######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001390 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: 502هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 502 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الذريعة إلى مكارم الشريعة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001390 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1390 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1390 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. أبو اليزيد أبو زيد العجمي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار السلام - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1428 هـ - 2007 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب - رحمه الله -: ~~كنت قد أشرت فيما أمليته من كتاب " تحقيق البيان في تأويل القرآن " إلى ~~الفرق بين أحكام الشريعة ومكارمها، فإن المكارم المطلقة هي اسم لما لا ~~يتحاشى من وصف الباري جل ثناؤه بها أو # بأكثرها) نحو الحكمة، والجود، والحلم، والعلم، والعفو، وإن كان وصفه ~~تعالى بذلك على حد أشرف مما يوصف به البشر، وإن الأحكام تتناول ذلك ~~وتتناول) العبادات. # وإنه باكتساب المكرمة يستحق الإنسان أن يوصف بكونه خليفة الله المعني # بقوله: (إني جاعل في الأرض خليفة) ، وبقوله تعالى: (ويستخلفكم في الأرض ~~فينظر كيف تعملون (129) . # PageV01P059 # وقوله: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ~~ما آتاكم. # وأشرت أن خلافة الله - عز وجل - لا تصح إلا بطهارة النفس، كما أن أشرف ~~العبادات لا تصح إلا بطهارة الجسم. # وقد استخرت الله الآن، وعملت في ذلك كتابا ليكون ذريعة إلى مكارم ~~الشريعة، وبينت كيف يصل الإنسان إلى منزلة العبودية التي جعلها الله تعالى ~~شرفا للأتقياء، # وكيف يترقى عنها إذا وصلها إلى منزلة الخلافة التي جعلها الله تعالى شرفا ~~للصديقين والشهداء. # فبالجمع بين أحكام الشرع ومكارمه علما، وإبرازهما عملا يكتسب العلا، # ويتم التقوى، ويبلغ إلى جنة المأوى. # ورغبني أيها الأخ الفاضل - وفقك الله وأرشدك، وأعاذك من شر نفسك - في ~~تصنيفه ما رأيت من تشوقك أن تزين ما وليه الله من حسن خلقك وخلقك بما ~~تتولاه من تحسين أدبك، وإكمال مروءتك، فما أجدر رواك الصبيح أن تحصل وراءه ~~الرأي الصحيح. # حتى تصادف أترجا يطيب معا ... حملا ونورا فطاب العود والورق # فما أقبح المرء أن يكون حسن جسمه باعتبار قبح نفسه جنة يعمرها بوم، وصرمة ~~يحرسها ذئب، كما قال حكيم لجاهل صبيح الوجه: أما البيت فحسن وأما ساكنه ~~فرديء، وأن يكون باعتباره بكثرة ماله وحسن أثاثه ثورا عليه حلى، فقد سمى ~~بعض الحكماء الأغنياء الأغبياء تيوسا صوفها درر، وحمرا جلالها حبر، ودخل ~~حكيم على رجل فرأى ms001 دارا مستجدة، وفرشا مبسوطة، ورأى صاحبها خلوا من الفضيلة # PageV01P060 # فبزق في وجهه، فقال له: ما هذا السفه أيها الحكيم، فقال: بل هذه حكمة، إن ~~البزاق ليرمي إلى أخس مكان في الدار، ولم أر في دارك أخس منك، فنبه بذلك ~~على دناءة الجهل، وأن قبحه لا يزول بادخار القنيات. # فكن أيها الأخ عالما، وبعلمك عاملا، تكن من أولياء الله الذين (لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون) ، واحذر الشيطان أن يسبيك، ويغريك بأعراض # الدنيا وزخارفها، فيجعلك من أوليائه ويخوفك بوساوسه، كما قال تعالى: ~~(إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) . # واعلم أنه قبيح بذي العقل أن يكون بهيمة وقد أمكنه أن يكون إنسانا، أو ~~إنسانا وقد أمكنه أن يكون ملكا، وأن يرضى بقنية معارة، وحياة مستردة، وله ~~أن يتخذ قنية مخلدة، وحياة مؤبدة: # فلم ير في عيوب الناس شيء كنقص القادرين على التمام # وإن أردت أن تعرف بقاء العلماء الأتقياء فاعتبر ما قال أمير المؤمنين - ~~رضي الله عنه -: " مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي ~~الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة ". # PageV01P061 # وإن أردت أن تشاهدهم في الجنة يتنعمون فاستعد حال حارثة حيث قال للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: أصبحت مؤمنا حقا. # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لكل حق حقيقة، فما حقيقة ~~إيمانك، فقال في جملة جوابه: وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون، ~~فصدقه - صلى الله عليه وسلم - فقال له: " عرفت فالزم ". # ولا يخدعنك عن طلب ذلك وإدراكه (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ~~وهم بالآخرة هم كافرون (19) ، # فقد وصفهم الله تعالى بالصمم والعمى إذ قال: (ما كانوا يستطيعون السمع ~~وما كانوا يبصرون (20) . # ثم ذمهم بقوله: (أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) ~~، # ثم فرق بينهم وبين من ضادهم فقال: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) . # فأخبر الله تعالى أنهم لا يسمعون ولا يبصرون لفقدان سمع القلب وبصره ~~اللذين بهما تنال حقائق المسموعات والمبصرات. # وهذا الكتاب يشتمل على سبعة فصول ms002 وأبواب. # PageV01P062 ### | ذكر الفصول وأنواعها ### | الفصل الأول: في أحوال الإنسان وقواه وفضيلته وأخلاقه: # (وتحته مباحث) : مثل # أهل الدنيا وما رشحوا له - ماهية الإنسان وكيفية تركيبه - في قوى الإنسان ~~- تعاون القوى الروحانية وكيفية إدراكها - بيان فضيلة الإنسان على سائر ~~الحيوانات - ما به يفضل الإنسان - كون منزلة الإنسان بين البهيمة والملك - ~~ما لأجله أوجد الإنسان - # السياسة التي بها يستحق خلافة الله تعالى - عز وجل - الفرق بين مكارم ~~الشريعة وبين العبادة وعمارة الأرض - كون طهارة النفس شرطا في صحة خلافة ~~الله تعالى وكمال عبادته - # فيما يفزع إليه في طهارة النفس - بيان منازعة الهوى والعقل - الفرق بين ~~ما يسومه الهوى وما يسومه العقل - فى ذكر الخاطر الذي يعرض من جهة العقل ~~والهوى - # حصول الخلق المحمودة بطهارة النفس - الفرق بين الطبع والسجية والخلق ~~والعادة والهوى - إمكان تغيير الخلق - صعوبة إصلاح القوة الشهوية وما في ~~هذه القوة من النفعة والمضرة، ازدياد الإنسان في الفضائل والرذائل بتعاطيها ~~- الفرق يين ما يحمد ويذم من التخلق - سبب اختلاف الناس فى أخلاقهم - وجوب ~~اكتساب الفضيلة المحمودة - أنواع نعم الله تعالى الموهوبة والمكسوبة - حاجة ~~بعض هذه الفضائل إلى بعض - الفضائل المضيفة بالإنسان - الفضائل الجسمانية - ~~ما يتولد من الفضائل النفسية - الفضائل التوفيقية - ما في تلازم الفضائل ~~النفسية بعضها بعضا - # البواعث على فعل الخير وتحري الفضائل - الموانع من تحري الفضائل - ~~الارتقاء في درجات الفضائل والانحدار عنها إلى أقصى الرذائل - بيان عادة ~~الله في تهذيب الذين ترددوا في الرذائل حتى فسدت أخلاقهم - أصناف الناس. # PageV01P063 # الفصل الثاني: في العلم والعقل والنطق وما يتعلق بها وما يضادها # (وتحته) : # فضيلة العقل - أنواع العقل - المكتسب من العقل الدنيوي والأخروي - منازل ~~العقل واختلاف أساميها بحسبها - جلالة العقل وشرف العلم - الفرق بين العلم ~~والعقل وبين العلم # والمعرفة والدراية والحكمة - توابع العقل - ثمرة العقل من معرفة الله ~~تعالى الضرورية والمكتسبة وغاية ما يبلغه الإنسان من ذلك - وجوب بعثة ~~الأنبياء - عليهم السلام - وقلة الاستغناء عنهم - ما يعرف به صحة النبوة - ~~كون العقل والرسل هادين الخلق إلى الحق - تعذر إدراك العلوم النبوية على من ms003 ~~لم يتدرب في العلوم العقلية - الإيمان والإسلام والتقوى والبر - في الإيمان ~~- في أنواع الجهل - في معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الإيمان ~~بضع وسبعون بابا " - كون العلم مركوزا في نفوس الناس - حصر أنواع المعلومات ~~- ما يعرف به فضيلة العلوم - استحسان معرفة أنواع العلوم - معاداة بعض ~~الناس لبعض العلوم -الحث على تناول البلغة من كل علم والاقتصار عليه - ~~أحوال الناس في استفادة العلم وإفادته - ما يجب على المتعلم أن يتحراه مع ~~المعلم - ما يجب أن يتحراه المعلم مع المتعلمين منه - وجوب منع الجهلة عن ~~حقائق العلوم والاقتصار بهم على قدر أفهامهم - # وجوب ضبط المتصدين للعلم ومضرة إهمال ذلك - ذكر من يصلح لوعظ العامة - ~~الحال التي يجب أن يكون عليها الواعظ - صعوبة المعيار الذي تعرف به حقائق ~~العلوم - كراهية الجدال للعوام وذمه على كل حال - ما يجب أن يعامل به الجدل ~~المماحك - # الوجوه التي تقع فيها الشبهة والخلاف - بيان اختلاف الناس في الأديان ~~والمذاهب - النطق والصمت - الصدق ومدحه والكذب وذمه - ما يحسن ويقبح من ~~الصدق # والكذب - أنواع الكذب والسبب الداعي إليه - الذكر الحسن من المدح والثناء ~~- الشكر - الغيبة والنميمة - الكلام المستقبح - المزاح والضحك - الحلف. # PageV01P064 # الفصل الثالث: فيما يتعلق بالقوى الشهوية # (وتحته) : # الحياء - كبر الهمة - الوفاء والغدر - المشاورة - النصح - كتمان السر - ~~التواضع والكبر - الفخر - العجب - # أنواع اللذات وتفاصيلها - ما يحسن تناوله من المطعم والمشرب وما يقبح - # ما يحسن تعاطيه من المنكح وما يقبح - ذكر العفة - القناعة والزهد - ~~الورع. # الفصل الرابع: فيما يتعلق بالقوى الغضبية: ما ينبع من القوى الغضبية # الحمية - أنواع الصبر ومدحه - الشجاعة - أنواع الفزع والفرق بين ما يحمد ~~منها وما يذم - # مداواة الغم وإزالة الخوف - أحوال الناس في محبة الموت والاحتيال لقلة ~~المبالاة به - السرور والفرح - العذر والتوبة - الحلم والعفو - ثوران الغضب ~~وفضل كظمه - الغيرة والجوار - الغبطة والمنافسة والحسد. # الفصل الخامس: في العدل والظلم والمحبة والبغض # (وتحته) : # ذكر العدالة وفضيلتها - أنواع العدالة وما يستعمل ذلك فيه - ما يحسن ترك ~~العدالة فيه - ذكر الظلم - الأسباب التي يحصل منها الأضرار - ذكر المكر ms004 ~~والخديعة والكيد والحيلة - # ماهية المحبة وأنواعها - فضيلة المحبة - فضيلة الصداقة - ذكر المحبب في ~~الناس - الحث على مصاحبة الأخيار ومجانبة الأشرار - فضيلة التفرد عن الناس ~~ورذيلته - العداوة والغدر. # الفصل السادس: فيما يتعلق بالصناعات والمكاسب والإنفاق والجود والبخل # (تحته) : # حاجة الناس في اجتماعهم إلى التظاهر - تسخير الله لهمم الناس للصناعات ~~المختلفة وعناية كل أحد بما يتحراه - كون الفقر وخوفه سبب نظام أمر الناس. ~~مناسبة الأبدان للصناعات - وجوب التكسب - مدح السعي وذم الكسل - تقاسيم ~~الصناعات وفضيلة بعضها على بعض - في أن أصول الصناعات مأخوذة عن وحي - في ~~بيان الناض المتعامل به وبيان حكمة الله تعالى فيه - مدح المال وذمه - ذكر ~~المال والأدب # في اقتنائه والوجوه التي منها يحصل - سبب إخفاق العاقل وإنجاح الجاهل - ~~تحقيق كون المال في أيدي الناس - تفاوت أحوال المتناولين للأعراض الدنيوية ~~- في بيان ما ورد من # PageV01P065 # الآيات المتفاوتة الظاهر في شأن الدنيا - أحوال الناس في مراعاة أمور ~~الدنيا والآخرة - # بيان حال من يجوز له الاستكثار من أعراض الدنيا ومن لا يجوز له ذلك - # ما ينال أرباب الدنيا من العقوبات الدنيوية - ذكر الإنفاق الممدوح ~~والإنفاق المذموم - حقيقة السخاء والجود والشح والبخل - فضيلة الجود وذم ~~البخل - أنواع الجود والمجود به. # الفصل السابع: في ذكر الأفعال: # (وتحته) : # أنواع الأفعال - الفرق بين الفعل والعمل والصنع - أنواع الصناعات - ~~الأفعال الإرادية وغير الإرادية - ما يستحق به من الأفعال اللوم وما لا ~~يستحق به ذلك - الأسباب التي يمكن نسبة الفعل إليها. # PageV01P066 ### | الفصل الأول في أحوال الإنسان وقواه وفضيلته وأخلاقه # PageV01P067 ### | مثل أهل الدنيا وما رشحوا له # الإنسان في هذه الدار كما قال أمير المؤمنين علي - رحمه الله -: الناس ~~سفر، والدنيا دار ممر لا دار مقر، وبطن أمه مبدأ سفره، والآخرة مقصده، ~~وزمان حياته مقدار مسافته وسنوه منازله، وشهوره فراسخه، وأيامه أمياله، ~~وأنفاسه خطاه، يسار به سير السفينة براكبها، كما قيل: شعر. # رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضا ... أخا سفر يسرى به وهو لا يدري # وقد دعي إلى دار السلام كما قال تعالى: (لهم دار السلام عند ربهم) ، # وقال ms005 تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام) ، # وتوجه به إليها نحو أشرف الزهرات وألذ الثمرات (جنات تجري من تحتها ~~الأنهار) ، # بل إلى (وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (133) . # لكن لما كان الطريق إليها مضلة مظلمة قد استولى عليها أشرار ظلمة، جعل ~~الله تعالى لنا من العقل الذي ركبه فينا وكتابه الذي أنزله علينا نورا ~~هاديا، ومن عبادته التي أمرنا بها حصنا واقيا # فقال في وصف نوره: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها ~~مصباح) # ، فجعل المصباح مثلا للعقل، والمشكاة مثلا لصدر المؤمن، والزجاجة لقلبه، # والشجرة المباركة وهي الزيتونة للدين، وجعلها لا شرقية ولا غربية، تنبيها ~~أنها مصونة عن التفريط والإفراط، كما قال تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي ~~هي أقوم) # ، والزيت للقرآن، وبين أن القرآن يمد العقل مد الزيت المصباح، وإنه يكاد # يكفي لوضوحه وإن لم يعاضده العقل، ثم قال: (نور على نور) ، أي # PageV01P069 # نور القرآن ونور العقل، وبين أنه يخص بذلك من يشاء. وقال في وصف ما جعله ~~الله لنا من الحصن: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) ، أي المتحصنين بعبادتي ~~فمن لم يقم برعاية نوره وحماية حصنه عمه في دجاه، وتمكن من استغوائه # عداه. كما قال تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ~~(36) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) ، فمن لم يتزود من ~~دنياه زاده كما أمر الله تعالى بقوله: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) ، ~~جاءت رحلته فيسترجع منه ما أعير من جسده، وذات يده ليتحسر حين لا يغنيه ~~تحسره، ويقول: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا) ، ويقول: (فهل لنا من ~~شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل) ، فحينئذ (لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) ، وأيضا فإن الإنسان ~~من وجه في دنياه حارث، وعمله حرثه، ودنياه محرثته، ووقت موته وقت حصاده، ~~والآخرة بيدره، ولا يحصد إلا ما زرعه، ولا يكيل إلا ما حصده، ولهذا قال ~~تعالى: (من كان يريد حرث ms006 الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا ~~نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (20) ، # وكما أن في البيدر مكاييل وموازين وأمناء وحفاظا ومشاهدين، وكتابا، كذلك ~~في الآخرة مثل ذلك، كما قال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا ~~تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) # PageV01P070 # وقال: (وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون (12) # وقال: (وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق) . # وكما أن في البيدر تذرية وتمييزا بين النقاوة والحطام كذلك في الآخرة ~~تمييز بين الحسنى والآثام، كما قال تعالى: (ليميز الله الخبيث من الطيب ~~ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون ~~(37) # وقال في أعمال الكفار: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ~~ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) # وقال تعالى: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) # وقال: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) # فمن عمل لآخرته بورك في كيله ووزنه، وحصل له منه زاد الأبد كما قال ~~تعالى: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ~~(19) # ومن عمل للدنيا خاب سعيه، وبطل عمله كما قال الله تعالى: (من كان يريد ~~الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) ~~أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما ~~كانوا يعملون (16) # فأعمال الدنيا كشجرة الخلاف بل كالدفلي والحنظل في الربيع يرى غض الأوراق ~~حتى إذا جاء حين الحصاد لم ينل طائلا، وإذا أحضر مجتناه البيدر لم يفد ~~نائلا، ومثل أعمال الآخرة # كشجرة الكرم والنخل المستقبح المنظر في الشتاء فإذا جاء وقت القطاف ~~والاجتناء أفادتك زادا، وادخرت منها عدة وعتادا. وإلى نحوها أشار تعالى ~~بقوله: (ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ~~(24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ms007 ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ~~(25) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) # PageV01P071 # ولما كانت زهرات الدنيا رائقة الظاهر خبيثة الباطن نهى الله تعالى عن ~~الاغترار بها # فقال: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ~~لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) . # والله تعالى يؤيد بفضله من يشاء وهو الباري. ### | ماهية الإنسان وكيفية تركيبه # الإنسان مركب من جسم مدرك بالبصر، ونفس مدركة بالبصيرة، وإليهما أشار ~~تعالى بقوله: (إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين (72) # فالإشارة بالروح إلى النفس، وإضافته تعالى الروح إليه تشريفا لها، وعنى ~~بها النفس المذكورة في قوله تعالى: (أخرجوا أنفسكم) ، ووجود النفس في # الإنسان لا يحتاج إلى أن يدل عليه لوضوح أمره، بل ينبه الجاحد لها ~~والغافل عنها بأنها هي التي بحصولها في الجسم تحصل الحياة والحركة والحس ~~والعلم والرأي والتمييز، # ويكون الجسم متصرفا بها وحاملا ومستحسنا ومستطابا ومحببا، وبفقدها عدم ~~هذه الأشياء فيصير جيفة يحتاج إلى عدة تحمله، وهي محل الأعراض الروحانية ~~كالجسم # PageV01P072 # في كونه محلا للأعراض الجسمانية، وقد حث الله تعالى على التدبر في النفس ~~والتفكر فيها، وجعل معرفتها مقرونة بمعرفته تعالى في قوله: (وفي الأرض آيات ~~للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) # وقال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق) . # وكان يقال في الأم السالفة: من أنكر الباري رجم لكونه جاحدا، ومن أنكر ~~النفس رجم لكونه جاهلا، وقيل: كان في كتب الله المنزلة: اعرف نفسك يا إنسان ~~تعرف ربك، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه "، بل ~~قد قال تعالى: (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) ، تنبيها لهم ~~أنهم لما نسوه تعالى دل # نسيانهم إياه على نسيانهم لها. # وقالت الحكماء: قد ركب الله الإنسان تركيبا محسوسا معقولا، على هيئة ~~العالم وأوجده شبه كل ما هو موجود في العالم حتى قيل: الإنسان هو عالم صغير ~~ومختصر للعالم الكبير؛ وذلك ليدل به ms008 على معرفة العالم، فيتوصل بهما إلى ~~معرفة صانعهما، فغاية معرفة الإنسان لبارئه تعالى أن يعرف العالم، فيعلم ~~أنه موجد، وأن له موجدا ليس مثله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ### | في قوى الانسان # قد جعل الله للإنسان خمس قوى، يدل على وجودها فيه ما يظهر من تأثيراتها: # قوة الغذاء: وبها النشأة والتريية والولادة. # PageV01P073 # وقوة الحس: وبها الإحساس واللذة والألم. # وقوة التخيل: وبها تصور أعيان الأشياء بعد غيبوبتها عن الحس. # وقوة النزوع: وبها يكون الطلب للموافق والهرب من المخالف، والرضا والغضب ~~والإيثار والكراهة. # وقوة التفكر: وبها يكون النطق والعقل والحكمة والروية والتدبير والمهنة ~~والرأي والمشورة. # فأما القوى المدركة منها فخمس: الحواس الخمس، والخيال، والفكر، والعقل، ~~والحفظ. # فأما الحواس فلكل واحد منها إدراك مخصوص: # فللمس عشر إدراكات: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، واللين ~~والخشونة، والصلابة، والرخاوة، والثقل والخفة. # وللذوق سبع: الحلاوة، والمرارة، والملوحة، والحمو ضة، والحرافة، ~~والعفوصة، والتفاهة. # وللشم اثنان: الطيب، والنتن. # وللسمع اثنان: الصوت البسيط، والكلام المركب منه. # وللبصر أحد عشر إدرا كا: النور، والظلمة، واللون، والجسم، وسطحه، وشكله ~~ووضعه، وأبعاده، وحركاته، وسكناته، وأعداده. # فأدون هذه الإدراكات اللمس ثم الذوق ثم الشم، فالنفس لا تكاد تستعين بها ~~إلا فيما يعود نفعها إلى صلاح الجسم. # PageV01P074 # وأرفع الإدراكات العقل ثم الفكر ثم التخيل ثم الحس، إلا أن العقل والفكر ~~يدركان الأشياء الروحانية. # فأما السمع والبصر فمتوسطان، لأنهما يخدمان النفس والجسم، وخدمتهما للنفس ~~أكثر، ويدركان الأشياء الجسمانية. # والتخيل متوسط بين العقل والفكر وبين السمع والبصر، فيأخذ تارة من # السمع والبصر ويسلم إلى العقل والفكر وذلك في حال اليقظة، ويأخذ تارة من ~~العقل والفكر ويسلمه إلى السمع والبصر وذلك في حال النوم. # ولما كان مبدأ تأثير هذه القوى من الدماغ قيل: مسكن الفكرة وسط الدماغ، ~~ومسكن الخيال مقدمه، ومسكن الحفظ والذكر مؤخره. ولما كان قوام الدماغ، بل ~~قوام الجسم كله من القلب الذي منه منشأ الحرارة الغريزية صار في كلام الناس ~~يعبر عن هذه القوى تارة بالدماغ فيقال: لفلان دماغ إذا قويت منه هذه القوى ~~المدركة، ms009 وفلان خالي الدماغ إذا ضعفت فيه هذه القوى. ويعبر عنها تارة ~~بالقلب والثاني أكثر، وعلى ذلك قوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) . # ولما كان أكثر إدراك الحقائق بهذه القوى المدركة، وكانت الفكرة خادمة ~~للعقل، والتخيل خادفا للعقل والفكر تارة، وللسمع والبصر تارة خص الله ~~بالذكر القلب - وهو أحد الطرفين - والسمع والبصر وهو الطرف الآخر؛ ولذلك ~~عظم الله المنة على الإنسان # PageV01P075 # بإعطائه إياه هذه الثلاثة، وحمد من استعملها، وذم من أهملها فقال ~~(سبحانه) : (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) ، # وقال في ذم من لا ينتفع بها: (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون (179) # وقال: (صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171) # أي لا يفهمون. # المعنى أنهم لا يسمعون الأصوات أو لا ييصرون الذوات، وجعلهم بكما من حيث ~~إنهم لا يوردون معنى مستنبطا بالفكر مدركا بالعقل. # واعلم أن السمع والبصر كالأخوين يخدم كل واحد منهما صاحبه في إدراكه، فقد ~~ينوب السمع عن البصر في إبلاغ القلب بما يأخذه عن اللفظ فيدرك في ساعة ما ~~لا يدركه البصر في برهة، وينوب البصر عن السمع في إبلاغ القلب بمطالعة ~~الكتب ما لا يدركه السمع في مدة سيما إذا كان المخاطب ناقص العبارة، أو غير ~~متثبت في الكلام، أو دق المعنى وغمض عن الإفهام. ### | تعاون القوى الروحانية وحيفية إدراكها # القوى الروحانية متعاونات في إدراكهن لرسوم المعلومات، فإن الخيال يتصور ~~عن المحسوس فتبقى فيه صورته الروحانية فينتقش بها كما تنقش الشمع بصورة ~~الختم، ثم يأخذها الفكر، فيميز بعضها عن بعض بنور العقل، فيبحث عن خواصها ~~ومنافعها، ومضارها، ثم يؤديه إلى القوة الحافظة، فإن أراد إبرازه قولا سلط ~~عليه القوة الناطقة # فيعبر عنه باللسان، وإن أراد إبرازه فعلا سلط عليه القوة العاملة فتوجده ~~الجوارح. # وقد ضرب بعض الحكماء مثلا لهذه القوى يقرب منه تصور تأثيراتها فقال: إن # القوة الفكرة ومسكنها وسط الدماغ بمنزلة الملك ms010 يسكن وسط المملكة، ~~والخيالية ومسكنها مقدم الدماغ جارية مجرى صاحب بريده، والحافظة ومسكنها ~~مؤخر الدماغ جارية مجرى خازنه، والقوة الناطقة جارية مجرى ترجمانه، ~~والعاملة جارية مجرى # PageV01P076 # كاتبه، والحواس جارية مجرى جواسيسه وأصحاب الأخبار الصادقي اللهجات فيما ~~يرفعونه من الأخبار، فيلتقط كل واحد الخبر من الصقع الذي وكل به فيرفعه إلى ~~صاحب البريد، وصاحب البريد يسقط منه ما يراه حشوا، ويرفع الباقي صافيا إلى ~~حضرة الملك فيميزه ويعرف منافعه ومضاره، ويسلمه إلى خازنه إلى وقت الحاجة ~~فحينئذ يتقدم بإخراجه. # قالوا: وكما أن للملك أفعالا يستعين فيها بغيره، وأفعالا ينفرد هو فيها ~~بنفسه، والأفعال التي يتولاها بنفسه أشرف مما يفوضها إلى غيره، فكذلك للقوة ~~المفكرة أفعال تفوضها إلى غيرها، وأفعال تختص هي بها، وهي الرؤية والفكر ~~والاعتبار والتصور والقياس والفراسة، فهذه الأشياء تدبير الأمور، فبالفكر ~~استخراج الغوامض، وبالاعتبار تحصيل التجربة، وبالقياس استنباط المجهول ~~بتوسط المعلوم، وبالفراسة الاطلاع على الأسرار. # ونحو هذا المثل مما روي أن كعب الأحبار قال: " دخلت على أم المؤمنين ~~عائشة - رضي الله عنها - # فقلت: الإنسان عيناه هاد، وأذناه قمع، ولسانه ترجمان، ويداه جناحان، ~~ورجلاه بريد، والقلب ملك، فإذا طاب القلب طاب جنوده، فقالت: هكذا سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول. # PageV01P077 ### | بيان فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات # للإنسان فضل على الحيوانات كلها في نفسه وجسمه: # أما فضله في نفسه فبالقوة المفكرة التي بها العقل والعلم والحكمة ~~والتمييز والرأي، فإن البهائم وإن كانت كلها تحس وبعضها يتخيل فليس لها فكر ~~ولا روية ولا استنباط المجهول بالمعلوم، ولا تعرف علل الأشياء وأسبابها. # وليس في قوتها تعلم الصناعات الفكرية، وإنما يتعلم بعضها بعض الصناعات ~~المتخيلة وأقواها في ذلك الفيل والقرد. # وأما فضله في جسمه فباليد العاملة، واللسان الناطق، وانتصاب القامة ~~الدالة على استيلائه على كل ما أوجد في هذا العالم، وقد نبه الله تعالى على ~~ذلك بقوله: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) # وبقوله: (وصوركم فأحسن صوركم) # ولم يعن الصورة التخطيطية فقط، بل عناها والصورة المعقولة، ولتشريفه # تعالى إياه بذلك قال: ms011 (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) . # ومن زعم أن الإنسان خلق خلقة ناقصة عن الوحشيات من حيث إنه لم يكف # الملبس كما كفيته، ولم يعط سلاحا في ذاته كما أعطي كثير منها، فنظره ~~ناقص؛ إذ قد أعطي الإنسان بدل ذلك التمييز الذي يمكنه أن يتخذ به كل ملبس ~~وكل سلاح حسب ما يريده، فيتناوله متى أراد، ويضعه متى أحب. # ثم لو أعطي الإنسان بعض الأسلحة التي أعطيتها الوحشيات لم يمكنه أن ~~يستعمل غيره كالوحشيات، وأيضا فلو أعطي ذلك لكان من الحق أن لا يعطى ~~التمييز؛ لأنه حينئذ كان يستغني عنه فتبطل فائدته، وفعل الله تعالى منزه عن ~~ذلك. # فإن قيل: وكيف قال تعالى: (وخلق الإنسان ضعيفا (28) ، # فاستضعفه # PageV01P078 # قيل: ضعفه بالإضافة إلى الملأ الأعلى لما فيه من الحاجات البدنية التي قد ~~كفيها أولئك. # واعلم أن كل ما أوجد في هذا العالم فإنما أوجد لأجل الإنسان، إما ~~لانتفاعه به كالخيل والبغال والحمير، أو الأغذية له كالبقر والغنم والحبوب ~~والثمار، وإما لانتفاع ما ينتفع به الإنسان كالعشب والحشرات، وما لا يعرف ~~الإنسان نفعه فليس يخرج عن كونه نافعا، وقد بين الحكماء نفع جلها، وما لا ~~سبيل لبعضنا أو لكلنا إلى معرفة نفعه # فليس جهلنا به قادحا في حكمة الله تعالى في إيجاده. ورب شيء جهلنا نفعه # وقد سخر لمعرفته بعض الحيوان؛ كالشجر الذي فيه العسل بالقوة. وما سخر ~~لمعرفته واستخراجه إلا النحل، وما أليق من أنكر حكمة الله تعالى لجهله أن ~~ينشد: # علي نحت القوافي من مقاطعها ... وما علي إذا لم تفهم البقر # والله أعلم. ### | بيان ما به يفضل الإنسان # الإنسان وإن كان هو بكونه إنسانا أفضل موجود فذلك بشرط أن يراعي ما به ~~صار إنسانا، وهو العلم الحق والعمل المحكم، فبقدر وجود ذلك المعنى فيه ~~يفضل؛ ولهذا قيل: الناس أبناء ما يحسنون، أي ما يعرفون ويعملون من العلوم ~~والأعمال الحسنة. # يقال: أحسن فلان إذا علم وإذا عمل حسنا. # أما الإنسان من ms012 حيث ما يتغذى وينسل فنبات، ومن حيث ما يحس ويتحرك # فحيوان، ومن حيث الصورة التخطيطية فكصورة في جدار. # وإنما فضيلته بالنطق وقواه ومقتضاه؛ ولهذا قيل: ما الإنسان لولا اللسان ~~إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة، فالإنسان يضارع الملك بقوة العلم والنطق ~~والفهم، ويضارع البهيمة بقوة الغذاء والنكاح، فمن صرف همته كلها إلى تربية ~~الفكر بالعلم والعمل # فخليق أن يلحق بأفق الملك فيسمى ملكا وربانيا كما قال تعالى: (إن هذا إلا ~~ملك كريم (31) ، # ومن صرف همته كلها إلى تربية القوة الشهوية باتباع اللذات # PageV01P079 # البدنية، يأكل كما تأكل الأنعام فخليق أن يلحق بأفق البهائم، فيصير إما ~~غمرا كثور أو شرها كخنزير، أو ضريا ككلب، أو حقود كجمل، أو متكبرا كنمر، أو ~~ذا روغان كثعلب، أو يجمع ذلك كله فيصير كشيطان مريد، وعلى ذلك قوله تعالى: ~~(وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت) . # ولكون كثير ممن صورته صورة إنسان وليس هو في الحقيقة إلا كبعض الحيوان، ~~قال الله تعالى في الذين لا يعقلون عن الله: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا (44) # وقال: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) # وقالل تعالى: (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) . # فبين أن الذين كفروا ولم يستعملوا القوة التي جعلها الله لهم هم شر # الدواب، وقال تعالى: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا ~~دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171) # أي مثل واعظ الكافرين كمثل ناعق الأغنام تنبيها أنهم فيما يقال لهم ~~كالبهائم، وبهذا النظر عبر الشاعر عن بعض # من ذمه فقال: # اللؤم أكرم من وبر ووالده ... واللؤم أكرم من وبر وما ولدا # ولم يقل " ومن ولدا " تنبيها أنه لا يستحق أن يقال له: من، لكونه بهيمة. # وعلى هذا قال المتنبي: # حولي بكل مكان منهم خلق تخطي ... إذا جئمت في استفهامها بمن # ولما ذكرنا لم يكن بين بعض هذه الأنواع وبعضها من التفاوت ما بين إنسان ~~وإنسان فإنك قد ترى واحدا كعشرة، بل واحدا ms013 كمائة، وعشرة أخرى هدرة دون ~~واحد، كما قيل لامرأة في منامها: أعشرة هدرة أحب إليك أم واحد كعشرة، ~~فقالت: # PageV01P080 # بل واحد كعشرة لا بل ترى واحدا كألف وألفا مثل واحد كما قال القائل: # ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... لدى المجد حتى عد ألف بواحد # بل قد ترى واحدا كعشرة آلاف، وترى عشرة آلاف دون واحد. # كما قال - صلى الله عليه وسلم -: وهو أصدق الناس قيلا: " الناس كإبل مائة ~~لا تكاد تجد فيها راحلة ". # والإبل في تعارفهم اسم لمائة بعير، فمائة إبل هي عشرة آلاف، بل لو قيل: ~~قد نرى واحدا # كعالم وعالما مثل واحد لجاز. كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "وزنت ~~بأمتي فرجحتهم ". # وعلى هذا قال أبو نواس: # وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد ### | كون الإنسان بين البهيمة والملك # الإنسان لما ركب تركيبا بين بهيمة وملك - فشبه بالبهيمة بما فيه من ~~الشهوات البدنية، من المآكل والمشارب والمناكح، شبهه بالملك بما فيه من ~~القوى الروحانية من الحكمة والعدالة والجود - صار واسطة بين جوهرين: وضيع ~~ورفيع؛ ولهذا قال تعالى: (وهديناه النجدين (10) ، # فالنجدان من وجه العقل والهوى، ومن وجه الآخرة والدنيا، ومن وجه الإيمان ~~والكفر، ومن وجه الهدى والضلال، ومن وجه موالاة الله تعالى وموالاة الشيطان ~~المذكورتان في قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) . # PageV01P081 # ومن وجه النور والظلمة المذكورتان في هذه الآية، أي الفضيلة والنقيصة، أو ~~من وجه الحياة والموت المذكوران في قوله تعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه) ، # فمن وفقه الله للهدى، وأعطاه قوى لبلوغ المدى فراعى نفسه وزكاها، فقد ~~أفلح، ومن حرم التوفيق فأهمل نفسه ودساها فقد خاب وخسر، كما قال تعالى: (قد ~~أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10) ### | ما لأجله أوجد الإنسان # الإنسان من حيث هو إنسان كل واحد كالآخر كما قيل: # فالأرض من تربة والناس من رجل # وإنما شرفه بأنه يوجد كاملا في المعنى الذي أوجد لأجله، وبيان ذلك أن كل # نوع ms014 أوجده الله تعالى في هذا العالم، أو هدى بعض الخلق إلى إيجاده وصنعه ~~فإنه أوجد لفعل يختص به، ولولاه لما وجد، وله غرض لأجله خص بما خمص به، ~~فالبعير إنما خص بذلك ليحملنا وأثقالنا إلى بلد لم نكن بالغيه إلا بشق ~~الأنفس، والفرس ليكون لنا جناحا نطير به، والمنشار والمنحت لنصلح بهما ~~الباب والسرير ونحوهما، والباب لنحرز به البيت، والفعل المختص بالإنسان ~~ثلاثة أشياء: ### | 1 - # عمارة الأرض المذكورة في قوله تعالى: (واستعمركم فيها) # وذلك تحصيل ما به تزجية المعاش لنفسه ولغيره. ### | 2 - # وعبادته المذكورة في قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) # PageV01P082 # وذلك هو الامتثال للباري - عز وجل - في أوامره ونواهيه ### | 3 - # وخلافته المذكورة في قوله تعالى: (ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ~~(129) # وغيرها من الآيات، وذلك هو الاقتداء بالباري سبحانه على # قدر طاقة البشر في السياسة باستعمال مكارم الشريعة. # ومكارم الشريعة هي الحكمة، والقيام بالعدالة بين الناس، والحلم، ~~والإحسان، والفضل، والقصد منها أن تبلغ إلى جنة المأوى، وجوار رب العزة ~~تعالى. # وكل ما أوجد لفعل ما فشرفه بتمام وجود ذلك الفعل منه، ودناءته بفقدان ذلك ~~الفعل منه؛ كالفرس للعدو، والسيف للقطع والعمل المختص به في القتال، ومتى ~~لم يوجد فيه المعنى الذي أوجد لأجله كان ناقصا، فإما أن يطرح طرحا، وإما ~~يرد إلى منزلة النوع الذي هو دونه، كالفرس إذا لم يصلح للعدو في الكر والفر ~~اتخذ حمولة # أو أعد أكولة، (والسيف إذا لم يصلح للقطع اتخذ منشارا) . # فمن لم يصلح لخلافة الله تعالى، ولا لعبادته، ولا لعمارة أرضه فالبهيمة ~~خير # منه " ولذلك قال تعالى في ذم الذين فقدوا هذه الفضيلة: (إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل) ، (أولئك هم الغافلون (179) . # PageV01P083 ### | السياسة التي بها يستحق خلافة الله تعالى # قد تقدم أن الخلافة تستحق بالسياسة، وذلك بتحري مكارم الشريعة، والسياسة ~~ضربان: # أحدهما: سياسة الإنسان نفسه وبدنه وما يختص به. # والثاني: سياسة غيره من ذويه وأهل بلده، ولا يصلح لسياسة غيره من لا يصلح ~~لسياسة نفسه، ولهذا ذم الله تعالى ms015 من ترشح لسياسة غيره، فأمر بالمعروف ونهى ~~عن المنكر وهو غير مهذب في نفسه، فقال: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ~~وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) # وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) # وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم) ، # أي هذبوها قبل الترشح لتهذيب غيركم. # وبهذا النظر قيل: " تفقهوا قبل أن تسودوا " تنبيها أنكم لا تصلحون ~~للسيادة قبل معرفة الفقه، والسياسة العامة، ولأن السائس يجري من المسوس ~~مجرى ذي الظل من الظل، ومن المحال أن يستوي الظل وذو الظل أعوج، ولاستحالة ~~أن يهتدي المسوس مع كون السائس ضالا قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء ~~والمنكر) ، # فحكم أنه محال أن يكون مع أتباع الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر. ### | الفرق بين محارم الشريعة وبين العبادة وعمارة الأرض # أما مكارم الشريعة فمبدؤها طهارة النفس باستعمال التعلم، واستعمال العفة # والصبر والعدالة، ونهايتها التخصص بالحكمة والجود والحلم والإحسان. ~~فبالتعلم # PageV01P084 # يتوصل إلى الحكمة، وباستعمال العفة يتوصل إلى الجود، وباستعمال الصبر ~~تدرك الشجاعة والحلم، وباستعمال العدالة تصحح الأفعال. # ومن حصل له ذلك فقد تذرع الكرمة المعنية بقوله تعالى: (إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم) # وصلح لخلافة الله (تعالى) ، صار من الربانيين والشهداء والصديقين. # واعلم أن العبادة أعم من المكرمة، فإن كل مكرمة عبادة، وليس كل عبادة # مكرمة، ومن الفرق بينهما أن للعبادات فرائض معلومة وحدودا مرسومة، ~~وتاركها يصير ظالما متعديا، والمكارم بخلافها، ولن يستكمل الإنسان مكارم ~~الشرع ما لم يقم بوظائف العبادات، فتحري العبادات من باب العدل، وتحري ~~المكارم من باب الفضل والنفل، ولا يقبل تنفل من أهمل الفرض، ولا تفضل من ~~ترك العدل، (بل لا يصح تعاطي الفضل إلا بعد العدل) ، فإن العدل فعل ما يحب، ~~والتفضل الزيادة على ما يحب، وكيف يصح تصور الزيادة على شيء هو غير حاصل في ~~ذاته؛ ولهذا قيل: ms016 لا يستطع الوصول من ضيع الأصول. # فمن شغله الفرض عن الفضل فمعذور، ومن شغله الفضل عن الفرض فمغرور، وقد ~~أشار تعالى بالعدل إلى الأحكام، وبالإحسان إلى المكارم بقوله تعالى: (إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير ~~لعلكم تفلحون (77) # ففعل الخير هو الزيادة على العبادة. # وأما عمارة الأرض فالقيام بما فيه تزجية لحياة الناس وصلاح معاشهم، ~~والإنسان الواحد من حيث إنه لم يكف أمر معاشه بانفراده في مأكله وملبسه ~~ومسكنه، ولم يكن له سبيل إلى ثباته في الدنيا إلا بما يسد جوعته، ويستر ~~عورته، ويقيه من الحر والبرد، # PageV01P085 # لم يكن له بد من تحصيل ذلك من الوجه المباح له؛ ولذلك قال تعالى: (إن لك ~~ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) # ، ومتى كان سعي العبد في ذلك على الوجه الذي يجب وكما يجب يكون سعيه ~~عبادة وجهادا في سبيل الله، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: " من طلب ~~الرزق على ما يسن فهو في جهاد، ومن لم يكن على # ذلك فسعيه هباء منثور "، كما قال تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ~~(103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) ~~. # وكان فيما يتولاه خادما للناس، مسخرا بلا إرادة منه لخدمتهم، حتى كأنه من ~~جملة البهائم التي سخرها الله تعالى لعباده، وامتن عليهم بها في قوله ~~تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) . ### | كون طهارة النفس شرطا في صحة خلافة الله تعالى وكمال عبادته # لا يصلح لخلافة الله تعالى ولا يكمل لعبادته وعمارة أرضه إلا من كان طاهر # النفس قد أزيل رجسه ونجسه، فللنفس نجاسة كما أن للبدن نجاسة، لكن نجاسة ~~البدن تدرك بالبصر ونجاسة النفس لا تدرك إلا بالبصيرة، وإياها قصد - عز وجل ~~- بقوله: # (إنما المشركون نجس) # وبقوله: (والرجز فاهجر (5) # وبقوله: (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) . # وإنما لم يصلح لخلافة الله تعالى إلا من كان طاهر النفس، لأن الخلافة هي # الاقتداء به على قدر ms017 طاقة البشر في تحري الأفعال الإلهية) ، ومن لم يكن ~~طاهر # النفس لم يكن طاهر القول والفعل؛ فكل إناء بالذي فيه ينضح، (ولن يخلو مسك # PageV01P086 # سوء عن عرف سوء) ، ولهذا قيل: من طابت نفسه طاب عمله، ومن # خبثت نفسه خبث عمله، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " المؤمن أطيب من عمله ~~والكافر أخبث من عمله " بل قد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: (الخبيثات ~~للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) # وبقوله: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) # ولأجل أنه لا يطيب عمل من خبثت نفسه قال تعالى: (أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى) # وقال بعضهم في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه ~~كلب ": إنه أشار بالبيت إلى القلب وأشار بالكلب إلى الحرص والحسد ونحوهما، ~~ونبه أن نور الله تعالى لا يدخله إذا كان فيه ذلك، واستدل لذلك بأن الحرص ~~يقال له: الكلب، فإنه يقال: # فلان أحرص من الكلب. # ويقوي ذلك ما روي: أن التقوى لا تسكن إلا قلبا نظيفا. وإلى الطهارتين ~~أشار بقوله تعالى: (وثيابك فطهر (4) والرجز فاهجر (5) # وكنى بالثياب عن البدن، قال الشاعر: # ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران # وقال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ~~(33) # وقال تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) # وقال: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222) . # وقد قال بعض العلماء: إنما سمي الحواريون بذلك؛ لأنهم كانوا يطهرون نفوس ~~الناس بلإفادتهم الدين والعلم. # من قولهم: حورته، أي بيضته، وما روي أنهم كانوا قصارين فإشارة إلى هذا # المعنى، وإن كان من لم يتخصص بمعرفة الحقائق تصور من هذا التفسير المهنة ~~المعروفة بين الناس. # PageV01P087 ### | فيما يفنى إليه في طهارة النفس # الذي تطهر به النفس حتى تترشح لخلافة الله تعالى، وتستحق به ثوابه هو ~~العلم # والعبادات الموظفة التي هي سبب الحياة الأخروية، كما أن الذي به يطهر ~~البدن هو الماء # الذي هو سبب الحياة الدنيوية، ولذلك أسماها (الله ms018 تعالى) الحياة، وسمى ما ~~أنزل من كتابه الماء، فقال: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا ~~دعاكم لما يحييكم) # فسمى العلم والعبادة حياة من حيث إن النفس متى فقدتهما هلكت هلاك # الأبد، كما قال في صفة الماء: (وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ~~(30) # وقال تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) # قال ابن عباس - رضي الله عنها -: عنى بالماء القرآن، إذ كان به طهارة ~~النفس، وبالأودية القلوب احتملته بحسب ما وسعته. # قال بعض العلماء في قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) # وفي قوله: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) ،: إنه عنى به القرآن، ~~لقوله: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) . # وأجدر بصحة قوله تعالى، فإن الماء المنزل من السماء المختص بالطهارة الذي ~~لا يسد غيره من المياه مسده هو هذا الماء، أعني كلام رب العزة، فأما المختص ~~بطهارة البدن فقد يسد غيره مسده في الطهارة، لأن الذي ينبع من الأرض يعمل ~~عمله. # والذي يلزم تطهيره من النفس هو القوى الثلاث: قوة الفكر بتهذييها حتى ~~تحصل الحكمة والعلم، وقوة الشهوة بقمعها حتى تحصل العفة والجود، وقوة ~~الحمية بإسلاسها حتى تنقاد للعقل فتحصل الشجاعة والحلم، ويتولد من اجتماع ~~ذلك العدالة. # فجميع الرذائل تنبعث من فساد هذه القوى الثلاث: أما فساد الفكرة فيتولد ~~منه # الجربزة والبله، وأما فساد القوة الشهوية فيتولد منه الشره أو خمود ~~الشهوة، وأما فساد الحمية فيتولد منه التهور أو الجبن، ومن محصول هذه ~~الأشياء أو حصول # PageV01P088 # بعضها يحصل إما الظلم وإما الانظلام، فجميع أصول الفضائل الخلقية أربعة، # وجميع الرذائل الخلقية ثمانية. ### | بيان منازعة الهوى للعقل # اعلم أن مثل نفس الإنسان في بدنه كمثل وال في بلده، وقواه وجوارحه بمنزلة ~~صناع وعملة، والعقل له كمشير ناصح عالم، والشهوة فيه كعبد سوء جالب للميرة، # والحمية له كصاحب شرطة، والعبد الجالب للميرة خبيث ماكر يتمثل للوالي ~~بصورة الناصح وفي نصحه ذنب العقرب، ويعارض الوزير في تدبيره، ولا يغفل ساعة ~~عن منازعته ومعارضته، وكما أن ms019 الوالي في مملكته متى استشار في تدبيراته ~~وزيره دون هذا العبد الخبيث، وأدب صاحب شرطته وجعله مؤتمرا لوزيره، وسلطه ~~على هذا العبد وأتباعه # حتى يكون هذا العبد مسوسا لا سائسا، ومدبرا لا مدبرا استقام أمر بلده. ~~فكذلك النفس أيضا متى استعانت بالعقل في التدبير، وأدبت الحمية وسلطتها علي ~~الشهوة وقواها # استتب أمرها وإلا فسدت، ولهذا حذرنا الله تعالى غاية الحذر من اتباع ~~الهوى فقال: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) # وقال في ذم من اتبعه: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) # وقال تعالى: (أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب) # وقال في مدح من عصاه: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) ~~فإن الجنة هي المأوى (41) # وقال عليه الصلاة والسلام: " أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك " # إشارة إلى الهوى. # PageV01P089 # والعقل وإن كان أشرف القوى وبه صار الإنسان خليفة الله تعالى في العالم ~~فليس دأبه إلا الإشارة إلى الصواب كطبيب يشير على المريض بما يرى فيه برأه، ~~فإن قبل منه المريض وإلا سكت عنه، ولذلك جعل له الحمية لتكون نائبة عنه في ~~الدافعة والممانعة؛ ولهذا لا يتبين # فضيلة العقل لمن لا حمية له وبهذا النظر قيل: المهين من لا سفيه له، وقال ~~الشاعر (النابغة) : # تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي مربض المستأسد الحامي # وأيضا مثل النفس في البدن مثل مجاهد بعث إلى ثغر كي يراعي أحواله، وعقله ~~خليفة مولاه ضم إليه ليسدده ويرشده ويشهد له وعليه فيما يفعله إذ عاد إلى ~~حضرة مولاه # وبدنه بمنزلة فرس دفع إليه ليركبه، وشهوته كسائس حبيث ضم إليه ليتفقد ~~فرسه، ولا قدر لهذا السايس عند المولى، والقرآن بمنزلة كتاب أتاه من مولاه، ~~وقد ضمن كل ما يحتاج إليه عاجلا وآجلا كما وصفه تعالى بقوله: (ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء) # وبقوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) # والنبي - صلى الله عليه وسلم - رسول الله أتاه بالكتاب ليبين له ما يشكل ~~عليه مما يقرؤه من الكتاب. ms020 # وقبيح أن ينسى هذا الوالي مولاه، ويهمل خليفته فلا يراجعه فيما يبرمه ~~وينقضه، ويصرف همه كله إلى تفقد فرسه وسائسه، ويقيم سائس فرسه مقام خليفة ~~ربه. # ومن وجه آخر الإنسان من حيث ما جعله الله عالما صغيرا وجعل بدنه كسمدينة ~~والعقل كملك مدبر فيها، وقواه من الفكرة والخيال والحواس كجنده وأعوانه، ~~والأعضاء كرعيته، والشهوة كعدو ينازعه في مملكته ويسعى في إهلاك رعيته، صار ~~بدنه كرباط وثغر، ونفسه كمقيم فيه مرابط، فإن جاهد عدوه فهزمه وقهره على ما ~~يجب وكما يجب حمد أثره إذا عاد إلى حضرته كما ضمنه تعالى حيث قال: (فضل ~~الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى ~~وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) # فدفاع الهوى أعظم جهاد كما قال - صلى الله عليه وسلم -، وقد سئل: أي ~~الجهاد أفضل فقال: " جهادك هواك ". وإن ضيع ثغره وأهمل رعيته ذم أثره إذا ~~عاد إليه # PageV01P090 # كما قال - صلى الله عليه وسلم -: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " وأن ~~الله تعالى يقول للكافر # يوم القيامة: " يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم ترد الضالة ولم ~~تجبر الكسير، اليوم أنتقم منك ". # وأيضا مثل العقل مثل فارس متصيد وشهوته كفرسه، وغضبه ككلبه، فمتى كان ~~الفارس حاذقا وفرسه مروضا، وكلبه معلما، فهو قمين بإدراك حاجته من الصيد، ~~ومتى كان أخرق وفرسه جموحا أو حرونا، وكلبه عقورا فلا فرسه ينبعث تحته ~~منقادا ولا كلبه يسلس معه مطيعا، فهو قمين أن يعطب فضلا عن أن لا يدرك ما ~~طلب. # وللإنسان مع هواه ثلاثة أحوال: # الأولى: أن يغلبه الهوى فيملكه كما قال تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) ~~. # والثانية: أن يغالبه فيقهره مرة ويقهر مرة، وإياه قصد بمدح المجاهدين، ~~وعناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون ~~أعداءكم ". # والثالثة: أن يغلب هواه ككثير من الأنبياء وبعض صفوة الأولياء، وهذا ~~المعنى قصد بقوله تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) ~~فإن الجنة هي المأوى (41) # وله قصد النبي - صلى ms021 الله عليه وسلم - بقوله: " ما من أحد إلا وله شيطان ~~وإن الله تعالى أعانني عليه حتى ملكته "، فإن الشيطان يتسلط على الإنسان ~~بحسب وجود الهوى فيه، والله أعلم بالحقيقة. # PageV01P091 ### | الفرق بين ما يسومه العقل وبين ما يسومه الهوى # من شأن العقل أن يرى ويختار أبدا الأفضل والأصلح في العواقب، وإن كان على ~~النفس في المبدأ مؤنة ومشقة، والهوى على الضد من ذلك فإنه يؤثر ما يدفع به ~~المؤذي في الوقت، وإن كان يعقب مضرة من غير نظر منه في العواقب كالصبى ~~الرمد الذي يؤثر أكل الحلاوات واللعب في الشمس على أكل الإهليلج والحجامة، ~~ولهذا قال # النبي - صلى الله عليه وسلم -: " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ~~". # وأيضا فإن العقل يري صاحبه ما له وما عليه، والهوى يري صاحبه ما له دون # ما عليه ويعمي عليه ما يعقبه من المكروه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ~~" حبك الشيء يعمي ويصم " # ولذلك ينبغي للعاقل أن يتهم رأيه أبدا في الأشياء التي هي له # لا عليه، ويظن أنه هوى لا عقل، ويلزمه أن يستقصى النظر فيه قبل إمضاء ~~العزيمة، وحتى قيل: إذا عرض لك أمران فلم تدر أيهما أصوب فعليك بما تكرهه ~~لا بما تهواه. فأكثر الخير في الكراهية، قال الله تعالى: (وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم) # وقال تعالى: (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) . # وأيضا فإن ما يرى العقل يتقوى إذا فزع فيه إلى الله تعالى بالاستخارة، ~~وتساعد عليه العقول الصحيحة إذا فزع إليها بالاستشارة، وينشرح له الصدر إذا ~~استعين فيه # PageV01P092 # بالعبادة. وما يشير به الهوى فبالضد من ذلك. # وأيضا فالعقل يرى ما يرى بحجة وعذر، والهوى يرى ما يرى بشهوة وميل. # وربما تشبه الهوى بالعقل فيتعلق بشهوة مزخرفة ومعذرة مموهة كالعاشق إذا ~~سئل عن عشقه، والمتناول لطعام رديء إذا سئل عن فعله. # قال بعض العلماء: إذا مال العقل نحو مؤلم جميل والهوى نحو ملذ قبيح ~~فتنازعا # بحسب غرضيهما وتحاكما إلى القوة المدبرة بادر نور الله تعالى إلى ms022 نصرة ~~العقل # ووساوس الشيطان إلى نصرة الهوى كما قال تعالى: (الله ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات) . # فمتى كانت القوة المدبرة من أولياء الشيطان ومحبيه لم تر نور الحق فعميت ~~عن نفع الأجل، واغترت بلذة العاجل، فجنحت إلى الهوى، كما قال تعالى: ~~(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) . # ومتى كانت من حزب الله وأوليائه اهتدت بنوره، فاستهانت بلذة العاجل، ~~وطلبت سعادة الآجل