######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | الرسالة الأولى مناقب الترك # بسم الله الرحمن الرحيم # وفقك الله لرشدك، وأعان على شكرك، وأصلحك وأصلح على يديك، وجعلنا وإياك ~~ممن يقول بالحق ويعمل به، ويؤثره ويحتمل ما فيه مما قد يصده عنه، ولا يكون ~~حظه منه الوصف له والمعرفة به، دون الحث عليه والانقطاع إليه وكشف القناع ~~فيه وإيصاله إلى أهله، والصبر على المحافظة في ألا يصل إلى غيرهم، والتثبت ~~في تحقيقه لديهم، فإن الله تعالى لم يعلم الناس ليكونوا عالمين دون أن ~~يكونوا عاملين، بل علمهم ليعملوا، وبين لهم ليتقوا التورط في وسط الخوف، ~~والوقوع في المضار، والتوسط في المهالك. # فذلك طلب الناس التبين، ولحب السلامة من الهلكة، والرغبة في المنفعة، ~~احتملوا ثقل العلم، وتعجلوا مكروه المعاناة. ولقلة العاملين وكثرة الواصفين ~~قال الأولون: العارفون أكثر من الواصفين، والواصفون أكثر من العاملين. ~~وإنما كثرت الصفات وقلت المواصفات، لأن ثواب العمل مؤجل، واحتمال ما فيه ~~معجل. PageV01P005 # وقد أعجبني ما رأيت من شغفك بطاعة إمامك، والمحاماة لتدبير خليفتك، ~~وإشفاقك من كل خلل وخلة دخل على ملكه وإن دق، ونال سلطانه وإن صغر، ومن كل ~~أمر خالفه وإن خفي مكانه، وجانب رضاه وإن قل ضرره؛ ومن تخوفك أن يجد ~~المتأول إليه طريقا والعدو عليه متعلقا؛ فإن السلطان لا يخلوا من متأول ~~ناقم، ومن محكوم عليه ساخط، ومن معدول عن الحكم زار، ومن متعطل متصفح، ومن ~~معجب برأيه ذي خطل في بيانه، مولع بتهجين الصواب، وبالاعتراض على التدبير، ~~حتى كأنه رائد لجميع الأمة، ووكيل لسكان جميع المملكة؛ يضع نفسه في موضع ~~الرقباء، وفي موضع التصفح على الخلفاء والوزراء؛ لا يعذر وإن كان مجاز ~~العذر واضحا، ولا يقف فيما يكون الشك محتملا، ولا يصدق بأن الشاهد يرى ما ~~لا يرى الغائب، وأنه لا يعرف مصادر الرأي من لم يشهد موارده، ومستدبره من ~~لم يعرف مستقبله. ومن محروم قد أضغنه الحرمان، ومن لئيم قد أفسده الإحسان. ~~ومن مستبطئ قد أخذ أضعاف حقه، وهو لجهله بقدره، ولضيق ذراعه وقلة شكره، يظن ~~أن الذي بقي له أكثر، ms001 وأن حقه أوجب. ومن مستزيد PageV01P006 ~~لو ارتجع السلطان سالف أياديه البيض عنده، ونعمه السالفة عليه، لكان لذلك ~~أهلا، وله مستحقا. قد غره الإملاء، وأبطره دوام الكفاية، وأفسده طول ~~الفراغ. ومن صاحب فتنة خامل في الجماعة، رئيس في الفرقة، نعاق في الهرج، قد ~~أقصاه السلطان، وأقام صغوه ثقاف الأدب، وأذله الحكم بالحق، فهو مغيظ لا يجد ~~غير التشنيع، ولا يتشفى بغير الإرجاف، ولا يستريح إلا إلى الأماني، ولا ~~يأنس إلا بكل مرجف كذاب، ومفتون مرتاب، وخارص لا خير فيه، وخالف لا غناء ~~عنده، يريد أن يسوى بالكفاة، ويرفع فوق الحماة، لأمر ما سلف له، ولإحسان ~~كان من غيره، وليس ممن يرب قديما بحديث، ولا يحفل بدروس شرف، ولا يفصل بين ~~ثواب المحتسبين، وبين الحفظ لأبناء المحسنين. # وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية، من لا يعرف طبقات الحق في ~~مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله. PageV01P007 # ثم أعلمتني بذلك أنك بنفسك بدأت في تعظيم إمامك، والحفظ لمناقب أنصار ~~خليفتك، وإياها حطت بحياطتك لأشياعه، واحتجاجك لأوليائه. ونعم العون أنت إن ~~شاء الله على ملازمة الطاعة، والمؤازرة على الخير، والمكانفة لأهل الحق. # وقد استدللت بذلك بالذي أرى من شدة عنايتك، وفرط اكتراثك، وتفقدك لأخابير ~~الأعداء وبحثك عن مناقب الأولياء، على أن ما ظهر من نصحك أمم، في جنب ما ~~بطن من إخلاصك. # فأمتع الله بك خليفته، ومنحنا وإياك محبته، وأعاذنا وإياك من قول الزور، ~~والتقرب بالباطل، إنه حميد مجيد، فعال لما يريد. # وذكرت أبقاك الله أنك جالست أخلاطا من جند الخليفة، وجماعة من أبناء ~~الدعوة، وشيوخا من جلة الشيعة، وكهولا من أبناء رجال الدولة، والمنسوبين ~~إلى الطاعة والمناصحة، والمحبة الدينية، دون محبة الرغبة والرهبة، وأن رجلا ~~من عرض تلك الجماعة، ومن حاشية تلك الجلة، ارتجل PageV01P008 ~~الكلام ارتجال مستبد، وتفرد به تفرد معجب، وأنه لم يستأمر زعمائهم، ولم ~~يراقب خطباءهم، وأنه تعسف المعاني وتهجم على الألفاظ، وزعم أن جند الخلافة ~~اليوم على خمسة أقسام: خرا ساني، وتركي، ومولى، وعربي، وبنوي. وأنه ms002 أكثر من ~~حمد الله وشكره على إحسانه ومننه، وعلى جميع أياديه وسابغ نعمه، وعلى شمول ~~عافيته وعلى جزيل مواهبه، حين ألف على الطاعة هذه القلوب المختلفة، ~~والأجناس المتباينة، والأهواء المتفرقة،. وأنك اعترضت على هذا المتكلم ~~المستبد، وعلى هذا القائل المتكلف، الذي قسم هذه الأقسام، وخالف بين هذه ~~الأركان، وفصل بين أنسابهم، وفرق بين أجناسهم، وباعد بين أسبابهم. وأنك ~~أنكرت ذلك عليه أشد الإنكار، وقذعته أشد القذع، وزعمت أنهم لم يخرجوا من ~~الاتفاق أو من شيء يقرب من الاتفاق. وأنك أنكرت التباعد في النسب، والتباين ~~في السبب. وقلت: بل أزعم أن الخراساني والتركي أخوان، وأن الحيز واحد، وأن ~~حكم ذلك الشرق، والقضية على ذلك الصقع متفق غير مختلف، ومتقارب غير متفاوت. ~~وأن الأعراق في الأصل إن لا تكن كانت راسخة فقد كانت متشابهة، وحدود البلاد ~~المشتملة عليهم إن PageV01P009 # لا تكن متساوية فإنها متناسبة، وكلهم خرا ساني في الجملة وإن تميزوا ببعض ~~الخصائص، فافترقوا ببعض الوجوه. # وزعمت أن اختلاف التركي والخراساني ليس كالاختلاف بين العجمي والعربي، ~~ولا كالاختلاف بين الرومي والصقلي والزغبي والحبشي، فضلا عما هو أبعد جوهرا ~~وأشد خلافا. بل كاختلاف ما بين المكي والمدني، والبدوي والحضري، والسهلي ~~والجبلي، وكاختلاف ما بين الطائي الجبلي والطائي السهلي، وكما يقال: أن ~~هذيلا أكراد العرب، وكاختلاف ما بين من نزل الحزون، وبين نزل البطون، وبين ~~نزل النجود وبين نزل الأغوار. # وزعمت أن هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضا في بعض ~~الصور، فقد تخالفت عليا تميم، وسفلي قيس، وعجز هوازن وفصحاء الحجاز، في ~~اللغة، وهي أكثرها على خلاف لغة حمير، وسكان مخاليف اليمن، وكذلك في الصورة ~~والشمائل والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي خالص، غير مشوب ولا معلهج ولا مذرع ~~ولا مزلج. ~~ولم يختلفوا اختلاف ما بين بني قحطان وبني عدنان، من قبل ما طبع الله PageV01P010 ~~عليه تلك البرية من خصائص الغرائز، وما قسم الله تعالى لأهل كل جيزة من ~~الشكل والصورة ومن الأخلاق واللغة. # فإن قلت: فكيف كان أولادهما جميعا عربا مع ms003 اختلاف الأبوة. # قلنا: إن العرب لما كانت واحدة فاستووا في التربة وفي اللغة، والشمائل ~~والهمة، وفي الأنف والحمية، وفي الأخلاق والسجية، فسكبوا سبكا واحدا، ~~وأفرغوا إفراغا واحدا، وكان القالب واحدا، تشابهت الأجزاء وتناسبت الأخلاط، ~~وحين صار ذلك أشد تشابها في باب الأعم والأخص وفي باب الوفاق والمباينة من ~~بعض ذوي الأرحام، جرى عليهم حكم الاتفاق في الحسب، وصارت هذه الأسباب ولادة ~~أخرى حتى تناكحوا عليها، وتصاهروا من أجلها، وامتنعت عدنان قاطبة من مناكحة ~~بنى إسحاق وهو أخو إسماعيل، وجادوا بذلك في جميع الدهر لبنى قحطان - وهو ~~ابن عابر - ففي إجماع الفريقين على التناكح والمصاهرة، ومنعهما من ذلك جميع ~~الأمم: كسرى فمن دونه، دليل على أن النسب عندهم متفق، وأن هذه المعاني قد ~~قامت عندهم مقام الولادة والأرحام الماسة. PageV01P011 # وزعمت أنه أراد الفرقة التخريب، وأنك أردت الألفة والتقريب. # وزعمت أيضا أن البنوى خراساني، وأن نسب الأبناء: نسب آبائهم، وأن حسن ~~صنيع الآباء، وقديم فعال الأجداد هو حس الأبناء. وأن الموالي بالعرب أشبه، ~~وإليهم أقرب، وبهم أمس؛ لأن السنة جعلتهم منهم. فقلت: إن الموالي أقرب إلى ~~العرب في كثير من المعاني؛ لأنهم عرب في المدعى، وفي العاقلة، وفي الوراثة. ~~وهذا تأويل قوله مولى القوم منهم ومولى القوم من أنفسهم، " والولاء لحمة ~~كلحمة النسب " وعلى شبيه ذلك صار حليف القوم منهم، وحكمه حكمهم، فصار ~~الأخنس بن شريق وهو رجل من ثقيف، وكذلك يعلى بن منية وهو رجل من بلعودية، ~~وكذلك خالد بن عرفطة وهو رجل من عذرة PageV01P012 ~~من قريش. وبذلك النسب حرمت الصدقة على موالي بني هاشم؛ فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أجراهم في باب التنزيه والتطهير مجرى مواليهم. وبذلك السبب ~~قدم النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب على بني عبد شمس، وقرابتهم ~~سواء ونسبهم واحد، للعقد المتقدم، وللأيدي المتفقة. # وقال صلى الله عليه وسلم: " منا خير فارس في العرب: عكاشة بن محصن "، ~~فقال ضرار بن الأزور الأسدي: ذاك رجل منا يا رسول الله. قال: " بل هو منا ~~بالحلف ". فجعل ms004 حليف القوم منهم، كما جعل بن أخت القوم منهم. # ثم زعمت أن الأتراك قد شاركوا هؤلاء القوم في هذا النسب، وصاروا من العرب ~~بهذا السبب، مع الذي بانوا به من الخلال، وحبوا به من شرف الخصال. # على أن ولاء الأتراك للباب قريش، ولمصاص عبد مناف، وهم في سر بني هاشم ~~وهاشم موضع العذار من خد الفرس، والعقد من لبة الكاعب، والجوهر المكنون، ~~والذهب المصفى، وموضع المحة من البيضة، والعين في الرأس، والروح من البدن؛ ~~وهم الأنف المقدم، والسنام الأكبر، والدرة الزهراء، والروضة الخضراء، ~~والذهب الأحمر. فقد شاركوا العرب في أنسابهم، والموالي في أسبابهم، وفضلوهم PageV01P013 ~~بهذا الفضل الذي لا يبلغه فضل وإن برع، بل لا يعشره شرف وإن عظم، ولا مجد ~~وإن قدم. # فزعمت أن أنساب الجميع متقاربة غير متباعدة، وعلى حسب ذلك التقارب تكون ~~المؤازرة والمكاتفة، والطاعة والمناصحة، والمحبة للخلفاء الأئمة. # وذكرت أنه ذكر جملا من مفاخرة الأجناس، وجمهرة من مناقب هذه الأصناف، ~~وأنه جمع ذلك وفصله وفسره، وأنه ألغى ذكر الأتراك فلم يعرض لهم، وأضرب عنهم ~~صفحا، يخبر عنهم كما أخبر عن حجة كل جيل، وعن برهان كل صنف؛ وذكر أن ~~الخراساني يقول: نحن النقباء وأبناء النقباء، ونحن النجباء وأبناء النجباء، ~~ومنا الدعاة، قبل أن تظهر نقابة، أو تعرف نجابة، وقبل المبالغة والمباراة، ~~وقبل كشف القناع وزوال التقية وزوال ملك أعدائنا عن مستقره، وثبات ملك ~~أوليائنا في نصابه. وبين ذلك ما قتلنا وشردنا، ونهكنا ضربا وبضعنا بالسيوف ~~الحداد، وعذبنا بألوان العذاب. # وبنا شفى الله الصدور، وأدرك الثأر. ومنا الإثنا عشر النقباء، والسبعون ~~النجباء. ونحن الخندقية، ونحن الكفية وأبناء الكفية، PageV01P014 ~~ومنا المستجيبة ومن يهرج التيمية ومنا نيم خزان وأصحاب الجوربين ومنا ~~الزغندية والآزاذمردية. # ونحن فتحنا البلاد وقتلنا العباد، وأبدنا العدو بكل واد. ونحن أهل هذه ~~الدولة، وأصحاب هذه الدعوة، ومنبت هذه الشجرة. ومن عندنا هبت هذه الريح. # والأنصار أنصاران: الأوس والخزرج نصرو النبي صلى الله عليه وسلم في أول ~~الزمان، وأهل خراسان نصروا ورثته في آخر الزمان. غذانا بذلك آباؤنا ms005 وغذونا ~~به أبناءنا، وصار لنا نسبا لا نعرف إلا به، ودينا لا نوالي إلا عليه. # ثم نحن على وتيرة واحدة، ومنهاج غير مشترك؛ نعرف بالشيعة، وندين بالطاعة، ~~ونقتل فيها ونموت عليها. سيمانا موصوف، ولباسنا معروف. ونحن أصحاب الرايات ~~السود، والروايات الصحيحة، والأحاديث المأثورة، والذين يهدمون مدن ~~الجبابرة، وينزعون الملك من أيدي الظلمة. وفينا PageV01P015 ~~تقدم الخبر، وصح الأثر. وجاء في الحديث صفة الذين يفتحون عمورية ويظهرون ~~عليها، ويقتلون مقاتليها ويسبون ذراريها، حيث قالوا في نعتهم: شعورهم شعور ~~النساء، وثيابهم ثياب الرهبان. فصدق الفعل القول، وحقق الخبر العيان. # ونحن الذين ذكرنا وذكر بلاءنا أمام الأئمة، وأبو الخلائق العشرة: محمد بن ~~علي، حين أراد توجيه الدعاة إلى الآفاق، وتفريق شيعته في البلاد، أن قال: # أما البصرة وسوادها فقد غلب عليها عثمان وصنائع عثمان، فليس بها من ~~شيعتنا إلا القليل. وأما الشام فشيعة بني مروان وآل أبي سفيان. وأما ~~الجزيرة فحرورية شارية، وخارجة مارقة، ولكن عليهم بهذا الشرق؛ فإن هناك ~~صدورا سليمة وقلوبا باسلة، لم تفسدها الأهواء، ولم تخامرها الأدواء، ولم ~~تعتقبها البدع، وهم مغيظون موتورون. وهناك العدد والعدة، والعتاد والنجدة. PageV01P016 # ثم قال: وأنا أتفاءل إلى حيث يطلع منه النهار. فكنا خير جند لخير إمام؛ ~~فصدقنا ظنه، وثبتنا رأيه، وصوبنا فراسته. # وقال مرة أخرى: # أمرنا هذا شرقي لا غربي، ومقبل لا مدبر، يطلع كطلوع ~~الشمس، ويمتد على الآفاق امتداد النهار، حتى يبلغ حيث تبلغه الأخفاف، ~~وتناله الحوافر. # قالوا: ونحن قتلنا الصحصحية، والدالقية، والذكوانية، والراشدية. ونحن ~~أيضا أصحاب الخنادق أيام نصر بن سيار، وابن جديع الكرماني، وشيبان بن سلمة ~~الخارجي. ونحن أصحاب نباتة بن حنظلة، وعامر بن ضبارة، وأصحاب ابن هبيرة. ~~فلنا قديم هذا الأمر وحديثه، وأوله وآخره PageV01P017 # ومنا قاتل مروان. # ونحن قوم لنا أجسام وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وقصر ~~غلاظ، وسواعد طوال. # ونحن أولد للذكورة، وأنسل بعولة، وأقل ضوي وضؤولة، وأقل إتآما وأنتق ~~أرحاما، وأشد عصبا وأتم عظاما، وأبداننا أحمل للسلاح، وتجفافنا أملأ ~~للعيون. # ونحن أكثر مادة، وأكثر عددا وعدة. # ولو ms006 أن يأجوج ومأجوج كاثروا من وراء النهر منا لظهروا عليهم بالعدد. فأما ~~الأيد وشدة الأسر، فليس لأحد بعد عاد وثمود والعمالقة والكنعانيين مثل ~~أيدينا وأسرنا. PageV01P018 # ولو أن خيول الأرض وفرسان جميع الأطراف جمعوا في حلبة واحدة، لكنا أكثر ~~في العيون، وأهول في الصدور. # ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا، وبنودنا التي لا يحملها غيرنا، علمت أننا لم ~~نخلق إلا لقلب الدول، وطاعة الخلفاء، وتأييد السلطان. # ولو أن أهل التبت ورجال الزابج، وفرسان الهند، وحلبة الروم، هجم عليهم ~~هاشم بن أشتاخنج لما امتنعوا من طرح السلاح والهرب في البلاد. # ونحن أصحاب اللحى وأرباب النهي، وأهل الحلم والحجا، وأهل الثخانة في ~~الرأي، والبعد من الطيش. ولسنا كجند الشام المتعرضين للحرم، والمنتهكين لكل ~~محرم. # ونحن ناس لنا أمانة وفينا عفة. ونحن نجمع بين النزاهة والقناعة والصبر ~~على الخدمة، والتجمير عند بعد الشقة. ولنا الطبول المهولة العظام والبنود، ~~ونحن أصحاب التجافيف والأجراس، والبازيكند واللبود الطوال، والأغماد PageV01P019 ~~المعقفة والشوارب المعقربة، والقلانس الشاشية، والخيول الشهرية، والكافر ~~كوبات والطبرزينات في الأكف، والخناجر في الأوساط. ولنا حسن الجلسة على ~~ظهور الخيل. ولنا الأصوات التي تسقط منها الحبالى. # وليس في الأرض صناعة غريبة من أدب وحكمة، وحساب وهندسة، وإيقاع وصنعة، ~~وفقه ورواية، نظرت فيها الخراسانية إلا وبرعت فيها الرؤساء، وبزت فيها ~~العلماء. # ولنا صنعة السلاح من لبد وركاب ودرع. ولنا مما جعلناه رياضة وتمرينا، ~~وإرهاصا للحرب، وتثقيفا ودربة للمجاولة والمشاولة، وللكر PageV01P020 ~~بعد الكر: مثل الدبوق، والنزو على الخيل صغارا، ومثل الطبطاب والصوالجة ~~الكبار، ثم رمى المجثمة، والبرجاس والطائر الخطاف. # فنحن أحق بالأثرة، وأولى بشرف المنزلة. # ثم قلت: وزعم أن القربة تستحق بالأسباب الثابتة، وبالأرحام الشابكة، ~~وبالقدمة، والطاعة للآباء والعشيرة، وبالشكر النافع، والمديح الكافي بالشعر ~~الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما لاح نجم، وينشد ما أهل بالحج، وما ~~هبت الصبا، وما كان للزيت عاصر، وبالكلام المنثور والقول المأثور. أو بصفة ~~مخرج الدولة والاحتجاج للدعوة، وتقييد المآثر، إذ لم يكن ذلك من عادة ~~العجم، ولا كان يحفظ ذلك معروفا لسوى العرب. ونحن ms007 نرتبطها بالشعر المقفى، ~~ونصلها بحفظ الأميين. الذين PageV01P021 ~~لا يتكلون على الكتب المدونة، والخطوط المطرسة. ونحن أصحاب التفاخر ~~والتنافر، والتنازع في الشرف، والتحاكم إلى كل حكم مقنع وكاهن سجاع. ولنا ~~التعاير بالمثالب، والتفاخر بالمناقب. ونحن أحفظ لأنسابنا، وأرعى لحقوقنا ~~وتقييدها أيضا بالمنثور المرسل، بعد الموزون المعدل، بلسان أمضى من السنان، ~~وأرهف من السيف الحسام، حتى نذكرهم ما قد درس رسمه، وعفا أثره. # وبين القتال من جهة الرغبة والرهبة فرق، وليس المعرق في الحفاظ كمن هذا ~~فيه حادث. وهذا باب يتقدم فيه التالد القديم الطارف الحديث. # وطلاب الطوائل رجلان: سجستاني وأعرابي. وهل أكثر النقباء إلا من صميم ~~العرب، ومن صليبة النسب، كأبي عبد الحميد قحطبة بن شبيب الطائي، وأبي محمد ~~سليمان بن كثير الخزاعي، وأبي نصر مالك بن الهيثم الخزاعي، وأبي داود خالد ~~بن إبراهيم الذهلي، وكأبي عمرو لاهز بن قريظ المرئي، وأبي عتيبة موسى بن ~~كعب المرئي، وأبي سهل القاسم بن مجاشع المرئي، ومن كان يجري مجرى النقباء ~~ولم يدخل فيهم، مثل مالك بن الطواف المزني. # وبعد فمن هذا الذي باشر قتل مروان، ومن هزم ابن هبيرة، ومن PageV01P022 ~~قتل ابن ضبارة، ومن قتل نباتة بن حنظلة، إلا عرب الدعوة، والصميم من أهل ~~الدولة؟! ومنفتح السند إلا موسى بن كعب، ومن فتح إفريقيا إلا محمد بن ~~الأشعث؟!. # وقلت: وقال: وتقول الموالى: لنا النصيحة الخالصة، والمحبة الراسخة، ونحن ~~موضع الثقة عند الشدة. وعلل المولى من تحت موجبة لمحبة المولى من فوق، لأن ~~شرف مولاه راجع إليه، وكرمه زائد في كرمه، وخموله مسقط لقدره. وبوده أن ~~خصال الكرام كلها اجتمعت فيه؛ لأنه كلما كان مولاه أكبر وأشرف وأظهر، كان ~~هو بها أشرف وأنبل. ومولاك أسلم لك صدرا، وأرد ضميرا، وأقل حسدا. # وبعد فالولاء لحمة كلحمة النسب، فقد صار لنا النسب الذي يصوبه العربي، ~~ولنا الأصل الذي يفتخر به العجمي. # قال: والصبر ضروب، فأكرمها كلها الصبر على إفشاء السر. وللمولى في هذه ~~المكرمة ما ليس لأحد. # ونحن أخص مدخلا، وألطف في الخدمة مسلكا. ولنا مع ms008 الطاعة والخدمة والإخلاص ~~وحسن النية، خدمة الأبناء للآباء، والآباء للأجداء، وهم بمواليهم آنس، ~~وبناحيتهم أوثق، وبكفايتهم أسر. # وقد كان المنصور، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله، يخصون مواليهم ~~بالمواكلة والبسط والإيناس، لا يبهرجون الأسود لسواده، ولا الدميم PageV01P023 ~~لدمامته، ولا الصناعة الدنيئة لدناءتها. ويوصون بحفظهم أكابر أولادهم، ~~ويجعلون لكثير من موتاهم الصلاة على جنائزهم، وذلك بحضرة من العمومة وبني ~~الأعمام والأخوة. # ويتذاكرون إكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة مولاه، حين ~~عقد له يوم مؤتة على جلة بني هاشم، وجعله أمير كل بلدة يطؤها. # ويتذاكرون حبه لأسامة بن زيد، وهو الحب ابن الحب. وعقد له على عظماء ~~المهاجرين وأكابر الأنصار. # ويتذاكرون صنيعه بسائر مواليه، كأبي أنسة، وشقران، وفلان وفلان. # قالوا: ولنا من رؤوس النقباء أبو منصور مولى خزاعة، وأبو احكم عيسى بن ~~أعين مولى خزاعى، وأبو النجم عمران بن إسماعيل مولى آل PageV01P024 ~~أبي معيط. فلنا مناقب الخراسانية، ولنا مناقب الموالى في هذه الدعوة، ~~ونحن منهم وإليهم، ومن أنفسهم، لا يدفع ذلك مسلم ولا ينكره مؤمن، خدمناهم ~~كبارا وحملناهم على عواتقنا صغارا. هذا مع حق الرضاع والخؤولة، والنشوء في ~~الكتاب، والتقلب في تلك العراص التي لم يبلغها إلا كل سعيد الجد، وجيه في ~~الملوك. فقد شاركنا العربي في فخره، والخراساني في مجده، والبنوي في فضله، ~~ثم تفردنا بما لم يشاركونا فيه، ولا سبقونا إليه. # قالوا: ونحن أشكل بالرعية، وأقرب إلى طباع الدهماء؛ وهم بنا آنس وإلينا ~~أسكن، وإلى لقائنا أحن؛ ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف، وبهم أشبه. فمن أحق ~~بالأثرة، وأولى بحسن المنزلة ممن هذه الخصال له، وهذه الخلال فيه. # وقلت وذكرت أن البنوي قال: أنا أصلي خراسان، وهي مخرج الدولة ومطلع ~~الدعوة؛ ومنها نجم هذا القرن، وصبأ هذا الناب، وتفجر هذا الينبوع، واستفاض ~~هذا البحر، حتى ضرب الحق بجرانه، وطبق الآفاق بضيائه، فأبرأ من السقم ~~القديم، وشفى من الداء العضال، وأغنى من العيلة، وبصر من العمى. PageV01P025 # قال: وفرعى بغداد، وهي مستقر الخلافة، والقرار بعد الحولة، وفيها بقية ms009 ~~رجال الدعوة، وأبناء الشيعة، وهي خراسان العراق، وبيت الخلافة، وموضع ~~المادة. # قال: وأنا أعرق في هذا الأمر من أبي، وأكثر تردادا فيه من جدي، وأحق في ~~هذا الفضل من المولى والعربي. ولنا بعد في أنفسنا ما لا ينكر من الصبر تحت ~~ظلال السيوف القصار والرماح الطوال. ولنا معانقة الأبطال عند تحطم القنا ~~وانقطاع الصفائح. ولنا المواجأة بالسكاكين، وتلقى الخناجر بالعيون، ونحن ~~حماة المستلحم، وأبناء المضايق. ونحن أهل الثبات عند الجولة، والمعرفة عند ~~الحيرة، وأصحاب المشهرات، وزينة العساكر وحلى الجيوش، ومن يمشى في الرمح، ~~ويختال بين الصفين. ونحن أصحاب الفتك والإقدام، ولنا بعد التسلق، ونقب ~~المدن، والتقحم على ظبات السيوف وأطراف الرماح، ورضخ الجندل، وهشم العمد، ~~والصبر على الجراح وعلى جر السلاح إذا طار قلب الأعرابي، وساء ظن ~~الخراساني. ثم الصبر تحت العقوبة، والاحتجاج عند المساءلة، واجتماع العقل، ~~وصحة PageV01P026 ~~الطرف، وثبات القدمين، وقلة التكفي بحبل العقابين، والبعد من الإقرار، ~~وقلة الخضوع للدهر والخضوع عند جفوة الزوار وجفاء الأقارب والإخوان. # ولنا القتال عند أبواب الخنادق، ورؤوس القناطر. ونحن الموت الأحمر عند ~~أبواب النقب. ولنا المواجأة في الأزقة، والصبر على قتال السجون. فسل عن ذلك ~~الخليدية، والكتفية، والبلالية، والخريبية. ونحن أصحاب المكابدات وأرباب ~~البيات، وقتل الناس جهارا في الأسواق والطرقات. # ونحن نجمع بين السلة والمزاحفة. ونحن أصحاب القنا الطوال ما كنا رجالة، ~~والمطارد القصار ما كنا فرسانا. فإن صرنا كمنا فالحتف PageV01P027 ~~القاضي، والسم الذعاف. وإن كنا طلائع فكلنا يقوم مقام أمير الجيش. نقاتل ~~بالليل كما نقاتل بالنهار، ونقاتل في الماء كما نقاتل على الأرض، ونقاتل في ~~القرية كما نقاتل في المحلة. # ونحن أفتك وأخشب، ونحن أقطع للطريق وأذكر في الثغور، مع حسن القدود وجودة ~~الخرط ومقادير اللحى، وحسن العمة، والنفس المرة. وأصحاب الباطل والفتوة، ثم ~~الخط والكتابة، والفقه والرواية. # ولنا بغداد بأسرها، تسكن ما سكنا، وتتحرك ما تحركنا. والدنيا كلها معلقة ~~بها، وصائرة إلى معناها. فإذا كان هذا أمرها وقدرها فجميع الدنيا تبع لها. ~~وكذلك أهلها لأهلها، وفتاكها لفتاكها، وخلاعها لخلاعها، ورؤساؤها لرؤسائها، ms010 ~~وصلحاؤها لصلحائها. # ونحن بعد تربية الخلفاء، وجيران الوزراء، ولدنا في أفنية ملوكنا، ونحن ~~أجنحة خلفائنا، فأخذنا بآثارهم، واحتذينا على مثالهم، فلسنا نعرف سواهم، ~~ولا نعرف بغيرهم، ولا يطمع فينا أحد قط من خطاب ملكهم، وممن يترشح للاعتراض ~~عليهم. فمن أحق بالأثرة، وأولى بالقرب في المنزلة ممن هذه الخصال فيه، وهذه ~~الخلال له. PageV01P028 # بسم الله الرحمن الرحيم # إن ذهبنا حفظك الله بعقب هذه الاحتجاجات، وعند ~~مقطع هذه الاستدلالات، نستعمل هذه المعارضة بمناقب الأتراك، والموازنة بين ~~خصالهم وخصال كل صنف من هذه الأصناف، سلكنا في هذا الكتاب سبيل أصحاب ~~الخصومات في كتبهم، وطريق أصحاب الأهواء في الاختلاف الذي بينهم. # وكتابنا هذا إنما تكلفناه لنؤلف بين قلوبهم التي كانت مختلفة، ولنزيد ~~الألفة إن كانت مؤتلفة، ولنخبر عن اتفاق أسبابهم لتجتمع كلمتهم، ولتسلم ~~صدورهم، وليعرف من كان لا يعرف منهم موضع التفاوت في النسب، وكم مقدار ~~الخلاف في الحسب، فلا يغير بعضهم مغير، ولا يفسده عدو بأباطيل مموهة وشبهات ~~مزورة؛ فإن المنافق العليم، والعدو ذا الكيد العظيم، قد يصور لهم الباطل في ~~صورة الحق، ويلبس الإضاعة ثياب الحزم. إلا أنا على حال سنذكر جملا من ~~أحاديث رويناها ووعيناها، وأمور رأيناها وشاهدناها، وفضائل تلقفناها من ~~أفواه الرجال وسمعناها. # وسنذكر جميع ما في هذه الأصناف من الآلات والأدوات، ثم ننظر أيهم لها أشد ~~استعمالا، وبها أشد استقلالا، ومن أثقب كيسا وأفتح عينا PageV01P029 ~~وأذكى يقينا، وأبعد غورا وأجمع أمرا، وأعم خواطر وأكثر غرائب، وأبدع ~~طريقا، وأدوم نفعا في الحروب، وأضرى وأدرب دربة، وأغمض مكيدة، وأشد احتراسا ~~وألطف احتيالا؛ حتى يكون الخيار في يد الناظر المتصفح لمعانيه، والمقلب ~~لوجوهه، والمفكر في أبوابه، والمقابل بين أوله وآخره، فلا نكون نحن انتحلنا ~~شيئا دون شيء، وتقلدنا تفضيل بعض على بعض، بل لعلنا أن لا نخبر عن خاصة ما ~~عندنا بحرف واحد. # فإذا دبرنا كتابنا هذا التدبير، وكان موضوعه على هذه الصفة، كان أبعد له ~~من مذاهب الجدال والمراء، واستعمال الهوى. # وقد ظن ناس أن أسماء أصناف الأجناس كما اختلفت في ms011 الصورة والخط والهجاء، ~~أن حقائقها ومعانيها على حسب ذلك. وليس الأمر على حسب ما توهمه؛ ألا ترى أن ~~اسم الشاكرية وإن خالف في الصورة والهجاء اسم الجند، فإن المعنى فيهما ليس ~~ببعيد؛ لأنهم يرجعون إلى معنى واحد وعمل واحد. والذي إليه يرجعون طاعة ~~الخلفاء، وتأييد السلطان. # وإذا كان المولى منقولا إلى العرب في أكثر المعاني، ومجعولا منهم في عامة PageV01P030 ~~الأسباب، لم يكن ذلك بأعجب ممن جعل الخال والدا، والحليف من الصميم، وابن ~~الأخت من القوم. # وقد جعل ابن الملاعنة المولود على فراش البعل منسوبا إلى أمه. # وقد جعلوا إسماعيل وهو ابن عجميين عربيا؛ لأن الله تعالى فتق لهاته ~~بالعربية المبينة على غير التلقين والترتيب، ثم فطره على الفصاحة العجيبة ~~على غير النشو والتقدير، وسلخ طباعه من طبائع العجم، ونقل إلى بدنه تلك ~~الأجزاء، وركبه اختراعا على ذلك التركيب، وسواه تلك التسوية، وصاغه تلك ~~الصياغة، ثم حباه من طبائعهم، ومنحه من أخلاقهم وشمائلهم، وطبعه من كرمهم ~~وأنفتهم وهمهم على أكرمها وأمكنها، وأشرفها وأعلاها، وجعل ذلك برهانا على ~~رسالته، ودليلا على نبوته؛ فكان أحق بذلك النسب، وأولى بشرف ذلك الحسب. # وكما جعل إبراهيم أبا لمن لم يلده، فالبنوي خراساني من جهة الولادة، ~~والمولى عربي من جهة المدعى والعاقلة. وإن أحاط علمنا بأن زيدا لم يخلق من ~~نجل عمرو إلا عهارا لنفيناه عنه، وإن وثقنا أنه لم يخلق من صلبه. PageV01P031 # وكما جعل النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه أمهات المؤمنين وهن لم يلدنهم ~~ولا أرضعنهم، وفي بعض القراءات: " وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم "، على قوله: ~~" ملة أبيكم إبراهيم ". وجعل المرأة من جهة الرضاع أما، وجعل امرأة البعل ~~أم ولد البعل من غيرها، وجعل الراب والدا، وجعل العم أبا في كتاب الله. وهم ~~عبيده لا يتقلبون إلا فيما قلبهم فيه. وله أن يجعل من عباده من شاء عربيا ~~ومن شاء عجميا، ومن شاء قرشيا، ومن شاء زنجيا؛ كما له أن يجعل من شاء ذكرا ~~ومن شاء أنثى، ومن شاء خنثى، ومن شاء أفرده من ms012 ذلك فجعله لا ذكرا ولا أنثى ~~ولا خنثى. # وكذلك خلق الملائكة وهم أكرم على الله من جميع الخليقة. وخلق أدم فلم ~~يجعل له أبا ولا أما، وخلقه من طين ونسبه إليه، وخلق حواء من ضلع آدم ~~وجعلها له زوجا وسكنا. وخلق عيسى من غير ذكر ونسبه إلى أمه التي خلقه منها. ~~وخلق الجان من نار السموم، وآدم من طين، وعيسى من غير نطفة. وخلق السماء من ~~دخان، والأرض من الماء، وخلق إسحاق من عاقر. وأنطق عيسى في المهد، وأنطق ~~يحيى بالحكمة وهو صغير، وعلم سليمان منطق الطير، وكلام النمل، وعلم الحفظة ~~من الملائكة جميع الألسنة حتى كتبوا بكل خط، ونطقوا بكل لسان. وأنطق ذئب ~~أهبان بن أوس. PageV01P032 ~~والمؤمنون من جميع الأمم إذا دخلوا الجنة، وكذلك أطفالهم والمجانين منهم، ~~يتكلمون ساعة يدخلون الجنة بلسان أهل الجنة على غير الترتيب والتنزيل، ~~والتعليم على طول الأيام والترقيم والتلقين. فكيف يتعجب الجاهلون من إنطاق ~~إسماعيل بالعربية على غير تعليم الآباء، وتأديب الحواضن؟!. # وهذه المسألة ربما سأل عنها بعض القحطانية، ممن لا علم له، بعض ~~العدنانية، وهي على القحطاني أشد. فأما جواب العدناني فسلس النظام سهل ~~المخرج، قريب المعنى؛ لأن بني قحطان لا يدعون لقحطان نبوة فيعطيه الله مثل ~~هذه الأعجوبة. # وما الذي قسم الله - عز اسمه - بين الناس من ذلك، إلا كما صنع في طينة ~~الأرض، فجعل بعضها حجرا، وبعض الحجر ياقوتا، وبعضه ذهبا، وبعضه نحاسا، ~~وبعضه رصاصا، وبعضه حديدا، وبعضه ترابا، وبعضه فخارا. وكذلك الزاج، ~~والمغرة، والزرنيخ، والمرتك، والكبريت، والقار، PageV01P033 ~~والتوتيا، والنوشادر، والمرقشيثا، والمغناطيس. # ومن يحصي عدد أجزاء الأرض، وأصناف الفلز؟!. # وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنوي خراساني. وإذا كان الخراساني مولى، ~~والمولى عربي فقد صار الخراساني والبنوي والمولى والعربي واحدا. # وأدنى ذلك أن يكون الذي معهم من خصال الوفاق غامرا ما معهم من خصال ~~الخلاف، بل هم في معظم الأمر وفي كبر الشأن وعمود النسب متفقون. والأتراك ~~خراسانية وموالي الخلفاء قصيرة، فقد صار التركي إلى الجميع راجعا، وصار ~~شرفه إلى شرفهم ms013 زائدا. # وإذا عرف سائر ذلك سامحت النفوس، وذهب التعقيد، ومات الضغن، وانقطع سبب ~~الاستثقال؛ فلم يبقى إلا التحاسد والتنافس الذي لا يزال يكون بين ~~المتقاربين في القرابة وفي المجاورة. # على أن التوازر والتسالم في القرابات وفي بني الأعمام والعشائر، أفشى ~~وأعم من البعداء. PageV01P034 # ولخوف التخاذل ولحب التناصر، والحاجة إلى التعاون انضم بعض القبائل في ~~البوادي إلى بعض، ينزلون معا ويظعنون معا. ومن فارق أصحابه أقل، ومن نصر ~~ابن عمه أكثر. ومن اغتبط بنعمته وتمنى بقاءها والزيادة فيها أكثر ممن بغاها ~~الغوائل، وطلب انقطاعها وزوالها. ولا بد في أضعاف ذلك من بعض التنافس ~~والتخاذل، إلا أن ذلك قليل من كثير. # وليس يجوز أن تصفو الدنيا وتنقى من الفساد والمكروه حتى يموت جميع ~~الخلائق، وتستوي لأهلها، وتتمهد لسكانها على ما يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من ~~صفة دار الجزاء، وليس كذلك صفة دار العمل. PageV01P035 # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا كتاب كنت كتبته أيام المعتصم بالله، رضي الله ~~عنه، فلم يصل إليه، لأسباب يطول شرحها، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها. وأحببت ~~أن يكون كتابا قصدا، ومذهبا عدلا، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم، وإغراق ~~في هجاء آخرين. وإن كان الكتاب كذلك شابه الكذب، وخالطه التزيد، وبنى أساسه ~~على التكلف، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتغليق. # وأنفع المدائح للمادح وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثرا وأحسنها ذكرا: ~~أن يكون المديح صدقا، وللظاهر من حال الممدوح موافقا، وبه لائقا، حتى لا ~~يكون من المعبر عنه والواصف له إلا الإشارة إليه، والتنبيه عليه. # وأنا أقول: إن كان لا يمكن ذلك في مناقب الأتراك إلا بذكر مثالب سائر ~~الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والإضراب عن هذا الكتاب PageV01P036 ~~أحزم، وذكر الكثير من هذه الأصناف بالجميل، لا يقوم بالقليل من ذكر بعضهم ~~بالقبيح، لأن ذكر الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوع، وذكر الأقل ~~بالقبيح معصية، وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير ~~التطوع. # ولكل نصيب من النقض، ومقدار من الذنوب؛ وإنما يتفاضل الناس بكثرة المحاسن ~~وقلة المساوى. فأما ms014 الاشتمال على جميع المحاسن، والسلامة من جميع المساوئ ~~دقيقها وجليلها، وظاهرها وخفيها، فهذا لا يعرف. # وقد قال النابغة: # ولست بمستبق أخا لا تلمه %~% على شعث، أي الرجال المهذب # وقال حر يش السعدي: # أخ لي كأيام الحياة إخاؤه %~% تلون ألوانا على خطوبها # إذا عبت منه خلة فتركته %~% دعتني إليه خلة لا أعيبها # وقال بشار: # إذا كنت في كل الأمور معاتبا %~% خليلك لم تلق الذي لا تعاتبه PageV01P037 # فعش واحدا أو صل أخاك فإنه %~% مقارف ذنب مرة ومجانبه # إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى %~% ظميت وأي الناس تصفو مشاربه # وقال مطيع بن إياس الليثي: # ولئن كنت لا تصاحب إلا %~% صاحبا لا تزل، ما عاش، نعله # لم تجده ولو جهدت وأنى %~% بالذي لا يكون يوجد مثله # إنما صاحبي الذي يغفر الذن %~% ب ويكفيه من أخيه أقله # وقال محمد بن سعيد، وهو رجل من الجند: # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي %~% أيادي لم تمنن وإن هي جلت # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه %~% ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت # رأى خلتي من حيث يخفى مكانها %~% فكانت قذى عينيه حتى تجلت PageV01P038 # فإذا كان الخلطاء من جمهور الناس، وأصحاب المعايش من دهماء الجماعة، يرون ~~ذلك واجبا وتدبيرا في التعامل، على ما هم فيه من مشاركة الخطأ للصواب، ~~وامتزاج الضعف بالقوة، فلسنا نشك أن الإمام الأكبر والرئيس الأعظم، مع ~~الأعراق الكريمة والأخلاق الرفيعة، والتمام في الحلم والعلم، والكمال في ~~الحزم والعزم، مع التمكين والقدرة، والفضيلة والرياسة والسيادة، والخصائص ~~التي معه من التوفيق والعصمة، والتأييد وحسن المعونة، أن الله جل اسمه لم ~~يكن ليجلله باسم الخلافة، ويحبوه بتاج الإمامة، وبأعظم نعمة وأسبغها، وأفضل ~~كرامة وأسناها، ثم وصل طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، إلا ومعه من الحلم ~~في موضع الحلم، والعفو في موضع العفو، والتغافل في موضع التغافل، ما لا ~~يبلغه فضل ذي فضل، ولا حلم ذي حلم. # ونحن قائلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيما انتهى إلينا في أمر ~~الأتراك: # زعم محمد بن الجهم، وثمامة بن الأشرس، والقاسم بن ms015 سيار، في جماعة ~~ممن يغشى دار الخلافة، وهي دار العامة، قالوا جميعا: # بيننا حميد بن عبد ~~الحميد جالسا ومعه يخشاد الصغدي، وأبو شجاع PageV01P039 ~~شبيب بن بخاراخداي البلخي، ويحيى بن معاذ، ورجال من المعدودين المتقدمين ~~في العلم بالحرب من أصحاب التجارب والمراس، وطول المعالجة والمعاناة في ~~صناعات الحرب، إذ خرج رسول المأمون فقال لهم: نقول لكم متفرقين ومجتمعين: ~~ليكتب كل رجل منكم دعواه وحجته، وليقل أيما أحب إلى كل قائد منكم إذا كان ~~في عدته من صحبه وثقاته: أن يلقى مائة تركي أو مائة خارجي؟ فقال القوم ~~جميعا: لأن نلقى مائة تركي أحب إلينا من أن نلقى مائة خارجي! وحميد ساكت. # فلما فرغ القوم جميعا من حججهم، قال الرسول: قد قال القوم فقل PageV01P040 ~~واكتب قولك، وليكن حجة لك أو عليك. ~~قال: بل ألقى مائة خارجي أحب إلي؛ لأنني وجدت الخصال التي يفضل بها ~~الخارجي جميع المقاتلة غير تامة في الخارجي، ووجدتها تامة في التركي. ففضل ~~التركي على الخارجي بقدر فضل الخارجي على سائر المقاتلة، ثم بان التركي عن ~~الخارجي بأمور ليس فيها للخارجي دعوى ولا متعلق. على أن هذه الأمور التي ~~بان بها التركي عن الخارجي، أعظم خطرا وأكثر نفعا، مما شاركه الخارجي في ~~بعضها. # ثم قال حميد: والخصال التي يصول بها الخارجي على سائر الناس صدق الشدة عن ~~أول وهلة، وهي الدفعة التي يبلغون بها ما أرادوا، وينالون الذي أملوا. # والثانية: الصبر على الخبب وعلى طول السرى، حتى يصبح القوم الذين مرقوا ~~بهم غارين فيهجموا عليهم وهم بسوء، ولحم على وضم، يتعجلونهم عن الروية، وعن ~~رد النفس عن النزوة والجولة، لا يظنون أن أحدا يقطع في ذلك المقدار من ~~الزمان ذلك المقدار من البلاد. PageV01P041 # والثالثة: أن الخارجي موصوف عند الناس بأنه إن طلب أدرك، وإن طلب فات. # والرابعة: خفة الأزواد وقلة الأمتعة، وأنها تجنب الخيل وتركب البغال، وإن ~~احتاجت أمست بأرض وأصبحت بأخرى، وأنهم قوم حين خرجوا لم يخلفوا الأموال ~~الكثيرة، والجنان الملتفة، والدور المشيدة، ولا ضياعا ولا مستغلات، ولا ms016 ~~جواري مطهمات، وأنهم لا سلب لهم ولا مال معهم فيرغب الجند في لقائهم، وإنما ~~هم كالطير لا تدخر ولا تهتم لغد، ولها في كل أرض من المياه والأقوات ما ~~تتبلغ به، وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرب لها البعيد، وتسهل ~~لها الحزون. وكذلك الخوارج لا يمتنع عليهم القرى والمطعم، وإن تمنع عليهم ~~ففي بنات شحاج وبنات صهال، وخفة الأثقال على طول الخبب، ما يسهل أقواتها، ~~ويكثر من أرزاقها. PageV01P042 # والخامسة: أن الملوك إن أرسلوا إليهم أعدادهم ليكونوا في خفة أوزارهم ~~وأثقالهم، وليقووا على التنقل كقوتهم، لم يقووا عليهم؛ لأن مائة من الجند ~~لا يقومون لمائة من الخوارج؛ وإن كثفوا الجيش بالجيش، وضاعفوا العدد بالعدد ~~ثقلوا عن طلبهم، وعن الفوت إن طلبهم عدوهم. ومتى شاء الخارجي أن يقرب منهم ~~ليتطرفهم أو ليصيب الغرة منهم، أو ليسلبهم، فعل ذلك ثقة بأنه يغنم عند ~~الفرصة ورؤية العورة، ويمكنه الهرب عند الخوف. وإن شاء كبسهم ليقطع نظامهم، ~~أو ليقتطع القطعة منهم. # قال حميد: فهذه هي مفاخرهم وخصالهم، التي لها كره القواد لقاءهم. # قال قاسم بن سيار: وخصلة أخرى، وهي التي رعبت القلوب وخلعتها، ونقضت ~~العزائم وفسختها، وهو ما تسمع الأجناد ومقاتلة العوام، من ضرب المثل ~~بالخوارج، كقول الشاعر: # إذا ما البخيل والمحاذر للقرى %~% رأى الضيف مثل الأزرقي المجفف PageV01P043 # وكقول الآخر: # وقلب ود حال عن عهده %~% والسيف ينبو بيد الشاري # وكقول الآخر: # لقاء الأسد أهون من لقاه %~% إذا التحكيم يسهر بالأصل # فهذه زيادة قاسم بن سيار. # فأما حميد فإنه قال: # الشدة الأولى التركي فيها أحمد أثرا، وأجمع أمرا، ~~وأحكم شأنا؛ لأن التركي من أجل أن تصدق شدته ويتمكن عزمه، ولا يكون مشترك ~~العزم ولا منقسم الخواطر، قد عود برذونه ألا ينثنى وإن ثناه، أن يملأ فروجه ~~للأمر يديره مرة أو مرتين، وإلا فإنه لا يدع سننه، ولا يقطع ركضه. وإنما ~~أراد التركي أن يوئس نفسه من البدوات، ومن أن يعتريه التكذيب بعد الاعتزام، ~~لهول اللقاء، وحب الحياة؛ لأنه إذا علم أنه قد صير ms017 برذونه إلى هذه الغاية ~~حتى لا ينثني ولا يجيبه إلى التصرف معه إلا بأن يصنع شيئا بين الصفين فيه ~~عطبه، لم يقدم على الشدة إلا بعد إحكام الأمر، والبصر PageV01P044 ~~بالعورة. وإنما يريد أن يشبه نفسه بالمحرج الذي إذا رأى أشد القتال لم ~~يدع جهدا ولم يدخر حيلة، ولينفي عن قلبه خواطر الفرار، ودواعي الرجوع. # وقال: الخارجي عند الشدة إنما يعتمد على الطعان، والأتراك تطعن طعن ~~الخوارج، وإن شد منهم ألف فارس فرموا رشقا واحدا صرعوا ألف فارس، فما بقاء ~~جيش على هذا النوع من الشدة! # والخوارج والأعراب ليست لهم رماية مذكورة إلى ~~ظهور الخيل، والتركي يرمى الوحش والطي، والبرجاس، والناس والمجثمة، والمثل ~~الموضوعة، ويرمى بعشرة أسهم قبل أن يفوق الخارجي سهما واحدا، ويركض دابته ~~منحدرا من جبل، أو مستفلا إلى بطن واد بأكثر مما يمكن الخارجي على بسيط ~~الأرض. # وللتركي أربعة أعين: عينان في وجهه، وعينان في قفاه. وللخارجي PageV01P045 ~~عيب في مستدبر الحرب، وللخرساني عيب في مستقبل الحرب. فعيب الخرسانية أن ~~لها جولة عند أول الالتقاء، وإن ركبوا كسأهم كانت هزيمتهم، وكثيرا ما ~~يثوبون، وذلك بعد الخطار بالعسكر، وإطماع العدو في الشدة. # والخوارج إذا ولوا فقد ولوا وليس لهم بعد الفر كر، إلا ما لا يعد. ~~والتركي ليست له جولة الخراساني، وإذا أدبر فهو السم النافع، والحتف ~~القاضي؛ لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر كما يصيب به وهو مقبل، ولا يؤمن وهقه، ~~ولا انتساف الفرس، واختطاف الفارس بتلك الراكضة. # ولم يفلت من الوهق في جميع الدهر إلا المهلب بن أبي صفرة، والحريش بن ~~هلال، وعباد بن الحصين. وربما رمى بالوهق وله فيه تدبير آخر PageV01P046 ~~وإن لم يجنب المرمى معه، يوهم الجاهل أن ذلك إنما كان لخرق التركي، أو ~~لحذق المرمى. # قال: وهم علموا الفرسان حمل قوسين وثلاثة قسي، ومن الأوتار على حسب ذلك. # قال: والتركي في حال شدته، معه كل شيء يحتاج إليه لنفسه وسلاحه ودابته ~~وأداة دابته. فأما الصبر على الخبب وعلى مواصلة السفر، وعلى طول السري وقطع ~~البلاد، فعجيب ms018 جدا. # فواحدة: أن فرس الخارجي لا يصبر صبر برذون التركي. # والخارجي لا يحسن أن يعالج فرسه إلا معالجة الفرسان لخيولهم، والتركي ~~أحذق من البيطار، وأجود تقويما لبرذونه على ما يريده من الراضة وهو ~~استنتجه، وهو رباه فلوا، وتتبعه إن سماه، وإن ركض ركض خلفه. وقد عوده ذلك ~~حتى عرفه، كما يعرف الفرس أقدم، PageV01P047 ~~والناقة حل، والجمل جاه، والبغل عدس، والحمار ساسا، وكما يعرف المجنون ~~لقبه والصبي اسمه. # ولو حصلت عمر التركي وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر دابته أكثر من ~~جلوسه على ظهر الأرض. والتركي يركب فحلا أو رمكة، ويخرج غازيا أو مسافرا، ~~أو متباعدا في طلب صيد، أو سبب من الأسباب، فتتبعه الرمكة وأفلاؤها، إن ~~أعياه اصطياد الناس اصطاد الوحش، وإن أخفق منها أو احتاج إلى طعام فصد دابة ~~من دوابه، وإن عطش حلب رمكة من رماكه، وإن أراح واحدة تحته ركب أخرى من غير ~~أن ينزل إلى الأرض. وليس في الأرض أحد إلا وبدنه ينتفض على اقتيات اللحم ~~وحده غيره؛ وكذلك دابته تكتفي بالعنقر والعشب والشجر، لا يظلها من شمس ولا ~~يكنها من برد. # قال: وأما الصبر على الخبب فإن الثغريين، والفرانقيين، والخصيان ~~والخوارج، لو اجتمعت قواهم في شخص واحد لما وفوا بتركي واحد. PageV01P048 ~~والتركي لا يبقى معه على طول الغاية إلا الصميم من دوابه. والذي يقتله ~~التركي بإتعابه له، وينفيه عند غزاته، هو الذي لا معه فرس الخارجي، ولا ~~يبقى معه كل برذون بخاري. ولو ساير خارجيا لاسترغ وسعه قبل أن يبلغ الخارجي ~~عفوه. # والتركي هو الراعي، وهو السائس وهو الراكض، وهو النخاس، وهو البيطار، وهو ~~الفارس. والتركي الواحد أمة على حدة. # قال: وإذا سار التركي في غير عساكر الترك، فسار القوم عشرة أميال سار ~~عشرين ميلا؛ لأنه ينقطع عن العسكر يمنة ويسرة، ويسرع في ذرى الجبال، ~~ويستبطن قعور الأودية في طلب الصيد؛ وهو في ذلك يرمي كل ما دب ودرج، وطار ~~ووقع. # قال: والتركي لم يسر في العساكر سير الناس قط، ولا سار مستقيما قط. # قالوا: ms019 وإذا طالت الدلجة واشتد السير، وبعد المنزل، وانتصف النهار، واشتد ~~التعب، وشغل الناس الكلال، وصمت المتسايرون فلم ينطقوا، PageV01P049 ~~وقطعهم ما هم فيه عن التشاغل بالحديث، وتفسخ كل شيء من شدة الحر، وخمد كل ~~شيء من شدة البرد، وتمنى كل جليد القوى على طول السرى أن تطوى له الأرض، ~~وكلما رأى خيالا أو أبصر علما سر به واستبشر، وظن أنه قد بلغ المنزل؛ فإذا ~~بلغه الفارس نزل وهو متفحج كأنه صبي محقون، يئن أنين المريض، ويستريح إلى ~~التثاؤب، ويتداوى مما به بالتمطي والتضجع. وترى التركي في تلك الحال وقد ~~سار ضعف ما ساروا وقد أتعب منكبيه كثرة النزع، يرى قرب المنزل عيرا أو ~~ظبيا، أو عرض له ثعلب أو أرنب، خيركض ركض مبتدئ مستأنف، كأن الذي سار ذلك ~~السير وتعب ذلك التعب غيره. # وإن بلغ الناس واديا فازدحموا على مسلكه أو على قنطرته، بطن برذونه ~~فأقحمه ثم طلع من الجانب الآخر كأنه كوكب. وإن انتهوا إلى عقبة صعبة ترك ~~السنن وذهب في الجبل صعدا، ثم تدلى من موضع يعجز PageV01P050 ~~عنه الوعل؛ وأنت تحسبه مخاطرا بنفسه، للذي ترى من مطلعه. ولو كان في كل ~~ذلك مخاطرا لما دامت له السلامة مع تتابع ذلك منه. # قال: ويفخر الخارجي بأنه إذا طلب أدرك، وإذا طلب لم يدرك. والتركي ليس ~~يحوج إلى أن يفوت؛ لأنه لا يطلب ولا يرام. ومن يروم ما لا يطمع فيه؟! # فهذا. ~~على أنا قد علمنا العلة التي عمت الخوارج بالنجدة استواء حالتهم في ~~الديانة، واعتقادهم أن القتال دين؛ لأننا حين وجدنا السجستاني والخراساني ~~والجزري واليمامي والمغربي والعماني، والأزرقي منهم والنجدي والإباضي ~~والصفري، والمولى والعربي، والعجمي والأعرابي، والعبيد والنساء، والحائك ~~والفلاح، كلهم يقاتل مع اختلاف الأنساب وتباين البلدان علمنا أن الديانة هي ~~التي سوت بينهم، ووفقت بينهم في ذلك. كما أن كل حجام في الأرض من أي جنس ~~كان، ومن أي بلد كان، فهو يحب PageV01P051 ~~النبيذ، وكما أن أصحاب الخلقان والسماكين والنخاسين والحاكة في كل بلد من ~~كل جنس، شرار خلق ms020 الله في المبايعة والمعاملة. فعلمنا بذلك أن ذلك خلقة في ~~هذه الصناعات، وبنية في هذه التجارات، حين صاروا من بين جميع الناس كذلك. # قال: ورأينا التركي في بلاده ليس يقاتل على دين ولا على تأويل، ولا على ~~ملك ولا على خراج، ولا على عصبية ولا على غيرة دون الحرمة والمحرم، ولا على ~~حمية ولا على عداوة، ولا على وطن ومنع دار ولا مال؛ وإنما يقاتل على السلب ~~والخيار في يده. وليس يخاف الوعيد إن هرب، ولا يرجو الوعد إن أبلى عذرا. ~~وكذلك هم في بلادهم وغاراتهم وحروبهم. وهو الطالب غير المطلوب؛ ومن كان ~~كذلك فإنما يأخذ العفو من قوته، ولا يحتاج إلى مجهوده. ثم هو مع ذلك لا ~~يقوم له شيء ولا يطمع فيه أحد، فما ظنك بمن هذه صفته أن لو اضطره إحراج أو ~~غيرة أو غضب أو تدين، أو عرض له بعض ما يصحب المقاتل المحامي من العلل ~~والأسباب. # قال: وقناة الخارجى طويلة صماء، وقناة التركي مطرد أجوف والقنى المجوفة ~~القصار أشد طعنة وأخف في المحمل. والعجم تجعل القنى PageV01P052 ~~الطوال للرجالة، وهي قنى الأبناء، على أبواب الخنادق والمضايق. والأبناء ~~في هذا الباب لا يجرون مع الأتراك والخراسانية؛ لأن الغالب على الأبناء ~~المطاعنة على أبواب الخنادق وفي المضايق، وهؤلاء أصحاب الخيل والفرسان وعلى ~~الخيل والفرسان تدور الجيوش، لهم الكر والفر. والفارس هو الذي يطوي الجيش ~~طي السجل، ويفرقهم تفريق الشعر. وليس يكون الكمين إلا منهم ولا الطليعة ولا ~~الساقة. وهم أصحاب الأيام المذكورة والحروب الكبار والفتوح العظام، ولا ~~تكون المقانب والكتائب إلا منهم. ومنهم من يحمل البنود والرايات، والطبول ~~والتجافيف والأجراس. وهم أصحاب الصهيل والقتام، وزجر الخيل، وقعقة الريح في ~~الثياب PageV01P053 ~~والسلاح ووقع الحوافر، والإدراك إذا طلبوا، والغوث إذا طلبوا. ولم يجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم للفارس سهمين وللراجل من المقاتلة سهما واحدا إلا ~~لتضاعيف الرد في القتل والفتوح، والنهبة والمغانم. # ثم قال: ولعمري إن الأبناء من القتال في السكك والسجون والمضايق ما ليس ~~لغيرهم. ولكن الرجال أبدا ms021 أتباع ومأمورون ومنقادون، وقائد الرجال لا يكون ~~إلا فارسا، وقائد الفرسان من الممتنع أن يكون راجلا. ومن تعود الطعان ~~والضرب والرمي راكبا إن اضطر إلى الطعن والرمي راجلا كان على ذاك أدفع على ~~نفسه، وأرد عن أصحابه، من الراجل إذا احتاج أن يستعمل سلاحه فارسا. وعلى ~~أنه ما أكثر ما ينزلون ويقاتلون. وقد قال الشاعر: # لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا %~% وأخو الحرب من أطاق النزولا # وقال الضبي: # وعلام أركبه إذا لم أنزل. PageV01P054 # وقال آخر: # فمعانق ومنازل. # وقال حميد: وليس في الأرض قوم إلا والتساند في الحروب، والإشتراك في ~~الرياسة ضار لهم، إلا الأتراك. على أن الأتراك لا يتساندون ولا يتشاركون؛ ~~وذلك أن الذي يكره من المساندة والمشاركة اختلاف الرأي، والتنافس في السر، ~~والتحاسد بين الأشكال، والتواكل فيما بين المشتركين. # والأتراك إذا صافوا جيشا إن كان في القوم موضع عورة فكلهم قد أبصرها ~~وعرفها؛ وإن لم تكن هناك عورة لم يكن فيهم مطمع، وكان الرأي الانصراف، ~~فكلهم قد رأى ذلك الرأي وعرف الصواب فيه. وخواطرهم واحدة، ودواعيهم مستوية ~~بإقبالهم معا. وليس هم أصحاب تأويلات ولا أصحاب تفاخر وتناشد، وإنما شأنهم ~~إحكام أمرهم؛ فالاختلاف يقل بينهم. # وكانت الفرس تعيب العرب إذا خرجوا إلى الحرب متساندين، وكانت تقول: ~~الاشتراك في الحرب وفي الزوجة وفي الإمرة سواء. # قال حميد: فما ظنك بقوم إذا تساندوا لم يضرهم التساند، فكيف يكونون إذا ~~تحاسدوا. PageV01P055 # فلما انتهى الخبر إلى المأمون قال: ليست بالترك حاجة إلى حكم حاكم بعد ~~حميد؛ فإن حميدا قد مارس الفريقين، وحميد خراساني وحميد عربي، فليس للتهمة ~~عليه طريق. # قالوا: وأتى الخبر ذا اليمينين طاهر بن الحسين فقال: ما أحسن ما قال ~~حميد. أما إنه لم يقصر ولم يفرط. # فهذا قول الخليفة المأمون، وحكم حميد، وتصويب طاهر. # وخبرني رجل من أهل خراسان أو من بني سدوس قال: سمعت أبا البط يقول: ~~ويلكم، كيف أصنع بفارس يملأ فروج دابته منحدرا من جبل، أو مصعدا في مقطع ~~عفير، ويمكنه على ظهر الفرس ما لا يمكن الرقاص الأبلى ms022 على ظهر الأرض. # قال: وقال سعيد بن عقبة بن سلم الهنائي، وكان ذا رأي في الحرب وابن ذي ~~رأي فيها: فرق ما بيننا وبين الترك أن الترك لم تغز قوما قط، PageV01P056 ~~ولا صافت جيشا ولا هجمت على عدو كانوا عربا أو عجما، فأخرجوا إليهم ~~أعدادهم ولقوهم بمثلهم. وليس غايتهم إلا أن ينقادوا ليكفوا عنهم بأسهم ~~ومعرتهم، ويصرفوا عنهم كيدهم. فإن هم امتنعوا من الصلح واعتزموا على الحرب ~~فليس شأنهم والذي يدور عليه أمرهم إلا منع أنفسهم وتحصين عسكرهم، والاحتراس ~~منهم. فأما أن ترقى هممهم وتسمو أنفسهم إلى الاحتيال عليهم، والتماس غرتهم، ~~فإن هذا شيء لا يخطر على بال من يحاربهم. # ثم قال: وقد عرفتم حيلهم في دخول المدن من جهة حيطانها المصمتة العريضة، ~~وحيلتهم في عبور نهر بلخ. # وسعيد هذا هو الذي قال: إذا حاربتم وكنتم ثلاثة فاجعلوا واحدا مددا، وآخر ~~كمينا. وله كلام في الحرب غير هذا كثير. # قال سعيد: وأخبرني أبي قال: شهدت أبا الخطاب يزيد بن قتادة بن دعامة ~~الفقيه، وذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الترك حيث قال: " عدو شديد ~~طلبه، قليل سلبه "، فقال رجل من العالية: نهى عمر أبا زبيد الطائي عن وصف ~~الأسد؛ لأن ذلك مما يزيد في رعب PageV01P057 ~~الجبان، وفي هول الجنان، ويقل من رغب الشجاع، وقد وصف الترك بأشد من وصف ~~أبي زبيد الأسد. # وقال سعيد في حديثه يومئذ، وقد قطعت شرذمة منهم بلاد أبي خزيمة - يريد ~~حمزة بن أدرك الخارجي - وما والي خراسان في بعض الأمر، وحمزة في معظم ~~الناس، فقال لأصحابه: أفرجوا لهم ما تركوكم، ولا تتعرضوا لهم؛ فإنه قد قيل: ~~تاركوهم ما تاركوكم. # فهذا قول سعيد بن عقبة ورأيه وحديثه؛ وهو عربي خرساني. # وذكر يزيد بن مزيد الوقعة التي قتل فيها يولبا التركي الوليد بن طريف ~~الخارجي، فقال في بعض ما يصف من شأن الترك: ليس لبدن التركي على PageV01P058 ~~ظهر الدابة ثقل، ولا لمشيه على الأرض وقع، وإنه ليرى وهو مدبر ما لا يرى ~~الفارس منا ms023 وهو مقبل. وهو يرى الفارس منا صيدا ويعد نفسه فهدا، ويعده ظبيا ~~ويعد نفسه كلبا. والله لو رمى به في قعر بئر مكتوفا لما أعجزته الحيلة؟ ~~ولولا أن أعمار عامتهم تقصر دون الجبل - يعني جبل حلوان - ثم هموا بنا، ~~لألقوا لنا شغلا طويلا. # وأنشد رجل من أصحابه: # هب الدنيا تساق إليك عفوا %~% أليس مصير ذاك إلى زوال # قال: أما التركي فلأن ينال الكفاف غصبا أحب إليه من أن ينال الملك عفوا. ~~ولم يتهن تركي بطعام إلا أن يكون صيدا او مغنما، ولا يعز على ظهر دابته ~~طالبا كان أو مطلوبا. # وقال ثمامة بن أشرس، وكان مثل محمد بن الجهم في كثرة ذكره للترك. قال ~~ثمامة: التركي لا يخاف إلا مخوفا ولا يطمع في غبر مطمع، ولا يكفه عن الطلب ~~إلا اليأس صرفا، ولا يدع القليل حتى يصيب أكثر منه، وإن قدر أن يجمعهما لم ~~يفرط في واحد منهما. والباب الذي لا يحسنه لا يحسن منه شيئا، PageV01P059 ~~والباب الذي يحسنه قد أحكمه بأسره وأمره وخفيه عنده كظاهره، ولا يتشاغل ~~بشيء، ولا على نفسه من شيء. ولولا أن يجم نفسه بالنوم لما نام، على أن نومه ~~مشوب باليقظة، ويقظته سليمة من الوسنة، ولو كان في شقهم أنبياء، وفي أرضهم ~~حكماء، وكانت هذه الخواطر قد مرت على قلوبهم، وقرعت أسماعهم، لأنسوك أدب ~~البصريين، وحكمة اليونانيين، وصنعة أهل الصين. # وقال ثمامة: عرض لنا في طريق خراسان تركي ومعنا قائد يصول بنفسه ورجاله، ~~وبيننا وبين التركي واد، فسأله أن يبارزه فارس من القوم، فأخرج له رجلا لم ~~أرقط أكمل منه، ولا أحسن تماما وقواما منه، فاحتال حتى عبر إليهم الفارس، ~~فتجاولا ساعة، ولا نظن إلا أن صاحبنا يفي بأضعافه، وهو في ذلك يتباعد عنا. ~~فبينما هما في ذلك إذ ولى عنه التركي كالهارب منه، وفعل ذلك في موضع ظننا ~~أن صاحبنا قد ظهر عليه، وأتبعه الفارس لا نشك إلا أنه سيأتينا برأسه، أو ~~يأتينا به مجنوبا إلى فرسه، فلم نشعر إلا وصاحبنا قد أفلت عن ms024 فرسه وغاب ~~عنه، فنزل التركي إليه فأخذ سلبه وقتله، ثم عارض فرسه فجنبه إليه معه. PageV01P060 # قال ثمامة: ثم رأيت بعد ذلك التركي قد جيء به أسيرا إلى دار الفضل ابن ~~سهل، فقلت له: كيف صنعت يومئذ، وكيف طاولته ثم علاك ثم وليت عنه هاربا ثم ~~قتلته؟ قال: أما إني لو شئت أن أقتله حين عبر؛ وقد كان مقتله بارزا لي، ~~ولكني احتلت عليه حتى نحيته عن أصحابه لأجوزه، فلا يحال بيني وبين فرسه ~~وسلبه. # قال ثمامة: وإذا هو يدير الفارس من سائر الناس ويريغه كيف شاء وأحب. # قال ثمامة: وقد غبرت في أيديهم أسيرا فما رأيت كإكرامهم وتحفهم وألطافهم. # فهذا ثمامة بن أشرس، وهو عربي لا يتهم في الإخبار عنهم. # وأنا أخبرك أني قد رأيت منهم شيئا عجيبا وأمرا غريبا: رأيت في بعض غزوات ~~المأمون سماطي خيل على جنبتي الطريق بقرب المنزل، مائة فارس من الأتراك في ~~الجانب الأيمن، ومائة من سائر الناس في الجانب الأيسر، وإذا هم قد اصطفوا ~~ينتظرون مجيء المأمون، وقد انتصف النهار واشتد الحر. فورد عليهم وجمع ~~الأتراك جلوس على ظهور خيولهم إلا ثلاثة أو أربعة، وجميع تلك الأخلاط من ~~الجند قد رموا بنفوسهم إلى الأرض إلا ثلاثة أو أربعة. فقلت PageV01P061 ~~لصاحب لي: انظر أي شيء اتفق لنا. أشهد أن المعتصم كان أعرف بهم حين جمعهم ~~واصطنعهم. # وأردت مرة القاطول - وهي المباركة - وأنا خارج من بغداد، وأرى فوارس من ~~أهل خراسان والأبناء وغيرهم من أصناف الجندي، قد عار لهم فرس، وهم على خيل ~~عتاق يريغونه فلا يقدرون على أخذه، ومر تركي ولم يكن من ذوي هيئاتهم وذوي ~~القدر منهم، وهو على برذون له خسيس، وهم على الخيول المطهمة، فاعترض الفرس ~~اعتراضا، وقتله قتلا وحيا؛ وأتاه من زجره بشيء، فوقف أولئك الجند وصاروا ~~نظارة، فقال بعضهم ممن كان يزري على ذلك التركي: هذا وأبيك التكلف والتعرض: ~~أن فرسا قد أعجزهم وهم أسد البلاد، وجاء هذا مع قصر قامته وضعف دابته، فطمع ~~أن يأخذه. فمى انقضى كلامه حتى ms025 أقبل به ثم سلمه إليهم ومضى لطلبته، لم ~~ينتظر ثناءهم ولا دعاءهم، ولا أراهم أنه قد صنع شيئا، أو أتى إليهم معروفا. # والأتراك قوم لا يعرفون الملق ولا الخلابة، ولا النفاق ولا السعاية، ولا ~~التصنع ولاالنميمة ولا الرياء، ولا البذخ على الأولياء، ولا البغي على ~~الخلطاء، ولا يعرفون البدع، ولم تفسدهم الأهواء، ولايستحلون الأموال على ~~التأول، وإنما كان عيبهم، والذي يوحش منهم، الحنين إلى الأوطان، وحب التقلب ~~في البلدان، والصبابة بالغارات، والشغف بالنهب، وشدة PageV01P062 ~~الإلف للعادة، مع ما كانوا يتذاكرون من سرور الظفر وتتابعه، وحلاوة ~~المغنم وكثرته، وملاعبهم في تلك الصحارى، وترددهم في تلك المروج، وألا يذهب ~~بطول الفراغ فضل نجدتهم باطلا، ويصير حدهم على طول الأيام كليلا. # ومن حذق شيئا لم يصبر عنه، ومن كره أمرا فر منه. # وإنما خصوا بالحنين من بين جميع العجم لأن في تركيبهم وأخلاط طبائعهم من ~~تركيب بلدهم وتربيتهم، ومشاكلة مياههم ومناسبة إخوانهم، ما ليس مع أحد ~~سواهم. ألا ترى أنك ترى البصري فلا تدري أبصري هو أم كوفي، وترى المكي فلا ~~تدري أمكي هو أم مدني. وترى الجبلي فلا تدري أجبلي هو أم خراساني، وترى ~~الجزري فلا تدري أجزري هو أم شامي. وأنت لا تغلط في التركي، ولا تحتاج فيه ~~إلى قيافة ولا إلى فراسة، ولا إلى مساءلة. ونساؤهم كرجالهم، ودوابهم تركية ~~مثلهم. # وهكذا طبع الله تلك البلدة، وقسم لتلك التربة. وجميع دور الدنيا ونشوها ~~إلى منتهى قواها ومدة أجلها، جارية على عللها، وعلى مقدار أسبابها وعلى قدر ~~ما خصها الله تعالى به وأبانها، وجعل فيها. فإذا صاروا إلى دار الجزاء، فهي ~~كما قال الله تعالى: " إنا أنشأناهن إنشاء ". # وكذلك ترى أبناء العرب والأعراب الذين نزلوا خراسان، لا تفصل بين من نزل ~~أبوه بفرغانة وبين أهل فرغانة، ولا ترى بينهم فرقا في السبال الصهب PageV01P063 ~~والجلود القشرة، والأقفاء العظيمة، والأكسية الفرغانية. وكذلك جميع تلك ~~الأرباع، لا تفصل بين أبناء النازلة وبين أبناء النابتة. # ومحبة الوطن شيء شامل لجميع الناس، وغالب على جميع الجيرة. ولكن ms026 ذاك في ~~الترك أغلب، وفيها أرسخ؛ لما معها من خاصة المشاكلة والمناسبة، واستواء ~~الشبه، وتكافي التركيب. ألا ترى أن العبدي يقول: " عمر الله البلدان بحب ~~الأوطان "، وأن ابن الزبير قال: " ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم ~~بأوطانهم "، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " لولا تفرق أهواء العباد ~~لما عمر الله البلاد "، وأن جمعة الإيادبة قالت: " لولا ما أوصى الله به ~~العباد من قفر البلاد، لما وسعهم واد ولا كفاهم زاد ". # وذكر قتيبة بن مسلم الترك فقال: " هم والله أحن من الإبل المعقلة إلى ~~أوطانها "؛ لأن البعير يحن إلى وطنه وعطنه، وهو بعمان، من ظهر البصرة، فهو ~~يخبط كل شيء ويستبطن كل واد، حتى يأتي مكانه؛ على أنه طريق لم يسلكه إلا ~~مرة واحدة، فلا يزال بالشم والاسترواح وحسن الاستدلال، وبالطبيعة المخصوص ~~بها حتى يأتي مبركه، على بعد ما بين عمان والبصرة. PageV01P064 # فلذلك ضرب به قتيبة المثل. # والشح على الوطن والحنين إليه، والصبابة به، مذكورة في القرآن، مخطوطة في ~~الصحف بين جميع الناس. غير أن التركي للعلل التي ذكرناها أشد حنينا وأكثر ~~نزوعا. # وباب آخر، مما كان يدعوهم إلى الرجوع قبل العزم الثابت، والعادة ~~المنقودة: وذلك أن الترك قوم يشتد عليهم الحصر والجثوم، وطول اللبث والمكث، ~~وقلة التصرف والتحرك، وأصل بنيتهم إنما وضع على الحركة، وليس للسكون فيها ~~نصيب، وفي قوى أنفسهم فضل على قوى أبدانهم، وهم أصحاب توقد وحرارة، واشتغال ~~وفطنة، كثيرة خواطرهم، سريع لحظهم، وكان يرون الكفاية معجزة، وطول المقام ~~بلادة، والراحة عقلة، والقناعة من قصر الهمة؛ وأن ترك الغزو يورث الزلة. PageV01P065 ~~وقد قالت العرب في مثل ذلك: قال عبد الله بن وهب الراسبي: " حب الهوينا ~~يكسب النصب ". والعرب تقول: " من غلا دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء ". ~~وقال أكثم بن صيفي: " ما أحب أني مكفي كل أمر الدنيا ". قيل: ولم؟ قال: " ~~أخاف العجز ". # فهذه كانت علل الترك في حب الرجوع والحنين إلى الوطن. # ومن أعظم ما كان يدعوهم إلى الشرود ويبعثهم على الرجوع، ويكره ms027 عندهم ~~المقام، ما كانوا فيه من جهل قوادهم بأقدارهم، وقلة معرفتهم بأخطارهم، ~~وإغفالهم موضع الرد عليهم والانتفاع بهم، حتى جعلوهم أسوة أجنادهم، ولم ~~يقنعوا أن يكونوا في الحاشية والحشوة، وفي غمار العامة ومن عرض العساكر، ~~وأنفوا من ذلك لأنفسهم، وذكروا ما يجب لهم، ورأوا أن الضيم لا يليق بهم؛ ~~وأن الخمول لا يجوز عليهم، وأنهم في المقام على من لا يعرف حقهم ألوم ممن ~~منعهم حقهم، فلما صادفوا ملكا حكيما، وبأقدار الناس عليما، لايميل إلى ~~سوءعادة ولايجنح إلى هوى، ولايتعصب لبلد على بلد؛ يدور مع التدبير حيثما ~~دار، ويقيم مع الحق حيثما أقام، أقاموا إقامة من قد فهم الحظ، ودان بالحق ~~ونبذ العادة، وآثر PageV01P066 ~~الحقيقة، ورحل نفسه لقطيعة وطنه، وآثر الإمام على ملك الجبرية، واختار ~~الصواب على الإلف. # ثم اعلم بعد هذا كله أن كل أمة وقرن، وكل جيل وبني أب وجدتهم قد برعوا في ~~الصناعات، وفضلوا الناس في البيان، أو فاقوهم في الآداب، وفي تأسيس الملك، ~~وفي البصر بالحرب؛ فإنك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية، إلا أن يكون ~~الله قد سخرهم لذلك المعنى بالأسباب، وقصرهم عليه بالعلل التي تقابل تلك ~~الأمور، وتصلح لتلك المعاني؛ لأن من كان متقسم الهوى، مشترك الرأي، ومتشعب ~~النفس، غير موفر على ذلك الشيء ولا مهيأ له، لم يحذق من تلك الأشياء شيئا ~~بأسره، ولم يبلغ في غايته، كأهل الصين في الصناعات، واليونانيين في الحكم ~~والآداب، والعرب فيما نحن فيه ذاكروه في موضعه، وآل ساسان في الملك، ~~والأتراك في الحروب. ألا ترى أن اليونانيين الذين نظروا في العلل لم يكونوا ~~تجارا ولا صناعا بأكفهم، ولا أصحاب زرع ولا فلاحة وبناء وغرس، ولاأصحاب جمع ~~ومنع، وحرص وكد، وكانت الملوك تفرغهم، وتجري عليهم كفايتهم، PageV01P067 # فنظروا حين نظروا بأنفس مجتمعة، وقوة وافرة، وأذهان فارغة، حتى استخرجوا ~~الآلات والأدوات، والملاهي التي تكون جماما للنفس، وراحة بعد الكد، وسرورا ~~يداوي قرح الهموم، فصنعوا من المرافق، وصاغوا من المنافع كالقرصوطونات، ~~والقبانات، والأسطرلابات، وآلة الساعات، وكالكونيا، وكالشيزان، والبركار، ~~وكأصناف المزامير ms028 والمعازف، وكالطب والحساب والهندسة واللحون، وآلات الحرب ~~كالمجانيق، PageV01P068 ~~والعرادات، والرتيلات، والدبابات، وآلة النفاط، وغير ذلك مما يطول ذكره. # وكانوا أصحاب حكمة ولم يكونوا فعلة؛ يصورون الآلة، ويخرطون الأداة، ~~ويصوغون المثل ولا يحسنون العمل بها، ويشيرون إليها ولا يمسونها، ويرغبون ~~في العلم ويرغبون في العمل. # فأما سكان الصين فهم أصحاب السبك والصياغة، والإفراغ والإذابة والأصباغ ~~العجيبة، وأصحاب الخرط والنحت والتصوير، والنسخ والخط، ورفق الكف في كل شيء ~~يتولونه ويعانونه، وإن اختلف جوهره، وتباينت صنعته، وتفاوت ثمنه. # واليونان يعرفون الفلك، لأن أولئك حكماء وهؤلاء فعلة. وكذلك العرب، لم ~~يكونوا تجارا ولا صناعا، ولا أطباء ولا حسابا، ولا أصحاب فلاحة فيكونون ~~مهنة، ولا أصحاب زرع، لخوفهم من صغار PageV01P069 ~~الجزية. ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب، ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم وطلب ~~ما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ورءوس المكاييل، ولا ~~عرفوا الدوانيق والقراريط، ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة، ~~ولم يستغنوا الغني الذي يورث البلدة، والثروة التي تحدث الفرة، ولم يحتملوا ~~ذلا قط فيميت قلوبهم ويصغر عندهم أنفسهم. وكانوا سكان فياف وتربية العراء، ~~لا يعرفون الغمق ولا اللثق، ولا البخار ولا الغلط ولا العفن، ولا التخم. ~~أذهان حداد، ونفوس منكرة، فحين حملوا حدهم ووجهوا قواهم لقول الشعر وبلاغة ~~المنطق، وتشقيق اللغة وتصاريف الكلام، بعد قيافة الأثر وحفظ النسب، ~~والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآفاق، وتعرف الأنوار، والبصر بالخيل ~~والسلاح وآلة الحرب، والحفظ لكل مسموع والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن ~~المثالب والمناقب، بلغوا في ذلك الغاية، وحازوا كل أمنية. وببعض هذه العلل ~~صارت نفوسهم أكبر، وهممهم أرفع من جميع الأمم وأفخر، ولأيامهم أحفظ وأذكر. # وكذلك الترك أصحاب عمد وسكان فياف وأرباب مواش، وهم أعراب PageV01P070 ~~العجم كما أن هذيلا أكراد العرب. فحين لم تشغلهم الصناعات والتجارات، ~~والطب والفلاحة والهندسة؛ ولا غرس ولا بيان، ولا شق أنهار، ولا جباية غلات، ~~ولم يكن هممهم غير الغزو والغارة والصيد وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، ~~وطلب الغنائم وتدويخ البلدان، وكانت هممهم إلى ذلك مصروفة وكانت لهذه ~~المعاني ms029 والأسباب مسخرة ومقصورة، عليها، وموصولة بها أحكموا ذلك الأمر ~~بأسره، وأتوا على آخره، وصار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم، ولذتهم وفخرهم، ~~وحديثهم وسمرهم. # فلما كانوا كذلك صاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة، وأهل الصين في ~~الصناعات، والأعراب فيما عددنا ونزلنا، وكآل ساسان في الملك والرياسة. # ومما يستدل به على أنهم قد استقصوا هذا الباب واستغرقوا، وبلغوا أقصى ~~غايته وتعرفوه، أن السيف إلى أن يتقلده متقلد، أو يضرب به ضارب، قد مر على ~~أيد كثيرة، وعلى طبقات من الصناع، كل واحد منهم لا يعمل عمل صاحبه، ولا ~~يحسنه ولا يدعيه ولا يتكلفه، لأن الذي يذيب حديد السيف ويميعه، ويصفيه ~~ويهذبه، غير الذي يمده ويمطله؛ والذي يمده ويمطله PageV01P071 ~~غير الذي يطبعه ويسوي متنه، ويقيم خشيبته؛ والذي يطبعه ويسوي متنه غير ~~الذي يسقيه ويرهفه، والذي يرهفه غير الذي يركب قبيعته ويستوثق من سيلانه، ~~والذي يعمل مسامير السيلان وشاربي القبيعة ونصل السيف غير الذي ينحت خشب ~~غمده، والذي ينحت خشب غمده غير الذي يدبغ جلده، والذي يدبغ جلده غير الذي ~~يحليه، والذي يحليه ويركب نعله غير الذي يخرز حمائله. وكذلك السرج، وحالات ~~السهم والجعبة والرمح وجميع السلاح، مما هو جارح أو جنة. # والتركي يعمل هذا كله لنفسه من ابتدائه إلى غايته، فلا يستعين برفيق، ولا ~~يفزع فيه إلى صديق، ولا يختلف إلى صانع، ولا يشغل قلبه بمطاله وتسويفه، ~~وأكاذيب مواعيده، وبعزم كرائه. # وحين بلغ أوس بن حجر صفة القانص، وبلغ له الغاية في جمعه لأبواب الكفاية ~~بنفسه، قال: PageV01P072 # قصي مبيت الليل للصيد مطعم %~% لأسهمه غار، وبار وراصف # وليس أنه ليس في الأرض تركي إلا وهو كما وصفنا، كما أنه ليس كل يوناني ~~حكيما ولا كل صيني غاية في الحذق، ولا كل أعرابي شاعرا قائفا، ولكن هذه ~~الأمور في هؤلاء أعم وأتم، وهي فيهم أظهر وأكثر. # قد قلنا في السبب الذي تكاملت به النجدة والفروسية في الترك دون جميع ~~الأمم، وفي العلل التي من أجلها انتظموا جميع معاني الحرب، وهي معان تشتمل ~~على مذاهب غربية، وخصال ms030 عجمية. # فمنها: ما يقضي لأهله بالكرم وببعد الهمة وطلب الغاية. ومنها: ما يدل على ~~الأدب السديد والرأي الأصيل، والفطنة الثاقبة والبصيرة النافذة. ألا ترى ~~أنه ليس بد لصاحب الحرب من الحلم والعلم، والحزم والعزم، والصبر والكتمان، ~~ومن الثقافة، وقلة الغفلة وكثرة التجربة. ولا بد من البصر بالخيل والسلاح، ~~والخبرة بالرجال وبالبلاد، والعلم بالمكان والزمان والمكايد، وبما فيه صلاح ~~هذه الأمور كلها. PageV01P073 # والملك يحتاج إلى أواخ شداد وأسباب متان، ومن أتمها سببا وأعمقها نفعا ما ~~ثبته في نصابه، وأقره وسكنه في قراره، وزاد في تمكنه وبهائه، وقطع أسباب ~~المطعمة فيه، ومنع أيدي البغاة من الإشارة إليه فضلا عن البسط عليه. # قال: ثم إن الترك عطفت على العرب بالمحاجة والمقايسة، وقالوا: قلتم إن ~~تكن القرابة مما يستحق بالكفاية فنحن أقدم في الطاعة والود والمناصحة، وإن ~~تكن تستحق بالقربة فنحن أقرب قرابة. # قالوا: والعرب بعد هذا صنفان: عدنان وقحطان. فأما القحطاني فنسبتنا إلى ~~الخلفاء أقرب من نسبتهم، ونحن أمس بهم رحما؛ لأن الخليفة من ولد إسماعيل بن ~~ابراهيم، دون قحطان وعابر. وولد إبراهيم عليه السلام إسماعيل، وأمه هاجر، ~~وهي قبطية. وإسحاق وأمه سريانية. والستة الباقون أمهم قطورا بنت مفطون ~~عربية، من العرب العاربة. # وفي قول القحطانية: إن أمنا أشرف في الحسب إذ كانت عربية. وأربعة من ~~الستة هم الذين وقعوا بخرسان، فأولدوا ترك خرسان. فهذا قولنا للقحطاني. PageV01P074 # وأما قولنا للعدناني، فإبراهيم أبونا، وإسماعيل عمنا، وقرابتنا من ~~إسماعيل كقرابتكم. # قال الهيثم بن عدى: قيل لمبارك التركي، وعنده حماد التركي: إنكم من مذحج. ~~قال: ومذحج هذا من هو ذاك؟ وما نعرف إلا إبراهيم خليل الله وأمير المؤمنين. # قال الهيثم: وقد كان سقط إلى بلاد الترك رجل من مذحج فأنسل نسلا كثيرا، ~~ولذلك قال شاعر الشعوبية للعرب في قصيدة طويلة: # زعمتم بأن الترك أبناء مذحج %~% وبينكم قربى وبين البرابر # وذالكم نسل ابن ضبة باسل %~% وصوفان أنسال كثير الجرائر # وقال آخر: # متى كانت الأتراك أبناء مذبح %~% ألا إن في الدنيا عجيبا لمن عجب # وقد سمعتم ما جاء ms031 في سد بني قطورا وشأن خيولهم بنخل السود، وإنما كان ~~الحديث على وجه التهويل والتخويف بهم لجميع الناس، فصاروا للإسلام مادة ~~وجندا كثيفا، وللخلفاء وقاية وموئلا وجنة حصينة، وشعارا دون الدثار. PageV01P075 # وفي المأثور من الخبر: " تاركوا الترك ما تاركوكم ". وهذه وصية لجميع ~~العرب؛ فإن الرأي متاركتنا ومسالمتنا. وما ظنكم بقوم لم يعرض لهم ذو ~~القرنين. وبقوله " اتركوهم " سموا الترك. هذا بعد أن غلب على جميع الأرض ~~غلبة وقسرا، وعنوة وقهرا. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " هذا عدو شديد كلبه، قليل سلبه ". ~~فنهى كما ترى عن التعرض لهم، بأحسن كناية. # والعرب إذا ضربت المثل في العداوة الشديدة قالوا: ما هم إلا الترك ~~والديلم. # قال عملس بن عقيل بن علفة: # تبدلت منه بعد ما شاب مفرقي %~% عداوة تركي وبغض أبي حسل # وأبو حسل هو الضب. والعرب تقول: " هو أعق من ضب "؛ لأنه يأكل أولاده. # ولم يرعب قلوب أجناد العرب مثل الترك. وقال خلف الأحمر: # كأني حين أرهنهم بني %~% دفعتهم إلى صهب السبال # قال: وإياهم عني أوس بن حجر: # تكبتها ماءهم لما رأيتهم %~% صهب السبال بأيديهم بيازير PageV01P076 # وحدثني إبراهيم بن السندي مولى أمير المؤمنين، وكان عالما بالدولة، شديد ~~الحب لأبناء الدعوة، وكان يحوط مواليه ويحفظ أيامهم، ويدعو الناس إلى ~~طاعتهم، ويدرسهم مناقبهم، وكان فخم المعاني فخم الألفاظ، لو قلت لسانه كان ~~أرد على هذا الملك من عشرة آلاف سيف شهير، وسنان طرير، لكان ذلك قولا ~~ومذهبا. # قال: حدثني عبد الملك بن صالح، عن أبيه صالح بن علي أن خاقان ملك الترك ~~واقف مرةالجنيد بن عبد الرحمن أمير خراسان، وقد كان الجنيد هاله أمره، ~~وأفزعه شأنه، وتعاظمه جموعه وجمعه، وبعل به، وفطن به خاقان وعرف ما قد وقع ~~فيه، فأرسل إليه: # " إني لم أقف هذا الموقف وأمسك هذا الإمساك وأنا أريد مكروها، فلا ترع. ~~ولو كنت أريد غلبة أو مكروها لقد كنت انتسفت عسكرك انتسافا PageV01P077 ~~أعجلك فيه عن الروية وقد أبصرت موقع العورة. ولولا أن تعرف هذه المكيدة ~~فتعود بها على غيري ms032 من الأتراك، لعرفتك موضع الانتشار والخلل والخطأ في ~~عسكرك وتعبيتك. وقد بلغني أنك رجل عاقل، وأن لك شرفا في بيتك وفضلا في ~~نفسك، وعلما بدينك، وقد أحببت أن أسأل عن شيء من أحكامهم لأعرف به مذهبكم، ~~فاخرج إلي في خاصتك لأخرج إليك وحدي، وأسائلك عما أحتاج إليه بنفسي. ولا ~~تحتفل ولا تحترس؛ فليس مثلي من غدر، وليس مثلي يؤمن من نفسه، ومن مكره ~~وكيده، ثم ينكث بوعده. ونحن قوم لا نخدع بالعمل، ولا نستحسن الخديعة إلا في ~~الحرب، ولو استقام أمر الحرب بغير خديعة لما جوزنا ذلك بأنفسنا ". # فأبى الجنيد أن يخرج إليه إلا وحده، ففصلا من الصفوف. وقال: سل عما ~~أحببت، فإن كان عندي جواب أرضاه أجبتك وإلا أشرت عليك بمن هو أبصر بذلك ~~مني. # قال: ما حكمكم في الزاني؟ # قال الجنيد: الزاني عندنا رجلان: رجل دفعنا ~~إليه امرأة تغنيه عن حرم الناس، وتكفه عن حرم الجيران؛ ورجل لم نعطه ذلك، ~~ولم نحل بينه وبين أن يفعل ذلك لنفسه. فأما الذي لا زوجة له فإن نجلده مائة ~~جلدة ونحضر ذلك الجماعة من الناس لنشهره ونحذره به، ونغربه في البلدان ~~لنزيد من شهرته وفي التحذير منه، ولينزجر بذلك كل من كان يهم بمثل عمله. ~~فاما الذي قد أغنيناه فإنا نرجمه بالجندل حتى نقتله. PageV01P078 # قال: حسن جميل، وتدبير كبير، فما قولكم في الذي يقذف عفيفا بالزنى؟ # قال: ~~يجلد ثمانين جلدة، ولا نقبل له شهادة، ولا نصدق له حديثا. # قال: حسن جميل، وتدبير كبير، فما حكمكم في السارق؟ # قال: السارق عندنا ~~رجلان: رجل يحتال لما قد أحرزه الناس من أموالهم حتى يأخذها بنقب حيطانهم ~~وبالتسلق من أعالي دورهم؛ فهذا نقطع يده التي سرق بها، ونقب بها واعتمد ~~عليها. ورجل آخر يخيف السبيل، ويقطع الطريق، ويكايد على الأموال، ويشهر ~~السلاح فإن منعه صاحب المتاع قتله، فهذا نقتله ونصلبه على المناهج والطرق. # قال: حسن جميل، وتدبير كبير. قال: فما حكمكم في الغاصب والمستلب؟ # قال: كل ~~ما فيه الشبهة ويجوز فيه الغلط والوجوه، كالغصب والاستلاب، ms033 والجناية، ~~والسرقة لما يؤكل أو يشرب فإنا لا نقطع فيما فيه شبهة ونتمحل لذلك وجها غير ~~السرقة. # قال: حسن جميل، وتدبير كبير. قال: فما حكمكم في القاتل وقاطع الأذن ~~والأنف؟ PageV01P079 # قال: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف. وإن قتل رجلا عشرة ~~قتلناهم. ونقتل القوي البدن بالضعيف البدن، وكذلك اليد والرجل. # قال: حسن جميل، وتدبير كبير. قال: فما تقولون في الكذاب والنمام والضراط. # قال: عندنا فيهم الإقصاء لهم وإبعادهم وإهانتهم، ولا نقبل شهادتهم، ولا ~~نصدق أحكامهم. # قال: وليس إلا هذا؟ # قال: هذا جوابنا على ديننا. # قال له: أما النمام عندي هو الذي يضرب بين الناس، فإني أحبسه في مكان لا ~~يرى فيه أحدا. وأما الضراط فإني أكوي أسته، وأعاقب ذلك المكان فيه. وأما ~~الكذاب فإني أقطع الجارح التي بها يكذب، كما قطعتم اليد التي بها يسرق، ~~وأما الذي يضحك الناس ويعودهم السخف فإني أخرجه من سلطانه، وأصلح بإخراجه ~~عقول رعيتي. # قال: فقال الجنيد بن عبد الرحمن: أنتم قوم تردون أحكامكم إلى جواز ~~العقول، وإلى ما يحسن في ظاهر الرأي؛ ونحن قوم نتبع الأنبياء، ونرى أن لم ~~نصلح على تدبير العباد. وذلك أن الله تعالى أعلم بغيب المصالح وسر الأمر PageV01P080 ~~وحقائقه، ومحصوله وعواقبه، والناس لا يعلمون ولا يرون الحزم إلا على ظاهر ~~الأمور. وكم من مضيع يسلم، وحازم يعطب. # قال: ما قلت كلاما أشرف من هذا، ولقد ألقيت لي في فكرا طويلا. # قال إبراهيم: قال عبد الملك: قال صالح: قال الجنيد: فلم أرى أوفى ولا ~~أنصف ولا أفهم ولا أذكى منه. ولقد واقفته ثلاث ساعات من النهار وما تحرك ~~منه شيء إلا لسانه، وما مني شيء لم أحركه. # وهكذا يصفون ملوك الترك، يزعمون أن ساسان وخاقان الأكبر، تواقفا ببعض ~~الكسور، وفصلا من الصفين، وطالت المناجاة، فلما انفتلا قالوا: كان خاقان ~~أركن وأدب، وكان مركب كسرى أركن وأدب، ولم يتحرك من خاقان إلا لسانه، وكان ~~برذونه يرفع قائمة ويضع أخرى، وكان مركب كسرى كأنما صب صبا، وكان كسرى يحرك ~~رأسه ويشير بيده. # قالوا: ms034 ومن الأعاجيب أن الحارث بن كعب لا يقوم لحزم، وحزم لا تقوم لكندة، ~~وكندة لا تقوم للحارث بن كعب. PageV01P081 # قالوا: ومثل ذلك من الأعاجيب في الحارث: أن العرب لا تقوم للترك، والترك ~~لا تقوم للروم، والروم لا تقوم للعرب. # قال جهم بن صفوان الترمذي: قد عرفنا ما كان بين فارس والترك من الحرب، ~~حتى تزوج كسرى أبرويز، خانتون بنت خاقان، يستميله بذلك الصهر، ويدفع بأسه ~~عنه. وقد عرفنا الحروب التي كانت بين فارس والروم، وكيف تساجلوا الظفر، ~~وبأي سبب غرس الزيتون بالمدائن وسوسا، وبأي سبب بنيت الرومية ولم سميت ~~بذلك، ولم بنى كسرى على الخليج قبالة قسطنطينية النواويس وبيوت النار. ولكن ~~متى ظهرت الروم على ترك خرسان ظهورا مواليا، ضربوا بها المثل إلى آخر ~~دارمسه، ومن الأشباه، ومن يتخلل هذا النسب. # وكانت خانتون بنت خاقان عند أبرويز فولدت له شيرويه. وقد ملك شيرويه بعد ~~أبرويز، فتزوج شيرويه مريم بنت قيصر، فولدت له PageV01P082 ~~فيروزاشاهى أم يزيد الناقص والوليد. وكان يقول: ولدني أربعة أملاك: كسرى، ~~وخاقان، وقيصر، ومروان. وكان يرتجز في حروبه التي قتل فيها الوليد بن يزيد ~~بن عاتكة: # أنا ابن كسرى وأبي خاقان %~% وقيصر جدي وجدي مروان # فلما صار إلى الافتخار في شعره بالنجدة والثقافة بالحرب، لم يفخر إلا ~~بخاقان فقط فقال: # فإن كنت أرمى مقبلا ثم مدبرا %~% وأطلع من طود زليق على مهر # فخاقان جدى فاعرفى ذاك واذكرى %~% أخابيره فى السهل والجبل الوعر # قوله " وأطلع " يريد: وأنزل، وهى لغة أهل الشام وأخذوها من نازلة العرب ~~في أول الدهر. وجعل دابته مهرا، لأن ذلك أشد وأشق. PageV01P083 # وقال الفضل بن العباس بن رزين: أتانا ذات يوم فرسان من الترك، فلم يبق ~~أحد ممن كان خارجا إلا دخل حصنه وأغلق بابه، وأحاطوا بحصن من ذلك الحصون، ~~وأبصر فارس منهم شيخا يطلع إليهم من فوق، فقال له التركي: لئن لم تنزل إلي ~~لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحدا! قال: فنزل إليه وفتح له الباب، ودخلوا الحصن، ~~واكتسحوا كل شيء فيه، فضحك من نزوله إليه ms035 وفتحه له وهو في أحصن موضع وأمنع ~~مكان، ثم أقبل به إلى حصن أنا فيه فقال: اشتروه مني. قلنا: لا حاجة لنا في ~~ذلك. قال: فإني أبيعه بدرهم واحد. فرمينا إليه بدرهم فخلى سبيله، ثم أدبر ~~عنا ومضى مع أصحابه، فما لبث إلا قليلا حتى عاد إلينا فوقف حيث نسمع كلامه، ~~فراعنا ذلك، فأخرج الدرهم من فمه وكسره بنصفين. وقال: لا يسوى درهما، وهذا ~~غبن فاحش، فخذوا هذا النصف، وهو على كل حال غال جدا بالنصف الآخر. # قال: فإذا هو أظرف الخلق. # قال: وكنا نعرف ذلك الرجل بالجبن، وقد كان سمع باحتيال الترك في دخول ~~المدن وعبور الأنهار في الحروب، فتوهم أنه لم يتوعد بفتح الباب. # وقال ثمامة: ما شبهت الذر إلا بالترك؛ لأن كل ذرة على حدتها معها من ~~المعرفة بادخار الطعم، ومن الشم والاسترواح، ونجب المدخر حتى PageV01P084 ~~لا ينبت في جحره، ثم الاحتيال للناس في الاحتيال لها بالصمامة والعفاص ~~والمزدجر، وتعليق الطعام على الأوتاد والبرادات، مثل الذر مع صاحبتها. # وقال أبو موسى الأشعرى: كل جنس يحتاج إلى أمير ورئيس ومدبر، حتى الذر. # وروى أبو عمر الضرير، أن رئيس الذر الرائد الذي يخرج أولا لشيء قد شمه ~~دون أصحابه، لخصوصية خصه الله تعالى بها، ولطافة الحس، فإذا حاول حمله ~~وتعاطى نقله، وأعجزه ذلك بعد أن يبلى عذرا، أتاهن فأخبرهن فرجع، وخرجت بعده ~~كأنها خيط أسود ممدود. وليست ذرة أبدا تستقبل ذرة أخرى إلا واقفتها وسارتها ~~بشىء ثم انصرفت عنها. # وكذلك الأتراك كل واحد منهم غير عاجز عن معرفة مصلحة أمره، إلا أن ~~التفاضل واجب في جميع أصناف الأشياء والنبات والموات. وقد تختلف الجواهر ~~وكلها كريم، وتتفاضل العتاق وكلها جواد. PageV01P085 # وقد قلنا في مناقب جميع الأصناف بجمل ما انتهى إلينا وبلغه علمنا؛ فإن ~~وقع ذلك بالموافقة فبتوفيق الله وصنعه، وإن قصر دون ذلك فالذي قصر بنا ~~نقصان علمنا، وقلة حفظنا وسماعنا. فأما حسن النية، والذي نضمر من المحبة ~~والاجتهاد في القربة، فإنا لا نرجع في ذلك إلى أنفسنا بلائمة. وبين ms036 التقصير ~~من جهة التفريط والتضييع، وبين التقصير من جهة العجز وضعف العزم، فرق. # ولو كان هذا الكتاب من كتب المناقضات، وكتب المسائل والجوابات، وكان كل ~~صنف من الأصناف يريد الاستقصاء على صاحبه، ويكون غايته إظهار فضل نفسه وإن ~~لم يصل إلى ذلك إلا بإظهار نقص أخيه ووليه، لكان كتابا كبيرا، كثير الورق ~~عظيما، ولكان العدد الذي يقضون لمؤلفه بالعلم والاتساع في المعرفة أكثر ~~وأظهر، ولكنا رأينا أن القليل الذي يجمع خير من الكثير الذي يفرق. # ونحن نعوذ بالله من هذا المذهب، ونسأله العون والتسديد، إنه سميع قريب، ~~فعال لما يريد. # تم الكتاب ولله المنة، وبيده الحول والقوة والله الموفق للصواب. # والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين ~~وسلامه وهو حسبنا ونعم الوكيل. PageV01P086 ### | الرسالة الثانية المعاش والمعاد أو الأخلاق المحمودة والمذمومة PageV01P087 # بسم الله الرحمن الرحيم # حفظك الله وأمتع بك # أما بعد فإن جماعات أهل الحكمة قالوا: واجب على كل حكيم أن يحسن الارتياد ~~لموضع البغية، وأن يبين أسباب الأمور ويمهد لعواقبها. فإنما حمدت العلماء ~~بحسن التثبت في أوائل الأمور، واستشفافهم بعقولهم ماتجيء به العواقب، ~~فيعلمون عند استقبالها ما تؤول به الحالات في استدبارها. وبقدر تفاوتهم في ~~ذلك تستبين فضائلهم. فأما معرفة الأمور عند تكشفها وما يظهر من خفياتها ~~فذاك أمر يعتدل فيه الفاضل والمفضول، والعالمون والجاهلون. # وإني عرفتك - أكرمك الله - في أيام الحداثة، وحيث سلطان اللهو المخلق ~~للأعراض أغلب على نظرائك، وسكر الشباب والجدة المتحيفين للدين والمروءة ~~مستول على لداتك فاختبرت أنت وهم ففقتهم ببسطة المقدرة وحميا الحداثة، وطول ~~الجدة، مع ما تقدمتهم فيه من الوسامة في الصورة والجمال في الهيئة. وهذه ~~كلها أسباب تكاد أن توجب PageV01P091 ~~الانقياد للهوى، ولجج من المهالك لا يسلم منها إلا المنقطع القرين في صحة ~~الفطرة، وكمال العقل. فاستبعدتهم الشهوات حتى أعطوها أزمة أدياتهم، وسلطوها ~~على مروءاتهم وأباحوها أعراضهم، فآلت بأكثرهم الحال إلى ذل العدم وفقد عز ~~الغنى في العاجل، والندامة الطويلة والحسرة في الآجل. # وخرجت نسيج وحدك، أوحديا في عصرك، حكمت ms037 وكيل الله عندك - وهو عقلك - على ~~هواك، وألقيت إليه أزمة أمرك، فسلك بك طريق السلامة، وأسلمك إلى العاقبة ~~المحمودة، وبلغ بك من نيل اللذات أكثر مما بلغوا، ونال بك من الشهوات أكثر ~~مما نالوا، وصرفك من صنوف النعم أكثر مما تصرفوا، وربط عليك من نعم الله ~~التي خولك ما أطلقه من أيديهم إيثار اللهو وتسليطهم الهوى على أنفسهم؛ فخاض ~~بهم سبل تلك اللجج، واستنقذك من تلك المعاطب، فأخرجك سليم الدين، وافر ~~المروءة، نقى العرض، كثير الثراء، بين الجدة. وذلك سبيل من كان ميله إلى ~~الله تعالى أكثر من ميله إلى هواه. PageV01P092 # فلم أزل أبقاك الله في أحوالك تلك كلها بفضيلتك عارفا، ولك بنعم الله ~~عندك غابطا، أرى ظواهر أمورك المحمودة فتدعوني إلى الانقطاع إليك، وأسأل عن ~~بواطن أحوالك فتزيدني رغبة في الاتصال بك، ارتيادا مني لموضع الخيرة في ~~الأخوة، والتماسا لإصابة الاصطفاء في المودة، وتخيرا لمستودع الرجاء في ~~النائبة. # فلما محضتك الخبرة، وكشفك الابتلاء عن المحمدة، وقضت لك التجارب ~~بالتقدمة، وشهدت لك قلوب العامة بالقبول والمحبة، وقطع الله عذر كل من كان ~~يطلب الاتصال بك، طلبت الوسيلة إليك والاتصال بحبلك، ومتت بحرمة الأدب ~~وذمام كرمك. وكان من نعمة الله عندي أن جعل أبا عبد الله - حفظه الله - ~~وسيلتي إليك، فوجدت المطلب سهلا والمراد محمودا، وأفضيت إلى ما يجوز ~~الأمنية ويفوت الأمل، فوصلت إخاي بمودتك، وخلطتني بنفسك، وأسمتني في مراعي ~~ذوي الخاصة بك، تفضلا لا مجازاة، وتطولا لا مكافاة، فأمنت الخطوب، واعتليت ~~على الزمان، واتخذتك للأحداث عدة، ومن نوائب الدهر حصنا منيعا. # فلما حزت المؤانسة، وتقلبت من فضلك في صنوف النعمة، وزاد بصرى من مواهبك ~~في السرور والحبرة، أردت خبرة المشاهدة، فبلوت PageV01P093 ~~أخلاقك، وامتحنت شيمك، وعجمت مذاهبك على حين غفلاتك، وفي الأوقات التي ~~يقل فيها تحفظك، أراعي حركاتك، وأراقب مخارج أثرك ونهيك، فأرى من استصغارك ~~لعظيم النعم التي تنعم بها، واستكثارك لقليل الشكر من شاكريك، ما أعرف به ~~وبما قد بلوت من غيرك، وما قد شهدت لي به التجارب، أن ذلك ms038 منك طبع غير ~~تكلف. # هيهات! ما يكاد ذو التكلف أن يخفي على أهل الغباوة، فكيف على مثلي من ~~المتصفحين. فزادتني المؤانسة فيك رغبة، وطول العشرة لك محبة، وامتحاني ~~أفاعيلك لك تفضيلا، وبطاعتك دينونة. # وكان من تمام شكري لربي ولي كل نعمة، والمبتدئ بكل إحسان، الشكر لك ~~والقيام بمكافأتك بما أمكن من قول وفعل؛ لأن الله تبارك وتعالى نظم الشكر ~~له بالشكر لذي النعمة من خلقه، وأبي أن يقبلهما إلا معا؛ لأن أحدهما دليل ~~على الآخر، وموصول به. فمن ضيع شكر ذي نعمة من الخلق فأمر الله ضيع، ~~وبشاهده استخف. # ولقد جاء بذلك الخبر عن الطاهر الصادق صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " من لم يشكر للناس لم يشكر الله ". PageV01P094 # ولعمري إن ذلك لموجود في الفطرة، قائم في العقل: أن من كفرنعم الخلق كان ~~لنعم الله أكفر؛ لأن الخلق يعطي بعضهم بعضا بالكلفة والمشقة، وثقل العطية ~~على القلوب، والله يعطي بلا كلفة. ولهذه العلة جمع بين الشكر له والشكر ~~لذوي النعم من خلقه. # فلما وجبت على الحجة بشكرك، وقطع عذري في مكافأتك، اعترفت بالتقصير عن ~~تقصي ذلك، إلا أني بسطت لساني بتقريظك ونشر محاسنك. موصول ذلك مني عند ~~السامعين بالاعتراف بالعجز عن إحصائها. