######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010181 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الراغب الأصفهاني #META# 010.AuthorNAME :: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الاصفهانى (المتوفى : 502هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 502 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب متنوعة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين #META# 030.LibURI :: JK_010181 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # الباب الثاني # في ذكر أجناس الموجودات وموضع الإنسان منها إعلم أن الله تعالى هو الواجب ~~الوجود الذي لا سبب لوجوده بل هو سبب كل موجود. وكل موجود فمنه وبه تعالى ~~وجوده. والموجودات ضربان: المعقولات العلوية والمحسوسات السفلية، وإيجاده ~~تعالى للمعقولات العلوية قبل إيجاده للمحسوسات السفلية، كما روي أنه أول ما ~~خلق الله تعالى القلم ثم اللوح، وقال: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة. ~~وروي أنه أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل. فأقبل ثم قال له: أدبر. ~~فأدبر فقال: بعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك بك آخذ وبك أعطي ولك ~~الثواب وعليك العقاب وليس المراد بالعقل ههنا العقول البشرية بل الإشارة به ~~إلى جوهر شريف عنه تنبعث العقول البشرية. وقال قوم: " العقل ههنا عبارة عن ~~القلم المذكور في الخبر الآخر " والله أعلم. # ثم أوجد الله تعالى الروحانيات الذين لا يستكبرون عن عبادته ولا ~~يستحسرون، وإيجاد هذه الأشياء على سبيل الإبداع. والإبداع هو إيجاد الشيء ~~لا عن شيء موجود من قبل. ثم خلق الأركان الأربعة والجمادات والناميات ~~والحيوانات، وختم بالصورة الإنسانية كما دل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: " خلق الله تعالى يوم الأحد كذا ويوم الاثنين كذا إلى أن قال خلق ~~الإنسان يوم الجمعة آخر نهار " . والخلق في أكثر الأحوال يقال في إيجاد ~~الشيء من الشيء قبله كخلق الإنسان من التراب، ويقتضي تركيبا ولذلك قال اله ~~تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون). وإلى الأشياء المركبة أشار ~~بقوله تعالى: (أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم). واعلم ~~أن كل شيء من المبدعات فتام لا نقص فيه، ولو كان فيه نقص لدل ذلك على نقصان ~~مبدعه وصانعه، فأما المخلوق الذي هو مركب من شيء فقد يحتمل أن يكون فيه نقص ~~ويكون نقصه عارضا من جهة ما تركب منه لا من جهة مركبه وفاعله، فلهذا صارت ~~المبدعات من الأشياء العلوية معراة عن اعتراض الفساد فيها حالا فحالا، بل ~~تبقى على حالتها ms01 إلى أن يشاء الله تعالى أن يرفع العالم. # والإنسان إنسانان: أحدهما آدم الذي هو أبو البشر، ويجري هو من سائر الناس ~~مجرى البذر الذي منه أنشئ غيره، والباري تعالى قد تولى بنفسه إيجاده ~~وتربيته وتعليمه كما نبه عليه بقوله تعالى: (ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي). وقوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) والثاني بنوه وموجدهم أيضا ~~الباري تعالى، ولكن جعل انشاءهم وتربيتهم وتعليمهم بوسائط جسمانية ~~وروحانية، فالجسماني كالأبوين والروحاني كالملائكة المدبرات والمقسمات ~~الذين يتولون انشاءه وتربيته، كما روي في الخبر: الولد يكون أربعين يوما ~~نطفة، ثم يصير علقة، ثم يصير مضغة، ثم يبعث الله ملكا فينفخ فيه الروح، إلى ~~غير ذلك من الأخبار. ولكون الأبوين سببا في وجود الولد عظم الله تعالى ~~حقهما وألزم بعد شكره شكرهما فقال: (اشكر لي ولوالديك). ويسمى الولد ابنا ~~وهو مشتق من بنيت البنية تنبيها على أنه جار للأب مجرى البناء للباني. # الباب الثالث # في ذكر العناصر التي منها أوجد الإنسان PageV01P001 ذكر الله تعالى ~~العناصر التي خلق منها آدم عليه السلام، ونبه على أنه جعله إنسانا في سبع ~~درجات. وأشار إلى ذلك في مواضع مختلفة حسب ما اقتضته الحكمة، فقال في موضع ~~خلقه من تراب إشارة إلى المبدأ الأول. وفي آخر من طين إشارة إلى الجمع بين ~~التراب والماء. وفي آخر من حمإ مسنون إشارة إلى الطين المتغير بالهواء أدنى ~~تغير. وفي آخر من طين لازب إشارة إلى الطين المستقر على حالة من الاعتدال ~~يصلح لقبول الصورة. وفي آخر من صلصال من حمإ مسنون إشارة إلى يبسه وسماع ~~صلصلة منه، وفي آخر من صلصال كالفخار، وهو الذي قد أصلح بأثر من النار فصار ~~كالزخرف، وبهذه القوة النارية حصل في الإنسان أثر من الشيطنة وعلى هذا ~~المعنى دل بقوله: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من ~~نار). فنبه على أن الإنسان فيه من القوة الشيطانية بقدر ما في الفخار من ~~أثر النار وأن الشيطان ذاته من المارج الذي لا استقرار له. ثم ms02 نبه الله على ~~تكميل الإنسان بنفخ الروح فيه فقال: (إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ~~ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين). فهذه سبع درجات نبه عليها كما ترى. ثم ~~دل على تكميل نفسه بالعلوم والآداب بقوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) ~~ثم ذكر خلق بني آدم وعناصرهم التي أوجدها حالة بعد حالة، فنبه على أنه ~~جعلهم أناسا في سبع درجات حسب ما جعل آدم عليه السلام فقال تعالى: (ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة ~~فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه ~~خلقا آخر أشار به إلى ما جعل من له من قوة العقل والفكر والنطق. فإن قيل ~~فلم قال فكسونا العظام لحما ولم يقل فخلقنا منه لحما كما قال في الأول. قيل ~~إشارة منه تعالى إلى لطيفة من صنعه وهو أن النطفة انتهت إلى صورة العظم، ثم ~~أنشأ الله اللحم إنشاءا آخر لا من النطفة، وأجراها مجرى الكسوة التي قد ~~يخلعها الإنسان ويجددها، ولذلك إذا قطع من الحيوان لحم عاد ولم يكن كالعظم ~~الذي لا يعود بعد قطعه فإن قيل كيف حكم على جميع الناس أنه خلقهم من سلالة ~~من طين والمخلوق منها هو آدم دون أولاده. قيل أن ذلك على وجهين: أحدهما أنه ~~لما خلق آدم من دون أولاده. قيل أن ذلك على وجهين: أجدهما أنه لما خلق آدم ~~من سلالة من طين فأولاده الذين منه هو أيضا منها. والثاني أن الإنسان يتكون ~~من النطفة ويتربى بدم الطمث، وهما يتكونان من الغذاء والغذاء يتكون من ~~الحيوان، والحيوان من النبات، والنبات من سلالة من طين، فإذا الإنسان على ~~الحقيقة من سلالة من طين، وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: (إنا صببنا الماء ~~صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا). وقوله: (خلقكم من ~~تراب ثم من نطفة). فجعله ms03 الله تعالى من تراب على هذا الوجه. وقال: (ومن ~~آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون). # وفي آخر: (خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين). وعني ~~بالإنسان ههنا آدم ولذلك قال: ثم جعل نسله. فاقتصر ههنا على النطفة دون ~~المبدأ الأول الذي هو التراب. وإنما ذكر هذه المبادئ متفرقة لحكمة اقتضت ~~تخصيص ذكر كل واحد من ذلك في موضعه مما يليق بهذا الكتاب. # الباب الرابع # في ذكر قوى الأشياء التي جمعت في الإنسان PageV01P002 الإنسان قد جمع فيه ~~قوى العالم، وأوجد بعد وجود الأشياء التي جمعت فيه، وعلى هذا نبه الله ~~تعالى بقوله: (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين). وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم الذي تقدم ذكره. وقد جمع الله تعالى في الإنسان قوى ~~بسائط العالم ومركباته وروحانياته وجسمانياته ومبدعاته ومكوناته. فالإنسان ~~من حيث أنه بوساطة العالم حصل ومن أركانه وقواه أوجد هو العالم. ومن حيث ~~أنه صغر شكله وجمع فيه قواه كالمختصر من العالم فإن المختصر من الكتاب هو ~~الذي قلل لفظه، وأستوفي معناه. والإنسان هكذا هو إذا اعتبر بالعالم. ومن ~~حيث أنه جعل من صفوة العالم ولبابه وخلاصته وثمرته، فهو كالزبد من المخيض ~~والدهن من السمسم، فما من شيء إلا والإنسان يشبهه من وجه، فإنه كالأركان من ~~حيث ما فيه من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وكالمعادن من حيث ما هو ~~جسم، وكالنبات من حيث ما يتغذى ويتربى، وكالبهيمة من حيث ما يحس ويتوهم ~~ويتخيل ويلتذ ويتألم، وكالسبع من حيث ما يحرض ويغضب، وكالشيطان من حيث ما ~~يغوي ويضل، وكالملائكة من حيث ما يعرف الله تعالى ويعبده ويخلفه، وكاللوح ~~المحفوظ من حيث قد جعله الله مجمع الحكم التي كتبها فيه على الاختصار - فقد ~~ذكر بعض الحكماء في بدن الإنسان أربعة آلاف حكمة، وفي نفسه قريبا من ذلك. ~~وكالقلم من حيث ما يثبت بكلامه صور الأشياء في قلوب الناس كما أن القلم ~~يثبت الحكم في اللوح المحفوظ. ولكون ms04 الإنسان من قوى مختلفة قال الله تعالى: ~~(انا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) أي مختلطة من قوى أشياء مختلفة. ولكون ~~العالم والإنسان متشابهين إذا اعتبر قيل الإنسان عالم صغير والعالم إنسان ~~كبير ولذلك قال الله تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحدة). فأشار ~~بالنفس الواحدة إلى ذات العالم. ولما كان كل مركب من أشياء مختلفة يحصل ~~باجتماعهن معنى ليس بموجود فيهن على انفرادهن كالمركبات من الأدوية ~~والأطعمة، كذلك في نفس الإنسان حصل معنى ليس فس شيء من موجودات العالم، ~~وذلك المعنى هو ما يختص به من خصائصه التي بها تميز عن غيره من هيئات له، ~~كانتصاب القامة وعرض الظفر، وانفعالات له كالضحك والحياء، وأفعال كتصور ~~المعقولات وتعلم الصناعات واكتساب الأخلاق. # الباب الخامس # في تكوين الإنسان شيئا فشيئا حتى يصير إنسانا كاملا الإنسان يكون أولا ~~جمادا ميتا قال الله تعالى: (وكنتم أمواتا فأحياكم) وذلك حيث كان ترابا ~~وطينا وصلصالا ونحوها. ثم يصير نباتا ناميا كما قال الله تعالى: (والله ~~أنبتكم من الأرض نباتا) وذلك حيث ما كان نطفة وعلقة ومضغة ونحوها. ثم يصير ~~حيوانا وذلك حيث ما يتبع بطبعه بعض ما ينفعه ويحترز من بعض ما يضره. ثم ~~يصير إنسانا مختصا بالأفعال الإنسانية وقد نبه الله تعالى على ذلك في مواضع ~~نحو قوله: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم ~~من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة). وقوله: (أكفرت بالذي ~~خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا). فأول ما يظهر فيه قوة النزاع ~~الموجودة في النبات والحيوان، ثم قوة تناول الموافق ودفع المخالف، ثم الحس ~~ثم التخيل ثم التصور ثم التفكر ثم العقل، فهو لم يصر إنسانا إلا بالفكر ~~والعقل الذي يميز بين الخير والشر والجميل والقبيح. وإلى العقل أشار الله ~~تعالى بقوله: (وصوركم فأحسن صوركم). فالإنسان بعقله صار معدن العلم ومركز ~~الحكمة. ووجود العقل فيه إبتداء الأمر بالقوة كوجود النار في الحجر المحتاج ~~في أن يري ms05 إلى الاقتداح، وكوجود النخل في النوى المحتاجة في أن تثمر إلى ~~غرس وسقي. وكوجود الماء تحت الأرض المحتاجة في الاستقاء منه إلى حفره ونفس ~~الإنسان واقعة بين قوتين: قوة الشهوة وقوة العقل، فبقوة الشهوة يحرص على ~~تناول اللذات البدنية البهيمية كالغذاء والسفاد والتغالب وسائر اللذات ~~العاجلة، وبقوة العقل يحرص على تناول العلوم والأفعال الجميلة والأمور ~~المحمودة العاقبة، وإلى هاتين القوتين أشار الله تعالى بقوله: (إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا). وبقوله: (وهديناه النجدين). PageV01P003 ~~ولما كان من جبلة الإنسان أن يتحرى ما فيه اللذة، وكانت اللذات على ضربين: ~~أحدهما محسوس كلذة المذوقات والملموسات والمشمومات والمسموعات والمبصرات ~~وهي من توابع الشهوة الحيوانية، والثاني معقول كلذة العلم وتعاطي الخير ~~وفعل الجميل. واللذات المحسوسة أغلب علينا لكونها أقدم وجودا فينا، لأنها ~~توجد في الإنسان قبل أن يولد، وهي ضرورية في الوقت ولذلك قال الله تعالى: ~~(يحبون العاجلة ويذرون الآخرة) ولذلك يكره أكثر الناس ما يأمر به العقل ~~ويميل إلى ما يأمر به الهوى حتى قيل: " العقل صديق مقطوع والهوى عدو متبوع ~~" . ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار ~~بالشهوات " ولذلك يحتاج الإنسان أن يقاد في بدء أمره إلى مصالحه بضرب من ~~القهر حتى قال صلى الله عليه وسلم: " يا عجبا لقوم يقادون إلى الجنة ~~بالسلاسل " . فحق الإنسان أن يجاهد هواه إلى أن يقتحم العقبة فيتخلص حينئذ ~~من أذاه. # وللنفس نظران: نظر إلى فوق نحو العقل، ومنه تستمد المعارف، وتميز بين ~~المحاسن والقبائح، فتعرف كيف تتحرى المحاسن وتتجنب القبائح. ونظر إلى تحت ~~نحو الهوى، وبه تنسى الحقائق وتألف الخسيسات بل القاذورات. والنفس متى كانت ~~شريفة أدامت النظر إلى فوق كما ذكرنا، ولا تنظر إلى ما دونها إلا عند ~~الضرورة، ولا تتناول اللذات البدنية إلا بحسب ما يرسمه العقل المستمد من ~~الشرع، أو إذا كانت دنية أكثرت الميل إلى الشهوات البدنية، فيحدث ذلك لها ~~إذعانا وانقيادا لللشهوات فيستعبدها الهوى كما قال الله تعالى: (أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه وأضله الله ms06 على علم) وإنما أضله بعد أن اتخذ إلهه هواه ~~وجعله عبدا لأغراض دنيوية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد ~~الدرهم " . الخبر. ومن هذه العبودية استعاذ إبراهيم الخليل عليه السلام حيث ~~قال: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام). # الباب السادس # في ظهور الإنسان في شعار الموجودات وتخصيصه بقوة شيء فشيء منها ذات ~~الإنسان من حيث ما اجتمع فيه قوى الموجودات صار وعاء معاني العالم وطينة ~~صوره ومعدن آثاره ومجمع حقائقه، وكأنه مركب من جمادات ونباتات وبهائم وسباع ~~وشياطين وملائكة، ولذلك قد يظهر في شعار كل واحد من ذلك فيجري تارة مجرى ~~الجمادات في الكسل وقلة التحرك والإنبعاث، وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: ~~(ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) وقد يظهر في شعار ~~النباتات الحميدة أو الذميمة فيصير إما كالأترج الذي يطيب حمله ونوره وعوده ~~وورقه أو كالنخل والكرم فيما يؤتي من النفع، أو كالكشوث في عدم الخير، أو ~~كالحنظل في خبث المذاق، وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: (مثل كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب ~~الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من ~~فوق الأرض ما لها من قرار). ويظهر تارة في شعار الحيوانات المحمودة ~~والمذمومة، فيصير أما كالنحل في كثرة منافعه وقلة مضاره وفي حسن سياسته. ~~قال الله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ~~ومما