كما قال تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله إنه سميع عليم (200) إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ~~فإذا هم مبصرون (201) وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) . # ومما نبه به على فساد الهوى قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن) # أي لو أعطي كل إنسان ما يهوى - مع أن كل واحد يهوى أن يكون أغنى الناس ~~وأعلاهم منزلة، وأن ينال في الدنيا الخير الأبدي بلا مزاولة (ولا يعلم أنه ~~أعطى ذلك) لكان فيه فساد العالم بأسره. # وقيل في قوله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من ~~فوق الأرض ما لها من قرار (26) # ضرب الشجرة الطيبة مثلا للعقل، والخبيثة مثلا للهوى، # PageV01P093 # ففرع الطيبة النور والإسلام، وفرع الخبيثة الكفر والضلال. فإن قيل: ما ~~الفرق بين الشهوة والهوى، قيل: الشهوة ضربان: محمودة ومذمومة. # فالمحمودة من فعل الله سبحانه، وهي قوة جعلت في الإنسان لتنبعث بها النفس ~~لنيل ما يظن فيه صلاح البدن. # المذمومة من فعل البشر ... وهي استجابة النفس لما فيه لذتها البدنية، ~~والهوى هو هذه الشهوة الغالبة إذا استتبعت الفكرة، وذلك أن الفكرة بين ~~العقل والشهوة، فالعقل فوقها والشهوة تحتها، فمتى ارتفعت الفكرة ومالت نحو ~~العقل صارت رفيعة فولدت المحاسن، وإذا اتضعت ومالت نحو الهوى والشهوة صارت ~~وضيعة وولدت ms023 المقابح. # والنفس قد تريد ما تريد بمشورة العقل تارة وبمشورة الهوى تارة، ولهذا قد ~~يسمى الهوى إرادة. ### | في ذكر الخاطر الذي يعرض من جهة العقل والهوى # أول ما يعرض من ذلك السانح ثم الخاطر، وإلى ذلك أشار النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بقوله: " إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الملك ~~فوعد بالخير وتصديق بالحق، وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق "، ~~ثم قرأ: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه ~~وفضلا والله واسع عليم (268) # ثم من بعدهما الإرادة ثم العزم ثم العمل. # فالسانح علة الخاطر، والخاطر علة الإرادة، والإرادة - وهي الهمة - علة ~~العزم، والسانح والخاطر يعبر عنهما بالهاجس والواجس ويتجافى عنهما ما لم ~~يصيرا إرادة وعزما. # فحق الإنسان إذا خطر له خاطر أن يسبره عاجلا، فإن وجده خيرا رباه حتى ~~يجعله فعلا، وإن وجده شرا بادر إلى قلعه وقمعه قبل أن يصير إرادة، ويطهر ~~قلبه منه تطهير أرضه من خبيثات النبات، وهذا المعنى أراد الحسن - رحمه الله ~~- بقوله: رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله أمضى وإلا كف. # قال بعض الحكماء: إن تداركت الخطرة اضمحلت وإلا صارت شهوة، وإن # PageV01P094 # تداركت الشهوة تلاشت وإلا صارت طلبا، وإن تداركت الطلب تلاشى وإلا صار ~~عملا. # وقال بعض الحكماء: إن ولي الله سبحانه إذا أتته لمة الشيطان انزعج لذلك، ~~ورأى ببصيرته ظلمة، ووجد روعة، فإذا أتته لمة الملك انشرح صدره، وأولياء ~~الشيطان بخلافه. قال الله تعالى: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45) . # والله ولي الرشاد. ### | حصول الخلق المحمود بطهارة النفس # قد تقدم أن طهارة النفس تكون لإصلاح القوى الثلاث: # فإصلاح الفكرة: بالتعلم حتى يميز بين الحق والباطل في الاعتقاد، وبين ~~الصدق والكذب في المقال، وبين القبيح والجميل في الفعال. # وإصلاح الشهوة: بالعفة حتى تسلس للجود والمواساة المحمودة بقدر الطاقة. # وإصلاح الحمية: بإسلاسها حتى يحصل الحلم؛ وهو كف النفس عن قضاء وطر ~~الغضب، وتحصل الشجاعة؛ وهي ms024 كف النفس عن الخوف وعن الحرص المذمومين. # وبإصلاح القوى الثلاث يحصل للنفس العدالة والإحسان، وهذه جماع المكارم، ~~وطهارة النفس وحسن الخلق الممدوح يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا وألطفهم بأهله "، ويعني باللطافة ~~بالأهل تهذيبهم وتأديبهم المشار إليه بقوله # تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) . # والممدوح أيضا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا ~~الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون " # PageV01P095 # وقيل: جماع المكارم في قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم ~~الصادقون (15) # وذلك أنه بالإيمان يحصل العلم والحكمة، وذلك بإصلاح الفكرة، وبالمجاهدة ~~بالأموال والأنفس تحصل العفة والجود اللذان هما تابعان لإصلاح الشهوة، ~~والشجاعة والحلم اللذان هما تابعان لإصلاح الحمية، وعلى ذلك قوله تعالى: ~~(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) . # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في تفسير ذلك: " هو أن تعفو عمن ظلمك، ~~وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك "، فالعفو عمن ظلمك نهاية الحلم والشجاعة، ~~وإعطاء من حرمك نهاية الجود، ووصل من قطعك نهاية الإحسان، والله أعلم. ### | الفرق بين الطبع والسجية والخلق والعادة # الطبع: أصله من طبع السيف: اتخاذ الصورة المخصوصة من الحديد، وكذلك ~~الطبيعة والضريبة اعتبارا بضرب الدراهم، والنحتية اعتبارا بالنحتة، والنجر ~~اعتبارا بنجر الخشب، والغريزة اعتبارا بما غرز عليه. وكل ذلك اسم للقوة ~~التي لا سبيل إلى تغييرها # والشيمة اسم للحالة التي عليها الغريزة، اعتبارا بالشامة في أصل الخلقة. # والسجية: اسم لما يسجى عليه الإنسان من قولهم: عين ساجية، أي فاترة خلقة، ~~وأكثر ما يستعمل ذلك كله فيما لا يمكن تغييره. # وأما الخلق في الأصل فهو كالخلق كقولهم الشرب والشرب، والصرم والصرم، لكن ~~الخلق يقال في القوى المدركة بالبصيرة، والخلق في الهيئات والأشكال والصور ~~المدركة بالبصر، وجعل الخلق تارة للقوة الغريزية، ولهذا قال عليه الصلاة ~~والسلام: # " فرغ الله من الخلق والخلق والرزق والأجل "، # وتارة يجعل اسما للحالة المكتسبة # PageV01P096 # التي يصير بها الإنسان خليقا أن يفعل شيئا دون ms025 شيء، كمن هو خليق بالغضب ~~لحدة مزاجه، ولهذا خص كل حيوان بخلق في أصل خلقته، كالشجاعة للأسد، والجبن ~~للأرنب، والمكر للثعلب. # ويجعل الخلق تارة من الخلاقة وهي الملابسة، وكأنه اسم لما مرن عليه ~~الإنسان من قواه بالعادة، وقد روي: " أفضل الأعمال الخلق الحسن " وروي: " ~~ما أعطى الله أحدا أفضل من خلق حسن " فجعل الخلق مرة للهيئة الموجود في ~~النفس التي يصدر عنها الفعل بلا فكر. # وجعل مرة اسما للفعل الصادر عنه باسمه، وعلى ذلك أسماء # أنواعها نحو العفة والعدالة والشجاعة، فإن ذلك يقال للهيئة والفعل جميعا، ~~وربما تسمى الهيئة باسم، والفعل الصادر عنها باسم، كالسخاء والجود، فإن ~~السخاء اسم للهيئة التي عليها الإنسان، والجود اسم للفعل الصادر عنها، وإن ~~كان قد يسمى كل واحد باسم الآخر من فضله. # وأما العادة: فاسم لتكرير الفعل أو الانفعال، من عاد يعود، وبها يكمل ~~الخلق، وليس للعادة فعل إلا تسهيل خروج ما هو بالقوة في الإنسان إلى الفعل. # فأما أن تجذب السجية إلى خلاف ما خلقت له، فمحال، فالسجية فعل # الخالق - عز وجل - والعادة فعل المخلوق، ولا ييطل فعل المخلوق فعل ~~الخالق، ولكن ربما يقوي العادة قوة محكمة حتى تعد سجية، وبهذا النظر قيل: ~~العادة طبيعة ثانية. # PageV01P097 ### | إمكان تغيير الخلق # اختلف الناس في الخلق فقال بعضهم: هو من جنس الخلقة ولا يستطيع أحد ~~تغييره عما جبل عليه إن خيرا وإن شرا كما قيل: # وما هذه الأخلاق إلا غرائز ... فمنهن محمود ومنها مذمم # ولن يستطيع الدهر تغييرخلقة ... بنصح ولا يسطيعه متكرم # ويعلق هذا القائل أيضا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من آتاه ~~الله وجها حسنا وخلقا حسنا فليشكر الله " # وما روي من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " فرغ الله من الخلق والخلق " ~~الخبر، ومحال أن يقدر المخلوق على تغيير فعل الخالق - عز وجل -. # وقال بعضهم: يمكن ذلك، واستدل عليه بما روي: " حسنوا أخلاقكم "، ولو لم ~~يكن لما أمر به. # وقال: إن الله تعالى خلق الأشياء على ضربين: # أحدهما: بالفعل ولم يجعل للعبد فيه عملا، ms026 كالسماء والأرض والهيئة والشكل. # والثاني: خلقه خلقة ما وجعل فيه قوة، ورشح الإنسان لإكماله، وتغيير حاله ~~وإن لم يرشحه لتغيير ذاته، كالنواة التي جعل فيها قوة النخل. # وسهل للإنسان سبيلا إلى أن يجعله بعون الله نخلة، أو أن يفسده إفسادا. # قال: والخلق من الإنسان يجري هذا المجرى في أنه لا سبيل للإنسان إلى ~~تغيير القوة التي هي السجية، وجعل له سبيلا إلى إسلاسها، ولهذا قال الله ~~تعالى: (قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10) # ولو لم يكن كذلك لبطلت فائدة المواعظ والوصايا، والوعد والوعيد، والأمر ~~والنهي، ولما جوز العقل أن يقال للعبد # لم فعلت، ولم تركت، وكيف يكون هذا في الإنسان ممتنعا وقد وجدناه فى بعض # PageV01P098 # البهائم ممكنا، فالوحش قد ينقل بالعادة إلى التأنس، والجامح إلى السلاسة. # لكن الناس في غرائزهم مختلفون، فبعضهم جبلوا جبلة سريعة القبول، وبعضهم ~~جبلوا جبلة بطيئة القبول، وبعضهم في الوسط، وكل لا ينفك من أثر القبول وإن ~~قل. # وأرى أن من منع من تغيير الخلق فإنه اعتبر القوة نفسها، وهذا صحيح فإن ~~النوى محال أن ينبت الإنسان منه تفاحا. # ومن أجاز تغييره فإنه اعتبر إمكان ما في القوة إلى الوجود وإفساده ~~بإهماله كالنوى فإنه يمكن أن يتفقد فيجعل نخلا وأن يترك مهملا حتى يتعفن ~~ويفسد، وهذا صحيح أيضا. # فإذن اختلافهما بحسب اختلاف نظريهما. ### | صعوبة إصلاح القوة الشهوية وما في هذه التوة من المنفعة والمضرة # أصعب هذه القوى الثلاث مداواة قمع الشهوة، لأنها أقدم القوى وجودا في # الإنسان، وأشدها به تشبثا، وأكثرها منه تمكنا، فإنها تولد معه وتوجد فيه ~~وفي الحيوان الذي هو جنسه، بل في النبات الذي هو جنس جنسه، ثم توجد فيه قوة ~~الحمية، ثم آخرا توجد فيه قوة الفكر والنطق والتمييز. ولا يصير الإنسان ~~خارجا من جملة البهائم، وأسر الهوى إلا بإماتة الشهوات البهيمية أو بقهرها ~~وقمعها إن لم يمكنه إماتتها، فهي التي تضره وتغره، وتصرفه عن طريق الآخرة، ~~وتثبطه. # ومتى قهرها وأماتها صار الإنسان حرا نقيا، بل يصير إلهيا ربانيا، فتقل ms027 ~~حاجاته ويصير غنيا عما في يد غيره، وسخيا بما في يده، ومحسنا في معاملاته. # فإن قيل: فإذا كانت قوة الشهوة بهذه المثابة في الإضرار، فأي حكمة اقتضت ~~أن # PageV01P099 # يبلى بها الإنسان؟. # قيل: الشهوة إنما تكون مذمومة إذا كانت مفرطة، وأهملها صاحبها حتى ملكت ~~القوى، فأما إذا أدبت فهي المبلغة إلى السعادة، وجوار رب العزة، حتى لو ~~تصورت مرتفعة لما أمكن الوصول إلى الآخرة، وذلك أن الوصول إلى الآخرة ~~بالعبادة، ولا سبيل إلى العبادة إلا بالحياة الدنيوية، ولا سبيل إلى الحياة ~~الدنيوية إلا بحفظ البدن، ولا سبيل # إلى حفظ البدن إلا بإعادة ما يتحلل منه، ولا يمكن إعادة ذلك إلا بتناول ~~الأغذية، ولا يمكن تناول الأغذية إلا بالشهوة، فإذا الشهوة محتاج إليها، ~~ومرغوب فيها، وتقتضي الحكمة الإلهية إيجادها وتزيينها كما قال تعالى: (زين ~~للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن ~~المآب (14) . # لكن مثلها كمثل عدو تخشى مضرته من وجه، وترجى منفعته من وجه، ومع # عداوته لا يستغنى عن الاستعانة به، فحق العاقل أن يأخذ نفعه ولا يسكن ~~إليه، ولا يعتمد عليه إلا بقدر ما ينتفع به. وما أصدق في ذلك قول المتنبي ~~إذا تصور في وصف الشهوة، وإن قصدها فما أجود ما أراد: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد # وأيضا فهذه الشهوة هو المشوقة لعامة الناس إلى لذات الجنة من المأكل ~~والمشرب والمنكح، إذ ليس كل الناس يعرف اللذات المعقولة. # ولو توهمناها مرتفعة لما تشوقوا إلى ما وعدوا به من قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # PageV01P100 ### | في ازدياد الإنسان في الفضائل والرذائل بتعاطيها # كل متعاط لفعل من الأفعال النفسية فإنه يتقوى به بالازدياد منه، إن خيرا ~~فخير وإن شرا فشر، فباحتمال صغار الأمور يمكن احتمال كبارها، وباحتمال ~~كبارها يستحق الحمد كما قال أمير المؤمنين - رضي الله ms028 عنه -: " الإيمان ~~يبدو نكتة بيضاء في القلب، كلما ازداد # الإيمان ازداد ذلك البياض، وإذا استكمل العبد الإيمان ابيض قلبه كله، وإن ~~النفاق ييدو لمظة سوداء، وكلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل ~~النفاق اسود القلب كله. # والإنسان يكمل في الفضيلة بأربع درجات: # اثنين في الاعتقاد، وهما: أن يعتقد الجميل ويجعل اعتقاده عن براهين واضحة ~~وأدلة قاطعة، لا عن شبهات واهية، وإقناعات متداعية. # واثنين في الفعل؛ وهما: أن يترك العادات السيئة فيجعلها بحيث يبغضها ~~فبتجنب الرذيلة يتوصل إلى الفضيلة، وأن يتعود العادات الحسنة فيجعلها بحيث ~~يؤثرها ويتنعم بها، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: " وجعل قرة عيني في ~~الصلاة ". # وكما أنه يكمل بأربع درجات فإنه ينتكس بأربع درجات: # درجتين في الاعتقاد، وهما: أن لا يعتقد شيئا من العلوم الحقيقية فيبقى ~~عنها غفلا، وأن يعتقد عن تقليد اعتقادا فاسدا، فيتلطخ به. # ودرجتين في العمل، وهما: أن لا يتعود العادة الجميلة رأسا، وأن يتعود ~~العادة القبيحة. # فمن صار في الفضيلة إلى الدرجة الرابعة فهو ممن شرح الله صدره للإسلام ~~فهو على نور من ربه، ومن صار في الرذيلة إلى الدرجة الرابعة فهو من الذين ~~وصفهم الله تعالى بقوله: (أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ~~(23) # ثم قال: # PageV01P101 # (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) # وقيل لحكيم: ألا تعظ فلانا، فقال: ذلك على قلبه قفل ضاع مفتاحه، فلا سبيل ~~إلى معالجة فتحه. # وللإنسان مع كل فضيلة ورذيلة ثلاثة أحوال: # إما: أن يكون فى ابتدائها، فيقال: هو عبدها وابنها، ولهذا قال بعضهم: من ~~لم يخدم العلم لم يرعه. # والثاني: أن يتوسطها فيقال: هو أخوها وصاحبها. # والثالث: أن ينتهي فيها بقدر وسعه، ويتصرف فيها كما أراد فيقال: هو سيدها ~~وربها، ومنه قيل: فلان رباني في العلم، فإن رب الشيء هو الذي - ربه، وسيده ~~هو الذي يملك سواده، - أي جميعه. # وغاية الفاضل في الفضيلة أن تقع منه الفضائل أبدا من غير فكر ولا روية، ~~لغلبة قواها عليه، وبعد ما ينافيها منه، كالصانع الحاذق في صنعته. # وغاية ms029 الرذل في الرذيلة أن تقع منه الرذائل لغلبة قواها عليه، ولهذا حد ~~الخلق # بأنه: حال للإنسان داعية إلى الفعل من غير فكر ولا روية. ### | الفرق بين ما يحمد ويذم من التخلق # الفرق بين الخلق والتخلق أن التخلق معه استثقال واكتئاب، ويحتاج إلى بعث # وتنشيط من خارج، والخلق معه استخفاف وارتياح ولا يحتاج إلى بعث من خارج. # والتخلق والتشبه بالأفاضل ضربان: # ضرب محمود: وذلك ما كان على سبيل الارتياض والتدرب، ويتحراه صاحبه سرا # PageV01P102 # وجهرا على الوجه الذي ينبغي وبالمقدار الذي ينبغي وإياه قصد الشاعر ~~بقوله: # ولن تستطيع الخلق حتى تخلقا # بل قد قال - صلى الله عليه وسلم -: " ما العلم إلا بالتعلم، وما الخلق ~~إلا بالتخلق ": # وضرب مذموم: وذلك ما كان على سبيل المراءاة، ولا يتحراه صاحبه إلا حيث ~~يقصد أن يذكر به، ويسمى ذلك رياء وتصنعا، وتشيعا، ولن ينفك صاحبه من اضطراب ~~يدل على تشيعه كما قال (في) كليلة (ودمنة) : الطبع المتكلف كلما زدته ~~تثقيفا ازداد تعقيفا، وعلى ذلك قال الشاعر أبو الطيب المتنبي: # وأسرع مفعول فعلت تغيرا ... تكلف شيء في طباعلك ضده # وإياه قصد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رحمه الله - بقوله: " من تخلق ~~للناس بغير ما فيه فضحه الله " # وحال التشبع كالجرح يندمل على فساد فلا بد أن ينبعث ولو كان بعد حين: # فإن الجرح ينفر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد # وكما أن العضو المفلوج لا يطاوع صاحبه في تحريكه وإن جاهده، فمتى حركه ~~إلى اليمين تحرك نحو الشمال، كذلك أيضا الشره والظلوم والمتهور وإن جاهدوا ~~أنفسهم فإن قواهم تأبى مطاوعتهم، وقد ذم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ~~بقوله: " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور "، تنبيها أنه كاذب بقوله ~~وفعله، فيتضاعف وزره. وقد حمل على # ذلك قوله: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) ، # وإياه قصد # PageV01P103 # النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل ~~على الصفا في الليلة الظلماء". # وأقبح الرياء النفاق في الدين، وأقبح النفاق ما كان في أصل ms030 الاعتقاد، وهو ~~إظهار الإيمان مع استبطان الكفر، ولذلك جعل الله عقابهم أعظم فقال: (إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار) . ### | سبب اختلاف الناس في أخلاقهم # جميع الفضائل النفسية ضربان: نظري وعملي، وكل ضرب منهما يحصل على وجهين: # أحدهما: بتعلم بشري يحتاج فيه إلى زمان وتدرب وممارسة، ويتقوى الإنسان # فيه درجة فدرجة، وإن كان فيهم من يكفيه أدنى ممارسة، وفيهم من يحتاج إلى ~~زيادة ممارسة، وذلك بحسب اختلاف الطبائع في الذكاء والبلادة. # والثاني: يحصل بفضل إلهي نحو: أن يولد إنسان فيصير من غير تعلم من البشر ~~عالما كعيسى ابن مريم، ويحى بن زكريا، وغيرهما من الأنبياء - عليهم السلام ~~- الذين حصل لهم من المعارف من غير ممارسة ما لم يحصل للأنبياء غيرهم. # وقد ذكر بعض الحكماء أن ذلك يحصل لغير الأنبياء أيضا في الفينة بعد ~~الفينة. # وكل ما كان بتدرب فقد يكون بالطبع كصبي يوجد صادق اللهجة، وسخيا وجريئا، ~~وآخر على عكس ذلك، وقد يكون بالتعلم والعادة، فمن صار فاضلا طبعا وعادة # وتعلما فهو كامل الفضيلة، ومن كان رذلا بثلاثتها فهو كامل الرذيلة. # PageV01P104 ### | وجوب اكتساب الفضيلة المحمودة # حق الإنسان في كل فضيلة أن يكتسبها خلقا، ويجعل نفسه ذات هيئة مستعدة ~~لذلك، سواء أمكنه أن يبرز ذلك فعلا أو لم يمكنه، وذلك بأن يكون على هيئة ~~الأسخياء والشجعان والحكماء والعدول، وإن لما يكن ذا مال يبذله، ولا عرض له ~~مقام تظهر فيه نجدته، ولا معاملة بينه وبين غيره تبرز فيها عدالته. # وقد قيل لبعض الحكماء: # هل من جود يعم به الورى، قال: نعم، أن تحسن خلقك وتنوي لكل أحد خيرا. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ~~بأخلاقكم ". # واعلم أن كل فعل يحتاج فيه إلى إيجاده وتزيينه وتجويده دنيويا كان أو ~~أخرويا لكن متى كان أخرويا يحتاج فيه مع ذلك إلى أمور لا يتم ولا يكمل إلا ~~بها، (وهي أنه يجب أن يتعاطاه) قصدا إلى المكرمة وإلا لم يعتد بها) . كما ~~قال تعالى: (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات ms031 الله وتثبيتا من ~~أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل ~~والله بما تعملون بصير (265) . # وأن يتحراه بخلوص طوية كما قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين) # وألا يقصد به جلب منفعة دنيوية أو دفع مضرة، فإنه يكون بفعله ذلك # تاجرا، ويجب عند بعض المحققين ألا يطلب به منفعة أخروية أيضا، فقد قيل: " ~~من عبد الله بعوض فهو لئيم " ومن فعل ذلك بانشراح صدر فهو أولى ممن يفعله ~~بمجاهدة نفس، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: " إن استطعت أن تعمل لله ~~في الرضا باليقين فاعمل وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير "، وقولهم: " ~~الحق مر " فهو باعتبار من لم تتهذب # PageV01P105 # نفسه، ولم يزل مرضه. # فمن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا # فأما من كمل فإنه يستطيب الحق وإن كان ثقيلا، كما قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: " وجعل قرة عيني في الصلاة ". ومن أصلح وهذب نفسه فقد حاز أعظم ~~المآلين. # فمن ملك نفسه وقواها، وهذبها وزكاها فقد اطلع به على ملكوت السموات ~~والأرض، وملك أطوع جيش بلا عطاء يلزمه، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: ~~(إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) # فجعل النبوة مخصوصة فيهم، وجعل الملك عاما لهم تنبيها على المعنى الذي ~~ذكرت، وعلى ذلك قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ~~فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) # ونذكر بعد ذلك أنواع نعم الله تعالى وما يكتسب منها، والله ولي الفضل ~~والإحسان. ### | أنواع نعم الله تعالى الموهوبة والمحتسبة # نعم الله تعالى وإن كانت لا تحصى مفصلة كما قال سبحانه: (وإن تعدوا نعمت ~~الله لا تحصوها) # فإنها بالقول المجمل خمسة أنواع: # الأول: وهو أعلاها وأشرفها السعادة الأخروية وإياها قصد بقوله تعالى: ~~(وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) # وذلك هو الخير ms032 المحض والفضيلة الصرف، وهو أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، # وقدرة بلا عجز، وعلم بلا جهل، وغنى بلا فقر. ولا يمكن الوصول إلى ذلك إلا ~~باكتساب الفضائل النفسية واستعمالها، كما قال تعالى: (ومن أراد الآخرة وسعى ~~لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) # وأصول ذلك أربعة أشياء: # العقل وكماله العلم، والعفة وكمالها الورع، والشجاعة وكمالها المجاهدة، # والعدالة وكمالها الإنصاف، وهي المعبر عنها بالدين. ويكمل ذلك بالفضائل ~~البدنية # PageV01P106 # وهي أربعة أشياء: الصحة، والقوة، والجمال، وطول العمر. ويتم بالفضائل ~~المطيفة بالإنسان، وهي أربعة أشياء: المال، والأهل، والعز، وكرم العشيرة، ~~ولا سبيل إلى تحصيل ذلك إلا بتوفيق الله - عز وجل -، وذلك بأربعة أشياء ~~هدايته، ورشده، وتسديده، وتأييده. # فجميع ذلك خمسة أنواع هي عشرون ضربا، ليس للإنسان مدخل في # اكتسابها إلا فيما هو نفسي فقط. # واعلم أن الفضيلة الكاملة والسعادة الحقيقية هي الخيرات الأخروية وما ~~عداها فتسميته بذلك إما لكونه معاونا في بلوغ ذلك، أو نافعا فيه. فكل ما ~~أعان على خير وسعادة فهو خير وسعادة. # وهذه الأشياء التي هي معينة ونافعة في بلوغ السعادة الأخروية متفاوتة ~~الأحوال، فمنها ما هو نافع في جميع الأحوال، وعلى كل وجه. ومنها ما هو نافع ~~في حال دون حال، وعلى وجه دون وجه، وربما يكون ضره أكثر من نفعه. # فحق الإنسان أن يعرفها بحقائقها حتى لا يقع الخطأ عليه في اختياره الوضيع ~~على الرفيع، وتقديمه الخسيس على النفيس. # والناس في تحري ذلك قسمان: طالب خير، وهارب من شر. كما قيل: # كل يحاول حيلة يرجو بها ... دفع المضرة واجتلاب المنفعة # والمرء يغلط في تصرف حاله ... فلربما اختار العناء على الدعة # لكن قد يحسب الشحم فيمن شحمه ورم، ويقدر في الشيء أنه رزق نافع # ) وحشوه سم ناقع) ، ولذلك يحق على العاقل أن يجلي بصيرته، ويعرف من كل ما ~~يطلب حقيقته لئلا يكون كمن أراد حبلا يتنطق به، فرأى حية فظنها مبتغاه، ~~فأخذها فلدغته. # وفد قسمت الخيرات على وجه آخر فقيل: # الخيرات ثلاث: مؤثرة لذاتها، ومؤثرة لغيرها، ومؤثرة تارة لذاتها ms033 وتارة ~~لغيرها. # فالمؤثرة لذاتها السعادة الأخروية والنفسية. # والمؤثرة لغيرها الدراهم والدنانير، فإنا لو تصورنا ارتفاع الضرورات التي ~~تستدفع بها لكانت هي والحصباء سواء. # PageV01P107 # والمؤثرة تارة لذاتها وتارة لغيرها كصحة الجسم، فمعلوم أن الرجل وإن ~~أريدت للمشي فالإنسان يريد أن يكون صحيح الرجل وإن استغنى عن المشي، ويقال ~~أيضا: الخيرات ثلاث: نافع، وجميل، ولذيذ. # والشرور ثلائة: ضار، وقبيح، ومؤلم. # وكل واحد من ذلك ضربان: # أحدهما: مطلق، وهو الذي يجمع الأوصاف الثلاثة في الخير كالحكمة فإنها ~~نافعة، وجميلة، ولذيذة، وفي الشر كالجهل فإنه ضار وقبيح ومؤلم. # والثاني: مقيد: وهو الذي جمع شيئا من أوصاف الخيرات، وشيئا من أوصاف ~~الشرور، فرب نافع مؤلم كجدع قصير أنفه، فإنه وإن نفعه في إدراك الثأر فقد ~~آذاه، ورب نافع قبيح كالحمق، فإنه وإن نفع من حيث ما قيل: استراح من لا عقل ~~له، فهو جد قبيح. # ورب نافع من وجه ضار من وجه، كمن في سفينة فخاف الغردق فألقى متاعه في ~~الماء، فخلصت السفينة. # وكل ما نفعه، وجماله، ولذته أطول مدة وأعم فائدة، فهو أفضل. فحق على ~~العاقل أن يرغب إلى الله في أن يعطيه ما فيه مصلحته مما لا سبيل له بنفسه ~~إلى اكتسابه، # وأن يبذل جهده مستعينا بالله فى اكتساب ما له كسبه، وبلوغ الأعلى فالأعلى ~~منه على الترتيب، فبذلك يشرف، ومن ضيع أنفس المقتنيات مع التمكن من تحصيله ~~فهو دني الهمة، راض بخسيس الحال. # وأشرفها ما إذا حصل لم يغضب ولم يحتج في حفظه إلى أعوان، وكان نافعا ~~عاجلا وآجلا ومطلقا في كل حال، وكل زمان، وكل مكان، وذلك هو الفضائل ~~النفسية ولا سيما العقل والعلم. # فأما القنيات الخارجية نحو المال والجاه فإنها يقال لها: الخيرات ~~المتوسطة؛ لأنها # تنجذب إلى الفضيلة مرة وإلى الرذيلة مرة ولأنها سبب للخيرات إذا كانت مع # العقل، وسبب الشرور إذا كانت مع الجهل، وقد نبه الله تعالى على كون ذلك ~~سببا للشر بقوله: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) # وبقوله: (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها ms034 في ~~الدنيا) # PageV01P108 # ولذلك قيل: السعيد هو الخير العاقل غنيا كان أو فقيرا، قويا كان أو ~~ضعيفا. # فإن قيل: ما الخير والسعادة والفضيلة والنافع، وهل بينها فرق،. # قيل: أما الخير المطلق فهو المختار من أجل نفسه، والمختار غيره لأجله، ~~وهو الذي يتشوقه كل عاقل، بل قد قيل: هو الذي يتشوقه الكل بلا مثنوية، فإن ~~الكل يطلب في الحقيقة الخير وإن كان قد يعتقد في الشر أنه خير فيختاره. # فمقصده الخير ويضاده الشر وهو المجتوى من أجل نفسه، والمجتوى غيره من ~~أجله. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " لا خير في خير بعده النار، ولا شر في ~~شر بعده الجنة " # فجعل الخير المطلق الجنة، والشر المطلق النار كما ترى، وقد يقال لكل ما ~~يتوصل به إلى الخير: خير، ولهذا سمى الله تعالى المال خيرا في قوله: (إن ~~ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين) # لكن المال والجاه في الحقيقة قد يكون خيرا لبعض الناس وشرا لبعضهم، # فمعلوم أنه كان شرا لمن قال تعالى فيه: (الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ~~ماله أخلده (3) . # وأما السعادة المطلقة فحسن الحياة في الآخرة، وهي الأربع التي تقدم ذكرها ~~من البقاء بلا فناء، والقدرة بلا عجز، والعلم بلا جهل، والغنى بلا فقر. # وقد يقال لا يتوصل به إلى هذه السعادات الأربع: سعادة، وهي الستة عشر ~~المتقدمة، ويضادها الشقاوة. # وأما الفضيلة فاسم لما يحصل به الإنسان ميزة على الغير، وهي اسم لما ~~يتوصل به إلى السعادة، ويضادها الرذيلة. # وأما النافع فهو ما يعين على بلوغ الفضيلة والسعادة والخير، والنافع في ~~الشيء ضربان: # ضروري: وهو ما لا يمكن الوصول إلى المطلوب إلا به؛ كالعلم والعمل الصالح ~~للمكلفين في البلوغ إلى النعيم الدائم. # PageV01P109 # وغير ضروري: وهو الذي قد سد غيره مسده كالسكنجبين في كونه نافعا في قمع ~~الصفراء، فإن ذلك قد يسد غيره مسده. # وكل نافع قد يسمى فضيلة وسعادة وخيرا لكونه مبلغا إلى ذلك، وموصلا إليه. ### | حاجة بعض هذه الفضائل إلى بعض # قد ثبت بما تقدم أن الخيرات والفضائل خمسة أنواع: ms035 أخروية، ونفسية، ~~وبدنية، وخارجية، وتوفيقية. فيجب أن يعلم أن بعض ذلك محتاج إلى بعض، إما ~~حاجة ضرورية بحيث لو لم يوجد ذلك لم يصح وجود الآخر أو حاجة نافعة) بحيث لو ~~لم يوجد لاختل حال الآخر، وذلك أن السعادة الحقيقية الأخروية لا سبيل إلى ~~الوصول إليها إلا باكتساب الفضائل النفسية، ولذلك قال الله تعالى: (ومن ~~أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) # فنبه أنه لا مطمع لمن أراد الوصول إليها إلا بالسعي، ولا سبيل إلى تحصيل ~~الفضائل النفسية إلا بصحة البدن وقوته، ولأنه لا غنى بكمال الفضائل النفسية ~~والبدنية عن الفضائل الخارجية، فإنه وإن أمكن أن يتصور حصولها لمن لا أهل ~~له ولا مال ولا عشيرة فإنها لا تكمل إلا بها. ### | الفضائل المطيفة بالإنسان # قد تقدم أن ذلك بالقول المجمل أربعة أشياء: المال، والأهل، والعز، وكرم ~~العشيرة. # وإن هذه الأشياء نافعة في بلوغ الفضيلة الحقيقية والسعادة الأخروية، ~~وجارية مجرى الجناح المبلغ وإن لم تكن الحاجة إليها في بلوغ ذلك ضرورية. # فأما المال: فصاحبه يتمكن من فضائل إذا فقده ثكل بلوغها، فمعلوم أن كثيرا ~~من القرب كالزكاة، والحج، يثكله الفقير، فإن الفقير في تحري المكارم كساع ~~إلى الهيجا بغير سلاح، وكباز متصيد بلا جناح، وفضله مغطى كماء تحت الأرض، ~~ونار كامنة # في الصخر، وما أصدق ما قال الشاعر: # والمرء يرفعه الغنى ... والفقر منقصة وذل # PageV01P110 # وقال المتنبي (في ديوانه: # فلا مجد للدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " اللهم إني أسألك الهدى والتقى ~~والعفة والغنى "، # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " نعم العون على تقوى الله المال " # وأما الأهل: فنعم العون على بلوغ السعادة، فمن كثر أهله وخالصوه، صار له ~~بهم عيون، وآذان، وأيد، وقد قال تعالى حاكيا عن لوط - صلى الله عليه وسلم ~~-: (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) # وقال الشاعر: # ألم تر أن جمع القوم يخشى ... وأن حريم واحدهم مباح # وقال - صلى ms036 الله عليه وسلم - في نفع الولد: " إذا مات الرجل انقطع عمله ~~إلا من ثلاث: صدقة جارية بعد موته، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له ". # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " ريح الولد من رائحة الجنة "، وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: " نعم العون على الدين المرأة الصالحة " # فالمرأة مزرعة الرجل قيضها الله تعالى له ليزرع فيها زرعه، كما قال # تعالى: (نساؤكم حرث لكم) # وقال تعالى: (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) . # وأما العز: فبه يتأبى عن تحمل الذل، ومن لا عز له لا يمكنه أن يذود عن ~~حريمه، ولذلك قيل: " الدين والسلطان أخوان توأمان وقرينان مؤتلفان، ومؤديان ~~إلى عمارة البلاد وصلاح العباد " وقيل: الدين أس والسلطان حارس، وما لا أس ~~له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع. # وسمى الله تعالى الحجة سلطانا لقهرها أولي البصائر، وقال # PageV01P111 # عز اسمه: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض. # وأمما كرم العشيرة: فإنه يقال له: الحسب والشرف، والشرف أخص بمآثر الآباء ~~والعشيرة، ولذلك قيل للعلوية: أشراف، ومن الناس من لا يعد شرف الأصل فضيلة، ~~ويقول: المرء بنفسه. # واستدل بقول أمير المؤمنين - رضي الله عنه -: " الناس أبناء ما يحسنون " # وبقوله: " قيمة كل امرئ ما يحسنه ". # وقول الشاعر: # كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب # وقول الحكيم: الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية. # وليس كذلك كما ظن، لأن كرم الأعمام والأخوال مخيلة لكرم المرء، ومظنة له، ~~فالفرع وإن كان قد يفسد أحيانا فمعلوم أن أصله يورثه الفضيلة والرذيلة، ~~فإنه لا يكون من النخل الحنظل، ولا من الحنظل النخل، ولذلك قال الشاعر: # وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل # وقيل: # إن السري إذا سرى فبنفسه ... وابن السري إذا سرى أسراهما # ويبين ذلك أن الأخلاق نتائج الأمزجة، ومزاج الأب كثيرا ما يتأدى إلى ~~الابن، كالألوان والخلق والصور، ومن أجل تأديها إليه، قال عليه الصلاة ~~والسلام: " تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء "، وقال ms037 - صلى الله عليه وسلم -: ~~" إياكم وخضراء الدمن " قيل: يا رسول الله وما خضراء الدمن، قال: " المرأة ~~الحسناء في المنبت السوء ". # وما ذكر في نحو قول أمير المؤمنين - رضي الله عنه -: " الناس أبناء ما ~~يحسنون " فهو حث # PageV01P112 # للناس على اقتباس العلم، ونهي عن الاقتصار على مآثر الآباء، فإن المآثر ~~الموروثة قليلة الغناء، سريعة الفناء، ما لم تضامها فضيلة النفس، لأن ذلك ~~إنما يحمد لكي يوجد الفرع مثله. ومتى أخلف الفرع وتخلف فإنه يخبر بأحد ~~شيئين: إما بتكذيب من يدعي الشرف لعنصره. وإما بتكذيبه في انتسابه إلى ذلك ~~العنصر، وما فيهما حظ لمختار، فالمحمود أن يكون الأصل في الفضائل راسخا، ~~والفرع به شامخا، كما قال الشاعر: # زانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن خصال # ومن لم يجتمع له الأمران فلأن يكون المرء شريف النفس دني الأصل أولى من ~~أن يكون دني النفس شريف الأصل، قال الشاعر: # إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة ... من الثمرات اعتده الناس في الحطب # فما الحسب الموروث لا در دره ... بمحتسب إلا بآخر مكتسب # ومن كان عنصره في الحقيقة سنيا وفي نفسه دنيا فذلك أتى إما من إهماله ~~نفسه # وسومها، وإما لتعوده عادات قبيحة، وصحبة أشرار، وغير ذلك من العوارض ~~المفسدة # للعناصر الكريمة، فليس سبب الرذيلة شيئا واحدا. ### | الفضائل الجسمية # قد استهان قوم بذلك، وقالوا: كفى بالمرء أن يكون صحيح البدن بريئا من # الأمراض الشاغلة عن تحري الفضائل العقلية، وليس كذلك، فالبدن للنفس ~~بمنزلة الآلة للصانع، والسفينة للربان، اللتين بهما صار صانعا وربانا. # وجميع أجزاء البدن بالقول المجمل أربعة: العظام التي تجري للبدن مجرى ~~الألواح للسفينة. والعصب الذي يجري له مجرى الرباط الذي تشد به الألواح. ~~واللحم الذي يجري له مجرى الحشو للرباطات. والجلد الذي يجري مجرى الغشاء ~~لجميعها. # PageV01P113 # فإذا اعتدلت هذه الأربعة بأن يعتدل فيها الأربع القوى، وهي الجاذبة، ~~والممسكة، والهاضمة، والدافعة سمي ذلك الصحة، ولولا صحة البدن لما حصل ~~الانتفاع به. # وأما القوة: فهي جودة تركيب هذه الأركان الأربعة، وهي العظام والعصب ~~واللحم والجلد، وما ms038 يتبعها. وبها يصلح البدن للسعي والتصرف في أمور الدنيا ~~والآخرة. # وأما الجمال: فنوعان: # أحدهما: امتداد القامة الذي يكون عن اعتدال الحرارة الغريزية، بأن ~~الحرارة إذا حصلت دفعت أجزاء الجسم إلى العلو، كالنبات إذا نجم، كلما كان ~~أطلب للعلو في منبته كان أشرف في جنسه. # وللاعتبار بذلك استعمل في كل ما جاد في جنسه العالي # والفائق، وكثر المدح بطول القامة نحو قول القائل: # كأن زرود القبطرية علقت ... علائقها منه بجذع مقوم # وقول آخر: # أشيم طويل الساعدين كأنما ... نياط نجاد سيفه بلواء # الثاني من الجمال: أن يكون مقدودا قوي العصب، طويل الأطراف، ممتدها، رحب ~~الذراع، غير مثقل باللحم والشحم كما قيل: # فتى قد قد السيف لا متضائل ... ولا رهلا لباته وبآدله # ولا نعني بالجمال هاهنا ما يتعلق به شهوات الرجال والنساء، فذلك أنوثية، ~~وإنما يعني به الهيئة التي لا تنبو الطباع عن النظر إليها، وهو أدل شيء على ~~فضيلة النفس، لأن نورها إذا أشرق تأدى إلى البدن إشراقها. # وكل شخص فله حكمان: # أحدهما: من قبل جسمه وهو منظره، والآخر: من قبل # نفسه وهو مخبره، فكثيرا ما يتلازمان، ولذلك فزع أصحاب الفراسة في معرفة ~~أحوال النفس أولا إلى الهيئات البدنية حتى قال بعض الحكماء: قل صورة حسنة ~~يتبعها نفس رديئة، فنقش الخواتيم مقروء من الطين، وطلاقة الوجه عنوان ما في ~~النفس. # وليس في الأرض قبيح إلا ووجهه أحسن ما فيه، وقال - صلى الله عليه وسلم - ~~" اطلبوا الحاجات من حسان الوجوه "، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه -: " إذا بعثتم رسولا فاطلبوا # PageV01P114 # حسن الوجه، حسن الاسم ". # فالوجه والعين يظهر فيهما آثار النفس كالمرآة يستدل بها عليها، ولذلك ~~يظهر فيهما أثر سرور النفس وحزنها، ورضاها وسخطها، ولذلك عبر بالوجه عن ~~الجملة، وعن رئيس القوم، فقيل: فلان وجه القوم وعينهم، حتى قال تعالى: (كل ~~شيء هالك إلا وجهه) . # وكون الوجه المقبول في دلالته على فضيلة النفس - وإن لم يكن حكما لازما - ~~فهو على الأعم والأكثر. # وحكي أن المأمون استعرض جيشا فمر به رجل قبيح ms039 الوجه، فاستنطقه فرآه ألكن، ~~فأمر بإسقاطه، وقال: إن الروح إذا كانت ظاهرة كانت صباحة، وإذا كانت باطنة ~~كانت فصاحة، وأراه لا ظاهر له ولا باطن. # وكفاك من البيان في فضل كمال الجسم قوله تعالى: (إن الله اصطفاه عليكم ~~وزاده بسطة في العلم والجسم) # وقال: (وزادكم في الخلق بسطة) . # وأما طول العمر: فلولاه لقل حظ الإنسان من السعادات الدنيوية التي لولاها ~~لما نيلت السعادة الأخروية، والله ولي الفضل والإحسان وعليه المعول ~~والتكلان. ### | ما يتولد من الفضائل النفسية # أمهات الفضائل النفسية وإن كن أربعا، فلها بنات هن أمهات لفضائل أخر. ~~وبيان ذلك أن العقل متى تقوى تولد من حسن نظره جودة الفكر، وجودة الذكر، ~~ومن حسن فعله الفطنة وجزالة الرأي، وتولد من اجتماع أربعتها جودة الفهم، ~~وجودة الحفظ. # والشجاعة متى تقوت تولد منها الجود في حال النعمة، والصبر في حال المحنة، ~~والصبر يزيل الجزع ويورث الشهامة المختصة بالرجولية، كما قيل. # خلقنا رجالا للتجلد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم # والعفة إذا تقوت ولدت القناعة، والقناعة تمنع عن الطمع في مال الغير ~~فتولد الأمانة. # PageV01P115 # والعدالة إذا تقوت تولد الرحمة، والرحمة هي الإشفاق من أن يفوت ذا حق ~~حقه، فهي تولد الحلم، والحلم يقتضي العفو، والإنسانية والكرم يجمعان هذه ~~الفضائل، وذلك أن الإنسانية هي الفضائل النفسية المختصة بالإنسان، وبقدر ما ~~يكتسبه الإنسان يستحقها، وفيها تفاضل كثير كما تقدم في الفرق ما بين ~~الإنسان والإنسان. # فمنهم من قد ارتفع حتى لحق أفق الملك، فلو تصورنا ملكا جسميا لكان إياه، ~~لارتفاعه عن الإنسانية إلا بالصورة التخطيطية، وعلى هذا قوله تعالى: (إن ~~هذا إلا ملك كريم (31) . # ومنهم من اتضع حاله حتى صار في أفق البهائم، فلو تصورنا كلبا أو حمارا ~~منتصب القامة متكلما لكان هو إياه، لانسلاخه من الإنسانية إلا بالصورة ~~التخطيطة، وعلى هذا قوله تعالى: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل) . # ومنهم من هو في أواسط هذين، في درجة من درجات لها كثيرة، ولهذا صح أن ~~يقال: فلان أكثر إنسانية من فلان. # وما يختص به لفظ ms040 الإنسانية فهو الأفعال والأخلاق المحمودة، وأما ~~المذمومات من الأخلاق فتشارك الإنسان فيها البهائم والشياطين. # وأما المروءة: فلها اشتقاقان: # ففي أحدهما: يقتضي أن تكون هي والإنسانية متقاربتين، وهو أن يجعل من ~~قولهم: # تمرأ الصعام، وأمرأه إذا تخصص المريء لموافقته الطبع، وكأنها اسم للأخلاق ~~والأفعال التي تقبلها النفوس السليمة فعلى هذا تكون اسما للأفعال المستحسنة ~~كالإنسانية. # والثاني: أن تكون من المرء فتجعل اسما للمحاسن التي يختص بها الرجل دون ~~المرأة # فتكون كالرجولية، وذلك أخص من الإنسانية، إذ الإنسانية يشترك فيها الرجال ~~والنساء، والمروءة أخص، فكثير مما يكون فضيلة للمرأة يكون رذيلة للرجل، ~~كالبله والخفر والبخل والجبن، ولهذا قيل: أفضل أخلاق الرجال أرذل أخلاق ~~النساء. فالكيس والشجاعة والجود رذيلة لهن. # PageV01P116 # وقيل لمعاوية - رحمه الله -: ما المروءة، فقال: إطعام الطعام، وضرب ~~الهام، وقيل للأحنف # فقال: أن لا يفعل في السر ما يستحي منه في العلانية، وقيل لآخر فقال: ~~جماعها في قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) . # وأما الكرم: فاسم لجميع الأخلاق والأفعال المحمودة إذا ظهرت بالفعل، ~~والحرية مثله، لكن يقال ذلك فيمن لا تستعبده المطامع والأغراض الدنيوية. # وذكر بعض الحكماء أن الحرية تقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة، (والكرم ~~لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة) ، كمن ينفق مالا في تجهيز جيش في سبيل ~~الله تعالى، أو تحمل حمالة يرفأ بها دماء قبيلة. # فكل كرم حرية، وليس كل حرية كرما، وأيضا فالحرية تتعلق بالتلطف عن الأخذ ~~أكثر، والكرم يتعلق بالإنفاق أكثر، ويضاد الكرم اللؤم، والحرية العبودية، ~~أعني الذكورة في قول الشاعر: # والعبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا # وكما أن الكرم أعم من الجود فاللؤم أعم من البخل، ولا يدخل في الحرية ~~والكرم النساء، لأنهن مستخدمات، بل مستعبدات، ولذلك روي: " لو أمر الله ~~مخلوقا بعبادة مخلوق لأمر النساء بعبادة أزواجهن ". # PageV01P117 # فإن قيل: ما حقيقة قول الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) # قيل: لما كان الكرم اسما للأفعال المحمودة التي تقدم ms041 ذكرها، وهذه الأفعال ~~إنما تكون فاضلة إذا كان فعلها عن علم، وقصد بها أشرف الوجوه، أي وجه الله ~~تعالى، وذلك هو التقوى، فليس التقوى إلا العلم وتحري الأفعال المحمودة، ~~فإذا كل من كان أتقى كان أكرم. # والعزيز: الذي يأبى تحمل المذلة، واشتقاقه من العزاز بالفتح الأرض ~~الصلبة، # كالمتظلف في الامتناع من تناول الشهوات المذلة، وأصله من الظلف أي الأرض ~~الصلبة. # وقد فرق بعض الحكماء بين الكريم والعزيز فقال: الكريم يأبى أن يعصى له، ~~والعزيز يأبى أن يعصى عليه. # والظرف: اسم لحالة تجمع عامة الفضائل النفسية والبدنية والخارجية تشبيها ~~بالظرف الذي هو الوعاء، ولذلك قال أعرابي: فلان حاضن الشرف ومقر الفضل، ~~ولكونه واقعا على ذلك قيل لمن حصل له علم وشجاعة ظريف، ولمن حسن لباسه ~~وأثاثه ورياشه ظريف، فالظرف أعم من الحرية والكرم. # وأما الفتوة: فكالمروءة، فإنها اسم لما يختص به الفتى من الفضائل ~~الإنسانية، لكن هي بالرجولية أشبه، وقد استعارت الصوفية لفظ الفتوة للتصوف، ~~لكونها مشاركة له في جميع أفعالها إلا في الغرض، فإن غرض الفتيان استجلاب ~~محمدة الأقران، وغرض المتصوفة استجلاب محمدة الرحمن، بل مجرد مرضاته تعالى. # وأما الحسب: فقد يقال فيما يختص الإنسان به، فيعده من مآثره، وقد يقال ~~فيما يؤثر عن آبائه، والشرف نحوه لكن أكثر ما يقال فيما يؤثر عن الآباء. ### | في الفضائل التوفيقية # التوفيق: موافقة إرادة الإنسان وفعله قضاء الله سبحانه وقدره، وهو وإن ~~كان في الأصل موضوعا على وجه يصح استعماله في السعادة والشقاوة فقد صار ~~متعارفا في السعادة فقط. # PageV01P118 # والاتفاق: مطاوعة التوفيق، لكن قد يستعمل في السعادة والشقاوة جميعا، ~~فيقال: اتفاق جيد، واتفاق رديء. # والتوفيق: مما لا يستغني الإنسان عنه في كل حال، كما قيل لحكيم: ما الذي ~~لا يستغني عنه أحد في كل حال، فقال: التوفيق، وأنشد: # إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده # فالسعادة التوفيقية هي الهداية، والرشد، والتسديد، والتأييد. # فيجب أن يعلم أن لا سبيل لأحد إلى شيء من الفضائل إلا بهداية الله تعالى ~~ورحمته، ms042 فهو مبدأ الخيرات ومنتهاها، كما قال تعالى: (أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى (50) # وخاطب الناس فقال: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ~~ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله "، أي: ~~بهدايته. # قيل: ولا أنت يا رسول الله، فقال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ~~وهدايته "، تنبيها أنه لو توهمت رحمته مرتفعة ابتداء وانتهاء ما كان لنا ~~سبيل إلى ذلك. # وللهداية ثلاث منازل في الدنيا: # الأول: تعريف طريق الخير والشر المشار إليهما بقوله تعالى: (وهديناه ~~النجدين (10) # وقد خول الله تعالى الهدى كل مكلف، بعضه بالعقل، وبعضه بألسنة # الرسل، وإياه عني بقوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى) . # والثاني: ما يمد به العبد حالا فحالا بحسب استزادته من العلم والعمل # الصالح، وإياه عني بقوله: (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) . # والثالث: نور الولاية التي هي في أفق نور النبوة، وإياه عني بقوله تعالى: ~~(قل إن هدى الله هو الهدى) # فأضاف ذلك إلى لفظ الله تعظيما له،. ثم قال: # (هو الهدى) فجعله الهدى المطلق (وعناه) بقوله: (يا أيها الذين آمنوا إن ~~تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) # أي نورا تفرقون به بين الحق والباطل، وكل ذلك يسمى النور والحياة نحو: ~~(أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا) . # وقال: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) . # PageV01P119 # بتحري هذه المنازل الثلاث يتوصل إلى الهداية للجنة الذكورة في قوله ~~تعالى: # (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) . # والرشد: عناية إلهية تعين الإنسان عند توجهه في أموره فتقويه على ما فيه ~~صلاحه وتفتره عما فيه فساده، وأكثر ما يكون ذلك من الباطن نحو قوله تعالى: ~~(ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) # وكثيرا ما يكون ذلك بتقوية العزم أو بفسخه وإليه توجه قوله: (واعلموا أن ~~الله يحول بين المرء وقلبه) . # والتسديد: أن يقوم إرادته وحركاته نحو ms043 الغرض المطلوب، لتهجم عليه في أسرع ~~مدة يمكن الوصول فيها إليه، وهو المسؤول بقوله تعالى: (اهدنا الصراط ~~المستقيم (6) . # والنصرة من الله تعالى معونة الأنبياء والأولياء وصالحي العباد بما يؤدي ~~إلى إصلاحهم عاجلا وآجلا، وذلك يكون تارة من خارج كمن يقيضه الله تعالى ~~فيعينه، وتارة من داخل بأن يقوي قلوب الأولياء أو يلقي رعبا في قلوب ~~الأعداء، وعلى ذلك قوله تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) # وقوله: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون ~~(172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) . # وأما ما يختص بسعادة الدنيا ولا يعتبر فيه العاقبة فيقال له: الدولة ~~والدول، وعلى هذا قوله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) . # وقوله في وصف الفيء: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) . # والتأييد: تقوية أمره من داخل بالبصيرة، ومن خارج بقوة البطش، ومن الأول ~~قوله تعالى: (إذ أيدتك بروح القدس) . # والعصمة: فضل إلهي يقوى به الإنسان على تحري الخير وتجنب الشر حتى يصير ~~كمانع له من باطنه، وإن لم يكن منعا محسوسا، وإياه عني بقوله تعالى: (ولقد ~~همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) . # وقد روي أن يوسف رأى صورة يعقوب - صلى الله عليه وسلم - وهو عاض على ~~إبهامه، فأحجم (1) ، وليس ذلك ينافي التكليف كما تصوره بعض المتكلمين، فإن ~~ذلك كان تصورا منه وتذكرا لما كان قد حذره منه، وعلى هذا قال تعالى: (كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) # ومن عصمته تعالى أنه يكرر الوعيد PageV01P120 # على من يريد عصمته لئلا يغفل ساعة عن مراعاة نفسه، كقوله تعالى للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه ~~باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) . # واعلما أن رشده تعالى للعبد، وتسديده، ونصرته، وعصمته، تكون بما يخوله من ~~الفهم الثاقب، والسمع الواعي، والقلب المراعي، وتقييض المعلم الناصح له، ~~والرفيق الموافق، وإمداده من المال بما لا تقعد به عن مغزاه قلته، ولا تشغل ~~عنه كثرته، ومن العشيرة والعز ما يصونه عن سفه السفهاء، ms044 وعن الغض منه من ~~جهلة الأغنياء، وأن يخوله من كبر الهمة، # وقوة االعزيمة ما يحفظه عن التشوق للدنية، والتأخر عن بلوغ كل منزلة ~~سنية. ### | في تلازم الفضائل النفسية بعضها بعضا # العقل والشجاعة والعفة والجود والعدالة وسائر الفضائل تتلازم، فإن العقل ~~إذا أشرق عقل صاحبه عن الإقدام على ما يورثه مذمة، ويحمله على الإقدام على ~~المخاوف التي تورثه محمدة، وعلى أن يسمح بفضل ما في يده لمن يحتاج إليه، ~~وأن يبذل لكل ذي حق حقه، وذلك هو العفة، والشجاعة، والجود، والعدالة. # وكذلك إذا كان عدلا يحمله عدله على ترك ما ليس له مما لا يجوز له تناوله. # وأن لا يحجم عما يلزمه الإقدام عليه، وأن لا يبخل بفضل ما في يده. # وإذا كان شجاعا لا تقهره شهوته على تناول ما لا يجوز له تناوله، وعلى ظلم ~~غيره، ولا يخاف الفقر فيبخل، ولهذا النظر جعل بعض الشعراء الشجاعة سماحة، ~~والسماحة شجاعة، فقال أبو تمام: # PageV01P121 # أيقنت أن من السماح شجاعة ترمي ... وأن من الشجاعة جودا # وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع الشهوة جهادا فقال: " جهادك هواك ~~" وجعلت العفة جودا # فقيل: الجود جودان: جود بما في يدك، وجود عما في يد غيرك، وهو أعظمهما. # وهذه الفضائل إذا حصلت حصل بها الإنسانية والحرية والكرم، وعنها يتأصل ~~الإسلام، والإيمان، والتقوى، والإخلاص. ### | البواعث على فعل الخير وتحري الفضائل # البواعث على فعل الخيرات الدنيوية ثلاثة: # أدناها: الترغيب والترهيب ممن يرجى نفعه ويخشى ضره. # والثاني: رجاء الحمد وخوف الذم ممن يعتد بحمده وذمه. # والثالث: تحري الخير وطلب الفضيلة. # فالأول: من مقتضى الشهوة وذلك من فعل العامة، والثاني: من مقتضى الحياء ~~وهو من فعل السلاطين وكبار أبناء الدنيا، والثالث: من مقتضى العقل، وذلك من ~~فعل الحكماء. # ولهذه المنازل الثلاث قيل: خير ما أعطي الإنسان عقل يردعه، فإن لم يكن ~~فحياء يمنعه، فإن لم يكن فخوف يقمعه، فإن لم يكن فمال يستره، فإن لم يكن ~~فصاعقة تحرقه فتريح منه العباد والبلاد. # وكذلك البواعث على الخيرات الأخروية ثلاثة: # الأول: الرغبة في ms045 ثواب الله تعالى والمخافة من عقابه، وذلك منزلة العامة. # الثاني: رجاء حمده ومخافة ذمه، وذلك منزلة الصالحين. # والثالث: طلب مرضات الله تعالى فى المتحريات، وذلك منزلة النبيين، # والصديقين، والشهداء، وهي أعزها وجودا، ولذلك قال بعضهم: أفضل ما يتقرب ~~به العبد إلى الله تعالى أن يعلم أنه لا يريد العبد من الدنيا والآخرة ~~غيره، قال الله تعالى: # PageV01P122 # (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) # وقيل لرابعة: ألا تسألين الله في دعائك الجنة، فقالت: الجار قبل الدار. ~~وبهذا النظر قال بعضهم: من عبد الله بعوض فهو لئيم. # وقال بعض العلماء: هذه المنازل الثلاث منازل الظالم والمقتصد والسابق، ~~وأجدر أن تكون