######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0021562 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: 502هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 502 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0021562 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-21562 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/21562 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار مكتبة الحياة، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1983 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الباب الثاني # في ذكر أجناس الموجودات وموضع الإنسان منها # إعلم أن الله تعالى هو الواجب الوجود الذي لا سبب لوجوده بل هو سبب كل ~~موجود. وكل موجود فمنه وبه تعالى وجوده. والموجودات ضربان: المعقولات ~~العلوية والمحسوسات السفلية، وإيجاده تعالى للمعقولات العلوية قبل إيجاده ~~للمحسوسات السفلية، كما روي أنه أول ما خلق الله تعالى القلم ثم اللوح، ~~وقال: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة. وروي أنه أول ما خلق الله العقل ~~فقال له: أقبل. فأقبل ثم قال له: أدبر. فأدبر فقال: بعزتي وجلالي ما خلقت ~~خلقا أكرم علي منك بك آخذ وبك أعطي ولك الثواب وعليك العقاب وليس المراد ~~بالعقل ههنا العقول البشرية بل الإشارة به إلى جوهر شريف عنه تنبعث العقول ~~البشرية. وقال قوم: " العقل ههنا عبارة عن القلم المذكور في الخبر الآخر " ~~والله أعلم. # ثم أوجد الله تعالى الروحانيات الذين لا يستكبرون عن عبادته # PageV01P022 # ولا يستحسرون، وإيجاد هذه الأشياء على سبيل الإبداع. والإبداع هو إيجاد ~~الشيء لا عن شيء موجود من قبل. ثم خلق الأركان الأربعة والجمادات والناميات ~~والحيوانات، وختم بالصورة الإنسانية كما دل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: " خلق الله تعالى يوم الأحد كذا ويوم الاثنين كذا إلى أن قال خلق ~~الإنسان يوم الجمعة آخر نهار ". والخلق في أكثر الأحوال يقال في إيجاد ~~الشيء من الشيء قبله كخلق الإنسان من التراب، ويقتضي تركيبا ولذلك قال اله ~~تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) . وإلى الأشياء المركبة أشار ~~بقوله تعالى: (أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم) . ~~واعلم أن كل شيء من المبدعات فتام لا نقص فيه، ولو كان فيه نقص لدل ذلك على ~~نقصان مبدعه وصانعه، فأما المخلوق الذي هو مركب من شيء فقد يحتمل أن يكون ~~فيه نقص ويكون نقصه عارضا من جهة ما تركب منه لا من جهة مركبه وفاعله، ~~فلهذا صارت المبدعات من الأشياء العلوية معراة عن اعتراض الفساد فيها حالا ~~فحالا، بل تبقى على حالتها ms01 إلى أن يشاء الله تعالى أن يرفع العالم. # والإنسان إنسانان: أحدهما آدم الذي هو أبو البشر، ويجري هو من سائر الناس ~~مجرى البذر الذي منه أنشئ غيره، والباري تعالى قد تولى بنفسه إيجاده ~~وتربيته وتعليمه كما نبه عليه بقوله تعالى: (ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي) . وقوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) والثاني بنوه وموجدهم أيضا ~~الباري تعالى، ولكن جعل # PageV01P023 # انشاءهم وتربيتهم وتعليمهم بوسائط جسمانية وروحانية، فالجسماني كالأبوين ~~والروحاني كالملائكة المدبرات والمقسمات الذين يتولون انشاءه وتربيته، كما ~~روي في الخبر: الولد يكون أربعين يوما نطفة، ثم يصير علقة، ثم يصير مضغة، ~~ثم يبعث الله ملكا فينفخ فيه الروح، إلى غير ذلك من الأخبار. ولكون الأبوين ~~سببا في وجود الولد عظم الله تعالى حقهما وألزم بعد شكره شكرهما فقال: ~~(اشكر لي ولوالديك) . ويسمى الولد ابنا وهو مشتق من بنيت البنية تنبيها على ~~أنه جار للأب مجرى البناء للباني. # PageV01P024 ### | الباب الثالث # في ذكر العناصر التي منها أوجد الإنسان # ذكر الله تعالى العناصر التي خلق منها آدم عليه السلام، ونبه على أنه ~~جعله إنسانا في سبع درجات. وأشار إلى ذلك في مواضع مختلفة حسب ما اقتضته ~~الحكمة، فقال في موضع خلقه من تراب إشارة إلى المبدأ الأول. وفي آخر من طين ~~إشارة إلى الجمع بين التراب والماء. وفي آخر من حمإ مسنون إشارة إلى الطين ~~المتغير بالهواء أدنى تغير. وفي آخر من طين لازب إشارة إلى الطين المستقر ~~على حالة من الاعتدال يصلح لقبول الصورة. وفي آخر من صلصال من حمإ مسنون ~~إشارة إلى يبسه وسماع صلصلة منه، وفي آخر من صلصال كالفخار، وهو الذي قد ~~أصلح بأثر من النار فصار كالزخرف، وبهذه القوة النارية حصل في الإنسان أثر ~~من الشيطنة وعلى هذا المعنى دل بقوله: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق ~~الجان من مارج من نار) . فنبه على أن الإنسان فيه من القوة الشيطانية بقدر ~~ما في الفخار من أثر النار وأن الشيطان ذاته من المارج الذي لا استقرار # PageV01P025 # له. ثم ms02 نبه الله على تكميل الإنسان بنفخ الروح فيه فقال: (إني خالق بشرا ~~من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) . فهذه سبع درجات ~~نبه عليها كما ترى. ثم دل على تكميل نفسه بالعلوم والآداب بقوله تعالى: ~~(وعلم آدم الأسماء كلها) ثم ذكر خلق بني آدم وعناصرهم التي أوجدها حالة بعد ~~حالة، فنبه على أنه جعلهم أناسا في سبع درجات حسب ما جعل آدم عليه السلام ~~فقال تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار ~~مكين ثم خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم ~~خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام ~~لحما ثم أنشأناه خلقا آخر أشار به إلى ما جعل من له من قوة العقل والفكر ~~والنطق. فإن قيل فلم قال فكسونا العظام لحما ولم يقل فخلقنا منه لحما كما ~~قال في الأول. قيل إشارة منه تعالى إلى لطيفة من صنعه وهو أن النطفة انتهت ~~إلى صورة العظم، ثم أنشأ الله اللحم إنشاءا آخر لا من النطفة، وأجراها مجرى ~~الكسوة التي قد يخلعها الإنسان ويجددها، ولذلك إذا قطع من الحيوان لحم عاد ~~ولم يكن كالعظم الذي لا يعود بعد قطعه فإن قيل كيف حكم على جميع الناس أنه ~~خلقهم من سلالة من طين والمخلوق منها هو آدم دون أولاده. قيل أن ذلك على ~~وجهين: أحدهما أنه لما خلق آدم من دون أولاده. قيل أن ذلك على وجهين: ~~أجدهما أنه لما خلق آدم من سلالة من طين فأولاده الذين منه هو أيضا منها. ~~والثاني أن الإنسان يتكون من النطفة ويتربى بدم الطمث، وهما يتكونان من ~~الغذاء # PageV01P026 # والغذاء يتكون من الحيوان، والحيوان من النبات، والنبات من سلالة من طين، ~~فإذا الإنسان على الحقيقة من سلالة من طين، وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: ~~(إنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا) . ~~وقوله: (خلقكم من تراب ثم من نطفة) . فجعله ms03 الله تعالى من تراب على هذا ~~الوجه. وقال: (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) . # وفي آخر: (خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) . وعني ~~بالإنسان ههنا آدم ولذلك قال: ثم جعل نسله. فاقتصر ههنا على النطفة دون ~~المبدأ الأول الذي هو التراب. وإنما ذكر هذه المبادئ متفرقة لحكمة اقتضت ~~تخصيص ذكر كل واحد من ذلك في موضعه مما يليق بهذا الكتاب. # PageV01P027 ### | الباب الرابع # في ذكر قوى الأشياء التي جمعت في الإنسان # الإنسان قد جمع فيه قوى العالم، وأوجد بعد وجود الأشياء التي جمعت فيه، ~~وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين) . وقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي تقدم ذكره. وقد جمع الله ~~تعالى في الإنسان قوى بسائط العالم ومركباته وروحانياته وجسمانياته ~~ومبدعاته ومكوناته. فالإنسان من حيث أنه بوساطة العالم حصل ومن أركانه ~~وقواه أوجد هو العالم. ومن حيث أنه صغر شكله وجمع فيه قواه كالمختصر من ~~العالم فإن المختصر من الكتاب هو الذي قلل لفظه، وأستوفي معناه. والإنسان ~~هكذا هو إذا اعتبر بالعالم. ومن حيث أنه جعل من صفوة العالم ولبابه وخلاصته ~~وثمرته، فهو كالزبد من المخيض والدهن من السمسم، فما من شيء إلا والإنسان ~~يشبهه من وجه، فإنه كالأركان من حيث ما فيه من الحرارة والبرودة والرطوبة ~~واليبوسة، وكالمعادن من حيث ما هو # PageV01P028 # جسم، وكالنبات من حيث ما يتغذى ويتربى، وكالبهيمة من حيث ما يحس ويتوهم ~~ويتخيل ويلتذ ويتألم، وكالسبع من حيث ما يحرض ويغضب، وكالشيطان من حيث ما ~~يغوي ويضل، وكالملائكة من حيث ما يعرف الله تعالى ويعبده ويخلفه، وكاللوح ~~المحفوظ من حيث قد جعله الله مجمع الحكم التي كتبها فيه على الاختصار - فقد ~~ذكر بعض الحكماء في بدن الإنسان أربعة آلاف حكمة، وفي نفسه قريبا من ذلك. ~~وكالقلم من حيث ما يثبت بكلامه صور الأشياء في قلوب الناس كما أن القلم ~~يثبت الحكم في اللوح المحفوظ. ولكون ms04 الإنسان من قوى مختلفة قال الله تعالى: ~~(انا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) أي مختلطة من قوى أشياء مختلفة. ولكون ~~العالم والإنسان متشابهين إذا اعتبر قيل الإنسان عالم صغير والعالم إنسان ~~كبير ولذلك قال الله تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحدة) . فأشار ~~بالنفس الواحدة إلى ذات العالم. ولما كان كل مركب من أشياء مختلفة يحصل ~~باجتماعهن معنى ليس بموجود فيهن على انفرادهن كالمركبات من الأدوية ~~والأطعمة، كذلك في نفس الإنسان حصل معنى ليس فس شيء من موجودات العالم، ~~وذلك المعنى هو ما يختص به من خصائصه التي بها تميز عن غيره من هيئات له، ~~كانتصاب القامة وعرض الظفر، وانفعالات له كالضحك والحياء، وأفعال كتصور ~~المعقولات وتعلم الصناعات واكتساب الأخلاق. # PageV01P029 ### | الباب الخامس # في تكوين الإنسان شيئا فشيئا حتى يصير إنسانا كاملا الإنسان يكون أولا ~~جمادا ميتا قال الله تعالى: (وكنتم أمواتا فأحياكم) وذلك حيث كان ترابا ~~وطينا وصلصالا ونحوها. ثم يصير نباتا ناميا كما قال الله تعالى: (والله ~~أنبتكم من الأرض نباتا) وذلك حيث ما كان نطفة وعلقة ومضغة ونحوها. ثم يصير ~~حيوانا وذلك حيث ما يتبع بطبعه بعض ما ينفعه ويحترز من بعض ما يضره. ثم ~~يصير إنسانا مختصا بالأفعال الإنسانية وقد نبه الله تعالى على ذلك في مواضع ~~نحو قوله: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم ~~من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة) . وقوله: (أكفرت بالذي ~~خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) . فأول ما يظهر فيه قوة النزاع ~~الموجودة في النبات والحيوان، ثم قوة تناول الموافق ودفع المخالف، ثم الحس ~~ثم التخيل ثم التصور ثم التفكر ثم العقل، فهو لم يصر إنسانا إلا بالفكر ~~والعقل # PageV01P030 # الذي يميز بين الخير والشر والجميل والقبيح. وإلى العقل أشار الله تعالى ~~بقوله: (وصوركم فأحسن صوركم) . فالإنسان بعقله صار معدن العلم ومركز ~~الحكمة. ووجود العقل فيه إبتداء الأمر بالقوة كوجود النار في الحجر المحتاج ~~في أن يري ms05 إلى الاقتداح، وكوجود النخل في النوى المحتاجة في أن تثمر إلى ~~غرس وسقي. وكوجود الماء تحت الأرض المحتاجة في الاستقاء منه إلى حفره ونفس ~~الإنسان واقعة بين قوتين: قوة الشهوة وقوة العقل، فبقوة الشهوة يحرص على ~~تناول اللذات البدنية البهيمية كالغذاء والسفاد والتغالب وسائر اللذات ~~العاجلة، وبقوة العقل يحرص على تناول العلوم والأفعال الجميلة والأمور ~~المحمودة العاقبة، وإلى هاتين القوتين أشار الله تعالى بقوله: (إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا) . وبقوله: (وهديناه النجدين) . # ولما كان من جبلة الإنسان أن يتحرى ما فيه اللذة، وكانت اللذات على ~~ضربين: أحدهما محسوس كلذة المذوقات والملموسات والمشمومات والمسموعات ~~والمبصرات وهي من توابع الشهوة الحيوانية، والثاني معقول كلذة العلم وتعاطي ~~الخير وفعل الجميل. واللذات المحسوسة أغلب علينا لكونها أقدم وجودا فينا، ~~لأنها توجد في الإنسان قبل أن يولد، وهي ضرورية في الوقت ولذلك قال الله ~~تعالى: (يحبون العاجلة ويذرون الآخرة) ولذلك يكره أكثر الناس ما يأمر به ~~العقل ويميل إلى ما يأمر به الهوى حتى قيل: " العقل # PageV01P031 # صديق مقطوع والهوى عدو متبوع ". ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " ولذلك يحتاج الإنسان أن يقاد في ~~بدء أمره إلى مصالحه بضرب من القهر حتى قال صلى الله عليه وسلم: " يا عجبا ~~لقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ". فحق الإنسان أن يجاهد هواه إلى أن يقتحم ~~العقبة فيتخلص حينئذ من أذاه. # وللنفس نظران: نظر إلى فوق نحو العقل، ومنه تستمد المعارف، وتميز بين ~~المحاسن والقبائح، فتعرف كيف تتحرى المحاسن وتتجنب القبائح. ونظر إلى تحت ~~نحو الهوى، وبه تنسى الحقائق وتألف الخسيسات بل القاذورات. والنفس متى كانت ~~شريفة أدامت النظر إلى فوق كما ذكرنا، ولا تنظر إلى ما دونها إلا عند ~~الضرورة، ولا تتناول اللذات البدنية إلا بحسب ما يرسمه العقل المستمد من ~~الشرع، أو إذا كانت دنية أكثرت الميل إلى الشهوات البدنية، فيحدث ذلك لها ~~إذعانا وانقيادا لللشهوات فيستعبدها الهوى كما قال الله تعالى: (أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه وأضله الله ms06 على علم) وإنما أضله بعد أن اتخذ إلهه هواه ~~وجعله عبدا لأغراض دنيوية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد ~~الدرهم ". الخبر. ومن هذه العبودية استعاذ إبراهيم الخليل عليه السلام حيث ~~قال: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) . # PageV01P032 ### | الباب السادس # في ظهور الإنسان في شعار الموجودات وتخصيصه بقوة شيء فشيء منها ذات ~~الإنسان من حيث ما اجتمع فيه قوى الموجودات صار وعاء معاني العالم وطينة ~~صوره ومعدن آثاره ومجمع حقائقه، وكأنه مركب من جمادات ونباتات وبهائم وسباع ~~وشياطين وملائكة، ولذلك قد يظهر في شعار كل واحد من ذلك فيجري تارة مجرى ~~الجمادات في الكسل وقلة التحرك والإنبعاث، وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: ~~(ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) وقد يظهر في شعار ~~النباتات الحميدة أو الذميمة فيصير إما كالأترج الذي يطيب حمله ونوره وعوده ~~وورقه أو كالنخل والكرم فيما يؤتي من النفع، أو كالكشوث في عدم الخير، أو # PageV01P033 # كالحنظل في خبث المذاق، وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: (مثل كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب ~~الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من ~~فوق الأرض ما لها من قرار) . ويظهر تارة في شعار الحيوانات المحمودة ~~والمذمومة، فيصير أما كالنحل في كثرة منافعه وقلة مضاره وفي حسن سياسته. ~~قال الله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ~~ومما يعرشون) أو كالطير المسمى بأبي