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أودع عرفا ~~فليشكره، فإن لم يمكنه فلينشره، فإذا نشره فقد شكره، وإذا كتمه فقد كفره ". # ثم رأيت أن قد بقي علي أمر من الأمور يمكنني فيه برك، وهو عندي عتيد، ~~وأنت عنه غير مستغن، والمنفعة لك فيه عظيمة عاجلة وآجلة إن شاء الله. # ولم أزل أبقاك الله بالموضع الذي قد عرفت، من جمع الكتب ودراستها والنظر ~~فيها، ومعلوم أن طول دراستها إنما هو تصفح عقول العالمين، والعلم بأخلاق ~~النبيين، وذوي الحكمة من الماضين والباقين من جميع الأمم، وكتب أهل الملل. # فرأيت أن أجمع لك كتابا من الأدب، جامعا لعلم كثير من المعاد والمعاش، ~~أصف لك فيه علل الأشياء، وأخبرك بأسبابها وما اتفقت عليه ms039 محاسن الأمم. PageV01P095 ~~وعلمت أن ذلك من أعظم ما أبرك به، وارجح ما أتقرب به إليك. وكان الذي ~~حداني على ذلك ما رأيت الله قسم لك من الفهم والعقل، وركب فيك من الطبع ~~الكريم. # وقد أجمعت الحكماء أن العقل المطبوع والكرم الغريزي لا يبلغان غاية ~~الكمال إلا بمعاونة العقل المكتسب. ومثلوا ذلك بالنار والحطب، والمصباح ~~والدهن. وذلك أن العقل الغريزي آلة والمكتسب مادة، وإنما الأدب عقل غيرك ~~تزيده في عقلك. # ورأيت كثيرا من واضعي الآداب قبلي قد عهدوا إلى الغابرين بعدهم في الآداب ~~عهودا قاربوا فيها الحق، وأحسنوا فيها الدلالة، إلا أنى رأيت أكثر ما رسموا ~~من ذلك فروعا لم يبينوا عللها، وصفات حسنة لم يكشفوا أسبابها، وأمورا ~~محمودة لم يدلوا علىأصولها. # فإن كان ما فعلوا من ذلك روايات رووها عن أسلافهم، ووراثات ورثوها عن ~~أكابرهم، فقد قاموا بأداء الأمانة، ولم يبلغوا فضيلة من استنبط. وغن كانوا ~~تركوا الدلالة على علل الأمور التي بمعرفة عللها يوصل إلى PageV01P096 ~~مباشرة اليقين فيها، وينتهى إلى غاية الاستبصار منها، فلم يعدوا في ذلك ~~منزلة الظن بها. ولن تجدوا وصايا أنبياء الله أبدا إلا مبينة الأسباب، ~~مكشوفة العلل، مضروبة معها الأمثال. # فألفت لك كتابي هذا إليك، وأنا واصف لك فيه الطبائع التي ركب عليها ~~الخلق، وفطرت عليها البرايا كلهم، فهم فيها مستوون، وإلى وجودها في أنفسهم ~~مضطرون، وفي المعرفة بما يتولد عنها متفقون. # ثم مبين لك كيف تفترق بهم الحالات، وتفاوت بهم المنازل، وما العلل التي ~~يوجب بعضها بعضا، وما الشيء الذي يكون سببا لغيره، متى كان الأول كان ما ~~بعده، وما السبب الذي لا يكون الثاني فيه إلا بالأول، وربما كان الأول ولم ~~يكن الثاني. وفرق ما بين الطبع الأول وبين الاكتساب والعادة التي تصير طبعا ~~ثانيا. ولم اختلف ذلك؟ وكيف دواعي قلوب الناس، وما منها يمتنعون عنه، وما ~~منها لا يمتنعون منه. وما أسباب نوازع شهواتهم؟ وما الشيء الذي يحتال ~~لقلوبهم به حتى تستمال، وحتى تؤنس بعد الوحشة، وتسكن بعد النفار؟ وكيف ~~يتأتى لينقض ms040 ما فيهم من الطبائع المذمومة حتى تصرف إلى الشيم المحمودة؟ ~~وراسم لك في ذلك أصولا، ومبين لك مع كل أصل منها عليه وسببه. PageV01P097 # وقد علمت أن في كثير من الحق مشبهات لا تستبان إلا بعد النظر، وهناك يختل ~~الشيطان أهل الغفلة، وذاك أنه لا يجد سبيلا إلى اختداعهم عن الأمور ~~الظاهرة. # فلم أدع من تلك المواضع الخفية موضعا إلا أقمت لك بإزاء كل شبهة منه ~~دليلا، ومع كل خفي من الحق حجة ظاهرة تستنبط بها غوامض البرهان وتستبين بها ~~دقائق الصواب، وتستشف بها سرائر القلوب، فتاتى ما تأتى عن بينة، وتدع ما ~~تدع عن خبرة، ولا يكون بك وحشة إلى معرفة كثير مما يغيب عنك، إذا عرفت ~~العلل والأسباب، حتى كأنك مشاهد لضمير كل امرئ، لمعرفتك بطبعه وماركب عليه، ~~وعوارض الأمور الداخلة عليه مم؛ غير راض لك بالأصول حتى أتقصى لك ما بلغه ~~علمي من الفروع. ~~ثم لا أرسم لك من ذلك إلا الأمر المعقول في كل طبيعة، والموجود في فطر ~~البرايا كلها. فإن أحسنت رعاية ذلك وأقمته على حدوده، ونزلته منازله، كان ~~عمرك - وإن قصرت أيامه - طويلا، وفارقت ما لابد لك من فراقه محمودا، إن شاء ~~الله. PageV01P098 # واعلم أن الآداب إنما هى آلات تصلح أن تستعمل في الدين وتستعمل في ~~الدنيا، وإنما وضعت الآداب على أصول الطبائع. وإنما أصول أمور التدبير في ~~الدين والدنيا واحدة، فما فسدت فيه المعاملة في الدين فسدت فيه المعاملة في ~~الدنيا، وكل أمر لم يصح في معاملات الدنيا لم يصح في الدين. وإنما الفرق ~~بين الدين والدنيا اختلاف الدارين من الدنيا والآخرة فقط، والحكم ها هنا ~~الحكم هناك، ولولا ذلك ما قامت مملكة، ولا ثبتت دولة، ولا استقامة سياسة. ~~ولذلك قال الله عز وجل: " ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل ~~سبيلا "، قال ابن عباس في تفسيرها: من كان ليس له من العقل ما يعرف به كيف ~~دبرت أمور الدنيا، فكذلك هو إذا انتقل إلى الدين، فإنما ينتقل بذلك العقل. ~~فبقدر ms041 جهله بالدنيا يكون جهله بالآخرة أكثر؛ لأن هذه شاهدة وتلك غيب؛ فإذا ~~جهل ما شاهد فهو بما غاب عنه أجهل. # فأول ما أوصيك به ونفسي تقوى الله؛ فإنها جماع كل خير، وسبب كل نجاة، ~~ولقاح كل رشد. هي أحرز حرز، وأقوى معين، وأمنع جنة. هي الجامعة محبة قلوب ~~العباد، والمستقبلة بك محبة قلوب من لا تجري عليهم PageV01P099 ~~نعمك. فاجعلها عدتك وسلاحك، واجعل أمر الله ونهيه نصب عينيك. # وأحذرك ونفسي الله والاغترار به، والإدهان في أمره، والاستهانة بعزائمه، ~~والأمن لمكره؛ فقد رأيت آثاره في أهل ولايته وعداوته، كيف جعلهم للماضين ~~عبرة، وللغابرين مثلا. # واعلم أن خلقه كلهم بريته، لا وصلة بينه وبين أحد منهم إلا بالطاعة، ~~فأولاهم به أكثرهم تزايدا في طاعته، وما خالف هذا فإنه أماني وغرور. # وقد مكن الله لك من أسباب المقدرة، ومهد لك في تمكين الغنى والبسطة ما لم ~~تنحله بحيلة، ولا بلغته بقوة، لولا فضله وطوله. ولكنه مكنك ليبلوا خبرك، ~~ويختبر شكرك، ويحصى سعيك، ويكتب أثرك، ثم يوفيك أجرك، ويأخذك بما اجترحت ~~يدك أو يعفو؛ فأهل العفو هو. # ولله ابتلاءان في خلقه - والابتلاء هو الاختبار - ابتلاء بنعمة، وابتلاء ~~بمصيبة. وبقدر عظمها يجب التكليف من الله عليها؛ فبقدر ما خولك من النعمة ~~يستأديك الشكر. PageV01P100 # ولو تقصى الله على خلقه لعذبهم، ولذلك قال: " ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ". ولكنه قبل التوبة، وأقال العثرة، وجعل ~~بالحسنة أضعافها. # واعلم أن الحكم في الآخرة هو الحكم في الدنيا: ميزان قسط، وحكم عدل. وقد ~~قال الله تعالى: " فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ". # وهذا مثل ضربه الله؛ لأن الناس يعلمون أن لو وضع في إحدى كفتي الميزان ~~شيء ولم يك في الأخرى قليل ولا كثير، لم يكن للوزن معنى يعقل. وذلك أن أحدا ~~من الخلق لا يخلو من هفوة أو زلة أو غفلة؛ فأخبر أن من كان حسناته الراجحة ~~على سيئاته، مع الندم على السيئات، ms042 كان على سبيل النجاة، وطريق الفوز ~~بالإفلاح. ومن مالت سيئاته كان العطب والعذاب أولى به. # وكذلك حكمه في الدنيا؛ لأنه قد تولى أولياء من خلقه وشهد لهم بالعدالة، ~~وقد عاتبهم في بعض الأمور لغلبة الصلاح في أفعالهم وإن هفوا، وتبرأ من ~~آخرين وعاداهم لغلبة الجور على أفاعيلهم، وإن أحسنوا في بعض الأمور. PageV01P101 # وكذلك جرت معاملات الخلق بينهم، يعدلون العادل بالغالب من فعله وربما ~~أساء، ويفسقون الفاسق وربما أحسن. وإنما الأمور بعواقبها، وإنما يقضى على ~~كل امرئ بما شاكل أحواله. # فهذه الأمور قائمة في العقول، جرت عليها المعاملة، واستقامت بها السياسة، ~~لا اختلاف بين الأمة فيها. # فلا تغبنن حظك من دينك، وإن استطعت أن تبلغ من الطاعة غايتها فلنفسك ~~تمهد، وإلا فاجهد أن يكون أغلب أفعالك عليك الطاعة، مع الندامة عند ~~الإساءة، ويكون ميلك عند الإساءة، إلى الله أكثر. والله يوفقك. # اعلم أن الله جل ثناؤه خلق خلقه، ثم طبعهم على حب اجترار المنافع، ودفع ~~المضار، وبغض ما كان بخلاف ذلك. هذا فيهم طبع مركب، وجبلة مفطورة، لا خلاف ~~بين الخلق فيه؛ موجود في الإنس والحيوان، لم يدع غيره مدع من الأولين ~~والآخرين. وبقدر زيادة ذلك ونقصانه تزيد المحبة والبغضاء؛ فنقصانه كزيادته ~~تميل الطبيعة معهما كميل كفتي الميزان، قل ذلك أو أكثر. PageV01P102 # وهاتان جملتان داخل فيهما جميع محاب العباد ومكارههم. والنفس في طبعها حب ~~الراحة والدعة، والازدياد والعلو، والعز والغلبة، والاستطراف والتنوق، ~~وجميع ما تستلذ الحواس من المناظر الحسنة، والروائح العبقة، والطعوم ~~الطيبة، والأصوات المونقة، والملامس اللذيذة. ومما كراهيته في طباعهم أضداد ~~ما وصفت لك وخلافه. # فهذه الخلال التي تجمعها خلتان غرائز في الفطر، وكوامن في الطبع؛ جبلة ~~ثابتة، وشيمة مخلوقة. على أنها في بعض أكثر منها في بعض، ولا يعلم قدر ~~القلة فيه والكثرة إلا الذي دبرهم. # فلما كانت هذه طبائعهم، أنشأ لهم من الأرض أرزاقهم، وجعل في ذلك ملاذ ~~لجميع حواسهم، فتعلقت به قلوبهم، وتطلعت إليه أنفسهم. فلو تركهم وأصل ~~الطبيعة، مع ما مكن لهم من الأرزاق المشتهاة في ms043 طبائعهم، صاروا إلى طاعة ~~الهوى، وذهب التعاطف والتبار. وإذا ذهبا كان ذلك سببا للفساد، وانقطاع ~~التناسل، وفناء الدنيا وأهلها؛ لأن طبع النفس لا يسلس بعطية قليل ولا كثير ~~مما حوته، حتى تعوض أكثر مما تعطى، إما عاجلا وإما آجلا مما تستلذه حواسها. PageV01P103 # فعلم الله أنهم لا يتعاطفون ولا يتواصلون ولا ينقادون إلا بالتأديب، وأن ~~التأديب ليس إلا بالأمر والنهي غير ناجعين فيهم إلا بالترغيب والترهيب ~~الذين في طباعهم. فدعاهم بالترغيب إلى جنته، وجعلها عوضا مما تركوا في جنب ~~طاعته، وزجرهم بالترهيب بالنار عن معصيته، وخوفهم بعقابها على ترك أمره. ~~ولو تركهم جل ثناؤه والطباع الأول جروا على سنن الفطرة، وعادة الشيمة. # ثم أقام الرغبة والرهبة على حدود العدل، وموازين النصفة، وعدلهم تعديلا ~~متفقا، فقال: " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ~~". # ثم أخبر الله تبارك وتعالى أنه غير داخل في تدبيره الخلل، ولا جائز عنده ~~المحاباة؛ ليعمل كل عامل على ثقة مما وعده وواعده، فتعلقت قلوب PageV01P104 ~~العباد بالرغبة والرهبة، فاطرد التدبير، واستقامت السياسة، لموافقتهما ما ~~في الفطرة، وأخذهما بمجامع المصلحة، # ثم جعل أكثر طاعته فيما تستثقل النفوس، ~~وأكثر معصيته فيما تلذ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " حفت الجنة ~~بالمكاره، والنار بالشهوات ". يخبر أن الطريق إلى الجنة احتمال المكاره، ~~والطريق إلى النار اتباع الشهوات، # فإذا كانوا لم يصلحوا لخالقهم ولم ~~ينقادوا لأمره إلا بما وصفت لك كم الرغبة والرهبة، فأعجز الناس رأيا ~~وأخطؤهم تدبيرا، وأجهلهم بموارد الأمور ومصادرها، من أمل أو ظن أو رجا أن ~~أن أحدا من الخلق فوقه أو دونه أو من نظرائه يصلح له ضميره، وصح له أو ~~بخلاف ماد برهم الله عليه، فيما بينه وبينهم. # فالرغبة والرهبة أصلا كل تدبير، وعليها مدار كل سياسة، عظمت أو صغرت. ~~فاجعلها مثالك الذي تحتذي عليه، وركنك الذي تستند إليه. واعلم أنك إن أهملت ~~ما وصفت لك عرضت تدبيرك للاختلاط. PageV01P105 # وإن آثرت الهوينا واتكلت على الكفاة في الأمر الذي لا يجوز فيه إلا نظرك، ms044 ~~وزجيت أمورك على رأي مدخول، وأصل غير محكم، رجع ذلك عليك بما لو حكم فيك ~~عدوك كان ذلك غاية أمنيته، وشفاء غيظه. # واعلم أن إجراءك الأمور مجاريها، واستعمالك الأشياء على وجودها، يجمع لك ~~ألفة القلوب، فيعاملك كل من عاملك بمودة، أو أخذ أو إعطاء، وهو على ثقة من ~~بصرك بمواضع الإنصاف، وعلمك بموارد الأمور. # واعلم أن أثرتك على غير النصيحة والشفقة، والحرمة والكفاية، يوجب لك ~~المباعدة وقلة الثقة ممن آثرته أو آثرت عليه. # فاعرف لأهل البلاء - ممن جرت بينك وبينه مودة أو حرمة، ممن فوقك أو دونك ~~أو نظرائك - أقدارهم ومنازلهم. ثم لتكن أمورك معهم على قدر البلاء ~~والاستحقاق، ولا تؤثر في ذلك أحدا لهوى؛ فإن الأثرة على الهوى توجب السخطة، ~~وتوجب استصغار عظيم النعمة، ويمحق بها الإفضال، وتفسد عليها الطائفتان: من ~~آثرت ومن آثرت عليه. # أما من آثرت فإنه يعلم أنك لم تؤثره باستحقاق بل لهوى، فهو PageV01P106 ~~مترقب أن ينتقل هواك إلى غيره، فتحول أثرتك حيث مال هواك. فهو مدخول ~~القلب في مودتك، غير آمن لتغيرك. # وأما من آثرت عليه بعد الاستحقاق منه، فقد جعلت له السبيل إلى الطعن ~~عليك، وأعطيته الحجة على نفسك. فكل من يعمل على غير ثقة عاد ما أراد به ~~النفع ضررا، والإصلاح فيه فسادا. # وربما آثر الرجل المرء من إخوانه بالعطية السنية على بلاء أبلاه، فيعظم ~~قدرها عنده حتى لعله تطيب نفسه ببذل ماله ودمه دونه. فإن أعطى من أبلى ~~كبلائه وكانت له مثل دالته، أكثر مما أعطاه، انتقل كل محمود من ذلك مذموما، ~~وكل مستحسن مستقبحا. وكذلك الأمر في العقوبة، يجريان مجرى واحدا. # فاجعل العدل والنصفة في الثواب والعقاب حاكما بينك وبين إخوانك، فمن قدمت ~~منهم فقدمه على الاستحقاق، وبصحة النية في مودته، وخلوص نصيحته لك مما قد ~~بلوت من أخلاقه وشيمه، وعلمت بتجربتك له، أنه يعلم أن صلاحه موصول بصلاحك، ~~وعطبه كائن مع عطبك، ففوض PageV01P107 ~~الأمر إليه، وأشركه في خواص أمورك وخفي أسرارك، ثم اعرف له قدره في مجلسك ~~ومحاورتك ومعاملتك، في ms045 كل حالاتك ومزاولاتك في خلواتك معه، وبحضرة جلسائك؛ ~~فإن ذلك زيادة في نيته، وداعية لمن دونه إلى التقرب إليك بمثل نصيحته. # فإن ابتليت في بعض الأوقات بمن يضرب بحرمة ويمت بدالة، يطلب المكافأة ~~بأكثر مما يستوجب، فدعاك الكرم والحياء إلى تفضيله على من هو أحق منه، إما ~~تخوفا من لسانه، أو مداراة لغيره، فلا تدع الاعتذار إلى من فوقه من أهل ~~البلاء والنصيحة وإظهار ما أردت من ذلك لهم؛ فإن أهل خاصتك والمؤتمنين على ~~أسرارك، هم شركاؤك في العيش، فلا تستهينن بشيء من أمورهم؛ فإن الرجل قد ~~يترك الشيء من ذلك اتكالا على حسن رأي أخيه، فلا يزال ذلك يجرح في القلب ~~وينمو، حتى يولد ضغنا ويحول عداوة. # فتحفظ من هذا الباب، واحمل إخوانك عليه بجهدك. PageV01P108 # وستجد في من يتصل بك من يغلبه إفراط الحرص وحميا الشره، ولين جانبك له، ~~على أن ينقم العافية، ويطلب اللحوق بمنازل من ليس هو مثله، ولا له مثل ~~دالته، فتلقاه لما تصنع به مستقلا، ولمعرفتك مستصغرا. وصلاح من كانت هذه ~~حاله بخلاف ما فسد عليه أمره. فاعرف طرائقهم وشيمهم، وداو كل من لا بد لك ~~من معاشرته بالدواء الذي هو أنجع فيه، إن لينا فلينا، وإن شدة فشدة؛ فقد ~~قيل في المثل: # من لا يؤدبه الجمي %~% ل ففي عقوبته صلاحه # وقد قال بعض الحكماء: ~~" ليس بحكيم من لم يعاشر من لا يجد من معاشرته بدا، ~~بالعدل والنصفة، حتى يجعل الله له من أمره فرجا ومخرجا. # فاحفظ هذه الأبواب التي يوجب بعضها بعضا، وقد ضمنت لك أوائلها كون ~~أواخرها. فاعرفها واقتبسها، واعلم أنه متى كان الأول منها وجب ما بعده لا ~~بد منه. فاحذر المقدمات اللاتي يعقبها المكروه، واحرص على توطيد الأمور ~~التي على أثرها السلامة، وألقح في البدي الأمور التي نتاجها العافية. PageV01P109 # فمن الأمور التي يوجب بعضها بعضا: المنفعة توجب المحبة، والمضرة توجب ~~البغضاء، والمضادة توجب العداوة، وخلاف الهوى يوجب الاستثقال، ومتابعته ~~توجب الألفة، والصدق يوجب الثقة، والكذب يورث التهمة، والأمانة توجب ~~الطمأنينة، والعدل ms046 يوجب اجتماع القلوب، والجور يوجب الفرقة، وحسن الخلق ~~يوجب المودة، وسوء الخلق يوجب المباعدة، والانبساط يوجب المؤانسة، ~~والانقباض يوجب الوحشة، والتكبر يوجب المقت، والتواضع يوجب المقة، والجود ~~بالقصد يوجب الحمد، والبخل يوجب المذمة، والتواني يوجب التضييع، والجد يوجب ~~رخاء الأعمال، والهوينا تورث الحسرة، والحزم يورث السرور، والتغرير يوجب ~~الندامة، والحذر يوجب العذر، وإصابة التدبير توجب بقاء النعمة، والاستهانة ~~توجب التباغي، والتباغي مقدمة الشر وسبب البوار. # ولكل شيء من هذا إفراط وتقصير، وإنما تصح نتائجها إذا أقيمت على حدودها، ~~وبقدر ما يدخل من الخلل فيها يدخل فيما يتولد منها، لا بد منه PageV01P110 ~~ولا مزحل عنه، عليه عادة الخلق، وبه جرت طبائعهم، وتمام المنفعة بها ~~إصابة مواضعها: # فالإفراط في الجود يوجب التبذير، والإفراط في التواضع يوجب ~~المذلة، والإفراط في الكبر يدعو إلى مقت الخاصة، والإفراط في المؤانسة يدعو ~~خلطاء السوء، والإفراط في الانقباض يوحش ذا النصيحة. وآفة الأمانة ائتمان ~~الخانة، وآفة الصدق تصديق الكذبة، والإفراط في الحذر يدعو إلى ألا يوثق ~~بأحد؛ وذاك ما لا سبيل إليه. والإفراط في المضرة مبعثة على حربك، والإفراط ~~في جر المنفعة غناء لمن أفرطت في نفعه عنك. # واحذر كل الحذر أن يختدعك الشيطان عن الحزم فيمثل لك التواني في صورة ~~التوكل، ويسلبك الحذر، ويورثك الهوينا بإحالتك على الأقدار؛ فإن الله إنما ~~أمر بالتوكل عند انقطاع الحيل، والتسليم للقضاء بعد الإعذار، بذلك انزل ~~كتابه، وأمضى سنته فقال: " خذوا حذركم "، " PageV01P111 ~~ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ". وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~اعقلها وتوكل ". وسئل ما الحزم؟ فقال: الحذر. # فتحفظ من هذا الباب وأحكم معرفته إن شاء الله تعالى. # واعلم أن أكثر الأمور إنما هو على العادة وما تضرى عليه النفوس، ولذلك ~~قالت الحكماء: " العادة أملك بالأدب ". # فرض نفسك على كل أمر محمود العاقبة، وضرها بكل ما لا يذم من الأخلاق يصر ~~ذلك طباعا، وينسب إليك منه أكثر مما أنت عليه. # واعلم أن الذي يوجب لك اسم الجود القيام بواجب الحقوق عند النوائب، مع ~~بعض التفضل على الراغبين. وإذا ms047 أوجب لك اسم الجود زال عنك اسم البخل. # واعلم أن تثمير المال آلة للمكارم، وعون على الدين، ومتألف للإخوان؛ وأن ~~من فقد المال قلت الرغبة إليه، والرهبة منه؛ ومن لم يكن بموضع رغبة ولا ~~رهبة استهان الناس بقدره. PageV01P112 # فاجهد الجهد كله ألا تزال القلوب معلقة منك برغبة أو رهبة، في دين أو ~~دنيا. # واعلم أن السرف لا بقاء معه لكثير، ولا تثمير معه لقليل، ولا تصلح عليه ~~دنيا ولا دين. وتأديب بما أدب الله تعالى به نبيه فقال: " ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ". # وقالت الحكماء: " القصد أبقى للجمام ". # فداوم حالك وبقاء النعمة عليك، بتقديرك أمورك على قدر الزمان، وبقدر ~~الإمكان؛ فقد قال الشاعر: # من سابق الدهر كبا كبوة %~% لم يستقلها من خطى الدهر # فاخط مع الدهر على ما خطا %~% واجر مع الدهر كما يجري # واعلم أن الصمت في موضعه ربما كان أنفع من الإبلاغ بالمنطق في موضعه، ~~وعند إصابة فرصته. وذاك صمتك عند من يعلم أنك لم تصمت عنه عيا ولا رهبة. ~~فليزدك في الصمت رغبة ما ترى من كثرة فضائح المتكلمين في غير الفرص، وهذر ~~من أطلق لسانه بغير حاجة. PageV01P113 # واعلم أن الجبن جبنان، والشجاعة شجاعتان، وليست تكون الشجاعة إلا في كل ~~أمر لا يدرى ما عاقبته، يخاطر فيه بالأنفس والأموال. فإذا أردت الحزم في ~~ذلك فلا تشجعن نفسك على أمر أبدا إلا والذي ترجو من نفعه في العاقبة أعظم ~~مما تبذل فيه في المستقبل، ثم يكون الرجاء في ذلك أغلب عليك من الخوف. # وها هنا موضع يحتاج فيه إلى النظر: فإن كان ذلك أمرا واجبا في الدين، أو ~~خوفا لعار تسب به الأعقاب فأنت معذور بالمخاطرة فيه بنفسك ومالك. وإن كان ~~أمرا تعظم منفعته في الدنيا إلا أنك لا تناله إلا بالخطار بمهجة نفسك أو ~~بتعريض كل مالك للتلف، فالإقدام على مثل هذا ليس بشجاعة، ولكن حماقة بينة ~~عند الحكماء. # وقد قالت علماء أوائل الناس: # لا يرسل الساق إلا ممسكا ms048 ساقا. PageV01P114 # وقالوا: " لا تخرج الأمر كله من يدك وخذ بأحد جانبيه ". ثم الشجاعة ~~والجبن في ذلك بقدر الحالات والأوقات. # واعلم أن أصل ما أنت مستظهر به على عدوك ثلاث خلال: # أشرفها: أن تأخذ عليه ~~بالفضل وتبتدئه بالحسنى، فتكون عليه رحمة ولنفسك ناظرا؛ فإن كثرة الأعداء ~~تنغيص للسرور، وقد قال الله تبارك وتعالى: " ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ". # فإن كان عدوك مما لا يصلح على ذلك فحصن عنه أسرارك، وعم عليه آثار ~~تدبيرك، ولا يطلعن على شيء من مكايدتك له بقول ولا فعل، فيأخذ حذره، ويعرف ~~مواضع عوارك، فإن تحصين الأسرار أخذ بأزمة التدبير، والإكثار من الوعيد ~~للأعداء فشل. ولكن داج عدوك ما داجاك، وأحص معايبه ما لا حاك. # وقال الشاعر: # كل يداجى على البغضاء صاحبه %~% زكنت منهم على مثل الذي زكنوا PageV01P115 # واعلم أن أعظم أعوانك عليه الحجج ثم الفرصة، ثم لا تظهرن عليه حجة، ولا ~~تهتبل منه غرة، ولا تطلبن له عثرة، ولا تهتكن له سترا إلا عند الفرصة في ~~ذلك كله، وفي المواضع التي يجب لك فيها العذر ويعظم فيها ضرره، إن كان ~~العفو عنه شرا له. # وإن كان ممن يظهر لك العداوة ويكشف لك قناع المحاربة، وكان ممن أعياك ~~استصلاحه بالحلم والأناة، فلتكن في أمره بين حالين: استبطان الحذر منه، ~~والاستعداد له وإظهار الاستهانة به. ولست مستظهرا عليه بمثل طهارتك من ~~الأدناس، وبراءتك من المعايب. # فلتكن هذه سيرتك في أعدائك. # واعلم أن إشاعة الأسرار فساد في كل وجه من الوجوه، من العدو والصديق. وقد ~~روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " استعينوا على الحوائج ~~بسترها؛ فإن كل ذي نعمة محسود ". # وإذا أفشيت سرك فجاءت الأمور على غير ما تقدر كان ذلك منك فضلا من قولك ~~على فعلك. وقد قيل في الأمثال: " من أفشى سره كثر المتآمرون PageV01P116 ~~عليه ". فلا تضع سرك إلا عند من يضره نشره كما يضرك، وينفعه ستره بحسب ما ~~ينفعك. # واعلم أنك ستصحب من الناس أجناسا ms049 متفرقة حالاتهم، متفاوتة منازلهم، وكلهم ~~بك إليه حاجة، وكل طائفة تسد عنك كثيرا من المنافع لا يقوم به من فوقها، ~~ولعلهم مجتمعون على نصيحتك والشفقة عليك. فمنهم من تريد منه الرأي ~~والمشورة، ومنهم من تريده للحفظ والأمانة، ومنهم من تريده للشدة والغلظة، ~~ومنهم من تريده للمهنة. وكل يسد مسده على حياله. وقد قيل في الحكمة: " إن ~~الخلال تنفع حيث لا ينفع السيف ". # ولا تخلين أحدا منهم - عظم قدره أو صغرت منزلته - من عنايتك وتعهدك ~~بالجزاء على الحسنة، والمعاتبة عند العثرة؛ ليعلموا أنهم منك بمرأى ومسمع. ~~ثم لا تجوزن بأحد منهم حده، ولا تدخله فيما لا يصلح له، تستقم لك حاله، ~~ويتسق لك أمره. # واعلم أنه سيمر بك في معاملات الناس حالات تحتاج فيها إلى مداراة أصناف ~~الناس وطبقاتهم، يبلغ بك غاية الفضيلة فيها، وكمال العقل والأدب منها، أن ~~تسالم أهلها وتملك نفسك عن هواها، وتكف من جماحها، بالأمر الذي لا يحرجك في ~~دينك ولا عرضك ولا بدنك، بل يفيدك عز الحلم، وهيبة الوقار. وهي أمور ~~مختلفة، تجمعها حال واحدة. PageV01P117 # منها: أن تأتي محفلا فيه جمع من الناس، فتجلس منه دون للوضع الذي تستحقه ~~حتى يكون أهله الذين يرفعونك، فتظهر جلالتك وعظم قدرك. # ومنها: أن يفيض القوم في حديث، عندك منه مثل ما عندهم أو أفضل، فيتنافسون ~~في إظهار ما عندهم، فإن نافستهم كنت واحدا منهم، وإن أمسكت اقتضوك ذلك، ~~فصرت كأنك ممتن عليهم بحديثك، وأنصتوا لك ما لم ينصتوا لغيرك. # ومنها: أن يتمارى جلساؤك - والمراء نتاج اللجاجة وثمرة أصلها الحمية - ~~فإن ضبطت نفسك كان تحاكمهم إليك، ومعولهم عليك. # واعلم أن طبع النفوس - إذ كان على حسب العلو والغلبة - أن في تركيبها بغض ~~من استطال عليها. فاستدع محبة العامة بالتواضع، ومودة الأخلاء بالمؤانسة ~~والاستشارة، والثقة والطمأنينة. # واعلم أن الذي تعامل به صديقك هو ضد ما تعامل به عدوك. فالصديق وجه ~~معاملته المسالمة، والعدو وجه معاملته المداراة والمواربة، هما ضدان ~~يتنافيان، يفسد هذا ما أصلح هذا، وكلما نقصت من أحد البابين زاد ms050 في صاحبه، ~~إن قليل فقليل، وإن كثير فكثير. PageV01P118 ~~فلا تسلم بالمواربة صداقة، ولا تظفر بالعدو مع الاستسلام إليه. فضع الثقة ~~موضعها، وأقم الحذر مقامه، وأسرع إلى التفهم بالثقة، ولا تبادر إلى ~~التصديق، ولا سيما بالمحال من الأمور. # واعلم أن كل علم بغائب، كائنا ما كان، إنما يصاب من وجوه ثلاثة لا رابع ~~لها، ولا سبيل لك ولا لغيرك إلى غاية الإحاطات؛ لاستئثار الله بها. ولن ~~تهنأ بعيش مع شدة التحرز، ولن يتسق لك أمر مع التضييع. فاعرف أقدار ذلك. # فما غاب عنك مما قد رآه غيرك مما يدرك بالعيان، فسبيل العلم به الأخبار ~~المتواترة، التي يحملها الولي والعدو، والصالح والطالح، المستفيضة في ~~الناس، فتلك لا كلفة على سامعها من العلم بتصديقها. فهذا الوجه يستوي فيه ~~العالم والجاهل. # وقد يجيء خبر أخص من هذا إلا أنه لا يعرف إلا بالسؤال عنه، والمفاجأة ~~لأهله، كقوم نقلوا خبرا، ومثلك يحيط علمه أن مثلهم في تفاوت أحوالهم، ~~وتباعدهم من التعارف، لا يمكن في مثله التواطؤ وإن جهل ذلك أكثر الناس. وفي ~~مثل هذا الخبر يمتنع الكذب، ولا يتهيأ الاتفاق فيه على الباطل. PageV01P119 # وقد يجيء خبر أخص من هذا، يحمله الرجل والرجلان ممن يجوز أن يصدق ويجوز ~~أن يكذب، فصدق هذا الخبر في قلبك إنما هو بحسن الظن بالمخبر، والثقة ~~بعدالته. ولن يقوم هذا الخبر من قلبك ولا قلب غيرك مقام الخبرين الأولين ~~أبدا. ولو كان ذلك كذلك بطل التصنع بالدين واستوى الظاهر والباطن من ~~العالمين. # ولما أن كان موجودا في العقول أنه قد يفتش بعض الأمناء عن خيانة، وبعض ~~الصادقين عن كذب، وأن مثل الخبرين الأولين لم يتعقب الناس في مثلهما كذبا ~~قط، علم أن الخبر إذا جاء من مثلهما جاء مجيء اليقين، وأن ما علم من خبر ~~الواحد فإنما هو بحسن الظن والإئتمان. # فهذه الأخبار عن الأمور التي تدركها الأبصار. # فأما العلم بما غاب مما لا يدركه أحد بعيان، مثل سرائر القلوب PageV01P120 ~~وما أشبهما، فإنما يدرك علمها بآثار أفاعيلها وبالغالب من أمورها، على ms051 ~~غير إحاطة كإحاطة الله بها. # وأول العلم بكل غائب الظنون، والظنون إنما تقع في القلوب بالدلائل، فكلما ~~زاد الدليل قوي الظن حتى ينتهي إلى غاية تزول معها الشكوك عن القلوب؛ وذلك ~~لكثرة الدلائل، ولترادفها. # فهذا غاية علم العباد بالأمور الغائبة. # فمن عرف ما طبع عليه الخلق وجرت به عاداتهم، وعرف أسباب اتصالهم واتصاله ~~بهم، وتقصى علل ذلك، كان خليقا - إن لم يحط بعلم ما في قلوبهم - أن يقع من ~~الإحاطة قريبا. # واعلم أن المقادير ربما جرت بخلاف ما تقدر الحكماء، فنال بها الجاهل في ~~نفسه، المختلط في تدبيره، ما لا ينال الحازم الأريب الحذر. فلا يدعونك ما ~~ترى من ذلك إلى التضييع والاتكال على مثل تلك الحال؛ فإن الحكماء قد أجمعت ~~أن من أخذ بالحزم وقدم الحذر، فجاءت المقادير بخلاف ما قدر، كان عندهم أحمد ~~رأيا وأوجب عذرا، ممن عمل بالتفريط وإن اتفقت له الأمور على ما أراد. PageV01P121 # ولعمري ما يكاد ذلك يجيء إلا في أقل الأمور، وما كثر مجيء السلامات إلا ~~لمن أتى الأمور من وجوهها وإنما الأشياء بعوامها. فلا تكونن لشيء مما في ~~يدك أشد ضنا، ولا عليه أشد حدبا، منك بالأخ الذي قد بلوته في السراء ~~والضراء، فعرفت مذاهبه وخبرت شيمه، وصح لك غيبه، وسلمت لك ناحيته؛ فإنما هو ~~شقيق روحك وباب الروح إلى حياتك، ومستمد رأيك وتوأم عقلك. ولست منتفعا بعيش ~~مع الوحدة. ولا بد من المؤانسة، وكثرة الاستبدال تهجم بصاحبه على المكروه. ~~فإذا صفا لك أخ فكن به أشد ضنا منك بنفائس أموالك، ثم لا يزهدنك فيه أن ترى ~~منه خلقا أو خلقين تكرههما؛ فإن نفسك التي هي أخص النفوس بك لا تعطيك ~~المقادة في كل ما تريد، فكيف بنفس غيرك! # وبحسبك أن يكون لك من أخيك أكثره، ~~وقد قالت الحكماء: " من لك بأخيك كله "، و " أي الرجال المهذب ". # ثم لا يمنعك ذلك من الاستكثار من الأصدقاء فإنهم جند معدون PageV01P122 ~~لك ينشرون محاسنك، ويحاجون عنك. ولا يحملنك استطراف صديق ثان على ملالة ~~للصديق الأول؛ فأن ms052 ذلك سبيل أهل الجهالة، مع ما فيها من الدناءة وسوء ~~التدبير، وزهد الأصدقاء جميعا في إخائك. والله يوفقك. # وستجد في الناس من قد جربته الرجال قبلك، ومحضه اختبارهم لك. فمن كان ~~معروفا بالوفاء في أوقات الشدة وحالات الضرورة، فنافس فيه واسبق إليه؛ فإن ~~اعتقاده أنفس العقد. ومن بلاه غيرك فكشف عن كفر النعمة، والغدر عند الشدة، ~~فقد حذرك نفسه وإن آنسك وكما غدر بغيرك يغدر بك؛ فإن من شيمته الوفاء يفي ~~للصديق والعدو، ومن طبيعته الغدر لا يفي لأحد، وإنما يميل مع الرجحان: يذل ~~عند الحاجة ويشمخ مع الاستغناء. # فاحذر ذلك أشد الحذر. واعلم أن الحكماء لم تذم شيئا ذمها أربع خلال: PageV01P123 # الكذب فإنه جماع كل شر. وقد قالوا: لم يكذب أحد قط إلا لصغر قدر نفسه ~~عنده. # والغضب فإنه لؤم وسوء مقدرة؛ وذاك أن الغضب ثمرة لخلاف ما تهوى النفس، ~~فإن جاء الإنسان خلاف ما يهوى ممن فوقه أغضى وسمى ذلك حزنا، وإن جاءه ذلك ~~ممن دونه حمله لؤم النفس وسوء الطباع على الاستطالة بالغضب، والمقدرة ~~والبسطة على البطش. # والجزع عند المصيبة التي لا ارتجاع لها؛ فإنهم لم يجعلوا لصاحب الجزع في ~~مثل هذا عذرا، لما يتعجل من غم الجزع مع علمه بفوت المجزوع عليه. وزعموا أن ~~ذلك من إفراط الشره، وأن أصل الشره والحسد واحد وإن افترق فرعاهما. # وذموا الحسد كذمهم الجزع، لما يتعجل صاحبه من ثقل الاغتمام، وكلفة مقاساة ~~الاهتمام، من غير أن يجدي عليه شيئا. فالحسد اغتمام، والغدر لؤم. وقال بعض ~~الحكماء: " الحسد خلق دنيء، ومن دناءته أنه يبدأ بالأقرب فالأقرب ". وزعموا ~~أنه لم يغدر غادر قط إلا لصغر همته عن الوفاء، وخمول قدره عن احتمال ~~المكاره في جنب نيل المكارم. PageV01P124 # وبقدر ما ذمت الحكماء هذه الأخلاق الأربعة، فكذلك حمدت أضدادها من ~~الأخلاق، فأكثرت في تفضيلها الأقاويل، وضربت فيها الأمثال، وزعمت أنها أصل ~~لكل كرم، وجماع لكل خير، وأن بها تنال جسام الأمور في الدنيا والدين. # فاجعل هذه الأخلاق إماما لك، ومثلا بين عينيك، ورض عليها ms053 نفسك، وحكمها في ~~أمرك، تفز بالراحة في العاجل، والكرامة في الآجل. # والصبر صبران: فأعلاهما أن تصبر على ما ترجو فيه الغنم في العاقبة. ~~والحلم حلمان: فأشرفهما حلمك عمن هو دونك. والصدق صدقان: أعظمهما صدقك فيما ~~يضرك. والوفاء وفاءان: أسناهما وفاؤك لمن لا ترجوه ولا تخافه. فإن من عرف ~~بالصدق صار الناس له أتباعا، ومن نسب إلى الحلم ألبس ثوب الوقار والهيبة ~~وأبهة الجلالة، ومن عرف بالوفاء استنامت بالثقة به الجماعات ومن استعز ~~بالصبر نال جسيمات الأمور. # ولعمري ما غلطت الحكماء حين سمتها أركان الدين والدنيا. # فالصدق والوفاء توأمان، والصبر والحلم توأمان، فهن تمام كل PageV01P125 ~~دين، وصلاح كل دنيا. وأضدادهن سبب كل فرقة، وأصل كل فساد. # واحذر خصلة رأيت الناس قد استهانوا بها، وضيعوا النظر فيها، مع اشتمالها ~~على الفساد، وقدحها البغضاء في القلوب، والعداوة بين الأوداء: المفاخرة ~~بالأنساب؛ فإنه لم يغلط فيها عاقل قط، مع اجتماع الإنس جميعا على الصورة ~~وإقرارهم جميعا بتفرق الأمور المحمودة والمذمومة من الجمال والدمامة، ~~واللؤم والكرم، والجبن والشجاعة، في كل حين، وانتقالهما من أمة إلى أمة، ~~ووجود كل محمود ومذموم في أهل كل جنس من الآدميين. وهذا غير مدفوع عند ~~الجميع. # فلا تجعلن له من عقلك نصيبا، ولا من لسانك حظا، تسلم بذلك على الناس ~~أجمعين، مع السلامة في الدين. # واعلم أنك موسوم بسيما من قارنت، ومنسوب إليك أفاعيل من صاحبت. فتحرز من ~~دخلاء السوء، ومجالسة أهل الريب، وقد جرت لك في ذلك الأمثال، وسطرت لك فيه ~~الأقاويل، فقالوا: " المرء حيث يجعل نفسه "، وقالوا: " يظن المرء ما ظن ~~بقرينه "، وقالوا: " بالمرء بشكله، والمرء بأليفه ". # ولن تقدر على التحرز من جماعة الناس، ولكن أقل المؤانسة PageV01P126 ~~إلا بأهل البراءة من كل دنس. واعلم أن المرء بقدر ما يسبق إليه يعرف، ~~وبالمستفيض من أفعاله يوصف، وإن كان بين ذلك كثير من أفعاله ألغاه الناس ~~وحكموا عليه بالغالب من أمره. # فاجهد أن يكون أغلب الأشياء على أفاعيلك كل ما تحمده العوام ولا تذمه ~~الجماعات، فإن ذلك يعفى على كل ms054 خلل إن كان. # فبادر ألسنة الناس فاشغلها بمحاسنك، فإنهم إلى كل سيء سراع، واستظهر على ~~من دونك بالتفضل، وعلى نظرائك بالإنصاف، وعلى من فوقك بالإجلال. تأخذ ~~بوثائق الأمور، وأزمة التدبير. # واعلم أن كثرة العتاب سبب للقطيعة، واطراحه كله دليل على قلة الاكتراث ~~لأمر الصديق. فكن فيه بين أمرين: عاتبه فيما تشتركان في نفعه وضره وذلك في ~~الهينات، وتجاف له عن بعض غفلاته تسلم لك ناحيته. وبحسب ذلك فكن في زيارته، ~~فإن الإلحاح في الزيارة يذهب بالبهاء، وربما أورث الملالة؛ وطول الهجران ~~يعقب الجفوة، ويحل عقدة PageV01P127 ~~الإخاء، ويجعل صاحبه مدرجة للقطيعة وقد قال الشاعر: # إذا ما شئت أن تسلى حبيبا %~% فأكثر دونه عدد الليالي # فما يسلي حبيبك مثل نأي %~% ولا يبلى جديدك كابتذال # وزر غبا إذا أحببت خلا %~% فتحظى بالوداد مع اتصال # واقتصد في مزاحك؛ فإن الإفراط فيه يذهب بالبهاء، ويجري عليك أهل الدناءة. ~~وإن التقصير فيه يقبض عنك المؤانسين. فإن مزحت فلا تمزح بالذي يسوء ~~معاشريك. # وأنا أوصيك بخلق قل من رأيته يتخلق به، وذاك أن محمله شديد، ومرتقاه صعب، ~~وبسبب ذلك يورث الشرف وحميد الذكر: ألا يحدث لك انحطاط من حطت الدنيا من ~~إخوانك استهانة به، ولا لحقه إضاعة، ولما كنت تعلم من قدره استصغارا؛ بل إن ~~زرته قليلا كان أشرف لك، وأعطف للقلوب عليك. ولا يحدث لك ارتفاع من رفعت ~~الدنيا منهم تذللا وإيثارا له على نظرائه في الحفظ والإكرام؛ بل لو انقبضت ~~عنه كان مادحك أكثر من ذامك، وكان هو أولى بالتعطف عليك، إلا أن يكون مسلطا ~~تخاف شذاه ومعرته، وترجو عنده جر منفعة لصديق، أو دفع مضرة PageV01P128 ~~عنه، أو كبتا لعدو وإنزال هوان به، فإن السلطان وخيلاءه وزهوه يحتمل فيه ~~ما لا يجوز في غيره، ويعذر فيه ما لا يعذر في سواه. # واعلم أن نشر محاسنك لا يليق بك، ولا يقبل منك، إلا إذا كان القول لها ~~على ألسن أهل المروءات، وذوي الصدق والوفاء، ومن ينجع قوله في القلوب ممن ~~يستنام إلى قوله، ويصدق خبره، وممن ms055 إن قال صدق، أو مدح اقتصد، يثنى بقدر ~~البلاء، فإن إشراف الثناء على قدر النعمة يولد في القلوب التكذيب، ويدل على ~~طلب المزايد. # فأما ثناء المادحين لك في وجهك، فإنما تلك أسواق أقاموها للأرباح، ~~وساهلوك في المبايعة، ولم يكن في الثناء عليهم كلفة، لكساد أقاويلهم عند ~~الناس. أولئك الصادقون عن طرق المكارم، والمثبطون عن ابتناء المعالى. # فارتد لنعمك مغرسا تنمو فيه فروعها، وتزكو ثمرتها، لا تذهب نفقتك ضياعا، ~~إما لعاجل تقدمه، أو لآجل ثناء تنتفع به. # ولن تعدم أن يفجأك في بعض أحوالك حقوق تبهظك، وأحوال تفدحك، وأمور كلها ~~تتقسم عنايتك، وفي التثبت في مثلها تعرف فضيلتك، PageV01P129 ~~فلا تستقبلها بالتضجع وتفتير الرأى، وابدأ منها بأعظمها منفعة، وأشدها ~~خوف ضرر. وكل ما أعجزك إلى الكفاة، واعتذر من تقصير إن كان؛ فإن الاعتذار ~~يكسر حميا اللائمة، ويردع شذاة الشرة. # ثم تلاف بعد انكشاف ذلك عنك ما فاتك، واجهد الجهد كله أن تكون مخارج ~~الحقوق اللازمة لك من عندك سهلة، موصولة لأصحابها ببشرك وطلاقة وجهك؛ فقد ~~زعمت الحكماء أن القليل مع طلاقة الوجه أوقع بقلوب ذوى المروءات من الكثير ~~مع العبوس والانقباض. # وقد قال بعض الحكماء: " غاية الأحرار أن يلقوا ما يحبون ويحرموا، أحب ~~إليهم من أن يلقوا ما يكرهون ويعطوا ". # وما أبعدوا عن الحق. # ولا يدعونك كفر كافر لبعض نعمك ممن آثر هواه على دينه PageV01P130 ~~ومروءته، أو غدرة غادر تصنع لك وختلك عن مالك، أن تزهد في الإنعام، وتسيء ~~بثقاتك الظنون؛ فإن هذا موضع يجد الشيطان في مثله الذريعة إلى استفساد ~~الصنائع، وتعطيل المكارم. # واعلم أن استصغارك نعمك يكبرها عند ذوى العقول، وسترك لها نشر لها عندهم؛ ~~فانشرها بسترها، وكبرها باستصغارها. # واعلم أن من الفعل أفاعيل وإن عظمت منافعها، ومنافع أضدادها فلإيثارها ~~فضيلة على كل حال. فاجعل صمتك أكثر من كلامك؛ فإنه أدل على حكمتك. واجعل ~~عفوك أكثر من عقوبتك؛ فإن ذلك أدل على كرمك. ولا تفرطن فيه كل الإفراط حتى ~~تطرح الكلام في موضعه، والتأديب في أوانه. # واعلم أن لكل امرئ ms056 سيدا من عمله، قد ساهلته فيه نفسه وسلس له فيه هواه، ~~فتحفظ ذلك من نفسك، وتقاضها الزيادة فيه، ورضها على تثميره والمواظبة عليه. # واحذر الحذر كله الاغترار بأمور ثلاثة؛ فإن من عطب بها كثير، وتلافيها ~~صعب شديد: PageV01P131 # أحدها: ألا تولى جسائم تصرفك وتقلدمهم أمورك ووثائق تدبيرك إلا امرأ ~~صلاحه موصول بصلاحك، وباء النعمة عليك هو بقاء النعمة عليه. # أو أن تأنس أو تغتر بمن تعلم أن بصلاحك فساده، وبارتفاعك انحطاطه، ~~وبسلامتك عطبه؛ فإن من كان هكذا فأنت ملك موته. فبحسب ذلك فليكن عندك. # أو أن تجعل مالك كله في عقدة واحدة، أو حيز واحد، أو وجه منفرد، إن ~~اجتاحته جائحة أو نابته نائبة بقيت حسيرا. وقد قال بعض الحكماء: " فرقوا ~~المنية "، و " اطلبوا الأرباح بكل شعب ". # واعلم أنه ليس من الأخلاق التي ذمتها الحكماء خلق إلا وقد ينفع في بعض ~~الحالات، ويرد به شكله، ويقام بإزاء مثله، ويدافع به نظيره. # إنك ستمنى بصحبة السلطان الحازم العادل، وبصحبة السلطان الأخرق الجهول ~~الغشوم. فالحازم العادل يسوسه لك الأدب والنصح، والأخرق تسوسه لك الحلة ~~والرفق. العادل يعضدك منه ثلاث، وتصبر نفسه لك على ثلاث: PageV01P132 # فاللواتي يعضدنك: تسليط العدل وإنفاذ الحكومة - وفي ذلك صلاح الرعية - ~~وإثابة المحسنين الذين إثابتهم تحصين البيضة والسبل، والعفو ما بلغ به ~~الاستصلاح، واكتفى به من البسط. واللواتي تصبر نفسه لك عليهن: الهوى إلى ما ~~وافق الرأي، وأمضى الرأي إلا بعد التثبت حتى تعاونه عليه النصحاء. # ولكني أوصيك برياضة نفسك حتى تذللها على الأمور المحمودة؛ فإن كل أمر ~~ممدوح هو مما تستثقل النفوس. ومما تسر به وتنقلب إليه الأخلاق المذمومة. ~~فإن أهملتها وإياها غلبت عليك، لأنها فيها طبيعة مركبة، وجبلة مفطورة. # فلتكن المساهلة في أخلاقك أغلب عليك من المعاسرة، والحلم أولى بك من ~~العجلة، والصبر الحاكم عليك دون الجزع، والعفو أسبق إليك من المجازاة ~~بالذنوب، والمكافأة بالسوء. # وكذلك سائر الأخلاق المحمودة والمذمومة، فلتكن محموداتها غالبة على ~~أفعالك، محكمة في أمورك فإنك إن ضبطت ذلك، وقومت عليه نفسك، عشت رخي البال، ms057 ~~قليل الهموم، كثير الصديق قليل PageV01P133 ~~العدو، سليم الدين، نقي العرض، محمود الفعال، جميل الأحدوثة في حياتك ~~وبعد وفاتك، وكنت بموضع الرجاء أن يصل الله لك السلامة الآجلة بالنعمة ~~العاجلة، إن شاء الله عز وجل. # أسأل الله المبتدئ بكل نعمة، والمتولى لكل إحسان، أن يصلي على محمد خيرته ~~من خلقه، وصفوته من بريته، وأن يتم عليك نعمته، ويشفع لك ما خولك من نعمته ~~بالنعمة التي يؤمن معها الزوال، في جواره ومرافقة أنبيائه. والسلام عليك ~~ورحمة الله. PageV01P134 ### | الرسالة الثالثة كتاب كتمان السر وحفظ اللسان PageV01P135 # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد فإني قد تصفحت أخلاقك، وتدبرت أعراقك، وتأملت شيمك، ووزنتك فعرفت ~~مقدارك، وقومتك فعلمت قيمتك، فوجدتك قد ناهزت الكمال، وأوفيت على التمام، ~~وتوقلت في درج الفضائل، وكدت تكون منقطع القرين، وقاربت أن تلفى عديم ~~النظير، لا يطمع فاضل أن يفوتك، ولا يأنف شريف أن يقصر دونك، ولا يخشع عالم ~~أن يأخذ عنك. # ووجدتك في خلال ذلك على سبيل تضييع وإهمال لأمرين هما القطب الذي عليه ~~مدار الفضائل، فكنت أحق بالعذل، وأقمن بالتأنيب ممن لم يسبق شأوك، ولم ~~يتسنم رتبتك؛ لأنه ليس ملوما على تضييع القليل من قد أضاع الكثير، ولا يسام ~~إصلاح يومه وتقويم ساعته من قد استحوذ الفساد على دهره، ولا يحاسب على ~~الزلة الواحدة من لا يعدم منه الزلل والعثار، ولا ينكر المنكر على من ليس ~~من أهل المعروف؛ لأن المنكر إذا كثر صار معروفا، وإذا صار معروفا صار ~~المنكر المعروف منكرا. # وكيف يعجب ممن أمره كله عجب، وإنما الإنكار والتعجب ممن خرج عن مجرى ~~العادة، وفارق السنة والسجية، كما قال الأول: " خالف تذكر ". PageV01P139 ~~وقيل: " الكامل من عدت سقطاته "، وقيل: " من استوى يوماه فهو مغبون، ومن ~~كان يومه خيرا من غده فهو مفتون، ومن كان غده خيرا من يومه فذلك السعيد ~~المغبوط ". وفي هذا المعنى قال الشاعر: # رأيتك أمس خير بني معد %~% وأنت اليوم خير منك أمس # وأنت غدا تزيد الضعف خيرا %~% كذاك تزيد سادة عبد شمس # وقال آخر في معن: ms058 # أنت امرؤ همك المعالي %~% ودلو معروفك الربيع # وأنت من وائل صميم %~% كالقلب تحنى له الضلوع # في كل عام تزيد خيرا %~% يشيعه عنك من يشيع # والأمران اللذان نقمتهما عليك: وضع القول في غير موضعه، وإضاعة السر ~~بإذاعته. # وليس الخطر فيما أسومك وأحاول حملك عليه بسهل ولا يسير. وكيف وأنا لا ~~أعرف في دهري - على كثير عدد أهله - رجلا واحدا ممن ينتحل الخاصة، وينسب ~~إلى العلية، ويطلب الرياسة ويخطب السيادة، ويتحلى PageV01P140 ~~بالأدب ويديم الثخانة والزماتة، والحلم والفخامة، أرضى ضبطه للسانه، ~~وأحمد حياطته لسره. وذلك أنه لا شيء أصعب من مكابدة الطبائع، ومغالبة ~~الأهواء؛ فإن الدولة لم تزل للهوى على الرأي طول الدهر. والهوى هو الداعية ~~إلى إذاعة السر، وإطلاق اللسان بفضل القول. # وإنما سمي العقل عقلا وحجرا، قال تعالى - " هل في ذلك قسم لذي حجر " - ~~لأنه يزم اللسان ويخطمه، ويشكله ويربثه، ويقيد الفضل ويعقله عن أن يمضي ~~فرطا في سبيل الجهل والخطأ والمضرة، كما يعقل البعير، ويحجر على اليتيم. # وإنما اللسان ترجمان القلب، والقلب خزانة مستحفظة للخواطر والأسرار، وكل ~~ما يعيه من ذلك عن الحواس من خير وشر، وما تولده الشهوات والأهواء، وتنتجه ~~الحكمة والعلم. # ومن شأن الصدر - على أنه ليس وعاء للأجرام، وإنما يعي بقدرة من الله لا ~~يعرف العباد كيف هي - أن يضيق بما فيه، ويستثقل ما حمل PageV01P141 ~~منه، فيستريح إلى نبذه، ويلذ إلقاءه على اللسان. ثم لا يكاد أن يشفيه أن ~~يخاطب به نفسه في خلواته حتى يفضي به إلى غيره ممن لا يرعاه ولا يحوطه. كل ~~ذلك ما دام الهوى مستوليا على اللسان، واستعمل فضول النظر فدعت إلى فضول ~~القول. # فإذا قهر الرأي الهوى فاستولى على اللسان، منعه من تلك العادة، ورده عن ~~تلك الدربة، وجشمه مؤونة الصبر على ستر الحلم والحكمة. # ولا شيء أعجب من أن المنطق أحد مواهب الله العظام، ونعمه الجسام، وأن ~~صاحبها مسؤول عنها، ومحاسب على ما خول منها، أوجب الله عليه استعمالها في ~~ذكره وطاعته، والقيام بقسطه وحجته، ووضعها مواضع النفع في الدين ms059 والدنيا، ~~والإنفاق منها بالمعروف لفظة ولفظة، وصرفها عن أضدادها. # فلم يرض الإنسان أن عطلها عما خلقت له مما ينفعه حتى استعملها في ضد ذلك ~~مما يضره، فاجتمع عليه الإثمان اللذان اجتمعا على صاحب المال الذي كنزه ~~ومنعه من حقه، فوجب عليه إثم المنع وإن كان لم يصرفه في معصية، ثم صرفه في ~~أبواب الباطل والفسق فوجب عليه إثم الإنفاق فيها. وهذه غاية الغبن ~~والخسران. نعوذ بالله منها. # فاللسان أداة مستعملة، لا حمد له ولا ذم عليه، وإنما الحمد للحلم واللوم ~~على الجهل. فالحلم هو الاسم الجامع لكل فضل، وهو سلطان العقل القامع للهوى. ~~فليس قمع الغضب وتسكين قوة الشرة، وإسقاط طائر الخرق بأحق بهذا الاسم، ولا ~~أولى بهذا الرسم، من قمع فرط الرضا وغلبة الشهوات، PageV01P142 ~~والمنع من سوء الفرح والبطر، ومن سوء الجزع والهلع، وسرعة الحمد والذم، ~~وسوء الطبع والجشع، وسوء مناهزة الفرصة، وفرط الحرص على الطلبة، وشدة ~~الحنين والرقة، وكثرة الشكوى والأسف، وقرب وقت الرضا من وقت السخط، ووقت ~~السخط من وقت الرضا؛ ومن اتفاق حركات اللسان والبدن على غير وزن معلوم ولا ~~تقدير موصوف، وفي غير نفع ولا جدى. # واعلم يقينأ أن الصمت سرمدا أبدا، أسهل مرارا - على ما فيه من المشقة - ~~من إطلاق اللسان بالقول على جهة التحصيل والتمييز، والقصد للصواب، لما ~~قدمنا ذكره من علة مجاذبة الطباع؛ ولأن من طبع الإنسان محبة الإخبار ~~والاستخبار. وبهذه الجبلة التي جبل عليها الناس نقلت الأخبار عن الماضين ~~إلى الباقين، عن الغائب إلى الشاهد، وأحب الناس أن ينقل عنهم، ونقشوا ~~خواطرهم في الصخور، واحتالوا لنشر كلامهم بصنوف الحيل. وبذلك ثبتت حجة الله ~~على من لم يشاهد مخارج الأنبياء، ولم يحضر آيات الرسل، وقام مجيء الأخبار ~~عن غير تشاعر ولا تواطؤ مقام العيان؛ وعرفت البلدان والأقطار والأمم ~~والتجارات والتدبيرات والعلامات؛ PageV01P143 ~~وصار ما ينقله الناس بعضهم عن بعض ذريعة إلى قبول الإخبار عن الرسل، ~~وسلما إلى التصديق، وعونا على الرضا بالتقليد. # ولولا حلاوة الإخبار والاستخبار عند الناس لما انتقلت الأخبار وحلت هذا ms060 ~~المحل. ولكن الله عز وجل حببها إليهم لهذا السبب، كما جعل عشق النساء داعية ~~للجماع، ولذة الجماع سبيلا للنسل، والرقة على الولد عونا على التربية ~~والحضانة - وبهما كان النشو والنماء - وحب الطعام والشراب سببا للغذاء، ~~والغذاء سببا للبقاء وعمارة الدنيا. # فعسر على الإنسان الكتمان لإيثار هذه الشهوة، والانقياد لهذه الطبيعة؛ ~~وكانت مزاولة الجبال الراسيات عن قواعدها أسهل من مجاذبة الطباع. فاعتراه ~~الكرب لكتمان السر، وغشيه لذلك سقم وكمد يحس به في سويداء قلبه بمثل دبيب ~~النمل، وحكة الجرب، ومثل لسع الدبر ووخز الأشافي، على قدر اختلاف مقادير ~~الحلوم والرزانة والخفة. فإذا باح بسره فكأنه أنشط من عقال. ولذلك قيل: " ~~الصدر إذا نفث برأ " مثلا مضروبا لهذه الحال. وقيل: # " ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر ". PageV01P144 # وليس قولنا " طبع الإنسان على حب الإخبار والاستخبار " حجة له على الله، ~~لأنه طبع على حب النساء ومنع الزنى، وحبب إليه الطعام ومنع من الحرام. ~~وكذلك حبب إليه أن يخبر بالحق النافع ويستخبر عنه، وجعلت فيه استطاعة هذا ~~وذاك، فاختار الهوى على الرأي. # ومما يؤكد هذا المعنى في كرب الكتمان وصعوبته على العقلاء فضلا عن غيرهم، ~~ما رووه عن بعض فقهائهم أنه كان يحمل أخبارا مستورة لا يحتملها العوام، ~~فضاق صدره بها، فكان يبرز إلى العراء فيحتفر بها حفيرة يودعها دنا، ثم ينكب ~~على ذلك الدن فيحدثه بما سمع، فيروح عن قلبه، ويرى أن قد نقل سره من وعاء ~~إلى وعاء. # وكان الأعمش سيئ الخلق غلقا، وكان أصحاب الحديث يضجرونه ويسومونه نشر ما ~~يحب طيه عنهم، وتكرار ما يحدثهم به، ويتعنتونه، فيحلف لا يحدثهم الشهر ~~والأكثر والأقل، فإذا فعل ذلك ضاق صدره بما فيه، وتطلعت الأخبار إلى الخروج ~~منه، فيقبل على شاة كانت له فيحدثها بالأخبار والفقه، حتى كان بعض أصحاب ~~الحديث يقول: " ليت أني كنت شاة الأعمش ". PageV01P145 # وشكا هشام بن عبد الملك ما يجد من فقد الأنيس المأمون على سره فقال: أكلت ~~الحامض والحلو حتى ما أجد لهما طعما، وأتيت النساء حتى ما ms061 أبالي أمرأة لقيت ~~أم حائطا، فما بقيت لي لذة إلا وجود أخ أضع بيني وبينه مؤونة التحفظ. # وقال معاوية لعمرو بن العاص: ما اللذة؟ قال: تأمر شباب قريش أن يخرجوا ~~عنا. ففعل، فقال: اللذة طرح المروءة. # وقد صدق عمرو، ما تكون الزماتة والوقار إلا بحمل على النفس شديد، ورياضة ~~متعبة. # وقال بعض الشعراء: # ألم تر أن وشاة الرجا %~% ل لا يتركون أديما صحيحا # فلا تفش سرك إلا إليك %~% فإن لكل نصيح نصيحا # والسر - أبقاك الله - إذا تجاوز صدر صاحبه وأفلت من لسانه إلى أذن واحدة ~~فليس حينئذ بسر، بل ذاك أولى بالإذاعة، ومفتاح النشر والشهرة. وإنما بينه ~~وبين أن يشيع ويستطير أن يدفع إلى أذن ثانية. وهو مع قلة المأمونين عليه، ~~وكرب الكتمان، حري بالانتقال إليها في طرفة عين. PageV01P146 # وصدر صاحب الأذن الثانية أضيق، وهو إلى إفشائه أسرع، وبه أسخى وفي الحديث ~~به أعذر، والحجة عنه أدحض. # ثم هكذا منزلة الثالث من الثاني، والرابع من الثالث أبدا إلى حيث انتهى. # هذا أيضا إذا استعهد المحدث واستكتم، وكان عاقلا حليما، وناصحا وإذا، ~~فكيف إذا أخبر ولم يؤمر بالكتمان، وكان ممن يمشي بالنمائم ويحب إفشاء ~~المعايب، وكان ممن ينطوي على غش أو شحناء، أو كان له في إظهاره اجتلاب نفع ~~أو دفع ضرر. # فاللوم إذ ذاك على صاحب السر أوجب، وعمن أفضى به إليه أنزل؛ لأنه كان ~~مالكا لسره فأطلق عقاله، وفتح أقفاله، وسرحه فأفلت من قيده ووثاقه، وصار هو ~~العبد القن المملوك لمن ائتمنه على سره، وملكه رق رقبته؛ فإن شاء أحسن ~~ملكته لحفظ ذلك السر فجز ناصيته، وجعله رهينة ليوم عتبه عليه. وقل من يحسن ~~الملكة، ويحرس الحرية أو يضبط نفسه؛ فإنه ربما لم يخرجه غشا فأخرجه سخفا ~~وضعفا. وإن أساء الملكة وختر الأمانة فأطلق السر واسترعاه من هو أشد له ~~إضاعة، فسفك الدم وأنال النعم وكشف العورة وفرق بين الجميع، وإن كان المضيع ~~لسره ألوم. قال الشاعر: PageV01P147 # إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه %~% فصدر الذي يستودع السر أضيق ms062 # فمن أسوء حال، وأخسر مكانا، وأبعد من الحزم، ممن كان حرا مالكا لنفسه ~~فصير نفسه عبدا مملوكا لغيره، مختارا للرق، من غير أسر ولا قسر! والعبيد لم ~~يصبروا على الرق إلا بذل الأسر والسباء. # ومن كان سره مصونأ في قلبه يطلب إليه في الحديث به فأخرجه عن يده، صار هو ~~الطالب الراغب إلى من لا يوجب له طاعة، ولا يفكر له في عاقبة، ولا يتحرز له ~~من مصيبة. وكلما كانت إذاعته لأسراره أكثر كان عدد مواليه أكثر، وشقاؤه ~~بخدمتهم أدوم. فإذا كان أصل السر معلوما عند عدة أو أقل من العدة، فما أعسر ~~استتاره. غير أنه لا لوم على صاحب الخيانة فيه إذا كان ليس هو الذي أفشاه، ~~ولا من قبله علم. # ولو أن أوزن الناس حلما ملك لسانه وحصن سره وقلل لفظه، ما قدر على أن ~~يملك لحظ عينيه، وسحنة وجهه، وتغير لونه، وتبسمه أو قطوبه، عند ما يجري ~~بلبه من ذكر ذلك السر، أو يخطر بباله منه، فيبدو في وجهه PageV01P148 ~~ومخالبه إذا عرض بذكره، أو سنح له نظير أو مثيل، أو حضر من له فيه سبب ~~إلا بعد التصنع الشديد، والتحفظ المفرط. # فإذا كان يعرف من هذه الجهات وماأشبهها، ويطلع عليها بتظنن المرجمين، ~~والمتعقبين للأفعال والأقوال، والنظر في مصادر التدبير ومخايل الأمور، ~~فيفشو من هذه الجهات أكثر مما تفشيه ألسن المذاييع البذر. فكيف إذا أطلق به ~~اللسان، وعود إذاعته القلب، والعادة أملك بالأدب. # وربما أدركه الحدس، وقيضه الظن، فنالت صاحبه فيه خدعة، بأن يذكر له طرف ~~منه، ويوهم أنه قد فشا وشاع، فيصدق الظن فيجعله يقينا، ويفسر الجملة ~~فيصيرها تفصيلا، فيهلك نفسه ويوبقها. # ورب كلام قد ملأ بطون الطوامير قد عرف جملته وما فيه الضرر PageV01P149 ~~منه، بسحاءة أو طابع، أو لحظة مطلع في الكتاب، أو حرف تبين من ظهره. # فاستيقظ عند هذه الأحوال، واستعمل سوء الظن بجميع الأنام؛ فإنه روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الحزم سوء الظن ". وقيل لثقيف: بم ~~بلغتم من الشرف والسؤدد؟ ms063 قالوا: بسوء الظن. # فلا تعتمد على رجل في سرك تحمد عقله دون أن تحمد وده ونصحه؛ فإن الأمر في ~~ذلك كما قال الشاعر: # وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه %~% ولا كل مؤت نصحه بلبيب # ولقد استحسن الناس من بعض رجال العراق أنه دخل على عبد الملك بن مروان ~~فأوقع بالحجاج عنده وسبه، فلما خرج من عنده خبر بما كان منه لبعض أصحابه، ~~فلامه وأنبه وقال: ما يؤمنك أن يخبر أمير المؤمنين عبد الملك الحجاج بما ~~قلت فيه - ومرجعك إلى العراق - فيضغنه عليك؟ قال: كلا، والله إني ما رطلت ~~يدي قط أحدا أرزن منه. # هذا والله - أبقاك الله - الغلط البين، والعذر الملفق، وتحسين فارط PageV01P150 ~~الخطأ؛ لأنه ليس كل راجح وعاقل بناصح لصاحب السر، ولو كان أخوه كذلك كان ~~أمره إليه أهم، وشأنه أولى. والأعلى من الناس لا يكلف الأدنى هذه المؤونة، ~~وإنما يفعلها الأدنون بالأعلين رغبة ورهبا، وتحسنا عندهم بحاجتهم إليهم. # وأكثر ما يذيع أسرار الناس أهلوهم وعبيدهم، وحاشيتهم وصبيانهم، ومن لهم ~~عليهم اليد والسلطان. فالسر الذي يودعه خليفة في عامل له يلحقه زينه وشينه، ~~أخرى ألا يكتمه. وهذا سبيل كل سر يستودعه الجلة والعظماء، ومن لا تبلغه ~~العقوبة ولا تلحقه اللائمة. # وقال سليمان بن داود في حكمته: ليكن أصدقاؤك كثيرا، وصاحب سرك واحدا من ~~ألف. # وليس معنى الحديث أن تعد ممن تعرف ألفا وتقضي إلى واحد بسرك إن لم يكن ~~ذلك الواحد موضعا للأمانة في السر. لكنه قيل: رجل يساوي ألف رجل، ورجل لا ~~يساوي رجلا. وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الناس كإبل مائة لا ~~يوجد فيها راحلة ". # فكل ذلك يراد به أن الفضل قليل والنقص قليل لا على نسب ما يتلقاه ~~الاجتماع من هذه الأعداد؛ لأنا قد نجد الرجل يوزن بالأمة، ونجد الأمة لا ~~تساوي قلامة ظفر الرجل. PageV01P151 # فإذا كان من تقع عليه الشريطة معدوما - سيما من يوثق بحلمه وعقله، ~~وأمانته ونصحه، ومن لا ضرر عليه ولا نفع له في السر الذي يضمر ولا يحرم ~~عليه كتمانه، ms064 ومن قد وأى على نفسه بالسر والحفظ؛ فإنه ليس كل من ضمن فلم ~~يضمن ضامنا، ولا من استودع فلم يقبل مستحفظا، ولا من استخلف فلم يخلف ~~خائنا، وإنما يلحقه الحمد والذم؛ والأجر والإثم إذا ضمن الأمانة ثم خترها - ~~فكأن القوم قالوا: لا تودعن سرك أحدا. وإلا فمتى تجد رجلا فيه الصفة التي ~~وصف بها مسكين الدارمى نفسه حيث يقول: # إني امرؤ مني الحياء الذي ترى %~% أنوء بأخلاق قليل خداعها # أواخى رجالا لست أطلع بعضهم %~% على سر بعض غير أني جماعها # يظلون شتى في البلاد وسرهم %~% إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها # وقيل لرجل: كيف كتمانك للسر؟ قال: أجعل قلبي له قبرا أدفنه فيه إلى يوم ~~النشور. PageV01P152 ~~وقال الآخر: # وأكتم السر فيه ضربة العنق. # وهذه صفات موجودة بالأقوال، معدومة بالأفعال. والمغرور من اغتر بما يعده ~~الواعد منها دون أن يبلو الخبر. # والذي جربناه ووجدناه: أن من يفضى إليه بالشيء، يبلغ من إذاعته ونشره ما ~~لا يبلغه الرسول المستحفظ المعني بتبليغ الرسالة، المحمود المجازى على ~~أدائها؛ حتى ربما كان يبلغ في الإذاعة لمن أرادها أن يقصد للبلاغة من ~~الرجال، المعروف بالنميمة والتقتيت، فيوهمه أنه قد استحفظه السر، فيشيع على ~~لسانه كما يشيع الضوء في الظلمة. # وهذا فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أحب أن يشيع إسلامه فقال: من ~~أنم أهل مكة؟ قيل له: جميل بن النحيت. فأتاه فأخبره بإسلامه وسأله أن يكتمه ~~عليه، فلم يمس وبمكة أحد لم يعلم بإسلام عمر، رضي الله عنه. PageV01P153 # ثم يكون من أكثر الأعوان على إظهار السر الاستعهاد له، والتحذير من نشره؛ ~~فإن النهي أغرى؛ لأنه تكليف مشقة، والصبر على التكليف شديد، وهو حظر، ~~والنفس طيارة متقلبة، تعشق الإباحة وتغرم بالإطلاق. # ولعل رجلا لو قيل له: لا تمسح يدك بهذا الجدار - وهو لم يمسحها به قط - ~~غرى بأن يفعل. # وكذلك ما حدث به من السر فلم يؤمر بستره، لعله ألا يخطر بباله؛ لأنه ~~موجود في طبائع الناس الولوع بكل ممنوع، والضجر بكل محصول. # فنريد أن نعلم: ms065 لم صار الإنسان على ما منع - وإن كان لا ينفعه - أحرص منه ~~على ما أبيح من غير علة ولا سبب إلا امتهان ما كثر عليه، واستطراف ما قل ~~عنده؟ ولم أقبل على من ولى عنه وولى عمن أقبل عليه؟ ولم. قالوا: إذا جدت ~~المسألة جد المنع؟ وقال الشاعر: # الحر يلحى والعصا للعبد %~% وليس للملحف مثل الرد # ولم صار يتمنى الشيء وينذر فيه النذور، ويتقطع إليه شوقا، فإذا ظفر به صد ~~عنه وأخلق عنه؟ ولم زهد الملوك فيما في أيديهم ورغبوا فيما في أيدي الناس؟ # فنقول: إن الله تبارك وتعالى جعل لكل نفس مبلغا من الوسع لا يمكنها ~~تجاوزه، ولا تتسع لأكثر منه. فكان معها فيما دون الوسع الفقر PageV01P154 ~~وخوف الإخوان، وفيما تجاوزه عز الغنى وأمن العدم. وبهذا وبمثله من ومن ~~البخل والحرص استخفت من احتاج إليها، وأعظمت من استغنى عنها. وجعلها تواقة ~~مشتاقة، متطرفة ملالة، كثيرة النزاع والتقلب، تستحكم عليها الفتنة، ويبلى ~~خيرها من شرها وصبرها من جزعها. ولولا هذه الخلال سقطت المحن، فهي تعظم ~~القليل بالضرورة إليه إن كان من أقواتها، أو لشدة النزاع والشوق إن كان من ~~طرف شهواتها؛ فإن صنوف الشهوات كثيرة، ولكل صنف منها أهل لا يحلفون بما ~~سواه. وتتعجب من الغريب النادر، ويضحكها البديع الطارئ. إلا أنه إذا كثر ~~الغريب صار قريبا، وإذا تجاوز المطلوب مقدار وسعها وحاجاتها فصار ظهريا ~~وفضلا استخفت به وقل في أعينها كثيره. وأعظم الأشياء عندها قدرا ما اشتد ~~إليه الفقر والحاجة وإن قل قدره، وأهونها عليها ما استغنى عنه وإن عظم ~~خطره. وجعل لما تتوق إليه وتشتاقه مكانا من قواها، له. فإذا امتلأ ذلك ~~المكان سرورا، وقضى ذلك الأرب وطرا مما كان طمح إليه، وروى مما كان ظامئا ~~إليه، انصرف عنه وقلاه، وحال عشقه بغضا، وشوقه ملالا. # والعلة في ذلك أن الدنيا دار زوال وملال، ليس في كيانها أن تثبت PageV01P155 ~~هي ولا شيء مما فيها على حال واحدة، وإنما الثبوت الدائم لدار القرار. ~~فالسآمة تلحقها في محبوبها، كما يصيب المنتهي ms066 من الطعام والشراب والباه، ~~فإنه ليس شيء أبغض إلى من يتناهى فيه إلى غايته، من النظر إلى ناحيته، فضلا ~~عن ملابسته، إلى وقت عودة السبب الأول. # فإذا كانت الطبائع تتشابه، ولكل حاسة قوة، فإذا امتلأت تلك القوة من ~~محسوسها لم تجد لها وراءه طعما ولا ريحا، وعاد عليها الضرر. فبعض النظر ~~يعمى، والصوت الشديد يصم، والرائحة المنتنة تبطل المشم، والأطعمة الحارة ~~المحرقة تبطل حاسة اللسان. # وتتطرف كل واحدة منها؛ فبين الطيب عند من بعد عهده به، والجماع والسماع، ~~وبين من هو مغموس فيه بون بعيد جدا، في الحلاوة وحسن الموقع. كل ذلك ما لم ~~يأت المال والعلم؛ فإنه كلما كثر كان أشهى وأعجب؛ لأن قصد الناس له ليس ~~لطلب مقدار الحاجة وسد الخلية كما يريده أهل القناعة والزهادة، وإنما يراد ~~لقمع الحرص، والحرص لا حد له ولا نهاية؛ لأنه سعى لا لحاجة، وإيضاع لا ~~لبغية. # وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أن لابن آدم واديين من ذهب ~~لابتغى إليهما ثالثا. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ". # وقال بعض الحكماء: # من كان لا يغنى بما يغنيه %~% فكل ما في الأرض لا يغنيه ~~ PageV01P156 # قال الله عز وجل: " وتحبون المال حبا جما ". وقال: " وإنه لحب الخير ~~لشديد ". وقال الشاعر: # والناس إن شبعت بطونهم %~% فعيونهم في ذاك لا تشبع # فأما الحديث الذي جاء: " لا يشبع أربع من أربعة: أرض من مطر، وعين من ~~نظر، وأنثى من ذكر، وعالم من علم ". فإن العين لا تشبع في الجملة كما لا ~~يشبع الخيشوم من الاستنشاق. فأما من صنف مما يراه دون صنف، فإنه يشبع ~~ويروى، ويصدف إلى غيره. # وأما العلم فإنه أوسع من أن يحاط به، فمن طلبه لشرفه وفخره فإنه لا حد له ~~ولا نهاية، ولم يزدد له طلنا إلا ازداد فيه رغبة. ومن طلب منه مقدار كفايته ~~وحاجته كفاه منه اليسير. على أنه لا يملك من كثر علمه أن يرى فيه الغنى ~~والكبرياء أيضا. وقد يمل كما يمل كل شيء. وتمل ms067 العين أيضا منه ومن المال. # وقيل: اثنان منهومان: طالب علم وطالب دنيا. وهذه القضية تدل على الخروج ~~عن العقل؛ لأن النهم تجاوز القدر. PageV01P157 # وأما الحرص على الممنوع الذي لا ينتفع به، والعجب مما يتعجب من مثله، ~~فليس من أخلاق العقلاء. وما لم يكن في أخلاقهم فلا نظر فيه ولا قياس عليه، ~~وإنما ذلك فعل من استوحش من الحجة، وشرد عن علم العلل والأسباب. # وإفشاء السر إنما يوكل بالخبر الرائع، والخطب الجليل، والدفين المغمور، ~~والأشنع الأبلق، مثل سر الأديان لغلبة الهوى عليها، وتضاغن أهلها بالاختلاف ~~والتضاد، والولاية والعداوة. ومثل سر الملوك في كيد أعدائهم ومكنون شهواتهم ~~ومستور تدبيراتهم، ثم من يليهم من العظماء والجلة؛ لنفاسة العوام على ~~الملوك، وأنهم سماء مظلة عليهم، أعينهم إليها سامية، وقلوبهم بها معلقة، ~~ورغباتهم ورهباتهم إليها مصروفة. ثم عداوات الإخوان؛ فإنما صارت العداوة ~~بعد المودة أشد لاطلاع الصديق على سر صديقه، وإحصائه معايبه، وربما كان في ~~حال الصداقة يجمع عليه السقطات ويحصي العيوب، ويحتفظ بالرقاع؛ إرصادا ليوم ~~النبوة، وإعادا لحال الصريمة. # وقد شكا بعض الملوك تنقيب العوام عن أسرار الملوك فقال: # ما يريد الناس منا %~% ما ينام الناس عنا PageV01P158 # لو سكنا باطن الأر %~% ض لكانوا حيث كنا # إنما همهم أن %~% ينشروا ما قد دفنا # ولم نرى حب الطعن على الملوك، والتجسس على أخبارهم، وعشق نشر المعايب، ~~واستحلال الغيبة، ظاهرا في طباع الناس لا يكاد ينجو منه أحد منهم إلا من ~~رجح حلمه وعظمت مروءته، وظهر سودده، واشتد ورعه، حتى قال بعضهم: " الغيبة ~~فاكهة النساك ". # ورووا عن بعضهم أنه قال: " الفاسق لا غيبة له ". # وقال آخر: " أترعون من ذكر الفاسق؟ اذكروه يعرفه الناس ". # ولم نر الله جل ثناؤه رخص في اغتياب مؤمن، بل ضرب المثل فيالغيبةبأكره ما ~~تكرهه النفوس، وما تختار منه الموت على الحياة، فقال: " ولا تجسسوا ولا ~~يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ". # واغتياب الناس جميعا خطة جور في الحكم، وسقوط في الهمة، وسخافة في الرأي، ~~ودناءة في القيمة، وكلفة ms068 عريضة، وحسد ونفاسة، قد PageV01P159 ~~استحوذت على هذا العالم وغلبت على طبائعهم، وتوكدت لسوء العادة عندهم، ~~ولعلو الشر على الخير، وكثرة الدغل والنغل والحسد في القلوب. فلست ترى منها ~~ناجيا. إما ناظر بعين عدل وإنصاف، فهو يرى ما ينكر فيبدو في وجهه ولسانه. ~~وإما ناظر بعين البغضاء والعداوة فهو كثيرا ما يجد من العيوب في عدوه ما ~~يعينه على التخرص عليه فيقويها ويزيد فيها. وإن عدم الحق تقول وقبح الحسن، ~~وزاد في قبح القبيح. # والحديث كله - إلا ما بال به - ذكر الناس، ولغو وخطل، وهجر وهذاع، وغيبة ~~وهمز ولمز. # وقال بعض الحكماء لابنه: يا بنى، إنما الإنسان حديث، فإن استطعت أن تكون ~~حديثا حسنا فافعل. # وكل سر في الأرض إنما هو خبر عن إنسان، أو طى عن إنسان، فله في الغيبة ~~أكثر الحظ، وجلها كلفة لا ضرورة، يرى صاحبها أنه قد أهمل محاسبة نفسه، وغفر ~~ذنوبها وألغى عيوبها، وقصد قصد غيره، فتشاغل عما يعنيه بما لا يعنيه، فأنكر ~~أقواله وأفعاله، وهجر تدبيره، وتعجب من مقابحه، وجهد نفسه في تفقد أموره. ~~ليس ذلك عن عناية بصلاحه، ولا محبة لتقويمه وتهذيبه، ولا أنه مسيطر عليه ~~ولا محمود عنده على ما عنى به من شأنه، بل هو عنده عين المذموم. # وهذا جل حديث البشر وشغلهم في الليل والنهار. PageV01P160 # قال بعض الحكماء: فضول النظر تدعو إلى فضل القول، وفضول الخواطر تبعث على ~~اللهو والخطل. # ولو كان الرجل لا يتكلم إلا بما يعنيه، ولا يتكلف ما قد كفيه، قل كلامه. ~~ولو حكم العدل في أموره، وفيما بينه وبين خالقه، وبينه وبين إخوانه ~~ومعامليه، لطاب عيشه وخفت مؤونته والمؤونة عليه؛ فإن الله تبارك وتعالى لم ~~يخلق مذاقا أحلى من العدل، ولا أروح على القلوب من الإنصاف، ولا أمر من ~~الظلم، ولا أبشع من الجور. # وقال بعض المتقدمين: " إنما يعرف الظلم من حكم به عليه ". ومن استعمل ~~العدل دله على أن الناس يجدون من طعمه وطعم الظلم إذا فعله بهم مثل الذي ~~يجد إذا ظلم، فكره لهم ما ms069 لنفسه، فأنصف ولم يظلم. # ويتظالم الناس فيما بينهم بالشره والحرص المركب في أخلاقهم، فذلك احتاجوا ~~إلى الحكام - وقد أطلق لهم تصريف أخلاقهم وأماناتهم - التي ردت إليهم ~~بالأحكام فيها، ما جنايته عليهم أكثر مما يطالبهم به الخصوم. PageV01P161 # وقال بعض الحكماء: إن من أصعب الأعمال إنصافك في نفسك، ومواساتك أخاك في ~~مالك، وذكر الله. أما إني لا أعنى قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله - وإن ذلك لم ذكر الله - ولكن ذكره عند ما يعرض من الأمور، فإن كان ~~طاعة لله فعلته، وإن كان معصية لله اجتنبته. # وروي عن بعضهم أنه قال: " ثلاثة في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل ~~لم يعب أخاه بعيب فيه مثله حتى يصلح ذلك العيب من نفسه؛ فإنه لا يصلحه حتى ~~يهجم عاى آخر، فتشغله عيوبه عن عيوب الناس. ورجل لم يقدم يدا ولا رجلا حتى ~~يعلم: أفي طاعة الله هو أم في معصيته؟ ورجل لم يلتمس من الناس إلا مثل ما ~~يعطيهم من نفسه. أما تحبون أن تنصفوا ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله عبدا أنفق الفضل من ماله ~~وأمسك الفضل من قوله، وشغله عيبه عن عيوب الناس ". # وقال عيسى بن مريم: " يا بني إسرائيل أيرى أحدكم القذاة في عين أخيه ~~ويغبى عن الجذع المعترض في عينه ". # وقيل لعيسى بن مريم: ما أفضل أعمالك؟ قال: تركي ما لا يعنينى. # وقال عمرو بن عبيد: أعيتنى ثلاث خلال: تركي ما لا يعنينى، ودرهم من حله، ~~وأخ إذا احتجت إلى ما في يديه بذله لي. PageV01P162 # وما أحق من أحصيت ألفاظه وليس من قول يبدر منه إلا لديه رقيب عتيد، ومن ~~أحصيت عليه مثاقيل الذر واستشهد عليه جلده وجوارحه أن يضبط لسانه. # وقد جاء في بعض الآثار: من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما لا يعنيه. # وكل امرئ فحسيب نفسه، غير مأخوذ بغيره، وهو الوحيد دون الأهل والولد ~~والقرابة. وقال الله جل ثناؤه - وقوله الحق - " كل امرئ بما كسب رهين ms070 ". ~~وقال: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ". # وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا مع السيف والسوط. # وقال بعض الحكماء: شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بالآخر: اللسان والسيف. # وأنت إذا تأملت أكثر ما يتناجى به المتحدثون وجدت أكثر السائلين يسأل عما ~~لا يعنيه، ويكترث لما لا يكرثه، ويعنى بما لا ينفعه ولا يضره؛ وأكثر ~~المجيبين يجيب ولم يسأل، ويتكلف ما لا يعلم، ولو قال له قائل: من سألك ~~لافتضح، ولو حاجه فيما ادعى ووقفه لانقطع. قال الله عز وجل: " قل ما أسألكم ~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ". PageV01P163 # ومر هشام بن عبد الملك ببعض أهل الكلفة والفضول، وعليه حلة ذيالة يسحبها ~~في التراب، فقال له المتكلف: يا هذا، إنك قد أفسدت ثوبك. قال: وما يضرك من ~~ذلك؟ قال: ليتك ألقيته في النار. قال: وما ينفعك من ذلك؟ فأفحمه غاية ~~الإفحام. # ولو تهيأ للمتكلفين في كل وقت مثل صرامة هشام لازدجر من به حياء منهم، ~~ولقلت الفضول والكلف والغيبة. # قالوا: وليس من أحد أذل من مغتاب؛ لأنه يخفي شخصه، ويطامن حسه، ويغض من ~~صوته؛ ولا يزيد بما يناله من ذلك إلا بأن يرفع من قدر خصمه ويعظم من شأنه. # قال معاوية: أتدرى من النبيل؟ هو الذي إذا رأيته هبته، وإذا غاب عنك ~~اغتبته. # وهي لعمري سبيل العظماء عند العوام، والملوك عند الرعية، والسادة عند ~~العبيد. # فلم يأخذ المغتاب ممن اغتابه شيئا بعضيهته إياه إلا والذي أعطى من الهيبة ~~عند حضوره أكثر منه. # ولو كان المغتاب لا يستتر من الغيبة إلا ممن يخاف سطوته، كان أعذر. ولكن ~~اللؤم المتمكن منه يحمله على اغتياب عبده وأمته، فضلا عن كفئه ونظيره. PageV01P164 # ويغتاب الرجل عند عدوه والمشاحن له، مساعدة له بالسخف، وتقربا إليه ~~بالمهانة والضعف، من غير أن يكون له عليه طول، أو يلتمس منه ما تقرب به ~~إليه جزاء أو شكورا. # ثم لعله ينكفي إلى الذي اغتابه وقصبه من ساعته ويومه، فيعطيه في عدوه ~~الذي اغتابه عنده ms071 أيضا مثل ذلك وأكثر منه، لا لعلة أيضا ولا مرفق ولا ربح ~~أكثر من الذلة التي يجدها في نفسه، والضعف في منته، كما يعظم الغني بغير ~~ثمن، ويحتقر الفقير بغير سبب، فمتى كوشف أو عوتب لبسته ذلة أخرى من الكظة ~~بالمعاذر الكاذبة، والاعتصام بالأيمان الفاجرة. ومن كانت هذه دربته فهو حرى ~~أن يطلع على دخلة أمره، فلا يقبل منه عذر، ولا يصق في قول ولا حلف، وقد ~~تسربل الذلة، وتدرع الخضوع. # وليس من سوس النفس الكريمة الشهمة، أن تلقى الناس بخلاف ما يتخلقون به مل ~~لم تأت ضرورة يحتاج فيها إلى كيد وغيلة، أو مكر وحيلة، ويثار بالغيبة فيها ~~الرأي الأصيل من مكانه، فيفعل ذلك العاقل فيما يحل له ويحسن به، بعد أن ~~تعييه الحيلة في استصلاح ذلك العدو بالرفق والملاينة. # وإنما قيل: " قل من اعتذر إلا كذب "، لكثرة النطف في الناس، PageV01P165 ~~وضعف أنفسهم على الإقرار بالذنب، فلا ذلة الضعف الثاني في الاعتذار نهت ~~عن كلفة الضعف الأول في الاغتياب، ولا كلفة الضعف الأول صانت عن ذلة الضعف ~~الثاني. # وعلى أن أكثر من يعتذر إليه ليس بقابل للعذر على حقيقة وإن أظهر القبول، ~~لما جرب من سخاء الناس بالأيمان، وبعدهم من الإقرار بالذنب ما لم تأت حجة ~~واضحة، ودليل شاهد عدل. # وإذا كانت هذه سبيل المعتذر إليه فيحق على المعتذر - إن كانت في نفسه ~~قيمة - أن لا يعتذر إلا إلى من يحب أن يجد له عذرا، ولا يعجل إلى المين وهو ~~لا يجد للحجة مكانا. # وأكثر من يعتذر إليه إنما يفعل ذلك به خوفا من سقطته، وإبقاء لسلطانه. # والمتفقهون يتأولون في الأيمان السلطانية ما يلحق بها عند السلطان ~~التهمة، ويلزمهم الظنة، سيما في الأمور التي في الإقرار بها إباحة الدم ~~والمال، وهتك الستر. # ولا حسم لهذا الداء إلا باطراح الفضول، وسلامة اللسان من أن يلغ في ~~الأعراض، ويستسر بالعضيهة والبهت. PageV01P166 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده ". ومن لم يسلم الناس منه فليس ms072 سالما من نفسه. # وقال القائل: احرس أخاك إلا من نفسه. # وقالوا: مقتل المرء بين فكيه. # وكتب على بعض أبواب المدن بالسند: احفظ رأسك. # وقال الأول: قد تصل النصال إلى الإخوان فتستخرج، وأمثال النصال من القول ~~إذا وصلت إلى القلب لم تستخرج أبدا. # وقال بهرام، وسمع في الليل صوت طائر فتحداه بسهم وهو لا يراه، إلا أنه ~~تتبع الصوت فصرعه، فلما صار بين يديه قال: والطير أيضا لو سكت كان خيرا له! # وقيل: ما شيء أحق بطول سجن من لسان. # وقيل: يسأل اللسان الأعضاء في كل يوم فيقول: كيف أنتن؟ فيقلن: بخير إن ~~تركتنا! PageV01P167 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: " وهل يكب الناس على ~~مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ". # وقال عيسى عليه السلام: " أعمال البر ثلاثة: المنطق، والنظر، والصمت. فمن ~~كان منطقه في غير ذكر الله فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقدسها، ~~ومن كان صمته في غير تفكر فقد لها ". # فانظر بأي الأمرين قطعت عمرك؟ أبالحكمة أم باللغو؟ وانظر كيف وصف الله ~~تعالى من أثنى عليه بخير من عباده فقال: " والذين هم عن اللغو معرضون "، ~~وقال: " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه "، وقال: " وإذا مروا باللغو مروا ~~كراما ". وصان عنه أسماع أهل الجنة وألسنتهم فقال: " لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما سلاما ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العبادة عشرة أجزاء، تسعة منها في ~~الصمت ". # وقال علي بن أبي طالب: " أفضل العبادة الصبر وانتظار الفرج ". PageV01P168 # وقال بعض الحكماء: لو لم يكن للصامت في صمته إلا الكفاية لأن يتكلم بكلام ~~ويحكى عنه محرفا فيضطر إلى أن يقول: ليس هكذا قلت، إنما قلت كذا وكذا. ~~فيكون إنكاره إقرارا، واعترافه بما حكى عنه شاهدا لمن وشى به، وادعاء ~~لتحريف غير مقبول منه إلا أن يأتي ببينة له لكان ذلك من أكثر فضائل الصمت. # وربما ذكر رجل الله تبارك وتعالى، فكان ذلك الذكر إثما له، لأنه قد يدخله ~~في باب تفخيم الذنب الحقير والإغراء ms073 والتحريض، فيسفك الدم الحرام، أو يعظم ~~الجرح الصغير. بل ربما ضحك وتبسم، فأغرى وحرض، وأثم وأوبق. قال بعض ~~الشعراء: # فإن شئت أدلى فيكما غير واحد %~% مجاهرة أو قال عندي في سر # فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما %~% ضحكت له حتى يلج ويستشرى # وقالت العرب: " من كفي شر لقلقه وذبذبه وقبقبه فقد كفي الشر ". # وهذا باب لولا أن نشغل القارئ لهذا الكتاب بغير ما قصدنا إليه وعزمنا ~~عليه لأتينا عليه. وهو كثير موجود لمن طلبه، وجملة واحدة فيها PageV01P169 ~~كفاية؛ فإنما تختلف الألفاظ التي تجعل كسوة لتلك المعاني. وإلا فإنك إذا ~~نظرت إلى جميع شرور الدنيا وجدت أولها كلمة عارت فجنت حربا عونا. كحرب بكر ~~وتغلب ابنى وائل، وعبس وذبيان ابنى بغيض، والأوس والخزرج ابنى قيلة، ~~والفجار الأول والثاني، وعامة حروب العرب والعجم. # وإذا تأملت أخبار الماضين لم تحص عدد من قتله لسانه وكان هلاكه في كلمة ~~بدرت منه. # وليس العجب ممن أفضى بسره إلى من ليس له بموضع، ممن تقدمت معرفته وزالت ~~الشكوك عنه في أمره؛ ولكن العجب عين العجب ممن استنام بسره إلى من لم تقدم ~~معرفته ومن أنس إليه عن اللقاءة واللقاءتين، دون معرفة العين والاسم، ~~والسبب والنسب، فانخدع في أول وهلة وغبن عقله قبل أن يغبن دينه وماله، ~~وتضاعفت عليه البلية بطول الحسرة؛ فإن البلاء عارض ومكتسب، فكان العارض ~~السماوى وما خولته الأقدار سرا بعد اجتهاد صاحبه رأيه، وحيلته في طلب ~~الخير. وصواب تدبيره فيه أسهل وأيسر على العاقل المعتاد للصواب، وإن كان كل ~~مكروه مرا بشعا. وإنما الكرب اللازم والداء العياء ما اجتمع على صاحبه مع ~~الفجيعة والحاجة، والنقص والذلة، غم الندامة والأسف على ما فرط منه؛ إذ كان ~~الجانى على نفسه بيده. PageV01P170 # ولهذا الكلام نظر نكره التطويل به، والمعنى واحد، وإنما نحتاج من هذا ~~ومثله - مما قدمنا ذكره في الكتاب - إلى حفظ السر ووزن القول. وإلى هذا ~~أجرينا، وله قصدنا. # ولو اقتصرنا في هذا الكتاب على حرف مما فيه، لكان بإذن الله كافيا لمن له ms074 ~~لب وعقل، لكن الاحتجاج أوكد، والإيضاح أبلغ، والحظ في هذا القول كله لمن ~~عقله والآخذ به، أوفر منه لمن قاله ولم يعمل بقوله؛ لأنه إنما يجتنى ثمرة ~~الصواب، ويختلف برفقه من صدق قوله بفعله؛ فإن الحكمة قول وعمل، وإنما حظ ~~القائل ما لم يستعمل علمه وقوله حظ الواصفين؛ وحسن الصفة يزول بزوالها، ~~وينقطع بانقطاعها؛ ومدتها - إلى أن يملها القائل والسامع - يسيرة. # والأفعال المحمودة متصلة النفع والشرف والفضيلة في الحياة وبعد الوفاة، ~~ومذخور للأعقاب، وحديث جميل، ونشر باق على مر الجديدين. وأكثر من ذلك كله ~~توفيق الله وتسديده؛ فإن القلوب في يده، والخيرات مقسومات من عنده. وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل. PageV01P171 # تم كتاب كتمان السر من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، بعون الله ~~وتأييده، ومشيئته وتوفيقه. والله الموفق للصواب برحمته. # والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين ~~الطاهرين وسلامه. PageV01P172 ### | الرسالة الرابعة كتاب فخر السودان على البيضان PageV01P173 # بسم الله الرحمن الرحيم # تولاك الله وحفظك، وأسعدك بطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته. # ذكرت - أعاذك الله من الغش - أنك قرأت كتابي في محاجة الصرحاء للهجناء، ~~ورد الهجناء، وجواب أخوال الهجناء، وأني لم أذكر فيه شيئا من مفاخر ~~السودان. فاعلم حفظك الله أني إنما أخرت ذلك متعمدا. # وذكرت أنك أحببت أن أكتب لك مفاخر السودان، فقد كتبت لك ما حضرني من ~~مفاخرهم. # قال الأصمعى: قال الفرز عبد فزارة وكانت في أذنه خربة: إن الوئام يتترع ~~في جميع الطمش: لا يقرب العنز الضأن ما وجدت PageV01P177 ~~الماعز، وتنفر الشاة من المخلب ولا تأنس بالخف. # وأنشد أبو زيد النحوي: # " لولا الوئام هلك الإنسان ". # وقال شداد الحارثي - وكان خطيبا عالما -: قلت لأمة سوداء بالبادية: لمن ~~أنت يا سوداء؟ قالت: لسيد الحضر يا أصلع. قال: قلت أو لست سوداء؟ قالت: أو ~~لست أصلع؟ قلت: ما أغضبك من الحق. قالت: الحق أغضبك، لا تشتم حتى ترهب، ~~ولأن تتركه أمثل. # وقال شداد: لقد كلمتها وأنا أظن أني أفي بأهل نجد، وما نزعت عني إلا وأنا ~~عند نفسي لا ms075 أفي بأمتي. # وقال الأصمعي: قال عيسى بن عمر: قال ذو الرمة: قاتل الله أمة آل فلان ~~السوداء، ما كان أفصحها وأبلغها! سألتها كيف كان المطر عندكم؟ قالت: غثنا ~~ما شئنا. PageV01P178 # مناقب السودان # أن لقمان الحكيم منهم، وهو الذي يقول: ثلاثة لا تعرفهم إلا عند ثلاثة: ~~الحليم عند الغضب، والشجاع عند الخوف، والأخ عند حاجتك. # وقال لابنه: إذا أردت أن تخالط رجلا فأغضبه ذلك، فإن، أنصفك وإلا فاحذره. # ولم يرووا ذلك عنه إلا وله أشياء كثيرة. وأكثر من هذا مدح الله إياه ~~وتسميته الحكيم، وما أوصى به ابنه. # ومنهم: سعيد بن جبير، قتله الحجاج قبل موته بستة أشهر وهو ابن تسع ~~وأربعين سنة، ومات الحجاج وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وكان سعيد أورع الخلق ~~وأتقاهم، وكان أعظم أصحاب ابن عباس. وأصحاب الحديث يطعنون في الذي يجيء من ~~قبل أصحاب ابن عباس حتى يجيء من سعيد بن جبير. وأبوه مولى بني أسد، وهو ~~مولى بني أمية، وقتل يوم قتل والناس يقولون: كلنا محتاج إليه. # ومنهم: بلال الحبشي رضي الله عنه، الذي يقول فيه عمر بن الخطاب PageV01P179 ~~رضي الله عنه: إن أبا بكر سيدنا وأعتق سيدنا، وهو ثلث الإسلام. # ومنهم: مهجع، وهو أول قتيل قتل بين الصفين في سبيل الله. # ومنهم: المقداد، وهو أول من عدا به فرسه في سبيل الله. # ومنهم وحشي قاتل مسيلمة الكذاب. وكان يقول: قتلت خير الناس - يعني حمزة ~~بن عبد المطلب رضي الله عنه - وقتلت شر الناس - يعني مسيلمة الكذاب -. # ومنهم: مكحول الفقيه. # ومنهم: الحيقطان الشاعر، الذي كان يفضل في رأيه وعقله وهمته. وهو الذي ~~يقول في الإخوان: لا تعرف الأخ حتى ترافقه في الحضر، وتزامله في السفر. PageV01P180 # ومنهم: جليبيب الذي تحدثت الرواة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في ~~غزاة فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانا وفلانا. ثم خرج ~~فقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانا وفلانا. ثم خرج فقال: هل تفقدون ~~من أحد؟ قالوا في الثالثة: لا. قال: لكني أفقد ms076 جليبيبا، اطلبوه. فطلبوه بين ~~سبعة قد قتلهم ثم قتل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " قتل سبعة ثم ~~قتلوه. هذا مني وأنا منه ". قال: ثم حمله على ساعديه حتى حفروا له، ما له ~~سرير غير ساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ولم يذكروا غسلا. # ومنهم: فرج الحجام وكان من أهل العدالة، والمقدمين في الشهادة. أعتقه ~~جعفر بن سليمان؛ وذلك أنه خدمه دهرا يصلح شاربه ولحيته ويهيئه، فلم يره ~~أخطأ في قول ولا عمل، فقال: والله لأمتحننه، فإن كان ما أرى منه عن تدبير ~~وقصد لأعتقنه ولأزوجته ولأغنينه. وإن كان على غير ذلك عرفت الصنع فيه. فقال ~~له ذات يوم وهو يحجمه: يا غلام، أتحتجم؟ قال: نعم. قال: ومتى؟ قال: عند ~~الحاجة. قال: وتعرف ذلك؟ قال: أعرف أكثره وربما غلطت. قال: فأي شيء تأكل؟ ~~قال: أما الشتاء PageV01P181 ~~فداكبراه خائرة حلوة. وأما في الصيف فسكباجة حامضة عذبة. فبلغ به جعفر بن ~~سليمان ما قال. وهو الذي يقول فيه أبو فرعون: # خلوا الطريق زوجتي أمامي %~% أنا حميم فرج الحجام # قال: وبلغ من عدالته ونبله في نفسه وتوقيه وورعه، أن مواليه من ولد جعفر ~~وكبار أهل المربد، كانوا لا يطعمون أن يشهده إلا على أمر صحيح لا اختلاف ~~فيه. # وأما الحيقطان فقال قصيدة تحتج بها اليمانية على قريش ومضر، ويحتج بها ~~العجم والحبش على العرب، وكان جرير رآه يوم عيد في قميص أبيض وهو أسود، ~~فقال: PageV01P182 # كأنه لما بدا للناس %~% أير حمار لف في قرطاس # فلما سمع بذلك الحيقطان وكان باليمامة، دخل إلى منزله فقال هذا الشعر: # لئن كنت جعد الرأس والجلد فاحم %~% فإني لسبط الكف والعرض أزهر # وإن سواد اللون ليس بضائري %~% إذا كنت يوم الروع بالسيف أخطر # فإن كنت تبغي الفخر في غير كنهه %~% فرهط النجاشي منك في الناس أفخر # تأبى الجلندي وابن كسرى وحارث %~% وهوذة والقبطي والشيخ قيصر # وفاز بها دون الملوك سعادة %~% فدام له الملك المنيع الموفر # ولقمان منهم وابنه وابن أمه %~% وأبرهة الملك الذي ليس ينكر # غزاكم ms077 أبو يكسوم في أم داركم %~% وأنتم كقبص الرمل أو هو أكثر PageV01P183 # وأنتم كطير الماء لما هوى لها %~% ببلقعة، حجن المخالب أكدر # فلو كان غير الله رام دفاعه %~% علمت وذو التجريب بالناس أخبر # وما الفجر إلا أن تبيتوا إزاءه %~% وأنتم قريب ناركم تتسعر # ويدلف منكم قائد ذو حفيظة %~% نكافحه طورا وطورا يدبر # فأما التي قلتم فتلكم نبوة %~% وليس بكم صون الحرام المستر # وقلتم لقاح لا نؤدي إتاوة %~% فإعطاء أريان من الفر أيسر # ولو كان فيها رغبة لمتوج %~% إذا لأتتها بالمقاول حمير # وليس بها مشتى ولا متصيف %~% ولا كجؤاثا ماؤها يتفجر PageV01P184 # ولا مرتع للعين أو متقنص %~% ولكن تجرا، والتجارة تحقر # ألست كليبيا وأمك نعجة %~% لكم في سمان الضان عار ومفخر # أما قوله: # تأبى الجلندى وابن كسرى وحارث %~% وهوذة والقبطى والشيخ قيصر # فإنه يقول: كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني الجلندي فلم يؤمنوا ~~وكذلك كسرى، وكذلك الحارث بن أبي شمر، وكذلك هوذة بن علي الحنفي، وكذلك ~~المقوقس عظيم القبط صاحب الإسكندرية، وكذلك قيصر ملك الروم. على أن بني ~~الجلندي قد أسموا من بعد ذلك الكتاب، ولكن النجاشي أسلم قبل الفتح، فدام له ~~ملكه ونزع الله من هؤلاء النعمة. وقيصر إن كان قد بقي من ملكه شيء فقد ~~أخرجوه من كل مكان يبلغه ظلف أو حافر، وصار لا يتمنع إلا بالخليج وبالعقاب ~~والحصون وبالشتاء والثلوج والأمطار. # وفخر بلقمان وابنه. # وأما قوله: # غزاكم أبو يكسوم في أم داركم %~% وأنتم كقبص الرمل أو هو أكثر PageV01P185 # فإنه يعنى صاحب الفيل حين أتى ليهدم الكعبة. يقول: كنتم في عدد الرمل، ~~فلم فررتم منه ولم يلقه أحد منكم حتى أفضى إلى مكة، ومكة أم القرى، ودار ~~العرب، هي جزيرة العرب ومكة قرية من قراها، ولكن لما كانت أقدمها قدما، ~~وأعظمها خطرا، جعلت لها أما. ولذلك قيل لفتح مكة: فتح الفتوح. وعلى مثل ذلك ~~سميت فاتحة الكتاب: أم الكتاب # والعرب قد تجعل الشىء أم ما لم يلد. من ذلك ~~قولهم: ضربه على أم رأسه، وكذلك أم الهاوية. والضيف ms078 يسمى ربة منزله أم ~~مثواي. # وقال أعرابي وقد أصابته براغيث عند امرأة كان نزل بها: # يا أم مثواى عدمت وجهك %~% أنقذنى رب العلا من مصرك # ولذع برغوث أراه مهلكى %~% أبيت ليلي دائب التحكك # تحكك الأجراب عند المبرك # وقد أبان الله تعالى مكة والبيت حين قال: " إن أول بيت وضع للناس للذي ~~ببكة مباركا وهدى للعالمين ". PageV01P186 # يقول: فإذا غزيت - وهي أم القرى وفيها البيت الحرام الذي هو شرفكم - فقد ~~غزي جميعكم. # وأما قوله: # وأما التي قلتم فتلكم نبوة %~% وليس بكم صون الحرام المستر # وقلتم لقاح لا نؤدى إتاوة %~% فإعطاء أريان من الفر أيسر # فاللقاح: البلد الذي لا يؤدى إلى الملوك الأريان. والأريان: هو الخراج، ~~وهو الإتاوة. وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص: # أبوا دين الملوك فهم لقاح %~% إذا ندبوا إلى حرب أجابوا # قال: فقلتم إنا لقاح ولسنا نؤدي الخراج والأريان. # قال: فإعطاء الخراج أهون من الفرار وإسلام الدار وأنتم مثل عدد من جاءكم ~~المرار الكثيرة. # وأما قوله: # وليس بها مشتى ولا متصيف %~% ولا كجؤاثا ماؤها يتفجر # يقول: ليس في الغلبة على مكة رغبة، ولولا ذلك لغزاها أهل اليمن وغيرهم. ~~وليس بها مشتى ولا متصيف؛ لأنهم يتبردون بالطائف ويتدفون بجدة. وجؤاثا: عين ~~بالبحرين. وليس بمكة شيء يدانى ذلك. PageV01P187 # وقال: # ولا مرتع للعين أو متقنص %~% ولكن تجرا والتجارة تحقر # يقول: ليس بها متنزهات، وصيدها حرام، وإنما بها تجار والتجار يحقرون. ~~يقول: هم عند الناس في حد الضعف ولا يستجيز ملك أخذ الذي به يتعيشون، ولا ~~يكون ما يؤخذ منهم يقوم بنوائب الملوك، وهم قوم ليس عندهم امتناع. ولذلك ~~يقول الشاعر معاوية بن أوس، وهو جاهلي: # وزق سبأت لدى متجر %~% أسيود كالرجل الأسحم # ضربت بفيه على نحره %~% وقائمه كيد الأجذم # إلى التاجر العربي الشحي %~% ح أو خمر ذي النطف الطمطم # أراد بهذا كله قريشا. يقول: هم تجار وقد اعتصموا بالبيت، وإذا خرجوا ~~علقوا عليهم المقل ولحاء الشجر حتى يعرفوا فلا يقتلهم أحد. PageV01P188 # وأما قوله: # ألست كليبيا وأمك نعجة %~% لكم في سمان الضأن عار ومفخر ms079 # فإن بنى كليب يرمون بإتيان الضأن، وكذلك بنو الأعرج، وسليم. وأشجع ترمى ~~بإتيان المعز. # وقال النجاشي: # ولو شتمتنى من قريش قبيلة %~% سوى ناكة المعزى سليم وأشجع # وقال الفرزدق: # ولست مضحيا ما دمت حيا %~% بشاة من حلوبة أعرجى # فما أدري إذا أنفقت مالي %~% لعل الشاة تبقر عن صبي # وقال الآخر: # إذا أحببت أن تغلى أتانا %~% فدل الدرامي على شراها # ويقبل ظهرها ويكاد لولا %~% قحول الظهر يدنو من قفاها # وود الدرامى لو أن فاه %~% إذا نال الحمارة نال فاها # وقال عبد بن رشيد: # قبيلة سوء خيرهم مثل شرهم %~% ترى منهم للضأن فحلا وراعيا # إذا جليت فيهم عروس لبعلها %~% ترى النعجة البقعاء أبكى البواكيا PageV01P189 # ولذلك قال الأخطل: # فانعق بضأنك يا جرير فإنما %~% منتك نفسك في الخلاء ضلالا # ولذلك قال الحيقطان: # ألست كليبيا وأمك نعجة %~% لها في سمان الضأن عار ومفخر # أما العار فالذي شاع عليهم من ذكر النعاج. وأما المفخر يقول: إذا فخروا ~~فخروا بالشاء، ولا يبلغون إلى حد الإبل. # ومن مفاخر السودان والزنج والحبش مع ما ذكرنا من قصيدة الحيقطان، أن جرير ~~بن الخطفى لما هجا بنى تغلب وقال: # لا تطلبن خؤولة في تغلب %~% فالزنج أكرم منهم أخوالا # غضب سنيح بن رباح شار، فهجا جريرا، وفخر عليه بالزنج فقال: # ما بال كلب من كليب سبنا %~% أن لم يوازن حاجبا وعقالا PageV01P190 # إن امأ جعل المراغة وابنها %~% مثل الفرزدق جائر قد فالا # والزنج لو لاقيتهم في صفهم %~% لاقيت ثم جحاجحا أبطالا # فسل لبن عمرو حين رام رماحهم %~% أرأى رماح الزنج ثم طوالا # فجعوا زيادا بابنه وتنازلوا %~% لكما دعوا لنزال ثم نزالا # ومربطين خيولهم بفنائهم %~% وربطت حولك شيها وسخالا # كان ابن ندبة فيكم من نجلنا %~% وخفاف المحمل الأثقالا # وابنا زبيبة: عنتر وهراسة %~% ما إن نرى فيكم لهم أمثالا # سل ابن جيفر حين رام بلادنا %~% فرأى بغزوتهم عليه خبالا # وسليك الليث الهزبر إذا عدا %~% والقرم عباس علوك فعالا # هذا ابن خازم ابن عجلى منهم %~% غلب القبائل نجدة ونوالا # أبناء كل نجيبة لنجيبة %~% أسد تربب عندها الإشبالا ms080 # فلنحن أنجب من كليب خؤولة %~% ولأنت ألأم منهم أخوالا # وبنو الحباب مطاعن ومطاعم %~% عند الشتاء إذا تهب شمالا PageV01P191 # أما ابن عمرو الذي ذكر، فهو حفص بن زياد بن عمرو العتكى، كان خليفة أبيه ~~على شرطة الحجاج، فغلب رباح شار الزنجى على الفرات، فتوجه إليه حفص بن زياد ~~فقتله رباح وقتل أصحابه واستباح عسكره. # وأما ابن جيفر فهو النعمان بن جيفر بن عباد بن جيفر بن الجلندى. كان غزا ~~بلاد الزنج فقتلوه وغنموا عسكره. # ثم ذكر أبناء الزنجيات حين نزعوا إلى الزنج في البسالة والأنفة. فذكر ~~خفاف بن ندبة، وعباس بن مرداس، وابنى شداد: عنترة الفوارس وأخاه هراسة، ~~وسليك بن السلكة. فهؤلاء أسد الرجال، وأشدهم قلوبا وأشجعهم بأسا، وبهم يضرب ~~المثل. # ومنهم: عبد الله بن خازم السلمى، وبنو الحباب: عمير بن الحباب وإخواته. # وكان أيضا منهم: الجحاف بن حكيم. # وهم أيضا يفخرون برباح أخى بلال وحاله وصلاحه. # ويفخرون بعامر بن فهيرة، بدرى استشهد يوم بئر معونة، فرآه الناس قد رفعه ~~الله بين السماء والأرض، فليس له في الأرض قبر. PageV01P192 # ومنهم: آل ياسر. # قالوا: ومنا الغداف صاحب عبيد الله بن الحر. لم يكن في الأرض أشد منه؛ ~~كان يقطع على القافلة وحده بما فيها من الحماة والخفراء. # وكعبويه صاحب المغيرة بن الفزر، كان مثلا في الشجاعة. # ويقولون: ومنا مربح الأشرم، غلام أبى بحر القائد، الذي كان قدم من الشام ~~أيام قتيبة بن مسلم، وكان لا يرام لقاؤه، وأمره مشهور. # قالوا: ومنا المغلول وبنوه، وهم من الخول، ليس في الأرض أعرف ولا أثقف ~~ولا أعلم بالبادية منهم. # قالوا: ومنا أفلح، الذي قطع على القوافل بخراسان وحده عشرين سنة. قالوا: ~~وإنما قتله مالك بن الريب، لأنه وطئه في جوف الليل وهو سكران خائر. والشاهد ~~على قولنا قول ابنه: # أمالك لولا السكر أيقنت أنه %~% أخو الورد أو يربى على الأسد الورد # قالوا: ونحن قد ملكنا بلاد العرب من لدن الحبشة إلى مكة، PageV01P193 ~~وجرت أحكامنا في ذلك أجمع. وهزمنا ذا نواس، وقتلنا أقيال حمير. وأنتم لم ms081 ~~تملكوا بلادنا. وقد قال شاعركم: # وخرب غمدانا وهدم سقفه %~% رياط بأجناد وصولته هصر # أطافت به الأحبوش ليلا فقوضوا %~% بنا شده الأقيال في سالف الدهر # بجمع من اليكسوم سود كأنهم %~% أسود الشرى اجتابت جلودا من النمر # قالوا: ومنا كباجلا، لم يصعد نهر سليمان ولا قاتل في المخارجات أحد قط ~~يشبهه. PageV01P194 # قالوا: ومنا الأربعون الذين خرجوا بالفرات أيام سوار بن عبد الله القاضي، ~~فأجلوا أهل الفرات عن منازلهم، وقتلوا من أهل الأبلة مقتلة عظيمة. # قالوا: ومنا الذي ضرب عنق عيسى بن جعفر بعمان، بمنجل بحراني، بعد أن لم ~~يجسر عليه أحد. # قالوا: والناس مجمعون على أنه ليس في الأرض أمة السخاء فيها أعم، وعليها ~~أغلب من الزنج. وهاتان الخلتان لم توجدا قط إلا في كريم. # وهي أطبع الخلق على الرقص الموقع الموزون، والضرب بالطبل على الإيقاع ~~الموزون، من غير تأديب ولا تعليم. # وليس في الأرض أحسن حلوقا منهم. وليس في الأرض لغة أخف على اللسان من ~~لغتهم، ولا في الأرض قوم أذرب ألسنة، ولا أقل تمطيطا منهم. # وليس في الأرض قوم إلا وأنت تصيب فيهم الأرت والفأفاء والعيى، ومن في ~~لسانه حبسة، غيرهم. # والرجل منهم يخطب عند الملك بالزنج من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فلا ~~يستعين بالتفاتة ولا بسكتة حتى يفرغ من كلامه. # وليس في الأرض أمة في شدة الأبدان وقوة الأسر أعم منهم فيهما. وإن الرجل ~~ليرفع الحجر الثقيل الذي تعجز عنه الجماعة من الأعراب وغيرهم. وهم شجعاء ~~أشداء الأبدان أسخياء. وهذه هي خصال الشرف. PageV01P195 # والزنجي مع حسن الخلق وقلة الأذى، لا تراه أبدا إلا طيب النفس، ضحوك ~~السن، حسن الظن. وهذا هو الشرف. # وقد قال ناس: إنهم صاروا أسخياء لضعف عقولهم، ولقصر روياتهم، ولجهلهم ~~بالعواقب. # فقلنا لهم: بئس ما أثنيتم على السخاء والأثرة، وينبغى في هذا القياس أن ~~يكون أوفر الناس عقلا وأكثر الناس علما أبخل الناس بخلا وأقلهم خيرا. # وقد رأينا الصقالبة أبخل من الروم، والروم أبعد روية وأشد عقولا. وعلى ~~قياس قولكم أن قد كان ينبغى أن ms082 تكون الصقالبة أسخى أنفسا وأسمح أكفا منهم. # وقد رأينا النساء أضعف من الرجال عقولا، والصبيان أضعف عقولا منهم، وهم ~~أبخل من النساء، والنساء أضعف عقولا من الرجال. ولو كان العقل كلما أشد كان ~~صاحبه أبخل، كان ينبغي أن يكون الصبي أكرم الناس خصالا. ولا نعلم في الأرض ~~شرا من صبي: هو أكذب الناس وأنم الناس، وأشره الناس وأبخل الناس، وأقل ~~الناس خيرا وأقسى الناس قسوة. # وإنما يخرج الصبي من هذه الخلال أولا فأولا، على قدر ما يزداد من العقل ~~فيزداد من الأفعال الجميلة. PageV01P196 # فكيف صار قلة العقل هو سبب سخاء الزنج، وقد أقررتم لهم بالسخاء ثم ادعيتم ~~ما لا يعرف. وقد وقفناكم على إدحاض حجتكم في ذلك بالقياس الصحيح. # وهذا القول يوجب أن يكون الجبان أعقل من الشجاع، والغادر أعقل من الوفى. ~~وينبغى أن يكون الجزوع أعقل من الصبور. فهذا ما لا حجة فيه لكم، بل ذلك هبة ~~في الناس منالله. والعقلهبة، وحسن الخلق هبة، والسخاء والشجاعة كذلك. # وقد قالت الزنج للعرب: من جهلكم أنكم رأيتمونا لكم أكفاء في الجاهلية في ~~نسائكم، فلما جاء عدل الإسلام رأيتم ذلك فاسدا، وما بنا الرغبة عنكم. مع أن ~~البادية منا ملأى ممن قد تزوج ورأس وساد، ومنع الذمار، وكنفكم من العدو. # قال: وقد ضربتم بنا الأمثال وعظمتم أمر ملوكنا، وقدمتموهم في كثير من ~~المواضع على ملوككم. ولو لم تروا الفضل لنا في ذلك عليكم لما فعلتم. # وقال النمر بن تولب: # أتى ملكه ما أتى تبعا %~% وأبرهة الملك الأعظما # فرفعه على ملوك قومه. PageV01P197 # وقال لبيد بن ربيعة: # لو كان حي في الحياة مخلدا %~% في الدهر أدركه أبو يكسوم # وهذا شيء من وصف الفضل لم يوصف أحد بمثله. # قالوا: ومما قدمتم به ملوكنا على ملوككم قوله: # غلب الليالى خلف آل محرق %~% وكما فعلن بتبع وبهرقل # وغلبن أبرهة الذي ألفيته %~% قد كان خلد فوق غرفة موكل # فقدم أبرهة وأراد التسوية. # قالوا: ومن الحبشة عكيم الحبشى، وكان أفصح من العجاج. وكان علماء أهل ~~الشام يأخذون عنه كما ms083 أخذ علماء أهل العراق من المنتجع بن نبهان. # وكان المنتجع سنديا في أذنه خربة، وقع إلى البادية وهو صبي، فخرج أفصح من ~~رؤبة. PageV01P198 # ولما قال حكيم بن عياش الكلبى: # لا تفخرن بخال من بنى أسد %~% فإن أكرم منها الزنج والنوب # اعترض عليه عكيم الحبشى، فقال: # ويوم غمدان كنا الأسد قد علموا %~% ويوم يثرب كنا فحلة العرب # وليلة الفيل إذ طارت قلوبهم %~% وكلهم هارب موف على قتب # منا النجاشى وذو العقصين صهركم %~% وجد أبرهة الحامى أبي طلب # هبنى غفرت لعدنان تهكمهم %~% فما لحمير والمقوال في النسب # حمارة جمعت من كل محربة %~% جمع الشبيكة نون الزاخر اللجب PageV01P199 # غمدان: حصن كان ينزله الملك الذي يكون على اليمن، وكان عجميا، فلما ملكت ~~الحبشة اليمن أخربته إلا بقايا هدمها عثمان بن عفان رضي الله عنه في ~~الإسلام. وقال: " ينبغى لمآثر الجاهلية أن تمحى ". وكان في الحصن مصنعة ~~عليها قبة من طلق، وفيها يقول خلف الأحمر: # ومصنعة الطلق أودى بها %~% عوادى الأحابيش بالصيدن # وفيها يقول قدامة حكيم المشرق، وكان صاحب كيمياء: # فأوقد فيها ناره ولو أنها %~% أقامت كعمر الدهر لم تتصرم # لأن الطلق لو أوقد عليه ألف عام لم يسخن. وبه يتطلى النفاطون إذا أرادوا ~~الدخول في النار. # وقال لبيد: # أصاح ترى بريقا هب وهنا %~% كمصباح الشعيلة في الذبال # أرقت له وأنجد بعد هدء %~% وأصحابى على شعب الرحال # يضىء ربابه في المزن حبشا %~% قياما بالحرب وبالإلال PageV01P200 # وقال ذلك لبيد لأنهم إذا أقبلوا بحرابهم ورماحهم وقسيهم وسيوفهم، ~~وراياتهم، وخيولهم وفيولهم، مع سواد ألوانهم وضخم أبدانهم رأيت هولا لم تر ~~مثله ولم تسمع به، ولم تتوهمه. # وأما قوله: # ويوم يثرب كنا فحلة العرب. # فإن مسرف بن عقبة المري، حين كان أباح المدينة، زعموا أنه قد كان هناك ~~أمر قبيح من السودان والجند، وفي ذلك يقول شاعر من شعراء مضر: # فسائل مسرف المرى عنكم %~% غداة أباح للجند العذارى # فمازجكم على حنق زنوج %~% وفز الشام كالأسد الضواري # ودافع وهرز والرس عنكم %~% ورأس الحبش يحكم في ذمار # فأفسد نسلكم بسواد لون ms084 %~% وأير مثل غرمول الحمار PageV01P201 # فذكر إباحة الحبش لليمن كما ذكر إباحة مسرف للمدينة. # وأما قوله: # حمارة جمعت من كل محزوة %~% جمع الشبيكة نون الزاحر اللجب # فإنه ذهب إلى ما تقوله الرواة أن حمير كانت حمارة. # وأما الشبيكة فأراد الشبكة. # وقال السودان: فهذا الفضل فينا، ولم يصل النبي صلى الله عليه وسلم قط إلا ~~على جنازة أو قبر، إلا النجاشى فإنه صلى عليه وهو بالمدينة وقبر النجاشي ~~بالحبشة. # قالوا: والنجاسي هو كان زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ودعا خالد بن سعيد فجعله وليها، وأصدق عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أربعمائة دينلر. # قالوا: وثلاثة أشياء جاءتكم من قبلنا. منها الغالية، وهي أطيب الطيب ~~وأفخره وأكرمه. ومنها النعش وهو أستر للنساء وأصون للحرم. ومنها المصحف، ~~وهو أوقى لما فيه وأحصن له، وأبهى وأهيأ. PageV01P202 # قالوا: ونحن أهول في الصدور وأملأ للعيون، كما أن المسودة أهول في العيون ~~وأملأ للصدور من المبيضة، وكما أن الليل أهول من النهار. # قالوا: والسواد أبدا أهول. وإن العرب لتصف الإبل فتقول: الصهب سرع، ~~والحمر غزر، والسود بهي. فهذا في الإبل. # قالوا: ودهم الخيل أبهى وأقوى، والبقر السود أحسن وأبهى، وجلودها أثمن ~~وأنفع وأبقى. والحمر السود أثمن وأحسن وأقوى. وسود الشاء أدسم ألبانا وأكثر ~~زبدا، والدبس أغزر من الحمر. # وكل جبل وكل حجر إذا كان أسود كان أصلب صلابة وأشد يبوسة. والأسد الأسود ~~لا يقوم له شيء. # وليس من التمر أحلى حلاوة من الأسود، ولا أعم منفعة ولا أبقى على الدهر. ~~والنخيل أقوى ما تكون إذا كانت سود الجذوع. PageV01P203 # وجاء: " عليكم بالسواد الأعظم ". وقال الأنصاري: # أدين وما ديني علي بمغرم %~% ولكن على الشم الطوال القراوح # على كل خوار كأن جذوعها %~% طلين بقار أو بدم ذبائح # قالوا: وأحسن الخضرة ما ضارع السواد. قال الله جل وعلا: " ومن دونهما ~~جنتان "، ثم قال لما وصفهما وشوق إليهما: " مدهمتان " قال ابن عباس: ~~خضراوان من الري سوداوان. # وليس في الأرض عود أحسن خشبا ولا أغلى ثمنا، ولا ms085 أثقل وزنا ولا أسلم من ~~القوادح، ولا أجدر أن ينشب فيه الخط من الآبنوس. ولقد بلغ من اكتنازه ~~والتئامه وملوسته وشدة تداخله، أنه يرسب في الماء PageV01P204 ~~دون جميع العيدان والخشب. ولقد غلب بذلك بعض الحجارة؛ إذ صار يرسب وذلك ~~الحجر لا يرسب. # والإنسان أحسن ما يكون في العين ما دام أسود الشعر. وكذلك شعورهم في ~~الجنة. # وأكرم ما في الإنسان حدقتاه؛ وهما سوداوان. وأكرم الأكحال الإثمد، وهو ~~أسود. ولذلك جاء أن الله يدخل جميع المؤمنين الجنة جردا مردا مكحلين. # وأنفع ما في الإنسان له كبده التي بها تصلح معدته، وينهضم طعامه، وبصلاح ~~ذلك قام بدنه؛ والكبد سوداء. # وأنفس ما في الإنسان وأعزه سويداء قلبه، وهي علقة سوداء تكون في جوف ~~فؤاده، تقوم في القلب مقام الدماغ من الرأس. # ومن أطيب ما في المرأة وأشهاه شفتاها للتقبيل، وأحسن ما يكونان إذا ~~ضارعتا السواد. # وقال ذو الرمة: # لمياء في شفتيها حوة لمس %~% وفي اللثات وفي أنيابها شنب # وأطيب الظل وأبرده ما كان أسود. وقال الراجز: # " سود غرابيب كأظلال الحجر ". PageV01P205 # وقال حميد بن ثور: # ظللنا إلى كهف وظلت ركابنا %~% إلى مستكفات لهن غروب # إلى شجر ألمى الظلال كأنه %~% رواهب أحرمن الشراب عذوب # وجعل الله الليل سكنا وجماما، والنهار للكسب والكد. # والذي يدل على أن السواد في وجه آخر مقرون بالشدة والصرامة، والهيج ~~والحركة، انتشار الحيات والعقارب وشدة سمومها بالليل، وهيج السباع ~~واستكلابها بالليل. وتحرك الأوجاع وظهور الغيلان، هذه كلها بالليل. # قال: وأشبهنا الليل من هذا الوجه. # قالوا: وأبلغ ما تكون القائلة وأشفاها للنفس، وأسرع لمجيئها إذا أردتها، ~~وأبطأ لذهابها إذا كرهتها، ما كان منها في الظلمة، عند إسبال الستور وإغلاق ~~الأبواب. # قالوا: وليس لون أرسخ في جوهره وأثبت في حسنه من سواد. # وقد جرى المثل في تبعيد الشيء: " لا ترى ذلك حتى يبيض القار، وحتى يشيب ~~الغراب ". PageV01P206 # وهو العرض الملاء عند الحكماء. # وأكرم العطر المسك والعنبر، وهما أسودان. # وأصلب الأحجار سودها. وقال أبو دهبل الجمحي يمدح الأزرق المخزومي، وهو ~~عبد الله بن عبد ms086 شمس بن المغيرة: # فإن شكرك عندي لا انقضاء له %~% ما دام بالجزع من لبنان جلمود # أنت الممدح والمغلى به ثمنا %~% إذ لا يعاتب صخر الجندل السود # والعرب تفخر بسواد اللون. فإن قال: فعلام ذلك وهي تقول: فلان هجان، وأزهر ~~وأبيض، وأغر؟ قلنا: ليس تريد بهذا بياض الجلد، إنما تريد به كرم الجوهر ~~ونقاءه. وقد فخرت خضر محارب بأنها سود، والسود عند العرب الخضر. وقال ~~الشماخ بن ضرار: # وراحت رواحا من زرود فنازعت %~% زبالة جلبابا من الليل أخضرا PageV01P207 # وقال الراجز: # حتى انتضاني الصبح من ليل خضر %~% مثل انتضاء البطل السيف الذكر # وهم يسمن الحديد أخضر لأنه صلب؛ لأن الأخضر أسود. # وقال الحارث بن حلزة: # إذ رفعنا الجمال من سعف البح %~% رين سيرا حتى نهاها الحساء # فهزمنا جمع ابن أم قطام %~% وله فارسة خضراء # وقال المحاربي وهو يفخر بأنه من الخضر: # في خضر قيس نماني كل ذي فخر %~% صعب المقادة آبي الضيم شعشاع # وبنو المغيرة خضر بني مخزوم. قال عمر بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي ~~ويقال إنها للفضل بن العباس اللهبي: # وأنا الأخضر من يعرفني %~% أخضر الجلدة في بيت العرب # من يساجلني يساجل ماجدا %~% يملأ الدلو إلى عقد الكرب PageV01P208 # وخضر غسان بنو جفنة الملوك؛ قال الغساني: # إن الخضارمة الخضر الذين ودوا %~% أهل البريص نماني منهم الحكم # وقد ذكر حسان أو غيره الخضر من بني عكيم حين قال: # ولست من بني هاشم في بيت مكرمة %~% ولا بني جمح الخضر الجلاعيد # قالوا: وكان ولد عبد المطلب العشرة السادة دلما ضخما، نظر إليهم عامر بن ~~الطفيل يطوفون كأنهم جمال جون، فقال: بهؤلاء تمنع السدانة. # وكان عبد الله بن عباس أدلم ضخما. وآل أبي طالب أشرف الخلق، وهم سود وأدم ~~ودلم. PageV01P209 # قالوا: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بعثت إلى الأحمر والأسود ". # وقد علمت أنه لا يقال للزنج والحبشة والنبة بيض ولا حمر، وليس لهم اسم ~~إلا السود. # وقد علمنا أن الله عز وجل بعث نبيه إلى الناس كافة، وإلى العرب والعجم ~~جميعا. فإذا قال: ms087 " بعثت إلى الأحمر والأسود " ولسنا عنده حمر ولا بيض، فقد ~~بعث إلينا؛ فإنما عنانا بقوله " الأسود ". ولا يخرج الناس من هذين الاسمين، ~~فإن كانت العرب من الأحمر، فقد دخلت في عداد الروم والصقالبة، وفارس ~~وخراسان. وإن كانت من السود، فقد اشتق لها هذا الاسم من اسمنا. وإنما قيل ~~لهم وهم أدم وسمر سود، حين دخلوا معنا في جملتنا، كما يجعل العرب الإناث من ~~الذكور ذكورا. # وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمأن الزنج والحبشة والنوبة ليسوا ~~بحمر ولا بيض، وأنهم سود، وقد بعثه الله تعالى إلى الأسود والأحمر، فقد ~~جعلنا والعرب سواء، ونكون نحن السود دونهم. فإن كان اسم أسود وقع علينا ~~فنحن السودان الخلص، والعرب أشباه الخلص. فنحن المتقدمون في الدعوة. وإذا ~~كان اسمهم محمولا على اسمنا؛ إذ كنا وحدنا يقال لنا سود، ولا يقال لهم سود ~~إلا أن يكونوا معنا. # قالوا: وأنتم ترون كثرة العدد مجدا، ونحن أكثر الناس عددا وولدا. PageV01P210 # قالوا: ونحن صنفان: النمل والكلاب. # قالوا: ولو عدلتم بالنمل العرب كلها لأربت عليها. فكيف إذا قرنت إليها ~~الكلاب؟ ثم كيف إذا ضممتم إليها الحبشة والنوبة وفزان ومرو وزغاوة وغير ذلك ~~من أنواع السودان؟ وليست قحطان من عدنان في شيء. ونحن بالحبشة أشبه، ~~وأرحامنا بهم أمس من عدنان بقحطان. وإن ذكرتم اختلاف اللغات؛ فإن لغة عجز ~~هوازن، وقد تختلف اللغات والأصل واحد، وقد تتفق والنجر مختلف. ومن دخل ~~أوائل خراسان وأواخرها، وأوائل الجبال وفارس وأواخها، علم أن اللغات قد ~~تختلف لاختلاف طبائع البلدان والأصل واحد. # قالوا: وأنتم لم تروا الزنج الذين هم الزنج قط، وغنما رأيتم السبي يجيء ~~من سواحل قنبلة وغياضها وأوديتها، ومن مهنتنا وسفلتنا وعبيدنا، وليس لأهل ~~قنبلة جمال ولا عقول. وقنبلة: اسم الموضع الذي ترفون منه سفنكم إلى ساحله. ~~لأن الزنج ضربان: قنبلة ولنجوية، كما أن العرب ضربان: PageV01P211 ~~قحطان وعدنان. وأنتم لم تروا من أهل لنجوية أحدا قط، لا من السواحل ولا ~~من أهل الجوف، ولو رأيتموهم نسيتم الجمال والكمال. # فإن قلتم: وكيف ونحن ms088 لم نر زنجيا قط له عقل صبي أو امرأة؟ # قلنا لكم: ومتى ~~رأيتم من سبي السند والهند قوما لهم عقول وعلم وأدب وأخلاق حتى تطلبوا ذلك ~~فيما سقط إليكم من الزنج. وقد تعلمون ما في الهند من الحساب وعلم النجوم ~~وأسرار الطب، والخرط والنجر، والتصاوير والصناعات الكثيرة العجيبة، فكيف لم ~~يتفق لكم مع كثرة ما سبيتم منهم واحد على هذه الصفة، أو بعشر هذه الصفة؟ # فإن قلتم: أهل الشرف والعقل والعلم إنما ينزلون الواسطة، وبقرب دار الملك، ~~وهؤلاء حاشية وأعلاج وأكرة، ونزال السواحل والآجام والفيوض والجزائر، من ~~أكار ومن صياد. # قلنا: وذلك من رأيتم ومن لم تروا منا. وجوابنا هو جوابكم لنا. # قالوا: ولو أن الزنجي والزنجية إذا تناكحا بقيت أولادهما بعد الحيض ~~والاحتلام ببلاد العراق، كانوا قد غلبوا على الدار بالعدد والجلد، والعلم ~~والتدبير، ولكن ولد الهندي والهندية، والرومي والرومية، والخراساني ~~والخراسانية، يبقون فيكم وفي بلادكم كبقاء آبائهم وأمهاتهم، ولا يبقى ولد PageV01P212 ~~الزنجيين بعد الحيض والاحتلام. على أنا لا نصيب في عشرة آلاف، واحد يبلغ ~~ما ذكرنا، إلا أن يضرب الزنجي في غير الزنجيات، والزنجية في غير الزنج. ~~ولولا أن الزنجي والزنحية قليلا ما يريدان من الغرائب والغرباء، لكنا على ~~حال سنرى لرجال الزنج نسلا كثيرا. ولكن الزنجية لا تكاد تنشط لغير الزنجي. # قالوا: وكذلك البيضان منكم، لا يكادون ينشطون لطلب النسل من الزنجيات. ~~والزنجية أيضا من الزنجي أسرع لقاحا منها من الأبيض. # قالوا: وأنتم لا تكادون تعدن ممن ولد له من صلبه مائة ولد إلا أن يكون ~~خليفة، فيكون ذلك لكثرة الطروقة، ولا تجدون ذلك في سائركم. والزنج لا ~~تستكثر هذا ولا تستعظمه؛ لكثرته في بلادهم، لأن الزنجية تلد نحوا من خمسين ~~بطنا في نحو خمسين عاما، في كل بطن اثنين، فيكون ذلك أكثر من تسعين. لأنه ~~يقال إن النساء لا يلدن إذا بلغن الستين إلا ما يحكى عن نساء قريش خاصة. # والزنج أحرص من خلق الله على نسائهم، ونساؤهم لهم كذلك، وهن أطيب من ~~غيرهن. # قالوا: فتأملوا ms089 قولنا واحتجاجنا؛ فإنا قد روينا الأخبار وقلنا الأشعار، ~~وعرفناكم وعرفنا الأمم. PageV01P213 # وقد كان الفرزدق أعلم الناس بالنساء، وكان جرب الأجناس كلها فلم يجد ~~مثلهن، ولذلك تزوج أم مكية الزنجية وأقام عليها، وترك النساء، للذي وجد ~~عندها. وفي ذلك قال: # يا رب خود من بنات الزنج %~% تمشي بتنور شديد الوهج # أختم مثل القدح الخلنج # وكانت دنانير بنت كعبوية الزنجي عند أعشى سليم، وكانت شديدة السواد، ~~فرآها يوما وقد خضبت يديها بالحناء، واكتحلت بالإثمد، فقال: # تخضب كفا بتكت من زندها %~% فتخضب الحناء من مسودها # كأنها والكحل في مرودها %~% تكحل عينيها ببعض جلدها # فلما سمعت ذلك قالت: # وأقبح من لوني سواد عجانه %~% على بشر كالقلب أو هو أنصع # فسموه أسود، وصاح به الصبيان فطلقها. وقد كان صبيحة عرسها قال: # إن الدنانير تكون سودا. PageV01P214 # فقالت: # بياض الرأس أقبح من سوادي %~% وشيب الحاجبين هو الفضوح # فأمسك عنها حينا ثم عاودها، فلما فضحته طلقها. # قالوا: وإن نظر البضان إلى نساء السودان بغير عين الشهوة فكذلك السودان ~~في نساء البضان. على ان الشهوات عادات وأكثرها تقليد. من ذلك أن أهل البصرة ~~أشهى النساء عندهم الهنديات وبنات الهنديات والأغوار. واليمن أشهى النساء ~~عندهم الحبشيات وبنات الحبشيات. وأهل الشام أشهى النساء عندهم الروميات ~~وبنات الروميات. وكل قوم فإنما يشتهون جلبهم وسبيهم. إلا الشاذ، وليس الشاذ ~~قياس. # قالوا: وأطيب الأفواه نكهة، وأشدها عذوبة، وأكثرها ريقا، أفواه الزنج. ~~والكلاب من بين السباع أطيب أفواها منها. # قالوا: والسود ملاوم للعين، وإذا اعتلت فخيف عليها لم يكن لها دواء خير ~~من القعود في الظلمة وفي يد صاحبها خرقة سوداء. فالسواد للإبصار، وخير ما ~~في الإنسان البصر. # وقالوا: والسودان أكثر من البيضان، لأن أكثر ما يعد البيضان فارس والجبال ~~وخراسان، والروم والصقالبة وفرنجة والأبر، وشيئا PageV01P215 ~~بعد ذلك قليلا غير كثير. والسودان يعدون الزنج والحبشة، وفزان وبربر، ~~والقبط والنوبة، وزغاوة ومرو، والسند والهند، والقمار والدبيلا، والصين ~~وماصين. والبحر أكثر من البر، وجزائر البحر ما بين الصين والزنج مملوءة ~~سودانا، كسرنديب، وكله، وأمل، وزابج وجزائرها إلى ms090 الهند إلى الصين إلى كابل ~~وتلك السواحل. # قالوا: وكان الأعمى الاشتيام يقول: السودان أكثر من البيضان، والصخر أكثر ~~من الوحل، والرمل أكثر من التراب، والماء المالح أكثر من العذب. # قالوا: ومنا العرب لا من البيضان؛ لقرب ألوانهم من ألواننا. والهند أسفر ~~ألوانا من العرب، وهم من السودان. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~بعثت إلى الأحمر والأسود ". وقد علم الناس أن العرب ليست بحمر كما ذكرنا ~~قبل هذا. PageV01P216 # قال: فهذا المفخر لنا وللعرب على جميع البيضان إن أحبت ذلك العرب؛ وإن ~~كرهته فإن المفخر لنا بالذي ذكرنا على الجميع. # قالوا: ولو لم نكثركم إلا بالزابج وحدها لفضلناكم بهم فضلا مبينا؛ وذلك ~~أن ملك الزابج إن غضب على أهل مملكة ولم يتقوه بالخراج بعث ألف سنبوقة في ~~كل سنبوقة ألف رجل على أن لا يجلدونهم ولا يقاتلونهم، ولكن يأمرهم أن ~~يقيموا أبدا فيهم حتى يتقوهم بالخراج، فيكون ما يأكلون ويشربون ويغذون ~~ويلبسون، أضر عليهم من مقدار الخراج المرار الكثيرة. فإن اتقوهم بالخراج ~~وإلا أرسل إليهم ألف سنبوقة أخرى، فلا يجد ذلك الملك بدا من أن يتقيه بكل ~~ما طلب، ولا يأمن أن يغضب فيأتي عليه وعلى أهل مملكته. # قالوا: ولقد نزل ملك الزابج على خليج مرة والخليج فراسخ في فراسخ، فبينما ~~هو على مائدته وفي سرادقه على شواطئ الخليج، إذ سمع صارخة فقال: ما هذا؟ ~~وقطع الأكل. قالوا: امرأة سقط ابنها في هذا الخليج فأكله التمساح. قال: وفي ~~مكان أنا فيه شيء يشاركني في قتل الناس! ثم وثب فإذا هو في الخليج. فلما ~~رأوه الناس سقطوا عن آخرهم، فخضخضوه وهو فراسخ في فراسخ، حتى أخذوا تمساح ~~فيه أخذ يد. PageV01P217 # فقال: إن أهل الزابج وأغبابها أكثر من شطر أهل الأرض. # قالوا: وآخر العمران كله سودان، وما استدار من أقاصي العمران أكثر من أهل ~~الواسطة، كطوق الرحى الذي يلي الهواء، الذي هو أوسع وأكثر ذرعا مما قصر عنه ~~من فلك الرحى ولنعتبر ذلك بالجناح المطيف، لا يرى أحد ذرعه مع قلة عرضه، ms091 ~~ونجده أكثر ذرعا من نفس الدار. # وليس خلف الزابج بيضان، وكذلك جميع بلاد السودان الساكنة في الأطراف وفي ~~آخر أطواق العمران. # قالوا: فهذا دليل على أنا أكثر، وإذا كنا أكثر كنا أفخر. وقد قال شاعركم: # ولست بالأكثر منه حصى %~% وإنما العزة للكاثر # قالوا: والقبط جنس من السودان وقد طلب منهم خليل الرحمن الولد فولد له ~~منهم نبي عظيم الشأن، وهو أبو العرب إسماعيل عليه السلام. ~~وطلب النبي صلى الله عليه وسلم منهم الولد، وولد له إبراهيم، وكناه به ~~جبريل. PageV01P218 # قالوا: والحجر الأسود من الجنة. والنحاس إذا اشتد سواده كان أثمن وأجود. ~~فمن استنكر لون السواد فما في فرنجة والروم والصقالبة من إفراط سبوطة الشعر ~~والرقة والصهوبة، والحمرة في شعر الرأس واللحية، وبياض الحواجب والأشفار، ~~أقبح وأسمج. وليس في السودان مغرب، ليس المغرب إلا فيكم. ولا سواء من لم ~~تنضجه الأرحام وما جازت به حد التمام. # قالوا: ولنا بعد معرفة بالتفلسف والنظر، ونحن أثقف الناس. ولنا في ~~الأسرار حجة. ونحن نقول: إن الله تعالى لم يجعلنا سودا تشويها بخلقنا، ولكن ~~البلد فعل ذلك بنا. والحجة في ذلك أن في العرب قبائل سودا كبني سليم بن ~~منصور. وكل من نزل الحرة من غير بني سليم كلهم سود. وإنهم ليتخذون المماليك ~~للرعي والسقاء، والمهنة والخدمة، من الأشبانيين ومن الروم نسائهم، فما ~~يتوالدون ثلاثة أبطن حتى تنقلهم الحرة إلى ألوان بني سليم. ولقد بلغ من أمر ~~تلك الحرة أن ظباءها ونعمها، وهوامها وذبابه، وثعالبها وشاءها وحميرها، ~~وخيلها، وطيرها كلها سود. والسواد والبياض إنما من قبل خلقة البلدة، وما ~~طبع الله عليه الماء PageV01P219 ~~والتربة، ومن قبل قرب الشمس وبعدها، وشدة حرها ولينها. وليس ذلك منقبل ~~مسخ ولا عقوبة، ولا تشويه ولا تقصير. # على أن بلاد بني سليم تجري مجرى بلاد الترك. ومن رأى إبلهم ودوابهم وكل ~~شيء لهم تركي رآه شيئا واحدا. وكل شيء لهم تركي المنظر. وربما رأى الغزاة ~~دون العواصم أخلاط غنم الروم فلا يخفى عليهم غنم الروم من غنم الشام، ~~للرومية التي ms092 يرونها فيها. # وقد نرى الناس أبناء الأعراب والأعرابيات الذين وقعوا إلى خراسان فلا نشك ~~أنهم علوج القرى. وهذا موجود في كل شيء. وقد نرى جراد البقل والريحان ~~وديدانهما خضرا، ونرى قمل رأس الشاب سودا، ونراها إذا ابيض رأسه بيضا، ~~ونراها إذا خضبت حمرا. # فليس سوادنا، معشر الزنج، إلا كسواد بني سليم ومن عددنا عليكم من قبائل ~~العرب في صدر هذا الكلام. # وما إفراط سواد من اسود من الناس إلا كإفراط بياض من ابيض من الناس. ~~وكذلك السمرة المتولدة من بينهما، وكذلك الزي والهيئات، وكذلك الصناعات، ~~وكذلك المطاعم والشهوات. PageV01P220 # وقد ذكر الشاعر، حين مدح أسيلم بن الأحنف الأسدي، سواد اليمانية فقال: # أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه %~% لعين تداحى أو لأذن تسمع # من النفر الشم الذين إذا انتموا %~% وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا # جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه %~% وطيب الدهان رأسه وهو أنزع # إذا النفر السود اليمانون حاولوا %~% له حوك برديه أرقوا وأوسعوا # وقد عاب بعض البيضان عبد بني جعدة بلونه، فقال: # قد عاب لوني أقوام فقلت لهم %~% ما عاب لوني إلا مفرط الحمق # إن كان لوني فيه دعجة كلف %~% حزن الإهاب فإني أبيض الخلق PageV01P221 # أرضي الصديق وأحمي الظعن معترضا %~% صدر القناة وأكنى كنه السرق # وكانت امرأة عمرو بن شأس تجفو عرار بن عمرو، وكان ابن سوداء، فقال عمرو ~~بن شأس في ذلك، وفي صفة أبناء الحبشيات والزنجيات: # ألم يأتيها أني صحوت وأنني %~% تخشعت حتى ما أعارم من عرم # وأطرق إطراق الشجاع، ولو يرى %~% مساغا لنابيه الشجاع لقد أزم # أرادت عرارا بالهون ومن يرد %~% عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم # وإن عرارا إن يكن غير واضح %~% فإني أحب الجون ذا المنكب العمم # فإن كنت مني أو تحبين شيمتي %~% فكوني له كالسمن ربت له الأدم PageV01P222 # وإلا فبيني مثل ما بان راكب %~% تزود خمسا ليس في سيره أتم # وأما الهند فوجدناهم يقدمون في النجوم والحساب، ولهم الخط الهندي خاصة، ~~ويقدمون في الطب، ولهم أسرار الب وعلاج فاحش الأدواء خاصة. ولهم خرط ~~التماثيل ونحت الصور ms093 بالأصباغ تتخذ في المحاريب وأشباه ذلك. ولهم الشطرنج، ~~وهي أشرف لعبة وأكثرها تدبيرا وفطنة. ولهم السيوف القلعية، وهم ألعب الناس ~~بها وأحذقهم ضربا بها. ولهم الرقى النافذة في السموم وفي الأوجاع. ولهم ~~غناء معجب. ولهم الكنكلة، وهي وتر واحد يمد على قرعة فيقوم مقام أوتاد ~~العود والصنج. ولهم ضروب الرقص والخفة، ولهم الثقافة عند الثقاف خاصة، ولهم ~~مغرفة المناصفة، ولهم السحر والتدخين والدمازكية. ولهم خط جامع لحروف ~~اللغات، وخطوط أيضا كثيرة، ولهم شعر كثير وخطب طوال، وطب في الفلسفة PageV01P223 ~~والأدب. وعنهم أخذ كتاب كليلة ودمنة. ولهم رأي ونجدة، وليس لأحد من أهل ~~الصبر ما لهم. ولهم من الزي الحسن والأخلاق المحمودة مثل الأخلة والقرن ~~والسواك، والاحتباء، والفرق والخضاب. وفيهم جمال وملح واعتدال وطيب عرق. ~~وإلى نسائهم يضرب الأمثال. ومن عندهم جاءوا الملوك بالعود الهندي الذي لا ~~يعدله عود. ومن عندهم خرج علم الفكر، وما إذا تكلم به على السم لم يضر. ~~وأصل حساب النجوم من عندهم أخذه الناس خاصة. وآدم عليه السلام إنما هبط من ~~الجنة فصار ببلادهم. # قالوا: ومن مفاخر الزنج حسن الخلق، وجودة الصوت. وإنك لتجد ذلك في القيان ~~إذا كن من بنات السند. # وخصلة أخرى: أنه لا يوجد في العبيد أطبخ من السندي، هو أطبع على طيب ~~الطبخ كله. # ومن مفاخرهم أن الصيارفة لا يولون أكيستهم وبيوت صروفهم إلا السند وأولاد ~~السند؛ لأنهم أنفذ في أمور الصرف، وأحفظ وآمن. ولا يكاد أحد أن يجد صاحب ~~كيس صيرفي ومفاتيحه ابن رومي ولا ابن خراساني. PageV01P224 # ولقد بلغ من تبرك التجار بهم أن صيارفة البصرة وبنادرة البربهارات، لما ~~رأوا ما كسب فرج أبو روح السندي لمولاه من المال والأرضين اشترى كل امرئ ~~منهم غلاما سنديا، طمعا فيما كسب أبو روح لمولاه. # قال: وكان عبد الملك بن مروان يقول: " الأدغم سيد أهل المشرق " يعني عبيد ~~الله بن أبي بكرة. وكان أشد السودان سوادا. وإياه يعني عبد الله بن حازم ~~حيث يقول: # حبشي حبشته حبشة. # فهذا جملة ما حضرنا من مفاخر السودان. ms094 وقد قلنا قبل هذا في مفاخر قحطان، ~~وسنقول في فخر عدنان على قحطان في كثير مما قالوا إن شاء الله. PageV01P225 # تم كتاب فخر السودان على البيضان. # من تأليف أبي عثمان عمرو بن الجاحظ، بعون الله تعالى وتوفيقه، ومشيئته ~~وتأييده. يتلو إن شاء تعالى رسالة له أيضا إلى محمد بن عبد الملك في الجد ~~والهزل. والله الموفق للصواب. # والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا مجمد وآله وصحبه الطيبين ~~الطاهرين وسلامه. PageV01P226 ### | الرسالة الخامسة رسالة في الجد والهزل PageV01P227 # بسم الله الرحمن الرحيم # جعلت فداك. ليس من أجل اختياري النخل على الزرع أقصيتني، ولا على ميل إلى ~~الصداقة دون إعطائي الخراج عاقبتني، ولا لبغضي دفع الإتاوة والرضا بالجزية ~~حرمتني. # ولست أدري لم كرهت قربي وهويت بعدي، واستثقلت روحي ونفسي واستطلت عمري ~~وايام مقامي. ولم سرتك سيئتي ومصيبتي وساءتك حسنتي وسلامتي، حتى ساءك تجملي ~~بقدر ما سرك جزعي وتضجري، وحتى تميت أن أخطئ عليك فتجعل خطئي حجة لك في ~~إبعادي، وكرهت صوابي فيك خوفا من أن تجعله ذريعة لك إلى تقربي. # فإن كان ذلك هو الذي أغضبك، وكان هو السبب لموجدتك فليس - جعلت فداك - ~~هذا الحقد في طبقة هذا الذنب، ولا هذه المطالبة من شكل هذه الجريمة. PageV01P231 # ولو كان إذ لم يكن في وزنه وقع قريبا، وإذ لم يكن عدله وقع مشبها كان ~~أهون في موضع الضرر، وأسهل في مخرج السماع. # فأي شيء بقيت للعدو المكاشف والمنافق الملاطف، وللمعتمد المصر وللقادر ~~المدل. # ومن عاقب على الصغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة بعقوبة الإصرار، وعلى ~~الخطأ بعقوبة العمد، وعلى معصية المتستر بعقوبة معصية المعلن، ومن لم يفرق ~~بين الأعالي والأسافل، وبين الأقاصي والأداني، عاقب على الزنى بعقوبة ~~السرق، وعلى القتل بعقوبة القذف. ومن خرج إلى ذلك في باب العقاب خرج إلى ~~مثله في باب الثواب. ومن خرج من جميع الأوزان وخالف جميع التعديل، كان ~~بغاية العقاب أحق، وبه اولى. # والدليل على شدة غيظك وغليان صدرك قوة حركتك وإبطاء فترتك وبعد الغاية في ~~احتيالك. ومن البرهان على ms095 ثبات الغضب، وعلى كظم الذنب تمكن الحقد ورسوخ ~~الغيظ، وبعد الوثبة وشدة الصولة. # وهذا البرهان صحيح ما صح النظم، وقام التعديل، واستوت الأسباب # ولا أعلم ~~نارا أبلغ في إحراق أهلها من نار الغيظ، ولا حركة أنقض PageV01P232 ~~لقوة الأبدان من طلب الطوائل مع قلة الهدوء والجهل بمنافع الجمام، وإعطاء ~~الحالات أقسامها من التدبير. # ولا أعلم تجارة أكثر خسرانا ولا أخف ميزانا من عداوة العاقل العالم، ~~وإطلاق لسان الجليس المداخل، والشعار دون الدثار، والخاص دون العام. # والطالب - جعلت فداك - بعرض ظفر ما لم يخرج المطلوب، وإليه الخيار ما لم ~~تقع المنازلة. ومن الحزم ألا تخرج إلى العدو إلا ومعك من القوى ما يغمر ~~الفضلة التي ينتجها له الإخراج. ولا بد أيضا من حزم يحذرك مصارع البغي، ~~ويخوفك ناصر المطلوب. # وبعد - أبقاك الله - فأنت على يقين من موضع ألم الغيظ من نفسك، والغيظ ~~عذاب. ولربما زاد التشفي في الغيظ ولم ينقص منه. ولست على يقين من نفوذ ~~سهمك في صيدك كما أيقنت بموضع الغيظ من صدرك. PageV01P233 # والحازم لا يلتمس شفاء غيظه باجتلاب ضعفه، ولا يطفئ نار غضبه تأخر عقوبة ~~من أغضبه، ولا يسدد سهمه إلا والغرض ممكن، والغاية قريبة، ولا يهرب إلا ~~والمهرب معجزة. # إن سلطان الغيظ غشوم، وإن حكم الغضب جائر، وأضعف ما يكون العزم عن التصرف ~~أضعف ما يكون الحزم. والغضب في طباع الشيطان، والهوى يتصور في صورة امرأة، ~~فلا يبصر مساقط العيب ومواقع الشرف إلا كل معتدل الطباع، ومعتدل الأخلاط ~~مستوي الأسباب. # والله لقد كنت أكره لك سرف الرضا مخافة جواذبه إلى سرف الهوى. فما ظنك ~~بسرف الغضب، وبغلبة الغيظ، ولا سيما ممن قد تعود إهمال النفس ولم يعودها ~~الصبر، ولم يعرفها موضع الحظ في تجرع مرارة العفو، وأن المراد من الأمور ~~عواقبها لا عواجلها. # ولقد كنت أشفق عليك من إفراط السرور فما ظنك بإفراط الغيظ. وقد قال بعض ~~الناس: لا خير في طول الراحة إذا كان يورث الغفلة، ولا في الكفاية إذا كان ~~يؤدي إلى المعجزة، ولا في كثرة ms096 الغنى إذا كان يخرج إلى البلدة. # جعلت فداك. إن داء الحزن وإن كان قاتلا فإنه داء مماطل، وسقمه سقم مطاول، ~~ومعه من التمهل بقدر قسطه من أناة المرة السوداء. وداء PageV01P234 ~~الغيظ سفيه طياش، وعجول فحاش، يعجل عن التوبة، ويقطع دون الوصية، ومعه من ~~الخرق بقدر قسطه من التهاب المرة الحمراء. والعجول يخطئ وإن ظفر، فكيف به ~~إذا أخفق. على أن إخفاقه يزيد في حقيقة خطئه كما أن ظفره لا ينتقص من مقدار ~~زلله. وأنت روح كما أنت وحشي من قرنك إلى قدمك. وعمل الآفة في الدقاق ~~والعتاق أسرع، وحدها عن الغلاظ الجفاة أكل؛ فلذلك اشتد جزعي لك من سلطان ~~الغيظ وغلبته. # والله لو كنت ابتلعت مزار بابك، وأبطلت بمر الباطل، ووردت الفظائع كلها، ~~ونقضت الشروط بأسرها، وأفسدت نتاجك، وقتلت كل شطر نجي لك، ورفعت من الدنيا ~~فراهة الخيل، وجعلت المروج كلها حمى، وكنت صداق المرادين، وبرسام الأولاد، ~~ومسخت جميع الجواري في صورة أبي رملة ورددت شطاط خلقك إلى جعودة أبي حثة ~~وكنت أول من سن بيع الرجال في النخاسين، وفتح باب الظلم لأصحاب المظالم، ~~وحولت إليك عقل أبى دينار، وطبعت على بيان ما نويه، وأعنت على موت المعتصم، ~~وغضبت لمصرع الأفشين، واستجبت للديك الأبيض PageV01P235 ~~الأفرق وأحببت صالح بن حنين، وأحوجتك إلى حاتم الريش، وكان أبو الشماخ ~~صديقي، والفارسي من شيعتي لكان ما تركبني به سرقا، ولكنت في هذا العتاب ~~متعديا. # جعلت فداك، لا تتعرض لعداوة عقلاء الرواة، ولضغينة حفاظ المثالب، وللسان ~~من قد عرف بالصدق والتوخي، وبقله الخطل والتنكب، ما وجدت عن ذلك مندوحة، ~~ووجدت المذهب عنه واسعا. ولا تعاقب وادا وإن اضطرك الواد، ولا تجعل طول ~~الصحبة سببا للضجر، واصبر على خلقه خير من جديد غيره. وصداقة المتطرف غرور، PageV01P236 ~~وملالة الصديق أفن، والعلم بأقدار الذنوب غامض، وحدود الذنوب في العقاب ~~خفية. ولن يعرف العقاب من يجهل قدر الذنب. والأجرام كثيرة الأشكال، ~~ومتفاوتة في الأقدار. وإذا أردت أن تعرف مقدار الذنب إليك من مقدار عقابك ~~عليه فانظر في علته وسببه، ms097 وإلى معدنه الذي منه نجم، وعشه الذي منه درج، ~~ومغرسه الذي منه نبت، وإلى جهة صاحبه في التتايع والتترع، وفي النزوع ~~والثبات، وإلى قحته عند التقريع، وإلى حيائه عند التعريض، وإلى فطنته عند ~~الرشق والتورية؛ فإن فضل الفطنة ربما دل على فرط الاكتراث، وعلى قدر ~~الاكتراث يكون الإقدام والإحجام. فكل ذنب كان سببه الدالة وضيق صدر وغلظ ~~طباع وحدة مرار، من جهة تأويل أو من جهة غلط في المقادير، أو من طريق فرط ~~الأنفة وغلبة طباع الحمية من بعض الجفوة أو لبعض الأثرة، أو من جهة ~~استحقاقه عند نفسه وفيما زين له من عمله، وأنه مقصر به مؤخر عن مرتبته، أو ~~كان مبلغا عنه أو مكذوبا عليه، وكان ذلك جائزا عليه غير ممتنع فيه PageV01P237 ~~فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل وعلى هذه الأسباب، وفي هذه المجاري، فليس ~~يقف عليها كريم، ولا يلتفت لها حليم. # ولست أسميه بكثرة معروفة كريما حتى يكون عقله غامرا لعلمه، وعلمه غالبا ~~لطبعه، وحتى يكون عالما بما ترك، وعارفا بما أخذ. واسم الحليم جامع للكظم، ~~والقدرة، والفهم. # فإذا وجدت الذنب بعد ذلك لا سبب له إلا البغضة فلو لم ترض لصاحبه بعقاب ~~دون قعر جهنم لعذرك كثير من العقلاء، ولصوب رأيك عالم من الأشراف. # ومتى كانت علته طبيعة البذاء، وخلقه الشرارة والتسرع، فاقتله قتل ~~العقارب، وادمغه دمغ رءوس الحيات. # وإذا كان ممن لا يسيء فيك القول، ولا يرصدك بالمكروه إلا لتعطيه على ~~الخوف، وتمنع عرضك من جهة التقية فامنعه جميل رفدك، واحتل في منعه من قبل ~~غيرك؛ فإنك إن أعطيته على هذه الشريطة، وأعظمته من هذه الحكومة فقد شاركته ~~في سب نفسك، واستدعيت الألسنة البذية إلى عرضك، وكنت عونا لهم عليك. # وإذا كان ممن لا يسيء فيك القول، ولا يرصدك بالمكروه إلا لتعطيه على ~~الخوف، وتمنع عرضك من جهة التقية فامنعه جميل رفدك، واحتل في منعه من قبل ~~غيرك؛ فإنك إن أعطيته على هذه الشريطة، وأعظمته من هذه الحكومة فقد شاركته ~~في سب نفسك، واستدعيت الألسنة ms098 البذية إلى عرضك، وكنت عونا لهم عليك. # وكيف تعاقبه على ذنب لك شطره، وأنت فيه قسيمه، إلا أن عليك غرمه ولك ~~غنمه. PageV01P238 # ومن العدل المحض والإنصاف الصحيح أن تحط عن الحسود نصف عقابه، وأن تقتصر ~~على بعض مقداره، لأن ألم حسده لك قد كفاك مؤونة شطر غيظك عليه. # وأما المواد فلا تعرض له البتة، ولا تلتفت لفته، ولو أتى على الحرث ~~والنسل، وحتى على الروح والقلب. ولا تغتر بقوله إني واد، ولا تحكم له ~~بدعواه بأني جد وامق. وانظر أنت في حديثه وإلى مخارج لفظه، وإلى لحن قوله، ~~وإلى طريقته وطبيعته، وإلى خلقه وخليقته، وإلى تصرفه وتصميمه وإلى توقفه ~~وتهوره. وتأمل مقدار جزعه من قلة اكتراثه، وانظر إلى غضبه فيك ولك، وإلى ~~انصرافه عمن انصرف عنك وميله إلى من مال إليك، وإلى تسلمه من الشر وتعضه ~~له، وإلى مداهنته وكشف قناعه. بل لا تقض له بجماع ذلك ما كان ذلك في أيام ~~دولتك ومع إقبال من أمرك، وإن طالت الأيام وكثرت الشهور، حتى تنتظم احالات، ~~وتستوي فيه الأزمان. # نعم، ثم لا تحكم له بذلك حتى تكون حاله مقصورة على محبتك، ومحنوة على ~~نصيحتك، بالعلل التي توجب الأفعال. والأسباب التي تسخر القلوب للمودات، ~~كالعلل الثابتة في الصنيعة، والأسباب الموجودة مع مولى PageV01P239 ~~العتاقة؛ فإن عللهما خلاف علل مولى الكلالة، وخلاف علل الصديق الذي لم ~~يزل يرى أنه مثلك، وأنه يستوجب منك استيجابك، ولا سيما إذا كانت الصنيعة ~~أنت ابتدأتها، وأنت أبو عذرتها. # فإن أنت لم تحكم له بالغاية مع اجتماع هذه العلل فيه، ومع توافيها إليه، ~~ولم تقض له بأقصى الغاية مع ترادف هذه الأسباب وتكامل هذه الدلائل، وتعاون ~~هذه البرهانات، فكل خبر بينة زور، وكل دلالة فاسدة. وقد قال الأول: " دلائل ~~الأمور أشد تثبيتا من شهادات الرجال ". إلا أن يكون في الخبر دليل، ومع ~~الشهادة برهان؛ لأن الدليل لا يكذب ولا ينافق ولا يزيد ولا يبدل، وشهادة ~~الإنسان لا تمتنع من ذلك، وليس معها أمان من فساد ما كان الإمكان قائما. ms099 # وبعد متى صار اختيار النخل على الزرع يحقد الإخوان، ومتى صار تفضيل الحب ~~وتقريظ الثمر يورث الهجران، ومتى تميزوا هذا التميز وتهالكوا هذا التهالك؟ ~~ومتى صار تقديم النخلة ملة، وتفضيل السنبلة نخلة؟ ومتى صار الحكم للنعجة ~~نسبا وللكرمة صهرا، ومتى تكون فيها ديانة وتستحكم فيها بصيرة، ويحدث عنها ~~حمية. PageV01P240 # وقد كنا نعجب من حرب البسوس في ضرع ناب، ومن حرب بعاث في مخرف تمر، ومن ~~حرب غطفان في سبق دابة. فجئتنا أنت بنوع من العجب أبطل كل عجب، وآنسنا بكل ~~غريب، وحسن عندنا كل قبيح، وقرب عندنا كل بعيد. # فأن جهلت - أعزك الله - غضبك فمثلي جهل ما لا علة له، وإن عجزت عن احتمال ~~عقابك فمثلي ضج مما لا يطيق حمله. ولا عار على جازع إلا فيما يمكن في مثله ~~الصبر، ولا لوم على جاهل فيما لا ينجح في مثله الفكر. # وليس هذا أول شرك نصبته، ولا أول كيد أرغته، ولا هي بأول زبية غطيتها ~~وسترتها، وحيلة أكمنتها وربصتها. # وقد كانت التقية والاقتصاد أسلم، بل كان العفو أرحم، والتغافل أكرم. PageV01P241 # ولا خير في عقوبة تشمت العدو المتقادم، وينادي بها العدو الحادث. والأناة ~~أبلغ في الحزم، وأبعد من الذم، وأحمد مغبة وأبعد من خرق العجلة. وقد قال ~~الأول: " عليك بالأناة؛ فإنك على إيقاع ما أنت موقعه أقدر منك على رد ما قد ~~أوقعته ". فقد أخطأ من قال: # وقد يدرك المتاني بعض حاجته %~% وقد يكون مع المستعجل الزلل # بل لو قال: والمتأني بدرك حاجاته أحق، والمستعجل بفوت حاجاته أخلق، لكان ~~قد وفى المعنى حقه، وإن كان القول الأول موزونا والثاني منثورا. ولولا أنه ~~اشتق المستعجل من العجلة لما قرنه بالمتأني. وينبغي أن يكون الذي غلطه ~~قولهم: " رب عجلة تهب ريثا ". فجعل الكلام الذي خرج جوابا عند ما يعرض من ~~السبب، كالكلام الذي خرج ارتجالا، وجعله صاحبه مثلا عاما. فإذا سميت العمل ~~عجلة وريثا فاقض على الريث بكثرة الفوت، وبقدر ذلك من العجز، وعلى العجلة ~~بقلة النجح، وبقدر ذلك من الخرق. # والريث والأناة ms100 في بلوغ الأمل وإدراك النعمة كانتهاز الفرصة واهتبال PageV01P242 ~~الغرة. والأناة وإن طالت فليست من جنس الريث، وانتهاز الفرصة وإن كان في ~~غاية السرعة فليس من جنس العجلة. # وربت كلمة لا توضع إلا على معناها الذي جعلت حظه، وصارت هي حقه والدالة ~~عليه دون غيره، كالحزم والعلم، والحلم والرفق، والأناة والمداراة، والقصد ~~والعدل وكالانتهاز والاهتبال، وكاليأس والأمل، وكالخرق والعجلة، والمداهنة ~~والتسرع، والغلو والتقصير. # وربت كلمة تدور مع خلتها، وتتقلب مع جارتها، وعلى قدر ما تقابل من ~~الحالات، وتلاقي من الأسباب، كالحب والبغض، والغضب والرضا، والعزم ~~والإرادة، والإقبال والإدبار، والجد والفتور؛ لأن هذا الباب الأخير يكون في ~~الخير والشر، ويكون محمودا ويكون مذموما. # وصاحب العجلة - أعزك الله - صاحب تغرير ومخاطرة، إن ظفر لم يحمده عالم، ~~وإن لم يظفر قطعته الملاوم. والريث أخو المعجزة، ومقرون بالحسرة، وعلى ~~مدرجة اللائمة. وصاحب الأناة إن ظفر نغع غيره بالغنم، ونفع نفسه بثمرة ~~العلم، وأطاب ذكره دوام شكره، وحفظ فيه ولده. وإن حرم PageV01P243 ~~فمبسوط عذره، ومصوب رأيه مع انتفاعه بعلمه وما يجد من عز حزمه ونبل ~~صوابه، ومع علمه بالذي له عند العقلاء، وبعذره عند الأولياء والأعداء. # وما عندي لك إلا ما قال الدهقان لأسد بن عبد الله وهو على خراسان، حين مر ~~به وهو يدهق في حبسه: # إن كنت تعطى من ترحم فارحم من تظلم. إن السموات تنفرج ~~لدعوة المظلوم، فاحذر من ليس له ناصر إلا الله، ولا جنة إلا الثقة بنزول ~~الغير، ولا سلاح إلا الابتهال إلى المولى لا يعجزه شيء. # يا أسد، إن البغي يصرع أهله، وإن الظلم مرتعه وخيم، فلا تغتر بإبطاء ~~العقاب من ناصر متى شاء أن يغيث أغاث. وقد أملى لقوم كي يزدادوا PageV01P244 ~~إثما. وجميع أهل السعادة إما سالم من ذنب، وإما تارك إصرار. ومن رغب عن ~~التمادي فقد نال أحد المغنمين، ومن خرج من السعادة فلا غاية له إلا دار ~~الندوة. وسواء - جعلت فداك - ظلمت بالبطش والغشم، أو ظلمت بالدحس والدس. ~~فشاور لبك، وناظر حزمك، وقف قبل الوثبة، واحذر زلة ms101 العالم. # وقد قال صاحبكم: من استشار الملالة وقلد طبيعته الاستطراف، وجعل الخطوة ~~ذنبا، والذنب ذنوبا، ومقدار الطرفة إصرارا، والصغير كبيرا، والقليل كثيرا، ~~عاقب على المتروك الذي لا يعبأ به، وبلغ بالبطش إلى حيث لا بقية معه، ورأى ~~أن القطيعة التي لا صلة معها، والتخليج الذي لا تجمل معه، الحزم المحمود؛ ~~وأن الاعتزام في كل موضع هو الرأي الأصيل. # وقال أيضا: من كانت طبيعته مأمونة عليه عند نفسه، وكان هواه رائده الذي ~~لا يكذبه، والمتأمر عليه دون عقله، ولم يتوكل لما لا يهواه على PageV01P245 ~~ما يهواه، ولم ينصر تالد الإخوان على الطارف، ولم ينصف المملول المبعد من ~~المستطرف المقرب، ولم يخف أن تجتذبه العادة، وتتحكم عليه الطبيعة، فليرسم ~~حججهما، ويصور صورهما، في كتاب مفرد أو لفظ مسموع، ثم يعرضهما على جهابذة ~~المعاني وأطباء أدواء العقول، على ألا يختار إلا من لا يدري أي النوعين ~~يبغي، وعلى أيهما يحامي، وأيهما دواؤه وأيهما داؤه. فإن لم يستعمل ذلك بما ~~فضل له من سكر سوء العادة، لم يزل متورطا في الخطاء مغمورا بالذم. # سمعتك وأنت تريدني وكأنك تريد غيري، وكأنك تشير على من غير أن تنصني. ~~وتقول: إني لأعجب ممن ترك دفاتر علمه متفرقة مبثوثة، وكراريس درسه غير ~~مجموعة ولا منظومة، كيف يعرضها للتجرم، وكيف لا يمنعها من التفرق. وعلى أن ~~الدفاتر إذا انقطعت حزامته، وانحل شداده، وتخرمت ربطه، ولم يكن دونه وقاية ~~ولا جنة، تفرق ورقه؛ وإذا تفرق ورقه اشتد جمعه، وعسر نظمه، وامتنع تأليفه، ~~وربما ضاع أكثره. والدفتان أجمع وضم الجلود إليها أصون، والحزم لها أصلح. ~~وينبغي للأشكال أن تنظم وللأشباه أن تؤلف؛ فإن التأليف يزيد الأجزاء الحسنة ~~حسنا، والاجتماع PageV01P246 ~~يحدث للمتساوي في الضعف قوة. فإذا فعلت ذلك صرت متى وجدت بعضها فقد وجدت ~~كلها، ومتى رأيت أدناها فقد رأيت أقصاها؛ فإن نشطت لقراءة جميعها مضيت ~~فيها. # وإذا كانت منظومة، ومعروفة المواضع معلومة، لم تحتج إلى تقليب القماطر ~~على كثرتها، ولا تفتيش الصناديق مع تفاوت مواضعها، وخفت عليك مؤونتها وقلت ~~فكرتك فيها، ms102 وصرفت تلك العناية إلى بعض أمرك، وادخرت تلك القوة لنوائب غدك. # وعلى أن ذلك أدل على حبك للعلم، واصطناعك للكتب، وعلى حسن السياسة، ~~والتقدم في إحكام الصناعة. # وقلت: لأمر ما جمعوا أسباع القرآن وسوره في مصحف، ولم يدعوا ما فيه مفرقا ~~في الصدور، ولا مبددا في الدفاتر، ومفرقا في القماطر. على ذلك أجمع ~~المسلمون، والسابقون الأولون، والأئمة الرشيدة، والجماعة المحمودة، فتوارثه ~~خلف عن سلف، وتابع عن سابق، وصغير عن كبير، وحديث عن قديم. # ولم أشك في أنها نصيحة حازم، ومشورة وامق، أو رأي حضر أو حكمة PageV01P247 ~~نبغت، أو صدر جاش فلم يملك، أو علم فاض فلم يرد، استعمله من استعمله، ~~وتركه من تركه. # فلما أخذت بقولك، وصرت إلى مشورتك وأكثرت حمد الله على إفادتك من العلم ~~وحظ عنايتك من النقل، وجمعت البعض إلى البعض، والشكل إلى الشكل، وتقدمت في ~~استجادة الجلود، وفي تمييز الصناع، وفي تخير البياعات، وغرمت المال، وشغلت ~~البال، وجعلتها مصحفا مصحفا، وأجملتها صنفا صنفا؛ ورأيت أني قد أحكمت شأني، ~~وجمعت إلى أقطاري، ورأيت أن أنظر فيها وأنا متسلق ولا أنظر فيها وأنا ~~منتصب، استظهارا على تعب البدن؛ إذ كانت الأسافل مثقلة بالأعالي، وإذ كان ~~الانتصاب يسرع في إدخال الوهن على الأصلاب؛ ولأن ذلك أبقى على نور البصر، ~~وأصلح لقوة الناظر؛ إذ كل واحد من هذه المصاحف قد أعجز يدي بثقل جرمه، وضيق ~~صدري بجفاء حجمه. وإذا ثقل أنكأ الصدر، وأوهن العظم. PageV01P248 # وإذا أنا نظرت فيها وانا جالس سدرت عيني، وتقوس ظهري، واجتمع الدم في ~~وجهي، وأكرهت بصري على غير جهته، وأجريت شعاع ناظري في غير مجراه. # وقد علمت - أبقاك الله - مع خبرتك بمقابح الأمور، ومواقع المنافع ~~والمضار، ثم بمصالح العباد والبلاد، أن من كان على مقطع جبل، أو على شرفات ~~قصر، فأراد رؤية السماء على بعدها، وجد ذلك على العين سهلا خفيفا، وإن أراد ~~أن يرى الأرض على قربها، وجد ذلك على العين عبئا ثقيلا. فإن بدا لي أن ~~يقابل عيني به العبد، أو تواجهني به الأمة، ms103 كلفت أخرق الناس كفا، وأقلهم ~~وفقا، وأكثرهم التفاتا، واحضرهم نعاسا، وأقلهم على حال واحدة ثباتا، ~~وأجهلهم بمقدار الموافقة، ولمقادير المقابلة، وبحط اليد ورفعها، وإمالتها ~~ونصبها. ثم رأيت في تضجرهم وتكرههم وفرارهم منه، ما صير تجشمي لثقل وزنه، ~~ومقاساتي لجفاء حجمه، أهون على يدي، وأخف على قلبي. فإن تعاطيته عند ذلك ~~بنفسي فشقاء حاضر، وإن ألزمته غيري فغيظ قاتل. وحتى صارت الحال فيها داعية ~~إلى ترك درسها والمعاودة لقراءتها، مع ما كان فيها من الفائدة الحسنة، ~~والمنافع الجامعة، ومن شحذ الطبيعة، وتمكين حسن العادة. # ولو لم يكن في ذلك إلا الشغل عن خوض الخائضين، والبعد عن لهو اللاهين، ~~ومن الغيبة للناس والتمني لما في أيديهم، لقد كان نفع ذلك كثيرا، وموقعه من ~~الدين والفرض عظيما. PageV01P249 # ومتى ثقل الدرس تثاقلت النفس، وتقاعست الطبيعة. ومتى دام الاستثقال أحدث ~~الهجران. وإذا تطاول الكد رسخ الزهد. وفي ترك النظر عمي البصر، وفي إهمال ~~الطبيعة كلال حد الطبيعة. وعلى قدر الحاجات تكون الخواطر، كما أنه على قدر ~~غريزة العقل تصح الحوائج وتسقم، وعلى قدر كثرة الحاجة تتحرك الجارحة ويتصرف ~~اللسان، ومع قلة الحركة وبعد العهد بالتصرف يحدث العي ويظهر العجز ويبطئ ~~الخاطر. ومع ذهاب البيان يفسد البرهان، وفي فساد البرهان هلاك الدنيا وفساد ~~الدين. # فقد بلغت ما أردت، ونلت ما حاولت. فحسبك الآن من شج من يأسوك، ومن قتل من ~~يقتل فيك. # جعلت فداك. إنه ليس يومي منك بواحد، وأنا على عقابك أوجد. وليس ينجيني ~~منك معقل وعل، ولا مفازة سبع، ولا قعر بحر، ولا رأس طود، ولا دغل ولادحل، ~~ولانفق ولا مغارة ولا مطمورة. وليس ينجيني منك إلا مفازة المهلب. فإن ~~أعرتني قلبه وعلمتني حيلته، وأمكنتني من سكينه. وإلا فأنا أول من ابتلعته ~~تلك الحية. ولا والله إن بي PageV01P250 ~~قوة على الثعبان، فكيف التنين. أعفني من حية المهلب ثم اقتلني أي قتلة ~~شئت. # إن احترست منك ألفيت لنفسي كدا شديدا، وغما طويلا، وطال اغترابي وافتراق ~~ألافي، وتعرضت للعدو، وتحرشت بالسباع. فإن استرسلت إليك لم تر ms104 أن تقتلني ~~إلا شر قتلة وآلمها، ولم تعذبني إلا بأشد النقم وأطولها. ولو أردت ذبحي ~~لاخترت الكليل على المرهف، والتطويل على التذفيف، حتى كأني علمت عليك: " ~~شاه مات "، أو أكلت سبعة وأطعمتك واحدة. # ولقد تقدمت في المكر واستظهرت علي في الكيد، حتى توليت ذلك في صغار كتبي ~~وفيما لا تحفل به من دوام أمري، وعلمت أن الدرس لليل وأن الا ~~...... للنهار، وأن الكتاب لايقرأ إلا ليلا والنيران زاهرة، والمصابيح مقربة. ~~وعلمت أن كل من ضعف بصره وكل نظره، فإنه أبدا أقرب مصباحا واعظم نارا. وأن ~~المحرور المحترق، والممرور الملتهب، والبائس المتهافت، إذا كان صاحب كتب ~~ودرس، أنه لا يجد PageV01P251 ~~بدا من الصبر على ما يحرقه ويعميه، أو الترك للقراءة فيها والتعرض لها. ~~فخيرتني بين العمي والجهل. وما فيهما حظ لمختار. # وقلت: إذا سخن بدنه سجن بوله، وإذا سجن بوله جرح مثانته وأحرق كليته، ~~وطبخ فضول غذائه، وجفف ما فضل عن استمرائه فأحاله حصى قاتلا وصخرا جامدا، ~~وهو دقيق القضيب ضيق الإحليل، فإذا حصاه يورثه الأسر، وفي ذلك الأسر تلف ~~النفس أو غاية التعذيب. # وقلت: فإن ابتليت بطول عمره أقام فينا مشغولا بنفسه، وإن ذهب عنا فقد ~~كفانا مؤونة الحيلة في أمره. # جعلت فداك، ما هذا الاستقصاء وما هذا البلاء؟! وما هذا التتبع لغوامض ~~المسألة، والتعرض لدقائق المكروه؟! وما هذا التغلغل في كل شيء يخمل ذكرى؟! ~~وما هذا الترقي إلى كل ما يحط من قدري؟! # وما عليك أن تكون كتبي كلها من ~~الورق الصيني، ومن الكاغد الخرساني؟! # قل لي: لم زينت النسخ في الجلود، ولم حثثتني على الأدم، وأنت تعلم أن ~~الجلود جافية الحجم، ثقيلة الوزن، إن أصابها الماء بطلت، وإن كان يوم لثق ~~استرخت. ولو لم يكن فيها إلا أنها تبغض إلى أربابها نزول الغيث، وتكره إلى ~~مالكيها الحيا، لكان في ذلك ما كفى ومنع منها. PageV01P252 # قد علمت أن الوراق لا يخط في تلك الأيام سطرا، ولا يقطع فيها جلدا. وإن ~~نديت - فضلا على أن تمطر، وفضلا على أن تغرق ms105 - استرسلت فامتدت. ومتى جفت لم ~~تعد إلى حالها إلا مع تقبض شديد، وتشنج قبيح. وهي أنتن ريحا وأكثر ثمنا، ~~وأحمل للغش: يغش الكوفي بالواسطي، والواسطي بالبصري، وتعتق لكي يذهب ريحها ~~وينجاب شعرها. وهي أكثر عقدا وعجرا، وأكثر خباطا وأسقاطا، والصفرة إليها ~~أسرع، وسرعة انسحاق الخط فيها أعم. ولو أراد صاحب علم أن يحمل منها قدر ما ~~يكفيه في سفره لما كفاه حمل بعير. ولو أراد مثل ذلك من القطنى لكفاه ما ~~يحمل مع زاده. # وقلت لي: عليك بها فإنها أحمل للحك والتغيير، وأبقى على تعامر العارية ~~وعلى تقليب الأيدي، ولريدها ثمن، ولطرسها مرجوع، والمعاد منها ينوب عن ~~الجدد. وليس لدفاتر القطني أثمان في السوق وإن كان فيها كل حديث طريف، ولطف ~~مليح، وعلم نفيس. ولو عرضت عليهم عدلها في عدد الورق جلودا ثم كان فيها كل ~~شعر بارد وكل حديث غث، لكانت أثمن، ولكانوا عليها أسرع. # وقات: وعلى الجلود يعتمد في حساب الدواوين، وفي الصكاك والعهود، وفي ~~الشروط وصور العقارات. وفيها تكون نموذجات النقوش، PageV01P253 ~~ومنها تكون خرائط البرد. وهن أصلح للجرب ولعفاص الجرة وسداد القارورة. ~~وزعمت أن الأرضة إلى الكاغد أسرع، وأنكرت أن تكون الفأرة إلى الجلود أسرع، ~~بل زعمت أنها إلى الكاغد أسرع وله أفسد، فكنت سبب المضرة في اتخاذ الجلود ~~والاستبدال بالكاغد، وكنت سبب البلية في تحويل الدفاتر الخفاف في المحمل، ~~إلى المصاحف التي تثقل الأيدي وتحطم الصدور، زتقوس الظهور، وتعمي الأبصار. # وقد كان في الواجب أن يدع الناس اسم المصحف للشيء الذي جمع القرآن دون كل ~~مجلد، وألا يرموا جمع شيء من أبواب التعلم بين الدفتين، فيلحقوا بما جعله ~~السلف للقرآن غير ذلك من العلوم. # دع عنك كل شيء. ما كان عليك أن يكون لي ولد يحيي ذكرى ويحوى ميراثي، ولا ~~أخرج من الدنيا بحسرتي، ولا يأكله مراء يرصدني، وابن عم يحسدني، ولا يرتع ~~فيه المعدلون في زمان السوء، ولا تصطنع فيه الرجال، ويقضي به الذمام. فقد ~~رأيت صنيعهم في مال المفقود والمناسخة والوارث الضعيف، ومن مات ms106 بغير وصية. PageV01P254 # جعلت فداك، إن النفوس لا تجود لمولى الكلالة بما تجود به لأولاد الأصلاب ~~وما مس تلك الأصلاب؛ لأن الرحم الماسة والقرابة الملتصقة، واللحمة ~~الملتحمة، وإن أملت التركة ونازعت إلى المورث، فمعها ما يأطرها ويثنيها، ~~ويحزنها ويبكيها، ويحرك دمها ويستغرز دمعها. وقد يشفع للولد إلى أبيه حال ~~أبية كانت من أبيه. # وابن العم الذي ليس بالبعيد فيحتك من جسده، وليس بالقريب المحنو على ~~رحمه، وسببه الجاذب له إلى تمي مماتي أمتن من سببه إلى تمني بقائي، وهو إلى ~~الحال الموجبة للقسوة والغلظة أقرب منه إلى الحال الموجبة للرقة والعطف. ~~وليس ينصرك إذا نصرك ولا يحامي عليك لقرابته منك، ولكن لعلمه بأنه متى خذلك ~~حل به ضعفك، واجترأ بعد ضعفك عليه عدوه. فهو يريد بنصره من لا يجب عليه ~~شكره، ويقوي ضعف غيره بدفع الضعف عن نفسه. # جعلت فداك. ما كان عليك من بني صغير يكون لي، ولا سيما ولست عندك ممن ~~يدرك كسبه أو تبلغ نصرته، أو يعاين بره أو يؤمل إمتناعه. # وما كان عليك مع كبر سني وضعف ركني، أن يكون لي ريحانة أشمها وثمرة ~~أضمها، وأن أجد إلى الأماني به سببا، وإلى التلهي سلما، وأن تكثر لي من جنس ~~سرور الحالم، وبقدر مايمتع به راجيالسراب اللامع، حتى حببت قصر عمري إلى ~~وليي، وشوقته إلى ابن عمي؛ وحتى ذدت فيما عنده PageV01P255 ~~مع كثرة ما عنده، وحتى صيرني حبه لموتي إلى حب موته، وتأميل مالي إلى ~~تأميل فقره؛ وحتى شغلتني عمن كان يشغل عدوي عني. # وسواء أعبت على ألا يكون لي ولد قبل أن يكون، أو عبت على ألا يكون بعد أن ~~كان. وإنما يعذب الله على النية والقصد، وعلى التوخي والعمد. # وكما أنه سواء أن تحتال في ألا يكون لي مال قبل أن أملكه. أو احتلت في ~~ألا يكون بعد أن ملكته. # وكنت لا أدري ما كان وجه حبك لإعناتي، والتشييد بذكر تراثي، والتنويه ~~باسمي، ولا لم زهدتني في طلب الولد، ورغبتني في سيرة الرهبان. # فإذا أنت لم ms107 ترفع ذكري في الأغنياء إلا لتعرض ذنبي للفقراء، ولم تكثر ~~مالي إلا لتقوي العلة في قتلي، فيالها مكيدة ما أبعد غورها، ويالها حفرة ما ~~أبعد قعرها. لقد جمع هذا التدبير لطافة الشخص ودقة المسلك، وبعد الغاية. # والله لو دبرها الإسكندر على دارا بن دارا، أو استخرجها المهلب على سفيان ~~بن الأبرد، وفتحت على هرثمة في مكيدة خازم بن خزيمة، ولو دبرها لقيم بن ~~لقمان على لقمان بن عاد، ولو أراغها قيس بن زهير على حصن بن حذيقة، ولو ~~توجهت لكهان بني أسد على دهاة قريش لقد كان ذلك PageV01P256 ~~من تدبيرهم نادرا بديعا، ولكان في مكايدهم شاذا غريبا. وإنها لترتفع عن ~~قصير في كيد الزباء، وعن جذيمة في مشاورة قصير. وما إخالها إلا ستدق على ~~ابن العاص، وتغمض على ابن هند، ويكل عنها أخو ثقيف، ويستسلم لها ابن سمية. # هذا والله التدبير لا مخاريق العراف، وتزاويق الكاهن، وتهاويل الحاوي، ~~ولا ما ينتحلها صاحب الرئي؛ بل تضل فيها رقي الهند، وتقر بها سحرة بابل. # فلو كنت إذ أردت ما أردت، وحاولت ما حاولت، رفعت قبل كل شيء المؤانسة، ثم ~~أبيت المؤاكلة، ثم قطعت البر، ثم أذنت مع العامة، ثم أعملت الحرمان، ثم ~~صرحت بالجفوة، ثم أمرت بالحجاب، ثم صرمت الحبل، ثم عاديت واقتصدت، ثم من ~~بعد ذلك كله أسرفت واعتديت، لكنت PageV01P257 ~~واحدا ممن يصبر أو يجزع، فلعلي كنت أعيش بالرفق، وأتبلغ بحشاشة النفس، ~~وأعلل نفسي بالطمع الكاذب. ولكن فجاءات الحوادث وبغتات البلاء لا يقوم لها ~~الحجر القاسي، ولا الجبل الراسي. فلم تدع غاية في صرف ما بين طبقات التعذيب ~~إلا أتيت عليها، ولا فضول ما بين قواصم الظهر إلا بلغتها. فقد مت الآن فمع ~~من تعيش؟ بل قد قتلتني فمن الآن تعاشر!، كما قال ديوست المغني لكسرى حين ~~أمر بقتله لقتله تلميذه بلهبذ: قتلت أنا بلهبذ، وتقتلني، فمن يطربك؟ قال: ~~خلوا سبيله؛ فإن الذي بقي من عمره هو الذي أنطقه بهذه الحجة. # ولكني أقول: قد قتلتني فمع من تعيش؟ أمع الشطر نجيين؟! ms108 فقد قال جالينوس: ~~إياك والاستمتاع بشيء لا يعم نفعه. # إن الكلام إنما صار أفضل من الصمت؛ لأن نفع الصمت لا يكاد يعدو الصامت، ~~ونفع الكلام يعم القائل والسامع، والغائب والشاهد، والراهن والغابر. # وقالوا: ومما يدل من فضل الكلام على الصمت، أنك بالكلام تخبر عن الصمت ~~وفضله، ولا تخبر بالصمت عن فضل الكلام. ولو كان PageV01P258 ~~الصمت أفضل لكانت الرسالة صمتا، ولكان عدم القرآن أفضل من القرآن. # وقد فرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضل وميز وحصل، حيث قال: ~~" رحم الله امرأ قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم ". فجعل حظ السكوت السلامة ~~وحدها، وجعل حظ القول الجمع بين الغنيمة والسلامة. وقد يسلم من لا يغنم، ~~ولا يغنم إلا من سلم. # فأما الدواب فمن يضع المركب الكريم إلى الصاحب الكريم؟ ومن يعدل إمتناع ~~بهيمة بإمتناع أديب. # قالت ابنة النعمان: لم نر فيما جربنا من جميع الأصناف أبلغ في خير وشر من ~~صاحب. # ولما عزم ابن زياد على الحقنة بعد أن كان تفحشها قال له حارثة بن بدر: ما ~~أجد أولى بتولي ذلك من الطبيب. قال عبيد الله: كلا، فأين الصاحب. # والله أن لو نتجت في كل عام ألف شبديز، وأحبلت في كل ليلة أربعة آلاف ~~ربرب، وصار لك كل نهر المبارك بدلا من بعض بابك. PageV01P259 ~~وأكلت رأس الجنيد بن حاق الأشيم، وأحبلت ابن ألغز من إفراط الشبق، لما ~~كان ينبغي لك أن تعاملنا بهذه المعاملة، ولا كان ينبغي أن تقتلنا هذه ~~القتلة، ولو اقتصرت من العقوبة على شيء دون شيء لكان أعدل، ولو عفوت البتة ~~لكان أمثل. # إن الاعتزام على قليل العقاب يدعو إلى كثيره، ومبتدئ العقاب بعرض لجاج. ~~وليس يعاقب إلا غضبان. # والغضب يغلب العزم على قدر ما مكن، ويحير اللب بقدر ما سلط. # والغضب يصور لصاحبه مثل ما يصور السكر لأهله. # والغضبان يشعله الغضب، ويغلي به الغيظ، وتستفرغه الحركة، ويمتلئ بدنه ~~رعدة، وتتزايل أخلاطه، وتنحل عقده، ولا يعتريه من الخواطر إلا ما يزيده في ~~دائه، ولا يسمع من جليسه ms109 إلا ما يكون مادة لفساده. وعلى أنه ربما استفرغ ~~حتى لا يسمع، واحترق حتى لا يفهم. # ولولا أن الشيطان يريد ألا يخلو من عمله، ولا يقصر في عادته، لما وسوس ~~إلى غضبان ولا زين له، ولما فتح عليه؛ إذ كان قد كفاه، وبلغ أقصى مناه. # وليس يصارع الغضب أيام شبابه وغرب نابه شيء إلا صرعه، ولا ينازعه قبل ~~انتهائه وإدباره شيء إلا قهره. وإنما يحتال له قبل هيجه، PageV01P260 ~~ويتوثق منه قبل حركته، ويتقدم في حسم أسبابه وفي قطع علله. فإما إذا تمكن ~~واستفحل، وأذكى ناره واشعل، ثم لاقى ذلك من صاحبه قدرة، ومن أعوانه سمعا ~~وطاعة، فلو سعطته بالتوراة، ووجرته بالإنجيل، ولددته بالزبور، وأفرغت على ~~رأسه القرآن إفراغا، وأتيته بآدم عليه السلام شفيعا لما قصر دون أقصى قوته، ~~ولتمنى أن يعار أضعاف قدرته. # وقد جاء في الأثر: أن أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب. # قال قتادة: ليس يسكن الغضب إلا ذكر غضب الرحمن عز وجل. # وقال عمرو بن عبيد: ذكر غضب الرب يمنع من الغضب. إلا أن يريد الذكر ~~باللسان. # ويسمىالمتوجد غضبان، والذكور حقودا. # فلا تقف - حفظك الله - بعد مضيك في عقابي التماسا للعفو عني، ولا تقصر عن ~~إفراطك من طريق الرحمة لي؛ ولكن قف وقفة من يتهم الغضب على عقله، والشيطان ~~على دينه، ويعلم أن للعقل خصوما، وللكرم أعداء. # وإن من النصف أن تنتصف لعقللك من خصومه، وتنتصف لكرنك من عدوه، وتمسك ~~إمساك من لا يبرئ نفسه من الهوى، ولا يبرئ الهوى من الخطأ. PageV01P261 # ولا تنكر لنفسك أن تزل، ولعقلك أن يهفو؛ فقد زل آدم عليه اللام وهفا، ~~وعصى ربه وغوى، وغره عدوه وخدعه خصمه، وعيب باختلال عزمه وسكون قلبه إلى ~~خلاف ثقته. هذا وقد خلقه الله بيده، وأسكنه في دار أمنه، وأسجد له ملائكته، ~~ورفع فوق العالمين درجته، وعلمه جميع الأسماء بجميع المعاني. ولا يجوز أن ~~يعلمه الاسم ويدع المعنى، ويعلمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه. والاسم ~~بلا معنى لغو، كالظرف الخالي. والأسماء في ms110 معنى الأبدان والمعاني في معنى ~~الأرواح. اللفظ للمعنى بدن، والمعنى للفظ روح. ولو أعطاه الأسماء بلا معان ~~كمن وهب شيئا جامدا لا حركة له، وشيئا لا حس فيه، وشيئا لا منفعة عنده. # ولا يكون اللفظ اسما إلا وهو مضمن بمعنى، وقد يكون المعنى ولا اسم له، ~~ولا يكون اسم إلا وله معنى. # في قوله جل ذكره: " وعلم آدم الأسماء كلها " إخبار أنه قد علمه المعاني ~~كلها. ولسنا نعني معاني تراكيب الألوان والطعوم والأراييح، وتضاعيف الأعداء ~~التي لا تنتهي ولا تتناهى. وليس لما فضل عن مقدار المصلحة ونهاية الرسم اسم ~~إلا أن تدخله في باب العلم فتقول: شيء، ومعنى. # الأسماء التي تدور بين الناس إنما وضعت علامات لخصائص الحالات، PageV01P262 ~~لا لنتائج التركيبات. وكذلك خاص الخاص لا اسم له إلا أن تجعل الإشارة ~~المقرونة باللفظ اسما. # وإنما تقع الأسماء على العلوم المقصورة، ولعمري إنها لتحيط بها وتشتمل. ~~فأما العلوم المبسوطة فإنها تبلغ مبالغ الحاجات ثم تنتهي. # فإذا زعمت أن الله تبارك وتعالى علم آدم الأسماء كلها بمعانيها، فإنما ~~تعني نهاية المصلحة لا غير ذلك. هذا وآدم هو الشجرة وأنت ثمرة، وهو سماوي ~~وأنت أرضي، وهو الأصل وأنت الفرع، والأصل أحق بالقوة والفرع أولى بالضعف. # فلست أسألك أن تمسك إلا ريثما تسكن إليك نفسك، ويرتد إليك ذهنك، وحتى ~~توازن بين شفاء الغيظ والانتفاع بثواب العفو، وترى الحلم وما يجلب من ~~السلامة وطيب الأحدوثة، وترى تضرم الغضب وما يفضي لأهله من فضل القوة. # على أن العقل إذا تخلص من سكر الغضب أصابه ما يصيب المخمور إذا خرج من ~~سكر شرابه، والنهزم إذا عاد إلى أهله، والمبرسم إذا أفاق من برسامه. # وما أشك أن العقل حين يطلق من إساره كالمقيد حين يفك من قيوده؛ يمشي ~~كالنزيف، ويحجل كالغراب. فإذا وجب عليك أن تحذر على عقلك مخامرة داء الغضب ~~بعد تخلصه، وأن تتعمده بالعلاج بعد مباينته له وتخلصه PageV01P263 ~~من يده، فما ظنك به وهو أسير في ملكه، وصريع تحت كلكله، وقد غطه في بحره، ~~وغمره بفضل ms111 قوته. # وقد زعموا أن الحسن حضر أميرا قد أفرط في عقوبة بعض المذنبين، فكلمه فلم ~~يحفل بكلامه، وخوفه فلم يتعظ بزجره، فقال: إنك إنما تضرب نفسك، فإن شءت ~~الآن فأقل، وإن شئت فأكثر. # ومعاذ الله أن أقول لك كما قال الحسن لذلك الظالم المعتدي، والمصمم ~~القاسي، ولكني أقول: اعلم أنك تضرب من قد جعلك من قتله في حل. وإن كان ~~القتل يحل بإحلال المقتول، ويسقط عنه عقابه بهبة المظلوم؛ ولو أمكن في ~~الدين تواهب قصاص الآخرة في الدنيا؛ وإن كان ذلك مما تجود به النفس يوم ~~الحاجة إلى الثواب وإلى رفع العقاب، وكان الوفاء مضمونا لكنت أول من أسمحت ~~بذلك نفسه، وانشرح به صدره. # جعلت فداك، إني قد أحصيت جميع أسباب التعادي، وحصلت جميع علل التضاغن، ~~إلا علة عداوة الشيطان للإنسان؛ فإني لا أعرف إلا مجازها في الجملة ولا أحق ~~خاصتها على التحصيل. وعلى حال فقد عرفتها من طريق الجملة وإن جهلتها من ~~طريق التفصيل. فأما هذا التجني فلم أعرفه في خاص ولا عام. # فمن أسباب العداوات تنافس الجيران والقرابات، وتحاسد الأشكال في ~~الصناعات. ومن أمتن أسبابهم إلى الشر وأسرعها إلى المروءة والعقل، PageV01P264 # وأقدحها في العرض وأحبطها على الدين، التشاح على المواريث، والتنازع في ~~تخوم الأرضين. فإن اتفق أن يكون بين المتشاكلين في القرابة كان السبب أقوى، ~~والداء أدوى. وعلى حساب ذلك إن جمعت هذه الخصومة مع الجوار والقرابة ~~واستواء الحظ في الصناعة. ولذلك كتب عمر رضي الله عنه إلى قضاته: أن ردوا ~~القرابات عن حرا القضاء فإن ذلك يورث التضاغن. # ولم أعجب من دوام ظلمك، ~~وثباتك على غضبك، وغلظ قلبك، ودورنا بالعسكر متجاورة، ومنازلنا بمدينة ~~السلام متقابلة، ونحن ننظر في علم واحد، ونرجع في النحلة إلى مذهب واحد؛ ~~ولكن اشتد عجبي منك اليوم وأنا بفرغانة وأنت بالأندلس، وأنا صاحب كلام وأنت ~~صاحب نتاج، وصناعتك جودة الخط وصناعتي جودة المحو، وأنت كاتب وأنا أمي، ~~وأنت خراجي وأنا عشري، وأنت زرعي وأنا نخلي. فلو كنت إذ كنت من بكر كنت من ms112 ~~تميم، كان ذلك إلى العداوة سببا، وإلى المنافسة سلما. # أنت أبقاك الله شاعر وأنا راوية، وأنت طويل وأنا قصير، وأنت أصلع وأنا ~~أنزع، وأنت صاحب براذين وأنا صاحب حمير، وأنت ركبن وأنا عجول، وأنت تدبر ~~لنفسك وتقيم أود غيرك، وتتسع لجميع الرعية، وتبلغ PageV01P265 ~~بتدبيرك أقصى الأمة، وأنا أعجز عن نفسي وعن تدبير أمتي وعبدي. وأنت منعم ~~وأنا شاكر، وأنت ملك وأنا سوقة، وأنت مصطنع وأنا صنيعة، وأنت تفعل وأنا ~~أصف، وأنت مقدم وأنا تابع، وأنت إذا نازعت الرجال وناهضت الأكفاء لم تقل ~~بعد فراغك وانقطاع كلامك: لو كنت قلت كذا كان أجود، ولو تركت قول كذا لكان ~~أحسن؛ وأمضيت الأمور على حقائقها، وسلمت إليها أقساطها على مقادير حقوقها؛ ~~فلم تندم بعد قول، ولم تأسف بعد سكوت. وأنا إن تكلمت ندمت، وإن جاريت أبدعت ~~ورأيي كله دبري. وأنت تعد في الشطرنج زبرب، وأنا في الشطرنج لا أحد. # وما أعرف هاهنا اجتماعا على مشاكلة إلا في الإيثار بخبر الخشكار على ~~الحواري، والباقلي على الجوزينج، وأنا جميعا ندعي الهندسة. PageV01P266 # فقد بلغ الآن من جرمي في مساواتك في خبز الخشكار، وإيثاري الباقلي، ~~والمعرفة بتقدير المدن وإجراء القنى، أن أنفى من جميع الأرض، وأن تجعل في ~~دمي الجعائل؛ فإني قد هجرت الخبز البتة إلى مواصلة التمر، ونزلت الوبر بدلا ~~من المدر. # دعنا الآن فإنك فارغ. إن الله يعلم - وكفى به عليما، وكفى به شهيدا، وكفى ~~به حفيظا ووكيلا، وكفى بجرأة من يعلمه ما لا يعلم جرأة وترضا، وكفى بحاله ~~عند الله بعدا ومقتا - لقد أردت أن أفديك بنفسي في بعض كتبي، وكنت عند نفسي ~~في عداد الموتى وفي حيز الهلكى، فرأيت أن من الخيانة لك ومن اللؤم في ~~معاملتك، أن أفديك بنفسي ميتة، وأن أريك أني قد جدت لك بأنفس علق والعلق ~~معدوم. ليس أن من فداك فقد جعل فداك، ولكنها نهاية من نهايات التعظيم، ~~ودليل من دلائل الاجتهاد. ومن أعلن الاجتهاد لك واستسر خلاف ذلك فقد نافق ~~وخان، وغش وألام. وأخلق بمن أخل بهذه ms113 ألا يرعى حقا، ولا يرجع إلى صحة ولا ~~إلى حقيقة. # ثم أنت لا يشفيك مني السم المجهز، ولا السم الساري؛ فإنه أبعد غاية في ~~التطويل وأبلغ في التعذيب. لا ولا لعاب الأفاعي وداهية الدواهي، فإنه يعجز ~~الرقى ويفوت ذرع الأطباء. لا ولا نار الدنيا، بل لا يشفيك من نار الآخرة ~~إلا الجحيم، ولا يشفيك من الجحيم إلا أن أرى في سوائه وفي PageV01P267 ~~أصطمة ناره، وفي معظم حريقه، وفي موضع الصميم من لهيبه. بل لا تكتفي بذلك ~~دون الدرك الأسفل، بل لا يرضيك شيء سوى الهاوية، بل لا ترضى إلا بعذاب آل ~~فرعون، أشد العذاب، بل لا يرضيك إلا عذاب إبليس الذي زين الختر للعباد، ~~وبثه في البلاد، والذي خطأ الرب وعائده ورد قوله، وغير عليه تدبيره، ولم ~~يزده إلا شكا ولجاجة، وتماديا وإصرارا. ثم لم يرض من الجد في مخالفة أمره، ~~وخلع العذار في شدة الخلاف عليه إلا بأن يحلف على شدة اجتهاده في ذلك ~~بعزته، فجعل العزة المانعة من إسخاطه سبيلا إلى إسخاطه، والقسم الحاجز دون ~~إغضابه وسيلة إلى إغضابه، حيث قال: " فبعزتك لأغوينهم أجمعين ". # فعليك عافاك الله بإبليس إن كنت للع تغضب، أو عليك بالأكفاء إن كنت لنفسك ~~تتشفى. # لا ولكنك استغمرتني واستضعفتني، وجعلتني فروج الرفاء، وتريد أن تتعلم في ~~معاقبة الأعداء. فإن كنت إلى هذا تذهب فجعفر بن معروف أضعف مني، وعبد الله ~~بن عيسى أسوأ خبرا مني. # سبحان الله، يسلم عليك حيدر الأفشين، ويهلك عليك عمرو الجاحظ، PageV01P268 ~~ويسعد بك أبعد البعداء ويشقى بك أقرب القرباء. وتتغافل عن مثل الجبال ~~التماسا وحبا للسلامة، وتغلغل إلى المحرات طلبا للتعرض وحبا للشر. # ومتى قدرت على عدوك فلم تجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه، ومتى لم تتغافل ~~عنه تكرما أو تدعه احتقارا، ومتى اكترثت لكبير وضاق صدرك عن شيء عظيم ~~فهأنذا بين يديك، فكلني بخل وخردل؛ فوالله إنك لتأكله غثا غير مريء، وخبيثا ~~غير شهي. # لا والله، لكأنك وقعت على مطمورة، وظفرت برأس خاقان. كنت أظن أن الرشاقة ~~والحلم لا ms114 يجتمعان، وأن ظرف الإنسان وأصالة الرأي لا يفترقان، وأن النزق ~~والخفة مقرونان بخفة البدن، وأن الركانة والأناة مجموعان لصاحب السمن، حتى ~~رأيتك فاعتقدت بك خلاف ذلك الرأي، واستبدلت فيك ضد ذلك الظن. فتركتني حتى ~~إذا نازعت الرجال، وتعرضت للشجي، وشغلت نفسي بثلب الخصام، وانقطعت إلى ~~أصحاب القدود، وجعلت عدوائي في تقديم القضاف، وطال لساني، وأظهرت الاستبصار ~~في فضلك، وجعلت مزاج أخلاطك هو الحجة، واعتدالك هو النهاية، وطبيعتك PageV01P269 ~~هي المشكلة؛ وزعمت ان منظرك يغني عن مخبرك، وأن أولك يجلي عن آخرك شددت ~~على شدة المهر الأرن، وتسرعت إلي تسرع الغر النزق، وألححت علي إلحاح اللجوج ~~الحنق. كأنك لم تحفل بما يشيع لك من اسم المتسرع، وبما تضاف إليه من سخف ~~المتترع، بعد أن تكذب قولي وتفند خبري. # وقد تقدمت التجربة أن الحديد لا يكون حقودا، وأن المصطنع لا يكون للصنيعة ~~حاسدا، فقصدت على رأس إلى القياس الممتحن فأفسدته، وإلى الطبائع المعتدلة ~~فنقضتها، وإلى القضايا الصحيحة فرددتها. # وقالوا بأجمعهم: حالان لا تقبلان الحسد، ولا يخلوان من الرشد: حال ~~الصنيعة لمصطنعه، وحال المولى لمعتقه. فكيف إذا كان الصنيعة صديقا، وكان ~~للخاصة محتملا. # وإنما صارت - أبقاك الله - أجزاء النفس وأعضاء الجسد مع كثرة عددها، ~~واختلاف أخلاطها، وتباعد أماكنها، نفسا واحدة وجسدا واحدا، PageV01P270 ~~لاستواء الخواطر، ولاتفاقها على الإرادة. فأنت وصديقك الموافق، وخليلك ذو ~~الشكل المطابق، مستويان في المحاب، متفقان في الهوى، متشاكلان في الشهوة؛ ~~وتعاونكما كتعاون جوارح أحدكما، وتسالمكما كتسالم المتفق من طبائعكما. فإذا ~~بان منك صديقك فقد بان منك شطرك، وإذا اعتل خليلك فقد اعتل نصفك، بل النفوس ~~المضمنة كالمعاني المضمنة، فذهاب بعضها هو ذهاب جميعها. فموتي هو موت ~~صديقي، وحياتي هي حياة صديقي. فلا تبعدنه من قلبك بعد بدنه من بدنك؛ فقد ~~يقرب البغيض وينأى الحبيب. ولعل بعض طبائعك المخالط لروحك، أن يكون أعدى من ~~كل عدو، وأقطع من كل سيف، وأخوف عليك من الأسد الضاري، ومن الم الساري. # ثم اعلم أن الموثق بمودته قليل، وقد صار اليوم المعتمد عليه في صحة ~~العقدة، ms115 وفي كرم الغيب والعشرة، عنقاء مغرب. ولا أعلم الكبريت الأحمر إلا ~~أوجد منه. وإني لأظن القناعة أكثر منه. وما أكثر من جعل انقطاع سببه وضعف ~~طمعه لانقطاع سببه قناعة. # وقيل ليحيى بن خالد: أي شيء أقل؟ قال: قناعة ذي الهمة البعيدة بالعيش ~~الدون، وصديق قليل الآفات كثير الإمتناع، شكور النفس، يصيب مواضع المدح. PageV01P271 # لا والله إن تعرف على ظهرها موضعا للسر، ولا مكانا للشكوى، ولا روحا تأنس ~~بها، ولا نفسا تسكن إليها. ولو أردت أن تعرفني من جميع العالمين رجلا لما ~~قدرت على أحد يحتمل الغنى. ومحتمل الفقر قليل، ومحتمل الغنى عديم. # إن الخير - أبقاك الله - في ايام كثرته كان قليلا فما ظنك به في ايام ~~قلته، وإن الشر في أيام قلته كان كثيرا فما ظنك به في أيام كثرته، وأنت ~~غريب في المصطنعين. وأنا غريب في الصنائع، والغريب للغريب نسيب، ونسب ~~المشاكلة وقرابة الطبيعة الموافقة، أقرب من نسب الرحم؛ لأن الأرحام مولعة ~~بالتحاسد، لهجة بالتقاطع، وأن التحاب على طبع المشاكلة. والتلاقي على وفاق ~~من الطبيعة، أبعد من التفاسد، وأبعد من التعادي. وسبب التعادي عرض في طبائع ~~الغرباء، وجوهر في طبائع الأقرباء. # واعلم أنك لا تزال في وحشة إلى وحشة، وفي غربة إلى غربة، وفي تنكر العيش ~~وتسخط الحال، حتى تجد من تشكو إليه بثك، وتفضي إليه بذات نفسك. ومتى رأيت ~~عجبا لم تضحك رؤيتك له بقدر ما يضحك إخبارك إياه. فمن أغلب عليك ممن كانت ~~هذه حاله منك، وموقعه من نفسك. # ولو أن شيبتي التي بها استعطفتك، وكبرة سني التي بها استرحمتك، اللتان لم ~~يحدثا علي وأنا في ذراك، ولم يحلا بي إلا وأنا في ظلك، لكان في شفاعة ~~الكبرة، واسترحام الضعف والوهنة، ما يردعك عني أشد الردع، PageV01P272 ~~ويؤثر في طباعك أبين الأثر. فكيف وقد أكرمتني جديدا، ثم تريد أن تهينني ~~خلقا، وقويت عظمي أغلظ ما كان، ثم تريد أن توهنه أرق ما كان. وهل هرمت إلا ~~في طاعتك، وهل أخلقني إلا معاناة خدمتك!. # قال علي بن أبي طالب: ms116 رأي الشيخ الضعيف أحب إلينا من جلد الشاب القوي. # وانا أقول كما قال أخو ثقيف: مودة الأخ التالد وإن أخلق خير من مودة ~~الطارف وإن ظهرت بشاشته، وراعتك جدته. # وقال عبد الملك بن مروان: رأي الشيخ أحب إلينا من مشهد الغلام. # وقال بعضهم: ليس بغائب من شهد رأيه، وليس بفان من بقي أثره. # وما كمل العقل ولا وفر التجربة شيء كنقصان البدن، وكأخذ الأيام من قوي ~~الأعضاء. # وقال آخر: ما قبح الرجال شيء كالوكال، ولا أفسد الكريم شيء كحب ~~الاستطراف. وخير الناس من أتبع الغضب مواقع الذنوب، وأتبع العقاب مواقع ~~الغضب، ولم يتبع الغضب مواقع الهوى. PageV01P273 # ولقد منحتك جلد شبابي كملا، وغرب نشاطي مقتبلا، وكان لك مهناه، وثمرة ~~قواه، واحتملت دونك عرامه وغربه، وكان لك غنمه وعلي غرمه، وأعطيتك عند ~~إدبار بدني قوة رأيي، وعند تكامل معرفتي نتيجة تجربتي، واحتملت دونك وهن ~~الكبر وإسقام الهرم. # وخير شركائك من أعطاك ما صفا، وأخذ لنفسه ما كدر. وأفضل خلطائك من كفاك ~~مؤونته، وأحضرك معونته، وكان كلاله عليه، ونشاطه لك. وأكرم دخلائك وأشكر ~~مؤمليك من لا يظن انك تسمي جزيل مل تحتمل في بذلك ومواساتك مؤونة، ولا ~~تتابع إحسانك إليه نعمة، بل يرى أن نعمة الشاكر فوق نعمة الواهب، ونعمة ~~الواد المخلص فوق نعمةالجواد المغني؛ وأنه لا يبلغ في إعطاء المجهود من ~~نفسه في خلع جميع ماله إلى مؤمليه والمتحرمين به، حسن نية الشاكر الوامق، ~~وحق تمني الواد العارف. # ولو اقتضيت جميع حقوقك علي، وأنكرت جميع حقوقي عليك، أو جعلت حقي عليك ~~حقا لك، ثم زعمت أن حقك لا يؤدى إلى شكره، وأن حقي لا يلزم حكمه، وأن ~~إحساني إساءة، وأن الصغير من ذنوبي كبير، وأن اللمم مني إصرار، وأن خطائي ~~عمد، وأن عمدي كله كفر، وأن PageV01P274 ~~كفري يوجب القمع ويمنع من النزوع لما كان عندك. وما اتسع قولي لأكثر من ~~هذا العقاب، ولا أشد من هذا الغضب. وما ينبغي أن يكون هذا المقدار من النقم ~~إلالباري النسم في دار البقاء، لا في ms117 دار الفناء. والذي يجوز بين العباد ~~إنما هو تعزير أو حد، أو قود أو قصاص، أو حبس أو تغريب، أو إغرام أو إسقاط ~~عدالة، أو إلزام اسم العداوة، أو عقاب يجمع الألم والتقويم والتنكيك، فيكون ~~مضض الألم جزاء له ومعدلا أسبابه. # وربما قصر الإيقاع على السخط وجاوز حد الغضب. وربما كان مقصورا على ~~مقدارها، ومحبوسا على نهاية حالهما. # وليس كل عقاب نتيجة سخط، وقد لا يسمى ذلك الموقع والمعاقب واجدا كما يسمى ~~ساخطا، ولا يسمى عاتبا كما يسمى غضبان، فيخرج كما ترى من أن يسمى سخطا أو ~~موجودة وغضبا، كما خرج عقاب آدم عليه السلام من هاتين الصفتين، ومن جميع ~~القسمين. وعلى أنه كان إخراجا من دار الخلد والكرامة إلى دار الابتلاء ~~والمحنة؛ ومع كا في ذلك من إعراء الجلد، والتسمية بالظلم، مع الوصف له بضعف ~~العزم، والاغترار بيمين الخصم. # والعجب أنك تضجر من طول مسألتنا لعفوك مع حاجتنا إلى عاجل عفوك، ولا تضجر ~~بطول تشاغلك بظلم صديقك مع استغنائك عن ظلم صديقك. فلو كنت إنما تفعل ذلك ~~لأنك تلذ ضرب السياط ورض العظام، PageV01P275 ~~فجنب " دندن " أحمل، والسوط في ظهر قاسم أحسن، وأبدانهما تحت السياط ~~أثبت، وإن أرواحهما أبقى، وهي بأرواح الكلاب أشبه، وإلى طبائع الضباب أقرب، ~~وأرحامهم بالحمير أمس، ومن يشير فيهم بذلك أكثر، والأجر في ضربهم أعظم. ~~فاستدم اللذة بطريق اللذة، وضع الأمور في مواضعها يطل سرورك بها. # إن عتاق الخيل وأحرار الطير أدق حسا، وأشد اكتراثا. والكوادن الغلاظ ~~والمحامر الثقال، أكل حسا وأقل اكتراثا. وليس الصبر بالصمت والسكوت، ولا ~~بقلة الصياح والضموز. وقد يصيح تحت السوط من لا يقر على صاحبه، ولا يدل على ~~عورة نفسه. والكلب المضروب يجمع الصياح والهرب، والفرس العتيق يعدو ولا ~~يصيح، والحافر كله كظوم ضامز، والمخلب كله ضجور صياح، والضجر في الخف عام، ~~والبخاتي أضجر. فسمن الظلف عام، وهو في الضأن أخفى، وكل مضروب هارب صياح، ~~ومنها ما يجمع الخصال كالكلب والبعير. والهرب من المكروه محمود، والمقام ~~عليه مذموم؛ كالذي يعتري العير ms118 السقيم وتجده في الفرس الكريم، من قلة ~~الاكتراث وشدته. PageV01P276 # وصبر البدن غير صبر النفس. وليس بقاء الأرواح المنعقدة تحت الضرب الشديد ~~من اعتزام النفس، ولا يدل على الكرم. # وفي المثل: " ما روح فلان إلآ روح كلب ". وتقول العرب: " الضب أطول شيء ~~ذماء ". والكلب لئيم، والضب غير كريم. # والبازي أكرم من الصقر وأشد وأكثر ثمنا، وأجمل جمالا، وأعفى صيدا، وأنبل ~~نبلا؛ إن قبض عليه قتله، وإن لم ينح كندرته عن قربه أوهن نفسه. ثم بلغ من ~~رقة طبع البازي وعتقه أنه ينقطع برد البازيار له إلى مسقطه من يده. والصقر ~~يتعلق بسباقيه من رجل حمل بدرع فيضطرب منكسا إلى الصبح، ثم تجده وكأنه لم ~~يزل على كندرته وعلى مسقطه الذي يؤتى له. PageV01P277 # فليس بدني من أبدان الاحتمال فأمتعك بطول ثباته لك، ولا أثبت لك ثبات ~~العير الكليل الحس، ولا أجعل الصياح دليلا على الإقرار، فيكون ذلك أحد ما ~~تتمتع به، وتدرك به حاجات نفسك. # وقد دللتك على ناس يجمعون لك الخصال التي فيها دوام لذتك، وتمام شهوتك؛ ~~فإن زعمت أن الذي يثبت روح دندن في بدنه، وروح القاسم في جسمه، سرورهما بما ~~قد احتجنا من كنوز الخلافة وأموال الرعية، وليس ذلك من رسوخ أرواحهما في ~~أبدانهما، ومن شدة الاحتجان وقوة الاكتناز، ففرق بينهما وبين تلك الأموال ~~التي تمسك أرواحهما بالحيل اللطيفة، والتدبير النافذ، وبأن تمضي فيهما حكم ~~الكتاب والسنة؛ فإنه سيحل عقدة أرواحهما عقدا عقدا، فيعظم أجرك، ويطيب ~~ذكرك، وتطيع الخليفة وتتحبب به إلى الأمة؛ فتكون قد أحسنت في صرف الضرب إلى ~~أهله، وأرحت منه غير أهله. # والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. PageV01P278 ### | الرسالة السادسة رسالة في نفي التشبيه PageV01P279 # إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود # بسم الله الرحمن الرحيم # أطال الله بقاءك وحفظك، وأتم نعمته عليك، وكرامته لك. # قد عرفت - أكرمك الله - ما كان الناس فيه من القول بالتشبيه والتعاون ~~عليه والمعاداة فيه، وما كان في ذلك من الإثم الكبير والفرية الفاحشة، وما ~~كان لأهله من الجماعات الكثيرة والقوة ms119 الظاهرة، والسلطان المكين، مع تقليد ~~العوام وميل السفلة والطغام. # وليست للخاصة قوة بالعامة، ولا للعيلة قوة على الأراذل؛ فقد قالت الأوائل ~~فيهم، وفي الاستعاذة بالله منهم: # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: نعوذ ~~بالله من قوم إذا اجتمعوا لم يملكوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا. # وقال واصل بن عطاء: " ما اجتمعوا إلا ضروا، ولا تفرقوا إلا نفعوا " فقيل ~~له: قد عرفنا مضرة الاجتماع، فما منفعة الافتراق؟ قال: يرجع الطيان إلى ~~تطيينه، والحائك إلى حياكته، والملاح إلى ملاحته، والصائغ إلى صياغته، وكل ~~إنسان إلى صناعته. وكل ذلك مرفق للمسلمين، ومعونة للمحتاجين. # وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إذا نظر إلى الطغام والحشو قال: " ~~قبح الله هذه الوجوه، لا تعرف إلا عند الشر ". PageV01P283 # وقال الخريمي عند ذكره إياهم، في شعره، بالتعاوي مع المخلوع: # من البواري تراسها ومن ال %~% خوص إذا استلأمت مغافرها # لا الرزق تبغي ولا العطاء ولا %~% يحشرها بالفناء حاشرها # وقال شبيب بن شبيبة: قاربوا هذه السفلة وباعدوها، وكونوا معها وفارقوها، ~~واعلموا أن الغلبة لمن كانت معه، وأن المقهور من صارت عليه. # وقد وصفهم بعض العلماء فقال: يجتمعون من حيث يفترقون، ويفترقون من حيث ~~يجتمعون، لا يفل غربهم إذا صالوا، ولا تنجع فيهم الحيلة إذا هاجموا. # والعوام - أبقاك الله - إذا كانت نشرا فأمرها أيسر، ومدة هيجها أقصر. ~~فإذا كان لها رئيس حاذق ومطاع مدبر، وإمام مقلد، فعند ذلك PageV01P284 ~~ينقطع الطمع، ويموت الحق ويقتل المحق. فلولا أن لهم متكلمين، وقصاصا ~~متفقهين، وقوما قد باينوهم في المعرفة بعض المباينة، لم يلحقوا بالخاصة، ~~ولا بأهل المعرفة التامة. ولكنا كما نخالفهم نرجوهم، وكما نشفق منهم نطمع ~~فيهم. # ثم قد علمت ما كنا فيه من إسقاط شهادات الموحدين وإخافة علماء المتكلمين. ~~ولولا الكلام لم يقم لله دين، ولم نبن من الملحدين، ولم يكن بين الباطل ~~والحق فرق، ولا بين النبي والمتنبي فصل، ولا بانت الحجة من الحيلة، والدليل ~~من الشبهة. # ثم لصناعة الكلام مع ذلك فضيلة على كل صناعة، ومزية على كل أدب. ms120 ولذلك ~~جعلوا الكلام عيارا على كل نظر، وزماما على كل قياس. وإنما جعلوا له الأمور ~~وخصوه بالفضيلة لحاجة كل عالم إليه، وعدم استغنائه عنه. # فلم يزل - أكرمك الله - كذلك حتى وضع الله من عزهم، ونقص من قوتهم. وليس ~~لأمر الله مرد، ولا لقضائه مدفع. وحتى تحول إلينا رجال من قادتهم ومن ~~أعلامهم، والمطاعين فيهم، وارتاب قوم ونافق آخرون. وحتى تحولت المحنة ~~عليهم، والتقية فيهم. وذلك كله على يد شيخك وشيخنا بعدك - أعزه الله - بما ~~بذل من جهده، وعرض من نفسه، وتفرد بمكروهه، وغرغر مراره، صابرا على جسيمه؛ ~~يرى الكثير في ذلك قليلا، والإغراق PageV01P285 ~~تقصيرا، وبذل النفس يسيرا. على حين خار كل بطل، وحاد كل مقدم، وعرد كل ~~رئيس، وأضاف كل مستبصر، وطاح كل نفاج، واستخفى كل مراء. وحتى صاروا هم ~~الذين يشيرون عليه بالملاينة، ويحسنون عنده المقاربة، ويخوفونه العاقبة، ~~ويزعمون أن لكل زمان تدبيرا ومصلحة، وأن إبعادهم أتقر لطبائعهم، وإن ~~إطلاقها أنجع فيما يراد منهم. وحتى سموا المداهنة مداراة، وإعطاء الرضا ~~تقية، والشدة عند الفرصة خرقا، والانحياز مع صواب الإقدام رفقا، وموالاة ~~المخالف مخالفة، والمصافاة معاشرة، والمهانة حلما، والضعف في الدين ~~احتمالا. كما سمى قوم الفرار انحيازا، والبخل اقتصادا، والجائر مستقصيا، ~~والبلاء عارضا، والخطل بلاغة. فكذلك كانوا وكان. وعلى هذا افترق أمرهم؛ ~~وذلك مشهور عنهم. # ثم يصول أحدهم على من شتمه، ويسالم من شتم ربه، ويغضب على من شبه أباه ~~بعبده، ولا يغضب على من شبه الله بخلقه، ويزعم أن في أحاديث المشبهة تأويلا ~~ومجازا ومخارج، وأنها حق وصدق. فإذا قيس ...... ~~طلب لهذا المجاز ظلم، وقال ما يليق بلفظ الحديث، PageV01P286 ~~فيكون بشهادته لصحة أحاديثهم مقرا، فيصير فيما يدعي من خلاف تأويلهم ~~مدعيا. ولو كانت هذه الأحاديث كلها حقا كان قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" سيفشو الكذب بعدي، فما جاءكم من الحديث فاعرضوه على كتاب الله " باطلا. # وهذا المذهب لمن ينتحل طريقتنا، زعمه سبيلنا، جور شديد، ومذاهب قبيحة، ~~وتقرب فاحش. # وليس ينبغي لديان أن يواد من حاد الله ورسوله، ولو ms121 كانوا آباءهم أو ~~أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. # فمتى إذن تزول التقية، ويجب إظهار الحق والنصرة للدين، والمباينة ~~للمخالفين؟! أحين يموت الخصم ويبيد أثره ويهلك عقبه ويقل ناصره، ويزول جميع ~~الخوف ويكون على يقين من السلامة. وكيف يكون القائم حينئذ بالحق مطيعا، ~~ولله معظما؟! # فقد سقطت المحنة وزالت البلوى والمشقة. وهل المعصية إلا ما ~~مازجه الهوى والشهوة، وهل الطاعة إلا ما شابه المكروه والكلفة، وكيف يتكلف ~~مالا مؤونة فيه، وكيف يحمد مالا مرزئة عليه. وكيف يكون شجاعا من أقدم في ~~الأمن، وتكمن في الخوف. أو ليست النار محفوفة بالشهوات، أو ليست الجنة ~~محفوفة بالمكاره. وكيف صاروا في باطلهم أيام قدرتهم أقوى منا في حقنا أيام ~~قدرتنا. PageV01P287 # وقد علمت - أرشد الله أمرك - أن التشبيه وإن كان أهله مقموعين ومهانين ~~وممتحنين، فإن عدد الجماجم على حاله، وضمير أكثرهم على ما كان عليه، والذين ~~ماتوا قليل من كثير. ونحن لا ننتفع بالمنافق، ولا نستعين بالمرتاب، ولا نثق ~~بالجانح، وإن كانت المبادأة قد نقصت فإن القلوب أفسد ما كانت. # وقد كانوا يتكلمون على السلطان والقدرة، وعلى العدد والثروة، وعلى طاعة ~~الرعاع والسفلة؛ فقد صاروا اليوم إلى المنازعة أميل، وبها أكلف؛ لأنهم ~~حينما يئسوا من القهر بالحشوة والسفلة، وبالباعة، وبالولاة الفسقة، وقلوبهم ~~ممتلئة ونفوسهم هائجة. ولا بد لمن كانت هذه صفته، وهذا نعته، من أن يستعمل ~~الحيلة والحجة، إذ أعجزه البطش والصولة. وكل من كان غيظه يفضل عن حلمه، ~~وحاجته تفضل عن قناعته، فواجب أن ينكشف قناعه، ويظهر سره، ويبدو مكنونه. # وقد أطمعني فيهم مناظرتهم لنا، ومقايستهم لأصحابنا. وقد صاروا بعد السب ~~يحفون، وبعد تحريم الكلام يجالسون، وبعد التصام يستمعون، وبعد التجليح ~~يدارون؛ والعامة لا تفطن لتأويل كفها، ولا تعرف مقاربتها. فقد مالت إلينا ~~على قدر ما ظهر من ميلها، وأصغت لما ترى من استماعها. PageV01P288 # وقد كتبت - مد الله في عمرك - في الرد على المشبهة كتابا لا يرتفع عنه ~~الحاذق المستغني، ولا يرتفع عن الريض المبتدئ. وأكثر ما يعتمد عليه العامة ~~ودهماء أهل التشبيه من ms122 هذه الأمور ويشتمل عليه الفضل من حشوة الناس، ويختدع ~~به المحدثون من الجمهور الأعظم، تحريف آي كثيرة إلى غير تأويلها، وروايات ~~كثيرة إلى غير معانيها. وقد بينت ذلك بالوجوه القريبة، والدلالات المختصرة، ~~وبالأشعار الصحيحة والأمثال السائرة، واستشهدت الكلام المعروف، والقياس على ~~الموجود. # وهو مع ذلك كله كتاب قصد، ومقدار عدل، لم يفضل عن الحاجة، ولم يقصر عن ~~مقدار البغية. على أن الكلام لا ينبغي أن يكثر وإن كان حسنا كله، إذا كان ~~السامع لا ينشط له، وجاز قدر احتماله؛ لأن غاية المتكلم انتفاع المستمع. ~~وقد قال الأولون: " قليل الموعظة مع نشاط الموعوظ، خير من كثير وافق من ~~الأسماع نبوة، ومن القلوب ملالة ". # وقال بكر بن عبد الله المزني: ليس الواعظ من جهل أقدار السامعين، وإنابة ~~المرتدين، وملالة المستطرفين. # وقال علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه: " إن هذه القلوب تمل كما تمل ~~الأبدان، فابتغوا لها طرف الحكمة ". PageV01P289 # وقد كان يقال: إن للقلوب شهوة وإقبالا، وفترة وإدبارا؛ فأتوها من حيث ~~شهوتها وإقبالها. # وكان يقال: إذا أكره القلب عمي. # وقال واصل بن عطاء: طول التحديق يكل الناظر، وناظر القلب أضعف منه. # وزعم عمران بن حدير قال: قال قسامة بن زهير: روحوا هذه القلوب تع الذكر. # وقال عبد الملك بن قريب: قال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي ببعض الباطل ~~كراهة أن أحمل عليها من الحق فأكلها. # وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهما، وهو بالقادسية: ~~أن جنبهم حديث الجاهلية؛ فإنه يذكر الأحقاد. وعظهم بأيام الله ما نشطوا ~~لاستماعها. # وقالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة. # ولذلك أمروا بالجمام وزيارة الغب. PageV01P290 # ورووا أن شر السير الحقحقة. # ولأن ينقص الكتاب عن مقدار الحاجة أحب إلي من أن يفضل عن مقدار القوة؛ ~~لأن الملالة تبغض في الجميع، وتزهد في الكل. # فأنا أسألك - أكرمك الله - أن ترى هذا الكتاب وتقرأ ما خف عليك منه. فإن ~~يصلح الكلام وكان كما وصفت وكما ضمنت، حثثت على قراءته وعلى اتخاذه، وعلى ~~تخليده ms123 وعلى تدوينه، وأمرت من يحتاج إلى المادة، وإلى حسن المعونة من ~~الموافقين والإخوان الصالحين، أن ينظروا فيه، وأن يبثوه ويشيعوه. # وقد كنت أنا على ذلك قادرا، وبه مستوصيا؛ ولكن الرجل الرفيع إذا رفع ~~الشيء ارتفع، كما أنه إذا وضع الشيء اتضع. # وإن كنت فيه غلقا أو لعلته مستكثرا، كان لك بحسن نيتك وصلاح مذهبك، والذي ~~رجوت عنده من المنفعة وصلاح قلوب العامة، الأجر الكبير، والثواب العظيم، مع ~~ما تقضي بذلك من ذمام المتحرم بك، والمتحلي من بيتك؛ ومع اليد البيضاء ~~والصنيع المشكور. # وحرام على كل متكلم عالم، وفقيه مطاوع، وخطيب مفوه إن كان PageV01P291 ~~عنده من الأمر شيء، إلا أن يأتيكم به، ويذكركم بما عنده، قل ذلك أو كثر، ~~وصادفمنكم شغلا أو فراغا، لأن ذلك من عندكم أنفق، والناس إليه أسرع، ~~والقلوب إليه أسكن، وهو في العيون أعظم، لما جعل الله عندكم من حسن ~~الاختيار، والعلم بمنافع العباد، ومصالح البلاد؛ إذ كنتم المفزع والمقنع، ~~والأئمة والمنزع. ولولا ما قلدتم من أمر الجماعة، والقيام بشأن الخاصة ~~والعامة، وأن الشغل برعاية حقها والدفاع عنها، لم يبق في قواكم فضلا للدعاء ~~والمنازعة، ولوضع الكتب بالجواب والمسألة لبدأ بكم الفرض، ولكنتم أحق بهذا ~~الأمر. # على أننا لم ننطق إلا بألسنتكم، ولم نحتذ إلا على مثالكم، ولم نقو إلا ~~بما أعرتمونا من فضل قوتكم. وعلى الرواة من الأدباء، وعلى أهل اللسن من ~~الخطباء، معاونتكم ومكاتفتكم، والجلوس بين أيديكم والاستماع منكم، وعلى أن ~~يطيعوا أمركم، وأن ينفذوا لطاعتكم، وأن يخلصوا في الدعاء، وأن يمحضوا ~~النصيحة، وأن يضمروا غاية المحبة، وأن يعملوا في كف الغل والحسد، وأن لا ~~يرضوا من أنفسهم بالنفاق، وأن يعلموا أن الحسد لا يقع إلا بين الأشكال، وأن ~~التنافس لا يكون إلا مع تقارب الحال. # وقد كان يقال: لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا، فإذا تقاربوا هلكوا. # وكان يقال: ثلاثة توجب الضغن وتكثر من الغل: المجاورة في المنزل، ~~والاستواء في النسب، والمشاكلة في الصناعة. # ولذلك قال شبيب بن شيبة لرجل ادعى محبته ونصيحته: " وكيف ms124 PageV01P292 ~~لا يكون كما وصفت وكما ذكرت، ولست بخطيب، ولا جار قريب، ولا ابن عم نسيب ~~". # وقال بعض الحكماء: لو لم تعرفوا من لؤم الحسد إلا أنه موكل بالأدنى ~~فالأدنى. وليس يقع ذلك بين المتباينين، ولا يجوز في المتقاربين. # ولا يكون الطلب إلا بالطمع، ولا يكون الطمع إلا بالسبب. فإذا انقطع السبب ~~انقطع الطمع، وفي عدم الطمع عدم الطلب. وكيف يتكلف الطيران من لا جناح له، ~~وكيف يرجو صلاح أمر العامة وترتيب الخاصة من عجز عن تدبير بيته، وقصر عن ~~تدبير عبده؟! # وإنصاف اللسان قليل، وإنصاف القلب أقل منه. # ونحن نرغب إلى الله في صلاحهم؛ فإن في صلاحهم صلاح قلوبنا لهم. # وقد جعل الله الشكر موصولا بالمزيد، ومن الشكر على نعمة الله علينا بكم ~~أن نعظم ما عظم الله من أمركم. ومن صغر ما عظم الله فقد عظم ما صغر الله. ~~ولا يفعل ذلك إلا الصغير القدر، والخامل الذكر، والجاهل بالأمر. # وكيف لا تكونون على ما خبرت وكما وصفت، وقد أغنيتم من العيلة، وآنستم من ~~الوحشة، وجمعتم الشمل، وأعدتم الألفة، ورددتم الظلامة، وأحييتم السنة، ~~وأبرزتم التوحيد بعد اكتتامه، وأظهرتموه بعد استخفائه، واحتملتم عداوة ~~الجميع، ووترتم المطاعنين في تقويتنا. # ونحن لا نطالب ما كنتم قياما، ولا نذكر ما كنتم شهودا. ونحن مع قلة علمنا ~~لا نجد أبدا عملنا إلا مقصرا عن علمنا. وأنتم مع اتساع قلوبكم، PageV01P293 ~~أعمالكم وفق علومكم؛ لأن كل من بذل كل مجهوده، وخاطر بجميع نعمته، وكانت ~~الواحدة من نعمه كالجميع من نعم غيره، مع خذلان الموافق ونكوص المؤازر، ثم ~~لم تزده الشدائد إلا شدة، والوحدة إلا أنسة حقيق بالتفضيل والتعظيم، ~~والإنابة له بالتقديم. # ولعل قائلا أن يقول: أدخله في جملة صفات أبيه، وجلة مشيخته وأقربيه، حيث ~~خصهم بالتقديم، وأبانهم بالتعظيم. بل كيف يقدم من صغرت سنه وقلت تجربته على ~~من تقاربت سنه وكثرت تجربته. وكيف تمكن الطاعة الكثيرة في الأيام القصيرة ~~والشهور اليسيرة؟ وهل يقول ذلك صاحب تحصيل ومقايسة، والبعيد من الملق ~~والمخادعة. # وما قلت ذلك - حفظك الله - ولا ms125 انتحلته، إلا وبرهاني حاضر، وشاهدي شاهد. ~~وذلك أن للشباب سكرة وطماحا، وقراعا وصولة. والهرم داخل على جميع الأعضاء، ~~وآخذ بقسطه من جميع الأجزاء. ألا ترى كيف يكل ناظره وسامعه، وذائقه وشامه، ~~وهاشمه وعامله؛ وكيف تنقص على مرور الأيام قوته، وكذلك قلبه وكل ما بطن من ~~أمره، على قدر ما نقص من قوى جسمه وتنقص من قوى شهوته. ويخف عليه مخالفة ~~هواه، ومحاربة نوازعه. ومن حمل على نفسه في كمال شبابه وأيام سكرته، وفي ~~سلطان حدته وكمال قوته، فظلفها مرة وكبحها PageV01P294 ~~أخرى، وعاين تلك التكاليف، وغلب تلك الريح كان أبرز طاعة؛ إذ كان أحمل ~~للمشقة. # وعلى قدر المشقة تكون المثوبة، وتعظم عند الله المنزلة، وتقع له في قلوب ~~الناس المحبة. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص، حين ~~وجهه إلى العراق: " يا سعد بني وهيب، إن الله إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه. ~~فاعتبر منزلتك من الناس، واعلم أن مالك عند الله مثل ما لله عندك. ونحن ~~نعتبر حالك عند الله بالذي نجد لك في قلوب عباده. وقد ملك الله بعض الناس ~~أبدان بعض، ولم يملك القلوب أحدا غيره ". # وأما قولهم: إن الغرارة مقرونة بالحداثة، والحنكة موصولة بطول التجربة، ~~فإن الذهن الحديد والطبع الصحيح، والإرادة الوافرة، ينال في الأيام ~~اليسيرة، ويدرك في الدهور القصيرة، ما لا تدركه العقول المخدوجة، ولا ~~الطبائع المدخولة، والإرادة الناقصة، في الأيام الكثيرة، والدهور الطويلة. PageV01P295 # وربما صادف القائل مع ذكائه وكثرة قراءته وجودة اعتباره، زمانا أكثر ~~عجبا، وأكثر معتبرا، وإن كانت شهوره أقل، وأيامه أقصر، فينال مع قلة الأيام ~~ما لا ينال سواه مع كثرتها، ولا سيما إذا أعين بحفظ، وأحس من نفسه بفضل ~~بيان. # وليس من نظر في العلم على الرغبة والشهوة له كمن نظر فيه على المكسبة به ~~والهرب إليه؛ لأن النفس لا تسمح بكل قواها إلا مع النشاط والشهوة، وهي في ~~ذلك لنفسها مستكرهة ولها مكابدة. والسآمة إلى من كانت هذه صفته أقرب، وله ~~ألزم. ولولا ذلك لما ولى ms126 رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل اليمن، ~~وجعل إليه قبض الصدقات، ومحاسبة العمال، وقلده الأحكام وتعليم الناس ~~الإسلام، وهو ابن ثماني عشرة سنة. ولا يدفع ذلك صاحب خبر ولا حامل أثر. # وعلى مثل ذلك عقد لأسامة بن زيد الإمرة، وأبانه بالتقدمة على جلة الأنصار ~~وكبار المهاجرين، وخيار السلف المتقدمين. # وعلى مثل ذلك ولى عتاب بن أسيد مكة، وبها عظماء قريش وكبراء العرب وذوو ~~الأخطار من كل قبيلة، وذوو الأسنان من كل جيل. PageV01P296 ~~ومكة فتح الفتوح، وأم القرى، وخاتمة الهجرة وقبلة العرب، وموضع الحرم ~~والموسم الأعظم والحج الأكبر، والأصل والمفخر. # وقد رأيتم ما بلغ بخالد بن يزيد في السودد والمحبة، وقود الجيوش والهيبة، ~~وهو ابن خمس عشرة سنة. وقد ذكر ذلك الكميت بن زيد فقال: # قاد الجيوش لخمس عشرة حجة %~% ولداته عن ذلك في أشغال # قعدت بهم هماتهم وسما به %~% همم الملوك وسورة الأبطال # فأما ابن بيض فقال: # بلغت لعشر مضت من سني %~% ك ما يبلغ السيد الأشيب # فهمك فيها جسام الأمور %~% وهم لداتك أن يلعبوا PageV01P297 # وعلى مثل ذلك قال الفرزدق في يزيد بن المهلب: # ما زال مذ عقدت يداه إزاره %~% ودنا وكان لخمسة الأشبار # وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم %~% خضع الرقاب نواكس الأبصار # وعلى خذا المجرى مدح الشاعر فقال: # ما زلت في عقل الكبي %~% ر وأنت في سن الصغير # وقد رأيتم ما بلغ محمد بن القاسم من الفتوح العظام والأيام الجسام، ~~والقهر للأعداء، وبلوغ المحبة في الأولياء، وهو ابن خمس عشرة سنة. وقد ذكر ~~ذلك زياد الأعجم فقال: # ما إن سمعت ولا رأيت عجيبة %~% كمحمد بن القاسم بن محمد # قاد الجيوش لخمس عشرة حجة %~% يا قرب ذلك سوددا من مولد PageV01P298 # وقال الآخر: # إذا المرء أعيته المروءة ناشئا %~% فمطلبها كهلا عليه عسير # وقال آخر: # إذا ما ترعرع فينا الغلام %~% فليس يقال له من هوه # إذا لم يسد قبل شد الإزار %~% فذلك فينا الذي لا هوه # ولي صاحب من بني الشيصبان %~% فطورا أقول وطورا هوه # وزعموا أن عمرو بن ms127 سعيد قال له معاوية - وذلك قبل أن يبلغ ويحتلم - إلى ~~من أوصى بك أبوك؟ قال: إن أبي أوصى إلي ولم يوص بي. وقال: فيم أوصاك؟ قال: ~~أوصاني ألا يفقد إخوانه منه إلا وجهه. PageV01P299 # ولو لم يعرف ذلك إلا بعبد الله بن العباس وحده كان ذلك كافيا، وبرهانا ~~شافيا، فإن الأعجوبة فيه أربت على كل عجب، وقطعت كل سبب. وقد رأيتم حاجة ~~عمر إليه، واستشارته إياه، وتقويمه لعثمان رضي الله عنهما وتغييره عليه. ~~ولو لم يكن للفضيلة من بين أقرانه مستحقا، وبها مخصوصا، ما خصه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بالدعوة المستجابة، ولما خصه بعلم الكتاب والسنة وهما أرفع ~~العلم، وأشرف الفكر. ويدلك على تقديمه للغاية، وإيثاره للتعليم والاستبانة، ~~قوله حين قيل له في حداثته وقبل البلوغ في سنه: ما الذي آتاك هذا العلم ~~وهذا البيان والفهم؟ قال: " قلب عقول، ولسان سؤول ". # وقد عرفتم تحاكم العرب في الجاهلية في النفورة، وفي غير ذلك من المخايرة ~~والمشاورة، إلى أبي جهل بن هشام في أيام حداثته وفتائه؛ ولذلك أدخلوه دار ~~الندوة، ودفع مع ذوي الأسنان والحنكة من بين جميع الشبان، ومن بين جميع ~~الفتيان. # ولذلك قال قطبة بن سيار حكيم فزارة حين تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة ~~بن علاثة: عليكم بالحديد الذهن، الحديث السن. يعني أبا جهل. PageV01P300 ~~فهذا كله دليل واضح، وبرهان بين. # ولعل قائلا أن يقول: إنما الفضل في خشونة الملبس؛ وليس ذلك لمن مدحت، ولا ~~هذه صفة من وصفت. # وهذا باب - أبقاك الله - قد يغلظ فيه العاقل ما لم يكن بارعا، والفطن ما ~~لم يكن ثاقبا، والأريب ما لم يكن كاملا. ولو كان الفضل والرياسة والقدر ~~والنباهة على قدر قشف الجلدة وبذاذة الهيئة، وكثرة الصوم، وإيثار الوحشة ~~والسياحة لكان عثمان بن مظعون متقدما لأبي بكر الصديق رضوان الله عليه، ~~ولكان بلال بن رباح غامرا لعثمان بن عفان رضي الله عنهما. # وقد قال ابن شهاب الزهري: ليس الناسك إلا من غلب الحرام صبره، والحلال ~~شكره. # فهذا ما حضرنا من القول، وأمكننا ms128 من الاحتجاج. وما أشك أن من خبر أمرك ~~أكثر من اختباري كان عنده أكثر من علمي. وعلى أن منظرك - أسعدك الله - يغني ~~عن المخبر، والفراسة فيك تكفي مؤونة التجربة لك. وقد تقيلت بحمد الله أخلاق ~~شيخك، واحتذيت على مثالهكما احتذى على مثال من كان قبله. ولو لم يتعقبوا ~~أمرك، ويتصفحوا سيرتك في نفسك ثم في خاصتك وعامتك، لكان في صدق الفراسة ~~وظهور المحبة ما تقضي به النفوس، ويستدل به المجرب. # وظن العاقل كيقين غيره. PageV01P301 # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنك لن تنتفع بعقله حتى تنتفع بظنه. # وقال أوس بن حجر: # الألمعي الذي يظن لك الظ %~% ن كأن قد رأى وقد سمعا # وقال وهو يمدح ابن كلدة بصدق الحس، وصواب الحدس، وجودة الظن: # أريب أديب أخو مأزق %~% نقابا يخبر بالغائب # وقال آخر يمدح بمثل ذلك عبد الملك بن مروان: # رأيت أبا الوليد غداة جمع %~% به شيب وما فقد الشبابا # ولكن تحت ذاك الشيب حزم %~% إذا ما ظن أمرض أو أصابا # وقال الله تبارك وتعالى: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ". وقال: " إن بعض ~~الظن إثم ". وفي ذكره البعض دليل على أن سائر ذلك صواب وطاعة. PageV01P302 # وكان من أسباب دفعي إليك هذا الكتاب - أبقاك الله - دون أبي عبد الله ~~أكرمه الله، أنكما قد تجريان في بعض الأمور مجرى واحدا، ولأنك وإن كنت كثير ~~الشغل فهو أقل فراغا منك على كثرة شغلك، وفرط عنايتك بما استكفاك واسرعاك. ~~وإن جعلت لي قسما من وقت فراغك، ونصيبا من ساعة نشاطك. رجوت أن يصير إلى ما ~~أملناه عندك من الإنعام علي، والاسترهان لشكري؛ فإن العرب لم تعظم شيئا قط ~~كتعظيمها موقع الإنعام والشكر والأحدوثة الحسنة، والذكر والتمييز، ~~والاستمداد للنعم، والكفر حائل بين العود والبدء. # قال عنترة: # نبيت بشرا غير شاكر نعمتي %~% والكفر مخبثة لنفس المنعم # وقال السندي: # فلم أجز بالحسنى وعادت مشاربي %~% بلاقع يقروها الحمام المقرقر # تبدلت بالإحسان سوءا وربما %~% تنكر للمعروف من كان يكفر PageV01P303 # ويدل على حبهم للثناء وجميل الذكر قول الأسدي: # فإني أحب ms129 الخلد لو أستطيعه %~% وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم # وقال: # فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم %~% بمسعاتنا إن الثناء هو الخلد # وقال الغنوي: # فإذابلغتم أهلكم فتحدثوا %~% إن الحديث مهالك وخلود # فجعلوا الذكر بالجميل مثل الخلود في النعيم. # وعلى هذا المعنى قال في درك الثأر: # فقتلا بتقتيل وعقرا كعقركم %~% جزاء العطاس لا يموت من اثأر # وقال حكيم الفرس حين بلغه موت الإسكندر، وهو قاتل دارا بن دارا: ما ظننت ~~أن قاتل دارا يموت! # وهذا القول هو أمدح منه لقاتله. ولم أسمع للعجم كلمة قط ~~أمدح منها. فأما العرب فقد أصبت لهم من هذا الضرب كلاما كثيرا. PageV01P304 ~~ومما يدل على قدر عظم الشكر عند الشاكر والمشكور له من العرب، قول أوس بن ~~حجر في حليمة: # سنجزيك أو يجزيك عنا مثوب %~% وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي # وقال بعض الشعراء: # فلم أجزه إلا التشكر جاهدا %~% وحسبك مني أن أقول فأحمد # وكانوا يرون للذنب مالا يراه غيرهم. وقال امرؤ القيس بن حجر: ~~" وجرح اللسان كجرح اليد ". PageV01P305 # وقال جرير: # " وللسيف أشوى وقعة من لسانيا " # في أشعار كثيرة. # ولست أمت إليك - أكرمك الله - بعد التوحيد ونفى التشبيه، ونصرتي للدين، ~~بأمر أنا به أوثق من رغبتك في شكر الكرام والأحدوثة الحسنة. قال الله عز ~~وجل: " ورفعنا لك ذكرك " وقال: " وإنه لذكر لك ولقومك ". فلو كان حب الذكر ~~خطيئة لما رغبهم فيه، ولا عد في نعمه. # ولعل قائلا أن يقول: وكيف لم تذكر أمير المؤمنين، والمعتصم برب العالمين، ~~الذي حقق الله به الدين وسدد به الثغور، ورد به المظالم، وحسمبه عرق البغي ~~ونواجم الفتنة؛ الذي لم يزل الله يزيده في كل طرفة محبة، ومع كل محبة هيبة، ~~ومع كل نعمة شكرا، ومع كل شكر فضلا. وهو المبتدئ بهذا الأمر والقائم به، ~~والقطب الذي عليه تدور الرحى، وعلى مثاله احتذى من احتذى، وبلسانه نطق، وعن ~~رأيه صدر. وبيمن نقيبته ظهر، وبفضل قوته نهض. وهو أول هذا الأمر ووسطه، به ~~يتم إن شاء الله تعالى. PageV01P306 # قلنا: إن عقل الرسول يدل على مرسله، ms130 واعتدال القناة يدل على حذق المثقف، ~~ومديحك الوزير راجع إلى وزيره والمحتذي على مثاله، بل قد علم الناس أن الحظ ~~الأكبر للآمر دون المطيع، وللمعلم دون القائل، ولأن المسبب في عداله وعند ~~النظر والتحصيل، أفضل من المسبب، والمتبوع خير من التابع. ألا ترى أن من ~~مدح الأنصار فهو للنبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين أمدح، وإن لم يظهر ~~ذكرهم في الوصف. # قال جرير: # " تلكم قريش والأنصار أنصاري " # وقال رؤبة: # " ومن على المنبر لي والمنبر " # وربما كانت الكناية أبلغ في التعظيم، وأدعى إلى التقديم، من ~~الإفصاح والشرح. وربما أتى من السكوت بما يعجز القول عنه وقد بلغ أقصى ~~حاجته وغاية أمنيته بالإيماء ة الإشارة، حتى يكون تكلف القول فضلا، والكلام ~~خطلا. # وما عيى أن أقول فيمن قد قوى عقله بطبيعته، وانتصف عزمه من شهوته، وكان ~~عمله وفق علمه، وعمله غامرا لخصمه. PageV01P307 # وقد يجري الملك على عرق صالح ومنشأ سوء، فيقدح ذلك في عرقه وإن لم ~~يستأصله، وقد يكون له عرق صالح ومنشأ صدق، وتكون أداته تامة ويكون مؤثرا ~~لهواه، فيكون في الاسم وفي ظاهر الحكم كمن فسد عرقه وخبث منشؤه. # وقد جمع الله لأمير المؤمنين مع كرم العروق وصلاح المنشأ، البعد من إيثار ~~الهوى. وهل رأيت أفعالا أشبه بأخلاق، ولا أخلاقا أشبه بأعراق، من أفعاله ~~بأخلاقه، وأخلاقه بأعراقه. # فنسأل الله الذي أسندنا بخلافته، أن يمن علينا بطول بقائه، وأن يخصنا ~~بحسن نظره كما خصنا بمعرفة حقه، والاحتجاج لملكه، والذب عن سلطانه. # ولربما كان اللسان أنفذ من السنان، وأقطع من السيف اليمان. # أطال الله بقائك وحفظك، وأتم نعمته عليك، وكرامته لك. PageV01P308 ### | الرسالة السابعة رسالة إلى عبد الله أحمد بن أبي دواد يخبره فيها بكتاب الفتيا PageV01P309 # بسم الله الرحمن الرحيم # أطال الله بقائك وأعزك، وأصلح على يديك. # كان يقال: السلطان سوق، وإنما يجلب إلى كل سوق ما ينفق فيها. # وأنت أيها العالم معلم الخير وطالبه، والداعي إليه، وحامل الناس عليه من ~~موضع السلطان بأرفع المكان؛ لأن من جعل الله إليه مظالم العباد، ومصالح ms131 ~~البلاد، وجعله متصفحا على القضاة، وعتادا على الولاة، ثم جعله الله منزع ~~العلماء، ومفزع الضعفاء، ومستراح الحكماء، فقد وضعه بأرفع المنازل، وأسنى ~~المراتب. # وقد قال أهل العلم، وأهل التجربة والفهم: " لما يزع الله بالسلطان أكثر ~~مما يزع بالقرآن ". # وقد كان يقال: شيئان متباينان، إن صلح أحدهما صلح الآخر: السلطان ~~والرعية. # فقد صلح السلطان، وعلى الله تمام النعمة في صلاح الرعية، حتى يحقق الأثر، ~~وتصدق الشهادة في الخبر. PageV01P313 # فنسأل الذي منحك حسن الرعاية أن يمنحنا حسن الطاعة. # وقد نظرت في التجارة التي اخترتها، والسوق التي أقمتها، فلم أر فيها شيئا ~~ينفق إلا العلم والبيان عنه، وإلا العمل الصالح والدعاء إليه، وإلا التعاون ~~على مصلحة العباد، ونفي الفساد عن البلاد. # وأنا - مد الله في عمرك - رجل من أهل النظر، ومن جمال الأثر، ولا أكمل ~~لكل ذلك ولا أفي؛ إلا أني في سبيل أهله وعلى منهاج أصحابه. والمرء مع من ~~أحب، وله ما اكتسب. # وعندي - أبقاك الله - كتاب جامع لاختلاف الناس في أصول الفتيا، التي ~~عليها اختلفت الفروع وتضادت الأحكام، وقد جمعت فيه جميع الدعاوي مع جميع ~~العلل. وليس يكون الكتاب تاما، ولحاجة الناس إليه جامعا، حتى تحتج لكل قول ~~بما لا يصاب عند صاحبه، ولا يبلغه أهله؛ وحتى لا نرضى بكشف قناع الباطل دون ~~تجريده، ولا بتوهينه دون إبطاله. وقد قال رسول رب العالمين وخاتم النبيين، ~~محمد صلى الله عليه وسلم: " تهادوا تحابوا ". # فحث على الهدية وإن كان كراعا وشيئا يسيرا. وإذا دعا إلى اليسير الحقير ~~فهو إلى الثمين الخطير أدعى، وبه أرضى. # ولا أعلم شيئا أدعى إلى التحاب، وأوجب في التهادي، وأعلى منزلة وأشرف ~~مرتبة، من العلم الذي جعل الله العمل له تبعا، والجنة له ثوابا. # ولا عذر لمن كتب كتابا وقد غاب عنه خصمه، وقد تكفل بالإخبار عنه، في ترك ~~الحيطة له، والقيام بكل ما احتمله قوله. كما أنه لا عذر له في التقصير عن ~~فساد كل قول خالف عليه، وضاد مذهبه، عند من قرأ كتابه PageV01P314 ~~وتفهم أدخاله، لأن أقل ms132 ما يزيل عذره ويزيح علته، أن قول خصمه قد استهدف ~~لخصمه، وأصحر للسانه ومكنه من نفسه، وسلطه على إظهار عورته. فإذا استراح ~~واضع الكتاب من شغب خصمه ومداراة جليسه، فلم يبق إلا أن يقوى على كسر ~~الباطل أو يعجز عنه. # ومن شكر المعرفة بمغاوي الناس ومراشدهم، ومضارهم ومنافعهم، أن تحتمل ثقل ~~مؤونتهم في تعريفهم، وأن تتوخى إرشادهم، وإن جهلوا فضل ما يسدي إليهم. # ولم يصن العلم بمثل بذله، ولم يستبق بمثل نشره. على أن قراءة الكتب أبلغ ~~في إرشادهم من تلاقيهم، إذ كان مع التلاقي يكثر التظالم، وتفرط النصرة، ~~وتشتد الحمية. وعند المواجهة يفرط حب الغلبة، وشهوة المباهاة والرياسة، مع ~~الاستحياء من الرجوع، والأنفة من الخضوع. وعن جميع ذلك تحدث الضغائن، ويظهر ~~التباين. وإذا كانت القلوب على هذه الصفة وهذه الحلية، امتنعت من المعرفة، ~~وعميت عن الدلالة. PageV01P315 # وليست في الكتب علة تمنع من درك البغية، وإصابة الحجة؛ لأن المتوحد ~~بقراءتها، والمتفرد بفهم معانيها، لايباهي نفسه، ولا يغالب عقله. # والكتاب قد يفضل صاحبه، ويرجح على واضعه بأمور: # منها أنه يوجد مع كل زمان ~~على تفاوت الأعصار، وبعد ما بين الأمصار. وذلك أمر يستحيل في واضع الكتاب، ~~والمنازع بالمسألة والجواب. وقد يذهب العالم وتبقى كتبه، ويفنى المعقب ~~ويبقى أثره. ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجيب حكمها، ~~ودونت من أنواع سيرها؛ حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها المستغلق ~~علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم لقد خس ~~حظنا في الحكمة، وانقطع سببنا من المعرفة، وقصرت الهمة، وضعفت النية، ~~فاعتقم الرأي وماتت الخواطر، ونبا العقل. # وأكثر من كتبهم نفعا، وأحسن ما تكلموا به موقعا، كتب الله التي فيها ~~الهدى والرحمة، والإخبار عن كل عبرة، وتعريف كل سيئة وحسنة. # فينبغي أن يكون سبيلنا فيمن بعدنا كسبيل من قبلنا فينا. على أنا قد وجدنا ~~من العبرة أكثر مما وجدوا، كما أن من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا. # فما ينتظر العالم بإظهار ما عنده، ms133 والناشر للحق من القيام بما يلزمه. PageV01P316 ~~فقد أمكن القول وصلح الدهر، وخوى نجم التقية، وهبت ريح العلماء، وكسد ~~الجهل والعي وقلعت سوق العلم والبيان. # وهذا الكتاب - أرشك الله - وإن حسن في عيني، وحلا في صدري، فلست آمن أن ~~يعتريني فيه من الغلط ما يعتري الأب في ابنه، والشاعر في قريضه. # والذي دعاني إلى وضعه مع إشفاقي منه، وهيبتي لتصفحك له، أني حين علمت أن ~~الغالب على إرادتك، والمستولي على مذهبك، تقريب العالم وإقصاء الجاهل، وأنك ~~متى قرأت كتابا أو سمعت كلاما، كنت من وراء ما فيه من نقص أو فضل، باتساع ~~الفهم، وصحة العلم؛ وأنك متى رأيت زللا غفرته وقومت صاحبه، ولم تقرعه به، ~~ولم تخرمه له. ومتى رأيت صوابا أعلنته ورعيته، فدعوت إليه وأثبت عليه. ~~ولأني حين أمنت عقاب الإساءة، ووثقت بثواب الإحسان، كان ذلك موجبا لنظمه ~~وموحيا للتقرب به. والسبب أحق بالتفضيل من المسبب؛ لأن الفعل محمول على ~~سببه، ومضاف إليه، وعيال عليه، ومضمن به. # وإحساني - مد الله في عمرك - في كتابي هذا إن كنت محسنا، صغير PageV01P317 ~~في جنب إحسانك، إذ كنت المثير له من مراقبه، والباعث له من مراقده. فلذلك ~~صار أوفر النصيبين لك، وأمتن السببين مضافا إليك. وإن كنت قد قصرت عن ~~الغاية، فأنا المضيع دونك. وإن كنت قد بلغتها ففضلك أظهر وحظك أوفر. لأني ~~لم أنشط له إلا بك، ولا اعتمدت فيه إلا عليك. # ولولا سوقك التي لا ينفق فيها إلا إقامة السنة، وإماتة البدعة، ودفع ~~الظلامة، والنظر في صلاح الأمة لكانت هذه السلعة بائرة، وهذا الجلب مدفوعا، ~~وهذا العلق خسيسا. # فالحمد لله الذي عمر الدنيا بك، وأخذ لمظلومها على يديك، وأيد هذا الملك ~~بيمنك، وصدق فراسة الإمام فيك. # وأية منزلة أرفع وأية حالة أحمد، ممن ليس على ظهرها عالم إلا وهو يحن ~~إليه، أو قد صار إلى كنفه وتحت جناحه. وليس على ظهرها ظالم إلا وهو يتقيه، ~~ولا مظلوم إلا وهو يستعديه. # ومن يقف على قدر ثواب من هذا قدره، وهذه حاله؟! # وعندي - مد ms134 الله في عمرك ~~- كتب سوى هذا الكتاب، وليس يمنعني من أن أهديها إليك معا إلا ما أعرفه من ~~كثرة شغلك، وكثرة ما يلزمك من التدبير في ليلك ونهارك. والعلم وإن كان حياة ~~العقل، كما أن العقل حياة الروح، والروح حياة البدن، فإن حكمه حكم الماء ~~وجميع الغذاء، الذي إذا فضل عن مقدار الحاجة عاد ذلك ضررا. وإنما يسوغ ~~الشراب ويستمرأ الطعام الأول فالأول. فكذلك العلم يجري مجراه، ويذهب مذهبه. # ومن شأن النفوس الملالة لما طال عليها، وكثر عندها. فليس لنا أن نكون من ~~الأعوان على ذلك، ومن الجاهلين بما عليه طبائع البشر؛ PageV01P318 ~~فإن أقواهم ضعيف، وأنشطهم سؤوم؛ وإن كانت حالاتهم متفاوتة فإن الضعف لهم ~~شامل، وعليهم غالب. # فإذا قرأ عليك - أيدك الله - هذا الكتاب التمسنا أوقات الجمام وساعات ~~الفراغ، بقدر ما يمكن من ذلك ويتهيأ. والله الموفق لذلك، والمهيأ له. ثم ~~أتبعنا كل كتاب بما يليه إن شاء الله. # وليست بحمد الله من باب الطفرة والمداخلة، ولا من باب الجوهر والعرض، بل ~~كلها في الكتاب والسنة، وبجميع الأمة إليها أعظم الحاجة. # ثم نسأل الذي عرفنا فضلك، أن يصل حبلنا بحبلك، وأن يجعلنا من صالحي ~~أعوانك، المستمعين منك، والناظرين معك؛ وأن يحسن في عينك ويزين في سمعك، ما ~~تقربنا به إليك، والتمسنا الدنو منك، إنه قريب مجيب، فعال لما يريد. # أطال الله بقاءك، وأتم نعمته عليك، وكرامته لك في الدنيا والآخرة. PageV01P319 ### | الرسالة الثامنة رسالة إلى أبي الفرج بن نجاح الكاتب PageV01P321 # بسم الله الرحمن الرحيم # جعلت فداك، وأطال الله بقاك، وأعزك وأكرمك، وأتم نعمته عليك وأيدك. # قد نسخت لك - أعزك الله - في صدر هذا الكتاب قصيدة قيلت في أبي الفرج ~~أدام الله عزه، ذكروا أن قائلها رجل يكنى أبا عثمان، ولا أدري أهو أبو ~~عثمان هشام بن المغيرة، أم أبو عثمان عفان بن أبي العاص. # ولا أدري أهو أبو عثمان عنبسة بن أبي سفيان، أم أبو عثمان سعيد بن عثمان، ~~ولا أدري أهو عثمان النهدي عبد الرحمن بن مل، أم أبو عثمان ms135 ربيعة الرأي بن ~~أبي عبد الرحمن. PageV01P325 # ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان إسحاق بن ~~الأشعث بن قيس. # ولا أدري أهو أبو عثمان المنذر بن الزبير بن العوام، أم أبو عثمان عبد ~~الواحد بن سليمان بن عبد الملك. # ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان أبو ~~العاص بن بشر بن عبد دهمان، وهو اسمه. # ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد ~~شمس، أم أبو عثمان عبد الله بن عامر بن كريز. # ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن أسعد بن إمام المسجد الجامع الأعظم، أم ~~أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب. PageV01P326 # ولا أدري أهو أبو عثمان فيروز حصين العنبري، أم أبو عثمان بن عمر بن أبي ~~عثمان الشمري. # ولا أدري أهو أبو عثمان خالد بن الحارث بن سليمان الهجيمي، أم أبو عثمان ~~أبو العاص بن عبد الوهاب الثقفي. PageV01P327 # ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن وهب الشاعر، أم أبو عثمان عمرو الأعور ~~الخاركي. # ولا أدري أهو أبو عثمان الحكم بن صخر الثقفي، أم أبو عثمان عمرو بن بكر ~~المازني. # ولا أدري أهو أبو عثمان الأعور النحوي، أم أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. # والذي لا أشك فيه أنه لم يقرضها أبو عثمان عمرو بن حزرة، ولا أبو عثمان ~~عمرو المخلخل، ولا أبو عثمان إبراهيم بن يزيد المتطبب، ولا أبو عثمان سعيد ~~بن حيان البزاز. # وقد بلغني عن أبي عثمان هذا المجهول موضعه، المغمور نسبه، أنه قال: ما ~~راكب الأسد الأسود، والبحر الأخضر، والمصبور على السيف الحسام، PageV01P328 ~~بأحق بجهد البلاء وشماتة الأعداء، ممن تعرض للمتصفحين، وتحكك بالعيابين، ~~وحكم في عرض الحسدة المغتابين. # فإن سلم فبحسن النية، ولأنه مدح كريما، ووصف حليما. والكريم صفوح، ~~والحليم متغافل. وإن ابتلى فبذنب، وما عفا الله عنه أكبر. # وقال: اللهم اجعل هذا القول حسنا في عينه، خفيفا على سمعه، وألهمه حسن ~~الظز به، ms136 وبسط العذر له، إنك سميع الدعاء، رحيم بالضعفاء. # والقصيدة هي قوله: # أقام بدار الخفض راض بحظه %~% وذو الحرص يسري حين لا أحد يسري # يظن الرضا بالقسم شيئا مهونا %~% ودون الرضا كأس أمر من الصبر # جزعت فلم أعتب فلو كنت ذا حجا %~% لقنعت نفسي بالقليل من الوفر # أظن غبي القوم أرغد عيشة %~% وأجذل في حال اليسارة والعسر # تمر به الأحداث ترعد مرة %~% وتبرق أخرى بالخطوب وما يدري # سواء على الأيام صاحب حنكة %~% وآخر كاب لا يريش ولا يبري PageV01P329 # فلو شاء ربي لم أكن ذا حفيظة %~% طلوبا لغايات المكارم والفخر # خضعت لبعض القوم أرجو نواله %~% وقد كنت لا أعطي الدنية بالقسر # فلما رأيت المرء يبذل بشره %~% ويجعل حسن البشر واقية التبر # ربعت على ظلعي وراجعت منزلي %~% فصرت حليفا للدراسة والفكر # وشاورت إخواني فقال حكيمهم %~% عليك الفتى المري ذا الخلق الغمر # فتى لم يقف في الدهر موقف ظنة %~% فيحتاج فيه للتنصل والعذر # أعيذك بالرحمن من قول شامت %~% أبو الفرج المأمول يزهد في عمرو # ولو كان فيه راغبا لرأيته %~% كما كان دهرا في الرخاء وفي اليسر # أترضى فدتك اليوم نفسي وأسرتي %~% بتأخير أرزاقي وأنت تلي أمري PageV01P330 # ألا يا فتى الكتاب والعسكر الذي %~% تأزر بالحسنى وأيد بالنصر # أخاف عليك العين أو نفس وامق %~% وذو الود منخوب الفؤاد من الذعر # وعهدي به والله يرشد أمره %~% ويحفظه في القاطنين وفي السفر # مطلا على التدبير ما يستفزه %~% مكايد محتال عقاربه تسري # برأي يزيل الطودمن مستقره %~% وأوضح عند الخصم من وضح الفجر # وعزم كغرب المشرفي مصمم %~% وقلب ربيط الجأش منثلج الصدر # فيا ابن نجاح أنجح الله سعيكم %~% وأيدكم بالنصر والعدد الدثر # قعدت فلم أطلب وجلت فلم أصب %~% خليلا يواسيني ويرغب في شكري # وإن أخفقت كفي وقد علقتكم %~% فقد قال رأيي واستنمت إلى شعري # أعيذك بالرحمن أن تشمت العدى %~% فللفقر خير من شماتة ذي الغمر # فإن ترع ودي بالقبول فأهله %~% ولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر # وحسبك بي إن شئت ودا وخلة %~% وحسبك بي يوم النزاهة والصبر # ألا رب شكر ms137 دائر الرسم دارس %~% وشكر كنقش الحميرية في الصخر # قال أبو عثمان المجهول: إذا كان الممدوح ظاهر المحاسن كثير المناقب فلم ~~يجد الشاعر كان ألوم. PageV01P331 # ونعوذ بالله أن يكون فيكم ما يستدعي الألفاظ الشريفة والمعاني النفيسة، ~~ويكون التقصير مني. # وكيفما تصرفت بي الحال فإني لم أخرج من جهد المجتهدين الراغبين المخلصين. ~~فإن وقعت هذه القصيدة والتي قدمنا قبلها بالموافقة فالحمد لله. وإن خالفت ~~فنستغفر الله. وإن شيعتم ضعفها بقوة كرمكم، وقومتم أودها بفضل حلمكم، كان ~~في ذلك بلاغ لما أملنا. والله الموفق. PageV01P332 ### | الرسالة التاسعة كتاب فصل ما بين العداوة والحسد PageV01P333 # بسم الله الرحمن الرحيم # أصحب الله مدتك السعادة والسلامة، وقرنها بالعافية والسرور، ووصلها ~~بالنعمة التي لا تزول، والكرامة التي لا تحول. # هذا كتاب - أطال الله بقاءك - نبيل بارع، فصل فيه بين الحسد والعداوة، ~~ولم يسبقني إليه أحد ولا إلى كتاب فضل الوعد الذي تقدم هذا الكتاب، ولا إلى ~~كتاب أخلاق الوزراء الذي تقدم كتاب فضل الوعد. # وإنما نبلت هذه الكتبوحسنت وبرعت، وبذت غيرها؛ لمشاكلتها شرف الأشراف، ~~بما فيها من الأخبار الأنيقة الغريبة، والآثار الحسنة اللطيفة، والأحاديث ~~الباعثة على الأخلاق المحمودة، والمكارم الباقية المأثورة، مع ما تضمنته من ~~سير الملوك والخلفاء ووزرائهم وأتباعهم، وما جرت عليه أحوالهم. # فأنا أسألك بساطع كرمك وناصع فضلك، لما امتننت علي بصرف عنايتك إلى ~~قراءتها. ~~فإن لم يمكنك تبحرها والتقصي لجميعها، للأشغال التي PageV01P337 ~~تعروك، فبحسبك أن تقف على حدودها، وتتعرف معاني أبوابها بتصفح أوائلها؛ ~~فإن معك قلبا به من اليقظة والذكاء، والتوقد والحفظ، ما يكفي معه النظر ~~الخاطف. # إنه لم يخل زمن من الأزمان فيما مضى من القرون الذاهبة إلا وفيه علماء ~~محقون، قد قرءوا كتب من تقدمهم، ودارسوا أهلها، ومارسوا الموافقين لهم، ~~وعانوا المخالفين عليهم، فمخضوا الحكمة وعجموا عيدانها، ووقفوا على حدود ~~العلوم، فحفظوا الأمهات والأصول، وعرفوا الشرائع والفروع، ففرقوا ما بين ~~الأشباه والنظائر، وصاقبوا بين الأشكال والأجناس، ووصلوا بين المتجاور ~~والمتوازي، واستنبطوا الغامض الباطن بالظاهر البين، واستظهروا على الخفي ~~المشكل بالمكشوف المعروف، وعرفوا بالفهم الثاقب ms138 والعلم الناصع، وقضت لهم ~~المحنة بالذكاء والفطنة، فوضعوا الكتب في ضروب العلوم وفنون الآداب لأهل ~~زمانهم، والأخلاف من بعدهم. يزدلفون بذلك إلى الممتن عليهم بفضل المعرفة ~~التي ركبها الله فيهم، وأبانهم من غيرهم، وفضلهم عليهم، ويباهون به الأمم ~~المخالفة لهم، ويتبارون بذلك فيما بينهم. ولهم حساد معارضون من أهل زمانهم ~~في تلك العلوم والكتب، PageV01P338 ~~منتحلة يدعون مثل دعاويهم، قد وسموا أنفسهم بسمات الباطل، وتسموا بأسماء ~~العلم على المجاز من غير حقيقة، ولبسوا لباس الزور متزخرفين متشبعين بما لا ~~محصول له. يحتذون أمثلة المحقين في زيهم وهديهم، ويقتفون آثارهم في ألفاظهم ~~وألحاظهم، وحركاتهم وإشاراتهم، لينسبوا إليهم ويحلوا محلهم، فاستمالوا بهذه ~~الحيلة قلوب ضعفاء العامة، وجهلاء الملوك، واتخذهم المعادون للعلماء ~~المحقين عدة يستظهرون بهم عند العامة. وحمل المدعية للعلم المزور الحسد على ~~بهت العلماء المحقين، وعضههم والطعن عليهم، وجرأهم على ذلك ما رأوا من صغو ~~ضعفة القلوب وإذلة الناس إليهم، وميل جهلاء الملوك معهم عليهم، وأملوا أن ~~ينالوا بذلك بشاشة العامة، وتستوي لهم الرياسة على طغام الناس ورعاعهم، ~~ويستخولوا رعاتهم وقومهم، فهمروا وهدروا وتوردوا PageV01P339 ~~على أهل العلم بغباوتهم، وكشفوا أغطية الجهل عن أنفسهم، وهتكوا سترا كان ~~مسدلا عليهم بالصمت. فقد قيل: " الصمت زين العالم، وستر الجاهل "؛ طمعا في ~~الرياسة وحبا لها. وقد قيل: # حب الرياسة داء لا دواء له %~% وقلما تجد الراضين بالقسم # ولم يخل زمن من الأزمنة من هذه الطبقة ولا يخلو. وهلاك من هلك من الأمم ~~فيما سلف بحب الرياسة. وكذلك من يهلك إلى انقضاء الدهر فبحب الرياسة. # وقد قيل: هلاك الناس منذ كانوا إلى أن تأتي الساعة بحب الأمر والنهي، وحب ~~السمع والطاعة. # فأشكل على العامة أمر العالم الحقيقي والمدعي المجاري المنتحل للزور ~~والباطل؛ ثم ترادف عليهم من هذه العلل التي يعمى لها السبيل الواضح والطريق ~~المنشأ، على الجاهل المستضعف؛ وذي الغباء المسترهف. # ولست آمن - جعلني الله فداك - أن تكون هذه الكتب التي أعنى بتأليفها، ~~وأتأنق في ترصيفها، يتولى عرضها عليك من قد لبس لباس الزور في انتحال وضع ms139 ~~مثلها، ونسب نفسه إلى القوة على نظائرها، والمعرفة بما يقاربها، إن لم يكن ~~أخاها فابن عمها، وتشبع بما لم يطعمه الله منها. PageV01P340 # ولعل بعض من حوله، أو بعض من يهزل به، ويرتع في عقله ويلهو بلبه، ويضعه ~~على طبطابة اللعب، وفي أرجوحة العبث، يوهمه. الحسد له على ما يدعي من ذلك، ~~ويتقدم إلى آخرين في إيهامهم إياه ذلك، فيزيده فعلهم ضراوة بادعاء ما ليس ~~معه وهو منه عار. فإذا رجع إلى الحقائق علم أن مثله كما قد قيل: # ومن يسكن البحرين يعظم طحاله %~% ويغبط بما في البطن والبطن جائع # وقد قيل: " الذئب يغبط وهو جائع ". فيلتوي في قراءتها، ويقبض لسانه عن ~~بسط ما يحتاج أن ينشره منها، ويقصر في تفخيم حروفها ولا يملأ فمه منها. # بل لا آمن أن يتجاوز ذلك إلى الطعن عليها بقول أو إشارة، فيوهم فساد ~~معانيها ويومي إلى سقوط ألفاظها، من غير أن يظهر المعاداة لها، والحسد ~~لمؤلفها، والحمل عليها بقول يكون دليلا على ما يضمر، وهو أبلغ ما يكون من ~~قلب المستمع وأنجعه فيه، فيقع ذلك بخلده. وقد قيل: " من يسمع يخل ". PageV01P341 # وليس يقابله أحد برد، ولا يوازيه بنزاع، فيزداد نشاطا عندما يرى من خلاء ~~الأمر. وقد قيل: " كل مجر في الخلاء يسر " وكل مناظر متفرد بالنظر مسرور، ~~وإنما يعرف جري الخيل عند المسابقة، وبراعة النظر عند المخاصمة. # وقال لي بشر المريسي: عرض كتابي على المأمون في تحليل النبيذ، وبحضرته ~~محمد بن أبي العباس الطوسي، فانبرى للطعن عليه والمعارضة للحجج التي فيه، ~~وأسهب في ذلك وخطب، وأكثر وأطنب، فقلق المأمون واحتدم، وهاج واضطرم؛ ~~لاستحقار الطوسي وخلاء المجلس له، وكان PageV01P342 ~~يحب أن يزعه وازع يكفه بحجة تسكنه، فلما لم ير أحدا بحضرته يذب عن كتابي ~~قال متمثلا: # يا لك من قبرة بمعمر %~% خلا لك الجو فبيضى واصفرى # ونقرى ما شئت أن تنقري # فما كان إلا ريث فراغه من التمثل بهذه الأبيات حتى استؤذن لي فدخلت عليه، ~~فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في النبيذ؟ فقلت: ms140 حل طلق يا أمير ~~المؤمنين. فقال: فما تقول فيما أسكر كثيره؟ قلت: لعن الله قليله إذا لم ~~يسكر إلا كثيره. ثم قال: إن محمدا يخالفك. فأقبلت على ابن أبي العباس فقلت ~~له: ما تقول فيما قال أمير المؤمنين؟ قال: لا خلاف بيني وبينك. كلاما يوهم ~~به أهل المجلس، حبا للتسلم مني والتخلص من مناظرتي، لا على حقيقة التحليل ~~له. فاستغنمت ذلك منه وقلت له: فما لي لا أرى أثر قواه في عقلك؟ فضحك ~~المأمون، فلما رأيت ضحكه أطنبت في معاني تحليل النبيذ، وابن أبي العباس ~~ساكت لا ينطق، وكان قبل دخولي ناطقا لا يسكت. فلما رأى المأمون سكوته عند ~~حضوري مع كثرة كلامه في ثلب كتابي وعيبه كان قبل دخولي، قال متمثلا: # ما لك لا تنبح يا كلب الدوم %~% قد كنت نباحا فما لك اليوم PageV01P343 # ثم نظر إلي فقال: إن الكتب عقول قوم وراءها عندهم حجج لها، فما ينبغي أن ~~يقضى على كتاب إلا إذا كان له دافع عنه، وخصم يبين عما فيه؛ فإن أبناء ~~النعم وأولاد الأسد محسودون. # ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، بإزاء كل حاسد راهن. # وقد قيل في مثل من الأمثال: " الحسن محسود ". وفي مثل آخر: " لن تعدم ~~الحسناء ذاما ". وقال الأحنف بن قيس: # ولن تصادف مرعى ممرعا أبدا %~% إلا وجدت به آثار مأكول # يقول: يعاث في كل مرعى حسن ويؤكل منه، فيعيبه ذلك. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " ما أحدث الله بعبد نعمة إلا وجدت له ~~عليها حاسدا. ولو أن امرأ كان أقوم من القدح لوجدت له غامزا ". PageV01P344 # وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: الحاسد لا يملك إلا عنان حسده؛ ~~لآنه مغلوب على نفسه. # وقال الخطاب بن نمير السعدي: الحاسد مجنون؛ لأنه يحسد الحسن والقبيح. # وقال المهلب بن أبي صفرة: الحسد شهاب لا يبالي من أصاب، وعلى من وقع. # والعداوة لها عقل تسوس به نفسها فينجم قرنها، وتبدى صفحتها في أوقات ~~الهتر. وإلا فإنها كامنة تنتهز أزمنة الفرص. والحسد مسلوب المعقول ms141 بإزاء ~~الضمير في كل حين وزمان ووقت. # ومن لؤم الحسد أنه موكل بالأدنى فالأدنى، والأخص فالأخص. والعداوة وإن ~~كانت تقبح الحسن فهي دون الحسد؛ لأن العدو المباين قد يحول وليا منافقا، ~~كما يحول المولى المنافق عدوا مباينا. # والحاسد لا يزول عن طريقته إلا بزوال المحسود عليه عنده. والعداوة تحدث ~~لعلة، فإذا زالت العلة زالت معها. والحسد تركيب لعله يحسد عليه فهو لا يزول ~~إلا بزواله. ومن هذا قال معاوية رحمه الله: يمكنني أن أرضي الناس كلهم إلا ~~حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه منها إلا زوالها. # وأعداء النعمة إذا شوركوا فيها ونالوا منها تزحزحوا عن عداوتها، وكانوا ~~من أهلها المحامين عنها، والدافعين عن حماها. PageV01P345 # ومن هذا قال المغيرة بن شعبة: النعمة التي يعاش فيها نعمة محروسة ليس ~~عليها ثائر يغتالها، ولا ذو حسد يحتال في غيرها. # وقال قتيبة بن مسلم: خير الخير وأحصنه خير عيش فيه. وكل خير كان يرضخ ~~بذلا كان من المتالف ممنوعا، ومن الغير آمنا. # وحساد النعمة إن أعطوا منها وتبحبحوا فيها، ازدادوا عليها غيظا وبها ~~إغراء. # والعداوة تخلق وتمل، والحسد غض جديد، حرم أو أعطي، لا يبيد. فكل حاسد عدو ~~بحاسد. وإنما حمل اليهود على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم - وهم يعرفونه ~~كما يعرفون أبناءهم أنه نبي صادق ورسول محق، يقرءون بعثه في توراتهم، ~~ويتدارسونه في بيت مدراسهم - الحسد، وحجز بين علمائهم والإيمان به، ثم نتج ~~لهم الحسد عداوته. # ومن الدليل على أن الحسد آلم وآذى وأوجع وأوضع من العداوة، أنه مغرى بفعل ~~الله عز وجل، والعداوة عارية من ذلك لا تتصل إذا اتصلت إلا بأفعال العباد. ~~ولا يعادى على فعل الله تباركت أسماؤه. ألا ترى أنك لم تسمع أحدا عادى أحدا ~~لأنه حسن الصورة جميل المحاسن، فصيح PageV01P346 ~~اللسان حسن البيان. وقد رأيت حاسد هذه الطبقة وسمعت به، وهم كثير تعرفهم ~~بالخبر والمشاهدة. # فهذا دليل على أن الحسد لا يكون إلا عن فساد الطبع، واعوجاج التركيب، ~~واضطراب السوس. # والحسد أخو الكذب، يجريان في مضمار واحد؛ فهما ms142 أليفان لا يفترقان، ~~وضجيعان لا يتباينان. والعداوة قد تخلو من الكذب؛ ألا ترى أن أولياء الله ~~قد عادوا أعداء الله إذ لم يستحلوا أن يكذبوا عليهم؟! والحسد لا يبرأ من ~~البهت، وكيف يبرأ منه وهو عموده الذي عليه يعتمد، وأساسه به البناء يعقد. ~~وأنشد: # كضرائر الحسناء قلن لوجهها %~% كذبا وزورا إنه لدميم # والحسد نار وقوده الروح، لا تبوخ أبدا أو يفنى الوقود. والحسد لا يبلى ~~المحسود أو الحاسد. والعداوة جمر يوقده الغضب، ويطفئه الرضا، فهو ~~مؤملالرجوع مرجو الإنابة. والحسد جوهر والعداوة اكتساب. # وقال بعضهم: الحسد أنثى، لأنه ذليل؛ والعداوة ذكر فحل، لأنها عزيزة. PageV01P347 # والحسد وإن كان موكلا بالأدنى فالأدنى فإنه لم يعر منه الأبعد فالأبعد. ~~فقد رأينا وشاهدنا من كان يسكن العراق وينتحل العلم والأدب، انتهى إليه خبر ~~مشارك له في الصناعة من أهل خراسان وجنبة بلخ من اتساق الرياسة في بلده، ~~وجميل حاله ونبيل محله عند أهل مصره، وطاعة العامة له، وترادف الناس عليه، ~~فطار قلبه فرقا، وأخذته الأرباء، وتنفس الصعداء وانتفض انتفاض المفلس ~~الممطور، فقال لي رجل من إخواني كان عن يميني، حين رأى ما رأى منه: بحق قال ~~من قال: " لم ير ظالم أشبه بمظلوم من حاسد نعمة؛ فإن نفسه متصل، وكربه ~~دائم، وفكرته لا تنام ". # وهو في أهل العلم أكثر، وعليهم أغلب، وبهم أشد لصوقا منه بغيرهم من ~~الملوك والسوقة. وكأن من ناله التقصير في صناعة العلم عن غايته القصوى قد ~~استشعر حسد كل ما يرد عليه من طريف أدب، أو أنيق كلام، أو بديع معنى. بل قد ~~وقع بخلده لضعفه، وقر في روعه لخساسته، أنه لا ينال أحد منهم رياسة في ~~صناعة، ولا يتهيأ له سياسة أهلها، إلا بالطعن PageV01P348 ~~على نواصيهم، والعيب لجلتهم، والتحيف لحقوقهم. # قال لي مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر، الذي يعرف بصريع الغواني: خيل ~~إلى نوكي الشعراء أنهم لا يقضى لهم بجودة الشعر إلا بهجائي والطعن في شعري، ~~ولسان يهجى به عرضي، لا أنفك متهما من غير جرم، إلا ما سبق إلى ms143 قلوبهم من ~~وساوس الظنون والخواطر التي أوهمتهم أنه لا يسجل لهم بجودة الشعر إلا إذا ~~استعملوا في ما خيل إليهم. # وأخبرني أشياخنا من أهل خراسان أن أبا الصلت الهروي كان عند الفضل بن سهل ~~ذي الرياستين بمرو، فقرأ عليه كتابا ألفه النضضر بن شميل، فطعن أبو الصلت ~~فيه، وكان الفضل عارفا بالنضر الشميلي، واثقا بعلمه، مائلا إليه، فأقبل على ~~أبي الصلت وقال له: إن يحيى بن خالد قال يوما: إن كتبي لتعرض على من يغلظ ~~فهمه عن معرفتها، ويجسو ذهنه عنها، ولا يبلغ أقصى علمه ما فيها - يعرض ~~بإسماعيل بن صبيح - فيطعن فيها ولا يدري ما يقرأ عليه منها. إلا أن نار ~~الحسد تلهبه فيهذي PageV01P349 ~~هذيان المريض، ويهمز همزات الغيري، ثم لا يرضى أن يقف عند أول الطعن ~~ويميل عنه حتى يستقصي على نفسه إظهار جهله عند أهل المعرفة، باستيعابه ~~الطعن على ما لم يبلغ درايته، ولم يحط به علمه، ثم ينسيه جهله الطعن الذي ~~تقدم منه فيها، ويحمله نوكه على استعمال معانيها وألفاظها، في كتبه إلى ~~إخوانه وأعوانه الذين شهدوه في أوان طعنه عليها، وحين ثلبه لها. # وقد عرفت حقيقة ما قال يحيى بن خالد بالتجربة والابتلاء. وإني ربما ألفت ~~الكتاب المحكم المتقن في الدين والفقه، والرسائل والسيرة، والخطب والخراج ~~والأحكام، وسائر فنون الحكمة، وأنسبه إلى نفسي، فيتواطأ على الطعن فيه ~~جماعة من أهل العلم، بالحسد المركب فيهم، وهم يعرفون براعته ونصاعته. وأكثر ~~ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفا لملك معه المقدرة على التقديم ~~والتأخير، والحط والرفع، والترغيب والترهيب، فإنهم يهتاجون عند ذلك اهتياج ~~الإبل المغتلمة، فإن أمكنتهم حيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد الذي ألف ~~له فهو الذي قصدوه وأرادوه، وإن كان السيد المؤلف فيه الكتاب نحريرا نقابا، ~~ونقريسا بليغا، وحاذقا فطنا، وأعجزتهم الحيلة، سرقوا معاني ذلك الكتاب ~~وألفوا من أعراضه وحواشيه كتابا، وأهدوه إلىملك آخر، ومتوا إليه به، وهم قد ~~ذموه وثلبوه لما رأوه منسوبا إلي، وموسوما بي. PageV01P350 # وربما ألفت الكتاب الذي هو دونه ms144 في معانيه وألفاظه، فأترجمه باسم غيري، ~~وأحيله على من تقدمني عصره مثل ابن المقفع والخليل، وسلم صاحب بيت الحكمة، ~~ويحيى بن خالد، والعتابي، ومن أشبه هؤلاء من مؤلفي الكتب، فيأتيني أولئك ~~القوم بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب، لاستنساخ ~~هذا الكتاب وقراءته علي، ويكتبونه بخطوطهم، ويصيرونه إماما يقتدون به، ~~ويتدارسونه بينهم، ويتأدبون به، ويستعملون ألفاظه ومعانيه في كتبهم ~~وخطاباتهم، ويروونه عني لغيرهم من طلاب ذلك الجنس فتثبت لهم به رياسة، ~~ويأتم بهم قوم فيه؛ لأنه لم يترجم باسمي، ولم ينسب إلى تأليفي. # ولربما خرج الكتاب من تحت يدي محصفا كأنه متن حجر أملس، بمعان لطيفة ~~محكمة، وألفاظ شريفة فصيحة، فأخاف عليه طعن الحاسدين إن أنا نسبته إلى ~~نفسي، وأحسد عليه من ~~أهم بنسبته إليه لجودة نظامه وحسن كلامه، فأظهره مبهما غفلا في أعراض ~~أصول الكتب التي لا يعرف وضاعها، فينهالون عليه انهيال الرمل، ويستبقون إلى ~~قراءته سباق الخيل يوم الحلبة إلى غايتها. # وحسد الجاهل أهون شوكة وأذل محنا، من حسد العارف الفطن؛ لأن الحاسد ~~الجاهل يبتدر إلى الطعن على الكتاب في أول وهلة يقرأ عليه، من PageV01P351 ~~قبل استتمام قراءته ورقة واحدة؛ ثم لا يرضى بأيسر الطعن وأخفه حتى يبلغ ~~منه إلى أشده وأغلظه، من قبل أن يقف على فصوله وحدوده. وليس ثلبه مفسرا ~~مفصلا، ولكنه يجمل ذلك ويقول: هذا خطأ من أوله إلى آخره، وباطل من ابتدائه ~~إلى انقضائه، ويحسب أنه كلما ازداد إغراقا وطعنا وإطنابا في الحمل على واضع ~~الكتاب، كان ذلك أقرب إلى القبول منه. وهو لا يعلم أن المستمع إليه إذا ظهر ~~منه على هذه المنزلة استخف به، وبكته بالجهل، وعلم أنه قد حكم من غير ~~استبراء، وقضى بغير روية، فسقط عنه وبطل. # والحاسد العارف الذي فيه تقية ومعه مسكة، وبه طعم أو حياة، إذا أراد أن ~~يغتال الكتاب ويحتال في إسقاطه، تصفح أوراقه ووقف على حدوده ومفاصله، وردد ~~فيه بصره وراجع فكره، وأظهر عند السيد الذي هو بحضرته وجلسائه، من التثبت ~~والتأني ms145 حبالة يقتنص بها قلوبهم، وسببا يسترعي به ألبابهم، وسلما يرتقي به ~~إلى مراده منهم، وبساطا يفرش عليه مصارع الخدع. فيوهم به القصد إلى الحق ~~والاجتباء له. فربما استرعى بهذه المخاتل والخدع قلب السيد الحازم. # فمن أعظم البلايا وأكبر المصائب على مؤلفي الكتب إذا كان العارض PageV01P352 ~~لها على السيد الذي منه ترجى أثمانها، وعنده تنفق بضائع أهلها، على هذه ~~الصفة التي وصفتها من الحسد والحذق بأسبابه، والمعرفة بالوجوه التي تثلم ~~المحسود وتهده، وتضع منه ومن كتبه. لا سيما إن كان مع استبطان الحسد ~~واستعمال الدهاء والذكاء جليسا لازما، وتابعا لا يفارق، ومحدثا لا يريم، ~~وليست له رعة تحجره عن الباطل، ولا معه حذر يبعثه على الفكر في العواقب؛ ~~فإن هذا ربما وافق فترة السيد ترداد الكلام، وكثرة تكراره عليه، من تأكيد ~~خطائه، ونصرته قوله، وذياده عنه، واحتجاجه فيه، فيؤثر في قلبه، ويضجع رأيه. ~~فليس للسيد الذي يحب أن تصير إليه الأمور على حقائقها، وتصور له الأشياء ~~على هيئاتها، حيلة في ذلك إلا حسم مادة هذا من أهل الحسد، بالإعراض عنهم، ~~والاحتجاز دونهم. # وربما بلغ من الحاسد جهد الحسد إذا لم يعمل بشهوته، ولم تنفذ سهام ~~لطائفه، أن يقر على نفسه بالخطأ، ويعترف أن الطعن الذي كان منه في الكتاب ~~عن سهو وغفلة، وأنه لم يكن بلغ منه في الاستقصاء ما أراد، وكان مشغول الفكر ~~مقسم الذهن، فلما فرغ له ذهنه وانفرد له همه راجع ما كان بدر منه، لتظن به ~~الرعة، ويقال إنه لم يرجع عن قوله واعترف بالخطأ إلا من عقل وازع، ودين ~~خالص. وإنما ذلك حيلة منه ودهاء PageV01P353 ~~قدمه أمام ما يريد أن يوكد لنفسه ويوطد لها، من قبول القول في سائر ما ~~يرد عليه من الكتب عن غير موافقة على مواضع، ويجعل ما قد تقدم له من الرجوع ~~عن قوله عند ما تبين له خلاف ما قال، أوثق أسباب عدالته، وأحكم عرى نصفته. # وكان يقال: من لطيف ما يستدعى به الصدق إظهار الشك في الخبر الذي لا يشك ms146 ~~فيه. # وكان يقال: من غامض الرياء أن ترى بأنك لا ترائي. ومن أبلغ الطعن على ما ~~تريد الطعن عليه أن تطعن ثم تستغفر الله، ثم تتمهل فترة، ثم تعود لطعن هو ~~أعظم منه وأطم من الأول؛ ليوثق بك فيه، ويقال: إن هذا لو كان عن حسد ما رجع ~~عن الطعن الأول. # وقد قيل: ذو الغيبة المشهور بها المنسوب إليها يقل ضرره، ويضعف كيده، لما ~~شاع له في الناس وانتشر منه، فكان عندهم ظنينا متهما، ومطبوعا عليها، ~~يستمعون منه على قضاء ذمام المجالسة والتلذذ به، من غير قبول ولا اصطفاء. # وإنما البلية في غيبة حذاق المغتابين الذين يسمعون، فيضحكون ولا يتكلمون. ~~وأحذق منهم الذين يستمعون ويسكتون القائل ويدعون الله PageV01P354 ~~بالصلاح للمقول فيه، فهم قد أسكتوا القائل المغتاب ودعوا للمقول فيه، ~~وأوكدوا قول القائل؛ لأنه لو حل عندهم محل البراءة مما قيل لجبه القائل ~~وردع عن قوله. # ومظهر التوقي قليله عند العامة كثير. والمتورد المتقحم لا تكاد العامة ~~تقبل منه. # وقد قال بعض العلماء: إن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كان من ~~نبلاء المغتابين وحذاقهم حيث يقول: # مسا تراب الأرض، منه خلقتما %~% وفيها المعاد والمصير إلى الحشر # ولا تعجبا أن تؤتيا وتعظما %~% فما حشى الإنسان شرا من الكبر # فلو شئت أدلى فيكما غير واحد %~% كلانية أو قال ذلك في سر # فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما %~% ضحكت له حتى يلج فيستشري # ومن هذا سرق العتابي المعنى حيث يقول: # إن كنت لا تحذر شتمي لما %~% تعرف من صفحي عن الجاهل PageV01P355 # فاخش سكوتي سامعا ضاحكا %~% فيك لمشنوع من القائل # مقالة السوء إلى أهلها %~% أسرع من منحدر سائل # ومن دعا الناس إلى ذمه %~% ذموه بالحق وبالباطل # وسئل القاسم بن معن عن ابن أبي ليلى، فقلب كفيه وقال: # من الناس من يخفي أبوه وجده %~% وجد أبي ليلى لكالبدر ظاهر # فلم تثبت عليه به حجة في ذم له ولا مدح. وقد بلغ ما أراد. # وسئل يوما عن علمه فقال: أوعوه وطبا، فإن ms147 كان محضا أو مشوبا أظهره الوطب ~~وما خضوه. # فإن قدح - جعلني الله فداك - بالحسد قادح فيما أؤلفه من كتابي لك، وسبق ~~إلى وهمك شك فيه، أعلمتني النكتة التي قدح فيها، ثم قابله بجوابي، فإني ~~أرجو ألا تحتاج إلى حاكم عند تجاثي القولين بين يديك، لعلو الحقعلى الباطل، ~~ودموغه إياه. # والحسد أذل نفسا من أن يجاثي أحدا، والعداوة إنما قدمت عليه لأنها عزيزة ~~منيعة. # ويقال: الحسد لا يبدو إلا في العين وعلى اللسان المقصور عند أهله ~~المؤتلفين على ... والعداوة تبدو وتنجم قرونها وينبسط لسانها عند الموافقين ~~له والمخالفين عليه. PageV01P356 # وسئل خالد بن صفوان عن شبيب بن شيبة فقال: ذاك امرؤ سيط بالحسد وجبل ~~عليه، فليس له أخ في السر ولا عدو في العلانية. # وسئل العتابي عن أهل بغداد فقال: حساد، إخوان العلانية، وأعداء السريرة، ~~يعطونك الكل ويمنعونك القل. # ومما يدلك على أن الحسد أخس وأغبن من العداوة، أن الملل كلها ذمته ~~وعابته. ولا نعلم أن شاذا من الشواذ، وشاردا من الشراد، فضلا عن جيل من ~~الأجيال، أمر بالحسد؛ كما قيل: " عاد من عاداك، وقارع بالعداوة أهلها ". ثم ~~عظم شأن العداوة عندهم، وجل قدرها لديهم، حتى اختلفوا في وجوه العمل فيها؛ ~~فمنهم من أمر بها على الحزم والعقل. # وقال الشعبي لبشر بن مروان: لو وجهت إلى عمرو بن محمد بن عقيل مولى آل ~~الزبير - وكان شتمه - من يأتيك به سحبا وجرا! فقال بشر: إني مستعمل في عدوي ~~قول القائل: # وعاد إذا عاديت بالحزم والنهي %~% تنل ظفرا ممن تريد وتغلب # فكان بهذا ممن يرى المعاداة بالحزم، ويغتالها بالعقل والتأني. # وكان عروة بن المغيرة يقول: شر العداوة ما ستر بالمداراة، وأشقاها للأنفس ~~ما قرع بمثلها باديا. وكان ينشد: PageV01P357 # لا أتقي حسك الضغائن بالرقي %~% فعل الذليل ولو بقيت وحيدا # لكن أعد لها ضغائن مثلها %~% حتى أداوي بالحقود حقودا # كالخمر خير دوائها منها بها %~% تشفي السقيم وتبرئ المنجودا # فانتهى قوله إلى ابن شبرمة فقال: " لله در عروة، هذه أنفس العرب! ". # فهؤلاء رأوا كشف المعاداة ولم يروا ms148 التأني. # ومنهم من رأى المعاداة بعد الفرار منها والإعذار فيها، فإن هي أبت إلا ~~المقارنة قارنوها بمثلها. # قال شبيب بن شيبة: إذا رأيت الشر قد أقبل إليك فتطامن له حتى يتخطاك، ولا ~~تهجه ولا تبحث عنه؛ فإن أبى إلا أن يبرك عليك فكن من الأرض نارا ساطعة ~~تتلظى. وأنشد: # إذا عاداك محتنك لبيب %~% فعاد النوم واحترس البياتا # ولا تثر الربوض وخل عنها %~% وإن ثارت فكن شبحا مواتا PageV01P358 # تجزك إلى سواك ونح عنها %~% فخير الشر أسرعه فواتا # وإن مالت عليك وخفت منها %~% فواجهها مجاهرة صلاتا # ومنهم من أمر بقبول الإنصاف وترك المحاسبة. قال عبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة بن مسعود: إن الملامات والذمات كلها قبيحة، وأقبح الملامة والمذمة ما ~~كانتا في ترك نصفة أو شدة منافسة في تعداد الذنوب. وأنشد: # منافسة العدو أو الصديق %~% تجر إلى المذمة والملامة # إذا أعطاك نصفا ذو وداد %~% وبعض النصف فانتهز السلامة # ومنهم من قال: لا ترض من عدوك إلا بالظلم، ولا إنصافه ونافسه في ذلك. قال ~~العباس بن عبد المطلب: # أبا طالب لا تقبل النصف منهم %~% ولو أنصفوا حتى تعق وتظلما # ومنهم من أمر بمعونة الدهر على العدو إذا حمل عليه. قال: حدثني إبراهيم ~~بن شعبة المخزومي قال: سمعت من حكى لي عن مصعب بن الزبير قال: إذا رأيت يد ~~الدهر قد لطمت عدوك فبادره برجلك، فإن سلم من الدهر لم يسلم منك. وأنشد: # إذا برك الزمان على عدو %~% بنكبته أعنت له الزمانا PageV01P359 # قال العتابي: قلت لطوق بن مالك: إن من شرط الدهر ومن صناعة الزمان السلب، ~~فإذا حملت الأيام على عدوك ثقلا وأمكنتك منه فزده ثقلا إلى ثقله. قال: فقال ~~لي طوق: من لم ينتهز من عدوه انتهز منه، وحالت الأيام التي كانت بيضا عليه ~~سودا. وانشد: # لله درك ما ظننت بثائر %~% حران ليس على التراب براقد # أحقدته ثم اضطجعت ولم ينم %~% أسفا عليك وكيف نوم الحاقد # إن تمكن الأيام منك، وعلها، %~% يوما نوفك بالصواع الزائد # ولئن سلمت لأتركنك عارضا %~% بعدي لكل ms149 مسالم ومعاند # ومنهم من كان يرى جبر كسر العدو وإقالة عثرته، ونصرته عند وثوب الدهر ~~عليه. # قال: حدثني ابن عبد الحميد قال ابن شبرمة: كانت الحرب يوم PageV01P360 ~~صفين بين العرب محضة لا شوب فيها، فكانت محاربتهم كداما واعتناقا، وكانوا ~~إذا مروا برجل جريح كانوا يقولون: خذله قومه فانصروه، وألقاه دهره بمضيعة ~~فردوه إلى أهله. # وقال ابن شبرمة: مازلنا نسمع أن المصيبات تنزع السجيات. # قال: وأنشدني بعض أهل العلم في هذا المعنى: # فلو بي بدأتم قبل من قد دعوتهم %~% لفرجتها وحدي ولو بلغت جهدي # إذا المرء ذو القربى وذو الحقد أجحفت %~% به سنة سلت مصيبته حقدي # ومنهم من رأى الإفضال على عدوه وترك مجازاته. وهذا كثير لا يحتاج فيه إلى ~~استقصاء شواهده. # قال غيلان بن خرشة الضبي - وقال بعضهم: بل الأحنف بن قيس - لا تزال العرب ~~بخير ما لبست العمائم وتقلدت السيوف وركبت الخيل، ولم تأخذها حمية الأوغاد. ~~قيل: وما حمية الأوغاد؟ قال: PageV01P361 ~~أن يروا الحلم ذلا، والتواهب ضيما. # وقال الشعبي لرجل قال له: ألا تنتقم من فلان فقد عاداك ونصب لك؟ فقال: # ليست الأحلام في حال الرضا %~% إنما الأحلام في حال الغضب # وأنشدني بعض العلماء بيتين وقال: إن الزنبيري كان كثيرا ما يتمثل بهما: # وإني لأعدائي على المقت والقلى %~% بني العم منهم كاشح وحسود # أذب وأرمي بالحصى من ورائهم %~% وأبدأ بالحسنى لهم وأعود # وكان عبد الملك بن مروان إذا أنشد: # إني وإن كان ابن عمي كاشحا %~% لمراجم من دونه وورائه # ومعيره نصري وإن كان امرأ %~% متزحزحا في أرضه وسمائه # وإن اكتسى ثوبا نفيسا لم أقل %~% يا ليت أن علي حسن ردائه PageV01P362 # وإذا تخرق في غناه وفرته %~% وإذا تصعلك كنت من قرنائه # قال: هذا والله من شعر الأشراف. نفى عن نفسه الحسد واللؤم والانتقام عند ~~الإمكان، والمسألة عند الحاجة. # ومنهم من أمر بالسفه في العداوة واستعمال الخرق فيها. # حدثني نوح بن احمد عن أبيه عن ابن عباس قال: جاء النابغة الجعدي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل معك ms150 من الشعر ما عفا الله عنه؟ قال: ~~نعم. قال: أنشدني منه. فأنشده: # وإنا لقوم ما نعود خيلنا %~% إذا ما التقينا أن تحيدا وتنفرا # وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا %~% من الطعن حتى تحسب الجون أشقرا # وليس بمعروف لنا أن نردها %~% صحاحا ولا مستنكرا أن تعقرا # بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا %~% وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا PageV01P363 # فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى أين يا أبا ليلى؟ فقال: إلى ~~الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إلى الجنة إن شاء الله ". # ثم رجع في قصيدته فقال: # ولا خير في جهل إذا لم يكن له %~% حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا # ولا خير في حلم إذا لم تكن له %~% بوادر تحمي صفوه أن يكدرا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا فض الله فاك ". قال: فأتت عليه ~~عشرون ومائة سنة، كلما سقطت له سن اثغرت أخرى مكانها؛ لدعوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # فهذا أحسن ما روي في البادرة التي يصان بها الحلم. # وقال الشاعر الجاهلي: # صفحنا عن بني ذهل %~% وقلنا: القوم إخوان # عسى الأيام أن يرجع %~% ن حيا كالذي كانوا # فلما صرح الشر %~% وأمسى وهو عريان PageV01P364 # مشينا مشية الليث %~% بدا والليث غضبان # بضرب فيه توهين %~% وتضجيع وإذعان # وطعن كفم الزق %~% وهي والزق ملآن # وفي الشر نجاة حي %~% ن لا ينجيك إحسان # حدثنا أبو مسهر عن أبيه عن خالد بن عمرو الكلبي قال: # كنا مع أبي برزة ~~الأسلمش في غزاة، فكان منا رجل يمتار لنا الميرة ويقوم بحوائجنا، فإذا أقبل ~~قلنا: جزاك الله خيرا. فغضب لدعائنا، فشكونا ذلك إلى أبي برزة، فقال أبو ~~برزة: كنا نسمع أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر، فاقلبوا له. فكنا نقول له ~~إذا أتانا بالحوائج: جزاك الله شرا وعرا، فيضحك لذلك. # وأنشدني رجل عن بعض الأعراب: # أرى الحلم في بعض المواطن ذلة %~% وفي بعضها عزا يشرف فاعله # إذا أنت لم تدفع بحلمك جاهلا %~% سفيها ولم تقرن به من يجاهله # لبست له ثوب المذلة ms151 صاغرا %~% فأصبح قد أودى بحقك باطله PageV01P365 # فأبق على جهال قومك إنه %~% لكل حليم موطن هو جاهله # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " استوصوا بالغوغاء خيرا، فإنهم ~~يطفئون الحريق، ويسدون البثوق ". # وقال أبو سلمى في الجاهلية: # لا بد للسودد من رماح %~% ومن عديد يتقى بالراح # ومن كلاب جمة النباح # وقال مسلم بن الوليد: # حلفت لئن لم تلقني سفهاؤها %~% خزاعة والحيان عوف وأسلم # لأرتجعن الود بيني وبينها %~% بقافية تفري العروق فتحسم # من اللاء لا يرجعن إلا شواردا %~% لهن بأفواه الرجال تهمهم # أصابوا حليما فاستعدوا بجاهل %~% إذا الحلم لم يمنعك فالجهل أحزم # ولم نستقص الأبواب كلها بالمعارضة في هذا الكتاب، ولو استقصينا PageV01P366 ~~لطالت بنا الأيام وتراخت الليالي إلى بلوغ الغاية في تمام الكتاب. وإنما ~~ذكرنا من كل باب عرض فيه ما دل على معناه الذي إليه قصد. # ولم نر الحسد أمر به أحد من العرب والعجم في حال من الأحوال، ولا ندب ~~إليه ونبه عليه. وقد نبه على العداوة وفصل بين أحوالها بما قد بيناه، فظهر ~~فضلها على الحسد بذلك. # وكنت امرأ قليل الحساد حتى اعتصمت بعروتك، واستمسكت بحبلك واستذريت في ~~ظلك، فتراكم على الحساد وازدحموا، ورموني بسهامهم من كل أوب وأفق، وتتايعوا ~~علي تتايع الدثر على مشتار العسل. ولئن كثروا لقد كثر بهبوب ريحك إخواني، ~~وبنضرة أيامك وزهرة دولتك خلاني. وأنا كما قلت: # فأكثرت حسادي وأكثرت خلتي %~% وكنت وحسادي قليل وخلاني # فلما بلغت هذا الفصل من تأليف هذا الكتاب دخل علي عشرة نفر من الكتاب قد ~~شملهم معروفك، ورفع مراتبهم جميل نظرك، فهم من طاعتك والمحبة لك على حسب ما ~~أوليتهم من إحسانك وجزيل فوائدك، فأفاضوا في حديث من أحاديث الحسد، فشعب ~~لهم ذلك الحديث شعوبا PageV01P367 ~~افتنوا فيها - والحديث ذو شجون - فما برحوا حتى أتتني رقعة أناسية من ~~الحساد فيها سهام الوعيد، ومقدمات التهديد والتحذير والتخويف، للطعن على ما ~~ألفت من الكتب إن أنا لم أضمن لهم الشركة فيما يجرى علي، فدفعت رقعتهم إلى ~~من قرب إلي منهم، فقرأها ms152 ثم قال: " قاتلهم الله! أبظلم يرمون النيل ~~ويلتمسون الشركة في المعروف! لنزع الروح بالكلاليب أهون من بذل معروف ~~بترهيب ". وأنشأ يقول: # أبقي الحوادث من خلي %~% لك مثل جندلة المراجم # قد رامني الأعداء قب %~% لك فامتنعت من المظالم # ودفعها إلى من قرب منه فقرأها. وقال الثاني: " صكة جلمود، لكل مرعد حسود، ~~يمستطر العرف بالتهديد. خل الوعيد، يذهب في البيد ". وأنشأ يقول: # أبرق وأرعد يا يزي %~% د فما وعيدك لي بضائر # ودفعها إلى الثالث فقرأها وقال: " سألوا ظلما، وخوفوا هضما، لقوا حربا ~~ولقيت سلما ". وأنشأ يقول: PageV01P368 # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا %~% أبشر بطول سلامة يا مربع # ودفعها إلى الرابع فقرأها وقال: " قول الذليل وبوله سيان ". وأنشأ يقول: # ماضر تغلب وائل أهجوتها %~% أم بلت حيث تناطح البحران # ودفعها إلى الخامس فقرأها وقال: " نهيق الحمار، ودم الأعيار جبار جبار ". ~~وأنشأ يقول: # ما أبالي أنب بالحزن تيس %~% أم لحاني بظهر غيب لئيم # ودفعها إلى السادس فقرأها وقال: " إذا علقتك الأمجاد، فليهن عليك الحساد ~~". وانشأ يقول: # إذا أهل الكرامة أكرموني %~% فلا أخشى الهوان من اللئام # ودفعها إلى السابع فقرأها وقال: " كيف يخاف الصرعة، من هو في ذي المنعة ~~". وأنشأ يقول: PageV01P369 # كم تنبحون وما يغني نباحكم %~% ما يملك الكلب غير النبح من ضرر # ودفعها إلى العاشر فقرأها وقال: " نوكى هلكى، لم يعرفوا خبرك، ولا دروا ~~أمرك ". وأنشأ يقول: # فلو علم الكلاب بنو الكلاب %~% بحالك عند سيدنا لذلوا # وعندي صديق لي من السوقة له أدب، فقال لي بعقب فراغهم مسرا: إن هؤلاء ~~الكتاب قد أظهروا الاستخفاف بقول الحساد، وضربوا الأمثال في هوانهم عليك، ~~وعرفوا أنك في منعة من عز أبي الحسن أطال الله بقاءه، ومعقل لا يسامى ولا ~~ينال. وأنا أقول بالشفعة: # توق قوما من الحساد قد قصدوا %~% لحط قدرك في سر وفي علن # فقلت له: إني أقول بيتين هما جوابك وجواب الحساد: # إن ابن يحيى عبيد الله أمنني %~% من الحوادث بعد الخوف من زمني # فلست أحذر حسادي وإن كثروا %~% ما دمت ممسك حبل من أبي الحسن # فلما ms153 رأى صديقي اقتفائي آثار الكتاب، باستهانتي للحساد عند اعتلاقي PageV01P370 ~~حبائلك أعزك الله، أنشأ متمثلا بقول نصر بن سيار: # إني نشأت وحسادي ذوو عدد %~% ياذا المعارج لا تنقض لهم أحدا # إن يحسدوني على ما قد بنيت لهم %~% فمثل حسن بلائي جر لي الحسدا # وليس العجب أن يكثروا وأنا أنعق بمحاسنك، وأهتف بشكرك، ولكن العجب كيف لا ~~تتفتت أكبادهم كمدا. # وكان بعضهم يقول: اللهم كثر حساد ولدي؛ فإنهم لا يكثرون إلا بكثرة ~~النعمة. # فإن كان والدي سبق منه هذا الدعاء، فإن الإجابة كانت مخبوءة إلى زمان ~~عزك؛ فقد رأينا تباشيرها، وبدت لنا عند عنايتك غايتها. # وكان بعض الصالحين يقول: اللهم اجعل ولدي محسودين، ولا تجعلهم مرحومين؛ ~~فإن يوم المحسود يوم عزة، ويوم الحاسد يوم ذلة. PageV01P371 # ويقال: إنه لما مات الحجاج سمعوا جارية خلف جنازته وهي تقول: # اليوم يرحمنا من كان يحسدنا %~% واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا # ويقال: إن زياد بن أبيه قال لحرقة ابنة النعمان: أخبريني بحالكم. قالت: ~~إن شئت أجملت وإن شئت فسرت. فقال لها: أجملي. فقالت: " بتنا نحسد، وأصبحنا ~~نرحم ". فخطبها زياد وكانت في دير لها فكشفت عن رأسها، فإذا رأس محلوق، ~~فقالت: أرأس عروس كما ترى يا زياد؟ وأعطاها دنانير فأخذتها وقالت: جزتك يد ~~افتقرت بعد غنى، ولا جزتك يد استغنت بعد فقر! # ولا نعلم الحسد جاء فيه شيء ~~أكثر من حديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في اثنتين: ~~رجل آتاه الله حفظ القرآن فهو يقوم به PageV01P372 # آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في وجوه البر ~~آناء الليل وآناء النهار ". # فهذا الحسد إنما هو في طاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال بعض الأشراف: # احسد على نيل المكارم والعلى %~% إذ لم تكن في حاله المحسود # حسد الفتى بالمكرمات لغيره %~% كرم ولكن ليس بالمعدود # فهذا ما انتهى إلينا من أخبار الحسد، وزادك الله شرفا وفضلا، وعلما ~~ومعرفة، ولا زلت بالمكان الذي يهدى إليك فيه الكتب، وتتحف ms154 بنوادر العلوم ~~وفرائد الآداب، إنه قريب مجيب. PageV01P373 ### | الرسالة العاشرة رسالة في صناعات القواد PageV01P374 # بسم الله الرحمن الرحيم # أرشدك الله للصواب، وعرفك فضل أولي الألباب، ووهب لك جميل الآداب، وجعلك ~~ممن يعرف عز الأدب كما تعرف زوائد الغنى. # قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: دخلت على أمير المؤمنين المعتصم بالله ~~فقلت له: يا أمير المؤمنين، في اللسان عشر خصال: أداة يظهر بها البيان، ~~وشاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع ~~تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، وواعظ يعرف به القبيح، ومعز يرد به ~~الأحزان، وخاصة يزهى بالصنيعة، وملة يونق الأسماع. # وقال الحسن البصري: إن الله تعالى رفع درجة اللسان، فليس من الأعضاء شيء ~~ينطق بذكره غيره. # وقال بعض العلماء: أفضل شيء للرجل عقل يولد معه، فإن فاته ذلك PageV01P379 ~~فمال يعظم به، فإن فاته ذلك فعلم يعيش به، فإن فاته ذلك فموت يجتث أصله. # وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلا ضالة، أو بهيمة مرسلة، ~~أو صورة ممثلة. # وذكر الصمت والنطق عند الأحنف فقال رجل: الصمت أفضل وأحمد. فقال: صاحب ~~الصمت لا يتعداه نفعه، وصاحب المنطق ينتفع به غيره. والمنطق الصواب أفضل. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رحم الله امرأ أصلح من ~~لسانه ". # قال: وسمع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه رجلا يتكلم فأبلغ في حاجته، ~~فقال عمر: هذا والله السحر الحلال. # وقال مسلمة بن عبد الملك: إن الرجل ليسألني الحاجة فتستجيب نفسي له بها، ~~فإذا لحن انصرفت نفسي عنها. # وتقدم رجل إلى زياد فقال: أصلح الله الأمير، إن أبينا هلك، وإن أخونا ~~غصبنا ميراثه. فقال زياد: الذي ضيعت من لسانك أكثر مما ضيعت من مالك. PageV01P380 # وقال بعض الحكماء لأولاده: يا بني أصلحوا من ألسنتكم، فإن الرجل لتنوبه ~~النائبة فيستعير الدابة والثياب، ولا يقدر أن يستعير اللسان. # وقال شبيب بن شيبة ورأى رجلا يتكلم فأساء القول، فقال: يا ابن أخي، الأدب ~~الصالح خير من المال المضاعف. # وقال ms155 الشاعر: # وكائن ترى من صامت لك معجب %~% زيادته أو نقصه في التكلم # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده %~% فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # فخذ يا أمير المؤمنين أولادك بأن يتعلموا من كل الأدب؛ فإنك إن أفردتهم ~~بشيء واحد ثم سئلوا عن غيره لم يحسنوه. # وذلك أني لقيت حزاما حين قدم أمير المؤمنين من بلاد الروم، فسألته عن ~~الحرب كيف كانت هناك؟ فقال: # لقيناهم في مقدار صحن الإصطبل، فما كان بقدر ما ~~يحس الرجل دابته حتى تركناهم في أضيق من ممرغة. وقتلناهم فجعلناهم كأنهم ~~أنابير سرجين، PageV01P381 ~~فلو طرحت روثة ما سقطت إلا على ذنب دابة. # وعمل أبياتا في الغزل فكانت: # إن يهدم الصد من جسمي معالفه %~% فإن قلبي بقت الوجد معمور # إني امرؤ في وثاق الحب يكبحه %~% لجام هجر على الأسقام معذور # علل بجل نبيل من وصالك أو %~% حسن الرقاد فإن النوم مأسور # أصاب حبل شكال الوصل حين بدا %~% ومبضع الصد في كفيه مشهور # لبست برقع هجر بعد ذلك في %~% إصطبل ود فروث الحب منثور PageV01P382 # قال: وسألت بختيشوع الطبيب عن مثل ذلك فقال: # لقيناهم في مقدار صحن ~~البيمارستان، فما كان بقدر ما يختلف الرجل مقعدين حتى تركناهم في أضيق من ~~محقنة، فقتلناهم فلو طرحت مبضعا ما سقط إلا على أكحل رجل. # وعمل أبياتا في الغزل فكانت: # شرب الوصل دستج الهجر فاستط %~% لق بطن الوصال بالإسهال # ورماني حبي بقولنج بين %~% مذهل عن ملامة العذال # ففؤاد الحبيب ينحله الس %~% ل وقلبي معذب بالملال # وفؤادي مبرسم ذو سقام %~% يا بن ما سوه ضل عني احتيالي # لو ببقراط كان مابي وجالي %~% نوس باتا منه بأكسف بال PageV01P383 # قال: وسألت جعفرا الخياط عن مثل ذلك فقال: # لقيناهم في مقدار سوق الخلقان، ~~فما كان بقدر ما يخيط الرجل درزا حتى قتلناهم وتركناهم في أضيق من جربان، ~~فلو طرحت إبرة ما سقطت إلا على رأس رجل. # وعمل أبياتا في الغزل فكانت: # فتقت بالهجر دروز الهوى %~% إذ وخزتني إبرة الصد # فالقلب من ضيق سراويله %~% يعثر في بايكة الجهد # جشمتني يا ms156 طيلسان النوى %~% منك على شوزكتي وجدي # أزرار عيني فيك موصولة %~% بعروة الدمع على خدي # يا كستبان القلب يا زيقه %~% عذبني التذكار بالوعد # قد قص ما يعهد من وصله %~% مقراض بين مرهف الحد PageV01P384 # يا حجزة النفس ويا ذيلها %~% مالي من وصلك من بد # ويا جربان سروري ويا %~% جيب حياتي حلت عن عهدي # قال: وسألت إسحاق بن إبراهيم عن مثل ذلك - وكان زاراعا - فقال: # لقيناهم ~~في مقدار جريبين من الأرض، فما كان بقدر ما يسقى الرجل مشارة حتى قتلناهم، ~~فتركناهم في أضيق من باب، وكأنهم أنابير سنبل، فلو طرح فدان ما سقط إلا على ~~ظهر رجل. # وعمل أبياتا في الغزل فكانت: # زرعت هواه في كراب من الصفا %~% وأسقيته ماء الدوام على العهد PageV01P385 # وسرجنته بالوصل لم آل جاهدا %~% ليحرزه السرجين من آفة الصد # فلما تعالى النبت واخضر يانعا %~% جرى يرقان البين في سنبل الود # وقال: وسألت فرجا الرخجي عن مثل ذلك - وكان خبازا - فقال: # لقيناهم في ~~مقدار بيت التنور، فما كان بقدر ما يخبز الرجل خمسة أرغفة حتى تركناهم في ~~أضيق من حجر تنور، فلو سقطت جمرة ما وقعت إلا في جفنة خباز. # وعمل أبياتا في الغزل فكانت: # قد عجن الهجر دقيق الهوى %~% في جفنة من خشب الصد # واختمر البين فنار الهوى %~% تذكى بسرجين من البعد # وأقبل الهجر بمحراكه %~% يفحص عن أرغفة الوجد PageV01P386 # جرداق الموعد مسومة %~% مثرودة في قصعة الجهد # قال: وسألت عبد الله بن عبد الصمد بن أبي داود عن مثل ذلك - وكان مؤدبا - ~~فقال: # لقيناهم في مقدار صحن الكتاب، فما كان بقدر ما يقرأ الصبي إمامه حتى ~~ألجأناهم إلى أضيق من رقم فقتلناهم، فلو سقطت دواة ما وقعت إلا في حجر صبي. # وعمل أبياتا في الغزل فكانت: # قد أمات الهجران صبيان قلبي %~% ففؤادي معذب في خبال # كسر البين لوح كبدي فما أط %~% مع ممن هويته في وصال # رفع الرقم من حياتي وقد أط %~% لق مولاي حبلهمن حبالي # مشق الحب في فؤادي لوحي %~% ن فأغرى جوانحي بالسلال PageV01P387 # لاق قلبي بنانه فمداد ال ms157 %~% عين من هجر مالكي في انهمال # كرسف البين سود الوجه من وص %~% لي فقلبي بالبين في إشعال # وقال: وسألت علي بن الجهم بن يزيد - وكان صاحب حمام - عن مثل ذلك فقال: # لقيناهم في مثل بيت الأنبار، فما كان إلا بقدر ما يغسل الرجل رأسه حتى ~~تركناهم في أضيق من باب الأتون، فلو طرحت ليفة ما وقعت إلا على رأس رجل. # وعمل أبياتا في الغزل فكانت: # يا نورة الهجر حلقت الصفا %~% لما بدت لي ليفة الصد # يا مئزر الأسقام حتى متى %~% تنفع في حوض من الجهد # أوقد أتون الوصل لي مرة %~% منك بزنبيل من الود PageV01P388 # فالبين مذ أوقد حمامه %~% قد هاج قلبي مسلخ الوجد # أفسد خطمي الصفا والهوى %~% نخالة الناقض للعهد # قال: وسألت الحسن بن أبي قماشة عن مثل ذلك - وكان كناسا - فقال: # لقيناهم ~~في مقدار سطح الإيران، فما كان إلا بقدر ما يكنس الرجل زبيلا حتى تركناهم ~~في أضيق من جحر المخرج، ثم قتلناهم بقدر ما يشارط الرجل على كنس كنيف، فلو ~~رميت بابنة وردانة ما سقطت إلا على فم بالوعة. # وعمل أبياتا فكانت: # أصبح قلبي بربخا للهوى %~% تسلح فيه فقحة الهجر # بنات وردان الهوى للبلى %~% أصبر من ذا الوجد في صدري PageV01P389 # خنافس الهجران أثكلنني %~% يوم تولى معرضا صبري # أسقم ديدان الهوى مهجتي %~% إذ سلح البين على عمري # قال: وسألت أحمد الشرابي عن مثل ذلك فقال: # لقيناهم في مقدار صحن بيت ~~الشراب، فما كان بقدر ما يصفي الرجل دنا حتى تركناهم في أضيق من رطلية ~~فقتلناهم، فلو رميت تفاحة ما وقعت إلا على أنف سكران. # وعمل أبياتا في الغزل فكانت: # شربت بكأس للهوى نبذة معا %~% ورقرقت خمر الوصل في قدح الهجر # فمالت دنان البين يدفعها الصبا %~% فكسرن قرابات حزني على صدري # وكان مزاج الكأس غلة لوعة %~% ودورق هجران وقنينتي غدر # قال: وسألت عبد الله بن طاهر عن مثل ذلك - وكان طباخا - فقال: # لقيناهم في ~~مقدار صحن المطبخ، فما كان بقدر ما يشوي الرجل حملا حتى PageV01P390 ~~تركناهم في أضيق من موقد ms158 نار، فقتلناهم فلو سقطت مغرفة ما وقعت إلا في ~~قدر. # وعمل أبياتا في الغزل فكانت: # يا شبيه الفالوذ في حمرة الخ %~% د ولوزينج النفوس الظماء # أنت جوزينج القلوب وفي اللي %~% ن كلين الخبيصة البيضاء # عدت مستهترا بسكباج ود %~% بعد جوذابة بجنب شواء # يا نسيم القدور في يوم عرس %~% وشبيها بشهدة صفراء # أنت أشهى إلى القلوب من الزب %~% د مع النرسيان بعد الغذاء # أطعم الحاسدون ألوان غم %~% في قصاع الأحزان والأدواء PageV01P391 # قد غلا القلب مذ نأت عنك داري %~% غليان القدور عند الصلاء # هام قلبي لما كسرن غضارا %~% ت سروري مغارف الشحناء # فتفضل على العميد بيوم %~% جد بوصل يكبت به أعدائي # وتفضل على الكئيب ببزما %~% ورد وصل يشفي من الأدواء # قال: وسألت - أطال الله بقاءك - محمد بن داود الطوسي عن مثل ذلك - وكان ~~فراشا - فقال: لقيناهم في مقدار صحن بساط، فما كان إلا بقدر ما يفرش الرجل ~~بيتا حتى تركناهم في أضيق من منصة فقتلناهم، فلو سقطت مخدة ما وقعت إلا على ~~رأس رجل. # ثم عمل أبياتا في الغزل فكانت: # كسح الهجر ساحة الوصل لما %~% غبر البين في وجوه الصفاء # وجرى البين في مرافق ريش %~% هي مذخورة ليوم اللقاء PageV01P392 # فرش الهجر في بيوت هموم %~% تحت رأسي وسادة البرحاء # حين هيأت بيت خيش من الوص %~% ل لأبوابه ستور البهاء # فرش البحر لي بيوت مسموح %~% متكاها مطارح الحصباء # رق للصب من براغيث وجد %~% تعتري جلده صباح مساء # قال: فضحك المعتصم حتى استلقى، ثم دعا مؤدب ولده فأمره أن يأخذهم بتعليم ~~جميع العلوم. PageV01P393 ### | الرسالة الحادية عشرة رسالة في النابتة إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي دواد PageV02P003 # بسم الله الرحمن الرحيم # أطال الله بقاءك، وأتم نعمته عليك، وكرامته لك. # اعلم، أرشد الله أمرك، أن هذه الأمة قد صارت بعد إسلامها والخروج من ~~جاهليتها إلى طبقات متفاوتة، ومنازل مختلفة: # فالطبقة الأولى: عصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وست سنين من خلافة عثمان رضي ~~الله عنه؛ كانوا على التوحيد الصحيح ms159 والإخلاص المخلص، مع الألفة واجتماع ~~الكلمة على الكتاب والسنة. وليس هناك عمل قبيح ولا بدعة فاحشة، ولا نزع يد ~~من طاعة، ولا حسد ولا غل ولا تأول، حتى كان الذي كان من قتل عثمان رضي الله ~~عنه وما انتهك منه، ومن خبطهم إياه بالسلاح، وبعج بطنه بالحراب، وفرى ~~أوداجه بالمشاقص، وشدخ هامته بالعمد، مع كفه عن البسط، ونهيه عن الامتناع، ~~مع تعريفه لهم قبل ذلك من كم وحه يجوز قتل من شهد الشهادة، وصلى القبلة، ~~وأكل الذبيحة؛ ومع ضرب نسائه بحضرته، وإقحام الرجال على حرمته، مع اتقاء ~~نائلة بنت الفرافصة عنه بيدها، حتى PageV02P007 ~~أطنوا إصبعين من أصابعها، وقد كشفت عن قناعها، ورفعت عن ذيلها؛ ليكون ذلك ~~ردعا لهم، وكاسرا من عزمهم؛ مع وطئهم في أضلاعه بعد موته، وإلقائهم على ~~المزبلة جسده مجردا بعد سحبه، وهي الجزرة التي جعلها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كفوا لبناته وأياماه وعقائله؛ بعد السب والتعطيش، والحصر الشديد، ~~والمنع من القوت؛ مع احتجاجه عليهم، وإفحامه لهم، ومع اجتماعهم على أن دم ~~الفاسق حرام كدم المؤمن، إلا من ارتد بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل ~~مؤمنا على عمد، أو رجل عدا على الناس بسيفه فكان في امتناعهم منه عطبه؛ ومع ~~إجماعهم على ألا يقتل من هذه الأمة مول، ولا يجهز منها على جريح. # ثم مع ذلك كله دمروا عليه وعلى أزواجه وحرمه، وهو جالس في محرابه، ومصحفه ~~يلوح في حجره، لن يرى أن موحدا يقدم على قتل من كان في مثل صفته وحاله. PageV02P008 # لا جرم لقد احتلبوا به دما لا تطير رغوته، ولا تسكن فورته، ولا يموت ~~ثائره، ولا يكل طالبه. وكيف يضيع دم الله وليه والمنتقم له؟! # وما سمعنا بدم ~~بعد دم يحيى بن زكريا عليه السلام غلا غليانه، وقتل سافحه، وأدرك بطائلته، ~~وبلغ كل محنته، كدمه الله عليه. # ولقد كان لهم في أخذه وفي إقامته للناس والاقتصاص منه، وفي بيع ما ظهر من ~~رباعه وحدائقه وسائر أمواله، وفي حبسه بما بقي عليه، ms160 وفي طمره حتى لا يحس ~~بذكره، ما يغنيهم عن قتله إن كان قد ركب كل ما قفوه به، وادعوه عليه. # وهذا كله بحضرة جلة المهاجرين، والسلف المقدمين، والأنصار والتابعين. # ولكن الناس كانوا على طبقات مختلفة، ومراتب متباينة: من قاتل، ومن شاد ~~على عضده، ومن خاذل عن نصرته. والعاجز ناصر بإرادته، ومطيع بحسن نيته. ~~وإنما الشك منا فيه وفي خاذله، ومن أراد عزله والاستبدال به. فأما قاتله ~~والمعين على دمه والمريد لذلك منه، فضلال لا شك PageV02P009 ~~فيهم، ومراق لا امتراء في حكمهم. على أن هذا لم يعد منهم الفجور، إما على ~~سوء تأويل، وإما على تعمد للشقاء. # ثم مازالت الفتن متصلة، والحروب مترادفة، كحرب الجمل، وكوقائع صفين، ~~وكيوم النهروان، وقبل ذلك يوم الزابوقة وفيه أسر ابن حنيف وقتل حكيم بن ~~جبلة. # إلى أن قتل أشقاها علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فأسعده الله ~~بالشهادة، وأوجب لقاتله النار واللعنة. # إلى أن كان من اعتزال الحسن عليه السلام الحروب وتخليته الأمور، عند ~~انتشار أصحابه، وما رأى من الخلل في عسكره، وما عرف من اختلافهم على أبيه، ~~وكثرة تلونهم عليه. # فعندها استوى معاوية على الملك، واستبد على بقية الشورى، وعلى PageV02P010 ~~جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سموه عام الجماعة ~~وما كان عام جماعة، بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحلت ~~فيه الإمامة ملكا كسرويا، والخلافة غصبا وقيصريا، ولم يعد ذلك أجمع الضلال ~~والفسق. # ثم مازالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتبنا، حتى رد قضية ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ردا مكشوفا، وجحد حكمه جحدا ظاهرا، في ولد ~~الفراش وما يجب للعاهر، مع إجماع الأمة أن سمية لم تكن لأبي سفيان فراشا، ~~وأنه إنما كان بها عاهرا؛ فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفار. # وليس قتل حجر بن عدي، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر، وبيعته يزيد ~~الخليع، والاستئثار بالفئء، واختيار الولاة على الهوى، وتعطيل الحدود ~~بالشفاعة والقرابة، من جنس جحد الأحكام المنصوصة، والشرائع ms161 المشهورة، ~~والسنن المنصوبة. # وسواء في باب ما يستحق من الإكفار جحد الكتاب ورد السنة؛ إذ كانت السنة ~~في شهرة الكتاب وظهوره، إلا أن أحدهما أعظم، وعقاب الآخرة عليه أشد. PageV02P011 # فهذه أول كفرة كانت في الأمة. # ثم لم تكن إلا فيمن يدعي إمامتها، والخلافة عليها. # على أن كثيرا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره. وقد أربت عليهم ~~نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا فقالت: لا تسبوه فإن له صحبة؛ وسب معاوية بدعة، ~~ومن يبغضه فقد خالف السنة. # فزعمت أن من السنة ترك البراءة ممن جحد السنة. # ثم الذي كان من يزيد ابنه ومن عماله وأهل نصرته، ثم غزو مكة، ورمي ~~الكعبة، واستباحة المدينة، وقتل الحسين عليه السلام في أكثر أهل بيته ~~مصابيح الظلام، وأوتاد الإسلام؛ بعد الذي أعطى من نفسه من تفريق أتباعه، ~~والرجوع إلى داره وحرمه، أو الذهاب في الأرض حتى لا يحس به، أو المقام حيث ~~أمر به، فأبوا إلا قتله والنزول على حكمهم. # وسواء قتل نفسه بيده، أو أسلمها إلى عدوه وخير فيها من لا يبرد غليله إلا ~~بشرب دمه. # فاحسبوا قتله ليس بكفر، وإباحة المدينة وهتك الحرمة ليس بحجة، كيف تقولون ~~في رمي الكعبة، وهدم البيت الحرام، وقبلة المسلمين؟ # فإن قلتم: ليس ذلك ~~أرادوا، بل إنما أرادوا المتحرز به والمتحصن بحيطانه. أفما كان من حق البيت ~~وحريمه أن يحصروه فيه إلى أن PageV02P012 ~~يعطى بيده، وأي شيء بقي من رجل قد أخذت عليه الأرض إلا موضع قدمه. # واحسب ما رووا عليه من الأشعار التي قولها شرك، والتمثل بها كفر، شيئا ~~مصنوعا، كيف يصنع بنقر القضيب بين ثنيتي الحسين عليه السلام، وحمل بنات ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حواسر على الأقتاب العارية والإبل الصعاب، ~~والكشف عن عورة علي بن الحسين عند الشك في بلوغه على أنهم إن وجدوه وقد ~~أنبت قتلوه، وإن لم يكن أنبت حملوه، كما يصنع أمير جيش المسلمين بذراري ~~المشركين؟ # وكيف تقولون في قول عبيد الله بن زياد لإخوته وخاصته: دعوني ~~أقتله فإنه بقية هذا ms162 النسل، فأحسم به هذا القرن، وأميت به هذا الداء، وأقطع ~~به هذه المادة. # خبرونا على ما تدل هذه القسوة وهذه الغلطة، بعد أن شفوا PageV02P013 ~~أنفسهم بقتلهم، ونالوا ما أحبوا فيهم. أتدل على نصب وسوء رأي وحقد وبغضاء ~~ونفاق، وعلى يقين مدخول وإيمان ممزوج، أم تدل على الإخلاص وعلى حب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم والحفظ له، وعلى براءة الساحة وصحة السريرة؟ # فإن ~~كان على ما وصفنا لا يعدو الفسق والضلال - وذلك أدنى منازله - فالفاسق ~~معلون، ومن نهى عن لعن الملعون فملعون. # وزعمت نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا، أن سب ولاة السوء فتنة، ولعن الجورة ~~بدعة، وإن كانوا يأخذون السمي بالسمي، والولي بالولي، والقريب بالقريب، ~~وأخافوا الأولياء، وآمنوا الأعداء، وحكموا بالشفاعة والهوى، وإظهار القدرة، ~~والتهاون بالأمة، والقمع للرعية، وأنهم في غير مداراة ولا تقية، وإن عدا ~~ذلك إلى الكفر، وجاوز الضلال إلى الجحد، فذاك أضل لمن كف عن شتمهم والبراءة ~~منهم. # على أنه ليس من استحق اسم الكفر بالقتل كمن استحقه برد السنة وهدم ~~الكعبة. وليس من استحق الكفر بالتشبيه كمن استحقه بالتجوير. # والنابتة في هذا الوجه أكفر من يزيد وأبيه، وابن زياد وأبيه. # ولو ثبت أيضا على يزيد أنه تمثل بقوله ابن الزبعري: PageV02P014 # ليت أشياخي ببدر شهدوا %~% جزع الخزرج من وقع الأسل # لاستطاروا واستهلوا فرحا %~% ثم قالوا يا يزيدا لا تسل # قد قتلنا الغر من ساداتهم %~% وعدلنا ميل بدر فاعتدل # كان تجوير النابتي لربه، وتشبيهه بخلقه، أعظم من ذلك وأفظع. # على أنهم مجمعون على أنه ملعون من قتل مؤمنا متعمدا أو متأولا. فإذا كان ~~القاتل سلطانا جائرا، أو أمير عاصيا، لم يستحلوا سبه ولا خلعه، ولا نفيه ~~ولا عيبه، وإن أخاف الصلحاء وقتل الفقهاء، وأجاع الفقير وظلم الضعيف، وعطل ~~الحدود والثغور، وشرب الخمور وأظهر الفجور. # ثم مازال الناس يتسكعون مرة ويداهنونهم مرة، ويقاربونهم مرة ويشاركونهم ~~مرة، إلا بقية ممن عصى الله تعالى ذكره، حتى قام عبد الملك بن مروان، وابنه ~~الوليد، وعاملهما الحجاج بن يوسف، PageV02P015 ~~ومولاه يزيد بن أبي مسلم، ms163 فأعادوا على البيت بالهدم، وعلى حرم المدينة ~~بالغزو، فهدموا الكعبة، واستباحوا الحرمة، وحولوا قبلة واسط، وأخروا صلاة ~~الجمعة إلى مغيربان الشمس. فإن قال رجل لأحد منهم: اتق الله فقد أخرت ~~الصلاة عن وقتها، قتله على هذا القول جهارا غير ختل، وعلانية غير سر. ولا ~~يعلم القتل على ذلك إلا أقبح من إنكاره، فكيف يكفر العبد بشيء ولا يكفر ~~بأعظم منه؟ # وقد كان بعض الصالحين ربما وعظ بعض الجبابرة، وخوفه العواقب، ~~وأراه أن في الناس بقية ينهون عن الفساد في الأرض، حتى قام عبد الملك بن ~~مروان والحجاج بن يوسف، فزجرا عن ذلك وعاقبا عليه، وقتلا فيه، فصاروا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه. # فاحسب أن تحويل القبلة كان غلطا، وهدم البيت كان تأويلا، واحسب ما رووا ~~من كل وجه أنهم كانوا يزعمون أن خليفة المرء في أهله أرفع عنده PageV02P016 ~~من رسوله إليهم، باطلا ومصنوعا مولدا. واحسب وسم أيدي المسلمين ونقش أيدي ~~المسلمات، وردهم بعد الهجرة إلى القرى، وقتل الفقهاء، وسب أئمة الهدى، ~~والنصب لعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا يكون كفرا، كيف نقول ~~في جمع ثلاث صلوات فيهن الجمعة ولا يصلون أولاهن حتى تصير الشمس على أعالي ~~الجدران كالملاء المعصفر. فأن نطق مسلم خبط السيف، وأخذته العمد، وشك ~~بالرماح. # وإن قال قائل: اتق الله، أخذته العزة بالآثم، ثم لم يرض إلا بنثر دماغه ~~على صدره، وبصلبه حيث تراه عياله. # ومما يدل على أن القوم لم يكونوا إلا في طريق التمرد على الله عز وجل، ~~والاستخفاف بالدين، والتهاون بالمسلمين، والابتذال لآهل الحق، أكل أمرائهم ~~الطعام، وشربهم الشراب، على منابرهم أيلم جمعهم وجموعهم. فعل ذلك حبيش بن ~~دلجة، وطارق مولى عثمان، والحجاج بن يوسف PageV02P017 ~~وغيرهم. وذلك إن كان كفرا كله فلم يبلغ كفر نابتة عصرنا، وروافض دهرنا؛ ~~لأن جنس كفر هؤلاء غير كفر أولئك. # كان اختلاف الناس في القدر على أن طائفة تقول: كل شيء بقضاء وقدر، وتقول ~~الطائفة الأخرى: كل شيء بقضاء وقدر إلا المعاصي. ولم يكن أحد يقول ms164 إن الله ~~يعذب الأبناء ليغيظ الآباء، وإن الكفر والإيمان مخلوقان في الإنسان مثل ~~العمى والبصر. وكانت طائفة منهم تقول إن الله لا يرى، لا تزيد على ذلك، فإن ~~خافت أن يظن بها التشبيه قالت يرى بلا كيف، تعريا من التجسيم والتصوير، حتى ~~نبتت هذه النابتة، وتكلمت هذه الرافضة، فثبتت له جسما، وجعلت له صورة وحدا، ~~وأكفرت من قال بالرؤية على غير الكيفية. # ثم زعم أكثرهم أن كلام الله حسن وبين، وحجة وبرهان، وأن التوراة غير ~~الزبور، والزبور غير الإنجيل، والإنجيل غير القرآن، والبقرة غير آل عمران، ~~وأن الله تولى تأليفه، وجعله برهانه على صدق رسوله، وأنه لو شاء أن يزيد ~~فيه زاد، ولو شاء أن ينقص منه نقص، ولو شاء أن يبدله بدله، ولو شاء أن ~~ينسخه كله بغيره نسخه، وأنه أنزله تنزيلا، وأنه فصله تفصيلا، وأنه بالله ~~كان دون غيره، ولا يقدر عليه إلا هو، غير أن الله مع ذلك كله لم يخلقه. ~~فأعطوا جميع صفات الخلق ومنعوا اسم الخلق. # والعجب أن الخللق عند العرب إنما هو التقدير نفسه؛ فإذا قالوا خلق PageV02P018 ~~كذا وكذا، وكذلك قال " أحسن الخالقين " وقال " تخلقون إفكا " وقال: " وإذ ~~تخلق من الطين كهيئة الطير " فقالوا: صنعه وجعله وقدره وأنزله، وفصله ~~وأحدثه، ومنعوا خلقه. وليس تأويل خلقه أكثر من قدره. ولو قالوا بدل قولهم ~~قدره ولم يخلقه: خلقه ولم يقدره، ما كانت المسألة عليهم إلا من وجه واحد. # والعجب أن الذي منعه بزعمه أن يزعم أنه مخلوق أنه لم يسمع ذلك من سلفه ~~وهو يعلم أنه لم يسمع أيضا عن سلفه أنه ليس بمخلوق. وليس ذلك بهم، ولكن لما ~~كان الكلام من الله يقال عندهم على مثل خروج الصوت من الجوف، وعلى جهة ~~تقطيع الحروف وإعمال اللسان والشفتين، وما كان على غير هذه الصورة والصفة ~~فليس بكلام. # ولما كنا عندهم على غير هذه الصفة، وكنا لكلامنا غير خالقين، وجب أن الله ~~عز وجل لكلامه غير خالق، إذ كنا خالقين لكلامنا. فإنما PageV02P019 ~~قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا ms165 بين كلامنا وكلامه فرقا، وإن لم يقروا بذلك ~~بألسنتهم. فذاك معناهم وقصدهم. # وقد كانت هذه الأمة لا تجاوز معاصيها الإثم والضلال، إلا ما حكيت لك عن ~~بني أمية وبني مروان وعمالها، ومن لم يدن بإكفارهم، حتى نجمت النوابت، ~~وتابعتها هذه العوام، فصار الغالب على هذا القرن الكفر، وهو التشبيه ~~والجبر، فصار كفرهم أعظم من كفر من مضى في الأعمال التي هي الفسق، وصاروا ~~شركاء من كفر منهم، بتوليهم وترك إكفارهم. قال الله عز من قائل: " ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم ". # وأرجو أن يكون الله قد أغاث المحقين ورحمهم، وقوى ضعفهم وكثر قلتهم، حتى ~~صار ولاة أمرنا في هذا الدهر الصعب، والزمن الفاسد، أشد استبصارا في ~~التشبيه من عليتنا، وأعلم بما يلزم فيه منا، وأكشف للقناع من رؤسائنا، ~~وصادفوا الناس وقد انتظموا معاني الفساد أجمع، وبلغوا غايات البدع، ثم ~~قرنوا بذلك العصبية التي هلك بها عالم بعد عالم، والحمية التي لا تبقي دينا ~~إلا أفسدته، ولا دنيا إلا أهلكتها، وهو ما صارت إليه العجم من مذهب ~~الشعوبية، وما قد صار إليه الموالي من الفخر على العجم والعرب. PageV02P020 # وقد نجمت من الموالي ناجمة، ونبتت منهم نابتة، تزعم أن المولى بولاية قد ~~صار عربيا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " مولى القوم منهم "، ولقوله: " ~~الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب ". # قال: فقد علمنا أن العجم حين كان فيهم الملك والنبوة كانوا أشرف من ~~العرب، وأن الله لما حول ذلك إلى العرب صارت العرب أشرف منهم. # قالوا: فنحن معاشر الموالي بقديمنا في العجم أشرف من العرب، وبالحديث الذي ~~صار لنا في العرب أشرف من العجم. وللعرب القديم دون الحديث. ولنا خصلتان ~~جميعا وافرتان فينا، وصاحب الخصلتين أفضل من صاحب الخصلة. # وقد جعل الله المولى بعد أن كان عجميا عربيا بولائه، كما جعل حليف قريش ~~من العرب قرشيا بحلفه، وجعل إسماعيل، بعد أن كان أعجميا، عربيا. ولولا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن إسماعيل كان عربيا ما كان عندنا إلا أعجميا؛ ~~لأن ms166 الأعجم لا يصير عربيا، كما أن العربي لا يصير أعجميا. PageV02P021 ~~فإنما علمنا أن إسماعيل صيره الله عربيا بعد أن كان أعجميا بقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فكذلك حكم قوله: " مولى القوم منهم "، وقوله: " الولاء ~~لحمة ". # قالوا: وقد جعل الله إبراهيم عليه السلام أبا لمن لم يلد كما جعله أبا ~~لمن ولد، وجعل أزواج النبي أمهات المؤمنين ولم يلدن منهم أحدا، وجعل الجار ~~والد من لم يلد، في قول غير هذا كثير قد أتينا عليه في موضعه. # وليس أدعى إلى الفساد ولا أجلب للشر من المفاخرة، وليس على ظهرها إلا ~~فخور، إلا قليل. # وأي شيء أغيظ من أن يكون عبدك يزعم أنه أشرف منك وهو مقر أنه صار شريفا ~~بعتقك إياه. # وقد كتبت - مد الله في عمرك - كتبا في مفاخرة قحطان، وفي تفضيل عدنان، ~~وفي رد الموالي إلى مكانهم من الفضل والنقص، وإلى قدر ما جعل الله تعالى ~~لهم بالعرب من الشرف. وأرجو أن يكون عدلا بينهم، وداعية إلى صلاحهم، ومنبهة ~~لما عليهم ولهم. # وقد أردت أن أرسل بالجزء الأول إليك، ثم رأيت ألا يكون إلا بعد استئذانك ~~واستئمارك، والانتهاء في ذلك إلى رغبتك. # فرأيك فيك موفقا، إن شاء الله عز وجل. وبه الثقة. PageV02P022 ### | الرسالة الثانية عشرة كتاب الحجاب # بسم الله الرحمن الرحيم # أطال الله بقاءك، وجعلني من كل سوء فداءك، وأسعدك بطاعته وتولاك بكرامته، ~~ووالى إليك مزيده. # إنه يقال - أكرمك الله - " إن السعيد من وعظ بغيره، وأن الحكيم من أحكمته ~~تجاربه ". وقد قيل: " كفاك أدبا لنفسك ما كرهت من غيرك " وقيل: " كفاك من ~~سوء سماعه "، وقيل: " إن يقظة الفهم للواعظ مما يدعو النفس إلى الحذر من ~~الخطاء، والعقل إلى تصفيته من القذى ". # وكانت الملوك إذا أتت ما يجل عن المعاتبة عليه ضربت لها الأمثال، وعرض ~~لها بالحديث. وقال الشاعر: # العبد يقرع بالعصا %~% والحر تكفيه الملامة # وقال آخر: # ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها PageV02P029 # وقال عبد المسيح المتلمس: # لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا %~% وما علم الإنسان إلا ليعلما # وقال بعضهم: ms167 " في خفي التعريض ما أغنى عن شنيع التصريح ". # وقد جمعت في كتابي هذا ما جاء في الحجاب من خبر وشعر، ومعاتبة وعذر، ~~وتصريح وتعريض، وفيه ما كفى. وبالله التوفيق. # وقد قلت: # كفى أدبا لنفسك ما تراه %~% لغيرك شائنا بين الأنام ### || ما جاء في الحجاب والنهي عنه # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاث من كن فيه من الولاء ~~اضطلع بأمانته وأمره: إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، وأقام كتاب ~~الله في القريب والبعيد ". # وروي عنه عليه السلام أنه وجه علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بعض ~~الوجوه، فقال له فيما أوصاه به: " إني قد بعثتك وأنا بك ضنين فابرز للناس، ~~وقدم الوضيع على الشريف، والضعيف على القوي، والنساء قبل الرجال، ولا تدخلن ~~أحدا يغلبك على أمرك، وشاور القرآن فإنه إمامك ". PageV02P030 # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا استعمل عاملا شرط عليه أربعا: لا ~~يركب برذونا، ولا يتخذ حاجبا، ولا يلبس كتانا، ولا يأكل درمكا. # ويوصي عماله فيقول: إياكم والحجاب، وأظهروا أمركم بالبراز، وخذوا الذي ~~لكم وأعطوا الذي عليكم، فإن امرأ ظلم حقه مضطر حتى يغدو به مع الغادين. # وكتب عمر رضوان الله عليه إلى معاوية وهو عامله على الشام: # " أما بعد ~~فإني لم آلك في كتابي إليك ونفسي خيرا. إياك والاحتجاب دون الناس، وأذن ~~للضعيف وأدنه حتى ينبسط لسانه، ويجترئ قلبه، وتعهد الغريب فإنه إذا طال ~~حبسه وضاق إذنه ترك حقه، وضعف قلبه، وإنما أتوى حقه من حبسه. واحرص على ~~الصلح بين الناس ما لم يستبن لك القضاء. وإذا حضرك الخصمان بالبينة العادلة ~~والأيمان القاطعة فأمض الحكم. والسلام ". # وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: # " آس بين الناس في نظرك ~~وحجابك وإذنك، حتى لا يطمع شريف PageV02P031 ~~في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. وأعلم أن أسعد الناس عند الله تعالى يوم ~~القيامة من سعد به الناس، وأشقاهم من شقوا به ". # وروى الهيثم بن عدي عن ابن عباس قال: قال لي ms168 عبيد الله بن أبي المخارق ~~القيني: # استعملني الحجاج على الفلوجة العليا، فقلت: أما ها هنا دهقان يعاش ~~بعقله ورأيه؟ فقيل لي: بلى، ها هنا جميل بن بصبهري. فقلت: علي به. فأتاني ~~فقلت: إن الحجاج استعملني على غير قرابة ولا دالة ولا وسيلة، فأشر علي. ~~قال: # لا يكون لك بواب حتى إذا تذكر الرجل من أهل عملك بابك لم يخف حجابك، ~~وإذا حضرك شريف لم يتأخر عن لقائك ولم يحكم على شرفك حاجبك. وليطل جلوسك ~~لأهل عملك يهبك عمالك، ويبقى مكانك. ولا يختلف لك حكم على شريف ولا وضيع، ~~ليكن حكمك واحدا على الجميع، يثق الناس بعقلك. ولا تقبل من أحد هدية فإن ~~صاحبها لا يرضى بأضعافها مع ما فيها من الشهرة. PageV02P032 ### || من عهد إلى حاجبه # قال موسى الهادي لحاجبه: لا تحجب الناس عني؛ فإن ذلك يزيل التزكية، ولا ~~تلق إلي أمرا إذا كشفته وجدته باطلا، فإن ذلك يوتغ المملكة. # وقال بعض الخلفاء لحاجبه: إذا جلست فإذن للناس جميعا علي، وأبرز لهم ~~وجهي، وسكن عنهم الأحراس، واخفض لهم الجناح، وأطب لهم بشرك، وألن لهم في ~~المسألة والمنطق، وارفع لهم الحوائج، وسو بينهم في المراتب، وقدمهم على ~~الكفاية والغناء، لا على الميل والهوى. # وقال آخر لحاجبه: إنك عيني التي أنظر بها، وجنة أستنيم إليها، وقد وليتك ~~بابي فما تراك صانعا برعيتي؟ # قال: أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قدر ~~منازلهم عندك، وأضعهم لك في إبطائهم عن بابك ولزومهم خدمتك مواضع ~~استحقاقهم، وأرتبهم حيث وضعهم ترتيبك، وأحسن إبلاغك عنهم وإبلاغهم عنك. # قال: قد وفيت بما عليك ولك قولا، إن وفيت به فعلا. والله ولي كفايتك ~~ومعونتك. PageV02P033 # وعهد أمير إلى حاجبه فقال: إن أداء الأمانة في الأعراض أوجب منها في ~~الأموال؛ وذلك أن الأموال وقاية للأعراض، وليست الأعراض بوقاية للأموال. ~~وقد ائتمنتك على أعراض الغاشين لبابي، وإنما أعراضهم أقدارهم، فصنها لهم، ~~ووفرها عليهم. وصن بذلك عرضي، فلعمري إن صيانتك أعراضهم صيانة لعرضي، ~~ووقايتك أقدارهم وقاية لقدري؛ إذ كنت الحظي بزين إنصافهم إن أنصفوا، ~~والمبتلى بشين ms169 ظلمهم إن ظلموا في غشيانهم بابي، وحضورهم فنائي. # أوف كل امرئ قدره، ولا تجاوز به حده، وتوق الجور في ذلك التوقي كله. أقبل ~~على من تحجب بإبداء البشر وحلاوة العذر، وطلاقة الوجه ولين القول، وإظهار ~~الود، حتى يكون رضاه عنك لما يرى من بشاشتك به وطلاقتك له، كرضا من تأذن له ~~عنك لما يمنحه من التكريم، ويحويه من التعظيم؛ فإن المنع عند الممنوع في ~~لين المقالة يكاد يكون كالنيل عند العظماء في نفع المنالة. # أنه إلي حالات كل من يغشى بابي من وجيه وخامل، وذي هيئة وأخي رثاثة، فيما ~~يحضرون له بابي، ويتعلقون به من إتياني. # لا تحتقرن من تقتحمه العيون لرثاثة ثوب أو لدمامة وجه، احتقارا يخفي علي ~~أثره، فربما بذ مثله بمخبره من يروق العيون منظره. PageV02P034 # إنك إن نقصت الكريم ما يستحقه من مال لم يغضب بعد أن تستوهبه منه، وإن ~~نقصته من قدره أسخطته أشد الإسخاط، إذ كان يريد دنياه ليصون بها قدره، ولا ~~يريد قدره ليبقي به دنياه. فكن لتحيف عرضه أشد توقيا منك لتحيف ماله. # إن المحجوب وإن كان عدلنا في حجابه كعدلنا على المأذون له في إذنه، ~~يتداخله انكسار إذا حجب ورأى غيره قد أذن له. فاختصه لذلك من بشاشتك به، ~~وطلاقتك له، بما يتحلل به عنه انكساره. فلعمري لو عرف أن صوابنا في حجابه ~~كصوابنا في الإذن لمن نأذن له، ما احتجنا إلى ما أوصيناك به من اختصاصه ~~بالبشر دون المأذون له. # إن اجتمع الأعلون والأوسطون والأدنون، فدعوت بواحد منهم دون من يعلوه في ~~القدر، لأمر لابد من الدعاء به له، فأظهر العذر في ذلك لئلا تخبث نفس من ~~علاه؛ فإن الناس يتغالب لمثل ذلك عليهم سوء الظنون. والواجب على من ساسهم ~~التوقي على نفسه من سوء ظنونهم، وعليهم تقويم نفوسهم؛ إذ هو كالرأس يألم ~~لألم الأعضاء، وهم كالأعضاء يألمون لألم الرأس. # المدائني قال: قال زياد بن أبيه لحاجبه: PageV02P035 # يا عجلان: قد وليتك بابي، وعزلتك عن أربعة: طارق ليل؛ فشر ما جاء به ms170 أو ~~خير. ورسول صاحب الثغر؛ فإنه إن تأخر ساعة بطل به عمل سنة. وهذا المنادي ~~بالصلاة. وصاحب الطعام؛ فإن الطعام إذا ترك برد، وإذا أعيد عليه التسخين ~~فسد. # الهيثم بن عدي قال: قال خالد بن عبد الله القسري لحاجبه: لا تحجبن عني ~~أحدا إذا أخذت مجلسي؛ فإن الوالي لا يحتجب إلا عن ثلاث: إما رجل عيي يكره ~~أن يطلع على عيه، وإما رجل مشتمل على سوءة، أو رجل بخيل يكره أن يدخل عليه ~~إنسان يسأله شيئا. # أنشدني محمود الوراق لنفسه في هذا المعنى: # إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه %~% ورد ذوي الحاجات دون حجابه # ظننت به إحدى ثلاث، وربما %~% نزعت بظن واقع بصوابه # فقلت: به مس من العي ظاهر %~% ففي إذنه للناس إظهار ما به PageV02P036 # فإن لم يكن عي اللسان فغالب %~% من البخل يحمي ماله عن طلابه # فإن لم يكن هذا ولاذا فريبة %~% يصر عليها عند إغلاق بابه # وأنشدني بعض المحدثين في ابن المدبر: # لولا مقارفة الريب %~% ما كنت ممن يحتجب # أولا فعي منك أو %~% بخل على أهل الطلب # فاكشف لنا وجه الحجا %~% ب ولا تبالي من عتب ### || من ينبغي أن يتخذ للحجابة # قال المصور للمهدي: لا ينبغي أن يكون الحاجب جهولا، ولا غبيا، ولاعييا، ~~ولا ذهولا ولا متشاغلا، ولا خاملا ولا محتقرا، ولا جهما ولا عبوسا. فإنه إن ~~كان جهولا أدخل على صاحبه الضرر من حيث يقدر المنفعة، وإن كان عييا لم يؤد ~~إلى صاحبه ولم يؤد عنه، وإن كان غبيا جهل مكان الشريف فأحله غير منزلته، ~~وحطه عن مرتبته، وقدم الوضيع عليه، PageV02P037 ~~وجهل ما عليه وماله. وإن كان ذهولا متشاغلا أخل بما يحتاج إليه صاحبه في ~~وقته، وأضاع حقوق الغاشين لبابه، واستدعى الذم من الناس له، وأذن عليه لمن ~~لا يحتاج إلى لقائه ولا ينتفع بمكانه. وإذا كان خاملا محتقرا أحل الناس ~~صاحبه في محله وقضوا عليه به. وإذا كان جهما عبوسا تلقى كل طبقة من الناس ~~بالمكروه، فترك أهل النصائح نصائحهم، وأخل بذوي الحاجات في حوائجهم، وقلت ~~الغاشية ms171 لباب صاحبه، فرارا من لقائه. # الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي، أن عبد الملك بن مروان قال لأخيه عبد ~~العزيز بن مروان، حين ولاه مصر: # إن الناس قد أكثروا عليك، ولعلك لا تحفظ. ~~فاحفظ عني ثلاثا. # قال: قل يا أمير المؤمنين. # قال: انظر من تجعل حاجبك، ولا تجعله إلا عاقلا فهما مفهما، صدوقا لا يورد ~~عليك كذبا، يحسن الأداء إليك والأداء عنك. ومره ألا يقف ببابك أحد من ~~الأحرار إلا أخبرك، حتى تكون أنت الآذن له أو المانع؛ فإنه إن لم يفعل كان ~~هو الأمير وأنت الحاجب. وإذا خرجت إلى أصحابك فسلم عليهم يأنسوا بك. وإذا ~~هممت بعقوبة فتأن فيها؛ فإنك على استدراكها قبل فوتها أقدر منك على ~~انتزاعها بعد فوتها. # وقال سهل بن هارون للفضل بن سهل: # إن الحاجب أحد وجهي الملك، يعتبر عليه ~~برأفته، ويلحقه ما كان في غلظته وفظاظته. فاتخذ حاجبك سهل الطبيعة، معروفا ~~بالرأفة، مألوفا منه PageV02P038 ~~البر والرحمة. وليكن جميل الهيئة حسن البسطة، ذا قصد في نيته لهم في ~~تفاضل منازلهم، وليعط كلا بقسطه من وجهه، ويستعطف قلوب الجميع إليه، حتى لا ~~يغشى الباب أحد وهو يخاف أن يقصر به عن مرتبته، ولا أن يمنع في مدخل أو ~~مجلس أو موضع إذن شيئا يستحقه، ولا أن يمنع أحدا مرتبته. وليضع كلا عندك ~~على منزلته. وتعهده فإن قصر مقصر قام بحسن خلافته وتزيين أمره. # وقال كسرى أنوشروان في كتابه المسمى " شاهيني ": # ينبغي أن يكون صاحب إذن ~~الخاصة رجلا شريف البيت، بعيد الهمة، بارع الكرم، متواضعا طلقا، معتدل ~~الجسم بهي المنظر، لين الجانب، ليس ببذخ ولا بطر ولا مرح، لين الكلام، ~~طالبا للذكر الحسن، مشتاقا إلى محادثة العلماء ومجالسة الصلحاء، محبا لكل ~~مازين عمله، معاندا للسعاة، مجانبا للكذابين، صدوقا إذا حدث، وفيا إذا وعد، ~~متفهما إذا خوطب، مجيبا بالصواب إذا روجع، منصفا إذا عامل، آنسا وؤنسا، ~~محبا للأخيار، شديد الحنو على المملكة، أديبا له لطافة في الخدمة، وذكاء في ~~الفهم، وبسطة في المنطق، ورفق في المحاورة، وعلم ms172 بأقدار الرجال وأخطارها. PageV02P039 # وقال في حاجب العامة: # ينبغي أن يكون حاجب العامة رجلا عبد الطاعة، دائم ~~الحراسة للملك، مخوف اليد، خشن الكلام مروعا، غير باطش إلا بالحق، لا أنيسا ~~ولا مأنوسا، دائم العبوس، شديدا على المريب، غير مستخف بخاصة الملك ومن ~~يهوى ويقرب، من بطانته. ### || محل الحاجب وموضعه ممن يحجبه # قال عبد الملك لأخيه عبد العزيز حين وجهه إلى مصر: # اعرف حاجبك، وجليسك، ~~وكاتبك. فإن الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسم يعرفك بحاجبك، والخارج من ~~عندك يعرفك بجليسك. # وقال يزيد بن المهلب لابنه مخلد حين ولاه جرجان: استظرف كاتبك، واستعقل ~~حاجبك. # وقال الحجاج: حاجب الرجل وجهه، وكاتبه كله. # وقال ابن أبي زرعة: قال رجل من أهل الشام، لأبي الخطاب الحسن بن محمد ~~الطائي يعاتبه في حجابه: # هذا أبو الخطاب بدر طالع %~% من دون مطلعه حجاب مظلم # ويقال وجه المرء حاجبه كما %~% بلسان كاتبه الفتى يتكلم PageV02P040 # أدنيت من قبل اللقاء، وبعده %~% أقصيت، هل يرضى بذا من يفهم # وإذا رأيت من الكريم فظاظة %~% فإليه من أخلاقه أتظلم # وقال الفضل بن يحيى: إن حاجب الرجل عامله على عرضه، وإنه لا عوض لحر من ~~نفسه، ولا قيمة عنده لحريته وقدره. # وأنشدني ابن أبي كامل في هذا المعنى: # واعلمن إن كنت تجهله %~% أن عرض المرء حاجبه # فبه تبدو محاسنه %~% وبه تبدو معايبه ### || من عوتب على حجابه أو هجي به # إسحاق الموصلي عن ابن كناسة قال: # خبرت أن هانئ بن قبيصة وفد على يزيد بن ~~معاوية، فاحتجب عنه أياما، ثم إن يزيد ركب يوما يتصيد فتلقاه هانئ فقال: يا ~~يزيد، إن الخليفة ليس بالمحتجب المتخلي، ولا المتطرف المتنحي، ولا الذي ~~ينزل على الغدران والفلوت، ويخلو للذات والشهوات. وقد وليت أمرنا فأقم بين ~~أظهرنا، وسهل إذننا، واعمل بكتاب الله فينا. فإن كنت قد عجزت عما هنا PageV02P041 # فاردد علينا بيعتنا نبايع من يعمل بذلك فينا، ويقيمه لنا. ثم عليك ~~بخلواتك وصيدك وكلابك. # قال: فغضب يزيد وقال: والله لولا أن أسن بالشام سنة العراق لأقمت أودك. # ثم انصرف وما هاجه ms173 بشيء، وأذن له، ولم تتغير منزلته عنده، وترك كثيرا مما ~~كان عليه. # الموصلي قال: كان سعيد بن سلم واليا على أرمينية، فورد عليه أبو دهمان ~~الغلابي، فلم يصل إليه إلا بعد حين، فلما وصل قال - وقد مثل بين السماطين ~~-: # والله إني لأعرف أقواما لو علموا أن سف التراب يقيم من أود أصلابهم ~~لجعلوه مسكة لأرماقهم، إيثارا للتنزه عن العيش الرقيق الحواشي. والله PageV02P042 ~~إني لبعيد الوثبة، بطيء العطفة إنه والله ما يثنيني عليك إلا مثل ما ~~يصرفني عنك، ولأن أكون مملقا مقربا أحب إلي من أن أكون مكثرا مبعدا. والله ~~ما نسأل عملا لا نضبطه ولا مالا إلا ونحن أكثر منه، وإن الذي صار في يدك قد ~~كان في يد غيرك، فأمسوا والله حديثا، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا. فتحبب ~~إلى عباد الله بحسن البشر، ولين الحجاب؛ فإن حب عباد الله موصول بحب الله، ~~وهم شهداء الله على خلقه، وأمناؤه على من اعوج عن سبيله. # إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: # استبطأني جعفر بن يحيى، وشكا ذلك إلى أبي، ~~فدخلت عليه - وكان شديد الحجاب - فاعتذرت إليه وأعلمته أني أتيته مرارا ~~للسلام فحجبني نافذ غلامه. PageV02P043 ~~فقال لي وهو مازح: متى حجبك فنكه. فأتيته بعد ذلك للسلام فحجبني، فكتبت ~~إليه رقعة فيها: # جعلت فداءك من كل سوء %~% إلى حسن رأيك أشكو أناسا # يحولون بيني وبين السلام %~% فما إن أسلم إلا اختلاسا # وأنفذت رأيك في نافذ %~% فما زاده ذاك إلا شماسا # وسألت نافذا أن يوصلها ففعل، فلما قرأها ضحك حتى فحص برجليه وقال: لا ~~تحجبه أي وقت جاء. فصرت لا أحجب. # وحجب أحمد بن أبي طاهر بباب بعض الكتاب فكتب إليه: # ليس لحر من نفسه عوض، ~~ولا من قدره خطر، ولا لبذل حريته ثمن. وكل ممنوع فمستغنى عنه بغيره، وكل ~~مانع ما عنده ففي الأرض عوض منه، ومندوحة عنه. وقد قيل: أرخص ما يكون الشيء ~~عنده غلائه. وقال بشار: # " والدر يترك من غلائه ". # ونحن نعوذ بالله من المطامع الدنية، والهمة القصيرة، ومن ابتذال الحرية، ms174 ~~ولا استرقها طمع، ولا طبعت على طبع. وقد رأيتك وليت عرضك PageV02P044 ~~من لا يصونه، ووكلت ببابك من يشينه، وجعلت ترجمان كرمك من يكثر من ~~أعدائك، وينقص من أوليائك، ويسيء العبارة عن معروفك، ويوجه وفود الذم إليك، ~~ويضغن قلوب إخوانك عليه؛ إذ كان لا يعرف لشريف قدرا، ولا لصديق منزلة، ~~ويزيل المراتب عن جهاتها ودرجاتها، فيحط العلي إلى مرتبة الوضيع، ويرفع ~~الدني إلى مرتبة الرفيع، ويقبل الرشى، ويقدم على الهوى. وذلك إليك منسوب، ~~وبرأسك معصوب، يلزمك ذنبه، ويحل عليك تقصيره. # وقد أنشدني أبو علي البصير: # كم من فتى تحمد أخلاقه %~% وتسكن الأحرار في ذمته # قد كثر الحاجب أعداءه %~% وأحقد الناس على نعمته PageV02P045 # وأنشدت لبعضهم: # يدل على سرو الفتى واحتماله %~% إذا كان سهلا دونه إذن حاجبه # وقد قيل ما البواب إلا كربه %~% إذا كان سهلا كان سهلا كصاحبه # وقال الطائي: # حشم الصديق عيونهم بحاثة %~% لصديقه عن صدقه ونفاقه # فلينظرن المرء من غلمانه %~% فهم خلائفه على أخلاقه # وقال آخر: # اعرف مكانك من أخي %~% ك ومن صديقك بالحشم # وقال ابن أبي عيينة: # إن وجه الغلام يخبر عما %~% في ضمير المولى من الكتمان # فإذا ما جهلت ود صديق %~% فامتحن ما أردت بالغلمان # وقال آخر: # ومحنة الزائرين بينة %~% تعرف قبل اللقاء بالحشم # وأنشدني عبد الله بن أحمد المهزمي في علي بن الجهم: # أعلي دونك يا علي حجاب %~% يدني لبعيد وتحجب الأصحاب PageV02P046 # هذا بإذنك أم برأيك أم رأى %~% هذا عليك العبد والبواب # إن الشريف إذا أمور عبيده %~% غلبت عليه فأمره مرتاب # وأخذه من قول الطائي: # أبا جعفر وأصول الفتى %~% تدل عليه بأغصانه # أليس عجيبا بأن امرأ %~% رجاك لحادث أزمانه # فتأمر أنت بإعطائه %~% ويأمر فتح بحرمانه # ولست أحب الشريف الظريف %~% يكون غلاما لغلمانه # وحجب ابن أبي طاهر بباب بعض الكتاب، فكتب إليه: # " إنه من لم يرفعه الإذن ~~لم يضعه الحجاب، وأنا أرفعك عن هذه المنزلة، وأربأ يعدوك عن هذه الخليقة، ~~وما أحد أقام في منزله - عظم أو صغر قدره - إلا ولو حاول حجاب الخليفة عنه ~~لأمكنه. فتأمل هذه ms175 الحال وانظر إليه بعين النصفة، ترها في أقبح صورة، وأدنا ~~منزلة. وقد قلت: # إذا كنت تأتي المرء تعظم حقه %~% ويجهل منك الحق فالهجر أوسع # ففي الناس أبدال وفي العز راحة %~% وفي اليأس عمن لا يواتيك مقنع # وإن امرأ يرضى الهوان لنفسه %~% حري بجدع الأنف والجدع أشنع PageV02P047 # فدع عنك أفعالا يشينك فعلها %~% وسهل حجابا إذنه ليس ينفع # وحدثني عبد الله بن أبي مروان الفارسي قال: # ركبت مع ثمامة بن أشرس إلى ~~أبي عباد الكاتب، في حوائج كتب إلي فيها أهل إرمينية من المعتزلة والشيعة، ~~فأتيناه فأعظم ثمامة وأقعده في صدر المجلس وجلس قبالته، وعنده جماعة من ~~الوجوه، فتحدثنا ساعة ثم كلمة ثمامة في حاجتي، وأخرجت كتب القوم فقرأها، ~~وقد كانوا كتبوا إلى أبي عباد كتبا، وكانوا أصدقاءه أيام كونه بإرمينية، ~~فقال لي: بكر إلي غدا حتى أكتب جواباتها إن شاء الله. فقلت: جعلني الله ~~فداك، تأمر الحاجب إذا جئت أن يأذن لي. فغضب من قولي واستشاط وقال: متى ~~حجبت أنا، أولى حاجب، أو لأحد علي حجاب!. # قال عبد الله: وقد كنت أتيته فحجبني بعض غلمانه، فحلف بالأيمان المغلظة ~~أن يقلع عينا من حجبني، ثم قال: يا غلام، لا يبق في الدار غلام ولا منقطع ~~إلينا إلا أحضرتمونيه! قال: فأتى بغلمانه وهم نحو من ثلثمائة، فقال: أشر ~~إلى من شئت فيهم. فغمزني ثمامة فقلت: جعلت فداك لا أعرف الغلام بعينه. ~~فقال: ما كان لي حاجب قط، ولا احتجبت، وذلك لأنه سبق مني قول، لأني كنت ~~وأنا بالري وقد مات أبي وخلف لي بها ضياعا فاحتجت إلى ملاقاة الرجال ~~والسلطان فيما كان لنا، فكنت أنظر إلى الناس يدخلون ويصلون وأحجب أنا ~~وأقصى، فتتقاصر إلي نفسي، PageV02P048 ~~ويضيق صدري، فآليت على نفسي إن صرت إلى أمر من السلطان ألا أحتجب أبدا. # وحدثني الزبير بن بكار قال: # استأذن نافع بن جبير بن مطعم على معاوية، ~~فمنعه الحاجب فدق أنفه، فغضب معاوية وكان جبير عنده، فقال معاوية: يا نافع، ~~أتفعل هذا بحاجبي؟ قال: وما يمنعنيمنه وقد أساء ms176 أدبه وأسأت اختياره؟! ثم ~~أنا بالمكان الذي أنا به منك. فقال جبير: فض الله فاك، ألا تقول: وأنا ~~بالمكان الذي أنا به من عبد مناف؟! قال: فتبسم معاوية وأعرض عنه. # قال: وفد رجل من الأكاسرة على بعض ملوكهم، فأقام ببابه حولا لا يصل إليه، ~~فكلم الحاجب فأوصل له رقعة فيها أربعة أسطر: # السطر الأول فيه: الأمل والضرورة أقدماني إليك. # وفي الثاني: ليس على العديم صبر على المطالبة. # وفي الثالث: الرجوع بلا فائدة شماتة العدو والقريب. # وفي الرابع: إما " نعم " مثمرة، وإما " لا " مؤيسة، ولا معنى للحجاب ~~بينهما. PageV02P049 # فوقع تحت كل سطر منها: " زه ". # وأنشد الوليد بن عبيد البحتري في ابن المدبر يهجو غلامه بشرا: # وكم جئت مشتاقا على بعد غاية %~% إلى غير مشتاق وكم ردني بشر # وما باله يأبى دخولي وقد رأى %~% خروجي من أبوابه ويدي صفر # وأنشدت لبعضهم: # لعمري لئن حجبتني العبيد %~% ببابك ما يحجبوا القافية # سأرمي بها وراء الحجاب %~% جزاء قروض لكم وافية # تصم السميع وتعمي البصير %~% ويسأل من أجلها العافية # وأنشدني أحمد بن أبي فنن، في محمد بن حمدون بن إسماعيل: # ولقد رأيت بباب دارك جفوة %~% فيها لحسن صنيعة تكدير PageV02P050 # ما بال دارك حين تدخل جنة %~% وبباب دارك منكر ونكير # وأنشدني أبو علي الدرهمي اليمامي في أبي الحسن علي بن يحيى: # لا يشبه الرجل الكريم نجاره %~% ذا اللب غير بشاشة الحجاب # وبباب دارك من إذا حييته %~% جعل التبرم والعبوس ثوابي # أوصيته بالإذن لي فكأنما %~% أوصيته متعمدا لحجابي # وأنشدني أبو علي البصير في أبي الحسن علي بن يحيى: # في كل يوم لي ببابك وقفة %~% أطوي إليها سائر الأبواب # فإذا حضرت وغبت عنك فإنه %~% ذنب عقوبته على البواب # وأنشدني أبو علي اليمامي، وعاتب بعض أهل العسكر في حاجبه، فلم يأذن له ~~الحاجب بعد ذلك، فكتب إليه: # صار العتاب يزيدني بعدا %~% ويزيد من عاتبته صدا # وإذا شكوت إليه حاجبه %~% أغراه ذاك فزادني ردا # وأنشدني العجيني في بعض أهل العسكر، يعاتبه في حاجبه ويهجو حاجبه: # إنما يحسن المديح إذا ما %~% أنشد ms177 المادح الفتى الممدوحا # وأراني بباب دارك عمر %~% ت طويلا مقصى مهانا طريحا PageV02P051 # إن بالباب حاجبا لك أمسى %~% منكر عنده ظريفا مليحا # ما سألناه عنك قط وإلا %~% رد من بغضه مردا قبيحا # وأنشدت لبعضهم في هجاء حاجب: # سأترك بابا أنت تملك إذنه %~% ولو كنت أعمى عن جميع المسالك # فلو كنت بواب الجنان تركتها %~% وحولت رحلي مسرعا نحو مالك # وكتب بعض الكتاب إلى الحسن بن وهب، في بوابه: # قد كنت أحسب أن طرفك ملني %~% ورميت منك بجفوة وعذاب # فإذا هواك على الذي قد كان لي %~% وإذا بليتنا من البواب # فاعلم جعلت فداك غير معلم %~% أن الأديب مؤدب الحجاب # وقال رزين العروضي لجعفر بن محمد بن الأشعث: PageV02P052 # إن كنت تحجبني للذئب مزدهيا %~% فقد لعمري أبوكم كلم الذيبا # فكيف لو كلم الليث الهصور إذا %~% تركتم الناس مأكولا ومشروبا # هذا السنيدي ما ساوى إتاوته %~% يكلم الفيل تصعيدا وتصويبا # اذهب إليك فما آسي عليك وما %~% ألقي ببابك طلابا ومطلوبا # المدائني قال: كان يزيد بن عمر الأسيدي على شرطة البصرة، فأتاه الفرزدق ~~في جماعة فوقف ببابه، فأبطأ عليه إذنه، فقال - وكان ابن عمر يلقب الوقاح -: # ألم يك من نكس الزمان على استه %~% وقوفي على باب الوقاح أسائله # فإن تك شرطيا فإني لغالب %~% إذا نزلت أركان فخ منازله # وقال أبو علي البصير، وحجبه محمد بن غسان، بعد أنس كان بينهما: # قد أتينا للوعد صدر النهار %~% فدفعنا من دون باب الدار PageV02P053 # وسمعنا، من غير قصد لأن نس %~% مع، صوت الغناء والأوتار # فأحطنا بكل ما غاب من شأ %~% نك عنا خبرا بلا استخبار # فإذا أنت قد وصلت صبوحا %~% بغبوق ودلجة بابتكار # وإذا نحن لا تخاطبنا الغل %~% مان إلا بالجحد والإنكار # فانصرفنا وطالما قد تلقو %~% نا بأنس منهم وباستبشار # ذاك إذ كان مرة لك فينا %~% وطر فانقضى من الأوطار # حين كنا المقدمين على الن %~% س وكنا الشعار دون الدثار # كم تأنيت وانتظرت فأفني %~% ت تأني كله وانتظاري # فعليك السلام كنا من الأه %~% ل فصرنا كسائر الزوار # وله إليه أيضا: # قد أطلنا ms178 بالباب أمس القعودا %~% وجفينا به جفاء شديدا # وذممنا العبيد حتى إذا نح %~% ن بلونا الولى عذرنا العبيد # وعلى موعد أتيناك معلو %~% م وأمر مؤكد تأكيدا # فأقمنا لا الإذن جاء ولا جا %~% ء رسول قال انصرف مطرودا # وصبرنا حتى رأينا قبيل ال %~% ظهر برذون بعضهم مردودا PageV02P054 # واستقر المكان بالقوم والغل %~% مان في ذاك يمنحونا صدودا # ويشيرون بالمضي فلما %~% أحرجوا جردوا لنا تجريدا # فانصرفنا في ساعة لو طرحت ال %~% لحم فيها نيا كفيت الوقودا # فلعمري لو كنت تعتد لي ذن %~% با عظيما وكنت فظا حقودا # وطلبت المزيد لي في عذاب %~% فوق هذا لما وجدت مزيدا # كان ظني بك الجميل فألفي %~% تك من كل ما ظننت بعيدا # فعليك السلام تسليم من لا %~% يضمن الدهر بعدها أن يعودا # وله في أحمد بن داود السيبي وقصد إليه بكتاب إسحاق بن سعد الكاتب: # يا ابن سعد إن العقوبة لا تل %~% زم إلا من ناله الإعذار # وابن داود مستخف وقد وا %~% فته مشحوذة عليه الشفار # فاهده للتي يكون له من %~% ها مفر ما دام ينجي الفرار # سامني أحمد بن داود أمرا %~% ما على مثله لدي اصطبار # لي إليه في كل يوم جديد %~% روحة ما أغبها وابتكار # ووقوف ببابه أمنع الإذ %~% ن عليه ويدخل الزوار # خطة من يقم عليها من النا %~% س ففيها ذل له وصغار # لو ينال الغنى لما كان في ذ %~% لك حظ يناله مختار PageV02P055 # عزب الرأي في عته وعزت %~% ه أناة طويلة وانتظار # وحجب بباب بعض الكتاب فكتب إليه: # أقمت ببابك في جفوة %~% يلون لي قوله الحاجب # فيطمعني تارة في الوصول %~% وربتما قال لي: راكب # فأعلم عند اختلاف الكلام %~% وتخليطه أنه كاذب # وأعزم عزما فيأبى عل %~% ي إمضاءه رأيي الثاقب # وأءني أراقب حتى يثو %~% ب للحر من رأيه ثائب # فإن تعتذر تلفني عاذرا %~% صفوحا وذاك هو الواجب # وإلا فإني إذا ما الحبا %~% ل رثت قواها، لها قاضب # وقال لعلي بن يعقوب الكاتب وحجب ببابه: # قد أتيناك للسلام فصادف %~% نا على غير ما عهدنا الغلاما # وسألناه ms179 عنك فاعتل بالن %~% م وما كان منكرا أن تناما # غير أن الجواب كان جوابا %~% سيئا يعقب الصديق احتشاما # فانصرفنا نوجه العذر إلا %~% أن في مضمر القلوب اضطراما # يا ابن يعقوب لا يلومن إلا %~% نفسه بعد هذه من ألاما # وقال لعلي بن المنجم، وحجبه غلامه: PageV02P056 # ليس يرضى الحر الكريم ولو أق %~% طعته الأرض أن يذل لعبد # فعليك السلام إلا على الطر %~% ق وحبي كما علمت وودي # وقال أبو هفان لعلي بن يحيى، يعاتبه في حجابه: # أبا حسن وفنا حقنا %~% بحق مكارمك الوافية # أأحجب دونك شر الحجاب %~% ويدخل دوني بنو العافية # أعوذ بفضلك من أن أساء %~% وأسأل ربي لك العافية # فإني امرؤ تتقيني الملوك %~% وتدخل في حلقي الضافية # كتبت على نفس من رامني %~% ببعض الأذى للردى صافية # وأنشدت لبرقوق الأخطل وحجب بباب بعض الكتاب: # قد حجبنا وكان خطبا جليلا %~% وقليل الجفاء ليس قليلا # لم أكن قبلها ثقيلا وهل يث %~% قل من خاف أن يكون ثقيلا # غير أني أظن لازال ذاك ال %~% ظن ينقاد أن يكون ملولا PageV02P057 # وأخذه من قول الآخر: # لما تحاجبت وقد خفت أن %~% تدنو من ودك بالمقبل # أقللت إتيانكم إنه %~% من خاف أن يثقل لم يثقل # وأنشدني أبو عبد الرحمن العطوي: # لأبي بكر خليلي %~% حسن رأي في الحجاب # يا أبا بكر سقاك ال %~% له من صوب السحاب # لن تراني بعدها من %~% بعدها قارع باب # إن ينب خطب ففي الرس %~% ل بلاغ والكتاب # ولخالد الكاتب في جعفر بن محمود: # احتجب الكاتب في دهرنا %~% وكان لا يحتجب الكاتب # القوم يخلون لحجابهم %~% فينكح المحجوب والحاجب # ولأبي سعد المخزومي في الحسن بن سهل: # ترهب بعدك الحسن بن سهل %~% فأغلق بابه دون المديح PageV02P058 # كذبت له ولم أكذب عليه %~% كما كذب النصاري للمسيح # وأنشدني البلاذري في بعض كتاب أهل العسكر: # أيحجبني من ليس من دون عرسه %~% حجاب ولا من دون وجعائه ستر # ومن لو أمات الله أهون خلقه %~% عليه لأضحي قد تضمنه قبر # وأنشدني حبيب بن أوس، في موسى بن إبراهيم، أبي المغيث: # أمويس لا يغني ms180 اعتذارك طالبا %~% ودي فما بعد الهجاء عتاب # هب من له شيء يريد حجابه %~% ما بال لا شيء عليه حجاب # ما إن سمعت ولا أراني سامعا %~% يوما بصخراء عليها باب # من كان مفقود الحياء فوجهه %~% من غير بواب له بواب # ولآخر: # بخل الأمير بإذنه %~% فجلست في بيتي أميرا # وتركت إمرته له %~% والله محمود كثيرا PageV02P059 # وأنشدني الزبير بن بكار لبعض الشعراء: # سأترك هذا الباب مادام إذنه %~% على ما أرى حتى يلين قليلا # إذا لم نجد للإذن عندك سلما %~% وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا # الزبير بن بكار قال: وقد ابن عم لداود بن يزيد المهلبي عليه فحجبه، وجعل ~~يمطله بحاجته، فكتب إليه: # أبا سليمان وعدا غير مكذوب %~% اليأس أروح من آمال عرقوب # أرى حمامة مطل غير طائرة %~% حتى تنقب عن بعض الأعاجيب # لا تركبن بشعرى غير مركبه %~% فيركب الشعر ظهرا غير مركوب # لئن حجبت فلم تأذن عليك فما %~% شعري إذا سار عن أذن بحجوب # إن ضاق بابك عن إذن شددت غدا %~% رحلي إلى المطريين المناجيب # قوم إذا سئلوا رقت وجوههم %~% لا يستقيدون إلا للمواهيب PageV02P060 # ولأحوص بن محمد الأنصاري في أبي بكر بن حزم: # أعجبت أن ركب ابن حزم بغلة %~% فركوبه فوق المنابر أعجب # وعجبت أن جعل ابن حزم حاجبا %~% سبحان من جعل ابن حزم بحجب # وأنشدت لابن حازم يعاتب رجلا في حجابه: # صحبتك إذ أنت لا تصحب %~% وإذ أنت لا غيرك الموكب # وإذ أنت تفرح بالزائرين %~% ونفسك نفسك تستحجب # وإذ أنت تكثر ذم الزمان %~% ومشيك أضعاف ما تركب # فقلت: كريم له همة %~% تنال فأدرك ما أطلب # فنلت فأقصيتني عامدا %~% كأني ذو عرة أجرب # وأصبحت عنك إذا ما أتي %~% ت دون الورى كاهم احجب # وأنشدني أبو تمام الطائي: # ومحجب حاولته فوجدته %~% نجما عن الركب العفاة شسوعا # لما عدمت نواله أعدمته %~% شكري فرحنا معدمين جميعا PageV02P061 # ووقف العتبي بباب إسماعيل بن جعفر يطلب إذنه، فأعلمه الحاجب أنه في ~~الحمام، فقال: # وأمير إذا أردنا طعاما %~% قال حجابه أتى الحماما # فيكون الجواب مني للحا %~% جب ما إن أردت ms181 إلا السلاما # لست آتيكم من الدهر إلا %~% كل يوم نويت فبه الصياما # إنني قد جعلت كل طعام %~% كان حلا لكم علي حراما # وأنشدني إسحاق بن خلف البصري له: # أيحجبني أبو الحسن %~% وهذا ليس بالحسن # وليس حجابه إلا %~% عن الزيتون والجبن # وأنشدني بعضهم: # لا تتخذ بابا ولا حاجبا %~% علسك من وجهك بواب # أنت ولو كنت بدوية %~% عليك أبواب وحجاب # ولعلي بن جبلة في الحسن بن سهل: # اليأس عز والذلة الطمع %~% يضيق أمر يوما ويتسع # لا تستريثن إذن محتجب %~% إن لم تكن بالدخول تنتفع # أحق شيء بطول مهجرة %~% من ليس فيه ري ولا شبع PageV02P062 # قل لابن سهل فإنني رجل %~% إن لم تدعني فإنني أدع # اليأس مالي وجنتي كرم %~% والصبر وال علي لا الجزع # ولأبي تمام الطائي في أبي المغيث: # لا تكلفن وأرض وجهك وجهه %~% في غير منفعة، مؤونة حاجب # لا تمتهني بالحجاب فإنني %~% فطن البديهة عالم بمواربي # ولبعض الشعراء في العباس بن خالد، وخبرت إنه لابن الأعمش: # أتحجبني فليس لديك نيل %~% وقد ضيعت مكرمة ومجدا # وفي الآفاق أبدال ورزق %~% وفي الدنيا مراح لي ومغدى # وأنشدني أبو الخطاب، لدعبل، في غسان بن عباد: # لقطع الرمال ونقل الجبال %~% وشرب البحار التي تصطخب # وكشف الغطاء عن الجن أو %~% صعود السماء لمن يرتقب # وإحصاء لؤم سعيد لنا %~% أو الثكل في ولد منتجب PageV02P063 # أخف على المرء من حاجة %~% تكلف غشيانها مرتقب # له حاجب دونه حاجب %~% وحاجب حاجبه محتجب # ولمرداس بن حزام الأسدي، في بشير بن جرير بن عبد الله: # أتيت بشيرا زائرا فوجدته %~% أخا كبرياء عالما بالمعاذر # فصد وأبدى غلظة وتهجما %~% وأغلق باب العرف عن كل زائر # حجابا لحر لا جوادا بماله %~% ولا صابرا عند اختلاف البواتر # وحجب أبو العتاهية بباب أحمد بن يوسف الكاتب، فكتب إليه: # ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى %~% وأن الغنى يخشى عليه الفقر # فإن نلت تيها بالذي نلت من غنى %~% فإن غناي بالتكرم والصبر # وله أيضا فيه: # إني أتيتك للسلا %~% م تكلفا مني وحمقا # فصددت عني نخوة %~% وتجبرا ولويت شدقا # فلو ms182 أن رزقي في يدي %~% ك لما طلبت الدهر رزقا PageV02P064 # ولأحمد بن أبي طاهر: # ليس العجيب بأن أرى لك حاجبا %~% ولأنت عندي من حجابك أعجب # فلئن حجبت لقد حجبت معاشرا %~% ما كان مثلهم ببابك يحجب # وله في بعض الكتاب: # ردني بالذل صاحبه %~% إذا رأى أطالبه # ليس كشخانا فأشتمه %~% إنما الكشخان صاحبه # وله أيضا في علي بن يحيى يعاتبه في بعض قصائده: # أصوابا تراه أصلحك الل %~% ه فما إن رأيته بصواب # صرت أدعوك من وراء حجاب %~% ولقد كنت حاجب الحجاب # أتى أبو العتاهية باب أحمد بن يوسف الكاتب في حاجة فلم يؤذن له، فقال: # لئن عدت بعد اليوم إني لظالم %~% سأصرف وجهي حيث تبغي المكارم # متى ينجح الغادي إليك بحاجة %~% ونصفك محجوب ونصفك نائم # ولآخر: # رأيتك تطردنا بالحجا %~% ب عنك برفقك طردا جميلا PageV02P065 # ولكن في طمع الطامعي %~% ن والحر من ذا يفك العقولا # فهل لك في الإذن لي بالرحي %~% ل فقد أبت النفس إلا الرحيلا # وحدثني أبو علي البصير قال: حدثني محمد بن غسان بن عباد قال: # كنت بالرقة، ~~وكان بها موسوس يقول الشعر المحال والمنكر، فغديته يوما معي احتسابا ~~للثواب، فأتاني من غد وعندي جماعة من العمال، فحجبه الغلام، فلما كان من غد ~~وقف على الباب وصاح: # عليك إذن فإنا قد تغدينا %~% لسنا نعود لأككل قد تغدينا # يا أكلة سلفت أبقت حرارتها %~% داء بقلبك ما صمنا وصلينا # قال: وما علمته قال شعرا على استواء غيره، ولكني وعظت به فوقع مكروهي على ~~لساني. # وأنشدت لحماد عجرد يعاتب بعض الملوك: # إذا كنت مكتفيا بالكتا %~% ب دون اللمام تركت اللماما # وإلا فأوص هداك الملي %~% ك بوابكم بي وأوص الغلاما # فإن كنت أدخلت في الزائري %~% ن، إما قعودا وإما قياما # وإن لم أكن منك أهلا لذاك %~% فلا لوم لست أحب الملاما # فإني أذم إليك الأنا %~% م أخزاهم الله ربي أناما # فإني وجدتهم كلهم %~% يميتون مجدا ويحيون ذاما PageV02P066 # ولأبي الأسد الشيباني، يعاتب أبا دلف في حجابه: # ليت شعري أضاقت الأرض عني %~% أم نفي من البلاد طريد ms183 # أم قدار أم الحبابة أم أح %~% مر لاقت به البلاء ثمود # أم أنا قانع بأدنى معاش %~% همتي القوت والقليل الزهيد # مقولي قاطع وسيفي حسام %~% ويدي حرة وقلبي شديد # رب باب أعز من بابك اليو %~% م عليه عساكر وجنود # قد ولجناه داخلين غدوا %~% ورواحا وأنت عنه مذود # فاكفف اليوم من حجابك إذ لس %~% ت أميرا، ولا خميسا تقود # لن يقيم العزيز في البلد الهو %~% ن ولا يكسد الأديب الجليد # كل من فر من هوان فإن ال %~% رحب يلقاه والفضاء العتيد PageV02P067 # ولعلي بن جبلة في بعض الملوك: # حجابك ضيق ونداك نزر %~% وإذنك قد يراد عليه أجر # وذل أن يقوم إليك حر %~% وطلاب الثواب لديك نقر # وأنشدني اليمامي في أبي الصقر إسماعيل بن بلبل، يعاتبه في حجابه: # لكل مؤمل جدوى كريم %~% على تأميله يوما ثواب # وأنت الحر ما خانتك نفس %~% ولا أصل إذا وقع انتساب # وشكري ظاهر ورجاي جزل %~% ففيم جزاي من ذل حجاب # وحقي أن تكافئني مزيدا %~% بشكري إذ به نزل الكتاب # وأنشدت لأبي مالك الأعرج: # علقت عيني بباب الدار منتظرا %~% منك الرسول فخلصها من الباب # صانعت فيك بمثلي ما أمله %~% فيما لديك وهذا سعى خياب # ولبشار بن برد، في عبيد الله بن قزعة: # إذا سئل المعروف أغلق بابه %~% فلم تلقه إلا وأنت كمين # كأن عبيد الله لم ير ماجدا %~% ولم يدر أن المكرمات تكون # فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا %~% وفي كل معروف عليك يمين PageV02P068 # وأنشد لأبي زرعة - رجل من أهل الشام - في أبي الجهم بن سيف: # ولكن أبو الجهم إن جئته %~% لهيفا حجبت عن الحاجب # وليس بذي موعد صادق %~% ويبخل بالموعد الكاذب # وحجب سعيد بن حميد بباب الحسن بن مخلد، فكتب إليه: # رب بشر يصير الحر عبدا %~% لك غالته جفوة في الحجاب # وفتى ذي خلائق معجبات %~% أفسدتها خلائق البواب # وكريم قد قصرت بأيادي %~% ه عبيد تسيء للآداب # لا أرى للكريم أن يشتري الدن %~% يا جميعا بوقفة بالباب # إن تركت العبيد والحكم فينا %~% صار فضل الرءوس للأذناب # فأحلوا أشكالهم رتب الفض ms184 %~% ل، وحظ الأحرار عفر التراب # وأنشدت لعبد الله بن العباس: # أنا بالباب واقف منذ أصبح %~% ت على السرج ممسك بعناني # وبعين البواب كل الذي بي %~% ويراني كأنه لا يراني PageV02P069 # وأنشدت لأبي عيينة المهلبي - واسمه عبد الله بن محمد - يعاتب رجلامن ~~قومه: # أتيتك زائرا لقضاء حق %~% فحال الستر دونك والحجاب # ولست بساقط في قدر قوم %~% وإن كرهوا كما يقع الذباب # ورائي مذهب عن كل ناء %~% بجانبه إذا عز الذهاب # وأنشدني ابن أبي فنن: # ما ضاقت الأرض على راغب %~% يطلب الرزق ولا ذاهب # بل ضاقت الأرض على صابر %~% أصبح يشكو جفوة الصاحب # من شتم الحاجب في ذنبه %~% فإنما يقصد للصاحب # فارغب إلى الله وإحسانه %~% لا تطلب الرزق من الطالب PageV02P070 # قال المدائني: أتى عويف القوافي باب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ~~فحجب أياما، ثم استأذن له حبيش صاحب إذن عمر، فلما قام بين يديه قال: # أجبني أبا حفص، لقيت محمدا %~% على حوضه مستبشرا بدعاكا # فقال عمر: أقول لبيك وسعديك! فقال: # وأنت امرؤ كلتا يديك طليقة %~% شمالك خير من يمين سواكا # علام حجابي، زادك الله رفعة %~% وفضلا، وماذا للحجاب دعاكا # فقال: ليس ذاك إلا لخير! وأمر له بصلة. # المدائني قال: أقام عبد العزيز بن زرارة الكلابي، بباب معاوية حينا لا ~~يؤذن له، ثم دخل فقال: PageV02P071 # دخلت على معاوية بن حرب %~% وكنت وقد يئست من الدخول # رأيت الحظ يستر عيب قوم %~% وأيهات الحظوظ من العقول # قيل لحبي المدينة: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ~~ثم لا يجدي عليه. قيل لها: فما الذل؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا ~~يؤذن له. قيل لها: فما الشرف؟ قالت: اعتقاد المنن في أعناق الرجال، تبقى ~~للأعقاب في الأعقاب. # وقيل لعروة بن عدي بن حاتم وهو صبي، في وليمة كانت لهم: قف بالباب فاحجب ~~من لا تعرف وائذن لمن تعرف. فقال: لا يكون - والله - أول شيء استكفيته منع ~~الناس من الطعام. # وأنشدت لأبي عيينة المهلبي: # بلغة تحجب الفتى عن دناة %~% وعتاب يخاف أو ms185 لا يخاف PageV02P072 # هو خير من الركوب إلى با %~% ب حجاب عنوانه الانصراف # بئس للدولة التي ترفع السف %~% لة فيها وتسقط الأشراف # وأنشدت لموسى بن جابر الحنفي: # لا أشتهي يا قوم إلا مكرها %~% باب الأمير ولا دفاع الحاجب # ومن الرجال أسنة مذروبة %~% ومزندون شهودهم كالغائب # ومنهم أسود لا ترام، ومنهم %~% مما قمشت وضم حبل الحاطب # وأنشدني بعض أصحابنا: # إني امرؤ لا أرى بالباب أقرعه %~% إذا تنمر دوني حاجب الباب # ولا ألوم امرأ في ود شرف %~% ولا أطالب ود الكاره الآبي # وأنشدني ابن أبي فنن: # الموت أهون من طول الوقوف على %~% باب، علي لبواب عليه يد PageV02P073 # ما لي أقيم على ذل الحجاب كأن %~% قد ملني وطن أو ضاق بي بلد # وأنشدني الزبير بن بكار لجعفر بن الزبير: # إن وقفي من وراء الباب %~% يعدل عندي قلع بعض أنياب # وأنشد لمحمود الوراق: # شاد الملوك حصونهم وتحصنوا %~% من كل طالب حاجة أو راغب # عالوا بأبواب الحديد لعزها %~% وتنوقوا في قبح وجه الحاجب # فإذا تلطف للدخول إليهم %~% راج تلقوه بوعد كاذب # فاضرع إلى ملك الملوك ولا تكن %~% بادي الضراعة طالبا من طالب # وأنشدني أبو موسى المكفوف: # لن تراني لك العيون بباب %~% ليس مثلي يطيق ذل الحجاب # يا أميرا على جريب من الأر %~% ض له تسعة من الحجاب PageV02P074 # قاعدا في الخرب تحجب عنا %~% ما سمعنا إمارة في خراب # وأنشدني أبو قنبر الكوفي: # ولست بمتخذ صاحبا %~% يقيم على بابه حاجبا # إذا جئته قيل لي نائم %~% وإن غبت ألفيته عاتبا # ويلزم إخوانه حقه %~% وليس يرى حقهم واجبا # فلست بلاقيه حتى الممات %~% إذا أنا لم ألقه راكبا # وأنشدني أبو بكر محمد بن أحمد، من أهل رأس العين لنفسه في بعض بني عمران ~~بن محمد الموصلي: # يا أبا الفوارس أنت أنت فتى الندى %~% شهدت بذاك ولم تزل قحطان # فلأي شيء دون بابك حاجب %~% من بغضه يتخبط الشيطان # فإذا رآني مال عني معرضا %~% فكأنني من خوفه سرطان PageV02P075 ### || من عاتب على حجابه والإذن لغيره # قال الأشهب بن رميلة: # أبلغ أبا داود أني ابن ms186 عمه %~% وأن البعيث من بني عم سالم # أتولج باب الملك من ليس أهله %~% وريش الذنابي تابع للقوادم # وقال عاصم الزماني، من بني زمان: # أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة %~% وفي العتاب حياة بين أقوام # أدخلت قبلي رجالا لم يكن لهم %~% في الحق أن يلجوا الأبواب قدامى # فقد جعلت إذا ما حاجة عرضت %~% بباب دارك أدلوها بأقدام # وقال هشام بن أبيض، من بني عبد شمس: # وليس يزيدني حسبي هوانا %~% علي ولا تراني مستكينا # فإن قدمتم قبلي رجالا %~% أراني فوقهم حسبا ودينا # ألسنا عائدين إذا رجعنا %~% إلى ما كان قدم أولونا # فأرجع في أرومة عبشمي %~% ترى لي المجد والحسب السمينا # وقال دينار بن نعيم الكلبي: # أبلغ أمير المؤمنين ودونه %~% فراسخ تطوي الطرف وهو حديد PageV02P076 # بأني لدى عبد العزيز مدفع %~% يقدم قبلي راسب وسعيد # وإني لأدنى في القرابة منهما %~% وأشرف إن كنت الشريف تريد # المدائني قال: أتى ابن فضالة بن عبد الله الغنوي باب قتيبة بن مسلم، ~~فأساء إذنه فقال: # كيف المقام أبا حفص بساحتكم %~% وأنت تكرم أصحابي وتجفوني # أراهم حين أغشى باب حجرتكم %~% تدعوهم النقري دوني ويقصوني # كم من أمير كفاني الله سخطته %~% مذ ذاك أوليته ما كان يوليني # إني أبي أن أرضى ممنقصة %~% عم كريم وخال غير مأفون # خالي كريم وعمي غير مؤتشب %~% ضخم الحمالة أباء على الهون # المدائني قال: كان مسلمة بن عبد الملك تزوج ابنة زفر بن الحارث الكلابي، ~~وكان ببابه عاصم بن يزيد الهلالي، والهذيل وكوثر ابنا زفر، فكان يأذن لهما ~~قبل عاصم، فقال: # أمسلم قد منيتني ووعدتني %~% مواعد صدق إن رجعت مؤمرا # أيدعى هذيل ثم أدعى وراءه %~% فيا لك مدعي ما أذل وأحقرا # وكيف ولم يشفع لي الليل كله %~% شفيع وقد ألقى قناعا ومئزرا # فلست براض عنك حتى تحبني %~% كحبك صهريك الهذيل وكوثرا PageV02P077 # وقال الأصحم، أحد بني سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، يذكر خالد ~~بن عبد الله القسري، وأبان بن الوليد البجلي، وحجبه خالد: # ومنزلة ليست بدار تئية %~% أطال بها حبسي أبان وخالده # فإن ms187 أنا لم أنزل بلادا هما بها %~% فلا ساغ لي من أعذب الماء بارده # إذا ما أتيت الباب صادفت عنده %~% بجيلة، أمثال الكلاب، تراصده # عليهم ثياب الخز تبكي كما بكت %~% كراسيه، من لؤمه، ووسائده # ويدعون قدامى ويجعل دوننا %~% من الساج مسمورا تئط حدائده # المدائني قال: كان تميم بن راشد مولى باهلة، حاجبا لقتيبة بن مسلم ~~بخراسان، فكان يأذن لسويد بن هوبر النهشلي، ومجفر بن جزي الكلابي، قبل ~~الحضين بن المنذر الرقاشي، فقال الحضين: # إني لألقى من تميم وبابه %~% عناء ويدعو مجفرا وابن هوبرا # نزيعين من حيين شتى كأنما %~% يرى بهما البواب كسرى وقيصرا PageV02P078 # وقال عبيد الله بن الحر الفاتك، لعبد الله بن الزبير، وشكا إليه مصعبا ~~وحجابه: # أبلغ أمير المؤمنين نصيحتي %~% فلست على رأي قبيح أواربه # أفي الحق أن أجفى ويجعل مصعب %~% وزيريه من قد كنت فيه أحاربه # وما لامرئ إلا الذي الله سائق %~% إليه وما قد خط في الزبر كاتبه # إذا ما أتيت الباب يدخل مسلم %~% ويمنعني أن أدخل الباب حاجبه # لقد رابني من مصعب أن مصعبا %~% لدى كل ذي غش لنا هو صاحبه # وقال ابن نوفل لخالد بن عبد الله القسري، وحجبه: # فلو كنت غوثيا لأدنيت مجلسي %~% إليك، أخا قسر، ولكنني فحل # رأيتك تدني ناشئا ذا عجيزة %~% بمحجر عينيه وحاجبه كحل # فو الله ما أدري إذا ما خلوتما %~% وأرخيت الأستار أيكما الفحل PageV02P079 # وقال عمرو بن الوليد، في عقبة بن أبي معيط: # أفي الحق أن ندني إذا ما فزعتم %~% ونقصي إذا ما تأمنون ونحجب # ويجعل فوقي من يود لو أنكم %~% شهاب بكفي قابس يتلهب # فها أنتم داويتم الكلم ظاهرا %~% فمن لكلوم في الصدور تحوب # فقلت وقد أغضبتموني بفعلكم %~% وكنت امرأ ذا مرة حين أغضب # أما لي في أعداد قومي راحة %~% ولا عند قومي إن تعتبت معتب # المدائني قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أن يستعمل مسمع بن مالك ~~على سجستان، فولاه إياها، فأتاه الضحاك بن هشام فلم ينله خيرا وأقصاه، ~~فقال: # وما كنت يا بن كبشة أن أرى ms188 %~% لبابك بوابا ولاستك منبرا PageV02P080 # وما شجر الوادي دعوت ولا الحصى %~% ولكن دعوت الحرقتين وجحدرا # أخذنا بآفاق السماء فلم ندع %~% لعينك في آفاقها الخضر منظرا ### || من مدح برفع الحجاب # قال أيمن بن خريم في بشر بن مروان: # ولو شاء بشر كان من دون بابه %~% طماطم سود أو صقالبة حمر # ولكن بشرا أسهل الباب للتي %~% يكون له من دونها الحمد والشكر # بعيد مراد الطرف ما رد طرفه %~% حذار الغواشي باب دار ولا ستر # وله أيضا في عبد العزيز: # لعبد العزيز على قومه %~% وغيرهم منن ظاهره PageV02P081 # ففبا بك ألين أبوابهم %~% ودارك مأهولة عامره # وكلبك أرأف بالمعتفين %~% من الأم بابنتها الزائرة # وكفك حين ترى السائلي %~% ن أندى من الليلة الماطرة # فمنك العطاء ومنا الثناء %~% بكل محبرة سائرة # ولآخر أيضا: # ما لي أرى أبوابهم مهجورة %~% وكأن بابك مجمع الأسواق # إني رأيتك للمكارم عاشقا %~% والمكرمات قليلة العشاق # وللتيمي: # يزدحم الناس على بابه %~% والمنهل العذب كثير الزحام # ولأشجع بن عمرو السلمي: # على باب ابن منصور %~% علامات من البذل # جماعات وحسب الب %~% ب جودا كثرة الأهل # وأنشدت لعمارة بن عقيل، في خالد بن يزيد: # تأبى خلائق خالد وفعاله %~% إلا تجنب كل أمر عائب # وإذا حضرنا الباب عند غدائه %~% أذن الغذاء برغم أنف الحاجب # وأنشدت لبعضهم: # أبلج بين حاجبيه نوره %~% إذا تغذى رفعت ستوره PageV02P082 # ولثابت قطنة، في يزيد بن المهلب: # أبا خالد زدت الحياة محبة %~% إلى الناس أن كنت الأمير المتوجا # وحق لهم أن يرغبوا في حياتهم %~% وبابك مفتوح لمن خاف أو رجا # تزيد الذي يرجو نداك تفضلا %~% وتؤمن ذا الإجرام إن كان محرجا ### || من أمل حجابه ولم يذم عليه # المدائني قال: حضر أبو سفيان بن حرب باب عثمان بن عفان رضي الله عنه، ~~فحجب عنه، فقال له رجل يغريه به: حجبك أمير المؤمنين يا أبا سفيان؟ فقال: ~~لا عدمت من قومي من إذا شاء أن يحجبني حجبني. # وأنشدني الطائي في إسحاق بن إبراهيم الموصلي: # يا أيها الملك المأمول نائله %~% وجوده لمراعي جوده كثب # ليس الحجاب بمقص عنك لي ms189 أملا %~% إن السماء ترجى حين تحتجب PageV02P083 # وله أيضا في مالك بن طوق: # قل لابن طوق رحى سعد، إذا خبطت %~% حوادث الدهر أعلاها وأسفلها # أصبحت حاتمها جودا، وأحنفها %~% حلما، وكيسها علما ودغفلها # ما لي أرى الحجرة الفيحاء مقفلة %~% عني وقد طال ما استفتحت مقفلها # كأنها جنة الفردوس معرضة %~% وليس لي عمل زاك فأدخلها # ولأبي عبد الرحمن العطوي في ابن المدبر: # إذا أنت لم ترسل وجئت فلم أصل %~% ملأت بعذر منك سمع لبيب # قصدتك مشتاقا فلم أر حاجبا %~% ولا ناظرا إلا بعين غضوب # كأني غريم مقتض أو كأنني %~% طلوع رقيب أو نهوض حبيب # فقمت وقد فك الحجاب عزيمتي %~% على شكر بسط الراحتين وهوب # علي له الإخلاص ما ردع الهوى %~% أصالة رأي أو وقار مشيب # وأنشدني الخثمعي: # كيفما شئت فاحتجب يا أبا اللي %~% ث ومن شئت فاتخذ يوابا PageV02P084 # أنت لو كنت دون أعراض قحطا %~% ن وأسبلت دونها الأحسابا # لرأيناك في مرايا أيادي %~% ك يقينا ولو أطلت الحجابا # وأنشدني البلاذري في عبيد الله بن يحيى بن خاقان: # قالوا اصطبارك للحجاب وذله %~% عار عليك يد الزمان وعاب # فأجبتهم ولكل قول صادق %~% أو كاذب عند الكريم جواب # إني لأغتفر الحجاب لما جد %~% ليست له منن علي رغاب # قد يرفع المرء اللئيم حجابه %~% ضعة، ودون العرف منه حجاب # والحر مبتذل النوال وإن بدا %~% من دونه ستر وأغلق باب # تم كتاب الحجاب، ولله الحمد والمنة، وبيده الحول والقوة، والل سبحانه ~~الموفق للصواب برحمته. # يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب " مفاخرة الغلمان والجواري " من كلام أبي ~~عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أيضا، والله المستعان وعليه التكلان، إنه سميع ~~مجيب الدعاء. # والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه، ~~وهو حسبنا ونعم الوكيل. PageV02P085 ### | الرسالة الثالثة عشرة كتاب مفاخرة الجواري والغلمان # بسم الله الرحمن الرحيم # بالله نستعين، وإياه نستهدي، وعليه نتوكل. # إن لكل نوع من العلم أهلا يقصدونه ويؤثرونه، وأصناف العلم لا تحصى، منها ~~الجزل ومنها السخيف. وإذا كان موضع الحديث على أنه مضحك ومله، وداخل في ms190 باب ~~حد المزج، فأبدلت السخافة بالجزالة انقلب عن جهته، وصار الحديث الذي وضع ~~على أن يسر النفوس يكربها ويغمها. # ومن كان صاحب علم ممرنا موقحا، إلف تفكير وتنقيب ودراسة، وحلف تبين، وكان ~~ذلك عادة له، لم يضره النظر في كل فن من الجد والهزل؛ ليخرج بذلك من شكل ~~إلى شكل. فإن الأسماع قد تمل الأصوات المطربة، والأوتار الفصيحة، والأغاني ~~الحسنة، إذا طال ذلك عليها. # وقد روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: " إني لأستجم نفسي ببعض ~~الباطل مخافة أن أحمل عليها من الحق ما يملها ". # وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: " العلم أكثر من أن ~~يحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه ". PageV02P091 # وروي عن الشعبي أنه قال: " إن القلوب تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف ~~الحكمة ". # وبعض من يظهر النسك والتقشفإذاذكر الحر والأير والنيك تقزز وانقبض. وأكثر ~~من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من المعرفة والكرم، والنبل والوقار، إلا ~~بقدر هذا التصنع. # ولو علم أن عبد الله بن عباس أنشد في المسجد الحرام وهو محرم: # وهن يمشين بنا هميسا %~% إن تصدق الطير ننك لميسا # فقيل له: إن هذا من الرفث! فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء. # وقول علي رضوان الله عليه ودخل على بعض أهل البصرة، ولم يكن في حسبه ~~بذاك، فقال: من في هذه البيوت؟ فقال: عقائل من عقائل العرب. فقال: " من يطل ~~أير أبيه ينتطق به ". # فعلى علي في التنزه يعول. PageV02P092 # وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لبديل بن ورقاء يوم الحديبية، وقد تهدد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عضضت ببظر اللات، أنحن نخذله؟! ". # وقول حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: " وأنت يا ابن مقطعة البظور ممن ~~يكثر علينا! ". # وحديث مرفوع: " من عذيري من ابن أم سباع مقطعة البظور ". # ولو تتبعت هذا وشبهه وجدته كثيرا. # وإنما وضعت هذه الألفاظ ليستعملها أهل اللغة، ولو كان الرأي ألا يلفظ بها ~~ما كان لأول كونها معنى، ولكان في التحريم ms191 والصون للغة العرب أن ترفع هذه ~~الأسماء والألفاظ منها. # وقد أصاب كل الصواب من قال: " لكل مقام مقال ". # ولو كان ممن يتصوف ويتقشف، علم قول امرأة رفاعة القرظي تجبهه عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غير محتشمة: إني تزوجت عبد الرحمن PageV02P093 ~~بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثواب، وكنت عند رفاعة فطلقني - ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على التبسم حتى قضت كلامها - فقال: " ~~تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك ". ~~ورواه ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها لعلم ~~أنه على سبيل التصنع والرياء. # ولو سمعوا حديث ابن حازم حين زعم أنه يقيم ذكره ويصعد السلم وامرأته ~~متعلقة بذكره حتى يصعد. # وحديث ابن أخي أبي الزناد إذ يقول لعمه: أنخر عند الجماع؟ قال: يا بني ~~إذا خلوت فاصنع ما أحببت. قال: يا عم، أتنخر أنت؟ قال: يا بني، لو رأيت عمك ~~يجامع لظننت أنه لا يؤمن بالله العظيم!. PageV02P094 # وهذان من ألفاظ المجان. # وروي عن بعض الصالحين من التابعين رحمه الله، أنه كان يقول في دعائه: ~~اللهم قو ذكري على نكاح ما أحللت لي. # ونحن لم نقصد في ذكرنا هذه الأخبار الرد على من أنكر هذهذ الأمور، ولكنا ~~لما ذكرنا اختصام الشتاء والصيف، واحتجاج أحدهما على صاحبه، واحتجاج صاحب ~~المعز والضأن بمثل ذلك، أحببنا أن نذكر ما جرى بين اللاطة والزناة، وذكرنا ~~ما نقل حمال الآثار وروته الرواة، من الأشعار والأمثال، وإن كان في بعض ~~البطالات، فأردنا أن نقدم الحجة لمذهبنا في صدر كتابنا هذا. # ونعوذ بالله أن نقول ما يوتغ ويردي، وإليه نرغب في التأييد والعصمة، ~~ونسأله السلامة في الدين والدنيا برحمته. # قال (صاحب الغلمان) : إن من فضل الغلام على الجارية أن الجارية إذا وصفت ~~بكمال الحسن قيل: كأنها غلام، ووصيفة غلامية. # قال الشاعر يصف جارية: # لها قد الغلام وعارضاه %~% وتفتير المبتلة اللعوب PageV02P095 # وقال: # فطب لحديث من نديم موافق %~% وساقية بين المراهق والحلم # إذا ms192 هي قامت والسداسي طالها %~% وبين النحيف الجسم والحسن الجسم # وقال والبة بن الحباب: # وميراثية تمشي اختيالا %~% من التكريه قاتلة الكلام # لها زي الغلام ولم أقسها %~% إليه ولم أقصر بالغلام # وقال عكاشة: # مطمومة الشعر في قمص مزررة %~% في زي ذي ذكر سيماه سيماها # وأكثر من قول الشاعر قول الله عز وجل: " يطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ ~~مكنون " وقال تبارك وتعالى: " يطوف عليهم ولدان مخلدون. بأكواب وأباريق ". ~~فوصفهم في غير موضع من كتابه، وشوق إليهم أولياءه. # قال (صاحب الجواري) : قد ذكر الله جل اسمه الحور العين أكثر مما ذكر ~~الولدان، فما حجتك في هذا إلا كحجتنا عليك. PageV02P096 # ومما صان الله به النساء أنه جعل في جميع الأحكام شاهدين: منها الإشراك ~~بالله، وقتل النفس التي حرم الله تعالى؛ وجعل الشهادة على المرأة إذا رميت ~~بالزنى أربعة مجتمعين غير مفترقين في موضع، يشهدون أنهم رأوه مثل الميل في ~~المكحلة. وهذا شيء عسير؛ لما إراد الله من إغماض هذا الحد إذ جعل فيه الشدخ ~~بالحجارة. # وإنما خلق الله الرجال بالنساء. # وريح الجارية أطيب، وثيابها أعطر، ومشيتها أحسن، ونغمتها أرق، والقلوب ~~إليها أميل. ومتى أردتها من قدام أو خلف من حيث يحسن ويحل وجدت ذلك كما قال ~~الشاعر: # وصيفة كالغلام تصلح لل %~% أمرين كالغصن في تثنيها # أكملها الله ثم قال لها %~% لما استتمت في حسنها: إيها # قال: ونظر بعض الحاج إلى جارية كأنها دمية في محراب، قد أبدت عن ذراع ~~كأنه جمارة، وهي تكلم بالرفث، فقال: يا هذه، تكلمين بمثل هذا وأنت حاجة! ~~قالت: لست حاجة، وإنما يحج الجمل، ألست تراني PageV02P097 ~~جالسة وهو يمشي! قال: ويحك، لم أر مثلك فمن أنت؟ قالت: أنا من اللواتي ~~وصفهن الشاعر فقال: # ودقت وجلت واسبكرت وأكملت %~% فلو جن إنسان من الحسن جنت # قال (صاحب الغلمان) : إن أحدا لا يدخل الجنة إلا أمرد، كما جاء في ~~الحديث: " إن أهل الجنة يدخلونها جردا مكحلين ". والنساء إلى المرد أميل، ~~وله أشهى، كما قال الأعشى: # وأرى الغواني لا يواصلن امرأ %~% فقد الشباب وقد ms193 يصلن الأمردا # وقال امرؤ القيس: # فيا رب يوم قد أروح مرجلا %~% حبيبا إلى البيض الأوانس أملسا # أراهن لا يحببن من قل ماله %~% ولا من رأين الشيب فيه وقوسا PageV02P098 # وقال علقمة بن عبدة: # فإن تسألوني بالنساء فإنني %~% بصير بأدواء النساء طبيب # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله %~% فليس له في ودهن نصيب # يردن ثراء المال حيث علمنه %~% وشرخ الشباب عندهن عجيب # قال (صاحب الجواري) : فإن الحديث قد جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم: " ~~حببت إلي النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة ". ولم يأت للغلمان مثل ~~هذه الفضيلة. وقد فتن بالنساء الأنبياء عليهم السلام، منهم داود، ويوسف، ~~عليهما السلام. # قال (صاحب الغلمان) : لو لم يكن من بلية النساء إلا أن الزنى لا يكون إلا ~~بهن، وقد جاء في ذلك من التغليظ ما لم يأت في غيره في الكتاب نصا، وفي ~~الروايات الصحيحة. قال الله تبارك وتعالى: " ولا تقربوا الزنى إنه كان ~~فاحشة وساء سبيلا "، وقال: " ولا يزنون ومن يفعل ذلك PageV02P099 ~~يلق أثاما. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا "، وقال: " ~~الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة ". ~~وقد جعل بينهما إذا لم يكن شهود التلاعن والفرقة في عاجل الدنيا، إلى ما ~~أعد للكاذب منهما من اللعن والغضب في الآخرة. # قال (صاحب الجواري) : ما جعل الله من الحد على الزاني إلا ما جعل على ~~اللوطي مثله. وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟، أنه أتي بلطي، ~~فأصعد المئذنة ثم رمي منكسا على رأسه، وقال: " هكذا يرمى به في نار جهنم ". # وحدث عن أبي بكر، رضي الله عنه، أنه أتي بلوطي فعرقب عليه حائطا. # وحديث أبي بكر أيضا رضي الله عنه، أن خالد بن الوليد كتب إليه في قوم ~~لاطوا فأمر بإحراقهم. # وأحرقهم هشام بن عبد الملك، وأحرقهم خالد بن عبد الله بأمر هشام. # وفي الحديث مجاهد أن الذي يعمل عمل قوم لوط لو اغتسل بكل قطرة من السماء ~~وكل قطرة في ms194 الأرض لم يزل نجسا. PageV02P100 # وحديث الزهري: " اللوطي يرجم، أحصن أو لم يحصن؛ سنة ماضية ". # وروي عن الحكم بن عتيبة أن عليا رحمه الله رجم لوطيا وقال: " لعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذكرين يلعب أحدهما بالآخر ". # وحديث أنس قال: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤنثين من الرجال، ~~والمذكرات من النساء ". # وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم مخنثا من المدينة يقال له " هيت " ~~وسمعه يقول لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا فتحتم الطائف ~~فعليك بادية بنت غيلان، فإنها هيفاء شموع، إذا PageV02P101 # قامت تثنت، وإذا تكلمت تغنت، تقبل بأربع وتدبر بثمان، وبين رجليها ~~كالإناء المكفوء، فزوجيها عمر ابنك ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" لقد تغلغلت في النظر يا عدو الله، وما ظننتك من ذوي الإربة! ". فنفاه عن ~~المدينة. # قال (صاحب الغلمان) : من عيوب المرأة أن الرجل إذا صاحبها شيبت رأسه، ~~وسهكت ريحه، وسودت لونه، وكثر بوله. وهن مصايد إبليس وحبائل الشيطان، يتعبن ~~الغني، ويكلفن الفقير ما لا يجد. وكم من رجل تاجر مستور قد فلسته امرأته ~~حتى هام على وجهه، أو جلس في بيته، أو أقامته من سوقه ومعاشه. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من ~~النساء ". # قال (صاحب الجواري) : قد جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ". # وجاء عنه: " إذا قضيتم غزوكم فالكيس الكيس ". يعني النكاح. PageV02P102 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مسكين رجل لا زوجة له. مسكينة مسكينة ~~امرأة لا بعل لها ". # وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: " تزوجوا والتمسوا الولد؛ فإنهم ثمرات ~~القلوب. وإياكم والعجز العقر ". # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر أهل عصره نساء، وكذلك كانت ~~الأنبياء عليهم السلام قبله. # وقد أنبأك الله عز وجل بخير داود عليه السلام في القرآن، وما روي أنه كان ~~لسليمان عليه السلام. # وقد تزوج ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه. # وقال معاذ: زوجوني لا ms195 ألقى الله تعالى وأنا عزب. # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إني لأجهد نفسي في النكاح حتى يخرج ~~الله مني نسمة تسبحه. # وروي أنه قال: عليكم بالأبكار الشواب؛ فإنهن أطيب أفواها، وأنتق أرحاما. # والحديث في هذا أكثر من أن نأتي عليه. PageV02P103 # قال (صاحب الغلمان) : إن من عيوب الجواري أن الرجل إذا اشترى الوصيفة إلى ~~أن يستبرئها محرم عليه أن يستمتع بشيء منها قبل ذلك والوصيف لا يحتاج إلى ~~ذلك. وقد قال الشاعر: # فديتك إنما اخترناك عمدا %~% لأنك لا تحيض ولا تبيض # وقد جاء في الحديث أن الزنى فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في ~~الآخرة. فأما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء، ويعجل الفناء، ويقطع الرزق من ~~السماء. وأما اللواتي في الآخرة فالحساب، والعذاب، ودخول النار. # وروي عن مجاهد، قال: إن لأهل النار صرخة من ريح الزناة. # وقالوا: إن أهل النار ليتأذون بريح الزناة. # قال (صاحب الجواري) : لم نسمع بعاشق قتله حب غلام. ونحن نعد من الشعراء ~~خاصة الإسلاميين جماعة، منهم جميل بن معمر قتله حب بثينة، وكثير قتله حب ~~عزة، وعروة قتله حب عفراء، ومجنون بني عامر هيمته ليلى، وقيس بن ذريح قتلته ~~لبنى، وعبد الله بن عجلان PageV02P104 ~~قتلته هند، والغمر بن ضرار قتلته جمل. هؤلاء من أحصينا، ومن لم نذكر ~~أكثر. # قال (صاحب الغلمان) : لو نظر كثير وجميل وعروة، ومن سميت من نظرائهم، إلى ~~بعض خدم أهل عصرنا ممن قد اشترى بالمال العظيم فراهة وشطاطا ونقاء لون، ~~وحسن اعتدال، وجودة قد وقوام، لنبذوا بثينة وعزة وعفراء من حالق، وتركوهن ~~بمزجر الكلاب. ولكنك احتججت علينا بأعراب أجلاف جفاة، غذوا بالبؤس والشقاء ~~ونشؤوا فيه، لا يعرفون من رفاعة العيش ولذات الدنيا شيئا، إنما يسكنون ~~القفار، وينفرون من الناس كنفور الوحش، ويقتاتون القنافذ والضباب، وينقفون ~~الحنظل، وإذا بلغ أحدهم جهده بكى على الدمنة ونعت المرأة، ويشبهها بالبقرة ~~والظبية، والمرأة أحسن منهما. نعم حتى يشبهها بالحية، ويسميها شوهاء ~~وجرباء، مخافة العين عليها بزعمه. # فأما الأدباء والظرفاء فقد قالوا في الغلمان ms196 فأحسنوا، ووصفوهم فأجادوا، ~~وقدموهم على الجواري، في الجد منهم والهزل. PageV02P105 # وقال الشاعر يصف الغلام: # شبيه بالقضيب وبالكثيب %~% غريب الحسن في قد غريب # براه الله بدرا فوق غصن %~% ونيط بحقوه دعص الكثيب # أغن تولد الشهوات منه %~% فما تعدوه أهواء القلوب # وما اكتحلت به عين ففاتت %~% مسلمة الضمير من الذنوب # شغلت به الهوى ونزعت عنه %~% ولم أدنس به دنس المريب # وقال آخر: # كلفت بظبي له %~% سوالف أدمانه # قضيب على رملة %~% على شعبتي بانه # له لحظ وحشية %~% وألفاظ إنسانه # وقال أبو نواس: # سقيا لغير العلياء والسند %~% وغير أطلال مي بالجرد # ويا صبيب السحاب إن كنت قد %~% جدت اللوى مرة فلا تعد # لا تسقين بلدة إذا عدت ال %~% بلدان كانت زيادة الكبد PageV02P106 # إن أتحرز من الغراب بها %~% يكن مفرى منه إلى الصرد # بحيثث لا تجلب الفجاج إلى %~% أذنيك إلا تصايح النقد # أحسن عندي من انكبابك بال %~% فهر ملحا به على وتد # وقوف ريحانة على أذن %~% وسير كأس إلى فم بيد # يسقيكها من بني العباد رشا %~% منتسب عيده إلى الأحد # إذا بنى الماء فوقها حببا %~% صلب فوق الجبين بالزبد # أشرب من كفه الشمول ومن %~% فيه رضابا يجري على برد # فذاك خير من البكاء على ال %~% ربع وأنمى في الروح والجسد # قال (صاحب الجواري) : فقد قال أبو نواس الحكمي شاعركم أيضا: # لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند %~% واشرب على الورد من حمراء كالورد PageV02P107 # كأسا إذا انحدرت في حلق شاربها %~% رأيت حمرتها في العين والخد # فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة %~% من كف لؤلؤة ممشوقة القد # تسقيك من عينها سحرا ومن يدها %~% خمرا فما لك من سكرين من بد # لي نشوتان وللندمان واحدة %~% شيء خصصت به من بينهم وحدي # وقال أيضا: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء %~% وداوني بالتي كانت هي الداء # صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها %~% لو مسها حجر مسته سراء # من كف ذات حر في ذي ذكر %~% لها محبان: لوطي وزناء # قامت بإبريقها والليل معتكر %~% فظل من وجهها في البيت لألاء PageV02P108 # فأرسلت من فم الإبريق صافية ms197 %~% كأنما أخذها بالعين إغفاء # في فتية زهر ذل الزمان لهم %~% فما يصيبهم إلا بما شاءوا # لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة %~% كانت تكون بها هند وأسماء # قال صاحب الغلمان | ..... وقال النظام: # بان بك الشكل والنظير %~% وجل عن وصفك الضمير # فليس يخطيك في امتحان %~% صغير أمر ولا كبير # خلقت من مثل لا عيان %~% جسما على أنه منير # فأنت عند المجس نار %~% وأنت عند اللحاظ نور # وقال أبو هشام الخراز: # يا من تعدى العباد من شبهه %~% لما قصرن الصفات عن كنهه # ويا غزالا يسبي بلحظته %~% مكتحلا راح أو على مرهه # يجعل قتل النفوس نزهته %~% يوشك يفني النفوس في نزهه # لبيك داع دعا فقلت له %~% والقلب في كربه وفي ولهه PageV02P109 # هذا فؤادي أتاك مبتدعا %~% طوعا ولم يأتكم على كرهه # يشره منكم إلى مواصلة %~% يا بوس قلب يذوب من شرهه # فالآن قل للخيال يطرق من %~% أعيا عليه وصال منتبهه # وقال الحكمي: # رسم الكرى بين الجفون محيل %~% عفى عليه بكا عليك طويل # يا ناظرا ما أقلعت نظراته %~% حتى تشحط بينهن قتيل # أحللت من قلبي هواك محلة %~% ما حلها المشروب والمأكول # وقال أيضا: # لي حبيب كلما زاد في %~% جفوته لي كان أشهى # هو وجه كله في كل ما %~% نظرت عيناك منه كان وجها # وكذا الدرة لا يدري الفتى %~% أيها من أيها في العين أبهى # وقال أيضا: # أفنيت فيك معاني الشكوى %~% وصفات ما ألقى من البلوى # قلبت آفاق الكلام فما %~% أبصرتني أغفلت عن معنى # وأعد ما لا أشتكي غبنا %~% فأعود فيه مرة أخرى PageV02P110 # فلو أن ما أشكو إلى بشر %~% لأراحني ظني من الشكوى # لكنني أشكو إلى حجر %~% تنبو المعاول عنه بل أقسى # فهذا وشبهه من الشعر كثير. # وإذا جئت إلى أصحاب الهزل كقول بعضهم ممن ذم النساء: # هذه الخمر فاشرب %~% واسقني يا ابن مصعب # اسقنيها وغنني: %~% من لقب معذب # طمعت في طفلة %~% رب راج مجنب # قلت لما رأيتها %~% أسفرت لي: تنقبي # لست والله مدخلا %~% إصبعي جحر عقرب # وقال آخر: # لا أبتغي بالمرد مطمومة %~% ولا أبيع الظبي بالأرنب # لا ms198 أدخل الجحر يدي طائعا %~% أخشى من الحية واالعقرب # وقال آخر: # ليس لي في الحر حاجة %~% نيكه عندي سماجة PageV02P111 # ما ينيك الر إلا %~% كل ذي فقر وحاجة # فإذا نكتم فنيكوا %~% أمردا في لون عاجة # وقال يوسف لقوه: # ما يساوي نيك أنثى %~% عند أيري بعرتين # إنما نيك الجواري %~% حل دين بعد دين # ليس للأير حياة %~% غير ريح الخصيتين # وهو الذي يقول: # وعلى اللواط فلا تلمن كاتبا %~% إن اللواط سجية في الكاتب # ولقد يتوب من المحارم كلها، %~% وعن الخصى ما عاش ليس بتائب # وقال الحكمي: # للطمة يلطمني أمرد %~% تأخذ مني العين والفكا # أطيب من تفاحة في يدي %~% معضوضة قد ملئت مسكا # وقال آخر: # إن تزن محصنة ترجم علانية %~% وإن يلط عزب لا يرجم العزب PageV02P112 # وقال آخر: # أيسر ما فيه من مفاضلة %~% أمنك من طمثه ومن حبله # وهذا قليل من كثير ما قالوا، فقد قالت الشعراء في الغلام في الجد والهزل ~~فأحسنوا، كما قالت الشعراء في الغزل والنسيب، ولا يضير المحسن منهم أقديما ~~كان أو محدثا. # قال (صاحب الجواري) : أما أنت فحيث اجتهدت واحتفلت جئت بالحكمي، ~~والرقاشي، ووالبة، ونظرائهم من الفساق والمرغوب عن مذهبهم، الذين نبغوا في ~~آخر الزمان، سقاط عند أهل المروءات، أوضاع عند أهل الفضل؛ لأنهم وإن أسهبوا ~~في وصف الغلمان، فإنما يمدحون اللواط ويشيدون بذكره. # وقد علمت ما قال الله تبارك وتعالى في قوم لوط، وما عجل لهم من الخزي ~~والقذف بالحجارة، إلى ما أعد لهم من العذاب الأليم. فمن أسوأ حالا ممن مدح ~~ما ذمه الله، وحسن ما قبح! وأين قول من سميت من قول الأوائل في الغزل ~~والنسيب والنساء! وهل كان البكاء والتشبيب والعويل إلا فيهن وعليهن، ومن ~~أجلهن! وهل ذمت العرب الشيب مع الخصال المحمودة التي فيه PageV02P113 ~~إلا لكراهتهن له. قال شاعر الشعراء من الأولين والآخرين، امرؤ القيس: # أراهن لا يحببن من قل ماله %~% ولا من رأين الشيب فيه وقوسا # وقال علقمة بن عبدة الفحل، وكان نظير امرؤ القيس في عصره: # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ms199 %~% فليس له في ودهن نصيب # يردن ثراء المال حيث علمنه %~% وشرخ الشباب عندهن عجيب # وما قالت القدماء في النسيب أكثر من أن نأتي عليه. وأين قول من ذكرت في ~~صفات الغلمان من قول امرؤ القيس في التشبيب حيث يقول: # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي %~% بسهميك في أعشار قلب مقتل # أغرك مني أن حبك قاتلي %~% وأنك مهما تأمري القلب يفعل # وقول الأعشى: # لو أسندت ميتا إلى نحرها %~% عاش ولم ينقل إلى قابر PageV02P114 # حتى يقول الناس مما رأوا %~% يا عجبا للقاتل الناشر # وقال جرير: # إن الذين غدوا بلبك غادروا %~% وشلا بعينك لا يزال معينا # غيضن من عبراتهن وقلن لي %~% ماذا لقيت من الهوى ولقينا # وقال جميل: # خليلي فيما عشتما هل رأيتما %~% قتيلا بكى من حب قاتله قبلي # وقال القطامي: # يقتلننا بحديث ليس يعلمه %~% من يتقين ولا مكنونه بادي # فهن ينبذن من قول يصبن به %~% مواقع الماء من ذي الغلة الصادي # فهؤلاء القدماء في الجاهلية والإسلام، فأين قول من احتججت به من قولهم!. # ولا نعلم أحدا قال في الغلام ما قال الحكمي وهو من المحدثين. وأين يقع ~~قوله من قول الأوائل الذين شببوا بالنساء! فدع عنك الرقاشي ووالبة والخراز ~~ومن أشبههم؛ فليست لك علينا حجة في الشعراء. PageV02P115 # وأخرى: ليس من قال الشعر بقريحته وطبعه واستغنى بنفسه، كمن احتاج إلى ~~غيره يطرد شعره، ويحتذي مثاله، ولا يبلغ معشاره. # قال (صاحب الغلمان) : ظلمت في المناظرة ولم تنصف في الحجة؛ لأن لم ندفع ~~فضل الأوائل من الشعراء، إنما قلنا إنهم كانوا أعرابا أجلافا جفاة، لا ~~يعرفون رقيق العيش ولا لذات الدنيا؛ لأن أحدهم إذا اجتهد عند نفسه شبه ~~المرأة بالبقرة، والظبية، والحية. فإن وصفها بالاعتدال في الخلقة شبهها ~~بالقضيب، وشبه ساقها بالبردية؛ لأنهم مع الوحوش والأحناش نشؤوا، فلا يعرفون ~~غيرها. # وقد نعلم أن الجارية الفائقة الحسن أحسن من البقرة، وأحسن من الظبية، ~~وأحسن من كل شيء شبهت به. # وكذلك قولهم: كأنها القمر؛ وكأنها الشمس؛ فالشمس وإن كانت حسنة فإنما هي ~~شيء واحد، وفي وجه الإنسان الجميل ms200 وفي خلقه ضروب من الحسن الغريب، والتركيب ~~العجيب. ومن يشك أن عين الإنسان أحسن من عين الظبي والبقرة، وأن الأمر ~~بينهما متفاوت!. # وهذه أشياء يشترك فيها الغلمان والجواري، والحجة عليك مثل الحجة لك في ~~هذه الصفات. # وأما احتجاجك علينا بالقرآن والآثار والفقهاء، فقد قرأنا مثل ما قرأت، ~~وسمعنا من الآثار مثل ما سمعت. فإن كنت إلى سرور الدنيا تذهب، ولذاتها ~~تريد، فالقول قولنا. كما قال الشاعر: PageV02P116 # ما العيش إلا في جنون الصبا %~% فإن تولى فزمان المدام # كأسا إذا ما الشيخ والى بها %~% خمسا تردى برداء الغلام # وإن كنت إلى التقشف والتزهيد في اللذات تعمد فترك جميع الشهوات من النساء ~~وغيرهن أفضل. فإن أنصفت فأتنا بمثل حجتنا. فأما أن تتلو علينا القرآن ~~وتأتينا بأحاديث ألفتها فهذا منك انقطاع. ومثلنا ومثلك في ذلك مثل بصري ~~وكوفي تفاخرا بعدد أشراف أهل البصرة وأشراف أهل الكوفة، فقال البصري ~~للكوفي: # هات في أربع قبائل الكوفة مثل أربعة رجال بالبصرة في أربع قبائل: في تميم ~~الكوفة مثل الأحنف، وفي بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع، وفي قيس الكوفة مثل ~~قتيبة بن مسلم، وفي أزد الكوفة مثل المهلب. # فقال الكوفي: مخنف بن سليم من أزد السراة، وهم أشرف من أزد عمان. # فقال البصري: إنا لم نكن في شرف القبائل وفرق ما بينهما، فإنما ذكرنا ~~المهلب بنفسه، وما علمت أن أحدا يبلغ من جهله أن يفخر بمخنف بن سليم فيفضله ~~على المهلب. وأخمل رجل من ولد المهلب أشهر في الولايات وفي الفرسان وفي ~~الناس من مخنف. والمهلب رجل ليس له بالعراق نظير يقاومه، ومناقبه وأيامه ~~وفتوحه أكثر وأشهر من أن يجوز لنا أن نجعله إزاء مخنف. وما زالوا يقولون: " ~~بصرة المهلب ". ولو لم يكن للمهلب إلا أنه PageV02P117 ~~ولد يزيد بن المهلب كان كافيا. ونحن إذا قلنا: ليس في قيس الكوفة مثل ~~قتيبة بن مسلم، قال قائل: فزارة أشرف من باهلة. قلنا: ليس هذه معارضة؛ ~~فإنما المعارضة أن تذكر أسماء بن خارجة ثم تقول ونقول، فنذكر فتوح قتيبة ~~العظام، ms201 والشهامة والنفس الأبية، والشجاعة والحزم والرأي، والوفاء، وشرف ~~الولاية، ونذكر سودد أسماء، وجوده ونواله. فأما أن نتخطى أنفسهما إلى ~~قبائلهما كما تخطيت بدن المهلب وبدن مخنف إلى أزد عمان وأزد السراة، فهذا ~~ليس من معارضة العلماء. # وكذلك إذا ذكرنا عباد البصرة وزهادها ونساكها فقلنا: لنا مثل عامر بن عبد ~~قيس، وهرم بن حيان، وصلة بن أشيم. قلت: فعباد PageV02P118 ~~الكوفة: أويس القرني، والربيع بن خثيم، والأسود بن يزيد النخعي. وهذا ~~جواب. # فأما أن تذكر طيب الدنيا والتمتع من لذاتها وصفات محاسنها، وتذكر ظرفاءها ~~وأربابها، وتجيئنا بأحاديث الزهاد والفقهاء، فقد انقطع الحجاج بيننا وبينك. # وقد قلنا في صدر كتابنا: إن الكلام إذا وضع على المزح والهزل، ثم أخرجته ~~عن ذلك إلى غيره من الجد، تغير معناه وبطل. # وقد روي أن معاوية سأل عمرو بن العاص يوما - وعنده شباب من قريش - فقال ~~له: يا أبا عبد الله، ما اللذة؟ فقال: مر شباب قريش فليقوموا. فلما قاموا ~~قال: " إسقاط المروءة ". PageV02P119 # قال الشاعر في مثل ذلك: # من راقب الناس مات غما %~% وفاز باللذة الجسور # وقال الحكمي: # تجاسرت فكاشفة %~% ك لما غلب الصبر # وما أحسن في مثل %~% ك أن ينهتك الستر # قال (صاحب الجواري) : # فنحن نترك ما أنكرت علينا ونقول: لو لم يكن حلال ~~ولا حرام، ولا ثواب ولا عقاب، لكان الذي يحصله المعقول ويدركه الحس ~~والوجدان، دالا على أن الاستمتاع بالجارية أكثر وأطول مدة؛ لأنه أقل ما ~~يكون التمتع بها أربعون عاما، وليس تجد في الغلام معنى إلا وجدته في ~~الجارية وأضعافه. فإن أردت التفخيذ فأرداف وثيرة، وأعجاز بارزة لا تجدها ~~عند الغلام. وإن أردت العناق فالثدي النواهد، وذلك معدوم في الغلام. وإن ~~أردت طيب المأتى فناهيك، ولا تجد ذلك عند الغلام. فإن أتوه في محاشه حدث ~~هناك من الطفاسة والقذر ما يكدر كل عيش، وينغص كل لذة. PageV02P120 # وفي الجارية من نعمة البشرة ولدونة المفاصل، ولطافة الكفين والقدمين، ~~ولين الأعطاف، والتثني وقلة الحشن وطيب العرق ما ليس للغلام، مع خصال لا ~~تحصى، كما قال الشاعر: ms202 ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... # يصف جودة القد وحسن الخرط، ويفرق بين المجدولة والسمينة. # وقولهم " مجدولة " يريدون جودة العصب وقلة الاسترخاء، ولذلك قالوا: ~~خمصانة وسيفانة، وكأنها جان، وكأنها جدل عنان، وكأنها قضيب خيزران. والتثني ~~في مشية الجارية أحسن ما فيها، وذلك في الغلام عيب؛ لأنه بنسب إلى التخنيث ~~والتأنيث وقد وصفت الشعراء المجدولة في أشعارها، فقال بعضهم: # لها قسمة من خوط بان ومن نقا %~% ومن رشأ الأقواز جيد ومذرف PageV02P121 # وقال آخر: # مجدولة الأعلى كثيب نصفها %~% إذا مشت أقعدها ما خلفها # وقال آخر: # ومجدولة جدل العنان إذا مشت %~% ينوء بخصريها ثقال الروادف # وقال الأحوص: # من المدمجات اللحم جدلا كأنها %~% عنان صناع أنعمت أن تخودا # وقالوا في ذلك أكثر من ان نأتي عليه. # والغلام أكثر ما تبقي بهجته ونقاء خديه عشرة أعوام، إلى أن تتصل لحيته ~~ويخرج من حد المرودة، ثم هو وقاخ طورا ينتف لحيته، وتارة يهلبها ليستدعي ~~شهوة الرجال. وقد أغنى الله الجارية عن ذلك، لما وهب لها من الجمال الفائق، ~~والحسن الرائق. # فإن قلت: إن من النساء من يتحسن ويستر عيبه بخضاب الشعر وغيره، كما قال ~~الشاعر: # عجوز ترجى أن تكون فتية %~% وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر PageV02P122 # تدس إلى العطار ميرة أهلها %~% ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر # قلنا: قد يفعل ذلك بعض النساء إذا شيبت وليس كالغلام، لعموم هلب اللحى في ~~الغلمان. # وذكرت الخصيان وحسن قدودهم، ونعمة أبشارهم، والتلذذ بهم، وأن ذلك شيء لا ~~تعرفه الأوائل، فألجأتنا إلى نصف ما في الخصيان وإن لم يكن لذلك معنى في ~~كتابنا، إذ كنا إنما نقول في الجواري والغلمان. # والخصي - رحمك الله - في الجملة ممثل به، ليس برجل ولا امرأة، وأخلاقه ~~مقسمة بين أخلاق النساء وأخلاق الصبيان، وفيه من العيوب التي لو كانت في ~~حوراء كان حقيقا أن يزهد فيها منه؛ لأن الخصي سريع التبدل والتنقل من حد ~~البضاضة وملاسة الجلد، وصفاء اللون ورقته، وكثرة الماء وبريقه، إلى التكسر ~~والجمود والكمود، والتقبض والتجمد والتحدب، وإلى الهزال وسوء الحال. لأنك ~~ترى الخصي وكأن السيوف تلمع في وجهه، ms203 وكأنه مرآة صينية، وكأنه جمارة، وكأنه ~~قضيب فضة قد مسه ذهب، وكأن في وجناته الورد. فإن مرض مرضة، أو طعن في السن ~~ذهب ذهابا لا يعود. PageV02P123 # وقال بعض العلماء: إن الخصي إذا قطع ذلك العضو منه قويت شهوته، وقويت ~~معدته، ولانت جلدته، وانجردت شعرته، وكثرت دمعته، واتسعت فقحته، ويصير ~~كالبغل الذي ليس هو جمارا ولا فرسا؛ لأنه ليس برجل ولا امرأة. فهو مذبذب لا ~~إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. # ويعرض للخصي سرعة الدمعة والغضب، وذلك من أخلاق النساء والصبيان. ويعرض ~~له حب النميمة وضيق الصدر بما أودع من السر. ~~ويعرض لهم البول في الفراش ولا سيما إذا بات أحدهم ممتلئا من النبيذ. # ومما ناله من الحسرة والأسف لما فاتهم من النكاح مع شدة حبهم للنساء، ~~أبغضوا الفحول أشد من تباغض الأعداء، فأبغضوا الفحول بغض الحاسد لذوي ~~النعمة. # وزعم بعض أهل التجربة من الشيوخ المعمرين أنهم اعتبروا أعمار ضروب الناس ~~فوجدوا طول أعمار الخصيان أعم من جميع أجناس الرجال، وأنهم لم يجدوا لذلك ~~علة إلا عدم النكاح. وكذلك طول أعمار البغال لقلة النزو. ووجدوا أقل ~~الأعمار أعمار العصافير؛ لكثرة سفادها. # ثم الخصي مع الرجال امرأة، ومع النساء رجل. وهو من النمائم والتحريش ~~والإفساد بين المرء وزوجه، على ما ليس عليه أحد. وهذا من النفاسة والحسد ~~للفحول على النساء. ويعتريه إذا طعن في السن اعوجاج في أصابع اليد، والتواء ~~في أصابع الرجل. PageV02P124 # ودخل بعض الملوك على أهله ومعه خصي فاستترت منه، فقال لها: تستترين منه ~~وإنما هو بمنزلة المرأة! فقالت: ألموضع المثلة به يحل له ما حرم الله عليه. # مع أن في الخصي عيوبا يطول ذكرها. # ولولا خوف الملال والسآمة على الناظر في هذا الكتاب، لقلنا في الاحتجاج ~~عليك بما لا يدفعه من كانت به مسكة عقل، أو له معرفة. وفيما قلنا ما أقنع ~~وكفى. وبالله الثقة. # وقد ذكرنا في آخر كتابنا هذا مقطعات من أحاديث البطالين والظرفاء، ليزيد ~~القارئ لهذا الكتاب نشاطا، ويذهب عنه الفتور والكلال، ولا قوة إلا بالله. # 1 ms204 - قال: مرض رجل من عتاة اللاطة مرضا شديدا، فأيسوا منه، فلما أفاق وأبل من ~~مرضه، دخل عليه جيرانه فقالوا له: احمد الله الذي أقالك، ودع ما كنت فيه من ~~طلب الغلمان والانهماك فيهم، مع هذه السن التي قد بلغتها. قال: جزاكم الله ~~خيرا؛ فقد علمت أن فرط العناية والمدة دعاكم إلى عظتي. ولكني اعتدت هذه ~~الصناعة وأنا صغير، وقد علمتم ما قال بعض الحكماء: ما أشد فطام الكبير!. PageV02P125 # قال الشاعر: # والشيخ لا يترك أخلاقه %~% حتى يواري في ثرى رمسه # فقاموا من عنده آيسين من فلاحه. # 2 - قال: كان رجل من اللاطة وله بنون لهم أقدار ومروءات، فشانهم بمشيته مع ~~الغلمان وطلبه لهم، فعاتبوه وقالوا: نحن نشتري لك من الوصائف على ما تشتهي، ~~تشتغل بهن، فقد فضحتنا في الناس. فقال: هبكم تشترون لي ما ذكرتم فكيف ~~لشيخكم بحرارة الجلجلتين! فتركوا عتابه وعلموا أنه لا حيلة فيه. # 2 - وقال بعض اللوطيين: إنما خلق الأير للفقحة، مدور لمدورة؛ ولو كان للحر ~~كان على صيغة الطبرزين. # وقال شاعرهم: # إذا وجدت صغيرا %~% وجأتأصل الحمارة # وإن أصبت كبيرا %~% قصدت قصد الحرارة # فما أبالي كبيرا %~% قصدت أو ذا غرارة # 4 - وقيل لامرأة من الأشراف كانت من المتزوجات: ما بالك مع PageV02P126 ~~جمالك وشرفك لا تمكثين مع زوجك إلا يسيرا حتى يطلقك؟ قالت: يريدون الضيق، ~~ضيق الله عليهم. # 5 - قال: طلق رجل امرأته، فمر رجل في بعض الطرقات فسمع امرأة تسأل أخرى عنها ~~فقالت: البائسة طلقها زوجها! فقالت: أحسن بارك الله عليه. فقال لها: يا أمة ~~الله، من شأن النساء التعصب بعضهن لبعض، وأسمعك تقولين ما قلت. قالت: يا ~~هذا، لو رأيتها لعلمت أن الله تعالى قد أحل لزوجها الزنى، من قبح وجهها. # 6 - وقال مخنث لامرأة: يا معشر النساء، مالكن همة إلا طلب النيك، لا تؤثرون ~~عليه شيئا. فقالت: إن أمرا انتقلت من شهوته من طبع الرجال إلى النساء حتى ~~عقرت لحيتك له، لحقيق ألا تلام عليه. # 7 - قال إسحاق الموصلي: نظرت إلى شاب مخنث حسن الوجه جدا ms205 قد هلب لحيته فشان ~~وجهه، فقلت له: لم تفعل هذا بلحيتك، وقد علمت أن جمال الرجال في اللحى؟ ~~فقال: يا أبا محمد، أيسرك بالله أنها في استك؟ قلت: لا والله! فقال: ما ~~أنصفتني، أتكره أن يكون في استك شيء وتأمرني أن أدعه في وجهي!. PageV02P127 # 8 - وقال: اشترى بعض ولاة العراق قينة بمال كثير، فجلس يوما يشرب وأمرها أن ~~تغنيه، فكان أول صوت تغنت به: # أروح إلى القصاص كل عشية %~% أرجي ثواب الله في عدد الخطى # فقال للخادم: يا غلام، خذ بيد هذه الزانية فادفعها إلى أبي حزرة القاص. ~~فمضى بها إليه فلقيه بعد ذلك، فقال: كيف رأيت تلك الجارية؟ فقال: ما شئت ~~أصلحك الله، غير أن فيها خصلتين من صفات الجنة! قال: ويلك ما هما؟ قال: ~~البرد، والسعة. # 9 - قال: علق رجل من أهل المدينة امرأة فطال عناؤه بها حتى ظفر بها، فصار بها ~~إلى منزل صديق له مغن، ثم خرج يشتري ما يحتاج إليه، فقالت له: لو غنيت لي ~~صوتا إلى وقت مجي صديقك!. # فأخذ العود وتغنى: # من الخفرات لم تفضح أخاها %~% ولم ترفع لوالدها شنارا # قال: فأخذت المرأة خفها ولبست إزارها وقالت: ويلي ويلي، لا والله لا ~~جلست! فجهد بها فأبت وصاحت، فخشي الفضيحة فأطلقها. وجاء الرجل فلم يجدها، ~~فسأله عنها فقال: جئتني بمجنونة؛ قال: ما لها ويلك؟ قال: سألتني أن أغنيها ~~صوتا ففعلت، فضربت بيدها إلى خفها وثيابها فلبست وقامت تولول، فجهدت أن ~~أحبسها فصاحت فخليتها. قال: وأي شيء غنيتها؟ فأخبره، فقال: لعنك الله! حق ~~لها أن تهرب!. PageV02P128 # قال: تواصف قوم الجماع، وأفاضوا في ذكر النساء، وإلى جانبهم مخنث فقال: ~~بالله عليكم دعوا ذكر الحر لعنه الله! فقال له بعضهم: متى عهدك به؟ قال: مذ ~~خرجت منه! # 10 - قال: تزوج رجل امرأة، فمكثت عنده غير بعيد، ثم أتى الرجل ~~بالذي زوجه فقدمه إلى القاضي فقال: أصلحك الله، إن هذا زوجني امرأة مجنونة. ~~قال: وأي شيء رأيت من جنونها؟ قال: إذا جامعتها غشي عليها حتى أحسبها قد ~~ماتت. ms206 فقال له القاضي: قم قبحك الله فما أنت لمثل هذه بأهل. وكانت ربوخا. # 11 - قال: كانت عائشة بنت طلحة من المتزوجات، فتزوجها عمر بن عبيد الله بن ~~معمر التيمي، فبينا هي عنده تحدث مع امرأة من زوارها إذ دخل عمر فدعا بها ~~فواقعها، فسمعت المرأة من النخير والشهيق أمرا عجيبا، فلما خرجت قالت لها: ~~أنت في شرفك وقدرك تفعلين مثل هذا! قالت: إن الددواب لا تجيد الشرب إلا على ~~الصفير!. # 12 - قال: وكانت حبي المدينية من المغتلمات، فدخل عليها نسوة من المدينة فقلن ~~لها: يا خالة، أتيناك نسألك عن القبع عند الجماع يفعله النساء، أهو شيء ~~قديم أم شيء أحدثه النساء؟ قالت: يا بناتي، خرجت PageV02P129 ~~للعمرة مع أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فلما رجعنا فكنا بالعرج نظر ~~إلي زوجي ونظرت إليه، فأعجبه مني ما أعجبني منه فواثبني، ومرت بنا عير ~~عثمان فقبعت قبعة وأدركني ما يصيب بنات آدم، فنفرت العير - وكانت خمس مائة ~~- فما التقى منها بعيران إلى الساعة. # والقبع: النخير عند الجماع. والغربلة: الرهز. كذاك تسميه أهل المدينة. # ويقال إن حبي علمت نساء المدينة القبع والغربلة. # 13 - قال: وكانت خليدة امرأة سوداء ذات خلق عجيب، وكان لها دار بمكة تكريها ~~أيام الحاج، فحج فتى من أهل العراق فاكترى منزلها، فانصرف ليلة من المسجد ~~وقد طاف فأعيا، فلما صعد السطح نظر إلى خليدة نائمة في القمر، فرأى أهيأ ~~الناس وأحسنه خلقا، فدعته نفسه إليها فدنا منها، فتركته حتى رفع برجليها ~~فتابعته وأرته أنها نائمة، فناكها، فلما فرغ ندم فجعل يبكي ويلطم وجهه، ~~فتعاربت وقالت: ما شأنك؟ لسعتك حية؟ لدغتك عقرب؟ ما بالك تبكي؟ قال: لا ~~والله ولكني نكتك وأنا محرم. قال: فتنيكني وتبكي؟ أنا والله أحق بالبكاء ~~منك. قم يا أرعن!. PageV02P130 # 14 - وقال ابن حبي لأمه: يا أمه، أي الحالات أعجب إلى النساء من أخذ الرجال ~~إياهن؟ قالت: يا بني، إذا كانت مسنة مثلي فأبركها وألصق خدها بالأرض ثم ~~أوعبه فيها. وإذا كانت شابة فاجمع فخذيها إلى صدرها فأنت ms207 تدرك بذلك ما تريد ~~منها وتبلغ حاجتك منها. # 15 - وقال: اشترى قوم بعيرا وكان صعبا، فأرادوا إدخاله الدار فامتنع، فجعلوا ~~يضربونه وهو يأبى، فأشرفت عليهم امرأة كأنها شقة قمر، فبهتوا ينظرون إليها، ~~فقالت: ما شأنه؟ فقال لها بعضهم: نربده على الدخول فليس يدخل. قالت: بل ~~رأسه حتى يدخل. # 16 - قال: نظر رجل بالمدينة إلى جارية سرية ترتفع عن الخدمة، فقال: يا جارية، ~~في يدك عمل؟ قالت: لا، ولكن في رجلي. # 17 - قال بعضهم: كنا في مجلس رجل من الفقهاء فقال لي رجل: عندك حرة أو مملوكة؟ ~~قلت: عندي أم ولد، ولم سألتني عن ذلك؟ قال: إن الحرة لها قدرها فأردت أن ~~أعلمك ضربا من النيك طريفا. قلت: قل لي. قال: إذا صرت إلى منزلك فنم على ~~قفاك، واجعل مخدة بين رجليك وركبك ليكون وطاء لك، ثم ادع الجارية وأقم أيرك ~~وأقعدها عليه، وتحول ظهرها إلى وجهك، وارفع رجليك ومرها أن تأخذ بإبهامك ~~كما يفعل الخطيب على المنبر، ومرها تصعد وتنزل عليه؛ فأنه شيء عجيب. PageV02P131 ~~فلما صار الرجل إلى منزله فعل ما أمره به، وجعلت الجارية تعلو وتستفل، ~~فقالت: يا مولاي، من علمك هذا النيك؟ قال: فلان المكفوف. قالت: يا مولاي، ~~رد الله عليه بصره!. # 18 - قال: كانت امرأة من قريش شريفة ذات جمال رائع ومال كثير، فخطبها جماعة ~~وخطبها رجل شريف له مال كثير، فردته وأجابت غيره، وعزموا على الغدو إلى ~~وليها ليخطبوها، فاغتم الرجل غما شديدا، فدخلت عليه عجوز من الحي فرأت ما ~~به وسألته عن حاله فأخبرها، وقالت: ما تجعل لي إن زوجتك بها؟ قال: ألف ~~درهم. فخرجت من عنده ودخلت عليها، فتحدثت عندها مليا وجعلت تنظر في وجهها ~~وتتنفس الصعداء، ففعلت ذلك غير مرة، فقالت الجارية: ما شأنك يا خالة، ~~تنظرين في وجهي وتنفسين؟ قالت: يا بنية، أرى شبابك، وما أنعم الله عليك به ~~من هذا الجمال، وليس يتم أمر المرأة إلا بالزوج، وأراك أيما لا زوج لك. ~~قالت: فلا يغمك الله، قد خطبني غير واحد وقد ms208 عزمت على تزويج بعضهم. قالت: ~~فاذكري لي من خطبك. قالت: فلان. قالت: شريف، ومن؟ قالت: فلان. قالت: شريف، ~~فما يمنعك منه؟ قالت: وفلان - لصاحبها - قالت: أف أف، لا تريدينه. قالت: ~~وماله أليس هو شريفا كثير المال؟ قالت: بلى، ولكن فيه خصلة أكرهها لك. ~~قالت: وما هي؟ PageV02P132 ~~قالت: دعي عنك ذكرها. قالت: أخبريني على كل حال. قالت: رأيته يبول يوما ~~فرأيت بين رجليه رجلا ثالثة. وخرجت من عندها فأتته، فقالت: أعد إليها ~~رسولك. وأتاها الرجل الذي كانت أجابته - بعد مجيء الرسول - فردته وبعثت إلى ~~صاحب المرأة: أن اغد بأصحابك. فتزوجها فلما بنى بها إذا معه مثل الزر، فلما ~~أتتها العجوز فقالت: بكم بعتيني يا لخناء؟ قالت: بألف درهم. قالت: لا ~~أكلتيها إلافي المرض!. # 19 - قال: كان هشام بن عبد الملك يقبض الثياب من عظم أيره، فكتب إلى عامله على ~~المدينة: " أما بعد فاشتر لي عكاك النيك ". قال: وكان له كاتب مديني ظريف، ~~فقال له: ويحك، ما عكاك النيك؟ قال: الوصائف. فوجه إلى النخاسين فسألهم عن ~~ذلك. فقالوا: عكاك النيك الوصائف البيض الطوال. فاشتري منهن حاجته، ووجه ~~بهن إليه. # قال: وكانت بالمدينة امرأة جميلة وضية، فخطبها جماعة وكانت لا ترضى أحدا، ~~وكانت أمها تقول: لا أزوجها إلا من ترضاه. فخطبها شاب جميل الوجه ذو مال ~~وشرف. فذكرته لابنتها وذكرت حاله وقالت: يا بنية إن لم تزوجي هذا فمن ~~تزوجين؟ قالت: يا أمه: هو ما تقولين، ولكني بلغني PageV02P133 ~~عنه شيء لا أقدر عليه. قالت: يا بنيتي لا تحتشمين من أمك، اذكري كل شيء ~~في نفسك. قالت: بلغني أن معه أيرا عظيما وأخاف ألا أقوى عليه. فأخبرت الأم ~~الفتى فقال: أنا أجعل الأمر إليك تدخلين أنت منه ما تريد وتحبسين ما تريد. ~~فأخبرت الابنة فقالت: نعم أرضى إن تكفلت لي بذلك. قالت: يا بنية والله إن ~~هذا لشديد علي، ولكني أتكلفه لك. فتزوجته. فلما كانت ليلة البناء قالت: يا ~~أمه، كوني قريبة مني لا يقتلني بما معه. فجاءت الأم وأغلقت الباب وقالت له: ~~أنت ms209 على ما أعطيتنا من نفسك؟ قال: نعم، هو بين يديك. فقبضت الأم عليه ~~وأدنته من ابنتها فدست رأسه في حرها وقالت: أزيد؟ قالت: زيدي. فأخرجت إصبعا ~~من أصابعها فقالت: يا أمه زيدي. قالت: نعم. فلم تزل كذلك حتى لم يبق في ~~يدها شيء منه، وأوعبه الرجل كله فيها، قالت: يا أمه زيدي. قالت: يا بنية لم ~~يبق في يدي شيء. قالت بنتها: رحم الله أبي فإنه كان أعرف الناس بك، كان ~~يقول: إذا وقع الشيء في يديك ذهب البركة منه. قومي عني!. # 20 - قال: تزوج رجل امرأة وكان معه أير عظيم جدا، فلما ناكها أدخله كله في ~~حرها، ولم تكن تقوى عليه امرأة، فلم تتكلم، فقال لها: أي شيء حالك خرج من ~~خلفك بعد؟ قالت: بأبي أنت وهل أدخلته؟ - # قال: نظر رجل إلى امرأة جميلة ~~سرية، ورجل في دارها دميم مشوه يأمر وينهي، فظن أنه عبدها، فسألها عنه ~~فقالت: زوجي. قال: يا سبحان الله، مثلك في نعمة الله عليك تتزوجين مثل هذا؟ ~~فقالت: PageV02P134 ~~لو استدبرك بما يستقبلني به لعظم في عينك. ثم كشفت عن فخذها فإذا فيه بقع ~~خضر، فقالت: هذا خطاؤه فكيف إصابته. # 22 - قال: وكانت بالمدينة امرأة ماجنة يقال لها سلامة الخضراء، فأخذت مع مخنث ~~وهي تنيكه بكيرنج، فرفعت إلى الوالي فأوجعها ضربا وطاف بها على جمل، فنظر ~~إليها رجل يعرفها فقال: ما هذا يا سلامة؟ فقالت: بالله اسكت، ما في الدنيا ~~أظلم من الرجال، أنتم تنيكونا الدهر كله فلما نكنا كم مرة واحدة قتلتمونا. # 23 - قال: تزوج رجل امرأة فقيل له: كيف وجدتها؟ قال: كأن ركبها دارة القمر، ~~وكأن شفريها أير حمار مثني. # 24 - وقال بعض العجائز المغتلمات: # وخضبت ما صبغ الزمان فلم يدم %~% صبغي ودامت صبغة الأيام # أيام أمسي والشباب غريرة %~% وأناك من خلفي ومن قدامي # 25 - وقال سياه، وكان من مردة اللاطة، وأسمه ميمون بن زياد بن ثروان، وهو مولى ~~لخزاعة: PageV02P135 # أخزاع إن عد القبائل فخرهم %~% فضعوا أكفكم على الأفواه # إلا إذا ذكر اللواط وأهله ms210 %~% والفاتقون مشارج الأستاه # فهناك فافتخروا فإن لكم به %~% مجدا تليدا طارفا بسياه # 26 - قال: وجاء سياه إلى الكميت فقال له: يا أبا عمارة، قد قلت على عروض ~~قصيدتك: # " أبت هذه النفس إلا ادكارا " # فقال: هات. فقال: # أبت هذه النفس إلا خسارا %~% وإلا ارتدادا وإلا ازورارا # وحمل الديوك وقود الكلاب %~% فهذا هرشا وهذا نقارا # وشرب الخمور بماء الغمام %~% تنفجر الأرض عنه انفجارا # 27 - وقال: أخذ " ديك "، وكان من كبار اللاطة، وهو رجل من أهل الحجاز، مع غلام ~~من قريش كأنه قديدة، فقيل له: عدو الله هبك تعذر في الغلمان الصباح فما ~~أردت إلى هذا؟ فقال: بأبي أنتم وأمي، قد والله علمت أنه كما تقولون، وإنما ~~نكته لشرفه. PageV02P136 # 28 - وقد يضرب المثل في اللواط بالحجاز فيقال: " ألوط من ديك "، كما يقول أهل ~~العراق: " ألوط من سياه "، وهو كوفي. # وقد اختصرت كتابي هذا لئلا يمله القارئ. وبالله التوفيق. # تم كتاب مفاخرة الجواري والغلمان، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا ~~إله إلا هو. # يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب القيان من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر ~~الجاحظ أيضا، والله الموفق للصواب. والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على ~~سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه. PageV02P137 ### | الرسالة الرابعة عشرة كتاب القيان PageV02P139 # بسم الله الرحمن الرحيم # من أبي موسى بن إسحاق بن موسى، ومحمد بن خالد خذار خذاه، وعبد الله بن ~~أيوب أبي سمير، ومحمد بن حماد كاتب راشد، والحسن بن إبراهيم بن رباح، وأبي ~~الخيار، وأبي الرنال، وخاقان بن حامد، وعبد الله بن الهيثم بن خالد اليزيدي ~~المعروف بمشرطة، وعلك بن الحسن، ومحمد بن هارون كبة، وإخوانهم المستمتعين ~~بالنعمة، والمؤثرين للذة، المتمتعين بالقيان وبالإخوان، المعدين لوظائف ~~الأطعمة وصنوف الأشربة، والراغبين بأنفسهم عن قبول شيء من الناس، أصحاب ~~الستر والستارات، والسرور والمراوءات. # إلى أهل الجهالة والجفاء، وغلظ الطبع، وفساد الحس. # سلام من وفق لرشده، وآثر حظ نفسه، وعرف قدر النعمة؛ فإنه لا يشكر النعمة ~~من لم يعرفها ويعرف قدرها، ولا يزاد فيها من لم يشكرها، ولا بقاء لها ms211 على ~~من أساء حملها. # وقد كان يقال: حمل الغني أشد من حمل الفقير، ومؤونة الشكر أضعف من مشقة ~~الصبر. جعلنا الله وإياكم من الشاكرين. PageV02P143 # أما بعد فإنه ليس كل صامت عن حجته مبطلا في اعتقاده، ولا كل ناطق بها لا ~~برهان له محقا في انتحاله. والحاكم العادل من لم يعجل بفصل القضاء دون ~~استقصاء حجج الخصماء، ودون أن يحول القول فيمن حضر من الخصماء والاستماع ~~منه، وأن تبلغ الحجة مداها من البيان، ويشرك القاضي الخصمين في فهم ما ~~اختصما فيه، حتى لا يكون بظاهر ما يقع عليه من حكمه أعلم منه بباطنه، ولا ~~بعلانية ما يفلج الخصام منه أطب منه بسره. ولذلك ما استعمل أهل الحزم ~~والروية من القضاة طول الصمت، وإنعام التفهم والتمهل، ليكون الاختيار بعد ~~الاختيار، والحكم بعد التبين. # وقد كنا ممسكين عن القول بحجتنا فيما تضمنه كتابنا هذا اقتصارا على أن ~~الحق مكتف بظهوره، مبين عن نفسه، مستغن عن أن يستدل عليه بغيره؛ إذ كان ~~إنما يستدل بظاهر على باطن، وعلى الجوهر بالعرض، ولا يحتاج أن يستدل بباطن ~~على ظاهر. # وعلمنا أن خصماءنا وإن موهوا وزخرفوا، غير بالغين للفلج والغلبة PageV02P144 ~~عند ذوي العدل دون الاستماع منا، وأن كل دعوى لا يفلج صاحبها بمنزلة ما ~~لم يكن، بل هي على المدعي كل وكرب حتى تؤديه إلى مسرة النجح أو راحة اليأس. # إلى أن تفاقم الأمر وعيل الصبر، وانتهى إلينا عيب عصابة لو أمسكنا عن ~~الإجابة عنها والاحتجاج فيها، علما بأن من شأن الحاسد تهجين ما يحسد عليه، ~~ومن خلق المحروم ذم ما حرم وتصغيره والطعن على أهله كان لنا في الإمساك ~~سعة. فإن الحسد عقوبة موجبة للحاسد بما يناله منه ويشينه، من عصيان ربه ~~واستصغار نعمته، والسخط لقدره، مع الكرب اللازم والحزن الدائم، والتنفس ~~صعدا، والتشاغل بما لا يدرك ولا يحصى. وأن الذي يشكر فعلى أمر محدود يكون ~~شكره، والذي يحسد فعلى ما لا حد له يكون حسده. فحسده متسع بقدر تغير اتساع ~~ما جسد عليه. لأنا خفنا ms212 أن يظن جاهل أن إمساكنا عن الإجابة إقرار بصدق ~~العضيهة، وأن إغضاءنا لذي الغيبة عجز عن دفعها. PageV02P145 ~~فوضعنا في كتابنا هذا حججا على من عابنا بملك القيان، وسبنا بمنادمة ~~الإخوان، ونقم علينا إظهار النعم والحديث بها. ورجونا النصر إذ قد بدينا ~~والبادي أظلم، وكاتب الحق فصيح - ويروي " ولسان الحق فصيح " - ونفس المحرج ~~لا يقام لها، وصولة الحليم المتأني لا بقاء بعدها. # فبينا الحجة في اطراح الغيرة في غير محرم ولا ريبة، ثم وصفنا فضل النعمة ~~علينا، ونقضنا أقوال خصمائنا بقول موجز جامع لما قصدنا. فمهما أطنبنا فيه ~~فللشرح والإفهام، ومهما أدمجنا وطوينا فليخف حمله. واعتمدنا على أن المطول ~~يقصر، والملخص يختصر، والمطوي ينشر، والأصول تتفرع، وبالله الكفاية والعون. # إن الفروع لا محالة راجعة إلى أصولها، والأعجاز لاحقة بصدورها، والموالي ~~تبع لأوليائها، وأمور العالم ممزوجة بالمشاكلة ومنفردة بالمضادة، وبعضها ~~علة لبعض، كالغيث علة السحاب والسحاب علة الماء والرطوبة، وكالحب علته ~~الزرع، والزرع علته الحب، والدجاجة علتها البيضة، والبيضة علتها الدجاجة، ~~والإنسان علته الإنسان. # والفلك وجميع ما تحويه أقطار الأرض، وكل ما تقله أكنافها للإنسان خول ~~ومتاع إلى حين. إلا أن أقرب ما سخر له من روحه وألطفه عند نفسه " الأنثى "؟ ~~فإنها خلقت له ليسكن إليها، وجعلت بينه وبينها مودة ورحمة. PageV02P146 # ووجب أن تكون كذلك وأن يكون أحق وأولى بها من سائر ما خول إذ كانت مخلوقة ~~منه. وكانت بعضا له وجزءا من أجزائه، وكان بعض الشيء أشكل ببعض وأقرب به ~~قربا من بعضه ببعض غيره. فالنساء حرث للرجال، كما النبات رزق لما جعل رزقا ~~له من الحيوان. # ولولا المحنة والبلوى في تحريم ما حرم وتحليل ما أحل، وتخليص المواليد من ~~شبهات الاشتراك فيها، وحصول المواريث في أيدي الأعقاب، لم يكن واحد أحق ~~بواحدة منهن من الآخر، كما ليس بعض السوام أحق برعي مواقع السحاب من بعض، ~~ولكان الأمر كما قالت المجوس: إن للرجل الأقرب فالأقرب إليه رحما وسببا ~~منهن. إلا أن الفرض وقع بالامتحان فخص المطلق، كما فعل بالزرع فإنه مرعى ms213 ~~لولد آدم ولسائر الحيوان إلا ما منع منه التحريم. # وكل شيء لم يوجد محرما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فمباح مطلق. وليس على استقباح الناس واستحسانهم قياس ما لم نخرج من التحريم ~~دليلا على حسنه، وداعيا إلى حلاله. PageV02P147 # ولم نعلم للغيرة في غير الحرام وجها، ولولا وقوع التحريم لزالت الغيرة ~~ولزمنا قياس من أحق بالنساء؛ فإنه كان يقال: ليس أحد أولى بهن من أحد، ~~وإنما هن بمنزلة المشام والتفاح الذي يتهاداه الناس بينهم. ولذلك اقتصر من ~~له العدة على الواحدة منهن، وفرق الباقي منهن على المقربين. غير أنه لما ~~عزم الفريضة بالفرق بين الحلال والحرام، اقتصر المؤمنون على الحد المضروب ~~لهم، ورخصوه فيما تجاوزه. فلم يكن بين رجال العرب ونسائها حجاب، ولا كانوا ~~يرضون مع سقوط الحجاب بنظرة الفلتة ولا لحظة الخلسة، دون أن يجتمعوا على ~~الحديث والمسامرة، ويزدوجوا في المناسمة والمثافنة، ويسمى المولع بذلك من ~~الرجال الزير، المشتق من الزيارة. وكل ذلك بأعين الأولياء وحضور الأزواج، ~~لا ينكرون ما ليس بمنكر إذا أمنوا المنكر، حتى لقد حسك في صدر أخي بثينة من ~~جميل ما حسك من استعظام المؤانسة، وخروج العذر عن المخالطة، وشكا ذلك إلى ~~زوجها وهزه ما حشمه، فكمنا لجميل عند إتيانه بثينة ليقتلاه، فلما دنا ~~لحديثه وحديثها سمعاه يقول ممتحنا لها: هل لك فيما يكون بين الرجال PageV02P148 ~~والنساء، فيما يشفي غليل العشق ويطفئ نائرة الشوق؟ قالت: لا. قال: ولم؟ ~~قالت: إن الحب إذا نكح فسد! فأخرج سيفا قد كان أخفاه تحت ثوبه، فقال: أما ~~والله لو أنعمت لي لملأته منك! فلما سمعا بذلك وثقا بغيبه وركنا إلى عفافه، ~~وانصرفا عن قتله، وأباحاه النظر والمحادثة. # فلم يزل الرجال يتحدثون مع النساء، في الجاهلية والإسلام، حتى ضرب الحجاب ~~على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. # وتلك المحادثة كانت سبب الوصلة بين جميل وبثينة، وعفراء وعروة، وكثير ~~وعزة، وقيس ولبنى، وأسماء ومقش، وعبد الله بن عجلان وهند. # ثم كانت الشرائف من النساء يقعدن للرجال ms214 للحديث، ولم يكن النظر من بعضهم ~~إلى بعض عارا في الجاهلية، ولا حراما في الإسلام. # وكانت ضباعة، من بني عامر بن قرط بن عامر بن صعصعة، تحت عبد الله بن ~~جدعان زمانا لا تلد، فأرسل إليها هشام بن المغيرة المخزومي: PageV02P149 ~~ما تصنعين بهذا الشيخ الكبير الذي لا يولد له، قولي له حتى يطلقك. فقالت ~~لعبد الله ذلك، فقال لها: إني أخاف عليك أن تتزوجي هشام بن المغيرة. قالت: ~~لا أتزوجه. قال: فإن فعلت فعليك مائة من الإبل تنحرينها في الحزورة وتنسجين ~~لي ثوبا يقطع ما بين الأخشبين، والطواف بالبيت عريانة. قالت: لا أطيقه. ~~وأرسلت إلى هشام فأخبرته الخبر فأرسل إليها: ما أيسر ما سألك، وما يكرثك ~~وأنا أيسر قريش في المال، ونسائي أكثر نساء رجل من قريش، وأنت أجمل النساء ~~فلا تأبي عليه. فقالت لابن جدعان: طلقني فإن تزوجت هشاما فعلي ما قلت. ~~فطلقها بعد استيثاقه منها، فتزوجها هشام فنحر عنها ماءة من الجزر، وجمع ~~نساءه فنسجن ثوبا يسع ما بين الأخشبين، ثم طافت بالبيت عريانة، فقال المطلب ~~بن أبي وداعة: لقد أبصرتها وهي عريانة تطوف بالبيت وإني لغلام أتبعها PageV02P150 ~~إذا أدبرت، وأستقبلها إذا أقبلت، فما رأيت شيئا مما خلق الله أحسن منها، ~~واضعة يدها على ركبها وهي تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله %~% فما بدا منه فلا أحله # كم ناظر فيه فما يمله %~% أخثم مثل القعب باد ظله # قال: ثم إن النساء إلى اليوم من بنات الخلفاء وأمهاتهن، فمن دونهن يطفن ~~بالبيت مكشفات الوجوه، ونحو ذلك لا يكمل حج إلا به. # وأعرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل، ~~وكانت قبله عند عبد الله بن أبي بكر، فمات عنها بعد أن اشترط عليها ألا ~~تتزوج بعده أبدا، على أن نحلها قطعة من ماله سوى الإرث، فخطبها عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، وأفتاها بأن يعطيها مثل ذلك من المال فتصدق به عن عبد ~~الله بن أبي بكر، فقالت في مرثيته: # فأقسمت لا تنفك ms215 عيني سخينة %~% عليك ولا ينفك جلدي أغبرا PageV02P151 # فلما ابتنى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أولم، ودعا المهاجرين ~~والأنصار، فلما دخل علي بن أبي طالب عليه السلام قصد لبيت حجلتها، فرفع ~~السجف ونظر إليها فقال: # فأقسمت لا تنفك عيني سخينة %~% عليك ولا ينفك جلدي أصفرا # فخجلت فأطرقت، وساء عمر رضي الله عنه ما رأى من خجلها وتشورها عند تعيير ~~علي إياها بنقض ما فارقت عليه زوجها، فقال: يا أبا الحسن، رحمك الله، ما ~~أردت إلى هذا؟ فقال: حاجة في نفسي قضيتها. # هذا. وأنتم تروون أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أغير الناس، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " إني رأيت قصرا في الجنة فسألت: لمن هذا ~~القصر؟ فقيل: لعمر بن الخطاب. فلم يمنعني من دخوله إلا لمعرفتي بغيرتك ". ~~فقال عمر رضي الله عنه: وعليك يغار يا نبي الله!. # فلو كان النظر والحديث والدعابة يغار منها، لكان عمر المقدم في إنكاره؛ ~~لتقدمه في شدة الغيرة. ولو كان حراما لمنع منه؛ إذ لا شك في زهده وورعه ~~وعلمه وتفقهه. # وكان الحسن بن علي عليهما السلام تزوج حفصة ابنة عبد الرحمن، وكان المنذر ~~بن الزبير يهواها، فبلغ الحسن عنها شيء فطلقها، فخطبها المنذر فأبت أن ~~تتزوجه وقالت: شهرني!. وخطبها عاصم بن عمر بن الخطاب PageV02P152 ~~رضي الله عنه فتزوجها، فرقى المنذر عنها شيئا فطلقها، وخطبها المنذر فقيل ~~لها: تزوجيه ليعلم الناس أنه كان يعضهك. فتزوجته فعلم الناس أنه كذب عليها، ~~فقال الحسن لعاصم: لنستأذن عليها المنذر فندخل إليها فنتحدث عندها، ~~فاستأذناه؛ فشاور أخاه عبد الله بن الزبير فقال: دعهما يدخلان. فدخلا فكانت ~~إلى عاصم أكثر نظرا منها إلى الحسن، وكان أبسط للحديث. فقال الحسن للمنذر: ~~خذ بيد امرأتك. فأخذ بيدها وقام الحسن وعاصم فخرجا. وكان الحسن يهواها ~~وإنما طلقها لما رقى إليه المنذر. # وقال الحسن يوما لابن أبي عتيق: هل لك في العقيق؟ فخرجا فعدل الحسن إلى ~~منزل حفصة فدخل إليها فتحدثا طويلا ثم خرج، ثم قال لابن أبي ms216 عتيق: هل لك في ~~العقيق؟ قال: نعم. فنزل بمنزلة حفصة ودخل، فقال له مرة أخرى: هل لك في ~~العقيق؟ فقال: يا ابن أم، ألا تقول: هل لك في حفصة!!. # وكان الحسن في ذلك العصر أفضل أهل دهره. فلو كان محادثة النساء PageV02P153 ~~والنظر إليهن حراما وعارا لم يفعله ولم يأذن فيه المنذر بن الزبير، ولم ~~يشر به عبد الله بن الزبير. # وهذا الحديث وما قبله يبطلان ما روت الحشوية من أن النظر الأول حرام ~~والثاني حرام؛ لأنه لا تكون محادثة إلا ومعها ما لا يحصى عدده من النظر. ~~إلا أن يكون عني بالنظرة المحرمة النظر إلى الشعر والمجاسد، وما تخفيه ~~الجلابيب مما يحل للزوج والولي ويحرم على غيرهما. # ودعا مصعب بن الزبير الشعبي، وهو في قبة له مجللة بوشى، معه فيها امرأته، ~~فقال: يا شعبي، من معي في هذه القبة؟ فقال: لا أعلم أصلح الله الأمير! فرفع ~~السجف، فإذا هو بعائشة ابنة طلحة. # والشعبي فقيه أهل العراق وعالمهم، ولم يكن يستحل أن ينظر إن كان النظر ~~حراما. # ورأى معاوية كاتبا له يكلم جارية لامرأته فاختة بنت قرظة، في بعض طرق ~~داره، ثم خطب ذلك الكاتب تلك الجارية فزوجها منه، فدخل معاوية إلى فاختة ~~وهي متحشدة في تعبئة عطر لعرس جاريتها، فقال: هوني عليك يا ابنة قرظة، فإني ~~أحسب الابتناء قد كان منذ حين!. PageV02P154 # ومعاوية أحد الأئمة، فلما لم يقع عنده ما رأى من الكلام موقع يقين، وإنما ~~حل محل ظن وحسبان، لم يقض به ولم يوجبه، ولو أوجبه لحد عليه. # وكان معاوية يؤتى بالجارية فيجردها من ثيابها بحضرة جلسائه، ويضع القضيب ~~على ركبها، ثم يقول: إنه لمتاع لو وجد متاعا! ثم يقول لصعصعة بن صوحان: ~~خذها لبعض ولدك، فإنها لا تحل ليزيد بعد أن فعلت بها ما فعلت. # ولم يكن يعدم من الخليفة ومن بمنزلته في القدرة والتأتي أن تقف على رأسه ~~جارية تذب عنه وتروحه، وتعاطيه أخرى في مجلس عام بحضرة الرجال. # فمن ذلك حديث الوصيفة التي اطلعت في كتاب ms217 عبد الملك بن مروان إلى الحجاج ~~وكان يسره، فلما فشا ما فيه رجع على الحجاج باللوم وتمثل: # ألم تر أن وشاة الرجا %~% ل لا يتركون أديما صحيحا # فلا تفش سرك إلا إليك %~% فإن لكل نصيح نصيحا # ثم نظر فوجد الجارية كانت تقرأ فنمت عليه. # ومن ذلك حديثه حين نعس فقال للفرزدق وجرير والأخطل: من PageV02P155 ~~وصف نعاسا بشعر وبمثل يصيب فيه ويحسن التمثيل، فهذه الوصيفة له. فقال ~~الفرزدق: # رماه الكرى في الرأس حتى كأنه %~% أميم جلاميد تركن به وقرا # فقال: شدختني ويلك يا فرزدق! فقال جرير: # رماه الكرى في الرأس حتى كأنه %~% يرى في سواد الليل قنبرة سقرا # فقال: ويلك تركتني مجنونا! ثم قال: يا أخطل فقل. قال: # رماه الكرى في الرأس حتى كأنه %~% نديم تروى بين ندمانه خمرا # قال: أحسنت، خذ إليك الجارية. # ثم لم يزل للملوك والأشراف إماء يختلفن في الحوائج، ويدخلن في الدواوين، ~~ونساء يجلسن للناس، مثل خالصة جارية الخيزران، وعتبة جارية ريطة ابنة أبي ~~العباس، وسكر وتركية جاريتي أم جعفر، ودقاق جارية العباسة، وظلوم وقسطنطينة ~~جاريتي أم حبيب، وامرأة PageV02P156 ~~هارون بن جعبويه، وحمدونة أمة نصر بن السندي بن شاهك ثم كن يبرزن للناس ~~أحسن ما كن وأشبه ما يتزين به، فما أنكر ذلك منكر ولا عابه عائب. # ولقد نظر المأمون إلى سكر فقال: أحرة أنت أم مملوكة؟ قالت: لا أدري، إذا ~~غضبت علي أم جعفر قالت: أنت مملوكة، وإذا رضيت قالت: أنت حرة. قال: فاكتبي ~~إليها الساعة فاسأليها عن ذلك. فكتبت كتابا وصلته بجناح طائر من الهدى كان ~~معها، أرسلته تعلم أم جعفر ذلك، فعلمت أم جعفر ما أراد فكتبت إليها: " أنت ~~حرة ". فتزوجها على عشرة آلاف درهم، ثم خلا بها من ساعتها فواقعها وخلى ~~سبيلها، وأمر بدفع المال إليها. # والدليل على أن النظر إلى النساء كلهن ليس بحرام، أن المرأة المعنسة تبرز ~~للرجال فلا تحتشم من ذلك. فلو كان حراما وهي شابة لم يحل إذا عنست، ولكنه ~~أمر أفرط فيه المتعدون حد الغيرة إلى سوء الخلق ms218 وضيق العطن، فصار عندهم ~~كالحق الواجب. PageV02P157 # وكذلك كانوا لا يرون بأسا أن تنتقل المرأة إلى عدة أزواج لا ينقلها عن ~~ذلك إلا الموت ما دام الرجال يريدونها. وهم اليوم يكرهون هذا ويستسمجونه في ~~بعض، ويعافون المرأة الحرة إذا كانت قد نكحت زوجا واحدا، ويلزمون من خطبها ~~العار ويلحقون به اللوم، ويعيرونها بذلك، ويتحظون الأمة وقد تداولها من لا ~~يحصى عدده من الموالي. فمن حسن هذا في الإماء وقبحه في الحرائر! ولم لم ~~يغاروا في الإماء وهن أمهات الأولاد وحظايا الملوك، وغاروا على الحرائر. ~~ألا ترى أن الغيرة إذا جاوزت ما حرم الله فهي باطل، وأنها بالنساء لضعفهن ~~أولع، حتى يغرن على الظن والحلم في النوم. وتغار المرأة على أبيها، وتعادي ~~امرأته وسريته. # ولم تزل القيان عند الملوك من العرب والعجم على وجه الدهر. وكانت فارس ~~تعد الغناء أدبا والروم فلسفة. # وكانت في الجاهلية الجرادتان لعبد الله بن جدعان. PageV02P158 # وكان لعبد الله بن جعفر الطيار جوار يتغنين، وغلاكم يقال له " بديع " ~~يتغنى، فعابه بذلك الحكم بن مروان، فقال: وما علي أن آخذ الجيد من أشعار ~~العرب وألقيه إلى الجواري فيترنمن به ويشذرنه بحلوقهن ونغمهن!. # وسمع يزيد بن معاوية الغناء. # واتخذ يزيد بن عبد الملك حبابة وسلامة، وأدخل الرجال عليهن للسماع، فقال ~~الشاعر في حبابة: # إذا ما حن مزهرها إليها %~% وحنت دونه أذن الكرام # وأصغوا نحوه الآذان حتى %~% كأنهم وما ناموا نيام # وقال في سلامة: # ألم ترها، والله يكفيك شرها، %~% إذا طربت في صوتها كيف تصنع # ترد نظام القول حتى ترده %~% إلى صلصل من حلقها يترجع # وكان يسمع فإذا طرب شق برده ثم يقول: أطير! فتقول حبابة: لا تطير؛ فإن ~~بنا إليك حاجة. PageV02P159 # ثم كان الوليد بن يزيد المتقدم في اللهو والغزل، والملوك بعد ذلك يسلكون ~~على هذا المنهاج وعلى هذا السبيل الأول. # وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، قبل أن تناله الخلافة يتغنى. فمما ~~يعرف من غنائه: # أما صاحبي نزر سعادا %~% لقرب مزارها ودعا البعادا # وله: # عاود القلب سعادا ms219 %~% فقلا الطرف السهادا # ولا نرى بالغناء بأسا إذا كان أصله شعرا مكسوا نغما: فما كان منه صدقا ~~فحسن، وما كان منه كذبا فقبيح. # وقد قال النبي عليه السلام: " إن من الشعر لحكمة ". # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح ~~". # ولا نرى وزن الشعر أزال الكلام عن جهته، فقد يوجد ولا يضره ذلك، ولا يزيل ~~منزلته من الحكمة. # فإذا وجب أن الكلام غير محرم فإن وزنه وتقفيته لا يوجبان تحريما لعلة من ~~العلل. وإن الترجيع له أيضا لا يخرج إلى حرام. وإن وزن الشعر من جنس وزن ~~الغناء، وكتاب الموسيقي، وهو من PageV02P160 ~~كتاب حد النفوس، تحده الألسن بحد مقنع، وقد يعرف بالهاجس كما يعرف ~~بالإحصاء والوزن. فلا وجه لتحريمه، ولا أصل لذلك في كتاب الله تعالى ولا ~~سنة نبيه عليه السلام. # فإن كان إنما يحرمه لأنه يلهى عن ذكر الله فقد نجد كثيرا من الأحاديث ~~والمطاعم والمشارب والنظر إلى الجنان والرياحين، واقتناص الصيد، والتشاغل ~~بالجماع وسائر اللذات، تصد وتلهى عن ذكر الله. ونعلم أن قطع الدهر بذكر ~~الله لمن أمكنه أفضل، إلا أنه إذا أدى الرجل الفرض فهذه الأمور كلها له ~~مباحة، وإذا قصر عنه لزمه المأثم. # ولو سلم من اللهو عن ذكر الله أحد لسلم الأنبياء عليهم السلام. هذا ~~سليمان بن داود عليهما السلام، ألهاه عرض الخيل عن الصلاة حتى غابت الشمس، ~~فعرقبها وقطع رقابها. # وبعد فإن الرقيق تجارة من التجارات تقع عليه المساومات والمشاراة بالثمن، ~~ويحتاج البائع والمبتاع إلى أن يستشفا العلق ويتأملاه تأملا بينا يجب فيه ~~خيار الرؤية المشترط في جميع البياعات. وإن كان لا يعرف مبلغه بكيل ولا وزن ~~ولا عدد ولا مساحة؛ فقد يعرف بالحسن والقبح. PageV02P161 ~~ولا يقف على ذلك أيضا إلا الثاقب في نظره، الماهر في بصره، الطب بصناعته؛ ~~فإن أمر الحسن أدق وأرق من أن يدركه كل من أبصره. # وكذلك الأمور الوهمية، لا يقضى عليها بشهادة إبصار الأعين، ولو قضي عليها ~~بها كان كل من رآها يقضى، حتى ms220 النعم والحمير، يحكم فيها لكل بصير العين ~~يكون فيها شاهدا وبصيرا للقلب، ومؤديا إلى العقل، ثم يقع الحكم من العقل ~~عليها. # وأنا مبين لك الحسن. هو التمام والاعتدال. ولست أعني بالتمام تجاوز مقدار ~~الاعتدال كالزيادة في طول القامة، وكدقة الجسم، أو عظم الجارحة من الجوارح، ~~أو سعة العين أو الفم، مما يتجاوز مثله من الناس المعتدلين في الخلق؛ فإن ~~هذه الزيادة متى كانت فهي نقصان من الحسن، وإن عدت زيادة في الجسم. # والحدود حاصرة لأمور العالم، ومحيطة بمقاديرها الموقوتة لها، فكل شيء خرج ~~عن الحد في خلق، حتى في الدين والحكمة الذين هما أفضل الأمور، فهو قبيح ~~مذموم. # وأما الاعتدال فهو وزن الشيء لا الكمية، والكون كون الأرض لا استواؤها. # ووزن النفوس في أشباه أقسامها. فوزن خلقة الإنسان اعتدال محاسنه وألا ~~يفوت شيء منها شيئا، كالعين الواسعة لصاحب الأنف الصغير PageV02P162 ~~الأفطس، والأنف العظيم لصاحب العين الضيقة، والذقن الناقص والرأس الضخم ~~والوجه الفخم لصاحب البدن المدع النضو، والظهر الطويل لصاحب الفخذين ~~القصيرتين، والظهر القصير لصاحب الفخذين الطويلتين، وكسعة الجبين بأكثر من ~~مقدار أسفل الوجه. # ثم هذا أيضا وزن الآنية وأصناف الفرش والوشي واللباس، ووزن القنوات التي ~~تجري فيها المياه. # وإنما نعني بالوزن الاستواء في الخرط والتركيب. # فلا بد مما لا يمنع الناظر من النظر إلى الزرع والغرس والتفسح في خضرته ~~والاستنشاق من روائحه. ويسمى ذلك كله له حلا ما لم يمد له يدا. فإذا مد يدا ~~إلى مثقال حبة من خردل بغير حقها فعل ما لا يحل، وأكل ما يحرم عليه. # وكذلك مكالمة القيان ومفاكهتهن، ومغازلتهن ومصافحتهن للسلام، ووضع اليد ~~عليهن للتقليب والنظر، حلال ما لم يشب ذلك ما يحرم. PageV02P163 # وقد استثنى الله تبارك وتعالى اللمم فقال: " الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ". قال عبد الله بن مسعود، وسئل عن ~~تأويل هذه الآية فقال: إذا دنا الرجل من المرأة فإن تقدم ففاحشة، وإن تأخر ~~فلمم. وقال غيره من الصحابة: القبلة واللمس. وقال آخرون: الإتيان فيما دون ms221 ~~الفرج. # وكذلك قال الأعرابي حين سئل عما نال من عشيقته، فقال: ما أقرب ما أحل ~~الله مما حرم الله!. # فإن قال قائل: فيما روى من الحديث: " فرقوا بين أنفاس الرجال والنساء "، ~~وقال: " لا يخل رجل بامرأة في بيت وإن قيل حموها، إلا إن حموها الموت " وإن ~~في الجمع بين الرجال والقيان ما دعا إلى الفسق والارتباط والعشق، مع ما ~~ينزل بصاحبه من الغلمة التي تضطر إلى الفجور وتحميل على الفاحشة؛ وأن أكثر ~~من يحضر إنما يحضر لذلك لا لسماع ولا ابتياع. # قلنا: إن الأحكام إنما على ظاهر الأمور، ولم يكلف الله العباد الحكم على ~~الباطن، والعمل على النيات، فيقضى للرجل بالإسلام بما يظهر PageV02P164 ~~منه ولعله ملحد فيه، ويقضى أنه لأبيه ولعله لم يلده الأب الذي ادعى إليه ~~قط، إلا أنه مولود على فراشه، مشهور بالانتماء إليه. ولو كلف من يشهد لرجل ~~بواحد من هذين المعنيين على الحقيقة لم تقم عليه شهادة. ومن يحضر مجالسنا ~~لا يظهر نسبا مما ينسبونه إليه، ولو أظهر ثم أغضينا له عليه لم يلحقنا في ~~ذلك إثم. # والحسب والنسب الذي بلغ به القيان الأثمان الرغيبة إنما هو الهوى. ولو ~~اشترى على مثل شرى الرقيق لم تجاوز الواحدة منهن ثمن الرأس الساذج. فأكثر ~~من بالغ في ثمن جارية فبالعشق ولعله كان ينوي في أمرها الريبة، ويجد هذا ~~أسهل سبيلا إلى شفاء غليله ثم تعذر ذلك عليه فصار إلى الحلال وإن لم ينوه ~~ويعرف فضله، فباع المتاع وحل العقد وأثقل ظهره بالعبية حتى ابتاع الجارية. # ولا يعمل عملا ينتج خيرا غير إغرائه بالقيان وقيادته عليهن؛ فإنه لا ينجم ~~الأمر إلا وغايته فيهن العشق، فيعوق عن ذلك ضبط الموالي PageV02P165 ~~ومراعاة الرقباء وشدة الحجاب، فيضطر العاشق إلى الشراء، ويحل به الفرج، ~~ويكون الشيطان المدحور. # والعشق داء لا يملك دفعه، كما لا يستطاع دفع عوارض الأدواء إلا بالحمية، ~~ولا يكاد ينتفع بالحمية مع ما تولد الأغذية وتزيد في الطبائع بالازدياد في ~~الطعم. # ولو أمكن أحدا أن يحتمي من كل ضرر ويقف ms222 عن كل غذاء، للزم ذلك المتطبب في ~~آفات صحته، ونحل جسمه وضوي لحمه، حتى يؤمر بالتخليط، ويشار عليه بالعناية ~~في الطيبات. ولو ملك أيضا صرف الأغذية واحترس بالحمية، لم يملك ضرر تغير ~~الهواء ولا اختلاف الماء. # وأنا واصف لك حد العشق لتعرف حده: # هو داء يصيب الروح ويشتمل على الجسم ~~بالمجاورة، كما ينال الروح الضعف في البطش والوهن في المرء ينهكه. وداء ~~العشق وعمومه في جميع البدن بحسب منزلة القلب من أعضاء الجسم. وصعوبة دوائه ~~تأتي من قبل اختلاف علله، وأنه يتركب من وجوه شتى، كالحمى التي تعرض مركبة ~~من البرد والبلغم. فمن قصد لعلاج أحد الخلطين كان ناقصا من دائه زائدا في ~~داء الخلط الآخر، وعلى حسب قوة أركانه يكون ثبوته وإبطاؤه PageV02P166 ~~في الانحلال. فالعشق يتركب من الحب والهوى، والمشاكلة والإلف، وله ابتداء ~~في المصاعدة، ووقوف على غاية، وهبوط في التوليد إلى غاية الانحلال ووقف ~~الملال. # والحب اسم واقع على المعنى الذي رسم به، لا تفسير له غيره؛ لأنه قد يقال: ~~إن المرء يحب الله، وإن الله جل وعز يحب المؤمن، وإن الرجل يحب ولده، ~~والولد يحب والده ويحب صديقه وبلده وقومه، ويحب على أي جهة يريد ولا يسمي ~~ذلك عشقا. فيعلم حينئذ أن اسم الحب لا يكتفي به في معنى العشق حتى تضاف ~~إليه العلل الأخر إلا أنه ابتداء العشق، ثم يتبعه حب الهوى فربما وافق الحق ~~والاختيار، وربما عدل عنهما. وهذه سبيل الهوى في الأديان والبلدان وسائر ~~الأمور. ولا يميل صاحبه عن حجته واختياره فيما يهوى. ولذلك قيل: " عين ~~الهوى لا تصدق "، وقيل: " حبك الشيء يعمي ويصم ". يتخذون أديانهم أربابا ~~لأهوائهم. وذلك أن العاشق كثيرا ما يعشق غير النهاية في الجمال، ولا الغاية ~~في الكمال، ولا الموصوف بالبراعة والرشاقة، ثم إن سئل عن حجته في ذلك لم ~~تقم له حجة. PageV02P167 # ثم قد يجتمع الحب والهوى ولا يسميان عشقا، فيكون ذلك في الولد والصديق ~~والبلد، والصنف من اللباس والفرش والدواب. فلم نر أحدا منهم يسقم بدنه ولا ~~تتلف ms223 روحه من حب بلده ولا ولده، وإن كان قد يصيبه عند الفراق لوعة واحتراق. # وقد رأينا وبلغنا عن كثير ممن تلف وطال جهده وضناه بداء العشق. # فعلم أنه إذا أضيف إلى الحب والهوى المشاكلة، أعني مشاكلة الطبيعة، أي حب ~~الرجال النساء وحب النساء الرجال، المركب في جميع الفحول والإناث من ~~الحيوان، صار ذلك عشقا صحيحا. وإن كان ذلك عشقا من ذكر لذكر فليس إلا مشتقا ~~من هذه الشهوة، وإلا لم يسم عشقا إذا فارقت الشهوة. # ثم لم نره ليكون مستحكما عند أول لقياه حتى يعقد ذلك الإلف، وتغرسه ~~المواظبة في القلب، فينبت كما تنبت الحبة في الأرض حتى تستحكم وتشتد وتثمر، ~~وربما صار لها كالجذع السحوق والعمود الصلب الشديد. وربما انعقف فصار فيه ~~بوار الأصل. فإذا اشتمل على هذه العلل صار عشقا تاما. PageV02P168 # ثم صارت قلة العيان تزيد فيه وتوقد ناره، والانقطاع يسعره حتى يذهل وينهك ~~البدن، ويشتغل القلب عن كل نافعة، ويكون خيال المعشوق نصب عين العاشق ~~والغالب على فكرته، والخاطر في كل حالة على قلبه. # وإذا طال العهد واستمرت الأيام نقص على الفرقة، واضمحل على المطاولة، وإن ~~كانت كلومه وندوبه لا تكاد تعفو آثارها ولا ترس رسومها. # فكذلك الظفر بالمعشوق يسرع في حل عشقه. والعلة في ذلك أن بعض الناس أسرع ~~إلى العشق من بعض؛ لاختلاف طبائع القلوب في الرقة والقسوة، وسرعة الإلف ~~وإبطائه، وقلة الشهوة وضعفها. # وقل ما يظهر المعشوق عشقا إلا عداه بدائه، ونكت في صدره وشغف فؤاده. وذلك ~~من المشاكلة، وإجابة بعض الطبائع بعضا، وتوقان بعض الأنفس إلى بعض، وتقارب ~~الأرواح. كالنائم يرى آخر ينام ولا نوم به فينعس، وكالمتثائب يراه من لا ~~تثاؤب به فيفعل مثل فعله، قسرا من الطبيعة. # وقل ما يكون عشق بين اثنين يتساويان فيه إلا عن مناسبة بينهما PageV02P169 ~~في الشبه في الخلق والخلق وفي الظرف، أو في الهوى أو الطباع. ولذلك ما ~~نرى الحسن يعشق القبيح، والقبيح يحب الحسن ويختار المختار الأقبح على ~~الأحسن، وليس يرى الاختيار في غير ذلك ms224 فيتوهم الغلط عليه، لكنه لتعارف ~~الأرواح وازدواج القلوب. # ومن الآفة عشق القيان على كثرة فضائلهن، وسكون النفوس إليهن، وأنهن يجمعن ~~للإنسان من اللذات ما لا يجتمع في شيء على وجه الأرض. # واللذات كلها إنما تكون بالحواس، والمأكول والمشروب حظ لحاسة الذوق لا ~~يشركها فيه غيرها. فلو أكل الإنسان المسك الذي هو حظ الأنف وجده بشعا ~~واستقذره، إذ كان دما جامدا. ولو تنسم أرواح الأطعمة الطيبة كالفواكه وما ~~أشبهها عند انقطاع الشهوة، أو ألح بالنظر إلى شيء من ذلك، عاد ضررا. ولو ~~أدنى من سمعه كل طيب وطيب لم يجد له لذة. # فإذا جاء باب القيان اشترك فيه ثلاثة من الحواس، وصار القلب لها رابعا. ~~فللعين النظر إلى القينة الحسناء والمشهية إذ كان الحذق والجمال PageV02P170 ~~لا يكادان يجتمعان لمستمتع ومرتع، وللسمع منها حظ الذي لا مؤونة عليه، ~~ولا تطرب آلته إلا إليه. # وللمس فيها الشهوة والحنين إلى الباه. والحواس كلها رواد للقلب، وشهود ~~عنده. # وإذا رفعت القينة عقيرة حلقها تغني حدق إليها الطرف، وأصغى نحوها السمع، ~~وألقى القلب إليها الملك، فاستبق السمع والبصر أيهما يؤدي إلى القلب ما ~~أفاد منها قبل صاحبه، فيتوافيان عند حبة القلب فيفرغان ما وعياه، فيتولد ~~منه مع السرور حاسة اللمس، فيجتمع له في وقت واحد ثلاث لذات لا تجتمع له في ~~شيء قط، ولم تؤد إليه الحواس مثلها. فيكون في مجالسته للقينة أعظم الفتنة؛ ~~لأنه روى في الأثر: " إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة ". وكفى ~~بها لصاحبها فتنة، فكيف بالنظر والشهوة إذا صاحبهما السماع، وتكانفتهما ~~المغازلة. # إن القينة لا تكاد تخالص في عشقها، ولا تناصح في ودها؛ لأنها مكتسبة ~~ومجبولة على نصب الحبالة والشرك للمتربطين، ليقتحموا في أنشوطتها، فإذا ~~شاهدنا المشاهد رامته باللحظ، وداعبته بالتبسم، وغازلته في أشعار الغناء، ~~ولهجت باقتراحاته، ونشطت للشرب عند شربه، وأظهرت الشوق إلى طول مكثه، ~~والصبابة لسرعة عودته، والحزن لفراقه. فإذا أحست بأن سحرها PageV02P171 ~~قد نفذ فيه، وأنه قد تعقل في الشرك، تزيدت فيما كانت قد شرعت فيه، ~~وأوهمته أن ms225 الذي بها أكثر مما به منها، ثم كاتبته تشكو إليه هواه، وتقسم له ~~أنها مدت الدواة بدمعتها، وبلت السحاءة بريقها، وأنه شجبها وشجوها في ~~فكرتها وضميرها، في ليلها ونهارها، وأنها لا تريد سواه، ولا تؤثر أحدا على ~~هواه، ولا تنوي انحرافا عنه، ولا تريده لماله بل لنفسه؛ ثم جعلت الكتاب في ~~سدس طومار، وختمته بزعفران، وشدته بقطعة زير، وأظهرت ستره عن مواليها، ~~ليكون المغرور أوثق بها. وألحت في اقتضاء جوابه، فإن أجيبت عنه ادعت أنها ~~قد صيرت الجواب سلوتها، وأقامت الكتاب مقام رؤيته، وأنشدت: # وصحيفة تحكي الضمي %~% ر مليحة نغماتها # جاءت وقد قرح الفؤا %~% د لطول ما استبطاتها # فضحكت حين رأيتها %~% وبكيت حين قراتها # عيني رأت ما أنكرت %~% فتبادرت عبراتها # أظلوم، نفسي في يدي %~% ك: حياتها ووفاتها PageV02P172 # ثم تغنت حينئذ: # باب كتاب الحبيب ندماني %~% محدثي تارة وريحاني # أضحكني في الكتاب أوله %~% ثم تمادى به فأبكاني # ثم تجنت عليه الذنوب، وتغايرت على أهله، وحمته النظر إلى صواحباتها، ~~وسقته أنصاف أقداحها، وجمشته بعضوض تفاحها، وتحية من ريحانها، وزودته عند ~~انصرافه خصلة من شعرها، وقطعة من مرطها، وشظية من مضرابها، وأهدت إليه في ~~النيروز تكة وسكرا، وفي المهرجان خاتما وتفاحة، ونقشت على خاتمها اسمه، ~~وأبدت عند العثرة اسمه، وغنته إذا رأته: # نظر المحب إلى الحبيب نعيم %~% وصدوده خطر عليك عظيم PageV02P173 # ثم أخبرته أنها لا تنام شوقا إليه، ولا تتهنأ بالطعام وجدا به، ولا تمل - ~~إذا غاب - الدموع فيه، ولا ذكرته إلا تنغصت، ولا هتفت باسمه إلا ارتاعت، ~~وأنها قد جمعت قنينة من دموعها من البكاء عليه، وتنشد عند موافاة اسمه بيت ~~المجنون: # أهوى من الأسماء ما وافق اسمها %~% وأشبهه، أو كان منه مدانيا # وعند الدعاء به قوله: # وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى %~% فهيج أحزان الفؤاد وما يدري # دعا باسم ليلى غيرها فكأنما %~% أطار بليلى طائرا