هذه منازل هؤلاء الثلاثة لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: " سائل العلماء، وخالط الحكماء، وجالس الكبراء "، وقد قال بعض ~~العلماء: مساءلة العلماء ترغبك من الله في ثوابه، وتخوفك من عقابه، ومخالطة ~~الحكماء تقربك من الحمد وتبعدك عن الذم، # ومجالسة الكبراء تزهدك فيما عدا فضل الباري. ### | الموانع من تحري الفضائل # وذلك ضربان: قصور، وتقصير. # فأا القصور: فبأن لا يكون له المعانى العشرة التي قدمناها، ولا التمكن من # اكتسابها، أو يكون له ذلك ولكن يعوقه عن استعماله عائق من مرض أو شغل ~~ضروري يعذره، كحاجته إلى السعي فيما يسد به جوعته، ويستر به عورته، وهما ~~عدم الوسع المذكور في قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) # ودواء الأمرين الفزع إلى الله والتضرع إليه أن يجبر نقصه بتمام جوده وسعة ~~رحمته. # وأما التقصير: فأربعة أشياء: # الأول: أن يكون إنسان لا يعرف الحق من الباطل، ولا الجميل من القبيح فبقي ~~غفلا، ودواءه سهل وهو التعليم الصائب. # والثاني: أن يكون قد عرف ذلك لكن لم يتعود فعل الصالح، وزين له سوء عمله ~~فرآه حسنا، فتعاطاه، وأمره أصعب من الأول، لكن يمكن أن يقهر على العادة ~~الجميلة # PageV01P123 # حتى يتعودها وإن كان قد قيل: ترك العادة شديد. # والثالث: أن يعتقد في الباطل والقبيح أنه حق وجميل وتربى على ذلك، ~~ومداواة هذا أصعب ms046 جدا، فقد صار ممن طبع على قلبه، إذ قد تنقش بنقش خسيس ~~ككاغد كتب فيه ما يؤدي حذفه منه إلى خرقه وفساده. # والرابع: أن يكون مع جهله وتربيته على الاعتقاد الفاسد شريرا في نفسه يرى ~~الخلاعة وقهر الناس فضيلة، وذلك أصعب الوجوه، وإلى نحوه قصد من قال: من # التعذيب تأديب الذئب ليتهذب، وغسل المسح ليبيض. # فالأول من هؤلاء الأربعة يقال له: الجاهل، والثاني يقال له: جاهل وضال، # والثالث يقال له: جاهل وضال وفاسق، والرابع يقال له: جاهل وضال وفاسق ~~وشرير. ### | الارتقاء في درجات الفضائل والانحدار عنها إلى أقصى الرذائل # للإنسان في منازل الفضائل مرتقى صعب ومنحدر سهل، وعلى الارتقاء فيها حث ~~ربنا تبارك وتعالى بقوله: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات ~~والأرض أعدت للمتقين (133) # وبقوله: (فاستبقوا الخيرات) # ومدح قوما بقوله: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) # وعن الانحدار منها نهى بقوله تعالى: (ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا ~~خاسرين (21) # وبقوله: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم ~~دخلا بينكم) # وذم قوما شأنهم ذلك بقوله: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين ~~لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) # وبقوله: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما ~~تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) # وبقوله: (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا) # فإن الآية تقتضي هذا المعنى وإن كان ظاهرها يدل على الجهل # PageV01P124 # الذي يورثه الهرم. # فالخيرات يترقى فيها فيبلغ إلى أشرف المنازل بأربع درجات، وينحدر عنها ~~فيبلغ إلى أرذل المنازل بأربع درجات. # فأما درجات الارتقاء: # فأولاها: أن يرتدع الإنسان عن المآثم ويهجرها، ويندم عليها، ويعزم على ~~ترك معاودتها، وذلك أول درجة التائبين المطعين لله ورسوله. # وثانيها: أن يقوم بالعبادات الموظفة عليه، ويسارع فيها بقدر وسعه، وذلك ~~درجة الصالحين. # وثالثها: أن يتحرى بعلمه الحقيقي تعاطي الحسنات من غير تلفت منه إلى ~~المحظورات بمجاهدة هواه، وإماتة شهواته، وذلك منزلة الشهداء. # ورابعها: أن ms047 يكون مع هذه الأحوال المتقدمة يرضى ظاهرا وباطنا بقضاء الله ~~وقدره فلا يتزعزع تحت حكمه، ولا يتسخط شيئا من أمره، ويعلم أن الله تعالى ~~أولى به من نفسه، وذلك درجة الصديقين. # وهذه المنازل الأربع هي المراد بقوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا (69) . # وأجدر أن تكون هذه المنازل الأربع هي المأمور بها فى قوله تعالى: (يا ~~أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (200) . # واعلم أن منزلة الرضا أشرف المنازل بعد النبوة، فمن رضي عن الله فقد رضي ~~الله # عنه " لقولى تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) # فجعل أحد الرضائين مقرونا بالآخر، فمن بلغ هذه المنازل فقد عرف خساسة ~~الدنيا، واطلع على جنة المأوى، وخطب مودة الملأ الأعلى، وحظى بتحيتهم ~~المعنية بقوله تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم ~~بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) . # PageV01P125 # وأما درجات الانحدار والارتداد عنها: # فأولاها: الكسل عن تحري الخيرات، ويورثه ذلك الزيغ المعني بقوله تعالى: ~~(فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) . # وثانيها: الغباوة: وهي ترك النظر، وبغض العمل، فيورثه ذلك رينا على قلبه، ~~وهو المعني بقوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) . # وثالثها: الوقاحة وهي أن يرتكب الباطل ويراه في صورة الحق ويذب عنه، # فيورثه ذلك قساوة القلب، كما قال تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي ~~كالحجارة أو أشد قسوة) . # ورابعها: الانهماك في الباطل وهو أن يستحسنه فيحبه، ويحسنه ويحببه إلى ~~غيره فيورثه ذلك ختما على قلبه، وإقفالا عليه. # كما قال تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) # وقال: (أم على قلوب أقفالها (24) . # فالكسل سبب الغباوة، والغباوة سبب الوقاحة، والوقاحة سبب الانهماك في ~~الباطل، كما أن الزيغ يوجب الرين، والرين يوجب القساوة، والقساوة توجب ~~الختم والإقفال. # فحق الإنسان أن يراعي نفسه في الابتداء، ولا يترخص في ارتكاب الصغائر ~~فيؤديه ذلك إلى ارتكاب الكبائر. # كما قيل: # إن الأمور دقيقها ... مما يهيج به ms048 العظيم # وقد قال الله تعالى: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل ~~لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ~~فاقعدوا مع الخالفين (83) # فدل أن قعودهم أول مرة أدى بهم إلى أن صار محكوما عليهم أنه لا يتأتى ~~منهم الخروج معه - صلى الله عليه وسلم - بوجه. # PageV01P126 ### | في بيان عادة الله تعالى في تهذيب الذين تردوا في الرذائل حتى فسدت أخلاقهم # الناس متى تركوا تعاطي الإحسان والأفضال وتحري العدالة فيما يينهم، فلا ~~يأتونها # لا خلقا ولا تخلقا، ولا رياء ولا سمعة، ولا رغبة ولا رهبة، فصاروا في ~~تعاطي الشر سواسية كأسنان الحمار (، عدمت فيهم الفضيلة كما قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " لن يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا ". # فحينئذ إن بقي في نفوسهم أثر قبول الخير أنشأ الله فيهم من يهديهم ~~باللسان # والسيف المحق كبعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - في العرب لما بقي فيهم ~~من أثر الخير من تعظيم الشهر الحرام، والبيت الحرام، والوفاء بالذمام. # وإن قل فيهم أثر قبول الخير سلط الله عليهم سيفا جائرا كما قال تعالى: ~~(وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) # وكما قال - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله ينتصف من أوليائه بأوليائه ~~ومن أعدائه بأعدائه "، وعاملهم بما عامل به بني إسرائيل # حيث سلط عليهم بختنصر، وقد ذكر ذلك في قوله تعالى: (فإذا جاء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ~~(5) . # وإن عدم منهم أثر القبول بعث عليهم عذابا يفنيهم، إما طوفانا أو صيحة أو ~~نارا محرقة أو ريحا فيها عذاب أليم، أو الجراد والقمل والضفادع والدم؛ ~~ليطهر منهم البلاد، ويريح منهم العباد، كما صنع الله تعالى بعاد، وثمود، ~~وقوم نوح، وقوم # PageV01P127 # لوط، وذلك كالأرض إذا استولى عليها الشوك والدغل فلا بد من نسفها، وتسليط ~~النار عليها حتى تعود بيضاء. ### | أصناف الناس # الناس ضربان: خاص، وعام. # فالخاص: من قد تخصص من العارف بالحقائق دون التقليدات ومن ms049 الأعمال بما ~~يتبلغ به إلى جنة المأوى، دون ما يقتصر به على الحياة الدنيا. # والعام: إذا اعتبر بذلك فالذين يرضون من العارف بالتقليدات، ومن أكثر ~~الأعمال بما يؤدي إلى منفعة دنيوية. # وإذا اعتبرنا بأمور الدنيا: فالخاص: من يتخصص من البلد بما ينخرم ~~بافتقاده إحدى السياسات المدنية، والعام: من لا ينخرم بافتقاده شيء منها. # وهم من وجه آخر ثلاثة: خاصة، وعامة، وأوسطهم المسمون في كلام العرب ~~بالسوقة. # فالخاص: هو الذي يسوس ولا يساس، والعام: الذي يساس ولا يسوس، والوسط: ~~الذي يسوسه من فوقه، وهو يسوس من دونه. # ومن جهة أخرى ثلاثة أضرب: أصحاب الشهوات: وهمهم الجدة واليسار والأكل ~~والشرب والبغال. وأصحاب الكرامة والرياسة: وهمهم المدح واجتلاب المحمدة ~~والصيت. # وأصحاب الحكمة: وكل واحد منهم يستعظم من هو من جنسه، ولهذا # احتاج السلطان أن يتخصص بكل ذلك ويستبد به ليكون معظما، عند كل ضرب من ~~الناس، فيعظمه أصحاب الحكمة لحكمته، وأصحاب الكرامة لكرامته، والرياسة ~~لرئاسته، وأصحاب الشهوات لماله وكثرة قيناته. # ومن وجه آخر ثلاثة أضرب: ملكي، وشيطاني، وإنسي. # فالملكي: الذي يستعمل القوة العاقلة بقدر جهده وهم المؤمنون حقا، ~~والشيطاني: هو الذي يستعمل القوة الشهوية من غير تلفت إلى مقتضى العقل، ~~والإنسي: الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، وهم المذكورون في قوله تعالى: ~~(فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنت نعيم (89) وأما إن كان من ~~أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) وأما إن كان من المكذبين ~~الضالين (92) فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94) # PageV01P128 # وهم المؤمن والفاسق والكافر، وهم المذكورون في قوله تعالى: (وكنتم أزواجا ~~ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب المشأمة ما أصحاب ~~المشأمة (9) والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) . # ومن وجه آخر: مصطفي، ومسترذل. # والمصطفي: الأبرار، وهم ثلاثة أضرب: ظالم ومقتصد وسابق. وهم # المذكورون فى قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) . # وهم أيضا - أعني الأبرار - ثلاثة أضرب: أنبياء: للمشاهدة والهداية لقوله ~~تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ms050 ليقوم ~~الناس بالقسط) . # وحكماء: وهم الأولياء للمراقبة والرعاية لقوله تعالى: (ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) لهم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز ~~العظيم (64) . # وعوام: للمجاهدة والكفاية وهم المذكورون في قوله تعالى: (يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم) . # وهم أيضا ضربان: عبد بالطبع، وإن كان ملكا، وملك بالطبع، وإن كان عبدا ~~مسترقا، والملك من فضل بالفضائل النفسية التي بها يصير الإنسان بحيث يصح أن ~~يوصف بأنه رباني وإلهي وملكي، ويصلح أن يكون خليفة الله في أرضه. # والعبد من قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه: " تعس عبد الدرهم، تعس ~~عبد الدينار، تعس فلا انتقش، وإذا شيك فلا انتقش ". # PageV01P129 # وقال بعض الحكماء: ما من إنسان إلا وفيه خلق من أخلاق بعض الحيوانات وبعض ~~النبات، ليكون الإنسان مشاركا لها في الجنسية، وإن كان مباينا لهما في ~~النوعية، فمن الناس غشوم كالأسد، وعابث كالذئب، وخب كالثعلب، وشره ~~كالخنزير، وخاضع كالكلب، وجامع كالنمل، ووقح كالذباب، وبليد كالحمار، وألوف ~~كطير الوفا، وصنع كالسرقة، وأنف كالأسد والنمر، وغيور كالديك، وهادل ~~كالحمام. # ومنهم حسن المنظر والخبر كالأترج، ومنهم بخلاف ذلك كالعفص والبلوط، ومنهم ~~قبيح المنظر وحسن المخبر كالجوز واللوز، ومنهم حسن المنظر قبيح الخبر ~~كالحنظل والدفلى. # والمؤمن الخير هو فى الحيوانات كالنحل يأخذ أطياب الأشجار فلا يقطف ثمرا، ~~ولا يكسر شجرا، ولا يؤذي بشرا. ثم يعطي الناس ما يكثر نفعه، ويحلو طعمه، ~~ويطيب ريحه، وفي الأشجار هو كالأترج يطيب حملا، ونورا، وعودا، وورقا، ~~ورائحة وطعما. # والمنافق والشرير هو في الحيوانات كالقمل والأرضة، وفي الأشجار كالكشوت، ~~مثل الكشوت فلا أصل ولا ورق، ولا نسيم ولا ظل ولا زهر، يفسد الثمار، وييبس ~~الأشجار، وكالثمرة التي قل ورقها وكثر شوكها، وصعب مرتقاها. # PageV01P130 ### | الفصل الثاني في العقل والعلم والنطق وما يتعلق بها وما يضادها # PageV01P131 ### | فضيلة العقل # العقل أول جوهر أوجده الله تعالى، وأشرفه، بدلالة ما روي عن النبي عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال: " أول ms051 ما خلق الله تعالى العقل، فقال له: أقبل، ~~فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت اكرم علي منك، ~~بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب ". # ولو كان على ما توهمه قوم أنه عرض لما صح أن يكون أول مخلوق، لأنه محال ~~وجود شيء من الأعراض قبل وجود جوهر يحمله، وقال عليه الصلاة والسلام: " لا ~~دين لمن لا عقل له، لا يعجبنكم إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة عقله ". # ومن هذا الوجه الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت ~~الحكماء: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الشر ~~عليه. # وبالعقل صار الإنسان خليفة الله، ولو توهم مرتفعا لارتفعت الفضائل عن ~~العالم فضلا عن الإنسان. وبما غرسه الله تعالى منه في الإنسان اهتدى من ~~وفقه الله تعالى # إلى تزكية نفسه المذكورة في قوله تعالى: (قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب ~~من دساها (10) # وحصل به حرث الآخرة المذكورة في قوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد ~~له في حرثه) # وثمرة حرث الآخرة على التفصيل سبعة أشياء: # PageV01P133 # بقاء بلا فناء، وقدرة بلا عجز، وعلم بلا جهل، وغنى بلا فقر، وأمن بلا ~~خوف، وراحة بلا شغل، وعز بلا ذل. # وإلى العقل أشار بقوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة) . # فمعنى نور السموات والأرض أي منور السموات والأرض، والنور هو العقل، وقد ~~تقدم وجه ضرب هذا المثل. # والعقل يقال على ضربين: # أحدهما: بغير إضافة وهو المذكور بأنه أول مخلوق، # والثاني: بالإضافة إلى آحاد الناس، فيقال: عقل فلان. وهو من الأول بمنزلة ~~الضوء من الشمس. # أنواع العقل # العقل عقلان: غريزي، وهو القوة المتهيئة لقبول العلوم، ووجوده في الطفل ~~كوجود النخلة في النواة، والسنبلة في الحبة. ومستفاد: وهو الذي تتقوى به ~~تلك القوة، وهذا المستفاد ضربان: # ضرب يحصل للإنسان حالا فحالا بلا اختيار منه فلا يعرف كيف # حصله ومن أين حصله. # وضرب باختيار منه فيعرف كيف حصله ms052 ومن أين حصله # وحصوله بقدر اجتهاده في تحصيله. ولكون العقل غريزيا ومستفادا. # قال أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -: " العقل عقلان: مطبوع ومسموع، ~~ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع " # كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع، وإلى الأول أشار النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بقوله: " ما خلق الله تعالى خلقا أكرم عليه من العقل "، # وإلى الثاني أشار بقوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه -: " ~~إذا تقرب الناس إلى خالقهم بأبواب البر، فتقرب إليه أنت بعقلك تسبقهم ~~بالدرجات والزلفى عند الله والناس في الدنيا والآخرة " # وقال: " ما اكتسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى # PageV01P134 # هدى أو يرده عن ردى ". # ولاختلاف النظرين قال قوم: العقل مبدع، وقال قوم: هو مكتسب، وكلا القولين ~~صحيح من وجه ووجه. # والعقل الغريزي للنفس بمنزلة البصر للجسد، والمستفاد لها بمنزلة النور، ~~وكما أن البدن متى لم يكن له بصر فهو أعمى، كذلك النفس متى لم يكن لها ~~بصيرة، أي العقل الغريزي فهي عمياء، وكما أن البدن متى لم يكن له نور من ~~الجو لم يفد بصره، كذلك النفس متى لم يكن لها نور من العلم مستفاد لم تجد ~~بصيرتها، ولذلك قال تعالى: (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) . # وقد جعل للعقل نظر وإدراك ورؤية وإبصار، وجعل له أضداده من العمى وغيره، ~~قال الله تعالى: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) # وقال: (ما كذب الفؤاد ما رأى (11) # وقال: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض. # ولما كان فقدان البصيرة أشنع من فقدان البصر - لأن بارتفاع البصيرة ~~ارتفاع النفع بالبصر - قال تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور (46) # فذمهم بفقدان البصيرة تنبيها أن فقدانها اختياري، إذ هو بتركهم # استفادة العلم، وأن أكثر فقدان البصر ضروري، وقال تعالى: (الذين كانت ~~أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) # فلولا أن العين أريد بها البصيرة لما قال: (عن ذكري) " لأن الذكر لا يدرك ~~بحاسة العين. # وقال ابن عباس - رضي ms053 الله عنها - لمن عيره بفقدان البصر: "إنا نصاب في ~~أبصارنا وأنتم تصابون في بصائركم" # وكيف لا يكون فقدان البصيرة أعظم ضررا من فقدان البصر، وقد تقدم # أن البدن بمنزلة فرس والنفس بمنزلة راكبه، وضرر عمى الراكب نفسه أشد عليه ~~من ضرر عمى فرسه. # PageV01P135 ### | المكتسب من العقل الدنيوي والأخروي # العقل المكتسب ضربان: # أحدهما: التجارب الدنيوية والمعارف الكسبية. # والثاني: العلوم الأخروية والمعارف الإلهية. # وطريقهما متنافيان، وقد ضرب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله ~~وجهه - لذلك ثلاثة أمثلة فقال: " إن مثل الدنيا والآخرة ككفتي الميزان لا ~~ترجح إحداهما إلا بنقصان الأخرى، وكالمشرق والمغرب كل من قرب من أحدهما بعد ~~عن الآخر، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى "، ولذلك نرى أقواما ~~أكياسا في تدبير الدنيا وسياستها بلهاء في تدبير أمور الآخرة، وقوما بلهاء ~~في أمور الدنيا أكياسا في أمور الآخرة، # حتى قال عليه الصلاة والسلام: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ". # وقال لمن نسب بعض الصالحين إلى بعض البله: " أكثر أهل الجنة البله ". # ولاختلاف طريقهما قال الحسن - رحمه الله -: " لقد أدركنا أقواما لو ~~رأيتموهم لقلتم: مجانين، ولو رأوكم لقالوا: شياطين ". # ولقلة الاعتداد بالمعارف الدنيوية قال رجل لمن وصف نصرانيا بالعقل: مه، ~~إنما العاقل من وحد الله تعالى وعمل بطاعته، وقال تعالى حكاية عن أهل ~~النار: (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10) . # ومن تصور اختلاف الطريقين - أعني طريق الدنيا وطريق الآخرة - لم تعرض له ~~الشبهة التي عرضت لقوم قالوا: لو أن هاهنا حقا لما جهله الذين لم يلحق ~~شأوهم في تدبير الدنيا ودقائق الصناعات وواضعو الحكم والسياسات، وذلك أنه ~~كما أن من المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما لا يوجد إلا في المغرب، أو ~~يظفر سالك طريق الغرب بما لا يوجد إلا في الشرق، كذلك من المحال أن يظفر ~~سالك طريق معارف الدنيا # PageV01P136 # بمعارف طريق الآخرة، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: (إن الذين لا ~~يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ms054 آياتنا ~~غافلون (7) # وبقوله: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) ~~. # ولا يكاد يجمع ين طريق معرفة الدنيا والآخرة معا على التحقيق والتصديق ~~إلا من رشحهم الله تعالى لتهذيب الناس في أمر معاشهم ومعادهم جميعا، ~~كالأنبياء وبعض الحكماء. # ولما كان العقل هو الذي يردع الإنسان عن الذنب، واكتسابه على التمام ~~والكمال في الورى عسير، لم ينفك أحد من ذنب يرتكبه، ولذلك قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " ما منا نبي إلا أذنب أو هم " (1) . ### | منازل العقل واختلاف أساميها بحسبها # العقل: اسم عام لا يكون بالقوة وبالفعل، ولا يكون غريزيا ومكتسبا، وهو في ~~اللغة عبارة عن قيد البعير لئلا يند، وسمي هذا الجوهر به تشبيها على عادتهم ~~في استعارة أسماء المحسوسات للمعقولات، وخص بناء المصدر به لما كان يستعمل ~~مرة للحدث، ومرة للفاعل، نحو عدل، وصوم، وزور، ومرة للمفعول نحو خلق وأمر. ~~لكن يتصور # منه كونه سببا لتقيد الإنسان به، وكونه مقيدا له عن تعاطي ما لا يجمل، ~~وكونه مقيدا به من بين الحيوان. # والنهى: في الأصل جمع نهية أو اسم مفرد نحو جعل ومرد، أو وصف نحو دليل ~~خضع وسائق حطم وجعل اسما للعقل الذي انتهى من المحسوسات إلى معرفة ما فيه ~~من المعقولات، ولهذا أجبل أربابه على تدبر معاني المحسوسات في نحو قوله ~~تعالى: (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ~~ذلك لآيات أفلا يسمعون (26) # وقال: (وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (53) كلوا ~~وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54) . # والحجر: أصله من الحجر، أي: المنع وهو اسم لا يلزمه الإنسان من حظر الشرع ~~PageV01P137 # والدخول في أحكامه، وعلى ذلك قوله تعالى: (هل في ذلك قسم لذي حجر (5) # وسمي حجا من حجاه، أي قطعه، ومنه الأحجية، فكأنه سمي بذلك لكونه قاطعا ~~للإنسان عما يقبح. # وأما اللب: فهو الذي قد خلص من عوارض الشبه، وترشح لاستفادة الحقائق من ~~دون الفزع إلى الحواس، ولذلك علق الله تعالى في ms055 كل موضع ذكره بحقائق ~~المعقولات دون الأمور المحسوسة، نحو قوله تعالى: (إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (190) # فوصفهم بهداية الله إياهم. # وقد سمى الله تعالى العلم نورا والجهل ظلمة فقال: (الله ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (257) . # وسماه روحا في قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) # وسماه حياة والجهل موتا في قوله تعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا ~~له نورا) # وقوله: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت ~~بمسمع من في القبور (22) # وسماه ماء بقوله: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها. # والإيمان زبدة العقل والعمل، ولذلك قال في مواضع: (إن في ذلكم لآيات لقوم ~~يؤمنون (99) # فعلق به ما علق بهما، وسمى العقل قلبا، وذلك أنه لما كان القلب مبدأ ~~تأثير # الروحانيات والفضائل سميت به، ولذلك عظم الله تعالى أمره لاختصاصه بما قد ~~أوجد لأجله وقال تعالى: (يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله ~~بقلب سليم (89) # وقال: (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) # وقال: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) # فنبه أن القلب إنما يكون في الحقيقة قلبا إذا كان متخصصا بما قد أوجد ~~لأجله، وما أوجد لأجله هو المعارف الحقيقية. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~" إن في البدن مضغة إذا صلحت صلح لها سائر البدن، وإذا فسدت فسد لها سائر ~~البدن، ألا وهي القلب " # ولما كان أشرف المعارف هو ما يتخصص به القلب قال تعالى: (نزل به الروح ~~الأمين (193) على قلبك) فخصه بالذكر. # PageV01P138 ### | جلالة العقل وشرف العلم # العقل حيث ما وجد يكون محتشما حتى إن الحيوان إذا رأى إنسانا احتشمه بعض ~~الاحتشام، وانزجر به بعض الانزجار، ولذلك تنقاد الإبل للراعي، وكذلك جماعة ~~الرعاة إذا رأوا منهم من كان أوفر عقلا أغزر فضلا فيما هم بصدده انقادوا له ~~طوعا. # وكذلك ms056 العلماء إذا لم يعاندوا انقادوا ضرورة لأكثرهم علما، وأفضلهم نفسا، ~~وأوفرهم عقلا، ولا ينكر فضله إلا كل متدنس بالمعايب، متطلب لرئاسة، محافظ ~~على غرض دنيوي، قد جعل عقله خادما لشهوته، فلمحافظته على رئاسته ينكر فضل ~~الفاضل. # ولفضيلة العقل الوافر كان كثير ممن كانوا يعاندون النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قصدوه ليقتلوه فما هو إلا أن وقع طرفهم عليه فتراءى لهم نور الله ~~تعالى معربا عنه، فألقى في قلوبهم منه روعة، فهابوه، فمن مذعن له طائعا، ~~وخبيث لا ينكره بعد إلا جاحدا، ولهذا المعنى # قال الشاعر: # لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بداهته تغنيك عن خبره # وقد تقدم أن الإنسان لم يتميز عن الحيوان والبهائم إلا بالعقل، ولم يشرف # إلا بالعلم، ومن شرف العلم أن كل حياة انفكت منه فهي غير معتد بها، بل # ليست في حكم الموجودة، فإن الحياة الحيوانية لا تحصل ما لم يقارنها ~~الإحساس فيلتذ بما يوافقه ويطلبه، ويتألم بما يخالفه فيهرب منه، وذلك أخس ~~المعارف فمقتضى الحياة الإنسانية أنها إذا تعرت من المعارف المختصة بها أن ~~لا يعتد بها، ولهذا سمى الله تعالى الجاهل ميتا في غير موضع من كتابه فقال: ~~(أومن كان ميتا فأحييناه) # ولأجل أن الحياة تقارن العلم سمى الله تعالى العلم # PageV01P139 # روحا في قوله: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) . # وقد ذكرنا أن حاجة الإنسان إلى العلم أكثر من حاجته إلى المال، لأن العلم ~~نافع لا محالة ونفعه دائم في الدنيا والآخرة، والمال قد ينفع وقد يضر، وإذا ~~نفع فنفعه منقطع، فمن استفاد علما ثم ضيعه أو تمكن من استفادته فأهمله فقد ~~خسر خسرانا مبينا، كما قال تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ~~فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ~~ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ~~(176) . ### | الفرق بين العلم والعقل وبين العلم والمعرفة والدراية والحكمة # العلم: إدراك الشيء ms057 بحقيقته، وهو ضربان: # أحدهما: حصول صور المعلومات في النفس. # والتاني: حكم النفس على الشيء بوجود شيء له هو موجود، أو نفي شيء عنه هو ~~غير موجود له. نحو الحكم على زيد بأنه خارج أو ليس طائرا، فالأول: هو الذي ~~قد يسمى في الشرع وفي كلام الحكماء العقل المستفاد، وفي النحو المعرفة ~~ويتعدى إلى مفعول، والثاني: هو الذي يسمى العلم دون العقل، ويتعدى إلى ~~مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما من حيث إن القصد إذا قيل: علمت زيدا ~~منطلقا إثبات العلم بانطلاق زيد دون العلم بزيد. # واعلم أن العقل والعلم بقياس أحدهما إلى الآخر على ثلاثة أوجه: # أحدها: عقل ليس بعلم وهو العقل الغريزي. # والثاني: علم ليس بعقل وهو المتعدي إلى المفعولين. # والثالث: عقل هو علم وعلم هو عقل، وهو العقل المستفاد والعلم الذي يقال ~~له: المعرفة، ولا يصح أن يتعدى العقل إلى مفعولين فيقال: عقلت زيدا منطلقا ~~كما يقال في " علمت " لكون العقل موضوعا للعلم البسيط دون المركب، وسمي ~~عقلا من حيث إنه مانع لصاحبه أن تقع أفعاله على غير نظام، وسمي علما من حيث ~~إنه # PageV01P140 # علامة على الشيء وهذا إذا اعتبر حقيقته مما يتبين به شرف اللغة العربية. # وأما الفرق بين العلم البسيط - أعني المتعدي إلى مفعول واحد - وبين ~~المعرفة، فهو أن المعرفة قد تقال فيما تدرك آثاره وإن لم تدرك ذاته، والعلم ~~لا يكاد يقال إلا فيما يدرك ذاته، ولهذا يقال: فلان يعرف الله، ولا يقال: ~~يعلم الله، لما كانت معرفته تعالى ليست إلا بمعرفة آثاره دون معرفة ذاته، ~~وأيضا فالمعرفة تقال فيما لا يعرف إلا كونه موجودا فقط، والعلم أصله أن ~~يقال فيما يعلم وجوده، وجنسه وكيفيته وعلته، ولهذا يقال: # الله تعالى عالم بكذا ولا يقال: عارف به، لما كان العرفان يستعمل في ~~العلم القاصر. # وأيضا: فالمعرفة تقال فيما يتوصل إليه بتفكر وتدبر، والعلم قد يقال في ~~ذلك وفي غيره ويضاد العرفان والإنكار، والعلم والجهل. # وأما الدراية: فالمعرفة المدركة بضرب من الحيل وهو تقديم المقدمة وإجالة ~~الخاطر ms058 # واستعمال الروية، وأصله من دريت الصيد، والذرية تقال لما يتعلم عليه ~~الطعن، وللناقة التي يسيبها الصائد ليأنس الصيد بها فيرمي من ورائها، ~~والمددي يقال لما يصلح به الشعر، ولقرن الشاة، ولا يصح أن يوصف بذللث ~~الباري تعالى، لأن معنى الحيل لا يصح عليه، ولم يرد بذلك سمع فيتبع، وقول ~~الشاعر: # اللهم لا أدري ... وأنت الداري # فهو من تعجرف الأعراب الأجلاف # وأما الحكمة: فاسم لكل علم حسن وعمل صالح، وهو بالعلم العملي أخص منه ~~بالعلم النظري وفي العمل أكثر استعمالا منه في العلم، وإن كان الفعل لا ~~يكون محكما من دون العلم به، ومنها قيل: أحكم العمل إحكاما، وحكم بكذا ~~حكما. # والحكمة من الله تعالى إظهار الفضائل المعقولة المحسوسة، ومن العباد ~~معرفة ذلك بقدر طاقة البشر، وقد حدت الحكمة بألفاظ مختلفة على نظرات ~~مختلفة، فقيل: هي معرفة الأشياء الموجودة بحقائقها، ويعني كليات الأشياء، ~~فأما جزئياتها فلا سبيل للبشر إلى الإحاطة بها، وهذا الحد بحسب اعتبارها ~~بالعلم. # وقيل: هي إماتة الشهوات على ما يجب، وهذا الحد بحسب اعتبارها بالعمل فيما ~~هو غاية المراد من الإنسان. # PageV01P141 # وقيل: هي الاقتداء بالخالق في السياسة بقدر طاقة البشر، وذلك بأن يجتهد ~~أن ينزه عمله عن الجهل، وعدله عن الجور، وجوده عن البخل، وحلمه عن السفه، ~~وبنحو هذا العقل يقرب العبد من خالقه سبحانه في الدنيا. # ونسبة العلوم إلى الحكمة من وجه كنسبة الأعضاء إلى البدن في كونها أبعاضا ~~لها، ومن وجه كنسبة المرؤوسين إلى الرئيس في كونها مستولية عليها، ومن وجه ~~كنسبة الأولاد إلى الأم في كونها مولدة لها ومي في معارف الشرع اسم للعلوم ~~العقلية المدركة بالعقل، وقد أفرد ذكرها في عامة القرآن عن الكتاب، فجعل ~~الكتاب اسما لما لا يدرك إلا من جهة النبوات، والحكمة لما يدرك من جهة ~~العقل. وجعلا منزلين وإن كان إنزالهما من الله تعالى. # وقد يكونان مختلفين، وجمع بينهما في الذكر لحاجة كل واحد منهما إلى ~~الآخر، فقد قيل: لولا الكتاب لأصبح العقل حائرا، ولولا العقل لم ينتفع ~~بالكتاب، وقيل: ms059 الكتاب بمنزلة اليد والحكمة بمنزلة الميزان ولا تعرف ~~المقادير إلا بهما؛ ولذلك عبر عن الحكمة بالميزان في قوله تعالى: (الله ~~الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان) . # ولا ييلغ الحكمة إلا أحد رجلين: إما مهذب في فهمه، موفق في فعله، ساعده ~~معلم ناصح وكفاية وعمر. # وإما إلهي، يصطفيه الله فيفتح عليه أبواب الحكمة بفيض إلهي، # ويلقي إليه مقاليد جوده، فيبلغه ذروة السعادة، وذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العطم. ### | توابع العقل # العقل إذا أشرق في الإنسان يحصل عنه العلم والمعرفة والدراية والحكمة، ~~وقد تقدم ذكرهن، ويحصل عنه أيضا الذكاء، والذهن، والفهم، والفطنة، وجودة ~~الخاطر، وجودة التوهم، والتخيل، والبديهة، والكيس، والخبر، وإصابة الظن، ~~والفراسة، والزكانة، # PageV01P142 # والكهانة، والعرافة، والإلهام، ودقة النظر، والرأي، والتدبر، وصحة الفكر، ~~وسرعة الذكر، وجودة الحفظ، والبلاغة والفصاحة. # فأما الذكاء: فالمضاء في الأمور وسرعة القطع بالحق، وأصله من ذكت النار، ~~وذكت الريح، وشاة مذكاة، مدرك ذبحها بحدة السكين، وذكي الرجل إذا تم فيه ~~قوة الذكاء، لكن لما كان أكثر ما يوجد ذلك فيمن تمت سنه صار يعبر به عن ~~تمام السن، ومنه قيل: " جري المذكيات غلاب ". # وأما الذهن: فقريب من الذكاء، لكن يقال في إدراك ما وقع فيه التنازع. # وأما الفطنة: فسرعة إدراك ما يقصد إشكاله؛ ولهذا يكثر استعمالها في ~~استنباط الأحاجي والرموز. # وأما الفهم: فمقدمة العقل، فمن لا يعرف معنى الشيء فهما لم يتحققه عقلا، ~~وقد سمي الفهم عقلا، وإن كانت مرتبته دون مرتبة العقل، فقوة الفهم أن تدرك ~~به الأشياء الجزئية والعقل يدرك كلياتها، ومعنى ذلك أن العقل يدرك أن ~~العدالة حسنة، والظلم قبيح، والفهم يميز بين كل واحد من الفعل هل هو عدل أو ~~جور. # وقد يوصف بالفهم من لا يوصف بالعقل، كالحاذق في لعب الشطرنج، وكل من يوصف ~~بالعقل فإنه يوصف بالفهم. # فأما الخاطر: فحركة الفهم نحو الشيء، يقال: خطر الشيء ببالي ولا يقال: # خطر بالي بالشيء، فتجوز أن يكون ذلك من المقلوب كقولهم: عيش ناصب، وقد ~~قيل في قولهم: عقلت الشيء وأحسست أنه ms060 أيضا من المقلوب، فالشيء هو المؤثر في ~~الحاسة والعقل لا هما فيه. # وأما الوهم: فانقياد النفس لقبول أثر ما يرد عليها من قولهم: حمل وهم ~~وطريق وهم، والفرق بينه وبين الخاطر أن الخاطر يقال فيما لا تقبله النفس، ~~والوهم لا يقال إلا فيما تقبله النفس. # وأما الخيال: فنحو الوهم لكن يقال اعتبارا بما يكون من جهة الحاسة وفيما ~~له صورة # PageV01P143 # ما، ومنه سمي الطيف الوارد من جهة المحبوب خيالا، والخيال قد يقال لتلك ~~الصورة في المنام وفي اليقظة، والطيف لا يقال إلا فيما كان حال النوم، ~~ولهذا ينسب الطيف إلى الخيال لما كان ذلك من جوانبه. قال الشاعر: # نم فا ما زارك الخيال ول ... كنك بالفكر زرت طيف الخيال # وأما البديهة: فمعرفة ثاقبه تجيء بلا فكر ولا قصد، فالبديه في المعرفة ~~كالبديع في الفعل. # وأما الروية: فما كان من المعرفة بعد فكر كثير وهو من روي. # وأما الكيس: فالقدرة على جودة استنباط ما هو أصلح في بلوغ الخير " ولهذا # قال - صلى الله عليه وسلم -: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت " ~~من حيث إنه لا خير يصل إليه الإنسان أفضل مما بعد الموت، وقول العرب: الكيس ~~من الخيل، لتصورها بصورة الكيس، لأنها ذات كيس في الحقيقة، وكاس في مشيته، ~~أي أظهر الكيس # برفع إحدى رجليه. وتسميتهم الغادر: كيسان إما على طريق المجاز، أو تنبيها ~~أن الغادر يعد ذلك كيسا أو لأن كيسان في الأصل اسم الغادر ثم سمي كل غادر ~~كيسان كتسميتهم كل حداد هالكية. # وأما الخبر: فالمعرفة المتوصل إليها من قولهم خبرته، أي أصبت خبره، وقيل: ~~هو من قولهم: ناقة خبيرة، وهي الخبرة عن غزارتها، أي غزيرة اللبن، فكأن ~~الخبر هو غزارة المعرفة، ويجوز أن قولهم: ناقة خبيرة، أي: الخبرة عن ~~غزارتها كقولهم: ناقة ناجرة. # وأما الظن: فإصابة المطلوب بضرب من الأمارة، ولما كانت الأمارات مترددة ~~بين يقين وشك، فتقرب تارة من طرف اليقين، وتارة من طرف الشك جاز تفسير أهل ~~اللغة بهما، فمتى رؤي إلى طرف اليقين ms061 أقرب استعمل " أن " المثقلة والمخففة ~~منها نحو قوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) # وقوله: (وظنوا أنه واقع بهم) # ومتى رؤي إلى طرف الشك أقرب استعمل معه " أن " التي للمعدومين # PageV01P144 # من الفعل، نحو ظننت أن تخرج وأن خرجت، وإنما استعمل الظن بمعنى العلم في ~~قوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) لأمرين: # أحدهما: تنبيه أن علم أكثر الناس في الدنيا بالإضافة إلى علمه في الآخرة ~~كالظن في جنب العلم. # والثاني: أن العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين ~~المعنيين بقوله: (الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا. # والظن متى كان عن أمارة قوية فإنه يمدح به، ومتى كان عن تخمين لم يعتمد ~~ذم به # حيث قال تعالى: (إن بعض الظن إثم) . # وأما الفراسة: فالاستدلال بهيئات الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله على ~~أخلاقه وفضائله ورذائله، وربما يقال: هي صناعة صيادة لمعرفة أخلاق الإنسان ~~وأحواله، وقد نبه الله تعالى على صدقها بقوله تعالى: (إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين (75) # وقوله: (تعرفهم بسيماهم) # وبقوله: (ولتعرفنهم في لحن القول) . # ولفظها من قولهم فرس: السبع الشاة، فكأن الفراسة اختلاس المعارف، وذلك ~~ضربان: ضرب يحصل للإنسان عن خاطر لا يعرف سببه، وذلك ضرب من الإلهام، بل ~~ضرب من الوحي، وإياه عني بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " المؤمن ينظر بنور ~~الله "، وهو الذي # يسمى صاحبه المروع والمحدث، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " إن يكن في ~~أمتي محدث فهو عمر " # وقيل في قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب) # إن ما كان وحيا بإلقائه في الروع، وذلك يكون للأنبياء كما قال تعالى: # (نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) # وقد يكون لإلهام في حال اليقظة، وقد يكون في حال المنام؛ ولذلك قال عليه ~~الصلاة والسلام: # PageV01P145 # " الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ". # والضرب الثاني من الفراسة: يكون بصناعة متعلمة، وهي معرفة ما بين الألوان ~~والأشكال وما بين الأمزجة والأخلاق والأفعال الطبيعية، ومن عرف ذلك وكان ذا ms062 ~~فهم ثاقب، قوي في الفراسة، وقد عمل في ذلك كتب فمن تتبع الصحيح منها اطلع ~~منها على صدق ما ضمنوه، والفراسة ضرب من الظن، وقد سئل بعض محصلة الصوفية ~~عن الفرق بينهما، فقال: الظن بتقلب القلب، والفراسة بنور الرب تعالى، وكل ~~من قوي فيه نور الروح المذكور في قوله تعالى: (ونفخت فيه من روحي) # كان ممن وصفه بقوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) # وكان ذلك النور شاهدا منه أصاب فيما حكم به. # ومن الفراسة قوله - صلى الله عليه وسلم - في المتلاعنين: " إن أمرهما بين ~~لولا حكم الله "، ومن الفراسة علم الرؤيا، وقد عظم الله أمرها في جميع ~~الكتب المنزلة، وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: # (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في ~~القرآن) # وقال تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ~~ولتنازعتم في الأمر) . # وقال في قصة إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وسلم -: (يا بني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك) # وقال تعالى حكاية عن يوسف - صلى الله عليه وسلم -: (يا أبت إني رأيت أحد ~~عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (4) . # والرؤيا هي فعل النفس الناطقة، ولو لم تكن لها حقيقة لم تكن لإيجاد هذه ~~القوة في الإنسان فائدة، والله تعالى يتعالى عن الباطل. وهي ضربان: ضرب - ~~وهو الأكثر - أضغاث أحلام وأحاديث النفس من الخواطر الرديئة، لكون النفس في ~~تلك الحال كالماء المتموج الذي لا يقبل صورة، وضرب - وهو الأقل - صحيح وذلك ~~قسمان: # قسم لا يحتاج إلى تأويل، وقسم يحتاج إلى تأويل، ولهذا يحتاج المعبر إلى ~~مهارة ليفرق بين الأضغاث وبين غيرها، وليميز بين الكلمات الروحانية ~~والجسمانية، ويفرق بين طبقات الناس، إذ كان فيهم من لا يصح له رؤيا، وفيهم ~~من تصح رؤياه، ثم من # PageV01P146 # يصح له ذلك منهم من يرشح أن يلقى إليه في المنام الأشياء العظيمة الخطرة، ~~ومنهم من لا يرشح له ذلك، ولهذا قال اليونانيون: يجب للمعبر أن يشتغل ~~بعبارة رؤيا الحكماء والملوك ms063 دون الطغام، وذلك لأن لهم حظا من النبوة، وقد ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: " الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~النبوة " # وهذا العلم يحتاج إلى مناسبة بين متحريه وبينه، فرب حكيم لا يرزق حذقا ~~فيه، وربما نزر الحظ من الحكمة وسائر العلوم يرزق حظا فيه، وتوجد له فيه ~~قوة عجيبة. # وأما الزكانة: فضرب من الفراسة، وهي معرفة فعل باطن بفعل ظاهر بضرب من ~~التوهم يقال: قد زكنت وأزكنت. # والقيافة: ضرب من الزكانة لكنه أدق وهو ضربان: # أحدهما: بتتبع أثر الأقدام والاستدلال به على السالكين. # والثاني: الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله على نسبته. # وخص من العرب بالقيافة بنو مدلج، وقيل: إن ذلك بمناسبة طبيعية لا بتعلم، ~~وهي محكوم بها في الشرع، وقال بعض الحكماء: خص الله بذلك العرب، ليكون سببا ~~لارتداع نسائهم عما يورث شوب نسبهم، وخبيث حسبهم، وفساد بذورهم وزروعهم، ~~صيانة لنسب النبوة، (وليكون ذلك شرفا لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولأجل ~~حفظه تعالى نسبهم ذلك، قال تعالى: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) # أي: ليعرف بعضكم بعضا بمعرفة أصله. # PageV01P147 # وأما الكهانة والعرافة: فإن الكهانة مختصة بالأمور المستقبلة، والعرافة # مختصة بالأمور الماضية، وكان ذلك في العرب كثيرا، وآخر من وجد، وروي عنه ~~الأخبار العجبية سطيح، وسواد بن قارب. وقيل: كان وجود ذلك في العرب أحد ~~أسباب معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان يخبر به ويحث على ~~اتباعه، ثم نزع عنهم ذلك بعد النبوة، حتى روي: " لا كهانة بعد النبوة "، ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: " من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد ~~كفر بما أنزل على محمد " تنبيها أنه قد رفع. # ومما يجري مجراها الطيرة، وهو: تشاؤم الإنسان بشيء يقع تحت المناظر ~~والمسامع مما تنفر منه النفس مما ليس بطبيعي، فأما نفارها مما هو طبيعي في ~~الإنسان كنفاره من صرير الحديد وصوت الحمار فلا يعد من هذا، واشتقاقه من ~~الطير، وأصله في زجر الطير، وما سواه ملحق به، وعلى ذلك قول الشاعر: # وما أنا ممن يزجر الطير حوله ms064 ... أصاح غراب أم تعرض طائر # ثم كثر في غيره حتى قال تعالى حكاية عمن أخبر عنه: (قالوا اطيرنا بك وبمن ~~معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) # أي: السبب الذي يسعدكم ويشقيكم عند الله، وقال تعالى: (وإن تصبهم سيئة ~~يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله) . # وسمي عمل الإنسان الذي يعاقب عليه طائرا قال تعالى: (وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه) # PageV01P148 # والنظر: هو إجالة الخاطر نحو المرئي لإدراك البصيرة إياه، فللقلب عين كما ~~أن للبدن عينا، فمن صحت عين قلبه، وأعانه نور الله اطلع على حقائق الأشياء، ~~وأدرك العالم العلوي وهو في الدنيا، فيرى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر، ولكون الاطلاع عليه ممكنا قال أمير المؤمنين علي - رحمه ~~الله -: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ". # والرأي: إجالة الخاطر في رؤية ما يريده، وقد يقال للقضية التي تثبت عن ~~الرأي رأي. # والرأي للفكرة كالآلة للصانع التي لا يستغني عنها، ولا يكون إلا في ~~الأمور # الممكنة دون الواجبة والممتنعة، ويكون في جملة الممكنات مما تكون إلينا، ~~فالطبيب لا يجيل رأيه في نفس البرء، وإنما يجيله في كيفية الوصول إليه. # ويحتاج الرأي إلى أربعة أشياء: اثنان من جهة الزمان في التقديم والتأخير: # أحدهما: أن يعيد النظر فيما يرتئيه، (ولا يجعل إمضاءه حتى يعب، فقد تي، ~~@: # إياك والرأي الفطير، وقد قيل: دع الرأي يعب. وأكثر من يستعجل في ذلك ذو ~~النفوس الشهمة والأمزجة الحادة. # والثاني: لا يدافع به بعد إحكامه، فقد قيل: رو تحزم وإذا استوضحت فاعزم، # وقيل: أحزم الناس من إذا وضح له الأمر صدع فيه، وقال تعالى: (فإذا عزمت ~~فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (159) # وأكثر من يدافع ذوو النفوس المهينة والأمزجة الباردة. # واثنان من جهة الناس: # أحدهما: ترك الاستبداد بالرأي، فالاستبداد بالرأي من فعل المعجب بنفسه، # وقد قيل: الأحمق من قطعه العجب بنفسه عن الاستشارة، والاستبداد عن ~~الاستخارة. # والمأني: أن يتخير من تجوز مشاورته. # فما كل ذي لب مؤتيك ms065 نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب # PageV01P149 # ولكن إذاما استجمعنا عند واحد ... فحق له من طاعة بنصيب # ومن دخل في أمر بعد الاحتراز من هذه الأربعة فقد أحكم تدبيره، فإن لم ~~ينجح عمله لم يلحقه مذمة. # وأما التدبير: فنحو الرأي، لكن يقال له إذا استعمل في النظر في عواقب ~~الأمور، واشتقاقه يقتضي ذلك، لأنه تأمل دبر الأمر، وعليه حث الشاعر في ~~قوله: # ومن ترك العواقب مهملات ... فأيسر سعيه أبدا تبار # وأما الفكرة: فقوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، وهو تخيل عقلي موجود في ~~الإنسان، والتفكر جولان تلك القوة بين الخواطر بحسب نظر العقل، وقد يقال ~~للتفكر: الفكر، وربما ضل الفكر وأخطأ ضلال الرائد وخطأه، والتفكر لا يكون ~~إلا فيما له ماهية بما يصح أن يجعل له صورة في القلب مفهومة، ولأجل ذلك قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله "، # وقال تعالى: (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق) # وقال: (كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (219) في الدنيا ~~والآخرة) # وسئل بعض الحكماء عن الفكرة # والعبرة، فقال: الفكرة أن تجعل الغائب حاضرا، والعبرة أن تجعل الحاضر ~~غائبا. # وأما الذكر: فوجود الشىء في القلب أو في اللسان، وذلك أن الشيء له أربعة ~~وجودات: # وجوده في ذاته، ووجوده في قلب الإنسان، ووجوده في لفظه، ووجوده # في كتابته. # فوجوده في ذاته هو سبب لوجوده في قلب الإنسان، ووجوده في قلبه # سبب لوجوده فى لسانه، ولوجوده في كتابته. ويقال للوجودين، أي: للوجود في ~~القلب، والوجود في اللسان: الذكر، ولا اعتداد بذكر اللسان ما لم يكن ذلك عن # PageV01P150 # ذكر في القلب، بل لا يكون ذلك ذكرا. # والذكر بالقلب ضربان: # أحدهما: استعادة ما قد استثبته القلب فانمحى عنه بنسيان أو غفلة، وهذا هو ~~في الحقيقة التذكر. # والثاني: ثبات وجود الشيء في القلب من غير نسيان أو غفلة، وذكر الله ~~تعالى على نحو الأول غير مرتضى عند الأولياء وإنما يحمد إذا كان على النحو ~~الثاني. # واعلم أن ms066 ذكر الله تعالى تارة يكون بعظمته فيتولد منه الإجلال والهيبة، ~~وتارة يكون لقدرته فيتولد منه الخوف والحزن. # وتارة بفضله ورحمته فيتولد منه الرجاء، وتارة بنعمته فيتولد منه الشكر؛ # ولذلك قيل: ذكر النعمة شكرها، وتارة بأفعاله الباهرة فيتولد منه العبرة. # فحق المؤمن ألا ينفك أبدا من ذكره على أحد هذه الوجوه، وعليها دل قول ~~الله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب (190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق ~~السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) # أي: يذكرونه في كل حال؛ لأن الإنسان لا ينفك من هذه الأوجه الثلاثة، فإن ~~قيل: ما حقيقة ذكر الله تعالى عند ابتداء الأعمال حتى قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: " كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكرالله تعالى فهو أبتر "، قيل: نبه ~~بذلك أن الأمور كلها يجب أن يقصد بها وجه الله تعالى، وأن كل أمر لا يقصد ~~به ذلك فهو ناقص، وشرع ذكره باللسان؛ ليكون سببا لذكره بالقلب، فيتحرى ~~بفعله وجه الله، ولا يعمل ما ينافي رضاه. وعلى # ذلك قوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت) # أي: إذا عرض لك نسيان لا يلزمك فتذكر أنه مطلع عليك؛ ولهذا قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: " اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن # تراه فإنه يراك ". # PageV01P151 # وأما الحفظ: فالمواظبة على مراعاة الشيء وقلة الغفلة عنه، ومنه محافظة ~~الحريم،حتى قيل للغضب المقتضي لذلك: حفيظة، ويقال لثبات صورة الشيء في ~~القلب: حفظ، ويقال للقوة الحافظة أيضا: حفظ، وفلان جيد الحفظ، أي: القوة ~~الحافظة. # والحفظ للنفس من وجه جار مجرى الخزانة للملك يضمع فيها الزخائر إلى وقت ~~الحاجة) ومن وجه جار مجرى الكتاب الذي يكتب فيه الشيء ليرجع إليه فيتذكر ~~به، والناس متفاوتون فيه بحسب أمزجتهم، فمنهم من قوى الله تعالى ذلك فيه ~~كما جعله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، (فلذلك كان كونه أميا شرفا له) ، ~~إذ كان له من الحفظ ما يغنيه عن الاستعانة بالكتابة، ولهذا قال تعالى: ms067 (لا ~~تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) # فضمن أنه يحفظ عليه بما جعل له من القوة الإلهية. وروي أنه لما نزل قوله ~~تعالى: (وتعيها أذن واعية (12)) # قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي: " سألت الله تعالى أن يجعلها ~~أذنك " فلم يسمع بعد ذلك شيئا إلا وعاه. # ومن الناس من يسرع إليه النسيان فما سمعه يكون كالخط يكتب في بسط الماء. # وأما البلاغة: فإجادة اختيار الألفاظ والإصابة في تأليفها وقدرها ومعناها ~~وتحري الصدق فيها، ولا يكون الكلام تام البلاغة ما لم يجمع هذه المعاني، ~~فإنه متى قبح اللفظ، أو قبح التأليف، أو كان أكثر مما يحب، أو أقل مما يحب، ~~أو لم يطابق اللفظ المعنى، إما حقيقة أو استعارة رائقة، أو كان المعنى ~~محالا أو كذبا، خرج الكلام بقدر ما اختل منه من باب البلاغة، وقد وصفت ~~البلاغة بأوصاف مختلفة بحسب أنظار مختلفة، فقال بعضهم: البلاغة هي الإيجاز ~~من غير عجز، والإطناب من غير خطل. # وقيل: ما فهمته العامة ورضيته الخاصة. # وقيل: ما اجتيازه فساد له. إلى غير ذلك من الأوصاف. # وأما الفصاحة: فاشتقاقها من فصح اللبن إذا خلص، وهي الإصابة في اللفظ ~~(يعني اختصاره) ، والائتلاف دون اعتبار الصدق وصواب المعنى، فكل كلام جزل ~~اللفظ # PageV01P152 # حسن التركيب فموصوف بالفصاحة، صدقا كان أو كذبا. # فالبلاغة ترجع إلى اللفظ والمعنى، والفصاحة إلى اللفظ دون المعنى ### | ثمرة العقل من معرفة الله الضرورية والمكتسبة وغاية ما يبلغه الإنسان من ذلك # أشرف ثمرة للعقل معرفة الله تعالى، وحسن طاعته، والكف عن معصيته، وعلى ~~ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: " العقل ثلاثة أجزاء: جزء معرفة الله، ~~وجزء طاعة الله، وجزء الصبر عن معصية الله "، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~" الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء، # وماله العفة، وثمرته العلم ". # فمعرفة الله تعالى العامية مركوزة في النفس، وهي معرفة كل أحد أنه مفعول ~~وأن له فاعلا فعله، ونقله في الأحوال المختلفة، وإليه أشار بقوله تعالى: ~~(فطرت الله التي فطر الناس عليها) # وقوله: (صبغة الله ومن ms068 أحسن من الله صبغة) # وقوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين (172) . # فهذا القدر من المعرفة في نفس كل أحد، ويتنبه الغافل عنه إذا نبه عليه ~~فيعرفه كما يعرف أن ما هو مساو لغيره فذلك الغير مساو له، ومن هذا الوجه ~~قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) # وقال