يعرشون) أو كالطير المسمى بأبي الوفا، أو كالخنزير في الشره، أو ~~كالذئب في العيث، أو كالكلب في الحرص، أو كالنمل في الجمع، أو كالفأر في ~~السرقة، أو كالثعلب في المراوغة، أو كالقرد في المحاكاة، أو كالحمار في ~~البلادة، أو كالثور في الفظاظة، وعلى هذا النحو من المشابهات دل الله ~~بقوله: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون) ويظهر تارة في شعار الشياطين ms07 ~~فيغوي ويضل ويسول بالباطل في صورة الحق كما دل الله تعالى بقوله: (شياطين ~~الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) وإنما يكون إنسانا إذا ~~وضع كل واحد من هذه الأشياء في موضعه حسب ما يقتضيه العقل المرتضي المستبصر ~~بنور الشرع. # الباب السابع # في ماهية الإنسان PageV01P004 ماهية كل شيء تحصل بصورته التي يتميز بها ~~عن أغياره، كصورة السكين والسيف والمنجل ونحوها. ولما كان الإنسان جزئين ~~بدن محسوس وروح معقول كما نبه الله تعالى عليه بقوله: (إني خالق بشرا من ~~طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) كان له بحسب كل واحد من ~~الجزئين صورة، فصورته المحسوسة البدنية انتصاب القامة وعرض الظفر وتعري ~~البشرة عن الشعر والضحك. وصورته المعقولة الروحانية العقل والفكر والروية ~~والنطق. قالوا فالإنسان هو الحيوان الناطق، ولم يعنوا بالناطق اللفظ المعبر ~~به فقط، بل عنوا به المعاني المختصة بالإنسان فعبروا عن كل ذلك بالنطق فقد ~~يعبر عن جملة الشيء بأخص ما فيه أو بأشرفه أو بأوله، كقولك سورة الرحمن ~~وسورة يوسف وسورة لإيلاف ونحو ذلك، فالإنسان يقال على ضربين عام وخاص ~~فالعام أن يقال لكل منتصب القامة مختص بقوة الفكر واستفادة العلم، والخاص ~~أن يقال لمن عرف الحق فاعتقده والخير فعمله بحسب وسعه، وهذا معنى يتفاضل ~~فيه الناس ويتفاوتون فيه تفاوتا بعيدا، وبحسب تحصيله يستحق الإنسانية وهي ~~تعاطي الفعل المختص بالإنسان فيقال فلان أكثر إنسانية. وكما يقال الإنسان ~~على وجهين يقال له الحيوان الناطق على وجهين عام ويراد به من في قوة نوعه ~~استفادة الحق والخير، كقولك الإنسان هو الكاتب دون الفرس والحمار، أي هو ~~الذي في قوته استفادة الكتابة. وكذا يقال له عبد الله على وجهين: عام ويراد ~~به الحيوان المتعرض لارتسام أوامر الله ارتسم أو لم يرتسم وهو المشار إليه ~~بقوله تعالى: (إن كل من في السموات والأرض الا آتي الرحمن عبدا) وخاص وهو ~~المرتسم لأوامر الله تعالى كما قال سبحانه: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) ~~وكذا يقال له حي وسميع ms08 وبصير ومتكلم وعاقل كل ذلك على وجهين: يقال عاما وهو ~~لمن له الحياة الحيوانية التي بها الحس والتخيل والنزوع والشهوة ولمن سمع ~~الأصوات ولمن يدرك الألوان، ولمن يفهم الكافة بما يريده، ولمن له القوة ~~التي يتبعها التكليف، والثاني يقال له خاصا وهو لمن له الحياة التي هي ~~العلم المقصود بقول الله تعالى: (لينذر من كان حيا) وله السمع الذي به يسمع ~~حقائق المعقولات، والبصيرة التي بها يدرك الاعتبارات، واللسان الذي به يورد ~~التحقيقات، وهي التي نفاها عن الجهلة الكفرة في قوله تعالى: (صم بكم عمي ~~فهم لا يعقلون). # الباب الثامن # في كون الإنسان مستصلحا للدارين الإنسان من بين الموجودات مخلوق خلقة ~~تصلح للدارين، وذلك أن الله تعالى قد أوجد ثلاثة أنواع من الأحياء، نوعا ~~لدار الدنيا وهي الحيوانات، ونعا للدار الآخرة وهو الملأ الأعلى، ونوعا ~~للدارين وهو الإنسان، فالإنسان واسطة بين جوهرين وضيع وهو الحيوانات، ورفيع ~~وهو الملائكة، فجمع فيه قوى العالمين وجعله كالحيوانات في الشهوة البدنية ~~والغذاء والتناسل والمهارشة والمنازعة وغير ذلك من أوصاف الحيوانات. ~~وكالملائكة في العقل والعلم وعبادة الرب والصدق والوفاء، ونحو ذلك من ~~الأخلاق الشريفة ووجه الحكمة في ذلك أنه تعالى لما رشحه لعبادته وخلافته ~~وعمارة أرضه وهيأه مع ذلك لمجاورته في جنته اقتضت الحكمة أن يجمع له ~~القوتين، فإنه لو خلق كالبهيمة معرى عن العقل لما صلح لعبادة الله تعالى ~~وخلافته، كما لم يصلح لذلك البهائم ولا لمجاورته ودخول جنته. ولو خلق ~~كالملائكة معرى عن الحاجة البدنية لم يصلح لعمارة أرضه كما لم يصلح لذلك ~~الملائكة حيث قال تعالى في جوابهم: (إني أعلم ما لا تعلمون) فاقتضت الحكمة ~~الإلهية أن تجمع له القوتان، وفي اعتبار هذه الجملة تنبيه على أن الإنسان ~~دنيوي وآخروي، وأنه لم يخلق عبثا كما نبه الله عليه بقوله: (أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون). # الباب التاسع # في تمثيل ذات الإنسان وتصويره PageV01P005 قد ذكر الحكماء لذات الإنسان ~~وقواها مثالا صورها بها، فيتمثل كل ما لا يدرك إلا بالعقل بتصور الحس ms09 ليقرب ~~من الفهم، فقالوا: ذات الإنسان لما كان عالما صغيرا كما تقدم جرى مجرى بلد ~~أحكم بناؤه، وشيد بنيانه، وحصن سوره، وخطت شوارعه، وقسمت محاله وعمرت ~~بالسكان دوره، وسلكت سبله، ،اجريت أنهاره، وفتحت أسواقه، واستعملت صناعه، ~~وجعل فيه ملك مدبر، وللملك وزير وصاحب بريد وأصحاب أخبار وخازن وترجمان ~~وكاتب وفي البلد أخيار وأشرار. فصناعها هي القوى السبعة التي يقال لها ~~الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والنامية والغاذية والمصورة والملك ~~العقل ومنبعه من القلب. والوزير القوة المفكرة ومسكنها وسط الدماغ. وصاحب ~~البريد القوة المتخيلة ومسكنها مقدم الدماغ. وأصحاب الأخبار الحواس الخمس ~~ومسكنها الأعضاء الخمسة. والخازن القوة الحافظة ومسكنها الدماغ. والترجمان ~~القوة الناطقة وآلتها اللسان. والكاتب القوة الكاتبة وآلتها اليد، وسكانها ~~الأخيار والأشرار هي القوى التي منها الأخلاق الجميلة والأخلاق القبيحة، ~~وكما أن الوالي إذا تزكى وساس الناس بسياسة الله صار ظل الله في الأرض كما ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السلطان ظل الله في الأرض ويجب على ~~الكافة طاعته " كما قال الله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم) كذلك متى جعل العقل سائسا وجب على سائر قوى النفس أن تطيعه. ~~وكما أن الله تعالى جعل الناس متفاوتين كما نبه الله تعالى عليه بقوله: ~~(ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا). كذلك جعل قوى النفس ~~متفاوتة وجعل من حق كل واحدة أن تكون داخلة في سلطان ما فوقها ومتأمرة على ~~ما دونها. فحق القوة الشهوانية أن تكون مؤتمرة للقوة العاقلة، وحق القوة ~~العاقلة أن تكون مستضيئة بنور الشرع ومؤتمرة لمراسمه، حتى تصير هذه القوى ~~متظاهرة غير متعادية كما قال الله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل ~~إخوانا على سرر متقابلين). وكما لا ينفك أشرار العالم من أن يطلبوا في ~~العالم الفساد ويعادوا الأخيار كما قال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شياطين الأنس والجن). كذلك في نفس الإنسان قوى رديئة من الهوى والشهوة ~~والحسد تطلب الفساد وتعادي العقل والفكر. وكما نبه أنه يجب للوالي أن ms10 يتبع ~~الحق ولا يصغي إلى الأشرار ولا يعتمدهم كما قال تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم..). وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء). وقال: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا ~~تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك). كذلك يجب للعقل والفكر أن لا يعتمد القوى ~~الذميمة. # وكما أنه يجب للوالي أن يجاهد اعداء المسلمين كما قال تعالى: (واعدوا لهم ~~ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم). وكذلك يجب ~~للعقل أن يعادي الهوى فإن الهوى من اعداء الله بدلالة قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " ما في الأرض معبود ابغض الى الله من الهوى " ثم تلا (أفرأيت ~~من أتخذ آلهة هواه) وكما أن من استحوذ عليه الشيطان انساه ذكر الله، وكذلك ~~العقل إذا استحوذ عليه الهوى. كما أنه يجب للوالي أن يسالم اعاديه إذا لم ~~يقو عليهم كما قال الله تعالى:(وان جنحوا للسلم فاجنح لها) وان لا يركن ~~اليهم وان سالمهم كما قال الله تعالى: (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم ~~النار) كذلك يجب للعقل ان يسالم الاشرار من قوى النفس اذا عجز عنها وان لا ~~يركن اليها. PageV01P006 وكما ان الوالي اذا احس بقوة احتاج الى ان يعدل ~~الى نقض العهد واظهار المعاداة كما قال الله تعالى: (فإذا انسلخ الاشهر ~~الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل ~~مرصد). كذلك حق العقل اذا قوي على قوى النفس ان لا يداهنها. وكما ان شياطين ~~الانس والجن يضعف كيدهم على من تحصن بالايمان واستعاذ بالله وتقوى على من ~~والاه كما قال تعالى: (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) ~~كذلك يضعف كيد الهوى عن العقل إذا تقوى بالله واستعاذ به. فحق العقل أن ~~يستعيذ من الهوى والشره والحرص والأمل وأن يطهر ذاته منها ومن سائر القوى ~~الرديئة، استعاذة إبراهيم صلوات الله عليه حيث قال: (رب اجعل هذا البلد ~~آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام). فالقوى الرديئة والإرادات ms11 الرديئة في ~~ذات الإنسان جارية مجرى أصنام قل ما ينفك الإنسان من عبادتها كما قال الله ~~تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) وذكروا مثلا آخر فقالوا: " ~~كل إنسان مع بدنه كوال في بلد قيل له طهر بلدك من النجاسات وادب من يقبل ~~التأديب من أهله ورض من يقبل الرياضة من حيوانه وسباعه. ومن عاث فيه ولا ~~يقبل التأديب والرياضة فاحبسه أو اقتله ولكن بالحق " كما قال الله تعالى: ~~(ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق). فإن عجزت عن تطهير عرصته من ~~الأنجاس، وعن تأديب طغاته ورياضة حيواناته وسباعه، فلا تعجز عن صيانة نفسك ~~عن التلطخ بنجاساته، وعن الاحتراس من أن تفترسك سباعه، وأن يسبيك طغاته حتى ~~إذا لم تكن غالبا لم تكن مغلوبا. فصار الناس في ذلك بين ثلاثة أصناف: صنف ~~لم يفعل ما أمر، ولم يؤد حق الإيالة، وتهاون فيما فوض إليه، فجرح وأسر فصار ~~عند نفسه مع كونه مجروحا مأسورا ملوما مخذولا. وصنف فعل ما أمر فأدى حق ~~الإيالة، فصار عند ربه مأجورا مشكورا. وصنف جد تارة وقصر تارة، فجرح وجرح، ~~وغلب وغلب. فهو كما قال تعالى: (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن ~~يتوب عليهم) وقال بعضهم: :الإنسان إذا اعتبر مع قوة التخيل وقوة الغضب وقوة ~~الشهوة فمثله مثل من بلي في سفره بصحبة ثلاثة اضطر إليهم حتى لا يمكنه أن ~~ينفصل منهم ويقضي سفره من دونهم " كما قال الشاعر: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد # فيا نكد الدنيا متى أنت نازح ... عن الحر حتى لا يقاربه ضد # فواحد أمامههو له رقيب يحفظه، وعين تكلأه، لكنه ملق باهت مموه يلفق ~~الباطل تلفيقا، ويختلق الزور اختلاقا، فيخلط الكذب بالصدق والخطأ بالصواب. ~~والثاني عن يمينه بطش زعر، يحميه عن أعاديه، لكنه كثيرا ما يغويه، فيهيج ~~هائجه فلا يقمعه النصح ولا يطأطئه الرفق، كأنه نار في حطب أو سيل في صبب أو ~~قرم مغتلم، أو سبع ثاكل، فيحتاج أن ms12 يسكنه دائما فيحتمي به ومنه فهو معه كما ~~قيل: " راكب الأسد يهابه الناس وهو في نفسه أهيب " والثالث عن يساره وهو ~~الذي يأتيه بالمطعم والمشرب ولكنه أرعن ملق قذر شبق كإنه خنزير أجيع فأرسل ~~في جلة يأتيه أحيانا بأطعمة خبيثة فيكرهه على تناولها، فهو يحتاج أن ~~يصابرهم حتى يقطع سفره، فيبلغ أرضا مقدسة يشرق فيها النور ويشرب فيها الذئب ~~والنعجة من حوض واحد فيأمن فيها بوائقهم، ومن حيلته التي ترجى أن يسلم منهم ~~بها أن يسلط هذا البطش الزعر على هذا الأرعن الملق حتى يزبره زبرا وأن يطفي ~~غلو هذا الزعر التائه بخلابة هذا الأرعن الملق، وأن لا يجنح إلى الباهت ~~المتخرص حتى يؤتيه موثقا من الله غليظا ثم يصدقه فيما ينهيه إليه، فجعل ~~الملق الباهت كناية عن الوهم، والبطش الزعر عن الغضب، والأرعن الملق عن ~~الشهوة، وجعل الأرض المقدسة عبارة عن دار السلم، وذكر أن حيلته في أن يسلم ~~منهم أن يدفع بعض هذه القوى ببعض دفع الشر بالشر. # الباب العاشر # في كون الإنسان هو المقصود من العالم وإيجاد ما عداه لأجله PageV01P007 ~~المقصود من العالم وإيجاده شيئا بعد شيء هو أن يوجد الإنسان، فالغرض من ~~الأركان أن يحصل منها النبات، ومن النبات أن تحصل الحيوانات، ومن الحيوانات ~~أن تحصل الأجسام البشرية ومن الأجسام البشرية، أن يحصل منها الأرواح ~~الناطقة، ومن الأرواح الناطقة أن يحصل منها خلافة الله تعالى في أرضه ~~فيتوصل بلإيفاء حقها إلى النعيم الأبدي كما دل الله تعالى عليه بقوله: (إني ~~جاعل في الأرض خليفة). وجعل تعالى الإنسان سلالة العالم وزبدته وهو المخصوص ~~بالكرامة كما قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا). وجعل ما سواه ~~كالمعونة له كما قال تعالى في معرض الامتنان: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا). فليس فضله بقوة الجسم، فالفيل والبعير أقوى جسما منه، ولا بطول ~~العمر فالنسر والحية أطول منه عمرا، ولا بشدة البطش فالأسد والنمر أشد منه ms13 ~~بطشا، ولا بحسن اللباس والدراج أحسن منه لباسا، ولا بالقوة على النكاح ~~فالحمار والعصفور أقوى منه نكاحا، ولا بكثرة الذهب والفضة فالمعادن والجبال ~~أكثر منه ذهبا وفضة. وما أحسن قول الشاعر: # لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان # ولما تفاضلت النفوس ودبرت ... أيدي الكماة عوالي المران # ولا بعنصره الموجود منه كما زعم ابليس حيث قال: (خلقتني من نار وخلقته من ~~طين). بل ذلك بما خصه الله تعالى به، وهو المعنى الذي ضمنه فيه، والأمر ~~الذي رشحه له، وقد أشار إليه تعالى بقوله: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين) وبقوله: (خلقت بيدي). والملائكة لما نبههم الله تعالى ~~لفضل آدم تنبهوا فأذعنوا وسجدوا له كما أمروا. وإبليس لما نظر إلى ظاهر آدم ~~وبدئه وتعامى عما ذكر الله تعالى، ولم يتأمل المعنى الذي ضمنه الله تعالى ~~آدم، والعاقبة التي جعلها له أبى واستكبر. وقد اقتدى به الكفار في رد ~~الأنبياء حيث قالوا: (ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم). وقالوا: ~~(ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق). وقد نبه الله تعالى على أن ~~الاعتبار بفضلهم ليس بظاهر أبدانهم وإنما ذلك لمعاني في نفوسهم يعمى عنها ~~الكفار فقال عز من قائل: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون). أي لا يعرفون ~~ما فضلتهم به. فمن وفق لفضل ما أعطي ولما رشح له وأعد ثم سعى في مثاله، فقد ~~أوتي خيرا كثيرا وما يذكر الا أولو الألباب. # الباب الحادي عشر # في الغرض الذي لأجله أوجد الإنسان ومنازلهم الغرض منه أن يعبد الله ~~ويخلفه وينصره ويعمر أرضه كما نبه الله تعالى بآيات في مواضع مختلفة حسب ما ~~اقتضت الحكمة ذكره وذلك قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ~~وقوله: (إني جاعل في الأرض خليفة) وقوله: (ليستخلفنهم في الأرض) وقوله: ~~(ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) وقوله: (يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~أنصار الله) وقوله: واستعمركم فيها. وكل ذلك إشارة إلى توليتهم أمورا لم ~~يستصلح لها الإنسان، كما ms14 نبه الله تعالى عليه بقوله للملائكة: (إني أعلم ما ~~لا تعلمون). وذلك أن الله تعالى ما كان موجدا لما هو موجده وفاعلا لما هو ~~فاعله إلا على أربعة أوجه: الأول أفعال تولاها بذاته، وهي الإبداع ومعنى ~~الإبداع هو إيجاد الشيء من العدم وإليه الإشارة بقوله تعالى: (بديع السموات ~~والأرض). PageV01P008 والثاني أفعال استعبد فيها ملائكته وسماه قوم ~~التكوينات، وذلك إخراج الشيء من النقص إلأى الكمال إخراجا غير محسوس فاعله، ~~وبذلك وصفهم الله تعالى بقوله: (فالمدبرات أمرا) وهم ثلاثة أضرب: ضرب إليهم ~~القيام بالأجرام السماوية، وقد قيل هم إسرافيل وميكائيل ورضوان والمحتفون ~~بالعرش الموصوفون بقوله تعالى: (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون ~~بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) وقوله تعالى: ~~(الذين يحملون العرش ومن حوله.. الآية). وضرب إليهم تدبير الأركان الهوائية ~~كالملائكة الباعثة للرياح والمزجية للسحاب الموصوفين بقوله تعالى: ~~(والمرسلات عرفا) وقوله عز وجل: (والنازعات غرقا) وضرب إليهم تدبير الأرض ~~كالموصوفين بقوله تعالى: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر ~~الله). وكمن وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الجنين أنه يبعث ملكا ~~فينفخ فيه الروح وكالحفيظ والرقيب والعتيد وكمن وصفهم الله بقوله: (ألن ~~يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين). # والثالث أفعال سخر الله تعالى لها الأركان وموجودات العالم كالإحراق ~~والإذابة للنار والترطيب للماء، وفي الجملة ما قد سخر تعالى له شيئا فشيئا ~~من لجمادات والناميات وغير ذلك، ونبه عليه بقوله تعالى: (وسخر لكم الشمس ~~والقمر). وغير ذلك من الآيات المذكورة. # والرابع الصناعات والمهن المحسوسة التي استعبد الإنسان فيها واستخلفه، ~~وهي الأشياء التي يحتاج صناعة أكثرها إلى ستة أشياء، إلى عنصر تعمل منه، ~~وإلى مكان وإلى زمان وإلى حركة وإلى أعضاء وإلى آلة، وهذا الضرب خص الإنسان ~~به ولم يستصلح له الملائكة، وجعل لكم من الملك مقاما معلوما كما نبه عليه ~~تعالى بقوله: (وما منا إلا له مقام معلوم). وكذلك جعل لكل نوع من الناس ~~مقاما معلوما كما نبه عليه ms15 بقوله: (قل كل يعمل على شاكلته) وقوله: (انظر ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض). وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " كل ميسر لما ~~خلق له " . ولكن عامة الملائكة لم يعصوا الله فيما أمرهم كما وصفهم تعالى ~~بقوله: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) والناس فيما أمروا به ~~وكلفوه بين مطيع وعاص فهم على القول المجمل ثلاثة أضرب: ضرب اخلوا بأمره، ~~وانسلخوا عما خلقوا لأجله، واتبعوا خطوات الشيطان وعبدوا الطاغوت. وضرب ~~وقفوا بغاية جهدهم حيث ما وقفوا كالموصوفين بقوله تعالى: (وعباد الرحمن ~~الذين يمشون على الأرض هونا) وضرب ترددوا بين الطريقين كما قال الله تعالى: ~~(خلطوا عملا صالحا وأ آخر سيئا) فمن رجح حسناته على سيئاته فموعود بالإحسان ~~إليه. وعلى الأنواع الثلاثة دل الله تعالى بقوله: (وكنتم أزواجا ثلاثة ~~فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة ~~والسابقون السابقون أولئك المقربون) وعلى هذا أقسم الله تعالى في آخر ~~السورة فقال: (فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان ~~من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين ~~فنزل من حميم وتصلية جحيم). وكثير من الناس يعصون الله، ولا يأتمرون له. ~~فقيضهم الله تعالى بغير إرادة منهم للسعي في نصرته من حيث لا يشعرون كفرعون ~~في أخذ موسى وتربيته. وكجمعه السحرة ليكون سببا في إيمانهم. وأخوة يوسف في ~~فعلهم ما أفضى به إلى ملك مصر وتمكنه مما تمكن منه، ويكون مثلهم في ذلك كما ~~قيل: # قصدت مساتي فاجتلبت مسرتي ... وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدري # وقال آخر: # فعل الجميل ولم يكن من قصده ... فقبلته وقرنته بذنوبه # ولرب فعل جاءني من فاعل ... فحمدته وذممت من يأتي به # فيكون فعله محمودا وفاعله مذموما كما قيل: # رب امر أتاك لا تحمد ال ... فعال وتحمد الأفعالا PageV01P009 وقد أوجد ~~الله تعالى كل ما ما في العالم للإنسان كما نبه عليه بقوله تعالى: (جعل لكم ~~الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به ms16 من الثمرات رزقا ~~لكم). وقال تعالى: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض... الآية). وقال ~~عز وجل: (وسخر لكم ما في الأرض). وقوله تعالى: (هو الذي أنزل من السماء ماء ~~لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل ~~والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وسخر لكم الليل ~~والنهار.. الآية). وأباح جميعها لهم كما نبه الله تعالى عليه بقوله: (قل من ~~حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق). فللإنسان أن ينتفع بكل ~~ما في العالم على وجهه، أما في غذائه أو في دوائه أو في ملابسه ومشموماته ~~ومركوباته، وزينته والالتذاذ بصورته، أو رؤيته والاعتبار به، وبإستفادة علم ~~منه والافتداء بفعله فيما يستحسن منه، والاجتناب عنه فيما يستقبح منه، فقد ~~نبه الله تعالى على منافع جميع الموجودات، واطلع الخلائق عليها أما بألسنة ~~الأنبياء عليهم السلام، أو بإلهام الأولياء رضي الله عنهم، وكما أن حق ~~الإنسان أن يعرف منافع الحيوانات في ذواتها فينتفع بها في المطاعم والملابس ~~والأدوية، فحقه أن يعرف أخلاقها وأفعالها فينتفع بها في اجتناء ما يستحسن ~~واجتناب ما يستقبح منها. فقد أحسن من قال: " تعلمت من كل شيء أحسن ما فيه ~~حتى من الكلب حمايته على أهله. ومن الغراب بكورة في حاجته " وقد أشار الله ~~تعالى إلى ذلك في وصف النحل فقال: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات.. الآية) فنبه على أن ~~الإنسان حقه أن يقتدي بالنحل في مراعاته لوحي الله عز وجل، فكما أنها لا ~~تتخطى وحي الله في تحري المصالح طبعا، كذلك يجب على الإنسان أن لا يتخطى ~~وحي الله اختيارا. # الباب الثاني عشر # في تفاوت الناس واختلافهم الأشياء كلها متساوية غير متفاوتة من حيث أنها ~~مصنوعة بالحكمة، وعلى ذلك نبه الله تعالى بقوله: (ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت). ومختلفة من حيث أن كل نوع يختص بفائدة، وكل نوع وأن اختلف فما ms17 من ~~شيء أكثر اختلافا من الناس، كما قال الله تعالى: (وقد خلقكم أطوارا) وقال ~~تعالى: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) وقال سبحانه وتعالى: (أنظر كيف فضلنا ~~بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) وقال سبحانه: (ولو شاء ~~الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما أتاكم) وقال تعالى: (وهو الذي ~~جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم) وقال ~~سبحانه: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ~~ربك) وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من ~~أعناب وزرع (إلى قوله) إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون). والحكمة المقتضية ~~لذلك هو أن الإنسان لما كان غير مكفي بتفرده بقاؤه أدنى مدة، فإن أول ما ~~يحتاج الإنسان إليه ما يواريه وما يغذوه، وليس يجد ما يواريه مصنوعا، ولا ~~ما يغذوه مطبوخا، كما يكون لكثير من الحيوانات بل هو مضطر إلى اصلاحهما، ~~واصلاح ذلك يحوجه إلى آلات غير مفروغ منها، والإنسان الواحد لا توصل له إلى ~~إعداد جميع ما يحتاج إليه ليعيش العيشة الحميدة، فلم يكن بد الناس من تشارك ~~وتعاون، فجعل لكل قوم صنعة وهيئة مفارقة للصنعة الأخرى ليقتسموا الصناعات ~~بينهم، فيتولى كل منهم صنفا من الصناعات فيتعاطاه باهتزاز، كما قال الله ~~تعالى: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون). فاقتضت الحكمة ~~أن تختلف جثثهم وقواهم وهممهم، فيكون كل ميسر لما خلق له. وقال تعالى: (قل ~~كل يعمل على شاكلته). فتكون معايشهم مقتسمة بينهم، كما نبه الله عليه ~~بالآيات المتقدمة. وقال تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك). والاختلاف الحاصل بين. فالناس إذا اعتبر ~~اختلاف أغراضهم وهممهم فهم في صناعاتهم في حكم المسخرين وإن كانوا في ~~الظاهر مختارين. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يتعلق من ~~المصلحة بتباينهم واختلاف طبقاتهم فقال: " لا يزال الناس بخير ما تباينوا ~~فإذا تساووا وهلكوا " . # الباب الثالث عشر PageV01P010 في سبب تفاوت ms18 الناس أسباب ذلك سبعة أشياء: ~~الأول اختلاف الأمزجة وتفاوت الطينة واختلاف الخلقة، كما أشير فيما روي أن ~~الله تعالى لما أراد خلق آدم عليه السلام أمر أن يؤخذ من كل أرض قبضة، فجاء ~~بنو آدم على قدر طينتها الأحمر والأبيض والأسود والسهل والحزن والطيب ~~والخبيث، وإلى نحو هذا أشار الله تعالى بقوله: (والبلد الطيب يخرج نباته ~~بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا). وقال تعالى: (هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء) والثاني اختلاف أحوال الوالدين في الصلاح والفساد، وذلك ~~أن الإنسان قد يرث من أبويه آثار ما هما عليه من جميل السيرة والخلق ~~وقبيحهما، كما يرث مشابهتهما في خلقهما، ولهذا قال الله تعالى: (وكان ~~أبوهما صالحا). وعلى نحوه روي أنه قال التوراة " إني إذا رضيت باركت وإن ~~بركتي لتبلغ البطن السابع وإذ سخطت لعنت وإن لعنتي لتبلغ البطن السابع " ~~تنبيها على أن الخير والشر الذي يكسبه الإنسان ويتخلق به يبقى أثره موروثا ~~إلى البطن السابع. والثالث اختلاف ما تتكون منه النطفة التي يكون منها ~~الولد، ودم الطمث الذي يتربى به الولد، فذلك له تأثير بحسب طيب ما تكونا ~~منه وخبثه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " تخيروا لنطفكم " وقال: " ~~الناكح غارس فلينظر أحدكم أين يضع غرسه " وقال: " إياكم وخضراء الدمن، قيل ~~وما خضراء الدمن قال: " المرأة الحسناء في المنبت السوء " والرابع اختلاف ~~ما يتفقد به من الرضاع ومن طيب المطعم الذي يتربى به، ولتأثير الرضاع يقول ~~العرب لمن تصفه بالفضل: " لله دره " والخامس اختلاف أحوالهم في تأديبهم ~~وتلقينهم وتطبيعهم وتعويدهم العادات الحسنة والقبيحة، فحق الولد على ~~الوالدين أن يؤخذ بالآداب الشرعية وأخطار الحق بباله وتعويده فعل الخير كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم لعشر " ويجب ~~أن يصان عن مجالسة الأردياء، فإنه في حال صباه كالشمع يتشكل بكل شكل يشكل ~~به، وأن يحسن في عينه المدح والكرامة ويقبح عنده الذم والمهانة، ويبغض إليه ~~الحرص على المآكل والمشارب، ويعود الاقتصاد في تناولها ومخالفة الشهوة ~~ومجانبة ms19 ذوي السخف، ويؤخذ بقلة النوم في النهار، فهو يشيب ويورث الكسل ~~ويعود التأني في أفعاله وأقواله، ويمنع من مفاخرة الأقران ومن الضرب والشتم ~~والعبث والاستكثار من الذهب والفضة، ويعود صلة الرحم وحسن تأدية فروض ~~الشرع. قال بعض الحكماء: " من سعادة الإنسان أن يتفق له في صباه من يعوده ~~تعاطي الشريعة حتى إذا بلغ الحلم وعرف وجوبها فوجدها مطابقة لما تعوده قويت ~~بصيرته ونفذت في تعاطيها عزيمته " والسادس اختلاف من يتخصص به ويخالطه، ~~فيأخذ طريقته فيما يتمذهب به (عن المرء لا تسأل وابصر قرينه) والسابع ~~اختلاف اجتهاده في تزكية نفسه بالعلم والعمل حين استقلاله بنفسه. والفاضل ~~التام الفضيلة من اجتمعت له هذه الأسباب المسعدة. وهو أن يكون طيب الطينة ~~معتدل الأمزجة جاريا في أصلاب آباء صالحين ذوي أمانة واستقامة، متكونا من ~~نطفة طيبة ومن دم طمث طيب على مقتضى الشرع، ومرتضعا بدر طيب ومأخوذا في ~~صغره من قبل مربيه بالآداب الصالحة وبالصيانة عن مصاحبة الأشرار، ومتخصصا ~~بعد بلوغه بمذهب حق ومجهدا نفسه في تعرف الحق مسارعا إلى الخير. فمن وفق في ~~هذه الأشياء تنجع فيه الخيرات من جميع الجهات كما قال الله تعالى: (لأكلوا ~~من فوقهم ومن تحت أرجلهم). ويكون جديرا أن يعد ممن وصفه الله تعالى بقوله: ~~(وأنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار). والرذل التام الرذيلة هو من يكون بعكس ~~هذا في الأمور التي ذكرناها. # واعلم أن من طابت أحواله انتفع بكل ما سمعه وشاهده أن خيرا وأن شرا، ومن ~~خبثت أحواله استضر بكل ما سمعه وشاهده. وعلى ذلك دل الله تعالى بقوله: ~~(والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا). فالخبيث ~~من الأرض وإن طاب بذره وعذب ماؤه لا ينبت إلا خبيثا، والطيب من الأرض وإن ~~كدر بذره وملح ماؤه لا ينبت إلا طيبا، ولذلك قال يسبحانه وتعالى في كتابه: ~~(تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل) وقال في صفة كتابه: (قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاؤ والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر عليهم ms20 عمى). # الباب الرابع عشر PageV01P011 في بيان الشجرة النبوية وفضلها على جوهر ~~سائر البرية اقتضت الحكمة ان تكون الشجرة النبوية صنفا مفردا ونوعا واحدا ~~واقعا بين الإنسان والملك، ومشاركا لكل واحد منهما على وجه، فإنهم ~~كالملائكة في اطلاعهم على ملكوت السموات والأرض، وكالبشر في احوال المطعم ~~والمشرب. ومثله في كونه واقعا بين نوعين مثل المرجان فإنه حجر يشبه الأشجار ~~بتشذب اغصانه، وكالنخل فإنه شجر شبيه بالحيوان في كونه محتاجا الى التلقيح ~~وبطلانه اذا قطع رأسه. وجعل الله النبوة في ولد ابراهيم ومن قبله نوح كما ~~نبه عليه بقوله: (ولقد ارسلنا نوحا وابراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة ~~والكتاب) وقال تعالى: (ذرية بعضها من بعض). فهم عليهم السلام وان كانوا من ~~حيث الصورة كالبشر، فهم من حيث الأرواح كالملك قد أيدوا بقوة روحانية وخصوا ~~بها كما قال الله تعالى في عيسى عليه السلام: (وايدناه بروح القدس) وقال في ~~محمد صلى الله عليه وسلم: (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ~~بلسان عربي مبين). وتخصيصهم بهذا الروح ليمكنهم ان يقبلوا من الملائكة لما ~~بينهم من المناسبة البشرية لذلك قال سبحانه: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون) تنبيها على ان ليس في قوة عامة البشر الذين لم ~~يخصوا بذلك الروح ان يقبلوا الا من البشر. ولما عمي الكفار عن ادراك هذه ~~المنزلة وعما للأنبياء من الفضيلة انكروا نبوة الأنبياء كما قال الله ~~تعالى: (قالوا ان انتم الا بشر مثلنا تريدون ان تصدونا عما كان يعبد آباءنا ~~فأتونا بسلطان مبين). فالأنبياء صلوات الله عليهم بالإضافة إلى سائر الناس ~~كالإنسان بالإضافة إلى الحيوانات، وكالقلب بالإضافة إلى سائر الناس ~~كالإنسان بالإضافة إلى الحيوانات، وكالقلب بالإضافة إلى سائر الجوارح، ~~وأيضا فمنزلة الأنبياء من أممهم بمنزلة الشمس من القمر، ومنزلة علمهم من ~~علوم أممهم بمنزلة ضوء الشمس من نور القمر كما قال الله تعالى: (هو الذي ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا). فكما أن نور القمر مقتبس من ضوء الشمس وهو ~~قاصر عنها، كذلك منزلة الأمم ms21 من أنبيائهم ومنزلة علمهم من علومهم. وكما لا ~~يحصل النور للقمر إلا بوساطة الشمس، كذلك لا تحصل علوم الناس وتزكية نفوسهم ~~إلا بوساطة الشمس، كذلك لا تحصل علوم الناس وتزكية نفوسهم إلا بوساطة ~~الأنبياء، وعلى هذا دل الله تعالى بقوله: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ~~يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم). ~~فالله تبارك وتعالى يزكي الأنبياء بوساطة الملك، ويزكي من يشاء من الناس ~~بوساطة الأنبياء، كالطابع الذي جعل له كتابة ثم بوساطته يثبت في الشموع ~~المختلفة شكل تلك الكتابة. # الباب الخامس عشر # في هداية الأشياء إلى مصالحها PageV01P012 كل ما أوجده الله سبحانه فإنه ~~هداه لما فيه مصلحته، كما نبه عليه بقوله تعالى: (أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى). لكن هدايته للجمادات بالتسخير فقط كالأشياء الأرضية التي إذا تركت ~~تنحو نحو السفل وكالنار التي تنحو إلى العلو. وهدايته للحيوانات إلى أفعال ~~تتعاطاها بالتسخير والإلهام كالنحل فيما يتعاطى من السياسة واتخاذ البيوت ~~المسدسة ومن عمل العسل. وكالسرفة فيما تبنيه من الأبنية. وكالعنكبوت في ~~نسجه. وهدايته للملائكة بالتسخير والإلهام وببداهة العقل وما جعل لها من ~~العلوم الضرورية، فأما الإنسان فهدايته له تعالى بكل ذلك وبالفكر، وذلك أنه ~~بالتسخير بنفسه وكثير من حركاته، وبإلهام هدايته طفلا للارتضاع بالثدي وطلب ~~الغذاء والتشكي من الآلام بالبكاء، وببديهية العقل يعرف مبادي العلوم، ~~وبالفكر يتوصل إلى استنباط المجهول بالمعلوم، فهو إن خلق عاريا من المعارف ~~التي جعلها الله تعالى للحيوانات بالإلهام، ومن الملابس والأسلحة التي ~~جعلها لها بالتسخير، فقد جعل للإنسان قوة التعلم بالعقل والفكر وتحصيل ~~الملابس والأسلحة والآلات المختلفة، ووكله إلى نفسه من الإستفادة، ومكنه من ~~ذلك، وذلك فضيلة لا نقيصة ورفعة لا ضعة فإنه بإعطائه العلم والعقل واليد ~~العاملة قد أعطاه كل شيء، ولو أعطي كل شيء حسب ما أعطي البهائم شيئا فشيئا ~~لكان قد منع كل شيء لأن بعضه كان يمنعه عن استعمال البعض. وإلى تمكن ~~الإنسان من تحصيل ما يريده أشار الله تعالى بقوله: (والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم ms22 لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) ~~وقد ظن قوم أن الله تعالى خلق الناس من بين الحيوان خلقا منقوصا إذ لم ~~يعطوا سلاحا يدفعون به عن أنفسهم كما أعطى كثيرا من الحيوان أسلحة كالأنياب ~~والمخالب، إذ لم يكفهم لباسهم كما كفى الحيوان بل قد أحوجهم إلأى تطهير ~~البدن وقد أغناها عنه، قالوا ولذلك قال الله تعالى: (وخلق الإنسان ضعيفا). ~~وليس كذلك والصحيح عند المخلصين أن الإنسان وإن كان ضعيفا بالإضافة إلى ~~الباري تعالى وإلى الملإ الأعلى فليس يقصر عن الحيوان جميعه من جهة ما ~~ظنوه، فإن الله تعالى بحكمته البارعة أعطى كل واحد من الحيوان سلاحا بقدر ~~ما علم من مصلحته، فبعض جعل له آلة الهرب كالعدو، وبعض جعل له رمحا يدفع به ~~كالقرون للبقر والغنم، وبعض دبوسا كالحافر للفرس والحمار، وبعض نشابا ~~كالشوك للقنفذ، وجعل لكل لباسا بحسب كفايته، وألهم كلا منها صنعة يتعاطاها ~~بطبعه، وجعل للإنسان بدل ذلك الفكر والتمييز الذي يمكنه أن يتخذ به كل آلة ~~وكل ملبس على قدر حاجته إليه، ويتناوله متى شاء، ويضعه متى أحب، ويستبدل به ~~كيفما أراد، والحيوانات ليس لها أن تضع أسلحتها متى ما استغنت عنها ولا أن ~~تستبدل بها فهذا دليل على تمام الإنسان ونقصان الحيوانات، والإنسان بالفكر ~~والروية يقهر الحيوانات التي هي أقوى منه لأنه يهيء بفكرته لكل منها آلة ~~يصطادها بها. فإذا العقل الذي أعطاه ليحصل به كل ما يحتاج إليه أعلى وأشرف، ~~فإنه مرآة إذا جلاها اطلع بها على ملكوت السموات والأرض. # الباب السادس عشر # في سعادة الإنسان ونزوعه إليها قال بعض الحكماء: جعل الله لكل شيء كمالا ~~ينساق إليه طبعا، وقد هداه إلى التخصيص به تسخيرا، كما نبه الله عليه بقوله ~~تعالى: (أعطى كل شيء خلقه ثم هدى). وللإنسان سعادات أتيحت له وهي النعم ~~المذكورة في قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) وجميع النعم ~~والسعادات على القول المجمل ضربان ضرب دائم لا يبيد ولا يحول وهو النعم ~~الأخروية. وضرب يبيد ms23 ويحول وهو النعم الدنيوية. والنعم الدنيوية متى لم ~~توصلنا إلى تلك السعادات فهي كسراب بقيعة وغرور وفتنة وعذاب كما وصفه الله ~~تعالى في كتابه: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء.. الآية). ~~وما أصدق ما قال الشاعر: # إنما الدنيا كرؤيا أفرحت ... من رآها ساعة ثم انقضت # فصل PageV01P013 ما أحد إلا وهو فازع إلى السعادة يطلبها بجهد ولكن كثيرا ~~ما يخطيء فيظن ما ليس بسعادة في ذاته أنه سعادة فيغتر بها فيكون كالموصوف ~~بقول الله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء حتى ~~إذا جاءه لم يجده شيئا). وبقوله تعالى: (أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في ~~يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء) وقال الشاعر: # كل يحاول حيلة يرجو بها ... دفع المضرة واجتلاب المنفعة # والمرء يغلط في تصرف حاله ... فلربما اختار العناء على الدعة # فصل # النعم الدنيوية إنما تكون نعمة وسعادة متى تنو ولت على ما يجب وكما يجب، ~~ويجري بها على الوجه الذي لأجله خلق، وذلك أن الله جعل الدنيا عارية ~~ليتناول منها قدر ما يتوصل به إلأى النعم الدائمة والسعادة الحقيقية. وشرع ~~لنا، في كل منها حكما بين فيه كيف يجب أن يتناول ويتصرف فيها لكن صار الناس ~~في تناولها فريقين: فريق يتناوله على الوجه الذي جعله الله لهم فانتفعوا ~~به، فصار ذلك لهم نعمة وسعادة وهم الموصوفون بقوله تعالى: (الذين إن مكناهم ~~في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله ~~عاقبة الأمور) وقوله عز وجل: (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار ~~الآخرة خير ولنعم دار المتقين) وقوله تعالى: (والذين هاجروا في الله من بعد ~~ما ظلموا لنبوأنهم في الدنيا حسنة). فهؤلاء حيوا بها حياة طيبة كما قال ~~تعالى: (فلنحيينه حياة طيبة) وفريق يتناولوها لا على الوجه الذي جعلها الله ~~لهم، فركنوا إليها فصار ذلك لهم نقمة وشقاوة، فتعذبوا بها عاجلا وآجلا وهم ~~الموصوفون بقوله تعالى: (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون). # فصل # والسعادات ms24 الأخروية ليس لنا تصور كنهها ما دمنا في دار الدنيا ولذلك قال ~~تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين). وكما قال النبي عليه ~~الصلاة والسلام عن ربه تعالى " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " والسبب في قصورنا عن تصورها شيئان: أحدهما ~~أن الإنسان لا يمكن أن يعرف حقيقة الشيء وتصوره حتى يدركه بنفسه، وإذا لم ~~يدركه ووصف له يجري مجرى صبي توصف له لذة الجماع فلا يمكن أن يتصور حقيقته ~~حتى يبلغ فيباشره بنفسه. وكالأكمه توصف له المرآة. وحالنا في اللذة ~~الأخروية هكذا فإننا لا نتصورها على الحقيقة إلا إذا طالعناها فإذا ~~طالعناها شغلنا الفرح والتلذذ بها عن كل ما دونها كما قال تعالى: (أصحاب ~~الجنة اليوم في شغل فاكهون). والثاني أن لكل قوة من قوى النفس وجزءا من ~~أجزاء البدن لذة تختص بها لا يشاركها فيها غيرها، فلذة العين في النظر إلى ~~ما تستحسنه، ولذة السمع في الإستماع إلأى ما يستطيبه، ولذة اللمس في لمس ما ~~يستلذه، ولذة لوهم في تصور ما يؤمله، ولذة الخيال في تخيل ما يستحسن تصوره، ~~ولذة الفكر في أمر مجهول عنده يتعرفه، وكل واحد من هذه القوى والأجزاء إذا ~~عرض لها آفة تعوقها عن شهوتها وعن إدراك لذتهايكون كالمريض الذي لا يشتهي ~~الماء وكان به ظمأ وإذا تناوله لم يجد له لذة كما قال الشاعر: # ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا PageV01P014 وإذا كان ~~كذلك فاللذات الأخروية هي لذات لا تدرك إلا بالعقل المحض وعقول أكثر من في ~~هذه الدار مولهة معوقة عن إدراك حقائق اللذات الأخروية فلا تشعر بها كالخدر ~~لآفة عرضت له فلا يحس بالسبب المؤلم. وكالمريض الذي لا يحس بالجوع وإن كان ~~جوعه يؤذيه، ولا يشتهي الطعام إن كان فقد الطعام يضنيه، بل إنما يحس بالجوع ~~إذا زال السبب المؤلم. وأيضا فعقول أكثرنا ناقصة وجارية مجرى عقول الصبيان ~~ما داموا صغارا لا يحسون باللذات والآلام ms25 التي تعرض للرجال فيتعللون ~~بالأباطيل والأضاليل، كذلك من كان في عقله صبيا لم يطلع على الحقائق ~~وبالاعتبار بهم قال الله تعالى: (وما هذه الحياة الدنيا الا لهو ولعب) وقال ~~تعالى: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) ولما أراد الله ~~تعالى أن يقرب معرفة تلك اللذات من أفهام الكافة شبهها ومثلها لهم بأنواع ~~ما تدركها حواسهم فقال تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ~~ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين ~~وأنهار من عسل مصفى). ليبين للكافة طيبها بما عرفوه من طيب المطاعم وقال: ~~(مثل الجنة التي وعد المتقون). ولم يقل الجنة لينبه الخاصة على أن ذلك ~~تصوير وتمثيل، فالإنسان وإن اجتهد ما اجتهد أن يطلع على تلك السعادة فلا ~~سبيل له إليها إلا على أحد وجهين: أحدهما أن يفارق هذا الهيكل، ويخلف وراءه ~~هذا المنزل فيطلع على ذلك كما قال الله تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ~~ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا ~~وإنا منتظرون). والثاني أن يزيل قبل مفارقة الهيكل الأمراض النفسانية ~~المشار إليها بوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) وأرجاسها ~~المشار إليها بقوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا) فيطلع من وراء ستر رقيق على بعض ما أعد له كما حكي عن ~~حارثة حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم عزفت نفسي من الدنيا فكأني أنظر ~~إلى عرش ربي بارزا وأطلع على أهل الجنة يتزاورون وعلى أهل النار يتعاوون ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " عرفت فالزم " وقال أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا " . # الباب السابع عشر # في حالة الإنسان في دنياه وما يحتاج أن يتزود منها الإنسان مسافر ومبدأ ~~سفره من حيث ما أشار إليه تعالى بقوله: (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم ~~في الأرض مستقر ومتاع إلى حين). وحيث قال في صفة ms26 نبيه: (وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى). ومنتهى ~~سفره دار السلام ودار القرار. وله في سفره أربعة منازل ظهر أبيه وبطن أمه ~~وظهر الأرض والموقف، وله حالتان حالة هو فيها مستودع وهو ما دام في هذه ~~المنازل، وحالة هو فيها مستقر وهو إذا حصل في دار القرار وإلى ذلك أشار ~~الله تعالى بقوله: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع). والمنزل ~~الذي فيه يحتاج إلى تزود ظهر الأرض فالإنسان في كدح وكبد ما لم ينته إلى ~~دار القرار كما قال الله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه). وقال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد). وهو مجبول على طلب ~~الراحة لكن الناس في طلبها على ضربين ضرب عموا عن الآخرة وقالوا: (وما هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا) أو فعلوا فعل من قال ذلك وإن لم يقولوا ~~قولهم، فطلبوا الراحة من حيث لا راحة وهم كالموصوفين بقوله عز وجل: (والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) ~~وقوله: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض..) الآية. فإنهم طلبوا من الدنيا ما ليس في طبيعتها ولا موجودا فيها ~~ولها. وما أحسن قول الشاعر: # أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه في نفسه الزمن # وقال آخر: # مضى قبلنا قوم رجوا أن يقوموا ... بلا تعب عيشا فلم يتقوم PageV01P015 ~~وضرب عرفوا الدنيا والآخرة وعلموا أن الدنيا كما قال الله تعالى: (ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين وإن الدار الآخرة لهي الحيوان). وعلمواأن فيها ~~يستقر الإنسان ويطمئن كما قال الله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ~~إلى ربك راضية مرضية). وإنه يحتاج إلى أن يسافر إليها كما قال عليه السلام: ~~" سافروا تغنموا " . فاحتملوا المشقة، علما أن كل تعب يؤديهم إلى راحة فهو ~~راحة فسعدوا كما قال الله تعالى: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة). # وقد جعل للإنسان حرثين ms27 مفيدين لزادين: احدهما روحاني كالمعارف والحكم ~~والعبادات والاخلاق الحميدة، وثمرته الحياة الابدية والغني الدائم، ~~والاستكثار منه محمود ولا يكاد يطلبه الا من قد عرفه وعرف منفعته. والثاني ~~جسماني كالمال والاثاث، وفي الجملة ما قد نبه الله تعالى عليه بقوله: (زين ~~للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والانعام والحرث). وثمرته ان تحصل به الحياة الدنيوية ~~الفانية، ويسترجع من الإنسان اذا فارق دنياه، ولا ينتفع منه بشيء الا بقدر ~~ما أستعان به في الوصول إلى الزاد الأخروي كما نبه الله تعالى عليه بقوله: ~~(وما الحياة الدنيا في الآخرة الا متاع). ولا يولع بالركون اليها الا من ~~جهل حقائقها ومنافعها. والاستكثار منه ليس بمذموم ما لم يكن مثبطا لصاحبه ~~عن مقصده، وكان متناولا على الوجه الذي يجب وكما يجب، ومجعولا الى الوجه ~~الذي ينتفع به في مقصده، لكن تناوله على هذا الوجه والاستكثار منه لا يتأتى ~~الا اذا كان السلطان عادلا والامور جارية على أذلالها فيحفظ الناس ~~معاملاتهم على مقتضى الشرع، ثم يكون صاحبه اذا تناوله كما قال تعالى: (ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة). ~~فاذا لم يكن الامر كما ذكرنا من الاستقامة فليس الا الاقتصاد والاقتصار ~~والتبلغ بما امكن حتى ينقضي السفر. الموفق في الدنيا اذا رأى نفسه قاصرة عن ~~الجمع بين الامرين اهتم بما يبقى واقل العناية بما يفني وآثر الآخرة على ~~الدنيا فلا يلتفت إلى الدنيا الا بقدر ما يتبلغ به إلى الآخرة مراعيا فيه ~~حكم الشرع ومحافظا لقول الله عز وجل: (يا ايها الناس ان وعد الله حق فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) وكما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " ما انا والدنيا انما مثلي فيها مثل راكب سار في يوم صائف ~~فرفعت له شجرة فنزل فقام في ظلها ساعة ثم راح وتركها " . وقد نبه الله ~~تعالى على حال من يريد ان يتجرد ويتخلص من حبالة الدنيا على سبيل المثال ~~بقوله: ms28 (ان الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ~~الا من اغترف غرفة بيده). ومحبة الدنيا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~رأس كل خطيئة.وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم: " من سكن قلبه حب الدنيا ~~بثلاثة شغل لا يبلغ مداه وفقر لا يبلغ غناه وامل لا يبلغ منتهاه " . وقال ~~صلى الله عليه وسلم: " من كانت الدنيا اكبر همه فرق الله تعالى همته وجعل ~~فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا الا ما كتب له ومن كانت الآخرة اكبر همه ~~جمع الله تعالى شمله وجعل غناه في قلبه واتته الدنيا وهي راغمة " وهذا معنى ~~قوله عز وجل: (من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) ~~ومعرفة ذلك والوصول اليه لا يمكن الا ان يستضيء العقل بنور الشرع معتمدا ~~على من له الخلق والأمر. # الباب الثامن عشر # في تظاهر العقل والشرع وافتقار احدهما إلى الآخر PageV01P016 اعلم ان ~~العقل لن يهتدي الا بالشرع، والشرع لا يتبين الا بالعقل، فالعقل كالأس، ~~والشرع كالبناء، ولن يغني اس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن اس. ~~وايضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج ~~ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر ولهذا قال الله تعالى: (قد جاءكم من الله ~~نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات ~~الى النور بإذنه). وايضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده، فإن لم ~~يكن زيت لم يحصل السراج، وما لم يكن سراج، لم يضئ الزيت. قال الله تعالى: ~~(الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء). ~~والله هو الهادي. وايضا فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما ~~متعاضدان بل ms29 متحدان ولكون الشرع عقلا من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من ~~الكافر في غير موضع من القرآن نحو قوله: (نور على نور) أي نور الشرع ونور ~~العقل ثم قال: (يهدي الله لنوره من يشاء). فجعلهما نورا واحدا فالشرع اذا ~~فقد العقل عجز عن اكثر الأمور عجز العين عند فقد الشعاع. # واعلم ان العقل بنفسه قليل الفناء لا يكاد يتوصل الا الى معرفة كليات ~~الأشياء دون جزئياتها؛ نجو ان يعلم جملة حسن اعتقاد الحق وقول الصدق وتعاطي ~~الجميل وحسن استعمال العدالة وملازمة العفة ونحو ذلك من غير ان يعرف ذلك في ~~شيء شيء وما الذي هو معدلة في شيء شيء ولا يعرفنا العقل مثلا ان لحم ~~الخنزير والدم والخمر محرم، وانه يجب ان يتحامى من تناول الطعام في وقت ~~معلوم، وان لا تنكح ذوات المحارم، وان لا تجامع المرأة في حال الحيض فإ ~~اشباه ذلك لا سبيل اليها الا بالشرع فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة ~~والافال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة، ومن عدل عنه فقد ضل ~~سواء السبيل. ولأجل ان لا سبيل للعقل الى معرفة ذلك قال الله تعالى: (وما ~~كنمعذبين حتى نبعث رسولا). وقد قال الله تعالى: (ولو أنا اهلكناهم بعذاب من ~~قله لقالوا ربنا لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك من قبل ان نذل ونخزى). ~~والى العقل والشرع اشار بالفضل والرحمة بقوله تعالى: (ولولا فضل الله ليكم ~~ورحمته لأتبعتم الشيطان الا قليلا). وعني بالقليل المصطفين الاخيار. # الباب التاسع عشر # في فضيلة الشرع اعلم ان احكام الشرع من وجه دواء ومعجون مفروغ منه تولى ~~ايجاده من له الخلق والأمر. وهو دواء مفيد للحياة الأبدية والسلامة الدائمة ~~كما قال الله تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه) وقال تعالى: (وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم). فجعل ذلك روحا ~~لإفادة الحياة الأبدية. وقال الله تعالى: (قل هو للذين أمنوا هدى وشفاء). ms30 ~~وقوله: (شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤ منين).ومن وجه هو ماء مطهر ~~مزيل للأنجاس والأرجاس النفسية كما قال الله تعالى في وصفه للقرآن: (أنزل ~~من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا). وكذلك قال ~~الله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب الرجس عنكم أهل البيت ويطهركم تطهيرا). ~~ومن وجه هو نور وسراج مزيل للظلمة والحيرة والجهالة قال الله تعالى:(قد ~~حائكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ~~ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) وقوله تعالى: ~~(الله نور السموات والأرض). ومن وجه وسيلة إلى الله عز وجل كما قال: (يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة). وقال فيمن مدحهم: ~~(يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته) وقوله تعالى: (واعتصموا ~~بحبل الله جميعا) وقوله تعالى: (فليتفرقوا في الأسباب). ومن وجه هو الطريق ~~المستقيم كما قال الله تعالى: (وإن هذا صراطي مستقيما). # فصل PageV01P017 ذكر بعض الحكماء أن الأرض المقدسة المذكورة في قوله ~~تعالى: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على ~~أدباركم). هي في الدنيا الشريعة وفي الآخرة الجنة لأنها هي التي إذا دخلها ~~الإنسان لا يرتد على دبره ونال السعادة الكبرى بلا مثنوية. فأما بيت المقدس ~~في الأرض فإن من يدخله فبنفس دخوله إياه لا يستحق مثوبة بل المثوبة تستحق ~~بأمور أخر يكون دخوله المكان الذي هو بيت المقدس آخرها بعد أن يكون دخوله ~~على وجه مخصوص. قال وعلى هذا الحرم المذكور في قوله تعالى: (أو لم يروا إنا ~~جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم ~~يكفرون). وسأل جعفر بن محمد الصادق بعض الفقهاء عن هذه الآية فقال أريد بها ~~مكة فقال: " وا عجبا وأي أرض أكثر تخطفا لمن حولها من مكة. ويدل على ما قال ~~قول الله تعالى بعد ذلك: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها ~~وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون) وكذلك قوله ms31 تعالى: (وإذا قيل لهم ~~أسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر ~~لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين). والسفر الموعود بالغنيمة بقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " سافروا تغنموا " هو السفر إلى هذه الدار. وكذلك القرار ~~المدعو إليه من جهة المثل بقوله ففروا إلى الله. وكذا الحج الأكبر الذي دعا ~~الناس إليه بقوله: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر) وقوله ~~تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وكذا الجهاد الأعظم ~~في قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) والهجرة الكبرى في قوله تعالى: ~~(ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها). # الباب العشرون # في أن من لم يختص بالشرع وعبادة الله فليس بإنسان PageV01P018 لما كان ~~الإنسان إنما يصير إنسانا بالعقل، ولو توهمنا العقل مرتفعا عنه لخرج عن ~~كونه إنسانا، ولم يكن إذا تخطينا الشبح الماثل الا بهيمة مهملة أو صورة ~~ممثلة. والعقل لن يكمل بل لا يكون عقلا إلا بعد اهتدائه بالشرع كما تقدم ~~ولذلك نفي العقل عن الكفار لما تعروا عن الهداية بالشرع في غير موضع من ~~كتابه، والاهتداء بالشرع هو عبادة الله تعالى. فالإنسان إذا في الحقيقة هو ~~الذي يعبد الله ولذلك خلق كما قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون). وكما قال تعالى: (وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) فكل ما أوجد لفعل فمتى لم يوجد ~~منه ذلك الفعل كان في حكم المعدوم، ولذلك كثيرا ما يسلب عن الشيء اسمه إذا ~~وجد فعله ناقصا، كقولهم للفرس الرديء: ليس هذا بفرس وللإنسان ليس هذا ~~بإنسان. ويقال: فلان لا عين له ولا أذن له إذا بطل فعل عينه وأذنه وإن كان ~~شبحهما باقيا، وعلى هذا قال تعالى: (صم بكم عمي). فيمن لم ينتفع بهذه ~~الأعضاء فالإنسان يحصل له من الإنسانية بقدر ما يحصل له من العبادة التي ~~لأجلها خلق، فمن قام بالعبادة حق القيام فقد استكمل الإنسانية، ومن ms32 رفضها ~~فقد انسلخ من الإنسانية فصار حيوانا أو دون الحيوان كما قال الله تعالى في ~~وصف الكفار: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا). وقال: (ان شر الدواب ~~عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون). فلم يرض ان يجعلهم أنعاما ودواب حتى ~~جعلهم أضل منها وجعلهم من أشرارها، وأخرج كلامهم عن جملة البيان فقال ~~تعالى: (وما كان صلاتهم عند بيت إلا مكاء وتصدية) تنبيها على انهم كالطيور ~~التي تمكو وتصدي ونبه تعالى بنكتة لطيفة على أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا ~~بالدين ولا ذا بيان إلا بقدرته على الإتيان بالحقائق الدينية فقال تعالى: ~~(الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان) فابتدأ بتعليم القرآن ثم بخلق ~~الإنسان ثم بتعليم البيان، ولم يدخل الواو فيما بينهما وكان الوجه على ~~متعارف الناس أن يقول خلق الإنسان وعلمه البيان وعلمه القرآن، فان إيجاد ~~الإنسان بحسب نظرنا مقدم على تعليم البيان وتعليم البيان مقدم على تعليم ~~القرآن، لكن لما لم يعد الإنسان إنسانا ما لم يتخصص بالقرآن ابتدأ بالقرآن، ~~ثم قال خلق الإنسان تنبيها على ان بتعليم القرآن جعله إنسانا على الحقيقة، ~~ثم قال علمه البيان تنبيها على ان البيان الحقيقي المختص بالإنسان يحصل بعد ~~معرفة القرآن فنبه بهذا الترتيب المخصوص وترك حرف العطف منه وجعل كل جملة ~~بدلا مما قبلها لا عطفا على إن الإنسان ما لم يكن عارفا برسوم العبادة ~~ومتخصصا بها لا يكون إنسانا، وان كلامه ما لم يكن على مقتضى الشرع لا يكون ~~بيانا. فإن قيل فعلى ما ذكرته لا يصح أن يقال للكافر إنسان وقد سماهم الله ~~بذلك في عامة القرآن. قيل انا لم نقل إنا لا نسمي الكافر على تعارف الكافة، ~~بل قلنا قضية العقل والشرع تقتضي أن لا يسمى به إلا مجازا ما لم يوجد منه ~~العقل والشرع تقتضي أن لا يسمى به إلا مجازا ما لم يوجد منه العقل المختص ~~به، ثم أن سمي به على سبيل تعارف العامة فليس ذلك بمنكر فكثير من الأسماء ~~يستعمل ms33 على وجه فيبين الشرع أن ليس استعماله على ما استعملوه كقولهم الغني ~~فإنهم استعملوه في كثرة المال، وبين الشرع أن الغنى ليس هو بكثرة المال، ~~قال عليه الصلاة والسلام: " ليس الغني بكثرة المال وإنما الغني غنى النفس " ~~. فيشير إلى أن الغنى ليس هو كثرة المال. وقال تعالى (ومن كان غنيا ~~فليستعفف). أي كثير الأعراض، فاستعمله على ما هو متعارف. وجملة الأمر أن ~~اسم الشيء إذا أطلقه الحكيم على سبيل المدح يتناول الأشرف منه كقوله تعالى: ~~(وأنه لذكر لك ولقومك) وقوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) وإن كان الذكر قد ~~يقال للمحمود والمذموم. وعلى هذا يمدح كل شيء بلفظ نوعه، فيقال: فلان هو ~~إنسان. وهذا السيف سيف. ولهذا قيل: الإنسان المطلق هو نبي كل زمان. وقد قال ~~عليه الصلاة والسلام: " الناس اثنان عالم ومتعلم وما عداهما همج " . وقال ~~بعض العلماء: قول من قال الإنسان هو الحي الناطق الميت صحيح. وليس معناه مل ~~توهمه كثير من الناس من أنه من الحياة الحيوانية والموت الحيواني والنطق ~~الذي هو في الإنسان بالقوة PageV01P019 وإنماما أريد بالحي من كان له ~~الحياة المذكورة في قوله تعالى: (لينذر من كان حيا). وبالنطق البيان ~~المذكور بقوله: (علمه البيان) وبالميت من جعل قوته الشهوانية الغضبية ~~مقهورتين على مقتضى الشريعة فيكون حينئذ ميتا بالإرادة حيا بالطبيعة كما ~~قيل: مت بالإرادة تحي بالطبيعة. كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: من ~~أمات نفسه في الدنيا فقد أحياها في الآخرة.أريد بالحي من كان له الحياة ~~المذكورة في قوله تعالى: (لينذر من كان حيا). وبالنطق البيان المذكور ~~بقوله: (علمه البيان) وبالميت من جعل قوته الشهوانية الغضبية مقهورتين على ~~مقتضى الشريعة فيكون حينئذ ميتا بالإرادة حيا بالطبيعة كما قيل: مت ~~بالإرادة تحي بالطبيعة. كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: من أمات نفسه ~~في الدنيا فقد أحياها في الآخرة. # ؟