمة ومنه المعونة فأقول: إن ما لاح لي في عرض ms090 ~~7411 الأخبار والآيات هو أن الله تعالى لما خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، PageV01P182 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0183.png) ~~كما ورد في الحديث، وعلم أعدادها ومقاديرها من العظم، والصغر، والسعادة، ~~والشقاوة، وقد جاء أن بعضها كان كالشمس الطالعة، وبعضها كالنجوم الدراري ~~إلى غير ذلك، والحديث المشهور: الأرواح جنود مجندة(2). إلى آخره، وكان ~~معسكرها في الملكوت الأعلى، والمتولي عليها الروح الأمين صلوات الله عليه. ~~وفي حقائق السلمي(3 رحمه الله: "سئل أبو بكر الواسطي عن الأرواح أين كان ~~مكانها حين أظهرها فقال: إنه تعالى خلقها وقبضها قبل الأجساد فأين كانت ترى? ~~[صار ما غاب](5) عيانا، لأن الدنيا والآخرة عند الأرواح سواء68). وأول روح خلقه ~~هو روح محمد صلى الله عليه وسلم، فلما أن أراد خلق أجسادها أمر عزرائيل بقبض التراب من وجه ~~الأرض كما مر ذكره، وكان جل جلاله قد هيأ في علمه لكل ذرة منها روحا في ~~الملكوت ملائمة لها، للسعيد سعيدا وللشقي شقيا، فكانت تلك الذرات أزواجا ~~لأرواحها، فسبحان الذي خلق الأزواج(8) كلها. فعلى هذا كان كل روح زوجا لذرة ~~جسده كما قال تعالى: (وإذا النفوس زوجت) التكوير؛ 7) أي قرنت بأجسادها PageV01P183 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0184.png) # 15 ~~في القيامة، وقد كان بينها تواصل في علم الله تعالى، وإن حالت بينها المسافات ~~البعيدة في رأي العين، وهذه جملة مقتبسة من لمع الأحاديث وإشارات المتقدمين، ~~والعلماء بالأخبار لا يخفى عليهم ذلك. ثم لما أراد الله تعالى أخذ الميثاق منهم، ~~أهبط بقدرته تلك الأرواح من مجندها على تلك الذرات على وفق علمه وقدرته1 ~~وحكمته، وفيه الإشارة إلى التعارف والتناكر في الحديث. ولما أخذ منهم الميثاق، ~~حل عقال الأرواح فطارت إلى مكامنها ومجندها في الملكوت إلى وقت اتصالها ~~بالأجنة في الأرحام. وقرأت في تفسير الإنجيل أن روح عيسى عليه السلام لم ~~تسترد عن الذرة بعد أخذ الميثاق، وإنما دفعها الله تعالى إلى جبريل فأسكنه ~~الملكوت، فكان يسبح الله ويقدسه إلى أن أمره بنفخها في جيب مريم، فخلق منها ~~المسيح عليه السلام من غير نطفة متوسطة، ولذلك سماه روحا، ثم رفعه ms091 الله إليه ~~حتى تقرب الساعة فينزل عيسى عليه السلام. 7511 وقول الله تعالى حكاية عنه في ~~مهده: (وجعلنى مباركا أين ماكنت) (مريم؛ 31) إشارة منه إلى هذه الجملة، يعني ~~أينما كنت من السماء والأرض. وأورد الإمام أبو نصر القشيري في تفسيره(3 عن ~~أبي بن كعب : "خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، ثم ردها إلى PageV01P184 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0185.png) ~~190 ~~صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى، فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم، ~~فكان منه عيسى عليه السلام، فلهذا قال وروح منه. # المسألة الحادية عشرة: قولهم قال الله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بنى عادم من ~~ظهورهم ذريتهم) ف1) والناس يقولون إن الذرية أخذت من ظهر آدم. # الجواب: هذا شيء يتعلق بالنظم، وذلك أنه لم يقل من ظهر آدم وإن خرجوا ~~من ظهره، لأن الله أخرج ذرية آدم بعضها من ظهر بعض على ما يتناسل الأبناء من ~~الآباء، فاستغنى به عن ذكر آدم استغناء بظهور ذريته، إذ ذريته خرجوا من ظهره، ~~كقوله تعالى: (من بني عادم). [نظيره): (ولقد خلقنكم ثم صورنكم ثم قلنا ~~للملبكة اسجدوالادم)ف؛ 1) أي خلقنا آدم وصورناه ثم قلنا للملائكة، ~~فجعل خلقه لآدم خلق ذريته إذ ذريته منه. ونظيره أن عمر بن عبد العزيز() وهب ~~لدكين الشاعر ألف درهم، فاشترى بها إبلا، فبورك في نسلها فكثرت، فكان دكين ~~يقول: هذه صناع عمر بن عبد العزيز. ولم [يكن]) كل ذلك من عطائه وإنما PageV01P185 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0186.png) ~~عطاؤه ثمن آبائها وأمهاتها، ذكره القتيبي. ويحتمل أن يقال إنه أخرج ذرية آدم ~~بعضهم من ظهر بعض في ظهر آدم، ثم أخرجهم جميعا، فيصح القولان جميعا. ~~فإذا قال أخرجهم من ظهورهم صح، ولو قال أخرجهم من ظهره صح أيضا. ومثاله ~~من أودع جوهرة في صدفة، فأودع الصدفة في خرقة، وأودع الخرقة مع الجوهرة في ~~حقة، وأودع الحقة في درج، وأودع الدرج في صندوق، ثم أدخل اليد في الصندوق ~~فأخرج فيه تلك الأشياء بعضها من بعض، ثم أخرج الجميع من الصندوق، فهذا لا ~~تناقض فيه. ms092 # المسألة الثانية عشرة: قولهم أنه جاء في الأثر والأحاديث المروية أن كتاب ~~العهد والميثاق مستودع في الحجر الأسود، وأن للحجر عينين وفما ولسانا، وهذا ~~غير متصور في العقل. # الجواب أنه قد جاء أن عمر بن الخطاب (لض لما استلم الحجر فقبله وقال: ~~إني أعلم أنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. 76 قبلك ما ~~قبلتك. فسمع علي فقال: مه يا عمر، أما سمعت الله يقول: (وإذ أخذ ربك من بنى ~~عادم من ظهورهم ذرينهم). الآية " لما خلق الله آدم استخرج ذريته من ظهره كهيئة ~~الذر يوم خلقهم إلى يوم بعثهم وقال: (ألست بربكم قالوا بلى). وكان هذا الحجر ~~يومئذ في الجنة، وكان له فم ولسان وعينان، فكتب العهد في رق أبيض وأشهد عليه ~~الملائكة بإقرارهم بالربوبية، وألقم هذا الحجر واستودعه هذا الموضع وقال: اشهد ~~لمن وافاك بالموافاة إلى يوم القيامة. هذا قول علي كرم الله وجهه، وهو مذكور ~~في التفاسير، ولكن العقول حارت في معناه، وأعرض عن شرحها الجمهور ~~لصعوبتها، فكان غايتهم الإيمان به والاستسلام له ورد معناه إلى الله تعالى. ولعمري ~~إن ذلك مقام عظيم كما ذكرناه في صدر الكتاب، ولكن أين من وفق لذلك PageV01P186 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0187.png) ~~والخواطر تفور بالفضول؟ فالراسخون في العلم خاضوا في تفسيره وتأويله استئناسا ~~للقلوب في قبوله، واستطرادا للشيطان في تسويله. فأقول: اعلم أن كلام أمير ~~المؤمنين علي (لففه يدل على أن أخذ الميثاق كان في الجنة لقوله: وكان هذا ~~الحجر يومئذ في الجنة. فإذا صح ذلك فلا يستبعد أن يكون للحجر هناك عينان ~~وفم ولسان، لأن الجنة دار الحيوان، فكل ما فيها من شجر، وحجر، وحلي، وحلل، ~~وأوان، وفرش أحياء ذوات حياة ونطق، كما ورد في الحديث. والرق الأبيض الذي ~~كتب عليه العهد كان من النور المتشعشع لا من رقوق الدنيا، فلا يبعد حينئذ التقام ~~الحجر إياه لكون الحجر حيوانا ذا فم فاغر، إلا أن الحجر لما نقل إلى الدنيا ~~تغير عما كان عليه في الجنة، كان ms093 كالدرة اللألاء فصار صخرة سوداء لمساس ~~أكف العصاة، هكذا جاء في الحديث. وكذلك يكون حال كل منقول من الجنة إلى ~~الدنيا، فإنه يتغير لا محالة كإبليس، والحية، والطاووس، اللهم إلا آدم فإنه لم تتغير ~~صورته ولكن تغيرت صفته إذ كان في رغد فصار في كبد، ولذلك قال آدم عليه ~~السلام: ~~تغيرت البلاد ومن عليها1 ووجه الأرض مغبر قبيح PageV01P187 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0188.png) # أما من قال: أخذ الميثاق كان في الدنيا. فيشكل الجواب عنه إلا أن تضيف ~~الحجر إلى السماء، فإنه قد رئيت حجارة كبيرة سقطت من السماء مع الصواعق، ~~سيما بناحية طبرستان وما والاها، وقد شاهدت بظاهر أردبيل صخرة كبيرة لها طنين ~~كطنين 7711 الأسفيد رؤية، إذا المطر أمسك، كانوا ينقلونها إلى البلد، فيأتيهم ~~المطر ما شاءوا، ويدوم ما دامت هي في البلد، فإذا اكتفوا حملوها على العجلة ~~وردوها إلى مسقطها بالعجلة، يسمونها حجر الطسوح. فسمعت بعض مشايخهم ~~أنها سقطت من السماء في زمن داود عليه السلام. فإذا كان مثل ذلك يقع فلا ~~يستبعد أن الحجر الأسود أرسله الله من الجنة إلى الأرض، ولا شك أن الجنة في ~~السماء لقوله تعالى: (عند سدرة المنهىعندها جنة المأوى ) (التجم، 154. ~~قال مقاتل: الجنة اليوم في السماء السابعة تهبط إلى الأرض، وكان الحجر حينئذ ~~حيوانا نورانيا مثل حصيات الجنة، فأحضر عند الميثاق وإقرار بني آدم بالربوبية، ~~وكتب كتاب العهد، وأودع في جوفه أمانة منه إلى يوم القيامة، ثم انقلب الحجر عن ~~صورته في هواء الدنيا. ولما كانت المعاهدة بين بني آدم مع الله تعالى، ومن عادة ~~المتعاهدين أن يمد كل واحد منهما يمينه لعهد الميثاق، والله سبحانه منزه عن أن ~~يكون له عضو مماس لأعضاء الخليقة، اختص هذا الحجر بكرامته وأقامه مقام يمينه ~~عند المعاهدة، كما يبعث الملوك خواتيمهم إلى النواحي لتنوب عن أيمانهم، ~~فتقضى عليها أمور. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحجر الأسود يمين الله في أرضه . ~~ثم لا يبعد أن يكون له في القيامة عينان، وفم، ولسان، يشهد للموفي بالعهد، وعلى ~~الناقض ms094 للعهد لأنه يرد إلى أصله من الحيوانية، ولأن القيامة تنخرق فيها العادات ~~فتشهد الأيدي والأرجل والجلود. ويحتمل أن يجعل الله تعالى ذلك الحجر حجة ~~بينة على الميثاق بأن يخلق فيه معنى يعرف بذلك وفاء من وفى، ونقض من نقض، ~~فيكون ذلك المعنى في الحجر بمنزلة العينين، والفم، واللسان، حتى كأنه يرى PageV01P188 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0189.png) ~~أحوالهم ويخبرهم بها للحجة عليهم. اعتبر هذا بالميزان، فإن من كان معه دراهم ~~مجهولة الوزن إذا وزنها بالميزان عرف وزنها حتى كأن الميزان عاين ذلك وأخبره ~~بمقدارها بالفم واللسان، ولهذا يقال عين الميزان، ولسان الميزان. فهذا ما أردناه من ~~القول في الآية. # واعلم أن المعتزلة أنكرت هذا العهد والميثاق وجميع ما ذكرناه، وزعمت أن ~~معنى أخذه من ظهورهم أن يأخذ بعضهم من ظهر بعض بالتناسل في الدنيا إلى يوم ~~القيامة، 781 وليس هناك عهد ولا ميثاق، وإنما العهد والميثاق إرسال الرسل، ~~واستعمال العقل والنظر والاستدلال، وتوجيه الخطاب إلى العبد. وكيف هذا ومعظم ~~الاعتقاد في إثبات الحشر والنشر مبني على هذه المسألة كما سيأتي بيانه، وإنكارهم ~~ذلك فرارا من غموض هذه المسائل ودقة معانيها، والرضا بالجهل سهل. # سبحان من فتش ظهر آدم عن ذريته الخبيئة، وأشهدهم على أنفسهم بالربوبية، ~~ليعلم أيهم عند التكاليف بالمفترض وفى بالعهد وأيهم نقض، فالسعيد سعيد بإيفاء ~~عهده، والشقي شقي بنقضه ورده، وكل ذلك من عنده، وحكمه وقضائه لعبده، يسأل ~~ولا يسأل، ويمهل ولا يهمل، لأنه الملك الحق النافذ المشيئة، والماضي القضية في ~~البرية. إن شئت أن تعرفه فعامله بالصدق، وإن شئت أن تراه فغمض عينيك عن ~~الخلق، عز جناب عزته عن لم وكيف، وانمحى كتاب حلمه عن الظلم والحيف. # إلهي، الحجر الأسود يمينك وقد استودعته كتاب أماننا، وسويداوات قلوبنا ~~بيمينك فاستودعها(3 كتاب إيماننا. PageV01P189 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0190.png) # إلهي، أنت الذي أسمعت الذرات خطابك، ولقنتهم بالصواب جوابك، نرجو ~~من لطفك الخفي، وبرك الحفي، أن تثبتنا بالقول الثابت في المنزلين، عند سكرة ~~الحين وسؤال الملكين. إلهي، أعنا على حفظ ميثاقك حتى نلاقيك بما يرضيك، ~~واحفظ [ختامه] من ms095 الفض وذمامه [من النقض])، إنك خير حافظا، وأنت أرحم ~~الراحمين. PageV01P190 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0191.png) # اختلف أهل الكتاب، هل خلق آدم في ابتدائه قابلا للموت أم جعل الموت له ~~عقوبة على معصيته. قال القاضي أبو الحسن الماوردي: إن بعضهم ادعى أن آدم ~~عليه السلام أنشئ على الطبيعة الباقية، والطبيعة الميتة ليكون إن مال إلى الشهوة ~~الجسمانية وآثرها وقع في التغايير فيناله الموت، وإن آثر فضائل النفس نال البقاء ~~السرمد الذي سعدت به الملائكة فلا يموت. فلما عصى بأكل الشجرة وقع في ~~التغايير، وأتاه الموت بعد ألف، واستشهدوا على ذلك من التوراة: إنك إن أكلت من ~~الشجرة يوم تأكل فتموت بموت. ولهذا عكس إبليس عليه أمر الشجرة فقال: ~~(هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبل ))ط12) وقال: (ما نهاكما ربكما عن ~~هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخلدين ) الأعراف؛ 20). وكانت الشجرة ~~تفضي إلى الفناء خلقة، لكن من تلبيسات إبليس أن يري الأشياء في صورة أضدادها ~~إضلالا للخلق. وقال آخرون: إن آدم خلق في الابتداء للفناء في الدنيا وإن لم ~~يعص الله مثلا لأنه أخرجه إلى الغذاء، والجواهر الباقية لا تحتاج إلى الغذاء. قالوا: ~~ولذلك 7 لا يموت من الملائكة من عصى منهم كهاروت وماروت. وكان في ~~التوراة: إن مد يده إلى شجرة الحياة فأكل منها عاش الدهر كله. قالوا: وشجرة ~~الحياة هي العلم، وشجرة الموت هي الحنطة، وقد تناول منهما جميعا فصار قلبه ~~معدنا للحكمة الإنسانية، وجسده مهيأ للأفعال البشرية. وذلك قوله تعالى: (وعلم ~~ءادم الأسماء كلها) (البقرة ؛ 31) فألهم الحكمة بأسرها لما خلق ابتداء، ولم يخلقه ~~بتوسط كما خلق نسله. وكان مطلعا على نجوم السماء في مجاريها، وعلى PageV01P191 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0192.png) ~~خصائص الحيوانات والنبات في منافعها ومضارها، ولولا ذلك لما عرف الغذاء من ~~الدواء، والدواء من الداء، والسموم من الشفاء، ولا اهتدي بالنجوم في الظلماء. # قال: وكانت نبوءته في بداية الحال مقصورة عليه، والذي نزل من الوحي ~~متوجها إليه، إذ لم يكن غيره أحد، وكان من المصطفين دون المرسلين حتى ولد ms096 ~~أولاده، إذ لم يمت حتى رأى من أولاده وأولاد أولاده](2) أربعين ألف نسمة، وكان ~~عمره على الأصح تسعمائة وثلاثين، وقيل ألف سنة. وحين دنا أجله لم يبق في ~~ظهره من ذرات الذرية أحد، بل انتقل جميعهم إلى ظهور أولاده الأدنين، ثم منهم ~~إلى ظهور الذين كانوا بعدهم، ثم هكذا ينتقلون من ظهور بعضهم إلى ظهور ~~الآخرين إلى يوم الدين، فإذا انتهى آخرهم تقوم الساعة. # واعلم أن المتقدمين قد جربوا فقالوا وجدنا بقدر ما ينقص من الذرات ينقص ~~جسوم أولاده قرنا بعد قرن، وكذلك على مقدارها ينقص أعمارهم إذ كانوا يعيشون ~~في الألف الأول ألف سنة وما قاربه، ونحن تأملنا أعمار القرون الماضية، على ما ~~ذكر في التواريخ، فوجدنا أهل كل ألف ينقص مدة عمرهم عن عمر الألف الذي ~~كان قبله بمقدار ثلث غالبا، فعلى ذلك كان عمر آدم ألفا أو قريبا منه، وأعمار بنيه ~~في ذلك الألف أطولها ألف وأغلبها نصفه، وهو خمسمائة، فلما دخل الألف الثاني ~~كان قد نقص منه قدر الثلث، فكان أطول أعمارهم قدر ستمائة وستا وستين سنة ~~وثلثي سنة. وقد جاء في التاريخ أن سام بن نوح عاش ستمائة سنة وأغلبها نصف ~~ذلك، وهو ثلاثمائة سنة وثلاث وثلاثون وثلث سنة. قال أنس بن مالك: كان ~~الرجل في زمن نوح عليه السلام ينسب إلى خمسة عشر أبا كلهم حي". ثم دخل ~~الألف الثالث فنقص منه [مائة واثنتان وثلاثون سنة وكسر]... الثلث() أيضا، فكان PageV01P192 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0193.png) ~~198 ~~أعمارهم أطولها أربعمائة وأربعين سنة وأربعة أتساع، وأغلبها1 نصف ذلك، وهو ~~مئتان وعشرون سنة وكسر. ثم دخل الألف الرابع فنقص منها الثلث أيضا، وكان ~~أطول أعمارهم قدر ثلاثمائة وست وتسعين سنة وأربعة أجزاء من سنة وعشرين ~~جزءا من سنة، وأغلبها نصفه، وهو مائة وثمان وتسعون سنة وكسر. ثم دخل الألف ~~الخامس فنقص منها الثلث وكان أطول أعمارهم مائتين وأربعا وستين سنة وثمانية ~~أجزاء من أحد وثمانين جزءا من سنة وأغلبها نصف [ذلك، وهو مائة واثنتان ~~وثلاثون سنة وكسر]، ثم دخل الألف ms097 السادس اا 80 ونقص عن الألف المتقدم ~~الثلث أيضا، فكان أطول أعمارهم فيه مائة وستا وتسعين سنة وثمانية أجزاء من ~~مائتين وأربعين جزءا من سنة، وأغلبها نصف ذلك، وهو إحدى وتسعون سنة ~~وكسر. ثم دخل الألف السابع، وهو الذي بعث فيه محمد صلى الله عليه وسلم وقعنا نحن في ~~آخره. وكان ينقص عن الألف المتقدم بالثلث أيضا، وكان أطول أعمار أهله مائة ~~وسبع عشر سنة وثمانين جزءا من مائتين وثلاث وأربعين جزءا من سنة، وأغلب ~~أعمارهم نصف ذلك، وهو نصف ثمانية وخمسون سنة ونصف سنة وكسر، ~~وبحساب الأهلة على عادة العرب يزيد فيه سنتان وكسر فيكون ما بين الستين إلى ~~السبعين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين3). قال جعفر ~~ابن محمد: من ولد بعد المائتين لم يعش مائة سنة. وأصل هذا كله من قول الله ~~تعالى: (ومايعمر من معمر ولاينقص من عمره إلا في كتب) فاطر؛ ) فقوله: (من ~~عمره) أي من عمر من كان قبله من القرن الأول على الرسم المعتاد، وهو غير ~~هذا المعمر المذكور. قال ثعلب: اتقول العرب لك: عندي دينار ونصف، أي PageV01P193 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0194.png) ~~نصف دينار آخر غير الدينار المذكور1). وأما تقدير النقصان بالثلث من أهل كل ~~ألف فلا يبلغه فهم البشر. ولعل تقدير الوصية من هذا الأصل، فإن ثلث مال ~~المريض يعد في حكمه، وهو الناقص من ميراث الورثة، فكأن أثلاث أعمار كل ~~ألف من هؤلاء باقية بعد انقراضهم، وهي القدر الذي يبقى في الخلق ذكرهم ~~بعدهم. ولهذا قيل: ذكر الفتى عمره الثاني، [وحاجته ما قاته]2). [والله أعلم]3. # واعلم أن هذه المقادير التي شوهدت في الدهور الماضية كأنها من إجراء الله العادة ~~وسنته التي قد خلت من قبل، وربما لا يعيش المولود إلا لحظة، أو ساعة، أو شهرا، أو ~~سنة، إلا ما شاء الله، وعلم ذلك من المفاتيح الخمسة التي لا يعلمها إلا هو. PageV01P194 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0195.png) ~~أجل وبلاغ. إن الذي قد عاش ألف سنة مضت ألوف من مماته، ms098 والذي عاش نفسا ~~عد ذلك من حياته، فيا أيها المغرور الغافل، المسرور بالمتاع العاجل، أقصر فإنك ~~في قافلة الردى وركب المنون راحل، أنفاسك خطاك وأيامك مراحل، وشهورك ~~وأعوامك فيها منازل، وليوث المنايا قطاع القوافل، أينما توجهت كن في الكمين ~~نوازل، والمنايا رصد للفتى حيث سلك(1، وليس يدري 811 في أي منزل هلك. ~~عيشك وصله في قطيعة، رقدة سريعة، سموم نقيعة، سراب بقيعة. # إلهي، أزل عن أبصارنا وأفكارنا غشاوة الغفلة عن ملاحظة جبروتك، واجعلها ~~مرايا يتجلى [كذا] فيها عجائب ملكك وملكوتك، واجعل أنفاسنا مراكب أذكارك، ~~وقلوبنا مهابط أنظارك، إنك سميع الدعاء، واسع العطاء. ~~(1) تضمين لبيت من قصيدة لأم السليك ترثي ولدها (ويقال إنها لأم تأبط شرا) وتقول: # طاف يبغي نجوة من هلاك فهلك # ليت شعري ضلة أي شيء قتلك؟ # أمريض لم تعد أم عدو ختلك؟ # أم تولى بك ما غال في الدهر السلك # والمنايا رصد للفتى حيث سلك ~~المعري، شرح ديوان الحماسة لأبي تمام، تحقيق حسين محمد نقشة، بيروت، دار الغرب # الإسلامي، 1411ه/ 1991م، ج 1، ص 552 - 553، قطعة: 308. ~~(2) تضمين عمدته هذه الآية: ( والذين كفروا آعملهم كمب قيعة يحسبه الظمان ماء حت إذا جاءه له ~~يحآده شيناو وجد الله عنده...) النور؛ 39. PageV01P195 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0196.png) # ولما استودع الله تعالى ذرات الخليقة في ظهر آدم عليه السلام، والصلب منبع ~~نطف الرجال، وخلق [حواء](1 من بعض أضلاعه اليسرى، ومن ذلك حنين الرجل ~~إلى أهله، لأنها خلقت منه، وبعض الشيء يحن إلى البعض. قال الله تعالى: ~~(وجعل منها زوجها ليسكن إليا) لعراف). وجعل ماءها في تريبتيها، ~~ومن أجله تكون شفقة الأم [على الولد أكثر من شفقة أبيه لأن وجه الأم](2 إلى ~~مائها وذلك من الأب وراء ظهره، وجعل رحمها مزرعة وحرثا للأولاد، وخلق ~~فيهما الشهوة الداعية إلى المباشرة، فتهيج رياح الشهوة من هواء الهوى بواسطة ألفة ~~الجنسية إلى المباشرة، فتحرك النطفة من مكامنها بمماسة العضوين ودغدغتهما، ~~وتجري النطفة من الصلب حاملا [كذا] للذرة التي قدر الله تعالى تخليق الولد ~~منها كما يجري السيل بالحميل الذي ينبت منه ms099 النبات على شطوط الأنهار كما ~~جاء في الحديث، فيختلط في الرحم بماء المرأة فيسمى حينئذ أمشاجا، مثاله ~~الريح الربيعية تهب على البحار فتجري مياهها في الأنهار ومعها بذور النبات، ~~فتسوقها إلى الصحاري والمزارع فينبت منها بقدرة الله أزواج من نبات شتى، ~~فالذرات البذور(3، والنطف المياه الحاملة لها، والعروق الأنهار، والأرحام ~~الحروث. قال الله تعالى: (نسآوكم حرت لكم)223). وماء الرجل غليظ ~~لاختلاطه بالذرات الترابية، بخلاف ماء المرأة فإنه رقيق. وقد دلت الآيات ~~الكثيرة من كتاب الله على هذا الأصل، منها قال الله تعالى: (وهو الذى أنشا كم من PageV01P196 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0197.png) ~~نقس واحدة فستقر ومستودع) وقوله: (خلقكر من نفس واحدة وحلق منهازوجها ~~وبت منهما رجالا كثيرا ونساء)اء) فيها إعلام بأن ذرية آدم إلى انقراض العالم ~~من نفس واحدة وهي نفس آدم عليه السلام، وكانوا هم الذرات المستخرجة من ~~ظهره الذين أشهدهم على أنفسهم يوم الميثاق، وكانوا ذكرانا وإناثا. قوله تعالى: ~~(يهب لمن كشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور)) الشورى4) ولا علة لمشيئته ~~وإنما هي كمال حكمته. وذكر في الآية الأخرىا/82 (فمستقر ومستودع) الأنعام؛ ~~98) فدلنا فيها على أن لبعض الذرات التي تصحب النطف في تقلبها من الأصلاب ~~إلى الأرحام مستقرا لا تتجاوزه إلى صلب ورحم تعد، وبعضها مستودع فيها ~~فينتقل من ظهر إلى [ظهر]2) إلى وقت استقراره في علم الله. ولعل المشار إليه في ~~قوله: (يخلقة وغير مخلقة)) فالمستقر هو الذي قرن به الروح المقدرة ~~له، ثم ينقله إلى فضاء الأرض كما قال(3): (ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين) ~~(الأعراف؛ 24). وهو [كذا] المخلقة التي تمت خلقتها، والمستودع ما تركه في الماء ~~وديعة، ثم يخلق من الماء بشرا آخر، ورد تلك الذرات إلى صلبه، ثم يقرن الروح ~~بما شاء منها، ويدع الباقيات مستودعات إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ويتحقق وقت ~~خروجه إلى الأرض، وهو الذي كان غير مخلقة قبل ذلك، أي لم يتم خلقه بعد. ~~هكذا تجري مقاديره باقتران الأرواح بالمستقرات كلها، وإخراجها من الأرحام إلى ~~الدنيا، وترك المستودعات في الأصلاب إلى أوان ms100 خروجها حتى تخرج جميع ~~الذرات التي أخذ عليها الميثاق، فينقطع النسل حينئذ وتقوم الساعة. # واعلم أن لتلك الذرات آجالا مقدرة عنده، فمنها ما يفنى مع النطفة المضيعة ~~بالاحتلام وغيره، ومنها ما تغيض الأرحام، ومنها ما تموت جنينا، ومنها ما تموت PageV01P197 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0198.png) ~~سقطا، وذلك على مقتضى علم الله ومشيئته وحكمه وحكمته، لا يطلع عليه أحد من ~~الخلائق، وذلك هو الأجل المسمى عنده. وهذه الجملة [دالة لمن تأملها](1 على أن ~~أصل الإنسان وجوهره هو تلك الذرة، وهي ممتزجة بمني الرجل والمرأة امتزاجا ~~سماها الله أمشاجا حيث قال: (إناخلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه). ~~فعلى ذلك قد خلق الله تعالى الإنسان من النطفة المشتملة على تلك الذرات ولهذا ~~قال: (الزيك نطفة من منى ين)ليامة؛3 وقال: (إناخلقنا الإنان من نطفة) ~~ثم أنشأه كما شاء ذكورا وإناثا، وزاد في الخلق كما شاء على ما قال: (يزيد في الخلق ~~مايشاء ) فاطر؛ 1) وقدر أشخاصهم في الطول والقصر وآجالهم كذلك، وقسم ~~أرزاقهم في القلة والكثرة، وخلق أخلاقهم في المدح والذم، وصبغ ألوانهم في ~~السواد والبياض، ورسم صورهم في الحسن والقبح، كل ذلك على وفق مشيئته ~~واقتضاء حكمته (ذلك تقدير العزبيز العليم)يس؛ 38) قال النبي صلى الله عليه وسلم، كل شيء ~~بقدر حتى العجز والكيس. # واعلم أن النطفة إذا سقطت في الرحم يبعث الله تعالى ملكا فيأخذها ويربيها ~~إلى أن يتم خلق الجنين، وهو الملك المسمى مصور الأرحام. 831 وسنشرح ~~ذلك من بعد إن شاء الله تعالى. وذكر أن الله تعالى يأمر ملك الأرحام أن يأخذ من ~~تراب قبره الذي يدفن فيه نصف مثقال دانقان للرجل، ودانق للمرأة، فيمزجه بمائه، ~~والله أعلم. قال الله تعالى: (يخب منا بين الصلب و الترايب)) وذلك أن ماء ~~الرجل من ظهره، وماء المرأة يخرج من الثديين من أعلى الرحم، وللرحم رباطات ~~متسلسلة من الأعصاب يحتمل التمدد عند الولادة، ولولا ذلك لامتنعت الولادة. ~~والثديان خلقهما الله من شرايين وعروق وعصب كثيرة يقلب الله فيها الدم لبنا ~~خالصا ليكون غذاء للولد بعد الخروج، كما كان ms101 ذلك غذاءه في الرحم قبل PageV01P198 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0199.png) ~~الخروج، وكان [هو] دم الحيض. ولذلك ينقطع أيام الحمل. وفي الحديث: إذا ~~سبق ماء الرجل نزع الولد إلى شبه أبيه وأعمامه، وإذا سبق ماء المرأة نزع إلى شبه ~~أمه وأخواله(2) وفي الحديث: إذا اجتمع ماء الرجل والمرأة، يأخذ ملك الأرحام ~~ماء الرجل بيمينه، وماء المرأة بشماله، فيبقى الماءان في قبضته أربعين يوما، فإذا ~~تمت الأربعون خلط الماءين خلط مزاج فظهر عليهما التراب الأصلي الذي خلق ~~منه. وروي أن هنديا توفي بالمدينة فدفن فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم سبحان الله، كيف ~~سيق إلى تربته التي خلق منها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله قبض روح عبد ~~بأرض جعل له فيها حاجة. ثم يجعله الملك بعد الأربعين علقة غير سائلة، وإلى ~~تمام الأربعين الأخرى يجعله مضغة وهي لحم إلى الصلابة، ثم بعد أربعين أخرى ~~ينفخ فيه الروح فيتحرك في بطن الأم، وفي الشهور الأفراد يزيد، وفي الشهور ~~الأزواج ينقص، وهو في بطن الأم قائم وجهه إلى ظهر الأم، وقفاه عند صدرها، ~~وظهره إلى بطنها كيلا يصيب وجهه وبطنه ضرر من خارج، فإذا حانت الولادة أمر ~~الله الملك أن يقلب الصبي ويجعل رأسه إلى أسفله، ورجله إلى صدر أمه، فيلهمه ~~الملك محن الدنيا ومصائبها فيكره الخروج ويلزم مكانه، وهو عسر الولادة، ولذلك ~~إذا رقمت أشكال الأعداد الهندية وهي تسعة على صورة مخصوصة إشارة إلى أن ~~مدة المقام تسعة أشهر على خزف، لم يصبها الماء، إشارة إلى أصل طينته التي هي ~~صلصال كالفخار، ثم ينظر [كذا] إليها الحامل فيراها الجنين برؤيتها، ا84 ثم ~~تكسرها هي بعقبها إشارة إلى أن عاقبته الزوال بعد انقضاء أصول الأعداد وهي ~~التسعة الأشهر، وبعد انكسار طينته بالأجل المسمى فيخرج حينئذ شاء أم أبى. PageV01P199 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0200.png) ~~[واعلم أن هذه المحاورات إنما تكون بين روح الجنين والملك، فإذا وصل الولد ~~إلى هذا العالم، يخلق له الحواس الخمس والنطق فيشغله ذلك عن رؤية الملائكة ~~ومحاوراتهم وسماع كلامهم، وهذا أصل كبير ms102 ينكشف به جميع ما جاء في ~~الأحاديث من تعارف الأرواح، ومعاينة الملائكة بعد الموت وحالت النزع، فإذا ~~حشر الناس في القيامة وردت الأرواح إليه استكمل حينئذ حال الإنسان، ~~واستجمعت المدارك الحسية والعقلية الجبلية، فاطلع بها على عالم الملكوت ~~وشاهد الجنة ولذاتها، وعاين الجحيم وعقوباتها - نعوذ بالله - (تمثل بين ~~عينيه). وفي صياحه عند الخروج أقوال. قيل إن الملك يختطف الكتاب الذي ~~خط فيه قضاياه من يده فيصيح ويبكي، وقيل إن الشيطان يضع يده على رأسه، وقيل ~~لأن ما سيصيبه من صروف الدهر. قال ابن الرومي3 ~~لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد( # وزعم الأطباء أن الولد في الشهر الثامن لا يعيش لأن الزوج ثقيل [عسر](5 ~~والفرد خفيف، والثمانية أربعة أزواج. وزعم المنجمون أنما لا يعيش لأنه قد وقع ~~[في] تربية زحل بعد انقضاء تدابير السبعة من الكواكب. والرب سبحانه أبطل ~~قوليهما بميلاد عيسى عليه السلام في ثمانية أشهر وأبقاه حيا إلى يوم القيامة. PageV01P200 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0201.png) # واعلم أن الولد أصله من الذرة التي أخذ عليها الميثاق، ثم لما امتزجت بالنطفة ~~صارت شيئا واحدا، وازدادت وتمت وتكاثفت فسميت ماء ونطفة ومنيا، ماء ~~لصورته، ونطفة لقلته، ومنيا لما مني به فيه من خلق، أي قدر. ثم يأخذ في التسوية ~~فيزداد بالدم الذي يغتذ به من حيض الأم إلى أن ينتهي إلى تمام الخلق بعد الأطوار ~~التي تجري عليه، ثم ينشئ الله تعالى خلقا آخر وهو نفخ الروح فيه. ومقادير تلك ~~الزيادات الملتحقة بها في علم الله تعالى، تارة يزيد فيها وتارة ينقصها كما ~~قال تعالى: (الله يعلم ما تحمل كل أنى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شىء عنده ~~بمقدار) (الرعد؛ 8) ثم إذا فارق الأم يزيد فيه من الغذاء في صحته وينقص منه ~~بالهموم والأسقام كما قال تعالى: (يزبد في الخلق مايشاء) (فاطر؛1) وقال: (ثم ~~رددنه أسفل سافلين )) التين؛5) وهذه الزيادات توابع تلك الذرة ا851 الأصلية، ~~وهي ممتزجة فيها، شائعة في جملتها شيوع قطرة ماء زمزم في حوض ماء قراح، ms103 ~~[وهي في دائرة العين مستحيلة، وفي علم الله ظاهرة بادية ممتازة عن غيرها، غير أن ~~أصلها في العجب] كما جاء في الخبر، وأثرها وثمرتها في صميم القلب ~~[لقوله صلى الله عليه وسلم : القلب أمير الجسد". وأغصانها ممتدة في جميع البدن]2. وكما أن ~~أصل تلك الذرة من الأرض كذلك تلك الأجزاء الملتحقة بها من الأغذية [من ~~الأرض]3)، فإن الزروع والنبات ولحوم الحيوانات كلها من جملة ما ينبت من ~~الأرض. قال الله تعالى: (فلينظر الإنين إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا( ثم شققنا الأرض ~~شقا)... إلى قوله: (منعا لكو ولانعامه)عبس 24-32) وذلك بعد قوله ~~تعالى: (من نطفة خلقه فقدره)عبس1) فتأمل في سياق الآية [جيدا. PageV01P201 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0202.png) # سبحان من ينقش الصور على قطرات الماء في ظلمات ثلاث، مقدرا فيها قسمة ~~الذكور والإناث، فيوزع في علمه أجزاءها على أعضائها، وهي بعد على هيئة مائها، ~~ثم يجعلها علقة بنفسها معتلقة، فيقدر من بعضها عروقا، ومن بعضها عظاما، ~~ويكسوها لالتحامها لحما، ثم يجعل الأعضاء مبسوطة، ويجعلها بالأعصاب ~~مربوطة، ويكتب على جبين [كل جنين] سينا ليست منقوطة، ليلا يعلم الملك أنها ~~سين السعادة أم شين الشقاوة حين يربيها في الغشاوة، ثم يمسحه بالجمال فيحسن ~~وجه ممسوحه، أو يلطمه لطمة مقبوحه، ثم ينفخ فيه من روحه، فينتصب الجنين ~~رجيا ويصير بإذن الله. # إلهي، صن عن شطط الأقوال أفواهنا، وقي عن نقط الشين جباهنا، وارحم ~~ضعف بنيتنا، وخور طينتنا، وأعدنا من حدة غضبك، وشدة بأسك، فليس يرمى ~~البعوض بالصخور الثقال، ولا يقوى النمال جر الجبال، أعذنا يا ذا الجلال. PageV01P202 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0203.png) # اعلم أن الملائكة العظماء المشاهير في السماء لكل واحد منهم أعوان في ~~الأرض يترددون إليهم ويتولون أعمالهم ويفعلون ما يؤمرون. فالكرام الكاتبون هم ~~أعوان الملك الأعظم الذي هو صاحب القلم الأعلى، وهم الذين قال الله تعالى: ~~(بأيدى سفرولهكرام بره)(عبس؛ 1،5) وأقسم بكتابتهم فقال: (ن والقلموما ~~يسطرون)القلم؛ 1). (والنزعات غرقا) النازعات؛ 1) هم أعوان عزرائيل ~~عليه السلام، وهم الذين قال الله تعالى: ( الذين ننوفتهم الملامكة)32 ~~وقال: (توفته رسلنا) الأنعام؛). (المقسمات أمرا)اريات؛4) ms104 هم ~~أعوان ميكائيل عليه السلام الذين يقسمون أرزاق العباد؛ ومنهم (والذاريات ذروا ~~فالحملات وقرا)الذاريات؛ ،2) وكلوا بالرياح والسحب والأمطار. والملائكة ~~الموكلون بنفخ الأرواح في النسمات هم أعوان جبريل عليهم السلام، وصاحبهم ~~موكل بعالم الجبروت. وملائكة الأرحام الذين يتولون تصوير الأجنة هم أعوان ~~إسرافيل عليه السلام الموكل بالصور، وهو ناظر إلى صور الخليقة المصورة تحت ~~العرش [فإن في الحديث: إن لكل ما خلق الله ا] 86 صورة مخصوصة في ساق ~~العرش] أظهرها الله تعالى قبل تكوينهم. ولصور بني آدم تشابه [في الجملة، وإن ~~كانت لهم اختلافات واختصاصات في الهيئات والألوان] وتشاكل في الخلقة، ~~وأصل ذلك كله صورة آدم عليه السلام، وإليه الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق ~~آدم على صورته4. وفي رواية: على صورة الرحمن2). ومعناه على الصورة التي PageV01P203 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0204.png) ~~صورها الرحمن في العرش أو اللوح قبل خلق آدم عليه السلام. مثاله أن النقاش ~~يصور على كارنامجه صورا أو نقوشا من اختراعه وتلقاء نفسه وإنشاءه أولا، ويكون ~~ذلك عنده، فإذا أراد أن يصور سقف إنسان أو حائطا ينقشه ويصوره على تلك ~~الأمثلة فيقول: صورت سقف فلان على صورتي ونقشي، أي على مثال صورتي ~~ونقوشي التي أنا اخترعتها من نفسي وخططتها في كارنامجي من قبل. # وذلك في الحقيقة راجع إلى علم الله الأزلي، والصور في العرش، أو اللوح ~~تكون إراءة له للملائكة وإعلاما لما في علمه جل جلاله. فعلى هذا ملك الأرحام ~~عند تصوير الجنين ناظر إلى إسرافيل عليه السلام، وإسرافيل ناظر إلى الصور ~~المنقوشة في العرش، وتلك الصور حكاية عما في علمه الأزلي جل جلاله، ~~فيأخذ2 إسرافيل عليه السلام تلك الصورة المختصة المسماة عند الله لتلك الذرة ~~المخلقة المرباة ويلقيها إلى ملك الأرحام، وملك الأرحام يلقيها إلى الجنين في ~~الرحم فيصوره بتلك الصورة المعينة، وإلقاء الصورة إنما يكون بإلقاء نسختها التي ~~تليق بها. وكان بعض أئمتنا شبهه بنسخة الديباج ذي التصاوير عند إلقاء الحلق من ~~فوق إلى الناسخ أسفله موازيا للصورة المنقوشة على مثال ما في الكارنامج ms105 عنده، ~~فيظهر عند النسج في المنسوج شيئا فشيئا [حتى] تستكمل الصورة، وهذا إنما ~~يعرف بالمشاهدة. وقد أضاف الله تعالى ذلك إلى نفسه فقال جل جلاله: (هوالذى ~~يصوركم في الأرحام كيف يشاء) آل عمران) وقال تعالى: (وصوركم فأحسن ~~صوركم) (غافر؛ 4)، وذلك لأن هذه الأسباب معدات على قضية علمه ~~وتدبيره إجراء للعادة الحسنى، فهو جل جلاله على الحقيقة مصور للصور، ومصور ~~مصوريها، الخالق البارئ المصور، لا خالق سواه، ولا مصور إلا هو. ولذلك شدد ~~الوعيد في اتخاذ الصنم، وأوعد المصورين بعظائم العقوبات، وأنهم يكلفون يوم ~~القيامة بنفخ الروح فيها. وقا صلى الله عليه وسلم لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة PageV01P204 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0205.png) ~~210 # واعلم أن هذه الصور عند إعادة الأرواح إلى الأبدان ربما تتغير عن شكلها ~~الأول لغلبة الأخلاق الباطنة على الخلقة الظاهرة واستعلائها 87 عليها، وربما ~~بقيت على هيئتها، وربما تصورت بصورة هي أحسن وأجمل من الصورة الأولى، ~~وذلك لأن الصور في الدار الآخرة تابعة للصفات والمعاني، فإن كانت الصفات ~~قبيحة صورة صاحبها تقبح، وإن كانت جميلة فصورة صاحبها جميلة. ولهذا الكلام ~~غور لا يحتمله هذا المختصر. ويكفيك التأمل في حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم ان ~~قال: يحشر الناس يوم القيامة على أصناف، صنف يحشرون عماة، وصنف ~~يحشرون مزرقة عيونهم، وصنف يحشرون مسودة وجوههم، وصنف على صورة ~~الخنازير... إلى آخر الحديث . ذكر في التفاسير عند قوله تعالى: (يوم ينفخ ف ~~الصور فأتون أفواجا)بأ) ويروى أن النائحة تبعث على صورة الكلب3. ~~والأخبار الواردة في تغيير الصور كثيرة. # واعلم أن الله جل جلاله جعل الصورة مسخرة لأهل الجنة، فكل ما اشتهت ~~أنفسهم وتلذذت أعينهم إذا أجالوه في الوهم والفكر يرونه عيانا في الحال، وذلك ~~مثل ما سخر الله لنا [في الدنيا] تصاوير الخيال، فإنا نرى كل ما اشتهيناه في ~~الخيال مصورا، ولكن لأهل الجنة يتحقق تلك الصور وجودا يعاينونها كرامة لهم. ~~وتصديقه ما روي عن علي بن أبي طالب (لئنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إن في الجنة سوقا ms106 ~~ما فيه بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل PageV01P205 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0206.png) ~~فيها. وفي رواية: إن في الجنة سوقا يباع فيها الصور. وتصديق هذا الجميع ~~قول الله تعالى: (وفيها ما تستهيه ألأنفس وتلذ الأعيب). # سبحان من أظهر الكائنات في ملابس الصور الجميلة، ليستدل على معانيها ~~بتلك الوسيلة، ونقش على ساق العرش صور مبدعاته، من جميع أهل أرضه ~~وسماواته، فكل طاعة ومعصية تجري لأهل الفرش تتراءى صورتها على ساق ~~العرش. وهناك ملائكة يطالعون، فإن تكن طاعة أظهر الله لهم فيستغفرون، وإن تكن ~~معصية سترها حتى لا يرون. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء التسبيح: يا من أظهر ~~الجميل وستر القبيح. # إلهي، حسن صورتنا هناك بحسن سيرتنا هنا، ولا تقبحها بقبح سيرتنا في ~~الدنا(3)، فإنك ستار العيوب، غفار الذنوب. PageV01P206 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0207.png) # اعلم أن البعث والمعاد من أمهات المسائل العظام، وفيها مزلات الأقدام، وقد ~~ضل فيها أكثر الملل السالفة، ومبناها على معرفة الروح، وقد تحزبوا أحزابا كثيرة. ~~وقال آخرون: إن المعاد للروح خاصة، وادعى آخرون أنه يكون للبدن فحسب، ~~1 288 وقال آخرون: المعاد للبدن والروح جميعا. والذين قالوا إنه للروح خاصة ~~اختلفوا، فقال بعضهم: الروح غير جسم، وقال آخرون: هو جسم لطيف، وأنه يعاد ~~في النشأة الآخرة إلى هذا البدن بعينه، وهم الأكثرون من أهل الحق. وقال بعضهم: ~~يجوز أن يكون له محل غير هذا القالب المعين. # وجماعة اعتقدوا أنه جوهر نوراني من عالم النور محلها البدن المظلم وهم ~~المجوس، والثنوية، والمانوية، وزعموا أن سعادتها أن تخلص من الظلمة وتخرق ~~الأفلاك حتى تصل بعالم النور، ولذلك عبدوا الأنوار والنيران، واستعانوا بها في ~~إعلاء أرواحهم إلى عالمها. والذين قالوا إن المعاد للبدن خاصة قالوا: الإنسان ~~بحيوانيته وإنسانيته، وهما عرضان خلقا في الإنسان، والموت يعدمهما، وادعوا أن ~~الروح هو الحياة بعينها، صار البدن بوجودها فيه حيا وبعدمها ميتا، وبالإعادة إليه PageV01P207 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0208.png) # 213 ~~في القيامة يصير حيا، وهذا هو مختار أكثر متكلمي الإسلام. وإنما خالفه الأحاديث ms107 ~~الواردة في الأرواح الدالة على أنها جسم لطيف قد ذكرنا أكثرها في كتاب "مسالك ~~البحث عن مدارك البعث". واعتقد قوم من العرب أن الروح جسم، وهي بعينها تعاد ~~في القيامة في جسد آخر، وربما يعبرون عن ذلك بالبوم والصدى. قال شاعرهم: ~~سلط الموت والمنون عليهمفلهم في صدى المقابر هام # وقال مجنون بني عامر(3): ~~ولو يلتقي أصداؤنا بعد موتنا ومن دون # ومن دون رمسينا صفيح منصب # لصوت صدى ليلى يهش ويطرب ~~لظل صدى رمسي وإن كنت رمة لصوت صدى ليل # وجماعة زعموا أن عقوبتها تردادها في الأبدان مرة بعد أخرى، وهو أن ينتقل ~~من بدن إلى بدن، ونعيمها تخلصها من تعلق الأبدان، وهم أهل التناسخ، وقد ~~افترقوا أربع فرق، النسوخية، والمسوخية، والفسوخية، والرسوخية. فالنسوخية ~~جوزوا تناسخ الأرواح من الآدمي إلى الآدمي فقط، وكان منهم من أوجب التناسخ ~~للنفوس الشقية وحدها حتى يتكامل بالترداد من بدن إلى بدن، فتتخلص من ~~الجسدانية وتلحق بعالمها. والمسوخية من جوزوا انتقالها من الآدمي إلى البهائم ~~والسباع والطير، 89/1 ومنهم من زعم أن السعيدة ترجع إلى حيوان شريف PageV01P208 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0209.png) ~~214 ~~كالفرس، والشقية ترجع إلى حيوان خسيس كالكلب والخنزير. ومنهم من زعم أنها ~~ترجع إلى حيوان يشاكلها بالطبع أو بالعمل، حتى إن روح القصار ترجع إلى بنات ~~الماء، وروح الصياد إلى جوارح الطيور. والفسوخية أوجبوا انتقالها إلى جميع ~~دواب الأرض من الحيات والعقارب والديدان وسائر الحشرات، وربما يستشهدون ~~على ذلك من كتاب الله تعالى: (ومامن دآبة فى الأرض ولا طاير يطي بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم)3 وقوله تعالى: (حق يلج الجمل في سم الخياط)اف ~~زعموا أنه يدخل روح جمل في دودة كانت في الصغر تدخل في سم الإبرة، أي ~~ثقبها. والرسوخية جوزوا انتقالها إلى أنواع الشجر والنبات، ومنهم من يعبد لذلك ~~بعض الأشجار كالعزى في العرب وغيرها. وهذه كلها خباط وظلمات بعضها ~~فوق بعض، إن اللبيب بمثلها لا يخدع(، وقد صدق من قال: "الناس كلهم أكباش، ~~فإذا جاءوا إلى الأديان افتضح الأكثرون. فأعرضنا عن جواباتهم إذ لا فائدة ms108 فيها ~~لأنهم قد ذلوا وقلوا حتى لم يبق إلا شرذمة من الهنود. # وأما المنتحلون إلى التصوف فقد تشعبوا فيها شعبا أيضا، فزعم بعضهم أن ~~الروح خلق من نور العزة، وإبليس خلق من نار العزة، وإنما لم يسجد لآدم ظنا منه ~~أن الأكرم عند الله من كرمت جوهريته فقال: (خلقتنى من نار وخلقته من طين)) ~~(الأعراف؛ 12) ولم يدر أن نور العزة فوق نار العزة. وسئل أبو سعيد الخراز(3 عن PageV01P209 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0210.png) # 215 ~~الروح أمخلوقة هي? قال: نعم، ولولا ذلك لما أقرت بالربوبية حتى قالت: بلى. ~~وقال بعضهم: [إنما قرن الله تعالى العلم بالروح فقال: (وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا . لأنها للطافتها تنمو بالعلم نمو البدن بالغذاء، وهو يجول في علم الله، ~~ولا يدخل تحت علم الخلق لأن علم الخلق قليل]). وقال بعضهم: الروح من ~~عالم الأمر، ولله عالمان، عالم الخلق وعالم الأمر كما قال: (ألا له الخلق والأمترد). ~~(الأعراف؛ 54) فعالم الخلق يرى بالأبصار، وعالم الأمر يعلم بالبصائر، وليس يعلم ~~من علم الروح إلا قليله كما قال: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا))ء ~~وقال يعقوب النهرجوري في بعض كتبه أن المشايخ( على أن الأرواح كلها ~~مخلوقة، ولكن قال بعضهم: إنها لا تموت ولا تبلى. وقال قوم: ينشئ الله لها ~~أجسادا من الجنة أو من النار. وقال قوم: الأرواح روحانيات نورية سطعت من ~~الملكوت فإذا صفت رجعت إليها، وفي هذا نظر. وقال قوم: الأرواح على صورة ~~الإنسان لها رأس، ووجه، وعين، وفم، وسمع، وبصر، ورجل إلى غيرها. ورووه عن ~~إسماعيل بن أبي خالد( 90/1، قال: "سألت أبا صالح(3) عن الروح فقال: أخبرت PageV01P210 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0211.png) ~~أنها كهيئة الناس وليسوا بالناس1). وروى بعضهم عن ابن عباس أنه قال: "الروح ~~خلق من خلق الله وأمر من أمر الله على صورة بني آدم، وما نزل من السماء ملك ~~إلا ومعه روح2. قال يعقوب(3): "والصواب من هذه المقالات هو أن الأرواح ~~كلها مخلوقة وهي من أمر الله، وليست بينها وبين الله نسبة، غير أنها من ملكه، ~~وخلقه، ms109 وطوعه، وقبضته، وليست هي متناسلة ولا متناسخة، وأنها تذوق الموت ~~كما تذوق الملائكة، وتنعم بنعيم البدن وتعذب بعذابه في القيامة في البدن الذي ~~خرجت منه في الدنيا. وقال محمد بن علي في النوادر(3): "الروح سماوي ~~ومسكنه الرأس وهو بارد، والنفس أرضية ومسكنها في الرئة وهي حارة، وهما ~~ريحان وضع في كل واحد منهما شيء من الحياة، [فيعملان في البدن بتلك ~~الحياة](0)7. هذا هو مذهب المشهورين من المشايخ. قال الإمام أبو منصور ~~البغدادي() رحمه الله في كتاب الأصول الخمسة عشر(2: كل ما اشتمل عليه كتاب PageV01P211 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0212.png) ~~تاريخ الصوفية [لعبد الرحمن السلمي من مشايخ الصوفية] - وهم زهاء ~~ألف شيخ(3) - ما فيهم أحد من أهل الأهواء، بل كلهم من أهل السنة سوى ~~ثلاثة منهم: أحدهم أبو حلمان الدمشقي)، فإنه تستر بالصوفية وكان من ~~الحلولية؛ والثاني القناد فإنه اتهمته الصوفية بالاعتزال فطردوه وقالوا: إن الطيب ~~لا يقبل الخبيث؛ والثالث الحسين بن منصور وشأنه مشكل، وقد رضيه ابن ~~(1) وهو غير كتاب طبقات الصوفية. ~~(2) سقط ما بين المعقوفتين من (ش). ~~(3) وهذا يؤكد أن البغدادي لا يقصد كتاب طبقات الصوفية للسلمي كما قد يتوهمه البعض، لأن ~~كتاب الطبقات لا يحتوي إلا على مائة وثلاث تراجم. وأما كتاب تاريخ الصوفية فهو مؤلف ~~آخر ذكره من ترجم للسلمي. ~~(4) في النسختين أبو جلمان والصواب أبو حلمان البغدادي، أصول الدين، ص 317. ~~(5) أبو حلمان الدمشقي علي الحلبي، أبو حلمان بضم المهملة وسكون اللام كما ذكره البغدادي ~~وابن عساكر. قال ابن حجر: اذكره أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية فقال دخل ~~الشام، يحكى عنه في الأرواح والشواهد مناكير إن صح ذلك ما هو من القوم في شيء. ولم ~~نعثر عليه في مختلف الطبعات المتوفرة لدينا من كتاب طبقات الصوفية للسلمي، ويبدو من ~~هذا أن ابن حجر قصد تاريخ الصوفية، والصواب ما ذكره البغدادي وهو أن السلمي ترجم له ~~في تاريخ الصوفية. وقد ذكره ابن عساكر تحت كنية أبي حلخان، وكذلك في مختصرات ~~تاريخ دمشق. انظر ابن عساكر تاريخ دمشق، ج 66، ص ms110 153، ترجمة: 8480؛ ابن حجر، ~~لسان الميزان، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، بيروت، مكتب المطبوعات الإسلامية، 1423ه ~~2002م، ج 9، ص 53، ترجمة 8820. ~~6) علي بن عبد الرحيم أبو الحسن القناد الواسطي الصوفي، أحد الصوفية ممن سافر على ~~التجريد ولقي المشايخ، وله كلام. روى عن الحسين بن منصور الحلاج شيئا من كلامه، ~~وروى عنه عبد الله بن أحمد الفارسي، وأحمد بن أبي حاتم القزويني، وأبو العباس بن تركان ~~وغيرهم. لم تذكر المصادر التي ترجمت له تاريخ وفاته إلا أننا إذا تتبعنا من عاصر من ~~الصوفية نستطيع أن نقول بأنه من أعلام القرن الرابع وبداية الخامس. ولم نعثر له على ترجمة ~~فيما طبع من طبقات الصوفية للسلمي. انظر السمعاني، كتاب الأنساب، تحقيق عبد الله عمر ~~البارودي، بيروت، دار الجنان، 1408ه/ 1988م، ج4، ص 545. ~~(7) أبو مغيث الحسين بن منصور بن محمى الملقب بالحلاج، يعتبر من الرجال الذين اختلف ~~فيهم، ولد وتوفي في بغداد حظي بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ PageV01P212 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0213.png) ~~عطاء(1)، وابن خفيف(2)، وأبو القاسم النصراباذي(3)) هذا لفظه. وأما الشطاحون ~~فقد رويت منهم أقوال منكرة، فقال بعضهم: الروح لم يخرج من كن لأنها لو ~~خرجت منه لكان عليه الذل. قيل له فمن أين خرجت؟ قال: من بين جماله وقدسه. ~~وهذا من الطامات الفارغة(5). وروي عن بعضهم أن الروح من نور الله، فإذا اتصل ~~النور بالنور فهو هو، وهذا كفر صراح. وقال بعضهم: روح العبد تجتمع بالقديم ~~على معنى استهلاكه في ذات القديم كاستهلاك نور السراج في ضوء الشمس، ~~وأنشد في ذلك: ~~وتحققتك في سري ~~والتصنيف، كما برز في كثير من العلوم والفنون.. قتل سنة 308ه/ 922م . السلمي، طبقات ~~الصوفية، ص 307 - 311، الذهبي، سير، ج 14، ص 313 - 354. ~~(1) أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأدمي البغدادي، من أعلام التصوف، قال ~~عنه أبو عبد الرحمن السلمي: من ظراف مشايخ الصوفية وعلمائهم، له لسان في ~~فهم القرآن يختص به، توفي ما بين سنة 309 و311ه/ 923 و925م. السلمي، طبقات ~~الصوفية، ص 265 -272؛ أبو نعيم، حلية ms111 الأولياء، ج 10، ص302 - 305. ~~(2) أبو عبد الله محمد بن خفيف بن إشفكشاذ الضبي الشيرازي، صوفي من أعلام القرن الرابع ~~الهجري، قال عنه أبو عبد الرحمن السلمي: كان شيخ المشايخ في وقته، وكان عالما بعلوم ~~الظاهر وعلوم الحقائق، أوحد المشايخ في وقته حالا وعلما وخلقا. توفي سنة 371ه ~~981م، السلمي، طبقات الصوفية، ص 462 - 466؛ أبو نعيم، حلية الأولياء، ج 10، ~~ص 285 -387. ~~(3) أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمويه الخراساني النصراباذي النيسابوري ~~الزاهد، ونصراباذ: محلة من نيسابور. قال أبو عبد الرحمن السلمي: كان شيخ الصوفية ~~بنيسابور، له لسان الإشارة مقرونا بالكتاب والسنة، وكان يرجع إلى فنون منها حفظ الحديث ~~وفهمه، وعلم التاريخ، وعلوم المعاملات والإشارة. توفي سنة 367ه/ 977م. السلمي، ~~طبقات الصوفية، ص 484 - 488؛ الذهبي، سير، ج 16، ص 263 - 267. ~~(4) البغدادي، أصول الدين، ص 316 - 317. ~~(5) سيتراجع المؤلف عن هذا الراي ويوضح أسباب هذا التراجع في استدراك جعله آخر ~~الكتاب. PageV01P213 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0214.png) # سيان(1) # وأنا أتبرأ من هذه المقالة وإن عد قائلها من المشايخ. # وأما الفلاسفة 911 المنتسبون إلى الإسلام فزعم بعضهم أن الروح لما ~~اقتبست العلم، اتحدت بالعلم، ودفعت به كدورة النفس الحسية حتى صفت ~~الحساسة، فامتزجت الثلاثة العلم، والروح، والنفس الحسية الصافية، والعلم هو ~~كلمة الله العليا وهو التوحيد، وما جاء به الأنبياء من الشرائع واستشهد بقوله تعالى: ~~(إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصدلح يرفعه) قال: وإذا فارقت ~~الروح البدن، تصعد بالعلم، وتصحبها النفس الحسية فتحس بها الآلام واللذات2). ~~وقد عمل صاحب هذه المقالة كتابا سماه كتاب المعاد(3)، وإنى أرى أنه أراد أن ~~يقرب اعتقاده من الإسلام بتحذلقه فوقع في دين النصرانية القائلين بالأقانيم الثلاثة، ~~كما قيل: فر من الشآبيب إلى ظل الميازيب. [والشؤبوب المطر]. PageV01P214 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0215.png) # وزعم بعض القدماء منهم أن الروح إذا فارق البدن يحتمل معها القوة الوهمية ~~بتوسط النطقية، فتكون حينئذ مطالعة للمعاني المحسوسات، لأن تجرده من هيئات ~~البدن عند المفارقة غير ممكن، وهي عند الموت شاعرة بالموت، وبعده متخيلة ~~نفسها مقبورة، وتتصور جميع ما كانت تعتقده حال حياته، ms112 وتحس بالثواب والعقاب ~~في القبر # وكان ثابت بن قرة الحراني يعتقد أن النفس تنفصل من البدن في جسم ~~لطيف). فهذه الأقوال متقاربة لمن اعتزى منهم إلى الإسلام، وكلهم يدندن حول ~~الفلسفة. واعلم أن معظم الفلاسفة اعتقدوا أن النفس جوهر بسيط غير منقسم ولا ~~متحيز، وإنما هي جنس من جواهر الملائكة، وأن سعادتها باستكمال جواهرها وهو ~~اتصافها بالأخلاق الملكية، وشقاوتها في نقصانها وهو التدنس بالشهوات البهيمية؛ ~~وكلام منهم هائل وليس وراءه طائل. والدليل على استحالته أن الوجود في تقدير ~~العقول السليمة [ضربان]، قديم وحادث، فالقديم هو الحق تعالى بذاته وصفاته، ~~والحادث ما سواه. ثم الحادث أيضا على ضربين: جوهر قائم بالنفس، وعرض قائم ~~بالجوهر، ونعني بالجوهر الجزء الفرد الذي لا يتجزأ. والفلاسفة أكثرهم ينكرون ~~ذلك ويزعمون أن الحادث ثلاثة أقسام: جسم ذو أبعاد ثلاثة، وعرض قائم بالجسم، ~~وجوهر بسيط غير متحيز ولا متجزئ. وهذا عندنا باطل لأنه لو كان هذا البسيط غير ~~متحيز فبأي شيء يتمايز عن القديم مكانا أو زمانا أو حقيقة؟ فإن قال صاحبه يتميز ~~بالمكان كما يتمايز الجسمان في مكانين فمحال، ا92 لأنه صرح باستحالة ~~مكانيهما حين نفى التحيز عنهما. وإن ادعى أنهما يتمايزان بالزمان كتمايز السوادين PageV01P215 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0216.png) ~~في محل واحد في زمانين فمحال أيضا، لأنه معترف بأن ذلك البسيط غير قائم ~~بمحل. وإن زعم أنهما يتمايزان بحقيقة نفسهما، [وهو متكأه في دعواه، إذ يدعي أن ~~تمايزهما] كتمايز السواد والحركة في محل واحد وزمان واحد. فيقال له: هذا ~~يبطل أيضا إذ لا محل للقديم(2) ولا تقدير محل حتى يتمايز به ما يغايره، وكذلك ~~[ذلك](3) البسيط عنده لا يقدر له محل بخلاف حقيقة السواد والحركة في المحل ~~الواحد، فإن تمايزهما باعتبار محلهما الذي قاما به. ألا ترى أنك لو رفعت ~~محلهما عن ذهنك لم يتمايزا، بل لم يعقلا لأن احتياجهما إلى المحل لنفسهما، ~~وبانتفاء ذلك انتفاء أنفسهما. فإذا لم يتمايز ذلك البسيط عن القديم بوجه ولا يكون ~~هو قديما فهو محال وخيال. وأيضا هذا البسيط إن كان مقدرا فمنقسم، ms113 وإن كان غير ~~مقدر فهو غير مقدور، فلا يكون حادثا لأن تعلق القدرة بالممكنات [والممكنات]5 ~~مقدورات عقلا. ثم لو ادعى قدمه أدرنا عليه إبطال القديمين واستحالة تغايرهما ~~بهذا الدليل أيضا. فليتأمل الناظر في هذا الكلام شافيا، فإن كتب الأصول وجدتها ~~خالية(6) من هذا البيان، وما لم تستحكم هذا الأصل لا تتخلص من تخاييل ~~الفلاسفة وشبههم، وإذا أبطلت هذا الأصل عليهم بطل جميع ما قالوه، على ~~اختلاف طرقهم، ما ذكرنا عنهم وما لم نذكر. وأقول إنما وقعت لهم هذه الشبهة ~~لأنهم لما وجدوا أجساما لطيفة، متسعة، منبثة، منبسطة سائحة، بعضها محسوس ~~كالأنوار، وبعضها غير محسوس كالملائكة، والجن، والشياطين، والأرواح، ~~[والرياح] ولم يقدروا على تحصيل أبعادها الثلاثة من الطول، والعرض، والعمق PageV01P216 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0217.png) ~~في الوهم، ولا تقدير تصويرها في الخيال من غاية رقتها، [ولطافتها]، وشدة ~~انتشارها، وانبساطها، وفرط اتساعها، وانفراجها في الجهات كلها، ظنوا أنها غير ~~متناهية وأنها إذا كانت غير متناهية كانت غير منقسمة، وإذا لم تدخل تحت القسمة ~~كانت غير ملاقية للأحياز، وإذا لم تكن غير ملاقية للأحياز كانت بسيطة غير متحيزة ~~ولا متجزئة على ما توهموه. وهذا خيال لمن استهواه الشيطان وتداركه الخذلان. ~~وإنما جاءهم الغلط من [قبيل](2) الوهم وعجزه عن ضم جوانب الأجسام البسيطة ~~اللطيفة المنتشرة. ولو رجعوا إلى حاكم العقل 9311 لقضى لهم بالاستدلال من ~~البعض على الكل، فنظروا في تغايير الأنفس والأرواح، ثم تعدادها في أنفسها حتى ~~علموا أنها لو كانت قائمات بأنفسها فهي أجسام لطيفة كالهواء والرياح، وإن كانت ~~قائمات بأغيارها فهي أعراض زائلة كالألوان والأكوان، فلا تخرج إذا عن القسمين ~~الحادثين: الجوهر والعرض. والدليل القاطع على إثبات الجزء الفرد الغير المتجزئ ~~ما لاح لي، وهو أن خصومنا في هذه المسألة، الفلاسفة، وهم بأجمعهم يعتقدون أن ~~عالم الأجسام مدور كري من الفلك الأعلى إلى مركز الأرض، الذي هو عندهم ~~كالنقطة بالنسبة إلى محيط دائرة الفلك الأعظم، والكرة لا بد وأن يكون لها مركز، ~~والمركز هو النقطة التي لا تنقسم إن كان على سطح، والجوهر الفرد [إن ms114 كان ذا ~~حجم، وهذا هو الذي ادعيناه بأنه هو الجوهر الفرد](3) الذي لا يتجزأ، والدليل على ~~ذلك أنك لو أحطت وهمك بجميع أجزاء محيط كرة الأرض، فإما أن تتلاقى ~~أوهامك في قلبها ووسطها بلا حاجز، أو لا تتلاقى( لأجل حاجز يمنع نفوذ النظر ~~في الوسط، ويمنع الأوهام المحيطة إلى التلاقي، فتتراد دونه حينئذ، فإن تلاقت بلا ~~حاجز فقد انتهت، [وإذا انتهت](3) فقد تناهت إلى عدم محض، وإن أحاطت PageV01P217 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0218.png) ~~الأوهام في قلب الأرض بجزء حاجز يمنع نفوذ الأوهام والأفكار فيه بالتقسيم، فهو ~~تصريح بثبوت الجزء الفرد، وهو الذي أردناه، وعليه مدار التوحيد لمن فهم، فإن ~~من لم يثبته لم يمكنه إلا إثبات تناهي الأجسام، وهي إذا لم تكن متناهية كانت غير ~~مقدورة، إذ القدرة الأزلية لا تتعلق إلا بالمتناهي الممكن، فيلزم على ذلك حينئذ ~~قدم العالم. # ومن العجب العجاب أن بعض علمائنا الكبار، مع علو شأنه في الشرعيات ~~والعقليات، قد تعقل عقله بشبكة هذه الشبهة، فكان يكرر على الناس في تصانيفه أن ~~الروح جوهر [بسيط](1) غير متحيز، وأنه حادث، وكذا وكذا على وتيرة ما ادعته ~~الأوائل، غير أنه خالفهم في قدم الروح فادعى حدوثه وأبطل مع ذلك الجزء الذي ~~لا يتجزأ. وهذا هو الحرف المتزلزل الذي يقول الله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على ~~حرف) الحج؛ ). ورأى بعض أهل العصر إما في حال منامه أو في حال غيبته ~~الشيخ أحمد الغزالي6 رحمه الله فقال له: هل كانت حقيقة الروح على ما ذكره ~~أخوك في كتبه. فقال: لا. فسأله بعد ذلك أن يخبره بحقيقتها فقال: سبحان الله، ~~هل أحد يقول من أنا? وقرأ: (وترطهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون)) الاعراف؛ ~~198) فعاوده بالسؤال عن معرفتها فقال: أما بلغك حديث الرستاقي، ا/94 كان ~~معه ثلاثة أحمرة وهو راكب أحدها، فعدها فكانا حمارين فقال: يا مكاري سرق ~~حماري". فقال المكاري: "انزل تجده". وهذه إشارة إلى كف العقول والأوهام عن ~~البحث عن كيفية الروح، وأنها ما صحبتك في الدنيا لا تعلمها، وإنما علمها عند ms115 الله ~~إذ كان من أمره كما قال: (قل الروح من أمرربى)ء 85). فمن رام أن ~~يدركها بالعلم القليل تعاشى عقله فيه [كذا] كما يتعاشى البصر في شعاع الشمس، PageV01P218 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0219.png) ~~فلن ترى الشمس أبصار الخفافيش. فليعتقد المؤمن أن الروح شيء مخلوق ~~أجرى الله [تعالى] العادة بأن يحيى البدن ما دام متصلا به، وأنه أشرف من الجسد ~~يذوق الموت بمفارقته الجسد كما يذوق الجسد بمفارقته. أما كيفيتها وحقيقتها على ~~ما هي عليه فموكولة إلى علم خالقها ومبدعها (ألا يعلم من خلق وهواللطيف الخبير) ~~(الملك؛ 14). ولم يكلفنا الله معرفتها، وما قيل: من عرف نفسه عرف ربه. فمن ~~عرف هذا المقدار، وهو غاية ما أعطي [الخلق من العلم القليل، فقد عرف نفسه ~~بقدر طاقته، وكان ممن عرف نفسه [فقد](3) عرف ربه]4). # فإن قيل: قد حصرتم الموجودات في أقسام أربعة: قديم، وجسم، وجوهر، ~~وعرض، فالروح من أي قسم منها? # الجواب عنه أن المختار عند أكثر الأصحاب أنه جسم لطيف مشتبك بالأجسام ~~الكثيفة اشتباك الماء بالعود الأخضر الثابت. هكذا ذكره إمام الحرمين أبو المعالي ~~الجويني رحمه الله. وقد دلت على ذلك الأخبار الكثيرة المشعرة لها بصفات PageV01P219 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0220.png) ~~الأجسام من القبض، والرد، والعروج، والهبوط، والذهاب، والمجيء، وغيرها، ~~ولأنه يوصف بأوصاف كثيرة، والعرض [لا يوصف، لأن الصفة معنى والمعنى لا ~~يقوم بمعنى. # فإن قيل فهلا اخترتم العرض] منها. قلنا كان الشيخ أبو الحسن رحمه الله ~~اختار أولا العرض، وهو الموافق لمذهب المعتزلة والرافضة، ثم اختار بعد ذلك ~~الجسم اللطيف للأحاديث الواردة فيه، إذ وجدها كثيرة، وفي تأويل جميعها تعسف ~~وبشاعة وتعصب وشناعة. وأيضا أن إعادة الأعراض إنما تكون على سبيل البدل ~~والمماثلة، أما إعادتها بأعيانها فمحال لأنها تؤدي إلى قلب حقيقة نفسها، إذ من ~~حقيقة العرض أن لا يبقى وقتين، فإن قدر إعادة عرض وكان المعاد هو المبتدأ بعينه ~~فلقد بقي وقتين، وقت الابتداء، ووقت الإعادة. وكان ذلك يؤدي إلى قلب جنسه ~~ونقله عن حقيقة نفسه؛ وأيضا لو قدر عرض معاد كان]951 لا يتمايز عن العرض ~~المبتدأ تمايزا ms116 ذاتيا البتة، فلا يمكننا التفرقة بين المبتدأ والمعاد. وما قالوه بأن التفرقة ~~راجعة إلى علم الله فإن المبتدأ غير مسبوق في علمه والمعاد مسبوق فهو وهم، لأن ~~تقدير الفرق في العلم إنما يكون بعد صحة الجواز، أما إذا استحال ذلك فكيف ~~يقدر السابق والمسبوق إذ العلم يتبع المعلوم ولا يستتبعه? وهذا اختيار القلانسي ~~من أصحابنا، فإنه قال: يصح إعادة الأجساد ولا يصح إعادة الأعراض. وكان من ~~أصله أن المعاد [كان]3) معادا لمعنى، ولا يصح قيام المعنى بالمعنى. وقد روي عن PageV01P220 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0221.png) ~~ابن عباس أنه قيل له: أين تذهب الأرواح عند مفارقة الأبدان؟ فقال: "أين يذهب ~~ضوء المصباح عند فناء الأدهان? فقيل له: وأين تذهب الجسوم إذا بليت? فقال: ~~وأين تذهب سمنها إذا مرضت? وإنما أراد بذلك الحياة فعيرها بضوء المصباح ~~ولم يفرق بين الروح والحياة، وهذا يدل على أنه رأى أن الروح عرض. # وقد وجدت بخط الإمام هبة الله بن زاذان(2) رحمه الله في بعض تعليقاته أنه ~~سأل رجل الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني (ليفه عن الروح أنها عرض أو جسم، ~~فقال: إذا ناظرت الحلولية فقل عرض، وإذا كان مع نفسك فيجوز أن تراه جسما. ~~قال الرجل: فإذا أكون شاكا في معرفتها. قال: لا بأس بهذا الشك بعدما علمت ~~حدوثها فإنك لم تكلف بمعرفة حقيقتها، بل نهيت عن ذلك بقوله: (قل الروح من ~~أمر ربى) 85). # فإن قيل: لو كان الروح جسما لكان كل جسم روحا، لأن الأجسام متماثلة فلا ~~اختصاص لبعضها بأن يكون روحا دون بعض إذ الجسم والروح مشتركان في ~~الجسمية، وليس أحدهما بأولى من الآخر بأن يكون روحا. # الجواب: أنها وإن كانت متماثلة في تحيزها وقبولها الأعراض [فهي]3 مختلفة في ~~لطافتها وكثافتها، فالأشجار والنبات جسم، والماء والهواء جسم، ولكن الأشجار جسم ~~كثيف، والماء جسم لطيف، والهواء ألطف من الماء، والله سبحانه يحيى النبات بالماء ~~كما قال تعالى: (أنزل من السماء ماء فاحيا به الأرض بعد موتها)). # فإن قيل: فإن كانت الروح جسما كان لا يخلو إما أن يكون ms117 اتصالها بالبدن على ~~سبيل المجاورة أو على سبيل الامتزاج، فإن كان على المجاورة فليس البدن كله PageV01P221 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0222.png) ~~حيا، بل الروح حي والبدن موات، وإن كان على جهة الامتزاج فقد استحال الروح ~~والبدن جميعا، 961 وصار منها شيء آخر غيرهما. # فالجواب: لا يبعد أن يكون الروح جسما لطيفا شفافا ساريا بلطافته وصفائه ~~ورقته في تجاويف جميع البدن على سبيل المجاورة حتى لا يبقى جزء من أجزاءه ~~الأفراد إلا وقد لاصقها جزء من أجزاء الروح، وذلك كالماء الساري بلطافته في ~~جميع أجزاء النبات وعروقها، وأوراقها، وثمارها. أما ترى مجاريه في أجزاء ~~الأوراق إذا قابلتها بالشمس كيف يمتد متصلا بعضها بالبعض، ويعطي الله لها الحياة ~~باتصال تلك الرطوبات إليها كما قال تعالى: (وجعلنامن الماء كل شىء حى) ~~(الأنبياء؛ 30) كذلك يعطي الله حياة البدن بمجاورتها الروح جريا للعادة، ويعتبر ~~نفوذ الروح في البدن بنفوذ السم فيه، غير أن السم ضدها إذ يعقبه الهلاك والروح ~~يعقبها الحياة، وهما يسريان في البدن للطافتهما ويظهر فيه أثرهما من الحياة ~~والموت. واعلم أن السم غير مهلك والروح غير محيية بنفسيهما، وإنما هما سببان ~~يخلق الله الموت والحياة في أجزاء الجسد عند وصولهما إليها إجراء لعادته ~~المستمرة، وهذا هو العلم القليل الذي أوتينا، والعلم بحقيقتها عند الله سبحانه ~~وتعالى. # سبحان من شرف الأرواح بخلعة الباء، وجعلها [أسبابا]1) لحياة الأحياء، خلقها ~~قبل خلق الأجسام بألفي عام، وأخفاها عن رؤية الأبصار ودرك الأفهام. لقد ترك باب ~~الأرواح غلقا بلا مفتاح، واستأثر بعلمها وحده، وجعلها من سره عنده، وأعجز خلقه ~~عن علمها حتى يعلموا جلال جبروته، ويعترفوا بقصورهم عن عجائب ملكه وملكوته. ~~فكل ما قالوا فيها من الأقوال وهم وخيال، وحيرة وضلال، فهم في غفلة ساهون()، PageV01P222 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0223.png) ~~و(فى ريبهم يترددون)التوبة؛ 45) و(في طغينهم يعمهون))البقرة؛ 15) ~~و(الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون )). # اللهم ثبت على ألواح أرواحنا نقش الإيمان، وطهرها عن كدورات النفس ~~وأدخنة العصيان، فإنك قديم الإحسان، دائم الامتنان، يا رحيم يا رحمن. PageV01P223 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0224.png) # إن المنكرين للمعاد ورد الأرواح إلى الأجساد ms118 زعموا أن تعلق الأرواح اللطيفة ~~بالتراب الجاسي الغليظ الجافي مستبعد مستحيل للتنافر بينهما طبعا، وإن قدر ذلك ~~فلا يتصور إلا بعد أن ينقلب التراب نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ا97 حتى ينتهي ~~إلى حد التسوية، وهيهات ذلك، فإنكم تدعون أن الرفات والتراب يحيى بالروح ~~وذلك رجع بعيد. فنقول لهم: اعتبروا هذا بالنشأة الأولى، فالقدرة الأزلية ما ~~قصرت عما كانت عليه في الخلق الأول من التراب إذ قال كن، فكان. ثم هؤلاء ~~إنما يقيسون الأشياء في الآخرة على ما عهدوه في الدنيا من إجراء الله العادة في ~~خلق الجنين، ولو لم يشاهدوا ذلك في الابتداء وأخبروا به لكانوا لذلك أشد إنكارا. ~~على أنا نقول لعل الله سبحانه [وتعالى] ينقل تراب القبور في تغييرات نوازل ~~الساعة واستحالته طورا بعد طور حتى يبلغ إلى حالة التسوية، ثم يأمر بنفخ الروح ~~فيه كما كان ذلك في تخمير طين آدم عليه السلام حين سواه ونفخ فيه من روحه؛ ~~وذلك أن الأطوار المتعارفة في خلق الجنين نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظم، كما ~~دلت الآية عليه، وكانت تلك الأطوار في خلق آدم عليه السلام قوله تعالى: (خلقكممن ~~تراب) (فاطر؛ 11)؛ (خلقكم من طين) لاعام2)، (من حما مسنون) الجر؛ ~~26)؛ (من صلصال كالفخار) 14)؛ فاستوت مراتب خلق آدم ~~وخلق الجنين، ثم عدل أعضاء آدم هناك، ثم أعضاء بنيه ههنا بالتصوير، فخلق آدم ~~على صورته الخاصة كما شاء، فتم ذلك في حق آدم في أربعين صباحا التي هي مدة PageV01P224 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0225.png) ~~230 ~~التخمير، وتم في خلق الجنين من أولاده في مائة وعشرة أيام هن ثلاث أربعينات، ~~وفي هذا المقام تساوى الأب والولد في استتمام الخلقة، غير أن صورة الأب طين، ~~وصورة الولد لحم ودم وعظم، فسوى الله تعالى جسد آدم مع جسد الجنين بقوله: ~~ك) فكان الطين لحما، ودما، وعصبا، وعظما، وذلك قوله: (كمثلءآدم خلقه ~~من تراب ثم قال له كن فيكو)) آل عمران؛ 5) فأخبر أن تكوينه بعد خلقه إذ ~~تقدم قوله: (خلقه من تراب) وهذا الطور هو التسوية في ms119 قوله: (فإذا سويته ~~ونفحت فيه من روحى) وقال في الجنين: (ثم أنشأنه خلقاءاخر) ~~(المؤمنون؛ 14) وعلى هذا إشارات الآيات والأحاديث بتلويحات خفية وجلية منبئة ~~بأن هذا [كذا] الأطوار أيضا تتعاور على التراب عند النشأة الأخرى. # وأنا أبين ذلك فأقول: إن الأرض كفات، أودعت ذرات الأموات، بعد ~~اختلاطاتها وتفرقاتها في جهات الأرض بكرور الدهور، ومرور الأيام والشهور، ~~فإذا اقتربت الساعة، وفنيت الجماعة، وأراد الله تعالى أن يبعثهم من القبور، ~~ويعيد إليهم الأرواح بعد النشور، 9811 غشاها من نوازل الساعة، وزلازلها ~~العظام والدواهي الهائلة، والجوائح المتواترة، ما أبلغت في التغايير إلى أن يبلغها ~~إلى هيئة تلك التسوية القابلة للروح من النفخ في الصور؛ ألا ترى أنه تعالى أخبر ~~أولا بالزلزال، ونسف الجبال فقال: (إذا زلزلت الأرض زلزالها)ز) ~~(إ زلزلة الساعة شت ء عظيه)) احج؛ 1)؛ (كلإذا دكت الأرض دكا) (الفجر؛ ~~21)؛ (فقل ينسفهارب ذسفا) (طه15) (إذارحت الأرض رجا وبست الجبال ~~بسا)ة ، 5)؛ ثم يسيرها في مشارق الأرض ومغاربها كما قال: ~~(ويوم تسير الجبال) ف؛ (وتكون الجبكال كالعهن المنفوش) ~~(القارعة؛ 5) هكذا يفعل بها حتى تتساحق أجزاء الأرض والجبال فتصير كالرمال ~~كما قال: (وكانت الجبال كثيبامهيلا) المزمل؛ 14) ثم لا يزال ينسحق بعضها ~~بالبعض من الجبال والأرض تحت هذه القوارع والوقائع حتى يصير جميع أجزائها PageV01P225 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0226.png) ~~هباء هابيا كما قال: (وبست الجبال بسا () فكانت هباء منبثا)،). ~~فلعله تعالى يصير ذرات الأرض في هذه الدكادك والأهوال صفوا من الكدورات، ~~ويزيل عنها جميع الشوائب والخبث حتى تبدي جواهرها التي هي المتهيئة لقبول ~~الأرواح، وهي معنى قوله: (إذا بعثرما في القبور وحصل ما في الصدور). ~~(العاديات؛ ، 10) فتبقى بعد ذلك في نهاية الصفاء والرقة والنعومة والدقة كالهواء ~~الصافي، وما سواها من أجزاء الأرض الغريبة تتلاشى وتنعدم. ألا ترى إلى قوله: ~~(وشيرت الجبال فكانت سرابا) لنبا 2). ولا شك أن جرم الجبال أشد من جرم ~~الأرض، فإذا صارت الجبال سرابا، فما حال التراب؟ والسراب هيئته كالخيال ~~يتلاشى في الحال (حتى إذا جاءه لم يجده شينا)3) للطافته. وهذه إشارة ~~إلى إعدام الله تعالى جميع أجزاء ms120 الأرض سوى ذرات بني آدم، وإليه الإشارة بقوله ~~(يوم تبدل الأرض غير الأرض) اهي). وما أشبه تلك الذرات بذرات الذهب ~~في المعدن، فيمطر عليها الأمطار، وتغسلها من تراب المعدن، فهي تبرق منها. وفي ~~الحديث: ينزل الله تعالى أمطارا متوالية كمني الرجال، فينبتون من الأرض كما ~~ينبت البقل(). وفي رواية كما ينبت الحبة في حميل السيل، أما ترونها تخرج ~~بيضاء ملتوية. وقد شبه الله تعالى في القرآن إحياء الموتى بإحياء الأرض بعد ~~موتها في مواضع منها قوله: (ومن اليانه أنك ترى الأرض خاشعة فاذا أنزلنا عليها الماء ~~991 اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحى الموت) (فصلت؛39). وشبه بعض العلماء ~~اجتماع ذرات بني آدم وتخلصها من أجزاء الأرض الغريبة عند حركة الأرض ~~وزلازلها بتمايز أجزاء الزبد من اللبن عند مخض السقاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم، يحشر PageV01P226 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0227.png) ~~232 ~~الناس على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى ليس فيها علم لأحد1. وقال عليه ~~السلام في حديث: فتكون خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده نزلا لأهل الجنة. ~~وفي رواية ابن عباس: تأكلها الناس من تحت أقدامهم. ولعل الأكل إشارة إلى ~~تناولها الأرواح. فهذه التغييرات والتبديلات لذرات الأموات بمنزلة تغايير التراب ~~في أيام تخمير طينة آدم، وتغايير النطف في تخليق الأجنة في الأرحام، فإذا جرت ~~على الأرض لا يبقي للتراب جساوة ولا قساوة تنافي الأرواح في لطافتها، بل تصير ~~من تقاربها منها في لطفها وصفائها حانة إلى أرواحها حنين الإبل إلى مراحها، بل ~~حنين الإلف فارقه الإلف. قال بعض الشعراء: ~~أحن وللإنضاء بالغور حنة إذا ذكرت أوطانها بربى نجد # فيكفيك هذا القدر في التنبيه من تهيؤ الذرات وصلاحيتها لقبول الأرواح. على ~~أن الله تعالى إذا أراد أمرا لم يحتج إلى آلات، ووسائط، وأصول، وروابط، وإنما ~~يقول له: كن، فيكون. وقد أرى الله موسى بن عمران عليه السلام في ضمن قصة ~~البقرة، وإحياء عاميل هذه الجملة حتى رآها عيانا فقال تعالى: (فقلنا اضربوه ببعضها ~~كذ لك يخى الله الموت) ) فصار الحشر والنشر له معاينة مما ms121 اختص به من ~~ذلك العلم عنده. # سبحان من يخرج ناعم النبات، من الأرض الجرز الموات، ويعيد جنى الورد ~~اللطيف، إلى العود الكثيف، كل عام، عبرة منه للأنام، ليعلموا أنه قادر على رجع ~~الحياة، إلى العظام الرفات. سبحانه سبحانه، له القدرة الشاملة، والصنعة الكاملة، ~~أدار رحى المنجنون بين الكاف والنون، بما كان وما سيكون، ولا يصعب عليه PageV01P227 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0228.png) ~~شيء فيهون، إن شاء كثف اللطائف كاللؤلؤ المعقود من قطر المطر، وإن شاء لطف ~~الكثائف كالياقوت الشفاف من صلد الحجر، فلا عجب أن يلطف جساوة تراب ~~الأرض معيدا لها إلى أصل الفطرة ، ا1001 وينفخ فيها الأرواح بالقدرة. # إلهي، كما تزيل جساوة ذلك التراب فيقبل الأرواح والصور، أزل قساوة هذا ~~القلب ليقبل المواعظ والعبر، إنك على كل شيء قدير، وإليك المرجع والمصير. PageV01P228 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0229.png) # عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال: كيف أنعم وصاحب الصور قد ~~التقم الصور، وأصغى سمعه، وحنى جبهته، وشخص ببصره، ينظر متى يؤمر بنفخ ~~فينفخ فيه1. قالوا: يا رسول الله، وما تأمرنا؟1 قال: قولوا سبحان الله ونعم ~~الوكيل. وعن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه سلم: الصور قرن ينفخ فيه. وفي خبر ~~آخر أنه ذو ثقب، بعدد كل إنسان ثقبة فيها روحه. واعلم أنه ينفخ فيه مرتين، مرة ~~نفخة صعقة، والثانية نفخة إحياء، تسمى إحداهما الراجفة، والأخرى الرادفة، ~~وبينهما أربعون عاما على الأصح، وقيل أربعون يوما. وقد يسمى الصور الناقور، ~~قال الله تعالى: (فإذا نقر فى الناقور)) المدثر؛ ). وفي الحديث أنه يقول فيه: أيتها ~~الأعضاء المتهشمة، والعظام البالية، والأجسام المتفرقة، والجلود المتمزقة، ~~والأوصال المتقطعة، والشعور المتطايرة، قوموا إلى العرض. فيخرج حينئذ PageV01P229 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0230.png) # 235 ~~أرواحهم من ثقب الصور ولها دوي كدوي النحل، ورب العزة يقول: وعزتي ~~وجلالي أعيدكم كما خلقتكم أول مرة. فهذه الأحاديث مع ما يشاكلها دلت ~~بمجموعها على أن الصور شيء على هيئة القرن وله تدوير، إذ جاء في الحديث: ~~دائرة رأس الصور كعرض السماوات والأرض، وإسرافيل تحت العرش، ms122 والصور ~~من فمه نافذ بجميع أطباق السماوات إلى تخوم الأرض، وبعدد أرواح الخلق فيه ~~فيقول: بقي إسرافيل عبدك الضعيف. فيقول: مت يا إسرافيل! فيموت. ثم يقول الجبار تعالى: ~~(لمن الملك اليوم)? فلا هميس ولا حسيس، ولا ناطق يتكلم، ولا مجيب يفهم، وقد مات ~~حملة العرش، وإسرافيل، وملك الموت، وكل مخلوق. فيرد الجبار على نفسه: (لله الوحد ~~القهار اليؤم تجزى كل نفيس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سربي الحساب). وذلك ~~حين تمت كلمة ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم. فيتم كلمته بإنفاذ ~~قضائه على أرضه وسمائه لقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهة له المكذوإليه رجعون). فأما ~~إسرافيل فيموت ثم يحيى في طرفة عين، وأما حملة العرش فيحيون في أسرع من طرفة عين، ~~فيأمر الله تعالى إسرافيل بعد النفخة الأولى بأربعين، وكذلك هو في التوراة بين النفختين ~~أربعون، لا يدرى ما هو. فإذا انقضت الأربعون نظر الله إلى أهل السماوات وإلى أهل ~~الأرضين فيقول: وعزتي لأعيدنكم كما بدأتكم ولأحيينكم كما أمتكم. ثم يأمر إسرافيل ~~فينفخ النفخة الثانية وقد جمعت الأرواح كلها في الصور، فإذا نفخ خرج كل روح من كوة ~~معلومة من كوى الصور، فإذا الأرواح تهوش بين السماء والأرض لها دوي كدوي النحل، ~~فينادي إسرافيل: يا أيها الجلود المتمزقة، ويا أيتها الأعضاء المتهشمة، ويا أيتها العظام ~~البالية، ويا أيتاها الأجسام المتفرقة، ويا أيتها الأشعار المتمرطة، قوموا إلى موقف الحساب ~~والعرض الأكبر، فيدخل كل روح في جسده. قال: ويمطر الله طيشا من تحت العرش على ~~جميع الموتى فيحيون كما تحيى الأرض الميتة بوابل السماء. فيبعث الله الأجساد التي كانت ~~في الدنيا من حيث كانت، بعضها في بطون السباع، وبعضها من حواصل الطير، وبنيان ~~البحور وبطون الأرض وظهورها، فيدخل كل روح في جسده، (فإذاهم قيام ينظون)) ~~(الزمر؛ 68) فيبعث الله نارا من المشارق، فتحشر الناس إلى المغارب، إلى أرض تسمى ~~الساهرة، من وراء بيت المقدس، أرض طاهرة لم يعمل عليها سيئة ولا خطيئة، فذلك قوله: ~~(فأما هي زجرة ms123 وحدة فإذاهم التاهرة)... وانظر أيضا القرطبي، التذكرة، ص 229. PageV01P230 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0231.png) ~~ثقوب فيها أرواحهم محتبسة، فإذا نفخ فيه النفخة الأولى صعق كل من في ~~السماوات والأرض من ذي روح لشدة الفزع إلا من شاء الله. قيل هم جبريل، ~~وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل. وقيل: الحور العين. وقيل: موسى لأنه صعق في ~~الدنيا مرة. ثم بين النفختين يأمر الله عزرائيل أن يقبض روح جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل، ثم يقول له: مت. فيموت أيضا، فحينئذ يعم الهمود والخمود أربعين ~~سنة، ولا يبقى في الكون حي إلا الحي الذي لا يموت، ثم ينفخ فيه النفخة الثانية ~~كما قال تعالى: (ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظمون). فهذه ~~الجملة ما دلت عليه آيات القرآن وأحاديث الرسول عليه 10111 السلام، وهي ~~مشعرة بأن الصور هيئة حبس الله تعالى فيها أرواح الموتى، وهو البرزخ الأكبر، ~~رأسه إلى عليين، وأسفله في سجين. وما ورد [في الأحاديث]1 من مواضع ~~الأرواح مثل قوله صلى الله عليه وسلم ا ن أرواح الأنبياء في جنات عدن، تصعد مرة وتنحدر أخرى، ~~وتكون في اللحد مؤنسة لأجسادهم ساجدة لله تعالى، وأرواح السعداء في ~~الفردوس، وأرواح الشهداء في حواصل طير خضر في قناديل معلقة تحت العرش، ~~وأرواح أطفال المسلمين في حواصل عصافير الجنة عند جبال المسك، وأرواح ~~ولدان المشركين في الجنان وليس لها مأوى، يخدمون أهل الجنة، وأرواح ~~المسلمين الذين لهم تبعات معلقة في الهواء لا تصل إلى الجنة ولا إلى السماء حتى ~~يرضى الخصماء، وأرواح الفساق المصرين تعذب في القبر مع الجسد، وأرواح ~~المنافقين في بئر برهوت، وأرواح الكفار في سجين تعرض النار عليها غدوا وعشيا. ~~قالوا إن شعب الصور تلاقي هذه الأرواح في مواضعها بأكملها من العرش إلى ~~الفردوس إلى السماوات إلى الأرض لعظمها. فالأرواح في الصور في هذه ~~المواضع التي ورد الحديث بها، وهي في المعنى محبوسة في الصور فإنه يضبطها ~~إلى يوم القيامة، وهذا من علم الأولياء، وهم يشاهدون ذلك عيانا. ومثاله أن يقال PageV01P231 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0232.png) ~~فلان بالمشرق، وفلان بالمغرب، وفلان في بغداد، ms124 وفلان بمكة، وفلان بالمدينة، ~~وآخر بأصفهان، إلى غير ذلك من البلدان وكلهم في ضوء النهار يضمهم شعاع ~~الشمس، فعلى هذا المعنى لا تناقض في الأحاديث فاعلم. # فإذا عرفت ذلك، فاعلم أن للأموات برزخين، برزخ في القبور إلى يوم يبعثون، ~~وبرزخ في الصور. فبرزخ القبور محبس أجسادهم، وبرزخ الصور محبس أرواحهم، ~~وذلك قوله تعالى: (ومن ورآبهم برزخ) 1) ولفظ البرزخ معرب أصله ~~برزه، وهو المكان المرتفع، فالقبر سمي به لارتفاعه من الأرض، والصور لارتفاعه ~~إلى العرش، وإنما سمي صورا لصوره أي ميله وانحنائه. [والصؤر في اللغة الميل، ~~كذلك القرن يكون مميلا، فكأن الصور بانحنائه] تطوق بالعالم كله والله أعلم. قال ~~أبو عبيدة6: "الصور جمع صورة كالكور جمع كورة1. وفيه معنى لطيف وهو أن ~~إسرافيل عليه السلام، لما كان موكلا بحفظ كل 1021 ذي روح بصورتها ~~المختصة بها حتى [يؤديها إلى جسدها الخاص بها،](3) فكأن صوره مكمن الصور ~~للأرواح على ما هي عليها [كذا] في الدنيا، كما ذكر أن لها صورة الإنسان والله ~~أعلم. ومعنى النفخ أن الأرواح لطائف كالرياح، وإنما تدخل في تجاويف الأجسام ~~بالنفخ كما دخلتها أولا، قال الله تعالى: (ونفخت فيه من روحى) 2) أي ~~نفخ جبريل روحه فيه بأمري. وقالت الدهرية: النفخ شيء واحد، فكيف يميت مرة ~~ويحيي أخرى? الجواب: النفخة الأولى نفخة قهر، تطم الأجساد بفزعها، وتصخ ~~الآذان بقرعها، وهي الطامة الكبرى، والصاخة العظمى، والقارعة التي تنهد الأجساد ~~بهدتها، وتفارقها الأرواح بشدتها؛ والنفخة الثانية نفخة الرحمة، والعطف، PageV01P232 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0233.png) ~~والإصلاح. فالأولى بها يميت الخلق، وبالأخرى يحييهم. مثاله النفخة القوية فإنها ~~تطفي النار العظيمة، واللطيفة تحييها، قال الشاعر: ~~أسقمني طرفك من سقمه وصحتي من سقم الطرف # ل صلاحي وفسادي معا كالنفخ مذكي النار والمطفي # فإذا عرفت صفة الصور والأرواح المحتبسة فيه، وعرفت أن ذرات الأجساد ~~المصفاة من الأوساخ والكدورات الأرضية بما لطفها الله بقوارع الأشراط وحوادثها ~~كما قيل: إن الحوادث صيقل الأحرار. وأنها صارت إذ ذاك أرضا فضية، وخبزة نقية ~~متهيئة لقبول أرواحها، كالأرض الطيبة المهيأة لقبول الزرع فيها. وكانت ms125 كل ذرة منها ~~ناظرة إلى روحها الخاصة بها وكذلك روحها ناظرة إليها، سعيدة كانت أم شقية، ~~وعرفانها ذلك فطرة وإلهام من الله تعالى كما قال في مثل ذلك: (قد علركل أناس ~~مشريهم) (البقرة؛60). فإذا تمت الأربعون من النفخة الأولى وليس في الدار ديار، ~~يلقي الله تعالى الروح إلى إسرافيل [عليه السلام أولا فيجيبه وذلك قوله: (يلقى ~~الروح من أمره على من دشاء من عباده لينذر يوم الثلاق) غافر؛ 15) ثم يأمره أن ينفخ ~~نفخة ثانية وذلك قوله: (ثم نفخ فيه أخرى فإذاهم قيام ينظرون وأشرقت الأرض بنور ~~ربها ووضع الكتاب وجاىء بالنبيعن والشهداء)؛ وقوله: (يوم ينفخ ف ~~الصور فتأتون أفوابا))النبأ )؛ وقوله: (ونفخ في الصور فإذاهم من الأبداث إلى ربهم ~~ينسلون) يس51)، أي يخرجون من الأرض متخلصين عما ليس من ذراتهم ~~من غرائب أجزاء الأرض. وقال صاحب المجمل(3): النسيل 10311 العسل إذا ذاب PageV01P233 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0234.png) ~~وفارق الشمع. واعلم أنه يحتمل أن يكون انجذاب كل ذرة إلى روحها وتمايزها ~~من سائر أجزاء الأرض كانجذاب كل ذرة من برادات(2) الحديد ممتازة من ذرات ~~سائر الأجساد إلى حجر المغناطيس، ألا تراها كيف تلتصق به خالصة من غيرها. ~~وكيف وهي في علم الله تعالى كل روح مع جسده حاضران مجتمعان، وإن كانا في ~~الصورة عندنا مفترقين، قال الله تعالى: (قد عامنا مانقص الأرض منهم وعندنا كناب ~~حفيظ ) رق؛4) وقال: (بلي قدرين على أن نسوى بنانه) (القيامة4)، وقال: (قل ~~يحييها الذى انشأها أول مترة) (يس؛ 79). # وإنما طولت النفس في هذه المسألة وأبوابها لكثرة ما يعتري النفوس من ~~الشكوك والشبه فيها، سيما في هذا الزمان الذي شاع فيه البدع والأهواء، وأظهرت ~~الباطنية ما تبطنوه إلى اليوم من الإباحة وإنكار أمور الآخرة، ويدعون الخلق إلى ~~متابعة الهوى ومقتضى الشهوات، وأنه لا تبعة لأحد فيما يفعل، وليس بعد هذه ~~الحياة من حياة وثواب وعقاب. وشاعت هذه الدعوات لهم في نواحينا، والنفوس ~~جبلت مائلة إلى شهواتها، والشيطان يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. ~~وكانت الأئمة الماضون عارفون بحقائق هذه المسائل ودقائقها ms126 لوفور علومهم، ~~ولكنهم لم يدونوا [كذا] في الكتب لاستغنائهم عن ذلك، إذ القلوب يومئذ مطمئنة ~~بالإيمان لقربهم من زمان الوحي والتنزيل، ولم تكن البدع والأهواء ذائعة، بخلاف ~~زماننا هذا، فلقد طال (عليهم الأمد فقست قلوبهم)، واجترأ الشيطان على استهوائهم ~~لكثرة أهوائهم، وكان يومئذ يفر من ظل عمر، ولهذا قال الصديق الأكبر: طوبى ~~لمن مات في نأنأة الإسلام. وأئمتنا اليوم أعزهم الله وحماهم، اعتناؤهم في ~~تصحيح علم الخلاف، واستنباط دقائق الجدل لرواج سوقه بين أهليه، معرضين عن PageV01P234 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0235.png) ~~العلم الأهم، فلا جرم احتجنا نحن في كل مسألة أخروية إلى أمثلة محسوسة دنيوية ~~لتستأنس بها النفوس، ويطرد بها إبليس، والعصمة من الله تعالى. # سبحان من صير شعب الصور للأرواح لاقطة، وترك أشباحها في الترب ساقطة، ~~وجعل بينهما ا104 من خفيات لطفه رابطة، وسيجعل الأرواح في القيامة هابطة، ~~ولأجزاء أشباحها ضابطة. # إلهي، كيف ننعم وإسرافيلك قد التقم الصور، والشياطين حاصرت من صدورنا ~~القصور، فأنزل بساحتنا جندك المنصور، يا رحيم يا غفور. PageV01P235 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0236.png) # اعلم أن المنكرين للبعث من الفلاسفة لعنهم الله تعلقوا بشبه ضلوا بها وأضلوا ~~كثيرا من الناس، ومعظم شبههم سؤالان، أحدهما قالوا: إن الإنسان ليس إنسانا ~~بمادته بل بصورته، وإنما تكون الأفعال الإنسانية صادرة عنه لوجود صورته، فإذا ~~بطلت صورته عن مادته، وعادت المادة إلى أصولها من العناصر، فقد بطل الإنسان ~~بعينه، ثم إذا خلقت في تلك المادة بعينها صورة إنسان جديد، حدث منها إنسان ~~آخر، لا ذلك الإنسان الأول، فإن الموجود في الثاني من ذلك الأول هو مادته لا ~~صورته، فلا يكون هو محمودا ولا مذموما ولا مستحقا لثواب أو عقاب بمادته بل ~~بصورته، وبأنه إنسان لا بأنه تراب، فيكون الإنسان المثاب والمعاقب ليس هو ~~الإنسان المحسن المسيء، بل إنسان آخر مشارك في مادته، وربما يستشهدون على ~~ذلك بقوله تعالى: (وما نحن بمسبوقينل على أن نبدل أمثالكم)) ~~وقوله: (بقادر على أن يخلق مثلهم) (يس؛ 1). قالوا: ومثل الشيء لا يكون عين ~~ذلك الشيء. هذا أورده ابن سينا(1) في كتابه في ms127 المعاد(. # والجواب عنه، أما قوله: ليس الإنسان إنسانا بمادته بل بصورته، يريدون بالمادة ~~جوهريته المركبة من الأخلاط ويسمونه الهيولى، وبالصورة معانيه المودعة فيه، PageV01P236 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0237.png) ~~وهذه منهم دعوى لا برهان عليه [كذا، بل الإنسان عند أهل البصائر هذا المجموع ~~من الجسد والروح بما فيه من المعاني، فإذا بطلت صورة جسده بالموت، وزالت ~~عنه المعاني بقبض روحه لا يسمى إنسانا، فإذا جمعت هذه الأشياء إليه بالإعادة ~~ثانيا كان هو ذلك الإنسان بعينه. ألا ترى أن الجسد الفارغ من الروح والمعاني ~~يسمى شبحا وجثة ولا يسمى إنسانا. وكذلك الروح المجرد لا يسمى إنسانا، ~~وكذلك المعاني المختصة به من العلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، ~~والكلام، لا تسمى إنسانا بمجموعها وتفاريقها على الانفراد، لا عقلا ولا عرفا. ~~فعلى هذا قولهم: اا 105 الإنسان إنسان بصورته فحسب، كلام باطل، بل الإنسان ~~بجسده وروحه ومعانيه المختصة به إنسان. ألا ترى أنه يضاف بعضه إلى بعض في ~~الخطاب فيقال له نفسك، وروحك، وجسدك، وقلبك، وعلمك، وقدرتك. ولذلك ~~يضاف إليه جميع أعضائه فيقال رأسك، ويداك، ورجلاك، وظهرك، وبطنك، إلى ~~آخرها. فلولا أن الإنسان مجموعها فمن المخاطب بكاف الخطاب من جملتها وقد ~~أضفت الجميع إليه ? فعلى هذا الأصل يكون تبديل الصفات بالموت والإعادة إليه ~~غير مخرج له عن أن يكون ذلك الإنسان الأول، بل هو بعينه، إن كان محمودا ~~فمحمود، وإن كان مذموما فمذموم، وكان مستحقا للثواب والعقاب لأنه هو الأول. # وأما قولهم إن مثل الشيء لا يكون حقيقة ذلك الشيء تمسكا بقوله تعالى: ~~(وما نحن بمسبوقين لعلى أن نبدل أمثالكم) ) فمعناه على أن ~~نبدلكم، والمثل يزاد في الكلام تأكيدا كقوله تعالى: (ليس كمثلهء شتة) ~~(الشورى؛ 11)، والعرب تقول: مثل الأمير لا يقول هذا يعني الأمير لا يقول هذا. ~~وقد صرح أبو الطيب بذلك في شعره في تعزية عضد الدولة): PageV01P237 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0238.png) ~~مثلك يثني الحزن عن صوبه ويسترد الدمع عن غربه ~~ولم أقل مثلك أعني به سواك يا فردا بلا مشبه(1) # وهذا المعنى شائع في العربية لا يخفى على من ms128 شم رائحتها. # والسؤال الثاني وهو الصيلم الإد، ضل فيه عالم من الناس. قالوا: المعاد من ~~الإنسان ما هو، أجزاؤه الحاضرة عند الموت، أم جميع أجزائه التي فارقته مدة ~~عمره ? فإن كانت هي التي كانت حاضرة عند الموت فيجب أن يبعث المجدوع، ~~والمصلوم، والمقطوع على صورته تلك، وهذا لم يرد به شرع، وإن أعيد إليه جميع ~~أجزائه التي كانت له مدة عمره ثم زالت وتبدلت، وجب أن يكون جزءا واحدا بعينه ~~يدا، ورأسا، وقلبا، وكبدا، لأن الأجزاء العضوية المركبة من الدم وسائر الأخلاط ~~سيالة، تنتقل من عضو إلى عضو عند الاغتذاء، وكذلك إذا أكل إنسان إنسانا فصار ~~بالاغتذاء واحدا، فكيف تتعلق روحان بإنسان واحد؟ وكذلك، إذا قطعت يد كافر ~~فأسلم، فكيف تكون يده في النار وهو في الجنة أقطع? وعلى عكسه لو قطعت يد ~~مسلم فكفر؟ وكذلك أن الغالب على أجزاء كل ظاهر الأرض جثث الموتى ~~المتتربة، وقد ! 106 زرع فيها زروع، وغرس فيها أشجار وكروم، واغتذى منها ~~الناس، وانعقد في أبدانهم ذلك لحما ودما، فكيف يكون مادة واحدة وأصلا واحدا ~~حاملة لصور أناسي كثيرة؟ # هذه جملة شبههم الهائلة المتضمنة لهذا السؤال المنسوب إلى ابن سينا. وقد ~~أطال الحليمي رحمه الله، في كتابه المنهاج، الكلام فيها وأوغل في ورطات PageV01P238 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0239.png) ~~يصعب الخروج منها حتى التبس بالشرح. ونقل الإمام أحمد البيهقي في شعب ~~الإيمان) عيون كلامه في هذه المسألة وخلط ولم يشف الغليل. وكان الإمام حجة ~~الإسلام رحمه الله قد سلم المسألة وصرح في التهافت(، والعنوان، والفتاوى، ~~أنه لا يجب أن يكون المعاد بعينه هو الجسد الأول، بل أي جسد كان جائز. ~~وجماعة من الأئمة الكبار قد أهملوا أو لم يتعرضوا لبيانه، وهو أهم ما يصرف ~~العناية إليه في الأصول. فأقول: الجواب الحق أن المعتقد بإجماع السلف والخلف ~~هو أن المعاد يكون هذا الجسد بعينه، وبيانه أن تعلم أن الذرة التي قبضها عزرائيل ~~عليه السلام من الأرض أولا في كل إنسان باقية لا تتبدل البتة، وهي الجزء الفاهم ~~منه الذي أخذ ms129 عليه الميثاق، ويتوجه عليه في القبر سؤال الملكين، ويتولى جوابها PageV01P239 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0240.png) ~~برد الروح إليه والحياة له، وسائر أجزائه سبت صمت، وهو الذي يتعلق به الروح ~~عند نفخ الصور على ما دلت عليه الأخبار، ثم ينضم إليه سائر الأجزاء حيث كانت ~~بقدرة الله تعالى حتى يقوم الشخص تاما كما كان في الدنيا. هذا شيء لا يخالفه ~~عقل ولا شرع. # فأما قولهم المعاد من الإنسان ما هو، أجزاؤه عند الموت أم الأجزاء التي ~~فارقته؟ # فأقول: المعاد إنما يكون أكمل أجزاء حالاته في أيام حياته لقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحشر الناس عراة غرلا»(1)، يعني قلفا، والأرغل والأقلف هو الذي لم يختن. ثم ~~يجوز أن يزاد في أجساد أهل النعيم ليتوفر عليهم اللذات، ويزاد في أجساد أهل ~~الجحيم تغليظا للعقوبات. فقد جاء في الحديث أن أهل الجنة جرد، مكحلون أبناء ~~ثلاث وثلاثين، على خلق آدم، طولهم ستون ذراعا في عرض سبع أذرع. وقد ~~جاء في صفة أهل النار: "سن الكافر يصير مثل أحد). وهذا كله جائز في العقل، ~~وورد به الشرع. # وقوله: إن كانت أجزاؤه الحاضرة عند موته يجب، أن يبعث المجذوم، ~~والمصلوم، والمقطوع يده على صورتهم، وهذا لم يرد به شرع. # فالجواب، قد ا1071 ذكرنا أن المعاد هو أكمل أجزائه التي كانت له في عمره ~~لقوله تعالى: (قل يخييها الذى أنشاها أول مرة) س7). فكل جزء أنشأه الله أول ~~مرة في أيام عمره يعيدها [كذا] إليه، بخلاف المبدلات بعد الهزال والانحلال، فإنها ~~بالإضافة إلى ما تحللت وفنيت كانت منشأة ثاني مرة، فلو أعيدت هي أيضا في ~~الآخرة لقال: يحييها الذي أنشأها أول مرة، وثاني مرة، فعلى هذا صح أن المعادات PageV01P240 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0241.png) ~~بها كل شخص. ومثاله رجل كان في يده دنانير يتصرف فيها عمره، تارة تزيد، وتارة ~~تنقص، فبلغت في بعض الأوقات مائة، ثم انتقصت، ثم زادت، هكذا إلى آخره، ~~فكان أكمل ما ملكه من ماله المجتمع في يده مائة. هذا الذي دل عليه مضمون ~~الآية. # وقولهم: إن أعيد إليه ms130 جميع أجزائه التي كانت له مدة عمره ثم زالت وتبدلت، ~~وجب أن يكون جزء واحد بعينه يدا، ورأسا، وكبدا، وقلبا، لأن الأجزاء العضوية ~~المركبة من الأخلاط سيالة تنتقل من عضو إلى عضو عند الاغتذاء. # الجواب، قد ذكرنا أن المعاد منه ما هو، وما ذكره من سيلان الأخلاط من عضو ~~إلى عضو عند الاغتذاء فلا يلزم أن يصير القلب كبدا، والرأس يدا، لأن الذرة التي ~~هي الأصل في الشخص وأخذ الميثاق عليها، كانت هيئة الإنسان مقدرة فيها بجميع ~~أشكال أعضائه في علم الله تعالى، وإنما سماها ذرة تشبيها بالذرة التي هي النملة ~~الصغيرة، وهي مع صغرها لها أعضاء مخصوصة محسوسة، فلا يستحيل أن يكون ~~لتلك الذرة أعضاء مقدرة ، ثم إذا خلقها الله إنسانا تنبسط تلك الأعضاء على قدر ~~الجثة، وتنضم إليها الأجزاء السيالة من الأخلاط، فتتشكل على هيئة الشكل المقدر ~~في الذرة الأولى، فعلى هذا المنتقل من عضو إلى عضو هو تلك الأجزاء السيالة ~~الغذائية دون أجزاء الذرة الأولى التي شكل الإنسان فيها مقدر في علم الله بجميع ~~أعضائه، وهي بعينها قائمة منبسطة في جميع البدن حافظة لشكلها وصورتها ولا ~~تبلى قط لقوله تعالى: (وتقلبك في الساجدين))ء) والأجزاء الغذائية ~~تارة تنضم إليها، وتارة تفارقها، فعلى هذا المعنى الرأس رأس، واليد يد، والقلب ~~قلب، والكبد كبد باعتبار أجزائها الأصلية التي هي على غاية اللطافة، والأجزاء ~~الغذائية التي هي الدم وغيره تجري من عضو ا1081 إلى عضو وتستحيل، وتلك ~~الأصلية باقية على حالها. ومما يقرب من مثالها المحسوس هو راية الأسد والثعبان ~~المخيط من الحرير، تدخل الريح من جوفها، وتنتقل من عضو إلى عضو، فينتفخ PageV01P241 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0242.png) ~~[كذا] الراية على هيئة الأسد والثعبان، ثم يخرج منها وهي تبقى على ما كانت. ~~وقريب منه الإسفنجة، وهي شيء كالغيم هش، متخلخل، خفيف، إذا طرح في الماء ~~يتشرب الماء بتجاويفه فيربو، ويعظم، ويتثاقل، ثم إذا جفف عاد إلى الأصل؛ فيعلم ~~من هذين المثالين أن أجزاء الذرة في كل شخص باقية على هيئتها بالنص الوارد ~~الذي قد ms131 ذكرناه في قوله تعالى: (وتقلبك في الساجدين)لشعراء21) ~~والأجزاء الملتحقة بها تستحيل، وتزيد، وتنقص، وأصل تلك الأجزاء الأصلية في ~~الخلقة العجب، وهو أصل الذنب، وسمي به لتعجب بقائه عند بلي سائر الجسد. ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل شيء من الآدمي يبلى إلا العجب. وكأن عليه يتركب الجسد ~~عند الإحياء في الحشر والله أعلم. # قولهم: إذا أكل إنسان إنسانا فصارا بالاغتذاء واحدا، فكيف يتعلق روحان ~~بإنسان واحد؟ # الجواب أن الذرة الأصلية للآكل والمأكول باقيتان كما كانتا، والدليل عليه إجراء ~~الله تعالى العادة كما أخبر في قوله: (وتقلبك في الساجدين))لشعراء21) فعلى ~~هذا، الروحان يتعلقان بذرتي الآكل والمأكول، ثم سائر الأجزاء تلتحق بها أينما ~~كانت، فإنها وإن استحالت في رأي العين وتفرقت فهي في علم الله سبحانه موجودة ~~حاضرة، سواء امتزجت بالأرض أم بالهواء كما قال تعالى: (قد علمنا ما نقص الأرض ~~منهم) (ق، 4) الآية. والقدر الذي نقص منه يرده إليه كما رده في الدنيا عند الهزال، ~~ويخلق الحياة فيها فيصير الشخصان متكاملين كما كانا في الدنيا. # قولهم: إذا قطع [كذا] يد كافر فأسلم كيف تكون يده في النار وهو في الجنة ~~أقطع، وكذلك على عكسه? # فالجواب: أما اليد المقطوعة فحكمها تابع للجملة في الإيمان والكفر اعتبارا ~~بالذريات، فإنهن كأبعاض الآباء حكما، قال الله تعالى: (والذدينء أمنوا وانبعتهم ذرياهم PageV01P242 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0243.png) ~~بإيمن الحقنا بهم ذرياهم)) وقال البي صلى الله عليه وسلم فاطمة بضعة مني. فعلى هذا ~~يد الكافر، ما دامت متصلة به حكمها الكفر، فإن قطعت وآمن الكافر، صار ~~حكمها حيث كانت حكم الإيمان اتباعا للجملة، وكذا الثواب والعقاب عليها يقعان ~~تبعا لإيمان الجملة وكفرها، وهذا ظاهر ا109 الاستحالة فيها. # وأما قولهم غذاء الإنسان مستحيل من ترب أجساد الموتى القديمة إذا صارت ~~أجسادهم الرميمة ترابا، والتراب زرعا، والزرع غذاء. # الجواب أن ذلك غير مسلم، وإن سلم فلا نسلم استحالة الذرة الأصلية التي ~~عليها مدار البدن كله لما بيناه من قبل. وقد ذكرنا غير مرة أن سائر الأجزاء تابع ~~لتلك الذرة، وهي في ms132 علم الله تعالى مجتمعة وإن تفرقت في رأي العين، باقية وإن ~~استحالت. والدليل على أن المعاد من الإنسان هي الأجزاء التي كانت في الدنيا ~~بعينها قول الله تعالى: (يوم تشهد عليهم السنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)) ~~(النور؛ 24). فلو كان غيرها كما ذكر كانت شهادتها زورا وبهتانا. ولم أسمع أن ~~أحدا وجد هذا المعنى في هذه( الآية. # فإن قيل: يد الكافر إذا قطعت وآمن هو، لو ردت لكانت تشهد عليه بالكفر ~~وهو مؤمن. الجواب أن شهادة الأعضاء في القيامة بالمعاصي والطاعات لا بالكفر ~~والإيمان لقوله: (بما كانوا يكتسبون))(يس؛ 65) إذ الإيمان يتعلق بالقلب لا ~~بالأعضاء، ولم يقل بما كانوا يعتقدون. ومن العجب إنكار الفلاسفة الحشر والنشر، ~~وهل الحشر إلا إعادة أجزائه في الآخرة على مثال ما كان الله يعيدها في الدنيا حالا ~~فحالا ? أليس الشيخ الكبير في الدنيا هو الذي كان كهلا، وقبل الكهولة شابا، وقبل ~~الشبيبة صبيا وطفلا، وقبله جنينا? وهو في هذه الأطوار إنسان واحد بعينه بلا شك، PageV01P243 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0244.png) ~~ولا اعتبار بتلك الأجزاء المتبدلة هناك، كما لا اعتبار بها ههنا، بل تكون تلك ~~الأجزاء قليلة كانت أم كثيرة تابعة للذرة التي خلق منها أولا. وأيضا، فلا يبعد من ~~قدرة الله تعالى أن يرد جميع الأجزاء التي تعاوت على تلك الذرة أيام عمره، ولكنه ~~سيلطفها ويلززها فلا تكون [كذا] الشخص متجاوزا عن الحد. والقدرة متسعة، ~~والإمكان كائن، ولكن الظاهر ما بيناه. هذا غاية الكلام في هذه المسألة، وأنا السابق ~~الهادي إلى ما أقوله فلا يمكنك طوله. # فإن قيل: ما الحكمة في أن يقبض الله أرواح العباد ثم يردها إليهم في المعاد ~~وقد خلقهم لأبد الآباد? فهلا استدام حياتهم أبدا من غير قطع المنون? # الجواب، لو فعل ذلك كان خارجا عن الحكمة وهو أحكم الحاكمين، ولكنه ~~أماتهم في دار الفناء ليبقيهم بقاء الأبد في دار البقاء من وجوه، منها أن رقعة هذه ~~الخطة الغبراء التي هي الربع المسكون من الأرض بالنسبة إلى أجساد بني آدم ~~جميعا صغيرة، لا سيما 1] 110 ms133 القدر المعمور منها، وكانت لا تسعهم، ولا يفي ~~زرعها وثمارها بأقواتهم التي هي سبب معاشهم. قال أبو الطيب: ~~سبقنا إلى الدنيا ولو عاش أهلها منعنا بها من جيئة وذهوب # وفي الحديث: إن الله تعالى لما استخرج الذر من صلب آدم، امتلأ وجه ~~الأرض منهم، فقالت الملائكة : إلهي [كذا] قد امتلأت الأرض منهم وهم ذرات ~~فكيف تسعهم إذا تممت خلقهم? فقال تعالى: إني كلما أتي بقوم أميت ~~الآخرين...6 إلى آخر الحديث(2). PageV01P244 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0245.png) # ومنها أن القبور برزخ الأرواح، ولله في البرزخين إنشاءات خفية لأجسادهم ~~وأرواحهم يصيرها بها قابلة للبقاء الأبدي، ولا يعلم كيفية ذلك إلا هو كما قال: ~~(وننشتكم فى ما لا تعلمون))6) ومنها أنه تعالى فرق بين الأرواح ~~والأجساد ليعرفوا بالقطيعة قدر الوصال. قال بعضهم شعر: ~~ما كنت أعرف ما مقدار وصلكم حتى هجرتم وبعض الهجر تأديب # ولعل لهذا التشوق تأثيرات في التصفية التي بها الإنشاءات. وسمعت بعض من ~~أتق به من أرباب القلوب بهمذان أنه نظر في ربوة إلى بعض المقابر فرآها مد ~~البصر، فخطر بقلبه ما هذه الأطلال والأحجار؟ فهتف به هاتف: ~~قشور بيض طار عنها فراخها وهل ترجع الأطيار يوما إلى البيض # فاضطرب باطنه لمعنى البيت، فسمع على أثره يقول شعر: # من الدر بيضاء لإكرامه للقبض ~~بلى يجعل الله القشور هوادجا من ال ~~فترجع فيها الطائرات أوامنا من الصيد لا يبرحهن من أرح الروض # سبحان من جعل الشريعة ذريعة إلى النجاة، والفلسفي يراغمهما ببضاعته ~~المزجاة، ألا كل عقل لم يصحبه نور النبوة طيف، وكل نقد لم يضرب على سكة ~~الشرع زيف. النبي يأتي البيوت من أبوابها، والفلسفي يبغي بابها من شعابها، هذا ~~يمشي هاديا على الصراط المستقيم سويا، وذاك يمشي مكبا على وجهه غويا. لقد ~~جعل الشرع شمسا أضاءت الخافقين بنورها وآياتها، وجعل العقل لمعة من لمعاتها، ~~والشمس إذا طلعت من أفق المشرق، تطفي مصباح كل متحذلق. PageV01P245 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0246.png) # 251 ~~إلهي، آمنا بأنك ستعيدنا كما بدأتنا، ا1111 فلا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا. ~~إلهي، صقل مرائي قلوبنا ms134 عن صدإ الشبهات، ونق أناسي عيوننا عن قداة ~~الضلالات، يا محي الأموات، والمنقذ من الهلكات، يا الله يا رحمن يا رحيم. PageV01P246 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0247.png) # اعلم أن تراب الأرض التي خلق الله آدم منها قد قدر الله تعالى لكل ذرة منها من ~~ذرات ذريته روحا مختصة بها وهو قوله تعالى: (خلقه فقدره ثم السبيل يسره)) ~~(عبس؛ 19، 20). قيل معناه: فقدر له روحا. ثم لما أخرجها من صلب آدم قرن كل ~~ذرة بروحها، وأخذ الميثاق عليها، ثم ردهم إلى ظهره، ورد أرواحهم إلى خزانة ~~الغيب، ثم أخرج تلك الذرات كلها من ظهر آدم ممتزجة بأمشاج النطفة إلى رحم ~~حواء، ثم من أصلاب بنيه قرنا بعد قرن إلى الأرحام، وينميها بالأغذية كما يشاء، ~~وينقلها في أطوارها كما شرحناه، ثم يخرجها من الأرحام إلى فضاء الدنيا، ثم بعد ~~انقضاء آجالهم يقبض أرواحهم ويرجعهم إلى بطون الأرض، ثم يرد إليهم في ~~القبور أرواحهم عند سؤال الملكين. فكانت تلك الذرة الفاهمة من الجملة تفهم ~~الخطاب، وتجيب الجواب، وسائر الأجزاء أموات. ومن ذلك غلطت المعتزلة ~~فأنكروا السؤال. وربما يتحرك جميع الجسد ويتكلم تبعا لتلك الذرة الأصلية ~~لقوتها، وذلك يكون للأنبياء والأولياء كما جاء في الأخبار. ثم ما دام في البرزخ ~~فبين الأرواح وتلك الذرات المقبورة تواصل معنوي، وتزاور إلهامي، وإن صارت ~~هي في الصورة رفاتا، فالأخبار وردت بأن القبر روض من رياض الجنة وحفرة من ~~حفر النيران. هكذا يكون إلى أن دنا ميعاد المعاد في النشأة الأخرى بعد الطامة ~~الكبرى، فينقيها الله بالزلزال، والرجفات، والرياح المؤتفكات، ويعجنها بالأمطار ~~الشبيهة بمني الرجال كما جاء في الأخبار، فتهيأت حينئذ لقبول أرواحها، وكانت ~~أرواحها حانة إليها حنين الغريب إلى أوطانه كما قال الشاعر: PageV01P247 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0248.png) # 1121 فإذا نفخ في الصور نفخة أخرى، طارت الأرواح من مكامنها إلى ~~أجسادها التي فارقتها بالنفخ أسرع من طيران الحمامة إلى الفرخ. قوله: (كما بداكم ~~تعودون) الأعراف؛ 2. ثم بعد الحساب والجواز على الصراط يخلدون إما ~~في نعيم مقيم أو في عذاب أليم. وتسميتهم في هذه المنازل ذرية ms135 آدم يدل على أنهم ~~كانوا جميعا من تلك الذرات، والصحيح أن الذرية فعلية من الذر كالسرية من ~~السر وهو النكاح. وهذا القدر كاف في صحة البعث والنشور، فقد أشبعنا القول في ~~كتابنا الموسوم بمسالك البحث عن مدارك البعث، فاطلبه منه. ~~مناجاة: # سبحان من كون الأشياء بالكاف والنون فأظهرها إظهارا، وخلق الإنسان خلقا ~~بعد خلق أطوارا، ليستكثر له في التكوين أنظارا، فقال تعالى: (ما لكلا نرجون لله ~~وقار وقد خلقك أطوارا))وح3، 14) سبحان من بدأ بخلق الإنسان ذرة، ~~ثم جعلها تربة، ثم جعلها نطفة، ثم علقة، ثم كساها صورة، ثم جعلها رمة، ثم ~~يعيدها كرة، ثم يجعلها إما في الجنة شمعة، أو في النار فحمة، ثم خلود لا موت ~~بعده أبدا. # إلهي، لا تحرمنا من نظرك في هذه الأطوار، واذكرنا إذا نسينا أهل هذه الدار، يا ~~غفار. PageV01P248 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0249.png) # اعلم أن الداعي إلى إنكار المنكرين للشرائع والأمور الأخروية هو الركون إلى ~~المألوفات المعتادة، وصعوبة انخلاع النفس عن المعهود المتعارف، فإذا أخبروا بما ~~لم يروه ولم يشاهدوا جنسه اشمأزت طباعهم عن القبول، وأبت قلوبهم التصديق ~~به، فبادروا إلى إنكار البعث1) ومنشأ ذلك قصور العلم عن عظم قدرة الله تعالى ~~التي لا يعجزها شيء، ولا يتقاصر عما تستعظمه النفوس وتستغربه العقول. ولو ~~وفوا حق التأمل في معنى قوله: (إن الله على كل شي ءقدير ). لانفتح لهم من ~~عجائب الملك والملكوت ما لا خطر على قلب بشر. ومن ذلك جحود إبليس ~~وإباؤه عن السجود، واستبعاد الملائكة أن يجعل الله في الأرض خليفة، فلما أظهر ~~الله حجته انقادوا واعترفوا بالقصور: (سبحلنك لا علم لنا) لقرة32) فعفا عنهم، ~~وأصر الملعون على الإباء فأبلس فسمي إبليس. كذلك هؤلاء المنكرون للبعث ~~والنشور، والأمور الأخروية من الصراط، والميزان، والجنة، والنار وغيرها، إنما ~~يستبعدون لعدم رؤيتهم أمثال ذلك في الدنيا. أولئك الحمقى، لو لم يروا نارا تسقط ~~من الزندين مرخ وعفار، ثم ترجع إليهما فأهلكهما، لو لم يعاينوا قط أزهارا وأوراقا ~~خضرا ثم شجرا ثم ثمارا من تلك الأزهار مختلفات 11311 ms136 الصور، والألوان، ~~والطعوم، والروائح، بعدما شاهدوه في الشتاء حطبا جزلا، لكانوا لها أشد إنكارا من ~~إنكارهم الإحياء بعد الموت. وقد قال الله تعالى: (كذلك النشور)فاطر؛. # ذكر صاحب كتاب مفيد العلوم6) أن زهير بن أبي سلمى(3) كان كلما مر PageV01P249 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0250.png) ~~بعضاة قد أورق يقول: لولا أن العرب تسبني لقلت: آمنت بأن الذي أحياك بعد ~~يبس يحيي العظام الرميم. وكذلك لو لم يروا قط سفينة مشحونة بالأثقال ~~والرجال، جارية على سطح الماء، وأخبرهم بذلك إنسان بأنه رآها في بعض ~~أسفاره، لتسارعوا إلى تكذيبه ونسبوه إلى الخرافة كما فعل قوم نوح يوم صنع ~~الفلك. (وكلما مر عليه ملا من قومه، سخروامنة) ود؛ 38). كذلك يكون حال ~~المنكرين لأمور الآخرة. فبان من هذه الجملة أن مثار الشبهات لأهل الضلالات من ~~صعوبة انخلاع النفس عن المألوفات، واستئناسهم بالمحسوسات، وعجزهم عن ~~الترقي عنها، وتصور ما لم يروها [كذا]. وسبب ذلك هو الجهل بسعة قدرة الله ~~وتعلقها بالممكنات، فإذا ورد شرع بشيء لم يروه فإما مثلوه بما رأوه كالمشبهة، ~~وإما نفوه كالمعطلة. وذلك مثل ما جاء من صفات الله وأفعاله، وما دروا أن ذات الله ~~لا تشبه ذوات الخلق، فلا تشبه أيضا صفاته صفاتهم، ولا أفعاله أفعالهم. ومن ذلك ~~إنكار نفي المكان ونفي الصورة عن الله تعالى، وإنكار معراج المصطف صلى الله عليه وسلم. ~~بجسده، وهؤلاء الحمقى لو لم يروا الطير صافات في الهواء صاعدات في السماء، ~~وحكي لهم ذلك لكانوا أشد إنكارا ولقالوا: إن الثقيل يهوي بطبعه سفلا فكيف ~~يصعد علوا، وكيف يقف في الجو من غير عماد تحتها أو علاقة فوقها ? هذا مقتضى ~~عقلهم وقياسهم إذا اتكلوا عليه ورضوا بقضائه. وكذلك المنكر للبعث لو عرض ~~عليه قطرة نطفة رجراجة في زجاجة وقيل له إنك من هذه، ولم يكن له سبق علم ~~ولا خبر بأن الإنسان خلق من نطفة، لبادر إلى تكذيب هذا القائل وشتمه. وقد قال ~~الله تعالى: (أولا يذ كر الإنسان أناخلقنه من قبل)مريم؛67). وأيضا من لم ير ~~المصباح قط وحكي له أن في ms137 بلدة من بلاد المغرب شيء يضيء بالليل كالشمس PageV01P250 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0251.png) ~~فيعمل الصناع صناعتهم عليه في ضوئه، فلن يقبل عنه ولو حلف بالمغلظة، ثم لو ~~سأل عن صفته فقيل إنه مملحة فيها ذهن وفتيلة قش لازداد نكرا وجحودا، ولكن ~~لما رأى المصباح قبله ولم ينكره. ثم إذا قيل إن تحت العرش قناديل معلقة وأن في ~~قبر المؤمن مصباحا يستضيء به ربما أنكر، لأنه لم ير إلا هذه المصابيح المعهودة ~~المتعارفة، ثم إن قبله فلا يمكنه إلا أن يصور في نفسه قناديل من ذهب أو فضة، ~~ومصابيح من 1141 خزف أو نحاس لأنه لم ير ذلك إلا كذلك. فإذا قيل إنها ~~قناديل من نور، توقف فيها وتحير في كيفيتها، وأنه لم يبصرها بحاسة البصر، وكان ~~غايته أن يؤمن بها مطلقا، وبعد يتلجلج في صدره حزازات كان يخفيها عن ~~نفسه فضلا عن غيره، وهذا كله من الاتكال على المألوفات والعكوف على ~~المحسوسات. ومن سافر بقلبه عن العوالم الحسية، وفارق عن العادات الدنياوية، ~~وظن بعقله حظائر القدس، ونظر بسره إلى عالم الملكوت، وغاص بفكره في بحار ~~القدرة الأزلية، كان لا يتمارى قط فيما جاء به الأنبياء صلوات الله عليهم من الأمور ~~الأخروية والأخبار الغيبية، وعلم أن الدنيا لا تشبه الدين، وأن الملائكة لا تقاس ~~بالحدادين، فلا يجد ما عاش في صدره وخز شوك الشكوك. # إلهي، اجل أبصارنا وبصائرنا بنور هداك، ومل بقلوبنا إليك عمن سواك. ~~إلهي، بصرنا بمواقع أقدامنا، ومطارح أبصارنا، ومشايخ أفكارنا، ومواقف ~~عقولنا، حتى نرى بواطن الأشياء من ظواهرها، فنختار الحق من باطلها. # إلهي، لا تكلنا في أحوالنا إلى غيرك، لذذ قلوبنا بطاعتك، وكره إلينا معصيتك، ~~وحل بيننا وبين كل من يحول بيننا وبينك، واجعلنا ممن إذا قال صدق، وإذا عمل ~~حقق. صن أقوالنا عن سموم الرياء والسمعة، وأزل عن وادينا سراب الأماني ~~والعزة. توجهنا إليك في مدارع الرجاء والخوف، زافين عرائس الأمل، مادين أيدي ~~الافتقار، فاملأ من برك ولطفك، ولا تردنا خائبين، برحمتك يا أرحم الراحمين. PageV01P251 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0252.png) # اعلم أن اللوح، ms138 والقلم، والعرش، والكرسي، والجنة، والنار، أوليات من عالم ~~الملكوت خلقت للبقاء أبد الآبدين. وأوليات هذه الدنيا من السماوات والأرضين ~~وما فيهن خلقت للفناء، سوى الذرات التي كانت مناظر النظرة الإلهية في الجوهرة ~~المخلوقة أولا، وهي التي رشحها للخلافة في قوله تعالى: (إنى جاعل ا]115 في ~~الأرض خليفة) وقوله: (وهو الذى جعلكم خلتيف الأرض)) وقد ~~أعد لها أرواحها قبل خلقها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم خلق الله الأرواح قبل الأجساد ~~بألفي عام. وقال علي بن أبي طالب (لعه: خلقكم للأبد، وإنما تنقلون من دار ~~إلى دار. وقد رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى: (بل أحياء عندربهم ~~يرزقون)]) ... الآية . (آل عمران؛ 169) وما سواها من أجزاء الأرض وما عليها ~~فإنها للفناء وقد قال الله: (كل من عليها فان)حمن2) والفناء على معنيين: ~~إعدام وموت، وقول الله تعالى: (والسموات مطويات بيمينه)) قيل ~~معناه: مفنيات. وقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)) أي كل ~~شيء قابل للهلاك إلا ذاته تعالى. PageV01P252 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0253.png) # واعلم أن من العرش إلى سدرة المنتهى اثنتي عشرة طبقة من أصناف الملائكة، ~~هكذا جاء في كتب [كذا] المنزلة قدما. وقد روي عن بعض المشايخ أن الاتساق نور ~~الحق في نسوق نوره من نور طور الياقوت إلى نور طور سدرة المنتهى المذكور في ~~القرآن العظيم، اثنتي عشرة روحا قديسين. ولله المثل الأعلى. هذا يشير إلى طبقات ~~هؤلاء الملائكة الذين خلقهم الله فيما بين العرش إلى العرش [كذا] إلى السماء السابعة، ~~ويعني بالروح الملائكة، ويعني بطور الياقوت العرش، إذ ورد في الخبر أن العرش خلق ~~من ياقوتة حمراء؛ ويريد بطور سدرة المنتهى الشجرة التي فوق السماء السابعة، وهي ~~مقام جبريل، وعندها جنة المأوى، وهؤلاء الملائكة غير الحافين بالعرش، وغير سكان ~~السماوات السبع، وإنما هم الصافات صفا، والملأ الأعلى. واعلم أن الجنة درجات ~~وهي فردوس، وخلد، وعدن، وعليون، ونعيم، ودار السلام، ودار القرار، وجنة المأوى. ~~وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الجنة مائة درجة، ما ms139 بين كل درجة ما بين السماء ~~والأرض، والفردوس أعلاها، وفيها تتفجر أنهار الجنة2 قال الله تعالى: (وفتحت ~~أبوابها) تسمى واو الثمانية، ولنا فيها رسالة عجيبة، وأبواب النار سبعة قال الله تعالى: ~~(لما سبعة أبواب)) فكأن جهنم خلقت على هيئة سبع لقوله: (تكادتمير ~~من الغيظ )) وفي الحديث أنها تجر إلى القيامة بالسلاسل فتزفر زفرة. فكما ~~سمي السبع سبعا لأنه له سبعة حيوان في شدة قوته، لذلك جعل الله لجهنم سبعة أبواب ~~دلالة على غاية شدتها ونهمتها في ابتلاع العصاة كما قال: (لا تبقى ولاتذر)) الآية. ~~(المدثر؛ 28) وقال: (وتقول هل من مزي)) ق. وقد يوصف التنين العظيم بأن ~~له سبعة رؤوس والله أعلم. ا1161. # واعلم أن العرش من أعظم المخلوقات، وروي أنه سقف الجنة. وعن علي (لنفه: ~~إن للعرش ستين ألف قائمة، بين القائمة والقائمة خفقان الطير المسرع ثمانين ألف PageV01P253 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0254.png) ~~عام، والعرش يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من ~~خلق الله. عن ابن عباس: إن الله خلق العرش من نور، وخلق الكرسي من نور ~~العرش، والعرش ملتصق بالكرسي، والماء في جوف الكرسي، والماء على الريح، ~~والسماوات والجنة والنار في جوف الكرسي، والكرسي من نور يتلألأ، وهو عند ~~العرش كحلقة في فلاة2. عن الصادق، عن أبيه، عن جده عليهم السلام: ما خلق الله ~~من شيء إلا وتمثال ذلك الشيء على العرش، وهو قوله تعالى: ( وإن من شىء إلا ~~عندنا خزابنه) . وحملة العرش ثمانية أصناف من الملائكة، حملوها ~~على أكتافهم وأقدامهم معلقة في الهواء. ويقال إن مواقع أقدامهم محاذيات لأبواب ~~الجنة الثمانية لأن العرش سقف الجنة، وهم على صورة إنسان، وأسد، ونسر، وبقرة. ~~وقال أمية بن الصلت يصف العرش وحامليه في شعره: ~~لك الحمد والنعماء والفضل ربنا ولا شيء أعلى منك جدا وأمجد ~~مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنوا الوج # لعزته تعنوا الوجوه وتسجد PageV01P254 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0255.png) ~~رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر أخرى وليث مرصد ~~والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء في غسق ms140 الظلام توقد( # فسمع النبي صلى الله عليه وسلم دذه الأبيات فقال : صدق أمية بن الصلت، هكذا خلقها الله ~~تعالى". وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: آمن شعره وكفر قلبه. ~~مواعظ ومناجاة: # اعلم أن السماوات صحائف العبر للبشر. قال الله تعالى: ((أفلم ينظروا إلى السماء ~~فوقهر كيف بنينها وزيناها) 6) فطوبى لامرئ كحلت عيناه بنور الهداية، فيقرأ ~~بنظره الثاقب فيها عجائب الحكم والمواعظ بالحظوظ الإلهية، فيتعظ بها قبل أن تطوى ~~الصحف بيمين القدرة الأزلية (كطي السجل للكتب). وكذلك وجه الأرض ~~ألواح منقوشة بالآيات والعجائب، قال الله تعالى: (وفى الأرضايات للموقنين) ~~(الذاريات؛ 20). فطوبى لقلب تأملها قبل أن (مدت والقت ما فيا وتخلت) ~~(الانشقاق؛ 3، 4) . ألا إن ذرات الملك والملكوت خطباء الحق يقرأون عليك آيات ~~النور، وأنت تتصامم عنها تصامم من في القبور. (وكأين 117 من ءاية في السموات ~~والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) يوسف1). # اليوم قد نشرت صحف السماء لقلوب الأبرار، وطويت صحف الأعمال عن ~~الأبصار، وغدا تطوى صحف السماء عن الأبصار، وتنشر صحف الأعمال. (وإذا ~~الظحف نفرت للا أواذا النملء كثطت) التكوير، 10، 11). فرحم الله امرأ فتح عينه ~~قبل أن يعاين حينه فيحال بينه وبينه. يا سلام سلم. PageV01P255 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0256.png) ~~وفيه فصول أربعة: ~~الأول: في فضيلة الرؤيا وحقيقتها. ~~الثاني: في أقسام الرؤيا والتمييز بين الصادقة منها والأضغاث. ~~الثالث: في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام. ~~الرابع: في رؤية الله تعالى في المنام. ~~قال أبو محمد بن قتيبة : ليس فيما يتعاطاه الناس من فنون العلوم ~~ويمارسون(3) من صنوف الحكم شيء هو أغمض، وألطف، وأجل، وأشرف، ~~وأصعب مراما من الرؤيا لأنها جنس من الوحي وجزء من النبوة. وعن ~~أبي هريرة (ايلنغه عن النبي صلى الله عليه وسلم: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~لنبوة. واختصاص أقسام الرؤيا بهذا العدد هول ا صلى الله عليه وسلم ان قبل الوحي يرى ستة ~~أشهر رؤيا صادقة، فكانت نسبة الستة الأشهر إلى ثلاث وعشرين سنة التي كان يأتيه ~~جبريل فيها بالوحي ms141 جزءا من ستة وأربعين جزءا. وقا صلى الله عليه وسلموم توفي: أيها الناس PageV01P256 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0257.png) ~~ذهبت النبوة فلا نبوة، وبقيت التباشير والمبشرات، وهي الرؤيا الصالحة يراها ~~المؤمن وترى له. وأما حقيقتها فقد قال الله تعالى: (وجعلنا نومكم سبان)) ~~(النبأ؛ 9) قال المفسرون: أي راحة لأبدانكم وذلك أن الإنسان ما دام في إصلاح ~~معاشه ساعيا، متحركا، مشغول النفس بالتفكر فيما يورد عليه الحواس، يكون ~~متعبا، فإذا كلت نفسه وضعفت قواه ضرب الله النوم على أذنه كما قال تعالى: ~~(فضرتنا على آذانهم) ) أي ضربنا النوم على آذانهم كي لا يدخلها ~~الأصوات فيشغلها [كذا]، وهذا كما يقال ضربت على الكتاب إذا خططت عليها ~~حتى لا يمكن قراءتها. فعند ذلك يتثاقل رأسه قليلا قليلا حتى تركن إحساسيه ~~الخمس، فتستريح النفس من شغل البدن، ويأخذ البدن من قوة الغذاء بدلا لما ~~تحلل منه حالة اليقظة عند اضطرابه، فيخف جسمه مدة نومه وراحته، فذلك هو ~~السبات المذكور في الآية. 118/1. # وأما سبب ما يراه في النوم، فقال الإمام محمد بن علي الترمذي رحمة الله عليه: إذا ~~جاء النوم من طريق الأذن فمر من الحواس فيرقدها، يعني يركدها - وأنا أظن أن القاف ~~بدل من الكاف، والرقود ركود الحواس - قال: فيثقل حينئذ الرأس لذلك، ثم ينزل إلى ~~الصدر، ويرتفع النفس إلى الرأس متعلقة بالروح ليخلصها من شواغل الإحساس ~~- والروح تسمى بالفارسية روان، لأنه يجول في الملكوت والعالم كله - فيسطع نور ~~النفس حتى يجول في الدنيا ويصعد إلى الملكوت فيعاين الأشياء، ثم يرجع إلى معدنها. ~~فإن وجدت مهلة عرضت على العقل ما رأته، والعقل استودع لحفظ ذلك، فإذا استيقظ ~~رد الحفظ ما استودعه العقل إليه فنظر فيه، وإن لم يجد مهلة، استيقظ وقد علمت أنها ~~رأت شيئا ولا تذكره1. والدليل على صعود روح النائم الحديث الذي رواه أبو الدرداء (لففه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرجت النفس في منامها، صعدت في الملكوت إلى الله، فإن ~~كانت طاهرة سجدت من تحت العرش، وإن كانت غير طاهرة سجدت قاصية20) . وروى ms142 PageV01P257 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0258.png) ~~ابن قتيبة عن أبي حاتم(، عن الأصمعي(4)، عن معتمر بن سليمان(3)، عن رجل وصفه ~~قال: خرجنا مرة في سفر وكنا ثلاثة نفر، فنام أحدنا فرأينا مثل المصباح خرج من أنفه ~~فدخل غارا قريبا منه، ثم رجع فدخل أنفه فانتبه ومسح وجهه وقال: رأيت عجبا، رأيت ~~في هذا الغار كنزا. فدخلنا الغار فوجدنا فيه بقية كنز كان فيه. وحكي عن المعتمر(5) أن ~~روح الإنسان كمثل شهرق الغزل يرسل فيمضي ويمضي ثم يطوي فيدخل، روح الإنسان ~~يرسل في النوم منه شيء، ومعظمها في البدن متصل به اتصالا خفيا، فإذا استيقظ جذت ~~معظم روحه ما انبسط منه فعاد2. والدليل على هذه الجملة قوله تعالى: ( الله يتوف ~~الأنفس حين موتها). الآية (الزمر؛ 42). # واعلم أن العلماء اختلفوا في الروح والنفس فقال بعضهم: إنها شيئان. قال ~~القتيبي: الروح بارد والنفس حارة، والنفخ من الروح فلذلك برد، والنفس من ~~النفس التي في الرئة فلذلك حار. ولذا قال الترمذي قالوا: وقد عظم الله الروح ~~وشرفه بالإضافة إلى نفسه. وخرجت روحه بمعنى إذا مات. وقال الإمام حجة PageV01P258 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0259.png) ~~الإسلام الغزالي رحمة الله عليه: قد يعبر عن اللطيفة التي يحيي الله تعالى الإنسان ~~بوجودها فيه الروح، والنفس، والقلب، والعقل جميعا، ثم إن لهذه الألفاظ معاني ~~أخر لأنهن من الأسماء 11901 المشتركة(. ذكره في الإحياء. وقال الشيخ ~~أبو الحسين النوري(2) (لنغه في كتاب النوم واليقظة(3): ومن عجائب ما أودع الله تعالى ~~الإنسان روحه التي هي من لطفها وبساطتها تصعد إلى السماء في لحظة، وتجول في ~~الدنيا في طرفة، ترى البعيد قريبا، والغائب شاهدا، والمستور مكشوفا، فلا يمنعها ~~الحجاب والستور، ولا تردها الجدار والسور، ولا تصدها النيران والبحور، تعاين ~~القرون الخالية كما تعاين الحاضرة، ترى الدنيا الموجودة الآن كالمعدومة، والآخرة ~~كالمكونة اليوم، فهي ديدنان الجسد وطليعته، وبها جعل الله آدم خليفة وأمر ملائكته ~~بالسجود له، ولإثرته وشرفه حسده إبليس فلعنه الله، ولأجله نكس رؤوس جميع ~~الحيوانات بين يديه كالعبيد لمولاهم، ورفع رأس الإنسان ونصب قامته كالسيد العالي ~~على خدمه، ms143 وسهل له النظر إلى السماء ليستدل بها على باريه جل جلاله. PageV01P259 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0260.png) ~~ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال: الرؤيا ثلاثة، فرؤيا بشرى من الله، ~~ورؤيا تحذير من الشيطان، ورؤيا يحدث بها الإنسان نفسه فيراه في النوم1. وأقول ~~في شرح الحديث: # أما القسم الأول وهو الرؤيا التي من الله بلا واسطة وتكون للبشرى أو الإنذار ~~فيما قال الله تعالى: (لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفى الأخرة) يونس؛ 4) وهي ~~ما يتعلق بالزمان المستقبل، ويكون من أنباء الغيب، إذ الغيب لا يعلمه إلا الله. قال ~~الله تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو)) وقال الله تعالى: ~~(قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله)لل 65) ومثل هذه الرؤيا يكون ~~للأنبياء والأولياء، وهي الرؤيا الصادقة التي لا تحتاج إلى التعبير، لأن الشيطان ~~والخيال لا يبلغان إلى الله تعالى ولا إلى اللوح المحفوظ. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا نام ~~العبد في صلاة، يباهي الله به الملائكة فيقول: انظروا إلى عبدي، روحه عندي ~~وجسده بين يدي ساجد2 # وأما القسم الثاني من الرؤيا الذي هو من الشيطان، فذلك تخويف منه وتحذير. ~~قال الله تعالى: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) آل عمران، ). ولما كان جرى ~~الشيطان في جسد الإنسان في مجاري الدم التي هي العروق، ويقال سميت عروقا ~~لأن الشيطان يعرق في مضايقها ليجري من ابن آدم مجرى الدم. 120/1 قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا عليه مجاريه ~~بالجوع والعطش). فالدم الذي على صفة البدن من الحر، والبرد، والرطوبة، PageV01P260 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0261.png) ~~واليبس، فإذا خالط الشيطان الدم في مجاريه اتصف بصفة الدم، فيرى النائم ما ~~يجانس جثته منه، فإن كان الغالب عليه الحرارة يريه النيران والأشياء الصفر، وإن ~~كانت الغلبة للبرودة يريه الثلوج والجمد والزمهرير، وإن كان الغلبة على مجاريه ~~اليبس يريه الأشياء السود والظلمات والموتى والبكاء، وإن كانت الغلبة للرطوبة ~~يريه الأمطار والأنداء والمياه. وكذلك إن كان ms144 في الدم خفة يريه من خفته كأنه يطير، ~~ويريه الملاهي والسماع والرقص، وإن كان فيه الثقل يتثاقل منه الشيطان، فيرى ~~النائم كأنه ضغط من شيء ثقيل وهو الكابوس. هذه كلها أضغاث أحلام لا تأويل ~~لها. # وأما القسم الثالث من الرؤيا التي هي حديث النفس، وأكثره يتعلق بالزمان ~~الماضي والحاضر، وهو أن يحدث الإنسان نفسه بشيء فيبقى صورة ذلك الشيء ~~في خياله، فإذا نام يراها بعينها في المنام، مثاله من داوم النظر في فوطة أو شبكة ثم ~~يغمض عينيه يرى ذلك في الخيال قال الشاعر: ~~سقيا لزورك من طيف أتاك بهحديث نفسك عنه وهو مشغول # واعلم أن شأن الخيال عجيب جدا، وكنا أوردنا في باب خلق الأرض حديثا ~~رواه علي بن أبي طالب اله عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله خلق الجوهرة أولا، ثم ~~نظر إليها فذابت وارتعدت فصارت ماء، فخلق العرش من نصفها، فارتعد العرش ~~فكتب الله عليه لا إله إلا الله، فسكن العرش على الماء. قال زين العابدين (لئغه: ~~لما خلق الله تعالى آدم من الماء والطين، أودع من ذلك الماء المرتعد في مقدمة ~~رأسه، فجعلها محلا للخيال والوهم، فترتعد أبدا فيتخيل الأشياء في صفاتها كالمرآة ~~المجلوة، لا تهدأ من محاكاة الصور نوما ولا يقظة، فتأتي في اليقظة بالخواطر وفي ~~النوم بالأحلام، وإنما يلقي إليه الرؤيا تلك الصور إما من المشاهدات بالحواس PageV01P261 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0262.png) ~~حالة اليقظة قبل ذلك، وإما من تصويرات أداها الفكر إليه من الأماني والمخاوف. ~~قال بعضهم: ~~من طول التفكير كل يوم رأيتك كل ليل في المنام(1) # 1211 وقد يلقيها الشيطان أيضا من تسولاته ومخاوفه، من أجل ذلك تكون ~~تلك الفكر المخيلة أبدا مضطربة، مترجرجة، دائمة الحركات والانتقالات من صورة ~~إلى صورة حالة النوم، ومن إلقاء الخواطر المختلفة حالة اليقظة، فيسمى ما تريك ~~حالة [النوم](2) أضغاث أحلام، وما يريك حالة اليقظة هواجس النفس. وليس ~~للخيال وصول إلى اللوح المحفوظ فيطالعه، ولا إلى الملك الموكل باللوح فيلقي ~~إليه ما فيه، ولا إلى الحضرة الإلهية فيتلقى منه وحيا. ms145 قال أبو الطيب في عمل ~~الخيال شعر: ~~لا الحلم جاد به ولا يماثله لولا اذكار وداعه وزياله # نام خياله كانت إعادته خيال خياله(3) # فإن قيل كيف عروج الأنفس إلى اللوح، وكيف تبديل الخيال ما أحدثه منه إلى ~~أشكال أخر وهو لا يصل إلى اللوح فيطالعه? الجواب أن تعلم أن معلومات الله ~~تعالى لا تتناهى، ثم هي مع عدم تناهيها على ضربين، منها ما تعلقت به الإرادة ~~للإيجاد، ومنها ما لا تتعلق به، فبقيت غير متناهية على ما كانت ولم تدخل تحت ~~العد والإحصاء. والذي تعلقت به الإرادة للتكوين صارت متناهية داخلة تحت ~~الإحصاء، وهي التي أثبتها في اللوح المحفوظ، فذلك قوله: (وكل شىء أحصينه في ~~إمام مبين) (يس، 12) أي أحصيناه مما لا يتناهى من المعلومات، وأردنا أن ~~نبرزها إلى الوجود، وهو المسطور في قوله: (وكل صغير وكبير مستطر) ~~(القمر؛ 53) قال: ( كان ذلك ف الكنب مطوا ))الإسراء5). ثم إن لمعاني PageV01P262 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0263.png) ~~تلك الأشياء المسطورة في اللوح صورا منقوشة تحت العرش، وهو قوله تعالى: ~~(وإن من شىء إلا عندنا خزابنه). الآية (الحجر؛ 21) وفي الحديث: ما خلق الله من ~~شيء إلا وله صورة تحت العرش". وللعرش باللوح اتصال خفي عن أفهام الخلق، ~~والناظر إلى اللوح ملك عظيم يسمى الروح، وهو الذي يقوم صفا والملائكة صفا، ~~والناظر إلى العرش إسرافيل عليه السلام، والصور في فمه، والملائكة الحافون ~~حول العرش هم الحاملون للعرش بقوة التسبيح والتحميد كما قال تعالى: (وترى ~~الملابكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم)). واعلم أن مثل ~~العرش العظيم لا يستطاع حمله بقوة الجسد البتة، لأن قوة الجسد متناهية. وإنما ~~يحملونه 1241 بقوة التسبيح والتحميد التي هي من القوة الملكوتية التي تتسخر ~~لها الأشياء وتتصاغر، وبها قلع علي الضه باب خيبر وهو الوف من حديد، فقال: ~~ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، ولا بحركة غذائية ولكني قلعتها بقوة ملكوتية، ~~ونفس بنور ربها مضيئة. وفي شرح هذه القوة طول لا يحتمل هذا الكتاب. # فعلى هذا، إذا توفى الله نفس العبد التي ms146 لم تمت في منامه، أي استوفاها عنده، ~~وأراها من عجائب ملكوته أشياء، وأطلعها على الصور تحت عرشه، والمكتوب في ~~لوحه، ثم يرسلها إلى البدن، فأول ما يلاقيه عند العود محل الخيال والوهم، لأن ~~ذلك في الحلقة بين الحس والعقل، والنفس في تلك الحالة راجعة من عالم ~~المعالي المعقولات إلى عالم الحس، فيكون منزله الأول هو الخيال والوهم الذي ~~مرتبته بين الحس والعقل، فيبادر ملك الرؤيا إلى تلك المعاني المجردة التي معها، ~~ويصورها في الخيال بما يشاكلها من المحسوسات، كما يصور حقيقة الرجل مثلا ~~بالسحر [كذا]، والعداوة بالحية، والحكمة بالجوهر. وهذا الملك، أعني ملك الرؤيا، ~~هو من أعوان إسرافيل عليه السلام، وإنما يأخذ الخيال منه تلك الصور اضطرارا ~~وتسخيرا من الله، إذ لا اختيار للخيال البتة، ولكنه جبل على ذلك. والمعبر يعبر ~~بسياحة الفكر عن تلك الصور المخيلة إلى ما يناسبها في معانيها، ويرجع قهقرا، PageV01P263 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0264.png) ~~وينتقل ثم ينتقل في مشكلاتها حتى يطلع على المرأى الأول فيذكره، فهذا معنى ~~التعبير والتأويل، فتأمله فإنك لا تجده في كتاب. # قال النبي صلى الله عليه وسلم : من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي. ~~واعلم أنه إنما لا يتمثل لما جاء في الحديث، لا آ صلى الله عليه وسلم ما ولد، رن إبليس رنة ~~سمعها جميع الشياطين في الأرض، فجاءوه واحتوشوا به وقالوا: ما أصابك? قال: ~~حدث في الأرض حادثة بطلت بها مكايدي كلها". قالوا: وما هي؟