في مخاطبة المؤمنين والكافرين: (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون (53) # ثم قال بعده: (ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) . # وأما معرفة الله تعالى المكتسبة فمعرفة توحيده وصفاته، وما يجب أن يثبت ~~له من الصفات، وما يجب أن ينفى عنه، وهذه المعرفة هي التي دعا الأنبياء - ~~عليهم السلام - لها وحثوا # PageV01P153 # عليها؛ ولهذا قال كلهم: قولوا: لا إله إلا الله، ولم يدع أحد إلى معرفته ~~تعالى، بل دعا إلى توحيده. # وهذه المعرفة - أعني المكتسبة - على ثلاثة أضرب: # ضرب: لا يكاد يدركه إلا نبي أو صديق أو شهيد ومن داناهم، وذلك معرفته ~~بالنور الإلهي من حيث لا يعتري فيه شك بوجه، كما قال تعالى: (إإنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) . # وضرب: يدرك بغلبة الظن الذي يفسره أهل اللغة باليقين، كما قال تعالى: ~~(الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون (46) . # وضرب: يدرك بخيالات ومثل وتقليدات، وإياه عني بقوله تعالى: (وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) . # فالأول: يجري مجرى إدراكه الشيء من قريب؛ ولهذا قال تعالى في وصفهم: # (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) . # والثاني: يجري مجرى إدراكه الشيء من بعيد، وقد يعتري فيه شبهة ولكن تزول ~~بأدنى تأمل كما قال تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون (201) . # والثالث: يجري مجرى من يرى الشيء من وراء ستر من بعيد، ولا ينفك من # شبهات كما أخبر تعالى عمن هذه حالته بقوله: (إن ms069 نظن إلا ظنا وما نحن ~~بمستيقنين (32) . # ولأجل صعوبة معرفة الله تعالى على الحقيقة حتى يتخلص الإنسان من آفات # الشرك قال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) # وقال تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) # وقال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) # وقال: (قل الله أعبد مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه) # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " من قال: لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة ~~". # وغاية معرفة الإنسان بربه أن يعرف أجناس الموجودات جواهرها وأعراضها ~~المحسوسة # PageV01P154 # والمعقولة، ويعرف أثر الصنعة فيها، وأنها محدثة وأن محدثها ليس إياها ولا ~~مثلا لها، بل هو الذي يصح ارتفاع كلها مع بقائه ولا يصح بقاؤها وارتفاعه، ~~وبهذا النظر قال الصديق - رضي الله عنه -: " سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا ~~إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته "، # بل لهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " تفكروا في آلاء الله ولا ~~تتفكروا في ذاته ". # ولما كان معرفة العالم كله تصعب على الإنسان الواحد، لقصور أفهام بعضهم # عنها، واشتغال بعضهم بالضرورات التي يعرفها منهم، جعل لكل إنسان من بدنه ~~ونفسه عالما صغيرا، أوجد فيه مثال كل ما هو موجود في العالم الكبير، ليجري ~~ذلك من العالم مجرى مختصر من الكتاب البسيط، يكون مع كل أحد نسخة يتأملها ~~في الحضر والسفر، والليل والنهار، فإن نشط وتفرغ للتوسع في العلم نظر في ~~الكتاب الكبير الذي هو العالم، فيطلع منه على الكون، ليغزر علمه، ويتسع ~~فهمه، وإلا فليقنع بالمختصر الذي معه، ولهذا قال تعالى: (وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون (21) # ولشرف متأملي ذلك قال تعالى: (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما ~~خلق الله من شيء) # وقال: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب (190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق ~~السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) # فنبه بمدحهم حيث قالوا: (ربنا ما خلقت هذا باطلا) أنهم عرفوا الغرض ~~المقصود بخلقه، ms070 وذلك هو آخر الأبحاث، لأن الأبحاث أربعة: بحث عن وجود الشيء ~~بهل هو، وبحث عن جنسه بما هو، وبحث عما يباين به غيره بأي شيء هو، وبحث عن ~~الغرض بلم هو؟. # وهذه الأبحاث ينبني بعضها على بعض، فلا تصح معرفة الثاني إلا بمعرفة ~~الأول، ولا معرفة الثالث إلا بمعرفة الثانى، ولا معرفة الرابع إلا بمعرفة ~~الثالث. وقوله: (ربنا ما خلقت هذا باطلا) يقتضي أنهم عرفوا الأبحاث ~~الأربعة، وإلا شهدوا بما لم يتحققوا، ومن شهد بما لم يتحقق كذب وإن كان ما ~~يشهد به على ما شهد به، ألا ترى أن الله تعالى كذب المنافقين حين قالوا: ~~(إنك لرسول الله) # وإن كان هو رسول الله. # فدلت هذه الآية على أن البحث الذي يؤدي إلى معرفة حقائق الموجودات التي ~~تتضمن معرفة الله تعالى هو من العلوم الشريفة، بخلاف قول الصم البكم العمي ~~الذين لم يجعل الله لهم نورا؛ حيث بدعوا من اشتغل بمعرفة ذلك. # PageV01P155 ### | وجوب بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقلة الاستغناء عنهم # بعثة الأنبياء إلى الناس من الضروريات التي لا بد لهم منها، وذلك أن جل ~~الناس يقصر عن معرفة منافعهم ومضارهم الأخروية جزئياتها وكلياتها، وبعضهم ~~وإن كان لهم سبيل إلى معرفة كليات ذلك على سبيل الجملة فليس لهم سبيل إلى ~~معرفة جزئياتها، ولا يمكن أن يعرفوا كيف يجب، ولا في أي وقت يجب، وكم يجب؟. # فلما كان كذلك من الله تعالى على كافة عباده، خاصهم وعامهم برسل بعثهم ~~فيهم من أنفسهم يتلون عليهم آياته ويزكونهم ويعلمونهم الكتاب والحكمة. لكي ~~إذا تمسكوا بذلك صلح معادهم ومعاشهم، وسهل عليهم إدراكهم؛ ولهذا أزاح الله ~~تعالى علتهم ببعثة الأنبياء فقال: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) . ### | ما يعرف به صحة النبوة # لكل نبي آيتان: # إحداهما: عقلية يعرفها أولو البصائر من الصديقين والشهداء والصالحين ومن ~~يجري مجراهم. # والثانية: حسية يدركها أولو الأبصار من العامة. # فالأولى: ما لهم من الأصول الزكية، وصورهم المرضية، وعلومهم الباهرة، # ودلائلهم المتقدمة عليهم والمستصحبة، وأنوارهم الساطعة التي لا تخفى على ~~أولي ms071 البصائر، كما قال الشاعر في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم -: # لو لم تكن في آيات مبينة كانت ... بداهته تغنيك عن خبره # وذلك أن حق النبي أن يكون من أكرم تربة في العالم، وحيث يكون عقل أربابها ~~أوفر، لذلك لم يبعث نبي من الأطراف التي تضعف عقول أربابها، ويجب أن يكون ~~من عنصر كريم من بيت الفضل؛ ولهذا قال تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ~~(34) # ونبه بقوله: (ذرية بعضها من بعض) أنه جعل النبوة في أهل بيت واحد لا تخرج ~~عنهم لكونهم أشرف. # PageV01P156 # ويجب أن يكون عليه أنوار تروق من رآها وأخلاق تتملك من ابتلاها، كما قال ~~تعالى: (وألقيت عليك محبة مني) ، وقال لنبينا - صلى الله عليه وسلم -: ~~(وإنك لعلى خلق عظيم (4) . # ويجب أن يكون كلامه ذا حجة وبيان يشفي سامعه إذا كان متخصصا بنور ~~العقل،ولذلك قال تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) # وهذه الأحوال إذا حصلت لا يحتاج ذو البصيرة معها إلى معجزة، ولا يطلبها ~~كما لا يطلب الأنبياء من الملائكة فيما يخبرونهم به حجة، ولهذا لما عرض ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصديق أبي بكر الإسلام تلقاه بالقبول، ~~حتى قال - صلى الله عليه وسلم -: " ما أحد عرضت عليه # الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر الصديق فإنه لم يتلعثم فيه ". # وأما الآية الثانية فهي المعجزة التي تدركها الحواس من الأنبياء، وذلك ~~يطلبه أحد رجلين إما ناقص عن معرفة الفرق بين الكلام الإلهي وبين الكلام ~~البشري، وعن إدراك سائر ما تقدم ذكره، فيحتاج إلى ما يدركه بحسه لقصوره عن ~~إدراك ذلك. وإما ناقص وهو مع نقصه معاند، فيقصد بما يطلبه العناد، كما قال ~~تعالى حكاية عن الكفار: # (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة من ~~نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما زعمت علينا ~~كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك ms072 بيت من زخرف أو ترقى ~~في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت ~~إلا بشرا رسولا (93) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا ~~أبعث الله بشرا رسولا (94) . ### | كون الرسول والعقل هاديين الخلق إلى الحق # لله - عز وجل - إلى خلقه رسولان: # أحدهما: من الباطن وهو العقل، والثاني: من الظاهر # وهو الرسول، ولا سبيل لأحد إلى الانتفاع بالرسول الظاهر ما لم يتقدمه ~~الانتفاع بالباطن، فالباطن يعرف صحة دعوى الظاهر، ولولاه لما كانت تلزم ~~الحجة بقوله، ولهذا أحال الله من يشكك فى وحدانيته وصحة نبوة أنبيائه على ~~العقل، فأمره بأن يفزع إليه في معرفة صحتها، فالعقل: قائد والدين مدد، ولو ~~لم يكن العقل لم يكن الدين # PageV01P157 # باقيا، ولو لم يكن الدين لأصبح العقل حائرا، واجتماعهما كما قال تعالى: ~~(نور على نور) . ### | تعذر إدراك العلوم النبوية على من لم يتهذب في العلوم العقلية # المعقولات تجري مجرى الأدوية الجالية للصحة، والشرعيات تجري مجرى الأغذية ~~الحافظة للصحة، وكما أن الجسم متى كان مريضا لم ينتفع بالأغذية، ولم يستفد ~~بها، بل يتضرر بها، كذلك من كان مريض النفس كما قال تعالى: (في قلوبهم مرض) ~~، لم ينتفع بسماع القرآن الذي هو موضوع الشرعيات، بل صار ذلك ضارا له مضرة ~~الغذاء للمريض، ولهذا قال تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) . # وأيضا فالقلب بمنزلة مزرعة للمعتقدات، والاعتقاد فيه بمنزلة البذر إن ~~خيرا وإن شرا، وكلام الله تعالى بمنزلة الماء الذي يسقيه، ولذلك سماه ماء ~~على ما تقدم ذكره، فكما أن الماء إذا سقى الأرض يختلف نباته بحسب اختلاف ~~بذوره، كذلك القرآن إذا ورد على الاعتقادات الراسخة في القلوب، تختلف ~~تأثيراته، وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: (وفي الأرض قطع متجاورات) # وقال تعالى: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا ~~نكدا) . # وأيضا ms073 فالجهل بالمعقولات جار مجرى ستر مرخي على البصر، وغشاء على القلب، ~~ووقر في الأذن، والقرآن لا تدرك حقائقه إلا لمن كشف غطاؤه، ورفع غشاؤه، ~~وأزيل وقره، ولهذا قال تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (45) # PageV01P158 # وأيضا فالمعقولات كالحياة التي بها الأبصار والأسماع، والقرآن كالمدرك ~~بالسمع والبصر، وكما أنه من المحال أن ييصر ويسمع الميت قبل أن يجعل الله ~~فيه الروح، ويجعل له السمع والبصر كذلك من المحال أن يدرك من لم يحصل ~~المعقولات حقائق الشرعيات؛ ولهذا قال تعالى: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع ~~الصم الدعاء) الآيتان يعني: آيات السموات والأرض وغيرها. ### | الإيمان والإسلام والتقوى والبر # الإيمان: هو الإذعان للحق على سبيل التصديق له باليقين؛ ولهذا وصف الله ~~تعالى العلم والإيمان بوصف واحد فقال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) # وقال: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) # ووجل القلب: هو الخشية للحق على سبيل التصديق له باليقين. # هذا هو أصل الإيمان لكن صار اسما لشريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- كالإسلام، وصح أن يطلق على من يظهر ذلك وإن # لم يتخصص به اعتقادا عن يقين أو ثلج صدر، كاليهودي في أن أصله منسوب إلى ~~يهود، والنصراني في أن أصله المنسوب إلى نصران، وهي قرية، ثم صارا اسمين ~~للمتخصصين بالشريعتين. # على أن اشتقاق الإيمان لا يمنع أن يطلق على من يظهره، فإن المؤمن هو من ~~صار ذا أمن، وبإظهار الشهادتين يأمن الإنسان من أن يراق دمه، أو يباح ماله ~~في الحكم، # ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: " من قال: لا إله إلا الله فقد عصم ~~منا دمه وماله إلا بحق "، # وروي: " شهادة أن لا إله إلا الله كلمة جعلها الله بيننا فمن قالها من ~~قلبه فهو مؤمن، # PageV01P159 # ومن قالها بلسانه ولم تكن في قلبه كان له ما لنا وعليه ما علينا وحسابه ~~على الله " # وذلك أنه لا يطلع على القلوب إلا الخالق تعالى. # والشريعة: واردة بأن يطلق اسم الإيمان على من يظهر ms074 ذلك من نفسه من غير ~~فحص عن قلبه، فلا يتحاشى من إطلاق ذلك عليه ما لم يظهر منه ما ينافي ~~الإيمان، بخلاف ما ادعاه بعض المعتزلة فإنه لا يصح إطلاق اسم المؤمن على ~~الإنسان ما لم يختبر في الأصول الخمسة، ويوقف منه على حقيقة ما عنده. # والإسلام: هو الاستسلام لما يدعو إليه الشرع من فعل ما يقتضي فعله. # والملة: القود إلى الطاعة. والدين: الانقياد له، وهما بالذات واحد، لكن ~~الدين هو الطاعة فيقال: اعتبار بفعل المدعو في انقياده إلى الطاعة، والملة: ~~من أمللت الكتاب، فيقال اعتبارا: بفعل الداعي إليها والشارع لها، ولكونها ~~بالذات واحدا قال تعالى: (دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا) # فأبدل الملة من الدين. # والدين أعم من الإسلام، إذ هو يستعمل في الحق والباطل، والإسلام لا ~~يستعمل إلا في الحق، فلهذا قال الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) # وقال: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) . # والإحسان: تحري الحسنى في الإيمان والإسلام، ولهذا قال - صلى الله عليه ~~وسلم - لما قيل له: ما الإحسان، فقال: " أن تعبد الله كأنك تراه ". # والتقوى: جعل النفس وقاية من سخط الله تعالى، وذلك بقمع الهوى. # والبر: السعة في علم الحق وفعل الخير، (وهو) مشتق من البر أي: السعة في # الأرض، وهو المعبر عنه بانشراح الصدر واطمئنان القلب، وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " البر ما سكنت إليه نفسك واطمأن إليه قلبك، والإثم ما ~~حاك في نفسك، وتردد في صدرك " # PageV01P160 # وقال: " البر طمأنينة والشر ريبة ". # ومن البر الجود، ولذلك جعل الجود من الإيمان، قال تعالى: (فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما ~~يصعد في السماء) . # والإخلاص: أن يقصد الإنسان فيما يفعله وجه الله تعالى، متعريا عن ~~الالتفات إلى غيره، ولذلك قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ~~له الدين) # ولقلة وجود ذلك، قال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) ~~. # ولما كان الإيمان يقال باعتبار العلم وهو متعلق بالقلب، والإسلام بفعل ms075 # الجوارح، والتقوى بقمع الهوى، قال - صلى الله عليه وسلم -: " الإسلام ~~علانية، والإيمان في القلب، والتقوى هاهنا "، وأشار إلى صدره. # ولما كان الصدر مقر قوى الإنسان من الفكرة والشهوة والغضب، قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: " لا يستقيم إيمان عبد حتى يسقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه ~~حتى يسقيم لسانه ". # وقال: " الإيمان قائد والعقل سائق، والنفس حرون، فإن أبى قائدها لم تسقم # لسائقها، وإن أبى سائقها لم تطع قائدها ". # ولما كان الإيمان والإسلام والتقوى متلازمة قال في الجنة: (أعدت للمتقين) ~~. # وقال في موضع آخر: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا ~~بالله ورسله) . # وقال: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه) . # PageV01P161 ### | في الإيمان # اختلف في الإيمان: هل هو الاعتقاد المجرد أم الاعتقاد والعمل معا، ~~واختلافهم بحسب اختلاف نظرهم، فمن قال: هو الاعتقاد المجرد فنظر منه إلى ~~اشتقاق اللفظ وإلى أنه قد فصل بينهما في عامة القرآن، فعطف العمل عليه ~~كقوله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) # ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بينهما في خبر جبريل حين سأله # عن الإسلام وعن الإيمان، ففسر الأول بالأعمال والثاني بالاعتقاد. # ومن قال: هو الاعتقاد والعمل فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: " الإيمان ~~معرفة بالقلب، وإقرار با لسان، وعمل بالأركان ". # وكذلك اختلفوا هل يكون في الإيمان زيادة ونقصان، فقال قوم: يكون ذلك فيه ~~لقوله تعالى.: (فأما الذين آمنوا فزادتهم) # وقوله: (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) # وقوله: (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) . # ومن خالفهم قال: الشيء إنما يزيد بغلبته على ضده، وينقص بغلبة ضده عليه، ~~قالوا: والإيمان لا يحصل إلا بعد أن يكون غالبا على الكفر فلا يضامه حتى ~~يقال: إنه غلب عليه. # ولذلك اختلفوا في جواز إطلاق اسم الإيمان على من أقر بالشهادتين، فقال # بعضهم: يجوز ذلك نظرا منه إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - في الجارية ~~التي سألها عن الله فأشارت نحو السماء، وعن النبوة فأشارت إليه - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقال: " اعتقها فإنها مؤمنة "، ولأن الإيمان ليس بذي منزلة ~~واحدة، ومن قال: ms076 لا يجوز فنظر منه إلى قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) # ولما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من قال: أنا مؤمن، فهو ~~فاسق، ومن قال: أنا عالم، فهو جاهل " # فإن قيل: # PageV01P162 # ما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يزني الزاني حين يزني وهو ~~مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن "، قيل: الإيمان ذو منازل كما ~~وصفه - صلى الله عليه وسلم -. # وإنما يكون الإنسان مؤمنا بلا مثنوية إذا استوعب منازله كلها، فتعرى من ~~جميع الشرور وتخصص بجميع الخيرات على قدر طاقة البشر، ومتى انخرم بعض ذلك ~~خرج هو عما هو، كقولهم: عشرة، في كونه اسما لعدد مخصوص إذا سقط بعضه سقط ~~ذلك الاسم عنه، ومن شرط الإيمان الكامل ألا يكون زانيا ولا سارقا. ### | في معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: " الإيمان بضع وسبعون بابا " # ثبت الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الإيمان بضع ~~وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن ~~الطريق "، وهذه لفظة من تأملها وعرف حقيقتها علم بالواجب أن الإيمان الواجب ~~هو اثنتان وسبعون درجة لا يصلح أن يكون أكثر منها ولا أقل، ولا يوجد من ~~الإيمان ما هو خارج عنها بوجه، وأنه - صلى الله عليه وسلم - فيما يورده كما ~~وصفه - عز وجل - بقوله: (وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) ~~علمه شديد القوى (5) . # وبيان ذلك أن الإيمان شيئان: # اعتقاد وأعمال: # فالاعتقاد على ثلاث منازل: # يقيني: لا يعتريه شك ولا شبهة بوجه كما قال تعالى: (الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا) . # وظني: وذلك ما كان عن أمارة قوية، وأعني بالظن هاهنا ما يفسره أهل اللغة ~~باليقين نحو قوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) . # وتقليدي: وذلك ما يعتقد عن رأي أهل البصائر كما وصفه تعالى بقوله: (ولو ~~ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم) . # والأعمال ثلاثة: عمارة الأرض: المعنية بقوله تعالى: (واستعمركم فيها) . # PageV01P163 # وعبادة الله تعالى: المعنية بقوله: ms077 (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~(56) . # وخلافته: المعنية بقوله تعالى: (ويستخلفكم في الأرض) # وقوله: (إني جاعل في الأرض خليفة) # وذلك بتحري مكارم الشريعة. # فهذه ستة وكل واحد من هذه إما أن يتحراه الإنسان عن رهبة، أو رغبة، كما ~~قال تعالى: (ويدعوننا رغبا ورهبا) # أو يتحراه عن إخلاص تطوع واهتزاز نفس، كما قال تعالى: (وأخلصوا دينهم ~~لله) # فهذه اثنتا عشرة منزلة. # وكل واحدة من هذه المنازل إما أن يكون الإنسان في مبتدئها أو وسطها أو ~~منتهاها؛ لأن كل فضيلة ورذيلة لا ينفك الإنسان فيها من هذه الأحوال الثلاث، ~~ولهذا قال تعالى في الفضيلة: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا) # وقال في الرذيلة: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا) . # فجعل منازل الإيمان ومنازل التقوى ثلاثة كما ترى، فهذه اثنتا عشرة في ~~ثلاثة تكون ستة وثلاثين. # وكل واحدة من هذه الستة والثلاثين إما أن يتوصل إليها الإنسان من طريق ~~الاجتباء، أو من طريق الهداية. والاجتباء للأنبياء ومن يليهم من الأولياء ~~وهو: إيثار الله تعالى بعض عباده بفيض إلهي وتأتيهم الحكمة بلا سعي منهم، ~~وعلى هذا قوله: (وكذلك يجتبيك ربك) # وقوله: (ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) . # والاهتداء: للحكماء والعلماء، وهو توفيق الله تعالى العبد ليطلب بسعيه ~~وجهده الحكمة فيتحصل له منها بقدر ما يتحمل من المشقة. # وإياهما عني بقوله تعالى: (الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ~~(13) # وقوله تعالى: (وممن هدينا واجتبينا) . # فهذه اثنتان وسبعون درجة لا يمكن الزيادة عليها ولا النقصان عنها، ذلك ما ~~ورد من الأخبار فليس بخارج عنها والله الموفق: # فمما هو من جملة العبادة قوله - صلى الله عليه وسلم -: " الوضوء شطر ~~الإيمان "، # PageV01P164 # الصلاة من فرغ لها قلبه وأقامها بحدودها ووقتها وسننها ". # ومما هو من مكارم الشريعة قوله - صلى الله عليه وسلم -: " الحياء من ~~الإيمان "، وقال: " لايجتمع شح وإيمان في قلب عبد "، وقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: # الإنفاق من الإقتار، وإنصاف المؤمن ms078 من نفسه، وبذل السلام "، وقوله عليه ~~الصلاة والسلام: " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله "، ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم - لأناس من أصحابه: " ما إيمانكم، " فقالوا: ~~نصبر على البلاء، ونشكر في الرخاء، ونرضى بالقضاء. فقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: " مؤمنون ورب الكعبة ". ### | في أنواع الجهل # الإنسان في الجهل على أربع منازل: # الأول: من لا يعتقد اعتقادا لا صالحا ولا طالحا، فأمره في إرشاده سهل، إذ ~~كان له طبع سليم، فإنه كلوح أبيض لم يشغله نقش، وكأرض بيضاء لم يلق فيها ~~بذر، ويقال له باعتبار العلم النظري: غفل، وباعتبار العلم العملي: غمر، ~~ويقال له: سليم الصدر. # والثاني: معتقد لرأي فاسد لكنه لم ينشأ عليه ولم يترب به، واستنزاله عنه ~~سهل وإن كان أصعب من الأول فإنه كلوح يحتاج فيه إلى محو وكتابة، وكأرض ~~يحتاج فيها إلى تنظيف، ويقال له: غاو وضال. # والثالث: معتقد لرأي فاسد قد (ران على قلبه) ، وتراءت له صحته فركن إليه ~~لجهله وضعف نحيزته، فهو ممن وصفه الله تعالى بقوله: (إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون (22) # فهذا ذو داء أعيا الأطباء فما كل داء له # PageV01P165 # دواء، فلا سبيل إلى تهذيبه وتنبيهه، كما قيل لحكيم يعظ شيخا جاهلا: ما # تصنع، فقال: أغسل مسحا لعله يبيض. # والرابع: معتقدا اعتقادا فاسدا عرف فساده، أو تمكن من معرفته، لكنه اكتسب ~~دنية لرأسه، وكرسيا لرئاسته، فهو يحامي عليها فيجادل بالباطل ليدحض به ~~الحق، ويذم أهل العلم ليجر إلى نفسه الخلق، ويقال له: فاسق ومنافق، وهو من ~~الموصوفين بالاستكبار والتكبر في نحو قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا ~~يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم) # وقوله: (فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) # فنبه تعالى أنهم ينكرون ما يقولونه ويفعلونه لمعرفتهم ببطلانه، ولكن # يستكبرون عن التزام الحق وذلك حال إبليس فيما دعي إليه من السجود لآدم - ~~عليه السلام -. # والجنون: هو عارض يغمر العقل. # والحمق: قلة التنبه لطريق الحق، وكلاهما يكونان تارة خلقة وتارة يكونان ~~عارضا، وقد عظم الحمق ما لم ms079 يعظم الجنون. وقد قصد الشاعر (ذلك) في قوله: # لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها # وقد ذكرت حكاية هي وإن لم تصح فنافع ذكرها، وهي أن عيسى - عليه السلام - ~~أتي بأحمق ليداويه فقال: أعياني مداواة الأحمق، ولم يعيني مداواة الأكمه ~~والأبرص. # ومما يفرق به بينهما أن المجنون: يكون غرضه الذي يريده ويؤمه فاسدا ويكون ~~سلوكه إلى غرضه صوابا، والأحمق: الذي يكون غرضه الذي يريده صحيحا وسلوكه ~~إليه خطأ، وبهذا يعرف المجنون: إذا رئي بإرادته قبل سلوكه إلى مراده، ~~والأحمق: لا يعرف بمراده بل بسلوكه. # ولهذا متى صحت إرادة المجنون صح فعله حتى تتعجب كثيرا من فلتات صوابه، ~~والأحمق لا يكاد يصيب في شيء من مسالكه. # وأما البله: فقلة التنبه على الأمور، ويضاده الكيس، وفد تقدم أن البله ~~والكيس قد يقالان تارة باعتبار الأمور الدنيوية، وتارة يكونان بالأمور ~~الأخروية. # فمن كان في # PageV01P166 # إحداهما كيسا كان في الأخرى أبلها، وقد قال الصديق - رضي الله عنه -: " ~~أكيس الكيس التقي، وأحمق الحمق الفجور ". # وأما الرقيع.: فالذي يلصق بقلبه كل محال كأنه رقع بذلك. # والأرعن: الذي يأتي بما يخرج عن الصواب، تشبها برعن الجبل وهو الحيد منه. # والأحمق: هو الناقص العقل من قولهم: انحمقت السوق، أي: نقصت. # والغمارة: قلة التجربة في الأمور العملية، مع تخيل سليم، وقد يكون ~~الإنسان غمرا في شيء غير غمر في شيء آخر. # والخرق: يقال في الجاهل بالعلوم العملية، وذلك هو أن يفعل أكثر مما يجب، # أو أقل، أو على غير النظام المحمود، وفساد كل عمل لا يعدو هذه الوجوه ~~الثلاثة، ويضاده الحذق. # والغي: اتباع الهوى وترك ما يقتضيه العقل. # والضلال: أن يقصد لاعتقاد الحق، أو فعل الجميل، أو قول الصدق، فظن # بتقصيره وسوء تصوره فيما كان باطلا أنه حق، فيعتقده، أو فيما كان كذبا ~~أنه صدق فيقوله، أو فيما هو قبيح أنه جميل ففعله. # والجهل: عام في كل ذلك. # والخب: استعمال الدهاء في الأمور الدنيوية، صغيرها وكبيرها. # والجربزة: مثله لكن تقال فيما تقتضي الأمور الدينية. # والدهاء: مثله ms080 لكن يقال في الأمور العظام إذا أدرك غاياتها؛ ولهذا قالوا: ~~الدهاة في الإسلام أربعة فذكروا المتوجهين في الاحتيالات (في الأمور ~~الدنيوية) الذين بلغوا بها أمورا كبارا. # ومن الجهل: الكفر؛ وهو عناد الإنسان للحق على سبيل التكذيب له لا بيقين، ~~وأصله: ستر ما جعله الله تعالى للإنسان بفطرته وصبغته من المعارف بما ~~يستعمله # PageV01P167 # ويتحراه من عناده الحق، ومن ترك النظر، والإخلال بتزكية النفس المعني ~~بقوله تعالى: (قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10) . ### | كون العلوم مركوزة في نفوس الناس # نفس الإنسان معدن الحكمة والعلوم، وهي مركوزة فيها بالفطرة، مجعولة لها # بالقوة، كالنار في الحجر، والنخلة في النواة، والذهب في الحجارة، وكالماء ~~تحت الأرض، لكن كما أن من الماء ما يجري من غير فعل بشري، ومنه ما يعاين ~~تحت الأرض، لكن لا يتوصل إليه إلا بدلو ورشاء، ومنه ما هو كامن يحتاج في ~~استنباطه إلى حفر وتعب شديد، فإن عني به أدرك وإلا بقي غير منتفع به، كذا ~~العلم في نفوس البشر، منه ما يوجد من غير تعلم بشري وذلك حال الأنبياء، ~~فإنه تفيض عليهم المعارف من جهة الملأ الأعلى، ومنه ما يوجد بأدنى تعلم، ~~ومنه ما يصعب وجوده كحال أكثر عوام الناس. # ولكون العلوم مركوزة في النفوس قال تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من ~~قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173) . # فنبه أنهم أقروا أن الله هو الذي يربيهم ويغذيهم ويرزقهم ويكملهم من ~~الطفولية. فهذا إقرار نفوسهم كلهم بما ركز في عقولهم. # فأما الإقرار باللسان فلم يحصل من كلهم، وكذا المعني بقوله تعالى: (ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله) # أي: لو اعتبرت أحوالهم لكانت نفوسهم وجوارحهم تنطق بذلك؛ وعلى هذا قوله ~~تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها) . # فبين أن الدين الحنيف وهو المستقيم قد فطر الناس ms081 عليه، أي: خلقهم عالمين ~~به، وأن المعاندين وإن قصدوا تبديله وإزالة الناس عنه لم يقدروا عليه، وعلى ~~ذلك قوله # تعالى: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) # وقال تعالى فيمن # PageV01P168 # قويت فيه الصبغة والفطرة: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان) # فسمي ذلك كتابا، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " كل مولود يولد على ~~الفطرة "، وأما الشهادة المأخوذة عليهم فالناس فيها ضربان: # ضرب: أجالوا خواطرهم فيها حتى أدركوا حقائقها فصاروا كمن حملوا الشهادة ~~فنسوها، ثم تذكروها، ولذلك قال تعالى في غير موضح: (لعلهم يتذكرون) ~~(وليتذكر أولو الألباب) . # وضرب: أهملوا أنفسهم ولم يشتغلوا بتذكر ما حملوا من الشهادة، كما قال # تعالى: (وإذا ذكروا لا يذكرون (13) # فهم في الجهالة يتسكعون، وعلى هذا حثنا الله تعالى على التذكر بقوله: ~~(واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به) # وقال: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) # أي: يسرنا القرآن ليكون سببا تتوصلون به إلى تذكر ما سبق من # عهدكم، والتذكر على أضرب: # الأول: أن يكون في اللسان عن صورة ما حصل في القلب. # والثاني: أن لمجون بالقلب كصورة حصلت عن شيء معهود إما بالبصر أو ~~بالبصيرة أو غيره من المشاعر. # والثالث: أن يكون عن صورة متضمنة بالفطرة في الإنسان، وهو المشار إليه ~~بهذه الآيات، ومن هذا الوجه قال الحكماء: التعلم ليس يجلب إلى الإنسان شيئا ~~من خارج في الحقيقة، وإنما يكشف الغطاء عما حصل في النفس فيبرزه بجلائه، ~~فمثله كمثل الحافر المستنبط الماء من تحت الأرض، وكالصيقل الذي يبرز الجلاء ~~في المرآة، وهذا ظاهر لمن نظر بعين عقله. ### | حصر أنواع المعلومات # أنواع العلم ثلاثة: # نوع يتعلق باللفظ، ونوع يتعلق باللفظ والمعنى، ونوع يتعلق بالمعنى دون ~~اللفظ. # فأما ما يتعلق باللفظ فهو ما يقصد به تحصيل الألفاظ بوسائط المعاني، وذلك ~~ضربان: # أحدهما: حكم ذوات الألفاظ، وهو علم اللغة. # PageV01P169 # والثاني: حكم لواحق الألفاظ وذلك شيئان: شيء يشترك فيه النظم والنثر وهو ~~علم الاشتقاق، وعلم النحو، وعلم التصريف، وشيء يختص به النظم وهو علم ~~العروض وعلم القوافي. # وأما النوع المتعلق ms082 باللفظ والمعنى فخمسة أضرب: علم البراهين، وعلم ~~الجدال، وعلم الخطابة، وعلم البلاغة، وعلم الشعر. # وأما النوع المتعلق بالمعنى فضربان: علمي، وعملي. فالعلمي: ما قصد به أن ~~يعلم فقط، وذلك معرفة الباري تعالى، ومعرفة النبوة، ومعرفة الملائكة، ~~ومعرفة يوم القيامة، ومعرفة العقل، ومعرفة النفس، ومعرفة مبادئ الأمور، ~~ومعرفة الأركان، ومعرفة الآثار العلوية من الفلك والنيرين والنجوم، ومعرفة ~~طبائع النبات ويقال له: علم الفلاحة، ومعرفة طبائع الحيوانات، ومعرفة طبائع ~~الإنسان ويقال: علم الطب. # وأما العملي: وهو ما يجب أن يعلم ثم يعمل به ويسمى تارة السنن والسياسات، ~~وتارة الشريعة، وتارة أحكام الشرع ومكارمه، وذلك حك العبادات، وحكم ~~المعاملات، وحكم المطاعم وحكم المناكح، وحكم المزاجر. ### | والطرق التي يستفاد منها العلوم أربعة أضرب # الأول: المستفاد من بديهة العقل ومصادمة الحس وذلك يحصل لكل من لم يكن ~~موقوف الآلة وإن اختلفت أحوالهم في ذلك. # الثاني: المستفاد من جهة النظر إما بمقدمات عقلية أو بمقدمات محسوسة. # الثالث: المستفاد بخبر الناس إما بسماع من أفواههم أو بالقراءة من كتبهم، # ولا يكون الخبر علما إلا إذا كانت المظنة عن الخبر به مرتفعة. # الرابع: ما كان عن الوحي إما بلسان ملك مرئي، كما قال تعالى: (نزل به ~~الروح الأمين (193) على قلبك) # PageV01P170 # وإما بسماع كلامه تعالى من غير مصادفة عين كحال موسى - صلى الله عليه ~~وسلم -، وإما بإلقاء في الروع في حال اليقظة، كما قال - صلى الله عليه وسلم ~~-: " إن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر "، وإما بالمنام وهو المعني بقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ~~"، وينطوي على ذلك قوله تعالى: # (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء) . ### | ما يعرف به فضيلة العلم # فضيلة العلم تعرف بشيئين: # أحدهما: بشرف ثمرته، والآخر: بوثاقة دلالته، وذلك كشرف علم الدين على علم ~~الطب فإن ثمرة علم الدين الوصول إلى الحياة # الأبدية، وثمرة علم الطب الوصول إلى الحياة الدنيوية المنقطعة، وعلم ~~الدين أصوله ms083 مأخوذة عن الوحي، وأصول الطب أكثرها مأخوذ من التجارب، ورب علم ~~يوفي على غيره بأخذ الوجهين، وذلك الغير يوفي عليه بالوجه الآخر كالطب مع ~~الحساب فللطب شرف الثمرة، إذ هو يفيد الصحة، وللحساب وثاقة الدلالة، إذ كان ~~العلم به ضروريا غير مفتقر إلى التجربة، وليس يجب أن يحكم بفساد علم لخطأ ~~وقع من أربابه كصنع # العامة إذا وجدوا من أخطأ في مسألة ما حكموا على صناعته بالفساد، وإذا ~~رأوا من أصاب في مسألة حكموا على صناعته بالصحة، وذلك عادتهم في الطب ~~والتنجيم، فيعتبرون الصناعة بالصانع خلاف ما قال أمير المؤمنين علي كرم ~~الله وجهه: " يا حار، ملبوس عليك الحق، إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق ~~تعرف أهله "، وليس يدرون أن الصناعة مبنية على شيء روحاني، والمتعاطي لها ~~يباشرها بجسم وطبع يضامها العجز، فهو خليق بوقوع الخطأ منه، ثم إن الإنسان ~~قد ينتحل ما لا يحسنه، ويتذرع بدعوى ما لم تجز آلته، ثم كثير ممن يتخصص ~~بصناعة يدعي لصناعته ما ليس في طبعها ككثير من المنجمين المدعين ما لا يوجد ~~في التنجيم، فإذا لا اعتبار بدعاوى الناس. # PageV01P171 ### | استحسان معرفة أنواع العلوم # حق الإنسان ألا يترك شيئا من العلوم أمكنه النظر فيه، واتسع العمر له إلا ~~ويخبر بشمه عرفه وبذوقه طيبه، ثم إن ساعده القدر على التغذي به والتزود منه ~~فبها ونعمت، وإلا لم يبصر - لجهله بمحله وغباوته عن منفعته - إلا معاديا له ~~بطبعه. # فمن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا # ومن جهل شيئا عاداه، فالناس أعداء ما جهلوا، بل قال الله تعالى: (وإذ لم ~~يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11) . # وقد حكي عن بعض فضلاء القضاة أنه رئي بعدما طعن في السن وهو يتعلم أشكال ~~الهندسة، فقيل له في ذلك. فقال: وجدته علما نافعا فكرهت أن أكون لجهلي به ~~معاديا له. # ولا ينبغي للعاقل أن يستهين بشيء من العلوم، بل يجب أن يجعل لكل واحد حظه ~~الذي يستحقه، ومنزلته التي يستوجبها، ويشكر من هداه لفهمه، وصار ms084 سببا ~~لعلمه، فقد حكي عن بعض الحكماء أنه قال: يجب أن نشكر آباءنا الذين ولدوا ~~لنا الشكوك؛ إذ كانوا أسبابا لما حرك خواطرنا للنظر في العلم، فضلا عن شكر ~~من أفادنا طرفا من العلم، ولولا مكان فكر من تقدمنا لأصبح المتأخرون حيارى ~~قاصرين عن معرفة مصالح دنياهم فضلا عن مصالح أخراهم. # فمن تأمل حكمة الله تعالى في أقل آلة يستعملها الناس كالمقراض حيث جمع ~~بين سكينين، مركبا على وجه يتوافى حداهما على نمط واحد للقرض أكثر تعظيم ~~الله وشكره، وقال: (سبحان الذي سخر لنا هذا) . ### | معاداة بعض الناس لبعض العلوم # العلم طريق إلى الله تعالى ذو منازل، وقد وكل الله تعالى بكل منزل فيها ~~حفظة كحفظة الرباطات والثغور في طريق الحج والغزو، فمن منازله معرفة اللغة ~~التي عليها بني الشرع، ثم حفظ كلام رب العزة، ثم سماع الحديث، ثم الفقه، ثم ~~علم الأخلاق والورع، ثم علم المعاملات، وما بين ذلك من الوسائط، من معرفة ~~أصول البراهين والأدلة، ولهذا قال الله تعالى: (هم درجات عند الله) # PageV01P172 # وقال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) # وكل واحد من هؤلاء الحفظة إذا عرف مقدار نفسه ومنزلته، ووفى حق ما هو ~~بصدده فهو في جهاد يستوجب من الله تعالى أن يحفظ مكانه ثوابا على قدر عمله. # لكن قل ما ينفك كل منزل منها من شرير في ذاته، وشره في مكسبه، وطالب ~~لرئاسته، وجاهل معجب بنفسه، يصير لأجل تنفيق سلعته صادفا عن المنزل الذي ~~فوق منزلته من العلم وعائبا له، فلهذا ترى كثيرا ممن حصل في منزل من منازل ~~العلم دون الغاية عائبا لما فوقه، وصارفا عنه من رامه، فإن قدر أن يصرف عنه ~~الناس بشبهة مزخرفة فعل، وإلا نفر الناس عنه بوجه آخر، فهو ممن قال الله ~~تعالى فيهم: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) . # ولا أرى من هذا صنيعة إلا من الذين وصفهم اللة تعالى بقوله: (الذين ~~يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة) . # وذكر الترمذي - رحمه الله - هذه ms085 المسألة، وقال: إذا كان من يقطع على ~~الناس طريق مكاسبهم الدنيوية يستحقون ما ذكره الله تعالى بقوله: (إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله) . # فما الظن بما يستحقه من العقوبة من يقطع الطريق على المسافرين إلى الله،. # وحكي عن عيسى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يا علماء السوء قعدتم على ~~باب الجنة فلم تدخلوها، ولم تدعوا غيركم يدخلها، (مثلكم كمثل الصخرة وقفت ~~في طريق الماء لا هي تشرب الماء ولا # هي تترك الماء يخلص إلى الزرع) ، وكشجرة الدفلى يروق من نظر إليه ويقتل ~~من أكله. ### | الحث على تناول البلغة من كل علم والاقتصار عليه # من كان قصده الوصول إلى جوار الله تعالى فليتوجه نحوه، كما قال تعالى: ~~(ففروا إلى الله) # وكما أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " سافروا تغنموا ". # فحقه أن يجعل أنواع العلوم كزاد موضوع في منازل السفر، فيتناول منه في كل ~~منزل قدر البلغة، ولا يعرج على تقصيه واستفراغ ما فيه، فتقصي الإنسان نوعا ~~واحدا من # PageV01P173 # العلوم على الاستقصار يستفرغ عمرا، بل أعمارا، ثم لا يدرك قعره ولا يسبر ~~غوره. # وقد نبهنا الباري سبحانه على أن نفعل دلك بقوله: (الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه) # وقال علي كرم الله وجهه: " العلم كثير فخذوا من كل شيء أحسنه " # وقال الشاعر: # قالوا خذ العين من كل فقلت لهم ... في العين فضل ولكن ناظر العين # فقد قيل: حل طبعك بالعيون والفقر فالشجرة لا يشينها قلة الحمل إذا كانت # ثمرتها نافعة، ويجب ألا يخوض الإنسان في فن حتى يتناول من الفن الذي قبله ~~على الترتيب بلغته، ويقضي منه حاجته، فازدحام العلم في السمع مضلة للفهم، ~~وعلى هذا قال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) # أي: لا يجاوزون فنا حتى يحكموه علما وعملا. # ويجب أن يقدم الأهم فالأهم من غير إخلال بالترتيب، فإن كثيرا من الناس ~~ثكلوا الوصول بتركهم الأصول. # وحقه أن يكون قصده من كل علم يتحراه التبلغ به إلى ما فوقه حتى يبلغ ~~النهاية، والنهاية من العلوم النظرية معرفة ms086 الله تعالى على الحقيقة ~~المصدوقة، والعلوم كلها خدم لها وهي حرة. # وقد روي أنه رئي صورة حكيمين من القدماء المتألقين في بعض مساجدهم، وفي ~~يد أحدهما رقعة فيها: إن أحسنت كل شيء فلا تظن أنك أحسنت شيئا حتى تعرف ~~الله تعالى، وتعلم أنه مسبب الأسباب وموجد الأشياء. # وفي يد الآخر: كنت قبل أن أعرف الله تعالى أشرب وأظمأ حتى إذا عرفته رويت ~~بلا شرب. # بل قد قال الله تعالى ما أشار به إلى ما هو أبلغ من حكمة كل حكيم: (قل ~~الله ثم ذرهم) # أي: اعرفه حق المعرفة، ولم يقصد بذلك أن يقول ذلك قولا # باللسان اللحمي، فذلك قليل الغناء ما لم يكن عن طوية خالصة ومعرفة ~~حقيقية، وعلى # PageV01P174 # ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من قال: لا إله إلا الله، مخلصا دخل ~~الجنة ". # ويجب أن لا يتعرى علمه عن مراعاة العمل فيه بنفع، ألا ترى أنه ما أخلي ~~ذكر الإيمان في عامة القرآن من ذكر العمل الصالح، نحو قوله تعالى: (الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات) # وإلى ذلك أشار قوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) # وقيل: كثرة العلم من غير العمل مادة الذنوب، # وقيل: العلم أس والعمل بناء، والأس بلا بناء باطل، وقال حكيم لرجل يستكثر ~~من العلما دون العمل: يا هذا إذا أفنيت عمرك في جمع السلاح فمن تقاتل به، ~~وقد قال الشاعر ما يصلح أن يكون إشارة إلى هذا المعنى: # فعلام إن لم أشف نفسا حرة ... يا صاحبي أجيد حمل سلاحي. ### | أحوال الناس في استفادة العلم وإفادته # كما أن الإنسان في مقتنياته أربعة أحوال: حال استفادة: فيكون مكتسبا، ~~وحال ادخار لما اكتسبه: فيكون به غنيا عن المسألة، وحال إنفاق على نفسه: ~~فيصير به منتفعا، وحال إفادة لغيره: فيصير به سخيا، كذا أيضا له في العلم ~~أربعة أحوال: # حال استفادة، وحال تحصيل، وحال استبصار، وحال تبصير وتعليم. # ومن أصاب مالا فانتفع به، ونفع مستحقيه كان كالشمس تضيء لغيرها وهي # مضيئة، وكالمسك الذي يطيب غيره وهو طيب، وهذا أشرف ms087 المنازل. ثم بعده من ~~استفاد علما فاستبصر به. # فأما من أفاد غيره علمه ولم ينتفع هو به فهو كالدفتر يفيد غيره الحكمة ~~وهو عادمها، وكالمسن يشحذ ولا يقطع، وكالمغزل يكسو ولا يكتسي، وكذبالة ~~المصباح تحرق نفسها وتضيء لغيرها، ومن استفاد علما ولم ينتفع به هو ولا ~~غيره فإنه: # كالنخل يشرع شوكا لا يذود به ... عن حمله كف جان وهو منتهب # PageV01P175 ### | ما يجب على المتعلم أن يتحراه # حق المترشح لتعلم الحقائق أن يراعي ثلاثة من الأمور: # الأول: أن يطهر نفسه من رديء الأخلاق تطهير الأرض للبذر من خبائث النبات، ~~وقد تقدم أن الطاهر لا يسكن إلا بيتا طاهرا، وأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه ~~كلب. # الثاني: أن يقلل من الأشغال الدنيوية ليتوفر زمانه على العلوم الحقيقية: # فما صاحب التطواف يعمر منهلا وربعا إذا لم يخل ربعا ومنهلا # وقد قال الله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) # والفكرة متى توزعت تكون كجدول تفرق ماؤه، فيتنشفه الجو وتشربه الأرض، فلا ~~يقع به نفع، وإن جمع بلغ المزدرع فانتفع به. # والثالث: ألا يتكبر على معلمه ولا على العلم، فالعلم حرب للمتعالي كالسيل ~~حرب للمكان العالي، ولهذا قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا ~~أعطيته كلك فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر، وكأنما إياه عني من قال: # خدم العلا فخدمنه وهي التي ... لا تخدم الأقوام ما لم تخدم # ومتى لم يكن المتعلم من معلمه كأرض دمثة نالت مطرا غزيرا فتلقته بالقبول ~~لم ينتفع به. فحقه أن يضرع له، كما قال تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) # أي: لمن له بنفسه علم يستغنى به، أو تذلل لاستماع # العلم واقتباسه ممن عنده العلم، وقال بعض العلماء في قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " اليد العليا خير من اليد السفلى " إشارة إلى فضل المعلم على ~~المتعلم، وفي تبين فضل المعلم حث للمتعلم على الانقياد له. # وكما أن من حق المريض أن يكل إلى الطبيب الناصح ms088 الذي وقف على دائه ليطلب ~~الطبيب دواءه وغذاءه، فإنه إن اشتهى لم يشته إلا ما فيه داؤه ولم يجتو إلا ~~ما فيه شفاؤه: # فمن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا # كذلك من حق التعلم إذا وجد ناصحا أن يأتمر له، ولا يتأمر، عليه ولا يراده ~~فيما # PageV01P176 # ليس بصدد تعلمه، وكفى على ذلك تنبيها ما حكى الله تعالى عن العبد الصالح ~~أنه قال لموسى - صلى الله عليه وسلم - حيث قال له: (هل أتبعك على أن تعلمن ~~مما علمت رشدا (66) # (قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70) # فنهاه عن مراجعته وليس ذلك نهيا عما حث الله تعالى عليه بقوله: (فاسألوا ~~أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (43) # وإنما هو نهي عن نوع من العلم الذي لم تبلغه منزلته بعد، والحث إنما هو ~~على سؤال عن تفاصيل ما خفي عليه من النوع الذي هو بصدد تعلمه، # وحق من هو بصدد تعلم علم من العلوم أن لا يصغي إلى الاختلافات المشككة ~~والشبه الملتبسة ما لم يتهذب في قوانين ما هو بصدده، لئلا تتولد له شبهة ~~تصرفه عن التوجه فيه فيؤدي ذلك به إلى الارتداد، ولذلك نهى الله تعالى من ~~لم يكن قد تقوى في الإسلام عن مخالفة الكفار فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا) # وقال تعالى: (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا) # ومن أجل ذلك كره للعامة أن يجالسوا أهل الأهواء والبدع " لئلا # يغووهم، فالعامي إذا خلا بذوي البدع كالشاة إذا خلا بها السبع، وقال بعض ~~الحكماء: # إنما حرم الله تعالى في الابتداء لحم الخنزير، لأنه أراد تعالى أن يقطع ~~العصمة بين العرب وبين الذين كانوا يشككونهم في دينهم باجتماعهم معهم من ~~اليهود والنصارى، فحرم على المسلمين ذلك، إذ هو معظم مأكولاتهم، وعظم الأمر ~~في تناوله ومسه لينتهي المسلمون عن الاجتماع معهم في المؤاكلة والأنس، وقال ~~- صلى الله عليه وسلم - في المؤمن والكافر: " لا # تتراءى ms089 ناراهما " لذلك فأما الحكيم فإنه لا بأس بمجالسته إياهم فإنه جار ~~مجرى سلطان ذي عدة وأجناد وعتاد لا يخاف عليه العدو حيث ما توجه، ولهذا جوز ~~له الاستماع إلى الشبهة، بل أوجب عليه أن يتتبع بقدر جهده كلامهم ويسمع ~~شبههم ليجاهدهم ويدافعهم، والعالم أفضل المجاهدين (الذابين عن الدين) ، ~~فالجهاد جهادان جهاد بالبنان وجهاد بالبيان، ولما تقدم سمي الله تعالى ~~الحجة سلطانا في غير موضع من كتابه # كقوله تعالى حكاية عن موسى - صلى الله عليه وسلم -: (إني آتيكم بسلطان ~~مبين (19) . # PageV01P177 ### | ما يجب أن يتحراه المعلم مع المتعلمين منه # حق المعلم أن يجري متعلميه مجرى بنيه فإنه في الحقيقة لهم أشرف من ~~الأبوين، # كما قال الإسكندر وقد سئل: أمعلمك أكرم عليك أم أبوك، فقال: بل معلمي؛ ~~لأنه سبب حياتي الباقية ووالدي سبب حياتي الفانية، وقد نبه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - على ذلك بقوله: " أنا لكم مثل الوالد " فحق معلم الفضيلة ~~أن يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ هو في # إرشاد الناس خليفته فيشفق عليهم إشفاقه ويتحنن عليهم تحننه، كما قال ~~تعالى في وصفه - صلى الله عليه وسلم -: (حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ~~(128) # وأي عالم لم يكن له من يفيده العلم صار كعاقر لا نسل له فيموت ذكره ~~بموته، ومتى استفيد علمه كان في الدنيا موجودا، وإن فقد شخصه كما قال أمير ~~المؤمنين علي كرم الله وجهه: " العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم ~~مفقودة، وآثارهم فى القلوب موجودة "، وقال بعض الحكماء في قوله تعالى: (فهب ~~لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب) # أنه سأله نسلا يورثه علمه لا من يورثه ماله فأعراض # الدنيا أهون عند الأنبياء من أن يشفقوا عليها، وكذا قوله تعالى: (وإني ~~خفت الموالي من ورائي) أي: خفت أن لا يراعوا العلم، وعلى هذا قال عليه ~~الصلاة والسلام: " العلماء ورثة الأنبياء "، وكما أن من حق أولاد الأب ~~الواحد أن يتحابوا ويتعاضدوا ولا يتباغضوا، كذلك من حق بني العلم الواحد، ~~بل الدين الواحد أن يكونوا كذلك، فأخوة الفضيلة ms090 فوق أخوة الولادة، ولذلك ~~قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) # وقال تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) # وحق العالم أن يصرف من يريد إرشاده عن الرذيلة إلى الفضيلة بلطف # في المقال وتعريض في الخطاب، فالتعريض أبلغ من التصريح لوجوه: # أحدها: أن النفس الفاضلة لميلها إلى استنباط المعنى يميل إلى التعريض ~~شغفا # PageV01P178 # باستخراج معناه بالفكر، ولذلك قيل: رب تعريض أبلغ من تصريح. # الثاني: أن التعريض لا تنتهك به سجوف الهيبة ولا يرتفع به ستر الحشمة. # والثالث: أنه ليس للتصريح إلا وجه واحد، وللتعريض وجوه، فمن هذا الوجه ~~يكون أبلغ، ومن هذا الوجه حذف أجوبة كثير من الشروط المقتضية للثواب ~~والعقاب # نحو قول الله تعالى: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام ~~عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) . # والرابع: أن للتعريض عبارات مختلفة فيمكن إيراده على وجوه مختلفة، ولا ~~يمكن إيراد التصريح إلا على وجه واحد، إذ ليس له إلا عبارة واحدة. # والخامس: أن صريح النهي داع إلى الإغراء، ولذلك قال من قال: فإن اللوم ~~إغراء، وقال الشاعر: # دع اللوم إن اللوم يغري وإنما ... أراد صلاحا من يلوم فأفسدا # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لو نهي الناس عن فت البعر لفتوه ~~وقالوا: ما نهينا عنه إلا وفيه شيء " وكفى ذلك لشهادة ما كان من أمر آدم - ~~صلى الله عليه وسلم - وحواء في نهي الله تعالى إياهما # عن أكل الشجرة. # ومن حق المعلم مع من يفيده العلم أن يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيما علمه الله تعالى حيث قال: (قل لا أسألكم عليه أجرا) # فلا يطمع في فائدة من جهة من يفيد علما ثوابا لما يوليه، وليعلم أن من ~~باع علما بعرض دنيوي فقد صادم الله تعالى في حكمه، وذلك أن الله تعالى جعل ~~المال خادما للمطاعم والملابس جعلها خادمة للبدن، وجعل البدن خادما للنفس، ~~وجعل النفس خادما للعلم، فالعلم مخدوم غير خادم، # والمال خادم غير مخدوم. فمن جعل العلم ذريعة إلى اكتساب المال فقد جعل ما ~~هو مخدوم غير ms091 خادم خادما لما هو خادم غير مخدوم. # PageV01P179 ### | وجوب منع الجهلة عن حقائق العلوم والاقتصار بهم على قدر أفهامهم # واجب على الحكيم والعالم النحرير أن يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيما قال: " يا معشر الأنبياء، أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، ونكلم الناس ~~على قدر عقولهم "، # وأن يتصور ما قال أمير المؤمنين طي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - حيث ~~قال لكميل بن زياد، وأومأ بيده إلى صدره فقال: " إن هاهنا علوما جمة لو ~~وجدت لها حملة بلى أصيبت لقنا غير مأمون عليه يستعمل آلة الدين للدنيا، ~~فستظهر بنعمة الله تعالى على عباده، وبحجته على كتابه، أو منفادا لأهل الحق ~~لا بصيرة له يقتدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة "، # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " كلموا الناس