الوفا، أو كالخنزير في الشره، أو ~~كالذئب في العيث، أو كالكلب في الحرص، أو كالنمل في الجمع، أو كالفأر في ~~السرقة، أو كالثعلب في المراوغة، أو كالقرد في المحاكاة، أو كالحمار في ~~البلادة، أو كالثور في الفظاظة، وعلى هذا النحو من المشابهات دل الله ~~بقوله: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون) ويظهر تارة في شعار الشياطين ms07 ~~فيغوي ويضل ويسول بالباطل في صورة الحق كما دل الله تعالى بقوله: (شياطين ~~الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) وإنما يكون إنسانا إذا ~~وضع كل واحد من هذه الأشياء في موضعه حسب ما يقتضيه العقل المرتضي المستبصر ~~بنور الشرع. # PageV01P034 ### | الباب السابع # في ماهية الإنسان # ماهية كل شيء تحصل بصورته التي يتميز بها عن أغياره، كصورة السكين والسيف ~~والمنجل ونحوها. ولما كان الإنسان جزئين بدن محسوس وروح معقول كما نبه الله ~~تعالى عليه بقوله: (إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين) كان له بحسب كل واحد من الجزئين صورة، فصورته المحسوسة ~~البدنية انتصاب القامة وعرض الظفر وتعري البشرة عن الشعر والضحك. وصورته ~~المعقولة الروحانية العقل والفكر والروية والنطق. قالوا فالإنسان هو ~~الحيوان الناطق، ولم يعنوا بالناطق اللفظ المعبر به فقط، بل عنوا به ~~المعاني المختصة بالإنسان فعبروا عن كل ذلك بالنطق فقد يعبر عن جملة الشيء ~~بأخص ما فيه أو بأشرفه أو بأوله، كقولك سورة الرحمن وسورة يوسف وسورة ~~لإيلاف ونحو ذلك، فالإنسان يقال على ضربين عام وخاص فالعام أن يقال لكل ~~منتصب القامة مختص بقوة الفكر واستفادة العلم، والخاص أن يقال # PageV01P035 # لمن عرف الحق فاعتقده والخير فعمله بحسب وسعه، وهذا معنى يتفاضل فيه ~~الناس ويتفاوتون فيه تفاوتا بعيدا، وبحسب تحصيله يستحق الإنسانية وهي تعاطي ~~الفعل المختص بالإنسان فيقال فلان أكثر إنسانية. وكما يقال الإنسان على ~~وجهين يقال له الحيوان الناطق على وجهين عام ويراد به من في قوة نوعه ~~استفادة الحق والخير، كقولك الإنسان هو الكاتب دون الفرس والحمار، أي هو ~~الذي في قوته استفادة الكتابة. وكذا يقال له عبد الله على وجهين: عام ويراد ~~به الحيوان المتعرض لارتسام أوامر الله ارتسم أو لم يرتسم وهو المشار إليه ~~بقوله تعالى: (إن كل من في السموات والأرض الا آتي الرحمن عبدا) وخاص وهو ~~المرتسم لأوامر الله تعالى كما قال سبحانه: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) ~~وكذا يقال له حي وسميع ms08 وبصير ومتكلم وعاقل كل ذلك على وجهين: يقال عاما وهو ~~لمن له الحياة الحيوانية التي بها الحس والتخيل والنزوع والشهوة ولمن سمع ~~الأصوات ولمن يدرك الألوان، ولمن يفهم الكافة بما يريده، ولمن له القوة ~~التي يتبعها التكليف، والثاني يقال له خاصا وهو لمن له الحياة التي هي ~~العلم المقصود بقول الله تعالى: (لينذر من كان حيا) وله السمع الذي به يسمع ~~حقائق المعقولات، والبصيرة التي بها يدرك الاعتبارات، واللسان الذي به يورد ~~التحقيقات، وهي التي نفاها عن الجهلة الكفرة في قوله تعالى: (صم بكم عمي ~~فهم لا يعقلون) . # PageV01P036 ### | الباب الثامن # في كون الإنسان مستصلحا للدارين الإنسان من بين الموجودات مخلوق خلقة ~~تصلح للدارين، وذلك أن الله تعالى قد أوجد ثلاثة أنواع من الأحياء، نوعا ~~لدار الدنيا وهي الحيوانات، ونعا للدار الآخرة وهو الملأ الأعلى، ونوعا ~~للدارين وهو الإنسان، فالإنسان واسطة بين جوهرين وضيع وهو الحيوانات، ورفيع ~~وهو الملائكة، فجمع فيه قوى العالمين وجعله كالحيوانات في الشهوة البدنية ~~والغذاء والتناسل والمهارشة والمنازعة وغير ذلك من أوصاف الحيوانات. ~~وكالملائكة في العقل والعلم وعبادة الرب والصدق والوفاء، ونحو ذلك من ~~الأخلاق الشريفة ووجه الحكمة في ذلك أنه تعالى لما رشحه لعبادته وخلافته ~~وعمارة أرضه وهيأه مع ذلك لمجاورته في جنته اقتضت الحكمة أن يجمع له ~~القوتين، فإنه لو خلق كالبهيمة معرى عن العقل لما صلح لعبادة الله تعالى ~~وخلافته، كما لم يصلح لذلك البهائم ولا لمجاورته ودخول جنته. # PageV01P037 # ولو خلق كالملائكة معرى عن الحاجة البدنية لم يصلح لعمارة أرضه كما لم ~~يصلح لذلك الملائكة حيث قال تعالى في جوابهم: (إني أعلم ما لا تعلمون) ~~فاقتضت الحكمة الإلهية أن تجمع له القوتان، وفي اعتبار هذه الجملة تنبيه ~~على أن الإنسان دنيوي وآخروي، وأنه لم يخلق عبثا كما نبه الله عليه بقوله: ~~(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) . # PageV01P038 ### | الباب التاسع # في تمثيل ذات الإنسان وتصويره # قد ذكر الحكماء لذات الإنسان وقواها مثالا صورها بها، فيتمثل كل ما لا ~~يدرك إلا بالعقل بتصور الحس ms09 ليقرب من الفهم، فقالوا: ذات الإنسان لما كان ~~عالما صغيرا كما تقدم جرى مجرى بلد أحكم بناؤه، وشيد بنيانه، وحصن سوره، ~~وخطت شوارعه، وقسمت محاله وعمرت بالسكان دوره، وسلكت سبله،، اجريت أنهاره، ~~وفتحت أسواقه، واستعملت صناعه، وجعل فيه ملك مدبر، وللملك وزير وصاحب بريد ~~وأصحاب أخبار وخازن وترجمان وكاتب وفي البلد أخيار وأشرار. فصناعها هي ~~القوى السبعة التي يقال لها الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والنامية ~~والغاذية والمصورة والملك العقل ومنبعه من القلب. والوزير القوة المفكرة ~~ومسكنها وسط الدماغ. وصاحب البريد القوة المتخيلة ومسكنها مقدم الدماغ. ~~وأصحاب الأخبار الحواس الخمس ومسكنها الأعضاء # PageV01P039 # الخمسة. والخازن القوة الحافظة ومسكنها الدماغ. والترجمان القوة الناطقة ~~وآلتها اللسان. والكاتب القوة الكاتبة وآلتها اليد، وسكانها الأخيار ~~والأشرار هي القوى التي منها الأخلاق الجميلة والأخلاق القبيحة، وكما أن ~~الوالي إذا تزكى وساس الناس بسياسة الله صار ظل الله في الأرض كما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السلطان ظل الله في الأرض ويجب على الكافة ~~طاعته " كما قال الله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم) كذلك متى جعل العقل سائسا وجب على سائر قوى النفس أن تطيعه. وكما أن ~~الله تعالى جعل الناس متفاوتين كما نبه الله تعالى عليه بقوله: (ورفعنا ~~بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) . كذلك جعل قوى النفس متفاوتة ~~وجعل من حق كل واحدة أن تكون داخلة في سلطان ما فوقها ومتأمرة على ما ~~دونها. فحق القوة الشهوانية أن تكون مؤتمرة للقوة العاقلة، وحق القوة ~~العاقلة أن تكون مستضيئة بنور الشرع ومؤتمرة لمراسمه، حتى تصير هذه القوى ~~متظاهرة غير متعادية كما قال الله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل ~~إخوانا على سرر متقابلين) . وكما لا ينفك أشرار العالم من أن يطلبوا في ~~العالم الفساد ويعادوا الأخيار كما قال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شياطين الأنس والجن) . كذلك في نفس الإنسان قوى رديئة من الهوى والشهوة ~~والحسد تطلب الفساد وتعادي العقل والفكر. وكما نبه أنه يجب للوالي أن ms10 يتبع ~~الحق ولا # PageV01P040 # يصغي إلى الأشرار ولا يعتمدهم كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا بطانة من دونكم..) . وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء) . وقال: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك) . كذلك يجب للعقل والفكر أن لا يعتمد القوى ~~الذميمة. # وكما أنه يجب للوالي أن يجاهد اعداء المسلمين كما قال تعالى: (واعدوا لهم ~~ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) . وكذلك يجب ~~للعقل أن يعادي الهوى فإن الهوى من اعداء الله بدلالة قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " ما في الأرض معبود ابغض الى الله من الهوى " ثم تلا (أفرأيت ~~من أتخذ آلهة هواه) وكما أن من استحوذ عليه الشيطان انساه ذكر الله، وكذلك ~~العقل إذا استحوذ عليه الهوى. كما أنه يجب للوالي أن يسالم اعاديه إذا لم ~~يقو عليهم كما قال الله تعالى: (وان جنحوا للسلم فاجنح لها) وان لا يركن ~~اليهم وان سالمهم كما قال الله تعالى: (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم ~~النار) كذلك يجب للعقل ان يسالم الاشرار من قوى النفس اذا عجز عنها وان لا ~~يركن اليها. # وكما ان الوالي اذا احس بقوة احتاج الى ان يعدل الى نقض العهد واظهار ~~المعاداة كما قال الله تعالى: (فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) . كذلك حق العقل اذا ~~قوي على قوى النفس ان لا يداهنها. وكما ان شياطين الانس والجن يضعف كيدهم ~~على من # PageV01P041 # تحصن بالايمان واستعاذ بالله وتقوى على من والاه كما قال تعالى: (إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) كذلك يضعف كيد الهوى عن ~~العقل إذا تقوى بالله واستعاذ به. فحق العقل أن يستعيذ من الهوى والشره ~~والحرص والأمل وأن يطهر ذاته منها ومن سائر القوى الرديئة، استعاذة إبراهيم ~~صلوات الله عليه حيث قال: (رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام) . فالقوى الرديئة ms11 والإرادات الرديئة في ذات الإنسان جارية مجرى ~~أصنام قل ما ينفك الإنسان من عبادتها كما قال الله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون) وذكروا مثلا آخر فقالوا: " كل إنسان مع بدنه كوال في ~~بلد قيل له طهر بلدك من النجاسات وادب من يقبل التأديب من أهله ورض من يقبل ~~الرياضة من حيوانه وسباعه. ومن عاث فيه ولا يقبل التأديب والرياضة فاحبسه ~~أو اقتله ولكن بالحق " كما قال الله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق) . فإن عجزت عن تطهير عرصته من الأنجاس، وعن تأديب طغاته ~~ورياضة حيواناته وسباعه، فلا تعجز عن صيانة نفسك عن التلطخ بنجاساته، وعن ~~الاحتراس من أن تفترسك سباعه، وأن يسبيك طغاته حتى إذا لم تكن غالبا لم تكن ~~مغلوبا. فصار الناس في ذلك بين ثلاثة أصناف: صنف لم يفعل ما أمر، ولم يؤد ~~حق الإيالة، وتهاون فيما فوض إليه، فجرح وأسر فصار عند نفسه مع كونه مجروحا ~~مأسورا ملوما مخذولا. وصنف فعل ما أمر فأدى حق # PageV01P042 # الإيالة، فصار عند ربه مأجورا مشكورا. وصنف جد تارة وقصر تارة، فجرح ~~وجرح، وغلب وغلب. فهو كما قال تعالى: (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ~~أن يتوب عليهم) وقال بعضهم::الإنسان إذا اعتبر مع قوة التخيل وقوة الغضب ~~وقوة الشهوة فمثله مثل من بلي في سفره بصحبة ثلاثة اضطر إليهم حتى لا يمكنه ~~أن ينفصل منهم ويقضي سفره من دونهم " كما قال الشاعر: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد # فيا نكد الدنيا متى أنت نازح ... عن الحر حتى لا يقاربه ضد # فواحد أمامههو له رقيب يحفظه، وعين تكلأه، لكنه ملق باهت مموه يلفق ~~الباطل تلفيقا، ويختلق الزور اختلاقا، فيخلط الكذب بالصدق والخطأ بالصواب. ~~والثاني عن يمينه بطش زعر، يحميه عن أعاديه، لكنه كثيرا ما يغويه، فيهيج ~~هائجه فلا يقمعه النصح ولا يطأطئه الرفق، كأنه نار في حطب أو سيل في صبب أو ~~قرم مغتلم، أو سبع ثاكل، فيحتاج أن ms12 يسكنه دائما فيحتمي به ومنه فهو معه كما ~~قيل: " راكب الأسد يهابه الناس وهو في نفسه أهيب " والثالث عن يساره وهو ~~الذي يأتيه بالمطعم والمشرب ولكنه # PageV01P043 # أرعن ملق قذر شبق كإنه خنزير أجيع فأرسل في جلة يأتيه أحيانا بأطعمة ~~خبيثة فيكرهه على تناولها، فهو يحتاج أن يصابرهم حتى يقطع سفره، فيبلغ أرضا ~~مقدسة يشرق فيها النور ويشرب فيها الذئب والنعجة من حوض واحد فيأمن فيها ~~بوائقهم، ومن حيلته التي ترجى أن يسلم منهم بها أن يسلط هذا البطش الزعر ~~على هذا الأرعن الملق حتى يزبره زبرا وأن يطفي غلو هذا الزعر التائه بخلابة ~~هذا الأرعن الملق، وأن لا يجنح إلى الباهت المتخرص حتى يؤتيه موثقا من الله ~~غليظا ثم يصدقه فيما ينهيه إليه، فجعل الملق الباهت كناية عن الوهم، والبطش ~~الزعر عن الغضب، والأرعن الملق عن الشهوة، وجعل الأرض المقدسة عبارة عن دار ~~السلم، وذكر أن حيلته في أن يسلم منهم أن يدفع بعض هذه القوى ببعض دفع الشر ~~بالشر. # PageV01P044 ### | الباب العاشر # في كون الإنسان هو المقصود من العالم وإيجاد ما عداه لأجله # المقصود من العالم وإيجاده شيئا بعد شيء هو أن يوجد الإنسان، فالغرض من ~~الأركان أن يحصل منها النبات، ومن النبات أن تحصل الحيوانات، ومن الحيوانات ~~أن تحصل الأجسام البشرية ومن الأجسام البشرية، أن يحصل منها الأرواح ~~الناطقة، ومن الأرواح الناطقة أن يحصل منها خلافة الله تعالى في أرضه ~~فيتوصل بلإيفاء حقها إلى النعيم الأبدي كما دل الله تعالى عليه بقوله: (إني ~~جاعل في الأرض خليفة) . وجعل تعالى الإنسان سلالة العالم وزبدته وهو ~~المخصوص بالكرامة كما قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) . وجعل ما ~~سواه كالمعونة له كما قال تعالى في معرض الامتنان: (هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا) . فليس فضله بقوة الجسم، فالفيل والبعير أقوى جسما منه، ولا ~~بطول العمر فالنسر والحية أطول منه عمرا، ولا بشدة البطش فالأسد والنمر أشد ~~منه ms13 # PageV01P045 # بطشا، ولا بحسن اللباس والدراج أحسن منه لباسا، ولا بالقوة على النكاح ~~فالحمار والعصفور أقوى منه نكاحا، ولا بكثرة الذهب والفضة فالمعادن والجبال ~~أكثر منه ذهبا وفضة. وما أحسن قول الشاعر: # لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان # ولما تفاضلت النفوس ودبرت ... أيدي الكماة عوالي المران # ولا بعنصره الموجود منه كما زعم ابليس حيث قال: (خلقتني من نار وخلقته من ~~طين) . بل ذلك بما خصه الله تعالى به، وهو المعنى الذي ضمنه فيه، والأمر ~~الذي رشحه له، وقد أشار إليه تعالى بقوله: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين) وبقوله: (خلقت بيدي) . والملائكة لما نبههم الله تعالى ~~لفضل آدم تنبهوا فأذعنوا وسجدوا له كما أمروا. وإبليس لما نظر إلى ظاهر آدم ~~وبدئه وتعامى عما ذكر الله تعالى، ولم يتأمل المعنى الذي ضمنه الله تعالى ~~آدم، والعاقبة التي جعلها له أبى واستكبر. وقد اقتدى به الكفار في رد ~~الأنبياء حيث قالوا: (ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) . وقالوا: ~~(ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) . وقد نبه الله تعالى على ~~أن الاعتبار بفضلهم ليس بظاهر # PageV01P046 # أبدانهم وإنما ذلك لمعاني في نفوسهم يعمى عنها الكفار فقال عز من قائل: ~~(وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) . أي لا يعرفون ما فضلتهم به. فمن وفق ~~لفضل ما أعطي ولما رشح له وأعد ثم سعى في مثاله، فقد أوتي خيرا كثيرا وما ~~يذكر الا أولو الألباب. # PageV01P047 ### | الباب الحادي عشر # في الغرض الذي لأجله أوجد الإنسان ومنازلهم الغرض منه أن يعبد الله ~~ويخلفه وينصره ويعمر أرضه كما نبه الله تعالى بآيات في مواضع مختلفة حسب ما ~~اقتضت الحكمة ذكره