1 قال: "ولد ~~مولود بمكة. فتهافت الشياطين إلى مكة حتى وصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدوا نورا ~~يسطع من السماء له شعاع كلما دنا شيطان منه أحرقه، فكانوا من يومئذ يفرون ~~ويفزعون من صورة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لفزعه أسلم شيطانه كما في الحديث. ومن ~~ذلك ما قال الله تعالى: (فلما ترآءت الفستان نكص على عقبيه وقال إنى بريء منكم إني ~~أرى ما لا ترون) الأنفال؛ ) وقال بعض المفسرين، إن الشيطان يومئذ لما ظهر في ~~صورة سراقة، رأى 1231 أشعة ms147 تتطالع من وجه النبي صلى الله عليه وسلم عترق بها كل من ~~لاقاه من الشياطين، فقال للحرث بن هشام(3): (إن أرى ما لا ترون). وهرب. وقيل ~~إنه رأى الملائكة محتفين به على خيول بلق، فلهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم، إن ~~الشيطان لا يتمثل بي1. وقوله: فقد رآني، أي فقد رآني حقيقة، جسمي وروحي ~~وصورتي معا، وذلك أن الأنبياء لا تبلى أجسادهم ولا تتغير صورهم، وهم في ~~قبورهم يصلون كما ورد [كذا] به الأحاديث. فإن قيل: كيف يراه وهو بالمدينة وبينه ~~وبين هذا الرائي مسافات بعيدة? PageV01P264 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0265.png) # الجواب أنه إذا رآه في المنام فليس يراه بالعين التي في رأسه حتى يحج ~~الحضور، وإنما يراه بالعين التي في باطنه، وتلك لا تستدعي حضور المرئي، بل ~~يرى من المشرق إلى المغرب، ومن الأرض إلى العرش، وهل كان ذلك إلا كما ~~ترى الصور في المرآة المحاذية لها، وليست الصورة منتقلة إلى جرم المرآة، وعين ~~الباطن في مقابلة جميع الكائنات كالمرآة. فإن قيل: فما قولك فيما إذا أراه خلق ~~كثير في حالة واحدة، فيرى بعضهم شيخا، ويراه آخر شابا، ويراه غيره ضاحكا، ~~وواحدا يراه باكيا، إلى غير ذلك? الجواب، هذه الاختلافات كلها راجعة إلى الرائين ~~لا المري صلى الله عليه وسلم، ومثاله من قابل مرايا كثيرة مختلفة الأشكال والمقادير وجه إنسان، ~~فيرى وجهه في المرآة الكبيرة كبيرا، وفي الصغيرة صغيرا، وفي المعوجة معوجا، ~~وفي الطويلة طويلا، وفي المقعرة مقعرا إلى غير ذلك، فتكون الاختلافات راجعة ~~إلى اختلاف أشكال المرائي لا إلى وجه المرئي. كذلك الراؤون للنبي صلى الله عليه وسلم ألحوالهم ~~بالنسبة إليه مختلفة، فمن رآه متبسما إليه يدل على أن الرائي مستن بسنته، آخذ ~~بطريقته. ومن رآه غضبان دل على أن الرائي قد خالف قوله، وترك سنته. [وإن رأى ~~في عضو منه نقصانا يكون نقصان سنته]) بين أولئك القوم. وإن رآه في سلاح ~~فنصرة دينه وهلاك عدوه، إلى غير ذلك كما ذكر في كتب التعبير. # ومثال آخر وهو أن جماعة ms148 ينظرون خلف جامات من الزجاج ملونة بألوان ~~الحمرة، والصفرة، والخضرة، والبياض وغيرها، فوقع طائر أبيض [وراء الجامات، ~~أليس أن أحدهم يراه أصفر، وآخر يراه أحمر، وآخر يراه كما هو أبيض؟](3) فتكون ~~حينئذ تلك الاختلافات راجعة إلى الرائين لاختلاف مناظرهم لا إلى المرئي، كذلك ~~ههنا. وإني لأرى جماعة من الحمقى إذا طرق سمعهم هذه الأمثال، 124 ~~اشمأزت طباعهم من سماعها ويرونها بدعة شنعاء، وذلك جهل محض PageV01P265 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0266.png) ~~(يضهون قول الذين كفروا من قبل)3 حين ضرب الله الأمثال ~~بالذباب1 والعنكبوت(2) حتى أنزل الله تعالى: ( إن الله لا يستحىء أن يضرب مثلا ~~ما بعوضة فمافوقها)). فالأمثال أعظم شيء في تفهيمات المعاني. يقال ~~الأمثال مرائي القلوب، يعني أن عين القلب ترى في الأمثال من صور المعاني ما ~~تراه عين الرأس في المرآة من صور الأجسام. قال الله تعالى: (وتلك آلأمثال ~~نضربها للناس وما يعقلها إلا العكلمون) العنكبوت؛ ). والكتب المنزلة ~~من السماء أكثرها أمثال مضروبة، وفي أحاديث نبي صلى الله عليه وسلم ثمال لا تحصى كقوله: ~~مثل المؤمن مثل النخلة(3)، ومثل أصحابي كالنجوم؛ ومثل أهل بيتي مثل ~~سفينة نوح"3) إلى غيرها. # واعلم أن الرائي لتلك الصور والأشكال المختلفة في نومه كان رائيا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~حقيقة، فإن تلك الصور أمثلة له خيالية، والمرئي بواسطتها هو حقيقة صلى الله عليه وسلم وهذا ~~كما يقول الرجل رأيت وجهي في الماء، ومعلوم قطعا أن وجهه ليس منتقلا إلى ~~الماء حتى يراه، ولكن معناه رأيت حقيقة وجهي بواسطة مثاله في الماء، فيكون ~~المثال واسطة لا يلتفت إليه، إذ لا حقيقة له حتى يكون مرئيا لذاته، وإنما هو هيئة ~~يريك الله تعالى وجهك بواسطتها، وذلك من عجائب قدرته التي تكل الأفهام عن ~~دركها. ولا فرق بين أن تقول رأيت وجه صديقي بعيني وبين قولك رأيت وجه ~~صديقي في الماء، إذ المرئي في الحالتين واحد. غير أن الله أجرى العادة أن من نظر ~~في صقيل كالماء والميناء والمرآة يرى في ذلك الصقيل وجهه فيظن أن في ذلك ~~الصقيل ms149 شيئا يراه هو مثالا لوجهه، وذلك خيال باطل لأن الصقيل في تلك الحال PageV01P266 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0267.png) ~~متلون بلونه الخاص به، ولا يقوم لونان بمحل واحد في حالة واحدة، وهذا شرح ~~أظنه ما سبقني إليه أحد. # فعلى هذا من رأى النبي في نومه فقد رآه حقيقة بروحه وجسده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فقد رآني1. كما أنه رأى جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي، رآه حقيقة لا مثالا. ~~هذا ما عندي من هذه المسألة. وكان حجة الإسلام محمد الغزالي رحمة الله عليه يقول ~~في بعض فتاويه:"من رأى الرسول لم ير حقيقة شخصه المودع في روضة المدينة، وإنما ~~رأى مثاله لا شخصه1. ثم قال: وذلك المثال مثال روحه المقدسة عن الصورة والشكل ~~وشبه رؤية الله في المنام بذلك، ولا أدري ما أراد به، والله أعلم. 1251. # اعلم أن أكثر المتكلمين من الفرق ينكرون جواز رؤية الله في المنام، ~~واحتجاجهم في ذلك أن ما يرى في المنام يكون مصورا لا محالة، ولا صورة للرب ~~تعالى، أو يرى ذلك بواسطة مثال مناسب له، ولا مثل ولا مثال لله رب العالمين. ~~قال الله تعالى: (فلا تضر بوالله الأمثال)) وقال: (ليس كمثلهء شي) ~~(الشورى؛ 1) وقال: ( ولم يكن له كفوا أحد) الإخلاص؛ 4). قالوا: ~~فمن رأى من ذلك شيئا وتخيل أنه الإله فذلك من إراءة الشيطان وتخييله وإغوائه ~~وتضليله، أو كان مشبها يعتقده كذلك في اليقظة أيضا. وقال بعضهم: يجوز أن ~~يرى الله تعالى في المنام بغير صورة ومثال، وذلك أن النائم كما علم الله تعالى في ~~يقظته، واعتقده من تعظيمه وجلاله وتنزيهه عن الأشباه والأمثال، وتقديسه عن ~~الصور والأشكال، يجوز أن ينكشف في منامه معلومه ذلك على ما يعتقده من ~~التقديس والاتصاف بالصمدية والجلال من غير تشبيه ومثال، ويستيقن في نفسه أنه ربه ~~وإلهه، ولكن يكون مغلوبا مدهوشا في تلك الحالة، فإذا استيقظ عجز عن الحكاية عنه ~~لما يلحقه من الحيرة والوله، ويبقى معه أثر ذلك إما دهشة وإما بسطة. وجوز PageV01P267 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0268.png) # 273 ~~مشايخ السلف ms150 رؤية الله في المنام لما جاء من الأحاديث، وصح عن التقاة من ~~الصحابة والتابعين بأنهم رأوه في النوم. أما الأحاديث فمنها قول النبي صلى الله عليه وسلم خير ~~الرؤيا أن يرى العبد ربه في منامه، أو يرى نبيه، أو يرى أبويه إن كانا مسلمين. ~~وقال صلى الله عليه وسلم : رأيت ربي في أحسن صورة. الحديث. وقال ابن سيرين: من رأى ~~ربه في المنام دخل الجنة2). وأما رؤية الصالحين من السلف ربهم تعالى، فمنهم ~~رقبة بن مصقلة(3) قال(1): رأيت ربي في المنام فقال: وعزتي لأكرمن مثوى سليمان ~~التيمي. ومنهم حمزة الزيات المقرئ)، رأى الله في المنام فقال له:اقرأ القرآن ~~وارق بكل حرف درجة1. فقرأ حمزة القرآن على رب العزة فلما بلغ (وأنا آخترتك). ~~في سورة طه نادى:وأنا اخترناك. ولما بلغ في سورة يس إلى قوله: (تنزيل العزيز ~~الرحيم )) (يس؛ 5) قال: قل تنزيل العزيز بالنصب، إني نزلته تنزيلا. ورآه أبو بكر ~~الآجري من المشايخ فقال له : السل حاجتك. فقال: "اغفر لجميع عصاة PageV01P268 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0269.png) ~~أمة أحمد. فقال له: أنا أولى بهذا منك، سل حاجتك. وقال أبو يزيد البسطامي ~~رحمة الله عليه : رأيت ربي في المنام فقلت له: كيف الطريق إليك? فقال: اترك ~~نفسك 12611 وتعال1. ورأى أحمد بن خضرويه(2) الرب في المنام، قال له: يا ~~أحمد، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني. وقال يحيى بن سعيد ~~القطان(: رأيت في المنام ربي فقلت يا رب، كم أدعوك فلا تستجيب لي. قال: ~~إني أحب أن أسمع صوتك. وكان شاه الكرماني تعود السهر فغلبه النوم مرة ~~فرأى الله تعالى في المنام، فكان بعد ذلك يتكلف النوم، فقيل له في ذلك فقال شعر: ~~رأيت سرور قلبي في منامي فأحببت التنعس والمناما PageV01P269 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0270.png) # 275 # أما وجه جواز رؤية الله في النوم، وبيان حقيقة ذلك فما قال الإمام أبو عبد الله ~~محمد بن علي الترمذي رحمه الله وهو من العلماء بالحقائق، المكاشف لصحبة ~~الخضر صلوات الله عليه، وقوله حجة في مثل هذه الغوامض، وهو ms151 قوله: إن أصل ~~هذا أن الإنسان فيه نفس وروح، وقد ركب فيهما الحياة، فالنفس مسكنها الرئة في ~~الجوف ومنها النفس، وقد قرن بها الهوى، والروح مسكنها في الرأس وقد قرن بها ~~العقل والحفظ؛ ثم إن النفس والروح منبثان منتشران في جميع الجسد يفيدان الحياة ~~له بمجاورتهما، فإذا جاءه النوم ولج في الأذن فمر في الحس حتى ينزل الصدر، ~~فإذا التقيا على القلب في الصدر خرجت النفس من أصلها مع الروح خروج انتشار ~~متصل أصلها بالجسد، فساح في العالم والملكوت الأعلى، وقد وكل بالرؤيا ملك ~~ينظر في أم الكتاب، ويرفع منه قصص الآدميين فيضرب لكل شيء مثلا بالحكمة، ~~فيريه مثال ذلك الشيء من طريق الحكمة، فتراه النفس وتؤديه إلى العقل، هذه هي ~~الرؤيا. قال: ولا يكون ذلك برؤية العين في الرأس، ولا رؤية القلب، إذ عيناهما ~~قد شملهما النوم، والنوم أخو الموت. والدليل على أن عين القلب [نائمة] قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم : تنام عيناي ولا ينام قلبي. قال: ولو لم ينم قلوب غيره لم يجب ~~عليهم الوضوء وا صلى الله عليه وسلم ا يتوضأ من النوم3). هذا قوله فتأمل، [ولا أدري] ما ~~مستنده عنده. غير أني أرى المشايخ قد وصفوه بالعلم، والحكمة، والزهد، والديانة، ~~والتقدم في الطريقة، فلا أظنه مجازفا في ذلك، والله أعلم. # وأنا أقول: إن الإشكال فيها أن ما يراه النائم صورة ومثال، كما ذكرنا في رؤية ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه لما كان له صورة ومثال، جاز أن تحاكي تلك الرؤيا شخصه بمثال ~~يناسبه. والرب جل جلاله لا مثال له ولا شبه ولا صورة حتى يأخذ فيلقيه الملك PageV01P270 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0271.png) ~~ذلك بمثال يناسبه، فيلقيه إلى النفس الصاعدة التي ذكرها الترمذي رحمه الله ~~تعالى، ]1271 تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # والتخلص من هذه الشبهة المشكلة هو أن تعلم أن هذه إنما وقعت من توهم أن ~~كل ما لا صورة له ولا شخص له لا يصح أن يتمثل له مثال فيرى في المنام، وهذا ~~خطأ لأن ms152 كثيرا من الأشياء التي لا أشخاص لها ولا صورة، ومع ذلك يصح رؤيتها في ~~المنام بأمثلة تناسبها بأدنى معنى، لا يوجب التشبيه والتمثيل مطلقا. وهي كالمعاني ~~المجردة مثل الإيمان، والكفر، والشرف، والبخت، والقرآن، والهدى، والضلالة، ~~والحياة وغيرها، وهي أكثر من أن تحصى. أما الإيمان فمثل رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ال: ~~رأيت الناس في المنام فيعرضون [كذا] منهم من قميصه إلى كعبه، ومنهم من قميصه ~~إلى أنصاف ساقيه، فجاء عمر وهو يجر قميصه. فقيل يا رسول الله على ما أولت? ~~قال: الإيمان2). فالإيمان لا شكل له ولا صورة، ولكن جعل القميص له مثالا فرئي ~~بواسطته. وكذلك الكفر يمثل في النوم بالظلمة، وكذا الشرف والعز بصورة الفرس، ~~والبخت بصورة الحمار، ويمثل القرآن باللؤلؤ، ويمثل الهدى بالنور، والضلال ~~بالعمى. ولا شك أن بين هذه الأشياء مضاهاة لتلك المعاني المرئية. وموضع الغلط ~~في ذلك هو الظن بأن المثل بالفتحتين كالمثل بكسر الميم وسكون الثاء، وهو خطأ ~~فاحش، لأن المثل بالسكون يستدعي المساواة في جميع صفات النفس كالسوادين ~~والجوهرين، ويقوم كل واحد منهما مقام الآخر من جميع الوجوه في كل حال، ~~بخلاف المثل بالفتحتين فإنه لا يشترط فيه المماثآلة في كل شيء، وإنما يستعمل فيما PageV01P271 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0272.png) ~~يشاركه بأدنى وصف. أليس الله تعالى يقول: (إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلنه من ~~السماء) (يونس؛ 24). ألا ترى أن الحياة لا صورة لها ولا شكل، والماء ذو شكل ~~وصورة، وقد مثل الله تعالى به الحياة. وكذلك قوله تعالى: (مثل نوره كمشكوق فيها ~~مصباح) 5) وفي الحديث: إن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما ~~غمامتان أو غيابتان. شبههما بالغمامة ولا صورة لهما. فعلى هذا لا مثل لله تعالى ~~[(ليس كمثله شي]) الشورى؛ لم1) ولكن له المثل الأعلى في السماوات ~~والأرض. فلذلك جوز الأكثرون من المشايخ المتقدمين أن تتجلى ذات الله، تعالى ~~وتقدس عن الصور والأشكال، لعبده بمثال، والمثال والمثل بالفتحتين واحد، فيراه ~~العبد في منامه بواسطة ذلك المثال الذي يليق به، يكون نورا أو صورة جميلة صادقة ms153 ~~في التعريف بما فيه من مناسبة صفات العلي من العظمة، والجلال، والقدرة، ~~والقدس، والرحمة، واللطف، التي هي المثل الأعلى في القرآن. والمرئي من ذلك ~~ذاته جل جلاله، ا! 128 منزهة عن اللون والشكل والصورة، تعالى عنها علوا كبيرا. ~~فيكون تجليه في ذلك المثال كتفهم كلامه القديم المنزه عن الحرف والصوت ~~بواسطة الحروف والأصوات، فكما أن الكلام الأزلي) منزه عن الحرف والصوت، ~~والحرف والصوت حادثان، ويفهم بواسطتهما كلام القديم، كذلك يجوز أن يكون ~~ذاته الأزلية المنزهة عن الصورة والشكل ترى بواسطة مثال يناسبها بأدنى معنى، ~~فيكون كالمثل المذكور في القرآن: (مثل نوره كمشكوة)35) لا كالمثل الذي ~~يوجب المماثلة من كل وجه. أما إذا أراه في صورة لا تناسب جلال الصمدية في ~~معنى ما، فالرائي ممن أوقع دينه، وعبث به الشيطان. # فإن قيل: إن رائي الله تعالى كما هو بذاته المقدسة جل جلاله، فلا مثل له ولا ~~مثال، والنائم لا يرى الشيء في منامه إلا بصورة ومثال، وإن رآه بمثال وصورة، PageV01P272 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0273.png) ~~فينبغي أن يكون يعتقد أنه رأى ذلك المثال فقط، ولا يدري أنه رائي الله تعالى حتى ~~يخبره المعبر أن من رأى هذا فقد رأى الله، كما أنه إذا رأى الجواهر مثلا يعتقد أنه رآها ~~بعينها حتى يخبره المعبر أن الذي رأيته هو الحكم والعلوم، وكذلك إذا رأى الكعبة يظن ~~أنه رآها بعينها حتى يقول المعبر إنك ترى الإمام الأعظم، كذلك ههنا. وليس الأمر ~~هكذا، فإن الرائي لله يعلم قطعا أنه رأى الله من غير إعلام معبر وتأويل مؤول. # الجواب أن الله سبحانه إذا تجلى بذاته المقدسة للعبد في منامه، فالروح تعرف ~~بالفطرة الأولية أنه هو الإله الحق، بخلاف سائر رؤياه المحتاجة إلى التعبير. ~~والنفس بآلاتها الخيالية لا تستطيع رؤية من لا صورة له فتتصوره بوسائط وأمثلة، ثم ~~تذهب الأمثلة ههنا كالزبد يذهب جفاء ويبقى معها رؤية الله حقا، كما أن كلام ~~القديم يتعلم بأمثلة الحروف في اللوح، ثم تمحي اللوح ويبقى القرآن في الحفظ ~~والله أعلم. هذا آخر ما ms154 رأيناه في هذه المسألة، ولم أر أحدا أنهاه إلى هذه [كذا] ~~الاستقصاء، وبالله العون والتوفيق. # سبحان طارد اليقظة بالنوم، طرد الشبيبة بالشيب، وجعل الرؤيا روزنة إلى عالم ~~الغيب، وأعطاها من القوة ما بلغت بها جزءا من النبوة. فالنائم جثته في الأرض ~~ملقاة، وصدره للملكوت مرآة، تتجلى فيها غرائب الغيوب في كسوة المثال، ~~بواسطة الخيال، فيراها حالا بعد حال، والشياطين في طريقه يزوقون الأباطيل، ~~ويعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل. # إلهي، أعذنا من سوء الأحلام، وتخاييل الشياطين، وأرنا في منامنا من التباشير ~~1311 والمبشرات الحسان. # إلهي، انهنا عن يقظة الشهوات، وأيقظنا عن نومة الغفلات، يا من جعل الدنيا نومة، ~~والآخرة يقظة، وجعل لذات النفس لحظة، يا حي يا قيوم، يا من لا تأخذه سنة ولا نوم. PageV01P273 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0274.png) # اعلم أن من المشكل أن الله تعالى أمر عباده بالدعاء مع علمه السابق أن الحكم ~~الأزلي والقضاء الأولي لا يتبدل ولا يتغير، وفي ذلك تحيرت أئمة الأمة، فقال ~~بعضهم: الدعاء عبادة فيجب الإتيان به، وإنما يستجاب من الدعاء ما وافق. وقال ~~بعضهم: الأقضية على نوعين، مطلقة، ومقيدة، فالمطلقة ما لم يكن [كذا] مشروطة ~~بشرط وذلك واقع لا محالة، والمقيدة ما كان مشروطا معلقا بشرط كالدعاء، ~~والصدقة، وصلة الرحم، فإن وقع الشرط وقع القضاء، وإلا فلا. وسكت جماعة من ~~المشايخ الكبار عن الدعاء وقالوا: ما لنا والتصرف في إجراء حكم الله على عباده ~~وتدابيره في مملكته. # واعلم أن حقيقة هذه المسألة إنما تظهر بمعرفة أصول أربعة: # الأصل الأول أن أحكام الله وقضاياه في سابق علمه وكتابه الأول لا يتغير ولا يتبدل ~~أصلا كما قال: (ما يبدل القول لدى)2)؛ (لا تبديل لكلمات الله)و) ~~(لا معقب لحكمة،) (الرعد؛ 41)، (ولا كن حق القول منى) (ولقدسبقت ~~كلمتنا) ؛) إلى غير ذلك. # والأصل الثاني أن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا بالدعاء في مواضع نحو قوله: ~~(ادعوني استجب لك) غافر، 6)، (فادعوا الله مخلصين له الدين) اف)، ~~(ادعوا ربكم تضرعا وحفية)) وعلمنا ذلك فقال: (لا تآو اخذنآ إن ~~نسينا أو أخطأنا) ms155 البقرة، 286) إلى آخر السورة (ربنا لا ترغ قلوينا)) ~~(ربنا آغفر لنا) 1) إلى غير ذلك من آيات كثيرة. فمن الجملة ~~علمنا أن الدعاء من قبيل العبادات، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم وله : الدعاء هو # 279 PageV01P274 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0275.png) ~~العبادة1. والدعاء مخ العبادة(2). # والأصل الثالث أن تعلم أن الله تعالى قد أعد بين القضاء والمقضي أسبابا جمة ~~مترتبا بعضها على بعض، منها خافية ومنها بادية، وهن لوقوع القضاء كوجود الشرط ~~لوجود المشروط. فالدعاء إذا سبب من تلك الأسباب كالسلاح سبب لدفع الخصم، ~~قال الله تعالى: (وليأخذوا أسلحتهم)). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الدعاء سلاح ~~المؤمن. وبيانه أن ربط الأسباب بالمسببات هو القدر الأول، وهو كلمح البصر ~~أو هو أقرب، وترتيب تفصيل المسببات على تفصيل الأسباب على التدريج في ~~التقدير الأول هو القضاء، والذي قدر الخير قدره بسبب، والذي قدر الشر قدره ~~بسبب، ثم قدر أيضا لدفعها سببا آخر، فلا تناقض في هذه الأمور. وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مر بصدف مائل 13011 أسرع المشي فقيل له: يا رسول الله تفر ~~من القضاء? قال: أفر من قضائه إلى قدره. وقال أهل العربية: "القدر(5) تقدير الله ~~الأمور كلها أول مرة1. ثم قضاها. وآثار كسب العباد واختيارهم تظهر في هذا ~~الفصل، والأوامر والنواهي الشرعية تتوجه إليهما لا إلى القدر الأول، ولولا ذلك ~~لانسد باب دعوة الأنبياء عليهم السلام، وقد استوفينا القول في بابه، والإشكال في ~~باب الدعاء إنما وقع لإهمال هذا الأصل فاعلم. # الأصل الرابع: أن لهمم النفوس الزكية، وصفاء القلب السليم، والإلحاح في الدعاء، ~~والتضرع إلى الله تعالى عن صدق النية، وإخلاص الطوية، آثارا عظيمة في أسباب الملك PageV01P275 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0276.png) ~~والملكوت، فإنها إذا توجهت خالصة إلى أمر من الأمور المقضية زعزعت أسبابه، ~~وشوشت شروطه، لأن مطارها فوق مطار الأفلاك بكثير. فربما يقف ذلك الأمر ~~معلقا دون الوصول إلى المقضي عليه، وذلك أن الأسباب السماوية والأرضية جميعا ~~سخرها الله لسر المؤمن المخلص فقال الله تعالى: (وسخرلكر مافي السموات وما ms156 في الأرض ~~حميعا)، (وسخر لكم الشمس والقمرداببين وسخرلكم اليل والنهار). وفي ذلك ~~مقام كرامات الأولياء، وإليه الإشارة النبوية بقوله: ينزل القضاء ويصعد الدعاء فيعتلجان ~~في الهواء حتى يموت صاحبه1). وقال: لا يرد القضاء إلا الدعاء(2). وجاء في بعض ~~الكتب القديمة : ازدحام الأصوات في بيوت العبادات بصفاء النيات يحل ما عقدته ~~الأفلاك الجاريات1. ليست الأفلاك تعقد بنفسها شيئا وإنما هي عبارة عن القضاء النازل ~~المار بها. وقل صلى الله عليه سلم اصلة الرحم تزيد في العمر. وقال: الصدقة ترد البلاء، وصدقة ~~السر تطفيع غضب الرب تعالى. وقال: داووا مرضاكم بالصدقة، وأعدوا للبلاء ~~الدعاء0(5). # فإذا عرفت هذه الأصول الأربعة، فاعلم أن القضاء الأصلي والحكم الأولي لا ~~يتغير البتة كما قال تعالى: (لا معقب لمحكمه) الرعد؛ 41). وهو المعبر عنه بقوله: ~~(وعنده أم الكتاب) ) وقوله: (حتمامقضيا)مريم). ~~فأما [القضاء الذي] هو يندفع بالدعاء والصدقة فهو الذي يدخله المحو والإثبات PageV01P276 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0277.png) ~~في قوله : (يمحوا ألله ما يشاء ويثبت) وهو المعبر عنه : (ثم قضى ~~أجلا)ا. وهذان القضاءان سماهما أهل الأصول مطلقا ومقيدا. فالدعاء، ~~والصدقة، وصلة الرحم وغيرها لا يؤثر [كذا] في أصل القضاء المبرم البتة، وإنما ~~تؤثر في بعض شرائطه حتى تزيلها من الوسط فلا يصل القضاء إلى المقضي. فإذا ~~القضاء الأول مثل نفوذ السهم من القوس إلى جهة المرمي، والدعاء مثل الترس ~~والدرع المعترضين الحائلين بين وقع السهم والمرمي، فيقف السهم ا131 ~~هناك ولا يصل إليه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: الدعاء سلاح المؤمن. وقد علمت أن ~~الترس والدرع ما ردا السهم إلى القوس، إذ لم ينقلب سهم إلى قوس مرتمي، وإنما ~~رد وصول السهم إلى شخصه. ونظيره إذا جاء الشتاء وبرد الهواء، فالناس يفزعون ~~إلى إعداد الفراء، وإيقاد الصلاء، مع أن الفراء والصلاء لا يردان البرد إلى السماء ~~ولكنهما يردان وصولهما إلى أبدان الناس. فكذلك الحكم في الدعاء والقضاء، ~~وإنما الفرق بينهما أن أسباب السهم والبرد محسوسة ظاهرة بادية، وأسباب القضاء ~~باطنة مستترة عن أعيننا حتى لو انكشف تلك الأسباب في الأقضية ms157 لم يشكل عليه ~~المسألة. ولقد سمعت أن بعض العلماء قال: كنت متحيرا في هذه المسألة مدة فبينا ~~أنا ذات يوم في بعض الطواحين أتأمل في استدارة الرحى، وتركيب أسباب دورها ~~من الماء، والناعور، والقطب، والأجنحة، والحجرين الثقيلين، وانطباق أحدهما ~~على الأخر، ولهوتها التي تلتقم الحب وهي تدور كلمح البصر ولمع البرق، وتدق ~~الحبات دقا، والحبات دائمة الانحدار من الثقب، منكسة رؤوسها، مضطرة إلى ~~التساقط، ومن التساقط إلى التكسر، ومن التكسر إلى الدفع إلى جوانب الرحى منبثة ~~متطايرة، وكان كل ذلك لتركيب تلك الأسباب بعضها على بعض. فبينا أنا في هذه ~~الفكرة، إذ جاء الطحان وقلع خشبة دقيقة من وسط الرحى، وهي التي كانت تستنزل ~~الحب باضطرابها، فإذا قد بقيت الحبوب ساكنة في مكانها المحكوم عليه من غير ~~تبديل أصل الحكم1. PageV01P277 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0278.png) # فإن قيل: فلم لا يستجاب بعض الأدعية وقد وعد الله بالاستجابة بقوله: ~~(ادعوني أستجب لكمء) غافر؛ 60) ووعده صدق كما قال: (لا يخلف الله وعده) ~~(الروم؛6)? # الجواب: إنما لا يستجاب بعض الأدعية لأن الداعي قد أخل ببعض أركانه أو ~~ترك بعض شروطه. فقد ذكرنا أن للدعاء المستجاب أسباب وشرائط وهي كثيرة، ~~منها ما يترصد له الأوقات الشريفة كيوم عرفة، ويوم الجمعة، ووقت الأسحار، ~~والدعاء بين الأذان والإقامة وغيرها من الأوقات المختارة في كتب الأئمة. وقرأت ~~في بعض الكتب: اغتنموا الدعاء في الربيع عند أصوات الخطاطيف، وفي الصيف ~~عند أصوات الشقراق، وفي الخريف عند أصوات الكراكي، وفي الشتاء عند أصوات ~~القنابر. ومنها أن يكرره افرادا مثل ثلاث مرات، أو خمس مرات، أو سبع مرات، ~~فإن الله وتر يحب الوتر. ا132 وللسبعين والأربعين اختصاصات عجيبة فعليك ~~بهما. روي أن رجلا تبع النبي صلى الله عليه وسلم قال له : علمني دعاء لا يرد فقال له : قل اللهم ~~إني أسألك باسمك المخزون الأعلى الأعز الأعظم وكزر سبعين مرة). ومنها أن ~~يغتنم فيها أحوال الرقة في الأمور العظيمة نحو زحف الصفوف في الغزوات، ~~ووقت نزول الغيث، فإن أبواب السماء حينئذ مفتوحة، قال الله تعالى: ms158 (ففنحنا أبواب ~~السماء بماءو منهمر))) وعند ختمات القرآن، فقد قا صلى الله عليه وسلم عند ختمه PageV01P278 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0279.png) ~~دعوة مستجابة. ومنها دعاء المضطر، ودعاء الوالد، ودعاء المسافر، ويتحرى ~~الأوقات التي ترق فيها القلوب نحو ازدحام الأصوات في التلبية، وعند المزدلفة، ~~والمواقف الشريفة في الحج، وعند اجتماع الهمم، وحالة السجود والبكاء، فقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: افتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة. ومنها أن يستقبل القبلة، ويرفع ~~يديه إلى بياض إبطيه إعلاما بشدة الرغبة، وقد جاء في الحديث: إذا سألتم الله ~~فاسألوه بباطن الكفين، وإذا استعذتموه فاستعيذوه بظاهرها3. وأن يشير بالمسبحة ~~إعلاما للحضور والمشاهدة والتعظيم، وأن يرفع بصره إلى السماء فإنها قبلة الدعاء، ~~ويخفض صوته إعلاما بالتذلل والخشوع، وينادي خفيا إعلاما للتخشع وانكسار ~~القلب، وأن يلح بالدعاء إعلاما لصدق الرغبة وتحقيق الاستجابة. قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إن الله يحب الملحين في الدعاء. ويقال: هيئات الدعاء خمسة: تضرع، وابتهال، ~~وتبتل، ورهبة، ورغبة. قال الصادق: التضرع تحريك الأصابع يمينا وشمالا، ~~والابتهال جري الدموع، والتبتل رفع السبابة أمرا وباطن الكف إلى السماء، والرهبة ~~إبراز ظاهرها إلى السماء. وفي بعض التفاسير (فما استكانوالربهم وما ينضرعون) ~~(المؤمنون؛ 76) أي ما دعوا، ولا رفعوا أيديهم إليه، ولا بسطوا راحتهم، ولا حركوا ~~أصابعهم. قال بعض المشايخ: "إني لأعلم متى استجاب الله دعائي. فقيل له: ~~ومن أين تعلم?" قال: إذا اقشعر جلدي، ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فتلك علامة ~~الاستجابة5) وختم الدعاء بكلمة آمين موافقة لتأمين الملائكة موجب للاستجابة، ~~فإن آمين أمان من الرد وبدرته للدعاء إلى موضع الاستجابة. ومنها أن يدعو الله PageV01P279 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0280.png) ~~بأحسن أسمائه نحو يا الله، يا رحمن، يا رب يا رؤوف، يا كريم، يا عظيم، يا حي يا ~~قيوم، وأن يتوسل ا1331 في كل حاجة باسم يوافق حاجته مثل إن كانت مسألته ~~الرحمة والمغفرة يقول: يا رحمن يا رحيم، يا غفار يا غفور؛ وإن كانت المسألة ~~الزيادة في الرزق: يا رزاق، يا وهاب، يا منعم، يا معطي؛ وإن كانت المسألة للإنقاذ ~~من ms159 الهلكة: يا مغيث، يا منجي، يا كاشف البلوى؛ وإن كانت لشفاء مريض: يا ~~شافي، يا كافي، يا معافي. ومنها أن يوقن بالإجابة ويتحققها علما منه بأن الله لا ~~يعجزه شيء، بيده ناصية الخلق من العرش إلى الثرى، يترددون في قبضته تحت ~~حكمه وقضائه ومشيئته، وهو غالب على أمره. فعلى ذلك إذا توسلت إليه فقو قلبك ~~في الدعاء، واستيقن الإجابة. وقلت أنا شعر: ~~إني لأدعو على من كان يظلمني لكنني بدعائي زائد مضض ~~لو أن قوس يقيني كان ذا وتر أصاب سهم دعائي شاكل الغرض # ومنها أن يصلح باطنه أو لا باللقمة الحلال، فقد قيل: الدعاء مفتاح باب السماء، ~~وأسنانه لقمة الحلال. وأن يطهر نفسه بالصوم، وصدره من الكدورات، والغش، ~~والغدر، والحقد، والخيانة، فإنه هو الأصل في الاستجابة لكونها قاطعات لطريق ~~الدعاء إلى الله تعالى. وفي الحديث: إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب. وأن يقدم ~~عليه بالتوبة ورد المظالم، والإقبال على الله بكنه الهمة، فإن هذه أسباب القربة، بها ~~يرفع الدعاء إلى الله تعالى كما قال: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) ~~(فاطر؛ 10). فإذا عدمت أو عدم معظمها لا يستجاب، لا لخلف في وعده، لكن ~~التقصير الداعي ونقصان شرائطه إذ قوله تعالى: (أدعوني أستجب لكر) غافر؛60) ~~كقوله تعالى: (وعلتنله صنعكة لبوس لكم لبحصنكم من بأسكم)) ~~فلو كانت اللبوس مهلهل النسج مخرقا لا يحصن أحدا من بأس خصمه من أجل PageV01P280 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0281.png) ~~ضعفه ونقصانه، لا لأن وضع الدروع في الأصل لدفع الأسلحة باطل أو تغير ~~وتبدل، كذلك الدعاء. والقطب الذي يدور [عليه رحى الدعاء]1 هو حضور القلب، ~~فإن حركة اللسان وصياحه من غير حضور القلب، ولولة على الباب، وصوت ~~حارس على السطح. أما إذا كان القلب في الحضرة كان كالشفيع له. # وإن قيل: فما سبب سرعة الإجابة عن بعض الدعوات وتأخرها على البعض? # الجواب أن العبد إذا دعا الله بشرائطه فربما لا يهتدي إلى 13411 مسألة ما له ~~فيه مصلحة، فيسأل الله شيئا ضرره فيه وهو لا يعلم، والله سبحانه ms160 حفي بمسألة ~~العبد، عالم بما هو الأصلح له، فلا يجيبه عن ذلك السؤال بعينه شفقة ورحمة، ~~وإنما يعطيه عوضه بما هو أصلح له وأنفع. وربما يؤخره إلى وقت يرى مصلحته ~~في ذلك الوقت، وقد أشار إلى ذلك في قوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم آنى لا ~~أضيع عمل علمل منكم) آل عمران؛ 15) الآية. وربما يحب صوته فيؤخره حتى ~~يردد العبد إلى بابه كثيرا، أو يكرر الدعاء والتضرع طويلا، فينال به درجة القرب، ~~ويبلغ إلى حالة يستحقر تلك المسألة فيها، فكان يستنكف عن سؤال ذلك. وله ~~أسباب أخر وردت الأحاديث بها(2). # فإن قيل: ما معنى قوله: داووا مرضاكم بالصدقة، وأعدوا للبلاء الدعاء3? # الجواب، هذا أيضا يرجع إلى الدعاء، فإن الفقير المستحق إذا أعطي صدقة ~~ارتاح قلبه بها سيما في السر، فإذا دعا الفقير في حالة تلك الارتياح والفرحة، أزالت ~~دعوته بعض تلك الشرائط الموجبة لعلل ذلك العليل في الأقضية السماوية، فتزول ~~العلة ويقع الشفاء عاجلا، وهذا بخلاف دعوة المظلوم، فإن منشأها حرقة قلبه من ~~شرر الظلم وحره، فإذا دعا على الظالم في تلك الحالة أدت شعلته إلى الأسباب PageV01P281 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0282.png) ~~المعدة لسلامة نفس الظالم فتخرقها وتحرقها، فيهجم عليه الهلكة كما جاء في ~~الحديث: اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام. الحديث؛ وفي رواية ~~فإنها تخرق الحجب حتى تصل إلى العرش. واعلم أن لدعوة المظلوم سرا قد ~~خفي على الأكثرين، وهو أن المظلوم إذا وكل ظالمه إلى الله تعالى وكان يصبر على ~~أذاه، ويتحمل مشقة ظلمه من غير شكوى إلى أحد، بل يكظم ألم الظلم، ويتجرع ~~غصته حتى يمتلئ قلبه، وخرج أمره عن ضبطه، فحينئذ فارت نيران قلبه من غير ~~قصده فوران النار من التنانير المطبقة، إذا غلبت رمت الأطباق وجاشت فلا تدر من ~~شيء تمر عليه إلا أحرقته وجعلته كالرميم. والأولياء المكاشفون قد عاينوا ذلك ~~وأخبروا عنها. فأما إذا دعا المظلوم على من ظلمه في أول وهلة، وكان يتشفى ~~صدره بالشكوى، والشتم، واللعن، فإن حاله حال النار الموقدة يتنفس من كل ~~جانب ms161 شيئا فشيئا حتى يضعف قليلا قليلا، وتخمد وتترمد، فلا يبقى لها أثر في ~~الإحراق البتة، وهذا معنى قوله ادا ل صلى الله عليه وسلم : من دعا على من ظلمه فقد انتصر. ~~وقال لعائشة ا حين دعت على لص : لا تسبخي عنه بدعائك عليه). أي لا ~~تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه [والله أعلم] # سبحان من جعل الخلق مضطرين إلى الدعاء، لافتقار وجودهم إلى البقاء، ~~وجعل الدعاء الصادر عن صدق الإرادة مخ العبادة، وكان به يمحو للمضطر بعض ~~ما قضاه فقال: (أمن يجيب المضطر إذادعاه). # إلهي، دعوناك بصدق الرجاء، واليأس من جميع الأرجاء، فأغثنا إغائة ~~الملهوفين، وأجبنا إجابة الموقنين، فلقد وعدتنا الاستجابة فقلت: (آدعوني استجب ~~لك) غافر؛ 60). PageV01P282 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0283.png) # إلهي، عبيدك ببابك، خائفين من عذابك، مادين أيدي الافتقار إليك، ممعكين ~~وجوهنا في الترب بين يديك، واضعين حوائجنا على طبق الضر، داعين بلسان ~~الفقر، باتين حبال الأمل عن سواك، فلن ندعو إلا إياك. # إلهي، القلوب واجفة، والعيون دارفة، والدموع واكفة، والأعضاء راجفة، ~~والألسنة لعظمتك واصفة، والأقدام في مقام الذل بين يديك واقفة، فأرسل إلينا من ~~خزانة رحمتك عاطفة. # إلهي، استجب دعاءنا، واستمع نداءنا، يا قريب يا مجيب. PageV01P283 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0284.png) # اعلم أن أكثر المتكلمين أنكروا محبة العبد لله وأولوها على امتثال أوامره، ~~والإقبال على طاعته، وجوزت مشايخ [التصوف] ذلك، وهو المختار للإجماع ~~والنصوص الواردة فيها، قال الله تعالى: (يحبه ويحبونه) وقال: (وألذين ~~امنوا أشد حبا لله)1) وقال: (قل إن كان ابآوكم وأبناوكم)... إلى ~~قوله ... (أحب إليكم من الله ورسوله) ) قال النبي صلى الله عليه وسلم اعرابي ~~الذي سأل عن الساعة: ما أعددت لها?1 فقال: حب الله ورسوله. فقال عليه ~~السلام: المؤمن مع من أحب2). وقال الصديق لففه : من ذاق خالص محبة الله، ~~شغله عن طلب الدنيا، وأوحشه عن جميع البشر # وأما حقيقة المحبة فاعلم أن كل ما يلاءم النفس ويوافقها لذيذ، وكل لذيذ ~~محبوب. ومعنى كونه محبوبا هو ميل القلب إليه ضرورة وخلقة، ا1361 وإنما ~~يدرك ذلك بإدراكين: أحدهما إدراك الحواس الخمس، والثاني إدراك ms162 القلب. PageV01P284 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0285.png) # ألا ترى أن لذة العين في الصورة الجميلة، ولذة السمع بالنغمات الموزونة، ~~ولذة الشم بالروائح الطيبة، ولذة الذوق بالحلاوة والمطعومات الملائمة، ولذة ~~اللمس بملامسة الأشياء اللينة المعتدلة. فأما اللذة المدركة بالقلب فخارجة عن هذه ~~الخمسة، وإنما التذاذه بإدراك صور المعاني الجميلة كالتذاذه مثلا بحب الأنبياء ~~عليهم السلام، وحب الصالحين، وحب الذين زينهم [الله] بالخصال الجميلة من ~~السخاء، والزهد، والورع، والعلم، والشجاعة، وغيرها من محاسن الأخلاق، فإنك ~~تحب هؤلاء قطعا لا لجمال صور ظاهرهم التي تدرك بالبصر الظاهر، لكن لجمال ~~صور باطنهم التي تدرك بالبصيرة الباطنة. قال أبو الطيب: ~~ليس الجمال لوجه صح مارنه أنف العزيز بقطع العز يجتدع4 # وقال آخر: ~~ليس الجمال بمئزرفاعلم وإن رديت بردا # مال مناقبومكارم أورثن مجدا # فعلى هذه الصورة يرجع هذا الجمال المعنوي المحبوب حقا بإدراك القلب إلى ~~ثلاثة أشياء: العلم، والقدرة، والنزاهة عن العيوب. أما العلم فعلمهم بالله، وملائكته، ~~وكتبه، [ورسله] وعجائب ملكه وملكوته، ودقائق شرائع أنبيائه. وأما القدرة فإنك ~~تحبهم لقدرتهم على إصلاح الخلق بسياستهم، وعدلهم، وإرشادهم إلى طريق ~~الحق، وإحسانهم إلى الخلق، وقد قال النبي صلى الله عليهوسلم ا لجبلت القلوب على حب من PageV01P285 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0286.png) ~~أحسن إليها. وأما النزاهة فتحبهم لسلامة بواطنهم عن معايب الجهل، ورذائل ~~البخل، والحسد، وخبائث الأخلاق في الباطن. فكان من اتصف بهذه الصفات، كان ~~لباطنه صورة جميلة غير مركبة من اللحم والدم، لذيذة في عين الباطن. فإذا أدركها ~~القلب، أحبها والتذ بها حبا يزيد على حب الصور الجميلة الظاهرة. اعتبر بما يجري ~~بين أصحاب المذاهب على حب أبي بكر، وحب علي فنغما من بذل الأموال ~~والمهج. فإذا صح لك أن من المحبوب ما يدرك جماله ببصيرة القلب فيلتذ به ~~القلب، وقد ذكرنا أن جملتها ترجع إلى ثلاثة أشياء العلم والقدرة والنزاهة، فلو أن ~~من اتصف بعلم استحق أن تحبه لعلمه، فإن(2 الله تعالى كان أحق ا]137 أن تحبه ~~إذ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض. وعلم جميع الخلق إلى ~~علمه أقل من ms163 قطرة إلى البحر المحيط، وكيف وعلم جميع الخلق منه. ولو أن من ~~أحسن إليك بنعمة استحق أن تحبه لإحسانه ونعمته، فالله سبحانه أولى بأن نحبه فإنه ~~المحسن المنعم حقا على الإطلاق (وإن تعد وأنعمة الله لا تحصوها)). ~~وهو الذي خلق ذلك المحسن وأنعم عليه حتى أنعم هو عليك. وكذلك لو أحببت ~~إنسانا لقدرته على المصالح فالله أحق بالمحبة، إذ الكون كله من آثار قدرته وهو ~~أقدر القادرين. ولو أحببت إنسانا لنزاهته عن العيوب فالله سبحانه أحق بالمحبة منه، ~~فإنه القدوس الطاهر المنزه من كل عيب ووصمة، بل نفي العيب عن غيره مدح، لأن ~~غيره قابل للعيوب وذاته المقدسة لا تقبل العيب لذاتها، ومن هذا قال الشبلي: "نفي ~~العيب عمن لا يقبل العيب عيب. فصح من هذه الجملة أنه ليس في الوجود موجود ~~أحق بالمحبة من الله سبحانه وتعالى. ومن لم يجد في قلبه محبته فإنما لا يجدها ~~لإعراضه عن التفكر في هذه الآثار الموجبة للمحبة. قال الله تعالى: (وكأين منءاية ~~في السملوات والأرض يمرون عليتهاوهم عنها معرضون)) يوسف؛ 105). فلو لاحظها PageV01P286 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0287.png) ~~لوجدها، لكنه مشغول بحب (الشهوات من النساء والبنين)... الآية، فلا يتفرغ ~~إلى الله. # والصواب أن نورد ههنا ما ذكره شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري ولننه في ~~منازل السالكين إلى الله، وهو كتاب لطيف لم يصنف في مثله، وأشرح كلماته ~~الغامضة فيها. قال الشيخ (لنغه : المحبة تعلق القلب بين النهمة2 والأنس في ~~البذل، والمنع على الإفراد. والمحبة أول أودية الفناء، والعقبة التي تنحدر منها ~~على منازل المحو، وهي آخر منزل تلتقي فيه مقدمة العامة بساقة الخاصة، وما دونها ~~أغراض) لأعواض. والمحبة هي سمة الطائفة، وعنوان الطريقة، ومعقل النسبة، ~~وهي على ثلاث درجات. # الدرجة الأولى: محبة تقطع الوسواس، وتلذ الخدمة، وتسلي عن المصائب، ~~وهي محبة [تنبت] من مطالعة المنة، وتثبت باتباع السنة، وتنمو على الإجابة ~~للقادة). # والدرجة الثانية : محبة تبعث على إيثار الحق على غيره، وتلهج اللسان 13811 PageV01P287 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0288.png) ~~بذكره، وتعلق القلب بشهوده، وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات، ms164 والنظر في ~~الآيات، والارتياض بالمقامات. # والدرجة الثالثة: محبة خاطفة تقطع العبارة، وتدقق الإشارة، ولا تنتهي ~~بالنعوت. وهي3 قطب هذا الشأن، وما دونها محاب تنادي(5 عليها الألسن، ~~وادعتها الخليقة، وأوجبتها العقول. # شرح هذه الكلمات. أقول أما قوله: المحبة تعلق القلب .. إلى آخرها فاعلم ~~أن النهمة شدة القرم إلى الغذاء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : منهومان لا يشبعان.. الحديث. ~~والأنس روح القرب من جانب الحبيب، ويزيد وينقص بالبذل والمنع حالتي الوصل ~~والهجر، فإن بينهما للمحب استهلاكا في اللذة. قال المتنبي: # مجال لدمع القلب المترقرق ~~وبين الرضا والسخط والقرب والنوى مجال لدمع القل # ويريد بالإفراد، إفراد المحبوب عن المحب بصفة الوجود، وذلك لفناء المحب ~~في حبه، ولذلك قال: المحبة أول درجات الفناء، والعقبة التي تنحدر على منازل ~~المحو. يعنى أن للفناء أودية ومهالك يفنى فيها السالك. والفناء عندهم اضمحلال ~~ما دون الحق، وتلك الصفة في المحبة تنحدر منها على منازل المحو، وهي انمحاء ~~صفات النفس كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على الأرض ~~فلينظر إلى أبي بكر. PageV01P288 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0289.png) # وقوله: هو منزل يلتقي فيه مقدمة العامة بساقة الخاصة. جعل للخاصة والعامة في ~~السلوك إلى الله تعالى عسكرين يتلاحقان [فالخاصة هم السابقون والعامة اللاحقون، ~~وإنما يتلاحقان] في منزل المحبة، فإن فيها يتصل أوائل العامة بأواخر الخاصة. # قوله: فما دونها أغراض لأعواض. يعني أن ما دون مقام المحبة من المقامات ~~التي [قبلها]) لا تخلو من حظوظ النفس، [وفي مقام المحبة تسقط حظوظ ~~النفس]3)، كلها فلا يطمع في أجر على ما يتحمله من تباريح الحب. قال المتنبي: ~~وما أنا بالباغي على الحب رشوةضعيف الهوى يرجى عليه ثواب # وفي الحديث: "لا يكونن أحدكم كالأجير السوء، إن لم يعط أجرا لم يعمل). ~~هذا معنى قوله: فما دونها أغراض لأعواض". # قوله: المحبة سمة الطائفة، وعنوان الطريقة، ومعقل ا139 النسبة. يعني أنما ~~يصحح نسبة أهل الطريقة، وطائفة الصوفية في هذا المقام، فإن المحبة سمتهم ~~وعلامتهم. # قوله: "الدرجة الأولى إلى آخرها1. يقول ms165 إن المحبة تقطع وسواس الشيطان لأن ~~علامة حب الله كثرة ذكره كما جاء في الحديث: ذاكر الله مع الله. لما قال: "أنا ~~جليس من ذكرني((6) ومن أحب شيئا أكثر ذكره. [والشيطان إذا ذكر الله العبد خنس ~~من صدره فلا يوسوس، ولذلك سمي خناسا]). قوله: "تلذ الطاعة( لأن المحب لا ~~يمل من خدمة محبوبه بل يلتذ بها لما فيها موافقة أمره ومراده. قال بعضهم شعر: PageV01P289 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0290.png) # 295 ~~لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن أحب مطيع # قوله: وهي محبة من مطالعة المنة. والمنة النعمة. يعني أن الإحسان والنعمة أحد ~~أسباب المحبة. قال النبي صلى الله عليه وسلم تهادوا تحابوا. وقال عليه السلام: أحبوا الله تعالى ~~لما أرفدكم به من نعمة، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي # قوله: وتثبت باتباع السنة. معناه أن محبة الله مربوطة منوطة باتباع سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ال الله تعالى : (قل إن كنتة تحبون الله فا تبعونى يحببكم الله)ما31 ~~وحبه لهم سبب لحبهم له كما يأتي شرحه بعد هذا. # قوله: وتنموا على الإجابة للقادة. يعني هذه المحبة تزيد بمجالسة العلماء في ~~استماع كلامهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: الأنبياء سادة، والعلماء قادة، ومجالستهم زيادة. # الدرجة الثانية، قوله: وهي محبة تبعث على إيثار الحق على غيره إلى آخر ~~الفصل. اعلم أن هذه المحبة تنشأ من مطالعة الصفات الأحدية، والنعوت الصمدية ~~كالعظمة، والجلال، والكبرياء، والكمال، والقدم، والبقاء، والجمال، والعلاء، ~~والقدس، والطهارة، والقدرة، والمشيئة، والسمع، والبصر، والكلام، والحياة الأبدية ~~السرمدية، فإن من عاين الرب تعالى بعين سره موصوفا بهذه الصفات، واقفا على ~~معاينتها، أحب الموصوف بها لا محالة لاستحقاقه بالمحبة وأهليته لها، وهذه محبة PageV01P290 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0291.png) ~~المقربين يحبونه إعظاما وإجلالا لاطلاعهم على عظمة صفاته. قالت رابعة ~~العدوية رحمها الله شعر: ~~أحبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا2 # 140 تريد بأحد الحبين الحب من رؤية النعم والإحسان، [وذلك حب يتغير ~~بتغير الإحسان](3) وهو من باب الأفعال. والحب الثاني حب التعظيم [والإجلال ~~لوجهه، فذلك ms166 هو الباقي على الأبد لبقاء صفة العظمة] والجلال لله تعالى، ومثله ~~قول الآخر شعر: ~~سأعبد الله لا أرجو مثوبته لكن تعبد إعظام وإجلال3 ~~وهذه المحبة هي التي تبعث على إيثار الحق تعالى على غيره كما ذكر في ~~الكتاب، لأن صاحبها يرى الخلائق كلهم مضطرين إليه، عاجزين دونه، مقهورين PageV01P291 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0292.png) ~~تحت حكمه وقضائه، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا ~~نشورا. ويرى الله سبحانه مالك نواصيهم، بيده ملكوت كل شيء، جبارا عليهم، ~~يبدئ ويفني ما يشاء كيف يشاء، لا سلطان فوقه، ولا قاهر دونه، فيضطر