بما يعرفون ~~ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله "، وقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: " ما أحد يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان ذلك فتنة على ~~بعضهم "، وقال عيسى ابن مريم - صلى الله عليه وسلم -: " لا تضعوا الحكمة في ~~غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، وكن كالطبيب الحاذق يضع ~~دواءه حيث يعلم أنه ينفع، وقد قيل تصفح طلاب حكمك كما تتصفح خطاب حرمك، # وبهذا ألم أبو تمام فقال: # وما أنا بالغيران من دون جيرتي ... إذا أنا لم أصبح غيورا على العلم # وقيل لبعض الحكماء: ما بالك لا تطلع أحدا على حكمة يطلبها منك، فقال: ~~اقتداء بالباري - جل وعلا - حيث قال: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) # PageV01P180 # فبين أنه إنما منعهم لما لم يكن فيهم خير، وبين أن في إسماعهم ذلك مفسدة ~~لهم وسأل جاهل حكيما عن مسألة من الحقائق فأعرض عنه # ولم يجبه، فقال له: أما سمعت قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من سئل ~~عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة " فقال: بلى سمعته، أترك ~~اللجام هاهنا وأذهب فإذا جاء من ينفعه ذلك وكتمته فليلجمني به، وقال ms092 بعض ~~الحكماء في قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم ~~قياما) أنه نبه به على هذا المعنى وذلك أنه # لما منعنا من تمكين السفيه من المال الذي هو عرض حاضر يأكل منه البر ~~والفاجر تفاديا أنه ربما يؤديه إلى هلاك دنيوي فلأن يمنع من تمكينه من ~~حقائق العلوم التي إذا عرفها السفيه أدته إلى ضلال وإضلال، وهلاك وإهلاك - ~~أحق وأولى فإنه: # إذا ما اقتنى العلم ذو شرة ... تضاعف ما ذم من مخبره # وصادف من علمه قوة ... يصول بها الشر في جوهره # وكما أنه واجب على الحكام إذا وجدوا من السفهاء رشدا أن يرفعوا عنهم ~~الحجر ويدفعوا إليهم أموالهم، لقوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم) # فواجب على الحكماء إذا وجدوا من المسترشدين قبولا أن يبذلوا العلوم لهم # بقدر استحقاقهم، فالعلم قنية يتوصل بها إلى الحياة الأبدية، كما أن المال ~~قنية يتوصل بها في المعونة على الحياة الدنيوية، وباذل العلم لمن لا يستحقه ~~يستوجب عقوبة، ومانعه عن أهله يستوجب عقوبات، ولذلك قال الله تعالى: (وإذ ~~أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) # وقال تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا ~~قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار) . # وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون من تقيد من العامة بقيد الشرع بحسب حاله # لا يصرف عما هو بصدده فيؤدي ذلك إلى انحلاله عن قيده، ثم لا يمكن أن يقيد ~~بقيد الخواص فيرتفع السد الذي بينه وبين الشرور. # PageV01P181 # ومن كان اشتغاله بعمارة الأرض من بين تجارة أو مهنة فحقه أن يقتصر به من ~~العلم على مقدار ما يحتاج إليه من هو في مرتبته في عبادة الله العامية، وأن ~~تملأ نفسه من الرغبة والرهبة الوارد بهما القرآن ولا تولد له الشبه ~~والشكوك. # فإن اتفق لبعضهم اضطراب نفس إما: بانبعاث شبهة تولدت له، أو ولدها له ذو ~~بدعة دفع إليه فتاقت نفسه إلى معرفة حقيقتها، فحقه أن يختبر أولا، فإن وجد ~~ذا ms093 طبع للعلم موافق وفهم ثاقب وتصور صائب خلي بينه وبين التعلم، وسوعد عليه ~~بما يوجد من السبيل إليه، وإن وجد شريرا في طبعه أو ناقصا في فهمه منع أشد ~~المنع، ففي اشتغاله بما لا سبيل له إلى إدراكه مفسدتان: ### | 1 - # تعطله عما يعود بنفع منه إلى العباد والبلاد. ### | 2 - # واشتغاله بما يثير منه شبهة، وليس فيه له منفعة، وقد كان بعض الأمم ~~المتقدمة إذا ترشح أحد منهم ليتخصص بمعرفة الحكم وحقائق العلوم والخروج من ~~جملة العامة إلى الخاصة اختبر، فإن لم يوجد خيرا في خلقه أو وجد غير متهيأ ~~للتعلم منعه أشد المنع، وإن وجد خيرا ومتهيأ للتعلم شورط على أن يقيد بقيد ~~في دار الحكمة. # ويمنع أن يخرج حتى يحصل له العلم أو يأتي عليه الموت، ويزعمون أن من شرع ~~في حقائق العلوم، ثم لم يبرع فيها تولدت له الشبهة وكثرت فيصير ضالا مضلا ~~فيعظم على الناس ضرره وبهذا النظر قيل: نعوذ بالله من نصف متكلم. ### | وجوب ضبط المتصدين للعلم ومضرة إهمال ذلك # لا شيء أوجب على السلطان من مراعاة المتصدين للرياسة بالعلم، فمن الإخلال ~~بها ينتشر الشر ويكثر الأشرار، ويقع بين الناس التباغض والتنافر، وذلك أن ~~السواس أربعة: # الأنبياء: وحكمهم على الخاصة والعامة ظاهرهم وباطنهم. # والولاة: وحكمهم على ظاهر الخاصة والعامة دون باطنهم. # والحكماء: وحكمهم على بواطن الخاصة. # والوعاظ: وحكمهم على بواطن العامة. # وصلاح العالم بمراعاة أمر هذه السياسات لتخدم العامة الخاصة، وتسوس ~~الخاصة العامة، وفساده في عكس ذلك، ولما تركت مراعاة المتصدي للحكمة ~~والوعظ، # PageV01P182 # وترشح قوم للزعامة في العلم من غير استحقاق منهم لها فأحدثوا بجهلهم بدعا ~~استغروا بها العامة، واستجلبوا بها منفعة ورياسة، ووجدوا من العامة مساعدة ~~لمشاكلتهم لهم، وقرب جوهرهم منهم، فكل قرين إلى شكله كأنس الخنافس بالعقرب، ~~وفتحوا بذلك طرقا منسدة، ورفعوا بها ستورا مسبلة، وطلبوا منزلة الخاصة ~~فوصلوا إليها بالوقاحة وبما فيهم من الشرة، فبدعوا العلماء وكفروهم اغتصابا ~~لسلطانهم ومنزاعة في مكانهم، فأغروا بهم أتباعهم حتى وطؤوهم بأخفافهم ~~وأظلافهم فتولد من ذلك البوار ms094 والجور العام. ### | ذكر من يصلح لوعظ العامة # لا يصلح الحكيم لوعظ العامة لا لنقص في الحكيم، بل لنقص في العامي فلن ~~ترى الشمس أبصار الخفافيش، وأيضا فبين الحكيم والعامي من تنافي طبعيهما ~~وتنافر شكليهما من النفار قريب مما بين الماء والنار والليل والنهار، وقد ~~قيل لسلمة بن كهيل # ما لعلي - رضي الله عنه - رفضته العامة وله في كل خير ضرس قاطع، فقال: ~~لأن ضوء عيونهم قصر عن نوره، والناس إلى أشكالهم أميل، وبهذا النظر لما قال ~~جاهل لحكيم: إني أحبك، فقال له: نعيت إلي نفسي، فقيل له: ولم ذلك، فقال: ~~لأنه إن صدق فليس ميله إلي إلا لنقيصة بدت من نفسي لنفسه فأنست بها، وعلى ~~هذا قول الشاعر: # لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير عاقل # فحق الواعظ أن تكون له مناسبة إلى الحكماء ليقدر على الاقتباس عنهم ~~والاستفادة منهم، ومناسبة إلى الدهماء حتى يقدروا بها على الأخذ منه ~~كالوزير للسلطان الذي يجب أن يكون فيه أخلاق الملوك، وتواضع السوقة ليصلح ~~أن يكون واسطة بينه وبينهم، وكالنبي الذي جعله الله من البشر وأعطاه قوة ~~الملك ليمكنه أن يأخذ عن الملك ويمكن البشر أن يأخذوا عنه، وإلى هذا أشار ~~تعالى بقوله: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) # تنبيها أنه ليس في وسعهم التلقي عن الملك ما لم يتجسم فيصير في # صورة رجل. فإذن حق الواعظ أن تكون له نسبة إلى الحكيم ونسبة إلى العامة ~~يأخذ منه ويعطيهم، كنسبة الغضاريف إلى اللحم والعظم جميعا، ولولاها لما ~~أمكن العظم أن يكتسب الغذاء من اللحم، وهذا مما إذا تؤمل اطلع منه على حكمة ~~عجيبة وصنعة غريبة. # PageV01P183 ### | الحال التي يجب أن يكون الواعظ عليها # حق الواعظ أن يتعظ ثم يعظ، ويبصر ثم يبصر، ويهتدي ثم يهدي، ولا يكون ~~كدفتر يفيد ولا يستفيد، وكمسن يشحذ ولا يقطع، بل يكون كالشمس التي تفيد ~~القمر الضوء ولها أفضل مما تفيده، وكالنار التي تحمي الحديد ولها من الحمى ~~أكثر مما تفيد، ويجب أن لا يجرح مقاله بفعاله، ms095 ولا يكذب لسانه بحاله، فيكون ~~ممن وصفهم الله تعالى بقوله: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ~~ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ~~ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) # ونحو ما قال علي كرم الله وجهه: " قصم ظهري رجلان: جاهل متنسك وعالم ~~متهتك، فالجاهل يغر الناس بتنسكه، والعالم ينفرهم بتهتكه "، والواعظ ما لم ~~يكن مع مقاله فعاله لا ينتفع به وذلك أن عمله يدرك # بالبصر، وعلمه مدرك بالبصيرة، وأكثر الناس أصحاب الأبصار دون البصائر، ~~فيجب أن تكون عنايته بإظهار عمله الذي يدركه جماعتهم أكثر من عنايته بالعلم ~~الذي لا يدركه إلا البصير منهم. # ومنزلة الواعظ من الموعوظ كمنزلة المداوي من المداوى، فكما أن الطيب إذا ~~قال للناس: لا تأكلوا هذا فإنه سم قاتل، ثم رأوه آكلا له عد سخرية وهزأ، ~~كذلك الواعظ إذا أمر بما لا يعمله، وبهذا النظر قيل: يا طبيب طب نفسك، بل ~~قد قال تعالى: (لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما ~~لا تفعلون (3) # إلى غير ذلك من الآيات، وأيضا فالواعظ من الموعوظ يجري مجرى الطابع من ~~المطبوع فكما أنه محال أن ينطبع الطين بما ليس منتقشا في الطابع كذلك محال ~~أن يحصل في نفس الموعوظ ما ليس بموجود في نفس الواعظ. # فإذا لم يكن الواعظ إلا ذا قول مجرد من الفعل لم يتلق عنه الموعوظ إلا ~~القول دون الفعل، وأيضا فإن الواعظ يجري من الناس مجرى الظل من ذي الظل، ~~فكما أنه محال أن يعوج ذو الظل والظل مستقيم، كذلك من المحال أن يعوج ~~الواعظ والموعوظ مستقيم، وأيضا فكل شيء له حالة يختص بها فإنه يجري غيره ~~بإرادة منه أو غير إرادة، كالماء الذي يحيل ما يتلقاه من العناصر إلى # PageV01P184 # نفسه بقدر وسعه إلي نفسه، وكذلك النار والأرض والهواء فالواعظ إذا كان ~~غاويا جر بغيه غيره إلى نفسه، ولهذا حكى الله تعالى عن الكفار قوله: (قال ~~الذين حق عليهم ms096 القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا) # وقال أيضا: (فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) . # فمن ترشح للوعظ ثم فعل فعلا قبيحا اقتدى به غيره فقد جمع بين # وزره ووزرهم، كما قال تعالى: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم) # وقال تعالى: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من ~~عمل بها يوم القيامة "، بل قد قال الله تعالى: (وهم يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم ألا ساء ما يزرون (31) . ### | صعوبة المعيار الذي تدرك به حقائق العلوم # كما أن للدراهم والدنانير ميزانا قد عرف أهلها صحته فلكل علم ميزان نحو: ~~الحساب للمعدودات، والهندسة للممسوحات، والعروض للشعر، والنحو للألفاظ ~~العربية، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا ~~معهم الكتاب والميزان) # وأوصى الذين أعطاهم الموازين فقال: (وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم) # وقال تعالى: (أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ~~ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) # فكل شاك أو منازع غيره في مقدار فحقه أن يعتمد ميزانه إن عرفه ويقلد ~~أربابه إن لم يعرفه، فإن من ترك ذلك وأخذ يخرص ويحزر ويظن ويخمن لم يزل شكه ~~ولم يسقط خلافه، فالخرص قلما يصدق والظن قلما يوافق ويحقق، ولذلك عبر ~~بالخرص عن الكذب، فقال تعالى: (إن هم إلا يخرصون) # وقال تعالى: (قتل الخراصون (10) # وقال تعالى في ذم الظن: (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا (28) # ومعلوم أن ميزان الدين الذي صوابه يوصل إلى الثواب العظيم # وخطؤه يفضي إلى العذاب الأليم أصعب الموازين وأشرفها وأولاها بالمعرفة، ~~وكثير في زماننا ممن تحلى بعلم الكلام وترشح فيه للجدال والخصام ورام ~~الزعامة فيه قبل أوانها، # PageV01P185 # وطلب تحقيق موزوناته بغير ميزانها، أخذ كل واحد منهم يخرص خرصا ويظن ظنا ~~ويسلك بظنه طريقا غير نهج، فإذا وقع بينهم خلاف جعل كل واحد منهم ميزانه ~~خرصه، واتبع فيما اعتقده ظنه، فإذا تحاكموا إلى ما اتخذوه ميزانا صار ~~خلافهم في الميزان ms097 أكثر من خلافهم في الموزون فهم في ذلك كمن غص بطعام ~~فاستغاث بماء فشرق به. # لا جرم أن كثيرا من مناظراتهم لا تولد إلا شبهة ولا تثمر إلا حيرة، ولا ~~يقوم عنها اثنان بثاطة مدت بماء: (ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد ~~يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) . ### | كراهية الجدال للعوام وذمه على كل حال # إباحة تعاطي الجدال للعامة الذين لم يتدربوا في تحصيل القوانين، ولم ~~يتهذبوا في # سبيل البراهين يجري مجرى حل قيد الشياطين ورفع سد يأجوج ومأجوج فإنه يثير ~~سلطان قوتهم السبعية منخلعة من يد قائد العقل وقيد الشرع، فالجدال مكروه ~~للعلماء الألباء فكيف للجهال الأغبياء؟! ألا ترى أنه تعالى قال لنبيه - صلى ~~الله عليه وسلم -: (وجادلهم بالتي هي أحسن) # فلم يطلق له جدال مخالفيه حتى قيده بالأحسن هنا مع وصفه - صلى الله عليه ~~وسلم - بقوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم (4) # وقال تعالى في ذم الجدال: (ما ضربوه لك إلا جدلا) # وقال: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) # وقال: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم. # وللجدال مع كونه مكروها شرائط وقوانين فمن تعطاه ولم يكن متدربا فيها كان # PageV01P186 # خصيما جدلا، والخصومة عديمة الفائدة قليلة العائدة فإن الجدال مع ما فيه ~~قد يوقظ الفهم ويثير الأنفة لاقتباس العلم، والخصومة لا تثمر إلا العداوة ~~وإنكار الحق؛ فلهذا جعلها الله تعالى شرا من الجدال فقال تعالى: (بل هم قوم ~~خصمون (58) # وقال: (فإذا هو خصيم مبين (77) # أي: جيد الخصومة مبين، ولم يذكر الخصام في موضع إلا عابه، وأيضا ~~فالمتجادلان يجريان مجرى فحلين تعاديا، وكبشين تناطحا، ورئيسين تحاربا، وكل ~~واحد منهما يجتهد أن يكون هو الفاعل (وصاحبه هو المنفعل، وأن يكون هو ~~الطابع) وصاحبه المنطبع، والقائل كالمؤثر، والسامع # كالمتأثر، (ومتى لم يخضع المتأثر لقبول أثر المؤثر) لم يتولد منهما خير ~~بوجه، وقال حكيم: المجادل المدافع يجعل في نفسه عند الخوض في الجدال أن لا ~~يقنع بشيء، ms098 ومن لا يقنعه إلا أن لا يقنع فما إلى إقناعه سبيل، ولو اتفق ~~عليه الحكماء بكل بينة، بل لو اجتمع عليه الأنبياء بكل معجزة، كما قال ~~تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء ~~قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله. ### | ما يجب أن يعامل به الجدل المماحك # إذا ابتليت بمجادل مهاوش ومساجل مناوش قصده اللجاج لا الحجاج ومراده ~~مباهاة العلماء ومماراة السفهاء، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء "، # وقد قال الشاعر في مثله: # تراه معدا للخلاف كأنه ... يرد على أهل الصواب موكل # فحقك أن تفر منه فرارك من الأسود والأساود فإن لم تجد من مزاولته بدا ~~فقابل # PageV01P187 # إنكاره الحق بإنكارك الباطل، ودفاعه الصدق بدفاعك الكذب معتبرا في ذلك ~~قول الله تعالى: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف ~~كان عاقبة مكرهم) # وقوله تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) # وقوله حكاية عن المنافقين: (قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون (14) الله ~~يستهزئ بهم) # وقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) # وتتبلغ معه بذلك، وإياك وأن تعرج معه إلى بث الحكمة وأن تذكر له شيئا من ~~الحقائق ما لم تتحقق أن له قلبا طاهرا لا تعافه الحكمة فقد قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب " # وإن لكل تربة غرسا ولكل بناء أسا وما كل رأس تستحق التيجان، ولا كل طبيعة ~~تستحق إفادة البيان. # وإن كان لا بد فاقتصر معه على إقناع يبلغه فهمه، فقد قيل: كما أن لب ~~الثمار معد للأنام فالتبن مباح للأنعام، كذلك لب الحكمة معد لذوي الألباب ~~وقشورها مبذولة للأنعام، وكما أنه من المحال أن يشم الأخشم ريحانا فمحال أن ~~يفيد الحمار بيانا، واعلم أن سبيل إنكار الحجة والسعي في إفسادها أسهل من ~~سبيل المعارضة بمثلها والمقابلة لها، ولهذا يتحرى الجدل الخصيم أبدا ~~بالدفاع لا المعارضة بمثلها، وذلك أن الإفساد هدم وهو سهل والإتيان بمثله ~~بناء وهو ms099 صعب، فإن الإنسان كما يمكنه قتل النفس الزكية وذبح الحيوانات ~~وإحراق النبات، ولا يقدر على إيجاد شيء منها يمكنه إفساد حجة قوية بضرب من ~~الشبه المزخرفة ولا يمكنه الإتيان بمثلها، ولأجل ما قلنا دعا الله - عز وجل ~~- الناس في الحجج إلى الإتيان بمثلها لا إلى السعي في إفسادها، فقال تعالى: ~~(فأتوا بسورة من مثله) # وقال: (قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) # فرضي أن يأتوا بما فيه مشابهة له وإن كان ذلك مفترى، وقال إبراهيم - صلى ~~الله عليه وسلم -: (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) . ~~والله الموفق. ### | الوجوه التي من أجلها تقع الشبه ويتولد الخلاف # السبب الموقع للشبه والمولد للخلاف على القول المجمل سببان: المعنى ~~واللفظ. # فأما ما كان من جهة المعنى: فإما أن يكون من جهة الناظر أو من جهة ~~المنظور فيه وهو الحجة، أو من جهة الآلة التي تستعمل في النظر فإن الناظر ~~في الشيء المعتبر له جار # PageV01P188 # مجرى وزان وحججه كالميزان والمنظور فيه كالموزون، فمتى كان الناظر غير ~~تام العقل كان أعمى البصيرة فيجري مجرى وزان أعمى البصر فلا سبيل له إلى ~~الوزن، ومتى لم يكن أعمى البصيرة لكنه غير عارف بقوانين البراهين والحجج ~~والأدلة كان جاريا مجرى وزان عدم الميزان فأخذ يخمن، والمخمن قلما ينفك من ~~غلط، بل ما وقع منه من الصواب فغير معتد به، إذ لا أصل له تسكن إليه النفس، ~~ومتى لم يكن أعمى البصيرة # ولكنه لا يعرف أي حجة يستعمل فيما هو بصدده فيطلب المعقول من جهة ~~المحسوس، والمحسوس من جهة المعقول كان جاريا مجرى وزان بصير لكنه يزن ~~الدنانير بصنج الدراهم والدراهم بصنج الدنانير. # وأما ما كان من جهة اللفظ فإما أن يكون واقعا من جهة مفردات اللفظ، أو من ~~جهة مركباته، فإن كان من مفردات اللفظ فإما أن يكون من حيث إن اللفظ مشترك ~~بين معنيين كالعين واليد ونحوهما، أو يكون اللفظ عاما موضوعا موضع خاص أو ~~خاصا موضوعا موضع عام، أو يكون اللفظ مستعملا على سبيل ms100 المثل والإشارة ~~والرمز أو يكون اللفظ مستعملا لشيء لم تتقرر صورة ذلك الشيء في نفس السامع ~~فيخيل إليه وهم فاسد كاعتقاد كثير من الناس اعتقادات فاسدة في الملائكة ~~والجن والشياطين والجنة والنار والميزان والصراط والكرسي. # وأما ما كان من جهة التركيب فإما أن يكون من جهة الكمية، وذلك بأن يكون ~~اللفظ أكثر مما يجب أو أقل مما يجب أن يكون، وإما من جهة الكيفية وذلك أن ~~يقدم ما حقه أن يؤخر، أو يؤخر ما حقه أن يقدم كقول الشاعر (الفرزدق: # وما مثله في النفس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # ومن أجل ما وقع في الألفاظ من الشبه قال الحكماء: يجب أن يكون نظر ~~الإنسان في المعنى إلى اللفظ أكثر من نظره من اللفظ إلى المعنى فإن اللفظ ~~في الحقيقة لا يدل على المعنى إلا بواسطة صورة ذلك المعنى في القلب، ومتى ~~لم تثبت صورة المعنى في القلب لم يفهم من اللفظ المعنى ألبتة. # PageV01P189 ### | بيان جميع اختلافات الناس في الأديان والمذاهب # جميع الاختلافات بين أهل الأديان والمذاهب على أربع مراتب: # الأولى: الاختلاف بين أهل الأديان النبوية وبين الخارجين عنها من الثنوية ~~والدهرية وذلك في حدوث العالم، وفي الصانع وفي التوحيد. # والثانية: الاختلاف بين أهل الأديان النبوية بعضهم مع بعض وذلك في ~~الأنبياء كاختلاف المسلمين والنصارى واليهود. # والثالثة: الخلاف المختص في أهل الدين الواحد بعضهم مع بعض في الأصول ~~التي يقع فيها التبديع والتفجير كالاختلاف في كثير من صفات الله تعالى وفي ~~القدر وكاختلاف المجسمة. # الرابعة: الاختلاف المختص بأهل المقالات في فروع المسائل كاختلاف ~~الشافعية والحنفية. # فالاختلاف الأول: يجري مجرى متنافيين في مسلكيهما كآخذ طريق المشرق، # وآخذ طريق المغرب، وكآخذ ناحية الشمال، وآخذ ناحية الجنوب. # والثاني: يجري مجرى آخذ نحو المشرق، وآخذ يمينه أو شماله، فهو وإن كان # أقرب من الأول فليس يخرج أحدهما عن أن يكون ضالا ضلالا بعيدا، وإياهما ~~قصد بقوله تعالى: (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) . # والثالث: جار مجرى آخذين وجهة واحدة، ولكن أحدهما سالك للمنهج، ms101 # والآخر تارك للمنهج، وهذا التارك للمنهج ربما يبلغ وإن كان يطول عليه ~~الطريق. # PageV01P190 # والرابع: جار مجرى جماعة سلكوا منهجا واحدا لكن أخذ كل واحد شعبة غير ~~شعبة الآخر، وهذا هو الاختلاف المحمود بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~الاختلاف في هذه الأمة رحمة " ونحوه # نظر من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب، ولأجل الفرق الثلاث أمرنا أن ~~نستعيذ بالله تعالى ونتضرع إليه بقوله: (اهدنا الصراط المستقيم (6) # وقال: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله) # وجميع الخلاف الواقع في هذه الأمة اثنان وسبعون على ما ورد في الخبر لا ~~زائدا ولا ناقصا، وقد روي الخبر في ذلك على وجهين: # أحدهما: " ستفترق أمتي على اثنين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة "، ~~وفي الخبر الآخر: " كلها في الجنة إلا واحدة " وهم الزنادقة # وهذان خبران لا يمتنع أن يكونا صحيحين، ولكن على نظرين ومعنيين، وقد ذكر ~~ذلك وبين في رسالة مفردة. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد خير خلقه. ### | النطق والصمت # النطق أشرف ما خص به الإنسان، فإنه صورته المعقولة التى بها باين سائر ~~الحيوان، ولهذا قال تعالى: (خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) # ولم يقل: وعلمه البيان، إذ جعل قوله: (علمه) تفسيرا لقوله: ((خلق الإنسان ~~تنبيها أن خلقه تعالى إياه هو تخصيصه بالبيان الذي لو توهم مرتفعا عنه ~~لكانت الإنسانية مرتفعة، ولذلك قيل: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة ~~مهملة أو صورة ممثلة، وقيل: المرء مخبوء تحت لسانه، وقال الشاعر: # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # PageV01P191 # أي: إذا توهم ارتفاع النطق الذي هو اللسان والقوة الناطقة التي هي ~~بالفؤاد # لم يبق إلا صورة اللحم والدم، فإذا كان الإنسان هو الإنسان بذلك فلا شك ~~أن من كان أكثر منه حظا كان أكثر منه إنسانية. # والصمت من حيث ما هو صمت مذموم فذلك من صفة الجمادات فضلا عن # الحيوانات، وقد جعل الله تعالى بعض الحيوانات بلا صوت، وجعل لبعضها صوتا ~~بلا تركيب، ومن مدح الصمت فاعتبارا بمن ms102 يسيء في الكلام فيقع منه جنايات ~~عظيمة في أمور الدين والدنيا. # كما روي أن الإنسان إذا أصبح كفرت أعضاؤه لسانه فتقول: اتق الله فينا، ~~فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا، فأما إذا اعتبرا بنفسيهما ~~فمحال أن يقال في الصمت فضل فضلا أن يخاير بينه وبين النطق، وقد سئل حكيم ~~عن أفضلهما: فقال: الصمت أفضل حتى يحتاج إلى النطق وسئل آخر فقال: # الصمت عن الخنا أفضل من الكلام بالخطا وعنه أخذ الشاعر فقال: # الصمت أحسن بالفتى ... من منطق في غير حينه # والفرق بين الصمت والسكوت، والإنصات والإصاخة أن: # الصمت: أبلغ لأنه قد يستعمل فيما لا قوة فيه للنطق، وفيما له قوة النطق، ~~ولهذا قيل لما لا نطق له: الصامت والمصمت. # والسكوت: يقال لما له نطق فترك استعماله. # والإنصات: سكوت مع استماع، ومتى انفك أحدهما عن الآخر لا يقال له في ~~الحقيقة: إنصات، وعلى ذلك قال تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون (204) # فقوله: (وأنصتوا) بعد قوله: (فاستمعوا) يدل أن الإنصات بعد الاستماع ذكر ~~خاص بعد عام. # والإصاخة: الاستماع إلى ما يصعب إدراكه؛ كالسر والصوت من المكان البعيد. # PageV01P192 ### | الصدق ومدحه والكذب وذمه # أصلهما في القول، ولا يكونان بالقصد الأول من القول إلا في الخبر دون ~~غيره من أصناف الكلام، فأما بالعرض فقد يدخل في أنواع الكلام من الاستفهام ~~والأمر والدعاء، وذلك أن يقول القائل: أزيد في الدار، في ضمنه إخبار بكونه ~~جاهلا بحال زيد، وكذلك # إذا قال: واسني، في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة، وإذا قال: لا تؤذني؛ في ~~ضمنه أنه يؤذيه، وكلاهما - أعني الصدق والكذب - يستعمل في الاعتقاد أيضا ~~كقولهم: # صدق ظننه واعتقاده وكذبا، ويستعملان أيضا في أعمال الجوارح نحو: صدقوهم ~~القتال وكذبوهم، وحد صدق التام هو مطابقة القول الضمير والخبر عنه، ومتى ~~انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا تاما، بل إما أن لا يوصف بالصدق والكذب، أو ~~يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب على نظرين مختلفين؛ كقول الكافر: إذا قال من ~~غير اعتقاد # محمد رسول الله، فإن ms103 هذا يصح أن يقال فيه: إنه صدق لكون الخبر عنه كذلك، ~~ويصح فيه أن يقال: إنه كذب لمخالفة قوله ضميره؛ ولهذا كذبهم الله تعالى حيث ~~قال: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) # وكذلك إذا قال من لم يعلم كون زيد في الدار: إنه في الدار، # يصح أن يقال: صدق وأن يقال: كذب باعتبار نظرين مختلفين؛ ولهذا قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: " من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ "، وفي لفظ ~~آخر: " فقد كذب على الله "، والمتوسم لا قصد له، فإذا قال: زيد في الدار؛ ~~لا يقال: أنه صدق ولا كذب. # والصدق أجدر أركان بقاء العالم حتى لو توهم مرتفعا لما صح نظامه وبقاؤه، ~~وهو أصل المحمودات وركن النبوات، ونتيجة التقوى، ولولاه لبطلت أحكام ~~الشرائع؛ ولذلك قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين (119) # والاختصاص بالكذب انسلاخ عن الإنسانية فخصوصية الإنسان النطق، ومن عرف ~~بالكذب لم يعتمد نطقه، ومن لم يعتمد نطقه لم ينفع، وإذا لم ينفع نطقه صار ~~هو والبهيمة سواء، بل يكون شرا من البهيمة، فإن البهيمة وإن لم تنفع ~~بلسانها فإنها لا تضر، والكاذب يضر ولا ينفع، # PageV01P193 # وقد قال تعالى: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل) . # واعلم أن كل كلام خرج على وجه المثل للاعتبار دون الإخبار فليس بكذب في ~~الحقيقة، ولهذا لا يتحاشى المحجوزون من التحدث به كقولهم في الحث على ~~مداراة العدو والتلطف في خدمة الملوك أن سبعا وذئبا وثعلبا اجتمعوا فقالوا: ~~نشترك فيما نتصيد فصادوا عيرا وظبيا وأرنبا، فقال السبع للذئب: اقسم، فقال ~~الذئب: هو مقسوم العير لك والظبي لي والأرنب للثعلب، فوثب السبع فأدماه، ثم ~~قال للثعلب: اقسم، فقال: # هو مقسوم العير لك لغذائك، والظبي لمقيلك، والأرنب لعشائك، فقال السبع: ~~من علمك هذه القسمة المليحة، فقال: علمني الثوب الأرجواني الذي على الذئب، ~~وعلى المثل حمل قوم قوله تعالى: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ~~واحدة) ms104 # وقوله تعالى: (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة) # فقالوا: يصح هذا لما كان مثلا وإن لم تجر العادة بوجود الحبة هكذا. ### | ما يحسن ويقبح من الصدق والكذب # ذهب كثير من المتكلمين إلى أن الصدق يحسن لعينه والكذب يقبح لعينه، وقال ~~كثير من الحكماء والمتصوفة: إن الكذب يقبح لما يتعلق به من المضار الحاصلة ~~منه، والصدق يحسن لما يتعلق به من المنافع الحاصلة منه وذلك أن الأقوال من ~~جملة الأفعال. # وشيء من الأفعال لا يحسن لذاته، بل إنما يحسن ما يحسن لما يتعلق به من ~~المنافع، ويقبح ما يقبح لما يتعلق به من الضرر الموفي على ما فيه من النفع ~~وبالعكس، ألا ترى أن أعظم ما يجري في العالم القتل والغصب، وقد يقع كل واحد ~~منهما على وجه يحسن وعلى وجه يقبح، وكذا المقال من الصدق والكذب، ولذلك قل ~~- صلى الله عليه وسلم -: " لا يحسن # الكذب إلا في ثلاث: إصلاح ذات البين، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها، وكذب ~~الرجل في الحرب فإنها خدعة "، # وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم -: " إذا أتاكم عني حديث يدل # PageV01P194 # على هدى أو يرد عن ردى فاقبلوه، قلته أو لم أقله، وإن أتاكم عني حديث يدل ~~على ردى أو يصد عن هدى فلا تقبلوه، فإني لا أقول إلا حقا " (1) # قالوا: والكذب يكون قبيحا بثلاث شرائط: أن يكون الخبر بخلاف المخبر عنه، ~~وأن يكون الخبر قد اختلقه قبل الإخبار به، وأن يقصد إيراد ما في نفسه، لا ~~نفعا أعظم من ضرر ذلك الكذب مع شرط أن لا يمكن الوصول إلى ذلك النفع بغيره، ~~ومع أنه إذا ظهر كان للكاذب عذر واضح عاجلا وآجلا، قالوا: ولا يلزم على هذا ~~أن يقال: جوزوا الكذب فيما يرجى # منه نفع دنيوي، فإن المنفعة الدنيوية ولو كانت ملك الدنيا بحذافيرها لا ~~تعادل الضرر الحاصل من أدنى كذب، وإنما هذا الذي قلناه يتصور في نفع أخروي ~~يكون الإنسان فيه عاجلا وآجلا معذور كمن سألك عن مسلم استتر في دارك وهو ms105 ~~يريد قتله، فيقول:هل فلاف في دارك، فتقول: لا، فهذا يجوز، لأن نفع هذا ~~الكذب موفي على ضرره وهو فيه معذور، ولا خلاف أن في المعاريض حيث يضطر ~~الإنسان إليها تجوز، ولذلك قيل: في المعاريض مندوحة عن الكذب، ولم يزل ~~الأنبياء والأولياء يفزعون إليها كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن ~~سأله: من أين أنت، فقال: " من الماء "، وقول # إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -: (إني سقيم (89) . # وقوله: " هذه أختي "، وقوله: (قال بل فعله كبيرهم هذا) . # وأما الصدق: فإنما يحسن حيث يتعلق به نفع ولا يلحق ضررا بأحد، فمعلوم قبح ~~قول من يقعد ويقول: السماء فوقي والأرض تحتي من غير أن يريد أن يجعل هذا ~~مقدمة دليل أو إفادة معنى يعلقه به، وكذا تقبح النميمة والغيبة والسعاية ~~وإن كان ذلك صدقا، ولذلك قيل: كفى بالسعاية ذما أنه يقبح فيها الصدق. # وأقبح الكذب مع قبح كله أو جله ما لا يتعلق به رجاء نفع عاجل أوآجل، ~~ويجلب إلى المقول له ضررا كرجل يأتيك من بلد بعيد فيقول لك: إن ملك ذلك ~~البلد يرغب فيك، ويتشوق إليك، ويسألك أن تأتيه لينيلك مالا وجاها، فإذا ~~وردت عليه لم تجد لذلك القول حقيقة، بل وجدت ذلك الملك حنقا عليك. ~~PageV01P195 ### | أنواع الكذب والسبب الداعي إليه # الكذب إما أن يكون اختراعا لقصة لا أصل لها، أو زيادة في القصة أو نقصانا ~~يغيران المعنى، أو تحريفا بتغيير عبارة. فما كان اختراعا يقال له: الافتراء ~~والاختلاق، وما كان من زيادة أو نقصان فمين، وكل من أورد كذبا في غيره، ~~فإما أن يقوله بحضرة المقول فيه أو بغير حضرته، وأعظم الكذب ما كان اختراعا ~~بحضرة المقول فيه، وهو المعبر عنه بالبهتان، وكل من أورد حديثا فإما أن ~~يخبر به عن علم أو عن غلبة ظن أو عن ظن وتخمين واه فما يقال عن علم فمحمود ~~بلا شك، وما كان عن غلبة ظن فقد يحسن وقد يقبح، وما كان عن ظن واه فمذموم، ~~ولذلك قال تعالى # : (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا ms106 من الظن إن بعض الظن إثم) . # واعلم أن الداعي إلى الكذب محبة النفع الدنيوي وحب الترأس، وذلك أن ~~المخبر يرى أن له فضلا على المخبر بما علمه فهو يتشبه بالعالم الفاضل في ~~ذلك فيظن أنه يجلب بما يقوله فضيلة ومسرة، وهو يجلب به نقيصة وفضيحة، ~~ففضيحة كذبة واحدة لا توازي مسرات دهره، فالكذب عار دائم وذل دائم، وحق ~~الإنسان أن يتحرى الصدق ويتعوده ولا يترخص في أدنى كذب، فمن استحلاه عسر ~~عليه فطامه، وقد قال بعض الحكماء: # كل ذنب يرجى تركه بتوبة أو إنابة ما خلا الكذب فإن صاحبه يزداد على ~~الكبر، فقد رأينا شارب خمر أقلع، ولصا نزع، ولم نر كذابا رجع، وعوتب كذاب ~~في كذبة فقال: لو تغرغرت به وتطعمت حلاوته لما صبرت عنه، والله الهادي. ### | الذكر الحسن من المدح والثناء # محبة الذكر الحسن أشرف مقاصد أبناء الدنيا، وهي في جبلة الناس من # خصائصهم، ولا توجد في غيره من الحيوان كما قال الشاعر: # ... ... ... ... ... ... حب الثناء طبيعة الإنسان # PageV01P196 # ولولا الكلف به لما ظهرت العدالة من أكثر الناس، ومن لا يخوفه الهجاء ولا ~~يسره الثناء فلا يردعه عن سوء الأفعال إلا نار أو سيف، وقد قيل: الذي ينفر ~~عن القبيح ويحث على الجميل أربعة أشياء: # العقل، ثم الحياء، ثم المدح والهجاء، ثم الترغيب والترهيب، # وقد قيل: من لم يردعه الذم عن سيئة ولم يستدعه المدح إلى حسنة فهو # جماد أو بهيمة، ولأجله تنازع الناس الرياسة والمنازل الرفيعة، وليس ~~الثناء في نفسه بمحمود ولا مذموم، وإنما يحمد ويذم بحسب المقاصد، فمن قصده ~~طلب ما يستحق به الثناء على الوجه الذي يستحب، فذلك محمود، وهو طريقة ~~إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: (واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين (84) # أي: اجعلني بحيث أفعل ما إذا مدحت به يكون مادحي صادقا، ومن هذا الوجه ~~ندب الإنسان إذا مدح أن يقول: اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، والمذموم منه ~~أنه يميل إليه من غير تجربة لفعل ما يقتضيه وذلك من أعظم الآفات لمن تحراه، ms107 ~~فإنه يفتح باب الحسد، والحسد يفتح باب # الكذب، والكذب رأس كل مذموم، وقد توعد الله تعالى من طلب المحمدة من غير ~~فعل حسنة تقتضيها، فقال تعالى: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) . # وبالنظر إلى ما تقدم قال - صلى الله عليه وسلم -: " من سرته حسنته وساءته ~~سيئته فهو مؤمن "، وقال: " المؤمن إذا مدح في وجهه ربا # الإيمان في قلبه "، وبالنظر إلى ما تأخر سمع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- رجلا، وقد أثنى على آخر فقال - صلى الله عليه وسلم -: " قطعت مطاه لو ~~سمعها ما أفلح " فالفاضل يكره الثناء عليه في وجهه # سيما إذا كان من مادح مطر وجليس مغر، وممن يهدف قبل أن يعرف، وممن إذا ~~وجد قادحا قدح وإذا وجد مادحا مدح. # وأما ثناء الإنسان على نفسه فشناعة وفظاعة، فقد قيل لحكيم: ما الذي لا ~~يحسن أن يقال وإن كان حقا، فقال: مدح الرجل نفسه، # وقد قال معاوية - رحمه الله - لرجل: من سيد قومك، فقال: أنا، فقال: لو ~~كنته لما قلته، وإنما لم يستقبح ما كان من يوسف - صلى الله عليه وسلم - حيث ~~قال: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) # لأنه قصد بذلك التنبيه على استغلاله بما سأل أن يفوض إليه، # PageV01P197 # وقد أحسن ابن الرومي حيث اعتذر عن مدح نفسه قصد الدلالة على مكانه، فقال: # وعزيز علي مدحي لنفسي ... غير أني جشمته للدلال # وهو عيب يكاد يسقط فيه ... كل حر يريد إظهار آل # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. ### | الشكر # الشكر هو: تصور المنعم عليه النعمة وإظهارها، قيل: وهو مقلوب عن الكشر ~~وهو الكشف، ويضاده الكفر وهو من كفر الشيء، أي: تغطته ومنه دابة شكور، أي: ~~مظهرة بسمنها إسداء صاحبها إليها، وقيل: أصله من عين شكري، أي: ممتلئة # فالشكر هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه، ومن هذا الوجه قيل: هو أبلغ من ~~الحمد؛ لأن الحمد، لا يقتضي الامتلاء، ومن وجه ذكر الشيء بصفاته المحمودة ms108 ~~والشكر ذكره بصفاته وبنعمه. # فالشكر على ثلاثة أضرب: شكر بالقلب: وهو تصور النعمة، # وشكر باللسان وهو الثناء على المنعم، وشكر بسائر الجوارح وهو مكافأته ~~بقدر استحقاقه، وهو أيضا باعتبار الشاكر، والمشكور ثلاثة أضرب: شكر الإنسان ~~لمن فوقه وهو بالخدمة والثناء والدعاء، وشكره لنظيره وهو بالمكافأة، وشكره ~~لمن هو دونه وهو بالثواب، وقد وصف الله تعالى نفسه بالشكر لصالحي عباده، ~~وشكر العبد لربه هو معرفة نعمته وحفظ جوارحه بمنعها عن استعمال ما لا ~~ينبغي، ومعناه بالفارسية أسبياس دارم خداي را، أي: أنا حارس له على جوارحي، ~~وشكر المنعم في الجملة واجب # بالعقل كما هو واجب بالشرع، وأوجبها شكر الباري تعالى، ثم شكر من جعله ~~سببا لوصول خير إليك على يده، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: " لا يشكر ~~الله من لم يشكر الناس "، وقال عليه الصلاة والسلام: " اشكر لمن أنعم عليك، ~~وأنعم على # PageV01P198 # من شكرك، فإنه لا زوال لنعمة إذا شكرت، ولا دوام لها إذا كفرت " (1) وقال ~~بعض أهل العلم: كل نعمة يمكن شكرها إلا نعمة الله تعالى فإن شكر نعمته نعمة ~~منه، فيحتاج العبد أن يشكر الثاني كشكره الأول، وكذلك الحال في الثالث ~~والرابع، وهذا يؤدي إلى ما لا يتناهى، ولذلك قال موسى - صلى الله عليه وسلم ~~-: " اللهم أمرتني بالشكر على # نعمتك، وشكري إياك نعمة من نعمك " ومن هذا أخذ الشاعر فقال: # إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر # فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر # ولهذا قيل: غاية شكر الله تعالى الاعتراف بالعجز عنه، بل قد قال تعالى: ~~(وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها) وأيضا فكل ما يفعل الله بعبده فهو منه # نعمة وإن كان قد يعد ذلك بلية، ولذلك قال بعض الصالحين: يا من منعه عطاء ~~وبلاؤه نعماء؛ ولأجل صعوبة شكره قال تعالى: (وقليل من عبادي الشكور (13) # ولم يثن بالشكر على أوليائه إلا على اثنين منهم، قال في إبراهيم: (شاكرا ~~لأنعمه) # فخص الله تعالى لفظ الأنعم الدال على أدنى العدد، وقال ms109 في نوح: # (إنه كان عبدا شكورا (3) . # واعلم أن الشكر والصبر جماع الإيمان، كما روي في الخبر، وقد روي: " الصبر ~~نصف الإيمان ". # لكن قد قال بعض المتصوفة: الشكر أفضل من الصبر، فإن الصبر # حبس النفس على مسالمة البلاء، والشكر أن لا تلتفت إلى البلاء، بل يراه من ~~النعماء، فمن صبر فقد ترك إظهار الجزع، ومن شكر فقد تجاوز إلى إظهار السرور ~~بما جزع له الصابر، وأيضا فالصبر هو ترك للعمل السئ، والشكر إظهار الفعل ~~الحسن، وليس من ترك قبيحا كمن فعل حسنا وجميلا، وقابل تعالى الشكر ~~بالمجازاة، فعل الحبيب بحبيبه، فقال تعالى: (وسنجزي الشاكرين (145) # وقابل الصبر PageV01P199 # بالأجر؛ فعل المستأجر بأجيره، فقال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم ~~بغير حساب (10) # وأين الأجر وإن كثر حتى صار بغير حساب من الجزاء، ثم قال في الصبر: # (يوفى) ، فلم يسم فاعله، وقال في الشكر: ((وسنجزي الشاكرين (145) ، # (وسيجزي الله الشاكرين (144) # فانظر إلى هذا اللطف في المقال قبل الانتهاء إلى الفعال ولم يذكر من ~~أنبيائه بالشكر إلا اثنين كما تقدم ووصف جماعتهم # بالصبر فقال: (كل من الصابرين (85) # وقال: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) # فجعل الصبر مبدأ والشكر منتهى؛ ولأن الصبر محمول عليه # قهرا والشكر مؤدى تطوعا. ### | الغيبة والنميمة # الغيبة: أن يذكر الإنسان غيره بما فيه من عيب من غير أن يحوج إلى ذكره، # وقد عظم الله - عز وجل - أمرها فقال: (ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن ~~يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه) # وقال تعالى: (هماز مشاء بنميم (11) # وقال عليه الصلاة والسلام: " لا يدخل الجنة قتات "، وروي: " النميمة تفطر ~~الصائم وتنقض الوضوء "، وقل من وجد عائبا إلا كان معيبا، وقال قتيبة لرجل ~~رآه يغتاب آخر: لقد تلمظت بما يعافه الكرام، وحق الإنسان أن لا يتعودها فإن ~~لها ضراوة، ولذلك عير إنسان آخر بالغيبة فقال: لو تلمظت بها لما صبرت عنها، ~~ثم إن من اغتاب اغتيب، ومن عاب عيب، فبحثه عن عيوب الناس يحمل الناس على ~~البحث عن عيوبه وكما يجب أن يتحراها بقوله يجب أن يتجنب من ms110 سماعها وسماع كل ~~قبيح من الكذب، لئلا يعلق وضره ووسخه بفكرته فوضر كل كلمة عوراء لا يمكن # تطهير القلب عنه إلا بزمان مديد وعلاج شديد، وسماع القبيح قد يصير سببا ~~لفساد الكبير المجيد وغواية العالم المستبصر، فضلا عن فساد الحدث الغر ~~والناشئ الغمر، ولذلك قال تعالى في مدح قوم: (وإذا مروا باللغو مروا كراما ~~(72) # وقد أجاد من قال: # وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به # وكقبح الغيبة والنميمة المسابة، قال أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى ~~عنه: " ما تساب # PageV01P200 # اثنان إلا غلب ألأمهما وإلا انحط الأعلى إلى رتبة الأسفل منهما "، # وقد قيل: إذا سمعت كلمة تؤذيك فتطامن لها حتى تتخطاك. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وسلم. ### | الكلام المستقبح # البذاء: الكلام القبيح، ويكون من القوة الشهوية طورا؛ كالرفث والسخف، ~~ويكون من القوة الغضبية طورا، فمتى كان معه استعانة بالقوة الفكرة يكون فيه ~~السباب، ومتى كان من مجرد الغضب كان صوتا مجردا لا يفيد نطقا، كما ترى ~~كثيرا ممن فار غضبه وهاج هائجه. # والرفث: فواحش الكلام في باب النكاح وأوصاف النساء وهو قبيح، قال بعضهم: # إني لأستقبح من الرجل أن يكون وصافا لبطنه وفرجه، ومن حق الإنسان أن يصون ~~عن ذلك كله سمعه كما يصون عن التفوه به فمه؛ ولذلك قال تعالى في مدح قوم: ~~((وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) # وقال: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) . # والسباب ثلاثة: # الأول: قدح في نسب المسبوب. # والثاني: في نفسه أو بدنه لعاهة به أو آفة. # والثالث: في شيء فعله أو فعل به. # والسفه: التسرع إلى القول القبيح أو الفعل القبيح. ### | المزاح والضحك # المزاح: إذا كان على الاقتصاد محمود، فقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: " إني لأمزح ولا أقول إلا حقا "، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كلمات مازح بهن، وقال سعيد بن العاص # PageV01P201 # لابنه: اقتصد في مزاحك، فالإفراط فيه يذهب بالبهاء، ويجريء عليك السفهاء، ~~وتركه يقبض المؤانسين ويوحش ms111 المخالطين. ولكن الاقتصاد فيه صعب جدا لا يكاد ~~يوقف عليه، ولذلك تحرج عنه أكثر الحكماء حتى قيل: المزاح مسلبة للبهاء، ~~ومقطعة للإخاء، وفعل لا ينتج إلا الشر. # وأما الضحك فمن خصائص الإنسان، وذلك أنه يكون من التعجب، والتعجب لا يكون ~~إلا عن فكرة، وبالفكرة يميز الإنسان عن البهائم والاقتصاد فيه، ومعرفة ما ~~يحسن منه عسير كما هو في المزاخ. # وقيل: إياك وكثرة الضحك فإنها تميت القلب وتورث النسيان، وقيل: كثرة ~~الضحك من الرعونة، وحكي عن عيسى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إن الله ~~تعالى يبغض المضحاك من غير عجب، والمشاء إلى غير أرب. # وأما إيراد المضحكات على سبيل السخف فنهاية القباحة ". وقد قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: " ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك القوم، ويل له، ويل له ". ### | الحلف # أقبح من الكذب اليمين الفاجرة فيها مع الكذب الاستهانة بالمقسم به، وحق # المسلم أن يتحاشى من الاستعانة باليمين في الحق فكيف في الباطل، وأن ~~يتحقق تقدير القسم ومما يراد به ليعلم أن الأغراض الدنيوية أوبخ أمرا وأخس ~~قدرا من أن يفزع فيها إلى الحلف بالله، وتقدير ذلك قول القائل إذا قال: ~~تالله إن لي عليك كذا، أي: كون ذلك لي عليك حق كما أن وجود الله تعالى حق، ~~وهذا كلام يتحاشى منه من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من تعظيم الله، وقد ~~قال الله سبحانه: (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) # وقال: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا) # وقال علي - رضي الله عنه -: " الحلف ينفق السلعة ويمحق البركة " ولم يخص # PageV01P202 # يمينا من يمين. وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من لم يحلف على ~~ماله فلا مال له " فإنه وإن كان بنظر الفقهاء يتصور أنه مفسحة في الحلف ~~صادقا، فإنه بنظر الحكماء يحث على إيثار التعظيم لله - عز وجل - وتقديمه ~~على إيثار المال وتعريض بأن الذي فاته هو عرض حاضر # لا الدين والمروءة. # وحق العاقل إذا اضطر إليه أن يسلك سبيل التعريض فيه دون التصريح وما لا ~~يضطر إليه ms112 تركه تعريضا وتصريحا، وإن بدر منه سهوا حلف شفعه بالاستثناء، كما ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: " من كان حالفا فليقل: إن شاء الله، فإنه يدفع ~~الحنث، ويذهب الخبث، وينجز الحاجة، # ويدفع اللجاجة ": وقيل: العاقل إذا تكلم أتبع كلامه مثلا، والأحمق إذا ~~تكلم أتبع كلامه حلفا، وعلامة الكاذب جوده بيمينه على غير مستحلف، قال ~~الشاعر المتنبي: # وفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دل أنك في الميعاد متهم # وقال بعض الحكماء: اللغو في الحلافة يدل على كذب أربابها، فإن ذلك لقلة # الركون إلى قولهم، وكما جوز - عليه الصلاة والسلام - الكذب حيث يضطر إليه ~~جوز الحنث في اليمين، فقال: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت ~~الذي هو خير، وليكفر عن يمينه ". # PageV01P203 ### | الفصل الثالث فيما يتعلق بالقوة الشهوية # PageV01P205 ### | الحياء # الحياء: انقباض النفس عن القبائح، وهو من خصائص الإنسان، وأول ما يظهر من ~~قوة الفهم في الصبيان، وجعله الله تعالى في الإنسان ليرتدع به، عما تنزعه ~~إليه الشهوة من القبائح فلا يكون كالبهيمة. # وهو مركب من جبن وعفة، ولذلك لا يكون المستحي فاسقا ولا الفاسق # مستحيا لتنافي اجتماع العفة والفسق، وقل ما يكون الشجاع مستحييا والمستحي ~~شجاعا لتنافي اجتماع الجبن والشجاعة، ولعزة وجود ذلك تجمع الشعراء بين ~~المدح بالشجاعة، والمدح بالحياء نحو قول الشاعر: # يجري الحياء الغض من قسماتهم ... في حين يجري من أكفهم الدم # وقال آخر: # كريم يغض الطرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دواني # ومتى قصد به الانقباض فمدح للصبيان دون المشايخ، ومتى قصد به ترك القبيح ~~فمدح لكل أحد، وبالاعتبار الأول قيل: الحياء الأفاضل قبيح. # ومن هذا الوجه قيل: خزي يخزى خزيا في الهوان، وخزي خزاية في الاستحياء ~~فجعلا من منبع واحد، # وبالاعتبار الثاني قيل: " إن الله يستحي من ذي الشيبة في الإسلام أن ~~يعذبه "، أي: يترك تعذيبه. # وأما الخجل: فحيرة النفس لفرط الحياء، ويحمد في النساء والصبيان، ويذم ~~باتفاق من الرجال. # والوقاحة: مذمومة بكل لسان، إذ هي انسلاخ من الإنسانية، وحقيقتها لجاجة ~~النفس في تعاطي القبيح واشتقاقه ms113 من حافر وقاح، أي: صلب " ولهذه المناسبة ~~قال الشاعر: # PageV01P207 # ياليت لي من جلد وجهك رقعة ... فأقد منها حافرا للأشهب # وما أصدق قول الشاعر: # صلابة الوجه لم تغلب على أحد ... إلا تكمل فيه الشر واجتمعا # فأما مداواة اكتساب الحياء فحق الإنسان إذا هم بقبيح أن يتصور أجل من في ~~نفسه حتى كأنه يراه، فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه؛ ولذلك لا يستحي من ~~الحيوان ولا من الأطفال، ولا من الذين لا يميزون، ويستحي من العالم أكثر ~~مما يستحي من الجاهل، ومن الجماعة أكثر مما يستحي من الواحد. # والذين يستحي منهم الإنسان ثلاثة: # البشر: وهم أكثر من يستحي منه، ثم نفسه، ثم الله - عز وجل -، ومن استحيا ~~من الناس ولم يستح من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره، # ومن استحيا منهما ولم يستح من الله فلعدم معرفته بالله - عز وجل -، فإن ~~الإنسان يستحي ممن يعظمه ويعلم أنه يراه أو يسمع نجواه فيبكته، ومن لا يعرف ~~الله فكيف يستعظمه، وكيف يعلم أنه مطلع عليه. # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (استحيوا من الله حق الحياء " في # ضمنه حث على معرفته، وقال تعالى: (ألم يعلم بأن الله يرى (14) # تنبيها على أن العبد إذا علم أن الله يراه استحيا من ارتكاب الذنب، وقد ~~سئل الجنيد - رحمه الله - عما يتولد منه الحياء من الله تعالى، فقال: رؤية ~~العبد آلاء الله عليه، ورؤية تقصيره في شكره، # فإن قيل: كيف قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من لا حياء له فلا ~~إيمان له "،؛ قيل: الحياء أول ما يظهر في الإنسان من أمارة العقل، والإيمان ~~آخر مرتبة العقل، ومحال حصول آخر مرتبة العقل لمن لم يحصل له الرتبة الأولى ~~فبالواجب إذا كان من لا حياء له فلا إيمان له. # وقال عليه الصلاة والسلام: " الحياء شعبة من الإيمان "، وقال: " الإيمان ~~عريان # PageV01P208 # ولباسه التقوى وزينته الحياء " ### | كبر الهمة # وأما كبر الهمة: فمختص بالإنسان، فأما الحيوانات فكل جنس يتحرى الفعل ~~بقدر ما في طبعه، وهو خال بين التفنج وصغر الهمة، فالتفنج تأهل ms114 الإنسان لما ~~لا يستحقه وهو البذخ، وصغر الهمة تركه لما يستحقه وهو الدناءة، وكلاهما ~~مذمومان؛ لكن المتفنج جاهل أحمق، والصغير الهمة جاهل غير أحمق، وليس لكبر ~~الهمة إفراط مذموم في الحقيقة، وإنما الإفراط يدخل في كل فعل يتصوره بعض ~~الناس بصورة علو الهمة له وليس كذلك، واعلم أنه قد يقال: فلان كبير الهمة ~~وفلان صغير الهمة؛ إذا كان أحدهما يطلب مقتنى أكثر أو أشرف مما يطلبه ~~الآخر، والكبير الهمة على الإطلاق هو من # لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه فلا يصير عبد عارية بطنه وفرجه، بل ~~يجتهد أن يتخصص بمكارم الشريعة فيصير من خلفاء الله وأوليائه في الدنيا ومن ~~مجاوريه في الآخرة. # والصغير الهمة من كان على الضد من ذلك، وقال أعرابي: فلان عظمه صغر # الدنيا في عينيه، فكان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد ولا ~~يكثر إذا وجد، وخارجا من سلطان فرجه فلا يستخف له رأيا ولا بدنا، وحق ~~الإنسان أن يتلطف عن ذلك فإنه وإنا كان بعنصره حيوانا فهو بعقله وفكره ملك، ~~وإذا ضيع نفسه صار شرا من البهيمة، وذلك هو الخسران المبين، وقد قيل: من ~~عظمت همته لم يرض بقنية مستردة وحياة مستعارة. فإن أمكنك أن تقتني قنية ~~مؤبدة وحياة مخلدة فافعل، فلا اعتداد بما له فناء. # والكبير الهمة على الإطلاق من يتحرى الفضائل لا لجاه ولا لثروة ولا للذة ~~ولا لاستشعار نخوة واستعلاء على البرية، بل يتحرى مصالح العباد شاكرا بذلك ~~نعمة الله، ومتوخيا به مرضاته غير مكترث بقلة مصاحبيه، فإنه إذا عظم ~~المطلوب قل المساعد، وطريق العلاء قليلة الأناس. ### | الوفاء والغدر # الوفاء: أخو الصدق والعدل، والغدر: أخو الكذب والجور، وذلك أن الوفاء صدق ~~اللسان والفعل معا، والغدر كذب بهما، لأن فيه مع الكذب نقض العهد. # والوفاء يختص بالإنسان فمن فقد فيه فقد انسلخ من الإنسانية كالصدق، وقد ~~جعل # PageV01P209 # الله تعالى العهد