الباب الحادي والعشرون # فيما يتعلق بالشرع من الأفعال للإنسان ضربان من الأحوال لا ينفك منهما، ~~ضرب لا يلحقه فيه محمدة ولا مذمة ولا في جنسه تكليف وذلك شيئان، أحدهما ms34 ~~أحوال ضرورية لا يمكنه أن يتفصى منها كنبض العرق والتنفس وما يجري مجراهما ~~من الأحوال الضرورية. والآخر ما يقع من الإنسان على سبيل السهو والخطأ وإن ~~كان جنسه مقدورا له وهو المذكور في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " رفع عن ~~أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " . وضرب تلحقه فيه المحمدة والمذمة ~~وفي جنسه التكليف وذلك ثلاثة أشياء: أحدها الأفعال المختصة بالجوارح ~~كالقيام والقعود والركوب والمشي والنظر وكل ما يحتاج إلى استعمال الأعضاء ~~فيه. والثاني حفظ عوارض النفس كالشهوة والخوف واللذة والفرح والغضب والشوق ~~والرحمة والغيرة وما أشبه ذلك. والثالث ما يختص بالتمييز والعلم. وكل واحد ~~من هذه الثلاثة أما أن يحمد عليه الإنسان أو يذم. فحمده أن تكون أفعاله ~~جميلة وعوارض نفسه مستقيمة وقلبه ذكيا حتى يعتقد الحق ويقوي على معرفته إذا ~~ورد عليه. والمذمة تلحقه إن كانت على أضداد ذلك. والعبادات بهذه الأشياء ~~الثلاثة تختص. ولله تعالى في كل فعل يتحراه الإنسان عبادة سواء كان الفعل ~~واجبا أو ندبا أو مباحا، وتكون تلك العبادة مبينة أما ببديهة العقل أو ~~بالكتاب أو بلسان النبي أو بإجماع الأمة أو بالاعتبارات والأقيسة المبنية ~~على هذه الأصول بل ما من حكم إلا وكتاب الله ينطوي عليه كما قال الله ~~تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء). عرفه من عرفه وجهله من جهله. وما من ~~مباح إلا وإذا تعاطاه الإنسان على ما يقتضيه حكم الله تعالى كان الإنسان في ~~تعاطيه عابدا لله مستحقا لثوابه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: " ~~إنك لتؤجر في كل شيء حتى اللقمة تضعها في في امرأتك " . ومخاطبته لسعد بذلك ~~لما عرف منه أنه يراعي في أفعاله حكم الله تعالى. وعلى هذا الوجه قال: " ما ~~من غرس غرسا لم يأكل منه شيئا إلا كان له صدقة " . ومراعاة أمر الله في ~~جميع الأمور دقيقها وجليلها مستحب للكافة وواجب على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعلى كل من تقرب منزلته من منزلته لقول الله تعالى: (فاستقم كما أمرت ~~ومن ms35 تاب معك). # الباب الثاني والعشرون # في تحقيق العبادة العبادة فعل اختياري للشهوات البدنية، تصدر عن نية يراد ~~بها التقرب إلى الله تعالى طاعة للشريعة. فقولنا فعل اختياري يخرج منه ~~الفعل التسخيري والقهري ويدخل فيه الترك الذي هو على سبيل الاختيار، فإن ~~الترك ضربان، ضرب على سبيل الاختيار وهو فعل. وضرب هو العدم المطلق لا ~~اختيار معه بل هو عدم الاختيار وليس بفعل. وبقولنا مناف للشهوات البدنية ~~يخرج منه ما ليس بطاعة، وأما الأفعال المباحة كالأكل والشرب ومجامعة المرأة ~~فليس بعبادة من حيث أنها شهوة ولكنها قد تكون عبادة إذا تحري بها حكم ~~الشريعة، وإنما قيل تصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله تعالى لأنها إن ~~خلت عن نية أو صدرت عن نية لم يقصد بها التقرب إلى الله تعالى بل أريد بها ~~مراءاة لم تكن أيضا عبادة، وإنما قيل طاعة للشريعة لأن من أنشأ من نفسه ~~فعلا ليس بسائغ في الشريعة لم يكن عبادة وإن قصد به التقرب إلى الله تعالى، ~~فالعبادة إذا فعل يجمع هذه الأوصاف كلها. # الباب الثالث والعشرون # في أنواع العبادة من اعلم والعمل PageV01P020 العبادة ضربان: علم وعمل. ~~وحقهما أن يتلازما، لأن العلم كالأس والعمل كالبناء، وكما لا يغني أس ما لم ~~يكن بناء، ولا يثبت بناء ما لم يكن أس، كذلك لا يغني علم بغير عمل ولا عمل ~~بغير علم، ولذلك قال الله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه). والعلم أشرفهما لكن لا يغني بغير عمل، ولشرفه قال رجل للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: أيما الأعمال أفضل يا رسول الله؟ فقال: " العلم " فأعاد ~~عليه السوال فقال: " العلم " فقال الرجل في الثالثة: اسألك عن العمل لا عن ~~العلم. فقال عليه السلام: " عمل قليل مع العلم خير من عمل كثير مع الجهل " ~~وقال عليه السلام: " طلب العلم فريضة على كل مسلم " . فالعلم ضربان: نظري ~~وعملي، فالنظري ما إذا علم كفى ولم يحتج فيه بعده إلى عمل كمعرفة وحدانية ~~الله تعالى ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله واليوم ms36 الآخر ومعرفة السموات وما ~~أشبه ذلك. والعملي ما إذا علم لم يغن حتى يعمل به كمعرفة الصلاة والزكاة ~~والجهاد والصوم والحج وبر الوالدين. والأعمال ثلاثة أضرب: منها ما يختص ~~بالقلب، ومنها ما يختص بالبدن، ومنها ما يشارك فيه البدن القلب. والعلم ~~أيضا إذا نظر إليه وهو مكتسب فاكتسابه عمل وإذا نظر إليه وقد اكتسب وتصور ~~في القلب خرج في تلك الحال عن أن يكون عملا. ومن وجه آخر ضربان: واجب وندب ~~فالواجب يقال له العدل والندب يقال له الإحسان وهما المذكوران في قول الله ~~تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) فالفرض والعدل تحري الإنسان لما إذا ~~عمله أثيب وإذا تركه عوقب. والندب والإحسان تحري الإنسان لما إذا عمله أثيب ~~وإذا تركه لم يعاقب والإنصاف من العدل والتفضل من البر والإحسان، فالإنصاف ~~هو مقابلة الخير من الخير والشر من الشر بما يوازيه، والتفضل والبر هو ~~مقابلة الخير بأكثر منه والشر بأقل منه. فالإحسان والتفضل احتياط في ~~العدالة، والإنصاف ليؤمن به من وقوع خلل فيه وذلك إذا زدت في إعطاء ما عليك ~~ونقصت في أخذ ما لك فقد احتطت وأخذت بالحزم، كدفع زيادة زكاء إلى الفقير ~~وترك ما أحل لك أن تتناول من مال اليتيم. فالعدالة إن كانت جميلة فالتفضل ~~أحسن منها. ولذلك قال تعالى فيمن استوفى حقه فتحرى العدالة: (ولمن انتصر ~~بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) وقال سبحانه بعده: (وأن تعفوا أقرب ~~للتقوى). وقال عز وجل: (ولا تنسوا الفضل بينكم). إشارة إلى أن الإحسان حسن ~~والتفضل أحسن وقال عز وجل: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) فالإنسان إنما ~~يكون محسنا متفضلا بعد أن يكون عادلا منصفا. فأما من ترك ما يلزمه ثم تحرى ~~ما لا يلزمه فإنه لا يقال له متفضل ولا يجوز تعاطي التفضل إلا لمن كان ~~مستوفيا وموفيا لنفسه، فأما الحاكم المستوفي والموفي لغيره فليس له إلا ~~تحري العدالة والنصفة. # فصل # العلوم من حيث الكيفية ضربان تصور وتصديق فالتصور هو أن يعرف الإنسان ~~معنى الشيء صح عنده ذلك بدلالة ms37 أو لم يصح كمن عرف الصلاة وشرائطها وإن لم ~~تثبت صحتها عنده بدلالة والتصديق هو أن يتصور الشيء ويثبت عنده بدلالة تقضي ~~صحته. PageV01P021 والتصديق على ثلاثة أضرب: أما بغلبة الظن وهو أن يكون ~~عليه دلالة وقد يعترضها شبه توهنها وتبطلها، قال الله تعالى: (إذا مسهم ~~طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون). وأما بعلم اليقين وهو أن يصير ~~بحيث يعلم ويعلم أنه يعلم ولا تعترضه شبه توهنه كالعلم مثلا بأن ثلاثة ~~وثلاثة ستة وأنه لا يصح أن تكون أكثر من ذلك أو أقل، قال الله تعالى: (إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا). وأما بعين اليقين وهو ~~أن يرى بعقله الشيء ويعانيه ببصيرته في حال اليقظة والنوم، وقد نبه الله ~~تعالى على هذه الوجوه بقوله: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو ~~تعلمون علم اليقين لترونض الجحيم ثم لترونها عين اليقين). فأما التصورات ~~المجردة فالعامة الذين قال الله تعالى فيهم: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستبطونه). وأما غلبة الظن فللعامة الذين ~~مدحهم الله بقوله: (والذين يظنون أنهم ملاقو ربهم). وأما علم اليقين ~~فللخاصة. وأما عين اليقين ففي الدنيا للأنبياء ولبعض الصديقين. وإلى نحوه ~~أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " تنام عيني ولا ينام قلبي " وبقوله: ~~" إني أرى من خلفي كما أرى من قدامي " . قال أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. وقال بعض الحكماء: علم اليقين يحصل ~~للعقل بالفكر والذكر فإن العقل بفكره أي ببحثه يدرك المعارف وبذكره ~~يستحضرها إذا نسيها وغفل واشتغل عنها وبذهنه ينظر إليها دائما كما ننظر نحن ~~إلى محسوس غير غائب عن أبصارنا بلا حاجة إلى بحث وطلب وتفكر وتذكر، وكذلك ~~قيل الإنسان يعقل فينظر إلى الحق بالفكر، والملائكة دائما ينظرون إليه ~~بالذهن من غير حاجة إلى تفكر وطلب. # فصل # للإنسان في استفادة العلم وإفادته ثلاثة أحوال: حال استفادة فقط، وحال ~~استفادة ممن فوقه وإفادة لمن دونه، وحال إفادة فقط، وقل من ms38 يستحق أن يوجد ~~مفيدا غير مستفيد، ففوق كل ذي علم عليم إلى أن ينتهي الأمر إلى علام الغيوب ~~فقد نبه الله تعالى على الحاجة إلى الاستفادة بما حكاه من قول موسى عليه ~~السلام لصاحبه: (هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا) ونبه بما ذكر في ~~قصة سليمان عليه السلام عن الهدهد بقوله: (أحطت بما لم تحط به علما). إن ~~الكبير قد يفتقر إلى الصغير في بعض العلوم فإذا الإنسان ما دام حيا يجب أن ~~لا يخرج من كونه مستفيدا ومفيدا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الناس ~~عالم ومتعلم وما سواهما همج " . # الباب الرابع والعشرون # في أن الغرض من العبادة تطهير النفس واجتلاب صحتها PageV01P022 لم يكلف ~~الله الناس عبادته لينتفع هو تعالى بها انتفاع المولى باستعباد عبيده ~~واستخدام خدمه فإن الله غني عن العالمين. ولا ليؤدبهم ليزيل أنجاسهم ~~وأمراضهم النفسية، فبذلك يمكنهم أن يحصلوا حياة أبدية باقية سرمدية فإن من ~~ولد يكون ميتا بالإضافة إلى أصحاب الدار الآخرة وفاقدا للعين التي بها ~~يعرفهم والسمع الذي به يسمع تحاورهم واللسان الذي به يخاطبونه ويخاطبهم ~~والعقل الذي به يعقلهم، فليس تلكم الحياة والعين والسمع ما للإنسان في ~~الحياة الدنيا. وكيف يكون كذلك وقد نفى الله ذلك عن الكفار وجعلهم أمواتا ~~وصما وبكما وعميا، فإن الإنسان له قوة على تحصيل تلك الأمور في ابتداء ~~أمره، وإن أهمل نفسه فأتت عنه تلك القوة فلا يمكنه بعد قبول ذلك، كالفحم ~~إذا صار رمادا فلا يقبل بعد ذلك نارا، فمن استمر في كفره وفسقه وتمادى فيه ~~صار أما ميتا أو مريضا أو أصم لا يقبل الشفاء، ولذلك قال الله تعالى فيمن ~~ثكل هذه القوة: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ~~وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم). وقال تعالى: (صم بكم عمي فهم لا يعقلون) ~~وقال تعالى: (في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت). وقال ~~تعالى: (إنما المشركون نجس). وقال تعالى في المؤمنين: (لينذر من كان حيا). ms39 ~~وقال فيهم: (أولي الأيدي والأبصار). فمن استفاد الحياة والصحة والطهارة قبل ~~أن تبطل عنه هذه القوى أعني قبول ذلك فصار حيا سميعا بصيرا طاهرا وحصل زادا ~~كما أمره الله تعالى بقوله: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ~~ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور). وائتمر له تعالى ~~بقوله: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم). واقتدى بالموصوفين بقوله سبحانه: ~~(يسارعون في الخيرات). فجدير أن يفلح فيحصل هذه السعادة كما قال الله ~~تعالى: (لعلكم تفلحون). # الباب الخامس والعشرون # في بيان الأمراض والأنجاس التي لا يمكن إزالتها إلا بالشرع PageV01P023 ~~كما أن في بدن الإنسان عوارض وأمورا موجودة عند الولادة أو توجد حالا فحالا ~~بحكمة تقتضي ذلك وهي تعد نجاسات لا بد من إماطتها كلها أو إماطة فضولاتها، ~~وذلك كالسلى والسرة والقلفة والعقيقة الموجودة في الصبي عند الولادة ~~وكالأوساخ والقمل والظفر وشعر العانة وشعر الإبط، كذلك في نفس الإنسان ~~عوارض هي نجاسات وأمراض نفسانية يلزم إماطتها كالجهل والشره والعجلة والشح ~~والظلم. ويدل على كون ذلك مخلوقا فيه وأمره بإماطته وإماطة فضلاته ما ذكر ~~الله تعالى في مواضع من كتابه بقوله: (خلق الإنسان من عجل) فذكر أنه مخلوق ~~منه كما ترى. ثم أمره أن ينحيه عن نفسه وأن لا يستعين به فقال: (سأريكم ~~آياتي فلا تستعجلون). وقوله تعالى: (إنه كان ظلوما جهولا). ثم أمره بالعلم ~~والعدل في غير موضع من كتابه. وقوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح). ثم قال: ~~(ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون). فأمر باتقاء الشح مع إحضاره إياه. ~~وقوله تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا). ووصفه بالكفور والقتور في قوله: (وكان الإنسان كفورا). وقوله ~~تعالى: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان ~~الإنسان قتورا). فأدخل عليه " كان " تنبيها على أن ذلك فيه غريزي موجود قبل ~~لا هو شيء طارئ عليه. وقوله تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا). ثم نهى ~~عن أكثر الجدال فالإنسان يحتاج ms40 أن يستعمل هذه القوى في الدنيا كما يجب وفي ~~وقت ما يجب وأن يميط فضولاتها قبل خروجه من الدنيا حسب ما وردت به الشريعة، ~~فإنه متى لم يتطهر من النجاسة، ولم يزل أمراض نفسه لم يجد سبيلا إلى نعيم ~~الآخرة، بل ولا إلى طيب الحياة الدنيا، وذلك من تطهر تجلى عن قلبه الغشاوة ~~فيعلم الحق حقا والباطل باطلا فلا يشغله إلا ما يعنيه، ولا يتناول إلا ما ~~يعنيه فيحيا حياة طيبة كما قال تعالى: (فلنحيينه حياة طيبة) ولا تصير ~~قنياته في الدنيا وبالا عليه وعذابا كما قال الله تعالى في الكفار: (فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون). ويصير قلبه إذا تطهر مقر السكينة والأرواح ~~الطيبة كما وصف الله تعالى المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم). وعرف ~~الطريق التي بها التوصل إلى الحنة المأوى ومصاحبة الملأ الأعلى في مقعد صدق ~~عند مليك مقتدر، فيسارع في الخيرات ويسابق إلى مغفرة من ربه. ومتى بقيت ~~نجاسته وتزايدت صار قلبه مقر الشبه والآثام كما قال الله تعالى: (هل أنبئكم ~~على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفك أثيم). ولا يجد سبيلا إلى سعادة ~~الدار الآخرة كما قال الله تعالى: (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ~~كلا إنا خلقناهم مما يعلمون) فنبه على أنه لا يصلح لجنته ما لم تطهر ذاته ~~عن أشياء هي مخلوقة فيها وعلى هذا دل قوله تعالى: (ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب). فحق الإنسان أن ~~يراعي هذه القوى فيصلحها ويستعملها على الوجه الذي يجب وكما يجب ليكون كمن ~~وصفه الله تعالى بقوله: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ~~ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون). وقد يقع للإنسان شبهة في أمر هذه النجاسات ~~فيقو: أترى أن ذلك من عند غير الله؟ فإن كان من غيره فمن أين يوجده؟ ومن ~~أين منبعه؟ وإن كان منه فما المعنى في أن أوجده في الإنسان ms41 ثم أمره بأن ~~يزيله؟ فيقال لم يعرف ذلك البشر، لكن من الأشياء ما نفعه في وقت مخصوص أو ~~إذا كان على قدر مخصوص، ثم إذا استغني عنه أو زاد على قدر ما يحتاج إليه ~~يجب أن يزال وذلك إذ تؤمل ظاهر إذ من المعلوم أن السلا والسرة يحتاج إليهما ~~لصيانة الولد في وقت ثم يستغني عنهما، فيكون إبقاءهما بعد نجاسة والشعر ~~والظفر يحتاج إليهما إذا كان على حد وإذا زادا يجب إماطتهما. # الباب السادس والعشرون # في القوى التي يجب إزالة أمراضها وأنجاسها والمعاني التي تحصل منها ~~PageV01P024 إزالة الأنجاس واجتلاب الطهارة المذكورة في قوله تعالى: (إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) واكتساب الصحة ~~وإماطة المرض المذكور في قوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) ~~يكون بإصلاح القوى الثلاث التي هي دواعي الإنسان في متصرفاته وهي قوة ~~الشهوة وقوة الحمية وقوة الفكر فبإصلاح قوة الشهوة تحصل العفة فيتحرز بها ~~من الشره وإماتة الشهوة ويتحرى المصلحة في المأكول والمشروب والملبوس ~~والمنكوح وطلب الراحة وغير ذلك من اللذات الحسية، وبإصلاح قوة الحمية تحصل ~~الشجاعة فيتحرز من الجبن والتهور والحسد ويتحري الاقتصاد في الخوف والغضب ~~والأنفة وغير ذلك. وبإصلاح قوة الفكر تحصل الحكمة حتى يحترز من البله ~~والجربزة ويتحرى الاقتصاد في تدبير الأمور الدنيوية. وليس نعني بالحكمة ~~ههنا العلوم النظرية وإنما نعني بها الحكمة العملية التي يتحري بها المصالح ~~الدنيوية، وبإصلاح هذه القوى يحصل في الإنسان قوة العدالة فيقتدي بالله ~~تعالى في سياسة نفسه وسياسة غيره، فنفس الإنسان معادية له كما قال تعالى: ~~(إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك " فمن أدبها أو قمعها أو من ظلمها وإلى هذا ~~أشار الله تعالى بقوله: (ومن يعمل الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا ~~هضما) أي لا يخاف أن تظلمه نفسه الشهوية فالأعمال الصالحة حصن منها لقول ~~الله تعالى: (إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر). # الباب السابع والعشرون # في ms42 كون الإنسان مفطور على إصلاح النفس الإنسان مفطور في أصل الخلقة على ~~أن يصلح أفعاله وأخلاقه وتمييزه وعلى أن يفسدها وميسر له أن يسلك طريق ~~الخير والشر وإن كان منهم من هو بالجملة إلى أحدهما أميل. وعلى تمكنه من ~~السبيلين دل الله بقوله: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) وقوله ~~تعالى: (وهديناه النجدين) أي عرفناه الطريقين، وكما أنه مفطور على اكتساب ~~الأمرين في ابتدائه مفطور على أنه إذا تعاطى أحدهما أن خيرا وأن شرا ألفه، ~~فإذا ألفه تعوده، وإذا تعوده تطبع به، وإذا تطبع به صار له طبعا وملكة ~~فيصير فيه بحيث لو أراد أن يتركه لم يمكنه كما قيل: " وتأبى الطباع على ~~الناقل " ويكون مثله كمثل شجر نبت فاعوج سهل في الابتداء تثقيفه وتسويته ~~بخيط يشد أو بخشب يفرش بجنبه فيسدد به. ثم إذا غلظ واشتد مستويا أمن أن ~~يعوج بل لا يمكن تعويجه، وإن ترك حتى يعوج فيصلب على عوجه لم يمكن تثقيفه ~~كما قال الشاعر: # يقوم بالثقاف العود لدنا ... ولا يتقوم العود الصليب # على هذا الوجه قال الله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) وقال تعالى: ~~(ويدرأون بالحسنة السيئة) وقد توهم قوم أن لا أثر للتأديب والتهذيب فإن ~~الناس مجبولون على طبائع لا سبيل إلى تغييرها، فمنهم أخيار بالطبع، ومنهم ~~أشرار بالطبع واستدلوا بقول الله تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته) وقوله ~~تعالى: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) فنبه الله ~~بهذا المعنى على إن كل إنسان على حال لا سبيل إلى تغييرها. وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: كل ميسر لما خلق له " . وقوله عليه السلام: " فرغ ربكم من ~~الخلق والخلق والرزق والأجل " . وبقوله تعالى: (ولقد اصطفيناه في الدنيا ~~وأنه في الآخرة لمن الصالحين) وقوله: (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ~~وأنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) وقوله: (ولقد اخترناهم على علم على ~~العالمين) والناس وإن تفاوتوا في أصل الخلقة فما أحد إلا وله قوة على ~~اكتساب قدر ما من الفضيلة ولولا ذلك لبطلت ms43 فائدة الوعظ والإنذار والتأديب. # الباب الثامن والعشرون # في سبب رذيلة الإنسان وتأخره عن الفضيلة PageV01P025 سبب تأخر الإنسان عن ~~الفضيلة لا تخلو من أوجه: إما أن تكون نقصا في أصل خلقته وعجزا مركبا في ~~جبلته يتقاعد به عن تحصيل القوة وجمع الآلة التي يتوصل بها إلى السعادة كمن ~~تضعف نحيزته، أو لا يفضل عن طلب معايشه الضرورية في وقته، أو لا يجد هاديا ~~يرشده، فمن كان كذلك فمعذور لقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ~~وأما أنه غير عاجز عن ذلك لكن لم يساعده على بلوغه عمره فذلك قد وقع أجره ~~على الله لما قال الله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم ~~يدركه الموت فقد وقع أجره على الله). وأما أن يتفق له مرب ومعلم مضل فيضله ~~عن الطريق، وهذا إن لم يتمكن من الاهتداء بمن يرشده ويسدده يكون معذورا، ~~والإثم فيما يرتكبه لمن قد أضله لا له كما قال الله تعالى في المضلين: ~~(ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ~~ساء ما يزرون). وإن تمكن بعد ممن يهديه فلم يهتد به يكون هو ومضله مشتركين ~~في الإثم كما قال الله تعالى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم). وأما أن يكون ~~ضلاله من جهة نفسه لا من جهة شيء مما تقدم، وذلك هو المتوعد بالعذاب، فمن ~~أزاح الله علته بالفهم والكفاية والعلم الناصح فرغب عن الاهتداء وترك طريقة ~~الرشاد، يكون كمن وصفه الله تعالى بقوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه ~~آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين) وبقوله: (ولقد أريناه ~~آياتنا كلها فكذب وأبى) وأكثر منه عقوبة من استفاد العام وعرف الحق وسلك من ~~طريق الخير مراحل ثم ارتد عنها راجعا، كمن وصفه الله بقوله: (إن الذين ~~ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى سول لهم وأملى لهم) وبقوله: ~~(ومن يرتد منكم عن دينه... الآية). # الباب التاسع والعشرون # في أحوال الناس ومنازلهم وفي تعاطي الأفعال المحمودة والمذمومة وطرقها ~~الناس في ms44 إقامة العبادات وتحري الخيرات على أربعة أضرب: الأول من له العلم ~~بما يجب أن يفعل وله مع ذلك قوة العزيمة على العمل به وهم الموصوفون بقوله ~~عز وجل في غير موضع: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب). ~~والثاني من عدمهما جميعا وهم الموصوفون بقول الله تعالى: (إن شر الدواب عند ~~الله الصم البكم الذين لا يعقلون) وقوله: (إن هم كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا). الثالث. من له العلم وليس له قوة العزيمة على فعله، فهو في مرتبة ~~الجاهل بل هو شر منه، كما روي أن حكيما سئل: متى يكون العلم شرا من الجهل ~~فقال: أن لا يعمل به. وروي عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه قال: من ~~كانت ضلالته بعد التصديق بالحق فهو بعيد من المغفرة. الرابع من ليس له ~~العلم لكن له قوة العزيمة، فهذا متى انقاد لأهل العلم وعمل بقولهم أنجح في ~~فعله وصار من الموصوفين بقوله تعالى: (أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا). # والأفعال الجميلة والقبيحة يتقوى الإنسان فيها بتكريرها مرارا كثيرة ~~وزمانا طويلا وقتا بعد وقت في أوقات متفاوتة، فإن من فعل ذلك في شيء ~~اعتاده، وإذا اعتاده تخلق به، فالحذق في الصناعة كالكتابة مثلا يكون ~~باعتياده فعل من هو حاذق في الكتابة. والأفعال التي يتعاطاها المتخلق بها ~~تصير خلقا. فحق الإنسان أن يتدرب بفعل الخير، فإن من تعود فعلا صار له ~~ملكة، كالصبي قد يلعب بتعاطي صناعة فيؤدي لعبه بها إلى أن يتعلمها. # فصل PageV01P026 العبادات تكون محمودة إذا تعاطاها الإنسان طوعا واختيارا ~~لا اتفاقا واضطرارا ودائما في زمان دون زمان، لأجل أن ذاتها حسنة لا لأجل ~~غيرها، فمن أقامها على هذا الوجه فهو الموصوف بقوله تعالى: (واخلصوا دينهم ~~لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما). وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " أخلص يكفك القليل من العمل ولا يرضى تعالى إلا ~~الإخلاص " كما قال الله تعالى: (ألا لله الدين الخالص). فإن ms45 من فعل خيرا ~~نحو أن يصلي لأنه اتفق اجتماعه مع المصلين فساعدهم أو أكره أن يصلي أو ~~صلاها في شهر رمضان مثلا دون سائر الأوقات أو لأجل أن ينال بها جاها أو ~~مالا، فليس ذلك مما يستحق بها محمدة. وكذا من ترك قبيحا أما اتفاقا أو ~~اضطرارا أو خوفا أو في أي زمان دون زمان أو لأن ينال بذلك أمرا دنيويا فليس ~~بمحمود، ولهذا قال الله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا ~~يتبعون ما أنفقوه منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون). تنبيها على أن من لم ينفق ماله هكذا ويعلوه خوف من الفقر وحزن على ~~الإنفاق فلا يحصل له بذلك فضيلة ثم قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب... الآية). # الباب الثلاثون # في ارتداد الناس من طريق الخير والشر للإنسان فيما يتحراه من الخير والشر ~~حالتان: حالة يتمكن فيها من الارتداد على ادباره فيما يتعاطاه ان خيرا وان ~~شرا وذلك قبل ان يمعن في سيره ويتناهى في ممره. وحالة يتعذر عليه الارتداد ~~على ادباره بل لا يكون له سبيل الى الرجوع وذلك اذا امعن في سيره وتناهى في ~~ممره. وذلك ان كل من كان متعاطيا لفعل خير فتكاسل عنه، ومتعاطيا لشر فلم ~~يقلع عنه، اورثه كسله ضيق صدر بتحري الخير كما قال الله تعالى: (ومن يرد ان ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا). وانشراح صدره بفعل الشر كما قال تعالى (فمن زين ~~له سوء عمله فرآه حسنا). فإن استمر على ذلك ولم يقلع، اورثه ذلك رينا على ~~قلبه كما قال الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون). فإن ~~تمادى في ذلك واستمر اورثه ذلك غشاوة، كما قال تعالى: (فاغشيناهم فهم لا ~~يبصرون) فإن ازداد اورثه ذلك طبعا وختما، كما قال تعالى: (ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم). ms46 وقوله: (أفرأيت من اتخذ آلهه هواه واضله ~~على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ~~أفلا تذكرون). فإن ازداد صار ذلك قفلا كما قال الله تعالى: (أفلا يتدبرون ~~القرآن أم على قلوب أقفالها). ثم إذا تمادى صار قلبه موتا قلما ترجى له ~~حياة فلا تنفعه الآيات والنذر كما قال الله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى ولا ~~تسمع لصم الدعاء إذا ما ينذرون). ومن حيث أن الله تعالى علم من أحوال من ~~بلغ هذا المبلغ أنه لا يتوب ولا يؤوب قال الله تعالى: (الذين كفروا بعد ~~إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون). فلم يرد تعالى ~~أنهم إذا تابوا لم تقبل توبتهم بل نبه بذلك على أنهم لا يتوبون فتقبل ~~توبتهم فدل منتهى الفعل على مبدأه وهذا من كلامهم كقول الشاعر: " ولا يرى ~~الضب بها ينجحر " PageV01P027 ي ليس بها ضب فينجحر فنفي انجحار الضب وهو في ~~الحقيقة نفي لوجود الضب بها، وعلى هذا دل قوله تعالى: (إن الذين آمنوا ثم ~~كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم سبيلا). أي لم يكونوا ليتوبوا فيغفر لهم، وعلى هذا قال تعالى: ~~(إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب). ~~تنبيها على أن هؤلاء هم الذين يرجى لهم التوبة. وعلى هذه الجملة المذكورة ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا أذنب الرجل نكتت على قلبه نكتة سوداء ~~فإذا أذنب ثانيا نكتت أخرى فلا يزال كذلك حتى يصير قلبه كلون الشاة الرمداء ~~" . وفي خبر آخر: " الذنب على الذنب حتى يسود القلب فلا ترجى له الإنابة " ~~. وكذا حال الإنسان فيما يتعاطاه من فعل الخير فإن من صبر في اقتراف الحسنة ~~أورثه صبره حسنا كما وصف الله به الصابرين في مواضع من كتابه قال تعالى: ~~(ومن يقترف حسنة نزد له فيه حسنا). فإن استمر في ذلك بعض الاستمرار اهتز ~~ونشط وانشرح به صدره كما قال تعالى: ms47 (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام). فإن دام على ذلك امتحن وتطهر قلبه كما قال الله تعالى: (أولئك ~~الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى). ويكون كما وصفه في هذه السورة: (ولكن ~~الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم). فإن تزايد في فعله ~~إنضم إليه من الله تعالى باعث يهزه وداع يبعثه عليه كما قال الله تعالى: ~~(هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم). فحق ~~الإنسان أن لا يسامح نفسه في الاجتهاد وأن لا يخل بخير تعوده ولا يرخص لها ~~في شر ارتكبه، فتعاطي صغير الذنب يفضي إلى ارتكاب الكبير، والإخلال بقليل ~~الخير يؤدي إلأى الإخلال بكثير كما قال الشاعر: # وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب # وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ~~ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ~~ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر). فتبين أن قولهم للذين كرهوا ما نزل ~~الله أدى بهم إلى الارتداد على أدبارهم وقال تعالى: (إن الذين تولوا منكم ~~يوم التقى الجمعان إنما استنزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا). فنبه على أن بعض ~~ما كسبوا أدى بهم إلى الانهزام، فالمتدرب في فعل الخير المتقوي فيه يصير ~~بحيث يكون له من الله تعالى واقية تحفظه عن الأفعال القبيحة وتحثه على ~~الأفعال الحسنة. وهذا معنى العصمة وعلى ذلك نبه الله تعالى في صفة أولياءه ~~بقوله: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه). وقال تعالى: (رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون). ~~والمتدرب بفعل الشر المتقوي فيه قد يصير بحيث يكون له بما ارتكبه من ~~القبائح باعث يبعثه على الأفعال القبيحة ويحثه على الأفعال السيئة ويسد ~~عليه طرق الأفعال الحسنة، وعلى ذلك نبه الله تعالى بقوله في صفة أعدائه: ~~(إنا جعلنا ms48 في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون). وقال تعالى: (ومن يعيش ~~عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وأنهم ليصدون عن السبيل ويحسبون ~~أنهم مهتدون). وقال تعالى: (إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون). ~~وقد نسب الله هداية العبد وضلاله جميعا إلأى نفسه من حيث أنه جعل خلقه ~~وطبعه بحيث إذا تعاطى فعلا إن خيرا وإن شرا فاستمر عليه يصير ذلك طبعا له ~~ملازما لا يرجع عنه، ولم ينسب المنع من الإيمان إلى نفسه إلا بعد ذكر ما ~~كان من إساءة العبد نحو قوله: (إنا جعلنا الشيطاين أولياء للذين لا ~~يؤمنون). فخص الذين لا يؤمنون بأن جعل الشيطان أولياءهم وقال تعالى: (ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من ~~تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير). وقال تعالى: (إن الذين لا يؤمنو ~~بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون). قال الشاعر: # زين في عينك القبيح كما ... زين في عين غيرك الحسن # الباب الحادي والثلاثون # في قدر ما في الوسع من اكتساب السعادة PageV01P028 الإنسان لما كان على ~~هيئة العالم أوجد فيه كل ما أوجد في العالم، وكما أن في العالم أشياء لا ~~يتأتى إصلاحها وحيوانات لا يمكن تأديبها كذلك في الإنسان قوى لا يتآتى ~~إصلاحها وتهذيبها وكان له مع ذلك مثبطات عما أمر به وتقصير عما كلف ولهذا ~~قال الله تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه). إلى قوله: (كلا لم ~~يقض ما أمره). فنبه على أن الإنسان لا يكاد يخرج من دنياه وقد قضى وطره، ~~ولذلك يجب على الإنسان أن يجتهد في أداء ما أمكنه، ويطهر نفسه بقدر ما ~~يتيسر له والرغبة إلى الله تعالى في تكفير ما قصر فيه ويتحقق أنه إذا فعل ~~ما أمكنه فقد أعذر لقوله تعالى: (لا يكلف نفسا إلا وسعها). فإذا فعل