هذا ~~المحب في هذه الدرجة إلى اطراح ذكر غير الله عن قلبه، متقلبا بين النظر إلى جماله ~~مرة، وإلى جلاله أخرى، لهجا لسانه بذكره، موقوفة أعضاؤه على طاعته، إعظاما منه ~~لقدره، وإجلالا لربوبيته، لما يتجلى له من معاني صفاته في مدارج آياته، وهذا إنما ~~يتيسر له بعد ارتياض نفسه بطي المقامات المتقدمة على مقام المحبة. # الدرجة الثالثة: وهي الغاية القصوى للعبد، ولا غاية لها، وهي محبة خاطفة، ~~تقطع العبارة، وتدقق الإشارة، ولا تنتهي بالنعوت. إلى آخر الفصل. اعلم أن هذه ~~المحبة بخلاف المحبتين الأوليين إذ [ليس]) هو [كذا] متنشأة من رؤية النعم ~~والإحسان التي من باب الأفعال، ولا من رؤية الصفات من الجمال والجلال، بل ~~جذبة من جذبات الحق كانت من أثر محبة الله للعبد في السبق [كما](3 قال الله ~~تعالى: ( إن الذين سبقت لهم منا الحسن)ء) وقد سمى الله تعالى ~~محبته لهم في الأزل بلا علة بالحسنى منه في حقهم، والحسنى في اللغة تأنيث ~~الأحسن، وأنثها على تقدير [الكلمة يعني] الكلمة الحسنى، يريد بها المحبة، لأن ~~الحسن يقتضي المحبة، كما أن الإثم يقتضي العقوبة كما قال الله تعالى: (ومن يفعل ~~ذلك يلق أثاما)6) أي عقوبة، فعبر عن العقوبة بمقتضيها، كذلك عبر ~~ههنا عن المحبة بمقتضيها ثم أخبر عن ذلك فقال: (يحبهم ويحبونه)) ~~إشارة إلى أنهم ما أحبوه حتى أحبهم هو أولا، فمحبتهم له لمحبته لهم، وذلك ~~أن محبته لهم كانت ms167 في الأزل من غير علة، فلما استخرجهم من [ظهر](13 آدم PageV01P292 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0293.png) ~~تجلت محبته على قلوبهم فجذبتها إليه، وأفنتهم عن أنفسهم فدخلوا الدنيا على ~~تلك الصفة. قال بعض الوالهين: 1]141 ~~غذينا بالمحبة يوم قالت له الدنيا أتينا طائعينا # سئل الجنيد عن المحبة فقال: دخول صفات المحبوب على البدل من صفات ~~المحب". وهي قوله جل جلاله: فإذا أحببته كنت سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا. ~~وذلك عبارة عن فناء المحب عن نفسه، فيتولى الله بأموره فكان مسمعا له، ومبصرا ~~له، ومؤيدا له، كما نبه في آخر الكلمة حتى كأنه هو سمعه، وبصره، ويده، وذلك ~~معنى قوله: بي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش. إذ ما كان يتوصل إليه بهذه ~~الآلات من قبل، كنت أوصله إليه بنفسي من غير واسطة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم،: حبك ~~الشيء يعمي ويصم3). يعني يعميه عن رؤية غيره، ويصمه عن سماع حديث غيره. ~~وهذا معنى قول سمنون( المحب: إن المحبة فناء حب المحب في بقاء حب ~~المحبوب". لأن المحبة إذا بلغت هذه الدرجة فني المحب عن الحب أيضا. كما ~~قال أبو يعقوب السوسي: "لا تصح المحبة حتى يخرج عن رؤية المحبة إلى رؤية PageV01P293 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0294.png) # 299 ~~المحبوب، لفناء علم المحبة من حيث كان المحبوب في الغيب ولم يكن هو ~~بالمحبة، فإذا خرجت المحبة إلى هذه الصفة كان محبا من غير محبة. وهذا فيه ~~دقة فتأمله. قال ابن المهتدي: رأيت ملكا من الملائكة في المنام فقلت له: ~~أتحبون الله أنتم? فقال: "وايش معكم من هذا الأمر، إن فينا من أفنته المحبة عن ~~المحب وعنها. # وهذه هي المحبة التي تقطع العبارة عنها، الذي ذكره الأنصاري في كتابه، وذلك ~~لأن صاحبها مخطوف عنه، مجذوب إليه، لا لسان له فيعبر به عن حاله، وإذا أشار ~~عن حاله بلسان الحال والشارة دقت عنه الإشارة، فلا يفهمها النظارة، ثم لا تنتهي ~~نعوت محبته قط لأن المحبوب غير متناه، فلا يكون لمحبته تناه. قال ذو النون: ~~اسألت امرأة من المحبات هل لحب الله نهاية? قالت: ms168 لا، لأن المحبوب ليس له ~~نهاية. وأنا أقول: لقد صدقت، لا نهاية لحب الله في نفسه ولكنه ينتهي بالمحب إلى ~~دهش وحيرة. # فعلى هذا يتبين قول صاحب الكتاب إن هذه المحبة قطب هذا الشأن، وما ~~دونها محاب تنادى عليها الألسن2. يعني تدخل أوصافها تحت النطق واللسان، كما PageV01P294 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0295.png) ~~صنف فيه الكتب والرسائل، ويتكلم فيها الوعاظ على رؤوس المنابر. وادعتها ~~الخليقة، من محق ومدع، وأوجبتها العقول، من طريق النظر في الآيات. وهذه الثالثة ~~كما قيل: "سر بسر، وإضمار بإضمار. # 1421 قال صاحب القوت(1): هذا وأمثاله لا يرسم في كتاب، لأنه يؤود(2) ~~العقول فتنفر عنه وتضيق عليه القلوب، وإنما أمل من قلب إلى قلب وأوعى من ~~عين إلى عين3). فرجع حاصل كلامه رحمه الله إلى أن المحبة لها ثلاث درجات: ~~الأولى ظهورها من الأفعال كرؤية النعم والإحسان. والثانية ظهورها من رؤية ~~الصفات كاستحقاقه الجلال والعظمة. والثالث من أثر محبة الله للعبد أولا بلا علة، ~~والله أعلم. # اعلم أن شواهد القرآن متظاهرة على أن الله تعالى يحب عبده. قال الله تعالى: ~~(يحبهم ويحبونه) وقال: (إن الله يحب التو بين ويحب المتطهرين)لبقرة222) ~~وقال: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا. وروى أنس بن مالك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب. وقال حكاية عن رب العزة PageV01P295 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0296.png) ~~جلت قدرته: ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. الحديث. ~~وأما حقيقة هذا الحب فاعلم أن حب الله للعبد لا يكون من ميل النفس، ولا من ~~رؤية الطاعة له، ولا من سبب من جنس الأسباب الموجبة لمحاب الخلق، بل كل ~~صفة من أوصاف الله سبحانه من العلم، والقدرة، والإرادة وغيرها، وإن اتفقت ~~في أسماء صفات خلقه، فلا تشبه حقيقتها حقيقة أوصاف الخلق البتة. حتى الوجود ~~الذي يعم الخالق والمخلوق جميعا، وذلك لأن وجود الخلق عن عدم ووجود ~~الخالق واجب لنفسه، ووجود كل ما سواه مستفاد منه. ومن دقق النظر علم أن ~~ليس في الكون إلا الله، وأفعاله(4 ms169 منه، فكأنه ليس في الوجود شيء ثابت إلا هو ~~وحده. # قرأ القارئ بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير(3 رحمه الله قوله تعالى: ~~(يحبهم ويحبونه) فقال: بحق يحبهم ويحبونه4 لأنه لا يحب إلا نفسه). على ~~معنى ليس في الكون إلا هو، وما سواه فهو من صنعة الصانع إذا مدح صنعه فقد ~~مدح نفسه. فإذا لا تتجاوز المحبة نفسه لأن نفسه قائمة بنفسها وما سواه قائم به، ~~فهو لا يحب إلا نفسه. فإذا عرفت هذا فاعلم أن محبة الله للخلق مؤولة لا محالة. ~~قال أبو الحسن النوري(6 رحمه الله : حب الله للعبد من طريق الفضل لا من طريق PageV01P296 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0297.png) ~~الأنس والراحة. وقال أبو حامد الغزالي رحمة الله عليه: حب الله لعبده تصفية قلبه، ~~14311 ورفع الحجاب عنه حتى يرى خالقه17). فعبر عن هذا اللطف بالمحبة كما ~~قال: ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. ومثاله أن السيد إذا قرب عبده ~~وأطلعه على سرائره يعبر عن ذلك بمحبته له. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أحب الله عبدا ~~ابتلاه، فإن أحبه الحب البالغ أقتناه. [قيل وما معنى أقتناه ? قال](2) لم يترك له مالا ~~وأهلا2(3).. [وقال صاحب القوت: محبة الله للخلق بخلاف محبة الخلق له إذ محبة ~~الخلق لمعان حادثة، وأسباب داخلة، فتتغير باختلاف الأوقات والأسباب، ومحبته ~~لا تتغير أبدا لقوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسن) (الأنبياء؛ 11) ~~الآية5). قال عمرو بن عثمان): إن أول طبقة من العارفين إنما أظهر الله في قلوبهم ~~المحبة بأن أراهم ما تولاه منهم يوم استخراج الذرة من ظهر آدم، فنظر إليهم بعين PageV01P297 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0298.png) ~~محبته، فظهرت في قلوبهم لمعتان، لمعة عرفوه بها، ولمعة أحبوه بها. وقيل: ~~محبة الله للعبد إرادته لإنعام مخصوص عليه كالرحمة، فإن المحبة أخص من ~~الرحمة، والرحمة أخص من الإرادة، وإرادته تعالى صفة واحدة، ولكنها بحسب ~~اختلاف متعلقاتها تختلف أسماؤها، فإن تعلقت بعقوبة سميت غضبا، وإن تعلقت ~~بعموم النعمة سميت رحمة، وإن تعلقت بخصوصها سميت محبة. [وقال بعضهم: ~~محبة ms170 الله للعبد مدحه وثناؤه عليه.] قال بعض المشايخ: إذا أحبك سترك، وإذا ~~أحببته شهرك1. [وقيل: إذا أحبك أنامك، وإذا أحببته أقامك](2). # واعلم أن الكلام في باب المحبة طويل الأذيال لما فيها من كثرة الأقوال، ~~سيما في صفات المحبين في اختلاف درجاتهم، وتفاوت حالاتهم مع الله. وكتب ~~الصوفية مملوءة من ذلك، فلا حاجة بنا إلى نقله فلنقتصر على هذا المقدار الذي ~~جرى به القلم. على أن هذه المسألة من فن آخر وليست من جنس مبنى الكتاب، ~~ولكنها لما وقعت من جملة مسائلها وجب القول فيها. وقد أتينا في أثناءه بنكت ~~ودقائق تخلو الكتب عنها، يعرفها من يعرفها، وضممنا أطراف الكلام في ذلك ~~تقريبا للأفهام، فقد وجدناها في الكتب منتشرة غير مضبوطة، والله ولي العصمة ~~والتوفيق. # سبحان فالق 14411 حب القلب بالحب، وفاتق نوى النوى بالقرب، مؤلف ~~الأضداد، وجامع الأفراد، المفتح إلى الفؤاد ألف واد. والمحبون في كل واد ~~يهيمون، وكل بارقة يشيمون. تدور رحى الحزن على دموعهم، وتفور نار الشوق ~~بين ضلوعهم. قد فنوا عن أنفسهم ببقاء المحبوب، وفقدوا طلبهم بوجدان ~~المطلوب، فهم بين الرضى والسخط، والنؤى والقرب، أموات غير أحياء، أحياء غير ~~أموات. PageV01P298 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0299.png) # إلهي، أشرب في حبات قلوبنا حبك، واكشف لنا عن وجه جمالك وجلالك ~~حجبك، حتى نتهادى بينهما، فطورا نراك فنطرب، وتارة نخشاك فنهرب، وكيف ~~الطرب ولا مقرب، وإلى أين الهرب ولا مهرب، أودنا بودك يا ودود، يا ذا العرش ~~المجيد. PageV01P299 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0300.png) # أجمعت الأمة سلفا وخلفا على إثبات الجن، وقد نطق القرآن بهم، وورد [كذا] ~~الكتب المنزلة على الأنبياء السابقين بإثباتهم، فوجب الإيمان بذلك. وهم من الخلق ~~الناطق يأكلون، ويتناكحون، ويتناسلون. والدليل على إثباتهم نصوص القرآن، ~~وسائر الكتب، وما تخيله عامة الناس من آثارهم الخفية. والمعتزلة ينكرون الجن ~~أصلا ويزعمون أن الجن عبارة عن دهاة الناس، والشياطين عبارة عن مردة الناس ~~وأشرارهم، ويردون بذلك ثلث القرآن الدال على وجودهم وأوصافهم. # قال القاضي الماوردي رحمه الله:إن الله خلق الخلق من أربعة أشياء أصولا ~~وهي الماء، والأرض، والهواء، ms171 والنار، وكان الماء والأرض ظاهرين للحس، والهواء ~~والنار خافيين. وللنار نور ولهب ودخان، فالنور ضياء محض، والدخان ظلمة ~~محضة، واللهب هو المارج المتوسط. فخلق الله الملائكة من النور، وهو الخير ~~المحض، وخلق الشياطين من ظلمة الدخان، وهو الشر المحض، وخلق الجان من ~~مارج من نار، لهم نسبة إلى الملائكة بالنورية، ونسبة إلى الشياطين بالظلمة 1451 ~~الدخانية، فلذلك منهم مطيع، وعاص، ومؤمن، وكافر. فقال تعالى في موضع: ~~(والجآن خلقنله من قبل من نار السموم)جر27) قيل هي نار الشمس، وقيل هي ~~نار الصواعق. واختلفوا في إبليس أهو من الملائكة أم من الجن? فقال قوم: كان ~~أصله من الجن الذين استكبروا في الأرض فحاربهم الملائكة وسبوا إبليس إلى ~~السماء، فصار بالحكم من الملائكة، فإن مولى القوم من أنفسهم، وكان بالنسب من ~~الجن، فيصدق فيه القولان. وقيل من الجن فعلا ومن الملائكة نوعا، فباعتبار فعله ~~كان من الكافرين. وقيل كان من خزنة الجنة. قال الله تعالى: (وجعلوا بينه وبين المنة PageV01P300 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0301.png) ~~نسبا). ثم خلق سكان البر والبحر من الطين والماء كالإنسان، ~~والأنعام، والوحوش، والحشرات، والسباع، والطيور، والحيات، والضفادع وغيرها ~~من بنات الماء، فصار هؤلاء الأجناس الأربعة من المخلوقات من الأصول الأربعة ~~جنسان صاعدان لصعود أصليهما، وهما الملائكة والجن، وجنسان هابطان لهبوط ~~أصليهما وهما حيوان البر وحيوان البحر. وذكر القاضي هذا الكلام في كتاب ~~النبوة، ثم اعتذر فقال: إنما نقلت العبارة إلى ألفاظ المنكرين لها، لأن الاستدلال ~~بلسان الخصوم يكون أوقع عندهم وأدعى إلى التزام الحجة عليهم. وكثيرا ما ~~ترى من كلامنا مثله في هذا الكتاب وللسبب الذي ذكره رحمه الله. # واعلم أن كل جنس من هؤلاء لما تم خلقه بقدرة الله زالت صورة أصله عنه ~~وتشكل بشكل آخر لا يشبه أصله، كما أن الإنسان مثلا زال عنه صورة الماء ~~والتراب وصار لحما وعظما وبشرة إلى غيرها، ثم تشكل بصورة مخصوصة وهيئة ~~على حدة، وكذلك جميع الحيوانات من السباع والطيور، أشكالها مختلفة لا يشبه ~~بعضها بعضا. وهكذا تكون صفة الملائكة والجن والشياطين، زالت صورة ms172 الهواء ~~عن ظاهر أشخاصهم وصير الله تعالى لها هيئات نورانية لطافا، ولذلك سموا ~~روحانيين. ثم لتلك الأنوار أشكال وصور لطيفة لائقة بذواتها يتمايز بها بعضهم عن ~~بعض كأشكال الحيوانات الأرضية لا يعرفها إلا الله تعالى: (وما يعله جيودربك إلا هو) ~~(المدثر؛ 31). وتلك الصور لازمة في اختلافاتها ا1461 في تنوعها، ولكنها ~~ممنوعة عن أبصارنا لغاية اللطافة كالهواء والريح، وقد يكون بعضها عارضة تظهر ~~أحيانا فيراهم الأنبياء والأولياء بواسطتها ثم تزول عنهم، وذلك يجري بهم مجرى ~~اختلاف اللباس لنا. وسببه أن أجسامهم لغلبة اللطافة والرقة كأنها تمتزج بالهواء، PageV01P301 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0302.png) ~~فيتصور الهواء بما شاءوا من الصور في عين الرائي [وتلك الصور مرة متمثلة في ~~عين الرائي]( دون الهواء، وتارة مرتسمة في الهواء ارتسام قوس قزح حتى يراها ~~الحاضرون أيضا في صورة الخضرة والحمرة وغيرها، وذلك مثل ما رأى عبد الله بن ~~عباس صورة جبريل [مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرها أبوه عباس، وكان معه في المسجد ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال : أما إنه سيعمى، ولكن الله يفقهه في الدين ويعلمه التأويل. # واعلم أن الله تعالى أقدرهم على أن يظهروا في أي صورة شاءوا كما أقدرنا أن ~~نظهر في أي لباس شئنا. فكما أن أشكال اللبس لنا مسخرة كذلك كانت أشكال ~~الصور لهم مسخرة، غير أن لباسنا من نسج الغزل والقز، ولباسهم من نسج الهواء ~~والأشعة، وكل يعمل على شاكلته. وقال بعض العلماء: لما كان جسم الملك ~~والجني أرق من الهواء فدق عن أبصارنا، فإذا أراد الله أن يرينا الملك والجني، كثف ~~الهواء وأعطاهم من القدرة على ما تشكلوا في لباس الهواء بأي شكل وصورة ~~شاءوا، فيراهم الناس على تلك الصورة كما قال تعالى: (ولو جعلناه ملكا لجعلنله ~~رجلا [وللبسنا عليهم مايلبشوب )لأعام. والملك لا يكون رجلا] ~~في الحقيقة، وإنما تشكل بصورة الرجل بواسطة الهواء المتكاثف، لأن الهواء إذا ~~تكاثف أمكن إدراكه كالسراب والله أعلم. ثم اعلم أن المرئي بواسطة هذه الصور ~~على اختلافها هو الملك حقا والجني حقا، ms173 كما أن المسموع بواسطة الحروف ~~والأصوات هو كلام الله حقا. وكان بعضهم سئل عن حد الجني فقال: حيوان ~~هوائي ناطق، شأنه أن يشكل بأشكال مختلفة1. يقال: إن العزائم [وأسماء الله ~~تعالى]5) إذا قرئت على المجنون، كان لها شعاع كشعاع الشمس يقع على الجني PageV01P302 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0303.png) ~~308 ~~فيحضرهم ويردهم إلى الطاعة طوعا بحيث لا يمكنهم العصيان. [وفي الحديث: ~~أن الشيطان يذوب من عظمة اسم الله كما يذوب الرصاص في النار]. ولقد ~~كانوا لسليمان عليه السلام مسخرين كما سخرت له الريح. وهم أجسام لطاف ~~كالريح يدخلون أجواف بني آدم 14711 دخول النار في الفضة المذابة، تراها ~~تضطرب في البوطقة، كذلك المصاب عند قراءة العزائم عليه. وفي الحديث: إن ~~الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم38). # واعلم أن الجن مكلفون لقوله: (وإذصرفنا إليك نفرا من الجن) ف2 ~~وهم كانوا تسعة: من جن نصيبين، عمرو بن جابر، ومشجب، وحسا، ونسا، ~~وشاصر، وناصر، وابنا الأندرواني، وقردمان. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اهم ببطن ~~النخلة، قد أتوا من شعب الحجون، خط حول ابن مسعود خطا وقال: لا تخرج ~~منه. فقال ابن مسعود: كان بينهم خصومة في دم، فكنت أسمع لغطهم حتى أن ~~قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نبهم، علمهم سورة الرحمن، وأوجب عليهم الصلاة. وهذا ~~في التفاسير مشهور. # واعلم أن الناس اختلفوا في دخولهم الجنة ثوابا على أعمالهم، فقال الضحاك: ~~هم يدخلون الجنة بأعمالهم. وقال سفيان: يثابون على الإيمان بأن يجاوزوا النار ~~خلاصا، ثم يقال لهم كونوا ترابا. وأكثرهم لا يعتقدون البعث كما قال تعالى: ~~(وأنهم ظنوا كما ظننيم أن لن يبعث الله أحدا)). PageV01P303 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0304.png) # وأما استراقهم السمع فممنوع بعد بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الشهاب الرصد ~~المحرق. وقيل ربما يسمعون كلمة ثم يرمون بالشهب. وفي هلاكهم بالشهب ~~خلاف. قيل: تحرقهم وتفنيهم. وقيل: يخبلهم. وفي الشهب قولان: قيل هي نور ~~يمتد بشدة ضياءه فيحرقهم ثم يعود إلى مكانه. وقيل هو نار على هيئة النجم ينقض ~~من تحت السماء فيحرقهم ms174 ولا يعود، والله أعلم. # سبحان من خلق الجان من مارج من نار، وجعل الجو لهم دار القرار. فالجن ~~جواني، والإنس براني، والملك روحاني، وكلهم رباني، إما طاعة وقالا، وإما دلالة ~~وحالا. يتوارون عن العيون إذا جاءوا، وربما يتراءون في أي صورة شاءوا. فهم بين ~~التواري والترائي، كمحاكاة الصور في المرائي. # إلهي، كما أجننت الجن عن أناسي عيوننا، /148 فأجننا عن أناسي عيون ~~الإنس، وكما أنست الإنس من لقاء الجنس، فأنسنا من لقائك بأوفر الأنس، فلا أنس ~~لقلوبنا إلا في ذراك، ولا وحشة إلا في الأنس بسواك، يا أنيس الفرباء، يا جليس ~~الوحداء. PageV01P304 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0305.png) # شاع في ألسنة الناس أن الأرض موضوعة على ظهر الثور، والثور على الحوت. ~~وروي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب (لننه في بعض خطبه، وذكر في التفاسير ~~كذلك، وتمسكوا بالآثار وآحاد الأحاديث؛ وهذا إن صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالأخبار المتواترة التي توجب العلم يجب الإيمان به، فإن قدرة الله واسعة، لا ~~يعجزه شيء عن شيء، ولا يطلع مخلوق على كنه حكمته في خليقته، ولعل ذلك ~~لتكون قوة الحامل على قدر ثقل المحمول كما قيل: على قدر جرم الفيل تبنى ~~قوائمه". وذلك أن الله خص البقرة بقوة عظيمة وشدة لا تقاومها الأسود السود ~~وغيرها من السباع العظام، والحوت أعظم الحيوانات جثة حتى قيل: ما خلق الله ~~شيئا أعجب من الحوت في تفاوت جتته، إذ صغيره قد يوجد في حد لا يدركه ~~البصر من صغره، وكبيره قد يكون في عظم ما يملأ البحر الأخضر، حتى حكي أن ~~جماعة من التجار أرادوا ركوب البحر فمر حوت، وكانوا يترقبون مروره أربعة أشهر ~~وهو يمر مر السحاب فلم يظهر ذنبه لهم، فرجعوا وتركوا ركوب البحر. ولهذا قيل: ~~احدث عن البحر ولا حرج1. فلما اختص هذان الجنسان [من الحيوان](1) بالقوة ~~الشديدة وعظم الجرم، ربما خلق الله على هيئتهما ملكين أو شخصين كما شاء، ~~ووضع هذه الأرض الثقيلة على ظهرهما كما وضع العرش العظيم على كاهل ~~إسرافيل عليه ms175 السلام. ولذلك ضلت جماعة كانوا يعبدون البقر، وكان الهند لا يرون ~~ذبحه. وفي الجاهلية الأولى إذا تتابعت عليهم السنون وحبس عنهم القطر، جمعوا ~~البقور وعقدوا في أذنابها شجر السلع والعشر، ثم صعدوا في جبل وعر، وأشعلوا ~~النار في ذانك 14911 الشجرين، وضجوا بالدعاء، ويرون ذلك من أسباب السقيا، PageV01P305 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0306.png) ~~كأنهم يتوسلون بتلك البقور إلى البقر الذي عليه الأرض، كما يتوسل المشركون ~~بالأصنام إلى الملائكة. وسبب توسلهم إليه في السقيا هو أن الثور والحوت قائمان في ~~[قاموس] البحار، وهو وسطها ومعظمها على ما جاء في حديث ابن عباس (لض. ~~ويقال إن الغيوم تنشأ منه. قال أمية بن الصلت: # مهازيل خشية أن تثيرا ~~ويسوقون باقر الطود للسهل مهازي ~~عاقدين النيران في ثكن الأذناب منها لكي تهيج البحورا ~~سلع ما ومثله عشر ما عائل ما وعائل البيقورا # وقال بعض الإسلاميين في جوابه: ~~لا در در رجال ضل سعيهم سيمطرون لذي الأزمات بالعشر ~~أجاعل أنت بيقورا مسلعة ذريعة لك بين الله والمطر # وجاء عن وهب بن منبه (ليفه أن الأرض السابعة على كفي ملك يقال له ~~أرغيائيل، ما بين مفصل إبهامه أربعون ألف سنة، والملك قائم على الثور، والثور PageV01P306 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0307.png) ~~على صخرة من زمردة خضراء، وتحيط بالصخرة حية قد تطوقت بها، والصخرة ~~على جناحي الحوت في بحر يقال له عقيوس، وهو على الريح العقيم، والريح على ~~الهواء، والهواء على الظلمة، والظلمة على جهنم، وجهنم على بحر من نار ويقال له ~~القمقام، والقمقام على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله تعالى. هذا مذكور في ~~التفاسير ولم أره في الصحاح. فإن صح فالإيمان به واجب. # وقرأت في التوراة المعربة أن آدم لما أهبط إلى الأرض قال: يا إلها أخرجتني ~~من الجنة ونعيمها وثمارها إلى هذه الأرض الشديدة اليابسة، فكيف أعيش فيها ? ~~فأوحى الله إليه أن الأرض على يهموثا وأيوثا، وعيشك في كدك. قال المفسر لها ~~يهموثا اسم للبقر، وأيوثا اسم الحوت، يعني أن قوام الأرض عليهما، يريد أن قوام ~~العيش في الأرض ms176 بالحرث والماء، بخلاف الجنة والعيش الرغد فيها، فكنى عن ~~الحرث بالبقر، وعن الماء بالحوت، لأن البقر يبقر الأرض، وسمي ثورا لإثارتها ~~الأرض للزرع، وبالماء يسقي الزرع والغرس ا1501 اللاتي بهن معاش أهلها، ~~وكنى عن الماء بالحوت لأن الحوت خلق من الماء في الماء وعيشه في الماء، ~~ومعناه أن العيش كان في الجنة رغدا وفي الأرض كبدا أي مكابدة ومقاساة للزراعة ~~والسقي وغيرهما من الأعمال الشاقة. قال الله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد)) ~~(البلد؛ 4) وسميت كبد الحيوان كبدا لأنها قطعة دم جامد خلقت للمكابدة في تغيير ~~الدم وتطبخ الطعام في المعدة. فالإنسان ما دام في الدنيا لا يتخلص من الكبد، ~~وإنما يستريح من المكابدة إذا عاد إلى الجنة في الآخرة فلا كبد هناك. ولعل ~~قولهل صلى الله عليه وسلم أول طعام الجنة كبد الحوت الذي عليه الأرض. إشارة إلى PageV01P307 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0308.png) ~~استراحتهم في العيش الرغد الذي لا مكابدة فيه. وفي القرآن سورتان تسميان ~~البقرة، ون والقلم. قيل النون هو الحوت الذي عليه الأرض، وفي البقرة ذكر البقر ~~إلى قوله: (لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث) البقرة؛ 7) وفيها ذكر الزراعة ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل)) وفي سورة ن والقلم ذكر الحوت ~~في قوله: ((ولا تكن كصاحب الحوت) وذكر الحرث في قوله: (أن اغدواعلى ~~حرثكم) 2) فعلى هذا الجمع بين القولين ممكن. فلعل الله وضع جرم ~~الأرض على الثور والحوت، وعلق قوام العيش فيها بهما. فالقول الأول خير، ~~والثاني معتبر. هذا وللمتكلمين وأهل النجوم أقوال مختلفة في وقوف الأرض ~~تركناها، والله أعلم بذلك. # سبحان من قسم الأرض برا وبحرا، فخلق من البر ثورا، ومن البحر حوتا، ~~وجعل التسبيح والتحميد لهما قوتا، فغاص الحوت في قاموس بحره، وثار الثور ~~على ظهره بأمره، فحمل عليهما مثقلة الأرض، ذات الطول والعرض، تنبيها بأنك يا ~~إنسان مخلوق من طين البر وماء البحر، ولكنك [مكرم] بشرف العقل وقوة الفكر، ~~فإن اتبعت عقلك، وأعملت في طلب المعارف فكرك، بلغت أعلى عليين، ~~وجاورت الملائكة المقربين، وإن واظبت على إصلاح ms177 قوت حوت نهمتك، وعلف ~~ثور شهوتك، هبطت إلى أسفل سافلين، وجاورت الثور والنون، فاختر أي الجوارين ~~شئت، جوار الملك أم جوار السمك. PageV01P308 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0309.png) # إلهي، رقنا في مدارج أفكارنا، ا151 ومعارج أنظارنا، إلى معاقل العقول ~~وسماء السمو عند الملائكة الكرام، ولا تهبطنا إلى معالف ثيران الشهوات، ~~ومسابح حيتان الطبع في الظلمات، يا دائم الخيرات. PageV01P309 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0310.png) # اعلم أن الناس تكلموا في هذه الأشياء، أما الزلزلة فقالوا إن بعوضا خلقها الله ~~تعالى وسلطها على الثور الذي عليه الأرض فهي تطير أبدا بين عينيه، فإذا دخل أنفه ~~حرك الثور رأسه، فيتحرك جانب من جوانب الأرض، وإليه الإشارة النبوية في ~~استحقار هذه الدنيا بقوله صلى الله عليه سلم: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقا ~~كافرا منها شربة ماء(1). معناه أنه لو شاء لقلبها ظهرا لبطن بحركة جناح تلك ~~البعوضة، لكنها أقل قدرا عنده من ذلك فتركها حتى يأكل منها البر والفاجر. ويقال ~~إن عروق جبل قاف ذاهبة في أصول بلاد الأرض، فإذا أراد الله أن يعذب أهل بلدة، ~~أمر ملكا بتحريك ذلك العرق الذي هو راسخ تحتها فتتزلزل تلك البلدة. وجبل ~~قاف هو المحيط بالدنيا، سمي قافا لأنه قفا العالم. يقال أخذت بقوف رقبته، وقاف ~~رقبته، وقفاه بمعنى واحد على طريق القلب. وعن وهب أنه لما بلغ ذو القرنين جبل ~~قاف صعد عليه وقال له: أخبرني عن) عظمة الله تعالى. فقال الجبل: إن شأن ~~ربنا لعظيم تقصر عنه الأوهام. إن ورائي لأرضا مسيرتها خمسمائة عام، وأرضا من ~~جبال الثلج يحطم بعضها على بعض، ولولا الثلج لاحترقت الدنيا بما فيها من حر ~~جهنم(1. فقال: ما هذه الجبال حولك؟1 قال: هي عروقي، فإذا أراد الله أن يزلزل ~~أرضا، أمرني فحركت عرقا من عروقي، فيزلزل تلك الأرض3). والله أعلم. وقرأت ~~في كتاب قوت القلوب أنه قيل لأبي يزيد: ما بلغ9) حمل جبل قاف؟2 فقال: "جبل ~~قاف أمره قريب في جبل كاف، وجبل صاد، وجبل عين، فإن هذه جبال محيطة PageV01P310 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0311.png) ~~بالأرض ms178 السفلى حول ثانية وثالثة ورابعة إحاطة جبل قاف بالدنيا1. # وقال الأوائل: إنما تزلزلت لاحتباس الأبخرة الغليظة في تجاويفها تريد ~~التخلص منها، فتزلزل ا1521 الأرض حتى تخرق بعض نواحيها فيتنفس منها. ~~فيقال لهم: وما سبب احتباس الأبخرة الموجبة للتحريك? وما سبب سببه? حتى ~~اضطروا إلى مسبب قادر مختار. وذكر محمد بن علي الترمذي رحمه الله في كتاب ~~النقائض عن عكرمة أن الزلزلة والدمدمة من تجلي الرب تعالى، وكذلك كسوف ~~الشمس من تجليه. وأما الرعد فقيل: صوت تسبيح ملك هو أصغر ملائكة الله يسمى ~~الرعد. قال الله تعالى : (وييسبح الرعد بحمده،) الرعد؛). وقيل هو صوت ~~مرتعد يحدث من تحريك مقرعة الملك الذي يسوق السحاب، والبرق نار يسقط ~~من شدة سوقه. وقيل هو صوت خرق الرياح السحاب المتراكمة بعضها على بعض. # هذا الذي ذكروه فيها، أما الأخبار فآحاد لا توجب العلم والله أعلم ~~بصحتها. وأما أقوال الأوائل فظنون غير موقوف بها فلا يبنى عليها أساس الدين. ~~والجواب الحق عندي في هذه المسألة وما شاكله هو الذي دل عليه القرآن. قال ~~الله تعالى : (الله الذى رفع السماوات بغير عمد ترونها)2) أثبت للسماء عمدا غير ~~مرئية للخلق وقال: (* إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) اط؛ 41) وكان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم د بين تلك العمد التي لا ترى، فقال صلى الله عليه وسلم : بالعدل قامت السماوات ~~والأرض2). والعدل هو التوحيد. قال الله تعالى: (* إن الله يأمر بالعدل PageV01P311 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0312.png) # 317 ~~والإحسدن ) النحل؛ 90) فالعدل إذا عماد السماوات والأرض، وهو ميزان الله في ~~أرضه كما جاء في الحديث؛ ومنه الاعتدال في الأشياء دال على ثباتها، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى لا يبقى أحد على وجه الأرض يقول الله، الله. ~~فعلى ذلك إذا ظهر الشرك، وعم الفسق، وظهر الفساد في البر والبحر، انفطرت ~~السماء، وانشقت الأرض كما قال تعالى: ( تكاد السماوات ينفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا)مريم؛910). ولهذا الكلام ~~عوز يتعلق بعلم الأولياء يعرفه أهله، ولا يليق ms179 بالفن الذي كنا نتكلم عليه الآن، ~~وأصله معرفة كن في تكوين الأشياء، ومعنى قوله (وكلمة الله ه العليا) ~~(التوبة، 40). ومنه يتضح قوله: (أثتيا طوعا أو كرهاةالتا انينا طابعين ) فصلت؛ 11) ~~فلنتجاوز عنه. فعلى هذه القاعدة كل بقعة 15311 من الأرض وناحية ~~من نواحيها، متى جار فيها أهلها وعدلوا عن عدل التوحيد واستمروا على ~~الكفر، والظلم، والبغي، والفسق، والفساد العام مكابرين للعقل، مستخفين بالشرائع، ~~فحينئذ لعدولهم عن العدل والاستقامة، تخرج أمورهم كلها عن الاعتدال ~~والنظم المعتاد، فيضطرب سماؤهم، ويحمار هواءهم، ويرمى بالشهب العظام ~~والنيران الملتهبة، وتظهر في آفاقها النيازك وذوات الأذناب، وتمطر عليهم البرد ~~الكبار، والأحجار المهلكة للحرث والنسل، ويحدث الوباء والسنون المتتابعة، ~~وتتزلزل أرضهم وديارهم فيهلكون بالهدم والخسف والهدات الهائلة. قال الله PageV01P312 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0313.png) ~~318 ~~تعالى: (ومارسل بالأيات إلا تخويفا) (الإسراء؛ 5) وقال: (ظهر الفساد ف البر ~~والبحر بما كسبت أيدى الناس) (الروم؛ 41) وقال: ( وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيد يكم)3) الآية. عن ابن عباس الثنه : رجفت المدينة أيام ~~عمر (ليغه فخطب الناس ثم قال: إن هذا لا يكون في بلد حتى يكثر فيه الزنا ~~والربا، فإن ارجفت ثانية لم أقم بين ظهرانيكم. قال ابن عباس: فما زلزلت حتى ~~قبض عمر (لغه2). فعلى هذا، أنت الزمان يا إنسان، إن صلحت صلح، وإن ~~فسدت فسد، وكما تكونون يولى عليكم (3)؛ (وكذلك نول بعض الظالمين بعضا) ~~(الأنعام؛ 129). ~~مناجاة: # سبحان من جعل الأرض قرارا، وجعل لعباده فيها استقرارا، وفجر فيها أنهارا، ~~وغرس أشجارا، لتكون لأهلها اعتبارا، وأنت يا أرضي جزء من أرضك بل كل، فإن ~~أجزاءها فانية، وأجزاؤك منها باقية، إذ خلقت للبقاء، وإنما تنتقل من دار إلى دار، ~~جنة أو نار، ~~[ماتت ديار الظاعنين بفقدهم فكأنهم كانوا لها أرواحا] PageV01P313 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0314.png) # وهي تبدل يوم (وبرزوا لله الواحد القهار) براهيم، 48) فهي إذا لسخطك ~~ظل، وأنت لتكونها أصل مستقل، فإن اطمأننت فيها أطمأنت، وإن زللت تزلزلت، ~~وإن عدلت اعتدلت، وإن أنصفت أخصبت، وإن منعت الزكاة وطففت المكيال ~~أقوت وأجدبت، هكذا كما تكون أنت، ملت أم استقمت. ms180 ا1541 # إلهي، أصلحنا تصلح بصلاحنا الأرض، وأنزل علينا سكينتك تسكن بها ~~الأرض، يا الله، [والله الموفق للرشاد]. PageV01P314 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0315.png) # في الصحيح المسند عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، ليوشكن ~~أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع ~~الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خير من ~~الدنيا وما فيها. ثم قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم (وإن من أهل الكتاب إلا لئؤمنن ~~به، قبل موته،)5 معنى قوله: يفيض المال(13. لأن يأجوج ومأجوج ~~كانوا أغاضوه وكبسوا عيونه فيكثر المال بنزوله حتى لا يقبله أحد لكثرته. وقوله: ~~تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها7. لأن الإسلام قد تجدد بنزوله ~~فعزت فيه السجدة الواحدة كما عزت في بدء الإسلام. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ~~الدجال."إذ بعث الله المسيح عيسى بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي ~~دمشق(5) بين مهروذتين واضعا كفه على أجنحة ملكين4(6). المهروذتان بالدال ~~والذال معا حلتان مصبوغتان بالورس. قال الله تعالى: (وإنه لعلم للساعة) ~~(الزخرف؛ 61) وقرئ لعلم بفتح العين واللام، والهاء راجع إلى عيسى عليه السلام ~~لقوله فيما تقدم: ( ولما ضرب ابن مرتيم مثلا)7) ومعناه أن نزوله PageV01P315 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0316.png) ~~علامة القيامة. وفي سنة ستين وخمسمائة، سمع بعضهم عند الانفجار هاتفا يقول ~~اعسى أن ينزل عيسى من السماء، لكنه لا يرى من فتنة الورى، فإذا سمعت بميت ~~يحيى، أو أكمه يبرى، فاعلم أنه قد أتى، وأن الأمر قد دنا، فاطلبه في المسجد ~~الأقصى. # واعلم أن ارتفاع عيسى عليه السلام بجسده إلى السماء، ونزوله منها وقت ~~القيامة حق، والإيمان به واجب. قال الله تعالى: (بل رفعه الله إليه)1 ~~وأنكرت المعتزلة، والفلاسفة، واليهود، والنصارى، عروجه بجسده. وزعمت ~~النصارى أن ناسوته صلب 15511 ولاهوته رفع. أما كيفية ارتفاعه ونزوله وكيفية ~~مكته هناك على هذه الغاية من غير طعام ولا شراب فمما يتقاصر عن دركه العقل، ~~ولا سبيل إلا الإيمان به والتسليم إلى سعة قدرة الله تعالى، ms181 فإن من الأرض إلى ~~السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، ثم من كل سماء إلى سماء هكذا، وغلظ كل ~~سماء هكذا خمسمائة عام، إلى الرابعة التي هو عليها، وأجرام السماوات صلبة ~~شديدة قال الله تعالى: (وبنينا فوقكم سبعا شدادا)) وهي ينطبق بعضها ~~على بعض لقوله: (سبع سماوات طباقا). # فإن قيل: هب أن عجزنا عن معرفة كيفية ذلك في ادعاء استحالته، فما الدليل على ~~جوازه؟ الجواب: أما العروج إليها والارتفاع فيحتمل أن تحمله الملائكة وعرجوا به ~~إلى السماء. أما ما ورد في قصة المعراج أن جبريل كان يستفتح من كل سماء بابها ~~حتى يدخلها الرسول، فالظاهر أنه لا يصح، فإن صح فلا يستحيل في العقل أن يكون ~~هناك أبواب يليق بها يمكن نفوذ رسول الله فيها كما قال تعالى: (لا تنفذون إلا ~~بسلطن))من 33) وأما قوله: (وفيحت السماء فكانت أبوابا)انبأ) ~~يعني نقضت وهدمت في القيامة فتصير مخرقة كالثوب الخلق لقوله: (وإذا السماء PageV01P316 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0317.png) ~~كثطت) (التكوير؛ 11) وقوله: (ففدحنا أبواب السماء بماء منهمر))1) ~~وفي التفسير: السماء ههنا السحاب، فإن الملائكة أجسام لطيفة ذوي قوى شداد، ~~ونحن نرى العاصفات مع لطافتها تقلع الدوحة العظيمة عن أصلها، فلا عجب إن ~~حمل بعض ملائكة الله المسيح فرفعه إلى السماء، ومن لم ير قط ارتفاع الحديد إلى ~~حجر المغناطيس كان إنكاره لذلك أشد من إنكاره لارتفاع جسد عيسى وإدريس ~~عليهما السلام. أو لعله يقرب حاله من حال الملائكة في اللطافة والعروج في ~~السماوات. ذكر القشيري في تفسيره( عند قوله تعالى: (إنى متوفيك ورافعك إلى) ~~(آل عمران؛ 55) أي متوفيك عن شهواتك لأنه لما رفع صار حاله كحال ~~الملائكة). والله سبحانه قادر على أن يلطف الكثيف ويكثف اللطيف، ألا تراه كيف ~~كثف الماء اللطيف حتى يصير جمدا كالحجر، ثم كيف يلطفه بالإذابة فيصير ماء، ثم PageV01P317 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0318.png) # 323 ~~يبالغ في تلطيفه فيجعله بخارا صاعدا في الهواء لا يدركه البصر للطافته، وهو بعينه ~~ذلك الجمد الحجري المرئي. واللطيف سلطان في النفوذ كالنور يدخل في الزجاج، ~~وهو جسم لطيف عند بعض العلماء، ms182 فيتصور نفوذ جسد عيسى عند خروجه، وكذلك ~~جسد []156 المصطفى عليهما السلام عند معراجه في أجرام السماوات. وكان ~~أصحاب الهيئة يعتقدون أن الأفلاك متراصة شداد، والكواكب السيارة تخرقها ~~باختلاف مسيرها شرقية وغربية، فلا أدري كيف يجوزون ذلك وينكرون عروج عيسى ~~ومحمد وإدريس عليهم السلام في السماء. فإن زعموا أن أجرام الكواكب تتداخل ~~أجرام الأفلاك فمحال، لأن تداخل الأجسام لا يتصور، إذ يستحيل أن يكون جوهر، ~~فلو دخل جسم في جسم لكان كل واحد منهما داخلا ومدخولا في حاله وهو باطل، ~~فإذا بطل التداخل، والكواكب أجسام، فليت شعري كيف بخرقها عندهم? أما عندنا ~~فوجهه أن يقال ربما كانت الكواكب في فضاء على سطوح السماوات، إذ لا برهان ~~لهم على أنها متراصة، ثم لو كانت متراصة فقد يمكن أن تنفذ فيها الأجسام اللطيفة، ~~إذ ليس بواجب أن يكون صما مصمتة لا مسام لها البتة، بل يمكن أن تكون فيها ~~تخلخلات لطيفة إذا سارت الكواكب فيها ليست أجزاء من قدامها، فتنضم وتلزز، ~~وخلت بقدر تلك الأجزاء خلفها فارغا، فتنبسط هذه الأجزاء المتقدمة إلى ما قبلها ~~متصلة بها، وهكذا تصير أبدا بانضمام الأجزاء قدامها وانبساط الأجزاء التي خلفها ~~كما تمر الحيتان في الماء، فإنها تخرق الماء وهي في مرها يتراد الماء من قدامها إلى ~~خلفها، وهكذا نحن إذا مشينا نخرق الهواء غير أن الهواء تخلخله كثير، وتخلخل الماء ~~أقل، وتخلخل آخر السماء يكون أقل الجميع. قوله تعالى: (هل ترى من فطور)) ~~(الملك؛ 3) وقوله: (وما لها من فروج)؛6) هذا مذهب أهل الحق. # أما الفلاسفة فزعموا أن العالم ملأ لا خلاء فيه البتة، وهو باطل، إذ لو كان ~~كذلك لامتنع تحرك جسم قط، لأن الحركة نقلة فيها شغل مكان وتفريغ مكان، فلو ~~كان المكان مشغولا كيف يشغله والمشغول لا يشغل، ثم هو الانتقال تجلى المكان ~~الأول، وعندهم لا خلاء في العالم. وقد أبطلنا القول بالتداخل، فعلى هذا صح أن ~~ينفذ جسم عيسى ومحمد ]1571 عليهما السلام في أجرام السماوات بعد ما لطفه PageV01P318 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0319.png) ~~الله تعالى. ms183 وقد ذكرنا أن اللطيف سلطان النفوذ في الأشياء حتى السماوات. قال ~~الله تعالى: (يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنقذ وا من أقطار السملوات والأرض فانفدوأ لا ~~تنفذون إلا بسلطان) (الرحمن؛ 33) فكان عيسى عليه السلام يمكن إذا بلغ ~~السماء الأولى تتضام أجزاء ممره منها، وتتقلص حتى ينفذ منها، لعل ذلك هو ~~المعبر عنه بفتح باب السماء في أحاديث المعراج وغيره. ثم لا يزال تتراد تلك ~~الأجزاء منبسطة من قدامه إلى ما جاوزه من خلفه حتى يبلغه الله إلى ما شاء منها. ~~وكذلك الحكم في معراج النبي صلى الله عليه وسلم إى أن بلغ ما بلغ. # وإن قيل: فما الجواب من استغنائه عن الطعام والشراب هذه المدة وقد قال الله ~~تعالى: (وما جعلناهم جسد الا يأكلون الطعام) # قلنا: أما الطعام فهو قوت من يعيش في الأرض مسلطا عليه هذا الهواء الحار ~~والبارد، فتتحلل أبدانه أبدا، ويعوضها الله بالغذاء إجراء لعادته في هذه الخطة الغبراء ~~كما قال: (وماجعلناهم جسد الا يأ كلون الطعام). أما من لطفه تعالى بلطفه وقدرته ~~ورفعه عن الأرض إلى سمائه، فسوف يغنيه عن الطعام والشراب إغناء الملائكة ~~عنهما، فيكون حينئذ طعامه التسبيح وشرابه التهليل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبيت ~~عند ربي يطعمني ويسقيني. وقد جاء في حديث أسماء بنت زيد قالت: "كان ~~النبي صلى الله عليه ولم في بيتي، فذكر الدجال فقال: إن بين يديه ثلاث سنين، سنة تمسك السماء ~~ثلث قطرها، والأرض ثلث نباتها، وفي الثانية تمسك السماء ثلثي قطرها، والأرض ~~ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله، والأرض نباتها كله. فقلت: يا ~~رسول الله، إنا لنعجن عجيننا فما نخبزه حتى نجوع، فكيف بالمؤمنين يومئذ? فقال: ~~يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس2). هذا وقد شاهدنا رجلا في ~~زماننا أمسك عن الطعام قريبا من ثلاث وعشرين سنة يقال له خليفة الخراط(3)، كان PageV01P319 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0320.png) ~~من قزوين، ومقامه بأبهر ونواحيه، وكان يعبد الله ليلا ونهارا بلا ضعف. ولذلك لا ~~يبعد أن يكون قوت ms184 عيسى عليه السلام التسبيح 15811 والتهليل. والله أعلم ~~بجميع ذلك، ولم أر أحدا قبلي تكلم في هذا المعنى. # سبحان من رفع المسيح بقدرته إلى السماء، وأغناه عن الطعام وشرب الماء، ثم ~~جعله علما للساعة، فينزله إلى الأرض الغبراء مكلفا بالطاعة، قيما بين أهل السنة ~~والجماعة، فيسكن فتنة الدجال، ويبسط العدل في الرجال، إلى نفخ الصور، ~~وانشقاق القبور. # إلهي، اسبغ علينا سربال الإيمان، وأمنا من نوائب الحدثان، واحفظنا من فتن ~~آخر الزمان، الأمان، الأمان يا رحمن. PageV01P320 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0321.png) # قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ~~ورآها الناس، آمنوا أجمعون حيث لا ينفع نفسا إيمانها11). قال الله تعالى: ~~(هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملأكة أو يأقى ربك أو يالآ قبعض ايات ربك)1 ~~الآية . يعني بها طلوع الشمس من مغربها، وهذا جائز في العقل لا استحالة فيها ~~[كذا]، فإن القادر على إطلاع الشمس من مشرقها قادر على اطلاعها من مغربها، إذ ~~الجهات إلى قدرته متساوية، وهذا يكون ردا على نمرود، قال إبراهيم عليه السلام: ~~(فإن الله يأت بالشمس من المشرق فأت بها من المعرب)2 لو قال له ~~نمرود ربك لا يأتي بها من المغرب فلا تقوم الساعة حتى يطلع الله الشمس من ~~المغرب حسما لهذا الخاطر. وأصحاب الهيئة من المنجمين يستحيلون ذلك. فيقال ~~لهم: أليس الله أجرى العادة بأن كل دوارة من رحى وغيرها إذا انتهى دورها ترجع ~~منعكسة، فلم ينكرون أن الله تعالى يعكس دوران الشمس عند انتهاء ادورارها? ~~قال الله تعالى: (والشمس تجرى لمستقرلها) (يس؛ 3) والمستقر مصدر بمعنى ~~الاستقرار، واللام بمعنى إلى كما قال: (بأن ربك أوحى لها))ززلة5 أي ~~إليها. وعند وقوف الشمس يومئذ تنشق السماء وتنكدر النجوم. وفي المثل ~~الدولاب إذا تعطل انكسر. وجمع هنالك الشمس والقمر، 2159/1) فيطلعان إلى ~~وسط السماء أسودين كالغرارتين، وفي رواية كالثورين الأسودين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذ هما قد طلعا من المغرب مكورين كالغرارتين فلا ضوء للشمس ولا نور PageV01P321 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0322.png) ~~للقمر8، وبين ms185 طلوع الشمس من مغربها إلى نفخ الصور أقل من أن يركب الرجل ~~المهر بعد النتاج. # فإن قيل: قد روي أنهما يطلعان بعد ذلك من المشرق إلى نفخ الصور. ~~فالجواب، لا اعتبار بذلك الطلوع فإنه يكون طلوع اضطراب للوقوف والانتهاء، ~~لا طلوع دؤوب لهما بحساب، ولذلك يكون حال كل دوارة إذا انتهى دورها، ~~تنعكس مرة، وترجع أخرى ثم تقف. هكذا سنة الله في الخلق، (ولن تجد لسنت الله ~~تحوبلا)) رفاطر؛43) والله أعلم بجميع ذلك. # سبحان من يعكس دور الشمس فيطلعها من المغرب، أوان ظهور الدخان ~~ورجوع العنقاء المغرب، فلما بلغت كبد السماء، وهي سوداء، رجعت غاربة، في ~~مغربها حبلها على غاربها)، فحينئذ أطبقت الظلمات، والتبست الطرقات، وعن ~~قريب ينشر الأموات، وعجت الأصوات. # إلهي، احفظ عبادك يوم تقصم بلادك، انظر إليهم بعين الرضا واعفهم [كذا] عما ~~مضى، واصرف عنا وعنهم سوء القضاء. PageV01P322 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0323.png) # الصراط صراطان، أحدهما في الدنيا وهو علمي، وصورته في الآخرة وهو ~~الصراط الحسي. فالذي في الدنيا هو الطريق إلى الله تعالى وهو الإسلام، وهو ~~المعني بقوله: ( آهدنا الصراط المستقيم ) لفاتحة؛6). وذلك على الحقيقة جسر ~~ممدود على متن الكفر، والشرك، والبدع، والأهواء. قال الله تعالى: (وأن هاذا ~~صراطى مستقيما فاتبعوه)) الآية. وكان النبي صلى الله عليه وسلم برأ سورة ~~والصافات، فلما بلغ قوله: (فاهدوهم إلى صراط الجيم وقفوهر إنهم مسقولون) ~~(الآيات 23، 24) بكى حتى تحادر الدموع على لحيته. قال بعض الوفد(2: إنك ~~تبكي خوفا ممن بعثك?" قال: إي وربي، إنه بعثني على طريق كحد السيف، إن ~~زغت هلكت3). وهذا الصراط كالخط الدقيق الممتد بين الله وبين ا160 العبد ~~في عين الاستقامة. قال بعض الوالهين في مناجاته: إلهي، خذني إليك بخط ~~مستقيم فإن المستدير لا طرف له. وهي العبارة عن الرتبة الوسطى بين التشبيه، ~~والتعطيل، والجبر، والقدر، وهي الحالة الوسطى أيضا في الأخلاق الحسنة كالسخاء ~~بين التبذير والبخل، وكالشجاعة بين التهور والجبن، وكالاقتصاد في الأمور كلها، ~~مثل التواضع بين الكبر والخساسة، ومثل العفة بين الشهوة والخمود، فإن لهذه ~~الخصال طرفين مذمومين ms186 والحق في ملازمة الوسط. قال الله تعالى: ( وكذلك PageV01P323 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0324.png) ~~جعلنكم أمة وسطا). فالمواظبة على هذا الوسط هي المعبر ~~عنها بالدقة والحد، وإليها الإشارة في قول الله تعالى: (فاستقم كما أمرت) ~~(هود؛ 112). # وأما الصراط الأخروي الحسي فهو في الحقيقة صورة الصراط الأول، وهو ~~الطريق إلى الجنة، وهو الجسر الممدود على متن جهنم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: الصراط ~~جسر مد على متن جهنم أحد من السيف، وأدق من الشعر، دحض مزلة، فيه ~~خطاطيف وكلاليب(2)، وسعدان مضرسة، وحسك مفرطحة، لا يعرف عظمها ~~إلا الله، وعلى حافتيه الملائكة قيام يقولون(3 سلم، سلم أمة محمد. فمن الناس من ~~يمر كلمح البرق الخاطف ومنهم من يمر كالريح العاصف، ومنهم من يمر كالطير ~~الهادي، ومنهم من يمر كالجواد المضمر، ومنهم من يسعى سعيا، ومنهم من يمشي ~~مشيا، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم من يزحف زحفا، والزالون والزالات يومئذ ~~كثير، فمن جاء بحق يعطى النور على قدر إيمانه وأعماله. هذا خبر صحيح مسند ~~وإن كانت ألفاظ الرواة فيه مختلفة، وهو صفة صراط الآخرة الذي يمر عليه الناس ~~كلهم. قال الله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) مريم؛ 71) الآية. # واعلم أن الذي اعتاد المرور في الدنيا على صراط الإسلام، هان عليه المرور ~~على هذا الصراط في الآخرة، ومن لم يتعود ذلك في الدنيا صعب عليه وزلت ~~قدمه، وطال ندمه. وهل هذا الصراط إلا مثال محسوس لذلك الصراط المعنوي? ~~ولقد رأينا من رام مرامات الأبطال في التحام 16111 القتال أفنى على الاستباق ~~عمره، وأذاب في الرماية نفسه، وصبر على الإدمان والمواظبة على ذلك في خلواته، PageV01P324 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0325.png) ~~مهاجرا عن لذاته، مجتمع الهم في حالاته، حتى يمرن طبعه، ويشتد ساعده، ويرى ~~من نفسه الثقة بإصابات الهدف، فإذا شهد اللقاء ترى سهامه المنصبة على ~~المصاليت، كالشهب المنقضة على العفاريت، مصيبات غير مخطئات، كذلك من ~~واظب على دين الإسلام، وتصوره علما وتحققه اعتقادا، ثم أقبل على الطاعات ~~والأعمال الصالحات، ملازما للقصد في أمره، مداوما على الخيرات في عمره، ~~متبعا للسنة والجماعة، ms187 طاوعت حينئذ نفسه على الاستقامة، واعتاد الجواز على ~~الصراط المستقيم، وكان يوم القيامة على ذلك الصراط كالبرق الخاطف. وإنما ~~يكون لكل أحد جريه على الصراط هناك بمقدار جريه ههنا على صراط الإسلام. ~~وما جاء في الحديث من الخطاطيف والكلاليب فهي عبارة عن علائق الدنيا ~~المتعلقات بالقلب، تجذب صاحبها إلى الدنيا خلفها، فتهويه في الهاوية، والسعدان ~~والحسك تكون بمقدار ذنوبه وخطاياه، وإنما تؤذي قدميه بالمرور عليه. والحبو ~~والزحف إشارة إلى تثاقل ظهره بالمظالم والتبعات، والزالون والزالات هم الناكبون ~~في الدنيا عن الصراط المستقيم والدين القويم. # سبحان من جعل بين القلب والقالب ارتباطا، وجعل لكل واحد منهما صراطا، ~~فصراط القلب خط الاستواء الممتد بين الشرك والإيمان، وصراط القالب جسم ~~ممتد على متن النيران، وكلاهما أدق من الشعر، وأحد من حد السيف الذكر، ~~والمرور عليها من أعظم الخطر. فمن اعتاد المرور في دنياه على صراط الإسلام، ~~هان عليه المرور في أخراه على صراط الأقدام، ومن نكب عنه في هذه الدار، كب ~~هناك في النار. # إلهي، أجرنا على هذين الصراطين، ولا تزل أقدامنا في البين، فإن الهادي من ~~هديته، والهاوي من خذلته، يا دليل المتحيرين، ومنقذ الهالكين، ومالك يوم الدين. PageV01P325 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0326.png) # 1621 اعلم أن الإنسان إذا قارب البلوغ وكل الله تعالى به ملكين كما ~~قال: (وإن علتكم لحافظين النا) كراما كتبين( يعلمون ماتفعلون (الانفطار؛ 10 -12) ~~وقال: (إذيتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال فعيه)ق17) وقال: (بكى ورسلنا لديهم ~~يكثبون) (الزخرف؛ 80). قال الإمام الغزالي رحمه الله:كان أحدهما يهديه ~~والآخر يقويه) [وذلك عند اتصافه بالعقل، وتكون رتبة الهادي أعلى من رتبة ~~المقوي،] وهما من الملائكة السفرة الكرام البررة، الذين هم أعوان الملك ~~الأعظم، الذي هو صاحب القلم عند أكثر المحققين. ثم إن هذين الملكين يكتبان ~~الحسنات والسيئات كتابة لا تشبه كتابة أهل الدنيا، وإنما يكتبان في صحف مطهرة ~~مطوية في سر القلب، لا يطلع أحد عليه في هذه الدنيا، لأنهما وكتابتهما ~~وصحفهما وجميع ما يتعلق بهما من عالم الملكوت، وشيء من ذلك العالم الذي ~~لا تدركه ms188 الأبصار في عالمنا هذا. ثم تلك الصحف المطوية تنشر مرتين، مرة عند ~~النزع لقوله : (فكشفنا عنك غطاءك)22) ومرة في القيامة على رؤوس الأشهاد ~~لقوله تعالى: (ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقله منشورا)لإسراء؛3) وذلك عند ~~وضع الموازين القسط، فترى الكتب هناك طائرة من الهواء، وهو قوله تعالى: ~~(طكبره في عنقه)اء) ويؤتى مكتوب صاحب اليمين باليمين، ومكتوب PageV01P326 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0327.png) ~~صاحب الشمال بالشمال لقوله تعالى: (فأما من أوق كتبه بيمينه،)لحاقة1) ~~(وأما من أوتي كنبه بشماله،) اقة؛ 25) الآية. فيرى العبد إذ ذاك حسناته مخطوطة ~~نيرة في كتاب صاحب اليمين، وسيئاته خطوطا سودا في كتاب صاحب الشمال، ~~فعند ذلك يقول: (ياليتني لمرأوت كنبية ولم أدر ما حسابية)الحاقة؛ 26،25). # واعلم أن معنى الكتابة في اللغة الجمع والضم، ومنه الكتيبة للعسكر المجموع، ~~وإنما سمي المخطوط كتابة لأنه ضم الحروف بعضها إلى بعض لفهم المعنى منها، ثم ~~قد يستعار لكل ما يتدرج بنظمه على معنى كالقضاء في قوله: (ولولا أن كنب الله عليهم ~~الجلاء لعذبهم) وكالإثبات في قوله : (كتب فى قلوبهم الايمن) ~~المجادلة؛22) وكالفرض في قوله: (كيب عليكم الصيام)) وكالعلم ~~في قوله: (أم عندهم الغيب فهم يكثبون)) القلم؛) أي يعلمون. وقد سمى الله ~~تعالى القرآن كتابا فقال: (هوالذى أنزل عليك الكتاب) آل عمران؛) وكالهيئة الداعية ~~إلى معنى من طريق الاعتبار، ونظيره كثير في الأخبار. قال الشاعر: 163/1 ~~قد كتب الحسن على خد يا أعين الناس قفي وانظري # واعلم أن نزول الملائكة وعروجهم عنه عند مجيء ضياء النهار ومجيء ظلمة ~~الليل، وكذلك ذهابهما لأنهم موكلون بالضياء والظلمة. واعلم أن أصحاب الكتب ~~يومئذ إذا عرضت عليهم كتبهم مضطرون إلى قراءتها من غير تعليم من أحد، بل ~~بإلهام من الله تعالى. # فإن قيل ما معنى قوله: (من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها) )? كيف تكون هذه الممائلة ? وفي أي وصف تماثآلهما ? وما PageV01P327 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0328.png) ~~الحكمة في اختصاص المقابلة الحسنة الواحدة بالعشر? ومقابلة السيئة الواحدة ~~بمثلها؟ # الجواب: أما الحسنة فيعبر بها عن كل ما يسر القلب ms189 من نعمة ينالها الإنسان في ~~نفسه وبدنه وأحواله في الدنيا والآخرة جميعا، والسيئة تضادها في جميع ذلك، ~~وهما من أسماء الأجناس، والمثل أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وتعني بأمثالها ~~في الخيرية والكمية، ولم يقل عشرة أمثالها لأنه يريد بالأمثال الحسنات، وهي مؤنثة ~~فحملها على المعنى كما قال الشاعر: ~~[يا أيها الراكب المجزي مطية] سائل بني أسد ما هذه الصوت(2 # (أي الصيحة](3). # وأما اختصاص الحسنة بالعشر من أمثالها، والسيئة الواحدة بمثلها، فاعلم أنهما ~~داران، وعملان، وعاملان، وداعيان. فالداران الدنيا والآخرة، والعملان الحسنة ~~والسيئة، والعاملان النفس والقلب، والداعيان الملك والشيطان. فللدنيا والسيئة ~~والنفس والشيطان مشاكلة في الدناءة، فلها المرتبة الأدنى وهي الأولى. وللآخرة ~~والحسنة والقلب والملك مشاكلة في الرفعة والاعتلاء، فلهن المرتبة الأعلى وهي ~~الثانية. والإخفاء في وضع الحساب الذي هو منزل من السماء على بعض الأنبياء ~~أن الواحد في المرتبة الأولى، واحد وفي المرتبة الثانية عشرة، وذلك من كمال ~~حكمة الله جلت قدرته من وضع كل شيء موضعه، فالحسنة من المرتبة الثانية وإن ~~وقعت في الدنيا صورة فلا اعتبار بذلك، إذ لا حظ لها من الدنيا، فهي مع وقوعها ~~في الدنيا أخروية، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم حبب إلي من دنياكم ثلاث. الحديث. PageV01P328 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0329.png) ~~ثم قال: "وجعلت قرة 164/1 عيني في الصلاة11). لأن قرة عينه وإن وقعت ~~في عمل الدنيا فليست من الدنيا، فلا جرم قوبلت بالعشر. والسيئة من المرتبة ~~الأولى وقد وقعت في الأولى فما زادت على الواحد، إذ الواحد في المرتبة ~~الأولى واحد. ولعل إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى حيث قال: ويل لمن ~~غلبت آحاده عشراته2). يعني سيئاته حسناته. وأيضا يحتمل أن يقال أن الخواطر ~~تجري على القلب كالسيول، فإذا خطرت حسنة فأول ما يلابسها صاحبها أن يهم ~~بها، ثم أرادها، ثم عزم عليها، ثم قصد إلى إيقاعها مصمما لعزمه، وهو النية في ~~الشرع، ثم أوقعها مباشرا لها بالفعل. فهذه أمور خمسة: هم، إرادة، عزم، قصد، ~~إيقاع، فيكتب بكل واحد منها حسنة، ويكتب ms190 بترك ضد كل واحد منها حسنة أخرى. ~~قال عمر النغه : إذا لم تسئ فقد أحسنت، وإذا أحسنت فقد أحسنت مرتين". ~~والشاعر يقول: ~~إنا لفي زمن ترك القبيح بهمن أكثر الناس إحسان وإجمال3 # وأيضا يمكن أن يقال: العوامل من الإنسان ثلاث: قلب، روح، نفس، وسبع ~~جارحات، والحسنة الواحدة اشترك فيها هؤلاء فعدلت بعشر حسنات، والسيئة PageV01P329 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0330.png) ~~الواحدة اشترك فيها التسع وأنكرها القلب فحوسبت بواحدة من أجل إنكار القلب، ~~لأن القلب أمير الجسد، وفي مدينته (لسعة رقط يفسدوب في الأرض)، فعفي عن ~~كل واحد تسع عمله لإنكار أميرهم، فتبقى واحدة فيجازى بها، فتأمل هذه الأجوبة ~~الثلاث فإنك لا تجدها عند أحد. قال الإمام الغزالي رحمه الله في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~امن صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا2. # إن الجوهر الإنساني حنان بطبعه إلى ذلك العالم لأنه منه هبط، وههنا غريب، ~~والسيئة تضبطه عن الترقي على خلاف طبعه، كأنه نظر إلى قوله: (أثاقلتم إلى ~~الأرض) التوبة؛ 3) قال: والحسنة ترميه صعدا - كأنه نظر إلى قوله: (إليه يصعد ~~الكلم الطيب) ) الآية. - قال: وذلك لأن لملائمة جبلتها، وأن القوة التي ~~تحرك حجرا معلوم الوزن إلى فوق ذراعا هي بعينها إن استعملت إلى أسفل حركتها ~~عشرة أذرع وزيادة، لأن الحجر بطبعه يهوي إلى الأرض، 16511 فكذلك الحسنة ~~بذاتها وحقيقتها تصعد إلى السماء). وهذا فيه إشارة إلى تضاعف الحسنات وليس ~~فيه تخصيصها بالعشرة. PageV01P330 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0331.png) # سبحان من وكل عليك ملكين عن يمينك وعن شمالك، يكتبان ما بدا من ~~أعمالك، في صحيفة خفية، في الطوية مطوية، تنشر في المعاد، يوم التناد، على ~~رؤوس الأشهاد، فيقال لك: اقرأ كتابك، واشهد حسابك، وابشر بما أثابك، واصبر ~~على ما أصابك. # إلهي، آتنا كتابنا بأيماننا، وأدخلنا جنتك بإيماننا، ولا تفضحنا في القيامة بهتك ~~أستارنا، وكشف أسرارنا، يا مقيل العثرات، يا ساتر العورات. PageV01P331 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0332.png) # ولما كانت الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، والله سبحانه الملك العدل، (لا يظلم ~~الناس شييا)، ولا يضيع أجر من أحسن عملا(2)، بل يجزي ms191 كل امرئ بما كسب كما قال: ~~(ليجزى الذين أسثوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا با لحسنى ) النجم؛ 31) وقال: (فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا)) الآية. نصب في القيامة ميزانا عدلا توزن به ~~حسنات عبيده وسيئاتهم إظهارا لعدله، فقال تعالى: (ونضع الموزن القسط ليؤم القيمة فلا ~~ثظلم نفس شيما وإن كانن مثقال حبة من خردل أنتنا بهأ وكفي بنا حلسبين()]))(3) ~~(الأنبياء؛ 47). قيل معناه وزن حبة خردل، ومن دخلت للتبيين لقوله: (مالكم من إله ~~غيره). وقيل للتبعيض، ومعناه وإن كان وزن حبة من خردل، كأنه قسم الخردلة ~~ثمانية وأربعين جزءا هي حباتها)، كما أن الدرهم ثمانية وأربعين حبة. والمعنى وإن ~~كان وزن جزء من ثمانية وأربعين جزءا من خردل واحد. وقال النبي صلى الله عليه وسلم حاسبوا ~~أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا الأعمال قبل أن توزنوا). يعني قبل أن توزن أعمالكم. PageV01P332 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0333.png) ~~قال الله تعالى1): (وإذا كالوهم أو وزنوهم) فن3) أي كالوا لهم ووزنوا لهم. ومعنى ~~وزنوها أي تعرفوا مقادير أعمالكم بالمقايسة إلى أوقاتكم. وعن عبد الله بن عباس (لغه: ~~اتوزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، كل كفة كأطباق الدنيا، كفة من النور، ~~وكفة من الظلمة2). وقال حذيفة(3): صاحب الميزان( يومئذ جبريل عليه السلام، أما ~~المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفة الميزان وهو الحق، فينقل كفة ~~الحسنات على سيئاته، فينقل إلى الجنة، ويعرف به وهو المفلح في قوله: (فأوليك هم ~~المفلحون ). وأما الكافر فيؤتى بعمله في أقبح صورة، فيوضع في ميزانه وهو الباطل، ~~فيخف وزنه فيقع في النار، فيقال له إلحق بعملك5). 1661 وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~لله ملكا موكلا بالميزان، فيجاء بابن آدم حتى يوقف بين كفتي الميزان، فيوزن عمله، ~~فإن ثقل الميزان نادى الملك بأرفع صوته: ألا إن فلانا سعد سعادة لا يشقى بعدها ~~أبدا7. وإن خفت نادى: ألا إن فلانا شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبدا(6). ويروى أن PageV01P333 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0334.png) ~~رسول الله صلى الله عليه وسم ان واضعا رأسه ms192 على حجر عائشة *ا، فأغفى فلم يوقظ إلا ودموعها ~~فاضت على وجهه، فقال لها: ما الذي أبكاك? قالت: "ذكرت القيامة ففاضت عيني. ~~فقال: عندها تنسكب العبرات يا عائشة، ثلاثة مواطن تشغل المرء عن ولده ووالده، عند ~~الصراط حتى ينظر أينجو أم يزل، وعند تطاير الكتب في الأيمان والشمائل، وعند الميزان ~~حتى ينظر أيثقل أم يخف!. # هذه وأمثالها من الأحاديث والآيات والآثار دالة على صحة الوزن بالميزان، ~~وإنما يتلجلج في صدور المنكرين له كيفية وزن الأعمال، فإنها أعراض ومعاني ~~عرضت وفنيت، والثقل والخفة معنيان أيضا، ولا يقوم المعنى بالمعنى، وأن ~~الأعمال صفات أصحابها فلا يمكن أن تفصل عنهم فتوضع في الميزان. وقد بينا ~~جواز ذلك كله في كتابنا الموسوم "بمسالك البحث عن مسائل البعث" فليرجع إليه ~~في معرفتها. وخلاصة الحق فيه أن تعرف أن مقصود وزن الأشياء إنما هو ظهور ~~مقاديرها، فجعل لذلك آلات مختلفة على ما يليق بها كالميزان والقبان لمعرفة أثقال ~~الأحمال، والإسطرلاب لمعرفة مقادير حركات الشمس والكواكب، ومعيار القنايين ~~لوزن الأراضي وغيرها، والعروض للشعر وغيرها. فكذلك ههنا مقصود وزن ~~الأعمال في القيامة هو ظهور مقاديرها ليقابل بأمثالها من الجزاء ثوابا كان أم عقابا. ~~ونحن نرى في الدنيا آلات وضعت لعرفان مقادير المعاني في [الأشياء](2)، ~~كالعروض جعلت ميزانا يعرف به صحيح الشعر من منزحفة ومنكسره، وكالنحو ~~يعرف به فصيح الكلام من ملحونه، وكربيعة الحجارة التي يرفعها الأقوياء من ~~الأحداث، يعرفون بها مقادير قواهم التي خلقها الله تعالى في أعضادهم، وليست ~~هي بمنفصلة عنهم، كذلك لا يبعد أن يجعل الميزان القسط ليوم القيامة آلة ~~محسوسة صالحة لوزن الأعمال التي هي أعراض، فيعرف بها 167/1 مقادير ~~الحسنات والسيئات لأصحابها، فيجازون عليها بمقاديرها من غير عدوان كما قال: PageV01P334 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0335.png) ~~(ولا تظلمون فشيلا))لء). فهذا جائز في العقل، وورد به الشرع فيجب ~~الإيمان به، وكيفيتها موكولة إلى علم الله تعالى. # سبحان من يزن أعمال الناس يوم القيامة بالقسطاس، وقد خرجت عليه المعتزلة ~~بالاعتراض، فزعمت أن الأعمال أعراض، ولا ثقل للأعراض، فيكون وزنها من ~~المحال ms193 على كل حال، وما دروا أن قوى أعضاد الرجال، يوزن برفع الأحمال ~~وحمل الأثقال. # إلهي، ثقل موازينا بالطاعات، على مرور الساعات، ولا تخففها بالمعاصي، يوم ~~يؤخذ بالنواصي، يا منان يا ولي الإحسان. PageV01P335 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0336.png) # اعلم أن الأعمال أعراض توجد وتفنى ولها آثار في القلوب باقية، فإن كانت ~~حسنات فآثارها أنوار تنشرح بها الصدور، وتلذ بها النفوس، وهي التي جعلها الله ~~علامة للثواب، وإن كانت سيئات فآثارها ظلم تستوحش بها القلوب، وتسود وتتألم ~~وتقسوا، وهي التي جعلها الله علامة للعقاب. ثم يجعل الله سبحانه للثواب الذي ~~وعد المتقين والمطيعين، والعقاب الذي أوعده العصاة المذنبين أسبابا لها صور ~~مختلفة، وألوان متفاوتة، ولذات وآلام متنوعة، كما ورد في ثواب الأعمال لأهل ~~الجنة من النعم المتنوعة، والحور، والقصور، وأنواع الأطعمة والأشربة مما تشتهي ~~الأنفس وتلذ الأعين؛ وكذلك ما جاء من العقوبات في أهل النار من الحميم، ~~والزقوم، والغسلين، والأغلال، والسلاسل، والحيات، والعقارب، نعوذ بالله منها. ~~فهذه أسباب يترتب بعضها على بعض أولها عمل، وهي حركة الجوارح عرضت ~~ففنيت، والثاني أثرها في القلب، نورا كان أو ظلمة، وهما علامتا ثواب وعقاب ~~باقيتان فيه، والثالث لذات وآلام تجدها القلوب والنفوس عند وجدان ذلك الثواب ~~والعقاب في صور مختلفة يوصلها الله إليها. # [وزعمت المعتزلة أن تلك الأنوار والظلم التي هي آثار الطاعة والمعصية] ~~علل موجبات للثواب والعقاب، وإنما هي عندنا علامات ربما توافق وربما تخالف، ~~فلو كانت عللا موجبة 1]168 لاضطرت الرب تعالى إلى إثابة المطيع وعقاب ~~العاصى، وذلك يفضي إلى إبطال الإلهية، لأن المضطر لا يكون إلها مريدا، فإذا ~~عرفت أنهما علامتان للثواب والعقاب، فالله تعالى إذا محا أثر نور هو علامة الثواب ~~من قلب الظالم وأثبته في قلب المظلوم، يقال إنه نقل حسنات الظالم إلى المظلوم، PageV01P336 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0337.png) ~~فكنى عن السبب بالمسبب، وكذلك على العكس، إذا نقل السيئة من المظلوم إلى ~~الظالم، فإن الحسنات والسيئات يتعاقبان تعاقب الليل والنهار. # فإن قيل إنهما ما نقلا حقيقة، وإنما المعنى يرجع إلى أنه أبطل النور الذي هو ~~علامة ms194 الثواب من قلب الظالم وأثبته في قلب المظلوم، وكذلك أبطل الظلمة التي ~~هي علامة العقاب من قلب المظلوم وأثبته في قلب الظالم. # فالجواب عنه: إذا أبطل علامة الثواب فقد نقل الثواب عنه، وكذلك على ~~العكس. واسم النقل قد يطلق على هذا الجنس استعارة ومجازا كما يقال: انتقل ~~الظل من مكان إلى مكان، وانتقل الملك من فلان إلى فلان، وانتقل القضاء من بيت ~~إلى بيت. قال البحتري: ~~والدهر ذو دول تنقل في الورى أيامهن تنقل الأفياء(1 # فهذا معنى نقل الطاعات، وليس فيه شيء مشكل، إلا أنه كنى بالطاعة عن ثوابها ~~كما يكنى عن السبب بالمسبب، فسمي إثبات صفة في محل بإبطال مثلها في محل ~~آخر نقلا، وكذلك إذا عمل معصية ثم أتبعها بطاعة تمحو الطاعة أثر تلك المعصية، ~~فكنى عن ذلك بالتبديل، قال الله تعالى: (فأولايل يبدل الله سيحاتهم حسنات) ~~(الفرقان؛ 70) وقوله: (إن الحسنات يذهبن السييات)و11 وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأتبع السيئة الحسنة تمحها. وكذلك الحكم في عكس ذلك. ويتفرع على هذا ~~الأصل مسائل كثيرة منها: عمل من حج عن ميت، أو تصدق عن ميت، أو قرأ ~~القرآن على قبر ميت، فإن هذه أعمال لأشخاص ينتقل منها النور الذي هو علامة ~~ثوابها إلى ديوان الميت، وإنما ينقلها النية الخالصة التي هي عمل القلب لذلك PageV01P337 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0338.png) ~~العامل، وكانت أعمال جوارحه تابعة لعمل قلبه، إذ الجوارح كواسب القلب، ومعنى ~~جرح كسب. قال الله تعالى : (ويعلم ما جرحتم بالنهار)عام) أي كسبتم، ~~فإذا نقل القلب بالنية، وهو قطب الأمر 169 وعمله، إلى ديوان الميت، كانت ~~أعمال جوارحه تتبعه أينما توجه. قال النبي صلى الله عليه وسلم :إنما الأعمال بالنيات. # وعلى عكس هذا الأصل جاء في الحديث : إن الميت ليعذب ببكاء الحي ~~عليه2. ويعني هذا البكاء النياحة والتسخط لقضاء الله. واعرف قدر هذه الكلمات ~~التي أنثرها عليك، فإنها كشافة لغوامض طالما بقيت شجا في الحلوق، وحزازة في ~~الصدور، ولم أر في كتب المتقدمين فيها ما يعقب شفاء، هذه كتبهم بين يديك ~~فاطلبها فيها، ms195 فإن ظفرت بها فواجهني باللائمة وإلا فعليك بملازمة الإنصاف والعود ~~إلى الاعتراف، وهذا الكلام مني تنبيه لا دعوى وتيه. # سبحان الملك العدل في أمره المحكوم، وناقل الحسنات من ديوان الظالم إلى ~~المظلوم، لا يدركه طالب، ولا يفوته هارب، وهو على كل شيء غالب. يجزي من ~~يأته بمثقال ذرة خيرا أو شرا، ويمطر من سماء الغيث على الخلق نفعا أو ضرا، ليس ~~يجري في قضيته حيف، ولا يطور حول مشيئته كيف، ولا يخفى عليه همهمه، ولا ~~يجوز به مظلمة. # إلهي، أعتق رقابنا عن حمل المظالم، وامح عن قلوبنا ظلمات المآثم، واكفف ~~عنا شر كل ظالم، فأنت الذي قلت أنا الظالم إن جاز بي ظالم، تباركت وتعاظمت يا ~~جبار. PageV01P338 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0339.png) # اعلم أن الجنة أوسع من السماوات وذلك قوله تعالى: (وجنة عرضها السموات ~~والأرص) آ عمران؛ 13) ذكر المفسرون في معنى عرضها وجوها إذ فسروها ~~على العرض الذي هو ضد الطول، ثم أشكل عليهم أن الجنة بعرضها الذي هو مثل ~~عرض السماوات والأرض كيف تسع السماء ? وجاءوا في بيان ذلك بما يزيد ~~إشكالا ولا يحل شكالا. وإني أرى أن معنى عرضها إظهارها لأهلها بسماواتها ~~وأرضها كما عرضت هذه الدنيا بسماواتها وأرضها على أهلها. وهو من عرضت ~~المتاع للبيع، ومثالها (وعرضنا جهنم يومبذ للكفرين عرضا)لكهف؛1) ~~[ومثله ( إنا عرضنا الأمانة) (الأحزاب72) فكما عرض الله جهنم للكافرين، ~~وعرض الجنة للمؤمنين، وهذا ظاهر لا إشكال فيه. # فإن قيل فما معنى قوله: (عرضها السموات والأرض). جعل السماوات ~~1701 والأرض عرضها ? فالجواب: هذا جائز في اللغة كما قال الشاعر: # ووجه نوره البدر التمام( # أي كنور البدر، فيكون معناه عرضها كعرض السماء والأرض تصديقه قوله في ~~الحديد: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض). فقال لي بعض العلماء: فمن حمله ~~على العرض الذي هو ضد الطول، فما وجهه? قلت: وجهه أن يكون كمن نظر منا PageV01P339 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0340.png) ~~إلى هذه السماء، أليس يرى قدر ربعها بعينه? ومحل الإدراك من العين تلك اللعبة ~~الصغيرة التي هي مقدار عدسة، فعلى هذا يكون عرض الجنة إلى ms196 عرض السماوات ~~والأرض بنسبة هذا الربع مثلا من السماء إلى لعبة عينك، وأن الذي قدر على بناء ~~الجمال والفيول العظام على قوائمهن الصغار، وبناء طلل الإنسان على قدميه ~~الصغيرتين، لا يعجز عن بناء الجنة بسعتها على السماء التي تصغر في جنبها. # واعلم أن سماوات الجنة درجاتها وأعلاها ما دلت عليه الأخبار ساق العرش. ~~يروى عن أبي هريرة النفه عن النبي صلى الله عليه وسلم الجنة مائة درجة، ما بين كل درجة كما ~~بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها، ومنها تتفجر أنهار الجنة، وعليها يوضع ~~العرش يوم القيامة . وأما أرضها فتنتهي إلى سدرة المنتهى لقوله تعالى: (عند ~~سدرة المننهىعندها جنة المأوى)). وسدرة المنتهى فوق ~~السماوات السبع على ما جاء في الأحاديث. وفي بعض الروايات عن ابن عباس: ~~الجنة في جوف الكرسي. هذا ما بلغنا من سماء الجنة وأرضها والله أعلم بذلك. # وأما صفة أرضها فيروى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أرض الجنة من المسك ~~الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، وبناؤها لبنة من فضة ولبنة ~~من ذهب، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى ~~شبابهم 21). فقد صح بهذا أن سماوات الجنة أعاليها درجة فوق درجة إلى أن ينتهي ~~إلى العرش، وعليون أعلاها. وفي الحديث: إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما ~~يرى أحدكم الكوكب الذي في أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر منهم وأنعما، أي ~~زادا درجة، ولا يكون في الجنة شمس ولا قمر كما قال الله تعالى: (لا يرون فيها شمسا ~~ولازمهرا))سان13 قيل معناه ولا قمرا، وقيل حرا ولا بردا، PageV01P340 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0341.png) ~~وإنما يكون بدل الشمس والقمر أنوار طالعة من سرادقات العرش، وهي الأنوار التي ~~يكسي بعضها شمسنا هذه كل ليلة فتطلع مضيئة علينا. روي عن أبي ذر الغفاري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ال حين غربت الشمس: أتدري أين تذهب هذه ? قلت: الله ورسوله ~~أعلم. قال: إنها تذهب حتى تسجد لله تحت العرش فتستأذن، فتكسى عليها سبعين ~~حلة من ms197 نور العرش ويؤذن لها1). الحديث. فعلمنا بهذه الأحاديث التي تركنا ~~أسانيدها مخافة التطويل أن للجنة سماوات وأرضا باقيات خالدات أبد الآبدين لا ~~تفنى ولا تبيد. والآية التي أشكلت على الأئمة الماضين دالة على هذا المعنى، وهي ~~قوله تعالى: (* وأما الذين سعد وا ففى الجنة خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ~~رتك عطاء غير مجدوذ ) (هود؛ 108) يريد أن السعداء يكونون في الجنة خالدين ~~فيها دوام خلود سماوات الجنة وأرضها إلا ما شاء ربك، زيادة على المكث الدائم ~~من النعم السنية، والألطاف الخفية التي أعد الله، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، وأعلاها الرضا والنظر إلى وجهه الكريم. فهذه ~~هي العطايا الجسام المستثناة عن نعمة الخلود، وتصديق هذا التفسير قوله في آخره: ~~(عطاء غير مجذوذ3) (هود؛ 108) أي غير مقطوع. # وأما قوله في صفة أهل النار: (فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيا زفير وشهيق ~~خالدين فيهاما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يربيد)هود؛ ~~106، 107) فهي أيضا دالة على أن للنار أرضا وسماوات، فإن السماء في اللغة كل ~~ما علاك وأظلك، والأرض كل ما تحت قدمك، فأرض النار الدرك الأسفل، ~~وسماواتها أطباق دركاتها طبقا [كذا] فوق طبق إلى أن ينتهي إلى الصخرة التي ~~فوقها كالعرش فوق الجنة، والله أعلم، وهي أيضا باقيات خالدات. ومعنى2 قوله: ~~(إلاما نتاء ريك ) يعني إلا ما شاء الله بعد خلودهم فيها من أنواع الآلام والعقوبات PageV01P341 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0342.png) ~~المتلونة الزائدة لهم على عقوبة الحبس الدائم، وهذا المعنى كنت استنبطه من نظري ~~في الآيتين، ثم عثرت عليه في تفسير الحسين بن الفضل، فكان ذلك مني مثل ~~وقع الحافر على الحافر، وهو أوضح 172 ما قيل في الآيتين. وقد عددت نيفا ~~وعشرين قولا فيها كلها ضعيف، ومثال تفسيرنا لها مثال ملك استخلص بعض ~~رعيته لنفسه واسكنه معه في داره، وكان يفيض عليه من مباره، وحبس آخر في ~~سجنه، ومع ذلك يأمر كل يوم بأنواع العقوبات له، ثم هو ms198 يخبر الناس عن حالهما ~~فيقول: أما فلان فهو في رعايتي وجواري، يتبوأ معي في داري ما عشت إلا ما ~~شئت له زيادة على الجوار من الإحسان والخلع الحسان؛ وأما فلان ففي سجني ما ~~دمت إلا ما شئت له من أنواع المثلات والإيلام بصنوف العقوبات زيادة له على ~~الحبس الدائم. هذا كلام سديد. فإن قيل: فبين الخلود الدائم والنعيم الأبدي وكذا ~~العذاب السرمدي، كيف يتصور في العقل ? الجواب، إنما يتصور في العقل حالات ~~تتجدد شيئا فشيئا على الدوام وذلك متصور، أما عدم تناهيها فيما لا يزال فيدركه ~~العقل المجرد، ويتقاعس عنه الوهم والخيال، فلا يكاد يتخيل ذلك لعجزه إمكان ~~تضاعيفها على النظام عددا بعد عدد دائما في العقل والوهم. أما تصور الأعداد ~~الغير المتناهية على طريق الإجمال، فلا يمكن إدراكها إلا بالعقل بأن يفهم عدم ~~تناهيها بالدليل لا بالتصوير. وكان الإمام حجة الإسلام رحمه الله، أراد أن يقرب ~~صورة آلام الخلود(3 إلى أفهام العوام فقال: قدر أن الله تعالى خلق مثل هذه الدنيا ~~ألف مدينة وملأها كلها من الجاوزين، ثم خلق طيرا يلتقط منها في كل ألف ألف ~~سنه حبة واحدة فإنه ينفد تلك الحبات من المدائن كلها ويبقى الأبد كما كان. وقد ~~ورد مثل ذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. PageV01P342 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0343.png) # فإن قيل اللذات الأخروية حسية أم عقلية أم خيالية؟ وهذا سؤال ضل فيه كثير ~~من الناس. # والجواب عنه: لا خفاء أن (وللآخرة أكبردرجات وأكبر تفضيلا) الإسراء ~~21)، (والأخرة خير وابق)لأعلى؛ 1) فلا يجوز أن يتقاصر [كذا] لذاتها ~~عن لذات النفس في الدنيا. ولذات الدنيا من ثلاثة أوجه حسي، خيالي، عقلي، ~~وقد يمكن أن يخلق الله تعالى لأهل الجنة إدراكات أخر زائدات على هذه المدارك ~~يدركون بها ما أخفي لهم من قرة أعين فضلا من الله ونعمة. فأما اللذات الحسية ~~فما يدرك بالحواس الخمس كلذة الطعام والشراب بالذوق، ا1731 ولذة ~~النكاح وسائر الملموسات باللمس، ولذة الألوان والصور الحسان بالعين، ولذة ~~المشمومات بالشم، ولذة الأصوات والألحان بالسمع. ولما قال الحسن ms199 بن ~~هانئ: ~~ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ولا تس # ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر # سئل ما الفائدة في قولك: وقل لي هي الخمر، وأنت تشاهدها بعينك. قال: ~~إن اللذات مداركها خمسة: الذوق ملتذ بشربها، والشم ملتذ برائحتها، والبصر يلتذ ~~برؤيتها، واليد ملتذة بحملها، فبقي السمع محروما عن اللذة بها، فقلت: وقل لي هي ~~الخمر حتى تشترك الحواس الخمس كلها في اللذة فيتكامل العيش. وقلت: ولا ~~تسقني سرا لأن الشرب مع المراقبة يذيب الروح". أما ترى هذا الشاعر كيف جمع ~~بين لذات الحواس كلها مع لذة القلب في معاطاة شيء لا يناسب لذته لذات الجنة ~~البتة? والشعراء ألسنة الدهر تجري على لسانهم الحكم. # وأما اللذة الخيالية فهي أيضا مطلوبة في الدنيا، فإن الرجل ليتخيل أشياء يتمناها ~~فيلتذ بها. وقد يرى الشيء الذي يهواه ويشتهيه في المنام فيلتذ بذلك. قال بعض ~~الشعراء: ~~إذا التقى في النوم طيفانا عاد إلي الوصل كما كانا PageV01P343 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0344.png) # (1) ~~قرة العين فما بالنانشقى ويلتذ خيالانا # وقيل إن اللذة الخيالية لا تكون في الجنة، لأن الجنة دار صدق واللذة الخيالية ~~من قضيات الوهم، إذ من شأن الوهم أن يتخيل شيئا على طريق التمني فتلتذ بها ~~النفس لموافقتها إياها، وتلك في نفسها أكاذيب وغرور. قال الشاعر: ~~لولا منى العاشقين ماتوا أسى] وإن بعض المنى غرور # وقال آخر: # إن المنى رأس مال المفاليس ~~والدار الآخرة دار الحقائق ولذلك سميت الحاقة. قال الله تعالى: (الحاقة ما ~~الحاقة؟1 قال المفسرون: سماها حاقة لأن فيها حواق الأمور وليس فيها أباطيل ~~وأكاذيب. قال الله تعالى: (لا يسمعون فيا لغوا ولا كذا با) لنبأ 35). وإذا كانت ~~اللذة الخيالية بالتمني ولا أمنية في الجنة لأن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، ~~فقد دل على أن اللذة الخيالية فيها معدومة. وهذا القول عندي صحيح، فإن اللذات ~~الخيالية أماني والأماني أكاذيب وأباطيل، 174 فلا يكون ذلك في الآخرة، PageV01P344 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0345.png) ~~350 ~~لكنهم كلما يشتهون يجدونه في الحال عيانا نقدا، فلا يكون لهم أمنية أبدا، بل ms200 ~~التذاذهم يكون بالموجود المشاهد لا بالمفقود والمتمنى المخيل، فافهم ذلك فإنه ~~من غرائب أمور الآخرة. # وأما اللذة العقلية فلا خلاف بأنها ألذ الأشياء وأقواها، وأسرها للنفس وأشهاها، ~~وأبسطها للروح وأحلاها. اعتبر ذلك بلذة الفهم والعلم، فإنك إذا أدركت مسألة ~~تشكل عليك رأيتك تجد في نفسك وقلبك لذة لا يعادلها شيء من لذات الدنيا. قال ~~الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه: لو علم الملوك ما نحن عليه من لذة العلم ~~لحاربونا عليه بالسيوف). وناهيك بلذة الملك، والولاية، والأمر، والابتهاج ~~بالأشياء الموافقة للطبع والغرض، ولذة الوجدان. ضل لأعرابي بعير فكان ينادي ألا ~~من بشرني بوجدانه فهو له، قيل له: فما حظك في ذلك؟ قال: فأين لذة الوجدان؟ ~~وكذلك لذة الولد، ولذة محادثة الإخوان. قال بعضهم، شعر: ~~وما بقيت من اللذات إلا محادثة الرجال ذوي العقول(2 # إلى غير ذلك من اللذات العقلية وإن كانت [كذا] فيها تفاوت ولها مراتب. فهذه ~~لذات غير منكرة في الدنيا فيجب إثباتها في الآخرة لقوله تعالى: (وللأخرة أكبر ~~درجت وأكبر تفضيلا) الإسراء؛ 21) وقوله: (ولكم فيها ماتشتهح أنفسكم ~~ولكم فيها ما تدعون (فصلت؛ 31) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. وعلى ~~هذا الأصل تكون الآلام الحاصلة في الحس والعقل في جهنم لأهلها ثابتة، نعوذ بالله ~~منها. قال [عز من قائل(3): ( ومنكان في هاذهمأعمى فهو فىي الأخرة أعمى وأضل PageV01P345 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0346.png) ~~سبيلا) الإسراء؛ 72). ولا خفاء بشدة العمى لمن ابتلي به في الدنيا. فقد بان ~~صحة اللذات الحسية والعقلية جميعا، وكذلك الآلام مثلها في الآخرة. وقد سبق لنا ~~القول في جواز إعادة الأجسام بأرواحها وأحاسيسها على ما هي عليه اليوم، وأطنبنا ~~القول فيها، وأوغلنا في ذلك مضايق تكيع عنها عقول الفحول من العلماء، وأمدنا الله ~~بإلهام الصواب، وهدانا فيه إلى سواء الصراط، فله الحمد دائما. # فإذ ثبت عود الإنسان على ما هو عليه اليوم في العقل جوازا، وفي الشرع ~~وجوبا، صحت له في الآخرة هذه اللذات والآلام كلها من غير شك وارتياب. ~~17511 فإن قيل إذا أكل أهل الجنة الطعام، وشربوا الشراب، ms201 فأين ذهب ثفله ~~وتفيله? الجواب، قال النبي صل الله عليه وسلم ن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتفلون ~~ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، ولا يبولون. قالوا: فما بال الطعام? قال: ~~جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتهليل والتحميد(3 كما تلهمون ~~النفس). هذا حديث حسن، ولولا تطويل الكتاب لأنهيت الكلام في بيان استحالة ~~طعامهم وشرابهم إلى الرشح والعرق، وتشبيه التسبيح والتهليل والتحميد لهم ~~بالتنفس منا، ولكني اقتصرت على المشاهدة. ولقد جرب أن من غذي باللبن ~~والعسل لم يحتج إلى الاستفراغ. وقد شاهدنا امرأة تسمى عائشة الناشئة من ناحية ~~ابيورد(3) حضرت قزوين أيام خوارزم شاه5)، وشاع الخبر بأنها لم تحتج إلى PageV01P346 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0347.png) ~~المستراح منذ ثلاثين سنة. وتواترت الأخبار بأن تركمانا أشتريا ورد بلاد الروم، ~~فأقامه الملك مسعود عنده سنين، كان يأكل أكلا لما ولم يدخل الحش قط. ~~فإذا كان هذا وأمثاله موجودة في الدنيا، مشاهدة مع طعامها الثقيل، وشرابها ~~الوبيل، وهوائها العفن، وماءها الأجن، فكيف ينكر ما أخبر به الأنبياء والمرسلون ~~صلوات الله عليهم في الجنة وأطعمتها من فواكه مما يتخيرون، ولحم طير مما ~~يشتهون، وأشربتها من العسل المصفى، والماء الغير الآسن، واللبن الذي لم يتغير ~~طعمه، والشراب الذي لا يصدعون عنه ولا ينزفون، فإنها لطيفة، رقيقة، خالصة، ~~صافية، لا تعتورها الاستحالات، ولا تكون لها أثقال منكرات، ولا روائح منكرة؟ # واعلم أن الله تعالى وصف الجنة بأشياء حاضرة عندنا كالعسل، والزنجبيل، ~~والمسك، والكافور، والسندس، والحرير، والذهب، والفضة، واللؤلؤ، والمرجان، ~~والنخل، والرمان، والخيرات الحسان، وغير ذلك لتهتدي بها القلوب، وتستأنس بها ~~النفوس. أما تصور ذلك في العقل فمستحيل، لأن التصور إدراك الوهم خيال ما ~~أدركه الحس، والذي لم يدركه الحس من ذلك جزؤه ولا كله عجز الوهم عن ~~تصوره. ولو كان للخلق طريق إلى تصور ذلك لما قال تعالى: ( فلا تعلم نفس ما ~~أخفى لهم من قرة أعين) وقال النبي صلى الله عليه سلم قال الله تعالى : أعددت ~~العبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ا1761 ولا خطر على قلب ~~بشر. ms202 قال مقاتل بن سليمان: ليس شيء مما يكون في الجنة من ثمرة، وشراب، PageV01P347 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0348.png) ~~وحلي، وحلل يشبه ما في الدنيا بشيء، ولكن الله وصفه [كذا] ما عنده فسمى ~~الذهب، والثياب، والحرير. # فإن قيل: إن كان سماها بأسماء ما عندنا وهي بخلاف ذلك حقيقة كان كذبا وخلفا، ~~والله يتعالى عن ذلك. قلنا: إذا لم يكن عندنا شيء يناسبه ويدانيه وأراد الله أن يخبرنا عن ~~ذلك فلا بد أن يسميها عندنا بأدنى مناسبة ليقع في أفهامنا، ومثل ذلك ذكرناه في باب ~~الرؤيا، وأصله قوله تعالى: (مثل نوره كمشكوة). واعلم أن كل شيء من ~~الدنيا سماعه أعظم من عيانه، وكل شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه. # فإن قيل: فما اللذة والرغبة في الطلح المنضود، والسدر المخضوض? # الجواب أن في الجنة كل ما تشتهي الأنفس على العموم، وشهوات نفوس ~~الخلق مختلفة، ولعل نفوس بعض أهلها تشتهي ذلك لاستطابتها في دنياها، سيما ~~أهل البوادي من الأعراب، كيف وإن طلح الجنة وسدرها إنما تشبه بها في الدنيا ~~بالاسم فحسب، فلعل الله تعالى خص ذلك بلذة فاقت(3) اللذات، ونفي المكروه ~~عنها دليل على ما ذكرته، ألا تراه يقول: (فى سدرتخضود وطلح منضود) ~~(الواقعة؛ 28، 29) قد نفى الشوك واحتمال الأذية في قطعها دلالة على نفي ما ~~تكرهه النفس منها في الدنيا. وفي بعض التفاسير إن الطلح في القرآن الموز. # فإن قيل: هل في الجنة نكاح ? الجواب، نعم. سئل البي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ~~نعم، دحما دحما0(5). أي كثيرا. وإنما أراد به استغراقهم بذلك في لذة عظيمة PageV01P348 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0349.png) ~~ينالونها، بخلاف لذة الوقاع في الدنيا، فقد قيل إنها وهمية لا حقيقة لها. # فإن قيل: هل يولد في الجنة? # الجواب، قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن إذا اشتهى الولد كان حمله ووضعه ~~وسنه في ساعة كما يشتهي. وفي رواية، ولكنه لا يشتهي. وأصل هذه المسائل ~~وأشباهها نكتة واحدة، وهي أن تعلم أن شهوات النفوس في الدنيا لمشتهياتها، ~~ومشتهيات أهل الجنة تابعة لشهواتهم فيها، ms203 قال الله تعالى: (ولكم فيهاماتشتهى ~~أنفسكم) فصلت؛ 31) ولم يقل وأنفسكم تشتهي ما فيها، واعرف قدر هذه ~~الكلمة. # سبحان مالك الملك الذي كانت الجنة ا177 بنعيمها، وتسنيمها، وحورها، ~~وقصورها، وسررها، وسرورها، وأنهارها، وأشجارها، وأزهارها، وأطيارها، وحللها، ~~وحليها، وحريرها، وذهبها، وفضتها، وعينها، ومعينها، وقطوفها، وعرفها، وظلالها، ~~وغرفها، ومساكنها، كلها رشاشة من بحار فضله، وتيار رحمته. وكانت الجحيم ~~بسعيرها، وزفيرها، وغسلينها، وزقومها، وأغلاقها، وسلاسلها، وحميمها، ~~ويحمومها، وشررها، وغيظها، وحياتها، وعقاربها، كلها شرارة من نيران غضبه. # إلهي، أعذنا برضاك من سخطك، وبعفوك من عقابك. # إلهي، أتيناك بأعمال وآمال، فأعمالنا بضاعة مجزاة، لا ترجى بمثلها النجاة، ~~وآمالنا مستمسكة بالعروة الوثقى من كرمك، وأنت لم تزل ولا تزال كريما، فلا ~~تردنا عن حياض جودك هيما، يا رؤوفا يا رحيما. PageV01P349 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0350.png) # لله صفتا فعل الفضل والعدل، فالفضل زيادة على الاستحقاق، والعدل المعاملة ~~بموجب المعادلة، والفضل سابق على العدل، إذ كانت الكائنات كلها من فضله ورحمته ~~كما قال: سبقت رحمتي غضبي2). خلق الخلق ابتداء بفضله، وإلا لم يكن للكون أثر ~~ولا للمكون خبر فقال: (ولولا فضل الله عليكمر ورحمته)1) الآية. وقال: ~~(قل بفضل الله وبرحمته، فذالك فليفرحوا) يونس؛5). ثم لما خلقهم من تفضله لم ~~يتركهم سدى هملا غافلين عما يرجع إلى مصالحهم في الأمور الدينية والدنيوية، وكان ~~جل جلاله منزها عن المجيء إليهم والنزول عليهم، ولم يكن كلامه في حرف وصوت ~~حتى يسمعهم كلامه كفاحا، فبعث إليهم منهم رسلا مبشرين ومنذرين ليبلغوا إلى ~~أسماع عباده كلامه. وقد ألم بعض الشعراء بهذا المعنى فقال: # وزاد النزاع وجد القرم ~~ولما تعذر أن نلتقي وزاد النزاع وج # ولوناجاك عني لسان القلم ~~سعيت إليك برجل الرسولوناج # فقال جل ذكره: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل)) وقال: (يخلص برحمته من يشاء والله ذو الفصل PageV01P350 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0351.png) ~~العظيم)) وقال:( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) رة ~~253). وفضل محما صلى الله عليه وسلم لى الجميع فقال: (وأنزل الله 178 عليك الكتب ~~والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله ms204 عليك عظيما) (النساء، 113). ~~فظهر من مجموع هذه الآيات أن الله تعالى إنما خلق الخلق بفضله، [وأرسل الرسل ~~بفضله])، ولم يجب عليه شيء البتة، فالنبوة إذا محض فضله ورحمته، وحقيقتها ~~خطاب الله تعالى لشخص: أنت رسولي، واصطنعتك لنفسي. والله يعلم حيث يجعل ~~رسالاته. وليست النبوة مكتسبة حتى يتوسل إليها بالنسك والرياضات، وكثرة ~~المجاهدات، وتصفية النفس من الكدورات، كما ظنت جماعة من الحمقى، فأذابوا ~~نفوسهم بالكد والاجتهاد والجوع والعطش، فما حصلوا منها إلا على جفاف الأدمغة، ~~والعواقب المخزية. أوليس الله تعالى يحكي عن الرسل بقوله: (قالت لهم رسلهم إن نحن ~~إلا بشرمثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده،) براهيم، 1)? وأمر نبينا عليه ~~السلام بقوله: (قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا)3? # واعلم أن المعتزلة ومن تابعهم ادعوا وجوب النبوات عقلا من جهة اللطف، ~~والبراهمة والصابئة أنكروها أصلا، وعند أهل الحق أنها جائزة عقلا، واجبة تواترا ~~ونقلا، تنتهي إلى المعاينة، وهي من فضل الله ورحمته وتدبيره في الملك والملكوت ~~بأوامره ونواهيه على ما يشاء كيف يشاء. و(يخلق مايشاء ويختار)6) ~~الآية. فعلى هذا فاعلم أن النبوة صفة راجعة إلى اصطفاء الله شخصا بخطابه، ولا ~~يرجع إلى نفس ذلك الشخص الذي هو النبي حتى يقال إنه استحق النبوة لذاته وإذا ~~كان كذلك، فلا تبطل بالموت كما لا تبطل بالنوم والغفلة، واشتقاقها من النبوة وهي ~~الرفعة، لأن الله رفعه برسالته من بين الخلق، ومن همزها أخذها من النبا وهو الخبر، ~~لأنه مخبر عن الله، فيرجع إلى صفته حتى إنه لا يخبر بعد موته كما لا يخبر في حال PageV01P351 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0352.png) ~~نومه، ولكن حكم النبوة باق عليه ابدا حيا وميتا، كما أن حكم نكاحه كذلك. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة. وقال: الأنبياء أحياء في ~~قبورهم يصلون. # فإن قيل: فهلا أرسل الملائكة فإنهم كانوا بهيئتهم الملكية أدعى إلى الحق، ~~والاستجابة لهم حتى لم يقل الكفرة: (أبشامنا واحدا نبعه) # الجواب، قد سبق هذا السؤال من كفار مكة حيث قالوا: ms205 (لولا أنزل عليه ملك) ~~(الأنعام؛ 8) وقالوا: (أو تأتى بالله 178 والملتكة قبيلا )اء2 ~~وقد أجاب الله عن ذلك فقال تعالى: (قل لوكان فى الأرض ملكبكة يمشون ~~مطمبنين لنزلنا عليهممن السماء ملكا رسولا )لإسراء؛ 95) وقال: (ولو ~~جعلناه ملكا لجعلنله رجلا). والمعنى فيه أن قوة عامة البشر لا تطيق ~~أن ترى الملائكة بأعيانهم وحقائق صورهم فضلا عن أخذ الكلام عنهم، وذلك ~~أن الله تعالى خص كل جنس من خليقته بصورة وهيئة لائقة به على حدة ليس لغيره ~~هي، وإنما يستأنس الجنس بالجنس. ولا عجب في أن يفزع الآدمي من صورة ~~الملك الذي سد الخافقين بنشر جناح واحد. فلقد خلق الله في أقاصي بلاد الصين ~~وجزائرها أناسا لو أبصرونا خروا لوجوههم ميتين، ولو أبصر واحد منا صورة ~~أحدهم انشقت مرارته خيفة. وحديث بدء الوحي مشهور، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~قوته وشهامته لما رأى الملك أولا بجبل حراء قاعدا على كرسي بين السماء ~~والأرض وله صوت هائل، امتلأ رعبا وهوى من الجبل إلى الأرض، وجاء إلى PageV01P352 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0353.png) ~~خديجة وهو يقول: زملوني، زملوني. فعلى هذا لو بعث الله الملائكة رسلا إلى ~~عباده لفروا منهم ولم يطيقوا سماع كلامهم، بل ربما ضعفوا لهيبته وماتوا كما قال ~~الله تعالى: (ولو أزلنا ملكا لقضى الأمر) لآعام؛ أي لماتوا من هيبته في الحال. # اعتبر بقصة الببغاء، فإن المتقدمين لما وجدوا صوته مخالفا لأصوات سائر ~~الطيور، وكان في صياحه بعض ما يشبه كلام الناس، حبسوه في القفص، وجاء من ~~يعلمه فجلس حذاءه وقال له: قل هو الله. فاضطرب الطائر متنفرا منه ساكتا، فعلم ~~انه إنما لا يقوله لنفرته عن غير جنسه، فجاء الرجل المعلم وغطى وجهه بعباءة ~~وأخذ مرآة وقابلها وجه [الطائر ثم قال من وراء العباءة: قل هو الله](). فقال ~~الطائر: قل هو الله1. إذ رأى صورة نفسه في المرآة فاستأنس بها ظنا منه أنها هو ~~المعلم. قال الله تعالى: (لقد جاء كم رسوده - من أنفسكم)12 ~~وقال: (لوكان فى الأرض ملابكة يمشون)95 الآية. وهذه ms206 الحكاية ~~رد على التعليمية في ادعائهم أن المعلم هو الرسول، وظنهم الكاذب في معلمهم ~~كظن ذلك الطائر في معلمه، فإن المعلم بالحقيقة هو الله تعالى كما قال: ~~(الرحمان علم القرءان)لرحمن؛ ، 2) وقال: (عل بالقلم عد الإنسن مالة ~~يعلم) العلق 5،4) وقال: (وعلمك ما لم تكن تعلم). # فعلى هذا علم أن فائدة 18011 الرسول هي أنه من جنس المرسل إليه ليمكنه ~~الأخذ منه لاستئناسه الجنسية كما قال: (هو الذى بعث فى الأمب عن رسولا منهم) ~~(الجمعة؛2) وقال: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه،) ابراهيم؛). PageV01P353 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0354.png) ~~رشحهم لذلك في مبادئ أمورهم، وحماهم من مكايد الشيطان وتسويلاته، وصفى ~~سرائرهم من الكدورات، وشرح صدورهم بنوره، وزينهم بالأخلاق الجميلة، ~~وطهرهم عن الرجس والرذائل كما قال الله تعالى: (الله أعلم حيث يجعل ~~رسالتة) (الأنعام؛ 124). # فمن ذلك ما روي في الصحاح عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أاه ~~جبريل وهو يلعب مع الصبيان فأخذه وصرعه، وشق عن قلبه، فاستخرج منه شبه ~~علقة(1) فقال: هذا حظ الشيطان منك(1. ثم غسله في طست(2) من ذهب بماء زمزم، ~~ثم لأمه وأعاده كما كان في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى ظئره فقال: إن ~~محمدا قد قتل. فاستقبلوه فوجدوه ممتقع اللون). وكذلك ما عمل به مرة ثانية ~~في حديث المعراج. قال صلى الله عليهوسلم بينا أنا في الحطيم إذ أتاني آت فشق ما بين هذه، ~~يعني ثغرة نحره إلى شعرته، فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست [من ذهب] مملوء ~~إيمانا فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أعيد. وفي رواية: ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ~~ملي إيمانا وحكمة، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار). الحديث إلى آخره. ~~وهذا صحيح مسند، ولا يستحيل معناه في العقل حتى يحتاج إلى التأويل، وإنما ~~ينكره الروافض، ولا مبالاة بإنكارهم مع ما اعتقدوه في القائم وأوردوه من ~~الخرافات التي تضحك منها الصبيان فضلا عن العقلاء. أما صورة الشق، فاعلم أنه ~~ليس مثل شق الذبح بالسكين، وإنما هو كشف باطنه بيد جبريل عليه ms207 السلام من غير PageV01P354 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0355.png) ~~ألم يصيبه، أو دم يصبه وحاشى حشاه صلوات الله وسلامه عليه عن ذلك، وهو ~~قريب من إخراج الله تعالى الذرية من ظهر آدم عليه السلام على ما اختلفوا ~~18111 فيه. وإنما يقع الاشتباه في أمثال هذا لتعذر الخروج عن المألوفات، وقد ~~يستخرج الأطباء أخلاط العلل بالأطلية والضمادات. وذكرنا في باب نزول عيسى ~~عليه السلام ما فيه كفاية لمن تأمله. وإشاره صلى الله عليه وسلم في قوله: فشق ما بين ثغرة النحر ~~إلى شعرته، يريد انكشف ما بينهما من غير ألم ودم، وامتقاع لونه كان من هول ما ~~رآه لا من ألم يغشاه. هذا صحيح عند أصحاب المعاني، أما من لم يقنعه ذلك ~~فليجره على الظاهر فلا بأس. والطست من ذهب كان من أواني الجنة، وهو قطعة ~~نور على هيئة الطست لا يشبه ذهب الدنيا إلا بالاسم، والماء ماء الرحمة، وإنما ~~نسبته إلى زمزم لأن ماء زمزم ينبع من نظر الله تعالى حين نظر إلى الجوهرة التي ~~خلق الله الأرض منها، فكما أن مكة أم القرى، كان زمزم أم المياه، وإنما سميت ~~زمزما، لأن سابور ذا الأكتاف(1 لما بلغه أمر بكبسها فقال له بعض الموابذة : إن ~~هذا ماء ينبع من نظر إله الآلهة". فتركها وزمزم عندها، أي دعا وتضرع بلسانهم. ~~وأما قوله: فاستخرج من قلبي شبه علقة( وقال: هذا حظ الشيطان منك ثم ~~غسله1. يريد بالعلقة(3) دخانا متراكما تنشأ من البشرية، وصار على القلب كالغلاف. ~~قال محمد بن علي الترمذي: إن معشش الشيطان النفس، والنفس في الرئة، ومنها ~~يتنفس النفس، وقد جعل الله بين الرئة والقلب وعاء رقيقا فيه ريح هفافة تجري إلى ~~باطن القلب، فإذا نفخ الشيطان الهوى في النفس، ينفذ منه دخان مظلم فيجتمع في ~~جوف القلب ويتراكم فيه، وبه يكون استيلاء الشيطان على القلب بالوسوسة، ~~فالعلقة التي استخرجها جبريل عليه السلام من قلب المصطفى هي ذلك الدخان PageV01P355 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0356.png) ~~المجتمع، وكان ذلك حظ الشيطان منها يتوسل إلى القلب بالوسوسة، فلما غسله ~~بماء الرحمة ms208 ورده إلى موضعه استنار القلب وانشرح، وهو قوله تعالى: (ألم نشرح لك ~~صدرك) (الشرح؛ 1) فلم يكن بعد ذلك فيه للهوى منفذ، ولا لدخان النفس فيه ~~مصعد، ولا للشيطان إليه سبيل. وإنما شرحت هذا الحديث لأن أكثرهم أهملوه ~~فافهم. # سبحان من اختار من البرية أخيارا، وجعلهم سفراء وآتاهم أسفارا، فبسطوا في ~~البسيطة دينه الحق، وهدوا بحجته إلى محجته الخلق، فاستقام بهديهم الدين والدنيا، ~~وعلت بدعوتهم الكلمة العليا، وانقطع بهم شراك الشرك، وانتظم بهم نظام الإسلام، ~~عليهم الصلاة والسلام. ~~إلهي، آمنا بك وبملائكتك ورسلك، ونستعيذ 1821 بك من الشيطان بأن ~~يضلنا عن سبيلك. # إلهي، اجعل التوفيق سائقنا وقائدنا، والسعادة ساعدنا ومساعدنا، واحفظنا من ~~مكائد أعدائك، بحق أنبيائك وأوليائك يا الله. PageV01P356 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0357.png) # أولا نبدأ بنكتة عجيبة، وهي أن من أنكر النبوة فلقد أثبت لنفسه من حيث لا ~~يشعر، وذلك لأن إثبات النبوة إخبار عن الله بأنه قد أرسل رسلا، ومن أنكرها فقد ~~أخبر عن الله بأنه لم يرسل، فيكون في إنكار النبوة عن غيره إثبات لها لنفسه لأنه ~~مخبر عن الله في ذلك، والمخبر عن الله هو النبي، وهذا نظير من أنكر أصل النظر ~~بالنظر، فإنه يكون في إنكاره إياه إثبات للنظر، فيكون متناقضا، فلذلك قول المنكر ~~للنبوة متناقض من هذا الوجه. وأما البرهان القاطع على ثبوت نبوة الأنبياء فهي ~~المعجزات، والمعجزة خلق يخلقه الله يكون خارقا للعادة على يدي مدعي النبوة ~~مقترنا بدعواه، وذلك الفعل يقوم مقام قول الله تعالى له: "أنت رسولي. تصديقا لما ~~ادعاه. مثاله أن إنسانا قام في ملأ من الناس بحضرة ملك مطاع فقال: يا معشر ~~الحاضرين، إني رسول هذا الملك، وآية صدقي أن الملك يقوم ويرفع التاج عن ~~رأسه1. فيقوم الملك في الحال ويرفع التاج عن الرأس عقيب دعوة هذا المدعي(2. ~~أليس ذلك الفعل منه يتنزل منزلة قوله: صدقت، أنت رسولي. وإنما تراعى فيه ~~أمور ثلاثة: الفعل الخارق للعادة، واقترانه بالدعوى، وسلامته من العارضة، إذ لو ~~رفع التاج بقول غيره أو بعد ذلك بمدة لا يكون ms209 حجة لهذا المدعي. فهذه الثلاثة ~~بمجموعها برهان قاطع على دعوى المدعي للرسالة، نازلة منزلة للتصديق بالقول، ~~وهو مثل حصول العلم بسائر الأشياء من شواهد المقال، وقرائن الحال. # واعلم أن خرق العادة على انفراده لا يكون معجزة ما لم تقترن به القرائن من ~~التحدي وغيره، فإن خرق العادة قد يكون بالسحر والشعبذة، وقد يكون بالكرامة PageV01P357 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0358.png) ~~للولي، ومثاله حمرة الوجه فإنها تكون من غلبة الدم، ومن السكر، ومن الخجل، ~~وإنما يفرق بينهن بوجوه القرائن، فإن كان معها تغير المزاج فهي من الدم، فإن كان ~~معها اختلاط عقل وتمايل فهي من السكر، وإن كانت من حادثة دالة على الخجالة ~~فهي من الخجل. كذلك الفعل الخارق للعادة، إن كان مع دعوى نبي فهو معجزة، ~~وإن كان من غير ا1831 ذلك فهو كرامة، وإن كان مع حيلة وإعداد آلة فهو سحر، ~~وسيأتي الفروق بين هذه الأشياء في أبوابها من بعد إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: اقتران المعجزة بدعواه لا ينتهض دليلا على صدقه لأن نفس الاقتران ~~بالإضافة إلى دعواه وإلى غير دعواه من الأقوال والأفعال بمثابة واحدة. # الجواب، إن سبيل تعريف الله تعالى عباده صدق الرسل بالمعجزات كسبيل ~~تعريف إلهيته بالآيات الدالة عليها، وذلك قد يكون مرة بالفعل ومرة بالقول. ~~فتصديقه بالقول كقوله للملائكة: (إنى جاعل فى الأرض خليفة)ة30). ~~وتصديقه بالفعل كما علم آدم الأسماء كلها ثم قال لهم: (ألبيونى بأسماء هولاء) ~~(البقرة، 31) وعلم محمدا القرآن ثم قال: (فأتوا بسورة من مثله)قرة23) ~~فكما عجزت الملائكة عن معارضة آدم بالأسماء، عجزت العرب عن معارضة ~~المصطفى بالقرآن، فدل الأسماء هنالك والقرآن ههنا على صدق النبي الذي هو ~~أول الأنبياء، وعلى صدق النبي الذي هو آخر الأنبياء. فعلى هذه الصفة صح أن ~~المقترن بدعواه إذا كان فعلا يعجز الخلق عن المعارضة، كان له تأثير وينتهض ~~دليلا، بخلاف الاقتران بما لا يعجز الخلق عن معارضته. # فإن قيل: قد شرطتم للمعجزة أن تكون فعلا، ثم ادعيتم أن القرآن معجزة، ~~والقرآن كلام، والكلام عندكم صفة من صفات الله ms210 كالعلم والقدرة، فلو جاز أن ~~تكون صفة الكلام معجزة لجاز أن تكون صفة العلم والقدرة معجزة. # الجواب، اعلم أولا أن المعجز هو الله تعالى، فإنه خالق العجز والقدرة، وإنما ~~سمي الفعل الخارق للعادة معجزة على طريق التوسع والمجاز على الحقيقة، كمن ~~نظر إلى صاعقة تقع من السماء فيقول انظر إلى قدرة الله، وإنما هي آثار قدرته، PageV01P358 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0359.png) ~~وذلك لأن العجز إنما يكون عن مقدور عليه وليس إحياء الميت من مقدور البشر، ~~حتى يقال إنه عجز عن إحياء الموتى. والإنسان قد يحس من نفسه عدم القدرة على ~~ذلك، وعدم القدرة ليس بعجز كما أن عدم العلم ليس بجهل، إذ الجدار عادم للعلم ~~وليس بجاهل لأنه فاقد شرط العلم والجهل معا وهو الحياة. فأما العامة فإنهم ~~يعبرون عن عدم القدرة بالعجز وهو وهم وتخييل، لأن العجز يقارن المعجوز عنه ~~كالقدرة تقارن المقدور عليه. وأما قولنا القرآن 1841 معجزة فلا نعني به كلام الله ~~تعالى الذي هو صفته القائمة بذاته معجزة، وإنما نعني أن نظمه وتأليفه على الهيئة ~~الغريبة والأساليب العجيبة فعل الله تعالى وهو خالق كل شيء، وذلك معجزة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعجز الخلق عن الإتيان بمثله دلالة على صدق رسوله. ولفظ ~~القرآن في العربية يقع على القراءة والمقروء كما ذكرناه [قبل] # سبحان جاعل المعجزات دلالة على صدق رسله، ومعجز الخلق عن الإتيان ~~بمثله، حتى يثبت بها دعاويهم عند تحديهم، واستضاء بنور الشرائع حاضرهم ~~وباديهم، فضلا منه ورحمة وشفقة على خلقه ورحمة [كذا]. ~~إلهي، أوضح صدورنا بإشراق نورك، وأقمنا بين يديك على قدم الطاعة ~~لمأمورك، واجعل الحق طريقنا، والتوفيق رفيقنا، وكن بارا بنا وشفيقنا، يا كافيا ~~لعباده، ويا وافيا لميعاده. [وبالله التوفيق]. PageV01P359 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0360.png) # قد ذكرنا معنى المعجزة وحقيقتها، أما السحر فهو في اللغة إراءة الباطل في ~~صورة الحق، ومنه وقت السحر للصبح الكاذب، والسحر الرئة لأنها كاللحم ~~وليست بلحم. والشعبذة منسوبة إلى رجل اسمه شعباذ، وهو معرب، وأصله خفة ~~اليد في تقليب الأشياء. والسحر عندنا حق ms211 على معنى أنه ثابت واقع، وصح ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم السحر حق، والعين حق. وكان لبيد بن أعصم ~~اليهودي2) وبناته سحروا رسول الله صلى الله عليه وسلم مشط ومشاطه وجف نخل، وطرحوه في ~~راعوفة ذي أروان، وهي بئر قديمة معروفة، حتى نزل الملكان وأخبراه بذلك، ~~فاستخرجه علي (لففه، وفيه نزلت المعوذتان. وأنكرت المعتزلة والدهرية ~~والروافض السحر. والدليل على صحته إجماع الأمم سلفا وخلفا، وإجماع أهل ~~الكتاب كلهم من الهند والروم والفرس، وآيات القرآن ناطقة به، قال الله تعالى: ~~(ومن شر النف ثات ف العقد )) وهن السحرة ينفثن عند قراءة ~~الرقي. وكان رسول الله صلى لله عليه وسلم لما حلت عقدة مما سحروه وجد في نفسه خفة، فلما ~~استتم قام سالما كأنما نشط من عقال. وقد قال الله تعالى: (وما انزل 185 على ~~الملكين ببابل هلروت وماروت)لبقرة؛ 12). ذكر ابن قتيبة أن عامل عمان ~~كتب إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله: إنا أتينا بساحرة فألقيناها في الماء فطفت. ~~فكتب إليه: السنا من الماء في شيء، إن قامت البينة وإلا فخلها»(3. قال أبو عمرو PageV01P360 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0361.png) ~~ابن العلاء: "الغول ساحرة الجن # واعلم أن الناس اختلفوا في السحر وأثره فقيل: إنه يمكن تبديل الصور به حتى ~~تقلب الإنسان كلبا وخنزيرا، وأنه يمكن أن يطير من بلد إلى بلد في لحظة. والظاهر ~~أن أمثال هذه خرافات العوام وأسمار النسوة. وقيل: هو تغيير القلوب بضم أشياء ~~بعضها إلى بعض، وبخورات وكلمات يتفوه بها في أوقات مخصوصة، فيظهر حينئذ ~~في المسحور، بحكم إجراء الله العادة، أفعال مختلفة غريبة، وهذا أقرب إلى ~~الصواب. ثم إن أجناسه مختلفة طلسم، ونيرنج، ورقية، وحلقطيرات، وشعبذة. ~~فالطلسم، كأنه يسلط على المعتاد. قيل معناه هي مقلوبه وهو المسلط. قالوا هو ~~جمع آثار سماوية مع آثار عقاقير الأرض ليظهر منها أمر عجيب. [والنيرنج أصله ~~نيرنك فعرب وهو التمويه والتخييل، قالوا إن ذلك تمريج قوى جواهر الأرض ~~بعضها بالبعض ليحدث منها أمر عجيب]3). والرقية هي الأفسون، ومعناه أب سون ~~فعرب، أي ms212 يقرأ على الماء فيشربه المصاب أو يصب عليه. وإنما سميت رقية لأنها ~~كلمات رقيت من صدر الراقي ومنه الترقوة، وتلك الكلمات بعضها فهلوية، وبعضها ~~نبطية، وبعضها كالهذيانات، زعموا أنها سمعت من الجن أو سمعت في المنام. ~~والحلقطيرات خطوط عقدت عليها حروف وأشكال، أي حلق ودائرات زعموا أن ~~لها تأثيرا بالخاصية وبعضها مقروء. والشعبذة ذكرنا أنها خفة اليد وخفة الأعمال ~~كالمشي على الأرسان، واللعب بالمهارق والحقاق. # واعلم أن الحاصل عقيب كل هذه الأشياء، كلها فعل الله تعالى على وفق إجرائه ~~العادة بها، وعلة ذلك ووجه حكمته فيه لا يعلمه أحد إلا الله تعالى وتقدس، وليس ~~بيد العامل لها إلا إعداد الآلات والجمع بينها فحسب. قال الله تعالى: (وماهم ~~بضآرين بده من أحد إلا بإذن الله) 02. جاء رجل إلى الصادق فادعى PageV01P361 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0362.png) ~~خلق الحيوان، فأخذ قطعة لحم ودفنه في الزبل فصارت دودا فأراها إياه. قال له ~~الصادق: إن كنت خلقتها فأخبرني بعددها، وعدد ذكرانها وإناثها، وعدد أرجلها، ~~وخواص ظاهرها وباطنها. فعجز الرجل. وغرضنا في إيراد هذه الأشياء إبانة الفرق ~~بين المعجزات وبين التمويهات الباطلة إذا ظهرت على أيدي الكذابين، فقد قيل: # وبضدها تتبين الأشياء7(1) # 18611 وأقول: إنما يظهر من هذه الطرق كلها، فلا يخلو من حيل كسبية ~~تنضاف إليها من مباشرة فعل، وضم شيء إلى شيء، وعمل صورة وهيئة، واختيار ~~وقت، ورصد كوكب، وقوة وهم، وتدخين بخورات، وتعزيم كلمات، وإعداد ~~آلات. وهذه الجملة كلها من أولها إلى آخرها فعل ذلك المدعي وحيلته وسعيه. ~~وقد صح أن المعجزة محض فعل الله تعالى لا مدخل لقدرة العبد فيه، فإن العقل ~~يستيقن أن عظاما بالية إذا اجتمعت وتراكمت وقامت شخصا يتكلم، لا مدخل ~~لقدرة البشر فيه. وكذلك انشقاق القمر في السماء بإشارة الأصبعين بحيث يراه ~~الناس في جميع نواحي الأرض. وبلغنا أنه قيل لجالينوس عند ظهور المسيح عليه ~~السلام إنه يبصر الأعمى قال: أنا أبصره2. قال: إنه يبرئ الأكمه والأبرص. قال: ~~هذا عجب1. قيل: وإنه أحيا الميت عن قبره. قال: ليس هذا في قوة ms213 البشر، ~~احملوني إليه فهذا تأييد إلهي. فحمل إليه فمات في طريقه بجند سابور. # واعلم أن المعجزة تبقى بعد النبي زمانا، والسحر سريع الزوال، وهو أحد ~~الفروق بينهما. وأيضا، المعجزة إنما يظهرها النبي على رؤوس الأشهاد، وعظماء ~~البلاد، وأكياس الناس، والشعبذة إنما تروج على الصبيان، وضعفاء العقول، وأهل ~~السواد، وجهلة الأكراد. PageV01P362 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0363.png) ~~مناجاة: # سبحان من أعطى النبي المعجزات الباهرة، وأفضح في معارضتها الساحر والساحرة، ~~وأنى يقاوم الباطل الحق، وكيف يباري المبطل المحق، وقد قال سبحانه: ( فوقع الحق ~~وبطل ما كانوا يعملون (8 فغلبوا هنالك و انقلبوا صاغرين) (الأعراف؛ 118، 119). # اللهم اربط الحق على قلوبنا، وحل عقدة الباطل عن جيوبنا، وخذ بأيدينا، ولا ~~تكلنا إلى أعادينا، سيما أنفسنا، فإنها أعدا عدونا، لا تفارقنا في عشياتنا وغدونا، يا ~~ملجأ الخائفين [ويا رحمن يا رحيم] PageV01P363 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0364.png) # اعلم أن كرامات الأولياء ثابتة عند أهل السنة والجماعة، وأكثر المعتزلة انكروها ~~لعدمها فيما بينهم، وذلك من أجل بدعهم. وقد ذكر الأئمة بين المعجزة والكرامة ~~فروقا كثيرة، فمنها أن المعجزة تقع عند قصد النبي وتحديه، والكرامة قد تقع من ~~غير قصد الولي، فقيل: بلى، يجوز أن تقع الكرامة بقصد الولي، وإنما الفرق بينهما ~~أن المعجزة تقع مع التحدي والكرامة 18711 لا يتحدى بها الولي. وقيل: بل ~~يجوز للولي أن يتحدى بالكرامة على ولايته إذا عرف في ذلك مصلحة ونصيحة ~~للخلق حتى يهديهم إلى الحق، وإنما الفرق بينهما هو أن ما كان معجزة للنبي لا ~~يكون كرامة للولي. فقيل: بل يجوز أن يكون للولي أيضا من الكرامة ما كان معجزة ~~للنبي، وإنما الفرق هو أن المعجزة لا تقع إلا بعد دعوى، ولا تكون مع سكوته ~~معجزة، والكرامة يجوز أن تقع مع سكوته ومع نطقه معا. وهذا القدر كاف من ~~الفرق بينهما. وحقيقة ذلك أن الولي إذا ادعى [بفعل خارق للعادة بأنه ولي فإن ~~ذلك لا يقدح في معجزة نبي قط، أما إذا ادعى] بمثل ذلك الفعل على أنه نبي فقد ~~كذب في دعواه، والكاذب لا يكون وليا لله، ms214 فلا يظهر على يديه ما يظهر على إيدي ~~الأولياء(3)، وهذا فرق ظاهر، وهو قول المشايخ: "إن المعجزات علامات صدق ~~حيث وجدت، فلا تظهر على أيدي الأولياء عند دعواهم النبوة لأنها لو وجدت عند ~~ذلك لانقلب الصدق كذبا وهو محال2. وقال بعض المشايخ: ازيادة المعجزات PageV01P364 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0365.png) ~~تزيد قلوب الأنبياء تثبتا، وزيادة الكرامات تزيد قلوب الأولياء وجلا وخيفة حذرا ~~من أن يكون استدراجا". وقال بعضهم: "الأنبياء يحتجون بالمعجزات على ~~المشركين، والأولياء يحتجون بالكرامات على نفوسهم لتصلح، وعلى قلوبهم ~~لتطمئن. وقيل: المعجزة لا تظهر ابتداء بالاجتهاد والرياضة، والكرامة قد تظهر ~~بها". واعتمد أبو منصور البغدادي على فروق ثلاث أحدهم : التسمية، وهو أن ما ~~يدل على صدق النبي يسمى معجزة، وما يظهر للولي كرامة؛ والثاني: صاحب ~~المعجزة لا يكتم، وصاحب الكرامة يكتم؛ والثالث: صاحب المعجزة مأمون من ~~الاستدراج، وصاحب الكرامات لا يأمن أن يكون حاله حال بلعام بن باعور. # وإنما أنكرت المعتزلة الكرامة بناء على أن الفعل إنما يكون معجزة بخرق العادة ~~فحسب وليس كذلك، بل ينظم إلى خرق العادة التحدي بالنبوة، والاقتران بدعوى ~~النبي، ألا ترى أن آيات الساعة خارقة للعادة وليست بمعجزات. أما الدليل على ~~إثبات الكرامات للولي فهو أن ذلك أفعال خارقة للعادات، مقدورة لله تعالى، فإذا لم ~~يؤد إلى سد باب النبوة، جاز ظهورها على أيدي الأولياء. وقالت المشايخ: من ~~عاشر الصالحين وتلقى المشايخ عرف صدقهم، ا1881 ويرى كراماتهم عيانا. ~~وأما من حيث السمع فقصة مريم عليها السلام في قوله تعالى: (وهزى إليك بجذع ~~النخلة تساقط عليك رطباجنيا)مريم 25) وقوله: (لما دخل عليهازابا المحراب ~~وجد عندها رزقا) آل عمران؛ 37) وقوله تعالى: (قال الذى عنده علم من الكتاب أنأءآنيك ~~به،) المل 40) حكاية عن آصف بن برخيا. وقصة أصحاب الكهف وما جرى ~~عليهم من الحالات، هؤلاء ليسوا بأنبياء، وقد جرى عليهم أمور خارقة للعادات ~~فتأمل ذلك. # وأما الكهانة فهي الإخبار عن الغيب، وكان في الزمن الأول يعنون بالكهانة ~~العلم، وكانوا يسمون العالم بالعبرانية كاهنا، وكان في التوراة اسم هارون أخي PageV01P365 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0366.png) ms215 ~~موسى كهنا ربا، يعني: عالم رباني. فلما جاء الله بالإسلام ونسخ أمر الكهانة صار ~~هذا الاسم مذموما لانقراض تلك الأديان، إذ كان في العرب رجال ونساء يتكهنون ~~لهم، وكانوا يختلفون إليهم في استعلام خبر الغائب، وتدبير الأمر المحذور، واشتباه ~~النسب، فكان الكاهن يسجع لهم ويخبرهم به. وكانت سوانح الأسجاع في ~~خواطرهم كسوانح الطير والوحش لأصحاب الطيرة، والواردات للرهابين وأصحاب ~~الصوامع. وقد رويت في ذلك قصص وأخبار كثيرة، وربما تحاكموا إلى الكاهن ~~فيخبئون له خبيئة يمتحنون بها صدقه، فإن استخرج الخبيئة رضوا بحكمه حتى قيل: ~~إن قوما أخذوا جرادة صفراء، وأدرجوها في قطعة شن، وعلقوها في عنق كلب لهم ~~اسمه سوار، فلما أتوا الكاهن قالوا: قد خبأنا لك خبيئة فأخبرنا ما هي? قال الكاهن: ~~خبأتم شيئا طار يشبه الدينار1. قالوا: "نريد أبين من هذا2. فقال: خبأتم جرادة ~~في عروة مزادة في عنق سوار ذي قلادة1. فقالوا: القد أصبت فاحكم بيننا1. ~~وكانوا يسمون الكاهن الطاغوت، قال الله تعالى: (والذين اجتنبوا الطلغوت أن يعبدوها) ~~(الزمر؛ 17) قالوا أبو عبيد: إنما انثها لأنه يريد بها الكاهنة. قال النبي عليه السلام: ~~إياكم والنجوم فإنها تدعو إلى الكهانة. واختلفوا فيما يقول الكاهن من أين علمه ? ~~قال بعضهم: إنما يكون ذلك من قوة بعض النفوس الألمعية في أصل الخلقة والجبلة. ~~وزعم المنجمون أن ذلك لوقوع سهم الغيب في درجة الطالع أو برج التاسع. وبعضهم ~~يقول: إن الكاهن مخدوم الجن، فيأتونه بالأخبار. وهذا أقرب. # واعلم أنه لم ير قط كاهن إلا وفيه خبل ونقص في الخلقة. 189 والصحيح ~~من ذلك أنهم يقولون مما يلقي إليهم الشيطان من استراق السمع حين يرمى ~~بالشهب، فإن الشياطين إذا استرقوا السمع ربما يحترق بعضهم بها، وربما يتساقط ~~بعضهم إلى نواحي الأرض وقد بقي معه بعض أخبار الغيب مما استرقه من ~~الملائكة المدبرات أمرا من السماء الأولى، فيلقي ذلك إلى الكهنة، فيخبر الكاهن PageV01P366 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0367.png) ~~بها. قال الله تعالى: (وإن الشيطين ليوحون إلى أوليابهم)آم؛) وأولياءهم ~~هم الذين يقاربونهم في مشاكلة خبث الطبع، وخبل الخلقة، ms216 ونقصان العقل، وفساد ~~الدين، وهم هؤلاء الكهنة. واختلف العلماء في استراق السمع فقال بعضهم: إنه كان ~~في الجاهلية قبل المبعث، ولذلك كثرت الكهانة في ذلك الزمن، فأما بعد المبعث ~~فقيل: قد بطل ذلك. وقيل: هو باق ولكنهم يرمون بالشهب على ما دل عليه الآيات ~~في مواضع من الكتاب. # هذا هو المختار من حقيقة الكهانة إذ (لا يعله من في السموات والأرض الغيب إلا الله) ~~(النمل؛ 65) فليس للإنسان أن يطلع على علم الغيب، وقد أبطلنا أحكام النجوم فيما ~~تقدم، فلم يبق إلا المستفاد من استراق السمع فاعلم. وأما الفرق بين ذلك والمعجزة، ~~فهو أن المعجزة فعل خارق للعادة عند التحدي يقوم مقام تصديق الله النبي عليه السلام ~~بالقول، والكهانة كلمات تجري على لسان الكاهن ربما توافق وربما تخالف، والنبي ~~يكون كامل الخلق والخلق، صادق اللهجة، والكاهن مخبلا ناقص الخلق مأوفا، فإن ~~ادعى النبوة بكهانته فربما يقابله بدعواه كاهن آخر، فلا تجد الفرق بينهما البتة، بخلاف ~~النبوة فإن النبي إذا تحدى بالمعجزة، والمعجزة كتصديق الله له بالقول، فإذا قابله مدع ~~كاذب لا يجوز أن يظهر له معجزة مثل معجزة الصادق، لأن المعجزة قد ذكرنا أنها ~~تصديق الله للصادق، فكيف يكون تصديقا للكاذب? والله سبحانه لا يصدق الكاذب. ~~وفي استحالة المعجزة على يد الكاذب كلام كثير. والحق أنه مستحيل. # فإن قيل: إنكم إذا جوزتم إضلال الله الخلق وإغوائهم، فما يشعركم أنه تعالى ~~يظهر الآيات على أيدي الكذابين إضلالا وإغواء، فإن ساحة ربوبيته بريئة عن ضلال ~~الخلق وهدايتهم? # الجواب، نحن إنما نجوز الإضلال لنصوص القرآن مثل قوله: (يضل به ~~كثيرا) (البقرة؛ 26) وقوله: (كذلك يضل الله الكافرين) غافر؛ 74) ~~وغيرها من الآيات، وإنما نجوزه فيما لا يؤدي إلى المحال، إذ ما أدى إلى المحال PageV01P367 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0368.png) ~~محال، والمحال لا يكون مقدورا البتة، وذلك من وجوه، إما أن يقع على خلاف ~~المعلوم، وإما أن يناقض 19011 الدليل والمدلول فيه، وإما أن يلتبس الدليل ~~بالمدلول، وإما أن يؤدي إلى تعجيز الرب وتكذيبه. فهذه أربعة تؤدي إلى المحال ~~فلا ms217 تتعلق القدرة بها. والمعجزة على يد الكاذب من جملتها، لأن المعجزة مقرونة ~~بالتحدي نازلة منزلة قوله صدقت، وأنت رسولي. وتصديق [الكاذب] من المحال ~~لذاته وعينه، إذ كل من قال له أنت رسولي صار رسولا، وخرج من كونه كاذبا، ~~والجمع بين كونه كاذبا وبين كونه رسولا صادقا محال، لأن كونه كاذبا هو من لا ~~يقول أنت رسولي. ومعنى المعجزة أنه قيل له: أنت رسولي. فإن رفع الملك تاجه ~~عن الرأس كقوله : أنت رسولي1. بالضرورة، فصح من ذلك أن هذا محال، ~~والمحال غير مقدور. وذكر بعض الأئمة أن إظهار المعجزة على يد الكاذب من ~~المقدورات بناء على أن ما علم الله أنه لا يكون لا يخرج عن كونه مقدورا، وخلاف ~~المعلوم مقدور، ثم هو وإن كان() مقدورا فلا يقع ذلك قطعا، كما لا يقع خلاف ~~المعلوم. فهذه مسألة مختلف فيها، وخلاصتها أن من قال خلاف المعلوم غير ~~مقدور صحيح من وجه، لأنه [لو](9) قدر وقوعه لكان معلوما فينقلب جنس العلم ~~وهو محال، ومن قال غير مقدور فصحيح أيضا من وجه وهو أن القدرة صالحة له ~~من غير التفات إلى العلم به، فإذا قد صح القولان باعتبارين. # سبحان من خص الأنبياء بالمعجزات، والأولياء بالكرامات، وهما في الصورة ~~على منهاج، غير أنه جعل الفارق بينهما بوقع الاستدراج، فالنبي يتقوى قلبه بتتابع ~~المعجزات وتظاهر الحجاج، والولي خائف وجل من المكر والاستدراج. # إلهي، امددنا بالتوفيق على تصديق ما جاءت به رسلك وأنبياؤك، وارزقنا من ~~الكرامة ما خصت به أولياؤك، يا ذا الجلال والإكرام. PageV01P368 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0369.png) # اعلم أن مثل النبوة مثل بيت فسيح ممتد الأطناب، واسع الرحاب، وكان المصطف صلى الله عليه وسلم ~~عماده، والباقون من أولي العزم أوتاده، والمرسلون أعضاده، وسائر الأنبياء أمداده. واعتماد ~~البيت أبدا على عماده، إذ به قوامه، وارتفاع سمكه، واتساع هوائه، فالعماد هو أول ما يقدر، ~~وآخر ما ينصب، كما قيل: أول الفكر آخر العمل. وذلك قوله صلى الله عليه وسلم انا أول الأنبياء خلقا، ~~وآخرهم بعثا(. والخلق في اللغة التقدير. وقا صلى ms218 الله عليه وسلم اول ما خلق الله نوري. وهذا ~~البيت، أعني بيت النبوة، هو ما حكى الله عن نوح عليه السلام: (ولمن دخل بيت مؤمنا) ~~(نوح؛ 28) 1]191 فإنه وإن فسر في الظاهر على السفينة، وكان في الحقيقة بيت نبوته ~~لقوله مؤمنا. وحكى جبريل عليه السلام في قصة لوط عليه السلام: سلام عليكم أهل ~~البيت1. وقال تعالى للنبي عليه السلام: (إنمايريد الله ليذ هب عنكم الرجس) ~~(الأحزاب؛ 33) الآية. قال بعض الشعراء: ~~والبيت لا يبنى إلا على عمد ولا عماد إذا لم يرس أوتاد # إن تجمع أوتاد وأعمدة وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا # يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا PageV01P369 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0370.png) # وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل ~~بنى دارا فيها بيوت، فأحسنها وأجملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فالناس ~~يطوفون فيها ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت ههنا لبنة فتم بناؤك? فقل صلى الله عليه وسلم ~~فأنا تلك اللبنة11). رواه أبو هريرة، ومعنى أنا اللبنة، يعني أنا الذي استكمل بي بيت ~~النبوة، والبيت إذا كمل وتم بناؤه يختم عليه، فلذلك سمي خاتم النبيئين عليهم ~~السلام، وإلى هذا المعنى أشار في قوله: أنا مدينة العلم وعلي بابها. وإنما سمي ~~بابا لكثرة سؤاله إياه عن الأمور الدينية، والسؤال استفتاح باب العلم. فعلى هذا ~~المعنى لم تزل في سالف الزمان عيون أولئك الأوتاد والأعضاد والأمداد مادة إلى ~~دنو أوان ظهوره ليرتفع به هذا العماد، ويستتم بيت النبوة، وتظهر زواياهم منه ~~ومراتبهم فيه للخلق. فلذلك أوصى كل نبي أمته به وبمحبته، وأعلموهم بما بين في ~~صحفهم من أسماءه ونعوته وسيره، وصفة أم صلى الله عليه وسلم # فكان في التوراة في الفصل العشرين من السفر الخامس 1أن الرب جاء من طور ~~سينا، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران، ومعه عن يمينه ربوات القاسين، ~~فمتعهم بالعز، وحببهم إلى الشعوب، ودعا بجميع قديسيه بالبركة1. تفسيره: ~~مجيء الله من الطور إنزاله التوراة ms219 على موسى بالطور، وإشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل ~~على عيسى، وساعير أرض الخليل من قرية يقال لها الناصرة(3، والنصارى ينسبون ~~إليها، واستعلائه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فاران هو مكة. جاء PageV01P370 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0371.png) ~~في التواريخ أن إسماعيل كان يتعلم الرمي في تربة فاران، أي أرض مكة، وربوات ~~هي منازل 1921 الرهبان، والقاسون جمع قاس، والقس والقسيس هو الراهب، ~~والقس في اللغة عظام الصدر، سموا بذلك لأنهم كانوا يتكلمون من صدورهم من ~~غير تعلم، والشعوب الطرق في الجبال. # وفي الإنجيل قال المسيح: إني ذاهب وسيأتيكم البارقليط روح الحق، لا يتكلم ~~من قبل نفسه، يشهد لي كما شهدت له، يعلمكم كل شيء7. تفسيره: البارقليط ~~بلغتهم الحمد، يعني به محمد صلى الله عليه وسلم قال النبي عليه السلام: أنا أحمد، وأنا محمود، ~~وأنا محمد. والبارقليط تحت الباء ثلاث نقط، وفي بعض النسخ الفارقليط بالفاء. ~~وقوله: يعلمكم كل شيء. يعني هو صاحب شريعة. # وفي الزبور، في الثالث والخمسين والمائة من مزامير داود عليه السلام: ليرتاح ~~البوادي وقراها، وليصير أرض قيذار مروجا ويسبح سكان الكهوف، وليهتفوا من ~~قلل الجبال بحمد الرب، فإن الرب يأتي كالجبار المتلظي المتكبر، وهو يزجر ويقتل ~~أعداءه1. قالوا في تفسيره: أرض قيذار هي أرض العرب لأنهم أولاد قيذار، ~~والمروج ما حول مكة من الأشجار والنخل والعيون، وإتيان الرب إنزال وحيه بجبل ~~حيراء على محمد صلى الله عليه وسلم # وفي كتاب اشعياء عليه السلام: قال لي الرب: أقم نظارا ليخبر ما رأى، فكان ~~الذي رأى صاحب المنظرة إن أقبل راكبان أحدهما على حمار، والآخر على جمل. PageV01P371 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0372.png) ~~يقول صاحب الجمل: هوت بابل وتكسرت أصنامها، فهذا الذي سمعت من الرب ~~إله بني إسرائيل قد نبأتكم به. قالوا في تفسيره: يعني براكب الحمار عيسى عليه ~~السلام، وبراكب الجمل محمد صلى الله عليه وسلم وكأن على يده فتحت بابل، وكسرت أصنامها. # وفي كتاب حبقوق النبي عليه السلام: لقد انكشفت السماء من بهاء محمد، ~~وامتلأ [كذا] الأرض من جده، ms220 أي من عظمته. # وفي كتاب دانيال عليه السلام: رأيت على سحاب السماء كهيئة إنسان جاء ~~فانتهى إلى العتيق، وقدموه بين يديه، فخوله الملك والسلطان والكرامة، وأن يتعبد ~~له جميع الشعوب والأمم واللغات، سلطانه دائم إلى الأبد، وملكه لا يتغير. قالوا ~~في تفسيره: هذا الإنسان نبي آخر الزمان، ويعني بالعتيق القديم جل جلاله. # وفي كتاب زكريا بن برخيا عليه السلام: رجع الملك الذي ينطق على لساني ~~وأيقظني وقال لي: 1 ما الذي رأيت? فقلت: رأيت منارة من ذهب، وكفة على ~~رأسها، وعلى الكفة سبعة سرج، لكل سراج سبعة أفواه، وفوق الكفة شجرتا زيتون، ~~أحداهما عن يمينه والأخرى على يساره، 1931 هذا قول الرب في زربايال، وهو ~~يدعو باسمي وأنا استجيب له، وأصرف عن الأرض أتنان الزور والأرواح النجسة. ~~ذكر في تفسيره: [أن شجرتا]) الزيتون هما النبوة والملك، والزربايال بلغتهم هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم والمنارة من ذهب هي النبوة المرتفعة يراها كل أحد من النواحي، ~~والسرج السبعة قالوا هي أسباع المصحف. قوله لكل سراج سبعة أفواه هي آيات ~~العزائم والقوارع من القرآن. # وعن عبد الله بن عباس في قوله تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) ~~(الأنبياء؛ 11) قال: كان إرميا بن برخيا أمره بخت نصر أن يغزو العرب، فدخل ~~بخت نصر بلاد العرب، فقتل وسبا حتى انتهى إلى تهامة فأتي إليه بمعد بن عدنان، ~~فأمر بقتله فقال له إرميا: لا تقتله فإن في صلب هذا نبيئا يبعث في آخر الزمان ~~يختم الله به الأنبياء. فخلى سبيله وحمله معه. PageV01P372 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0373.png) ~~وحكى ابن قتيبة أن أبا بكر بن أسعد الحميري آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم بل مبعثه ~~بسبعمائة سنة لما رأى بعثه في كتب الأولين وكان يقول في شعره: ~~شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النسم # إلى عمره لكنت وزيرا له وابن عم ~~فلو مد عمري إلى عمره لك # وقال سيف بن ذي يزن لعبد المطلب بن هاشم: إني مفض إليك بسر لم أبح ~~به لغيرك، وليكن عندك ms221 مطويا، إني أجد في كتاب عندنا خبرا عظيما فيه شرف ~~الحياة وفضيلة الممات، وهو للناس عامة ولرهطك خاصة، إذا ولد بتهامة غلام به ~~علامة، كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة، إلى يوم القيامة، وقد حان حينه، اسمه ~~محمد بين كتفيه شامة، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه". فخر عبد المطلب ~~[لوجهه](3) ساجدا وقال: هذا والله ابن بعينه50). # ولما ول صلى الله عليه وسلم، انت تباشير النبوة في جبينه متظاهرة، ولآلئ الحكمة من فيه ~~متناثرة، كما قال بعضهم: ~~إن الهلال إذا رأيت نموه أيقنت أن سيصير بدرا كاملا ~~كان يوله صلى لله عليه وسلميبن الصفا والمروة قائما وهو ابن سبع سنين، إذ نزل جماعة من ~~تجار الشام كانوا على ملة المسيح عليه السلام، فنظر إليه أحدهم فعرفه بعلامات PageV01P373 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0374.png) # 379 ~~وجدها في كتابهم من نعوته وسيره فقال له: من أنت? فقال أنا: محمد بن عبد الله ~~ابن عبد المطلب. فقال له: ومن رب هذه? وأشار إلى السماء. فقال: الله ربها. ~~فقال: "ومن ا104 رب هذه وأشار إلى الأرض? فقال: "الله ربها. فقال: ومن ~~رب هذه? وأشار إلى الجبال? فقا صلى الله عليه وسلم بها لا شريك له فقال النصراني : فهل لها ~~رب غيره? فقال: لا، جئت تشككني في الله، ما له شريك، ولا ضد. # ولما ترعرع كانت قريش تسميه محمد الأمين لما شاهدوا فيه من الأمانة ~~والصدق. وكان يقول صلى الله عليه وسلم،: أنا دعوة إبراهيم، وكرامة موسى، وبشارة عيسى، ورؤيا ~~أمي آمنة11. وذلك أن أمه رأت في المنام أن نورا خرج منها فأضاءت قصور ~~بصرى. ولما أتاه الوحي، وادعى الرسالة، وأقام عليه الدلالة، تظاهرت على الخلق ~~معجزاته الباهرة تظاهر القطر من السماء، خارجة بكثرتها عن العد والإحصاء، قد ~~صنف فيها الكتب الكبار فلا يسعها هذا الاختصار. ~~فيا عجبا مني أحاول وصفه وقد فنيت فيه القراطيس والكتب2) # فالصواب أن نقتصر على القدر الذي ذكرناه من بشارات كتب الأنبياء قبله في ~~إتيانه()، وإشاراتهم إلى عظم شأنه، ففي طلعة الشمس ما يغنيك عن ms222 زحل. ونذكر من PageV01P374 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0375.png) ~~معجزاته ما هو من أعظم آياته وهو الكتاب الذي جاء به من عند الله، فإنه البحر المحيط ~~الذي لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي درره وغرائبه، فأقول: إن وجوه الإعجاز في ~~القرآن العظيم كثيرة، منها الأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة كقوله تعالى: (لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شآء الله امنين محلقين ره وسكم ومقصرين لا تخافوب)2) ~~فكان كذلك؛ وكقوله: (ليظهره على الدين كله) التوبة؛ 33) وكقوله: ~~(الم غلبت الروم في أدن الأرض وهم مل بعدغلبهم سيغلبوب ) الروم ~~1 -3) الآية، وكان كذلك. وكقوله: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) القمر؛ 45) وقد ~~هزموا. وكقوله: (إذهمت طأيفتان منكم أن تفشلا) (آل عمران؛122) وكقوله: ~~(وتودون أن غير ذات الشوكة تكوب لكمه) (الأنفال؛ 7) هذا إخبار عن الغيب ~~فكان كما أخبره كتابه المنزل عليه. # ومنها اشتماله على غرائب الحكم وبدائع الكلم التي أعجزت الحكماء الأوائل عن ~~الإتيان بمثلها، فإن القرآن ينطوي على الحكم كلها، علمها وعملها. قال الله تعالى: ~~(ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء) الآية. وقال: (ما فرطنا في الكتب ~~من شيء) (الأنعام؛ 3) وقال: (وكل شىء أحصينه ف إمام مبين )يس12) ~~وإنما تقاصرت عن معرفتها أفهام الخلق لشيئين، أحدهما راجع إلى اللفظ من ~~الإيجاز، والحذف والمجازات، والاستعارات، والتشبيهات، والإشارات اللطيفة، ~~والأساليب الغامضة 195 البديعة؛ والثاني راجع إلى المعنى، وذلك لإتيانه ~~بأصول تنطوي على فروع وشعب بعضها يبينها المصطفى عليه السلام، وبعضها ~~مفوض إلى استنباط الراسخين في العلم. فما من برهان، ودلالة، وتقسيم، وتحديد ~~عن مجملات العقليات والسمعيات إلا والقرآن قد نطق بها على عادة العرب دون ~~طريق المتكلمين، والحكماء المنطقيين. ولذلك قال الله تعالى: (ما فرطنا في الككتاب من PageV01P375 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0376.png) ~~شيء) لأعام وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لكل آية ظهرا وبطنا، ولكل حرف حدا ~~ومطلعا. فعلى ذلك، إن كل من كان حظه من العلوم أوفر، كان نصيبه من علم ~~القرآن أكثر . ومنها ترك المعارضة [له] إلى يومنا هذا مع كثرة الخصوم، وتوفر ~~دواعيهم، ومساس حاجتهم إليها، فلقد سلت عليهم السيوف وتغشاهم الحتوف، ms223 ~~وسبيت ذراريهم، وانتهبت نفائس أموالهم، إلا إن قالوا بمثل هذا القرآن، ثم لما ~~عجزوا عن الإتيان بمثله [كما قال: (فأتوا بعشر سور مثله]2) هود13) ثم لما ~~عجزوا عن ذلك قال: (قل فأتوأ بسورة مقله) يونس؛ 38) فلما عجزوا عن ذلك ~~قال: ( فليأتوا بحديث مثله) فلما اشتهر عجزهم عند الجميع قال: ~~(فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة) الآية. ~~وكانوا هم الفصحاء اللد، والبلغاء اللسن، أهل الخطابة والنثر والنظم، بها يتبجحون، ~~وعلى العجم بذلك يتباهون. ومع ذلك قد عدلوا عن المعارضة، ورضوا بالذل ~~والصغار، ووطنوا أنفسهم على القتل والقتال، والتعرض للنوائب، وقبول الجزية ~~والذل والاسترقاق. ولا يخفى أن العاقل إذا خير بين أمرين، فعدل عن أحدهما إلى ~~الآخر أنه إنما عدل عن الأشق الأشد إلى الأهون الأسهل، كفى بك داء أن ترى ~~الموت شافيا3). وسبب عجزهم عن ذلك هو أن نظم القرآن على غاية البلاغة، ~~وكمال الفصاحة ونهاية الجزالة، وهذه الأشياء الثلاثة إذا استجمعت في نظم كان لا ~~محالة معجزة للخلق. والنظم مطلق التركيب، وقد يكون ركيكا ويكون رفيعا، ولهذا ~~يقال: يزين اللآلئ في النظام ازدواجها). ثم للنظم درجات أولها كلام البذلة في PageV01P376 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0377.png) ~~المحاورات، وفوقه المكاتبات والمراسلات، وفوقها الخطب والمواعظ والأمثال ~~والمزدوج، وفوق ذلك نظم الشعر، وليس للعرب فوقها درجة للنظم البتة. فإذا ~~اجتمعت الفصاحة والجزالة والنظم أطلق عليها لفظ البلاغة، لأن الكلام بها قد بلغ ~~درجة الكمال. # وتحقيق هذا الكلام أن تعلم أن الفصاحة دلالة اللفظ على المعنى 1961 مع ~~[الإفصاح والإيضاح. والجزالة دلالة اللفظ على المعنى مع] قلة الحروف ~~والاختصار، وتناسب مخارجها، فإذا اجتمع المعنيان يقال له لفظ فصيح جزل كقوله ~~تعالى: ( ولكم في القصاص حيوة) البقرة 1). والنظم ترتب الأقوال بعضها على ~~بعض، ويكون الحسن فيه على قدر تناسب الكلمات في أوزانها، وتوازن حركاتها ~~وسكناتها ودلالتها على المعنى. والبلاغة عبارة عن اجتماع هذه المعاني الثلاثة، أعني ~~الفصاحة والجزالة والنظم، فذلك بلوغ الكمال، وبه فاق القرآن على كلام العرب كما ~~فاقت العربية على سائر الألسن. ms224 وعجزت العرب عن الإتيان بمثله كما عجز المفحم ~~عن نظم الشعر. فالقرآن إذا معجز من حيث البلاغة التي هي مجموع هذه المعاني ~~الثلاثة. والعرب قد أحست من نفسها أن القرآن خارج عن جنس كلامهم جملة، كما ~~أن سحرة فرعون أحسوا من أنفسهم أن [انقلاب العصا ثعبانا ليس من جنس السحر. ~~وأحس الأطباء من أنفسهم](2) أن إحياء الموتى ليس من جنس الطب. # وجاء في الأخبار أن الوليد بن المغيرة المخزومي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمع منه ~~سورة حم السجدة، فرجع إلى قريش وكان من أفصحهم وأبلغهم فقال: أيها القوم، PageV01P377 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0378.png) ~~إني عارضت كلام محمد بالرجز والمديد والسريع وسائر النظم فما أراه بشيء منها، ~~وإن في كلامه حلاوة، وعليه طلاوة، وإن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمعرق، وإنه ~~ليعلو ولا يعلى عليه، وما أراه بكلام البشر. فقال له أبو لهب: القد صبوت ~~وأفسدت قريشا بهذا القول فارجع عنه2. فقال: إنه سحر يؤثر1). # وذكر علي بن طباطبا العلوي) في عروضه(3) أن تأليفات العرب ثمانية: الثر، ~~والسجع، والخطب، والرسائل، [والمزدوج]، والأمثال، والشعر، والمسمط. فالنثر ~~ما يجري في كلامهم البذلة من الخطابات، والسجع في الأوصاف والحكايات، وهو ~~نثر مقيد بقوافيه، والخطب هو النثر خالط السجع على طول الكلمات وتباين ~~الأسجاع، والرسائل كالخطب، غير أن أسجاعها تختلف، والأمثال قصار الكلمات ~~المودعة حكما)، والمزدوج هو المثنوي على قواف مختلفة، والشعر ما ينطوي ~~على العروض، والمسمط شعر ألفت خمس مصارع منه على سجع المصراع ~~السادس مقفى بقافية يدور عليها الشعر. 