وذلك قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ~~وقوله: (إني جاعل في الأرض خليفة) وقوله: (ليستخلفنهم في الأرض) وقوله: ~~(ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) وقوله: (يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~أنصار الله) وقوله: واستعمركم فيها. وكل ذلك إشارة إلى توليتهم أمورا لم ~~يستصلح لها الإنسان، كما ms14 نبه الله تعالى عليه بقوله للملائكة: (إني أعلم ما ~~لا تعلمون) . وذلك أن الله تعالى ما كان موجدا لما هو موجده وفاعلا لما هو ~~فاعله إلا على أربعة أوجه: الأول أفعال تولاها بذاته، وهي الإبداع ومعنى ~~الإبداع هو إيجاد الشيء من العدم وإليه الإشارة بقوله تعالى: (بديع السموات ~~والأرض) . # PageV01P048 # والثاني أفعال استعبد فيها ملائكته وسماه قوم التكوينات، وذلك إخراج ~~الشيء من النقص إلأى الكمال إخراجا غير محسوس فاعله، وبذلك وصفهم الله ~~تعالى بقوله: (فالمدبرات أمرا) وهم ثلاثة أضرب: ضرب إليهم القيام بالأجرام ~~السماوية، وقد قيل هم إسرافيل وميكائيل ورضوان والمحتفون بالعرش الموصوفون ~~بقوله تعالى: (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي ~~بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) وقوله تعالى: (الذين يحملون العرش ~~ومن حوله.. الآية) . وضرب إليهم تدبير الأركان الهوائية كالملائكة الباعثة ~~للرياح والمزجية للسحاب الموصوفين بقوله تعالى: (والمرسلات عرفا) وقوله عز ~~وجل: (والنازعات غرقا) وضرب إليهم تدبير الأرض كالموصوفين بقوله تعالى: (له ~~معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) . وكمن وصفه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صفة الجنين أنه يبعث ملكا فينفخ فيه الروح وكالحفيظ ~~والرقيب والعتيد وكمن وصفهم الله بقوله: (ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ~~آلاف من الملائكة منزلين) . # والثالث أفعال سخر الله تعالى لها الأركان وموجودات العالم كالإحراق ~~والإذابة للنار والترطيب للماء، وفي الجملة ما قد سخر تعالى له شيئا فشيئا ~~من لجمادات والناميات وغير ذلك، ونبه عليه بقوله تعالى: (وسخر لكم الشمس ~~والقمر) . وغير ذلك من الآيات المذكورة. # والرابع الصناعات والمهن المحسوسة التي استعبد الإنسان فيها # PageV01P049 # واستخلفه، وهي الأشياء التي يحتاج صناعة أكثرها إلى ستة أشياء، إلى عنصر ~~تعمل منه، وإلى مكان وإلى زمان وإلى حركة وإلى أعضاء وإلى آلة، وهذا الضرب ~~خص الإنسان به ولم يستصلح له الملائكة، وجعل لكم من الملك مقاما معلوما كما ~~نبه عليه تعالى بقوله: (وما منا إلا له مقام معلوم) . وكذلك جعل لكل نوع من ~~الناس مقاما معلوما كما نبه عليه ms15 بقوله: (قل كل يعمل على شاكلته) وقوله: ~~(انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض) . وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " كل ~~ميسر لما خلق له ". ولكن عامة الملائكة لم يعصوا الله فيما أمرهم كما وصفهم ~~تعالى بقوله: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) والناس فيما ~~أمروا به وكلفوه بين مطيع وعاص فهم على القول المجمل ثلاثة أضرب: ضرب اخلوا ~~بأمره، وانسلخوا عما خلقوا لأجله، واتبعوا خطوات الشيطان وعبدوا الطاغوت. ~~وضرب وقفوا بغاية جهدهم حيث ما وقفوا كالموصوفين بقوله تعالى: (وعباد ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) وضرب ترددوا بين الطريقين كما قال الله ~~تعالى: (خلطوا عملا صالحا وأ آخر سيئا) فمن رجح حسناته على سيئاته فموعود ~~بالإحسان إليه. وعلى الأنواع الثلاثة دل الله تعالى بقوله: (وكنتم أزواجا ~~ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة ~~والسابقون السابقون أولئك المقربون) وعلى هذا أقسم الله تعالى في آخر ~~السورة فقال: (فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان ~~من # PageV01P050 # أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين ~~فنزل من حميم وتصلية جحيم) . وكثير من الناس يعصون الله، ولا يأتمرون له. ~~فقيضهم الله تعالى بغير إرادة منهم للسعي في نصرته من حيث لا يشعرون كفرعون ~~في أخذ موسى وتربيته. وكجمعه السحرة ليكون سببا في إيمانهم. وأخوة يوسف في ~~فعلهم ما أفضى به إلى ملك مصر وتمكنه مما تمكن منه، ويكون مثلهم في ذلك كما ~~قيل: # قصدت مساتي فاجتلبت مسرتي ... وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدري # وقال آخر: # فعل الجميل ولم يكن من قصده ... فقبلته وقرنته بذنوبه # ولرب فعل جاءني من فاعل ... فحمدته وذممت من يأتي به # فيكون فعله محمودا وفاعله مذموما كما قيل: # رب امر أتاك لا تحمد ال ... فعال وتحمد الأفعالا # وقد أوجد الله تعالى كل ما ما في العالم للإنسان كما نبه عليه بقوله ~~تعالى: (جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به ms16 من ~~الثمرات رزقا لكم) . وقال تعالى: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض ... ~~الآية) . وقال عز وجل: (وسخر لكم ما في الأرض) . وقوله تعالى: (هو الذي ~~أنزل من السماء ماء لكم منه # PageV01P051 # شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ~~ومن كل الثمرات إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وسخر لكم الليل والنهار.. ~~الآية) . وأباح جميعها لهم كما نبه الله تعالى عليه بقوله: (قل من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) . فللإنسان أن ينتفع بكل ما في ~~العالم على وجهه، أما في غذائه أو في دوائه أو في ملابسه ومشموماته ~~ومركوباته، وزينته والالتذاذ بصورته، أو رؤيته والاعتبار به، وبإستفادة علم ~~منه والافتداء بفعله فيما يستحسن منه، والاجتناب عنه فيما يستقبح منه، فقد ~~نبه الله تعالى على منافع جميع الموجودات، واطلع الخلائق عليها أما بألسنة ~~الأنبياء عليهم السلام، أو بإلهام الأولياء رضي الله عنهم، وكما أن حق ~~الإنسان أن يعرف منافع الحيوانات في ذواتها فينتفع بها في المطاعم والملابس ~~والأدوية، فحقه أن يعرف أخلاقها وأفعالها فينتفع بها في اجتناء ما يستحسن ~~واجتناب ما يستقبح منها. فقد أحسن من قال: " تعلمت من كل شيء أحسن ما فيه ~~حتى من الكلب حمايته على أهله. ومن الغراب بكورة في حاجته " وقد أشار الله ~~تعالى إلى ذلك في وصف النحل فقال: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات.. الآية) فنبه على أن ~~الإنسان حقه أن يقتدي بالنحل في مراعاته لوحي الله عز وجل، فكما أنها لا ~~تتخطى وحي الله في تحري المصالح طبعا، كذلك يجب على الإنسان أن لا يتخطى ~~وحي الله اختيارا. # PageV01P052 ### | الباب الثاني عشر # في تفاوت الناس واختلافهم الأشياء كلها متساوية غير متفاوتة من حيث أنها ~~مصنوعة بالحكمة، وعلى ذلك نبه الله تعالى بقوله: (ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت) . ومختلفة من حيث أن كل نوع يختص بفائدة، وكل نوع وأن اختلف فما ms17 من ~~شيء أكثر اختلافا من الناس، كما قال الله تعالى: (وقد خلقكم أطوارا) وقال ~~تعالى: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) وقال سبحانه وتعالى: (أنظر كيف فضلنا ~~بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) وقال سبحانه: (ولو شاء ~~الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما أتاكم) وقال تعالى: (وهو الذي ~~جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم) وقال ~~سبحانه: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ~~ربك) وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من ~~أعناب وزرع (إلى قوله) إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) . والحكمة المقتضية ~~لذلك هو أن الإنسان # PageV01P053 # لما كان غير مكفي بتفرده بقاؤه أدنى مدة، فإن أول ما يحتاج الإنسان إليه ~~ما يواريه وما يغذوه، وليس يجد ما يواريه مصنوعا، ولا ما يغذوه مطبوخا، كما ~~يكون لكثير من الحيوانات بل هو مضطر إلى اصلاحهما، واصلاح ذلك يحوجه إلى ~~آلات غير مفروغ منها، والإنسان الواحد لا توصل له إلى إعداد جميع ما يحتاج ~~إليه ليعيش العيشة الحميدة، فلم يكن بد الناس من تشارك وتعاون، فجعل لكل ~~قوم صنعة وهيئة مفارقة للصنعة الأخرى ليقتسموا الصناعات بينهم، فيتولى كل ~~منهم صنفا من الصناعات فيتعاطاه باهتزاز، كما قال الله تعالى: (فتقطعوا ~~أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون) . فاقتضت الحكمة أن تختلف جثثهم ~~وقواهم وهممهم، فيكون كل ميسر لما خلق له. وقال تعالى: (قل كل يعمل على ~~شاكلته) . فتكون معايشهم مقتسمة بينهم، كما نبه الله عليه بالآيات ~~المتقدمة. وقال تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم ربك) . والاختلاف الحاصل بين. فالناس إذا اعتبر اختلاف ~~أغراضهم وهممهم فهم في صناعاتهم في حكم المسخرين وإن كانوا في الظاهر ~~مختارين. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يتعلق من المصلحة ~~بتباينهم واختلاف طبقاتهم فقال: " لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا ~~تساووا وهلكوا ". # PageV01P054 ### | الباب الثالث عشر # في سبب تفاوت ms18 الناس أسباب ذلك سبعة أشياء: الأول اختلاف الأمزجة وتفاوت ~~الطينة واختلاف الخلقة، كما أشير فيما روي أن الله تعالى لما أراد خلق آدم ~~عليه السلام أمر أن يؤخذ من كل أرض قبضة، فجاء بنو آدم على قدر طينتها ~~الأحمر والأبيض والأسود والسهل والحزن والطيب والخبيث، وإلى نحو هذا أشار ~~الله تعالى بقوله: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج ~~إلا نكدا) . وقال تعالى: (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) والثاني ~~اختلاف أحوال الوالدين في الصلاح والفساد، وذلك أن الإنسان قد يرث من أبويه ~~آثار ما هما عليه من جميل السيرة والخلق وقبيحهما، كما يرث مشابهتهما في ~~خلقهما، ولهذا قال الله تعالى: (وكان أبوهما صالحا) . وعلى نحوه روي أنه ~~قال التوراة " إني إذا رضيت باركت وإن بركتي لتبلغ البطن السابع وإذ # PageV01P055 # سخطت لعنت وإن لعنتي لتبلغ البطن السابع " تنبيها على أن الخير والشر ~~الذي يكسبه الإنسان ويتخلق به يبقى أثره موروثا إلى البطن السابع. والثالث ~~اختلاف ما تتكون منه النطفة التي يكون منها الولد، ودم الطمث الذي يتربى به ~~الولد، فذلك له تأثير بحسب طيب ما تكونا منه وخبثه، ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم: " تخيروا لنطفكم " وقال: " الناكح غارس فلينظر أحدكم أين يضع ~~غرسه " وقال: " إياكم وخضراء الدمن، قيل وما خضراء الدمن قال: " المرأة ~~الحسناء في المنبت السوء " والرابع اختلاف ما يتفقد به من الرضاع ومن طيب ~~المطعم الذي يتربى به، ولتأثير الرضاع يقول العرب لمن تصفه بالفضل: " لله ~~دره " والخامس اختلاف أحوالهم في تأديبهم وتلقينهم وتطبيعهم وتعويدهم ~~العادات الحسنة والقبيحة، فحق الولد على الوالدين أن يؤخذ بالآداب الشرعية ~~وأخطار الحق بباله وتعويده فعل الخير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم لعشر " ويجب أن يصان عن مجالسة الأردياء، فإنه ~~في حال صباه كالشمع يتشكل بكل شكل يشكل به، وأن يحسن في عينه المدح ~~والكرامة ويقبح عنده الذم والمهانة، ويبغض إليه الحرص على المآكل والمشارب، ~~ويعود الاقتصاد في تناولها ومخالفة الشهوة ومجانبة ms19 ذوي السخف، ويؤخذ بقلة ~~النوم في النهار، فهو يشيب ويورث الكسل ويعود التأني في أفعاله وأقواله، ~~ويمنع من مفاخرة الأقران ومن الضرب والشتم والعبث والاستكثار من الذهب ~~والفضة، ويعود صلة الرحم وحسن تأدية فروض الشرع. قال بعض الحكماء: " من ~~سعادة # PageV01P056 # الإنسان أن يتفق له في صباه من يعوده تعاطي الشريعة حتى إذا بلغ الحلم ~~وعرف وجوبها فوجدها مطابقة لما تعوده قويت بصيرته ونفذت في تعاطيها عزيمته ~~" والسادس اختلاف من يتخصص به ويخالطه، فيأخذ طريقته فيما يتمذهب به (عن ~~المرء لا تسأل وابصر قرينه) والسابع اختلاف اجتهاده في تزكية نفسه بالعلم ~~والعمل حين استقلاله بنفسه. والفاضل التام الفضيلة من اجتمعت له هذه ~~الأسباب المسعدة. وهو أن يكون طيب الطينة معتدل الأمزجة جاريا في أصلاب ~~آباء صالحين ذوي أمانة واستقامة، متكونا من نطفة طيبة ومن دم طمث طيب على ~~مقتضى الشرع، ومرتضعا بدر طيب ومأخوذا في صغره من قبل مربيه بالآداب ~~الصالحة وبالصيانة عن مصاحبة الأشرار، ومتخصصا بعد بلوغه بمذهب حق ومجهدا ~~نفسه في تعرف الحق مسارعا إلى الخير. فمن وفق في هذه الأشياء تنجع فيه ~~الخيرات من جميع الجهات كما قال الله تعالى: (لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم) . ويكون جديرا أن يعد ممن وصفه الله تعالى بقوله: (وأنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار) . والرذل التام الرذيلة هو من يكون بعكس هذا في الأمور ~~التي ذكرناها. # واعلم أن من طابت أحواله انتفع بكل ما سمعه وشاهده أن خيرا وأن شرا، ومن ~~خبثت أحواله استضر بكل ما سمعه وشاهده. وعلى ذلك دل الله تعالى بقوله: ~~(والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) . فالخبيث ~~من الأرض وإن طاب بذره وعذب ماؤه لا ينبت إلا خبيثا، والطيب من الأرض وإن # PageV01P057 # كدر بذره وملح ماؤه لا ينبت إلا طيبا، ولذلك قال يسبحانه وتعالى في ~~كتابه: (تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل) وقال في صفة كتابه: ~~(قل هو للذين آمنوا هدى وشفاؤ والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر عليهم ms20 عمى) . # PageV01P058 ### | الباب الرابع عشر # في بيان الشجرة النبوية وفضلها على جوهر سائر البرية اقتضت الحكمة ان ~~تكون الشجرة النبوية صنفا مفردا ونوعا واحدا واقعا بين الإنسان والملك، ~~ومشاركا لكل واحد منهما على وجه، فإنهم كالملائكة في اطلاعهم على ملكوت ~~السموات والأرض، وكالبشر في احوال المطعم والمشرب. ومثله في كونه واقعا بين ~~نوعين مثل المرجان فإنه حجر يشبه الأشجار بتشذب اغصانه، وكالنخل فإنه شجر ~~شبيه بالحيوان في كونه محتاجا الى التلقيح وبطلانه اذا قطع رأسه. وجعل الله ~~النبوة في ولد ابراهيم ومن قبله نوح كما نبه عليه بقوله: (ولقد ارسلنا نوحا ~~وابراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) وقال تعالى: (ذرية بعضها من ~~بعض) . فهم عليهم السلام وان كانوا من حيث الصورة كالبشر، فهم من حيث ~~الأرواح كالملك قد أيدوا بقوة روحانية وخصوا بها كما قال الله تعالى في ~~عيسى عليه السلام: (وايدناه بروح القدس) وقال في محمد صلى الله عليه وسلم: ~~(نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) . # PageV01P059 # وتخصيصهم بهذا الروح ليمكنهم ان يقبلوا من الملائكة لما بينهم من ~~المناسبة البشرية لذلك قال سبحانه: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون) تنبيها على ان ليس في قوة عامة البشر الذين لم يخصوا بذلك ~~الروح ان يقبلوا الا من البشر. ولما عمي الكفار عن ادراك هذه المنزلة وعما ~~للأنبياء من الفضيلة انكروا نبوة الأنبياء كما قال الله تعالى: (قالوا ان ~~انتم الا بشر مثلنا تريدون ان تصدونا عما كان يعبد آباءنا فأتونا بسلطان ~~مبين) . فالأنبياء صلوات الله عليهم بالإضافة إلى سائر الناس كالإنسان ~~بالإضافة إلى الحيوانات، وكالقلب بالإضافة إلى سائر الناس كالإنسان ~~بالإضافة إلى الحيوانات، وكالقلب بالإضافة إلى سائر الجوارح، وأيضا فمنزلة ~~الأنبياء من أممهم بمنزلة الشمس من القمر، ومنزلة علمهم من علوم أممهم ~~بمنزلة ضوء الشمس من نور القمر كما قال الله تعالى: (هو الذي جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا) . فكما أن نور القمر مقتبس من ضوء الشمس وهو قاصر عنها، ~~كذلك منزلة الأمم ms21 من أنبيائهم ومنزلة علمهم من علومهم. وكما لا يحصل النور ~~للقمر إلا بوساطة الشمس، كذلك لا تحصل علوم الناس وتزكية نفوسهم إلا بوساطة ~~الشمس، كذلك لا تحصل علوم الناس وتزكية نفوسهم إلا بوساطة الأنبياء، وعلى ~~هذا دل الله تعالى بقوله: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) . فالله تبارك ~~وتعالى يزكي الأنبياء بوساطة الملك، ويزكي من يشاء من الناس بوساطة ~~الأنبياء، كالطابع الذي جعل له كتابة ثم بوساطته يثبت في الشموع المختلفة ~~شكل تلك الكتابة. # PageV01P060 ### | الباب الخامس عشر # في هداية الأشياء إلى مصالحها # كل ما أوجده الله سبحانه فإنه هداه لما فيه مصلحته، كما نبه عليه بقوله ~~تعالى: (أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) . لكن هدايته للجمادات بالتسخير فقط ~~كالأشياء الأرضية التي إذا تركت تنحو نحو السفل وكالنار التي تنحو إلى ~~العلو. وهدايته للحيوانات إلى أفعال تتعاطاها بالتسخير والإلهام كالنحل ~~فيما يتعاطى من السياسة واتخاذ البيوت المسدسة ومن عمل العسل. وكالسرفة ~~فيما تبنيه من الأبنية. وكالعنكبوت في نسجه. وهدايته للملائكة بالتسخير ~~والإلهام وببداهة العقل وما جعل لها من العلوم الضرورية، فأما الإنسان ~~فهدايته له تعالى بكل ذلك وبالفكر، وذلك أنه بالتسخير بنفسه وكثير من ~~حركاته، وبإلهام هدايته طفلا للارتضاع بالثدي وطلب # PageV01P061 # الغذاء والتشكي من الآلام بالبكاء، وببديهية العقل يعرف مبادي العلوم، ~~وبالفكر يتوصل إلى استنباط المجهول بالمعلوم، فهو إن خلق عاريا من المعارف ~~التي جعلها الله تعالى للحيوانات بالإلهام، ومن الملابس والأسلحة التي ~~جعلها لها بالتسخير، فقد جعل للإنسان قوة التعلم بالعقل والفكر وتحصيل ~~الملابس والأسلحة والآلات المختلفة، ووكله إلى نفسه من الإستفادة، ومكنه من ~~ذلك، وذلك فضيلة لا نقيصة ورفعة لا ضعة فإنه بإعطائه العلم والعقل واليد ~~العاملة قد أعطاه كل شيء، ولو أعطي كل شيء حسب ما أعطي البهائم شيئا فشيئا ~~لكان قد منع كل شيء لأن بعضه كان يمنعه عن استعمال البعض. وإلى تمكن ~~الإنسان من تحصيل ما يريده أشار الله تعالى بقوله: (والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم ms22 لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) ~~وقد ظن قوم أن الله تعالى خلق الناس من بين الحيوان خلقا منقوصا إذ لم ~~يعطوا سلاحا يدفعون به عن أنفسهم كما أعطى كثيرا من الحيوان أسلحة كالأنياب ~~والمخالب، إذ لم يكفهم لباسهم كما كفى الحيوان بل قد أحوجهم إلأى تطهير ~~البدن وقد أغناها عنه، قالوا ولذلك قال الله تعالى: (وخلق الإنسان ضعيفا) . ~~وليس كذلك والصحيح عند المخلصين أن الإنسان وإن كان ضعيفا بالإضافة إلى ~~الباري تعالى وإلى الملإ الأعلى فليس يقصر عن الحيوان جميعه من جهة ما ~~ظنوه، فإن الله تعالى بحكمته البارعة أعطى كل واحد من الحيوان سلاحا بقدر ~~ما علم من مصلحته، فبعض جعل له آلة الهرب كالعدو، وبعض جعل له رمحا # PageV01P062 # يدفع به كالقرون للبقر والغنم، وبعض دبوسا كالحافر للفرس والحمار، وبعض ~~نشابا كالشوك للقنفذ، وجعل لكل لباسا بحسب كفايته، وألهم كلا منها صنعة ~~يتعاطاها بطبعه، وجعل للإنسان بدل ذلك الفكر والتمييز الذي يمكنه أن يتخذ ~~به كل آلة وكل ملبس على قدر حاجته إليه، ويتناوله متى شاء، ويضعه متى أحب، ~~ويستبدل به كيفما أراد، والحيوانات ليس لها أن تضع أسلحتها متى ما استغنت ~~عنها ولا أن تستبدل بها فهذا دليل على تمام الإنسان ونقصان الحيوانات، ~~والإنسان بالفكر والروية يقهر الحيوانات التي هي أقوى منه لأنه يهيء بفكرته ~~لكل منها آلة يصطادها بها. فإذا العقل الذي أعطاه ليحصل به كل ما يحتاج ~~إليه أعلى وأشرف، فإنه مرآة إذا جلاها اطلع بها على ملكوت السموات والأرض. # PageV01P063 ### | الباب السادس عشر # في سعادة الإنسان ونزوعه إليها قال بعض الحكماء: جعل الله لكل شيء كمالا ~~ينساق إليه طبعا، وقد هداه إلى التخصيص به تسخيرا، كما نبه الله عليه بقوله ~~تعالى: (أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) . وللإنسان سعادات أتيحت له وهي النعم ~~المذكورة في قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) وجميع النعم ~~والسعادات على القول المجمل ضربان ضرب دائم لا يبيد ولا يحول وهو النعم ~~الأخروية. وضرب يبيد ms23 ويحول وهو النعم الدنيوية. والنعم الدنيوية متى لم ~~توصلنا إلى تلك السعادات فهي كسراب بقيعة وغرور وفتنة وعذاب كما وصفه الله ~~تعالى في كتابه: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء.. الآية) ~~. وما أصدق ما قال الشاعر: # إنما الدنيا كرؤيا أفرحت ... من رآها ساعة ثم انقضت # PageV01P064 ### | ### | ### | فصل # # ما أحد إلا وهو فازع إلى السعادة يطلبها بجهد ولكن كثيرا ما يخطيء فيظن ~~ما ليس بسعادة في ذاته أنه سعادة فيغتر بها فيكون كالموصوف بقول الله ~~تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه ~~لم يجده شيئا) . وبقوله تعالى: (أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ~~لا يقدرون مما كسبوا على شيء) وقال الشاعر: # كل يحاول حيلة يرجو بها ... دفع المضرة واجتلاب المنفعة # والمرء يغلط في تصرف حاله ... فلربما اختار العناء على الدعة # فصل # النعم الدنيوية إنما تكون نعمة وسعادة متى تنو ولت على ما يجب وكما يجب، ~~ويجري بها على الوجه الذي لأجله خلق، وذلك أن الله جعل الدنيا عارية ~~ليتناول منها قدر ما يتوصل به إلأى النعم الدائمة والسعادة الحقيقية. وشرع ~~لنا، في كل منها حكما بين فيه كيف يجب أن يتناول ويتصرف فيها لكن صار الناس ~~في تناولها فريقين: فريق يتناوله على الوجه الذي جعله الله لهم فانتفعوا ~~به، فصار ذلك لهم نعمة وسعادة وهم الموصوفون بقوله تعالى: (الذين إن مكناهم ~~في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله ~~عاقبة الأمور) وقوله عز وجل: (للذين أحسنوا في هذه # PageV01P065 # الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) وقوله تعالى: (والذين ~~هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوأنهم في الدنيا حسنة) . فهؤلاء حيوا ~~بها حياة طيبة كما قال تعالى: (فلنحيينه حياة طيبة) وفريق يتناولوها لا على ~~الوجه الذي جعلها الله لهم، فركنوا إليها فصار ذلك لهم نقمة وشقاوة، ~~فتعذبوا بها عاجلا وآجلا وهم الموصوفون بقوله تعالى: (إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) . # فصل ms24 # والسعادات الأخروية ليس لنا تصور كنهها ما دمنا في دار الدنيا ولذلك قال ~~تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) . وكما قال النبي عليه ~~الصلاة والسلام عن ربه تعالى " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " والسبب في قصورنا عن تصورها شيئان: أحدهما ~~أن الإنسان لا يمكن أن يعرف حقيقة الشيء وتصوره حتى يدركه بنفسه، وإذا لم ~~يدركه ووصف له يجري مجرى صبي توصف له لذة الجماع فلا يمكن أن يتصور حقيقته ~~حتى يبلغ فيباشره بنفسه. وكالأكمه توصف له المرآة. وحالنا في اللذة ~~الأخروية هكذا فإننا لا نتصورها على الحقيقة إلا إذا طالعناها فإذا ~~طالعناها شغلنا الفرح والتلذذ بها عن كل ما دونها كما قال تعالى: (أصحاب ~~الجنة اليوم في شغل فاكهون) . والثاني أن لكل قوة من قوى النفس وجزءا من ~~أجزاء البدن لذة تختص بها لا يشاركها فيها غيرها، فلذة العين في النظر إلى ~~ما تستحسنه، ولذة السمع في الإستماع # PageV01P066 # إلأى ما يستطيبه، ولذة اللمس في لمس ما يستلذه، ولذة لوهم في تصور ما ~~يؤمله، ولذة الخيال في تخيل ما يستحسن تصوره، ولذة الفكر في أمر مجهول عنده ~~يتعرفه، وكل واحد من هذه القوى والأجزاء إذا عرض لها آفة تعوقها عن شهوتها ~~وعن إدراك لذتهايكون كالمريض الذي لا يشتهي الماء وكان به ظمأ وإذا تناوله ~~لم يجد له لذة كما قال الشاعر: # ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا # وإذا كان كذلك فاللذات الأخروية هي لذات لا تدرك إلا بالعقل المحض وعقول ~~أكثر من في هذه الدار مولهة معوقة عن إدراك حقائق اللذات الأخروية فلا تشعر ~~بها كالخدر لآفة عرضت له فلا يحس بالسبب المؤلم. وكالمريض الذي لا يحس ~~بالجوع وإن كان جوعه يؤذيه، ولا يشتهي الطعام إن كان فقد الطعام يضنيه، بل ~~إنما يحس بالجوع إذا زال السبب المؤلم. وأيضا فعقول أكثرنا ناقصة وجارية ~~مجرى عقول الصبيان ما داموا صغارا لا يحسون باللذات ms25 والآلام التي تعرض ~~للرجال فيتعللون بالأباطيل والأضاليل، كذلك من كان في عقله صبيا لم يطلع ~~على الحقائق وبالاعتبار بهم قال الله تعالى: (وما هذه الحياة الدنيا الا ~~لهو ولعب) وقال تعالى: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) ~~ولما أراد الله تعالى أن يقرب معرفة # PageV01P067 # تلك اللذات من أفهام الكافة شبهها ومثلها لهم بأنواع ما تدركها حواسهم ~~فقال تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار ~~من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى) . ~~ليبين للكافة طيبها بما عرفوه من طيب المطاعم وقال: (مثل الجنة التي وعد ~~المتقون) . ولم يقل الجنة لينبه الخاصة على أن ذلك تصوير وتمثيل، فالإنسان ~~وإن اجتهد ما اجتهد أن يطلع على تلك السعادة فلا سبيل له إليها إلا على أحد ~~وجهين: أحدهما أن يفارق هذا الهيكل، ويخلف وراءه هذا المنزل فيطلع على ذلك ~~كما قال الله تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ~~آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا وإنا منتظرون) . والثاني ~~أن يزيل قبل مفارقة الهيكل الأمراض النفسانية المشار إليها بوله تعالى: (في ~~قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) وأرجاسها المشار إليها بقوله تعالى: (إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فيطلع من وراء ستر ~~رقيق على بعض ما أعد له كما حكي عن حارثة حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~عزفت نفسي من الدنيا فكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وأطلع على أهل الجنة ~~يتزاورون وعلى أهل النار يتعاوون فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " عرفت ~~فالزم " وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: " لو كشف الغطاء ما ازددت ~~يقينا ". # PageV01P068 ### | الباب السابع عشر # في حالة الإنسان في دنياه وما يحتاج أن يتزود منها الإنسان مسافر ومبدأ ~~سفره من حيث ما أشار إليه تعالى بقوله: (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم ~~في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) . وحيث قال في ms26 صفة نبيه: (وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) . ~~ومنتهى سفره دار السلام ودار القرار. وله في سفره أربعة منازل ظهر أبيه ~~وبطن أمه وظهر الأرض والموقف، وله حالتان حالة هو فيها مستودع وهو ما دام ~~في هذه المنازل، وحالة هو فيها مستقر وهو إذا حصل في دار القرار وإلى ذلك ~~أشار الله تعالى بقوله: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع) . ~~والمنزل الذي فيه يحتاج إلى تزود ظهر الأرض فالإنسان في كدح وكبد ما لم ~~ينته إلى دار القرار كما قال الله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ~~ربك كدحا # PageV01P069 # فملاقيه) . وقال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) . وهو مجبول على طلب ~~الراحة لكن الناس في طلبها على ضربين ضرب عموا عن الآخرة وقالوا: (وما هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا) أو فعلوا فعل من قال ذلك وإن لم يقولوا ~~قولهم، فطلبوا الراحة من حيث لا راحة وهم كالموصوفين بقوله عز وجل: (والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) ~~وقوله: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض..) الآية. فإنهم طلبوا من الدنيا ما ليس في طبيعتها ولا موجودا فيها ~~ولها. وما أحسن قول الشاعر: # أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه في نفسه الزمن # وقال آخر: # مضى قبلنا قوم رجوا أن يقوموا ... بلا تعب عيشا فلم يتقوم # وضرب عرفوا الدنيا والآخرة وعلموا أن الدنيا كما قال الله تعالى: (ولكم ~~في الأرض مستقر ومتاع إلى حين وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) . وعلمواأن ~~فيها يستقر الإنسان ويطمئن كما قال الله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة ~~ارجعي إلى ربك راضية مرضية) . وإنه يحتاج إلى أن يسافر إليها كما قال عليه ~~السلام: " سافروا تغنموا ". فاحتملوا المشقة، علما أن كل تعب يؤديهم إلى ~~راحة فهو راحة فسعدوا كما قال الله تعالى: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة) . # PageV01P070 # وقد جعل للإنسان ms27 حرثين مفيدين لزادين: احدهما روحاني كالمعارف والحكم ~~والعبادات والاخلاق الحميدة، وثمرته الحياة الابدية والغني الدائم، ~~والاستكثار منه محمود ولا يكاد يطلبه الا من قد عرفه وعرف منفعته. والثاني ~~جسماني كالمال والاثاث، وفي الجملة ما قد نبه الله تعالى عليه بقوله: (زين ~~للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والانعام والحرث) . وثمرته ان تحصل به الحياة الدنيوية ~~الفانية، ويسترجع من الإنسان اذا فارق دنياه، ولا ينتفع منه بشيء الا بقدر ~~ما أستعان به في الوصول إلى الزاد الأخروي كما نبه الله تعالى عليه بقوله: ~~(وما الحياة الدنيا في الآخرة الا متاع) . ولا يولع بالركون اليها الا من ~~جهل حقائقها ومنافعها. والاستكثار منه ليس بمذموم ما لم يكن مثبطا لصاحبه ~~عن مقصده، وكان متناولا على الوجه الذي يجب وكما يجب، ومجعولا الى الوجه ~~الذي ينتفع به في مقصده، لكن تناوله على هذا الوجه والاستكثار منه لا يتأتى ~~الا اذا كان السلطان عادلا والامور جارية على أذلالها فيحفظ الناس ~~معاملاتهم على مقتضى الشرع، ثم يكون صاحبه اذا تناوله كما قال تعالى: (ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة) . ~~فاذا لم يكن الامر كما ذكرنا من الاستقامة