من الإيمان، وصيره قواما لأمور الناس، فالناس مضطرون ~~إلى التعاون ولا يتم تعاونهم إلا بمراعاة العهد والوفاء، ولولا ذلك لتنافرت ~~القلوب ms115 وارتفع التعايش، ولذلك عظم الله تعالى أمره فقال تعالى: (وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40) # وقال تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) # وقيل في قوله تعالى: (وثيابك فطهر (4) # أي: نزه نفسك عن الغدر، وقال تعالى: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) # وقال تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) # وقد عظم حال السموأل فيما التزم به من الوفاء بدروع امرئ # القيس؛ ولقلة وجود ذلك في الناس قال الله تعالى: (وما وجدنا لأكثرهم من ~~عهد) # وقد ضرب به المثل في العزة فقيل: هو أعز من الوفاء. قال الشاعر: # أبى الناس إلا ذميم الفعال ... إذا جربوا وقبيح الكذب ### | المشاورة # اشتقاقها من شرت الدابة إذا استخرجت جريها، وهي استنباط المرء الرأي من ~~غيره فيما يعرض له من مشكلات الأمور، ويكون ذلك في الأمور الجزئية التي ~~يتردد المرء فيها بين فعلها وتركها ونعم العدة هي، قال أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب كرم الله وجهه: " المشاورة حصن من الندامة وأمن عن الملامة "، ~~وقيل: الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة والاستبداد عن الاستخارة، والرأي ~~الواحد كالخيط السحيل # والرأيان كالخيطين والثلاثة إصرار لا ينقض، وكفاك بمدحها قول الله تعالى ~~لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (وشاورهم في الأمر) # وقد استحسن الحكماء قول بشار: # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو مشورة حازم # ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم # PageV01P210 # لكن اعتبار من تجوز أن تعتمد مشاورته صعب جدا، فإنه يحتاج أن يكون صديقا ~~أمينا مجربا حازما ناصخا رابط الجأش غير معجب بنفسه ولا متلون في رأيه ولا ~~كاذب في مقاله، فمن كذب لسانه كذب رأيه، ويجب أن يكون فارغ البال في وقت ما ~~يستشار وقد أحسن بشار حيث قال: # وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... ولا كل مؤت نصحه بلبيب # ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحق له من طاعة بنصيب ### | النصح # النصح: أصله من نصحت الثوب إذا خطته، وهو إخلاص المحبة لغيره في إظهار ما ~~فيه صلاحه، وهو دون المحبة المختصة بالفضيلة ودون محبة النفع واللذة، ms116 وقد ~~عظم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره فقال: " الدين النصيحة " فقيل: لمن ~~يا رسول الله، فقال: " لله ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم " فبين - صلى ~~الله عليه وسلم - أن النصح واجب لكافة الناس، وذلك بأن تتحرى مصلحتهم في ~~جميع أمورهم بقدر وسعك. # وأول النصح أن ينصح الإنسان نفسه فمن غشها فقلما ينصح غيره، وحق من ~~استنصح أن يبذل غاية النصح وإن كان ذلك في شيء يضره، ويتحرى فيه قول الله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم) # وقال تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى) # وقال ابن عباس - رضي الله عنها -: لا يزال الرجل يزداد في صحة رأيه ما ~~نصح لمستشيره، فإذا غشه سلبه الله نصحه ورأيه، # ولا يلتفتن إلى من قال: إذا نصحت الرجل فلم يقبل منك فتقرب إلى الله ~~بغشه، فذلك قول ألقاه الشيطان على لسانه، اللهم إلا أن يريد بغشه السكوت ~~عنه، فقد قيل: كثرة النصيحة تورث الظنة. # ومعرفة الناصح من الغاش المستنصح صعبة جدا، فالإنسان المكره يصعب الاطلاع ~~على سره، إذ هو قد ييدي خلاف ما يخفي، وليس كالحيوانات التي يمكن أن تطلع ~~على طبائعها. # PageV01P211 ### | كتمان السر # السر ضربان: # أحدهما: ما يلقي الإنسان من حديث يستكتم وذلك إما: لفظا كقولك لغيرك: # أكتم ما أقول لك، وإما: حالا وهو أن يتحرى القائل حال انفراده فيما ~~يورده، أو يخفض صوته أو يخفيه عن مجالسيه، ولهذا قيل: إذا حدثك الإنسان ~~بحديث فالتفت فهو أمانة. # والثاني: أن يكون حديثا في نفسك بما تستقبح إشاعته أو شيئا تريد فعله، ~~وإلى الأول من ذلك أشار النبي بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من أتى منكم ~~من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله "، وإلى الثاني أشار من قال: " من ~~وهن الأمر إعلانه قبل إحكامه ". # وكتمان النوع الأول من الوفاء ويختص بعامة الناس، والثاني من الحزم ~~والاحتياط، وهو مختص بالملوك وأصحاب السياسات. وإذاعة السر من قلة الصبر ~~وضيق الصدر، وتوصف به ضعفة الرجال والصبيان والنساء، والسبب في أنه يصعب ms117 ~~كتمان السر هو أن للإنسان قوتين: آخذة، ومعطية. وكلتاهما تتشوف إلى الفعل ~~المختص بها، ولولا أن الله تعالى وكل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك ~~بالأخبار من لم تزوده، فصارت هذه # القوة تتشوف إلى فعلها الخاص بها " فعلى الإنسان أن يمسكها ولا يطلقها ~~إلى حيث ما يجب إطلاقها ولا يخدعنك عن سرك قول من قال: # وأكتم السر فيه ضربة العنق # وقول من ينشدك: # ويكاتم الأسرار حتى كأنه ... ليصونها عن أن تمر بباله # فذلك قول من يستنزلك عما في قلبك، فإذا استفزع ما عندك لم يرع فيه حقك، ~~فقد قيل: الصبر على القبض على الجمر أيسر من الصبر على كتمان السر، وما ~~أصدق من أنبأ عن حقيقة حاله حيث قال له صديقه: أريد أن أفشي إليك سرا تحفظه ~~علي، فقال، لا أريد أن أوذي قلبي بنجواك، وأجعل صدري خزانة شكواك، # PageV01P212 # فيقلقني ما أقلقك، ويؤرقني ما أرقك، فتبيت بإفشائه مستريحا، ويبيت قلبي ~~بحره جريحا. # وقد قيل: أكثر ما يستنزل الإنسان عن سره في ثلاثة مواضع: عند الاضطجاع ~~على فراشه، وعند خلوه بعرسه، وفي حال سكره. # ومن حق من يسارر غيره أن يجتنب المحافل لأمرين: # أحدهما: حذرا من أن يساء به الظن فهذا يقول: قد اغتابني، وذا يستريب، وذا ~~يتهم. # والثاني: أنه ربما يتتبع بالفحص فيطلع على مراده، ولذلك قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يحزنه ~~". ### | التواضع والكبر # التواضع: اشتقاقه من الضعة وهو رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقه فضله ~~ومنزلته. # وفضيلته لا تكاد تظهر في أفناء الناس لانحطاط درجتهم، وإنما ذلك يتبين في ~~الملوك وأجلاء الناس وعلمائهم وهو من باب التفضل، لأنه ترك بعض حقه. وهو من ~~التوسط بين الكبر والضعة. # والضعة: وضع الإنسان نفسه مكانا يزرى به بتضييع حقه. # والكبر: رفع نفسه فوق قدره. # والفرق بين التواضع والخشوع: أن التواضع يقال فيما بين رفيع ووضيع، وأيضا ~~فالتواضع يعتبر بالأخلاق والأفعال الظاهرة والباطنة. والخشوع يقال باعتبار ~~أفعال الجوارح، ولذلك قيل: إذا تواضع القلب ms118 خشعت الجوارح، وقال تعالى: ~~(خاشعة أبصارهم) # وقال: (وخشعت الأصوات للرحمن) # وقد عظم النبي - صلى الله عليه وسلم - التواضع ومدحه فقال: " طوبى # لمن تواضع في غير منقصة، وذل في نفسه من غير مسكنة "، # وقد قيل ل بزرجمهر: # هل تعرف نعمة لا يحسد صاحبها عليها، وبلاء لا يرحم صاحبه عليه، فقال: نعم ~~أما النعمة # PageV01P213 # فالتواضع، وأما البلاء فالكبر. # وقال بعض الحكماء: وجدنا التواضع مع الجهل والبخل أحمد عند الحكماء من ~~الكبر مع الأدب والسخاء، فأنبل بحسنة غطت على سيئتين، وأقبح بسيئة غطت على ~~حسنتين، فالكبر هو ظن الإنسان بنفسه أنه أكبر من غيره، والتكبر: إظهار لذلك ~~وهذه صفة لا يستحقها إلا الله تعالى، ومن ادعاها من المخلوقين فهو فيها ~~كاذب، ولذلك # صار مدحا في حق الباري - عز وجل - وذما في البشر، وإنما شرف المخلوق في ~~إظهار العبودية، كما قال تعالى: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون) # تنبيها على أن ذلك لهم رفعة لا ضعة، والتكبر والضرع كلاهما جاهلان، لكن ~~الضرع غبي والتكبر غبي أحمق، وشتان ما بينهما، فالغبي قد يتأدب، والأحمق لا ~~سبيل له إلى تأديبه، ولأن الضرع قد ترك ما له، والتكبر ادعى ما ليس له، ~~وشتان ما بين المنزلتين، ولأن الكبر يتولد من الإعجاب، والإعجاب من الجهل ~~بحقيقة المحاسن، والجهل رأس الانسلاخ من # الإنسانية، ومن الكبر الامتناع من قبول الحق، ولذلك عظم الله تعالى أمره ~~فقال: (إنه لا يحب المستكبرين (23) # وقال تعالى: (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (60) # وقال: (فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق) # وقال: (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " يقول الله - عز وجل -: الكبرياء ~~ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قذفته في نار جهنم "، وقد نبه ~~- عز وجل - على مبلغ فعله أحسن تنبيه فقال: (ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن ~~تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) # وأقبح كبر يين الناس ما كان معه بخل، ولذلك قال # عليه الصلاة والسلام: ms119 " خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل والكبر " ~~واستحسن قول الشاعر: # جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأفعال المماليك # ومن تكبر لرياسة نالها دل ذلك على دناءة عنصره، ومن تفكر في تركيب ذاته، ~~فعرف مبدأه ومنتهاه وأوساطه عرف نقصه، ورفض كبره، وقد نبه الله - عز وجل - ~~على ذلك أحسن تنبيه بقوله: (فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) ~~يخرج من بين الصلب والترائب (7) # PageV01P214 # وبقوله تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره (17) من أي شيء خلقه (18) من نطفة ~~خلقه فقدره (19) # ثم قوله تعالى: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه) # وقوله تعالى: (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ~~(77) # وإلى هذا المعنى نظر مطرف بن عبد الله بن الشخير لما قال ليزيد بن ~~المهلب: أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، ~~وأخذ ذلك الشاعر فقال: # كيف يزهي من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه # وقال غيره: # يا قريب العهد بالمخرج لم لا تتواضع. فمن كان تكبره لقنيته فليعلم أن # ذلك ظل زائل وعارية مستردة. # والاستطالة: إظهار الطول فمن أظهر ذلك من غير طوق فهو منسلخ عن الإنسانية ~~ومن أظهر ذلك مع الطول فقد ضيع طوله. والصلف: يقال اعتبارا بميل في عنقه. # والصعر: بميل في خده، ولذلك استعمل في ذلك قي الرأس نحو قوله تعالى: ~~(لووا رءوسهم) . # والباء: استقصاء في النفس بالترفع عن الانقياد للواجب، # والخيلاء: أن يظن بنفسه ما ليس فيها من قولهم: خلت، ولتصور هذا المعنى ~~قال حكيم: إعجاب المرء بنفسه أن يظن بها ما ليس فيها مع ضعف قوة فيظهر فرحه ~~بها. # والزهو: هو الاستخفاف من الفرح بنفسه، وأما العزة: فالترفع بنفسه عما ~~يلحقه غضاضة، وأصلها من العزاز، وهي الأرض الصلبة، والعزاز: حصوله في عزاز ~~لا يلحقه فيه غضاضة كالمتظلف في كونه في ظلف من الأرض لا يلحقه فيه مذلة، # والعزة: منزلة شريفة وهي نتيجة معرفة الإنسان بقدر نفسه وإكرامها عن ~~الضراعة للأعراض الدنيوية، كما أن الكبر نتيجة جهل الإنسان بقدر نفسه ~~وإنزالها ms120 فوق منزلتها. # وكثيرا ما يتصور أحدهما بصورة الآخر، كتصور التواضع والتضرع والتذلل ~~بصورة واحدة، وتصور الإسراف بصورة الجود، وتصور البخل بصورة الحزم، ولهذا ~~قال الحسن - رحمه الله تعالى - لمن قال له: ما أعظمك في نفسك، فقال: لست ~~بعظيم ولكني عزيز، وقد قال الله تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) # PageV01P215 # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ". # ولما قلنا: قالوا: التكبر على الأغنياء تواضع تنبيها أن هذا التكبر في ~~الحقيقة عز النفس " ولأجل أن هذا التكبر غير مذموم، قال تعالى: (يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق) # فشرط غير الحق، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: من خض لغني فوضع نفسه ~~عنده طمعا فيه ذهب ثلثا مروءته وشطر دينه. ### | الفخر # الفخر: هو المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان، وذلك نهاية الحمق، فمن ~~نظر بعين عقله وانحسر عنه قناع جهله علم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، لا ~~يؤمن في كل ساعة أن تسترجع، فالمباهي بها مباهاة بغير ثراه، ومتبجح بما في ~~يد سواه كالفاخرة بجدح ربتها، بل هو أدون من ذلك. # فقد قال بعض الحكماء لمن يفتخر بثرائه: إن افتخرت بفرسك فالحسن والفراهة ~~له دونك، وإن افتخرت بثيابك وآلاتك فالجمال لهما دونك، وإن افتخرت بآبائك ~~فالفضل فيهم لا فيك، ولو تكلمت هذه الأشياء لقالت: هذه محاسننا فما لك من ~~الحسن، وأيضا فالأعراض الدنيوية سحابة صيف عن قليل تقشع، وظل زائل عن قليل ~~يضمحل ويزول، كما قيل: # إنما الدنيا كرؤيا فرحت ... من رآها ساعة ثم انقضت # بل كما قال الله - عز وجل -: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض) . # فإن افتخرت فافتخر بمعنى فيك غير خارج عنك، وإذا # أعجبك من الدنيا شيء، فاذكر فناءك وبقاءه أو بقاءك وزواله أو فناءكما ~~جميعا، فإذا راقك ما هو لك، فانظر إلى قرب خروجه من يدك، وتعذر رجوعه إليك، ~~وطول حسابك عليه إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وقد ذم الله تعالى الفخور ~~فقال: (إن الله لا يحب كل مختال ms121 فخور (18) . # PageV01P216 ### | العجب # العجب: ظن الإنسان في نفسه استحقاق منزلة هو غير مستحق لها؛ ولهذا قال ~~أعرابي لرجل رآه معجبا بنفسه: يسرني أن أكون عند الناس مثلك عند نفسك، ~~وأكون في نفسي مثلك عند الناس، فتمنى حقيقة ما يقدره المخاطب، ورأى أن ذلك ~~إنما يتم حسنه متى عرف هو عيوب نفسه، وقد قيل للحسن: من شر الناس، فقال: من ~~يرى أنه أفضلهم، وقال بعضهم: الكاذب في نهاية البعد من الفضل، والمرائي ~~أسوأ حالا منه، لأنه يكذب بفعله وقوله، والمعجب أسوأ حالا منهما، فإنهما ~~يريان نقص أنفسهما # ويريدان إخفاءه، والمعجب عمي عن مساوئ نفسه ورآها محاسن وسر بها، قال: ~~ولأن المرائي والكاذب قد ينتفع بهما كملاح خاف ركابه الغرق من مكان في ~~البحر فبشرهم بتجاوزه قبل أن يجاوزه، لئلا يضطربوا خوف الغرق فيؤدي ذلك بهم ~~إلى العطب، # وقد يحمد رياء الرئيس إذا قصد أن يقتدى به في فعل الخير، والمعجب لا حظ ~~له في ذلك بوجه " ولأنك إذا وعظت المرائي والكاذب فنفسهما تصدقك وتبكتهما ~~لمعرفتهما بنقصهما، والمعجب لجهله بنفسه يظنك في وعظه مغاليا فلا ينتفع ~~بمقالك، وإياه قصد تعالى بقوله: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) # ثم قال تعالى: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) # تنبيها أنهم لا يقلعون لإعجابهم، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " ثلاث مهلكات: شح، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه "، # وقد قال إبليس: إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لا أطالبه بغيرها: إذا عجب ~~بنفسه، واستكثر عمله ونسي ذنوبه، وكما أن العجب بفرسه وإن كان رديئا لا ~~يروم أن يستبدل به غيره، كذلك العجحب بنفسه لا يريد بحاله وإن كانت رديئة ~~بدلا، وأصل الإعجاب من حب الإنسان # نفسه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " حبك الشيء يعمي ويصم " ومن عمي ~~وصم تعذر عليه رؤية عيوبه، فيجب علينا أن نجعل على أنفسنا عيونا تعرفنا ~~عيوبنا بحق. # قال عمر رضي الله تعالى عنه: " رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي "، ويجب على ~~الإنسان إذا رأى من غيره سيئة أن يرجع إلى ms122 نفسه فإن رأى فيها مثل ذلك أزاله ~~ولا يغفل عنه. شعر: # فمن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى # PageV01P217 # والتيه: قريب من العجب لكن المعجب يصدق نفسه فيما يظن بها وهما، والتايه ~~يصدقها قطعا كأنه متحير في تيه. ### | أنواع اللذات وتفاصيلها # للذة إدراك المشتهى والشهوة انبعاث الحس لنيل ما يتشوقه، وهي ثلاث: بحسب ~~القوى الثلاث، وبحسب المقتنيات الثلاث: لذة عقلية: وهي التي يختص الإنسان ~~بها كلذة العلم والحكمة، ولذة بدنية: يشارك فيها جميع الحيوان الإنسان، ~~كلذة المأكل والمشرب والمنكح، ولذة مشتركة بين بعض الحيوان وبين الإنسان ~~كلذة الرياسة والغلبة. # وأشرفها وأقلها وجودا اللذة العقلية فشرفها أنها لا تمل ولا تبتذل لكن لا ~~يعرفها إلا من تخصص بها كالحكمة لا يستلذها إلا الحكيم. وأدون اللذات منزلة ~~وأكثرها وجودا اللذة البدنية فكل إنسان يتشوقها وكل حيوان، لكنها تمل تارة ~~وتراد تارة، وهي من وجه مداواة من آلام ومن وجه هي آلام، وعلى هذا قال ~~الحسن - رحمه الله - في وصف الإنسان: # صريع جوع وقتيل شبع. # وجميع اللذات تنقسم عشرة أقسام: # مأكل ومشرب ومنكح وملبس ومشموم # ومسموع ومبصر ومركب وخادم ومرفق من الآلات وما أشبهها، وقد جعل ذلك سبعة ~~فأدخل المركب والمرفق والخادم وما يجري مجرى ذلك في جملة المبصرات، وعلى ~~ذلك روي عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه حيث قال لعمار بن ياسر وقد رآه ~~يتنفس فقال: " يا عمار على ماذا تنفسك، إن كان على الآخرة فقد ربحت تجارتك، ~~وإن كان على الدنيا فقد خسرت صفقتك، فإني وجدت لذاتها سبع: المأكولات ~~والمشرويات والمنكوحات والملبوسات والمشمومات والمسموعات والمبصرات، # فأما المأكولات: فأفضلها العسل وهو صنعة ذباب، وأما المشروبات: فأفضلها ~~الماء وهو مباح أهون موجود وأعز مفقود، وأما المنكوحات: فمبال في مبال ~~وحسبك أن المرأة تزين أحسن شيء منها ويراد أقبح شيء منها، وأما الملبوسات: ~~فأفضلها الديباج وهو نسج دودة، وأما المشمومات: فأفضلها المسك، وهو دم ~~فأرة، وأما المسموعات: فريح هابة في الهواء، وأما المبصرات: فخيالات صائرة ~~إلى الفناء "، وقد ذكر الله تعالى ms123 # أصل ذلك في قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك ~~متاع الحياة الدنيا) . # PageV01P218 # والمشار إليه بحرث الدنيا إلى هذه الأشياء السبعة على ما ذكرناه # عن علي كرم الله وجهه، والعشرة على ما ذكره غيره، وكلا القولين في ~~التحصيل واحد، والمراد بالنساء: اقتناؤهن والاستكثار منهن، وبالبنين: ~~الذكور من الأولاد والحفدة والخدم، وبالأنعام: الأزواج الثمانية، وبالخيل: ~~المسومة السائمة منها والمستعد، # واعلم أن الذي هو ضرورة للإنسان من هذه اللذات ولا قوام له في هذه الدنيا ~~إلا به ما هو مشترك بينه وبين جنسه من الحيوان من المأكل والمشرب ويجمعهما ~~اسم الغذاء # والمنكح، فبالغذاء بقاء الأشخاص، وبالنكاح بقاء الأنواع، ولذلك صارت ~~الحاجة إليهما ضرورية وصار تناولهما لا بد منه، وسائر اللذات مخصوص بها ~~الإنسان وليس بضروري له ويتناوله بفكره، وتأنف الملوك من هذه الملاذ إلا ~~اثنتين: السماع، لكونه من وجه لذة روحانية، والبناء، لكونه دالا على الهمة ~~الرفيعة، ومتى كانت الشهوة متناهية عقلية كانت أم بدنية يقال لها: الحرص ~~فقط، والحريص قد يكون محمودا، # ولذلك قال تعالى: (حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (128) # ومتى كانت الشهوة للقنيات قيل لها: الشره سواء كان مالا أو طعاما أو ~~نكاحا، ومتى كانت للطعام قيل لها: النهم، فإذا كانت للنكاح قيل لها: الشبق، ~~وثلاثتها - أعني الشبق والنهم والشره - مذمومة وما روي من قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " منهومان لا يشبعان منهوم بالمال # ومنهوم بالعلم " فالنهم في العلم استعارة وهو أن يحمل على نفسه ما تقصر ~~قواها عنه فينبت، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " إن المنبت لا أرضا قطع ~~ولا ظهرا أبقى ". ### | فيما يحسن تناوله من المطعم وما يقبح منه # الغذاء ضربان: # أحدهما: ما لا يستغنى عنه في تربية البدن كالطعام الذي به يتغذى # والماء الذي به يروى، والإنسان إذا تناول من ذلك مقدار لا يمكن التبلغ ~~بأقل منه على ما يجب وكما يجب فهو معذور، بل مشكور ومأجور، وعلى هذا ما روي ~~عند أكل الصالحين ms124 تنزل الرحمة، وحقه أن يتناوله تناول مضطر عالم بقذارة ~~مآله، وأن يرى إدخاله في نفسه كدخول المستراح، ويتحقق أن نسبة الإنسان إلى ~~الثمار والفواكه نسبة الجعل إلى الروث، فلو نطق الشجر لقال: لك أنت تأكل ~~فضالتي كما يأكل الجعل فضالتك، والخنزير إذا استطاب لفاظة الإنسان فما هو ~~إلا كاستطابتنا لفاظة الشجر، # PageV01P219 # وبهذا تعلم أن شرف المطعم والمشرب بالإضافة لا بالإطلاق، فألق يا إنسان ~~عن مناكبك الدثار وجل البصيرة، واستعمل الاعتبار تجد صدق ما قلت. ومن تناول ~~من الطعام أكثر من ذلك كره له طبا وشرعا، أما طبا فيدل عليه قول الشاعر: # فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " البطنة أصل الداء، والحمية أصل ~~الدواء، وعود كل بدن بما اعتاد "، قال ابن زكريا المتطبب: ما ترك النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في الطب شيئا إلا وأتى به في هذه الكلمات الثلاث. # وأما شرعا فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " ما من وعاء أبغض إلى الله ~~من بطن مليء من حلال " وذاك أن امتلاء البطن مقو للشهوة، وقوة الشهوة داعية ~~للهوى، والهوى أعظم جند للشيطان، ومن آثر هواه وانتشر في بدنه حل في كل عضو ~~منه جزء بقدر وسعه له فكثر جنود الشيطان، والشيطان إذا تسلط على الإنسان ~~سباه من ربه وصرفه عن بابه، # وقد قيل لحكيم: ما بالك مع كبرك لا تتفقد بدنك وقد انهد، # فقال: لأنه سريع المرح فاحش الأشر، فأخاف أن يجمع بي فيورطني، ولأن أحمله ~~على الشدائد أحب إلي من أن يحملني على الفواحش. # والضرب الثاني من المطعم: ما يستغنى عنه ولو توهمناه مفقودا لم يختل ~~بافتقاده # البدن، وأعظمه ضررا المسكر فنفعه ليس بضروري وتناوله تسهيل لطريق الشيطان ~~إلى تهييج القوة السبعية وإثارة سلطان الهوى، كما قال تعالى: (إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة) # وقد قيل: حيث يسكن الشراب واللهو لا تسكن العفة والحكمة. # فإن قيل فقد ms125 قال تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات ~~من الرزق) # PageV01P220 # فلم يخص من الحلال قدرا دون قدر ولا جنسا دون جنس، قيل: الطيب التام ~~الطيب هو الذي جمع اللذة والنفع والفضيلة، وذلك هو القدر المتبلغ به على ما ~~يجب وكما يجب، ألا ترى كيف ذم من لم يكن ذلك قصده، فقال تعالى: (ذرهم ~~يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) # وقال تعالى: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى ~~لهم (12) # ومن الدلالة على خسة كثرة الأكل: ادعاء العامة الاستغناء بالقليل، وقلة ~~وجود المفتخر بكثرة الأكل، وقد قيل: # من كانت همته ما يدخل بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه، # وقد استحسن قول الشاعر: # فإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن ~~كان لا بد، فلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس "، # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " المؤمن ياكل في معي واحد، والكافر # ياكل في سبعة أمعاء " فنبه في الخبرين أنه لا يستحب للإنسان إلا الأكل في ~~سبع بطنه، وهو ما ذكره من اللقيمات، وذلك دون عشر لقيمات؛ لأن جمع القلة ~~بالألف والتاء لما دون العشرة، ثم رخص لمن غلب عليه النهم أن يببغ إلى ثلث ~~بطنه، فحصل من ذلك أن أكل المؤمن في اليوم ينبغي أن يكون سبع بطنه أو ثلث ~~بطنه. ### | فيما يحسن من المنكح وما يقبح منه # قد تقدم أن النكاح ضروري في حفظ النسل وبقاء النوع الإنساني كما أن ~~الغذاء ضروري في حفظ الشخص، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: " تناكحوا ~~تكاثروا، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة "، وقال - صلى الله عليه وسلم ~~-: " خير نسائكم الودود الولود "، وقال: # PageV01P221 # " سوداء ولود خير من حسناء عقيم "، ولقصد النسل حظر إتيان النساء في ~~محاشها، وعلى هذا نبه قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) # فنبه على أنه لا يجوز إتيانها إلا حيث المحرث، وكره العزل تأكيدا للمقصود ~~من النكاح، وعلى ذلك ms126 دل قوله تعالى: (وابتغوا ما كتب الله لكم) . # وتحري النكاح على ضربين: # أحدهما: على الوجه الذي سنه الشرع، وذلك إما محمود وهو أن يتعاطاه قاصدا ~~به النسل أو مزيلا للضرر عنه على ما يجب أو مسكنا لنفسه، فالماء إذا اجتمع ~~في مقره يجري مجرى مدة وقيح من جرح يعظم لحبسه الضرر، ويدعو صاحبه إلى ما ~~هو في الشرع محرم، أو مكروه طبا وإن لم يكن قد كره شرعا، وذلك أن يتعاطاه ~~المرء فضلا عما تقدم ذكره قإنه ينفذ العمر، ويستنفذ القوى، ويوسع أوعية ~~المني ويجلب إليه دما كثيرا، ويزيده شهوة، وأعظم فائدة فيه أن يلحق صاحبه ~~بأفق البهائم من التيوس والثيران وغيرها مما يوصف بالشبق. # والضرب الثاني: هو أن يكون على غير الوجه المشروع، وذلك ضربان: # أحدهما: تعاطيه في المحرث، ولكن لا على الوجه الذي يجب وكما يجب كالزنا، ~~وقد عظم الله أمره فقرنه مرة بالشرك فقال: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) # ومرة قرنه بالشرك وقتل النفس المحرمة فقال: (والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما (68) # وسمي ذلك سفاحا من حيث إن المجتمعين عليه لا غرض لهما سوى سفح الماء ~~للشهوة كمن ضيع ماء في غير حرثه. # والثاني: تعاطيه في غير المحرث كاللواطة، وهي أعظم من الزنى، لأن الزنى ~~وضع البذر في المحرث على غير الوجه المأمور به، فهو كمن يزرع في أرض غيره ~~أو على غير # PageV01P222 # الوجه الذى يجوز أن يزرع فيها، وفي اللواطة مع ذلك تضييع البذر فمتعاطيها ~~ممن قال الله تعالى فيه: (ويهلك الحرث والنسل) # ولهذا وصف الله تعالى قوم لوط بالإسراف فقال: (إنكم لتأتون الرجال شهوة ~~من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) . # وأما العشق الشهوي فحماقة وجهل بما وضع لأجله الجماع، وتجاوز لحد البهائم ~~في عدم ملكة النفس وذم الهوى، فإن المتعشق لم يرض بإرادة لذة الباه التي هي ~~من أسمج ms127 الشهوات حتى أرادها من موضع واحد، فازداد بذلك عبودية على عبودية ~~وذلة على ذلة، فالبهيمة أحسن حالا منه، لأنها إذا أسقطت الأذى عن نفسها ~~بالسفاد سكنحت فصارت # إلى الراحة وهو لم يرض بذلك حتى استعان بالعقل في خدمة الشهوة ~~واستجلابها، وإنما أعطاه الله تعالى العقل ليقمع به الشهوة القبيحة، لا ~~ليجعله خادما لها وساعيا في حمقتها، فتعاطي العشق حال كل جاهل فارغ، سيما ~~إذا نظر في أخبار العشاق وجالسهم، وربما يؤدي بالعاشق الحال إلى الرق، ~~والذبول، بل إلى الموت. قال الشاعر: # لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه # ومن أثار شهوته فهو كمن يثير بهائم عادية وسباعا ضارية، ثم يلتمس دفعها ~~وقمعها والخلاص من شرها، وقد كان فيما يهيج من باعث الطبيعة كفاية عن ~~إثارتك بالفكرة والروية، فمن أعان الطبيعة على ذلك فهو كما قيل: # كلما أنبت الزمان قناة ... ركب المرء في القناة سنانا # وقد قال حكيم لتلميذ له وقد كان هوي جارية: هل تشك في أنك لا بد أن ~~تفارقها يوما ما،. فقال: لا، قال: فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم ~~في يومك هذا واربح ما بينهما من الخوف المنتظر، وصعوبة معالجة ذلك بعد ~~الاستحكام وانضمام الألفة إليه، وقيل لبعض الحكماء: ما العشق، فقال: جنون ~~لا يؤجر صاحبه عليه. # وسئل آخر عنه فقال: مرض نفس فارغة لا همة لها، وقال غيره: هو سوء # اختيار صادف نفسا فارغة، فأشاروا كلهم إلى معنى واحد. # PageV01P223 ### | العفة # العفة لا تتعلق إلا بالقوة الشهوية، ولا تتعلق من القوة الشهوية إلا ~~بالملاذ # الحيوانية، وهى المتعلقة بالغارين وهما: البطن والفرج دون الألوان الحسنة ~~والألحان الطيبة والأشكال المنتظمة. # فإن قيل فاستطابة الرائحة قد يكون للبهائم ألا ترى أن الذئب قد # يستطيب ريح الغنم، والكلب يستطيب رائحة الأرنب، قيل: إن استطابتهما لذلك ~~استطابة للأكل، والذي قلنا من الرائحة هو ما يستطاب لذاته لا لغيره، وما هو ~~لأجل أحد الغارين فحكمه حكمها كاستطابة الإنسان ريع السكباج، فثبت أن العفة ~~هي ضبط النفس عن الملاذ الحيوانية، ms128 وهي حالة متوسطة بين إفراط هو الشره ~~وتفريط هو جمود الشهوة، وهي أس الفضائل من القناعة والعفة والزهد وغنى ~~النفس والسخاء # وعدمها يعفي على جميع المحاسن ويعري من لبوس المحامد، ومن اتسم بسمة ~~العفة قامت العفة له بحجة ما سواها من الفضائل وسهلت له سبيل الوصول إلى ~~المحاسن، وأسها يتعلق بضبط القلب عن التطلع للشهوات البدنية، وعن اعتقاد ما ~~يكون جالبا للبغي والعدوان، وتمامها يتعلق بحفظ الجوارح، فمن عدم عفة القلب ~~يكون منه التمني وسوء الظن اللذان # هما أس كل رذيلة، لأن من تمنى ما في يد غيره حسده وإذا حسده عاداه، وإذا ~~عاداه نازعه، وإذا نازعه ربمما قتله. ومن أساء الظن عادى وبغى وتعدى، ولذلك ~~نهى الله سبحانه عنهما جميعا فقال: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض) # وقال: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم) # فأمر فيهما بقطع شجرتين يتفرع عنهما جل الرذائل والمآثم، ولا يكون # الإنسان تام العفة حتى يكون عفيف اليد واللسان والسمع والبصر، فمن عدمها ~~في اللسان: السخرية والتجسس والغيبة والهمز والنميمة والتنابز بالألقاب، ~~ومن عدمها في # البصر: مد العين إلى المحارم وزينة الحياة الدنيا المولدة للشهوات ~~الرديئة، ومن عدمها في # السمع: الإصغاء إلى المسموعات القبيحة. # وعماد عفة الجوارح كلها أن لا يطلقها صاحبها في شيء مما يختص بكل واحد ~~منهما إلا فيما يسوغه العقل والشرع دون الشهوة والهوى. # PageV01P224 # واعلم أنه لا يكون المتعفف عفيفا إلا بشرائط، وهي: أن لا يكون تعففه عن ~~الشيء انتظارا لأكثر منه أو لأنه لا يوافقه، أو لجمود شهوته، أو لاستشعار ~~خوف من عاقبته، أو لأنه ممنوع من تناوله، أو لأنه غير عارف به لقصوره، فإن ~~ذلك كله ليس بعفة، بل هو إما اصطياد، أو تطبب، أو مرض، أو خرم، أو عجز، أو ~~جهل. وترك ضبط النفس عن # الشهوة أذم من تركها عن الغضب فالشهوة مغتالة مخادعة، والغضب مغالب، ~~والمتحيز عن قتال الخادع أردى حالا من المتحيز عن قتال المغالب؛ ولهذا قيل: ~~عبد ms129 الشهوة أذل من عبد الرق، وأيضا بالشره قد يجهل عيبه فهو شبيه بأهل ~~مدينة لهم سنة رديئة يتعاطونها # ولا يعرفون قبحها، وليس من تعاطى قبيحا يعرفه كمن يتعاطاه وهو يظنه حسنا. ### | القناعة والزهد # القناعة: الرضا بما دون الكفاية، والزهد: الاقتصار على الزهيد، أي: ~~القليل وهما يتقاربان، لكن القناعة تقال اعتبارا برضا النفس، والزهد يقال ~~اعتبارا بالمتناول لحظ النفس وكل زهد حصل لا عن قناعة فهو تزهد لا زهد، ~~لذلك قال بعض المتصوفة: # القناعة أول الزهد تنبيها على أن الإنسان أولا يحتاج إلى قنع نفسه ~~والتخصص بالقناعة ليسهل تعاطي الزهد، فالقناعة هي الغنى في الحقيقة، والناس ~~كلهم فقراء من وجهين: # أحدهما: لافتقارهم إلى الله تعالى كما قال تعالى: (يا أيها الناس أنتم ~~الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) # والثاني: لكثرة حاجاتهم فأغناهم أقلهم حاجة، ومن سد مفاقره بالمقتنيات ~~فما في انسدادها طمع فإنه كمن يرقع الخرق بالخرق ويسد # الفقر بالفقر، ومن سدها بالاستغناء عنها بمقدار وسعه والاقتصار على تناول ~~مقدار ضرورياته فهو الغني والقريب من الله، كما أشار إليه فيما حكي عن ~~طالوت: (إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ~~إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم) # ولأن الغنى هو عدم الحاجة فأغناهم أقلهم حاجة، ولذلك كان الله تعالى أغنى ~~الأغنياء، لأنه لا حاجة به إلى شيء، وعلى ذلك دل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بقوله: " ليس الغنى بكثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس " ومن # PageV01P225 # أبيات الحكمة: # غنى النفس ما يكفيك من سد خلة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا # والخير بين أن يستغني عن الدنيا وبين أن يستغني بها كالخير بين أن يكون ~~مالكا # أو مملوكا، وقويا أو ضعيفا، ومعافى أو مبتلى، وحيا أو ميتا، فمتى اختار ~~الاستغناء بها فقد اختار أن يكون مملوكا وضعيفا وميتا ومبتلى، ولهذا قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم وانتكس، ~~وإذا شيك فلا انتقش ". # وقيل لحكيم: لم ms130 لا تغتم، فقال: لأني لم أتخذ ما يغمني. # وأعلم أنه ليس الزهد من ترك المكسب في شيء، كما توهمه قوم أفرطوا حتى ~~قربوا من مذهب المانوية والبراهمة والرهابنة فإن ذلك يؤدي إلى خراب الدنيا، ~~وهلاك العالم، ومضادة الله - عز وجل - فيما قدر ودبر، وقد تقدم ذلك. # والزهد من وجه صبر، ومن وجه جود، فالجود ضربان: جود بما في يدك متبرعا، ~~وجود عما في يد غيرك متورعا، وذلك أشرفهما، ولا يحصل الزهد في الحقيقة إلا ~~لمن يعرف الدنيا ما هي، ويعرف عيوبها، وآفاتها، ويتحقق ما يستغنى عنه منها، ~~ويعرف الآخرة وافتقاره إليها، ولأجل أنه لا بد في ذلك من العلم قال تعالى: ~~(قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ ~~عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ~~ولا يلقاها إلا الصابرون (80) . # PageV01P226 # ولأن الزاهد في الدنيا راغب في الآخرة، وهو يبيعها بها كما قال تعالى: # (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) # ومحال أن يبيع كيس عينا بأثر إلا إذا عرفها وعرف فضل المبتاع على المبيع، # وقد قيل لبعض الزهاد: ما أزهدك وأصبرك، فقال: أما زهدي فرغبة فيما عند ~~الله، وهو أعظم مما أنت فيه، وأما صبري فلجزعي من النار. ### | الورع # الورع أصله جبن وضعف، وقد يستعمل في كل واحد منهما لكنه جعل في عرف الشرع ~~عبارة عن ترك التسرع إلى تناول أعراض الدنيا، وذلك على ثلاثة أضرب: # واجب: وهو الإحجام عن المحارم وذلك للناس كافة، وندب: وهو الوقوف عن ~~الشبهات وذلك للأوساط، وفضيلة: وهو الكف عن كثير من المباحات والاقتصار على ~~أقل الضرورات، وذلك للمتقين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " لا يكون العبد من المتقين حتى يدع ما ~~لا بأس به مخافة ما به بأس ". # وقال باعتبار المنزل الثاني: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "، وقال له ~~قائل: ما أشد الورع؟ ، فقال: " ما أيسر الورع إذا شككت في ms131 شيء فاتركه ". # PageV01P227 ### | الفصل الرابع فيما يتعلق بالقوى الغضبية # PageV01P229 ### | ما ينبع من القوة الغضبية # الحمية وهي قوة الغضب متى تحركت تحرك دم القلب فتولد منه ثلاثة أحوال ~~وذلك أنها إنما تتحرك على من فوقه، أو على من دونه، أو على نظيره، فإن كان ~~ذلك على من فوقه ممن أيقن أنه لا سبيل له إلى الانتقام منه تولد منه انقباض ~~دم القلب جزعا على العجز عن الانتقام وذلك هو الغم، وإن كان على من دونه ~~ممن يتحقق أنه يقدر على الانتقام منه تولد منه ثوران دم القلب لإرادة ~~الانتقام وذلك هو الغضب وإن كان على نظيره فمن شك أنه هل يقدر على الانتقام ~~منه تردد الدم بين انقباض وانبساط وذلك # هو الوتر والحقد، ولكون الغم والغضب بالذات واحدا واختلافهما بالإضافة ~~لما سئل ابن عباس - رحمه الله - عنهما قال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف. فمن ~~نازع من يقوى عليه أظهره غضبا، ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره غضبا من لا ~~يقوي عليه كتمه حزنا، # ومن هذا قال الشاعر: # فحزن كل أخي حزن أخو الغضب # ولانبساط دم الغضب يحمر تارة وجهه وتنتفخ أوداجه كنار تلتهب، ويسود وجهه ~~تارة. # وذلك إذا كثر واشتد غضبه كنار في غار ليسود جوه، ولانقباض دم الجزع عن ~~ظاهر الجلد واجتماعه في القلب يصفر وجهه ربما يهلك من ذلك، ولتردد دم القلب ~~في الحقد بين هذه الأحوال يحمر ويصفر ويسود. # والحرد هو: الغضب، لكن يستعمل إذا كان معه قصد المغضوب عليه، ولذلك يقال: ~~حرد حرد الأسد. ### | أنواع الصبر ومدحه # الصبر ضربان: جسمي ونفسي. # فالجسمي: هو: تحمل المشاق بقدر القوة البدنية ونهايته معلومة، وأكثرها ~~لذوي # PageV01P231 # الجسوم الخشنة وليس ذلك بفضيلة تامة، ولهذا قال الشاعر: # والصبر بالأرواح يعرف فضله ... صبر الملوك وليس بالأجسام # وذلك في الفعل؛ كالمشي، ورفع الحجر الثقيل، وفي الانفعال؛ كالصبر على # المرض، واحتمال الضرب والقطع. # والثاني: نفسي: وبه تتعلق الفضيلة، وذلك ضربان: # صبر عن تناول مشتهى ويقال له: العفة، وصبر على تحمل مكروه أو محبوب # وذلك تختلف أسماؤه بحسب ms132 اختلاف مواقعه، فإن كان ذلك في نزول مصيبة فإنه ~~لم يتعد به اسم الصبر، ويضاده الجزع والهلع والحزن، وإن كان في احتمال غنى ~~فقد يسمى ضبط النفس ويضاده الترفع والبطر، وإن كان في محاربة سمي شجاعة ~~ويضاده الجبن، وإن كان في إمساك النفس عن قضاء وطر الغضب سمي حلما ويضاده ~~التذمر، وإن كان في نائبة مضجرة سمي سعة الصدر ويضاده ضيق الصدر والضجر ~~والتبرم، وإن كان في إمساك كلام في الضمير سمي كتمان الشر ويضاده الإفشاء، ~~وإن كان في الإمساك عن فضولات العيش سمي قناعة وزهدا وهذا يضاده الشره ~~والحرص، # ويكون الصبر عاما قال الله تعالى: (والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس) # فذكر أنهما يصبرون في البأساء، أي: في الفقر، والضراء، أي: في المصيبة، ~~وحين البأس، أي: في المحاربة. وقال بعضهم: ضبط النفس يقال في الأشياء ~~الملذة، والصبر يقال في الأشياء المحزنة، وقال بعضهم: بل هما من الأسماء ~~المترادفة على معنى واحد، # فإن قيل: ما معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الصبر نصف الإيمان ~~"، قيل: لما كان جميع المحامد ضربين: ترك الشر - ويعبر عنه بالصبر - وفعل ~~الخير - ويعبر عنه بالشكر - # صار الصبر الذي هو ترك الشر نصف الإيمان. ### | الشجاعة # الشجاعة: إن اعتبرت وهي في النفس فصرامة القلب على الأهوال وربط الجأش في ~~المخاوف، وإن اعتبرت بالفعل فالإقدام على موضع الفرصة، وهي فضيلة بين ~~التهور والجبن، وهي تتولد من الفزع والغضب إذا كانا متوسطين، فإن الغضب قد ~~يكون مفرطا كمن يحتد سريعا من أشياء صغيرة، وقد يكون مقصرا كمن لا يغضب من ~~الاجتراء على حرمه وشتم أبيه وأمه، وقد يكون متوسطا على ما يجب في وقت # PageV01P232 # ما يجب وبقدر ما يجب، وكذلك الفزع قد يكون مفرطا فيتولد منه الجبن ~~الهالع، ومقصرا فيتولد عنه الوقاحة والغمارة كمن لا يفزع من شتم آبائه ~~وتضييع حرمه وأصدقائه، وقد يكون متوسطا كما يجب وبقدر ما يجب ولكونهما - ~~أعني الغضب # والفزع - على حالين محمود ومذموم صارا يحمدان تارة ويذمان أخرى، فإن ~~الغضب في نحو قوله ms133 تعالى: (وغضب الله عليهم) # والفزع في نحو قول الشاعر: # فزعت لظلمه إلخ محمودان، # والتهور في الأمور العملية هو الثبات المذموم في الأمور # المعطبة، والجبن هو الفزع في الأمور المعطبة. # وأطم أن أنواع الشجاعة خمسة: # سبعية: كمن أقدم لثوران غضب وتطلب غلبة، # وبهيمية: كمن حارب توصلا إلى مأكل أو منكح، وتجريبية: كمن حارب مرارا ~~فظفر فجعل ذلك أصلا ييني عليه، وجهادية: كمن يحارب ذبا عن الدين، وحكمية: ~~وهي ما تكون في كل ذلك عن فكر وتمييز وهيئة محمودة بقدر ما يجب وعلى ما ~~يجب، # ألا ترى أنه يحمد من أقدم على كافر غضبا لدين الله أو طمعا في ثوابه أو ~~خوفا من عقابه أو اعتمادا على ما رأى من إنجاز وعد الله في نصرة أوليائه، ~~فإن كل ذلك محمود # وإن كان محض الشجاعة هو أن لا يقصد بالإقدام حوز ثواب أو دفع عقاب، فقد ~~قيل # من عبد الله بعوض فهو لئيم. # والفرق بين المقدم في الحرب لمحض الحكمة وإخلاص الدين وبين المقدم لغير ~~ذلك هو أن المقدم لغير الحكمة والإخلاص يخاف الموت أكثر مما يخاف المذمة ~~الصادقة، والمقدم للحكمة والإخلاص بالضد من ذلك فإنه يختار الموت الحميد ~~على الحياة الذميمة، ولذلك قال علي رضي الله تعالى عنه: " أيها الناس إنكم ~~إن لم تقتلوا تموتوا، والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون ~~من ميتة على فراش "، # ومن الشجاعة المحمودة مجاهدة الإنسان نفسه أو غيره، وكل واحد منهما ~~ضربان: مجاهدة النفس بالقول: وذلك بالتعلم. وبالفعل: وذلك بقمع الشهوة ~~وتهذيب الحمية # ومجاهدة الغير بالقول، وذلك تزيين الحق وتعليمه، وبالفعل وذلك مدافعة ~~الباطل ومتعاطيه بالحرب. # PageV01P233 ### | أسماء أنواع الفزخ والجزع والفرق بينهما وبيان ما يحمد منهما وما يذم # الفزع والجزع أخوان لكن الفزع ما يعتري الإنسان من الشيء المخيف، والجزع ~~مما يعتري من الشيء المؤلم، والفزع لفظ عام سواء كان عارضا عن أمارة ودلالة ~~أو حاصلا لا عن ذلك. # ومتى كان ذلك من عار فهو الحياء والخجل، ومتى كان عن شيء يضر فهو ms134 الفرق ~~والذعر، ومتى كان لفوت محبوب فهو الإشفاق، ولهذا قال # تعالى حكاية عن أهل الجنة: (قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) . # والحؤف: هو توقع مكروه عن أمارة، والخشية: خوف يشوبه تعظيم المخشي منه مع ~~المعرفة به، ولذلك قال تعالى: (من خشي الرحمن بالغيب) # وقال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) # والوجل: استشعار عن خاطر غير ظاهر # وليس له أمارة، قال الله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) # والرهبة: خوف مع تحرز واضطراب، ولتضمن الاحتراز قال تعالى: (وأوفوا بعهدي ~~أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40) # والهيبة: رهبة جالبة للخضوع عن استشعار تعظيم، ولذلك يستعمل في كل محتشم. ~~قال الشاعر: # أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها # وهذه الأشياء قد تذم باعتبار الأمور الدنيوية وتحمد باعتبار الأمور ~~الأخروية، قال الله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) # وقال: (وإياي فارهبون (40) # وقال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) # والخوف من الله تعالى ليس يشار به إلى ما يخطر في البال من الرعب ~~كاستشعار الإنسان الرعب من الأسد، وإنما يشار به إلى ما يقتضيه الخوف وهو ~~الكف عن المعاصي، ولذلك قيل: # لا يعد خائفا من لم يترك الذنوب، وقال تعالى: (إنما ذلكم الشيطان يخوف ~~أولياءه) # أي: لا تفعلوا ما يقتضيه الخوف منه وافعلوا ما يقتضيه خوفي، # فإن قيل: كيف يمدح المؤمن بالحزن والخوف مع قوله تعالى: (ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) # قيل: أما الممدوح به فمقتضاهما وذلك إقامة العبادات، وأما المنفيان عنهم ~~فهما اللذان يكونان من الأشرار. # PageV01P234 ### | مداواة الغم وإزالة الخوف # حق الإنسان أن يعلم أن الدنيا جمة المصائب، رائقة المشارب، تثمر للبرية ~~كل بلية، فيها مع كل لقمة غصة، ومع كل جرعة شرقة، فهي عدوة محبوبة كما قال ~~أبو نواس: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # وكما روي عن الحسن - رحمه الله - أنه قال: ما مثلنا مع الدنيا إلا كما ~~قال كثير: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ms135 ... لدينا ولا مقلية إن تقلت # فما أحد فيها إلا وهو في كل حال غرض لأسهم ثلاثة: سهم بلية، وسهم رزية، ~~وسهما منية. # تناضله الآفات من كل جانب ... فتخطئه يوما ويوما تصيبه # وقد قال بعض الحكماء: أسباب الحزن فقد محبوب أو فوت مطلوب، ولا يسلم ~~منهما إنسان، لأن الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد، فمن أحب ~~أن يعيش هو وأهله وأحبابه فهو غير عاقل، لأنه يريد أن يملك ما لا يملك ~~ويوجد له ما لا يوجد " فحق المرء أن لا يخلي قلبه من اعتبار فيما يرى من ~~ارتجاع ودائعها من أربابها وحلول فوازعها بأصحابها، وما أحسن ما قال ابن ~~الرومي: # ألم تر رزء الدهر من قبل كونه ... كفاحا إذا فكرت في الخلوات # فمالك كالمرمي من مأمن له ... بنبل أتته غير مرتقبات # فإن قلت مكروها أتانا فجأة ... فما فوجئت نفس مع الخطرات # ولا عوقبت نفس ببلوى وقد رأت ... عظات من الأيام بعد عظات # إذا بعثت أشياء قد كان مثلها ... قديما فلا تعتدها بغتات # ومن حقه أن يقلل من اقتناء ما يورثه الحزن، فقد قيل لحكيم: نراك لا تغتم، ~~فقال: لأني لا أقتني ما يغمني فقده، فأخذ هذا المعنى الشاعر فقال: # ومن سره أن لا يرى ما يسوؤه ... فلا يتخذ شيئا يبالي له فقدا # وقيل لحكيم: هل يمكن الإنسان أن يعيش آمنا، فقال: نعم إذا احترس من ~~الخطيئة، # PageV01P235 # وقنع بماله، ولم يحزن بما هو واقع به لا محالة. # واعلم أن الجزع على ما فات لا يلم ما تشعث ولا يبرم ما انتكث كما قيل: ~~وهل جزع مجد علي فأجزعا. # فأما غم على المستقبل فلا يخلو من ثلاتة أوجه: # إما في شيء ممتنع كونه أو واجب # كونه أو ممكن كونه، فإن كان على ما هو ممتنع كونه فليس ذلك من شأن ~~العاقل، وكونه إن كان من قبل الواجب كونه كالموت الذي هو حتم في رقاب ~~العباد، وإن كان ممكنا كونه فإنه إذا كان من الممكن الذي لا سبيل إلى دفاعه ~~كإمكان الهرم، فالحزن ms136 له جهل واستجلاب غم إلى غم، وإن كان من المكن الذي ~~يصح دفاعه فالوجه أن يحتال لدفاعه بفعل غير مشوب بحزن، فإن اندفع وإلا ~~تلقاه بصبر جميل وليتحقق معنى قوله تعالى: # (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ~~إن ذلك على الله يسير (22) # ثم قال: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) # فمن علم أن ما جرى من حكمه وسبق علمه لا سبيل إلى أن # لا يكون هانت عليه النوائب ولم يجزع لحلول المصائب. # واعلم أن الذي يغر الناس حسن ظنهم بانحسار الآفات واغترارهم حالة بعد ~~حالة بصفاء الأوقات، ولو تأملوها بالبصيرة لتحققوا أنها كما قال أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: " ما قال الناس لقوم طوبى لكم إلا ~~وقد خبأ لهم الدهر يوم بؤس " كما قيل: # إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان # وأما سبب الاغتمام للموت فلا ينفك من أربعة أوجه: # إما لفوت شهوات بطنه وفرجه، وإما على ما يخلفه من ماله، وإما على جهله ~~بمآله، وإما خوفا لما قدمه من عصيانه. # فإن كان ذلك لشهوة بطنه وفرجه، فليعلم أن ذلك كمشته داء ليقابله بداء # مثله فإن الإنسان لا يستلذ بالطعام حتى يجوع، والجوع داء مهروب منه وشبعه ~~داء مهروب إليه، فمثل من يحب الجوع ليستطيب بعده الأكل كمن يستطيب القعود ~~في الشمس ليناله الحر، ثم يستطيب القعود في الظل، ومحبة ذلك رقاعة لا تحد ~~ولا تعد. # وإن كان غمه على مما يخلفه من مال، فذلك لجهله بخساسة الأعراض الدنيوية ~~وكونها معدن كل بلية، وقلة معرفته بنفاسة الأملاك الحقيقية التي وعد ~~المتقون بها. # PageV01P236 # وإن كان غمه لجهله بماله ومآله عند ربه، فمداواته بالعلم والمعرفة ~~الحقيقية التي تريه حال ما للإنسان بعد الموت كما قال حارثة للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل ~~الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوون فيها ". # وإن كان ms137 غمه خوفا لما قدم من عصيانه؛ فدواؤه المبادرة بالتوبة، ويكفيه إن ~~كان ذا بصيرة ما جعل الله له إليه سبيلا من تلافي ما فرط منه ووعد به ~~التائبين إليه. ### | أحوال الناس في محبة الموت والاحتيال لقلة المبالاة به # الناس في ذلك على ثلاثة أضرب: # فالأول: حكيم يعلم أن الحياة تسترقه والموت يعتقه، وأن الإنسان في هذا ~~العالم وإن طال فيه لبثه فهو كخطفة برق لمعت في أكناف السماء ثم خفيت، وأنه ~~في دنياه # كمبعوث إلى ثغر يحرسه وبلد يسوسه فيراعي من ذلك ما استرعى ويفرح ويسر إذا ~~استدعى، ولا ينكأه خروجه منها إلا بقدر ما يفوته من خدمة ربه والازدياد من ~~التقرب إليه، والإشفاق مما يقال له كما قال بعض الصالحين وقد رؤي منه جزع ~~عند الموت فقيل # له في ذلك، فقال: إنما جزعي لأني أسلك طريقا لم أعهده، وأقدم على رب لم ~~أره ولا أدري ما أقول ولا ما يقال لي. # والثاني: رجل أنس بهذا العالم فألفه، وإن كرهه فسبيله سبيل من ألف بيتا ~~مظلما قذرا ولم ير غيره يكره الخروج منه وإن كان يكره الكون فيه كما قال ~~الشاعر: # دخلنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا # وما حب البلاد بنا ولكن ... أمر العيش فرقة من هوينا # وحق ما قيل: لو رضي الناس بأرزاقهم رضاهم بأوطانهم لما شكا أحد فقره، ~~فهذا متى خرج عن دنياه واطلع على ما أعد الله للصالحين مما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر سر بخلاصه كما حكى الله - عز وجل - عمن استقر ~~بهم القرار في جنات النعيم حيث قالوا: (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا ~~الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذي أحلنا دار المقامة من فضله) . # PageV01P237 # والثالث: رجل أعمى عين البصيرة متلطخ السريرة بما ارتكب من أنواع ~~الجريرة، رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها. ويئس من الآخرة كما يئس الكفار من ~~أصحاب القبور، فإذا خرج منها إلى دار الخلود أضر ذلك به كما تضر رياح الورد ~~بالجعل، وإذا خرج من ms138 قاذورات الدنيا لم يوافقه العالم العلوي بمصاحبة الملأ ~~الأعلى ومنادمة أولي العلا فيعمى كما قال تعالى: (ومن كان في هذه أعمى فهو ~~في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72) # ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر "، ~~وأجدر بمن تربي في هذا العالم بغذائه من العلم والعمل الصالح أن لا يشتاق ~~إليه بعد خروجه منه وإن خرج مكرها كما لا يشتاق إلى الرجوع إلى بطن أمه بعد ~~الخروج منه، ويدلك على أنه خرج من بطن أمه كارها بكاؤه، فقد قال بعض ~~الحكماء القدماء: أول ما ينال الصبي غمه # عند سقوطه من بطن أمه لا يضغطه من ضيق خروجه ويصيبه من ألم الهواء ~~فيتوجع، والوجع يورثه الغم، والغم يحمله على البكاء، وذلك أن للصبي كل ما ~~يكون للحيوان غير النطق من اللذة والألم والجوع والعطش، ومن هذا المعنى أخذ ~~ابن الرومي فقال: # لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد # وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: ما أحد إلا والموت خير له من الحياة، ~~لأن