ما ~~أمكنه يكون قد ترشح أن يزيل الله عنه ms49 باقي السيئات كما قال الله تعالى: (يا ~~أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحة عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم). وقال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ~~وندخلكم مدخلا كريما). ولهذا أمرنا تعالى أن ندين الدعاء بقوله: (ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطئنا). وقال تعالى: (والذين آمنوا معه نورهم يسعى ~~بين أيديهم وبإيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا). فأمرنا أن نرغب إليه في ~~إتمام ما قصرنا عن اكتسابه وقوله: (والذي جاء بالصدق إلى قوله ليكفر الله ~~عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون). ولهذه ~~الجملة قال جعفر الصادق رضي الله عنه: من زعم أنه يصل إلى الحق ببذل ~~المجهود فهو متعن ومن زعم أنه يصل إليه بغير بذل المجهود فهو متمن ولقصور ~~الإنسان عن تزكية نفسه بالتمم قال صلى الله عليه وسلم: " ما أحد يدخل الجنة ~~بعمله " قيل ولا أنت يا نبي الله قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله ~~برحمته " . وقال تعالى تنبيها على هذا المعنى: (ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء). وبيان قصور ~~الإنسان عن تزكية نفسه على التمام هو أن الإنسان حيوان ناطق متفكر والحيوان ~~جوهر متنفس حساس، والمتنفس جوهر متغذ مترب لا قوام له إلا بالغذاء كما قال ~~الله تعالى: (وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين) ~~فالإنسان ما دام في الدنيا لا ينفك عن مشاركة البهائم والسباع لكونه حيوانا ~~محتجا إلى ما تحتاج إليه وعن مشاركة الحيوان والنبات لكونه متنفسا محتاجا ~~غلأى ما تحتاج إليه. والإنسان إذا لم يقتحم العقبو ويفك الرقبة وما لم يتعر ~~عن الحاجات لدنية لم يأمن شياطين الإنس والجن فكيف يأمن وقد قال الله ~~تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا). قال بعض المفسرين: إن إبراهيم لما سأل الله تعالى فقال: ~~(ربي أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال ms50 بلى ولكن ليطمئن قلبي). إنما ~~سأله أن يريه الحياة المتعرية عن العوارض العارضة للحيوانات فقال: أو لم ~~تؤمن أي أو لم تتحقق؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي أي ليتصور لي كيفية ~~الطمأنينة أي تبري النفس من الشره والحرس والأمل والإفتخار وأعاين الحالة ~~المذكورة في قوله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية ~~مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي). فأمره أن يأخذ أربعة طيور. غرابا وهو ~~المخصوص بالحرص والشره. ونسرا وهو المخصوص بالأمل وطاووسا وهو المخصوص ~~بالإفتخار. وديكا بالشبق، فأمره أن يقطعهن ويصرهن أي يدعوهن، ولما فعل ذلك ~~صرن إليه عاجلا فنبه الله تعالى بذلك على أن الإنسان وإن اجتهد كل الاجتهاد ~~في حذف هذه المعاني عن نفسه وتطهير ذاته منها لن يتطهر ما دامت البشرية ~~الدنيوية حاصلة له ولن تحصل له الطمأنينة المطلوبة. فأما ما يدعيه قوم أن ~~من الناس من قد تجرد عن هذه الخصائص حتى يستغني عن الطعام والشراب ويصير ~~بحيث لا تعتريه الأخلاق البهيمية فهذا إن حصل في بعض الناس فإذ ذلك يكون ~~ملكا متشبحا يسمى بإسم الإنسان على سبيل الإشتراك في الإسم، فيكون متبدل ~~الجوهر تبدل جوهر النار إذا صارت بردا وسلاما، وتبدل الدعموص إذا صار ~~ضفدعا، والدود إذا صار فراشا، وكثيرا من النبات إذا صار جوهرا آخر، وجيوانا ~~كدودة القز وليس ذلك بمنكر في القدرة الإلهية وهو حينئذ خارج عن الاستصلاح ~~للأفعال التي خلق الإنسان لأجلها مستخلفا في الأرض مستعمرا فيها. ~~PageV01P029 فصل # اعلم من هاجر إلى الله وجاهد في سبيله فحقيق أن يهديه إلى سبيله كما وعد ~~في قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). وقال: (والذين آمنوا ~~من بعد وهاجروا وجاهدوا... إلى قوله: أولئك هم المؤمنون حقا). والهجرة ~~العظمى هجران فضول الشهوات والمجاهدة الكبرى مدافعة الهوى كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " جهادك في هواك " . فمن هدي إلى سبيله وأمعن في مسيره ~~مسارعا في الخيرات ومسابقا إلى مغفرة ربه فحقيق أن يصير من الإبدال، ومعنى ~~الإبدال هم الذين يبدلون من أخلاقهم ms51 وأفعالهم الذميمة أخلاقا وأفعالا ~~حميدة، فيجعلون بدل الجهل العلم وبدل الشح الجود وبدل الشره العفة وبدل ~~الظلم العدالة وبدل الطيش التؤدة وعلى ذلك دل قوله تعالى: (والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق إلى قوله: يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات). والإنسان إذا صار من الإبدال فقد ارتقى إلى درجة ~~الأحباب الذين عناهم الله تعالى بقوله: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونهم). فجعله مهيبا في البشر، معظم القدر عند كل واحد، بل قد يبلغ ~~مبلغا تخضع له البهائم والسباع والوحوش والحشرات كخضوعها لسليمان بن داود ~~عليهما السشلام، ويصير الحديد له لينا كما لان لنبيه داود عليه السلام، ~~وتصير النار له إذا خاضها بردا وسلاما كما صارت على إبراهيم عليه السلام ~~وتنقاد له الريح فيركبها كركوب سليمان، وتسخر له المياه فيمشي عليها ~~كتسخيرها للخضر عليه السلام، ويكلمه النبات والمعادن والأفلاك والنجوم ~~فتفقه على منافعها وتخبره بسرائرها كمكالمتها لإدريس عليه السلام. روي أنه ~~إذا أحب الله عبدا ألبسه صورة من صورته، ونفخ فيه روحا من روحه، حتى ينقاد ~~له كل حجر ومدر، ويتواضع له كل طائر وسبع، بل قد يخصه بكرامات لا يمكن أن ~~يطلع على معرفتها غير من خص بها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: ~~" أعددت لعبادي الصلحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " ~~وقال تعالى إشارة لها هذا المعنى. (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) ~~وهذه الأحوال كما تكون للأنبيء فقد تكون للأولياء المخصوصين بالكرامة وليس ~~ذلك بمستبدع ولا منكر في قدرة الله تعالى ولا بمناف في حكمته كما ظن بعض ~~المتكلمين أن ذلك إذا أظهره على ير أنبياءه لا يؤمن أن يفتن به الناس وإنه ~~يؤدي إلى اشتباه أمر لمعجزة على الكافة، فإن أحكم الحاكمين لا يؤتى هذه ~~المكرمة إلا من هو أهلها كما نبه عليه سبحانه بقوله: (ألله أعلم حيث يجعل ~~رسالته) ومن بلغه هذه المنزلة فقد آتاه لا ms52 شك من العلم والحكمة قدر ما ~~يهديه ويؤدبه، وعرف ما يمسكه فيستقيم كما أمر فيه فيعرف قدره ولا يتعدى ~~طوره. # الباب الثاني والثلاثون # في إثبات المعاد وفضيلة الموت وما يحصل بعده من السعادة PageV01P030 لم ~~ينكر المعاد والنشأة الآخرة إلا جماعة من الطبيعيين أهملوا افكارهم وجهلوا ~~أقدارهم، وشغلهم عن التفكير في مبدأهم ومنشأهم شغفهم بما زين لهم من حب ~~الشهوات المذكورة في قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير لمقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك ~~متاع الحياة الدنيا). وأما من كان سويا ولم يمش مكبا على وجهه لكونه: ~~(كالأنعام بل هم أضل سبيلا) وتأمل أجزاء العالم علم أن أفضلها ذوات الأرواح ~~وأفضل ذوات الأرواح ذوو الإرادة والاختيار في هذا اعالم، وأفضل ذوي الإرادة ~~والاختيار الناظر في العواقب وهو الإنسان فيعلم أن النظر في العواقب من ~~خاصية الإنسان، وأنه لم يجعل تعالى هذه الخاصية له إلا لأمر جعله له في ~~العقبى، وإلا كان وجود هذه القوة فيه باطلا فلو لم يكن للإنسان عاقبة ينتهي ~~إليها غير هذه الحياة الخسيسة المملوءة نصبا وهما وحزنا ولا يكون بعده حال ~~مغبوطة لكان أخس البهائم أحسن حالا من الإنسان، فيقتضي أن تكون هذه الحكم ~~الإلهية والبدائع الربانية التي أظهرها الله تعالى في الإنسان عبثا كما نبه ~~الله تعالى عليه بقوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ~~ترجعون) فإن أحكام بنية الإنسان مع كثرة بدائعها وعجائبها ثم نقضها وهدمها ~~من غير معنى سوى ما تشاركه فيه البهائم من الأكل والشرب والسفاد مع ما ~~يشوبه من التعب الذي قد أغني عنه الحيوانات سفه: (كالتي نقضت غزلها من بعد ~~قوة أنكاثا) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وما أظهر عند من ألقى عن مناكبه ~~دثار العماية صدق أمير المؤمنين علي عليه السلام في قوله: الدنيا دار ممر ~~لا دار مقر فاعبروها ولا تعمروها وقد خلقتم للأبد ولكنكم تنقلون من دار إلى ~~دار حتى يستقر بكم القرار. وكثير من الجهال اتروا بقوم ms53 وصفوا بوفور العقل ~~في أمور الدنيا حيث أنكروا أمر الآخرة فقالوا: لو كان ذلك حقا لم ينكره ~~أمثالهم مع وفور عقولهم وكثرة فهمهم ولم يعلموا أن العقل وإن كان جوهرا ~~شريفا فإنه لا يتوجه إلا حيث وجه ولا غناء له إلا فيما إليه صرف فإذا صرف، ~~إلى أمور لآخرة أحكمها وإذا صرف إلى أمور الدنيا قبلها وعكف عليها، وأخل ~~بما سواها فتقصر بصيرته حينئذ عن الأمور الأخروية كما نبه الله عليه في غير ~~موضع من كتابه وقد تقدم القول فيه. # ؟فصل # اعلم أن الموت المتعارف الذي هو مفارقة الروح للبدن هو أحد الأسباب ~~الموصلة للإنسان إلى النعيم الأبدي، وهو انتقال من دار إلى دار كما روي: " ~~إنكم خلقتم للأبد لكنكم تنقلون من دار إلى دار حتى يستقر بكم القرار. فهو ~~وإن كان في الظاهر فناء واضمحلالا فهو في الحقيقة ولادة ثانية قال الشاعر ~~في ذلك: # تمخضت المنون له بيوم ... أتى ولكل حاملة تمام # فإنه جعل للمنون حملا كحمل المرأة وتمخضا متمخضها وولادة وولادة كولادتها ~~تنبيها على انه أحد أسباب الكون. قال بعضهم: الإنسان ما دام في دنياه جار ~~مجرى الفرخ في البيضة فكما أن من كمال الفرخ تفلق البيض عنه وخروجه منه، ~~كذلك من شرط كمال الإنسان مفارقة هيكله ولولا هذا الموت لم يكمل الإنسان، ~~فالموت إذن ضروري في كمال الإنسان، ولكون الموت سببا للإنتقال من حال أوضع ~~إلى حال أشرف وأرفع سماه الله تعلى توفيا وإمساكا عنده فقال تعالى: (الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليه الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى) ولهذا تقول العرب: استأثر الله بفلان، ولحق ~~بالله ونحو ذلك من الألفاظ ولأجل أن الموت الحيواني انتقال من منزل أدنى ~~إلى منزل أعلى أحبه من وثق بما له عند الله، ولم يكره هذا إلا أحد رجلين ~~أحدهما من لا يؤمن بالآخرة وعنده أن لا حياة ولا نعيم إلا في الدنيا كمن ~~وصفهم الله تعالى بقوله: (ولتجدنهم أحرص لناس على حياة ms54 ومن الذين أشركوا ~~يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر). وقال بعض من ~~هذه طريقته شعرا في هذا المعنى: # خذ من الدنيا بحظ ... قبل أن تنقل عنها # فهي دار ليس تلقى ... بعدها أطيب منها PageV01P031 والثاني يؤمن به ولكن ~~يخاف ذنبه، فأما من لم يكن كذلك فإنه يحبه ويتمناه كما أحبه الصالحون ~~وتمنوه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أحب لقاء الله ~~أحب الله لقاءه " وقال تعالى: (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) تنبيها على أن ~~من يكون متحققا بحسن حاله عند الله لم يكره الموت. فالموت هو باب من أبواب ~~الجنة منه يتوصل إليها، ولو لم يكن موت لم تكن الجنة ولذلك من الله تعالى ~~به على الإنسان فقال: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ~~فقدم الموت على الحياة تنبيها على أنه يتوصل به إلى الحياة الحقيقية وعده ~~علينا في نعمه فقال: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم) فجعل الموت أنعاما كما جعل الحياة أنعامأ لأنه لما كنت الحياة ~~الأخروية نعمة لا وصول إليها إلا بالموت فالموت نعمة لأن السبب الذي يتوصل ~~به إلى النعمة نعمة، ولكون الموت ذريعة إلى السعادة الكبرى لم يكن الأنبياء ~~والحكماء يخافونه، حتى قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام: ~~والله ما أبالي أقع على الموت أو يقع الموت علي. وكانوا يتوقعونه ويرون ~~أنهم في حبس فينتظرون المبشر بإطلاقهم. وعلى هذا روي: " الدنيا سجن المؤمن ~~وجنة الكافر " . وقيل أنه لما مات داود الطائي سمع هاتف يقول: " أطلق داود ~~من السجن " . قال الله تعالى: (ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) تنبيها ~~على أن الموت سبيل الحياة المستفادة عند الله تعالى. وقال تعالى: (ولئن ~~قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) وقال ~~تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتأ بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون فرحين...الآية) وعلى هذا نبه الله تعلى ms55 بقوله: (ثم أنشأناه خلقا آخر ~~فتبارك الله أحسن الخالقين ثم أنكم بعد ذلك لميتون ثم أنكم يوم القيامة ~~تبعثون) فنبه على أن هذه التغييرات خلق أحسن فنقض هذه البنية لإعادتها على ~~وجه أشرف كالنوى المزروع الذي لا يصير نخلا مثمرا إلا بعد إفساد جثتها، ~~وكذلك البر إذا أردنا أن نجعله زيادة في أجسامنا يحتاج أن يطحن ويعجن ويخبز ~~ويأكل فيغير تغيرات كثيرة هي فساد لها في الظاهر، وكذلك البذر إذا ألقي في ~~الأرض يعده من لا يتصور مآله وحاله فسادا، فالنفس تحب البقاء في هذه الدار ~~إذا كانت قذرة راضية بالأعراض الدنيوية رضا الجعل بالحش أو جاهله بمآلها في ~~المآل . # الباب الثالث والثلاثون # في فضيلة الإنسان إذا شرف على الملائكة قد تقدم أن الناس ضربان: ضرب لم ~~يحظ من الإنسانية إلا بالصورة التخطيطية من انتصاب القامة وعرض الظفر ~~والقوة على الضحك ولغو من النطق يجري مجرى المكاء والتصدية وهو دون ~~البهائم. وضرب هو الإنسان وهو المعنى بما خلق لأجله فمن كان كذلك فله ~~حالتان: إحداهما حالته وهو في الدنيا ولم يقتحم العقبة ويفك الرقبة بل هو ~~صريع جوعه وأسير شبعة، تنتنه العرقة وتؤلمه البقة وتقتله الشرقة، ولما يقض ~~ما أمره، فهو ما دام في دنياه لا يحكم له [انه أفضل من الملائكة على ~~الإطلاق. والحالة الثانية قد اقتحم العقبة وفك الرقبة بعدما قضى ما أمره، ~~فصار من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بل قد جعل في مقعد صدق عند مليك ~~مقتدر ذا حياة بلا ممات وغنى بلا فقر وعز بلا ذل وعلم بلا جهل وقد قامت ~~الملائكة تخدمه كما قال تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) فحينئذ من جعل له هذه المنزلة فهو أفضل ~~من كثير من الملائكة، أعاننا الله على بلوغ هذه المنزلة وجعلنا من ~~المترشحين لها برحمته أنه على ما يشاء قدير. # فهذا آخر ما قصدت من بيان تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين نفعني الله به ~~ومن نظر فيه ms56 برحمته أنه على ما يشاء قدير ولحمد لله وصلواته على خير خلقه ~~محمد وآله الطيبين الطاهرين. PageV01P032 ms57