19711 فجميع تأليفات العرب هذه ~~الثمانية فقط، والقرآن جنس تاسع من التأليفات خارج عن هذه الثمانية، فمتى قسته ~~بنوع من هذه التأليفات وجدته مخالفا، ولا يوقف على مخالفته إياها إلا بفهم هذه ~~التأليفات كلها وهي ما ذكرته1. فمن هذا تبين أنه مباين لكلام البشر، ومن تكلف ~~من المعارضين له، وأجهد نفسه أن يخترع كلاما يخالف هذه التأليفات الثمانية، ~~[أعجزه الله تعالى عن تجاوز ذروة هذه الثمانية](6) علوا وارتفاعا، فينحط إلى حضيض PageV01P378 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0379.png) ~~العي والركاكة ms225 التي هي أخس منازل الكلام، فيأتي بما يضحك العقلاء مثل مسيلمة ~~الكذاب وغيره من المعارضين، فافتضحوا بما تقولوه، وانسلخ عن طباعهم بلاغة ~~كانوا عهدوها قبل تعرضهم للمعارضة، وهو الذي سماه بعضهم الصرفة. فقال ~~مسيلمة: يا ضفدع بن ضفدعين)، نقي كما تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب ~~تمنعين. فسمع الصديق (لآغه قوله فقال: هذا كلام لم يخرج من إل3. وقال ~~العنسي : "ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج من بطنها نسمة، تسعى من ~~شراسيف وحشا3. وقال نضر بن الحارث(3) وكان من فصحائهم: والزارعات زرعا، ~~والحاصدات حصدا، والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، ~~واللاقمات لقما". وقال: قد أفلح من هينم في صلاته، وأطعم المسكين من ~~مخلاته، وأخرج الواجب من زكاته4. وقال آخر: "والنجم إذا سما، والبحر إذا طما، ~~ما زاغ منذركم وما طغى(6). فأنزل الله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أوقال ~~أوحى إلى ولم يوح إليه شيىء). فسارت تلك المعارضات لهم فضائح إلى PageV01P379 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0380.png) ~~يوم الدين. ومن جملة ذلك "الفصول والغايات لبعض المتأخرين، فأصبحت(2) ~~بعد بلاغة صاحبها في النظم والنثر ضحكة للعالمين. هيهات هيهات، ما أبعد الثريا ~~من الثرى. " تبصر خليلي بعين البصيرة فصاحة القرآن، كيف تسحب ذيول الإعجاز ~~أينما توجه من القصص، والأخبار، والحكم، والأمثال، وبيان الحرام والحلال، ~~وأدلة التوحيد، وترديد الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب والتهديد، وتبيين ~~الفرائض والأحكام في أحسن السياقة والنظام. وانظر كيف يخرج [ويتخلص](3) من ~~فن إلى فن، وكيف ينتقل من معنى إلى معنى من غير 19811 خلل يقع في خلال ~~البلاغة، ولا نقص يأخذ من المعاني، ولا مقطع ينبو الطبع عنه، ولا مطلع يكد ~~السمع منه، وناهيك اعتبارا من القصص سورة يوسف بكمالها. وقف بفكرك عند ~~قوله تعالى: ( فلما أستتتسوا منه خلصوا نجيا) (يوسف؛ 80) ترى ماء البلاغة ~~يترقرق من تحاسين نظمه. ومن أذلة التوحيد تأمل قوله تعالى: (لؤكان فيهماء الهة إلا ~~الله لفسدتا) لآنبياء22) وقوله: (إذا لذهب كل إلام بما خلق)) كيف ~~يلعب بالعقول من وجازة لفظه، ومتانة معناه. ومن باب الوعد والترغيب فتصفح ms226 قوله: ~~(من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها)) وقوله: (قل كل يعمل على ~~شاكلته،) (الإسراء 84) وقوله: (هل جزاء الإحسن إلا الإحسان ))الرحمن ~~60). ومن باب الوعيد قوله: (من يعمل سوءا يجز به)123) ذرهم ~~يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل) (قل تمتع بكفرك قليلا). ~~وأما من قسم الفرائض والأحكام فأتى [أي تأمل](5) في عشر: (يوصيكم الله في PageV01P380 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0381.png) ~~آولد كم) ) كيف بين حظوظ الورثة من غير إخلال بالفصاحة. ومن ~~باب الطب قوله: (وكلوا واشربواولا تسرقوا) آراف؛ 31). ومن باب أحكام ~~الحلال والحرام فتفحص قوله: (وأحل الله البيع وحرم الربوا)رة 27). ومن قبيل ~~الحكم والأمثال فتأمل قوله: (لكلنبا مستقر)) (لكل أجل كتاب) ~~(الرعد؛ 38)؛ (لن تنالوا البرحت تنفقوا مما تحبورب) مران92)، (ومن يهن الله فما ~~له من مكرم))، (ضعف الطالب والمطلوب)7). وامتص ~~بفكرك مصاص البلاغة وطراوة الفصاحة من أفانين نظم قوله: ( فإذا أنسلخ الأشهر الحرم) ~~(التوبة؛ 5)، (وأشروا فى قلوبهم العجل بكفرهم) (البقرة؛ 93)، (واشتعل ~~الرأس شيبا)ريم 4)، (فأصدع بماتومر) وقد سمع بها أعرابي فسجد ~~لفصاحتها. وقوله: ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا)5)، فضربنا على ~~عاذانهم) ف )، (ولما سقط ف أيديهم) آعراف؛1)، (بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمعه)بياء)، (فطوعت له نفسه قتل أخيه). ~~هذه وأمثالها، إذا طرقت الأسماع تلذذها، وإذا لاقت الطباع تمازجها، وإذا وردت ~~القلوب تروحها، وإذا هبت على الأرواح تصقلها. نعم، ولو عرجت إلى فواصل ~~آياته بالحروف المتقاربة المخارج [حتى] لا تشبه أسجاع الكهان، ولا توافق ~~قوافي الشعر، قضيت منها العجب. بل لو أطرت فكرك حول الحروف المفصلة في ~~أوائل السور لرأيتها كيف ترمز بإيجازها إلى بحار المعاني، وأفنان الحكم. فأي ~~كتاب احتوى على هذه اللطائف، واختص بمجامع هذه ا199 المعارف، وانتظم ~~في سلكه هذه الدرر واليواقيت، انتظام العقد المفصل كما قال بعضهم: ~~من اللؤلؤ والنضر المؤلف نظمه فما خانه سلك وما شاز PageV01P381 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0382.png) # إن التوراة مقسومة على خمسة أسفار، كل سفر منها مفرد بمعنى: السفر الأول ~~لذكر بدء الخلق، والسفر الثاني لخروج بني إسرائيل من مصر، والسفر الثالث [لأمر ~~القرابين، والسفر الرابع لإحصاء موسى بني إسرائيل، والسفر الخامس](1) لتكريب ms227 ~~النواميس. فكان اختلاف معانيها موجبا لتفاصيلها، والنواميس عندهم الملائكة، ~~والناموس الأكبر جبريل عليه السلام، سموا بذلك لخفائهم عن الأبصار، والنمس ~~دابة تخفي نفسها عن الناس. وكان أفضل ما في التوراة العشر آيات، وأفضل ما في ~~الإنجيل الصحف الأربعة المنسوبة إلى تلاميذ المسيح الأربعة، وهي المخصوصة ~~بالقراءة في صلواتهم وأعيادهم. والزبور كله أدعية وتحاميد وتسابيح، وأفضله ما ~~اتفق أهل الكتابين على اختياره. وهذه الكتب كلها أوحيت معانيها إلى أصحابها، ~~فعبر كل نبي عنها بعباراته، فلم تكن أساليب نظمها معجزة لهم. بخلاف القرآن، فإن ~~جبريل عليه السلام أنزله على المصطف صلى الله عليه وسلم فظه ونظمه ومعناه معا، فكان له ~~معجزة من هذه الوجوه كلها. # سبحان من جعل محمدا نقطة دائرة الوجود، ودرة بحر الجود، ولؤلؤة صدف ~~الشرف، وقرة عين السلف والخلف، وصفوة الكرم، وقدوة الأمم، وخثم النبوءة، ~~ونجم المروءة، وقلب الحقيقة، وقطب الخليقة، وتاج الشريعة، وسراج الطريقة، ~~ومنهاج الرسالة، ومجاج الدلالة، وواسطة الخلق، ورابطة الحق. محا به الكفر، ومد ~~به الدين، فسماه محمدا، وخاط خلعة النبوة على قده فجعله مقتدى، وآتاه كتابا ~~ينابيع الحكم فوارة في درجه، وشموس الغيوب طالعة من برجه، فأصبح والعالم في ~~سرباله، وكل العلوم في سر باله، صلى الله عليه وعلى آله. # إلهي، وفقنا على طاعتك وطاعته، وأدمنا على سنته وتباعته، ولا تحرمنا غدا من ~~شفاعته، واحشرنا في زمرته وجماعته [يا الله] PageV01P382 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0383.png) # اعلم أن الكفر ضد الإيمان، قال الله تعالى: (فمنهم من امن ومنهم من كفر) ~~(البقرة؛ 253). والإيمان 20011 هو التصديق بالرسول وما جاء به، والكفر ~~التكذيب بذلك، وفي تصديق الرسول تصديق الله، وفي تكذيبه تكذيبه (من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله) . فعلى هذا فاعلم أن العمدة في التكفير تكذيب ~~الرسول، وتفصيله هو أن الكفر مخالفة نص مقطوع به، أو مخالفة إجماع الخواص ~~والعوام في أمر ديني، وفيهما جميعا تكذيب الرسول، وهذه مسألة فقهية لا مجال ~~فيها للعقل والنظر، وذلك على أربعة أنواع: # النوع الأول: تكذيب اليهود، والنصارى، والمجوس، وعبدة الأوثان، وتكفيرهم ~~نص الكتاب والإجماع. ms228 # والنوع الثاني: تكذيب المنكرين لأهل النبوة، وتكفيرهم يكون على الطريق ~~الأولى لأنهم كذبوا جميع الأنبياء. ومنهم الدهرية لأنهم كذبوا بالله وبالرسل جميعا. ~~ومنهم الملاحدة التعليمية لأنهم لبسوا التكذيب في صورة التصديق لتعليقهم ~~معرفة الله بمعرفة الرسول، وقد علم قطعا أن معرفة الرسول معلقة بمعرفة المرسل، ~~فتكون المسألة دورا لا يمكن إثبات واحد منهما. وفي ضمن دعواهم هذه نفي ~~الرسول والمرسل جميعا. فأما اليوم فقد أفشوا ما كانوا يكتمون من الأسرار ~~والتبطن، وأعلنوا الإباحة، وإنكار الشرائع، ونكاح البنات والأمهات، فالتحقوا ~~بالمجوس والدهرية. # والنوع الثالث: تصديق الرسول، ولكنه يعتقد صاحبه أن ما أخبره الرسل من ~~الشرائع، والحشر، والنشر، وغيرها إنما يكون على طريق المصالح للخلق، إذ لم ~~يمكنهم التصريح بالحق، لكلال أفهامهم عن إدراكه، وهم الفلاسفة. وكفرهم # 388 PageV01P383 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0384.png) ~~التجويزهم الكذب على الأنبياء عليهم السلام، وفي ذلك سد باب النبوة أصلا، إذ ~~يبطل الثقة بقولهم، فيجب تكفيرهم بالطريق الأولى. # والنوع الرابع: تصديق الرسول في قوله، ولكن صاحبه قد أخطأ في تأويل بعض ~~ما ورد به، وهؤلاء هم المتأولون من أهل القبلة، كالمعتزلة والنجارية، والروافض، ~~والخوارج، والمشبهة، وغيرهم. واختلف أئمتنا في أن الخطأ في التأويل، هل يبلغ ~~حد التكذيب فيكفر به قائله أم لا? فصاروا في ذلك فريقين: # الفريق الأول ادعوا أن من فارق الرسول في شيء أخبره فقد كذبه، سواء كان ~~بمجرد الإنكار أو بخطإ التأويل، وعلى ذلك أجروا عليهم أحكام الكفرة، ولم ~~يميزوا بين الغلاة منهم والمقتصدين في ذلك. وهؤلاء مع ما 20111 ضيقوا ~~رحمة الله التي وسعت كل شيء، لم يتابعهم الجمهور من العلماء، والخلفاء، ~~والسلاطين، ولم يهرقوا دماء القوم بقولهم، ولا استباحوا أموالهم وحريمهم ~~بفتواهم، بل مكتوهم بين المسلمين كما تراهم. وقال بعض الأصحاب: إنما أطلق ~~لفظ الكفر على هؤلاء تغليظا وتشديدا لتفاحش خطئهم وبدعتهم، أما حكمهم حكم ~~المسلمين لدخولهم في غمار الأمة بإجماع الأمة في قوله صلى الله عليه وسلم ستفترق أمتي بثلاث ~~وسبعين فرقة. سماهم أمة، وأضافهم إلى نفسه. والأمة على ضربين: أمة دعوة، ~~وأمة إجابة. ms229 فالكفار كلهم أمة دعوة وهم أكثر من نيف وسبعين، إذ قد جاء أن الكفر ~~سبعمائة ملة، فصح أنهم أمة إجابة [كذا]، وأمة الإجابة هم المسلمون فمن سماهم ~~كفرة فقد ظلم. ومعنى قوله في آخر الحديث: كلهم في النار إلا واحدة(2) فقد PageV01P384 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0385.png) ~~يروى كلهم في الجنة إلا واحدة وهم الزنادقة، ويروى أيضا الهالكة منها ~~واحدة. فأما الرواية الأولى فمعناه كلهم يرد النار، أو في النار وروده لقول الله ~~تعالى: (وإن منكم إلا واردها) مريم؛ 7). ومن روى الناجي منها واحدة يكون ~~هو المتقي في قوله تعالى: ( ثم ننجى الذين اتقوا) مريم؛ 72) وهو المشار إليه بقوله ~~عليه السلام: هو على ما أنا عليه اليوم وأصحابي. ذكره أبو طالب المكي. فتعين ~~أن هؤلاء هم المسلمون ولكنهم فسقة، ضالة، مبتدعة، مخطئة، فلو سماهم أحد ~~كفرة، كان تشديدا وتغليظا لما هم عليه من الخطأ الفاحش والبدع الشنيعة، فشبهوا ~~ذلك بالكفر لمقاربته إياه. ونظيره ما جاء في الحديث: المراء في القرآن كفر، ~~وبين العبد والكفر ترك الصلاة3)؛ من ترك صلاة متعمدا فقد كفر()، "إذا ~~قال المسلم للمسلم أنت عدو لي فقد كفر؛ لا يزني الزاني حين يزني وهو PageV01P385 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0386.png) # 391 ~~مؤمن1). هذا كله ورد على جهة التغليظ والتشديد في الزجر، إذ يطلق الكلمة على ~~الشيء بنوع من التشبيه، ولا يقتضي حقيقة الحكم عند التفصيل كقول الرجل ~~لأجنبي: أنت أخي. أو ولدي" على طريق التقريب والإكرام، ثم لا يرثه إذا مات، ~~ولا يحرم بناته وأخواته. وكذلك إذا قال لآخر: أنا عبدك. على معنى التواضع ~~والطاعة، ولا يجوز بذلك بيعه وامتلاكه. كذلك حكم هؤلاء، إنما يكون معنى الكفر ~~في حقهم إخبارا عن إفحاش مقالاتهم، لا لإجراء أحكام الكفرة عليهم. # وأما الفريق الثاني من الأئمة فقد أمسكوا عن التكفير أصلا ولكن سموهم ~~ضالة، مبطلة، مبتدعة، ا2021 مخطئة، لأنهم لو كذبوا الرسل كما فعل سائر الكفرة ~~لم يشتغلوا بتأويله، فلما عدلوا إلى تأويله كان مشعرا بأنهم قبلوه وصدقوا الرسل، ~~غير أنهم لم يوفقوا للصواب في تأويله فأخطأوا فيه، ms230 فكأنهم فروا من الكفر فوقعوا ~~في البدعة بخطإهم فصاروا مبتدعة ضالة عن سنن السنة وصوب الصواب. قال ~~أبو سليمان الخطابي(2) رحمه الله في كتاب شعار الدين(): إن أول من فارق ~~الجماعة في عهد علي (النفه [الخوارج]، وقد أخبره النبي صلى الله عليه وسلم آم يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم من الرمية، وقد سئل علي عنهم أكفار هم? فقال: إنهم من PageV01P386 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0387.png) ~~الكفر فروا. فقيل: أمنافقون? قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهم ~~يذكرون الله كثيرا. قيل فما هم? قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا. قال ~~الخطابي: وإنما لا يجعلهم كفارا لأنهم تعلقوا بضرب من التأويل وإن كان فاسدا، ~~وهو أن عليا (يننه حكم الحكمين فأخرجاه من الإمامة فلم يخرج نفسه منها، فأورث ~~ذلك شبهة في قلب القوم الذين خرجوا عليه. قالوا: وقول النبي صلى الله عليه وسلم إنهم يمرقون من ~~الدين. أي من الطاعة كما قال الله تعالى: (في دين الملك) (يوسف؛ 76) أي في ~~طاعته. وحجة هؤلاء في منع تكفيرهم أنه قد ثبت عصمتهم بقولهم لا إله إلا الله، ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. ثم لم يثبت لنا أن الخطأ في التأويل ~~كفر أم لا، فلا بد من دليل على ذلك إما بنص، أو قياس صحيح على نص أو ~~إجماع، ولا نجد من ذلك شيئا، فبقي القوم في الإسلام. فإن اتفق في زمان مجتهد ~~تكامل فيه شرائط الاجتهاد كالشافعي وأبي حنيفة وغيرهما من الأئمة الكبار، وبان ~~له بدليل قاطع أن الخطأ في التأويل موجب للكفر، كفرناهم بقوله، وهيهات أن ~~يكون ذلك في مثل زماننا هذا. # واعلم أن الفرق المنتسبين إلى الإسلام قد تشعبوا شعبا كثيرة، واختلفت ~~أهواءهم اختلافا خارجا عن الضبط، وهم على كثرة اختلافهم بين غلاة ومقتصدين، ~~فالغلاة زعماءهم الأقدمون كانوا مع خطاياهم انتحلوا فضائح توجب الكفر ~~كالحلول. فإن المغيرة بن سعد العجلي) زعم أن ms231 روح الإله فيه. ومنهم من زعم PageV01P387 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0388.png) ~~أن لله أعضاء على صورة حروف الهجاء. والخطابية ادعوا الإلهية لجعفر بن ~~محمد الصادق. والسبئية( ادعوا الإلهية أيضا لعلي بن أبي طالب وزعموا أنه في ~~السحاب. وقد 203/1 أحرق علي لالفه جماعة منهم إذ قالوا له: "أنت هو. فقال: ~~اومن هو؟ قالوا: "الله. وفي ذلك يقول: # ما رأيت الأمر أمرا منكرا أوقدت نارا ودعوت قنبرا1 # وكالتشبيه والتجسيم، فإن بنان بن سمعان زعم أن الله على صورة إنسان، وأنه ~~سيفنى كله إلا وجهه. وكان السيد الحميري(3) من الغلاة مكفرا للصحابة فه، ~~فلقي كميتا في طريق الحج فعاتبه، فقال أنت الذي يقول: PageV01P388 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0389.png) ~~ولا أقول وإن لم يعطيا فدكا بنت الرسول ولا ميراثه كفرا ~~الله أعلم ماذا يأتيان به يوم القيامة من عذر إذا حضرا # فاختصما في ذلك طويلا، وكان كميت لم يكن مكفرا للصحابة. # فلما اطلع أئمتنا على فضائحهم، حكموا للقدرية بأحكام المجوس لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: القدرية مجوس هذه الأمة. وحكموا للحلولية بأحكام أهل الردة، ~~وحكموا للمجسمة بأحكام عبدة الأوثان، وإنما تجري عليهم هذه الأحكام بعد أن ~~ينبهوا على كفرهم ويستتابوا عنه، فإن لم ينتهوا عما يقولون وعتوا عتوا، رفع أمرهم PageV01P389 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0390.png) ~~الى السلطان في سفك دمائهم وأخذ أموالهم، وليس للرعية وعامة الناس أن ~~يتعرضوا لهم بشيء من ذلك بأنفسهم البتة. هذا ما اجتمع عليه أئمة الدين. وقال ~~بعض المكفرين لأهل الأهواء إنهم مع ما اعتقدوه، ما لم يتعرضوا لنا لا نتعرض ~~لهم، فإن قاتلونا قاتلناهم لما روي عن علي (لففه، قال للخوارج بعد ما كفروه ~~وقاتلهم: إن لكم علينا ثلاثا، لا نبدؤكم بالقتال، ولا نمنعكم من الفيء ما دامت ~~أيديكم مع أيدينا، ولا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله1. وأما ~~المقتصدون من الفرق فقد وافقونا على تكفير هؤلاء الغلاة لأجل ما حكينا عنهم ~~من الفضائح وأوردوه في كتبهم. # غير أن [كذا] بقيت عليهم مسائل كانوا فيها مخطئين، فتردد نظر العلماء في ~~حقهم، وأكثر المتدينين من ms232 الأئمة مالوا فيهم إلى ترك التكفير، والسبب في ذلك ~~هو أن التكفير أمر هائل عظيم الخطر كما قال الله تعالى: (وتحسبونة هينا وهو عند الله ~~عظيم)) النور؛ 15) [إذ التكفير عبارة عن الإخبار عن شخص أن عاقبته في ~~الآخرة](2 العقوبة الدائمة، وأنه في الدنيا مباح الدم والمال، لا يمكن من نكاح ~~مسلمة، ولا يجري عليه أحكام أهل الإسلام في حياته وبعد مماته، وإنما الخطأ في ~~ترك ألف كافر 20411 أهون عند الله من سفك محجمة من دم مسلم. ثم إن تلك ~~المسائل التي يحكم فيها هذا الحكم في غاية الدقة والغموض لكثرة شعبها، ~~واختلاف قرائنها، وتفاوت دواعيها، والاستقصاء في معرفة الخطإ مع صنوف ~~وجوهه، والاطلاع على حقيقة التأويل وشرائطه في الأماكن، ومعرفة الألفاظ ~~المحتملة للتأويل وغير المحتملة، وذلك يستدعي معرفة طرق أهل اللسان العربية ~~[كذ] في حقائقها، ومجازاتها، واستعاراتها، ومعرفة دقائق التوحيد، وعوارضه، إلى ~~غير ذلك، وهذا متعذر جدا. على أن ذلك مع انضمام الأعراض، واختلاف الأهواء ~~والتعصبات، وتفاوت دواعي الخاصة والعامة في الأزمنة المختلفة إلى تلك الفتوى. PageV01P390 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0391.png) ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار. فالعالم المتدين ~~يتثبت، ويتوقف، ويحتاط، ولا يتجازف مخافة النار، فإن المفتي على شفير جهنم ~~كما قال حامد اللفاف3، سيما والفتوى هذه. فلهذا السبب تردد [كذا] أقوال الكبراء ~~من أئمتنا فيها. قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: إن القاضي أبا بكر، والأستاذ ~~أبا إسحاق الإسفراييني، ذكرا أقوالا لأبي الحسن الأشعري في تكفير المتأولين ~~متعارضة. فالظاهر أنه قد تردد في ذلك. وروى عبد الجبار البيهقي الخواري عن ~~الإمام أحمد بن الحسين البيهقي(3 عن أبي حازم العبدويي عن الإمام أبي علي ~~زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل الإمام العالم PageV01P391 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0392.png) ~~أبي الحسن الأشعري رحمة الله عليه في داري ببغداد، دعاني وقال لي: اشهد علي ~~أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة لأنهم يشيرون إلى معبود واحد1). وقال ~~أبو الحسن الأشعري في صدر كتاب المقالات(2: اختلف المسلمون في أشياء ms233 كثيرة ~~ضلل فيها بعضهم بعضا، وبرئ بعضهم من بعض، إلا أن الإسلام يشملهم ويعمهم). ~~ألا ترى كيف سماهم المسلمين وإن كانوا مختلفين. وقال الإمام الشافعي (لفغ: ~~أقبل شهادة من قال بالوعيد، والخوارج إلا الخطابية، وهم قوم يشهد بعضهم لبعض ~~من غير معرفة إذا اتفقوا في المذهب. ووافقه الإمام أبو حنيفة رحمه الله في ذلك. ~~وحكى القاضي أبو العباس(5) عن أبي حازم() عن المزني() أنه كان يجعل أهل القبلة ~~مع اختلافهم في مذاهبهم مسلمين، وكان يمتنع عن تكفيرهم لأن المسائل التي اختلفوا ~~فيها لطاف دقاق يدق النظر فيها. وقال 205 الإمام إمام الحرمين أبو المعالي ~~الجويني في كتاب غياث الأمم: إن قيل لنا فصلوا ما يقتضي التكفير وما ~~يوجب التضليل والتبديع، قلنا هذا طمع في غير مطمع، فإن هذا بعيد المدرك، وعر PageV01P392 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0393.png) ~~المسلك، يستمد من تيار بحار التوحيد، ومن لم يحط علما بنهايات الحقائق لم ~~يتحصل من التكفير على وثائق، ولو أوغلت في جميع ما يتعلق بأذيال الكلام في ~~هذا الباب لبلغ مجلدات ثم لا يبلغ منتهى الغايات. وقال الأنصاري في نكت ~~الأدلة1: سمعت الأستاذ أبا القاسم القشيري) رحمه الله يقول: راجعت الأستاذ ~~أبا بكر بن فورك في هذه المسألة مرارا فلم يحر جوابا وقال: حتى أنظر فإنه دين. ~~وقال القاضي أبو المحاسن الروياني في الحلية: ولا ينبغي أن يصلي خلف ~~المبتدع، فإن صلى لا يلزمه الإعادة لأنا لا نكفر أحدا من أهل المذاهب المختلفة. ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فله ما لنا ~~وعليه ما علينا3). ولهذا يناكحون، ويقرون عليه مع وجوب الاحتياط. PageV01P393 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0394.png) # هؤلاء هم العلماء الذين كانوا أعضاد الدين وأعلام الإسلام، تراهم كيف ~~يحترزون من إطلاق التكفير، فبهداهم اقتده. وإياك والاغترار بقول مجازف يوهمك ~~التعصب للدين، وقصده فيه استتباع العوام، واجتذاب الحطام والأغراض الدنيوية، ~~وملاك الأعمال النية. ومن خادع بالتمويه مولاه فقد باع دينه بدنياه، وخسر أولاه ~~وعقباه. أما يدري المسكين أن الدنيا زجاج ذو تلاويح، وسراج ms234 في مدرج الريح، ~~والآخرة ملك أبدي، وبقاء سرمدي، عند جوار الحق في مقعد صدق، فانظر أي ~~الفريقين أحق بالأمن. ونختم الباب بتفاريق مسائل من التكفير. # مسألة : من ادعى أن المعدوم شيء، قيل يكفر لأنه قال بالقدم، وقيل لا يكفر ~~لأنه قدر معلوما وهميا هو متعلق العلم غير موجود فسماه شيئا لقول تعالى: (ولا ~~نقولن لشاي عإنى فاعل ذلك غدا) لكهف؛23) وقوله: (إن زلزلة الساعة ~~شتء عظيه)) فيكون ذلك منه خطأ في التأويل. # مسألة: من نفى صفات الله تعالى، قيل يكفر لجهله بالله، وقيل إن نفاة الصفاة من ~~أهل القبلة هم المعتزلة، وكان أبو هاشم منهم، أثبت الصفات غير 20611 أنه ~~فسرها بالحال التي سماها العالمية والقادرية، فيلزمه في الحال وتعليقها بالمتعلقات ~~ما ألزمنا في الصفات الموجودة، فلذلك لا يوجب التكفير، كيف وقد نفى القاضي ~~أبو بكر منها صفة البقاء. أما من نفى كونه تعالى موصوفا بهذه الصفات فقد انعقد ~~الإجماع على تكفيره. # مسألة: من نفى الرؤية، قيل يكفر لأنها تتبع الوجود، فمن نفاها فقد نفى ~~الوجود، وقيل لا يكفر. قال أبو القاسم الأنصاري في نكت الأدلة: اإن المعتزلة ~~أثبتوا الرؤية بالقلب على طريق العلم، ونفوا عن البصر احترازا عن المحاذاة ~~واتصال الشعاع2. وقال ضرار(2): يجوز أن يرى في الجنة بغير هذه الحاسة. ~~والتكفير في أمثال هذه المواضع مما يتوقف فيه. PageV01P394 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0395.png) # مسألة : من نفى كلام النفس، قيل كفر. قال الأنصاري: فأما مسألة الكلام، ~~فالعاقل لا ينكر حديث النفس. وأثبتوا له كلاما ووصفوه بالخلق، وهذا مما يوجب ~~التضليل والتخطئة دون التكفير. # مسألة : من اعتقد أن الله جسم، هل يكون عارفا بالله? قيل يكون جاهلا ويكفر. ~~قال الإمام أبو نصر القشيري في "المرشد: قد يجوز ذلك في العقل، ولا يكفر ~~على طريقه، لأنه يتصور أن يعرف وجود شيء من وجه ويجهل من وجه، فيجوز أن ~~يعرف وجوده وإن جهل، كذب من قال إنه جسم. ولو كان من عرف وجوده واعتقد ~~أنه جسم ما عرفه لوجب أن يكون من قال آدم يشبه ms235 ربه لم يعرف آدم وإن شاهده ~~وعاينه، وكذلك من شاهد السواد واعتقد أنه الجسم وجب يقال أنه ما عرف السواد، ~~فصح بذلك أن من علم وجوده، ولم يقل ما اجتمعت عليه الأمة على أنه كفر، لم ~~يجز تكفيره، [والله أعلم]. # مسألة: من استحل دماءنا وأموالنا بتأويل من الخوارج والروافض وغيرهما هل ~~يكفر? قيل نكفرهم، وقال القاضي: من استحل دماءنا وأموالنا بتأويل لا نكفرهم لأن ~~هذا جهل منه بأوامر الله ونواهيه، لا بنفس وجود الله تعالى، وليس على تكفيرهم ~~إجماع. وهذه الطريقة، أعني ترك التكفير تبتني على أن الشيء الواحد يجوز أن ~~يكون معلوما من وجه، مجهولا من وجه كما بينا من قبل. والدليل عليه أن العرض ~~يعلمه موجودا بالحس من يجهل أنه غير الجسم، وإنما هو عرض لنفسه، وغير ~~الجسم لنفسه، فالجهل بأنه غير الجسم جهل بنفسه لأنه غيره بنفسه. فيجوز أن يعلم ~~أحد الرب تعالى شيئا لنفسه ويجهل أنه قديم ا2071 لنفسه، فتكون الصفتان ~~العائدتان إلى النفس بمثابة جنسين أو نوعين في المحدثات من أن يجوز أن يعلمه ~~على إحدى الصفتين من لا يعلمه على الصفة الثانية. فلو أخبرنا نبي لونا في جسم ~~ولم نعلمه أنه سواد أو بياض فنفس اللون معلوم لنا من وجه، مجهول من وجه، ~~وهو شيء واحد. PageV01P395 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0396.png) # مسألة : إن قيل قد روي عن البي صلى الله عليه وسلم إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء ~~أحدهما به. والمبتدعة يكفرون الصحابة وإيانا. # الجواب اختلفوا فيه، قال القاضي(2 رحمه الله : لا نكفرهم بذلك لأن تكفيرهم ~~لأهل الحق إنما صدر عن الجهل بحال أهل الحق، وظنوا أنهم مكذبون للرسول، ~~وذلك غلط منهم، وإنما يبنى تكفيرنا إياهم على أن يستيقنوا أنا مصدقون للرسول، ~~ثم يرون ذلك التصديق كفرا، فحينئذ نكفرهم. وهو معنى الحديث. فإن من كفر ~~أخاه مع معرفته أنه مصدق لله وللرسول يكون ذلك المكفر كافرا، وهذا فيه دقة ~~فاعلمه. فرجع حاصل الكلام في التكفير إلى ما قال القاضي أبو بكر(3) أن من قال ~~قولا ms236 أجمعت الأمة على تكفير قائله فهو كافر، وما لم يجمعوا على تكفيره فلا يكفر ~~به. وكل من قال قولا يمتنع مع ذلك القول وجود العلم بالله وبصفاته وتصديق ~~رسوله في معتقده فهو كافر. وقال الأستاذ أبو إسحاق في الجملة: من كفرنا على ~~مسألة يعلم أنها هي صحيحة بالدليل فقد انفرد بالكفر، ومن لم يخالف ما اتفق عليه ~~كل الأمة في العصر الأول كان من جملة الأمة. وقال الأنصاري: العمدة في ~~التكفير مخالفة النص القاطع، واجماع الخاص والعوام. وهذه العبارة في أقوالهم ~~راجعة إلى أصل واحد وهو التكذيب بالرسول كما بينا من قبل. # سبحان من جعل أمة محمد (طرايق قدد)، وجعل الناجي من جملتهم ~~واحدا، والباقون ودوا (لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا)10). PageV01P396 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0397.png) ~~دب فيهم داء الحسد، دبيب الروح في الجسد، فافترقوا على عدد حروف الحسد، ~~فرقا بددا، ثم هم راجعون إلى ستة كانوا لها أصولا وعمدا، مشبهة، معطلة، جبرية، ~~قدرية، رافضة، خارجية، ضالين عن الهدى، ثم انشعب من كل واحدة منهم اثنا ~~عشر عددا، والستة المضروبة فيها يكون ذلك العدد الأول أبدا، 20811 فرق ~~صدروا في تيه الجهالة وتمادوا في الغي والضلالة سدى، ولم ينالوا من أمرهم ~~رشدا، لقد خبأت مصابيح قلوبهم في خزانة الغيب فلا يعلمها إلا عالم الغيب (فلا ~~يظهر على غيبه احدا)2). # إلهي، ثبتنا على سنن السنة والجماعة، واسبل على وجوهنا قناع القناعة، ومل ~~بقلوبنا عن مذاهب الشناعة، ولا تتلف بضاعة أعمارنا في وادي الإضاعة، وزين ~~جوارحنا بأعمال البر والطاعة، ولا تكلف أنفسنا فوق الاستطاعة، واحفظنا من فتن ~~آخر الزمان وأهوال الساعة، يا من لا ملجأ ولا منجى إلا إليه. # هذا وقد استتب الفراغ واتجه البلاغ من كتاب سراج العقول في منهاج الأصول ~~بعون الله وتوفيقه وهديه إلى أوضح طريقه، وقد أودعته جملا من بدائع العلوم ~~والحكم، وجلائل الحجج وروائع الكلم، وأوردت فيه شواهد الآيات والأخبار، ~~ونتائج العقول والأفكار، فمن وفى حق النظر فيه، ونشر بالبحث سر مطاويه، واطلع ~~على كنه معانيه، ولم تردعه ms237 العصبية والدخلة الرديئة، اعترف بأني: ~~... وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تأت قبلي الأوائل1 ~~ولا يعرف قدر ذلك إلا العلماء بالله، الراسخون في العلم، والديانون من أولي الفهم، ~~الذين هم أوتاد الأرض، وحجج الله على الخلق، والسلام عليهم ورحمة الله وبركاته. PageV01P397 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0398.png) # على أني لم أدع فيه العصمة عن إمكان السهو والغلط، فإن الإنسان يعرض ~~للنسيان "وسميت إنسانا لأنك ناس11). وأول ناس أول الناس. فإن اطلع عالم فيه ~~على موضع سهو وغلط فليصلحه بقلمه بفضله وكرمه، بشرط أن يكون على يقين ~~دون تخمين، ولا يكونن ممن إذا رأى ألف صواب غطاه، وإذا وجد سهوا نادى ~~عليه وأبداه كما قيل: ~~صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا(2 # ورحم الله من كان من المنصفين، ولعن(3) الذين جعلوا القرآن عضين. PageV01P398 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0400.png) # واعلم أن من لم يستحكم العربية، ولم يمارس أصول الكلام، ولم ينظر في ~~كتب المشايخ وأرباب الطريقة، ولم يتعود الفكر في استنباط المعاني الخفية، لم ~~يحظ من هذا الكتاب بطائل، لأن فيه مواضع، وإن طال الكلام فيها، فلا يتفطنها ~~2091 إلا من أوتي قريحة ذكية، وبنية صالحة مرضية، ويكون مع ذلك متدينا، ~~صبورا على كد النظر وإمعان الفكر، جل مطلبه درك حقائق العلوم، وتحلي النفس ~~بها دون مغالبة الخصوم، والمباهاة في المحافل، وطلب الصيت في الناس، فإن ~~أنفع العلم ما كان لله. # هذا، ولعل قائلا يقول لي: إنك ما راعيت الترتيب في هذا الكتاب، ولم ~~تودعه جميع مسائل الأصول. ولعمري كان كذلك غير أني لم أصنف كتابا حاويا ~~لجميع الأصول [برأسه]، ولكني سئلت عن مسائل معدودة فتكلمت عليها، ~~وبسطت القول فيها خاصة حتى انشعب من حواشي الكلام فيهن( مسائل كثيرة، ~~وإشارات لطيفة، ومستنبطات غريبة، فصار الكتاب بها مجمعا للدقائق، مشرعا ~~للحقائق، مترعا بالنكت اللطاف، مودعا درر الأصداف، على طريقة بديعة، سهلة ~~منيعة. # وحرام على من يقع هذا الكتاب بيده أن يغيره، أو يبدله، أو ينسبه إلى غيري، أو ~~ينتحله، فلقد عرض علي عدة كتب كنت ms238 توليت جمعها في صباي، فصادفتها ~~منحولة إلى سواي، فأنشدت في ذلك قول الفرزدق (شعر): ~~إذا ما قلت قافية شرودا تنحلها ابن حمراء العجان3 PageV01P400 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0401.png) # ولعمري إن تصانيف المرء بمنزلة أولاده، وعلى إسنادهن معول أستناده، إذ كان ~~بها يرجو الترحم ممن نظر بعده فيها، فمن نسبها إلى غير مصنفها فقد أغلق باب ~~رحمة الله عليه شر إغلاق، لقوله تعالى: (قل لوأنتم تملكون خزابن رحمة رب إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق) (الإسراء؛1). وأيضا من نسب كلاما إلى غير منشئه كان ~~كمن نسب ولدا إلى غير أبيه، ومن فعل ذلك كان في لعنة الله مغموسا، ويحشر يوم ~~القيامة على عينيه مطموسا، اعتبارا بحديث أبي هريرة: لعن الله من انتسب إلى غير ~~أبيه2). ومن غير كتابا أو زاد ونقص منه أبوابا كان كمن قطع شخصا [سالما] ~~إربا (3). # حكي أن الجاحظ صنف كتابا وبوبه أبوابا، فحذف منه بعض أهل عصره أشياء، ~~فأحضره وقال له: يا هذا إن المصنف كالمصور، وإني قد صورت في تصنيفي ~~صورة كانت لها عينان فعورتهما، عور الله عينيه [كذا]، وكان 21011 لها أذنان ~~فجدعتهما جدع الله أذنيه [كذا]، وكانت لها يدان فقطعتهما قطع الله يديه [كذا]... ~~حتى عد أعضاء الصورة، فخجل الرجل وتاب على يديه، فاعلم ~~فعلى هذا المعنى رأيت الصواب لو أثبت فهرست كتب وأجزاء ورسائل كنت ~~ألفتها منذ صباي في فنون العلوم لتكون إرشادا لطلابهن، ودلالة لخطابهن، وسجلا PageV01P401 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0402.png) ~~لحفظ أنسابهن، ولي قصائد شعر ما دونها. فمنها هذا الكتاب المعنون بسراج ~~العقول في منهاج الأصول، ومنها كتاب لطيف في المعرفة موسوم بنور الحقيقة ونور ~~الحديقة، ومنها كتاب مسالك البحث عن مدارك البعث، ومنها نقض التعليم وكشف ~~التوهيم، ومنها يواقيت العلوم ودراري النجوم، يحتوي على مسائل من ثلاثين علما، ~~ومنها ذخر الخواص في تفسير سورة الإخلاص، ومنها رسالة قوت الروح. # ومن الأدبيات: صوان الأدب في لسان العرب، وكتاب رفع الخبال عن رؤية ~~الهلال، وشرح تسبيحة الأبدال ومعنى الجمال والجلال، والإبانة عن معنى الإمالة، ~~وحل العيبة عن حال الغيبة في ms239 كلام المشايخ، وكذلك جزءان من مساءلات قوت ~~القلوب، وكتاب الياقوت في تسبيح الملك والملكوت، ومصفاة الصفاة والرد على ~~النفاة، وشرح بدء النحو من كلام الترمذي، ورسالة الفتوى في قوله: (وألزمهم كلمة ~~النقوى) (الفتح؛ 26)، وشرح كلمات شتى من خطب علي بن أبي طالب (لفض، وكتاب ~~المناهج في علم المخارج، والمسائل المستدركة من سؤالات القرآن، وزبدة الأقوال ~~في قوله: (ثمء اتينا موسى الكتاب تماما)لأنعام؛154) الآية؛ ومقامات شتى عملتها ~~بساوة على لسان الفقيه المصري، والإفادة عن ترجمة الشهادة، وجزء في مقاربة القضية ~~عن مقارنة النية، وحدر اللثام عن الحرف والكلام، ورسالة الاستيجاب عن الأحوال ~~الثلاث. # وأما في علم العربية فمنها: لباب الألباب في مراسم الإعراب، وغاية التعريف ~~في علم التصريف، وجملة الحديث عن التذكير والتأنيث، والذر المنظوم في التعدية ~~واللزوم، والأصول والفصول، ا2111 والنكت في النحو، واللمحة في النحو على ~~غاية الاختصار، والشمة في النحو، وقاعدة في النحو، وجوهرة التصريف على ~~الحروف، والرائقة في التصريف، والفائقة في شرحه. # ورسالة في مشاجرة المتعلم والفقيه والأديب والمتكلم. ومراسلات وقصائد ~~كتبتها إلى القاضي ظهير الدين البسطامي، ورسالة في نسبة الليالي إلى اللآلي كتبتها PageV01P402 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0403.png) ~~إلى الرئيس عماد الدين بن قائد بخوي، وتفسير الفاتحة وقدر عشرين آيات [كذا] ~~من البقرة، أمليتها في جامع قزوين فيها المعاني والمسائل الدقيقة، وقد عاقتني ~~العوائق عن الإتمام، ومجرد قراءة أبي عمرو بن العلاء، ورسالة الإيماء إلى لفظ ما، ~~كتبتها بهمذان إلى الشيخ أبي العلا الحافظ، وبهجة القراء في أسرار القراءات، ~~والبرهان على (إن هاذان ...) (طه؛ 63)، وكتاب التلقين في مهمات الدين مختصر ~~بالعجمية، والاكتفاء في علم الاستيفاء، وشرح بيتي المتنبي: روح تردد والآخر: ~~ها فانظري أو فظني بي". ومنها مختصر في تنزيه الحق وبدء الخلق، فيه مسائل ~~غوامض، ومنها كتاب الإفادة في تسهيل الولادة، ومنها الرسالة بث الشكوى، ومنها ~~الرسالة في نقض أحكام النجوم. وهذه الأبيات مما قلته في صباي: ~~إن كان يقدمني نذل بلا خطر أو كان يجلس فوقي جاهل جلف ~~فقدم الألف المحسوب واحدة وأخر الغين ظلما إذ هي ms240 الألف # ومنه أيضا: ~~الحرص خالطني لما رزقت غنا وقد زهدت وما لي خرقة دفيئه ~~كالطاء إذ تسعة كانت مجردة فأصبحت بونيم البق تسعمائة PageV01P403 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0404.png) # اعلم أني نقلت في باب الأرواح من هذا الكتاب قول بعضهم أن الروح لم ~~تخرج من كن، لأنها لو خرجت من كن كان عليه الذل، فلم يعجبني هذا القول ~~فنسبته إلى الشطح والطامات الفارغة(2). ثم وجدت(3) ذلك بعينه في تفسير ~~عبد الرحمن السلمي المسمى بالحقائق. وقد نسبه إلى الشيخ أبي بكر الواسطي، ~~وكان من المشايخ الكبار الذي لا يتجازف، وذكر أنه قيل للواسطي: فمن أين ~~خرجت؟1 قال: من بين جماله وقدسه، جمله بملاحظة الإشارة، فرداه رداء ~~الجمال3)، وقدسه عن لوث الكدورات، فأحبه كما قال في الحديث" إن الله جميل ~~يحب 212 الجمال6). ولهذا [المعنى] قال: (كتبربكم على نفسه ~~الرحمة) قالوا معناه، أعتقهم من ذل الكون إذ أظهرهم من خبايا ~~محبوباته المصونات المكنونات، فكانوا أعجب العجاب، وأشهدهم بالسلام فقال: PageV01P404 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0405.png) ~~(سلام عليكم كتبربكم على نفسه الرحمة)5) فاستحقوا اسم ~~السلام. # وقال الجنيد: خلق الله جميع الأشياء بذل الافتقار، فقال لها كوني فكانت ~~مستصغرة، وأظهر الروح بعز الافتخار فقال: (ثر أنشأنه...) (المؤمنون؛ 14) وأثنى ~~بذلك على نفسه فقال: (فتبارك الله أحسن الخحلقين) المؤمنون؛) وأسجد ~~الملائكة عند نفخ الروح فيه فقال: (ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين ) ~~(الحجر؛ 29). قال: ولولا أنه سترها لسجد لها كل كافر، بل كل شيء من ~~الخليقة1. # هذا كلام المشايخ في هذه المسألة. فتأملت أنا فيه فوجدته صحيحا، وذلك لأن ~~الجمال عبارة عن استكمال جملة صفات الله تعالى التي تستحسنها البصيرة الباطنة ~~من كمال الربوبية وتستلذها كما تستحسن العين ويستلذ البصر الظاهر بالصورة ~~الجميلة. والقدس عبارة عن التنزيه المطلق عن كل صفة يدركها الحس ويصورها ~~الخيال. وهاتان الصفتان كانتا لله واجبتين أزلا وأبدا، وليستا تنافيان العلم، والقدرة، ~~والإرادة، والكلام، بل جميع صفاته تتضمنها لأنها بجملتها جميلة على الإجمال، ~~مقدسة عن نقائص الحدثان. غير أن الكلام أخص والأمر من الكلام [كما]2) قال: ~~(إنما أمره إذا ms241 أراد شيئا أن يقول له كن فيكوب )يس2) فأخبر أن التكوين ~~متأخر عن الأمر فكان أخص من الإرادة، والروح هو من أمره كما قال: (قل الروح ~~من أمر رب)ء)، فيكون ذلك قبل تكوين الخلق. فلهذا قالوا الروح لم ~~تخرج من ذل كن، والألفاظ ههنا ثلاثة: خلق، وأمر، وتكوين. فالخلق في اللغة ~~التقدير العلمي في الأزل، فكان أعم، والأمر من الكلام فكان أخص من العلم، ~~والروح من أمره، واختصاصه هو خروجه من بين جماله وقدسه اللذين هما عبارتان PageV01P405 ![image file](./0493BahaDinQazwini.SirajCuqul_0406.png) ~~عن الصفتين الحاويتين لجملة صفات الربوبية، ولذلك أضافه إلى نفسه فقال: ~~((ونفخت فيه من روحى) 2). [والتكوين]2 رتبته متأخرة عن الخلق لأن ~~الخلق تقديره في العلم والإرادة على ما سبق ذكره. ولهذا قال: "[خلق الله](3) ~~الأرواح قبل الأجساد بكذا عام، والخواطر عن تصوير تلك الأعوام في عماية، ~~ولم يقل: كون الله. وكان بينها التعارف والتناكر حينئذ ولات حين، ولكنه يخبر ~~عن تقدير الله ومشيئته لها(5) في الأزل. # فقول أبي بكر الواسطي رحمه الله : الروح لم يدخل تحت ذل كن أي في ~~التقدير قبل التكوين، وإنما ظهر بين جماله وقدسه. والتكوين يكون بعد 21311 ~~التقدير، قال الله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل ادم خلقه من تراب ثم قال له ~~كن فيكون) (آل عمران؛ 5) أي خلق جسده من التراب، ثم أبرز روحه من ~~الغيب عند تهيؤ الجسد لقبولها، فعند ذلك تعلقت به الروح وصار حيا، وانقلب ~~التراب لحما ودما وعظاما بتقديره وتدبيره والله أعلم. وهذا معنى قوله: ثم قال له ~~كن، فيكون. ~~رحم الله امرأ أمعن نظره في هذا الكلام، وأنصف من نفسه إذ هو العلم القليل ~~الذي أعطاه الخلق بقوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ()ء85. ~~وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم كثيرا إلى يوم الدين. # وكان الفراغ من نسخ هذه النسخة المباركة يوم الجمعة خامس عشر، شهر ~~جمادى الأولى، سنة ثمانمائة، بالقدس الشريف، والحمد لله رب العلمين ا214. PageV01P406 ms242