فليس الا الاقتصاد والاقتصار ~~والتبلغ بما امكن حتى ينقضي السفر. الموفق في الدنيا اذا رأى نفسه قاصرة عن ~~الجمع بين الامرين اهتم بما يبقى # PageV01P071 # واقل العناية بما يفني وآثر الآخرة على الدنيا فلا يلتفت إلى الدنيا الا ~~بقدر ما يتبلغ به إلى الآخرة مراعيا فيه حكم الشرع ومحافظا لقول الله عز ~~وجل: (يا ايها الناس ان وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما انا والدنيا انما ~~مثلي فيها مثل راكب سار في يوم صائف فرفعت له شجرة فنزل فقام في ظلها ساعة ~~ثم راح وتركها ". وقد نبه الله تعالى على حال من يريد ان يتجرد ويتخلص من ~~حبالة الدنيا على سبيل المثال ms28 بقوله: (ان الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه ~~فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني الا من اغترف غرفة بيده) . ومحبة الدنيا ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم رأس كل خطيئة. وقد روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم: " من سكن قلبه حب الدنيا بثلاثة شغل لا يبلغ مداه وفقر لا يبلغ غناه ~~وامل لا يبلغ منتهاه ". وقال صلى الله عليه وسلم: " من كانت الدنيا اكبر ~~همه فرق الله تعالى همته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا الا ما ~~كتب له ومن كانت الآخرة اكبر همه جمع الله تعالى شمله وجعل غناه في قلبه ~~واتته الدنيا وهي راغمة " وهذا معنى قوله عز وجل: (من كان يريد حرث الدنيا ~~نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) ومعرفة ذلك والوصول اليه لا يمكن الا ~~ان يستضيء العقل بنور الشرع معتمدا على من له الخلق والأمر. # PageV01P072 ### | الباب الثامن عشر # في تظاهر العقل والشرع وافتقار احدهما إلى الآخر # اعلم ان العقل لن يهتدي الا بالشرع، والشرع لا يتبين الا بالعقل، فالعقل ~~كالأس، والشرع كالبناء، ولن يغني اس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم ~~يكن اس. وايضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع ~~من خارج ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر ولهذا قال الله تعالى: (قد جاءكم من ~~الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من ~~الظلمات الى النور بإذنه) . وايضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده، ~~فإن لم يكن زيت لم يحصل السراج، وما لم يكن سراج، لم يضئ الزيت. قال الله ~~تعالى: (الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في ~~زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشاء) . والله # PageV01P073 # هو الهادي. وايضا فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما ms29 متعاضدان ~~بل متحدان ولكون الشرع عقلا من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من الكافر في ~~غير موضع من القرآن نحو قوله: (نور على نور) أي نور الشرع ونور العقل ثم ~~قال: (يهدي الله لنوره من يشاء) . فجعلهما نورا واحدا فالشرع اذا فقد العقل ~~عجز عن اكثر الأمور عجز العين عند فقد الشعاع. # واعلم ان العقل بنفسه قليل الفناء لا يكاد يتوصل الا الى معرفة كليات ~~الأشياء دون جزئياتها؛ نجو ان يعلم جملة حسن اعتقاد الحق وقول الصدق وتعاطي ~~الجميل وحسن استعمال العدالة وملازمة العفة ونحو ذلك من غير ان يعرف ذلك في ~~شيء شيء وما الذي هو معدلة في شيء شيء ولا يعرفنا العقل مثلا ان لحم ~~الخنزير والدم والخمر محرم، وانه يجب ان يتحامى من تناول الطعام في وقت ~~معلوم، وان لا تنكح ذوات المحارم، وان لا تجامع المرأة في حال الحيض فإ ~~اشباه ذلك لا سبيل اليها الا بالشرع فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة ~~والافال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا # PageV01P074 # والآخرة، ومن عدل عنه فقد ضل سواء السبيل. ولأجل ان لا سبيل للعقل الى ~~معرفة ذلك قال الله تعالى: (وما كنمعذبين حتى نبعث رسولا) . وقد قال الله ~~تعالى: (ولو أنا اهلكناهم بعذاب من قله لقالوا ربنا لولا ارسلت الينا رسولا ~~فنتبع آياتك من قبل ان نذل ونخزى) . والى العقل والشرع اشار بالفضل والرحمة ~~بقوله تعالى: (ولولا فضل الله ليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان الا قليلا) . ~~وعني بالقليل المصطفين الاخيار. # PageV01P075 ### | الباب التاسع عشر # في فضيلة الشرع اعلم ان احكام الشرع من وجه دواء ومعجون مفروغ منه تولى ~~ايجاده من له الخلق والأمر. وهو دواء مفيد للحياة الأبدية والسلامة الدائمة ~~كما قال الله تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه) وقال تعالى: (وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) . فجعل ذلك روحا ~~لإفادة الحياة الأبدية. وقال الله تعالى: (قل هو للذين أمنوا ms30 هدى وشفاء) . ~~وقوله: (شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤ منين) . ومن وجه هو ماء مطهر ~~مزيل للأنجاس والأرجاس النفسية كما قال الله تعالى في وصفه للقرآن: (أنزل ~~من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا) . وكذلك قال ~~الله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب الرجس عنكم أهل البيت ويطهركم تطهيرا) . ~~ومن وجه هو نور وسراج مزيل للظلمة والحيرة والجهالة قال الله تعالى: (قد ~~حائكم من الله نور # PageV01P076 # وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات ~~إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) وقوله تعالى: (الله نور السموات ~~والأرض) . ومن وجه وسيلة إلى الله عز وجل كما قال: (يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) . وقال فيمن مدحهم: (يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته) وقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا) ~~وقوله تعالى: (فليتفرقوا في الأسباب) . ومن وجه هو الطريق المستقيم كما قال ~~الله تعالى: (وإن هذا صراطي مستقيما) . ### | فصل # ذكر بعض الحكماء أن الأرض المقدسة المذكورة في قوله تعالى: (يا قوم ~~ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم) . هي في ~~الدنيا الشريعة وفي الآخرة الجنة لأنها هي التي إذا دخلها الإنسان لا يرتد ~~على دبره ونال السعادة الكبرى بلا مثنوية. فأما بيت المقدس في الأرض فإن من ~~يدخله فبنفس دخوله إياه لا يستحق مثوبة بل المثوبة تستحق بأمور أخر يكون ~~دخوله المكان الذي هو بيت المقدس آخرها بعد أن يكون دخوله على وجه مخصوص. ~~قال وعلى هذا الحرم المذكور في قوله تعالى: (أو لم يروا إنا جعلنا حرما ~~آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون) . ~~وسأل جعفر بن محمد الصادق # PageV01P077 # بعض الفقهاء عن هذه الآية فقال أريد بها مكة فقال: " وا عجبا وأي أرض ~~أكثر تخطفا لمن حولها من مكة. ويدل على ما قال قول الله تعالى بعد ذلك: ~~(وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى ms31 ~~أفلا تعقلون) وكذلك قوله تعالى: (وإذا قيل لهم أسكنوا هذه القرية وكلوا ~~منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم وسنزيد ~~المحسنين) . والسفر الموعود بالغنيمة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~سافروا تغنموا " هو السفر إلى هذه الدار. وكذلك القرار المدعو إليه من جهة ~~المثل بقوله ففروا إلى الله. وكذا الحج الأكبر الذي دعا الناس إليه بقوله: ~~(وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر) وقوله تعالى: (ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وكذا الجهاد الأعظم في قوله تعالى: ~~(وجاهدوا في الله حق جهاده) والهجرة الكبرى في قوله تعالى: (ألم تكن أرض ~~الله واسعة فتهاجروا فيها) . # PageV01P078 ### | الباب العشرون # في أن من لم يختص بالشرع وعبادة الله فليس بإنسان # لما كان الإنسان إنما يصير إنسانا بالعقل، ولو توهمنا العقل مرتفعا عنه ~~لخرج عن كونه إنسانا، ولم يكن إذا تخطينا الشبح الماثل الا بهيمة مهملة أو ~~صورة ممثلة. والعقل لن يكمل بل لا يكون عقلا إلا بعد اهتدائه بالشرع كما ~~تقدم ولذلك نفي العقل عن الكفار لما تعروا عن الهداية بالشرع في غير موضع ~~من كتابه، والاهتداء بالشرع هو عبادة الله تعالى. فالإنسان إذا في الحقيقة ~~هو الذي يعبد الله ولذلك خلق كما قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) . وكما قال تعالى: ~~(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) فكل ما أوجد لفعل فمتى لم ~~يوجد منه ذلك الفعل كان في حكم المعدوم، ولذلك كثيرا ما يسلب عن الشيء اسمه ~~إذا وجد فعله ناقصا، كقولهم للفرس الرديء: ليس هذا بفرس وللإنسان ليس هذا ~~بإنسان. ويقال: فلان لا عين له ولا أذن له إذا بطل فعل عينه وأذنه وإن كان ~~شبحهما # PageV01P079 # باقيا، وعلى هذا قال تعالى: (صم بكم عمي) . فيمن لم ينتفع بهذه الأعضاء ~~فالإنسان يحصل له من الإنسانية بقدر ما يحصل له من العبادة التي لأجلها ~~خلق، فمن قام بالعبادة حق القيام ms32 فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد ~~انسلخ من الإنسانية فصار حيوانا أو دون الحيوان كما قال الله تعالى في وصف ~~الكفار: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) . وقال: (ان شر الدواب عند ~~الله الصم البكم الذين لا يعقلون) . فلم يرض ان يجعلهم أنعاما ودواب حتى ~~جعلهم أضل منها وجعلهم من أشرارها، وأخرج كلامهم عن جملة البيان فقال ~~تعالى: (وما كان صلاتهم عند بيت إلا مكاء وتصدية) تنبيها على انهم كالطيور ~~التي تمكو وتصدي ونبه تعالى بنكتة لطيفة على أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا ~~بالدين ولا ذا بيان إلا بقدرته على الإتيان بالحقائق الدينية فقال تعالى: ~~(الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان) فابتدأ بتعليم القرآن ثم بخلق ~~الإنسان ثم بتعليم البيان، ولم يدخل الواو فيما بينهما وكان الوجه على ~~متعارف الناس أن يقول خلق الإنسان وعلمه البيان وعلمه القرآن، فان إيجاد ~~الإنسان بحسب نظرنا مقدم على تعليم البيان وتعليم البيان مقدم على تعليم ~~القرآن، لكن لما لم يعد الإنسان إنسانا ما لم يتخصص بالقرآن ابتدأ بالقرآن، ~~ثم قال خلق الإنسان تنبيها على ان بتعليم القرآن جعله إنسانا على الحقيقة، ~~ثم قال علمه البيان تنبيها على ان البيان الحقيقي المختص بالإنسان # PageV01P080 # يحصل بعد معرفة القرآن فنبه بهذا الترتيب المخصوص وترك حرف العطف منه ~~وجعل كل جملة بدلا مما قبلها لا عطفا على إن الإنسان ما لم يكن عارفا برسوم ~~العبادة ومتخصصا بها لا يكون إنسانا، وان كلامه ما لم يكن على مقتضى الشرع ~~لا يكون بيانا. فإن قيل فعلى ما ذكرته لا يصح أن يقال للكافر إنسان وقد ~~سماهم الله بذلك في عامة القرآن. قيل انا لم نقل إنا لا نسمي الكافر على ~~تعارف الكافة، بل قلنا قضية العقل والشرع تقتضي أن لا يسمى به إلا مجازا ما ~~لم يوجد منه العقل والشرع تقتضي أن لا يسمى به إلا مجازا ما لم يوجد منه ~~العقل المختص به، ثم أن سمي به على سبيل تعارف العامة فليس ذلك بمنكر ms33 فكثير ~~من الأسماء يستعمل على وجه فيبين الشرع أن ليس استعماله على ما استعملوه ~~كقولهم الغني فإنهم استعملوه في كثرة المال، وبين الشرع أن الغنى ليس هو ~~بكثرة المال، قال عليه الصلاة والسلام: " ليس الغني بكثرة المال وإنما ~~الغني غنى النفس ". فيشير إلى أن الغنى ليس هو كثرة المال. وقال تعالى (ومن ~~كان غنيا فليستعفف) . أي كثير الأعراض، فاستعمله على ما هو متعارف. وجملة ~~الأمر أن اسم الشيء إذا أطلقه الحكيم على سبيل المدح يتناول الأشرف منه ~~كقوله تعالى: (وأنه لذكر لك ولقومك) وقوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) وإن كان ~~الذكر قد يقال للمحمود والمذموم. وعلى هذا يمدح كل شيء بلفظ نوعه، فيقال: ~~فلان هو إنسان. وهذا السيف سيف. ولهذا قيل: الإنسان المطلق هو نبي كل # PageV01P081 # زمان. وقد قال عليه الصلاة والسلام: " الناس اثنان عالم ومتعلم وما ~~عداهما همج ". وقال بعض العلماء: قول من قال الإنسان هو الحي الناطق الميت ~~صحيح. وليس معناه مل توهمه كثير من الناس من أنه من الحياة الحيوانية ~~والموت الحيواني والنطق الذي هو في الإنسان بالقوة # وإنماما أريد بالحي من كان له الحياة المذكورة في قوله تعالى: (لينذر من ~~كان حيا) . وبالنطق البيان المذكور بقوله: (علمه البيان) وبالميت من جعل ~~قوته الشهوانية الغضبية مقهورتين على مقتضى الشريعة فيكون حينئذ ميتا ~~بالإرادة حيا بالطبيعة كما قيل: مت بالإرادة تحي بالطبيعة. كما قال أمير ~~المؤمنين عليه السلام: من أمات نفسه في الدنيا فقد أحياها في الآخرة. أريد ~~بالحي من كان له الحياة المذكورة في قوله تعالى: (لينذر من كان حيا) . ~~وبالنطق البيان المذكور بقوله: (علمه البيان) وبالميت من جعل قوته ~~الشهوانية الغضبية مقهورتين على مقتضى الشريعة فيكون حينئذ ميتا بالإرادة ~~حيا بالطبيعة كما قيل: مت بالإرادة تحي بالطبيعة. كما قال أمير المؤمنين ~~عليه السلام: من أمات نفسه في الدنيا فقد أحياها في الآخرة. # PageV01P082 ### | الباب الحادي والعشرون # فيما يتعلق بالشرع من الأفعال للإنسان ضربان من الأحوال لا ينفك منهما، ~~ضرب لا يلحقه فيه محمدة ولا مذمة ولا في ms34 جنسه تكليف وذلك شيئان، أحدهما ~~أحوال ضرورية لا يمكنه أن يتفصى منها كنبض العرق والتنفس وما يجري مجراهما ~~من الأحوال الضرورية. والآخر ما يقع من الإنسان على سبيل السهو والخطأ وإن ~~كان جنسه مقدورا له وهو المذكور في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " رفع عن ~~أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". وضرب تلحقه فيه المحمدة والمذمة ~~وفي جنسه التكليف وذلك ثلاثة أشياء: أحدها الأفعال المختصة بالجوارح ~~كالقيام والقعود والركوب والمشي والنظر وكل ما يحتاج إلى استعمال الأعضاء ~~فيه. والثاني حفظ عوارض النفس كالشهوة والخوف واللذة والفرح والغضب والشوق ~~والرحمة والغيرة وما أشبه ذلك. والثالث ما يختص # PageV01P083 # بالتمييز والعلم. وكل واحد من هذه الثلاثة أما أن يحمد عليه الإنسان أو ~~يذم. فحمده أن تكون أفعاله جميلة وعوارض نفسه مستقيمة وقلبه ذكيا حتى يعتقد ~~الحق ويقوي على معرفته إذا ورد عليه. والمذمة تلحقه إن كانت على أضداد ذلك. ~~والعبادات بهذه الأشياء الثلاثة تختص. ولله تعالى في كل فعل يتحراه الإنسان ~~عبادة سواء كان الفعل واجبا أو ندبا أو مباحا، وتكون تلك العبادة مبينة أما ~~ببديهة العقل أو بالكتاب أو بلسان النبي أو بإجماع الأمة أو بالاعتبارات ~~والأقيسة المبنية على هذه الأصول بل ما من حكم إلا وكتاب الله ينطوي عليه ~~كما قال الله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) . عرفه من عرفه وجهله من ~~جهله. وما من مباح إلا وإذا تعاطاه الإنسان على ما يقتضيه حكم الله تعالى ~~كان الإنسان في تعاطيه عابدا لله مستحقا لثوابه كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لسعد: " إنك لتؤجر في كل شيء حتى اللقمة تضعها في في امرأتك ". ~~ومخاطبته لسعد بذلك لما عرف منه أنه يراعي في أفعاله حكم الله تعالى. وعلى ~~هذا الوجه قال: " ما من غرس غرسا لم يأكل منه شيئا إلا كان له صدقة ". ~~ومراعاة أمر الله في جميع الأمور دقيقها وجليلها مستحب للكافة وواجب على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى كل من تقرب منزلته من منزلته لقول الله ms35 ~~تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) . # PageV01P084 ### | الباب الثاني والعشرون # في تحقيق العبادة العبادة فعل اختياري للشهوات البدنية، تصدر عن نية يراد ~~بها التقرب إلى الله تعالى طاعة للشريعة. فقولنا فعل اختياري يخرج منه ~~الفعل التسخيري والقهري ويدخل فيه الترك الذي هو على سبيل الاختيار، فإن ~~الترك ضربان، ضرب على سبيل الاختيار وهو فعل. وضرب هو العدم المطلق لا ~~اختيار معه بل هو عدم الاختيار وليس بفعل. وبقولنا مناف للشهوات البدنية ~~يخرج منه ما ليس بطاعة، وأما الأفعال المباحة كالأكل والشرب ومجامعة المرأة ~~فليس بعبادة من حيث أنها شهوة ولكنها قد تكون عبادة إذا تحري بها حكم ~~الشريعة، وإنما قيل تصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله تعالى لأنها إن ~~خلت عن نية أو صدرت عن نية لم يقصد بها التقرب إلى الله تعالى بل أريد بها ~~مراءاة لم تكن أيضا عبادة، وإنما قيل طاعة للشريعة لأن من أنشأ من نفسه ~~فعلا ليس بسائغ في الشريعة لم يكن عبادة وإن قصد به التقرب إلى الله تعالى، ~~فالعبادة إذا فعل يجمع هذه الأوصاف كلها. # PageV01P085 ### | الباب الثالث والعشرون # في أنواع العبادة من اعلم والعمل # العبادة ضربان: علم وعمل. وحقهما أن يتلازما، لأن العلم كالأس والعمل ~~كالبناء، وكما لا يغني أس ما لم يكن بناء، ولا يثبت بناء ما لم يكن أس، ~~كذلك لا يغني علم بغير عمل ولا عمل بغير علم، ولذلك قال الله تعالى: (إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) . والعلم أشرفهما لكن لا يغني بغير ~~عمل، ولشرفه قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أيما الأعمال أفضل يا رسول ~~الله؟ فقال: " العلم " فأعاد عليه السوال فقال: " العلم " فقال الرجل في ~~الثالثة: اسألك عن العمل لا عن العلم. فقال عليه السلام: " عمل قليل مع ~~العلم خير من عمل كثير مع الجهل " وقال عليه السلام: " طلب العلم فريضة على ~~كل مسلم ". فالعلم ضربان: نظري وعملي، فالنظري ما إذا علم كفى ولم يحتج فيه ~~بعده إلى عمل كمعرفة وحدانية الله تعالى ms36 ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر ومعرفة السموات وما أشبه ذلك. والعملي ما إذا علم لم يغن حتى يعمل به ~~كمعرفة الصلاة والزكاة والجهاد والصوم والحج وبر الوالدين. والأعمال ثلاثة ~~أضرب: منها ما يختص بالقلب، ومنها ما يختص بالبدن، ومنها ما يشارك فيه ~~البدن # PageV01P086 # القلب. والعلم أيضا إذا نظر إليه وهو مكتسب فاكتسابه عمل وإذا نظر إليه ~~وقد اكتسب وتصور في القلب خرج في تلك الحال عن أن يكون عملا. ومن وجه آخر ~~ضربان: واجب وندب فالواجب يقال له العدل والندب يقال له الإحسان وهما ~~المذكوران في قول الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) فالفرض ~~والعدل تحري الإنسان لما إذا عمله أثيب وإذا تركه عوقب. والندب والإحسان ~~تحري الإنسان لما إذا عمله أثيب وإذا تركه لم يعاقب والإنصاف من العدل ~~والتفضل من البر والإحسان، فالإنصاف هو مقابلة الخير من الخير والشر من ~~الشر بما يوازيه، والتفضل والبر هو مقابلة الخير بأكثر منه والشر بأقل منه. ~~فالإحسان والتفضل احتياط في العدالة، والإنصاف ليؤمن به من وقوع خلل فيه ~~وذلك إذا زدت في إعطاء ما عليك ونقصت في أخذ ما لك فقد احتطت وأخذت بالحزم، ~~كدفع زيادة زكاء إلى الفقير وترك ما أحل لك أن تتناول من مال اليتيم. ~~فالعدالة إن كانت جميلة فالتفضل أحسن منها. ولذلك قال تعالى فيمن استوفى ~~حقه فتحرى العدالة: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) وقال ~~سبحانه بعده: (وأن تعفوا أقرب للتقوى) . وقال عز وجل: (ولا تنسوا الفضل ~~بينكم) . إشارة إلى أن الإحسان حسن والتفضل أحسن وقال عز وجل: (للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة) فالإنسان إنما يكون محسنا متفضلا بعد أن يكون عادلا ~~منصفا. فأما من ترك ما يلزمه ثم تحرى ما لا يلزمه فإنه لا يقال له متفضل ~~ولا يجوز تعاطي التفضل إلا لمن كان مستوفيا وموفيا لنفسه، فأما الحاكم # PageV01P087 # المستوفي والموفي لغيره فليس له إلا تحري العدالة والنصفة. ### | ### | فصل # # العلوم من حيث الكيفية ضربان تصور وتصديق فالتصور هو أن يعرف الإنسان ms37 ~~معنى الشيء صح عنده ذلك بدلالة أو لم يصح كمن عرف الصلاة وشرائطها وإن لم ~~تثبت صحتها عنده بدلالة والتصديق هو أن يتصور الشيء ويثبت عنده بدلالة تقضي ~~صحته. # والتصديق على ثلاثة أضرب: أما بغلبة الظن وهو أن يكون عليه دلالة وقد ~~يعترضها شبه توهنها وتبطلها، قال الله تعالى: (إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون) . وأما بعلم اليقين وهو أن يصير بحيث يعلم ويعلم ~~أنه يعلم ولا تعترضه شبه توهنه كالعلم مثلا بأن ثلاثة وثلاثة ستة وأنه لا ~~يصح أن تكون أكثر من ذلك أو أقل، قال الله تعالى: (إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) . وأما بعين اليقين وهو أن يرى بعقله ~~الشيء ويعانيه ببصيرته في حال اليقظة والنوم، وقد نبه الله تعالى على هذه ~~الوجوه بقوله: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين ~~لترونض الجحيم ثم لترونها عين اليقين) . فأما التصورات المجردة فالعامة ~~الذين قال الله تعالى فيهم: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستبطونه) . وأما غلبة الظن فللعامة الذين مدحهم الله بقوله: ~~(والذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) . وأما علم اليقين # PageV01P088 # فللخاصة. وأما عين اليقين ففي الدنيا للأنبياء ولبعض الصديقين. وإلى نحوه ~~أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " تنام عيني ولا ينام قلبي " وبقوله: ~~" إني أرى من خلفي كما أرى من قدامي ". قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: ~~لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. وقال بعض الحكماء: علم اليقين يحصل للعقل ~~بالفكر والذكر فإن العقل بفكره أي ببحثه يدرك المعارف وبذكره يستحضرها إذا ~~نسيها وغفل واشتغل عنها وبذهنه ينظر إليها دائما كما ننظر نحن إلى محسوس ~~غير غائب عن أبصارنا بلا حاجة إلى بحث وطلب وتفكر وتذكر، وكذلك قيل الإنسان ~~يعقل فينظر إلى الحق بالفكر، والملائكة دائما ينظرون إليه بالذهن من غير ~~حاجة إلى تفكر وطلب. ### | فصل # للإنسان في استفادة العلم وإفادته ثلاثة أحوال: حال استفادة فقط، وحال ~~استفادة ممن فوقه وإفادة لمن ms38 دونه، وحال إفادة فقط، وقل من يستحق أن يوجد ~~مفيدا غير مستفيد، ففوق كل ذي علم عليم إلى أن ينتهي الأمر إلى علام الغيوب ~~فقد نبه الله تعالى على الحاجة إلى الاستفادة بما حكاه من قول موسى عليه ~~السلام لصاحبه: (هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا) ونبه بما ذكر في ~~قصة سليمان عليه السلام عن الهدهد بقوله: (أحطت بما لم تحط به علما) . إن ~~الكبير قد يفتقر إلى الصغير في بعض العلوم فإذا الإنسان ما دام حيا يجب أن ~~لا يخرج من كونه مستفيدا ومفيدا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الناس ~~عالم ومتعلم وما سواهما همج ". # PageV01P089 ### | الباب الرابع والعشرون # في أن الغرض من العبادة تطهير النفس واجتلاب صحتها # لم يكلف الله الناس عبادته لينتفع هو تعالى بها انتفاع المولى باستعباد ~~عبيده واستخدام خدمه فإن الله غني عن العالمين. ولا ليؤدبهم ليزيل أنجاسهم ~~وأمراضهم النفسية، فبذلك يمكنهم أن يحصلوا حياة أبدية باقية سرمدية فإن من ~~ولد يكون ميتا بالإضافة إلى أصحاب الدار الآخرة وفاقدا للعين التي بها ~~يعرفهم والسمع الذي به يسمع تحاورهم واللسان الذي به يخاطبونه ويخاطبهم ~~والعقل الذي به يعقلهم، فليس تلكم الحياة والعين والسمع ما للإنسان في ~~الحياة الدنيا. وكيف يكون كذلك وقد نفى الله ذلك عن الكفار وجعلهم أمواتا ~~وصما وبكما وعميا، فإن الإنسان له قوة على تحصيل تلك الأمور في ابتداء ~~أمره، وإن أهمل نفسه فأتت عنه تلك القوة فلا يمكنه بعد قبول ذلك، كالفحم ~~إذا صار رمادا فلا يقبل بعد ذلك نارا، فمن استمر في كفره وفسقه وتمادى فيه ~~صار أما ميتا أو مريضا # PageV01P090 # أو أصم لا يقبل الشفاء، ولذلك قال الله تعالى فيمن ثكل هذه القوة: (إنك ~~لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي ~~عن ضلالتهم) . وقال تعالى: (صم بكم عمي فهم لا يعقلون) وقال تعالى: (في ~~قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت) . وقال تعالى: (إنما ~~المشركون نجس) . وقال تعالى ms39 في المؤمنين: (لينذر من كان حيا) . وقال فيهم: ~~(أولي الأيدي والأبصار) . فمن استفاد الحياة والصحة والطهارة قبل أن تبطل ~~عنه هذه القوى أعني قبول ذلك فصار حيا سميعا بصيرا طاهرا وحصل زادا كما ~~أمره الله تعالى بقوله: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما ~~في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور) . وائتمر له تعالى ~~بقوله: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) . واقتدى بالموصوفين بقوله سبحانه: ~~(يسارعون في الخيرات) . فجدير أن يفلح فيحصل هذه السعادة كما قال الله ~~تعالى: (لعلكم تفلحون) . # PageV01P091 ### | الباب الخامس والعشرون # في بيان الأمراض والأنجاس التي لا يمكن إزالتها إلا بالشرع # كما أن في بدن الإنسان عوارض وأمورا موجودة عند الولادة أو توجد حالا ~~فحالا بحكمة تقتضي ذلك وهي تعد نجاسات لا بد من إماطتها كلها أو إماطة ~~فضولاتها، وذلك كالسلى والسرة والقلفة والعقيقة الموجودة في الصبي عند ~~الولادة وكالأوساخ والقمل والظفر وشعر العانة وشعر الإبط، كذلك في نفس ~~الإنسان عوارض هي نجاسات وأمراض نفسانية يلزم إماطتها كالجهل والشره ~~والعجلة والشح والظلم. ويدل على كون ذلك مخلوقا فيه وأمره بإماطته وإماطة ~~فضلاته ما ذكر الله تعالى في مواضع من كتابه بقوله: (خلق الإنسان من عجل) ~~فذكر أنه مخلوق منه كما ترى. ثم أمره أن ينحيه عن نفسه وأن لا يستعين به ~~فقال: (سأريكم آياتي فلا تستعجلون) . وقوله تعالى: (إنه كان ظلوما جهولا) . ~~ثم أمره بالعلم والعدل في غير # PageV01P092 # موضع من كتابه. وقوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح) . ثم قال: (ومن يوق شح ~~نفسه فاولئك هم المفلحون) . فأمر باتقاء الشح مع إحضاره إياه. وقوله تعالى: ~~(إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا) . ووصفه ~~بالكفور والقتور في قوله: (وكان الإنسان كفورا) . وقوله تعالى: (قل لو أنتم ~~تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا) . ~~فأدخل عليه " كان " تنبيها على أن ذلك فيه غريزي موجود قبل لا هو شيء طارئ ~~عليه. وقوله تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) . ثم ms40 نهى عن أكثر الجدال ~~فالإنسان يحتاج أن يستعمل هذه القوى في الدنيا كما يجب وفي وقت ما يجب وأن ~~يميط فضولاتها قبل خروجه من الدنيا حسب ما وردت به الشريعة، فإنه متى لم ~~يتطهر من النجاسة، ولم يزل أمراض نفسه لم يجد سبيلا إلى نعيم الآخرة، بل ~~ولا إلى طيب الحياة الدنيا، وذلك من تطهر تجلى عن قلبه الغشاوة فيعلم الحق ~~حقا والباطل باطلا فلا يشغله إلا ما يعنيه، ولا يتناول إلا ما يعنيه فيحيا ~~حياة طيبة كما قال تعالى: (فلنحيينه حياة طيبة) ولا تصير قنياته في الدنيا ~~وبالا عليه وعذابا كما قال الله تعالى في الكفار: (فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون) . ويصير قلبه إذا تطهر مقر السكينة والأرواح الطيبة كما وصف الله ~~تعالى المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) . وعرف الطريق التي بها التوصل ~~إلى الحنة المأوى ومصاحبة الملأ الأعلى في مقعد # PageV01P093 # صدق عند مليك مقتدر، فيسارع في الخيرات ويسابق إلى مغفرة من ربه. ومتى ~~بقيت نجاسته وتزايدت صار قلبه مقر الشبه والآثام كما قال الله تعالى: (هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفك أثيم) . ولا يجد سبيلا إلى ~~سعادة الدار الآخرة كما قال الله تعالى: (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة ~~نعيم كلا إنا خلقناهم مما يعلمون) فنبه على أنه لا يصلح لجنته ما لم تطهر ~~ذاته عن أشياء هي مخلوقة فيها وعلى هذا دل قوله تعالى: (ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) . فحق الإنسان أن ~~يراعي هذه القوى فيصلحها ويستعملها على الوجه الذي يجب وكما يجب ليكون كمن ~~وصفه الله تعالى بقوله: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ~~ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) . وقد يقع للإنسان شبهة في أمر هذه النجاسات ~~فيقو: أترى أن ذلك من عند غير الله؟ فإن كان من غيره فمن أين يوجده؟ ومن ~~أين منبعه؟ وإن كان منه فما ms41 المعنى في أن أوجده في الإنسان ثم أمره بأن ~~يزيله؟ فيقال لم يعرف ذلك البشر، لكن من الأشياء ما نفعه في وقت مخصوص أو ~~إذا كان على قدر مخصوص، ثم إذا استغني عنه أو زاد على قدر ما يحتاج إليه ~~يجب أن يزال وذلك إذ تؤمل ظاهر إذ من المعلوم أن السلا والسرة يحتاج إليهما ~~لصيانة الولد في وقت ثم يستغني عنهما، فيكون إبقاءهما بعد نجاسة والشعر ~~والظفر يحتاج إليهما إذا كان على حد وإذا زادا يجب إماطتهما. # PageV01P094 ### | الباب السادس والعشرون # في القوى التي يجب إزالة أمراضها وأنجاسها والمعاني التي تحصل منها # إزالة الأنجاس واجتلاب الطهارة المذكورة في قوله تعالى: (إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) واكتساب الصحة وإماطة المرض ~~المذكور في قوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) يكون بإصلاح ~~القوى الثلاث التي هي دواعي الإنسان في متصرفاته وهي قوة الشهوة وقوة ~~الحمية وقوة الفكر فبإصلاح قوة الشهوة تحصل العفة فيتحرز بها من الشره ~~وإماتة الشهوة ويتحرى المصلحة في المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح وطلب ~~الراحة وغير ذلك من اللذات الحسية، وبإصلاح قوة الحمية تحصل الشجاعة فيتحرز ~~من الجبن والتهور والحسد ويتحري الاقتصاد في الخوف والغضب والأنفة وغير ~~ذلك. وبإصلاح قوة الفكر تحصل الحكمة حتى يحترز من البله والجربزة ويتحرى ~~الاقتصاد في تدبير # PageV01P095 # الأمور الدنيوية. وليس نعني بالحكمة ههنا العلوم النظرية وإنما نعني بها ~~الحكمة العملية التي يتحري بها المصالح الدنيوية، وبإصلاح هذه القوى يحصل ~~في الإنسان قوة العدالة فيقتدي بالله تعالى في سياسة نفسه وسياسة غيره، ~~فنفس الإنسان معادية له كما قال تعالى: (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ~~ربي) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك " ~~فمن أدبها أو قمعها أو من ظلمها وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: (ومن يعمل ~~الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما) أي لا يخاف أن تظلمه نفسه ~~الشهوية فالأعمال الصالحة حصن منها لقول الله تعالى: (إن الصلاة تنهي عن ms42 ~~الفحشاء والمنكر) . # PageV01P096 ### | الباب السابع والعشرون # في كون الإنسان مفطور على إصلاح النفس الإنسان مفطور في أصل الخلقة على ~~أن يصلح أفعاله وأخلاقه وتمييزه وعلى أن يفسدها وميسر له أن يسلك طريق ~~الخير والشر وإن كان منهم من هو بالجملة إلى أحدهما أميل. وعلى تمكنه من ~~السبيلين دل الله بقوله: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) وقوله ~~تعالى: (وهديناه النجدين) أي عرفناه الطريقين، وكما أنه مفطور على اكتساب ~~الأمرين في ابتدائه مفطور على أنه إذا تعاطى أحدهما أن خيرا وأن شرا ألفه، ~~فإذا ألفه تعوده، وإذا تعوده تطبع به، وإذا تطبع به صار له طبعا وملكة ~~فيصير فيه بحيث لو أراد أن يتركه لم يمكنه كما قيل: " وتأبى الطباع على ~~الناقل " ويكون مثله كمثل شجر نبت فاعوج سهل في الابتداء تثقيفه وتسويته ~~بخيط يشد أو بخشب يفرش بجنبه فيسدد به. ثم إذا # PageV01P097 # غلظ واشتد مستويا أمن أن يعوج بل لا يمكن تعويجه، وإن ترك حتى يعوج فيصلب ~~على عوجه لم يمكن تثقيفه كما قال الشاعر: # يقوم بالثقاف العود لدنا ... ولا يتقوم العود الصليب # على هذا الوجه قال الله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) وقال تعالى: ~~(ويدرأون بالحسنة السيئة) وقد توهم قوم أن لا أثر للتأديب والتهذيب فإن ~~الناس مجبولون على طبائع لا سبيل إلى تغييرها، فمنهم أخيار بالطبع، ومنهم ~~أشرار بالطبع واستدلوا بقول الله تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته) وقوله ~~تعالى: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) فنبه الله ~~بهذا المعنى على إن كل إنسان على حال لا سبيل إلى تغييرها. وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: كل ميسر لما خلق له ". وقوله عليه السلام: " فرغ ربكم من ~~الخلق والخلق والرزق والأجل ". وبقوله تعالى: (ولقد اصطفيناه في الدنيا ~~وأنه في الآخرة لمن الصالحين) وقوله: (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ~~وأنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) وقوله: (ولقد اخترناهم على علم على ~~العالمين) والناس وإن تفاوتوا في أصل الخلقة فما أحد إلا وله قوة على ~~اكتساب قدر ms43 ما من الفضيلة ولولا ذلك لبطلت فائدة الوعظ والإنذار والتأديب. # PageV01P098 ### | الباب الثامن والعشرون # في سبب رذيلة الإنسان وتأخره عن الفضيلة # سبب تأخر الإنسان عن الفضيلة لا تخلو من أوجه: إما أن تكون نقصا في أصل ~~خلقته وعجزا مركبا في جبلته يتقاعد به عن تحصيل القوة وجمع الآلة التي ~~يتوصل بها إلى السعادة كمن تضعف نحيزته، أو لا يفضل عن طلب معايشه الضرورية ~~في وقته، أو لا يجد هاديا يرشده، فمن كان كذلك فمعذور لقوله تعالى: (لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها) وأما أنه غير عاجز عن ذلك لكن لم يساعده على ~~بلوغه عمره فذلك قد وقع أجره على الله لما قال الله تعالى: (ومن يخرج من ~~بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) . وأما ~~أن يتفق له مرب ومعلم مضل فيضله عن الطريق، وهذا إن لم يتمكن من الاهتداء ~~بمن يرشده ويسدده يكون معذورا، والإثم فيما يرتكبه لمن قد أضله لا له كما ~~قال الله تعالى في المضلين: (ليحملوا # PageV01P099 # أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما ~~يزرون) . وإن تمكن بعد ممن يهديه فلم يهتد به يكون هو ومضله مشتركين في ~~الإثم كما قال الله تعالى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) . وأما أن يكون ~~ضلاله من جهة نفسه لا من جهة شيء مما تقدم، وذلك هو المتوعد بالعذاب، فمن ~~أزاح الله علته بالفهم والكفاية والعلم الناصح فرغب عن الاهتداء وترك طريقة ~~الرشاد، يكون كمن وصفه الله تعالى بقوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه ~~آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين) وبقوله: (ولقد أريناه ~~آياتنا كلها فكذب وأبى) وأكثر منه عقوبة من استفاد العام وعرف الحق وسلك من ~~طريق الخير مراحل ثم ارتد عنها راجعا، كمن وصفه الله بقوله: (إن الذين ~~ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى سول لهم وأملى لهم) وبقوله: ~~(ومن يرتد منكم عن دينه ... الآية) . # PageV01P100 ### | الباب التاسع والعشرون # في أحوال الناس ومنازلهم وفي تعاطي ms44 الأفعال المحمودة والمذمومة وطرقها ~~الناس في إقامة العبادات وتحري الخيرات على أربعة أضرب: الأول من له العلم ~~بما يجب أن يفعل وله مع ذلك قوة العزيمة على العمل به وهم الموصوفون بقوله ~~عز وجل في غير موضع: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب) . ~~والثاني من عدمهما جميعا وهم الموصوفون بقول الله تعالى: (إن شر الدواب عند ~~الله الصم البكم الذين لا يعقلون) وقوله: (إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا) ~~. الثالث. من له العلم وليس له قوة العزيمة على فعله، فهو في مرتبة الجاهل ~~بل هو شر منه، كما روي أن حكيما سئل: متى يكون العلم شرا من الجهل فقال: أن ~~لا يعمل به. وروي عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه قال: من كانت ~~ضلالته بعد التصديق بالحق فهو بعيد من المغفرة. الرابع من ليس له العلم لكن ~~له قوة العزيمة، فهذا متى انقاد لأهل العلم وعمل بقولهم أنجح في فعله وصار ~~من # PageV01P101 # الموصوفين بقوله تعالى: (أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) . # والأفعال الجميلة والقبيحة يتقوى الإنسان فيها بتكريرها مرارا كثيرة ~~وزمانا طويلا وقتا بعد وقت في أوقات متفاوتة، فإن من فعل ذلك في شيء ~~اعتاده، وإذا اعتاده تخلق به، فالحذق في الصناعة كالكتابة مثلا يكون ~~باعتياده فعل من هو حاذق في الكتابة. والأفعال التي يتعاطاها المتخلق بها ~~تصير خلقا. فحق الإنسان أن يتدرب بفعل الخير، فإن من تعود فعلا صار له ~~ملكة، كالصبي قد يلعب بتعاطي صناعة فيؤدي لعبه بها إلى أن يتعلمها. ### | فصل # العبادات تكون محمودة إذا تعاطاها الإنسان طوعا واختيارا لا اتفاقا ~~واضطرارا ودائما في زمان دون زمان، لأجل أن ذاتها حسنة لا لأجل غيرها، فمن ~~أقامها على هذا الوجه فهو الموصوف بقوله تعالى: (واخلصوا دينهم لله فأولئك ~~مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما) . وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " أخلص يكفك القليل من العمل ولا يرضى تعالى إلا الإخلاص " كما ~~قال الله ms45 تعالى: (ألا لله الدين الخالص) . فإن من فعل خيرا نحو أن يصلي ~~لأنه اتفق اجتماعه مع المصلين فساعدهم أو أكره أن يصلي أو صلاها في شهر ~~رمضان مثلا دون سائر الأوقات أو لأجل أن ينال بها جاها أو مالا، فليس ذلك ~~مما يستحق بها محمدة. وكذا من ترك قبيحا أما اتفاقا أو اضطرارا أو خوفا أو ~~في أي زمان دون زمان أو لأن ينال بذلك أمرا # PageV01P102 # دنيويا فليس بمحمود، ولهذا قال الله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم في ~~سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوه منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون) . تنبيها على أن من لم ينفق ماله هكذا ويعلوه خوف من ~~الفقر وحزن على الإنفاق فلا يحصل له بذلك فضيلة ثم قال تعالى: (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ~~ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ... الآية) . # PageV01P103 ### | الباب الثلاثون # في ارتداد الناس من طريق الخير والشر للإنسان فيما يتحراه من الخير والشر ~~حالتان: حالة يتمكن فيها من الارتداد على ادباره فيما يتعاطاه ان خيرا وان ~~شرا وذلك قبل ان يمعن في سيره ويتناهى في ممره. وحالة يتعذر عليه الارتداد ~~على ادباره بل لا يكون له سبيل الى الرجوع وذلك اذا امعن في سيره وتناهى في ~~ممره. وذلك ان كل من كان متعاطيا لفعل خير فتكاسل عنه، ومتعاطيا لشر فلم ~~يقلع عنه، اورثه كسله ضيق صدر بتحري الخير كما قال الله تعالى: (ومن يرد ان ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) . وانشراح صدره بفعل الشر كما قال تعالى (فمن ~~زين له سوء عمله فرآه حسنا) . فإن استمر على ذلك ولم يقلع، اورثه ذلك رينا ~~على قلبه كما قال الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) . ~~فإن تمادى في ذلك واستمر اورثه ذلك غشاوة، كما قال تعالى: (فاغشيناهم فهم ~~لا يبصرون) فإن ازداد اورثه ذلك طبعا وختما، كما قال تعالى: (ختم الله ms46 على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى # PageV01P104 # ابصارهم) . وقوله: (أفرأيت من اتخذ آلهه هواه واضله على علم وختم على ~~سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) . فإن ~~ازداد صار ذلك قفلا كما قال الله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب ~~أقفالها) . ثم إذا تمادى صار قلبه موتا قلما ترجى له حياة فلا تنفعه الآيات ~~والنذر كما قال الله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع لصم الدعاء إذا ~~ما ينذرون) . ومن حيث أن الله تعالى علم من أحوال من بلغ هذا المبلغ أنه لا ~~يتوب ولا يؤوب قال الله تعالى: (الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا ~~لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون) . فلم يرد تعالى أنهم إذا تابوا لم تقبل ~~توبتهم بل نبه بذلك على أنهم لا يتوبون فتقبل توبتهم فدل منتهى الفعل على ~~مبدأه وهذا من كلامهم كقول الشاعر: " ولا يرى الضب بها ينجحر " # ي ليس بها ضب فينجحر فنفي انجحار الضب وهو في الحقيقة نفي لوجود الضب ~~بها، وعلى هذا دل قوله تعالى: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ~~ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) . أي لم يكونوا ~~ليتوبوا فيغفر لهم، وعلى هذا قال تعالى: (إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) . تنبيها على أن هؤلاء هم الذين ~~يرجى لهم التوبة. وعلى # PageV01P105 # هذه الجملة المذكورة قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا أذنب الرجل ~~نكتت على قلبه نكتة سوداء فإذا أذنب ثانيا نكتت أخرى فلا يزال كذلك حتى ~~يصير قلبه كلون الشاة الرمداء ". وفي خبر آخر: " الذنب على الذنب حتى يسود ~~القلب فلا ترجى له الإنابة ". وكذا حال الإنسان فيما يتعاطاه من فعل الخير ~~فإن من صبر في اقتراف الحسنة أورثه صبره حسنا كما وصف الله به الصابرين في ~~مواضع من كتابه قال تعالى: (ومن يقترف حسنة نزد له فيه حسنا) . فإن استمر ~~في ذلك بعض الاستمرار اهتز ونشط ms47 وانشرح به صدره كما قال تعالى: (فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) . فإن دام على ذلك امتحن وتطهر قلبه كما ~~قال الله تعالى: (أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) . ويكون كما وصفه ~~في هذه السورة: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم ~~حكيم) . فإن تزايد في فعله إنضم إليه من الله تعالى باعث يهزه وداع يبعثه ~~عليه كما قال الله تعالى: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم) . فحق الإنسان أن لا يسامح نفسه في الاجتهاد وأن لا يخل ~~بخير تعوده ولا يرخص لها في شر ارتكبه، فتعاطي صغير الذنب يفضي إلى ارتكاب ~~الكبير، والإخلال بقليل الخير يؤدي إلأى الإخلال بكثير كما قال الشاعر: # وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب # PageV01P106 # وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ~~ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ~~ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر) . فتبين أن قولهم للذين كرهوا ما نزل ~~الله أدى بهم إلى الارتداد على أدبارهم وقال تعالى: (إن الذين تولوا منكم ~~يوم التقى الجمعان إنما استنزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) . فنبه على أن بعض ~~ما كسبوا أدى بهم إلى الانهزام، فالمتدرب في فعل الخير المتقوي فيه يصير ~~بحيث يكون له من الله تعالى واقية تحفظه عن الأفعال القبيحة وتحثه على ~~الأفعال الحسنة. وهذا معنى العصمة وعلى ذلك نبه الله تعالى في صفة أولياءه ~~بقوله: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) . وقال تعالى: (رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون) . ~~والمتدرب بفعل الشر المتقوي فيه قد يصير بحيث يكون له بما ارتكبه من ~~القبائح باعث يبعثه على الأفعال القبيحة ويحثه على الأفعال السيئة ويسد ~~عليه طرق الأفعال الحسنة، وعلى ذلك نبه الله تعالى ms48 بقوله في صفة أعدائه: ~~(إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) . وقال تعالى: (ومن ~~يعيش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وأنهم ليصدون عن السبيل ~~ويحسبون أنهم مهتدون) . وقال تعالى: (إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا ~~يؤمنون) . وقد نسب الله هداية العبد وضلاله جميعا إلأى نفسه من حيث أنه جعل ~~خلقه وطبعه بحيث إذا # PageV01P107 # تعاطى فعلا إن خيرا وإن شرا فاستمر عليه يصير ذلك طبعا له ملازما لا يرجع ~~عنه، ولم ينسب المنع من الإيمان إلى نفسه إلا بعد ذكر ما كان من إساءة ~~العبد نحو قوله: (إنا جعلنا الشيطاين أولياء للذين لا يؤمنون) . فخص الذين ~~لا يؤمنون بأن جعل الشيطان أولياءهم وقال تعالى: (ومن الناس من يجادل في ~~الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه ~~إلى عذاب السعير) . وقال تعالى: (إن الذين لا يؤمنو بالآخرة زينا لهم ~~أعمالهم فهم يعمهون) . قال الشاعر: # زين في عينك القبيح كما ... زين في عين غيرك الحسن # PageV01P108 ### | الباب الحادي والثلاثون # في قدر ما في الوسع من اكتساب السعادة # الإنسان لما كان على هيئة العالم أوجد فيه كل ما أوجد في العالم، وكما أن ~~في العالم أشياء لا يتأتى إصلاحها وحيوانات لا يمكن تأديبها كذلك في ~~الإنسان قوى لا يتآتى إصلاحها وتهذيبها وكان له مع ذلك مثبطات عما أمر به ~~وتقصير عما كلف ولهذا قال الله تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء ~~خلقه) . إلى قوله: (كلا لم يقض ما أمره) . فنبه على أن الإنسان لا يكاد ~~يخرج من دنياه وقد قضى وطره، ولذلك يجب على الإنسان أن يجتهد في أداء ما ~~أمكنه، ويطهر نفسه بقدر ما يتيسر له والرغبة إلى الله تعالى في تكفير ما ~~قصر