الله تعالى قال في الأخيار: (وما عند الله خير للأبرار (198) # وقال في الأشرار: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) # وقد قيل: الصالح إذا مات استراح من الدنيا، والطالح إذا مات استراحت منه ~~الدنيا. # وقال بعض الحكماء: من قال لغيره: صانك الله من نوب # الأيام وصروف الزمان فإنه يدعو له بالموت، فالإنسان لا ينفك من ذلك إلا ~~بخروجه من دار الكون والفساد، وقال بعض الصوفية: حق ملك الموت أن يحبه ~~المسلم من بين الملائكة فضل محبة من حيث إنه أحد أسباب تعويضه الحياة ~~السنية الأبدية من حياته الدنية الدنيوية، ولهذا أمرنا أن نقول في دعائنا: ~~اللهم صل على جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فإن جبريل وميكائيل هما ~~سببان لإنهائنا من ذلك العالم بما فيه خلاصنا من # دار الكون والفساد. وملك الموت سبب لإخراجنا من دار الكون والفساد فإذا ~~حقه # PageV01P238 # عظيم وشكره لازم. # وقد حكي ms139 أن قوما من الأوائل كانوا يعظمون " زحل " بالتقديس # والتسبيح له وقالوا: إنه لا يعين على الحياة العرضية، بل هو سبب إنقاذنا ~~من الدنيا الدنية، وقال بعض الأولياء في مناجاته: إلهي إن سألتك الحياة في ~~دار الممات فقد رغبت في البعد عنك، وزهدت في القرب منك، فقد قال نبيك ~~وصفيك: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله ~~لقاءه "، # وقال بعضهم: إن كان في قلة الحاجة الدنيوية غنى ففي انقطاع الحاجة كلها ~~الغنى الأكبر، ولا انقطاع لها إلا بمفارقة الدنيا. فالدنيا سبب فاقتنا ~~والعبودية لغير الله تعالى، وقبيح بالعاقل صحبة الفاقة والتخصص # بعبودية غير رب العزة، والموت سبب كمال الإنسان، ومن رغب عن كماله فهو من ~~الذين خسروا أنفسهم، ومن كره الموت أخرج من الدنيا كارها فيكون كعبد آبق رد ~~إلى مولاه مأسورا وقيد إلى حضرته مقهورا، وشتان بين عبد دعاه مولاه فأتاه ~~طوعا وبين آبق أسر فأتي به قسرا، وحق العاقل أن يكثر من ذكر الموت، فإن ~~ذكره لا يقرب أجله ويفيده # ثلاثة أمور: القناعة بما رزق، والمبادرة بالتوبة، والنشاط في العبادة، ~~ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: " أكثروا ذكر هازم اللذات فإنه ما ذكره ~~أحد وكان في ضيق إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ضيقها عليه " # وقيل: ذكر الموت يطرد فضول الأمل ويقل من غرور المنى، ويهون # المصائب، ويحول بين الإنسان والطغيان. ### | السرور والفرح # السرور: انشراح الصدر بلذة فيها طمأنينة النفس عاجلا وآجلا، وذلك في ~~الحقيقة إنما يكون إذا لم يخف زواله، ولا يكون ذلك إلا في القنيات ~~الأخروية، ولذلك قيل: # لا سرور في الدنيا على الحقيقة، والفرح هو انشراح الصدر بلذة عاجلة غير ~~آجلة، وذلك يكون في اللذات البدنية الدنيوية " ولهذا قال تعالى: (لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) # وقال تعالى: (وفرحوا بالحياة الدنيا) # فالفرح يدعو إلى النشاط، والنشاط يدعو إلى المرح، والمرح داعية الأشر، ~~والأشر مقدمة # PageV01P239 # البطر وأكثر ما يكثر ذلك في الأحداث والصبيان بقدر ما يغلب عليهم ms140 من ~~الغفلة، وقد ذمه الله تعالى بقوله: (وفرحوا بالحياة الدنيا) ، وقال تعالى: ~~(إن الله لا يحب الفرحين (76) # وقال تعالى: (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ~~(75) # وقال تعالى: (كل حزب بما لديهم فرحون (53) # وقد يسمى الفرح سرورا والسرور فرحا لكن على نظر من لا يعتبر الحقائق ~~ويتصور أحدهما بصورة الآخر، ولذلك قيل: من طلب السرور بالخارجات عنه لم ~~ينله. ### | العذر والتوبة # المذنب إذا عوتب أو خاف العتب لا ينفك عن أحد وجهين: إما أن يكون مصرا أو ~~معتذرا، فأما المصر: فقد يستحسن في بعض الأحوال التجافي عنه، وقد سمع رجل ~~حكيما وهو يقول: ذنب الإصرار أولى بالاغتفار، فقال: صدق ليس فضل من عفا عن ~~السهو القليل كفضل من عفا عن العمد الجليل، وأما المعتذر: فهو المظهر لما ~~يمحو به الذنب. # وجميع المعاذير لا تنفك عن ثلاتة أوجه: # إما أن يقول، لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا فيبين ما يخرجه عن كونه ~~ذنبا أو يقول: فعلت ولا أعود، فمن أنكر # وأنبأ عن كذب ما نسب إليه فقد برئت ساحته، وإن فعل وجحد فقد يعد التغابي ~~عنه كرما وإياه قصد الشاعر بقوله: # تغابي وما بك من غفلة ... لفرط الحياء وفضل الكرم # ومن أقر فقد استوجب العفو لحسن ظنه بك، قال بعض الحكماء: تجاوز عن مذنب ~~لم يسلك بالإقرار طريقا حتى أخذ من رجائك رفيقا، وإن قال: فعلت ولا أعود ~~فهذا هو التوبة وحق الإنسان أن يقتدي بالله تعالى في قبولها، وللتوبة شرائط ~~فرضا ونفلا، # ففرضها ترك الذنب مع ترك العود إليه، ونفلها التأسف لما سلف من الذنب ~~والاستغفار له وترك بعض المباحات مقابلة لما كان من العصيان. # واعلم أن للمذنب التائب إذا تاب توبة نصوحا فضيلة على من لم يذنب من ~~ثلاثة أوجه: # الأول: أنه قد جرب العيوب وعرف مداخل الشيطان على الإنسان فيكون أهدى إلى ~~الاحتراز من الشر، وقد قيل لحكيم: فلان لا يعرف الشر، فقال: ذالك أجدر أن ~~يقع فيه. # والثاني: أن المذنب التائب محتشم ms141 قد غلب الخوف على قلبه فيأتي باب مولاه، ~~وهو خزيان منكسر، ومن لم يذنب ربما يعجب بنفسه ويذل بعفته وليس خدمة عبد قد ~~عصى # PageV01P240 # ملكا وخرج عليه خارجيا، ثم عاد إليه وجلا خائفا فعفى عنه كخدمة من يذل ~~بطاعته وعدم مخالفته. # والثالث: أن التائب قد حلب الدهر الشطرين خيره وشره حلوه ومره، فهو أرفق ~~بالمذنبين وأوفق لهما وأصلح للرياسة ممن يظن أن الذنب خارج عن طبيعة ~~الإنسانية فيعجب بنفسه ويزري بغيره. ### | الحلم والعفو # الحلم: إمساك النفس عن هيجان الغضب، والتحلم: إمساكها عن قضاء الوطر منه ~~إذا هاج، ولما كان الحلم من تأثير العقل وغير منفك عنه صار يعبر به عن كل ~~عقل ظهر فعلا كقوله - عز وجل - في ذم الكفار على سبيل التعجب منهم: (أم ~~تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) # ومتى أطلق الحلم في حق الباري تعالى فإنه يراد به العمل # بمقتضاه وهو العفو دون انفعال بعرض له، ولن يتم حلم الإنسان إلا بإمساك ~~الجوارح كلها، اليد عن البطش، واللسان عن الفحش، والسمع عن استماعه، والعين ~~عن فضول النظر، وأقرب لفظ يستعمل في ضد الحلم: التذمر. # وأما العفو والصفح: فهما صورتا الحلم ومخرجاه إلى الوجود، والعفو هو ترك ~~المؤاخذة بالذنب، والصفح: ترك التثريب، واشتقاقه من تجاوز الصفحة التي أثبت ~~فيها ذنوبه، أو اللإعراض بصفحة الوجه عن التلف إلى ما كان منه، وهو محمود ~~إذا كان على الوجه الذي يجب. # ولهذا قال تعالى: (فاصفح الصفح الجميل (85) # فخص تنبيها على ما يحمل منه وقد ندب الله تعالى إلى ذلك بقوله: ~~(والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) # فأمر بالحلم والعفو وقال: (وليعفوا وليصفحوا) # وقال: (فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) # وقال: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله. # والعفو إنما يستحب فيما إذا كانت الإساءة مخصوصة بالعافي كمن أخذ ماله، # أو شتم عرضه، فأما إذا كانت الإساءة عائدة بالضرر على الشرع أو على جماعة ~~الناس # PageV01P241 # فإنه إن كان فيها أدنى شبهة فللسلطان العفو لقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " ادرؤوا الحدود بالشبهات " # وإن ms142 لم يكن شبهة فليس له العفو؛ ولهذا قال تعالى في الزنى: (ولا تأخذكم ~~بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. # وحق المعاقب أن لا يكون سبعا في انتقامه، بل لا يعاقب حتى يزول غضبه؛ ~~لئلا يقدم على ما ليس بواجب؛ ولذلك جرت سنة السلطان بحبس المجرم حتى ينظر ~~في جرمه ويعيد النظر فيه. # وقد قال بعضهم: ينبغي للسلطان أن يؤخر العقوبة حتى ينقضي سلطان غضبه، ~~ويعجل مكافأة المحسن، ويستعمل الأناة فيما يحدث، ففي تأخير العقوبة إمكان ~~العفو إن أحب ذلك، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان مسارعة الأولياء إلى ~~الطاعة، وقد أتي الإسكندر بمذنب فصفح عنه، فقال بعض جلسائه: لو كنت إياك ~~لقتلته، فقال: فإذا لم أكن أنا إياك ولا أنت إياي فلست بقاتله، وانتهى إلى ~~بعض أصحابه وهو يغتابه، فقيل له: لو أنهكته عقوبة فقال حينئذ: أبسط لسانا ~~وعذرا في اغتيابي. # واعلم أن لذة العفو أطيب من لذة التشفي، لأن لذة العفو يلحقها حمد # العاقبة، ولذة العقوبة يلحقها ذم الندم، والعقوبة ألأم حالات ذوي القدرة، ~~وهي طرف من الجزع، ومن رضي أن لا يكون بينه وبين الظالم له إلا ستر رقيق ~~فلينتصف، وقد نبه الله تعالى على ذلك بلطيف من المقال، فقال تعالى: (وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها) # فسمى مجازاة المسيء بإساءته إساءة، وقال تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم) # فسمى المجازي على الاعتداء معتديا؛ تنبيها على أنه قد كاد يكون إياه. # والعقوبات فيما بين الناس أقبحها ما كان فيما لم يظهر بالفعل، فقد قال ~~بعض # الملوك: إنما نملك الأجساد دون الضمائر، ونفحص عن الظواهر لا عن السرائر، ~~فمن سلم ظاهره احتملت جرائره، فقد يهفو المرء ونيته سليمة، ويزل وطريقته ~~مستقيمة. # PageV01P242 ### | ثوران الغضب وفضل كظمه # الغضب في الإنسان بمنزلة نار تشتعل والناس يختلفون فيه، فبعضهم: كالحلفاء ~~سريع الوقود وسريع الخمود، وبعضهم: كالغضى بطيء الوقود بطيء الخمود، ~~وبعضهم: سريع الوقود بطيء الخمود، وبعضهم: على عكس ذلك وهو أحمدهم ما لم ~~يكن مفضيا به إلى زوال ms143 حميته وفقدان غيرته، واختلافهم تارة يكون بحسب ~~الأمزجة فمن كان طبعه حارا يابسا يكثر غضبه، ومن كان بخلافه يقل، وتارة ~~يكون بحسب اختلاف العادة فمن الناس من تعود السكون والهدوء وهو المعبر عنه ~~بالذلول والهين واللين، ومنهم من تعود الطيش والانزعاج فيحتد بأدنى ما ~~يطرقه ككلب يسمع صوتا فينبح قبل أن يعرف ما هو، وأسرع الناس غضبا الصبيان ~~والنساء، وأكثرهم # ضجرا الشيوخ، وأجل الناس شجاعة، وأفضلهم مجاهدة، وأعظمهم قوة من يكظم ~~الغيظ، وعلى ذلك دل قوله تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين (134) # فجعلهم من المحسنين. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد مر بقوم ~~يرفعون حجرا فقال: " ألا أخبركم بأشدكم؟ ، من ملك نفسه عند الغضب ". # واعلم أن نار الغضب متى كانت عنيفة تأججت واضطرمت واحتد منه غليان الدم ~~في القلب وملأت الشرايين والدماغ دخانا مظلما مضطرما يسود منه مجال العقل ~~ويضعف به فعله، فكما أن الكهف الضيق إذا ملىء حريقا اختنق فيه الدخان ~~واللهب، وعلا منه الأجيج، فيصعب علاجه وإطفاؤه ويصير كل ما يدنو منه مادة ~~تقويه. # فكذلك النفس إذا اشتعلت غضبا عميت عن الرشد، وصمت عن الموعظة، فتصير ~~مواعظه مادة لغضبه، ولهذا حكي عن إبليس لعنه الله أنه يقول: متى أعجزني ابن ~~آدم فلن يعجزني إذا غضب، لأنه ينقاد لي فيما أبتغيه منه، ويعمل بما أريده ~~وأرتضيه. # وقد قيل: الغضب جنون ساعة، وربما أفضى إلى تلف باختناق حرارة القلب فيه، ~~وربما كان سببا لأمراض صعبة مؤدية إلى التلف. # PageV01P243 # وأسباب الغضب: العجب والافتخار والمراء واللجاج والمزاح والتيه والضيم # والاستهزاء وطلب ما فيه التنافس والتحاسد وشهوة الانتقام، وحق من اعتراه ~~غضبه أن يتفكر، فإن كان المغضوب عليه تحت يده فلا معنى لاستشاطته، إذ هو ~~ممكن من الانتقام منه على سكون الجأش، وإن كان غضبه على من لا سبيل له عليه ~~فلا معنى لتعذيبه نفسه في الحال، بل حقه أن يصبر حتى يتمكن منه، ثم يفعل ~~بالواجب، وقد قال حكيم: سد طريق الغضب قبل تلهب ناره في لحمك ودمك، ms144 فإنما ~~يمكن إطفاؤها قبل # انتشارها، فأما إذا اشتعلت فلا سبيل إلى إطفائها، وقال سلطان لحكيم: كيف ~~لي أن لا أغضب، فقال: بأن تكون في كل وقت ذاكرا أنه يجب أن تطع لا أن تطاع ~~فقط، وأن تخدم لا أن تخدم فقط، وأن تحتمل لا أن تحتمل فقط، وأن تتحقق أن ~~الله يراك دائما، فإذا فعلت ذلك لم تغضب، وإن غضبت كان قليلا. ### | الغيرة والجوار # الغيرة: ثوران الغضب حماية على أكرم الحرم وأكثر ما تراعى في النساء، ~~وجعل الله سبحانه هذه القوة في الإنسان سببا لصيانة الماء وحفظا للإنسان، ~~ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت العفه في نسائها، وقد يستعمل ~~ذلك في صيانة كل ما يلزم الإنسان صيانته في السياسات الثلاث التي هي سياسة ~~الرجل نفسه، وسياسة منزله وأهله، وسياسة مدينته وضيعته، ولذلك قيل: ليست ~~الغيرة ذب الرجل عن امرأته # ولكن ذبه عن كل مختص به، وقد قيل: الغيرة الذب عن كل ضعيف، وتسمى كراهية ~~النعمة عند من لا يستحقها غيرة، والغيرة وإن كانت من قوة الإنسانية وواجب ~~كونها في كل جيل فقد كثرت في العرب خاصة كثرة متناهية حتى إن من دخل دار ~~أحدهم والتجأ إلى فنائه عدوا فعله حرمة وجوارا وذمارا، بل قالوا: تعلق ~~الدلو بالدلو القريبة أو تلامس الطنب بالطنب يوجب حرمة وجوارا، بل كانوا ~~يراعون ذلك في الوحشيات والهوام حتي سمي بعضهم: مجير الجراد، ومجير الغزال، ~~ومجير الذئب، وسمي الغضب المقتضي للغيرة: الحفيظة، فيقال: أحفظني فلان، أي: ~~أغضبني الغضب الذي أثار مني قوة الحفظ. # PageV01P244 ### | الغبطة والمنافسة والحسد # الذي ينال الإنسان بسبب خير يصل إلى غيره على سبيل التمني أن يكون له ~~مثله فهو غبطة، وإذا كان مع ذلك سعي منه أن يبلغ هو مثل ذلك من الخير أو ما ~~هو فوقه فمنافسة، وكلاهما محمودان، وإن كان مع ذلك تمني زوال ما يصاحبه من ~~غير استحقاق لزواله فحسد، والحسد: هو تمني زوال نعمة عمن يستحقها، ولربما ~~كان مع ذلك سعي في إزالتها، والحاسد التام: هو ms145 الذي يكون حيث النفس تسعى في ~~إزالة نعمة مستحقة من غير أن يكون طالبا ذلك لنفسه، ولذلك قيل: الحاسد قد ~~يرى زوال نعمتك نعمة عليه، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " المؤمن يغبط، ~~والمنافق يحسد " فحمد # الغبطة، وقد قال تعالى: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) # فحثنا على التنافس إذا كان باعثا لنا على طلب المحاسن، وذلك كقوله تعالى: ~~(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ثلاتة لا ينجو منها أحد: # الظن والطيرة والحسد، وسأخبركم بالمخرج من ذلك فإذا ظننت فلا تتحقق، وإذا ~~تطيرت فامض ولا تنثن، واذا حسدت فلا تبغ " # أي: إذا أصابك غم بخير يناله غيرك فلا تبغ إزالته عنه. # واعلم أن الحسد من وجه غاية البخل، لأن البخيل يبخل بمال نفسه والحاسد ~~يبخل بمال الله تعالى، ولذلك قيل: الحاسد بخيل بما لا يملكه، ومن وجه هو ~~أظلم ظالم، لأنه يظلم غيره في إزالة حاله ويظلم ربه فيما قدره، وقد قيل: ~~الحسد والحرص ركنا الذنوب ومنهما أنتج ذنب إبليس وآدم فإبليس حسد آدم فصار ~~لعينا وطريدا، وآدم حرص على ما نهى الله عنه فأخرج من الجنة، فهما شجرتان ~~تجتنى منهما سائر الرذائل، فمن قطع أسبابهما نجا، # فإن قيل: فما وجه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا حسد إلا في ~~اثنتين: # PageV01P245 # رجل آتاه الله مالا فجعله في حق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ~~ويعلمها الناس "، # قيل: إنما عني بالحسد هاهنا الغبطة، وقد سمي ذلك حسدا من حيث إنه عبارة ~~عن الغم الذي ينال الإنسان من خير يناله غيره ولا يناله هو، وعلى ذلك يقول ~~الإنسان لولده: لا تحسد فلانا فيما يتعلمه، أي: لا تتمن حاله. واعلم أن ~~الحسد ضرب من الحماقة، لأن اغتمامه بما يناله ذووه وأهل بلده يقتضي أن يغتم ~~أيضا بما يناله أهل الصين والهند، على أن الخير الذي ينال ذويه إذا تفكر ~~فيه هو أنفع له مما يناله الأباعد. # PageV01P246 ### | الفصل الخامس في العدل والظلم والمحبة والبغض # PageV01P247 ### | القول في العدل وفضله # العدل لفظة ms146 تقتضي معنى المساواة، ولا تستعمل إلا باعتبار الإضافة، وهي في # التعارف إذا اعتبرت بالقوة فهيئة في الإنسان يطلب بها المساواة، فإذا ~~اعتبرت بالفعل فهو التقسيط القائم على الاستواء، وإذا وصف الله تعالى ~~بالعدل فليس يراد به الهيئة وإنما يراد به أن أفعاله واقعة على نهاية ~~الانتظام، فالإنسان في تحري فعل العدالة يكون تام الفضيلة إذا حصل مع فعلد ~~هيئة مميزة لتعاطيه، فقد يقع فعل الإنسان موصوفا بالعدل ولا يكون ممدوحا به ~~نحو أن يقسط مراءاة أو توصلا إلى نفع دنيوي أو خوف عقوبة السلطان. # والعدل تارة يقال: هو الفضائل كلها من حيث إنه لا يخرج شيء من # الفضائل عنه، وتارة يقال: هو أكمل الفضائل من حيث إن صاحبه يقدر أن ~~يستعمله في نفسه وفي غيره، وهو ميزان الله المبرأ من كل ذلة، وبه يستتب أمر ~~العالم، ولذلك قال تعالى: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان) # وقال: (والسماء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) # وعبر عن العدل بالميزان إذا كان من أثره ومن أظهر أفعاله الحسية، وقد قال ~~- صلى الله عليه وسلم -: " بالعدل قامت السموات والأرض "، # أي: لو كان شيء من موجودات العالم وأصوله زائد عما هو عليه # أو ناقصا عنه لم يكن منتظما هذا النظام، ومن فضيلة العدل أن الجور الذي ~~هو ضده لا يستتب إلا به، فلو أن لصوصا تشارطوا فيما بينهما شرطا فلم يراعوا ~~العدل فيه لم ينتظما أمرهم، ومن فضله أن كل نفس سليمة تلتذ وترتاح بسماعه ~~وتتألم من ضده، ولذلك يستحسن الجائر عدل غيره إذا رآه أو سمع به، وقد قيل: ~~العدل لا يخاف الله، أي: من حيث العدل لا خوف عليه، ولحسن العدل والمساواة ~~تتألم النفس من كل ما كان مركبا في العالم ليس له نظام مستقيم فيكره العرج ~~والعور ويتشاءم # PageV01P249 # به، ولتحري المساواة جعل الله تعالى أعضاء الإنسان الواقعة في الأطراف ~~زوجين اثنين، وجعلها في الأوساط واحدا واحدا، وللاقتداء بذلك تحرى النقاشون ~~بإزاء كل منقوش في جانب منقوشا مثله في الجانب الآخر، لئلا ms147 تكون الصور ~~معوجة، والعدل هو وسط أطرافه كلها جور، فالجور: هو الخروج عن الوسط بزيادة ~~أو نقصان، ولذلك صار # الجور والخطأ بالإضافة إلى العدل والصواب من حيز ما لا نهاية له، والعدل ~~والصواب من حيز التناهي وإدراكه صعب عسر، ولصعوبة ذلك قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: " استقيموا ولن تحصوا "، وتمدح - عز وجل - فقال: (وأحصى كل شيء ~~عددا (28) # تنبيها أنه هو المتحقق بوصف العدل والصواب من كل شيء، وقد قال بعض ~~الصوفية: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت: بلغني يا رسول ~~الله أنك قلت: " شيبتني سورة هود وأخواتها " فما الذي شيبك منها؟ ! فقال: " ~~قوله تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) # ولما كان الوصول إلى ذلك عسرا جدا صار ضابطه إذا تحرى # فيه بجهده وإن أخطأ فيه معذورا، بل مأجورا، ولذلك قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: " من اجتهد فأخطأ فله أجر ومن اجتهد فأصاب فله أجران ". ### | أنواع العدل وما يستعمل ذلك فيه # العدل ضربان: عدل مطلق: يقتضي العقل حسنه ولا يكون منسوخا في شيء من ~~الأزمنة ولا يوصف بالجور في حال، وذلك هو جذب الإحسان إلى من أحسن إليك وكف ~~الأذية عمن كف أذاه عنك. # وعدل مقيد: يعرف كونه عدلا بالشرع ويمكن أن يكون منسوخا في بعض الأحوال ~~والأزمنة، وذلك مقابلة السوء بمثله كأحوال القصاص وأروش الجنايات، وكأخذ ~~مال المرتد، وهذا النحو يصح أن يوصف على المجاز في بعض الأحوال بالجور، ~~ولذلك قال # PageV01P250 # تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) # فسمى جزاء السيئة سيئة من حيث إنه لو لم يكن معتبرا بالسيئة المتقدمة ~~كانت هي سيئة، وعلى ذلك: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) # وبالنظر إلى النوع الأول والاعتبار به قال بعض المتكلمين: # يعرف العدل والجور قبل الشرع، وبالنظر إلى النوع الثاني والاعتبار # به قال بعضهم: لا يعرفان إلا بالشرع، وعلى الجملة فالشرع مجمع العدالة ~~وبه تعرف حقائقها، ولو توهمناه مرتفعا لكان يؤدي إلى أن لا يكون عدل على ~~الحقيقة في شيء من جزئيات الأفعال، ولا يكون في ms148 كثير من كلياتها، فالعدل ~~المحمود هو الذي يتحرى فعله لا رياء ولا سمعة ولا رغبة ولا رهبة وإنما يكون ~~تحريا للحق عن سجية. # والذي يجب أن يستعمل الإنسان معه العدل خمسة أشياء: # الأول: بينه وبين رب العزة - عز وجل - بمعرفة توحيده وأحكامه. # والثاني: بين قوى نفسه، وذلك بأن يجعل هواه مستسلما لعقله، فقد قيل: أعدل ~~الناس من أنصف عقله من هواه. # والثالث: بينه وبين أسلافه الماضين في إيثار وصاياهم والدعاء لهم. # والرابع: بينه وبين معامليه في أداء الحقوق، والإنصاف في المعاملات من ~~البيع # والشراء والكرامات وجميع المعاوضات والإجارات. # والخامس: بث النصفة بين الناس على سبيل الحكم، وذلك إلى الولاة وخلفائهم. # وأما الحكام العدول في الأرض فثلاثة: # حاكم من الله تعالى: وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه. # والعامل والآمر به: وهو كل وال عدل. # والناض المعتبر به: وأعلاه الدينار ومعناه بالفارسية " دين أورده " ~~والناض من وجه كالحاكم ومن وجه كالآلة للحاكم يعتبر به إذا قيس عمل بعمل، ~~ولما كانت الشريعة مجمع العدالة ومنبعها صار من امتنع عن التزامها ~~وانتظامها أظلم ظالم، ولهذا قال - عز وجل -: (ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو كذب بالحق لما جاءه) # وقال: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم) # ولكون الكفر ظلما قال تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ~~ولا يزيد الظالمين إلا خسارا (82) # فقابل المؤمن بالظالم. # PageV01P251 ### | ما يحسن ترك العدل فيه # ترك العدل إلى ### | الظلم # عمدا في جميع الأحوال مذموم، والخارج عنه إلى الظلم # مستوجب بقدر خروجه عنه سخطا من الله - عز وجل -، إلا أن يتغمده الله ~~تعالى بعفوه، وأما الخارج عنه إلى الانظلام، أي: التزام الظلم فقد يحمد. # والانظلام من حيث الكمية ثلاثة أضرب: # انظلام في المال: وهو الاستخذاء للظالم في أخذ ماله. # وانظلام في الكرامة: وهو الاستخذاء في بخس منزلته من التعظيم. # وانظلام في النفس: وهو استخذاء لمن يؤله. # وكل واحد يكون محمودا ومذموما، # ومن حيث الكيفية ضربان: محمود، ms149 ومذموم. # فالمحمود: التغاضي عن حق له في المال أو فى الكرامة أو في النفس بقدر ما ~~يحسن وفي وقت ما يحسن، وهو المعبر عنه بالانخداع والتغافل الذي قيل فيه: ~~العقل مكيال ثلثه فطنة وثلثاه تغافل، وإياه قصد معاوية - رحمه الله - ~~بقوله: " من خدعك فانخدعت، فقد خدعته "، # وقال الشاعر: # ممن يعز على الثناء فيخدع # وذلك إذا كان في مال فمسامحة، وإذا كان في النفس فعفو، وإذا كان في ~~الكرامة فتواضع. # وأما على الوجه المذموم: ففي المال غبن، وفي الرأي غبن، وفي النفس ~~والكرامة هوان ومذلة. # وقد تقدم أن الإفضال والإحسان أشرف من العدل إذا كان الحكم بينك وبين # غيرك، فأما إذا حكمت بين اثنين فليس إلا العدل، وإنما الإحسان إلى ~~المتحاكمين " # ولهذا قال تعالى: (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) # وقال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل) # وقال لمن له الحق: (وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم) # وقال يحى بن معاذ: اصحبوا الناس بالفضل لا بالعدل فمع العدل، # PageV01P252 # الاستقصاء، ومع الفضل الاستبقاء وإني لأرجو أن يحاسب الله تعالى عباده # بالفضل لا بالعدل، وقد أمرهم أن يصاحب بعضهم بعضا بالفضل، وقد عظم الله ~~تعالى أمر الإحسان والإفضال فقال: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) # وقال: (وهل يأمر الحكيم بما لا يفعله، وكيف يترك الكريم التفضل ويقتصر ~~على العدالة وقد بين أن الفضل أكرم وأفضل، تعالى عن أدنى المنزلتين، وكيف ~~لا يرجى تفضله وأفعاله كلها عدل وعدله كله تفضل، لأنه مبتدئ بما لا يلزمه ~~والابتداء بما لا يلزم تفضل، وهل يجوز أن يترك التفضل انتهاء وقد تحراه ~~ابتداء؟!. ### | الظلم # الظلم: هو الانحراف عن العدل، ولذلك حد بأنه: وضع الشيء في غير موضعه ~~المخصوص به، وقد تقدم أن العدل يجري مجرى النقطة من الدائرة فتجاوزها من ~~جهة الإفراط عدوان وطغيان، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (قد ضلوا ضلالا ~~بعيدا (167) # والانحراف عنها في بعض جوانبها جور والظلم أعم الأسماء، ولما كان # الظلم ترك الحق الجاري مجرى النقطة ms150 من الدائرة صار العدول عنه إما قريبا ~~وإما بعيدا، فمن كان عنه أبعد كان رجوعه إليه أصعب " ولذلك قال تعالى: ~~(ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) # تنبيها أن الشيطان متى أمعن بهم في البعد من الحق # صعب عليهم حينئذ الاهتداء، ولأجل من فعل بهم الشيطان ذلك قال تعالى: # (أولئك ينادون من مكان بعيد (44) . # وأما المستعمل معهم الظلم فخمسة، وهم الذين يجب استعمال العدل معهم وقد ~~تقدم ذكرهم، الأول: رب العزة، الثاني: قوى النفس، الثالث: أسلاف الرجل، ~~الرابع: معاملوه من الأحياء، الخامس: عامة الناس إذا تولى الإنسان الحكم ~~بينهم، # وقد قال بعض العلماء: أظلم الناس من جار على نفسه، ثم من جار على ذويه، ~~ثم من جار على كافة الناس، وأفضلهم من عدل مع كافة الناس، ثم مع عشيرته، ثم ~~مع نفسه # وهذا قول وارد بنظر عامي، فإن الظالم لا يكون ظالما لغيره حتى يظلم أولا ~~نفسه، فإنه في أول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه، فإذا الظالم أبدأ مبتدئ ~~بظلم نفسه، والعادل مع # PageV01P253 # الناس إذا هم بالعدل وتحراه فقد عدل مع نفسه قبل أن يعدل مع غيره، وقد ~~قال بعضهم # الظلم ثلاثة: الظالم الأعظم: وهو الذي لا يدخل تحت شريعة الله تعالى ~~وإياه عنى بقوله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم (13) . # والأوسط: وهو الذي لا يلتزم حكم السلطان. # والأصغر: هو الذي يتعطل عن المكاسب والأعمال فيأخذ منافع الناس ولا ~~يعطيهم منفعة، ومن خرج عن تعاطي العدل بالطبع وبالخلق والتخلق والتصنع ~~والرياء والرغبة والرهبة فقد انسلخ عن الإنسانية، ومتى صار أهل كل صقع على ~~ذلك فتهارشوا وتغالبوا وأكل قويهم ضعيفهم ولم يبق فيهم أثر قبول لمن يمنعهم ~~ويصدهم عن الفساد، فقد تقدم أن عادة الله سبحانه في أمثالهم إهلاكهم ~~وإفناؤهم واستئصالهم عن آخرهم. ### | الأسباب التي يحصل منها الأضرار # جميع ذلك أربعة أسباب: # الأول: الشرارة: كمن يضر بغيره مستلذا لفعله وذلك أخس الوجوه. # والثاني: الشهوة: وهو أن يقصد إدراك شهوة ما، فرأى أنه لا يمكنه تحصيلها ~~إلا بأن يضر بغيره، كعامة المتلصصة والعاثين ms151 في الأرض بالفساد. # والثالث: الخطأ: وهو أن لا يقصد الإضرار بمن ضره بوجه، بل قصد فعلا آخر، ~~فاتفق منه ذلك، كمن رمى قرطاسا في هدف فأصاب رجلا، فهذا معذور من وجه. # والرابع: الشقاوة: كمن حملته ريح فأوقعته على إنسان فمات ذلك الإنسان، ~~فهذا معذور ومرحوم. ### | المكر والخديعة والكيد والحيلة # المكر والخديعة: متقاربان، وهما اسمان لكل فعل يقصد فاعله في باطنه خلاف # ما يقتضيه ظاهره، وذلك ضربان: # أحدهما مذموم: وهو الأشهر عند الناس والأكثر، وذلك أن يقصد فاعله إنزال # PageV01P254 # مكروه بالمخدوع وهو الذي قصده النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " ~~المكر والخديعة في النار " # والمعنى: أنهما يؤديان بقاصدهما إلى النار. # والثاني على عكس ذلك وهو أن يقصد فاعلهما إلى استجرار المخدوع والممكور ~~به إلى مصلحة لهما كما يفعل بالصبي إذا امتنع من تعلم خير، وقد قال بعض ~~الحكماء: # المكر والخديعة محتاج إليهما في هذا العالم، وذلك أن السفيه يميل إلى ~~الباطل ولا يميل إلى الحق ولا يقبله " لمنافاته لطبعه، فيحتاج أن يخدع عن ~~باطله بزخارف مموهة كما يخدع الطفل عن الثدي عند الفطام، ولهذا قيل في مثل: ~~مخرق بأنها الدنيا مخاريق، وسفسط فإن الدنيا سوفسطائية، وليس هذا حث على ~~تعاطي الخبث، بل هو حث على جذب الناس إلى الخير بالاحتيال، ولكون المكر ~~والخديعة ضربين: سيئا وحسنا قال الله تعالى: (والذين يمكرون السيئات لهم ~~عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10) # وقال تعالى: (فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) استكبارا في الأرض ~~ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) # وقال تعالى: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض) # فخص في هذه الآيات السىء من المكر تنبيها على جواز المكر الحسن، فقال: ~~(ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) . # وأما الكيد: فإرادة متضمنة لاستتار ما يراد عمن يراد به، وأكثر ما يستعمل ~~ذلك في الشر، ومتى قصد به الشر فمذموم، ومتى قصد به خير فمحمود، وعلى الوجه ~~المحمود # قال - عز وجل -: (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ms152 إلا أن ~~يشاء الله) # وعلى ذلك الاستدراج منه أيضا نحو قوله: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~(182) وأملي لهم إن كيدي متين (183) # فاستدراجه - عز وجل - تغطية السبيل على الإنسان وتمكينه فيما يريد ليطلب ~~بالآلات التي أعطاه، وذلك تكليف له لما يقدر عليه # وإن كان فيه مشقة، ولتمكنه من إدراك ذلك قال تعالى: (ألم نجعل له عينين ~~(8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه النجدين (10) # فمن جاهد في سبيله وأعمل فكره حتى ظفر به فسلكه على ما يجب وكما يجب سهل ~~عليه الوصول وكان ذلك منه منة # PageV01P255 # وإحسانا ولطفا، ومن عطل معاونه من الفكرة والسمع والبصر حتى أضل طريقه ~~كان ذلك منه خذلانا وعذابا له، وعلى نحو ما تقدم وصف نفسه تعالى بالحيلة ~~والماحلة في قوله تعالى: (وهو شديد المحال (13) . # وهذه الألفاظ لولا أن الباري - عز وجل - أطلقها في مواضع مخصوصة قاصدا ~~لمعان صحيحة لما تجاسر بشر يعرف الله تعالى أن يخطر ذلك بباله، فضلا عن أن ~~يجريه في مقاله، وإن قصد بها المعنى الصحيح تنزيها له # وتعظيما. # فيجب أن تتلى في القرآن حيثما وردت ولا يتعدى بها ذلك، وقد ذكر بعض # المخلصين أن كثيرا من الأوصاف الشريفة كالرحيم والغفور والودود ما كان ~~واحد يتجاسر أن تطلق عليه - عز وجل - لولا ورود السمع به في هذه الأسماء، ~~لما في هذه الأسماء من الكيفية والكمية والانفعال في وضع اللغة، والله ~~تعالى منزه عن كل ذلك، وهذا فصل كبير يختص به غير هذا الكتاب. ### | ماهية المحبة وأنواعها # المحبة: ميل النفس إلى ما تراه وتظنه خيرا، وذلك ضربان: # أحدهما: طبيعي: وذلك في الإنسان وفي الحيوان، وقيل: قد يكون ذلك في # الجمادات كالألف بين الحديد وحجر الغناطيس. # والثاني: اختياري: وذلك يختص به الإنسان، وأما ما يكون بين الحيوانين ~~فألفة، وهذا الثاني أربعة أضرب: # الأول: للشهوة، وأكثر ما يكون بين الأحداث. # والثاني: للمنفعة، ومن جنسه ما يكون بين التجار وأصحاب الصناعة الهنية # وأصحاب المذاهب. # والثالث: مركب من الضربين، كمن يحب غيره لنفع، وذلك الغير يحبه للشهوة. # والرابع: للفضيلة، كمحبة المتعلم للعالم، ms153 وهذه المحبة باقية على مرور ~~الأوقات، وهي المستثناة باتوله تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين (67) . # وأما الضروب الأخر: فقد تطول مدتها وتقصر بحسب طول أسبابها وقصرها. # والصداقة: أخص من المحبة وقلما تقع بين جماعة ولا تستعمل إلا في الحيوان. # وأما العشق: فمحبة بإفراط، وذلك إما بحسب اللذة فيكون مذموما، وإما بحسب # PageV01P256 # الفضيلة فيكون محمودا، ولا يكون للنفع، فإن النفع يراد لغيره، والفضيلة ~~واللذة يرادان لأنفسهما. ### | فضيلة المحبة # أحد أسباب نظام أمور الناس المحبة، ثم العدل، ولو تحاب الناس وتعاملوا ~~بالمحبة لاستغنوا بها عن العدل، فقد قيل: العدل خليفة المحبة يستعمل حيث لا ~~توجد المحبة، ولذلك عظم الله تعالى المنة بإيقاع المحبة بين أهل الملة فقال ~~تعالى: (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ~~ولكن الله ألف بينهم) # وقال تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) # أي: محبة في القلوب تنبيها أن ذلك أجلب للعقائد وهو أفضل من المهابة، فإن ~~المهابة تنفر والمحبة تؤلف، وقد قيل: طاعة المحبة أفضل من طاعة الرهبة، فإن ~~طاعة المحبة من داخل، وطاعة الرهبة من خارج، وهي تزول بزوال سببها، وكل قوم ~~إذا تحابوا تواصلوا، وإذا تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عملوا، وإذا عملوا ~~عمروا، وإذا عمروا عمروا. # ولفضل وقوع المحبة شرعا شرع الله تعالى اجتماع أهل الملة الواحدة في ~~مساجدهم كل يوم خمس مرات لإقامة صلاتهم، واجتماع أهل البلد الواحد كل أسبوع ~~مرة في الجامع، # واجتماع أهل المدينة وأهل السواد كل سنة مرتين في الجبانة، واجتماع أهل ~~البلدان النائية في العمر مرة بمكة، كل ذلك ليتأكد باجتماعهم الأنس، وليقع ~~بسبب ذلك الود. ### | فضيلة الصداقة # الصديق يحتاج إليه في كل حال: إما عند سوء الحال فليعاونوه، وإما عند حسن ~~الحال فليؤانسوه وليضع معروفه عندهم، ومن ظن أنه يمكنه الاستغناء عن صديق ~~مغرور، ومن ظن أن وجوده سهل فمعتوه. # ولكثرة نفعه سئل حكيم عن الصديق فقال: هو أنت بالنفس إلا أنه غيرك # بالشخص، ولعزة وجوده سئل عنه ms154 آخر فقال: هو اسم واقع على غير معنى، فإنه ~~حيوان غير موجود، ومن وجد إخوانا ذوي ثقة وجد بهم عيونا وآذانا وقلوبا كلها ~~له فيرى الغائب بصورة الشاهد واختيار من تركن إليه لتصادقه أمر صعب، إذ قد ~~يتشيع لك الناقص فتظنه فاضلا فيكون: كمن يحسب الشحم فيمن شحمه ورم. # PageV01P257 ### | المحبب في الناس # من حببه الله إلى الناس فقد أنعم عليه نعمة وسيعة كما أن من بغضه إليهم ~~فقد جعل له نقمة فظيعة، والسبب فيمن يكون محببا أن من رعاه الله تعالى فصفى ~~جوهره، وأطاب روحه، وحسن عمله حصل له نور يسري في مشاعر من يراه فيحبه، ~~وإياه قصد تعالى بقوله لموسى - صلى الله عليه وسلم -: (وألقيت عليك محبة ~~مني) # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إذا أحب الله عبدا ألقى محبته على ~~الماء فلا يشربه عبد إلا أحبه، وإذا أبغض عبدا ألقى بغضه في الماء فلا ~~يشربه عبد إلا أبغضه "، ولما ألقى الله تعالى على نبينا - صلى الله عليه ~~وسلم - من المحبة قلما كان يأتيه من ييغضه فيهم بقلبه إلا إذا رآه وقلب في ~~آفاق وجهه طرفه، وألقى إلى كلامه سمعه أعجب به ففارقه على جميل. ### | الحث على مصاحبة الأخيار ومجانبة الأشرار # حق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار؛ فإنها قد تجعل الشرير ~~خيرا، كما أن مصاحبة الأشرار قد تجعل الخير شريرا، قال بعض الحكماء: من صحب ~~خيرا أصابته بركته فجليس أولياء الله لا يشقى ولو كان كلبا ككلب أهل الكهف؛ ~~فإن الله تعالى ذكره في كتابه العزيز فقال: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) # ولهذا أوصت الحكماء الأحداث بالبعد عن مجالسة السفهاء، قال أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: " لا تصحب الفاجر فيزين لك فعله ويود لو ~~أنك مثله ". # وقد قيل: جالسوا من تذكركم الله رؤيته ويزيد في خيركم نطقه، وقد قيل: ~~إياك ومجالسة الأشرار فإن الطبع يسرق من الطبع وأنت لا تدري، وقد قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: " مثل الجليس الصالح كمثل الداري إن لم ms155 يجذك من ~~عطره علقك من طيب ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل القين إن لم يحرقك بشرره ~~علقك من نتن دخانه "، # PageV01P258 # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من ~~يخالل "، أي: أنه يجذبه خليله إلى دينه ومذهبه، ولقوة هذا المعنى وتأثيره ~~في النفوس شاع على الألسنة قول الشاعر: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي # وليس إعداء الجليس بجليسه في خلقه بمقاله وفعاله فقط، بل بالنظر إليه، ~~فالنظر في الصورة يؤثر في النفوس أخلاقا مناسبة لخلق المنظور إليه " فإن من ~~دامت رؤيته لمسرور سر أو لمحزون حزن، وليس ذلك في الإنسان فقط، بل في ~~الحيوانات والنبات. # فإن الجمل الصعب قد يصير ذلولا بمقارنة الذلل، والذلول قد ينقلب صعبا ~~بمقارنة الصعاب، والريحانة الغضة قد تذبل بمقارنة الذابلة، ولهذا يلتقط ~~أصحاب الفلاحة الرمم عن الزرع، لئلا تفسدها ومعلوم أن الماء والهواء يفسدان ~~بمجاورة الجيفة إذا قربت منهما، وذلك مما لا ينكره ذو تجربة، فإذا كانت هذه ~~الأشياء قد بلغت في قبول التأثير # هذا المبلغ فما الظن بالنفوس البشرية التي موضوعها على قبول صور الأشياء ~~خيرها وشرها، فقد قيل: إنما سمي الإنس إنسا، لأنه يأنس بما يراه إن خيرا ~~وإن شرا. # وللإنسان في المعاشرة ثلاثة أحوال: # إما أن يكون شكسا، أي: قاسي الطبع، # أو ملقا أي: سلس الطبع، أو مساعدا، أي: تاركا للخلاف على مقتضى العقل وهو ~~المحمود، وحق الإنسان في المعاشرة أن يتقوى من جهة الفكرة بالمطايبة فى ~~الكلام، ومن جهة الغضب بالتحالم، ومن جهة الشهوة بالجود، وأن يتعرى عن ~~أضداد ذلك، وأن يجامل المعاشرين والمعاندين والمشتهين منهم بالإخوان ~~ويصابرهم ويكاشرهم طمعا في رجوعهم إخوانا واتقاء من شرورهم حتى يكون ظريفا، ~~فالظرف عبارة عن استجماع آلة العشرة من الطلاقة والاحتمال ولين الجانب. ### | فضيلة التفرد عن الناس ورذيلته # قد كثر اختلاف الناس في مفاضلة التفرد والاختلاط، فبعضهم آثر التفرد عن # PageV01P259 # الناس، وبعضهم آثر الاختلاط بهم، وقد أورد كل واحد في مذهبه أخبارا ~~وآثارا؛ وذلك بسبب ms156 اختلاف نظرهما وابتلاء أحدهما بمصاحبة من لم تحمد ~~مصاحبته، ومصاحبة الآخر من تحمد صحبته، والأصل أن اجتماع الناس بعضهم مع ~~بعض أمر ضروري لتعلق أمور بعضهم ببعض، ولهذا لما سمع أمير المؤمنين عمر - ~~رضي الله عنه - رجلا يقول: # اللهم اغنني عن الناس، فقال: يا رجل أراك تسأل الله الموت، قل اللهم ~~اغنني عن شرار الناس. فالناس لا يستغني بعضهم عن بعض ما داموا أحياء، ثم في ~~المعاشرة والتفرد عن الأخيار الذين يفيدونك ويعينونك ولا يؤذونك مكروه سيما ~~إذا لم تدرب في الفضل ولم تستغن عن اقتباس العلم، وأما عن الأنذال الذين ~~يتدنس بمصاحبتهم فمحمود، وقد قيل: التفرد مكروه إلا لثلاثة: لسلطان لإنشاء ~~تدبير المملكة، # وحكيم لاستنباط الحكمة، ومتنسك لمناجاة رب العزة، فإن التفرد يبطل ~~الإنسانية ولا يظهر من صاحبه فضيلة، ومن ظن بالتفرد خيرا فلأجل أن ليس يظهر ~~منه شيء، وهذا يشاركه فيه الموتى، وفضيلة الإنسان أن يكون خيرا، لا أن يكون ~~شريرا، وإن كان زماننا هذا كما قال المتنبي: # إنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال # فحق العاقل الفاضل أن يجتمع مع العامة في ظواهر أحكام الشرع، وإقامة ~~وظائف العبادات، وإنالتهم من الفضيلة بقدر الوسع، ويترفع عن منزلتهم في ~~المعارف والأخلاق والأفعال الجميلة، ولمراعاة الحكم الظاهر قال عليه الصلاة ~~والسلام: " عليكم بالسواد الأعظم "، ولمراعاة الترفع عن منزلتهم في المعارف ~~والأخلاق قيل: المروءة التامة مباينة العامة، بل قيل: من استأنس بالله ~~استوحش من الناس؛ وذلك لمخالفته إياهم في الخلق وللنهي عن الاغترار بكثير ~~منهم، والركون إليهم، سيما من ليس قصده الآخرة # وطلب الحق، قال تعالى: (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم) # وقال: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) . # PageV01P260 ### | العداوة # العدو: هو الذي يتحرى اغتيال الآخر ويضاده فيما يؤدي إلى مصالحه، ومنه ~~قولهم: تعدى فلان على فلان، أي: فعل به فعل العدو وهو من قولهم: مكان ذو ~~عدو، أي: متنافي الأجزاء ناب بمن حله، ويضاد العداوة الولاية واشتقاقه من ~~وليه يليه، ms157 والولاء أعم من الصداقة والمودة. # والعداوة ضربان: باطن: لا يدرك بالحس، وظاهر: يدرك بالحس. # والتام العداوة اثنان: # أحدهما: الشيطان: وهو أصل كل عدو يعادي معاداة جوهرية، وقد حذرنا الله ~~تعالى منه غاية التحذير بقوله: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) # وقال: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان) # وقال: (إن هذا عدو لك ولزوجك) # وقال: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) . # والثاني: الهوى المعبر عنه بالنفس في قوله تعالى: (إن النفس لأمارة ~~بالسوء) . # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك ~~". # وكذا الغضب إذا كان فوق ما يجب، ولكون هذه القوة في الإنسان إذا أثيرت ~~طريقا للشيطان في وصوله إلينا، وكونها كالخليفة له سماه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - باسمه فقال: " الهوى شيطان والغضب شيطان "، وقال تعالى حكاية ~~عن موسى: (هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) . # وأما الظاهر من الأعداء فالإنسان، وذلك ضربان: # ضرب: هو عدو مضطغن للعداوة: قاصد إلى الإضرار إما مجاهدة وإما ~~مساترة،وذلك اثنان: واحد يعادي كل أحد، وهو كل إنسان سبعي الطبع، خبيث ~~الطينة، مبغض لكل من لا يحتاج إليه في العاجل، بغيض إلى كل نفس، يهارش كل ~~من # PageV01P261 # لا يخافه، كما قال الشاعر # يسطو بلا سبب وتد ... ك طبيعة الكلب العقور # ومثله هو الذي عني بقوله تعالى: (شياطين الإنس) . # والثاني: عدو خاص العداوة، وذلك إما بسبب الفضيلة والرذيلة كمعاداة ~~الجاهل للعاقل، وإما بسبب تجاذب نفع دنيوي كالتجاذب في رياسة وجاه ومال، ~~وإما بسبب لحمة وقرابة أو مجاورة مورثة للحسد كمعاداة بني الأعمام بعضهم ~~لبعض، وذلك في كثير من الناس كالطبيعي. # وقد قال رجل لآخر: إني أحبك. فقال له: قد علمت ذلك، فقال له: من أين ~~علمته، فقال: لأنك لست لي بشريك ولا بنسيب ولا جار قريب، وأكثر المعاداة ~~بين الناس إنما تتولد من شيء من ذلك. # والثاني: عدو غير مضطغن للعداوة: ولكن يؤدي حاله بالإنسان إلى أن يقع ~~بسببه في مثل ما يقع في ms158 كيد عدوه - فسمي عدوا لذلك، كالأولاد والأزواج. ~~وعلى ذلك قوله تعالى: (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " ليس عدوك الذي إن قتلته آجرك الله في ~~قتله وإن قتلك أدخلك الله الجنة، ولكن أعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك، ~~وامرأتك التي تضاجعك، وأولادك الذين من صلبك " # فجعل - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء أعداء الإنسان لما كانوا سبب هلاكه ~~الأخروي، لما يرتكبه من المعاصي لأجلهم، فيؤدي به إلى هلاك الأبد الذي هو ~~شر من إهلاك المعادي الناصب إياه. # واعلم أنه لكون الإنسان - أو بعض الناس - مشاركا للشيطان في المعاداة سمى ~~الله تعالى الأعداء شياطين الإنس والجن في قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) . # وقد سمى كل ما يتأذى به شيطانا حتى قالوا: ما ليلة الفقير إلا شيطان ~~مجنون # يؤذي بروح الإنسان، والفقير هو اسم بئر فجعله ليلة ورودها شيطانا لتأذيه ~~بها. # PageV01P262 ### | الفصل السادس فيما يتعلق بالصناعات والمكاسب والإنفاق والجود والبخل # PageV01P263 ### | في حاجة الناس إلى اجتماعهم للتظاهر # اعلم أنه لما صعب على كل أحد أن يحصل لنفسه أدنى ما تحتاج إليه إلا ~~بمعاونة غيره له - فإن لقمة الطعام لو عددنا تعب تحصيلها من حين الزرع إلى ~~حين الطحن والخبز وصناع آلاتها لصعب حصره - احتاج الناس أن يجتمعوا فرقة ~~فرقة، متظاهرين متعاونين، ولهذا قيل الإنسان مدني بالطبع، أي: أنه لا يمكن ~~التفرد عن الجماعة بعيشه، بل يفتقر بعضهم إلى بعض في مصالح الدين والدنيا، ~~وعلى ذلك نبه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " المؤمن # للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا "، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: " مثل ~~المؤمين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى ~~سائره بالسهر والحمى ". # وقد قيل: الناس كجسد واحد متى عاون بعضه بعضا استقل، ومتى خذل بعضه بعضا ~~اختل. ### | تسخير الله همم الناس للصناعات المختلفة وعناية كل واحد بما يتحراه # لما احتاج الناس بعضهم إلى بعض سخر الله تعالى كل واحد منهم ms159 لصناعة ما ~~يتعاطاها، وجعل بين طبائعها وصنائعهم مناسبات خفية واتفاقات سماوية؛ ليؤثر ~~كل واحد منهم حرفة من الحرف يشرح صدره لها، ويفرح بملابستها وتطيعه قواه ~~لمزاولتها، ولو كلف صناعة أخرى ربما وجد متبلدا فيها، ومتبرما بها. # وقد سخرهم الله تعانى لذلك، لئلا يختاروا بأجمعهم صناعة واحدة، فتبطل ~~الأقوات والمعاونات، ولولا ذلك لما اختاروا من الأسماء إلا أحسنها، ومن ~~البلاد إلا أطيبها، ومن الصناعات إلا أجملها، ومن الأعمال إلا أرفعها، ~~ولتفاخروا على ذلك. # ولكن الله تعالى بحكمته جعل كلا منهم فيما هو فيه مجبرا في صورة مختار، ~~فالناس إما: راض بصنعته لا يريد عنها حولا كالحائل الذي يرضى بصناعته ويعيب ~~الحجام، والحجام الذي يرضى بصناعته، ويعيب الحائل، وبهذا انتظم أمرهم كما ~~قال تعالى: # PageV01P265 # (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) . # وإما كاره لها، يكابدها مع كراهيته إياها، كأنه لا يجد عنها بديلا، وعلى ~~هذا دل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كل ميسر لما خلق له "، بل صرح ~~تعالى بذلك في قوله: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا) ~~وقوله تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون) # وقوله تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته) . # ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: " لن يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا ~~تساووا هلكوا " # فالتباين والتفرق والاختلاف في نحو هذا الموضع سبب الالتئام والاجتماع ~~والاتفاق، كاختلاف صور الكتابة وتباينها وتعددها الذي لولاه لما حصل لها ~~نظام، فسبحان الله ما أحسن ما صنع وأحكم ما أسس، وأتقن ما دبر، ولهذا قيل: ~~من حق من قيض الله له صناعة مباحة فرزق منها أن يراعيها على ما يجب وكما ~~يجب، وعليه دل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " من رزق من شيء فليلزمه ". ### | كون الفقر وخوفه سبب انتظام أمر الناس # حصول الفقر وخوفه المنتجان للحرص هما الباعثان على الجد واحتمال الكدر في ~~منفعة الناس إما باختيار، وإما باضطرار، ولهذا قيل: رب ساع لقاعد، وهو أن ~~الناس لو كفى كل واحد منهم أمره لأدى إلى فساد العالم، من ms160 حيث إنه لم يكن ~~لأحد أن يتولى لغيره مهنة، وكان الواحد منهم يعجز عن القيام بمصالح نفسه ~~كلها فيؤدي ذلك إلى فقر جميعهم. # وقد قيل: قيام العالم بالفقر أكثر من قيامه بالغنى، لأن الصناعات القائمة ~~بالغنى ثلاث: الملك، والتجارة، والكتابة، وسائرها قائم بالفقر. # PageV01P266 # فلو لم يكن الفقر وخوفه لما انتظم معاش العالم، فمن كان يتولى الحياكة ~~والحجامة والدباغة والكناسة، ومن كان ينعل المير والملابس من الشرق إلى ~~الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال. # وعلى منفعة الفقر نبه قوله تعالى: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا) # وقوله (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم) ~~. # هذا مع أن من الناس من لو كفي أمر دنياه لكان يوجد # منه من البغي والتسلط ما يؤدي إلى خراب البلاد وفساد العباد، بل كان يوجد ~~منه ما يؤدي إلى هلاك نفسه في أسرع مدة، وعلى ذلك دل قوله تعالى: (ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) . # ومن تدبر صنع الله في ذلك وتأمل ما أشار إليه في هذه الآيات التي ذكرها ~~ثم تعرض له الشبهة التي تعرض لمن يقول: إذا كان الله غنيا جوادا واسعا فلم ~~خص بعض خلقه بالغنى، وجعل أكثرهم فقراء، ومن حق الغني الذي لا يفنى غناه، ~~والجواد الذي لا يعرف لجوده منتهى ألا يخص بالعطية بعضا دون بعض، وذلك أن ~~الجواد الحق هو الذي يعطي كل أحد بقدر استحقاقه على وجه يعود بمصلحته ~~ومصلحة غيره، وقد فعل تعالى ذلك بكثير من العباد. ### | مناسبة بدن الإنسان لصناعته # إن الله تعالى فرق همم الناس للصناعات المتفاوتة، ويسر كلا لما خلق له، ~~وجعل آلاتهم الفكرية والبدنية مستعدة لها، فجعل لمن قيضه لمراعاة العلم ~~والمحافظة على الدين قلوبا صافية وعقولا بالمعارف لائقة، وأمزجة لطيفة، ~~وأبدانا لينة مستصلحة لما خلقوا له، وجعل لمن قيضه لمراعاة المهن الدنيوية ~~والمحافظة عليها كالزراعة والبناء قلوبا قاسية وعقولا كنزة، وأمزجة غليظة، ~~وأبدانا خشنة. # وكما أنه محال أن يصلح السمع للرؤية والبصر للسمع كذلك من المحال أن ms161 يكون ~~من خلق للمهنة يصلح للحكمة. # وقد جعل الله كل جنس من الفريقين نوعين: رفيعا ووضيعا. # PageV01P267 # فالرفيع: من تحرى الحذق في صناعته، وأقبل على عمله، وطلب مرضاة ربه بقدر ~~وسعه، وأدى الأمانة بقدر جهده، ولم يشتغل عن عبادة الله - عز وجل - كما ~~قال: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله يحب الصانع الحاذق "، ومدح ~~الملائكة بوقوفهم حيث ما وقفوا، وإحكامهم لما ولوا، فقال # تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) . ### | وجوب التكسب # التكسب في الدنيا وإن كان معدودا من المباحات من وجه، فإنه من الواجبات ~~من وجه، وذلك أنه لما لم يكن للإنسان الاستقلال بالعبادة إلا بإزالة ~~ضروريات حياته، فإزالتها واجبة، لأن كل ما لا يتم الواجب إلا به فواجب ~~كوجوبه. # وإذا لم يكن له إلى إزالة ضرورياته سبيل إلا بأخذ تعب من الناس فلا بد ~~إذا أن يعوضهم تعبا من عمله وإلا كان ظالما، فمن توسع في تناول عمل غيره في ~~مأكله وملبسه ومسكنه وغير ذلك فلا بد أن يعمل لهم عملا بقدر ما يتناوله ~~منهم، وإلا كان ظالما لهم، سواء قصدوا إفادته أو لم يقصدوها، فمن رضي بقليل ~~من عملهم فلم يتناول من دنياهم إلا قليلا يرضى منه بقليل من العمل، ولهذا ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: " من رضي من الله بقليل الرزق رضي الله منه ~~بقليل العمل "، ومن أخذ منهم المنافع ولم يعطهم # نفعا فإنه لم يأتمر لله تعالى في قوله: (وتعاونوا على البر والتقوى) # ولم يدخل في عموم قوله: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) # ولهذا ذم من يدعي التصوف فيتعطل عن المكاسب، ولم يكن له علم يؤخذ منه، ~~ولا عمل صالح في الدين يقتدي به، بل يجعل همه عارية بطنه وفرجه. فإنه يأخذ ~~منافع الناس ويضيق عليهم معاشهم، ولا يرد إليهم نفعا، فلا طائل في مثلهم ~~إلا بأن يكدروا المشارع، ويغلوا الأسعار، ولهذا الشأن كان أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا نظر ms162 إلى ذي سيماء سأل عنه: أله حرفة، ~~فإن قيل: لا، سقط من عينيه. # وقد استحسن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وفد عبد القيس لما سألهم، ~~فقال: " ما المروءة؟ # PageV01P268 # فقالوا: العفة والحرفة. # ومن الدلالة على قبح فعل من هذا صنيعة أن الله تعالى ذم من يأكل مال نفسه ~~إسرافا وبدارا، فما حال من يأكل مال غيره على ذلك ولا ينيلهم عوضا، ولا يرد ~~عليهم بدلا. # فمن كان مضطرا إلى كسب فحقه أن يقتصر على ما يسد به فقر وقته، ولا يحمل ~~هم غده على يومه. # فمن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر # ومن اقتصر على قدر ذلك فقد صار من المتوكلين الذين عناهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بقوله: " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق ~~الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا ". ### | مدح السعي وذم الكسل # من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية، وصار من جنس الموتى، ~~وذلك أنه إنما خص الإنسان بالقوى الثلاث ليسعى في فضيلتها، فإن فضيلة القوة ~~الشهوية تطالبه بالمكاسب التي تنميه، وفضيلة القوة الغضبية تطالبه ~~بالمجاهدات التي تحميه، وفضيلة القوة الفكرية تطالبه بالعلوم التي تهديه، ~~فحقه أن يتأمل قوته، ويسبر قدر ما يطيقه، فيسعى بحسبه لما يفيده السعادة ~~ويتحقق أن اضطرابه سبب وصوله من الذل إلى العز، ومن الفقر إلى الغنى، ومن ~~الضعة إلى الرفعة، ومن الخمول إلى النباهة. # وأن من تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة فحب الهوينا يكسب النصب، ~~وقد قيل: إن أردت ألا تتعب فاتعب لئلا تتعب، وقيل: إياك والكسل والضجر فإنك ~~إن كسلت لم تؤد حقا، وإن ضجرت لم تصبر على الحق. قال الشاعر: # إن التواني أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين أنكحها مهرا # فراشا وطيئا ثم قال لها اتكي ... فقصرا كما لاشك أن تلدا الفقرا # وقال يزيد بن المهلب: ما يسرني أن كفيت أمر الدنيا كله لئلا أتعود العجز، ~~ولأن الفراغ يبطل الهيئات الإنسانية، فكل هيئة بل كل عضو ترك استعماله ~~يبطل، كالعين ms163 # PageV01P269 # إذا غمضت، واليد إذا عطلت؛ ولذلك وضعت الرياضات في كل شيء. ولما جعل الله ~~تعالى للحيوان قوة التحرك لم يجعل له رزقا إلا بسعي ما منه؛ لئلا تتعطل ~~فائدة ما جعل له من قوة التحرك. # ولما جعل للإنسان قوة الفكرة ترك من كل نعمة أنعمها تعالى عليه جانبا ~~يصلحه هو بفكرته، لئلا تبطل فائدة الفكرة، فيكون وجودها عبثا. # وتأمل حال مريم - عليها السلام - وقد جعل لها من الرطب الجني ما كفاها ~~مؤونة الطلب، وفيه أعظم معجزة، فإنه لم يخلها من أن يأمرها بهزها، فقال ~~تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) . # وكما أن البدن يتعود الرفاهية بالكسل، كذلك النفس بترك النظر والتفكر ~~تتبلد وتتبله، وترجع إلى رتبة البهائم. # فحق الإنسان ألا يذهب عامة أوقاته إلا في إصلاح أمر دينه ودنياه، ومتوصلا ~~به إلى إصلاح أمر آخرته، ومراعيا لها، قال الحجاج: إن امرأ أتت عليه ساعة ~~من عمره لم يذكر فيها ربه، أو يستغفر من ذنبه، أو يفكر في معاده لجدير أن ~~تطول حسرته يوم القيامة. # وإذا تأملت قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " سافروا تغنموا "، ونظرت ~~إليه نظرا عاليا علمت أنه حثك على التحرك الذي يثمر لك جنة المأوى، ومصاحبة ~~الملأ الأعلى، بل مجاورة الله تعالى. # وذلك يحتاج إلى أربعة أشياء: # معرفة المقصود المشار إليه بقوله تعالى: (ففروا إلى الله إني لكم منه ~~نذير مبين (50) . # ومعرفة الطريق إليه المشار إليه بقوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى ~~الله على بصيرة. # وتحصيل الزاد البلغ المشار إليه بقوله تعالى: (وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى) . # PageV01P270 # والمجاهدة في الوصول إليه كما قال تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) . # فبهذه الأشياء يأمن الغرور الذي خوفه الله منه فى قوله تعالى: (ولا ~~يغرنكم بالله الغرور (33) # وهدذه من المعاني التي دونها هول العوالي، ولا ضير لمن رامها # أن يتذرع بالصبر، فقد أصاب من قال: # فقل لمرجي معالي الأمور ... بغير اجتهاد رجوت المحالا ### | تقاسيم الصناعات ومراتبها وفضيلة بعضها على بعض # الصناعات ثلاثة أفرب: # إما أصول لا ms164 قوام للعالم دونها، وهي أربعة أشياء: الزراعة، والحياكة، ~~والبناية، والسياسة. # وإما مرشحة لكل واحد من هذه وخادمة لها، كالحدادة للزراعة، والحلاجة ~~والغزالة للحياكة # وإما ثمرة لكل واحد من ذلك ومزينة له، كالطحانة والخبازة للزراعة، ~~والقصارة للحياكة، ومثل ذلك بالإضافة إلى العالم مثل أجزاء الشخص إلى الشخص ~~سواء بسواء، فإنها على ثلاثة أضرب: إما أصول كالقلب والكبد والدماغ، وإما ~~مرشحة لتلك الأصول وخادمة كالمعدة والعروق والشرايين، وإما مكملة لها ~~ومزينة كاليد والحاجب. # فأشرف أصول الصناعات السياسة وهي أربعة أضرب # الأول: سياسة الأنبياء وحكمهم على الخاصة والعامة، ظاهرهم وباطنهم. # والثاني: الولاة وحكمهم على ظاهر الخاصة والعامة دون باطنهم. # والثالث: الحكماء وحكمهم على باطن الخواص. # والرابع: الفقهاء والوعظة وحكمهم على بواطن العامة. # وأشرف هذه السياسات الأربعة بعد النبوة إفادة العلم وتهذيب الناس به، ~~وبيان ذلك # PageV01P271 # أن شرف الصناعة يتبين من أوجه: # إما بحسب النسبة إلى القوة المبرزة لها كفضل معرفة الحكمة على معرفة ~~اللغات، فإن الأولى متعلقة بالقوة العقلية، وهذه بالقود الحسية، والعقل ~~أشرف من الحس. # وإما بحسب عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة. # وإما بحسب شرف الوضوع المعمول فيه كشرف الصياغة على الدباغة. # وقد علم أن الحكمة تدرك بالقوة المفكرة، وهي أشرف قوة في الإنسان، وأنه ~~يتوصل بها إلى جنة المأوى، وذلك أبلغ نفع، وموضوعها الذي تعمل فيه نفوس ~~البشر، وهي أفضل موضوع يعمل فيه، بل أفضل موجود في هذا العالم. # وإفادة العلم من وجه صناعة، ومن وجه عبادة، ومن وجه أجل خلافة لله تعالى، ~~فإن الله تعالى مع استخلافه قد فتح على قلبه العلم الذي هو أخص صفاته ~~تعالى، فهو خازن لأجل خزائنه، وقد أذن له في الإنفاق على كل أحد ممن لا ~~يفوته الإنفاق عليه، وكلما كان إنفاقه على ما يجب، وكما يجب أكثر كان جاهه ~~عند مستخلفه أوفر. ### | في أن أصول الصناعات مأخوذة من الوحي # أصول الصناعات والمكاسب مأخوذة عن وحي، وذلك أن نقص البشر وحاجة بعضهم ~~إلى بعض أمر ظاهر، والناقص محتاج إلى الكامل، فلا يخلو: إما أن ms165 يكون قد أخذ ~~ذلك واحد عن واحد بلا نهاية، وذلك إيجاب ما لا نهاية له وهو محال. # وإما أن ينتهي إلى واحد من البشر علمه الله الصناعات، إما بسماع من الملأ # الأعلى، أو بإلهام أو منام، وهذا هو الوحي، فمعلوم لذي اللب أن قوى ~~العقاقير وطبائع الحيوانات مما لا يمكن إدراك خواصها بأفهام البشر ~~وتجربتهم، ورؤساء كل صناعة يقرون بذلك. فأهل النجوم يقولون: مبادئ النجوم ~~من هرمس، ويقولون: هو الذي عرج بروحه إلى السماء واطلع على ذلك، ويقولون هو ~~قبل إدريس - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك أصحاب الطب يدعون مثل ذلك في ~~معرفة الأدوية. # واختصاص كل واحد من الموجودات بفعل له على حدته، وانحسار العقل عن توهم # PageV01P272 # ما هو أصلح لذلك الفعل منه، يحقق أنه صدر عن حكمة إلهية. ### | في شأن الناض المتعامل به وبيان حكمة الله تعالى فيه # اعلم أن الناض أحد أسباب ما به قوام الحياة الدنيوية، ومتى توهمناه ~~مرتفعا تعسر على الناس تزجية معاشهم، وقد تقدم أن الناس يحتاج بعضهم إلى ~~بعض، ولا يمكنهم التعايش ما لم يتظاهروا ويتولى كل واحد منهم عملا يصير به ~~معينا للآخر مواسيا له، ولما كان كل من واسى غيره فمن حقه أن يقابل بقدر ~~مواساته لكن ربما لم يحصل عند صاحبه ما يريده هو فقيض الله تعالى لهم هذا ~~الناض علامة منه - جل ثناؤه - ليدفعه الإنسان إلى من يوليه نفعا فيحمله إلى ~~من عندد مبتغاه فيأخذ منه قدر عمله، ثم جاء ذلك الآخر إلى الأول بتلك ~~العلامة أو بمثلها، وطلب منه مبتغى هو عنده دفعه إليه لينتظم أمرهم بذلك، ~~وذلك قيل: الدرهم حاكم صامت، وعدل ساكت، # وحكم من الله تعالى نافذ، وقد قيل لهذا المعنى سمي في لغة الفرس الدينار ~~(دين أورد) ، أي: الدين أتى به والدين فارسية معربة، ولما كان ذلك حاكما ~~عظم الله تعالى، وعيد من احتبسه ومنع الناس من التعامل به، فقال تعالى: ~~(والذين يكنزون الذهب والفضة) # وذلك أنه يصير باحتباسه إياهما كمن # احتبس حاكمين للناس بهما تتمشى ms166 أمور معاشهم، ولذلك قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم "، ~~لأن اتخاذه الذهب والفضة آنية # يؤدي إلى منع الناس عن تصريفه في معاملاتهم وتضييقه عليهم مكاسبهم. ### | مدح المال وذمه # المال إذا اعتبر بكونه أحد أسباب قوام الحياة الدنيوية فهو عظيم الخطر ~~كما تقدم، وإذا اعتبر بسائر القنيات فهو صغير الخطر " إذ هو أخس القنيات. ~~والقنيات ثلاتة: # نفسية وبدنية وخارجة، والخارجة أدونها وأدون الخارجات الناض، لأنه خادم ~~غير # PageV01P273 # مخدوم، وسائر القنيات خادم من وجه ومخدوم من وجه؛ لأن النفس يخدمها البدن ~~والبدن يخدمه المأكل والملبس وهما يخدمهما المال، فالمال من حقه أن يكون ~~خادما لغيره من القنيات، وأن لا يكون شيء من القنيات خادما له، وإن كان ~~كثير من الناس لجهلهم يجعلون جاههم وأبدانهم ونفوسهم خدما للمال وعبيدا، ~~وهم الذين ذمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " تعس عبد الدينار، ~~تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس # وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ". # ولعظم موقع المال عند من لم يتجاوز المحسوسات، قال تعالى حكاية عن بعض ~~أنبيائه فيما خاطب به أمته: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل ~~السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم ~~أنهارا (12) . # ولعظم منافعه في الأمور الدنيوية قال تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ~~التي جعل الله لكم قياما) # ونبه على حقارة قدره بالإضافة إلى أحوال الآخرة فقال: (لا تلهكم أموالكم ~~ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) # وخوف من أعجب باقتنائه وذمه فقال: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~(55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56) # وقال تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين ~~شهودا (13) # فحق الإنسان أن يعلم أن المقتنيات الدنيوية آلات موضوعة في خان على طريق ~~سفره يصلح للانتفاع بها ما دام نازلا في ذلك الخان، فيتناول منه مقدار ~~البلغة ويتسلى عن الباقي عند الرحلة، ويستهجن لنفسه أن يكذب ويغضب ويحزن ~~ويرتكب القبائح بسببها. ms167 # واعلم أن الناض الذي هو العين والورق حجر جعله الله سبحانه سببا للتعامل ~~به - # كما تقدم ذكره آنفا - وهو خادم غيره، فقبيح بالحر المترشح لنيل الفضائل ~~والاقتداء بالبارئ جلت عظمته - وهو يأمل الوصول إلى الغنى الأكبر - أن ~~يتهافت على المال ويتناول أكثر مما يحتاج إليه، ويجعل نفسه أقل رقيق له ~~وأخسه كما قيل: فرق ذوي الأطماع رق مخلد، ويكون معتكفا فيه على حجر يعبده ~~كما قال تعالى: (يعكفون على أصنام لهم) . # والذي أرى أن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لما سأل الله تعالى # فقال: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) # لم يرد إلا أن يحسره وذريته عن محبة الأعراض الدنيوية الصارفة عن الله، ~~فمثله وولده يتنزه عن أن يشفق من # PageV01P274 # اعتقاده في حجر أنه هو صانعه وأنه يستحق عبادته. # وقد قال في موضع آخر إشارة إلى ما يعم في هذا المعنى وغيره: (يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) # وقد قال بعض الحكماء: مثل الإنسان وشغفه بهذا الحجر، بل سائر # الأعراض الدنيوية كمثل قوم كانوا في سفينة يقصدون أفضل بلد وأطيبه، ~~فانتهت بهم السفينة إلى جزيرة أرادوا الخروج إليها والتفسح فيها للطهارة، ~~والجزيرة ذات أسود وأساود، فأمروا بالخروج وأن يكونوا على حذر، فلما خرجوا ~~إليها رأوا فيها حجارة مزخرفة وأزهارا مستحسنة مختلفة، فأعجبهم ذلك وشغفوا ~~به وأمعنوا في الجزيرة وتباعدوا عن المركب ونسوا أنفسهم ومقصدهم وبقوا ~~لاهين بما رأوا من ذلك، حتى سارت السفينة فثارت عليهم الأسود والأساود ~~تفترسهم وتنهشهم فلن يغن عنهم ما خدعهم وألهاهم من تلك الأحجار والأزهار، ~~فصاروا كما قال تعالى حكاية عمن هذه # حاله: (ما أغنى عني ماليه (28) هلك عني سلطانيه (29) . ### | ذكر المال والأدب في اقتنائه والوجوه التي منها يحصل # قد تقدم أن المال من الخيرات المتوسطة، لأنه كما قد يكون سببا للخير فقد ~~يكون سببا للشر، لكن لما كان في أكثر الأحوال موجبا كرامة أصحابه وتعطم ~~أربابه حتى صدق قول الشاعر فيما قال: # الناس أعداء لكل مدقع ... صفر اليدين وإخوة ms168 للمكثر # قيل: رأيت ذا المال مهيبا مكرما، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~" نعم المال الصالح للرجل الصالح "، واستصوب قول طلحة - رضي الله عنه - في ~~دعائه: اللهم ارزقني مجدا ومالا فإنه لا يصلح المجد إلا بالمال، ولا يصلح ~~المال إلا بمراعاة المجد، ونظر المتنبى هذا النظر حيث قال: # فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده # وقال بعض الحكماء: اطلب العلم والمال تحوي الرئاسة، فالناس خاص وعام # PageV01P275 # فالخاص يفضلك بما تحسن، والعام بما تملك. # واكتسابه من الوجوه التي ينبغي صعب، وتفريقه سهل، كما قال الشاعر: # له مصعد صعب ومنحدر سهل # ومن رام اكتسابه من وجهه صعب عليه، فالمكاسب الجليلة قليلة عند الحر ~~العادل. # ومن رضي بكسبه من حيث ما اتفق فقد يسهل عليه. # والفاضل ينقبض عن اقتناء المال، ويسترسل في إنفاقه، ولا يريده لذاته، بل # لاكتساب المحمدة به، ولا يجتمع عنده المال مدخرا، لكن كما قال الشاعر ~~(النضر بن جؤية) : # لا يألف الدرهم الضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق # إنا إذا أجتمعت يوما دراهمنا ... ظلت إلى طرق المعروف تستبق # وغير الفاضل يسترسل في اقتنائه، ويقبض في إنفاقه، ويطلبه لذاته لا لادخار # الفضيلة به. والمال يحصل من وجهين: # أحدهما: بسبب منسوب إلى الجد المحض والبخت الصرف، من غير اكتساب من ~~صاحبه، كمن ورث مالا، أو وجد كنزا، أو قيض له من أولاه شيئا. # والثاني: أن يكتسب الإنسان، كمن يشتغل بتجارة أو صناعة فيدخر منها مالا. # وهذا الضرب لا يستغنى فيه عن الجد، ولهذا قيل: # وعلي أن أسعى وليس ... علي إدراك النجاح # فحظ الجد في المال أكثر من حظ الكد بخلاف الأخلاق والأعمال الأخروية التي ~~حظ الكد فيها أكثر، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: (من كان يريد ~~العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) # فاشترط في العاجلة مشيئته للمعطي وإرادته للمعطى له، ولم يشترط السعي، ~~واشترط في الآخرة السعي لها مع الإيمان، ولما يشترط إرادته تعالى ومشيئته ~~وإن كان ذلك لا ms169 يتعرى منهما. # فحق العاقل أن يعني بما إذا طلبه ناله، وإذا ناله لم يخف زواله، ويقلل ~~المبالاة بما إذ قدر له أتاه طلبه أو لم يطلبه. # وقد قال بعض الحكماء: إن البخت بمنزلة امرأة صماء عمياء ورهاء (1) في ~~حجرها PageV01P276 # جواهر، وهي قاعدة على حجر مدور، يتبعها ناس كثير يلتمسون ما عندها، وهي ~~لا تسمع قولا ولا ترى وجها، وقد اعتزل عنها قوم قليلو العدد، وقعدوا ناحية، ~~وفي كل ساعة تقبض قبضة مما في حجرها وتعطيها واحدا من القوم لا تخص ~~أتباعها، بل ربما تخطئهم وربما تعطيهم، كأنها المعنية بقول من قال من ~~الشعراء: # لا تمدحن ابن عباد وإن مطرت ... كفاه جودا ولا تذممه إن ذمما # فليس ييخل إبقاء على نشب ... ولن يجود بفضل المال معتزما # لكنها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما # وتارة تعرج على من أعطته فتسلبه سلبا وتدوسه بحجرها دوسا. # وأما الفضائل الأخروية: فكما قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، ~~فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر، ولهذا قال تعالى: (وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40) . ### | سبب إخفاق العاقل وإنجاح الجاهل # الحكمة تقتضي أن يكون العاقل الحكيم في أكثر الأحوال مقلا، وذلك أنه لا ~~يأخذ المال إلا كما يجب من الوجه الذي يجب، وفي الوقت الذي يجب، ثم إذا ~~أخذه وتناوله لم يدخره عن مكرمة تعن له. # والجاهل أسهل عليه الجمع من حيث لا يبالي فيما يتناوله بارتكاب محظور ~~واستباحة محجور. # واستنزال الناس عما في أيديهم بالمكر، ومساعدتهم على ارتكاب الشر طمعا # في نفعهم له، وكثيرا ما ترى من هم في جملة الموصوفين بقوله تعالى: (فمن ~~الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) # شاكين لبختهم، فبعضهم يغضب على الفلك، وبعض يعتب على القدر، وبعضهم ~~يتجاوز الأسباب فيعاتب الله تعالى، حتى قال بعض المجان عند قوله تعالى: ~~(نحن قسمنا بينهم معيشتهم) # زال الرا، ولو تولى غيره قسمة أرزاق الورى، جرت خطوب ms170 بيننا لكنها تحت ~~العرا. # وذلك لحرصهم على ارتكاب المقابح، ولجهلهم بما يقيض الله لعباده من ~~المصالح. # PageV01P277 # وقول الشاعر: # هذا الذي ترك الألباب حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا # فالذي يصير بذلك زنديقا فبأن يسمى الجاهل الشرير أولى من أن يسمى العالم # النحرير، وقد قال حكيم: سوأة لمن أعطي العلم فجزع لفقد الذهب والفضة، ~~ولمن أعطي السلامة والدعة فجزع لفقد التعب والألم، فثمرة العلم السلامة ~~والدعة، وثمرة المال التعب والألم. ### | تحقيق كون المال في أيدي الناس # إن الله تعالى أوجد أعراض الدنيا بلغة فاتخذها الناس عقدة، وجعل الدنيا ~~منزلا وممرا فصيروها موطنا ومقرا، إلا قليلا منهم فإنهم أنزلوها حيث أنزلها ~~الله تعالى، وهم الذين وصفهم بقوله: (وقليل من عبادي الشكور (13) # تاجروا بها ربهم، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على ~~تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) . # فأعراض الدنيا عارية في أيدي الناس مستردة، كما قيل: # وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع # وهي من وجه منيحة: منحت الإنسان لينتفع بها مدة، ويذرها لينتفع بها من ~~بعده. # ومن وجه وديعة في يده: رخص له في استعمالها والانتفاع بها بعد أن لا يسرف ~~فيها. # لكن الإنسان لجهله ونسيانه لما عهد إليه بقوله: (ولقد عهدنا إلى آدم من ~~قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) # اغتز بها فظن أنها قد جعلت له هبة مؤبدة، فركن إليها # واعتمد عليها، ولم يؤد أمانة الله تعالى فيها، ثم لما طولب بردها تمنع ~~منه وضجر، ولم ينزع عنها إلا بنزع روحه أو كسر يده وبعضهم - وهم الأقلون - ~~حفظوا ما عهد إليهم فتناولوها تناول العارية والمنيحة والوديعة، فأدوا فيها ~~الأمانة، وعلموا أنها مسترجعة، فلما استردت منهم لم يعضوا ولم يجزعوا، ~~وردوها شاكرين لما نالوه منها، ومشكورين لأداء الأمانة فيها. # وقد ذكر بعض الحكماء في ذلك مثلا فقال: إن مثل الناس فيما أعطوه من أعراض ~~الدنيا مثل رجل دعا قوما إلى ms171 داره، فأخذ طبقا من ذهب، وجعل عليه بخورا # PageV01P278 # ورياحين، فكان كلما دخل واحد منهم تلقاه به، ودفعه إليه، لا ليملكه، بل ~~ليشمه ويستمتع به ويدفعه إلى من يجيء بعده، فمن كان جاهلا برسومهم ظن أنه ~~قد وهب له، فيضجر إذا استرجع منه، ومن كان عارفا برسومهم أخذه بشكر، ورده ~~بانشراح صدر، وطيب نفس. ### | تفاوت أحوال المتناولين لأعراض الدنيا # طلب الدنيا وتناولها على ثلاثة أضرب: # فالأول: من يتناولها على أي وجه اتفق، راكنا إلى المال غير متفكر في ~~المآل، وإياه قصد تبارك وتعالى بقوله في ذم من ذمه: (يحسب أن ماله أخلده ~~(3) . # والثاني، من يتناولها على الوجه الذي يجب تناولها عليه، وذلك أن يقتصر ~~على ما لا يمكن التبلغ بأقل منه، من الوجه الذي يجب كما يجب. # ولوجوب تناول هذا القدر قيل: مباحات الصوفية فريضة، وفريضتهم مباحة. ~~بمعني أنه لا يقدم على تناول مباح حتى يضطر إليه، فيتحتم تناوله عليه، ~~فيصير ما كان مباحا تناوله فرضا عليه، ويفعل من الواجبات فوق ما يجب عليه، ~~مسارعا إليه حتى يصير حكمها حكم النوافل. # وقد روي: " من طلب رزقه على ما سن له فهو في جهاد "، وقال - صلى الله ~~عليه وسلم - لابن مسعود: " إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في ~~في امرأته "، # ولم يعن أن كل أحد على كل حال يؤجر في ذلك، وإنما أراد تخصيص المؤمنين ~~الذين يراعون حكم الله في مكاسبهم وإنفاقهم ويتحرون في ذلك عبادة الله. # والضرب الثالث: من يتوسع فى تناولها ويراعي فيها ما يجب، لكن يكون فيه # وكيلا لله تعالى فيقتصر منها لنفسه على تناول بلغته، ويجعل الباقي مصروفا ~~إلى ما دعي إليه، فهذا أفضل كما تقدم ذكره، فإنه يصير بذلك من خلفاء الله - ~~عز وجل -. # فمن تناول الدنيا على أحد هذين الوجهين فقد ارتسم لله - عز وجل - في قوله ~~تعالى: # PageV01P279 # (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) . # وبالاعتبار بمثلهم قال تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من ms172 الرزق) # وقال: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~(105) # فجعلها لهم إرثا، ثم قال: (إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) # أي: من تحرى فى تناول الدنيا عبادة الله فإنه يبلغ بذلك مقصوده المذكور ~~في قوله: (وأن إلى ربك المنتهى (42) # وقال: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) . # والفضل هو الإحسان، فنبه جمذلك أن تناول المال إذا تحري به الوجه الذي ~~يجب كما يجب فهو فضل وإحسان يستحق به الثواب وعلى ذلك قوله: (واسألوا الله ~~من فضله) # وقال في مدح قوم يتناولون الدنيا كما يجب من حيث ما يجب: (رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله) . ### | في بيان ما ورد من الآيات المتفاوتة الظاهر في شأن الدنيا # من تصور الجوه الثلاثة التي تقدم ذكرها في تناول الدنيا سقطت شبهته فيما ~~ورد من الآيات والأخبار المتفاوتة في الظاهر، من ذم الدنيا وأعراضها تارة، ~~ومدحها تارة، وذلك أن ما جاء من ذمها فاعتبارا بمن رضيها حظا لنفسه، وجعلها ~~مبلغ مراده، كما قال تعالى: (ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها) . # وما جاء من مدحها فباعتبار تناولها وإنفاقها على ما يحمد، وعلى ذلك ما ~~قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: " الدنيا دار نجاة لمن فهم عنها، ~~ودار غنى لمن تزود منها. # الناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها ". # وعلى هذين الوجهين مدح تارة عمارة الأرضين فقال تعالى: (واستعمركم فيها) # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " من غرس غرسا لم يأكل منه طائر ولا بهيمة ~~إلا كان له صدقة ". # وقد ذم مرة عمارتها فقال تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما ~~عمروها) # PageV01P280 # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها ". ### | أحوال الناس في مراعاة أمور الدنيا والآخرة # الناس في ذلك على ثلاثة أضرب: # صنف: هم المنهمكون في الدنيا بلا التفات منهم إلى العقبى، وهم المسمون ~~عبدة الطاغوت، وشر ms173 الدواب، ونحوهما من الأسماء. # وصنف: مخالفون لهم غاية المخالفة، يراعون العقبى من غير التفات منهم إلى # مصالح الدنيا. # وصنف: متوسط بينهما قد وفوا الدارين حقهما. # وهذا الصنف هم الأفضلون عند الحكماء، لأن بهم قوام أسباب الدنيا والآخرة، ~~ومنهم عامة الأنبياء - صلى الله عليه وسلم -، لأن الله تعالى بعثهم لإقامة ~~مصالح المعاد والمعاش، ولأن أمورهم مبنية على الاعتدال الذي هو أشرف ~~الأحوال، وأجدر أن يكون ثلاثتهم داخلين في قوله تعالى: (وكنتم أزواجا ثلاثة ~~(7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ~~(9) والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) في جنات النعيم (12) . # فالمراعي للدنيا والآخرة على ما يحسن وكما يحسن هو من السابقين، وقد جعل ~~قوم السابقين النساك الذين رفضوا الدنيا بالكلية محتجين بقوله تعالى: (وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) # وقد خفي على هذا القائل أن أعظم عبادة الله تعالى # ما يكون عائدا بمصالح عباده، وقد روى ابن مسعود - رضي الله عنه - عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الخلق كلهم عيال الله فأحب الناس ~~إليه أنفعهم لعياله ". # PageV01P281 # ولأنه كما يقبح أن يشتغل الإنسان بأمر بدنه ودنياه، لأنه يصير مضاد الله ~~في إبطال وتضييع أحد جزئيه المركب عليه، وكذلك يقبح أن يضيع الجزء الآخر ~~الذي هو بدنه ودنياه، لأنه يصير مضاد الله تعالى في إبطال ما أوجده وأتقنه. # فإن قيل: فقد قيل: الناس ثلاثة: # رجل شغله معاده عن معاشه وتلك درجة الفائزين، ورجل شغله معاشه # عن معاده وتلك درجة الهالكين، ورجل مشتغل بهما وتلك درجة المخاطرين. قال: ~~وقد علم أن الفائز أحسن حالا من المخاطر. # قيل له: إن المنازل الرفيعة لا تنفك عن المخاطرة، ولم يقصد هذا القائل ~~بذلك إلى أن يفضل الفائز، وإنما خوف أن يترشح لخلافة الله من هو قاصر عنها، ~~ويقوي ذلك ما روي أن بعض أولاد الملوك ممن تقوى في العلم والحكمة اعتزل ~~الملك وزهد في الدنيا، فكتب إليه بعض الملوك قد اعتزلت ما نحن فيه فإن علمت ~~أن ما اخترته من ذلك أفضل فعرفنا لنذر ما ms174 نحن فيه، ولا تحسبن أني أقبل منك ~~قولا بلا حجة. # فكتب إليه: اعلم أنا عبيد لملك رحيم، بعثنا إلى حرب عدو، وعرفنا أن ~~المقصد من ذلك قهره أو السلامة منه، فلما قربوا من الزحف صاروا فزقا ثلاثة: # متحرزا: طلب السلامة منه فاعتزل، فاكتسب ترك الملامة، وإن لم يكتسب # المحمدة. # ومتهورا: أقدم على غير بصيرة، فجرحه العدو وقهره، فاستجلب بذلك سخط ربه. # وشجاعا: أقدم على بصيرة، فقاتل وأبلى واجتهد فهو الفائز التام الفوز. # وأنا لما وجدتني ضعيفا رضيت بأدنى الهمتين وأدون المنزلتين، فكن أنت أيها ~~الملك من أفضل الطوائف تكن أكرمهم عند الله والسلام. ### | بيان حال من يجوز له الاستكثار من أعراض الدنيا ومن لا يجوز له ذلك # الاعتبار في تناول الدنيا والاستكثار منها أو الاستقلال والزهد فيها أو ~~الرغبة، ليس بتناول القليل والكثير، بل بتناولها من حيث ما يجب، ووضعها كما ~~يجب. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: " لو أن رجلا أخذ ~~جميع ما في الأرض # PageV01P282 # وأراد به وجه الله سمي زاهدا، ولو أنه ترك جميع ما في الأرض ولم يرد به ~~وجه الله لا يسمى زاهدا، ولما كان في ذلك لله عابدا " (1) . # فليكن أخذك ما تأخذه، وتركك ما تتركه لله - عز وجل - لا لغيره. # واعلم أن الحكيم إذا تناول أعراض الدنيا جرى مجرى راق حاذق، يتناول حية ~~قد عرف نفعها وضرها، وأمن سمها وشرها، فتحرى بتناولها الوجه الذي ينتفع هو ~~به وينفع غيره، فهو مباح له يتناوله. # وغير الحكيم إذا تناولها فهو كجاهل استحسن الحية واستلان مسها، فظن أنها # مستصلحة، لأن يتقلد بها، فجعلها سخابا في عنقه، فلدغته وقتلته، وما أحسن ~~ما قال الشاعر في وصفها: # هي دنيا كحية تنفث السم ... وإن كانت المجسة لانت # فكما لا يجوز للجاهل بالرقية غير العارف بنفع الحية أن يقتدي بالراقي في ~~تناوله الحية والتصرف فيها، كذلك لا يجوز للجاهل أن يقتدي بالحكيم في تناول ~~أعراض الدنيا. # وكما أن محال أن يسلك الأعمى طريقا وعرا يسلكه البصير من غير ms175 قائد " إذ # هو غير آمن من أن يقع في وهده، فكذلك محال أن يسلك الجاهل مستبدا برأيه ~~في تناول أعراض الدنيا طريقا سلكه الحكيم العالم، إذ هو غير آمن من أن يقع ~~في هاوية. # وأيضا فالدنيا غانية رعناء كما قال: # شيم الغانيات فيها فلا أد ... ري أفي الغانيات تحسب أم لا # وكما أن الغانية لا يجوز أن يدخل عليها ويخلو بها من الرجال إلا من كان # مجبوبا يؤمن عليها، كذلك الدنيا لا يجوز أن يتمكن منها إلا المقطوع عنها ~~بالعفة # والزهد، لئلا تغره، وذلك كأمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - قال: " يا ~~حمراء، يا بيضاء، احمري وابيضي، وغري غيري، هذا جنائي وجناؤه فيه، إذ كل ~~جان يده إلى فيه ". PageV01P283 # ومن تصور ذلك علم أن الله تعالى قد أباح الدنيا كلها لأوليائه، علما منهم ~~أنهم لا يتناولونها إلا على ما يجب وكما يجب، وإذا تناولوها وضعوها كما يجب ~~وحيث ما يجب، وعلى هذا قال: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ~~والعاقبة للمتقين (128) # وقال تعالى: (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) # إلى غير ذلك من الآيات التي تقدم ذكرها. ### | ما ينال أرباب الدنيا من العقوبات الدنيوية # لله - عز وجل - عقوبتان في معاقبة من تناول ما لا يجوز له تناوله من ~~الدنيا، أو يتناوله من الوجه الذي يجوز له لكنه لم يوف حقه. # إحدى العقوبتين: ظاهرة للبصر والبصيرة، وذلك عقوبة من غصب مالا مجاهرة، ~~أو سرقة خفية، وكمن منع حق الله من الزكوات فإن عقوبات ذلك ظاهرة، وأمر ~~السلطان بإقامتها. # والثانية: خفية عن البصر مدركة ببصائر أولي الألباب كعقوبة من تناول مالا ~~من حيث لا يجوز تناوله، أو منعه من حيث لا يجوز منعه، لا على وجه فيه حد ~~أمر السلطان بإقامته، فهذا عقوبته ما روي: " أيما عبد سكن قلبه حب الدنيا ~~بلي بثلاث: # شغل لا يبلغ مداه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا يدرك منتهاه "، # وما قال - صلى الله عليه وسلم -: " من كانت الدنيا أكبر همه شتت الله ~~عليه أمره، وجعل ms176 فقره بين عينيه، ولم يبال الله في أي واد من الدنيا أهلكه ~~". # وعلى ذلك قال تعالى: (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون (55) # وقال: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا. # وليس يعني قلة المعيشة، وإنما يعني ما يقاسي فيها من الغموم والهموم التي ~~تكدر العيش عليه. # PageV01P284 ### | الإنفاق المحمود والإنفاق المذموم # الإنفاق ضربان: ممدوح ومذموم. # فمالممدوح: منه ما يكسب صاحبه العدالة، وهو بذل ما أوجبت الشريعة بذله، ~~كالصدقة المفروضة، والإنفاق على العيال، ومنه ما يكسب صاحبه أجرا وهو ~~الإنفاق على من ألزمت الشريعة الإنفاق عليه، ومنه ما يكسب صاحبه الحرية، ~~وهو بذل ما ندبت الشريعة إلى بذله، فهذا يكتسب من الناس شكرا، ومن ولي ~~النعمة أجرا. # والمذموم ضربان: # إفراط: وهو التبذير والإسراف، وتفريط: وهو التقتير والإمساك، # وكلاهما يراعى فيه الكيفية والكمية. # فالتبذير من جهة الكمية أن يعطي أكثر مما يحتمله حاله، ومن جهة الكيفية ~~فبأن يضعه في غير موضعه، والاعتبار فيه بالكيفية أكثر منه بالكمية، فرب ~~منفق درهما من ألوف وهو في إنفاقه مسرف وببذله مفسد ظالم، كمن أعطى فاجرة ~~درهما، أو اشترى خمرا. # ورب منفق ألوفا لا يملك غيرها هو فيها مقتصد وببذلها مجتهد، كما روي في ~~شأن الصديق أبي بكر - رضي الله عنه -. # وقد قيل لحكيم: متى يكون بذل القليل إسرافا والكثير اقتصادا، قال: إذا ~~كان بذل القليل في باطل وبذل الكثير في حق. # والتقتير من جهة الكمية أن ينفق دون ما يحتمله حاله، ومن حيث الكيفية أن ~~يمنع من حيث يجب، ويضع حيث لا يجب. # والتبذير عند الناس أحمد، لأنه جود لكنه أكثر مما يجب، والتقتير بخل، ~~والجود على كل حال أحمد من البخل، لأن رجوع المبذر إلى السخاء سهل، وارتقاء ~~البخيل إليه صعب، ولأن المبذر قد ينفع غيره وإن أضر بنفسه والمقتر لا ينفع ~~غيره ولا نفسه. # على أن التبذير في الحقيقة هو من وجه أقبح، إذ لا إسراف إلا وبجانبه حق ~~مضيع، ولأن التبذير يؤدي بصاحبه إلى أن يظلم ms177 غيره، ولهذا قيل: الشحيح أعذر ~~من الظالم؛ لأنه جاهل بقدر المال الذي هو سبب استبقاء النفس، والجهل رأس كل ~~شر، والمتلاف المبذر ظالم من وجهين: لأخذه من غير موضعه، ووضعه في غير ~~موضعه. # PageV01P285 # ولكثرة مذام الإسراف ذم الله تعالى أعظم مما ذم به البخل فقال: (ولا تبذر ~~تبذيرا (26) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) # وقال: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ~~محسورا (29) # ملوما من جهة من سألك فلم تجد ما تعطيه، وحسيرا عن بلوغ مرادك وبهذا ألم ~~المتنبي فقال: # فلا ينحلل في المجد مالك كله ... فينحل مجد كان بالمال عقده # فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده # وليس الإسراف متعلقا بالمال فقط، بل بكل شيء وضع في غير موضعه اللائق به، ~~ألا ترى أن الله تعالى وصف قوم لوط بالإسراف لوضعهم البذر في غير المحرث، ~~فقال: (إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) . # ووصف فرعون بقوله: (إنه كان عاليا من المسرفين (31) # وقوله: (وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) . ### | حقيقة السخاء والجود والشح والبخل # السخاء: هيئة للإنسان داعية إلى بذل المقتنيات، حصل معه البذل أو لم ~~يحصل، وذلك خلق، ويقابله الشح، والجود: بذلك المقتنى ويقابله البخل. # هذا هو الأصل وإن كان قد يستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر. # ويدل على صحة هذا الفرق أنهم جعلوا الفاعل من السخاء والشح على بناء ~~الأفعال الغريزية فقالوا: شحيح وسخي، وقالوا: جواد، وباخل، وأما قولهم: ~~بخيل فمصروف عن لفظ الفاعل للمبالغة، كقولهم: راحم ورحيم. # ولكون السخاء غريزة لم يوصف الباري - عز وجل - به. # وقد عظم الله تعالى الشح وخوف منه، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: " ~~ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه "، فخص المطاع لينبه ~~أن الشح في النفس ليس مما يستحق به الذم، إذ ليس هو من فعله، وإنما يذم ~~بالانقياد له. # وقال تعالى: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (9) # وقال: ms178 (وأحضرت الأنفس الشح) # PageV01P286 # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد ~~أبدا ". ### | فضيلة الجود وذم البخل # الجود على ألسنة الورى محمود، ولذلك قيل: كفى بالجود حمدا أن اسمه مطلقا ~~لا يقع إلا في حمد، وكفى بالبخل ذما أن اسمه مطلقا لا يقع إلا في ذم. # وقيل لحكيم: أي فعل للبشر أشبه بفعل الباري تعالى، فقال: الجود. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " الجود شجرة من أشجار الجنة، من أخذ بغصن ~~من أغصانها أداه إلى الجنة، والبخل شجرة من أشجار النار من أخذ بغصن من ~~أغصانها أداه إلى النار ". # ومن شرفه أن الله - عز وجل - قرن ذكره بالإيمان، ووصف أهله بالفلاح، ~~والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين. فقال: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) # إلى قوله: (وأولئك هم المفلحون (5) # وقال: ((ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (9) . # وحق للجود أن يقترن بالإيمان، فلا شيء أخص به وأشد مجانسة له منه، فمن ~~صفة المؤمن انشراح الصدر: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) # وهما من صفات الجواد # والبخيل " لأن الجواد يوصف بسعة الصدر للإنفاق، والبخيل يوصف بضيق الصدر ~~للإمساك. # وقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: " أي دواء أدوأ من البخل ". # والبخل ثلاثة أضرب: بخل الإنسان بماله، وبخله بمال غيره على غيره، وبخله ~~على نفسه بمال غيره، وهو أقبح الثلاثة. # والباخل بما في يده باخل بمال الله على نفسه، وقد تقدم أن المال عارية في ~~يد الإنسان # PageV01P287 # مستردة، ولا أحد أجهل ممن لا ينقذ نفسه من العذاب الدائم بمال غيره، سيما ~~إذا لم يخف من صاحبه تبعة ولا علاقة، والكفالة الإلهية متكفلة بتعويض ~~النفقة، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم عجل لمنفق خلفا، وعجل ~~لمسك تلفا "، وقال: " إن الله ينزل المعونة على العبد بقدر المؤونة "، وقد ~~روي: " من وسع وسع عليه ". ### | أنواع الجود والمجود به # الجود خمسة أضرب: # جود الإله تعالى: وهو البذل لكل أحد على قدر استحقاقه. ms179 # وجود الملوك: وهو بسط المال على العفاة غنيهم وفقيرهم. # وجود السوقة: الذين هما دون الملوك: وهو بذل المال للسؤال. # وجود الصعاليك: وهو البذل للندامى والعاشرين والشرب. # وجود عوام الناس: وهو الإحسان إلى الأقارب. # والمحمود من ذلك كله الجود الإلهي، وهو بذل الموجود بقدر الطاقة لكل ~~محتاج بقدر استحقاقه من غير امتنان ولا تأذية، فالمعطي ما يحتاج إليه لمن ~~لا يحتاج إليه مسرف مضيع، والمعطي غيره شيئا لرهبة واق نفسه، والمعطي لرغبة ~~في مثوبة، أو لمحمدة دنيوية تاجر. # وقول أبي نواس حيث قال: # فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور # فليس ببالغ في الوصف بالجود التام، بل وصف بتجارة محمودة، وأحسن منه قول # PageV01P288 # ابن الرومي: # وتاجر البر لا يزال له ... ربحان في كل متجر تجره # أجر وحمد وإنما ... طلب الأجر ولكن كلاهما اعتوره # وقد أجاد بشار في قوله: # ليس يعطيك للرجاء أو الخوف ... ولكن يلذ طعم العطاء. # PageV01P289 ### | الفصل السابع في ذكر الأفعال # PageV01P291 ### | في أنواع الأفعال # الأفعال ضربان: إلهي، وإنساني. # فالإلهي: أربعة أضرب: إبداع، وتكوين، وتربية، وإحالة. وجميع ذلك يسمى ~~خلقا من حيث كان وجود كل واحد بمقدار، والخلق في الأصل: التقدير المستقيم. # فالأول: الإبداع: وهو إيجاد الشيء دفعة لا عن موجود، ولا بترتيب، ولا عن ~~نقص إلى كمال، وليس ذلك إلا للباري - عز وجل -، وإن كانت العرب قد تستعمل ~~الإبداع # فيمن يحفر بئرا في مكان لم يحفر فيه من قبل، وفيمن نسج شعرا أو أورد ~~كلاما لم ينسج على منواله من قبل. # والثاني: التكوين: وهو إيجاد الشيء عن عدم بترتيب، ومن نقص إلى كمال، ~~والمتكلمون قد يستعملون التكوين في موضع الإبداع، ولما هفوا عن حقيقة ~~التكوين أنكروا واستبشعوا قول من قال: السماء ليست بمكونة، وقدروا أنه ~~يقول: ليست بمبدعة ولا مخلوقة، وإنما أراد هذا القائل فيما ذكر أصحابه، ودل ~~عليه كلامه أن الله تعالى أبدعها إبداعا كما قال: (بديع السماوات والأرض) # ولم يخلقها خلقة ناقصة في ابتداء نشأتها، ثم كملها شيئا فشيئا كالإنسان ~~والحيوان والنبات. # والثالث: رب الشيء: وهو ms180 تغذيته، وذلك استخلاف ما تحلل من الأبدان فيما # PageV01P293 # وجد عن كون ليبقى المدة المضروبة له، وبه قيل له تعالى: رب العالمين. # والرابع: إحالة الشيء: وهو التغايير اللاحقة لجميع الكائنات في كيفياتها ~~من طعم ولون ورائحة. ### | والفعل الإنساني ثلاثة أضرب # نفساني فقط: وهو الأفكار والعلوم، وما ينسب إلى أفعال القلوب. # وبدني: وهو الحركات التي يفعلها الإنسان في بدنه كالمشي والقيام والقعود. # وصناعي: وهو ما يفعله الإنسان بمشاركة البدن والنفس، كالحرف والصناعات. ### | الفرق بين العمل والفعل والصنع # الفعل: لفظ عام يقال لما كان بإجادة أو غير إجادة، ولما كان بعلم أو بغير ~~علم، وعن قصد أو غير قصد، ولما كان من الإنسان والحيوان والجمادات. # وأما العمل: فإنه لا يقال إلا لما كان من الحيوان دون ما كان من ~~الجمادات، # ولما كان بقصد وعلم دون ما لم يكن عن قصد وعلم. # قال بعض الأدباء: العمل مقلوب عن العلم، فإن العلم فعل القلب والعمل فعل ~~الجارحة، وهو ييرز عن فعل القلب الذي هو العلم، وينقلب عنه. # وأما الصنع: فإنه يكون من الإنسان دون سائر الحيوان، ولا يقال إلا لما ~~كان # بإجادة، ولهذا يقال للحاذق المجيد والحاذقة المجيدة: صنع وصناع. # والصنع: قد يكون بلا فكر لشرف فاعله، والفعل قد يكون بلا فكر لنقص فاعله، ~~والعمل لا يكون إلا بفكر لتوسط فاعله. # والصنع أخص المعاني الثلاثة، والفعل أعمها، والعمل أوسطها، فكل صنع عمل، ~~وليس كل عمل صنعا، وكل عمل فعل، وليس كل فعل عملا، وفارسية هذه الألفاظ ~~تنبئ عن الفرق بينها، فإنه قيل للفعل: كار، وللعمل: كردار، وللصنع: كنش. ### | أنواع الصناعات # الصناعات ضربان: علمي وعملي. # PageV01P294 # فالعلمي: ما يستغنى فيه عن الاستعانة بالجوارح من اليد والرجل، كالمعارف ~~الإلهية والحساب. # والعملي: ما يحتاج فيه إلى الاستعانة بالجوارح، وذلك ضربان: # الأول: شيء ينقضي بانقضاء حركة الصانع، كالرقص والزمر والمحاكاة. # والثاني: شيء يبقى له أثر، وذلك ضربان: ضرب يبقى له أثر معقول لا محسوس، ~~كالطب والبيطرة، وضرب يبقى له أثر محسوس كالبناء والكتابة. ### | الأفعال الإرادية وغير الإرادية # الأفعال التي تظهر ms181 من غير الله إما تسخيري، وإما غير تسخيري. # فالتسخيري: هو الذي يظهر ممن يظهر منه لا بقصد وإرادة منه، وقد يكون ذلك ~~من الجماد والحيوان غير الناطق، وذلك نوعان: نوع بتسخير الباري تعالى، ~~كإحراق النار الحديد، وتبريد الثلج الماء، وضرب بتسخير البشر كطحن الرحا، ~~ودور الدولاب. # وأما غير التسخيري فضربان: ضرب يكون من فاعله مبدأ الإرادة، وضرب لا يكون ~~منه مبدأ الإرادة، والذي يكون منه مبدأ الإرادة ثلاثة: # الأول: بحسب التمييز كمن تناول الخير دون الشر مؤثرا له. # والثاني: بحسب الغضب كمن بطش بمن يغضب عليه. # والثالث: بحسب الشهوة كمن تناول ما اشتهاه لشهوته، والذي لا يكون منه ~~مبدأ. # الإرادة له ضربان: # ضرب لا يكون منه مبدأ الإرادة ولا منتهاها، كمن رمى إلى غرض فأصاب # شخصا. # وضرب لا يكون منه مبدأ الإرادة ولكن يكون منه منتهاها، كمن حصل في سفينة ~~فخاف الغرق فكلف أن يلقي متاعه في البحر ليتخلص. # والأفعال من الجمادات تقع بالتسخير فقط. # ومن النبات تقع بالتسخير وبالنزاع الذي تقتضيه القوة الشهوية. # ومن الحيوانات تقع بهما وبالغلبة التي تقتضيها القوة الغضبية، ومن ~~الإنسان تكون بكل ذلك، وبالفكرة التي تقتضيها القوة العقلية. # PageV01P295 ### | ما يستحق به من الأفعال اللوم وما لا يستحق به ذلك # الأفعال ضربان: إرادي وغير إرادي. # والإرادي ضربان: ضرب عن روية، وضرب لا عن روية. # فالذي عن روية ضربان: أحدهما: الذي عن روية تظن في غاية الشرف، وهو ما ~~يكون بحسب النفس الناطقة، ويسمى الاختيار، وهو طلب ما هو خير له، ويستحق به ~~أبدا الحمد إذا كان على الحقيقة اختيارا. # والثاني: عن روية فيما ليس هو في غاية الشرف، وذلك إما بحسب القوة ~~الغضبية: # وهو دفع ما يضره، وإما بحسب القوة الشهوية. وكل منهما إذا كان بقدر ما ~~يوجبه العقل يستحق به الحمد، وإذا كان زائدا أو ناقصا عما يوجبه العقل ~~يستحق به الذم. # والإرادي الذي عن غير روية واختيار ضربان: # أحدهما: ما يفعله في نفسه. # والثاني: ما يفعله بغيره. # وكل واحد منهما ضربان: نفع وضر. فما ms182 قصد به نفع نفسه فقد يستحق به الحمد ~~وما قصد به نفع غيره فقد يستحق به الحمد والشكر معا، وما قصد به ضر نفسه ~~فقد يستحق به الذم، وما قصد به ضر غيره فقد يستحق به الذم والعتب عليه. # وغير الإرادي ثلاثة أضرب: # الضرب الأول: أن يكون قسريا، وهو: ما يكون مبدؤه من خارج ولا يكون من ~~أربابه معونة بوجه، كمن دفعته ريح فسقط على آنية # فكسرها، فلا ملامة فيه بوجه. # والثاني: أن يكون إلجائيا كمن أكرهه سلطان على أن يفعل فعلا ما، وهذا متى ~~كان الملجأ إليه قبيحا جدا، والسبب الملجئ إليه خفيفا # يستحق مرتكبه الذم، كمن يضرب ليقتل إنسانا، ومتى كان الملجأ إليه ليس بجد ~~قبيح، والسبب الملجئ إليه عظيما، لا يستحق مرتكبه الذم كمن يوضع على حلقه ~~السيف ويهدد أن يقتل إن لم يتكلم بكلام قبيح، وكلاهما يقال له: إكراه. # والثالث: الخطأ، وهو ما يكون مبدؤه من صاحبه وذلك نوعان: # أحدهما: ما تولد عن فعل وقع منه، وله أن يفعله، كمن يرمي هدفا فأصاب # PageV01P296 # إنسانا، وذلك لا يستحق به ملامة، ما لم يقع من صاحبه تقصير في الاحتراز. # والثاني: ما يتولد عن فعل ليس له أن يفعله، كمن شرب فسكر، فحمله سكره على ~~أن كسر إناء أو ضرب إنسانا، فإن ذلك يستحق الملامة وإن لم يرد كسر الإناء # وضرب الإنسان، فقد ارتكب محظورا أدى به إلى وقوع ذلك منه. # فالضرب الأول يقال فيه: أخطأ فهو مخطئ، والثاني يقال فيه: خطئ فهو خاطئ؛ ~~ولهذا قال أهل اللغة: خطئ ما كان على سبيل العمد، وأخطأ ما كان على سبيل ~~السهو. ### | الأسباب التي يمكن نسبة الفعل إليها # أكثر الأسباب التي يحتاج إليها الفعل في وجوده عشرة أشياء: # يحتاج في حصوله إلى فاعل يصدر عنه الفعل كالنجار، وإلى عنصر يعمل فيه # كالخشب، وإلى عمل كالنجر، وإلى زمان، وإلى مكان يعمل فيهما، وإلى آلة ~~يعمل بها كالمنجر والمنحت، وإلى غرض قريب كاتخاذ النجار الباب، وإلى غرض ~~بعيد كتحصين البيت به، وإلى مثال ms183 يعمل عليه ويحتذي به، وإلى مرشد يرشده. # وكل ذلك قد ينسب إليه الفعل فيقول: أعطاني زيد؛ إذا باشر الإعطاء، ~~وأعطاني الله؛ لما كان هو الميسر له، وربما جمع بين السبب القريب والبعيد، ~~فيقول: أعطاني الله وزيد. # قال الشاعر: # حبانا بها جدنا والإله ... وضرب لنا أجذم صارم # فنسب إلى السبب الأول وهو الله تعالى، وإلى السبب المتأخر وهو الضرب، ~~وإلى المتوسط وهو الجد، وقال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) # وقال: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) # فأسند الفعل في الأول إلى الآمر به، وفي الثاني إلى المباشر له. # وقد قال الشاعر في صفة درع: # وألبسنيه الهالكي. وقال: كساهم محرق، فنسب الفعل إلى عاملها، وفي الثاني ~~إلى مستعملها. وقال في صفة نباله: كستها ريشها مضرحية، فنسب كسوتها إلى ~~الطائر الذي اتخذ ريشه فجعل لها. # وقد قيل: يداك أوكتا، وفوك نفخ، فنسب الفعل إلى الآلة المتصلة، ويقال: ~~سيف قاطع، فنسب الفعل إلى الآلة المنفصلة، وقيل: ضرب فيصل وفاصل، وطعن ~~خائف، # PageV01P297 # فنسب إلى الخوف، وقيل: سر كاتم، وعيشة راضية؛ فنسب إلى المفعول. # وقال تعالى: (حرما آمنا) # فنسب إلى المكان، وقيل: يوم صائم # وليل ساهر، وقد قيل: # ... ... ... ... .. وما ليل المطي بنائم. # فنسبه إلى الزمان. # فلما كانت أفعاله على ذلك صح في الفعل الواحد أن يثبت لأحد الأسباب مرة، ~~وينفي عنه مرة بنظرين مختلفين، وعلى ذلك قول الشاعر: # أعطت من لم تعطه ولو انقضى ... حسن اللقاءحرمت من لم يحرم # فأثبت له الفعل ونفاه عنه معا بنظرين مختلفين. # ويقال: هذا الخشب قطعته أنا لا السكين، ويقال: قطعته السكين ولم أقطعه، ~~ويقال: فلان هداه الله، وهداه الرسول، وهداه القرآن، وهداه فهمه، فنسب إلى ~~كل ذلك. # ويقال: وأضله الله لما كان تعالى هو السبب الأول في وجوده، ووجود سببه # المضل، ووجود الآلة، وإن لم يكن هو تعالى الداعي له إلى الضلالة، ويقال: ~~أضله الشيطان لما كان هو الداعي إلى الضلال. # ويقال: أضلته نفسه لما كانت هي التي تركت الاحتراز. # وهذا فصل من تصوره ms184 لم يعتمد في تثبيت المعاني على مثلها من الألفاظ، ~~فينظر من اللفظ إلى المعنى، بل ينظر في نحو هذا من المعنى إلى اللفظ. # واعلم أن من أجل هذا الذي قدمنا ذكره قال قوم من المحصلين: لا شيء من ~~الأفعال فاعله فاعل واحد على الحقيقة إلا الله تعالى، فإن فعله يستغني عن ~~المكان، والزمان، والآلة، والمادة، وعن مثال يحتذيه. # ومن عداه تعالى من الفاعلين لا بد له من كل ذلك أو من بعضه، ولهذا لا يصح ~~أن ينسب الإبداع إلى غيره تعالى لا حقيقة ولا مجازا، ويصح أن يثبت فعل غير ~~الله على ما تقدم. # PageV01P298 # قال الشيخ أبو القاسم الراغب - رحمه الله -: # هذا آخر ما قصدت تبيينه من هذا المعنى، وأختم القول بحمد الله تعالى، ~~والثناء عليه، والتضرع إليه في أن ينفعني وإخواني بما تحريته، ويجعلني ممن ~~تذكر فذكر، وتبصر فبصر، واتعظ فوعظ، وتيقظ فأيقظ، فأعظم الهجنة أن يأمر من ~~لم يأتمر، ويزجر من لا ينزجر، وأن يدعي الحكمة من إذا # تلقته المحاسن لا تجتبيه، وإذا تلقته المساوئ لا تجتويه، يرى القذاة في ~~عيون إخوانه فينكرها، ويترك الجذع المعترض في أجفانه لا يغيره، ينصح غيره ~~ويغش نفسه: # كمن كسا الناس من عري وعورته ... للناس بادية ما إن يواريها # وكالمسن الذي يشحذ الحديد ولا يقطع، وكالحجر الصلد الذي يمر به الماء ~~النافع فلا ينتفع هو به. # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله تعالى يؤيد هذا الدين بأقوام ~~لا خلاق لهم " (1) . # فنرغب إليه تعالى أن يجعلنا برحمته ممن ائتمر لنبيه - صلى الله عليه وسلم ~~- حيث قال: " اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك ~~قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك " (2) . # فما أعظم في القيامة الحسرة والندامة إن لم يتغمدني الله برحمته التي ~~وسعت كل شيء، فسهل يا رب المجاز، ويسر لي الجواز، فقد حان حصادي وإن لم ~~يصلح فسادي ولم يحصل رشادي، # اللهم صل على خاتم النبيين محمد وآله أجمعين. # وحسبنا الله ونعبم الوكيل، ولا حول ms185 ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، أفضل ما صليت على أحد من خلقك صلاة لا ~~تنقضي أبدا، ولا تحصى عددا. واغفر لكاتبه ولصاحبه ولوالديه ولجميع ~~المسلمين، ولمن قال آمين يا رب العالمين. PageV01P299 # وقع الفراغ من نساخة هذا الكتاب بمدينة عدن لعشر ليال مضين من شهر ذي ~~القعدة من شهور سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة (592 ه) . # غفر الله لكاتبه، ونفع به صاحبه، وألهمه لما فيه، واستعمله بما يرضيه ~~بمحمد وآله الطاهرين. # وصلى الله على رسوله سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم تسليما. ~~PageV01P300 ms186