كان في صدري # وربما قادها التمويه إلى التصحيح، وربما شاركت صاحبها في البلوى حتى تأتي ~~إلى بيته فتمكنه من القبلة فما فوقها، وتفرشه نفسها إن استحل ms226 ذلك منها، ~~وربما جحدت الصناعة لترحض عليه، وأظهرت العلة والتاثت على الموالي، ~~واستباعت من السادة، وادعت الحرية احتيالا لأن يملكها، وإشفاقا أن يجتاحه ~~كثرة ثمنها، ولا سيما إذا صادفته حلو الشمائل، رشيق الإشارة، عذب اللفظ، ~~دقيق الفهم، لطيف الحس، خفيف الروح. فإن كان يقول الشعر ويتمثل به أو يترنم ~~كان أحظى له عندها. PageV02P174 # وأكثر أمرها قلة المناصحة، واستعمال الغدر والحيلة في استنطاف ما يحويه ~~المربوط والانتقال عنه. وربما اجتمع عندها من مربوطيها ثلاثة أو أربعة على ~~أنهم يتحامون من الاجتماع، ويتغايرون عند الالتقاء، فتبكي لواحد بعين، ~~وتضحك للآخر بالأخرى، وتغمز هذا بذاك، وتعطي وأحدا سرها والآخر علانيتها، ~~وتوهمه أنها له دون الآخر، وأن الذي تظهر خلاف ضميرها. وتكتب إليهم عند ~~الانصراف كتبا على نسخة واحدة، تذكر لكل واحد منهم تبرمها بالباقين وحرصها ~~على الخلوة به دونهم. # فلو لم يكن لإبليس شرك يقتل به، ولا علم يدعو إليه، ولا فتنة يستهوي بها ~~إلا القيان، لكفاه. # وليس هذا بذم لهن، ولكنه من فرط المدح. وقد جاء في الأثر: " خير نسائكم ~~السواحر الخلابات ". # وليس يحسن هاروت وماروت، وعصا موسى، وسحرة فرعون، إلا دون ما يحسنه ~~القيان. # ثم إذا منعهن الزنى غلبه عليهن مخارج بيوت الكشاخنة ترميهن في حجور ~~الزناة. ثم هن أمهات أولاد من قد بلغ بالحب أن غفروا PageV02P175 ~~لهن كل ذنب، وأغضوا منهن على كل عيب. # وإذا كن في منزل رجل من السوقة عذرتهن، وإذا انتقلن إلى منازل الملوك زال ~~العذر. والسبب فيه واحد، والعلة سواء. # وكيف تسلم القينة من الفتنة أو يمكنها أن تكون عفيفة، وإنما تكتسب ~~الأهواء، وتتعلم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهي تنشأ من لدن مولدها إلى أوان ~~وفاتها بما يصد عن ذكر الله من لهو الحديث، وصنوف اللعب والأخانيث، وبين ~~الخلعاء والمجان، ومن لا يسمع منه كلمة جد ولا يرجع منه إلى ثقة ولا دين ~~ولا صيانة مروة. # وتروي الحاذقة منهن أربعة آلاف صوت فصاعدا، يكون الصوت فيما بين البيتين ~~إلى أربعة أبيات، عدد ما يدخل في ذلك من ms227 الشعر إذا ضرب بعضه ببعض عشرة آلاف ~~بيت، ليس فيها ذكر الله عن غفلة ولا ترهيب من عقاب، ولا ترغيب في ثواب؛ ~~وإنما بنيت كلها على ذكر الزنى والقيادة، والعشق والصبوة، والشوق والغلمة. # ثم لا تنفك من الدراسة لصناعتها منكبة عليها، تأخذ من المطارحين الذين ~~طرحهم كله تجميش وإنشادهم مراودة. وهي مضطرة إلى ذلك في صناعتها؛ لأنها إن ~~جفتها تفلتت، وإن أهملتها نقصت، وإن لم تستفد PageV02P176 ~~منها وقفت. وكل واقف فإلى نقصان أقرب. وإنما فرق بين أصحاب الصناعات وبين ~~من لا يحسنها التزيد فيها، والمواظبة عليها. فهي لو أرادت الهدى لم تعرفه، ~~ولو بغت الغفلة لم تقدر عليها، وإن ثبتت حجة أبي الهذيل فيما يجب على ~~المتفكر زالت عنها خاصته؛ لأن فكرها وقلبها ولسانها وبدنها، مشاغيل بما هي ~~فيه، وعلى حسب ما اجتمع عليها من ذلك في نفسها لمن يلي مجالستها عليه ~~وعليها. # ومن فضائل الرجال منا أن الناس يقصدونه في رحله بالرغبة كما يقصد بها ~~للخلفاء والعظماء، فيزار ولا يكلف الزيارة، ويوصل ولا يحمل على الصلة، ~~ويهدى له ولا تقتضى منه الهدية، وتبيت العيون ساهرة والعيون ساجمة، والقلوب ~~واجفة، والأكباد متصدعة، والأماني واقفة، على ما يحويه ملكه وتضمه يده، مما ~~ليس في جميع ما يباع ويشترى، ويستفاد ويقتنى، بعد العقد النفيسة. فمن يبلغ ~~شيئا من الثمن ما بلغت حبشية جارية عون، مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار. # ويرسلون إلى بيت مالكها بصنوف الهدايا من الأطعمة والأشربة، فإذا جاءوا ~~حصلوا على النظر وانصرفوا بالحسرة، ويجتني مولاها ثمرة ما غرسوا ويتملى به ~~دونهم، ويكفي مؤونة جواريه. PageV02P177 # فالذي يقاسيه الناس من عيلة العيال، ويفكرون فيه من كثرة عددهم وعظيم ~~مؤونتهم، وصعوبة خدمتهم، هو عنه بمعزل: لا يهتم بغلاء الدقيق، ولا عوز ~~السويق، ولا عزة الزيت، ولا فساد النبيذ؛ قد كفي حسرته إذا نزر، والمصيبة ~~فيه إذا حمض، والفجيعة به إذا انكسر. # ثم يستقرض إذا أعسر ولا يرد، ويسأل الحوائج فلا يمنع، ويلقي أبدا ~~بالإعظام، ويكنى إذا نودي، ويفدى إذا دعي، ويحيا بطرائف ms228 الأخبار، ويطلع على ~~مكنون الأسرار، ويتغاير الربطاء عليه، ويتبادرون في بره، ويتشاحون في وده، ~~ويتفاخرون بإيثاره. # ولا نعلم هذه الصفة إلا للخلفاء: يعطون فوق ما يأخذون، وتحصل بهم ~~الرغائب، ويدرك منهم الغنى. # والمقين يأخذ الجوهر ويعطي العرض، ويفوز بالعين ويعطي الأثر، ويبيع الريح ~~الهابة بالذهب الجامد، وفلذ اللجين والعسجد. وبين المرابطين وبين ما يريدون ~~منه خرط القداد؛ لأن صاحب القيان لو لم يترك إعطاء المربوط سأله عفة ~~ونزاهة، لتركه حذقا واختيارا، وشحا على صناعته، ودفعا عن حريم ضيعته؛ لأن ~~العاشق متى ظفر بالمعشوق مرة واحدة نقص تسعة أعشار PageV02P178 ~~عشقه، ونقص من بره ورفده بقدر ما نقص من عشقه. فما الذي يحمل المقين على ~~أن يهبك جاريته، ويكسر وجهه ويصرف الرغبة عنه. # ولولا أنه مثل في هذه الصناعة الكريمة الشريفة لم يسقط الغيرة عن جواريه ~~ويعنى بأخبار الرقباء، ويأخذ أجرة المبيت ويتنادم قبل العشاء، ويعرض عن ~~الغمزة، ويغفر القبلة، ويتغافل عن الإشارة، ويتعامى عن المكاتبة، ويتناسى ~~الجارية يوم الزيارة، ولا يعاتبها على المبيت، ولا يفض ختام سرها، ولا ~~يسألها عن خبرها في ليلها، ولا يعبأ بأن تقفل الأبواب، ويشدد الحجاب، ويعد ~~لكل مربوط عدة على حدة، ويعرف ما يصلح لكل واحد منهم، كما يميز التاجر ~~أصناف تجارته فيسعرها على مقاديرها. ويعرف صاحب الضياع أراضيه لمزارع الخضر ~~والحنطة والشعير. فمن كان ذا جاه من الربطاء اعتمد على جاهه وسأله الحوائج. ~~ومن كان ذا مال ولا جاه له استقرض منه بلا عينة. ومن كان من السلطان بسبب ~~كفيت به عادية الشرط والأعون، وأعلنت في زيارته الطبول والسراني، مثل سلمة PageV02P179 ~~الفقاعي، وحمدون الصحنائي، وعلي الفامي، وحجر التور، وفقحة، وابن دجاجة، ~~وحفصويه، وأحمد شعرة، وابن المجوسي، وإبراهيم الغلام. # فأي صناعة في الأرض أشرف منها!. # ولو يعلم هؤلاء المسمون فرق ما بين الحلال والحرام لم ينسبوا إلى الكشخ ~~أهلها؛ لأنه قد يجوز أن تباع الجارية من الملئ فيصيب منها وهو في ذلك ثقة، ~~ثم يرتجعها بأقل مما باعها به فيحصل له الربح، أو تزوج ممن يثق ms229 به ويكون ~~قصده للمتعة. # فهل على مزوجة من حرج، وهل يفر أحد من سعة الحلال إلا الحائن الجاهل، وهل ~~قامت الشهادة بزناء قط في الإسلام على هذه الجهة. PageV02P180 # هذه الرسالة التي كتبناها من الرواة منسوبة إلى من سميناها في صدرها. فإن ~~كانت صحيحة فقد أدينا منها حق الرواية، والذين كتبوها أولى بما قد تقلدوا ~~من الحجة منها. وإن كانت منحولة فمن قبل الطفيليين؛ إذ كانوا قد أقاموا ~~الحجة في اطراح الحشمة، والمرتبطين ليسهلوا على المقينين ما صنعه ~~المقترفون. # فإن قال قائل: إن لها في كل صنف من هذه الثلاثة الأصناف حظا وسببا فقد ~~صدق. وبالله سبحانه التوفيق. PageV02P181 ### | الرسالة الخامسة عشرة كتاب ذم أخلاق الكتاب PageV02P183 # بسم الله الرحمن الرحيم # حفظك الله وأبقاك وأمتع بك. # قد قرأت كتابك ومدحتك أخلاق الكتاب وأفعالهم، ووصفك فضائلهم وأيامهم، ~~وفهمته. # ومتى وقع الوصف من القائل تقصيا، والنعت من الواصف تألفا، قل شهداؤه وكثر ~~خصماؤه، وخفت المؤونة على مجاوبيه في دعواه، وسهلت مناسبة الأدنياء له في ~~معناه. لأن أغلظ المحن ما عرض على المشهود فأزاله، وتصفحه المعقول فأحاله. # وأضعف العلل ما التمس بعد المعلول، ونصبت له علما على الموجود بعد ~~الوجود. وإذا تقدم المعلول علته والمخبر عنه خبره، استغنى عن الحاكم، وظهر ~~عوار الشاهد. # فقد رأيتك أطنبت بإحماد هذا الصنف من الناس، وحكمت بفضيلة هذه الطبقة من ~~الخلق، فعلمت أن فرط الإعجاب من القائل متى وافق صناعة المادح رسخ في ~~التركيب هواه، ورسبت في القلوب أوتاده، واشتد على PageV02P187 ~~المناظر إفهامه، وعلى المخاصم بالحق توقيفه، وكان حكمه في صعوبة فسخه ~~وتعذر دفعه حكم الإجماع إذا لاقى محكم التنزيل. # ولست أدع مع ذلك توقيفك على موضع زللك في الاحتجاج، وتنبيهك على النكتة ~~من غلطك في الاعتلال، بما لا يمكن السامع إنكاره ولا ينساغ له إبطاله. ~~وأبين مع ذلك رداءة مذاهب الكتاب وأفعالهم، ولؤم طبائعهم وأخلاقهم بما تعلم ~~أنت والناظر في كتابي هذا: أني لم أقل إلا بعد الحجة، ولم أحتج إلا مع ظهور ~~العلة، ثم أستشهد مع ذلك الأضداد ms230 تبيانا، وأجمع عليه الأعداء إنصافا، إذ ~~كان في ذلك من التبيان ما يبهرهم، ومن القول ما يسكتهم. # ثم أقول: ما ظنك بقوم منهم أول مرتد كان في الإسلام، كتب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فخالف في كتابه إملاءه، فأنزل الله فيه آيات من القرآن نهى ~~فيه عن اتخاذه كاتبا، فهرب حتى مات بجزيرة العرب كافرا، وهو عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح. PageV02P188 # ثم استكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده معاوية بن أبي سفيان، فكان ~~أول من غدر في الإسلام بإمامه، وحاول نقض عرى الإيمان بأثامه. # وكتب عثمان بن عفان لأبي بكر رضوان الله عليهما - مع طهارة أخلاقه وفضائل ~~أيامه - فلم يمت حتى أداه عرق الكتابة إلى ذم من ذمه من أوليائه. # ثم كتب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه زياد بن أبيه، فانعكس شر ناشئ في ~~الإسلام، نقضت بدعوته السنة، وظهرت في أيامه ولايته بالعراق الجبرية. # ثم كتب لعثمان بن عفان رضي الله عنه مروان بن الحكم، فخافه في خاتمه، ~~وأشعل الرعية حربا عليه في ملكه. # ثم أفضى الأمر إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عنه، فتبين من البصيرة في ~~الكتاب ما لم ير التنويه بذكر كاتب حتى مات. # ولو كانت الكتابة شريفة والخط فضيلة كان أحق الخلق بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكان أولى الناس ببلوغ الغاية فيها ساداتهم PageV02P189 ~~وذوو القدر والشرف فيهم. ولكن الله منع نبيه صلى الله عليه وسلم ذلك، ~~وجعل الخط فيه دنية، وصد العلم به عن النبوة. ثم صير الملك في ملكه، ~~والشريف في قومه يتبجج برداءة الخط، وينبل بشنج الكتاب. وإن بعضهم كان يقصد ~~لتقبيح خطه وإن ككان حلوا، ويرتفع عن الكتاب بيده - وإن كان ماهرا، وكان ~~ذلك عليه سهلا - فيكلفه تابعه، ويحتشم من تقليده الخطير من جلسائه. # وكتب أحمد بن يوسف يوما بين يدي المأمون خطا أعجبه فقال: وددت والله أني ~~كتبت مثله وأني مغرم ألف ألف. فقال له أحمد بن يوسف: لا تأس عليه يا ms231 أمير ~~المؤمنين، فإنه لو كان حظا ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومع ذلك إن سنخ الكتابة بني على أنه لا يتقلدها إلا تابع، ولا يتولاها ~~إلا من هو في معنى الخادم. ولم نر عظيما قط تولى كفاية نفسه، PageV02P190 ~~أو شارك كاتبه في عمله. وكل كاتب فمحكوم عليه بالوفاء، ومطلوب منه الصبر ~~على اللأواء. وتلك شروط متنوعة عليه، ومحنة مستكملة لديه. # وليس للكاتب اشتراط شيء من ذلك، بل يناله الاستبطاء عند أول الزلة وإن ~~أكدي، ويدركه العذل بأول هفوة وإن لم يرض. # يجب للعبد استزادة السيد بالشكوى، والاستبدال به إذا اشتهى. وليس للكاتب ~~تقاضي فائته إذا أبطأ، ولا التحول عن صاحبه إذا التوى. فأحكامه أحكام ~~الأرقاء، ومحله من الخدمة محل الأغبياء. # ثم هو مع ذلك في الذروة القصوى من الصلف، والسنام الأعلى من البذخ، وفي ~~البحر الطامي من التيه والسرف. يتوهم الواحد منهم إذا عرض جبته وطول ذيله، ~~وعقص على خده صدغه، وتحذف الشابورتين على وجهه، أنه المتبوع ليس التابع، ~~والمليك فوق المالك. # ثم الناشئ فيهم إذا وطئ مقعد الرياسة، وتورك مشورة الخلافة، وحجزت السلة ~~دونه، وصارت الدواة أمامه، وحفظ من الكلام فتيقه، ومن العلم ملحه، وروى ~~لبزرجمهر أمثاله، ولأردشير عهده، PageV02P191 ~~ولعبد الحميد رسائله، ولابن المقفع أدبه، وصير كتاب مزدك معدن علمه، ~~ودفتر كليلة ودمنة كنز حكمته ظن أنه الفاروق الأكبر في التدبير، وابن عباس ~~في العلم بالتأويل، ومعاذ بن جبل في العلم بالحلال والحرام، وعلي بن أبي ~~طالب في الجرأة على القضاء والأحكام، وأبو الهذيل العلاف في الجزء والطفرة، ~~وإبراهيم بن سيار النظام في المكامنات والمجانسات، وحسين النجار في ~~العبارات والقول بالإثبات، والأصمعي وأبو عبيدة في معرفة اللغات والعلم ~~بالأنساب. فيكون أول بدوه الطعن على القرآن في تأليفه، والقضاء عليه ~~بتناقضه. ثم يظهر ظرفه بتكذيب الأخبار، وتهجين من نقل الآثار. فإن استرجح ~~أحد عنده أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فتل عند ذكرهم شدقه، ولوى عند ~~محاسنه كشحه. وإن ذكر عنده PageV02P192 ~~شريح جرحه، وإن نعت له الحسن ms232 استثقله، وإن وصف له الشعبي استحمقه، وإن ~~قيل له ابن جبير استجهله، وإن قدم عنده النخعي استصغره. # ثم يقطع ذلك من مجلسه سياسة أردشير بابكان، وتدبير أنوشروان، واستقامة ~~البلاد لآل ساسان. PageV02P193 # فإن حذر العيون وتفقده المسلمون، رجع بذكر السنن إلى المعقول، ومحكم ~~القرآن إلى المنسوخ، ونفي ما لا يدرك بالعيان، وشبه بالشاهد الغائب. لا ~~يرتضى من الكتب إلا المنطق، ولا يحمد إلا الواقف، ولا يستجيد منها إلا ~~السائر. # هذا هو المشهور من أفعالهم، والموصوف من أخلاقهم. # ومن الدليل على ذلك، أنه لم ير كاتب قط جعل القرآن سميره، ولا علمه ~~تفسيره، ولا التفقه في الدين شعاره، ولا الحفظ للسنن والآثار عماده، فإن ~~وجد الواحد منهم ذاكرا شيئا من ذلك لم يكن لدوران فكيه به طلاقة، ولا ~~لمجيئه منه حلاوة. وإن آثر الفرد منهم السعي في طلب الحديث، والتشاغل بذكر ~~كتب المتفقهين، استثقله أقرانه، واستوخمه ألافه، وقضوا عليه بالإدبار في ~~معيشته، والحرفة في صناعته، حين حاول ما ليس من طبعه، ورام ما ليس من شكله. # قال الزهري لرجل: أيعجبك الحديث؟ قال: نعم. قال: أما إنه لا يعجب إلا ~~الفحول من الرجال، ولا يبغضه إلا إناثهم!. # ولئن وافق هذا القول من الزهري فيهم مذهبا، إن ذلك لبين في شمائلهم، ~~مفهوم في إشاراتهم. PageV02P194 # وسئل ثمامة بن أشرس يوما، وقد خرج من عند عمرو بن مسعدة، فقيل له: يا أبا ~~معن، ما رأيت من معرفة هذا الرجل وبلوت من فهمه؟ فقال: ما رأيت قوما نفرت ~~طبائعهم عن قبول العلوم، وصغرت هممهم عن احتمال لطائف التمييز - فصار العلم ~~سبب جهلهم، والبيان علم ضلالتهم، والفحص والنظر قائد غيهم، والحكمة معدن ~~شبههم - أكثر من الكتاب. # وذكر أبو بكر الأصم ابن المقفع فقال: ما رأيت شيئا إلا وقليله أخف من ~~كثيره إلا العلم، فإنه كلما كثر خف محمله. ولقد رأيت عبد الله بن المقفع ~~هذا في غزارة علمه وكثرة روايته، كما قال الله عز ذكره: " كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا ". قد أوهنه علمه، وأذهله علمه، وأذهله حلمه، وأعمته حكمته، ms233 وحيرته ~~بصيرته. PageV02P195 # وكنا في مجلس بشر بن المعتمر يوما وعنده المردار، وثمامة، والعلاف، في ~~جماعة من المعتزلة وأصحاب الكلام، فتذاكروا العوام واستحواذ الفتنة عليهم ~~في التقليد، واستغلاق قلوبهم بكثير مما ليس في طبعهم، فتعظمهم وتقضي لكل من ~~نبل منهم بالصواب في قوله وإن لم يعلموا. لا يدينون بالحقيقة، ولا يحمدون ~~إلا ظاهر الحلية. PageV02P196 # ومن الدليل على نذالة طبعهم، والعلم بفسالة رأيهم، تقديمهم بالفضل لمن لا ~~يفهمونه، وقضاؤهم بالعلم لمنلا يعرفونه، حتى إنهم يضربون بالكاتب فيما ~~بينهم المثل، ويحكمون له بالبصيرة في الأدب، على غير معاشرة جرت بينهم، ولا ~~محبة ظهرت له منهم. ليس إلا أن هممهم صغرت عنهم، وامتلأت قلوبهم منهم، فصار ~~المحفوظ من أقوالهم، والذي يدينون به من مذاهبهم: كيف لا يأمن فلان الخطأ ~~مع جلالته، وكيف ينساغ لأحد تجهيله مع نبله. فإن وقفوا على تمييزه هابوه، ~~وإن دعوا إلى تفهمه أكبروه، وقالوا: لم ينصب هذا بموضعه إلا لخاصة فيه وإن ~~جهلناها، وفضيلة موسومة وإن قصر علمنا عنهم. ولعله عمر بن فرج في السفه ~~والمباهتة، وإبراهيم بن العباس في الشره والرقاعة، ونجاح بن سلمة في الطيش ~~والسخافة، وأحمد بن الخصيب في اللؤم والجهالة، وآل وهب في النهم والنذالة، PageV02P197 ~~ويحيى بن خاقان في الذل والفاقة، وموسى بن عبد الملك في الوخم والبلادة، ~~وابن المدبر في الخب والمكابرة، والفضل بن مروان في الفدامة مقصورة. # وفي عمر بن فرج يقول الشاعر: # لا تطلب الخير من بني فرج %~% لا بارك الله في بني فرج # والعن إذا ما لقيته عمرا %~% لعنا يقينا بأعظم الهرج # فلعنة إن لعنتها عمرا %~% تعدل مقبولة من الحجج # ليس على المفتري على عمر %~% من ضرب حد يخشى ولا حرج # وخبرت أن أبا العتاهية أتى يحيى بن خاقان يوما ليسلم عليه، فلم يأذن له ~~حاجبه فانصرف، وأتاه يوما آخر فصادفه حين نزل فسلم عليه، ودخل يحيى إلى ~~منزله ولم يأذن له، فكتب إليه أبو العتاهية من ساعته رقعة فيها: PageV02P198 # أراك تراع حين ترى خيالي %~% فما هذا يروعك من خيالي # لعلك خائف ms234 مني سؤالا %~% ألا فلك الأمان من السؤال # كفيتك إن حالك لم تمل بي %~% لأطلب مثلها بدلا بحالي # وإن العسر مثل اليسر عندي %~% بأيهما منيت فما أبالي # فلما قرأ يحيى بن خاقان رقعته ووثق بأمانه من السؤال أذن له، فخرج الحاجب ~~فوجده قد انصرف، ولم يعد إليه، ولا التقيا بعد ذلك. # وجلس الجاحظ يوما في بعض الدواوين، فتأمل الكتاب فقال: خلق حلوة، وشمائل ~~معشوقة، وتظرف أهل الفهم، ووقار أهل العلم، فإن ألقيت عليهم الإخلاص وجدتهم ~~كالزبد يذهب جفاء، وكنبتة الربيع يحرقها الهيف من الرياح؛ لا يستندون من ~~العلم إلى وثيقة، ولا يدينون بحقيقة؛ أخفر الخلق لأماناتهم، وأشراهم بالثمن ~~الخسيس لعهودهم؛ الويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون. # ثم وصف أصحاب الصناعات، وذكر تعاطف أهلها على نظرائهم، وتعصب رجالها على ~~غيرهم فقال: PageV02P199 # لا أعلم أهل صناعة إلا وهم يجرون في ذلك إلى غاية محمودة، ويأتون منه آية ~~مذكورة، إلا الكتاب، فإن أحدهم يتحاذق عند نظرائه بالاستقصاء على مثله، ~~ويسترجح رأيه إذا بلغ في نكاية رجل من أهل صناعته. # ثم ضرب لهم في ذلك مثلا، ثم قال: هم كالهرمة من الكلاب في مرابضها، يمر ~~بها أصناف الناس فلا تحرك، وإن مر كلب مثلها نهضت إليه بأجمعها حتى تقتله. # وحدثني عمر بن سيف، أنه حضر مجلس أبي عباد ثابت بن يحيى يوما في منزله، ~~وعنده جماعة من الكتاب، فذكر ما هم عليه من ملائم الأخلاق ومدانس الأفعال، ~~قال: ووصف تقاطعهم عند الاحتياج، وعدم تعاطفهم عند الاختلال، وزهدهم في ~~المواصلة فقال: # معاشر الكتاب، ما أعلم أهل صناعة أملأ لقلوب العامة منكم، ~~ولا النعم على قوم أظهر منها عليكم. ثم إنكم في غاية التقاطع عند الاحتياج، ~~وفي ذروة الزهد في التعاطف عند الاختلال. وإنه ليبلغني أن رجلا من القصابين ~~يكون PageV02P200 ~~في سوقه، فيتلف ما في يديه، فيخلى له القصابون سوقهم يوما، ويجعلون له ~~أرباحهم، فيكون بربحها منفردا، وبالبيع مفردا، فيسدون بذلك خلته، ويجبرون ~~منه كسره. وإنكم لتناكرون عند الاجتماع والتعارف، تناكر الضباب والسلاحف، ~~ثم ms235 مع استحواذكم على صناعتكم، وقلة ملابسة أهل الصناعات لها معكم، لم أر ~~صناعة من الصناعات إلا وقد يجمع أهلها غيرها إليها فيعانونها جميعا، ~~وينزلون لضرب من التجارات معا، إلا صناعتكم هذه؛ فإن المتعاطى لها منكم، ~~والمتسمي بها من نظرائكم، لا يليق به ملابسة سواها، ولا ينساغ له التشاغل ~~بغيرها. ثم كأنكم أولاد علات، وضرائر أمهات، في عداوة بعضكم بعضا، وحنق ~~بعضكم على بعض. أف لكم ولأخلاقكم!. # إن للكتاب طبائع لئيمة، ولولا ذلك لم يكن سائر أهل التجارات والمكاسب ~~بنظرائهم بررة، ومن ورائهم لهم حفظة، وأنتم لأشكالكم مذلون، ولأهل صنائعكم ~~قالون. قبح الله الذي يقول قضينا في الأمور بالأغلب. # وعرفنا علل الناس في مكاسبهم وتعاملهم، فمن كانت علته أكرم كان كرم فعاله ~~أعم. # ولست أعلم علة في مكتسب أنبل عند الخاصة من مكسبكم. PageV02P201 # ثم وصف من سلف من هذه الطبقة يوما فقال: كتب سالم لهشام ابن عبد الملك، ~~وكان أشد الناس غلطا، وأضعفهم رأيا، وكان هشام يحضره فيسمع من ضعفه ~~ويستميحه الرأي، يهزأ به. # ثم كتب لهم مسعدة وكان مؤدبا، وكانت ضعفة المؤدبين فيه. # ثم كتب لهم عبد الحميد وكان معلما، وبتحامله على نصر بن سيار انتقضت ~~خراسان، وزال ملك بنى مروان. # ثم كتب لبني العباس عبد الله بن المقفع، فأغرى بهم عبد الله بن علي، ففطن ~~له وقتل وهدم البيت على صاحبه. # ثم كتب لهم يونس بن أبي فروة، وكان زنديقا، فطلب فاختفى PageV02P202 ~~بالكوفة والنيل حتى هلك. # واستكتب الرشيد أزدانقاذار على ديوان الخراج، وكان ثنويا. # ثم لم ينوهوا بذكر كاتب حتى ولى المأمون، فقدم معه ابن أبى العباس ~~الطوسى، فبه انتشرت السعاية بالعراق. # واستكتب أبا عباد، وكان بالرى مؤدبا، وكان سخيفا حديدا، ولم يزل بمكانه ~~في ديوانه قيما لابن أبي خالد الأحول والاسم له. # ثم كتب له رجاء بن أبي الضحاك، وكان أظلمهم وأغشمهم، واستخلف حفصويه على ~~ديوان الخراج، وكان ركيكا لسعايته. PageV02P203 # ثم كتب لهم ابن يزداد، وكان أشقاهم، حتى هلك. # وكتب لهم عمرو بن مسعدة، وكان رسائليا فقط. # واسترجح ms236 المأمون وهو بخراسان قبل مقدمه من كتاب العراق على غير بلوى ~~إبراهيم بن إسماعيل بن داود، وأحمد بن يوسف، فلما قدم امتحنهما فتعنتا، ~~فاستنهضهما في الأعمال ففشلا، فلم يعملا على شيء حتى هلكا. # وكان إبراهيم شعوبيا، وكان يتهم بالثنوية. فإن كان ذلك صحيحا فقد كانت ~~صبابته بها على جهة التقليد فيها، لا على جهة التفتيش والاحتجاج فيها. وهذه ~~علة المرتد من سائر الكتاب. # وقد قال أهل الفطن: إن محض العمى التقليد في الزندقة؛ لأنها إذا رسخت في ~~قلب امرئ تقليدا أطالت جرأته، واستغلق على أهل الجدل إفهامه. # وكان أحمد بن يوسف مأفونا، وهو أول من قرف بالآفة المخالفة لطبع الكتاب. # واستقضى على ديوان الخراج والجند إبراهيم الحاسب، والحسن بن أبى المشرف. ~~فلقن إبراهيم من سائر الآداب والعلوم علم الحساب فقط، ولم يفزع إليه في ~~قضية ولا رأى حتى هلك، فكان الذي وضعه وأدناه شرهه، وهي علة قائمة في كتاب ~~الجند خاصة. PageV02P204 # واستضعف ولاة الدواوين الحسن بن أبى المشرف عند قول الفضل مروان له وهو ~~على الوزارة: " يا حسن، احتجنا إلى رجل جزل في رأيه، متوفر لأمانته، متصرف ~~في الأمور بتجربته، مستقدر على الأعمال بعلمه، تصف لنا مكانه، وتشير علينا ~~به، فنقلده جسيما من عملنا ". فأجابه سريعا قال: وجدته لك - أصلحك الله - ~~كذلك. قال: من هو؟ قال: أنا. وألح في قوله، فتبسم الفضل وقال: هذا من غيرك ~~فيك أحسن منك بلسانك لك، نعود وننظر إن شاء الله! # وحسبك بقوم أنبلهم أخسهم ~~في الرزق مرتبة، وأعظمهم غناء أقلهم عند السلطان عقلا. يرزق صاحب ديوان ~~الرسائل - وبلسانه يخاطب الخلق - العشر من رزق صاحب الخراج. ويرزق المحرر - ~~وبخطه يكون جمال كتب الخليفة - الجزء من رزق صاحب النسخ في ديوان الخراج. ~~لا يحضر كاتب الرسائل لنائبة، ولا يفزع إليه في حادثة. فإذا أبرم الوزراء ~~التدبير، ووقفوا منها على التقدير، طرحت إليه رقعة بمعانى الأمر لينسق فيه ~~القول، فإذا فرغ من نظامه واستوى له كلامه، أحضر له محرره فجلس في أقرب ~~المواطن من الخليفة، وأمنع المنازل ms237 من المختلفة، فإذا تقضى ذلك فهما ~~والعوام سواء. PageV02P205 # هذا وليست صناعتهما بفاشية في الكتاب، ولا بموجودة في العوام؛ فأغزرهم ~~علما أمهنهم، وأقربهم من الخليفة أهونهم. فكيف بكاتب الخراج الذي علمه ليس ~~بمحظور، وإشراك الناس فيه ليس بممنوع، يصلح لموضعه كل من عمل وعمل عليه، ~~أحمد أحواله عند نفسه التعقد على الخصوم، وأسعد أموره التي يرجو بها البلوغ ~~الشره ومنع الحقوق. وأحذق ما يكون بصناعته عند نفسه حين يأخذ بإبطال السنن، ~~ويعمل بفلتات الدفوع. # ولذلك ما ذكر أن بعض رجال الشعبي قال له: يا أبا عمرو، الكتاب شرار خلق ~~الله! فقال: لا تفعل. # ولكن الشعبي كان لسلطانه مداريا. # ومن كتاب الجند: محمود بن عبد الكريم، كان حميد بن عبد الحميد عند دخول ~~المأمون مدينة السلام وبعد سكون الهيج وخمود النائرة، رفع إلى المأمون يذكر ~~أن في الجند دغلا كثيرا ممن دخل فيهم بسبب تلك الحروب في أيام الأجناد وهم ~~قوم من غير أهل خراسان ممن تشبه بهم وادعى إليهم من الأعراب والدعار، وممن ~~لا يستحق الديوان، PageV02P206 ~~وقوم من أهل خراسان صارت لهم الخواص السنية، ولم يكن لهم من الغناء ما ~~يستحقون به مثلها وذكر أن بيت المال لا يحتمل ذلك، وسأل المأمون أن يوليه ~~تصنيف الجند. ولم يكن مذهب حميد في ذلك التوفير على المأمون، ولا الشفقة ~~على بيت مال المسلمين، ولكنه تعصب على أبناء أهل خراسان، واضطغن عليهم ~~محاربتهم إياه أيام الحسن بن سهل مع ولد محمد بن أبي خالد وغيرهم، وما ~~كانوا قد انتحوه به من تلك الوقائع والهزائم، وما ذهب له من الأموال بذلك ~~السبب. # فولاه المأمون التصنيف، وأمر للجند برزق شهرين، فولى حميد العطاء ~~والتصنيف محمود ابن عبد الكريم الكاتب، وعرف محمود ما غزا حميد، فتحامل على ~~الناس واستعمل فيهم الأحقاد والدمن، فخفض الأرزاق، وأسقط الخواص، وبعث في ~~الكور وأنحى على أهل الشرف والبيوتات، حسدا لهم وإشفاء لغليل صاحبه منهم، ~~فقصد لهم بالمكروه والتعنت، PageV02P207 ~~فامتنعت طائفة من الناس من التقدم إلى العطاء وتركوا أسماءهم، وطائفة ~~انتدبوا مع ms238 طاهر بن الحسين بخراسان، فسقط بذلك السبب بشر كثير. # ثم إن المأمون أمر للناس بتمام عطاياهم؛ واكتسب محمود بن عبد الكريم ~~المذمة، وصار ملعنة في محال بغداد وفي مجالسها وطرقها. # ومنهم: زيد بن أيوب الكاتب، عمل في ديوان الجند أربعين سنة، ثم صار في ~~آخر عمره قوادا ليحيى بن أكثم القاضى. وذلك أن المأمون أمر له بفرض، فصير ~~يحيى بن أكثم أمر ذلك الفرض إلى زيد بن أيوب، وأمره ألا يفرض إلا لأمرد ~~بارع الجمال، حسن القد والصورة. فكان آمر ذلك الفرض مشهورا متعالما. ففي ~~ذلك يقول الحسن بن علي الحرمازي لزيد بن أيوب: # يا زيد يا كاتب فرض الفراش %~% أكل هذا طلب للمعاش # مالي أرى فرضك حملانهم %~% يثبت في القرنين قبل الكباش PageV02P208 # وعلى ذلك فإنه لم يبلغني أنه كان في ولاة ديوان الجند ولا في كتابهم مثل ~~المعلى بن أيوب في نبله وارتفاع همته، وكرم صحبته، وعفافه، وجميل مذهبه، ~~وشدة محاماته عمن صحبه وتحرم به. فكان المأمون يعرف له ذلك ومن بعده من ~~الخلفاء، فثبتت وطأته، ودامت ولايته، وحمد أثره. # قد أتينا على بعض ما أردنا فيما له قصدنا، ولم نستعمل الانتزاعات فيما ~~ذكرنا، وأعرضنا عن التأويلات فيما وصفنا، وقصدنا إلى المأثور فحكيناه، وإلى ~~المذكور في الأزمنة فأجريناه، لئلا يجد الطاعن فيما وصفنا مقالا، والمنكر ~~لذم ما ذممنا مساغا، وعلمنا أن من عاند مع ذلك فقد دفع عيانا وأنكر كائنا ~~مذكورا. وفي ذلك دليل باهر على اضمحلاله، وشاهد عدل لأضداده. # ولو حكينا كل ما في هذا الجنس من الأقوال، وما يدخله من المقايسات ~~والأشكال، لطال الكتاب، ولمله الناظر المعجاب، فاكتفينا بالجزء من الكتاب، ~~والبعض دون التمام، وعلمنا أن الناظر فيه إن كان فطنا أقنعه القليل فقضى، ~~وإن كان بليدا جهولا لم يزده الإكثار إلا عيا، ومن العلم بما له قصدنا إلا ~~بعدا. وبالله الكفاية والتوفيق. # تم كتاب " ذم أخلاق الكتاب " بعون الله ومنه ومشيئته وتوفيقه، والله ~~تعالى الموفق للصواب. والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه ~~وأصحابه ms239 الطيبين الطاهرين وسلامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. PageV02P209 ### | الرسالة السادسة عشرة كتاب البغال PageV02P211 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، وعلى اسم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على ~~سيدنا محمد خاصة، وعلى أنبيائه عامة. # كان وجه التدبير في جملة القول في البغال، أن يكون مضموما إلى جملة القول ~~في الحافر كله، فيصير الجميع مصحفا تاما، كسائر مصاحف " كتاب الحيوان ". ~~والله المقدر والكافى. # وقد منع من ذلك ما حدث من الهم الشاغل، وعرض من الزماتة، ومن تخاذل ~~الأعضاء، وفساد الأخلاط، وما خالط اللسان من سوء التبيان، والعجز عن ~~الإفصاح، ولن تجتمع هذه العلل في إنسان واحد، فيسلم معها العقل سلامة تامة. # وإذا اجتمع على الناسخ سوء إفهام المملى، مع سوء تفهم المستملى، كان ترك ~~التكلف لتأليف ذلك الكتاب أسلم لصاحبه من تكلف نظمه على جمع كل البال، ~~واستفراغ كل القوى. # فأما الهمة وتشعب الخواطر المانعة من صحة الفكر، واجتماع البال، فهذا ما ~~لابد من وقوعه. # فليكن العذر منك على حسب الحال، والخيرة فيما صنع الله. وقد علمنا أن ~~الخيرة مقرونة بالكره، وبالله التوفيق. PageV02P215 ### || عناية الأشراف بالبغال # نبدأ إن شاء الله، بما وصف الأشراف من شأن البغلة، في حسن سيرتها، وتمام ~~خلقها، والأمور الدالة على السر الذي في جوهرها، وعلى وجوه الارتفاق بها، ~~وعلى تصرفها في منافعها، وعلى خفة مئونتها في التنقل في أمكنتها وأزمنتها، ~~ولم كلف الأشراف بارتباطها، مع كثرة ما يزعمون من عيوبها؟ ولم آثروها على ~~ما هو أدوم طهارة خلق منها؟ وكيف ظهر فضلها مع النقص الذي هو فيها؟ وكيف ~~اغتفروا مكروه ما فيها، لما وجدوا من خصال المحبوب فيها؟ حتى صار الرجل ~~منهم ينشد العذال فيها كقول السعدي: # أخ لي كأيام الحياة إخاؤه %~% تلون ألوانا علي خطوبها # إذا عبت منه خصلة فهجرته %~% دعتني إليه خصلة لا أعيبها # ولقد كلف بارتباطها الأشراف، حتى لقب بعضهم من أجل استهتاره بها ب " رواض ~~البغال "، ولقبوا آخر: ب " عاشق البغل "؛ هذا مع طيب مغارسهم، وكرم نصابهم، ~~ولذلك قال الشاعر: # وتثعلب ms240 الرواض بعد مراحه %~% وانسل بين غرارتيه الأعور # وهجاه أيضا الفرزدق بأمر الحجاج، ففحش عليه، حتى قال: # وأفلت رواض البغال ولم تدع %~% له الخيل من أحراح زوجيه معشرا PageV02P216 # وقال لشريف آخر: # ما زلت في الحلبات أسبق ثانيا %~% حتى رميت بعاشق البغل # لو كان شاور ما عبأت به %~% يوم الرهان وساعة الحفل # وشاور هذا: رائض كان ببغداد، والشاعر رجل من بني هاشم؛ ولم يعن بقوله " ~~ما زلت في الحلبات أسبق ثانيا ": أنه جاء ثانى اثنين، وإنما ذهب إلى أنه ~~جاء متمهلا، وقد ثنى من عنانه. # وكتب روح بن عبد الملك بن مروان إلى وكيل له: " أبغنى بغلة حصاء الذنب، ~~عظيمة المحزم، طويلة العنق، سوطها عنانها، وهواها أمامها ". # وكان مسلمة بن عبد الملك يقول: " ما ركب الناس مثل بغلة قصيرة العذار، ~~طويلة العنان ". PageV02P217 # وقال صفوان بن عبد الله بن الأهتم، لعبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن ~~الحارث بن المطلب، وكان ركابا للبغلة: " مالك وهذا المركب الذي لا تدرك ~~عليه الثار، ولا ينجيك يوم الفرار؟ " قال: " إنها نزلت عن خيلاء الخيل، ~~وارتفعت عن ذلة العير، وخير الأمور أوساطها ". فقال صفوان: " إنا نعلمكم، ~~فإذا علمتم تعلمنا منكم! # وهو الذي كان يلقب: " رواض البغال "؛ لحذقه ~~بركوبها، ولشغفه بها، وحسن قيامه عليها. وكان يقول: " أريدها واسعة الجفرة، ~~مندحة السرة، شديدة العكوة، بعيدة الخطوة، لينة الظهر، مكربة الرسغ، سفواء ~~جرداء عنقاء، طويلة الأنقاء ". # وقال ابن كناسة: سمعت رجلا يقول: " إذا اشتريت بغلة فاشترها PageV02P218 ~~طويلة العنق، نجدة في نجائها مشرفة الهادى، نجدة في طباعها، ضخمة الجوف، ~~نجدة في صبرها ". # والعرب تصف الفرس بسعة الجوف. قال الراجز: # غشمشم يعلو الشجر %~% ببطنه يعدو الذكر # قال الأصمعي: لم يسبق الحلبة قط أهضم. # وقال يونس: كان نابعة الجعدي أوصف الناس لفرس، قال: فأنشدت رؤبة قوله: PageV02P219 # فإن صدقوا قالوا: جواد مجرب %~% ضليع، ومن خير الجياد ضليعها # فقال: ما كنت أظن المرهف منها إلا أسرع. # قالوا: ولم يكن رؤبة وأبوه صاحبي خيل. # وقال سليمان بن علي لخالد بن صفوان، ورآه على حمار: ما هذا ms241 يا أبا صفوان؟ ~~قال: أصلح الله الأمير، ألا أخبرك عن المطايا؟ قال: بلى. قال: " الإبل ~~للحمل والزمل، والبغال للأسفار والأثقال، والخيل للطلب والهرب، والبراذين ~~للجمال والوطاءة، وأما الحمير فللدبيب والمرفق ". # قالوا: وكانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بغلة تسمى " دلدل "، وحمار ~~يسمى " يعفور "، وفرس يسمى " السكب "، وله ناقتان: " العضباء "، " والقصواء ~~". PageV02P220 # قالوا: وكان علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، يكثر ركوب بغلة عبد الله ~~بن وهب الشهباء، التي غنمها يوم النهروان. هذا في قول الشيعة، وأما غيرهم ~~فينكرون أن يكون علي، كرم الله وجهه، يرى أن يغنم شيئا من أموال أهل ~~الصلاة، كما لم يغنم من أموال أصحاب الجمل. # قال البقطري، ويكنى أبا عثمان، واسمه فهدان: # لقى رجل بكر بن عبد الله المزني، فقال له: رأيتك على فرس كريم، ثم رأيتك ~~على عير لئيم، ثم رأيتك قد أدمنت ركوب هذه البغلة! قال: البغال أعدل، ~~وسيرها أقصد. # علي بن المديني قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: PageV02P221 # حدثني أبي إسحاق، قال: حدثني حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم، عن أمه، ~~قالت: كأني أنظر إلى علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، على بغلة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الشهباء، في شعب الأنصار ". # وبروى عن عبد الرحمن بن سعد، قال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه، على ~~بغلة بيضاء، يضفر لحيته. # ومن حديث الزهري وغيره، عن كثير بن العباس، عن أبيه، قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم حنين على بغلته الشهباء " في حديث طويل في المغازي. # وفي هذا الحديث: فخضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: " الآن حمى ~~الوطيس ". وهذه كلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يسبقه PageV02P222 ~~إليها أحد، وكذلك قوله: " مات حتف أنفه "، وكذلك قوله: " كل الصيد في جوف ~~الفرا "، وكذلك قوله: " هدنة على دخن "، وكذلك قوله: " لا يلسع المؤمن من ~~جحر مرتين ". فصارت كلها أمثالا. # قالوا: وكان ابن أبي عتيق يركب البغال، وكذلك ابن أبي ربيعة. وكان هشام ~~بن عبد الملك ms242 أكثر الناس ركوبا لها. # وعن أبي الأشهب، عن الحسن قال: قال قوم وعثمان رضي الله عنه محصور: " لو ~~بعثتم إلى أم المؤمنين رضي الله عنها فركبت، فلعلهم أن يكفوا ". فأرسلوا ~~إلى أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، فجاءت على بغلة شهباء في محفة. ~~قالوا: من هذه؟ قالوا: أم المؤمنين، أم حبيبة. قالوا: لا - والله - لا ~~تدخل، فردوها. # وقالوا: وقع بين حيين من قريش منازعة، فخرجت عائشة أم المؤمنين رضي الله ~~عنها على بغلة، فلقيها ابن أبي عتيق، فقال: إلى أين جعلت فداك؟ قالت: أصلح ~~بين هذين الحيين. قال: والله ما غسلنا رءوسنا من يوم الجمل، فكيف إذا قيل: ~~يوم البغل! فضحكت وانصرفت. # هذا - حفظك الله - حديث مصنوع، ومن توليد الروافض، فظن الذي ولد هذا ~~الحديث، أنه إذا أضافه إلى ابن أبي عتيق، وجعله نادرة PageV02P223 ~~وملحة، أنه سيشيع، ويجري عند الناس مجرى الخبر عن أم حبيبة وصفية. ولو ~~عرف الذي اخترع هذا الحديث طاعة الناس لعائشة - رضي الله عنها - لما طمع في ~~جواز هذا عنه. # وقال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: " منيت بأربعة: منيت بأشجع ~~الناس، يعني الزبير؛ وأجود الناس، يعني طلحة؛ وأنض الناس، يعني يعلى بن ~~منية؛ وأطوع الناس في الناس، يعني عائشة ". # ومن بعد هذا، فأي رئيس قبيل من قبائل قريش كانت تبعث إليه عائشة - رضي ~~الله عنها - رسولا فلا يسارع، أو تأمره فلا يطيع، حتى احتاجت أن تركب ~~بنفسها؟ وأي شيء كان قبل الركوب من المراسلة والمراوضة والمدافعة والتقديم ~~والتأخير، حتى اضطرها الأمر إلى الركوب بنفسها؟ وإن شرا يكون بين حيين من ~~أحياء قريش، تفاقم فيه الأمر، حتى احتاجت عائشة - رضي الله عنها - إلى ~~الركوب فيه، لعظيم الخطر، مستفيض الذكر؛ فمن هذا القبيلان؟ ومن أي ضرب كان ~~هذا الشر؟ وفي أي شيء كان؟ وما سببه؟ ومن نطق من جميع رجالات قريش فعصوه ~~وردوا قوله، حتى احتاجت عائشة فيه إلى الركوب؟ ولقد ضربوا قواديم الجمل، ~~فلما برك ومال الهودج صاح الفريقان: " أمكم! أمكم ". PageV02P224 # فأمر عائشة أعظم، ms243 وشأنها أجل، عند من يعرف أقدار الرجال والنساء، من أن ~~يجوز مثل هذا الحديث المولد، والشر المجهول، والقبيلتين اللتين لا تعرفان. # والحديث ليس له إسناد؛ وكيف وابن أبي عتيق شاهد بالمدينة، ولم يعلم ~~بركوبها، ولا بهذا الشر المتفاقم بين هذين القبيلين؟ ثم ركبت وحدها، ولو ~~ركبت عاثشة لما بقي مهاجري ولا أنصاري، ولا أمير ولا قاض إلا ركب؟ فما ظنك ~~بالسوقة والحشوة، وبالدهماء والعامة. ### || رواة الأخبار # وما هو إلا أن ولد أبو مخنف حديثا، أو الشرقي بن القطامي، أو الكلبي، أو ~~ابن الكلبي، أو لقيط المحاربي، أو شوكر PageV02P225 # أو عطاء الملط، أو ابن دأب، أو أبو الحسن المدائني ثم صوره في كتاب، ~~وألقاه في الوراقين، إلا رواه من لا يحصل ولا يثبت ولا يتوقف. وهؤلاء كلهم ~~يتشيعون. # وكان يونس بن حبيب يقول: " يا عجبا للناس، كيف يكتبون عن حماد وهو يصحف ~~ويكذب ويلحن ويكسر "!. # ومن أراد الأخبار فليأخذها عن مثل قتادة، وأبي عمرو بن العلاء PageV02P226 # وابنجعدبة، ويونس بن حبيب، وأبي عبيدة، ومسلمة بن محارب، وأبي عاصم ~~النبيل، وأبي عمر الضرير، وخلاد بن يزيد الأرقط، ومحمد بن حفص - وهو ابن ~~عائشة الأكبر، وعبيد الله بن محمد - وهو ابن عائشة الأصغر، ويأخذها عن أبي ~~اليقظان سحيم بن قادم. فإن PageV02P227 ~~هؤلاء وأشباههم مأمونون، وأصحاب توق وخوف من الزوائد، وصون لما في ~~أيديهم، وإشفاق على عدالتهم. ### || الحاجة إلى البغال # ولما خرج قطر قطري بن الفجاءة، أحب أن يجمع إلى رأيه رأي غيره، فدس إلى ~~الأحنف بن قيس رجلا، ليجرى ذكره في مجلسه، ويحفظ عنه ما يقول. فلما فعل قال ~~الأحنف: " أما إنهم إن جنبوا بنات الصهال، وركبوا بنات النهاق، وأمسوا بأرض ~~وأصبحوا بأرض، طال أمرهم ". # قالوا: فلا نرى صاحب الحرب يستغني عن البغال، كما لا نرى صاحب السلم ~~يستغني عنها، ونرى صاحب السفر فيها كصاحب الحضر. # قال الأصمعي عن جرير بن حازم عن الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد - واسمه ~~لمازة بن زبار - قال: مر بنا زياد في سكتنا هذه، وهو على بغلة قد ms244 لوى رسنها ~~على عنقها تحت اللجام، ومعه رجل أو رجلان. PageV02P228 # هذا وزياد على العراق أجمع. # قال: وتهيأ الناس لخالد بن عبد الله مقدمه من الشام، وركب ابن هبيرة ~~بغلته، ووقف له في المضيق. فلما طلع خالد غمز ابن هبيرة بغلته غمزة فإذا ~~ابن هبيرة بينه وبين الذي كان يسايره، فقال: كيف أنت يا أبا الهيثم؟ وليت ~~منا أمرا تولى الله أحسنه، ولك منا المكافأة! فقال له خالد: فررت مني فرار ~~العبد! فقال عمر: حين نمت عن نوم الأمة! فانتهى الخبر إلى هشام، فقال: " ~~قاتله الله "!. ### || حمل البغال للهدايا # قالوا: والهدايا النفيسة، والطرف العجيبة، والكرامات الثمينة، التي ~~أهدتها بلقيس بنت ذي شرح إلى سليمان بن داود، هي الهدايا التي أخبر PageV02P229 ~~الله عن سليمان بن داود - عليهما السلام - أنه قال: " بل أنتم بهديتكم ~~تفرحون ". ولم تكن الملكة تبتهج بتلك الهدايا - وهي إلى سليمان، وسليمان هو ~~الذي أعطاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده إلا وهي هدايا شريفة. # قالوا: فهذه الهدايا الشريفة إنما كانت على البغال الشهب. ### || إيثار البغال في الركوب # وكان ممن يركبها كثيرا إسماعيل بن الأشعث، وعبد الرحمن بن محمد بن ~~الأشعث. # قال: وقال حوشب بن يزيد بن رويم لعبد الرحمن بن محمد PageV02P230 ~~بن الأشعث: دعني أهيج عليك عمك أبا الفضل إسماعيل بن الأشعث. ~~قال: لا تعرضني له، فإنه ضعيف، فأشفق عليه. فقال: يا أبا الفضل، إن ابن ~~أخيك زعم أن بغلتك جلالة. قال: لكن بغلته لو أفلتت ما تركت بيت زانية ولا ~~بيت خمار، إلا وقفت عليه! قال عبد الرحمن: ما كان أغنانا عما أظهرت لنا من ~~ضعف شيخنا! # ولما وفدت عائشة بنت طلحة على عبد الملك بن مروان، وأرادت الحج، ~~حملها وأحشامها على ستين بغلا من بغال الملوك؛ فقال عروة بن الزبير: # يا عيش يا ذات البغال الستين %~% أكل عام هكذا تحجين PageV02P231 # وكان مروان أبو السمط يركب بغلة له بالبصرة، لا يكاد يفارقها. فقال ~~الجماز وهو يهجوه: # اجتمع الناس وصاحوا: الحريق %~% بباب عثمان وسوق الرقيق # فجاء مروان على ms245 بغلة %~% فأنشد الشعر فأطفأ الحريق # يرمي شعره بالبرد. وكان حسده حين سمع قائلا يقول: لم يصب شاعر قط ما أصاب ~~أبو السمط، ولا أصاب حجام ما أصاب أبو حرملة. # وقد هجاه أيضا فقال: # يا أبا السمط، حزيرا %~% ن وتموز وآب # كن لنا منها مجيرا %~% لك في ذاك ثواب # بشعير يذهب الحر ويهنينا الشراب PageV02P232 # وقال ابن سيرين لرجل: ما فعلت بغلتك؟ قال: بعتها. قال: ولم؟ قال: ~~لمؤونتها. قال: أفتراها خلفت رزقها عندك؟ # وذكر يوسف بن خالد السمتي، عن ~~مجالد، فيما أحسب، قال: بال بغلي فتنحيت. فقال الشعبي: ما عليك لو أصابك. # قال: وكانت لابن سيرين بغلتان: بغلة لخاصة نفسه، وبغلة للعارية. # وكتب سليمان بن هشام إلى أبيه: إن بغلتي قد عجزت، فإن رأيت أن تأمر لي ~~بدابة فافعل. فكتب إليه: " قد فهمت كتابك، وما ذكرت من ضعف بغلتك، وما ذاك ~~إلا لقلة تعهدك، فتفقدها، وأحسن القيام عليها. ويرى أمير المؤمنين في ذلك ~~رأيه ". PageV02P233 ### || نوادر وأخبار في البغال # ومن النوادر، قال: ادعى رجل على الهيثم بن مطهر الفأفاء أنه سرق بغلا؛ ~~فقال له الوالي: ما يقول؟ قال: ما أعرف مما يقول شيئا: قال: أصلحك الله، ~~إنه سكران فاستنكهه. قال: لأي شيء يستنكهني؟ آكلت البغل؟ # وقال آخر يهجو ~~رجلا: # يا حابس الروث في أعفاج بغلته %~% شحا على الحب من لقط العصافير # وهذا شبيه بقول الشاعر: # رأيت الخبز عز لديك حتى %~% حسبت الخبز في جو السحاب # وما روحتنا لتذب عنا %~% ولكن خفت مرزئة الذباب # وهذا ليس من الهجاء الموجع، وإنما الهجاء ما يكون في الناس مثلة. # قالوا لحمدان أبي سهل اللحياني: علمت أن برذون صاحب الحبس PageV02P234 ~~نفق؟ قال: والهفاه! كنت أرجو أن يكسد فيخسر، فإذا هو قد باع وربح. فظن أن ~~قوله: قد نفق، من نفاق السلعة. # ومثل هذا وليس من ذكر البغال في شيء، ما سمع رجل رجلا ينشد قوله: # وكان أخلائي يقولون مرحبا %~% فلما رأوني معدما مات مرحب # فقال: مرحب لم يمت، قتله علي بن أبي طالب عليه السلام! # ونظر أبو الحارث ms246 ~~جمين إلى أتان وحش ينزى عليها حمار أهلي، فأنشد: # لو بأبانين جاء يخطبها %~% رمل ما أنف خاطب بدم PageV02P235 # ونظر إلى برذون يستقى عليه الماء، فأنشد: # وما المرء إلا حيث يجعل نفسه %~% ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل # هذا لو هملج لم يصبه ما أصابه. # قالوا: وكان لأبي الحارث بغل قطوف، فلما أعياه استقى عليه الماء؛ فرآه ~~يوما في الطريق، وعليه مزداة ثقيلة، وهو يمشي تحتها مشيا وطيئا؛ فقال: لو ~~مشى تحت الخفيف كما يمشي تحت الثقيل، وكان الإنسان أحب إليه من الراوية، ~~ربح هو الكرامة، وربحت أنا الوطاءة! # قال: ونظر أعرابي إلى بغل سقاء، وقد ~~تفاج ليبول، فاستحثه بالمقرعة، وقطع عليه البول. فقال الأعرابي: إنها إحدى ~~الغوائل، قطع الله منك الوتين!. # قال إبراهيم بن داحة: كان في طريق الموصل سكة بريد، وبقرب السكة مسجد ~~ومستراح للمسافر، وفي تلك السكة بغل لا يرام PageV02P236 # ولا يمانع، وكان إذا انقلت من قيده وسلسلته، وقد عاين برذونا أو بغلا أو ~~فرسا، اغتصبه نفسه، واقتسره اقتسارا، فلا ينزع عنه حتى يكومه، وربما قتله، ~~لعظم جردانه، وإن كان عليه راكبه صرعه، وربما قتله، حتى جاء شيخ أعرابي على ~~فرس له أعرابي أعجف بادي الحراقيف، حتى نزل عن فرسه على دكان ذلك المسجد، ~~وعلق المخلاة في رأسه، وحل حزامه، وترك عليه سرجه، وأخذ مخلاته، وجاء البغل ~~قد أدلى، يريد أن يركب فرس الأعرابي، فجمع رجليه، فواتر على جبهة البغل، ~~وعلى حجاج عينيه، فرمحه خمس رمحات أو ستا متواليات، كلها يقع حافرا رجليه ~~معا، فنكص البغل شيئا يسيرا، ثم عاوده، فنثر على وجهه وحجاج عينيه مثل ذلك ~~العدد، في أسرع من اللحظ، وفرس الأعرابي في ذلك كله واقف لا يتحلحل، ~~والأعرابي قد ضحك حتى استلقى، فولى البغل يريد السكة، فشد عليه فرس ~~الأعرابي من بين يديه، فلحقه الفرس فعضضه، وكامه الفرس، ورجع الفرس إلى ~~موضعه، ودخل البغل السكة فكبروا عليه، ونثروا عليه الروث اليابس، وشمت به ~~جميع الساسة، وافتروا عليه، فترك البغل ذلك الخلق. وقال الأعرابي وكأنه ~~يخاطب البغل: ms247 # ظننت فريس الشيخ يا بغل نهزة %~% فجئت مدلا كالهزبر تطاوله PageV02P237 # فوليت مفلولا وطابقت مذعنا %~% كما طابقت للبغل يوما حلائله # قال: وقدموا إلى سليمان بن عبد الملك جديا سمينا، فقال: لأبي السرايا - ~~وكان من مجانين الأعراب - كل من شحم كليته، فإنه يزيد في الدماغ. قال: لو ~~كان الأكل من كلى الجدي يزيد في الدماغ، كان رأس الأمير أعظم من رأس ~~البغل!. # وإنما قال الأمير، لأن سليمان كان يومئذ ولي عهد. # وقد غلط من زعم أنهم كانوا وضعوا قدام سليمان جديا، وإنما كان يأكل ~~ملوكهم الحملان، لأنها هناك أطيب ويسمونها: " العماريس ". # ولما قدم عبد الملك بالكوفة، وضعوا بين يديه جديا، قال: فهلا جعلتموه ~~عمروسا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، تلك عماريس الشام؛ فأما العراق فجداؤها ~~أطيب وأكرم. # وتفاخر ناس بكبر الأيور، وشيخ جالس لا يخوض معهم؛ فلما أكثروا قال الشيخ: ~~لو كان كبر الأيور مجدا كان البغل من بني هاشم! PageV02P238 # وشهد مزبد المديني عند قاضي المدينة بشهادة؛ وكان ذلك القاضي مفرط الحدة، ~~شديد البطش، سريع الطيرة، فقال له القاضي: أعلي تجترئ وعندي تشهد؟! جرا ~~برجليه وألقياه تحت البغلة! فلما أمعنا به نحو البغلة، التفت إلى القاضي ~~فقال: أصلحك الله، كيف خلقها؟ فضحك وخلى سبيله. # وكان نميلة بن عكاشة النميري متكايسا؛ فدخل دار بلال بن أبي بردة، فرأى ~~ثورا مجللا، فقال: سبحان الله! ما أفرهها من بغلة لولا أن حوافرها مشقوقة! # قالوا: ورأى الطائف باليل شخصا عظيما قد اخنس عنه، فشد نحوه، فإذا حمدوية ~~المخنث قد جلس كأنه يخرأ، ولم يكن خراء، وكان قد جلس على روث؛ فقال له: أنت ~~أي شيء تصنع ها هنا هذه الساعة؟ قال: خرجت أخرأ. فنظروا فإذا تحته روثة، ~~قالوا: مالك، صرت بغلا؟ قال: هذا زيادة عليكم، كل إنسان يخرأ ما يشاء! # قال أبو الحسن: نظر جحا إلى رجل بين يديه يسير على بغلة، PageV02P239 ~~فقال للرجل: الطريق يا حمصي! فقال الرجل: ما يدريك أني حمصي؟ قال: رأيت ~~حر بغلتك، فإذا هو يشبه الحاء، ورأيت فقحتها فرأيتها تشبه الميم، ورأيت ms248 ~~ذنبها فإذا هو يشبه الصاد، فقلت: إنك حمصي! # قالوا: وابتاع عبادي بغلا، فمر ~~بالحي، فقالوا: بارك الله لك! قال: لا تقولوا هكذا. فكيف نقول؟ قال: قولوا: ~~لا بارك الله لك فيه! قالوا: سبحان الله! أيقول هذا أحد لأحد له فيه رأي؟ ~~قال: قولوا كما أقول لكم! قالوا: لا بارك الله لك فيه! قال: وقولوا: وأعضك ~~ببظر أمك! قالوا: نعم، قال: إن أنا أعرتكموه أبدا! # وهذا يشبه حديث سندية ~~الطحانة، وكانت تطحن بالنهار، وتؤدي الغلة وتخدم أهلهاباليل، فانكسفت الشمس ~~يوما، فقالت لها مولاتها: اذهبي يا شهدة، أنت حرة لوجه الله! قالت: أليس قد ~~صرت حرة! ثم عدت PageV02P240 ~~من بين يديها، فقامت على باب الدار رافعة صوتها تقول: من قال لي زانية ~~فهي زانية، من قال لي لصة فهي لصة، من قال لي قوادة فهي قوادة. هاتي الآن ~~رحى لك! # وأخبرني أبو الزبير كاتب محمد بن حسان، قال: وقف الهيثم بن مطهر ~~الفأفاء على باب الخيزران ينتظر رجلا يخرج من عندها، فبعث إليه عمر ~~الكلوذاني: قد نهينا أن نجعل ظهور دوابنا PageV02P241 ~~مجالس، فانزل عن ظهر دابتك؛ فالأرض أحمل لثقلك. فقال للرسول: إني أنتظر ~~رجلا قد حان خروجه، فبعث إليه: أن انزل عن دابتك، فإذا خرج صاحبك فاركب ~~والحق به. فقال للرسول: أعلمه أني أعرج، وأنا مع هذا رجل مثقل باللحم، ولا ~~آمن أن يسبقني الرجل سبقا بعيدا، فلا ألحقه. فرد الرسول، فقال: يقول لك: إن ~~أنت نزلت، وإلا أنزلناك صاغرا. فقال الهيثم: قل له: إن كنت إنما تنظر ~~للبغل، فهو حبيس في سبيل الله؛ إن أنزلتني عنه، إن أقضمته حبة شعير شهرا، ~~فسله الآن: أيما أحب إليه: ركوبي له ساعة، أو حرمان الشعير شهرا! فلما ~~جاءته الرسالة قال: ويلكم! هذا شيطان! دعوه في لعنة الله. # قال: ونظر إليه جعفر والفضل ابنا يحيى، وهو واقف في ظل قصر من قصور ~~الشماسية، فنظر إلى شيخ عجيب الخلقة، وإذا تحته بغل أعجف، يكاد يسقط هزالا ~~وضعفا؛ فقالا له: يا شيخ، لولا تعالج بغلك هذا حتى ms249 يعود سمينا فارها في ~~أيام يسيرة، بأيسر مئونة؟ قال: بأي شيء أعالجه؟ قال: PageV02P242 ~~تأخذ عشرة أمناء مسك وعنبر، وتعجنها بعشرة أمناء من بان الغالية، وتطليه ~~به طلية واحدة. فتجافي عن سرجه فولى وجوههما ظهره، ثم ضرط ضرطة صلبة؛ قالا: ~~ما هذا؟ قال: هذا لكما على الصفة، ولو قد أنجع الدواء خرينا عليكم!. # وحدثونا عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، قال: كان رجل عياب، فأبصر ~~بغلة تحت شريح، فقال: أبا أمية، إن بغلتك لفارهة! قال: إنها إذا ربضت لم ~~تقم حتى تبعث. قال: لا خير فيها إذن!. # قال أبو الحسن: كان هشام بن عبد الملك يوما على باب يزيد بن عبد الملك ~~ينظر إلى بغال تعرض، فنظر إلى بغل منها لم ير الناس مثله في تمام خلق، ~~وطهارة خلق، ولين سيرة، وحسن صورة، فقال: ما يصنع أمير المؤمنين بهذه ~~الدواب كلها؟ لو أن رجلا اجتزأ بهذا البغل وحده، لكان مكتفيا. # قال: فلما ولى هشام، اتخذ البراذين البخارية، والبغال الفرهة؛ PageV02P243 ~~فأذكره رجل ذلك الكلام، فقال: وأنا على الرأي الأول، ولكن تأتينا أشياء ~~نحسد الناس عليها. ### || ما قيل من الشعر في البغال # قال: وكان عند محمد بن سليمان رجل مغفل؛ فأنشد رجل رجزا قيل في عمر بن ~~هبيرة: # جاءت به معتجرا ببرده %~% سفواء تردي بنسيج وحده # تقدح قيس كلها بزنده # فقال الشيخ: بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم! لأنه ظز حين سمع بذكر ~~البرد والبغلة، أنه النبي صلى الله عليه وسلم. # وإنما هذا كقول أبي دهبل: PageV02P244 # تحمله الناقة الأدماء معتجرا %~% بالرد، كالبدر جلى ليلة الظلم # ومثل قول ابن المولى لجعفر بن سليمان: # أوحشت الجماء من جعفر %~% فجانبا عين أبي مشعر # لما غدا تحمله بغلة %~% معتجرا كالقمر الأزهر # ولما قال المديني وهو بالحجاز، وذكر أبا البختري وهو قاض PageV02P245 ~~ببغداد، وإنما ضرب به المثل، ولم تكن قصيدته موجهة إليه، فلما سمع قوله ~~أبو البختري: # لو كنت تطلب شأو الكرام %~% فعلت فعال أبي البختري # تتبع إخوانه في البلاد %~% فأغنى المقل عن المكثر # قال: ms250 يا غلام، علي بأربعمائة درهم، وتخت فيه أربعون ثوبا، وبغلة ناجية. ~~فأعطاه، أو فبعث بها إليه. # وقال بعض المحارفين الفقراء، أو الطياب الشعراء: # أتراني أقول يوما من الده %~% ر لبعض التجار أفسدت مالي # أو تراني أقول: من أين جاءت %~% لدوابي بذا الشعير جمالي # أو تراني أقول: يا قهرماني %~% ل غلامي موفقا عن بغالي # أو تراني أمر فوق رواق %~% لي عال في مجلس لي عالي # أسرجوا لي، فيسرجون دوابي %~% فأقول: انزعوا السروج، بدالي PageV02P246 # هذيانا كما ترى وفضولا %~% دائم النوك من عظيم المحال # ومن هذا الباب قول الآخر: # أخي قد أوب الحجيج وما %~% أملك لا بغلة ولا فرسا # الله بيني وبين كل أخ %~% يقول: اجدم وقائل: عدسا # وقال رجل من بني شيبان، واقترض، فندم بعد أن ركب البغال المقصصة بدلا من ~~النجائب والخيل: # بدلت بعد نجائبي وركائبي %~% أعواد سرج مقصص هملاج # ووقعت في عدس كأني لم أزل %~% شنقا لقولي للنجائب: عاج # والله لولا أن أضيع غزوتي %~% لرجعت منقلبا لها أدراجي PageV02P247 # وقال الحسن بن هانئ: # غنيت بمركب البرذون حتى %~% أطاح الكيس إغلاء الشعير # فحلت إلى البغال فأعوزتني %~% وحلت من البغال إلى الحمير # فأعيتني الحمير فصرت أمشي %~% أزجي المشي كالرجل الكسير # وما بي، والحميد الله، كسر %~% ولكن فقد حملان الأمير # وقال ربيعة الرقي: # وبلائي أن أمي %~% أثقلتني بإزاري # فإذا ما قمت أمشي %~% هم خصري بانبتار # كل ذا أحمل وحدي %~% أين من أمي فراري # أمتا هذا وربي %~% حمل برذون بخاري # أمتا لست ببرذو %~% ن ولا بغل مكاري PageV02P248 # وقال الحكم بن عبدل: # مررت على بغل تزفك %~% كأنك ديك مائل الرأس أعور # تخايلت في جنية لتروعنا %~% وأنت إلى وجه يزينك أفقر # وقال حنظلة بن عرادة: # تخيرت الملوك فحط رحلي %~% إلى سلم ولم يخط اختياري # يقولون اعتذر من حب سلمى %~% إذن لا يقبل الله اعتذاري # إذا مرت بجسركم بغالي %~% فقوموا فانظروا في شأن داري # وقوموا ظالمين فهدموها %~% وألقوا من صحيفتكم صغاري # وحمل أبو دفافة بن سعيد بن سلم دعبلا الشاعر على بغل، فوجده - زعم - ذا ~~عيوب فكتب إليه: ms251 PageV02P249 # حملت على أعرج حارن %~% فلا للركوب ولا للثمن # حملت على زمن شاعرا %~% فسوف تكافأ بشكر زمن # وخرج أبو هرمة الفراري من منزله على بغلة فارهة، فشرب بكل ما معه واحتاج، ~~فبادل بالبغلة حمارة، وقال: # خرجت ببغلة من عند أهلي %~% فجئت بها وقد صارت حمارة # فمن يك سائلا عني فإني %~% أنا الغاوي خليع بني فزارة # وبادل محمد بن الحارث قينة ببرذون؛ فألفاه صديق له صلاة الغداة وقد ركبه، ~~فقال: # عجت بالساباط يوما %~% فإذا القينة تلجم # قينة كانت تغني %~% مسخت برذونا ادهم # وقال الآخر: # يا فتح لو كنت ذاخز أجرره %~% تحتي سليم الشظا من نسل حلاب PageV02P250 # أو كنت ذا بغلة سفواء ناجية %~% وشاكريين لم أحبس عن الباب # أزري بنا أننا قلت دراهمنا %~% والفقر يزري بآداب وأحساب # وقال أبو العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة: # أخت بني شيبان مرت بنا %~% ممشوطة كورا أبا بغل # تكنى أبا الفضل فيا من رأى %~% جارية تكنى أبا الفضل # وأشعار ذكروا فيها البغال بالتهجين، ولم يقصدوا إلى أعضائها بشيء، ومنها ~~ما أرادوا بها من تحياز ركوبها، قال بعضهم في هجاء الموالي: # تأملت أسواق العراق فلم أجد %~% دكاكينها إلا عليها المواليا # جلوسا عليها ينفضون لحاهم %~% كما نفضت عجف البغال المخاليا # وقال طارق بن أثال الطائي: # ما إن يزال ببغداد يزاحمنا %~% على البراذين أمثال البراذين PageV02P251 # أعطاهم الله أموالا ومنزلة %~% من الملوك بلا عقل ولا دين # ما شئت من بغلة سفواء ناجية %~% ومن ثياب وقول غير موزون # وقال بعضهم في تشبيه الشيء بالشيء، وهذا شعر ينبغي أن يحفظ: # وهيج صوت الناعجات عشية %~% نوائح أمثال البغال النافر # يمخطن أطراف الأنوف حواسرا %~% يظاهرن بالسوءات هدل المشافر # بكى الشجو ما دون اللهى من حلوقها %~% ولم يبك شجوا ما وراء الحناجر # وما سمعنا في صفة النوائح المستأجرات، وفي اللواتي ينتحلن الحزن وهن ~~خليات بال، بأحسن من هذا الشعر. # وها هنا باب من الشعر حسن، وليس من هذا بعينه، ولكنه قد يشاكله من باب. ~~قال الشاعر: # ألا لا يبالي البرد من جر فضله %~% كما ms252 لا تبالي مهرة من يقودها # وقال آخر: # لا يحفل البرد من أبلى حواشيه %~% ولا تبالي على من راحت الإبل PageV02P252 # وقال آخر: # أهينوا مطاياكم فإني رأيته %~% يهون على البرذون موت الفتى الندب # وقال آخر: # وإني لأرثي للكريم إذا غدا %~% إلى طمع عند اللئيم يطالبه # وأرثي له من مجلس عند بابه %~% كمرثيتي للطرف والعلج راكبه # وقال مسلم بن الوليد في برذون ابن أبي أمية: # قل لابن أمي: لا تكن جازعا %~% لا يرجع البرذون بالليت PageV02P253 # طأمن من جأشك فقدانه %~% وكنت فيه عالي الصوت # وكنت لا تنزل عن ظهره %~% ولو من الحش إلى البيت # ما مات من سقم ولكنه %~% مات من الشوق إلى الموت # وأنشد: # بكيت عيني لبرذوني السمندي %~% بكاء أخي محافظة وود # وكان لنا حمولة كل زق %~% وكان لكل سكبان مؤدي PageV02P254 ### || طبائع البغال وما قيل فيها # قال: ركب صخر بن عثمان بغلا، ليبكر عليه في حاجة، فقال له عثمان بن ~~الحكم، وهو سيد ثقيف في عصره: إن كنت تركبه على أنه عدو فاركبه، وإلا فدعه. # وقال أبو الحسين النخاس - واسمه الحارث، وهو الذي يقال له مؤمن آل فرعون ~~- إنما يجمح البرذون ليصرع راكبه فقط، ألا تراه إذا سقط عنه، أو رمى بنفسه ~~عن ظهره، وقف البرذون؛ إلا برذونا واحدا، فأتى رأيته شد عليه بعد أن ألقاه، ~~يكدمه ويرمحه، وكان الناس يشدون عليه، فيتنحى عنه ويشد عليهم، فإذا أجفلوا ~~من بين يديه رجع إليه يكدمه ويرمحه. # وقال من يذم البغال: البغل كثير التلون، به يضرب المثل، وهو مع هذا قتال ~~لصاحبه. قال ابن حازم الباهلي: PageV02P255 # ما لي رأيتك لا تدو %~% م على المودة للرجال # متبرما أبدا بمن %~% آخيت، ودك في سفال # خلق جديد كل بو %~% م مثل أخلاق البغال # وقال آخر في تلون أخلاقه: # ومتى سبرت أبا العلاء وجدته %~% متلونا كتلون البغل # قال آخر: # يزيد تزري به عندي سجيته %~% كالبغل، لا شاعر فحل ولا راوي # وقال عثمان بن الحكم: كان عندنا في الحي فتى ولدته امرأة مذكرة، لرجل ~~مؤنث: فما رأيت ولا سمعت بخلق ms253 ردي من أخلاق البغال، إلا وقد رأيته فيه. # وقال آخر: # الشؤم منها في ذوات الحجل %~% وغرة تصدع جمع الشمل PageV02P256 # وهو خلاف الفرس الهبل %~% وكل طرف ذائل رفل # قد حذر الناس أذاه قبلي %~% وعددوا كل قتيل بغل # من ناشئ غر وكهل جزل %~% وسائس ورائض مدل # وكلهم قال بقول عدل %~% وليس يحصى عيبه ذو عقل # إلا الذي يعلم عد الرمل %~% منهم أبو الفضل أخي وشكلي # مجرح الوجه كسير الرجل %~% ومزيد وجابر المستملي # كان معبد بن أخضر المازني - وهو أخو عباد بن أخضر قاتل أبي بلال الخارجي ~~- عند سعيد بن عبد الرحمن بن عتاب، فخرج PageV02P257 ~~من عنده يوما على بغل فصرعه، وكسر سرجه، فركبه عريا، وانصرف إلى أهله، ~~فقال: # أما والله يا بن أبي سعيد %~% جزاك الله شرا من عميد # فلو في دار طلحة دق سرجي %~% لأداني على سرج جديد # فبعث إليه طلحة بسرج. # وأما ربيعة بن أبي الصلت، فقتله بغل على باب عبد الله بن عباس. ومن ولده ~~كلدة بن ربيعة، وكان شريفا شاعرا. # وممن قتلته بغلته، خالد بن عثمان بن عفان، رضي الله عنه؛ وذاك أن PageV02P258 ~~خالدا كان بالسقيا، فقال: هذا يوم الجمعة، لئن لم أجمع مع أمير المؤمنين ~~إنها للسوءة السوءى! فركب بغلة له لا تساير، فسار سبعين ميلا، فأتى المدينة ~~في وقت الصلاة: فخر ميتا، ونجت البغلة. # وممن قتلته البغال، المنذر بن الزبير، وكان يكنى أبا عثمان؛ حمل على أهل ~~الشام وهو على بغلة وردة، بعد أن ألح عليه عبد الله بن الزبير يذمره؛ فلما ~~سمعت البغلة قعقعة السلاح نفرت، فتوقلت به في الجبل، حتى أخرجته من حدود ~~أصحابه؛ فاتبعه أهل الشام؛ فناداه عبد الله: انج أبا عثمان، فداك أبي وأمي! ~~فعثرت البغلة، ولحقه أهل الشام، فقتلوه. PageV02P259 # ولذلك قال يزيد بن مفرغ في هجائه لعبيد الله بن زياد: # لابن الزبير غداة يذمر منذرا %~% أولى بغاية كل يوم دفاع # وأحق بالصبر الجميل من امرئ %~% كز أنامله قصير الباع # قال: وأردف عباسا المشوق الشاعر، بعض الفتيان خلفه على بغلة له، ووعده ms254 أن ~~يهب له ويكسوه، وحرن البغل، فسقط الرجل فاندقت فخذاه، فقال المشوق: # ليت ما أمسى برجلي %~% ك برجلي وبكفي # ليس للبغلة ذنب %~% إنما الذنب لحرفي # وممن صرعته بغلته: البردخت الشاعر، واسمه علي بن خالد PageV02P260 ~~وهو الذي كان هجا بن جرير بن عطية، فقال جرير: من هذا الهاجي؟ قالوا: ~~البردخت. قال: وأي شيء البردخت؟ قالوا: الفارغ؟ قال: فلست أول من صير لهذا ~~شغلا. # وكان زيد الضبي هو الذي حمله على ذلك البغل الذي صرعه، فقال: # أقول للبغل لما كاد يقتلني %~% لا بارك الله في زيد وما وهبا # أعطاني الحتف لما جئت سائله %~% وأمسك الفضة البيضاء والذهبا # وهو الذي كان هجا زيدا بأنه حديث الغنى، وأتاه وهو أمير في يوم حفله، ~~فقال: # ولست مسلما ما دمت حيا %~% على زيد بتسليم الأمير # فقال زيد: لا أبالي والله! فقال هو: # أتذكر إذ لحافك جلد شاة %~% وإذ نعلاك من جلد البعير # قال: إي والله! قال: # فسبحان الذي أعطاك ملكا %~% وعلمك الجلوس على السرير # قال زيد: نعم، سبحانه! فخرج وعليه فضل. # قالوا: ونفر بغل كان تحت محمد بن هارون، أخي سهل بن هارون PageV02P261 ~~البليغ الكاتب الشاعر. قالوا: وإنما كان البغل ارتد فزعا، فقطع من جوفه ~~بعض العلائق، فمات على ظهره، في وسط مربعة باب عثمان نهارا. # وقد تصدم الدابة، فيموت الراكبان والمركوبان. ### || الوقوع على البغال # وخبرني سعيد بن أبي مالك أن غلاما كان لبعض أهل القطيعة ينيك بغلة ~~لمولاه؛ وأنها في بعض الأيام وقد أدعم فيها، فاستزادته، فتأخرت وتأخر، حتى ~~أسندته إلى زاوية من الإصطبل، فضغطته حتى مات. ودخل بعض الغلمان لبعض ~~الحوائج، فرأى الباب عليهما مغلقا، فنادى باسم الغلام فلم يجبه؛ فقلع ~~الباب، فإذا الغلام مسند إلى الزاوية وقد مات، وهي تضغطه، فصاح فتنحت وسقط ~~الغلام ميتا. # ويقولون: إنها تفضح السائس الذي يكومها، لأنها تتلمظ إذا عاينته، ولا ~~تفعل ذلك بغيره، فهي إما أن تقتل، وإما أن تفضح. # وأنشدوا لقيس بن يزيد، في هجائه ابن أبي سبرة حين رماه بنيك بغلته، قال: PageV02P262 # نبئت بغلتك التي ms255 أتلدتها %~% لا تستقر لديك ما لم تسفد # تدنو بمؤخرها إليك إذا رأت %~% أن قد علوت لها جدار المذود # قالوا: ولما أخذ فتيان من فتيان بني كليب الفرزدق، وأتوه بأتان، وقالوا: ~~والله لتنزون عليها، كما رميت بذلك عطية بن الخطفي، أو لنقتلنك! قال: إن ~~كان فهاتوا الصخرة التي كان يقوم عليها إذا ناكها، حتى أنا لها! فضحكوا ~~جميعا من ظرفه، وخلوا سبيله. ### || من قتلته البغال # وممن قتلته البغال: زيد بن حلق الرائض، وولد حلق معروفون عندنا بالبصرة. # وممن قتلت البغال: محمد بن سعيد بن حازم المازني، وعمرو بن هداب أحد ~~عمومته، قتله بغل بتستر. # ومات المهلب بن أبي صفرة على ظهر دابته بالطالقان. PageV02P263 # ومات إياس بن هبيرة العبشمي صاحب الحمالة، على ظهر حمار. # ولم يمت على ظهر حمار كريم. ### || صرع البغال # وكانت بغلة أعين المتطبب تصرع، وكان أعين يصرع، فصر عامرة معا قبالة دور ~~بني السمهري، فقام رجال منهم فأدخلوه الدار، فنوموه على فراش، ووكلوا ~~بالبغلة من أدخلها الإصطبل، فلما أفاق وفتح عينيه أنكر موضعه، فقالوا: إنما ~~أنت في دار بني السمهري وهم اخوتك وأهلك. فقال: كيف أشكركم وأنتم أعد ~~وأيسر؟ ولكن أعلمكم بعض ما لا غنى بكم عنه: إذا أتى أحدكم الغائط فليمتسح ~~بشقق القصب، فإنه إن كان هناك شيء من هذه الأورام حلقه واستأصله على ~~الأيام، وإن لم يكن هناك شيء لم تعرض له هذه العلة ما دام يستعمل القصب. ~~وإن خرجت على أحد منكم بثرة فلا يحكها، وإن دغدغته ووجد فيها أكالا، فإن ~~ذلك الحك ربما أنفر ذلك المكان، وجذب إلى مكانه من الفساد ما يصير به بثرة، ~~فإن حك البثرة فربما صارت خراجا. # وقال لي كم شئت من أصحاب القصب والبواري: نحن لا تعترينا البواسير؛ لطول ~~قعودنا على القصب والبواري. PageV02P264 ### || ذكر الانتفاع بالبغال في البرد في الجاهلية والإسلام، وتعرف حقائق الأخبار، وأنها آلة من آلات السلطان عظيمة، ولا بد للسلطان والملوك من تعرف الأخبار. # قيل لشيخ ذي تجربة: ما أذهب ملك بني مروان؟ قال: ما زال ملكهم ms256 قائما حتى ~~عميت عليهم الأخبار. وذلك أن نصر بن سيار، كان صاحب خراسان، قبل خروج أبي ~~مسلم وقوة أمره، إلى أن قوي عليه حتى هرب منه. وذلك أنه، وإن كان واليا ~~لأربعة خلفاء، فإنه كان مأمورا بمكاتبة صاحب العراق، وإن كان صاحب العراق ~~لا يقدر على عزله، وقد كان يزيد بن عمر يخاف أن يولى مكانه نصر بن سيار، أو ~~مسور بن عمرو بن عباد، فاحتال لمسور، ولم تمكنه الحيلة في نصر، فكان إذا ~~كتب PageV02P265 ~~إليه بالرأي الذي يحسم به من أسباب قوة المسودة، كتب بذلك إلى يزيد، فكان ~~يزيد لا يرفع خبره ولا يمده بالرجال، طمعا في أن يهزم أو يقتل، ونسى يزيد ~~أن غلبة أبي مسلم على خراسان، سبب لغلبته على الجبال، وإذا استحكم له ذلك، ~~لم يكن له همة إلا صاحب العراق. فلما طوى أخبار نصر، سد وجه الرأي والتدبير ~~على مروان، حتى كان الذي كان. # قالوا: ولما بلغ المأمون اختلاط من حال البريد، وجه ثمامة بن أشرس، ~~ليتعرف له ذلك. فلما رجع إليه وسأله، قال: يا أمير المؤمنين، تركت بغلا على ~~معلف كذا وكذا وهو يقرأ: " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ". # ومررت بسكة أخرى، فإذا بغل قد عدا على رجل عليه طيلسان أخضر، يظنه حزمة ~~علف، فعدا الرجل وعدا خلفه البغل، فصحت بالرجل: اطرح الطيلسان! فلما طرحه ~~وقف البغل يشمه. # ومررت بسكة أخرى، وإذا على المعلف بغل، وإذا هو يغني: # ولقد أبيت على الطوى وأظله %~% حتى أنال به كريم المأكل PageV02P266 ### || ما قيل في البريد وبغاله # ومما قالوا في شأن البريد وأصحابه، قول ابن أبي أمية: # إن ابن شاهك قد وليته عملا %~% أضحى وحقك عنه وهو مشغول # بسكة أحدثت ليست بشارعة %~% من دونها غيضة في وسطها غيل # ترى فرانقها في الركض مندفعا %~% تجري خريطته والبغل مشكول # وقال دعبل في بعض رجال العسكر، ممن كان ولي البريد: # ألا أبلغا عني الإمام رسالة %~% رسالة ناء عن جنابك شاحط # بأن ابن زيد حين يشحج شاحج %~% يمر ms257 على القرطاس أقلام غالط # أحب بغال البرد حبا مداخلا %~% يكلفه إثباتها في الشرائط # ولولا أمير المؤمنين لأصبحت %~% أيور بغال البرد حشو الخرائط # وقال دعبل أيضا: # من مبلغ عني إمام الهدى %~% قافية للعرض هتاكة PageV02P267 # لهذا جناح المسلمين الذي %~% قد قصه بوليك الحاكة # أضحت بغال البرد منظومة %~% إلى ابن زيد تحمل الناكة # وذكر الفرزدق في مرثية وكيع بن أبي سود البرد، فقال: # لتبك وكيعا خيل مغيرة %~% تساقي المنايا بالر دينية السمر # لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة %~% دعوها وكيعا والجياد بهم تجري # وبين الذي يدعو وكيعا وبينه %~% مسيرة شهر للمقصصة البتر # وقال ابن المعذل في جارية لبعض ولد سعيد بن سلم، وقد ولى البريد: PageV02P268 # دهتك بعلة الحمام فوز %~% ومال بها الرسول إلى سعيد # أرى أخبار دارك عنك تخفى %~% فكيف وليت أخبار البريد # ولما فخم ابن غسطة عظيم الروم شأن ملكه، ثم قال للرسول: هل عندكم بعض ما ~~تعارضوني به؟ قال: نعم، لملكنا أربعون ألف بغل موقوفة على إبلاغ رسائله ~~وأخباره، من واسطة ملكه إلى أقطار سلطانه. فأفحمه. # يعني بغال البريد. قال هذا وحال البرد على غير هذه الحال، ولم يعرفوا ~~توجيه الخرائط في الماء، وعلى أيدي الرجال. # وابن غسطة هو الذي ذكره سلم الخاسر في قصيدته التي مدح فيها الرشيد، قال: PageV02P269 # منع ابن غسطة رأسه بخراجه %~% ولقد يكون وما عليه خراج # قالوا: ولما رأى نصر أن يزيد بن عمر يميت أخباره، ليموت ذكره عند الخليفة ~~كتب إليه: # أبلغ يزيد وخير القول أصدقه %~% وقد علمت بأن لا خير في الكذب PageV02P270 # وكنب إليه: # أرى تحت الرماد وميض نار %~% فيوشك أن يكون لها ضرام # فإن النار بالعودين تذكى %~% وإن الحرب أولها الكلام # فقلت تعجبا: يا ليت شعري %~% أأيقاظ أمية أم نيام # حدثني علي بن المديني، قال: كان يزيد بن زريع إذا سمع PageV02P271 ~~أصحاب الحديث يخوضون في أبي حنيفة، وفي كيف عظم شأنه بعد خموله، قال: ~~هيهات! طارت بفتياه البغال الشهب!. # قالوا: ووجه معاوية لما كلموه في يزيد بن ربيعة بن مفرغ رجلا مجردا، ~~لإخراجه من السجن، فخرج ms258 حتى أتى سجستان فأخرجه، فبلغ ذلك عباد بن زياد، ~~فأرسل إلى حمحام، فلما رأى عهد معاوية كف، وأقبل حمحام بابن مفرغ على بغلة ~~من بغال البريد، وأنشأ ابن مفرغ يقول: PageV02P272 # عدس ما لعباد عليك إمارة %~% نجوت وهذا تحملين طليق # طليق الذي نجى من الكرب بعد ما %~% تلاحم في درب عليك مضيق ### || قولهم للبغلة عدس # قوله: " عدس ما لعباد عليك إمارة "، فزعم ناس أن " عدس " # اسم لكل بغلة ~~كمن، وذهبوا إلى قول الشاعر: # إذا حملت بزتي على عدس %~% على التي بين الحمار والفرس # فما أبالي من غزا ومن جلس # قالوا: وإنما قوله " عدس " على مثل قول خالد بن صفوان حين فاخر اليمانية، ~~وقال: " والله ما منهم إلا ناسج برد، أو سائس قرد، أو دابغ جلد، أو راكب ~~عرد، غرقتهم فأرة، وملكتهم امرأة، ودل عليهم هدهد ".. PageV02P273 # وقال آخرون: قولهم: " عدس " للبغلة مثل قولهم: " سأسأ " للحمار، و " حا " ~~للجمل، و " حل " للناقة. ألا تراه حين سخر الأعرابي من صاحبه، وحين جهله ~~قال: # يقول للناقة قولا للجمل %~% يقول حا ثم يثنيه بحل # قالوا: إلا ترون أن الفرزدق لما خلع لجام بغلته، وأشرعها في ثغاب مسجد ~~بني أسيد، قال له جرنفش المجنون: نح بغلتك، جد الله ساقيك! قال الفرزدق: ~~ولم عافاك الله؟ قال: لأنك زاني الكمرة، PageV02P274 ~~كذوب اللسان. فلما سمع ذلك منه ركب بغلته، وقال: عدس، كما يقال للفرس " ~~اجدم "، وللثور: " وح ". ### || أشعار في البريد # وقد ذكر امرؤ القيس البريد، فقال: # ونادمت قيصر في ملكه %~% فأوجهني وركبت البريدا # إذا ما ازدحمنا على سكة %~% سبقت الفرانق سبقا بعيدا # ومما قالوا في البريد، قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك: # طال ليلي وبت أسقى المداما %~% إذ أتاني البريد ينعي هشاما PageV02P275 # وأتاني بحلة وقضيب %~% وأتاني بخاتم ثم قاما # وذكر البريد الكميت في مديح أسماء بن خارجة، فقال: # إذا ما مات أسماء بن حصن %~% فلا مطرت على الأرض السماء # ولا قام البريد بغنم جيش %~% ولا حملت على الطهر النساء # فيوم منك خيرمن رجال %~% يروح عليهم نعم وشاء PageV02P276 # وقال أيمن ms259 بن خريم الأسدي: # ركبت من المقطم في جمادى %~% إلى بشر بن مروان البريدا # فلو أعطاك بشر ألف ألف %~% رأى حقا عليه أن يزيدا # وقال آخر: # إذا ما بريد الشام أقبل نحونا %~% ببعض دواهي الدهر سار فأسرعا # فإن كان شرا سار يوما وليلة %~% وإن كان خيرا قصد السير أربعا PageV02P277 ### || رؤيا البغال وتأويلها # سمعت أبا شعبة الأعمى المعبر، ونحن بالنهروان، سنة قدم الحسن بن سهل، وهو ~~يقول لمويس بن عمران: اذكر لإخوانك هؤلاء رؤياك، وتعبيري لها. قال: نعم، ~~قلت لك: رأيت فيما يرى النائم كأني على بغل بريد، فقلت لي: تحم يومين وثلثي ~~يوم، فكان كما قلت؛ فسألتك عن العلة، فقلت: لأن تشريف ذنب البغلة تشريفتان ~~وثلثا تشريفة. # وقال الأصمعي: أرسل الحجاج إلى الجرمي المعبر، يسأله عن رجل رأى كأنه على ~~بغلة، وكأنه على شرف، وكأنه يستف ترابا، فقال له: أما البغل فطول عمر، وأما ~~الشرف فشرف من شرف الدنيا، وأما التراب ففيء تأكله. # وقالوا: وسأل بعض المصريين الفراء المعبر، فقال: رأيت كأن معي درهما ~~بغليا. قال: لست تمسي حتى تأكل شيئا طيبا. فكان كذلك. PageV02P278 # ثم أتاه بعد أيام، فقال: رأيت فيما يرى النائم كأن معي درهما بخيا. قال: ~~لست تمسي حتى تضرب ضربا وجيعا! فكان كذلك. فسأله عن العلة، فقال: الدرهم ~~البغلي مكتوب عليه بالفارسية: " خش بخر " ترجمة PageV02P279 ~~هذه الكلمة: " كل طيبا ". والدرهم البخي مكتوب عليه: " ضرب هذا الدرهم ". ~~وهما مختلفان. # وأنشد الحكم بن عبدل أسماء بن خارجة شعرا ذكر فيه أنه رآه في المنام، ~~فقال: # أغفيت قبل الصبح نوم مسهد %~% في ساعة ما كنت قبل أنامها # فرأيت أنك رعتني بوليدة %~% مغنوجة حسن علي قيامها # وببدرة حملت إلي وبغلة %~% شهباء ناجية يصل لجامها # فدعوت ربي أن يثيبك جنة %~% عوضا يصيبك بردها وسلامها # قال أسماء: كل ما رأيته في النوم فهو عندنا كما رأيت، إلا البغلة فإنها ~~دهماء! قال: أعتق ما أملك إن كان رآها إلا دهماء، ولكنه غلط. PageV02P280 ### || استطراد لغوي يتعلق بالبغال # ومما اشتق من اسم البغل: " الدرهم البغلي ". وفي بني ms260 تغلب " رأس البغل " ~~وهو رئيس من رؤسائهم، وهو الذي كان إبراهيم بن هانئ الخليع نسب إليه. # وإذا كان الإنسان عظيم الرأس لقبوه: " رأس البغل ". # والبغلات: جوار من رقيق مصر، نتاج ما بين الصقالبة وجنس آخر، والواحدة ~~منهن يقال لها: " البغلة "، ولهن أبدان ووثارة وحدارة. PageV02P281 ### || معنى البغلة عند المصريين # ويروى عن بعض العراقيين، قال: كنت عند قاضي مصر، وهو يقول لبعض جلسائه: ~~عندي جارية أطؤها منذ حين، وقد اعتراني شبق، وأنا على أن أشتري بغلة. قلت: ~~وما تصنع ببغلة؟ قال: أطؤها، وأصيب منها. فقلت في نفسي: هذا أمجن الناس ~~وأحمقهم، يتكلم بهذا وهو قاض؟! ثم حكيت ذلك عند رجل من أهل مصر، فقال: ~~عافاك الله، ما منا من أحد إلا وعنده بغلات ينيكهن! فتعجبت، فلما رأى ~~إنكاري ذلك، فسر لي معنى البغلة عندهم. ### || ما قيل من الأمثال في البغال # قالوا: وإذا عظمت المرأة، وعظم بطنها، قالوا: " ما هي إلا بغلة "، وما ~~رأس فلان إلا رأس بغل، وما أيره إلا أير بغل، وما خلقه إلا من أخلاق ~~البغال. ### || بعض ما أضيف إلى الرأس # والمثل السائر: " كأنه جاء برأس خاقان "، " ورأس ~~الجالوت "، " PageV02P282 ~~ورأس الفاعوس "، " ورأس الكتيبة والقبيلة ". فلذلك قال عمرو بن كلثوم: # برأس من بني جشم بن بكر %~% ندق به السهولة والحزونا # وقال أبو المهوش الأسدي: # تراه يطوف الآفاق حرصا %~% ليأكل رأس لقمان بن عاد # ورأس بن أبي الرأس القائد، مشهور معروف. # ويقولون: " هذا على رأس الثمام ". PageV02P283 # وبالشام موضع يقال له: " بيت رأس " تباع فيه الخمر؛ ولذلك قال الشاعر: # مجاجة كرمة من بيت رأس # وبيت رأس بالشام مثل .... أبيات، وبيت لهيا. # ويقال: فلان رأس من الرءوس. # والرأس: رئيس السواس. ### || التبغيل # ومن سير الإبل سير يسمى: " التبغيل "، قال الراعي: # وإذا ترقصت المفاوز غادرت %~% ربذا يبغل خلفها تبغيلا PageV02P284 # والبغيلة: اسم ناقة كانت لجميل بن معمر، ولذلك قال: # أضر بأخفاف البغيلة أنها %~% حذار ابن ربعي بهن تحوم # ولذلك قال الرقاشي في صفة ناقة له تسمى " سروة ": # لعمرك ما البغيلة حين تغدو %~% وصيدح حين تسرح في الرحاب ms261 # كسروة حين تذرع عرض خرق %~% بعيد الآل مشتبه الظراب PageV02P285 # مما قالوا في البريد، قال رجل من الأنصار عند ولاية عمر بن عبد العزيز، ~~رضي الله عنه: # ثم جاء البريد يخبر أن القوم طرا لم يحرموا التوفيقا # من سكون وألفة واجتماع %~% لم يفارق منهم فريق فريقا # قلدوا الأمر سيد الناس كل الناس نفسا وأسرة وعروقا # من أبوه عبد العزيز بن مروا %~% ن ومن كان جده الفاروقا # وقال ابن أذينة الليثي: PageV02P286 # أتانا البريد التغلبي فراعنا %~% له خبر شف الفؤاد فأنعما # بموت أبي حفص فلا آب راكب %~% بموت أبي حفص أخب وأرسما # وذكر يزيد بن معاوية البريد، فقال: # جاء البريد بقرطاس يخب به %~% فأوجس القلب من قرطاسه فزعا # قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكم %~% قالوا: الخليفة أمسى مدنفا وجعا # فمادت الأرض أو كادت تميد بنا %~% كأن أغبر من أركانها انقلعا PageV02P287 ### || ضروب من البغال # وقد كان أيضا بالكوفة نتاج بين الخراسانية والهنديات، وكان أملح وأحسن ~~قدودا من البغلات اللواتي بمصر؛ وكانت ألوانهن تجيء ذهبية، لها حلاوة ~~الهندية، وروعة الخراسانية. ### || جواري الكوفة والبصرة # وكذلك مطهمات جواري الكوفة، زرقا تجدهن، إلا ~~الواحدة بعد الواحدة، وإنما الثمينات المرتفعات، والغوالي الخطيرات بصريات، ~~مثل عجوز عمير، ومتيم، وبذل، وعريب، PageV02P288 ~~وبذل: جارية المراكبي، وشارية: جارية إبراهيم بن المهدي، وزرياب الكبرى، ~~وعساليج: جارية الأحدب، وفضل: PageV02P289 ~~جارية العبدي. وقبل هذا سلسل وأشباه سلسل. ### || أخبار في البريد # وبرد كتب الملوك كانت ما بين فرغانة القصيا إلى السوس الأقصى، وكانت ~~البرد منظومة إلى كسرى، من أقصى بلاد اليمن إلى بابه، أيام وهرز، وأيام قتل ~~مسروق عظيم الحبشة. وكذلك كان عظيم الروم. قال امرؤ القيس: PageV02P290 # ونادمت قيصر في ملكه %~% فأوجهني وركبت البريدا # إذا ما ازدحمنا على سكة %~% سبقت الفرانق سبقا بعيدا # وكذلك كانت برد كسرى إلى الحيرة: إلى النعمان وإلى آبائه. وكذلك كانت ~~برده إلى البحرين: إلى المكعبر مرزبان الزارة، وإلى مشكاب، وإلى المنذر بن ~~ساوى، وكذلك كانت برده إلى عمان، إلى الجلندي PageV02P291 ~~ابن المستكبر. فكانت بادية العرب وحاضرتها مغمورتين ببرده، إلا ما كان من ms262 ~~ناحية الشام؛ فإن تلك الناحية من مملكة خثعم وغسان إلى الروم، إلا أيام ~~غلبت فارس على الروم. ولذلك صرنا نرى النواويس بالشامات إلى قسطنطينية. # وهل كانت برد كسرى إلى وهرز، وباذام، وفيروز بن الديلمي، وإلى اليمن، ~~وإلى المكعبر مرزبان الزارة، وإلى النعمان بالحيرة، إلا البغال؟ وهل وجدوا ~~شيئا لذلك أصلح منها؟ PageV02P292 ### || ما قيل من الشعر في البغال # ومما ذكروا به شأن البغال في الشعر وغيره، قول الشاعر: # جعل ابن حزم حاجبين لبابه %~% سبحان من جعل ابن حزم يحجب # وعجبت أن ركب ابن حزم بغلة %~% وركوبه فوق المنابر أعجب # وقال أعشى همدان، في خالد بن عتاب بن ورقاء وكنية خالد أبو سليمان، اكتنى ~~بكنية خالد بن الوليد، فقال: PageV02P293 # تمنيني إمارتها تميم %~% وما أمي بأم بني تميم # وكان أبو سليمان خليلي %~% ولكن الشراك من الأديم # أتينا أصبهان فهزلتنا %~% وكنا قبل ذلك في نعيم # أتذكرنا ومرة إذ غزونا %~% وأنت على بغيلك ذي الوشوم # ويركب رأسه في كل وهد %~% ويعثر في الطريق المستقيم # وليس عليك إلا طيلسان %~% نصيبي وإلا سحق نيم PageV02P294 ### || بغلة عكرمة # وكان عكرمة بن ربعي التيمي، الذي يقال له " الفياض "، يعجب ببغلة عنده، ~~وكان على شرط الحجاج، وكان لا يأتي الحجاج في موكبا مع الأشراط والوجوه إلا ~~عليها، وفيها يقول عكرمة: # لم أر شيئا بين شيئين مثله %~% أشد انتزاعا للتشابه في الأصل # تقسمه أطرافه فاستزالها %~% بقسمة عدل من يدي حكم عدل # وأنشد أبو زيد النحوي: # فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني %~% وما بعد شتم الوالدين صلوح PageV02P295 ### || شبه البغل بوالديه # وقال أصحاب البغال: لا نعلم شيئا من الحيوان ركب بين شيئين نزع إليهما ~~نزعا سواء لا يغادر شيئا غير البغل، فإن شبه أبويه عليه بقسمة عدل، وقد ذكر ~~ذلك محمد بن يسير في شعره الذي طلب فيه من مويس بن عمران بغلة لرحلة، فقال: # اضمم علي مآربا قد أصبحت %~% شتى بداد شتيتة الأوطان # بزفوف ساعات الكلال دليقة %~% سفواء أبدع خلقها أبوان # لم يعتدل في المنصبين كلاهما %~% عند التناسب منهما الجنسان # إلا تكن لأب أغر ms263 فإنها %~% تنمي إلى خال أغر هجان PageV02P296 # نزعت عن الخيل العتاق نجاءها %~% منها، وعتق سوالف ولبان # ولها من الأعيار عند مسيرها %~% جد وطول صبارة ومران # قال ذلك لأن حافر العير أوقح الحوافر، فأعطاه أبوه من الخصلة التي بان ~~بها من سائر الحوافر. ### || الخلق المركب # قالوا: وليس في جميع الخلق المركب مثل الراعبي، الذي هو من نتاج ما بين ~~الورشان والحمام: لم يأخذ من هداية أمه شيئا، ولم يعطه أبوه من طول عمره ~~شيئا. # ومن المركب: السمع، والعسبار. وكما تحكي الفلاسفة والمجربون عن الكوسج، ~~واللخم. PageV02P297 # والدجاج الخلاسي، من بين النبطي والهندي. وإذا كان مثل ذلك بين البيضاء ~~والحبشي فهو خلاسي، فإذا كان بين البيضاء والسندي فهو بيسري. وكذلك الخلاسي ~~من الكلاب الذي بين الكردي وبين السلوقي. # ومثل الجمازات التي تجيء بين فوالج البخت وقلاص العراب، ومثل البرذون ~~الشهري من الرمكة والفرس العتيق. # قالوا: فليس يعتدل في شيء من ذلك الشبه، كما يعتدل في البغل. # ولذلك قال الشاعر السواق، وهو إبراهيم مولى المهالبة: # تساهم فيه الخال والعم مثلما %~% تساهم في البغل الحمارة والطرف # فزعم في هذا الشعر أن هذا البغل أبوه فرس، وأمه أتان. وهذا خلاف ما رواه ~~أبو عبيدة. وأنشد أبو عبيدة: PageV02P298 # وشاركها في خيمها وهو راغم %~% كما شاركت في البغل عيرا حجورها # لأنهم يقولون: إذا كانت الأم رمكة، خرج البغل وثيجا قويا عريضا، وإذا ~~كانت الأم حجرا خرج البغل مسلكا، طويل العنق، وفيه دقة. # وذكر عن بعض الناس أنه شتم بعض الأشراف، فقال: " عجبت لقوم إذا قيل لهم: ~~من أبوكم؟ قالوا: أمنا فرس ". ### || رجع إلى ذكر بغلة عكرمة # ثم رجع القول بنا إلى ذكر بغلة عكرمة بن ربعي. # قالوا: فلما ألح عكرمة في ركوب ذلك البغل إلى باب الحجاج، كتب إليه بعض ~~بني عمه، يرد عليه امتداحه البغل باستواء الشبه فيه، ويخوفه بالحجاج إن ~~ارتفع إليه في الخبر أن صاحب أشراطه يأتي بابه في فرسان أهل العراق والشام ~~ووجوههم، على بغل. # وقال في كلمة له: # فكيف بغرمول وعمر سوى الذي %~% يكون ms264 لعير الأهل والفرس الفحل PageV02P299 # ورأس يجوز الخال والعم بعد ما %~% تحول شحاجا خلافا على الأصل # وليس شحيج البغل من عزف ناهق %~% وقد باعد الله الشحيج من الصهل # متى كان ذو الأشراط يركب بغلة %~% ويترك طرفا ذا تمام وذا نبل # عذيري من الحجاج إن ذاكر نعى %~% عليك ركوب البغل في ساعة الحفل # فما لك تجتاب الهويني مهملجا %~% إلى باب حجاج على المركب الرذل # أعيذك بالرحمن من زي تاجر %~% شقي لئيم الكسب ذي خلق نذل # بغيض إلى جاراته وبناته %~% وعرس له عرجاء بارزة الرحل # إذا زاره منهم شقي لحاجة %~% توثق من باب الخزانة والقفل PageV02P300 # وأنت امرؤ تندى بنانك باللهى %~% إذا ساء ظن الناس في الزمن المحل # بقية أشياخ كسوك ثيابهم %~% وأنت ولي القوم في البأس والبذل ### || صفة البغال في الشعر # ولما قال الحكم بن قنبر في قصيدته في البغل، وفيما يصلح له، ويرتفق به ~~منه، وفيها يقول: # وفي الرداغ، فإن الوحل مزلقة %~% وفي الطحين، وفي الحاجات، والرحل # وقال مسلم بن الوليد الأنصاري والحكم بن قنبر مازني، وكان الحكم قد عظم ~~شأنه في بني تميم، حتى كان يصلي على جنائزهم، فلما لج في رأي الشعوبية، ~~وقال في ذلك الأشعار، ضربته بنو مازن، وهم مواليه، فلما ألحوا عليه في ~~الضرب، نادى: يا آل تميم! فقال أعرابي: # يدعو تميما، وتميم تضربه %~% تلطمه طورا، وطورا تركبه PageV02P301 # وقال مسلم بن الوليد: # تركت صفات الخيل والخيل معقل %~% وأصبحت في وصف البغال الكوادن # حننت إليها رغبة في أيورها %~% فدونك أير البغل يا عبد مازن # وبغلته ودابته، قال بعض الشعراء يخاطب دابته: # فهبيها ليلة أدلجتها %~% فكلي إن شئت تبنا أو ذري # قد أتى مولاك خبز يابس %~% فتغذى وتعزى واصبري PageV02P302 # وقال آخر: # بت ظمآن وباتت بغلتي %~% تشتكي الخلوة في بيت عمر # صمت يا بغلة من غير تقى %~% ابشري بالصوم في شهر صفر # وقال آخر: # وإني إذا ما المرء آثر بغله %~% على نفسه آثرت نفسي على بغلي # وأبذله للمستعيرين لا أرى %~% له علة ما دام ينقاد في الحبل # وقال آخر: # أيا منزلي ms265 مالي عليك كرامة %~% إذا أنت لم يكرم عليك جوادي # وقال دعبل: # أتيت ابن عمران في حاجة %~% هوينة الخطب فالتاثها # تظل جيادي على بابه %~% تروث وتأكل أرواثها # غوارث تشكو إلي الخلا %~% أطال ابن عمران إغراثها # وقال ابن حازم: # وخليت برذوني يلوك شكيمه %~% خليطاه نعف دارس وطلول # وقال سهل بن هارون: بعثت وأنا صبي إلى جار لنا أستعير منه بغلا، فزعم أنه ~~مبطون، فغبرت أياما، ثم كتبت إليه: PageV02P303 # نبئت بغلك مبطونا فزعت له %~% فهل تماثل أو نأتيه عوادا ### || ما قيل في طول عمر البغل # قال أهل التجربة: ليس في جميع الحيوان الذي يعايش الناس، أطول عمرا من ~~البغل، ولا أقصر عمرا من العصفور، وظنوا أن ذلك لكثرة سفاد العصفور، وقلة ~~ذلك من البغل. # قالوا: ولذلك وجدنا طول الأعمار في الرهبان وأصحاب الصوامع خاصة، وفي ~~الخصيان عامة. ولذلك قال الراجز: # أحب أن أصطاد ضبا سحبلا %~% وخربا يرعى ربيعا أرملا # فجعله أرمل، ليكون أقوى له وأسمن. # قالوا: وقال معاوية: ما رأيا رجلا قط يستكثر من الجماع، إلا رأيت ذلك في ~~منته. PageV02P304 # وقال معاوية: كل خصال الشباب قد كان في، إلا أني لم أكن نكحة، ولا صرعة، ~~ولا طلعة، ولا ضحكة، ولم أك سبا. # قالوا: والبغل أطول عمرا من كل شيء من الحيوان، مما يعاش الناس في دورهم. # قالوا: وكل شيء ينتج ويولد ويتربى في منازل الناس، من طائر وسبع وبهيمة، ~~إذا تحول صاحب الدار، لم يتحول معه منها شيء، وآثرت الأوطان على صاحب ~~الدار، إلا الكلب، فإنه يؤثره على وطنه، ويموت دونه، ويصبر على جفائه ~~وإقصائه. ### || قصيدة لابن داحة يذكر فيها أعمار الحيوان الذي يعايش الناس # وأنشد إبراهيم بن داحة، لرجل ذهب عني اسمه، قصيدة وصف فيها أعمار الحيوان ~~التي تعايش الناس، فقال لأخيه: # عزمت على ذم البعير موفقا %~% وأن ليس في المركوب أجمع من بغل PageV02P305 # وأن اقتناء الإبل موق وحرفة %~% يبيت على يسر ويغدو على ثكل # وبين المنايا والبراذين نسبة %~% وكل نتاج الناس خير من الإبل # وقلت وشاهدت البغال وغيرها %~% فأحمدتها في العمر ms266 والهرم المبلي # وليس لها بذخ الخيول وكبرها %~% ولا ذلة العير الضعيف عن الرحل # ومؤنته في الصيف والشتو واحد %~% ولا خير في المؤنات من حامل الكل # ولا تركب الأرماك والحجر دونها %~% لدى المصر والبغلات تركب كالبغل # وقد فرق الرحمن بين شكولها %~% كما بين عير الوحش والآخر الأهلي PageV02P306 # وفي البغل في كل الأمور مرافق %~% ومركب قاض أو شيوخ ذوي فضل # فيركبها والخيل محدقة به %~% ويؤثرها يوم المباهاة والحفل # وقد جاوزت في السوم كل مثمن %~% من الرائع المنسوب والجامل البزل # يفوت هماليج البراذين سيرها %~% على قحة الأعيار من شبه النجل ### || ركوب البغلة والطمع في القضاء # ونحن بالبصرة إذا رأينا الرجل يطلب الرأي، ويركب بغلا، ويردف خلفه غلاما، ~~قضينا بأنه يطمع في القضاء. قال ابن الممزق: # إذا ركب الشيخ الشريف بغيلة %~% وناظر أهل الرأي عند هلال PageV02P307 # فداك الذي يبغي القضاء بسمته %~% ....... الذئب أم غزال # فإن أردف العبد الصغير وراءه %~% فويل لأيتام وإرث رجال # وإن ركب البرذون واشتد خلفه %~% فصاحب أشراط وحمل إلال # وقال ابن مناذر في واحد من هذا الشكل: # رأيت أبا موسى يغر بسمته %~% ويقسم في الجيران كر طعام # ويخدعهم والله غالب أمره %~% بقد كقد المشرفي حسام # يريد قضاء المصر والمصر منكر %~% لكل مراء مهتر بغلام # ببشر وسمت واكتئاب وخشعة %~% وكثرة تسبيح ولين كلام # ويركب بغلا ثم يردف خلفه %~% غلاما كما أبصرت شق جلام PageV02P308 # يريد هلالا لا يحاول غيره %~% وقدما سما للرأي غير مسام # سواء لذي الرأي الشريف وغيره %~% إذا كنت ذا حفظ فلج بسلام # يصير فقيها في شهور يسيرة %~% فيالك حفظا لم يشب بغرام # ولو كان خيرا كد ... %~% كما كد ذا الآثار بعد مرام # وما ضر سلمانا وكعبا وبعده %~% شريحا وسوارا ورهط هشام PageV02P309 # وياسا وياسا والغلابي بعده %~% ألاك الأولى كانوا نجوم ظلام # وما عرفوا النعمان .... %~% ولا زفر المستقي صوب غمام # لقد تاب مما أحدث القوم توبة %~% لساعة إخلاص ووقت حمام ### || تشبيه الأسد بالبغل # قالوا: ويشبهون الأسد بالبغل، إذا كان الأسد تام الخلق. قال نهشل بن حري: # وما سبق الحوادث ليث غاب %~% يجر ms267 لعرسه جزر الرفاق # كميت تعجز الخلعاء عنه %~% كبغل السرج حط من الوثاق # وقال أبو زبيد الطائي: # من الأسد عادي يكاد لصوته %~% رءوس الجبال الراسيات PageV02P310 # تقعر # كأن اهتزام الرعد خيط بجوفه %~% إذا جر فيه الخيزران المعتر # فأبصر ركبا رائحين عشية %~% فقالوا: أبغل مائل الرجل أشقر # أم الليث؟ فاستنجوا وأين نجاؤكم %~% فهذا ورب الراقصات المزعفر # ولأبي زبيد مثلها، في قصيدته التي ذكر فيها شأن كلبه، وشأن الأسد، فقال: # فجال أكدر مشتالا كعادته %~% حتى إذا كان بين البئر والعطن # لاقى لدى ثلل الأطواء داهية %~% أسرت وأكدر تحت الليل في قرن PageV02P311 # إلى مقابل خطو الساعدين له %~% فوق السراة كذفرى الفالج الغضن # رئبال غاب فلا قحم ولا ضرع %~% كالبغل حط من المحلين في شطن ### || الحمير الأخدرية # وزعم ناس من العلماء أن الحمير الأخدرية، وهي أعظم حمير الوحش وأتمها، ~~زعموا أن أصل ذلك النتاج أن خيلا لكسرى توحشت، وضربت في العانات، فكان ~~نتاجها هذه الحمير التي لها هذا التمام. # وقال آخرون: الأخدرية هي الحمر التي تكون بكاظمة ونواحيها، فهي كأنها ~~برية بحرية. # قالوا: ولا يجيء فيما بين الخيل والحمير إلا البغال، وليس للبغل نسل ~~يعيش، ولا نجل يبقى، فكيف لقحت هذه الأتن من تلك الخيل حميرا، ثم طبقت تلك ~~الصحارى بالحمر الخالصة؟ # وقالوا: وكان الملك من الأكاسرة إذا اصطاد عيرا وسمه باسمه، وبيومه الذي ~~اصطاده فيه، وأطلقه، فإن تهيأ أن يصطاد ذلك العير بعينه ملك من بعده، وسمه ~~مع وسم الملك الذي قبله بمثل تلك السمة وخلاه يذهب، فكان هذا الصنيع بعض ما ~~كانوا يعرفون به حمير الوحش. فعسى أن تكون هذه الحمير أو بعضها صار في ذلك ~~الصقع الذي هذا صفته، فإن للماء والتربة PageV02P312 ~~والهواء في هذا عملا ليس يخفى على أهل التجربة. # وكل عربي تراه بخراسان أصهب السبال، أحمر اللون، مفطوح القفا، فإن ~~الأعرابي الذي انتقل إلى ما هناك كان على ضد ذلك. ### || أثر البيئة في الحيوان # وقد رأينا بلاد الترك، فرأينا كل شيء فيها تركيا. ومن رأى دوابهم وإبلهم ~~علم أنها تركية. وحرة ms268 بني سليم التي جميع طيرها، وسباعها وهوامها وأهلها ~~كلهم سود. وهذا كثير جدا. # وقد نرى جراد البقل وديدانه خضرا، ونرى قمل رأس الشاب الأسود الشعر: ~~أسود، ونراه في رأس الشيخ الأبيض الشعر: أبيض، ونراه في رأس الخاضب ~~بالحمرة: أحمر. نعم حتى إنك لترى في القملة شكلة إذا كان خضاب الشيخ ناصلا. # وهكذا طبع الله الأشياء. PageV02P313 ### || ضربهم المثل في أير البغل # قال أبو شراعة: # أير حمار في حرام شعري %~% وأير بغل في حرام قدري # لو كنت ذا مال دعاني السدري # وقال أبو فرعون: # أير حمار في حرام عدنان %~% وأير بغل في حرام قحطان PageV02P314 # ما الناس إلا نبط وخوزان %~% ككهمس أو عمر بن مهران # ضاق جرابي عن رغيف سلمان # وأنشد: # وعظم أير البغل في رهز فرس %~% وطول دحس جمل إذا دحس # والمذكور بطول الكوم: الخنزير، والورل، والذباب، والجمل. PageV02P315 # وأنشد: # وما الخنزير والورل المذكي %~% ولا كوم الذباب ككوم بشر # والعصفور وإن كان كثير عدد السفاد، فإن الإنسان أكثر منه إذا حصلت ~~الأمور؛ لأن الإنسان إذا كان يهيج الليل والنهار، والصيف والشتاء، فليس ذلك ~~لشيء غيره؛ ويطأ الحبالي، ويريدها وتريده. # وقيل لشيخ أعرابي: امرأتك حبلى؟ فقال: " لا والذي في السماء بيته، ما لها ~~ذنب تشتال به، لا أتيتها إلا وهي ضبعة. # ومن النوادر في غير هذا، قال مسعدة: قيل لأبي القماقم بن بحر السقاء: ~~ويحك! متى دخلت بامرأتك، ومتى حبلت؟ وإنما كان هذا أمس! قال: " كان الإناء ~~ضاريا ". PageV02P316 # وقيل لحفص مولى البكرات: بامرأتك حمل؟ قال: شيء ليس بشيء! # وقال ابن ~~النوشجاني: جئت من خراسان، فسرت في بعض الصحارى في غب مطر، فكنت قد أرى في ~~الطين الذي قد قب آثار أرجل البهائم والسباع الميل والميلين، وكنت لا أزال ~~أرى أثر دابة لها ست أرجل، فلما طال ذلك علي سألت الجمال - أو المكاري - ~~فقلت: ويلك، تعرف دابة لها ست أرجل؟ وأشرت بيدي إلى تلك الآثار. فقال: إن ~~الخنزير طويل المكث في سفاده، وربما مكث على الخنزيرة طويلا وهي ترتع، ~~ويداه على كتفيها، ورجلاه خلف رجليها، ms269 فلا يكاد أن يقضي وطره إلا بعد أن ~~يقطع من الأرض شيئا كثيرا، فمن هناك ترى ست قوائم. # وقال الفرزدق في هجائه عمر بن يزيد الأسيدي، وكان طلب منه وقر بغل رطبة، ~~فلم يفعل، فقال: PageV02P317 # يا عمر بن يزيد إنني رجل %~% أكوى من المس أقفاء المجانين # يا ليت رطبتك المهتز ناضرها %~% كانت أيور بغال في البساتين # حتى تحبل منها كل كوسلة %~% قنفاء خارجة من أوسط الطين # وقال آخر: # عراد، إن كنت تحبين الغزل %~% والنيك حتى تأجميه والقبل # فإن عمرا قد أتاك أو أظل %~% يحمل أيرا مثل جردان الجمل # لو دس في متن صفاة لدخل # قال: نرى أنه إنما أراد الصلابة. # وقالوا: أير الثور أطول وأصلب. # قال صاحب البغل: ليس بأطول، ولو كان أطول كانت البقرة لا تقف للثور، ~~وإنما يكومها وهي تعدو، وهو لا يدخل قضيبه في حياء البقرة. والبغلة تقف ~~للبغل، وتطلب ذلك منه، لسوس شديد، وإرادة تامة. PageV02P318 # وقال صاحب الثور: إن أصل غرمول البغل لا ينطبق على ظبية البغلة كانطباق ~~أير الرجل على فرج المرأة حتى لا يبقى منه قليل ولا كثير، ويفضل من أير ~~البغل نحو من نصفه، وذلك أن مقاديم أيور الحافر فيها الاسترخاء، وأصولها لا ~~تصير إلى أجواف الإناث، وإنما يصل من الصلب المتوتر مقدار نصفه فقط. والثور ~~أول قضيبه وآخره عصب مدمج، وعقب مصمت، وأنت تقر أنها لو وقفت لخرقها. ~~والبقرة في وقت نزو الثور عليها كأنها تكرهه. # قال صاحب البغل: أليس قد أقررت أنه وإن كان في غاية الصلابة، أنه إنما ~~يدخل فيها بعض قضيبه، وهذا المفخر إنما هو للإنسان. قال: رأيت ثورا نزا على ~~بقرة، فأخطأ قضيبه المسلك، فمرت البقرة من بين يديه، ومر قضيبه على ظهرها؛ ~~فما كان بين طرفه وبين سناسنها إلا القليل. وفي رأسه عجرة، ودون ذلك تخصر ~~قد دق جدا. # قال بعض الشعراء، وهجا معلم كتاب: # كأنه أير بغل في تهكمه %~% وفي الصرامة سيف صارم ذكر PageV02P319 # قالوا: وشكت امرأة مؤرج الأزدي عظم أير زوجها إلى الوالي، واسمها خوصاء، ms270 ~~فقالت: # إني أعوذ بالأمير العدل %~% من منتن الريح خبيث وغل # يحمل أيرا مثل أير البغل # ويقال لأير الإنسان: ذكر، وأير. # وجردان الحمار والبغل وغرمولهما، والجميع: جرادين وغراميل. # ويقال: نضي الفرس، ومقلم البعير. ووعاء مقلمه يقال له: الثيل. ووعاء ~~الجردان وجميع الحافر يقال له: القنب. # ويقال: قضيب التيس، وقضيب الثور، وعقدة الكلب. # وتقول العرب: صرفت البقرة، فهي صارف؛ وسوست البغلة. # ويقال: هي امرأة هدمى، وغلمة. وقال أكثر العلماء: ما يقال مغتلمة. وشاة ~~حرمى، وناقة ضبعة، وفرس وديق، وكلبة مجعل. # ويقال: حر المرأة، والفرج، وظبية الفرس، وكذلك من الحافر. PageV02P320 ~~وحياء الشاة، وكذلك من الخف كله. وثفر الكلبة، وكذلك من السباع كلها. ~~وتستعير الشعراء بعض هذه من بعض، إذا احتاجت إلى إقامة الوزن. # فإذا حملت الشاة فهي: حامل، والبقرة كذلك. والفرس عقوق، وكذلك الرمكة. ~~والأتان جامع، وبغلة جامع. وكلبة مجح، وكذلك السباع. # ويقال: إن أكبر الأيور أير الفيل، وأصغرها أير الظبي، وليس في الأرض حجم ~~أير ظاهر في كل حال، إلا أير الإنسان والقرد والكلب. وأما البط فقضيبه يظهر ~~عند القمط. وأطول أيور الناس ما كان ثلاثة عشر إصبعا. # ورووا عن ابن لجعفر بن يحيى كان صيرفيا، وقد كان ولاه المأمون طساسيج ~~عدة، أنه خرج من الدنيا وما كام امرأة قط. # وخبروا عن أبي زيد الكتاف - وتأويل الكتاف أنه كان ينظر في الأكتاف، وهو ~~إفريقي - وكان هرثمة قدم به على الرشيد، يعجبه PageV02P321 ~~من كبر خلقه وعظم بدنه؛ فرأيت ناسا زعموا أنه قال: غبرت طول عمري لا أقدر ~~على امرأة تحتمل ما عندي، حتى دللت على امرأة؛ فلما دخلت بها أدخلت من أيري ~~قدر نصفه، وقلت في نفسي: هي وإن احتملت نصف الطول فإنها لا تحتمل الغلظ! ~~فلما لم أرها توجعت منه زدتها، ثم زدتها حتى أدخلته، ثم قلت لها: قد دخل ~~كله، فتأذنين في إدخاله وإخراجه؟ # قالت: وقد دخل منه شيء بعد؟! # وقال أبو ~~السري بكر بن الأشقر: بلغني أنها قالت له: سقطت بعوضة على نخلة، وقالت ~~للنخلة: استمسكي فإني أريد أن أطير! ms271 فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك، ~~فكيف أشعر بطيرانك؟! ### || مما جاء في ذم البغال # قال: وذم رجل البغل، فقال: لا لحم ولا لبن، ولا أدب ولا لقن، ولا فوت ولا ~~طلب؛ إن كان فحلا قتل صاحبه، وإن كانت أنثى لم تنسل. # وكل مركب من جميع الأجناس له نجل غيره، كالبخت بين العراب والفوالج، ~~وكالراعبي من بين الحمام والورشان، وكالإبل منها الصرصراني والبهوني، وهما ~~اللذان أبوهما عربي وأمهما بختية، وهو من أقوى الإبل PageV02P322 ~~على الحمل، وأشدها سيرا، على قبح خلقته، وسماجة في مقاديمه، وكالشهري ~~والهجين. # وإذا صرت إلى البغال، صرت إلى سوس في الأنثى لا ينادى وليده وإلى غلمة في ~~الذكر لا توصف، ثم هي مع هذا لا تتلاقح. # وزعم أهل التجربة أن الكوم الذي يخلق الله تعالى منه الولد من بين الرجل ~~والمرأة، أن سبب التلاقح ما يحضرهما من إفراط الشهوة، في ذلك الكوم، فإذا ~~أفرطت الشهوة دنت الرحم وانفتح المهبل، وهو فم الرحم، فتصير تلك النطفة ~~أكثر وأحد، فيصير زرق الإحليل ومجه لها أبعد غاية. # وقال أهل التجربة: قل ما تلقح منهن امرأة إلا لرجة. # والبغلة والبغل يعتريهما من الشبق ما لا يعتري إناث السنانير، ثم هي مع ~~ذلك لا تتلاقح، فإن لقحت في الندرة أخدجت. PageV02P323 # وقال الشاعر في سوس البغلة: # وقد سوست حتى تقاصر دونها %~% هياج سنانير القرى في الصنابر # وذلك من عيوبها. # قالوا: ولم تأخذ صهيل الأخوال، ولا نهيق الأعمام، وخرجت مقادير غراميلها ~~عن غراميل أعمامها وأخوالها. فإن زعمتم أن أعمارها أطول، فعيوبها أكثر، ~~وأيام الانتفاع بها أقل، وباعتها أفجر، والخصومة معهم أفحش، وخسرانها يوفى ~~على أضعاف ربحها، وشرها غامر لخيرها. # ومما تخالف أخلاق سائر المركوبات: أنك إذا سرت على الإبل والخيل والحمير ~~والبقر، في الأسفار الطوال، في سواد ليلك، إلى انتصاف نهارك، ثم صارت إلى ~~المنزل عند الإعياء والكلال، طلب جميع المركوبات المراعي والأواري، وأخرجت ~~البغال بعقب ذلك التعب الطويل، أيورا كجعاب القسي، تضرب بها بطونها ~~وصدورها، حتى كأنها تتعالج به من ألم السفر. وكل دابة ms272 سواها إذا بلغت لم ~~يكن لها همة إلا المراغة والربوض، والأكل والشرب. PageV02P324 # وهي مع ذلك من أغلم الدواب، وأبعدها من العتق، ولم نجد عظم الأيور في ~~جميع الحيوان في أشراف الحيوان إلا في الفرط، وذلك عام في الزنوج والحبشان، ~~وتجده في الحمير والبغال. # قالوا: وأير الفيل كبير، ولم يخرج من مقدار بدنه. # ولعمري إن الرجال ليتمنون عظم الأيور كما تتمنى النساء ضيق الأحراح. # قال محمد بن مناذر، وأبو سعيد راوية بشار، قالا: # ضحك بشار الأعمى يوما ~~ونحن عنده، بعد أن أطال السكوت، فقلنا: ما الذي أضحكك يا أبا معاذ؟ قال: ~~أضحكني أنه ليس على ظهرها رجل إلا وبوده أن أيره أكبر مما هو عليه، ولا على ~~ظهرها امرأة إلا وبودها أن حرها أضيق مما هو عليه. فلو أعطى الله الرجال ~~سولهم في العظم، وأعطى النساء سولهن في الضيق، لوقع العجز، وبطل التناكح، ~~وبطل ببطلان التناكح التلاقح. وهذا لطف من ربك. # قالا: وقال لنا يوما ونحن جماعة: أتدرون أي الرجال يتمنون ضيق الأحراح، ~~وأيهم يتمنى سعتها؟ قلنا: لا. قال: إنما يتمنى السعة كل ردي النعظ، مسترخي ~~عصب الأير، وإنما يتمنى الضيق كل متوتر العصب، شديد النعظ. PageV02P325 # قال: وذم آخر البغل، فقال: عظيم الغرمول، كبير الرأس، عقيم الصلب، قبيح ~~الصوت، بطيء الحضر، مهياف إلى الماء، متلون الأخلاق، كثير العلل، فاجر ~~البائع، قتال لراكبه، شديد العداوة لرائضه، حرون عند الحاجة. والحران إليه ~~أسرع، ودواؤه أعسر. إن كان أغر كان سمحا، وإن كان محجلا كان مشوما. ولم ~~يتواضع الملوك والأشراف بركوبه إلا لإفراط نذالته، ولا ركبه الرؤساء في ~~الحرب إلا لظهور عجزه. وفي الأنبياء راكب البعير، وراكب الحمار. وكل ذي عزم ~~منهم فركاب خيل ومرتبط عتاق، وليس فيهم راكب بغل، وإنما كانت بغلة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، هدية من المقوقس، قبلها على التألف، وعلى مثال ما كان ~~يعطى المؤلفة قلوبهم. ولم يجعلها الله شرى، ولا تلادا ولا هدية سلم. ### || باب في مدح البغال وذمها # يروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ms273 وسلم، أنه نهى أن ينزى PageV02P326 ~~حمار على ~~فرس، ونهانا أن نأكل الصدقة، وأمرنا أن نسبغ الوضوء. # وعن علي كرم الله وجهه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم، أن ينزى الحمار على فرس. # وقال الآخر في عيب البغلة: شديدة السوس، وذلك مما ينقض قواها، ويوهن ~~أمرها، وهي في ذلك أهيج من هرة وإن كانت لا تصيح صياحها، ولا تضغو ضغاءها، ~~وإنما ذلك لأن الحافر في هذا الخلق خلاف البرثن. ألا ترى أن الكلب والسنور ~~إذا ضربا صاحا، وكذلك الأسد والنمر والببر والثعلب والفهد وابن آوى وعناق ~~الأرض. ولو أخذت الحافر فقمطته، فرسا كان أو برذونا أو بغلا أو حمارا، ثم ~~ضربته أنت بعصا لم يصح، وإن كان يجد فوق ما يجد غيره من الألم. # والبغلة مع ذلك تلقح ولا تنسل، فصار حملها بلاء على صاحبها، لأنها إن ~~وضعته لم يعش. وكل حامل من جميع الإناث، من شاة أو بقرة أو ناقة أو أتان أو ~~رمكة أو حجر، فإن حملها يكون زائدا في ثمنها، ولا ترد تلك الحوامل بعيب ~~الحمل؛ إلا المرأة والبغلة. فأما المرأة فلشدة الولادة عليها، ولأن حدث ~~الموت من أجل مشقة الولادة عليها من بين جميع الحيوان أسرع. وأما البغلة ~~فلأنها إذا أقربت عجزت عن عملها، وإذا وضعت لم ينتفع بولدها. PageV02P327 # والبغلة إذا كامها البرذون لم يصبر عنها، واشتد حرصه عليها. فسألت أبا ~~يزيد الإقليدسي عن ذلك، فقال: لأنها أطيب خلوة! فلقبناه: " خلوة البغلة "!. ### || أكل لحوم الخيل # وأكل القديد في الضرورة ردي للحافر كله، وهو للبغلة أردأ. # وأهل البحرين يعلفون دوابهم الحشيش، وقد استمرت على ذلك. # وقال القعقاع بن خليد العبسي: # أكلنا لحوم الخيل رطبا ويابسا %~% وأكبادنا من أكلنا الخيل تقرح # ومجلسنا حول الطوانة جوعا %~% وليس لنا حول الطوانة مسرح PageV02P328 # وليس توافق لحوم الخيل أمة من الأمم كما توافق الأتراك، وكذلك اللحم ~~صرفا. # وذكر النمر بن تولب سوء موافقة أكل اللحم للخيل، فقال: # لله من آياته هذا القمر %~% والشمس والليل وآيات أخر # إنا أتيناك على بعد السفر %~% نقود ms274 خيلا ضمرا فيها ضرر # نطعمها اللحم إذا عز الشجر %~% والخيل في إطعامها اللحم عسر PageV02P329 # وقال الآخر: # وخيلك بالبحرين تعتلف النوى %~% وللتمر خير من حشيش وأنفع ### || معارف شتى في ألوان الدواب # وقال بعض من يمدح البغل: البرذون إذا كان أسود قالوا: أدهم، وكذلك الفرس. ~~والحمار إذا كان أسود قالوا: أسود. وألحقوا البغل بالخيل، فقالوا: بغل ~~أدهم. # وقال بعضهم: البغل يؤخر سرجه كما يؤخر سرج الحمار، وموضع اللبب من الخيل ~~يكون قدام، وإن ركب الغلام البغل عربا، ركب فيه على مركب الحمار، وهو ~~مؤخره، فإن ركب الخيل ركب المقاديم. # حدثني بعض أهل العلم، قال: قال شيخ من الملوك لعبد الله بن المقفع: إن ~~ابني فلانا يتكلم بكلام لا نعرفه، فأحب أن تجالسه، فإن كان كلامه هذا من ~~غريب كلام العرب، فهو على حال لم تخرج من هذه اللغة، وإن كان شيئا يبتدعه ~~عالجناه بالتقويم. فأتاه ابن المقفع، فسمعه يقول: يا غلامي أسرج لي برذوني ~~الأسود. فقال: قل، أصلحك الله: البرذون الأدهم، وإياك أن تقول: الأسود. ~~قال: لا أقول إلا الأسود؛ لم؟ لأنه ليس بأسود؟ قال: بلى هو أسود، ولكن لا ~~يقال له أسود. قال: فمكث ساعة، ثم قال: يا غلام أسرج لي حماري الأدهم. قال: ~~قلت: لا تقل للحمار: أدهم، إنما يقال له: أسود. قال: فقال لي: لم يقال له ~~أسود؟ قلت: لأنه أسود. قال: قد نهيتني أن أقول: برذون أسود، وهو أسود. قال: ~~قلت له: هكذا تقول العرب. قال: PageV02P330 ~~إما أن تكون العرب أموق الخلق، وإما أن تكونوا أنتم أكذب الخلق! ~~قال: فرجعت إلى أبيه فقلت له: إن كان عندك علاج فداركه، وما أظن، والله، أن ~~ذلك عند الجالينوس! ### || بغلة أبي دلامة وما قال فيها من شعر # قال أبو دلامة في بغلته. والمثل في البغال بغلة أبي دلامة. وفي الحمير ~~حمار العبادي، وفي الغنم شاة منيع، وفي الكلاب كلبة PageV02P331 # حومل: فقال أبو دلامة يصف بغلته: # أبعد الخيل أركبها ورادا %~% وشقرا في الرعيل إلى القتال # رزقت بغيلة فيها وكال %~% وخير خصالها فرط ms275 الوكال # رأيت عيبها كثرت وعالت %~% ولو أفنيت مجتهدا مقالي # تقوم فما تريم إذا استحثت %~% وترمح باليمين وبالشمال PageV02P332 # رياضة جاهل وعليج سوء %~% من الأكراد أحبن ذي سعال # شتيم الوجه هلباج هدان %~% نعوس يوم حل وارتحال # فأدبها بأخلاق سماج %~% جزاه الله شرا عن عيالي # فلما هدني ونفى رقادي %~% وطال لذاك همي واشتغالي # أتيت بها الكناسة مستبيعا %~% أفكر دائبا كيف احتيالي # لعهدة سلعة ردت قديما %~% أطم بها على الداء العضال # فبينا فكرتي في القوم تسري %~% إذا ما سمت أرخص أم أغالي # أتاني خائب حمق شقي %~% قديم في الخسارة والضلال # وراوغني ليخلو بي خداعا %~% ولا يدري الشقي بمن يخالي # فقلت: بأربعين، فقال: أحسن %~% فإن البيع مرتخص وغال PageV02P333 # فلما ابتاعها مني وبتت %~% له في البيع غير المستقال # أخذت بثوبه وبرئت مما %~% أعد عليك من شنع الخصال # برئت إليك من مشش قديم %~% ومن جرذ وتخريق الجلال # ومن فرط الحان ومن جماع %~% ومن ضعف الأسافل والأعالي # ومن عقد اللسان ومن بياض %~% بناظرها ومن حل الحبال # وعقال يلازمها شديد %~% ومن هدم المعالف والركال # ومن شد العضاض ومن شباب %~% إذا ما هم صحبك بالزيال # تقطع جلدها جربا وحكا %~% إذا هزلت وفي غير الهزال # وأقطف من دبيب الذرمشيا %~% وتنحط من متابعة السعال PageV02P334 # وتكسر سرجها أبدا شماسا %~% وتسقط في الوحول وفي الرمال # ويهزلها الجمام إذا خصبنا %~% ويدير ظهرها مس الجلال # تظل لركبة منها وقيذا %~% يخاف عليك من ورم الطحال # وتضرط أربعين إذا وقفنا %~% على أهل المجالس للسؤال # فتخرس منطقي وتحول بيني %~% وبين كلامهم مما توالي # وقد أعيت سياستها المكاري %~% وبيطارا يعقل بالشكال # حرون حين تركبها لحضر %~% جموح حين تعزم للنزال # وذئب حين تدنيها لسرج %~% وليث عند خشخشة المخالي # وفسل إن أردت بها بكورا %~% خذول عند حاجات الرحال # وألف عصا وسوط أصبحي %~% ألذ لها من الشرب الزلال PageV02P335 # وتصعق من صقاع الديك شهرا %~% وتذعر للصفير وللخيال # إذا استعجلتها عثرت وبالت %~% وقامت ساعة عند المبال # ومثفار تقدم كل سرج %~% تصير دفتيه على القذال # وتحفى في الوقوف إذا أقمنا %~% كما تحفى البغال من الكلال # ولو ms276 جمعت من هنا وهنا %~% من الأتبان أمثال الجبال # فإنك لست عالفها ثلاثا %~% وعندك منه عود للخلال # وكانت قارحا أيام كسرى %~% وتذكر تبعا قبل الفصال # وقد قرحت ولقمان فطيم %~% وذو الأكتاف في الحجج الخوالي # وقد أبلى بها قرن وقرن %~% وأخر يومها لهلاك مالي PageV02P336 # فأبدلني بها يا رب بغلا %~% يزين جمال مركبه جمالي # كريما حين ينسب والده %~% إلى كرم المناسب في البغال ### || أشعار أخرى في البغال # وأنشد إبراهيم بن داحة لأبي الوزير المعلم في ركوب البغال، لنخاس الحجاج ~~بن يوسف، في كلمة طويلة لم أحفظ منها إلا هذه الأبيات: # حمدت إلهي إذ رأيتك مغرما %~% بكل كثير العيب جم جرائمه # على كل شحاج يضارع صوته %~% شحيج غراب فاحم اللون قاتمه # يفزع منه كل غاد لطية %~% ويهرب منه في الرواح خثارمه # وما لك منه مرفق غير أنه %~% يقرب أرحام الحجور تفاقمه # وأنك غلاب لكل مخاصم %~% تجادله طورا وطورا تلاطمه # لفرط عيوب البغل صرت موقحا %~% فهمك خصم أو بذي تشاتمه # تكذبه في العيب والعيب ظاهر %~% ويعلم كل الناس أنك ظالمه PageV02P337 # فصار لنخاس البغال فضيلة %~% على كل نخاس وخصم يصادمه # فلا زال فحاشا وقاحا ملعنا %~% وآكل سحت لا تجف ملاغمه # يلاطم في ظهر الطريق شريكه %~% وتنشق من فرط الصياح غلاصمه # وهذا كقوله: # أكول لأرزاق العيال إذا شتا %~% صبور على سوء الثناء وقاح # ومثل قوله: # إن يغدروا أو يفجروا %~% أو يبخلوا لم يحفلوا # وغدوا عليك مرطلي %~% ن كأنهم لم يفعلوا # كأبي براقش كل يو %~% م لونه يتبدل PageV02P338 # ومثل قوله: # ليهنك بغض في الصديق وظنة %~% وتحديثك الشيء الذي أنت كاذبه # وأنك مشنوء إلى كل صاحب %~% بلاك ومثل الشر يكره جانبه # وأنك مهد للخنا نطف النثا %~% شديد السباب رافع الصوت غالبه # أما قوله " مغرما بكل كثير العيب "؛ فلأن البغال هي المثل في كثرة ~~العيوب، وتلون الأخلاق. # وأما قوله " جم جرائمه "، فلصرعاها وقتلاها. # وأما قوله " على كل شحاج "؛ فلأن الشحيج صوت الغراب. # وإنما عارض أبو دلامة أبا خنيس ببغلته حيث قال: # أبعدت من بغلة مواكلة %~% ترمحني تارة وتقمص بي PageV02P339 # تكاد ms277 عند المسير تقطعني %~% راكبها راكب على قتب # إن قمت عند الإسراج أثفرها %~% تطرف مني العينين بالذنب # وعند شد الحزام تنهشني %~% مانعة للجام واللبب # ليس لها سيرة سوى الوثبى %~% كرقص زنج ينزون للطرب # وهي إذا ما علفتها جهدت %~% لا تأتلي في الجهاد عن حرب # قد أكلت كل ما اشتريت لها %~% من رزق شعبان أمس في رجب # تمر فيما تما لعلفتها %~% إن لم تعلل بالشوك والقصب # وإنما هجاها بكثرة الأكل، فقدمها على كل معتلف، بسوء الرأي فيها، وبإفراط ~~الشعراء وزياداتهم، وإنما الأكل الشديد في البراذين والرمك، ثم التي معها ~~أفلاؤها. # وقيل لرجل من العرب: أي الدواب آكل؟ قال: برذونة رغوث. ~~لأنهم يقولون: برذون وبرذونة. ولا يقولون فرس وفرسة، بل يقولون: PageV02P340 ~~فرس للأنثى والذكر، فإذا أرادوا الفرق والتفسير قالوا: حجر وحصان. وأنشد: # أريتك إن جالت بك الخيل جولة %~% وأنت على برذونة غير طائل # وأنشدوا: # تزحزحي إليك يا برذونة %~% إن البراذين إذا جرينه # مع الجياد ساعة أعيينه # والنعاج أيضا قد توصف بدوام الأكل، حتى زعم بعض الناس أن النساء في ~~الجملة آكل من الرجال؛ لأن أكل النساء يكون متفرقا، من غدوة إلى الليل، ~~والرجل أكله في الدفعة أكثر من هذا في الجملة. ### || بعض ألوان الحيوان # وقال بعضهم: البغال هي الشهب، والإبل هي الحمر، والخيل هي الشقر، والحمير ~~هي الخضر، والسنانير هي النمر؛ وإن كان الناس في الحمار الأسود أرغب، وكذلك ~~هم في ألوان الثيران، لمكان البغال. PageV02P341 # وقال بعض العرب لبعض الملوك: " هل لكم في النساء الزهر، والخيل الشقر، ~~والنوق الحمر؟ " # وقالت بنت الخس: " الحمراء غدرى، والصهباء سرعى، والدهماء ~~بهمى ". # وإنما صار الناس يتخذون السنانير النمر؛ لأنها أصيد، فهي السنانير الخلص، ~~والألوان الأخر داخلة على هذه الألوان، وكذلك ألوان جميع ما ذكرنا، وأصناف ~~البهائم على ما ذكرنا؛ وأما ألوان الأسد فمتشابهة، لا اختلاف فيها إلا ~~بالشيء اليسير، والناس يختلفون في الألوان وكذلك الكلاب والسنانير والخيل ~~والبغال والحمام والحيات والطير؛ فإما أنواع الطير ومغنياتها، والبزاة ~~والصقور والشواهين، فلا اختلاف بينها. ### || باب ما جاء من الشعر في ms278 ذم البغل # قال أبو دهبل الجمحي: # حجر تقلبه وهل %~% تعطى على المدح الحجارة # كالبغل يحمد قائما %~% وتذم سيرته المشارة PageV02P342 # وقال سهم بن حنظلة الغنوي: # فإما كلاب فمثل الكلا %~% ب لا يحسن الكلب إلا هريرا # وأما نمير فمثل البغا %~% ل: أشبهن آباءهن الحميرا # وقال حسان بن ثابت: # لا بأس بالقوم من طول ومن عرض %~% جسم البغال وأحلام العصافير # وقال آخر: # ولئن ناكحتمونا لبما %~% ناكحت قبلكم الخيل الحمر # وقال ابن الزبير الأسدي لعبد الرحمن بن أم الحكم: PageV02P343 # تثعلبت لما أن أتيت بلادهم %~% وفي أرضنا أنت الهمام القلمس # ألست ببغل أمه عربية %~% أبوه حمار أدبر الظهر ينخس # وقال خالد بن عباد يهجو أبا بكر بن يزيد بن معاوية: # سمين البغل من مال اليتامى %~% رخي البال مهزول الصديق # وقال سنان بن أبي حارثة: # تعرض عبس دون بدر سفاهة %~% ألا عجب العجباء من صهل البغل PageV02P344 # وقال شبيب بن البرصاء يهجو عقيل بن علفة: # ألا أبلغ أبا الجرباء عني %~% بآيات التباغض والتقالي # فلا تذكر أباك العبد وافخر %~% بأم لست تكرهها وخال # فهبها مهرة لقحت لعير %~% فكان جنينها شر البغال # قال أبو عبيدة: كان الفرزدق عبث بأبي الحسناء، وكان مكارى بغال، ينزل في ~~مقبرة بني هزان، يكرى إلى الكوفة، أيام كانت الطريق على الظهر، فقال: # لبيك أبا الحسناء بغل وبغلة %~% ومخلاة سوء بان عنها شعيرها # وقال الكميت: # تمشي بها ربد النعا %~% م تماشي الآم الزوافر # والأخدري بعانتي %~% ه خليط آجال وباقر PageV02P345 # قال: وفد المغيرة بن عبد الرحمن الرياحي على معاوية في وفد، فقال: يا ~~أمير المؤمنين، ولني خراسان. قال: ما هجاء ما لا هجاء له؟ قال: فشرط ~~البصرة. قال: انظر غير هذا. قال: فاحملني على بغل، ومر لي بقطيفة خز. فلامه ~~أصحابه، فقال: أما أنا فقد أخذت شيئا!. ### || أخبار في البغال # أخبار في البغال # قالوا: ولما أقبل مسروق بن أبرهة الأشرم بالحبشة، فصاف جند وهرز الفارسي، ~~حين كان استجاش ابن ذي يزن بفارس، فوجه كسرى معه وهرز الأسوار في ثلاث مائة ~~كان أخرجهم من الحبس، على أنهم ms279 إن ظفروا كان الظفر له، وإن قتلوا كان قد ~~أراح الناس من شرهم. وكان وهرز شيخا كبيرا، قد شد حاجبه بعصابة، فقال: ~~أروني ملكهم. قالوا: هو صاحب الفيل. قال: كفوا عنه؛ فإنه على مركب من مراكب ~~الملوك! وقد أطال الوقوف. فنزل مسروق عن الفيل، فركب فرسا؛ فقيل له: قد نزل ~~عن الفيل، وركب فرسا. فقال: دعوه، فإنه على مركب من مراكب الفرسان! وأطال ~~الوقوف حتى مل ظهر الفرس، وأتوه ببغل فركبه، فقيل لوهرز: قد نزل عن الفرس، ~~وركب البغل. قال: عن مراكب الملوك، وعن معاقل الفرسان، ثم ركب البغل ابن ~~الحمار! وكان على مسروق تاجه، وياقوتة معلقة بين عينيه، فقال وهرز لمن ~~حوله: إني راميه، PageV02P346 ~~فإن رأيتموهم يجتمعون عليه، ولا ينفرجون عنه، فقد قتلته، فشدوا عليهم شدة ~~واحدة، وإن تفرقوا فإنما هي رمية. فرمى فأصاب نفس الياقوتة المعلقة بين ~~حاجبيه، ففلقتها، وغابت النشابة في رأسه، فاجتمعوا عليه، ولم يتفرقوا عنه، ~~فشدوا عليهم شدة واحدة كانت إياها. # وبلغني عن زيد بن جدعان، قال: # شخص أبو سفيان إلى معاوية بالشام، في ولاية ~~عمر رضي الله عنه، ومعه ابناه عتبة وعنبسة، فكتبت إليه هند: " قد قدم عليك ~~أبوك وأخواك، فلا تغذم لهم، فيعزلك عمر. احمل أباك على فرس وأعطه ثلاثة ~~آلاف درهم، واحمل عتبة على بغل وأعطه ألفي درهم، واحمل عنبسة على حمار ~~وأعطه ألف درهم ". # فلما فعل ذلك بهم قال أبو سفيان: أشهد أن هذا عن رأي هند، بصفة جوائز ~~ملوك الشام، وما لخلفاء الشام والدراهم، ما يعرفون إلا الدنانير!. PageV02P347 ### || باب ما قالوا من الشعر في عقم البغل # قال النابغة الجعدي: # وهبنا لكم ما فيه نرجو صلاحكم %~% وسوف نلاقيه إذا البغل أحبلا # ومن دون أولاد البغال وحملها %~% إلى ذاك ما شاب الغراب ورجلا # وقال العكلي: # قد يلقح البغلة غير البغل %~% لكنها تعجل قبل المهل # ..... ة مشغولة بالحمل %~% عن مرفق الطحن وحمل الرجل # وثقل السفر ومير الأهل %~% ولا تساوي حفنة من زبل # ما كان فيها من كرام الفحل %~% دودة خل خلقت من خل ms280 # وكل أنثى غيرها في الحمل %~% تزداد في القيمة عند السحل PageV02P348 # ملعونة بنت لعين نذل %~% قتالة للفارس الأبل # لم يعتدل منصبها في الأصل %~% من غير شكل خلقت وشكل # في أدب الخنزير يوم الحفل %~% وموقها موق رضيع طفل # أو عقل أفعى وهجف هقل %~% أو حوت بحر قذفت في سهل # أو جيأل يكتفها بحبل %~% كل حميميق وكل فسل # وكل غر جاهل وغفل %~% ليس لها في الكيس رفق النمل # أو ذئب قفز مجمع للختل %~% أو تتفل راوغ كلب المشلي # أو خزز وثب خوف القتل %~% أما تراها غاية في الجهل # والشؤم منها في ذوات الحجل %~% وغرة تصدع جمع الشمل PageV02P349 # فهي خلاف الفرس الهبل %~% وكل طرف ذائل رفل # قد حذر الناس أذاها قبلي %~% وعددوا كل قتيل بغل # فقال أخوه ناقضا عليه، وهو في ذلك يقدم البغلة على البغل، وهكذا هما عند ~~الناس في جملة القول، فقال: # عليك بالبغلة دون البغل %~% فإنها جامعة للشمل # مركب قاض وإمام عدل %~% وتاجر وسيد وكهل # وهشمي ذي بها وفضل %~% تصلح في الوحل وغير الوحل # والسقي والطحن وحمل الرجل %~% وهي في المشي وتحت الرحل # أوطا وأنجى من مطايا الإبل %~% وكل جماز وذات رحل # وطول عمر غير قيل البطل %~% تقدم في ذلك عير الأهل # والخيل والإبل وكل فحل %~% قد قتل العصفور فرط الجهل # ولو درى كان قليل الشغل %~% بلذة تسلمه للقتل PageV02P350 # فدع مديحي وهجاء بغلي %~% فلو ذممت القمر المجلي # وجدت فيه بعض ما قد يقلي # ولما تعاور أبا الخطاب الأعمى أبو دلف، وجعفر بن أبي زهير، وهما يتعصبان ~~لمعدان الأعمى، فقال: # كما شد عين البغل طحان قرية %~% ليجمع بال البغل للدور والطحن # ولو أن عين البغل زال عصابها %~% لحاكى شهاب القذف في أثر الجني PageV02P351 # وقال أيضا: # وليس العمى في كل حال نقيصة %~% ونقص العمى أجدى عليك من البصر # فسائل بغال الطحن إن كنت جاهلا %~% ولو حجبوا تلك العيون عن النظر # ولولا انطباق العين ما كان طاحن %~% ولا كان مطحون بصخر ولا مدر # لأن أبا دلف كان قال: # وليس لمكفوف خواطر مبصر %~% وذو العين ms281 والتمييز جم الخواطر # لأن أبا الخطاب كان فخر عليهم بجودة حفظ العميان، وكان جعفر بن وهب قد ~~قال: # هل الحفظ إلا للصبي، وذو النهى %~% يمارس أشغالا تشرد بالذكر # فإن كان قلب الغمر للحفظ فارغا %~% تناول أقصاه وإن كان لا يدري PageV02P352 # يهذ أمورا ليس يعرف قدرها %~% وهل يعرف الأقدار غير ذوي القدر # وقال أبو دلف في بعض تلك المسابقات: # وليس فراغ القلب مجدا ورفعة %~% ولكن شغل القلب للهم دافع # وذو المجد محمول على كل آلة %~% وكل قصير الهم في الحي وادع # فزعم أن الأعمى إنما يحفظ لقلة خواطره وشواغله. وعلى قدر الشواغل ~~والخواطر تنبعث الهمة، وتصح الروية، وتبعد الغاية. ### || الانتفاع بالبغل في الطحن # وقالوا: طحن الحمير والبغال والبقر والإبل، لا يجيء إلا مع تغطية عيونها، ~~ومنافع الطحن عظيمة جدا، وطحن البغال أطيب وأريع، وكيل ما تطحن أكثر؛ وطحين ~~أرحاء القرى لا يكون له طيب، لأن أرحاء الماء، التي هي أرحاء القرى، تحدق ~~الدقيق، وتفسد الطعم. فهذه المنفعة الكثيرة، للبغال فيها ما ليس لغيرها. # ولو كلف البرذون الطحن لهرج في ليلة واحدة. PageV02P353 # والبغل لا يصرد كما يصرد الحمار، ولا يهرج كما يهرج البرذون. # وفي أمثال العامة: الحمار لا يدفأ في السنة إلا يوما واحدا، وذلك اليوم ~~أيضا لا يدفأ، كأنهم قضوا بذلك إذ كان عندهم في الصرد ووجدان البرد، في ~~مجرى العنز والحية والجرادة، وإن كان المثل قد سبق في غيره، يقال: " أصرد ~~من جرادة "، و " أصرد من حية ". ### || مقايسة بين الفيل والبغل # وقال بعض من يحمد البغل: البغل لا يصرد كما يصرد الحمار، ولا يهرج كما ~~تهرج الرمكة في الحر، والبغل يطحن، وهو فوق كل طاحن. ولو طحن البرذون يوما ~~واحدا في الصيف لسقط. ألا ترى أن الثور يطحن والجاموس أقوى منه وهو لا ~~يطحن، وهو أيضا مما يهرج. # وليس البغل كالفيلة: الفيلة لا تلقح إلا في أماكنها، والبغلة قد تلقح في ~~جميع البلدان، ولكن أولادها لا تعيش، والفيل الشاب لا ينبت نابه عندنا. # ولما سمع أبو الربيع الغنوي أن كسرى ms282 كان يعول تسعمائة فيل، وينفق عليها ~~وعلى سواسها، ويقوم بشأنها ومئونتها، قال: # يزعمون أنه كان مصلحا، وسائسا ~~مدبرا؛ كان - والله - عندي يحتاج PageV02P354 ~~إلى أن يحجر عليه، انظروا كم كان يستهلك من الأموال عليها في غير رد، فإن ~~كان يريد أن يباهي بها، ويهول بها في الحروب، حبس منها بقدر ذلك. # ولقد رأى رجل في المنام أنه ركب فيلا، وقص رؤياه على ابن سيرين، فقال: " ~~أمر جسيم، ولا منفعة فيه ". # والفيلة إنما يفتخر بها السودان، كالحبشة والهند، فأما ملوك العراق فإنما ~~يتخذون منها بقدر ما يقال إن عندهم من كل شيء شيئا. وأيضا لأن الفيل خلق ~~عجيب، ومعتبر لمن فكر. وكل شيء عجيب فهو أبعث على التفكير من غيره. ### || حديث إنزاء الحمير على الخيل # ولما روى المدائني والواقدي وغيرهما، أن علي بن أبي طالب عليه السلام، ~~لما استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في إنزاء الحمير على الخيل، قال: " ~~إنما يفعل ذلك اللذين لا يعلمون ". قال قوم: جاء الحديث عاما في ذكر الخيل، ~~ولم يخص العتاق دون البراذين؛ لأن اسم الخيل واقع عليهما PageV02P355 ~~جميعا، قال الله سبحانه: " والخيل والبغال والحمير لتركبوها "، أفتظنون ~~أنه ذكر إنعامه عليهم بما خولهم من المراكب، فذكر البغال والحمير وترك ~~البراذين؟ # فأما أبو إسحاق فإنه قال: هذا الحديث مختلف فيه، وله أسانيد ~~طوال، ورجال ليسوا بمشهورين من الفقهاء بحمل صحيح الحديث. ويجوز أن ينهى عن ~~إنزاء الحمير على الحجور والرماك جميعا، فإن جلب جالب ذلك النتاج جاز بيعه ~~وابتياعه، وملكه وعتقه. وخصاؤه في الأصل حرام. # وقد أهدى المقوقس عظيم القبط إلى النبي صلى الله عليه وسلم خصيا؛ وكان ~~هذا الخصي أخا مارية أم إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، فقبل هديته، ~~وأرسل إليه ببغلة من نتاج ما بين حجر وعير، وليس في هذين الكلام، إنما ~~الكلام في الإخصاء وحده، والإنزاء وحده في أصل العمل، فإما إذا ما تم الأمر ~~بينهما، فإن بيعهما وابتياعهما حلال. # قال: ولا نترك قولا عاما قاله الله تعالى في كتابه ونصه، لحديث ms283 لا ندري ~~كيف هو، وقد قال الله جل وعز، وهو يريد إذكار الناس نعمه السابغة، وأياديه ~~المجللة حين عدد عليهم، فقال: " والخيل والبغال والحمير لتركبوها "؛ فمن ~~أين جاز لنا أن نخص شيئا دون شيء. PageV02P356 ### || باب ما جاء في الكوادن # قال الشاعر: # جنادف لاحق بالرأس منكبه %~% كأنه كودن يوشي بكلاب # وكل غليظ بعيد من العنق فهو كودن، قال ابن قميئة: # يسر يطعم الأرامل إذ ق %~% لص در اللقاح في الصنبر # ورأيت الإماء كالجعثن البا %~% لي عكوفا على قرارة قدر # ورأيت الدخان كالكودن الأص %~% حم ينباع من وراء الستر PageV02P357 # حاضر شركم وخيركم د %~% ر خروس من الأرانب بكر # وفي ذم البغال يقول عرهم بن قيس الأسدي: # إن المذرع لا تغني خئولته %~% كالبغل يعجز عن شوط المضامير # وقال الفرزدق: # سوى أن أعراف الكوادن منقرا %~% قبيلة سوء بار في الناس سوقها # وإنما قالت حميدة بنت النعمان بن بشير لزوجها روح بن زنباع: # وهل أنا إلا مهرة عربية %~% سليلة أفراس تجللها بغل # فإن نتجت مهرا كريما فبالحرى %~% وإن يك إقراف فمن قبل الفحل PageV02P358 # فوضعت البغل في موضعه. فقال روح: # رضى الأشياخ بالفطيون بعلا %~% وترغب في المناكح عن جذام # يهودي له بضع الجواري %~% فقبحا للكهول وللغلام # وقال الآخر: # وما كثرت بنو أسد فتخشى %~% لكثرتهم ولا طاب القليل # قبيلة تذبذب في معد %~% أنوفهم أذل من المسيل # تمنى أن تكون أخا قريش %~% شحيج البغل ملتمس الصهيل PageV02P359 # وقال زياد الأعجم: # ألم تر أن البغل يتبع إلفه %~% كما عامر واللؤم مؤتلفان # وقال الكميت: # وما حملوا الحمير على عتاق %~% مطهمة فيلفوا مبغلينا # وما سموا بأبرهة اغتباطا %~% بشر ختونة متزينينا ### || باب ذكر ركوب نساء الأشراف البغال # قال: لما أهديت ابنة عبد الله بن جعفر إلى يزيد بن معاوية على بغلة، قال ~~يزيد: # جاءت بها دهم البغال وشهبها %~% مسيرة في جوف قر مسير # مقابلة بين النبي محمد %~% وبين علي والجواد ابن جعفر # منافية غراء جادت بودها %~% لعبد منافي أغر مشهر PageV02P360 # وقال ابن أبي ربيعة: # هي الشمس تسري بها بغلة %~% وما خلت شمسا بليل ms284 تسير # وقال الآخر: # مرت تزف على بغلة %~% وفوق رحالتها قبه # زبيرية من بنات الذي %~% أحل الحرام من الكعبه # تزف إلى ملك ماجد %~% فلا بالرفا، وبها الوجبه # ولقي عمر بن ربيعة عائشة بنت طلحة، وهي على بغلة، فاستوقفها وأنشدها: # يا ربة البغلة الشهباء هل لكم %~% في عاشق دنف لا ترهقي حرجا PageV02P361 # قالت: بدائك مت أو عش تعالجه %~% فما نرى لك فيما عندنا فرجا # قد كنت جرعتني غيظا أعالجه %~% وإن ترحني فقد عنيتني حججا # فقلت: ولا والذي حج الحجيج له %~% ما مح حبك من قلبي وما نهجا # وقال الآخر: # قفي يا ربة البغل %~% أخبرك على رجل # فبينا ذاك إذ نادى %~% مناد غير ما ختل # فعجنا بامرئ ضخم %~% على أهواج كالهقل # وعجنا كل مسود %~% ومميود القرا عبل # وإذا لم تك ذا رأي %~% وذا قول وذا عقل # وقالت أختها الصغرى %~% رددناه إلى غفل PageV02P362 # ترى الفتيان كالنخل %~% وما يدريك ما الدخل # وليس الشأن في الوصل %~% ولكن يعرف الفضل ### || باب ذكر أخبار ومسائل شتى # وحدث مصعب الزبيري عن بعض أشياخه، وقال: إنا لبالأبطح أيام الموسم، إذ ~~أقبل شيخ أبيض الرأس واللحية، على بغلة شهباء، وما ندري أهو أشد بياضا، أم ~~بغلته، أم ثيابه، فاندفع يغني: # أسعديني بعبرة أسراب %~% من دموع كثيرة التسكاب # فارقوني وقد علمت يقينا %~% ما لمن ذاق ميتة من إياب PageV02P363 # ثم ضرب دابته وذهب، فأدركناه، فإذا هو حنين النخعي، وكان نصرانيا مستهترا ~~بالغناء. # ومن حديث المغيرة بن عنبسة عن بعض أشياخه قال: قال كعب الأحبار ...... فإذا ~~هو شيخ أبيض الرأس واللحية، أبيض الثياب، على بغلة بيضاء. # وحدثني صديق لي، قال: أول يوم دخلت الرقة - وذلك في أيام الرشيد - ~~استقبلني الشاعر اليمامي المتكلم، الذي يقول: " إني تيمي "، فإذا هو أسود ~~ولحيته سوداء، وثيابه سود، وعمامته سوداء، وسرجه أسود، وسمور سرجه أسود، ~~وهو على برذون أدهم، وقد ركبه غبار، فقلت: أعوذ بالله من هذا الزي! أهل ~~خراسان الذين هم أهل الدعوة، ومخرج الدولة، لا يتكلفون جميع هذه الخصال ~~كلها لأنفسهم، PageV02P364 # واكتفوا بسواد ثيابهم! وإذا هو يتعرض ms285 لصاحب الأخبار، طمعا في أن يرفع ~~خبره، فينال بذلك مرتبة، فقلت له: والله إن هذا الزي لقبيح من أهل هذه ~~الدولة، فما ظنك بإنسان يمامي مرة وتيمي مرة؟! والله أن لو رفعت في الخبر، ~~لارتفعت معك حتى أخبر عنك!. # وحدثني عمرو القصافي الشاعر، قال: دعانا فلان الفلاني، وهم قوم يعرفون ~~بالدعوة، فدعانا إلى منزله في أيام دعوتهم إلى العرب، فإذا هو قد ضرب خيمة، ~~وإذا حوله غنيمات، وإذا في الدار بعير أجرب، وريح الهناء والقطران؛ فدعا ~~بالطعام، فإذا خبزة قد ثرد نصفها في لبن، وكسر بين أيدينا النصف الآخر، ثم ~~دعا بالنبيذ، فإذا هو في عس خشب، وإذا نبيذ تمر، ثم دعا بنقل فإذا بأقط ~~ومقل وتنوم، ثم دعا بريحان، فإذا خزامى وعبيثران وشيح، وإذا عنده شاد وهو ~~يغني، فتى أمرد PageV02P365 ~~أجرد أبيض، فقال صاحبي: ما اجتمع هذا الذي رأينا في بيت هذا ~~الفتى عند عقيل بن علفة، ولا عند الزبرقان بن بدر، ولا عند عوف بن القعقاع؛ ~~فإن هؤلاء كانوا مردة الأعراب. ### || ما قيل في حب ركوب البغال # وقال أبو الشمقمق في حب ركوب البغال، وكان قال ....... ~~أخبرني عن اسمك وبلك ونسبك وشهوتك. قال: أما اسمي ونسبي فأنا مروان بن ~~محمد، مولى مروان بن محمد، وأما بلدي فالبصرة، وأما شهوتي فالنبيذ على ~~اللحم السمين. فقال أبو الشمقمق: # مناي من دنياي هاتي التي %~% تسلح بالرزق على عيري PageV02P366 # الجردق الحاضر مع بضعة %~% من ماعز رخص ومن طير # وجرة تهدر ملآنة %~% تحكي قراة القس في الدير # وحبة دكناء فضفاضة %~% وطيلسان حسن النير # وبغلة شهباء طيارة %~% تطوي لي البلدان في السير # وقينة حسناء ممكورة %~% يصرعها الشوق إلى أيري # وبدرة مملوءة عسجدا %~% ما بالذي أذكر من ضير # ومنزل في خير ما جيرة %~% قد عرفوا بالخير والمير # وصاحب يلزمني دهره %~% مثل لزوم الكيس للسير # مساعد يعجبني فهمه %~% مرتفع الهمة في الخير # كم من فتى تبصر ذا هيئة %~% أبلد في المجلس من عير # وذكر أيضا البغال، فقال: # ما أراني إلا سأترك بغدا %~% د وأهوي لكورة الأهواز ms286 # حيث لا تنكر المعازف والله %~% و وشرب الفتى من التقماز PageV02P367 # وجوار كأنهن نجوم ال %~% ليل زهر مثل الظباء الجوازي # واضحات الخدود أدم وبيض %~% فاتنات ميل من الأعجاز # بين عوادة وأخرى بصنج %~% في بساتينها وفي الأحواز # ذاك خير من التردد في بغ %~% داد تنزو بي البغال النوازي # كل يوم في كمة وقميص %~% ورداء من الغبار طرازي # لم يحكه النساج يوما لبيع %~% لا ولا يشترى من البزاز # أخذت أهلها الشياطين بالرك %~% ض لطول الشقاء والإعواز # كل شيخ تخاله حين يبدو %~% فوق برذونه كشخص حجازي # وجميل الفسيل أعنى ابن محفو %~% ظ عدو الندى وسلم المخازي # ألفت استه الفياشل حتى %~% ما تشكى للطعن بالعكاز # يأخذ الأسود الذي يفرق الح %~% واء منه كدستج المنحاز # ليث غاب بدبره حين يلقى %~% وجبان في الحرب يوم البراز PageV02P368 # بعدت داره فلا رده الل %~% ه ولازال نائي الدار شازي # ذاك شخص به علي هوان %~% كهوان الخصى على الخباز ### || الخلق المركب # أما ما ذكرنا من أجناس الحيوان المركبات، كالبغل والشهري، والمقرف، ~~والهجين، وكالبخت والبهوني، والصرصراني، والطير الورداني، والحمام الراعبي، ~~فقد عرفنا كيف تراكيب ذلك، وعرفنا اختلاف الآباء والأمهات. فأما السمع ~~والعسبار PageV02P369 ~~والديسم والعدار والزرافة، فهذا شيء لم أحقه. # وقد أكثر الناس في هذا وفي اللخم، وفي الكوسج، وفي الدلفين، وفيما يتراكب ~~بين الثعلب والسنور البري، فإن هذا كله إنما نسمعه في الأشعار، في البيت ~~بعد البيت، ومن أفواه رجال لا يعرفون بالتحصيل والتثبت، وليسوا بأصحاب توق ~~وتوقف. # وإذا كان إياس بن معاوية القاضي يزعم أن الشبوطة إنما خلقت من بين الزجر ~~والبني، وأن من الدليل على ذلك أن الشبوطة لا يوجد في جوفها بيض أبدا، ~~لأنها كالبغلة، فأنا رأيت في جوفها البيض مرارا، ولكنه بيض سوء لا يؤكل، ~~ليس بالعظيم، ولا يستطيل في البطن كما يستطيل بيض جميع أناث السمك. PageV02P370 # والشبوط جنس يكون ذكرانه أكثر، فلا يكاد إنسان يقل أكله للشبوط يرى بيض ~~الشبوط. فإذا كان إياس يغلظ هذا الغلظ، فما ظنك بمن دونه. ### || زواج الإنس بالجن # وقد يكون هذا الذي ms287 نسمعه من اليمانية والقحطانية، ونقرأه في كتب السيرة، ~~قص به القصاص، وسمروا به عند الملوك. # وزعموا أن بلقيس بنت ذي مشرح، وهي ملكة سبأ، ذكرها الله في القرآن، فقال: ~~" ولها عرش عظيم "، زعموا أن أمها جنية، وأن أباها إنسي، غير أن تلك الجنية ~~ولدت إنسية خالصة صرفا بحتا، ليس فيها شوب، ولا نزعها عرق، ولا جذبها شبه، ~~وأنها كانت كإحدى نساء الملوك. # فاحسب أن التناكح يكون بين الجن والإنس، من أين أوجبوا التلاقح، ونحن نجد ~~الأعرابي والشاب الشبق، ينيكان الناقة والبقرة والعنز والنعجة، وأجناسا ~~كثيرة، فيفرغون نطفهم في أفواه أرحامها، ولم نر ولا سمعنا على طول الدهر، ~~وكثرة هذا العمل الذي يكون من السفهاء، ألقح منها شيء من هذه الأجناس، ~~والأجناس على حالهم من لحم ودم، ومن النطف خلقوا. وأصل الإنسان من طين، ~~والجان خلق من نار السموم، فشبه ما بين الجن والإنس، أبعد من شبه ما بين ~~الإنسان والقرد. وكان ينبغي للقردة أن يلقح من الإنسان. PageV02P371 ### || الصرع والاستهواء # ومن العجب أنهم يزعمون أنما تصرع المرأة لأن واحدا من الجن عشقها، وأنه ~~لم يأتها إلا على شهوة الذكر للأنثى، أو شهوة الأنثى للذكر. # وقيل لعمرو بن عبيد: أيكون أن يصرع شيطان إنسانا؟ قال: لو لم يكن لما ضرب ~~الله به المثل لآكل الربا حيث يقول: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا ~~كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ". فهذا شيء واضح. قال: ثم وقفنا على ~~رجل مصروع، فقلت له: أرأيت هذا الصرع، تزعم أنه من شيطانه؟ قال: أما هذا ~~بعينه فلا أدري أمن فساد مرة وبلغم، أم من شيطان؛ وما أنكر أن يكون خبط ~~شيطان وصرعه، وكيف لا يجوز ذلك مع ما سمعنا في القرآن؟ # قال: وسمعته، وسأله ~~سائل عن رجل هام على وجهه، مثل عمرو بن عدي PageV02P372 ~~صاحب جذيمة الوضاح، ومثل عمارة بن الوليد، وطالب بن أبي طالب، فقال: قد ~~قال الله: " كالذي استهوته الشياطين في الأرض ". # وأنا أعلم أن في الناس من استهوته الشياطين، ولست أقضي على الجميع ms288 بمثل ~~ذلك. وقد قالوا في الغريض المغني، وسعد بن عبادة وغيرهما، وهذا عندنا قول ~~عدل. PageV02P373 ### || رجع إلى زواج الإنس بالجن # وكل ما قالوا من أحاديثهم في الخلق المركب، فهو أيسر من قولهم في ولادة ~~بلقيس. # وهم يروون في رواياتهم في تزويج الإنسان من الجن، حتى جعلوا قول الشاعر: # يا قاتل الله بني السعلاة %~% عمرا وقابوسا شرار النات # - يريد: الناس - أنه الدليل على أن السعلاة تلد الناس. # هذا سوى ما قالوا في الشق وواق واق ودوال باي، وفي الناس والنسناس. PageV02P374 # ولم يرض الكميت بهذا حتى قال: # " نسناسهم والنسانسا ". # فقسم الأقسام على ثلاثة: على الناس، والنسناس، والنسانس. # وتزعم أعراب بني مرة أن الجن إنما استهوت سنانا لتستفحله إذ كان منجبا، ~~وسنان إنما هام على وجهه. وقال رجل من العرب: " والله لقد كان سنان أحزم من ~~فرخ العقاب ". ### || البراذين والخيل # وقال محمد بن سلام الجمحي: قلت ليونس بن حبيب: آلبراذين من الخيل؟ ~~فأنشدني: # وإني امرؤ للخيل عندي مزية %~% على فارس البرذون أو فارس البغل # وقالوا: إنما ذهب الشاعر من اسم الخيل إلى العتاق. # وإنما يوصف الفرس العتيق بصفة الإنسان من بين جميع الحيوان، يقولون: فرس ~~كريم، وفرس جواد، وفرس رائع. PageV02P375 # فأما قولهم " كريم " و " عتيق "، فإنما يريدون أن يبروه من الهجنة ~~والإقراف، وكيف يجعلون البرذون لاحقا بالعتيق، وإن دخل الفرس من أعراق ~~البراذين شيء هجنه؟ # وفي القرآن: " والخيل والبغال والحمير " حين أراد أن ~~يعدد أصناف نعمه؛ أفتراه ذكر نعمه في الحمار والبغل، ويدع نعمته في ~~البراذين، والبراذين أكثر من البغال، ولعلها أكثر من الحمير الأهلية، التي ~~هي للركوب، لأن الله تعالى قال: " والخيل والبغال والحمير لتركبوها "؟ وحمر ~~الوحش وإن كانت حميرا فليست بمراكب. وفرسان العجم تختار في الحرب البراذين ~~على العتاق، لأنها أحسن مواتاة. والفحل والحصان من العتاق ربما شم ريح ~~الحجر في جيش الأعداء، فتقحم بفارسه حتى يعطب، ولذلك اختاروا البراذين ~~للصوالجة والطبطابات والمشاولة، وإنما أرادوا بذلك كله أن يكون دربة للحرب ~~وتمرينا وتأسيسا. # فأكثر الحمير والبغال تتخذ لغير الركوب، وليس في ms289 البراذين طحانات ولا ~~نقالات، ولا تكسح عليها الأرض إلا في الفرط. فكيف يدع ذكر ما هو أعظم في ~~المنفعة، وأظهر في النعمة، مع الجمال والوطاءة إلى ذكر ما لا يدانيه؟ PageV02P376 ### || ركوب البغال واختيارها للحرب # قال: ومما يهجن شأن البغل ويخبر عن إبطائه عند الحاجة إلى سرعته، أن ~~القائد الشجاع، والرئيس المطاع، إذا أراد أن يعلم أصحابه أنه لا يفر، حتى ~~يفتح الله عليه أو يقتل، ركب بغلا. ولذلك قال الشاعر: # إذا ركب الأسوار بغلا وبغلة %~% لدى الحرب والهيجاء قد شب نارها # فذاك دليل لا يخيل، وعزمة %~% على الصبر حتى يستبان بشارها # وذو الصبر أولاهم بكل سلامة %~% وبالصبر يبدو عقبها وعيارها # وذهب إلى قول أبي بكر، رضي الله عنه، لخالد بن الوليد: " احرص على الموت ~~توهب لك الحياة ". # يقول: إذا صبرتم ولم تفروا، هزمتم العدو، فصار صبركم سببا لحياتكم. # وحدثني نهيك بن أحمد بن نهيك، كاتب عبد الله بن ظاهر، قال: اقتتل أصحاب ~~الأمير عبد الله بن طاهر، وأصحاب نصر بن شبث يوما على باب كيسوم، ونصر في ~~آخر القوم جالس على مصلى، محتب بحمائل سيفه، PageV02P377 ~~وبين يديه بغل مسرج مجلل، والله ما أدري أكان الجل تحت اللبد، أم كان فوق ~~السرج، وشد عزيز على أصحاب نصر شدة كشفتهم، حتى جاوزوا مكان نصر، وصار عزيز ~~بحذاء نصر، ونصر جالس؛ فلما رأى ذلك وثب وثبة فإذا هو على ظهر البغل، وقال: ~~مكانك يا عزيز! أتبلغ إلى موضعي، وتطأ حريمي؟! ثم شد نحوه على بغله، وعزيز ~~على برذون، فعزف - والله - عزيز عنه، وعزيز يومئذ فارس العسكر غير مدافع. ### || نقد تشبيه البغل بالكلب # وأنشدوا في البغل: # أردت مديح البغل يا شيخ مذحج %~% فجئت بشيء صير البغل كالكلب # وحسبك لؤما بالكلاب ودقة %~% وقد ثمنوا شرواه شأوا من الترب # لأن في الحديث: إن دية الكلب زبيل من تراب، حق على القاتل أن يفعله، وحق ~~على صاحب الكلب أن يقبله. # تم الكتاب بعون الله تعالى ومنه. # يتلوه كتاب الحنين إلى الأوطان، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا ms290 محمد ~~نبيه وسلامه. PageV02P378 ### | الرسالة السابعة عشرة رسالة الحنين إلى الأوطان PageV02P379 # بسم الله الرحمن الرحيم # إن لكل شيء من العلم، ونوع من الحكمة، وصنف من الأدب، سببا يدعو إلى ~~تأليف ما كان فيه مشتتا، ومعنى يحدو على جمع ما كان منه متفرقا. ومتى أغفل ~~حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز الأخبار واستنباط الآثار، وضم كل جوهر نفيس ~~إلى شكله، وتأليف كل نادر من الحكمة إلى مثله بطلت الحكمة وضاع العلم، ~~وأميت الأدب، ودرس مستور كل نادر. # ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر، ونقرهم آثار الأوائل في الصخر، ~~لبطل أول العلم وضاع آخره. ولذلك قيل: " لا يزال الناس بخير ما بقي الأول ~~يتعلم منه الأخير ". # وإن السبب الذي بعث على جمع نتف من أخبار العرب في حنينها إلى أوطانها، ~~وشوقها إلى تربها وبلدانها، ووصفها في أشعارها توقد النار في أكبادها، أني ~~فاوضت بعض من انتقل من الملوك في ذكر الديار، والنزاع إلى الأوطان، فسمعته ~~يذكر أنه اغترب من بلده إلى آخر أمهد من وطنه، وأعمر من مكانه، وأخصب من ~~جنابه. ولم يزل PageV02P383 ~~عظيم الشأن جليل السلطان، تدين له من عشائر العرب ساداتها وفتيانها، ومن ~~شعوب العجم أنجادها وشجعانها، يقود الجيوش ويسوس الحروب، وليس ببابه إلا ~~راغب إليه، أو راهب منه؛ فكان إذا ذكر التربة والوطن حن إليه حنين الإبل ~~إلى أعطانها، وكان كما قال الشاعر: # إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي %~% وأضحى فؤادي نهبة للهماهم # حنينا إلى أرض بها اخضر شاربي %~% وحلت بها عني عقود التمائم # وألطف قوم بالفتى أهل أرضه %~% وأرعاهم للمرء حق التقادم # وكما قال الآخر: # يقر بعيني أن أرى من مكانه %~% ذرى عقدات الأبرق المتقاود # وأن أرد الماء الذي شربت به %~% سليمى وقد مل السرى كل واخد # وألصق أحشائي بيرد ترابها %~% وإن كان مخلوطا بسم الأساود PageV02P384 # فقلت: لئن قلت ذلك لقد قالت العجم: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى ~~مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تواقة. # وقالت الهند: حرمة بلدك عليك مثل حرمة أبويك؛ لأن غذاءك منهما، وغذاءهما ~~منه. # وقال ms291 آخر: احفظ بلدا رشحك غذاؤه، وارع حمى أكنك فناؤه. وأولى البلدان ~~بصبابتك إليه بلد رضعت ماءه، وطعمت غذاءه. # وكان يقال: أرض الرجل ظئره، وداره مهده. والغريب النائي عن بلده، المتنحي ~~عن أهله، كالثور الناد عن وطنه، الذي هو لكل رام قنيصة. PageV02P385 ~~وقال آخر: الكريم يحن إلى جنابه، كما يحن الأسد إلى غابه. # وقال آخر: الجالي عن مسقط رأسه ومحل رضاعه، كالعير الناشط عن بلده، الذي ~~هو لكل سبع قنيصة، ولكل رام دريئة. # وقال آخر: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة، كما تغرس الولادة في ~~القلب رقة وحفاوة. # وقال آخر: أحق البلدان بنزاعك إليه بلد أمصك حلب رضاعه. # وقال آخر: إذا كان الطائر يحن إلى أوكاره، فالإنسان أحق بالحنين إلى ~~أوطانه. # وقالت الحكماء: الحنين من رقة القلب، ورقة القلب من الرعاية، والرعاية من ~~الرحمة، والرحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرشدة، وطهارة ~~الرشدة من كرم المحتد. # وقال آخر: ميلك إلى مولدك من كرم محتدك. # وقال آخر: عسرك في دارك أعز لك من يسرك في غربتك. PageV02P386 # وأنشد: # لقرب الدار في الإقتار خير %~% من العيش الموسع في اغتراب # وقال آخر: الغريب كالغرس الذي زايل أرضه، فقد شربه، فهو ذاو لا يثمر، ~~وذابل لا ينضر. # وقال بعض الفلاسفة: فطرة الرجل معجونة بحب الوطن. # ولذلك قال بقراط: يداوى كل عليل بعقاقير أرضه؛ فإن الطبيعة تتطلع ~~لهوائها، وتنزع إلى غذائها. # وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها. # وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه، كما تنبت الحبة ببل القطر. # والقول في حب الناس الوطن وافتخارهم بالمحال قد سبق، فوجدنا الناس ~~بأوطانهم أقنع منهم بأرزاقهم. PageV02P387 # ولذلك قال ابن الزبير: " لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما ~~اشتكى عبد الرزق ". # وترى الأعراب تحن إلى البلد الجدب، والمحل القفر، والحجر الصلد، وتستوخم ~~الريف، حتى قال بعضهم: # أتجلين في الجالين أم تتصبري %~% على ضيق عيش والكريم صبور # فبالمصر برغوث وحمى وحصبة %~% وموم وطاعون وكل شرور # وبالبيد جوع لا يزال كأنه %~% ركام بأطراف الإكام يمور # وترى الخضري يولد بأرض ms292 وبقاء وموتان وقلة خصب، فإذا وقع ببلاد أريف من ~~بلاده، وجناب أخصب من جنابه، واستفاد غنى، حن إلى وطنه ومستقره. # ولو جمعنا أخبار العرب وأشعارها في هذا المعنى لطال اقتصاصه، ولكن توخينا ~~تدوين أحسن ما سنح من أخبارهم وأشعاهم، وبالله التوفيق. # ومما يؤكد ما قلنا في حب الأوطان قول الله عز وجل حين ذكر الديار PageV02P388 ~~يخبر عن مواقعها من قلوب عباده فقال: " لو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا ~~أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم "، فسوى بين قتل أنفسهم ~~وبين الخروج من ديارهم. وقال تعالى: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد ~~أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ". # وقال عمر رضي الله عنه: " عمر الله البلدان بحب الأوطان ". # وكان يقال: لولا حب الناس الأوطان لخسرت البلدان. # وقال عبد الحميد الكاتب، وذكر الدنيا: " نفتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن ~~الإخوان ". # وقالت الحكماء: أكرم الخيل أجزعها من السوط، وأكيس الصبيان أبغضهم ~~للكتاب، وأكرم الصفايا أشدها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدها حنينا ~~إلى أوطانها، وأكرم المهارة أشدها ملازمة لأمها، وخير الناس آلفهم للناس. # وقال آخر: من إمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل ~~زمانه. PageV02P389 # واعتل أعرابي في أرض غربة، فقيل له: ما تشتهي؟ فقال: حسل فلاة، وحسو ~~قلات. # وسئل آخر فقال: محضا رويا، وضبا مشويا. # وسئل آخر فقال: ضبا عنينا أعور. # وقالت العرب: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك. # وقيل: الغربة كربة، والقلة ذلة. وقال: # لا ترغبوا اخوتي في غربة أبدا %~% إن الغريب ذليل حيثما كانا # وقال آخر: لا تنهض من وكرك فتنقصك الغربة، وتضيمك الوحدة. # وقال آخر: لا تجف أرضا بها قوا بلك، ولا تشك بلدا فيه قبائلك. PageV02P390 # وقال أصحاب القيافة في الاسترواح: إذا أحست النفس بمولدها تفتحت مسامها ~~فعرفت النسيم. # وقال آخر: يحن اللبيب إلى وطنه، كما يحن النجيب إلى عطنه. # وقال: كما أن لحاضنتك حق لبنها، كذلك لأرضك حرمة وطنها. # وذكر أعرابي بلدة فقال: رملة كنت جنين ركامها، ورضيع غمامها، فحضنتني ~~أحشاؤها، وأرضعتني أحساؤها. # وشبهت الحكماء الغريب ms293 باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه، فلا أم ترأمه، ولا ~~أب يحدب عليه. # وقالت أعرابية: إذا كنت في غير أهلك فلا تنس نصيبك من الذل. # وقال الشاعر: # لعمري لرهط المرء خير بقية %~% عليه وإن عالوا به كل مركب PageV02P391 # إذا كنت في قوم عدى لست منهم %~% فكل ما علفت من خبيث وطيب # وفي المثل: " أوضح من مرآة الغريبة ". وذلك أن المرأة إذا كانت هديا في ~~غير أهلها، تتفقد من وجهها وهيئتها ما لا تتفقده وهي في قومها وأقاربها، ~~فتكون مرآتها مجلوة تتعهد بها أمر نفسها. وقال ذو الرمة: # لها أذن حشر وذفرى أسيلة %~% وخد كمرآة الغريبة أسجح # وكانت العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلدها رملا وعفرا تستنشقه ~~عند نزلة أو زكام أو صداع. وأنشد لبعض بني ضبة: # نسير على علم بكنه مسيرنا %~% وعدة زاد في بقايا المزاود # ونحمل في الأسفار ماء قبيصة %~% من المنشأ النائي لحب المراود # وقال آخر: أرض الرجل أوضح نسبه، وأهله أحضر نشبه. # وقيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله؟ ~~قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحدنا ميلا فيرفض PageV02P392 ~~عرقا، ثم ينصب عصاه ويلقى عليها كساءه، ويجلس في فيئه يكتال الريح، فكأنه ~~في إيوان كسرى!. # وقيل لأعرابي: ما أصبركم على البدو؟ قال: كيف لا يصبر من وطاؤه الأرض، ~~وغطاؤه السماء، وطعامه الشمس، وشرابه الريح! والله لقد خرجنا في إثر قوم قد ~~تقدمونا بمراحل ونحن حفاة، والشمس في قلة السماء، حيث انتعل كل شيء ظله، ~~وأنهم لأسوأ حالا منا، إن مهادهم للعفر، وإن وسادهم للحجر، وإن شعارهم ~~للهواء، وإن دثارهم للخواء. # وحدثني التوزي عن رجل من عرينة قال حدثني رجل من بني هاشم قال: قلت ~~لأعرابي من بني أسد: من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية. قلت: وأين تسكن ~~منها؟ قال: مساقط الحمى حمى ضرية، بها لعمر الله ما نريد بدلا، ولا نبغي ~~عنها حولا، أما الفلوات، PageV02P393 ~~فلا يملولح ماؤها، ولا يحمى ترابها، ولا يعمر جنابها، ليس فيها أذى ولا ~~قذى، ms294 ولا أنين ولا حمى؛ فنحن بأرفه عيش وأرفع نعمة! قلت: فما طعامكم فيها؟ ~~قال: بخ بخ! عيشنا والله عيش تعلل جادبه، وطعامنا أطيب طعام وأهنؤه: الهبيد ~~والضباب واليرابيع، والقنافذ والحيات، وربما والله أكلنا القد، واشتوينا ~~الجلد، فلا نعلم أحدا أخصب منا عيشا، فالحمد لله على ما بسط من السعة، ورزق ~~من الدعة، أو ما سمعت قول قائلنا وكان والله عالما بلذيذ العيش: # إذا ما أصبنا كل يوم مذيقة %~% وخمس تميرات صغار كنائز PageV02P394 # فنحن ملوك الأرض خصبا ونعمة %~% ونحن أسود الغاب عند الهزاهز # وكم متمن عيشنا لا يناله %~% ولو ناله أضحى به حق فائز # ولهذا خبر طويل وصف فيه نوقا أضلها، واقتصرنا منه على ما وصف من قناعته ~~بوطنه. # قال الهاشمي: فلما فرغ من نعته قلت له: هل لك في الغذاء؟ قال: إني والله ~~غاوي إغباب، لاصق القلب بالحجاب، مالي عهد بمضاغ إلا شلو يربوع وجد معمعمة ~~مني فانسلت، فأخذت منه بنافقائه وقاصعائه ودامائه وراهطائه، ثم تنفقته ~~فأخرجته، ولا والله ما فرجت بشيء فرحى به، فتلقاني رويع ببطن الخرجاء، يوقد ~~نويرة تخبو طورا PageV02P395 ~~وتسمو أخرى، فدسسته في إرته فخمدت نويرته، ولا والله ما بلغ نضجه حتى ~~اختلس الرويعي منه، فغلبني على رأسه وجوشه، وصدره وبدنه، وبقي بيدي رجلاه ~~ووركاه، وفقرتان من صلبه، فكان ذلك مما أنعم الله به علي، فاغتبقتها على ~~نكظ منكظ، وبوص بائص عن عراكه إياي، غير أن الله أعانني عليه. فلذلك والله ~~عهدي بالطعام، وإني لذو حاجة إلى غذاء أنوه به فؤادي، وأشد به آدى، فقد ~~والله بلغ مني المجهود، وأدرك مني المجلود. # يصف هذا البؤس والجهد، ويتحمل هذه الفاقة، ويصبر على الفقر، قناعة بوطنه، ~~وحبا لعطنه، واعتدادا بما وصف من رفاغة عيشه. PageV02P396 ~~وحدثنا سليمان بن معبد، أن الوليد بن عبد الملك أراد أن يرسل خيله، فجاء ~~أعرابي له بفرس أنثى، فسأله أن يدخلها مع خيله، فقال الوليد لقهرمانة أسيلم ~~بن الأحنف: كيف تراها يا أسيلم؟ فقال يا أمير المؤمنين، حجازية، لو ضمها ~~مضمارك ذهبت. قال الأعرابي: أنت ms295 والله منقوص الاسم، أعوج اسم الأب! فأمر ~~الوليد بإدخال فرسه، فلما أجريت الخيل سبق الأعرابي على فرسه، فقال الوليد: ~~أواهبها لي أنت يا أعرابي؟ فقال: لا والله، إنها لقديمة الصحبة، ولها حق ~~ولكن أحملك على مهر لها سبق عاما أول وهو رابض. فضحك الوليد وقال: أعرابي ~~مجنون! فقال: وما يضحككم؟ سبقت أمه عاما أول وهو في بطنها! فاستظرفه ~~واحتبسه عنده فمرض، فبعث إليه الوليد بالأطباء، فأنشأ يقول: # جاء الأطباء من حمص تخالهم %~% من جهلهم أن أداوى كالمجانين # قال الأطباء: ما يشفيك؟ قلت لهم %~% شم الدخان من التسرير يشفيني # PageV02P397 # إني أحن إلى أدخان محتطب %~% من الجنينة جزل غير موزون # فأمر الوليد أن يحمل إليه من رمث سليخة، فوافوه وقد مات. # فهو عند الخليفة، وببلد ليس في الأقاليم أريف منه، ولا أخصب جنابا، فحن ~~إلى سليخة رمث، وحبا للوطن. # وحكى أبو عبد الله الجعفري عن عبد الله بن إسحاق الجعفري قال: أمرت ~~بصهريج لي في بستان، عليه نخل مطل أن يملأ، فذهبت بأم الحسام المرية ~~وابنتها - وهي زوجتي - فلما نظرت أم الحسام إلى الصهريج قعدت عليه وأرسلت ~~رجليها في الماء، فقلت لها: ألا تطوفين معنا على هذا النخل، لنجني ما طاب ~~من ثمره؟ فقالت: ها هنا أعجب إلي. فدرنا ساعة وتركناها، ثم انصرفنا وهي ~~تخضخض رجليها في الماء وتحرك شفتيها، فقلت: يا أم الحسام، لا أحسبك إلا وقد ~~قلت شعرا. قالت: أجل. ثم أنشدتني: # أقول لأدنى صاحبي أسره %~% وللعين دمع يحدر الكحل ساكبه PageV02P398 # لعمري لنهي باللوى نازح القذى %~% نقي النواحي غير طرق مشاربه # بأجرع ممراع كأن رياضه %~% سخاب من الكافور والمسك شائبه # أحب إلينا من صهاريج ملئت %~% للعب فلم تملح لدي ملاعنه # فيا حبذا نجد وطيب ترابه %~% إذا هضبته بالعشي هواضبه # وريح صبا نجد إذا ما تنسمت %~% ضحى أوسرت جنح الظلام جنائبه # وأنشد أبو النصر الأسدي: # أحب الأرض تسكنها سليمى %~% وإن كانت توارثها الجدوب # وما دهري بحب تراب أرض %~% ولكن من يحل بها حبيب # وأنشدني حماد بن إسحاق الموصلي: # أحب بلاد الله ms296 ما بين صارة %~% إلى غطفان إذ يصوب سحابها PageV02P399 # بلاد بها نيطت علي تمائمي %~% وأول أرض مس جلدي ترابها # قال: ولما حملت نائلة بنت الفرافصة الكلبية إلى عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه، كرهت فراق أهلها، فقالت لضب أخيها: # ألست ترى بالله يا ضب أنني %~% مرافقة نحو المدينة أركبا # أما كان في أولاد عوف بن عامر %~% لك الويل ما يغني الخباء المطنبا # أبي الله إلا أن أكون غريبة %~% بيثرب لا أما لدي ولا أبا # قال: وزوجت من أبان في كلب امرأة، فنظرت ذات يوم إلى ناقة قد حنت فذكرت ~~بلادها وأنشأت تقول: # ألا أيها البكر الأباني إنني %~% وإياك في كلب لمغتربان # نحن وأبكى ذا الهوى لصبابة %~% وإنا على البلوى لمصطحبان # وإن زمانا أيها البكر ضمني %~% وإياك في كلب لشر زمان # وقال آخر: # ألا يا حبذا وطني وأهلي %~% وصحبي حين يدكر الصحاب # وما عسل ببارد ماء مزن %~% على ظمأ لشاربه يشاب # بأشهى من لقائكم إلينا %~% فكيف لنا به، ومتى الإياب PageV02P400 # وأنشد الغنوي لبعض الهذليين: # وأرى البلاد إذا سكنت بغيرها %~% جدبا وإن كانت تطل وتجنب # وأرى العدو يحبكم فأحبه %~% إن كان ينسب منك أو يتنسب # وأرى السمية باسمكم فيزيدها %~% حبا إلى ... ... ... # قال: ومن هذا أخذ الطائي قوله: # كم منزل في الأرض يألفه الفتى %~% وحنينه أبدا لأول منزل # وأنشد أبو عمرو البجلي: # تمتع من شميم عرار نجد %~% فما بعد العشية من عرار PageV02P401 # ألا يا حبذا نفحات نجد %~% وريا روضه غب القطار # وعيشك إذ يحل القوم نجدا %~% وأنت على زمانك غير زار # شهور ينقضين وما شعرنا %~% بأنصاف لهن ولا سرار # فأما ليلهن فخير ليل %~% وأقصر ما يكون من النهار # وقال آخر: # ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة %~% إلى قرقري قبل الممات سبيل # فأشرب من ماء الحجيلاء شربة %~% يداوي بها قبل الممات عليل # فيا أثلاث القاع، قلبي موكل %~% بكن وجدوى خيركن قليل # ويا أثلاث القاع قد مل صحبتي %~% مسيري فهل في ظلكن مقيل PageV02P402 # أريد انحدارا نحوها فيردني %~% ويمنعني دين، علي ثقيل # أحدث نفسي عنك إذ لست ms297 راجعا %~% إليك، فحزني في الفؤاد دخيل # وأنشد للمجنون: # إلى عامر أصبو، وما أرض عامر %~% هي الرملة الوعساء والبلد الرحب # معاشر بيض لو وردت بلادهم %~% وردت بحورا ماؤها للندى عذب # إذا ما بدا للناطرين خيامهم %~% فثم العتاق القب والأسل القضب # وأنشدنا المازني: # اقرأ على الوشل السلام وقل له: %~% كل الموارد مذ هجرت ذميم # جبل ينيف على الجبال إذا بدا %~% بين الغدائر والرمال مقيم PageV02P403 # تسري الصبا فتبيت في ألواده %~% ويبيت فيه من الجنوب نسيم # سقيا لظلك بالعشي وبالضحى %~% ولبرد مائك والمياه حميم # لو كنت أملك برد مائك لم يذق %~% ما في قلاتك ما حييت لئيم # وقال امرأة من عقيل: # خليلي من سكان ماوان هاجني %~% هبوب الجنوب مرها وابتسامها # فلا تسألاني ما ورائي فإنني %~% بمنزلة أعيا الطبيب سقامها # وقال آخر: # ألا ليت شعري والحوادث جمة %~% متى تجمع الأيام يوما لنا الشملا # وكل غريب سوف يمسي بذلة %~% إذا بان عن أوطانه وجفا الأهلا # وقال آخر: # ألا ليت شعري يجمع الشمل بيننا %~% بصحراء من نجران ذات ثرى جعد # وهل تنفضن الريح أفنان لمتى %~% على لاحق الرجلين مضطمر ورد PageV02P404 # وهل أردن الدهر حسي مزاحم %~% وقد ضربته نفحة من صبا نجد # وقال آخر: # وأنزلني طول النوى دار غربة %~% إذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله # فحامقته حتى يقال سجية %~% ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله # ولو كنت في قومي وجل عشيرتي %~% لألفيت فيهم كل خرق أواصله # وأنشد لذي الرمة: # إذا هبت الأرواح من نحو جانب %~% به أهل مي هاج قلبي هبوبها # هوى تذرف العينان منه، وإنما %~% هوى كل أرض حيث حل حبيبها # وقال أبو عثمان: # رأيت عبدا أسود حبشيا لبني أسيد قدم من شق اليمامة فصار ~~ناورا، وكان وحشيا مجنونا لطول الغربة مع الإبل، وكان لا يلقى PageV02P405 ~~إلا الأكرة، فلا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن إلي، ~~وسمعته يقول: لعن الله أرضا ليس بها عرب، قاتل الله الشاعر حيث يقول: # " حر الثرى مستعرب التراب ". # أبا عثمان، إن هذه العريب في جميع الناس كمقدار القرحة في جلد ms298 الفرس، ~~فلولا أن الله رق عليهم فجعلهم في حشاة لطمست هذه العجم آثارهم. أترى ~~الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا! والله ما أمر الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بقتلهم، إذ لا يدينون بدين، إلا لضنه بهم، ولا ترك قبول الجزية ~~منهم إلا تنزيها لهم. # وقيل لأعرابي: ما السرور؟ فقال: أوبة بغير خيبة، وألفة بعد غيبة. # وقيل لآخر: ما السرور؟ قال: غيبة تفيد غنى، وأوبة تعقب منى. وأنشأ يقول: # وكنت فيهم كممطور ببلدته %~% يسر أن جمع الأوطان والمطرا # وأحسن ما سمعنا في حب الوطن وفرحة الأوبة قوله: PageV02P406 # وياسرتها فاستعجلت عن قناعها %~% وقد يستخف الطامعين المياسر # مشمرة عن ساق خدلاء حرة %~% تجاري بنيها مرة وتحاضر # وخبرها الرواد أن ليس بينها %~% وبين قرى نجران والدرب صافر # فألقت عصاها واستقرت بها النوى %~% كما قر عينا بالإياب المسافر # وقيل لبعض الأعراب: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان، والجلوس مع ~~الإخوان. قيل: فما الذلة؟ قال: التنقل في البلدان، والتنحي عن الأوطان. # وقال آخر: # طلب المعاش مفرق %~% بين الأحبة والوطن # ومصير جلد الرجا %~% ل إلى الضراعة والوهن # حتى يقاد كما يقا %~% د النضو في ثني الرسن # ثم المنية بعده %~% فكأنه ما لم يكن # ووجدنا من العرب: من قد كان أشرف على نفسه، وأفخر في حسبه؛ ومن العجم: من ~~كان أطيب عنصرا وأنفس جوهرا أشد حنينا إلى وطنه، ونزاعا إلى تربته. PageV02P407 # وكانت الملوك على قديم الدهر لا تؤثر على أوطانها شيئا. # وحكى الموبذ أنه قرأ في سيرة إسفنديار بن يستاسف بن لهواسف، بالفارسية، ~~أنه لما غزا بلاد الخزر ليستنقذ أخته من الأسر، اعتل بها، فقيل له: ما ~~تشتهي؟ قال: شمة من تربة بلخ، وشربة من ماء واديها. # واعتل سابور ذو الأكتاف بالروم، وكان مأسورا في القد، فقالت له بنت ملك ~~الروم وقد عشقته: ما تشتهي مما كان فيه غذاؤك؟ قال: شربة من ماء دجلة، وشمة ~~من تربة إصطخر! فغبرت عنه أياما ثم أتته يوما بماء الفرات، وقبضة من تراب ~~شاطئه، وقالت: هذا من PageV02P408 ~~ماء ms299 دجلة، وهذه من تربة أرضك، فشرب واشتم من تلك التربة فنقه من مرضه. # وكان الإسكندر الرومي جال في البلدان وأخرب إقليم بابل، وكنز الكنوز ~~وأباد الخلق، فمرض بحضرة بابل، فلما أشفى أوصى إلى حكمائه ووزرائه أن تحمل ~~رمته في تابوت من ذهب إلى بلده؛ حبا للوطن. # ولما افتتح وهرز بن شيرزاذ بن بهرام جور اليمن، وقتل ملك الحبشة المتغلب ~~- كان - على اليمن، أقام بها عاملا لأنوشروان، فبنى نجران اليمن - وهي من ~~أحصن مدن الثغور - فلما أدركته الوفاة أوصى ابنه شير زاد أن يحمل إلى إصطخر ~~ناوس أبيه، ففعل به ذلك. # فهؤلاء الملوك الجبابرة الذين لم يفتقدوا في اغترابهم نعمة، ولا غادروا ~~في أسفارهم شهوة، حنوا إلى أوطانهم، ولم يؤثروا على تربهم ومساقط رءوسهم ~~شيئا من الأقاليم المستفادة بالتغازي والمدن المغتصبة من ملوك الأمم. # وهؤلاء الأعراب مع فاقتهم وشدة فقرهم يحنون إلى أوطانهم، ويقنعون بتربهم ~~ومحالهم. PageV02P409 # ورأيت المتأدب من البرامكة المتفلسف منهم، إذا سافر سفرا أخذ معه من تربة ~~مولده في جراب يتداوى به. # ومن أصدق الشواهد في حب الوطن أن يوسف عليه السلام، لما أدركته الوفاة ~~أوصى أن تحمل رمته إلى موضع مقابر أبيه وجده يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم ~~السلام. # وروي لنا أن أهل مصر منعوا أولياء يوسف من حمله، فلما بعث الله موسى عليه ~~السلام وأهلك على يديه فرعون وغيره من الأمم، أمره أن يحمل رمته إلى تربة ~~يعقوب بالشام، وقبره علم بأرض بيت المقدس بقرية تسمى حسامي. # وكذلك يعقوب، مات بمصر فحملت رمته إلى إيلياء، قرية بيت المقدس، وهناك ~~قبر إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. PageV02P410 # ومن حب الناس للوطن، وقناعتهم بالعطن، أن إبراهيم لما أتى بهاجر أم ~~إسماعيل مكة فأسكنها، وليس بمكة أنيس ولا ماء، ظمئ إسماعيل فدعا إبراهيم ~~ربه فقال: " رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم "، ~~أجاب الله دعاءه إذ رضى به وطنا، وبعث جبريل عليه السلام فركض موضع زمزم ~~برجله، فنبع منه زمزم. # ومر بإسماعيل وأمه فرقة من جرهم، فقالوا: ms300 أتأذنون لنا أن ننزل معكم؟ ~~فقالت هاجر: نعم ولا حق لكم في الماء، فصار إسماعيل وولده قطان مكة، لدعوة ~~إبراهيم عليهما السلام. # نعم، وهي مع جدوبتها خير بقاع الأرض، إذ صارت حرما، ولإسماعيل وولده ~~مسكنا، وللأنبياء منسكا ومجمعا على غابر الدهر. # وممن تمسك من بني إسرائيل عليه السلام بحب الأوطان خاصة، ولد هارون، وآل ~~داود؛ لم يمت منهم ميت في إقليم بابل في أي البلدان مات، إلا نبشوا قبره ~~بعد حول، وحملت رمته إلى موضع يدعى الحصاصة بالشام فيودع هناك حولا، فإذا ~~حال الحول نقلت إلى بيت المقدس. # وقال الفرزدق: # لكسرى كان أعقل من تميم %~% ليالي فر من بلد الضباب # فأسكن أهله ببلاد ريف %~% وجنات وأنهار عذاب PageV02P411 # فصار بنو بنيه بها ملوكا %~% وصرنا نحن أمثال الكلاب # فلا رحم الإله صدى تميم %~% فقد أزرى بنا في كل باب # وقال آخر في حب الوطن: # سقى الله أرض العاشقين بغيثه %~% ورد إلى الأوطان كل غريب # وأعطى ذوي الهيئات فوق مناهم %~% ومتع محبوبا بقرب حبيب PageV02P412 ms301