فيه ويتحقق أنه إذا فعل ما أمكنه فقد أعذر لقوله تعالى: (لا يكلف نفسا ~~إلا وسعها) . فإذا فعل ما أمكنه يكون ms49 قد ترشح أن يزيل الله عنه باقي ~~السيئات كما قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحة عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم) . وقال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) . ولهذا أمرنا تعالى أن ~~ندين الدعاء بقوله: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطئنا) . وقال تعالى: ~~(والذين آمنوا معه # PageV01P109 # نورهم يسعى بين أيديهم وبإيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا) . فأمرنا ~~أن نرغب إليه في إتمام ما قصرنا عن اكتسابه وقوله: (والذي جاء بالصدق إلى ~~قوله ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا ~~يعملون) . ولهذه الجملة قال جعفر الصادق رضي الله عنه: من زعم أنه يصل إلى ~~الحق ببذل المجهود فهو متعن ومن زعم أنه يصل إليه بغير بذل المجهود فهو ~~متمن ولقصور الإنسان عن تزكية نفسه بالتمم قال صلى الله عليه وسلم: " ما ~~أحد يدخل الجنة بعمله " قيل ولا أنت يا نبي الله قال: " ولا أنا إلا أن ~~يتغمدني الله برحمته ". وقال تعالى تنبيها على هذا المعنى: (ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء) . وبيان ~~قصور الإنسان عن تزكية نفسه على التمام هو أن الإنسان حيوان ناطق متفكر ~~والحيوان جوهر متنفس حساس، والمتنفس جوهر متغذ مترب لا قوام له إلا بالغذاء ~~كما قال الله تعالى: (وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين) ~~فالإنسان ما دام في الدنيا لا ينفك عن مشاركة البهائم والسباع لكونه حيوانا ~~محتجا إلى ما تحتاج إليه وعن مشاركة الحيوان والنبات لكونه متنفسا محتاجا ~~غلأى ما تحتاج إليه. والإنسان إذا لم يقتحم العقبو ويفك الرقبة وما لم يتعر ~~عن الحاجات لدنية لم يأمن شياطين الإنس والجن فكيف يأمن وقد قال الله ~~تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا) . قال بعض المفسرين: إن إبراهيم لما سأل الله تعالى ~~فقال: (ربي أرني كيف تحيي ms50 الموتى قال # PageV01P110 # أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) . إنما سأله أن يريه الحياة ~~المتعرية عن العوارض العارضة للحيوانات فقال: أو لم تؤمن أي أو لم تتحقق؟ ~~قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي أي ليتصور لي كيفية الطمأنينة أي تبري النفس من ~~الشره والحرس والأمل والإفتخار وأعاين الحالة المذكورة في قوله تعالى: (يا ~~أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي ~~جنتي) . فأمره أن يأخذ أربعة طيور. غرابا وهو المخصوص بالحرص والشره. ونسرا ~~وهو المخصوص بالأمل وطاووسا وهو المخصوص بالإفتخار. وديكا بالشبق، فأمره أن ~~يقطعهن ويصرهن أي يدعوهن، ولما فعل ذلك صرن إليه عاجلا فنبه الله تعالى ~~بذلك على أن الإنسان وإن اجتهد كل الاجتهاد في حذف هذه المعاني عن نفسه ~~وتطهير ذاته منها لن يتطهر ما دامت البشرية الدنيوية حاصلة له ولن تحصل له ~~الطمأنينة المطلوبة. فأما ما يدعيه قوم أن من الناس من قد تجرد عن هذه ~~الخصائص حتى يستغني عن الطعام والشراب ويصير بحيث لا تعتريه الأخلاق ~~البهيمية فهذا إن حصل في بعض الناس فإذ ذلك يكون ملكا متشبحا يسمى بإسم ~~الإنسان على سبيل الإشتراك في الإسم، فيكون متبدل الجوهر تبدل جوهر النار ~~إذا صارت بردا وسلاما، وتبدل الدعموص إذا صار ضفدعا، والدود إذا صار فراشا، ~~وكثيرا من النبات إذا صار جوهرا آخر، وجيوانا كدودة القز وليس ذلك بمنكر في ~~القدرة الإلهية وهو حينئذ خارج عن # PageV01P111 # الاستصلاح للأفعال التي خلق الإنسان لأجلها مستخلفا في الأرض مستعمرا ~~فيها. ### | فصل # اعلم من هاجر إلى الله وجاهد في سبيله فحقيق أن يهديه إلى سبيله كما وعد ~~في قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) . وقال: (والذين آمنوا ~~من بعد وهاجروا وجاهدوا ... إلى قوله: أولئك هم المؤمنون حقا) . والهجرة ~~العظمى هجران فضول الشهوات والمجاهدة الكبرى مدافعة الهوى كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " جهادك في هواك ". فمن هدي إلى سبيله وأمعن في مسيره ~~مسارعا في الخيرات ومسابقا إلى مغفرة ربه فحقيق أن يصير من الإبدال، ومعنى ms51 ~~الإبدال هم الذين يبدلون من أخلاقهم وأفعالهم الذميمة أخلاقا وأفعالا ~~حميدة، فيجعلون بدل الجهل العلم وبدل الشح الجود وبدل الشره العفة وبدل ~~الظلم العدالة وبدل الطيش التؤدة وعلى ذلك دل قوله تعالى: (والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق إلى قوله: يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات) . والإنسان إذا صار من الإبدال فقد ارتقى إلى درجة ~~الأحباب الذين عناهم الله تعالى بقوله: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونهم) . فجعله مهيبا في البشر، معظم القدر عند كل واحد، بل قد يبلغ ~~مبلغا تخضع له البهائم والسباع والوحوش والحشرات كخضوعها لسليمان بن داود ~~عليهما السشلام، ويصير الحديد له لينا كما لان لنبيه داود عليه السلام، ~~وتصير النار له إذا خاضها بردا وسلاما # PageV01P112 # كما صارت على إبراهيم عليه السلام وتنقاد له الريح فيركبها كركوب سليمان، ~~وتسخر له المياه فيمشي عليها كتسخيرها للخضر عليه السلام، ويكلمه النبات ~~والمعادن والأفلاك والنجوم فتفقه على منافعها وتخبره بسرائرها كمكالمتها ~~لإدريس عليه السلام. روي أنه إذا أحب الله عبدا ألبسه صورة من صورته، ونفخ ~~فيه روحا من روحه، حتى ينقاد له كل حجر ومدر، ويتواضع له كل طائر وسبع، بل ~~قد يخصه بكرامات لا يمكن أن يطلع على معرفتها غير من خص بها كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ربه: " أعددت لعبادي الصلحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر " وقال تعالى إشارة لها هذا المعنى. (فلا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) وهذه الأحوال كما تكون للأنبيء فقد تكون ~~للأولياء المخصوصين بالكرامة وليس ذلك بمستبدع ولا منكر في قدرة الله تعالى ~~ولا بمناف في حكمته كما ظن بعض المتكلمين أن ذلك إذا أظهره على ير أنبياءه ~~لا يؤمن أن يفتن به الناس وإنه يؤدي إلى اشتباه أمر لمعجزة على الكافة، فإن ~~أحكم الحاكمين لا يؤتى هذه المكرمة إلا من هو أهلها كما نبه عليه سبحانه ~~بقوله: (ألله أعلم حيث يجعل رسالته) ومن ms52 بلغه هذه المنزلة فقد آتاه لا شك ~~من العلم والحكمة قدر ما يهديه ويؤدبه، وعرف ما يمسكه فيستقيم كما أمر فيه ~~فيعرف قدره ولا يتعدى طوره. # PageV01P113 ### | الباب الثاني والثلاثون # في إثبات المعاد وفضيلة الموت وما يحصل بعده من السعادة # لم ينكر المعاد والنشأة الآخرة إلا جماعة من الطبيعيين أهملوا افكارهم ~~وجهلوا أقدارهم، وشغلهم عن التفكير في مبدأهم ومنشأهم شغفهم بما زين لهم من ~~حب الشهوات المذكورة في قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء ~~والبنين والقناطير لمقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ~~ذلك متاع الحياة الدنيا) . وأما من كان سويا ولم يمش مكبا على وجهه لكونه: ~~(كالأنعام بل هم أضل سبيلا) وتأمل أجزاء العالم علم أن أفضلها ذوات الأرواح ~~وأفضل ذوات الأرواح ذوو الإرادة والاختيار في هذا اعالم، وأفضل ذوي الإرادة ~~والاختيار الناظر في العواقب وهو الإنسان فيعلم أن النظر في العواقب من ~~خاصية الإنسان، وأنه لم يجعل تعالى هذه الخاصية له إلا لأمر جعله له في ~~العقبى، وإلا كان وجود هذه القوة فيه باطلا فلو لم يكن للإنسان عاقبة ينتهي ~~إليها غير هذه الحياة الخسيسة المملوءة نصبا وهما وحزنا ولا يكون بعده # PageV01P114 # حال مغبوطة لكان أخس البهائم أحسن حالا من الإنسان، فيقتضي أن تكون هذه ~~الحكم الإلهية والبدائع الربانية التي أظهرها الله تعالى في الإنسان عبثا ~~كما نبه الله تعالى عليه بقوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم ~~إلينا لا ترجعون) فإن أحكام بنية الإنسان مع كثرة بدائعها وعجائبها ثم ~~نقضها وهدمها من غير معنى سوى ما تشاركه فيه البهائم من الأكل والشرب ~~والسفاد مع ما يشوبه من التعب الذي قد أغني عنه الحيوانات سفه: (كالتي نقضت ~~غزلها من بعد قوة أنكاثا) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وما أظهر عند من ~~ألقى عن مناكبه دثار العماية صدق أمير المؤمنين علي عليه السلام في قوله: ~~الدنيا دار ممر لا دار مقر فاعبروها ولا تعمروها وقد خلقتم للأبد ولكنكم ~~تنقلون من دار إلى دار حتى يستقر بكم ms53 القرار. وكثير من الجهال اتروا بقوم ~~وصفوا بوفور العقل في أمور الدنيا حيث أنكروا أمر الآخرة فقالوا: لو كان ~~ذلك حقا لم ينكره أمثالهم مع وفور عقولهم وكثرة فهمهم ولم يعلموا أن العقل ~~وإن كان جوهرا شريفا فإنه لا يتوجه إلا حيث وجه ولا غناء له إلا فيما إليه ~~صرف فإذا صرف، إلى أمور لآخرة أحكمها وإذا صرف إلى أمور الدنيا قبلها وعكف ~~عليها، وأخل بما سواها فتقصر بصيرته حينئذ عن الأمور الأخروية كما نبه الله ~~عليه في غير موضع من كتابه وقد تقدم القول فيه. ### | فصل # اعلم أن الموت المتعارف الذي هو مفارقة الروح للبدن هو أحد الأسباب ~~الموصلة للإنسان إلى النعيم الأبدي، وهو انتقال من دار إلى # PageV01P115 # دار كما روي: " إنكم خلقتم للأبد لكنكم تنقلون من دار إلى دار حتى يستقر ~~بكم القرار. فهو وإن كان في الظاهر فناء واضمحلالا فهو في الحقيقة ولادة ~~ثانية قال الشاعر في ذلك: # تمخضت المنون له بيوم ... أتى ولكل حاملة تمام # فإنه جعل للمنون حملا كحمل المرأة وتمخضا متمخضها وولادة وولادة كولادتها ~~تنبيها على انه أحد أسباب الكون. قال بعضهم: الإنسان ما دام في دنياه جار ~~مجرى الفرخ في البيضة فكما أن من كمال الفرخ تفلق البيض عنه وخروجه منه، ~~كذلك من شرط كمال الإنسان مفارقة هيكله ولولا هذا الموت لم يكمل الإنسان، ~~فالموت إذن ضروري في كمال الإنسان، ولكون الموت سببا للإنتقال من حال أوضع ~~إلى حال أشرف وأرفع سماه الله تعلى توفيا وإمساكا عنده فقال تعالى: (الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليه الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى) ولهذا تقول العرب: استأثر الله بفلان، ولحق ~~بالله ونحو ذلك من الألفاظ ولأجل أن الموت الحيواني انتقال من منزل أدنى ~~إلى منزل أعلى أحبه من وثق بما له عند الله، ولم يكره هذا إلا أحد رجلين ~~أحدهما من لا يؤمن بالآخرة وعنده أن لا حياة ولا نعيم إلا في الدنيا كمن ~~وصفهم الله تعالى ms54 بقوله: (ولتجدنهم أحرص لناس على حياة ومن الذين أشركوا ~~يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر) . وقال بعض ~~من هذه طريقته شعرا في هذا المعنى: # PageV01P116 # خذ من الدنيا بحظ ... قبل أن تنقل عنها # فهي دار ليس تلقى ... بعدها أطيب منها # والثاني يؤمن به ولكن يخاف ذنبه، فأما من لم يكن كذلك فإنه يحبه ويتمناه ~~كما أحبه الصالحون وتمنوه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه " وقال تعالى: (فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين) تنبيها على أن من يكون متحققا بحسن حاله عند الله لم يكره الموت. ~~فالموت هو باب من أبواب الجنة منه يتوصل إليها، ولو لم يكن موت لم تكن ~~الجنة ولذلك من الله تعالى به على الإنسان فقال: (الذي خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فقدم الموت على الحياة تنبيها على أنه يتوصل به ~~إلى الحياة الحقيقية وعده علينا في نعمه فقال: (كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) فجعل الموت أنعاما كما جعل الحياة ~~أنعامأ لأنه لما كنت الحياة الأخروية نعمة لا وصول إليها إلا بالموت فالموت ~~نعمة لأن السبب الذي يتوصل به إلى النعمة نعمة، ولكون الموت ذريعة إلى ~~السعادة الكبرى لم يكن الأنبياء والحكماء يخافونه، حتى قال أمير المؤمنين ~~علي ابن أبي طالب عليه السلام: والله ما أبالي أقع على الموت أو يقع الموت ~~علي. وكانوا يتوقعونه ويرون أنهم في حبس فينتظرون المبشر بإطلاقهم. وعلى ~~هذا روي: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". وقيل أنه لما مات داود الطائي ~~سمع هاتف # PageV01P117 # يقول: " أطلق داود من السجن ". قال الله تعالى: (ولئن متم أو قتلتم لإلى ~~الله تحشرون) تنبيها على أن الموت سبيل الحياة المستفادة عند الله تعالى. ~~وقال تعالى: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما ~~يجمعون) وقال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتأ بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون ms55 فرحين ... الآية) وعلى هذا نبه الله تعلى بقوله: (ثم ~~أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم أنكم بعد ذلك لميتون ثم ~~أنكم يوم القيامة تبعثون) فنبه على أن هذه التغييرات خلق أحسن فنقض هذه ~~البنية لإعادتها على وجه أشرف كالنوى المزروع الذي لا يصير نخلا مثمرا إلا ~~بعد إفساد جثتها، وكذلك البر إذا أردنا أن نجعله زيادة في أجسامنا يحتاج أن ~~يطحن ويعجن ويخبز ويأكل فيغير تغيرات كثيرة هي فساد لها في الظاهر، وكذلك ~~البذر إذا ألقي في الأرض يعده من لا يتصور مآله وحاله فسادا، فالنفس تحب ~~البقاء في هذه الدار إذا كانت قذرة راضية بالأعراض الدنيوية رضا الجعل ~~بالحش أو جاهله بمآلها في المآل. # PageV01P118 ### | الباب الثالث والثلاثون # في فضيلة الإنسان إذا شرف على الملائكة قد تقدم أن الناس ضربان: ضرب لم ~~يحظ من الإنسانية إلا بالصورة التخطيطية من انتصاب القامة وعرض الظفر ~~والقوة على الضحك ولغو من النطق يجري مجرى المكاء والتصدية وهو دون ~~البهائم. وضرب هو الإنسان وهو المعنى بما خلق لأجله فمن كان كذلك فله ~~حالتان: إحداهما حالته وهو في الدنيا ولم يقتحم العقبة ويفك الرقبة بل هو ~~صريع جوعه وأسير شبعة، تنتنه العرقة وتؤلمه البقة وتقتله الشرقة، ولما يقض ~~ما أمره، فهو ما دام في دنياه لا يحكم له [انه أفضل من الملائكة على ~~الإطلاق. والحالة الثانية قد اقتحم العقبة وفك الرقبة بعدما قضى ما أمره، ~~فصار من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بل قد جعل في مقعد صدق عند مليك ~~مقتدر ذا حياة بلا ممات وغنى بلا فقر وعز بلا ذل وعلم بلا جهل وقد قامت ~~الملائكة تخدمه كما قال تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من # PageV01P119 # كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) فحينئذ من جعل له هذه ~~المنزلة فهو أفضل من كثير من الملائكة، أعاننا الله على بلوغ هذه المنزلة ~~وجعلنا من المترشحين لها برحمته أنه على ما يشاء قدير. # فهذا آخر ما قصدت من بيان تفصيل النشأتين وتحصيل ms56 السعادتين نفعني الله به ~~ومن نظر فيه برحمته أنه على ما يشاء قدير ولحمد لله وصلواته على خير خلقه ~~محمد وآله الطيبين الطاهرين. PageV01P120 ms57