######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023582 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: علي بن محمد بن علي، أبو الحسن الطبري، الملقب بعماد الدين، المعروف بالكيا الهراسي الشافعي (المتوفى: 504هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 504 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أحكام القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023582 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23582 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23582 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: موسى محمد علي وعزة عبد عطية #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1405 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة المؤلف # (بسم الله الرحمن الرحيم) استعنت بالله قال الشيخ الإمام الأجل السيد علم ~~الهدى، شمس الإسلام، عماد الدين، إمام الأئمة، نور الشريعة، قدوة الفريقين: ~~«1» أبو الحسن علي ابن محمد الطبري، رحمه الله ورضي عنه: # الحمد لله الذي أكرمنا بتنزيله، وشرفنا بمعرفة تأويله، وشفى صدورنا بواضح ~~بيانه، وهدانا من ظلم الضلالة، وعماية الجهالة به، وجعله ميزان قسط لا يحيف ~~عن الحق غرب لسانه، وضوء هدى لا يجتنى من الشهاب نور برهانه، وعلم نجاة لا ~~يضل من أم قصد سنته، ولا تنال أيدي الهلكات من تعلق بعروة عصمته.. # نحمده على فنون بلائه، وضروب آلائه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، شهادة من يعتصم بحبله، ويأوي في الشبهات إلى حرز عدله، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله، وصفيه ونبيه، أرسله ببيان أوضحه، ولسان أفصحه، وشرع ~~شرحه، ودين فسحه، فلم يدع صلوات الله عليه فسادا إلا أصلحه، ولا عنادا إلا ~~زحزحه، صلوات الله عليه ما هلل ملك وسبحه، وعلى من نصره وصحبه.. وبعد: ~~PageV01P001 # فإني لما تأملت مذاهب القدماء المعتبرين، والعلماء المتقدمين والمتأخرين ~~واختبرت مذاهبهم وآراءهم، ولحظت مطالبهم وأبحاثهم، رأيت مذهب الشافعي رضي ~~الله عنه وأرضاه أسدها وأقومها، وأرشدها وأحكمها، حتى كان نظره في كبر ~~آرائه، ومعظم أبحاثه، يترقى عن حد الظن والتخمين، إلى درجة الحق واليقين. # ولم أجد لذلك سببا أقوى، وأوضح وأوفى، من تطبيقه مذهبه على كتاب الله ~~تعالى، الذي: # (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) «1» .. # وأنه أتيح له درك غوامض معانيه، والغوص على تيار بحره لاستخراج ما فيه، ~~وأن الله فتح عليه من أبوابه، ويسر عليه من أسبابه، ورفع له من حجابه، ما ~~لم يسهل لمن سواه، ولم يتأت لمن عداه، فكان على ما أخبر الله تعالى عن ذي ~~القرنين في قوله: # (وآتيناه من كل شيء سببا، فأتبع سببا) «2» . # ولما رأيت الأمر كذلك، أردت أن أصنف في أحكام القرآن كتابا أشرح فيه ما ~~انتزعه الشافعي رضي الله عنه، من أخذ الدلائل ms001 في غوامض المسائل، وضممت إليه ~~ما نسجته على منواله، واحتذيت فيه على مثاله، على قدر طاقتي وجهدي، ومبلغ ~~وسعي وجدي، ورأيت بعض من عجز عن إدراك مستلكاته «3» فهمه، ولم يصل إلى ~~أغراض معانيه سهمه، جعل عجزه عن فهم معانيه، سببا للقدح في معاليه. ولم ~~يعلم أن الدر PageV01P002 # در برغم من جهله، وأن آفته من قصور فهمه، وقلة علمه، وما يضر الشمس قصور ~~الأعمى عن إدراكها، والحقائق عجز البليد عن لحاقها.. # ولن يعرف قدر هذا الكتاب، وما فيه من العجب العجاب، إلا من وفر حظه من ~~علوم المعقول والمنقول، وتبحر في الفروع والأصول، ثم أكب على مطالعة هذه ~~الفصول بمسكة صحيحة، وقريحة نقية غير قريحة. # وأعوذ بالله من الإعجاب بالإبداع، والميل بالهوى إلى بعض الآراء في مظان ~~النزاع، وأسأله أن يجعل مجامع مساعينا، وجل متاعبنا في طلب مرضاته، إنه ولي ~~قدير، وبالإجابة جدير، فأقول: # لما رأيت أقاويل المفسرين في أحكام القرآن متجاوزة حد البيان، آخذة بطرفي ~~الزيادة والنقصان، جررت في سرحها هذه الفصول، المتضمنة من اللفظ والمعنى ~~شفاء كل عليل، مع انتخابي فيها قصد السبيل، وتوقي التعليل والتطويل ... # فالأول في (بسم الله الرحمن الرحيم) وما فيه من معنى الضمير، فإن فيه ~~ضمير فعل لا يستغني الكلام عنه، لأن الباء من سائر حروف الجر لا بد أن يتصل ~~بفعل، إما مظهر مذكور، وإما مضمر محذوف. # والمضمر في هذا الموضع إما أن يكون خبرا أو أمرا. # فإذا كان خبرا فمعناه: ابدأ بسم الله، ودل الكلام على هذا الضمير لأن ~~القارئ مبتدئ، والحال المشاهدة منبئة عنه، ومغنية عن ذكره.. # ومعنى الأمر: ابدءوا بسم الله. # ودل على الأمر قوله تعالى في موضع آخر (اقرأ باسم ربك) «1» PageV01P003 # ويحتمل أن يكون أرادهما بالضمير، لأن الضمير يحتملهما، ولو صرح بأحدهما ~~امتنعت إرادة الآخر. # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» «1» ، فإن ~~الحكم لما تعلق بضمير يحتمل رفع الحكم رأسا «2» ، ويحتمل المأثم فلا تبعد ~~إرادتهما، ولو صرح بأحدهما ولم يجز إرادة الثاني.. # وقد يجيء من ms002 الضمير المحتمل للأمرين، ما لا يصح إرادتهما جميعا معا، ~~فيلحق ذلك بقسم المجمل، كقوله: «الأعمال بالنيات» «3» ، وحكمه. متعلق بضمير ~~يحتمل جواز العمل، ويحتمل فضيلته، وإرادة الجواز تنفي إرادة الفضيلة، ~~وإرادة الفضيلة تقتضي إثبات حكم شيء منه لا محالة، مع إلحاق النقصان فيه ~~ونفي الفضيلة عنه، ويستحيل إرادة نفي الفضيلة والأصل جميعا في حالة واحدة، ~~وليس احتمال الضمير للأمرين موجبا عموما من حيث الصيغة، ولكنه يحتمل ~~إرادتهما، فإن معنى العموم: اشتمال اللفظ على معنيين من جهة واحدة، وليس ~~مجملا أيضا فإن إرادة الكل جائزة. # والفوائد التي ينتظمها قوله: «بسم الله» .. # الأمر باستفتاح الأمور بها تبركا بذلك. # وذكرها على الذبيحة «4» . PageV01P004 # وشعار من شعائر الدين. # وطرد الشيطان، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا ~~سمى العبد الله تعالى على طعامه لم ينل منه الشيطان، فإذا لم يسمه نال منه ~~معه» «1» .. # وفيه إظهار مخالفة المشركين الذين يفتتحون أمورهم بذكر الأصنام أو غيرها ~~من المخلوقين ... # وهو مفزع الخائف. # ودلالة من قائله على انقطاعه إلى الله. # وأنس للسامع. # وإقرار بالألوهية. # واعتراف بالنعمة. # واستغاثه «2» بالله. # وعبادة له «3» . # وفيه اسمان من أسماء الله تعالى لا يسمى بهما غيره: وهو الله والرحمن، ~~وهو «4» أشهر أسماء الله تعالى، الذي ينسب إليه كل اسم، فيقال: # الرؤوف والكريم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الكريم. ~~PageV01P005 ### | سورة البقرة # قوله تعالى في شأن المنافقين وإظهارهم الإيمان مع إضمار الكفر «1» وعدم ~~الأمر بقتلهم يدل على جواز استتابة الزنديق، فإنه تعالى ما أمر بقتلهم. # قوله تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا) (9) . # هو مجاز في حق الله تعالى، فإن الخديعة إخفاء الشيء. ولا يخفى على الله ~~شيء. والقوم إن لم يعرفوا الله تعالى فلا يصح أن يقصدوه بالخداع، وكذلك إن ~~عرفوه، ولكنهم عملوا عمل المخادع، ووباله «2» رجع إليهم، وكأنهم إنما ~~يخادعون أنفسهم. # أو يقال: يخادعون رسول الله ... # وقوله تعالى: (يستهزئ بهم) (15) . # يجوز أن يكون مقابلة الكلام بمثله، كقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) «3» ، ~~وكذلك (فاعتدوا عليه) «4» الآية.. PageV01P006 # وقيل: إنه لما رجع وبال ms003 الاستهزاء عليهم فكأنه استهزأ بهم. # ولما كانت جريمتهم أضر على المسلمين، أخبر أنهم في الدرك الأسفل من ~~النار، ودل على أن العقوبات في الدنيا ليست على أقدار الجرائم، وإنما هي ~~على قدر مصالح الدنيا «1» ، وجائز أن لا تشرع العقوبة في الدنيا أصلا وإنما ~~تشرع في الآخرة. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمورا في ابتداء الإسلام بالصفح «2» ~~عنهم، والدفع بالتي هي أحسن، وفرض القتال بعد ذلك للمصلحة. # فيجوز أن يقتل من يظهر الكفر دون من يسر للمصلحة، ويجوز خلافه. # ويجوز أن يرد الشرع بقتل النسوان «3» وأن يرد بخلافه، والعقل لا يمنع من ~~ذلك. # قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض فراشا) (22) . # إبانة للقدرة بأن جعلها على مثال الفراش، وليس ذلك لحكم الإطلاق فإنه لو ~~حلف أن لا يبيت على فراش، فبات على الأرض لم يحنث، ولو قال: لا أقعد في ~~السراج فقعد في الشمس لم يحنث، لأن الإطلاق لا ينصرف إليه ... وكذلك في ~~قوله: (والجبال أوتادا) «4» .. فأفهم الفرق بين العرف الشرعي واللغوي، ~~والمذكور على وجه التقييد.. # قوله تعالى: (خلق لكم ما في الأرض جميعا) (29) : PageV01P007 # يدل على إباحة الأشياء في الأصل، إلا ما ورد فيه دليل الحظر، وكذلك قوله: ~~(سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض) «1» .. # ودل قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض فراشا) ، إلى قوله: (فإن لم تفعلوا ~~ولن تفعلوا) (24) . على الأمر باستعمال حجج العقول وإبطال التقليد. # وقال: (وبشر الذين آمنوا) (25) : وهو دليل على أنه أول مبلغ إليهم.. # وقال العلماء: إذا قال أي عبد بشرني بولادة فلان فهو حر، أن الأول من ~~المبشرين يعتق دون الثاني، لأن البشارة حصلت بخبره دون غيره، وهو ما يحصل ~~به الاستبشار ويأتي «2» على بشرة الوجه. # ولو قال: أي عبد أخبرني بولادتها عتق الثاني مثل الأول، ولذلك يقال: ظهرت ~~تباشير الأمر لأوائله، ولا تطلق البشارة في الشر إلا مجازا.. # وقيل: هو عام فيما سر وغم، لأن أصله فيما يظهر أولا في بشرة الوجه من ~~سرور أو غم، إلا أنه كثر فيما يسر فصار الإطلاق ms004 أخص به منه بالشر.. # قوله تعالى: (ولا تكونوا أول كافر به) (41) . # يدل على أن الكفر وإن كان قبيحا، فالأول من السابق أشد قبحا، وأعظم ~~لمأتمه وجرمه، لقوله: (وليحملن أثقالهم) «3» .. الآية PageV01P008 # وقوله: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم) «1» . وقوله: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل ~~الناس جميعا) «2» ، وقال عليه السلام: «إن على ابن آدم القاتل من الإثم في ~~كل قتيل ظلما لأنه أول من سن القتل» «3» . # وقال: «من سن سنة حسنة» «4» الحديث. # وقوله: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (43) . # يجوز أن يرجع إلى صلاة معهودة، متقدمة، ويجوز أن يكون مجملا موقوفا على ~~بيان متأخر عند من يجوز ذلك. # (واركعوا مع الراكعين) (43) : # لعله ذكره لأن صلاة أهل الكتابين لا ركوع فيها، فأراد أن يخصص الركوع ~~ليعلم به تميز صلاتنا عن صلاتهم.. # قوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) (59) . # يدل على أنه لا يجوز تغيير الأقوال المنصوص عليها، وأنه يتعين اتباعها. ~~PageV01P009 # قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) (67) . # هو مقدم في التلاوة. # وقوله: (قتلتم نفسا) «1» (72) مقدم في المعنى على جميع ما ابتدأ به من ~~شأن البقرة «2» . # ويجوز أن يكون في النزول مقدما وفي التلاوة مؤخرا.. # ويجوز أن يكون ترتيب نزولها، على حسب ترتيب تلاوتها، فكان الله تعالى ~~أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها، ثم وقع ما وقع من أمر القتيل، فأمروا أن ~~يضربوه ببعضها «3» .. # ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب ترتيب تلاوتها وإن كان مقدما في ~~المعنى، لأن الواو لا توجب الترتيب، كقول القائل: أذكر إذ أعطيت زيدا ألف ~~درهم إذ بنى داري، والبناء متقدم العطية. ونظيره في قصة نوح بعد ذكر ~~الطوفان وانقضائه في قوله: # (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين- إلى قوله- إلا قليل) «4» .. # فذكر إهلاك من أهلك منهم، ثم عطف عليه بقوله: # (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها) «5» . PageV01P010 # فالمعنى يجب مراعاة ترتيبه لا اللفظ، ويستدل به على جواز تأخير بيان ~~المجمل.. # وقد قيل: إنه كان عموما وكان ما ms005 ورد بعده نسخا.. # فقيل له فهو نسخ قبل مجيء وقته. # فأجابوا: بأنه قد جاء وقته وقصروا في الأداء. # وقد قيل فهلا أنكر عليهم في أول المراجعة؟ # فأجابوا: بأن التغليظ ضرب من الكبر. # ودل عليه قوله: (وما كادوا يفعلون) (71) . # وقوله: (لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك) (68) . # لا يعلم إلا بالاجتهاد، فهو دليل على جواز الاجتهاد، ودليل على اتباع ~~الظواهر مع جواز أن يكون الباطن على خلافه. # وقوله: (مسلمة) (71) : # يعني من العيوب، وذلك لا يعلم حقيقة وإنما يعلم ظاهرا.. # قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ... الآية) (75) . # دليل على أن العالم بالحق المعاند فيه أبعد عن الرشد، لأنه علم الوعد ~~والوعيد ولم يثنه ذلك عن عناده.. # قوله تعالى: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) (80) ، فيه رد على أبي ~~حنيفة في استدلاله بقوله عليه السلام: «دعي الصلاة أيام حيضتك» «1» .. في ~~أن مدة الحيض ما يسمى أيام الحيض، وأقلها ثلاثة PageV01P011 # وأكثرها عشرة، لأن ما دون الثلاثة يسمى يوما أو يومين، وما زاد على ~~العشرة يقال فيه أحد عشر يوما.. # فيقال لهم: فقد قال الله تعالى في الصوم: (أياما معدودات) «1» وعنى به ~~جميع الشهر، وقال: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) وعنى به أربعين يوما، ~~وإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد به تحديد العدد، بل يقال: أيام مشيك ~~وسفرك وإقامتك وإن كان ثلاثين وعشرين وما شئت من العدد. # ولعله «2» أراد ما كان معتادا لها، والعادة ست أو سبع «3» . # قوله تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) (81) . # فيه دليل على أن المعلق من اليمين على شرطين لا يتنجز بأحدهما «4» ومثله ~~قوله تعالى: # (.. الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) «5» .. # قوله تعالى: (وقولوا للناس حسنا) (83) . # يجوز أن يكون مخصوصا بالمسلمين. # ويجوز أن يكون قد نسخه الأمر بقتال المشركين ولعنهم. PageV01P012 # ويجوز أن يكون في الدعاء إلى الله تعالى «1» .. # قوله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~خرابها) (114) : # قوله «منع» : نزل في شأن المشركين حين منعوا المسلمين من ذكر الله تعالى ~~في ms006 المسجد الحرام، وسعيهم في خرابه بمنعهم من عمارته بذكر الله وطاعته. # وقوله: (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) (114) . # يدل على أن للمسلمين إخراجهم منها إذا دخلوها، لولا ذلك ما كانوا خائفين ~~بدخولها. # ويدل على مثل ذلك قوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) ~~«2» : # وعمارتها تكون ببنائها وإصلاحها، والثاني: حضورها ولزومها.. # كما يقال: فلان يعمر مسجد فلان، أي يحضره ويلزمه.. # قوله عز وجل: (ولله المشرق والمغرب) (115) . # يدل على جواز التوجه إلى الجهات في، النوافل، وللمجتهد جواز التعبد ~~بالجميع.. # وقوله: (وقالوا اتخذ الله ولدا) الآية (116) : PageV01P013 # يدل على امتناع اجتماع الملك والولادة، إلا جواز الشراء توسلا إلى العتق ~~بقوله عليه السلام: «فيشتريه فيعتقه» «1» .. أي بالشراء يعتقه، كقوله عليه ~~السلام «الناس عاريان: فبائع نفسه فموبقها؟؟؟، ومشتر نفسه فمعتقها» «2» .. ~~يريد أنه يعتقها بالشراء لا باستئناف عتق. # قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) ، الآية (124) . # دلت على أن التنظف ونفي الأوساخ والأقذار عن الثياب والبدن مأمور به، وقد ~~قال سليمان بن فرج أبو واصل: أتيت أبا أيوب فصافحته فرأى في أظفاري طولا، ~~فقال: # جاء رجل إلى النبي عليه السلام يسأل عن أخبار السماء، فقال: # يجيء أحدكم فيسأل عن أخبار السماء وأظفاره كأنها أظفار الطير يجتمع فيها ~~الوسخ والنفث؟ # وقالت عائشة رضي الله عنها: # «خمس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم: يدعهن في سفر ولا حضر: # المرآة، والكحل، والمشط، والمدري، والسواك» «3» . # قوله تعالى: (إني جاعلك للناس إماما) (124) . PageV01P014 # الإمام: من يؤتم به في أمر الدين، كالنبي عليه السلام، والخليفة والعالم. # أخبر الله تعالى إبراهيم أنه جاعله للناس إماما، وسأل إبراهيم ربه أن ~~يجعل من ذريته أئمة، فقال تعالى: # (لا ينال عهدي الظالمين) (124) . # ودل قول الله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) على أن الإجابة قد وقعت له ~~في أن من ذريته أئمة، ولكن لا إمامة لظالم حتى لا يقتدى به، ولا يجب على ~~الناس قبول قوله في أمر الدين. # نعم: كان يجوز أن تظهر المعجزة على يد فاسق ظالم، ويجب قبول قوله لوجود ms007 ~~الدليل، وإن لم يجب قبول قول الفاسق، لعدم ظهور الصدق الذي هو دليل قبول ~~قوله، فأما دليل المعجزة فلا يختلف بالظلم وعدمه عقلا، غير أن العصمة وجبت ~~للأنبياء سمعا. # ويجوز عقلا وجوب قبول قول الفاسق، ولكن دلت هذه الآية على أن عهد الله ~~تعالى لا ينال الظالمين. # فيحتمل أن يكون ذلك النبوة، ويحتمل أن يكون ما أودعهم من أمر دينه، وأجاز ~~قولهم فيه، وأمر الناس بقبوله منهم. # ويطلق العهد على الأمر، قال الله تعالى: # (إن الله عهد إلينا) «1» ، يعني أمرنا، وقال: # (ألم أعهد إليكم يا بني آدم) «2» . يعني: ألم أقدم إليكم الأمر به. ~~PageV01P015 # وإذا كان عهد الله هو أوامره، فقوله: (لا ينال عهدي الظالمين) ، لا يريد ~~به أنهم غير مأمورين لأن ذلك خلاف الإجماع، فدل على أن المراد به أن يكونوا ~~بمحل من تقبل منهم أوامر الله، ولا يؤمنون عليها. # قوله تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة «1» للناس وأمنا) ، يحتج به في كون ~~الحرم مأمنا، ويحتمل أن يكون معناه جميع الحرم، كقوله: # (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام) «2» . وقوله: (فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا) «3» . إلا أن معناه أنه مأمن عن النهب والغارات، ~~ولذلك قال النبي عليه السلام في خطبته يوم فتح مكة: # «إن الله حبس عن مكة الفيل، وملك عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ~~ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة، لا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ~~ولا تحل لقطتها إلا لمنشد» «4» . # نعم، قد روى أبو شريح الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يسفكن فيها دم، وإن الله تعالى ~~حلها لي ساعة ولم يحلها للناس» «5» . PageV01P016 # ويحتمل أن يكون جعلها مأمنا ما جعل فيها من العلامة العظيمة على توحيد ~~الله تعالى، واختصاصه لها بما يوجب تعظيمها ما شوهد من مر الصيد فيها، فإن ~~سائر بقاع الحرم مشبهة لبقاع الأرض، ويجتمع فيها الكلب والظبي، فلا يهيج ~~الكلب، ولا ينفر منه الظبي، حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه، ms008 وعاد ~~إلى النفور والهرب. # وقوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (125) . # يدل على ركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات. # وقوله: (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) (125) . # يدل من وجه على أن الطواف للغرباء أفضل، والصلاة للمقيمين والعاكفين بها ~~أفضل.. # ويدل على اشتراط الطهارة للطواف، ويدل على جواز الصلاة في نفس الكعبة ردا ~~على مالك في منع الصلاة المفروضة في الكعبة «1» . دون النفل. # وأمره بتطهير نفس البيت يدل على الصلاة- التي شرعت الطهارة فيها- في نفس ~~البيت. # ودل أيضا قوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) «2» على جواز الصلاة ~~«3» ، إذ الشطى الناحية، والمصلى في البيت متوجه إلى ناحية منه. ~~PageV01P017 # قوله تعالى: (رب اجعل هذا بلدا آمنا) (126) . # يعني من القحط والغارة لا على ما ظنه بعض الجهال أنه يمنع من سفك الدم في ~~حق من لزمه القتل. فإن ذلك يبعد كونه مقصودا لإبراهيم عليه السلام حتى ~~يقال: إنه طلب من الله أن يكون في شرعه تحريم قتل من التجأ إلى الحرم ممن ~~حرم الله تعالى عليه دخول الحرم والمقام فيه وأمره بالخروج ومنع من ~~معاملته. وتعزيره على ظلمه دون أن يكون مراده منه رفع القبر؟؟؟ «1» ~~والغارات والنهوب والقتال خاصة إذا قيل: يجوز قطع الأيدي في السرقة وإقامة ~~الجلدات في الجرائم الموجبة لها. وكيف يحصل معنى الأمن مع هذا؟ # ودل سياق الآية على ذلك. فإنه تعالى قال: # (وارزقهم من الثمرات) «2» . # وقال: (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) «3» . # ومنع الله تعالى من اصطلام «4» أهلها ومنع من الخسف والغرق الذي لجو ~~غيرها وجعل في النفوس المتمردة من تعظيمها والهيبة لها ما صار أهلها ~~متميزين بالأمن عن غيرهم من أهل القرى. # قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) «5» ، يوجب الطواف PageV01P018 # لجميع البيت فمن سلك الحجر أو علا شاذروان «1» الكعبة وهي من البيت فلم ~~يطف جميع البيت فلا يجوز. # قوله: (ربنا تقبل منا) (127) . # معناه: يقولان ربنا كما قال تعالى: # (والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم) «2» معناه: يقولون: أخرجوا ~~أنفسكم. # قوله تعالى: (أرنا مناسكنا) (128) . # يقال أن أصل النسك في اللغة الغسل يقال منه: ms009 نسك ثوبه إذا غسله وهو في ~~الشرع اسم للعبادة يقال: رجل ناسك إذا كان عابدا. # وقال البراء ابن عازب: # خرج النبي عليه السلام يوم الأضحى فقال: # «إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح» «3» . # وقال عز وجل: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) «4» يعني ذبح شاة. # ومناسك الحج: ما يقتضيه من الذبح وسائر أفعاله. # وقال عليه السلام حين دخل مكة محرما: # «خذوا عني مناسككم» «5» . PageV01P019 # قوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم) الآية (130) . # يدل على لزوم اتباع إبراهيم في شرائعه فيما لم يثبت نسخه. # وقوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها؟ قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (142) . # يدل على جواز النسخ: لقوله: (ولله المشرق والمغرب) ومعناه: أن الجهات لا ~~تقتضي التوجه في الصلاة إليها لذواتها وإنما وجود التوجه إليها بإيجاب الله ~~تعالى. # وقد دلت الآية أيضا على جواز نسخ السنة بالقرآن «1» لأن النبي عليه ~~السلام كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس- وليس في القرآن ذكر ذلك- ثم نسخ. # ومن يأبى ذلك يقول: قد ذكر ابن عباس أنه نسخ قوله تعالى: # (فأينما تولوا فثم وجه الله) «2» . وكان التوجه إلى حيث كان من الجهات في ~~مضمون الآية ثم نسخ بالتوجه إلى الكعبة. # ولما نسخت القبلة إلى بيت المقدس وصل الخبر إلى أهل قباء في صلاتهم ~~فاستداروا ففهم منه أن الأمة إذا عتقت وهي في الصلاة أنها تأخذ قناعها ~~وتبني وهذا أصل في قبول خبر الواحد في أمر الدين. # ويدل على جواز ثبوت نسخ بقاء الحكم بعد الأمر الأول بقول الواحد. # وأن الدليل الموجب للعلم بثبوت الحكم غير الدليل المبقي ولذلك ~~PageV01P020 # صح ثبوت النسخ بقول الواحد. # ويمكن أن يفهم منه أن المتيمم إذا رأى الماء في خلال الفلاة يتوضأ ويبنى. # وقوله تعالى: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (144) «1» : # خطاب لمن كان معاينا للكعبة ولمن كان غائبا عنها. # والمراد لمن كان حاضرها إصابة عينها ومن كان غائبا عنها ولا يمكنه إصابة ~~عينها فلا يكلف ما ms010 لا يطيق وإنما سبيله الاجتهاد فهو دليل على استعمال ~~الأدلة وهو سبيل القياس في الحوادث أيضا. # ويدل على أن الأشبه من الحوادث حقيقة مطلوبة بالاجتهاد ولذلك صح تكليف ~~طلب القبلة بالاجتهاد لأن لها حقيقة ولو لم يكن هناك قبلة رأسا لما صح ~~تكليفنا طلبها. # قوله: لكل وجهة # «2» وموليها) (148) : # يفيد أن لكل قوم من المسلمين وجهة من أهل سائر الآفاق إلى جهات الكعبة ~~وراءها وقدامها وعن يمينها أو شمالها كأنه أفاد أنه ليس جهة من جهاتها ~~بأولى أن تكون قبلة من غيرها. PageV01P021 # قوله: استبقوا الخيرات) # (148) : # يدل على أن تعجيل الطاعات أفضل من تأخيرها. # قوله تعالى: (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم) (150) . # من الناس من يحتج به في جواز الاستثناء من غير جنسه وقد قال قوم: هو ~~استثناء منقطع «1» ومعناه: لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ويضيعون ~~موضع الحجة وهو مثل قوله: # (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) «2» . معناه: لكن اتباع الظن. # وقال النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # ومعناه: لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب. # وقيل: أراد بالحجة المحاجة والمجادلة ومعناه: لئلا يكون للناس عليكم حجاج ~~إلا الذين ظلموا منهم يحاجونكم بالباطل. # قوله تعالى: (فاذكروني أذكركم) (152) . # يحتمل التفكر في دلائله. # ومثله قوله: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) «3» . PageV01P022 # وقوله تعالى بعده: (استعينوا بالصبر والصلاة) (153) : # عقب قوله (فاذكروني أذكركم) . # يدل على أن الصبر وفعل الصلاة معونة في التمسك بأدلة العقول الدالة على ~~وحدانيته. # وهو مثل قوله: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) «1» أخبر أن فعل ~~الصلاة لطف في ترك الفحشاء والمنكر ثم عقبه بقوله: # (ولذكر الله أكبر) . # يعني أن ذكر الله تعالى بالقلب في دلائله أكبر من فعل الصلاة وأن فعل ~~الصلاة معونة في التمسك بهذا الذكر ولطف في إدامته. # قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات) الآية (154) : # قيل دليل على إحياء الله الشهداء بعد موتهم لا حياة القيامة فإنه قال: ~~«ولكن لا تشعرون» . # وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد ms011 الموت ليرزقهم فيجوز أن يحيي الكفار ~~ليعذبهم وفيه دليل على عذاب القبر. # قوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات وبشر الصابرين) (155) : # فقدم ذكر ما علم أنه يصيبهم ليوطنوا أنفسهم عليه فيكون أبعد لهم من الجزع ~~ويكونوا مستعدين له فلا يكون كالهاجم عليهم. PageV01P023 # وفيه تعجيل ثواب الله تعالى على العزم وتوطين النفس. # قوله تعالى: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله) (156) : # يعني إقرارهم بالعبودية في تلك الحالة بتفويض الأمور إليه والرضا بقضائه ~~فيما يبتليهم به وأنه لا يقضي إلا بالحق كما قال تعالى: # (والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء) «1» . # وقوله: (وإنا إليه راجعون) إقرار بالبعث وأن الله تعالى يجزي الصابرين ~~على قدر استحقاقهم. # ثم الصبر على جهات مختلفة: # فما كان على فعل الله تعالى فهو بالتسليم والرضا وما كان من فعل العدو ~~فهو بالصبر على جهادهم والثبات على دين الله تعالى لما يصيبهم من ذلك. # ونبهت الآية على فرح الصابرين وما في الصبر من تسلية عن الهم ونفي الجزع ~~وفيه صبر على أن الفرائض لا يثنيه عنها مصاعب الدنيا وشدائدها.. # وفي التلفظ بقوله تعالى: (إنا لله وإنا إليه راجعون) غيظ الأعداء لعلمهم ~~بجده واجتهاده ويقتدي به غيره إذا سمعه وربما ترقى الأمر بالصابر المفكر في ~~الدنيا إلى أن- لا يحب- البقاء فيها وهو الزهد في الدنيا والرضا بفعل الله ~~تعالى عالما بأنه صدر من عند من لا يتهم عدله PageV01P024 # ولا يصدر عن غير الحكمة فعله. وأنه لا يجوز أن يفوته ما قد قدر لحوقه به ~~ومن علم أن لكل مصيبة ثوابا فينبغي أن لا يحزن لها. # قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات) (159) مع أمثاله في ~~القرآن: # يدل على وجوب إظهار علوم الدين وتبيينها للناس وعم ذلك المنصوص عليه ~~والمستنبط لشمول اسم الهدى للجميع. # وفيه دليل على وجوب قبول قول الواحد لأنه لا يجب البيان عليه إلا وقد وجب ~~قبول قوله.. # وقال: (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا) (160) . فحكم بوجوب البيان ~~بخبرهم. # فإن ms012 قيل: إنه يجوز أن يكون كل واحد منهم منهيا عن الكتمان ومأمورا ~~بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر بهم الخبر.. # قلنا: هذا غلط لأنهم لم ينهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ ~~عليه. # ومتى جاز منهم التواطؤ على الكتمان جاز منهم التواطؤ في النقل فلا يكون ~~خبرهم موجبا للعلم. # ودلت الآية أيضا على لزوم إظهار العلم وترك كتمانه ومنع أخذ الأجرة عليه ~~إذ لا تستحق الأجرة على ما عليه فعله كما لا يستحق الأجرة على الإسلام. # وقال: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا) ~~«1» . PageV01P025 # وذلك يمنع أخذ الأجرة على الإظهار وترك الكتمان لأن قوله: # (ويشترون به ثمنا قليلا) مانع من أخذ البدل عليه من سائر الوجوه إذ كان ~~الثمن في اللغة هو البدل. # وقوله: (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا) (160) : # يدل على أن التوبة من الكتمان إنما تكون بإظهار البيان وأنه لا يكتفي في ~~صحة التوبة بالندم على الكتمان فيما سلف دون البيان فيما يستقبل.. # قوله تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله) ~~(160) . # فيه دليل على أن على المسلمين لعن من مات كافرا وأن زوال التكليف عنه ~~بالموت لا يسقط عنه مذمة لعن المسلمين وكذلك إذا جن الكافر وأنه ليس لعنتنا ~~له بطريق الزجر عن الكفر بل هو جزاء على الكفر وإظهار قبح كفره.. # وقد قال قول من السلف إنه لا فائدة في لعن من مات أو جن منهم لا بطريق ~~الجزاء ولا بطريق الزجر فإنه لا يتأثر به.. # والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ~~ويتضرر به ويتألم قلبه ويكون ذلك جزاء على كفره كما قال تعالى: # (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) «1» .. # ويدل على صحة هذا القول أن الآية دالة على الإخبار من الله تعالى بلعنهم ~~لا على الأمر.. PageV01P026 # قوله تعالى: (وإلهكم إله واحد) (163) . # دل على الاتحاد في الذات والصفات واستحالة المثل والاتحاد في الوجوه ~~منفردا بالقدم فانتظم وصفه لنفسه بأنه واحد ms013 هذه المعاني.. # وقوله: (إن في خلق السماوات والأرض) (164) : # بيان توحده في أفعاله وأمر لنا بالاستدلال بها ردا على من نفى حجج ~~العقول.. # واعلم أن الدلالة الأصلية على الصانع إثبات حدوث الأجسام والجواهر أما ~~قوله تعالى على التفصيل: (إن في خلق «1» السماوات والأرض) فهو من جهة وقوف ~~السماء على غير عمد ودلالة ذلك من جهة السكون أو الحركة.. # وفيه شيء آخر وهو أن وقوف الثقيل بلا مساك «2» يقله تتعجب منه العامة مع ~~أن الثقل لا معنى له إلا اعتمادات يخلقها الله تعالى وليس يجب هوى الجرم ~~وذهابه في جهة دون جهة من جهة كثرة الأجزاء وقلتها غير أن وقوف العظيم غير ~~هاو متعجب منه عند من لا يعرف السبب فيه.. # ولا سبب للسكون إلا خلق الله تعالى السكون فيه ولا يقف حجر في الهواء من ~~غير علاقة «3» ودل ذلك على القدرة وخرق العادة: # ولو جاء نبي وتحدى بوقوف جبل في الهواء دون علاقة كان معجزا.. ~~PageV01P027 # وأما اختلاف الليل والنهار فلتعاقبهما. وتعاقبهما على سنن واحد يدل على ~~أول لاستحالة حوادث لا أول لها.. # ودل اتساق هذه الأفعال وحركات الفلك على أن لها صانعا عالما قادرا يدبرها ~~ويديرها. # ودلالة الفلك من جهة أن الجسم السيال كيف يحمل الثقل العظيم وكيف صار ~~الفلك على عظمه وثقل ما فيه مسخرا للرياح وذلك يقتضي مسخرا يسخر الفلك ~~والماء والرياح. # والماء المنزل من السماء فيه دليل من جهة أن الماء شابه السيلان فارتفاعه ~~عجب ثم إمساكه في السحاب غير سائل منه حتى ينقله إلى الموضع الذي يريده ~~بالسحاب المسخرة لنقله فيه فجعل السحاب مركبا للماء والرياح مركبا للسحاب ~~حتى يسوقه من موضع إلى موضع ليعم نفعه سائر خلقه كما قال الله تعالى: # (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز) «1» . ثم أنزل ذلك الماء ~~قطرة قطرة لا تلتقي واحد مع صاحبتها في الجو مع تحويل الرياح لها حتى تنزل ~~كل قطرة على حيالها إلى موضعها من الأرض فلولا أن مدبرا دبره على هذا الوجه ~~كيف كان يجوز ms014 أن ينزل الماء من السحاب مع كثرته وهو الذي تسيل منه السيول ~~العظام على هذا الترتيب والنظام فلو اجتمع القطر وائتلف في الجو لقد كان ~~يكون نزولها مثل السيول المجتمعة منها عند نزولها إلى الأرض فيؤدي ذلك إلى ~~هلاك الحرث والنسل. # واعلم أن من عرف حدوث العالم لأمر مر يعلم أن فعل الله تعالى PageV01P028 # في جميع ما ذكرناه لا بآلة فلا العلاقة ماسكة ولا الماء حامل ولا الريح ~~ولا السحاب مركب ولا الرياح سابقة فإنها جمادات لا أفعال لها وإنما هذه ~~عادات أجراها الله تعالى وليست موجبة وكذلك حياة الأراضي بالمياه وخروج ~~أنواع النبات منها ليس بالمياه ولعل إجراء العادة في إنشاء الخلق على ~~النظام المعلوم تنبيه للعباد عند كل حادث من ذلك على قدرته والفكر في عظمته ~~وليشعرهم في كل وقت بما أغفلوه ويحرك خواطرهم للفكر فيما أهملوه فخلق الأرض ~~والسماء ثابتين لا يزولان إلى الوقت المقدر ثم أنشأ الحيوان من الناس ~~وغيرهم من الأرض ثم أنشأ للجميع رزقا منها وأقواتا تبقي حياتهم بها. # ولم يعطهم ذلك الرزق جملة فيظنون أنهم مستغنون بما أعطوا بل جعل لهم قوتا ~~معلوما في كل سنة بمقدار الكفاية لئلا يبطروا ويكونوا مستشعرين بالافتقار ~~إليه في كل حال. # ووكل إليهم بعض الأسباب التي يتوصلون بها إلى ذلك من الحرث والزراعة ~~ليشعرهم أن للأعمال ثمرات من الخير والشر فيكون ذلك باعثا لهم إلى فعل ~~الخير ليجتنوا ثمرته واجتناب الشر ليسلموا من مغبته فيتولى من الأسباب ما ~~لا يتأتى للخلق تحصيله. # ثم جعل تلك الأسباب داعية لهم إلى الكسب والتبذل في الأعمال الشاقة لئلا ~~يبطروا وجعل أخلاقهم متفاوتة ليختلف بذلك صناعاتهم ويختلف درجاتهم في المهن ~~والأعمال وأنزل ما أنزل إلى الأرض بمقدار الحاجة ثم لم يقتصر فيما أنزله من ~~السماء على منافعه في وقت نزوله حتى جعل للماء مخازن وينابيع في الأرض ~~يجتمع فيها ذلك الماء فيخزن أولا فأولا على مقدار الحاجة كما قال تعالى: # (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع) # PageV01P029 # (في ms015 الأرض) # «1» وقال: # (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون) ~~«2» .. # ولو كان اقتصر على ما ينزل من السماء من غير حبس له في الأرض إلى وقت ~~الحاجة لكان قد سال كله وكان في ذلك هلاك الحيوانات كلها فجعل الأرض بمثابة ~~بيت يأوي إليه الإنسان والسماء بمنزلة السقف وجعل ما يحدثه من المطر ~~والنبات والحيوان والملابس والمطاعم بمنزلة ما ينقله الإنسان إلى بيته ~~لمصالحه. # ثم سخر هذه الأرض لنا وذللها للمشي عليها وسلوك طرقها ومكننا من الانتفاع ~~بها في بناء الدور والبيوت للسكن من المطر والحر والبرد وتحصينا من الأعداء ~~ولم يحوجنا إلى غيرها وأي موضع أردنا منها بالانتفاع بها «3» . في إنشاء ~~الأبنية مما هو موجود فيها من الحجارة والجص والطين ومما يخرج منها من ~~الخشب والحطب أمكننا ذلك. # وسهل علينا سوى ما أودعها من الجواهر التي عقد بها منافعها من الذهب ~~والفضة والحديد والرصاص والنحاس وغير ذلك كما قال تعالى: (وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام) «4» .. # فهذه كلها وما يكثر تعداده ولا يحيط به علمنا من بركات الأرض ومنافعها.. # ثم لما كانت مدة أعمارنا وسائر الحيوان لا بد أن تكون متناهية جعلها ~~كفاتا لنا بعد الموت كما جعلها في الحياة فقال: PageV01P030 # (ألم نجعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا) «1» ، وقال: # (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) «2» الآية.. # ثم لم يقتصر فيما خلق من النبات والحيوان على الملذ دون المؤلم، ولا على ~~الغذاء دون السم، ولا على الحلو دون المر، بل مزج ذلك كله ليشعرنا أنه غير ~~مريد منا الركون إلى هذه الدار، لئلا تطمئن نفوسنا إليها فنشتغل بها عن ~~الدار الآخرة التي خلقنا لها، فكان النفع في خلق الدواب المؤذية كالنفع في ~~اللذة السارة، ليشعرنا في هذه الدار كيفية الآلام، ليتضح الوعيد بألم ~~الآخرة، وينزجر عن القبائح، فإذا رأى حرا مفرطا تذكر نار جهنم فيتعوذ بالله ~~منها، وإذا رأى بردا مفرطا تذكر برد الزمهرير فيتعوذ منه، واستدل بالقليل ~~الفاني على الكثير الباقي، وانزجر عن القبائح طلبا ms016 لنعيم محض لا يشوبه كدر. # وفي قوله تعالى: (والفلك التي تجري في البحر) (164) دلالة على إباحة ركوب ~~البحر تاجرا وغازيا، وطالبا صنوف المآرب. # وقال في موضع آخر: # «هو الذي يسيركم في البر والبحر» «3» . وقال: # «ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله» «4» .. PageV01P031 # فقد انتظم «1» التجارة وغيرها، كقوله تعالى: # (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) «2» . # (أن تبتغوا فضلا من ربكم) «3» . # قوله تعالى: (إنما حرم عليكم الميتة) (173) عموم في السمك والجراد ~~وغيرهما. # وللناس كلام في جواز تخصيص عموم كلام الله تعالى بالسنة، وقد روى عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # «أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان ~~فالطحال والكبد» . # وقد روى عمرو بن دينار عن جابر في قصة جيش الخبط «4» : # فإن البحر ألقى إليهم حوتا أكلوا منه نصف شهر، فلما رجعوا إلى النبي عليه ~~السلام فأخبروه، فقال: هل عندكم منه شيء تطعموني؟ # وبالجملة: الخبر عام، وأيضا الكتاب عام، فإذا وقع التنازع في الطافي «5» ~~، لم يصح الاستدلال بعموم الخبر على عموم الكتاب.. # ومنهم من يستدل على تخصيص عموم آية تحريم الميتة بقوله تعالى: # (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم) «6» . PageV01P032 # وهذا مع عمومه لا يصلح لتخصيص عموم تحريم الميتة. # واستدلوا عليه بقول النبي عليه السلام أنه قال في حديث صفوان بن سليمان ~~الزرقي. عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة (عن أبي هريرة) عن النبي ~~عليه السلام أنه قال في البحر: # «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» .. # وسعيد بن سلمة مجهول غير معروف بالتبت، وقد خالفه في سنده يحيى ابن سعيد ~~الأنصاري فرواه عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبيه، عن رسول الله ~~عليه السلام، ومثل هذا الاضطراب في السند يوجب اضطراب الحديث، وغير جائز ~~تخصيص آية محكمة به. # وقد روى زياد بن عبد الله البكائي قال: حدثنا سليمان الأعمش، قال: حدثنا ~~أصحابنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ms017 قال: # «البحر الذكي صيده، والطهور ماؤه» .. # وهذا أضعف عند أهل النقل من الأول. # وقد روي فيه حديث آخر، وهو ما رواه يحيى بن أيوب، عن جعفر بن ربيعة وعمرو ~~بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي معاوية العلوي، عن مسلم بن إبراهيم، عن ~~جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في البحر: # «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» .. # قال أبو بكر الرازي، وهو الذي روى هذه الأخبار: # وحدثنا عبد الباقي بن قانع، قال أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: ~~حدثنا أحمد بن حنبل قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي الزناد قال: # أحكام القرآن ج 1 م 3 # PageV01P033 # حدثنا إسحاق بن حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر، عن النبي عليه ~~السلام أنه سئل عن البحر، فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . # وأما أبو عيسى الترمذي فإنه يروي حديث سعيد بن سلمة في صحيحه، ويقول: إنه ~~من آل ابن الأزرق، ويقول: إن المغيرة بن أبي بردة- وهو من بني عبد الدار- ~~أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: # «سأل رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إنا نركب ~~البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من البحر؟ ~~.. # فقال عليه السلام: «البحر هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» . # قال أبو عيسى: وفي الباب عن جابر والفراسي، ثم قال وهذا حديث حسن صحيح.. # وروى الرازي عن علي أنه قال: # «ما طفا من صيد البحر فلا تأكله» «1» . # وروى أيضا عن جابر وابن عباس كراهة الطافي. # وروى عن أبي بكر الصديق وأبي أيوب إباحة الطافي من السمك.. # وروى الرازي في أحكام القرآن- بإسناد له متصل عن جابر- أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # «ما ألقى البحر أو جزر «2» عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه» .. ~~PageV01P034 # وروي بإسناد آخر عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «ما جزر البحر عنه فكل «1» ، وما ألقي فكل، وما وجدته طافيا فوق الماء ~~فلا تأكل» ms018 . # وروي بإسناد آخر عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # «إذا صدتموه (وهو حي) فكلوه، وما ألقى البحر (حيا) فمات فكلوه وما ~~وجدتموه ميتا طافيا فلا تأكلوه» .. # وروي بإسناد آخر عن جابر: # «ما وجدتموه وهو حي (فمات) فكلوه، وما ألقى البحر طافيا ميتا فلا تأكلوه» ~~.. # وروى «2» سفيان الثوري وأيوب وحماد عن أبي الزبير موقوفا على جابر.. # وبالجملة: هذه الأخبار لا نعرف صحتها على ما يجب، ولكن الإشكال في عموم ~~كتاب الله تعالى، ويقابله أن عموم كتاب الله تعالى أنفقت الأمة على تطرق ~~التخصيص إليه في غير الطافي من ميتات السمك فلم يبق وجه العموم معمولا به، ~~وصار الحديث المتفق على صحته واستعماله في غير الطافي معمولا به في ~~الطافي.. # وروى أصحابنا عن سعيد بن بشير، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك أن ~~النبي عليه السلام قال: PageV01P035 # «كل مما طفا على البحر» .. # وأبان بن أبي عياش ليس هو ممن يثبت ذلك بروايته. # وقال شعبة: لأن أزني سبعين زنية أحب إلي من أن أروى عن ابان ابن أبي ~~عياش.. # وقد أباح أبو حنيفة الميتة من الجراد «1» ، ومستنده قوله عليه السلام: # «أحلت لنا ميتتان» «2» ، وقضى بذلك على عموم الكتاب في تحريم الميتة، مع ~~أن مالكا يقول في الجراد أنه إذا أخذ حيا وقطع رأسه وشوي أكل، وما أخذ منه ~~حيا فغفل عنه حتى مات لم يؤكل، إنما هو بمنزلة ما وجد ميتا قبل أن يصاد فلا ~~يؤكل عنده، وهو قول الزهري وربيعة.. # وقال مالك: ما قتله مجوسي فلا يؤكل.. # وقال الليث بن سعد: أكره الجراد ميتا، فأما إذا أخذته وهو حي فلا بأس به ~~وقال النبي عليه السلام في الجراد: # «أكثر جنود الله: لا آكله ولا أحرمه» «3» ولم يفصل بين ما مات وبين ما ~~قتله آخذه.. # وقال عطاء عن جابر: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبنا جرادا ~~فأكلناه.. PageV01P036 # وقال عبد الله بن أبي أوفى: # «غزوت مع رسول الله صلى الله عليه ms019 وسلم سبع غزوات فنأكل الجراد ولا نأكل ~~غيره» «1» .. # وكانت عائشة تأكل الجراد وتقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأكله» .. # وهذه الأخبار مستعملة بالإجماع في تخصيص بعض ما تناوله عموم الكتاب في ~~السمك والجراد، وذلك يدل على بطلان مذهب مالك في الجراد، ومذهب أبي حنيفة ~~في الطافي.. # ولأن إسالة الدم إذا لم تعتبر فأي معنى لاشتراط الذكاة في النوعين، وأي ~~أثر للآدمي واصطياده؟ .. # ودل ظاهر تحريم الميتة والمنخنقة على تحريم الأجنة كما قاله أبو حنيفة، ~~وخالفه فيه صاحباه مع الشافعي.. # ومالك يقول: إن تم خلقه ونبت شعره أكل وإلا لم يؤكل «2» : # وهو قول سعيد بن المسيب، لأنه عند تمام خلقه تحصل فيه الحياة والذكاة، ~~وقبل ذلك لا حياة، فيبقى على عموم تحريم الميتة. # وذلك ضعيف، فإنه إن لم يكن حيا فلا يكون ميتة، فالميتة ما زايلتها ~~الحياة.. # وقد وردت أخبار في أن ذكاة الجنين ذكاة أمه، وبعد حملها على PageV01P037 # أن ذكاة الجنين مثل ذكاة الأم فإنه عند ذلك لا يكون جنينا، وإذا تم خرج ~~حيا وفيه حياة مستقرة، فلا يخفى حكم الذكاة، فلا يكون في ذكره فائدة.. # وقد روى مجالد عن أبي الوداك، عن أبي سعيد أن النبي عليه السلام سئل عن ~~الجنين يخرج ميتا فقال: # «إن شئتم فكلوه، فإن ذكاته ذكاة أمه» «1» . # وأما مالك فإنه ذهب إلى ما روى في حديث سليمان بن عمران عن ابن البراء، ~~عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في أجنة الأنعام بأن ذكاتها ~~ذكاة أمها إذا أشعرت. # وروى الزهري عن ابن كعب بن مالك قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقولون: # (إذا أشعر الجنين فإن ذكاته ذكاة أمه» .. # والشافعي يقول: «نحن نقول بهما جميعا، إلا أن ذكر الإشعار كان تنبيها على ~~مثله في الذي هو أولى بكونه جزءا من الأم» . # واقتضى عموم تحريم الميتة المنع من دبغ جلدها، لولا الخبر المخصص «2» ~~واقتضى ظاهر الآية أيضا تحريم الانتفاع بدهن الميتة، وروى فيه محمد ابن ~~إسحاق، عن عطاء، ms020 عن جابر قال: PageV01P038 # لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أتاه أصحاب الصليب الذين ~~يجمعون الأوداك فقالوا: يا رسول الله، إنا نجمع هذه الأوداك «1» وهي من ~~الميتة وغيرها، وإنما هي للأدم والسفن، فقال صلى الله عليه وسلم: # «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» «2» فبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله تعالى إذا حرم شيئا حرمه على ~~الإطلاق، ودخل تحته تحريم البيع.. # وذكر عن عطاء أنه قال: يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، وهذا قول شاذ، فظن ~~أصحاب أبي حنيفة ان تحريم الله تعالى عين الميتة منع الانتفاع بالميتة من ~~الوجوه كلها، ومنع بيعها، ويجوز بيع الأعيان النجسة غير الميتة، إذ التحريم ~~فيها ليس مضافا إلى العين. # قال الشافعي رحمه الله: ينبغي من قوله (حرمت عليكم الميتة) تحريم لبنها، ~~وأبو حنيفة حكم بطهارة أنفحتها وألبانها، ولم يجعل لموضع الخلقة أثرا في ~~تنجيس ما جاوره بما حدث فيه خلقة، قال: # ولذلك يؤكل اللحم بما فيه من العروق بمع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من ~~غير غسل ولا تطهير لها، فدل ذلك على أن موضع الخلقة لا ينجس بالمجاورة لما ~~خلق فيه، ويلزمه على مساق هذا الحكم بطهارة ودك الميتة، فإن الموت لا يحله ~~أصلا، ونجاسة الخلقة لا تؤثر فيما جاورها.. # وله أن يقول: إن الودك في حكم الجزء الباقي معه، واللبن خلق خلقا ينفصل ~~عن الأصل فيحتلب ويستخرج منه، ولو انفصل الودك من الجملة في حياة الجملة ~~كان نجسا بخلاف اللبن، فإذا لم ينجس اللبن PageV01P039 # في حالة الحياة إذا انفصل فإنما ينجس بالمجاورة، ونجاسة الخلقة لا تؤثر ~~فيما جاورها. # والشعر والعظم من جملة الميتة، فعموم التحريم يشملهما. # قوله تعالى: «والدم» أوجب تحريم الدم مطلقا، وقال في موضع آخر: # (أو دما مسفوحا) «1» ، فلعل التقييد بالسفح تنبيه على ما يمكن سفحه ليخرج ~~منه الكبد والطحال «2» ، أو لئلا تتبع العروق وما فيها من الدم في اللحم ~~«3» .. # وقال تعالى: (ولحم الخنزير) بعد قوله: (حرمت عليكم الميتة) «4» ، وقال: ~~(إلا أن يكون ميتة) ms021 - إلى قوله- (أو لحم خنزير فإنه رجس) ، فخص اللحم ~~بالذكر، ولم يقل «حرمت الخنزير» كما قال: «حرمت الميتة» لأنه معظم ما يقصد ~~منه، وفيه مراغمة للكفار الذين يتدينون بأكل لحمه، ومثله تحريم قتل الصيد ~~PageV01P040 # مع تحريم جميع الأفعال في الصيد. ونص على تحريم البيع إذا نودي للصلاة ~~لأنه أعظم ما يبتغون به منافعهم. # فقيل لهم: فلم لا يخص كجسم الميتة تنبيها على الإجزاء؟ .. # فأجابوا بأنه أريد به مراغمة الكفار في تخصيص اللحم الذي هو أعظم مقاصدهم ~~من الخنزير بالتحريم.. # قوله تعالى: (وما أهل به لغير الله) (173) ، ولا يرى ذلك أصحابنا محرما ~~إلا من جهة الإعتقاد، ومقتضاه أن النصراني إذا سمى المسيح على الذبح يحل، ~~وهو ظاهر مذهب الشافعي ومذهب عطاء ومكحول والحسن وسعيد بن المسيب، والمشرك ~~وإن ذبح على اسم الله تعالى لا يحل. # ونقل عن الشافعي خلاف ذلك في النصراني يذبح على اسم المسيح، وليس بصحيح، ~~فإن الله تعالى أباح لنا أكل ذبائحهم مع علمه بأنهم يهلون باسم المسيح، وأن ~~النصراني إذا سمى الله عز وجل ثالث ثلاثة فإنما يريد بمطلقه المسيح، وذلك ~~معلوم من اعتقاده، وبه كفرناه، وليس كالمنافق الذي ليس يحكم بكفره ظاهرا ~~بما يعتقده، والنصراني حكم بكفره لما يعتقده من الشرك فلا يغيره بالتسمية ~~مع الإعتقاد القبيح «1» . # قوله: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) (173) يحتمل غير باغ في الميتة ولا عاد ~~في الأكل، ويحتمل العدوان بالسفر، فلا جرم اختلف قول الشافعي في إباحة أكل ~~الميتة للمضطر العاصي بسفره. # ويشهد لأحد القولين قوله تعالى: (إلا ما اضطررتم إليه) «2» ، فإنه عام. # ويشهد للقول الآخر قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم) «3» ... PageV01P041 # وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل ~~الميتة كان عاصيا. # وليس تناول الميتة من رخص السفر، أو متعلقا بالسفر، بل هو من نتائج ~~الضرورة سفرا كان أو حضرا، وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضا، ~~وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم الماء، وهو الصحيح عندنا.. # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص «1» في ms022 القتلى) ~~الآية: (178) ظن ظانون أن أول الكلام تام في نفسه، وأن الخصوص بعده في ~~قوله: (الحر بالحر والعبد بالعبد) لا يمنع من التعلق بعموم أوله، وهذا غلط ~~منهم، لأن الثاني ليس مستقلا دون البناء على الأول، إذ قول القائل: «الحر ~~بالحر والعبد بالعبد» لا يفيد حكم القصاص إلا على وجه البناء على الأول، ~~فإن الثاني ليس الأول، وتقديره: كتب عليكم القصاص وهو الحر بالحر قصاصا، ~~والعبد بالعبد قصاصا، فوجب بناء الكلام عليه. # قالوا: أمكن أن يقال: كتب عليكم القصاص مطلقا، وقوله: # (الحر بالحر) لنفي قتل غير القاتل، وهو معنى قوله عليه السلام: # «إن من أعنى الناس على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة: رجل قتل غير ~~PageV01P042 # قاتله، ورجل قتل في الحرم، ورجل أخذ بذحول الجاهلية» «1» .. # والذي قالوه ممكن، إلا أن الأظهر ما قلناه من جعل القصاص على هذا الوجه، ~~فتقديره: (كتب عليكم القصاص في القتلى) وكيفيته (الحر بالحر والعبد بالعبد) ~~الآية.. # فمن هذا صار الشافعي إلى أن الحر لا يقتل بالعبد. # ونفى أبو حنيفة القصاص بين الأحرار والعبيد مطلقا من الجانبين إلا في ~~النفس. # وأجرى ابن أبي ليلى القصاص بينهم في جميع الجراحات التي يستطاع فيها ~~القصاص.. # وقال الليث بن سعد: إذا كان العبد هو الجاني اقتص منه في الأطراف والنفس، ~~ولا يقتص من الحر بالعبد. # وقال: إذا قتل العبد الحر فلولي القتيل أن يأخذ نفس العبد القاتل فيكون ~~له، وإذا جنى على الحر فيما دون النفس فللمجروح القصاص إن شاء.. # وقال قائلون من علماء السلف: يقتل السيد بعبده. # وكل ذلك من حيث التعلق بعمومات وردت في القصاص..، ورووا عن سمرة بن جندب، ~~عن النبي عليه السلام أنه قال: PageV01P043 # «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه» «1» . # والذي ينفيه يقول: إنما جعل الله تعالى للولي السلطان في القصاص «2» ، ~~وولي العبد سيده، فلا يستحق القصاص على نفسه، إذ ليس يستحق السيد القصاص ~~على وجه الإرث انتقالا من العبد إليه، فلا ملك للعبد، وإنما يستوفي الإمام ~~نيابة عن المسلمين إذا كان القصاص ثابتا ms023 للمسلمين إرثا، ولا يمكن ذلك في حق ~~العبد. # ولا خلاف أنه لو قتل السيد عبده فلا خطأ فلا تؤخذ قيمته منه لبيت مال ~~المسلمين. # وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده ~~النبي عليه السلام، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين. # ولم يقده به» «3» . # ويحمل خبر سمرة على أنه كان بعد عتقه ثم قتله أو جدعه، فسماه عبدا ~~استصحابا للاسم السابق.. # ولهم أن يقولوا: وخبركم حكاية حال، فيحمل على أنه كان كافرا، أو أباح ~~العبد له دم نفسه.. # وقال الشافعي: يجري القصاص بين الرجال والنساء في النفس وما دونها من ~~الأطراف، وهو قول مالك وابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي، PageV01P044 # إلا أن الليث بن سعد قال: إذا جنى الرجل على امرأته عقلها ولم يقتص منه ~~بها، وكأنه رأي أن النكاح ضرب من الرق فأقرن شبهه في القصاص. # وقال عثمان البتي «1» : إذا قتلت امرأة رجلا قتلت، وأخذ من مالها نصف ~~الدية، وكذلك فيما دون النفس، وإن قتلها الرجل فعليه القود ولا يرد عليها ~~شيء.. # وعمدة من أوجب القصاص التعلق بالعمومات» # ولا مخصص، وليس في شيء منها ضم الدية إلى القصاص.. # وقال عليه السلام: من قتل قتيلا فوليه بخير النظرين بين أن يقتص أو يأخذ ~~الدية» «3» ، ولم يذكر التخيير. # وترك الشافعي العمومات في قتل المسلم بالكافر لأنها منقسمة، فمنها قوله ~~تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى) .. ومساق ذلك يدل على الإختصاص ~~بالمسلم، فإنه قال: (فمن عفي له من أخيه شيء) ، ولا يكون الكافر أخا ~~للمسلم، وقال: (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) . # وأما قوله: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) «4» . فلا حجة فيه، ~~فإنا نجعل له سلطانا وهو طلب الدية. # وأما قوله: (وكتبنا عليهم فيها) «5» . فإخبار عن شريعة PageV01P045 # من قبلنا فلا يلزمنا ذلك إلا ببيان من شرعنا جديد، مع أن العموم ليس يسقط ~~ببعض ما ذكروه بالكلية، إلا أنه يضعف.. # وروى البيلماني ومحمد بن المنكدر عن النبي عليه السلام أنه أفاد مسلما ~~بكافر، وقال: «أنا آخر ms024 من وفى بذمته» «1» ، وهما مرسلان لم يلقيا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم.. # وتأول من أوجب قتل المسلم بالكافر ما روي أنه عليه السلام قال: # «ألا لا يقتل مؤمن بكافر» «2» على أنه ذكره في خطبته يوم فتح مكة، وقد ~~كان رجل من خزاعة قتل رجلا من هذيل بذحل الجاهلية، فقال عليه السلام: «ألا ~~إن كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين، لا يقتل مؤمن بكافر، ~~ولا ذو عهد في عهده» «3» ، فكان ذلك تفسيرا لقوله عليه السلام: «كل دم كان ~~في الجاهلية تحت قدمي هاتين» . # لأنه مذكور في خطاب واحد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. # وذكر أهل المغازي أن عقد الذمة على الجزية كان بعد فتح مكة، وأنه كان قبل ~~ذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين عهود إلى مدد، على أنهم داخلون ~~في ذمة الإسلام وحكمه، وكان قوله يوم فتح مكة: «لا يقتل مؤمن بكافر» منصرف ~~إلى المعاهد إذ لم يكن هناك ذمي ينصرف الكلام إليه.. PageV01P046 # ويدل عليه قوله عليه السلام: «ولا ذو عهد في عهده» ، وهذا يدل على أن ~~عهودهم كانت إلى مدة، ولذلك قال: «ولا ذو عهد في عهده» ، كما قال الله ~~تعالى: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) «1» ، وقال: (فسيحوا في الأرض أربعة ~~أشهر) «2» . # وكان المشركون حينئذ ضربين: # أحدهما: أهل الحرب، والآخر: أهل العهد، ولم يكن هناك أهل ذمة، فانصرف ~~الكلام إلى الضربين «3» . # وورود هذا الحديث في خطبة الوداع يبطل هذا التأويل جملة.. «4» # وقال عثمان البتي: يقتل الوالد بولده، للعمومات في القصاص، وروى مثل ذلك ~~عن مالك، ولعلهما لا يقبلان أخبار الآحاد في مقابلة عمومات القرآن، وتلك ~~الأخبار منها ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # «لا يقتل والد بولده» «5» . PageV01P047 # وحكم به عمر بمحضر من الصحابة، واشتهر بينهم، فكان كقوله: # «لا وصية لوارث» في الاشتهار.. # وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله ms025 عليه وسلم مثل ~~الأول «1» . # وروى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقاد الوالد ~~بالولد» .. # ومنهم الذين نفوا القول من قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) ~~«2» . الآية، أنه لا يقتل الوالد بمن وليه ابنه إذا قتله الأب، فإذا لم ~~يقتل به فلا يقتل بالابن، لأن حق القصاص له في الحالتين جميعا، وبنوا عليه ~~أنه لا يقتل به إذا كان مشركا.. # ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل ~~أبيه، وكان مشركا محاربا لله ورسوله، وكان مع قريش يقاتل النبي عليه السلام ~~يوم أحد، ولذلك لو قذفه لم يحد على هذا القول.. # أما إذا اشترك رجلان أو رجال في قتل رجل ظلما فلا شك أن وعيد القتل ~~يلزمهم، ولا يمكن إخراجهم من كونهم قاتلين، فيجعل الكل كشخص واحد. # وإذا قدر ذلك تعظيما للقتل، فإذا قتل أحدهما عمدا والآخر خطأ فالمخطئ في ~~حكم آخذ جميع النفس، فيثبت لجميعها حكم الخطأ، وانتفى منها حكم العمد، إذ ~~لا يجوز ثبوت حكم الخطأ للجميع، PageV01P048 # وثبوت حكم العمد للجميع، وإذا ثبت حكم العمد للجميع وجب القود فيه. # ولا خلاف أنه لا يجمع بين دية كاملة وقود، فوجب لذلك أنه متى وجب للنفس ~~المتلفة على وجه الشركة شيء من الدية أن لا يجب معه قود على أحد، فإن وجوب ~~القود يوجب ثبوت حكم العمد في الجميع، وثبوت حكم العمد في الجميع ينفي وجوب ~~الأرش «1» لشيء منها.. # وبنى أبو حنيفة عليه أنه لو كان أحدهما أبا فلا قصاص على الأجنبي، فإن ~~المحل متى كان واحدا وخرج فعل الأب عن كونه موجبا «2» لأنه لم يصادف المحل، ~~صار أيضا الفعل الذي لا يوجب لجميع المحل. # وخروج الروح به شبهة في المحل، ومتى حصل في المحل شبهة امتنع ثبوت الحكم ~~في هذا المحل بفعل الثاني لاتحاد المحل، وكل «3» ذلك لحصول مثل الخطاء ~~للنفس المتلفة، ولا جائز أن يكون خطأ عمدا موجبا للمال والقود في حالة ~~واحدة «4» ، فكل واحد من القاتلين في ms026 حكم المتلف لجميعها، فوجب بذلك قسط من ~~الدية على من لم يجب عليه القود، فيصير حينئذ محكوما للجميع بحكم الخطأ، ~~ولا جائز مع ذلك أن يحكم لها بحكم العمد. # وبنوا عليه أنه لو اشترك رجلان في سرقة مال ابن أحدهما، فلا قطع على واحد ~~منهما.. PageV01P049 # فإن قيل: فقياس الوعيد وظاهر القرآن يوجب مؤاخذة العامد بجنايته وأن لا ~~يؤثر خطأ صاحبه في حقه. # قيل: ولكنه لما وجب بفعله قسط من الدية على العاقلة، والدية وجبت في ~~مقابلة المحل لخفة في جريمته صارت حرمة المحل الواحد واهية بالإضافة إلى ~~الخاطئ، وانتفى عنه حكم العمد المحض، فيورث ذلك في حكم الآخر شبهة لاتحاد ~~المحل المجنى عليه، واستحاله تبعضه، فصار الجميع في حكم ما لا قود فيه. # ولما كان الواجب على الشريك الذي لا قود عليه قسطه من الدية دون جميعها، ~~ثبت أن الجميع قد صار في حكم الخطأ، لولا ذلك لوجب جميع الدية، ألا ترى ~~أنهم لو كانوا من أهل القود لأقدنا منهم جميعا؟ # فلما وجب على المشارك الذي لا قود عليه قسطه قسط من الدية قسط، ودل ذلك ~~على «1» سقوط القود، وأن النفس قد صارت في حكم الخطأ، فلذلك توزعت الدية ~~عليهم.. # قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى) . # وقال تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) «2» وقال تعالى: (ومن ~~قتل مظلوما) «3» الآية..، وذلك يدل لأحد قولي الشافعي على الآخر، وهو أنه ~~يتعين القود في العمد، لأنه تعالى قال: (النفس بالنفس) ، وحيث يتخير ~~فالواجب أحد أمرين، فلا يجوز أن يقال إن القصاص واجب بالقول «4» المطلق، بل ~~الواجب أحد الأمرين.. PageV01P050 # مثاله أنه إذا قيل لنا: ما الواجب بالحنث في اليمين؟ فلا يجوز أن نقول ~~إنه العتق أو الكسوة أو الإطعام، بل نقول: أحد هذه الخلال الثلاثة لا ~~بعينه. # فإذا لم يكن المال واجبا بالقتل وجب القود على الخصوم. # وروي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «من قتل في رمياء أو عمياء تكون بينهم بحجر أو بسوط أو ms027 بعصا فعقله عقل ~~خطأ، ومن قتل عمدا فقود يده، ومن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين «1» » . # ولو كان الواجب أحدهما لما اقتصر على ذكر القود دونهما، لأنه غير جائز أن ~~يكون له أحد أمرين فيقتصر النبي عليه السلام بالبيان على أحدهما دون ~~الآخر.. # وعلى القول الآخر يحتج بقوله: (فمن عفي له من أخيه شيء) .. الآية، وهذا ~~يحتمل معاني: # أحدها: أن العفو ما سهل، قال الله تعالى: (خذ العفو) «2» يعني ما سهل من ~~الأخلاق، وقال صلى الله عليه وسلم: «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله» ~~«3» يعني تسهيل الله على عباده. # وقال تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء) يعني الولي إذا أعطى شيئا من المال ~~فليقبله وليتبعه بالمعروف وليؤد القاتل إليه بإحسان، PageV01P051 # فندبه الله تعالى إلى أخذ المال إذا تسهل ذلك من جهة القاتل، وأخبر أنه ~~تخفيف منه ورحمة، كما قال عند ذكر القصاص في سورة المائدة، (فمن تصدق به ~~فهو كفارة له) «1» ، فندبه إلى العفو والصدقة، وكذلك ندبه بما ذكر في هذه ~~الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني، لأنه بدأ بذكر عفو الجاني بإعطاء ~~الدية، ثم أمر الولي بالاتباع، وأمر الجاني بالأداء بإحسان. # وهذا خلاف الظاهر من وجهين: # أحدهما: أن العفو بعد القصاص يقتضي العفو عنه من مستحقه بإسقاطه. # والثاني: أن الضمير في «له» يجب أن ينصرف إلى من عليه القصاص، لأنه الذي ~~تقدم ذكره في قوله: (كتب عليكم القصاص) ، والولي لا ذكر له فيما تقدم حتى ~~ينصرف الضمير إليه، إلا أنه يستظهر بظاهر قوله: (كتب عليكم القصاص) وذلك ~~يدل على أن القصاص هو المكتوب دون غيره.. # التأويل الثاني: ما قاله ابن عباس قال: كان القصاص في بني إسرائيل ولم ~~يكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: (كتب عليكم القصاص في القتلى) ~~إلى قوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء) .. # قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الدية في العمد، (فاتباع بالمعروف وأداء ~~إليه بإحسان) قال: على هذا أن يتبع بالمعروف، وعلى هذا أن ms028 يؤدي بإحسان، ~~(ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) فيما PageV01P052 # كان كتب على من قبلكم، (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) ، قال: ذاك بعد ~~قبوله الدية، فأخبر ابن عباس أن الآية نزلت ناسخة لما كان على بني إسرائيل ~~من حظر قبول الدية، وأباحت للولي قبول الدية إذا بذلها القاتل، تخفيفا من ~~الله تعالى علينا، ورحمة بنا. # ولو كان الأمر على ما ادعاه مخالفنا من إيجاب التخيير لما قال: # فالعفو بأن يقبل الدية، لأن القبول لا يطلق إلا فيما بذل له غيره، ولو لم ~~يكن أراد ذلك لقال: إذا اختار الولي. # وكان المقصود بذلك أن الذي قاله الله تعالى أنه كتب لم يعن به أنه كتب ~~على وجه لا يمكن إسقاطه برضا من كتب له مثل ما كان على بني إسرائيل، بل ~~يجوز إسقاطه، فإذا جاز إسقاطه رغب في إسقاطه من جهة من عليه القصاص بالمال، ~~فهذان معنيان.. # المعنى الثالث للآية ما رواه سفيان بن حسين عن ابن أشوع عن الشعبي قال: ~~كان بين حيين من العرب قتال، فقتل من هذا ومن هذا، فقال أحد الحيين: لا ~~نرضى حتى يقتل بالمرأة الرجل، وبالرجل الرجلين، وارتفعوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال عليه السلام: القتلى بواء- أي سواء- فاصطلحوا على ~~الديات، ففضل لأحد الحيين على الآخر، فهو قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص) ~~.. إلى قوله: (فمن عفي له من أخيه شيء) .. # قال سفيان بن حسين: (فمن عفي له من أخيه شيء) يعني فمن فضل له على أخيه ~~شيء فليؤده بالمعروف، فأخبر الشعبي عن السبب في نزول الآية، وذكر سفيان أن ~~العفو ها هنا الفضل، وهو معنى يحتمله اللفظ، قال الله تعالى: (ثم بدلنا ~~مكان السيئة الحسنة حتى) # PageV01P053 # (عفوا) # «1» . يعني حتى كبروا فسمنوا، وقال صلى الله عليه وسلم: # «أعفوا اللحى» ، فتقدير الآية: فمن فضل له على أخيه شيء من الديات التي ~~وقع الإصطلاح عليها فليتبعه مستحقه بالمعروف، وليؤد إليه بإحسان.. # المعنى الرابع: أنهم قالوا في الدم بين جماعة إذا عفا عنهم تحول أنصباء ~~الآخرين مالا، ms029 وقوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء) يدل على وقوع العفو ~~عن شيء من الدم لا عن جميعه، فيتحول نصيب الشركاء مالا، فعليهم اتباع ~~القائل بالمعروف، وعليه أداؤه إليهم بإحسان.. # والإتباع بالمعروف أن لا يكون بتشدد وإيذاء، وعلى المطلوب منه الأداء ~~بإحسان، وهو ترك المطل والتسويف، (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) أي جواز العفو ~~على مال تخفيف، ولم يكن ذلك إلا لهذه الأمة، (فمن اعتدى بعد ذلك) أي قتل ~~القاتل بعد أخذ الدية، (فله عذاب أليم) . # المعنى الخامس: أخذ ولي الدم المال بغير رضا القاتل، وهو أحد قولي ~~الشافعي رحمه الله، فقيل لهؤلاء: العفو لا يكون مع أخذه، ألا ترى أن النبي ~~عليه السلام قال: «العمد قود إلا أن يعفو الأولياء» «2» فأثبت له أحد ~~السببين من قتل أو عفو، ولم يثبت له مالا، فلئن قيل: # إنه إذا عفا عن الدم ليأخذ المال كان عافيا وتناوله لفظ الآية، قيل له: ~~لو كان الواجب أحد سببين لجاز أيضا أن يكون عافيا بتركه المال، PageV01P054 # وأخذ القود، فلا ينفك الولي في اختيار أحدهما من عقد «1» قتل أو أحذ ~~المال، وهذا بعيد. # ويجاب عنه بأن يقال: عفا لسقوط أثر المال في حق من عليه القود بالإضافة ~~إلى القتل، وإذا عدل عن المال إلى القتل لم يظهر لإسقاط المال وقع، فلا ~~يقال: عفا، فإن العفو يؤذن بتخفيف وترفيه عرفا، وإن كان العدول عن أحدهما ~~إلى الآخر عفوا عن المعدول عنه، وإسقاطا له. # فقيل لهم: فهذا ينفيه الظاهر من وجه آخر، وهو أنه إذا كان الولي هو ~~العافي بتركه القود وأخذه المال، فإنه لا يقال عفا له- وإنما يقال عفا عنه- ~~إلا بتعسف، فيقيم اللام مقام عن، أو بحمله على أنه عفا له عن الدم، فيضم ~~حرفا غير مذكور. # وعلى تأويل من يخالفه: العفو بمعنى التسهيل، وهو أن يسهل له القاتل إعطاء ~~الأموال، كما يقال: سهل الله لك كذا ويسر لك، فيكون العفو بمعنى التسهيل من ~~جهة القاتل بإعطائه المال، ولأن قوله: (من أخيه شيء) يقتضي التبعيض. # وعلى ms030 أحد قولي الشافعي هو عفو عن جميع الدم لا عن شيء منه، فمتى حمل على ~~الجميع كان مخالفا مقتضى الكلام، وفي الحمل على كل محمل حيد عن الظاهر من ~~بعض الوجوه، فلا يبعد أن يكون الجميع مرادا، فإن اختيار الدية يوجب إسقاط ~~القصاص، حتى لو أراد العدول إليه بعده لا يجوز. # وشهد لأحد القولين قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) ~~الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة الربيع PageV01P055 # حين كسرت بنته جارية: «كتاب الله تعالى القصاص» أخبر أن موجب الكتاب ~~القصاص، فإن قوله (كتب عليكم القصاص) محكم ظاهر المعنى. # وقوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء) محتمل للمعاني والمتشابه يجب رده ~~إلى المحكم. # وقوله تعالى (عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف) يدل على أن دية العمد ~~على القاتل. # وقال: (ولكم في القصاص حياة) (179) وذلك تنبيه على الحكمة في شرع القصاص، ~~وإبانة الغرض منه، وخص أولي الألباب مع وجود المعنى في غيرهم لأنهم ~~المنتفعون به، كما قال: (إنما أنت منذر من يخشاها) «1» . وقال: (نذير لكم ~~بين يدي عذاب شديد) «2» ، فأبان أنه منذر الجميع، ولكنه خص في موضع «من ~~يخشاها» لأنهم المنتفعون بإنذاره، وقال: (هدى للمتقين) مع قوله في موضع آخر ~~(هدى للناس) لأن المتقين هم الذين ينتفعون به.. وقال في قصة مريم: (قالت ~~إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) # «3» ، لأن المتقي هو الذي يعيذ من استعاذ بالله تعالى. # وقوله: (والجروح قصاص) «4» يدل على مراعاة المماثلة في الجراح، على ما ~~قاله الشافعي رحمه الله، وأن يفعل بالقاتل مثل ما فعله، فإن لم يمت وجب ~~قتله، فإن القتل لا بد منه قصاصا لأخذ النفس بالنفس فجمعنا بين قوله تعالى: ~~(والجروح قصاص) وبين قوله: (النفس بالنفس) وهذا أولى من طرح أحدهما.. ~~PageV01P056 # قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت..) # الآية (180) : # فقوله تعالى: (كتب عليكم) يدل على وجوب الوصية «1» ، وقوله (بالمعروف) أي ~~بالعدل الذي لا شطط فيه ولا تقصير، كقوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف) «2» ، (وعاشروهن بالمعروف) ms031 «3» . # وقوله (حقا على المتقين) يؤكد الوجوب ... # ووردت أخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على وجوب الوصية، فمنها ~~ما رواه نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # «ما حق امرئ مسلم له مال يوصي فيه، يمر عليه ليلتان إلا ووصيته عنده ~~مكتوبة» «4» . # ثم اختلف الناس في وجوبها أولا: # فمنهم من قال: كان ذلك ندبا. # والصحيح أن ذلك كان واجبا. # وقال ابن عباس في قوله: (كتب عليكم) .. الآية. إنه منسوخ بقوله: (للرجال ~~نصيب) «5» الآية، ورووا بطرق أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا وصية لوارث» ~~. PageV01P057 # فإن قيل: كيف جوزتم نسخ القرآن بأخبار الآحاد؟ .. # فأجابوا: بأن ذلك لا يمتنع من طريق النظر في الأصول، فإن بقاء الحكم ~~مظنون فيجوز أن ينسخ بمثله، وشرح ذلك في الأصول. # وقد قيل: إن الإجماع انعقد على تلقي هذا الخبر بالقبول، ومثل ذلك يجوز أن ~~ينسخ به الكتاب. # وليس في إيجاب الميراث للورثة ما ينافي جواز الوصية لهم، لإمكان أن يجتمع ~~الحقان للورثة بالطريقين، وإنما ينسخ الشيء ما ينافيه، والله تعالى لما جعل ~~الميراث بعد الوصية فمن الذي يمنع من أن يعطي الوارث قسطه من الوصية، ثم ~~يعطى الميراث بعدها؟. # وقال الشافعي في كتاب الرسالة: يحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية، ~~ويحتمل أن تكون ثابتة معها، ثم قال: فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من طريق مجاهد- وهو منقطع- أنه قال: «لا وصية لوارث» «1» ، استدللنا بما ~~روي عنه عليه السلام في ذلك أن المواريث ناسخة للوصايا بالوالدين والأقربين ~~مع الخبر المنقطع. # أما قول الشافعي: يحتمل أن تكون المواريث ناسخة، فوجه الاحتمال أن الوصية ~~إنما كانت واجبة لتعطي كل ذي حق حقه، من ماله بعد موته، فكان إثبات الحق ~~للوارث في ماله لمكان القرابة، ثم كان يميل الموصي بقلبه إلى بعض الورثة ~~ويقصر في حق بعض الورثة، فعلم الله تعالى ذلك منهم، فأعطى كل ذي حق حقه، ~~ولهذا قال النبي عليه السلام: # «إن الله لم يكل قسمة مواريثكم إلى ملك مقرب» ms032 الحديث.. إلى أن ~~PageV01P058 # قال: «ألا لا وصية لوارث» ، فكان الميراث قائما مقام الوصية فلم يجز ~~الجمع بينهما.. # والذي ذكره الشافعي رحمه الله من أن ناسخه الخبر يعترض عليه من وجهين: # أحدهما: أنه منقطع وهو لا يقبل المراسيل. # الثاني أنه لو كان متصلا كان نسخ القرآن بالسنة وعنده أن ذلك غير جائز. # ثم قال الشافعي: قوله عليه السلام: «ألا لا وصية لوارث» لا ينفي الوصية ~~أصلا للأقربين الذين لا يرثون ودل لفظ الكتاب عليهم ولم يرد ما يوجب نسخه. # وقال الشافعي: حكم النبي عليه السلام في ستة مملوكين أعتقهم رجل ولا مال ~~له غيرهم، فجزأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء، فأعتق إثنين ~~وأرق أربعة، والذي أعتقهم رجل من العرب، والعرب إنما تملك من لا قرابة ~~بينهم وبينه من العجم، فأجاز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الوصية، ~~فالوصية لو كانت تبطل لغير قرابته بطلت للعبيد المعتقين لأنهم ليسوا بقرابة ~~للميت وبطلت الوصية للوالدين.. # ويعترض على هذا بأنه يجوز أن يكون أمه أعجمية فيكونوا أقرباء من قبل أمه ~~عجما فيكون العتق وصية لأقربائه، ولأن فيه نسخ القرآن بالسنة. # والذي يقال في ذلك: أن قوله (والأقربين) ليس نصا في حق غير الوارث بل ~~يجوز أن يكون قد عنى بالأقربين الوارثين منهم، فغاية ما في ذلك تخصيص ~~العموم لا النسخ. # PageV01P059 # فيقال: اللفظ احتمل الوارث ونسخ، ويحتمل أن يقال: إن الناسخ له مطلق ~~قوله: (من بعد وصية) ، ولم يعرف الوصية حتى ينصرف إلى المتقدم المذكور مثل ~~قوله: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) إلى قوله: (فإذ لم ~~يأتوا بالشهداء) معرفا.. # واستدل محمد بن الحسن على أن مطلق الأقربين لا يتناول الوالدين بهذه ~~الآية، ولا خفاء لما فيه من الضعف.. # قوله تعالى: (فمن بدله بعد ما سمعه) (181) : # يدل على أن الفرض يسقط عن الموصي بنفس الوصية وإن أثم التبديل لا يلحقه. # ويدل أيضا على أن من كان عليه دين وأوصى بقضائه أنه قد سلم من تبعته في ~~الآخرة، وإن ترك ms033 المعاصي والوارث قضاءه لا تلحقه تبعته. # قوله تعالى: (فمن خاف من موص جنفا «1» أو إثما فأصلح بينهم) (182) . # يحتمل أن يكون معناه أن يعلم من الموصي جنفا أو غيظا على بعض الورثة، وأن ~~ذلك ربما يحمله عن زي «2» الميراث عن الوارث، فعلى من خاف ذلك منه أن يرده ~~إلى العدم ويخوفه عاقبة الجور، ويدخل بين الموصى له والورثة على وجه ~~الإصلاح لئلا يقطع عنه الميراث بوصيته، أو يرجع عن وصية كانت منه إلى غير ~~أهلها قاصدا قطع الميراث، PageV01P060 # وهذا وإن كان فيه أجر عظيم ولكنه قد يظن الظان امتناع جواز ذلك، ولذلك ~~قال: (فلا إثم عليه) ، وقد وعد بالثواب على مثله وغيره، فقال: (لا خير في ~~كثير من نجواهم) إلى قوله: # (ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) «1» .. # الضمير في قوله (بينهم) يجوز أن يكون يرجع إلى الموصى له والورثة إذا ~~تنازعوا، ويجوز أن يرجع إلى الموصي والورثة، فأفاد بهذه الآية أن على الوصي ~~والحاكم والوارث، وكل من وقف على جور في الوصية من جهة الخطأ والعمد ردها ~~إلى العدل. # ودل على أن قوله: (بعد ما سمعه) خاص في الوصية العادلة دون الجائرة. # وفيها الدلالة على جواز اجتهاد الرأي، والعمل على غالب الظن، لأن الخوف ~~من الميل يكون في غالب ظن الخائف. # وفيها رخصة في الدخول بينهم على وجه الإصلاح مع ما فيه من زيادة أو نقصان ~~عن الحق بعد أن يكون ذلك بتراضيهم.. # فرض الصيام في # قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام «2» كما كتب على الذين من قبلكم) (183) . # وقوله: (كما كتب على الذين من قبلكم) يحتمل ثلاثة معاني كلها منقوله عن ~~أهل التفسير.: PageV01P061 # قال الحسن والشعبي، وقتادة: كتب على الذين من قبلنا وهم النصارى شهر ~~رمضان أو مقداره من عدد الأيام، وإنما حولوه وزادوا فيه. # وقال ابن عباس: كان الصوم من العتمة إلى العتمة ولا يحل بعد النوم أن ~~يأكل ويشرب وينكح، ثم نسخ فكان ذلك صوما بالليل لا تشبها بالصائمين ولا ~~عقوبة على أكل حرام بل كان ms034 عبادة ... # وقال آخرون: معناه أنه كتب علينا صيام أيام، ولا دلالة فيه على مساواته ~~في المقدار، بل جائز فيه الزيادة والنقصان.. # وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال: أحيل الصيام ثلاثة ~~أحوال، قدم أولا رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فجعل يصوم كل شهر ~~ثلاثة أيام، وصيام عاشوراء، ثم إن الله تعالى فرض الصيام فقال: (كتب عليكم) ~~. وذكر نحو قول ابن عباس الذي ذكرناه وقدمناه، وليس في قوله: (كما كتب على ~~الذين من قبلكم) دلالة على المراد في العدد في أو صفة الصوم أو في الوقت ~~فكان اللفظ مجملا.. # وقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر) (184) يقتضي تعليق جواز ~~الإفطار على اسم المرض والسفر، إلا أن المريض الذي لا يضره الصوم مخصوص ~~إجماعا، ولا يعرف له مأخذ أقوى من الإجماع. # وأطلق السفر ولم يذكر له حدا، والمسافة القريبة لا تسمى سفرا في العرف، ~~فلا جرم اختلف العلماء في تحديده، فحده أبو حنيفة بثلاثة أيام والشافعي ~~بستة عشر فرسخا، ولكل مأخذ.. # قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية) (184) : # PageV01P062 # قال الشافعي. ظاهره أن الذين يطيقونه إذا لم يصوموا أطعموا، ونسخ ذلك في ~~غير الحامل والمرضع، وهي في حقهما ظاهره، ومنه قال علي رضي الله عنه في ~~المريض والمسافر إنه يفطر ويطعم كل يوم مسكينا صاعا، ثم قال: وذلك قوله: ~~(وعلى الذين يطيقونه فدية) . # وكانت عائشة تقرأ: «وعلى الذين يطوقونه فدية» وذلك في الشيخ الهرم «1» . # والذي قاله علي- رضي الله عنه- فيه نظر، فإن قوله: (فمن كان منكم مريضا ~~أو على سفر) يتبع «2» دلالة قوله بعد ذلك: # (وعلى الذين يطيقونه) على المسافر والمريض، لأن ما عطف على الشيء غيره لا ~~«3» محالة، وليس يظهر أيضا حمله على الشيخ الكبير، فإنه ليس مطيقا، بل كان ~~مطيقا ثم عجز، فعلى هذا قال مالك وربيعة في حق الشيخ الكبير: لا أرى عليه ~~إطعاما فإن فعل فحسن، ولم يروا الفدية قائمة مقام الصوم الذي هو عبادة ~~بدنية، ولا أن تكليف الصوم لاقاه، وهم يقولون: ms035 الذي نسخ كان ترك الصوم إلى ~~الإطعام لا قضاء الصوم مع الإطعام، وقد سمى الله تعالى ذلك فدية، والفدية ~~ما يقوم مقام ما يفدى عنه، فالجمع بين الفدية والقضاء لا وجه له، وكان ~~الواجب في الأصل أحد سببين من فدية أو صيام لا على وجه PageV01P063 # الجمع، فكيف يجوز الاستدلال به على إيجاب الجمع بينهما على الحامل أو ~~المرضع.. # نعم قال ابن عباس في الحامل والمرضع عليهما الفدية ولا قضاء عليهما، فله ~~حجة في ظاهر القرآن في اقتصاره على إيجاب الفدية دون القضاء، فكانت الآية ~~دالة في الأصل على التخيير بين الفدية والصوم، فلا يجوز أن يتناول الحامل ~~والمرضع لأنهما غير مخيرين، لأنهما إما أن يخافا فعليهما الإفطار بلا ~~تخيير، أو لا يخافا فعليهما الصيام بلا تخيير، ولا يجوز أن تتناول الآية ~~فريقين: تقتضي بظاهرها إيجاب الفدية، ويكون المراد في أحد الفريقين التخيير ~~بين الإطعام والصيام، وفي الفريق الآخر إما الصيام على وجه الإيجاب بلا ~~تخيير أو الفدية بلا تخيير، وقد تناولهما لفظ الآية من وجه واحد، فثبت بذلك ~~أن الآية لم تتناول الحامل أو المرضع. # قوله: (فمن شهد منكم الشهر) (185) يحتمل معاني، منها: # من كان شاهدا لمعني مقيما غير مسافر، كما يقال الشاهد والغائب، فمقتضاه ~~أن لا يجب على المسافر، لكنه لما قال: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر) (185) بين حكم المرضى والمسافرين في الإيجاب. # ويحتمل أن يكون قوله (شهد ... الشهر) أي علمه، وذلك يدل على أن من أفاق ~~من الجنون بعد مضي شهر رمضان فلا قضاء عليه، خلافا لمالك فإنه قال فيمن بلغ ~~وهو مجنون، فمكث سنين ثم أفاق، فإنه يقضي صيام تلك السنين ولا تقضى الصلاة، ~~ومالك يحمل قوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) على شهوده بالإقامة وترك ~~السفر دون ما ذكره غيره من شهوده بالتكليف. # PageV01P064 # ويصعب عليه الفرق بين الصغر والجنون فإنهما ينافيان التكليف وليس اسم ~~المرض متناولا له.. # وأبو حنيفة يقول: قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) لا يمكن أن ~~يراد ms036 به شهود جميع الشهر لأنه لا يكون شاهدا لجميع الشهر إلا بعد مضيه كله، ~~ويستحيل أن يكون مضيه شرطا للزوم صومه كله، لأن الماضي من الوقت يستحيل فعل ~~الصوم فيه، فعلم أنه لم يرد شهود جميعه، فتقدير الكلام عنده: فمن شهد منكم ~~بعض الشهر فليصم ما لم يشهده منه، وهذا بعيد جدا.. # ومالك يقول: شهد أي أدرك، كما يقال: شهد زمان النبي عليه السلام أي أدرك، ~~والمجنون قد أدرك ذلك الزمان فلزمه الصوم لزوما في الذمة.. # قوله تعالى: (فليصمه) : # والصوم في اللغة: الإمساك المطلق، غير مختص بالإمساك عن الأكل والشرب دون ~~غيرهما، بل كل إمساك فهو مسمى في لغة صوما، غير أن الله تعالى أحل الأكل ~~والشرب والجماع إلى أن يصبح، ثم أمر بإتمام الصوم إلى الليل، ففحوى الكلام ~~تحريم أباحه الليل وهو الأشياء الثلاثة، ولا دلالة فيه على غيرها بل هو ~~موقوف على الدليل، ولهذا ساغ الإختلاف فيه واختلف فيه علماء السلف. # وأما الحيض والاستقاء فلمنافاتهما للصوم، فلا يعلل «1» أصلا، فقاس قوم ~~الجنابة على الحيض، وقاس قوم الحجامة على الاستقاء، لأنهما استخراج الفضلة ~~من البدن.. PageV01P065 # وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم صائما «1» . # قوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) يدل على جواز القضاء متتابعا ومتفرقا، ~~فإنه ذكر الأيام منكرة، فإذا فرق فقد أتى بما اقتضاه الأمر، وفهمنا أن ~~تتابع صوم رمضان للشهر لا لنفس الصوم، ولذلك لم يكن إفساد يوم منه مانعا ~~صوم الباقي، وقد قال الله تعالى: (فعدة من أيام أخر) فدل على جواز التأخير ~~من غير أن يتحدد بوقت، وهو كالأمر المطلق الذي لا يتقيد بوقت، ويجوز مفرقا ~~ومجموعا.. # والشافعي رأى تقييد القضاء بالسنة قبل دخول رمضان آخر وقال: # إذا دخل رمضان آخر فدى عن كل يوم بمد، ورواه عن ابن عباس وابن عمر. # فأما ما روي عن ابن عباس أن رجلا جاء إليه فقال: مرضت رمضانين، فقال ابن ~~عباس: استمر بك المرض أو صححت فيما بينهما؟ .. # قال: بل صححت، قال: صم رمضانين، ms037 واطعم ستين مسكينا.. # وعن ابن عمر: أنه سئل عمن فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر؟ .. ~~قال: يصوم الذي أدركه ويطعم عن الأول كل يوم مدا من تمر ولا قضاء عليه، ~~وهذا يشبه مذهبه في الحامل والمرضع أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما، وأقوال ~~الصحابة على خلاف القياس قد يحتج بها.. # فقيل لهم فالقضاء بعد الصوم الآخر مأخوذ من قوله تعالى: (فعدة من أيام ~~أخر) . واللفظ قد تناول الأوقات فلا يجوز أن يكون قد PageV01P066 # أوجب القضاء على قوم والفدية على قوم آخرين، بل يقتضي أن يكون الحكم في ~~الكل واحدا، وغاية قول الصحابي على خلاف القياس، أن يتوهم فيه توقيف، مع ~~احتمال كون احتجاجه بالتوقيف فاسدا وغلطا، فظهور هذا من كتاب الله تعالى ~~أولى بالاعتبار والإتباع. # وذكر داود الأصفهاني «1» أن قضاء رمضان يجب على الفور، وأنه إذا لم يصم ~~اليوم الثاني من شوال أثم لأنه لو مات عصى، وبنى عليه أنه لو وجب عليه عتق ~~رقبة، فوجد رقبة تباع بثمن، فليس له أن يتعداها ويشتري غيرها، لأن الفرض ~~عليه أن يعتق أول رقبة يجدها فلا يجزيه غيرها، ولو كان عنده رقبة فلا يجوز ~~أن يشتري غيرها، ولو مات الذي عنده فلا يبطل العتق كما يبطل فيمن نذر أن ~~يعتق رقبة بعينها فماتت يبطل نذره، وذلك يفسد قوله.. # وقد قال بعض الأصوليين: إذا مات بعد مضي اليوم الثاني من شوال لا يعصى ~~على شرط العزم. # وقال الرازي أبو بكر إنه لا يعصى إلى السنة القابلة، فإن آخر الوقت ~~معلوم، فبنى عليه أنه لو مات في خلال السنة لا يعصى، فقدر القضاء بالسنة، ~~وذلك خلاف قول الجماعة، وجعله كوقت الصلاة لما كان التأخير موسعا عليه إلى ~~آخره، لم يكن مفرطا بتأخيره إلى أن مات قبل مضي الوقت، فكذلك قضاء رمضان. # وأجمعوا على وجوب الفدية إذا مات قبل مضي السنة لا لكونه PageV01P067 # عاصيا، كما تجب على الشيخ الكبير، وتجب الفدية أيضا على من فاته صوم ~~رمضان ومات في أول يوم من شوال ... # قوله ms038 تعالى: (فعدة من أيام أخر» : # استدل به قوم على أن المسافر لا صوم عليه، لأن قوله: (فعدة من أيام أخر) ~~يدل على أن الصوم المسافر في الأيام الأخر، ولم يقدروا الإضمار مثل قول ~~أكثر العلماء: فأفطر فعدة من أيام أخر، وهذا مذهب يروى عن أبي هريرة وقال ~~به داود إلا أنه صح أن رسول الله صام في السفر. # وعن عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أصوم في السفر؟ .. فقال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» «1» .. # وروى أبو سعيد الخدري وابن عباس وأنس وجابر وأبو الدرداء وسلمة ابن ~~المحبق صيام النبي عليه السلام في السفر، ومن خالف في هذا يدفع بظاهر قوله ~~تعالى: (فعدة من أيام أخر) . من غير فصل بين المفطر وبين الصائم.. # ورووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس من البر الصوم في ~~السفر» «2» .. # ورووا عن الزهري عن أبي سلمة عن أبيه قال: قال PageV01P068 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر» «1» . # وبحديث أنس عن النبي عليه السلام: «إن الله تعالى وضع عن المسافر شطر ~~الصلاة والصوم، وعن الحامل والمرضع» «2» .. # ومن يخالف هؤلاء يقول: روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ~~رجلا يظلل عليه والزحام عليه فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» فجائز أن ~~يكون كل من روى ذلك، فإنما حكى ما ذكره النبي عليه السلام في تلك الحال، ~~وساق بعضهم ذكر السبب وحذفه بعضهم. # وذكر أبو سعيد الخدري، أنهم صاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح ~~في رمضان، ثم إنه قال لهم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم ~~فأفطروا» ، فكانت عزيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال أبو سعيد الخدري: # لقد رأيتني مع النبي عليه السلام أصوم قبل ذلك وبعده «3» ، فيجوز أن يكون ~~الخبر ورد على سبب، وهو حال لزوم القتال مع العلم بالعجز عنه مع فعل الصوم. ~~ولأن قوله: «وأن تصوموا خير ms039 لكم» معطوف على كل من تقدم وبينهم المسافر ~~والمريض.. # ثم إنه إذا صام أهل بلد تسعة وعشرين يوما للرؤية، وفي البلد رجل مريض لم ~~يصم، فإنه يقضي تسعة وعشرين يوما. # وقال قوم منهم الحسن بن صالح: إنه يقضي شهرا بشهر من غير PageV01P069 # مراعاة عدد الأيام. وهذا بعيد، لقوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) ، ولم ~~يقل فشهر من أيام أخر. # وقوله: (فعدة) يقتضي استيفاء عدد ما أفطر فيه، ولا شك في أنه لو أفطر بعض ~~رمضان، وجب قضاء ما أفطر بعدده، كذلك يجب أن يكون حكم إفطار جميعه في ~~اعتبار العدد ... # وأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلدة ثلاثين للرؤية وأهل بلدة ~~أخرى تسعة وعشرين، أن على الذين صاموا تسعة وعشرين قضاء يوم، وأصحاب ~~الشافعي رحمه الله لا يرون ذلك، إذا كانت المطالع في البلدتين يجوز أن ~~تختلف. # وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى: (ولتكملوا العدة) وثبت برؤية أهل بلد ~~أن العدة ثلاثون فوجب على هؤلاء إكمالها، ومخالفهم يحتج بما روي عن النبي ~~عليه السلام أنه قال: «صوموا لرؤيته.. # الحديث» ، وذلك يوجب اعتبار عادة كل قوم في بلدهم.. # وروى الشافعي بإسناده عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية ~~بالشام، قال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، فاستهل رمضان وأنا بالشام. فرأينا ~~الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس ثم ذكر ~~الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ # فقلت: ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ .. فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا ~~وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصومه حتى يكمل ~~الثلاثين أو نراه، فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟. قال: لا، هكذا ~~أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» ، PageV01P070 # فقيل على هذا: قوله «هكذا أمرنا» يحتمل أن يكون تأول فيه قول النبي عليه ~~السلام: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» . # قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث، الآية) (187) . # الرفث يقع على الجماع ويقع على الكلام الفاحش، والمراد به الجماع ها هنا ~~لأنه الذي يمكن أن ms040 يقال فيه: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) ، ولا ~~خلاف فيه. # وقوله: (هن لباس لكم) يعني كاللباس لكم في إباحة المباشرة وملابسة كل ~~واحد منهما لصاحبه. # ويحتمل أن يراد باللباس الستر، لأن اللباس هو ما يستره، وقد سمى الله ~~تعالى الليل لباسا لأنه يستر كل شيء يشتمل عليه بظلامه، فالمراد بالآية أن ~~كل واحد منهما يستر صاحبه عن التخطي إلى ما يهتكه، ويكون كل واحد منهما ~~متعففا بالآخر مستترا به. # قوله تعالى: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) . # أي يساتر بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من الجماع، والأكل بعد النوم في ~~ليالي الصوم، كقوله تعالى: (تقتلون أنفسكم) «1» يعني: يقتل بعضكم بعضا. # ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه بأنه يخونها، وكان خائنا لنفسه ~~من حيث كان صرره عائدا إليه. # ويحتمل أن يريد به أنه يعمل عمل المساتر له، فهو يعامل نفسه بعمل الخائن ~~لها، والخيانة انتقاص الحق على وجه المساترة. PageV01P071 # وقوله (فتاب عليكم) يحتمل معنيين: # أحدهما: قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم. # والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة، كقوله تعالى: (علم أن لن تحصوه ~~فتاب عليكم) «1» . # (وعفا عنكم) : يعني خفف عنكم. # وذكر عقيب قتل الخطأ: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله) ~~«2» يعني تخفيفا، لأن قاتل الخطأ لم يفعل شيئا يلزمه التوبة منه. # وقال الله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين ~~اتبعوه في ساعة العسرة) «3» ، وإن لم يكن من النبي عليه السلام ما يوجب ~~التوبة منه.. # وقوله: (وعفا عنكم) . # يحتمل العفو عن المذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل كقول النبي عليه السلام: ~~«أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله» «4» ، يعني تسهيله وتوسعته.. # قوله: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) (187) ، كان رجال ~~إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه خيطا أبيض وخيطا أسود، فلا يزال يأكل ~~ويشرب حتى يتبينا، قال: # فذكر سهل بن سعد الساعدي- وهو راوي الحديث- أنهم كانوا على PageV01P072 # ذلك حتى نزل قوله تعالى: (من الفجر) ، فعلموا أنه إنما عنى بذلك الليل ~~والنهار، ولا يجوز ms041 أن لا يكون في قوله (الخيط الأبيض) بيان للحكم مع ~~الحاجة، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز أصلا.. # ويجوز أن يكون التجوز بالخيط الأبيض عن الفجر سائغا في لغة قريش دون ~~غيرها من اللغات، فأشكل على قوم آخرين، حتى تبين لهم بقوله من الفجر، ولا ~~يجب أن يكون البيان بلغة يشترك في معرفتها جميع الناس قبل أن يتبين لهم ~~بلغة من كان بيانا في لغتهم.. # ويجوز أن يكون قد قال: (من الفجر) أولا، لكن قوله (من الفجر) يحتمل أن ~~يكون تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، على معنى أنه يتبين ~~الخيطان من أجل الفجر، ويحتمل أن يكون المستبان في نفسه هو الفجر.. # فإن قيل: كيف يشبه الليل بالخيط الأسود وهو يشتمل على جميع العالم، وقد ~~علمنا أن الصبح إنما شبه بخيط مستطيل أو معترض في الأفق، أما الليل فليس ~~بينه وبين الخيط مشاكلة؟ .. # الجواب: أن الخيط الأسود هو السواد الذي في المواضع «1» قبل ظهور الخيط ~~الأبيض فيه، وهو في ذلك الموضع مساو للخيط الأبيض الذي يظهر بعده، فلأجل ~~ذلك سمي الخيط الأسود، وإذا أباح الله الأكل والشرب إلى أن يتبين، فيدل ذلك ~~على جواز الأكل قبل التبين حالة الشك. PageV01P073 # ويدل على أنه لا نظر إلى الشك إذا أمكن درك اليقين، وأنه يجوز استصحاب ~~حكم الليل في حق الشاك. # وفيه الدلالة على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم، لما فيه من إباحة ~~الجماع من أول الليل إلى آخره، مع العلم بأن المجامع من الليل إذا صادف ~~فراغه من الجماع طلوع الفجر، أنه يصبح جنبا، ثم حكم مع ذلك بصحة صيامه ~~بقوله: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) . # والذي يخالف هذا يقول، إنما أبيح الأكل إلى الفجر لا الجماع، فإنه لم ~~يقل: «وباشروهن إلى أن يتبين» . # وفيه دليل على أن البياض بعد تبين الفجر من النهار، بخلاف البياض بعد ~~غروب الشمس. # وظن قوم أنه إذا أبيح له الفطر إلى أول الفجر، فإذا أكل على ظن أن الفجر ~~لم يطلع، ms042 فقد أكل بإذن الشرع في وقت جواز الأكل، فلا قضاء عليه، كذلك قاله ~~مجاهد وجابر بن زيد، ولا خلاف في وجوب القضاء، إذا غم عليه الهلال في أول ~~ليلة من رمضان، إذا أكل ثم بان أنه من رمضان، والذي نحن فيه مثله، وكذلك ~~الأسير في دار الحرب إذا أكل ظنا أنه من شعبان ثم بان خلافه.. # قوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) (187) . # ظاهر ذلك يقتضي تحريم المباشرة مطلقا لشهوة وغير شهوة، والمباشرة أن تتصل ~~بشرته ببشرتها، إلا أن عائشة كانت ترجل شعر رسول الله وهو «1» معتكف، فكانت ~~لا محالة تمس بدن الرسول عليه السلام بيدها، PageV01P074 # ودل ذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة.. # وزعم قوم أن الآية لا تدل على المباشرة بالشهوة أيضا، بعد أن اتفق الناس ~~على أن الجماع مراد به، لأن الكناية بها عن الجماع مجاز، وإذا حمل اللفظ ~~على المجاز فلا يحمل بعينه هو على الحقيقة. # وهذا ليس بصحيح، فإن لفظ المباشرة عموم في الجماع، لا بطريق المجاز، بل ~~من حيث أن الجماع مباشرة، إذ المباشرة هي الإفضاء ببشرته إلى بشرة صاحبه، ~~فإذا كانت حقيقة المباشرة- لا من حيث المجاز- إلصاق البشرة بالبشرة فهي ~~عامة في الجماع وغيرها، فدلالتها على الجماع من حيث الحقيقة لا من حيث ~~المجاز.. # قوله: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) يقتضي أن يكون الحظر مختصا ~~بالمسجد، حتى لو جامع عند الخروج لا يبطل اعتكافه: # ويحتمل أن يقال: قوله: (وأنتم عاكفون في المساجد) معناه: لا تباشروهن حال ~~ما يقال لكم إنكم عاكفون في المساجد، والرجل وإن خرج من المسجد لقضاء ~~الحاجة فهو عاكف، واعتكافه باق. # وأمكن أن يقال: لا يقال له عاكف في المسجد بل يقال: لم يبطل تتابع ~~اعتكافه، فأما أن يكون عاكفا في المسجد لفظا وإطلاقا وهو خارج منه فلا. # ولما كان الرجل باعتبار قعوده في المسجد، لا يقال له عاكف، إذا كان يخرج ~~ويرجع على ما جرت به العادة، وإنما يقال عاكف للمواظب، فيقتضي ذلك زوال اسم ~~العاكف عنه، ms043 إذا كان يتردد في حاجاته، ويخرج لأشغاله، إلا ما لا بد له منه. # PageV01P075 # قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام) ~~(188) فيه دلالة على أن حكم الحاكم لا يغير بواطن الأحكام، ولأن الحاكم ~~يحكم بالظاهر وهو مصيب في عمله، لا أنه مصيب ما عند الله تعال حقيقة. # قوله تعالى: (يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) «1» (189) . # سماه على وحدته أهلة إذ الأهلة ليست اسما للقمر، وإنما سمي الهلال هلالا ~~في أول ما يرى، وما قرب منه لظهوره في ذلك بعد خفائه، ومنه الإهلال بالحج ~~وهو إظهار التلبية، واستهلال الصبى ظهور حياته بصوت أو حركة، ويقولون تهلل ~~وجهه إذا ظهر فيه البشر والسرور، وليس هناك صوت مرفوع حتى يقال: الإهلال ~~رفع الصوت وإن إهلال الهلال من ذلك لرفع الصوت عند رؤيته، قال تأبط شرا: # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل # وأمكن أن يقال متهلل لصوت الرعد فإن البرق لا يخلو منه، واستدل به أصحاب ~~أبي حنيفة على جواز الإحرام بالحج في سائر السنة، ومعلوم أنه لم يرد به ~~أفعال الحج فحملوه على الإحرام به. # فقيل لهم: فقد قال: (الحج أشهر معلومات) «2» ، فأجابوا بأنه لا بد في ~~الكلام من ضمير ولا بيان فيه دونه، فإن الحج فعل الحاج، وفعل الحاج لا يكون ~~أشهرا، فلا بد أن يكون المراد به أفعال الحج PageV01P076 # ومعناه أفعال الحج في أشهر معلومات. فقيد تخصيص أفعال الحج بالأشهر ~~المعلومات، وهو كذلك، فإنه لو أحرم بالحج قبل أشهر الحج، وطاف له وسعى قبل ~~أشهر الحج، فسعيه ذلك لا يجزيه، وعليه أن يعيده، لأن أفعال الحج لا تجزئ ~~قبل أشهر الحج، فعلى هذا معنى قوله: (الحج أشهر معلومات) أي أن أفعاله في ~~أشهر معلومات. # وهذا غلط، فإنه إذا قال: «أشهر معلومات» فيجب أن يقع في الأشهر، فيكون ~~الأشهر المعلومات ظرفا، ويكون الفعل واقعا في جميعه، كالإحرام يقع في ~~الأشهر ويبقى في الأشهر، فيقال هو في الأشهر محرم. # ولا يجوز أن يكون الفعل الذي ms044 هو السعي يقع في الأشهر، وإنما يقع في ساعة ~~من يوم، ولا يجوز أن يكون المراد به بقاء الإحرام كما قالوه، فإنهم قالوا: ~~إذا أحرم بالحج في أشهر الحج أو في غيرها، فإذا فاته الوقوف بعرفة فاته ~~الإحرام، فقول الله تعالى: (الحج أشهر) يعني: دوام الحج وبقاؤه أشهر، وهذا ~~باطل، فإن الذي ذكروه من بقاء الإحرام، ليس يتحدد له أشهر معلومات، فإنه لو ~~أحرم من وقت الفوات، دام الإحرام والحج إلى مثل ذلك الوقت من العام القابل، ~~والحج لا يتعين له أشهر، بل أشهره جميع السنة، وإنما يفوت في وقت خاص، ولا ~~يبقى أكثر من سنة قط، فإذا بطلت تأويلاتهم، بقي تأويل الآية التي تعلقوا ~~بها، ووجه ذلك أن قوله: (قل هي مواقيت للناس والحج) معناه: «قل هي مواقيت ~~للناس في الحج» ، فيحصل في الأهلة المعنيان من غير تفصيل، فلا دلالة في ~~الآية على أن الأهلة يجب أن تكون مواقيت للحج.. # نعم الأهلة كلها مواقيت للناس لا مفهوما من هذا اللفظ، فإن المفهوم من ~~هذا اللفظ بيان فائدة الأهلة، والفائدة حصلت بما قلناه من غير # PageV01P077 # تفصيل، ويدل عليه أن مراد الله تعالى من ذلك بيان الحاجة إلى الأهلة، ~~ببيان منافعها في كونها مواقيت للناس، فإنما يقال ذلك فيما يعتاده الناس ~~ويتعارفونه، وما اعتاد الناس قط الإحرام في غير أشهر الحج ولا ندبوا إليه، ~~ولذلك سمي بعض الشهور أشهر الحج، وغير المعتاد لا يحصل به الامتياز في كونه ~~ميقاتا، وما يعد ميقاتا أصلا، كما تعد الشهور كلها بأسرها مواقيت للأعمال ~~والآجال، فهذا يدل على صحة هذا التأويل وبطلان تأويلات من يخالف هذا القول ~~... # قوله: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) (189) ، هو تنبيه من الله ~~تعالى على أن يأتوا البر من وجهه، وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به، فذكر ~~إتيان البيوت من أبوابها مثلا يشير به إلى أن تأتي الأمور من مأتاها الذي ~~ندبنا الله تعالى إليه، وفيه بيان أن ما لم يشرعه الله تعالى قربة، ولا ندب ~~إليه لا ms045 يصير قربة، بأن يتقرب به متقرب، ومثله تحريم الوصال الذي يتقرب به ~~ولا تقرب فيه. والرهبانية التي يتقرب بها ولا تقرب فيها.. ### | فرض الجهاد: # قال الله عز وجل: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) (190) الآية.. # ولا خلاف بين العلماء في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله: # (ادفع بالتي هي أحسن) «1» ، إلى قوله: (ذو حظ عظيم) ، وقوله: (فاعف عنهم ~~واصفح) «2» ، وقوله: (وجادلهم بالتي هي أحسن) «3» ، (ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب) «4» . PageV01P078 # الآية..، (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) «1» . # وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد الرحمن ابن عوف وأصحابا ~~له كانت أموالهم بمكة، فقالوا: يا رسول الله، كنا في عز ومنعة ونحن مشركون، ~~فلما آمنا صرنا أذلاء، فقال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم» ، فلما ~~حوله إلى المدينة انكفوا، فأنزل الله تعالى: # (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة) الآية «2» .. # وعن ابن عباس في قوله تعالى: (لست عليهم بمصيطر) «3» وقوله: (وما أنت ~~عليهم بجبار) «4» ، وقوله: (فاعف عنهم واصفح) «5» ، وقوله: (قل للذين آمنوا ~~يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) «6» قال: # نسخ هذا كله قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) «7» ، وقوله: ~~(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) «8» .. الآية.. # واختلف السلف في أول آية نزلت في القتال، فروي عن الربيع ابن أنس وغيره ~~أن قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) PageV01P079 # أول آية نزلت في القتال. # وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: أول آية نزلت في القتال ~~قوله تعالى: # (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) الآية «1» .. # وقال آخرون: قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله) أول آية نزلت في إباحة ~~قتال من قاتلهم، والثانية نزلت في الإذن بالقتال عامة لمن قاتلهم، ومن لم ~~يقاتلهم من المشركين «2» . # فقال الربيع بن أنس: أول آية نزلت في الإذن بالقتال في المدينة قوله ~~تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) ، فكان النبي عليه السلام ~~بعد ذلك يقاتل من قاتله من المشركين ويكف عمن كف عنه إلى أن أمر ms046 بقتال ~~الجميع، وهو مثل قوله تعالى: # (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) «3» .. # ويحتمل أن يقال إن قوله: (الذين يقاتلونكم) لم يرد به حقيقة القتال، فإن ~~جواز دفع المقاتل عن نفسه ما كان محرما قط، حتى يقال إنه أذن فيه بعد ~~التحريم، وإنما المراد به الذين يقاتلونكم دينا، ويرون ذلك جائزا اعتقادا، ~~ولم يرد به حقيقة القتال. # وقال آخرون: نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، فإنه صلى الله عليه وسلم ~~لما انصرف من صلح الحديبية إلى المدينة، حين صده المشركون PageV01P080 # عن البيت، صالحهم على أن يرجع عامة القابل، ويخلو له مكة ثلاثة أيام، ~~فلما كان في العام القابل، تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش، وأن يصدوهم عن البيت ويقاتلونهم، ~~وكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، ~~فأنزل الله تعالى: # (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) «1» يعني قريشا الذين صالحوهم، ~~(ولا تعتدوا) فنبذوا في الحرم بالقتال، ودل عليه ظاهر ما بعده وهو قوله: # (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل) ~~«2» يعني أن شركهم بالله عز وجل، أعظم من قتلكم إياهم في الحرم، والذي كان ~~منهم من تعذيب من أسلم وظفروا به، ليفتنوهم عن الدين، أعظم من قتالكم إياهم ~~في الشهر الحرام. # وقال: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) «3» . معناه حتى لا ~~يكون الشرك الذي هو باعث على الفتنة، ويكون الدين كله لله، ولذلك لم يقبل ~~العلماء الجزية من وثنيي العرب، فإن الله تعالى قال في حقهم: PageV01P081 # (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) «1» . # فأمر الله تعالى بقتالهم، حتى لا يكون الشرك ويكون الدين كله لله «2» . # وروي عن أبي بكر أنه أمر بقتال الشماسنة، لأنهم يشهدون القتال ويرون ذلك ~~رأيا، وأن الرهبان من رأيهم أن لا يقاتلوا، فأمر أبو بكر أن لا يقتلوا، ثم ~~قال: قد قال الله سبحانه: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) ms047 «3» .. ~~وحمل ذلك أبو بكر رضي الله عنه على المقاتلة دينا واعتقادا، فالآية على هذا ~~ثابتة الحكم لا نسخ فيها. # وعلى قول الربيع بن أنس، أن النبي عليه السلام والمسلمين، كانوا مأمورين- ~~بعد نزول الآية- بقتال من قاتل دون من كف عنهم، سواء كان ممن يتدين بالقتال ~~أو لا يتدين «4» وليس بصحيح. # وروي عن عمر بن عبد العزيز في قوله: (الذين يقاتلونكم) قال: ذلك في ~~النساء والذرية، فعلى هذا لا نسخ في الآية. # ويحتمل أن يقال: إن قوله تعالى: (واقتلوهم حيث وجدتموهم) «5» ، عام في ~~الرجال والنساء والصبيان، وهم يقتلون إذا كانت المصلحة في قتلهم، على ما ~~عرف من مذهب الشافعي رحمه الله فيه. PageV01P082 # وإذا كانت المرأة مقاتلة بالمال والرأي والتدبير، وكانت ذات عز في قومها، ~~فيجب قتلها، وإذا كانت المصلحة في استرقاقها، فنفع الاسترقاق إذا أوفى على ~~قتلها، فلا يجوز قتلها. # قوله تعالى: (والفتنة أشد من القتل) ، يعني كفرهم وتعذيبهم للمؤمنين، في ~~البلد الحرام والشهر الحرام، أعظم مأثما من القتل في الشهر الحرام «1» ، ~~وأنه إذا كان يتوقع منهم مثل ذلك، وجب قتلهم في البلد الحرام وفي الشهر ~~الحرام، وكذلك معنى قوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) ، ~~فعلل القتال والقتل بهذا المعنى، وهذا يستوي فيه الحرم وغيره، والشهر ~~الحرام وغيره. # وكذلك قاله الربيع بن أنس فإنه قال: # قوله تعالى: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام) . # منسوخ بقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) . # وقال قتادة: هو منسوخ بقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) .، وقد نزل ~~قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) «2» في سورة براءة (التوبة) ~~بعد سورة البقرة، والذي كان من خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الفتح، وقوله فيها: «إن الله تعالى حرم مكة» الحديث «3» ، نسخه ما بعده، ~~وسورة براءة فإنها PageV01P083 # نزلت بعد ذلك بمدة «1» . # وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع: الفتنة في قوله: (وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة) ، الشرك بالله. # وقيل: إنما سمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك كما تؤدي إليه الفتنة.. # قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم «2» وأخرجوهم ms048 من حيث أخرجوكم) (191) ~~: # صفة مشركي قريش، فلم يدخل أهل الكتاب في هذا الحكم، فلا جرم لا تقبل ~~الجزية من المشركين لقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) - يعني كفر- ~~(ويكون الدين لله) . # فمد القتال في حقهم إلى غاية وجود الإسلام، وفي حق أهل الكتاب إلى غاية ~~وجود الجزية في قوله: (حتى يعطوا الجزية عن يد) «3» لأنهم إذا أعطوا الجزية ~~حصلت منفعة المسلمين، إلا في حق من لا يقنع منه بالجزية لعظم جريمته. # وبنى الشافعي رحمه الله على ذلك جواز قتل النساء المرتدات، لعظم جرائمهن ~~وكبر ذنوبهن، وأن ذلك لا يندفع بالاسترقاق ومنفعته، كما لا يندفع بالجزية، ~~وليس إذا عدم القتال منهن فلا مصلحة في قتلهن، بل في قتلهن مصالح منها: ~~PageV01P084 # منعهن عن إمداد الرجال بالأموال، وبالحث على القتال بإنشاد الأشعار ~~المحركة لطباعهم، فإنه إذا حدث الحرب بالعرب أبرزن النساء باعثات على الحرب ~~متناشدات بالأشعار، وذلك من أعظم الفتن، وترى الواحد منهم يقتل نفسه ويرد ~~الأمان قائلا: بأن نساء الحي لا يتحدثن عني بالجزع في القتال وطلب الأمان. # ففي قتلهن على هذا الوجه مصالح عظيمة، وهل يقاتل أكثر الناس إلا ذبا عن ~~النساء؟ # غير أنهن إذا حصلن في السبي، فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن ~~أديانهن، وبعد فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال. # وليس يتوقع من القتال إلا أذية المسلمين، وذلك يحصل للمسلمين بما يصدر ~~منهن وإن لم يباشرن القتال، ولم تكن فتنة فني بها خلق في الأكثر، إلا كان ~~سببه أمور النساء، والذي كان من شؤم البسوس «1» ورعيف حولا وغيرهما، مما ~~نتج الحروب العظيمة وهيج الفتن الهائلة مشهور معروف.. # قوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام) «2» الآية. (194) # روي عن الحسن أن مشركي العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أنهيت عن ~~قتالنا في الشهر الحرام؟ .. قال: نعم، فأراد المشركين أن يغتروه في الشهر ~~الحرام فيقاتلوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية «3» .. PageV01P085 # يعني إذا استحلوا منكم فاستحلوا منهم مثله. # وروي عن ابن عباس والربيع بن أنس والضحاك، أن قريشا لما ردت رسول الله ~~عام الحديبية- محرما ms049 في ذي القعدة- عن البلد الحرام فأعاده الله إليه في ~~مثل ذلك الوقت فقضى عمرته، وأقصه لما حيل بينه وبينه في يوم الحديبية «1» ، ~~فيكون على هذا التقدير إخبارا بما أقصه الله تعالى من الشهر الحرام، الذي ~~صده المشركون فيه عن البيت بشهر مثله في العام القابل، ويتضمن مع ذلك أمرا ~~بالقتال. # فإن قيل: إنه إذا حمل اللفظ على حقيقة الجزاء انتفى كونه أمرا، فيقال: # يجوز أن يكون الإخبار حاصلا في تعويض الله تعالى نبيه من فوات العمرة في ~~الشهر الحرام، الذي صده فيه المشركون عن البيت، بشهر مثله في العام القابل، ~~وكانت حرمة الشهر الذي أبدل كحرمة الشهر الذي فات، فلذلك قال: (والحرمات ~~«2» قصاص) ، ثم عقب ذلك بقوله: # (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (194) . # فأبان أنهم إذا قاتلوهم في الشهر الحرام، فعليهم أن يقاتلوهم فيه، وإن لم ~~يجز الابتداء.. # ويحتمل أن يكون الابتداء جزاء على ما كان من سابق فعلهم في PageV01P086 # مثل ذلك الوقت، ولا يكون قوله (فمن اعتدى) لاستثناء وحكم، بل يكون معناه: # فمن اعتدى في الماضي بهتك حرماتكم في الشهر الحرام في البلد الحرام ~~فاعتدوا عليه الآن بمثل ما اعتدى عليكم في الماضي، فيكون ذلك إباحة للقتال ~~مطلقا في كل موضع وفي كل وقت، ويحتج بذلك في مراعاة المماثلة في القصاص على ~~ما يقوله الشافعي رحمه الله.. # قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) «1» ~~الآية 195، روى يزيد بن حبيب عن أسلم بن أبي عمران أنه قال: غزونا ~~القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ~~ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: # مه مه، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: سبحان ~~الله، أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار، لما نصر الله تعالى نبيه، وأظهر ~~دينه. قلنا هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: # (وأنفقوا في سبيل الله) ، والإلقاء بالأيدي إلى التهلكة، أن نقيم في ~~أموالنا فنصلحها وندع الجهاد.. # قال الراوي: فلم ms050 يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية، ~~فأخبر أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة، هو ترك الجهاد في سبيل الله، ~~وأن الآية نزلت في ذلك.. PageV01P087 # وروى مثله عن ابن عباس، والحسن، وحذيفة، وقتادة، ومجاهد والضحاك. # وروي عن البراء بن عازب، أن الإلقاء باليد إلى التهلكة، هو اليأس من ~~الرحمة بارتكاب المعاصي. # وقيل: هو الإسراف في الإنفاق حتى لا يجد ما ينفق فيتلف. # وقيل: هو أن يقتحم الحرب من غير نكاية في العدو. # وقال محمد بن الحسن في السير الكبير: لو حمل رجل واحد على ألف من ~~المشركين وهو وحده، لم يكن به بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، ~~فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين. ~~فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل ما صنعه، فلا يبعد ~~جوازه، لأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه. وإن كان قصده إرهاب العدو، ~~ليعلم العدو صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه، وإذا كان فيه نفع ~~للمسلمين، فيتلف نفسه لإعزاز الدين وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي ~~مدح الله به المؤمنين في قوله: # (اشترى من المؤمنين أنفسهم) الآية «1» ..، إلى غيرها من آيات مدح الله ~~بها من يذل نفسه لله عز وجل. # وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا ~~نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل، كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله ~~تعالى: PageV01P088 # (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) ~~«1» .. # وقد روي عكرمة عن ابن عباس عن النبي عليه السلام أنه قال: # «أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر ~~فقتله» «2» . # وروي أبو سعيد الخدري عن النبي عليه السلام أنه قال: «أفضل الجهاد كلمة ~~حق عند سلطان جائر» . # وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «شر ما في رجل ~~شح هالع، وجبن ms051 خالع» . # وقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) (196) . # فالمنقول عن عمر وعلي وسعيد بن جبير وطاوس، أن الإتمام فيهما أن تحرم ~~بهما من دويرة أهلك.. # وقال مجاهد: إتمامهما بلوغ آخرهما بعد الدخول فيهما، وذلك أشبه بالظاهر، ~~ودل عليه ما بعده فإنه قال: (فإن أحصرتم) ، والإحصار إنما يمنع الإتمام بعد ~~الشروع، ويوجب ما استيسر من الهدى عند ذلك قد وجب الإتمام إجماعا، ويظهر أن ~~مأخذ وجوبه هذه الآية، ولا فصل فيه بين الحج الأول والثاني، والعمرة الأولى ~~والثانية. PageV01P089 # قوله تعالى (فإن أحصرتم) «1» الآية. ذكر بعض أهل اللغة أنه لا يقال في ~~العدو «أحصرتم» وإنما يقال حصرتم «2» ، وهو كقوله حبسه إذا جعله في الحبس، ~~وأحبسه أي عرضه للحبس، وقتله إذا أوقع به القتل، وأقتله إذا عرضه للقتل، ~~وقبره إذا جعله في القبر، وأقبره عرضه للدفن في القبر، كذلك حصره حبسه ~~وأوقع به الحصر، وأحصره عرضه للحصر. # فإذا كان كذلك، فالعدو إذا كان بعيدا منه على الطريق، فهذا هو التعريض ~~للحصر، وهو متعرض به لأن ينحصر، وليس بمحصور في الحال ولا محبوسا، ولكنه ~~معرض لذلك، فتقدير الآية: # فإن عرضتم للحبس والمنع، وإن لم يلحقكم في الحال حصر ولا منع، وذلك إنما ~~يكون بالعدو، أما المريض فقد احتبس عليه المضي في الحال، فليس هو معرضا بل ~~هو محصور في الحال، وقد حصره المرض ولذلك قال ابن عباس «3» ذهب الحصر الآن. # وكذلك نزلت هذه الآية في شأن الحديبية، وما كان من حصر إلا العدو ولا ~~يجوز أن لا يذكر سبب النزول ويذكر غيره، مما يدل على العدو بطريق الاستنباط ~~والدلالة.. PageV01P090 # وقال تعالى بعد قوله: (فما استيسر من الهدي) ، (ولا تحلقوا رؤسكم حتى ~~يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا) ، فلو كان المرض مذكورا في أول الآية، ~~لم يذكر المرض بعده، وإذا ذكر المرض في أول الآية، وكان يحل بذلك الدم ~~المذبوح في محله، لم يكن يحتاج إلى فدية. # ولا يجوز أن يكون المرض ها هنا هوام الرأس، فإنه ذكر ذلك بعد المرض فقال: ~~(مريضا أو به ms052 أذى من رأسه) . # ولهم أن يقولوا: لعله أباح ذلك قبل أن يبلغ الهدى محله، إذا حلق للأذى ~~والمرض، أو عنى به مرضا لا يمنعه من الوصول إلى البيت، وإلا فأي معنى لذكر ~~المرض عند ذكر الإحلال، وحكمه عند عدم الإحلام يثبت؟ # ويحتمل على موجب مذهب أبي حنيفة أن قوله: فمن كان منكم مريضا، عائدا إلى ~~أول الخطاب، كما عاد إليه حكم الإحصار وهو قوله: (وأتموا الحج والعمرة) ، ~~ثم عطف عليه قوله: (فإن أحصرتم) أي صددتم عن الإتمام، ثم عقب بقوله (فمن ~~كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) . يعني أيها المحرمون بالحج والعمرة، ~~ليكون على هذا الرأي مثبتا حكم المريض، إذا صد عن الإتمام أن الذي يجب عليه ~~ما استيسر من الهدي، وأنه إن لم يكن المريض ممنوعا من الإتمام، فحكمه كذلك، ~~ليكون قد بين حكم المرض دون الإحصار، والمرض عند الإحصار.. # فقيل لهم: فقد قال: (فإذا أمنتم) ، وذلك إنما يطلق على العدو لأن الأمن ~~نقيض الخوف، ويقال في نقيض المرض الشفاء. # PageV01P091 # نعم قد يقال: أمن المرض وزال الخوف منه، ولكن لا يطلق اسم الأمن عليه ~~غالبا. # وحكي عن ابن الزبير، أنه لا يتحلل بالعدو والمرض إلا بأن يلقى البيت ~~ويطوف «1» .. # وقال ابن سيرين: الإحصار يكون من الحج دون العمرة، وذهب إلى أن العمرة ~~غير مؤقتة وأنه لا يخشى الفوات.. # والمذهبان مختلفان لنص الخبر عام الحديبية، فإنه عليه السلام تحلل من ~~عمرته وكان محرما بها.. # قوله تعالى: (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) الآية (196) : # زعموا أن مطلق المحل هو الحرم، لقوله عز وجل: (ثم محلها إلى البيت ~~العتيق) «2» . # وقال في موضع آخر: (هديا بالغ الكعبة) «3» فجعل بلوغ الكعبة من صفات ~~الهدي، كما يجعل التتابع من صفات الصوم ولا خفاء بوجه الجواب عن هذا «4» . # فقيل لهم: فقد قال الله تعالى: (والهدي معكوفا أن يبلغ) PageV01P092 # (محله) «1» ، فأجابوا بأن ذلك هو الدليل على أن المحل هو الحرم. # فقيل لهم: هو كذلك في غير المحصر وهو الأصل، فالإحصار عذر نادر، ودل قوله ms053 ~~تعالى: (معكوفا أن يبلغ محله) ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحلل بذبح ~~وقع في الحل. # فأجابوا بأن النبي عليه السلام ذبح في الحرم، ولكن لما حصل أدنى منع، جاز ~~أن يقال: إنهم منعوا لمنعهم الهدي بديا قبل الصلح، كما وصف المشركين بصد ~~المسلمين عن المسجد الحرام، وإن كانوا أطلقوا بعد ذلك، وقال سبحانه: (يا ~~أبانا منع منا الكيل) «2» ، وإنما منعوه في وقت وأطلقوه في وقت آخر. # وقد جوز مالك والشافعي وأبو حنيفة، ذبح هدي الإحصار في الحج متى شاء. # وأبو يوسف ومحمد والثوري لا يرون الذبح قبل يوم النحر، فكأنهم يقيسون ~~الزمان على المكان، ويستدلون بقوله تعالى: (حتى يبلغ الهدي محله) ، والمحل ~~يقع على الوقت والمكان جميعا فكان عموما. # ولا شك أن الله تعالى ذكر العمرة أيضا، ووردت الآية في صلح الحديبية، ~~وهدي العمرة لا يتأقت بزمان بالاتفاق. # ولهم أن يقولوا: في الآية ذكر الحج والعمرة، وذكر محل الهدي فهو عموم إلا ~~ما خصه دليل الإجماع. # ونقول من طريق النظر: إن الإختصاص بمكان التحلل، يدل على PageV01P093 # الإختصاص بزمان التحلل، وزمان التحلل هو يوم النحر، وهذا على أصل أبي ~~حنيفة لازم، أما الشافعي فإنه يعتبر معنى الحاجة في جواز ترك الزمان ~~والمكان جميعا، نظرا إلى معنى الرخصة. # ولما قال تعالى: (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) ، ظهر منه أنه ~~إذا بلغ الهدي محله جاز الحلق، وليس فيه دليل على وجوبه، بل يجوز أن يكون ~~استباحة المحظور الذي كان، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد. # وأبو يوسف يوجبه في رواية. # والذي لا يوجب الحلق يقول: إنه لما سقط عنه سائر المناسك التي لم يتعذر ~~فعلها، مثل الوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، ولم يمكنه الوصول إلى البيت، ~~ولا الوقوف بعرفة، فلا يلزمه الوقوف بالمزدلفة، ولا رمي الجمار مع ~~إمكانهما، لأنهما مرتبان على مناسك تتقدمهما، كذلك الحلق مرتب على أفعال ~~أخر، لم يكن فعله قبلها نسكا. # وحجة أبي يوسف أنه صلى الله عليه وسلم: أمر بالحلق وترحم على المحلقين ~~ثلاثا. # ويجاب عنه بأنه ms054 أمر وأعاد القول، لأنه أراد أن يتحللوا ويرجعوا وما كانوا ~~يفعلون، لأنهم كانوا ينتظرون نزول القضاء، بأمر يمكنهم به الوصول إلى ~~العمرة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ فنحر هديه وحلق رأسه، فلما ~~رأوه كذلك، حلق بعضهم وقصر بعضهم، فدعا للمحلقين ثلاثا لمبالغتهم في متابعة ~~رسول الله، ومسارعتهم إلى أمره.. # ولما قيل له: يا رسول الله، دعوت للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة؟ # PageV01P094 # قال: لأنهم لم يشكوا، يعني أنهم لم يشكوا في أن الحلق أفضل من التقصير، ~~واستحقوا الثواب للمتابعة.. # قوله: (فإذا أمنتم «1» فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) . # الآية (196) . # ذكر ذلك بعد ما ذكر شأن المحصر، فقال ابن عباس وابن مسعود: # على المحصر بعد زوال الإحصار حجة وعمرة، فإن جمع بينهما في أشهر الحج، ~~فهو متمتع وعليه دم، وإن لم يجمعهما في أشهر الحج فلا دم عليه. وهو قول ~~علقمة، والحسن، وإبراهيم، والقاسم، وسالم، ومحمد بن سيرين، ومذهب أبي حنيفة ~~وأصحابه. # وإنما يوجب عليه أبو حنيفة حجة وعمرة، إذا حل بالدم ولم يحج من عامه ذلك، ~~ولو أنه حل من إحرامه قبل يوم النحر، ثم زال الإحصار فأحرم بالحج، ثم حج من ~~علمه لم يكن عليه عمرة، لأنه رأى أن هذه العمرة إنما هي العمرة التي تلزم ~~بالفوات، لأن من فاته الحج فعليه التحلل لعمل العمرة، فلما حصل حجه فائتا ~~كان عليه عمرة للفوات. # والدم الذي عليه في الإحصار، إنما هو لتعجل إحلاله، لا لقيام الدم مقام ~~الأعمال التي تلزم بالفوات، إذ الدم لا يقوم مقام تلك الأعمال «2» ، ويدل ~~على ذلك: أن الدم لو قام مقام الأعمال، ما جاز الدم قبل الفوات، كما لا ~~يجوز فعل العمرة التي لا تلزم بالفوات قبل الفوات، لعدم وقتها PageV01P095 # وسببها، ودم الإحصار يجوز ذبحه والإحلال به قبل الفوات، وهو يوم النحر. ~~وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومحمد «1» ، وإن خالف فيه أبو يوسف «2» في ~~رواية: فرأى أن الدم بالإحلال لا على أنه قائم مقام أعمال العمرة، فدل أن ~~الدم يتعلق بتعجيل الإحلال. # وهذا من أبي ms055 حنيفة دليل دال، على أنه يجعل أعمال من فاته الحج، أعمال ~~العمرة وهذا بعيد، فإنه لم ينو إلا الحج وما لزمه غيره، غير أنه إذا فاته ~~من أعمال الحج ما يتأقت، وهو الوقوف، وجب أن يأتي منها بما لا يتأقت، ~~فالمؤدي أعمال الحج لا غير، إلا أنه رخص في المحصر أن يتحلل، ولا يأتي ~~بأفعال الحج، لا أن عليه مع الحج عمرة حتى يقضي الحج ويتداركه مع العمرة، ~~ولو أمكن تدارك الوقوف دون غيره لفعل، ولكنه غير ممكن، فلا بيان لقوله في ~~إيجاب العمرة مع الحج. # وإذا لم يحل المحصر حتى فاته الحج، ووصل إلى البيت، فعليه أن يتحلل بعمل ~~عمرة. # وقال مالك: يجوز له أن يبقى محرما حتى يحج في السنة الآتية. # وقال: وإن شاء تحلل لعمل عمرة، ولا يجوز ذلك لفائت الحج لتقصيره، وكأنه ~~يقول: جاز له التحلل نظرا له، فإذا اختار الضرر فله ذلك، وهذا بعيد. فإنه ~~لو جاز له استبقاء الإحرام، لما جاز التحلل كما لا يجوز له التحلل في السنة ~~الأولى، حين أمكن فعل الحج به، ولقوله وجه على كل حال.. PageV01P096 # ولا يوجب الشافعي ومالك على المحصر في حجة التطوع قضاء من قابل. # وأبو حنيفة يحتج بأن آية الإحصار، نزلت في عام الحديبية، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، معتمر، وكان قد اعتمر من قبل الهجرة مرارا، وقضى العمرة في ~~القابل، وسميت عمرة القضاء «1» .. # وعندنا يجوز أن يقضي وإنما الكلام في الوجوب.. # ولما قال تعالى في المحصر: (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) ، قال ~~أبو حنيفة: إذا لم يجد المحصر هديا، لا يحل حتى يجد هديا ويذبح عنه. # وقال الشافعي في قول: يحل ويذبح إذا قدر. # وقيل: إن لم يقدر على دم أجزأه، وعليه الطعام، أو الصيام إن لم يجد «2» ~~ولم يقدر، وقاسه على دم المتمتع. # واحتج محمد بن الحسن، بأن هدي المتمتع منصوص عليه، وهدي المحصر كذلك، فلا ~~يقاس المنصوصات بعضها على بعض. # وذكر غيره أن الكفارات بالقياس لا يجوز إثباته، ووجه الجواب ms056 عنه بين. # قوله تعالى: (ولا تحلقوا رؤسكم) إلى قوله: (ففدية) PageV01P097 # (من صيام أو صدقة أو نسك) «1» . وقوله تعالى: (أو به أذى من رأسه) ، يفيد ~~أنه لو كان به قروح في رأسه، أو جراح، فاحتاج إلى سده وتغطيته، كان حكمه في ~~الفدية حكم الحلق، وكذلك سائر الأمراض التي تصيبه، واحتاج معها إلى لبس ~~الثياب جاز له أن يستبيح ذلك ويفتدى. لأن الله تعالى لم يخصص شيئا من ذلك، ~~فهو عموم في الكل. # فعلى هذا إن قال قائل: (أو به أذى من رأسه) معناه: فحلق، ففدية قبل الحلق ~~«2» ، وهو غير مذكور وإن كان مرادا، وكذلك اللبس وتغطية الرأس، كل ذلك غير ~~مذكور وهو مراد، لأن المعنى فيه استباحة ما يحظره الإحرام للعذر، وكذلك لو ~~لم يكن مريضا وكان به أذى في بدنه، يحتاج معه إلى حلق الشعر، كان في حكم ~~الرأس في باب الفدية، إذ كان المعنى معقولا وهو استباحة ما يحرمه الإحرام ~~في حالة العذر. # وصيام الجبرانات «3» ثلاثة أيام في خبر كعب بن عجرة، ويحكى فيه خلاف ذلك ~~عن الحسن وعكرمة، وأن الصيام لها عشرة أيام كصيام المتمتع. # وأما النسك فأقله شاة. # والفدية بالصدقة، أن يطعم ستة مساكين ثلاثة آصع من تمر أو PageV01P098 # طعام، فأما الصدقة بالطعام والدم، فيمكنه عند الشافعي، والصيام، حيث شاء، ~~وأبو حنيفة يجوز الصدقة حيث شاء، لمطلق قوله ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، ~~غير أن الدم اختص بالحرم بقوله: (ثم محلها إلى البيت العتيق) ، وقال: (هديا ~~بالغ الكعبة) . # والشافعي يرى أن وجوب الذبح متى كان في الحرم، أوجب اختصاص التصدق باللحم ~~بالحرم أيضا، وهذا أيضا مذكور في علم الخلاف.. # قوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) الآية..، # والتمتع كرهه عمر، لأنه أحب عمارة البيت بكثرة الزوار له في غير الموسم، ~~وأراد إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول الناس إليهم، تحقيقا لدعوة إبراهيم ~~عليه السلام بقوله: # (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) «1» . # ورخص الشرع في ذلك نظرا لأرباب الدور البعيدة «2» ، وليجمعوا بين النسكين ~~في أيام الحج، ms057 مراغمة لأهل الجاهلية، في جعلهم العمرة في أشهر الحج من أفجر ~~الفجور وأكبر الكبائر. # وسماه الله تعالى تمتعا، لأنه تمتع بربح سفر العمرة. # ولزمه الدم لذلك، ولم يجب على حاضري المسجد الحرام، لأنهم لم يربحوا ~~سفرا. # وأبو حنيفة يقول: لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام، فإن قرن منهم ~~قارن أو تمتع، فهو مخطئ، وعليه دم لا يأكل منه، لأنه ليس هو بدم متعة، إنما ~~هو دم جناية. PageV01P099 # والشافعي يقول: لهم أن يتمتعوا بلا هدي.. # واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله «1» حاضري المسجد ~~الحرام) . فانصرف ظاهره إلى القرآن والمتعة، أي: ليس للحاضرين ذلك، ولو كان ~~المراد به الدم لقال: «ذلك على من لم يكن» . # والشافعي يقول: لهم، بمعنى عليهم، وإلا فالنسك لا يختلف في متعة أهل مكة ~~من القرآن. # والتمتع دليل على أن القرآن رخصة، لكنه رآها لأرباب المسافة البعيدة، ~~وذلك يقتضي كون الإقران أفضل، لأن الرخصة لا تكون أفضل، بل هي لمكان ~~الحاجة، وكونه رخصة، يقتضي كون الدم دم جبر، حتى لا يؤكل منه خلافا لأبي ~~حنيفة. # ثم اعتقد أبو حنيفة أن استثناء أهل مكة، إنما كان لإلمامهم بالأهل، ~~فالإلمام بالأهل بين العمرة والحج في حق الآفاقي، يمنع كونه متمتعا، ولم ~~ينظر إلى صورة السفر، وقال: إذا خرج من مكة حتى جاوز الميقات، فهو متمتع، ~~إن حج من عامه ذلك، إذا لم يلم بأهله بعد العمرة. # وقال أبو يوسف: إنه ليس بمتمتع، لأن ميقاته الآن في الحج ميقات أهل بلده، ~~لأن الميقات صار بينه وبين مكة، فكان بمنزلة عوده إلى أهله، وزعموا أنه لو ~~أحرم بالعمرة في رمضان، واعتمر في شوال، وحج من عامه، كان متمتعا، وإن وقع ~~الإحرام في غير أشهر الحج، PageV01P100 # وقالوا: يعتبر وقوع أكثر الطواف في أشهر الحج، فإن وقع في «1» غيره لم ~~يكن متمتعا، يعني الأكثر. # وشيء من ذلك لا يعتبر عندنا.. # وأما حاضري المسجد الحرام، فهم من كان دون مسافة القصر عند الشافعي، ودون ~~الميقات عند أبي حنيفة، ويبعد جعل ms058 أهل ذي الحليفة من حاضري المسجد الحرام، ~~وبينهم وبين مكة مسيرة عشرة أيام. # وذكر عبد الله بن الزبير، وعروة بن الزبير متعة أخرى: وهو أن يحصر الحاج ~~المفرد بمرض أو أمر يحبسه فيقدم فيجعلها عمرة، ويتمتع بحجه إلى العام ~~القابل ويحج، فهدا المتمتع بالعمرة إلى الحج، فكان من مذهبه أن المحصر لا ~~يحل، ولكنه يبقى على إحرامه، حتى ينحر عنه الهدي يوم النحر، ثم يحلق ويبقي ~~على إحرامه، حتى يقدم مكة فيتحلل بعمل عمرة من حجه.. # والذي ذكره ابن الزبير بخلاف عموم قوله: (فإن أحصرتم فما استيسر من ~~الهدي) بعد قوله: (وأتموا الحج والعمرة لله) ، ولم يفصل في حكم الإحصار بين ~~الحج والعمرة، والنبي عليه السلام وأصحابه، حين حصروا بالحديبية، حلق وحل ~~وأمرهم بالإحلال، وعلى أن الذي يلزم بالفوات، ليس بعمرة، وإنما هو مثل عمل ~~عمرة، وهي من أعمال الحج. # والله عز وجل يقول: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) . ~~فجعل الهدي معلقا بفعل العمرة والحج، PageV01P101 # والدم الذي يلزمه هو بالإحصار، غير متعلق بوجود الحج بعد العمرة، وهذه ~~المتعة هي الإحلال إلى النساء، لا على الوجه الذي ذكرناه من الجمع بين ~~العمرة والحج في أشهر الحج. # نعم إذا بان أنه ليس بعمرة، فالذي قاله أبو حنيفة، من وجوب قضاء الحج ~~والعمرة على المحصر بعد التحلل ليس بصحيح. # المتعة الأخرى: وهي فسخ الحج، إذا طاف له قبل يوم النحر، وهذا الحكم غير ~~ثابت، إلا على قول ابن عباس، فإنه كان يراه على ما رواه عطاء عنه، وأنه كان ~~يقول: لا يطوف أحد بالبيت قبل يوم النحر إلا حل من حجه، فقيل له: من أين ~~قلت ذلك؟ .. # فقال: من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره الناس في حجة الوداع ~~أن يحلوا، ومن قول الله تعالى: (ثم محلها إلى البيت العتيق) ، وتظاهرت ~~الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بفسخ الحج، من لم يكن ~~معه منهم هدي، ولم يحل هو عليه السلام وقال: # «إني سقت ms059 الهدى فلا أحل إلى يوم النحر» ، ثم أمرهم فأحرموا بالحج يوم ~~التروية، حين أرادوا الخروج إلى منى، وهي إحدى المتعتين اللتين قال عمر: ~~متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهي عنهما وأضرب ~~عليهما: متعة النساء ومتعة الحج. # وروي عن بلال بن الحارث «1» المزني أنه قال: قلت: يا رسول PageV01P102 # الله، فسخ الحج لنا خاصة أم لمن بعدنا؟ .. # فقال: لا، بل لنا خاصة. # وقال أبو ذر «1» : لم يكن فسخ الحج بعمرة، إلا لأصحاب رسول الله.. # وقال قوم: إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإحلال، كان على وجه ~~آخر، وذكر مجاهد ذلك الوجه، وهو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ~~كانوا فرضوا الحج أولا، بل أمرهم أن يهلوا مطلقا، وينتظرون ما يؤمرون به، ~~وكذلك أهل على اليمن، وكذلك كان إحرام النبي عليه السلام، ويدل عليه قوله ~~عليه السلام: # «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» . # وكأنه خرج ينتظر ما يؤمر به، وبه أمر أصحابه، ويدل عليه قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # «أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك- وهو بوادي العقيق- فقال: صل ~~بهذا الوادي وقل حجة في عمرة» . PageV01P103 # فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم، خرج منتظرا ما يؤمر به، فلما ~~بلغ الوادي أمر بحجة في عمرة، ثم أهل أصحاب النبي عليه السلام بالحج، وظنوا ~~أنه أمرهم بذلك، فلم يكن إحرامهم صحيحا، أو مروا بالمتعة بأن يطوفوا البيت، ~~ويحلوا ويعملوا عمل العمرة ويحرموا بالحج، كما يؤمر من يحرم بشيء لا يسميه ~~أنه يجعله عمرة إن شاء، وهذا ليس له وجه، فإن الصرف إلى الحج إن لم يصح، ~~فلا حاجة إلى الفسخ، وإن صح ففسخه هو الحكم المنسوخ. # ولأن المقصود إبانة حكم مفسوخ، وفي وقتنا هذا تمام العمرة، إذا صرف إلى ~~أحد النسكين، تعين فلا يقبل الفسخ.. # والصحيح في ذلك ما ذكرته عائشة، وقد أنكرت أن يكون النبي عليه السلام، ~~أمر بفسخ الحج على حال، وقالت: # «خرجنا مع ms060 رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل ~~بالعمرة، ومنا من قرن» ، فمن أهل بحج مفرد أو قرن، لم يحل حتى يقضي مناسك ~~الحج، ومن أهل بعمرة وطاف وسعى، حل من إحرامه حتى يستقبل حجا.. # وروي عن أصحاب أبي حنيفة، بناء على الأقوال الأولى، أن هدي المتعة لا ~~يجزئ قبل يوم النحر، لأن النبي عليه السلام قال: # «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» . # وقد كان النبي عليه السلام قارنا وقد ساق الهدي، وقال لعلي: # «إني سقت الهدي فلا أحل قبل يوم النحر» «1» ، فدل على امتناع جواز ذبح ~~الهدى للمتعة قبل يوم النحر. PageV01P104 # وهذا فاسد، فإنه بينا أن النبي عليه السلام، لم يأمر أحدا بفسخ الحج ~~وجعله عمرة، وأن الأمر على ما قالته عائشة، وإنما قال عليه السلام ما قال، ~~لأنهم التمسوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يعتمر معهم، فذكر أنه ~~أحرم بالحج وأنه لا يقضي «1» مناسكه، إلا في يوم النحر وبعده. # وكانت عائشة وافقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قالت: # أكل نسائك ينصرفن بنسكين وأنا أنصرف بنسك واحد؟ فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم، فاعتمرت وانصرفت بنسكين. # وقوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) الآية (196) . يدل على أن ~~صيام الثلاثة الأيام يجب أن يقع في الحج، لا كما قال أبو حنيفة، إنه يجوز ~~ذلك بعد الإحرام بالعمرة، قبل الإحرام بالحج.. # وقوله تعالى: (في الحج) : إما أن يكون المراد به: في الإحرام بالحج، أو ~~في أشهر الحج، وأحد المعنيين خلاف الإجماع فتعين الثاني.. # وكيف يجوز أن يعلق البدل على عدم الأصل، ثم يجوز البدل في غير وقت جواز ~~الأصل؟ # وإن زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «إني سقت الهدي فلا أحل قبل يوم النحر» ، فهذا هو التحلل من الحج لا ~~غيره. PageV01P105 # ولأصحاب الشافعي خلاف في جواز تقديم العبادة المالية على وقت الوجوب إذا ~~وجد سببها. ms061 # ولكن سبب البدل يكون بسبب الأصل لا محالة، فأما أن يمتنع الأصل، ولا ~~يمتنع البدل فلا وجه له، وبه يعلم أن لا سبب قبل الإحرام بالحج، فإنه إنما ~~يمتنع بإخلاء بعض وقت الحج عن الإحرام بالحج وشغله بغيره، فلا يظهر ذلك ولا ~~يتحقق، قبل الإحرام بالحج. # ولأجل بناء البدل على الأصل قلنا: إن لم يصم المتمتع قبل يوم النحر، صام ~~الثلاث بعد أيام التشريق.: # وقال أبو حنيفة: لا يصوم بعد أيام الحج، ويصوم قبل الإحرام بالحج وأيامه، ~~وهذا تناقض بين، وقصارى قوله تعالى: (في الحج) بيان وقت الجواز، وأنه يتهيأ ~~له في تلك الحالة، لأنه يكون على صورة المقيمين، وإلا فصيام الثلاثة ~~والسبعة والهدى ميقاتها واحد، ويجوز تأخيرها عندنا بعذر السفر، وهو كأداء ~~الكفارات بعد وجوبها من غير فرق. # وسوى أصحاب الشافعي بين الأصل والبدل، وصيام السبعة والثلاثة في أن ~~جميعها شيء واحد. # وفرق أبو حنيفة وأصحابه بينهما وقالوا: إذا وجد الهدي بعد دخوله في الصوم ~~قبل أن يحل، فعليه الهدي ويبطل حكم الصوم. # وعند الشافعي: كما لا يبطل صوم السبعة بوجود الهدى بعد الثلاثة، فكذلك ~~بعد الصوم في أول اليوم أو في ثانيه، لأن الله تعالى قال: (فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) (196) فجعل الجميع بدلا. # PageV01P106 # وزعم المخالف أن صوم الثلاثة يتوقف عليها الحل، ففرض الهدي قائم عليه، ما ~~لم يحل وتمضي أيام النحر التي هي مسنونة للحلق، فمتى وجد فعليه أن يهدي، ~~وزعموا أن الهدي مشروط للإحلال، لأنه لا يجوز أن يحل قبل ذبح الهدي، لقوله ~~تعالى: # (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) . # فمن لم يحل حتى وجد الهدي، فعليه الهدي، لأن الله عز وجل لم يفرق في ~~إيجابه الهدي بين حاله قبل دخوله في الصوم أو بعده، وهذا غلط، ولو كان وجوب ~~الهدي لمكان التوصل به إلى الإحلال، ما ثبت وجوبه إلا على هذا الوصف، ويسقط ~~بالإحلال دون الهدي، إذا لم يجد الهدي ولم يصم الثلاثة، وهذا خلاف الإجماع. ~~ولأنه أوجب ms062 الهدى على المتمتع، فكان ذلك مضافا إلى تمتعه لا إلى غيره، وذلك ~~لا يستدعي وصف الإحلال، ولو كان لوصف الإحلال، لما شرع صوم السبعة بدلا عن ~~الهدي بعد الإحلال، لأن البدل يقصد به ما قصد بالأصل، ولا يجوز أن يشرع بعض ~~البدل لمقصود، وبعضه لمقصود آخر.. # نعم أوجب الله تعالى عليه الهدي أولا جزاء على تمتعه، فإذا لم يجد أوجب ~~الصوم، فإذا ابتدأ الصوم ها هنا أو صوم الظهار، فقد صح الصوم، ومتى صح ~~الصوم، سقط عنه فرض الرقبة والهدي لصحة الجزاء المفعول عنه، ولذلك قالوا في ~~المتيمم إذا رأى الماء في خلال صلاته، إن فرض الطهارة بالماء يسقط عنه لهذه ~~الصلاة، فخرج الوضوء عن كونه شرطا في حق هذه الصلاة، وليس يمكن أن يقال إن ~~الصلاة أو الصوم موقوفان لا يحكم بصحتهما، فإن الوقف إنما يكون إذا لم تكمل ~~شرائط الصحة، فأما إذا كملت الشرائط، فلا يمكن أن يجعل موقوفا، ولو بطلت ~~العبادة، فليس بطلانها نظرا إلى الحال، بل لمكان # PageV01P107 # الفساد فيما مضى، وفساده فيما مضى لعدم شرطه فيما مضى.. # قوله تعالى: (وسبعة إذا رجعتم) ، يحتمل الرجوع إلى أهله ويحتمل الصوم في ~~الطريق في حالة الرجوع من منى. # وقوله (كاملة) ، يحتمل أنها كاملة في قيامها مقام الهدي. # ويحتمل أن يزيل به خيال تأويل مستكره، وهو أن الواو ربما تذكر بمعنى أو، ~~فأزال هذا الاحتمال بقوله: كاملة. # وجعل الشافعي هذا من البيان الأول، فقيل له: قوله: ثلاثة وسبعة، غير ~~مفتقر إلى البيان، فكيف يعده من أقسام البيان؟ .. # فأجاب بأنه لا يحتاج إلى بيان ليخرج به عن حد الإشكال، ولكنه يخرج به عن ~~حد الاحتمال البعيد الضعيف، فجعلناه في أول أقسام البيان، لأن معناه تجلى ~~على وجه لا مرتقى بعده في درجات البيان.. # قوله: # (الحج أشهر معلومات) (197) . # اختلف الناس في أشهر الحج ما هي؟ .. # فقال ابن عباس وابن عمر: إنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة «1» . # وعن ابن مسعود: أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة «2» . # وعن ابن عباس وابن عمر ms063 في رواية أخرى مثله، وكذلك روي عن طاوس ومجاهد.. ~~PageV01P108 # وقال قائلون: يجوز أن لا يكون ذلك اختلافا في حقيقة، وأن يكون مراد من ~~قال: وذو الحجة أنه بعضه، لأن الحج لا محالة، إنما هو في بعض هذه الأشهر لا ~~في جميعها، لأنه لا خلاف أنه ليس يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك الحج، ~~فأريد بعض الشيء يذكر جميعه، كما قال صلى الله عليه وسلم في أيام منى ~~ثلاثة، وإنما هي يومان وبعض الثالث. # ويقال: حجبت عام كذا، وإنما حج في بعضه، ولقيت فلانا في سنة كذا، وإنما ~~كان لقاؤه في بعضها، وكلمته يوم الجمعة وإنما المراد به البعض.. هذا في فعل ~~لا يستغرق كل الوقت.. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن الجاهلية كانوا ينسئون الشهور، فيجعلون صفر ~~المحرم، ويستحلون المحرم على حسب ما يتفق لهم من الأمور التي يريدون بها ~~القتال، فأبطل الله تعالى النسيء، وأقر وقت الحج على ما كان عليه ابتداؤه ~~يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة إثنا عشر شهرا منها أربعة حرم: ذو ~~القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان، فقال الله ~~تعالى: (الحج أشهر معلومات) ، يعني بها هذه الأشهر، التي ثبت وقت الحج ~~فيها، دون ما كان عليه أهل الجاهلية من تبديل الشهور وتقديم الحج وتأخيره، ~~وقد كان الحج عندهم معلقا بأشهر الحج، التي هي الأشهر الحرم الثلاثة التي ~~يأمنون فيها صادرين وواردين، فذكر الله تعالى هذه الأشهر، وأخبر باستقرار ~~أمر الحج فيها، وحظر عليهم تغييرها وتبديلها إلى غيرها. # ويحتمل أيضا أن الله تعالى لما قدم ذكر التمتع إلى الحج، ورخص فيه وأبطل ~~به ما كانت العرب تعتقده من حظر العمرة في هذه الأشهر، # PageV01P109 # قال الله تعالى: (الحج أشهر معلومات) ، فأفاد بذلك أن الأشهر التي يصح ~~فيها التمتع بالعمرة إلى الحج، ويثبت حكمه فيها، هي هذه الأشهر، وأن من ~~اعتمر في غيرها ثم حج، لم يكن متمتعا، ولم يكن له حكم التمتع. # قوله تعالى: (يسئلونك عن الأهلة «1» قل هي مواقيت للناس والحج) (189) : # فاستدل ms064 بعض الحنفية، على كون جميع شهور السنة مواقيت للحج، كما كانت ~~بأسرها مواقيت للناس، ولزمهم من هذا أن يكون الحج المطلق، عبارة عن الإحرام ~~فقط، دون سائر الأفعال، مع أن الإحرام عندهم، ليس من الحج، بل هو شرط الحج، ~~والذي هو الحج من طواف القدوم في غير أشهر الحج، وسعى، لم يجز إجماعا، فإذا ~~علم ذلك، فحمل اللفظ على بعض الشهور، أولى من حمل الحج المطلق على الإحرام، ~~الذي ليس من الحج، وإنما هو طريق إليه وشرط له، ولأن الله تعالى لم يرد جعل ~~الأهلة ميقاتا للحج، باعتبار كونها أهلة، فإن الإحرام ليس يتعين له أول ~~الشهر، ولا المواقيت أيضا، وإنما الأهلة عبارة عن جملة الشهر، فإن السائل ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أجمع عليه أهل التفسير وقال: يا ~~رسول الله، ما بال الهلال يبدو مستدقا، ثم ينمو حتى يتكامل ثم ينقص. # وكان السؤال من معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن زيادة القمر ونقصانه، فأخبر ~~الله تعالى أن الحكمة في زيادته ونقصانه، زوال الالتباس PageV01P110 # عن أوقات الناس في حجهم، وحل ديونهم، وعدد نسائهم، ومدد حواملهم، وأجرة ~~أجرائهم وغير ذلك. # ولا شك أن الوقت في الوقوف متعلق بالهلال، فالهلال ميقات له، لأنه به ~~يعرف، وكذلك الطواف، فلا يتضمن ما قلناه، إطلاق اسم الحج على شرط الحج، دون ~~نفس الحج. # فإن قيل: فعلى قولكم أيضا قد قال تعالى: (الحج أشهر معلومات) والأفعال ~~كالوقوف، وسائر الأفعال إنما تقع في غير الأهلة، بل في وسط الشهر لا في ~~الأشهر، فليس في شوال من أفعال الحج شيء، فقد أخرجتم الحج عن أن يكون اسمه ~~متناولا لشيء من الأفعال سوى الإحرام. # قلنا في جواب ذلك: إن الإحرام ركن الحج عندنا، فقوله: # (الحج أشهر) ، يعني عقد الحج وإنشاؤه في أشهر معلومات.. # قالوا: احتمل أن يكون المراد به غالب أحوال الناس، وكأنه قال تعالى: ~~(الحج أشهر معلومات) في تعارف الناس، فمن فرض في هذه الأشهر الحج، فلا يخلن ~~بحقه، وليرفض الفسوق والرفث والجدال ms065 كما قال الله تعالى في صوم رمضان: ~~(أياما معدودات) ، والمقصود به تهوين الأمر عليهم دعاء إلى فعله، لا سيما ~~وليس في قوله: (الحج أشهر معلومات) صنفة الأمر، فيجوز أن يكون إخبارا عن ~~متعارف أحوال الناس، في إيقاع الإحرام بالحج في هذه الأشهر، وهذا لأنا لا ~~ننكر احتمال اللفظ له، إلا أن الظاهر ما قلناه. # ومما سألوه أن من فروض الحج، ما يفعل بعد أشهر الحج، ويكون مفعولا في ~~وقته، وهو طواف الزيارة، ولم يجز شيئا من فروض الصلاة # PageV01P111 # يفعل بعد خروج وقتها، إلا على وجه القضاء، فلم يجز أن يكون ركن العبادة ~~باقيا في غير وقتها، فبقي إحرامه كاملا بعد أشهر الحج، وهو يوم النحر قبل ~~رمي الجمار، حتى قال الشافعي: «إن جامع يوم النحر قبل رمي الجمار فسد حجه» ~~، فدل على كونه وقتا للإحرام بالعبادة، وليس بقاء العبادة في هذا الوقت، ~~على نحو بقاء العصر بعد غروب الشمس، والصبح بعد طلوع الشمس، فإن ذلك وقت ~~العذر والضرورة، لا وقته الأصلي، ولذلك لا يجوز تأخير صلاة العصر، إلى وقت ~~يعلم وقوعها بعد غروب الشمس، وها هنا يوم النحر وقت أصلي لأفعال الحج، ~~فليكن وقتا لعقد الإحرام.. # والجواب عنه، أنه وقت لأعمال حج، لا يتصور بقاء الإحرام به، فإن الطواف ~~في هذا اليوم، إنما يكون لحج يقدم الإحرام به قبل يوم النحر، وذلك الحج ~~بالاتفاق، لا يتصور بقاؤه في هذا الوقت، والذي ينعقد من الإحرام في هذا ~~الوقت، لا يتصور أن يكون هذا الوقت وقتا لأعماله، فكيف يجوز الاستدلال به؟ # بل يقال إن فواته يدل على أن الوقت الذي لا يبقي فيه الإحرام، لا يجوز أن ~~يكون وقتا لابتداء مثله، وهذا أقرب في الاستدلال. # قوله تعالى: (فمن فرض فيهن «1» الحج) (197) أي أوجبه على نفسه فيه. # وظن بعض الناس أنه لا بد من شيء يصح القصد إليه، ويصح فرضه، يعني إيجابه، ~~وهو التلبية، وهو مذهب أبي حنيفة. # والشافعي يقول: أوجب فيه على نفسه فعل الحج، وهو منقسم PageV01P112 # إلى كف النفس عن المحظورات، ms066 كالصوم، وإلى أفعال تباشرها «1» .. # قوله: (فلا رفث ولا فسوق) «2» الآية (197) : # قال ابن عمر: الرفث الجماع. # وعن ابن عباس مثل ذلك. # وروي عنه أنه التعريض بالنساء. # والأصل في الرفث الإفحاش في القول، وبالفرج الجماع، وباليد الغمز للجماع، ~~هذا أصل اللغة. # فدلت الآية، على النهي عن الرفث في هذه الوجوه كلها، ومن أجله حرم ~~العلماء ما دون الجماع في الإحرام، وأوجبوا في القبلة الدم. # وأما الفسوق فالسباب «3» ، والجدال والمراء، وقيل: هو أن تجادل صاحبك حتى ~~تغضبه، والفسوق المعاصي، فدلت الآية على تحريم أشياء لأجل الإحرام، وعلى ~~تأكيد التحريم، في أشياء محرمة في غير الإحرام، تعظيما للإحرام، ومثله ~~قوله: # «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن جهل عليه PageV01P113 # فليقل إني امرؤ صائم «1» » .. # قوله تعالى: (وتزودوا) «2» في هذا المقام، يعطي التزود للحج حتى لا ~~يتكلوا على الناس وسؤالهم، وقوله في مساق ذكر الحج: # (ليس عليكم جناح «3» أن تبتغوا فضلا من ربكم) (198) . # يدل على جواز التجارة في الحج، حتى لا يتوهم متوهم أن ذلك لا يجوز، حتى ~~لا يصرفه عن إكمال الحج، كما لا يجوز «4» الاصطياد. # قوله تعالى: (فإذا أفضتم «5» من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) ~~(198) : PageV01P114 # فيه دليل على أن الوقوف بعرفة من مناسك الحج.. # وقوله: # (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) (199) .. # قيل: معناه أنه خطاب للحمس وهم قريش، فإنهم كانوا يقفون بالمزدلفة، ويقف ~~سائر الناس بعرفات، فلما جاء الإسلام، أمرت قريش بأن تفيض من حيث أفاض ~~الناس ويقفوا منهم «1» .. # وقال الضحاك: إنه أراد به الوقوف بالمزدلفة، وأن يفيضوا من حيث أفاض ~~إبراهيم عليه السلام، وسماه الناس، كما سماه أمة، لأنه بوحدته «2» أمة ~~كالناس، وأكثر الناس على القول الأول، إلا أن قول الضحاك أقوى من حيث دلالة ~~النظم، فإن الله تعالى قال: (فإذا أفضتم من عرفات) ، فذكر الإفاضة من ~~عرفات، ثم أردف ذلك بقوله: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) ، وثم تقتضي ~~الترتيب لا محالة، فعلمنا أن هذه الإفاضة، هي بعد الإفاضة من عرفات، وليس ~~بعدها إفاضة، إلا من المزدلفة وهي ms067 المشعر الحرام، فكان حمله PageV01P115 # على هذا، أولى منه على الإفاضة من عرفة، لأن الإفاضة من عرفة، قد تقدم ~~ذكرها، فلا وجه لإعادتها. # ويبعد أن يقول: (فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله) بعد الإفاضة من ~~المشعر الحرام، ثم أفيضوا من عرفات. # وغاية ما قيل في القول الآخر: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) ، عائد إلى ~~الكلام الأول، وهو الخطاب بذكر الحج ومناسكه، ثم قال: أيها المأمورون بالحج ~~من قريش- بعد ما تقدم ذكرنا له- أفيضوا من حيث أفاض الناس، فيكون ذلك راجعا ~~إلى صلة خطاب المأمورين، وهو كقوله تعالى: # (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن) «1» . # والمعنى: ثم بعد ما ذكرنا لكم، أخبركم أنا أتينا موسى الكتاب تماما على ~~الذي أحسن. # ويعترض عليه، أن ذكر الإفاضة إذا تقدم وعقب بعده بنسك آخر، يقتضي ~~الإفاضة، فلا يحسن أن يذكر بكلمة ثم ما يرجع على الإفاضة من الذي تقدم، دون ~~أن يرجع إلى ما يليه. # وقد قيل: إن ثم بمعنى الواو، ولا يبعد أن يقول: (فإذا أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام) ، (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) ، مثل ~~قوله تعالى: (ثم كان من الذين آمنوا) «2» .. ومعناه: وكان من الذين آمنوا، ~~(ثم الله شهيد) «3» ومعناه «والله شهيد» . PageV01P116 # فقيل لهم: قد ذكر الإفاضة من عرفات، فأي معنى لذكر الإفاضة ثانيا؟ # فأجابوا: بأن فائدته أن يعلم أنه ليس خطابا لمن كان يقف بها من قبل، دون ~~من لم يكن يرى الوقوف بها، فيكون التاركون للوقوف على ملة إبراهيم في ~~الوقوف بالمزدلفة دون عرفات، فأبطل ظان «1» الظان لذلك بقوله: (أفيضوا من ~~حيث أفاض الناس) .. # أما كون الوقوف ركنا لا يصح الحج بدونه، فإنما علم بالإجماع وفيه إخبار ~~أيضا، فمنه ما رواه عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: # سئل النبي عليه السلام: كيف الحج؟ قال: «يوم عرفة، من جاء عرفة ليلة جمع ~~قبل الفجر فقدتم حجه» .. # وروى الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي، أن النبي عليه السلام قال ~~بالمزدلفة: # «من صلى معنا هذه الصلاة، ووقف معنا ms068 هذا الموقف، ووقف بعرفة ليلا أو ~~نهارا، فقد تم حجه وقضى تفثه» «2» . # وليس وجوب الوقوف والاعتداد به مخصوصا بالليل أو النهار، فالوقوف نهارا ~~غير مفروض، وإنما هو مسنون، وقد دل ما رويناه من الخبر ومطلق قوله تعالى: ~~(ثم أفيضوا) ، على عدم اختصاصه بليل أو نهار، ولا يعرف لمذهب مالك وجه، إلا ~~أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون منها، إذا صارت الشمس على رؤوس الجبال، كأنها ~~عمائم الرجال في وجوههم، وإنما كانوا يدفعون من المزدلفة، بعد طلوع ~~PageV01P117 # الشمس، فخالفهم النبي عليه السلام، ودفع من عرفات بعد الغروب، ومن ~~المزدلفة قبل طلوع الشمس، فرأى أن خاصية الشريعة في مراغمة الكفار في ~~عاداتهم، والمراغمة إنما تحصل بالوقوف ليلا.. # والذي قالوه، لا يقتضي أن يكون فرضا، بل يجوز أن يكون ندبا، فإثبات ~~الوجوب على هذا المعنى لا وجه له. # وقوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) ، ~~ولم يختلف العلماء في أن المشعر الحرام هو المزدلفة، ويسمى جمعا أيضا، ~~والذكر الثاني في قوله تعالى: (واذكروه كما هداكم) ، هذا الذكر المفعول عند ~~المزدلفة غداة جمع، فيكون الذكر الأول غير الثاني، والصلاة تسمى ذكرا لقوله ~~تعالى: (أقم الصلاة لذكري) «1» . # فيجوز أن يفهم منه تأخير صلاة المغرب، إلى أن تجمع مع العشاء بالمزدلفة، ~~وتواترت الأخبار في جمع النبي عليه السلام بين المغرب والعشاء بالمزدلفة. # واختلف فيمن صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة، فالشافعي وأبو يوسف ~~يجوزان، وأبو حنيفة ومحمد لا يجوزان. # فأما الوقوف بالمزدلفة فليس بركن عند أكثر العلماء، وقال الأصم وابن ~~علية: إنه ركن، وقوله عليه السلام: الحج عرفة. # ومن وقف بعرفة قبل أن يطلع الفجر، فقدتم حجه بإدراك عرفة، ولم يشترط معه ~~الوقوف بجمع. PageV01P118 # نعم قد قال الله تعالى: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) ، والذكر ~~بالإجماع ليس بواجب، ولعل المراد بالذكر الصلاة، وهي الجمع بين المغرب ~~والعشاء بالمزدلفة. # قوله تعالى: # (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا) (200) : # قضاء المناسك أداؤها على التمام مثل قوله تعالى: # (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله ms069 قياما وقعودا) «1» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» «2» يعني: ~~فافعلوا على تمام. # وقوله تعالى: (فاذكروا الله كذكركم آباءكم) : فيه معنيان محتملان: # أحدهما: الأذكار المفعولة في خلال المناسك كقوله: # (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) «3» . # وهو مأمور به قبل الطلاق على مجرى قولهم: إذا حججت فطف بالبيت، وإذا صليت ~~فتوضأ، وإذا أحرمت فاغتسل. # قوله تعالى: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله) ، PageV01P119 # يجوز أن يريد به الأذكار المسنونة بعرفات والمزدلفة، وعند الرمي والطواف، ~~وقد قيل فيه: إن أهل الجاهلية، كانوا يقفون عند قضاء المناسك، ذاكرين ~~مآثرهم ومفاخرهم، فأبدلهم الله تعالى ذلك بذكره والثناء عليه «1» ، وقال ~~صلى الله عليه وسلم: # «إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظيمها للآباء، الناس من آدم وآدم ~~من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ثم تلا: # (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) إلى قوله (عليم خبير) «2» . # قوله تعالى: # (واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) (203) . # وقال في موضع آخر: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام) «3» . # فرأى الشافعي: أن «المعلومات» : العشر الأول من ذي الحية، وآخرها يوم ~~النحر. # وروي عن علي رضي الله عنه، أن «المعلومات» يوم النحر ويومان بعده، في ~~أيهما شئت. # وروى الطحاوي عن أبي يوسف، أنه قال في جواب مسألة أبي العباس الطوسي، عن ~~الأيام المعلومات، إنها أيام النحر، وقال: روي PageV01P120 # ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما وإليه أذهب، لأنه قال تعالى: # (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) . # وحكى الكرخي عن محمد، أن الأيام المعلومات أيام النحر الثلاث: # يوم الأضحى ويومان بعده. # وعن أبي حنيفة: المعلومات: العشر، ولم يختلف قول أبي حنيفة في ذلك كما لم ~~يختلف قول الشافعي. # واحتجاج من احتج على أن المعلومات، أيام النحر، بقوله تعالى: # (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) ، لا يصح، لأن في العشر يوم النحر، وفيه ~~الذبح، فعلى قول أبي يوسف ومحمد، لا فرق بين المعلومات والمعدودات، لأن ~~المعدودات ms070 المذكورة في القرآن أيام التشريق فلا خلاف، ولا يشك أحد في أن ~~المعدودات لا تتناول أيام العشر، فإن الله تعالى يقول: (فمن تعجل في يومين ~~فلا إثم عليه) وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثالث. # وروي عن ابن عباس أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق، وهو قول ~~الجمهور، وليس في الأدلة ما يقتضي افتراقهما. # ودلالة المعدودات على أيام التشريق بينة من جهة ما بعدها، فأما دلالة ~~المعلومات على العشر، فليست ظاهرة من جنب الآية. # ولم يختلف أهل العلم أن أيام منى ثلاثة بعد يوم النحر، وأن للحاج أن ~~يتعجل في اليوم الثاني منها، إذا رمى الجمار وينفر، وأن له أن يتأخر إلى ~~اليوم الثالث، حتى يرمي الجمار فيه ثم ينفر. # PageV01P121 # قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك «1» قوله في الحياة الدنيا) (204) ، مع ~~قوله: (إذا جاءك المنافقون) «2» ، تنبيه على الاحتياط، فيما يتعلق بأمور ~~الدين والدنيا، واستبراء أحوال القضاة والشهود.. # قوله: # (يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين» # والأقربين) (215) : # يبعد حمله على الواجب الثابت في الحال، فإنه لا يجب الإنفاق على اليتامى ~~والمساكين والذي يجب لهم الزكاة، وذلك لا ينصرف إلى الوالدين والأقربين، ~~إلا أنه يحمل على صدقة التطوع. # ويجوز أن يريد به الصدقة المتطوع بها. # ويجوز أن يزيد به إبانة مصارف المال التي يستحق بها الثواب. # وقد قيل: قد انتسخت بآية الزكاة.. هذا على تقدير كون المراد بالآية ~~الزكاة، فإنها تجب لليتامى والمساكين «4» .. # ويبعد أن يقال: إن المراد في البعض التطوع، وفي البعض الفرض، واللفظ واحد ~~... PageV01P122 # قوله تعالى: (كتب عليكم القتال «1» ) (216) . # وذلك إما أن يكون مجملا موقوفا على بيان يرد ما بعده من البيان، لامتناع ~~قتال الناس كلهم، وإما أن يكون مبنيا على معهود متقدم، ولا يعقل دون هذين. # قوله: (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه) الآية (217) : # وقال عطاء: لم ينسخ ذلك وكان يحلف عليه. # وقال آخرون: هي منسوخة بقوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) «2» ~~. # ولا شك أن عموم ذلك، يرفع خصوص ما قبله عند الشافعي، وإن خالفه ms071 بعض ~~الأصوليين في انتساخ القيد بالمطلق بعده، ورأوا نسخ «3» القتال في البلد ~~الحرام، بعموم قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) «4» ، وهذا ~~أيضا من قبيل الأول. # نعم صح ورود العمومين بعد المقيدين. # وذكر الحسن وغيره، أن الكفار سألوا النبي عليه السلام عن ذلك على جهة ~~التعنيت للمسلمين، باستحلالهم القتال في الشهر الحرام. PageV01P123 # وقال آخرون: إن المسلمين سألوا عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه. # وقيل: إنها نزلت على سبب، وهو قتل واقد بن عبد الله الحضرمي مشركا، فقال ~~المشركون: قد استحل محمد القتال في الشهر الحرام، ورأى المشركون مناقضة ~~قولهم بإقامتهم على الكفر، مع استعظامهم القتل في الأشهر الحرام، مع أن ~~الكفر أعظم الإجرام. # فإن وردت الآية العامة على هذا السبب، فلا شك في النسخ، فإن اللفظ العام ~~في موضع السبب نص. # وفيه أيضا شيء آخر وهو: أن الله تعالى نبه على العلة فقال: إنهم استعظموا ~~القتل في الشهر الحرام، فالذي كان منهم أعظم، وإنما سقطت حرمتهم في الشهر ~~الحرام، لعظم جرائمهم، وهو الكفر بالله في الشهر الحرام. # قوله تعالى: «يسئلونك عن الخمر «1» والميسر» ) الآية (219) ... # فأما تحريم الخمر، فيمكن أن يوجد من هذا، لأن قوله عز وجل: PageV01P124 # (وإثمهما «1» أكبر من نفعهما) ، يدل على المفسدة في شربها، وأن ما فيها ~~من المنفعة لا يقاوم بالمفسدة. # ويمكن أن يقال: إن المفسدة في السكر، وليس في ذلك بيان تحريم القليل الذي ~~لا يسكر. # ويمكن أن يقال لا، بل في شرب الخمر مفسدة عظيمة، لإفضاء قليل الشرب إلى ~~كثيره، وذلك يحتمل أيضا وليس بنص. # وأما الميسر فهو في اللغة من التجزئة، وكل ما جزأته ففد يسرته، ويقال ~~للجازئ ياسر لأنه يجزر الجزور، والميسر: الجزور نفسه إذا جزئ، وكانوا ~~ينحرون جزورا، ويجعلونه أقساما، يتقامرون عليها بالقداح على عادتهم في ذلك، ~~فكل من خرج له قدح، نظر إلى ما عليه من التسمية، فيحكمون له بما يقتضيه من ~~أسماء القداح، فسمي على هذا سائر ضروب القمار ميسرا. # وقال ابن عباس: «الميسر: القمار» . # وقال عطاء: «حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز» ms072 . # وكانت المخاطرة في أول الإسلام مباحة، حتى خاطر أبو بكر المشركين، حتى ~~نزلت (الم، غلبت الروم) «2» . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «زد في ~~المخاطرة وامدد في الأجل» «3» ، ثم حظر ذلك PageV01P125 # ونسخ بتحريم القمار، وحرم القمار مطلقا، إلا ما رخص فيه من الرهان في ~~السبق في الدواب والإبل والنصال «1» ، واستثنى ذلك لأن فيه رياضة للخيل ~~وتدريبا لها على الركض، وفيها قوة واستظهار على العدو، وقال تعالى: # (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) «2» يقتضي جواز السبق ~~بها، لما فيه من القوة على العدو، وكذلك الرمي. # وظاهر تحريم الميسر- وهو القمار- يمنع مخاطرة، يتوهم فيها إخفاق البعض ~~وإنجاح البعض، وهو معنى القمار بعينه «3» ، وظاهره يمنع القرعة في العبيد، ~~يعتقهم المريض ثم يموت، لما فيه من القمار في إنجاح البعض وإخفاق البعض، ~~لولا ما فيه من الخبر الصحيح، الذي خص هذا العموم لأجله.. # قوله تعالى: (ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم) (220) : # واليتيم: هو المنفرد عن أحد أبويه، فقد يكون يتيما من جهة الأم مع بقاء ~~أبيه، وقد يكون يتيما من جهة الأب مع بقاء الأم، والإطلاق أظهر في اليتم من ~~قبل الأب. # وظواهر القرآن في أحكام اليتامى، محمولة على الفاقدين لآبائهم وهم صغار. ~~PageV01P126 # ولا يحمل ذلك على البالغ، إلا على وجه المجاز عند قرب العهد بالبلوغ، ~~واليتيم في الأصل اسم للمنفرد، ولذلك سميت المرأة المنفردة عن الزوج يتيمة، ~~سواء كانت صغيرة أو كبيرة، قال الشاعر: # إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى # وتسمى الرابية يتيمة لانفرادها عما حواليها من الأرض. # ويقولون: الدرة اليتيمة لأنها كانت مفردة لا نظير لها. # قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا) ، كره المسلمون أن يضموا اليتامى إليهم، ~~وتحرجوا أن يخالطوهم في شيء فنزل قوله تعالى: (ويسئلونك عن اليتامى قل ~~إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم) .. # (ولو شاء الله لأعنتكم) أي أخرجكم وضيق عليكم، ولكن وسع ويسر فقال: (ومن ~~كان غنيا فليستعفف، ومن ms073 كان فقيرا فليأكل بالمعروف) . # وقال عليه السلام: «ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة» «1» . # وتوفرت الأخبار في دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة به. # وقد جوزت الآية ضروبا من الأحكام: PageV01P127 # أحدها: قوله تعالى: (قل إصلاح لهم خير) ، فيه الدلالة على جواز خلط ماله ~~بماله، وجوز التصرف فيه بالبيع والشراء إذا وافق الصلاح، وجواز دفعه إلى ~~غيره مضاربة، وفيه دلالة على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث، لأن الإصلاح ~~الذي تتضمنه الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد، وغالب الظن. # فإذا ثبت ذلك، فقد اختلف العلماء في أفراد تصرفات في مال اليتيم ونفسه، ~~ومتعلق كل واحد منهم في تجويز ما جوزه ظاهر القرآن في ابتغاء المصلحة. # وقال أبو حنيفة: لولي الطفل أن يشتري ماله لنفسه بأكثر من ثمن مثله، لأنه ~~إصلاح دل عليه ظاهر القرآن، والذي لا يجوز يقول: لم يذكر فيه المصرف بل ~~قال: (إصلاح لهم) من غير أن يذكر فيه الذي يجوز له النظر، وعندنا الجد يجوز ~~له ذلك، والأب في حق ولده الذي ماتت والدته، يتصرف على هذا الوجه، ولا ~~متعلق في الآية من، حيث العموم أصلا، إذ ليس للمصرف ذكر يعم أو يحصر. # ويقول أبو حنيفة: إذا كان الإصلاح خيرا فيجوز تزويجه ويجوز أن يزوج منه. # والشافعي لا يرى التزويج أصلا، إلا من جهة دفع الحاجة، ولا حاجة قبل ~~البلوغ. # وأحمد يجوز للوصي التزويج لأنه إصلاح، ووجه قول الشافعي ما ذكرناه، ~~والشافعي يجوز للجد التزويج مع الوصي لا بحكم هذه الآية. # وأبو حنيفة يجوز للقاضي تزويج اليتيم بظاهر القرآن، فهذه المذاهب نشأت من ~~هذه الآية.. # PageV01P128 # فإن ثبت كون التزويج إصلاحا، فظاهر الآية يقتضي جوازه، ودل الظاهر على أن ~~ولي اليتيم يعلمه أمر الدين والدنيا، ويستأجر له ويؤاجره ممن يعلمه ~~الصناعات، وله أن ينفق عليه من ماله، وإذا وهب لليتيم شيء فللوصي أن يقبضه ~~له لما فيه من الإصلاح. # نعم، ليس في ظاهر الآية ذكر من يجوز له التصرف ولا يجوز، ويجوز أن يكون ~~معنى قوله: (ويسئلونك عن اليتامى) ، أي يسألك ms074 القوام عن اليتامى الكافلين ~~لهم، وذلك مجمل لا يعلم منه غير الكافل والقيم، وما يشترط فيه من الأوصاف.. # قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) (221) : # وقد روي عن ابن عمر، أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية قال: ~~«إن الله تعالى حرم المشركات على المسلمين ولا أعلم شيئا من الشرك أكثر من ~~أن يقول: «عيسى ربنا» «1» .. # وأما الباقون فإنهم جوزوه تعلقا بقوله تعالى: (والمحصنات من المؤمنات ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) «2» . # ولا تعارض بين هذا وبين قوله: (ولا تنكحوا المشركات» «3» ، فإن ظاهر لفظ ~~المشرك لا يتناول أهل «4» الكتاب، لقوله تعالى: (ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتاب ولا المشركين أن ينزل) PageV01P129 # (عليكم من خير من ربكم) «1» . # وقال: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين) «2» ففرق ~~بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، إلا ~~بدليل يقتضي الإفراد تعظيما على خلاف ظاهر اللفظ، كقوله: # (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل) «3» . # (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) «4» إلا أن ذلك خلاف الوضع ~~الأصلي، ولأن اسم الشرك عموم وليس بنص. وقوله: (والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب) بعد قوله (والمحصنات من المؤمنات) نص، فلا تعارض بين المحتمل وبين ~~ما ليس بمحتمل. # وليس من التأويل قول القائل: أراد بقوله: # (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) . # أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا. # وكقوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله) PageV01P130 # (وما أنزل إليكم) «1» . # وقوله: (من أهل الكتاب أمة قائمة) «2» الآية. # فإن الله تعالى قال: (والمحصنات من المؤمنات) ، ثم قال: # (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) . # والقسم الثاني على هذا الرأي هو القسم الأول بعينه. # ولأنه لا يشكل على أحد جواز التزوج بمن أسلمت وصارت من أعيان المسلمين. # قالوا: فقد قال الله تعالى: (أولئك يدعون إلى النار) ، (221) فجعل العلة ~~في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار. # والجواب عنه أن ذلك علة لقوله تعالى: (ولأمة مؤمنة خير من مشركة) ، لأن ~~المشرك يدعو إلى النار. # وهذه ms075 العلة تطرد عندنا في جميع الكفار، فإن المسلم خير من الكافر مطلقا، ~~وهذا بين. # فإن زعموا أن قوله تعالى: # (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) «3» ~~. # وقوله: (لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا) «4» . PageV01P131 # وقوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء) «1» . # صريح في تحريم النكاح، الذي هو سبب الاتحاد والوصلة والسكن والرحمة، وكيف ~~يجوز أن يحصل لنا مع الكفار ما قاله الله تعالى: # (خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) «2» ؟ # والجواب: أن ذلك منع من موادة ومخالطة، ترجع إلى المحاباة في أمر الدين، ~~وما أوجب الله على المسلمين من قتالهم والتغليظ عليهم دون التودد إليهم، في ~~حفظ ذمتهم وعصمتهم، ومبايعتهم ومشاراتهم والإنفاق عليهم، إذا كانوا ~~مملوكين، إلى غير ذلك مما يخالف الشرع، ويورث المودة. # وقد قيل: إن الآية نزلت «3» في مشركي العرب المحاربين، الذين كانوا لرسول ~~الله أعداء وللمؤمنين، فنهوا عن نكاحهن، حتى لا يملن بهم إلى مودة أهاليهن ~~من المشركين، فيؤدي ذلك إلى التقصير منهم في قتالهم دون أهل الذمة. # والمراد به غير الذين أمرنا بترك قتالهم، إلا أن أصحاب الشافعي يتعلقون ~~بقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات) ، في تحريم الأمة الكتابية مطلقا، في ~~حالتي وجود طول الحرة وعدمها. # فقيل لهم: فقد قال: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) ، وذلك ~~يعارض هذا؟ PageV01P132 # فأجابوا بأن سياق الآية يدل على الإختصاص بالحرة لأنه قال: # (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن) «1» . # ثم قال: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به من بعد الفريضة) «2» . # وكل ذلك مخصوص بالحرة، غير متصور في الأمة بحال. # ولأنه تعالى قال بعده: (ومن لم يستطع منكم طولا» # أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) «4» ~~. # فلو كان اسم المحصنات يتناول الإماء لما قال: # (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم) ~~، فدل أن المحصنة المذكورة ها هنا هي الحرة، فلا ms076 تعلق للمخالف بالآية. # ولهم أن يقولوا على ما تعلقنا به من عموم لفظ المشركة: إن الآية ظاهرها ~~الحرة، فإنه تعالى قال: (ولأمة مؤمنة خير من مشركة) ولو كانت المشركة عامة ~~في الجميع، لما صح هذا القول. PageV01P133 # فعلم أن الآية سيقت لبيان تحريم المشركات الحرائر، ثم المشركات الإماء ~~معلومات من طريق الفحوى والأولى. # وظن قوم أن قوله تعالى: (ولأمة مؤمنة خير من مشركة) ، يدل على جواز نكاح ~~الأمة مع وجود الطول، لأن الله تعال أمر المؤمنين بتزويج «1» الأمة ~~المؤمنة، بدلا من الحرة المشركة التي تعجبهم لوجدان الطول إليها، وواجد ~~الطول إلى الحرة المشركة، هو واحده إلى الحرة المسلمة. # وهذا غلط من الكلام فإنه ليس في قوله: (ولأمة مؤمنة خير من مشركة) ذكر ~~نكاح الإماء في تلك الحال، وأنه لا خلاف في أن نكاح الإماء مكروه مع القدرة ~~على طول الحرة، وإنما ذلك تنفير عن نكاح الحرة المشركة، فإن العرب كانوا ~~بطباعهم نافرين عن نكاح الإماء، فقال: (ولأمة مؤمنة خير من مشركة) ، فإذا ~~نفرتم عن نكاح الأمة المسلمة فإن المشركة أولى بأن تكرهوا نكاحها. # قوله تعالى: (ويسئلونك عن المحيض) الآية (222) : # قد يكون اسما للحيض نفسه. # ويجوز أيضا أن يكون موضع الحيض كالمقيل والمبيت، وهو موضع القيلولة ~~والبيتوتة «2» . # ودل اللفظ على أن المراد بالمحيض ها هنا الحيض، لأن الجواب ورد ~~PageV01P134 # بقوله: (قل هو أذى) ، وذلك صفة لنفس الحيض لا للموضع الذي فيه. # ويحتمل أن يقال: قوله (فاعتزلوا النساء في المحيض) ، هو موضع الحيض، لأن ~~الاعتزال في المحيض لا يتحقق له معنى إذا أراد به نفس الدم. # وقد كان اليهود يتجنبون مؤاكلة النساء ومشاربتهن ومجالستهن في الحيض، ~~فنسخ الإسلام ذلك، فسأل المسلمون عن الوطء، وقالوا: # ألا نطأهن يا رسول الله؟ يعني أنه إذا لم نجتنب سائر الأعضاء منهن، فلا ~~نجتنب موضع الحيض؟ # فاستثنى الله تعالى موضع الحيض بقوله: (قل هو أذى) «1» ، أي موضع الأذى، ~~وإلا فنفس الدم مجتنب ولا يقرب، وقد عرفوا نجاسته، فإن النجاسة مجتنبة، ~~وذلك يقتضي كون التحريم مختصا بموضع الأذى، وهو ms077 الصحيح من مذهب الشافعي. # وعبر عن الموضع بالأذى، مع أن الأذى ليس عبارة عن نفس النجاسة، بل هو ~~كناية عن العيافة «2» في حق متوخي النظافة. # وأبو حنيفة يحرم ما تحت الإزار، ويحتج بأن قوله تعالى: (فاعتزلوا النساء ~~في المحيض) ، دال على حظر ما فوق الإزار وما تحته، غير أنه قام الدليل فيما ~~فوق الإزار في الإباحة، وبقي ما دونه على حكم العموم. PageV01P135 # وهذا غير صحيح، فإنهم إنما سألوا بناء على ما علموا من استباحة مخالطتها ~~في المأكل والمشرب والفراش، وإنما سألوا عن الوطء فقط، فلا يجوز أن تكون ~~الآية دالة على الاعتزال المطلق، مع ما ذكرناه. # وإنما معنى الآية: قل هو أذى فاعتزلوا إتيان النساء في المحيض، أو وطء ~~النساء في المحيض، فهو مضمر محذوف دل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: # (ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) . # فمد التحريم إلى غاية التحليل، فذكر بعد الغاية الإتيان، فدل أن المحرم ~~قبله هو الإتيان فقط. # ويدل عليه حديث حماد بن سلمة عن ثابت بن أنس، أن اليهود كانوا يخرجون ~~الحائض من البيت، ولا يؤاكلونها ولا يجامعونها في بيت، فسئل النبي عليه ~~السلام عن ذلك، فأنزل الله تعالى: (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى) ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: «جامعوهن في البيوت وافعلوا كل شيء إلا النكاح» «1» .. # وروي عن عائشة أن النبي عليه السلام قال لها: «ناوليني الخمرة، فقالت: ~~إني حائض، فقال: ليست حيضتك في يدك» «2» .. # وذلك يدل على حل كل عضو ليس فيه حيض، فهذا يدل على معنى الآية.. ~~PageV01P136 # قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) . # تنازع أهل العلم في معناه: # فقال قوم: هو انقطاع الدم، فيجوز وطؤها بعد انقطاع الدم، من غير فرق بين ~~أقل الحيض وأكثره. # ومنهم من حرم قبل الغسل، من غير فرق بين أقل الحيض أو أكثره، وهو قول ~~الشافعي. # وأبو حنيفة أباحه قبل الغسل، إذا انقطع الدم على الأكثر، وحرم إذا انقطع ~~على ما دون الأكثر، مع وجوب الغسل عليها، مع الحكم ms078 بطهارتها. # أما من أتاح الوطء مطلقا، فإنه يتعلق بقوله تعالى: (حتى يطهرن) ، ومعلوم ~~أنها طاهرة وإنما أراد به: حتى يطهرن من العارض وهو الحيض. # ويقال: طهرت من الحيض والنفاس «إذا زال الحيض والنفاس، ولذلك يقال زمان ~~الطهر وزمان الحيض» «1» ، وإنما هو زمان طهر المرأة وإن لم تغتسل للأكثر. # وإذا لم تكن حائضا فهي طاهرة، وليس بين كونها حائضا وطاهرة درجة ثالثة، ~~فقد طهرت إذا. # فهذا قول ظاهر إلا أن قوله: (فإذا تطهرن) ، يخالف هذا المذهب ظاهره، ~~PageV01P137 # وكذلك قراءة التثقيل في قوله (حتى يطهرن) . # وفيه احتمال. وهو أن يكون معنى قوله: (فإذا تطهرن) ، أي إذا حل لهن ~~التطهر بالماء والتيمم، كما قال صلى الله عليه وسلم: # «إذا غابت الشمس أفطر الصائم» أي حل له أن يفطر. # وقال: «من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل» «1» ، أي حل له أن يحل. # ويقال للمطلقة إذا انقضت عدتها، إنها قد حلت للأزواج، ومعناه: # أنه حل لها أن تتزوج. # وقال النبي عليه السلام لفاطمة بنت قيس: «إذا حللت فآذنيني» «2» وإذا ~~احتمل ذلك، لم تزل الغاية عن حقيقتها بحظر الوطء بعدها فهذا أمر محتمل. # إلا أن الذي ينصر مذهب الشافعي يقول: إن الله تعالى قال: # (قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) . # فيقتضي ذلك حتى يطهرن من الأذى وهو العيافة، وذلك لا يحصل بنفس انقطاع ~~الدم قبل الاغتسال، ولذلك يسن لها أن تتبع بفرصة من مسك أثر الدم لإزالة ~~بقية العيافة. PageV01P138 # فالذي يستحب هذا القدر، كيف يرى زوال الأذى بمجرد انقطاع الدم، ثم لما ~~قال تعالى: # (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) قال: # (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) ، وذلك يدل دلالة ظاهرة على تعلق ~~قوله: (فإذا تطهرن) بقوله: (يحب المتطهرين) . # وإنما يحب الله تعالى المتطهرين باختيارهم لا غير، فليكن قوله: # (فإذا تطهرن) محمولا على التطهر بالاختيار وهو فعل، ويكون قوله أخيرا، ~~بيانا لما تقدم، وهذا على مذهب الشافعي، فأما أبو حنيفة، فإن بعض الأصوليين ~~من أصحابه يقول: # إنا ms079 نعمل بالقراءتين، فنحمل القراءة المشددة في قوله: (حتى يطهرن) على ~~انقطاع الدم على ما دون الأكثر، فإن عند ذلك لا يحل الوطء قبل الغسل، ~~والقراءة المخففة في قوله (حتى يطهرن) على انقطاع الدم على الأكثر. # وهذا قول بعيد، وأقل ما فيه إخراج قوله تعالى: (فإذا تطهرن) عن كونه ~~حقيقة في الاغتسال، إذا حمل على انقطاع الدم على الأكثر، وحمله على حقيقته ~~في الاغتسال، إذا كان انقطاع الدم على ما دون الأكثر، وذلك بعيد جدا. # ولأن الآية لو كانت متناولة للحالتين، كان تقدير الكلام: «حتى يغتسلن» في ~~آية «ولا يغتسلن» في آية أخرى، أو قراءة أخرى، ويكون ذكر المحيط متناولا ~~لهما جميعا، ولا يكون فيه بيان المقصود، فيكون مجملا غير مفيد للبيان. # PageV01P139 # ولأنه إذا كانت قراءة التشديد حقيقة في الاغتسال، وقد حملوها على انقطاع ~~الدم فيما دون الأكثر، فيجب أن يتوقف الحل فيه على الاغتسال، وقد قالوا: # «إذا دخل وقت الصلاة وإن لم تغتسل حل للزوج وطؤها» . # فجعلوا وجوب الصلاة والصوم مجوزا للوطء، ولم يجعلوا وجوب الغسل مجوزا. # فإن حملوا قراءة التشديد على الغسل، لزمهم أن يوقفوا الحل على الغسل، فلا ~~هم عملوا بقراءة التخفيف ولا بقراءة التشديد، وإن موهوا باعتذارات في وجوب ~~الصلاة، فلا أثر لها في إخراج قراءة التشديد عن كونها حقيقة، ومقصودهم ~~مراعاة القراءتين، في إلحاق إحداهما بالحقيقة والأخرى بالمجاز.. # قوله تعالى (نساؤكم حرث «1» لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) (223) : # فالحرث المزدرع، وهو في هذا الموضع كناية عن الجماع، وتسمى النساء حرثا ~~لأنهن مزدرع الأولاد «2» . # وقال أكثر الفقهاء: (فأتوا حرثكم أنى شئتم) ، يدل على أن المراد به موضع ~~الحرث. PageV01P140 # واشتهر عن مالك إباحة «1» ذلك. # وقوله (أنى شئتم) يحتمل كيف شئتم، ويحتمل أين شئتم «2» فلفظ (أنى) ~~يحتملهما جميعا. # وروي عن جابر أن اليهود قالوا للمسلمين: «من أتى امرأته وهي مدبرة جاء ~~ولده أحول» «3» ، فأنزل الله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مقبلة ومدبرة ما كان في الفرج» . # ومالك يحتج بقوله تعالى: ms080 (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم) «4» ، وأن عموم ذلك يقتضي إباحة وطئهن في الموضع الذي ~~جوزنا وطأهن فيه. # قيل قوله: (إلا على أزواجهم) دال على الإباحة المطلقة لا على موضع ~~الإباحة، كما لم يدل على وقت الإباحة في الحائض وغيرها. # ومما تعلق به من حرم الوطء أن قوله تعالى: (قل هو أذى) ، تعليل تحريم وطء ~~الحائض، بما يقتضي تحريم الوطء في الذي ينازعنا فيه فإنه موضع الأذى. ~~PageV01P141 # وهذا المعنى كان يقتضي تحريم وطء المستحاضة، لولا الحرج في تحريم وطئها، ~~لطول أمد الاستحاضة. # ومعنى الأذى ليس يستقل بتحريم الوطء، لولا إيماء الشرع إليه. # فإذا عرفت ذلك فاعلم أن قولنا: «ليس هذا موضع الحرث» ، لا يظهر دلالته ~~على تحريم الوطء فيه، كالوطء فيما دون الفرج، ولكن دليل التحريم مأخوذ من ~~غير ذلك في قوله تعالى: # (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) مع قوله تعالى: (فأتوا حرثكم) . # إذ يدل على أن في المأتي اختصاصا، وأنه مقصور على موضع الولد. # وروي عن محمد بن كعب القرظي، أنه كان لا يرى بذلك بأسا ويتأول فيه قوله ~~تعالى: # (أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم) «1» . ~~ولو لم يبح مثله من الأزواج، لما صح ذلك. # وليس المباح من الموضع الآخر مثاله، حتى يقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله ~~من المباح. # وهذا فيه نظر، إذ معناه: وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه ~~تسكين شهوتكم، ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا، فيجوز التوبيخ على هذا ~~المعنى. PageV01P142 # قوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) (224) فيه معنيان: # أحدهما: أن يتخذ يمينه حجة مانعة من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، ~~فإذا طلبت منه المعاونة على البر والتقوى والإصلاح قال: قد حلفت. فيجعل ~~اليمين معترضة بينه وبين ما ندب إلى فعله، أو أمر به من البر والتقوى ~~والإصلاح، فلا جرم قال الشافعي: # الأيمان لا تحرم ما أحل الله، ولا تحل ما حرمه الله عن فعل، وإن الذي حل ~~لكونه صلاحا، لا يصير ms081 حراما باليمين، فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك، فليفعل ~~وليدع يمينه. # ودل عليه قوله تعالى: # (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى) إلى قوله: ~~(وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) «1» . # قال ابن سيرين: حلف أبو بكر رضي الله عنه، في يتيمين كانا في حجره، وكانا ~~فيمن خاض في أمر عائشة، أحدهما مسطح وقد شهد بدرا، وقد أشهد الله تعالى أن ~~لا يصلهما ولا يصيبان منه خيرا، فنزلت هذه الآية.: # وفي الخبر: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير» ~~«2» . PageV01P143 # وهو معنى قوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) . # والوجه الثاني في التأويل: أن يكون معنى قوله: (عرضة لأيمانكم) ، يريد به ~~كثرة الحلف، وهو نوع من الجرأة على الله تعالى، والابتذال لاسمه في كل حق ~~وباطل، ومن أكثر من ذكر شيء، فقد جعله عرضة، كقول القائل: # «قد جعلتني عرضة للومك» . # وذم الله تعالى مكثر الحلف بقوله تعالى: # (ولا تطع كل حلاف مهين) «1» . # والمعنى: لا تعرضوا اسم الله تعالى، ولا تبتذلوه في كل شيء، لأن تبروا ~~إذا حلفتم، وتتقوا المأثم فيها، إذا قلت أيمانكم، لأن كثرتها تبعد عن البر ~~والتقوى، وتقرب من المأثم والجرأة على الله تعالى، وكأن المعنى: إن الله ~~ينهاكم عن كثرة الأيمان والجرأة عليها، لما في توقي ذلك من البر والتقوى ~~والإصلاح، فكونوا بررة أتقياء، كقوله تعالى: # (كنتم خير أمة أخرجت للناس) «2» . # فأفادت الآية المعنيين، ومتضمنهما النهي عن ابتذال اسم الله سبحانه ~~واعتراضه باليمين في كل شيء، حقا كان أو باطلا، والنهي أيضا عن جعل اليمين ~~مانعة من البر والتقوى والإصلاح. # ودل ذلك على أن اليمين يجوز أن يجعل سببا للكفارة كما قاله الشافعي لأن ~~اسم الله المعظم، صار متعرضا للابتذال بوصف الحنث، ووصف PageV01P144 # الحنث راجع إلى اليمين، فكانت اليمين سببا، وليست اليمين عبادة لا يمكن ~~جعلها سببا للكفارة. # فإن الإكثار من العبادات مندوب إليه، والإكثار من اليمين منهى عنه. # والإكثار من العبادات تعظيم الله تعالى، والإكثار من اليمين ms082 تعريض الإسم ~~للابتذال. # فصح على هذا المعنى جعل اليمين سببا، على خلاف ما رآه أبو حنيفة، وجاز ~~لأجله تقديم الكفارة على الحنث، وجاز لأجله فهم إيجاب الكفارة في اليمين، ~~على فعل الغير وعلى فعل نفسه، وعلى ما يجب فعله، وعلى ما لا يجب، وهو أصل ~~الشافعي في الأيمان.. # قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو «1» في أيمانكم) (225) : # اعلم أن اللغو مذكور في القرآن على وجوه، والمراد به معاني مختلفة على ~~حسب اختلاف الأحوال التي خرج الكلام عليها. # فقال الله تعالى: (لا تسمع فيها لاغية) «2» يعني كلمة فاحشة قبيحة. # و (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما) «3» على هذا المعنى، وقال: ~~PageV01P145 # (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) «1» . يعني الكفر والكلام القبيح. # وقال: (والغوا فيه لعلكم تغلبون) «2» . يعني الكلام الذي لا يفيد شيئا ~~ليشتغل السامعون عنه بذلك، وقال: # (وإذا مروا باللغو مروا كراما) «3» . يعني بالباطل. # ويقال: لغا في كلامه يلغو إذا أتى بكلام لا فائدة فيه. # وقد روي في لغو اليمين معان عن السلف: # فروي عن ابن عباس أنه: هو في الرجل يحلف على الشيء يراه كذلك، ولا يكون ~~كذلك. # وروي عن مجاهد وإبراهيم، قال مجاهد في قوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان) . # أنه يحلف على الشيء وأنه يعلم، وهذا في معنى قوله: (بما كسبت قلوبكم) . # وقالت عائشة: «هو قول الرجل: لا والله، بلى والله» «4» . # وكثرت أقاويل السلف فيه، وأقربها قول سعيد بن جبير: هو الرجل يحلف «5» ~~على الحرام فلا يؤاخذه الله بتركه. PageV01P146 # وذلك يقرب من أحد تأويلي قوله عز وجل: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) . # وقد ظن قوم أن المراد به، المؤاخذة في الآخرة، فتجب الكفارة في الدنيا، ~~وليس على ما ظنوه، فإنه تعالى قال في موضع آخر: # (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته) «1» . # فذلك يدل على أن المؤاخذة المذكورة في القسم الثاني، هي المتيقنة في ~~القسم الأول. # وظن أبو حنيفة، أن قوله عقدتم، يدل على ما يتصور عقد العزم عليه من ~~الأفعال، حتى يخرج منه اليمين ms083 على الماضي، وذلك إن صح له، فيخرج منه ~~الأيمان على فعل الغير، وحنث النسيان وغيرهما، فالأقرب في معانيه، ما قالته ~~عائشة وهو مذهب الشافعي.. # قوله تعالى: (للذين يؤلون «2» من نسائهم تربص «3» أربعة أشهر) (226) : # ليس في نظم القرآن ما يدل على الجماع، ولا على الحلف على مدة معلومة، ~~وإنما قال: (للذين يؤلون ... تربص أربعة أشهر) . PageV01P147 # واختلفت تصرفات العلماء في ذلك. # فمنهم من جرى على العموم، ومنهم من خص. # فممن خص ذلك علي وابن عباس، صارا إلى أنه لو حلف لا يقربها لأجل الرضاع، ~~لم يكن مؤليا، وإنما يكون مؤليا إذا كان على وجه الغضب. # ومنهم من لم يفصل «1» بين اليمين المانعة من الجماع، والكلام والاتفاق، ~~ولا بين الرضا والغضب، وهو قول ابن سيرين. # والأكثرون على أنه لا يعتبر قصد المضارة، حتى لو آلى في حالة رضاها، كان ~~به مؤليا. # والأولون يقولون: ما قصد حقها ولا مضارتها. # وفي قوله: (غفور رحيم) ، ما يدل على اعتبار قصد الإضرار. # فالأكثرون اعتبروا اليمين على ترك الجماع. # وقال الشافعي: إذا آلى أربعة أشهر ومضت المدة لم يكن مؤليا «2» . # وأبو حنيفة يوقع به الطلاق، وإن لم يبق الإيلاء بعده، لأنه رأى أن قوله ~~تعالى: (تربص أربعة أشهر) يدل على ما قاله. # ولكن الشافعي يقول: قوله: (للذين يؤلون ... تربص) ، يدل على أن مدة ~~الأربعة أشهر حق له خالص، فلا يفوت به حق له، ولا يتوجه عليه مطالبة، أنه ~~أجل مضروب له. PageV01P148 # قوله تعالى: (فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم) (226) : # والفيء في اللغة الرجوع، قال الله تعالى: # (حتى تفيء إلى أمر الله) «1» . # أي ترجع إلى أمر الله. # وعند ذلك قد يظن الظان: أن ظاهر اللفظ، يدل على أنه إذا حلف أن لا ~~يجامعها على وجه الضرار، ثم قال: قد فئت إليك، وقد أعرضت عما عزمت عليه من ~~هجران فراشك باليمين، أن يكون قد فاء إليها، سواء كان قادرا على الجماع أو ~~عاجزا. # وقد اتفق أهل العلم على أنه إذا أمكنه الوصول إليها، لم يكن فيؤه إلا ~~الجماع. # وأبو حنيفة ms084 يقول فيمن آلى وهو مريض، أو بينه وبين زوجته المؤلي منها، ~~مسيرة أربعة أشهر وهي رتقاء «2» أو صغيرة، أو هو مجبوب «3» أنه إذا فاء ~~إليها بلسانه، ومضت المدة والعذر قائم، فذلك في صحيح. # والشافعي يخالفه على أحد مذهبيه، ووجه قوله: أنه إذا قال القائل: # والله لا أجامع فلانة، فلا يكون حانثا بقوله أجامعك، وإنما يكون حانثا ~~PageV01P149 # بما يكون «1» منه مخالفا، وإنما يكون مخالفا بما يكون به حانثا «2» ، ثم ~~لا يكون حانثا بمجرد القول، وكذلك لا يكون قد فاء بمجرد قوله: وإنما هو وعد ~~الفيئة، إذ لو كان قد فاء حقا لما احتاج بعده إلى تحقيق مقتضى قوله ~~بالجماع، وهذا بين. # نعم اختلف قول الشافعي في المجبوب إذا آلى. # ففي قول: لا إيلاء له. # وفي قول: يصح إيلاؤه ويفيء باللسان. # والأول أصح «3» وأقرب إلى مقتضى الكتاب، فإن الفيء هو الذي يسقط اليمين. ~~والفيء بالقول لا يسقطه. فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث، بقي حكم ~~الإيلاء. # قوله عز وجل: (وإن عزموا «4» الطلاق فإن الله سميع عليم) (227) : # وذلك يقتضي أن لا يقع الطلاق بمجرد مضي المدة على ما قاله قوم، لأن مضي ~~المدة لا يكون عزيمة على الطلاق، وإنما عزيمة الطلاق ما يتوقف على قصده. # فأما حكم الله تعالى الحاصل بمضي المدة، فلا يصح العزم عليه، فلا يقال: ~~عزموا على مضي الشهر، أو غروب الشمس، أو طلوعها. PageV01P150 # ومن فوائد هذه الآية: دلالة عمومها على صحة إيلاء الكافر والمسلم، سواء ~~كان الإيلاء بعتق، أو طلاق، أو صدقة، أو حج، أو يمين بالله. # وأبو حنيفة يقول: لا يصح من الكافر ما كان بالتزام صدقة أو حج، ويصح ما ~~كان بطلاق، أو عتاق، أو حلف بالله، وإن لم يلزمه بالحلف بالله عز وجل شيء، ~~وصحح الإيلاء ممن لا يلتزم بالوقاع شيئا، يتوقى الوقاع لأجل ذلك الأمر، مع ~~أنه لو آلى بطلاق زوجته، أو عتاق عبده، فمات العبد قبل مضي المدة، بطل ~~الإيلاء، لأنه لا يخشى التزاما، فكذلك قياس قوله أن لا يصح منه الإيلاء إذا ~~حلف ms085 بالله، لأنه لا كفارة عليه بالمخالفة. # واحتج محمد بن الحسن على امتناع جواز الكفارة قبل الحنث، بأن قال: # إنه لما حكم الله تعالى للمولى بأحد حكمين، من فيء أو عزيمة للطلاق، فلو ~~جاز تقديم الكفارة على الحنث، لبطل الإيلاء بغير فيء ولا عزيمة طلاق، لأنه ~~إن حنث فلا يلزمه بالحنث شيء، ومتى لم يلزم الحالف بالحنث شيء، لم يكن ~~مؤليا، وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكره الله تعالى، ~~وذلك خلاف الكتاب. # وهذا غير صحيح لأن الله تعالى إنما أبقى «1» حكم الإيلاء إذا بقيت ~~المضارة، وإنما تبقى المضارة إذا كان يتوقع التزام أمر بالوقاع، فشرط بقاء ~~الإيلاء بقاء حكمه، فإذا قدمه زال هذا المعنى، كما يزول بموت العبد المحلوف ~~على عتقه، أو المرأة المحلوف على طلاقها، وليس يقتضي ذلك مخالفة الكتاب بل ~~يطابق معناه إذا تأمل.. PageV01P151 # قوله تعالى: (والمطلقات «1» يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء «2» ) (228) : # واختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلماء السلف في الثلاثة: # فقال قوم: الثلاثة من الحيض، فما لم تغتسل المرأة من الحيض فزوجها أحق ~~بها. # وقالت عائشة: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا سبيل له عليها. # فالثلاثة إذا من الأطهار. # وأما اسم الأقراء فيتناول الحيض والطهر جميعا. # واختلفوا في كونه حقيقة فيهما، أو مشتركا اشتراكا لا يظهر رجحان أحد ~~المعنيين على الآخر. # وقال قوم: هو حقيقة في الحيض ومجاز في الطهر، وذلك بحسب النظر في موضع ~~الاشتقاق، واختلف فيه: # فمنهم من قال: القرء من الوقت، وعلى ذلك شواهد من اللغة. # وقال آخرون: هو من الجمع والتأليف، وعلى ذلك شواهد. # فإن كانت حقيقته الوقت، فقد ظن بعض أصحاب أبي حنيفة أن الحيض أولى به، ~~لأن الوقت في الأصل إنما كان وقتا لما يحدث فيه، PageV01P152 # والحيض هو الحادث، وليس الطهر شيئا أكبر من عدم الحيض، وزوال العارض، ~~والرجوع إلى ما كان في الأصل، فكان الحيض أولى بمعنى الإسم. # وهذا غير صحيح، فإن الحيض والطهر وصفان يعتوران «1» على المرأة، ولكل ~~واحد منهما وقت معلوم أقله وأكثره. ms086 # وهم يقولون: لكن الطهر إنما يعلم بغيره لا بنفسه، فإن الطهر لا نهاية ~~لأكثره إذ هو عدم الحيض، وإنما يعلم بوجود الحيض. # قالوا: وإن كان القرء اسما للضم والجمع، فهو أولى بالدم المجتمع. # ولا يتيقن كونه حالة الطهر، إذ لا يتعلق به حكم، وليس يبين لنا أن الدم ~~يجتمع في حالة الطهر، بل يجوز أن يجتمع في حالة الحيض ويسيل فيه، فلا مستند ~~لهذا القول. # وزعموا أن حد الحقيقة وجد في الحيض، لأن اسم القرء لا ينتفي عنه أصلا، ~~ولا يتحقق ذلك في الطهر، لأنه يوجد الطهر ولا يسمى قرءا بحال مثل طهر ~~الآيسة والصغيرة، فيظهر أن الطهر سمي قرءا لمجاورته للحيض، فالحيض بذلك ~~أولى. # وادعوا تطرق المجاز إلى قولنا من حيث اللغة من وجهين، ومن وجه ثالث، وهو ~~أن مقتضى قولنا الاكتفاء بقرءين وبعض الثالث، وإطلاق اسم الجمع على شيئين ~~وبعض الثالث مجاز على خلاف الحقيقة، وإنما يعلم ذلك بدليل مثل حمل أشهر ~~الحج على شهرين وبعض الثالث، PageV01P153 # وإذا جعل للقرء بدل، وهو الأشهر، لا جرم كانت الأشهر ثلاثة تامة من غير ~~نقصان ولا حطيطة، فليكن الطهر كذلك. # والذي توجه لأصحاب الشافعي على هذه الكلمات: أن الذي ذكره هؤلاء من مواضع ~~الاشتقاق، لا يصح التعويل عليه في هذا الباب، فإنه لو قدر التصريح بمحال ~~الاشتقاق على ما قالوه، لم ينتظم الكلام. # وإذا كان الإسم مشتقا من شيء، فيجب أن يكون بحيث لو صرح بموضع الاشتقاق ~~يستقيم معنى الكلام، مثل قول القائل في قوله تعالى: # (الزانية والزاني) . «1» # والزاني مشتق من الزنا، فلو ذكر موضع الاشتقاق وعلق عليه الحد، يستقيم ~~معنى الكلام. # وها هنا: إن كان اشتقاق القرء من الوقت، فإذا ذكر الوقت في نفسه، أو الضم ~~بلفظ الثلاث، لم يكن الكلام مستقيم النظم، فإنه لو قال: # «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات، أو ثلاثة اجتماعات» ، ولم يضف ~~الوقت إلى شيء، والاجتماع إلى شيء، لم يصح معنى الكلام في إرادة الحيض ~~والطهر جميعا.. # نعم إنما يستقيم النظر إلى موضع الاشتقاق من وجه ms087 آخر، وهو أن يجعل القرء ~~مشتقا من الانتقال من حال إلى حال، فعل هذا يستقيم الكلام، إذا ذكر موضع ~~الاشتقاق، فإنه إذا قيل: معنى الكلام: PageV01P154 # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أدوار، أو ثلاثة انتقالات، فهي متصفة ~~بحالتين فقط. # فتارة تنتقل من طهر إلى حيض. # وتارة تنتقل من حيض إلى طهر. # فيستقيم معنى الكلام في دلالته على الحيض والطهر جميعا، فيصير الإسم ~~مشتركا. # أو يقال: إذا ثبت أن القرء هو الانتقال، فخروجها من حيض إلى طهر غير مراد ~~بالآية أصلا، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقا سنيا «1» مأمورا به. # وقيل: إنه ليس طلاقا على الوجه المأمور به، وهو الطلاق للعدة، فإن الطلاق ~~للعدة ما كان في الطهر، وذلك يدل على كون القرء مأخوذا من الانتقال. # فإذا كان الطلاق في الطهر سببا، فتقدير الكلام عدتهن ثلاثة انتقالات، ~~فأولها: # هي الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق، والذي هو الانتقال من حيض إلى ~~طهر لم يجعل قرءا، لأن اللغة لا تدل عليه، لكن عرفنا بدليل آخر، أن الله ~~تعالى لم يرد من حيض إلى طهر، واللفظ دل على الانتقال، والانتقال محصور في ~~الحيض والطهر، فإذا خرج أحدهما عن كونه مرادا، بقي الآخر، وهو الانتقال من ~~الطهر إلى الحيض مرادا، فعلى هذا عدتها ثلاثة انتقالات: أولها: الطهر، وعلى ~~هذا يمكن استيفاء PageV01P155 # ثلاثة أقراء كاملة، إذا كان الطلاق في حالة الطهر، فلا يكون ذلك حملا على ~~المجاز بوجه ما، وهذا نظر دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعي. # وأكثر ما يرد على هذا الكلام وجوه: # منها: أن ذلك خلاف ما قالته عامة العلماء، من أن القرء طهر أو حيض، وذلك ~~إحداث قول ثالث. # وهذا لا وجه له، فإن القرء حقيقة في الانتقال، ثم اختلف العلماء في ~~المراد من الانتقال: فإنه متردد في اللغة بين الحيض والطهر، فأما أن يكون ~~القرء اسما لنفس الطهر، أو اسما لنفس الحيض حقيقة فلا، والدليل على موضع ~~الاشتقاق قولهم: قرأ النجم: إذا طلع، وقرأ النجم إذا أفل، بمعنى تبدل ~~الأحوال عليه. ms088 # نعم وضع اللغة يقضي أن يكون انتقالها من الطهر إلى الحيض قرءا ومن الحيض ~~إلى الطهر قرءا ثانيا، ومن الطهر الثاني إلى الحيض الثاني قرءا ثالثا، ~~وتنقضي عدتها بدخولها في الحيضة الثالثة، غير أن تحريم الطلاق في خاصة ~~الحيض دل على أن ذلك الانتقال- وهو من الحيض إلى الطهر- ليس مرادا بالآية. # ويمكن أن يذكر في ذلك شيء لا يبعد فهمه من دقائق حكم الشريعة، وهو أن ~~الانتقال من الطهر إلى الحيض، إنما جعل قرءا لدلالته على براءة الرحم، فإن ~~الحامل لا تحيض في الغالب، فحيضتها علم على براءة رحمها، والانتقال من حيض ~~إلى طهر بخلافه، فإن الحائض يجوز أن تحبل من أعقاب حيضتها، وإذا تمادى أمد ~~الحمل، وقوي الولد انقطع دمها، ولذلك تمدح العرب بحبل نسائهم في حالة ~~الطهر، ومدحت عائشة رسول الله بقول تأبط شرا: # PageV01P156 # ومبرأ من كل غبر «1» حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل # تعني أن أمة لم تحمل به في الحيضة الثانية. # ومن أجل ذلك كان الاستبراء بحيضة، لأن المسبية لا تعرف حبلها فتستبرئ ~~بحيضة، فإذا حاضت علمت براءة رحمها، إلا أن الاحتياط في العدة أكثر، فلم ~~يكتف بدلالة واحدة دون الدلالات الثالثة، فيحصل من مجموعها ما يقرب من ~~اليقين، أو ما يتضاعف به الظن ويقوى، وإذا تقرر أن الأمر كذلك فالانتقال من ~~الطهر إلى الحيض، جعل قرءا معتبرا لهذا المعنى. # فإن قالوا: فإذا كان الانتقال من الطهر إلى الحيض جعل قرءا، لدلالة ذلك ~~الانتقال على براءة الرحم، فذلك الانتقال لم يدل على براءة الرحم لأجل ~~الطهر، وإنما دلالته للحيض، فالحيض هو الأصل في الدلالة ومتى كان هو الأصل ~~في البراءة والدلالة عليها، فهو أولى بأن يجعل أصلا في العدة من الطهر، فإن ~~الطهر يقارن الحمل، فكيف يقع به الاستبراء؟ وإنما يقع الاستبراء بما ينافيه ~~وهو الحيض، فيكون دلالة على براءة رحمها من الحمل. # وربما قرروا ذلك فقالوا: إن الحيضة الثانية اعتبرت احتياطا، لأن في ~~التكرار زيادة دلالة على البراءة. # فلا جرم؟ قيل إن الاستبراء «2» يكتفي فيه بحيضة واحدة، ms089 ويعتبر في العدة ~~الكاملة زيادة عدد، لزيادة الدلالة على قدر رتبة العدة، فإذا PageV01P157 # تعذر ذلك، وقيل: الثلاثة ها هنا مثل الواحدة في الاستبراء، فليكن العدد ~~المعتبر في العدة الكاملة من جنس ما اعتبر في الاستبراء، وليكن العدد عددا ~~يزيد في الدلالة من جنس الأصل، والطهر لا دلالة فيه، فاعتبار العدد من ~~الطهر لا معنى له، فعدد الثلاثة يجب أن يوجد من الحيض، فإذا شرعت في الحيضة ~~الثالثة فليقل: يعتبر تمام دلالة هذه الثالثة، كما دلت الحيضتان من قبل، ~~فاعتبار العدد من الطهر الذي لا دلالة لأصله مما وجه له. # وربما قالوا: الحمل إذا ظهر كان أولى من الحيض، لأن الوضع أقوى «1» من ~~الحيض، فتفاوت ما بين الحيض والطهر، كتفاوت ما بين الحيض والحمل، ثم الحمل ~~أصلا فليكن الحيض أصلا. # الجواب: أن الذي قالوه ليس كلاما في مقتضى اللفظ، وإنما هو قياس في معاني ~~الفقه، وليس الكلام فيه، وإنما الكلام في اللفظ، وهو أن الله تعالى إذا ~~قال: يتربصن ثلاثة انتقالات، وعرفنا أنه لم يرد به الانتقالات كلها من ~~الحيض إلى الطهر، ومن الطهر إلى الحيض، فإن ذلك يزيد على الثلاثة، فعرفنا ~~أنه إنما عنى به الانتقال الذي هو من الطهر إلى الحيض. # فهذا ما فهمناه من اللفظ، وجاز مع ذلك أن يقترن بالعدة قصدان وراء براءة ~~الرحم، كالاختلاف بالحرية والرق، ووجوبها إلى سن اليأس، في حق التي انقطع ~~حيضها لعلة، وغير ذلك من المسائل، فإذا ثبت ذلك لم يرد عليه كل ما قالوه. # ودل على ما قلناه، أن الله تعالى قال: (فطلقوهن لعدتهن) «2» PageV01P158 # وقال صلى الله عليه وسلم لعمر حين طلق ابنة امرأته وهي حائض: مره ~~فليراجعها حتى تحيض ثم تطهر ثم يجامعها وليدعها حتى تطهر ثم ليطلقها إن ~~شاء، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. # وذلك إشارة إلى الطهر فدل أن العدة «1» الطهر، وأمر بإحصاء العدة عقيب ~~الطهر، فليكن المحصي بقية الطهر. # وأبو حنيفة لا يرى ذلك أصلا، ولا يحصي عقيب الطلاق شيئا. # وقوله تعالى: (لعدتهن) ms090 لا يجوز أن يريد به عدة ماضية قبل الطلاق، كما ~~يقال: «صوموا لرؤيته» «2» أي لرؤية ماضية ... # فإن قيل: الطلاق ليس بعدة بالاتفاق، ولا يخطر ببال عاقل أن يقول: قوله ~~عليه السلام لعمر: «حتى تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق فتلك العدة» ، معناه: ~~فتلك العدة الماضية، أعني الحيضة الماضية، أمر الله تعالى أن يطلق لها ~~النساء، فإذا كان الطلاق في الطهر والانتقال منه إلى الحيض، فتقدير الكلام: # إذا طلقتم النساء يتربصن بعد الطلاق السنى البدعي «3» ثلاثة انتقالات: # أولها: الانتقال مما سن الطلاق فيه، وذلك لا يكون إلا الطهر، وهذا بين ~~ظاهر في تحقيق مذهب الشافعي من معنى الآية. # فإن قيل: العدة وأحكامها ثابتة في حالتي الطهر والحيض، فما معنى قوله ~~تعالى لعدتهن؟ PageV01P159 # قيل: العدة مأخوذة من العد، فكأنه تعالى قال: فطلقوهن لزمن بعد ذلك من ~~العدة، وذلك الطهر، فإن عدد الثلاث مأخوذ منه وهذا بين. # قالوا: فالمرأة قبل الدخول يجوز طلاقها في الحيض، فكيف يصح مطلق الآية ~~على هذا التأويل؟ # الجواب: أن معنى الكلام: إذا طلقتم النساء ذوات العدة، فطلقوهن لعدتهن. # قالوا: فإذا طلقها في طهر جامعها فيه، فبقية الطهر محسوبة، وإن لم يكن ~~الطلاق سنيا. # الجواب: أن ذلك مخصوص من هذا العموم بدليل، وذلك لا ينافي دلالة اللفظ ~~على ما تعلقنا به، وعلى أن في حق التي جومعت في طهرها، وإنما خرج الطلاق عن ~~كونه سببا لوجود ما يحتمل خروج الطهر به، عن أن يكون عدة تحصى بأن يبين ~~حملها، حتى لو كانت آيسة «1» لم يحرم طلاقها في طهر جامعها فيه. # ثم قوله تعالى: (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ، وإن كان عاما في حق ~~المنكوحة الحرة، والمنكوحة الأمة، ولكن الإجماع انعقد على أن عدة الأمة ~~المنكوحة على النصف فتركناه لذلك. # قوله تعالى: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) (228) : # قال قائلون: لما وعظها بترك الكتمان، دل على وجوب قبول قولها PageV01P160 # فبنى عليه وقوع الطلاق عليها بقولها إذا قالت: حضت، وقد علق الطلاق على ~~حيضها. # وهذا عندنا لا ms091 يقوى، فإنه ليس النهي عن الكتمان دالا على أن قولها حجة ~~على الزوج في قطع نكاحها، كما لا يدل على وقوع الطلاق على ضرتها، كيف وقوله ~~تعالى: (يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) ليس يظهر في معنى الحيض لأن الدم ~~إنما يكون حيضا إذا سال، ولا يكون حيضا في الرحم، لأن الحيض حكم يتعلق ~~بالدم الخارج، فما دام في الرحم فلا حكم له. # نعم يجوز أن يقال: إن كل دم سائل لا يكون حيضا، وإنما يكون حيضا بالعادة ~~والوقت وبراءة الرحم من الحمل، فهي إذا قالت: حضت ثلاث حيض، وهذه الأمور ~~التي يقف عليها الحيض من قبلها، فالقول قولها: وإنما التصديق متعلق بحيض قد ~~وجد ودم قد سال. # وبالجملة قوله: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) ، ليس ~~يظهر في الحيض، وإنما تظهر دلالته على الحمل، وهو مما يعرف بغير قولها، ~~وإذا علق الطلاق على حملها فقالت: أنا حامل، يقع الطلاق ما لم تستبرئ ويظهر ~~حملها، ويجوز أن يكون معنى ذلك منعها من التزوج، ومنعها من إهلاك الولد ~~وإجهاض الجنين، وهذا لا يبعد فهمه من الآية، فالمعتمد فيه الإجماع. # وقوله تعالى: (إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) (228) : # وليس ذلك شرطا في النهي عن الكتمان، وإنما هو على وجه التأكيد وهو كقوله ~~تعالى: # PageV01P161 # (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ~~«1» . # وقول مريم عليها السلام: (إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) # «2» . # قوله تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن) الآية (228) : # اعلم أن الله تعالى سماه بعلا، وذلك يدل على بقاء الزوجية، ولكن قال ~~بردهن، وذلك يدل على وجود سبب يزول به النكاح. # ولا يبعد أن يقال: زال النكاح، وله الإستدراك، كما يزول الملك في زمن ~~الخيار على قول، وله الإستدراك. # ودلت هذه الآية على جواز إطلاق العموم في المسميات، ثم يعطف عليه بحكم ~~يختص به بعض ما انتظمه العموم، فلا يمنع ذلك اعتبار عموم «3» فيما شمله، في ~~غير ما يختص به المعطوف، لأن قوله: # (والمطلقات ms092 يتربصن) ، عام في المطلقات ثلاثا، وفيما دونها لا خلاف فيه. # ثم قوله: وبعولتهن «4» : حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث، ولم يوجب ~~ذلك الاقتصار بحكم قوله: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ، على ما ~~دون الثلاث.. ونظيره من القرآن. PageV01P162 # قوله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة) (228) : # يقتضي وجوب حقوق لها في التحصن والنفقة والمهر. # وقوله: (وللرجال عليهن درجة) يقتضي أنه مفضل عليها وذكر الله تعالى بيان ~~ذلك في قوله: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما ~~أنفقوا من أموالهم) «1» . # فأخبر أنه جعل قيما عليها بما أنفق من ماله، وفيه دليل على أنه: # إذا أعسر بالنفقة لم يكن قيما عليها، وإذا لم يكن قيما عليها فهي كلحم ~~على وضم «2» فلا بد لها من قوام، ولم يشرع النكاح إلا لتحصينها وحاجتها إلى ~~القوام، فإذا زال هذا المعنى، فالأصل أن لا يثبت الرق على الحرة. # والشافعي يقول: لكونه قواما عليها، يمنعها من الحج وصوم التطوع. # واعلم أن قوله تعالى: (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) تطرق إليه التخصيص في ~~مواضع: منها في الأمة، ومنها في الآيسة والصغيرة، ومنها في الحامل في قوله: # (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) «3» ، (واللائي يئسن من المحيض ... ~~الآية «4» ) . # ومنه ما قبل الدخول بقوله تعالى: (فما لكم عليهن من) PageV01P163 # (عدة تعتدونها) «1» . # وقوله: (وبعولتهن أحق بردهن) «2» خص منه ما قبل الدخول، وخص منه المطلق ~~ثلاثا. # قوله تعالى: (الطلاق مرتان) (229) : # فرأى الشافعي أنه بيان لما يبقى معه الرجعة من الطلاق، ويدل عليه ما ذكره ~~عقيبه من قوله: # (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) . # وظن قوم ممن يرى جمع الطلقات في قرء واحد بدعة، أن قوله تعالى: (الطلاق ~~مرتان) ، يقتضي التفريق، لأنه لو طلق إثنتين معا، لما جاز أن يقال: طلقها ~~مرتين، وأن من دفع إلى رجل درهمين، فلا يقال إنه أعطاه مرتين حتى يفرق ~~الدفع. # ويقال لهذا القائل: لو كان المراد به بيان ما ذكره، لم يكن هذا النظم ~~المذكور دالا، لأنه ليس التبديع عنده من جهة جمع ms093 فعل الطلاق، فإنه إن طلقها ~~مرتين في قرء واحد عنده فهو حرام، وإن كان قد طلق مرتين حقيقة، فيحرم عنده ~~أعداد الطلقات في قرء واحد، تعدد الإيقاع أو اتحد، وليس في قوله: (الطلاق ~~مرتان) ما ينبئ عن ميقات تحريم المرات وحلها، فليس في اللفظ بيان ما ذكروه. # نعم، إذا كان الطلاق الواحد يدل على إسقاط الملك ولا يسقط به، فيحسن أن ~~يقال: إنما يسقط لمرتين، إذا كان يسقط بعدد منه، وليس كإعطاء درهمين معا، ~~فإن الدراهم الثاني لا يتعلق بالأول في رجوعهما PageV01P164 # إلى فائدة واحدة، ومعنى واحد، حتى يقال ذلك المعنى لا يثبت بمرة واحدة، ~~بل يثبت بمرتين، أما الطلاق فإسقاط ملك النكاح، فإذا لم يسقط ملك النكاح ~~بطلقة واحدة، فالطلقتان منه في حالة واحدة، كالطلقتين في ساعتين، ومثله ~~قوله تعالى: # (نؤتها أجرها مرتين) «1» . # لا أن ذلك في حالتين منفصلتين، بعد تخلل فاصل بين الآخر «2» الأول ~~والثاني، فإن نعيم الآخرة متصل، لا انقطاع له ولا انفصال فيه. # ويحتمل أن الله تعالى ذكر بيان الرخصة على خلاف القياس، فقال: # (الطلاق مرتان) أي: لكم أن تطلقوا مرتين وتراجعوا بعدهما، فإن طلقتم ~~الثالثة فلا رجعة، إلا أن تنكح زوجا غيره، وهذا لا يقتضي كون مخالفة الرخصة ~~بدعة، ولما كانت هذه الرخصة في إثبات الرجعة مع صريح إسقاط الملك فيما غلب ~~فيه التحريم، وجعل مبعضه مكملا، وفاسده صحيحا، فصحيحه وصريحه في إسقاط ~~الرجعة، كيف لا يكون باتا للملك، وقاطعا للرجعة، بديهة في قياس الطلاق؟ # نعم كرر الله تعالى الرجعة في مواضع فقال: # (فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة) إلى قوله: # (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) «3» . # وليس في هذا دليل على أنه إذا أخذ بما هو الأصل في إسقاط ملك هو له أن لا ~~يجوز. PageV01P165 # وربما احتج بعض الجهال بقوله تعالى: # (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) «1» . # وظاهره يقتضي تحريم الثلاث، لما فيه من تحريم ما أحل الله لنا من ~~الطيبات. # وهذا جهل، فإن الله تعالى إنما نهانا عن ms094 تحريم طيبات أحلها لنا، مع بقاء ~~سبب الحل، كما كانت العادة جارية به في الجاهلية، من البحيرة والسائبة، ~~والوصيلة، والحام «2» . # فأما إذا كان الحل عارضا لأجل الملك، فما دام الملك قائما فله الحل، فإذا ~~زال الملك، زال الحل، كما يزول الانتفاع بالبيع في العبد والجارية والثوب. # كيف والحل في حق الأجنبية، مع أن الأصل في الأبضاع التحريم عجب، فأما رفع ~~ملك ثبت له، وحصول تحريم في ضمن ذلك، بالرجوع إلى الأصل في تحريم ~~الأجنبيات، حيث لا ملك، فلا تتناوله هذه الآية. PageV01P166 # ومن اعتقد تناول هذه الآية لتحريم البيع والعتق وسائر الإزالات ثم خص ~~بدليل، فهو جاهل جدا لمعاني الكلام. # وما ذكره مالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، والليث ابن ~~سعد، والحسن بن صالح، أن طلاق العدة السني، أن يطلقها واحدة، ولا يطلقها في ~~تلك العدة أخرى، فإنه لا حاجة إليها في قطع النكاح، إنما الحاجة إلى الطلقة ~~الأولى، وهي تبين عند انقضاء العدة من غير حاجة إلى الثانية، فأي معنى ~~للثالثة؟ # وهذا لازم على أبي حنيفة، إذا سلك مسلك النظر في مراعاة الحاجة إلى قطع ~~النكاح. # نعم إذا راجعها فله أن يطلقها الثانية، أما الطلاق الثاني في القرء ~~الثاني في عدم الحاجة، كالطلاق الثاني في القرء الأول. هذا حسن على قياس ~~أصولهم. # فإن قال من يذب عن أبي حنيفة: إن ظاهر قوله مرتين، يبيح في القرءين، ~~فيبيح في القرء الواحد، فاعتبار الأقراء من أي أصل تلقوه وليس في إيقاع ~~الثانية في القرء الثاني فائدة أصلا، فلا هو يقطع النفقة ولا أنه يقطع سببا ~~من الأسباب، إلا أن يقول جاهل إنه يقطع الميراث، إن كان في حالة الصحة ومات ~~فجأة، وهذا جهل عظيم في إباحة اعتقاد الطلاق لهذا القدر من الغرم، وجوزوا ~~الطلاق الأول من غير حاجة في حق غير المدخول بها، وفيه قطع للنكاح، ولم ~~يجوزوا الطلقتين، مع أن الثانية لا حاجة إليها في قطع هذا النكاح، وليس في ~~إيقاعها إلا توقع التدرج به إلى منع التزوج ms095 بها ابتداء، فإذا لم يحرم قطع ~~هذا النكاح من غير حاجة، فالنكاح الآخر لأن لا يحرم قطعه أولى، والنكاح ~~الآخر يجوز قطعه بالطلاق الثالث في القرء الثالث من غير حاجة إليه، فأي ~~مستند # PageV01P167 # لهم في اعتبار صورة الأقراء، وغاية ما ذكروه مستندا لاعتبار الأقراء ما ~~رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض.. # القصة.. إلى أن قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مره فليراجعها ثم ~~يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل ~~أن يمس فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء. # وهذا الذي قالوه فيه نظر، فإنه روي في بعض الأخبار عن سعيد ابن جبير وزيد ~~بن أسلم، عن ابن عمر، أن النبي عليه السلام، أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم ~~قال: إن شاء طلق وإن شاء أمسك. من غير ذكر هذه الزيادة. # ويجوز أن يقال: إن الزيادة من الثقة مقبولة، مع أنه قيل: إذا لم تنقل ~~الزيادة نقل الأصل، فذلك يوجب ضعفا ووهيا ... # وأحسن الأحوال للمخالف أن يقبل منهم هذه الزيادة، وهي موافقة لأصلنا، ~~فإنا نقول على مذهب لنا صحيح، إنه إذا طلق امرأته في الحيض. # وندبناه إلى الرجعة فراجعها، فإذا طهرت بعد ذلك، فيكره له طلاقها، لأن ~~ذلك يوجب أن يكون قد راجع للطلاق فقط، لا لغرض آخر، ويكره أن تكون الرجعة ~~للطلاق فقط فلا جرم قيل يمسكها إلى أن تحيض مرة أخرى وتطهر، وهذا وفق ~~مذهبنا ومقتضى قولنا. # ومستند أبي حنيفة في إيجاب الفصل بين تطليقتين، هو هذا الخبر الذي يروونه ~~وبينا وجه الكلام عليه، مع أنه نقل عن أبي حنيفة، أنه إذا طلقها ثم راجعها ~~في ذلك الطهر، جاز له إيقاع طلقة أخرى في ذلك الطهر بعينه، يقدر كأن الطلاق ~~لاقاها في الحيض، فإذا طهرت لم لا يجوز أن يطلقها طلقة أخرى وقد تحللت ~~الرجعة؟. # PageV01P168 # وأبو بكر الرازي ذكر أن أبا حنيفة ذكر هذه المسألة في الأصول، ms096 ومنعه من ~~إيقاع التطليقة الثانية في ذلك الطهر وإن راجعها، حتى يفصل بينهما بحيضة. # قال الرازي: وهذا هو الصحيح عندنا، والرواية الأخرى غير معمول بها. # ومما جعلوه مستندا لقولهم في اعتبار الأقراء ما رواه عطاء الخراساني عن ~~الحسن قال: حدثنا عبد الله بن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، ثم إنه أراد ~~أن يتبعها بطلقتين أخريين عند القرئين الباقيين، فبلغ ذلك النبي عليه ~~السلام فقال لابن عمر: # «ما هكذا أمرك الله تعالى، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر ~~فتطلق لكل قرء» . وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فراجعتها وقال: إذا ~~هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك، فقلت: # يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان لي أن أراجعها؟ # «قال لا: كانت تبين فتكون معصية» ، وهذا يرويه عطاء الخراساني وهو ضعيف ~~جدا،، نعم تواترت الأخبار في سائر أخبار ابن عمر، حين ذكر الطهر الذي هو ~~وقت لإيقاع طلاق السنة: «ثم طلقها إن شئت» ، ولم يخصص ثلاثا مما دونها كان ~~ذلك طلاقها الإثنين أو الثلاث معا، وليس لهم أن يقولوا: إن مطلق قوله «طلق» ~~مخصوص بالأقل، كلفظه لوكيله: # طلق، لأن ذلك إنما يكون حيث لا تكون الطلقات مملوكة له، فأما إذا كانت ~~مملوكة له، فمطلق اللفظ يتناول الجنس الذي يملكه. # وقوله تعالى: (الطلاق مرتان) خص منه الزوجان إذا كانا مملوكين، واختلفوا ~~فيما إذا رق أحدهما: # PageV01P169 # فالشافعي يعتبر الطلاق بالرجال. # وأبو حنيفة يعتبر عدده بالنساء. # والبتي يقول: من أي جانب جاء الرق انتقص عدد الطلاق. # وذكر بعض الروافض، أن الثلاث لا يقعن إذا جمع بينهن، وإنما يرد إلى واحد. # والحجاج بن أرطأة كان على هذا المذهب فيما نقله أبو يوسف عنه. # وقال محمد بن إسحاق بن محمد: ترد إلى واحدة. # وزعموا أن قول الله تعالى: (الطلاق مرتان) لبيان الطلاق المشروع، وحصر ~~المشروع في المذكور وقال: # (إذا طلقتم النساء فطلقوهن) فإن الطلاق لا يقع إلا على هذا الوجه، ورأوا ~~أن هذه التصرف البديع في التصرفات لما شرع على وجه، لم ms097 يثبت إلا على ما ~~شرع، ولم يشرع إلا مفرقا، فلا يثبت إلا مفرقا، وقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لابن عمر لما قال: # أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ .. إذا عصيت ربك وبانت امرأتك يقضي على هذا ~~الكلام ويستأصله. # ولأن الطلقات مملوكة له جميعا فإن سبب الملك النكاح، والنكاح بالإضافة ~~إلى الثاني والثالث واحد. # وكيف لا، والأصل أن يزول بدفعه، ولكن حكم بالعدد منه نظرا للمالك ورخصة، ~~فإذا جمع عاد إلى الأصل فوقع. # وصح أن ركانة طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله صلى الله عليه # PageV01P170 # وسلم فقال: ما أردت إلا واحدة، فقال: والله ما أردت إلا واحدة، ولو كان ~~لا يقع الثلاث لم يكن لهذا معنى. # واحتج من معنى وقوع الثلاث بما رواه عكرمة عن ابن عباس قال: # «طلق ركانة بن عبد ربه امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا، ~~فسأله رسول الله: كيف طلقتها؟ أطلقتها ثلاثا في مجلس واحد؟ # قال: نعم، قال: إنما تلك واحدة فارتجعها إن شئت.. قال: فراجعها.. # وروي ابن جريج عن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: # «ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى ~~بكر، وصدر من خلافة عمر ترد إلى الواحدة؟ .. قال نعم» . # وذكر علماء الحديث أن هذين الحديثين منكران. # وذكروا عن ابن عباس أنه قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة: # أي أنهم كانوا يطلقون طلقة واحدة، هذا الذي يطلقون ثلاثا، أي ما كانوا ~~يطلقون في كل قرء طلقة، وإنما كانوا يطلقون في جميع العدة واحدة إلى أن ~~تبين وتنقضي العدة. # قوله تعالى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (229) : # وظاهر الفاء الدال على التعقيب أن يكون الإمساك عقيب الطلاق، والإمساك ~~إنما هو الرجعة لأنها ضد حكم الطلاق، لأن حكم الطلاق # PageV01P171 # الفرقة بعد انقضاء العدة. فسمى الله تعالى الرجعة إمساكا لبقاء الرجعة ~~لها بعد مضي الثلاث حيض، وارتفاع حكم البينونة المتعلقة بانقضاء العدة. ms098 # وإنما أباح الله تعالى إمساكا على وصف، وهو أن يكون بمعروف، وهو وقوعه ~~على وجه يحسن ويجمل، ولا يقصد به الإضرار بها على ما ذكره في قوله: # (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) «1» . # فإنه إنما أباح له الرجعة على هذه الشريطة، ومتى راجع بغير معروف، كان ~~عاصيا، والرجعة صحيحة. # وظن ظانون أن قوله تعالى: (فإمساك بمعروف) ، يتناول ما يكون متمسكا به، ~~والجماع أقوى مقاصد النكاح، فكان إمساكا بالمعروف فتحصل به الرجعة وهذا ~~الظن غلط فإن قوله: (فإمساك بمعروف) ، ما كان بالقول، فإن قابله بقوله: (أو ~~تسريح بإحسان) ، ولا طلاق إلا بالقول، وكذلك لا إمساك إلا بالقول، ويدل ~~عليه أنه قال في موضع آخر: # (فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم) «2» . # ولا يقول عاقل إنه يتناول الجماع، ليشهد عليه ذوي عدل، إلا أن يقر ~~بالوطء، ويشهد على الإقرار، وذلك خلاف المشروع، لأن المشروع الشهادة على ~~نفس الرجعة، لا على الإقرار بها. PageV01P172 # وقوله تعالى: (أو تسريح بإحسان) ، فقد قيل فيه قولان: # أن المراد به «1» الثالثة.. # ورووا عن أبي رزين أنه قال رجل: يا رسول الله، أسمع الله تعالى يقول: ~~(الطلاق مرتان فإمساك بمعروف) فأين الثالثة؟ # فقال: أو تسريح بإحسان، وهذا الخبر غير ثابت من طريق النقل.. # وقال الضحاك والسدي إنه بتركها «2» حتى تنقضي عدتها، ويظهر هذا المعنى في ~~موضع آخر في قوله: # (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف) (231) ~~. # والمراد التسريح بترك الرجعة إذ يبعد أن يقول: طلقوا واحدة أخرى وقال: # (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) . # ولم يرد به إيقاعا مستقبلا، وإنما أراد به تركها حتى تنقضي عدتها.. # نعم، الثالثة مذكورة في مساق الخطاب في قوله تعالى: # (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) (230) . # فالثالثة مذكورة في صلة «3» هذا الخطاب، مفيدة للبينونة الموجبة ~~PageV01P173 # التحريم، إلا بعد زوج، ووجب حمل قوله تعالى: (أو تسريح بإحسان) على فائدة ~~«1» مجددة، وهي «2» وقوع البينونة بالثنتين عند «3» انقضاء العدة. # وعلى أن المقصد من الآية بيان عدد الطلاق ms099 الموجب للتحريم، ونسخ ما كان ~~جائزا من إيقاع الطلاق بلا عدد محصور، فلو كان قوله: (أو تسريح بإحسان) هو ~~الثالثة، لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث، إذ لو اقتصر عليه، ~~لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها، إلا بعد زوج، وإنما علم التحريم ~~بقوله: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) # ، فوجب أن لا يكون معنى قوله: (أو تسريح بإحسان) الثالثة، ولو كان قوله: ~~(أو تسريح بإحسان) بمعنى الثالثة، كان قوله عقيب ذلك: (فإن طلقها) الرابعة، ~~لأن الفاء للتعقيب، قد اقتضى طلاقا مستقبلا بعد ما تقدم ذكره. # فثبت بذلك أن قوله (أو تسريح بإحسان) ، وهو تركها حتى تنقضي عدتها. # وهذا صحيح عندنا، إلا أنه إذا لم يكن التسريح المذكور في القرآن بمعنى ~~الطلاق، فلا يكون فيه دلالة على كون لفظ السراح صريحا على ما قاله أصحابنا، ~~لأن الله تعالى ما أراد به بيان اللفظ، وإنما أراد به تخلية سبيلها، حتى ~~تبين بالطلاق المتقدم بعد انقضاء العدة، من غير PageV01P174 # اعتبار لفظ آخر، فليطلب لكون السراح صريحا مأخذ آخر على هذا الرأي ... # قوله تعالى: (حتى تنكح زوجا غيره) ، تبعد دلالته على الوطء مضافا إليها ~~حتى يقال: إن المراد به حتى تطأ زوجا غيره. # وإنما المراد به حتى تجتمع بزوج غيره، والاجتماع يحتمل الوطء، ويحتمل ~~غيره، ودل خبر رفاعة «1» على اعتبار الوطء، ولم يخالف فيه غير سعيد بن ~~المسيب، فإنه قال: يكفي النكاح. # ولئن قيل: ترك دلالة الغاية المذكورة لمجرد خبر رفاعة بعيد. # فيقال: وما بين الله تفصيل الغاية، فإنه قال: # (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) . فذكر الوطء شرطا، ويجوز أن ~~يكون وراء هذا الشرط شرط آخر، ويجوز أن لا يكون، مثل قوله: # (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) «2» . # ويجوز أن تغتسل وتتوقف الاستباحة على شرط آخر. # وذكر شرط وبيان توقف الحكم عليه، لا يمنع اعتبار شرط آخر، PageV01P175 # والدليل عليه أنه قال: (فإن طلقها) ، فاعتبر الطلاق وحل المحل ثابت قبله، ~~وقال: (فإن ms100 طلقها فلا جناح عليهما) (230) وانقضاء العدة معتبر أيضا. # قوله تعالى: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله. الآية) (229) . # وقد قال تعالى في آية أخرى. # (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا) «1» . # فهذا يمنع أخذ شيء منه دون رضاها، إذا كان النشوز منه.. # وقال في آية أخرى: # (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ~~الله) «2» فقيد بحالة خوف الشقاق.. # وقال في موضع آخر: # (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن «3» ) PageV01P176 # (لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) «1» .. # ومعنى الفاحشة، يحتمل أن يكون نشوزا من قبلها، أو زنا يخرج صدره، ويحمله ~~على المخاصمة. # وذكر الله تعالى في موضع آخر، إباحة أخذ المهر في قوله تعالى: # (وآتوا النساء صدقاتهن «2» نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا) «3» . # وقال تعالى: # (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا ~~أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح) «4» . PageV01P177 # قوله: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا) محكم تعضده «1» الأصول، وهو أنه إذا ~~جاز له أخذ المال منها برضاها في غير الخلع، فهو في حال الخلع جائز. # وقال بعض السلف: إنه لا يجوز إلا في حالة الضرورة وخوف الشقاق وهو باطل، ~~فإن الغرض من ذكر حال الشقاق، بيان الخلع في غالب الحال، وإلا فعموم قوله ~~تعالى: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا) ، مع ظهور العلة فيه، وهو كون ~~المبذول حقا لها، ولها أن تهب من شاءت أولى بالاعتبار. # وكذلك يشهد له قوله عليه السلام: # «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» . # واختلف العلماء في الخلع هل هو فسخ أم طلاق؟ # فالذي لا يراه طلاقا يقول: # قد قال تعالى: (الطلاق مرتان) . # ثم قال: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله) . # ثم قال بعد ذلك: (فإن طلقها) ، فلو كان الخلع طلاقا، لكان PageV01P178 # الخلع بعد ذكر طلقتين ثالثا، وكان قوله: (فإن طلقها) بعد ms101 ذلك، دالا على ~~الطلاق الرابع. # وهذا غلط، فإن قوله (الطلاق مرتان) ، أفاد حكم الاثنتين إذا أوقعهما على ~~غير «1» وجه الخلع، وأثبت معهما الرجعة بقوله: # (فإمساك بمعروف) ، ثم ذكر حكمهما إذا كان على وجه الخلع، فعاد الخلع إلى ~~الثنتين المقدم ذكرهما. # أو المراد بذلك بيان الطلاق المطلق، والطلاق بعوض، والطلاق الثلاث بعوض ~~كان أو بغير عوض، فإنه يقطع الحل إلا بعد زوج. # وظن ظانون أن في الآية ما يدل على أن المختلعة يلحقها الطلاق، فإنه قال: ~~(فإن خفتم) ، وذلك بيان الطلاق المقدم ذكره بعوض، ثم قال: # (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) . # فتكون الثالثة حاصلة بعد «2» الخلع. # ويدل على أن الثالثة بعد الخلع قوله تعالى في نسق التلاوة: # (فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله) (230) ~~، عطفا على ما تقدم ذكره في قوله: PageV01P179 # (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ~~الله) (229) . # فأباح لهما التراجع بعد التطليقة الثالثة، بشريطة زوال ما كانا عليه من ~~الخوف، لترك إقامة حدود الله تعالى، لأنه جائز أن يندما بعد الفرقة ويحب كل ~~واحد منهما أن يعود إلى الألفة. # فدل ذلك على أن هذه الثالثة مذكورة بعد الخلع. # وزعموا أن قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل) ، يبعد أن يرجع إلى قوله: ~~(الطلاق مرتان) ، لأن الذي تخلل من الكلام يمنع بناء قوله: (فإن طلقها) ، ~~على قوله: (الطلاق مرتان) ، بل الأقرب عوده إلى ما يليه كما في الاستثناء، ~~بلفظ التخصيص أنه عائد إلى ما يليه ولا يعود إلى ما تقدمه إلا بدلالة، كما ~~أن قوله تعالى: # (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) «1» . # صار مقصورا على ما يليه، غير عائد إلى ما تقدمه، حتى لا يشترط الدخول في ~~أمهات النساء. # وذكروا أن هذا أبعد من ذلك، فإن عطفه على ما يليه وما تقدمه، أقرب من ~~إخراج ما يليه بالكلية وترك العطف عليه «2» . # وهذا الذي توهمه هؤلاء باطل، فإن قوله: (فإن ms102 طلقها) ، ليس يدل على ~~الثالث، إلا بتقدير عطفه على عدد مذكور قبله. PageV01P180 # وقوله تعالى: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به) (229) ، لا يدل على طلقتين، لا تعريضا ولا تصريحا، حتى يكون قوله: (فإن ~~طلقها) مرتبا عليه. # وقوله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) ، مسوق لبيان جواز بذل ~~العوض، لا لبيان عدد الطلاق والمقابل للعوض. # وقوله تعالى: (الطلاق مرتان) يدل على عدد الطلاق الذي يثبت فيه حق ~~الرجعة. # وقوله (فإن طلقها) ، بيان تمام ذلك العدد، الذي لا يقترن به الاستدراك. # ثم جواز الافتداء يستوي فيه الواحد والعدد، وذلك بين بأول الخاطر، وليس ~~فيه شبهة على متأمل. # قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف) الآية ~~(231) : # أجمع العلماء على أن المراد ببلوغ الأجل مقاربة البلوغ، ولذكر بلوغ ~~الأجل- والمراد به مقاربته دون انقضائه- نظائر كثيرة من القرآن واللغة، قال ~~الله تعالى: (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) «1» ومعناه: إذا أردتم ~~الطلاق وقاربتم أن تطلقوا فطلقوا للعدة. # وقال تعالى: # (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) «2» . PageV01P181 # ومعناه: إذا أردت قراءته. # وقال: (وإذا قلتم فاعدلوا) # «1» . # وليس المراد به العدل بعد القول، لكن قبله يعزم على أن لا يقول إلا عدلا. ~~فعلى هذا ذكر بلوغ الأجل، والمراد به مقاربته دون وجود نهايته. # وإنما ذكر مقاربته البلوغ عند الأمر بالإمساك بالمعروف- وإن كان ذلك عليه ~~في سائر أحوال بقاء النكاح- لأنه وصل به التسريح وهو انقضاء العدة وجمعهما ~~في الأمر، ومعلوم أن التسريح له حالة واحدة لا تدوم، فخص حالة بلوغ الأجل ~~بذلك، لينتظم المعروف الأمرين جميعا. # وقوله: (فإمساك بمعروف) : إباحة الإمساك بمعروف، فهو القيام بما يجب لها ~~من حق على زوجها «2» . # والتسريح بالإحسان أن لا يقصد مضارتها لتطويل العدة عليها بالمراجعة، ~~وتبين ذلك بقوله عقيب ذلك: # (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) (231) . # ويجوز أن يكون من الفراق بالمعروف أن يمتعها عند الفرقة. # فإذا ثبت ذلك فالشافعي يقول: # «إن عجز عن نفقة امرأته فليس يمسكها بمعروف، فيجب عليه أن PageV01P182 # يسرحها بإحسان، فإن الله تعالى إنما خيره بين شيئين ms103 لا ثالث لهما، فإذا ~~عجز عن أحدهما تعين الثاني» اه. # فظن بعض الجهلة، أن العاجز ممسك بمعروف، إذ لم يكلف الانفاق في هذه ~~الحالة، وهذا جهل وحمق، فإن العاجز إنما لم يكلف ما عجز عنه، ونحن لا نكلفه ~~النفقة، إلا أنا نقول: # إذا عجز عن الإمساك بالمعروف، فالتسريح بالإحسان مقدور. # نعم إذا قدر على نفقة المعسرين فلينفق مما آتاه الله. # ويدل عليه أن العلماء قالوا: إذا عجز عن الانفاق على عبده أو أمته يقال ~~له: بع عندك أو أمتك، لا على معنى أنا نكلف العاجز، ولكن إن عجز عن النفقة، ~~فلم يعجز عن البيع. # وإمساك العبد بالمعروف ليس منصوصا عليه، وإنما هو مفهوم من النكاح، ~~فالنكاح بذلك أولى. # قوله: (ولا تمسكوهن ضرارا) . # بيان النهي عن تطويل العدة عليها بالمراجعة، إذا قارب انقضاء العدة ~~راجعها، فأمر الله تعالى بالإمساك بالمعروف، ونهاه عن مضارتها بتطويل العدة ~~عليها. # وقوله: (ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) «1» (231) . # يدل على أن الرجعة تنعقد «2» على هذا الوجه، ويكون بذلك ظالما، ولو لم ~~يثبت التطويل به ما كان ظالما، وكانت رجعته لغوا لا حكم لها. # وقوله تعالى: (ولا تتخذوا آيات الله هزوا) «3» (231) . PageV01P183 # فروي عن أبي الدرداء أنه كان الرجل يطلق امرأته ثم يرجع فيقول: # كنت لاغيا، ويعتق، ويرجع، ويقول: كنت لاغيا، فأنزل الله تعالى: # (ولا تتخذوا آيات الله هزوا) . # وروى عن أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «ثلاث جدهن جد وهولهن جد: الطلاق، والنكاح، والرجعة» . # وإنما ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، تفسيرا لكتاب الله تعالى: # قوله: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) ~~(232) . # فذكر أصحاب الشافعي أن بلوغ الأجل ها هنا حقيقة الانفصال. # وقوله: (فلا تعضلوهن) «1» ، خطاب للأولياء، ونهيهم عن الامتناع من ~~تزويجها. # وذكر أصحاب أبي حنيفة، أن معنى هذه الآية لا يتحقق عندكم، فإن الولي، إذا ~~كان هو المزوج والمتصرف فلا يقال: لا تمنعوا فلانا من أن يبيع وأنتم ~~البائعون، فلو لم يكن إلى المرأة النكاح ms104 لما صح أن يقول: # «فلا تمنعوهن من النكاح أن ينكحن» ، وهو لا يمنعها إنما يمنع نفسه. # وقوله (ينكحن) فعل مضاف إليهن، وإذا نهاه عن البيع، وجب PageV01P184 # أن لا يكون له حق بما نهى عنه من منع المرأة، فتقدير الكلام: ليس للولي ~~منع المرأة من النكاح، إذا تراضوا بينهم بالمعروف وهو الكفؤ، وإنما نهى ~~الله تعالى عن العضل، إذا تراضوا بينهم بالمعروف. # ومما استشهدوا به أيضا قوله تعالى: # (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) «1» ولم يذكر الولي. # والذي ذكره هؤلاء غلط، وذلك أن الله سبحانه إنما قال: # (حتى تنكح زوجا غيره) . # وقوله: (أن ينكحن أزواجهن) ، بناء على العادة الجميلة المندوب إليها في ~~الشرع، وهي تفويضهن النكاح إلى الأولياء، بعد الرضا بالأزواج، واختيارهم، ~~لا مباشرة المرأة عقد النكاح دون الأولياء، فإن ذلك خرم للمروءة، وهتك ~~للستر، وفتح لأبواب التهمة، وشناعة في العرف. # وذكر آخرون أن الآية بنظمها، دالة على أن الولي غير مراد بالآية، فإنه ~~قال في أول الآية: # (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن) . # وقوله: (فلا تعضلوهن) خطاب لمن طلق، فمعنى ذلك عضلها عن الأزواج بتطويل ~~العدة عليها. # وغاية ما يرد على هذا: أن ذلك يخرج قوله (فإذا بلغن أجلهن) عن البلوغ ~~حقيقة. PageV01P185 # والأول يجيب عن هذا، أن حمل البلوغ على مقاربة البلوغ، لا يلحق اللفظ ~~بالمستكره والبعيد في مجاري كلام البلغاء. # أما قول القائل: (إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن) يا أولياء، ~~فيقطع نظام الكلام، ويضمر ما لم يجر له ذكر بوجه، فهو ركيك من الكلام، ~~مستكره في التأويل. # فقيل لهم: إن الذي قلتموه فهمناه من قوله قبل هذا: # (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) . فكيف يعيد عين ذلك بلفظ هو كناية عن القرب من ~~ذكره باللفظ الصريح من غير فائدة، وهذا بين جدا. # ويدلك على ذلك ما رواه شريك عن سماك، عن ابن أخي معقل ابن يسار، عن معقل، ~~أن أخت معقل كانت تحت رجل فطلقها، ms105 ثم أراد أن يراجعها، فأبى عليه معقل ~~فنزلت هذه الآية. # وروى عن الحسن هذه القصة، وأن الآية نزلت فيها، وأن النبي عليه السلام ~~دعا معقلا وأمره بتزويجها إياه. # وهذا الحديث غير ثابت على مذهب أهل النقل، لما في سنده من الرجل المجهول ~~الذي يروى عنه سماك، وحديث الحسن مرسل، ولكنه مشهور، والمرسل عندهم حجة. # والقاضي إسماعيل بن إسحاق يرويه في أحكام القرآن عن الحسن قال: «حدثني ~~معقل بن يسار، الحديث.» ثم يقول: «ثم تركها حتى انقضت عدتها» . ويروى ذلك ~~بأسانيد شتى.. # PageV01P186 # قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين «1» كاملين) الآية (233) . # إلى قوله: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (233) . # وذلك يدل على جواز استئجار الأم على إرضاع ولدها، سواء كانت مطلقة أو ~~مزوجة. # وعندنا الأم إذا امتنعت من إرضاع ولدها إلا بأجرة ومؤونة، فيجوز لها ذلك، ~~والأب يستأجرها. # وإذا رضيت الأم بما ترضى به الأجنبية، فلا تضار والدة بولدها في انتزاعه ~~منها، فلا يكون للزوج انتزاع الولد منها، إذا رضيت بأن ترضعه بأجرة مثلها، ~~وهي الرزق والكسوة بالمعروف، وإن لم يرض. # ولما قال: (والوالدات يرضعن أولادهن) جعلن أحق بحضانة الولد، وذلك يدل ~~على أن الأصل في الحضانة الأم، لأن حاجة الولد بعد الرضاع إلى من يحضنه، ~~كحاجته إلى من يرضعه، فإذا كانت في حالة الرضاع أحق به، وإن كانت المرضعة ~~غيرها، علمنا أن في كونه عند الأم حقا لها وللولد جميعا، وهو أن الأم أرفق ~~وأحنى عليه، فإذا بلغ سن التمييز- وهو السن الذي يؤمر بالصلاة فيه، وذلك ~~يدل على التمييز PageV01P187 # والعقل- فيخير بين أبويه، فإن في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم القرآن ~~والأدب ووظائف العبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية، خلافا لأبي ~~حنيفة، فإنه جعل الأم أولى بالجارية إلى الحيض والبلوغ، لحاجتها- بخلاف ~~الغلام- إلى آداب النساء، وهذا بعيد، فإن الحاجة إلى الوظائف والفرائض ~~الدينية أصلية، وآداب النساء قريبة، وليست الحاجة إليها ضرورية، وهي قليلة ~~يمكن تحصيلها في مدة يسيرة، ومع ذلك فهيبة الأب تكفها عن المساوئ، وليس ~~للنساء مثل هيبة الرجال، وفي المسألة أخبار ms106 لا تتعلق بمعاني القرآن، فتركنا ~~ذكرها) .. # قوله تعالى: (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ~~ذلك) (233) . # وظن ظانون أن قوله: (وعلى الوارث مثل ذلك) من النفقة، فإنها على الوارث. # وليس ذلك مذهبا لأبي حنيفة، فإنه لا يعلقها على الإرث، وإنما يعلقها على ~~الرحم والمحرمية مع الإرث، ولا نعلم في العلماء من يعلق على الإرث، سوى ما ~~ذكر عن أحمد، فإنه طرد ظاهر الإرث حتى قال: # الجد من قبل الأم لا نفقة عليه مع وجود ابن العم، وطرد ذلك في النساء ~~والرجال والحجب بالأشخاص والأوصاف. # وذلك في غاية البعد عن الأوضاع الشرعية، ومع هذا فلا دلالة للقرآن عليه، ~~فإن قوله تعالى: (وعلى الوارث مثل ذلك) ، يمكن أن يحمل على أقرب مذكور، وهو ~~نفي المضارة. # وعن ابن عباس والشعبي: وعلى الوارث أن لا يضار في تفسير هذه الآية. # PageV01P188 # ولما أراد النفقة بعد ذلك قال: (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم) ذكر ~~الولادة، ورد الأمر في النفقة إليها. # وقال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق رحمه الله في كتاب «معاني ~~القرآن» : # أما أبو حنيفة فإنه قال: تجب نفقة الصغير ورضاعه على كل ذي رحم محرم، مثل ~~أن يكون رجل له ابن أخت صغير محتاج، وابن عم صغير محتاج وهو وارثه، أن ~~النفقة تجب على الحال لابن أخته الذي لا يرثه، وتسقط عن ابن العم لابن عمه ~~الوارث، ثم قال: # وقالوا قولا ليس في كتاب الله تعالى، ولا نعلم أحدا قاله، ثم قال هذا ~~الرجل: وإذا ولد الولد وأبوه ميت، فعلى أمه أن ترضعه لأن الله تعالى جعلها ~~المرضعة، فلا يسقط عن الأم ما كان واجبا عليها بسقوطه عن الأب بالموت. # فلم ير هذا الرجل ما وجب عليها بإزاء ما وجب لها، فإذا لم يكن ما وجب ~~لهم، لم يجب ما يقابله. # ولا خلاف أنه إذا انقطع لبنها بمرض أو غيره، فلا شيء عليها، وإن أمكنها ~~أن تسترضع، ولا عليها نفقة بعد الرضاع، وكذلك قبله لا فرق. # ومالك لا يوجب النفقة ms107 إلا على الأب للابن، وعلى الابن للأب، ولا يوجبها ~~للجد على ابن الابن.. # قوله تعالى: (فإن أرادا فصالا «1» عن تراض منهما) (233) ، PageV01P189 # يدل على الفطام قبل الحولين، وقد يدل على الفطام أيضا بعد الحولين، لأن ~~الفاء للتعقيب، فوجب أن يكون الفصال الذي علقه بإرادتهما بعد الحولين. # وإذا ثبت ذلك، فتخصيص تحريم الرضاع بمدة الحولين، لا بد من تأصل مستنده، ~~مع أن الليث بن سعد صار إلى أن إرضاع الكبير، يوجب تحريم الرضاع، وانفرد به ~~من بين العلماء. # وروي عن عائشة مثل ذلك. # وكانت تروي في ذلك حديث سالم مولى أبي حذيفة أن النبي عليه السلام قال ~~لسهلة بنت سهيل- وهي امرأة أبي حذيفة-: # «أرضعيه خمس رضعات ثم يدخل عليك» . # وتمام هذا الحديث، أن سهلة بنت سهيل قالت: «يا رسول الله إني أرى في وجه ~~أبي حذيفة «1» من دخول سالم علي» ، فقال النبي عليه السلام: # «أرضعيه» . # وقد روى مسروق في مقابلته عن عائشة، أن رسول الله دخل عليها وعندها رجل ~~فقالت: يا رسول الله، إنه أخي من الرضاعة، فقال عليه السلام: # «انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة» «2» . # وهذا يقتضي اختصاص الرضاع بالحالة التي يسد اللبن مجاعته، ويكتفي في ~~غذائه به. PageV01P190 # وقد روي عن أبي موسى أنه كان يرى رضاع الكبير، وروي عنه ما يدل على ~~رجوعه، وهو ما روى أبو حصين عن أبي عطية قال: قدم رجل بامرأته إلى المدينة ~~فوضعت وتورم ثديها، فجعل يمجه «1» ويصبه، فدخل في بطنه جرعة منه، فسأل أبا ~~موسى فقال: بانت منك وائت ابن مسعود فأخبره، ففعل، فأقبل بالأعرابي إلى ~~الأشعري وقال: أرضيعا ترى هذا الأشمط؟ # «إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللجم والعظم» ، فقال أبو موسى الأشعري: لا ~~تسألوني ما دام هذا بين أظهركم. # وقوله: «لا تسألوني» ، يدل على أنه رجع عن ذلك. # وروى جابر عن رسول الله أنه قال: «لا يتم بعد حلم ولا رضاع بعد فصال» . # وفي حديث آخر: «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» . # فإذا ثبت أن رضاع الكبير لا يحرم، فالشافعي يقدر ms108 أثر الرضاع بالحولين. # وأبو حنيفة يزيد ستة أشهر ويقول: ما يحرم بعد الحولين يحرم- فطم أو لم ~~يفطم، إلى ستة أشهر. # وقال زفر: ما دام يجتزى باللبن ولم يفطم، فهو رضاع، وإن أتى عليه ثلاث ~~سنين. PageV01P191 # وقال الأوزاعي: إذا فطم لسنة واستمر فطمه، فليس بعده رضاع. # فأما الشافعي فإنه يرى: كأن التقدير بستة أشهر، كالتقدير بسنة، والتقدير ~~بشهر، وذلك تحكم لا مستند له، وهو مثل تقدير أبي حنيفة في بلوغ الغلام ~~بثمان عشرة سنة، وقوله: # لا يدفع المال إلى الذي لم يؤنس رشده، إلا بعد خمس وعشرين سنة، وكل ذلك ~~تحكم. # ولا مستند في مثل ذلك إلا التوقيف، والتوقيف قوله تعالى: # (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) . # ونص على أن الحولين إتمام الرضاعة، ولفظ الإتمام، يمنع إمكان الزيادة ~~عليه في الحكم المتعلق بما قبل التمام. # نعم، قد قال صلى الله عليه وسلم: «من أدرك عرفة فقد تم حجه» . # ومعناه تمام الإدراك الذي لا يلحقه إمكان فوت. # وهذا المعنى متعلق بالوقوف، فإذا ظهر لنا هذا المستند، فالتقدير لستة ~~أشهر بعده، لا وجه له. # وقد روى جابر أن النبي عليه السلام قال: # «لا رضاع بعد الحولين» . # وفي رواية: «لا رضاع بعد فصال» ، والأصل كتاب الله تعالى الدال على تمام ~~الرضاع في الحولين. # وقوله تعالى: (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور) يدل على فوائد، ~~منها: # PageV01P192 # جواز الاجتهاد في الأحكام، بإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي ~~إلى صلاح أمر الصغير، وذلك موقوف على غالب ظنونهما، لا على الحقيقة ~~واليقين. # وفيه دليل على أن الفطام في مدة الرضاع موقوف على تراضيهما، وأنه ليس ~~لأحدهما أن يفطمه دون الآخر، لقوله: (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور ~~فلا جناح عليهما) . # وروي عن قتادة قال: كان الرضاع واجبا في الحولين، وكان يحرم الفطام قبله، ~~ثم خفف وأبيح الرضاع أقل من هذه المدة، بقوله تعالى: # (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) . # أن يفطما قبل الحولين وبعدهما.. # قوله تعالى: (يتربصن ms109 «1» بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) (234) : # نسخ ذلك قوله تعالى: (متاعا إلى الحول غير إخراج) «2» ، وفي ذلك الوقت، ~~كانت الوصية للأزواج واجبة، وهي النفقة إلى الحول، ثم أبدلت الوصية ~~بالميراث، إما ربعا في حالة، أو ثمنا في حالة. # وقوله: (متاعا إلى الحول) نسختها العدة أربعة أشهر وعشرا. # ولا خلاف أن هذه الآية خاصة في غير الحامل. PageV01P193 # واختلفوا في الحامل المتوفي عنها زوجها على ثلاث مذاهب: # فقال علي رضي الله عنه، وإحدى الروايتين عن ابن عباس: عدتها آخر الأجلين ~~«1» . # وقال عمر وابنه، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة في آخرين: عدتها أن تضع حملها. # وقال الحسن: عدتها أن تضع حملها، وتطهر من نفاسها، ولا تتزوج وهي ترى ~~الدم. # فأما علي رضي الله عنه: فإنه ذهب إلى أن قوله: (أربعة أشهر وعشرا) يوجب ~~الشهور. # وقوله: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) «2» ، يوجب انقضاء العدة ~~بوضع الحمل. # فجمع بين الآيتين في إثبات حكمهما في المتوفي عنها زوجها، وجعل انقضاء ~~عدتها آخر الأجلين، من وضع الحمل أو مضي الشهور. # وقال ابن مسعود «3» : من شاء باهلته، إن قوله تعالى: (وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن) نزلت بعد قوله: (أربعة أشهر وعشرا) . PageV01P194 # فاتفق الجميع على أن قوله: (وأولات الأحمال) عام في المطلقة والمتوفى ~~عنها زوجها، وإن كان مذكورا بعد ذكر الطلاق، لاعتبار الجميع الحمل في ~~انقضاء العدة. # قالوا جميعا: إن مضي الشهور لا تنقضي به عدتها إذا كانت حاملا، حتى تضع ~~حملها، فلا تعتبر الشهور معه، ولم يختلفوا في أن عدة الطلاق تنقضي بوضع ~~الحمل، من غير ضم الأقراء إليها، وقد كان جائزا أن يكون الحمل والأقراء ~~مجموعين عدة لها، بأن لا تنقضي عدتها بوضع الحمل، حتى تحيض ثلاث حيض، فكذلك ~~يجب أن تكون عدة الحامل المتوفي عنها زوجها في الحمل، غير مضموم اليه ~~الشهور. # وقال الأصم: إن الآيات في عدة الوفاة والطلاق بالأشهر والأقراء عامة في ~~حق المرأة والأمة، فعدة الحرة والأمة سواء. # وهذا مذهب له وجه من حيث التوقيف، فإن العمومات لا فصل فيها بين الحرة ~~والأمة، ms110 وقد استوت الحرة والأمة في النكاح، إلا أن الذي نصف، تلقاه من وجوب ~~العدة باعتبار الحرمة، وحرمة الأمة دون حرمة الجرة، وهذا فيه ضعف، لاستواء ~~المسلمة والكافرة الحرة في العدة، ولأن العدة وجبت لحق الزوج، وحق الزوج ~~بالإضافة إلى الحرة والأمة واحد، وهذا بين، فإن صح الخبر في قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # «طلاق الأمة طلقتان وعدتها حيضتان فهو متعلق، وإلا فالمتعلق ضعيف. # واختلف السلف في المتوفي عنها زوجها إذا لم تعلم بموته وبلغها الخبر. # فقال ابن مسعود وابن عباس وعطاء وجابر بن زيد: إن عدتها من يوم # PageV01P195 # يموت، وكذلك الطلاق من يوم طلق، وهو قول فقهاء الأمصار. # وقال علي رضي الله عنه والحسن البصري: # يوم يأتيها الخبر في الموت، وفي الطلاق من يوم طلق. # وقوله تعالى: (والذين يتوفون) «1» يدل على أنه يتعلق بالموت، وكذلك قوله: ~~(والمطلقات) يدل على أن العدة متعلقة بالطلاق. # والذي ذهب اليه من اعتبر بلوغ الخبر، أن عدة الوفاة قضاء لحق الزوج، ~~وإنما يتحقق ذلك إذا علمت واعتزلت وتركت الزينة عن اختيار، فإذا لم تعلم، ~~فلا يتحقق هذا المعنى، وهذا بين، إلا أنها لو علمت موت الزوج، فلم تجتنب ~~الزينة، انقضت عدتها، فعلم أن المعتبر في ذلك تقضي الوقت. # فأما السكنى فللمطلقة لقوله تعالى: # (أسكنوهن من حيث سكنتم) «2» . # والمتوفى عنها زوجها لم يذكر في القرآن سكناها. # وقد اختلف قول الشافعي، فيما إذا مات عنها زوجها وهي في منزل: فالذي عليه ~~الأكثرون أنها لا تخرج. # ونقل عن الشافعي أنه قال: تخرج وتسكن أي منزل شاءت، إنما الإحداد في ~~الزينة «3» . # وقد ورد في الخبر عن أخت أبي سعيد الخدري، أنها استأذنت رسول PageV01P196 # الله صلى الله عليه وسلم في عدة وفاة زوجها أن ترجع إلى أهلها من بني ~~عذرة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «امكثي حتى يبلغ الكتاب أجله» . # وليس في لفظ العدة في كتاب الله ما يدل على الإحداد، إلا أن الإحداد وجب ~~بالسنة.. # قوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة «1» النساء) ms111 : # فأباح التعريض بالخطبة وإضمار نكاحها، من غير إفصاح به. # وفيه دليل على نفي الحد بالتعريض بالقذف، فإن الله تعالى لم يجعل التعريض ~~في هذا الموضع بمنزلة التصريح، فكذلك لا يحصل التعريض بالقذف كالتصريح، ~~وإذا خالف الله تعالى بين حكمهما، بأن به تفاوت ذنبه ما بين التعريض ~~والتصريح، والحدود مما يسقط بالشبهات، فهي في حكم السقوط والنفي آكد من ~~النكاح، فإذا لم يساو التعريض في النكاح والتصريح، وهو آكد في باب الثبوت ~~من الحد، كان أولى أن لا يثبت بالتعريض من حيث دل على أنه لو خطبها بعد ~~انقضاء العدة بلفظ التعريض، لم يقع بينهما عقد النكاح، وكان تعريضه بالعقد ~~مخالفا للتصريح، فالحد أولى أن لا يثبت به، ومعلوم أن المراد بالتعريض قد ~~يحصل في الخطبة، ولكنه دون التصريح فافترقا «2» ، وكذلك في القذف، ~~PageV01P197 # وقد أمكن أن يكون التعريض بالقذف لا للمقذوف، ولكن لشخص آخر متصل به، ~~وذلك الشخص لا يدري حاله. # وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بخطبة فاطمة بنت قيس وهي في العدة ~~وقال: # «لا تفوتينا نفسك» وإنما كان يريد خطبتها لأسامة بن زيد، وفي ذلك رد على ~~مالك في إيجابه الحد بالتعريض بالقذف، والاحتجاج بالتعريض بالخطبة على ~~مالك، وهو لطيف.. # وفي قوله تعالى: (ولا تعزموا عقدة «1» النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) ~~(235) . # دليل على تحريم نكاح المعتدة. # وقوله تعالى: (علم الله أنكم ستذكرونهن) (235) . # يعني بالتزويج، لرغبتكم فيهن، ولخوف أن لا يسبقكم إليهن غيركم، فأباح لهم ~~التوصل إلى المراد بذلك التعريض دون الإفصاح. # وذلك يدل على جواز التوصل إلى الأشياء من الوجوه المباحة، وإن كانت ~~محظورة من وجوه أخر، نحو ما أشار الله تعالى إليه في ثمر خيبر، على ما بينه ~~الفقهاء في كتبهم. PageV01P198 # ولا خلاف بين الفقهاء: أن من عقد على امرأة نكاحا وهي في عدة غيره، أن ~~النكاح فاسد. # وبلغ عمر، أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف وهي في عدتها، فأرسل ~~إليهما وفرق بينهما وعاقبهما وقال: لا تنكحها أبدا، وجعل الصداق في بيت ~~المال، وفشا ذلك ms112 في الناس، فبلغ عليا رضي الله عنه ذلك فقال: «يرحم الله ~~أمير المؤمنين، ما بال الصداق في بيت المال، إنهما إن جهلا فيجب على الإمام ~~أن يردهما إلى السنة» ، فقيل له: «فما تقول فيه أنت» .. فقال: «لها الصداق ~~بما استحل به من فرجها، ويفرق بينهما، وتكمل عدتها من الأول، ثم تكمل عدتها ~~من الآخر، ثم يكون خاطبا» . فبلغ ذلك عمر فخطب الناس فقال: # «يا أيها الناس، ردوا الجهالات إلى السنة» «1» . # وقال مالك والأوزاعي والليث بن سعد: لا تحل له أبدا. # قال مالك والليث: ولا بملك اليمين، مع أنهم جوزوا التزويج بالمزني بها. # وفي اتفاق عمر وعلي رضي الله عنهما على انتفاء الحد، دليل على أن النكاح ~~الفاسد لا يوجب الحد، إلا أنه مع الجهل بالتحريم، متفق عليه، ومع العلم به، ~~مختلف فيه.. # قوله تعالى: (لا جناح «2» عليكم إن طلقتم النساء ما لم) PageV01P199 # (تمسوهن «1» أو تفرضوا «2» لهن فريضة) (236) : # تقدير الآية: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة «3» . # وقد نزلت الآية في رجل من الأنصار، تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا، وطلقها ~~قبل أن يمسها. # وكما دل على ذلك سبب النزول دل السياق عليه، فإنه تعالى قال معطوفا عليه: # (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن «4» فريضة فنصف ما فرضتم) ~~(237) : # فلو كان الأول بمعنى ما لم تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة أو لم تفرضوا، لما ~~عطف عليها المفروض لها، فعلم أن معناه: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، ~~فيكون أو بمعنى الواو. # وقال تعالى في مثله: # (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) «5» . PageV01P200 # وقال: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط) «1» . # معناه: وجاء أحد منكم من الغائط وكنتم مرضى أو مسافرين. # وهذا موجود في اللغة، وهو في النفي أظهر من دخولها عليه بمعنى الواو «2» ~~، مثل ما قدمناه من قوله: # (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) . # وقوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا ms113 أو ما اختلط بعظم) «3» ، «أو» في ~~هذه المواضع هي بمعنى الواو.. # وقوله تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة) . لما دخلت «4» على المنفي كانت بمعنى الواو. فيشترط وجود المعنيين، ~~لوجوب المتعة على هذا التقدير. # وفي عموم قوله: (ما لم تمسوهن) ، دليل على جواز الطلاق في حالة الحيض قبل ~~الدخول «5» . PageV01P201 # وقد زعم قوم أن المتعة ندب، وهو قول مالك، وذكروا أن قوله تعالى: (حقا ~~على المتقين) «1» ، يدل على أنه ليس بأمر جزم، فإن التقوى لا تدرى. # ولا شك أن عموم الأمر بالإمتاع في قوله: (ومتعوهن) . # وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله: (وللمطلقات متاع) يظهر في ~~الوجوب، وقوله (على المتقين) تأكيد لإيجابها، لأن كل أحد يجب عليه أن يتقي ~~الله تعالى في الإشراك به ومعاصيه، وقد قال الله تعالى في القرآن: (هدى ~~للمتقين) . # ومالك يقول: إن الأصل أن لا يجب للمطلقة شيء، إذا عاد البضع سليما إليها، ~~كما لا يجب للبائع شيء، إذا رجع المبيع سليما اليه. # فقياس ذلك نفي المتعة. وهذا ضعيف، فإن هذا القياس، كان لمنع وجوب عوض ~~البضع وهو المهر للمفوضة، وليس فيه ما ينفي المتعة التي وجبت في مقابلة ~~الأذى الحاصل بالطلاق، وليس في قياس الأصول ما يدفع ذلك بوجه، وهذا يقتضي ~~أن لا يكون للمملوكة متعة، إذا طلقت قبل الفرض والمس، لأن المتعة تكون ~~للسيد، وهو لا يستحق مالا في مقابلة تأذي مملوكته بالطلاق، ولا أعلم أحدا ~~قال ذلك سوى الأوزاعي والثوري، فإنهما زعما أن لا متعة في هذه الحالة. # وذكر أصحاب أبي حنيفة، أن مهر المثل مستحق بالعقد، والمتعة هي بعض مهر ~~المثل، فتجب لها، كما يجب نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول. PageV01P202 # وقال محمد بن الحسن: لو رهنها بمهر المثل رهنا، وطلقها قبل الدخول، كان ~~رهنا بالمتعة، ومحبوسا بها، إن هلك هلك بها. # وذلك بعيد، مع الاتفاق على سقوط مهر المثل بالطلاق قبل الدخول «1» وليست ~~المتعة بدلا عن البضع، فإن المعتبر به حال الرجل بنص كتاب الله ms114 تعالى: # (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) (236) . # فدل ذلك على أنها ليست بدلا عن البضع. # كيف؟ والمتعة وجبت في حالة سقوط حقه عن بضعها، والمهر في مقابلة استحقاقه ~~بعضها، فبينهما تضاد في الحقيقة، لأن أحدهما يدل لاجتماعهما، والآخر ~~لافتراقهما. # وسبب المتعة أذية حصلت بالطلاق، وهو أيضا في طريق النظر مشكل، فإن الزوج ~~إذا جاز له أن يطلقها فإنما أسقط حقا لنفسه، فمن أين يجب عليه مال لها من ~~جهة أنها لا تريد فراقه؟ # ولو وجب لها شيء، فإنما يجب لأنه فوت عليها حقها، وذلك يمنع كون الطلاق ~~مباحا. # وعلى أنه لو كانت المتعة صداقا، أو عوضا عن صداق، لما صح الترغيب في ~~المتعة التي تستحق المهر بالمسيس، والترغيب في الأحوال كلها في الامتاع ~~واحد. # وذلك يؤكد قول مالك في أن محل المتع كلها واحد، كما أن محل الصداق واحد، ~~فالمتعة في الأحوال كلها بعد الفراق، والصداق قبله، PageV01P203 # فدل مجموع ذلك على أن تعرية النكاح عن المهر ممكنة، وفي ذلك سقوط قول ~~الذين زعموا أن المتعة عوض عن الصداق أو عن البضع. # نعم، لا خلاف أن المطلقة قبل الدخول، لا تستحق المتعة على وجه الوجوب، ~~إذا وجب لها نصف المهر المسمى، فذلك يوهم كون المتعة قائمة مقام المهر، ~~لأنها وجبت حيث لا فرض، ولم تجب عند من أوجبها، حيث ثبت نصف المفروض. # ويجاب عنه، بأن العلة فيه، أنه لما رجع البضع إليها مع نصف المفروض، حصل ~~به التسلي، فزال معنى التأذي بالفراق. فلم تجب المتعة لعدم سببها، وهو ~~التأذي بالفراق. # وأما قوله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف) عام في حق المطلقات. # واختلف قول الشافعي رحمه الله في حق المطلقة للدخول بها، وظاهر العموم لا ~~يقتضي التردد، إلا أنه ربما قيل: إن المطلقة بعد المس، استحقت المهر في ~~مقابلة وطء تقدم، فلم يرجع البضع إليها سليما، حتى يكون ذلك مانعا من ~~التأذي بالفراق الذي هو سبب المتعة. # ويقال في معارضة ذلك: إن المهر كان في مقابلة وطئات العمر، وقد عاد إليها ~~ذلك مع ms115 كمال المهر، فيتردد ويتفاوت النظر، فلا جرم، اختلف قول الشافعي فيه. # فأما تقدير المتعة فإن الله تعالى يقول: (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر «1» قدره متاعا بالمعروف) . PageV01P204 # وذلك يقتضي بظاهره اعتبار حال الرجل، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة. # وذكر بعض علمائنا، أن حالها معتبر مع ذلك أيضا، ولو اعتبرنا حال الرجل ~~وحده، لزم منه أنه لو تزوج بامرأتين، إحداهما شريفة والأخرى دنية، ثم ~~طلقهما قبل الدخول ولم يسم لهما، أن يكونا متساويين في المتعة، فيجب ~~للشريفة مثل ما يجب للدنية، والله تعالى يقول: # (وللمطلقات متاع بالمعروف) وليس ذلك من المعروف، بل هو في العرف منكر. # ويلزم منه: أن الموسر العظيم اليسار، إذا تزوج امرأة دنية فهو مثلها، ~~وبيانه: أنه لو دخل بها، وجب لها مهر مثلها إن لم يسم لها شيئا، ولو طلقها ~~قبل الدخول، لزمته المتعة على قدر حاله، فيكون ذلك أضعاف مهر مثلها، فتستحق ~~قبل الدخول «1» أضعاف ما تستحقه بعد الدخول، وذلك يقتضي أن لا يزاد على قدر ~~المهر الواجب بأعلى غايات الابتذال وهو الوطء. # ثم قوله تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة) . ~~(237) # المراد بالفرض ها هنا، تقدير المهر وتسميته في العقد، وإنما فهم منه ~~الفرض في العقد، لأنه ذكر المطلقة التي لم يسم لها فرضا بقوله تعالى: # (إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) ، PageV01P205 # وذلك يقتضي أن يعقب بذكر من فرض لها في العقد وطلقت. # فأما المفروض لها بعد العقد، إذا طلقت قبل الدخول: # فقال أبو حنيفة: ليس لها مهر مثلها. # ومالك والشافعي وأبو يوسف: يجعلون لها نصف الفرض. # ويجعل أبو حنيفة المفروض بعد العقد، كالذي لم يفرض، ويوجب المتعة، وليس ~~له في ذلك مستند ومرجع، فإن المفروض بعد العقد، إذا ألحق بالعقد، فلم لا ~~يلحقه في حكم التشطير؟ واختلاف زمان الفرض لا يغير حقيقة المفروض. # وقوله تعالى: (فنصف ما فرضتم) يتناول- بطريق العموم- ما بعد العقد. # ولو توهم متوهم، أن فيما قبله ما يمنع من هذا العموم، فليس كذلك، فإن ما ms116 ~~قبله عدم الفرض مطلقا، وما بعده إثبات الفرض، وإثبات الفرض يعم الأحوال. # ولو كان النص على المفروض عند العقد، كنا نلحق به المفروض بعد العقد ~~بطريق الاعتبار، مثل إلحاق الشيء، بمثل ما في معناه.. # قوله تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة) ، يقوي ~~أحد قولي الشافعي، وأن مجرد الخلوة لا تقرر المهر.. # PageV01P206 # قوله تعالى: (إلا أن يعفون) (237) معناه: الزوجات يكون عفوها أن تترك ~~الصداق، وهو النصف الذي جعله الله تعالى من بعد الطلاق، بقوله: (فنصف ما ~~فرضتم) . # وقد يكون الصداق عقارا وعينا معينة، فلا يصح العفو فيه، ولكن معنى العفو، ~~هو تركها الصداق عليه على الوجه الجائز في عقود التمليكات، بأن تملكه إياه ~~بغير عوض. # والعفو التسهيل: يقال: جاء الأمر عفوا، أي سهلا سمحا من غير تعويق. # فقال الشافعي: «في هذا دلالة على جواز هبة المشاع فيما ينقسم وفيما لا ~~ينقسم، لإباحة الله تعالى تمليك نصف المفروض الثابت بعد الطلاق» . # ولم يفرق بين ما كان منها عينا أو دينا، وما يحتمل القسمة وما لا ~~يحتملها، فوجب اتباع موجب الآية في جواز هبة المشاع. # نعم: العفو كناية عن التمليك فتقديره: إلا أن يهبن نصف المهر ويتركنه على ~~الأزواج، فكان اللفظ عاما في جميع ما كان صداقا. # نعم يجوز أن يقال إنه لم يتعرض الشرع لشروط الهبة كالقبض وغيره، فإن ذلك ~~ليس مقصودا بالذكر، وإنما المقصود منه أن كل ما دخل تحت الصداق يصح منه هبة ~~نصفه وتركه على الزوج، فلئن لم يتعرض كتاب الله تعالى لشروط العفو، فدلالته ~~على أن ما دخل تحت الصداق يجب أن يدخل تحت العفو قائمة. # قوله: (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح) (237) فقد اختلف السلف فيه. # PageV01P207 # فقال علي وجبير بن مطعم، وابن المسيب وقتادة: هو الزوج. # وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري وأصح قولي الشافعي. # وقال مالك «1» : هو الأب في حق البكر، وهو رواية عن ابن عباس. # ولا شك بأن قوله: (بيده عقدة النكاح) ، محتمل للوجهين اللذين تأولهما ~~السلف عليهما، فينظر في ms117 أقرب الوجهين إلى معاني الشرع والأصول المحكمة، ~~التي ترد المتشابهات إليها، وقد قال تعالى: # (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا) «2» . # فذكر تركه الصداق عليها، وتركها الصداق عليه. # فاللائق بالبيان ها هنا أيضا: أنه إذا ذكر العفو من أحد الزوجين، ذكر من ~~الزوج الآخر، وقال تعالى: # (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا) «3» . # وقال: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا) «4» . # وكل ذلك منع للزوج من انتزاع شيء منها، إلا أن تترك هي عليه، أو يترك هو ~~عليها، ما استحق استرجاعه منها قبل الدخول. PageV01P208 # ولأن قوله: (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح) ، يقتضي كون العقد موجودا ~~في يد من هو في يده، فأما عقد غير موجود، فليس في يد أحد. # نعم بعد الطلاق، ليس العقد الذي كان بيد الزوج في الحال، ولكنه كان بيد ~~الزوج، والذي كان من العقد ليس هو بيد الزوج، ولكنه كان عند وجوده بيد ~~الزوج، ولأنه قال: # (ولا تنسوا الفضل بينكم) (237) فندب إلى الفضل. # وقال: (وأن تعفوا أقرب للتقوى) (237) ، وليس في هبة مال الغير إفضال منه ~~إلى غيره. # والمرأة لم يكن منها إفضال ولا تقوى، في هبة مال الغير بغير إذن مالكه.. # ولأن الصداق تارة يكون عينا، وتارة يكون دينا، وليس للولي في هبة مالها ~~المعين المشار اليه دخل. # فهذه الأنواع تدل على صحة قولنا: إن المراد به الزوج، هذا ما يتعلق ~~باللفظ. # وأما ما يتعلق بقياس الأصول فبين، غير أن أقوى ما يرد عليه، أنا إذا ~~تنازعنا معنى اللفظ، وقوله (بيده عقدة النكاح) ، يبعد أن يراد به الزوج وقد ~~طلق قبل المس، وإنما يظهر ذلك في الولي الذي بيده أن يعقد النكاح، وقال ~~تعالى: # (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) (235) . # ويجاب عنه بأن قوله: (بيده عقدة النكاح) ، يبعد فهم الولي # PageV01P209 # منه، بالإضافة إلى عقد كان، فإن إلى الولي أن يعقد عقدا آخر غير الأول، ~~وبيده أن يعقد عقدا غير ms118 موجود، وليس بيده عقدة معدومة «1» ، وثبوت الولاية ~~له في أن يعقد عقدا آخر، لا يقتضي جواز عقده في نكاح مضى، وليس بيده ما قد ~~مضى، ولا كان الذي مضى بيده عقدته عند وجوده، وهذا ظاهر كما ترى. # نعم هو أولى بالزوج، لأن الله تعالى أراد أن يميز المرأة عن الزوج بوصف ~~يختص به الزوج، وهو أن بيده عقدة النكاح، فكان ذلك كناية عن الأزواج على ~~وجه مستحسن، وكان المعنى فيه: أن الله تعالى رغب الزوجة في العفو، لأن ~~الزوج لم ينل منها شيئا يقوم مقام ما أوجبه على نفسه، فذكر ما يتعلق بأحد ~~النصفين، ثم عاد وذكر النصف الآخر فقال: # (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح) . # رغب الزوج في أن يثبت على ما ساقه إليها وقد ابتذلها بالطلاق، وقطع طمعها ~~في وصلته، ولذلك قال: # (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ~~الله) (229) فإن قيل: فقد قال الله تعالى: # (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) الآية. # وذلك بيان الحكم في الأزواج، ثم قال: PageV01P210 # (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح) . # وقد ذكر بلفظ المغايبة عادلا عن المخاطبة، ولو كان المراد به الزوج، ~~لقال: إلا أن تعفون أو يعفو، ليكون جاريا على نسق التلاوة، وموجب سابق ~~الخطاب. # ويجاب عنه: بأن الله تعالى أراد أن يبين بطريق الكناية، صفة تتميز بها ~~المرأة عن الرجل، فعدل عن المخاطبة إلى قوله: (أو يعفوا الذي بيده عقدة ~~النكاح) . # فإن قيل: لما قال تعالى: (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا) ، اقتضى ~~ذلك من حيث الظاهر، أن يكون عفوهن وعفو الذي بيده عقدة النكاح، راجعا إلى ~~النصف المذكور، وهذا يدل على بعد حمل المطلق على الزوج. # ويجاب عنه: بأن قوله: (فنصف ما فرضتم) ، تعرض لأحد النصفين، فلا يبعد أن ~~يتعرض للنصف الآخر، ليكون حكم العفو في جميع الصداق مذكورا. # فإن قيل قوله (إلا أن يعفون) يرجع إلى حق وجب لها عليه، فيصح منها العفو ms119 ~~عن ذلك بأن تتركه عليه، فأما إذا سقط النصف الآخر، فلم يجب له عليها حق حتى ~~يعفو عنه. # نعم له أن يهب لها شيئا من ماله، وذلك الذي يهبه ليس صداقا ولا من جملته، ~~فلا يتحقق معنى العفو فيه، وإنما هو على معنى الهبة، والعفو إنما يتحقق في ~~شيء مستحق لها عليه. # فيجاب عنه: بأنه يتحقق معنى العفو، بأن يكون قد سلم الصداق # PageV01P211 # إليها، فلما طلقها رجع عليها بنصفه، فإذا عفا فمعناه: ترك حقه عليها، وإن ~~كان بطريق الهبة. # وقد بينا أن الصداق تارة يكون عينا، وتارة يكون دينا، ولا يتحقق معنى ~~العفو فيه، إلا أن يجعل العفو كناية عن الهبة بضرب من المجاز. # وأقوى كلام لمن يحمل على الولي، أن العفو منهما يجب أن يرجع إلى النصف ~~المذكور، لا إلى النصف الذي لم يجر له ذكر، وقد ذكرنا الكلام عليه. # والذي وجه عليهم من قوله تعالى (وأن تعفوا أقرب للتقوى) (237) ، وأن ذلك ~~إنما يتحقق في الذي يسقط حق نفسه لا حق غيره، فهو أقوى كلام عليهم، في أن ~~المراد به الزوج. # ولكن ربما يقولون: عنى به الذي بيده عقدة النكاح والنساء، ولأن الذي بيده ~~عقدة النكاح أفرد ذكره، ولو كان هو المعنى لقال: «وأن تعفوا أنتم أقرب ~~للتقوى» . # ولو عنى به جميع النساء لقال: وأن تعفون، فلما قال: (وأن تعفوا) جمع ~~بينهما. وإذا جمع النساء مع الرجال، كان جمعهم على التذكير. # وهذا غلط عظيم، فإنه إذا ذكر الجميع وغلب لفظ التذكير لأجل إرادة الولي، ~~لزم منه أن يكون العفو أقرب للتقوى في حق الولي، كما كان أقرب للتقوى في حق ~~الزوج والمرأة، وذلك محال. # قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) (237) : # يدل على تأكيد الأمر في الصلاة الوسطى. # PageV01P212 # ويدل على المفروضات المعهودات في اليوم والليلة، فإن دخول الألف واللام ~~عليها إشارة إلى معهود. # فأما الوسطى، فلا تبين إلا إذا بانت الأولى والأخرى. # وروي عن زيد بن ثابت أنه قال: هي الظهر، لأنه عليه السلام، كان يصلي في ~~الهجير، فلا ms120 يكون وراءه إلا القليل، وذلك أن الناس في قائلتهم وفي تجارتهم، ~~فلما كانت أثقل الصلوات على الصحابة أنزل الله ذلك. # وقال زيد بن ثابت: إنما سماها الله الوسطى، لأن قبلها صلاتين وبعدها ~~صلاتين. # ولا شك أن ما من صلاة من الصلوات الخمس بعينها، إلا وقبلها صلاتان وبعدها ~~صلاتان. # وقال عمر وابن عباس: هي العصر، وفي بعض مصاحف الصحابة: # تعبير العصر «1» : إما تفسيرا، وإما قراءة منسوخة. # وفي بعض الأخبار عن علي رضي الله عنه أنه قال: قاتلنا الأحزاب فشغلونا عن ~~صلاة العصر حتى قربت الشمس أن تغيب، فقال النبي عليه السلام: # «اللهم املأ قلوب الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى نارا» . # وقال علي رضي الله عنه: «كنا نرى أنها صلاة الفجر» . # وعن ابن عباس عن النبي عليه السلام مثل ذلك. PageV01P213 # وذكروا أن العصر سميت الوسطى لأنها بين صلاتين من صلاة النهار، وصلاتين ~~من صلاة الليل. # وقيل: إن أول الصلوات كان وجوب الفجر، وآخرها العشاء، فكانت العصر هي ~~الوسطى في الوجوب. # ومن قال الوسطى هي الظهر، قال: لأنها وسطى صلاة النهار من الفجر والعصر. # ومن قال الصبح، فقد قال ابن عباس: لأنها تصلي في سواد من الليل، وبياض من ~~النهار، فجعلها وسطى في الوقت. # والرواية عن ابن عباس في ذلك صحيحة، لم يختلف الثقاة فيها، فلذلك اختار ~~الشافعي أن الوسطى هي صلاة الصبح، وإفرادها مبين، في قوله (أقم الصلاة) - ~~إلى قوله: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) «1» . # واعلم أن الوسطى إنما تقدر في العدد الوتر، فإنك إذا أخذت واحدة بقيت ~~أربعة: اثنتان قبلها واثنتان بعدها، وذلك يقتضي إخراج الوتر من الواجبات، ~~لأنها تكون ستا مع الوتر، فلا تكون الواحدة منها وسطى في الإيجاب، إلا أن ~~يقال إنها الظهر، لأنها بين صلاتي نهار، الفجر والعصر، فيقدر العدد الوتر ~~لصلوات النهار، وذلك ضعيف جدا. # فإن قوله: (حافظوا على الصلوات) انصرف إلى الصلوات الخمس المعهودة ~~بجملتها، فتبعيضها خلاف المفروض قطعا. # وقد قيل إنها وسطى الصلوات المكتوبات، وليس الوتر من المكتوبات ~~PageV01P214 # لأنه يسمى واجبا، وهذا أيضا ms121 ضعيف، لأن الاختلاف في التسمية كان لتمييز ~~المختلف فيه بين العلماء، من المتفق عليه، ولا يجوز أن يكون ذلك معتبرا عند ~~الله في إخراج الوتر عن جملة الواجبات، لاختلاف يقع بين العلماء في عبارة، ~~فيضعوا سمة للمختلف فيه، وأخرى للمتفق عليه. # وأقرب ما قيل في دفع ذلك: أن وجوب الوتر زيادة وردت بعد فرض المكتوبات، ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: # «إن الله زادكم صلاة وهي الوتر» . # وإنما سميت وسطى بعد الوتر، وهذا لأنه «1» ادعاء نسخ للذي ورد في القرآن ~~من معنى الوسطى، بالاحتمال المجرد، وذلك لا وجه له. # قوله: (وقوموا لله قانتين) «2» . # اعلم أن القنوت في أصل اللغة هو الدوام على الشيء، قال ابن عباس: # قوموا لله قانتين: أي مطيعين. # وقال ابن عمر: القنوت هو طول القيام، وقرأ (أمن هو قانت آناء الليل) «3» ~~وقال صلى الله عليه وسلم: # «أفضل الصلاة طول القنوت» «4» يعني القيام. # وقال مجاهد: القنوت هو السكوت، والقنوت الطاعة، ومن حيث PageV01P215 # كان أصل القنوت الدوام على الشيء، جاز أن يسمى مديم الطاعة قانتا. # وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة، أو أطال الخنوع ~~والسكوت، كل هؤلاء فاعلون للقنوت.. # وروي أن النبي عليه السلام قنت شهرا، يدعو فيه على حي من أحياء العرب- ~~أراد به إطالة قيام الدعاء. # وروي عن أبي عمرو الشيباني قال: # «كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله ~~تعالى: # (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت» . # فأبان أن ذلك يقتضي النهي عن الكلام في الصلاة، وكذلك قال زيد ابن أرقم. # وقد ورد القنوت في القرآن لا بمعنى السكوت في قوله: # (ومن يقنت منكن لله ورسوله) «1» والمراد به الخشوع والطاعة. # وقال في موضع آخر: (وأطعن الله ورسوله) «2» . # وقال في قصة مريم: (اقنتي لربك) «3» . # ورد في التفسير عن مجاهد، أنها كانت تقوم حتى تتورم قدماها. # والشافعي يرى أن الأمر بالسكوت إنما يتناول العالم بالصلاة، فأما الساهي ~~عن الشيء، فلا يتناوله الأمر، وهذا مما لا يشك فيه محصل. PageV01P216 # وروى الشافعي حديث ذي اليدين، وأن ms122 أبا هريرة قال: صلى بنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحد صلاتي العشاء الظهر أو العصر. # وتحريم الكلام في الصلاة كان بمكة، لأن ابن مسعود لما قدم من أرض الحبشة، ~~كان الكلام محرما، لأنه سلم على النبي عليه السلام فلم يرد عليه، وأخبره ~~بنسخ الكلام في الصلاة. # فإن قال قائل: قد جرى الكلام في الصلاة والسهو أيضا، وقد كان قال صلى ~~الله عليه وسلم: # «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» فلم لم يسبحوا؟ # فيقال: لعله في ذلك الوقت لم يكن أمرهم بذلك، ولأنه ورد في الخبر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، صلى ركعتين، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، ~~فوضع يديه عليها، إحداهما على الأخرى، يعرف الغضب في وجهه، وخرج سرعان ~~الناس فقالوا: # أقصرت الصلاة؟ # فقام رجل طويل اليدين- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميه ذا ~~اليدين- فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ # فأقبل على القوم فقال: أصدق ذو اليدين؟ .. فقالوا: نعم. فجاء فصلى بنا ~~الركعتين الباقيتين وسلم وسجد سجدتي السهو» «1» . # فأخبر أبو هريرة بما كان منه ومنهم من الكلام، ولم يمنعه ذلك من البناء، ~~ولم يسبحوا، لأنهم توهموا أن الصلاة قصرت. PageV01P217 # وقال بعض المخالفين: قول أبي هريرة: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، يحتمل أن يكون مراده أنه صلى بالمسلمين وهو منهم كما روي عن البراء ~~ابن سبرة أنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا وإياكم كنا ~~ندعى بني عبد مناف، وأنتم اليوم بنو عبد الله، ونحن اليوم بنو عبد الله» ~~«1» ، وإنما عنى به أنه قال لقومه. # وهذا بعيد، فإنه لا يجوز أن يقول «صلى بنا» ، وهو إذ ذاك كافرا ليس أهلا ~~للصلاة، ويكون ذلك كذبا، وفي حديث البراء هو كان في جملة القوم، وسمع من ~~رسول الله ما سمع. # قوله تعالى: (فإن خفتم فرجالا «2» أو ركبانا) «3» (239) : # لما ذكر الله تعالى وجوب الصلاة بشروطها وحدودها، وأمر بالقنوت والصمت ~~وملازمة الخشوع وترك العمل، قال: # (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) ، أرخص ms123 في جواز ترك بعض الشروط، تعظيما ~~لأمرها، وتأكيدا لوجوبها. # وقد روي عن ابن عمر في صلاة الخوف أنه قال: # إن كان خوفا أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي ~~القبلة أو غير مستقبليها. PageV01P218 # قال نافع: لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«1» : # وإذا ثبت جواز ترك الشروط، ففيه دليل على أن الصلاة لا تفسد، خلافا لأبي ~~حنيفة. # وفي الآية أيضا دليل على أن الماشي يصلي في القتال على حسب حاله، لأنه ~~تعالى قال: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) . # ومالك يقول: الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة، والأمر بالقنوت لا فرق ~~فيه بين كلام وكلام.. # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) الآية (243) : # قد قيل إنهم فروا من الطاعون «2» . # وقيل إنهم فروا من القتال. # وقد كره قوم الفرار من الطاعون والوباء والأراضي السقيمة. # وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة، وفيها أنه رجع، وروى ~~عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم أن ~~الطاعون في أرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها ~~فرارا منه» . فحمد عمر الله تعالى وانصرف. # وبالجملة، الفرار منه يجوز أن يكره، لما فيه من تخلية البلاد، ولا ~~PageV01P219 # تخلو من مستضعفين يصعب عليهم الخروج منها، ولا يتأتى لهم ذلك، ويتأذون ~~بخلو البلاد عن المياسير، الذين كانوا أركانا للبلاد، ومغوثة للمستضعفين ~~«1» . # وإذا كان الوباء بأرض فلا يدخلها، لئلا يلحقه الغموم والكرب في المقام، ~~مع الوجل الذي لا يخلو منه الإنسان، وذلك يشغله عن مهمات دينه ودنياه. # ولما عزم عمر على الرجوع فقال له أبو عبيدة: # أفرارا من قدر الله؟ .. فقال له عمر: # لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو ~~كانت لك إبل فهبطت بها واديا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس ~~إن رعيتها الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيتها الجدبة رعيتها بقدر الله؟ ms124 ~~.. # ولا نعلم خلافا، في أن الكفار أو قطاع الطريق، إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا ~~طاقة لأهلها بالقاصدين، فلهم أن يتنحوا من بين أيديهم، وإن كانت الآجال ~~المقدرة لا تزيد ولا تنقص ... # قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم) (244) : # من قبيل ما تأخر بيانه إلى وقت الحاجة، لأن السبيل مجمل، وقد بينه في ~~مواضع عدة.. PageV01P220 # قوله: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا «1» فيضاعفه له أضعافا كثيرة) ~~(245) . # ترغيب في أعمال البر والإنفاق في سبيل الخير، بألطف كلام وأبلغه. # وسماه قرضا تأكيدا لاستحقاق الثواب به، إذ لا يكون قرضا إلا والعوض مستحق ~~به، فكأنه قال: أوجبت لكم عبادي العوض. # فجهلت اليهود أو تجاهلت «2» وقالت: # «إن الله يستقرض منا فنحن إذا أغنياء وهو فقير إلينا) . # وعرف المسلمون معنى الكلام، ووثقوا بوعد الله وثوابه، فبادروا إلى ~~الصدقات، فكان ذلك في التلطف والترغيب، بمثابة الرأفة والرحمة، وإن كانت ~~الرحمة منا تدل على رقة وتحزن وتأثر يلحقه. # وكذلك القول في الغضب المضاف إلى الله تعالى. # والعجب من الجهال كيف لم يفهموا هذه الكنايات. # قوله عز وجل: (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا) الآية (247) : # يدل على أن الزعامة والإمامة ليست وراثة متعلقة بأهل بيت النبوة ولا ~~الملك، وأن ذلك مستحق بالعلم والقوة لا بالنسب، ولا حظ للنسب مع العلم ~~وفضائل النفس، وأنها مقدمة عليه. PageV01P221 # فإن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته، وإن كانوا أشرف منه ~~نسبا، وذكر الجسم ها هنا، كناية عن فضل قوته، لاقتران فضل القوة بزيادة ~~الجسم غالبا، ولم يرد به عظم الجسم بلا قوة، لأن ذلك لاحظ له في القتال، بل ~~هو وبال على صاحبه إذا لم يكن به قوة فاضلة.. # قوله: (فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف «1» ~~غرفة بيده) (249) . # وذكر أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة في أحكام القرآن: أن ذلك يدل على ~~أن الشرب من النهر، إنما يكون بالكرع فيه، ووضع ms125 الشفة عليه، لأنه كان حظر ~~الشرب منه إلا لمن اغترف غرفة بيده، وهذا يدل على أن الاغتراف منه ليس ~~بشرب، وهو تصحيح لقول أبي حنيفة فيمن قال: # «إن شربت من ماء الفرات فعبدي حر» ، أنه محمول على أن يكرع فيه، فأما إذا ~~اغترف منه أو شرب بإناء لم يحنث» . # وهذا بعيد، فإن الله تعالى أراد ابتلاءهم بالنهر، ليتبين المحقق بنيته في ~~الجهاد من المعذر، فمن شرب منه- أي من مائة- فأكثر، فقد عصى الله تعالى، ~~ومن اغترف غرفة بيده أقنعته. # فهجموا على النهر بعد عطش شديد، فوقع أكثرهم في النهر، وأكثروا الشرب، ~~فإن بذلك ضعف نيتهم في أنهم يجبنون عن لقاء العدو، PageV01P222 # وأطاع قوم قليل عددهم، فلم يزيدوا على الاغتراف ضابطين لأنفسهم، فأبانوا ~~بذلك عن ضبطهم لأنفسهم، وصبرهم في الشدائد، وقوى الله بذلك قلوبهم. # وليس حكم اليمين مأخوذا من هذا الجنس، بل هو مأخوذ من دلالة اللفظ، يدل ~~عليه أن الآية حجة عليهم من وجه آخر، فإنه قال: (فمن شرب منه) (إلا من ~~اغترف غرفة بيده) ، فاستثنى المغترف من الشارب، ولو لم يكن اللفظ الأول ~~دالا عليه، لما صح الاستثناء منه إلا بتقدير، كونه استثناء منقطعا، وظاهر ~~الاستثناء يدل على خلافه. # قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) (256) : # قال كثير من المفسرين: هو منسوخ بآية القتال «1» . # وروي عن الحسن وقتادة، أنها خاصة في أهل الكتاب الذين يقرون على الجزية، ~~دون مشركي العرب، فإنهم لا يقرون على الجزية، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو ~~السيف «2» . # وكل ذلك محتمل، يجوز أن يكون قد نزل قبل الأمر بالقتال، فلما لاح عنادهم، ~~أمر المسلمون بقتالهم.. # نعم، مشركو العرب والعجم، لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وكذلك ~~المرتد.. # فإن قال قائل: فما معنى إكراههم على الإسلام، وأن لا يقبل منهم ~~PageV01P223 # الجزية؟ وكيف يتحقق إكراهه على الإسلام، وذلك الإسلام لا ينفعه عند الله ~~تعالى؟ .. وما معنى الحمل على ما لا ينفع؟ .. ولأي معنى فرق بين المشرك ~~والكتابي في هذا المعنى، والعناد الداعي إلى القتال كان في حق أهل ms126 الكتاب ~~أشد، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم حرفوا وكتموا الحق من بعد علمه، والمشركون ~~كانوا أبعد من ذلك؟ .. # والجواب: أن الكفار أكرهوا على إظهار الإسلام، لا على الاعتقاد الذي لا ~~يصح الإكراه عليه. # نعم، الدليل منصوب على تبديل الباطل بالحق، اعتقادا بالقلب وإظهارا ~~باللسان. # لأن تلك الدلائل من حيث ألزمتهم اعتقاد الإسلام، اقتضت منهم إظهاره، ~~والقتال لإظهار الإسلام، وكانت الحكمة في ذلك «1» أن مجالسته المسلمين، ~~وسماعه للقرآن، ومشاهدته لدلائل الرسول عليه السلام، مع ترادفها عليه تدعوه ~~إلى الإسلام، وتوضح عنده فساد اعتقاده. # والحكمة الثانية، أن في نسلهم من يعتقد التوحيد، فلم يجز أن يقتلوا، مع ~~العلم بأنه سيكون من أولادهم من يعتقد الإسلام والإيمان. # ولما أعلم الله تعالى نوحا، أن قومه لا يلدون إلا فاجرا كفارا، لا جرم ~~دعا عليهم بالهلاك والاستئصال. # ويجوز أن يكون اختلاف أحوال أهل الشرك، وأهل الكتاب في ذلك، أن الكتابي ~~إذا خالطنا، ورأى توافق ما بين الشرائع، وصدق الإعلام والآيات، كان ذلك ~~أدعى إلى إيمانه، فإن كتب الله يصدق PageV01P224 # بعضها بعضا، فهذا هو السبب في الفرق بين الكتابي والمشرك، لا جرم إذا قبل ~~الجزية، فلا يجوز إكرامه على الإسلام، وإذا أكره عليه لم يصح إسلامه، خلافا ~~لأبي حنيفة فإنه حكم بإسلامه، مع أن الردة لا يثبت حكمها حالة الإكراه. # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج «1» إبراهيم في ربه «2» أن آتاه الله ~~الملك) (258) : # يدل على تسمية الكافر ملكا، إذا آتاه الله الملك والعز والرفعة في ~~الدنيا. # ويدل على جواز المحاجة في الدين، وأن لا فرق بين الحق والباطل، إلا بظهور ~~حجة الحق ودحض الباطل. # قوله: (كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام) (259) : # يدل على أن قول هذا القائل، لم يكن كذبا، لأنه أخبر عما عنده، فكأنه قال: ~~عندي أني لبثت يوما أو بعض يوم. # ومثله قول أصحاب الكهف: (لبثنا يوما أو بعض يوم) «3» ، وإنما لبثوا ~~ثلاثمائة وتسع سنين، ولم يكونوا كاذبين، لأنهم أخبروا بما PageV01P225 # عندهم، كأنهم قالوا: الذي عندنا، ms127 وفي ظنوننا، أنا لبثنا يوما أو بعض يوم. # ونظيره قول النبي عليه السلام في قصة ذي اليدين: لم أقصر ولم أنس. # وفي الناس من يقول: إنه كذب على معنى وجود حقيقة الكذب منه، ولكن لا ~~نؤاخذه به، وإلا فالكذب هو الإخبار عن الشيء، على خلاف ما هو به، وذلك لا ~~يختلف بالعلم والجهل، وهذا بين في نظر الأصول، فعلى هذا يجوز أن يقال: # إن الأنبياء لا يعصمون عن الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، إذا لم ~~يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السهو والنسيان، فهذا ما يتعلق بهذه الآية.. # قوله تعالى: (أنفقوا من طيبات ما كسبتم) (267) : # يعم الفرض والنفل، من طريق الندب والوجوب، وإن كان الأمر أظهر في جهة ~~الوجوب، إلا أن تقوم دلالة الندب. # فمن هذا الوجه يظهر أن يقال: هو أولى بالواجب. # ومن جهة أخرى، وهو أن في النفل أداء القليل والكثير والجيد والرديء. # وقوله: (ولستم بآخذيه) ، يؤكد الاختصاص بالواجب، فإن هذا الكلام، إنما ~~يذكر في الديون إذا اقتضاها طالبها، ولا يتسامح بالرديء عن الجيد، إلا على ~~إغماض وتساهل «1» . PageV01P226 # والرد إلى الإغماض في اقتضاء الدين، يدل على أن ذلك وارد في قضاء دين ~~الله تعالى، وأن الجنس الرديء، إذا لم يخف عليكم، فكيف يخفى علي؟ .. # وقد احتج قوم لأبي حنيفة بقوله: (ومما أخرجنا لكم من الأرض) (267) أن ذلك ~~عموم في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره، وفي سائر الأصناف، ورأوا ظاهر الأمر ~~للوجوب، وهذا بعيد. # فإن المراد به، بيان الجهات التي تعلق حق الله تعالى بها، وليس ذكر مقدار ~~ما وجب فيه الحق مقصودا، ولا بيان مالا زكاة فيه، ولذلك لم يتعرض للنصاب في ~~كل ما يعتبر فيه النصاب شرعا، ولم يذكر من جنس ما يكتسب ما تتعلق الزكاة ~~به، وإن لم تتعلق الزكاة بكل ما يكتسب، وهذا بين في خروج الآية عن الدلالة ~~على مقصودهم. # قوله: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير ~~لكم) (271) : # فيه دلالة على أن إخفاء الصدقات مطلقا ms128 أولى. وأنها حق الفقير، وأنه يجوز ~~لرب المال أن يفرقها بنفسه، على ما هو أحد قولي الشافعي. # وعلى القول الآخر، ذكروا أن المراد بالصدقات ها هنا، هو التطوع بعد الفرض ~~الذي إظهاره أولى، لئلا تلحقه تهمة، ولأجل ذلك قيل: صلاة النفل فرادى أفضل، ~~والجماعة في الفرض أولى، لأن إظهار الفرض أبعد عن التهمة. # قال الله تعالى: # (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) (272) # PageV01P227 # ظاهر السياق، تعلق الكلام بما تقدم من قوله: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) ~~. # وذكر بعد قوله (من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) (272) ، فدل المساق ~~والمتقدم، على أن المراد به الصدقة عليهم، وإن لم يكونوا على دين الإسلام. # وروى سعيد بن جبير مرسلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ~~تتصدقوا إلا على أهل دينكم. # وقال عليه السلام: تصدقوا على أهل الأديان. # وكره الناس أن يتصدقوا على المشركين، فأنزل الله تعالى: (ليس عليك هداهم) ~~. # ونظير ذلك قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا، ويتيما وأسيرا) ~~«1» . # والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركا. # ونظيره قوله: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم ~~من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) «2» . # وظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة، إلا أن النبي عليه ~~السلام، خص من ذلك الزكوات المفروضة. # واتفق العلماء أن زكوات الأموال، لا تصرف إليهم، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم لمعاذ: PageV01P228 # «خذ الصدقة من أغنيائهم وردها في فقرائهم» ، والذي يتولاه رب المال ~~بنفسه، لا يتناوله هذا الخير، إلا أنه في معناه، لأن الكل كان مأخوذا من ~~أرباب الأموال إلى زمان عثمان. # ورأى أبو حنيفة، أن غير زكاة المال يجوز صرفها إليهم، مثل صدقة الفطر، ~~نظرا إلى عموم الآية، في البر وإطعام الطعام وإطلاق الصدقات. # ورأى الشافعي أن الصدقات الواجبة بجملتها مخصوصة منها، لقوله عليه السلام ~~في صدقة الفطر: # «اغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» . # وظاهر أن ذلك كان لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد، وهذا لا يتحقق في ~~المشركين. # ودل أيضا، ms129 وجوب اعتاق العبد المسلم في كفارة القتل، على أن المفروض من ~~الصدقات لا يصرف إلى الكافر. # ومعاذ كما يأخذ صدقات الأموال، فكان يأخذ صدقة الفطر أيضا. # واللفظ شامل للجميع، وهو قوله عليه السلام له: «خذ الصدقة من أغنيائهم ~~وردها في فقرائهم» «1» . # على أن قول الله تعالى: (ليس عليك هداهم) ، ليس ظاهرا في الصدقات وصرفها ~~إلى الكفار، بل يحتمل أن يكون معناه: (ليس عليك هداهم) ابتداء، وقوله (وما ~~تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) «2» ، للفقراء. ~~PageV01P229 # يعني: وما تنفقوا للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، والمراد بالإنفاق ~~فقراء المهاجرين. # وقوله تعالى: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) (273) يدل على أن اسم ~~الفقير يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة، ولا يمنع ذلك من إعطائه ~~الزكاة. # وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم، وكانوا من المهاجرين الذين ~~يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير مرضى ولا عميان. # ولما قال تعالى: (تعرفهم بسيماهم) «1» ، دل على أن للسيما أثرا في اعتبار ~~حال من تظهر عليه، حتى لو رأينا ميتا في دار الإسلام ميتا وعليه زنار غير ~~مجبوب «2» ، لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم ذلك على حكم الدار على قول ~~أكثر العلماء. # ومثله قوله: (ولتعرفنهم في لحن القول) «3» ، فدلت الآية على جواز صرف ~~الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزي المتجمل «4» ، واتفق العلماء على ذلك، وإن ~~اختلفوا بعده في مقدار ما يحرم أخذ الصدقة. # وأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة. PageV01P230 # والشافعي اعتبر قوت سنة. # ومالك اعتبر ملك أربعين درهما. # والشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب. # قوله تعالى: (الذين يأكلون الربا «1» لا يقومون «2» إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه «3» الشيطان من المس) «4» (275) والربا في اللغة هو الزيادة. # وربما لا تعرف العرب بيع الدرهم بالدرهم نساء «5» ربا، إلا أن الشرع أثبت ~~زيادات جائزة، وحرم أنواعا من الزيادة، فجوز الزيادة من جهة الجودة، ولم ~~يجوز من جهة المدة. # وإذا اختلف الجنس، يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا نقدا، ولا يجوز متماثلا ms130 ~~نسيئة. # وكل ذلك لا يقتضيه لفظ الربا، ولكن ذلك لا يمنع التعلق بعموم PageV01P231 # اللفظ، وعموم اللفظ يقتضي تحريم الزيادة مطلقا، إلا ما خصه الشرع. # وقوله: (وأحل الله البيع) . # يقتضي جواز ما لا زيادة فيه، إلا ما خصه دليل الشرع، فنحن نحتاج إلى ~~البيان فيما لم يرد باللفظ، وما دل عليه اللفظ محرم مع غيره، فلا بد من ~~بيان في الذي ما أريد باللفظ، وفي تخصيص بعض ما أريد باللفظ. # والله تعالى حرم الربا، فمن الربا ما كانوا يعتادونه في الجاهلية من ~~إقراض الدنانير والدراهم بزيادة. # والنوع الآخر تحريم الإسلام الدراهم في الدراهم والدنانير من غير زيادة. # ورأى ابن عباس، أن سياق الآية يدل على أن المذكور في كتاب الله ربا ~~النساء، لا ربا الفضل فإنه قال: (فله ما سلف) . # (وذروا ما بقي من الربا) (278) . # وقال: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (280) . # وقال تعالى: (وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) (279) . # وقال عليه السلام في خطبة الوداع: «كل ربا موضوع، ولكم رؤوس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أن لا ربا، وإن العباس بن عبد المطلب موضوع، ~~وإن كل دم كان في الجاهلية فإنه موضوع، وأول دمائكم أضع دم ربيعة بن الحارث ~~كان مسترضعا في # PageV01P232 # بني ليث فقتلته هذيل» «1» . # وإن كان الربا ينقسم أقساما، فالذي في القرآن يدل على تحريم الزيادة، من ~~غير نظر في جنس المال وما يقابله، ولا دلالة فيه على تحريم النساء من غير ~~زيادة في نفس المال، لأن ذلك لا يعد زيادة في النسيء، ولا يقال: أكل الربا، ~~ومن أجل ذلك جوز بعض العلماء- وهو مالك- الأجل في القرض، إلا أنا منعنا من ~~ذلك، لا من جهة الآية، بل من جهة أخرى. # والذي كان في الجاهلية كان القرض بزيادة، وما كانوا يؤجلون إلا بزيادة في ~~نفس النسيء. # ونقل عن الشافعي، أن لفظ الربا لما كان غير معلوم، أورث احتمالا في ~~البيع، والصحيح أن الربا غير مجمل، ولا البيع كما ذكرناه، فإن ما لا زيادة ~~فيه، ms131 جاز على عموم حكم البيع. # نعم خص من الربا زيادة أبيحت، وخص من البيع بياعات نهى عنها، وعموم اللفظ ~~معتبر فيما سوى المخصوص. # ورد الله تعالى على المشركين في قولهم: (ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربا) (275) ، وذلك أنهم زعموا أنه لا فرق بين الزيادة المأخوذة على وجه ~~الربا، وبين الأرباح المكتسبة بضروب البياعات، من حيث غاب عنهم وجه ~~المصلحة، وتحريم الزيادة على وجه دون وجه، فأبان الله تعالى أنه عز وجل إذا ~~حرم الربا وأحل البيع، فلا بد أن يشتمل المنهي عنه على مفسدة، والمباح على ~~مصلحة، وإن غابتا عن PageV01P233 # مرأى نظر العباد، فعلى هذا كل ما وجد فيه حد البيع «1» ، فيجوز أن يحتج ~~فيه بعموم البيع. # وأما قوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) (275) : # يدل على أن ما سلف من المقبوض قبل نزول تحريم الربا، لا يتعقب بالفسخ، ~~ويدل على أنه أراد غير المقبوض. # قوله تعالى: (وذروا ما بقي من الربا) (278) . # ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضا، وإن كان معقودا عليه قبل نزول ~~آية التحريم، ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضا. # وقال تعالى: (وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم) (279) . # وهو تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه، فإذن رأس المال الذي لا ربا فيه، ~~فاستدل بعض العلماء على ذلك، على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما ~~يوجب تحريم ذلك العقد أبطل العقد، كما إذا اشترى مسلم صيدا، ثم أحرم ~~المشتري قبل القبض، أو البائع، بطل البيع، لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب ~~تحريم العقد، كما أبطل الله تعالى من الربا ما لم يقبض، لأنه طرأ عليه ما ~~أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضا لم يؤثر، هذا مذهب أبي حنيفة، وهو ~~قول لأصحاب الشافعي. # ويستدل به على أن هلاك المبيع «2» في يد البائع، وسقوط القبض فيه، يوجب ~~بطلان العقد خلافا لبعض السلف. PageV01P234 # ويروى هذا الخلاف عن أحمد. # ويمكن أن يقال إن هذا الاستدلال، إنما يصح على رأي من يقول ms132 إن العقد في ~~الربا في الأصل كان منعقدا، حتى يقال: إن الذي انعقد من قبل بطل بالإسلام ~~«1» قبل القبض، فإذا منع انعقاد الربا في الأصل، لم يكن هذا الكلام صحيحا. # وهذا لأن الربا كان محرما في الأديان، وما كان تحريمه في شرعنا حتى يقال ~~كان مباحا من قبل. # وإنما حرم بعد العقد، ليصح الاستدلال بطريان المنافي من التحريم على فساد ~~العقد قبل القبض، وانبرامه بعض القبض. # فأما إذا قلنا إن العقد لم ينعقد من الأصل، والذي فعلوه في الشرك كان على ~~عادة الجاهلية، لا بناء على شريعة، فلا يستقيم هذا الكلام، بل يقال: ما ~~قبضوه منه، كان بمثابة أموال وصلت إليهم بالنهب والسلب، فلا يتعرض له، فعلى ~~هذا لا يصح الاستشهاد به على ما ذكروه من المسائل. # واشتمال شرائع من قبلنا من الأنبياء على تحريم الربا، كان مشهورا ومذكورا ~~في كتاب الله، كما أخبر عن اليهود في قوله: # (وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه) «2» . # وذكر في قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه وقالوا: # (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا) ~~«3» ؟ PageV01P235 # فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به. # نعم، يفهم من هذا أن العقود الواقعة في دار الحرب، إذا ظهر عليها الإمام، ~~لا يعترض عليها بالفسخ، وإن كانت معقودة على فساد. # وبالجملة، فإنه تخللت مدة طويلة بين نزول الآية وبين خطبة النبي عليه ~~السلام بمكة، ووضعه الربا الذي لم يكن مقبوضا من عقود الربا بمكة، قبل أن ~~تفتح، ولم يميز بين ما كان منها قبل نزول الآية وما كان بعدها. # ويمكن أن يستدل به على أن الأنكحة التي جرت في الشرك، لا تتعقب بالنقض ~~بعد انبرامها كما في البيع بعد الانبرام. # قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (280) عام في الربا وغيره ~~من الديون. # إلا أن الربا يكون في رأس المال، لأن الله تعالى جعل لهم رأس المال، ~~فقال: (وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم) ... وفي غير الربا حكمه بين. # وكان شريح يرى حبس المعسر ms133 في غير الربا من الديون، ويرى أن الإنظار مخصوص ~~بالربا. # فإن كان معتقدا لوجوب الزيادة على رأس المال في الربا، وأنه يجب فيه ~~الإنظار بعد التوبة، فهذا خلاف الإجماع، وإن كان يقول في رأس المال يجب ~~الإنظار فإنه واجب، وفي غيره من الديون الواجبة لا يجب الإنظار فهو غلط، ~~فإنه لا فرق بينه وبين غيره من الديون، بحال، بعد أن جعل الله تعالى له رأس ~~المال بعد التوبة. # PageV01P236 # نعم إن الله تعالى ذكر الإنظار بعد ذكر الربا، وذلك لا يمنع من التعلق ~~بعمومه في الديون كلها. # وقوله: (فنظرة إلى ميسرة) مع قوله (فلكم رؤس أموالكم) يدل على ثبوت ~~المطالبة لصاحب الدين على المدين، وجواز أخذ ماله بغير رضاه. # ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان، كان ظالما، فإن ~~الله تعالى يقول: (فلكم رؤس أموالكم) ، فجعل له المطالبة برأس ماله، وإذا ~~كان له حق المطالبة، فعلى من عليه الدين لا محالة وجوب قضائه. # وقوله: (لا تظلمون ولا تظلمون) ، يدل على أن من عليه رأس «1» المال ~~بالامتناع من أداء رأس المال اليه ظالم، كما أنه «2» بطلب الزيادة ظالم، ~~وأن الممتنع من أداء رأس المال اليه ظالم مستحق للعقوبة وهي «3» الحبس.. # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه) (282) : # فقد ذهب بعض علماء السلف: إلى وجوب الاشهاد فيما قل وجل، وفيما حل وأجل ~~من الديون، واليه ذهب أبو داود وابنه أبو بكر، ورووا عن ابن عباس أنه قال ~~لما قيل له إن الدين منسوخة فقال: # لا والله بل آية الدين محكمة ما فيها نسخ. PageV01P237 # وروي عن أبي سعيد الخدري والشعبي والحسن، أن الاشهاد في آية المداينة ~~منسوخ بقوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته) (283) . # فاختلفت الأقوال على ما ترى، فنقول وبالله التوفيق. # إن قوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضا) ، لم يتبين تأخر نزولها عن صدر ~~الآية المشتملة على الأمر بالاشهاد، بل وردا معا، ولا يجوز أن يرد الناسخ ~~والمنسوخ معا جميعا ms134 في حالة واحدة، فدل ذلك على أن الأمر بالإشهاد ندب لا ~~واجب، والذي يزيده وضوحا أنه قال: (فإن أمن بعضكم بعضا) ، ومعلوم أن هذا ~~الأمن لا يقع إلا بحسب الظن والتوهم، لا على وجه الحقيقة، وذلك يدل على أن ~~الشهادة إنما أمر بها لطمأنينة قلبه لا لحق الشرع، فإنها لو كانت لحق الشرع ~~ما قال: (فإن أمن بعضكم بعضا) . # ولا ثقة بأمن العباد، إنما الاعتماد على ما يراه الشرع مصلحة. # فالشهادة متى شرعت في النكاح، لم تسقط بتراضيهما وأمن بعضهم بعضا، فدل ~~ذلك أن الشهادة شرعت للطمأنينة، ولأن الله تعالى جعل لتوثيق الديون طرقا: # منها: الكتاب. # ومنها: الرهن. # ومنها الإشهاد. # ولا خلاف بين علماء الأمصار، أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق ~~الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد. # وما زال الناس يتبايعون سفرا وحضرا، وبرا وبحرا، وسهلا وجبلا # PageV01P238 # من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو وجب الإشهاد لما تركوا ~~النكير على تاركه. # ومعلوم أن الإنسان في غير البيع والشراء، قد يأتمن الرجل على ماله فلا ~~يحرم عليه، ولو باعه شيئا وأسلفه الثمن، يجوز إذا ائتمنه على ثمنه. # فإذا ملك الإنسان الثمن بالبيع، فسواء ائتمن عليه المشترى أو اختلفا بعد ~~استيفائه منه، فالكل واحد، وذلك يدل على أن الأمر بالإشهاد ندب. # وقد ظن بعض الناس أن قوله تعالى: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى) دليل ~~على جواز التأجيل في القروض على ما قاله مالك، إذ لم يفصل بين القرض وسائر ~~عقود المداينات، وهذا غلط منه، لأن الآية ليس فيها بيان جواز التأجيل في ~~سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد، إذا كان دينا مؤجلا، ثم يعلم ~~بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه. # قوله: (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله) (282) : # ظن ظانون أنه قد كان وجب في الأول على كل من اختاره المتبايعان، أن يكتب، ~~وكان لا يجوز له أن يمتنع، حتى نسخه قوله تعالى: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) ~~. # وهذا بعيد، فإنه لم يثبت ms135 وجوب ذلك على كل من أراده المتبايعان كائنا من ~~كان، وإنما كان ذلك على وجه آخر، وهو أنه من علم ذلك «1» بينه لهما، وليس ~~عليه أن يكتبه، ولكن يبينه لهما حتى يكتباه أو يكتبه لهما أجير أو متبرع ~~بإملاء من يعلمه، كما لو استفتيناه في صوم أو صلاة تطوعا أو فرضا، فعليه ~~بيان الشريعة في ذلك، فهذا مثله، ولو كانت PageV01P239 # الكتابة واجبة، لما صح الاستئجار عليها، لأن الإجارة على فعل الواجبات ~~باطلة، ولم يختلف العلماء في جواز الإجارة على كتب كتاب الوثيقة. # قوله تعالى: (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله) : # (282) : # نهى الكاتب أن يكتب على خلاف العدل الذي أمر الله به، وهذا النهي على ~~الوجوب، إذ المراد به كتبه على خلاف ما توجبه أحكام الشرع، كما لا يصلي ~~النفل بغير طهارة وستر، لا لوجوب النفل، ولكن لأنها إذا أديت فلا يجوز ~~أداؤها إلا بشروطها. # قوله عز وجل: (وليملل الذي عليه الحق) : عند الحكم بما أقر به على نفسه. # وقوله تعالى: (وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا) «1» . # فيه دلالة على أن من أقر لغيره بشيء، فالقول فيه قوله، لأن البخس هو ~~النقص، فلما وعظه في ترك البخس، دل على أنه إذا بخس كان قوله مقبولا. # وهو مثل قوله: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) «2» ، لما ~~وعظهن في الكتمان، دل على أن المرجع في ذلك إلى قولهن.. # ومثله قوله: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) «3» ، فدل ~~على أنهم متى كتموها، كان القول قولهم فيها. PageV01P240 # وكذلك وعظه الذي عليه الحق في تركه البخس، دليل على أن المرجع إلى قوله ~~فيما عليه. # وقال صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» ، ~~فجعل القول قول المدعى عليه دون المدعي، وأوجب عليه اليمين، وهو معنى قوله: ~~(ولا يبخس منه شيئا) في إيجاب الرجوع إلى قوله: # وقوله تعالى: (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن ~~يمل هو فليملل وليه بالعدل) ms136 (282) : # اعلم أنه تعالى ذكر السفيه في مواضع من كتابه في أمر الدين والدنيا: # فأما في أمر الدين، فمثل قوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم ~~عن قبلتهم التي كانوا عليها) «1» . # وقال: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) ~~«2» الآية. # وإنما ذلك في أمر الدين. # وقال في نوع آخر: «3» (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم ~~قياما) «4» . # فهذا وإن كان خطاب غير السفهاء، ولكن المراد بقوله: (أموالكم أي أموالهم، ~~ولذلك قال: (وارزقوهم فيها واكسوهم) «5» . PageV01P241 # فعلم به أن المراد بقوله «أموالكم» ، الأموال التي أضيفت إليكم ولاية لا ~~ملكا. # وذلك يدل دلالة ظاهرة، على أن على السفيه في أمواله ولاية، وأن أمر ~~أمواله مفوض إلى وليه، حتى إنه يرزقه منه ويكسوه، فقال: # أموالكم، وأراد به أموالكم من حيث نفاذ التصرف، وأموالهم من حيث الملك. # ومثله قوله تعالى: (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) «1» أي ليقتل ~~بعضكم بعضا. # وقال في موضع آخر (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة) «2» أي يسلم بعضكم على بعض. # وأصل السفه في الدين والدنيا واحد، وهو الخفة والجهل بموضع الحط «3» ~~والأمر الذي قصد له، فالسفيه في الدين والسفيه في رأيه هو الجاهل فيه، ومنه ~~قول الشاعر: # نخاف أن تسفه أحلامنا ... ونخمل الدهر مع الخامل # والبذيء اللسان يسمى سفيها، لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهال الناس ~~وأصحاب العقول الخفيفة. # وجمع الله تعالى بين السفيه والضعيف، والضعيف ها هنا عند المفسرين هو ~~العاجز عن الإملاء، إما بعيه أو خرسه أو جهله بأداء الكلام. # فليملل وليه «4» من يقوم مقامه، وليس في ذلك تصريح بأن إقرار الولي عليه ~~مقبول. PageV01P242 # وفي هذه الآية دليل ظاهر على أن الحجر ثابت على السفيه، ولا فيه بيان ~~معنى السفه الذي يقتضي الحجر على الحر الثابت شرعا، بل قوله تعالى: # (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب) ، إلى قوله: ~~(فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا) ، يدل على أن المداينة جرت ms137 معه، ~~فإنه قال: إذا تداينتم، ثم قال: فإن لم يستطع بعض المتداينين أن يكتبوا ~~فليكتب الولي بالعدل، وليس الضعف اسما للمحجور عليه، فإنه يتناول الخرف ~~والأخرس والعيي «1» .. # نعم قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) يدل على ذلك، على ما سنبينه ~~في سورة النساء. # فأما قوله سفيها أو ضعيفا بعد أن ابتدأ الآية، فقد اقتضى أن يكون الذي ~~عليه الحق جائز المداينة والتصرف، فأجاز تصرف هؤلاء كلهم، فلما بلغ إلى حال ~~إملاء الكتاب والإشهاد، ذكر من لا يكمل لذلك، إما لجهل بالشروط أو ضعف عقل، ~~لا يحسن معه الإملاء. # فإن لم يوجد «2» نقصان عقله حجر عليه، إما لصغره أو لخرف وكبر سن، لأن ~~قوله (ضعيفا) يحتمل الأمرين جميعا. # وذكر معهما من لا يستطيع أن يمل هو لمرض أو لكبر سن، فثقل لسانه عن ~~الإملاء، وإذا كان كذلك فليس على المريض ومن ثقل لسانه PageV01P243 # بخرس ولي، عند أحد من العلماء، مثل ما يثبت على الصبي والسفيه عند من ~~يحجر عليه. # نعم يبقى أن يقال إن قوله: (إذا تداينتم بدين) ، يقتضي كون المداينة ~~جارية مع السفيه والضعيف وغيرهما. # ولا شك أن السفيه لا يمنعه السفه من الإملاء إذا لم يكن موليا عليه، فإن ~~منعه من الإملاء، فهو الضعيف الذي لا يستطيع أن يمل، فما معنى ذكر السفه ها ~~هنا؟ فيقال: معناه أن السفيه لخفة عقله لا يستطيع الشرائط، إلا أن يشار ~~اليه ويعرف الشرائط فيه. # وبالجملة لفظ السفيه مشترك، يشتمل على معان مختلفة، فيجوز إطلاقه على ~~الصبي والمجنون والكافر وبذيء اللسان والمنافق، وهؤلاء لا يستحقون الحجر. # نعم لما قال الله عز وجل: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) ، عرفنا أن المراد ~~به سفه يتعلق بالمال، وسيأتي بيانه إن شاء الله.. «1» # قوله: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) ، ظن ظانون أن ذلك يتناول الأحرار ~~والعبيد، لأن العبيد من رجالنا وأهل ديننا. # فقيل لهم: قد قال: (إذا تداينتم) وساق الخطاب إلى قوله: # (من رجالكم) ، وظاهر الخطاب تناوله للذين يتداينون، والعيد لا يملكون ذلك ~~دون إذن السادة. # ولعلهم يقولون إن ms138 خصوص أول الآية لا يمنع التعلق بعموم آخرها، وفيه من ~~اختلاف الأصوليين ما لا يخفى. PageV01P244 # وأقوى ما قيل في رد شهادة العبيد من دلالة كتاب الله تعالى، أن الله ~~تعالى جعل الشهادة منصبا، وجعل الشاهد قواما بالقسط لإحياء حقوق المسلمين، ~~فقال: (كونوا قوامين بالقسط) «1» . # وإنما يبين معنى كونه ناهضا به، إذا دعي إليها وأجاب ووجبت عليه الإجابة، ~~كما قال تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) . # ولا يتصور استقلال العبد بهذا المعنى، لكونه ممنوعا من الخروج إلى ~~القاضي، وتصحيح دعوى المدعى، ولأجل ذلك لم يجعل أهلا للولاية في حق أولاده، ~~لأنها تستدعي القيام بالنظر، ولا يتأتى ذلك مع قيام الرق، فلم يثبت له ~~المنصب. # والمرأة في معنى الاستقلال، لما كانت دون الرجل، أثر ذلك في شهادتها ~~وولايتها جميعا، ولكن لا يسلب الأمران عنها. # ولأجل ذلك لم يكن العبد مساويا للحر في الجمعة «2» حتى لا تنعقد به، ~~فإنها تستدعي أسبابا لا تتهيأ للعبد. # ولأن الشهادة منصب أخذ على الشاهد فيه تخير ضروب من الوقار وحفظ الحرمة، ~~حتى يتخير من الحرف أعلاها وأولاها، ومن الأفعال أرتبها وأحسنها، ولا تخير ~~من العبد أصلا، فإن السيد يصرفه كيف شاء، في دنيات الأعمال وعليتها، فليس ~~يؤهل لمنصب لا يستقل به، ولذلك لم يكن وليا ولا حاكما. # وقد جمع الله تعالى بين درجة الشاهد والحاكم فقال: (كونوا) PageV01P245 # (قوامين بالقسط «1» شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن ~~يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا ~~أو تعرضوا) . # فجعل الحاكم شاهدا لله تعالى، ولم يجعل العبد أهلا له، لأن المقصود منه ~~الاستقلال بهذا المهم إذا دعت الحاجة اليه، ولا يتأتى ذلك من العبد أصلا. ~~فكذلك منصب الشهود. # وقد جعل الله تعالى للعبد المملوك نهاية المثل في عدم القدرة فقال: # (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء) «2» . # وكيف يكون بهذه المثابة من يقدر على تنفيذ قوله في الغير في الدماء ~~والفروج؟ ولم يثبت له قول نافذ في حكم ما، ms139 إلا فيما لا طريق اليه إلا من ~~جهته، كالإسلام والطلاق، فإن الحجر عليه فيه يؤذن بامتناع الطلاق رأسا، ~~وفيه مفسدة وارعة «3» عن النكاح، وكذا الإقرار بالدم عند بعض العلماء، فإنه ~~لا طريق إلى الخلاص عن المظلمة إلا من هذه الجهة. # فأما الشهادة فلا تدعو الضرورة فيها إلى العبيد لقيام الحر بها دونهم، ~~فهذا تمام هذا المعنى. # فأما الشهادة فلا تدعو الضرورة فيها إلى العبيد الحر بها دونهم، فهذا ~~تمام هذا المعنى. # وفيه معنى آخر، وهو أن قبول قول زيد على عمرو، بعيد عن قياس PageV01P246 # الأصول، إلا أن الشرع رأى ذلك لمصلحة إحياء الحقوق وخوفا من ضياعها، ~~ولأجل ذلك كانت الشهادة من فروض الكفايات كالجهاد، فإذا لم يكن من أهل ~~الخطاب بالجهاد، ولو حضر وقاتل لم يسهم له، وجب ألا يكون من أهل الخطاب ~~بالشهادة، ومتى شهد لم تقبل شهادته، ولم يكن له حكم الشهود، كما لم يثبت له ~~حكم المجاهد، وإن شهد القتال في استحقاق السهم. # ولما أثر نقص لأنوثة في منصب الولاية، سلب استقلال المرأة بالشهادة، إلا ~~أن يكون معها رجل. # فإثبات استقلال العبيد بالشهادة إيفاء «1» رتبتهم على رتبة النساء، فإن ~~كان كذلك، فلتكن رتبتهم موفية على رتبتهن في الولاية، والأمر بالعكس من ~~ذلك، وذلك يدل على سقوط رتبة الشهادة في حق العبيد. # نعم يقبل خبر العبيد على الانفراد وخبر النسوة كمثل، لأن طريق قبول الخبر ~~شيء، وطريق قبول الشهادة شيء، فليس يتعلق بالخبر دعوى واستحضار لأداء ~~الشهادة، ويتعلق ذلك بالشهادة. # فالذي يروي الخبر، يخبر عما علمه، سواء استشهد أو لم يستشهد، وليس يتعلق ~~قبوله بحاكم ومجلس حكم، وإنما سبيله إخبار عن شيء شاهده إن كان قد شاهده. # وأما الشهادة، فسبيلها سبيل إيجاب حق على ممتنع باستحضار واستدعاء، ولا ~~يتأتى ذلك للعبد على ما بيناه من قبل. # وقد نقل عن علي رضي الله عنه إجازة شهادة الصبيان، وذلك لم يثبت عنه، مع ~~أن قوله (من رجالكم) لا يتناوله. PageV01P247 # ولا يقبل خبره أيضا، ولا يلزم بخبره حكم، فإن عدالته غير ms140 ثابتة، ولا أنه ~~بالمعاصي يأثم، فلا عبرة بقوله. # وكيف يوثق بقول من يعلم أنه لو كذب فلا يؤاخذ بالكذب «1» ، ولا تبعة عليه ~~في الآخرة؟ # ودلت الآية على أن الأعمى من أهل الشهادة فإنه من رجالنا، ولكن إذا علم ~~يقينا، مثل ما روى ابن عباس قال: # سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال: ترى هذه الشمس فاشهد على ~~مثلها أو دع. # وذلك يدل على اشتراط معاينة الشاهد لما يشهد به، لا من يشهد بالاستدلال ~~الذي يجوز أن يخطئ. # نعم يجوز له وطء امرأته إذا عرف صوتها، لأن الإقدام على الوطء جائز بغالب ~~الظن، فلو زفت اليه امرأة وقيل هذه امرأتك، وهو لا يعرفها جاز له وطؤها. # ويحل له قبول هدية جاره بقول الرسول. # ولو أخبر مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذف أو غصب، لما جاز له إقامة ~~الشهادة على المخبر عنه، لأن سبيل الشهادة اليقين والمشاهدة، وفي غيرها ~~يجوز استعمال غالب الظن، ولذلك قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف: إذا ~~علمه قبل العمى جازت له الشهادة بعد العمى، ويكون العمى الحائل بينه وبين ~~المشهود عليه، كالغيبة والموت في المشهود عليه، فهذا مذهب هؤلاء. ~~PageV01P248 # والذي يمنع أداء الأعمى فيما يحمل بصيرا لا وجه لقوله على ما يجب بعد أن ~~كان الأعمى مرضيا عدلا. # وتصح شهادته بالنسب الذي يثبت بالخبر المستفيض، كما يخبر عما تواتر حكمه ~~من الرسول صلى الله عليه وسلم. # ومن العلماء من قبل شهادة الأعمى فيما طريقة الصوت، لأنه رأى أن ~~الاستدلال بذلك يترقى إلى حد اليقين، ورأى أن اشتباه الأصوات كاشتباه الصور ~~والألوان، وهو ضعيف يلزم منه جواز الاعتماد على الصوت للبصير. # ومقتضى عموم كتاب الله تعالى، تجويز شهادة البدوي على القروي، لأنه قد ~~يكون عدلا مرضيا وهو من رجالنا وأهل ديننا، وكونه بدويا ككونه من أهل بلد ~~آخر. # وفي السلف من لا يجوز ذلك، وهو رواية ابن وهب عن مالك، ومذهب أحمد. # والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول، تسوي بين القروي ms141 ~~والبدوي، مثل قوله: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) «1» . # (واستشهدوا شهيدين- إلى قوله- ممن ترضون من الشهداء) (282) . # واختلاف الأماكن أي أثر له؟ # وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» «2» . PageV01P249 # وليس فيه فرق بين القروي في الحضر أو في السفر، ومتى كان في السفر فلا ~~خلاف في قبوله. # وروى عكرمة عن ابن عباس، أنه شهد أعرابي عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على رؤية الهلال، فأمر بلالا أن ينادي في الناس فيصوموا غدا «1» . # فقبل شهادة الأعرابي وأمر الناس بالصيام. # وجائز أن يكون خبر أبي هريرة في وقت كان الشرك والنفاق والتساهل في أمر ~~الدين غالبا على أهل البادية، كما قال تعالى: # (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم) «2» . # فإنما منع قبول شهادة من هذه صفته من الأعراب. # وقد وصف الله تعالى قوما آخرين من الأعراب فقال: # (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~وصلوات الرسول) «3» الآية. فمن كانت هذه صفته فبعيد أن لا تقبل شهادته، مع ~~قبولها على البدوي الآخر المماثل له، وقبولها على القروي في السفر. # قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين) «4» من رجالكم فإن PageV01P250 # (لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) «1» الآية (282) : # اعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن تكون شهادة النساء شهادة ضرورة معدولا بها ~~عن أصل الشهادة، فإنه قال: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين. # فاقتضى الظاهر عدم القدرة على الرجلين، إلا أنه جوز على خلاف الظاهر ~~للإجماع، وشرط كون الرجل معهن، فلم يجعل لهن رتبة الاستقلال، فدل مجموع ذلك ~~على أن شهادة النساء شرعت في المداينات التي كثر الله تعالى أسباب «2» ~~توثيقها، لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى بها وتكررها، فجعل التوثيق: # تارة بالكتابة. # وتارة بالإشهاد. # وتارة بالرهن. # وتارة بالضمان. # فأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال. # ولا يتوهم عاقل أن قوله: (إذا تداينتم بدين) يشتمل على دين المهر مع ~~البضع، وعلى الصلح عن دم العمد، فإن تلك الشهادة ms142 ليست شهادة على الدين، بل ~~هي شهادة على النكاح، ولو شهد على المهر فيقبل، نعم لا يصير النكاح تبعا ~~للمهر بحال. # نعم، ما ليس بمال إذا كان تبعا للمال، مثل الأجل المذكور في PageV01P251 # المداينة، فيقبل فيه شهادة النساء مع الرجال، لأن الأجل يؤول إلى المآل. # فإن قال قائل: المهر في النكاح تابع للنكاح، ولا يجب إلا معه، فلم يثبت ~~بشهادة النساء، وليس المهر من جملة المداينات المذكورة في الآية؟ # قلنا: لأن المهر من حيث كان دينا، سلك به مسلك الديون كلها في أنواع ~~التوثيق، كالرهون والضمان وغيرهما، فألحق بقياس الأموال. # فإن قال قائل: العتق تعددت جهات تحصيله، وكذلك الطلاق، وتزيد جهاتها من ~~الكنايات والصرائح والتعليق والتنجيز على جهات تحصيل الأموال، فلم لم يجعل ~~ذلك ملحقا بالأموال؟ # فالجواب: أن الحاجة لا تتكرر إلى توثيق جهات الطلاق مسيس الحاجة إلى ~~الوثائق في المداينات، ولذلك بالغ الشرع في إبانة جهات الوثائق فيها، وقال ~~في الرجعة والطلاق: # (وأشهدوا ذوي عدل منكم) . # قوله تعالى: (ممن ترضون من الشهداء) ، يدل على تفويض الأمر إلى اجتهاد ~~الحكام، فربما تفرس في الشاهد غفلة أو ريبة، فيرد شهادته لذلك. # وفيه دليل على جواز استعمال الاجتهاد في الأحكام الشرعية. # ويدل قوله: (ممن ترضون من الشهداء) على أنه لا مبالاة يكونه مسلما «1» ~~فإنه قال: (ممن ترضون) . PageV01P252 # فقسم المسلمين إلى مرضيين وغير مرضيين، فلم تقبل شهادة غير مؤمنين. # وليس يعلم كونه مرضيا بمجرد الإسلام، وإنما يعلم بالنظر في أحواله. # ولا يعتبر بظاهر قوله: (أنا مسلم) فربما انطوى على ما يوجب رد شهادته مثل ~~قوله تعالى: # (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه) ~~إلى قوله: (والله لا يحب الفساد) «1» . # وقال: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) «2» الآية.. # فكل ذلك دليل على ما قلناه. # وظاهر قوله: (من الشهداء) يقتضي قبول شهادة الأب لابنه والولد لأبيه، لأن ~~الشاهد مرضي ولو لم يكن مرضيا، وتطرقت التهمة إلى حاله باستيلاء الهوى عليه ~~لامتنعت شهادته مطلقا، ولأمكن أن يقال: # إن الذي يشهد لولده ms143 كاذبا، يشهد للأجنبي لعرض يتعجله من مال أو جاه أو ~~غيره، فيشهد التابع لمتبوعه، والمرؤوس لرئيسه، إلى غير ذلك. # غير أنه لا ينظر إلى شيء من ذلك، خاصة إذا شهد لأحد ولديه على الآخر. ~~PageV01P253 # إلا أن العلماء أجمعوا على خلاف ذلك، إلا خلاف شاذ لا يعتد به يحكى عن ~~عثمان البتى «1» . # ولعل السبب فيه أن الذي بينه وبين الابن من الاتحاد في الذات، حتى يقال ~~هو بعضه، يقتضي جعل شهادته له في معنى شهادته لنفسه، فإذا كانت فيه شبهة ~~الشهادة لنفسه، كان مدعيا من تلك الجهة، والبينة على المدعي، ولا تسمع ~~شهادته لنفسه فيما هو مدع فيه. # ولا شك أن هذا في غاية الجلاء مع المصير إلى تمييز أملاكهما التي هي محل ~~الشهادة. # ويجب على الابن الحد بوطء جارية أبيه، ولا يجعل الاتحاد بينهما شبهة في ~~الحد، فكذلك لا يجعل شبهة في شهادته وإلحاقها بالدعوى.. # نعم ظن أبو حنيفة أن شهادة الزوج لزوجته لا تقبل، لتواصل منافع الأملاك ~~بينهما، وهي محل الشهادة، والذي يخالفه يقول: # ولكن ذلك التواصل يعرض للزوال، فليس كتواصل الولادة، فإذا ظهر التفاوت من ~~وجه. # والأصل قبول الشهادة إلا حيث خص، فما عدا المخصوص يبقى على الأصل. # وزاد أبو حنيفة على هذا وقال: # كل شهادة ردت للتهمة فإنها لا تقبل أبدا، مثل شهادة الفاسق، إذا ردت ~~لفسقه ثم تاب وأصلح، ومثل شهادة أحد الزوجين للآخر إذا ردت، ثم شهد بها بعد ~~زوال الزوجية. PageV01P254 # فجعل العلة مجرد التهمة في الذي تقدم من الشهادة، وزاد عليه فقال: # لا تقبل شهادة الأجير للمستأجر، وقبل شهادة من له الدين لمن عليه الدين، ~~فلم ير الزوجية لعينها مانعة قبول الشهادة حتى إذا زالت قبلت، وقال: لو شهد ~~العبد فردت شهادته ثم عتق فأعاد قبلت، وكذا الصبي، لأن زوال الرق معلوم ~~حقيقة، وزوال التهمة غير معلوم حقيقة، وزوال الزوجية معلوم حقيقة، غير أن ~~الرد لم يكن لها وإنما كان للتهمة، ولا يعلم زوالها حقيقة، فجعلوا التهمة ~~مانعة. # ولا شك أن التهمة في الشهادات ms144 كلها خاصة، هي تهمة المعصية، وتهمة المعصية ~~شبهة في الحدود، فهلا ردت شهادته في الحدود مثلا. # فعلم أن سبب رد الشهادة للولد ليس هو تهمة الكذب، ولكن ما بينهما من ~~الاتحاد، مع خروج شهادته عن كونها شهادة لنفسه، حتى لا يكون من وجه مدعيا، ~~وهذا المعنى بعيد عن التهمة، فلم يقتض رد شهادة أخرى، أو بحال ذلك على ~~الإجماع ولا يقيد بخلاف البتى ولا يصح النقم فيه، فهذا تمام البيان في ذلك. # والحوالة على التعبد أولى لضعف المعنى، لولا أن الشافعي رد شهادة العدو ~~على العدو مع العدالة، وقبل شهادته في حادثة أخرى، وإن كانت تسفط بالتهمة. # ويمكن أن يقال: إن رد شهادة العدو على تعبد ثبت بخبر ورد فيه، فإن المعنى ~~كيفما قدر ضعيف جدا. # وحاصل القول أن العدالة، وقلة الغفلة، هي من شرائط الشهادات وقد انتظمها ~~قوله تعالى: (ممن ترضون من الشهداء) - مع قلة حروفه وبلاغة لفظه ووجازته ~~واختصاره وظهور فوائده، وجميع ما # PageV01P255 # ذكرناه من المعاني التي استنبطها السلف من مضمونه وتحريهم موافقته مع ~~احتماله لجميع ذلك، يدل على أنه كلام الله تعالى ومن عنده، إذ ليس في وسع ~~البشر إيراد لفظ على هذه الوجازة يتضمن هذه المعاني البديعة. # قوله تعالى: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) . # يدل على أنه لا يجوز لأحد أن يشهد على الآخر، وإن رأى الخط، إلا أن يكون ~~ذاكرا لما يشهد به. # ثم قال: (ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا) ، فدل ذلك ~~على أن الكتاب إنما أمر به ليتذكر به كيفية الشهادة، وأنها لا تقام إلا بعد ~~حفظها وإتقانها. # وفيه الدلالة على أن الشاهد إذا قال لا أذكر، ثم تذكر، يجوز له إقامة ~~الشهادة «1» . # ثم إن الله تعالى إنما ذكر في المداينات الحجج التي تستقل بإثبات ~~المداينات، ولم يتعرض لما سواها، وقد ظن ظانون من أصحاب أبي حنيفة، أن ~~إسقاط العدد المذكور في القرآن لا يجوز، وأن الذي جعله الشرع سببا لا يجوز ~~تغييره والنقصان منه، ولا يحط منه وصف ms145 الرضا وهو العدالة، ولا الوصف الآخر ~~وهو العدد، ثم قال: # (ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا) . PageV01P256 # وأبان أن ذلك أدنى ما يتعلق به مقصود الشرع، وأن القدر المقصود من ~~الاحتياط والحجة المعتبرة هذا المذكور في القرآن، وذلك ينفي إيجاب الحكم ~~بالشاهد واليمين، فإن اليمين دون الشهادة لا محالة، وقد أبان الله تعالى أن ~~أدنى درجات الاحتياط هو المذكور، فلا يثبت بما دونه، وهذا حسن بين. # والذي يقبل الشاهد واليمين يقول: # معنى قوله تعالى: (وأدنى ألا ترتابوا) في الشهادة وحدها، لا فيها وفي ~~غيرها، والشاهد واليمين جنسان مختلفان لا تعرض لهما في القرآن. # ويقول أصحاب الشافعي في قول: إن الحكم باليمين، غير أن الشاهد يقوى ~~جانبه، ويصير هو بمثابة المدعى عليه الذي ظهر جانبه باليد، فعلى هذا لا ~~يستقيم التعلق بالقرآن في تحقيق غرضهم.. # قوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) . # روي عن جماعة من المفسرين «1» أن المراد به: إذا دعوا لإقامتها. # وعن قتادة: إذا دعوا إلى إثبات الشهادة في الكتاب، فأما عند الإثبات فلا ~~يجب على الشهود الحضور عند المتعاقدين، وإنما على المتداينين أن يحضرا عند ~~الشهود، فإذا حضراهم وسألاهم إثبات شهادتهم في الكتاب، فهذه الحال هي التي ~~يجوز أن تراد بقوله: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) لإثبات الشهادة، فأما ~~إن ثبتت بشهادتهم، ثم دعوا لإقامتها عند الحاكم، فهذا الدعاء هو لحضورهما ~~عند الحاكم، ولا يحضر الحاكم PageV01P257 # عند الشاهدين، ليشهدا عنده وإنما على الشهود الحضور عند الحاكم. # فالدعاء الأول إنما هو لإثبات الشهادة في الكتاب، والدعاء الثاني لحضورهم ~~عند الحاكم وإقامة الشهادة عنده. # واللفظ يحتمل الأمرين جميعا، ولا معنى لاختلاف المفسرين في معناه، إذا ~~كان اللفظ يدل عليهما من طريق العموم. # وقوله: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) ، يجوز أن يكون متناولا للأمرين ~~جميعا، وإن كان قوله: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) ، يرجع جانب ~~التحمل، ولكن ذكر بعض ما يتناوله اللفظ لا يمنع التعلق بعمومه فيما أمكن ~~تعميمه فيه، على رأي أكثر الأصوليين، وإن خالفهم قوم ms146 في ذلك وادعوا التوقف، ~~وليس ذلك بالبعيد عندنا على ما شرحناه في الأصول، مع أن اسم الشهداء لا ~~يكون حقيقة، إلا في حالة إقامة الشهادة عند الحاكم، وإن كان ينطلق على غيره ~~بطريق المجاز مثل قوله: # (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) . # فسماهم شهيدين وأمرنا باستشهادهما قبل أن يشهدا. وهو بمثابة قوله: # (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) (230) . # فسماه زوجا قبل أن يتزوج. # وقوله: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا، الآية) ، يدل على أن إقامة الشهادة ~~تجب حيث لا يجد المستشهد غيره، وهو فرض على الكفاية، كالجهاد والصلاة على ~~الجنائز وغسل الموتى ودفنهم، متى قام به قوم سقط عن الباقين. # PageV01P258 # ومعنى الفرض على الكفاية، أنه لا يجوز للكل الامتناع منه لما فيه من ~~إبطال الوثائق وضياع الحقوق، ولا يتعين فرضه على كل أحد، فإنه لا خلاف أنه ~~ليس على كل أحد من الناس تحملها، هذا أصل في فروض الكفايات الواجبة على ~~الكافة، إلا أنهم إذا أدى بعضهم سقط عن الباقين، فإذا لم يكن في الكتاب إلا ~~شاهدان، فقد تعين الفرض عليهما متى دعيا لإقامتهما بقوله: (ولا يأب الشهداء ~~إذا ما دعوا) . # وقال تعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) (283) . # وقال تعالى: (وأقيموا الشهادة لله) «1» . # وقال: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم) «2» . # وإذا كان عنهما مندوحة بإقامة غيرهما فقد سقط الفرض عنهما «3» لما ~~وصفناه. # قوله تعالى: (ولا تسئموا «4» أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله) يعني ~~القليل الذي يعتاد تأجيله، ومعلوم أنه لم يرد به القيراط والدانق، إذ لا ~~يعتاد المداينة بمثله إلى أجل. # وقوله (إلى أجله) يعني إلى محل أجله، فيدل ذلك على أنه يكتب الأجل في ~~الكتاب ومحله، كما يكتب أصل الدين. PageV01P259 # ويستدل به على أنه يكتب صفة الدين ونقده وجودته ومقداره، لأن الأجل بعض ~~أوصافه، فحكم سائر أوصافه بمنزلته.. # قوله تعالى: (ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة) . # فيه بيان الغرض الذي لأجله أمر بالكتاب واستشهاد الشهود، والوثيقة ~~والاحتياط للمتداينين ms147 عند الحاجة ورفع الخلاف، وبين الغرض الذي لأجله أمر ~~بالكتاب، وأخبر بأن ذلك أنفى للريب، وأبقى للحق، وأدعى إلى رفع النزاع، ~~وأنه إذا لم يكتب فيرتاب الشاهد، فلا ينفك بعد ذلك من أن يقيمها على ما ~~فيها من الاختلاط والاحتياط، غير مراع شرائط الاحتياط، فيقدم على محظور أو ~~يتركها فلا يقيمها «1» فيضيع حق الطالب. # ويستدل بذلك على أن الشهادة لا تصح إلا مع القطع واليقين، وأنه لا يجوز ~~إقامتها إذا لم يذكرها وإن عرف خطه، لأن الله تعالى أخبر أن الكتاب مأمور ~~به لئلا يرتاب بالشهادة. # ويستدل به أيضا على أن هذا الاستشهاد والكتاب، إذا كان الاحتياط في ~~المداينات فهي للاحتياط للنكاح، حتى لا يستشهد بمن ليس بمرضي من فاسق، ~~ومجلود في قذف، وكافر وعبد، خلافا لمن زعم أن تلك الشهادة ليست للاحتياط، ~~ومعلوم أن الشهادة في موضع الندب، إذا كانت للاحتياط، ففي موضع الوجوب أولى ~~أن تكون للاحتياط.. # قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم) (282) ، فرخص في ~~ترك الكتاب في التجارة الحاضرة رفعا للحرج. # ودل ظاهر قوله: (وأشهدوا إذا تبايعتم) ، على أن الشهادة عامة في التجارات ~~كلها. PageV01P260 # وقد نسخ ذلك بقوله: «فإن أمن بعضكم بعضا) (283) ، وقد بينا ذلك فيما سلف. # قوله تعالى: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) . # قال ابن عباس: معناه أن يجيء الرجل إلى الكاتب فيقول: إني على حاجة، ~~فيقول له: إنك قد أمرت أن تجيب، فلا يضار بمثل هذا القول. # وقال الحسن: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) أي لا يكتب ما لم يؤمر به ويزيد في ~~الشهادة. # وقرأ الحسن وقتادة وعطاء: (.. لا يضار) بكسر الراء.. # وقرأ ابن مسعود ومجاهد: (لا يضار) بفتح الراء، فكانت إحدى الروايتين نهيا ~~لصاحب الحق عن مضارة «1» صاحب الحق، وكلاهما مستعمل، ومن مضارة الشاهد ~~القاعد عن الشهادة إذا لم يكن سواه، فكذلك على الكاتب إذا لم يجد غيره.. ~~«2» # قوله تعالى في التجارة: (فليس عليكم جناح ألا تكتبوها) وفرقة بينها وبين ~~المؤجل يوهم بظاهره، أن عليهم كتب الدين المؤجل والإشهاد فيه وأن ms148 الجناح ~~يلحقهم إذا لم يكتبوها، ويبعد أن يقال في ترك المندوب إن عليه جناحا، ففي ~~التجارة الحاضرة إن كان ترك الشهادة PageV01P261 # دليلا على كون الشهادة مندوبا إليها، فتارك المندوب لا جناح عليه. # وقوله: (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم، فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها) (282) يدل على أن في غيرها عليهم جناحا. # ويقال في الجواب عن هذا: الجناح يطلق على الضرورة، فكأنه تعالى قال: لا ~~ضرر عليهم في حياطة الأموال، لأن كل واحد تسلم ما استحق عليه بإزاء تسليم ~~الآخر، ومتى لحقه ضرر وأفضى الأمر إلى منازعة ومشاجرة، فربما تداعى إلى ~~الإثم واللجاج، فأراد بقوله: (فليس عليكم جناح ألا تكتبوها) ، أي ليس عليكم ~~ذلك أيضا.. # قوله تعالى: (وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم) «1» (282) . # عطفا على ذكر المضارة، يدل على أن مضارة الطالب الكاتب والشهيد، ~~ومضارتهما له فسق، بقصد كل واحد منهم إلى مضارة صاحبه بعد نهيه عنها. # قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) (283) : # استدل به مجاهد على أن الرهن لا يكون إلا في السفر. # وأما كافة العلماء فجوزوه في الحضر والسفر، لأنه صح أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رهن درعا عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه شعيرا لأهله، غير أن ~~ذكر السفر بناء على غالب الأحوال، في عدم وجود الكاتب والشهيد فيها، فينوب ~~الرهن منا بهما، لا أن الرهن مفيد فائدة الشهادة والكتاب PageV01P262 # من كل وجه، فإن الذي يختص بالرهن، إعداد المرهون لاستيفاء الحق منه عند ~~ضيق الطالب، فهو وثيقة لجانب الاستيفاء «1» بإبانة محل الاستيفاء، كالضمان ~~فإنه وثيقة بتحديد محل الاستيفاء عند عسر استيفائه من المضمون عنه، إلا أن ~~خاصية الرهن إنما تظهر عند ازدحام الغرماء، وخاصة الضمان حاصلة في غير هذه ~~«2» الحالة. # فإذا تقرر ذلك، فهذا الرهن الذي له خاصية الشهادة عند عدم الشهادة، فإن ~~الرهن إذا كان مقبوضا، لا يتأتى للراهن الامتناع من توفية حق المرتهن، فإنه ~~يأخذ المرهون بحقه. # وإن ادعى الراهن على المرتهن الملك في المرهون، فالمرتهن يكفيه في دفع ~~دعواه ms149 أن يقول: لا يلزمني تسليم هذا إليك. # وإذا قال ذلك وحلف عليه، بطل عن الراهن في العين «3» عند المحل، وكان ~~للمرتهن بيعه وأخذ الحق من ثمنه، وهذا كلام ظاهر كما ترى، فصار الرهن مفيدا ~~مثل مقصود الشهادة والكتاب، وإن كان له خاصية يتفرد بها، فلأجل ما فيه من ~~فائدة الشهادة أمر الله فيه بالقبض، وخصه بالسفر، لأنه يغلب فيه عدم الكتاب ~~والشهود. # وقوله: (فرهان مقبوضة) ، يدل على اعتبار القبض الذي به PageV01P263 # يحصل معنى الوثيقة الحاصلة بالشهادة، فإن المرهون إذا كان في يد الراهن ~~فلا يتأتى فيه معنى الشهادة. # ويتلقى من الآية وجوب الإقباض، وكون القبض شرطا في الرهن لأن معنى ~~الوثيقة ليس يحصل إلا به. # ويمكن أن يستدل به على أن المقصود الأصلي في الرهن توثيق الدين لاستيفاء ~~الحق منه، فإنه خص بالسفر لهذا المقصود لما لا سواه مما يتأتى في السفر ~~والحضر، ومع الشهود وعدم الشهود والكتاب. # وفيه دليل على أنه لا يجوز للراهن استرجاع المرهون من يد المرتهن، لما ~~فيه من بطلان المعنى الذي به يقوم الرهن مقام الشهادة والكتاب، ولأجله جعل ~~بدلا عنهما، وما شرع في الأصل إلا على هذا الوجه. فكان هذا الوجه هو ~~المقصود الأصلي بالرهن. # والذين يخالفون هذا الرأي من أصحاب الشافعي يقولون: # إن المقصود بآية المداينات توثق الحقوق عن الضياع والتقوى من جهة وجوبه ~~لا من جهة الاستيفاء، ولذلك لم يتعرض للضمان، فإن الضمان لا يفيد التوثيق ~~من جهة الوجوب على معنى أن الشهادة إذا لم تكن، ربما يجحد الحق فيذهب ~~وجوبه، وكذا الكتاب والرهن في هذا المعنى يفيد مع الجحود الذي به يفوت وجوب ~~الحق، والضمان لا يفيد شيئا من هذا المعنى، فلا جرم لم يتعرض له ها هنا، ~~وتعرض للرهن الذي يفيد فائدة الشهادة في هذه الجهة، إذا تعذر الوصول إلى ~~الشهادة بالسفر، لأن السفر في الرهن أصل، ولكن بالسفر يحصل العذر في ~~الشهادة والكتاب فشرع الرهن. # وأما خاصية الرهن التي لا توجد في غير الرهن من الوثائق فهي استيفاء ~~الدين ms150 من العين، فجاز رهن المتاع نظرا إلى الخاصية، وجاز الانتفاع بالمرهون ~~في مدة الرهن نظرا إليها، فهذا تمام البيان في ذلك. # PageV01P264 # نعم ها هنا شيء، وهو أنه إذا كان خاصية الرهن استيفاء الحق منه عند ~~مزاحمة الغرماء. فيتخلص بالرهن عن مزاحمتهم، فمن أجل ذلك قال مالك: # إذا كان لرجل على رجل دين، فباع من له «1» الدين ممن عليه الدين شيئا، ~~وجعل الدين عليه رهنا، قال: يجوز على ما رواه ابن القاسم عنه، لأنه يخلص به ~~عن مزاحمة الغرماء فإنه حائز ما عليه. # وقال غيره من العلماء: لا يجوز، لأنه لا يتحقق إقباضه، والقبض شرط لزوم ~~الرهن، ولأنه لا بد من أن يستوفي الحق منه عند المحل، ويكون الاستيفاء من ~~ماليته لا من عينه ولا يتصور ذلك في الدين. # ولأن الدين مملوك ثابت بالإضافة إلى من له الدين «2» إنما هو ثابت ~~بالإضافة إلى من له الدين. # ولا خلاف عند العلماء أن تعديل المرهون جائز عند الأجنبي. # وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز حتى يقبضه المرتهن، وكأنه رأى ابتداء القبض ~~تعبدا، ورأى التعبد في مباشرته القبض، وهو لعله لا يجوز التوكيل فيه، وهذا ~~بعيد. # ولابن أبي ليلى أن يقول: إنه إذا لم يجز جعل المبيع المحبوس على يدي عدل، ~~لم يخرج عن ضمان البائع، ولم يصح أن يكون العدل وكيلا للمشتري في قبضه، ~~فكذلك يجب أن لا يخرج من قبض الراهن بوضعه على يدي عدل. PageV01P265 # وهذا غلط، فإنه إذا صار العدل وكيلا للمشتري في القبض، بطل حق البائع ~~وسقط بالكلية، وخرج من ضمانه، وتم البيع للمشتري، فلا يبقى للبائع علقة، ~~وفي كون العدل وكيلا للمرتهن تحقيق معنى الرهن، فكان العدل قابضا للمرتهن ~~وهو قابض للمشتري، كما كان قابضا للمرتهن، فلا فرق من حيث المعنى بينهما. # نعم البائع إذا وضع المبيع عند عدل بقي محبوسا، ولم يكن العدل وكيل ~~المشتري، لأن في كونه وكيلا له إبطال الحبس، وفي كون العدل وكيلا للمرتهن ~~تحقيق الحبس، فوضح الجواب من هذا الوجه. # واستخرج الشافعي من كون ms151 الرهن وثيقة أنه غير مضمون، فإن الوثيقة يزداد ~~بها الدين وكادة، لا أنه يتعرض بها الدين لعرض السقوط، فسقوط الدين بهلاك ~~الوثيقة، يوقع خللا في معنى الوثيقة. # وهم يقولون: وما وقع الخلل في معنى الوثيقة، فإن الدين لا يسقط عند من ~~يخالفه، ولكن كان الرهن وثيقة للاستيفاء، وقد حصل بهلاكه الاستيفاء حتى ~~قالوا: # إذا رهن برأس مال السلم، فتلف قبل التفوق، صار رأس المال مستوفى حتى لا ~~يضر الافتراق، ويجب تسليم المسلم فيه عند المحل، فلم يكن ذلك مخالفا معنى ~~الوثيقة، بل كان محققا معنى الوثيقة. # والشافعي يقول: قد خالف مقصود الوثيقة، فإن الوثيقة ما عقدت له حتى يفوت ~~الحق على هذا الوجه، ولا أن يقدر هذا القبض من غير أن يكون المقبوض ملكا ~~للقابض مقصودا للمرتهن، فقد فات المقصود من هذا الوجه أن يقدر هذا القبض من ~~غير أن يكون المقبوض ملكا للقابض، فصح ما قلناه عن الشافعي. # PageV01P266 # واستدل الشافعي بما رواه ابن أبي ذؤيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له ~~غنمه وعليه غرمه» . # قال الشافعي: ووصله ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # وذكر أبو بكر الرازي أن أبا بكر بن أبي شيبة قال: قوله صلى الله عليه ~~وسلم: له غنمه وعليه غرمه، من كلام سعيد بن المسيب. # وروى مالك وابن أبي ذؤيب ويونس عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: لا يغلق. # قال يونس بن يزيد قال ابن شهاب، وكان ابن المسيب يقول: # «الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه» ، فأخبر ابن شهاب أن هذا من قول ~~سعيد بن المسيب لا عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: «لا يغلق الرهن» ، ذكر قوم أن معناه: أنهم كانوا يرهنون في ~~الجاهلية ويقولون: إن جئتك بالمال وقت كذا وكذا وإلا فهو لك، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: لا يغلق الرهن. # تأوله ms152 على ذلك مالك وسفيان وطاوس وإبراهيم النخعي، وإلا فيبعد أن يقال: ~~إذا ضاع قد غلق الرهن، ولم يبق الرهن، وإنما يقال: ضاع. # نعم الشافعي يحمل قوله «لا يغلق الرهن» ، أي لا يصير محتبسا بيد المرتهن، ~~معطل المنافع كالمغلوق «1» ، ولكن الراهن ينتفع به فله غنمه وعليه غرمه. ~~PageV01P267 # ومعنى الغرم، أنه يلزمه حكم تلفه، فإذا تلف فإنما تلف على الراهن حتى يجب ~~عليه الدين، أو إبدال مرهون آخر إذا كان قد شرط الرهن في العقد. # وهم يقولون على الراهن غرمه، حال بقائه، حتى لا يملك المرتهن بعد الأجل ~~الرهن، وإنما الدين على الراهن كما كان من قبل. # وله غنمه أي زيادته، فإذا زادت قيمته فالزيادة للراهن وإذا نقصت فعلى ~~الراهن تكلف الزيادة إلى تمام الدين. # وزعموا أن ذلك يدل على أن الشرط الذي لا يوافق الرهن إذا ذكر في العقد، ~~لا يفسد العقد بل يفسد الشرط، وهذا الذي ذكروه، وتقدير حكاية لا يدل اللفظ ~~عليها، وقد عرفنا أن تقدير الحكايات لتنزيل الألفاظ عليها لا يجوز، ~~والشافعي يحكم بفساد الرهن باشتراط الملك للمرتهن عند انقضاء الأجل، وأبو ~~حنيفة يخالف في ذلك.. # قوله تعالى: وليملل الذي عليه الحق (282) يدل على أنه مؤتمن فيما يورده ~~ويصدره، فيقتضي ذلك قبول قول الراهن إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين، ~~وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأكثر العلماء. # ومالك يقول: القول قول المرتهن، فيما بينه وبين قيمة الرهن، ولا يصدق على ~~أكثر من ذلك، وكأنه يرى أن الرهن وثمنه شاهد للمرتهن. # وقوله تعالى: وليملل الذي عليه الحق يرد عليه، فإن الذي عليه الحق هو ~~الراهن.. # فإن قال قائل: إن الله تعالى جعل الرهن بدلا عن الشهادة، والكتاب ~~والشهادة دالة على صدق المشهود له، والرهن الذي هو بدله قام مقامه، # PageV01P268 # إلى أن يبلغ قيمته، فإذا بلغ قيمته فلا وثيقة في الزيادة. # فإذا قال الراهن: رهنت بخمسين، والمرتهن يدعي مائة، وقيمة الشيء مائة ~~فصاعدا، كان الرهن شاهدا له، وإذا كان دون ذلك الذي ادعاه صار في الفضل على ~~قدر قيمة ms153 الرهن مدعيا وعليه البينة؟ # والجواب عنه: أن الرهن لا يدل على أن قيمته يجب أن تكون مقدار الدين، ~~فإنه ربما رهن الشيء بالقليل والكثير، نعم لا ينقص الرهن غالبا عن مقدار ~~الدين، فأما أن يطابقه فلا، وهذا القائل يقول: يصدق المرتهن مع اليمين في ~~مقدار الدين، إلى أن يساوي قيمة الرهن، وليس العرف على ذلك، فربما نقص ~~الدين عن الرهن وهو الغالب، فلا حاصل لقولهم هذا بوجه ما. # قوله تعالى: (ولا تكتموا الشهادة إلى قوله: فإنه آثم قلبه، يدل على أنه ~~لما عزم على أنه لا يؤديها، وترك أداءها باللسان، رجع لمأثم إلى الوجهين ~~جميعا، فقوله: آثم قلبه، مجاز هو آكد من الحقيقة في الدلالة على الوعيد، ~~وهو من بديع البيان ولطيف الإعراب عن المعاني. # واعلم بعد ذلك أن الذي أمر الله تعالى به، من الشهادة والكتاب لمراعاة ~~صلاح ذات البين، ونفي التنازع المؤدي إلى فساد ذات البين. # لئلا يسول له الشيطان الجحود بالباطل، وتجاوز ما حدته الشريعة له، أو ترك ~~الاقتصار على المقدار المستحق، ولأجله حرم الشارع البياعات المجهولة التي ~~تؤدي إلى الاختلاف وفساد ذات البين، وإيقاع التضاغن والتباين، ومثله ما ~~حرمه الله تعالى من الميسر والقمار وشرب الخمر بقوله: # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله.. «1» الآية PageV01P269 # فمن تأدب بأدب الله تعالى في أوامره وزواجره، حاز صلاح الدنيا والدين، ~~قال الله تعالى: # ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا، وإذا لآتيناهم ~~من لدنا أجرا عظيما، ولهديناهم صراطا مستقيما «1» . # ويمكن أن يستدل بهذه الآيات على وجوب حفظ المال في التصرفات، ولأجله قال ~~تعالى: # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم «2» الآية.. # وقال: ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين «3» . # وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «لا يحب الله إضاعة المال في غير وجهه» . # فربما حمله اختلال حاله، وكثرة عياله وأثقاله، على اقتحام أمور ذميمة ~~تعود عليه بالوبال وذهاب الدين والدنيا.. # قوله تعالى: وإن تبدوا ms154 ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله (284) : # ظن قوم أنها منسوخة بقوله: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (286) . ~~PageV01P270 # وقال آخرون: لا يجوز تقدير نسخها لأنه خبر ولا ينسخ الخبر، وهذا بعيد. # فإن قوله: يحاسبكم به الله، يحتمل أن يكون معناه: إن شاء أن يحاسبكم، إذا ~~لم ينسخ، فيكون في قوله يحاسبكم إضمار وتقييد. # وقد قيل لا يجوز أن يكون ناسخه قوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فإن ~~ذلك واجب لا يجوز ورود الشرع بخلافه، وهذا على قول من لا يجوز تكليفه ما لا ~~يطاق، على أن قوله: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، يمنع تكليف ما لا يطاق، ~~فإن قوله: إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ليس نصا فيما لا يطاق، بل هو في ~~أعمال القلب: مثل الشك، أو النفاق، وكتمان الشهادة، وكتمان الحقوق، وقد قال ~~الله تعالى في موضع آخر: # ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم «1» وقال تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا «2» . الآية.. # وقال تعالى: في قلوبهم مرض «3» - أي شك- نعم ورد عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # «إن الله عفا لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعلموا به» . # وقد حمله العلماء على ما يلزمه من الأحكام مثل الطلاق، والعتاق، ~~PageV01P271 # والبيع، التي لا يلزمه حكمها ما لم يتكلم به، والذي ذكره في الآية، فيما ~~يؤاخذ العبد به بينه وبين الله تعالى في الآخرة. # قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها يمنع تكليف الزمن القيام ~~للصلاة، وربما يؤخذ منه، وإن كان قادرا على الفعل غير أنه يلحقه حرج عظيم، ~~فلا يجب عليه فعله، لأن الله تعالى لم يقل: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ~~طاقتها، ولكن قال: إلا وسعها «1» . # وأخبر أنه لا يكلف الله أحدا إلا ما اتسعت له قدرته وإمكانه، دون ما ~~تضييق عليه وتعنيت. # وقال الله تعالى: ولو شاء الله لأعنتكم «2» . # وقال في نعت النبي صلى الله عليه وسلم: عزيز عليه ما عنتم «3» .. # قوله تعالى: ms155 لا تؤاخذنا إن نسينا «4» يقتضي رفع المؤاخذة بالمنسي. # والمؤاخذة منقسمة إلى مؤاخذة في حكم الآخرة، وهو الإثم والعقاب. # وإلى مؤاخذة في حكم الدنيا، وهو إثبات التبعات والغرامات، والظاهر نفي ~~حكم جميع ذلك. # وقوله عليه السلام: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» ، يقتضي رفع الخطإ ~~مطلقا ورفع حكمه، فلا جرم قال الشافعي في المنهيات كلها، الفعل المنسي كلا ~~فعل، فإذا تكلم ساهيا، أو سلم ساهيا، أو أتى بالفعل الكثير ساهيا، فلا تبطل ~~صلاته أصلا.. PageV01P272 # قوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) . # استدل به على أن من قتل غيره بمثقل وتخنيق وتغريق، فعليه ضمانه قصاصا أو ~~دية، خلافا لمن جعل ديته على العاقلة، وذلك يخالف الظاهر. # ويدل على أن سقوط القصاص عن الأب، لا يقتضي سقوطه عن شريكه. # ويدل على وجوب الحد على المرأة العاقلة، إذا مكنت مجنونا من نفسها. # قوله تعالى: (ولا تحمل علينا إصرا «1» كما حملته على الذين من قبلنا) . # يحتج به في نفي الحرج والضيق المنافي ظاهره الحنيفية السهلة السمحة، وهذا ~~بين. # قوله تعالى: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا «2» به) (286) : # يحتمل نفي ما يثقل من التكاليف، نحو قتل النفس الذي كلف بنو إسرائيل. # ويجوز أن يعبر عما يثقل، بأنه لا يطيقه كقولك: ما أطيق الكلام، وما ~~أستطيع أن أرى فلانا، ولا يريد نفي القدرة. # وقال تعالى: (وكانوا لا يستطيعون سمعا) «3» : PageV01P273 # والمراد بجميع ذلك استثقاله فقط. # ويجوز أن يراد به نفي القدرة رأسا على الفعل والترك جميعا، فهذا تمام ما ~~حضرنا من معاني القرآن في سورة البقرة. # تم الجزء الأول بحمد الله تعالى ويليه الجزء الثاني وأوله سورة آل عمران ~~والله المستعان. # PageV01P274 # الجزء الثاني # للإمام الفقيه عماد الدين بن محمد الطبري المعروف بالكيا الهراسي المتوفى ~~سنة 504 هجرية الجزء الثاني منشورات محمد علي بيضون لنشر كتب السنة ~~والجماعة دار الكتب العلمية بيروت- لبنان # PageV02P275 # (بسم الله الرحمن الرحيم) # PageV02P276 ### | سورة آل عمران # قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب) . # فجعل الله آيات الكتاب منقسمة إلى المحكم والمتشابه، وسمى المحكمات أم ~~الكتاب، وذلك ms156 يقتضي رد المتشابهات إليها، فإن الأم لا يظهر لها معنى هاهنا، ~~سوى أنها الأصل لما سواها «1» ، ويفهم منها معاني المتشابهات، وذلك يقتضي ~~كون المتشابه محتملا لمعاني مختلفة، يتعرف مراد الله منها بردها إلى ~~المحكمات، وإن كان كثير منها يستدل بالأدلة العقلية على معرفة المراد منها. # معاني المتشابهات، وذلك يقتضي كون المتشابه محتملا لمعاني مختلفة، يتعرف ~~مراد الله منها بردها إلى المحكمات، وإن كان كثير منها يستدل بالأدلة ~~العقلية على معرفة المراد منها. # ويمكن أن يقال: سميت المحكمات أما: لأنها أنفع لعباد الله تعالى، وأفضل ~~من المتشابهات، كما سميت فاتحة الكتاب أم الكتاب، وسميت مكة أم القرى. # ويحتمل أن يقال: سمي المحكمات أم الكتاب لأنه يلوح معناها، PageV02P277 # فيستنبط منها الفوائد، ويقاس عليها فسماها أم الكتاب: أي الأم والأصل من ~~الكتاب. # فعلى المحمل الأول، إذا قلنا معنى أم الكتاب أن المتشابهات مردودة إلى ~~المحكمات، ومعتبرة بها، ومقيسة عليها، فالمتشابهات هي التي تحتمل معاني ~~مختلفة، فيتعرف مراد الله منها بالمحكمات. # وإذا لم يقل ذلك، فالمتشابهات يجوز أن يعنى بها ما لم يعلم معناه من آيات ~~الساعة وغيرها، وحروف التهجي التي ظن قوم أنها أودعت معاني لا يعلمها إلا ~~الله، وإن كان ذلك فاسدا عندنا. # والمتعلق بالأحكام أن تأويل ما يتعلق بأحكام الشرع واجب، وما لا يتعلق به ~~فلا يجب ويجوز. # وقد ظن قوم أنه لا يجوز لأنه تعالى قال: # (فأما الذين في قلوبهم زيغ «1» فيتبعون ما تشابه منه) (7) . # وقد جعل قوم تمام الكلام عند قوله: (والراسخون في العلم) (7) وجعل الواو ~~في قوله: (والراسخون) للجمع. # ومنهم من جعل تمام للكلام عند قوله: (إلا الله) ، وأن معناه (وما يعلم ~~تأويله إلا الله) يعني تأويل المتشابهات، والراسخون في العلم يعلمون بعضه ~~قائلين: (آمنا به كل من عند ربنا) ، بما نصب من الدلائل في المحكم، ومكن من ~~رده اليه، فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا: آمنا بالجميع، كل ~~من عند ربنا، وما لم يحط علمنا به من الخفايا مما في شرعه المصالح، فعلمنا ~~عند ربنا. ms157 PageV02P278 # ومن الناس من حرم تأويل المتشابهات ورأى أن معنى قوله في المحكمات: (هن ~~أم الكتاب) أي فواتح السور، أو هي الأوامر والنواهي ومجامع التكاليف التي ~~هي عماد الدين، كما أن عماد الباب أم الباب، واستدل بقوله: (وما يعلم ~~تأويله إلا الله) . # وقال قوم: (والراسخون في العلم) لا يجوز أن يكون مضموما إلى قوله: (إلا ~~الله) ، لأنها لو كانت للجمع لقال: ويقولون آمنا به، ويستأنف ذكر الواو ~~لاستئناف الخبر. # والذين خالفوا هذا الرأي ذكروا أن مثل هذا شائع، وقد وجد مثله في القرآن، ~~وهو قوله في شأن قسم الفيء. # (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول) «1» إلى قوله: (شديد ~~العقاب) . # ثم تلاه بالتفصيل، وتسميه من يستحق هذا الفيء فقال: # (للفقراء المهاجرين) ، إلى قوله: (والذين جاؤ من بعدهم) «2» . # وهم لا محالة داخلون في استحقاق الفيء كالأولين، والواو فيه للجمع ثم ~~قال: (يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا) «3» . # كذلك قوله: (والراسخون في العلم) ، يقولون معناه: والراسخون في العلم ~~يعلمون تأويل ما نصب لهم الدلالة عليه من المتشابه قائلين: «ربنا آمنا» ، ~~فصاروا معطوفين على ما قبله داخلين في خبره. PageV02P279 # ولأنهم إذا منعوا تأويل المتشابه، ووجب اتباع الظاهر، تناقضت الظواهر ~~ووقعت الأحكام العقلية والسمعية، وهؤلاء الذين ينظرون إلى هذا الظاهر، أو ~~لا ينظرون إلى ظاهر الواو في دلالته على الجمع المذكور» ولم يحلوا ذلك على ~~الابتداء وقطع المعطوف عليه، وذلك خلاف ظاهر دلالة الواو وهذا بين» . # فأما قوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، ~~ابتغاء الفتنة) ، فمثل ما روي عن الربيع بن أنس، أن هذه الآية نزلت في وفد ~~«1» نجران لما حاجوا النبي صلى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا: # أليس هو كلمة الله وروح منه؟ # فقال: بلى. # فقالوا: حسنا، أي أنا لا نسمع منك بعد هذا قولك إنه عبد الله، بعد أن قلت ~~إنه روح الله، فنزل قوله تعالى: # (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله) «2» . PageV02P280 # ثم أنزل تعالى: (إن مثل عيسى ms158 عند الله كمثل آدم خلقه من تراب) «1» ، ~~الآية. # وقال: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب) «2» . # معناه: إن كون عيسى عبد الله، محكم على معنى أن التأويل لا يتطرق إلى ~~الآيات الدالة على أن عيسى عبد الله. # وقوله: «كلمة الله» يحتمل أن يكون معناه: أنه الذي بشر به في كتب ~~الأنبياء المتقدمين، ومثله قوله تعالى: (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي ~~فيه يمترون) «3» الآية. # فسماه كلمة وقولا من حيث قدم البشارة به. # وسمى روحه، لأنه خلق من غير ذكر، بل أمر جبريل عليه السلام فنفخ في جيب ~~مريم فقال: # (فنفخنا فيه من روحنا) «4» ، فأضاف الروح إلى نفسه تشريفا له كبيت الله، ~~وأرض الله، وسماء الله. # وقد سمى القرآن روحا، لأنه يحيي به من الضلال، وسمى عيسى روحا، لأنه كان ~~يحيي به الناس في أمور دينهم، فصرف أهل الزيغ ذلك إلى مذاهبهم الفاسدة، ~~وإلى ما يعتقدونه من الكفر والضلال، فهذا مثال المحكم والمتشابه، الذي يجب ~~أن يرد معناه إلى معنى المحكم. PageV02P281 # قوله تعالى: (ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس) «1» الآية (21) ، ~~يدل على جواز الأمر بالمعروف مع خوف القتل «2» . # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب ~~الله ليحكم بينهم) «3» الآية (23) . # فيه دلالة على أن من دعا خصمه إلى الحكم لزمته إجابته، لأنه دعا إلى كتاب ~~الله تعالى «4» . # قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) «5» ~~الآية (28) . PageV02P282 # يدل على أنه لا يجوز أن يتخذ منهم أولياء وأن يلاطفوا، ومثله من كتاب ~~الله: # (لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا) «1» . # وقال: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر) «2» . # وقال: (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) «3» . # وقال: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم) «4» . ~~PageV02P283 # وقال: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) «1» . # وقال: (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا، ولم يرد إلا الحياة الدنيا) «2» . # وقال: (وأعرض عن الجاهلين) «3» . # وقال: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ms159 عليهم) «4» . # وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض) . «5» # وقال: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ~~لنفتنهم فيه) «6» . # فنهى بعد النهي عن مجالستهم وملاطفتهم، عن النظر إلى أموالهم وأحوالهم في ~~الدنيا. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بإبل بني المصطلق، وقد عبست «7» ~~بأبوالها من السمن، فتقنع بثوبه ومضى يقول: يقول الله عز وجل: # (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم) «8» . # وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم PageV02P284 # (أولياء تلقون إليهم بالمودة) «1» . # وقال عليه السلام: (أنا بريء من مسلم مع مشرك، فقيل: # يا رسول الله، ولم؟ قال: لا تراءى نارهما) «2» . # قوله تعالى: (تتقوا منهم تقاة) «3» (28) . يدل على أن إظهار الموافقة في ~~الاعتقاد وغيره جائز للتقية، وفي نفي الولاية، دليل على قطع الولاية بينهما ~~في المال والنفس جميعا. # قوله تعالى: (إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) «4» (44) . PageV02P285 # يمكن أن يستدل به على جواز القرعة في إعتاق «1» في مرضه إذا مات ولا مال ~~له غيرهم، وفيه «2» نظر، فإن ذلك كان إقراعا فيما يثبت بتراضيهم، وكانت ~~القرعة طلبا للرضا، ورفعا لطلب الاختصاص بطريق الحكم «3» ، كما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه «4» ، لأن التراضي ~~على ما خرجت به القرعة جائز من غير قرعة، وكذلك كان حكم كفالة مريم عليها ~~السلام، وغير جائز وقوع التراضي على نقل الحرية عمن وقعت عليه. # قوله تعالى: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) (61) «5» . # واعلم أن في هذا دلالة على أن الحسن والحسين رضي الله عنهما ابنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأنه أخذ بيد الحسن والحسين حين أراد حضور ~~المباهلة، وقال الله تعالى: (ندع أبناءنا وأبناءكم) ، ولم يكن للنبي صلى ~~الله عليه وسلم بنون غيرهما، وقال للحسن: PageV02P286 # «إن ابني هذا سيد» «1» . # وقال فيه حين بال عليه وهو صغير: # «لا ترزموا ابني هذا» «2» . # وهما من ذريته أيضا، كما جعل الله عيسى من ذرية إبراهيم بقوله: # (ومن ذريته ms160 داود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وكذلك نجزي ~~المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى) «3» ، وإنما نسبته إليه من جهة أمه لأنه لا ~~أب له. # وقال كثير من العلماء: إن هذا مخصوص بالحسن والحسين أن يسميا ابني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دون غيرهما، لقوله عليه السلام: PageV02P287 # «كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» «1» . # وقد قال بعض أصحابنا: فمن أوصى لولد فلان، ولم يكن لصلبه ولد، وله ولد ~~ابن، وولد ابنة، أن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة، وهو قول الشافعي «2» ~~، وإلا فإذا استولد الهاشمي جارية حبشية كان الولد متشرفا بأبيه. # قوله تعالى: (إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به ~~شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا «3» من دون الله) (64) . # معناه: ألا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى، وهو ~~نظير قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) معناه أنهم ~~أنزلوهم منزلة ربهم، في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله تعالى ولم ~~يحله، وهذا يدل على بطلان القول بالاستحسان المجرد، الذي لا يستند إلى دليل ~~شرعي، مثل استحسانات أبي حنيفة في التقديرات التي قدرها دون مستندات بينة. # وفيه رد على الروافض الذين يقولون: يجب قبول قول الإمام دون إبانة مستند ~~شرعي، وأنه يحل ما حرمه الله، من غير أن يبين مستندا من الشريعة. # قوله تعالى: (ويقولون على الله الكذب «4» وهم يعلمون) (75) PageV02P288 # يدل على أن الكافر لا يجعل أهلا لقبول شهادته لأنه تعالى وصفه بأنه كذاب. # قوله تعالى: (يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا «1» قليلا) (77) . # يدل على أن المال لا يصير حلالا له إذا قضى القاضي بحكم الظاهر «2» . # قوله تعالى: (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه من قبل أن تنزل التوراة) (93) . «3» # وهذا يدل على جواز إطلاق الله تعالى للأنبياء تحريم ما أرادوا تحريمه «4» ~~، ويعصمهم عن الزلل في اختياراتهم، ويدل على جواز النسخ أيضا، وظاهر ذلك ~~أنه حرمه بنفسه، لا أنه حرم عليه بالوحي، فإن الله ms161 تعالى أضاف التحريم ~~اليه، ولم يكن ذلك بالاجتهاد في النظر في أدلة الشرع، فإن الذي كان حلالا ~~من قبل نصا لا يتصور الاجتهاد المأخوذ من أصول PageV02P289 # الشرع في تحريمه، والاجتهاد طلب أدلة الشرع والنظر في معانيها، وقد كان ~~ذلك حلالا من جهة الشرع، فعلم أنه صار محرما بعد الإباحة بتحريم يعقوب على ~~نفسه لا بالاجتهاد، بل كان مأذونا له في أن يحرم ما شاء على نفسه، ولم ~~يحرمها الله تعالى، وربما يدل ذلك على أن الذي كان من يعقوب انتسخ ثانيا من ~~جهة الشريعة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم مارية على نفسه، ~~ولم يحرمها الله تعالى «1» . # وربما يدل ذلك على أن الذي كان من يعقوب انتسخ بهذا «2» . # ويجوز أن يقال: ومع تحريم مارية ليس نسخا لغيرها. # ويمكن أن يقال: مطلق قوله تعالى: (لم تحرم ما أحل الله لك) «3» يقتضي أن ~~لا يختص بالشافعي «4» . # وقد رأى الشافعي أن وجوب الكفارة في ذلك غير معقول المعنى فجعلها مخصوصا ~~لموضع النص. # وأبو حنيفة رأى ذلك أصلا في تحريم كل مباح وأجراه مجرى اليمين «5» . ~~PageV02P290 # قوله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس- إلى قوله- (ومن دخله كان آمنا) (96، ~~97) . # قوله: (فيه آيات بينات مقام إبراهيم) «1» . PageV02P291 # والآية في ذلك أن قدميه دخلتا في حجر صلد بقدرة الله عز وجل، ليكون ذلك ~~آية ودلالة على توحيد الله، وصدق نبوة إبراهيم. # ومن الآية فيه: إمحاق الأحجار في موضع الرمي «1» . # وامتناع الطير من العلو عليه، وإنما يطير حوله لا فوقه: # وتعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته- وقد كانت العادة جارية بذلك- ومن جملة ~~ذلك: هلاك أصحاب الفيل. # فقال الشافعي: لما ذكر الله تعالى أن فيها آيات بينات جعل من جملتها: «أن ~~من دخله كان آمنا» ، وأن ذلك كان من الآيات في أن الله تعالى جعل لذلك ~~الموضع هيبة ووقارا وعظمة في نفوس المفسدين المتمردين، كما قال تعالى: # (فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع) «2» بأن يجبي اليه ثمرات كل ~~شيء وهو بواد غير ذي زرع، (وآمنهم من خوف) . # وقال: (أولم ms162 نمكن لهم حرما آمنا) «3» . # فقوله: (كان آمنا) : مرتبا على ذكر الآيات، ظاهر في كونه خبرا عن شيء ~~كان، وذلك لا يدل على أن من عصى الله تعالى، والتزم حد الله تعظيما لأمر ~~الله وإجلالا لدينه، فهرب مما وجب، وصاحب الشرع يحرم عليه الالتجاء إلى ~~الحرم، فإنه أمر تسليم النفس لحق الله تعالى، أنه يكون آمنا. PageV02P292 # وهذا ليس بتأويل، إنما هو دليل مأخوذ من ظاهر لفظ الخبر، وهو قوله «كان» ~~ومن ظاهر السياق في ذكر الآيات وعد كونه آمنا في جملتها. # فإذا قيل: معناه لا تقتلوا أنتم، فليس ينتظم ذلك في سياق الآية، سيما وهو ~~يضطر إلى الخروج بقطع المير عنه، فهو خائف صباحا ومساء، فكونه آمنا يخالف ~~ذلك. # ويدل على ذلك أن القائل إذا قال: من دخل هذا الموضع كان آمنا، ثم لزمته ~~حدود النفس وعقوبات على الأطراف، فإذا قيل: إنها تستوفى منه، لم يتحقق معنى ~~الأمن مع ذلك، وعد إطلاق لفظ الأمن على كل داخل، مع إيجاب هذه العقوبات ~~عليه مستلزما. # فإذا تقرر ذلك، فكيف تترك العمومات في القصاص والزواجر لهذا الكلام ~~الوارد في معرض الآيات بلفظ الخبر؟ # وهل جاز الحبس في الحرم الملتجئ اليه في دين عليه إلا لعموم قوله عليه ~~السلام: # الي الواجد يحل عرضه وعقوبته» «1» . # وهل وجب القصاص في النفس وغيرها، إلا على وجه واحد بقوله تعالى: # (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين) الآية «2» . ~~PageV02P293 # أولا يعلمون أنه إذا قطعت أطرافه لم تكن آمنة، ولا الداخل آمنا، فإن قطع ~~الطرف يخشى منه هلاك النفس؟ # قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه) الآية (97) : # والاستطاعة وردت مطلقة، وفسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالزاد ~~والراحلة، لا على معنى أن الاستطاعة مقصورة عليها، فإن المريض، والخائف، ~~والشيخ الذي لا يثبت على الراحلة، والزمن، وكل من تعذر عليه الوصول، فهو ~~غير مستطيع للسبيل إلى الحج، وإن كان واجدا للزاد والراحلة. # فدل أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «الاستطاعة الزاد والراحلة» ~~، إبانة أن من ms163 أمكنه المشي إلى البيت ولم يجد زادا أو راحلة، لا يلزمه ~~الحج، فبين النبي صلى الله عليه وسلم، أن لزوم فرض الحج مخصوص بالركوب دون ~~المشي، وأن من لا يمكنه الوصول اليه إلا بالمشي الذي يشق عليه ويعسر، فلا ~~حج عليه، وذلك تنبيه على أن كل من لا يصل إلى البيت إلا بمشقة شديدة، فقد ~~سقط عنه الحج، وقد قال الله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) «1» . # والمرأة لما كانت كلحم على وضم، وكان ما يتوق «2» - من خروجها دون محرم ~~ونسوة ثقات- من الضرر على نفسها، أعظم من ضرر المشي PageV02P294 # في حق القادر عليه، فعلم بسقوط فرض المشي لما فيه من المشقة، سقوط ما ~~فوقه، وهذا بالغ حدا. # نعم هذا الذي قلناه من المنصوص عليه، ودلالته في سقوط الحج، لضرر يعود ~~إلى من عليه الحج، مع أنه قد ورد في منع وجوب الحج على المرأة «1» ، وعلى ~~الزمن الذي لا يستطيع ركوب الراحلة إلا بمشقة شديدة أخبار خاصة «2» . # وقد يمتنع وجوب الحج الضرر يرجع إلى الغير، إلى الحاج، كأن يكون عليه ~~دين، أو يكون «3» أجيرا، والمرأة إذا أرادت حجة الإسلام وهي منكوحة. # والاستطاعة تنعدم بهذه الجهات والأسباب، إذا امتنعت الاستطاعة، لضرر يرجع ~~إلى الماشي، فلأن تمتنع بحق الغير أولى، فإن الماشي إن تكلف المشقة ربح ~~الثواب، وأما من له الحق فإنه يتضرر من غير نفع يحصل له في مقابلته، وذلك ~~يدل على أن الأمر فيه أعظم. # مع أنه يمكن أن يذكر فيه معنى آخر، وهو أن الحج قد ثبت بالدليل أنه على ~~التراخي، وهذه الحقوق على الفور، والحج لا يفوت، وهذه PageV02P295 # الحقوق تفوت، والحج حق الله، وهذه الحقوق للآدمي، فربما يجري فيها زيادة ~~مضايقة لحاجة الآدمي، وليس الشروع في هذه المعاني من مقصودنا إنما مقصودنا: ~~اقتباس هذه الأحكام من هذه الآية الواردة في معنى الاستطاعة. # وهاهنا نوع آخر من الكلام، وهو أن الذين لا استطاعة لهم من المكلفين ~~قسمان: # أحدهما: إذا تكلف المشقة وحج وقع عن فرض حجة الإسلام. # والآخر: ms164 إذا حج لم تقع عن حجة الإسلام. # فالقسم الأول كالمرأة إذا سافرت دون محرم أو نسوة ثقات، أو تكلف الماشي ~~المشي، أو المريض تكلف المشقة. # والقسم الآخر كالعبد يحج دون إذن مولاه، فإنه لا يقع عن حجة الإسلام، حتى ~~إذا عتق وجبت حجة الإسلام. # مع أن القسمين على سواء في سقوط خطاب الأداء فيهما «1» . # وقد خالف في العبد قوم من السلف، وحكى الرازي هذا المذهب عن الشافعي، وهو ~~منه غلط، ولم يختلف قول الشافعي في هذا المعنى، ولا عن أصحابه وجه على ما ~~رواه عنه الرازي. # والفارق بين القسمين: إن كان من وصل إلى البيت ولزمه الحج، كالفقير ~~والمريض الذي سهل عليه ذلك العذر من العمل، أو بسقط صاحب «2» الحق، مثل ~~المديون والأجير والزوج، أو لصاحبة المحرم مثل PageV02P296 # المرأة، فيلزمهم الحج، فإذا حجوا بأنفسهم وقع الموقع، فإنه يعلم بوجوب ~~الحج عليهم عند حضور البيت، أو رصا من له الحق أن امتناع الأداء عارض، وأن ~~الوجوب لولا العارض ثابت، وإذا أدى «1» الحج، فليس في منع الاعتداد به عن ~~حجة الإسلام إضرار بالغريم، فلا حج عليه، فدل أن المانع في الخطاب، وأن ~~الخطاب قاصر عنه لنقص فيه، بالإضافة إلى الحج، فلا جرم لا يقع عن حجة ~~الإسلام بحال. # فإن قال قائل: ولو وقع السؤال عن هذا وقيل: العبد إذا كان حاضرا في ~~المسجد الحرام وأذن له السيد، فلم لا يلزمه الحج؟ # قلنا هذا سؤال على الإجماع، وربما لا يعلل ذلك، ولكن إذا ثبت هذا الحكم ~~بالإجماع، استدللنا به على أنه لا يعتد بحجه في حال الرق على حجة الإسلام، ~~ولعل المعنى فيه: أن الرق ضرب على الكافر في الأصل، ولم يكن حج الكافر ~~معتدا به، ولما ضرب عليه الرق، ضرب عليه ضربا مؤبدا، فلم يكن في حالة الكفر ~~أهلا لأداء عبادة الحج، ولما ضرب الرق المؤبد عليه، تقاصر عنه الخطاب أبدا، ~~فلم يدخل تحت خطاب الحج بوجه. # وأما الفقر؟؟؟ فعارض لا يدوم، والمرض كمثل، وقد سبق الخطاب، وكذا ~~المنكوحة، فهذا هو السبب ms165 فيه. # نعم العبد لا جمعة عليه، وإذا أداها سقط الفرض، لأن عليه الظهر، والجمعة ~~قائمة مقامه، وليس عليه شيء يقوم الحج مقامه، وقد روي عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «أيما صبي حج ثم أدرك، فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي PageV02P297 # حج ثم هاجر، فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق، فعليه أن يحج ~~حجة أخرى» «1» . # وهذا إذا صح أغنى عن تكلف كل معنى. # وظاهر قوله: (ولله على الناس حج البيت) الاكتفاء بحجة واحدة «2» . # قوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته) «3» الآية (102) : # قد قيل إنه منسوخ، لأن حقه تعالى يقتضي القيام بحقوق الله في حالة الأمن ~~والخوف وترك التقية فيها، ثم نسخ حالة التقية بقوله: (ما استطعتم) فيقال ~~لهذا القائل: هو عند الإكراه مستطيع، فيقول: إذا عظمت المشقة يحسن أن يقال: ~~هو غير مستطيع كما قال تعالى: (وكانوا لا يستطيعون سمعا) «4» ، ويقال لهم: ~~ما معنى حق تقاته إلا امتثال أمر الله تعالى على نحو ما أمر؟ وإلا فقد ~~تعالى الله عن الغرض في عبادتنا، وإنما يتقي معاصي الله خوفا من عقوبته ~~لترك الأمر، فلا بد من تأمل الأمر، فكل من امتثل أمر الله تعالى فقد أتقاه ~~حق تقاته، فعلى هذا لا نسخ فيه «5» . PageV02P298 # قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله «1» جميعا ولا تفرقوا) (103) وحبل الله ~~في عهده «2» في قول، والقرآن في قول آخر «3» ، وكل ذلك صحيح. # وقوله: (ولا تفرقوا) : يجوز أن يراد به التفرق في أصول الدين، مثل قوله ~~تعالى: # (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) ~~«4» . # ويجوز أن يكون معناه: «ولا تفرقوا» «5» متابعين للهوى والأغراض المختلفة، ~~وكونوا في دين الله إخوانا، فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر، ودل ~~عليه ما بعده وهو قوله تعالى: PageV02P299 # (واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~«1» إخوانا) (103) . # وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع، فإن ذلك ليس اختلافا، إذ ~~الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع، وليس ms166 اختلاف حكم الحائض والطاهرة ~~في الصوم والصلاة، واختلاف حكم المقيم والمسافر في الإتمام والقصر، اختلافا ~~من حيث إن الواجب على كل واحد منهم، غير الواجب على الآخر، والاختلاف إذا ~~هو كالاختلاف في الصناعات والحرف وأصغار الأشياء، ومراسم الناس في أنها سبب ~~الانتظام، وإنما منع الله اختلافا هو سبب الفساد، فهذا حكم مسائل الاجتهاد، ~~فإن الاختلاف فيها سبب لاستخراج الغوامض ودقائق معاني الشرع، فاعلمه. # وما زالت الصحابة مختلفين في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متواصلون، وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك: # «اختلاف أمتي رحمة» «2» . PageV02P300 # قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة «1» يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر) (103) : # وذلك يدل على أنه فرض لكنه فرض على الكفاية. # ولعل قوله: (ولتكن منكم أمة) يدل على ذلك، فإنه يقتضي بظاهره أنه إذا قام ~~به البعض، سقط عن الباقين «2» ، فإنه قال: (ولتكن منكم أمة) . # أي إن جميعكم ربما لا يمكنهم ذلك، فليتول قوم منكم حتى يكون المعروف ~~مأتيا والمنكر مرفوضا، وقد أمر الله تعالى بالأمر بالمعروف في مواضع في ~~كتابه لا حاجة بنا إلى ذكرها، ووردت في ذلك أخبار أوفاها ما رواه أبو سعيد ~~الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع ~~فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» «3» . # وقد قال الله تعالى في هذا المعنى: # (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن PageV02P301 # بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) «1» . # وقال: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود) «2» - إلى قوله- ~~(كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) . # وقد قال الله تعالى: # (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) «3» ~~الآية. # وليس ذلك ناسخا لوجوب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه ~~إذا أمكنه إزالته بلسانه فليفعله، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة والقتل ~~فليفعله، وإن انتهى بدون القتل لم يجز بالقتل وهذا يتلقى من قوله تعالى: # (فقاتلوا التي تبغي حتى ms167 تفيء إلى أمر الله) «4» . # وعليه بنى العلماء: أنه إذا دفع الصائل «5» على النفس، أو على المال عن ~~نفسه، أو عن ماله، أو مال غيره، أو نفس غيره، فله ذلك ولا شيء عليه، ولو ~~رأى زيد عمرا وقد قصد مال بكر، فيجب عليه أن يدفعه عنه، إذا لم يكن صاحب ~~المال قادرا عليه ولا راضيا به، ولو قصد ماله، فيجوز له أن يتركه عليه ولا ~~يدفعه، وفي الصيال على النفس خلاف. PageV02P302 # ولو كان في يد الغاصب مال غيره وسعك أن تبيعه، ويقتله إن لم يقف، وكذلك ~~في السارق إذا أخذ المتاع فيجوز ابتياعه، والسارق الذي ينقب البيوت كمثل، ~~حتى قال العلماء: لو فرضنا قوما من أصحاب المكوس والضرائب والأموال الذين ~~في أيديهم أموال الناس، وهم ممتنعون من إيصالها إلى الملاك، ولا ينفعهم ~~الردع بالكلام والملام والتخويف بالله، فيجوز قتلهم من غير إنذار، لأنهم لا ~~يقبلون ذلك من أحد لقوله تعالى: # (لا يضركم من ضل) يعني: لم يقبل منكم ولا يقدر على منعه من الظلم، فعليك ~~نفسك. # وقال تعالى في ذكر أصحاب السبت «1» . # (أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا) «2» . # فدل ذلك على أن من لم ينه عن الظلم، جعل راضيا به حتى وجب تعذيبه، وقد ~~نسب قتل الأنبياء المتقدمين، إلى من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ~~من اليهود، الذين كانوا موالين لأسلافهم القاتلين لأنبيائهم. # وبنى الشافعي عليه: أن فعل الفاعل، إذا كان في نفسه قبيحا ومفسدة فيجوز ~~دفع الفاعل عنه لما يأتي على نفسه، ولا ضمان على قاتله، مثل أن يصول مجنون ~~أو بهيمة على مال لرجل أو نفسه، فيجوز للمصول عليه ولغيره قتله، ولا ضمان ~~عليه، وهو من قبيل النهي عن المنكر، وليس معنى النهي تكليف الفعل، ولكنه ~~دفع الفاعل عن الفعل القبيح والظلم والتشنيع. PageV02P303 # وأبو حنيفة يخالف في ذلك، لأنه يرى أن القاتل ليس ظالما بفعله، ويقال له ~~إنه ليس ظالما بفعله، إلا لأن الفعل غير قبيح ولا مفسدة، ولكن لجهل الفاعل، ~~ولو علمه كان ms168 به ظالما ولحقه الذم واللوم والسفه، وهذا بين. # ومن جملة ذلك: أنه إذا كان في بلد الإسلام من يضلل الناس بشبهة وبدعة، ~~فإنه يجب إزالته بما أمكن، لأنه نهي عن المنكر، ومن لم يكن داعيا للناس إلى ~~ذلك، وإنما يذعن إلى الحق، فإقامة الدلائل على صحة قول أهل الحق وتبيين ~~فساد شبهه، ما لم يخرج على أهل الحق بسيفه، ويكون له أصحاب يمتنع بهم عن ~~الإمام، فإن خرج داعيا إلى مقالته مقاتلا عليها، فهذا الباغي الذي أمر الله ~~تعالى بقتاله حتى يفيء إلى أمر الله # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة «1» من دونكم لا ~~يألونكم «2» خبالا) (الآية 118) : # فيه دلالة، على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في شيء من أمور ~~المسلمين من العمالات والكتابة. # ولما استكتب أبو موسى رجلا من أهل الذمة، كتب اليه عمر يعنفه ويلومه ~~ويتلو عليه هذه الآية. # وقيل لعمر: إن هاهنا رجل من أهل الحيرة لم ير رجل أحفظ منه ولا أخط بقلم، ~~فإن رأيت أن تتخذه كاتبا، قال: PageV02P304 # «قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين» «1» . # قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) «2» (159) : # يدل على جواز الاجتهاد «3» في الأمور، والأخذ بالمظنون مع إمكان الوحي، ~~فإن الله تعالى أذن لرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك. # قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل) «4» ، ومن يغلل يأت PageV02P305 # (بما غل يوم القيامة) «1» الآية (161) : # وفيها دليل على أن الغلول «2» فيما قل وكثر، من أصناف الأموال، وأن ~~الأموال الواصلة إلينا من الكفار مشتركا فيما بين الغانمين، إلا فيما ~~استثنى من الأطعمة لأخبار اختصت بها. PageV02P306 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة النساء # «1» # قوله تعالى: # (واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام) «2» الآية (1) : # يدل على تأكيد الأمر في صلة الرحم، والمنع من قطيعتها، وهي اسم ~~PageV02P307 # لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم «1» وغيره، وأبو حنيفة يعتبر الرحم ~~المحرم في منع الرجوع في الهبة، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام، مع أن ~~القطيعة موجودة والقرابة حاصلة، ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من ~~الأحكام، فاعتبار ms169 المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند، وهم يرون ذلك ~~نسخا، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة، وقد جوزها في حق بني الأعمام ~~وبني الأخوال والخالات. # قوله تعالى: (وآتوا «2» اليتامى أموالهم) الآية (2) : # روى عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن ~~يخالطوهم، فجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: # (ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم) «3» . # وإنما قال الحسن ذلك لأنه تعالى قال: # (وآتوا اليتامى أموالهم) إلى قوله (ولا تأكلوا أموالهم إلى) PageV02P308 # (أموالكم) ، وكل ذلك بعد البلوغ لا يتقرر، والمعنى بقوله: # (وآتوا اليتامى أموالهم) ، أي أموالهم للأكل والشرب واللباس والثياب ~~والمفارش والمساكن، فلما نزل ذلك، عزل أولياء اليتامى طعامهم من طعام ~~اليتامى، وملابسهم من ملابس اليتامى، فجعل يفضل له من طعامه، فيحبس له حتى ~~يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فنزل قوله تعالى: # (ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم) الآية. # ويجوز أن يكون قول الله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم) عنى به البالغ، ~~وسمي يتيما لقرب عهده بالبلوغ، ولذلك قال: (وآتوا اليتامى أموالهم) . # والظاهر منه أنهم يؤتون أموالهم إيتاء لا بمعنى الإطعام والكسوة، ولكنه ~~بمعنى تسليطه عليه، ونهى الولي عن إمساك ماله بعد البلوغ عنه، ولكن لم ~~يشترط الرشد هاهنا، وشرط إيناس الرشد والابتلاء في قوله: # (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم) «1» ، فكان ذلك مطلقا وهذا مقيد. # وذكر الرازي في أحكام القرآن: أنه لما لم يقيد الرشد في موضع، وقيد في ~~موضع، وجب استعمالهما والجمع بينهما فأقول: # إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد، وجب دفع المال ~~اليه، وإن كان دون ذلك لم يجب عملا بالآيتين، وهذا في غاية البعد، فإنه ~~تعالى قال: PageV02P309 # (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) ، وذلك يقتضي اعتياد إيناس الرشد ~~عقيب بلوغ ms170 النكاح من غير تطاول المدة. # وقوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم) ، يقتضي مثل ذلك، فإن اسم اليتيم ~~إنما يطلق على قبل البلوغ حقيقة، وعلى قرب العهد بالبلوغ مجازا، فإما أن ~~يقال: إنه يتناول ابن خمس وعشرين سنة فصاعدا إلى مائة، وهو جهل عظيم. # والعجيب أن أبا حنيفة إنما أطلق الحجر، لأنه قال قد بلغ أشده وصار يصلح ~~أن يكون جدا، فإذا صار يصلح أن يكون جدا، فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة ~~اليتم، وباسم اليتم، وهل ذلك إلا في غاية البعد «1» . # قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا «2» في اليتامى فانكحوا ما طاب «3» لكم ~~من النساء مثنى وثلاث «4» ورباع) الآية (3) . # واختلفت أقاويل المفسرين في معناه: PageV02P310 # فروى الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة- رضي الله عنها- في قول الله ~~تعالى: # (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع) قالت: # يا ابن أختي: هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله ويعجبه مالها ~~وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما ~~يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا، فأمروا أن ينكحوا ما طاب ~~لهم من النساء سواهن «1» . # قال عروة: قالت عائشة- رضي الله عنها-: # وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل ~~الله: # (وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء) .. إلى قوله: # (وترغبون أن تنكحوهن) «2» . # قالت: والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي ~~فيها: (وإن خفتم ألا تقسطوا في) «3» .. # وقوله في الآية الأخرى: (وترغبون أن تنكحوهن) ، رغبة أحدكم عن يتيمته ~~التي هي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا «4» أن ينكحوا من ~~رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء، إلا PageV02P311 # بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، وهذا ما أورده البخاري في صحيحه «1» ، وفيه ~~دلالة على أن اليتيمة يجوز تزويجها «2» . # وروي عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع غير هذا التأويل، وهو أن معنى ~~الآية: «كما خفتم في حق اليتامى فخافوا في حق ms171 النساء الذي خفتم في اليتامى ~~ألا تقسطوا «3» فيهن» . # وروي عن مجاهد: (وإن خفتم ألا تقسطوا) ، أي تحرجتم من أكل أموالهم، ~~فتحرجوا من الزنا وانكحوا نكاحا طيبا مثنى وثلاث ورباع. # والمشكل أن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلت هذه الآية في ذلك، وذلك لا ~~يقال بالرأي وإنما يقال توقيفا، ولا يمكن أن يحمل على الجد، لأنه لا يجوز ~~له نكاحها، فعلم أن المراد له ابن العم ومن هو أبعد منه من سائر الأولياء. # ويمكن أن يحمل على البالغة لأن عائشة رضي الله عنها قالت: # ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل ~~الله تعالى: # (ويستفتونك في النساء- إلى قوله- في يتامى النساء) «4» . PageV02P312 # والصغار لا يسمين نساء «1» . # فإن قيل: قوله: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) حقيقة في الصغيرة بدليل ~~عليه السلام: «لا يتم بعد حلم» «2» ، واسم النساء يتناول الصغيرة في قوله: # (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) «3» . # (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) «4» . # (وأمهات نسائكم) «5» . # ويقال في الجواب عنه: # إن اسم النساء في قبيل الإناث، كاسم الرجال في قبيل الذكور، واسم الرجل ~~لا يتناول الصغير، فاسم النساء والمرأة لا يتناول الصغيرة والصغائر، وفي ~~الإناث التي وقع الاستشهاد بها، يمكن أن يكون اللفظ لغير الصغيرة، ولكن ~~يثبت مثل ذلك الحكم في الصغيرة بدلالة الإجماع. # وقول القائل: اسم اليتيم لا يتناول ما بعد البلوغ، فهو مسلم من حيث ~~الحقيقة، غير أنه يطلق مجازا، بدليل أنه ذكر النساء، ولا يمكن تعطيل لفظ ~~النساء الذي هو حقيقة في البالغات «6» . PageV02P313 # فإن قيل: فالبالغة يجوز التزوج بها بدون مهر المثل برضاها، فأي معنى لذلك ~~الجواب؟ # يقال إن معناه أن يستضعفها الولي ويستولى على مالها، وهي لا تقدر على ~~مقاومته، ولذلك قال: # (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان) «1» . # ولما ثبت أن المراد باليتيمة البالغة، ولم يكن في كتاب الله دلالة على ~~جواز تزويج الصغيرة، لا جرم صار ابن شبرمة إلى أن تزويج الآباء للصغار لا ~~يجوز، وهو مذهب الأصم، لأن نكاح الصغيرة يتخير ms172 «2» بتفويت من غير تعجيل ~~مصلحة، على ما قررناه في تصانيفنا في مسائل الخلاف، وإذا ثبت ذلك فلا يجوز ~~ذلك تلقيا من القياس ولا توقيفا. # وقد قال قائلون: بل في كتاب الله ما يدل على جواز تزويج الصغيرة، فإن ~~الله تعالى يقول: # (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن) «3» . PageV02P314 # فحكم بصحة طلاق الصغيرة التي لم تحض، والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح، ~~وهذا لا دافع له إلا أن يقال: # النكاح في حق الصغيرة، إن لم يتصور، فالوطء الموجب للعدة متصور، وليس في ~~القرآن ذكر الطلاق في حق الصغيرة، إنما فيه ذكر العدة، والعدة تجب بالوطء، ~~والوطء متصور في النكاح الفاسد، وعلى حكم الشبهة في حق الأمة تزوجها مولاها ~~وهي صغيرة فتوطأ. # والاعتماد على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله ~~عنها وهي بنت ست سنين، زوجها أبوها أبو بكر» «1» . # وربما لا يقولون: لا يحتج بما كان في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فإن نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتقر إلى الولاء. # وعماد كلامهم أن تزويج الصغيرة يتخير بتفويت في مقابلة نجح موهوم، ولا ~~يتحقق ذلك في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا يتوقع فوات مصلحة ~~الصغيرة من نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد يقال في الجواب عن ذلك: إن المرأة ربما أرادت الدنيا بعد البلوغ، ~~وأرادت التفرغ إلى نفسها ولم ترد زوجا فالتوقع قائم» «2» . PageV02P315 # ويمكن أن يقال: # إن نكاح الصغيرة ليس بعيدا عن المصلحة، ولذلك اطردت به العادة واستمرت ~~عليه العامة، فإن المقصود منه الألفة، فإذا ألفيت المرأة صغيرة لم تمارس ~~الرجال ولم تعرف الهوى، ترسخت المودة بينهما، فقد قيل في المثل: # ما الحب إلا للحبيب الأول.. # والشاعر يقول: # عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا فارغا متمكنا # قوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع) «1» الآية (3) : PageV02P316 # ظن قوم أن الواو تقتضي الجميع، فحل جميع هذا العدد الذي يخرج منه ms173 الاثنان ~~والثلاث والأربع إلى تسع «1» . # وقال جمهور العلماء: المراد به إباحة الثنتين إن شاء، والثلاث إن شاء، ~~والأربع إن شاء، وأنه مخير في أن يجمع من هذه الأعداد ما شاء، فتقدير ~~الكلام: تخيروا في هذه الأعداد. # فإن قيل: فلفظ التخيير قد عدم هاهنا، وإنما ذكر لفظ الجمع، ولم يكن ~~كقوله: # (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة) «2» . PageV02P317 # قيل: ذلك لأن الله تعالى إنما أراد به بيان الأصلح لعباده، بالإضافة إلى ~~أحوالهم، فإن أمكنه أن يعدل في الأربع نكح الأربع، وإلا نكح الثلاث، وإلا ~~نكح المثنى فإن خاف ألا يعدل فواحدة، فتقديره: # ثلاث ورباع في حالة. # وهذا يرد عليه أن في أي وقت قدرتموه، فقد جاز له نكاح الأربع، فلا معنى ~~لتقدير ذلك. # وقد قيل: الواو على حقيقتها ولكنه على وجه البدل، كأنه قال: # ثلاث بدلا من مثنى، ورباع بدلا من ثلاث، لا على الجمع بين الأعداد. # ومن قال هذا قال: لو قيل بأو لجاز أن لا يكون الثلاث لصاحب المثنى، ولا ~~الرباع لصاحب الثلاث، فأفاد بذكر الواو إباحة الأربع لكل واحد ممن دخل في ~~الخطاب، وأيضا فإن المثنى دخل في الثلاث، والثلاث دخل في الرباع، إذ لم ~~يثبت أن كل واحد من الأعداد مراد مع الأعداد الأخر على وجه الجمع فيكون ~~تسعة، وهذا كقوله: # (قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا) إلى قوله ~~(قدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين) «1» . # والمعنى في أربعة أيام باليومين المذكورين بدءا، ثم قال: # (فقضاهن سبع سماوات في يومين) «2» . PageV02P318 # ولو أن ذلك كذلك، لصارت الأيام كلها ثمانية، وقد علم أن ذلك ليس كذلك. # لقوله تعالى: (خلق السماوات والأرض في ستة أيام) «1» . # فذلك المثنى داخل في الثلاث. والثلاث في الرباع، فيكون الجميع أربعا، ~~وهذا ما عليه جمهور العلماء. # ثم هذا العدد في الأحرار دون العبيد، فإن سياق الكلام يدل عليه، وهو ~~قوله: (فانكحوا ما طاب لكم) ، والعبد لا يملك النكاح بنفسه، لتوقف نكاحه ~~على ms174 إذن مولاه، ولأن الأصل امتناع النكاح في حق العبد، لمنافاة الرق ~~الاستقلال بالملك، غير أن الشرع أباح له لمكان الحاجة، فكان الأصل الاقتصار ~~على الواحد، غير أنه جعل مشطرا، والزيادة عليه تعنت على أصل المنع «2» . # قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) «3» الآية (2) . # فالمراد به العدل في القسم بينهن كما قال تعالى في آية أخرى: # (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل) «4» ~~. # والمراد به ميل القلب، والعدل الذي يمكنه فعله ويخاف ألا يفعل لإظهار ~~الميل بالفعل، فيجب عليه الاقتصار على الواحدة إذا خاف إظهار الميل والجور ~~ومجانية العدل. PageV02P319 # ثم قال: (أو ما ملكت أيمانكم) الآية (3) . # فدل ذلك على أن لا عدد في ملك اليمين، ولا وجوب القسم والعدل فيهن، فإنه ~~تعالى قال: # (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) . # يزول له الخوف من الميل، (أو ما ملكت أيمانكم) . # فإنه لا يجب فيهن العدل. # وظن قوم أن المراد به العطف على قوله: (فانكحوا) وتقديره: # فانكحوا ما طاب لكم من النساء أو ما ملكت أيمانكم، وهذا يدل عند هذا ~~القائل على أنه يجوز التزويج بأربع إماء، كما جاز التزويج بأربع حرائر. # وهذا فيه نظر، لأن العطف رجع إلى أقرب مذكور، والمذكور آخرا قوله تعالى: # (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) . # وذلك يقتضي أن يكون الذي يعدل اليه خيفة الحيفة وترك العدل، لا يجب فيه ~~مراعاة العدل، وذلك ملك اليمين. # فإن قيل: الضمير المتقدم هو النكاح، وقوله: (أو ما ملكت أيمانكم) ، لا ~~يستقل بنفسه، فلا بد من عطف على ضمير متقدم، ولا متقدم إلا النكاح. # وإذا قلتم المراد به: (أو ما ملكت أيمانكم) لم يستقم إثبات ضمير الفعل ~~المتقدم في هذا المحل، فإنه لا نكاح في ذلك اليمين. # PageV02P320 # والجواب عنه: أن العطف على ما ذكره أخيرا من تحريم إظهار الميل، وأنه إذا ~~كان كذلك يخلص بواحدة أو بملك يمين، ويدل على ذلك أنه لو رجع ذلك إلى نكاح ~~الإماء كان تقدير الكلام: فانكحوا ما طاب لكم من ms175 النساء، أو انكحوا ما ملكت ~~أيمانكم، وذلك يقتضي الجمع بينهما، والجمع ممتنع محرم جميعا. # وليس يمكن أن يقال: إنه قال: # (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) ، ولم تدخل فيه الإماء، ثم قال: (أو ما ~~ملكت أيمانكم) على البدل من النساء، فإن ذلك مكروه بالإجماع، وقد بين الله ~~خلافه في موضع آخر فقال: # (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم) ~~«1» . # وأبان اشتراط خوف العنت، فيكون مبينا حكم نكاح الأمة هاهنا، وذلك بعيد من ~~القول. # والدليل على ذلك أيضا: أن ظاهر قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) . إضافة ~~جمع إلى جمع، وذلك يقتضي توزيع الآحاد على الآحاد، فتقدير قوله: (أو ما ~~ملكت أيمانكم) أي ما ملكت يمين كل واحد منكم، ولا يتصور ذلك في ملك النكاح، ~~فدل على أن الضمير هو الوطء لا العقد. # نعم ورد مثله في موضع آخر وهو قوله: PageV02P321 # (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم) ~~. # ولكن خالفنا ظاهر إضافة الجمع إلى الجمع وقلنا: المراد به نكاح ملك يمين ~~الغير، ودل عليه قوله تعالى: # (فانكحوهن بإذن أهلهن) «1» . # ولما بين نكاحهن قال: (وآتوهن أجورهن بالمعروف) «2» . # وها هنا قال: # (أو ما ملكت أيمانكم) ثم قال: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) «3» ، ولم ~~يتعرض لصداق الأمة، ولو جرى ذكر نكاحها لذكر الصداق، كما ذكر حق النساء. # قوله تعالى: (ذلك أدنى ألا تعولوا) الآية (3) . # أي تميلوا. # وقد قيل معناه ألا تميلوا، وأصل العول مجاوزة الحد، فالعول في الفريضة ~~مجاوزته لحد السهام المسماة، وعال إذا حاد، وعال يعيل إذا افتقر، ويقال ~~أيضا: إذا تبختر. # قال الشافعي رضي الله عنه: # وهذا يدل أن على الرجل مئونة امرأته، فقيل له: معنى قوله: أن لا تعولوا- ~~أي لا تميلوا- وهو الميل الذي نهى الله عنه وأمر بضده في حق النساء. ~~PageV02P322 # والشافعي يقول: إذا كثر عيال الرجل يقال هو معيل، وقد عال يعول، ويقال: ~~هو يعول جمعا، فقيل له: في الآية ذكر الواحدة، وملك اليمين، والنفقة واجبة ~~في جميع ذلك؟ ms176 # فقال: نفقة ملك اليمين هو متمكن من دفعها بالبيع والتزويج من غير خسران، ~~ويصعب عليه مفارقة أم أولاده. # فقيل له: فقد يتزوج الرجل بالمرأة الواحدة وعليه نفقتها؟ # قال: هو أدنى ألا يقال فيه كثر العيال. # والشافعي رضي الله عنه حجة في اللغة. # وقد روي عن زيد بن أسلم في قول الله تعالى: (ذلك أدنى ألا تعولوا) قال: # يقول: ذلك أدنى ألا يكثر من تعولون. # وقال أبو زيد فيه: ذلك أقل لنفقتك، للواحدة أقل من ثنتين وثلاث وأربع، ~~وجاريتك أهون عليك من العيال. # ويدل على ما قاله الشافعي: أنه لو كان المراد به الميل، فإذا كثر عدد ~~النساء أم قل فلا يختلف الميل، وإنما يختلف القيام بحقوقهن، فإنهن إذا كثرن ~~تكاثرت الحقوق عليه. # أما إظهار ميل الطبع ونفاره، فلا يختلف بكثرة العدد وقلته. # وهذا يدل على أن المراد بقوله: (ذلك أدنى ألا تعولوا) ما قاله. # PageV02P323 # وقد تجاوز بعض من صنف أحكام القرآن حد الإنصاف عند حكاية كلام الشافعي، ~~وكفاه جهله بقدر الشافعي جوابا له. # قوله تعالى: (وآتوا «1» النساء صدقاتهن نحلة) الآية (4) : # والنحلة هاهنا الفريضة، وهو مثل ما ذكره الله تعالى عقيب ذكر المواريث ~~(فريضة من الله) «2» . # والخطاب يدل على الأزواج، ونهيهم عن منع الصداق عنهم، وعلى الولي الذي ~~يأخذ المهر ولا يعطيها «3» ، مع أن ما تقدم من قوله: (فانكحوا) يدل على أنه ~~خطاب للأزواج. # وإذا كان خطابا للأزواج فيجوز أن يقال سمي نحلة، والنحلة في الأصل ~~العطية، وإنما سماه عطية، لأن الزوج لا يملك من بدله شيئا، فكان ذلك ترغيبا ~~في إبقاء صداقها وسياقة مهرها إليها على قدر مئونة، ظانا أن ذلك منه نحلة، ~~ولا تعطوهن المهور كارهين، ظانين أن ذلك غرامة، ولكن لتكون أنفسهم طيبة به. # قوله تعالى: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه «4» هنيئا مريئا) (4) : # وذلك يدل على أن للمرأة هبة الصداق من زوجها، بكرا كانت أو PageV02P324 # ثيبا، خلافا لمالك، فإنه منع من هبة البكر الصداق من زوجها، وجعل ذلك ~~للولي، مع أن الملك لها، وذلك في ms177 غاية البعد. # قوله تعالى: (فكلوه هنيئا مريئا) «1» ، ليس المقصود صورة الأكل، وإنما ~~المراد به الاستباحة بأي طريق كان، وهو المعنى بقوله تعالى في الآية التي ~~بعدها: # (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) «2» . # وليس المراد نفس الأكل، إلا أن الأكل لما كان أو في أنواع التمتع بالمال، ~~عبر عن التصرفات بالأكل، فهذا ما سبق إلى الفهم، وعلم أن الأكل بصورته ليس ~~معنيا. # ومثله قوله تعالى: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع) «3» . # يعلم أن صورة البيع ليست مقصودة، وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر الله ~~تعالى، مثل النكاح وغيره، ولكن ذكر البيع لأنه أهم ما يشتغل به عن ذكر الله ~~تعالى، فيكون معنى سابقا إلى الفهم، ونظائره كثيرة في الكتاب والسنة «4» . # وقوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) مع قوله: (فإن طبن لكم عن شيء ~~منه) ، يدل على أنه أراد: فإن طبن قبل أن تؤتوهن صدقاتهن نحلة، وذلك هو ~~الإبراء، فدل ذلك على أن من وهب PageV02P325 # لإنسان دينا له عليه أن البراءة قد وقعت بنفس الهبة «1» . # وقوله تعالى (فإن طبن لكم) ، يدل على عموم الحكم في البكر والثيب. # وقوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) الآية (5) : # قال ابن عباس: الآية مجراة على حقيقتها، والمراد منها النهي عن دفع المال ~~إلى الصبيان والنسوان، وتسليطهم على مال نفسه حتى يستنفذوه في أسرع مدة ~~فيبقون عالة، وهو يبقى عائلا مستضعفا. # وقال ابن عباس: السفيه من ولدك وعيالك. # وقال: المرأة من أسفه السفهاء. # وفيه تنبيه عن النهي عن تضييع الأموال. # نعم الهبة على الأولاد والنسوان جائزة، ولكن لا بأن يجعل المال في ~~أيديهم، ولكن بأن ينصب فيما عليهم في الموهوب منهم، وقد نهى الله تعالى عن ~~التبذير، ومن التبذير تسليم المال إلى من ينفقه في غير وجهه. # والأولى أن يسلم ذلك إلى نائبه، أو يكون في يده، وهو وليه. # وإنما حكمهم على هذا التأويل قوله تعالى: (أموالكم) وقوله تعالى: ~~(وارزقوهم فيها) أي منها. # وقد قيل: معناه أموالهم، وفيه تنبيه على دفع مال ms178 السفيه اليه، فمعناه لا ~~تؤتوهم أموالهم، وإنما أضافها إليهم، كما قال: (ولا تقتلوا) PageV02P326 # (أنفسكم) «1» يعني بعضكم بعضا. # وقال: (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) «2» . # يريد من يكون فيها، وذكروا أن هذا التأويل أولى، فإن السفه صفة ذم، وهذا ~~يعترض عليه، فإن السفه في الأصل الخفة، وليس ذلك صفة ذم ولا مفيدا لعصيان، ~~والمعنيان مختلفان. # قوله تعالى: (وابتلوا «3» اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) الآية (6) . # واعلم أن كثيرا من العلماء جوزوا إذن الولي للصبي في التجارات وتسليم ~~المال اليه، حتى يتصرف وتبدو بياعاته وتصرفاته، وليس في العلماء من يقول ~~إنه إذا اختبر الصبي فوجد رشيدا ارتفع عنه الولاية، وأنه يجب دفع ماله ~~اليه، وإطلاق يده في التصرف، وذلك يدل على أن الابتلاء في الصبي ليس يفيد ~~العلم المعتبر برشده، فكذلك قال الله تعالى: # (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا) . ~~PageV02P327 # فدل ذلك على أن الابتلاء قبل البلوغ لا بدفع المال اليه، ولا بأن يبقى ~~بعقله ورأيه، حتى يزعم بكونه رشيدا، فإنه لو كان كذلك ما توقف وجوب دفع ~~المال على بلوغ النكاح، بل دل على أن الابتلاء قبل البلوغ في أمر الدين ~~والدنيا، بأن يربيه على الخيرات والطاعات، ويندبه إلى المراشد وتأمل ~~التصرفات والتجارات، حتى يكون نشوه على الخيرات، فإذا بلغ النكاح نفعه ما ~~تقدم من التدريب، ويحصل به إيناس الرشد، وهو إحساس الرشد، مثل قوله تعالى: ~~(إني آنست نارا) «1» . # يعني أحسستها وأبصرتها، وذلك يدل على أن الذي يجري في الصبي غير موثوق به ~~شرعا، إنما هو توطئة وتمهيد لزمان البلوغ الذي يوثق فيه بإيناس الرشد، فهذا ~~تحقيق لمذهب الشافعي رضي الله عنه، ويرد على من خالفه، ثم قال الشافعي: # ولما قال تعالى: (فإن آنستم منهم رشدا) ، وهو يقتضي صلاح الدين والدنيا، ~~والفاسق غير رشيد ولا مأمون، وهذا لأن التبذير يتولد من غلبة الهوى، والهوى ~~منشأ الفسق، ولا يؤمن من الفاسق صرف المال إلى المحصور المنكور، وذلك تبذير ~~وإن قل، فإنه لا ms179 يكتسب به محمدة في الدنيا والآخرة، والكثير في الطاعات ليس ~~بتبذير، على ما عرف من أقوال السلف رضوان الله عليهم أجمعين، فهذا معنى ~~الآية. # قوله تعالى: (ومن كان غنيا فليستعفف «2» ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) ~~الآية (6) : PageV02P328 # توهم متوهمون من السلف بحكم هذه الآية، أن للوصي أن يأكل من مال الصبي ~~قدرا لا ينتهي إلى حد السرف، وذلك خلافا ما أمر الله تعالى به في قوله: # (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) «1» . # ولا يتحقق ذلك في مال اليتيم. # فقوله: (ومن كان غنيا فليستعفف) يرجع إلى أكل مال نفسه دون مال اليتيم ~~فمعناه: # ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم، بل اقتصروا على أكل أموالكم، وقد دل ~~عليه قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا) «2» ~~. # وبان بقوله تعالى: (ومن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف) ، الاقتصار على البلغة حتى لا يحتاج إلى أكل مال اليتيم، فهذا ~~تمام معنى هذه الآية، فقد وجدنا آيات محكمات بمنع أكل مال الغير بغير رضاه، ~~سيما في حق اليتيم، ووجدنا هذه الآية محتملة للمعاني، فحملها على موجب ~~الآيات المحكمات متعين «3» . # وقد جوز أبو حنيفة للوصي أن يعمل في مال الصبي مضاربة، فيأخذ منه مقدار ~~ربحه، وإذا جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يأكل من ماله إذا عمل فيه، فيأخذ أجر ~~المثل بل هو أولى، فإن أجر المثل معلوم في وضع PageV02P329 # الشرع، ومقدار أجرة عمله مأخوذ من العادة، وأما الربح فهو نتيجة الشرط ~~وليس أجرة عمله، وهو على قدر الشرط، وأي قدر شرطه العامل الوصي لنفسه من ~~الربح، فهو متحكم فيه، وإنما الشرط للعامل من جهة رب المال، وإلا فالواجب ~~أجر المثل في القراض الفاسد، وهاهنا إذا لم يكن أجر المثل مع أنه أقرب، ~~فالتحكم بالتقدير من جهة العامل كيف يحتمل، والربح أبعد عن الاستحقاق، فإن ~~الربح زيادة على عين مال اليتيم، والزيادة تبع المزيد عليه، وليس للوصي في ~~مال اليتيم حق. # وأما الأجرة: ففي مقابلة العمل، ms180 والعمل حق للوصي، وأنه من منفعة فهو أولى ~~ببذلها، فلا وجه لمذهب أبي حنيفة، والعمومات التي ذكرناها من قبل محكمة في ~~إبطال التصرف في مال اليتيم بطريق القراض وغيره. # فإن قال من ينصر مذهب السلف، إن القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم ~~للمسلمين، فهلا كان للوصي كذلك، إذا عمل لليتيم ولم لا يأخذ الأجرة بقدر ~~عمله؟ # قيل له: اعلم أن أحدا من السلف لم يجوز للوصي أن يأخذ من مال الصبي مع ~~غنى الوصي، بخلاف القاضي، فذلك فارق بين المسألتين. # وبعد: فالذي يفصل بينهما من طريق المعنى يقول: # إن الرزق ليس كأجرة الشيء، وإنما هو شيء جعله الله تعالى لكل من قام بشيء ~~من أمور الإسلام، فللمقابلة بينهم من مال الله تعالى، وللفقهاء سهم، مع ~~أنهم لم يعملوا شيئا يستحقون عليه الأجرة، لأن اشتغالهم بالفتوى وتفقيه ~~الناس، فرض لا يؤخذ عليه أجر، وكذلك الخلفاء لهم سهم من مال الله تعالى، ~~وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم سهم من الخمس والصفي # PageV02P330 # وسهم من الغنيمة، وما كان يأخذ الأجرة على شيء يقوم به من أمر الدين، ~~وكيف يجوز ذلك مع قول الله تعالى: # (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم) «1» . # (قل ما أسئلكم عليه من أجر) «2» . # فالذي يأخذه الفقهاء والقضاة والخلفاء، لا يأخذون من مال واحد معين، ~~وإنما يأخذون من مال الله الذي لا يتعين له مالك، وقد جعل الله ذلك المال ~~الضائع حقا لأصناف بأوصاف، والقضاة من جملتهم، والوصي إنما يأخذ بعمله مال ~~شخص معين من غير رضاه، وعمله مجهول وأجرته مجهولة، وذلك بعيد عن الاستحقاق. # واعلم أن الاحتياط الذي أمر الله به في حق اليتامى، وأن لا يدفع إليهم ~~أموالهم إلا بعد إيناس الرشد، يدل لا محالة بطريق الأولى على أن الأولياء ~~من الأوصياء، والأقارب والحكام، لا بد وأن يكونوا عدولا ذوو رشد. # والفاسق المتهم من الآباء، والمرتشي من الحكام والأوصياء، والأمناء غير ~~المأمونين، لا يجوز جعلهم أولياء وحكاما، ويدل على ذلك أن الحاكم إذا فسق ~~انعزل. «3» # قوله تعالى: (فإذا ms181 دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم) ، PageV02P331 # يؤذن بالاحتياط القاطع للدعوى الباطلة، كما أمر بالاحتياط في المداينات ~~قطعا للمنازعة، لا جرم قال الشافعي رضي الله عنه: # لو ادعى تسليم المال إلى الصبي بعد البلوغ وأنكر الصبي، لم يصدق إلا ~~بينة. # نعم المودع يصدق في الرد دون بينة، لمصلحة تعلقه بالوديعة، في أنه لا ~~يرضى المودع بالإشهاد على ردها، لما فيه من إشهار أمرها، والودائع تعرض في ~~خفية، ولأن المودع ائتمنه فرضي بقوله واعتقد أمانته. # وأما الائتمان من جهة الصبي فلم يجز أصلا، وفي هذا المعنى نظر، فإن الوصي ~~في معنى النائب عن الصبي، فكذلك كان نائبا عنه في التصرفات، فيجوز أن يكون ~~نائبا عنه في الحفظ حكما، وإن لم توجد الاستنابة من جهة الصبي خاصة الآن، ~~فإن نيابته عن الصبي ظاهرة، وكذلك إذا ادعى تلف المال. # قيل: ولولا النيابة كان ضامنا للمال، لأنه ممسك مال غيره دون استنابة. # ومما يتعلق به الشافعي رضي الله عنه، أن الله تعالى إنما أمر بالإشهاد، ~~لأن دعواه مردودة في الرد دون البينة. # ويمكن أن يقال: فائدته ظهور أمانته وبعده عن التهمة، وقطع دعوى الصبي ~~بالباطل، وسقوط اليمين عن الوصي. # وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الملتقط بالإشهاد على اللقطة في حديث ~~عياض بن حمار المجاشعي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب» «1» . PageV02P332 # فأمره بالإشهاد ليظهر أمانته وتزول الشبهة عنه. # قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون) إلى قوله (نصيبا ~~مفروضا) (7) . # لا شك في كونه مجملا في بيان المقدار، غير أن الذين لا يحجبون شخصا بشخص ~~في بعض الأحوال، مثل الأخ بالجد عند قوم، والذين يورثون بالرحم، يحتجون ~~بعموم هذه الآية ويقولون: إن ما فيها من الإجمال في المقدار، لا يمنع ~~الاحتجاج بعمومها، في حق الأقارب، وهو عندهم مثل قوله تعالى: # (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم؟؟؟) «1» . # وأنه يحتج به في غير موضع الإجمال، وهو إبانة أصل الأمر بحسن الفعل، وهذا ~~بين. # فيقال في حق العمة ms182 مثلا والخالة والخال: إن لهم نصيبا مما ترك الأقربون، ~~وإنهم في هذا المعنى يقدمون على الأجانب. # نعم ذكر قتادة أن الآية وردت على سبب، وهو أن أهل الجاهلية كانوا يورثون ~~الذكور دون الإناث، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذلك لا يمنع التعلق بعموم ~~الآية، لإمكان أنهم كانوا يورثون الذكور من ذوي الأرحام وغيرهم من الأقارب، ~~فأبطل الله تعالى ما كانوا عليه في الجاهلية، وهذا مما يعترفون بكونه عاما. # وفيه دلالة على جعل القرابة مطلقة للميراث، إلا أنه لم يجعل لهم إلا ~~النصيب المفروض لا المال المطلق، وليس في الآية ذلك النصيب المفروض. ~~PageV02P333 # نعم في الآية نصيب مجمل لا جرم يفهم منه أن لهم نصيبا مجملا، # قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى) «1» الآية (8) : # فيه أقاويل مختلفة للسلف، فنقل عن ابن عباس، أنها محكمة ليست بمنسوخة. # وقال سعيد بن المسيب: هي منسوخة بالميراث. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنها محكمة ليست بمنسوخة، وهي في قسمة المواريث ~~فيرضخ لهم، فإن كان المال عقارا أو فيه تقصير لا يقبل الرضخ، اعتذر إليهم، ~~فهو قوله تعالى: (وقولوا لهم قولا معروفا) . # والقول الثالث عن ابن عباس: أنها في وصية الميت لهؤلاء، وهي منسوخة ~~بالميراث، فكأن الموصي أمر به في الشيء الذي يوصي فيه، ودل عليه قوله ~~تعالى: # (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم) الآية (9) . # قال: يقول له من حضر: اتق الله وصلهم وبرهم وأعطهم، ولا حاجة إلى تقدير ~~النسخ، بل أمكن أن يحمل على الندب «2» . PageV02P334 # والذين قالوا: إنها منسوخة لعلهم قالوا: ظاهر قولهم (فارزقوهم منه) ~~الوجوب، ولا وجوب هاهنا، فبقي أنه منسوخ، وليس ذلك من النسخ في شيء إنما هو ~~حمل اللفظ على بعض مقتضياته، وإنما النسخ أن يثبت أن ذلك كان من قبل على ما ~~الآن عليه، ثم نسخ. # فأما قوله: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا «1» عليهم) ~~الآية (9) . # اختلف السلف في تأويله، فقال قوم منهم ابن عباس «2» : هو الرجل يحضره ~~الموت، فيقول له من يحضره: ms183 أوص لفلان ولفلان، فيأمر الموصي بالإسراف فيما ~~يعطيه لليتامى والمساكين، وندب له أن يزيد على الثلث، وهذا كان قبل أن تكون ~~الوصية محصورة في الثلث، فيحثه من حضره على أن يوصي بأكثر المال لأقاربه ~~اليتامى والمساكين، فقال الله تعالى: لا تأمروه بما لا تفعلوه لو حضركم ~~الموت. # وفيه بيان أن المستحب له إذا كان ورثته ضعفاء وهو قليل المال، أن لا يوصي ~~بشيء، أو يوصي بأقل من الثلث، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد ~~لما رده إلى الثلث فقال: # «والثلث كثير» الحديث «3» . # فأبان له أن استغناء الورثة بفضلها، أولى من استغناء غيرهم. PageV02P335 # وقال مقسم، معنا، ضد ذلك، وهو أن يقول الرجل للذي حضره الموت: أمسك عليك ~~مالك، ولو كانوا ذوي قرابته لأحب أن يوصي لهم. # فتأوله الأولون على نهي الحاضرين عن الحث على الوصية، وتأوله مقسم على ~~نهي من يأمره بتركها. # وقال الحسن: هو الرجل يكون عند الميت فيقول: أوص بأكثر من الثلث من مالك، ~~وهو الأوجه، إلا أن يكون ذلك في وقت كانت الوصية بأكثر من الثلث لازما، ~~فأما إذا توقفت على إجازة الورثة، فلا نهي عليه. # وعن ابن عباس رواية أخرى، أنه في ولاية مال اليتيم وحفظه والاحتياط في ~~التصرف فيه، وهذه المعاني بجملتها يجوز أن تكون معنية بالآية، إذ لا تناقض ~~فيها، ويجمعها مراعاة المصلحة للورثة واليتامى والموصى.. # قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى» # ظلما) الآية (10) : # الآية محكمة لا نسخ فيها، لأن الظلم ما أبيح قط، وإنما المنسوخ أنه تعالى ~~لما قال: # (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا) ، تحرج كثير من ~~المسلمين عن طعام اليتيم، فعزلوه حتى نزل قوله: PageV02P336 # (وإن تخالطوهم فإخوانكم) «1» ، مع أن ذلك أيضا ليس منسوخا فإن قوله: # (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) ، إنما عنى به غير هذه الحالة، فهو ~~تخصيص عموم الآية، والنسخ راجع إلى رفع ما قد ثبت قبل بما يخالفه، ولم يثبت ~~أن مخالطة الأيتام كانت محرمة ثم إنها رفعت، فهذا معنى الكلام. # قوله تعالى: ms184 (يوصيكم الله في أولادكم) الآية (11) : # اعلم أن الناس في الجاهلية كانوا يخصصون الذكور المقاتلين على الخيل ~~والذابين عن الحرم بالميراث، وما كانوا يورثون الصغار ولا الإناث، وقد ورد ~~في بعض الآثار، أن الأمر كان على ذلك في صدر الإسلام، إلى أن نسخته هذه ~~الآية، ولم يثبت عندنا اشتمال الشريعة على ذلك، بل ثبت خلافه، فإن هذه ~~الآية نزلت في ورثة سعد بن الربيع، حين جاءت امرأة بابنتها من سعد فقالت: ~~يا رسول الله: # هاتان ابنتا سعد قتل أبو هما معك يوم أحد وقد استوفى عمهما مالهما، وإن ~~المرأة لا تنكح إلا ولها مال، فنزلت هذه الآية «2» . # وقيل: نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شماس، والأول أصح عند أهل النقل «3» ، ~~فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الميراث من العم، ولو كان ثابتا من ~~قبل في شرعنا ما استرجعه. PageV02P337 # ولم يثبت قط في شرعنا أن الصبي ما كان يعطى الميراث حتى يقاتل على الفرس، ~~ويذب عن الحريم. # واعلم أن الميراث كان يستحق في أول الإسلام بأسباب: # منها: الحلف والتبني والمعاقدة «1» : # ومنه قوله: (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) «2» . # وقال آخرون: ما كان الميراث ثابتا قط بالمعاقدة، والذي في القرآن من ~~قوله: (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من الموالاة والنصرة والمعافاة ~~والمشورة. # نعم هذا الخيال إنما نشأ من شيء، وهو أن الله تعالى قال: # (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ~~إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) «3» . # فظنوا أن الآية دلت على ثبوت الميراث بوجه آخر، وليس الأمر كذلك، فإن ~~المراد بذلك: وأولوا الأرحام أولى من المؤمنين، فإن المؤمنين ورثة، إذ ~~المراد ذوو الأرحام. # وقوله: (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) الوصية، وإلا فلا ثبوت ~~للميراث بالمعاقدة من جهة النص، والآثار متعارضة، والذي في القرآن: ~~PageV02P338 # (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء) «1» . # إنما عنى به في الميراث بالإسلام، إذا لم تكن قرابة، فإن الشافعي رضي ~~الله عنه، يرى المسلمين ورثة في ذلك الوقت، ما كان ms185 الإسلام كافيا في هذا ~~المعنى دون المهاجرة مع الإسلام، وإلا فلا وجه لدعوى من يدعي أن المحالفة ~~المجردة، أو الهجرة المجردة، مورثة مع وجود الهجرة في حق ذوي الأرحام ~~والعصبات، إذ جائز أن يكون قوله: (فآتوهم نصيبهم) أي: آتوهم نصيبهم من ~~الوصية، ولعله كانت الوصية واجبة لهؤلاء، ثم نسخت الوصية، والأول أظهر. # وأبو حنيفة يرى التوريث بالحلف والمعاقدة، ويقول: إن حكمها ما نسخ، ولكن ~~جعلت الرحم أولى منها. # فهو يرى أن الأسباب التي يورث بها شتى، فمنها الإسلام، ومنها المعاقدة ~~والتواخي في الدين، والاتحاد في الديوان، وفوقها الولاء، وفوقها الزوجية، ~~وكان الرجل إذا مات اعتدت امرأته سنة كاملة في بيته، ينفق عليها من تركته، ~~وهو قوله: # (والذين يتوفون منكم) - إلى قوله (متاعا إلى الحول) «2» ثم نسخ ذلك ~~بالربع والثمن. # وقوله: (يوصيكم الله في أولادكم) ، نسخ به وجوب الميراث للذين ذكر ~~ميراثهم في كتاب الله تعالى، والأقربون الذين ليسوا بوارثين، فأبان دخولهم ~~تحت اللفظ تعينا، ولكن اللفظ عموم في حقهم، فلم يتبين قطعا وجوب الوصية ~~لأولئك النفر، الذين لم يبين الله ميراثهم، فلا نسخ من هذا الوجه، وإنما هو ~~تخصيص عموم. PageV02P339 # والدليل عليه أن كل الميراث لهؤلاء المذكورين، وما قال الشرع للعصبة كل ~~الميراث وللبنتين الثلثان، بل كان يقال: للوصية قسط واجب، فما يفضل عنها ~~فهو لكذا، ولم يتبين وجوب الوصية في هذه الآية بل قال: (من بعد وصية يوصي ~~بها أو دين) ، وربما كان الدين أو لم يكن، وربما كانت الوصية أو لم تكن، ~~فهذا تمام ما يتعلق بهذا النوع. # قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) ، حقيقة في أولاد الصلب فأما ولد ~~الابن فإنما يدخل فيه بطريق المجاز، وإذا حلف لا ولد له وله ولد ابن لم ~~يحنث «1» ، فإذا أوصى لولد فلان، لم يدخل فيه ولد ولده، وأبو حنيفة يقول: ~~إنه يدخل فيه إن لم يكن له ولد صلب «2» ، ومعلوم أن حقائق الألفاظ لم تتغير ~~بما قالوه. # وقوله: (للذكر مثل حظ الأنثيين) : ليس فيه تقدير ميراث كل واحد منهم ~~ومبلغ ms186 ما يستحقه، بل فيه أن ما كان من قليل أو كثير فبين الأولاد على هذه ~~النسبة، وذلك يتناول ما فضل عن أصحاب الفرائض، وما يأخذون من جميع المال ~~إذا لم يكن صاحب فرض. PageV02P340 # وإذا لم يكن في ميراثهم تحديد، فالذي يصل إليهم هو تمام حقهم قل أو كثر، ~~وذلك يقتضي تقديم أصحاب الفرائض، فإنه لو لم يفعل ذلك لم يكمل لهم حقهم، ~~وإذا قدم وفضل شيء، فقد استوفى العصبة تمام حقه، فهذا وجه البداية بأصحاب ~~الفروض. # قوله تعالى: (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة ~~فلها النصف) (11) : # ولم يبين حكم الاثنتين، فنقل عن ابن عباس أن الآية نص قاطع في أن لا يزاد ~~منه بسبب الثلثين شيء «1» ، فإن قوله: (فوق اثنتين) تقييد نصا، ونفي لما ~~دون هذا العدد. # قال قائلون من العلماء: إن بيان الاثنتين كان ظاهرا في كتاب الله تعالى، ~~وإنما احتاج إلى بيان أن الثنتين فصاعدا لا يزيد حقهم على الثلثين، فكان ~~قوله: (فوق اثنتين) لنفي المزيد. # ووجه دلالة الآية على بيان حكم الاثنتين، أن الله تعالى لما أوجب للبنت ~~الواحدة مع الابن الثلث، فإذا كان لها مع الذكر الثلث، فلأن لا تنقص من ~~الثلث مع البنت أولى، ولو جعلنا للبنتين النصف، نقصت حصة الواحدة من الثلث. # ويمكن أن يعترض على هذا فيقال: إنما استحقت الثلث مع الذكر، لا لأن ~~المأخوذ ثلث التركة التامة، بل لأنها عصبة بأخيها، والمال بينهما أثلاث، ~~ولا يأخذان إلا ما بقي في حالة، وكل المال في حالة.. أما البنت فتأخذ ~~مقدارا من جملة التركة من غير نقصان من نصف الجملة، وذلك مقيد بشرط، فإذا ~~لم يوجد الشرط لم يثبت القدر. PageV02P341 # ويدل عليه أنه لو قال قائل: الابن ربما أخذ أقل من نصف التركة، والبنت لا ~~تأخذ أقل من نصف جميع التركة، فيقال: لأن الابن عصبة فيأخذ ما بقي، والبنت ~~صاحبة الفرض، وهذا بين. # ومما ذكره العلماء في ذلك، أن الله تعالى قال: (للذكر مثل حظ الأنثيين) ~~فلو ترك ms187 بنتا وابنا، كان للابن سهمان ثلثا المال، وهو حظ الأنثيين، وهذا ~~مثل الأول. # والاعتراض عليه كما مضى، فإن الابن لا يستحق ثلثي جميع التركة، بل يستحق ~~بالعصوبة أي قدر، وتلك العصوبة تشمل الذكر والأنثى، والمال بينهما على نسبة ~~التفاوت. # وأقوى ما قيل فيه، أن الله تعالى جعل للأختين الثلثين في نص الكتاب فقال: ~~(فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك) «1» ، ومعلوم أن أولاد الميت ~~أولى من أولاد أب الميت، فدل أن بيان الاثنتين مقدر في كتاب الله تعالى. # واحتيج إلى بيان نفي المزيد على الثلثين عند زيادة عدد البنات، ولم يتعرض ~~لهذا المعنى في ميراث الأخوات، لأن فيما ذكر من ميراث البنات بيان ذلك، ولم ~~يذكر بيان البنتين في ميراث البنات، لأن فيما ذكر من ميراث الأخوات بيان ~~ذلك، فاشتملت الآيتان على بيان نفي المزيد عند زيادة العدد، وعلى بيان ~~ميراث البنتين، وهذا غاية البيان «2» . # واستدلوا أيضا على ذلك بما روي عن ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV02P342 # قضى في بنت، وبنت ابن، وأخت، بأن للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة ~~الثلثين، والباقي للأخت، فإذا كان للبنت مع ابنة الابن من التركة الثلثان، ~~فالبنتان أحق بذلك وأقرب، لأنهما أقرب من بنت الابن، وإن أمكن أن يعترض على ~~هذا، فإن الذي لبنت الابن فرض آخر، وليس من ميراث البنت في شيء، وإنما ~~الكلام في أن النصف إذا كان للواحد، فهل يزداد ذلك لسبب وجود بنت أخرى، أو ~~يتقاسمان ذلك النصف، فأما السدس فلا تعلق له بفريضة البنت أصلا، وإنما اتفق ~~أن المبلغين صارا إلى مقدار الثلثين. # وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركة سعد بن الربيع، للبنتين ~~الثلثين، وللزوجة الثمن، والباقي لأخته «1» . # وقضى بذلك في ابنتي ثابت بن قيس بن شماس «2» . # والآية ليست نصا في نفي ما دون الثلثين عما دون الثلاث من البنات، بل ~~محتملة ما ذكرناه «3» . # وقد قيل: قوله «فوق» صلة وتأكيد، كأنه قال: «فإن كن نساء اثنتين» ومثله: ~~(فاضربوا فوق الأعناق) «4» ، وهذا تأويل بعيد، ms188 وما ذكرناه أولا هو الصحيح، ~~ومما دلت الآية عليه أنه لما لم يبين مقدار ميراث البنتين، عرفنا من قوله ~~تعالى في حق الأخ (وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) «5» ، أن الأخ لما جعل ~~عصبة حائزا للميراث مطلقا، فالابن بذلك أولى. PageV02P343 # وجملة القول فيه أن الله تعالى لما بين كيف يقتسم الذكور والإناث، لم يحد ~~ميراثهم بحد، لأنهم يرثون المال مرة جميعه، ومرة ما فضل عن فرض ذوي السهام، ~~ولو حد لهم حدا، لضاربو ذوي السهام إذا ضاق المال عن حمل السهام، ولأزيدوا ~~عليه إذا انفردوا، وتحرجوا عن حكم من يرث بالتعصيب إلى حكم من يرث بالفرض، ~~فهذا بيان معنى التعصيب في ميراث «1» . # قوله تعالى: (ولأبويه «2» لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد) ~~(11) : # فظاهره يقتضي أن يكون لكل واحد منهما السدس مع الولد، ذكرا كان أو أنثى، ~~فيقتضي ذلك إلى «3» إنه إذا كان الولد بنتا فلها النصف، ولا تستحق أكثر من ~~النصف لقوله: (وإن كانت واحدة فلها النصف) . # فوجب بحكم الظاهر أن يعطي الأب السدس لقوله: (ولأبويه لكل واحد منهما ~~السدس) ، ويبقى السدس يستحقه الأب بحكم التعصيب. PageV02P344 # فاجتمع للأب الاستحقاق من جهتين: التعصيب والفرض. # وإن كان الولد ذكرا، فللأبوين السدسان بحكم النص، والباقي للابن لأنه ~~أقرب العصبات من الأب، فخرجت منه مسألة البنت والأبوين، وما ذكره الفرضيون ~~من الجمع للأب بين الفرض والتعصيب. # وقال عز وجل: (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث) ، ولم يذكر ~~نصيب الأب، فاقتضى ظاهر اللفظ أن للأب الثلثين، إذ ليس هناك مستحق غيره، ~~وقد أثبت لهما أولا، فاقتضى ظاهر اللفظ المساواة لو اقتصر على قوله: (وورثه ~~أبواه) ، دون تفصيل نصيب الأم، فلما ذكر نصيب الأم «1» ، دل على أن للأب ~~الثلثين، وهو الباقي بحكم العصوبة، وبين الله تعالى ميراث الأم مع الأب، ~~وفرض لغيرها من الورثة عند الانفراد مثل البنت والأخت وغيرهما من أصحاب ~~الفروض، كالزوج والزوجة. # والحكمة فيه: أنه عز وجل أراد أن يبين حجبها بمن لا يرث في قوله: ms189 ~~(ولأبويه) إلى قوله: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) ، فلو ذكر ميراثها؟؟؟ ~~منفردة، لاحتمل أنها لا يحجبها من لا يرث مثل الأخوة مع الأب، فأزال هذا ~~الإشكال، وأفاد هذه الفائدة، حتى لا يتوهم أن الذي لا يرث «2» بحاجب ~~الأشخاص، كالأخوة الذين يحجبون بالأوصاف مثل القتل والرق والكفر، فهذا بيان ~~هذا المعنى. # ثم قال تعالى: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) ، وقد حجبها PageV02P345 # جماهير العلماء بأخوين، وانفرد ابن عباس، فاعتبر في حجبها من الثلث إلى ~~السدس «1» ، ولا شك أن ظاهر قوله: (فإن كان له إخوة) ، يقتضي أن ما دون ذلك ~~وضعت العرب له اسم التثنية، وقد غايرت العرب بين المنزلتين، أعني منزلة ~~التثنية والجمع في ظاهر إطلاق اللفظ. # وليس الكلام في أن معنى الجمع هل يتحقق في الإثنين أم لا، فإن المعنى ~~بذلك أن لفظ الجمع المركب من الجيم والميم والعين حقيقة في الإثنين، فإنه ~~مشتق من الاجتماع والضم، ويتحقق ذلك في الاثنتين تحققه في الثلاثة، وإنما ~~الكلام في لفظ الأخوة هل يظهر إطلاقه على موضع الأخوان؟ # ويجوز أن تفترق منازل الجموع في إطلاق ألفاظ، مثل قول القائل عشرة دراهم ~~ومائة درهم، وقد لا تفترق، فيكون التعبير عن الإثنين مثل التعبير عن ~~الثلاثة، من غير أن ترتيب المنازل من التثنية والواحد أن الجمع مثل قولك: ~~قمنا لنفسه وأخرى معه، ولنفسه وآخرين معه من غير فصل. # فإذا تقرر ذلك، فليس في قول القائل إن لفظ الجمع حقيقة في الاثنين أخذا ~~من موضع الاشتقاق وهو الجمع، جواب عن احتجاج ابن عباس بظاهر كتاب الله عز ~~وجل في إطلاق الأخوة في موضع الأخوين، وهذا بين «2» . # نعم، قد يطلق لفظ الأخوة على الأخوين معدولا به عن الأصل، كما يطلق لفظ ~~الجمع في موضع الواحد، ويعبر عن الواحد بلفظ الاثنين PageV02P346 # مثل قوله: (نحن قسمنا) «1» ، والتعبير عن الواحد بلفظ الاثنين كقوله ~~تعالى: (ألقيا في جهنم كل) «2» وهو يريد الواحد، إلا أن كل ذلك خلاف الأصل ~~والوضع، وليس الكلام فيه. # وليس يبقى بعد النزول عن الظاهر إلا أن ms190 يقال: النص وإن ورد في الثلاث، ~~فلا يمتنع الاثنتين به بطريق الاعتبار. # ووجه الاعتبار أن الله تعالى الحق الاثنين بالثلاث فيما يتعلق بميراث ~~الأخوة في استحقاق الثلثين، وفيما يتعلق بميراث البنات، وغاير بين الواحدة ~~والثنتين، فيدل ذلك على أن حكم الاثنتين أقرب إلى الثلاث منه إلى الواحد. # ولابن عباس أن يعترض على هذا الكلام من أوجه: # أن الله تعالى شرط في حجب الأمهات عددا فقال: (إن كان له إخوة) ، وذلك ~~يقتضي التقييد الذي لا يجوز تركه وإلغاؤه، فإذا حصل بالثنين بطل فحوى ~~الكلام في التقييد. # ولو قال للواحد: فإن كان له أربعة إخوة فلأمه السدس، كان الكلام ركيكا، ~~وأن عدد الأربعة لا يتعلق به حكم، فالتقييد بالثلاث مثل ذلك على رأي من لا ~~يجعل لهذا القيد أثرا. # الوجه الثاني: أن الأصل في حق كل مستحق للميراث، أن لا يسقط ولا ينتقض ~~إلا بتوقيف قاطع، والأم مستحقة بقرابتها، فما لم يثبت قاطع في حجبها لا ~~يسقط حقها، فإذا شهد الظاهر للثلاثة وجب الرجوع إلى الأصل، فكان الذي لا ~~يحجب الأم بالاثنتين متعلق بالظاهر، ومتعلق بالأصل في ميراث الأم. ~~PageV02P347 # الوجه الثالث: أن مساواة الأخوين للثلاث في حكم من أحكام الميراث، لا ~~يقتضي مساواتهما لهم في كل حكم، فإن الزوجة الواحدة تساوي للعدد في ~~الميراث، والجدة الواحدة تساوي الجدات في نصيب الجدات، وبنت الابن مع البنت ~~الواحدة حكمها حكم الجماعة، فإنه لا يفرق بين بنت الابن الواحدة وبين ~~الجماعة من بنات الابن، وكذلك في الأخوات من الأب مع الأخت من الأب والأم، ~~فليس لذلك قانون مطرد. # وغاية الأمر فيه أن يقال في حق الأخوة والأخوات وما في منزلتهم الأمر ~~كذلك. # وإذا لم يختلف مقدار ميراثهم في الاثنتين والجماعة، لم يختلف مقدار قولهم ~~في الحجب في حق الاثنتين والعدد، وفي حق الزوجان لا يختلف ميراثهن بالواحدة ~~والعدد، إلا أنه لا يظهر حكم ميراثهن في حجب حرمان أو إسقاط، فكأن الشرع ~~يقول لنا، كمال قوة الأخوة في الميراث، يقتضي حجب الأم، الثلث إلى السدس، ~~وكمال ms191 قوتهم بكمال حقوقهم في الميراث، وفي ذلك يستوي الاثنان والجماعة. # ولما كانت قوة قرابة أولاد الميت وأولاد أولاده، أو في من قوة قرابة ~~أولاد أب الميت، لا جرم أصل ميراث الأولاد دون كماله كان كافيا في حجب ~~الأم، مثل البنت الواحدة وبنت الابن الواحدة، وإن كان ميراث الثنتين أوفى. # وإنما يظهر أثر ذلك في معنى آخر، وهو أن قوة قرابتي الأولاد «1» إذا لم ~~تكف في حرمان أولاد الابن، فكمال قوة بنات الصلب في الميراث تكفي في إسقاط ~~أولاد الابن. PageV02P348 # وكذلك كمال ميراث الأخوات من الأب والأم كاف في إسقاط أولاد الأب فقط، ~~فإذا قلنا لا يقع حجب الأم بالأخت الواحدة، وإنما يقع بكمال قوتهم من ~~الميراث، فذلك يقتضي التسوية بين الاثنين والثلاث، وهذا بين ظاهر، وهو نظر ~~دقيق في نصرة قول جماهير العلماء «1» . # ويمكن أن يقال إن العدد الكثير من الصحابة لم يتفقوا على مخالفة الظاهر ~~إلا بتوقيف. # أما هذا المعنى الذي قلناه فدقيق، لبعد اجتماع الجم الغفير على ذلك، وترك ~~الظاهر بسببه، فيظهر تقدير توقيف، وإن لم ينقل، يعلم أنهم به تركوا الظاهر، ~~والعلم عند الله. # فهذا وجه منقول عن كافة الصحابة في مخالفة الظاهر. # الوجه الآخر: ما نقل عن قتادة أنه قال: إنما يحجب الأخوة الأم من غير أن ~~يرثوا مع الأب، لأنه يقوم بنكاحهم، ويلزمه المؤن بسببهم لتحقيق إربهم، فأما ~~الأخوة من الأم، فخارجون عن ذلك ولا يحجبون مع الأب، فخالف به مطلق قوله ~~تعالى: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) . # وليس لقوله هذا وجه، فإن الذي يلتزم من المؤن ليس يلتزمه عوضا عن ~~الميراث، بل يلتزمه بحكم الأبوة، ولا تعلق لذلك بالميراث، فلو PageV02P349 # كان الإبن كافرا، فعلى الأب نفقته أيضا ولا يحجب الأم» . # الوجه الثالث في مخالفة الظاهر: ما نقل عن ابن عباس، أن الأخوة مع الأب ~~لا يحجبون الأم، إلا عن قدر يأخذونه هم، فإذا فرضنا أخوين وأبوين، فللأم ~~السدس، وللأخوين السدس الذي حجبت عنه الأم، والباقي للأب، وذلك خلاف ~~الظاهر، فإنه تعالى قال: (وورثه ms192 أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس) . # وتقديره: فإن كان له إخوة مع الأب، ويبعد أن يكون للأخوين مع الأب ميراث. # وهو يقول: ليس ذلك ميراثا من الأخ، وإنما الأم قد حجبت بالأخوة، فيرجع ~~إليهم لا إلى الأب، فيقال: فإذا حجبوا بالأب، فليس لهم من الميراث شيء، ولا ~~لها الثلث، فيقول الأب: أنا أسقطهم من الميراث، وهم أسقطوا، فيجعل كأن ~~السدس لم يكن لك، فأنا المستحق لذلك بحكم العصوبة، وهذا في غاية الوضوح، ~~فهذه هي المذاهب المنتزعة من الظاهر. # وصار بعض الناس إلى أن الأخوات لا يحجبن الأم من الثلث إلى السدس، لأن ~~كتاب الله في الأخوة، وليست قوة ميراث الإناث مثل قوة ميراث الذكور حتى ~~تقتضي العبرة الإلحاق. # ومقتضى أقوالهم أن لا يدخلن مع الأخوة في لفظ الأخوة، فإن لفظ ~~PageV02P350 # الأخوة بمطلقه لا يتناول الأخوات (مع البنات «1» ) كما أن لفظ البنين لا ~~يتناول البنات، وذلك يقتضي أن لا تحجب الأم بالأخ «2» والأخت من الثلث إلى ~~السدس، وهو خلاف إجماع المسلمين، وإذا كن مرادات بالآية مع الأخوة، كن ~~مرادات على الانفراد. # ولو كان ذلك لقوة الذكورة، لاستوى الأخ الواحد والعدد، لأن ميراث الأخوة ~~يستوي فيه الواحد والعدد، فهذا تمام المذاهب في الأوجه المنتزعة من الآية. # بقيت ها هنا مسألة واحدة دقيقة، وهي أنه إذا كان في الفريضة زوج وأم، وأخ ~~وأخت لأم، فلا خلاف بين الصحابة أن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخ وللأخت ~~من الأم الثلث، وقد تمت الفريضة. # أما عامة الصحابة، فلأنهم حجبوا الأم بالأخ والأخت من الثلث إلى السدس، ~~فاستقام لهم ذلك ها هنا. # وأما ابن عباس، فلأنه لا يرى العول، ولو جعل للأم الثلث لعالت المسألة، ~~وهو لا يرى ذلك، وإذا قيل له: فلم كانت الأم بالنقصان أولى من الأخوين؟ لم ~~يجد كلاما ظاهرا عليه. # وفيه دليل ظاهر على ما قاله أهل الإجماع من العلماء، وتخطئة ابن عباس في ~~قوله. # ثم أبان الله تعالى ميراث الزوج والزوجة وحجبها بالولد من الربع إلى ~~الثمن، ومن النصف ms193 إلى الربع، وميراثهما على نسبة ميراث العصبات: ~~PageV02P351 # (للذكر مثل حظ الأنثيين) ، إلا أن ميراث العصبات لا يتعذر، وهذا مقدر، ~~وميراث العصبات يشترك فيه الذكور والإناث، وها هنا لا يتصور الشركة. # إذا عرفنا ذلك، فأعلم أن كل من يحجبه الإبن يحجبه ابن الابن بالإجماع من ~~الزوج والزوجة والإخوة، وذلك إما أن يدل على أن اسم الولد يتناول ابن ~~الابن، أو يتلقى من الإجماع. # وإذا تبين ذلك، فقول الله عز وجل في ميراث الأزواج والأمهات (إن لم يكن ~~لكم ولد) «1» مطلق، ولكن جمهور العلماء خصوا الحجب بمن يرث، فأما من لا يرث ~~كالكافر والمملوك، فلا يحجب ولا يرث. # وصار ابن مسعود أن من لا يرث من هؤلاء يحجب حجب النقصان، ولا يحجب حجب ~~الحرمان، وذكرنا فرقة بين الحجبين في مسائل الروايا «2» ، وهو فرق حسن، ~~وصورته أن الأب الكافر لا يحجب عنده ابن نفسه عن ميراث جده. وأنه بمنزلة ~~المعدوم في ذلك، فأعتبر أصحابنا حجب النقصان به، وذكرنا فرقة بينهما. # وكافة العلماء يقولون إن الله تعالى إنما شرع الحجب لأن الذي ينقص من ~~نصيبه يرجع إلى الحاجب في الأغلب، فقوة ميراثه تقتضي ذلك، وأما الكافر فلا ~~يتصور هذا في حقه، فكان كالمعدوم، وسره يرجع إلى أن الوراثة خلافة، إلا أن ~~بعض الخلفاء أولى ببعض، فمن حجب حجب PageV02P352 # الحرمان، أخذ نصيب المحروم، ومن حجب حجب النقصان، أخذ نصيبه غالبا، وهذا ~~بين. # لما ذكر الله الولد، وأجمع العلماء على أن ابن الإبن مثل الإبن، فعرفنا ~~به أن المعتبر الميراث لا اسم الولد، وإذا تبين ذلك، فلا خلاف في الإبن ~~والبنت وابن الابن وبنت الإبن، أن الميراث بينهم (للذكر مثل حظ الأنثيين) ~~لا بحكم الظاهر، فإن مطلق لفظ أولاده لا يتناول أولاد أولاده، وولد ولده ~~ليس ولده تحقيقا، فإنه لو كان اسم الولد حقيقة فيه بالإضافة إلى الجد، ما ~~كان حقيقة بالإضافة إلى الأب، فإن الجهة الواحدة إذا كان الإسم حقيقة فيها، ~~لم يكن حقيقة في جهة أخرى تغايرها من طريق العموم، وإنما يكون على وجه ms194 ~~الاستقراء بذلك الاشتراك، وذلك يقتضي الإجمال عند الإطلاق، وإذ تبين ذلك ~~وعرف، لم يدخل ولد الإبن إلا بطريق الإجماع، فإذا ثبت ذلك، فإذا ترك بنتا ~~وابنة ابن، فللبنت النصف بالتسمية، ولابنة الإبن السدس، وما بقي للعصبة، ~~فاستحقاق ابنة الابن للسدس ليس مأخوذا من التسمية، وإنما أخذ من الإجماع. # فإذا ترك اثنتين وابنة ابن وابن ابن ابن فكمثل. # وقال ابن مسعود: إذا أخذ البنات الثلثين، فليس لبنات الإبن شيء، وإن كان ~~معهن ذكر، وكذلك في الأخوات من الأب ذكر، درجتهن بعد فرض الأخوات من الأب ~~والأم الثلثين، وأنه لو كان بدلهن عم وابن عم، كان لا تأخذ ابنة الابن ~~شيئا، فكذلك مع الولد الذكر. # وأما جماهير العلماء فإنهم يقولون إن بنات الإبن لا يأخذن فرض البنات، ~~وإنما يأخذن بجهة أخرى وهي جهة العصب، وإنما كان يمتنع # PageV02P353 # ذلك لو أخذن في هذا الوقت بذلك الفرض الذي أخذ به غيرهن من البنات، فأما ~~إذا أخذن بوجه غير ذلك، فليس هو من أولئك في شيء، فيجعل ما بقي من المال ~~بعد الثلثين كأنه جملة مال لا فريضة فيه مسماة لأحد، فيكون للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. # ونشأ منه أنا إذا جعلنا هذا المال كأنه لا فريضة فيه لأحد أصلا، فإذا كان ~~في الفريضة بنات ابن وذكر أسفل منهن، فلا بد وأن يعصبهن، فإنه لو لم يعصبهن ~~أخذن بالفرض، ونحن قدرنا المال كأن لا فرض فيه أصلا بحال، فإذا قدرنا ذلك، ~~فلو فضلت العليا من بنات البنين على من هو أسفل منها من بني البنين في ~~الثلث الذي يبقى، لم تكن الفريضة قد مضت. # فإن قيل: كيف جاز أن ترث بنت الابن بسبب ابن الابن، ولولا مكانه لم يرث ~~شيئا؟ قيل: كما أنا إذا فرضنا ابنا وعشر بنات أخذن أكثر من الثلثين، ولو كن ~~منفردات لم يأخذن، فصار لهن بسبب التعصيب أكثر مما لهن عند الانفراد، وربما ~~كان التعصيب سببا للسقوط في بعض المواضع. # فإن قيل: فإذا فرض اثنتين وبنت ابن وأخت فلم لا يجعل الثلث ms195 الباقي بعد ~~فرض البنتين لبنت الابن، وتجعل عصبة كما جعلتم الأخت عصبة، فإن بنوة الميت ~~أولى بالميراث من بني أبي الميت، وعندكم أن الباقي بعد فرض البنتين للأخت، ~~ولم لا يجعل لها العصوبة ها هنا على قياس حالها عند الانفراد كما جعل للأخت ~~المعصوبة؟ # ووجه الجواب عنه أنا بإعطائنا بنات الصلب الثلثين، قضينا حق الإناث من ~~أولاد الصلب من الميراث، فلو أخذت بنت الإبن لأخذت ببنوة الميت. # PageV02P354 # فإن قلتم: الذي أخذ به البنات بالفرض، فهلا أثبتم العصوبة ها هنا وهي جهة ~~أخرى؟ # فالجواب عنه أن العصوبة إنما تثبت إذا كانت الجهة في الأصل مخالفة لجهة ~~ميراث البنت، فيعدل من الفرض إلى العصوبة لغرض حفظ الجهة، أما إذا كانت ~~الجهة واحدة وقد قضى من الميراث حقها، فلا وجه لإثبات الميراث لها ثابتا ~~بجهة العصوبة. # نعم إذا كان هناك ابن ابن فليس ميراث الذكر من جنس ميراث الإناث، وكذلك ~~لو كانت ابنة وابن ابن، فالباقي لابن الابن، لا بطريق أنه تكملة الثلثين، ~~ولو كان يدل ذلك ابنة ابن، فلها تكملة الثلثين، فيدل ذلك على اختلاف الجهة. # ويدل على ذلك أنا إذا فرضنا أختا لأب وأم وأختا لأب، فلولد الأب السدس ~~تكملة الثلثين، ولو كان أولاد الأب والأم اثنتين، فلا شيء لأولاد الأب إلا ~~أن يكون معهن ذكر يعصب، وهو نظير مسألتنا، سوى أن الأسفل في الدرجة لا يعصب ~~الأخوات للأم لوجه آخر، فهذا تمام البيان في ذلك. # وقال ابن مسعود: في البنت وبنت الإبن وابن الإبن، أن للبنت النصف، ~~والباقي بين الذكر والأنثى على التفاوت، كفرائض أولاد الصلب، إلا أنه قال: ~~ما لم يزد نصيب بنات الابن على السدس، فلا نعطيهن أكثر من السدس، وجعل لهن ~~الأضر من المقاسمة، أو سدس جميع المال. # فلم يعتبر الفرض على حدة هذه الحالة، ولا التعصيب على حدة، لكنه اعتبر ~~القسمة في منع الزيادة على القسمة، فاعتبر المقاسمة في النقصان، وهو بعيد ~~لا وجه له. # PageV02P355 # وإذا نحن بينا ميراث الأمهات والزوجات والأزواج ومن يحجبهن فيتعلق بما ms196 ~~إليه، انتهى الكلام أن الله تعالى قال: (وورثه أبواه فلأمه الثلث) ، فاقتضى ~~ذلك أن للأم الثلث والباقي للأب، إذا لم يكن ثم إخوة ولا أولاد ميت، فعلى ~~هذا قال ابن عباس في زوج وأبوين: إن للأم الثلث الكامل، فيكون ميراثها، ~~زائدا على ميراث الأب. # وكذلك قال في زوجة وأبوين. # وتابعه ابن سيرين في المرأة والأبوين وخالفه في الزوج والأبوين، لئلا ~~يكون تفضيلا للأم على الأب. # واعلم أن الاستدلال بالقرآن في مخالفة ابن عباس ممكن هين، وذلك أن الله ~~تعالى جعل الميراث بين الأبوين أثلاثا، مثل ما بين الإبن والبنت في قوله: ~~(للذكر مثل حظ الأنثيين) ، وجعل بين الأخ والأخت أثلاثا، فإذا سمى للزوج ~~والزوجة ما سمى لهما، وأخذا نصيبهما، كان الباقي بين الإبن والبنتين على ما ~~كان قبل دخولهما، وكذلك بين الأخ والأخت، يجب أن يكون على هذه النسبة، ~~فاعلم أن ذلك إنما يكون إذا كان الابن يأخذ بالعصوبة، فأما إذا كان يأخذ ~~بالفرض فهو والأم سواء، فإنه إذا كان في الفرض أبوان وابن، فللأبوين ~~السدسان والباقي للابن، لأنه لا عصوبة للأب أصلا مع الابن، وإنما يأخذ ~~بالفرض، فكان الذكر والأنثى في هذا المعنى سواء كأولاد الأم. # وهذا يرد عليه الزوج والزوجة، لأنه جعل بينهما على نسبة التفاوت، مع ~~أنهما يأخذان بالفرض المحض، وعلى أن الأب إذا كان يأخذ بالتعصيب في زوج ~~وأبوين، فالعصب مانع، فلا نظر إلى التفصيل، # PageV02P356 # وغاية ما يقال فيه أن عصوبة الأب غير متمحضة، بل هي عصوبة مشوبة بجهة ~~الولادة، ولذلك يجمع له بين الفرض والتعصيب، فيجوز أن يكون جهة العصوبة ~~بالابن الذي هو أولى العصبات، وأما تعطيل جهة الولادة فلا، وإذا لم يعطل ~~جهة الولادة حال كونه عصبة، ولم تتمحض عصوبته، تعلق به على كل حال أن لا ~~تفضل الأم على الأب مع تساويهما في الولاية، بل يراعى في حق الأب جهة ~~الولادة وجهة العصوبة جميعا، وذلك يقتضي تفضيله عليها، فهذا منتهى الممكن ~~في نصرة مذهب جماهير العلماء. # ونظر ابن عباس جلي جدا، وينشأ منه ms197 أن الجم الغفير إذا خالفوا النظر الجلي ~~فلا يخالفون إلا بالتوقيف. # ويمكن أن يقال في مقابلته: وابن عباس إذ أظهر الخلاف، كان من الواجب أن ~~يحتج عليه بذلك التوقيف، ولم يثبت ذلك، فهو مشكل والعلم عند الله تعالى. # وحاصل نظر الجمهور يرجع إلى أنه إذا وجب أن يبدأ بالزوجة أو الزوج، ويعطي ~~كل واحد منهما نصيبه، فزال الفرض المنصوص لهما بالزوج والزوجة، لأن المنصوص ~~لهما إذا لم يكن زوج ولا زوجة، فإذا أعطيناهما حقهما نظرنا إلى ما يبقى بعد ~~ذلك، فيجعل بمنزلة جملة المال الذي لا فرض فيه لأحد الأبوين، فيقسم بينهما، ~~فيعطي الأم ثلثه، ويعطي الأب ما بقي، لأن النقيصة لما دخلت عليهما من قبل ~~الزوج أو الزوجة، وجب أن تكون داخلة عليهما على قدر حصصهما إذا لم يكن الأب ~~في هذا الموضع بمنزلة العصبة الذين تبدأ بأهل الفرض، ثم يعطون ما بقي لأن ~~أولئك غير مسمين، والأبوان إذا كانا هما الوارثان ففرض كل واحد منهما ~~معلوم، فلما دخل عليهما فرض الزوج والزوجة دخل على كل واحد منهما بقدر ~~حصته. # PageV02P357 # قوله تعالى: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد ~~منهما السدس «1» ) (12) : # قرئ: يورث بفتح الراء والتخفيف على ما لم يسم فاعله. # وقرئ: بكسر الراء والتخفيف وقد سمي فاعله. # فمن كسر، نصب كلالة على المفعول به، وجعلها اسما للورثة، وجعل الفاعل ~~للتوريث هو الرجل الميت، وجعل كان يعني وقع وحدث، فلا يحتاج إلى خبر. # ومن قرأ بفتح الراء، نصب كلالة على الحال من الضمير في يورث، وهو ضمير ~~الرجل، وجعل الكلالة اسما للميت، وجعل كان يعني حدث. # ويحتمل أن يجعل كلالة خبرا لكان. # فلم يختلف العلماء في أن الكلالة اسم لمن لا ولد له، واختلفوا في أنه هل ~~هو اسم لمن لا والد له؟ فقال قائلون: هو اسم لمن لا ولد له، فبنوا عليه أن ~~أولاد الأم لا يرثون مع الأب، لأن الكلالة اسم لمن لا ولد له، فأما من له ~~والد، فليس خارجا ms198 من الكلالة. # واعلم أن هذا يتصل به مسألة أخرى، وهو أن الله تعالى يقول: # (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة «2» ) الآية. فجعل للأخوات من الأب ~~والأم الثلثين، وللواحدة النصف، وذلك لا يتصور مع البنت والأب، وسمى الله ~~تعالى ذلك كلالة فقال: (يستفتونك) PageV02P358 # (قل الله يفتيكم في الكلالة) ، فأطلق اسم الكلالة، ولا بد وأن يكون ~~المعنى ها هنا: ليس له ولد ولا والد، فإن المذكور من الميراث لا يتصور إلا ~~عند فقد الوالد والولد، ويدل على أن الكلالة اسم لمن لا والد له ولا ولد. # قوله تعالى: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم ~~يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث) ، يقتضي أن يكون ذلك الباقي للأب، ثم ~~قال: # (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) ، فلم يجعل للإخوة ميراثا مع الأب، فخرج ~~الولد من الكلالة والوالد جميعا، لأنه لم يورثهم مع الأب، كما لم يورثهم مع ~~الإبن، والإبنة أيضا ليست بكلالة كالابن، فلا جرم أولاد الأم يسقطن بها، ~~لأنه تعالى شرط في توريث أولاد الأم أن يكون الميت كلالة، أو الوارث كلالة، ~~فإن ترك بنتا أو ابنتين وإخوة وأخوات لأم فالبنت ليست بكلالة، فلا يستحق ~~الأخوات الثلث. # واختلف أهل اللغة في اشتقاق الكلالة: # فمنهم من قال: هو من قوله: كلت الرحم إذا تباعدت، ولحت إذا قربت، يقال هو ~~ابن عمي لحا، أي هو ابن أخي «1» ، وهو ابن عمي كلالة، أي من عشيرتي. قال ~~الشاعر: # ورثتم قناة الملك لا عن كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم # يعني ورثتموها بالآباء لا بالإخوة والعمومة. PageV02P359 # ويمكن أن يكون مأخوذا من الكلال وهو الإعياء، ومنه قولهم: # مشى حتى كل: أي بعدت المسافة فطال سيره حتى كل. وكل البعير إذا طال ~~الطريق حتى أعيا، وكل السيف إذا طال الضرب به، وكلت الرحم إذا ضعفت فطال ~~نسبه، فتكون الكلالة من بعد النسب وبعد القرابة. # وقيل: أخذ من الإكليل المحيط بالرأس. # وروي عن عمر في الكلالة بعد النسب وبعد القرابة روايتان مختلفتان، ms199 فتارة ~~لا يجعل الوالد كلالة، وتارة كان يجعله كلالة. # ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر لما سأله عن الكلالة إلى آية ~~الصيف «1» . # ولا شك أن عمر لا يخفى عليه معنى الكلالة من جهة اللغة، وذلك يدل على أن ~~معنى الكلالة شرعا غير مفهوم من الإسم لغة، ولذلك لم يجب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عمر عن سؤاله في معنى الكلالة، ووكله إلى استنباطه. # وفي ذلك دليل على جواز تفويض الإجماع إلى آراء المستنبطين، كما فوضها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأي عمر. # وفيه دلالة على بطلان قول من يقول: لا يجوز استنباط معاني القرآن، فإن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ~~«2» » ، PageV02P360 # فإن ذلك إنما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قال فيه بما سنح في ~~وهمه، وخطر على باله، من غير استدلال عليه بالأصول، وإن من استنبط معناه ~~بحمله على الأصول المحكمة المتفقة فهو ممدوح. # بقيت ها هنا دقيقة أخرى وهي خاتمة النظر، وذلك أن الجد من حيث كان أصل ~~النسب خارج عن الكلالة كالأب والابن، وعليه بنى العلماء سقوط أولاد الأم ~~به، لأن الله تعالى شرط في ميراثهم عدم الولد والوالد، وفقد الأصل والفرع، ~~ولا يتحقق ذلك مع الجد، وموضع اشتقاق الكلالة يقتضيه أيضا. # ولأجل ذلك قلنا إن آية الصيف تدل أيضا على أن الجد خارج، فإن الله تعالى ~~شرط في وراثة الأخت نصف التركة أن تكون كلالة، فلا جرم لا ترث النصف مع ~~الجد ولا الأخ يرثها مع الجد بل يقاسمها، والله تعالى إنما شرط الكلالة في ~~استحقاق النصف فقط وذلك مشروط بعدم الجد. # ويدل عليه أن الكلالة لا تتناول البنت، والأخت ترث مع البنت، إلا أنها لا ~~ترث على الوجه المذكور في آية الصيف وهو النصف، وإنما ترث الباقي من نصيب ~~البنت، فهذا تمام معنى آية الكلالة، وقد وردت في آية الصيف عدة أخبار تركنا ~~ذكرها للاستغناء عنها في فهم ms200 معنى الآية. # ومما استنبطه العلماء من آية الكلالة بعد فهم معناها مسألة المشركة «1» ، ~~وقد اختلف فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروي عن علي إسقاط ~~أولاد الأب والأم، وروي عن زيد التشريك «2» . PageV02P361 # ولا شك أن ظاهر قوله تعالى: (فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث) ~~، يتناول أولاد الأم جملة، وقوله: (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ~~ترك) «1» ، يتناولهم من جهة الأب لا من جهة الأم، فتعين الجمع بين ~~الاثنتين، فمتى أمكن التوريث بقرابة الأبوة، وجبت مراعاتها لقوله تعالى: ~~(إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ~~ولد) «2» ، معناه يرثها بقرابة الأبوة، وإن لم يكن التوريث بقرابة الأبوة، ~~وجب اتباع ظاهر قوله: (فهم شركاء في الثلث) ، فأخذنا حكم التشريك والتعصيب ~~من الآيتين الواردتين في حق الكلالة، وذلك بين نعم إذا فرضنا زوجا وأما، ~~وأخا من أم، وإخوة من أب وأم، فلولد الأم السدس، والسدس الباقي بين أولاد ~~الأب والأم، لأن قوله تعالى: (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين) «3» ، ينفي التوريث بالفرض ما أمكن التوريث بالعصوبة، فإذا أمكن ~~توريث بالعصوبة، وجب اتباع الآية الأخرى. # ومن يخالف هذا المذهب يقول: إنما جعل الله تعالى الإخوة شركاء في الثلث ~~مبنيا على قوله تعالى: (فلكل واحد منهما السدس) ، ولا يتصور استحقاق السدس ~~ها هنا، فتقدير الآية: للواحد السدس وللإثنين الثلث، ولا يتصور ذلك في ولد ~~الأب والأم، فعند ذلك يضعف التعليق بالظاهر من حيث الاسم، ويبقى التعليق من ~~حيث المعنى، وهو أنه لما جعلت قرابة الأمومة مورثة، وقد وجدت العلة المورثة ~~في حق الأب والأم، فينجر الكلام عند ذلك إلى طريق المعنى. PageV02P362 # وإذا ثبت الاستنباط من الكلام في مسألة المشركة، فالأخت مع البيت عصبة ~~عند جماهير العلماء. # وقيل لابن عباس وابن الزبير: إن عليا وعبد الله وزيدا يجعلون الأخوات مع ~~البنات عصبة، فقال: «أنتم أعلم أم الله؟» ، يقول الله عز وجل: (إن امرؤ هلك ~~ليس له ولد وله ms201 أخت فلها نصف ما ترك) ، فجعل لها النصف عند عدم الولد، فكيف ~~تجعلون لها مع الولد النصف؟ # وعامة العلماء يرون معنى الآية: إن امرؤ هلك ليس له ولد ذكر، ولذلك قال: ~~(وهو يرثها) يعني الأخ، ولا شك أن الأخ يرث مع البنت. # ومثله قوله تعالى: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد) ~~، ومعناه عند الجميع: إن كان له ولد ذكر. # ولا خلاف بين الصدر الأول ومن بعدهم من الفقهاء، أنه لو ترك ابنة وأبوين، ~~أن للبنت النصف وللأبوين السدسان والباقي السدسان والباقي للأب، ولو ترك ~~ابنة وأبا فللبنت النصف وللأب النصف، وقد أخذ في هاتين المسألتين مع الولد ~~أكثر من السدس. # والسر في ذلك أن الذي تأخذه الأخت بعد أصحاب الفرائض، ليس هو النصف الذي ~~كان مفروضا لها، إذا لم يكن ولد، فإن ذلك فرض، وهذا مأخوذ بالتعصيب، لأنها ~~عصبة فتأخذ الباقي، فتارة يكون الباقي نصفا، وتارة أقل من ذلك، وربما ترك ~~الميت ابنتين فصاعدا فتأخذ الأخت ما بقي بعد الثلثين، وربما كان مع الأخت ~~أخواتها، فيأخذون جميع ما يبقى، فعلم به أن الذي تأخذه الأخت في هذا ~~الموضع، إنما تأخذه بمعنى غير المعنى الذي كان فرض لها مع البنت. # PageV02P363 # فإذا كان المعنى الذي تأخذ به في هذا الموضع غير ذلك المعنى، لم يدخل أحد ~~المعنيين على الآخر، وكان لكل واحد منهما معنى حكم على جهته. # نعم بنت الإبن لا تستحق الباقي بعد بنتي الصلب، لأن الجهة واحدة في البنت ~~وبنت الابن، وأما الجهة فمختلفة ها هنا. # وليس يمكن إسقاط أولاد الإبن «1» ، مع مشابهتهم لأولاد الصلب في تعصيب ~~الأخت وغيره، وإعطاء الأبعد، وليس يمكن الترتيب في الفرض، فدعت الضرورة الى ~~تعصيبهن «2» ، هذا تمام ما يقال في هذا الباب. # فإن قال قائل: فهلا قلتم لابنة الابن ما يبقى بعد بنتي الصلب؟ وإن بنت ~~الابن في ذلك أولى من ابن ابن العم البعيد، فإنها تدلي ببنوة الميت، وابن ~~العم يدلي ببنوة جد الميت، وشتان ما بينهما، فإن قلتم: ms202 لا شيء لها، علم أن ~~ذا الفرض لا يصير عصبة، مخافة صرف المال إلى من هو أبعد منه في القرابة، ~~فكذلك الإلزام في الأخت من الأب مع الأختين للأب والأم، فإنه لا يصرف إليها ~~الباقي بعد الثلثين بحكم العصوبة، تقديما لقرابتها على قرابة ابن ابن العم، ~~وهذا سؤال حسن. # والجواب عنه: أن السبب في ذلك أن الله تعالى شرع فرض البنات جملة واحدة، ~~سواء كن بنات صلبه أو بنات ابنه، فجعل غاية حقهن الثلثين، وجعل غاية حق ~~الأخوات سواء كن لأم وأب أو لأب الثلثين، PageV02P364 # ودل عليه مطلق قوله تعالى: (ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك) إلى ~~قوله: (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك) «1» الآية، فوقعت الفريضة ~~لهم جملة، لأنهم جميعا ولد الميت أو ولد أبى الميت، فإذا كان ذلك كمال حقهم ~~من التركة، يقع الكلام منهم بعضهم مع بعض في البداية ببعضهم على بعض، فإذا ~~استوفى الأخوات للأب وللأم حصصهم، كان الباقي للعصبة لأنهم يقولون لأولاد ~~الأب: سواء علينا كنتم لأب وأم، أم كنتم لأب وقد استوفى فرض الأخوات، فليس ~~لكن بعده شيء؟ وإن كان هناك أخ لأب سقط كلام العصبة، لأن الإخوة يقولون: ~~أنتم لا حق لكم مع أخ لاب بوجه، فإنه ذكر عصبة لا يأخذ ما يأخذه بفرض ~~الإناث. # السؤال: على هذا من أوجه: # أحدها: أنه إن صار نصيب الأخوات من الأب مستوفى في فريضة الأخوات للأب ~~والأم وليس يبقى بعد ذلك لهن حق في الميراث، فلم تأخذ الأخت للأب مع أخيها ~~«2» ، وهلا قال لها الأخ: قد صارت حصتك مستوفاة في ميراث الأخت للأب والأم، ~~فلا حق لك أصلا بوجه من الوجوه، فلا جرم صار ابن مسعود إلى أن الباقي للأخ ~~دون الأخت. # وأبى ذلك غيره حتى قال زيد بن ثابت: هذا من قضاء أهل الجاهلية. # أي إنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث. # إلا أن ابن مسعود يقول: أنا أورث الإناث، ولكن نصيبهم مستوفى في ميراث ~~أولاد الأب والأم، فهذا تمام هذا القول ms203 في الاعتراض. # الوجه الثاني في الاعتراض، أن قول القائل إن ميراث أولاد الأب ~~PageV02P365 # صار مستوفى لا وجه له، فإن حقهم لا يصير مستوفى لغيرهم، وكل من يحجب ~~شخصا، لا يقال صار ميراثه مستوفى للحاجب، بل يقال: # لا ميراث للمحجوب مع الحاجب، فإذا تقرر ذلك فالثلثان لأولاد الأب والأم ~~وبنات الابن معهن، ويبقى النظر بعد ذلك في أنهم حجبوا بمن فوقهم، فلم ~~يحرمون من دونهم مثل مسألتنا سواء؟ # الوجه الثالث: أنه لو جاز أن يقال هذا، جاز أن يقال: إن ميراث أولاد الأب ~~شبيه بميراث أولاد الميت في الثلثين والنصف، وتعصيب الأخ للأخت، فيمكن أن ~~يقال من أجل ذلك إنه ميراث الولادة، إلا أنه ولادة أب الميت، ولذلك تشابه ~~الميراث، فإذا أخذت البنات الثلثين، صار حق الأولاد مستوفى على أبلغ الوجوه ~~وهو ولادة الميت، وميراث أولاد أبي الميت من جنس ذلك بلا شك، فيصرف الفاضل ~~إلى العصبة. # الجواب عن السؤال الأول: أن الأخت إنما تأخذ مع أخيها بجهة أخرى غير ~~الجهة التي يستحق بها الأخوات الفرض، كما تأخذ بنت الابن مع ابن الابن ما ~~يبقى، وإن وجد بنتا الابن. # فإن قلت: فلم يعصبها أخوها كما يعصب ابن الابن أخته؟ ولعل المعنى فيه ~~أنها تقول نحن استوينا في القرب، وإنما لك فضل بالذكورة، فالمال بيننا على ~~تلك النسبة، إذ يبعد أن يأخذه الأبعد في الدرجة بحكم البنوة، أو من في ~~درجتها وهي لا تأخذ. # أو يقال: إن قوة عصوبة الابن اقتضت فعصبت أخته، وقد بعدت تلك القوة إلى ~~أولاد الأب وإن تقاصرت عنه في بعض الوجوه، فكان التعصيب لهذا المعنى، وإذا ~~ثبت التعصيب اختلفت الجهة، فلم يكن توفية ميراث الأخوات بالفرض مانعا جهة ~~أخرى يستحق بها الميراث، وهذا بين. # والجواب عن الفصل الثاني، وهو قولهم إن ميراث أولاد الأب # PageV02P366 # لا يصير مستوفى، فإنهم محجوبون، وإنما ذلك حق أولاد الأب والأم، فالأمر ~~كذلك على بعض الوجوه، غير أن الذي قلنا إنه ليس لأولاد الأب الإناث أكثر من ~~هذا القدر الصحيح، والذي قالوه ثالثا ms204 إنه ليس لأولاد الأب إلا ما يشبه ~~ميراث الأولاد، فهو الكلام الواقع، وما ذكروه من تشابه الميراثين فكمثل، ~~ولكن مع هذا إذا فرضنا بنتا وأختا، لم نقل إن الأخت تأخذ مكملة الثلثين، ~~مثل ما يقال في الأخت من الأب مع الأخت من الأب والأم، وذلك يدل على وجه ~~على افتراق الميراثين. # واعلم أن هذا كله تعلل، والأصل فيه التوقيف، وهو ما روي هزيل ابن شرحبيل ~~أن أبا موسى الأشعري سئل عن رجل ترك ابنته وابنة ابنه وأخته لأبيه وأمه. ~~فقال: لبنته النصف، وما بقي فللأخت من الأب والأم. وقال: ائت ابن مسعود ~~فسيقول مثل ما قلت، فسأل ابن مسعود عن ذلك وأخبره بما قال أبو موسى، فقال ~~ابن مسعود: وكيف أقول ما قال أبو موسى وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت من ~~الأب والأم «1» . # وروى أبو حسان عن الأسود بن يزيد الكوفي، أن معاذ بن جبل وهو على اليمن ~~ورث مال رجل توفي وترك ابنته وأخته، فجعل للابنة النصف ولأخته النصف، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حي يومئذ «2» . # وروى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال: كان ابن الزبير يقول في بنت وأخت: ~~المال للبنت، فقلت له: إن معاذا قضى فينا باليمن للبنت النصف وللأخت النصف ~~الباقي، فقال ابن الزبير، فأنت رسولي إلى ابن PageV02P367 # عتبة- وكان قاضيه على الكوفة- مره فليأخذ بذلك، فترك ابن الزبير قوله لما ~~جاءه ما لم يمكن دفعه «1» . ### | فصل # اعلم أن الله تعالى قال في ميراث الإخوة: (وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) ~~«2» ، فجعل الأخ عصبة، ولم يفصل بين الأخ من الأب والأم، والأخ من الأب، ~~وجعل للأخت مطلقا النصف، وللأختين الثلثين، سواء كن من الأب أو من الأب ~~والأم، ولم يفرد قرابة الأمومة، لا في حق الأخ ولا في حق الأخت، ولو انفردت ~~قرابة الأمومة عن قرابة الأبوة، لكان للأخت من الأب والأم الثلثان: النصف ~~بقرابة الأبوة، والسدس بقرابة الأمومة، وذلك كل المال، فإذا ms205 ثبت ذلك، علم ~~به اتحاد القرابتين في حقه في استحقاق مقدار المال، ورجعت زيادة قرابة ~~الأمومة إلى تأكيد قرابة الأبوة، حتى تقدم على ولد الأب، وتنزل زيادة قرابة ~~الأمومة، منزلة زيادة درجة العصبات مثل الابن وابن الابن. # فإذا تبين ذلك، فإذا فرضنا ابني عم، أحدهما أخ لأم، لم تتحد قرابة ~~الأمومة ببنوة العم، بل لمن اجتمعت فيه القرابتان، السدس بقرابة الأمومة، ~~والباقي بينه وبين ابن عمه، وقال عمر وابن مسعود: المال للأخ من الأم. # ولم يختلفوا في الأخوين لأم، أحدهما ابن عم، أن لهما الثلث بنسب الأم، ~~وما بقي فلابن العم خاصة. # وفي المسألة الأولى شبهوا بأخوة الأم، وأنها تتحد بأخوة الأب. ~~PageV02P368 # وهذا بعيد، فإن الجهة هناك واحدة، واختلفت الجهة فيما نحن فيه، والأصل ~~نفي الاتحاد بين الجهتين وتوفير مقتضى كل علة عليها، إلا ما كان مستثنى في ~~حق الإخوة، والنافي منفي على أصله. # إذا ثبت الحكم في هذه المسائل فقد قال تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو ~~دين) «1» ، قدم الوصية على الدين في ثلاثة مواضع. # نعم أفاد بقوله: «أو» نفي اعتبار جمع الأمرين، فإنه لو قال: # «من بعد وصية ودين» بالعطف، لا أحتمل أن يقال: يعتبر وجود الأمرين، وإذا ~~قال: «أو دين» ، علم به أن اجتماعهما لا يعتبر، ومثله قوله تعالى: (ولا تطع ~~منهم آثما أو كفورا) «2» ، أي لا تطعهما ولا كل واحد منهما، ومثله قول ~~القائل: جالس الحسن أو ابن سيرين، هو أما بمجالستهما أو مجالسة أحدهما، ~~فإذا قال: جالس الحسن وابن سيرين، احتمل أن يكون قد أمر بمجالستهما مجتمعين ~~ومنفردين. # يبقى أن يقال: إنه تعالى قدم الدين على الوصية. # فيقال: إن المراد به استثناؤهما من جملة الميراث، وهما بالإضافة إلى ~~التركة واحد، فإنهما مقدمان على حق الورثة، وليس يظهر أثر التقديم بالإضافة ~~إلى الورثة، وإنما تتفاوت الوصية والدين في أنفسهما عند قطع النظر عن حق ~~الورثة، وليس في الآية تعرض لذلك، وهذا بين، وكأنه تعالى ذكر الوصية قبل ~~الدين، لأن الوصية أغلب وأكثر من الدين، فإنه ms206 قد يموت كثير ولا دين عليه، ~~ولا يموت الإنسان غالبا إلا ويكون PageV02P369 # قد أوصى بوصية، ولأن قضاء الدين من التركة كان مشهورا، ولعل الحاجة إلى ~~بيان الوصية كان أكثر وأظهر، وعن علي رضي الله عنه قال: # قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية وأنتم تقرءونها من ~~بعد وصية يوصى بها أو دين «1» . # واعلم أن قوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) ، لا يقتضي اختصاص ~~الوصية ببعض المال، كما لا يقتضي ذلك في الدين، إذ ظاهره العموم، إلا أن ~~الخبر الصحيح ورد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه، قال: مرض أبي مرضا ~~شديدا أشفى «2» منه، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا كلاله، أفأتصدق بالثلثين؟ قال: لا. ~~قال: فالشطر؟ قال: لا. قال: فالثلث؟ # قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تترك ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة ~~يتكففون وجوه الناس، وإنك إن تنفق نفقة إلا أجرت فيها، حتى اللقمة ترفعها ~~إلى في امرأتك. فقلت: يا رسول الله، أتخلف عن هجرتي؟ قال: لن تخلف بعدي، ~~فتعمل عملا تريد به وجه الله تعالى، إلا تزداد رفعة ودرجة، لعلك أن تخلف ~~فينتفع بك أقوام ويضر بك أقوام آخرون، ثم قال: اللهم امض لأصحابي هجرتهم ~~ولا تردهم على أعقابهم «3» لكن البائس سعد بن خولة يرثي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن مات بمكة. # فدل الخبر على أن الزيادة على الثلث غير جائزة، فإن النقصان عن الثلث ~~مستحب. PageV02P370 # ودل به على أنه إذا كان قليل الحال وورثته فقراء، فالمستحب أن لا يوصي ~~أصلا. # وفيه دليل على أن الصدقة في المرض وصية غير جائزة إلا من الثلث، لأن سعدا ~~قال: أتصدق بجميع مالي؟ فقال: لا، إلا أن يرده إلى الثلث. # وقول سعد: أتخلف عن هجرتي؟ .. معناه أنه يموت بمكة وهي داره التي هاجر ~~منها إلى المدينة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى المهاجرين عن أن ~~يقيموا ms207 بعد النفر أكثر من الثلاث، وهاجر سعد مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتخلف بعده، حتى نفع الله به أقواما وضر به آخرين، وفتح الله على يديه بلاد ~~العجم وأزال ملك الأكاسرة. # وإذ قال تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) ، فيدل ظاهره على أن كل من ~~كان عليه ما يسمى دينا، فلا يأخذ الوارث تركته. # ومساق ذلك أن دين الزكاة يؤخذ من ماله بعد الموت، وكذلك الحج، فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سماه دين الله وجعله أحق الديون. # ومن الجهالات قول الرازي إن ذلك دين الله، فلا يفهم من مطلق اسم الدين، ~~فإن الاختلاف في المضاف اليه لا في اسم الدين. # ولو قال قائل دين الآدمي ينطلق عليه اسم الدين لأنه مضاف إلى الآدمي، كان ~~مثل ذلك. # ومطلق قوله «يوصي» ، لا فصل فيه بين الوصية للوارث والأجنبي، إلا أن ~~الأخبار قيدت بالوصية للأجنبي «1» على ما رواه الفقهاء في كتبهم، ودل ~~الإجماع أيضا عليه. PageV02P371 # ومطلق قوله تعالى: (من بعد وصية) ، يقتضى التسوية بين مقدار الثلث وما ~~فوقه، إلا أنه إذا كان هناك وارث معين استثناء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء» الحديث. # فإذا لم يكن وارث معين بقي عند أبي حنيفة على موجب العموم، إلا أن ~~الشافعي رضي الله عنه يقول: قوله: (يوصي بها أو دين) ، ما ورد إلا في موضع ~~الوراثة، ولم يرد مطلقا، فكيف يمكن الاستدلال بعمومه، وهذا قاطع في منع ~~الاستدلال بعموم الآية في الوصية، وإذا لم يمكن ذلك، يبقى لنا أن الأصل ~~امتناع إضافة التصرف إلى ما بعد الموت إلا بقدر ما استثنى، وقد شرحنا ذلك ~~في مسائل الخلاف، وإنما مقصودنا بهذا الكتاب البحث عن معاني كتاب الله. # قوله تعالى في مساق الوصية: (غير مضار) ، أي غير مضار بالوصية، وذلك بأن ~~يوصي بأكثر من الثلث. # وقوله تعالى: (غير مضار) ، يمتنع التعلق بعموم آية الوصية فيما يقع ~~التنازع فيه، فإنه لا يدري أنه من قبيل المضارة أم لا، ms208 فيمتنع التعلق ~~بعمومه لمكان الاستثناء المبهم، وهذا بين في منع التعلق بالعموم في الوصية، ~~ومما يتعلق بمعاني الآية أن عموم قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) ، ~~مع ذكر الزوجة والإخوة والأخوات، يدل على ميراث القاتل والرقيق والكافر، ~~غير أن الأخبار الخاصة منعت منه، وإذا صار مضمون الخبر مقدما، فقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # PageV02P372 # «لا يتوارث أهل ملتين شتى» «1» . # ولم يختلف الناس في أن الكافر لا يرث المسلم. # نعم، نقل عن معاوية أنه ورث المسلم من قريبه الكافر. # وقيل هو قول معاذ. # وإذا كان قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» قاضيا على ~~عموم الآية في حق الكافر الأصلي والمسلم، قضى عليه في حق المرتد حتى لا ~~يرثه المسلم» «2» . # وقال ابن شبرمة وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والأوزاعي في إحدى الروايتين: ~~ما اكتسبه المرتد بعد الردة فهو لورثته المسلمين. # وقال أبو حنيفة: ما اكتسبه المرتد في الردة فهو فيء، وما كان مكتسبا في ~~حال الإسلام، ثم ارتد يرثه ورثته المسلمون إذا قتل على الردة عند أبي ~~حنيفة، ولا يورث عنه ما اكتسبه في الإسلام. # وأما ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد، فلا يفصلون بين الأمرين، ومطلق قوله ~~عليه السلام: # «لا وراثة بين أهل ملتين شتى» ، يدل على بطلان أقوالهم. # تم انتزاع معاني الفرائض من آيات المواريث. PageV02P373 # قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) » # الآية (15) : # الأكثرون على أن الآية منسوخة بما نزل في سورة النور: (الزانية والزاني) ~~«2» الآية. # والسبيل الذي جعله تعالى لهن: الرحم والجلد. # وقوله: (والذان يأتيانها منكم فآذوهما) «3» ، كانت المرأة إذا زنت حبست ~~في البيت حتى تموت، وكان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير والضرب بالنعال، ~~فنزلت: (الزانية والزاني) الآية. # واعلم أن الآية إن كانت ناسخة فليس فيها فرق بين الثيب والبكر، وذلك يدل ~~على أنه كان حكما عاما في البكر والثيب. # وورد في الأخبار الصحيحة عن عبادة بن الصامت في هذه الآية: # (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) ، قال: كنا عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms209 فنزل عليه الوحي، فكان إذا نزل عليه الوحي تربد لونه، وكرب له، ~~وصرفنا أبصارنا عنه فلم ننظر اليه، فلما سري عنه قال: # «خذوا عني» . # قال: قلنا: نعم يا رسول الله، قال: قد جعل الله لهن سبيلا: # الثيب بالثيب الرجم، والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة «4» . PageV02P374 # وقال الحسن: كان أول حدود النساء كن يحبسن في بيوت لهن حتى نزلت الآية ~~التي في النور: (الزانية والزاني) «1» .. الآية، قال عبادة: # «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم» فذكر مثل الحديث الأول. # وروي عن الحسن وعطاء أن المراد بقوله تعالى «فآذوهما» الرجل والمرأة. # وقال السدي: البكر من الرجال والنساء. # وعن مجاهد: أنه أراد الرجلين الزانيين، وأراد بالأول المرأتين الزانيتين. # وذكروا أن الظاهر يدل عليه، فإنه قال تعالى أولا: # (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) ، فاقتضى ذلك فاحشة مخصوصة من النساء. # وقال: (والذان يأتيانها منكم) فاقتضى ذلك فاحشة مخصوصة بالرجال، فالأول ~~فاحشة بين النساء، والثاني فاحشة بين الرجال. # فعلى هذا المذكور من سورة النور ليس نسخا للأول من الفاحشتين، إذ لا ~~يتعلق الجلد بها، وفي تعلقه بالفاحشة الثانية اختلاف قول بين العلماء. # ولا شك أن موجب الفاحشة وهو الحبس في البيت، منسوخ كيفما قدر الأمر، فأما ~~الفاحشة الثانية فموجبها الإيذاء، وذلك ثابت الحكم غير منسوخ على قول بعض ~~العلماء، وتأويل السدي أقرب إلى الظاهر، وقول غيره يحتمل، فيمكن أن تكون ~~الآيتان نزلتا معا، فأفردت المرأة بالحبس، PageV02P375 # وجمعا جميعا في الأذى، وتكون فائدة إفرادها بالذكر، إفرادها بالحبس إلى ~~أن تموت، وذلك حكم لا يشاركها فيه الرجل، وقرنت المرأة بالرجل في ذكر الأذى ~~لاشتراكهما. # ويجوز أن تكون المرأة من قبل مشاركة الرجل في الأذى، ثم زيد في حدها ~~الإمساك في البيت. # واعلم أن قوله: (يأتين الفاحشة من نسائكم) ، الظاهر كونه مقدما على قوله: ~~(والذان يأتيانها منكم) . # فإن قوله: (يأتيانها) كناية لا بد له من مظهر متقدم مذكور في الخطاب، أو ~~معهود معلوم عند المخاطب، فالظاهر رجوع الكناية إلى ما تقدم ذكره من ~~الفاحشة، فيقتضي ذلك أن يكون ms210 حبس المرأة متقدما، ثم تعذر زيادة الأذى على ~~الحبس إن كان المراد بقوله: (والذان يأتيانها) الرجل والمرأة، مع أن إضافة ~~الفاحشة إلى المرأة، يبعد إضافتها ثانية إليها، إلا بتقدير أمر جديد، ~~والأذى يشتمل على الحبس وما سواه، وليس فيه دلالة مصرحة بالزيادة ليعتقد ~~مضموما إلى ما تقدم. # والظاهر أن قوله: «واللذان» كناية عن الرجلين، لا عن الرجل والمرأة، ~~لتقدم بيان فاحشة المرأة. # قيل لهؤلاء وقد قال الله تعالى (ما ترك على ظهرها من دابة) «1» من غير أن ~~يتقدم ذكر المكنى عنه بالهاء. # وقال: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) «2» فيجوز في قوله: (والذان يأتيانها ~~منكم) . PageV02P376 # فأجابوا: إن المفهوم من ذكر الإنزال: القرآن، ومن قوله على ظهرها من ~~دابة: الأرض، فاكتفى بقرينة الحال عن ذكرها صريحا. # وقال السدي: إن قوله (فأمسكوهن في البيوت) : في الثيبين، وقوله: (والذان ~~يأتيانها منكم) : في البكرين. # وكيفما قدر فلا بد من شيء منسوخ في الآية. # والصحيح أنه نسخ بقوله عليه السلام: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» ~~الحديث. # ويجب أن يكون قوله: (الزانية والزاني) نازلا بعد قوله عليه السلام: «جعل ~~الله لهن سبيلا» ، فإنه لو نزل قبل هذا الخبر، ما كان لقوله عليه السلام: ~~«خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» معنى، وذلك يدل على نسخ الكتاب بالسنة. # وعلى هذا إذا نزلت آية النور بعد خبر عبادة، فإنما يكون متضمنا بعض حكم ~~زنا البكر، من غير تعرض لزنا الثيب، ومن غير تعرض لنفي سنة، وذلك في القلب ~~منه شيء. # وكيف ترك الأمر العظيم الأهم من زنا الثيب ورجمه بقول: الزانية والزاني، ~~فيأتي بالألف واللام الدالين على استغراق الجنس، ويقول بعد ذلك: (ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله) «1» ، وذلك لأجل المبالغة، فيتعرض لمزيد ~~تغليظ عليهم ليس من جنس الحد، ويقول في تمام التغليظ: (وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين) . # فيظهر من مجموع هذه المبالغة في التغليظ أنه لو كان ثم حد آخر أو في ~~PageV02P377 # منه، لكان أولى بأن يتعرض له، فيظهر بذلك الاحتمال الآخر وهو أن قوله: ms211 ~~(فآذوهما) ، (وفأمسكوهن) ، لم ينسخه خبر عبادة، وإنما نسخه الذي في النور، ~~فكان ذلك شاملا للبكر والثيب جميعا على وجه واحد، فإن الثيب أكثر من يصدر ~~منهم الزنا، فكيف لا يتعرض لهن. # يبقى أن يقال: فما معنى قوله عليه السلام: «خذوا عني قد جعل الله لهن ~~سبيلا» والسبيل كان سابقا؟ # فيقال: إن ذلك من أخبار الآحاد، فلا يعترض به على هذا الأمر المقطوع به ~~الذي قلناه. # أو يقال: قوله «قد جعل الله لهن سبيلا» ، بيان حكم الله تعالى، وحكم الله ~~تعالى يجوز أن يرد في دفعتين، فإذا ورد ثانيا، كان تتمة السبيل الذي أطلقه ~~كتاب الله تعالى. # وفيه شيء آخر من الإشكال، وذلك أن الله تعالى يقول في الآية الأولى: # (فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت) الآية (15) . # ويقول في الآية الثانية: (فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) الآية ~~(16) . # فإن كان الذي وجب على الرجلين، أو على الرجل والمرأة على اختلاف ~~المعنيين، عين الحبس، فإذا عزر المعزر منه، وجب الإعراض عنه، تاب أو لم يتب ~~بقوله: # PageV02P378 # (فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) ، فإنه يقتضي عقابا دائما يسقطه التوبة ~~والصلاح والإخلاص، ويكون ذلك الحبس، فيقتضي ذلك أن يكون الإيذاء عبارة عن ~~الحبس أيضا، كما كان في الأولى، إلا أن الله تعالى عبر عنهما بعبارتين ~~مختلفتين. # فهذا تمام ما تيسر تقريره ها هنا، مع ما فيه من الإشكال. # وقد أنكرت الخوارج الرجم، لأجل أن الذي في سورة النور لا يحتمل أن يكون ~~في وقت اختلاف حد البكر والثيب كما قررناه، وإذا كان كذلك فلا بد وأن يكون ~~تمام الحد هو القدر المذكور في سورة النور في حق البكر والثيب جميعا، فإذا ~~كان كذلك، فشرع الرجم نسخ لهذه الآية، ونسخ القرآن بأخبار لا يجوز بوجه. # قوله تعالى: (إنما التوبة على) .. إلى قوله: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء ~~كرها) «1» . # بيان الوقت الذي تقبل فيه التوبة، ليس متعلقا بأحكام التوبة في الدنيا، ~~فأراد أن يبين حكمها في الآخرة. # قوله تعالى: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) ms212 الآية (19) : # ذكر ابن عباس في هذه الآية أنه إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته ~~من ولي نفسها، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم ~~يزوجوها، فنزلت هذه الآية في ذلك، فكانوا يورثون وارثه المال، وكان من ~~الطاعة منهم أن يلقي أقرب الناس اليه عليها ثوبا فيرث نكاحها، فمات ابن ~~عامر، زوج كبشة بنت عامر، فجاء ابن PageV02P379 # عامر من غيرها، فألقى عليها ثوبا فلم يقربها ولم ينفق عليها، فشكت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: # (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) . # وقوله: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) «1» . # أمر للأزواج بتخلية سبيلها، إذا لم يكن فيها حاجة، فلا يضر بها في ~~إمساكها حتى تضجر، فتفتدى ببعض مالها «2» . # كذا فسره ابن عباس. # وقال الحسن: هو نهي لولي الزوج الميت أن يمنعها من التزويج على ما كان ~~عليه أمر الجاهلية. # وقوله تعالى: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) . # يحتمل زناها الذي يجوز للرجل من أجله أن يهجرها ويزجرها، ويجوز أن يكون ~~نشوزها، فهذا معنى الآية، وشرحنا أحكام الخلع في سورة البقرة. # وذكر عطاء الخراساني أن الرجل كان إذا أصابت امرأته فاحشة، أخذ ما ساق ~~إليها وأخرجها، فنسخ ذلك. # وقال زيد بن أسلم في هذه الآية: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) : كان ~~أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية، ورث PageV02P380 # امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد، فكان ~~أهل تهامة يسيء الرجل صحبة امرأته حتى يطلقها، ويشترط عليها ألا تنكح من ~~أراد حتى تفتدى منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك. # قال زيد: وأما قوله: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) ، فإنه كان في الزنا ~~ثلاثة أنحاء وقال: # (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة) «1» ، فلم ينته الناس. # ثم نزل: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) إلى قوله: # (أو يجعل الله لهن سبيلا) . # كانت المرأة الثيب إذا زنت فشهد عليها أربعة، عضلت فلم يتزوجها أحد، فهي ~~التي قال الله عز ms213 وجل: # (لا تعضلوهن ... إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) . # قال زيد: ثم نزلت. # (والذان يأتيانها منكم فآذوهما) ، فهذين البكرين اللذين لم يتزوجا، ~~فآذوهما أن يعرفا بذنبهما فيقال: يا زان، يا زانية، حتى يرى منهما توبة، ~~حتى نزل السبيل فقال: # (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) «2» ، فهذا للبكرين، ~~فقال زيد: وكان للثيب الرجم. # وفي الذي ذكره زيد جواب عن قول القائل: إن قوله: «فآذوهما» PageV02P381 # يجب أن يكون الحبس، فإن التعزير إذا أقيم وجب الإعراض عنه، فإنه قال: # معنى الإيذاء له أن يعرف بالفاحشة تعبيرا فيقال: يا زان، يا زانية، إلى ~~أن يتوبا فيسقط التعيير. # قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) . # معناه مثل معنى قوله: (فإمساك بمعروف) ، وذلك توفية حقها من المهر ~~والنفقة، وأن لا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون مطلقا في القول، لا فظا ~~ولا غليظا، ولا مظهر ميلا إلى غيرها. # قوله تعالى: (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا) . # بيان استحباب الإمساك بالمعروف، وإن كان على خلاف هوى النفس. # وفيه دليل على أن الطلاق مكروه. # قوله: (وقد أفضى بعضكم إلى بعض) الآية (21) : # يستدل به من أوجب المهر بالخلوة. # وقال قوله تعالى: (من قبل أن تمسوهن) «1» ، يعم المخلو بها وغيرها. # وقوله: (وقد أفضى) ، يدل في حق المخلو بها وغيرها، والإفضاء حمله القراء ~~على الوطء. PageV02P382 # وقيل: أصله مأخوذ من الفضاء، وهو المكان الذي ليس فيه بناء حاجز عن إدراك ~~ما فيه، فسميت الخلوة إفضاء لزوال المانع من الوطء. # ويقال في تقدير ذلك الأصل: أن لا يأخذ شيئا منها بعد أن ملكت، إلا أن ~~الإجماع حصل في حق غير المخلو بها. # ويقال في الجواب عنه: بل الأصل أن المعوض متى عاد سليما إليها، فيرد كمال ~~العوض إلى الزوج، إلا فيما استثنى من الوطأة الواحدة، أو الموت، أو بقاء ~~نصف المهر عليها عند الطلاق، والكلام يتقاوم ويخرج عن معنى أحكام القرآن. # قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) الآية ~~(22) : # اعلم أن النكاح في ms214 أصل اللغة بمعنى الجمع والضم، وهذا المعنى في الوطء ~~أظهر، غير أنه في عرف الشرع للعقد، حتى إذا قال لامرأة أجنبية: إن نكحتك ~~فعبدي حر وامرأتي طالق، تعلق الحنث بالعقد لا بالوطء دون العقد، ولا يجوز ~~عند كثير من الأصوليين، أن يكون اللفظ محمولا على الحقيقة وعلى المجاز ~~جميعا، فيراد المعنيان. # فإذا ثبت ذلك، فالتي عقد الأب عليها، مراد الآية إجماعا، ودل عليه نظيره: ~~(وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) الآية (23) . # وسيقت الآيات بعدها لتحريم العقد، وقال: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) . # ولا يجوز أن يريد به الوطء دون النكاح، فإن ذلك محرم لا بهذه العلة، بل ~~الزنا محرم على الإطلاق، وإنما يكون قد حرم ما كان تحريمه لأجل نكاح الأب، ~~وهو عقد نكاح الابن، وهذا لا يشك فيه عاقل. # PageV02P383 # ودل على ذلك أيضا قوله: (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن) الآية (23) . معناه: دخلتم بهن من نسائكم، ولا يكون ذلك إلا في ~~النكاح «1» . # وليس يخفى على عاقل، أن تحريم منكوحة الأب على الابن، ليس للتغليظ على ~~الابن بحرام صدر من الأب، بل هو لتعظيم الأب في منكوحة بمثابة أم لابنه، ~~وامرأة ابنه بمثابة بنت له، فإذا كان ذلك بطريق الكرامة والمحرمية، فلا ~~يقتضي الزنا المجرد ذلك. # وذكر الرازي أن الله تعالى غلظ أمر الزنا بإيجاب الرجم تارة، وبإيجاب ~~الجلد أخرى، فمن التغليظ إيجاب التحريم، وذكر هذا المعنى في شرح معنى هذه ~~الآية، وذلك غلط فاحش منه، فإنه لا يتوهم التغليظ على الابن في زنا الأب، ~~مع أن المزنية غير محرمة على الزاني، فهذا تمام هذا المعنى «2» . # ثم إن الرازي قال: # زعم الشافعي أن الله تعالى لما أوجب الكفارة على قاتل الخطأ، كان قاتل ~~العمد أولى بذلك، إن كان حكم العمد أعظم من حكم الخطإ، ألا ترى أن الوطء لا ~~يختلف حكمه أن يكون بزنا أو بغير الزنا، فيما يتعلق به من فساد الحج ~~والصوم؟ فكذلك ما نحن فيه. # وهذا الذي ذكره غاية الجهل، فإن الشافعي لما «3» قال ذلك ms215 في حكم الكفارة ~~التي محلها القتل، الذي هو محظور غير مستحق، ولذلك لا تجب PageV02P384 # في القتل المباح، وأما المحرمية فإنها كرامة ونعمة، وتعلقت في الأصل ~~بالنكاح الصحيح، قال «1» الشافعي: # الكفارة في الأصل وجبت لمعنى كرامة في الآدمي، وثبتت في النكاح، وأثبتت ~~في حق الابن بسبب نكاح الأب، إنما أثبتت لمعنى، كان الزنا أولى بذلك ~~المعنى. # فالذي ذكره يدل على أنه لم يفهم معنى كلام الشافعي رضي الله عنه، ولم ~~يميز بين محل ومحل، ولكل مقام مقال، ولتفهم معاني كتاب الله رجال، وليس هو ~~منهم، وعلى هذا فساد العبادات، فإن فسادها للجنايات على العبادة، والزنا في ~~هذا المعنى مثل الوطء بالنكاح. # وقد اعترف بعض من ادعى الإنصاف منه، أن المحرمية لا تثبت بطريق التغليظ، ~~فإن هذا النمط من الكلام باطل، فتكلف في الزنا جهة رأى أنه يقتضي الكرامة ~~من تلك الجهة، وتلك الجهة باطلة قطعا ولسنا لنذكرها. # وذكر الشافعي مناظرة بينه وبين مسترشد طلب الحق منه في هذه المسألة، ~~فأوردها الرازي متعجبا منها ومنبها على ضعف كلام الشافعي فيها، ولا شيء أدل ~~على جهل الرازي، وقلة معرفته بمعاني الكلام من سياقته لهذه المناظرة، ~~واعتراضاته عليها، ونحن نبين كلام الشافعي رضي الله عنه: # اعلم أن كلام الشافعي دل أولا، على أن الله تعالى ما أثبت المحرمية في ~~زوجة الأب كان الوطء أو لم يكن في حق الابن إلا كرامة ونعمة، PageV02P385 # ولا يتهيأ لعاقل أن يقول إن الشرع يجعل زوجة الإنسان محرما لابنه حتى ~~يجوز له أن يخلو بها، ويسافر معها، ويراها بمثابة أمه من الرضاعة والنسب ~~بطريق العقوبة، وإذا تقرر ذلك قال الشافعي رضي الله عنه: # فقال لي قائل: لم قلت: إن الحرام لا يحرم الحلال؟ # قلت: قال الله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) . # وقال: (وأمهات نسائكم) إلى قوله (دخلتم بهن) «1» ، أفلست تجد التنزيل ~~إنما يحرم من سمى بالنكاح أو الدخول في النكاح؟ # قال: بلى. # قلت: أفيجوز أن يكون الله تعالى حرم بالحلال شيئا، وحرمه بالحرام، ~~والحرام ضد الحلال؟ ms216 والنكاح مندوب اليه، مأمور به، وحرم الزنا فقال: (ولا ~~تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا) «2» . # فهذا تمهيد الدلالة من إمامنا الشافعي رضي الله عنه، وأشار بها إلى أن ~~الشارع حرم زوجة الأب من غير دخول مثلا على الابن، وإذا ثبت ذلك، فإذا ~~أردنا فهم المعنى منه لنلحق به ما سواه، لم يكن فهم معنى التغليظ، وإنما ~~يفهم منه معنى الكرامة، والكرامة إنما تليق بسبب مباح أو مندوب اليه، فلا ~~يتصور فهم معنى الكرامة في إثبات المحرمية، وحليلة الأب والابن وأم المرأة، ~~ثم يقاس عليه الزنا الذي لا يليق به الكرامة، فإنهما ضدان، فلا يتعرف من ~~أحدهما ضد مقتضاه في الآخر بطريق الاعتبار والقياس، وهذا في نظر أهل الأصول ~~والتحقيق من الضروريات، فقال هذا الجاهل- أعني الرازي:- PageV02P386 # تلا الشافعي آيتين، وليس فيهما أن «1» التحريم لا يقع بغيرهما، كما لا ~~ينفي الحلال إيجاب التحريم بالوطء، بملك اليمين وبسط القول فيه ومعناه هذا، ~~ولم يعلم هذا الجاهل معنى كلام الشافعي رضي الله عنه، فاعترض عليه بما ~~قاله، وعجب الناس من ذلك وقال: # في هذه المناظرة أعجوبة لمن تأمل، فكان كما قال القائل: # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم # ويعلم الله تعالى، أن الذي حمله لا يلتبس على من شذا «2» من التحقيق ~~طرفا، غير أن فرط التعصب يعمي عين البصيرة بالمرة، وظن الجاهل أن الشافعي ~~رضي الله عنه، رأى القياس ممتنعا في الضدين مطلقا، وأنه لم ير قياس الشيء ~~على خلافه، وقال: # المتضادان قد يجتمعان في وجوه، وكفاه جهلا وخزيا أنه لم يفهم هذا الكلام ~~الذي ذكره الشافعي على وضوحه. # ثم كلام الشافعي، قال له: أجد جماعا وجماعا، فلعل السائل ظن أن هذا ~~الكلام الحكيم معلق على صورة الجماع، مثل الغسل وفساد العبادات، فقال ~~الشافعي: # هذا جماع لو فعلت حمدت عليه، وذلك لو فعلت رجمت به، فرده إلى المعنى ~~الأول. # أي إن العاقل لا يفهم من تحريم زوجة الأب بنفس العقد على تقدير أنها ~~كرامة، ولا من تحريم حليلة الابن مذكورا بلفظ ms217 الحليلة مثل تلك PageV02P387 # الكرامة، فيما هو محظور محض، سماه الله تعالى مقتا وفاحشة، وقال: # (وساء سبيلا) . # وقال له السائل: هل توضحه بأكثر من هذا؟ # قال: نعم، أفنجعل الحلال الذي هو نعمة، قياسا على الحرام الذي هو نقمة؟ # والعجب أن الرازي ذكر هذا وقال: # هذا تكرار المعنى الأول، ولم يفهم مقصوده مع هذا الإيضاح، ثم ألزم وطء ~~الحائض، والوطء في النكاح الفاسد، والجارية المجوسية، وأن الوطء في هذه ~~المواضع بمنزلة نفس النكاح، مع أن ذلك مزجور «1» عنه محرم، وهذا لا يخفي ~~وجه الجواب عنه، لما تشتمل عليه هذه الوطئات من معنى الحرمة واقتضائها «2» ~~للكرامة في أمر النسب والعدة، وتمام الجواب عنه مذكور في مسائل الخلاف، غير ~~أن مقصودنا الآن فهم معنى الآية التي سيقت لبيان مجرد العقد في حق الابن، ~~وصار العقد المجرد مرادا به بالإجماع، كيف يمكن أن يفهم منه الزنا؟ # ثم حكى زيادة على ما قلناه للشافعي رضي الله عنه، ووجد في كتبه، ~~استشهادات من المسائل بعيدة، وجواب الشافعي عنها، وكذب الجاهل في تلك ~~الزيادات. # والمنقول عن الشافعي رضي الله عنه في كتبه، هذا الذي ذكرناه من القواطع ~~الأصولية، التي يتلقاها العقل والشرع بالقبول والاتباع. PageV02P388 # والعجب أنه كما لم يفهم كلام الشافعي، لم يفهم كلام السائل أيضا، حيث ~~قال: «أجد جماعا وجماعا» . # قال: السائل قصد بذلك أن يتبين أن المعنى إذا لم يتضح فاسد وجه فيه الشبه ~~«1» . فقال: «أجد جماعا وجماعا» والشافعي أبان الفرق بينهما بالمعنى الذي ~~ذكره، فلا هو اهتدى إلى وجه الشبه، ولا إلى وجه الحجة، وإنما كان الذي ~~ناظره محمد بن الحسن «2» . # ثم قال هذا الجاهل بفرط جهله: وسرور الشافعي بمناظرة مثله، يدل على أنهما ~~كانا كالمتقاربين في المناظرة، وإلا فلو كان عنده في معنى المبتدي والغبي ~~العامي، لما أثبت مناظرته إياه في كتابه، ولو كلم به المبتدئون من أصحابنا ~~لما خفى عليهم عوار هذه الحجاج، وضعف السائل والمسئول فيه «3» . # هذا لفظ الرازي نقلته على وجهه من كتابه الذي سماه أحكام القرآن «4» . # والذي ذكره من الوقيعة ms218 في إمامنا الشافعي رضي الله عنه، يكفيه في الجواب ~~عنه جهله بقدر الشافعي أولا، وجهله بكلامه الذي حكيناه وشرحناه، ولله يوم ~~يخسر فيه المبطلون. PageV02P389 # ولو أن المحققين يعلمون أن في إيضاحنا لجهله بمعنى كلام الشافعي أتم ~~انتصار منه، لتجاوزنا ذلك إلى ما سواه. # ومما ذكره الشافعي رضي الله عنه أن قال: # كيف يتهيأ لعاقل أن يفهم من قوله تعالى: # (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) أن من قبل امرأة بشهوة، حرم على ~~ابنه التزوج بها تلقيا من قوله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) . # أترى ذلك من قبيل ما يسمى نكاحا على تقدير عرف الشرع، أو عرف اللغة ~~وموجبها؟ # ولو نظر إلى فرجها فكذلك، ولو نظر إلى سائر بدنها فلا، ولو نظرت إلى فرج ~~رجل، حرم على ابنه أن ينكحها تلقيا من قوله (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) ، ~~أو تلقيا من قوله: (وأمهات نسائكم) أو من قوله: (وحلائل أبنائكم) . # أليس ترك هذا القول خيرا من نصرته مع ما فيه من المخازي؟ # وظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه، أن اللمس بشهوة في ملك اليمين وفي ~~النكاح، لا يوجب تحريم ما يتعلق تحريمه بالوطء. # قوله: إلا ما قد سلف: فيه نظر، فإنه قال: (ولا تنكحوا) ثم قال: (إلا ما ~~قد سلف) . # وظاهر ذلك أن الذي سلف كان نكاحا، إلا أن قوله: (إنه كان فاحشة ومقتا ~~وساء سبيلا) يرده فمعنى قوله (إلا ما قد سلف) ، أي إلا ما قد سلف فإنكم غير ~~مؤاخذين به. # PageV02P390 # فعلى هذا قوله: (إلا ما قد سلف) ، استثناء منقطع كقولهم: # «لا تلق إلا ما لقيت، يعني لكن ما لقيت فلا لوم عليك فيه» . # وقوله تعالى: (إنه كان فاحشة) . «1» # يعني بعد النهي، وإلا فقبل النهي ليس بفاحشة، لا قبل المبعث ولا بعده، ~~فعلى هذا قوله: (إلا ما قد سلف) ، يعني فإنه يسلم منه بتركه والتوبة منه. # نعم، في هذه الآية دلالة ظاهرة للشافعي رضي الله عنه، في أن من تزوج ~~امرأة ابنه، ثم وطئها مع العلم بالنهي والتحريم إنه زان، ms219 لأنه تعالى قال: # (إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) . # كما قال: (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا) . # فذكر في نكاح امرأة الأب مثل ذلك. # فإن قيل: إنه إذا كان عندكم النكاح بمعنى العقد، والعقد لم ينعقد، فليس ~~ثم زنا، فما معنى قوله: (فاحشة ومقتا وساء سبيلا) والفاحشة عندكم ترجع إلى ~~العقد، وليس في ذلك ما يوجب الحد؟ وهذا سؤال القوم. # والجواب عنه: أنه لما جعل العقد فاحشة، لم يكن فاحشة لعينه، وإنما كان ~~فاحشة لحكمه ومقصوده، فلولا أن مقصوده أعظم وجوه الفواحش، وليس فيه شبهة، ~~ما جعل الذريعة اليه فاحشة ومقتا، وهذا في غاية الوضوح فاعلمه. PageV02P391 # قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) الآية (23) : # حرم الله تعالى من النسب سبعا ومن الصهر سبعا ثم قال: # (كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم) «1» . # واللفظ ليس حقيقة في أمهات الأمهات، وأمهات الآباء، والأجداد: # والتحريم شامل «2» ، نعم اسم الأمهات ينطلق عليهن عرفا، فلا جرم اكتفى ~~بإطلاق العرف عن ذكرهن. # والدليل على أن اسم الأمهات ليس حقيقة في الجدات، أن الصحابة لم يفهموا ~~من ميراث الأبوين ميراث الجدات والأجداد، حتى بينه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، واستنبطه أهل الإجماع بدقيق النظر، وروى لهم الراوي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أطعم الجدة بالسدس، واختلفوا في الجد مع الأخ، ولم يجهلوا ~~معنى الاسم، وكان الإجماع انعقد على تحريم الجدات وهو الأصل. # فإذا ثبت ذلك، فقد حرم الله تعالى بعد الأمهات الأخوات، وذكر بنات ~~الأخوات، وبنات الأخ، لأن اسم الأخ لا يتناول ابن الأخ مجازا ولا حقيقة. # واعلم أن الله تعالى وضع هذا التحريم على ترتيب عجيب، فحرم أولا أصول ~~الإنسان عليه وفصوله، وفصول أصوله الأولى بلا نهاية، وحرم فصول فصوله بلا ~~نهاية، وحرم أول فصول كل أصل ليس قبله أصل إلى غير نهاية، وهو أولاد الإخوة ~~والأخوات، وحرم أول فصل من كل أصل قبله أصل آخر بينه وبين الناكح، وهو ~~أولاد الجد وأبو PageV02P392 # الجد، فإن التحريم مقصور، وابنة الخال، على أول فصل، ms220 فابنة العم، وابنة ~~العمة، وابنة الخالة حلال، ثم قال: و (أمهاتكم اللاتي أرضعنكم) . # فحرم من الرضاع ما حرم من النسب، غير أن في الرضاع لم يذكر بنات الأخ ~~والعمات والخالات من الرضاعة، ودل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ~~«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» . «1» # وقال تعالى: (وأمهات نسائكم) . # وقد حرم الله تعالى الأم من الرضاعة، من غير تعرض لما به يحصل الرضاع» # من مقدار الرضاع ومدته، فالتعلق بهذه الآية في إثبات التحريم بالرضعة ~~الواحدة تعلق بالعموم، الذي سيق لغرض آخر غير غرض التعميم، إلا أن صيغة ~~العموم وقعت صلة في الكلام زائدة، ليتوصل بها إلى غرض آخر يستنكره في ~~سياقته، للتعريج على ذكر تفصيل ما يتعلق به حرمة الرضاع، وفي مثله يقول ~~الشافعي رضي الله عنه. # الكلام يجمل في غير مقصوده ويفصل في مقصوده. # وفي الأصوليين من يخالف ذلك. # وقد شرحنا ذلك في تصانيفنا في الأصول، واليد العليا لمن يذب عن مذهب ~~الشافعي رضي الله عنه في ذلك، وهو منع الاستدلال بهذا الجنس من العموم. # وذكر الرازي في هذا المقام، أن أخبار آحاد النصوص لا يجوز أن PageV02P393 # يخصص بها هذا العموم، فضلا عن منع التعلق به، وفيما قدمناه ما يبين فساد ~~قوله. # واختلف الناس في لبن الفحل، وهو أن يتزوج المرأة فتلد منه ولدا ويدر لها ~~لبنا بعد ولادتها منه، فترضع منه صبيا. # فأكثر العلماء على أن لبن هذا الفحل، يحرم هذا الصبي على أولاد الرجل، ~~وإن كانوا من غيرها، ومن لا يعتبر لا يوجب تحريما بينه وبين أولاده من ~~غيرها. # فمن قال بلبن الفحل ابن عباس. # وقال ابن سيرين: كرهه قوم، ولم ير به قوم بأسا، ومن كرهه كان أفقه. # وهو قول القاسم بن محمد، وعليه الفقهاء المعتبرون مثل الشافعي، ومالك، ~~والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبي حنيفة وأصحابه جميعا. # وخالف سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ~~وقالوا: لبن الفحل لا يحرم شيئا من قبل الرجل. # وقوله تعالى: (وأمهاتكم «1» اللاتي أرضعنكم) ، يدل على ms221 أن الفحل أب، لأن ~~اللبن منسوب اليه، فإنه در بسبب ولده وهذا ضعيف، فإن الولد خلق من ماء ~~الرجل والمرأة جميعا، واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل، وما كان من ~~الرجل إلا وطء هو سبب لنزول الماء منه، وإذا حصل الولد، خلق الله للبن، من ~~غير أن يكون اللبن مضافا إلى PageV02P394 # الرجل بوجه ما، ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن، وإنما اللبن لها فلا ~~يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء. # وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ، ~~يقتضي التحريم من الرضاع، ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل، مثل ظهور ~~نسبة الماء اليه، والرضاع منها، لا جرم الأصل فيه حديث الزهري وهشام ابن ~~عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن ~~عليها وهو عمها من الرضاعة، بعد أن نزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، ~~فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته، فقال: ليلج عليك، فإنه عمك تربت ~~يمينك، وقال: أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها.. وهذا ~~أيضا خبر واحد «1» . # ويحتمل أن يكون أفلح مع أبي بكر رضيعي لبان، فلذلك قال: # «ليلج عليك فإنه عمك» ، وإلا فلم يثبت أنه كان الرضاع قبل التزوج أو ~~بعده، أو كانت امرأة أبي قعيس ولدت منه، فإن قدرت هذه الأمور، فيجوز أن ~~يقدر به ما قال المخالف. # وبالجملة، القول فيه مشكل والعلم عند الله تعالى، ولكن العمل عليه ~~والاحتياط في التحريم أولى، مع أن قوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ، يقوي ~~قول المخالف فاعلمه. # قوله تعالى: (وأمهات نسائكم «2» وربائبكم اللاتي «3» في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن) الآية (23) : PageV02P395 # اعلم أن السلف اختلفوا في اشتراط الدخول في أمهات النساء. # فروي عن علي اشتراط ذلك، مثل ما في الربائب، وروي عن جابر مثل ذلك، وهو ~~قول مجاهد وابن الزبير. # وأكثر العلماء على خلاف ذلك في الفرق بين الربائب وأمهات النساء. # فأما من جمع بينهما ms222 يقول: # الشرط إذا تعقب جملا رجع على الجميع، كالشرط والاستثناء بالمشيئة، وذلك ~~ما قررناه في الأصول، وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة يسلمون الشرط والاستثناء ~~بالمشيئة، ورجوعهما إلى الجميع، فوجب عليهما أن يفرقوا بينهما على كل حال. # فكان الفرق أن قوله تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم) ، ثم قال: (من ~~نسائكم اللاتي دخلتم بهن) ، فنعت الربائب بنعت لا يتقرر ذلك النعت في أمهات ~~النساء، ثم ذكر إضافة، فالظاهر أن الإضافة وهي قوله: (من نسائكم) لصاحبة ~~الصفة، وكانت كالصفة الثانية، فلم يظهر رد النعت الثاني إلى أمهات الثاني، ~~وقبله وصف لا يتصور فيهن، بل الثاني يتبع الأول. # ولو قال ظاهرا: «وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن» ، أو هم أن أمهات ~~النساء من النساء، وذلك وصف للربائب، لا وصف أمهات النساء، فتقرير اللفظ ~~بنات نسائكم اللاتي دخلتم بهن. # والمخالف يقول: بل تقديره من حيث العطف: «وأمهات نسائكم وبنات نسائكم» ~~وذلك يقتضي الجمع، فكأنه قال: # «وأمهاتهن وبناتهن» ، فانصرف الثاني إلى ما انصرف الأول اليه، # PageV02P396 # فتقديره: وأمهات نسائكم، وبنات نسائكم اللاتي في حجوركم، ونساؤكم ممن قد ~~دخلتم بهن. # ويجاب عنه بأن الأسماء المتحدث عنها المذكورة، هي التي يصرف النعت إليها ~~دون الأسماء المضاف إليها، إلا أن يتبين أن النعوت للأسماء المضاف إليها ~~بنص، أو بضرب من الدليل يقوم مقامه، فإنك إذا قلت: # لعلي بن محمد بن أبي الحسن علي ألف درهم، تكون الكنية لعلي دون محمد، ~~وتقول زيد بن عبد الله الفقيه قال: ظاهر أن الفقيه هو الاسم المتحدث عنه. # فحاصل القول، أن الحكم إنما ورد في أمهات النساء وفي الربائب، وكانت ~~الإضافة من النساء اللاتي دخلتم بهن لا تليق بأمهات النساء، وهي تليق ~~بالربائب، جعل الشرط فيه فيهن، وقام مقام النعت، وكان جعل ذلك للنساء ~~اللاتي أضيف الأمهات إليهن، إذ الأمهات والربائب جميعا دون الربائب ليس ~~بمنصوص، ولم يجر فيه ما وصفتم من قولكم: وبنات نسائكم ونسائكم ممن قد دخلتم ~~بهن، فإن ذلك بإضمار أمور يخرج بها اللفظ عن ظاهره. # وبالجملة لو جعل قوله: (وربائبكم اللاتي في ms223 حجوركم) تمام الكلام، ويجعل ~~(من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) «1» ، فيخرج الربائب اللاتي قد أجمعوا عليها ~~من اللبن «2» ، فيكون تقديره: # «وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن» . PageV02P397 # ولا شك أن كلام المخالف ليس ينقطع بذلك، إلا أنه يقال: # ساق الله تعالى محرمات عدة مبهمة، وليس فيها تقييد، وجعل في آخرها ~~تقييدا، فالأصل اتباع العموم وترك المشكوك فيه، والاحتياط للتحريم يقتضي ~~ذلك فاعلمه. # وفي الناس من خص التحريم بالتي توصف بكونها ربيبة، وقال: # إذا لم تكن في حجر الزوج، وكانت في بلد آخر، وفارق الأم بعد الدخول، فله ~~أن يتزوج بها، وهذا قول علي «1» رضي الله عنه، على ما يرويه عنه مالك بن ~~أوس، فإن صح هذا عنه «2» فيقال: # يجوز أن يكون الله تعالى قد أجرى ذلك على الغالب، من غير أن تكون هذه ~~الصفة شرطا في التحريم، إلا أن عليا يقول: فإن كان كذلك وثبت، فلم اعتبرتم ~~هذا الوصف في قطع الشرط المذكور بعده عن الأول، وإنما قطعتموه بتخلل هذا ~~الوصف في قطع الربائب، وفيه إبانة اتصال الوصف الثاني بالأول. # وأعلم أن قول الله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) لم يستوعب المحرمات ~~بالنسب والرضاع جميعا، فإنا بينا أن الآية ما تناولت PageV02P398 # الجدات من قبل الأم والأب حقيقة، ولا خالات الأب والجد وعماتهم، ولا ~~خالات الأم وعماتهن «1» . # وفي الرضاع لم يذكر بنات الأخ، وبنات الأخت، والخالات والعمات من ~~الرضاعة، وكل ذلك مفوض إلى بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولا يقال ذكر من ذكر، والسكوت عما سكت عنه لوجه صحيح، بل هو على ما شاء ~~الله وأراده، لمصلحة خفية لم يطلع عليها، تولى بيان البعض وسكت عن البعض: # وإذا ثبت ذلك فقوله: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم) الآية يقتضي ~~تحريمهن مطلقا بملك اليمين وذلك النكاح، فإن الله تعالى أبان تحريم ~~الاستمتاع، وحرم النكاح، لأنه طريق إلى الاستمتاع، وإذا ثبت ذلك وتقرر ~~فقوله: (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله: (وأن تجمعوا بين الأختين) ، يقتضي ~~تحريم الاستمتاع، إلا أن تحريم الاستمتاع بمنع النكاح ولا يمنع ملك اليمين، ms224 ~~فنتيجته تحريم وطء المذكورين بملك اليمين، الذين لا يعتقون بالشراء. # واعلم أنه لا خلاف في تحريم وطء الأمهات، والأخوات من النسب، والرضاع ~~بملك اليمين، وأن السبع اللواتي حرمن بالنسب، واللواتي حرمن بالنسب والصهر، ~~حرم وطؤهن في ملك اليمين، ولا خلاف في تحريم الجمع بين وطء الأم والبنت ~~بملك اليمين، وإذا دخل بالأم، حرمت البنت أبدا بملك اليمين، وحليلة الأب ~~والابن محرمتان يملك اليمين. PageV02P399 # وإذا ثبت ذلك وتقرر فالله تعالى يقول: # (وحلائل أبنائكم الذين من «1» أصلابكم) . # وإنما أنزلت الآية على ما قاله عطاء بن أبي رباح في النبي صلى الله عليه ~~وسلم تزوج امرأة زيد فنزلت: # (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) «2» . # و (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) «3» وكان يقال له: زيد بن محمد. # وسميت زوجة الإنسان حليلته، لأنها تحل معه في فراش واحد. # وقيل: لأنه يحل منها الجماع بعقد النكاح. # والأمة، وإن استباح فرجها بالملك، لا تسمى حليلة، ولا تحرم على الأب ما ~~لم يطأها، وعقد نكاح الابن عليها يحرمها على أبيه تحريما مؤبدا. # وإذا تعلق التحريم باسم الحليلة، اقتضى ذلك تحريمهن بالعقد دون شرط ~~الوطء، فشرط الوطء زيادة، لا يفتضيها اللفظ، وإذا ثبت ذلك فموطوءة الأب ~~بملك اليمين أو بالشبهة، لا تسمى حليلة من حيث الإطلاق، ولكن اقتضى الإجماع ~~إلحاقها بها. # وقوله تعالى: (الذين من أصلابكم) . PageV02P400 # نفي للأدعياء، ولكنه لا ينفي الرضاع، والتحريم به ثابت، وليس الإسم ~~بحقيقته متناولا للوطء بملك اليمين، وهو بحقيقته متناول لنفس النكاح، فإن ~~اسم الحليلة حقيقة في نفس ملك النكاح. # وقوله: (وأن تجمعوا بين الأختين) . # معناه تحريم الجمع على الوجه الذي حرم الأفراد من المحرمات، وفي الذي ~~تقدم حرم الاستمتاع. # فتقدير الكلام: ولا تجمعوا بين الأختين في الوطء، وذلك يعم الوطء في ~~النكاح وملك اليمين، إلا أن ذلك في النكاح يمنع أصل النكاح، ولا يمنع ملك ~~اليمين، فإذا ثبت ذلك وتقرر، نشأ منه أن الجمع بين الأختين في النكاح لا ~~يجوز، ونشأ منه تحريم وطء الأختين بملك اليمين. # وفي هذا على الخصوص نقل خلاف ms225 عن السلف، ثم زال الاختلاف. # وإذا تبين أن المنصوص على تحريمه جمع مضاف اليه، حتى يقال هو الذي ~~يمسكهما ويطؤهما، فإذا زال النكاح، زال هذا المعنى من كل وجه، ولم يكن ~~إمساك المعتدة مضافا اليه، فيقتضي هذا أن لا يكون النهي عن الجمع متنا، ولا ~~من نكح الأخت في عدة الأخت، وإذا تبين ذلك، بقيت على مقتضى قوله تعالى: ~~(وأحل لكم ما وراء ذلكم) وهذا بين حسن، فكان الأصل الإباحة، ثم طرأ مانع. ~~زال المانع فرجع إلى الأصل. # قوله تعالى: (إلا ما قد سلف) «1» . PageV02P401 # يحتمل أن يكون معناه معنى قوله: (إلا ما قد سلف) في قوله: # (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) ، ويحتمل معنى ~~زائدا، وهو جواز ما سلف، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية، كان النكاح ~~صحيحا، وإذا جرى في الإسلام، خير بين الأختين، على ما قاله الشافعي رضي ~~الله عنه، من غير إجراء عقود الكفار، على موجب الإسلام ومقتضى الشرع، فهذا ~~تحقيق القول في محتملات هذا اللفظ، فلا جرم، قال الشافعي رضي الله عنه: # إذا أسلم الكافر عن أختين، خير بينهما، سواء جمعهما في عقد واحد أو في ~~عقدين. # وأبو حنيفة يبطل نكاحهما إن جمع في عقد واحد، وتعين الأولى إن فرق. # والشافعي لما رأى قوله تعالى: (إلا ما قد سلف) غير نص في مقصوده، أراد أن ~~يستدل بالنص، فاستدل بحديث فيروز الديلمي والحارث ابن قيس «1» . # والعجب أن الرازي «2» قال في أحكام القرآن: # لما لم يجز أن يبتدئ المسلم عقدا على أختين، لم يجز أن يبقى له عقد على ~~الأختين، وإن لم يكونا أختين في حال العقد، كما إذا تزوج رضيعتين فأرضعتهما ~~امرأة واحدة، واستوى حكم الابتداء والانتهاء. # ونقلنا هذا الكلام بلفظه، وذكر بعده كلمات يسيرة، ثم نقل PageV02P402 # احتجاج الشافعي رضي الله عنه، بحديث فيروز الديلمي، والحارث بن قيس وقال: # يحتمل أن يكون العقد قد كان قبل نزول التحريم، فكان صحيحا إلى أن طرأ ~~التحريم، فلزمه اختيار أربع منهن ومفارقة سائرهن، كرجل له ms226 امرأتان، فطلق ~~إحداهما ثلاثا، فيقال له: اختر أيتهما شئت، لأن العقد كان صحيحا إلى أن طرأ ~~التحريم. # ووجه على نفسه سؤالا فقال: # إن قال قائل: لو كان ذلك يختلف، لسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. # فأجاب بأن قال: قيل له: # يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك، فاكتفى بعلمه عن ~~مسألته. # نقلنا هذا الفصل بلفظه، متعجبين من جهله بسياقه بكلاميه «1» ، وأنه كيف ~~تناقض أول كلامه وآخره مع تفاوت ما بين الأول والآخر، وفي النوع الواحد من ~~الكلام. # كيف لم يتصور عين التناقض، وذكر في التأويل أنه يحتمل أن يكون العقد كان ~~قبل نزول التحريم، فكان صحيحا إلى أن طرأ عليه التحريم؟ فلم يجعل طريان ~~التحريم مانعا اختيار الأربع، لأن العقد في الأول كان صحيحا على الجميع، ثم ~~قال قبله كلمات: لما لم يجز أن يبتدئ المسلم عقدا على أختين، لم يجز أن ~~يبقى له عقد على أختين، وإن لم يكونا أختين في حالة العقد، كرجل تزوج ~~رضيعتين فأرضعتهما امرأة واحدة. PageV02P403 # فليت شعري، نكاح الرضيعتين في الأول كان صحيحا حتى بطل الجميع بطريان ~~الرضاع، أم نكاح فيروز الديلمي لما كان صحيحا في الأول، لم يبطل بما طرأ من ~~الإسلام، وكيف يتصور الجمع بينهما؟ # وكيف يتم له هذا القياس، وقد جعل الطارئ من التحريم كالمقارن بدليل ~~الرضاع..؟ # وتأويل خبر الديلمي ينقض هذا القياس، فإن النكاح لما كان صحيحا عنده لم ~~ينقض، وفي الرضاع كان صحيحا ونقض. # وكيف يتصدى للتصنيف في الدين من هذا مبلغ علمه ومقدار فهمه، فيرسل الكلام ~~إرسالا من غير أن يتحقق ما يقول، ويحصل على نفسه ما يورده، ثم يتعرض للطعن ~~فيمن لو عمر عمر نوح، ما اهتدى إلى مبادئ نظره في الحقائق؟ فنسأل الله ~~تعالى التوفيق، ونسأله النجاة من عمى البصيرة واتباع الهوى. # واعلم أن المنصوص على تحريمه في كتاب الله تعالى، هو الجمع بين الأختين، ~~وقد وردت آثار متواترة في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ~~رواه علي وابن ms227 عباس وابن عمر وأبو موسى وجابر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة ~~«1» وعائشة، وعليه الإجماع، إلا ما نقل عن طائفة من الخوارج، فإنهم زعموا ~~أن قوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ، لا يدفع بأخبار الآحاد، وذلك متهم بناء ~~على أن أخبار الآحاد لا يخص بها عموم الكتاب. # والأخبار في تحريم الجمع بين العمتين والخالتين، إن كانت مقرونة في بيان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان الآية، فتخصيص، وإن تقدم الخبر فقوله: ~~PageV02P404 # (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ، منزل على موجب الخصوص، وإن تراخى فنسخ، وللناس ~~في نسخ الكتاب بأخبار الآحاد كلام، والصحيح جوازه. # ومع أن قوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ، ليس نصا أصلا، وإذا لم يثبت ~~التاريخ، فالمطلق منهم محمول على المقيد، على قول الشافعي رضي الله عنه، ~~وهو قول أكثر الأصوليين. # وعند قوم منهم يتعارضان، وهو قول كثير من المحققين، والتعارض ها هنا سبب ~~التحريم، فإن تعارض المبيح والمحرم يقتضي التحريم لا محالة. # قوله تعالى: (والمحصنات «1» من النساء) (34) : # الآية عطف على المحرمات. # ثم قال: (إلا ما ملكت أيمانكم) . # والمراد به أن ذوات الأزواج محرمات على غير الأزواج. # قوله: (إلا ما ملكت أيمانكم) ، في تأويل علي وابن عباس، في رواية وابن ~~عمر، والآية في ذوات الأزواج من النساء، أبيح وطؤهن بملك اليمين، وحصلت ~~الفرقة بالسبي، وورد ذلك في سبايا أوطاس، وكان لهن أزواج في المشركين، ~~فتحرج المسلمون من غشيانهن، وأنزل الله تعالى: (والمحصنات من النساء إلا ما ~~ملكت أيمانكم) ، أي هن لكم «2» . PageV02P405 # وتأوله ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك، وجابر وابن عباس في رواية ~~عكرمة: أنه في جميع ذوات الأزواج من السبايا وغيرهن، وأنهن إذا ملكن حل ~~وطؤهن، وكانوا يقولون: بيع السيد أمته المزوجة من أجنبي، موجب للفرقة بينها ~~وبين زوجها. # وظن هؤلاء أن الآية عامة، ولا نظر إلى خصوص النسب، والصحيح أن ذلك مختص ~~بالسبي الوارد على نكاح غير محترم، وأن تصرف الرجل في ملكه بالبيع، لا يبطل ~~حقا لغيره على وجه اللزوم، إذا لم يكن بين ms228 إثباتهما تناقض، وليس نكاح ~~المتزوج مانعا لملك اليمين، ولو كان مناقضا، لم يجز ابتداء النكاح، فهذا ~~سبب الاختصاص. # وإنما رفع الله نكاح الأزواج الحربيين، ليخلص الملك للمسلمين، وإنما يخلص ~~الملك بانقطاع حق الزوج في المحل، وإنما ينقطع حق الزوج بسقوط حرمته، فهذا ~~هو السبب وهو ظاهر. # وفيه سر آخر، وهو أن انقطاع نكاح الحربي لم يكن لإثبات الحل في حق ~~السابي، ولكنه لتصفية الملك له، ولذلك لو كانت المسبية أخته من الرضاعة، أو ~~كانت مجوسية، انقطع النكاح، فإنه لو لم ينقطع، لم يصف له الملك، ولم تنقطع ~~الرحمة والعلقة، وكان الملك ناقصا، ولذلك تنقطع الإجارات والديون والعلق ~~كلها، فهذا هو السبب فيه. # وأبو حنيفة لا يرى للسبي أثرا، ويقول: انقطاع النكاح باختلاف الدار، فإذا ~~سبي الزوجان معا، لم ينقطع النكاح. # والذي ذكره بعيد من أوجه: # منها: أن المنقول في سبايا أو طاس أنهن كن ستة آلاف رجل وامرأة، فكيف ~~يمكن أن يقال لم يكن فيهم امرأة معها زوجها، وأنه امتد الأمر حتى اختلفت ~~الدار؟ # PageV02P406 # والوجه الثاني: أن الله تعالى يقول: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم) ، فأحال على ملك اليمين لا على اختلاف الدار، وجعل ملك اليمين هو ~~المؤثر، فيتعلق به من حيث العموم والتعليل جميعا، إلا ما خصه الدليل. # وها هنا سؤال: وهو أنه يقال: قال: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم) ، فإن كان النكاح قد ارتفع فليست محصنة. # قيل: المقصود بذلك رفع الحرج، بسبب أنها ذات زوج، وإبانة أنا لا نمسك ~~بعصم الكوافر، وعلق الحربيين حتى لا يتحرج بذلك السبب، فمعناه: واللواتي كن ~~ذوات الأزواج إذا سبيتموهن، فحكمه كذا. # وتمام البيان في ذلك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في رواية أبي ~~سعيد الخدري في سبايا أو طاس «1» : «لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى ~~تحيض» ، ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثرا، حتى يقال إن المسبية مملوكة، ~~ولكنها كانت زوجة زال نكاحها، فتعتد عدة الإماء، إلا ما نقل عن الحسن بن ~~صالح، فإنه ms229 قال: # عليها العدة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب. # وكافة العلماء رأوا استبراءها، واستبراء التي لا زوج لها واحد في أن ~~الجميع بحيضة «2» . # فإذا ثبت ذلك، فذلك يدل على أنه عند السبي لم يعتبر عصمة الكافر وحرمته، ~~حتى لم يجب عقدة النكاح أيضا، من حيث أن إيجاب عدة PageV02P407 # النكاح تعويق ينشأ من عصمة الكافر وحرمته، ولا حرمة الكافر حتى يتعوق ~~بسببه حق المسلم في الملك. # ولو أن المرأة هاجرت إلى دار الإسلام، أو أسلمت وانفسخ النكاح، فإنما ~~يوجب عدة النكاح، فدل أن جواز الوطء المجرد للاستبراء لمكان زوال النكاح ~~لملك اليمين، لا باختلاف الدار، وهذا في غاية الظهور لأصحاب الشافعي رحمة ~~الله عليهم وعليه. # قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) : # يحتمل ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم، ويحتمل ما عدا المحرمات، وهو ~~الأظهر «1» . # قوله تعالى: (أن تبتغوا بأموالكم) . # خطاب للأزواج كلهم، فكأنه قال: تبتغون بأموالكم، فمقتضاه ابتغاء كل واحد ~~بمال نفسه. # وظن بعض الجهال أن المراد بذلك، أن كل واحد منهم يصدقها ما يسمى أموالا، ~~وظاهره يقتضي أكثر من العشرة، وحكاية هذا الكلام كافية في الرد على قائله، ~~كيف وقد قال تعالى: # (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) «2» ~~؟ وذلك يقتضي إيجاب نصف المفروض قليلا كان أو كثيرا. # قوله تعالى: (أن تبتغوا بأموالكم) . # يمنع كون عتق الأمة صداقا لها، خلافا لأحمد، لدلالة الآية على ~~PageV02P408 # كون المهر مالا، وليس في العتق تسليم مال، وإنما فيه إسقاط الملك من غير ~~أن استحقت به تسليم مال إليها، فإن الذي كان يملكه المولى من عبده، لم ~~ينتقل إليها، وإنما يسقط. # فإذا، لم يسلم الزوج إليها شيئا، ولم تستحق عليه شيئا، وإنما أتلف به ~~ملكه فلم يكن مهرا، وهذا بين. # وقد جوز الشافعي رضي الله عنه جعل منفعة الحر صداقا، ولا خلاف في منفعة ~~العبيد، وإنما يجعل صداقا، لأنها تستحق عليه تلك المنفعة وهي مال، ووردت ~~فيه أخبار وهي نصوص، والشروع فيها خروج عن معاني القرآن، ms230 والذي ورد في ~~الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية، وجعل عتقها صداقا، لا ~~يعارض استدلالنا بالقرآن، لإمكان أنه كان مخصوصا له، فإن نكاحه جاز بلا ~~مهر، فليس يعارض ذلك استدلالنا بلفظ هو نص في حق الأمة. وقال أيضا: # (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا) «1» . # وذلك يدل على أن العتق لا يكون صداقا من وجوه: # منها أنه قال تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) ، وذلك أمر يقتضي ~~الإيجاب، وإعطاء العتق لا يصح. # والثاني قوله: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) ، وذلك ~~محال في العتق، ومتصور في المنفعة. # قوله تعالى: (محصنين غير مسافحين) «2» يحتمل وجهين: PageV02P409 # أحدهما: الإحصان بعقد النكاح، فتقدير الكلام: اطلبوا منافع البضع ~~بأموالكم على وجه النكاح، لا على وجه السفاح، فيكون للآية على هذا الوجه ~~عموم. # ويحتمل أن يقال: محصنين أي الإحصان صفة لهن، ومعناه لتزوجوهن على شرط ~~الإحصان فيهن. # وقد قال الشافعي رضي الله عنه: الإحصان مجمل يتردد بين معاني جمة، فيفتقر ~~إلى البيان. # والوجه الأول أولى، لأنه متى أمكن جري الآية على عمومها والتعلق بمقتضاها ~~فهو أولى، ولأن مقتضى الوجه الثاني أن المسافحات لا يحل التزوج بهن، وذلك ~~خلاف الإجماع. # ويدل عليه أيضا، أن الله تعالى ذكر نظيره في الإحصان في حق الإماء فقال: # (وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان) «1» . # ثم قال: (فإذا أحصن) ، معناه فإذا تزوجن. # وقال: (وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات) . # فتقدير الكلام على هذا: (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم) غير ~~زنا، وهذا كلام ظاهر المعنى، ومقتضاه: إطلاق لفظ الإباحة، على وجه التعميم، ~~وفيه إخبار عن كونها محصنة. # والإحصان في الأصل هو «2» المنع، فقد يطلق على العقد، لأن صاحبه ~~PageV02P410 # يمنع نفسه من الحرام، ويطلق على الإسلام. # قال الله تعالى: (فإذا أحصن) ، روي في بعض الأخبار: إذا أسلمن، وإن كان ~~له معنى آخر ذكرناه. # وقال تعالى: (والمحصنات من النساء) : ذوات الأزواج، وسميت محصنة لأن ~~النكاح يحصنها من ms231 السفاح. # وفي الخبر: من تزوج فقد حصن ثلثي دينه «1» . # وتقول الفقهاء: الإحصان معتبر في الرجم. # ويقولون: هو معتبر في حد القاذف، وتختلف معانيهما والأحكام المعتبرة ~~فيهما. # وسمي الزنا سفاحا لأنه سفح الماء وهو صبه، يقال: سفح دمه، وسفح الجبل ~~أسفله، لأنه موضع مصب الماء، وسافح الرجل إذا زنى، لأنه صب ماءه من غير أن ~~يلحقه حكم مائه في ثبوت النسب، ووجوب العدة وسائر أحكام النكاح. # ويسمى الزاني مسافحا، لأنه ليس يتعلق به حكم ثابت مستمر، وهو نسب أو عدة ~~أو مهر، ويفهم من ذلك أن لا نسب ولا فراش، ولأجل ذلك لم يثبت الشافعي رضي ~~الله عنه التحريم والعتق في المخلوقة من ماء الزنا، واقتضى ذلك أيضا أن لا ~~يثبت في حقها النسب، لأنها مسافحة، كما أنه مسافح، ولكن انفصال الولد منها ~~محسوس، فلا يمكن تضييع حق الولد مع أن فيه خلافا لبعض أهل العلم، أخذا بلفظ ~~المسافحة، PageV02P411 # وتحقيق الفرق بين جانبه وجانبها في النسب، ذكرناه على الاستقصاء في ~~مجموعاتنا في الخلاف. # قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) . # ذكر الله تعالى ذلك بعد قوله تعالى: (أن تبتغوا بأموالكم) ، وذلك يقتضي ~~بيان حكم الدخول في النكاح المذكور أولا، وأنه لا يجوز حط شيء، وحبس قدر ما ~~من المهر، بأي سبب طارئ. # ولو لم يقدر ذلك، لم يفهم من قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن) معنى ~~بوجه ما، فإن الله تعالى أمر بابتغاء البضع بالأموال قبل الاستمتاع، فذكر ~~الاستمتاع ينبغي أن يكون سببا لأمر ما، وليس هو إلا تقدير الصداق المذكور ~~أولا، حتى لا يتوهم سقوط شيء منه لعارض. # وظن ظانون أن هذه الآية وردت في نكاح المتعة «1» ، وأن المهر فيه يتعلق ~~بالدخول لا بنفس العقد ولا ميراث فيه. # ونقل عن ابن عباس أنه تأول قوله: (فما استمتعتم به منهن) إلى أجل مسمى ~~(فآتوهن أجورهن) . # وروي عنه انه رجع عن ذلك لأخبار كثيرة وردت في النهي عن متعة النساء، ~~وتحريم لحوم الحمر الأهلية، ومن رواة الحديث على. # وروي عن ms232 ابن عباس أنه قال: نسخه قوله تعالى: (إذا طلقتم النساء) ، وأشار ~~به إلى أنه لا نكاح إلا له طلاق، وإلا له عدة، وإلا فيه ميراث، والله تعالى ~~يقول: PageV02P412 # (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) » . # والذي ذكره هؤلاء في معنى قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن) الآية، لا ~~يحتمل ما ذكره هذا القائل الذي حمله على نكاح المتعة «2» ، فإن الأجر بمعنى ~~المهر، قال تعالى: # (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن) «3» . # فلما ذكر النكاح علم أنه أراد به الصداق. # وقال تعالى: (وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات) . # فدل على أن محصنات ومحصنين عنى به التزويج، لأن محصنات ذكر مع النكاح، ~~لقوله تعالى: (فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير ~~مسافحات) . PageV02P413 # قوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) . # معناه جواز الإبراء عن بعض الصداق أو هبة بعضه، وتقدير الكلام: # أن تبتغوا بأموالكم محصنين- أي متزوجين- بهن، فإذا استمتعتم بهن فآتوهن ~~أجورهن، ولا تنقصوا شيئا، وإن جرى فراق أو سبب، إلا أن تكون قد حطت شيئا من ~~الصداق، فالحق لها، والمحطوط لا يجب توفيره عليها إذا استمتع. # واستدل قوم بذلك على جواز الزيادة، وذلك غلط، فإن الآية ما وردت في موضع ~~الزيادة، فإنه لما قال تعالى: (فآتوهن أجورهن فريضة) ، اقتضى جواز إعطاء ما ~~فرض لها أولا، فقوله: (ولا جناح عليكم) يرجع إلى الرخصة في ترك الإيتاء، ~~بعد الأمر بالإيتاء في غير موضع الرخصة، وهذا بين لا شك فيه. # فإن قيل: فقد قال تعالى: (فيما تراضيتم) ، والإبراء لا يتوقف على ~~تراضيهما. # الجواب: أن الإبراء وإن كان على المذهب الصحيح، لا يتوقف على تراضيهما، ~~فالهبة موقوفة على ذلك، والإبراء في أحد الوجهين لأصحابنا وإن لم يقف، ~~فالمعلوم العرف أن ذلك يجري بتراضيهما، والمقصود بقوله: (فآتوهن أجورهن) ، ~~طيبة قلبها، وأن لا ينقص من أجرها شيئا» والإبراء يصدر منها. # وقال: (فآتوهن أجورهن) ، إلا إذا طابت نفسها، وقد صرح بذلك في موضع آخر ~~فقال: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن ms233 # PageV02P414 # طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) . # فهذا المشكل من هذه الآية، يعرف من المبين المحكم في الآية الأخرى. # ويدل عليه أن الله تعالى يقول: # (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) «1» ~~. # فجعل عند الطلاق شطر المفروض، وإذا تبين ذلك، فهذا الذي زيد، إن كان ~~صداقا كان مفروضا، فإذا طلقها وقد فرض لها، فيجب أن يشطر ذلك، فإن الله حكم ~~بتشطير نصف المفروض. # قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات) الآية (25) : # اعلم أن التعرض لإحدى الصفتين المتضادتين، والنزول عن كلام مطلق، يدل ~~قطعا على أن التقيد المذكور مقصود، لتعلق الحكم عليه، وأنه لا يجوز إلغاؤه، ~~نعم قد يجوز أن يذكر أحد الحالتين، والمسكوت عنه أولى بالحكم المذكور من ~~المنطوق به، فيتعرض لإحدى الحالتين تنبيها على ما هو أول بالحكم من ~~المذكور، ولو أطلق الحكم لأمكن استثناء المذكور: بيانه أنه تعالى، قال: # (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) «2» إلى قوله (إن قتلهم كان خطأ كبيرا) ~~. PageV02P415 # والقتل محرم عند زوال هذه الحالة لأنه لو قال: «ولا تقتلوا أولادكم» ~~مطلقا، أو قال: «ولا تقتلوا أولادكم حال غناكم، لأمكن أن يتوهم جواز ذلك ~~حالة الشقاق والإملاق، لئلا يشقى المولود له في تربيته فقال: # (لا تقتلوهن خشية إملاق) لعذر الإملاق، (نحن نرزقهم وإياكم) ، فهذا يسمى ~~التنبيه. # ومثله قوله تعالى: (لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة) «1» ، فحرم الربا، ~~وإن كان له فيه النفع الكثير، فإذا لم يجوز لغرض عظيم، فتحريمه لما دونه ~~أولى. # وقال: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به) «2» ، ليس أنه يتصور أن ~~يقوم عليه برهان، ولكن المشركين قالوا لا نترك ديننا ودين آبائنا، فذم ~~التقليد واتباع السلف وترك البرهان والإعراض عن الدليل. # ففي أمثال ذلك يجوز تخصيص إحدى الحالتين، تنبيها على ما هو الأولى بالحكم ~~المذكور من الحالة الأخرى. # أما ها هنا فإنما تعرض لحالة الضرورة في جواز النكاح، فلا يقال حال عدم ~~الحاجة أولى بجواز نكاح الأمة، والأمة في هذا ms234 المعنى أوفى من الحرة، فإذا ~~تبين ذلك، فذكر حالة الحاجة تنبيه على جعل الحاجة علة الإباحة، فإذا لم ~~توجد الحاجة تحرم، فإن الذي يفهم من ثبوت الحاجة، وأن ثبوته كان لأجلها، ~~يعلم انتفاؤه عند عدم الحاجة، وهذا مقطوع به. # وإنما ذكرنا هذه الأمثلة، وأجبنا عليها لأن الرازي «3» لم ير لهذه ~~PageV02P416 # الآية دلالة على ضد المذكور عند عدم الحاجة، ورأى أن ذكر الحاجة في إباحة ~~النكاح، تنزل منزلة ذكر الإملاق والحاجة في تحريم القتل، ولم يجعل لهما ~~مفهوما «1» ، وقد غلط «2» من وجهين: # أحدهما «3» : أن كل ما استشهد به له مفهوم وفحوى، ولكنه من قبيل مفهوم ~~الموافقة والتنبيه بالمذكور على مثله في غير المذكور، والقسم الآخر مفهوم ~~المخالفة، وهو التنبيه بالمذكور على خلافه الذي لم يذكر، وهذان قسمان ~~يعرفان لمحال الخطاب، ومواضع الكلام، ومواقع العلل والمعاني. # والرازي ظن أن الأدلة في القسمين على ما عدا المذكور، فأبان من نفسه جهله ~~بنوعي المفهوم وقال: وبينا ذلك في أصول الفقه، فظلم نفسه بالتصدي للتصنيف ~~في الأصول، قبل معرفة هذه الأمور الجلية، كما ظلم نفسه بالتصنيف في معاني ~~القرآن وأحكامه، قبل إحكام معانيه. # فإذا ثبت ذلك، فيبقى ها هنا نظر، وهو أنه إن قال قائل: قد وردت ألفاظ ~~عامة في النكاح مثل قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) إلى قوله ~~(أو ما ملكت أيمانكم) ، وادعى هذا المحتج به أن معناه: أو نكاح ما ملكت ~~أيمانكم، وهذا غلط، فإن معناه: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) «4» ، لا يخشى ~~فيه الجور، أو ما ملكت PageV02P417 # أيمانكم، فإن العدل في العدد فيه غير واجب أصلا، بل يبقى لهم التعلق ~~بالعموم. # وتعلق أيضا بقوله: (والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم) «1» وقوله: (وأنكحوا الأيامى منكم) «2» . # فزاد أن الاحتجاج بالعموم يقاوم الاحتجاج بالمفهوم، وهذا ركيك من القول، ~~فإن ما احتجوا به من العمومات سيق للحرائر، ودل عليه سياق الآيات: (وآتوا ~~النساء صدقاتهن نحلة) «3» . # وقوله: (والمحصنات من النساء) ، عنى به الحرائر، فإنه تعالى قال بعده ~~بكلمات وتخلل فاصل: ms235 # (ومن لم يستطع منكم طولا «4» أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) «5» . # فدل أن المراد بالمحصنة في الآية الحرة، فإن الإحصان يطلق بمعنى الإسلام، ~~ولا يحتمل ها هنا مع قوله: (والمحصنات من المؤمنات) ، مع قوله: (والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) . # فذكروا أن المراد به التزويج، ولا يحتمل ها هنا، فإن المحصنات من ~~PageV02P418 # النساء يعني المتزوجات في أقسام المحرمات، فإذا بطل ذلك، فلا يحتمل إلا ~~معنى الحرة. # وقد أجمع المفسرون هنا على أن المراد بالمحصنات ها هنا الحرائر، ودل ~~السياق عليه في ذكر نكاح الأمة «1» ، نعم قال تعالى: # (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات) ولم يقل: «واللواتي ~~أوتين الكتاب من قبلكم» ، فوقع الشرط في المؤمنات دون الكتابيات، فلا جرم، ~~قال قائلون من أصحابنا: لو قدر على نكاح الكتابية دون نكاح المسلمة، فجائز ~~له نكاح الأمة. # ويلزم عليه على مذهب الشافعي رضي الله عنه جواز إدخال الأمة على الحرة ~~الكتابية. # وفيه خلل من وجه آخر، وهو استواء نكاح الكتابية والمسلمة في الأحكام ~~كلها، وإذا كانت القدرة على نكاح المسلمة مانعة نكاح الأمة، فإذا لم يمتنع ~~نكاح الأمة بالقدرة على نكاح الحرة الكتابية، فالقدرة على نكاح المسلمة ~~كذلك، فإن القدرة على مثل الشيء كالقدرة على الشيء. # وفيه أيضا بطلان فهم معنى ارقاق الولد، وأن ذلك مانع «2» ، وأن هذا موجود ~~في نكاح الحرة الكتابية، فهذا تمام هذا النوع. # والأصح أنه لا فرق بينهما، وأن القدرة على مثل الشيء كالقدرة على الشيء. # الوجه الآخر في الجواب: أن هذه العمومات ما قصد بها تفصيل PageV02P419 # شرائط النكاح، من الشهادة والولاية، والخلو عن العدة، وإنما قصد بها ~~الندب إلى أصل النكاح، فأما الشرائط فلا ذكر لها، والذي يطلق القول العام، ~~لا يخطر له الشرط في نكاح الأمة. # فأما إذا قال: (ومن لم يستطع منكم) الآية. مع قوله: # (ذلك لمن خشي العنت منكم) ، فلا بد وأن يكون قاصدا إبانة شرط، ولم يقصد ~~به نزولا عن كلام عام، وإبانة وجه خاص، ms236 كان قوله هجرا ركيكا، فقصد التفرقة ~~بين الحالتين ضروري في هذا الكلام، والتعرض للشرائط لا يظهر في العمومات ~~التي ذكروها. # فليفهم الفاهم هذا، فإنه مقطوع به، ولا يهتدي إليه إلا الموفقون ~~المتعمقون في العلم. # ومما يعارضون به ما قلناه، أنه تعالى قال: (ولأمة مؤمنة خير من مشركة) ~~«1» ... قالوا: # وذلك يجوز نكاح الأمة مع القدرة على مهر المشركة، والقادر على مهر ~~المشركة، قادر على مثله في حق المسلمة، وهذا ركيك جدا. # فإن المراد به: أنهم كانوا لا يعافون عن نكاح المشركات، ويعافون من نكاح ~~الإماء خيفة إرقاق الولد، فأبان الله تعالى أن الأمة مع إفضاء نكاحها إلى ~~رق الولد، خير من المشركة التي لا يجوز نكاحها قط، والأمة يجوز نكاحها في ~~بعض الأحوال، فهذا تمام الرد على هؤلاء في محاولة المعارضة. # وحكى القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي عن السلف مذاهبهم في هذه الآية وفق ~~مذهبنا «2» ثم قال: PageV02P420 # وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم قالوا: لا بأس أن يتزوج الحر المسلم ~~الأمة، مع وجود الطول إلى حرة، من غير خشية العنت، ثم قال: # هذا قول تجاوز فساده فساد ما يحتمل التأويل، لأنه لا محظور في كتاب الله ~~تعالى إلا على الجهة التي أبيحت، ثم وجه على نفسه سؤالا فقال: # يمكن أن يقول ذلك على الاختيار لا على التحريم. # فأجاب أنه قد بين موضع الاختيار لهم من موضع الحظر بقوله تعالى: (وأن ~~تصبروا خير لكم) ، فكان هذا موضع الاختيار، ولو كان الأول على الاختيار لهم ~~لم يحتاجوا إلى اختيار ثان، فحيث جاز، وهو عند خوف العنت ذكر موضع ~~الاختيار، فعند عدم الخوف، يستحيل أن يبقى الأمر على ذلك الاختيار. # والذي ذكره كلام صحيح. # وحكى الرازي هذا من كلامه أول كلامه، في أنه لا يحتمل التأويل ثم قال: # وقد اختلف السلف فيه ولو كان فيه نص ما اختلفوا، نقل عن علي مثل ذلك، ولم ~~يثبت ذلك الذي صح. # ونقل إسماعيل «1» القاضي عن علي أنه قال: PageV02P421 # لا ينبغي للحر أن يتزوج الأمة وهو يجد طولا ms237 ينكح به الحرة، فإن فعل فرق ~~بينهما وعزر «1» . # وعن ابن عباس أنه قال: # من ملك ثلاثمائة درهم وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الأمة. # ثم الاحتجاج بالنص على وجهين: # منه ما يستوي في درك معناه الخاص والعام، ويعلم ذلك بأوائل الأفهام، فهذا ~~لا يختلف فيه، وما لا يعلم إلا بالارتياء والبحث، فهذا يجوز أن يختلف فيه، ~~وما نحن فيه من هذا القبيل، فإذا ثبت ذلك. # ثم حكي عن داود الأصبهاني في حق إسماعيل شيئا، وذكر ما يدل على تهجينهما ~~وسوء اعتقاده فيهما، وليس ذلك ببعيد منه، فإنه كان مكفرهما، لمخالفتهما له ~~في الاعتزال ومذهب أهل البدعة والقدر، وقد شحن كتابه المصنف في أحكام ~~القرآن بالرد على أهل السنة، وتسميتهم مرجئة ومجبرة، ويتجمل بالاعتزال ~~ويتظاهر به، عليه وعليهم ما يستحقون. # وذكر وجها آخر فقال: إن خوف العنت وعدم الطول ليسا بضرورة، لأن الضرورة ~~ما يخاف فيها فساد النفس أو فساد عضو، وليس في عدم الطول ذلك، ولذلك لم يجز ~~هذا العذر نكاح الأمة الكتابية عند الشافعي رضي الله عنه، ولا نكاح المشركة ~~بالاتفاق، فإذا ثبت ذلك، استوى وجود هذا العذر وعدمه. # وهذا يدل على جهله بأوضاع الأصول وقواعد الأحكام، فإن الذي PageV02P422 # جوز لمكان الحاجة، ينقسم أقساما ويترتب على أبحاث مختلفة. # فمنها ما يعتبر فيه غاية الحاجة. # ومنها ما يعتبر فيه دون ذلك، كالتيمم عند عدم الماء. # ومنها ما يعتبر فيه مظنة الحاجة لا صورتها. # ومنها ما يعتبر فيه ضرر ظاهر، وإن لم يفض إلى هلاك نفس أو فساد عضو، ~~كالقيام في الصلاة، والصيام في المرض، والجمع بين الصلاتين، فيجوز أن يجعل ~~خوف العنت داخلا في أقسام الحاجات، وإن كان الأمر في الكتابية الأمة ~~والمجوسية أعظم من ذلك، فلا يحل بهذا النسب. # ثم مراتب تلك الحاجات مختلفة تعلم بالأدلة الشرعية، فليس فيما ذكره ما ~~يرفع التعلق بالعموم من هذه الآية. # وحكى عن أبي يوسف القاضي أنه قال: # تأويل الآية: (ومن لم يستطع منكم طولا) ، لعدم الحرة في ملكه، وقال: وجود ~~الطول هو ms238 كون الحرة تحته. # فلزمه على هذا، أن من ليس عنده حرة، فهو غير مستطيع للطول إليها، فالطول ~~عنده هو وطء الحرة. # وهذا التأويل في غاية الضعف فإنه لما قال: (ومن لم يستطع) ، فيقتضي أن ~~يكون غير مستطيع أمرا، والذي لا حرة تحته، قادر على نكاح الحرة ووطئها إذا ~~نكح. # فإن قال: هو عاجز في الحال قبل النكاح، فلا يخفى أن في مثل ذلك لا يقال ~~هو غير مستطيع للوطء، وإنما الطول الفضل والغنى، قال الله تعالى: # PageV02P423 # (استأذنك أولوا الطول منهم) «1» . # وعلى أن الذي الحرة عنده لا ينكح الأمة «2» . # وإن كان عاجزا عن وطئها كالغائبة والصغيرة والرتقاء، فلا حاصل لهذا ~~التأويل بوجه، فكيف يتوهم ذلك وقد قال تعالى: (ذلك لمن خشي العنت منكم) . # والقادر على نكاح الحرة، كيف يخشى العنت إذا عشقها وصار مفتتنا بها؟ ~~فيقال في الجواب عنه: # فإن عندك لا يعتبر الخوف من هذا الوجه، فلا وجه لاعتباره. # نعم ها هنا دقيقة، وهي: أن الحرة إذا كانت في نكاح الحر عندنا، فلا تحل ~~له الأمة، سواء خاف العنت أو لم يخف، وسواء قدر على الحرة أم لم يقدر، ~~كغيبتها أو رتقها، فليس يحرم نكاح الأمة ها هنا لوجود الطول، أو لأمن ~~العنت، بل لعين نكاح الحرة. # وكان الشافعي رضي الله عنه يقول: الظاهر من وجود النكاح الطول والأمن، ~~فلا مبالاة بنكاح نادر لا يفضي إلى ذلك، بل يحسم الباب. # نعم الغيبة عن ماله جعلت عدما شرعا في أصل آخر، وهو جواز أخذ الصدقة، ~~فيلقى ذلك من ذلك الأصل، فلم يمكن اعتبار غيبة المال بالنادر الذي لا ينظر ~~إليه. # وها هنا مذهب لمالك وهو أنه يقول: إذا كانت الحرة معه وهو غير ~~PageV02P424 # واجد للطول في حق أخرى، ويخشى لعشقه أن يزني بالأمة، فله التزوج بالأمة ~~والحرة في حيازته. # فقيل لهم: فإذا قلتم مع وجود الحرة يتزوج بالأمة، فقدرته على طول أخرى لا ~~يزيد على هذه الحرة، فوجود هذه الحرة إذا لم يمنع، فالقدرة على مثلها في ~~الابتداء لم يمنع، وكيف ms239 ينتظم ذلك وأبو حنيفة لما قال: وجود الحرة يمنع ~~والقدرة لا تمنع، كان ذلك أمثل من قول مالك في هذا. # وقد حكى ابن وهب عن مالك، أنه لا بأس أن يتزوج الرجل الأمة على الحرة، ~~والحرة على الأمة، والحرة بالخيار «1» . # وقال ابن القاسم في الأمة تنكح على الحرة، أرى أن يفرق بينهما، ثم رجع ~~فقال: # تخير الحرة إن شاءت أقامت وإن شاءت فارقت. # فوجه إسماعيل المالكي على نفسه هذا السؤال، وأراد أن يفصل بين حرة موجودة ~~معه، وبين القدرة على حرة، فإن الوجود لا يمنع، والقدرة تمنع فقال: # إن الذي عنده حرة قد تزوجها، فليس له بعد الامتحان أنه يخاف العنف، وإن ~~عشق الجارية لا يندفع بنكاح الحرة، والذي يريد أن يتزوج وهو يجد الطول فهو ~~شاك، فلعله إذا تزوج حرة زال خوف العنت وأنس بها، فنحن اعتبرنا عدم الطول ~~عند خوف العنت، فما لم يقع الأمن، فهو شاك لا يدري أيخاف أم لا، فإذا وقع ~~وهو متيقن أنه قد خاف، فهو الموضع الذي قد أبيح؟ PageV02P425 # وهذا في غاية الركاكة، وحاصله أن القدرة مانعة للنكاح الذي اعتبرت مانعة ~~لأجله، وإن نكح حرة وهو قادر فلا ينكح، وإن نكح حرة وخرج عن كونه قادرا فله ~~نكاح الأمة، وجعل القدرة مانعة، من غير أن يكون المنع لأجل المقدور عليه ~~وهو النكاح، وهذا في غاية البعد. # قوله تعالى: (من فتياتكم «1» المؤمنات «2» ) . # يدل على اعتبار الإيمان على الوجه الذي تقدم ذكره في أول الآية، وكيفية ~~الاستدلال بها. # ومن الجهالات العظيمة قول الرازي: إن قوله تعالى: (والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم) ، يتناول الإماء والكتابيات، مع أنه تعالى ذكر ذلك ~~ثم قال: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) «3» . # فأبان أن إطلاق المحصنة ما تناول الأمة المؤمنة، أفتراها متناولة ~~للكافرة؟ وذلك في غاية الركاكة. PageV02P426 # نعم ها هنا شيء، وهو أنه إن قال قائل: قد أبان الله تعالى أقسام المحرمات ~~بالرضاع وبالنسب ثم قال: (وأحل لكم ms240 ما وراء ذلكم) : # فأشبه أن يكون ما بعده تعرض لبيان ما يكره من الأنكحة وما لا يكره، مع ~~الإجزاء، ليكون كتاب الله تعالى مستوعبا للقسمين، فأبان بعد قوله: # (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) . # وقال بعده: # (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات) لإبانة المكروه من ~~النكاح. # ولذلك قال: # (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان) . # وقال: (المحصنات المؤمنات) . # ولو نكح غير مؤمنة يجوز، لأن القصد بيان المكروه لا بيان المحرم. # والجواب عنه، أن المقصود بالأول بيان حكم المحرمات اللواتي لا تحل بحال، ~~وذكر بعده ما يجوز أن يباح في بعض الأحوال، وذكر بعده ما يحرم لفقد شرط في ~~العقد، لا لتحريم في المحل، فلم يقل المحل محرم، ولكنه أبان عن شرط العقد. # ودل على بطلان هذا التأويل قوله تعالى: # (وأن تصبروا خير لكم) . # ودل عليه أيضا قوله: # PageV02P427 # (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) ، مع أن نكاحها مكروه، فهذا ~~يدل على بطلان التأويل قطعا. # إذا تمهد هذا الأصل، فيبقى بعده النظر في أن الشافعي رضي الله عنه يجوز ~~للعبد نكاح الأمة مع الحرة، وقوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا) ، عام ~~في الجميع. # فقال الشافعي رضي الله عنه: لا طول للعبد «1» . # فقيل له، إذا كانت الحرة تحته فهو مستطيع؟ # فقال: النكاح لا يسمى طولا، فإنما جعلنا نكاح الحرة في حق الحرة مانعا لا ~~بحكم الآية «2» ، لا سيما ومساق الآية يدل على الاختصاص، فإنه تعالى قال: ~~(فانكحوهن بإذن أهلهن) فاعتبر إذن أهلهن ولم يتعرض لإذن المولى في حق ~~المتزوج، فدل أن الآية للأحرار. # فكأنا نتعلق بالعموم في قوله: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم) «3» الآية. إلا فيما استثنى، والاستثناء بالشرط وقع في حق الحرة، ~~فبقي العبد على الأصل في العموم، وهذا واضح فاعلمه. # ولما لم يكن اللفظ متناولا لنكاح الأمة عند إدخال الحرة على الأمة، لا ~~جرم قال الشافعي رضي الله عنه: # إن الله تعالى جوز نكاح الأمة لخوف العنت، ولم يكن هذا ms241 الخوف PageV02P428 # نسخا محرما من الابضاع في شيء من أصول الشرع، فكان هذا خاصا في هذا ~~الحكم، فلم يكن لنا أن نتوسع في الاعتبار، فإذا صار هذا المعنى مانعا ~~ابتداء النكاح، فلا يمكن أن يجعل على خصوصه، وخروجه عن أصول الشرع، قاطعا ~~دوام النكاح الذي هو أثبت من الابتداء، بل يقتصر على ما ورد «1» ، ولا ~~يتعدى، كما اقتصرنا على الحر ولم نتعده، وليس يتبين لنا أن العبد مثل الحر ~~في هذا المعنى الدقيق المتعلق بالتفصيل، ويترقى الكلام في هذا التفصيل ~~والتصرف في غوامض هذه المراتب إلى أعلى الغايات في الدقة، والمتأمل يعرف به ~~بعد غور الشافعي، ولطف نظره في مغمضات الأصول ومآخذ الأحكام، والله تعالى ~~يوفقنا للوقوف على معاني كلامه. # قوله تعالى: (فانكحوهن بإذن أهلهن) «2» : دليل على اشتراط الإذن في ~~نكاحها، والرازي يسلم ذلك «3» . # واحتج بأن جعله شرطا، وترك لأجله العمومات في نكاح العبد والحر، وما أسرع ~~ما نسي سابق قوله: فإن تخصيص الإباحة بحال وشرط لا يدل على نفي ما عداه، ثم ~~قال: ما نعلم أحدا استدل به قبل الشافعي، ثم قال: ولو كان هذا دليلا لكانت ~~الصحابة أولى بالسبق إلى الاستدلال به في هذه المسألة ونظائرها من المسائل، ~~مع كثرة ما اختلفوا «4» فيه، ثم على قرب العهد بهذا الكلام استدل بمثله، ~~وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عموم الأحوال أنه قال: ~~PageV02P429 # إذا تزوج العبد بغير إذن سيده فهو عاهر «1» . # فإن احتج من يجوز التزويج بها بإذن سيده بقوله تعالى: # (فانكحوهن بإذن أهلهن) وأن اللفظ بعمومه يدل عليه، والشافعي رضي الله عنه ~~يقول بموجب الآية، فإنه لا يجوز نكاحها إلا بإذنها، وليس فيه أن الإذن ~~المجرد كفى عما ليس فيه بإسقاط سائر الشرائط عند وجود الإذن «2» . # قوله تعالى: (وآتوهن أجورهن بالمعروف) «3» . # يدل على وجوب المهر لها في عموم الأحوال. # وقوله: «بالمعروف» ، يمنع الغلو في المهر والتقصير. # فأضاف الأجور إليهن لوجوبه بسبب نكاحهن، وتقديره: # فانكحوهن بإذن أهلهن، وآتوهن أجورهن بإذن أهلهن، فإنه كلام مفيد بنفسه لا ~~حاجة ms242 إلى تعليقه على غيره، فتم الكلام بنفسه. # وروى عن مالك أن الأمة تستحق المهر، وهذا بعيد، فإنها لو كانت قابضة ~~للمهر إلى نفسها، لكانت مستحقة للأجرة إذا أجرها السيد. # وربما قال: النكاح حقها، ولذلك لا يجوز تزويجها من مجبوب، PageV02P430 # وإذا زوجت فلها الخيار إذا علمت «1» . وربما يقال: لا ينعقد العقد. # وليس نكاح الأمة نقل الملك إلى غيره، بل هو إثبات الحق في منافع بضعها ~~للزوج على وجه لم يكن، فلذلك لم يجز النكاح بلفظ التمليك عند أكثر العلماء ~~وهذا كلام له وجه. # إلا أن المهر لا تملكه المرأة «2» ، لأجل أنها لا تملك شيئا والعبد إذا ~~خالع زوجته فلا يملك البدل عندنا وإنما ذلك للسيد، لأن للسيد حقا في منافع ~~بضع العبد ولكنه لما لم يملكه العبد، كان السيد أحق به. # ولعل مالكا يقول أيضا في الأمة إذا وطئت بالشبهة، أن المهر يكون لها، ~~وهذا مبني على أن العبد هل يتصور أن يكون له ملك مستقل به، والمسألة فرع ~~ذلك الأصل. # ثم إن إسماعيل بن إسحاق المالكي قال: زعم بعض العراقيين أنه إذا زوج أمته ~~من عبده فلا مهر، وهذا خلاف الكتاب والسنة، وأطنب فيه. # وأجاب الرازي عن ذلك: بأنا نوجب المهر، ولكنه يسقط بعد الوجوب لئلا يكون ~~استباحة البضع بغير بدل، ثم يسقط في الثاني حتى يستحقه المولى، لأنها لا ~~تملك والمولى هو الذي يملك «3» مالها، ولا يثبت للمولى على عبده دينا «4» ، ~~وهو مثل قول بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه في وجوب القصاص على الأب ثم ~~سقوطه. PageV02P431 # والذي ذكره الرازي لا يقطع تشغيب إسماعيل، فإنه إنما شنع بأمر فقال: # أفيجوز أن يكون الصداق فرضا من فرض الله تعالى لحرمة البضع حتى لا يتبذل ~~دون الصداق ثم يغشى النساء من غير مهر؟ # والرازي إن قال له: يجب بنفس العقد فلا يقول: إنه يجب عندنا لغشيان شيء. # ولا شك أن الوطء يعري عن المهر في حق الأمة المزوجة، وفيه بشاعة، فإن ~~الغشيان كيف خلا عن وجوب المهر، وعلى أن إيجاب المهر ms243 في هذا العقد فيه ~~إشكال، فإن المهر لو وجب لوجب لشخص على شخص، فمن الذي أوجب له وعلى من وجب؟ # فإن قلت: وجب للسيد على العبد، فهذا محال أن يثبت له دين على عبده. # وإن قلت: وجب لا على أحد، فمحال. # وكما أن العقد يقتضي الإيجاب، فالملك يقتضي الإسقاط، وليس له إيجابه ~~ضرورة الإسقاط، كما يقال: إن إثبات الملك للابن ضرورة العتق، فإن العتق لا ~~يتصور بدون الملك، فأما إسقاط المهر فلا يقتضي إثباته، بل يمكن أن يقال: لا ~~يجب المهر أصلا بوجه من الوجوه، فإنه لو وجب لوجب للسيد، وهذا بين في نفسه، ~~وهو الصحيح من مذهبنا. # وأما استبعاد إسماعيل بن إسحاق، فلا وجه له، لأن الله تعالى أوجب المهر ~~إذا أمكن إيجابه، وقد دل الدليل على أن العبد لا يملك بالتمليك أصلا، وإذا ~~لم يملك ولا بد من مالك، والسيد استحال أن # PageV02P432 # يكون مالكا، فامتنع لذلك، فيكون الكلام عائدا إلى أصل آخر، وهو أن العبد ~~هل يملك أم لا؟ ويخرج عن مقصودنا. # قوله تعالى: (محصنات «1» غير مسافحات «2» ) . # قد مضى بشرحه، وبينا أن معناه أن يكون العقد عليها بنكاح صحيح، وأن لا ~~يكون الوطء على وجه الزنا: لأن الإحصان هو النكاح، والسفاح هو الزنا. # (ولا متخذات أخدان) «3» : يعني لا يكون وطؤها على حسب ما كان عليه عادة ~~الجاهلية في اتخاذ الأخدان. # قال ابن عباس: كان قوم منهم يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما بطن وخفي ~~منه. # والخدن هو الصديق للمرأة زنا بها سرا، فنهى الله عز وجل عن الفواحش ما ~~ظهر منها ومن بطن، وحرم الوطء إلا على ملك نكاح أو ملك يمين، ويقرب منه نهي ~~النبي عليه السلام: عن مهر البغي «4» ، فإنه يرجع إلى أنه أوجب المهر لحرمة ~~الوطء وحرمة سبب الوطء وأما البغي فلا مهر لها. PageV02P433 # قوله تعالى: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب) «1» . # فقال قوم: «فإذا أحصن» بالضم يدل على التزويج، ويفهم منه أن الأمة لا يجب ~~عليها الحد ms244 وإن أسلمت حتى تتزوج، وهو قول ابن عباس. # ومن قرأ بالفتح حمله على الإسلام، وأن عليها الحد إذا أسلمت، وهو قول ~~أكثر العلماء في معنى الآية، ولا عبرة بالمعنيين في إيجاب الحد، فإن الحد ~~واجب على الآمة الكافرة إذا زنت، ودلت الأخبار عليه، وعلى التسوية بين ~~الحرة والآمة في هذا المعنى. # فإذا ثبت ذلك فإن قال قائل: فما فائدة ذكر الإحصان بمعنى الإسلام والنكاح ~~ولا أثر لهما؟ # قيل: أما الإسلام، فإنما ذكر على أحد المعنيين، لأنهن كن يحسبن البغاء ~~مباحا، واتخاذ الخدن مباحا، وإذا جرى ذلك على اعتقاد الإباحة فلا حد. # وقوله: إذا أسلمن، يعني أن بالإسلام كن يعرفن تحريم ذلك، وقبل الإسلام ما ~~كن يعرفن ذلك. # الوجه الآخر إن حمل قوله «أحصن» على النكاح، فإنما ذكر النكاح حتى لا ~~يتوهم متوهم أنه يريد عقوبتها بالنكاح كما أراد في حق الحرة إذا تزوجت ~~فأبان الله تعالى أنها وإن تزوجت وهي مسلمة، فعليها مثل ما كان من قبل ثم ~~ذكر الله تعالى الإحصان في حق الإماء وقال: PageV02P434 # (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) ، ولم يرد به الرجم، إذ لا نصف ~~له فإذا لم يرد الرجم، فلا يمكن أن يكون الإحصان في الحرة بمعنى النكاح لأن ~~الحرة إذا أحصنت بالنكاح فعليها الرجم فيكون المراد بالمحصنة ها هنا الحرة ~~«1» فالإحصان في حق الأمة بمعنى النكاح وفي حق الحرة بمعنى الحرية، فاختلف ~~معنى الإحصان باختلاف محاله. # إذا ثبت ذلك فالله تعالى يقول: (فإذا أحصن) الآية. ذكر حكم الأمة والحرة، ~~وفهمت الأمة منه أن العبد والحر مثلهما في معناهما، كما قال: # (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات) «2» . # والأحرار المؤمنون الغافلون كمثلهن، لأن المعنى في الكل واحد، وهذا من ~~أجلى مراتب الأقيسة. # والشافعي رضي الله عنه أورد هذا المثال في باب القياس، عند ذكر مراتب ~~الأقيسة ومثله قوله عليه السلام: # «من أعتق شركا له في عبد عتق عليه الباقي» «3» . # وبالجملة: إذا ظهر مقصود الشرع في المسكوت عنه والمنطوق به، استوى الكل ~~في الاعتبار. PageV02P435 # قوله تعالى: ms245 (فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن) . # يدل على جواز عطف الواجب على الندب، لأن النكاح ندب وإيتاء المهر واجب. # وقال تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) . # ثم قال: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) . # ويصح عطف الندب على الواجب أيضا، كقوله تعالى: # (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) «1» ، فالعدل واجب والإحسان ندب. # وقال الشافعي رضي الله عنه في قوله: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ~~وآتوهم) «2» الكتابة ندب والإيتاء واجب. # وقال أبو حنيفة في قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة «3» لله) ، الحج ~~واجب، والعمرة ندب، إلى غيره من الأمثلة. # قوله تعالى: (ذلك لمن خشي العنت منكم) «4» . # بينا معناه، وأنه حرم ذلك لئلا يكون إرقاقا للولد. # وهذا يصلح أن يفهم منه معنى التحريم، فيفهم مثل هذا الحكم في مثل هذا ~~المحل، فمقتضاه أن لا يحرم على العبد ولا ينقطع الدوام، وهو PageV02P436 # نظر دقيق بينا وجهه من قبل، فإذا أراد أبو حنيفة حمله على معنى ~~الاستحباب، كان متحكما، ونحن متعلقون بالأصل والظاهر. # قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم) الآية (26) . # يدل على أنه يبين لنا ما بنا حاجة إلى معرفته، إما بنص أو بدلالة نص، ~~وذلك يدل على امتناع خلو واقعة عن حكم الله تعالى، فإنه لو خلت لم يكن ~~مريدا، إلا أن يبين لنا، ومنه قال تعالى: # (ما فرطنا في الكتاب من شيء) «1» . # وقوله تعالى: (ويهديكم سنن الذين من قبلكم) الآية (26) . # معناه في بيان مالكم فيه الصلاح كما بينه لنا، وإن اختلفت العبارات في ~~أنفسها، إلا أنها مع اختلافها متفقة في باب المصالح. # قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم) «2» . # اعلم أن في الناس من ظن أن غير التجارة من الهبات والصدقات، داخل تحت ~~قوله بالباطل، إلا أنه ينسخ بالإجماع، أو بقوله: (ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~من بيوتكم أو بيوت آبائكم) «3» ، وهذا نقل عن ابن عباس، والحسن. ~~PageV02P437 # والذي هو الحق، أنه لا يفهم من أكل بالباطل، تحريم الهبات التي يبتغي بها ~~الأغراض الصحيحة، وإنما حرم الله تعالى أكل المال ms246 بالباطل، والباطل الذي لا ~~يفضي إلى غرض صحيح، مثل أكل المال بالقمار والخمر والاغرار، قال الله ~~تعالى: # (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم) «1» . # فالنهي مقيد بوصف، وهو أن تأكله بالباطل. # وقد تضمن ذلك: أكل أبدال العقود الفاسدة، كأثمان البياعات الفاسدة، وكل ~~شيء ما أباحه الله تعالى، فأما الذي أباحه الله تعالى من العقود، فلا مدخل ~~فيه. # ثم إن الله تعالى قال: (إلا أن تكون تجارة) «2» . فظاهره يقتضي إباحة ~~سائر التجارات الواقعة عن تراض، والتجارة اسم واقع على عقود المعاوضات ~~المقصود بها طلب الأرباح، قال الله تعالى. # (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم) «3» . # فسمى الايمان تجارة على وجه المجاز، تشبيها بالتجارات التي يقصد بها ~~الأرباح. # وقال تعالى: (يرجون تجارة لن تبور) «4» ، كما سمى بذل النفوس لجهاد ~~الكفار يقصد بها الأرباح، قال الله تعالى: # (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) «5» الآية. PageV02P438 # وقال تعالى: (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق، ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) «1» . # فسمى ذلك بيعا وشراء على وجه المجاز، تشبيها بعقود الأشربة والبياعات، ~~التي يحصل بها الأعواض. # كذلك سمى الإيمان بالله تجارة لما يستحقون به من جزيل الثواب. # واستدل أصحاب أبي حنيفة ومالك بهذه الآية على نفي خيار المجلس، فإن الله ~~تعالى قد أباح كل ما اشتري بعد وقوع التجارة عن تراض، وما يقع من ذلك ~~بإيجاب الخيار، خارج عن ظاهر الآية مخصص لها بغير دلالة، ونظير ذلك ~~استدلالهم بقوله تعالى: # (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود «2» ) . # فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد على نفسه، وذلك عقد قد عقده كل واحد منهما ~~على نفسه، فألزمه الوفاء به، وفي إثبات الخيار نفي للزوم الوفاء به، وذلك ~~خلاف مقتضى الآية. # وقال تعالى: (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ~~ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم) «3» . # ثم أمر عند عدم الشهود بأخذ وثيقة الرهن، وذلك مأمور به عند عقد البيع ~~قبل التفرق، ms247 لأن قوله تعالى: PageV02P439 # (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) «1» . # فأمر بالكتابة عند عقد المداينة، وأمر بالكتابة بالعدل، وأمر الذي قد ~~أثبت الدين عليه بقوله. # (وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا) «2» . # فلو لم يكن عقد المداينة موجبا للحق عليه قبل الافتراق لما قال: # (وليملل الذي عليه الحق) . ولما وعظه بالبخس وهو لا شيء عليه، لأن ثبوت ~~الخيار له يمنع ثبوت الدين للبائع في ذمته، وفي إيجاب الله تعالى الحق عليه ~~بعقد المداينة في قوله: (وليملل الذي عليه الحق) ، دليل على نفي الخيار ~~وإيجاب الثبات. # ثم قال: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) «3» تحصينا للمال، وقطعا لتوقع ~~الجحود، ومبالغة في الاحتياط. # وقال تعالى: (ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط ~~عند الله وأقوم للشهادة، وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة) «4» . # فلو كان لهما الخيار قبل التفرق لم يكن في الشهادة احتياط، ولا كان أقوم ~~للشهادة إذا لم يمكن إقامة الشهادة بثبوت المال. # ثم قال تعالى: (إذا تبايعتم) ، وإذا: كلمة تدل على الوقت، فاقتضى ذلك ~~الأمر بالشهادة عند وقوع التبايع من غير ذكر الفرقة، فأمر PageV02P440 # برهن مقبوضة في السفر، بدلا من الاحتياط بالاشهاد في الحضر، وفي إثبات ~~الخيار إبطال الرهن إذ غير جائز إعطاء الرهن بدين لم يجب بعد. # فدلت الآية بما تضمنته من الأمر بالإشهاد على عقد المداينة، والتبايع من ~~غير تعوض للافتراق أن لا خيار، إذ كان إثبات الخيار مانعا معنى الاشهاد ~~والرهن، فهذا كلام الرازي بأحكام القرآن حكيناه بلفظه، والجواب عنه: أن ~~الله تعالى وتقدس، أمر بالإشهاد والكتابة بناء على غالب الحال في أن الشهود ~~يطلعون على الافتراق والبيع جميعا، وليس للبيع مما يدوم غالبا أو يتمادى ~~زمانه، حتى يجري الإشهاد على أحدهما دون الآخر، فأراد الله تعالى بيان ~~الوثائق على ما جرت به العادة من البيع، ويدل على ذلك، أن قبل القبض لا ~~ينبرم العقد في البيع وفي الصرف، وإذا تفرق المتبايعان بطل الصرف، وإذا هلك ~~المبيع قبل القبض بطل ms248 البيع، فتبطل الوثائق جملة، وذلك لم يمنع الإرشاد إلى ~~الوثائق في البياعات والمداينات، وكذلك بالقول في خيار الرؤية فيما لم يره ~~في خيار الشرط، فلا حاصل لما قاله هؤلاء فاعلمه. # ووراء ذلك تعلق الرازي بفنون، يفع الجواب عنها في مسائل الخلاف، لا تعلق ~~لها بمعاني القرآن، وذلك عادته، فإنه إذا انتهى إلى مسألة مختلف فيها، بين ~~أبي حنيفة وغيره، يستقصي الكلام فيها فيما يتعلق بالخبر والقياس، ويخرج بها ~~عن مقصود الكتاب. # قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) «1» الآية. معناه: # لا يقتل بعضكم بعضا، وهو نظير قوله تعالى: # (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) «2» . PageV02P441 # أي حتى يقتلوا بعضكم، ومجازه أنهم كالشخص الواحد، والمؤمنون كالبنيان يشد ~~بعضه بعضا. # ويحتمل أن يقال: ولا تقتلوا أنفسكم في الحرص على الدنيا وطلب المال، بأن ~~يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف. # ويحتمل «ولا تقتلوا أنفسكم» في حال ضجر أو غضب. # قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما) «1» . # الوعيد في ذلك يجوز أن يرجع إلى أكل المال بالباطل، وقتل النفس بغير حق، ~~ويجوز أن يرجع إلى كل ما نهى الله عنه فيما تقدم، وقيد الوعيد بذكر العدوان ~~والظلم، ليخرج منه فعل السهو والغلط، وذكر الظلم والعدوان مع تقارب ~~معانيهما لاختلاف ألفاظهما، حسن في الكلام، كما يقال: «ألفى قولها كذبا ~~ومينا» ، وحسن العطف لاختلاف اللفظين، يقال بعدا وسحقا، وحسن لاختلاف ~~اللفظ. # قوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) ، الآية (32) . # ورد في تفسيره عن مجاهد عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، تغزوا ~~الرجال ولا تغزوا وتذكر الرجال ولا نذكر، فأنزل الله تعالى: (ولا تتمنوا، ~~الآية) «2» . PageV02P442 # ونزل: (إن المسلمين والمسلمات) «1» . # وروى قتادة عن الحسن: # «لا يتمنى أحد المال وما يدريه لعل هلاكه في ذلك المال «2» » . # وقال قتادة: كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئا ولا الصبي، فلما جاء ~~الإسلام، وجعل للمرأة النصف من نصيب الذكر، قال النساء، «لو كان أنصباؤنا ~~في الميراث كأنصباء الرجال، وقلن: إنا لنرجو أن نفضل عليهم في الآخرة» ms249 ، ~~فنزل قول الله تعالى: # (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) «3» . # فللمرأة الجزاء على الحسنة عشر أمثالها كما للرجال. # قال: (وسئلوا الله من فضله) «4» ، ونهى الله أن تتمنى المرأة ما فضل الله ~~بعضهم على بعض، لأن الله تعالى أعلم بصالحهم منهم، فوضع القسمة منهم على ~~التفاوت على ما علم من مصالحهم. # وبالجملة: التمني إذا لم يفض إلى حسد في ابتغاء زوال نعمة الغير أو ~~تباغض، فلا نهي عنه، فإن الواحد منا يود أن يكون إماما وسيدا في الدين ~~والدنيا، ولا نهي عنه، وإن علم قطعا أنه لا يكون. # وورد في الخبر أن الشهيد يقال له: تمن، فيقول: PageV02P443 # أتمنى أن أرجع إلى الدنيا، وأقتل في سبيل الله «1» ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، كان يتمنى إيمان أبي طالب وأبي لهب وصناديد قريش، مع علمه بأنه ~~لا يكون، وكان يقول: «واشوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ~~ولا يروني» «2» . # وذلك كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعية الحسد ~~والتباغض، والتمني المنهي عنه في الآية من هذا القبيل، ومنه النهي عن ~~الخطبة على خطبة أخيه، لأنه داعية الحسد والمقت. # قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون) ، الآية (33) ~~: # قال ابن عباس ومجاهد: المولى ها هنا العصبة. # وقال السدي: الورثة. # وأصل المولى: من ولي الشيء يليه، وهو إيصال الولاية في التصرف، والمولى ~~لفظ مشترك يطلق على وجوه، فيسمى المعتق مولى والمعتق كمثل، ويقال: المولى ~~الأسفل والأعلى، لاتصال كل واحد منهما بصاحبه، ويسمى الناصر المولى. # (وأن الكافرين لا مولى لهم) «3» . PageV02P444 # ويسمى ابن العم مولى، والجار مولى. # وقد بسط المتكلمون من أهل السنة أقوالهم في هذا في الرد على الإمامية، ~~عند احتجاجهم بقوله عليه السلام: # «من كنت مولاه فعلي مولاه» «1» ، فمعنى الولاء هاهنا العصبة، لقوله عليه ~~السلام: # «ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر» «2» . # وقوله «فلأولى عصبة ذكر» يدل على أن المراد بقوله: (ولكل جعلنا موالي مما ~~ترك الوالدان والأقربون) هم العصبات «3» . # ومن العصبات المولى الأعلى لا الأسفل، ms250 على قول أكثر العلماء، لأن المفهوم ~~في حق العتق، أنه المنعم على المعتق، وكالموجد له، فاستحق ميراثه لهذا ~~المعنى. # وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد: أن المولى الأسفل، يرث من الأعلى واحتج ~~فيه بما روي: أن رجلا أعتق عبدا له، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق، فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق «4» . # قال الطحاوي: ولا معارض لهذا الحديث، فوجب القول به، ولأنه إذا أمكن ~~إثبات الميراث للمعتق، على تقدير أنه كالموجد له، فهو PageV02P445 # شبيه بالأب، والمولى الأسفل شبيه بالابن، وذلك يقتضي التسوية بينهما في ~~الميراث. # والأصل أن الاتصال يعم. # وفي الخبر: ومولى القوم منهم» «1» . # والذين خالفوا هذا وهم الجمهور قالوا: # الميراث يستدعي القرابة ولا قرابة، غير أنا أثبتنا للمعتق الميراث بحكم ~~الإنعام على المعتق، فيقتضي مقابلة الإنعام بالمجازاة، وذلك لا ينعكس في ~~المولى الأسفل. # وأما الابن فهو أولى الناس بأن يكون خليفة أبيه وقائما مقامه، وليس ~~المعتق صالحا لأن يقوم مقام معتقه، وإنما المعتق قد أنعم عليه، فقابله ~~الشرع بأن جعله أحق لمولاه المعتق، ولا يوجد هذا في المولى الأسفل، فظهر ~~الفرق بينهما. # قوله تعالى: (والذين عاقدت «2» أيمانكم فآتوهم نصيبهم) الآية (33) . # قال ابن عباس في ذلك: كان المهاجر يرث الأنصاري دون ذي رحمه بالأخوة التي ~~جعلها الله تعالى بينهم بالإسلام «3» فلما نزلت: # (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون) PageV02P446 # نسخت، ثم قرأ: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من النصر والرفادة ~~والوصاية، وقد ذهب الميراث. # وعن ابن عباس: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) ، فكان الرجل يعاقد ~~الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى: # (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ~~إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) «1» يقول: «إلا أن توصوا» «2» . # وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) ~~قال: # كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيموت فيرثه. # وعاقد الصديق أبو بكر رضي الله عنه رجلا، فورثه لما مات وقال سعيد بن ~~المسيب: # هذا في الذين كانوا يتبنون رجالا ms251 ويورثوهم، فأنزل الله تعالى فيهم، أن ~~يجعل لهم من الوصية، ورد الميراث إلى المولى من ذوي الرحم والعصبة «3» . # إذا ثبت هذا فأبو حنيفة، وأبو يوسف، وزفر، ومحمد، صاروا PageV02P447 # إلى أن الميراث بالمعاقدة، لم ينفسخ عند فقد الأقربين والمولى، بل يتعلق ~~بها الميراث عند عدم الرحم والولاء، فإن الله تعالى جعل ذوي الأرحام أولى، ~~فإذا لم يكونوا بقي على حكم الآية، وهذا بعيد، فإن الذي في الآية: # (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم) . # فأثبت الميراث بالمعاقدة عند وجودها، وعلى أن قوله: (فآتوهم نصيبهم) ، ~~ليس نصا في الميراث، بل معناه: من النصرة والمعونة والرفاد. # قوله تعالى: (الرجال قوامون «1» على النساء بما فضل الله) الآية (34) . # ورد في الخبر، أن رجلا لطم امرأته لنشوزها عنه فجرحها، فاستعدت عليه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» : ~~القصاص، فأنزل الله تعالى: # (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) «3» . PageV02P448 # ثم أنزل: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله) . # وقيل: ما كان الضرب على النشوز مشروعا ثم شرع. # ودلت الآية على أن الزوج يقوم بتدبير المرأة، وتأديبها، وإمساكها في ~~بيتها، ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته وقبول أمره، ما لم تكن معصية. # وقوله تعالى: (بما أنفقوا من أموالهم) ، يدل على أن الزوج جعل قواما ~~عليها، حابسا لها على نفسه، ومانعا من البروز لأجل ما أنفق عليها من المال. # نعم بين الله تعالى أمر النفقة في مواضع في كتابه في قوله: # (لينفق ذو سعة من سعته) «1» . # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: # ولكن في هذه الآية ذكر علة النفقة، فلا جرم، فهم العلماء منهما أنه متى ~~عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها، حتى زال الحبس في الدار على المذاهب ~~كلها، ولها فسخ النكاح على مذهب الشافعي رضي الله عنه، لأنه إذا خرج عن ~~كونه قواما عليها، وحابسا لها، فقد أخل غرض التحصين بالنكاح، فإن الغرض من ~~النكاح على مذهب الشافعي رضي الله عنه، لأنه إذا ms252 خرج عن كونه قواما عليها، ~~وحابسا لها فقد أخل غرض التحصين بالنكاح، فإن الغرض من النكاح تحصينها، ~~وإلا فهن حبائل الشيطان وعرضة الآفات، فإذا لم يكن قواما عليها، كان لها ~~فسخ العقد، لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح، وفيه دلالة ظاهرة من هذا ~~الوجه على ثبوت فسخ النكاح، عند الإعسار بالنفقة والكسوة. PageV02P449 # قوله تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن) «1» الآية (34) . # أمر الله تعالى بمراعاة الترتيب في استيفاء الحق من الممتنع على هذا ~~الوجه، فإن لم يتأت إلا بالضرب والايجاع فيجوز، ولكن الضرب هو القدر الذي ~~يصلحها له ويجعلها على توفية حقه. # وليس له أن يضرب ضربا يتوقع منه الهلاك، فإن المقصود الصلاح لا غيره، فلا ~~جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدب لتعليم ~~غلامه القرآن والأدب، ولأجله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «لصاحب الحق يد ولسان» «2» . # وقال: «مطل الواجد يحل عرضه وعقوبته» . # يعني قوله: «يحل عرضه» أن يقول: يا ظالم يا معتدي. # وعنى بعقوبته: طلب حبسه. # نعم: الصائل على مال الإنسان له دفعه عن ماله، وإن لم يتأت إلا بالقتل، ~~لأن المال يخلص له عند ذلك، وهاهنا إذا نشزت، فليس في هلاكها استيفاء الحق ~~بل فيه تفويته، فإنما رخص في ضرب مصلح وهذا بين. # قوله تعالى: (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) . # قال أبو عبيدة، معناه: لا تعللوا عليهن بالذنوب. PageV02P450 # قوله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من «1» ~~أهلها) الآية (35) . # اختلف الناس في المخاطبين بهذا الخطاب. # فقال سعيد بن جبير: «إنه السلطان الذي يترافعان إليه» . # وقال السدي: الرجل والمرأة. # قال الشافعي رضي الله عنه: # والذي يشبه ظاهر هذه الآية، أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه ~~حالاتهما، وذلك أني وجدت الله تعالى أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا، وسن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وسن في نشوز المرأة بالضرب، وأذن في ~~خوفها أن لا يقيما حدود الله بالخلع، وذلك شبيه أن يكون برضا المرأة، وحظر ~~أن يأخذ ms253 الرجل مما أعطى شيئا، إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أمن ~~فيمن خفنا الشقاق بينهما بالحكمين، دل ذلك على أن حكمهما غير حكم الأزواج، ~~فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله، وحكما من أهلها، ولا يبعث الحكمين إلا ~~مأمونين برضا الزوجين، ويوكلهما الزوجان بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك، ~~ووجدنا حديثا بإسناده عن علي يدل على أن الحكمين وكيلان للزوجين، وهذا مذهب ~~أبي حنيفة، وهو أصح المذاهب للشافعي، وإن حكى عن الشافعي فيه قول آخر على ~~موافقة مذهب مالك، وهو أن الحكمين ينفردان دون رضا الزوجين إذا رأيا ذلك، ~~وهو بعيد، فإن إقرار الزوج بالظلم لا PageV02P451 # ينافي النكاح، ولا ظلم المرأة مناف لذلك، والظلم إذا ظهر من أي جانب كان، ~~وجب دفعه بطريقة، فأما أن يكون ظهور ظلم الظالم بينهما للحكمين طريقا إلى ~~دفع النكاح دون رضا الزوجين فلا، وليس يزيد ظهور ذلك ظلما على إقرار الزوج ~~أو الزوجة «1» بالظلم. # نعم قد يقول القائل: إذا استمرت الوحشة، فلا وجه لتبقية الخصومة ناشبة ~~بينهما، فاشتباه الحال في ذلك، كاشتباه الحال في المتبايعين إذا تخالفا. # وهذا بعيد، فإنهما إذا تخالفا فلا يتصور بقاء العقد على نعت الإختلاف ~~ليكون العقد على وضعين متضادين، وها هنا لا شيء يوجب منع بقاء العقد، وخللا ~~في معنى العقد، إنما يظهر من أحدهما ظلم فيدفعه الحاكم فأما فسخ النكاح ~~فلا، وليس كالإيلاء، فإن هناك رجع النعت إلى المقصود وهو الاستمتاع. # وبالجملة إن كان للقول الآخر وجه، فمن حيث وقوع الخلل في السكن المقصود ~~بالنكاح، لاستمرار الخصومة بينهما، وذلك يقتضي أن يكون هذا قريبا من ~~الإيلاء، وقد قال مالك: # وللحكمين أن يخالعانها دون رضاها، وهذا بعيد، فإن الحاكم لا يملك ذلك، ~~فكيف يملكه الحكمان؟ «2» .. # نعم سميا حكمين- وإن كان الوكيل لا يسمى حكما- لأنه أشبه فعلهما، فهما ~~يجتهدان ويتحريان الصلاح في إنفاذ القضايا بالعدل، إذا وكلا بذلك من جهة ~~الزوجين، وما قضى به الحكمان من شيء فهو جائز PageV02P452 # ولكن برضا الزوجين لا دون رضاهما، والله تعالى إذا رأيناه ms254 يقول: # (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) «1» . # فكيف يفهم منه جواز الخلع دون رضا الزوجين، وقد حظر الشرع أخذ شيء منها ~~دون شريطة الخوف. # ودلت الآيات المطلقة، على أن لا يحل أكل المال إلا أن يكون تجارة عن تراض ~~منكم. # ودل قول الرسول صلى الله عليه وسلم، على أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن ~~طيب نفس منه. # وفي رواية: بطيبة من نفسه «2» . # قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به) الآية (36) : # يدل على أن من أتى بطاعة لغير الله، لا تقع عن جهة القربة، لأنه أشرك به ~~شيئا، وترك الإخلاص، ولأجله قال علماؤنا: # من توضأ أو اغتسل لتبرد أو تنظيف، لم يكن له أن يصلي به، لأنه أشرك به ~~شيئا. # فإذا خرج الفعل عن كونه لله، فلم يكن قربة، ولذلك قلنا: # إذا أحس بداخل في الركوع وهو إمام لم ينتظره، لأنه يخرج ركوعه بانتظاره ~~عن كونه لله خالصا، ثم قال تعالى: PageV02P453 # (وبالوالدين إحسانا) . # فأوجب الله تعالى طاعة الوالدين في غير معصية الخالق، ولا يعني بطاعة ~~الوالدين أن يكون لهما صرف منافع بدنه بعد البلوغ إلى ما شاء، وتكليفهما ~~أفعالا، وإنما هو على ما ذكره الله تعالى: # (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) «1» الآية.. # وليس للوالدين منع الولد من الأسفار للتجارة والزيارة وطلب الفوائد. # نعم يكره له أن يجاهد دون إذنهما، فإن في ذلك تغريرا بالمهجة. # ومن تعظيم الوالدين أن لا يقتله الولد، إلا إذا كان محاربا كافرا «2» . # ثم ذكر الجار ذي القربى، وهو الجار الذي له حق القرابة، والجار الجنب «3» ~~، للبعيد منك نسبا، إذا كان مؤمنا، فيجتمع حق الجوار والإيمان، وورد في حق ~~الجار أخبار عدة «4» . # والصاحب بالجنب: قيل هو الرفيق في السفر، وقيل هو الجار الملاصق، وخصه ~~الله تعالى بالذكر تأكيدا لحقه على الجار غير الملاصق. # والجار لفظ مجمل يتردد بين معاني، فقد يقال لأهل المحلة جيران، ولأهل ~~الدرب جيران. وجعل الله تعالى الاجتماع في مدينة جوارا، قال الله تعالى: ~~PageV02P454 # (لئن ms255 لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة) إلى ~~قوله: (ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا) «1» . # فجعل اجتماعهم في المدينة جوارا. # والإحسان قد يكون بمعنى المواساة «2» ، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف ~~الأذى والمحاماة دونه. # وابن السبيل: هو المسافر ينزل عندك فتكرمه وتضيفه. # (وما ملكت أيمانكم) : هو الإحسان إليه بالإنفاق، وكسوته ومراعاته ~~بالمعروف. # هذا هو الأصل، فجمعت الآية أمورا منها الندب، ومنها الواجب. # قوله تعالى: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) (37) : # البخل المذموم في الشرع الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى، وهو مثل ~~قوله: # (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر ~~لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) «3» . # ونزلت الآية في اليهود، الذين بخلوا بالمال، فلم يعطوا منه حق ~~PageV02P455 # الله تعالى، ومنعوا الأنصار من أداء حق الله، وخوفوهم بالفقر، ومنعوا ~~العلم، وكتموا ما علموا من صفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والمباهاة ~~«1» ، بل يقول: # كان ذلك من فضل الله، وما كان من قوتي ولا من عندي، فيتحدث بالنعم على ~~وجه الشكر، كما قال تعالى: # (وأما بنعمة ربك فحدث) «2» .. # وقال عليه السلام: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أفصح العرب ولا فخر» ~~«3» . # فأراد بذكره التحدث بنعم الله تعالى، وأن يبلغ أمته من منزلته عند الله، ~~ما يجب على أمته أن يعرفوه، وليعطوه من التعظيم حقه طاعة الله تعالى. # وقال عليه السلام: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس ابن متى» . # وقد كان عليه السلام خيرا منه، ولكنه نهى أن يقال ذلك على وجه الافتخار. # وقال الله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) «4» . PageV02P456 # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «احثوا في وجوه المداحين التراب» «1» . # وذلك لئلا تزهو النفس وتترف، فإن النفس إذا ما مالت إلى شيء لطلب حظها، ~~تولد منها قوة الهوى وضعف اليقين. # قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس..) # الآية (38) : # معناه: الكفار الذين يبخلون بالأموال لوجه الله، وينفقون رثاء «2» وسمعة، ~~في غير مرضاة الله. ms256 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) «3» ~~الآية (43) : # اختلف العلماء في المراد بالسكر بالآية. # فقال قائلون: هو السكران الذي لا يعلم حقيقته، وهذا معتل من وجه: فإن ~~الذي لا يعقل كيف ينهى. # فقيل في ذلك: أراد به النهي عن التعرض للسكر، إذا كان عليهم فرض الصلاة، ~~والنهي على أن عليهم أن يعيدوها، وهذا بعيد من وجه، وهو أن السكر إذا نافى ~~ابتداء الخطاب، ينافي دوامه، وهذا حسن في إبطال هذا القول، إلا أن يقال: # إن ذلك نهي عن السكر، وإزالة العقل بشرب القدر المسكر، حالة وجوب الصلاة، ~~وهذا رفع ما دل اللفظ عليه بالكلية، كأنه تعالى قال: PageV02P457 # «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى» ، أي في حالة سكركم، فلا وجه للتأويل. # الوجه الآخر: قالوا المراد به السكران الذي لم ينتبذ «1» نقصان عقله إلى ~~حد يزول التكليف معه، بل هو فاهم للخطاب، وهذا بعيد، فإنه إن كان كذلك، فلا ~~يكون منهيا عن فعل الصلاة، بل الإجماع منعقد على أنه مأمور بفعل الصلاة ~~والحالة هذه. # ومن أجل ذلك قال الحسن، وقتادة، في هذه الآية: فإنها منسوخة الحكم. # وعلى الجملة، اضطراب هذه المحامل ينشأ منه قول الشافعي رضي الله عنه: وهو ~~أن المراد من الصلاة موضع الصلاة، فتقديره: لا تقربوا المساجد التي هي ~~مواضع الصلاة وأنتم سكارى، فإنه يتوقع منكم الفحش في المنطق، وتلويث ~~المسجد، ولذلك قال: (حتى تعلموا ما تقولون) ، يعني أن السكران ربما نزق «2» ~~، فتكلم بما لا يجوز له، كما قال علي: # إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. # فنهاهم عن دخول المسجد والصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة. # وهذا تأويل حسن تشهد له الأصول والمعقول، ومن أجله عطف عليه قوله تعالى: ~~(ولا جنبا إلا عابري سبيل) ، وذلك يقتضي جواز العبور للجنب في المساجد. # وأبو حنيفة يخالف ذلك ويقول: PageV02P458 # بل المراد به الصلاة، ولذلك قال: (حتى تعلموا ما تقولون) والذي ذكرتم ~~يعلم ذلك. # فيقال: هذا في ضرب المثل، كالذي يقول للغضبان: اتئد وتثبت حتى يرجع إليك ~~نفسك ms257 وتعلم ما تقول، إلا أن المراد به عدم العلم حقيقة. # وأبو حنيفة يخالف ذلك ويقول: بل المراد به أيضا، إذا حمل ذلك على الصلاة ~~حمل قوله: إلا عابري سبيل، على الجنب المسافر إذا لم يجد الماء، فإنه يتيمم ~~ويصلي، فيتعين إضمار عدم الماء فيه، وإذا عدم الماء في الحضر، كان كذلك. # وأحسبه يقول: بنى على الغالب، في أن الماء لا يعدم في الحضر، فيقال: ~~فالذي يتيمم ليس جنبا عندكم حتى يصلي صلوات التيمم، وأحسبه يمنع هذا أيضا ~~ويكابر، فيقال له: # إن تيمم الجنب، قد ذكره الله تعالى بعد هذا، بل فصل فقال: # (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء ~~فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) «1» . # وكيف يذكر المسافر والسفر، ثم يذكر بعده من غير فصل؟ وهذا واضح في بطلان ~~قوله: # وأما إذا أراد التيمم، ذكر الوجوه التي بها يجوز التيمم، فذكر المرض وذكر ~~السفر، وذكر المجيء من الغائط، وعدم الماء مطلقا في أي موضع كان، فكيف عنى ~~بعابر السبيل المسافر ها هنا، ولم يذكر PageV02P459 # عدم الماء، وهو الشرط لا السفر؟ وهذا لا جواب عنه فاعلمه، ولأن الله ~~تعالى قال: (حتى تعلموا ما تقولون) ، فأحال المنع على عدم العلم بالقول، ~~والسكران الطافح في سكره، المغشى عليه، تمتنع الصلاة، عليه، لأنه لا يعلم ~~ما يقول، بل لأنه محدث غير طاهر، ولا ساجد ولا راكع ولا ناو، فدل أن ~~الامتناع إنما نشأ من القول فقط، وذلك على الوجه الذي قلناه في تنزيه ~~المسجد عن هجر القول والخنا في المنطق، ومن أجل ذلك بطل تأويل من حمل السكر ~~على النوم، لأن النائم لا يصلي، ولا يتصور منه الصلاة مع النوم، ولا طهارة ~~مع النوم. # وبالجملة، كل ما اعترضنا به على الفصل الأول، فهو متوجه ها هنا فاعلم. # فإن قيل: سبب نزول هذه الآية، ما روي عن علي رضي الله عنه أنه دعا رجل من ~~الأنصار قوما فشربوا من الخمر، فتقدم عبد الرحمن ابن عوف لصلاة المغرب ms258 ~~فقرأ: قل يا أيها الكافرون، فالتبس عليه فأنزل الله تعالى: # (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) . # والجواب أن المراد به ما قلناه، فإنه إذن التبس عليه، وتلا بداخل المسجد، ~~حتى تكلم بما لا يجوز، وإلا فالصلاة واجبة في تلك الحالة قطعا، والذين ~~منعوا اجتياز الجنب في المسجد، عرفوا أن كثيرا من السلف حملوا الآية على ما ~~قلناه، وإن كان منهم من خالف. # قال: ومذاهب السلف مستقصاة في كتب الائمة، وليس ذكرها متعلقا بغرضنا، إلا ~~أن منهم من تعلق بما روي عن جسرة بنت دجاجة أنها قالت: «سمعت عائشة رضي ~~الله عنها تقول: # PageV02P460 # جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، ~~فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن ~~تنزل لهم رخصة، فخرج إليهم بعد فقال: وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد ~~لحائض ولا جنب» «1» . # قال: فأمرهم بتوجيه البيوت الشارعة في المسجد، صيانة للمسجد عن اجتياز ~~الجنب، لأنه لو أراد القعود، لم يكن لقوله «وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل ~~المسجد لحائض ولا جنب» معنى، لأنه القعود منهم بعد دخول المسجد، لا تعلق له ~~بكون البيوت شارعة إليه، فدل أنه إنما أمر بتوجيه البيوت، لئلا يضطروا عند ~~الجنابة إلى الاجتياز في المسجد، إذا لم يكن لبيوتهم أبواب غير ما هي شارعة ~~إلى المسجد. # والاعتراض على هذا، أن الخبر لا يجوز أن يثبت، فإن الغالب من أحوالهم ~~المنقولة، أنهم كانوا يغتسلون في بيوتهم، ولأن المنع من المرور لو كان ~~المقصود، ولم يتأت لهم الاغتسال في بيوتهم، لقال لهم: # اتخذوا أبوابا تجتازون منها للاغتسال. # ويدل عليه أنه لو كان باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأفضى إلى ~~المسجد وأبواب حجر نسائه، وباب أبي بكر، وباب علي، وقال: # «سدوا هذه الخوخات «2» غير خوخة أبي بكر وعلي» . # وعلى أن الذي ذكره هذا القائل، تسليم منه لجواز ذلك من قبل، ويدعى نسخا ~~لا يصح وقوع النسخ به. # قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على ms259 سفر أو جاء) PageV02P461 # أحد منكم من الغائط) «1» . # قوله: «إن كنتم مرضى» يمنع «2» من التوضؤ، وأن يكون من إمساس الماء خطر ~~الهلاك أو فساد عضو، وليس المراد به مطلق المرض إجماعا، وقد أطلق الله ~~المرض في مواضع من كتابه، وباطنه رخصا مختلفة، والمراد به الأمراض ~~المختلفة، لا نوع واحد من المرض، فقال تعالى في موضع: ومن كان مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر) «3» . # والمراد ما يظهر أثره في منع الصوم. # وقال: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية) «4» . # وعنى به نوعا آخر. # وها هنا عنى بالمرض، القروح التي تمنع إيصال الماء إلى الأعضاء، ويخشى ~~منه فساد عضو وهلاك الجملة، أو طول الضنا على ما اختلف العلماء فيه. # ثم قال تعالى: (أو على سفر) ، بناء على الغالب، ولا يشترط فيه السفر ~~الطويل، بل ما يسمى سفرا، فإن عموم كتاب الله تعالى يدل عليه. # وفي اللفظ أيضا خلاف، والفرق بينهما عند من فرق مأخوذ من PageV02P462 # السنة، وورد في تيمم المجروح أخبار ذكرها الفقهاء في كتبهم، وهي صحيحة، ~~دالة على أنه يتيمم. # قوله تعالى: # (أو لامستم النساء) . اعلم أولا أنه روي عن عروة، عن عائشة رضي الله ~~عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم، «قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم ~~يتوضأ» «1» . # وروى إبراهيم التيمي عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان ~~يتوضأ ثم يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ، ربما فعله بي» «2» . # وعن شبابة مولى عائشة رضي الله عنها قالت: ربما يلقاني «3» رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وهو خارج إلى الصلاة، فيقبلني ثم يأتي المسجد، فيصلي ولا ~~يتوضأ. # كل ذلك رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق بأسانيده المتصلة في كتاب أحكام ~~القرآن. # وروى بإسناده عن الشعبي قال: قال علي: اللمس الجماع ولكنه كنى عنه. # وروى بإسناد عن عاصم الأحوال، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: الملامسة ~~والمباشرة الجماع. PageV02P463 # وروى بإسناده عن عاصم الأحوال، عن بكر بن عبد الله قال: # قال ابن عباس: # أن الله حي ms260 كريم يكنى عما شاء، وإن المباشرة والرفث والتغشي والإفضاء ~~والمسيس عنى به الجماع. # قال: والتغشي قوله: (فلما تغشاها) . # والإفضاء: قوله (وقد أفضى بعضكم إلى بعض) «1» . # وروى بإسناده عن سعيد بن جبير، قال: كنا على باب ابن عباس واختلفنا في ~~الملامسة باليد، ومن كان عربيا قال الجماع، فخرج ابن عباس فقال: فيم ~~يختصمون؟ قالوا في الملامسة، فمن كان عربيا قال الجماع، ومن كان مولى قال ~~اللمس باليد، فقال: هو من فريق الموالي إن الله حكيم يكني ما شاء، فكنى ~~الجماع ملامسة، وكنى الجماع مباشرة. # وأكثر القاضي إسماعيل في هذه الرواية، وأسندها كلها عن الصحابة ~~والتابعين. # واعلم أنه روي في مقابلة ذلك بأسانيد صحيحة عن عبد الله بن عمر أنه قال: ~~قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، ومنها الوضوء. # وحديث القبلة منكر: # قال إسماعيل بن اسحق: حديث حبيب بن أبي ثابت في القبلة عرضه على نصر بن ~~علي وعيسى بن شاذان، فعجبوا منه وأنكروه. # وهو مما يعتد به على حبيب بن أبي ثابت، ومن يحسن أمره يقول: PageV02P464 # أراد أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم، فغلط بهذا، فهذا غاية ~~ما قاله: # والذي يحمل الملامسة على الجماع يقول: إن الله تعالى ذكر الأحداث كلها ~~بألفاظ هي كناية «1» ، فإنه ذكر الغائط وهو كناية، فيظهر أن يكون هذا أيضا ~~كناية عن الجماع. # وهذا يجاب عنه بأن الغائط كناية مشهورة غالبة في عرف الاستعمال حتى لا ~~يعرف من المتعارف سواه، والكناية المشهورة في الجنابة الجماع، فالجماع ~~كناية عن اللفظ الأصلي الذي يستحي عن ذكره، مثل الغائط كناية عن الفضلة ~~المستقذرة، فالله تعالى لم يكن عن سبب الجنابة باللفظ الأصلي الموضوع ~~للكناية، وإنما ذكر الملامسة، وما اشتهر في العرف أن يكنى بها عن سبب ~~الجنابة، فلو أراد الكناية، لذكر اللفظ الموضوع للكناية، وهذا بين ظاهر لا ~~غبار عليه «2» . # ومن وجه آخر: وهو أنه ذكر الغائط وهو سبب الوضوء دون الغسل، فيظهر أن ~~يكون قرينه سبب الوضوء، لأنه تعالى أفرد الجنابة فقال: # (ولا جنبا إلا ms261 عابري سبيل حتى تغتسلوا) «3» . # وذكر في موضع: «فاطهروا» وهو يعني الغسل. # والمخالف يقول: ذكر الله تعالى الجنابة ولم يذكر سببها، ثم ذكر بعد ذلك ~~سبب الحدث، وهو المجيء من الغائط، فيشبه أن يكون قد PageV02P465 # ذكر سبب الجنابة، والسبب الأصلي في الحدث خروج الغائط، والأصلي في ~~الجنابة الجماع، فيشبه أن يكون قد جمع الله بينهما. # ومن وجه آخر، وهو أن الله تعالى وتقدس، قد بين حكم طهارة الجنب والمحدث ~~عند وجود الماء، فيشبه أن يتبين طهارتهما من عدمه، ولا يكون ذلك إلا بحمل ~~الملامسة على الجنابة، ليكون قد بين أحوالهما عند عدم الماء ووجوده، فأما ~~عند وجوده، فهو أنه ذكر السكر الناقض للطهارة والجنابة، ثم ذكر عند عدم ~~الماء حكم المحدث، فيشبه أن يكون قد ذكر حكم الجنب أيضا. # هذا ما ذكروه وهو ضعيف جدا، فإن الله تعالى ذكر حكم السكران لا لإيجاب ~~الطهارة، ولكن للمنع من دخول المسجد، كما ذكرناه، وذكر الجنب على هذا ~~الوجه، فلم يكن فيه تعرض للطهارتين، إذ لم يذكر ما يحتاج فيه إلى ~~الطهارتين، فإن دخول المسجد لا يحتاج فيه إلى الطهارتين، إنما يحتاج فيه ~~إلى إحداهما، فلما فرغ من بيان دخول المسجد قال: (وإن كنتم جنبا فاطهروا، ~~وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط) «1» . # تعرض للتيمم في حق المحدث، لبيان حكم طهارته بعد الفراغ من أمر المسجد، ~~فلم يكن الحكم الثاني متعلقا بالأول. # والدليل على ذلك، اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تيمم ~~الجنب. # فقال بعضهم: لا يصلي ولا يتيمم حتى يجد الماء، لأن التيمم إنما ~~PageV02P466 # ذكره الله تعالى مع ما يكون منه الوضوء، ولم يذكر في موضع الجنابة. # وذهب قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الجنب يتيمم للرواية ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهم أن يقولوا: يجوز أن يكون ذلك في ~~القرآن ولكنه يستدرك بالاجتهاد والنظر، مثل ما بينا وجهه، وليس كل ما في ~~القرآن يكون جليا يدركه كل واحد، ms262 ولذلك لم يفهم كثير من الناس أن الجنب يصح ~~صومه إذا أصبح جنبا، حتى احتج ابن عباس بقوله تعالى: # (فالآن باشروهن) إلى قوله (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل) «1» . # فإباحة المباشرة إلى الصبح تقتضي وقوع الغسل بعد الصبح، وهذا لم يفهمه ~~غيره، وهو في القرآن تحقيقا. # واستدل بالقرآن في أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، إلى غير ذلك من احتجاجات ~~غامضة بالقرآن، فيجوز أن يكون هذا أيضا في القرآن ولكنه لا يعرف قبل اعمال ~~الفكر وإجالة الاجتهاد، وهذا بين. # وبالجملة، هذا أقرب من أن يقال: إن الله تعالى ذكر طهارة الجنب والمحدث ~~عند وجود الماء، ثم يذكر طهارة المحدث عند عدمه ولا يذكر طهارة الجنب، مع ~~أن الإشكال في تيمم الجنب أعظم، فإن فيه تسوية بين المحدث والجنب في ~~الطهارة عند عدم الماء، مع افتراقهما عند وجودة. # وقد ذكر محمد بن مسلمة في الآية التي تقارب هذه في سورة PageV02P467 # المائدة «1» تقديما وتأخيرا، يقتضي اشتمال كتاب الله تعالى على تيمم ~~الجنب. # وإذا قررنا ذلك زال هذا الخيال. # فقال محمد بن مسلمة قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة) «2» ، الآية، فإنما نسقها وسياقتها فيما يرى، والله أعلم: يا أيها ~~الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من نوم، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو ~~لامستم النساء، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، إلى قوله: إلى ~~الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا، يعني بالماء. # وقد فسره في موضع آخر: حتى تغتسلوا، وإن كنتم مرضى أو على سفر، ولم تجدوا ~~ماء فتيمموا صعيدا طيبا، ليكون ذاكرا للطهارتين عند عدم الماء ووجوده، وفي ~~القرآن تأخير وتقديم في قوله: # (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) ~~إلى قوله: (إلا قليلا) «3» . # وقال الله تعالى: # (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) «4» فعلى هذا، ~~لولا فضل الله عليهم لا تبعوا الشيطان إلا قليلا، يرجع إلى ما قال قبلها ms263 ~~مما أمرهم أن يردوه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم PageV02P468 # وأخبرهم أنه يعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا، فكان الاستثناء إلى ~~ها هنا. # ويكثر في القرآن التقديم والتأخير في النسق. # وروى مالك عن زيد بن أسلم، مما دل على التقديم والتأخير فقال: # قوله تعالى: # (إذا قمتم إلى الصلاة) : معناه من المضاجع، فالنوم بسبب الحدث، والغائط ~~وملامسة النساء: سببان آخران للوضوء، مثل القيام من المضاجع، فهذه أسباب ~~ثلاثة. # وقوله: (وأرجلكم) ، نسق الوجه واليدين، ومنصوب على ما تقدم من الفعل ~~الواقع عليه في قوله: (فاغسلوا وجوهكم) فأضمر ذلك، فقوله: (وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا) ، له موجب آخر غير المذكور، فلا يجوز أن يذكر غسل الوجه واليدين ~~موجبا للغائط المذكور بعده، فليكن الموجب مقدما على الموجب، وهذا بين، ~~ولأنا لو لم نقدر هذا، عددنا السفر والمرض حدثا، والغائط ولمس النساء، وليس ~~المرض والسفر حدثا، ولا هما من أسباب الحدث. # الاعتراض عليه أن المخالف يقول: لا يمكن أن تحمل الآية على وجه لا يحتاج ~~فيه إلى تقديم وتأخير، فإنه تعالى قال (إذا قمتم إلى الصلاة) محدثين، من ~~غير أن يذكر سبب الحدث، ذكر الطهارة الصغرى، ثم قال مطلقا: (وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا) ، من غير أن يكون ذاكرا لسبب الجنابة، ثم قال: (وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر) ، فذكر السبب بعد ذكر المسبب، وأراد أن يتعرض للسببين الأصليين ~~اللذين يحصل بهما الحدثان غالبا، فقال: (أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء) # PageV02P469 # والسبب الأصلي للجنابة الجماع، والحدث خروج الخارج من السبيلين والنوم ~~وزوال العقل حدث، بناء على توهم خروج الخارج، فرجع إليه، وفي حق الرجل، ~~السبب الأصلي الجماع، وخروج المنى ملحق به، فهذا لا يحتاج إلى تقديم ~~وتأخير، بل يكون الكتاب مبينا حكم الطهارتين عند وجوب السبب المطلق، ومبينا ~~تفصيل السببين على الوجه الأصلي، وهذا حسن بين. # ويدل على أنه لا حاجة إلى التقديم والتأخير، أنه إذا أمكن التقديم ~~والتأخير في آية الطهارة المذكورة في سورة المائدة، فلا يمكن ذلك في قوله ~~تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم ms264 سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا) «1» ~~. # ثم قال: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط) . # وليس الذي تقدم ها هنا مما سن به نسق الخطاب في التقديم والتأخير، ولأجل ~~ذلك روى الأعمش عن أبي وائل، قال: كنت جالسا مع أبي موسى وعبد الله بن ~~مسعود فقال أبو موسى: # أرأيت لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا، يتيمم ثم يصلي؟ # فقال عبد الله: لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهرا، ثم ذكر له حديث عمار ~~«2» فرجع عنه، وذكر أنه لم يرجع، وقال: إن عمر لم يقنعه قول عمار، وذكر أنه ~~لو رخصنا لهم في ذلك، استثقلوا الاغتسال عند وجود الماء وقنعوا بالتيمم. ~~PageV02P470 # وهذا يدل على أنهم لم يروا في كتاب الله تعالى تيمم الجنب، ولم يرشد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عمارا، لكنه كما أرشد عمر إلى الآية السيف مع ما ~~فيها من الإشكال. # قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات «1» إلى أهلها) الآية ~~(58) . # فيه دليل على وجوب رد الأمانة إذا طلبها مالكها، وقبل الطلب لا يخفى وجوب ~~الرد، فإن في وجوب ردها قبل الطلب بطلان جواز الإمساك، وفيه بطلان مقصود ~~الائتمان، وهو الحفظ المقصود للمالك وهذا عام في حق الجميع، وإن كان قوله ~~تعالى من بعد: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) ، مخصوصا بالحكام، ~~غير أن خصوص الآخر لا يرفع التعلق بعموم الأول على رأي كثير من الأصوليين ~~وإن كان فيهم من يخالف مخالفة لها وجه حسن. # وقد روى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # «لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت ~~رحمت» «2» . # ومثله قوله تعالى في قصة داود: # (فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى) «3» الآية. PageV02P471 # وقال تعالى: # (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) إلى قوله: فلا تخشوا الناس واخشون ~~ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) «1» . # فأمر الحكام بهذه الخلال الثلاثة وأخذها عليهم. # أن لا يتبعوا الهوى. ms265 # وأن يخشوه ولا يخشوا الناس. # وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا. # قوله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) آية (59) . # يحتمل أن يراد به الفقهاء والعلماء. # ويحتمل أن يراد به الأمراء، وهو الأظهر، لما تقدم من ذكر العدل في قوله: ~~(وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) . # وقوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) «2» : # يدل على أن أولي الأمر هم الفقهاء، لأنه أمر سائر الناس بطاعتهم، وأمر ~~أولي الأمر برد المتنازع فيه إلى كتاب الله، وسنة نبيه عليه السلام، وليس ~~لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة. # وزعم قوم، أن المراد بأولي الأمر، علي والأئمة المعصومين، ولو كان كذلك ~~ما كان لقوله تعالى: (فردوه إلى الله والرسول) PageV02P472 # معنى، بل قال ردوه إلى الإمام وإلى أولي الأمر، فإن قوله هذا هو المحكم ~~على الكتاب والسنة عند هؤلاء، لأنه تعالى أمرهم بطاعة أولي الأمر في حياة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن علي إماما على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وليس هذا من أحكام القرآن المتعلقة بالفقه، وإنما بيان ذلك ~~في أصول الإمامة. # ووجوب طاعة الرسول، ليس متلقى من أدلة الفقه، وإنما هو مدلول المعجزة ~~فقط. «1» # قوله تعالى: # (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) «2» الآية (86) . # ذكر الرازي أن في هذه الآية دلالة أن من ملك غيره شيئا بغير بدل فأراد ~~الرجوع فيه، فله ذلك، ما لم يثبت منه، وإذا وهب لغير ذي رحم، فله الرجوع ما ~~لم يثبت، ومتى أثبت فلا رجوع له فيها. # وهذا الاستنباط ركيك جدا، فإن في التحية ليس يرد تلك التحية، ولا إن ردها ~~متصور، ولا أنه يمكن الرجوع فيها، وإنما قوله: # (أو ردوها) أي ردوا مثلها فإن التحية في قضية العرف طلب الجواب فإذا لم ~~يجب، كان إيحاشا، وأما الهبة فإنها تبرع، فلو اقتضت عوضا خرجت عن كونها ~~تبرعا، بل كان معاوضا، وليس جواب التحية بأحسن منها، أو مثلا مخرجا للتحية ~~عن موضعها. PageV02P473 # قوله تعالى: (فما لكم ms266 في المنافقين فئتين) «1» الآية: # (88) . # هؤلاء كانوا أسلموا بمكة ولم يهاجروا، وكانوا يعينون المشركين على ~~المسلمين تقيه وتحببا إليهم. # قال الله تعالى: (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله) «2» ~~. # يعني يسلموا ويهاجروا، لأن الهجرة تتبع الإسلام، وهو كقوله تعالى: (ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) «3» وكل ذلك كان حالة كانت الهجرة ~~فرضا. # وقال عليه السلام: «أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين، وأنا ~~بريء من كل مسلم مع مشرك، قيل: لم يا رسول الله؟ قال: # لأبرأ آثارهما» . # ثم نسخ فرض الهجرة. # وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: «لا ~~هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» «4» . # وقال عليه السلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، PageV02P474 # والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» «1» # قوله تعالى: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) الآية (90) . # قال أبو عبيد: يصلون يعني ينسبون إليهم، والانتساب يكون بالخلف تارة، ~~وبالرحم والولاء، وجائز أن يدخل في عهدهم على حسب ما كان من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بينه وبين قريش في الموادعة، فدخلت خزاعة في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ودخلت بنو كنانة في عهد قريش ثم نسخت العقود بقوله تعالى: # (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر) إلى قوله تعالى: (ونفصل الآيات لقوم يعلمون) «2» . # وقال: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) ، أي لكم مثل ما ~~لهم، فإذا عقد الإمام عقد هدنة مع قوم من الكفار، فكل من يدخل في خبرهم من ~~مناسيبهم بالحلف والرحم والولاء، داخل في عهدهم. # نعم، نسخ العهد مع المشركين بإعزاز الله الدين، وأمر المسلمين، بأن لا ~~يقبلوا منهم إلا السيف أو الإسلام، بقوله تعالى: # (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) «3» . PageV02P475 # فنسخ به الصلح والهدنة، وتقريرهم على الكفر، وأمر المسلمين بقتالهم، حتى ~~يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، إن كانوا أهل كتاب، أو السيف أو ~~الإسلام، إن لم ms267 يكونوا من أهل الكتاب. «1» # فالمنسوخ ذلك العهد.. فإذا دعت حاجة الزمان إلى مهادنة الكفار من غير ~~جزية يؤدونها إليه، فكل من انتسب إلى المعاهدين صار منهم واشتمل الأمان ~~عليهم. # قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ..) # الآية (92) . # معناه ما كان له ذلك في حكم الله تعالى. # واختلف الناس في معنى إلا، فقال قائلون هو استثناء منقطع بمعنى لكن، كأنه ~~قال: لكن قد يقتله خطأ، فإذا قتله فحكمه كيت وكيت، والاستثناء المنقطع ~~ذكروا له شواهد في أشعار العرب، مثل قول النابغة: # إلا الأواري، وغيره، وقد شرحناه في أصول الفقه. # وقال آخرون: هو استثناء صحيح، وفائدته أن له أن يقتله خطأ في بعض ~~الأحوال، وهو أن يرى عليه لبسة المشركين والانحياز إليهم فيظنه مشركا، ~~وقتله في هذا الوقت على هذا الوجه جائز، كما روى الزهري عن عروة بن الزبير، ~~أن حذيفة بن اليمان قاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فأخطأ ~~المسلمون يومئذ بأبيه يحسبونه من العدو، وتحاملوا عليه بأسيافهم، فطفق ~~حذيفة يقول: # إنه أبي، فلا يفهموا قوله حتى قتلوه، فقال عنه ذلك: يغفر الله ~~PageV02P476 # لكم وهو أرحم الراحمين، وبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزاد حذيفة ~~عنده خيرا. # فأما قول من قال: إنه منقطع من كل وجه، وليس فيه معنى الاستثناء بوجه ما ~~فهو بعيد، فإنه مكابرة النص، وإلا لا بد أن يتحقق معناه على بعض الوجوه، ~~إما مجازا وإما حقيقة، فأما إبطال وجه المجاز والحقيقة فتعطيل لا تأويل. # والذي ذكره من المعنى الثاني يقتضي أن يكون قتله مباحا من جهة الله تعالى ~~إذا ظنه مشركا، وإذا ظنه مشركا فهو يتعمد قتله ولا يراه خطأ، وإذا قال الله ~~تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) يقتضي أن يقال إنما يباح إذا ~~وجد بشرط، وشرط الإباحة أن يكون خطأ، وإذا أبيح له على شرط، فلا بد وأن ~~يعلم وجود الشرط حتى تصح الإباحة، ولا يتصور أن يعلم أنه خطأ، فإنه لو علمه ~~خطأ ms268 علم التحريم، فدل أن القتل ليس مباحا في هذه الحالة، فإنه لو كان مباحا ~~كان مباحا على شرط، والشرط يجب أن يعلمه من أبيح له، ولأن من يجوز له دفعه ~~عن نفسه، فكيف يكون مباحا له؟ ودفعه جائز، والذي أباحه الله تعالى، هو الذي ~~إذا علم المرء حقيقة الحال كان مباحا، ويكون مباحا لمصلحة في النفس، وقتل ~~المسلم المعصوم ليس من مصلحة حال، فليس مباحا إذن، فأقرب قول فيه أن يقال: # قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا) ، اقتضى تأثيم قاتله لاقتضاء ~~النهي عن ذلك، فقوله إلا خطأ دفع المأثم عن قاتله، فإنما دخل الاستثناء على ~~ما تضمنه اللفظ من استحقاق المأثم، وأخرج منه قاتل الخطأ بالاستثناء، ~~فالاستثناء مستعمل في حقيقته على هذا الوجه، فإنه يرجع إلى المأثم الذي هو ~~يتضمن القتل. # PageV02P477 # قوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) ~~«1» . # ورأى العلماء إيجاب تحرير الرقبة المؤمنة، والإيمان معتبرها هنا، لا لأن ~~ذكر الإيمان ينفي من طريق الفحوى غيره من حيث الإسم، ولكن مقادير العبادات ~~لا تعرف بالرأي والقياس، فليس يمكن أن يقال: # إن الرقبة المؤمنة إذا حررت، فأي قدر يتعلق به من الثواب، وعلى أي درجة ~~هو من القربة، وأن ذلك القدر هل هو مقدم إليه، أم يحصل الاجزاء بغيره مما ~~دونه؟ فلما لم يتصور إحاطة ظن المستنبطين به، لا جرم وجب الاقتصار على ~~المذكور، ومنع إلحاق ما دونه به. # ومعلوم أن اعتاق الكافر دون اعتاق المؤمن، فليس لنا أن نقيسه عليه، ~~فيتعين اتباع مورد النص وموضع الإسم، وهذا حسن بين. # والذي قيل فيه، إن معناه: أنه عجز شخص بقتله عن طاعة الله تعالى، فتعين ~~عليه تحرير رقبة مثله، معنى ضعيف، فإنما نشترط صفة الإيمان في اعتاق الرقبة ~~عن المقتول الكافر، فلا حاصل لهذا المعنى، وهذا بين في منع قياس الكافر على ~~المؤمن. # ولو ورد النص في تحرير المؤمن بقتل المؤمن، ما جاز لنا أن نقيس الكافر ~~عليه، ولا جاز أن نقول إذا قتل ms269 عليه مسلم كافرا، فيجب عليه إعتاق المؤمن، ~~بل أمكن أن يقال يجزى الكافر عن الكافر، ولكن الله تعالى نص عليه في قوله: # (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة PageV02P478 # إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) «1» . # إلا أنه إذا ثبت ذلك، فيظهر منه أن اعتبار الظهار واليمين بالقتل في هذا ~~الحكم من طريق القياس بعيد، فإن الكفارات وضعت على أوضاع مختلفة: مثلا: ~~التحرير في اليمين والظهار والقتل واحد، فوجب من كل واحد من هذه الأجناس، ~~الرقبة على الصفة التي وجدت في الآخر من السلامة من العيب. # ثم الأصل أن يكون البدل قائما مقام الأصل، ومع هذا جعل بدل الرقبة في ~~اليمين صيام ثلاثة أيام، وجعل في القتل والظهار صيام شهرين متتابعين، وقياس ~~التفاوت في البدل، وقد استوت أوصاف البدل في الكفارات كلها، وقد جعل الله ~~تعالى صوم ستين يوما معدلا بإطعام ستين مسكينا، وجعل في اليمين صيام ثلاثة ~~أيام معدلا بإطعام عشرة مساكين، فكيف يتأتى الاعتبار مع اختلاف هذه ~~الأوضاع؟ # وعند ذلك اعتمد الشافعي في اشتراط الإيمان في تحرير الرقبة في كفارة ~~الظهار، على حديث الأمة الخرساء وهو مشهور، وإن كان في القياس وجه يمكن ~~تمشيته. # وقد ذكرنا في كتب الخلاف، أن الله تعالى ذكر صيام الشهرين المتتابعين، ثم ~~قال: (توبة من الله) » # ، ولم يكن من الخاطئ ما يقتضي التوبة، وقد قال تعالى: (توبة من الله) ، ~~مع أن التوبة حقيقتها الندم. # ويقال في الجواب عنه توبة من الله: أي عدم المؤاخذة في ترك التحفظ ~~والتصون، مع إمكان عده من حملة الذنوب. PageV02P479 # ثم قال تعالى: (ودية مسلمة إلى أهله) ، فإنها في الآية إيجاب الدية ~~مطلقا، وليس فيه إيجابها على العاقلة أو على القاتل، وإنما أخذ ذلك من ~~السنة، ولا شك أن إيجاب المساواة على العاقلة خلاف قياس الأصول من الغرامات ~~وضمان المتلفات، والذي أوجب على العاقلة، لم يجب تغليظا، ولا أن وزر القاتل ~~عليهم، ولكنه مواساة محضة. # واعتقد أبو حنيفة أنها باعتبار النصرة لازمة، وإنما هي إلى اختيار من في ~~الديوان، ms270 وأما الناشئ من القرابة فيه لازم لا يزول، وما كل نصرة تعتبر، فإن ~~الزوج ينصر زوجته ولا يتحمل عقلها، والمؤمنون ينصر بعضهم بعضا، والأصل عدم ~~التحمل إلا حيث أثبت التحمل، وقد أثبت التحمل في نصرة الأقارب، فلا يجوز ~~طرح وصف القرابة وإلغاؤها. # ثم اعلم أن الله تبارك وتعالى، أطلق الدية ولم يبين مقدارها، فلا نعلم ~~مقدارها إلا من حيث بيان آخر، ولا يفهم من إيجاب أصل الدية إبانة التفاوت ~~بين العمد والخطأ وشبه العمد، ولا بين الكافر والمسلم، ولا أصل المساواة، ~~وإنما المساواة والتفاوت صفات وكيفيات، تعلم من بيان آخر، ولا نعلم منه ~~التسوية بين الحر وغيره في مقدار الدية ولا التفاوت، فهذا بين يعرف بمبادئ ~~النظر. # وقد غلط الرازي فيه من وجوه عدة، وعثر عثرات متتابعة، وظن أن الله تبارك ~~وتعالى لما ذكر في قتل المعاهد: (ودية مسلمة إلى أهله) أن المراد به مثل ~~دية المسلم في المقدار، ولم يعلم أن هذا الكلام لا تعلق له بالمقدار، فإنه ~~لو اقتصر على ذكر دية المسلم، لم يفهم منه المقدار، وضم مثله إليه في ~~المعاهد، كيف يكون بيانا للمقدار؟ وإذا قال القائل: من أتلف دما فعليه ~~ضمانة، ومن أتلف ثوبا فعليه ضمانه، # PageV02P480 # ومن أتلف بهيمة فعليه ضمانها، لا يفهم منه المساواة في المقدار ولا ~~التفاوت، وإنما ذلك معلوم من بيان آخر، وهذا لا ريب فيه. # نعم ذكر الله تعالى تحرير الرقبة في ثلاثة مواضع، ولم يذكر الدية في ~~قوله: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن) «1» ، فاحتمل أن يقال الدية تجب ~~وتكون لبيت المال، ولكن الله تعالى إنما ذكر في الموضعين الدية المسلمة إلى ~~أهله، فإذا لم يكن له وارث مسلم ولكنه مسلم، فإذا قتل فلا دية لأهله، فلم ~~يذكر الدية لأهله لذلك. # وذكر ذاكرون تأويلا آخر فقالوا قوله: # (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة) . # إنما كان في صلح النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة، لأنه من لم يهاجر لم ~~يورث لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة، ms271 قال الله تعالى: # (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) «2» . # فلم يكن لمن لم يهاجر ورثة من المسلمين يستحقون ميراثه، فلم تجب الدية ثم ~~نسخ ذلك بقوله: # (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) «3» . # والشافعي رضي الله عنه يقول: إذا قتل مسلما في دار الحرب في PageV02P481 # الغارة والحرب، أو في دار السلام إلا أنه في الحرب والغارة، فعليه كفارة ~~ولا دية في ظاهر المذهب. # ولا شك أن ذلك بعيد عن قياس الأصول، لأن الجهل بصفة الشيء لا يسقط ضمانه ~~إذا كان مضمونا، ومن أجله صار صائرون إلى وجوب الضمان، وذكروا أن السكوت عن ~~ذكر الضمان لا يسقط الضمان، فإن قوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ) ، يتناول ~~كل مؤمن، لبيان أنه لا يجب فيه دية تسلم إلى أهله، فإن أهله كفار، فأراد أن ~~يتبين به أن أهله لا يستحقون من ديته شيئا، وأنه ليس لأهله أن يصدقوا، فإنه ~~لا حق لهم في ديته. # وهذا بين ليكون جمعا بين دلالة السكوت ودلالة العموم. # قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) «1» . # ظن أصحاب أبي حنيفة، أن الله تعالى نص على حكم الخطأ، وأوجب التحرير فيه ~~في ثلاثة مواضع، ثم قال من بعدها من غير فصل: # (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) ، فإيجاب الكفارة فيها «2» خلاف ~~الظاهر. # والجواب عنه: أن الله تعالى ذكر في الخطأ تمام ما أوجب فيه، ثم أبان ~~للعمد مزية على الخطأ وذكر تلك المزية، وذلك لا ينفي إيجاب ما وجب في ~~الخطأ، كما لا ينفي إيجاب الدية وإن وجبت في الخطأ، وإنما أوجب الله تعالى ~~الكفارة في الخطأ، تعظيما لأمر الدم في مقابلته بالكفارة، PageV02P482 # وشرع في العمد مزية، فلا ينبغي أن تكون المزية مسقطة ما قد وجب في الخطأ، ~~ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: إذا وجبت الكفارة في الخطأ، فلأن تجب في ~~العمد أولى. # وقال إذا شرع السجود في السهو، فلأن يشرع في العمد أولى. # وقد قال تعالى في الخطأ (توبة من الله) ms272 . معناه أنه إنما أوجبه الله ~~عليكم ليتقبل الله توبتكم فيما أنتم منسوبون به إلى التقصير. # وقيل: معنى التوبة التوسعة، وهي توسعة من الله ورحمة، كما قال: (فتاب ~~عليكم وعفا عنكم) «1» . # وقال تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين) «2» : # أي وسع الله على النبي والمهاجرين والأنصار وخفف عنهم: فهذا تمام البيان ~~في هذه الآية. # قول الله تعالى: (فصيام شهرين متتابعين) «3» : ومعلوم أنه كلفنا التتابع ~~على حسب الإمكان، فالحيض لا يقطع التتابع في صوم الشهرين، وليس إذا انقطع ~~التتابع لمدى لا يمكن الاحتراز عنه ما دل على أنه ينقطع، لما لا يمكن ~~الاحتراز منه «4» . # قوله عز وجل: # (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم السلام لست مؤمنا) الآية (94) . # روي أن سبب نزول الآية، أن سرية للنبي صلى الله عليه وسلم، لقيت رجلا ~~ومعه غنيمات له، فقال: PageV02P483 # السلام عليكم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فقتله رجل من القوم، ~~فلما رجعوا أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: # لم قتلته وقد أسلم؟ # فقال: إنما قالها متعوذا. # فقال: هلا شققت عن قلبه؟ وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى ~~أهله ورد عليهم غنيماته «1» . # وهذا مما يحتج في قبول توبة الزنديق إذا أظهر الإسلام، لأن الله تعالى لم ~~يفرق بين الزنديق وغيره متى أظهر الإسلام. # ومقتضى الطلاق، أن من قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أو قال إني ~~مسلم، يحكم له بحكم الإسلام، لأن قوله تعالى: # (لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا) ، إنما معناه لمن استسلم، فأظهر ~~الانقياد لما دعى إليه من الإسلام، فإذا قرئ السلام وهو إظهار تحية ~~الإسلام، فلا جرم قال علماؤنا: # إنما نحكم له بالإسلام إذا أظهر ما ينافي سائر اعتقاده، فإذا قال اليهودي ~~أو النصراني، أنا مسلم لم يصر مسلما، لأنهم كلهم يقولون نحن مسلمون، فهو ~~كما قال أنا على الدين الحق. # نعم، المشركون قالوا: لا نقول نحن مسلمون، فحالهم في هذا خلاف حال اليهود ~~والنصارى، وقد ms273 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV02P484 # «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا ~~مني؟؟؟ دماءهم وأموالهم إلا بحقها» «1» . # وإنما عنى به المشركين، لأن اليهود والنصارى يطلقون قول لا إله إلا الله ~~ولا يتمانعون منه، وإن لزمهم الشرك في التفصيل فقول: لا إله إلا الله، إنما ~~كان على إسلام مشركي العرب، لأنهم كانوا لا يعترفون به إلا استجابة لدعوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بين الله تعالى ذلك فقال: # (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) «2» . # واليهود والنصارى يوافقون على إطلاق هذه الكلمة، وإنما يخالفون في نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فمتى أظهر مظهر منهم الإيمان بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، فهو مسلم، حتى قال قائلون من أصحابنا: وإن هو قال محمد رسول ~~الله- صلى الله عليه وسلم- فلا يحكم بإسلامه، لإمكان أن يكون من العيسوية، ~~حتى يقول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكافة. # وقال قائلون: ولا بذلك أيضا يصير مسلما، لأن فيهم من يقول محمد رسول الله ~~إلى كافة الناس، ولكنه سيبعث وما بعث بعد. # وإذا تبين ذلك، فما لم يقل أنا بريء من اليهودية والنصرانية، لا يصير ~~مسلما. # ومن أجل هذه الاعتبارات والشرائط، صار من صار إلى أن توبة الزنديق لا ~~تقبل، لأنا لم نعرف في حقه علما يظهر به مخالفة مقتضى PageV02P485 # اعتقاده، لأن دينه الذي يعتقده أن يدخل مع كل قوم فيما يهوونه، وأن كل ~~دين على اختلاف الأديان كلها ينجر باطنه إلى المخازي التي يعتقدونها، فلم ~~يظهر لنا منه ما يخالف مقتضى اعتقاده، فكان كاليهودي إذا قال لا إله إلا ~~الله. # وهذا دقيق حسن، وقد شرحنا هذه المسألة من الأصول ومسائل الخلاف. # واعلم أن في الآية إشكالا، من حيث إن الله تعالى قال: # (إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا) . الآية (94) . # وذلك يمنع جزم الحكم بإسلامه، والتشكك من أمره، من غير أن يحكم له بالكفر ~~ولا الإيمان، ms274 كالذي يخبر بالخبر ولا يعلم صدقه من كذبه، فلا يجوز لنا ~~تكذيبه، وليس ترك تكذيبه مما يقتضي تصديقه، كذلك ما وصفنا من مقتضى الآية: ~~ليس فيه إثبات الإيمان ولا الكفر إنما فيه الأمر بالتثبت حتى يتبين حاله، ~~إلا أن الآثار التي ذكرناها قد أوجبت الحكم بإسلامه، فإنه عليه السلام قال: ~~أقتلت مسلما؟ أو قتلته بعد ما أسلم. # وفيه أيضا سر آخر، وهو أنا ربما نقول إنا لا نعلم إسلامه الذي هو إسلام ~~حقيقة عند الله تعالى، وربما غلب على ظننا كذبه، ولكن تجرى عليه أحكام ~~الإسلام. # قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر) الآية (95) ~~. # يدل على أن كثرة الجزاء على قدر شرف العمل، وأن الذي لا # PageV02P486 # يجاهد لا يثاب ثواب المجاهدين، إلا أن يعلم الله تعالى من نيته أنه لو ~~كان الجهاد لجاهد، فإنه يستحق الأجر على قدر نيته، لقوله تعالى: # (غير أولي الضرر) . # وفيه رد على المعتزلة، لأنهم يمنعون التسوية بين أولي الضرر والمجاهد على ~~فاسد أصولهم، ونص القرآن يبطل قولهم. # قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) الآية (101) . # فأباح القصر بشرطين: الضرب في الأرض، والخوف. # وظن ظانون أن المراد بالقصر ها هنا، القصر في صفة الصلاة، بترك الركوع ~~والسجود إلى الإيماء، وترك القيام إلى الركوب. # والرازي اختار هذا وقال: الذي حمله على أن القصر عزيمة عندهم، وأن فريضة ~~الصلاة في حق المسافر ما نزلت إلا ركعتين فلا قصر، ولا يقال في العزيمة لا ~~جناح، ولا يقال فيما شرع ركعتين إنه قصر، كما لا يقال في صلاة الصبح ذلك، ~~فلا جرم اختار الأول. # واحتج عليه بأن الله تعالى قيد القصر بشرطين، والذي يعتبر فيه الشرطان ~~إنما هو صلاة الخوف. # والذي ذكره فاسد من وجهين: # أحدهما: أن صلاة الخوف لا يعتبر فيها الشرطان، فإنه لو لم يضرب في الأرض، ~~ولم يوجد السفر، بل جاءنا الكفار وغزونا في بلادنا، فتجوز صلاة الخوف، فلا ~~يعتبر وجود الشرطين ms275 على ما قاله. # PageV02P487 # فإن حملنا على قصر الصفة، لم يشترط فيه الضرب في الأرض. # وإن حملنا على قصر الركعات، لم يعتبر فيه الخوف، فسقط ترجيحه أحد الحملين ~~على الآخر، باعتبار الشرطين فيه. # الثاني: أن في الأخبار ما يدل على أن المراد بكتاب الله تعالى ما قلناه، ~~وهو ما روي عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: كيف ~~نقصر وقد أمنا؟ وقال الله تعالى: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم) الآية، فقال: # عجبت مما عجبت، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقه تصدق الله ~~بها عليكم فاقبلوا صدقته» «1» . # وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لنا لا نقصر وقد أمنا؟ دليل ~~قاطع على أن مفهوم الآية القصر في الركعات، ولم يذكر أصحاب أبي حنيفة على ~~هذا تأويلا يساوي الذكر. # وإذا قالوا لم يشرع الله في السفر إلا ركعتين، فليست الأربعة مشروعة، ~~وإذا لم تكن الأربعة مشروعة ما دام السفر، فلم صح الاقتداء بالمقيم، وإذا ~~اقتدي به، فلم لزمته الأربع؟ وقد قالوا: لو اقتدي به في التشهد لزمه ~~الأربع، ومالك يشترط إدراك ركعة. # فإن قيل لنا: وعندكم، لم لزمته الأربع؟ # قيل: إن نوى الأربع، فليلزمه الأربع، وإن لم ينو فلا، فهو صحيح على ~~أصلنا. # فأما عندهم فاختلاف الصلاتين يمنع القدوة، وهذا بين. PageV02P488 # ولا فرق بين سفر الحج والغزو، وسفر التجارة. # وابن مسعود يقول: لا نقصر إلا في حج أو جهاد. # وعطاء يقول: لا أرى القصر إلا في سبيل من سبل الله عز وجل. # وقول الله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح) يعم كل سفر. # وقال مالك: إذا خرج للصيد لا لمعاشه ولكن متنزها، أو خرج لمشاهدة بلده ~~متنزها ومتلذذا، لم يقصر. # وقال الشافعي رضي الله عنه: لا قصر في سفر المعصية. # وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة. # وقوله (ضربتم في الأرض) مطلق، وقوله: يمسح المسافر ثلاثة أيام مطلق، غير ~~أن الإطلاق يقيد بالمعنى المفهوم من الرخص. # ولعل أبا حنيفة يرى ms276 القصر عزيمة فيقول: صلاة غير المقيم لم تشرع إلا ~~كذلك، فإذا لم تشرع في غير حالة الإقامة إلا كذلك، لم تكن شرعت لإعانته على ~~ما هو بصدده. # إلا أن هذا الكلام باطل بالوجوه التي قدمناها. # والإشكال أنه ليس في كتاب الله تعالى تقييد المدة، ويعتبر في السفر مسيرة ~~ثلاثة أيام أو ستة عشر فرسخا، على ما اختلف العلماء وبينا سببه فيما تقدم ~~فلا نعيده. # قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) الآية (102) . # PageV02P489 # مذهب الشافعي رضي الله عنه في صلاة الخوف، أن العدو إذا كان في غير وجه ~~القبلة، جعل الإمام القوم صفين، وصلى بطائفة ركعة، وطائفة وجاه العدو، فإذا ~~سجد سجدوا معه، وإذا قام قاموا معه ونووا مفارقته، وأتموا الصلاة لأنفسهم، ~~وأطال الإمام القيام حتى تحصر الطائفة الأخرى بعد انصراف الطائفة الأولى ~~إلى وجاه، وصلى الإمام بالطائفة الأخرى ركعة وتشهد وسلم، وقضى القوم بقية ~~صلاتهم. # وإن كان العدو في جهة القبلة، أحرم بهم جميعا وحرسه صف «1» وسجد مع ~~القيام صف، وباقي الصلاة على ما تقدم. # والفرق بين كون العدو في جهة القبلة، وكونه في جهة أخرى، أن العدو إذا ~~كان في غير جهة القبلة، فإنما يحرم بطائفة واحدة، وإذا كانوا في جهة واحدة ~~أحرم بهم. # وللناس اختلافات كثيرة في صلاة لخوف، وأبو حنيفة من بينهم يقول: يركع ~~لإمام بقوم ويسجد وينصرفون وهم في الصلاة، ويجيء القوم الآخرون فيصلي بهم ~~ركعة ثم ينصرفون ويجيء الأولون فيقضون بقية صلاتهم. # فأثبتوا ترددات كثيرة في الصلاة من غير حاجة، والله تعالى يقول: # (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم) الآية (102) . # فظن أن السجود يجري على حقيقته. PageV02P490 # ولكن لما لم يقل إنهم ينصرفون كرة أخرى، حمل الشافعي قوله: # فإذا سجدتم «1» يعني فإذا صليتم، فالذي ذكره الشافعي رضي الله عنه، ليس ~~فيه إلا أن المأموم يقطع نية القدرة، وذلك ليس نية بعد. # وعلى ما قاله أبو حنيفة تجري ترددات في خلال الصلاة، وهي خارقة نظام ms277 ~~الصلاة من غير حاجة، ومعلوم أن قطع نية القدوة أمثل من احتمال ترددات لا ~~لحاجة في خلال الصلاة. # وأبو حنيفة قد قال في الذي سبقه الحدث، إنه يتردد «2» وصلاته صحيحة، وذلك ~~أيضا خلاف الأصول، فلا جرم قال أبو يوسف: # الذي كان من ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، لا ~~يجوز مثله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنما كان مختصا به لئلا يفوت ~~الناس الجماعة معه، لأنه رأى أشياء تخرم نظام الصلاة، فأما نحن، فلا يحتمل ~~ما يخالف نظام الصلاة، وإنما قصارى ما يفعله المأموم قطع نية القدوة فقط، ~~وذلك غير ممنوع شرعا. # وإذا كان الخوف أشد من ذلك، وكان التحام القتال، فإن المسلمين يصلون على ~~ما أمكنهم مستقبلي القبلة ومستدبريها، وأبو حنيفة وأصحابه الثلاثة متفقون ~~على أنهم لا يصلون والحالة هذه، بل يؤخرون الصلاة، وإن قاتلوا في الصلاة ~~قالوا فدت الصلاة. # وحكي عن الشافعي رضي الله عنه: إن تابع الطعن والضرب فسدت صلاته. # وليس في القرآن تعرض لذلك على الخصوص، وإنما فيه: PageV02P491 # «فلا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة» . # وهم يحملون ذلك على قصر الأوصاف، وقصر الأوصاف عند الخوف، يشتمل على حالة ~~التحام القتال. # نعم، صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى صلاة الخوف في مواضع، على ~~اختلاف في الصفات، ولم يصل يوم الخندق أربع صلوات حتى مضى هوى من الليل ثم ~~قال: # «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى «1» » . # فقضاهن على الترتيب، ولم يكن مشتغلا بالقتال حالة الحفر، ولا كان الكفار ~~ثم «2» ، وإنما كانوا يستعدون لهم، والدليل على أنه لم يجر قتال إلا مناوشة ~~في طرف مع بعضهم، قوله تعالى: # (وكفى الله المؤمنين القتال) «3» . # وذلك يدل على أنه لم يجر قتال، فعلم أن ذلك كان مخصوصا منسوخا، ويعلم ~~ضرورة أن الأفعال في القتال، مثل الأفعال من المشي والحركات ثم الجيئة ~~والذهاب في خلال صلاة الخوف عندهم لا تنافي صحة الصلاة على ما هو مذهبهم، ~~فالقتال من ms278 أي وجه كان منافيا. # قوله تعالى: (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن ~~تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم) الآية (102) . # فيه إباحة وضع السلاح، لما فيه من المشقة اللاصقة به في حمل السلاح ~~PageV02P492 # في حالة المرض والوحل والطين، فيجوز أن يؤخذ منه أن من توحل ووقع في ~~الطين وضاق عليه وقت الصلاة، فيجوز له أن يصلي بالإيماء، كما يجوز له في ~~حالة المرض إذا لم يمكنه السجود، لأن الله تعالى سوى بين المرض والمطر. # قوله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا) الآية (103) ~~. # واعلم أن الله تعالى ذكر لفظ الذكر في غير هذا الموضع، وأراد به الصلاة ~~في قوله تعالى: # (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) «1» . # فروي أن عبد الله بن مسعود، رأى الناس يضجون في المسجد فقال: # ما هذه الضجة؟ قالوا: أليس الله تعالى يقول: أذكروا الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبكم؟ قال: إنما يعني بهذه الصلاة المكتوبة، إن لم تستطع قائما ~~فقاعدا، وإلا فعلى جنبك. # وقال الحسن في قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) ~~. # هذه رخصة من الله تعالى للمريض أن يصلي قاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنبه. # والمراد نفس الصلاة، لأن الصلاة ذكر الله تعالى، وقد اشتملت على الأذكار ~~المفروضة والمسنونة، فسماها الله تعالى ذكرا لذلك، وسماها ركوعا، وكل ذلك ~~تعبير عن الصلاة بما تشتمل عليه الصلاة. # فأما الذكر الذي في قوله عز وجل: (فإذا قضيتم الصلاة) «2» PageV02P493 # فيحتمل أن يكون معناه ذكر الله تعالى بالقلب وباللسان وهو الظاهر، فإنه ~~تعالى ذكر ذلك بعد الفراغ من الصلاة، فقال: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) . # وقوله تعالى: (فإذا اطمأننتم) «1» ، معناه فإذا رجعتم إلى أوطانكم، ~~فعودوا إلى إتمام الصلاة ودعوا القصر، فإنه زال الخوف والسفر، فارجعوا إلى ~~إتمام الأركان إن كان القصر قصرا في الأوصاف، قال الله تعالى: (إن الصلاة ~~كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) «2» . # قال عبد الله بن مسعود: موقوت: منجم، كلما مضى نجم دخل نجم آخر. وقال ms279 زيد ~~بن أسلم مثل ذلك، فنزلت الآية على أن الصلاة مفروضة في أوقات معلومة على ~~نوب مضبوطة، غير أن هذه دلالة حملية «3» ، وأشار إلى تفاصيلها في مواضع أخر ~~من كتابه، من غير تحديد أوائلها وأواخرها، وبين على لسان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم مقاديرها فيما ذكره الله تعالى في الكتاب في أوقات الصلوات، فمن ~~جملة تلك الآيات. # قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر) «4» . # وروي عن ابن عباس أنه قال: # دلوك الشمس، زوالها عن بطن السماء لصلاة الظهر، إلى غسق الليل، وهو صلاة ~~المغرب. # وروي عن ابن عمر مثل ذلك في دلوكها أنه زوالها. PageV02P494 # وقال ابن مسعود: دلوكها: زوالها. # وروي عنه وعن ابن عباس في رواية أخرى، أن دلوكها غروبها، واللفظ يحتمل ~~المعنيين. # والدلوك في الأصل الميل، فدلوك الشمس ميلها، وقد تميل تارة للزوال وتارة ~~للغروب، فقال الرازي: # إذا عنى بالدلوك أول الوقت، وغسق الليل نهايته، لأنه تعالى قال: # إلى غسق الليل وإلى غاية. # ومعلوم أن وقت الظهر لا يتصل بغسق الليل، لأن بينهما وقت العصر، فالأظهر ~~أن يكون المراد بالدلوك ها هنا هو الغروب، وغسق الليل اجتماع الظلمة، لأن ~~وقت المغرب يتصل بغسق الليل ويكون نهايته. # والاعتراض على ما ذكر أن يقال: # إنه لو كان على ما ذكره، ما كان في كتاب الله إشارة إلى صلاة الظهر ~~والعصر، والظهر أول ما نزل من الصلوات، والعصر الصلاة الوسطى عند الأكثرين، ~~فكيف يجوز أن لا يقع التعرض لهما، ويقع التعرض لصلاة الليل أولا إلى صلاة ~~الفجر ويغفل صلاتي النهار مع أن الميل في الشمس غير غروب الشمس، فإن الشمس ~~تميل قبل أن تغرب، فلا يقال: مالت الشمس بمعنى غربت، إلا أن يقال: مالت ~~للغروب، فإنه يقال للشمس وقت الظهر: إنها مائلة، ولا يقال لها بعد ما غربت ~~مائلة. # يبقى أن يقال: إن الله تعالى قال: (إلى غسق الليل) ، ولا يتصل أول الظهر ~~بغسق الليل، فيقال: ليس كذلك، فإن ما بين زوال الشمس المعبر عنه بالدلوك، ~~إلى غسق ms280 الليل، وقت لصلوات عدة، # PageV02P495 # وهي الظهر، والعصر، والمغرب، فيفيد ذلك أن من وقت الزوال إلى غسق الليل، ~~لا يخرج أن يكون وقتا لصلاة، فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب، فأبان الله ~~تعالى أن بين زوال الشمس إلى غسق الليل وقت لصلوات عدة، فيدخل فيها الظهر ~~والعصر والمغرب، ويحتمل أن يدخل فيه العتمة أيضا، لأن الغاية قد تدخل في ~~الحكم، كقوله: # (وأيديكم إلى المرافق) «1» ، وقوله: (حتى تغتسلوا) ، والغسل داخل في شرط ~~الإباحة. # وإذا حمل الدلوك على الزوال، اشتملت الآية على خمس صلوات، فالأربعة من ~~الزوال إلى غسق الليل، والخامسة قرآن الفجر. # ولما كان بين الصبح والظهر وقت ليس من أوقات الصلوات المفروضة، أبان الله ~~تعالى أن من وقت الزوال إلى وقت العتمة وقتا للصلاة مفعولة فيه. # وأفرد الفرد بالذكر، إذ كان بينه وبين الصلوات المفروضة وقت ليس من أوقات ~~الصلوات المفروضة، وقال تعالى في بيان المواقيت أيضا على نحو ما سلف. # (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل) «2» . # وروي عن عمر وعن الحسن في قوله طرفي النهار. # الصبح والظهر والعصر. # وزلفا من الليل: المغرب والعشاء. # فعلى هذا القول قد انتظمت الآية الصلوات الخمس. PageV02P496 # وروى يونس عن الحسن: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل) قال: ~~المغرب والعشاء. # فعلى هذا القول قد انتظمت الآية الصلوات الخمس. # وعن الحسن في رواية: أقم الصلاة طرفي النهار، قال: هو الفجر والعصر. # وعن ابن عباس: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة. # (فسبحان الله حين تمسون) : المغرب والعشاء، (وحين تصبحون) : الفجر، ~~(وعشيا) : العصر، (وحين تظهرون) «1» ، الظهر. # وعن الحسن مثله. # وعن ابن عباس: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل ~~فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) «2» . # قوله تعالى: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم) «3» : تحريض على الجهاد، ونهي ~~عن الونا والضعف. # وذكر العلة فيه فقال: (وترجون من الله ما لا يرجون) «4» أي إن الألم الذي ~~ينالكم محتمل في مقابلة عظيم الثواب عند الله تعالى، PageV02P497 # ذلك ليعلم أن المشاق في التكاليف محتملة، لما يرجى فيها من ثواب الله ~~تعالى. ms281 # قوله تعالى: (لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) «1» ~~. # سبب نزولها مذكور في التفاسير «2» ، وفيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن ~~يخاصم عن أحد، إلا بعد أن يعلم أنه محق. # قوله تعالى: (لتحكم بين الناس بما أراك الله) ، يحتمل الوحي والاجتهاد ~~جميعا، وفيه دليل على أن وجود السرقة في يد إنسان لا يجب الحكم عليه بها، ~~لأن الله تعالى نفى الحكم عن اليهودي بوجود السرقة عنده، إذ كان جائزا أن ~~يكون هو الآخذ، وذلك مذكور في التفاسير «3» . # وليس ذلك مثل ما فعله يوسف عليه السلام، حين جعل الصاع في رحل أخيه «4» ، ~~ثم أخذ الصاع، واحتبسه عنده، فإنه إنما حكم عليهم بما كان عندهم أنه جائز، ~~وكانوا يسترقون السارق، فاحتبسه عنده، وكان له أن يتوصل إلى ذلك ولا ~~يسترقه، ولا قال إنه سارق، وإنما قال ذلك رجل عنده ظنه سارقا. # وقد نهي الله تعالى عن الحكم بالظن والهوى، بقوله تعالى: (اجتنبوا كثيرا ~~من الظن إن بعض الظن إثم) «5» . PageV02P498 # وقال عليه السلام: «إياكم والظن فإنه أكذب الحديث» «1» . # قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى) «2» . زيادة ~~تغليظ في الزجر عنه، وتقبيح حاله، وتبيين للوعيد فيه، إذا كان معاندا بعد ~~ظهور الآيات الدالة على صدق الرسول عليه السلام. # وقرن اتباع غير سبيل المؤمنين بمعاينة رسول الله فيما ذكر من الوعيد، فدل ~~على صحة إجماع الأمة على ما قررناه في تصانيفنا في الأصول، وبينا ما يرد ~~عليه من الاعتراض ومنع الاحتجاج «3» . # قوله تعالى: (فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) «4» . # فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: عن ابن عباس رواية: «فليغيرن خلق الله» ، أي يغيرن دين الله ~~بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، ومثله قوله تعالى: # (لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) «5» . # وروي عن ابن عباس وأنس أنه الخصاء. # وروي عن الحسن أنه الوشم. # وروي عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بإخصاء الدابة. PageV02P499 # وعن طاوس وعروة مثله. # وقوله (واتبع ملة إبراهيم حنيفا) «1» . # ظاهر في وجوب اتباع ملة إبراهيم، إذا ms282 لم يظهر لنا ناسخ من شرعنا، وفيه ~~دليل على أنه ليس للعباد تحريم ما أحله الله تعالى باليمين. # وقوله تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن) «2» الآية، وقد ~~ذكرنا معناها. # قوله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما ~~أن يصلحا بينهما) «3» ، فأباح الله تعالى الصلح، فروي عن علي وابن عباس، ~~أنهما أجازا لهما أن يصلحا على ترك بعض مهرها أو بعض أيامها، أن يجعلها ~~لغيرها. # وقال عمر: ما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. # وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: حسبت سودة أن يطلقها رسول الله ~~فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني وأمسكني واجعل النوبة لعائشة ففعل، فنزلت ~~هذه الآية «4» . # ونزلت أيضا في المرأة تكون عند الرجل، فيزيد طلاقها ويتزوج غيرها، فتقول ~~أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج وأنت في حل من النفقة PageV02P500 # والقسم، فذلك قوله: (فلا جناح عليهما) - إلى قوله- (والصلح خير) «1» . # فهذه الآية دالة على وجوب القسم بين النساء، إذا كان تحته جماعة وعلى ~~وجوب القسم لها بالكون عندها، إذا لم يكن عنده إلا واحدة، تم الجزء الثاني ~~بحمد الله تعالى، ويليه الجزء الثالث وأوله سورة المائدة، والله المستعان. ~~PageV02P501 # الجزء الثالث # (بسم الله الرحمن الرحيم) «ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا ~~رشدا» # PageV03P005 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة المائدة # قوله تعالى: # (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) «1» الآية (1) : # اعلم أن العقود في الشرع منقسمة إلى ما يجب الوفاء به، وإلى ما لا يجب، ~~وإلى ما لا يجوز. # فأما ما لا يجوز مثل عقود الجاهلية على النصرة على الباطل في قولهم: # دمي دمك، ومالي مالك، وأنا أجيرك، فيعاهده على أن ينصره على الباطل، ~~ويمنع حفا توجه عليه، فهذا لا يجب الوفاء به. # والوجه الآخر: ما يتخير في الوفاء به. # والوجه الثالث: ما يجب الوفاء به، والذي يجب الوفاء به، هو الذي يتضمن ~~تحقيق حق أوجب الله تعالى الوفاء به. # فإذا انقسمت العقود إلى باطل وصحيح، فربما يقول القائل: الأصل اتباع ~~الشروط ms283 والعقود، نظرا إلى مطلق اللفظ، والقائل الآخر يقول: PageV03P007 # إنما يجب علينا اتباع عقود شرعية ورد الشرع بها، ولذلك قال عليه السلام: # «ما بال أقوام يشترطون ما ليس في كتاب الله تعالى؟ كل شرط ليس في كتاب ~~الله تعالى فهو باطل» «1» . # ولا شك أن الذي ورد الشرع به محصور مضبوط، والذي يمكن اشتراطه مما يهجس ~~في النفس، فمما لا نهاية له، فلا يمكن أن يقال إن الأصل وجوب الوفاء بكل ما ~~يهجس في النفس، فيعقد عليه، بل الشرع ضبط لنا ما يجب الوفاء به، والباقي ~~مردود، فهو كقول القائل: افعلوا الخير، لا يجوز أن يحتج به في وجوب كل خير، ~~فإن ما لا يجب فعله من الخيرات لا نهاية له، فالمخصوص مجهول على ذلك، وكذلك ~~المخصوص من الشروط، فإن الباطل من الشروط لا نهاية له، وإنما الجائز منها ~~محصور، فعلى هذا لا يجوز التعلق بعموم قوله عليه السلام: # «المؤمنون عند شروطهم» «2» . # ولا بمطلق قوله: # (أوفوا بالعقود) . # فهذا هو المختار فيه. # والذي هو عقد أو يسمى عقدا، ينقسم إلى ما كان على المستقبل، وإلى ما كان ~~على الماضي. # أما ما على المستقبل: مثل قول القائل: والله لأفعلن. # وأما على الماضي: كقول القائل: والله لقد كان كذا. ويقال في PageV03P008 # مثله: إنه عقد اليمين عليه، لا على معنى أنه عزم على فعل شيء، فإن اليمين ~~يعقد على فعل الغير من غير أن يصح العزم عليه، وإنما معناه أنه يظهر ~~المحلوف عليه، ويحيل إلى غيره تحقيقه، فينظر ما يكون من عاقبة يمينه، وفي ~~الماضي إظهار الصدق قائم، وقصد تحقيق القول قائم، فيقال عقد اليمين، أي قصد ~~تحقيق قوله وتصديق نفسه، فهو عقد من هذا الوجه. # يبقى أن يقال هو في علم الله تعالى غير منعقد. # فيقال هو في علم الله تعالى، وإن لم يفصد تحقيق ما حلف لعلمه به، ففي ~~المستقبل ربما لا يتصور منه العقد، ولكن يحيل العقد، وربما ظن الصدق في ~~الماضي، فيقصد تحقيق قوله بعقد اليمين، فسمي عقدا من هذا الوجه. # واعلم ms284 أنه قد تبين بما قدمناه، أن كل عهد وعقد لا يجب الوفاء به، فمطلق ~~قوله (أوفوا بالعقود) ، محمول على القيد في قوله: # (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) «1» . # وإنما عنى به العقد مع الله سبحانه فيما أمر الله تعالى عباده بالوفاء به ~~وإلا فكل يمين على منع النفس من مباح أو واجب، فذلك مما لا يجب الوفاء به ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: # «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو ~~خير» «2» . PageV03P009 # نعم، اختلف أصحاب الشافعي فيما إذا نذر قربة من غير أن يستنجح بها طلبة، ~~أو يستدفع بها بلية. # فمنهم من أوجب لأنها داخلة تحت قوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم) . # ومنهم من لم ير ذلك، لأنه ليس إلى العباد إيجاب ما لم يوجبه الله تعالى ~~عليهم، فإن الذي وجب، إنما وجب لعلم الشرع أنه داعي إلى المستحسنات ~~العقلية، وناهي عن المستقبحات العقلية، ولا يجوز ذلك فيما يوجبه العبد على ~~نفسه. # والقول الآخر يقول: إن العبد إذا باشر السبب الموجب، أوجبه الله تعالى ~~عليه، فيكون من العبد مباشرة السبب الوحيد، وكون السبب موجبا عرف بالشرع، ~~فوجب بإيجاب الشرع، لا بغيره، وهذا بين. # ولعل الأظهر اندراج ذلك تحت العموم، ولا خلاف أن المباح نذره لا يوجب ~~شيئا، لأنه لا يتوهم كونه داعيا إلى المستحسنات العقلية، ولا أن له في ~~الوجوب أصلا يتوهم، كون هذا داخلا تحته، وهذا بين لا غبار عليه. # ولما حلف الصديق على ما كان فعله خيرا من تركه، قيل له: # (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى) «1» . # فحنث الصديق عن نفسه، وكفر عن يمينه. PageV03P010 # قوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) الآية (1) : # قيل في الأنعام: إنها الإبل والبقر والغنم، وقيل يقع الانعام على هذه ~~الأصناف الثلاثة، وعلى الظباء وبقر الوحش، ولا يدخل فيها الحافر، لأنه أحد ~~من يعمه الوطء. # والذي يدل على تناوله للجميع، استثناؤه الصيد منها، بقوله في نسق ms285 الآية: ~~(غير محلي الصيد وأنتم حرم) . # ويدل على أن الحافر ليس داخلا في الأنعام قوله تعالى: # (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون) «1» . # ثم عطف عليه قوله تعالى: (والخيل والبغال والحمير) «2» . # فلما استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام، دل ذلك على أنها ليست منها. # وذكر ذاكرون دقيقة فقالوا: # لما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ، أذن ذلك بأن ~~الإباحة مجازاة على الوفاء بالعقود، فإن الكفار محظور عليهم ذبح البهائم، ~~فإن ذبح البهائم إنما عرفت إباحته بالسمع، والسمع إنما عرف بنبوته صلى الله ~~عليه وسلم، فإذا تثبت ذلك، فلا يباح ذبح البهائم للكفار، وإن كانوا أهل ~~الكتاب، وهذا بعيد. PageV03P011 # فإنه لو لم يكن مباحا لهم، لما جاز للمسلمين تناول ذبائحهم. # ويمكن أن يجاب عنه بأنه محرم أن يذبحوا، ولكن إذا ذبحوا على تسمية الكتاب ~~حل للمسلم. # وبالجملة، هذا طريق المعتزلة، وعندنا لا يحرم قبل السمع شيء، ولا يحل ~~أيضا، فإن الحكم حكم الله تعالى، فلا تعلق له بما تقدم على هذا الطريق، ~~فاعلمه. # قوله تعالى: (إلا ما يتلى عليكم) . # يحتمل أن يكون فيما قد حصل تحريمه قبل ذلك، فالباقي على الإباحة؟ # إلا ما خصه الدليل، فيكون عاما محتجا به. # ويحتمل أن يكون المراد بقوله (إلا ما يتلى عليكم) : إلا ما يريد أن ~~يحرمه، فيكون مؤذنا بورود بيان من بعد، إلا أن ذلك لا يقتضي التخصيص، ولا ~~يتحقق فيه معنى الاستثناء، إذا لم يكن محرما في الحال. # ويحتمل أن يريد به إلا ما قد حرم عليكم مطلقا، وسيرد بيانه. # فعلى هذا يكون القدر المخصوص منه مجملا لجهالة المخصوص. # أو يجوز أن يكون الكل قد ورد دفعة واحدة، فيذكر الكلام مطلقا إلا ما سيرد ~~تفصيله، ويسوق الكلام إلى غايته، ويكون ذلك كمطلق يعقبه خصوص، ويسوق الكلام ~~إلى آخره. # نعم، قوله (إلا ما يتلى عليكم) ، لا يتناول محل الصيد، فإنه لو استثنى ~~ذلك سقط حكم الاستثناء الثماني، وهو قوله (غير محلي الصيد) ، وصار بمثابة ~~قوله (إلا ما يتلى عليكم) ، وهو تحريم الصيد ms286 على المحرم، وذلك تعسف في ~~التأويل، ويوجب ذلك # PageV03P012 # أيضا أن يكون الاستثناء من إباحة بهيمة الأنعام مقصورا على الصيد، وقد ~~علمنا أن الميتة من بهيمة الأنعام مستثنى من الإباحة، فهذا تأويل لا وجه ~~له. # وقوله (غير محلي الصيد) ، لا يخلو إما أن يكون مستثنى مما يليه من ~~الاستثناء، فيصير بمنزلة قوله تعالى: (إلا ما يتلى عليكم) إلا محلي الصيد ~~وأنتم حرم، فلو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام، لأنه مستثنى من ~~المحظور، إن كان قوله تعالى (إلا ما يتلى عليكم) مستثنى من الإباحة، فهذا ~~أيضا وجه ساقط، فإن معناه: # أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد وأنتم حرم، و (إلا ما يتلى عليكم) ~~سوى الصيد مما قدمناه، ويستثنى تحريمه في الثاني، وأن يكون معناه: أوفوا ~~غير محلي الصيد، وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم. # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله) الآية (2) : روي ~~عن ابن عباس أنها مناسك الحج، فعلى هذا تشتمل على الصفا والمروة والبدن ~~وغيرها. # وقيل معالم الله تعالى وأحكامه: شعائره، فإن شعائره مأخوذة من الأعلام، ~~ومنه مشاعر البدن وهي الحواس، وهي أيضا المواضع التي أشعرت بالعلامات، ومنه ~~قول القائل: شعرت به: أي علمته، لا يشعرون: أي لا يعلمون، ومنه الشاعر، ~~لأنه شعر بفطنته بما لا يشعر به غيره، فالشعائر العلامات. # فقوله تعالى: (لا تحلوا شعائر الله) ، اشتمل على جميع معالم دين الله، ~~وهو ما أعلمنا الله تعالى من فرائض دينه وعلاماتها أن لا تتجاوز واحدة ولا ~~تقصر فيما دونها، وهذا أشمل التأويلات. # PageV03P013 # والهدي: ما يتقرب به من الذبائح والصدقات، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # «المبكر للجمعة كالمهدى بدنه..» ، إلى أن قال- «كالمهدى بيضة» «1» . # فسماها هديا، فتسمية البيضة هديا- لا محمل له، إلا أنه أراد بالهدي ~~الصدقة، ولذلك قال العلماء: إذا قال جعلت ثوبي هديا، فعليه أن يتصدق به. # إلا أن الإطلاق ينصرف إلى أحد الأصناف من الإبل والغنم. # وسوقها إلى الحرم، وذبحها فيه، وهذا شيء تلقى من عرف الشرع من قوله: (فإن ms287 ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي) «2» ، أراد به الشاة.. # وقد قال تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة) «3» . # وقال تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) «4» . # وأقله عند الفقهاء شاة، فإذا أطلق الهدي، تناول ذبح أحد هذه الأصناف ~~الثلاثة في الحرم. # فقوله تعالى: (ولا الهدي) أراد به النهي عن إحلال الهدي الذي قد جعل ~~للذبح في الحرم، وإحلاله: استباحته لغير ما سيق له من الفدية. PageV03P014 # وفيه دلالة على المنع من الانتفاع بالهدي بصرفه إلى جهة أخرى، ويدل على ~~تحريم الأكل من الهدي نذرا كان أو واجبا، من إحصار أو جزاء صيد، ويمنع ~~الأكل من هدي المتعة والقرآن، على ما هو مذهب الشافعي، وخالفه فيه أبو ~~حنيفة. # وفيه تنبيه على أصل آخر، وهو أن الشافعي يقول: # إذا كان مطلق الهدي يتناول الأصناف الثلاثة على خلاف ما يقتضيه حق الوضع، ~~فهو لعرف الشرع وتقييده المطلق من الهدي بالأصناف، فإذا كان كذلك فلم نجد ~~في عرف الشرع، إلا أن لفظ الهدي تكرر في الكتاب في مواضع، فاقتضى ذلك كون ~~الهدي صريحا في التقييد بالأصناف الثلاثة، وإن تناول من حيث اللغة ما سواه، ~~كذلك لفظ الفراق والسراح من حيث تكررا في الكتاب والسنة، صارا صريحين في ~~معنى الطلاق، وإن كان اللفظين محتملين لما سواه، وهذا بين ظاهر. # قوله تعالى: (ولا الشهر الحرام) «1» ، عنى به الأشهر الحرم ثلاثة متوالية ~~وواحد مفرد، المفرد رجب، والمتوالية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. # وذلك منسوخ بجواز قتل الكفار في أي وقت كان «2» . # وقوله: (ولا القلائد) «3» ، نهى عن استباحة الهدي وصرفه إلى جهة أخرى، ~~ونهى عن التعرض للقلائد: وهي أن المحرمين كانوا يقلدون أنفسهم والبهائم من ~~لحا شجر الحرم، وكان قد حرم إذ ذاك ما PageV03P015 # هذا وصفه، فنسخ ذلك في الآدمي، وقرر في البهائم على ما كان. # وإذا كان كذلك، فلا يجوز استباحته، ويجوز التصدق به، ولكن إذا فعل ذلك، ~~فمجرد فعله لا نقول إنه حرم، ولكن لا بد من النية، وليس في الآية تعرض لها. ms288 # قوله (لا تحلوا شعائر الله) : نسخها قوله: # (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) «1» . # و (فإن جاؤك ... فاحكم بينهم بما أنزل الله) «2» . # وقوله: (ولا آمين البيت الحرام) : # معناه أن الكفار كانوا إذا قلدوا أنفسهم قلادة من شعر منعته من الناس، ~~وكان الكفار على هذه السنة، فأمر المسلمون أن لا يتعرضوا لهم، ولا يتعرض ~~للكفار الذين يؤمون البيت، ثم أنزل الله تعالى بعد هذا: # (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) «3» . # وقال: # (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر) «4» . # قوله تعالى: (ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم «5» ) . الآية ~~(2) ، وهو التجارة. PageV03P016 # (ورضوانا) : وهو الحج. # وذلك يدل على أن الذي يقصد الحج لا يلزمه الإحرام، إلا إذا أراد الحج، ~~فإن الله تعالى يقول: (يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا) ، وهو قول للشافعي، ثم ~~قال: # (وإذا حللتم فاصطادوا) . # هذا إطلاق وإباحة لما كان قد حرم من قبل. # قوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم) «1» الآية (2) . # معناه: أي لا يكسبنكم شنآن قوم، أي البغض، أن تتعدوا الحق إلى الباطل، ~~والعدل إلى الظلم.. # قال صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» . # وفيه دليل على أنه إنما يجوز مقابلة الظالم بما يجوز أن يكون عقوبة له ~~وقد أذن فيه، فأما بالجنايات والمحظورات فلا يجوز معاقبته. # ذكروا أن سبب نزول الآية، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا ~~بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت، فمر بهم ناس من المشركين من أهل نجد ~~يريدون العمرة، فقالوا: إنا نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم. # فنزلت هذه الآية: (ولا آمين البيت الحرام) «2» . # قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) الآية (3) : PageV03P017 # بيناه من قبل، وكذلك الدم، وكذلك لحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وكل ~~ذلك شرحناه في سورة البقرة. # والمنخنقة كمثل. # والموقوذة: المضروبة بالخشب ونحوه حتى تموت، ومنه المقتول بالبندقة، كذلك ~~فسره ابن عمر وعدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إني أرمي بالمعراض فأصيب ~~فآكل.؟ # فقال: «إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم ms289 الله تعالى فأصاب فخرق فكل، وإن أصاب ~~بعرضه فلا تأكل» . # وعن عدي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض فقال: # «ما أصاب بحده فخرق فكل، وما أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل» «1» . # فجعل ما أصاب بعرضه من غير جراحة موقوذة، وإن لم يكن مقدورا على ذكاته، ~~وذلك يدل على أن شرط ذكاة الصيد الجراحة وإسالة الدم. # لا جرم قال الشافعي في قول: إن أخذ الكلب الصيد فقتله ضغطا، فإنه لا يحل ~~ما أصاب بعرض المعراض. # قوله تعالى: (والمتردية) : هي الساقطة من أعلى جبل فتموت. # وهذا الإشكال فيه، إن حصل ذلك بغير فعل الآدمي فهو ميتة، وما رداه الواحد ~~منا، فلا يحل أيضا، فإنه ليس ذكاة شرعية. # قوله تعالى: (وما أكل السبع) : يعني وما أكل السبع منه حتى يموت، ومعلوم ~~أن الباقي لم يأكله السبع وهو المحرم، ولكن العرب PageV03P018 # يسمون ما قتله السبع وأكل منه: أكيلة السبع، فيسمون الباقي منه أكيلة ~~السبع وهو فريسته. # فكل ما تقدم ذكره في الآية مما نهى عنه أريد به الموت، فالميتة أصل في ~~التحريم وما عداها، من الموقوذة، والمتردية، وأكيلة السبع ملحقة بها، وإن ~~لم يمت الحيوان حتف أنفه. # قوله تعالى: (إلا ما ذكيتم) . # على صورة الاستثناء، ولا يجوز أن يرجع إلى جميع المذكور قبله، لأن الميتة ~~لا يرجع إليها الاستثناء، وكذلك الدم ولحم الخنزير، وإن ذلك لا يجوز أن ~~تلحقه الذكاة، وكذلك قوله: (ما أهل لغير الله به) «1» ، فإنه محمول على ~~المذبوح على أسماء الأصنام، فلا يقال في مثله: إلا ما ذكيتم، فلا رجوع إلى ~~الاستثناء إلا ما قبل المنخنقة، فبقي ما قبل المنخنقة على حكم العموم، ومن ~~قوله المنخنقة إلى موضع الاستثناء، أمكن رد الاستثناء إليه. # فيقال: المنخنقة أو الموقوذة محرمة، إلا ما أدرك زكاته وفيه حياة مستقرة، ~~فإنه يحل بالذكاة. # يبقى أن يقال: إنما يباح ما يباح، أو يحرم ما يحرم بعد الموت، فإذا خنق ~~شاة ثم خلاها وفيها حياة مستقرة، ثم ذبحت بعد ذلك، فلا تسمى ms290 منخنقة، وإنما ~~تسمى مذكاة، والمنخنقة هي التي تموت بالخنق فقط، فعلى هذا يحتمل أن يقال: ~~إلا ما ذكيتم، استثناء منقطع بمنزلة قوله: لكن ما ذكيتم، كقوله تعالى: # (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس) «2» . PageV03P019 # وليس في الكلام المتقدم على الاستثناء ما يقتضي الاستثناء، فإن تقدير ~~الكلام: فهلا كانت القرية آمنت فنفعها إيمانها: أي لينفعها إيمانها عند ~~الله وفي الدنيا، فلا تعلن له بقوم إلا قوم يونس، فإنه ليس رفعا لشيء مما ~~تقدم، ومعناه: لكن قوم يونس لما آمنوا. # وكذلك قوله تعالى: # (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، إلا تذكرة لمن يخشى) «1» . # وليس قوله: إلا تذكرة لمن يخشى، رفعا لشيء من قوله: لتشقى، ولكن معناه: ~~لكن تذكرة لمن يخشى. # ومثله قوله تعالى: # (إلا الذين ظلموا) «2» . # على بعض الأقوال، وكذلك قوله: # (لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم) «3» . # ومثله: # (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) «4» . # ويمكن أن يقال إنه استثنى على بعض الوجوه، وتقديره: حرمنا كل ما قتلتموه، ~~وحرمنا الميتات كلها إلا السمك والجراد، وحرمنا كل دم إلا الكبد والطحال. ~~PageV03P020 # فعلى هذا التقدير يستقيم الاستثناء، إلا ما زكيتم، مطلق مصروف إلى ما جعل ~~ذكاة شرعا، وإلا فالعرب لا تفصل في الذكاة بين الموقوذة والمنخنقة، والذكاة ~~بالحديد. # ولا تعرف العرب من الذكاة قطع الحلقوم واللثة وحالة خاصة، فظاهر الحال ~~أنه محال على بيان مقدم. # قوله تعالى: (وأن تستقسموا بالأزلام) : إنما ذكره عقيب ما تقدم، ومعنى ~~استقسام: طلب علم ما قسم له بالأزلام، وإلزام أنفسهم ما يأمرهم به القداح ~~بقسم اليمين. # والاستقسام بالأزلام، أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا ~~أو تجارة أو غير ذلك من الحاجات، أجال القداح وهي الأزلام وهي ثلاثة أضرب: # منها نهاني ربي. # منها ما نهاني ربي. # ومنها غفل لا كتابة عليه. # فإذا خرج الغفل أجال القداح ثانية. # وهذا إنما نهى الله تعالى عنه فيما يتعلق بأمور الغيب، فإنه لا تدري نفس ~~ما يصيبها غدا، فليس للأزلام في تعريف المغيبات أثر. # فاستنبط بعض الجاهلين ms291 من هذا الرد على الشافعي في الاقراع بين المماليك ~~في العتق، ولم يعلم هذا الجاهل، أن ما قاله الشافعي بناء على الأخبار ~~الصحيحة، ليس مما يعترض عليه بالنهي عن الاستقسام بالأزلام، فإن العتق حكم ~~شرع، فيجوز أن يجعل الشرع خروج القرعة علما على حصول العتق قطعا للخصومة، ~~أو لمصلحة يراها، ولا يساوي ذلك قول القائل: إذا فعلت كذا أو قلت كذا، فذلك ~~يدل في المستقبل على أمر # PageV03P021 # من الأمور، فلا يجوز أن يجعل خروج الاقراع علما على شيء يتجدد في ~~المستقبل، ويجوز أن يجعل خروج العتق علما على العتق قطعا فظهر افتراق ~~البابين «1» . # قوله تعالى: (يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات) الآية (4) . # ذكروا في الطيبات قولين: # أحدهما: أنها بمعنى الحلال، وذلك أن ضد الطيب وهو الخبيث، والخبيث حرام، ~~فإذا الطيب هو الحلال، والأصل فيه الاستلذاذ، فيشبه الحلال في انتفاء ~~المضرة منها جميعا. # وقال تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات) «2» ، يعني الحلال. # وقال: (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) «3» وهي المحرمات. # وهذا فيه بعد من وجه، فإنه إن كان الطيب بمعنى الحلال، فتقديره: # يسئلونك ماذا أحل لهم، قل أحل لهم الحلال، فيكون معناه، إعادة العبارة ~~عما سألوا عنه من غير زيادة بيان، فيكون بمثابة من يقول: يسئلونك ماذا أحل ~~لهم، قل أحل لهم ما أحل لكم، وهو لا يليق ببيان صاحب الشريعة. # وكذلك في قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات) ليس المراد به ~~الحلال فقط. PageV03P022 # وكذلك قوله: (يحل لهم الطيبات) . # ومعنى الجميع ما يستطاب من المأكولات، ليس أنه التعبير عن نفس الشيء. # وأبان بذلك أنه على مناقضة اليهود الذين أخبر الله تعالى عنهم بقوله: # (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) «1» . # فقال مخبرا عن هذا الدين، إن هذا الدين يحل لهم الطيبات، ويتضمن التسهيل، ~~ودفع الإصر والأغلال التي كانت على المتقدمين. # وهذا حسن بين في إبانة معنى الآية، على خلاف ما قالوه من المعنى الآخر، ~~ولما كان كذلك قال الشافعي: # أبان الله تعالى أنه ms292 أحل الطيبات، والطباع فيما يستطاب من الأشياء ~~واستخباثها مختلفة، فوجب اعتبار حال فريق من الفرق الذين بعث الرسول إليهم، ~~فإنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى أمم مختلفة لهمم والأخلاق والطباع، ولا ~~يمكن اعتبار استطابة الأمم على اختلافها، فجعلت العرب الذين هم قوم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أصلا، وجعل من عداهم تبعا لهم، فكل ما تستطيبه ~~العرب هو حلال، كالثعلب والضب، وما لا فلا. # فبين الشافعي علة حل لحم الضب، فإن الضب مستطاب عند العرب وإن كان لا ~~تشتهيه نفوس العجم. # فهذا تمام ما أردنا بيانه من هذا المعنى. # وقوله تعالى: (وما علمتم من الجوارح مكلبين) «2» : PageV03P023 # اعلم أن في ظاهر الآية وقفة للمتأمل، فإن الله تعالى قال: يسئلونك ماذا ~~أحل لهم- ثم قال في الجواب- قل أحل لكم الطيبات وما علمتم، ... فيقتضي أن ~~يكون الحل المسئول عنه متناولا للمعلم من الجوارح المتكلبين، وذلك ليس ~~مذهبا لنا ولا لأحد، فإن الذي يبيح لحم الكلب إن صح ذلك عن مالك، فلا يخصص ~~الإباحة بالمعلم، فقل هذا في الكلام حذف وتقديره: قل أحل لكم الطيبات- ومن ~~جملته- صيد ما علمتم من الجوارح. # ويدل عليه ما روي عن عدي بن حاتم قال: لما سألت رسول الله عن صيد الكلب، ~~لم يدر ما يقول حتى نزلت: (وما علمتم من الجوارح مكلبين) . # وذكر بعض من صنف في أحكام القرآن «1» ، ما يدل على أن الآية تناولت ما ~~علمنا من الجوارح، وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة ~~سائر الانتفاع، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه ~~المنافع، إلا ما خصه الدليل وهو الأكل، وهذا في غاية البعد عن الحق. # فإن قول الله تعالى: (يسئلونك ماذا أحل لهم) لم يتناول السؤال عن وجوه ~~الانتفاع بالأعيان في البياعات والهبات والإجارات، فإنه لو كان كذلك، لم ~~يكن جوابه ذكر الطيبات وما علمتم من الجوارح، ثم يقول في مساق ذلك: (فكلوا ~~مما أمسكن عليكم) ، ولا يتعرض لسائر وجوه الانتفاع، من البيع والهبة. # يدل على ذلك أن السؤال إنما ms293 يتناول الأكل فقط، والجواب كان عن ذلك، وكيف ~~ينتظم في الكلام أن يسأل عما ينتفع به من الأشياء، PageV03P024 # فيذكر في خلال ذلك الكلب بمعنى البيع، وصيد الكلب بمعنى الأكل، وليس جواز ~~البيع في المعلم لكونه معلما، فإن غير المعلم مثله من كلب الحراثة والحراسة ~~وغيرهما.؟ # وقوله: (وما علمتم من الجوارح) : يقتضي بمطلقه جواز تناول كل ما اصطاده ~~الكلب المعلم لمالكه، وإن لم يجرحه، وهو قول الشافعي. # وقوله تعالى مكلبين مع قوله من الجوارح، يتناول الكلب والفهد والصفر، لأن ~~اسم الجوارح يقع على الجميع. # وروي عن علي في بعض السواد أنه قال: لا يصلح ما قتله البزاة، وذلك خلاف ~~الإجماع، واسم الجوارح يقع على كل ما يجرح أو يجترح، أو إن عنى به الكواسب ~~للصيد على أهلها، كالكلاب وسباع الطيور والتي تصطاد وغيرها، وأحدها جارح، ~~وبه سميت الجارحة لأنه يكتسب بها، وقال تعالى: # (ما جرحتم بالنهار) «1» : أي ما كسبتم. # ومنه قوله: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) # «2» . # وذلك يدل على جواز الاصطياد لكل ما علم الاصطياد من سائر ذي الناب من ~~السباع، والمخلب من الطير، وقيل في الطير إنها تجرح أو تخلب، وإذا ثبت ذلك ~~فقوله «مكلبين» أي مضرين على الصيد كما تضرى الكلاب، والتكليب هو التضرية، ~~يقال كلب يكلب إذا ضرى بالناس، ولا تخصيص في ذلك للكلاب دون غيرها من ~~الجوارح. PageV03P025 # وإذا كانت التضرية شاملة وثبت ذلك، فقد صار كثير من الصحابة أي أن ~~الإمساك على المالك المذكور في الآية في قوله: (فكلوا مما أمسكن عليكم) ، ~~هو الانقياد للمالك في الإضراء والارعواء، فإذا لم تهرب منه بعد الاصطياد ~~واحدة فلا يحرم أصلا، وإن أكل منه. # وأبو حنيفة وأصحابه «1» ، شرطوا ترك الأكل في الكلب والفهد، ولم يشترطوه ~~في الطيور. # والشافعي «2» مال إلى هذا الفرق في قول، وسوى في ترك الأكل بينهما، وهو ~~القياس. # وإذا تبين ذلك فقوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم) إن كان المراد به ~~ترك الأكل، ما كان قوله: (وما علمتم من الجوارح مكلبين) متناولا للبازي، ~~ولأجل ذلك قال علي: ms294 لا يحل صيد البازي أصلا، فإنه لا يتحقق تعليمه على ترك ~~الأكل. # واعلم أن الظاهر يقتضي أن يكون المراد بقوله: (فكلوا مما أمسكن عليكم) : ~~أي كلوا مما اصطدن بأمركم وإرسالكم، وكان الاصطياد صادرا عن إعزائكم «3» ، ~~ولذلك ذكر الجوارح مطلقا ولم يتهيأ لعاقل أن يقول: إن ترك الأكل دليل على ~~أن الكلب قصد الإمساك للمالك، فإنه لا وقوف على نية الكلب، ولا أن كلبا في ~~العالم ينوي الأخذ للمالك دون نفسه، بل قصده لنفسه تحقيقا. # وقيل: الصيد هو الذكاة، وترك الأكل شرط بعد الموت، ويبعد أن يكون ما بعد ~~الموت شرطا في الذبح. PageV03P026 # نعم، إنا نشترط معرفة غاية الانقياد للمالك ومخالفة عادته القديمة، وذلك ~~بأن لا يقدم دون إرسال الصيد، وإن أوقفه وقف، وكأن الذي شرط ترك الأكل، شرط ~~ذلك ليبين به مخالفة عادته وطبعه. # وإذا ثبت ذلك، صح من هذه الجهة، أن قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم) ~~، ليس أنه أراد به نية الكلب في الإمساك للمالك. # قوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات) «1» . # معنى الطيبات ما مضى. # وقوله اليوم، يجوز أن يكون اليوم الذي نزلت فيه الآية، ويجوز أن يكون ~~المراد به اليوم الذي تقدم ذكره في قوله: # (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) «2» ، و (اليوم أكملت لكم دينكم) «3» . # قيل: إنه يوم عرفة «4» في حجة الوداع. # واعلم أنه ليس المقصود من ذكر اليوم ها هنا صورة اليوم، وإنما المراد به ~~الزمان، كما يقال أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيام أبي بكر وعمر، ~~وهو من قبيل ما يكون معنى الزمان منه أعم من اللفظ سابقا إلى الفهم. # مثله قوله تعالى: # (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال) «5» . PageV03P027 # ولم يرد به صورة اليوم، وإنما عنى به الزمان، حتى إنه لو فر من الزحف ~~ليلا كان آثما. # قوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) «1» معناه ذبائحهم «2» ، ~~إذ لا يجوز أن يكون المراد به طعامهم «3» ، إذ لا شبهة على أحد في حل سائر ~~طعامهم. سواء كان المتولي لصنعه كتابيا أو مجوسيا. ms295 # فإذا كان أكل ذبيحة أهل الكتاب بالاتفاق، فلا شك أنهم لا يسمون على ~~الذبيحة، إلا على الإله الذي ليس معبودا حقيقة. مثل العزير والمسيح. ولو ~~سموا الإله حقيقة، لم تكن تسميتهم بطريق العبادة. # وإنما تكون على طريق آخر، فاشتراط التسمية لا على وجه العبادة لا يعقل. # ووجود التسمية من الكافر وعدمها بمثابة واحدة، إذا لم تتصور منه العبادة، ~~ولأن النصارى إنما يذبحون على اسم المسيح، وقد حكم الله تعالى بحل ذبائحهم ~~مطلقا. # وفي ذلك دليل على أن التسمية لا تشترط أصلا، كما يقول الشافعي. # قوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من PageV03P028 # قبلكم) «1» : يدل على جواز نكاح الكتابيات، وقوله: (ولا تنكحوا المشركات) ~~«2» يمنع نكاح النصارى، فإذا لم يكن بد من إعمالها صار الشافعي إلى تحريم ~~الأمة الكتابية، أخذا من قوله تعالى: # (ولا تنكحوا المشركات) ، وأباح نكاح الحرة الكتابية بقوله: # (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) . # والجمع بينهما أولى من تعطيل أحدهما. # وقد منع مانعون من نكاح الكافرات، كتابيات كن أو مجوسيات، وحملوا قوله: ~~(والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) المراد به أنهن كن كتابيات ثم ~~أسلمن. كما قال الله تعالى في آية أخرى: # (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم) «3» . # وقوله تعالى: # (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل) «4» . ~~الآية. # والمراد به من كان من أهل الكتاب وأسلم «5» . # وقوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) فالمراد به من كان من ~~أهل الكتاب وأسلم. # وهذا بعيد، فإنه تعالى قال: PageV03P029 # (والمحصنات من المؤمنات) «1» . # وذلك يشتمل على جميع المؤمنات، فلا يجوز أن يعطف بعده المؤمنة على ~~المؤمنة ويكون إسقاط فائدة ذكر المؤمنة. # والذي يحرم نكاح الحرة الكتابية يعتصم بقوله تعالى: # (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) «2» ، وذلك محمول عند مخالفهم على الحربية إذا ~~خرج زوجها مسلما، والحربي ونخرج امرأته مسلمة، ويدل عليه قوله: # (وسئلوا ما أنفقتم) «3» الآية. # وحكي عن ابن عباس «4» أنه لم يجوز نكاح الكتابيات إذا كن حربيات، لقوله ~~تعالى: ms296 # (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) «5» الآية. # وقال: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله) «6» . والنكاح يوجب المودة لقوله تعالى: # (خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) «7» . # ويجوز أن يكون ذلك عند مخالفتهم، على معنى التشدد عليهم فيما PageV03P030 # أوجبه الدين، وإلا فيجوز شراء الأشياء وبيعها منه، وإن كانت الهبة سبب ~~المودة. # قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة) «1» ، الآية. # واعلم أن ظاهر الآية، يعلق الوضوء بالقيام إلى الصلاة، وليس الأمر كذلك ~~إجماعا «2» ، فلا بد من ضمير معه، وذلك هو الحدث. # والذي هو الحدث إذا قدرناه علة، فتكرير العلة هو الذي يقتضي تكرير الحكم، ~~والقيام إلى الصلاة ليس شرطا ولا علة. # ولو قدر شرطا، فالحكم لا يتكرر بتكرر الشرط، فليس في الآية ما يدل على ~~وجوب الوضوء لكل صلاة من حيث اللفظ. # فإذا قال القائل لامرأته: إذا دخلت الدار فإنك طالق، لم يتكرر الطلاق ~~بتكرر الدخول، ولكن التكرار في الطهارة عند تكرار الحدث لاعتقاد كون الحدث ~~علة، والحكم يتكرر بتكرر العلة والسبب. # إذا ثبت هذا، فالله تعالى يقول: (فاغسلوا وجوهكم) «3» . # قال مالك بن أنس: عليه إمرار الماء على الموضع ودلكه بيده، وإلا لم يكن ~~غاسلا. # وقال غيره: عليه إجراء الماء وليس عليه دلكه. # ولا شك في أنه إذا انغمس في الماء، أو غمس وجهه أو يده ولم يدلك، يقال ~~إنه قد غسل. PageV03P031 # واعلم أنه لا تغيير في ذلك إلا حصول الإسم، وإذا حصل كفى ... # والمعتبر أن يجرى عليه من الماء ما يزيد قدر المسح. فلو مسح المغسول لم ~~يجز، فإن الله تعالى فرق بينهما، وليس في المسح غسل. نعم إذا غسل الممسوح، ~~جاز المأمور به وزيادة. # ثم قوله: (فاغسلوا وجوهكم) ، ليس يقتضي نية العبادة. # نعم قال تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) . # وظن ظانون من أصحاب الشافعي الذين يوجبون النية في الوضوء أنه لما أوجب ~~الوضوء عند القيام إلى الصلاة، دل على أنه أوجبه لأجله وأثبته بسببه، وأنه ~~أوجب له قصد النية. # وهذا ليس ms297 بصحيح، فإن إيجاب الله تعالى عليه الوضوء لأجل الحدث، لا يدل ~~على أنه يجب عليه أن ينوي ذلك، بل يجوز أن يجب لأجله، ويحصل دون قصد تعليق ~~الطهارة بالصلاة، ونيتها لأجلها. # وقيل لهم: لما قال الله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) ، أوجب فعل الغسل، فكانت ~~النية شرطا في صحة الفعل، لأن الفرض من قبل الله تعالى، فينبغي أن يجب فعل ~~ما أمره الله تعالى به. # فإذا نحن قلنا: إن النية لا تجب عليه، لم يجب عليه الفعل: أي فعل ما أمره ~~الله تعالى. # ومعلوم أن الذي اغتسل تبردا أو لغرض آخر، ما قصد أداء الواجب، والذي وجب ~~عليه فعله لا يحصل دون قصده. # فإن قيل: قد يجب عليه أشياء عدة، وتحصل دون النية، مثل رد الغصوب ~~والودائع وإزالة الأنجاس. # فيقال: كل ذلك لا يجب عليه فيه فعل، وإنما ينهى عن استدامة # PageV03P032 # الغصب، ويجب عليه ترك ذلك، وهاهنا يجب عليه فعل الوضوء «1» . # قالوا: وقد يجب على الرجل الإنفاق على قريبه وزوجته وقضاء ديونه، ولا ~~يحتاج إلى النية. # والجواب: أن كل ذلك معلق وجوبه على أغراض، متى حصلت تلك الأغراض لم يتحقق ~~الوجوب، مثل النفقة تجب للكفاية، فإذا حصلت الكفاية لم تجب، أو لغرض آخر من ~~الأغراض العاجلة، وليس أمر الطهارة كذلك، فإن وجوبها لم يكن إلا لحق ~~التعبد. # فإذا وجب الفعل لله تعالى، فما لم يفعل لله تعالى كان الأمر قائما، وليس ~~فعل غير القاصد أداء للأمر ولا قياما به، فاعلمه. # وذكر الرازي في أحكام القرآن على هذا، كلاما دل به على قلة تحصيله، فقال: ~~إنما يجب ما ذكروه في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها، ولم تجعل شرطا ~~لغيرها، فأما ما كان شرطا لصحة فعل آخر فلا يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر، ~~إلا بدلالة تقارنه، والطهارة شرط للصلاة، فإن من لا صلاة عليه فليس عليه ~~فرض الطهارة، كالحائض والنفساء. # وهو الذي ذكره باطل، فإن كونه شرطا لغيره، معناه توقف وجوبه على وجوب فعل ~~آخر، وذلك لا يدل على عدم وجوبه، ووجوب فعله، ms298 وقصد الامتثال فيه. # نعم، وجوبه لغيره، يدل على أنه إذا نوى ما قد وجب لأجله كفاه، مثل أن ~~ينوي الطهارة للصلاة أو لمس المصحف. PageV03P033 # ومن علمائنا من شرط فيه نية القربة، لأنه رأى الطهارة واجبة تعبدا إلا أن ~~وجوبها عند وجوب فعل آخر. # قالوا: الطهارة ليست واجبة تحقيقا، وإنما الصلاة ممتنعة دونها، كما أنها ~~ممتنعة دون الستر والاستقبال وطهارة الثوب، ولذلك نقول إنه إذا أراد قراءة ~~القرآن وهو جنب اغتسل، وإذا أراد دخول مسجد وهو جنب اغتسل «1» ، ليس لأن ~~الطهارة واجبة في هذه الحالة، وكيف تجب والذي يظهر له من الفعل غير واجب؟ ~~وإنما يحرم ذلك الفعل دون وجود شرط جوازه وهو الطهارة، وذلك ليس يبني عن ~~وجوبه في نفسه. # وليس يمكن أن يقال أن وجوب الصلاة، يدل على وجوب ما لا بد منه للصلاة. ~~لأنه يقال: ليس يجب عليه الفعل في نفسه، وإنما يحرم عليه أن يصلي محدثا، أو ~~أن يخرج عن كونه محدثا بإمرار الماء على الأعضاء، سواء كان في ذلك الوقت، ~~أو توضأ قبله لمس مصحف أو قراءة قرآن وغير ذلك مما لا يجب من الأفعال. # ويدل على أن الوضوء واجب من حيث الحقيقة: أنه لو هوى من موضع عال من غير ~~قصد منه، إلا أنه على مسامتته ماء طاهر طهور، ونوى الوضوء صح. # ومعلوم أن النية قصد، والقصد يستدعي مقصودا. والمقصود ليس فعلا له، ولا ~~يمكن أن يقال إن حصوله في الماء فعله، فإنه لا يتعلق باختياره، فالذي لا ~~اختيار له فيه، كيف يقدر مقصودا له؟ # وهذا كلام عظيم الوقع عند المتأملين. # ويجاب عنه بأن الطهارة واجبة حقيقة، فإنها وإن وجبت عند وجوب PageV03P034 # غيرها، فليس من ضرورة تعلقها بغيرها، أو من ضرورة وجوب غيرها حقيقة مثل ~~أخذ جزء من الرأس في استيعاب الوجه، فإنه لا بد منه للاستيعاب حقيقة، وأما ~~العضو، فإنه شرط شرعا، وإذا صار شرطا صار شرط وجوبه بالشرع. ومتى كان وجوبه ~~بالشرع، لم يخرج عن كونه واجبا. # وأما الذي ذكروه إنه لم يجب، ms299 ولكنه تحرم الصلاة مع الحدث، فيقال: ولا ~~معنى للحدث إلا امتناع أفعال يتوقف وجودها على وجود شرطها، فهذا معنى الحدث ~~لا غير. # وقوله إنه لو أراد دخول مسجد أو قراءة قرآن وجب الغسل، لا لأن قراءة ~~القرآن واجبة. # فيقال بل الأمر كما ذكرتم في أن القراءة لا تجب، ولكن للنوافل شروط يجب ~~فعلها إذا أراد فعل النوافل، فإن من أراد مباشرة أمر، وجب عليه مباشرة ~~شروطه، إلا أن الشروط في ذواتها غير واجبة. # فأما إذا كانت الطهارة قد تقدمت، فذلك لأن الشيء الواحد يكون شرطا في ~~أشياء كثيرة، كما أن من الأشياء ما يكون شرطا في شيء واحد فليس في ذلك ما ~~ينافي الحقيقة التي قلناها. # وأما قولهم: إن الفعل لا يشترط، فاعلم أنه إن ثبت عدم الفعل الذي يتعلق ~~به القصد من كل وجه، فلا وجه لجواز الوضوء، ولا نصر للشافعي فيه. # قالوا: فإذا غسل غيره وجهه مع قدرته على الغسل، فأي فعل منه هاهنا؟ # قلنا: بلى، وهو أن إذنه له أن يوضيه، فعل منه يجوز أن يتعلق التكليف به ~~والامتحان، كما قيل في الذي يقول للمسكين: خذ مالي هذا # PageV03P035 # عن جهة الزكاة، فإنه يصح، فإنه حصل به الامتحان والتكليف. وكذلك ما نحن ~~فيه، أما إذا هوى من علو وفي مستقر وقوعه ماء، فلا يتحقق منه القصد الذي ~~يمكن أن يتعلق به امتحان أو تكليف، فظهر الفرق بينهما. # قوله تعالى: (وجوهكم) : الوجه المعروف في المتعارف ما تواجه به «1» ، ~~وذلك يدل على أنه لا يجب المضمضة والاستنشاق، لأن الوجه لا يتناوله، مع أنه ~~ليس مما تواجه، ولو كان من الأركان الأصلية في الوضوء، ما كان لائقا بالشرع ~~أن يذكر الله تعالى أعضاء الوضوء الواجب غسلها ولا يذكرهما. # (وما كان ربك نسيا) «2» . # وفي ما استرسل من اللحية عن الوجه اختلاف قول: # فقائل يقول: إنه من الوجه لأنه يواجه. # والقائل الآخر يقول: نبات الشعر عليه بعد ظهور البشرة، لا يخرجه عن أن ~~يكون من الوجه، كما أن شعر الرأس من الرأس، وقد ms300 قال الله تعالى: (وامسحوا ~~برؤسكم) ، فلو مسح على شعر رأسه من غير بلاغه إلى البشرة، جاز ذلك، وكان ~~ماسحا على الرأس وفاعلا لمقتضى الآية عند جميع المسلمين، وكذلك نبات الشعر ~~على الوجه، لا يخرجه من أن يكون منه. # ومن لا يرى أنه من الوجه يفرق بينه وبين شعر الرأس، لأن شعر الرأس يولد ~~المرء عليه، وهو بمنزلة شعر الحاجب، في كون كل واحد PageV03P036 # منهما من العضو الذي هو منه، وشعر اللحية غير موجود معه في حالة الولادة، ~~وإنما يوجد بعده، ولذلك لم يعد من الوجه. # وعلى الجملة، لفظ الرأس مطلقا لا يظهر في شعر الرأس الأعلى الذي يظهر لفظ ~~الوجه في شعر الوجه. # والإفتراق «1» إنما يرجع إلى معنى آخر، غير ما يتعلق باللفظ. # قوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق) «2» : # اعلم أن بعض علمائنا قال: قوله إلى المرافق، إنما لم يقتضي إخراج ~~المرافق، ووجب إدخالها في الغسل، لأن اسم اليد يتناول جميع اليد إلى ~~المنكب، كما أن الرجل اسم لجميع العضو إلى الأفخاذ، فقوله إلى المرافق ~~لبيان إسقاط معنى الواجب، فيما يتناوله اسم اليد، وهذا يلزم منه وجوب ~~التيمم إلى المنكبين، لأنه ليس فيه تحديد. # ويجاب عنه بأن الظاهر يقتضي ذلك، ولذلك تيمم عمار إلى المناكب وقال: ~~تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المناكب، وكان ذلك لعموم قوله ~~تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) «3» ، ولم ينكره عليه أحد من أهل ~~اللغة، وكان عنده أن الاسم للعضو إلى المنكب، ويلزم من مساق هذا، أن من غسل ~~يديه إلى الكوع، ثم قال غسلت يدي، أن يكون هذا اللفظ مجازا فيه، لأنه لم ~~يغسل اليد وإنما غسل بعضه، وكذلك إذا قال قطعت يد فلان، ألا يكون حقيقة إذا ~~قطع من الكوع، كما لا يكون حقيقة إذا قطع الأصابع وحدها، وأن مثل ذلك بشع ~~شنع. PageV03P037 # ويجاب عنه، بأن اليد والرجل حقيقتهما تمام العضو إلى حيث قلنا: # فالمرفق من اليد، والركبة من الرجل «1» . # وهم يقولون: اليد هي التي يقع البطش بها في الأصل. وهي التي ms301 خلقت للبطش، ~~وما عداها الآلة الباطشة تتمة لها، والرجل هي التي أعدت للمشي وما عداها من ~~تتمة هذا المقصود، وهذا مما يختلف القول فيه، ولا ينتهي إلى حد الوضوح، ~~والمعتمد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل ~~الله الصلاة إلا به. # ومتى كانت كلمة إلى مترددة بين إبانة الغاية وبين ضم الغاية إليه، وجب ~~الرجوع فيها إلى بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل رسول الله بيان. # فإذا أدخل المرفقين والكعبين في الغسل، ظهر أنه بيان ما أجمله كتاب الله ~~تعالى. # وهذا يرد عليه أن هذا إذا ظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان ~~الواجب، فأما إذا أتى بالسنة والفرض في وضوئه، فلا يظهر منه ما ذكره ~~الأولون. # وبالجملة، القول متقاوم، والاحتياط للوضوء يقتضي الأخذ بالأتم والحدث ~~يقين، فلا يزول إلا بيقين.. # قوله تعال: (وامسحوا برؤسكم) «2» : # ظن ظانون أن الباء في قوله «برؤسكم» وراء اقتضاءه لإلصاق الفعل بالمحل. ~~حيث لا يحتاج فيه إلى الإلصاق لحصوله دون الباء، بخلاف قوله مررت بالجدار، ~~فإنه لا بد فيه من الباء لتحقيق الإلصاق فإذا لم تكن الباء ها هنا للإلصاق ~~كانت للتبعيض، وفرقوا بين قول PageV03P038 # القائل مسحت الجدار ومررت بالجدار. فإذا قال: مسحت الجدار، ظهر كونه ~~ماسحا لكله، وإذا قيل مررت به لم يفهم منه ذلك. # فقيل له: هذا فرق لا يعرفه أهل اللغة، والباء زائدة ها هنا. # فأجابوا بأنا إذا جعلناها زائدة ألغينا مقتضاها. # ومتى أمكن إعمالها فلا يلغى مقتضاها. # قيل لهم: إذا كانت ترد زائدة، فكونها زائدة مقتضاها أو معناها فما ~~ألغيناها من هذه الجهة، وإذا لم يثبت ذلك، فالتبعيض إنما يتلقى من لفظ ~~المسح، فإذا قال قائل: مسحت الجدار، وكان قد مسح بعضه كان اللفظ حقيقة وتم ~~مقتضاه، فالرأس وإن كان حقيقة في جميع العضو ولكن رب فعل يضاف إليه، فلا ~~يفهم من الرأس كمال العضو لمكان الفعل، مثل فهم الفرق من قول القائل: حلقت ~~رأس فلان، في أنه يفهم منه ms302 استيعاب الحلق جميع الرأس. # وقوله ضربت رأس فلان، في أنه لا يفهم منه استيعابه. # وهذا لا يتجه كما ينبغي إلا أن يضاف إلى العرف، فيقال في العرف إذا قال ~~القائل: حلقت رأس فلان، يبعد فهم حلق بعضه، لأن ذلك الفعل على وجه التبعيض ~~غير متعارف، ويقول القائل رأيت فلانا، وإنما يكون قد رأى وجهه، ولكن ذلك ~~بعضه العرف. ويقول: رأيت مدينة كذا أو سور مدينة كذا، وإنما قد رأى شيئا ~~يسيرا من ذلك، فهذا الفرق منشؤه العرف لا غير. # فبالجملة إذا قال القائل وقد مسح بعض رأسه: مسحت الرأس، كان ذلك حقيقة ~~ولم يكن مجازا، وهذا لا يبعد إثباته، ويتأيد ذلك بالإجماع على جواز ترك شيء ~~من مسح الرأس ... # PageV03P039 # وإذا انعقد الإجماع على جواز ترك شيء منه، فليس مقدار أولى من مقدار. # فهذا هو القدر اللائق بهذا الكتاب، وما زاد عليه فهو من مباحث الفقه «1» ~~. # قوله تعالى (وأرجلكم) فيه قراءتان: النصب والجر. # أما النصب، فهو من حيث الإجراء على الأصل. لأن الرجل في موضع النصب، لأنه ~~وقع الفعل عليه، والرأس كمثل، إلا أن الرأس انتصب «2» للباء الجارة، فبقيت ~~الرجل على الأصل «3» . # ويجوز أن يكون الجر للمجاورة، وفي كسر الجوار أمثلة من القرآن وأشعار من ~~العرب، مستقصاة في كتب الفقه والأصول. # واعترض عليه بأن الأليق بكتاب الله تعالى مراعاة المعنى دون النظم وكسر ~~الجوار، إنما يصير إليه من رام تغليب النظم على المعنى مثل الشعراء، فأما ~~من رام تغليب المعنى فلا يصير إلى كسر الجوار، ومتى كان حكم الأرجل في ~~المسح مخالفا حكم الرأس، لم يجز الجر بناء على المجاورة في النظم، مع ~~الإختلاف في المعنى، وهذا كلام حسن. # فقيل لهم: بل هما في المعنى متقاربان، فإنهما يرجعان إلى إمساس العضو ~~الماء. # فقال في الجواب عنه: إن الشرع أراد تفرقة ما بين البابين فقال: # فاغسلوا وجوهكم، ثم قال: وامسحوا.. فلو كانا متقاربين في المعنى لم يقصد ~~إلى التفرفة بينهما. PageV03P040 # نعم، ورد في بعض الأشعار. # أعلفتها تبنا وماءا باردا. # و: متقلدا سيفا ms303 ورمحا. # و: أطفلت بالجلهتين «1» ظباءها ونعامها. # لأن العلم باقترانهما أغنى عن التعرض لوجه الاقتران، فأطلق اللفظ الواحد ~~عليهما. وها هنا ما أطلق اللفظ الواحد عليهما، فإنه لو أطلق لفظ المسح على ~~المغسول، لأطلق لفظ الغسل على الجميع إطلاقا واحدا ولم يرجع في الرءوس إلى ~~لفظ المسح، فإن تقارن ما بين المسح والغسل إن اقتضى إطلاق لفظ واحد عليهما، ~~فتقارن ما بينهما يقتضى إطلاق لفظ الغسل على الجميع. # ولئن قيل: ذكر المسح لإبانة حكم آخر لا بد من إبانته، فليفرد الأرجل ~~ببيان حكمها المختص بها وهو الغسل، وإذا ثبت ذلك فنقول: # نحن وإن سلمنا لهم أن اللفظ ظاهر في المسح، فاحتمال الغسل قائم والذي ~~يتصل به من القرائن يثبته، ومن جملة القرائن قوله تعالى: # (وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) «2» ، والبلل الذي يخرج من الماء ~~في خف الماسح، كيف يمتد إلى الكعبين؟ # وكيف يمكنهم ذلك ولا يمكنهم أن يقولوا: إنه لا يجب مد الماء إليه؟ # فإن ثبت خلاف الإجماع، وصح أنه صلى الله عليه وسلم رأى قوما تلوح أعقابهم ~~لم يصبها الماء، فقال: PageV03P041 # «ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء» «1» . # وأما الكعبان: فهما العظمتان الناتئتان بين مفصل الساق والقدم. # وقال محمد بن الحسن: هو مفصل القدم الذي يقع عليه عقد الشراك على ظهر ~~القدم، وذلك لا يقوى لأن الله تعالى قال: وأرجلكم إلى الكعبين، فدل ذلك على ~~أن في كل رجل كعبين، ولو كان في كل رجل كعب واحد، لقال إلى الكعب، كما قال ~~تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) «2» ، إنما كان لكل واحد قلب ~~واحد، وأضافهما إليه بلفظ الجمع، فلما أضافهما إلى الأرجل بلفظ التثنية، دل ~~على أن في كل رجل كعبين. # واعلم أن ظاهر إضافة الغسل إلى الرجل، يمنع مسح الخف، إلا أن مسح الخف ~~ورد في الأخبار، فلم يكن نسخا لما في الكتاب بل كان تخصيصا. # الاعتراض: أن التخصيص إنما يكون في مسميات يخصص بعضها ويبقى الباقي على ~~موجب الأصل، فإذا جوز المسح، ثم مطلقا، فأين وجوب غسل ms304 الرجل؟ وعندكم أنه ~~يتخير بين المسح والغسل أبدا. # فأين وجوب غسل الرجل على هذا التقدير، حتى يقال: خرج منه البعض وبقي ~~البعض؟ # الجواب أن معنى التخصيص فيه ظاهر، فإن غسل الرجل ثابت في حق الأكثر، ~~والذي يمسح إنما يمسح مدة معلومة، ثم يرجع إلى الغسل فيغسل، ولا بد للمسح ~~على الخفين من تقديم الطهارة الكاملة حتى يصح PageV03P042 # المسح، فوجوب غسل الرجل حاصل في حق كثير من المسميات، فصح معنى التخصص. # وهذا بين ظاهر، وإذا ثبت ذلك في أصل المسح على الخفين، والمسح موقوف فيما ~~سوى المدة، وجب الرجوع إلى الأصل. # ويحتج على من جوز مسح العمامة، بإيجاب الله تعالى غسل الرجلين، فإن ~~تخصيصه لا يجوز إلا بدليل. # نعم مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته وعمامته «1» . # وفي بعض الروايات على جانب عمامته. # وفي بعضها: وضع يده على عمامته، فأخبر أنه بعد فعل المفروض من مسح ~~الناصية مسح على العمامة، وذلك جائز عندنا. # إذا ثبت هذا فظاهر قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) يقتضي الإجزاء ~~فرق أو جمع ووالى، على ما هو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو مذهب الأكثرين من ~~العلماء، فاعتبار الموالاة يقتضي من دليل زائد، وليس في الأمر ما يقتضي ~~الفور، وترتيب بعض المأمور على البعض. # ويستدل بظاهر الآية على أن التسمية ليست شرطا. # وإذا ثبت أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع فيما يتعلق بالزمان، فإذا ~~قال القائل: رأيت زيدا وعمرا، لم يفهم منه أنه رآهما في زمان واحد، أو في ~~زمانين مرتبين، وإذا ثبت ذلك، فالواو أجنبى عن اقتضاء «2» هذا المعنى، ~~وإنما هو لترتيب الأفعال بعضها على بعض. PageV03P043 # فظاهر الآية يقتضي وجوب إمرار الماء على الأعضاء الأربعة، ولو قال صاحب ~~الشريعة: أمروا الماء على الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدين، والرأس، ~~والرجلين، فإذا أمر الماء عليها على أي وجه كان، خرج عن مقتضى الأمر وكان ~~ممتثلا، وليس يجب على المأمور إلا ما اقتضاه ظاهر الأمر. # إلا أن الشافعي يوجب الترتيب تلقيا من إدراج الممسوح في تضاعيف ~~المغسولات، وأن ذلك ms305 لا يكون إلا عن قصد ترتيب الأشياء على النسق المذكور، ~~كما قررناه في مسائل الفقه. # فإن قيل: فالأرجل معطوفة في المعنى على الأيدي، وأن معناها: # فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم وامسحوا برؤسكم، وإنما يمكن رد الرجل إلى ~~اليد على تقدير رفع الترتيب. # قلنا: هذه جهالة، فإن الذي قلتموه ترتيب في المعنى ورد من هذه الجهة، وإن ~~حصل الترتيب من حيث الزمان، ولو رتب البعض على البعض بكلمة، ثم لكان الذي ~~ذكروه ممكنا، ولا حاصل لما قالوه. # واستنبط أصحاب أبي حنيفة من هذه الآية، أن الاستنجاء لا يجب لأن الله ~~تعالى لما قال: (إذا قمتم إلى الصلاة) ، كان الحدث مضمرا فيه، وتقديره: إذا ~~قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون. # وقال في نسق الآية: # (أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء) «1» . # فلم يوجب عليه أكثر من المذكور، وذلك يدل على أنه إذا أتى بالمذكور ~~استباح الصلاة. PageV03P044 # أو قال: (أو جاء أحد منكم من الغائط) ، وهو كناية عن الخارج النجس، ولم ~~يقل اغسلوا موضع الخارج، وإنما قال فاغسلوا وجوهكم. # فيقال لهم: إن الذي ذكرتم ليس يدل على ما استنبطتموه، وذلك أن المراد منه ~~بيان غسل ما لا يظهر أثر الخارج في غسله، وهو أعضاء الوضوء، فأما إزالة ~~النجاسات عن البدن والثوب وغيرهما من المواضع النجسة، فحكمها مأخوذ من موضع ~~آخر، وليس يقتضي بيان حكم الوضوء بيان حكم شرائط الصلاة كلها، فإن الصلاة ~~موقوفة إجماعا على ستر العورة، ولا ذكر له في هذه الآية، وموقوفة على طهارة ~~البدن والثوب مما فوق النجاسة التي يعفي عنها على مذهبكم، ولم يكن السكوت ~~عنه مانعا عدم «1» اشتراط السكوت عنه في إجزاء الفعل، فاعلمه.. # قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) «2» : # إنما سمى جنبا لأجل ما لزمه من اجتناب أفعال بينها الشرع. # فالجنابة هي البعد والاجتناب، ومنه قوله تعالى: (والجار الجنب) «3» ، ~~يعني البعيد منه نسبا، فصارت الجنابة في الشرع اسما للزوم اجتناب ما وصفناه ~~من الأمور. # وأصله التباعد عن الشيء، ثم ليس بتباعد عن كل شيء، وإنما هو تباعد ms306 من شيء ~~دون شيء، مثل الصوم: في الأصل عبارة عن الإمساك وليس الصوم في الشرع إمساكا ~~عن كل شيء، إنما هو عن شيء دون PageV03P045 # شيء، وبيان ذلك إلى الشرع. ومطلق اللفظ ينصرف إلى ما استقر عرف الشرع ~~عليه. # واستنبط من أوجب المضمضة والاستنشاق من قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا) ، أنهما فرضان عليه، لأن قوله: (فاطهروا) عموم، وقرر الرازي هذا ~~في أحكام القرآن، ثم وجه على نفسه سؤالا فقال: # إن قال قائل: من اغتسل ولم يتمضمض ولم يستنشق يسمى متطهرا، فقد فعل ما ~~أوجبته الآية؟ فقال: # إنما يكون مطهرا لبعض جسده، وعموم الآية يقتضي تطهير الجميع، فلا يكون ~~بتطهير البعض فاعلا لموجب عموم اللفظ. # ألا ترى أن قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين) «1» ، عموم في سائرهم، وإن ~~كان الإسم يتناول ثلاثة منهم؟ فكذلك ما وصفناه. # ولما لم يجز لأحد أن يقتصر من حكم آية قتال المشركين على ثلاثة منهم، لأن ~~الإسم يتناولهم، إذ كان العموم شاملا للجميع، فكذلك قوله (فاطهروا) عموم في ~~سائر البدن، فلا يجوز الاقتصار على بعضه «2» . # فهذا ما ذكره سؤالا، واستدلالا وانفصالا.. # والذي ذكره باطل عندنا قطعا، فإن صيغ جموع الكثرة حقيقة في الاستغراق، ~~فهي فيما دونه مجاز، لأن الوضع الأصلي فيها الاستغراق. # فأما قوله: تطهر فلان، فليس حقيقة في قدر دون قدر، فإذا غسل أي موضع غسل ~~من بدنه، فقد تطهر، ولم يذكر الله تعالى موضع PageV03P046 # الطهارة أصلا، لا بلفظ يقتضي عموم البدن، ولا بلفظ يخالفه، وإنما قال ~~فاطهروا، وليس فيه ما يوجب عموما أو خصوصا، ولكنه لإبانة ما يسمى اطهارا، ~~ولا يمكنه أن يقول: من غسل بدنه جميعه إلا داخل الفم والأنف، فلا يقال له ~~اطهر حقيقة، وما جاء به ليس باطهار حقيقة بل لفظ الاطهار في هذا القدر ~~مجاز، كما أن الاستغراق فيما دونه مجاز وذلك يتبينه العاقل بأوائل النظر في ~~مثل ذلك. # قال: إن المأمور خرج من موجب الأمر بما يسمى به متطهرا. # وقال تعالى في موضع آخر: # (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) ms307 «1» ، يقتضي جوازها مع تركها «2» ~~، لوقوع اسم المغتسل عليه، واسم المغتسل حقيقة في حق من لم يتمضمض، واسم ~~المتطهر حقيقة في حق من لم يتمضمض فلا حاصل لقوله هذا، فاعلمه وثق به. # قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر) : # فهم العلماء من قوله مرضى، كون المرض مبيحا للتيمم إذا كان في استعمال ~~الماء ضرر، لأنه لو لم يحمل على ذلك، كان ذكر المرض لغوا عند عدم الماء، ~~ولم يفهموا من ذكر المسافر اعتبار السفر فقط، بل اعتبروا عدم الماء، وإن ~~كان عدم في حق غير المسافر يبيح التيمم، لأن السفر يغلب فيه عدم الماء، ~~ويندر في الإقامة مثل ذلك، فكان للسفر تعلق بعدم الماء، وليس للمرض تعلق ~~به، فلم يفهم منه عدم الماء، وإنما فهم منه ما يفضي إليه المرض من الضرر ~~باستعمال الماء. PageV03P047 # وإذا ثبت هذا فقد قال تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر) الآية. # ذكر المرض والسفر مع الأحداث ذكرا واحدا، وليسا حدثين، فلا جرم اختلف ~~العلماء في معنى الآية: # فأما زيد بن أسلم فإنه ذكر في الآية تقديما وتأخيرا فقال: # تقديره: إذا قمتم إلى الصلاة من نوم، أو جاء أحد منكم من الغائط «1» أو ~~لمستم النساء، فاغسلوا وجوهكم- إلى قوله- وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر ولم تجدوا ماء. # والذي يرد على هذا من الاعتراض على مقتضى هذا القول: فيكون ذاكرا بعض ~~أسباب الحدث، من غير أن يذكر الحدث مطلقا، ويكون ذاكرا للجنابة المطلقة من ~~غير ذكر أسبابها وموجباتها، فإن غير زيد بن أسلم يقول: # تقدير الآية: «إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون مطلقا» ، لينتظم مع ~~قوله: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ، فإنه إذا ذكر أسباب الحدث عند وجود الماء، ~~فيشبه أن يذكر أسباب الجنابة، وإن ذكر الحدث مطلقا، ذكر الجنب مطلقا، ففيما ~~ذكره زيد بن أسلم قطع الانتظام من هذا الوجه. مع انه لم يبين «2» تمام ~~الأحداث، فإنه لم يذكر النوم وهو حدث، ولا زوال العقل بأي سبب كان، ولامس ~~الذكر عند قوم، ولا ms308 خروج الخارج من غير السبيلين عند قوم، فهذا يرد على ~~تقدير التقديم والتأخير، مع أن تقدير التقديم والتأخير يورث ركاكة في ~~PageV03P048 # النظم، واستكراها في النطق، وحيدا عن أحسن الجهات في البيان، وإنما يجوز ~~لضرورة تدعوه إليه. # وعند ذلك قال آخرون: الداعي إلى التقديم والتأخير، أنه عد المرض والسفر ~~معد الأحداث، ونحن نقدر تقديرا آخر ليزول ذلك فنقول: # قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) : معناه وأنتم محدثون، وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا، فقد بين السببين الأصليين للطهارتين الصغرى والكبرى، ثم ~~قال: # (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط) معناه: وجاء، وقد ~~ورد «أو» بمعنى الواو، وذلك راجع إلى المرض والسفر إذا كانا محدثين ~~ولزمهما، وجعل «أو» بمعنى الواو في كتاب الله تعالى، وفي أشعار العرب ~~موجود. # إلا أن الذي يرد عليه أنا إذا قلنا إن معنى أول الآية: «إذا قمتم إلى ~~الصلاة وأنتم محدثون» ، ثم قال: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) فقوله: (إن كنتم ~~مرضى أو على سفر) ، يظهر رجوعه إليهما ولا معنى لذكر المجيء من الغائط ولمس ~~النساء، فإن الحدث المطلق، الجنابة المطلقة تشملهما، وما سواهما فليس ~~لذكرهما فائدة، ففي كل واحد من التقريرين «1» نوع اعتراض وبعد. # والله أعلم بمراده من الآية. # قوله: (أو لامستم النساء) ، حمله قوم على الجماع، وقوم على الجس باليد. ~~PageV03P049 # فأما قراءة اللمس فظاهرة في الجس والملامسة، من حيث إنها على صيغة ~~المفاعلة، ويقال استعمالها في الجس باليد، توهم قوم أنها بمعنى الجماع، ~~وكيف ما قدر أمكن أن يعمل بالقرائن. وتجعل القرائن كالإثنين فيعمل بهما ~~جمعا، أو يجعل اللمس محمولا على الجس باليد وعلى الجماع أيضا، لأنه يتضمن ~~ذلك غالبا، وقد بسطنا القول في هذا فيما تقدم فلا نعيده «1» . # قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء، فتيمموا صعيدا طيبا) «2» : # اعلم أن الله تعالى ذكر المرضى فقال: (وإن كنتم مرضى أو على سفر) ثم قال: ~~(فلم تجدوا ماء) ، فلا بد أن يرجع الشرط إلى ما تقدم ذكره، وعدم الماء ليس ~~معتبرا حقيقة في حق المريض، ms309 فيدل معنى الآية على أن الله تعالى، إنما عنى ~~بالموجود، إمكان استعمال الماء وإن كان واجدا للماء صورة، ولكنه معجوز عنه، ~~فكأنه لم يجده، فإنا لو لم نقدر ذلك، لم يستقم جعل قوله (فلم تجدوا) عائدا ~~إلى المرضى، وذلك خلاف الإجماع والنظم. # وإذا كان معنى الوجود إمكان الاستعمال شرعا وطبعا، ولو كان الماء عنده ~~وديعة، فليس واجدا للماء شرعا، وإن كان في استعماله التلف فليس واجدا للماء ~~شرعا. # وإذا ثبت ذلك فقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء) ، إذن أريد به وجودا لا يتضمن ~~ضررا ظاهرا، وإذا بيع بثمن أكثر من ثمن المثل لم يجب عليه سداده. # واختلف قول الشافعي في من وجد من الماء ما لا يكفي لتمام طهارته: ~~PageV03P050 # ففي قول: يتيمم، وهو قول أكثر العلماء، لأن الله تعالى جعل فرضه الشيئين: ~~إما الماء وإما التراب، فإذا لم يكن الماء مغنيا عن التيمم كان غير موجود ~~شرعا. # وعلى القول الآخر يقول: إن الله تعالى ذكر الماء، فاقتضى ذلك أن لا يجد ~~ما يقع عليه اسم الماء جملة، وإذا وجد من الماء، ما لا يكفيه، فقد وجد ~~الماء، فلم يتحقق شرط التيمم. فإذا استعمله وفقد الماء، تيمم لما لم يجد. # واختلف قول الشافعي فيما إذا نسي الماء في رحله ثم تيمم، والصحيح أنه ~~يعيد، لأنه إذا كان الماء عنده «1» فهو واجد، لكنه لا يدري أنه واجد، وأن ~~الشيء عنده، والكلام في علم الله تعالى، فإذا كان عند إنسان شيء فذلك الشيء ~~هو موجود عنده، وإذا كان موجودا فهو واجد للموجود إذ يستحيل أن يكون موجودا ~~عنده وليس بواجد له، إلا أنه نسي أنه واجد له. # والقائل الآخر يقول: إذا لم يعلمه فلم يجده، وقد يقول: كان عندي ولم ~~أجده، وقد يكون الشيء في دار رجل فيطلبه فيقال له: # هل وجدته أم لا؟ فيقول وجدته أو ما وجدته، فإذا نسيه في رحله فلم يجده. # فيقال: هذا إنما يستقيم أن لو طلبه فلم يجده، وعندنا لو طلب فلم يجد كان ~~مقدورا، إلا أنه لا ms310 يجوز أن يكون في الرحل، فيطلب من الرحل فلا يجده، ~~والطلب من الرحل شرط، حتى يقال لمن طلب ولم يجد إنه لم يجد، والشافعي أوجب ~~طلب الماء، لأنه لا يقال لم أجد، إلا إذا طلب، وإذا لم يطلب في مظنة الماء، ~~فلا يحسن أن يقال: لم أجد. PageV03P051 # نعم يجوز أن يقال وجد فلان لقطة، وإن لم يكن طلبها، إنما لا يقال لم يجد، ~~إلا إذا طلب فلم يجد. # وهذا يعترض عليه أن الواحد منا قد يقول: أنا لا أجد ما أتوصل به إلى كذا، ~~أو لم أجد أمر فلان مستقيما، والله تعالى يقول: # (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) «1» . # وإذا كان لفظ الوجود لا يقتضي الطلب في قوله تعالى: # (ووجدوا ما عملوا حاضرا) «2» . # (فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) «3» . # لا أنهم طلبوا، ولا أنه يمكن الطلب في قوله تعالى: (وما وجدنا لأكثرهم من ~~عهد) ، لأن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بالطلب. # وإن كان قد يجاب عن كل ذلك بأن الله تعالى طلب منهم الثبات على العهد، ~~والطلب من الله تعالى هو الأمر به، فيصح اطلاق قوله: (وما وجدنا) ، لأنه ~~يطلب منهم ما قدمه إليهم من العهد. # وإذا قال القائل: فلان لا يجد ألفا دينار، فمعناه أنه لا يتسع طلبه له، ~~وإن تمحل وطلب ... # وعلى الجملة لو قطعنا بأن لا ماء، فلا يجب عليه الطلب حتى يظهر عدم الماء ~~في المصادر «4» ، ولو ظهر وجوده لوجب عليه الطلب، حتى يجب عليه الطلب من ~~الرفقة وفي مواضع إمارة الماء. PageV03P052 # وربما نسلم لهم إذا غلب الظن بعدم الماء، وهم يسلمون لنا إذا لم يبعد ~~وجود الماء، فيرتفع الخلاف «1» . # وفي أصحابنا من يقول: إذا لم يتيقن عدم الماء لم يصح التيمم، لأن عدم ~~الماء شرط، والشرط لا بد من تيقنه. # وهذا بعيد، فإنه وإن طلب وبالغ، فلا يحصل التيقن من «2» من عدم الماء، ~~وإنما يحصل الظن الغالب، فأما اليقين فغير مظفور به، وفي الوقت أمكن انتظار ~~اليقين، فافترقا لذلك. # وإذا خاف ms311 في الاستعمال بالوضوء فوات الوقت، لم يتيمم عند أكثر العلماء، ~~ومالك يجوز التيمم في مثل ذلك. # وللشافعي مسائل تدل على ما يقارب مذهب مالك، واستقصيناها في المذهب. # والذي لا يجوز يتعلق بقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) ، وهذا واجد، ~~فقد عدم شرط صحة التيمم فلا يتيمم. # والقائل الآخر يقول: ما جاز التيمم في الأصل إلا لحفظ وقت الصلاة، ولولا ~~ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء. # فيقال: ولكن يمكن أن يقال: إلا أن السفر يكثر وإعواز الماء فيه يغلب، فلو ~~جاز تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء، تكاسل الناس عن إعادة الصلاة، فأوجبت ~~الصلاة بالتيمم تمرينا عليه. # وهذا لا يتحقق فيما إذا كان فوت الصلاة نادرا في حالة خاصة فاعلمه. # فإن قيل: جازت صلاة الخائف لأجل الوقت مع ندور الخوف. PageV03P053 # ويجاب عنه بأن هناك وجد شرط صحة الصلاة وهو الخوف، وهاهنا عدم الشرط وهو ~~العدم. # وقد قيل في حق المسافر والخائف ما أبيح التيمم، لئلا يفوت الوقت. # ولذلك جاز في أول الوقت. # فيقال: جوازه في أول الوقت لا ينافي ما قلناه، فإنه لو لم يجز في أول ~~الوقت لم يجز في وسط الوقت، حتى ينتهي إلى قدر ينطبق على فعل الصلاة، وذلك ~~عسر غير مضبوط، فلم يمكن اعتباره. # واعلم أن هذا الكلام لا يستقيم لأبي حنيفة من وجهين: # أحدهما: أنه يجوز التيمم لخوف فوات صلاة الجنازة مع عدم الشرط، وقد قال ~~تعالى: (فلم تجدوا ماء) وهو واجد. # والثاني: أنه جوز التيمم قبل الوقت من غير ضرورة، وذلك يدل على أنه لا ~~تعتبر الحاجة. # واختلف في من حبس في حبس «1» ، لا يقدر على ماء ولا تراب نظيف، فالشافعي ~~يقول: يصلي ويعيد. # وأبو حنيفة وزفر ومحمد يقولون: لا يصلي أصلا حتى يقدر على الماء. # وإذا ثبت هذا، فقد جعل الله تعالى التيمم شرط صحة الصلاة أو الوضوء، فإذا ~~لم يقدر عليهما، فربما يقول القائل: إذا لم يتحقق شرط الشيء لم يثبت ~~المشروط دونه، ولم يتحقق الشرط في حق من عدم الماء ms312 والتراب، فلا جرم. قال ~~أبو حنيفة: لا يصلي لعدم شرط العبادة. # وقال المزني: يصلي لأن الشرط إنما أريد في هذا الموضع لتكملة المشروط ~~ولحسن نظامه، لا لأنه شرط لعينه، ومتى كان كذلك، لم تزد PageV03P054 # رتبته على رتبة الأركان، والعجز عن بعض الأركان لا يسقط القدر المقدور ~~عليه، وكذلك ها هنا، فعلى هذا يصلي ولا يعيد. # والشافعي يقول: أما الذي ذكره المزني من أنه يصلي فصح، ولكنه يصلي مراعاة ~~لحق الوقت مع العجز عن كماله، فإذا قدر على الكمال وجب الإتيان به. # وهذا القياس كان يقتضي مثله في ترك بعض الأركان في حق المريض، أو ترك ~~الوضوء في حق المسافر، إلا أن تلك الأعذار عامة، ويكثر وقوعها، فتكليف ~~القضاء يجر حرجا. # وقد استقصينا ذلك في مسائل الخلاف. # وقد احتج المزني بما روى في قلادة عائشة رضي الله عنها حين ضلت، وأن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ندبهم لطلب القلادة، صلوا بلا ~~وضوء ولا تيمم «1» . # والتيمم إذا لم يكن مشروعا فقد صلوا بلا طهارة أصلا، ومنه قال المزني لا ~~إعادة، وهو نص في جواز الصلاة مع عدم الطهارة مطلقا عند تعذر الوصول إليها. # فإن قيل: جواز الصلاة كان لعدم الماء، من حيث لا بدل له كالتراب الذي لا ~~بدل له الآن. # واختلف العلماء في جواز التيمم قبل وقت الصلاة، والشافعي لا يجوزه، فإنه ~~لما قيل لنا: «فإن لم تجدوا ماء فتيمموا» ، ظهر منه إجزاء التيمم بالحاجة، ~~ولا حاجة قبل الوقت، وعلى هذا لا يصلي فرضين بتيمم واحد، والمسألتان ~~استقصيناهما في علم الخلاف، وأصلهما كتاب الله تعالى، وهو تقييد التيمم ~~بوقت الحاجة والضرورة وهذا بين. PageV03P055 # ولما قال الله سبحانه وتعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) ، جعل وجوب ~~الطهارة للقيام إلى الصلاة، وتقديره إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، ~~فإذا شرع في الصلاة بالتيمم وصح الشروع ثم وجد الماء، فليس هو قائما إلى ~~الصلاة، فلا يتناوله الأمر بالطهارة. # وتتمة القول فيه، أنه قد صح منه أداء ما شرع فيه، ومتى صح ms313 منه أداء ما ~~شرع فيه، فلا يمكن أن يقال إنه كان التيمم شرطا لبعض الصلاة، فإن كون ~~التيمم شرطا لبعض الصلاة لا يتحقق معناه، مع أن المشروط لا بعض له، فلا بد ~~أن يجعل شرطا للجميع ضرورة تصحيح البعض، فإذا حكمنا بصحة البعض على تقدير ~~أن التيمم لا بعض له، اقتضى ذلك كون التيمم شرطا لصحة جميع الصلاة، وخروج ~~الوضوء عن كونه شرطا، في حالة كون التيمم شرطا. # ولا يجوز أن يقال إن كون التيمم شرطا موقوف، فإنه لو كان كذلك كانت صحة ~~الصلاة موقوفة، وهي صحيحة قطعا بلا وقف. # وإن هم قالوا: إذا وقع في علم الله تعالى أن يجد الماء في خلال الصلاة، ~~لم تكن الصلاة صحيحة من الأول، فهذا باطل، فإن حكم الله تعالى مبني على ~~وجود سببه، وعلى توافر شرائطه، وقد توافرت شرائط الصحة في أول الصلاة، فلا ~~يمكن الحكم بعدم الصحة. # فإن قيل: فإذا تخرق الخف أو انقضت مدة المسح، أليس تبطل الصلاة، مع أن ~~القدر الذي وقع الشروع فيه كان صحيحا؟ # والجواب: أن ذلك سببه أن الحكم بالصحة على تقدير توافر الشرائط، وجعلنا ~~التيمم شرطا لصحة جملة الصلاة، ولأنه لا يمكن جعله شرطا لصحة البعض، وليس ~~في حق الماسح شيء يمكن أن يقال إنه جعل شرطا # PageV03P056 # للصلاة بدلا عما فات، فان الخف لا بدل له، والخف شرط لجميع الصلاة، فإذا ~~لم يكن لم تصح، وهاهنا التيمم هو الشرط وقد وجد، فهذا تمام ما أردنا بيانه ~~من ذلك. # وأبعد بعض المصنفين في أحكام القرآن فقال: كما قال تعالى: (فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا) ، فإنما أباح التيمم عند عدم كل جزء من ماء، لأنه لفظ منكر يتناول ~~كل جزء منه، سواء كان مخالطا لغيره أو منفردا بنفسه، ولا يمنع أحد أن يقول ~~في نبيذ التمر ماء، فلما كان كذلك لم يجز التيمم مع وجوده بالظاهر. # وهذا جهالة مفرطة، فإن إطلاق اسم الماء لا ينصرف إلى النبيذ، ولا حاجة ~~فيه إلى إطناب، وتقدير اشتمال اسم الماء عليه، كتقدير ms314 اشتماله على كل مرقة ~~ونبيذ في الدنيا، وذلك جهل، ولو كان كذلك لدخل تحت مطلق اسم الماء، ولو دخل ~~تحت مطلق اسم الماء، لم يترتب ماء على ماء. وقد قلتم لا يتوضأ بالنبيذ مع ~~وجود الماء، فهذا ما أردنا بيانه من هذا المعنى. # ووجب التيمم إلى المرفقين مثل الوضوء، لأن اسم اليد شامل للعضو إلى ~~المنكب، إلا ما خصه الدليل، وقد بينا وجه الكلام عليه «1» . # قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا «2» ) : يقتضي اختلاف الفقهاء فيما ~~يتيمم به. # فقال الشافعي: لا يجوز إلا بالتراب الطاهر، أو الرمل الذي يخالطه التراب. # وأبو يوسف يضم إليه الرمل الذي لا تراب فيه. PageV03P057 # وأبو حنيفة يجوز بالنورة والزرنيخ. # وقال مالك: يتيمم بالحصا والحبل، وإن تيمم بالثلج ولم يصل إلى أرض أجزأه، ~~وكذلك الحشيش إذا كان ممتدا. # واشترط الشافعي أن يعلق التراب باليد فيتيمم به نقلا إلى أعضاء التيمم، ~~كالماء ينقل إلى الأعضاء، أي أعضاء الوضوء. ولا شك أن لفظ الصعيد ليس نصا ~~فيما قاله الشافعي، إلا أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا» «1» ، يبين ذلك. # واستنبط الرازي من قوله: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) أن الباء لما ~~كانت للتبعيض، وجب بحكم الظاهر جواز مسح بعض الوجه، مثل ما فهم من قوله ~~(وامسحوا برؤسكم) . # والذي ذكره ليس بصحيح على ما تقدم، فإن الباء لا تدل على شيء مما ذكره، ~~وقد قال تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) «2» ، ولو طاف ببعض البيت لم يجز ~~«3» . # قوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) «4» : # هذا يحتمل أن يكون معناه: إنا لم نرد تكليفكم لنشق عليكم، وإنما أردنا ~~بتكليفكم اللطف بكم في محو سيئاتكم وتطهيركم من ذنوبكم، كما قال عليه ~~الصلاة والسلام: PageV03P058 # «إذا توضأ العبد فغسل وجهه خرجت خطاياه وذنوبه من وجهه، وإذا غسل يديه ~~خرجت ذنوبه من يديه» إلى آخره «1» . # وقوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا) «2» ، إنما أراد به التطهير من الذنوب، ويحتمل التطهير من الأحداث ms315 ~~والجنابة. # فكأنه قال: هذه الأفعال ليست واجبة لذواتها، وإنما هي لمقصود، وهو حصول ~~الطهارة عن الأحداث بها فهو المقصود والمغزى. # وهذا يضعف من وجه، فإن الطهارة من الجنابة ليست غرضا للخلق، حتى يقال ما ~~أردنا تضعيف الأمر عليكم، إنما أردنا كذا، فليست الجنابة نجاسة منكرة في ~~الطبع، وإنما الله سبحانه وتعالى قال: طهروا أنفسكم، فسمى الوضوء طهارة، ~~وإنما صار طهارة بالشرع، فقوله: # (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) . # يجب أن يفيد مقصودا للعبد، ليكون يحصل بذلك المقصود نفي الحرج، وجعل ~~الحدث نجاسة واجبا إزالتها، ليس بنفي الحرج ولا يحقق للعبد مقصودا، فدل على ~~أن المراد به كون الوضوء مشروعا عبادة لدحض الآثام، وذلك يقتضي افتقاره إلى ~~النية، لأنه شرع لمحو الإثم ورفع الدرجات عند الله تعالى، وقد قيل: قوله ~~«ليطهركم» ، أي ليحقق نظافتكم عاجلا، وهذا فيه بعد، فإنه ذكر ذلك عقب ~~التيمم، وهو لا يحقق هذا المعنى، إذ PageV03P059 # ليست النظافة في الوضوء «1» ظاهرة للخلق ظهورا يقال إن الشرع أمر بها ~~لأجل ذلك. # وقوله تعالى: (كونوا قوامين) - إلى قوله- (لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا ~~تعدلوا) ، الآية 8: دل صدر الآية على وجوب القيام لله تعالى بالحق، وكل ما ~~يلزمنا القيام به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وقوله تعالى: (شهداء بالقسط) ، أي بالعدل، ويحتمل أن تكون هذه الشهادة ~~لأمر الله تعالى أنه حق، ودل سياق الآية عليه. # قوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا) : # أبان به بأن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليهم، وأن يقتصر بهم على ~~المستحق من القتل والأسر، وأن المثلة بهم غير جائزة، وإن قتلوا نساءنا ~~وأطفالنا وغمرنا بذلك، فليس لنا أن نقابلهم بمثله قصدا لإيصال الغم والحزن ~~إليهم، وإليه أشار عبد الله بن رواحة في القصة المشهورة بقوله: # «حبي له وبغضي لكم لا يمنعني من أن أعدل فيكم» «2» . # قوله تعالى: (يحرفون الكلم عن مواضعه) «3» : # تحريفهم إياه بسوء التأويل، لا أنه مكابرة لفظ صريح شائع مستفيض، كما ~~تأولت المبتدعة كثيرا من المتشابهات، ms316 على ما تعتقده من مذاهبها، دون إعطاء ~~التدين حقه، فأما مكاتمة ما قد علموه على اشتهار، فمكابرة ومعاندة، فلا يصح ~~وقوعه على سبيل التواطؤ منهم، كما لا يصح التواطؤ PageV03P060 # من المسلمين على تغيير شيء من ألفاظ القرآن إلى غيره، ولو جاز ذلك لجاز ~~اختراعهم لأخبار لا أصل لها، وفي ذلك إبطال العلم بموجب أخبار التواتر، ~~ورفع قواعد المعجزات، وذلك محال بالضرورة. # قوله تعالى: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) ~~«1» . # قد قيل: معناه لئن بدأتني بقتل لم أبدأك به، لا أنه يدفعه عن نفسه إذا ~~قصد قتله. # وقد قيل: إنه قتله غيلة، بأن ألقى عليه صخرة وهو نائم فشدخه بها. # وقيل: إنه كان من مذهبهم، أن من أراد قتل غيره لم يكن للمقصود دفعه ولا ~~قتله، بل يتركه ولا يدفعه، وذلك مما يجوز ورود التعبدية، إلا أن في شرعنا ~~يجوز له دفعه إجماعا. # وفي وجوب ذلك عليه خلاف، فالأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر، ~~وفي الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه للدفع، وتأولوا عليه قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «كيف بك يا أبا ذر إذا كان في المدينة قتل؟ ~~فقال: ألبس سلاحي، فقال: شاركت القوم إذا، قال: # فقلت: كيف أصنع؟ فقال: إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فالق ناحية ثوبك على ~~وجهك لئلا تبوء بإثمه وإثمك» «2» . # والمراد بهذا الحديث عند المتأملين، ترك القتال في الفتنة وكف اليد عند ~~الشبهة، فأما قتل من استحق القتل، فمعلوم أن الشرع لم يرده بذلك. ~~PageV03P061 # وبالجملة لو جاز الإمساك عنه حتى يقتل من أراد قتله، لوجب مثله في ~~المحظورات كلها، فيكون في ذلك ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~واستيلاء الفساق والظلمة. # والذي يخالف ذلك يقول: ذلك إذا كان الأمر بالمعروف غير مؤد إلى قتل وشهر ~~سلاح، فأما إذا كان يؤدي إلى ذلك فلا، ويفوض المقتول أمره إلى الله عز وجل، ~~إذا كان يعلم أنه لو كان وجه دفعه بأسهل شيء من غير أن ms317 يخشى على نفسه فلا ~~يجوز، فأما إذا كان الأمر على الخطر واحتمال أن يقتلا جميعا، فهو موضع ~~الاحتمال وترديد القول. # قوله تعالى: (فأصبح من النادمين) «1» : # فيه بيان أن كل ندم ليس بتوبة، وأن ابن آدم القاتل لم يندم على وجه ~~القربة إلى الله تعالى وخوف عقابه، وإنما كان ندمه من حيث اتقى جانب أبويه ~~وذويه، واستوحش منهم، ولم يهنه ما فعله في دنياه، وانتبذ بعيدا عنهم، فندم ~~لذلك، ولو ندم على وجه التوبة لأوشك أن يقبل الله تعالى منه ذلك. # وقد قيل: يجوز ألا يقبل الله توبة من شاء، فإن قبول التوبة عند أهل السنة ~~ليس واجبا على الله تعالى بقضية العقل، وإنما المشيئة لله تعالى في قبول ~~توبة من شاء، فيجوز أن يقال إن قابيل ممن لم يسأل الله تعالى قبول توبته، ~~وإن وجدت منه التوبة حقيقة. # قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) ، الآية 32: # فيها إبانة عن المعنى الذي لأجله كتب على بني إسرائيل ما كتب مما ~~PageV03P062 # ذكره الله تعالى في الآية، وتقديره وكأنما قتل الناس جميعا: أي إنا شرعنا ~~القصاص، لأنا لو لم نشرعه كان فيه هلاك الناس جميعا. # وفيه دليل على إثبات القياس وتعليق الأحكام، على المعاني التي جعلت عللا ~~لها. # وفيها دليل على إهلاك الساعي في الأرض بالفساد. # وقوله: (ومن أحياها فكأنما) «1» : أي نجاها من القتل بالعفو، أو زجر عن ~~قتلها، أو مكن من الاقتصاص من القاتل. # وفيه دليل على وجوب معاونة الوالي على ما جعله الله له من التسليط ~~والبسطة في دم القاتل. # قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) الآية «2» . # وذلك مجاز، إلا أنه ذكر ذلك تشبيها بالمحارب حقيقة، لأنه خرج في صورة ~~المحاربة، وأريد بهذا التشبيه تعظيم الأمر كما قال: # لك بأنهم شاقوا الله ورسوله) # «3» . # ومعنى المشاقة أن يصير كل واحد منهما في شق يتأثر به صاحبه، وقال: ~~(يحادون الله ورسوله) «4» . # ومعنى المحادة، أن يسير كل واحد منهما في حد على وجه المفارقة، وذلك ~~يستحيل على الله، إذ ليس ms318 في مكان فيشاق أن يحاد. PageV03P063 # وتجوز المباينة عليه والمفارقة، وذلك منه عن وجه المبالغة في إظهار ~~المخالفة، وكان يجوز أن يسمى كل عاص بهذا الاسم، ولكن لم يرد ذلك. # ويجوز أن يكون معناه يحاربون أولياء الله ورسوله وهذا أولى، فإن الذي ~~يحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كافر، وقاطع الطريق ليس بكافر، وكأنه ~~يريد بهذه الاضافة تعظيم المخالفة، وإكبار قدر المعصية، وقد ورد في التهديد ~~ألفاظ تشاكل ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «اليسير من الرياء شرك» . # «من عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة» «1» . # وقوله عليه السلام لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهما السلام: # «أنا حرب لمن حاربتم، سلم لمن سالمتم» «2» . # وإنما حملنا على هذا التأويل، علمنا بأن الآية وردت في حق قطاع الطريق من ~~المسلمين، ولذلك قال الله تعالى: # (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) «3» . # ومعلوم أن الكفار لا يختلف حظهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد ~~القدرة، كما تسقط قبل القدرة، فالمرتد يستحق القتل بنفس الردة دون ~~المحاربة، والمذكور في الآية من لم يستحق القتل. # وفي الآية نفي من لم يتب قبل القدرة، والمرتد لا ينفى، فعلمنا أن الآية ~~حكمها جار في أهل الملة. # والمرتد لا تقطع يده ورجله ويخلى سبيله بل يقتل، ولا يصلب أيضا، فدل ذلك ~~على أن ما اشتملت عليه الآية ما عنى به المرتد. PageV03P064 # وقال تعالى في حق الكفار: # (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) «1» . # وقال في المحاربين: # (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم) ~~«2» . # والذي ذكر من أن الآية نزلت في شأن العرنيين لا يحصلون «3» ما يقولون، ~~لأن العرنيين شملت أعينهم مع قطع أيديهم وأرجلهم، وتركوا في الحرة حتى ~~ماتوا، ويستحيل نزول الآية بالأمر بقطع من قطع، وقتل من قتل. # وقال ابن سيرين: كان أمر العرنيين قبل أن تنزل الحدود، فأخبر أنه كان قبل ~~نزول الآية. # والذين اعترفوا باختصاص الآية بقطاع الطريق من المسلمين، اختلفوا في ~~أشياء أخر ms319 وراء ما ذكرناه. # فقال قائلون من العلماء بما رووه عن ابن عباس: # يقتلوا إن قتلوا. # أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال. # أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال فقط. # أو ينفوا من الأرض إن أخافوا السبيل، ولم يفعلوا أكثر من ذلك، فلم يثبتوا ~~تخييرا، وهو مذهب الشافعي. # واختلف الروايات عن أبي حنيفة. PageV03P065 # ففي رواية أنه إذا حارب فقتل وأخذ المال، قطعت يده ورجله من خلاف وقتل ~~وصلب. # فإن هو قتل ولم يأخذ المال نفي، وهذا يقارب الأول، إلا في زيادة قطع اليد ~~والرجل مضموما إلى الصلب والقتل. # وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يقطع الطريق ويأخذ المال، ~~قيل إن الإمام فيه بالخيار. # إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وصلبه. # وإن شاء صلبه ولم يقطع يده ولا رجله. # وإن شاء قتله ولم يقطع رجله ولم يصلبه. # فإن أخذ مالا ولم يقتل، قطعت يده ورجله من خلاف. # وإن لم يأخذ مالا ولم يقتل، عزر ونفي من الأرض، ونفيه حبسه. # وفي رواية أخرى: أوجع عقوبة وحبس حتى يحدث خيرا، وهو قول الحسن في رواية ~~وسعيد بن جبير. # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن اقتصروا على القتل قتلوا، وإن ~~اقتصروا على أخذ المال، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. # وإن أخذوا المال وقتلوا، فأبو حنيفة يقول: الإمام يتخير في أربع جهات: # إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم. # وإن شاء قطع وصلب. # وإن شاء صلب. # وإن شاء قتل وترك القطع. # وقال آخرون: بل يخير الإمام في هذه الأحكام بمجرد خروجهم، وهو قول ابن ~~المسيب ومجاهد والحسن، وهو قول مالك. # PageV03P066 # فسوى مالك بين أن يقتلوا أو لا يقتلوا، أو يأخذوا المال أو لا يأخذوا، ~~وخير الامام إن شاء قتل، وإن شاء قطع خلافا، وإن شاء نفي، ونفيه حبسه، فهذا ~~ما ذكره. # ووافق في أنهم لو أخذوا المال ولم يقتلوا، لم يجز لإمام أن ينفيه، ويترك ~~قطع يده ورجله. # وكذلك لو قتلوا وأخذوا المال، لم يجز للإمام أن يعفيه ms320 من القتل والصلب. # ولو كان الأمر على ما قالوه في التخيير، لكان التخيير ثابتا إذا أخذوا ~~المال وقتلوا، أو أخذوا المال ولم يقتلوا، فكأنه يرى التخيير في إجراء حكم ~~القاتل على غير القاتل، وإجراء حكم القطع على غير آخذ المال. # أما إسقاط حكم القطع عن آخذ المال أو القتل عن القاتل، فلا سبيل إليه ~~أصلا. # فالتخيير الثابت شرعا، هو أن يتخير بين أنواع، كالتخيير في حق المشركين، ~~يتخير بين أنواع، فمنها الأخف، ومنها الأغلظ، فأما أن يقال: إن عقوبة ~~المجرم لا تسقط عنه، ولكن غيره يلحق به، فهذا ليس من التخيير في شيء. # نعم، اعتقد مالك أن مجرم قطع الطريق كالقتل، قال: ولذلك قال الله تعالى: # (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) «1» ، ~~فدل أن الفساد في الأرض بمثابة قتل النفس. # والذي ذكره واعتقده فاسد، فإن ما ذكره لا يوجب إجراء حكم PageV03P067 # الساعي بالفساد، على ما ذكر مجرى الساعي بالفساد، إذا ضم إلى سعيه في ~~الأرض بالفساد القتل وأخذ المال، وقد وجد من القاتل وآخذ المال ما لم يوجد ~~من الذي لم يقتل.. من قطع الطريق والفساد في الأرض والزيادة فلم سوى ~~بينهما؟ # ولو استوى حكمهما، لم يجز إسقاط القتل عنه، كما لم يجز إسقاطه عمن قتل، ~~وإسقاط القطع عمن أخذ المال، وهذا لا جواب عنه. # فإن قيل: القاتل لا يختص، قلنا غلطتم، فإن لقطع الطريق أثرا في تغليظ ~~جريمته، حتى لا تسقط بعفو المستحق، ويزداد بقطع الطريق قطع اليد والرجل ~~معه، فلم يسقط. # نعم إذا تابوا من قبل أن نقدر عليهم، سقط ما يتعلق بقطع الطريق، وبقي ما ~~تعلق بحق الآدمي، ولأن المراد بقوله (أو فساد في الأرض) ، أي فساد يجوز ~~القتل معه، أو قتله في حالة إظهار الفساد على وجه الدفع، وإنما الكلام في ~~الذي صار في يد الإمام. فقوله: (أو فساد في الأرض) ، محمول على هذا، وإلا ~~فلو كان الفساد في الأرض عديل القتل، ما جاز إسقاط القتل بالنفي، كما لا ms321 ~~يجوز إذا قتل أن يقتصر في حقه على النفي. # قوله تعالى: (ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) «1» : # يدل على أن إقامة الحد لا تكون كفارة لذنوبه، وقد قال في كفارة القتل ~~(توبة من الله) «2» ، وذلك أن الكفارة يأتي بها المكفر على طوع ورغبة، ~~فتقترن بها التوبة غالبا. أما الحد، فإنما يقام عليه قهرا، دون PageV03P068 # استسلامه، فليس يظهر معنى الندم فيه، فعلى هذا ليست الكفارة في عينها ~~توبة ولا الحد، وإنما التوبة الندم، غير أن الكفارة تقترن بها التوبة ~~غالبا، فسميت توبة بخلاف الحدود. # قوله تعالى: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) الآية «1» . # استثناء لم يأت قبل القدرة عليهم، فيقتضي إخراجهم من جملة من وجب عليهم ~~الحد، لأن الاستثناء حقيقة ذلك، مثل قوله تعالى: # (إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته) «2» . # فأخرج آل لوط من المهلكين، وأخرج المرأة في الاستثناء من الاستثناء من ~~جملة المنجين. # وقال تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس) «3» فأخرجه من جملة ~~الساجدين. # نعم، قد قال في السرقة: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه) ~~«4» . # ولم يسقط حد السرقة، لأنه لم يقع الاستثناء من جملة من أوجب عليهم ~~الحدود، وإنما أخبر أن الله غفور رحيم لمن تاب منهم، وفي آيتي المحاربين ~~ذكر استثناء يوجب إخراجهم من الجملة. # وقوله: (فمن تاب من بعد ظلمه) ، يصلح أن يكون كلاما مبتدأ مستقلا بنفسه، ~~من غير أن يفتقر إلى تضمين غيره، فلم نجعله مضمنا لغيره إلا بدلالة. ~~PageV03P069 # وقوله: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) ، مفتقر في صحة إلى ما ~~قبله، فوجب تعليقه عليه. # ثم إذا استقل الاستثناء باقتضاء إسقاط ما اختص بقطع الطريق، لم يحتج إلى ~~تعليقه بغيره، فلا جرم كان ما يتعلق بالمذهب، أن ما يتعلق بحق الآدمي قصاصا ~~كان أو غرما، لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه. # ولما كان قوله: (يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا) ، على ما في ~~الصحراء أو البلد، استوى حكم قطع الطريق ms322 في البلد والمصر جميعا، ومن فرق ~~فإنما يفرق لا بحكم اللفظ، بل بمعنى يتوهمه فارقا وهو غالط فيه. # ولما ثبت للشافعي أن الحكم ليس متعلقا بمجرد الفساد في الأرض، ولا بمجرد ~~قطع الطريق، لكن تفاوت العقوبات على حسب تفاوت الجرائم، فالردء المعاون في ~~قطع الطريق، لا يلزمه عقوبة من باشر القتل وأخذ المال، وتقدير الكلام: ~~يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا ان قتلوا وأخذوا المال، فليس لمن لم يفعل من ~~ذلك شيئا أن يدخل في جملتهم «1» . # قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) «2» . # واعلم أن السرقة في العرف واللغة، اختزال شيء على سبيل الخفية ومسارقة ~~الأعين، وقد ورد في بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «إن أسوأ الناس سرقة هو الذي يسرق صلاته» . # قيل يا رسول الله كيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها وسجودها. # إلا أنه ليس سارقا من حيث موضع الاشتقاق، فإنه ليس فيه مسارقة الأعين ~~غالبا. PageV03P070 # قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) . # ولم يختلف العلماء في أن اليد المقطوعة بأول سرقة هي اليمنى، فهي إذا ~~مراد الله تعالى بقوله: (فاقطعوا أيديهما) . # واعلم أن قوله (والسارق والسارقة) عند قوم يتعلق به في إيجاب قطع من شمله ~~اسم سارق، إلا من خصه الدليل وهو عموم، وعندهم في كل مقدار إلا ما خصه ~~الدليل. # وأبى ذلك آخرون، فإنه لما قال سارق، ولم يقل سارق ماذا، والإنسان يقول: ~~سرقت كلام فلان، وسرقت علمه وحديثه، وقال عليه الصلاة والسلام: # «إن أسوأ الناس سرقة من سرق من صلاته. قالوا: يا رسول الله كيف يسرق ~~صلاته؟ # قال: لا يتم ركوعها وسجودها» «1» . # فذكروا أن اسم السارق لا يمكن أن يعلق عليه القطع، لاعتبارنا فيه شروطا ~~لا يدل لفظ السارق عليها، ولزمهم على هذا أن لا يتعلق بعموم لفظ البيع ~~والنكاح والإجارة إلى غير ذلك، لاعتبار شروط فيها لا يدل اللفظ عليها. # وقد قال غيرهم: بل يتعلق به وبأمثاله نظرا إلى عموم اللفظ، نعم سرقة ~~الكلام والعلم لا تفهم في المتعارف من إطلاق ms323 اسم السرقة، وإنما الكلام في ~~المتعارف، كما لا يفهم من إطلاق الزنا زنا القرد والبهائم، ولما قال عليه ~~الصلاة والسلام أسوأ السراق حالا من سرق من صلاته، لم يفهم الناس وهم أهل ~~اللغة معناه، حتى فسر رسول الله معناه وما أراده، لأنه PageV03P071 # لم يكن من تعارف أهل اللغة، ولو قال: «أسوأ السراق من سرق مال فلان» ، ~~لما احتاجوا إلى المراجعة، ولما قالوا: كيف يسرق مال فلان؟ # نعم هذا الجنس إنما يمتنع التعلق به إذا كان مخصوصا بمخصوص مجمل، فأما ~~إذا لم يكن المخصوص مجملا، فيجوز التعلق به، والمخصوص المجمل طارئ على ~~اللفظ العام، فلا بد من بيان مثله هاهنا حتى يمتنع التعلق به، وإلا فالتعلق ~~به جائز، وهذا مما بسطنا القول فيه في الأصول بوجوه أخر ذكرناها هناك، ~~فليوجد من ثم «1» . # وإذا تبين أن المخصص في حكم العارض، فإذا اختلفنا في مقدار، فالذي يأخذ ~~بالأقل ويوجب القطع فيه أسعد حالا، لأنه يستند فيه إلى عموم اللفظ، إلا ~~فيما يستيقن خصوصه به، وكذلك إذا حصل الخلاف في النباش أو الفواكه الرطبة، ~~إلى غير ذلك مما يختلف فيه. # والمتفق عليه في موضع القطع مفصل الكوع، واسم اليد مطلقا يتعارف به ذلك، ~~قال تعالى: # (إذا أخرج يده لم يكد يراها) «2» . # وقال لموسى: (أدخل يدك في جيبك) «3» . # ويمتنع أن يدخل بها إلى المرفق، ولو كان اسم اليد متناولا للعضو إلى ~~المنكب، لكان يقال: قطع بعض يد السارق، وهذا خلاف العرف، وقد شرحنا هذا من ~~قبل، والمعتمد فيه الإجماع. # والشافعي حمل مطلق اليد في التيمم على اليد إلى المرفق كما في الوضوء، لا ~~لأن اسم اليد يشمل ذلك من حيث اللغة، ولكن لأن التوقيف ورد بذلك، ~~PageV03P072 # ولأن التيمم بدل في اليد، والظاهر أنه يجري على ما أجري الأصل عليه، وإن ~~كان بين البدل والأصل خلاف في الرأس والرجل، إذا شرع في اليد يظهر على أنه ~~شرع على نحو ما شرع له الأصل. # وهذا وإن كان لا يظهر على ما يجب، فالتوقيف أقوى معتصم. # واعلم أن ms324 آية السرقة ليس فيها تعرض لدفعات السرقة، وإنما فيه التعرض ~~للدفعة الأولى، وقطع اليد اليسرى والرجل اليمنى على مذهب الإمام الشافعي، ~~والرجل اليسرى في الكرة الثانية على المذاهب كلها متلقى من السنة لا من ~~الكتاب فاعلمه، وليس في الكتاب إلا بيان الكرة الأولى. # نعم في كتاب الله تعالى بيان موجبات جرائم قطاع الطريق على اختلاف ~~جرائمهم على ما ذكره ابن عباس، فإن تلك العقوبات المختلفة تعلقت بجرائم ~~مختلفة في الكرة الأولى، لأن الله تعالى بين ما تعلق بالأولى، وبين ما ~~يتعلق بالكرة الثانية بعد الفراغ من الأولى. # نعم، لم يتعرض للدفعة الثانية، لأنه يندر من السارق بعد قطع يده أن يرجع ~~وهو ناقص إلى السرقة التي يحتاج فيها إلى ملابسة الإغرار، وسرعة الحركة، ~~والمخاطرة بالمهجة، وشدة العدو، والذي يده ناقصة لا يتأتى منه ذلك، فأبان ~~الله تعالى جزاء السارق، ولم يتعرض للكرة الثانية، وتعرض الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لها. # والسارق من بيت المال لا قطع عليه في ظاهر مذهب الشافعي، وهو مذهب ~~الجماعة، لأن له فيه نصيبا، وإليه أشار علي رضي الله عنه لما أتى برجل قد ~~سرق مغفرا من الخمس، فلم ير عليه قطعا، قال: لأن له فيه نصيبا، وفي وجه يجب ~~القطع تعلقا بعموم الآية وبلفظ السرقة. # ويتعلق بعموم كتاب الله تعالى والإيماء إلى التعليل في إيجاب القطع على ~~ذوي الأرحام، بسرقة أموال أقاربهم خلافا لأبي حنيفة. # PageV03P073 # وإذا سرق فقطعت يده، ثم عاد وسرق ذلك الشيء نفسه قطعت رجله عندنا، خلافا ~~لأبي حنيفة، ولا يتعلق به من جهة العموم، فإن الذي دل عليه العموم قطع ~~اليد، والواجب في الكرة الثانية قطع الرجل، لم يتعلق به من حيث التعليل، ~~وأن الثاني إذا كان مثل الأول، وتعلق به ما تعلق بالأول، أو مثل ما تعلق ~~بالأول، فيكون الاحتجاج بالعلة، لا بالاسم، فليعرف العارف هذه المراتب ما ~~يصح الاحتجاج منه بالعموم، وما يحتج فيه بالمفهوم من الاسم. # واعلم أن الذي يجب على السارق من القطع، يجب جزاء على الفعل أو ms325 زجرا، ~~فالشرع اعتنى ببيانه وإيضاح حكمه، ولم يتعرض للضمان الذي لا يرجع إلى ~~الفعل، ولا يتعلق به، وإنما هو بدل عن المحل، كما أوجب على الزاني الجلد، ~~ولم يتعرض للمهر، وأوجب على قاطع الطريق القتل، ولم يتعرض للدية من بعد ~~التوبة في قوله: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) ، لأن ذلك حوالة ~~على بيان آخر «1» . # قوله تعالى: (سماعون للكذب أكالون للسحت) الآية (42) . # أصل السحت الاستئصال، يقال أسحته إسحاتا إذا استأصله وأذهبه. # قال الله تعالى: (فيسحتكم بعذاب) «2» : أي يستأصلكم، ويقال أسحت ماله إذا ~~أفسده، فسمى الحرام سحتا لأنه لا بركه لأهله فيه، ويهلك به صاحبه هلاك ~~الاستئصال، فأخذ الرشوة على الحكم غاية المحظور من الرشوة، فإنه يجب عليه ~~إظهار الحق فيأخذ الرشوة، ومن أجله منع الشافعي الصلح على الإنكار، لأن ~~الذي ينكر إذا جعل القول قوله، فكأنه بما يبذله من المال ينبغي رفع الظلم ~~عن نفسه، فكان كالرشوة على فعل واجب أو رفع ظلمه. PageV03P074 # ومن هذا القبيل أن يستشفع به إلى السلطان من يتقي شر السلطان، فيستشفع له ~~على رشوة يأخذها منه. # ويقرب من هذا أخذ القاضي الهدية، إذا كان لا يهدى إليه من قبل. # فالارتشاء على الحكم، هو الذي ورد فيه اللعن على الراشي والمرتشي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # والرشوة هي التي دعت اليهود إلى كتمان ما أنزل الله تعالى من نعوت نبينا ~~على الأنبياء المرسلين، فإنهم آثروا حظهم من الدنيا على اتباعه، فكتموا ما ~~أنزل الله تعالى من نعوته، بعد أن كانوا أغروا به من آبائهم وأبنائهم، ~~وجحدوا بألسنتهم ما استيقنته أنفسهم ظلما وعتوا، فأداهم شؤم الارتشاء إلى ~~الكفر بما أنزل الله تعالى، فصاروا إلى محاربة الله ورسوله وعذاب الأبد. # قوله تعالى: (فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) الآية (42) : # وقد اختلف العلماء فيه: فقال قائلون: يتخير الإمام في حقهم: إن شاء حكم ~~بينهم، وإن شاء أعرض عنهم وردهم إلى دينهم. # وقال قائلون: التخيير منسوخ. # والقولان محكيان عن الشافعي. # وقال ابن عباس: آيتان نسختا ms326 من المائدة: آية القلائد، وقوله تعالى: ~~(فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) . # أما القلائد، فنسخها الأمر بقتل المشركين حيث كانوا، وأي شهر كانوا، وأما ~~الأخرى فنسخت بقوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) «1» . ~~PageV03P075 # ولا يقول ابن عباس إنه نسخ ذلك من طريق الرأي، فإن مدركه التوقيف والعلم ~~بالتواريخ، إلا أنه يقال: يجوز أن يكون قد أخطأ وغلط في الذي ادعاه من ~~التوقيف، ولم يكن طريقه النسخ، وإذ قال الصحابي أو التابعي كذا منسوخ بكذا، ~~فلا يقبل ذلك دون أن ينظر فيه. # ويجوز أن يكون معنى قوله: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) : المنع من ~~اتباع آرائهم فيما قد نسخ، ولا يمنع ذلك من جواز الإعراض عنهم، مثل منوب ~~الجزية عليهم، فإنهم ما كانوا إذ ذاك داخلين في أحكام الإسلام، وإنما كان ~~بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هدنة، أن لا يتعرض لهم ولا ~~يؤاخذون بشيء من أحكام الإسلام، فتكون «1» منهم ولهم، فلما أمر الله تعالى ~~بأخذ الجزية منهم وإجراء أحكام المسلمين عليهم، أمر بالحكم بينهم بما أنزل ~~الله تعالى، فسيكون حكما للآيتين جميعا تاما. # فإذا احتمل الأمرين، فليس قوله: أو أعرض عنهم، نصا حتى يحتاج إلى طلب ~~نسخه، فعلى هذا ينبغي أن يقال: يجب على الإمام أن يحكم بينهم. # ويحتمل أن يقال: من حيث إنهم لا يؤاخذون بأحكام الإسلام وتفاصيل الحلال ~~والحرام، يجوز للإمام أن لا يحكم بينهم أصلا. # وروي عن ابن عباس أن الآية التي في المائدة قوله: (فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم) ، إنما نزلت في الدية بين بني قريظة وبني النضير، وذلك أن بني النضير ~~كان لهم شرف يدون دية كاملة، وأن بني قريظة يدون نصف الدية، فتحاكموا في ~~ذلك إلى رسول الله، فأنزل الله تعالى الآية PageV03P076 # فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية ~~سوى، وأن بني قريظة «1» والنضير ما كان لهم ذمة أصلا. وقد أجلاهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأهل الذمة لا يجوز ذلك فيهم، وبنو ms327 قريظة قتلوا عن ~~آخرهم لما نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في أصحابنا من ~~يفصل بين المعاهد والذمي في هذا المعنى، فالأقرب أن يقال: إن الحكم في ~~الجميع سواء. # وروي عن ابن عباس رواية أخرى. # وعن الحسن وعن مجاهد والزهدي أن الآية وهي قوله: (وأن احكم بينهم بما ~~أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) ، نزلت في شأن الرجم حين تحاكموا إليه وهم ~~أيضا لم يكونوا أهل ذمة، وإنما تحاكموا إليه طلبا للرخصة وزوال الرجم، فصار ~~النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت مدارسهم ووقفهم على آية الرجم، وعلى ~~كذبهم وتحريفهم كتاب الله تعالى، ورجم اليهوديين وقال: أنا أولى من أحيا ~~سنة أماتوها، وهذا يدل دلالة تامة على جواز رجم اليهود خلافا لأبي حنيفة، ~~ويدل على أن أهل الذمة محمولون في عقودهم وقضاياهم على موجب أحكام المسلمين ~~كالمسلمين، ويدل أيضا على أن الخمر ليست بمضمونة على متلفها، ولا أنها مال ~~من أموالهم، لأن إيجاب الضمان على متلفها حكم على موجب أهواء اليهود، وقد ~~أمرنا بخلاف ذلك. # نعم، لا نتعرض لهم في خمورهم ولا في مناكحتهم الباطلة، وقد فتح عمر سواد ~~العراق، وكان أهلها مجوسا، ولم يتعرض لمناكحتهم الواردة من قبل على بناتهم ~~وأخواتهم، ولا فرق بينهم. PageV03P077 # وتحقيق القول فيه، أن إعراضنا عن ذلك مع علمنا بوجود المحرم لضرب من ~~المصلحة، غير أن المصلحة منقسمة إلى مصلحة روعيت في حق مرتكبي المحرمات ~~بمنعهم منها، وبزجرهم عنها، مثل النهي عن المنكرات في حق المسلمين، وهذا لم ~~يشرع في حق أهل الذمة، فإذا عرفنا يقينا أنهم في بيعهم يقولون ما يقولون، ~~فلا يتعرض لهم لمصلحة تعود إلى أهل الإسلام من وجه، وإلى أهل الذمة من وجه ~~آخر. # فأما ما يرجع إلى أهل الإسلام فلا خفاء به. # وأما الذي يرجع إلى أهل الذمة، فهو أن البغية بعقد الذمة تقبيح سنن ~~رشادهم، حتى إذا شاهدوا من آيات الله تعالى والأعلام على نبوة نبينا ~~وخالطونا، انفتحت بصائرهم وقرب الأمر في استجابتهم، ولو لم يعقد لهم ms328 عقد ~~الذمة، نفروا واستكبروا ولم يتحقق اللطف الذي يؤمن به قرب إجابتهم، فهذا هو ~~السبب في تقريرنا إياهم وترك الإنكار عليهم. هذا إن عللنا. # وإن لم نعلل قلنا: الأصل أن لا يقرون ويمنعون إلا حيث أرخص الشرع فيه، ~~وقد أرخص في تدك النكير في نكاح المحارم وغيره من المحظورات، فهذا تمام هذا ~~الفن. # فإذا ثبت ذلك، فقد كان في ابتداء الإسلام مخيرا في أن يحكم بينهم أو يعرض ~~عنهم، ثم صار ذلك منسوخا، ونفي الإعراض في غير ما تحاكموا إليه فيه، وقبل ~~ذلك كان الإعراض جائزا فيما تحاكموا إليه فيه «1» ، وقد قال أبو حنيفة: إذا ~~ترافعوا إلينا وقد جرى النكاح في العدة، فلا يعترض عليهم في الدوام، ومعلوم ~~أن أول النكاح في العدة لم يكن على نحو ما يجوز في الإسلام، إلا أنهم يرون ~~مانع العدة مختصا بالابتداء، وهو PageV03P078 # عذرهم في الشهادة، وهذا يقتضي أن ما جرى في الشرك مجري على مقتضى ~~اعتقادهم، فإذا كان كذلك، فإذا تزوج خمسا دفعه وماتت الخامسة في الشرك يجب ~~ألا يعترض على النكاح، لأن النكاح إنما امتنع دواما لوجوب قطع البعض، فإذا ~~ماتت الخامسة لم يبق مانع في الحال، غير أنكم جعلتم ما مضى مانعا، فهلا كان ~~ها هنا كذلك، وهذا لا جواب عنه «1» . # قوله تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها) «2» الآية. # معناه فيما تحاكموا إليك في حد الزانيين، وأنهم لم يتحاكموا إليك طلبا ~~لحكم الله تعالى، وإنما تحاكموا إليك لطلب الرخصة، وما أولئك بالمؤمنين ~~بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم لنبوتك. # وقوله تعالى: (وعندهم التوراة فيها حكم الله) ، يدل على أن حكم التوراة ~~فيما اختصوا فيه لم يكن منسوخا، وأنه صار بمبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شريعة، ما لم ينسخ، لأنه لو نسخ لم يقل بعد النسخ إنه حكم الله. # وقد استدل قوم على أن شرع من قبلنا يلزمنا «3» ، وهذا لا وجه له، فإن ~~قوله: فيها حكم الله، ليس يدل على أن كل ما فيها حكم الله، بل قد نسخ ms329 ~~بعضها، وإنما يدل على أن فيها حكم الله ونحن نقول بذلك الحكم، وذلك الحكم ~~هو الرحيم الذي اختصموا فيه إليه من جهة الزاني «4» . PageV03P079 # قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) «1» . # استدل قوم به على قتل المسلم بالذمي والحر بالعبد، وهذا لو ثبت لهم أن ~~شريعة من قبلنا تلزمنا. # وبعد فقوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها) ، ليس فيه عموم، ولم يثبت أن كلم ~~الله تعالى في حق الواحد من شريعة من مضى حكم في حق أهل شريعتنا كما ثبت ~~ذلك بدليل قاطع في شريعتنا. # ومن وجه ثالث، وهو أنه لم يثبت عموم شريعة التوراة لأصناف الخلق، كما ثبت ~~أن نبينا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الخلق كلهم. # الرابع أنه تعالى قال: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) ، فكان ذلك ~~مكتوبا على أهل التوراة، وهم أهل ملة واحدة، ولم يكن لهم أهل ذمة، كما ~~للمسلمين أهل ذمة، لأن الجزية فيء وغنيمة أفاءها الله على المؤمنين، ولم ~~يحل الفيء لأحد قبل هذه الأمة، ولم يكن نبي فيما مضى مبعثا إلى قومه، ~~فأوجبت الآية الحكم على بني إسرائيل، إذ كانت دماؤهم تتكافأ، فهو مثل قول ~~الواحد منا: # وما في الدنيا سوى المسلمين النفس بالنفس. # وتشير إلى قوم تعيين فتقول: # الحكم في هؤلاء، أن النفس بالنفس. # فالذي يجب بحكم هذه الآية على أهل القرآن أن يقال: إنهم فيما بينهم على ~~هذا الوجه النفس بالنفس، وليس في كتاب الله تعالى ما يدل على أن النفس ~~بالنفس مع خلاف الملة. PageV03P080 # قوله تعالى: (والعين بالعين) «1» ، يدل على جريان القصاص في العين ~~وضوئها، وتعلق ابن شبرمة بعموم قوله: (النفس بالنفس والعين بالعين) ، على ~~أن اليمنى تفقأ باليسرى، وكذلك بالعكس، وأجرى ذلك في اليد اليمنى واليسرى، ~~وقالوا تؤخذ الثنية بالضرس، والضرس بالثنية لعموم قوله: السن بالسن. # والذين خالفوه وهم علماء الأمة قالوا: العين اليمنى هي المأخوذة باليمنى ~~عند وجودها، ولا يتجاوز ذلك إلى اليسرى مع الرضا، وذلك بين لنا أن المراد ~~بقوله تعالى: (العين بالعين) ، استيفاء ما يماثله مما ms330 يقابله من الجاني، ~~فلا يجوز أن يتعدى إلى غيره، كما لا يجوز أن يتعدى من الرجل إلى اليد في ~~الأحوال كلها، وهذا لا ريب فيه. # قوله تعالى: (ولا تتبع أهواءهم) «2» ، يدل على بطلان قول من قوم الخمر ~~بناء على أهواء الكفار، ولا يدل على أن الكفار لا يحلفون في بيعهم إذا ~~أردنا تغليظ اليمين عليهم، لأنا في ذلك لا نتبع أهواءهم، لأن إتباع أهوائهم ~~فيما ينفعهم وهذا يضرهم، فهو ضد إتباع أهوائهم، إنما المقصود به المبالغة ~~في انزجارهم عن اليمين الكاذبة، إحياء لحق امرئ مسلم. # قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) «3» ، يدل على عدم التعلق ~~بشرائع الأولين. # قوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات) «4» ، يدل على أن تقديم الواجبات ~~PageV03P081 # أفضل من تأخيرها، وذلك لا خلاف فيه في العبادات كلها، إلا في الصلاة في ~~أول الوقت، فإن أبا حنيفة يرى الأفضل تأخيرها، وهو أفضل من تقديمها وعموم ~~الآية دليل عليه. # وفيه دليل على أن الصوم في السفر أولى من الفطر. # وقال تعالى في هذا الموضوع كرة أخرى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) ، ~~وذلك يجوز أن يكون تكرار، ويجوز أن يكون واردا في قصة أخرى تحاكموا فيها ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر في التفسير أن بني النضير وبني ~~قريظة تحاكموا إليه في الدية، وكان بنو النضير أضعف وقريظة أشرف، وكانوا ~~يجعلون دية القتيلين على التفاوت، لذلك قال: # (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) «1» ، أي لا يعدل عن الحكم ~~الذي أنزل الله تعالى عليه، إلى ما يهوون من الأحكام إطماعا منهم في الدخول ~~في الإسلام، وسياق الكلام إلى قوله: (أفحكم الجاهلية يبغون) «2» فيه وجهان: # أحدهما: أنه خطاب لليهود، لأنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم ~~إياه، وأخذوهم به، وإذا توجه على أغنيائهم سامحوا، فقيل لهم: (أفحكم ~~الجاهلية يبغون) : # قوله تعالى: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) «3» : يدل على قطع ~~الموالاة شرعا. # وقوله: (بعضهم أولياء بعض) ، يدل على إثبات الشرع PageV03P082 # الموالاة بينهم، حتى يتوارث اليهود والنصارى بعضهم من ms331 بعض «1» . # قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) «2» : يمنع من إثبات الميراث ~~للمسلم من المرتد «3» . # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه) الآية 54. # فيه دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، لأن الذين ارتدوا بعد ~~وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قاتلهم أبو بكر «4» وهؤلاء ~~الصحابة، وقد أخبر الله تعالى أنه يحبهم ويحبونه، وأنهم يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم، ومعلوم أن من كانت هذه صفته فهو ولي الله ~~تعالى. # ولم يقاتل المرتدين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى هؤلاء ~~الأئمة، فإنه لم يأت بقوم آخرين يقاتلون المرتدين المذكورين في الآية، غير ~~هؤلاء الذين قاتلوا مع أبي بكر، ومثله في دلالته على صحة إمامة أبي بكر. # قوله تعالى: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) «5» ~~الآية. # فإن قيل: يجوز أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي دعاهم. # قلنا: قال الله تعالى لرسوله: PageV03P083 # (فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) «1» . # ولا يجوز أن يكون المراد به عليا، لأن الله تعالى قال: تقاتلونهم أو ~~يسلمون، وعلي ما حارب قوما في أيامه على أن يسلموا، ولم يحارب أحد بعد ~~النبي عليه الصلاة والسلام على أن يسلموا غير أبي بكر، فدلت الآية على صحة ~~إمامته «2» . # قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله) «3» الآية: # يدل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، فإن التصرف بالخاتم في الركوع ~~عمل جاء به في الصلاة، ولا يبطل الصلاة. # وقوله: (ويؤتون الزكاة وهم راكعون) «4» . يدل أيضا على أن صدقة التطوع ~~تسمى زكاة، فإن عليا تصدق بخاتمه تطوعا في الركوع، وهو نظير قوله تعالى: # (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) «5» ، وقد انتظم ~~النفل والفرض، فصار اسم الزكاة شاملا للفرض والنفل، كاسم الصدقة، واسم ~~الصلاة ينتظم الأمرين. # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا من الذين أوتوا ms332 الكتاب من قبلكم والكفار أولياء) «6» . PageV03P084 # وذلك نهي عن الاستنصار بالمشركين. # هذا هو الصحيح من مذهب الشافعي. # وأبو حنيفة جوز الاستنصار بهم للمسلمين على المشركين، وكتاب الله تعالى ~~يدل على خلاف ما قالوا. # وقد روى عروة عن عائشة، أن رجلا من المشركين لحق بالنبي يقاتل معه، فقال ~~له: ارجع، أنا لا أستعين، بمشرك «1» . # فعلل منع الاستعانة بالشرك. # قوله تعالى: (وإذا ناديتم إلى الصلاة) «2» : دليل على أن الصلاة تجب ~~بادعائه إليها. # ونحوه قوله تعالى: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) «3» . # قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) «4» : # يدل على أنه عليه الصلاة والسلام بلغ جميع ما أمر به، ولم يكتم من ذلك ~~شيئا، لأن الله تعالى ضمن له العصمة، فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما ~~أمره الله به، وفيه دليل على بطلان قول الروافض، أنه عليه الصلاة كتم شيئا ~~مما أمر به وأوحي إليه، وكان بالناس حاجة إليه «5» . # قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا PageV03P085 # التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم) «1» الآية. # وهذا يدل على أن البحث عن التوراة والإنجيل، يدل على أنه يدعو إلى معرفة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن الدين الحق بين عن إقامة التوراة والإنجيل. # قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن ~~مريم) «2» : فيه دليل على جواز لعن الكافرين وإن كانوا من أولاد الأنبياء، ~~وأن شرف النسب لا يمنع من إطلاق اللعن في حقهم. # قوله تعالى: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) «3» ، الآية. # روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان يلقى الرجل الرجل فيقول له: # يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ~~ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ~~ثم قال: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان ms333 داود وعيسى ابن مريم) - ~~إلى قوله- (فاتقون) ثم قال: # كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد PageV03P086 # الظالم، أو ليضربن الله تعالى بقلوب بعضكم بعضا ثم ليلعنكم كما لعنهم «1» ~~. # وفي الآية دليل على النهي عن مجالسة المجرمين وأمر بهجرانهم، # وأكد ذلك بقوله في الإنكار على اليهود: # (ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا) «2» . # والضمير في منهم راجع إلى اليهود، وقال آخرون هو راجع إلى أهل الكتاب على ~~معاداة النبي عليه الصلاة والسلام ومحاربته، وأراد بالنبي موسى عليه ~~السلام، أنهم غير مؤمنين إذا كانوا يتولون المشركين. # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) «3» ~~. # فيه دليل على أن العبد لا يمكنه أن يحرم على نفسه ما أحله الله تعالى له ~~بعقده وقصده. # وروى ابن عباس، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله، إني إذا أكلت اللحم انتشرت فحرمته على نفسي، فأنزل الله تعالى: # (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) . # وروى قتادة أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا هموا ~~بترك اللحم والنساء والإخصاء، فأنزل الله تعالى: # (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) . # وفيه دليل على أن ذلك منه لغو، وأبو حنيفة رأى أن ذلك صار محرما عليه، ~~وأنه إذا تناوله لزمته الكفارة، وهو بعيد. PageV03P087 # وعند عامة العلماء: إذا حرم جارية على نفسه، لزمته الكفارة بمجرد التحريم ~~عند الشافعي، من غير حاجة إلى وطئها، وليس ذلك لأنه تناول محرما، فباين ذلك ~~ما نحن فيه، فاعلمه «1» . # ولو قدرنا تحريم الشيء عليه، فتناول المحرم لا يقتضي وجوب شيء عليه في ~~الدنيا، مثل تناول الميتة والدم ولحم الخنزير. # قالوا: اليمين تعلقت الكفارة بها، لأنها تحرم المحلوف عليه، فوجبت ~~الكفارة عند الحنث بتناول المحرم باليمين، ولا وجوب لها من قبل، ولكن هذا ~~لا وجه له على تفصيل أصلهم، فإنهم قالوا: # لو حرم الطعام على نفسه حنث بأكل جزء منه. # ولو قال: والله لا آكل هذا الرغيف، ms334 لم يحنث بأكل بعضه، وقدروا فيه الشرط ~~والجزاء وارتباط أحدهما بالآخر، مثل قوله: إن أكلت هذا الرغيف فعبدي حر، ~~فلا يحنث بأكل البعض منه، وذلك يدل على أن الحنث ليس متعلقا بتناول المحرم، ~~وإنما هو باعتبار مخالفة الشرط والجزاء، وهذا لا ريب فيه. # قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان) «2» ، عقيب نهيه عن تحريم ما أحله الله تعالى. # قال ابن عباس: لما حرموا الطيبات من المأكل، حلفوا على ذلك، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، وأبان أن الحلف لا يحرم شيئا، وهو دليل PageV03P088 # الشافعي على أن التحريم لا يتعلق به تحريم الحلال، وأن تحريم الحلال لغو، ~~كما أن تحليل الحرام لغو، كما لو قال استحللت شرب الخمر، فمقتضى الآية على ~~هذا القول، ان الله تعالى جعل تحريم الحلال لغوا في أنه لا يحرم فقال: # (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) . # أي تحريم الحلال فيما اشتملت عليه أيمانكم، ولكن لما سبق منكم من عقد ~~اليمين، فأنتم مؤاخذون بما عقدتم من الأيمان، وتلك المؤاخذة كفارة إطعام ~~مساكين، فهذا معنى الآية وهو صحيح «1» . # فاللغو على هذا هو الذي لا يعتد به وهو تحريم الحلال. # وقال عطاء وقد سئل عن اللغو في اليمين فقال: قالت عائشة: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # هو كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله «2» . # وروى إبراهيم عن الأسود وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: # لغو اليمين لا والله، بلى والله، موقوفا عليها، فعلى تفسير رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو الأصل، وعلى ما روى عن عائشة، معنى قوله: (لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم) ، تقديره من أيمانكم، فكأن الأيمان منقسمة إلى ما ~~يتعلق به مؤاخذة، وإلى ما لا يتعلق به مؤاخذة في معنى الكفارة، وهذا مذهب ~~الشافعي في الأيمان المستقبلة. # وأبو حنيفة يرى تعليق الكفارة بالأيمان المستقبلة كلها، فمعنى قوله ~~PageV03P089 # تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) ، يعني المؤاخذة في الأيمان ~~على ما مضى. وإثبات المؤاخذة في ms335 الأيمان المستقبلة، غير أن الله تعالى قال ~~في موضع آخر: # (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) «1» ، ~~فأثبت المؤاخذة بما كسبت قلوبنا، وجعل اللغو يقتضي أن المكتسب بالقلب هو ~~الذي يجرد القصد إليه، والماضي العمومي لا كفارة فيه عندهم، فاليمين عندهم ~~منقسمة إلى الماضي والمستقبل، والمؤاخذة من حيث الاسم ثابتة في الماضي ~~والمستقبل في بعض المواقع، فعلى هذا يقولون: # اللغو المذكور في هذه الصورة، أن يحلف على الماضي وهو غير المعقود عليه، ~~ونقيضه المعقود عليه، وهو ما يعزم على فعله، وإنما يعرف عزمه بقوله: لأفعلن ~~ولا أفعل، وفي الماضي لا يتصور عقد العزم على شيء. # واللغو المذكور في سورة البقرة، أن يحلف على الماضي ظانا أنه كذلك، ثم ~~يتبين غلطه، فهذا لا إثم عليه فيه. وضده أن يحلف عامدا، فهو غموس تتعلق ~~المؤاخذة به في الآخرة، فهذا معنى هذه الآية عندهم. # وقال بعض أهل العلم: اللغو أن يحلف على معصية أن يفعلها، فينبغي له ألا ~~يفعلها ولا كفارة فيه، وروي فيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها «2» . ~~PageV03P090 # ولا شك أن الذي رآه الشافعي أولى، فإن الله تعالى ذكر اللغو في معرض ~~إبراز العذر له، وجعل الكفارة في المعقود، والعقد ربط القلب بشيء وتجديد ~~القصد إليه، فإذا كان كذلك، فينبغي أن يكون من يسقط الكفارة عنه، إنما يسقط ~~تسبب نسيه أن يكون عذرا، تسقط به المؤاخذة في الدنيا والآخرة جميعا، وفي ~~الغموس لا عذر لصاحبه، وإن سقطت الكفارة، فليس لأن الغموس تقتضي التخفيف ~~وترك المؤاخذة، بل تقتضي ضد ذلك. # والذي حملهم على ذلك قوله تعالى: (واحفظوا أيمانكم) «1» ، فذكروا أن حفظ ~~اليمين إنما يتصور في المستقبل، وهذا غلط، فإنه ليس حفظ اليمين الامتناع من ~~الحنث، مع أن الحنث مأمور به في كثير من المواضع، وقد قال الله تعالى: # (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) «2» . # وإنما المراد ms336 به الامتناع من اليمين، فلا يحلف ما استطاع، ويحفظ لسانه عن ~~اليمين مطلقا. فهذا معنى حفظ اليمين. # ويدل عليه أن اليمين قد يكون على فعل الغير، ولا يتأتى منه حفظ الغير، ~~مثل قول القائل: لا تطلع الشمس غدا، ولا تمطر السماء غدا، أو لتمطرن السماء ~~غدا، أو ليدخلن السلطان، إلى غير ذلك مما يعقد اليمين عليه، فعلم بطلان هذا ~~القول. # ولا شك أن الحق متميز في مسند الشافعي رحمه الله تعالى في هذه المسألة ~~عند من تأمل فحوى الكلام الدال على نصب اللغو سببا للتخفيف ونفي المؤاخذة، ~~تارة مطلقا في الدارين، وتارة في حكم الكفارة، ولا PageV03P091 # ينبغي أن يحمل على محمل يقال إنه لا كفارة فيه مع تناهي الجريمة والوزر، ~~وتناهي المؤاخذة عند الله تعالى، واقتضاء التسبب نهاية التغليظ، فكيف يجوز ~~إطلاق نفي المؤاخذة بلفظ اللغو المشير إلى التخفيف في الموضع الذي يقول ~~الله تعالى: # (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم) «1» . # أترون هذا من الذي يحسن أن يسمى باسم اللغو، الذي يقال فيه لا مؤاخذة في ~~مثله. # وقوله عقدتم، قرئ بالتشديد، ومعناه عقد القول، وعقدتم بالتخفيف يحتمل ~~العزيمة والقصد إلى اللفظ، وعقد اليمين قولا، وإنما العزم فيما يؤكده ~~الإنسان بقصده وعقده، فيظهر للناس منه تأكيد القول وإظهار تحقيقه. # هذا هو معناه، ولا يتحقق ذلك في قوله لا والله وبلى والله في حق من يكون ~~عازما عليه، وإنما يجرى في تضاعيف الكلام من غير ثبت وتحقيق «2» . # وذكر إسماعيل بن إسحاق المالكي في كتابه المترجم بأحكام القرآن، في الرد ~~على الشافعي، ما أذكره وأسوق كلامه وأبين جهده بكلام الشافعي، قال إسماعيل ~~«3» : # حكي عن الشافعي أن من حلف عامدا للكذب فقال: والله لقد كان PageV03P092 # كذا، وما كان، أو قال: والله ما كان، وقد كان، كفر وقد أثم وأساء، حيث ~~عقد الحلف بالله باطلا. # فإن قال قائل: ما الحجة في أن يكفر وقد ms337 عقد الباطل؟ قيل: أقربهما قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» «1» . # فقد أمره الله أن يعمد الحنث، يقول الله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل ~~منكم) «2» الآية، نزلت في رجل حلف لا ينفع أخاه، فأمره الله تعالى أن ~~ينفعه. # وقوله تعالى: (وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا) «3» ، ثم جعل فيه ~~الكفارة. # ومن حلف وهو يرى أنه صادق، ثم وجده كاذبا، فعليه الكفارة. # قال إسماعيل: فشبهه الشافعي بما لا يشبهه، لأن الذي أمره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يأتي بالذي هو خير وأن يكفر، إنما أمره أن يستأنف بعد ~~اليمين شيئا كان حلف عليه ألا يفعله، ولم يكن الرجل كاذبا حين حلف، فجعلت ~~كفارة يمينه إذا فعل ما حلف عليه ألا يفعله، ما ذكر في القرآن، والذي حلف ~~على كذب بعد علمه، مخبر عن شيء مضى، كاذب فيه، حالف عليه، فكيف يشبه هذا ~~بهذا؟ # ثم أردف هذا: بما لا ينطلق لسان محصل بذكره: بأن الذي استشهد به أمر فيه ~~بأن يتعمد الحنث، فلنؤمر في الماضي بمثله، وهذا جهل مفرط منه، وإنما أوتي ~~من قبل نظره إلى صورة الكلام، من غير أن عرف مقداره، PageV03P093 # وليس يبين في أكثر حجاج الشافعي مقاطع الحجاج على ما يعهده «1» الجدليون، ~~وإنما يرمز إلى المقصود رمزا غير بان كلامه على أفهام ضعفة العقول ومنقوصي ~~الأذهان. # ونحن نذكر تقرير قول الشافعي، أنه رحمه الله أشار بقوله إلى أن الكفارة ~~في المستقبل ما وجبت إلا باعتبار الخيانة، فإن الكفارة لا تكون جزاء على ~~فعل مباح أو فعل واجب، وإنما هي جزاء على أمر مكروه منهي عنه. # فإذا ثبت ذلك، فمن حلف على ترك فعل مباح أو واجب في المستقبل، ثم فعل، ~~فلا يمكن أن يقال إن الكفارة لأجل ذلك الفعل المباح، الذي ندبه الشرع إلى ~~فعله، وإنما تجب الكفارة لأجل ما اتصفت به اليمين من صفة الحنث، فيقال صارت ~~اليمين كاذبة، بدل ما يقال إن اليمين صادقة، فإذا كانت الكفارة لأجل ms338 صفة ~~الحنث لا لأجل الفعل المباح، فوصف الحنث جناية على اليمين، وذلك في الماضي ~~والمستقبل واحد. # فقال إسماعيل في الذي شبه الشافعي به أمره، أن يستأنف بعد اليمين شيئا ~~كان حلف فيه أن لا يفعله، والذي حلف على كذب بعد علمه، مخبر عن شيء قد مضى ~~كاذب فيه، فلم يفهم المقصود، فجعل الفرق بينها الماضي والمستقبل، وقال يجب ~~أن يؤمر بالحنث فيما مضى، كما أمر به في المستقبل، وهذا كلام من لا يحل له ~~أن يتصدر للتصنيف في الدين، فضلا عن أن يرد على الشافعي. # ثم قال: جعل الله الكفارة عن اليمين، فمن كفر فلا إثم عليه، فينبغي أن ~~يكون هذا في قول الشافعي لا إثم عليه، فظن أن الكفارة هي التي ترفع الإثم، ~~وقد بينا في مواضع أن التوبة هي الرافعة، وأن الكفارة تجب في PageV03P094 # قتل العمد والزنا في رمضان والقتل بالمثقل، وإن لم يرفع الوزر قبل التوبة ~~بمجرد الكفارة، فاعلمه، وإنما الكفارة لأجل جبر صفة الحنث الحاصلة في ~~الأيمان، والشافعي رحمه الله تعالى لما رأى الكفارة متعلقة بصفة الحنث ~~الراجعة إلى اليمين، لا جرم رأى الكفارة متعلقة باليمين، ورآها سببا فيها ~~فقال: تقديم الكفارة على الحنث جائز، لأن اليمين سبب، فلذلك قال: (فكفارته) ~~وقال: (ذلك كفارة أيمانكم) .. «1» ، # وقوله: (ذلك كفارة أيمانكم) ، معناه وذلك نتيجة أيمانكم، ومعقول أيمانكم، ~~والمتعلق بها.. ولا فرق بين أن يقول: (ذلك كفارة أيمانكم) وبين أن يقول: ~~«ذلك حكم أيمانكم» إذا كانت الكفارة حكما ولا حكم سواها. # قوله: (ذلك كفارة أيمانكم) «2» ، معناه ذلك حكم أيمانكم، ولو قال ذلك حكم ~~أيمانكم، عرف منه أن اليمين سبب، وكذلك إذا قال: «ذلك كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم» . # وأبو حنيفة يقول: قوله (ذلك كفارة أيمانكم) ، فيه إضمار الحنث ومعناه: ~~ذلك كفارة أيمانكم إذا حنثتم، وهذا غلط منه، فإذا حنث عندهم فليست الكفارة ~~كفارة اليمين، وإنما الكفارة كفارة الحنث في تناول المحرم، فلا تضاف ~~الكفارة إلى اليمين عندهم أصلا، سواء حنث أو لم يحنث. # والذي يقال فيه من الإضمار صحيح، فإنه ms339 قال: (فمن كان PageV03P095 # منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) «1» . ومعناه فأفطروا فإنه إذا ~~أفطر فعدة من أيام أخر. وهاهنا لو جرى الإضمار صح، فلا يستقيم ما ذكروه، ~~فأما بعد الحنث، فلا تكون الكفارة كفارة اليمين على موجب أصلهم، وإنما يجوز ~~أن يضاف الحكم إلى سببه، أو إلى سبب سببه، مثل القتل مضاف إلى الشرك عندنا، ~~وعندهم هو مضاف لفظا، وإن كان متعلقا بالحرب، لأن الشرك يدعو إليه ويبعث ~~عليه، فكان الشرك مولدا للحرب ومقتضيا له، فحسن إضافة الحكم إلى سبب السبب. # فأما اليمين عندهم، فليست سبب الكفارة ولا سبب السبب، فإن اليمين تضاد ~~الحنث وتمنع منه، والحنث نقض اليمين، فكيف يعقل إضافة الكفارة إلى اليمين، ~~وليست هي سببا ولا سبب السبب. # والإضافة إما أن تكون بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز، فأما الحقيقة، فمثل ~~قولنا زكاة المال، والمجاز مثل قولهم يقتل الكافر لكفره، وإن كان القتل ~~عندهم للقتال، ولكن الكفر يدعو إليه، فلتكن الإضافة فيما نحن فيه جارية على ~~أحد الوجهين، فإذا لم يوجد وجه من الارتباط لا مجازا ولا حقيقة، تطلب ~~الإضافة من كل وجه، وهذا في غاية الوضوح. # قوله تعالى: (إطعام عشرة مساكين) «2» ، وليس فيه تقدير شيء معلوم. # ورأى الشافعي أن لكل مسكين مدا من طعام. # ورأى أبو حنيفة مدين، وذلك ملتقى من التوقيف المأثور عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وليس الشروع فيه من معاني القرآن «3» . PageV03P096 # واختلف علماء السلف في التغذية والتعشية، وكذلك اختلف فيه الشافعي وأبو ~~حنيفة، وظاهر قوله تعالى، فإطعام عشرة مساكين، يدل على جواز التغذية ~~والتعشية على ما قاله أبو حنيفة، إلا أن الشافعي يقول لما قال فإطعام، جعل ~~المال طعمة، لا أنه جعل الإطعام الذي يتعقبه التطعم، ولذلك جاز التمليك ~~وليس فيه فعل الإطعام، وإنما المراد به جعل المال طعمة لهم، وقربة بقوله ~~(أو كسوتهم) ومعناه أو مقدار كسوتهم، وفي الكسوة التمليك شرط، وكذلك في ~~الطعام، وتمامه مستقصى في كتب الفقه. # وفي قوله: (إطعام عشرة مساكين) ، دلالة على أنه لو ms340 صرف إلى واحد جميع ~~الطعام لا يجوز، وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى واحد دفعة واحدة، ~~ويختلفون فيما إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات مختلفة، والسبب في ذلك أن ~~منهم من يراعي عند تعدد الفعل ظاهر التوقيف فيقول: # إذا دفع إليه أولا، فبعد ذلك لو منعناه كنا قد خصصنا الحكم في بعض ما ~~انتظمه الاسم دون بعض، فإن اسم لمسكين يعمه مع غيره، فأما إذا دفع إليه ~~دفعة واحدة بطل معنى العدد، فكأنهم يقولون إذا تعدد الفعل، حسن أن يقال في ~~الفعل الثاني، لا يمنع من الذي دفعه إليه أولا، فإن اسم المسكين يناله، ~~فهذا مأخذ قوم منهم. # واعتمد آخرون في إسقاط العدد، على إقامة تعدد الجوعة بتعدد الأيام مقام ~~أعداد المساكين، والأمران باطلان، فإن فيهما طرح العدد، وذلك لا وجه له، ~~والذي قالوه من أنكم منعتموه مع اشتمال اسم المسكين عليه، فلم يمنعه إلا ~~لاعتبار العدد، فإن العدد منصوص عليه فلا سبيل إلى طرحه، والذي ذكروه من ~~إقامة عدد الأيام مقام عدد المساكين، فتحكم ذكرنا في كتب الفقه فساده. # PageV03P097 # واحتج أصحاب الشافعي في منع القيم في الكفارات، بأن الله عز وجل ذكر ~~الطعام والكسوة والتحرير، فلو جازت القيمة، كان على تقدير أن المقصود منه ~~حصول هذا القدر من المال للمساكين، ولو كان المقدار مقصودا لما خير بين ~~الإطعام والكسوة والتحرير، مع تفاوت قيمها في الغالب من الأحوال، وهو مثل ~~احتجاج بعض أصحابنا في منع القيم، بإيجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الحيوان شاتين أو عشرين درهما مع التفاوت غالبا، وإيجاب الصاع من التمر ~~والزبيب والبر والشعير مع تفاوت قيمتها غالبا، فهذا أقوى الحجج في إبطال ~~القيمة «1» . # قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر) «2» الآية، فالخمر عند كافة العلماء ~~محرمة، غير أن في الناس من يشك في بعض الأحيان، وأنها خمر أم لا. # ولا شك أن موضع الاشتقاق وهو التخمير أو المخامرة. يقتضي كون الأشربة ~~المسكرة خمرا، غير أنا لا نثبت اللغات بهذا الجنس من القياس، ورويت أخبار ms341 ~~تدل على أن اسم الخمر لازمة لهذه الأشربة التي اختلف العلماء في تحريمها، ~~والمشكل إشكال الاسم على أهل اللغة وأن ذلك لو سمي خمرا لم يشكل. # كيف وعامة أشربة المدينة من التجمل، لأن العنب لا يوجد بالمدينة، وكيف ~~صار ذلك مشكلا؟ # وكيف يصور الاختلاف فيه؟ # فلعل اشتهار غير العيني بأسامي أخر، لتمييز نوع من نوع، أورث هذا ~~الإشكال، ولم يكن للعنبي اسم آخر وغير العنبي. PageV03P098 # فمنه ما يسمى الفضيخ. # ومنه ما يسمى المزر. # ومنه ما يسمى البتع. # ومنه ما يسمى نبيذا، فصار هذا الإسم مشهورا في التعارف. # وظن ظانون أن الاشتهار في بعض الأشربة يمنع من إطلاق اسم الخمر عليه. # ورأى آخرون أن اسم الخمر عام، ثم اختص كل شراب باسم، كالفاكهة اسم عام، ~~ثم يسمى كل واحد باسم خاص، وهم يجيبون عن ذلك ويقولون: # الفاكهة لم توضع مشهورة ببعضها دون بعض، ولكل واحد منها اسم خاص، فأما ~~العنب فليس له اسم مشهور مذكور سوى الخمر، ولكل واحد مما سواه اسم يدعى به، ~~فانصرف المطلق إلى ما اشتهر به، وكان موضوعا لذلك، وهذا في غاية الوضوح. # ويجاب عن هذا أن مزية الاشتهار لكونه مقصودا للشرب غالبا وغيره، إنما ~~يشرب عند إعواز العنب، والأصل الاعتماد على الآبار، مثل قول ابن عباس: # نزل تحريم الخمر وهو الفضيخ، فأخبر ابن عباس أن الفضيخ خمر. # وروى حميد الطويل عن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة، وأبي بن كعب، وسهيل بن ~~بيضاء في نفر في بيت أبي طلحة، فمر بنا رجل فقال: # إن الخمر قد حرمت، فو الله ما قالوا حتى نتبين حتى قالوا: أهرق ما في ~~إنائك يا أنس، ثم ما عادوا فيها حتى لقوا الله، وأنه البسر والتمر وهو ~~خمرنا يومئذ. # فأخبر أنس أن الخمر يوم حرمت البسر والتمر. # PageV03P099 # وعند من يخالفنا شيء من ذلك ليس بمحرم قبل السكر، ولا هو مسمى بالخمر. # وروى ثابت عن أنس، قال: حرمت علينا الخمر يوم حرمت، ولا نجد خمور العنب ~~إلا القليل، وعامة خمورنا البسر والتمر. ms342 # وعندهم أنها ليست كالخمر، لا في الحكم ولا في الاسم. # وعن أنس بن مالك، أنه قال: حرمت الخمر وهي من التمر والعنب والعسل ~~والحنطة والشعير والذرة، وما خمر من ذلك فهو خمر. # ذكر في الحديث الآية أنه من التمر والبسر. # وذكر في هذا الحديث أنه من ستة أشياء. # وعندهم أن لا خمر منها. وروى النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # ان من الحنطة خمرا، وإن من الشعير خمرا، وإن من الزبيب خمرا، وإن من ~~التمر خمرا، وإن من العسل خمرا «1» . # وورد في بعض الأخبار رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # الخمر من هاتين الشجرتين، يعني النخلة والعنب، ومراده غالب ما يشرب من ~~الخمر، وإلا فعندهم المثلث ليس من الخمر، وهو من العنب، ونبيذ التمر ليس ~~بخمر. # وتواترت الأخبار أن ما أسكر كثيره فقليله حرام. # قال إسماعيل بن إسحاق: الدليل على أن كل شيء أسكر فهو خمر قوله تعالى: ~~PageV03P100 # (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) «1» . # فكان السكر من العنب، مثل السكر من النخل، ثم نسخ ذلك، فإن سورة النحل ~~مكية، إلا آيات في آخرها. # وقال تعالى: (يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير) «2» . # فذمهما ولم يحرمهما على تأويل قوم، وحرم بعد ذلك السكر عند إرادة الصلاة، ~~فاستوى في ذلك السكر من ثمرات النخيل والأعناب، ثم قال بعد ذلك: (إنما ~~الخمر والميسر) ، فجاء التحريم في هذه الآية. # قال: وجاء في الأخبار أنه كان للخمر أحوال ثلاثة، ووصفت الأحوال الثلاثة ~~بهذه الآيات. # فلما كان السكر من ثمرات النخيل والأعناب موجبا نهيا عن الصلاة، وكانت ~~إحدى حالات الخمر كذلك، كانت الخمر من ثمرات النخيل والأعناب محرمة بهذه ~~الآية، وكانت هي الحالة الثالثة من حالات الخمر. # وهذا الذي ذكره ليس فيه كثير دلالة، وإنما غاية ما فيه أن السكر من ~~الجميع سواء، فليكن القليل من الجميع سواء. # فيقال له لأن المعنى في تحريم السكر ظاهر، ولا معنى في تحريم القليل، ~~وإنما ms343 هو تعبد، والتعبد مختص بما يسمى خمرا. # نعم قال تعالى في فحوى الآية: # (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء) «3» . PageV03P101 # فهذا إشارة إلى سبب التحريم، وأنه كان إرادة قطع الشيطان، إنما يريد حالة ~~ابتداء الشرب والاحتواء على قدح الخمر، ولا يريد ذلك حالة وقوع السكر، ~~فبالسكر تقع العداوة والبغضاء، وبه وصل الشيطان إلى مراده، لا بالسكر بل ~~قبل السكر. # فإن قلت: إن الشيطان يريد أن يشرب ليدعوه الشرب إلى السكر، فليس في ذلك ~~دليل على أن ذلك يجب أن يكون محرما. # مع أن الذي به تقع العداوة غير نفس الشرب. وحرم الميسر أيضا لأن الرجل ~~منهم كان يقامر في ماله وأهله فيقمر، فيبقى حزينا سليبا، فيكسبه ذلك ~~العداوة والبغضاء، مثل ما يوجب ذلك السكر من الخمر من العربدة والعداوة، ~~وهذا موجود فيما يوجب السكر منه. # فأما القليل من الخمر، فليست هذه العلة موجودة فيه، فهو محرم لعينه عند ~~أبي حنيفة، ومحرم عند الشافعي، لأن قليلها يدعو إلى الكثير، وهذا المعنى ~~وما يرد عليه من الاعتراض شرحناه في مسائل الفقه وأصول الفقه «1» . # قوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) ~~الآية: 93. # قال ابن عباس وجابر والبراء بن عازب وأنس بن مالك والحسن ومجاهد وقتادة ~~والضحاك. # لما حرمت الخمر كان قد مات رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهم يشربون الخمر فقالوا: PageV03P102 # كيف من مات منا وهم يشربونها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية «1» . # وروي عن علي رضي الله عنه، أن قوما شربوا بالشام وقالوا: هي لنا حلال، ~~وأولوا هذه الآية، فأجمع عمرو على أنهم يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا. # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد) الآية: ~~94. # اختلف في موضع من هاهنا فقال قائلون: إنها للتبعيض، أن يكون صيد البر دون ~~صيد البحر، وصيد الإحرام دون صيد الإحلال. # وقيل إنها للتمييز، مثل قوله تعالى: # (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) «2» . # وقولك باب من حديد، وثوب من قطن. # قوله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم ms344 حرم) الآية: 95. # يحتمل أنه أراد به وأنتم محرمون بحج أو عمرة. # ويحتمل دخول الحرم، يقال أحرم الرجل إذا دخل الحرم، كما يقال أبحر إذا ~~أتى بحرا، وأعرق إذا أتى العراق، واتهم إذا أتى تهامة، والثالث الدخول في ~~الشهر الحرام، كما قال الشاعر: قتل الخليفة محرما. # والوجه الثالث على خلاف الإجماع، فلا يكون مرادا بالآية، فبقي الوجهان ~~الأولان. # إذا تبين ذلك فقد قال تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) ، PageV03P103 # فدل مطلق الصيد على تحريم اصطياد كل ما يصطاد من بري أو بحري، لولا ما ~~استثناه من البحري. # ولما قال لا تقتلوا، أمكن أن يكون تنبيها على أن ذبيحة المحرم ميتة، لأن ~~الله تعالى سماها قتلا، والمقتول لا يؤكل، وإنما المأكول هو الذي يذبح. # ويحتمل أن يقال: إن القتل والذبح في عرف اللغة واحد، فهذا إن كان فرقا، ~~فهو فرق مأخوذ من عرف الشرع، وليس يظهر من عرف الشرع هذا، فإن الله تعالى ~~يقول: (وما ذبح على النصب) وكان ذلك محرما، ويقال ذبيحة المجوسي وذبيحة ~~الوثني. # نعم الذي يقطع منه الحلق واللبة، يسمى في العرف والعادة مذبوحا سواء كان ~~مباحا أو محرما، والذي يرمى من بعيد ولا يذبح من المذبح المعتاد، يسمى ~~مقتولا، ويسمى ذلك الفعل قتلا، قال الله تعالى: # (والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح على النصب) «1» . # وكل ذلك محرم. # ومنه ما سمي مذبوحا، ومنه ما سماه موقوذا، فلا يتعلق بمجرد هذا الاسم، ~~فلأجل ذلك اختلف قول الشافعي، وأبو حنيفة جعل ذلك أصلا، فقال إذا قال: لله ~~تعالى علي أن أذبح ولدي، لزمه ذبح شاة. # وإذا قال: لله علي أن أقتل، لا يلزمه شيء. # وإذا ثبت هذا، فأبو حنيفة يرى اتباع عموم تحريم الصيد، فأوجب الجزاء بقتل ~~النمر والفهد والسباع المؤذية العادية لطباعها، إذا قتلها المحرم من غير ~~صيال منها. PageV03P104 # وذكر القعني عن مالك: ورد في الخبر: والكلب العقور- والكلب العقور هو ~~الذي أمر المحرم بقتله ما قتل الناس وعدا عليهم بجبلته، مثل الأسد والنمر ~~والذئب، ms345 والكلب العقور، وما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع والهرة ~~والثعلب، فلا يقتلهن المحرم، فإن قتل شيئا من ذلك فداه. # واتفق العلماء على موجب ما ورد في الخبر، وروى ابن عباس وابن عمر وأبو ~~سعيد الخدري وعائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: # «خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم: # الحية والعقرب والغراب والفارة والكلب العقور على اختلاف منهم، وفي بعضها ~~هن فواسق» «1» ، وروي عن أبي هريرة قال: الكلب العقور: # الأسد «2» . # ويشهد لتأويل أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا على عتبة ابن ~~أبي لهب، فقال: أكلك كلب الله فأكله الأسد «3» . # وقيل إن الكلب العقور هو الذئب، ودل لهم ذكر العقور على أن العقر بصورته ~~وقصده غير معتبر، ولكنه إذا كان موصوفا به كفى، فيدل ذلك من طريق التنبيه ~~ضرورة على أن الصيد إذا صال على المحرم وقتله دفعا عن نفسه فلا ضمان. # واستدل الشافعي به على أن لا ضمان في كل سبع عادي بطبعه، فإن ذكر العقور ~~يدل على أن ما في طبعه من الضراوة قائما مقام ما يظهر منه لكل سبع عادي، ~~يجب أن يكون ما في طبعه من الضراوة قائما مقام ما يظهر منه، PageV03P105 # فهذا صحيح على ما هو قول مالك، ويظهر الكلام فيه على أبي حنيفة، وذكر ~~الرازي فصولا في منع التعليل، كرهنا ذكرها لسقاطتها، ولكونها أقل مما يحتاج ~~إلى ذكرها وتكلف الجواب عنها، فاعلمه.. إلا أن الإشكال في السباع التي لا ~~تعدو ولا تضرى. # واعلم أن ما لا يعدو منها، فأكثرها مأكول اللحم عند الشافعي، كالضبع ~~والثعلب، يبقى ذلك ما لا يسمى صيدا مثل الهرة الأهلية، وهي غير داخلة في ~~عموم الآية. # وبعد، فإنه تعالى لما قال: (أحل لكم صيد البحر) ، وقابله بصيد البر فقال: ~~(وحرم عليكم صيد البر) «1» ، علم أنه إنما حرم للأكل، فانصرف إلى ما يؤكل ~~بحال، ثم قال: ما دمتم حرما، فمد التحريم إلى غاية، والذي هو محرم لعينه، ~~لا يقال فيه حرم عليكم ما دمتم حرما، ويجعل في مقابلته صيد ms346 البر، فهذا هو ~~الذي يستدل به الشافعي في تخصيص الآية في مأكول اللحم. # قوله تعالى: (ومن قتله منكم متعمدا) «2» . # اختلف الناس في ذلك، فمنهم من سوى بين العمد والخطأ وهم جمهور العلماء، ~~ومنهم من خص ذلك بالعمد على ما ذكره الله في كتابه، وهو قول طاوس وعطاء ~~وسالم وداود، والذين مالوا إلى موجب الجمهور، وذكروا أن فائدة ذكر المتعمد ~~يظهر في نسق التلاوة في قوله تعالى: (ومن عاد فينتقم الله منه) ، وذلك يختص ~~بالعمد دون الخطأ، لأن المخطئ لا يجوز أن يلحقه الوعيد، فخصص العمد بالذكر، ~~وإن كان الخطأ والنسيان مثله ليصح رجوع الوعيد إليه، وإذا صح مجمل التخصيص ~~PageV03P106 # ساغ قياس الخطأ على العمد، والجامع بينهما أن بدل المتلف هو الجزاء، وهو ~~مقدر بمثل الفائت، إما بقيمته من الدراهم أو الدنانير أو النعم، وأبدال ~~المتلفات، يستوي العمد والخطأ كالديات وقيم المتلفات، وغاية ما في النسيان ~~أن يقدر عذرا، والعذر لا يسقط الجزاء المتعلق بالجنابة، الدليل عليه الحلق ~~للأذى، إلا أن هذ لا يستقيم على أصل الشافعي، فإنه فرق في اللبس بين العمد ~~والنسيان، وكذلك في التطيب، ولأن الصوم يبعد جعله بدلا من العين، وقد أوجب ~~الله تعالى الصيام فقال: (أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره) ، يدل على أنه ~~جزاء على الفعل، ومتى وجب جزاء على الفعل، اختلف المتعمد والساهي، لأن ~~الساهي ليس يستحق ذلك، ويبعد أن يكون الصيام في حق المخطئ على ما قاله الله ~~تعالى في حق المتعمد: (ليذوق وبال أمره) ، إلا أن الشافعي يجوز إيجاب الصوم ~~حقا لله تعالى بطريق البدل، وقد عرف ذلك من أصله في وجوب الكفارة بقتل ~~الآدمي. # والجملة، وجوب الجزاء على الناس بقتل الصيد مسلك على أصل أبي حنيفة، فإنه ~~لا يرى إثبات الكفارات بالقياس، والذي نحن فيه سبيله، سبيل الكفارات عنده، ~~حتى إذا اشترك المحرمون عنده في قتل صيد، فعلى كل واحد منهم جزاء كامل، ~~بخلاف صيد الحرم، فإنه وجب بالجناية على الإحرام، وجناية كل واحد منهم ~~كاملة، وذلك يخرج الجزاء عن ms347 كونه بدلا، ومتى ثبت أنه جزاء على الفعل، كيف ~~يجب على الخاطئ؟ سيما والكفارات عنده لا تثبت قياسا، ولما ورد النص في ~~الكفارة بقتل الآدميين في الخطأ لم يجوز «1» قياس قتل العمد عليه، سواء وجب ~~القصاص في العمد أو لم يجب، مثل قتل الأب ابنه، والسيد عبده، فكيف أجازوا ~~قياس PageV03P107 # الخاطئ على العامد هاهنا، وقد قال تعالى: (ليذوق وبال أمره) ، ولا يمكن ~~ذلك في حالة النسيان، وتكلف الرازي فروقا بينهما، فقال: في العمد تولى الله ~~بيان حكمه، وفي الخطأ تولى الله بيان حكمه، فلم يجز قياس منصوص على منصوص. # وهذا جهل مفرط، فإن الله تعالى بين حكم العمد فيما يتعلق بالآخرة، وسكت ~~عن ذكر الكفارة، فإن كان السكوت عن ذكر الكفارة دليل على نفي المسكوت عنه، ~~فهلا كان ذكر العمد دليلا على نفي الحكم في المسكوت عنه وهو الخطأ، بل ~~أولى، فإن قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) «1» ، أبان ~~اختصاص الجزاء بالعمد، وإن ذلك المذكور لا يتعلق بالخطإ، فإن قال ومن قتله ~~منكم متعمدا، وجب أن يختص حكم الجزاء بالعمد ولا يشركه الخطأ. فاعلم. وذكر ~~فرقا آخر فقال: إن العمد لم يخل من إيجاب القود الذي هو أعظم من الكفارة، ~~ومتى أخلينا «2» قاتل الصيد خطأ من إيجاب الجزاء أهدرنا، وذلك بعيد، وإبطال ~~لحرمة الصيد. # فيقال: إن القصاص الواجب للآدمي، لا يسد مسد الكفارة، وقد يجب القصاص، ~~ولا كفارة مثل قتل الأب ابنه والسيد عبده، وقوله إنا لو لم يوجب الجزاء في ~~الصيد أهدرنا، إنما كان يستقيم أن لو وجب الجزاء بدلا عن الصيد. وعنده أنه ~~ما وجب بدلا، وإنما وجب عقوبة على الفعل، ولذلك يجب على المشتركين على كل ~~واحد كمال الجزاء PageV03P108 # وهذا بين «1» . # قوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) «2» الآية: # اختلف في المراد بالمثل، فروي عن ابن عباس أن المثل نظيره في الخلقة، ففي ~~الظبية شاة، وفي النعامة بدنة، وهو مذهب الشافعي فيما له نظير من النعم، ~~وما لا نظير له كالعصافير وغيرها، ففيه القيمة. ms348 # وأبو حنيفة وأبو يوسف يرون أن المثل هو القيمة، ويشتري بالقيمة هديا، وإن ~~شاء طعاما، وأعطى كل مسكين نصف صاع، وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوما. # وظاهر القرآن يشهد للشافعي، فإن الذي يتعارفه الناس من المثل، المثل من ~~حيث الخلقة، يقال فيمن أتلف طعاما عليه المثل، وفيمن أتلف عبدا فعليه ~~القيمة، فإن الطعام من حيث الخلقة، ولا مثل للصيد من جنسه، إلا أن الفرق أن ~~المثل فيما نحن فيه، وإن روعي من حيث الخلقة فهو من غير جنس الصيد، مثل ~~إيجابنا البدنة في النعامة، والكبش في الضبع، وهذا لا يمنع كونه مثلا من ~~حيث الخلقة. والمقصود، بيان أن المثل في المتعارف هو المثل من حيث الخلقة ~~والصورة، فاعلمه. # ونحن نقول إن المماثلة في القصاص مرعية، ولا نعني بالمماثلة ما نعنيه في ~~ذرات الأمثال، وإنما نعني المماثلة من وجه آخر، وذلك ليعلم أن المماثلة إذا ~~أطلقت، فالمفهوم منها المماثلة من غير الصورة. # فان قال قائل: القيمة مثل في المالية شرعا، ولم يثبت في عرف الشرع أنه ~~اسم للنظير من جنس آخر من النعم، وأن ذلك يسمى مثلا، نعم PageV03P109 # القيمة مثل للشيء من حيث المعنى، والذي في ذوات الأمثال مثل من طريق ~~الصورة والمعنى، أما البدنة في قتل النعامة فليست مثلا للنعامة لا صورة ولا ~~معنى، فإذا لم يكن كذلك فلا طريق أصلا إلى ما قلناه. # والجواب أن المعتبر في ذلك فهم معنى كتاب الله تعالى وتتبع دلالته، فإذا ~~قال تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) ، كان المثل من النعم، والمثل من ~~النعم لا يجوز أن يكون بطريق القيمة، فإن العبد لا يكون مثلا للعبد في ~~الإطلاق وإن ساواه في القيمة. # نعم، إنا لا نطلق القول بالمماثلة بين الجنسين المختلفين، ولكن إذا قيل: ~~مثل ما قتل من النعم، فلا يظهر منه إلا المماثلة بينهما من حيث الصورة، ومن ~~أجل ذلك أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على إيجاب البدنة في ~~النعامة، أفيتوهم متوهم أن قيمة النعامة بدنة ms349 في زمن الصحابة وفي زمن ~~التابعين، قيمتها في وقت من الأوقات، وهل سمعنا أن قيمة النعامة كانت عند ~~المسلمين قيمة بدنة، قالوا القيمة معنية بهذا المثل فيما لا نظير له، فواجب ~~أن يفهم من اللفظ في الكبير من الصيد ما فهم من الصغير، فإن اللفظ اشتمل ~~عليها اشتمالا واحدا، ومتى اعتبر النظير اختص اللفظ ببعض المسميات. # الجواب: أن الذي قالوه، وتحكم، فإن الآية نص في إيجاب المثل من النعم، ~~فإذا قال الله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) ، فمعناه بالمثل من ~~النعم، والجزاء من النعم بطريق المماثلة، ولو اقتصر على قوله: (فجزاء مثل ~~ما قتل من النعم) ، أو فجزاؤه من النعم، لم يمكن طرح النعم المذكور، وجعل ~~القيمة أصلا، وكذلك هاهنا. # وعلى هذا لا دلالة للآية على صفات الصيود، وإنما وجوب القيمة فيها متلقى ~~من الإجماع. # PageV03P110 # فإن قيل: سمى الله تعالى القيمة مثلا في قوله: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم) «1» . # قلنا: ليس المراد به القيمة، وإنما المراد به القصاص والمماثلة فيه، فإن ~~وجوب ذلك موقوف على الاعتداء، لا على القيمة التي تجب، حيث يجوز له إتلاف ~~مال الغير، ويجب شرط الضمان، فوصف الاعتداء في ضمان القيمة لغو من هذا ~~الوجه، وإنما المراد به القصاص، وهذا بين جدا. # فإن قيل: قال الله تعالى: # (يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة) «2» . # ولو كان الواجب مثل ما ذكرتموه من البدنة في النعامة من غير اختلاف. # ومثل الكبش في الضبع، فليس ذلك مما يحتاج فيه إلى الارتياء والنظر ومعرفة ~~الشكل، حتى يحتاج فيه إلى ذوي عدل، وإنما يحتاج إلى ذوي العدل فيما يختلف ~~ويتفاوت فيه النظر ويضطرب فيه الرأي، ويدل عليه أنه ذكر الطعام والصيام ~~وليسا مثلا وأدخل أو بينهما وبين النعم، فلا بد أن يكون ترتيب الآية: فجزاء ~~مثل ما قتل من النعم أو من الطعام أو الصيام.. وتقديم ذكر النعم في ~~التلاوة، لا يوجد تقديمه في المعنى، بل الكل كأنه مذكور معا، فلا فرق على ~~هذا ms350 بين هذا الترتيب الموجود من الآية، وبين أن يقول: فجزاء مثل ما قتل ~~طعاما أو صياما ومن النعم هديا، ونظيره، فكفارته إطعام عشره مساكين من أوسط ~~ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ولا يقتضي ذلك كون الطعام ~~مقدما على الكسوة، ولا الكسوة مقدمة على العتق، بل الكل كأنه مذكور في لفظ ~~PageV03P111 # واحد معا، فكذلك قوله: فجزاء مثل ما قتل من النعم، موصول بقوله: # يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة، أو كفاره طعام مساكين، لم يكن ~~ذكر النعم تفسيرا للمثل. # الجواب أن الذي قالوه غلط، فإن قوله: (يحكم به ذوا عدل منكم) ، في اعتبار ~~حال الصيد في صغره وكبره، موجب في أدنى النعم بدنة على قدرها، وفي الرفيعة ~~على قدرها، وذلك يقتضي حكم ذوي العدل، وأما قولهم إن الله تعالى ذكر الطعام ~~والصيام، قيل لا جرم لا يحسن في الإطلاق أن يقول: فجزاء مثل ما قتل من ~~الطعام أو الصيام أو الصلاة، إن ورد الشرع بالصلاة، فإن الصوم لا يكون مثلا ~~للحيوان في الإطلاق، وكذلك الطعام، فيدل ذلك على أن قوله تعالى: فجزاء مثل ~~ما قتل من النعم، يقتضي إيجاب المثل من النعم، أو الطعام إذا لم يرد المثل، ~~أو عدل ذلك صياما، فالمماثلة معتبره من جهة الخلقة والصورة في النعم، ولا ~~يتحقق ذلك في الطعام والصيام. # قالوا قوله: فجزاء مثل ما قتل، كلام تام غير مفتقر إلى تضمينه بغيره، وهو ~~قوله من النعم يحكم به ذوا عدل منكم.. أو كفاره طعام مساكين، يمكن استعماله ~~على غير وجه التفسير للمثل، فلم يجز أن يجعل المثل مضمنا بالنعم، مع ~~استغناء الكلام عنه، لأن كل كلام له حكمه، غير جائز تضمينه بغيره إلا ~~بدلالة تقوم عليه سواه، ولأن قوله من النعم معلوم أن فيه ضمير إرادة الحرم، ~~فمعناه من النعم يحكم به ذوا عدل منكم، هديا إن أراد الهدي، والطعام إن ~~أراد الطعام، فليس هو إذا تفسير للمثل، كما أن الطعام والصيام ليسا المثل ~~المذكور. والجواب أن قوله تعالى: ms351 فجزاء مثل ما قتل، أن قدر الاقتصار عليه ~~كان مجملا لا يكفي في البيان، فإن المثل يقع على وجوه مختلفة. # PageV03P112 # وقوله: من النعم، بيان ذلك الإجمال لا محالة، ولا يجوز أن يقال من النعم ~~يحكم به ذوا عدل غير مرتب على ما تقدم، وهذا معلوم ضرورة، وإنما كان يستقيم ~~ما ذكروه، أن لو كان صدر الكلام مستقلا بالبيان وفيه شيء آخر، وهو أنا لا ~~نثبت المماثلة على الوجه الذي ذكروه وتوهموه، وإنما نقول: يقوم الهدي، ثم ~~يشتري بقيمة الهدي طعاما، فلا مماثلة مع الهدي بوجه، وإنما المماثلة ~~والمقابلة مع النعم، ثم يقوم النعم ويشتري به طعاما، لأن الله تعالى ذكر ~~المماثلة مع النعم، ولم يذكر المماثلة مع الصيد. # نعم، أبو حنيفة يقول: يقوم الصيد دراهم، ثم يشترى بالدراهم طعاما، فيطعم ~~كل مسكين نصف صاع. فأما الشافعي فإنه يرى المثل من النعم، ثم يقوم المثل ~~كما في المثليات يقوم المثل، وتوجد قيمة المثل، فستكون قيمة المثل كقيمة ~~الشيء، فإن المثل هو الأصل في الوجوب وهذا لا غبار عليه «1» . # قوله تعالى: (ومن عاد فينتقم الله منه) «2» ، استدل به قوم على أن العاق ~~لا جزاء عليه، وهو بعيد جدا عن أصول الشرع. # نعم معنى ذلك (ومن عاد فينتقم الله منه) ، بعد قوله عفا الله عما سلف، ~~يعني قبل التحريم. # قوله تعالى: (ليذوق وبال أمره) «3» ، احتج به الرازي لأبي حنيفة، في أن ~~المحرم إذا أكل من الصيد الذي لزمه، جزاؤه أن عليه PageV03P113 # قيمة ما أكل، يتصدق به، لأن الله تعالى أخبر أنه أوجب عليه الغرم ليذوق ~~وبال أمره، فلو أكل منه وأخذ مثله، فلا يكون ذائقا وبال أمره، وهذا قول ~~بعيد، فإن الصيد عنده ميتة، فإذا أكل الميتة، فمن أين يكون قد وصل إليه مال ~~مثل ما خرج عن ملكه. # قوله تعالى: (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل) . # استدل به الرازي على أن على كل واحد من الجماعة جزاء كامل، فإنه تعالى ~~قال: (ومن قتله) ، وكل واحد يسمى قاتلا، ومثله قوله (ومن ms352 قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة) «1» ، فاقتضى ذلك إيجاب الرقبة على كل واحد من ~~القاتلين، وهذا بعيد، فإن كل واحد منهم ليس قاتلا حقيقة بل هم قتلة، وهم ~~كشخص واحد، وهذا بيناه في مسائل أنفقه. # وقد قال تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى ~~أهله) ، وليس على كل واحد من المشتركين دية كاملة، فاعلمه. # وقوله: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) «2» : # استدل به قوم على أنه يكره للمحرم أكل صيد اصطاده حلال، والأكثرون من ~~العلماء على إباحته، وقد روى أبو الزبير عن جابر قال: عقر أبو قتادة حمار ~~وحش ونحن محرمون وهو حلال فأكلنا منه ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~PageV03P114 # وروى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # «لحم صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصطادوه أو يصاد لكم» «1» . # وفيه أخبار كثيره، غير أن من حرم ذلك لعله تعلق بقوله تعالى: # (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) ، وعمومه يتناول الاصطياد والمصيد ~~نفسه، لوقوع الإسم عليهما. # ومن أباحه ذهب إلى أن الحيوان إنما يسمى صيدا ما دام حيا، فأما اللحم فلا ~~يسمى بهذا الإسم بعد الذبح إلا مجازا، باعتبار استصحاب الإسم السابق. # وقد اختلف في حديث الصعب بن جثامة، أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو بالأبواء أو غيرها لحم حمار وحشي وهو محرم فرده، فرأى في وجهه ~~الكراهة فقال: ليس بنا رد عليك ولكنا حرم. # وخالفه مالك، فرواه عن الزهري عن عبد بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب ~~بن جثامة، أنه أهدى إلى النبي عليه السلام بالأبواء أو بودان حمار وحش، ~~فرده عليه السلام عليه، وقال إنا ما نرده عليك إلا أنا حرم. # وقال أبو إدريس لمالك: إن سفيان يقول رجل حمار وحش، فقال: # ذاك غلام، ذاك غلام. # ورواه: ابن جريج عن الزهري باسناده كرواية مالك، وقال فيه: # إنه أهدى له حمار وحش. # ورواه ms353 معمر عن الزهري مثل رواية مالك، وأنه أهدى له حمار وحش. ~~PageV03P115 # وروى الأعمش عن جندب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أن الصعب بن جثامة ~~أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمار وحش وهو محرم، فرده وقال: لو أنا ~~حرم لقبلناه منك. # ويحتمل أنه صيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندنا ما صيد له فلا ~~يأكل منه، ويدل عليه ما رواه أبو معاوية عن ابن جريج عن خيار بن أبي ~~الشعثاء عن أبيه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن محرم أتى بلحم أنأكل ~~منه؟ فقال: اجتنبوا. # قال أبو معاوية: إن كان صيد قبل أن يحرم فيؤكل وإلا فلا وهو فيما صيد من ~~أجله «1» . # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) ~~«2» . # استدل به قوم على تحريم السؤال عن أحكام الحوادث قبل وقوعها، وهذا منه ~~غلط، فإنه تفقه في الدين، وإنما الآية تنهى عن السؤال عن أشياء. # تتعلق بأسرار إذا كشف لهم عنها ساءهم ذلك، وربما أداهم إلى الكفر به دفعا ~~للخجل، مثل ما روي أن رجلا قام فقال: من أبي؟ فقال: حذافة، بعد أن قال عليه ~~الصلاة والسلام: لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم عن حقيقته، وكان قد حذرهم ~~السؤال، وكان الأولى بهم أن يستتروا بستر الله تعالى «3» . # قوله تعالى: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة) «4» . # الآية: 103. PageV03P116 # يدل على تحريم قطع منافع الملك من غير نقل إلى غيره، ومن أجله منع ~~الشافعي تعطيل منافع الرهن على خلاف ما قاله أبو حنيفة، ومن أجله منعت ~~الكافر من شراء العبد المسلم في قول، لأن الشراء إذا لم يفد مقصوده من ~~الانقطاع كان نسبيا، ولأجله أوجب العلماء بيع العبد المسلم وتحت الكافر. # قوله تعالى: (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل) «1» . # ليس ينسخ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد روي عن قيس ابن أبي حازم ~~أنه قال: سمعت أبا بكر رضي الله عنه على المنبر يقول: «يا أيها الناس، إني ~~أراكم تؤولون ms354 هذه الآية: (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل) ، وإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # «إن الناس إذا عمل فيهم بالمعاصي ولم يغيروا أوشك أن يعمهم الله بعقابه» ~~«2» . # فأبان ألا رخصة في هذه الآية في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وقال سعيد بن جبير: أراد به أهل الكتاب الذين يقرون بالجزية على كفرهم ~~ولا يضرنا كفرهم، لأنا أعطيناهم الذمة على أن نخلهم وما يعتقدون، وما ~~يعهدون لنا نقض عهد بإجبارهم على الإسلام، فهذا هو الذي لا يضرنا الإمساك ~~عنه. # ويحتمل أن يكون معنى الآية: إذا لم يمكنه الإنكار وخاف على نفسه إن أنكر. # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت) ~~الآية: 106. PageV03P117 # قال قائلون: المراد بالآية ظاهرها، وهي الشهادة على الوصية في السفر، ~~وأجازوا بهذا شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر، ورووا ذلك عن أبي ~~موسى، وهو قول أبي موسى وقول الأوزاعي، وجعلوا هذا الحكم مخصوصا بالوصية ~~عند حضور الموت، لوقوع الضرورة إليه، ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات. # ويقوي ذلك أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، حتى قال ابن عباس والحسن ~~وغيرهما إنه لا منسوخ فيها. # ومتضمن هذا القول، أن يكون على الشاهد يمين، وأن يتعين إمضاؤه الشهادة ~~لمكان اليمين مع الارتياب، وأنه إذا ظهر لوث من جهة الشهود، صارت يمين ~~الورثة معارضة لشهادة الشهود، وأعظم منه أنه قال: # (ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم) . # وقال: (تحبسونهما من بعد الصلاة) «1» . # وظاهر ذلك رجوع حكم اليمين إلى النوعين اللذين أثبت التخيير فيهما، فيكون ~~المسلم الشاهد محلفا على الشهادة على الوصية، وذلك بعيد. # وإذا ثبت ذلك فلا بد من أحد نوعين: # إما التأويل وإما إثبات النسخ. # أما التأويل فغاية ما قيل فيه وجهان: # أحدهما ما روي عن الحسن، أن فيه تقديما وتأخيرا وتقديره: إذا حضر أحدكم ~~الموت حين الوصية، فاستشهدوا ذوي عدل منكم، يعني من العشيرة، فإنهم أحفظ ~~وأضبط وأبعد عن النسيان، أو آخران من غيركم، يعني من غير قبيلتكم، ms355 إن ~~سافرتم فأصابتكم مصيبة الموت فيحلفان PageV03P118 # بعد العصر، فإن ظهر أنهما شهدا بالزور، رد ما شهدا به على الورثة، إذا ~~حلف الآخران تجرح شهادة الأولين، وهو معنى قوله: # (فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما) «1» . # فقيل قوله: (يا أيها الذين آمنوا) ، خطاب للمؤمنين، فقوله تعالى: «منكم ~~أو من غيركم» ، ضمير يقتضي انصرافا إلى المذكور قبله، لا للعشيرة. فكيف ~~يجعل ضميرا عنها ولم يجد لها فيما تقدم ذكر، وهذا بين. لأن اليمين لا يتوجه ~~لا على الشاهد من القبيلة ولا من غيرها «2» . # والتأويل الثاني: ما نقل عن الشافعي، فإنه قال: # نزلت الآية في مسلم حضره الموت وأوصى إلى نصرانيين، وسلم المال إليهما، ~~والقصة مشهورة «3» ، وذلك لا يجوز أن يكون بطريق الشهادة، فإن الموصى إليه ~~كيف يشهد على فعل نفسه، وعلى أنه رد على جميع ما عنده، ولم يكتم شيئا. # وقد يسمى اليمين شهادة في قوله: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) «4» . # فقيل لهم: اليمين لا يختص بالعدل. # فأجابوا بأنه ذكر العدل احتياطا في الوصية، واتقاء لليمين الفاجرة، # فقيل لهم: فما معنى قوله: # (فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان PageV03P119 # مقامهما) «1» . # فأجابوا بأن معنى ذلك ما ذكر في سبب النزول، وهو أنه وجدوا جاما من فضة ~~مخوصة بذهب عند رجل، وكان الجام من جملة التركة، فلما طولب الرجل به ذكر ~~أنه اشتراه من تميم الداري «2» وعدي بن ندا، فلما روجعا في ذلك قالا: كان ~~قد جعله الموصى لنا أو باعه منا. # وإذا كان كذلك، حلف الوارث لا المدعي لملك الجام، فهو معنى قوله: # (فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا) » . # أي يحلفان أن الشيء لهما وما اعتديا، وهذا مجمل، فهذا وجه التأويل. # فأما النوع الآخر وهو دعوى النسخ، والناسخ لا بد من بيانه على وجه يتنافى ~~الجمع بينهما مع تراضي الناسخ، وهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزلت ~~وأن فيها: (ممن ترضون من الشهداء) «4» ، والكافر لا يجوز أن يكون مرضيا عند ~~المسلمين. ms356 # وهذا لا يصلح أن يكون ناسخا عندنا، فإنه في قصة غير قصة الوصية، وأمكن ~~تخصيص الوصية به لمكان الحاجة والضرورة، لأنه ربما كان الكافر ثقة عند ~~المسلم، ويرتضيه عند الضرورة، فليس فيما قاله ناسخ. PageV03P120 # والنوع الثاني من الناسخ أبانه بعده عن الأصول في التفرقة في قبول ~~الشهادة في السفر والحضر وتحليف الشاهد إلى غير ذلك من وجوه لا تخفى، وهذا ~~الجنس لا يصلح ناسخا، وإنما يؤيد به التأويل بعد وجود التأويل. # وفي الآية دليل للشافعي على أن اليمين تتغلظ بالزمان والمكان. # واستدل الرازي به على قبول شهادة الكافر على الكافر، فقال: في ضمن شهادة ~~الكافر على المسلم في الوصية قبولها على أهل ملته لا محالة، ثبت النسخ في ~~بعض ذلك فبقي في البعض، وهذا ضعيف جدا، فإن الآية إذا تضمنت حكما وقد نسخ ~~المذكور بعينه، فلا يتصور تقدير فرع له لم ينسخ وتعذر بقاؤه وهذا لا خفاء ~~ببطلانه، فلم يطنب فيه «1» . PageV03P121 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الأنعام # قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) ، الآية: 68. # فأمر نبيه بالإعراض عن الذين يخوضون في آيات الله، وذلك يدل على وجوب ~~اجتناب مجالس الملحدين، وسائر الكفرة، عند إظهارهم الشرك والكفر وما يستحيل ~~على الله «1» . # ونظيره قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل) إلى قوله تعالى: # (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) «2» . PageV03P123 # وقال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) «1» . # وقال: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) إلى قوله تعالى (وذكر به أن ~~تبسل نفس بما كسبت) «2» . # قال قائلون: هي منسوخة بآيات القتال. # وقال آخرون: إنها ليست منسوخة لكنها على وجه التعزيز، كقوله تعالى: (ذرني ~~ومن خلقت وحيدا) «3» . # قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) «4» . # يستدل به على وجوب اتباع شرائع الأنبياء والتزامها. # قوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله) الآية: 108. # يدل على الكف عن سب السفهاء الذين يتسرعون إلى سبه على وجه المقابلة، ~~لأنه بمنزلة البعث على المعصية. # قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ms357 عليه) . # الآية: 121. # حمله الشافعي على النهي عن الميتات، ويدل عليه ما روى عكرمة عن ابن عباس ~~أنه قال: قال المشركون: تأكلون مما مات من قبلكم ولا تأكلون PageV03P124 # مما مات من قبل ربكم، فنزلت هذه الآية «1» . # قال: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) «2» في ذبائح ~~المشركين، ولم تكن المناظرة في هذه المسألة ظاهرة فيما بينهم، وإنما كانت ~~المجادلة في الميتة. # قوله تعالى: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا) ، الآية: 136. # قال ابن عباس: كانوا يجعلون من حرثهم ومواشيهم جزءا لله وجزءا لشركائهم، ~~فكان إذا خالط مما جعلوه جزءا لشركائهم ما جعلوه لله، رجعوا فيما جعلوه لله ~~تعالى فجعلوه لشركائهم، وكانوا إذا أجدبوا أخذوا ما جعلوه لله تعالى ~~لأنفسهم، فنزلت الآية «3» . # قوله تعالى: (وقالوا هذه أنعام وحرث) ، الآية: 138: # أما الأنعام التي ذكرها أولا، فهي ما جعلوه لأوثانهم. والأنعام التي ذكرت ~~ثانيا، فالسائبة والوصيلة والحام. # قوله تعالى: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها) ، الآية: 140. # أراد به: قتلوهم سفها خوف الإملاق، وحجروا على أنفسهم في أموالهم، ولم ~~يحسوا فيه الإملاق، فأبان عن تناقض آرائهم. PageV03P125 # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: إذا أردت أن تعلم جهل العرب فاقرأ ~~ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قوله: # (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء ~~على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين) «1» . # قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات) ، الآية 141. # استدل به من أوجب العشر في الخضروات، وأنه تعالى قال: (وآتوا حقه يوم ~~حصاده) ، والمذكور قبله الزيتون والرمان، والمذكور عقيب جملة ينصرف إلى ~~الأخير بلا خلاف. # ومن يخالف ذلك يقول: الظاهر منه الحبوب، فإن الحصاد لا يطلق حقيقة إلا ~~عليه، وإنما يطلق على ما سواه مجازا فاعلمه. # وأمكن أن يقال: إن المراد بقوله: (وآتوا حقه يوم حصاده) : # حقه الانفاق منه على ذويه وأقربائه وعلى نفسه، وصرفه في المصارف الواجبة، ~~فإن ذلك بمعنى العشر أو نصف العشر، ويدل على ذلك أن الله تعالى قال: (ولا ~~تسرفوا إنه ms358 لا يحب المسرفين) ، وإنما يقال ذلك فيما ليس مقدرا، بل هو مفوض ~~إلى اختيار الإنسان واجتهاده، فعليه أن يراعي حد الاقتصاد والاجتهاد، فأما ~~إذا كان الواجب محدودا مقدرا فلا يقال فيه: ولا تسرفوا، وهذا هو الظاهر من ~~الكلام، وليس فيه دليل على العشر من الخضروات «2» . # قوله تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما) ، الآية: # 145. PageV03P126 # احتج به كثير من السلف في إباحة ما عدا المذكور في هذه الآية. # فمنها لحوم الحمر الأهلية، روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قلت ~~لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر ~~الأهلية، قال: # قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: ولكن أبى ذلك البحر يعني ابن عباس، وقرأ: (قل لا أجد في ما أوحي ~~إلي محرما) الآية. # وعن عائشة أنها كانت لا ترى بلحوم السباع والدم يكون في أعلى العروق ~~بأسا، وقد قرأت هذه الآية: # (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما) الآية. # واعلم أن ظاهر الآية لا يمنع من تحريم غير المذكور، إلا أنه لا يدل على ~~أنه لا يحرم في الشرع الآن، ويجوز أن يكون قد تجدد بعده. # وقد قيل: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما) ، مما كنتم تستبيحونه ~~وتتناولونه ولا تعدونه من الخبائث إلا هذه الأمور، وإلا فقد اشتمل القرآن ~~على أشياء محرمة كالمنخنقة والموقوذة، واشتمل الإجماع على تحريم أشياء ~~كالقاذورات والخمر والآدمي، والأشياء التي أوجب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قتلها، وقد شرحنا ذلك في أصول الفقه، إلا أن ظهور «1» الآية، لا يدفع ~~قبل بيان التأويل، وعليه بنى الشافعي تحليل كل مسكوت عنه أخذا من هذه ~~الآية، إلا ما دل عليه الدليل. # وبالجملة، الاتفاق على تحريم أشياء لا ذكر لها في الآية مع خصوص السبب ~~الذي قاله المفسرون يقوي التأويل ويجوز قبول أخبار الآحاد فيه. PageV03P127 # قوله تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر ms359 والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا) . الآية: 146. # هذا يحتج به الشافعي، في أن من حلف لا يأكل الشحم، حنث يأكل شحم الظهور، ~~لاستثناء الله تعالى ما على ظهورها من جملة الشحم. # قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده) # «1» : # إنما خص اليتيم بالذكر فيما أمرنا به من ذلك، لعجزه عن الإنتصار لنفسه، ~~وتأكد الأطماع في ماله، فلا جرم أكد النهي عن أخذ ماله بتخصيصه بالذكر. # وقوله تعالى: (إلا بالتي هي أحسن) # : يدل على أن للوصي أن يدفع مال اليتيم مضاربة. وجعل المرد بلوغ الأشد، ~~وذلك هو البلوغ. # لأن الأشد والكمال لا يعرف إلا بوجود الحد الشرعي وهو البلوغ. # وأبو حنيفة يقول: بلوغ الأشد: بلوغ خمس وعشرين سنة، وهذا تحكم منه لا وجه ~~له. ولا دليل عليه لا لغة ولا شرعا. # قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله) . الآية: 153. # يدل على منع الارتياء «2» والنظر مع وجود النص ومنع من الاختلاف. ~~PageV03P128 # وكذلك قوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) ، الآية: 159. # وإنما قال ذل لأن بعض هؤلاء يكفر بعضا، من حيث لم يكن من السنة المأثورة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرفوا الكلم تعصبا وهوى، فحذر الله ~~تعالى من ذلك ودعا إلى الاجتماع والألفة. # قوله تعالى: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) - إلى قوله تعالى- ~~(ومماتي لله رب العالمين) ، الآية: 161، 162. # استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر، فإن الله تعالى أمر نبيه ~~به وأنزله في كتابه. # وروي عن علي رضي الله عنه أن النبي عليه السلام كان إذا افتتح الصلاة ~~قال: # «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي- إلى قوله- وأنا من المسلمين» «1» . # وروي عن عائشة، أن النبي عليه السلام كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم ~~قال: # «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وعلا جدك ولا إله غيرك» «2» . # والأول كان يقوله قبل أن ينزل: (وسبح بحمد ربك ms360 حين PageV03P129 # تقوم) «1» ، فلما نزل ذلك وأمر بالتسبيح عند القيام إلى الصلاة، ترك ~~الأول على زعم أبي حنيفة. # وأصحاب الشافعي يقولون: الأمر بالتسبيح لا ينافي الذكر عند افتتاح ~~الصلاة، ويجوز أن يقول عند القيام: سبحان الله وبحمده، وإذا قام من ~~القراءتين، وكذلك قوله: # (وسبح بحمد ربك حين تقوم، ومن الليل فسبحه) ، وذلك يدل على ما قلناه من ~~أن ذلك التسبيح ليس ذكرا في الصلاة. # قوله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) ، الآية: # 164. # يحتج به في عدم نفوذ تصرف زيد على عمرو، إلا ما قام الدليل عليه. # قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، الآية: 164. # يحتج به في ألا يؤاخذ زيد بفعل عمرو، وأن كل مباشر لجريمته فعليه مغبتها. ~~PageV03P130 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الأعراف # قوله تعالى: (فلا يكن في صدرك حرج منه) ، الآية: 2: # ظاهره النهي، ومعناه نفي الحرج عنه، أي لا يضيقن صدرك أن لا يؤمنوا به، ~~فعليك البلاغ، وليس عليك سوى الإنذار به شيء من إيمانهم وكفرهم. # ومثله قوله: # (فلعلك باخع نفسك على آثارهم) ، الآية «1» . # وقال: # (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) «2» . # قوله تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) ، الآية: 3. # معناه معلوم، ومن جملة ما أنزل الله تعالى المباحات، فعلى ذلك يلزم من ~~ظاهره الأمر باتباع المباح، ويلزم منه دخول المباح تحت الأمر. PageV03P131 # ولكن يجاب عنه بأن اعتقاد الإباحة في المباحات، وتمييزه عن المعاصي ~~والمناهي واجب، وذلك هو معنى اتباع ما أنزل الله علينا. # واعلم أن الذي أنزله الله علينا ينقسم إلى ما يتعلق بالتلاوة، وإلى ما ~~يتعلق بالأحكام دون التلاوة، والكل من عند الله حتى لا يتوهم متوهم منع نسخ ~~القرآن بالسنة. # قوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) ، ~~الآية: 11: # فقوله: خلقناكم ثم صورنا كم ثم قلنا للملائكة، يقتضي أن يكون المراد ~~بقوله خلقناكم آدم عليه السلام، ويجوز مثل ذلك، وهو التعبير بنا عن آدم، ~~لأنه أصلنا، قال تعالى: # (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور) «1» . # وقال تعالى: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ms361 إن كنتم مؤمنين) «2» . # والمخاطبون بذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتلوا الأنبياء. # وقال آخرون: إن ثم راجعة إلى صلة المخاطبة، فكأنه قال: ثم إنا نخبركم أنا ~~قلنا للملائكة، وقد شرحنا هذا في الأصول عند ذكر معاني الحروف. # قوله تعالى: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) الآية 12: # يدل بظاهره على اقتضاء الأمر الوجوب بمطلقه من غير قرينة، لأن الذم على ~~ترك الأمر المطلق لا حق، وهو مذهب الفقهاء وقوله: (ألا تسجد) ، PageV03P132 # لا، صلة مؤكدة، ومعناه ما دعاك إلى أن لا تسجد وما أحوجك؟ # وقيل: في السجود لآدم وجهان: # أحدهما: التكرمة، ولذلك امتن عليه به. # والثاني: أنه جعله قبلة لهم. # والأول أصح. # قوله تعالى: (قال فبما أغويتني) «1» : ظاهره مذهب أهل السنة، وهو أن الله ~~تعالى أضله وخلق فيه الكفر، ووراء ذلك معاني ثلاثة: # أحدها: خيبتني، مثل قول الشاعر: # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما. # أي من يخب، قال ابن الأعرابي: يقال غوى الرجل يغوي غيا، إذا فسد عليه ~~أمره، أو فسد هو في نفسه، وهو أحد معاني قوله تعالى: # (وعصى آدم ربه فغوى) «2» : أي فسد عيشه في الجنة، ويقال: # غوى الفصيل إذا لم يرو من لبن أمه «3» . # ومعنى آخر: أغويتني أي حكمت بغوايتي، كقولك أضللتني أي حكمت بضلالتي، ~~وقال: أغويتني أي أهلكتني. # قوله تعالى: (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) الآية: 19. قرن ~~قربهما الشجرة بالوعيد، ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد، PageV03P133 # وظنا أنه نهى كراهة وبين به أو أمكن أنه أشير إلى شجرة بعينها، فظنا أن ~~المراد به العين، وكأن المراد به الجنس، كقول النبي عليه السلام حين أخذ ~~ذهبا وحريرا فقال: # «هذان حرامان على ذكور أمتي» «1» . # وقال في خبر آخر: هذان مهلكا أمتي. # وإنما أراد به الجنس لا العين. # قوله تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا) الآية 26. # اعلم أن ظاهره الإنعام بإنزال اللباس، ويجوز أن يكون عين اللباس على ~~هيئته قد أنزله الله تعالى على آدم حين أهبطه وتاب عليه، ويجوز أن يكون قد ~~أنزل ms362 ما يحصل منه اللباس من بزره «2» ، وقد ظن علي بن موسى القمي وأبو بكر ~~الرازي، أن في ذلك دلالة على وجوب ستر العورة، وذلك أنه قال: (يواري ~~سوآتكم) ، فذلك إشارة إلى الوجوب، وليس فيه دلالة على ما ذكروه، بل فيه ~~دلالة على الإنعام فقط. # واحتجوا عليه أيضا بأن قوله تعالى: # (لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما) «3» . # وذلك يدل أيضا على التحذير من زوال النعمة، كما نزل بآدم عليه السلام، ~~هذا أن لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا، والأمر بخلاف ذلك. PageV03P134 # قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) الآية: 31. # ظاهره الأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، للفعل الذي يتعلق بالمسجد، تعظيما ~~للمسجد والفعل الواقع فيه، مثل الاعتكاف والصلاة والطواف، ولا يدل ظاهر ذلك ~~على وجوب الستر في الصلاة في المسجد أو خارج المسجد، فإن القدر الذي يستر ~~العورة لا يسمى زينة وتجملا. # وكثير من المتكلمين في أحكام القرآن زادوا في ذلك دلالة على الوجوب ~~للصلاة، لأن الذي أمرنا بذلك عند كل مسجد لم يكن لعين المسجد، وإنما كان ~~للفعل الواقع في المسجد، والذي عظم المسجد لأجله الطواف والصلاة، أما ~~الطواف فلا يعم كل مسجد، وفي القرآن عند كل مسجد، والاعتكاف لم يشرف المسجد ~~لأجله، بل كان عبادة لأجل المسجد، فلم يبق إلا الفعل الذي يشرف به المسجد، ~~ووجب تعظيم المسجد لأجله وهو الصلاة. # فإذا قيل: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، عرف به أنه لم يجب للمسجد، وإنما ~~وجب لما عظم المسجد لأجله وهو الصلاة، فمتى وجب الستر للصلاة كان شرطا، إلا ~~أن الدليل قام على الزيادة على قدر الستر، وأنها غير واجبة، فبقي مقدار ~~الستر واجبا. # ومالك لا يوجب الستر شرطا للصلاة، ويقول إن فقد الستر لا يبطل الصلاة، ~~ويقول: قوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، روى الرواة أنه نزل في ستر ~~الطواف والنهي عنه عريانا، وهذا فيه نظر، فإنه تعالى قال: (عند كل مسجد) ، ~~والطواف يختص بمسجد معين، والثاني: أنه إن ms363 ورد على سبب خاص، لا يمتنع لأجله ~~التعلق بعموم اللفظ. # PageV03P135 # ويرد على هذا، أن الذي ورد الستر فيه- لم يجعل الستر شرطا- وهو الطواف، ~~فكيف يجعل شرطا لما سواه؟ # ويجاب عنه بأن وجوب الستر لأجل الطواف ظاهر في كونه شرطا له، وأنه يمتنع ~~الاعتداد به دونه، ولكن قام الدليل في الطواف على خلاف الظاهر، وبقي ما ~~عداه على ما يقتضيه الأصل. # وهذا يرد عليه، أن الأصل أن ما وجب لغيره يفهم منه أنه إذا أتى به دونه، ~~كان تاركا للواجب، فمن أين أنه لا تجب الصلاة، دونه؟ # والذي احتج به مالك، أن ستر العورة لم يجب للصلاة، فقد روى بهز بن حكيم ~~عن أبيه عن جده قال: # قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر فقال: # احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. قال فقلت: # يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليا، فقال: الله أحق أن يستحى منه «1» . # فإذا لم يكن الستر من فروض الصلاة لم يكن وجوبها متعلقا بالصلاة، فإذا لم ~~يتعلق بها لزم منه جواز الصلاة دونه، وهذا ينعكس في الطهارة التي لم يكن ~~وجوبها إلا للصلاة. # فعلى هذا، النهي عن الصلاة دون الستر، كالنهي عن الصلاة في البقعة ~~المغصوبة. # الجواب أن الستر في غير الصلاة إنما يجب عند ظهوره للناس، فلو استخلى ~~بنفسه، فيجوز أن يكشف فخذه، وإن كان في السوأتين خلاف، وإذا أراد الصلاة ~~وجب ستر جميع ذلك، فذلك يدل على أن الستر وجب للصلاة. PageV03P136 # وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «لا يصلين أحدكم في ثوب واحد ليس على فخذه منه شيء» «1» . # وعن عائشة أنها روت أنه عليه الصلاة والسلام قال: # «لا يقبل الله صلاة امرأة إلا بخمار» «2» . # فنفى قبولها لمن بلغت الحيض، فصلتها مكشوفة الرأس، كما نفى قبولها مع عدم ~~الطهارة بقوله: «لا يقبل الله الصلاة بغير طهور» . # وقد روي عن مالك أنه قال فيمن صلى في ثوب نجس أو عاريا، إنه يعيد ما دام ~~الوقت، وهذا يتعلق ms364 به عليه، ويدل على بطلان قوله أنه لا تعلق له بالصلاة. # فهذا تمام هذا الكلام. # وذكر إسماعيل بن إسحاق في نصرة قول مالك، أن صلاة العريان جائزة، فلو كان ~~الستر شرطا لما جاز، كما لا يجوز صلاة الحائض، لأن الحيض ينافي الطهارة. # وهذا غلط فاحش، فإن صلاة الأمي جائزة، مع أن القراءة شرط للصلاة أو ~~فرضها، وأن منافاة الحيض للصلاة لا لمكان عدم الطهارة، فإن الحيض ينافي ~~الصوم أيضا، وليس من شرطه الطهارة، ولكنه محض تعبد. # ومما نعلق به، أن الوضوء لما كان شرطا للصلاة وجب عليه أن ينوي الطهارة ~~للصلاة، ولو كان الستر واجبا للصلاة، لوجب أن ينوي به الصلاة، وليس ~~كالاستقبال، فإن الاستقبال الواجب يقترن بالصلاة بخلاف الستر، فنية الصلاة ~~تشتمل على الاستقبال، وقد أجاب علماؤنا PageV03P137 # عنه بأن نية الصلاة تشتمل عليه، وهذا قررناه في مسائل الخلاف «1» . # قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) الآية: 31. # ظاهره يوجب الأكل والشرب من غير إسراف، وقد أريد به الإباحة في بعض ~~الأحوال، والإيجاب في بعضها، فأما الإيجاب، فمثل أن يضعف عن أداء الواجبات، ~~فواجب عليه أن يأكل ما يزول معه الضرر، وظاهر هذا يقتضي الأكل والشرب في ~~المأكولات والمشروبات إلا أن يحظره دليل بعد أن لا يكون مسرفا فيما يأتيه ~~من ذلك، فإنه أطلق الأكل والشرب على شرط أن لا يكون مسرفا فيهما، والإسراف ~~هو مجاوزة الحد، فتارة يتجاوز حد الحلال إلى الحرام، وتارة في الإنفاق ~~والتمحيق، كما قال الله تعالى: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) «2» ، ~~والإسراف مذموم، ونقيضه الإقتار وهما مذمومان، والاقتصاد والتوسط هو ~~المشروع، ومنه قيل دين الله تعالى بين المقصر والغالي وقد قال تعالى: # (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) «3» . # وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: # (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) «4» . # ومن الإسراف في الأكل، الأكل فوق الشبع، وكل ذلك محظور. PageV03P138 # قوله تعالى: (إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ، الآية: 33: # اعلم أن الفواحش في اللغة، تقع ms365 على كل قبيح بولغ في نعته بالقبح، ولذلك ~~يقال قبيح فاحش. # وفي الآية ما يمنع من إجرائه على الفواحش كلها، فإنه ذكر الإثم والبغي، ~~فدل على أن المراد بالفواحش بعضها، وإذا كان كذلك فالظاهر من الفواحش ~~الزنا، ليصح أن يعطف عليه الإثم، والإثم لا يمكن حمله هاهنا على كل معصية ~~صغيرة وكبيرة، فإن ذلك يمنع العطف، بل المراد به شرب الخمر، لقوله تعالى: ~~(قل فيهما إثم كبير) «1» ، وأما البغي بغير الحق فهو التطاول على الناس. # وقد قيل: ذكر الفواحش، والمراد بها الكبائر، وذكر الإثم، والمراد به ~~صغائرها، ثم عطف على الأمرين ما يدخل فيهما، وهو البغي بغير الحق، والمعنى ~~به أن يتجاوز في طلب الأمر، الحد الذي يحسن، فيوصف عنده أنه بغي، لأن الأصل ~~في البغي الطلب، ثم جعل للطلب المذموم، فدخل في الآية كل أنواع الظلم ~~والبغي على الناس، والانقياد بغير حق، ثم حرم اتباع ما لا دليل عليه، ~~والقول بما لا نعلم صحته، فدخل في ذلك قبح التمسك بالمذاهب، وقبح اتباع ما ~~لا يجب اتباعه، فجمعت الآية المحرمات، كما جمع ما قبلها المحللات في قوله: ~~(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) «2» ، مع ما فيه ~~من تحريم الإسراف فيه، ولما حرم المحرمات نبه على اتباع الحجج والأدلة لكي ~~يكون المكلف متحرزا في أمر دينه ودنياه. PageV03P139 # قوله تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) «1» : ظاهرها الندب إلى إحفاء ~~الدعاء، فعلمنا ربنا كيف ندعوه، وروى أبو موسى الأشعري قال: كنا عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسمعهم يرفعون أصواتهم فقال: # «أيها الناس انكم لا تدعون أصما ولا غائبا» «2» . # وروى سعد بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الذكر ~~الخفى وخير الرزق ما يكفى» «3» . # واستدل أصحاب أبي حنيفة بذلك، على أن إخفاء آمين، أولى من الجهر بها، ~~لأنها دعاء، والدليل عليه ما روي في تأويل قوله تعالى: (قد أجيبت دعوتكما) ~~«4» . # قال: كان موسى يدعو وهارون يؤمن، فسماهما الله تعالى داعيين. # والجواب عنه أن ms366 إخفاء الدعاء كان أفضل، لأنه أبعد عن الرياء. # وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة، فإشهارها اشهار شعار ظاهر، وإظهار حق يندب ~~العباد إلى إظهاره، وقد ندب الإمام إلى إشهار القراءة المشتملة على الدعاء، ~~والتأمين في آخرها، معناه: حقق اللهم ما سألناك. # وإذا كان الدعاء مما سن الجهر فيه، فالتأمين على الدعاء تابع له، وجار ~~مجراه، وهذا بين. # قوله تعالى: (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) الآية: 145. PageV03P140 # قال بأحسن ما كنت فيه، وهو الفرائض، دون المباح الذي لا حمد فيه ولا ~~ثواب، وكذلك قوله تعالى: (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) ~~«1» . # قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) الآية: 199. # أمر بمراعاة مكارم الأخلاق ومداراة الناس. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أثقل شيء في ميزان المرء يوم القيامة ~~الخلق الحسن» «2» . # وروى ابن عمر أن رجلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام: أي المؤمنين أفضل؟ ~~فقال أحسنهم خلقا. # وروى سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» ~~«3» . # والعفو هو التسهيل والتيسير. # فالمعنى استعمال العفو، وقبول ما سهل من أخلاق الناس، وترك الاستقصاء ~~عليهم في المعاملات، وقبول العذر ونحوه. # وقال ابن عباس في قوله: (خذ العفو) ، قال: هو العفو من الأموال قبل أن ~~ينزل فرض الزكاة، ومنه قوله: (فمن عفي له من أخيه شيء) «4» أي ترك له، ~~والعفو عن الذنب ترك العقوبة عليه. PageV03P141 # وقوله: وأمر بالعرف: العرف المعروف، وفي الخبر الصحيح عن أبي جري جابر بن ~~سليم قال: # ركبت قعودا ثم أتيت إلى المدينة فطلبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأنخت قعودي بباب المسجد، فدلوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ~~هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، ~~فقال: وعليك السلام، فقلت: إنا معشر البادية قوم فينا الجفاء فعلمني كلمات ~~ينفعني الله بها، فقال: ادن ثلاثا، فدنوت، فقال: أعد علي، فأعدت، فقال: # اتق الله ولا ms367 تحقرن من المعروف شيئا، وأن تلقى آخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ ~~من فضل دلوك في إناء المستسقى، وإن امرؤ سبك بما يعلم فيك فلا تسبه بما ~~تعلم فيه، فإن الله تعالى جاعل لك أجرا وعليه وزرا، ولا تسبن شيئا مما خولك ~~الله تعالى. قال أبو جري: فوالذي ذهب بنفسه ما سببت بعده شاة ولا بعيرا «1» ~~. # قوله تعالى: (وأعرض عن الجاهلين) . # يجوز أن يكون في ترك مخاوضتهم في الباطل، ويجوز أن يكون قبل الأمر ~~بالقتال. # قوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) : # الآية: 204. # قد اختلف الفقهاء في القراءة خلف الإمام. PageV03P142 # فقال أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح: # لا يقرأ فيما جهر ولا فيما أسر. # وقال مالك: يقرأ فيما أسر ولا يقرأ فيما جهر، وهو قول للشافعي، رواه ~~المزني عنه. # وروى البويطي عنه، أنه يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة فيما يسر فيه، ولا يقرأ ~~فيما يجهر فيه إلا بفاتحة الكتاب. # وإذا ثبت ذلك، كأن هؤلاء الفقهاء اتفقوا على أن الإنصات مأمور به، فإنا ~~رأيناهم يأمرون بالإنصات فيما يجهر، ويتركون لأجله إما الفاتحة وإما ~~السورة، أما أبو حنيفة ليس يترك القراءة خلف الإمام لغرض الاستماع فإنه ~~يقول فيما أسر فيه الإمام لا يقرأ المأموم، ولأن عنده مقدار الواجب من ~~القراءة آية حقيقة، وذلك يمكن قراءته بعد الإنصات وسماع قراءة الإمام، أو ~~حال هوى الإمام إلى الركوع، ولم يقل أحد إنه يترك دعاء الاستفتاح لقوله: ~~(وأنصتوا) ، ولا يترك تكبيرات الصلاة لقوله: # (أنصتوا) ، ولا أن أحدا يفهم من هذا، أن الواحد منا إذا كان يقرأ القرآن، ~~فلا يجوز لغيره أن يقعد معه ويقرأ، ولا يجوز في المجلس الواحد أن يقرأ ~~جماعة، كل واحد منهم يقرأ لنفسه، فإذا لم يكن للآية تعلق يمنع الناس من ~~قراءة القرآن، لغرض استماع القرآن في غير الصلاة. # ولا للآية أيضا دلالة على منع قراءة الأذكار، لغرض استماع القرآن في ~~الصلاة، فمن أين دلت الآية على منع القراءة، لا لغرض الاستماع مع إسرار ~~الإمام في الصلاة؟ # وقد ms368 اعتقد كثير من الناس أن هذه الآية نصا. # وقال عبد الجبار بن أحمد في كتاب فوائد القرآن، وهو مشهور # PageV03P143 # بانتحال مذهب الشافعي في الفروع: إن دلالة ظاهر الآية قوية، وصرح بهذه ~~العبارة التي ذكرناها في الفروع. # وعندنا أن من فهم معنى الآية، وفهم الوجوه التي ذكرناها، لا يرى للآية ~~تعلقا بما نحن فيه، وللآية محامل: # منها أن الناس كانوا يكثرون اللغط والشغب في قراءة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ويمنعون الأحداث من سماعها تعنتا وعنادا على ما حكى الله عن ~~الكفار حيث قال: # (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) «1» . # فأمر الله تعالى المسلمين حالة أداء الوحي، أن يكونوا على خلاف هذه ~~الحالة، وأن يستمعوا، ومدح الله الجن على ذلك فقال: # (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين) «2» . # ويدل على ذلك أن الله تعالى أمر بالاستماع، وأمر بالإنصات بعده، فلا يخفى ~~على عاقل أن الإنصات للاستماع، وإنما يجب الاستماع متى وجب الإسماع ~~والتبليغ، وإنما وجب ذلك فيما ذكرناه من تبليغ الوحي، فأما ما يقرؤه ~~الإنسان لنفسه، فلا تعلق له بذلك. # نعم، يندب المأموم إلى أن لا يجهر بالقراءة خلف الإمام إذا جهر، حتى لا ~~تثقل عليه القراءة، فهذا هو القدر المندوب إليه، وإذا لم يجب على ~~PageV03P144 # الإمام الإسماع، وليس في الاستماع غرض لأجله يجب الإسماع، فمن أين يجب ~~الاستماع لما لا يجب إسماعه؟ # ولو قال قائل مطلقا: لا يجب على المرء أن ينصت ويسمع قراءة القرآن، كان ~~صدقا، وإنما هذا الذي قالوه في الصلاة. # ولئن قال قائل: إن الإنصات لتبليغ الوحي لا يختص بالقرآن، وكذلك إن حمل ~~حامل الآية على الخطبة، فالاستماع للخطبة لا يختص بالقرآن، فالذي ذكرتموه ~~يختص بلا دليل. # فيقال لهم: وأنتم أيضا خصصتم بلا دليل، فإنه قال: وإذا قرئ القرآن. وليس ~~يجب الاستماع في غير الصلاة، فالذي ذكرتموه يخصص بلا دلالة. # وقال كثير من أصحاب الشافعي: # إن المأموم يتحرى وقت سكتة ms369 الإمام، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سكتتان في صلاته، فإن تعذر ذلك فيقرأ وقت قراءته سرا. # وقال آخرون منهم: معنى الإنصات، لا يجهر بالقراءة منازعا للإمام، وإذا ~~أخفى ذلك لم يخرج عن الإنصات. # وقد قيل: المراد به السكوت، حتى لا يقرأ البتة إلا عند فراغ الإمام. # وقال هؤلاء: لأجل ذلك أمر المأموم بتأخير القراءة عن حال الجهر أو ~~تقديمه، وذلك إجماع. # واعلم أن الذي يوجب تأخير القراءة، ليس يوجب بدليل الآية على وجوب استماع ~~قراءة القرآن مطلقا، فإن دلالة الآية في الصلاة وغيرها واحدة، وإنما يقول ~~ذلك ليجمع بين سماع المتدبرين وإنصات المعتبرين # PageV03P145 # وقراءة المصلين، وإذا لم تكن القراءة في حالة سكتة الإمام، فالقراءة ~~أولى، كما يكبر ويقرأ دعاء الاستفتاح، ولا يترك المفروض من القراءة لمكان ~~فضيلة الجماعة، فهذا هو التأويل الظاهر. # وبالجملة، لا يخفى على عاقل أن الله سبحانه وتعالى إذا أمر بالاستماع. # والإنصات، فإنما أمر به ليكون داعيا إلى ترك باطل من اللهو والهزء وأشغال ~~الدنيا، لا ليكون ذلك داعيا إلى ترك مفروض عند الله تعالى عز وجل، وهذا ~~بين: # ويدل عليه ما روي عن محمد بن كعب القرظي قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا قرأ في الصلاة أجابه من وراءه، فإذا قال بسم الله الرحمن ~~الرحيم، قالوا مثل ما يقول، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة، فلبث ما شاء ~~الله أن يلبث، فنزل قوله تعالى: # (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) «1» . # وهذا يدل على أن المعين بالإنصات، ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من ~~مجاوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال قتادة: # في هذه الآية: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيقول: # كم صليتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله تعالى: PageV03P146 # (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) «1» . # وعن مجاهد قال: # كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجاتهم فنزل قوله: # (وأنصتوا لعلكم ترحمون) «2» . PageV03P147 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الأنفال # قوله تعالى: (يسئلونك عن الأنفال) ، الآية: 1. # اعلم أن النفل هو الزيادة في اللغة، على ms370 القدر المستحق، ومنه النوافل «1» ~~. # والنفل يكون من الإمام للسرايا التي تتقدم الجيش الأعظم، مثل أن يقول ~~للسرية: لكم الربع بعد الخمس. # أو يقول: من أصاب سهما فهو له، على وجه الحث على القتال والتضرية على ~~العدو. # أو يقول: من قتل قتيلا فله سلبه. # فأما بعد إحراز الغنيمة، فلا يجوز له أن ينفل شيئا من نصيب الجيش، ويجوز ~~له أن ينفل من الخمس. # وقد اختلف في سبب نزول الآية فقد روي عن سعد أنه قال: PageV03P149 # أصبت يوم بدر سيفا، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: نفلنيه: # فقال: ضعه من حيث أخذت، فنزل قوله: (يسئلونك عن الأنفال) ، قال فدعاني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اذهب خذ سيفك. # وروي عن ابن عباس أنه قال: (يسئلونك عن الأنفال) ، الأنفال هي الغنائم ~~التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء، ثم أنزل ~~الله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول) «1» . # وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تحل الغنائم ~~لقوم سود الرؤوس قبلكم، كانت تنزل نار من السماء فتأكلها، فلما كان يوم بدر ~~أسرع الناس في الغنائم، فأنزل الله تعالى: # (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا) «2» . # ورووا عن عبادة بن الصامت وابن عباس وغيرهما، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نفل يوم بدر أنفالا كثيرة مختلفة وقال: من أخذ شيئا فهو له. # واختلفت الصحابة فقال بعضهم: # نحن حمينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا ردءا لكم «3» . # وقال قوم: نحن قاتلنا وأخذنا، فلما اختلفنا وساءت أخلاقنا انتزعه الله من ~~أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه غير الخمس، وكان في ~~ذلك تقوى وطاعة رسول الله، وصلاح ذات البين لقوله تعالى: PageV03P150 # (يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم) ، فقال صلى الله عليه وسلم: ليرد قوي المسلمين على ضعيفهم. # وبين الله ms371 تعالى، أن ذلك مما يظهر به إيمانهم، وأنه لا يجدون في أنفسهم ~~حرجا بما قضى به رسول الله تعالى، فهو معنى قوله: إن كنتم مؤمنين. # قال الرازي: وهذا غلط، وإنما قال النبي عليه الصلاة والسلام يوم حنين: ~~«من قتل قتيلا فله سلبه» «1» . # وقوله تعالى: (يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول) . # نزل بعد حيازة غنائم بدر، وما كانت الغنائم قبل ذلك تحل. # وهذا ليس بصحيح، لإمكان أن الله تعالى أحلها يوم بدر للمسلمين، ولكن لما ~~اختلفوا انتزع منهم وجعل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومما قاله في ذلك، أنه عليه الصلاة والسلام كيف يقول: من أخذ شيئا فهو له ~~ويخلف وعده. # وهذا ليس بشيء، فإنه ما أخلف وعده، لإمكان أنه كان كذلك، ولكن ورد بعده ~~الناسخ، لما اختلفوا، وإنما جعل لهم ذلك بشرط ألا يختلفوا، خلا خبر فيما ~~قاله. # فإذا ثبت ذلك، فاعلم أن قوله: يسألونك عن الأنفال، ظاهر في أنهم سألوه عن ~~مال معلوم، وأن الجواب في ذلك، أن ذلك لله والرسول، PageV03P151 # ومعلوم أن كل شيء فهو لله تعالى ملكا حقا، فلم يختلف العلماء أن المراد ~~به استضياع كلام. # فتحصل من الجواب أن الأنفال للرسول. # وظاهر هذا القول يقتضي أمرين: # إما أن يكون ملكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو وضعه حيث يريد، وإن ~~لم يملكه حقيقة. # فعلى هذا الوجه اختلف العلماء، فقال بعضهم: # إن للرسول عليه الصلاة والسلام أن ينفل ذلك على المجاهدين على ما يراه ~~صلاحا. # وقال بعضهم: بل ذلك ملك الرسول أو كالملك له، حتى يصرفه إلى من شاء. # وظاهر قوله: (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) ، كالدلالة على أنه متى ~~أراد وضع ذلك فيهم، تنازعوا واختلفوا، فأنزل الله تعالى ذلك، بعثا لهم على ~~الرضا بما يفعله من القسمة بينهم، وذلك دليل على أنه ليس بملك له ولا لهم ~~وإلا كانوا في ذلك كغيرهم، وكان لا يكون لقوله تعالى: (فاتقوا الله وأصلحوا ~~ذات بينكم) معنى، فإن أراد المريد بالملك أن له أن يتصرف فيه ms372 على ما يراه ~~ويختاره فنعم، وإن أراد به الاستبداد والانتفاع به، فما ذكرناه كالمانع ~~منه، وقيل لذلك نفل، لأن الغنائم لما لم تكن مباحة من قبل، كانت كأنها عطية ~~زائدة من الله تعالى، فسميت أنفالا لذلك «1» . # قوله تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة) ~~، الآية: 16. PageV03P152 # روى أبو نضرة «1» عن أبي سعيد، أن ذلك إنما كان يوم بدر، وقال أبو نضرة: ~~لأنهم لو انحازوا يومئذ، لانحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم. # وهذا الذي قاله أبو نضرة فيه نظر، لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار ~~لم يأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه يكون ~~قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرجوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ~~خف معه. # فقول أبي نضرة إنه لم يكن هناك مسلم، وإنهم لو انحازوا انحازوا إلى ~~المشركين، غلط لما بيناه. # وقد قيل: إنه لم يجز لهم الانحياز يومئذ، لأنهم كانوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلم يكن الانحياز جائزا لهم، قال الله تعالى: # (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) «2» . # فلم يكن لهم أن يسلموا نبيهم، وإن تكفل الله بنصرته وعصمته من الناس، كما ~~قال تعالى: # (والله يعصمك من الناس) «3» . # فكان ذلك فرضا عليهم، قل أعداؤه أو كثروا، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فئة المسلمين يومئذ، ومن كان ينحاز عن القتال، فإنما كان ينحاز إلى ~~فئة، وما كان للمسلمين فئة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV03P153 # قال ابن عمر: كنت في جيش، فخاض الناس خيضة، ورجعنا إلى المدينة فقلنا: ~~نحن الفرارون، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أنا فئتكم «1» . # فلم يكن للمسلمين إذ ذاك أن ينحازوا، قل عدد العدو أو كثر، وقال تعالى في ~~آية أخرى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) «2» ، ثم نسخ بقوله: ~~(الآن خفف الله عنكم) «3» ، وليس عند أصحاب الشافعي في ذلك تفصيل، فيجوز ~~فرار الواحد ms373 من ثلاثة. # وقال محمد: إذا بلغ الجيش اثني عشر ألفا، فليس لهم أن يفروا من عدوهم وإن ~~كثر عددهم، ولم يذكر عن أصحاب أبي حنيفة خلافا فيه، واحتج بحديث الزهري عن ~~عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن ~~يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة، وفي بعضها ما يغلب قوم يبلغون اثني عشر ألفا ~~إذا اجتمعت كلمتهم. # وهذا ليس بيان حكم شرعي وإنما هو بيان حكم العرف. # وذكر الطحاوي أن مالكا سئل فقيل له: أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن ~~أحكام الله تعالى وحكم بغيرها؟ فقال مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك ~~فلا يسعك التخلف، وإلا فأنت في سعة من التخلف. # قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) ، الآية: 25: ~~PageV03P154 # عنى بذلك هرجا يعم المصلح والمفسد. # قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) الآية: 39، معناه شرك. # وقيل حتى لا يفتن مؤمن عن دينه، ويدل على ذلك أن قتل الكفار لدفع الضرار ~~لا جزاء على الكفر، وقد شرحناه من قبل. # قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء) ، الآية: 41. # وقال في آية أخرى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) «1» . # قال ابن عباس ومجاهد: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: (قل الأنفال لله ~~والرسول) ، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام، جعل ينفل ما أحرزوه بالقتال لمن ~~شاء، ولم يكن لأحد فيه حق، إلا من جعله الرسول له، وذلك كان في يوم بدر، ~~وقد روينا حديث سعد في قصة السيف الذي استوهبه من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم بدر وقال: # إنك سألتني هذا السيف، وليس هو لي ولا لك، ثم نزل: (قل الأنفال لله ~~والرسول) ، فدعاه فقال: # إنك سألتني هذا السيف، وما كان لي ولا لك، وإن الله تعالى جعله لي وجعلته ~~لك «2» . # وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال: # لما كان يوم بدر، تعجل ناس من المسلمين، فأصابوا من ms374 الغنائم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # لم تبح الغنائم لقوم سود الرؤوس من قبلكم، كان النبي إذا غنم هو ~~PageV03P155 # وأصحابه جمعوا غنائمهم، فتنزل نار من السماء فتأكلها، فأنزل الله تعالى: # (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا) «1» . # وقوله: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) ، يقتضي بظاهره أن تكون الغنيمة ~~للغنائم فقط، وأن يكونوا مشتركين فيها على سواء، إلا أن قوله تعالى: ~~(واعلموا أنما غنمتم من شيء) ، بين وجوب إخراج الخمس منه وصرفه إلى الوجوه ~~المذكورة، ثم بعده يخلص للقائمين بعد الصفي والسلب والعطايا المتقدمة، ~~ولولا الأخبار المأثورة لكان الفارس كالراجل، والعبد كالحر، والصبي ~~كالبالغ. # واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله: (غنمتم من شيء) : مال ~~الكفار، إذا ظهر به المسلمون على وجه الغلبة، ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ~~ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع: وسمى الشرع الواصل إلينا من الكفار ~~من الأقوال باسمين: # أحدهما: الفيء، وهو الذي يصل إلينا من الكفار من غير حرب، كالجزية ~~والخراج الحق. # ثم إن الله تعالى كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين، أضاف الفيء إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال: # (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) «2» . # فاقتضى ظاهر الآية، أن يجعل بعد إخراج الخمس أربعة أخماس، PageV03P156 # والفيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يختص الغانمون بأربعة أخماس ~~الغنيمة، فإنه تعالى قال: (أنما غنمتم من شيء) . # وقال: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) . # فاقتضى ظاهره أن يكون كله له، خص منه البعض، بقي الثاني على مقتضى ~~الإضافة، وهذا حسن بين. # ومن جملة الفيء، مال المرتد إذا قتل على الردة. # ومال الكافر غنيمة، إن كان وصوله إلينا بقهره وقتله، فإن مات من غير ~~قتال، فوجدنا ماله فهو فيء. # وإذا ثبت القول في أربعة أخماس الفيء والغنيمة فنقول: # أما الخمس، فإن الذي لا خلاف فيه، أن لليتامى والمساكين وابن السبيل حقا ~~باقيا في خمس الغنيمة. # واختلف الناس بعد الثلاثة في قوله: (فلله وللرسول ولذي ms375 القربى) «1» . # فأما قوله: (فأن لله خمسه) ، فأكثر العلماء على أنه استفتاح كلام، وأن ~~لله تعالى الدنيا والآخرة. # وروى الطحاوي عن أبي العالية، أن سهم الله تعالى مصروف في نفقات الكعبة، ~~والذي ذكره بعيد، فإنا إن أقررنا سهما لله تعالى، أدى ذلك إلى أن يكون ~~الخمس مقسوما على ستة، فعلى هذا يجب أن نقول: فأن لله سدسه، ولأنه ليس بأن ~~يجب صرفه إلى بيت الله تعالى بأولى من صرفه إلى أولياء الله. # نعم قد قال تعالى: (فأن لله خمسه) ، يعني كل ذلك الخمس يصرفه PageV03P157 # فيما شاء، وأراد لا أن له البعض دون البعض، ولا يجوز أن يعتقد من ~~الإطلاق، كون مال الفيء مشتركا بين الله وبين غيره. # وأما سهم الرسول، فقد كان له الخمس من خمس الغنيمة، فيصرفه في كفاية ~~أولاده ونسائه، ويدخر من ذلك قوت سنة، وما يفضل يصرفه إلى الكراع والسلاح ~~وغير ذلك من المصالح. # وقال الشعبي: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب من الغنائم لنفسه ~~شيئا قط، إلا الصفي من المغنم، وهو ما كان يتناوله من عبد أو أمة أو فرس. # حكى الطحاوي ذلك عن الشعبي، وذكر عنه أن سهمه من الغنيمة، كان كسهم رجل ~~من المسلمين وراء ما خص به من الصفي. # والظاهر يدل على أن الخمس مشترك بين رسول الله وبينهم، ولا يمكن أن يقال ~~إن الصفي من جملة ذلك، فإن الصفي كان يتناوله من جملة الغنيمة قبل القسمة، ~~فهو حق، سوى هذا الخمس المذكور. # ولرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضر الوقعة، ما لسائر من حضرها من ~~أربعة أخماس الغنيمة. # واختلفوا في سهمه، فقال الطحاوي: # إن طائفة قالت: هو للخليفة بعده. # وقالت أخرى: يصرف في الحمل والعدة في سبيل الله. # وطائفة قالت: بل زال بموته. # ولا يدل الظاهر على أكثر من استحقاقه في حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولا يدل على مصرف من هذه المصارف بعده. # وقد دل الدليل، على أن ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم المستقر ms376 في حالة ~~حياته، لا يورث عنه، فلأن لا يورث عنه ما يتجدد من الغنيمة، ولا يوجد سبب ~~ملكه أولى. # PageV03P158 # ولا دليل على قيام الإمام مقامه بعده، لأنه اختص به لمنصب النبوة، كما ~~اختص بالصفي من المغنم، وأقرب شيء يتخيل فيه صرفه في الكراع والسلاح، ~~بدلالة أنه عليه السلام كان يصرف الفاضل من الخمس في هذا الوجه. # والجواب: أنه كان يصرفه اختيارا لا استحقاقا، ولو ثبت أنه كان يصرفه إلى ~~هذا الوجه استحقاقا، لقرب أن يقال: إن الأولى بهذا السهم هذا الوجه، فعلى ~~هذا الأقرب، أنه يصرف خمس الخمس إلى الباقين، قياسا على الصدقة الواجب ~~صرفها إلى الأصناف، إذا تعذر صنف وجب صرفه إلى الباقين. # فعلى هذا قال الشافعي: يقسم الخمس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أربعة، وهذا مذهب الشافعي، فإنه قال: # إن لبني هاشم وبني عبد المطلب سهما من الخمس. # وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم: على اليتامى والمساكين وابن ~~السبيل. # وخالفه أبو يوسف. # وقال قائلون: هو لفقرائهم عوضا عما حرموا من الصدقة. # وقال آخرون: هو للفقراء والأغنياء منهم. # ثم إن الذين أثبتوا لهم الاستحقاق اختلفوا: # فمنهم من قال: يقسم قسمة الغنيمة على التساوي. # ومنهم من قال: يقسم كقسمة المواريث، فإنه مال مستحق بالقرابة. # والظاهر تعلق الاستحقاق بالقرابة، إلا أن القرآن ورد بذكر ذي القربى، وقد ~~صار بعض السلف لأجله، إلى أنه لجميع قريش، وثبت أنه عليه الصلاة والسلام لم ~~يعط من ذلك من انتمى إليه باقرابه مطلقا، والمراد # PageV03P159 # به الخصوص، وليس يتأتى تعليله بالقرابة المطلقة، لأن سعيد بن المسيب، روى ~~عن جبير بن مطعم، أنه وعثمان جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يكلمانه فيما قسمه من خمس الخمس بين بني هاشم وبني المطلب، فقالا: # يا رسول الله، قسمت لإخواننا بني المطلب وقرابتنا وقرابتهم واحدة، فقال: # «إنما أرى هاشما والمطلب شيئا واحدا» «1» . # وروى أنه قال: «إن بني المطلب لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام» «2» . # فلم يعط لبني أمية ولا لبني نوفل شيئا، ms377 وقرابتهم كقرابة بني المطلب، وهذا ~~يدل على التخصيص. # فعلى هذا، رأى أبو حنيفة استحقاقهم بالنصرة في حياة رسول الله. # وقال آخرون: لا بل لا استحقاق لهم إلا بالفقر، إلا أن ذكر ذوي القربى مع ~~أن الفقر مستقل، كذكر اليتامى، ولا يصرف إلى اليتامى إلا إذا كانوا فقراء، ~~ولا فرق ... ولا معنى لقول من يقول: إن اليتم عبارة عن الحاجة، فإن اليتم ~~عبارة عن الحاجة إلى الكافل لا إلى المال، وليس في اسم اليتم ما يدل على ~~عدم المال، ولعلهم يقولون: # إنما ذكر ذوي القربى مع أن الفقر شرط، حتى لا يتوهم متوهم، أنهم كما ~~فارقوا الفقراء من المسلمين في أن لا تصرف الصدقات إليهم مع الفقر، فكذلك ~~الخمس، فقطع الشرع هذا الاحتمال، وهذا محتمل، ويصرف إلى اليتامى مع أن ~~الفقر شرط، والمقصود من ذكره أن الخمس يقسم على أربعة أسهم عند الشافعي، ~~وعلى ثلاثة عند أبي حنيفة، ولا بد من الصرف إلى هذه الأجناس. PageV03P160 # والمقصود من ذكرها مع اشتراط الفقر فيها، تعديد جهات الحاجات واستيعابها، ~~فأما الأربعة أخماس، فظاهر القرآن يقتضي أنها لمن غنمه. # وقوله (أنما غنمتم) : يشتمل الرقاب والعقار، إلا أن الرقاب الخيرة فيها ~~إلى الإمام بلا خلاف، وفي الديار اختلف العلماء فيها. # وليس في كتاب الله تعالى تفضيل للفارس على الراجل، بل فيه أنهما على ~~سواء. # وفي المأخوذ على جهة التلصص، اتفق العلماء على أنه لا تخميس، وظاهر ~~القرآن يقتضي تخميس كل مغنوم، وذلك يستوي فيه هذا وما سواه. # وظاهر اللفظ أيضا يقتضى التسوية فيه بين الصبي والبالغ، إلا أن الدليل ~~قام على أن الصبي يرضخ له. # واعلم أن ظاهر قوله: (واعلموا أنما غنمتم من شيء) ، ربما لا يظهر عند ~~الناس في تعارف اللغة، أن من استولى على مثله فقد غنمه، وأنه يصرف خمسه إلى ~~كذا وكذا، في أن الحرية تسلب عن المسترق، وإنما ظهر ذلك بعرف الشرع، وعرف ~~الشرع دل على أن الغنيمة اسم للمأخوذ من الكفار بطريق القهر، ولا يدل على ~~أخذ أنفسهم من حيث عرف ms378 اللغة، وفي الشرع، الإمام على التخيير بين الخلال ~~التي بينها الفقهاء. # قوله تعالى: (إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا) ، الآية 45: # الأمر بالثبات تقدم بيانه عند النهي عن القرار من الزحف، إلا على تفصيل ~~ذكرناه، وقوله: (واذكروا الله كثيرا) : يحتمل الذكر بالقلب، وذلك بأحد ~~وجهين: # PageV03P161 # إما بتذكر ما عند الله تعالى من ثواب المجاهدين، وتهوين أمر الدنيا في ~~جنب ما عند الله تعالى. # والثاني: ذكر دلائله ونعمه وما يستحقه الله تعالى على عباده من بذل المهج ~~في مرضاته، وأنهم وإن بلغوا الغاية في طاعته، فلا يبلغ كنه جلاله، وكل ذلك ~~مما يعين على الصبر والثبات، ويستمد بها النصر من الله تعالى، والجرأة على ~~العدو والاستهانة بهم. # قوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا) ، الآية 46: # نهى عن الاختلاف المؤدي إلى الفشل وجرأة العدو. # وقوله تعالى: (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم) «1» . # أبان أن المقصود من التنكيل بالأسر، زجر من سواهم، ولأجله شرعت العقوبات، ~~ولأجله أمر الصديق بالتنكيل بأهل الردة، وإحراق بعضهم بالنيران، ورمي بعضهم ~~من رؤوس الجبال، وطرحهم في الآبار. # قوله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) ، الآية 58: # أباح الله لرسوله إذا توقع من أعدائه غائلة من مكر، أن ينبذ إليهم على ~~سواء، حتى لا يقول المبطل: إنك نقضت العهد بنصب الحرب، ولم ينبذ إلى أهل ~~مكة عهودهم، بل غزاهم نبذا، لأنهم كانوا نقضوا العهد، لمعاونة هذيل على ~~خزاعة حلفاء النبي، ولذلك جاء أبو سفيان إلى المدينة يسأل تجديد العهد بينه ~~وبين قريش، فلم يجبه الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ذلك، فلأجل ذلك لم ~~يحتج إلى النبذ إليهم، إذ كانوا أظهروا نقض العهد بنصب الحرب لحلفاء الرسول ~~عليه الصلاة والسلام. PageV03P162 # قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) ، الآية: 60: # هو الأمر بالاستعداد للعدو، وبإعداد الكراع والسلاح قبل وقت القتال ~~إرهابا للعدو، والتقدم في ارتباط الخيل استعدادا لقتال المشركين، ومنه أخذ ~~إعداد الأموال والخزائن لحاجة المسلمين إليها يوم القتال. # قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح ms379 لها) ، الآية 61: # منسوخ بقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين) «1» ، و (قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر) «2» وهو الظاهر. # فإن سورة براءة، آخر ما نزلت، فكان العهد بين رسول الله والمشركين قبل ~~ذلك، وقد قال تعالى: # (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون) «3» . # فنهى عن المسالمة عند القوة على قهر العدو وقتلهم، ولذلك قال بعض ~~أصحابنا: إذا قدر بعض أهل الثغور على قتال العدو لم يجز مسالمتهم، قالوا: ~~وإن قدروا بعد ذلك على قتالهم، نبذوا إليهم على سواء إن توقعوا منهم غائلة، ~~وإن لم يمكنهم دفع العدو عن أنفسهم إلا بمال يبذلونه لهم، جاز لهم ذلك، لأن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قد كان صالح عيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب على ~~نصف ثمار المدينة، حتى إنه لما شاور الأنصار، قالوا: هذا مما أمرك الله به ~~أم الرأي والمكيدة «4» ؟ فقال: لا بل PageV03P163 # هو رأي، لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد، فأردت أن أدفعه عنكم إلى ~~يوم، فقال السعدان: سعد بن عبادة وسعد بن معاذ رضي الله عنهما: # والله يا رسول الله إنهم لم يطمعوا فيها منا إلا بشراء أو قراء، ونحن ~~كفار، فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام، ولا نعطيهم إلا بالسيف، وشقا ~~الصحيفة. # قوله تعالى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) ، الآية ... وقوله ~~تعالى: (وعلم أن فيكم ضعفا) «1» . # وعلم الله تعالى سابق أزلي، فمعناه أن الله تعالى بين أن الواحد في ~~ابتداء الإسلام يفي بعشرة لأمور: # منها: النصرة منه تعالى. # ومنها: الصبر والقوة. # ومنها: قوة النية والبصيرة. # ثم بعد زمان نسخ ذلك لنقصان القوة في الدين، وضعف النية في محاربة ~~المشركين. # فهذا معنى قوله: (وعلم أن فيكم ضعفا) . # فقوله تعالى الآن، دخل في ضعف الناس لا في علم الله تعالى. # قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) ، الآية: ~~67. # وذلك يدل على أن العدول عن القتل إلى الأسر حرام على كل نبي، حتى يكثر ~~القتل منه، فتحصل هيبته في القلوب، وتمتلئ النفوس منه ms380 PageV03P164 # رعبا، فإذا أثخن في الأرض بالإكثار من القتل، يجوز أن يكون له أسرى، فدل ~~من هذا الوجه، أن الجهاد من تكليف سائر الأنبياء، فلذلك عمهم تعالى به. # وقال قائلون: كأن الله تعالى أمرهم بإكثار القتل بقوله: (فاضربوا فوق ~~الأعناق واضربوا منهم كل بنان) «1» ، لكي يعظم الرعب في قلوبهم، فيكفهم ذلك ~~عن المحاربة، ويميل بهم إلى الإسلام والمسالمة ... # فأبى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، إلا أسر بعضهم رغبة في ~~الفداء، فصار ذلك معصية منهم ومخالفة. # فإن قيل: أفكان النبي عليه الصلاة والسلام موافقا لهم؟ # قيل: بل كان صلى الله عليه وسلم أمرهم بالإثخان، وبلغهم ذلك من الله ~~تعالى، ولذلك كانوا عصاة بترك الأمر. # فإن قيل: فلم أضاف الأمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقال: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى؟ # قيل: من الممكن أنهم أسروا الكفار ليسلموهم إلى النبي عليه الصلاة ~~والسلام. # فإن قيل: لم توقف بعد الأسر في قتلهم، واستشار أصحابه، فأشار عمر بقتلهم، ~~وأشار أبو بكر باستبقائهم؟ فالجواب: أن ذلك لتجويز تغيير التعبد بعد الأسر، ~~وإن كان الواجب من قبل القتل. # قوله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم) ، الآية 68: # حمله قوم على إسراع المسلمين في الغنائم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ~~PageV03P165 # وقد قيل: لولا تقدم دلالة القرآن على أن الصغائر مغفورة عند اجتناب ~~الكبائر لمسهم العذاب، فعلى هذا ثبت كونهم عصاة، وإن كانت الصغائر مغفورة، ~~فيصح أن يعاتبوا على ما فعلوه. # وقد قيل: معناه لولا أن الوعيد يتقدم العقاب، لمسكم فيما أخذتم، ولكن سبق ~~الكتاب بأن لا مؤاخذة إلا بعد النهي. # وقد قال قائلون: يجوز أن يكون توقفه بعد الأسر في قتلهم، صغيرة ورد فيها ~~العقاب. # ويقال: كيف يكون هذا صغيرة مع تقدم قوله: (فاضربوا فوق الأعناق) ، وأنتم ~~إن جعلتم ذلك صغيرة، لم تجعلوا قوله: (فاضربوا فوق الأعناق) واردا بعد حرب ~~بدر بل قبله، فإذا ثبت ذلك، فلا بد أن تكون مخالفة الأمر في ذلك كبيرة. # قيل: احتمل أنهم توهموا أن ms381 القتل لما كثر جاز العدول إلى الأسر. # قوله تعالى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) ، الآية 69: # ليس فيه بيان أكله بعد القسمة أو قبلها، أو بعد الغلبة والإحراز بدار ~~الإسلام. # قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله) ، الآية/ 72. # يدل قوله: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء) «1» : ~~على وجوب الهجرة، إلا أنها كانت واجبة في وقت، وقد زال ذلك الوجوب بالفتح ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: PageV03P166 # لا هجرة بعد الفتح «1» . # وإنما كانت واجبة للخوف من الكفار، والخوف من الافتتان، ولتقوية الرسول ~~عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك زال بالفتح. # ويحتمل أن يكون المراد بالولاية الوراثة، لأنهم كانوا من قبل يتوارثون ~~بالإسلام والهجرة، ونسخ ذلك بقوله تعالى: # (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) . # ويحتمل أن تكون الموالاة في الدين. # وقوله تعالى: (ما لكم من ولايتهم من شيء) ، يدل على أن من ترك الهجرة، ~~فقد خرج عن أن يكون وليا لسائر المؤمنين، إلا أنه لو خرج عن الدين لما قال ~~الله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) «2» . # قوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) «3» ، يدل على أنه أراد به ~~الولاية في الدين، لأنه تعالى قال: (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد ~~كبير) «4» . # قوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) ، الآية/ 75. # يحتمل التوريث بالرحم على قول ابن مسعود. PageV03P167 # ويحتمل أن يكون أولى ما بين الله تعالى في كتابه من آي المواريث، ويجعل ~~هذه الآية كأنها مجملة وتلك مفصلة، ولا يدل على أن بعضهم أولى ببعض في ~~الميراث من حيث الظاهر، إلا أن يعلم الميراث بدليل. # PageV03P168 # الجزء الرابع # PageV04P169 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة براءة # «1» # قوله تعالى: (براءة من الله ورسوله) ، الآية/ 1. # اعلم أن الإمام إذا استشعر من أهل العهد جناية، أو توقع منهم غائلة، كان ~~له نبذ عهدهم إليهم، دفعا لغائلتهم، حتى لا يؤتى من حيث لا يشعر، إلا أنه ~~إنما يجوز ذلك بأن يجاهر بنبذ العهد إليهم، حتى لا يكتسبهم ms382 مغافصة «2» ، ~~فيشبه الغدر، ويجوز أيضا أن يعاهد المشركين إلى أن يرى فيه رأيه، كما عاهد ~~أهل خيبر، وقال في العهد: أقركم ما أقركم الله ثم أجلاهم عمر، وكل ذلك ~~جائز. # وإذا ثبت ذلك فقوله: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين) : يدل على أن عهدا قد تقدم بينهم، وأنه قد نقض. PageV04P171 # يبقى أن يقال: # فلم قال: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) «1» ، وإذا انتقض العهد فلم جاز ~~الإمهال؟ # فيقال: لا يبعد جواز الإمهال لما فيه من المصلحة في تدبر من أمهل في ~~عاقبة أمره ومآل حاله، وأن ذلك يكون داعيا إلى الإسلام، وإنما لا يحسن ~~الامهال لمن يتوقع الغوث، فأما من لا يخشى الغوث، فلا يقبح منه الامهال، ~~ودل عليه قوله: # (واعلموا أنكم غير معجزي الله) «2» . # ومعناه: غير معجزيه، بتمكين نبيه منهم، ونصرته عليهم، أو نفاذ مراد الله ~~تعالى فيهم بما شاء، وهو معنى قوله تعالى: (وأن الله مخزي الكافرين) . # فكان المقصود من التسمح بهذه المدة، التوصل إلى هذه البغية، وهو رجاء ~~الإسلام. # وإذا بان السبب الذي لأجله يجوز نبذ عهود الكفار إليهم، فقد قال ابن ~~عباس: إن المشركين أخذوا في نقض عهودهم التي بينهم وبينه صلى الله عليه ~~وسلم، فأمر الله تعالى نبيه فيمن كان عهده أربعة أشهر، أن يقره إلى مضي هذه ~~المدة، وذلك من يوم النحر إلى عشر من شهر ربيع الآخر، ومن كان له من العهد ~~أكثر، أمر أن يحط إلى ذلك، ومن كان أقل، أمر أن يرجع به إلى هذا القدر، ومن ~~لم يكن له عهد، أمر أن يجعل له خمسين ليلة من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، ~~إلا حي من بني كنانة، كان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر، فأمر الله تعالى أن ~~يتم عهدهم إلى مدتهم، # وهو معنى قوله: PageV04P172 # (إلا الذين عاهدتم من المشركين) - إلى قوله- (فأتموا إليهم عهدهم إلى ~~مدتهم) ، الآية 4. # وذكر التبري وقطع العصمة وبعث عليا بذلك، لينادي فيهم مع قوله تعالى: # (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ms383 ولم يظاهروا عليكم ~~أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) . # واعلم أن الذين تقدم ذكرهم، وقعت منهم مظاهرة أو مخابرة وخداع، يقتضي نقض ~~العهد والإخلال به، ولذلك قال: # (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) ، الآية/ 7. # فلو كان ممن تقدم ذكرهم الاستقامة في العهد، لم يجز منه تعالى أن يتبرأ ~~منهم وينقض عهدهم، فكل ذلك يدل على أنه قد كان تقدم منهم نقض العهد، إما ~~ظاهرا وإما سرا. # وقال ابن عباس في سورة التوبة: إنها هي الفاضحة، فهذا القول منه يدل على ~~أنهم نكثوا وأسروا به، فأظهر الله تعالى لنبيه ما أسروه بالبراءة منهم، ~~ونبذ العهد إليهم. # وذكر في النقض وجه آخر، من حيث استبعد هؤلاء النقض من جميع المشركين سرا، ~~فقال: سبب نقض العهد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يحج ~~لقابل، وأن الله تعالى أعلمه ذلك، وأنه لا يتفرغ إلى الحج إلا بعد العام ~~القابل، لقرب أجله، وكان المشركون يطوفون بالبيت عراة في الطواف، والتعري ~~بحضرته شرك وكفر، فاقتضى ذلك نقض العهد. # PageV04P173 # وهذا باطل، فإنه لا يجوز من رسول الله صلى الله عليه وسلم النقض لهذه ~~العلة، فإن من الممكن أن يخلى له البيت ساعة، ولا يمكن المشركين من الطواف ~~في تلك الحالة، كما طاف في عمرة القضاء وأخلى له المشركون البيت. # والذي يتعلق بالأحكام من الآية أنه: # لا يجوز نبذ عهد الكفار إلى الكفار إلا بنقض ظاهر منهم، أو توقع نقض، أو ~~إبهام في مدة العهد، مثل أن يقول: نقركم ما أقركم الله. # ثم الأمان فسد أو صح، لا يجوز نقضه بالاغتيال، بل بإظهار نبذ العهد ~~إليهم. # فهذا ما يتعلق بالفقه من الآية، وما ذكر في الآية: (إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا) ، الآية/ 4. # والمتعلق بالأحكام منه وراء ما ذكرناه، أن من كان بين المسلمين وبينهم ~~عهد، فإذا ظاهروا علينا قوما من الأعداء فهو نقض ms384 العهد، سواء ظاهروا سرا أو ~~جهرا. # قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) ، الآية/ 5. # وفيه سؤال: وهو أن النداء إنما كان يوم الحج الأكبر، والأشهر الحرم: ذو ~~القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وهذه الثلاثة سرد ورجب فرد، فإذا ثبت ذلك، ~~فكيف يقول: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) # ، وما بقي إلا أيام قلائل؟ # وأجيب عن ذلك من وجوه: # منها: أنه لما كان آخر الأشهر الحرم المحرم، وكان بانقضائه تنقضي الأربعة ~~أشهر، جاز أن يعلق قتال الكفار به. # PageV04P174 # والوجه الثاني: أن المراد بالأشهر الحرم: الأربعة التي حرم الله تعالى ~~فيها قتالهم وأمنهم فيها، وهي: من يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر. # فقوله تعالى: (الأشهر الحرم) ، هي التي حرم الله تعالى فيها القتل فقط، ~~ولم يعن بالحرم الثلاثة السرد والواحد الفرد، وإنما أراد الأربعة المتوالية ~~من وقت العهد إلى العاشر من ربيع الآخر، وهو قول الحسن. # وفيه شيء، وهو أن اسم الأشهر الحرم لا يتعارف منه غير المعهود، ولا يصير ~~بسبب العهد الأشهر مسماة بالحرم، فلا جرم اختار كثير من العلماء القول ~~الأول. # وقال الأصم: أريد بالآية من لا عهد له من المشركين، فأوجب أن يمسك عن ~~قتالهم حتى ينسلخ المحرم، وهو مدة خمسين يوما على ما ذكره ابن عباس. # قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم ~~كل مرصد) «1» ، يدل على جواز الأسر بدل القتل والتخيير بينهما، ويدل على ~~جواز قتلهم، أو أسرهم، على وجه المكيدة، لقوله تعالى: (واقعدوا لهم كل ~~مرصد) . # وقال ابن عباس في قوله: (لست عليهم بمصيطر) «2» و (ما أنت عليهم بجبار) ~~«3» وقوله: (فاعف عنهم واصفح) «4» ، PageV04P175 # وقوله: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) «1» ، قال: نسخ ~~هذا كله بآية السيف وهو قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ، ~~الآية، وقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) «2» ، ~~الآية. # وقال موسى بن غفلة: كان النبي عليه الصلاة والسلام قبل ذلك يكف عمن لا ~~يقاتله، لقوله تعالى: (وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) ~~«3» ، ثم نسخ ذلك ms385 بقوله تعالى: (براءة من الله ورسوله) - إلى قوله- (فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) ، الآية. # وعموم ذلك يوجب قتل كافة المشركين من أهل الكتاب وغيرهم، فإنه جعل المرد ~~(فإن تابوا وأقاموا الصلاة) ، إلا أن الأخبار وردت في أخذ الجزية. # ويجوز أن يكون لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتابين، ويقتضي ذلك منع أخذ ~~الجزية من عبدة الأوثان وغيرهم. # واعلم أن مطلق قوله: (فاقتلوا المشركين) ، يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان، ~~إلا أن الأخبار وردت في النهي عن المثلة، ومع هذا يجوز أن يكون الصديق رضي ~~الله عنه، لما قتل أهل الردة بالإحراق بالنار، والحجارة، والرمي من رؤوس ~~الجبال، والتنكيس في الآبار، تعلق في ذلك بعموم الآية. PageV04P176 # وكذلك إحراق علي رضي الله عنه قوما من أهل الردة، بالإحراق بالنار، يجوز ~~أن يكون ميلا إلى هذا المذهب واعتمادا على عموم اللفظ. # قوله تعالى: (يوم الحج الأكبر) «1» ، الظاهر أنه يوم عرفة، قال عليه ~~الصلاة والسلام: الحج عرفة. # ويجوز أن يكون يوم النحر، وورد في كل واحد منهما أثر، وتسميته الحج ~~الأكبر يدل على أن العمرة أصغرهما. # قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) «2» : # هذه الآية فيها تأمل، فإن الله تعالى علق القتل على الشرك، ثم قال: # (فإن تابوا) ، والأصل، أن القتل متى كان الشرك يزول بزواله، وذلك يقتضي ~~زوال القتل بمجرد التوبة، من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك ~~سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة وإيتاء الزكاة، فهذا بين. # غير أن الله تعالى ذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين، فلا سبيل إلى ~~إلغائهما، وصح أن الصديق رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة، لا من جحد وجوب ~~الزكاة فقط، بل من قال لا أؤديها إليك. # فقال أبو بكر: «لا والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم» «3» . # وإنما فعل ذلك، فهم العلماء منه قتال مانعي الزكاة، لأن الله تعالى شرط ~~أمورا ثلاثة في ترك القتال، فلا بد من وجودها جميعا، ودل قوله تعالى ~~PageV04P177 # في موضع: (فإن تابوا وأقاموا ms386 الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) ، وقال ~~في موضع آخر: # (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) «1» . # على أن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مدخلا في تخلية سبيلهم، كما أن ~~للتوبة مدخلا في ذلك، وبذلك احتج أبو بكر رضي الله عنه في أن التوبة لا ~~تكفى في تخلية سبيلهم والكف عن قتلهم، حتى ينضاف إليها فعل الصلاة وإيتاء ~~الزكاة، وقال إنه صلى الله عليه وسلم قال: # «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» «2» . # فلم تثبت العصمة بمجرد الإسلام، وذكر أن الزكاة من حقها. # وتعلق علي بذلك في قتال الفئة الباغية، وذهب إلى أن المشركين إذا أسلموا، ~~ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة، حل قتالهم وقتلهم. # وقال بعضهم: إنما أراد بذلك الاعتراف بالصلاة والزكاة لا فعلهما، فمن جحد ~~أحدهما فقتله مباح، وهذا يستأصل وجه التخصيص. # فإن قيل: فإذا تاب قبل وقت الصلاة والزكاة فلا قتل عليه، ولم يقم الصلاة ~~ولا الزكاة جميعا. # الجواب: أن التوبة إن كفت على هذا الرأي، فذكر الصلاة والزكاة لغو، وهو ~~بمثابة من يقول: فإن تابوا ودخلوا الدار ولبسوا الثوب. PageV04P178 # نعم، فهمنا من جعلهما شرطا خروج ما قبل حالة الوجوب، لأنه لا يجوز أن ~~يجعلهما شرطا، ولما وجبا ولزما. # فالظاهر ما قاله الصديق، وهو جواز محاربتهم «1» إذا امتنعوا من القيام ~~بهما. # وقد كان كثير من الناس يعترفون بوجوب الزكاة، لكنهم كانوا يمتنعون من ~~دفعها إليه، وأمر مع ذلك بمحاربتهم وقال: لو منعوني عقالا مما أعطوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. # فتبين بذلك أن الزكاة للإمام فيها حق الأخذ، فمتى امتنعوا وانحازوا إلى ~~فئة حل قتالهم وقتلهم، ما داموا مصرين على الامتناع، وكذلك إذا امتنعوا من ~~الصلاة، وفعلها على وجه يظهر. # فإن قيل: فقد خص الله تعالى هذا بالمشركين وقتالهم، فمن أين أن هذا جائز ~~في حق المؤمنين؟ # والجواب: أنه إذا ثبت أن التوبة تسقط القتل، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~تسقط القتل، فمقتضاه: أن المشرك إذا تاب ولم يصل ولم يزك وجب عليه القتل، ms387 ~~وهذا ما نقوله. # يبقى أن يقال: إن الآية أوجبت التسوية بين منع الصلاة ومنع الزكاة، ~~والشافعي يخصص بالصلاة. # والجواب: أن عند الشافعي لا فرق بين البابين، إلا أن في الزكاة أخذها ~~ممكن قهرا، وفي الصيام يمكن أن يحبس في موضع فيجعل ممسكا، والركن الأعظم في ~~الصوم الإمساك، فأما الصلاة، فاستيفاؤها منه غير PageV04P179 # ممكن، فكان قتل تارك الصلاة من حيث تعذر استيفاؤها منه، بمثابة قتل تارك ~~الزكاة إذا انحاز إلى فئة. # قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه) ، الآية/ 6. # اعلم أن هذا لا دلالة فيه على أمان مشرك، ووجوب بذل الأمان فيمن يطلب ~~الأمان، وذلك أن الله تعالى إنما ذكر ذلك وشرع الأمان لفائدة، وهي سماع ~~الأدلة من كتاب الله تعالى، والكفار متى طلبوا تعرف التوحيد والعدل وبطلان ~~ما هم عليه وجب ذلك، وإذا وجب على الرسول صلى الله عليه وسلم، وجب على سائر ~~الأمة، بل على سائر المجاهدين. # ولا يحل للمجاهد قتل الكافر مع طلبه التعرف للدين، والوقوف على الأدلة، ~~لأنه لو حل قتله، لم يجز أن يجار وأن يؤمن، فلذلك لا يجوز أن يخلو ~~المجاهدون من العلماء، لأنه لا يأمن أن يكون في الكفار من يلتمس ذلك، فإذا ~~لم يجد من يحل شبهته، ويثبت له طريقة الحق، لم تجز مقاتلته. # فلو قالوا: إنا نريد الوقوف على طريق الحق وتمييزه عن الباطل، فأمهلونا ~~ودعوا مقاتلتنا، لوجب ذلك، وكما يجب أن يكون في عسكر الإسلام من يستعد لقوة ~~الدين بالسلاح والعدة، فكذلك يجب أن يكون فيهم من يستقل بقوة المناظرة ~~وتعريف الأدلة. # فقوله تعالى: (فأجره) ، أمر دال على الوجوب، ولا وجوب إلا عند هذا الغرض، ~~وليس هذا الغرض من الأمان المعروف في الشرع في شيء، فإن الامان هو الذي ~~يحصل بسبب من المسلم موقوفا على خيرته: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وفي ~~الاستجارة لغرض الاستماع لكلام الله عز وجل، يجب الأمان، وتنكف السيوف عن ~~رقبته، ويتحرس «1» دمه متى طلب ذلك، سواء ms388 كان جرى منا الأمان أو لم يجر. ~~PageV04P180 # ثم قال تعالى: (حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) ، الآية/ 6. # أي بعد السماع، لأنه لا فائدة في مقامه عندنا. والأمان الذي تعارفه ~~الفقهاء، أن يؤمن كافرا لا يبغي به سماع كلام الله عز وجل، حتى إذا استمع ~~أبلغه مأمنه، بل يبغى به أمانه حتى يتجر ويتسوق ويقيم عندنا مدة لغرض لهذا ~~المسلم، وذلك ليس ما نحن فيه بسبيل «1» . # قوله تعالى: (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين ~~عاهدتم) ، الآية «2» . # يدل على أن من نفى أن يكون له عهد، إنما نفاه من حيث لم يستتم، بل غدر ~~سرا أو جهرا، أو خيف منه الغدر، وذكر الشرك ذكر الباعث على الغدر ثم قال: # (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام) «3» . # فإنه لم يظهر منهم غدر. # (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) «4» . # وهذا يدل على أن من نقض عهده فإنما نقضه لمكان الغدر وتوقع الجناية، وإلا ~~فلو استوى المستثنى والمستثنى منه في الاستقامة والوفاء لاستويا في وجوب ~~الوفاء، ويدل عليه # قوله تعالى فيما بعد: # (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) «5» . PageV04P181 # فبين الله تعالى أن المعلوم من حالهم الغدر عند التمكن، وأنهم ينتهزون ~~فرصة الاغتيال والمجاهرة بسر المكاشفة. # وبين أنهم في إظهار التمسك بالعهد منافقون لقوله: (يرضونكم بأفواههم ~~وتأبى قلوبهم) «1» وقوله: (إلا) ، يحتمل القرابة والعهد والجوار. # ويحتمل أن يكون من أسماء الله تعالى يحلف به، فأبان أنهم لا يثبتون على ~~العهد واليمين. # قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) ~~، الآية/ 11. # هذا فيه تأمل، فإنا إن جعلنا لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على مذهب ~~الشافعي أثرا في تخلية سبيلهم، فليس لهما اختصاص أصلا بكون مقيمهما أخا لنا ~~في الدين، فإن مجرد الإسلام كاف في هذا المعنى ولا وجه له، إلا أن ذكرهما ~~يدل على ما عداهما. # فإن الصلاة هي الوظيفة الكبرى المختصة بديننا وشرعنا. # والزكاة هي الوظيفة الشاقة على المكلفين وما كانت لهم عادة بهما. # فأبان أن الدخول فيهما ms389 دخول فيما سواهما. # وأبان أنه وإن تمسك بالكفر دهرا طويلا فإذا تاب صار في الحال بمثابة من ~~كان معنا دهرا طويلا على الإسلام، حتى يجب علينا نصرته وموالاته. # قوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم) ، الآية/ ~~12. PageV04P182 # يدل على أن المعاهد لا يقتل في عهده ما لم ينكث، وذكر الأمرين لا يقتضي ~~توقف قتالهم على وجودهما، فان النكث يقتضي ذلك بانفراده عقلا وشرعا. # فالمراد به على هذا الوجه التمييز في الجمع، وتقديره: # فإن نكثوا حل قتالهم وإن لم ينكثوا وطعنوا في الدين مع الوفاء بالعهد حل ~~قتالهم. # وهذا يقوي مذهب الشافعي، فإن المعاهد إذا جاهر بسب الرسول وطعن في الدين ~~فإنه يحل قتله وقتاله.. وأبو حنيفة رأى أن مجرد الطعن في الدين لا ينقض به ~~العهد، ولا شك أن دلالة الآية قوية فيما قاله الشافعي. # فإن قيل: فلم قال: فقاتلوا أئمة الكفر؟ ولم خصصهم بذلك مع وجود القتال من ~~جميعهم؟ # الجواب: أن من المحتمل أن يكون المراد به أن المقدم على الطعن في الدين ~~ونكث العهد صار أصلا ورأسا في الكفر، فهو من أئمة الكفر على هذا التأويل، ~~أو عنى به المقدمين والرؤساء منهم، وأن قتالهم قتال أتباعهم، وأبان أنهم لا ~~يحترمون ولا يهابون. # وقد قيل: عنى به صناديد قريش، كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية ابن خلف. # وهذا بعيد: فإن الآية في سورة براءة، وحين نزلت وقرئت على الناس استؤصل ~~شأفة «1» قريش فلم يبق منهم إلا مسلم أو مسالم. PageV04P183 # قوله تعالى: (إنهم لا أيمان لهم) «1» أي لا أيمان لهم يفون بها، ويثبتون ~~عليها. # قوله تعالى: (لعلهم ينتهون) «2» . # أبان به أن الغرض من قتال الكفار يجب أن يكون طلب إسلامهم، فمن رجا منهم ~~الإسلام وتطلب تعريف الحق يجب السعي في بيان ذلك، لأن قوله: (لعلهم ينتهون) ~~، أي كي ينتهوا عن كفرهم وباطلهم وأذيتهم للمسلمين، وذلك يقتضي أن يكون ~~الغرض من قتالهم، إما دفع ضررهم فينتهون عن قتالنا، وإما الانتهاء عن كفرهم ~~بإظهار الإسلام. # وقد قيل: قوله (أئمة الكفر) ms390 ، نزل في اليهود الذين غدروا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ونكثوا ما كانوا أعطوا من العهود والأيمان، على أن لا ~~يعينوا عليه أعداءه من المشركين، وهموا بمعاونة المنافقين والكفار على ~~إخراج النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبر أنهم بدءوا بالنكث والنقض، # وقال بعده: # (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وهموا) «3» وكل ذلك محتمل. # قوله تعالى: (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة) «4» ~~، الآية/ 16. # يقتضي لزوم اتباع المؤمنين، وترك العدول عنهم، كما يلزم اتباع النبي عليه ~~الصلاة والسلام. PageV04P184 # قوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد) ، الآية/ 17. # يدل على أن عمارة «1» المسجد بالزيارة، والزيادة في بنائه، ودخوله محرم ~~على الكفار، فكأنه قال: # إن بناء المسجد إنما يليق بالمسلم الذي يتوصل به إلى رضاء الله، فأما ~~الكافر فإن عمله في ذلك محبط، ولم يؤمر بعمل محبط، وإنما أمر بعمل مقبول ~~عند الله تعالى. # قوله تعالى: (لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء) ، الآية/ 23: # يدل على أن حكم الله تعالى يغلب حكم القرب والنسب. # ويدل على أن تولي الكافر تعظيم، فلذلك أطلق تعالى فيمن يفعل ذلك أنه ~~ظالم. # قوله تعالى: (إنما المشركون نجس) ، الآية/ 28. # صار بعض الناس إلى الحكم بنجاستهم حقيقة حتى نجسوا الماء بملاقاتهم. # وقال آخرون: لم يرد تعالى نجاستهم حقيقة وإنما أراد به جعله فاتحة لمنع ~~قربهم من المسجد، كما تمنع من ذلك النجاسات، فمعناه: إنما المشركون كالشيء ~~النجس، وتعليق منعهم أن يقربوا المسجد الحرام بكونهم أنجاسا، يقتضي أن يكون ~~المراد به التشبيه لا التحقيق، والنجاسة من حقها صحة إزالتها بالماء وذلك ~~لا يتأتى في الشرك. # وقال الشافعي: يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام خاصة، ويجوز PageV04P185 # للذمي دخول سائر المساجد عند أبي حنيفة من غير حاجة، والشافعي يعتبر ~~الحاجة، ومع الحاجة لا يجوز دخول المسجد الحرام. # فأما الآية فظاهرها ألا يقربوا المسجد الحرام، إلا أن قوله تعالى: # (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) «1» ، يدل على أن المراد به ~~الحج، والتقييد بالعام يدل على أن المراد به الحج ms391 الذي لا يتأتى إلا في ~~العام. # ويدل عليه أيضا قوله تعالى: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن ~~شاء) «2» . # قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر- إلى قوله- ~~عن يد وهم صاغرون) ، الآية/ 29. # اعلم أن مطلق قوله (فاقتلوا المشركين) «3» . # وقوله عليه الصلاة والسلام: # «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» . # وقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) «4» . # يدل كل ذلك على جواز قتل الكفار بأسرهم، ولو لم يكن إلا قوله تعالى: ~~«اقتلوا المشركين» ، لكان اللفظ عاما في حق أهل الكتاب وغيرهم. # وقد قال قائلون: إن عموم لفظ المشركين مقصور على عبدة الأوثان، فإن قوله ~~تعالى فرق في اللفظ بين المشركين، وأهل الكتاب، والمجوس، PageV04P186 # بقوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين ~~أشركوا) «1» . # فعطف المشركين على هذه الأصناف. # وقال آخرون: لما كان معنى الشرك موجود في مقالات هؤلاء الفرق من النصارى ~~المشركين بعبادة الله تعالى عبادة المسيح عليه السلام. # والمجوس أشركت من حيث جعلت لله تعالى ندا مغالبا، والصابئون هم عبدة ~~الكواكب، فهم مشركون حقيقة، وقد انتظم اللفظ، فعلى هذا دل قوله «المشركون» ~~على نفي أخذ الجزية من هؤلاء كلهم، العرب والعجم على ما يقوله الشافعي. # ولأجل ذلك توقف عمر في أخذ الجزية من المجوس، وليسوا أهل الكتاب تحقيقا، ~~فإنه سلب الكتاب منهم كما نقل عن علي، وإن صح هذا النقل عن علي، فليسوا أهل ~~الكتاب في الحال، وكون آبائهم من أهل الكتاب لا يقتضي أمرا في حقهم، وقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما نقله الرواة عنه «سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب» «2» ، يدل على أنهم ليسوا أهل كتاب، إذا تبين ذلك، فأخذ الجزية من ~~أهل الكتاب بحكم تخصيص الشرع إياهم من بين المشركين، لا يدل على مثله في ~~المجوس، إذ لا يتناولهم لفظ مطلق لفظ الكتاب «3» ، لقوله تعالى: (إنما أنزل ~~الكتاب على طائفتين من قبلنا) «4» . PageV04P187 # فإن قيل: فقوله تعالى: (من الذين أوتوا الكتاب) «1» ، يقتضي جواز أخذ ms392 ~~الجزية منهم، ولا دلالة للفظ في حق غيرهم. # وقوله: (فاقتلوا المشركين) ، إنما ورد في مشركي العرب، فإنه مرتب على ~~قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) . # وكذلك قوله: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) «2» . # وليس فيه دلالة على منع أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العجم، والظاهر لا ~~يقتضي في ذلك مشركي العجم منعا ولا إثباتا. # نعم، الظاهر يقتضي جواز أخذ الجزية من كافة أهل الكتاب عربا كانوا أو ~~عجما، وهذا هو الحق عندنا، وليس يظهر عن هذا السؤال جواب؟ # نعم يمكن أن يقال: إن الأصل ألا تقبل الجزية من الكفار إلا فيما خص «3» ، ~~وذلك خروج عن موجب الظاهر ويتعلق بنوع آخر. # واعلم أن قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر- ~~إلى قوله في سياق الآية- من الذين أوتوا الكتاب) «4» . # توهم قوم أنه منصرف إلى جميع الكفار وهم أصناف: # فمنهم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وليس ذلك صفة أهل الكتاب، ~~فإنهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر. PageV04P188 # وقوله: (ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله) «1» ، صفة غير أهل الكتاب وكثير ~~من الأحكام. # وقوله: (ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب) «2» هو وصف أهل ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد. # وذكروا أن ظاهر هذا يقتضي أخذ الجزية من أصناف الكفار، إلا ما قام دليل ~~الإجماع عليه في حق مشركي العرب، وهذا باطل، فإن الله تعالى قال: (قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله) ، فوصف الذين يقاتلون بأوصاف، فلتكن الأوصاف راجعة ~~إلى الضمير المذكور أولا. # وقوله: (لا يؤمنون بالله) ، وصف لهم. # (ولا باليوم الآخر) يرجع إليهم أيضا. # وقوله: (ولا يدينون دين الحق) ، ينبغي أن يكون نعتا للذين. # فإذا لم يقولوا ذلك فقد نعت قوما بنعت، وذكر بعده نعتا لا لمنعوت متقدم، ~~وذلك يستحيل قطعا. # فلا جرم، رجع كل من يرجع إلى فهم، ونحصل إلى أن الآية نزلت في حق أهل ~~الكتاب. # يبقى أن يقال: كيف وصفهم بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؟ # قيل، يحتمل أن يقال: إنهم بمنزلة الذين لا يؤمنون ms393 في باب الذم، ومثله في ~~من يوالي الكفار من المؤمنين، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي. # ومعناه أنهم لو كانوا ينتفعون بالإيمان بالله، ما اتخذوهم أولياء. # وقد قيل: معناه أنهم لم يؤمنوا عن يقين ومعرفة. PageV04P189 # وقد قيل: لا يؤمنون بذلك على ما يؤمن به المؤمنون. # وقد قيل: لم تكمل معرفتهم بالله تعالى. # قوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية) . # فالجزية عطية مخصوصة. # قيل سميت جزية لأنها جزاء على الكفر، وقيل اشتقاقها من الأجزاء بمعنى ~~الكفاية، أي أنها تكفي من يوضع ذلك فيه من المسلمين، وتجزى عن الكافر في ~~عصمته. # قوله تعالى: (وهم صاغرون) ، الصغار هو النكال، وصف بذلك لأنه يصغر صاحبه، ~~بأن يدفعوها عن قيام، والآخذ لها قاعد، ويعطيها بيده مشيا إلى الوالي ~~الطالب. # وفائدة هذين الشرطين الفرق بين ما يوجد منهم مع كفرهم، وبين ما يوجد من ~~المسلمين من الزكاة، فكما يقترن بالزكاة المدح والإعظام والدعاء له، فيقترن ~~بالجزية الذل والذم، ومتى أخذت على هذا الوجه، كان أقرب إلى ألا يثبتوا على ~~الكفر لما يتداخلهم من الأنفة والعار، وما كان أقرب إلى الإقلاع عن الكفر ~~فهو أصلح في الحكمة، وأولى بوضع الشرع. # وعلى هذا، إذا قال القائل: كيف يجوز العدول عن استئصال الكفار وتطهير ~~الأرض منهم إلى تعزيزهم في ديارنا ونصرتهم بأنفسنا وأموالنا مع عظيم كفرهم، ~~ومع قوله تعالى: (تكاد السماوات يتفطرن منه) » # ، ثم يعصم ماله بقدر يسير، وهل هذا إلا كالرضا بكفرهم، وتمهيد أسبابه ~~لهم. PageV04P190 # فيقال في إبطال ذلك: إن قتل الكافر مؤيس من التوبة، وإذا ترك بشريطة ~~الجزية فيلحقه من الذل ما يضجره ويحمله على الإسلام، هذا مع نفع يعود إلى ~~«1» المسلمين، ومع مخالطة الكافر للمسلمين الداعية له إلى تدبر أدلة ~~الإسلام، وهذا المعنى لا فرق فيه بين طائفة وطائفة، إلا أنه يمكن أن يقال: # إن قتل من لا كتاب له أقرب إلى تعظيم أمر الدين، ولأن أهل الكتاب أقرب ~~إلى تدبر معاني الكتاب لتقارب ما بين الأديان وتشاهدها على صدق نبينا صلى ~~الله عليه وسلم، فيجوز أن يكون الأصحاب ms394 بالجزية أقرب إلى إيمان أهل الكتاب ~~منه إلى غير أهل الكتاب. # وقوله تعالى: (تكاد السماوات يتفطرن منه) ، تعظيم فيما يتعلق بالآخرة، ~~ورجوع وبال كفره عليه في الميعاد، ومع هذا فيمهل الشرع أسبابا هي داعية إلى ~~صلاح حاله في ماله. # وليس لقائل أن يقول: وإذا كان ذلك كذلك، فلم يرزقون ويحسن إليهم. # لأن نعمة الله تعالى لا تنافي استعظامه للكفر، فكذلك إقرارهم على المقام ~~في بلادنا بأخذ الجزية لا تنافي استعظام كفره. # وإذا تقرر ذلك أمكن أن يقال: # الجزية عقوبة ليحصل بها زجره عن كفره. # والعقوبة منقسمة إلى ما يكون زجرا لمصلحة المعاقب، وإلى ما يكون جزاء. # فأما الجزاء فلم يشرع لمصلحة المعاقب، فعلى هذا لا نقول: يجب على ~~PageV04P191 # الكافر الجزية متى اقتضت عصمة، فكأنها دفع القتل عنه ليتدبر قبح القبح ~~فيسلم، فجرى مجرى العبادات، وما يجب فعله لا يعد من العقوبات. # فإن قيل: إنما يجب عليهم ما يحسن لا ما يقبح ويحرم، فكيف يحسن منه دفع ~~الجزية، ومن الإمام أخذها، وإذا أخذناها منه على طريق عصمة دمه، فقد رضينا ~~بمقامه على كفره، وهم متى أرادوا دفع الجزية فقد أرادوا مقامهم على الكفر، ~~وذلك يوجب قبح الدفع والأخذ، ولو كانوا بالجزية حاقنين دماءهم كما ~~بالإسلام، كانوا مخيرين بينهما، فلا يمكن أن يقال: # إن الجزية واجبة تحقيقا، ولكن يقال إن الجزية إضجار ومعاقبة ليرجع عن ~~كفره؟ # ويجاب عن هذا بأن يقال: # بأن الذي في الكافر من كفره، يقتضي إباحة دمه، لكن حرمة الكتاب تقتضي ~~استبقاءه لما في استبقائه من توقع إسلامه، ولولا ذلك لكان القتل أولى به، ~~وإذا كان كذلك فقد دفع الكافر إلى القتل، أو دفع الجزية، وفي دفعها إزالة ~~القتل، فواجب عليه أن يفعل ذلك لإزالة الضرر العظيم. # فإن قيل: إن القتل امتنع ببذل الجزية لما في أخذ الجزية من توقع إسلامه، ~~والمقصود ذلك، فيلزم على مساقه أن يكون ذلك محتوما، ويجب علينا أخذ الجزية ~~منه، ويمتنع قتله. # والجواب: أن الكافر إذا لم يعرف حسن الإسلام، فقد دفعه الشرع إلى ms395 أحد ~~أمرين. # إما القتل، وإما الجزية، وهو يعلم أن الجزية أهون عليه من القتل، وفي ~~الجزية حقن الدم، فيحسن بقضية العقل والشرائع كلها دفع الجزية، تحقيقا ~~لمقصود دفع شر القتل، ووجب بحكم شرعنا الجزية عليه، لما فيه # PageV04P192 # من حسن توقع إسلامه، ودفع قتل يعجله إلى النار، ففي ذلك مصلحة للكافر ~~بحكم دينه الذي هو عليه عند جهله بحسن الإسلام، وبحكم ديننا الذي به عرفنا ~~حسن الإسلام، وتوقعه منه ببذل الجزية، إلا أنه إذا امتنع فلا يمكن تقريره ~~في ديارنا على كره منه، لما فيه من غائلة هربه وترصده لأذية المسلمين، فوجب ~~قتله لدفع الضرر، أما إذا توطن وتأهل وطلب منا الذمة اندفعت غائلته، فحسن ~~بذل الجزية لهذا المعنى. # ومعلوم أن من أكره على دفع ماله بالقتل، وجب عليه دفع ماله لدفع شر القتل ~~عن نفسه. فعلى هذا يجب على الذمي بذل الجزية لدفع شر القتل عن نفسه، ويحسن ~~من المسلمين أخذها منهم، لما يتوقع في ذلك من إسلامه، وقد قيل: يحسن أخذ ~~الجزية في مقابلة مساكنتهم لنا وذبنا «1» عنهم. # فالكافر ليس يبذل على هذا القصد، ولكن يبذلها لدفع القتل، ووجه الوجوب ~~عليه هذا. # فأما المسلم، فإنما يأخذها لحق المساكنة، ولأجل ذبنا عنهم، فقيل لهم: ~~فإذا وجبت الجزية عليهم لهذا المعنى، فلا بد أن يكون الحقن مقصودا، وإنما ~~يكون الحقن مقصودا، وتقرير هم في ديارنا مقصودا معنيا، إذا كان البقاء على ~~الكفر مرادا، فإن من ضرورة تقرير الكافر في ديارنا والتزام الذب عنه، الرضا ~~بفعله، وارادة الكفر منه، فلا بد أن تكون الجزية عقوبة وزجرا عن الكفر، حتى ~~تكون إرادة الزاجر كراهة المزجور عنه. # فأما إذا كانت الجزية عرضا عن المساكنة أو عن الذب، كان الذب مقصودا، ~~ووجوب تعظيمه وصيانته والذب عنه، يقتضي إرادة الكفر لا محالة. PageV04P193 # وإن جعلت الجزية لدفع القتل، فدفع القتل واجب، كما أن الإسلام وجب لدفع ~~العقاب، ودفع العقاب واجب، فإذا يجب أن يكون مخيرا بين الإسلام الذي يدفع ~~به العقاب، وبين الجزية التي يدفع بها القتل، ms396 فعلى هذا يمكن أن يكون اختيار ~~من اختار، كون الجزية في مقابلة الذب والساكنة ضعيفا، وإنما المعتمد كون ~~الجزية دافعة للقتل في حق الكافر، ونحن نأخذها لمنفعة المسلمين، وغرضنا ~~منها توقع إسلامه، وفيه مصلحة له من هذه الجهة في دفع القتل عنه، ومنفعة ~~للمسلمين من هذه الجهة لا يبعد وجوبها. # وعلى أنه يقال: متى قلنا إن الجزية تقتضي العصمة كالإسلام، فإنما نقول ~~ذلك في أحكام الدنيا، وفي أحكام الدنيا كلمة الشهادتين مثل الجزية. # ونحن نقول: يجب على الكافر كلمة الشهادتين، ولا تنفعه الشهادة في إزالة ~~العقاب، وإنما ينتفع بالتوبة والإيمان والمعرفة، وكذلك لا يحقن الدم، ~~ويتبين كيف يحسن دفع الجزية وأخذها وكيف يقبح. # وأما مقدار الجزية، فليس في كتاب الله تعالى، وهو مأخوذ من السنة، ويجوز ~~أن يكون للاجتهاد مدخل فيه على ما بيناه في الفقه. # والذي يدل عليه القرآن، أن الجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين، فإنه تعالى ~~قال: # (قاتلوا ... حتى) . # فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل، ويدل على أنه ليس على العبد وإن كان ~~مقاتلا لأنه لا مال له، وقد قال تعالى: (حتى يعطوا الجزية) ، ولا يقال لمن ~~لا يملك: حتى تعطي، والظاهر يقتضي أنه المفتدي بماله، وأن ذلك كالعقوبة، ~~فلا تجب على السيد بسبب عبده. # PageV04P194 # واختلف العلماء فيمن دان من المشركين بدين أهل الكتاب بعد المنهب «1» ، ~~وظاهر القرآن يقتضي القبول لأنهم من أهل الكتاب. # وكما ليس في القرآن بيان مقدار الجزية المؤداة، فليس فيه بيان مدة أداء ~~الجزية، وتكررها بتكرر الحول، وإنما فيه بيان أن الجزية ينتهي بها وجوب ~~المقاتلة، والظاهر يقتضي وجوبها مرة واحدة. # وأبو حنيفة لا يرى تعدد وجوبها بتكرر الحول، بل يقول: إنهم يقاتلون إلى ~~أن يؤدوا الجزية، إلا أنها تؤخذ منهم عند انفصال السنة، ولا ذكر لذلك في ~~القرآن. # ويدل قوله: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) . # على أن بالإسلام يزول هذا المعنى، فلا جرم لا خلاف أنهم إذا أسلموا فلا ~~يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون. # والشافعي لا يأخذ بعد الإسلام على ms397 الوجه الذي قاله الله تعالى، وإنما ~~يقول: الجزية دين، وجب عليه بسبب سابق، وهو السكنى أو لدفع شر القتل، فصار ~~كالديون كلها، فإذا ثبت للشافعي أنها دين، فإنها لا تسقط، وإذا كان وجوب ~~الدية على نحو وجوب الديون، وفيها غرض، وهو دفع القتل، فهي طاعة مأمور بها، ~~والذمي قد أطاع الله تعالى بدفعها، إلا أن ثواب طاعته محبط، كثواب الطاعات ~~كلها، فهذا تمام ما أردنا بيانه. # وأبو حنيفة لا يرى الجزية واجبة على الذمي طاعة، بل يقول يقام عليه ~~إضجارا له واتعابا، وذلك لا يكون طاعة في حقه، وإنما هي طاعة في حقنا، فأما ~~في حق الدافع فلا، فهم إذا امتنعوا من الجزية وجب PageV04P195 # قتالهم، وإذا بذلوا الجزية امتنع قتالهم، إلا أن الجزية عندهم عقوبة ~~زاجرة عن الكفر، بالإضافة إلى الذمي والذي يخالط المسلمين، فتوقع الإسلام ~~منه يزيد على توقعه ممن لا يخالطونا، فهذا تمام هذا المعنى على المذاهب ~~كلها. # قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) ، الآية/ 34. # ذكر الأصم: أنه راجع إلى أهل الكتاب، لأنه مذكور بعد قوله: # (إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل) . # وغيره حمل ذلك على كل كافر، وذلك مدلول اللفظ، ومعطوف على المتقدم باللفظ ~~العام، لأنه وصف لما تقدم، ولأنه مستقل، وإن لم يتعلق بما تقدم. # وقد روي عن أبي ذر رضي الله عنه أن قائلا قال له وهو بالربذة: # ما أنزلك هذا المنزل؟ # فقال: كنا بالشام فقرأت هذه الآية، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب لا ~~فينا. # فقلت: لا، بل فينا وفيهم. # وكتب معاوية إلى عثمان أن أبا ذر يطعن فينا ويقول كذا، فكتب إلي عثمان ~~بالإقبال إليه، فأقبلت، فلما قدمت المدينة، كثر علي الناس حتى كأنهم لم ~~يروني فآذوني، فشكوت إلى عثمان فقال: تنح قريبا، فتنحيت إلى منزلي هذا. # وأكثر العلماء على أن الوعيد على الكنز على من يمنع حق الله تعالى فيه، ~~فما لم يؤد حق الله تعالى منه، فهو كنز كان على وجه الأرض أو تحته. # وروي أنه عليه الصلاة ms398 والسلام قال: # PageV04P196 # «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاة كنزه إلا جيء يوم القيامة فيحمى ويكوى به ~~جنبه وجبينه» «1» . # وقال: «من له مال فأدى زكاته فقد سلم» . # ولا خلاف في جواز دفن المال المزكى أو غير المزكى إذا أدى زكاته من موضع ~~آخر. # وقد روي عن بعض السلف، أن المراد بالآية العدول عن الإكثار وجمع المال، ~~وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «يجيء كنز أحدكم شجاع أقرع فإذا رأى صاحبه هرب منه فيطلبه فيقول: أنا ~~كنزك» «2» . # وعلى الجملة، المعقول من الآية تعليق الوعيد على من كنز ولم ينفق في سبيل ~~الله، ولم يتعرض للواجب وغيره، غير أن صفة الكنز لا ينبغي أن تكون معتبرة، ~~فإن من لم يكنز ومنع الإنفاق في سبيل الله، فلا بد أن يكون كذلك، فلا أثر ~~لصفة الكنز، وليس في الآية بيان الواجب من غيره، ولكن من المعقول أن صورة ~~الكنز كما لا تعتبر، فالامتناع من أداء ما ليس بواجب لا يعتبر أيضا، وإذا ~~لم يعتبر هذا ولا ذاك جملة، فليس إلا أن المراد منع الواجب من الزكاة ~~وغيره، إلا أن الذي يخبأ تحت الأرض هو الذي يمنع إنفاقه في الواجبات عرفا، ~~فلذلك خص الوعيد به. # وإذا كان المقصود من ذكر الكنز أن صاحبه يمسكه ولا ينفق منه في سبيل الله ~~تعالى، فظن قوم أن من صاغ الدراهم حليا ولا يزكي منه فهو كانز. PageV04P197 # وهذا استدلال بطريق المعنى، وإلا فاللفظ من حيث الظاهر لا يدل عليه أصلا. # ويحتمل أيضا من وجه آخر، وهو أن هذه الآية إنما نزلت في وقت شدة الحاجة ~~وضعف المهاجرين وقصور يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن كفايتهم، ولم ~~يكن في بيت المال ما يسعهم، وكانت السنون والحوائج هاجمة عليهم، فنهوا عن ~~إمساك شيء من المال زائد على قدر الحاجة، ولا يجوز ادخار الذهب والفضة في ~~مثل ذلك الوقت، وإلا فقد ثبت بالنقل المستفيض عن النبي عليه الصلاة والسلام ~~إيجابه في مائتي درهم، خمسة دراهم، وفي عشرين دينار، ms399 نصف دينار، ولم يوجب ~~الكل، واعتبر مدة الاستنماء، وكان في الصحابة ذوو ثروة ونعمة وأموال جمة، ~~مثل عثمان وعبد الرحمن بن عوف. # أو يحتمل أن قوله: ولا ينفقونها، أي لا ينفقون منها تحذف من، وبينه في ~~مواضع أخر من قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) «1» . # وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: (والذين يكنزون الذهب والفضة) ، ~~فكبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: # أنا أفرج عنكم، فانطلق فقال: يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية. # فقال عليه الصلاة والسلام: # «إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي «2» من أموالكم، وإنما ~~فرض المواريث لتكون لمن بعدكم» ، فكبر عمر. PageV04P198 # فأبان بهذا الحديث أن المراد به انفاق بعض المال لا جميعه، وأن قوله ~~(الذين يكنزون) المراد به منع الزكاة «1» . # وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاة كنزه إلا جيء به يوم القيامة وبكنزه فيكوى ~~به جنبه وجبينه حتى يحكم الله تعالى بين عباده» . # فأخبر في هذا الحديث، أن الحق الواجب في الكنز هو الزكاة دون غيرهما، إلى ~~قوله تعالى: (فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم) «2» ~~. # يعني أنه لم يؤدوا زكاته. # وروى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذي لا يؤدي ~~زكاته يمثل له ماله يوم القيامة شجاع أقرع له ذبيبتان تلزمه أو يطوقه، ~~فيقول أنا كنزك أنا كنزك» ، فأخبر أن المال الذي لا يزكى هو الكنز، فبان به ~~أن الكنز اسم لما لا يؤدى زكاته في عرف الشرع، والوعيد انصرف إليه، فاعلمه. # قوله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله) . ~~الآية/ 36. # وظاهر ذلك يدل على أن الواجب تعليق الأحكام المتصلة بالشهور والسنين، من ~~عبادات وغيرها، بالأشهر العربية دون الشهور التي يعتبرها العجم والروم، وإن ~~شهور الروم وإن لم تزد على اثني عشر، ولكنها مختلفة الأعداد، منها ما يزيد ms400 ~~على ثلاثين، ومنها ما ينقص، وشهور PageV04P199 # العرب لا تزيد على ثلاثين، ومنها ما ينقص، والذي ينقص لا يتعين له شهر، ~~وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب سير القمر في البروج، ثم قال ~~تعالى: (منها أربعة حرم) . # ولا خلاف أن هذه الأربعة الحرم لها ضرب من الاختصاص، وأنها رجب، وذو ~~القعدة، وذو الحجة، والمحرم. # وإذا خصها الله تعالى بأنها حرم، فلا بد أن يكون لهذا الاختصاص معنى، ~~وليس يظهر ذلك المعنى في حكم سوى المقابلة، وقد نسخ ذلك، أو تحريم القتل، ~~حتى إن الدية تتغلط بالأشهر الحرم، فهذا وجه التخصيص. # قوله تعالى: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) ، على قول ابن عباس هو راجع إلى ~~الجميع، وعلى قول بعضهم هو راجع إلى الأشهر الحرم خاصة، ومن يخصص بالأربعة ~~يقول لأنها إليها أقرب ولها مزية تعظيم الظلم. # قوله تعالى: (يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم) . # فيه دليل على أن الله تعالى وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها، على ما ~~رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض، وأنزل الله ذلك على أنبيائه في الكتب ~~المنزلة، وهو معنى قوله تعالى. # (إن عدة الشهور «1» عند الله اثنا عشر شهرا) . # وحكمها باق على ما كانت عليه، ثم نزلها عن مرتبتها تغير المشركين ~~لأسمائها وتقديم المؤخر، وتأخير المقدم، في الإسم فيها، والمقصود من ~~PageV04P200 # ذلك اتباع أمر الله تعالى فيها، ورفض ما كانت عليه الجاهلية من تأخير ~~أسماء الشهور وتقديمها، وتعليق الأحكام على الأسماء التي رتبوها عليها، ~~ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع في خطبته بالعقبة: # «أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض» «1» ~~. # وإن الذي تجعله الجاهلية، من جعل المحرم صفرا وصفر محرما، ليس يتغيرن ما ~~وضعه الله تعالى. # والذين صاروا إلى جعل بعض السنين ثلاثة عشر شهرا، ليس على ما توهموه، لأن ~~الله تعالى لم يضع غير اثني عشر شهرا، فهذا وجه. # ويحتمل أن يكون قوله في كتاب الله، أن الله تعالى قسم الزمان في الأصل ~~اثني عشر قسما، فجعل نزول ms401 الشمس في كل برج من البروج الاثني عشر، قسما ~~منها، فيكون قطعها للفلك في ثلث مائة وخمس وستين يوما وربع يوم، فيجيء نصيب ~~كل قسم منها بالأيام ثلاثين يوما وكسر، وقسم الأزمنة أيضا على سير القمر، ~~فصار القمر يقطع الفلك كل تسعة وعشرين يوما ونصف، وجعل السنة القمرية ~~ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وربع يوم، واختلفت سنة الشمس والقمر، مع اتفاق ~~أعداد شهورها، وكان تفاوت ما بينها أحد عشر يوما بالتقريب، وكانت شهور ~~القمر ثلاثين وتسعة وعشرين، فيما يتعلق بها من أحكام الشرع، ولم يكن للنصف ~~الذي هو زيادة على تسعة وعشرين يوما حكم، وكان ذلك هو القسمة التي قسم الله ~~تعالى عليها السنة في ابتداء وضع الخلق، ثم جاءت الأمم فغيرت هذا الوضع، ~~وكان قصدهم بذلك أن لا تتغير الشهور عن PageV04P201 # أوقاتها التي هي عليها شتاء وصيفا وخريفا وربيعا، فاقتضاهم ذلك أوضاعا ~~مختلفة. فوضعت الروم اثني عشر شهرا، بعضها ثمانية وعشرون، وبعضها ثمانية ~~وعشرون ونصف، وبعضها أحد وثلاثون، وكانت شهور الفرس ثلاثين إلا شهرا واحدا، ~~وهو أباز ماه، فإنه خمسة وثلاثون، ثم كانت تكبس في كل مائة وعشرين سنة شهرا ~~كاملا، فتصير السنة ثلاثة عشر شهرا، فأما أشهر العرب، فإنها تسعة وعشرون أو ~~ثلاثون، وأبطل الله تعالى كبسه الفرس، وجعلها ثلاثة عشر شهرا في بعض السنة، ~~وأبطل ما كان المشركون عليه من تغيير النظام، وصارت الشهور التي لها أسامي ~~لا تؤدي الأسماء معانيها، لأنها تارة تكون في الصيف، وتارة تكون في الشتاء، ~~وأراد الله تعالى أن يجعل شهر رمضان تارة في الصيف وتارة في الشتاء، ~~استيغالهم مصالح الدين والدنيا في التخفيف تارة، وفي التغليظ أخرى، ولم يكن ~~صومنا كصوم النصارى في الربيع لا يختلف. # قوله تعالى: (إنما النسيء زيادة في الكفر) ، الآية/ 37. # هو متعلق بما تقدم، وهو أن العرب كانت تجعل المحرم صفر وصفر المحرم في ~~بعض السنين، على ما كانت تقضيه الكبسة التي كانت لهم. # وأول من وضع ذلك من العرب ملك لهم يقال له القلمس «1» ، واسمه حذيفة، وهو ms402 ~~أول من أنسأ النسيء، أنسأ المحرم، فكان يحله عاما ويحرمه عاما، فكان إذا ~~حرمه كان ثلاثا حرما متواليات، وهي التي يقال ثلاثة سرد، وهي العدة التي ~~حرم الله تعالى في عهد ابراهيم، فإذا أحله دخل مكانه صفر في المحرم لتواطئ ~~العدة، يقول قد أكملت الأربعة كما كانت، لأني لم أحل شهرا إلا وقد حرمت ~~مكانه شهرا، لكنه ليس مسرورا، PageV04P202 # فحج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عاد المحرم إلى ما كان في الأصل، ~~فأنزل الله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله) ، فأخبر الله تعالى أن النسيء ~~الذي كانوا يفعلونه كفر، وأن الأشهر الحرم الثلاثة لا بد أن تكون متوالية، ~~وأن صفر لا يقام مقامها، فهذا معنى هذه الآية. # وقال قائلون في معنى هذه الآية إن روما من بني كنانة وغيرها، كانوا ~~يؤخرون الحج عن وقته في كل سنة شهرا، فيوقعونه في المحرم بعد ذي الحجة، وفي ~~السنة الثانية في صفر، فبين الله تعالى أن هذا الصنيع كفر. # قوله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا) ، الآية/ 41. # وقوله تعالى: (ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض) ، الآية/ 38. # اختلفوا في عمومه، فمنهم من قال: إنه أراد به كل المؤمنين. # وعند أبي علي الجبائي الآية مخصوصة. # واختلف العلماء في وجوب هذا التغير: # فمنهم من قال: المراد به وجوب النفور إلى الرسول إذا دعا إلى الجهاد وأمر ~~به، وهو الأصح. # ومنهم من قال: إن المراد به عند الحاجة وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم. # وظاهر الآية يدل على أن ذلك على وجه الاستدعاء، فعلى هذا لا يتجه الحمل ~~على وقت ظهور المشركين، فإن وجوب ذلك لا يختص بالاستدعاء، وإذا ثبت ذلك، ~~فالاستدعاء والاستبقاء يبعد أن يكون موجبا شيئا لم يجب من قبل، إلا أن ~~الإمام إذا عين قوما وندبهم إلى الجهاد، لم يكن لهم أن يتثاقلوا عنه، وله ~~ولاية التعيين، ويصير بعينه فرضا على من عينه لا لمكان # PageV04P203 # الجهاد، ولكن طاعة الامام واجبة، وإذا لم يكن كذلك وكان من أهل الثغور ~~كفاية، فالذي قاله ms403 أصحابنا أنه يجب على الامام أن يفرق في الجهات الأربعة ~~قوما في كل سنة، يظهر لهم النكاية في العدو، ويمنعهم ذلك من انتهاز فرصة ~~الاحتشاد والاستعداد، وإذا حصلت الكفاية لقوم، سقط عن الباقين، فليس الجهاد ~~على هذا الرأي فرضا على كل واحد، وإنما هو فرض كفاية، فإذا قام به البعض ~~سقط عن الباقين. # قوله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا) ، الآية/ ~~40. # يستدل به على إضافة الفعل إلى غير فاعله، إذا كان منه تسبب، فإنه تعالى ~~قال: (إذ أخرجه الذين كفروا) ، وما أخرجوه حقيقة بل أخافوه حتى اضطر إلى أن ~~يخرج، وكان الصديق معه، فتارة كان يمشي بين يديه، وتارة يمشي خلفه، وقال يا ~~رسول الله: إذا ذكرت الرصد مشيت بين يديك، وإذا ذكرت الطلب مشيت خلفك. # وظن جهال الإمامية أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي بكر: # «لا تحزن» ، يدل على جهل منه ونقيصة، وذلك يوجب مثله في قوله تعالى ~~لموسى: # (فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف) «1» . # وقوله في قصة إبراهيم: # (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف) «2» . ~~PageV04P204 # فإذا لم يكن ذلك طعنا عليهم ووصفا لهم بالنقص، فكذلك في أبي بكر، وليس ~~حزنه من جهة الشدة والحيرة، بل لتجويزه وصول الضرر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وإليه، وما كان الخبر أتاه بأن الرسول كان معصوما من القوم ~~محروسا منهم، حتى قال له الرسول لا تحزن، فسكن إلى ذلك. # وقوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) «1» ، نزل بعد الهجرة بسنين، فلا ~~يوجب كون أبي بكر عالما بعصمته، ولو علم أنه يسلم منهم بنفسه لم يأمن مضرة ~~بجراحة أو غيرها، وفي ذلك جواز الحزن والخوف عليه. # قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) ، الآية/ 60. # ظاهر الآية أن المسكين غير الفقير. # وقال قوم: هما واحد، إلا أنه ذكرهما باسمين لتأكيد الأمر فيه، وليس ذلك ~~بصحيح. # وإذا ثبت ذلك، فللشافعي وأبي حنيفة اختلاف في اللفظ في أيهما أعظم حاجة ~~وأشد خصاصة، وليس ms404 يتعلق به كبير فائدة شرعية، وليس ببين أن يجعل المسكين ~~صنفا والفقير صنفا، فيقال: يعطي الصنفان وهما فقيران إلا أن أحد الصنفين ~~أشد فقرا من الآخر، فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما واحدا. # ومطلق لفظ الفقر لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة، ولكن تظاهرت ~~الأخبار في أن الصدقة تؤخذ من أغنياء المسلمين، وترد في فقرائهم. ~~PageV04P205 # والذي يمكن أن يفهم من الآية، ومن السنة، أن الله تعالى أطلق الصدقات، ~~وبين الرسول عليه الصلاة والسلام أصناف الصدقات، وما تجب فيه الزكاة، وما ~~لا تجب، والذي لا تجب قد تجب فيه إذا اتجر. # وقد حكي عن زين العابدين أنه قال: إنه تعالى علم قدر ما يرتفع من الزكاة، ~~وأنه بما تقع به الكفاية لهذه الأصناف فأوجبه لهم، وجعله حقا لجميعهم، فمن ~~منعهم ذلك فهو الظالم لهم رزقهم. # ولذلك قال قوم من العلماء: إن الزكاة تصير شركة للفقراء، وهو قول ~~الشافعي. # وظاهر الآية يقتضي ذلك، لأن قوله: إنما الصدقات للفقراء كالتمليك وإنما ~~لم يجعله تمليكا حقيقة من حيث جعل لوصف لا لعين، وكل حق جعل لموصوف، فإنه ~~لا يملكه إلا بالتسليم، إلا أن ذلك لا يمنع استحقاق الأصناف لأنواع ~~الصدقات، حتى لا يحرم صنف منهم. # واختلف العلماء في استيعاب هذه الأصناف: فمنهم من قال الفرض به بيان ~~المصارف حتى لا يخرج عنهم، ثم الاختيار إلى من يقسم، وهو قول عمر وابن عباس ~~وحذيفة وخلق من التابعين، كالحسن وابراهيم وغيرهما، حتى ادعى مالك الإجماع ~~في ذلك. # وقال الشافعي وبعض أهل الظاهر: يتعين استيعاب الجميع إلا إذا عدم بعضهم، ~~فيصرف نصيبه إلى الباقين «1» . # فمن هذا الوجه، فارق إضافة الأموال إلى مستحقيها، وفارق الوصية إلى ~~أقوام، فإنه إذا تعذر الوصول إلى بعض من أوصى له لا يصرف نصيبه إلى ~~الباقين. PageV04P206 # ورأى الشافعي أن استيعاب جهات الحاجات، يجوز أن يكون أعظم في القربة، ولا ~~يجوز رفع المزية بلا دليل مع موافقة الظاهر له، وإذا تعذر البعض، فالأقرب ~~إلى القربة الصرف إلى الباقين. # فعلى هذا لا نقول: ms405 إن الصرف على الأصناف على نحو صرف الوصاية إلى الأصناف ~~والأشخاص، وأن الإضافة إليهم بلام التمليك، ولكنا ندعي أن استيعاب جهات ~~الحاجات في القربة أو في الصرف إلى واحد. # وإذا ثبت زيادة القربة في المنصوص عليه لم يجز الغاؤه، وهذا بين. # وقد شنع علي بن موسى القمي على الشافعي بأن قال: # إذا كان قدر الواجب نصف دينار، وكان هو القاسم لذلك، ووجد السهمان كيف ~~يفرق ذلك فيهم، ولا يسد مسدا، فإنه ينقسم نصف دينار على ثمانية أصناف، ~~ويصرف من كل صنف إلى ثلاثة، فيحتاج أن يقسمه على أربعة وعشرين سهما، وأحد ~~السهام المكاتبون، والمقصود إزالة الرق، وأي أثر لهذا القدر في إزالة الرق. # والذي ذكره جهالة تلزم عليه، إذا أوصى الموصي بها للأصناف. # ولأنه ليس الأمر مقصورا عليه وحده، بل إذا كان بينه وبين غيره حصل ~~الاستيعاب، وحصل مقصود الأصناف منه ومن غيره، فلا معنى لهذا التشنيع. # ولا خلاف أن لا يجوز صرف الجميع إلى العاملين عليها، فإنه إنما يأخذ ~~أجرته، فلو وضع فيه تناقض، فإنه يسعى للفقير، فكيف يأخذ الكل إلى نفسه، ~~فهذا آخر فصول هذه الآية. # الفصل الآخر في الفقراء والمساكين، وقد ذكرهما الله تعالى باسمين، فقال ~~بعضهم: # PageV04P207 # ذكرهما باسمين ليؤكد أمرهم في هذه الصدقات بأشد من تأكيد غيرهم. # ومنهم من قال: ذكرهما باسمين لكونهما صنفين، وهذا ما قدمناه. # ثم اختلفوا في معنى الفقير: # فمنهم من قال إنه المتعفف الساتر فقره عن الناس، وقد وصفه الله تعالى ~~بذلك في قوله: # (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله) ... إلى قوله: # (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) «1» والمسكين الذي يسأل إذا احتاج، ~~ويمسك إذا استغنى، ويتخاضع للمسألة، وذلك هو اختيار الأصم. # ومنهم من قال: الفقير هو الضعيف الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل، ورووه ~~عن ابن عباس، وهو قريب مما قدمناه. # وقد قيل: الفقير هو الزمن الذي لا يقدر على التكسب، والمسكين الصحيح. # وقد قيل: الفقير أشد حاجة، فإنه مأخوذ من كسر فقار الظهر، والمسكين دونه ~~في الحاجة. # وقد وصف الله تعالى ms406 ملاك السفينة، بأنهم مساكين يعملون في البحر وأنه ~~مأخوذ من السكون. # وبالجملة: الفقر في ظاهره أدل على الحاجة من المسكنة، لأن المسكين إنما ~~يدل حاله على الحاجة من حيث المعنى، وهو التخاضع الذي هو دليل الحاجة لا من ~~حيث اللفظ، والفقر عبارة عن الحاجة. # ومن جعلهما صنفا واحدا، قال لا فقير إلا ويحسن أن يسمى مسكينا. ~~PageV04P208 # وللفقراء مراتب لا تنحصر في مرتين أو ثلاثة أو أربعة، والذي يعددها ينظر ~~إلى العطف ومعناه، وذلك يقتضي الفرق بينهما، فيقال: # الفقير هو الشديد الحاجة مع التعفف، والمسكين هو المظهر لحاجته بالمسألة. # ولعل من جعل الفقير هو الزمن، فلأن الزمانة تقعد عن الطلب، ومن جعل ~~المسكين الصحيح فلتمكينه من الطلب. # واعلم أن مطلق الفقير ليس فيه شرط وتقييد، بل فيه دلالة جواز الصرف إلى ~~ذوي القربى من بني هاشم وغيرهم، ولكن السنة وردت باعتبار شروط، منها أن ~~يكون من بني هاشم. وروي عن أبي يوسف «1» جواز صرف صدقة الهاشمي إلى ~~الهاشمي. # ومن شرائطه ألا يكون كسوبا مقدار كفايته، فإنه عليه الصلاة والسلام قال: # «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي» «2» . # والظاهر يقتضي جواز ذلك، لأنه فقير مع قوته وصحة بدنه، وبه قال أبو حنيفة ~~وأصحابه. # ومن شرائطه: أن يكون ممن لا تلزم المتصدق نفقته، ولكن هذا الوجه يحرم ~~الزكاة للفقر لا للغرم أو غيره من الصفات. # واختلفوا فيما به يخرج عن كونه فقيرا، فقال قوم: بألا يملك نصابا. ~~PageV04P209 # وقال قوم: إنه لا يتحدد ذلك، ويختلف باختلاف أحوال الناس، فمنهم من يكثر ~~وجوه حرجه، فيعد فقيرا مع ملك نصب كثيرة، وربما احتاج في يوم إلى نصاب، ~~فهذا يعد فقيرا، وهو أقرب إلى الظاهر، وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. # واختلفوا في أنه هل يدفع له مقدار أم لا؟ # فقال بعضهم: لا يجوز أن يدفع إليه أكثر مما يصير به غنيا. # وقال آخرون: يجوز، وهو الأليق بالظاهر، فإنه تعالى جوز وضع الصدقة في ~~الفقير ولم يفصل. # واختلفوا في هل استحقاق الصدقات كلها بالفقير والحاجة فقط، ms407 أو بذلك مع ~~غيره. # فمنهم من قال بالوجه الأول، وزعم أن الله تعالى إنما ذكر الأصناف لاختلاف ~~معنى الحاجة فيهم، فأكد ذلك وبينه، وإلا فالوجه الذي لأجله يجوز وضع الصدقة ~~فيهم واحد، على ما قاله عليه الصلاة والسلام، وردها في فقرائهم. # فبين أن الاستحقاق بهذا الوجه الواحد. # وأما العاملون، فإنهم يأخذون من جهة الفقراء لا من جهة رب المال، إلا أنه ~~لا يدفع إليهم إلا أجرة سعيهم، فهم كالوكلاء للفقراء، ومنهم يأخذون هذا ~~السهم. وكذلك الجواب عن المؤلفة، حيث كانت، لأنهم مع الغنى كانوا يأخذون ~~لإعزاز الدين. # ومن قال بالقول الثاني قال: إن الغارم قد يأخذ مع الغنى، وكذلك ابن ~~السبيل، وكذلك الغازي. # والأقرب إلى الظاهر هذا القول، فإن الله تعالى ذكر هذه الأصناف، فإن أراد ~~المريد بالحاجة أنه لا بد منها في جميعهم على بعض الوجوه # PageV04P210 # فصحيح، فإن العامل وإن كان غنيا، ففي صرف أجرته إليه تقوية لأمر الصدقات، ~~فالحاجة إليهم ماسة، وفي الصرف إلى المؤلفة قلوبهم تقوية الإسلام، فالحاجة ~~واقعة، وكذلك الغارم بالديات، تمس الحاجة إليه لتسكين الفائزة «1» ، وتطفية ~~الفتنة. # وقد استدل قوم في نصرة قول الشافعي ومذهب أبي حنيفة، على أن ذكر العامل ~~يدل على وجوب دفع الزكاة إليهم، وأنه لا يجوز أن يفرق بنفسه، وهذا فيه نظر، ~~لأن ذكرهم يتضمن أنهم إذا كانوا أعطوا نصيبهم، فأما إذا لم يكونوا فلا، ~~وليس في الظاهر أنه لا بد منهم، كما أنه ليس في الظاهر أنه لا بد من رقاب ~~وغارم ومؤلفة. # فأما المؤلفة، فقد قيل كان ذلك وزال. # وقد قيل: للإمام أن يتألف قوما إذا رأى في تأليفهم صلاحا للمسلمين، لما ~~فيه من دفع ضررهم أو الضرر بمكانهم، فله أن يدفع إليهم سهم المؤلفة قلوبهم، ~~فإن الله تعالى لم يخص وقتا دون وقت. # وأما الرقاب، فقد اختلف فيه. # فقال قائلون أراد به العتق، وهو قول ابن عباس «2» ، وكان لا يرى بأسا أن ~~يعطي الرجل من زكاته في عتق رقبة، وهو قول الحسن. # وقال الأكثرون: المراد به المكاتبون، وهو ms408 قول إبراهيم وسعيد بن جبير ~~والشعبي وغيرهم، وعلل سعيد بن جبير وقال: لا يعتق من الزكاة مخافة جر ~~الولاء «3» . PageV04P211 # وذكر علي بن موسى القمي أنهم أجمعوا على أن المكاتب مراد، واختلفوا في ~~عتق الرقاب، وذكر هو وجوها بينة في منع ذلك. # منها: أن العتق إبطال ملك وليس بتمليك، وما يدفعه إلى المكاتب تمليك، ومن ~~حق الصدقة ألا تجري إلا إذا جرى فيها التمليك، وقوى ذلك بأنه لو دفع الزكاة ~~عن الغارم في دينه من غير إذنه، لم يجزه من حيث إنه لم يملك، فلأن لا يجزى ~~ذلك في العتق أولى. # وذكر أن في العتق جر الولاء إلى نفسه، وذلك لا يحصل في دفعه إلى المكاتب. # وذكر أن ثمن العبد إذا دفعه إلى العبد لم يملك، وإن دفعه إلى السيد فقد ~~ملكه الغنى، وإن دفعه بعد الشراء والعتق، فهو قاض دينا، وذلك وذلك لا يجوز ~~في الزكاة. # وأما حق الغارمين، فقد قيل هو المستدين من غير سرف ولا وفاء في ماله ~~بدينه، وروى قريب من ذلك عن ابن عمر وعائشة، وروى علي بن موسى القمي ~~بإسناده عن الحسن بن علي أنه قال: # أن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: # لذي فقر مدقع، ولذي غرم مفظع، ولذي دم «1» موجع، وعلى هذا إذا تحمل مما ~~له فيها مصلحة للمسلمين. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم في حديث قبيصة بن مخارق أنه قال: # تحملت حمالة فأتيته صلى الله عليه وسلم فسألته فقال: «يؤديها عنك إذا ~~جاءت نعم الصدقة» . ثم قال: «أما علمت أن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: # رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش. ~~PageV04P212 # ورجل أصابته فاقة وحاجة حتى تكلم ثلاثة من ذوي الحجر من قومه، فحلت له ~~المسألة، حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش ثم يمسك» . # فدل قوله من تحمل حمالة، أن المسألة تحل له حتى يؤدي ثم يمسك، على أنه ~~غني، لأنه لو كان فقيرا لم يلزمه أن يمسك، بل ms409 كان يحل له أن يسأل لفقره. # وظاهر الغارم يتناول الغارمين كلهم. # وقوله: وفي سبيل الله: قد قيل، إن المراد به الغازي وإن كان غنيا «1» ~~وقيل: هذا يختص بالفقير. # ومنهم من يقول: إن كان مستغنيا بالفيء ولم يعط، وإلا أعطى. # والظاهر أنه الغازي، وأنه لا فرق بين أن يكون محتاجا أو معه من الفيء ما ~~يحرم أخذ الصدقة، لأنه يحتاج لعدة جهاده وتقوية قلبه، إلى ما لا يحتاج إليه ~~غيره، فصرف الصدقة إليه جائز والحالة هذه. # وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: # «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله» . # وهذا موافق للظاهر. # وفي رواية: لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله وابن السبيل. # وابن السبيل يأخذ الزكاة مع غناه، وقد قيل: هو مختص بمن يوجد مسافرا. # وقد قيل: يلحق به من يهم بسفر لا يضره تركه «2» . PageV04P213 # قوله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) ، الآية/ 65: # فيه دلالة على أن اللاعب والخائض سواء في إظهار كلمة الكفر على غير وجه ~~الإكراه لأن المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوه لعبا، فأخبر الله تعالى ~~عن كفرهم باللعب بذلك. # ودل أن الاستهزاء بآيات الله تعالى كفر. # قوله تعالى: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) «1» . # روى ابن مسعود أنه قال: # «جاهدهم بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فاكفهر في وجوههم» . # وقال ابن عباس: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان. # قوله تعالى: # (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر) ، الآية/ 74: # والذي قالوه من كلمة الكفر قول الخلامس بن سويد بن الصامت: # إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن شر من الحمير. # وقول عبد الله بن أبي في قوله تعالى: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل) «2» ، وفيما قص الله تعالى علينا من نبأ المنافقين مع ~~استيعابهم، دليل على أن توبة الزنديق مقبولة إذا لم يظهر الكفر. ~~PageV04P214 # قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن) ، الآية/ 75. # ذكر ابن عباس في سبب نزول هذه الآية، أن حاطب بن أبي ms410 بلتعة أبطأ عنه ماله ~~بالشام، فحنف في مجالس الأنصار، إن سلم ذلك لأتصدق منه، ولأصلن منه، فلما ~~سلم بخل بذلك، وهذا نذر التبرر المتفق عليه. # وقيل نزل ذلك في شأن المنافقين الذين عاهدوا ثم أخلفوا. # واستدل به قوم على أن من حلف إن فعل كذا، فعلي كذا لله تعالى، أنه يلزمه. # وظاهر الآية لا يدل عليه، لأنه ليس بنذر، ولا قصد فعله، ولا إنه مما يقال ~~فيه: لئن آتانا من فضله. # وقد استدل به على أن من قال إن آتاني الله مالا تصدقت به وفعلت وصنعت. # قوله تعالى: (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم) «1» : # يحتمل أن يكون ذلك من الله تعالى، ويحتمل أن يكون بعض المعاصي داعيا إلى ~~البعض، فكأن البخل أعقب النفاق. # وأبان به إن بعض الأفعال قد تكون لطفا في بعض، وبعضها فسادا في بعض. # وقد يدل ذلك على أن الذي عاهد لم يكن منافقا من قبل. # فأعقبهم نفاقا. ثبتوا عليه إلى الممات، وهو معنى قوله إلى يوم يلقونه «2» ~~. # قوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) ، الآية/ 80. PageV04P215 # كلمة (أو) هاهنا ليست للتخيير، لأن التخيير، لا يصح مع قوله: # (فلن يغفر الله لهم) . # وذكر السبعين كالمبالغة، مثل قول القائل: لو سالتني مائة مرة ما أجبتك. ~~ولا يكون المراد به التحديد، وذلك معلوم من الفحوى. # ويدل عليه، أنه علل بأنهم كفروا بالله، والعلة قائمة بعد السبعين، فظهر ~~أن ذلك ليس بتخيير، بل هو منع من الاستغفار. # وروي في بعض الأخبار أنه عليه الصلاة والسلام قال في هذه الآية: # خيرني ربي، والصحيح الأول. # قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) ، الآية/ 84. # وكان قد صلى على عبد الله بن أبي، بناء على الظاهر من لفظ إسلامه، وأما ~~لأنه لم يعرف نفاقهم، ثم لم يكن يفعل ذلك لما نهي عنه. # قوله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) ، الآية/ 91. # يحتج به في إسقاط الضمان عن قاتل البهيمة الصائلة. # وقوله تعالى: (السابقون الأولون) ، الآية/ 100. # يدل على تفضل السابق إلى الخير على التالي، لأنه داع ms411 إليه بسبقه، والتالي ~~تابع له، فهو إمام له وله أجر مثله، كما قال صلى الله عليه وسلم: # «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة ~~سيئة» ، الحديث «1» . # قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) ، الآية/ 103: # الأكثرون من المفسرين، على أن المراد بالآية الصدقات الواجبة في ~~PageV04P216 # الأموال، وليس في الآية بيان مقدار المأخوذ ولا المأخوذ منه، وليس في ~~الآية بيان شروط معتبرة في المأخوذ منه، ولا معتبرة في المأخوذ، ولا شروط ~~في المؤدي، ولا شروط في الآخذ: # قوله تعالى: (تطهرهم وتزكيهم بها) . # يدل على أن الله تعالى جعل الزكاة تطهيرا، ودعاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طمأنينة لقلوبهم، وعلما على أن الله تعالى غفر لهم، فإنه لا يصلي على ~~قوم إلا أن يؤذن له في ذلك، ولا يؤذن له في ذلك إلا أن يكون مغفورا له. # قوله تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين) ، ~~الآية/ 107. # يدل على أن الأفعال تختلف بالقصود والإرادات، ولذلك قال:- (وليحلفن إن ~~أردنا إلا الحسنى) ، وإن الذي اتخذ لقصد التفريق بين المؤمنين لا تحل به ~~حرمة، ولذلك قال: (لا تقم فيه أبدا) ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بهدمه. # قوله تعالى: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) ، الآية/ 108. # وذلك يدل على فضيلة الطهارة. # ثم قال: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه ~~على شفا جرف هار) ، الآية/ 109. # هو من المجاز المستحسن، وذم اتخاذ المسجد للطعن على الإسلام والتفريق ~~بينهم، وبين أن هذا الصنيع يوجب انهيارهم في نار جهنم، فعبر عن ذلك بقوله: ~~(أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم) . # PageV04P217 # ثم أبان عن موتهم على الإصرار بقوله: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في ~~قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم) «1» . # ومن المجاز المستحسن # قوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) ، الآية/ 111. # فجعل بذل أنفسهم في الجهاد وإنفاقهم في ذلك طلبا للثواب بيعا، وجعل ما ~~طلبوه ثمنا. # ولما ms412 كان تعالى هو المرغب في ذلك والداعي إليه، وصف نفسه بأنه اشترى ~~أنفسهم، كما وصفوا بأنهم باعوا وابتاعوا، وفي ذلك دلالة على عظم محل الجهاد ~~ومنزلته. # ودل أن هذا التعبد كما ورد به القرآن، فكذلك التوراة والإنجيل. # ودل به على أن الله تعالى لا يخلف الوعد، ولذلك قال: (ومن أوفى بعهده من ~~الله) ؟ ويدخل في الوعد الوعيد. # ثم أبان تعالى ما يتعلق به تمام البشارة في معاهدة الله عز وجل فقال: # (التائبون العابدون) ، فبين الله تعالى أنه لا بد في المؤمن المجاهد أن ~~يكون على هذه الصفات، وعند ذلك يكون مبشرا على ما قال في آخره: # (وبشر المؤمنين) ، الآية/ 112. # وانطوت الآية على سائر العبادات من توبة وعبادة، وقيام بشكر، وأمر ~~بمعروف، ونهي عن منكر. # ثم أجمل ما يأتي على كل مكلف به، وهو الحفظ لحدود الله تعالى، فيدخل تحت ~~ذلك اجتناب الكبائر كلها، والقيام بالطاعات كلها» . PageV04P218 # قوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) ، الآية/ ~~113. # فأبان أنه لا يغفر لهم، وحرم ذلك، لأنه طلب مغفرة مأيوس منها سمعا. # وأبان أن استغفار إبراهيم لأبيه، كان على توقع الإيمان منه إذا آمن، فلما ~~علم أنه لا يؤمن امتنع من الاستغفار. # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، ~~الآية/ 119. # فيه دلالة على التأمل في الأقوال، وأن لا نتبع منها إلا ما دلت الدلالة ~~عليه، وبان صدقه، فأما أن نأخذ تقليدا دون أن نعلم صدقه فلا وليس فيه دلالة ~~على رد أخبار الآحاد والظنون، فإنها لا تقبل عندنا إلا إذا دل الدليل ~~القاطع على وجوب اتباعها والعمل بها عند ذلك الدليل، الذي يوجب العلم به، ~~معلوم صدقه حقيقة، فيكون الإتباع للصادق تحقيقا. # وقال تعالى في سورة البقرة: # (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر- إلى قوله- أولئك الذين صدقوا) «1» . # وهذه صفة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، المهاجرين والأنصار منهم، ثم ~~قال في هذه الآية: (كونوا مع الصادقين) «2» . # فدل على وجوب إتباعهم والاقتداء ms413 بهم، لإخباره أن من فعل ما ذكر ~~PageV04P219 # في الآية فهم الذين صدقوا، ولا يدل ذلك على وجوب اتباع إجماعهم، إلا إذا ~~بان بالدليل صدقهم فيه. # قوله تعالى: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله) ، الآية/ 120. # بين في هذه الآية وجوب الخروج على أهل المدينة مع رسول الله في غزواته، ~~إلا المعذورين ومن أرخص له رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود. # وقال الله عز وجل: (ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) ، الآية/ 120. # أي لا يطلبون المنفعة بتوقية أنفسهم دون نفسه، بل كان الواجب عليهم أن ~~يوقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، وقد كان من المهاجرين ~~والأنصار من يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، ويبذل نفسه للقتل، ~~ليبقى بذلك رسول الله. # وقال تعالى: (ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب ~~لهم به عمل صالح) ، الآية/ 120. # استدل به قوم على أن وطء ديارهم إذا جعل بمنزلة النيل من الكفار، وأخذ ~~أموالهم، وإخراجهم من ديارهم- وهو الذي يغيظهم ويدخل الذل عليهم- فهو ~~بمنزلة نيل الغنيمة، ولذلك قال علي: ما وطئ قوم في عقر ديارهم إلا ذلوا. # قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) ، ~~الآية/ 122. # روي عن ابن عباس أنه نسخ بقوله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا) # PageV04P220 # فقال تعالى: مالهم أن يتفرقوا في السرايا ويتركوا النبي عليه السلام في ~~المدينة وحده ولكن تبقى بقية لتنفعه، ثم ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. # وقال الحسن: لتتفقه الطائفة النافرة، ثم تنذر إذا رجعت إلى قومها. # وهذا التأويل أشبه بظاهر الآية. # قال الله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) ، ~~الآية/ 122. # فظاهر الكلام يقتضي أن تكون الطائفة النافرة هي التي تتفقه وتنذر قومها. # وفي الآية دلالة على وجوب طلب العلم، وأنه من فروض الكفاية في بعض ~~المعلومات، وفرض عين في بعض. # وفيه دلالة على لزوم ms414 قبول خبر الواحد في أمور الديانات التي لا يجب على ~~الكل معرفتها، ولا تعم الحاجة إليها. # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا ~~فيكم غلظة) ، الآية/ 123. # وقال في موضع آخر. # (قاتلوا المشركين كافة) «1» . # وأوجب قتال جميع الكفار في وقت واحد، وإن الممكن فيه قتال طائفة، وكان من ~~قرب منهم أولى وأقرب إلى الجرم، وليس ذلك نافيا لقوله: # (قاتلوا المشركين) فإنه إذا قال: (الذين يلونكم) ، فإذا فرغ منهم وصارت ~~الديار للإسلام فالذي يليهم بمثابته، حتى يستوعب الكفار. # فهذا تمام ما أردنا بيانه في هذه السورة. PageV04P221 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة يونس # قوله تعالى: (قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله) ، ~~الآية/ 15. # يستدل به في منع نسخ الكتاب بالسنة «1» ، لأنه تعالى قال: (قل ما يكون لي ~~أن أبدله من تلقاء نفسي) ، الآية/ 15. # وهذا بعيد، فإن الآية وردت في طلب المشركين مثل القرآن نظما، ولم يكن ~~الرسول عليه الصلاة والسلام قادرا عليه، ولم يسألوه تبديل الحكم دون اللفظ، ~~ولأن الذي يقوله الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا كان وحيا لم يكن من تلقاء ~~نفسه، بل كان من الله تعالى. # قوله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما ~~وحلالا، قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون) ، الآية/ 59. # يستدل به في القياس وهو بعيد، فإن القياس دليل الله تعالى، فيكون التحريم ~~والتحليل من الله، عند وجود دلالة نصبها الله تعالى على الحكم، PageV04P223 # فإن خالف في أن القياس دليل الله تعالى، فهو خروج عن هذا الغرض ورجوع إلى ~~غيره. # قوله تعالى: (واجعلوا بيوتكم قبلة) ، الآية/ 87. # قال ابن عباس: كانوا خائفين من الظهور، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبلة، ~~فيصلوا في بيوتهم، وفيه دليل على أن الصلاة في المسجد أفضل إلا لعذر. # PageV04P224 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة هود # قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون) ، الآية/ 15. # معناه معنى قوله: إنما الأعمال بالنيات، الحديث «1» . # ويدل ذلك ms415 على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان، ويدل على ~~أن من توضأ للتبرد والتنظف لا يقع قربة عن جهة الصلاة. # وقوله تعالى: (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي) ، الآية/ 45. # سمى ابنه من أهله، وهذا يدل على أن من أوصى لأهله دخل تحته ابنه، ومن ~~تضمنه منزله وهو في عياله، فدل قول نوح على ذلك، وقال تعالى في آية أخرى: # (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون، ونجيناه وأهله من الكرب العظيم) «2» . ~~PageV04P225 # فسمى جميع من تضمنه منزله من أهله. # وقوله عليه السلام ان ابني من أهلي: الذين وعدتني أن تنجيهم، فأخبر الله ~~تعالى أنه ليس من أهلك الذي وعدت أن أنجيهم. # وقد قيل: إنه لم يكن ابنه حقيقة، وظاهر القرآن يدل على خلافه «1» . # وفيه دليل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من النسب. # قوله تعالى: (واستعمركم فيها) ، الآية/ 61. # يدل على وجوب عمارة الأرض، فإن الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من ~~الله تعالى للوجوب. # قوله: (قالوا سلاما) ، الآية/ 69. # يدل على أن السلام الذي هو تحية الإسلام، كان تحية الملائكة «2» . # قوله تعالى: (إنا أرسلنا إلى قوم لوط) ، الآية/ 70. # ثم ساق الكلام، إلى أن قال: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى ~~يجادلنا في قوم لوط) ، الآية/ 74- حين قالوا: (إنا أرسلنا إلى قوم لوط) ، ~~الآية 70، لنهلكهم. # وقوله: (قال: إن فيها لوطا- قالوا نحن أعلم بمن فيها) «3» : # وذلك يحتج به من يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، لأن الملائكة أخبرت ~~إبراهيم أنها تهلك قوم لوط، ولم تبين المنجين منهم، ومع ذلك إبراهيم عليه ~~السلام جادلهم وقال: أتهلكونهم وفيهم كذا وكذا من المسلمين، PageV04P226 # وتعرف منهم أمر العذاب، وأنه عذاب واقع بهم لا محالة، أم يعفى عنهم إذا ~~رجعوا؟ وهذا دلالة لا محالة على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وهو بين ~~حسن. # قوله تعالى: (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا) ، الآية/ 87. # يستدل به على أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقد قيل: الصلاة هاهنا ~~الدين، فيستدل به على ms416 أن الصلاة تطلق بمعنى الدين «1» . # قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) ، الآية/ 113. # يدل على النهي عن مجالس الظالمين ومؤانستهم، والإنصات إليهم، وهو مثل ~~قوله تعالى: (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) «2» . # قوله تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار) ، الآية/ 114. # عنى بطرفي النهار على قول ابن عباس: الفجر، والعصر، وعنى بقوله: زلفا من ~~الليل المغرب والعشاء. PageV04P227 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة يوسف # قوله تعالى: (لا تقصص رؤياك على إخوتك) ، الآية/ 5. # وذلك يدل على جواز ترك إظهار النعمة، عند من يخشى غائلته حسدا وكيدا. # وقال النبي عليه الصلاة والسلام: استعينوا على حوائجكم بالكتمان فإن كل ~~ذي نعمة محسود «1» . # قوله تعالى: (بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل) الآية/ 18. # يدل صدر الآية: # على جواز الحكم بالعلامة، فإنه لما رأى القميص صحيحا قال: يا بني، ما ~~عهدت والله الذئب حليما. # وقوله: فصبر جميل، يدل على أن من أدب الدين حسن الصبر والعزاء، وترك ~~الشكوى، وهو مثل قوله تعالى: PageV04P229 # (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) «1» . # قوله تعالى: (وأسروه «2» بضاعة) ، الآية/ 19. # قال ابن عباس: أسره إخوته وكتموا أنه أخوهم، وبايعهم يوسف على ذلك ~~الكتمان لئلا يقتلوه. # وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما، أنه قضى في اللقيط أنه حر، # وقرأ: # (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين) ، الآية/ 20. # وروى الزهري عن سفيان بن أبي جميل قال: وجدت منبوذا على عهد عمر، فقال ~~رحمه الله: عسى الغوير أبؤسا، فقيل إنه لا يتهم، فقال: هو ذاك ولاه أبي ~~ولايته إذ هو حر الأصل في الظاهر. # ومعنى قوله لعل الغوير أبؤسا: الغوير تصغير غار، وهو مثل:- معناه: عسى أن ~~يكون البائس جاء من قبل الغار، فإنهم غمزوا الرجل. # وقال: عسى أن يكون الأمر جاء من قبلك في هذا الصبي اللقيط، وأن يكون من ~~مغالك، فلما شهد وآله بالستر، أمره بإمساكه، وقال ولاؤه لك، أي إمساكه ~~والولاية عليه. # قوله تعالى: (وكانوا فيه من الزاهدين) ، الآية/ 20: # قيل إن إخوته كانوا في الثمن من ms417 الزاهدين، فإن ما كان من أبيهم ألا ~~يغيبوه عن وجه أبيه. PageV04P230 # وقوله تعالى: (وشهد شاهد من أهلها) ، الآية/ 21. # روى ابن عباس أنه صبي في المهد. # وروى أيضا أنه رجل، ومن الناس من يحتج بذلك في الحكم بالعلامة في اللقطة ~~وكثير من المواضع، حتى قال مالك في اللصوص: # إذا وجدت معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها وليست لهم بينة، أن السلطان يتلوم ~~في ذلك، فإن جاء غيرهم يطلبها، وإلا دفعها إليهم. # وقال أبو حنيفة ومحمد في متاع البيت: إذا اختلف فيه الرجل والمرأة فهو ~~للرجل. # ولا يحكم في كثير من المواضع بمثله، فإنه لو تنازع عطار وسقاء قربة وهما ~~متعلقان بها، فهي بينهما، ولأن الأشبه في حديث يوسف، والعلامة أن ذلك كان ~~آية من جهة الله تعالى، وإلا فما يدريهم أن امرأة ورجلا إذا تداعيا أمرا ~~بينهما، فيكون قد قد قميص أحدهما أو قميصها، أو من الممكن أن يقال إن الرجل ~~هم بها فطلبته ممتعضة وقدت قميصه من دبر، وليس في ذلك دلالة إلا من جهة خرق ~~الله عز وجل العادة، بانطلاق الصبي في المهد. # وكان شريح وإياس بن معاوية يعملان على العلامات في حكومات، وأصل ذلك على ~~هذه الآية، ولعل ذلك فيما طريقه التهمة، لا على سبيل بت الحكم، وقد يستحي ~~الإنسان إذا ظهر مثل هذا منه للإقامة على الدعوى فيقر، فيحكم عليه ~~بالإقرار. # قوله تعالى: (أضغاث أحلام) ، الآية/ 44. # وقد كانت الرؤيا صحيحة، ولم تكن أضغاث أحلام، فإن يوسف عليه السلام عبرها ~~على سني الخصب والجدب. # PageV04P231 # وهذا يبطل قول من يقول: إن الرؤيا على أول ما تعبر، فإن الأقوام قالوا ~~أضغاث أحلام، ولم تقع كذلك. # ويدل على فساد الرواية: أن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت. # قوله تعالى: (فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك) ، الآية/ 50. # يدل على ثبات النفس والصبر، وطلب براءة الساحة، ليكون أجل في صدره عند ~~حضوره، وأقرب إلى أن يقبل منه ما دعاه إليه من التوحيد. # الأمارة: الكثيرة الأمر بالشيء، والنفس بهذه الصفة، لكثرة ما يشتبه، ms418 ~~وتنازع إليه مما يقع الفعل من أجله. # قوله تعالى: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) ، الآية/ 55: # وصف نفسه بالعلم والحفظ، فدل ذلك أنه جائز أن يصف الإنسان نفسه بالفضل ~~عند من لا يعرفه، وأنه ليس من المحظور تزكية النفس لقوله: (فلا تزكوا ~~أنفسكم) «1» . # قوله تعالى: (لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) ، الآية/ ~~67: # ذهب به إلى حرف العين «2» . # قوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير) ، الآية/ 72: # أصل في الجعالة، مثل أن يقول: من رد إلي عبدي الآبق فله كذا. PageV04P232 # فقوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) ، ظن ظانون أن ذلك ~~كفالة، وليس بكفالة إنسان عن إنسان، وإنما كفل بذلك عن نفسه، وضمنه نعم هو ~~جعاله. # قوله تعالى: (كذلك كدنا ليوسف) ، الآية/ 76. # دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى المباح، وما فيه من العظة والصلاح، ~~واستخراج الحقوق، ومثله قوله تعالى: # (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) «1» . # وحديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر والذي أهداه من التمر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وما قاله في ذلك. # وقال عليه الصلاة والسلام لهند: «خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك ووهدك ~~بالمعروف» «2» . # وكان إذا أراد سفرا ورى بغيره. # وأرسلت بنو قريظة إلى أبي سفيان، أن ائتونا فإنا نستعين على بيضة ~~المسلمين من ورائهم، فسمع ذلك نعيم بن مسعود، وكان موادعا للنبي عليه ~~الصلاة والسلام، وكان عند عينيه حين أرسلت بذلك بنو قريظة إلى الأحزاب، أبي ~~سفيان بن حرب وأصحابه، فأقبل نعيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبره خبرها وما أرسلت به بنو قريظة إلى الأحزاب، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعلنا أمرناهم بذلك، فقام نعيم بكلمة رسول الله من عند رسول ~~الله، وكان نعيم رجلا لا يكتم الحديث، قال: فلما ولى من عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذاهبا إلى غطفان، فقال عمر: يا رسول الله، ما هذا الذي ~~PageV04P233 # قلت؟ إن كان أمر من الله تعالى فامضه، وإن كان ms419 هذا رأيا رأيته من قبل ~~نفسك، فإن شأن بني قريظة أهون من أن تقول شيء يؤثر عنك، فقال النبي عليه ~~الصلاة والسلام: # إن هذا رأي، إن الحرب خدعة. # وعن عمر أنه قال: إن لفي معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب. # وقال ابن عباس: ما سرني بمعاريض الكلام حمر النعم. # وقال إبراهيم حين سئل عن سارة من هي؟ فقال هي أختي، لئلا يأخذوها، وإنما ~~أراد به أختي في الدين «1» . # وقال إبراهيم حين تخلف ليكسر آلهتهم: إني سقيم، معناه إني سأسقم يعني ~~أموت، كما قال تعالى إنك ميت، فعارض عن كلام مبهم سألوه عنه إلى غيره على ~~وجه لا يلحقه في ذلك كذب «2» . # قوله تعالى: (فأوف لنا الكيل) ، الآية/ 88. # وقال: ألا ترون أني أوف الكيل. # هذا مما يحتج به في أجرة الكيال والوزن أنها على البائع، فإنه إذا كان ~~عليه أن يوف الكيل فيتعين عليه أن يقوم بمئونة ما يجب عليه «3» . ~~PageV04P234 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الرعد # قوله تعالى: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل ~~شيء عنده بمقدار) ، الآية/ 8. # قال قائلون: فيه دلالة على ظهور الحيض في أيام الحمل، وهو المراد بقوله: # (وما تغيض الأرحام) ، فلا جرم قال قائلون: إن الحامل تحيض، تعلقا بهذا ~~الظاهر. # وقال بعضهم: لا تحيض. # وقال آخرون: المراد به السقط، فإنه من غيض الأرحام حقيقة. # وقال بعضهم: هو نقصان مدة الحمل، حتى يقابله قوله: (وما تزداد) ، يعني في ~~مدة الوضع، فجعلوا الغيض في ستة أشهر، وما تزداد: ما يزيد على ذلك. # ويحتمل أن يكون معناه أن الله تعالى يعلم حمل كل أنثى، ويعلم ما تغيض ~~الأرحام، وفي الدم والحيض في غير حال الحمل، وما تزداد بعد # PageV04P235 # غيضها من ذلك، حتى يجتمع في رحمها الدم، وذلك لا يعلمه إلا الله تعالى، ~~فعلى هذا لا يدل ظاهر الآية على أن الحامل تحيض، إلا أن يقال إنه عام، فإذا ~~بين الله تعالى في الأرحام أنها تغيض بالدم، فيجب أن يكون حيضا، لأن الحيض ~~هو الذي تساقط ms420 عن الرحم، والاستحاضة دم عرق لا من الرحم «1» . PageV04P236 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة ابراهيم # قوله تعالى: (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) ، الآية/ 25. # روي عن ابن عباس أنه قال: غدوة وعشية، ولعله أخذ ذلك من قوله تعالى: ~~(فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) «1» . # وعن ابن عباس رواية أخرى أنه قال: هي النخلة تطعم في كل ستة أشهر «2» . # وعن علي أنه قال: الحين سنة. # وقال ابن المسيب «3» : الحين شهران من حين تصرم النخل إلى حين تطلع. # وروي عنه أنه قال: النخلة لا يكون فيها أكلها إلا شهران. # وقال تعالى: (ليسجننه حتى حين) «4» ، وعنى به ثلاث عشرة سنة. PageV04P237 # وقال تعالى: (ولتعلمن نبأه بعد حين) «1» : يوم القيامة. # وعن عكرمة أن رجلا قال: إن فعلت كذا وكذا إلى حين فغلامه حر، فأتى إلى ~~عمر بن عبد العزيز فسأله عن ذلك، فسألني عنها فقلت: # إن من الحين حين لا يدرك. # قوله تعالى: (وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) «2» . # فأرى أن يمسك ما بين صرام النخل إلى حملها، فأعجبه ذلك. # وبالجملة: للحين مصارف، ولم ير للشافعي تعيين مصرف من هذه المصارف، لأنه ~~لم يوضع في اللغة لمعنى معين، والذي ذكره أبو حنيفه من تقييد الحين في ~~الحلف بستة أشهر اتباعا لعكرمة تحكم، وتخصيصه بإدراك النخل لا مأخذ له فلا ~~معنى لاعتباره. PageV04P238 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الحجر # قوله تعالى: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) ، الآية/ 72. # قال المفسرون: معناه: حياتك، فقوله: لعمرك: لغة. # وكره قوم أن يحلفوا بغير الله تعالى، وورد فيه خبر، وإن لم يقو إسناده ~~«1» وكرهوا أيضا أن يقول: وحق الكعبة، وحق الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا ~~ما فيه من الحكم «2» . PageV04P239 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة النحل # قوله تعالى: (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع) ، الآية/ 5. # قال ابن عباس: الدفء اللباس. # وقال الحسن: الدفء ما استدفئ به من أصوافها، وأوبارها وأشعارها. # واستدل به قوم على جواز الانتفاع بها في حالة حياة الحيوان وموته. # وليس ذلك بصحيح، فإنه تعالى قال: (لكم فيها دفء ms421 ومنافع، ومنها تأكلون) . # فبين أن منها ما أكلنا «1» ، فدل ذلك على إباحة هذه الثلاثة بشرط الزكاة ~~«2» . # ثم بين تعالى بقوله: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) ، الآية/ ~~8، عظيم منة علينا. PageV04P241 # وذكر ذاكرون من أصحاب أبي حنيفة، أن في الآية دليل على تحريم لحومها، ~~فيقولون: # في الأنعام ذكر الله تعالى في الكتاب، أنها للأكل، وفي البغال والحمير ~~أنها للركوب والزينة، وذكروا في تحقيق ذلك أن الله تعالى ذكر في الأنعام ~~منافع الركوب، وحمل الأثقال إلى البلاد، وذكر الجمال بها حين تريحون وحين ~~تسرحون، فنبه على المنافع الأصلية، والنادرة، كالأكل والركوب على الأنعام، ~~فلو كانت الخيل مأكولة لذكره. # ويجاب عنه، بأن الله تعالى لم يذكر ذلك، لأنه لا يعد للأكل عرفا، وإنما ~~يؤكل إذا أصابته زمانه، ونقصت قيمته، فلم يذكر الأكل بما فيه من نقصان ~~وخسران. بخلاف الأنعام التي منها الأكل، وأن حمل الأثقال عليها هو المقصود. # قوله تعالى: (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) ، الآية/ 14. # يحتج به أبو يوسف «1» ومحمد والشافعي، فيمن حلف لا يلبس حليا فلبس لؤلؤا، ~~أنه يحنث لتسمية الله تعالى إياه حليا «2» . # وأبو حنيفة لا يرى ذلك، لأن الحلي إذا أطلق لا يفهم منه اللؤلؤ، وذلك ~~مكابرة منه. # قوله تعالى: (ومن ثمرات النخيل والأعناب) ، الآية/ 67. # يدل على أن ذلك من الآيات التي يجب الإعتبار بها، لأنه عطف على ما تقدم. ~~PageV04P242 # وفيه بيان عظيم نعم الله تعالى لهذين الجنسين، والأمر ظاهر في مزيتهما، ~~لكثرة وجوه الانتفاع بهما، بخلاف سائر الثمرات، فلذلك خصهما بالذكر. # فأما السكر ففيه أقوال: # قال الحسن: هو المسكر من الشراب. # وقال الأصم: أن السكر، كل ما حرمه الله تعالى من ثمرهما، والرزق الحسن ما ~~أحله الله. # وقال الحسن: هو الشراب المستلذ وإن لم يسكر، والرزق الحسن: # الرطب والعنب وما يتفرع عنهما. # والأقرب إلى الظاهر، هو ما يتخذ من الرطب والعنب، وما يتخذ من التين ~~غيره، ويدخل فيما يتخذ منها السكر، وهو الشراب الذي يسكر، لأن ذلك هو مقتضى ~~الآية، ويدخل في قوله رزقا حسنا، ما يتخذ منهما من خل ms422 وزبيب وغيره، مما ~~يؤكل في الطعام الطيب وكل ذلك نعمة منه. # والأقرب أن تحريم الخمر بعد ذلك. # ووجب الاعتبار بثمرات النخيل والأعناب، فأظهر ما ذكره في اللبن في قوله: ~~(من بين فرث ودم لبنا خالصا) «1» ، لأن ظهور الرطب والعنب من ذلك الرطب ~~اليابس على اختلاف طعومهما، وذلك من أدل الدلائل على توحيد الله تعالى، ~~ولذلك قال: (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون) «2» ، الآية/ 6. PageV04P243 # قوله تعالى: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء) الآية/ 75. # ذكر إسماعيل بن اسحق، أن المراد به عبد نفسه، وليس المراد عبدا للعباد، ~~ويجوز أن يكون عبد الله. # وهذا بعيد، والظاهر أنه أي عبد كان. # واحتج به قوم في أنه لا يملك بالتمليك، فإنه لو ملك لقدر على شيء، وقد ~~قال تعالى: (لا يقدر على شيء) . # ويمكن أن يجاب عنه، أن المراد به أنه إذا تصرف لا يمكنه أن يتصرف إلا ~~بإذن غيره، كما يقال ذلك فيمن لا يملك أصلا، وإلا فهذا اللفظ لا يدل على ~~نفي ملك الطلاق، ونفي ملك النكاح، فهذا ما يدل عليه الظاهر دون ما سواه، ~~ولذلك عقبه بقوله: (ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل ~~يستوون) ، فأبان بذلك أن نقيض هذا المعنى في العبد، عدم استقلاله بالإنفاق ~~سرا وجهرا. # وقال الأصم: المراد به، المملوك الذي ربما يكون أشد من مولاه «1» أسرا ~~وأنضر وجها، وهو لسيده ذليل لا يقدر إلا على ما أذن له فيه، فقال الله ~~تعالى ضربا للمثل: فإذا كان هذا شأنكم وشأن عبيدكم، فكيف جعلتم أحجارا ~~أمواتا شركاء لله تعالى في خلقه وعبادته، وهي لا تسمع ولا تعقل؟ # وهذا القول أولى بالظاهر، لأن العبد المملوك لا يكون جمادا، ولا يقال في ~~الجماد لا يقدر على شيء، وهو بالصفة التي معها لا يجوز أن يقدر، فار حاجة ~~والحالة هذه إلى صرفه عن ظاهره، فبين تعالى أن هذا العبد إذا لم يساوي من ~~رزقناه رزقا حسنا، فهو ينفق منه سرا وجهرا مع اشتراكهما PageV04P244 # في الحيوانية والقدرة ms423 والآلة، فكيف يجوز التسوية بين الأصنام التي لا ~~يتأتى منها ضرر ولا نفع، وبين مالك الأمر والخلق. # وإسماعيل بن اسحق روى عن ابن عباس، أن الآية واردة في رجل من قريش وعبده ~~أسلما، وإنه كان مولى لعثمان يكفله وينفق عليه، ولذلك ذكر في الأبكم أنه لا ~~يقدر على شيء كما ذكره في العبد، ثم لا يدل ذلك على أنه لا يملك «1» . # قوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) ، الآية/ ~~98. # وقد روى جبير بن مطعم عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين افتتح الصلاة قال: # «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه» «2» . # وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة. # وقال مالك: لا يتعوذ في المكتوبة قبل القراءة، ويتعوذ في قيام رمضان إذا ~~قرأ. # ونقل عن بعض السلف، التعوذ بعد القراءة مطلقا، احتجاجا بقوله تعالى: ~~(فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) . # ولا شك في أن ظاهر ذلك، يقتضى أن تكون الاستعاذة بعد القراءة كقوله ~~تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا) «3» ، PageV04P245 # إلا أن غيره محتمل مثل قوله: (وإذا قلتم فاعدلوا) # «1» . # وقوله: (وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب) «2» . # ليس المراد به أن يسألا من وراء حجاب بعد سؤال متقدم، ومثله قول القائل: # فإذا قلت فأصدق وإذا أحرمت فاغتسل. # يعني فاغتسل قبل الإحرام. # والمعنى في جميع ذلك: إذا أردت ذلك، كذلك، والاستعاذة قبل القراءة لنفي ~~وساوس الشيطان لعنه الله قبل القراءة. # قال الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان) «3» . # قوله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان) ، الآية/ 106. # وذلك يدل على أن حكم الردة لا يلزمه، غير أنه إن أمكنه أن يوري فيجب عليه ~~أن يفعل وإلا كفر، ولو صبر حتى قتل شهيدا كان أعظم لأجره، وذلك يدل على أنه ~~عند الإكراه قبيح أيضا، غير أن المشرع غفر له لما ms424 يدفع به عن نفسه من ~~الضرر، ولو لم يكن قبيحا في نفسه، لوجب عليه أن يأتي به. # واستدل به أصحاب الشافعي على نفي وقوع طلاق المكره وعتاقه، PageV04P246 # وكل قول حمل عليه بباطل، نظرا لما فيه من حفظ حقه عليه، كما امتنع الحكم ~~بنفوذ ردته حفظا على دينه، وإذا أكره على الزنا فلا يباح له الزنا، ولا ~~يباح له القتل بالإكراه، فلولا الرخصة أمكن في الردة مثله، فكأن الذي يتلفظ ~~بكلمة الردة مراده دفع الضرر، فليس يطلق على ما يأتي به الكفر، وما أراد ~~الكفر لمعناه، وإنما أراد به دفع الضرر «1» . # قوله تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) ، الآية/ 123. # إيجاب إتباع ملته، وقد بينا ذلك في أصول الفقه «2» . # قوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ، الآية/ 126. # وذلك يدل على المماثلة في القصاص، وعلى وجوب المثل في المثليات، والقيم ~~العادية في المقومات، وقد وردت الآية في الكفار يوم أحد، حيث مثلوا ببعض ~~القتلى، كحمزة بن عبد المطلب وغيره، فأراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن ~~يمثل بسبعين من المشركين بدله، فنزل قوله تعالى: # (وإن عاقبتم) الآية، وأبان أن الصبر أولى، ودل به على أن للولي الحق على ~~غيره، وهو أن يعفو «3» . PageV04P247 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الإسراء # قوله عز وجل: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ، الآية/ 15. # يدل على صحة قول أهل الحق في أنه لا تكليف قبل السمع، وأنه لا وجوب قبل ~~إرسال الرسل، ولا يقبح ولا يحسن بالعقل، خلافا لمن عدا أهل الحق، في كون ~~العقل طريقا إلى معرفة وجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، وإباحة المباحات، ~~ثم الأكثرون منهم على أنه يجوز أن يقتصر ببعض المكلفين على دليل العقل دون ~~السمع، إذا كانت مصلحته فيما دل عليه العقل، وأنه يقع في علم الله أنه ينهض ~~بما كلفه دليل العقل، والغرض بالشرائع المصلحة، وإذا كان المعلوم من حال ~~بعضهم نهوضه بالتكاليف العقلية تلقيا من دليل العقل، لم يكن لإرسال الرسل ~~إليهم فائدة، وإنما يرسل الله تعالى عندهم الرسول ms425 إلى من وقع في المعلوم أن ~~تمسك المتمسك بالشريعة داعي إلى المصلحة في التكاليف العقلية، فيرسل الرسول ~~إليه بأمور سمعية يعلم الله تعالى كونها داعية إلى المستحسنات العقلية، ~~ويحرم عليه من السمعيات ما يعلم كونه داعيا إلى المستقبحات العقلية. # PageV04P249 # فإذا لم يقع في المعلوم كون فعل من الأفعال داعيا إلى الواجب العقلي، ولا ~~ناهيا عن القبيح العقلي، لم يكن للإرسال فائدة، وليس يجب أن يعلم الله ~~تعالى ذلك من أحوال المكلفين جملة، وربما علم من أحوال بعضهم، فيجب إرسال ~~الرسول إليه، وربما لا يعلم ذلك، فلا يجب إرسال الرسول إليه. # وفيهم من يقول: يجب على الله تعالى إرسال الرسل، لأن ذلك أقرب إلى مظاهرة ~~الحجة وأقوى في معنى اللطف. # وهذا الإخفاء ببطلانه، إذ يلزم منه إبقاء الرسول أبدا أو توالي الرسل، ~~لأن ذلك أقرب إلى اللطف، ولا شك أن إبقاء إبليس في الدنيا مع أعوانه أبعد ~~عن اللطف من توالي الرسل، ومظاهرة الحجة بهم. # وربما قالوا: العبد لا يعرى من مصالح في دينه لا يعلمها إلا بالسمع، كما ~~لا يعرى عن مصالح في الدنيا لا تعلم إلا بالخبر. # وهذا تحكم، ومن أين وجد ذلك؟ # وإذا ثبت أن الأصح من قول المعتزلة المذهب الأول، فقال للمعتزلة: # فما معنى قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ؟ # وعندكم يجوز في المعلوم أن ينهض العبد بالمصالح العقلية، من غير افتقار ~~إلى أفعال تكون لطفا في تلك المصالح وتعلم بالسمع، وقد قال تعالى: # (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ، وعندكم في تلك الحال يجب أن لا يبعث ~~رسولا ويعذب دون الرسول، فتقدير الكلام: وما كنا نفعل ما يجب علينا فعله، ~~دون أن نبعث رسولا لا يجوز لنا بعثه في بعض الأحوال. # وهم اختلفوا في الجواب عن الآية، فقال قائلون: المراد به عذاب # PageV04P250 # الاستئصال في الدنيا، كقوله: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا) «1» . # وهذا بعيد، فإن عذاب الاستئصال على حسب ما يقع في المعلوم كونه مصلحة، ~~وإن كان الاستئصال مصلحة دون ms426 ابتعاث الرسل، وجب عندهم ذلك، فإن عذاب ~~الاستئصال إنما استحقه من استحقه لمخالفة التكاليف، فإذا حصلت المخالفة قبل ~~الرسل، فأي معنى لترك ذلك؟ وإن لم يكونوا مستحقين، فلا استئصال، لا بعد ~~الرسل ولا قبلهم، وهذا بين حسن. # وأجابوا من وجه آخر فقالوا: وما كنا معذبين فيما طريقه السمع، حتى نبعث ~~رسولا، فأما ما كان طريقه العقل فلا، وهذا بعيد، فإن التكاليف إذا كانت ~~منقسمة، وأقوى القسمين التكاليف العقلية، والسمعية مبنية عليها، لكونها ~~داعية إليها ولطفا بها، فلا يجوز أن يقول: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا. # وعندهم أنه يجب العذاب على ترك التكاليف العقلية، فتقدير الكلام: # وما كنا نفعل ما يجب علينا فعله حتى نبعث رسولا، ولا شك أن ذلك من الله ~~تعالى إبانة عن وجه العدل في أفعاله، أو القهر وإنفاذ المشيئة، وذلك عندهم ~~على إطلاق قبيح، وهو على أصلهم مثل قول القائل: وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا، ويعني بذلك بعض السمعيات دون بعض، مع أن ذلك وغيره بمثابة. # واستدل به المعتزلة على رد قول بعض أصحابنا في أن الله سبحانه لا يعذب ~~أطفال المشركين، لأنه إذا كان لا يعذب قبل إرسال الرسل، فهؤلاء الأطفال لم ~~يعلموا الرسل ولا لهم مكنة في معرفتهم، فكيف يعذبون بذنوب آبائهم؟ ~~PageV04P251 # وهذا من المحتج به جهل، وذلك أن الله تعالى إنما عنى بقوله: # (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ، من يجوز إنفاذ الرسل إليهم، فيعذب على ~~ترك ما كلف، فأما الأطفال فلا يعذبون عندنا على ترك ما كلفوا، وإنما جعل ~~الله تعالى ذلك العذاب حكما منه نافذا، وقضاء ماضيا، كما يؤلم الأطفال ~~والبهائم في الدنيا، فسقط ما قالوه جملة. # واستدل قوم بهذا في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام فآمنوا، فلا تكليف ~~عليهم فيما مضى، وهذا صحيح. ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق العذاب من ~~جهة العقل عندنا. وهو مضمون على قائله عندنا. # ولأبي حنيفة في ذلك خلاف، وله مأخذ فيه يستقيم على نظر الفقهاء من غير ~~استمداد من أقوال المعتزلة، ms427 حتى لا يتوهم متوهم أن أبا حنيفة بنى تلك ~~المسألة على أصول المعتزلة، فإنه بعيد منها، وذكرنا ذلك المأخذ في مسائل ~~الخلاف في الكتاب الذي أفردناه للروايا. # ثم أبان الله تعالى أنه إن لم يهلك القرى قبل انبعاث الرسل، فليس لأنه ~~يقبح ذلك منه إن فعل، ولكنه وعيد منه ولا خلف في وعده، فإذا أراد إهلاك ~~قرية مع تحقيق وعده، كان على ما قاله تعالى: # (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) # «1» . # ليعلم أن من هلك إنما هلك بإرادته، فهو الذي يسبب الأسباب ويسوقها إلى ~~غاياتها، ليحق القول السابق من الله تعالى: # قوله تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد- إلى ~~قوله- فأولئك كان سعيهم مشكورا) الآية/ 18، 19. PageV04P252 # فيه دلالة على أمور، منها أن من يريد بما يتكلفه من الطاعات أحوال ~~الدنيا، أو يريد تحصيل العاجلة بغير الطاعة فهو متوعد، مثل أن يتزهد مراءاة ~~للناس، أو لاعتمادهم على أقواله وائتمانهم له على أموالهم، فهو متوعد ~~بالنار، وأن من يريد الله تعالى بمساعيه فله الثواب بحكم وعد الله تعالى. # قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) ، الآية/ ~~23. # قرن ذكر الوالدين بعبادة الله سبحانه، فنبه به على عظيم إنعام الله تعالى ~~المقتضي للشكر، ونبه بعد ذلك على عظيم نعم الوالدين، وبين إختلاف الوالدين، ~~ليكون بره بهما وإحسانه إليهما على قدر حاجاتهما فقال: # (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) «1» ، فخص هذه الحالة بالذكر، ~~وهي حالة حاجتهما إلى بره لتغيير الحال عليهما بالضعف النازل والكبر، فألزم ~~في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزم من قبل، لأنهما قد صارا في ~~هذه الحالة كلا عليه، فيحتاجان إلى أن يلي من أمرهما للضعف النازل منهما ~~«2» ، ما كان يحتاجه هو في صغره أن يليان منه، فذلك معنى تخصيص هذه الحالة ~~بالذكر، ليبين ما يلزم من مزيد البر والتعاهد، وما يتصل بخدمة وإنفاق. # ودل قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) ، على وجوب صبره عليهما حتى لا يتبرم ~~ولا يضجر، ms428 فإن العادة جارية في المتضجر عند الأمر أن يقول أف أو تف في ~~الأمور، فبين الله سبحانه تحريم هذا القدر من PageV04P253 # التبرم على الولد عند ضعف الوالدين وحاجتهما إلى بره، ولم يقتصر تعالى ~~على هذا القدر في بيان حقهما حتى قال: (ولا تنهرهما) ، مؤكدا لما تقدم ~~ودالا به على أن الواجب في بره لهما سلوك طريقة اللين في القول: # ثم قال: (وقل لهما قولا كريما) ، والكريم من القول ما يوافق مسرة النفس، ~~ولا ينفر عنه الطبع. # ثم أمر بمزيد التواضع فقال: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) «1» ، وهذا ~~الكلام في أعلى مراتب الفصاحة والتعبير عن المقصود بلفظ المجاز، لأن الذل ~~ليس له جناح، ولا يوصف بذلك، ولكنه أراد المبالغة في التذلل والتواضع، وهو ~~كقول امرئ القيس في وصف الليل: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # يصف الليل المتقدم على هذا البيت في قوله: # وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي # وليس لليل صلب ولا إعجاز ولا كلكل فهو مجاز، وأراد به تكامله واستواءه. # ثم بين الله تعالى أن الذي يلزمه لهما ليس مقصورا على منافع الدنيا، بل ~~يلزمه مع ذلك ما يمكن في باب الآخرة من الدعاء، لأنه لا يقدر منهما على ما ~~سواه، فقال: (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) «2» . # بين العلة في لزوم الدعاء لهما، وبين أنه يلزم الولد من الدعاء للوالدين، ~~أكثر مما يلزمه في غيرهما. PageV04P254 # قوله تعالى: (وآت ذا القربى حقه) ، الآية/ 26. # أبان الله تعالى أن على كل واحد منا مراعاة مراتب مستحقي الحقوق، فبدأ ~~بحق الله تعالى فقال: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) وقرنه بذكر الوالدين، ~~وعقب ذلك بقوله: (وآت ذا القربى حقه) ، وظاهر العطف أنه قريب الإنسان. # وقد قيل: عنى به قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والأمر بالإحسان إلى الوالدين عام في جميع الناس، وكذلك ما عطف عليه من ~~إيتاء ذي القربى. # قوله تعالى: (ولا تبذر تبذيرا) . # والتبذير عند الشافعي إنفاق المال في غير حقه، فلا ms429 تبذير في عمل الخير. # وقال مجاهد: لو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا. # وقد ثبت في سورة البقرة الحجر على المبذر، وما يتعلق به من الأحكام. # ثم أبان الله تعالى تحريم التبذير بقوله تعالى: # (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) ، الآية/ 27. # ثم قال تعالى في تخصيص نبيه صلى الله عليه وسلم: # (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا) ، ~~الآية/ 28. # وهو تأديب عجيب، وقول لطيف بديع، فإنه تعالى قال: (وإما تعرضن عنهم ~~ابتغاء رحمة من ربك ترجوها) : أي لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر الغنا ~~والقدرة فتحرمهم، وإنما يجوز له أن يعرض عنهم عند عجز يعرض، وعند عائق ~~يعرض، وأنت عند ذلك ترجو من # PageV04P255 # الله فتح باب الخير لتتوصل به إلى مواساة السائل، فإن قعد بك الحال عن ~~المواساة (فقل لهم قولا ميسورا) ، يعمل في مسرة نفسه عمل المواساة فتقول: ~~الله يرزق، والله يفتح بالخير. # قوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) ، الآية/ 29: # هو مجاز عن البخل والجود ومراعاة الإقتصاد فيهما جميعا، فقال: # (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) : فلا تعطي من مالك شيئا. # ولما كان العطاء في الأكثر باليد غير غل اليد عن الإمساك، فالذي لا يعطي ~~شيئا جعله بمنزلة من يده مغلولة إلى عنقه، والعرب تصف البخيل بضيق اليد، ~~فيقولون: فلان ضيق الكفين إذا كان بخيلا، وقصير الباع، وفي ضده رحب الذراع ~~طويل الباع طويل اليدين. # وقال النبي عليه الصلاة والسلام لنسائه: # «أسرعكن بي لحاقا أطولكن يدا» «1» . # وإنما أراد به كثرة الصدقة، فكانت زينب بنت جحش، لأنها كانت أكثرهن صدقة. # وقال الشاعر: # وما كان أكثرهم سواما ... ولكن كان أرحبهم ذراعا # قوله تعالى: (ولا تبسطها كل البسط) ، فلا تخرج جميع ما في يدك مع حاجتك ~~وحاجة عيالك. # (فتقعد ملوما محسورا) ، يعني ذا حسرة على ما خرج من يدك. PageV04P256 # وهذا الخطاب لغير النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن يدخر شيئا لغد، وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه. # وقد كان ms430 كثير من فضلاء أصحابه ينفقون في سبيل الله جميع أملاكهم، فلم ~~يعنفهم النبي عليه الصلاة والسلام، ولم ينكر عليهم لصحة يقينهم وشدة ~~بصائرهم. # وإنما نهى الله تعالى عن الأفراط في الإنفاق، وإخراج جميع ما احتوت عليه ~~يده من المال، من خيف عليه الحسرة على ما خرج من يده، فأما من وثق بموعود ~~الله تعالى وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مراد بالآية. # وقد روي أن رجلا أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فسلم إليه مثل بيضة ~~من ذهب، فقال: يا رسول الله، أصبت هذه من معدن والله ما أملك غيرها، فأعرض ~~عنه، فعاد ثانيا فأعرض عنه، فعاد ثالثا فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام ~~ورماه بها لو أصابته لعقرته، وقال: «يأتيني أحدكم بجميع ما يملكه ثم يقعد ~~ويتكفف وجوه الناس» «1» . # وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ذا مال كثير، فأنفق جميع ماله على ~~النبي عليه الصلاة والسلام، وفي سبيل الله، حتى بقي في عباءة، فلم يعنفه ~~النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليه. # فكل ذلك يدل على أن ذلك ليس بمخاطبة للنبي عليه الصلاة والسلام، وإنما ~~خوطب به غيره مثل قوله تعالى: # (لئن أشركت ليحبطن عملك) «2» . # (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك) «3» . PageV04P257 # فاقتضت هذه الآيات من قوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) ، الأمر ~~بالتوحيد، والإحسان إلى الوالدين، وإلى ذي القربى، واليتامى، والمساكين، ~~وابن السبيل، والنهي عن تبذير المال وإنفاقه في معصية الله تعالى، والأمر ~~بالاقتصاد في الإنفاق والنهي عن الإفراط. # قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) ، الآية 31. # وهو كلام يتضمن ذكر السبب الخارج عليه، فإنه كان من العرب من يقتل بناته ~~خشية الفقر، لئلا يحتاج إلى الإنفاق عليهن، ويتوفر ما يريد إنفاقه عليهن ~~على نفسه وعلى بيته، فكان ذلك شائعا فيهم وهي «الموعودة سئلت» ، والموعودة ~~هي المدفونة حية؟ وكانوا يدفنون بناتهم أحياء. # وقال ابن مسعود: سئل النبي عليه الصلاة والسلام فقيل: «ما أعظم الذنوب؟ ~~فقال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك خيفة أن يأكل معك، ms431 وأن تزني ~~بحليلة جارك» «1» . # قوله تعالى: (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة) ، الآية/ 32. # يدل على تحريم الزنا، وهو الذي تعرى عن نكاح وعن شبهة نكاح. # ووصف الله تعالى نكاح امرأة الأب بما وصف الزنا به، فقال تعالى: # (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا ~~وساء سبيلا) «2» . # وذلك يدل على مساواته في التحريم، وبينا ما يعترض به عليه. # واختلف العلماء في اللواط، وأنه هل يدخل تحت الزنا؟ والشروع فيه ليس من ~~غرضنا «3» . PageV04P258 # قوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) الآية/ 33. # السلطان مجمل يحتمل: الحجة والدية والقود، ويحتمل الجمع لا جرم، الشافعي ~~يخير بين القتل وغيره، لأن الكل بالإضافة إلى اللفظ سواء. # قوله تعالى: (فلا يسرف في القتل) . # قال الحسن ومجاهد وسعيد بن هبير والضحاك. # لا يقتل غير قاتله، ولا يمثل به «1» ، وذلك أن العرب كانت تتعدى إلى غير ~~القليل من الحميم والغريب، فلما جعل الله تعالى له سلطانا نهاه عن التعدي، ~~وعلى هذا المعنى قوله تعالى: # (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد) «2» . # فإن كان لبعض القبائل طول على الأخرى، فكان إذا قتل منهم العبد لا يرضون ~~إلا بأن يقتل الحر منهم، وهذا في هذه الآية: (فلا يسرف في القتل) بأن يتعدى ~~إلى غير القاتل. # ذكر إسماعيل بن اسحق المالكي، في قوله: لوليه، ما يدل على خروج المرأة عن ~~مطلق الولي، فلا جرم، ليس للنساء حق القصاص، كذلك قال، ولا أثر لعفوها وليس ~~لها الاستبقاء. # ولم يعلم أن المراد بالولي هاهنا الوارث، وقد قال تعالى: (والمؤمنون ~~PageV04P259 # والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) «1» . # وقال: # (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء) «2» ، الآية. # وقال تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) «3» : # فاقتضى ذلك إثبات القود لسائر الورثة. # احتج إسماعيل في ذلك بوجوه ركيكة منها: # أن الولي في ظاهره على التذكير وهو واحد، ولم يعلم أن ما كان بمعنى الجنس ~~استوى فيه المذكر والمؤنث. # ومما ذكره أن المرأة لا ms432 تستحق كل القصاص، والقصاص لا بعض له، فلزمه من ~~ذلك إخراج الزوج من جملة الأولياء في القصاص، وعلى أنه لم يمتنع أن تكون ~~المرأة بنفسها لا تستحق، ولكنها مع غيرها كالورثة، واعتذر عن ذلك بأن سبب ~~الورثة واحد، وقد اختلف السبب هاهنا، فلزمه ألا يثبت القصاص بين الزوج ~~والأخ ولا الأخ من الأم. # وذكر فيما ذكر أن المقصود من القصاص تقليل القتل، والمقصود بكثرة القتل ~~الرجال دون النساء. # ولزم على هذا ألا يجب القصاص على المرأة بقتل الرجل، ولا على الرجل بقتل ~~المرأة. # قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) ، الآية/ 34. ~~PageV04P260 # قال مجاهد: التي هي أحسن التجارة، خص اليتيم بذلك، لأنه إليه أحوج، وعن ~~الاستقلال أبعد، وإلى المرحمة والشفقة أقرب. # ذكر الرازي «1» أن الله تعالى لما قال حتى يبلغ أشده، علم أن إيناس الرشد ~~عند بلوغ الأشد لا يعتبر، ولو اعتبر لذكر كما قال: # (حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) «2» . # والأشد مذكور على وجوه مختلفة في القرآن، قال تعالى في موضع آخر: # (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) «3» . # وقال في موضع آخر: # (ولما بلغ أشده واستوى) «4» ، الآية. # وذكروا أنه بلوغ الحلم. # وذكروا أنه بلوغ أربعين سنة. # فليس للأشد مرد معلوم. # ويجوز أن يكون المراد ببلوغ الأشد قبل الأربعين سنة، وتختلف أحوال الناس ~~فيه، والذي ذكره من أن إيناس الرشد ليس معتبرا مع الأشد فبعيد، فإن الله ~~تعالى قال: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي PageV04P261 # أحسن حتى يبلغ أشده) «1» ، فاقتضى ذلك جواز التصرف إلى بلوغ الأشد مطلقا، ~~ولا يتحقق ذلك إلا عند جعل الأشد بمعنى البلوغ. # والولي لا يتصرف في مال اليتيم بعد البلوغ، ولا أنه يسمى يتيما إلى ~~أربعين سنة. # قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) الآية/ 78: # قيل: دلوكها: زوالها، وقيل: غروبها، وقد وردت فيها آيات. # فإن كان الدلوك الزوال، وقد دلت الآية على صلاة الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء، لقوله: لدلوك الشمس إلى غسق الليل. # قال ابن ms433 عباس: غسق الليل اجتماع الليل وظلمته، وقيل غسق الليل انتصابه، ~~ووقت الإختيار للعشاء يمتد إلى ذلك الوقت. # قوله تعالى: (وقرآن الفجر) ، مرتب على قوله: (أقم) ، فتقديره، أقم قرآن ~~الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا. # وفيه دلالة على وجوب القراءة في صلاة الفجر. # وقال قائلون: المراد بقوله: (وقرآن الفجر) : صلاة الفجر، فإنه يبعد تخصيص ~~صلاة الفجر بالقراءة فيها، والصلاة كما تشتمل على القراءة تشتمل على ما ~~عداها من الأذكار. # والأولون استدلوا على ذلك بقوله تعالى في آخر الآية: (ومن الليل فتهجد به ~~نافلة لك) ، والتهجد بالقراءة لا بصلاة الفجر. # ويجاب عنه، بأن المراد به التهجد بالصلاة، مرتبا على قوله: أقم الصلاة ~~«2» . PageV04P262 # قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) ، ~~الآية/ 110. # روي أن أبا بكر كان يخافت، وكان عمر يجهر، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأبي بكر: لم لا تجهر؟ فقال: أناجي ربي وهو أعلم بحاجتي. # وقال لعمر: كيف تجهر؟ قال: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، فقال النبي عليه ~~الصلاة والسلام: أحسنتما، ثم نزلت هذه الآية، فقال عليه الصلاة والسلام ~~لأبي بكر: أرفع شيئا، وقال لعمر: اخفض شيئا «1» . # وقالت عائشة في هذه الآية: أراد بها الدعاء والمسألة. # وروت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى فقال: # «لقد أوتي أبو موسى من مزامر آل داود صلى الله عليه وسلم» «2» . ~~PageV04P263 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الكهف # قوله تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) ، ~~الآية/ 7. # وذلك يدل على أن ما جعله على وجه الأرض، جعله لطفا لعباده، الذين أراد ~~بهم الخير في إختيار الطاعات. # قوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) ، الآية/ 19. # يدل ذلك على جواز خلط دراهم الجماعة والشراء بها، والأكل من الطعام الذي ~~بينهم بالشركة، وإن كان فيهم من يأكل أكثر ومن يأكل أقل، وهو الذي يسميه ~~الناس المناهدة، ويفعلونه في الأسفار، وذلك أنه قال: (فابعثوا أحدكم بورقكم ~~هذه إلى المدينة) فأضاف الورق إلى الجميع. # ومثله ms434 قوله تعالى: (وإن تخالطوهم فإخوانكم) «1» . PageV04P265 # وفي الآية دليل على جواز الوكالة بالشراء، لأن الذي بعثوا به كان وكيلا. # قوله تعالى: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) ، ~~الآية/ 23. # لأن المقصود بذلك ألا يكون محققا لحكم المخبر عنه، فإنه إذا قال لأفعلن ~~ذلك فلم يفعل كان كاذبا، وإن قال لأفعلن ذلك إن شاء الله، خرج عن كونه ~~محققا للمخبر عنه. # فإن قال قائل: أي معنى في ذلك، ولا يتصور أن يفعل فاعل فعلا إلا أن يشاء ~~الله، هل ذكر ذلك وعدم ذكره إلا بمثابة واحدة، وهل هذا إلا بمثابة من يقول ~~لأفعلن ذلك إن كنت فاعلا وإن كنت قادرا وإن شئت، وأي أثر لذكر شرط للفعل لا ~~محالة في العقل. والجواب: أن الأمر وإن كان على ما ذكرتم، غير أنه إذا قال ~~القائل لأفعلن في وقت كذا، فقد أوهم أنه يفعل لا محالة، وأبان أن شرط الفعل ~~يوجد، فإذا لم يفعل لعدم الشرط وهو مشيئة الله تعالى، أو عائق آخر، كان ~~كاذبا في قوله عرفا، وإذا قال لأفعلن كذا إن شاء الله، أو إن شاء زيد، فلم ~~يقطع بأنه يفعل، بل ردد وميل القول، فكأنه قال: لا أدري هل أفعل أم لا، ~~فهذا هو المعنى فيه. وكأن الله سبحانه أدب رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~(ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) . # أي كن متذكرا للعوائق، وناظرا في العواقب، ولعل عائقا يعترض دون مرامك، ~~فردد القول فيما لا يعلمه، لئلا يجري ما ينسب فيه إلى خلف في القول عرفا. # ومن أجله قال علماؤنا: إذا حلف واستثنى لم يحنث إذا كان موصولا، وإن ~~انفصل يؤثر الاستثناء. # PageV04P266 # وروي عن معاذ بن جبل، عن رسول الله أنه قال: «إذا قال الرجل لعبده: أنت ~~حر إن شاء الله، فهو حر، وإذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله فليس ~~بطالق» «1» . # وهذا حديث ضعيف، واهي السند مخالف للإجماع. # وقيل للمعتزلة: عندكم أن فعل الفاعل لا يتعلق بمشيئة ms435 الله تعالى، فما ~~معنى قوله عندكم لأفعلن إن شاء الله تعالى، وهو يفعل وإن لم يشأ الله. # فأجابوا بأن معناه: إلا أن يشاء الله ألا يلجئني إليه، أو يقطعني عنه ~~باخترام أو موت، فيخرج عن كونه قاطعا على الخبر، فيحسن منه الخبر «2» . # وقال آخرون منهم: الغرض بالاستثناء، إخراج الخبر عن أن يكون قطعا وخبرا ~~تاما من غير إرادة ما يجرى مجرى الشرط، فكأنه وضع في اللغة لهذه الطريقة ~~التي تقتضي التوقف في الخبر، وهذا أقرب، لأن الاستثناء يؤثر في هذا الخبر، ~~سواء وقع ممن له قصد إلى ما ذكرناه أو من لا قصد له. فحمله على هذا الوجه ~~الثاني أولى. # ومما قيل للمعتزلة: إذا قال القائل عبدي حر إن شاء الله فلا يعتق، وقياس ~~قولكم أنه يعتق، لأن الله تعالى قد شاء ذلك تعبدا، وجوابهم عنه على ما قاله ~~أبو علي الجبائي، أنه لم يخصص المتثنى المشيئة بطريق التعبد، ولو خصصه بذلك ~~لصار حرا بأن ينوي بالاستثناء، مشيئة التعبد فقط. # نعم إذا أطلق الاستثناء فلا حرية، فأما إذا قيد الاستثناء، صار كأنه قال ~~للمملوك: أنت حر إن أراد الله مني إعتاقك، وقد علم أن الله تعالى أراد ذلك ~~مع سلامة الأحوال، وإنما تصح هذه الطريقة متى قيل لا بد في PageV04P267 # الاستثناء من تقييد، حتى يصير كالشرط، ويجري مجرى قول القائل: # أنت حر إن دخل زيد الدار، وإن شاء زيد، فيمكن عند ذلك ادعاء مخالفة ~~الإجماع على المعتزلة، فأما إذا قيل بالوجه الآخر، وهو أن الاستثناء يخرج ~~الخبر عن كونه خبرا، إلى أن يكون مشكوكا فيه موقوفا فليس فيه دلالة «1» . # قوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت) ، الآية/ 24. # قال ابن عباس: إنه إن نسي الاستثناء ثم ذكر ولو بعد سنة، لم يحنث إن كان ~~حالفا. # وذكر إسماعيل بن اسحق ذلك عن أبي العالية في قوله: (واذكر ربك إذا نسيت) ~~، قال يستثنى إذا ذكر. # والأصح أن قوله: (واذكر ربك إذا نسيت) ابتداء كلام. # قوله تعالى: (هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا) ، الآية/ 103. # فيه دليل على ms436 أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن فيه، وقد حبط ~~سعيه، الذي يوجب إحباط السعي إما فساد الإعتقاد أو المراءاة. # والمراد به هاهنا الكفر، فإن الله تعالى قال بعد ذكر هؤلاء: # (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه) . # أبان عن كفرهم وأنه سبب ضياع أعمالهم. # قوله تعالى: (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) ، الآية/ 110. # دل على أن من عمل لغير الله تعالى مراءاة ومباهاة وطلبا للنجاة، فلا نصيب ~~له في الآخرة، وقد مضى شرحه غير مرة. PageV04P268 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة مريم # قوله تعالى: (إذ نادى ربه نداء خفيا) ، الآية/ 3. # يدل على أن أفضل الدعاء ما هذه حاله، لأنه أبعد عن الرياء، وأقرب إلى ~~الإخلاص. # قوله تعالى: (وهن العظم مني) ، الآية/ 4. # يدل على أنه يستحيى للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه، وما ~~يليق بالخضوع، لأن قوله: (وهن العظم مني) ، إظهار للخضوع، وقوله: (ولم أكن ~~بدعائك رب شقيا) ، إظهارا لعادات تفضله في إجابة أدعيته، # ثم عقب ذلك بالمسألة فقال: # (وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا) ، ~~الآية/ 5: # يدل على أن رفع الحاجة إليه، إنما يستحب عند مخافة الضرر في الدين، فإنه ~~خاف من أقاربه الفساد والشر، فطلب من الله تعالى ولدا يقوم بالدين بعده، ~~فيرثه النبوة، ويرث من آل يعقوب، ولا يجوز أن يهتم بالدعاء هذا الاهتمام، ~~ومراده أن يورثه المال، فإن ذلك مباين لطريقة الأنبياء، # PageV04P269 # ولأنه جمع وراثته إلى وراثة آل يعقوب، ومعلوم أن ولد زكريا لا يرثهم. # فإن قيل: كيف أقدم على مسألة ما يخرق العادة من غير إذن!؟ # الجواب: أن ذلك جائز، في زمان الأنبياء، وفي القرآن ما كشف عن هذا ~~المعنى، فإنه قال تعالى: # (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا ~~قالت: هو من عند الله) «1» . # فلما رأى خارق العادة استحكم طمعه في إجابة دعوته، فقال تعالى: # (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) «2» . # قوله ms437 تعالى: (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) ، الآية/ 58. # فيه دلالة على أن لتلاوة آيات الرحمن تأثيرا، فقال الحسن: إذ تتلى عليهم ~~آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا: في الصلاة. # وقال الأصم: المراد بآيات الله كتبه المتضمنة لتوحيده وحجته، وأنهم كانوا ~~يسجدون عند تلاوتها، ويبكون عند ذكرها. # والمروي عن ابن عباس، أن المراد به القرآن، خاصة وأنهم كانوا يسجدون عند ~~تلاوته ويبكون، ففي ذلك دلالة من قوله على أن القرآن هو الذي كان يتلى على ~~جميع الأنبياء، ولو كان كذلك لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مختصا ~~بإنزاله عليه. PageV04P270 # واحتج الرازي به على وجوب سجود القرآن على المستمع والقارئ، وهذا بعيد، ~~فإن هذا الوصف شامل لكل آيات الله تعالى، وضم إلى السجود البكاء، وأبان به ~~عن طريقه الأنبياء في تعظيمهم الله تعالى وآياته، وليس فيه دلالة على وجوب ~~ذلك عند سماع آيات مخصوصة. # قوله تعالى: # (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا، إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا) ، الآية/ 92، 93. # فيه دلالة على أن الولد لا يكون مملوكا لأبيه خلافا لمن قال: إنه يشتريه ~~فيملكه ولا يعتق إلا إذا أعتقه، وقد أبان الله تعالى المنافاة بين الولادة ~~والملك. # واستدل إسماعيل بن إسماعيل بن اسحق بدليل آخر، ونقله الرازي في كتابه عنه ~~فقال: # وقد اتفق أهل العلم على أن أمة الرجل إذا حملت منه، فإن الولد يتحرر في ~~بطن أمه، مع أن العبرة في رق الولد برق الأم، وحرية الوالد لا تقتضي حرية ~~الولد، فلم يكن عتق الولد من جهة كون الأب حرا، وإنما كان من جهة أن الولد ~~لو علق رقيقا، لكان ملكا للوالد، ولا يثبت الملك للوالد على الولد أصلا. # إلا أن الولد تم حر الأصل، لأنه لا حاجة إلى إثبات الرق والملك للولد، ~~فعلق الولد حرا هنالك، حتى لا يثبت للوالد على الولد ملك. # وإذا اشترى، فلا يمكن أن يقال إن الملك لا يثبت، فإن الملك لو لم يثبت لم ~~يصح الشراء، ولا بد من ms438 تصحيح الشراء. # وقال مالك: ينقل المالك الملك إلى المشتري، فيثبت له الملك بقدر ما يحصل ~~به الانتقال ضرورة تصحيح الشراء، وامتنع بعد ذلك ثبوت ملك الوالد عليه. # PageV04P271 # وقال بعض العلماء: إن شراء الولد لا يثبت له ملكا أصلا، وإنما هو عقد ~~عتاق، فإما أن يقال إن الملك يثبت حقيقة في زمان، وحصل العتق بعده في زمان ~~آخر فلا، ولكن العتق ثبت مقارنا للشراء، وجعل الشراء عقد عتاق وإسقاط لملك ~~المالك، لا على حقيقة شراء فيما سواه، ولم يجعل الشراء سبب الملك، لوجود ~~الأبوة المنافية له، كما لم يجعل ملك المحل سببا لملك الولد لوجود سبب ما ~~ينافيه، فيقال حدث حرا، وكذلك يقال حصل الشراء مع الحرية. # فهذا قول فيه تأمل. # وعلى كل حال تبين به أنه لا يدوم ملك الوالد على ولده «1» . PageV04P272 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة طه # قوله تعالى: (فاخلع نعليك) ، الآية/ 12. # يحتمل أن يكون الأمر به تعبدا تبركا بالموضع ليمسه قدمه حافيا. # وقد قيل: كان ذلك من جلد حمار ميت غير مدبوغ، فأمره بخلعه، لأنه لم يكن ~~مدبوغا، أو كان نجسا مدبوغا مع الدبغ في شريعة موسى، ونسخ في شرعنا «1» . # قوله تعالى: (أقم الصلاة لذكري) ، الآية/ 14. # صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام عن صلاة الصبح فصلاها بعد طلوع ~~الشمس وقال: «إن الله تعالى يقول: أقم الصلاة لذكري» «2» . PageV04P273 # وقال عليه الصلاة والسلام: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة له ~~إلا ذلك» . # وفي السلف من خالف ذلك وقال: يصبر إلى مثل وقته ويصلي، وإذا فاتت الصبح ~~يصليها من الغد، وهذا قول شاذ بعيد «1» . PageV04P274 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الأنبياء # قوله تعالى في سورة الأنبياء «1» : # (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) ، الآية/ 78. # حكم داود بأن الشياء تسلم إلى صاحب الزرع ويقضى بها له. # وقال سليمان: تدفع إليه الغنم ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع ~~كما كان. # وصار الحسن إلى مثل ذلك في شرعنا، إذ لم ير في شرعنا ناسخا مقطوعا به ~~عنده. # وقال قائلون: سليمان ms439 أوحى إليه بذلك، فكان ناسخا لما قضى به داود، وهذا ~~على قول من منع اجتهاد الأنبياء في الوقائع. # وقال آخرون: بل اجتهد داود فلم يصب الأشبه وأصابه سليمان. # وقال آخرون: بل أخطأ خطأ مغفورا له. PageV04P275 # وقال آخرون: لا يجوز أن يكون ما حكما به مستدركا بالاجتهاد، فإن الاجتهاد ~~مبني على أصول، وذلك لا يستدرك إلا توقيفا. # وهذا يحتمل الخلاف، فإن النظر في المصالح يجوز أن يقود إلى هذا: # وأن داود أراد جبر حق صاحب الزرع، وسليمان أراد الجمع بين الحقين. # وأبو حنيفة لا يرى الضمان أصلا على صاحب البهيمة، والشافعي يفصل بين ~~الليل والنهار، وهو قول مالك. # والمسألة مستقصاة في أصول الفقه، ومتعلقنا منها بالآية ما ذكرناه فقط «1» ~~. PageV04P276 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الحج # قوله تعالى: (إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة) ، الآية/ 5. # قوله: (من مضغة مخلقة) ، يقتضي أن لا تكون المضغة إنسانا كما اقتضى ذلك ~~في العلقة والنطفة والتراب، وإنما نبهنا الله تعالى على كمال قدرته، بأن ~~خلق الإنسان من غير إنسان، وهي المضغة والنطفة التي لا تخطيط فيها ولا ~~تركيب، وإذا لم يكن إنسانا يجوز أن يقال إنه ليس يحمل مثل النطفة «1» . # ويحتمل أن يقال: إنه أصل الإنسان الذي ينعقد ويشتمل عليه الرحم وصار ~~حملا، وليس كالنطفة المجردة التي لا ندري ما يكون منها. # وزعم إسماعيل بن اسحق أن قوما ذهبوا إلى أن السقط لا تنقضي به العدة، ولا ~~تصير به أم ولد، وزعم أن هذا غلط، لأن الله تعالى أعلمنا PageV04P277 # أن المضغة التي هي غير مخلقة قد دخل فيما ذكر من خلق الناس كما ذكرت ~~المخلقة، ودل على أن كل ما يكون من ذلك إلى خروج الولد من بطن أم فهو حمل، ~~وقد قال تعالى: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) «1» . # وهذا لا حجة فيه، فإن الله تعالى لم يذكر أنه حمل، وإنما نبه على قدرته ~~بأن خلقنا من المضغة والعلقة ms440 والتراب والنطفة، وليس الولد نطفة ولا مضغة، ~~بل خلق منه الولد، وما دخلت العلقة في اسم الإنسان، ولا النطفة ولا المضغة ~~التي ليست مخلقة. # وقوله تعالى: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) ، فالمراد به ما يسمى ~~ولدا. # واستدل إسماعيل بن إسحاق أنه يرث بهذا وهو غلط «2» ، فإنه يرث عند ~~الولادة حيا مستندا إلى حالة كونه نطفة، ولا كلام فيه حتى لو طلقها من أربع ~~سنين وأتت بولد، يعلم أنه في تلك الحالة كان نطفة يرث أيضا، ولو انفصل ميتا ~~وقد تكامل خلقه لم يرث، وانقضت به العدة، فهما بابان متباينان. # قوله تعالى: (والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد) ~~، الآية/ 25: # احتج به قوم على منع بيع دور مكة، فإنها مخلاة للساكنين، لا يتخصص سكانها ~~بها، وهذا في غاية البعد، ولا شك أن أبنيتها لملاكها لا يزاحمون فيها دون ~~إذنهم، إلا ما كان وقفا على الصادر والوارد، وأكثر PageV04P278 # دور مكة كذلك «1» . # وقوله تعالى: (سواء العاكف فيه والباد) ، الآية/ 25. # يظهر حمله على المسجد الذي لا يتخصص به قوم عن قوم، وأنه يشترك في ~~الانتفاع به قعودا وصلاة كافة الناس. # وذكر إسماعيل بن إسحاق عن علقمة بن فضلة قال: توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ~~ومن لم يحتج لم يسكن «2» . # وروي أن عمر كان يمنع أن تغلق دور مكة في زمن الحج، وكانوا ينزلون حيث ~~وجدوا، حتى كانوا يضربون الفسطاط في جوف الدور «3» . # ونهى عمر أهل مكة أن يجعلوا لبيوتهم أبوابا «4» . # وروي عن عمر أنه اشترى دارا بأربعة آلاف. # وبينا بعد قول من يقول لا اختصاص لأهل مكة بدورهم المعروفة بهم، الموروثة ~~عن آبائهم وأسلافهم، وأن من شاء أزعجهم، وما زالوا يتصرفون فيها هدما وبناء ~~وبيعا وإجارة وإعارة من غير نكير، ولعل عمر إنما فعل ذلك عند ازدحام الناس ~~وضيق المنازل، فأباح ذلك لا أنه أزال ملك الرباع، وإلا فقد روي عنه أنه ~~اشترى بها دارا بأربعة آلاف، ms441 ولا يمكن الجمع بينهما إلا على هذا الوجه. ~~PageV04P279 # قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) ، الآية: معنى الإلحاد من ~~المتعارف: الميل إلى الكفر، والظلم لفظ عام. # أبان الله تعالى أن الظلم فيه أعظم من الظلم فيما سواه. # قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج) ، الآية/ 27: # ظاهره أنه خطاب لإبراهيم، لأنه مسوق على مخاطبته، بقوله تعالى: # (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) ، الآية/ 26. # وروي عن ابن عباس في ذلك، أن ابراهيم عند هذا الأمر نادى: # يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا وقد أمركم أن تحجوه، فلم يبق إنس ولا ~~جن إلا قالوا: لبيك اللهم لبيك «1» . # وعن علي نضر الله وجهه مثل ذلك. # وعلى هذا يقولون إن رسول الله كان قد حج قبل الهجرة مرتين، فسقط الفرض ~~عنه بذلك. # وهذا بعيد، فإنه إذا ورد في شرعه: # (ولله على الناس حج البيت) «2» ، فلا بد من وجوب عليه، بحكم الخطاب في ~~شرعه. # ولئن قيل: إنما خاطب من لم يحج، كان تحكما وتخصيصا بلا دليل، ويلزم عليه ~~أن لا يجب بهذا الخطاب على من يحج على دين إبراهيم، وهذا في غاية البعد. # وقد أبان الله تعالى أنهم يأتون ركبانا ومشاة لا لنفس السفر، بل ليشهدوا ~~منافع الدين والدنيا أيضا من التجارة وغيرها. PageV04P280 # والمقصود أن الاتعاب لغرض جائز. # قوله تعالى: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) ، الآية/ 28. # ذكرنا من قبل معنى المعلومات والمعدودات والاختلاف فيه. # قوله تعالى: (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير) ، الآية/ 28. # وذلك في دماء النسك، وليس الأكل واجبا بالاتفاق، وإنما يؤكل من دماء ~~النسك، وأما دماء الجنايات، فلا خلاف أن الناسك لا يأكل منها، ودم المتعة ~~والقرآن دم جبر عند الشافعي، فلا يأكل منه، ويأكل منها عند أبي حنيفة، لأنه ~~رأى الدين دم نسك، فليقع الكلام في ذلك الأصل. # قوله تعالى: (ليقضوا تفثهم) ، الآية/ 29. # معناه: أنهم عند النحر ينتفون ويحلقون ويقلمون الأظافر، لأن الإحرام إذا ~~منع من ذلك فعل عند التحلل، ويزيل ما به من التفث. # قوله تعالى: (فكلوا منها وأطعموا) : # يدل على أنه ms442 لا يجوز بيع جميعه، ولا التصدق بجميعه. # قوله: (وليوفوا نذورهم) : يدل على وجوب إخراج النذر، وإن كان دما أو هديا ~~أو عمرة، ويدل على ذلك أن النذر لا يجوز أن يؤكل منه وفاء بالنذر. # وقد رتبه الله تعالى هذا الترتيب، فبين حكم النحر، ثم عطف عليه بأمور ~~ثلاثة منها: قضاء التفث، والوفاء بالنذر، والطواف، فيجب حمل الطواف على ما ~~يفعل بعد النحر، وهو طواف الزيارة، فإذا أتى به مع ما تقدم حل له النساء ~~والطيب. # PageV04P281 # ثم عظم الأمر في قول الزور، ومنه أن قرنه بقوله تعالى: # (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور) ، الآية/ 30. # قوله تعالى: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) ، الآية/ 32. # فيه إشارة لطيفة، وذلك أن أصل شراء البدن ربما يحمل على فعل ما لا بد ~~منه، فلا يدل على الإخلاص، فإن عظمهما مع حصول الإجزاء بما دونه فلا يظهر ~~له محمل إلا تعظيم الشرع، وهو من تقوى القلوب. # وقوله تعالى: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى) ، الآية/ 33. # قال ابن عباس وابن عمر: لكم فيها منافع من ألبانها وأصوافها وظهورها، إلى ~~أن تسمى بدنا، ثم محلها إلى البيت العتيق. # قوله تعالى: (وأطعموا القانع والمعتر) ، الآية/ 36: # القانع: هو الراضي بما رزق، والمعتر: هو الذي يسأل. # ويمكن أن يفهم منه تجزئة المذبوح ثلاثة أجزاء: للأكل، وإطعام القانع، ~~والمعتر. # قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) ، الآية/ 39: # أبان الله تعالى أن الغرض من قتالهم دفع ظلمهم، وأنهم إن مكنوا في الأرض ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. # PageV04P282 # والخلفاء الراشدون كانوا بهذه المثابة، ففيه دلالة على صحة إمامتهم. # قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته) ، الآية/ 52. # ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق لفظه، إلى تلك الغرانيق ~~العلا، وبينا فساد ذلك، وبينا وجه الرواية الصحيحة في الأصول. # PageV04P283 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة المؤمنون # قوله تعالى: (الذين هم في صلاتهم خاشعون) ، الآية/ 2: # والمراد به عند المفسرين أن ms443 لا يتجاوز بصره مصلاه، ولا يلتفت ولا يحرك ~~يديه، وقال عليه الصلاة والسلام: «اسكنوا في الصلاة، وكفوا أيديكم في ~~الصلاة» . # قوله تعالى: (والذين هم عن اللغو معرضون) ، الآية/ 3: # اللغو: الباطل، وجعل قتادة ذلك وصفا للمصلين، أي إن المؤمن في الصلاة ~~معرض عن اللغو والرفث. # قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم) ، الآية/ 5، 6: # يقتضي تحريم المتعة، إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين. # قوله: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) . # لا بد أن يكون خطابا للرجال، فإن المرأة لا تستحل بملك اليمين شيئا من ~~أمر البضع. # PageV04P285 # قوله تعالى: (والذين هم على صلواتهم يحافظون) ، الآية/ 9: # المحافظة عليها في الوقت، ويحتمل أنهم يحافظون على مواقيتها وركوعها، ~~ومراعاة حدودها وشروطها. # قوله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) ، الآية/ 60. # وروي عن عائشة أنها قالت: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # (الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) أهو الرجل يشرب الخمر ويسرق؟ فقال: ~~«لا يا عائشة، ولكنه، الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه» «1» . # وقال الحسن: لقد أدركت أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم ~~على سيئاتكم أن تعذبوا عليها. # قوله تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات) ، الآية/ 61. # مدح المسارعين. # قوله تعالى: (مستكبرين به سامرا تهجرون) ، الآية 67. # اختلفوا في السمر، فروى شعبة عن ابن المنهال بن أبي برزة عن النبي عليه ~~الصلاة والسلام، أنه كان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها. PageV04P286 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة النور # قوله تعالى: (الزانية والزاني) ، الآية/ 2: # اعلم أن الزنا كان معروفا في اللغة قبل الشرع، مثل اسم السرقة والقتل، ~~وكان موضوعا للفعل الخاص القبيح، وأطلق على فعل خاص حقيقة، وجعل وطء رجل ~~امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة، نكاح بمطاوعتها زنا، وذلك إنما علم ~~بالسمع، ولولا السمع لحسن ذلك، لأن استمتاعه بها وهي راضية، بمنزلة ~~استخدامه لا فيما ينتفعان به فلا مضرة ولا ظلم. # والأصل أن النفع العاجل لا يحرم إلا بالسمع، وقد اختلفت الأمم في استقباح ~~هذا ms444 الجنس: # فقوم من العرب كانوا يسيبون الإماء، ويطلبون النسل. # ومنهم من كان يرضى بأن يكون نساؤهم بغايا. # ومنهم من كان يرضى بنكاح الزانيات. # ومتى قيل إن في الزنا اختلاط الأنساب والجهل بتمييزها، والعقل يشهد بقبح ~~ما يرفع الأنساب ويبطله. # PageV04P287 # فالجواب، أن ثبوت النسب إنما يجب أن نعرفه، لما يتعلق به من الأحكام ~~الشرعية، فأما من جهة العقل فلا يلزم ذلك، فإن عرف المرء بالظاهر أن الابن ~~مخلوق من مائه سر به، وإلا لم يجب أن يعرف ذلك، وإذا كانت الأنساب لا يجب ~~معرفتها عقلا، ولا حكم يجب أن يتعلق بها من جهة العقل، لولا العلم بها لما ~~تم، فمن أين أن العقل المؤدي إلى الجهل بالأنساب يقبح. # ولئن قيل: إذا لم يتخصص الولد بوالد، فمن يربي الولد وينهض بكفايته؟ # فيقال: وحيث قيل هذا أب، لم يجب عقلا أن يقوم بكفايته، وتولده من مائه من ~~أين أوجب عليه عقلا أن يقوم بمئونته وكفايته وتربيته؟ # نعم إن ذلك تلقى من السمع. # وحيث لا يكون كذلك، فيجب على الناس عقلا السعي فيما فيه صلاحهم وبقاء ~~جنسهم، وهذا بين. # وإذا ثبت ذلك، فقد اختلف العلماء في مسائل، وأن اسم الزنا هل يتناولها؟ ~~وليس نعني به أن يتعرف ذلك من جهة اللغة، ولكن الزنا صار في الشرع اسما ~~لمحظور خاص، فهل نقول إن ذلك المحظور هل وجد، فنرجع الخلاف إليه؟ مثل ~~قولنا: المجامع في الدبر هل يكون زانيا؟ وواطئا أمه وأخته وابنته باسم ~~النكاح؟ هل يكون تحريم فعله كتحريم فعل من زنا بأجنبية أو زنا بها قبل ~~النكاح حتى يسمى زنا «1» ؟ # واختلفوا في أحكام شرعية لاختلاف عقائدهم في أنها متعلقة باسم الوطء، أو ~~بمعنى يختص به الحلال، مثل تحريم المصاهرة. PageV04P288 # واختلفوا في تحريم المصاهرة. # واختلفوا في تحريم المخلوقة من ماء الزنا، فإنهم اختلفوا في أن تحريم ~~بنته إنما كان لمكان النسب، أو لمكان أنها تولدت من مائه مطلقا. # وإذا وطئها في دبرها أو لاط بغلام، فقد اختلفوا فيه على حسب اختلافهم في ~~أن الزنا أوجب ms445 الحد، لكونه مستنكرا في النفوس والطباع، وهو مؤذن بالهتكة ~~والفضيحة، فإذا كان كذلك، فاللواط أعظم وأشنع في هذا الباب. # ومنهم من يرى أن السبب في تعظيم تحريمه، ما يتولد من فساد النسل واختلاط ~~الأنساب. # وظن ظانون أن كتاب الله تعالى لا ينبئ عن دخول اللواط تحت اسم الزنا، لأن ~~الله سبحانه قال: (الزانية والزاني) . # فقيل لهم: لم يذكر في الظاهر الزاني بها والزانية به، بل أطلق ذلك، ~~فانطلق على اللواط. # فأجابوا بأن المفهوم من الظاهر، أن الفعل منهما لا من أحدهما «1» . # ومتى قيل: إذا لم يفهم ذلك من قوله والسارق والسارقة، بل دخل فيها السارق ~~من غيرها، فكذلك هاهنا. # فأجابوا بأن الزنا لا يكون إلا بينهما، ومن فعلهما، والسرقة ينفرد بها ~~أحدهما فافترقا. # وهذا ركيك عندنا، وأول ما فيه أن لا يدخل في عمومه الزاني بالمجنونة ~~والصغيرة والمكرهة على الزنا والحربية، إذا لم تعرف أحكام PageV04P289 # الإسلام، إلى غير ذلك من المسائل التي لا خلاف في تناول عموم اسم الزنا ~~لها. # ولأنه تعالى إذ قال: (الزانية والزاني) ، فليس يعني به شخصين فقط، وإنما ~~ذلك للجنس، وإذ كانت الألف واللام لإبانة الجنس، فكأنه ذكر الرجل الزاني ~~مطلقا، وذكر جنس الزانيات، فلا يجب أن يفهم منه زناه بها حتى يخرج منه ~~اللواط، وعلى أن الذي ذكروه لا فرج فيه، فإنه إذا لاط بها مطاوعة، فهي ~~زانية وهو زاني. # نعم: نقول إنه لا يتناول لواط الرجل بالرجل، وهو لا يقدح في المقصود، بعد ~~أن ثبت كون اللواط في الجملة داخلا تحت اسم الزنا، فبطل ما توهموه. # نعم الوطء دون الفرج لا يعد زنا، لا حقيقة لغة ولا شرعا: أما اللغة، فاسم ~~الزنا أطلق حقيقة على الكامل في جنسه، وله مقدمات ووسائل لا يعد زنا حقيقة، ~~وإنما هو مجاورة للزنا أو موصلة إليه. # فإذا ثبت الكلام في الإسم، فقد اختلف الناس في الداخلين تحت هذا الاسم، ~~فقالت الخوارج: الكل داخلون فلا رجم عندهم. # وأثبت غيرهم الرجم ثم اختلفوا، فمنهم من يعمل بالآية عموما ويضم الرجم ms446 ~~إلى المحصن بعد الجلد، وأكثر الفقهاء لا يرون ذلك. # فإذا المراد بالآية البكران، فأما الثيبان المحصنان فحدهما الرجم، وقد ~~رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عزا ولم يجلده، ولذلك تخصصت الآية ~~بخبر عبادة حيث روى: «والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» . # PageV04P290 # ويجوز به استخراج جنس المحصنين من عموم اللفظ، مع أنهم شطر الزناة وأكبر، ~~ومع أن المبالغة في الزجر في اقتضاء ذكر الرجم أولى منها باقتضاء ذكر ~~الجلد، الذي لا يظهر له وقع، بالإضافة إلى الرجم «1» . # قوله تعالى: (فاجلدوا) . # قصد به بيان المبالغة في الزجر، وعقبه بقوله: (ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين) ، الآية/ 2. # فكيف ينتظم مع هذا أن يكون الرجم مشروعا في ذلك الوقت في حق الثيب، وهم ~~كثر الناس أو شطرهم، ولا يتعرض له أصلا ولا يذكره؟ # فلا بد أن يقال: إن في ذلك الوقت ما كان الرجم مشروعا، ثم شرع الله تعالى ~~الرجم بعده، فصار ناسخا للجلد في حق الثيب، وليس يجوز إطلاق لفظ التخصيص في ~~كل موضع، بل للكلام قرائن أحوال، يعلم بها مقصود المتكلم ضرورة، وهذا مما ~~لا يمكن فيه إغفال الرجم وإرادة الجلد في حق الأبكار، فإنه يتضمن ما ~~ذكرناه، فلا يجوز أن يقال: إن الرجم قد كان في حق المحصن، لكنه لم يذكر في ~~هذه الآية. # واختلف الناس في العبد، هل يدخل فيه، وكذلك الأمة؟ والصحيح أنهم دخلوا ~~فيه، ولكن خصصوا بقوله تعالى: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) «2» ~~. PageV04P291 # ويجوز أن يطلق قوله تعالى: (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) ، الآية/ ~~2. ولا يراد به العبيد والإماء، لأن المقصود به المبالغة في الزجر، وذلك ~~يقتضي بيان الأكثر الأعظم من الزاجر. # واختلفوا في الذمي هل يدخل فيه؟ ومذهب مالك، أن الذميين لا يحدان إذا ~~زنيا، والظاهر ينفي الفرق بين المسلم والكافر. # إذا ثبت هذا، فقد قال الله تعالى: (فاجلدوا) ، وهذا عام، إلا أن العلماء ~~اتفقوا على أن الإمام هو الذي يتولى ms447 ذلك في حق الرعايا، والسيد في حق ~~مملوكه عند الشافعي، وإذا لم يكن إمام، فإن أفضى استيفاء الحدود من جهة ~~صلحاء الناس إلى هرج وفتنة لم يجز، وإن لم يفض إليه جاز. # ثم لم يختلف السلف في أنه كان جلد الزانيين في ابتداء الإسلام ما قاله ~~الله تعالى: (فأمسكوهن في البيوت) «1» ، (فآذوهما) فكان حد المرأة بالحبس، ~~والأذى بالتعيير، وكان حد الرجل، بالتعيير، ثم نسخ في غير المحصن بقوله: ~~(الزانية والزاني فاجلدوا) ، مع ما بينا فيه من الكلام، وفي المحصن الرجم، ~~وكأن حديث عبادة بعد قوله تعالى: # (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) «2» . وقد قال عليه الصلاة والسلام: ~~«خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا» . وبين النبي عليه الصلاة ~~والسلام بحديث عبادة المراد بالسبيل. # إذا ثبت هذا، فقد اختلف العلماء في المحصن وغير المحصن كما PageV04P292 # قدمناه من قبل، والشافعي يضم النفي إلى الجلد في حق البكر، وليس في الآية ~~ما ينفيه، فإن النفي يجوز أن لا يذكر عند ذكر مائة جلدة وإشهار المجلود به، ~~وهذا مما شرحناه في مسائل الفقه، وليس في الظاهر ما ينفي الحد ولا ما ~~يثبته، فهو مأخوذ من السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأوجب الشافعي الرجم على الذميين، كما أوجب على المسلمين، تلقيا من الخبر ~~النص في حق الذميين من عموم قوله عليه الصلاة والسلام: # «الثيب بالثيب جلد مائة والرجم» «1» . # ومالك يقول: إنما رجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث لم يكن ~~لليهود من ذمة، وتحاكموا إليه فحكم بينهما بحكم التوراة، فلم يكن في قتله ~~نقض ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بعد في إجراء أحكامهم عليهم، ~~وهذا بعيد، فإن قتل الكافر إن جاز، فإنما يجوز بغير وجه الرجم، والرجم لم ~~يكن مشروعا، فيحرم بحكم شرعنا، فكيف يجوز إجراؤه عليهم على موجب دينهم؟ # وإذا ثبت ذلك، فقد قال تعالى: (فاجلدوا) ، فالظاهر يقتضي فعل أول ما يسمى ~~جلدا، فإذا فعله واستوفى العدد، فقد وفي الظاهر حقه، وما زاد على ذلك ms448 على ~~أصل التحريم. # ولا يجوز أن يتخير الجلاد بين التخفيف والتشديد، فإنه لا يجوز أن يتخير ~~الإنسان بين عقوبة مسلم وتركها. # والمفسرون والفقهاء، حملوا ظاهر الآية على ما جرت به العادة من فعل الضرب ~~أو التأديب «2» . PageV04P293 # وروى علي بن موسى القمي أنه صلى الله عليه وسلم أوتي برجل قد أصاب حدا، ~~وأوتي بسوط شديد، فقال: دون هذا، وأوتي بسوط دونه فقال: # هذا «1» . # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه أمر برجل يضرب الحد فقال: لا ترفع إبطك. # وعنه أنه اختار سوطا بين السوطين. # فيجب إتباع السنة في ذلك وهو المتعارف في الضرب، ولم يختلفوا في أن هذا ~~الجلد يفرق على جسمه، لأنه المتعارف المتعالم، فإنه إن جمع في مكان واحد ~~خيف عليه القتل، وخرج عن طريقة الضرب. # ولا خلاف أنه يتقي في باب الضرب مواضع المقاتل، والمواضع التي يشين الأثر ~~فيها كالوجه والمذاكر.. وكل ذلك ليس مأخوذا من اسم الجلد، وإنما هو مأخوذ ~~من معنى الحد، والمقصود به. # وظن ظانون أن معنى قوله تعالى: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) ، ~~تشديد الضرب. وروي ذلك عن قتادة. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: التعزير أشد الضرب. # وضرب الزنا أشد من ضرب الشارب. # وضرب الشارب أشد من ضرب القاذف.. وقال الثوري: ضرب الزنا أشد من ضرب ~~القاذف. # وضرب القذف أشد من ضرب الشرب، والظاهر يقتضي التسوية، وهو مذهب مالك ~~والشافعي. # وقوله تعالى: (ولا تأخذكم بهما رأفة) ، يحتمل أن يكون PageV04P294 # في ترك الحد وتضييعه، وقد يكون في نقصانه، فلا معنى لتخصيصه ببعض هذه ~~المحامل. # قوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) ، الآية/ 2: اختلف في ~~المراد بالطائفة، فحملها بعضهم على العشرة، وقالوا أقلها عشرة ولا نهاية ~~للأكثر، وقال آخرون: أقله رجل إلى ألف، والأظهر أنه ثلاثة.. ومما احتجوا به ~~من أن حد الزنا ينبغي أن يكون أشد من حد القذف والشرب، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمر بضرب الشارب بالجريد والنعال، وضرب الزاني إنما يكون ~~بالسوط، وهذا فيه نظر، فإن ضرب الشارب ما ms449 كان مقدرا، والكلام فيما تقدر منه ~~بمبلغ معلوم، وحين أمر بضرب الشارب بالنعال، كان حد الشرب كالتعزير. # ومما قالوه أن القاذف يجوز أن يكون صادقا، فلم يقطع بجريمته، والزنا ~~بخلافه، فكيف يسوي بين الضربين، وهذا هوس، فإن الشرع ما أوجب الحد إلا عند ~~القطع بكذبه وبقوله شرعا، فلا حاصل لما قالوه، ولذلك ردت شهادته، وقال ~~تعالى: (فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) ، الآية/ 13. ~~وعلى أنا أظهرنا مزية الزنا بزيادة الجلدات، فمن أين يجب ظهور المزية ووصف ~~الضرب من جهة الشدة «1» . # قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية) ، الآية/ 3. # روى إسماعيل بن إسحاق عن ابن مسعود أنه قال في الرجل يزني بالمرأة ثم ~~يتزوجها: إنهما زانيان ما عاشا. PageV04P295 # وروي مثله عن عائشة وعن علي. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: إذا تاب الرجل حل له أن يتزوجها. # وروي عن ابن عمرو بن عباس فيمن زنى بها ثم تزوجها، أن أوله سفاح وآخره ~~نكاح، فأما المروي في سبب نزول الآية، فهو أن رجلا كان يقال له مرثد كان ~~يحمل الأسرى وله صديقة بمكة يقال لها عنان من البغايا، قال: فسألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أنكحني عنانا، فأمسك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يرد علي شيئا حتى نزلت هذه الآية، فقال لي: يا مرثد، إن ~~الزاني لا ينكح إلا زانية. # ونقل عن سعيد بن المسيب أن الآية منسوخة بقوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى ~~منكم) «1» ، ودليل النسخ، أنه جوز للزاني أن ينكح مشركة، وذلك غير جائز، ~~فإنه منسوخ بقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات) «2» . # وقال بعضهم: هو وارد في نفس الوطء لا في عقد النكاح، فكأنه قال: وطء ~~الزنا لا يقع إلا من زان أو مشرك، فأما من المؤمن فلا يقع. # وهذا بعيد، فإن قوله: (الزاني لا ينكح) ، يقتضي تقدير كونه زانيا، وإن ~~النكاح ممتنع إما نهيا وإما خبرا، فلا يجوز حمله على الوطء. # ووطئ الزانية محرم على غير الزاني، كتحريمه على الزاني، فأقوى التأويلات ms450 ~~أن الآية نزلت في بغايا الجاهلية، والمسلم ممنوع من التزوج بهن، فإذا تبن ~~وأسلمن صح النكاح، وإذا ثبت ذلك، فلا يجب كونه منسوخا. # وذهب بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي إلى أن المجلود في الزنا ~~PageV04P296 # لا يتزوج إلا مجلودة مثله، فإن تزوج غير زانية، فرق بينهما بظاهر هذه ~~الآية عملا بالظاهر. # ولكن يلزمه عليه أنه يجوز للزاني أن يتزوج بالمشركة، ويجوز للزانية أن ~~تزوج نفسها من مشرك. # وهذا في غاية البعد، وخروج عن الإسلام بالكلية، بما قال هؤلاء، إن الآية ~~منسوخة في المشركة خاصة دون الزانية، وهؤلاء يروون عن ابن عباس وأبي هريرة ~~وأبي بن كعب وابن عمر مثل مذهبهم. ورووا عن المقبري عن أبي هريرة أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله، واستدلوا عليه بقوله ~~تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات- إلى قوله- محصنات غير ~~مسافحات ولا متخذات أخدان) «1» ، فإنه تعالى لم يبح عند الضرورة وخوف العنت ~~إلا بشرط الإحصان، ففي حال الضرورة لأن يحرم أولى. # واستدلوا عليه أيضا بما ثبت من وقوع الفرقة باللعان، لأنه قد أقر بأنها ~~زنت، فإذا صح الزنا ببينة، فالمنع من تزوجها أولى. # وأما الكلام في الآية فعلى ما تقدم، وأما الأخبار فمتعارضة والقياس لا ~~وجه له بإقرار نفسه فيما يوجب الفرقة، فلما ثبت بالإجماع أن لا فرقة في هذه ~~الحالة، ثبت أن عند اللعان إنما تجب الفرقة لأمر آخر، إذ لو وجب لكونها ~~زانية، لكان اعترافه بذلك فيها، كاعترافه بأنها أخته من نسب أو رضاع، في ~~ألا ينتظر في تحريمها عليه أمر سواه. # قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات) ، الآية/ 4. PageV04P297 # والإحصان يختلف معناه باختلاف مواضعه على ما شرحه الفقهاء. # والمعتبر هاهنا في إحصان المقذوف: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، ~~والعفة من الزنا، وكثير من ذلك لا يدل عليه اللفظ. # وليس في نفس اللفظ من طريق اللغة، إلا دلالة تخصيص الرمي بالزنا، إلا أن ~~يشبه أن يكون المراد به ذلك، مع ما ذكرنا من الإحصان، ثم لما اجتمعت الأمة ~~في حق ms451 المحصنة على أن معنى الرمي بالزنا، جعلوا المحصن في معنى المحصنة. # وقوله: (بأربعة شهداء) : يدل على أن شهادة الأربعة شرط في إثبات الزنا، ~~وليست لصفات الأربع ذكورة وعدالة وحرية ذكر، لكن الإجماع منعقد عليه، وليس ~~في الآية رمي المرأة الرجل، ولكنها في معناه شرعا. # واختلف الناس في التعريض بالقذف، فمالك يوجب به الحد، والشافعي وكافة ~~العلماء على خلافه، ولا شك أن الشرع إذا علق الحد على الصريح، فالمحتمل ~~دونه، فلا يلحق به، سيما في الحدود التي تدرأ بالشبهات. # ومن أقوى ما يتعلق به في ذلك ما قاله الشافعي، من أن التعريض بالخطبة لم ~~يلحق بالصريح مع القرائن الدالة على مقصود المتعرض، فليكن في القذف كذلك، ~~فإنه أولى بالسقوط بالشبهة. # وإذا ثبت ذلك، فقد اختلف العلماء في حد العبد، فقال أكثر العلماء عليه ~~إذا قذف أربعون. # وقال الأوزاعي: بجلد ثمانين. # وعن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، أنه قال في عبد قذف حرا أن يجلد ~~ثمانين. # PageV04P298 # وقال أبو الزناد: جلد عمر بن عبد العزيز عبدا في الفرية ثمانين. # وقال الله تعالى: # (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) «1» ، ~~وفهمنا من ذلك أن حد الزنا حق الله تعالى، وأنه ربما كان أخف ممن قبلت نعم ~~الله عليه، فحسن ممن عظمت نعم الله تعالى عليه، وأما حد القذف فحق الآدمي ~~وجب للجناية على عرض المقذوف، والجناية لا تختلف بالرق والحرية. وربما ~~قالوا: لو كانت تختلف لذكرها كما ذكرنا في الزنا؟ وغاية ما يقال أن العبد ~~منزجر عن قذف الحر أكثر من انزجار الحر، واختلف في حد القاذف دون مطالبة ~~المقذوف، فقال ابن أبي ليلى: # يحده الإمام وإن لم يطالبه المقذوف. # وقال مالك: لا يحده الإمام قبل طلبه، إلا أن يكون الإمام قد سمعه فيحده، ~~إذا كان مع الإمام شهود عدول. # وهذا مشكل على أبي حنيفة، إذا جعله حقا لله تعالى، فإن حق الله تعالى كيف ~~يتوقف على طلب الآدمي، وإذا لم يسقط بإسقاطه، كيف يتوقف على طلبه؟ ms452 فهو ~~مناقضة منهم. # واعلم أن قول الله تعالى: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) ، الآية/ 4: حكم ~~من الله تعالى في القاذف بأربعة شهداء، فعلق الشرع على القذف عند إظهار ~~العجز عن إقامة الشهادة ثلاثة أحكام: # أحدها: جلد ثمانين. # والثاني: بطلان الشهادة. PageV04P299 # والثالث: الحكم بتفسيقه إلى أن يتوب. # فقال قائلون: بطلت شهادته ولزمه سمة الفسق قبل إقامة الحد، وهو قول ~~الشافعي والليث بن سعد «1» . # وقال أبو حنيفة: شهادته قبل الحد مقبولة. # والذي ذكره الشافعي ظاهر جدا، فإن الحد لا يقام عليه إلا بعد الحكم ~~بفسقه، فأما أن يتقدم إقامة الحد الحكم بفسقه فكلا، ولا يبتدأ بإقامة الحد ~~عليه إلا بعد ظهور عجزه، لا أن بإقامة الحد يظهر عجزه. # وبالجملة: الامتناع من إقامة الحد مع تردد الخبر بين الصدق والكذب أمثل ~~من الحكم بفسقه والتردد في شهادته، فإن الشهادة ترد بالتهمة والشبهة، فكيف ~~يتأتى لعاقل أن يقول ذلك. # ونقرر ذلك على وجه آخر فنقول: الموجب لرد الشهادة لا يجوز أن يكون هذا ~~الحد، فإن إقامة الحد من فعل غيره فيه، فلا يجوز أن يؤثر، ولأنه إلى ~~التكفير أقرب، فالحدود كفارات لأهلها. # فهذه المسألة مقتبسة من الآية. # المسألة الأخرى: أن شهادة القاذف تقبل بعد التوبة، خلافا لأبي حنيفة «2» ~~. # وظن ظانون أن هذه المسألة مبنية على أن الاستثناء إذا تعقب جملا، هل ترجع ~~إلى الجميع أم إلى الجملة الأخيرة؟ ومن يرده إلى الجملة الأخيرة يحتج ~~برجوعه إليه في مثل قوله تعالى: (إلا آل لوط إنا لمنجوهم PageV04P300 # أجمعين إلا امرأته) «1» ، فكانت المرأة مستثناة من المنجين لأنها تليهم، ~~ولو قال: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة إلا درهم، فقوله إلا درهم يرجع إلى ~~الثلاثة. # وهذه جهالة، فإن فيما قالوه إذا كان الاستثناء من الاستثناء، والاستثناء ~~من النفي اثبات، ومن الإثبات نفي، وقد تعذر الرد إليهما على اختلافهما ~~فيرجع إلى الأقرب، ولا خلاف في أن الاستثناء في قوله تعالى: # (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ~~أو يصلبوا أو تقطع أيديهم- إلى قوله- إلا الذين تابوا) ms453 «2» يرجع إلى الجميع ~~ويتعلق بالكل، وكذلك في قوله: # (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر- إلى ~~قوله- فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) «3» . والتيمم راجع إلى الجميع. # وكل ذلك مستغنى عنه، فإنا على القولين جميعا نرى قبول شهادته بعد التوبة، ~~فإن علة رد شهادته رميه وفسقه لا إقامة الحد عليه، لما بينا من أن إقامة ~~الحد عليه من فعل غيره فيه، فلا يؤثر في شهادته، فهو أقرب إلى التفكير كما ~~روى في الحدود، والتوبة إذا رفعت علة رد الشهادة وهو الفسق، دار القول. فإن ~~المعلول لا يثبت دون العلة فاعلمه، هذا تمام ما أردنا بيانه من ذلك. # وعندهم أن الله تعالى قال: (والذين يرمون- إلى قوله- PageV04P301 # ولا تقبلوا لهم) وعندهم: إن رمى قبلت شهادته، فقد خالفوا ظاهر الآية وما ~~خالفنا. # وظن بعض أصحاب أبي حنيفة أنه تعالى لما قال: (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) ~~، فإذا أتى بأربعة شهداء فساق فلا حد عليه، فإنه أتى بأربعة شهداء وذلك ~~بالفساق، فلو جاء بأربعة من المحدودين والكافرين، فلا يسقط الحد عنه، وكذلك ~~العبيد، ولا شك أن لفظ الشهداء ليس فيه هذا التفصيل فهو به متحكم، ولأنه ~~تعالى لما قال: «فإن يأتوا بالشهداء» ، يعني: إذا لم يأت بالشهداء الذين ~~يحصل منهم الصدق، ويقبل قولهم، فأولئك كاذبون، فأما أن يجيء بأربعة لا ~~يصدقهم الشرع في إثبات الزنا، فكيف يمكن أن يدرأ الحد عنه؟ فهذا مقطوع به، ~~وربما بنى ذلك على أن الفاسق من أهل الشهادة، وذلك مجرد لفظ، فلا معنى إذا ~~تبين أن الفاسق لا يجوز أن تقبل شهادته في الحدود، وإن ظهر عند القاضي ~~بالقرائن صدقه، ولا يجوز إقامة الحد على المشهود عليه بشهادتهم، وهذا مما ~~لا خلاف فيه بين المسلمين. # وعند الشافعي يجب الحد على الشهود وعلى القاذف جميعا. # ومن أعجب الأمور أنهم قالوا: العدول إذا شهدوا على الزنا متفرقين، فقد ~~قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد يحدون. # وقال الشافعي: لا يحدون وتقبل شهادتهم، مع أنه جاء بأربعة شهداء. # قوله ms454 تعالى: (والذين يرمون أزواجهم) ، الآية/ 6. # دل به على أن الأول لم يتناول الزوجات، أعني قوله: (والذين يرمون ~~المحصنات) . # ويحتمل أن يقال إنه تناول، ولكن جعل هذا محلفا، وأقيم لعانه مقام ~~الشهادة، فإنه تعالى استثناه عن الشهادة. # PageV04P302 # قوله: (ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم) : وترتب على ذلك ~~اللعان متى كان حجة دامغة، فمتى لم يدفع الزوج بلعانه، كان بمثابة الأجنبي ~~الذي لا يدفع الحد بالشهادة، وإذا لم يجعل الشرع اللعان حجة، فلا فرق بين ~~أن يقذف حرة أو أمة، أو يكون القاذف حرا أو عبدا، فإنه حجة خاصة لمكان حاجة ~~الزوجية. # وأبو حنيفة يرى اللعان شهادة من وجه، حتى لا يصح من العبد، مع أن حقيقة ~~الشهادة لا تعتبر، فإن الشهادة في الأصل تصديق الغير، والملاعن يصدق نفسه، ~~فحيث لا تعتبر حقيقة الشهادة ومعناها، كيف تعتبر صفتها الزائدة على معناها، ~~فإن الشرائط تابعة للحقيقة، وهذا لا مخلص منه. # وربما قال: # إن اللعان شهادة في هذا المعنى، ثم لم يوفر عليها مقتضاها، فإن شهادة ~~الحر على الأمة الكافرة مقبولة، ثم لا يلاعن المسلم والحر زوجته الكافرة ~~والأمة، وعند ذلك نرجع إلى أصل آخر فنقول: في اللعان معنى العقوبة، فاللعان ~~شرع قائما مقام الحد، ولا حد على الرجل المسلم يقذف زوجة، الأمة والكافرة، ~~ومن قبل كان يرى اللعان شهادة، والشهادة تمتنع من الرقيق تعظيما لرتبة ~~الشهادة، فإذا جعلهما حدا، كان شرعها باعتبار تحقيق من يلاعن، فمن عد بزنا ~~ممن يجمع بين المتناقضين فنقول: اللعان شهادة، فلا يصح ممن لا يدلي بمنصب ~~الحرية، ثم يحط اللعان إلى رتبة الحد المشروع إهانة للحدود، ويقال سبحان ~~الله، عد اللعان مخلصا وتخفيفا من الله تعالى، فكيف يعد إهانة، وقد شرع ~~إكراما وإعظاما؟ # فهذه المناقضات كيف يمكن تلفيقها، ثم يرى اللعان شهادة ويقول: # إنه إذا لاعن فلا حد عليها، فإن بمجرد قوله لا يمكن إثبات حد على المرأة، ~~ثم يقول: إذا لاعن الزوج فقد حد، فإذا أكذب نفسه كيف # PageV04P303 # يرجع بعد ذلك إلى إيجاب الحد عليه ms455 ثانيا، أفترى أنا نوجب الحد مرة ومرة ~~أخرى؟ فكيف يطمع الفقيه في الجواب عن ذلك؟ # ومما قاله: إن اللعان حد، وإذا قذف الزوج وامتنع من اللعان لا يحد، بل ~~يحبس حتى يلاعن، وإذا لاعن حبست المرأة، ولا حد عليها، فإنه لو لزمها الحد ~~كان ذلك إيجاب الحد عليها بمجرد قوله، ثم قال: # واللعان حد، وقد وجب اللعان عليها بمجرد قوله، فسبحان الله، كيف تلفقت ~~لهم هذه الخرافات والمتناقضات؟ # ثم قال الله تعالى: (ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله) ، ~~الآية/ 8: # فجعل لعانها دارئا للعذاب عنها. # وعندهم أن اللعان حد، والحد يدرأ العذاب، وهي لا عذاب عليها، وهي لا تحبس ~~لعين الحبس، وإنما تحبس للعان، فلعانها يدرأ لعانها على هذا التقدير. # فانظر كيف توالت غلطات الخصم في فهم معنى «1» هذه الآية. وقال: # لو أتى بمعظم كلمات اللعان، قام مقام الكل، وهو خلاف القرآن، وخلاف قياس ~~الحد أيضا، فإنه لا يكتفي فيه بالأكثر، وإذا ثبت فساد نظر من يخالف، فنذكر ~~ما رآه الشافعي، قال رحمه الله: # إن الله تعالى شرع اللعان، وعلمنا يقينا أن شرع اللعان رخصة لمكان ~~الحاجة، فلما تأملنا الحاجة، قلنا يجوز أن يكون الأصل في تلك الحاجة هي ~~والنسب الذي يتعرض للثبوت، ولا طريق إلى نفيه إلا باللعان، فكان اللعان ~~موضوعا أصليا لهذا المعنى، وإنما جوز اللعان في النكاح، مع إمكان ~~PageV04P304 # قطع النكاح بطريق آخر، لأن الزوج لما أراد أن يعيرها ويفضحها بما صدر ~~منها. فجعل الشرع اللعان مشروعا في النكاح دون النسب، وهذا المقصود قريب، ~~بالإضافة إلى مقصود رفع النسب. # وإذا ثبت ذلك وجب شرع اللعان دون النكاح لأجل الولد، حتى إذا طلق امرأته ~~ثلاثا وادعت حملا، فللزوج أن يلاعن، وعلى هذا اللعان في النكاح والوطء ~~بالشبهة، فإنه رضي الله عنه فهم أمرا آخر فقال: إذا قذف امرأته بأجنبي ~~وسماه في اللعان، فلا حد عليه للأجنبي، فإنه صار مصدقا شرعا في تلك ~~الواقعة، فصار ذلك شبهه في درء الحد عنه، فهذا نوع من القياس فهمه في موضع ms456 ~~الرخصة لفهم خصوص الحاجة. # وأبو حنيفة، رأى أن اللعان حجة خاصة شرعت في النكاح، فلا يثبت إلا في ~~النكاح، ولا شك أن الذي قاله إعراض عن المعنى الخاص المفهوم من وضع اللعان، ~~على أنه ناقص من وجهين: # أحدهما: أن الله تعالى قال: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) «1» . # وقال: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) «2» . # فحكم بطلاق النساء، ثم إنه صار إلى طلاق البائنة المختلفة من غير نكاح، ~~مع أن الطلاق من خاصة النكاح، فهلا كان كذلك، بل هذا إلى ترجيح، وذلك أنه ~~ليس في إيقاع الطلاق على المختلفة حاجة معقولة شرع الطلاق لأجلها في الأصل، ~~بل الحاجة التي شرع الطلاق لأجلها معدومة في PageV04P305 # حق المختلفة، فأما هاهنا، فالحاجة التي شرع اللعان لأجلها، التي لا تدفع ~~لها إلا باللعان متحققة في النكاح الفاسد، وبعد الطلاق، فأولى بصحة اللعان. # والوجه الآخر في الترجيح، هو أنا إذا شرعنا اللعان في حق المطلقة، لم ~~يخصص ولم يناقض، وقلنا الولد بنفي اللعان دون النكاح مطلقا. وأبو حنيفة إذا ~~أوقع الطلاق بعد البينونة، لم يمكنه إخراج الطلاق عن كونه متعلقا بالنكاح، ~~فإنه لا يقع الطلاق في النكاح الفاسد خلافا لأحمد، ولا بعد البينونة ~~وانقضاء العدة، وإن بقيت له طلقتان عليها، واعتقد في ذلك أنا لو نفذنا ~~الطلاق عليها، صار المحل ينقاد تصرفه فيه مبتذلا من غير ولاية له عليه، ~~وذلك في غاية البعد، إذا لم يكن المحل بالتصرف متأثرا، ولا يزول بالتصرف عن ~~المحل حكم وصفه، وإذا جوزوا تصرف الأجنبي موقوفا من حيث إن المحل لا يتأثر ~~به، والطلاق إذا لم يكن له حكم ظاهر في المحل، فيجب أن يقع على الأجنبية، ~~وإن هم زعموا أنه يفوت حل المحل، وذلك تأثيرا يظهر في المحل، فيقتضي هذا أن ~~يكون حكم الطلاق الذي هو خاصية النكاح تفويت ما يستفاد بأصل الولادة، غير ~~متعلق بالنكاح، وذلك جهل مفرط.. وعلى أن الذي ذكر من جواز الابتذال في مدة ~~العدة، إنما يفعل إذا كان جنس العدة مقتضى ولانية، فأما إذا كان ms457 حكما شرعيا ~~يثبت حيث لا نكاح كالنكاح الفاسد، فلا ينبغي أن يقع به الطلاق أصلا، وهذا ~~كلام معترض غير متعلق بمقصودنا ولا محيص لهم عنه. # وناقضوا أيضا وقالوا: لو قذف امرأته وماتت بعد القذف بطلاق أو غيره، فلا ~~حد عليه ولا لعان، وقالوا: لا ينتفي الحمل باللعان، مع أن الخبر إنما ورد ~~في الحمل وحده. # PageV04P306 # ولما رأى الشافعي اللعان حجة خاصة قال: قذف الزوجة مثل قذف الأجنبية، ~~لأنها محصنة عفيفة مثل الأجنبية، ويجب على غيره الحد بقذفها، ويجب عليه ~~الحد بقذف مثلها، إلا أن الشرع جعل اللعان مخلصا، فإذا امتنع من اللعان، ~~كان على قياس الأجنبي يقذف الأجنبية، وهذا بين معلوم من القرآن. وإذا كان ~~اللعان خاصا في حق الأزواج، فالشافعي يقول: # جعله الشرع حجة وصدقه فيها، وجعل لها طريقا إلى مدافعة حجته فقال: # (ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد) ، فلا بد من إثبات عذاب، ولا يجوز أن يكون ~~ذلك العذاب سجنا، فإن الحبس لا يراد لعينه، وإنما يراد لغيره، فلا بد أن ~~يكون الحبس لطلب أمر وراء الحبس يحبس لأجله، ولا يجوز أن يكون الأمر هو ~~اللعان، فإنها ربما كانت كاذبة في لعانها، فكيف يجوز إجبارها على اللعان، ~~وقد قال كثير من العلماء: # إن العذاب في عرف الشرع عبارة عن الحد، سيما إذا عرف بالألف واللام، وذلك ~~ينصرف إلى المعهود، وهذا لا بأس به، وإن كان يرد عليه بأن العذاب قد لا ~~يختص بالحد، قال الله تعالى: # (إلا أن يسجن أو عذاب أليم) «1» ولم يرد الحد. # وقال تعالى: (لأعذبنه عذابا شديدا) «2» ، ولم يرد به الحد. # ويهون الجواب عن كل ذلك، وليس في التقصي عنه كبير فائدة، فإن الغرض يحصل ~~دونه. PageV04P307 # إذا ثبت ذلك، فقد قال عثمان البتي: لا أرى ملاعبة الزوج امرأته ينقص ~~شيئا، وأحب أن يطلق. والذي ذكره قوي من حيث المعنى والتوقيف، إذ ليس في ~~كتاب الله أنه إذا لاعن ولاعنت يجب وقوع الفرقة، وورد في الأخبار الصحاح، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين، ms458 وألحق الولد بالابن ~~«1» .. وقال عليه الصلاة والسلام: # «المتلاعنان لا يجتمعان» «2» . # «ولو بقي النكاح إلى رقت التفريق فهما مجتمعان» «3» . # قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا) ، ~~الآية/ 12. # أي بإخوانهم خيرا، وفيه دليل على أنه لا يحكم بالظن في مثل ذلك، وأن من ~~عرف بطريقة الصلاح لا يعدل عن هذا الظن فيه الخبر محتمل. # قوله تعالى: (لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء) ، الآية/ 13: # دليل على أن الأربع حد في هذا الباب، لا يجوز أن ينقضي منه شيء. # ودليل على أن القاذف مكذب شرعا، إذا لم يأت بأربعة شهداء، فإن كان في أمر ~~عائشة يقطع بتكذيبهم في الغيب، وقال علماؤنا: من صدق قذفه عائشة فهو كافر، ~~لأنه راد لخير الله تعالى الدال على كذبهم. # وعلى هذا قال أصحابنا فيمن وجد رجلا مع امرأة فاعترفا بالنكاح، أنه لا ~~يجب تكذيبهما، بل يجب تصديقهما. PageV04P308 # وقال مالك: إنهما يحدان ما لم يقيما بينة على النكاح، وهذا يخالف ظاهر ~~هذه الآية، وعلى هذا بنى أبو حنيفة جواز بيع درهم ودينار بدرهمين ودينارين ~~أنا تخالف بينهما تحسينا للظن بالمؤمنين. # وقال الشافعي قريبا من هذا فيمن وصى بطبل وله طبلان: طبل لهو، وطبل حرب، ~~أنه يحمل على طبل الحرب تحسينا للظن بالمؤمنين، وحمل أمورهم على ما يجوز. # إلا أن أبا حنيفة كدر صفو هذا المعنى بإيجاب الحد على المشهود عليه ~~بشهادة شهود الزوايا، بناء على بعد في إثبات الزنا، # وهذه الآيات إلى خاتمة الآيات في قوله: # (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم) : # تدل على وجوب حسن الإعتقاد في المؤمنين، ومحبة الخير والصلاح، والزجر عن ~~إشهار الفاحشة واستنباطها بدقائق الحيل والحكم بالظن والحسبان. # وعلى قريب منه يدل قوله عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من ~~لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» «1» . # وقال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته ~~منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله» «2» . # «ويحب أن ms459 يأتي إلى الناس ما يحب أن يأتوا إليه» .. رواه ابن عمر. # وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: PageV04P309 # «لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير» «1» . # قوله تعال: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة) ، الآية/ 22. # نزلت هذه الآية في شأن أبي بكر، فإنه حلف أن لا ينفق على مسطح الذي تكلم ~~في إفك عائشة «2» ، وذلك يدل على أن الأولى بالإنسان إذا حلف على أمر فرأى ~~غيره خيرا منه، أن يحنث ولا يستمر على اليمين. # وفيه دليل على بطلان قول أبي حنيفة في أن الأيمان تحرم، وإن الكفارة وجبت ~~لكون المحلوف عليه محرما بحكم يمينه، وهذا أمر ليس في هذا المعنى، وقد قال ~~قوم: إذا حنث فلا كفارة، وكفارته أن يفعل ما هو خير، وهذا بعيد، فإن صحيح ~~الخبر يخالفه، فإن عليه السلام قال: # «فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» . # قوله تعالى: (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على ~~أهلها) ، الآية/ 27. # نقل عن ابن عباس أنه قال: قوله: (حتى تستأنسوا) غلط من الكاتب. # ولا ينبغي أن يصح هذا عنه «3» ، فإن القرآن ثبت جميعه بحروفه PageV04P310 # وكلماته بطريق اليقين، ولا يجوز أن يضيع منه شيء بأمثال هذه الأسباب فإن ~~الله تعالى ضمن حفظه. # إذا ثبت ذلك، قال أبو أيوب الأنصاري، قلنا: يا رسول الله، عرفنا السلام ~~في الاستئناس. # قال: يتكلم الرجل بتسبيح أو تكبير ويتنحنح، يؤذن به أهل البيت. # وفي قراءة ابن مسعود: حتى تستأذنوا. # وقال ابن عباس: تستأذن على أمك وعلى أختك، وكل من لا يجوز أن ترى منها ~~عورة. # وما نرى الأمر في السلام يبلغ مبلغ الوجوب، إلا أن الاستئذان لا بد منه، ~~وهذا الاستئذان ليس له حد عرفا، ولكن ورد في بعض الأخبار أن الاستئذان ~~ثلاث، فإن أذنوا وإلا فارجع. # رواه أبو موسى وأبو سعيد عن رسول الله، وفيه قصة مع عمر ذكرناها في أصول ~~الفقه. # قوله: (فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم) ، الآية/ 28. # معناه أنه ليس ms460 يجوز أن يقول ليس فيها أحد يمنع، فالدخول مباح، بل الحظر ~~أصل، إلى أن يرد الإذن، لأنه تصرف في ملك الغير. # وقوله: (حتى يؤذن لكم) ، أي حتى تجدوا من يأذن لكم، وإن كان الآذن صبيا ~~أو رسولا فيجوز الدخول. # قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) ، الآية/ 30. # فلم يذكر تعالى ما يغض البصر منه ويحفظ الفرج، غير أن ذلك معلوم بالعادة، ~~أن المراد به المحرم غير المحل: # PageV04P311 # فإن قيل: فهذا الخطاب خاصة للمؤمنين، أو يدخل معهم سائر المكلفين؟ # فالجواب أن ظاهره للمؤمنين، ولكن المراد به كل الناس، من حيث علم أن ما ~~يحل من ذلك وما يحرم لا تختلف أحوالهم فيه، وغض البصر قد يجب على كل حال في ~~أمور، وقد يجب في حال دون حال في غيرها، فما ثبت أنه عورة، فغض البصر عنه ~~واجب، وما ليس بعورة، فيجب أيضا كذلك، إلا لغرض صحيح، فإنه يباح عند ذلك ~~«1» . # قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) . # الآية/ 31. # يعني إلا ما لا بد من النظر إليه، مثل ما يظهر من الثياب والدملج ~~والخلخال والخاتم، والذي يتعلق بالمناظر، وما يباح منها وما لا يباح منها، ~~يستقصى في كتب الفقه. # والمراد بما ملكت أيمانكم على المذهب الصحيح الأطفال. فأما الرجال فلا، ~~إلا أن يكون محرما، والظاهر يقتضي خلاف ذلك، ولكن قياس الشرع يأبى مقتضى ~~ذلك الظاهر. # وقيل المراد بقوله: (أو ما ملكت أيمانهن) الإماء. حتى لا يتوهم متوهم ~~أنهن لسن من نسائهن في قوله تعالى: (أو نسائهن) : # واختلفوا في قوله: (غير أولي الإربة من الرجال) ، فقال قوم: هو العنين، ~~وقال آخرون: هو الأبله، وقال آخرون: هو الأحمق الذي لا إرب له. PageV04P312 # قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم) ، الآية/ 32. # ظاهره الأمر من الله تعالى بالنكاح الأيامى «1» . # واختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: المأمورون هم الأولياء، وهو مذهب ~~الشافعي. # وفيه دليل على عدم استقلالهم. # ومنهم من قال: كل أحد إذا كان وليا أو مأذونا له. # والمقصود أنه إذا حصلت ms461 الرغبة منها وجب الإنكاح، وأنه لا يجوز العضل ~~والمنع، وذلك يقتضي الاختصاص بالأولياء والحاكم، فإن هؤلاء الذين يجب عليهم ~~التزويج دون الأجانب. # واستدل أصحاب الشافعي بما تعقبه من قوله: (والصالحين من عبادكم وإمائكم) ~~، وأن ذلك لما دل على سبب ولايتها، فكذلك في حق غيرها، وهذا تلقي الظاهر من ~~اقتران المسلمين ذكرا، وذلك يدل على تساويهما حكما من وجه آخر، وهو أن ~~الإنكاح قد يجب في حق الأيم والبكر البالغة، إذا طلب، وليس يجب في حق العبد ~~والأمة. # فليس قوله: (وأنكحوا) ، مما يمكن إجراؤه في الجميع على حد واحد، لأن منه ~~ما يجب ومنه ما لا يجب، وهذا مما لا خفاء به، فاعلمه. # قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) ، ~~الآية/ 33. # أمرهم بالتعفف- عند تعذر النكاح- عما حرمه الله تعالى، وذلك على الوجوب. ~~PageV04P313 # وفيه دليل على أن إباحة الاستمتاع موقوفة على النكاح. ولذلك يحرم ما ~~عداه، ولا يفهم منه التحريم بملك اليمين، لأن من لا يقدر على النكاح لعدم ~~المال لا يقدر على شراء الحارية غالبا. # وفيه دليل على بطلان نكاح المتعة، ودليل على تحريم الاستمناء «1» . # قوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) : # روي عن عطاء أنه قال: ما أراه إلا واجبا، وهو قول عمرو بن دينار. # واعلم أن إيجاب ذلك لا محمل له إلا التوقيف، وإلا فإجبار المالك على ~~إزالة ملكه لا وجه له، ولا يقتضيه أصل الشرع وقياسه، لأن الكتابة بعيدة عن ~~قياس الأصول، وتقتضي الأصول بطلانها، فيشبه أن يكون قوله: # (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) ، رخصة في الكتابة رفعا للحرج المتوهم، ~~مثل قوله تعالى: # (وإذا حللتم فاصطادوا) «2» . # ومثل قوله: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) ~~«3» . # وكل ذلك رفع للحرج. # وكذلك، إذا قلنا الأصل امتناع الكتابة، إلا أن الشرع أرخص فيها وجوزها ~~بطريق الرخصة، فمطلق الأمر فيه لا يظهر منه الوجوب. PageV04P314 # ولأن تعليقها بابتغاء العبد مما يدل على أنها غير واجبة، ولو وجبت لوجبت ~~حقا للشرع، غير متعلقة بابتغاء العبد. # والذي يخالف ms462 في ذلك وينصر مذهب عطاء يقول: إنما احتمل الشرع مخالفة قياس ~~القواعد ابتغاء تحصيل العتق الذي هو حق الله تعالى «1» ، والمقصود به تفريغ ~~العبد بحريته لطاعة الله تعالى، بعد أن كان كثيرا من أوقاته لغير حق الله ~~عز وجل. # وإذا ثبت أن الأمر كذلك، فقد وضع الله تعالى ذريعة لتحصيل هذه المكرمة ~~شرعا بلفظ الوجوب. # فمخالفة قياس الأصول كانت لتعظيم أمر الحرية، فمن أين مبعث الوجوب؟ # نعم في قوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) ، و (فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا) . كل ذلك لغرض غير غرض الشهادة وغير مقصود الشرع، وهاهنا هذا فيه ~~تحصيل الحرية، فاحتمل فيه ما احتمل من مخالفة قياس الأصول لهذا المعنى، حتى ~~جعل له في الزكاة قسط، ولم يجعل ذلك إلا ليتوصل به إلى الحرية، وأوجب كثير ~~من العلماء فيه التأجيل إرفاقا بالعبد، فكان هذا الإرفاق مقصود الشرع بلفظ ~~الأمر الدال على الوجوب، فما الذي منع من وجوبه؟ # يبقى أن يقال: ولو كان واجبا لما توقف على ابتغاء العبد. # قالوا: إذا لم يتمكن العبد، فإجباره على الإضرار بنفسه لا وجه له، وإن ~~كان العبد قادرا على الاكتساب، فلا شك في أنه لا يقصر في حق نفسه في سعي ~~الكتابة، فبنى الشرع على الغالب، ونظيره أن الشرع أوجب الطهارة PageV04P315 # لدخولها في محاسن الأخلاق، وتحقيقا لمقصود النظافة والوضاءة وإحياء ~~لمراسم العبادة، وعلم الشرع أن إيجابها عند تغيير الأكوان يجر حرجا، فوضع ~~مراسم تفي بالمقصود.. كذلك هاهنا. # وهذا الذي ذكروه لا وجه له، فإن الترغيب فيه ليزيل عن القلوب ما فيها من ~~منافاة قياس الأصول، ولو وجبت الكتابة لوجبت لمقصودها، وهو العتق، كالطهارة ~~لما وجبت وجبت للصلاة، والعتق لا يجب بالإجماع. # ولا يتحتم بالاتفاق. # وقولهم إنها أوجبت ذريعة فضرب من الهذيان. فإن السيد قادر على استكساب ~~العبد دون الكتابة، فليس يتجدد له بالكتابة حق «1» . # وفيه إزالة ملكه من غير أن يحصل على مقابل له، فهذا تمام ما يستدل به على ~~نفس الوجوب. # ثم قال تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) ، الآية/ ms463 33. # قال الشافعي: ثم أمر من يكاتب بالإيتاء، ولا يتصور هذا الإيتاء إلا من ~~جهة حط شيء، ولا يمكن حمله على الزكاة، فإن السيد لا يجب عليه أن يفرق ~~الزكاة إلى عبده إجماعا. # ولا شك أن ظاهر اللفظ لا يقتضي الحط، لأنه ليس بإيتاء للمال، وإنما يدل ~~عليه من حيث المعنى، لأن قوله: (من مال الله الذي آتاكم) . # لا بد أن يحمل على ملك تجدد بعد الكتابة، وصار مالا مستحقا للسيد، فمن ~~هذا الوجه حسن إطلاق هذا اللفظ عليه. PageV04P316 # وقال إسماعيل بن إسحاق في الرد على الشافعي: كيف تكون الكتابة ندبا ~~والإيتاء واجبا؟ وإذا تبرع به لزمه أحكامه وتوابعه والقضايا المتعلقة به؟ ~~ومعلوم أن النكاح غير واجب، وإذا نكح وجب فيه أحكام لها، وإذا طلق فلها ~~المتعة واجبة على الزوج. # ومما ذكر أن إطلاق مال الله تعالى لا يقتضي إلا الزكاة، ومال الله تعالى ~~في عرف الشرع لا يفهم منه إلا الزكاة، وما عداه لا يضاف إلى الله تعالى ~~بحكم الإطلاق، وقد قسم الله تعالى الحقوق إلى ما يضاف إلى الله عز وجل، ~~وإلى ما يضاف إلى الآدمي، وإن كان الكل حقا لله تعالى. # والجواب أن هذا لما وجب بحق الله تعالى، ولغرض الحرية، حسن أن يقال: مال ~~الله تعالى، لأنه قصد به وجه الله عز وجل وتحصيل ثوابه. # وربما قالوا: إن السيد لا يستحق على المكاتب مالا، حتى يصح أن يقال في ~~الحط، إنه مال آتاه السيد، إنما كان مستحقا له، فأما ما ليس مستحقا له فلا ~~يقال فيه توهم ما يملكه ويستحقه، فإذا لم يكن دين المكاتب مستحقا عليه، فمن ~~أي وجه يوصف السيد بأنه آتاه مالا، وما آتاه شيئا ملكه، ولا شيئا استحقه. # ويجاب عنه بأنه يجوز أن يطلق ذلك، إذا كان المال ينساق إليه، فكأنه آتاه ~~ماله من حيث إنه ينساق إليه وبالجملة، قوله: (وآتوهم من مال الله الذي ~~آتاكم) ، مجاز في الحط من وجوه بينة وحقيقة في الزكاة، وقوله: (فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا وآتوهم) ، حقيقة ms464 أنه خطاب للسادة الذين يكاتبون، مع أنه ~~يجوز أن يحمل على وجه آخر بطريق المجاز، فلم يسلم كل واحد من المحملين على ~~مجاز، فإن كان كذلك، فلا يظهر مذهب الشافعي من حيث التعلق بالظاهر، ويتجه ~~للشافعي أن يقول: إيتاء المكاتب # PageV04P317 # الصدقات فهم من قوله تعالى: (وفي الرقاب) ، فهذا لا بد أن يكون له فائدة ~~زائدة، تشهد له أن ما آتاه الواحد منا، يجب أن يكون على وجه إذا حصل عند ~~المعطى يتصرف فيه، ولم يحصل للسيد عليه بدلا يستحق الصفة بأنه من مال الله ~~الذي آتاه إياه، ولو كان الإيتاء واجبا، لكان وجوبه متعلقا بالعبد، ويكون ~~العبد هو الموجب وهو المسقط وذلك مستحيل، لأنه إذا كان العبد يوجبه وهو ~~بعينه يسقطه، استحال وجوبه، لتنافي الإيجاب والإسقاط «1» . # وبالجملة، ما صار مستحق الإسقاط فحكمه أن يسقط، ولا نعرف في مسائل الشرع ~~مسألة أعوص على أصحاب الشافعي من مسألة الإيتاء، ولا معتمد لهم فيها إلا ~~آثار الصحابة، وهي معتمدة قوية ذكرناها في كتاب المصنف في الروايات «2» . # واعلم أن الكتابة من الأسماء الشرعية، فإنها على الوجه الذي ثبت في ~~الشريعة لم تكن معلومة، فحل ذلك محل الصلاة والصيام. # ثم اختلفوا بعد ذلك، فمنهم من قال: يعقل من ظاهرها التأجيل: إذا لم يكن ~~شرطا فيها لم تكن كتابة. # وقال بعضهم: بل لا يعقل ذلك من الظاهر، وهذا أظهر، فإن الشيء قد يكتب ولا ~~تأجيل فيه، كما قد يكتب وهناك تأجيل، فالظاهر لا يدل على ذلك، وقول من يقول ~~إنها تجوز حالة، وقول من يقول لا تجوز إلا مؤجلة أو منجمة موقوف على ~~الدليل، لأن الظاهر لا يشهد بأحد هذه الوجوه. PageV04P318 # واختلفوا في صورة الكتابة، فقال بعضهم: يكفي أن يكاتبه على دراهم معدودة ~~فيعتق بالآداء في وقته. # وقال بعضهم: بل لا بد أن يقول: فإذا أديته إلي فأنت حر، ليجمع بين العقد ~~وبين تعليق الحرية بالصفة، لأن عنده أن العقد بينه وبين السيد لا يصح، ~~فتحريره له تعلق بصفة تصح، فلا بد من ضم ذلك إليه. ms465 # ولم يختلفوا في أن ذلك رخصة، لأنا لو خلينا العقل، لكان يبطل، لأنه أزال ~~ملكه بملكه، إذ الذي تحصل في يده ملك للمولى، لكنه بعقد الكتابة جعل لما ~~يحتوي عليه حكم مخصوص، لم يبلغ حد الملك، ولا وقف على الحد الذي كان وهو ~~رقيق خالص. # وأحكام الكتابة مبينة في مسائل الفقه. # قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) ، الآية/ 33. # روي عن جابر في سبب نزول الآية، أن عبد الله بن أبي بن سلول كانت له ~~جارية يكرهها على الزنا «1» . # والعبرة بمطلق اللفظ، فتدل الآية بمطلقها على تحريم الإكراه على الزنا، ~~وعلى تحريم أخذ البدل، وهو المراد بنهيه صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي، ~~وتدل على أن الإكراه يصح في الزنا فيما يحصنها، لأنه مفعول فيها، فعلى كل ~~الأقاويل يجوز أن تكره عليه، ويدل على أنها إذا أكرهت فلا إثم عليها، فإن ~~الله تعالى قال: (فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) ، الآية/ 33. ~~PageV04P319 # فإن قيل: فإذا لم يكن عليها إثم لمكان الإكراه، فما الذي يغفر؟ # فجوابها أن يقول: # لما كان لولا الإكراه لكان عليها إثم في ذلك، زال الإثم لمكان الإكراه، ~~وبين أن دخول الإكراه فيه هو الذي أزال عقابه، ولذلك ألحقه بباب ما يغفر، ~~وهذا كما قال الله سبحانه في تناول الميتة بلا إثم للمضطر: (فإن ربك غفور ~~رحيم) . # (إن أردن تحصنا) : # إنما ذكر تصوير الإكراه، لأن الإكراه لا يتصور إلا مع بذلها نفسها، فذكر ~~إرادة التحصن تصوير الإكراه. # قوله تعالى: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون) ، الآية/ 48. # فيه دليل على أن من ادعى على غيره حقا ودعاه إلى الحاكم، وجبت عليه ~~إجابته والمسير معه إليه، وعلى الحاكم أن يعد به عليه. # قوله تعالى: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم) ~~، الآية/ 58. # قال المفسرون: هذا في الإماء، فأما في العبيد فلا، لأنه ذكر بلفظ مذكر، ~~بناء على لفظ المماليك المتناول للرجال والنساء، ولو حملناه على العبد ~~البالغ، استوى في ms466 وجوب الاستئذان هذه الأوقات وغيرها، من حيث يحرم عليه أن ~~ينظر إلى عورة سيده وبدن سيدته، ولو حمل على ما دون البلوغ، حصلت فائدته في ~~قوله: (والذين لم يبلغوا الحلم) ، إلا أنه يقال بين اتفاق حال الفريقين في ~~ذلك، ودل على صحة ذلك بقوله: # PageV04P320 # (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) ، ~~الآية/ 59. # ذكر إسماعيل بن إسحاق أن ابن عباس كان يقول: «ليستأذنكم الذين لم يبلغوا ~~الحلم مما ملكت أيمانكم» ، وذلك يوافق ما قلناه. # وروى أن نفرا سألوا ابن عباس عن هذه الآية فقال: إن الله غفور رحيم، رفيق ~~بالمؤمنين، يحب السترة، وكان الناس لا سترة لبيوتهم، فربما دخل الخادم «1» ~~أو اليتيمة، والرجل مع أهله في الخلوة، فأمرهم الله تعالى بالاستئذان في ~~تلك العورات. # وإنما خص الله تعالى هذه الأوقات، لأنها في الغالب يخلو فيها المرء ~~بأهله. ولذلك قال: (ثلاث عورات لكم) ، فنبه به على أنها أوقات تكشف العورة ~~فيها وفي مثلها، لا يجوز لمن ليس ببالغ أن يدخل ويهجم. # فأما في سائر الأوقات، فالعادة أن يكون المرء مستترا عادلا عن التكشف، ~~فجائز للخدم والصغار أن يدخلوا بلا إذن، لأنه كالمحتاج إليهم من حيث لا ~~يستغني عنهم في خدمة الدار، ولذلك وصفهم الله تعالى بأنهم: # (طوافون عليكم) ، كما قال عليه السلام في الهرة: «إنها من الطوافين ~~عليكم» لما صعب التحرز منها «2» . # ولو جرت عادة قوم بالتكشف في غيرها من الأوقات، فذلك الوقت كهذه الأوقات ~~في منع من لم يبلغ الحلم من الدخول بلا إذن، ولو جرت عادة قوم في الأوقات ~~الثلاثة بالتستر، فالأوقات الثلاثة كغيرها. PageV04P321 # قوله تعالى: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا) الآية/ 60. # وعنى به الكبيرة السن، وجوز لها أن تضع الرداء أو اللحاف أو الخمار، قال ~~ابن عباس: # المراد به الجلباب من فوق الخمار «1» ، ومعلوم أنه غير مجوز لها أن تكشف ~~من بدنها عورة، لأنه إن كان حالة الخلوة بنفسها، فالعجوز والشابة سواء، وإن ~~كان بين الناس، فالواجب حمله على الجلباب وما فوق الخمار ms467 لا نفس الخمار، ~~لأن من شأن الجلباب أن يبلغ مع الستر النهاية، ومع الخمار قد ينكشف من ~~رؤوسهن وأعناقهن بعض التكشف، فأبان الله تعالى أن هذا التحرز ليس وجوبه ~~عليهن كوجوبه على الشابات، لأنه ليس في النظر إليهن من خوف الافتتان كما في ~~النظر إلى الشابة، فلذلك قال في آخره: (وأن يستعففن خير لهن) . # قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج) ، الآية/ 61. # روى إسماعيل بن إسحاق عن سعيد بن المسيب، أن هذه الآية نزلت في ناس كانوا ~~إذا خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعوا مفاتيحهم مع الأعمى ~~والأعرج وعند الأقارب، وكانوا يأمرونهم بأن يأكلوا من بيوتهم إذا احتاجوا ~~إلى ذلك، وكانوا يتقون الأكل خشية أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية «2» . PageV04P322 # وروى أيضا، أنهم كانوا إذا اجتمعوا للأكل، عزلوا الأعمى والأعرج والمريض ~~كراهة أن يصيبوا من الطعام ما يصيبون، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وذكر الحسن أن المراد به رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في باب ~~الجهاد، وأن قوله: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) ، الآية/ 61. كلام ~~مستأنف، فقد كان أحدهم لا يحلب ناقة إلا أن يجد من يشرب من لبنها، ولا يأكل ~~في بيت أحد تكرما، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهو الذي اختاره الأكثرون، ~~ويحمل قوله: # (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) على أن ذلك كان رخصة في الأول، ~~وأباح تعالى الأكل من مال من ذكره، وأباح أن يأكلوا من البيوت التي ~~مفاتيحها في أيديهم، وبيوت أصدقائهم دون إذن، حضروا أم غابوا، ثم نسخ ذلك ~~بما ظهر في الشرع، من أنه لا يحل مال أحد إلا بطيب نفس منه، ودل على ذلك ~~بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ~~إلى طعام غير ناظرين إناه) «1» ، وقد كان في أزواج النبي عليه الصلاة ~~والسلام من كان لهن الآباء والإخوان، فلما عم بالنهي علم به النسخ. # فإن قيل: فما الذي يليق بالظاهر؟ فجوابنا أنه يبعد ms468 أن يكون المراد به: ~~ليس على الأعمى حرج، إلا ما يتصل بالأداء، لأنه رفع الحرج والجناح عنه، ثم ~~إنه ذكر بعد ذلك أمرا مخصوصا، فوجب حمله على ذلك الأمر، فأما قوله تعالى: ~~(ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) ، PageV04P323 # فلعل الأولى من الأقوال، أنه ورد فيمن كان يأذن ويشح من هذه الطائفة، ~~وكان القوم يتوقون لبعض هذه الوجوه التي رويناها، فبين الله تعالى أن إباحة ~~ذلك إن كان واردا مع طيبة النفس، لا وجه للنسخ فيه. # فإذا قيل: فإن كان كذلك، فلم إذا خصصهم بالذكر، وعند الإذن وطيب النفس ~~الكل سواء؟ # فالجواب أنهم خصوا بالذكر، لأنهم كانوا يتقدمون عند السفر والغزوات إلى ~~أقربائهم، وإلى من خلفوهم من الزمنى والعرجي والعميان، أن يأكلوا من ~~منازلهم، فنزلت الآية على هذا السبب. فلذلك خصوا بالذكر.. فأما حمله على أن ~~ذلك يحل بلا إذن فبعيد. # ودل بقوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) على أمور: # منها أنه يحل للجماعة أن يجتمعوا على طعامها، وإن كان أكلها من ذلك ~~الطعام يتفاضل، وقد كان يجوز أن يظن أن ذلك محرم، من حيث إنهم لا يستوون في ~~قدر ما ظهر من الطعام، ثم يتفاضلون في الأكل، فأباح الله تعالى ذلك. # ومنها: أن مؤاكلة من يقصر أكله عن أكل الباقين، لأن الأعمى إذا لم يبصر، ~~فلا يمكنه أن يأكل أكل البصير، فأباح الله تعالى ذلك، وأباح انفراد المرء ~~عن الجماعة في الأكل، ويجوز أن يظن ذلك مستقبحا في الشرع كما يستقبحه أهل ~~المروءة. # قوله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) ، الآية/ 61. # PageV04P324 # حمله الحسن على سلام البعض على البعض، لما فيه من البركة والدعاء الصالح ~~وتآلف القلوب. # وذكر إسماعيل بن إسحاق عن جماعة، أن المراد به أن يسلم المرء على نفسه ~~إذا لم يكن هناك غيره يسلم عليهم، ومن السنة أن يقول: # السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وهذا أليق بالظاهر. # ولا خلاف في أنه لو كان في الدار غيره، صرف السلام إليه، وليس في ms469 الظاهر ~~تخصيص، وذلك يقوي قول الحسن. # وفيه وجه آخر: وهو أن السلام بالشرع صار كالمخاطبة. # وقال الفقهاء في تسليم الرجل في الصلاة: أنه يجب أن ينوي من خلفه إن كان ~~إماما أو ينوي الملائكة أو الحفظة، ومعلوم أن المرء قبل دخول البيت هو ~~مندوب إلى أن يسلم على نفسه فيقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ~~لأنه كالدعاء، مما يجرى فيه الخطاب. # قوله تعالى: (إنما المؤمنون- إلى قوله- وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه) ، الآية/ 62. # يدل على أن من الايمان أن يستأذنوا الرسول في الانصراف عنه في كل أمر ~~يجتمعون معه فيه، وقد روى مجاهد، أن المراد به الجمعة والغزو. # وقال الحسن: الجمعة والأعياد وكل ما فيه خطبة. # ثم خير الله تعالى رسوله في اختيار من يغزو معه، وبين أن الذي ينعته رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليس له أن يتخلف ويحيل على غيره. # والذي يشهد به الظاهر، أن كل أمر جامع للرسول عليه السلام فيه غرض، فليس ~~لهم أن ينصرفوا عنه ما دام الغرض قائما، ويدخل فيه # PageV04P325 # الغزو والجماعات، ولكن هذا الأمر هو أخص بالغزو، فإنهم قد كانوا يتفرقون ~~عنه من غير إذنه، فيؤثر ذلك في الغرض المطلوب، فمنع الله تعالى من ذلك، ~~وبين أن الأمر في انصرافه موقوف على إذنه بقوله: # (لبعض شأنهم) ، على أنه لا يجوز لهم أن يستأذنوا، إلا إذا عرضت لهم حاجة ~~تقتضي ذلك، لأنه إذا لم يكن لهم حاجة، فملازمة الرسول أولى. # وفيه دلالة على ما يلزم من أدب الدين، وأدب النفس، فمن هذا الوجه قال ~~الحسن: # لا فرق بين الرسول والإمام فيما يلزمهم من ذلك، ولا يمنع من حيث تضمن هذا ~~الظاهر أدب النفس أن يكون الأولى بالمراد: # إذا اجتمع جمع لخير أن لا يتفرق عنهم إلا بإذن، لما في تفرقته من اختلال ~~ذلك الأمر المطلوب، والاجتماع عليه أقرب إلى التعاون على التقوى.. # وقوله تعالى: (واستغفر لهم الله) ، يدل على أن الرسول عليه الصلاة ~~والسلام لا يحل له أن يستغفر ms470 إلا لمن تكامل إيمانه، لأنه شرط فيه تقدم فيما ~~ذكرناه. # ويحتمل أن يراد به أن من أذن له في مفارقة الجهاد لبعض شأنه، يكون في ~~الظاهر مقصرا أو متأخرا في الفضل عن غيره، فأمر الله تعالى نبيه أن يستغفر ~~لهم، ليكون استغفاره جبرا لهذا النقص، فلا ينكسر عند ذلك قلب هذا المتأخر ~~عن الجمع. # قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) ، الآية/ ~~63. # فالمروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون: # PageV04P326 # يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك وقال: # قولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهو المروي عن عكرمة والضحاك، وحمله ~~مجاهد على خفض الصوت والتواضع، وهو معنى قوله تعالى: # (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله) «1» ... # قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) ، الآية/ 63: # أراد به ذكر ما تقدم من تسللهم، وذلك يدل على وجوب امتثال مطلق أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على ما بيناه في أصول الفقه «2» . PageV04P327 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الفرقان # قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) ، الآية/ 48. # قال قائلون: وصف الماء بأنه طهور، يفيد أنه يصلح للتطهير، وأنه يقع به ~~هذا الحكم، كقولهم فطور وسحور إذا صلح لذلك. # وقال آخرون: إنه يفيد المبالغة في التطهير، والمعنى بين. # ولا اختلاف أن للماء هذا الحكم، إذا كان على خلقته وهو ينزل من السماء، ~~فما دام على نعت المنزل من السماء وفي قرار الأرض، فهو طهور ومطلق. # وإذا خالفه غيره، انقسم المخالط أقساما: فمنه ما يكون نجسا، ومنه ما يكون ~~طاهرا. # وإذا كان المخالط نجسا، فمالك لا يحكم بنجاسة الماء، ويبقيه على حكم وصفه ~~الأصلي. # وأبو حنيفة يقول: ما دام يتوهم خلوص النجاسة إلى الماء الذي يغترف منه، ~~فلا يجوز التوضؤ به. # PageV04P329 # والشافعي يقول: يعول على القلتين، وبعد ذلك لا يؤخذ من الظاهر، وإنما ~~يؤخذ من المعنى.. وبعضه مأخوذ من الظاهر «1» . # والماء المستعمل مختلف فيه بين العلماء، فالظاهر يقتضي جواز التوضؤ به، ~~والقليل من النجاسة لا يمنع من إطلاق اسم ms471 الماء عليه لغة، ولكن امتناع ~~التوضؤ به لدليل آخر. # ومتى قيل: فالماء إذا جعل طهورا، فهو يطهر ماذا؟ # قيل: إنه يطهر على وجهين: # أحدهما: طهارة الأحداث «2» . # والثانية: الجنب «3» . # فأما طهارة الحدث، فصريان غسل ووضوء، ولكل واحد منهما سبب، فسبب الغسل ~~الجنابة والحيض والنفاس، ويتبع الجنابة التقاء الختانين وإن لم ينزل. # وأسباب الوضوء مستقصاة في كتب الفقه مع ما فيها من إختلاف العلماء. # واختلف الناس في الماء، هل خص بالتطهير في الأنجاس كلها؟ # فمنهم من قال ذلك. # ومنهم من قال غير قوله.. وشرح ذلك في كتب الفقه. # والذي يجوز إزالة النجاسة بغير الماء، ليس يجوزه بطريق القياس على الماء ~~فقط، فإن من الممكن أن يقال إن التعبد بإزالة النجاسة، فإن لم تكن ~~PageV04P330 # نجاسة زال محل التعبد، ولأجل ذلك صار داود مع نفي القياس إلى إزالة ~~النجاسة بغير الماء، لا قياسا لغير على الماء، لكن لزوال محل التعبد، فهذا ~~تمام هذا الفن. # قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) ، الآية/ 54. # يدل على أن الله سبحانه جعل الماء سبب الاجتماع والتآلف والرضاع والخقونة ~~«1» . # وفيه إشارة إلى المحرمات بالسبب والنسب، وأن كل ذلك تولد من الماء. # وفيه دليل على أن حرمة المصاهرة تثبت بطريق الكرامة لا بطريق النقمة ~~والعقوبة، ولذلك قال الشافعي: لا يتعلق بالزنا وتحريم المصاهرة. ~~PageV04P331 # (بسم الله الرحمن الرحيم) «1» ### | سورة الشعراء # قوله تعالى: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) ، الآية/ 84. # فنبه على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل «2» . # قوله عز وجل في حق الشعراء: # (والشعراء يتبعهم الغاوون) ، الآية/ 224. # فيه دليل على كراهة اللهج بالشعر في مدح أو قدح، من غير أن يحقق معناه ~~لاكتساب مال. PageV04P333 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة القصص # قوله تعالى: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين) ، الآية/ 27. # فيه دليل على جواز جعل منافع الحر صداقا شرعا. # قوله تعالى: # (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه- إلى قوله- سلام عليكم) ، الآية/ 55. # هو سلام متاركة، وليس بتحية، ومثله قوله: # (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) «1» . # وقوله تعالى: (واهجرني مليا) «2» . # قال إبراهيم: ms472 (سأستغفر لك ربي) «3» . PageV04P335 # ومن الناس من اقتبس منه جواز مفاتحة الكفار بالسلام، وليس كذلك، لما ~~وصفنا من أن السلام يتصرف إلى معنيين. # والمراد به هاهنا، معنى المتاركة. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الكفار: # «لا تبدؤوهم بالسلام، فإن بدءوكم فابدؤوهم، وأنه إذا سلم عليكم أهل كتاب ~~فقولوا: وعليكم» . # PageV04P336 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة العنكبوت # قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) ، الآية/ 8. # قد ذكرنا من قبل ما يتعلق ببر الوالدين. # قوله تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) : # الآية/ 45. # روى ابن عباس وابن مسعود: تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. # وقال ابن مسعود: الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها. # وإنما قيل: تنهى عن الفحشاء والمنكر، لاشتمالها على أفعال وأذكار لا ~~يتخللها شيء من أمور الدنيا، ولا فرض هو بهذه المنزلة، فهي تنهى عن المنكر ~~وتدعو إلى المعروف، بمعنى أن ذلك مقتضاها. # قوله تعالى: (ولذكر الله أكبر) ، الآية/ 45. # قال مجاهد: لذكر الله لكم برحمته أكبر من ذكركم له بطاعته. # قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) الآية/ 46. # PageV04P337 # قال قتادة: نسخها قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين) «1» ، وقوله: (وقاتلوا ~~المشركين) «2» : # قوله تعالى: (إلا الذين ظلموا منهم) ، الآية/ 46: # يعني إلا الذين ظلموكم في جدالهم أو غيره مما يقتضي الإغلاظ لهم، وهو نحو ~~قوله تعالى: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم) «3» . # وقال مجاهد: إلا الذين ظلموا منهم: مانعي الجزية. # وقيل إلا الذين ظلموا منهم: بالثبات على كفرهم بعد إقامة الحجة. ~~PageV04P338 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الروم # قوله تعالى: (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس) : # الآية/ 39. # في معناه: أن تهب الشيء تريد أن تثاب عليه بما هو أفضل منه، فذلك الذي لا ~~يربو عند الله تعالى، ولا يؤجر صاحبه عليه ولا إثم فيه «1» . # (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله) ، وهو الرجل يعطي ليثاب عليه. # وعن عكرمة، قوله تعالى: (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا ~~يربوا عند الله) . # الربا ربوان: ربا ms473 حلال وربا حرام، فأما الربا الحلال: فهو أن تهدي هدية ~~تلتمس بها ما هو خير منها. # وروى زكريا عن الشعبي في قوله تعالى: PageV04P339 # (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس) ، قال: كان الرجل يسافر مع ~~الرجل، فيجعل له من ربح ماله ليتجر له بذلك «1» . # وعن الضحاك في هذه الآية: أن الربا الحلال كالرجل، يهدي ليثاب بأفضل منه، ~~فذلك لا له ولا عليه، ليس فيه أجر ولا عليه فيه إثم. # وروى منصور عن إبراهيم في قوله: (ولا تمنن تستكثر) «2» ، قال: لا تعطى ~~لتزداد «3» . PageV04P340 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة لقمان # قوله تعالى: (وفصاله في عامين) ، الآية/ 14. # وفي آية أخرى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) «1» . # فنحصل من مجموع الآيتين أن الحمل أقله ستة أشهر. # فاستدل به ابن عباس على مدة الحمل، واتفق أهل العلم عليه. # قوله تعالى: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ~~ما أصابك) ، الآية/ 17، من الناس في الأمر بالمعروف، فظاهره يقتضي وجوب ~~الصبر. # قوله تعالى: (ولا تصعر خدك للناس) ، الآية/ 18، نهي عن التكبر. # قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه) ، الآية/ 14. # بيناه في مواضع. # قوله تعالى: (واتبع سبيل من أناب إلي) ، الآية/ 15. مثل PageV04P341 # قوله: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) «1» . إلا أن دلالة هذا على الإجماع ~~أبعد لأن وصية لقمان لابنه لا تقتضي الاحتجاج بالإجماع. # قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) ، الآية/ 6. # قال ابن عباس: هو الغناء، والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث، ومثله ~~عن مجاهد وزاد فيه: هو الغناء والاستماع إليه. # وقال الحسن: هم الكفر والشرك، وأنهم يضلون عن سبيل الله بغير علم. # وتأوله قوم على الأحاديث التي يتلهى بها أهل الباطل واللعب، وذلك أن ~~المعني بذلك، النضر بن الحارث، الذي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فإنه قد كان يشتري كتبا فيها أحاديث الفرس، فكان يتلهى بها في مجالسهم ~~ويجعلها كالمعارضة للقرآن. # وهذه الأقوال أليق بالظاهر، لأن الغناء لا يطلق عليه الوصف بأنه حديث ولا ~~إضلال، وإنما يطلق ذلك على الأحاديث الكاذبة الجارية ms474 مجرى القدح في القرآن، ~~على ما روي فيما كان يتعاطاه النضر بن الحارث، فمن هذا الوجه يدل على أن ~~الاقدام على كل قوم بغير علم لا يحسن، لأن الله تعالى قبح ذلك من حيث إنه ~~كان إقداما بغير علم «2» . PageV04P342 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الأحزاب # قوله تعالى: (اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم) ، الآية/ 4: # أبان الله تعالى أنها لا تصير أمه بمجرد قوله، وألزمه تحريما غايته ~~الكفارة. # قوله تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) ، الآية/ 4. # قيل: نزلت في زيد بن حارثة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد تبناه، ~~فكان يقال له: زيد بن محمد، وهذا يدل على نسخ السنة بالقرآن، لأن الحكم ~~الأول ثابت بغير القرآن ونسخه بالقرآن. # قوله تعالى: (ذلكم قولكم بأفواهكم) ، الآية/ 4. # يعني أنه لا حكم له، وإنما هو قول لا معنى له ولا حقيقة. # وقوله تعالى: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم) ، الآية/ 5. # فيه إباحة اطلاق الأخوة، وحظر اطلاق اسم الأبوة من غير جهة النسب. # PageV04P343 # قوله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) ، الآية/ 5: # قال قتادة: معناه أنك لو دعيت رجلا لغير أبيه، وأنت ترى أنه أبوه، ليس ~~عليك بأس. # وسمع عمر رجلا يقول: # اللهم اغفر لي خطاياي، فقال استغفر الله في العمد، فأما في الخطأ فقد ~~تجوز عنك. # وكان يقول: ما أخاف عليكم الخطأ، وإنما أخاف عليكم العمد. # قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) ، الآية/ 6. # معناه ما قاله عليه الصلاة والسلام: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، وأيما ~~رجل مات وترك دينا فإلي، وإن ترك مالا فهو لورثته» . # وقيل في معنى: (النبي أولى بالمؤمنين) ، أنه أحق أن يختار ما دعاه النبي ~~عليه الصلاة والسلام إليه من غيره، وما تدعوه أنفسهم «1» إليه، وهو أحق بأن ~~يحكم على الإنسان في نفسه، لوجوب طاعته المقرونة بطاعة الله عز وجل. # وقوله تعالى: (وأزواجه أمهاتهم) ، الآية/ 5: # يحتمل أن يكون بمعنى الإجلال والتعظيم، والثاني: في تحريمه نكاحهن. # وليس لأنهن كالأمهات في القضايا كلها، ولا يجعلن أخوات ms475 للنساء، ولا إرث ~~لهن منا ولا محرمية. # وقوله تعالى: (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) ، الآية/ 6. ~~PageV04P344 # أنزلت في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني. # وعن الحسن قال: أن تصلوا أرحامكم. # قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ، الآية/ 21. # يحتج به بعض الناس في وجوب التأسي بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها) ، الآية/ 28. # ظاهر الآية التخيير بين الدنيا والآخرة والله ورسوله، وليس فيه ذكر ~~الطلاق. # وقد قال قوم: إنه كناية عن التخيير للطلاق على شرائطه، ولذلك قالت عائشة ~~لما سئلت عن الرجل يخير امرأته قالت: خيرنا رسول الله وكان طلاقا. # وفي بعض الأخبار: ما خيرناه فلم يعد طلاقا. # ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التخيير المأمور به، وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: أنا ذاكر لك أمرا فلا عليك ~~أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك، فقالت: إني أريد الله ورسوله والدار ~~الآخرة. # ومعلوم أنه لم يرد الاستئمار في اختيار الدنيا على الآخرة، فثبت أن ~~الاستئمار إنما وقع في الفرقة وفي النكاح. # واعلم أن اختيارهن للدنيا وزينتها وإرادتهن الطلاق، لا يجوز أن يكون ~~صريحا في الطلاق، ولا كناية، وإنما ذلك إرادة المفارقة، فكان القياس أن ~~الزوج يطلقها إن شاء، غير أن الطلاق لا بد أن يكون مستحقا واجبا، # PageV04P345 # إذ لو لم يكن مستحقا واجبا ما كان للتخير معنى، فإذا تبين أن ذلك طريق ~~خلاصهن، فوجوب الفراق لا محالة يقتضي بتخييره، فإن النكاح صار مستحق الرفع ~~وهذا بين «1» . # قوله تعالى: (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة) ، الآية/ 30. # فيه وجهان، أحدهما: أن تضعيف عذابهن لتضاعف نعم الله تعالى عليهن، ولذلك ~~قال: # (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) ، الآية/ 34. # وهذا لا نقطع به، فإن مصاحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، يجوز أن تكون ~~سببا في تخفيف العقوبة عنهن والتجاوز عن سيئاتهن، فالحق هو الوجه الثاني، ~~وهو عظم ms476 الضرر في جرأتهن بإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت ~~العقوبة على قدر عظم الجريمة في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ~~تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) «2» . # قوله تعالى: (فلا تخضعن بالقول فيطمع) ، الآية/ 32. # يريد تليينا للقول يطمع أهل الريب. # وفيه دليل على أن الأحسن بالمرأة أن لا ترفع صوتها بحيث يسمعها الرجال. # وقوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) ، الآية/ 33. PageV04P346 # قيل لسودة بن زمعة: لم لا تخرجين كما تخرج أخواتك؟ فقالت: # والله لقد حججت واعتمرت، ثم أمرني الله تعالى أن أقر في بيتي، فو الله ما ~~أخرج من بيتي، فما خرجت حتى أخرجوا جنازتها. # قوله تعالى: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) ، الآية/ 33. # أي المشي على تكسر وتغنج وإظهار المحاسن للرجال. # قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم) ، الآية/ 36. # وذلك يدل على أن أوامر الله تعالى ورسوله على الوجوب. # وقال الله تعالى بعد ذلك: (ومن يعص الله ورسوله) ، وذلك يؤكد ما تقدم. # قوله تعالى: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين ~~حرج) ، الآية/ 37. # دلت الآية على أحكام عدة منها: # الإبانة عن علة الحكم في إباحة ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، وأن ذلك ~~قد اقتضى إباحته للمؤمنين، فدل ذلك على إثبات القياس في الأحكام، واعتبار ~~المعاني في إيجابها. # والثاني: أن النبوة من جهة النبي عليه الصلاة والسلام لا تمنع جواز ~~النكاح. # والثالث: أن الأمة مساوية للنبي عليه الصلاة والسلام في الحكم، إلا ما ~~خصه الله تعالى، أخبر أنه أجاز ذلك للنبي ليكون المؤمنون مساوين له فيه: # PageV04P347 # قوله تعالى: (وسبحوه بكرة وأصيلا) ، الآية/ 42: # يعني صلاة الصبح والعصر. # وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن) ، الآية/ 49: # يدل على أن لا طلاق قبل النكاح، فإنه رتب عليه بكلمة ثم. # وقوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) ، ~~الآية/ 50. # فيه دليل ms477 على إباحة الأزواج لرسول الله صلى الله عليه وسلم مطلقا، وتخصيص ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا مهر أو بلفظ الهبة، إلا أن التعري عن ~~المهر أظهر من لفظ الهبة، لأنه فسوق على قوله: (آتيت أجورهن) ، وذلك المهر، ~~ثم قال: (اللاتي هاجرن معك) . # وقوله تعالى: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) ، الآية/ 51. # قال أبو رزين: في هذه الآية المرجئات: ميمونة، وصفية وسودة، وجويرية، وأم ~~حبيبة. # وكانت عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب سواء في القسم. # وكان صلى الله عليه وسلم يسوي بينهن. # وقد قيل: ما أرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة منهن، ولكن وهب ~~نسوة منهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصصهن، فظاهر الآية يقتضي تخيير ~~النبي عليه الصلاة والسلام في إرجاء من شاء منهن وإيواء من شاء منهن، وليس ~~يمتنع أن يختار إيواء الجميع إلا سودة، فإنها رضيت بأن تجعل يومها لعائشة. # PageV04P348 # وقوله تعالى: (ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك) ، الآية/ 51. # يعني إيواء من أرجأ منهن. # وفيه دليل على أن القسم لم يكن واجبا على النبي عليه الصلاة والسلام، ~~وأنه كان مخيرا في القسم لمن شاء منهن وترك من شاء. # قوله تعالى: (لا يحل لك النساء من بعد) ، الآية/ 52. # قال مجاهد، من بعد ما سمى له من مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة. # وقال ناس: له أن يشتري اليهودية والنصرانية، فهو معنى قوله (إلا ما ملكت ~~يمينك) . # ولا شك أن ظاهر الآية يقتضي تحريم سائر النساء على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، سوى من كن عنده حتى حل له النساء، وهذا يوجب نسخ الآية، وليس في ~~القرآن ما يوجب نسخها فهي منسوخة بالسنة.. # ويحتج به على جواز نسخ القرآن بالسنة. # قوله تعالى: (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام) ، الآية/ ~~53: # كان ذلك بعد نزول الحجاب، ودل عليه قوله تعالى: (وإذا سألتموهن متاعا ~~فسئلوهن من وراء حجاب) . # قوله تعالى: (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن) ، الآية/ 55: # فيه بيان ms478 زوال حكم الحجاب في حق ذوي الأرحام، وعنى بما ملكت أيمانهن ~~الإماء. # PageV04P349 # قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن) ، الآية/ 59: # الجلباب: الرداء، فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن، ولم يوجب على الإماء ~~ذلك. # وقوله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض) ، الآية/ 60. ~~فيه دليل على تحريم الإيذاء بالإرجاف. # PageV04P350 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة سبأ # قوله تعالى: (اعملوا آل داود شكرا) ، الآية/ 13. # قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي أهل ~~داود، قيل: وما هن يا رسول الله قال: # العدل في الغضب والرضا، والقصد في الغنا والفقر، وخشية الله في السر ~~والعلانية» «1» . # قوله تعالى: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل) ، الآية/ 13. # يدل على جواز اتخاذ الصور في ذلك، وأنه نسخ في ديننا. PageV04P351 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة فاطر # قوله تعالى: (وتستخرجون حلية تلبسونها) ، الآية/ 12. # فيه دليل على أن من حلف لا يلبس الحلي، حنث بلبس اللؤلؤ. # وقوله تعالى: (وجاءكم النذير) ، الآية/ 37. # يجوز أن يكون هو النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون الدلائل على ~~التوحيد، وصفات الله تعالى وصدق الرسل. # PageV04P353 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة يس # قوله تعالى: (من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) ، ~~الآية/ 78، 79. # فيه دليل على استعمال القياس والاعتبار والتعلق بطريق الأولى، فإن ~~الابتداء أصعب من الإعادة، والإعادة أيسر من الابتداء، والقادر على الأعظم ~~قادر على الأهون الأدون لا محالة. # فاستدل قوم من أصحاب الشافعي بذلك على أن العظام فيها حياة، وقد بينا ضعف ~~ذلك في الفقه، وبينا أن الحياة تطلق بمعنى حياة النمو وذلك حقيقة في العظم ~~والشعر، والأخرى الحس ولا يتحقق ذلك في العظام. # PageV04P355 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الصافات # قوله تعالى: (إني أرى في المنام أني أذبحك) ، الآية/ 102، ظاهره أنه كان ~~مأمورا بذبح الولد، ويجوز أن لا يكون في المأمور به سوى التل للجبين، ولكن ~~ظن إبراهيم عليه السلام أنه يتعقبه الأمر بالذبح فقال: (إني أرى في المنام ms479 ~~أني أذبحك) . # أي ما يدل على أني أذبحك. # ويحتمل أن يكون قد أمر بذبحه حقيقة «1» ، ولكنه لو قدر ذلك، فلا يصح نسخه ~~عند من لا يجوز النسخ، قبل إمكان الأمر، لأن الذبح متى كان حسنا في وقت، ~~فلا يجوز أن يصير في ذلك الوقت قبيحا عندهم، فيصعب عليهم الخروج عند ذلك. # ويحتمل أن يكون قد ذبح ولكنه كان يلتئم ويبرأ، وهذا أبعد الاحتمالات، ~~لأنه لو كان جرى ذلك، لكان قد نبه الله تعالى عليه تعظيما لرتبة إبراهيم ~~وإسماعيل صلوات الله عليهما، وكان أولى بالشأن من هذا، ولو حصل الفراغ من ~~امتثال الأمر الأول ما تحقق الفداء. PageV04P357 # إذا ثبت ذلك، فقد احتج قوم من أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في مصيرهم، إلى ~~من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة عندهم، وقالوا: إن الله تعالى جعل الأمر بذبح ~~الولد، في حالة حرم ذبح الولد سببا لوجوب ذبح شاة، فيجوز أن يكون إيجاب ~~الواحد منا ذبح ولده على نفسه سببا لذبح شاة، ويجعل اللفظ عبارة عن ذبح شاة ~~«1» . # وهذا إغفال منهم، فإنه إن ثبت أن إبراهيم كان مأمورا بذبح الولد، فقد ~~ارتفع الأمر إلى بدل جعل فداء، فكان الأمر متقررا في الأصل، ثم أزيل ونسخ ~~إلى بدل، وفيما نحن فيه لا أمر بذبح الولد، بل هو معصية قطعا، فلم يكن ~~للأمر تعلق بذبح الولد بحال، فإذا لم يتعلق به بحال، فلا يجوز أن يجعل له ~~فداء وخلفا، وقد استقصينا هذا في كتب الفقه وهو مقطوع به. # قوله تعالى: (فساهم فكان من المدحضين) # ، الآية/ 141. # يحتج به من يرى للقرعة أثرا في تعيين المستحق بعد تردد الحق في أعيان لا ~~سبيل إلى نفيه عنها، ولا إثباته في جميعها، فتدعو الحاجة إلى القرعة، وهذا ~~بين. # نعم في مثل واقعة يونس لا تجرى القرعة، لأن إلقاء مسلم في البحر لا يجوز، ~~وفي ذلك الزمان جاز، فرجع الإختلاف إلى نفس الحق. # وأما قولنا الحق تردد في محال وأعيان فلا يجوز إخراجه منها، فذلك شيء ~~ثابت، وهو موضع احتجاجنا. ms480 PageV04P358 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة ص # قوله تعالى: (يسبحن بالعشي والإشراق) ، الآية/ 18. # عن ابن عباس أنه قال: # لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيء حتى قرأت: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن ~~بالعشي والإشراق) . # وعلى صلاة الضحى تأول ابن عباس قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ~~ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال) «1» . # قوله تعالى: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) ، الآية/ 21. # ذكر المحققون الذين يرون تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن الكبائر، أن ~~داود عليه السلام كان قد أقدم على خطبة امرأة كان قد خطبها غيره، ويقال: هي ~~أوريا، فمال القوم إلى تزويجها من داود راغبين فيه «2» ، PageV04P359 # وزاهدين في الخاطب الأول، ولم يكن لذلك عارفا، وقد كان يمكنه أن يعرف ~~فيعدل عن هذه الرغبة وعن الخطبة لها، فلم يفعل ذلك من حيث أعجب بها. إما ~~وصفا أو مشاهدة على غير تعمد، وقد كان لداود من النساء العدد الكثير، وذلك ~~الخاطب لا امرأة له، فنبهه الله تعالى على ما فعل، بما كان من تسور ~~الملكين، وما أورداه من التمثيل على وجه التعريض، لكي يفهم من ذلك موضع ~~العتب، فيعدل عن هذه الطريقة، ويستغفر ربه من هذه الصغيرة. # ومتى قيل: فكيف يجوز أن يقول الملكان خصمان بغى بعضنا على بعض، وهو كذب، ~~والملائكة لا تكذب وهي منزهة عن ذلك؟ # فالجواب عنه: أنه لا بد في الكلام من مقدمة، فكأنهما قالا: قدرنا كأنا ~~خصمان بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا بالحق، وعلى هذا يحمل قولهما: إن هذا ~~أخي له تسع وتسعون نعجة، لأن ذلك وإن كان بصورة الخبر، فالمراد به إيراده ~~على سبيل التقدير لينبه داود على ما فعل. # والقول في هذا مستقصى في تبرئة الأنبياء صلوات الله عليهم «1» . # قوله تعالى: (وخر راكعا وأناب) ، الآية/ 24: # لا يرى فيه الشافعي سجدة لها، لأنه لا يرى التعلق بشريعة من قبلنا، ~~ولأنها توبة، فليس فيه دلالة على الأمر بالسجود لنا، وإنما يعلم السجود عند ~~ذلك توقيفا. # قوله تعالى: (يا داود إنا جعلناك ms481 خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ~~ولا تتبع الهوى) ، الآية/ 26. PageV04P360 # فيه بيان وجوب الحكم بالحق، وأن لا يميل إلى أحد الخصمين، لقرابة أو ~~لجاهه، أو سبب يقتضى الميل. # وقوله تعالى: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) ، الآية/ 44. # فروى عن ابن عباس أن امرأة أيوب قال لها إبليس: # إذا داويته وشفيته تقولين لي: أنت داويته، فأخبرت بذلك أيوب، فغضب وقال: ~~ذلك الشيطان، وحلف أنه إن شفاني الله تعالى لأضربنك مائة سوط، فأخذ شماريخ ~~فيها قدر مائة، فضربها ضربة واحدة «1» . # وذلك خلاف قياس الأصول، والضغث هو ملء الكف من الخشب والعود والشماريخ، ~~ونحو ذلك. فأخبر الله تعالى أنه إذا فعل ذلك، فقد بر في يمينه، لقوله ~~تعالى: (ولا تحنث) . وهو قول الشافعي ومذهب أبي حنيفة ومحمد وزفر.. وقال ~~مالك: لا يبر. ورأى أن ذلك مختصا بأيوب، وقال لا يحنث. # وإذا قال افعل ذلك، ولا تحنث، علم أنه جعله بارا إذ لا واسطة. # وفي الآية دليل على أن للزوج أن يضرب زوجته، وأن للرجل أن يحلف ولا ~~يستثني، فهذا تمام القول في المعنى. PageV04P361 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة حم السجدة # قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن) ، الآية/ 34. # كان ذلك قبل فرض القتال. # قوله تعالى: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا) ، الآية/ 44. # فيه دليل على أن القرآن بلغة العرب، وأنه ليس أعجميا ... وإذا نقل عن ~~اللسان العربي إلى غيره لم يكن قرآنا. # PageV04P363 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة حم عسق # قوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها) ، الآية/ 20، هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «من كانت ~~هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا ~~يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» «1» . # فيه دليل على أن من حج عن غيره، لا يقع الحج عن الحاج، ومن توضأ للتبرد ~~والتنظيف لا يكون متوضئا للصلاة، ولا يصح وضوءه عن جهة القربة شرعا. # قوله تعالى: (قل لا أسئلكم عليه أجرا ms482 إلا المودة في القربى) ، الآية/ 23. # قال قائلون في معناه: محبة الأقارب. # وقال قائلون: معناه إلا المودة في القربى إلى الله تعالى، أي التقرب إلى ~~الله عز وجل، والمودة بالعمل الصالح، ويدل عليه ما بعده: (ومن يقترف حسنة ~~نزد له فيها حسنا) . PageV04P365 # وقد قيل في معناه: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوه مع القرابة التي ~~بينكم وبينه «1» ، وخاطب بذلك قريشا، لأن كل قريش كانت بينها وبين رسول ~~الله عليه السلام رحم ماسة وقرابة. # قوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) ، الآية/ 39. # قال إبراهيم النخعي في معنى الآية: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ ~~عليهم الفساق. # وقال السدي: هم ينتصرون ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا. # وقد ندبنا الله تعالى في مواضع من كتابه إلى العفو عن حقوقنا قبل الناس، ~~فمنها قوله تعالى: (وأن تعفوا أقرب للتقوى) «2» . # وقوله في شأن القصاص: (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) «3» ~~. وأحكام هذه الآي غير منسوخة. # قوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) : # يدل ظاهره على أن الإنتصار في هذه المواضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ~~ذكر الاستجابة لله تعالى، وإقام الصلاة، وهو محمول على ما ذكره إبراهيم ~~النخعي، أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق، ~~وهذا فيمن تعدى وأصر على ذلك. # والموضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما. PageV04P366 # وقد قال عقيب هذه الآية: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) ~~، الآية/ 41. # يقتضي ذلك إباحة الانتصار لا الأمر به، # وقد عقبه بقوله تعالى: # (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) ، الآية 43: # وذلك محمول على الغفران عن غير المصر، فأما المصر على البغي والظلم ~~فالأفضل الإنتصار منه بدلالة ما قبله. # PageV04P367 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الزخرف # قوله تعالى: (أومن ينشؤا في الحلية) ، الآية/ 18، فيه دليل على إباحة ~~الحلي للنساء والإجماع منعقد عليه، والأخبار في ذلك لا تحصى «1» . # قوله تعالى: (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون- ~~إلى قوله- أولو جئتكم ms483 بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم) ، الآية/ 22 و 24: # فيه دلالة على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم، وتركهم النظر ~~فيما دعاهم الرسول عليه الصلاة والسلام إليه. # قوله تعالى: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) الآية/ 86: # يدل على معنيين: # أحدهما: أن الشهادة بالحق غير نافعة إلا مع العلم، فإن التقليد لا يغني ~~مع عدم العلم بصحة المقالة. # والثاني: أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها، أن يكون الشاهد عالما ~~بها، ونحوه ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: # «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع» «2» . PageV04P369 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الجاثية # قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) ، الآية/ ~~14. # قال: نسخها قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) «1» . ### | ومن سورة الأحقاف: # قوله تعالى: (ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم) «2» : # فيه بيان مسالك الأدلة بأسرها: # فأولها: المعقول، وهو قوله تعالى: (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ~~ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات) «3» . # وهو احتجاج بدليل العقل أن الجماد لا يجوز أن يدعى من دون الله، وأنه لا ~~يضر ولا ينفع، ثم قال: (ائتوني بكتاب من قبل هذا) . # فيه بيان أدلة السمع. # أو أثارة من علم. PageV04P371 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة محمد # قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب- إلى قوله- فإما منا ~~بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها) الآية/ 4. # فيه بيان كيفية الجهاد، وما يجب التمسك به في محاربتهم، فبين أولا ما يجب ~~عند لقاء الكفار، والمنعة قائمة، وهو ضرب الرقاب، لأن عند ذلك تجب هذه ~~الطريقة، ثم بين الحكم إذا نحن أثخناهم وبننا امتناعهم «1» ، فأمر أن نشدهم ~~في الوثاق فإما أن نمن أو نفادى، وهذا لأنه تعالى كان قد حرم الأسر بقوله: ~~(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) «2» : # فأباح بهذه الآية أسرهم إذا أثخناهم بالجراح وغيره، وبين أن أمرهم إلى ~~الإمام، فإن شاء من عليهم بإطلاق من غير فداء، وإن شاء فادى، ms484 وإن شاء قتل، ~~على ما يراد الأصلح للإسلام والمسلمين. # ودل بقوله: (حتى تضع الحرب أوزارها) : أن ذلك غاية فيما PageV04P373 # تقدم ذكره، ولا يجوز أن يكون غاية في حكم الأسرى، فإذا يجب أن يكون غاية ~~في حكم، ما كان يجب أن يكون غاية في المقاتلة، فكأنه بين أن أثقال الحرب من ~~قبلهم إذا زالت، فللمؤمنين مفارقة السلاح، ويدعوا الحرب إلى حال أخرى. # قال الحسن: في الآية تقديم وتأخير، فكأنه قال: فضرب الرقاب حتى تضع الحرب ~~أوزارها، ثم قال: حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق. # وزعموا أنه ليس للإمام إذا حصل الأسير في يده أن يقتله بل هو بالخيار في ~~ثلاثة مراتب: إما أن يمن أو يفادى أو يسترق. # وقال السدي فيما رواه إسماعيل بن إسحاق: إن ذلك منسوخ بقوله تعالى: ~~(فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) «1» . # وقال قتادة مثله، وجعل ناسخه قوله تعالى: (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد ~~بهم من خلفهم) «2» . # وقال إسماعيل بن إسحاق: المن والفداء حقه في الأسير إذا تمكن منه «3» ، ~~ولا يمنع ذلك من القتل الذي سنه الله تعالى في الكفار، فكأن الله تعالى حرم ~~المن والفداء قبل التمكن، وأذن فيهما بعد التمكن، والقتل في الحالتين من ~~حيث الكفر سائغ. # وروى في قوله تعالى: (حتى تضع الحرب أوزارها) أقوال: # روي عن الحسن: حتى يعبد الله ولا يشرك به، وعن مجاهد: حتى لا يكون دين ~~إلا الإسلام. PageV04P374 # وعن سعيد بن جبير ومجاهد في رواية أخرى: # حتى يخرج عيسى بن مريم فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من ~~الذئب. # قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) ، الآية/ ~~33. # احتج به قوم في أن التحلل من التطوع، صلاة كان أو صوما بعد التلبس به لا ~~يجوز، لأن فيه إبطال العمل، وقد نهى الله تعالى عنه. # والجواب عنه: أن المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض، وذلك العمل ~~المفروض ينهى الرجل عن إحباط ثوابه، فأما ما كان فعلا فلا، فإنه ليس واجبا ~~عليه. # فإن زعموا أن اللفظ عام. # قلنا: العام يجوز تخصيصه ووجه ms485 تخصيصه أن الفعل تطوع والتطور يقتضي تخيرا، ~~وهذا مستقصى في كتب الفقه «1» . # قوله تعالى: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون) الآية/ 35. # فيه دليل على منع مهادنة الكفار إلا عند الضرورة، وتحريم ترك الجهاد إلا ~~عند العجز عن مقابلتهم، لضعف يكون بالمسلمين والعياذ بالله. # وهذا إتمام ما أردناه في هذه السورة. PageV04P375 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الفتح # قوله تعالى: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) ، ~~الآية/ 16. # المراد به: فارس والروم «1» . # وقيل: المراد به بني حنيفة. # وفيه دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، لأن أبا بكر ~~دعاهم إلى قتال فارس والروم، ولزمهم بذلك إتباع طاعة من يدعوهم إليه. # قوله تعالى: (تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن ~~تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) ، الآية/ 16. # أوعدهم على التخلف عن دعاء من دعاهم إلى قتال هؤلاء، فدل ذلك على صحة ~~إمامتهما، إذ كان المتولى عن طاعتهما مستحقا للعذاب، ولا يجوز أن يكون ~~الداعي لهم هوازن وثقيف يوم حنين، لأنه يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول ~~عليه الصلاة والسلام، لأنه قال: # (فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) «2» PageV04P377 # فدل أن المراد بالدعاء غير الرسول عليه الصلاة والسلام. # ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي عليه الصلاة والسلام إلا أبو ~~بكر وعمر رضي الله عنهما. # قوله تعالى: (والهدي معكوفا أن يبلغ محله) ، الآية/ 25. # ولو كان بلغ الحرم وذبح فيه لم يكن ممنوعا عن بلوغ الحرم، ثم لما وقع ~~الصلح زال المنع، فبلغ محله في الحرم، وذلك أنه إذا حصل المنع في أدنى وقت، ~~فجائز أن يقال قد منع كما قال تعالى: (يا أبانا منع منا الكيل) «1» . # وإنما منع في وقت وأطلق في وقت آخر.. فالأول احتجاج أصحاب الشافعي، ~~والثاني تأويل أصحاب أبي حنيفة، والأول أظهر، فإنه لو ذبح في الحرم لم يطلق ~~على الشيء الواحد أنه منع عن بلوغه محله، وقد وصل محله، وليس كما احتجوا به ~~في الآية، ms486 فإن الكيل منع في وقت وقيل: # (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم) «2» مطلقا، وإن أحضرتموه فلكم الكيل، ~~وهاهنا بخلافه، فإن الهدي بعد الصلح إن بلغ محله لم يجز أن يقال إنه بعينه ~~منع عن محله، وهذا ظاهر بين «3» . # وأصحاب أبي حنيفة يحتجون بقوله: (يبلغ محله) ، وذلك يدل على أن المحل هو ~~الحرم.. وقال: (ولا تحلقوا رؤسكم حتى PageV04P378 # يبلغ الهدي محله) «1» وهو الحرم. # قوله تعالى: (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) ، الآية/ ~~25. # فيه دلالة على ما قاله الشافعي ومالك، إنه لا يحرق سفينة الكفار إذا كان ~~فيها أسارى المسلمين، ولو تزيل المؤمنون لعذب الكفار.. وكذلك في إحراق ~~الحصون إذا كان فيها أسارى المسلمين «2» . # وأبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري جوزوا رمي حصون الكافرين، وإن ~~اشتملت على الأسارى والأطفال من المسلمين، وزادوا فقالوا: # لو تترس الكفار بأطفال المسلمين رمى المشركون، وإن أصابوا أحدا من ~~المسلمين في ذلك فلا دية ولا كفارة.. «3» وقال الثوري: فيه الكفارة ولا دية ~~فيه. # نعم، لا يمنع نصب المجانق على الحصون مع اشتمالها على أطفال المشركين مع ~~أنه لا عصمة للأطفال تحقيقا للحكم بكفرهم، ولأطفال المسلمين عصمة وحرمة. # ويحتج الشافعي أيضا بقوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) ، ~~الآية/ 25، وفيه دلالة على منع رمي الكفار لأجل PageV04P379 # من فيهم من المسلمين «1» ، وتمام الاحتجاج بقوله تعالى: (لم تعلموهم أن ~~تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم) ، الآية/ 25. فلولا الحظر ما أصابتهم ~~معرة من قتلهم بإصابتهم إياهم. PageV04P380 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الحجرات # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) ، ~~الآية/ 1: # قيل: إنها نزلت في قوم ذبحوا قبل النبي، فأمرهم أن يعيدوا الذبح. # وعموم الآية النهي عن التعجيل في الأمر والنهي دونه «1» . # ويحتج بهذه الآية في اتباع الشرع في كل ورد وصدر. # وربما احتج به نفاة القياس، وهو باطل منهم، فإن ما قامت دلالته فليس في ~~فعله تقدم بين يديه.. وقد قامت دلالة الكتاب والسنة على وجوب القول بالقياس ~~في فروع الشرع، فليس ms487 إذا تقدم بين يديه. # قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة) ، ~~الآية/ 6: # فيه دليل على أن خبر الفاسق لا يعمل به. # قيل: وقد استثنى الإجماع من جملة ذلك ما لا يتعلق بالدعوى والجحود، ~~وإثبات حق مقصود على الغير، مثل قوله: هذا عبدي، فإنه PageV04P381 # يقبل قوله.. وكذلك قوله: وقد أنفذ فلان هذا إليك هدية، فإنه يقبل ذلك.. ~~كذلك يقبل خبر الكافر في مثله. # قوله تعالى: (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله) ، الآية/ 9. # فيه دلالة على جواز قتال البغاة، وأن ذلك من قبيل الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، ومنه أخذ علي رضي الله عنه قتال الفئة الباغية بالسيف، وكان معه ~~كبار الصحابة: # وقال صلى الله عليه وسلم لعمار: «ستقتلك الفئة الباغية» «1» . # والذي ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «ستكون فتنة القائم فيها خير من الماشي والقاعد خير من القائم» . # وإنما أراد به الفئة التي يقتل الناس فيها من جهة الدنيا والعصبية ~~والحمية، من غير إمام تجب طاعته. # قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) ، الآية/ 10. # يعني أنهم إخوة في الدين. # وقوله: (فأصلحوا) : يدل على وجوب الإصلاح عند التنازع بين المسلمين. # قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم) ، الآية/ 11. # نهى الله تعالى بهذه الآية عن عيب من لا يستحق أن يعاب تحقيرا له، لأن ~~ذلك هو معنى السخرية به، فأخبر أنه وإن كان أرفع حالا منه في الدنيا، فعسى ~~أن يكون المسخور منه خيرا في الآخرة، وخيرا عند الله تعالى. PageV04P382 # وقوله تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم) ، الآية/ 11. # قال أبو بكر رحمه الله: هو كقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) «1» أي لا ~~يقتل بعضكم بعضا ولا يلمز بعضكم بعضا لأن المؤمنين كنفس واحدة فكأنه بقتله ~~أخيه قاتل نفسه، وكقوله: (فسلموا على أنفسكم) «2» أي يسلم بعضكم على بعض. # واللمز: العيب، يقال لمزه إذا عابه، ومنه قوله: (ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات) «3» . # فأما من كان معنيا بالفجور فتعينه بما فيه ms488 جائز، قال الحسن في الحجاج: ~~اللهم إنك أنت أمته فاقطع عنا سنته، وفي رواية شينه، فإنه أتانا أخفش أعيمش ~~يمد بيد قصيرة البنان، والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله تعالى، برجل ~~جمثه، ويخطر في مشيته، ويصعد المنبر فيهذر حتى تفوت الصلاة، لا من الله ~~يتقى، ولا من الناس يستحي، فرقه الله تعالى وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا ~~يقول له قائل: الصلاة أيها الرجل.. ثم قال الحسن: هيهات والله، حال دون ذلك ~~السوط والسيف. # قوله تعالى: (ولا تنابزوا بالألقاب) ، الآية/ 11. # ذكر عن الحسن أنه كان أبو ذر عند النبي عليه الصلاة والسلام، وكان بينه ~~وبين رجل منازعة، فقال له أبو ذر: «يا ابن اليهودية، فقال له النبي عليه ~~الصلاة والسلام: أما ترى هاهنا بين أحمر وأسود ما أنت PageV04P383 # أفضل منه إلا بالتقوى» «1» ، قال فنزلت هذه الآية: (ولا تنابزوا ~~بالألقاب) «2» . # قال قتادة: ذلك لأن لا تقول لأخيك المسلم يا فاسق يا منافق. # والنهي يختص بما يكرهه الإنسان، فأما الأوصاف الجارية غير هذا المجرى ~~فغير مكروهة، وقد سمى النبي عليه الصلاة والسلام عليا أبا تراب «3» وقال ~~لأنس: يا أبا الأذنين، وغير النبي عليه الصلاة والسلام أسماء قوم فسمى ~~العاص عبد الله، وسمى شهابا هشاما، وسمى حزنا سهلا. # قوله تعالى: (اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم) ، الآية/ 12. # يدل على أنه لم ينه عن جميعه. # ففي الظنون ما هو محظور، مثل سوء الظن بالله تعالى، وسوء الظن بالمسلمين ~~الذين ظاهرهم العدالة. # وكل ظن استند العلم به إلى دليل يقيني، فالعمل به واجب، كالشهادات ~~وقبولها وقيم المتلفات والأقيسة. # وقد يكون الظن مباحا، كقول أبي بكر لعائشة رضي الله عنها: ألقى في روعي ~~أن ذا بطن خارجة جارية، فاستجاز هذا الظن لما وقع في قلبه. # وأما الظن المندوب إليه، فهو حسن الظن بالأخ المسلم. # ويجوز أن لا يظن الخير ولا الشر. PageV04P384 # قوله تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضا) ، الآية/ 12. # روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال: هي ms489 ذكرك ~~أخاك بما يكره. قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: إن كان فيه ما ~~تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته «1» . # وروى أبو هريرة أن الأسلمي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد ~~على نفسه بالزنا، فرجمه رسول الله، فسمع صلى الله عليه وسلم رجلين من ~~أصحابه يقول أحدهما للآخر: أنظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يدع نفسه ~~حتى رجم رجم الكلاب، فسكت عنهما ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شار «2» ~~شائل برجله فقال: أين فلان وفلان؟ فقالا: # نحن ذا يا رسول الله، فقال: انزلا وكلا من جيفة هذا الحمار. فقالا: # يا رسول الله، من يأكل من هذا؟ فقال: ما نلتما من عرض أخيكما أشد من ~~الأكل منه والذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها «3» . ~~PageV04P385 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة ق # قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) ، الآية/ 39. # اختلف في معناها، فقال قائلون: عنى به صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ~~وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ~~ثم قرأ: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) «1» . # وقال ابن عباس وقتادة: المراد به صلاة العصر. # قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه وأدبار السجود) ، الآية/ 40. # قال مجاهد: هي صلاة الليل، ويجوز أن يراد به صلاة المغرب والعتمة. # وأدبار السجود على قول أكثر المفسرين: ركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم ~~ركعتان قبل الفجر. # وعن ابن عباس مثله. # وعن مجاهد عن ابن عباس: وأدبار السجود: إذا وضعت جبهتك على الأرض فسبح ~~ثلاثا «2» . PageV04P387 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الذاريات # قوله تعالى: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) ، الآية/ 17. # ورد في صلاة الليل، وأنهم كانوا لا يزورون. # قوله تعالى: (وبالأسحار هم يستغفرون) ، الآية/ 18. # قال: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار. # قوله تعالى: (وفي أموالهم حق للسائل ms490 والمحروم) ، الآية/ 19. # هو الزكاة، إذ لا فرض في المال سواها، ووراء ذلك ربما وجبت حقوق مثل ~~النفقات وضروب المواساة: # قوله تعالى: (للسائل والمحروم) : # الذي يطلب فلا يرزق، ويكون مجازفا. # PageV04P389 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الطور # قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك حين تقوم) ، الآية/ 48: # قال ابن مسعود: حين تقوم من كل مكان تقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله ~~إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك» . # وهذا فيه بعد، فإن قوله حين تقوم، لا يدل على التسبيح بعد التكبير، فإن ~~التكبير هو الذي يكون بعد القيام، والتسبيح يكون وراء ذلك، فدل أن المراد ~~به حين تقوم من كل مكان فتقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، ~~استغفرك وأتوب إليك» . # PageV04P391 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة النجم # قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) ، الآية/ 3 و 4: # يحتج به من لا يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الحوادث. # قوله: (إلا اللمم) ، الآية/ 32: # يجوز أن يراد به الصغائر المغفورة عند اجتناب الكبائر. # وقيل: هو أن يصيب الذنب ثم يتوب. # وقيل: اللمم مقارفة الشيء، من غير أن يدخل فيه. # قوله تعالى: (ألا تزر وازرة وزر أخرى) ، الآية/ 38، كقوله: (ومن يكسب ~~إثما فإنما يكسبه على نفسه) # «1» ، وقوله: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) «2» ، وقوله: (وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى) ، الآية/ 39. PageV04P393 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة القمر # قوله تعالى: (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر) ، الآية/ 28. # يدل على جواز المهايأة «1» على الماء. PageV04P395 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الرحمن # قوله تعالى: (فيهما فاكهة ونخل ورمان) ، الآية/ 68. # يحتج به من يخرج الرمان والنخل من مطلق اسم الفاكهة، لأن الشيء لا يعطف ~~على نفسه، وإنما يعطف على غيره، هذا ظاهر الكلام. # والشافعي يقول: هو كقوله تعالى: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال) «1» . PageV04P397 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الواقعة # قوله تعالى: (إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون) ، ~~الآية/ 77- 79. # يدل على منع مس المصحف من غير وضوء «1» . PageV04P399 # (بسم ms491 الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الحديد # قوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) ، الآية/ 10. # عنى به فتح الحديبية، ودل به على أن فضيلة العمل على قدر رجوع منفعته إلى ~~الإسلام والمسلمين، أو لكثرة المحنة به لقلة المسلمين وكثرة الكفار، وهو ~~مثل قوله تعالى: (الذين اتبعوه في ساعة العسرة) «1» . PageV04P401 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة المجادلة # قوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) ، الآية/ 1. # وهي مفتتحة بذكر الظهار، وكان طلاقا جاهليا، فجعله الشرع على حكم آخر. # وروى أصحاب الأخبار: جاءت خولة بنت ثعلبة إلى النبي وزوجها أوس بن الصامت ~~فقالت: # إن زوجها جعلها عليه كظهر أمه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: # ما أراك إلا حرمت عليه، وهو حينئذ يغسل رأسه فقالت: أنظر جعلني الله فداك ~~يا رسول الله، فقال: ما أراك إلا حرمت عليه، فكرر ذلك مرارا، فأنزل الله ~~تعالى: # (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) «1» . # وقوله عليه الصلاة والسلام: «حرمت عليه» ، ظاهره يعني به تحريم الطلاق، ~~وإلا فحكم الظهار بينه الله تعالى من بعد، وهذا يحتج به من يجوز ~~PageV04P403 # رفع الحكم بعد ثبوته في الشيء الواحد في الوقت الواحد، فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال لها: «حرمت عليه» ، ثم حكم فيها بعينها بالظهار بعد ~~حكمه بالطلاق، وذلك القول بعينه في شخص واحد بعينه، والنسخ عند من يخالف ~~هؤلاء، يوجب الحكم في المستقبل بخلاف الأول في الماضي. # وغاية جواب المخالف، أن من الممكن أن الله تعالى وعد رسوله بذلك، فلم ~~يحكم بالطلاق جزما، وإنما ذكره معلقا. # قوله تعالى: (وإنهم ليقولون منكرا من القول) ، الآية/ 2. # يدل على أن ذلك منكرا لأنه كذب. # قوله تعالى: (ثم يعودون لما قالوا) ، الآية/ 3. # اعتبر العود، وقد اختلف الناس فيه، وأبو حنيفة، يقول: هو استباحة الوطء، ~~فعليه الكفارة قبل الاستباحة، ومعنى الاستباحة العزم على الوطء «1» . # والشافعي يقول: هو أن يمسكها بعد الظهار مدة يمكنه أن يطلقها فيه فلا ~~تطلق. # ورأى الشافعي أن ذلك أشبه بالعود، لأنه إذا رآها، ms492 كالأم فلم يمسكها، فإن ~~الأم لا تمسك بالنكاح، وأما العزم على الفعل، فهو عزم على محرم، فلا أثر له ~~قبل مواقعة المحرم «2» . PageV04P404 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الحشر # قوله تعالى: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم) ، ~~الآية/ 2. # وعنى به جلاء بني النضير من اليهود، فمنهم من خرج إلى خيبر، ومنهم من خرج ~~إلى الشام. # ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير سبي لا تجوز الآن، وإنما ~~جاز في أول الإسلام ثم نسخ، والآن فلا بد من قتالهم أو سبيهم أو ضرب الجزية ~~عليهم «1» . # قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها) ، الآية/ ~~5. # قال مجاهد: كل نخلة لينة. # وقيل: اللينة كرام النخيل. # وقيل: إنه نهى بعض المهاجرين عن القطع، وقال: إنما هي مغانم للمسلمين، ~~فنزل القرآن بتصديق من نهى وتحليل من قطعها عن الإثم، PageV04P405 # وهو يدل على أن كل مجتهد مصيب، وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود ~~الرسول عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم. # ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ذلك فسكت، فيؤخذ الحكم من ~~تقريره فقط، ويجوز لنا إحراق زرعهم إذا لم يمكنا نقله، والمواشي تذبح وتحرق ~~على هذا الوجه «1» . # قوله تعالى: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ~~ركاب) ، الآية/ 6. # كانت لرسول الله عليه الصلاة والسلام خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة، ~~وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله، ولم يكن لأحد فيه حق ~~إلا لمن جعله النبي عليه الصلاة والسلام. # ولما ذكر ما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، ذكر ما أوجف عليه ~~المسلمون «2» . # فقال تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول) ، ~~الآية/ 7. # وذلك يمنع تنزيها للغانمين، ثم نسخ ذلك بقوله: (واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء) «3» . # ولما فتح عمر العراق، سأل قوم من الصحابة قسمتها بينهم، فقال: # إن قسمتها بينهم بقي آخر الناس لا شيء لهم، واحتج عليهم بهذه الآية ~~PageV04P406 # إلى قوله: ms493 (والذين جاؤ من بعدهم) «1» ، الآية/ 10، وشاور عليا في ذلك، ~~فأشار عليه بترك القسمة، وأن يقر أهلها عليها، وأن يضع الخراج عليها، ففعل، ~~فقال أصحاب أبي حنيفة: فالآية غير منسوخة إذا، فإنها غير مضمومة إلى آية ~~الغنيمة في الأراضي المفتتحة، فإن رأى قسمتها أصلح وأعود على المسلمين فعل، ~~ثم قال: وتقدير الآيتين: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه في ~~الأموال سوى الأرضين، وفي الأرضين إذا اختار الإمام ذلك. # والذي ذكروه بعيد جدا، فإن قوله: (والذين جاؤ من بعدهم) ، ليس لهم حقا في ~~الغنيمة، وأن غير من شهد الوقعة يستحق، والعجب أن الذين هم في الحياة لا ~~يستحقون إذا لم يشهدوا الوقعة، فكيف يستحق من جاء بعدهم، فدل أن معنى الآية ~~ظاهرها وهو قوله: (والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان) ، الآية/ 10، وهو ندب الآخرين إلى الثناء على ~~الأولين، فدل أن الحق ما قاله الشافعي، إن ما كان غنموه من الأراضي وغيرها ~~فخمسها لأهله وأربعة أخماسها للغانمين، فمن طابت نفسه عن حقه فللإمام أن ~~يجعلها وقفا عليهم، ومن لم تطب نفسه فهو أحق بما له، وعمر رضي الله عنه ~~استطاب نفوس الغانمين واشتراها منهم «2» . # قوله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم PageV04P407 # خصاصة) . الآية/ 9 «1» . # والخصاصة الحاجة، فأثنى الله تعالى عليهم بإيثارهم المهاجرين على أنفسهم ~~فيما ينفقون عليهم، وإن كانوا هم محتاجين إليه، ووردت أخبار صحيحة في النهي ~~عن التصدق بجميع ما يملكه الإنسان، ولكن إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه ~~بالصبر على الفقر، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه، ألا ترى أنه ~~قال: يأتيني أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به ثم يقعد يتكفف وجوه الناس، ~~فإنما كره الإيثار لمن كانت هذه صفته، فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم ~~فلم يكونوا على هذه الصفة، بل كانوا كما قال تعالى: (والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس) «2» . # فكان الإيثار منهم أفضل من الإمساك، والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض للمسألة ~~أولى من الإيثار. ms494 PageV04P408 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الممتحنة # قوله تعالى: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) ، الآية/ 1. # فيه دلالة على أن خوف الجائحة على المال والولد لا يبيح التقية في دين ~~الله تعالى، وأن العذر الذي أبرزه حاطب بن أبي بلتعه لا أثر له «1» . # ويحتمل أن يقال إن ذلك لم يكن إكراما، وإنما كان توددا إليهم، لما كان ~~يأمل من نفع من جهتهم. # قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين) ، الآية/ 8. # فيه دليل على جواز التصدق على أهل الذمة دون أهل الحرب، ووجوب النفقة ~~للأب الكافر الذمي، وأما الحربي فيجب قتله. # قوله تعالى: (إذا جاءكم المؤمنات) ، الآية/ 10. # كان الشرط في صلح الحديبية أن يرد على المشركين من هاجر إلى المدينة، ممن ~~كان مسلما «2» ، ونزلت سورة الممتحنة عن الصلح فكان من PageV04P409 # أسلم من نسائهن تسأل: ما أخرجك؟ فإن كانت خرجت هربا من زوجها ردت عليه، ~~وإن كانت خرجت رغبة في الإسلام أمسكت وردت على زوجها ما أنفق عليها. # وقوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) ، الآية/ 10، ~~أو بظاهر قولها. # وفيه دليل على ارتفاع النكاح، فإنه تعالى منع ردها إلى زوجها، وأوجب ~~عليها رد ما أنفق عليها. # وفيه تنبيه على أن المنع من الرد لمكان الإسلام، فإنه تعالى قال: # (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) ، فلم يجعل الفرقة لاختلاف ~~الدارين على ما قاله أبو حنيفة، وإنما جعل للإسلام. # قوله تعالى: (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) ، الآية/ 12. # قال ابن عباس: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم. # قوله تعالى: (ولا يعصينك في معروف) ، الآية/ 12. # هو عموم في جميع طاعات الله تعالى، وقد علم الله تعالى أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام لا يأمر إلا بمعروف، إلا أنه شرط في النهي عن عصيانه إذا ~~أمرهن بالمعروف، لئلا يترخص أحد في طاعة السلاطين إذا لم تكن طاعة لله ~~تعالى، إذ شرط في طاعة خير العالمين أن يأمر بالمعروف، وهو معنى قوله عليه ~~الصلاة والسلام: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # PageV04P410 # وكذلك لا ms495 يجب طاعة أئمة العلم فيما يتعلق بالأغراض المتأولة، ولا يسوغ ~~لمسلم اتباعهم. # وقال عليه الصلاة والسلام: «من اتبع مخلوقا في معصية الخالق سلط الله ~~عليه ذلك المخلوق» . وفي لفظ آخر: «عاد حامده من الناس ذاما» «1» . ~~PageV04P411 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الصف # قوله تعالى: (لم تقولون ما لا تفعلون) ، الآية/ 2. # يحتج به في وجوب الوفاء بالنذر، في نذر اللجاج، على أحد قولي الشافعي. # PageV04P413 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الجمعة # قوله تعالى: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) ، الآية/ 9: # وليس في الآية تعيين الصلاة، إلا أن الاتفاق منعقد على أن المراد به ~~الجمعة، والمراد بالنداء الأذان. # قال تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله) ، الآية/ 9. # قرأ عمرو بن مسعود: فامضوا، قال عبد الله: لو قرأت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ~~ردائي. # ويجوز أن يكون ذلك تفسيرا كما قال: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) «1» . # وقيل: السعى بمعنى العمل، كما قيل: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) «2» . # قوله تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله) ، الآية/ 9: يحتمل أن يريد به الصلاة، ~~ويحتمل الخطبة، وهو عموم فيهما، وإنما ثبت وجوبهما بدليل آخر غير هذا ~~اللفظ. PageV04P415 # نعم في هذا اللفظ دليل على أن هناك ذكر يجب السعي إليه، فأما عين الذكر ~~فلا دليل عليه. # قال مالك، قوله: (وذروا البيع) : يدل على فساد البيع، ورآه أخص من ~~العمومات الواردة في البيع، ورأى أن البيع لما حرم دل على فساده، وهذا مما ~~بينا فساده في أصول الفقه. # قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) ، ~~الآية 10. # بالتصرف في التجارة وغيرها، فهو إباحة. # قوله تعالى: (وتركوك قائما) ، الآية/ 11: يدل على أن الإمام يخطب قائما، ~~فإنهم كانوا انفضوا من الخطبة «1» . PageV04P416 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة المنافقون # قوله تعالى: (قالوا نشهد إنك لرسول الله- إلى قوله- اتخذوا أيمانهم جنة) ~~، الآية/ 1، 2. # فمنه قال الشافعي: إذا قال أشهد بالله ونوى به اليمين كان يمينا. # وأبو حنيفة يجعلها دون الله يمينا، لأن الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم ~~يقولون نشهد إنك لرسول الله ولم يقولوا: نشهد بالله، ms496 وقال تعالى: # (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) «1» . # والشافعي يقول: أشهد، ينبئ عن مبالغة ما، ولكن إذا لم يقرنه بذكر الله لم ~~يدل على معنى اليمين، فإن خاصية اليمين في ذكر اسم الله تعالى، أو صفة من ~~صفاته «2» . # قوله تعالى: (وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت) ، ~~الآية/ 10. # فيه دلالة على أنه يجب تعجيل الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلا. PageV04P417 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الطلاق # قوله تعالى: (فطلقوهن لعدتهن) ، الآية/ 1. # شرحنا معناه في سورة البقرة. # وزمان الطلاق المشروع المعلوم من هذه الآية زمان الطهر لا غير، لا جرم ~~قال الشعبي: يجوز أن يطلقها في طهر مسها فيه. # وقوله تعالى: (لعدتهن) . # يدل على أن الطهر إن جعل وقت الطلاق، فالثاني والأول والثالث سواء، وأن ~~اللفظ عموم فيه. # وقد ظن قوم أنه لما قال: (لعدتهن) ، فينبغي أن ينتظم الكلام على العدة. # وهذا باطل، فإن فعل الطلاق من الزوج، إنما يتصور في سماعه، وإنما الشامل ~~الحاوي وقت العدة والعدة وقت الطلاق. # قوله تعالى: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن) ، الآية/ 1. # فيه دليل على وجوب السكنى لها ما دامت في العدة، فإن بيوتهن التي نهى ~~الله تعالى عن إخراجهن منها، هي البيوت التي كانت تسكنها قبل # PageV04P419 # الطلاق، فأمره بإقرارها في بيتها، ونسبه إليها بالسكنى كما قال: (وقرن في ~~بيوتكن) «1» . # قوله تعالى: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) ، الآية/ 1. # فالفاحشة تحتمل البذاء، وتحتمل الزنا وتحتمل النشوز «2» . # قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) ، الآية/ 2. # يدل على الإشهاد، إلا أن الإشهاد لا يظهر انصرافه إلى الطلاق الذي يستحق ~~الزوج به أبدا من غير حاجة إلى فترة، والرجعة هي التي إذا تأخرت إلى انقضاء ~~العدة امتنعت. # فالظاهر رجوع قوله: (وأشهدوا) إلى الرجعة لا إلى الطلاق. # قوله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم) ، الآية/ 4. # فدلت الآية على إثبات الإياس بعد ارتياب، فلا يجوز أن يكون قوله (إن ~~ارتبتم) إثبات حكم الإياس في أول الآية، فلا جرم اختلف أهل العلم في الريبة ~~المذكورة في الآية «3» ، فروي ms497 أن أبي بن كعب قال: يا رسول الله، إن عددا من ~~عدد النساء لم يذكر في الكتاب الصغار والكبار وذوات الأحمال أجلهن، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # وأبان أن سبب نزول هذه الآية كان ارتيابهن في عددهن، صغير أو PageV04P420 # كبير من الصغار «1» والكبار، فتقدير الكلام (واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر) ، الآية/ 4. # واختلف السلف في التي ترتفع حيضتها، فروى سعيد بن المسيب عن عمر أنه قال: # أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضتها، فإنه ينتظر بها ~~تسعة أشهر، فإن استبان بها حمل فذاك، وإلا اعتدت بعد ستة أشهر بثلاثة أشهر ~~«2» . # وأمر ابن عباس بالتربص بستة أشهر وقال: تلك الريبة. # وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: # التي ترتفع حيضتها تبقى إلى سن اليأس، ثم تعتد بثلاثة أشهر، وهو الحق، ~~فإن الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر، والمرتابة ليست بآيسة. # قوله تعالى: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) ، الآية/ 4. # ولم يختلف السلف والخلف في أن عدة المطلقة الحامل في أن تضع حملها.. # واختلف السلف في عدة المتوفى عنها زوجها، وأنها تعتد بأقصى الأجلين أو ~~بوضع الحمل: # فقال علي رضي الله عنه بأقصى الأجلين. # وقال عمر رضي الله عنه في نفر من الصحابة: إنها تعتد بوضع الحمل. ~~PageV04P421 # ولا شك أن قوله تعالى: (وأولات الأحمال) ، معطوف على ذكر المطلقات، غير ~~أنه عموم، وقد نزل بعد قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم) «1» على ما قال ~~ابن مسعود، وأنه قال: من شاء لاعنته، ما نزلت: (وأولات الأحمال أجلهن) ، ~~إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها.. فكان قوله: (والذين يتوفون) عام في كل من ~~يتوفى عنها زوجها، وقوله: (وأولات الأحمال) ، عموم ورد بعده.. ولا دليل من ~~الأول على تخصيص الثاني، فوجب اعتبار المتأخر. # قوله تعالى: (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) ، الآية/ ~~6. # يدل على أنه لا نفقة للحامل. # نعم قوله: (وإن كن أولات حمل) ، وإن عم الرجعية والبائنة، وللرجعية ~~النفقة في عموم الأحوال، فذلك خرج بدليل الإجماع، وبقي ms498 ما عداه على موجب ~~المفهوم من الآية، ويزيده تأكيد أنه أطلق السكنى، وقيد النفقة، فلو كان ~~الحكم فيها سواء لم يكن لذلك معنى. # قوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) ، الآية/ 6. # دلت الآية على أحكام: # منها إذا أرضعت بأن ترضعه بأجر مثلها، لم يكن للأب أن يسترضع غيرها بمثل ~~ذلك الأجر. PageV04P422 # ويدل على أن الأم أحق بحضانة الولد. # ويدل على أن الأجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل، وإن احتمل أن يراد به ~~غير ذلك «1» . # قوله تعالى: (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) . # وقوله: (لينفق ذو سعة من سعته) ، الآية/ 7. # يدل على أن النفقة تختلف باختلاف أحوال الزوج في يساره وإعساره، وأن نفقة ~~المعسر أقل من نفقة الموسر خلافا لأبي حنيفة، فإنه اعتبر كفايتها. # قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) ، الآية/ 7. # فيه دليل على أنه لا يجوز التفريق بين الزوج والمرأة، لعجزه عن نفقتها، ~~لأن الله تعالى لم يوجب النفقة في هذه الحالة. # والذي يخالف هذا من أصحاب الشافعي يقول: إنما فرقنا بينهما لا لأنه ترك ~~واجبا عليه في هذه الحالة من النفقة، ولكنه عجز عن الإمساك بالمعروف، فعليه ~~التسريح بالإحسان، فإنه إذا صار لا بد من أحدهما فمتى فات أحدهما تعين ~~الثاني، ولا شك أن العاجز عن نفقة عبده أو أمته أو بهيمته لا يجب عليه ~~نفقتها، لكن يجبر على بيع المملوك، كذلك هاهنا. # ولأجله ارتفع الحبس عنها في الدار، وإن لم تجب النفقة على ما ذكروه «2» . ~~PageV04P423 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة التحريم # قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) ، الآية/ 1. # قيل: إن الآية وردت في تحريم العسل «1» . # وقيل: وردت في تحريم مارية لما أصابها في بيت حفصة، فعلمت به، فخرجت منه ~~فقال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ فقالت: بلى. # فحرمها فنزلت الآية. # والأشبه هذا، فإنه تعالى قال: (لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك) ؟ وفي حديث العسل، روي أنه حلف، وروي أنه حلف في الجارية أيضا، # واحتجوا عليه بقوله تعالى: ms499 (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) ، الآية/ 2. # ولا أيمان في مجرد التحريم «2» . # قوله تعالى: (قوا أنفسكم وأهليكم) ، الآية/ 6. # قال علي رضي الله عنه في تفسيره: علموا أنفسكم وأهليكم الخير. ~~PageV04P425 # وقال الحسن: نعلمهم ونأمرهم وننهاهم. # وهذا يدل على أن علينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا ~~يستغنى عنه من الأدب، وهو معنى قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر ~~عليها) «1» ، ونحو قوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين) «2» . # وفي الحديث «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر» ~~«3» . # قوله تعالى: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم) ، الآية/ ~~9: # وفيه دليل على التشدد في دين الله تعالى. PageV04P426 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة المزمل # قوله تعالى: (قم الليل إلا قليلا) ، الآية/ 2. # روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قام هو وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، ~~وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا، ثم أنزل الله تعالى التخفيف في آخر ~~السورة، فكان قيام الليل تطوعا بعد كونه فريضة «1» . # قوله تعالى: (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) ، الآية/ 20. # فنسخ به قيام الليل المفروض فكان ندبا. # ودلت الآية على لزوم فرض القراءة في الصلاة، بقوله تعالى: # (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) . ### | ومن سورة المدثر: # قوله تعالى: (وثيابك فطهر) ، الآية/ 4. # يدل على وجوب تطهير الثياب من النجاسات للصلاة. # وقال عكرمة: أمره أن لا يلبس ثيابه على عذرة، وذلك محتمل. # قوله تعالى: (ولا تمنن تستكثر) ، الآية/ 6. PageV04P427 # أي لا تمنن حسناتك عند الله تعالى مستكثرا، فينقصك ذلك عند الله تعالى. ### | ومن سورة القيامة: # قوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) # ، الآية/ 14. # يدل على قبول شهادة الإنسان على نفسه «1» . ### | ومن سورة الإنسان: # قوله تعالى: (وأسيرا) ، الآية/ 8. # يدل على أن إطعام المشرك يتقرب به إلى الله تعالى، غير أنه صدقة التطوع، ~~وأما المفروض فلا دليل عليه «2» . ### | ومن سورة المرسلات: # قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا) ، الآية/ 25، 26. # وعنى بالكفات الضمام، فأراد به تعالى أنها تضمهم في الحالتين جميعا «3» . # وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن شعره وسائر ما يزايله. ### | ومن سورة الأعلى: # قوله تعالى: ms500 (قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى) ، الآية/ 14 و 15. # يدل على زكاة الفطر وزكاة المال. PageV04P428 # وذكر اسم ربه، يدل على ذكر يناسب الزكاة، وذلك تكبيرات العيد. ### | ومن سورة الانشقاق # «1» : # قوله تعالى: (فلا أقسم بالشفق) ، الآية/ 16. # قال مجاهد: الشفق النهار، ألا تراه قال: (والليل وما وسق) ، الآية/ 17. # وقال قائلون: الشفق البياض. # وقال آخرون: الحمرة، وعلى كل واحد من اللفظين أمارات، واللفظ يحتملهما ~~جميعا. # قوله تعالى: (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) ، الآية/ 21: # لا يظهر في سجود التلاوة، لأن ذلك يبعد أن يكون مرادا من بين الواجبات ~~كلها، فدل أن المراد به أنهم لا يذعنون ولا يطيعون في العمل بموجباته: ### | ومن سورة الضحى: # قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر) ، الآية/ 9: # يحتمل أن يكون نهيا عن قهره وظلمه وأخذ ماله، وخص اليتيم بالذكر، لأنه لا ~~ناصر له إلا الله، فغلظ في أمره بتغليظ العقوبة على ظالمه. # وأما قوله: (وأما السائل فلا تنهر) ، الآية/ 10. PageV04P429 # فيه نهي عن إغلاظ القول له، لأن الانتهار هو الزجر وإغلاظ القول. ### | ومن سورة الشرح: # قوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب) ، الآية/ 7، 8: # في العبادة والدعاء. # PageV04P430 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة القدر # قوله تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر) ، الآية/ 3: # ليس فيها ليلة القدر، وإنما فضيلة الزمان بكثرة ما يقع فيه من الفضائل، ~~وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر. # واختلفت الروايات عن النبي عليه الصلاة والسلام في ليلة القدر، ولا دليل ~~في الآية على التعيين، وليس في الشرع قاطع على التعيين، ولذلك إذا قال ~~لامرأته أنت طالق ليلة القدر لا تطلق حتى يمضي حول، لأنه لا يجوز إيقاع ~~الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت، فلا يتيقن وقوع الطلاق إلا بمضي ~~حول: ### | ومن سورة البينة: # قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ، الآية/ 5: # يدل على وجوب النية في العبادات، لأن الإخلاص عمل القلب، وهو أن يريد وجه ~~الله تعالى بالعمل، ولا يراد غيره به أصلا. ### | ومن سورة ms501 الماعون: # قوله تعالى: (الذين هم عن صلاتهم ساهون) ، الآية/ 5. # أي مؤخرون لها عن ميقاتها. # PageV04P431 # قوله: (ويمنعون الماعون) ، الآية/ 7: كل ما فيه منفعة. ### | ومن سورة الكوثر: # قوله تعالى: (فصل لربك وانحر) ، الآية/ 2. # قال الحسن: صلاة يوم النحر والبدن. # قال مجاهد وعطاء: صل الصبح بجمع، وانحر البدن بمنى. ### | ومن سورة النصر: # قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك) ، الآية/ 3. # عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي عليه الصلاة والسلام فيما ~~يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك «1» . ~~PageV04P432 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | سورة الفلق # عن عقبة بن عامر قال: بينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين الجحفة والأبواء، إذ غشيتنا ريح شديدة مظلمة فجعل رسول الله يتعوذ ~~بأعوذ برب الفلق، وأعوذ برب الناس ويقول: # «يا عقبة، تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما» «1» . # و (النفاثات في العقد) ، الآية/ 4: السواحر ينفثن على العليل، ويرقونه ~~بكلام هو كفر وتعظيم للكوكب، ويطعمن العليل الأدوية الحارة الضارة والسموم ~~القاتلة، ويحتلن في التوصل إلى ذلك، ويزعمن أن ذلك من رقاهن، ومن أردن نفعه ~~نفثن عليه، وأوهمن أنهن نفعنه بذلك، وربما أضفن إلى ذلك بعض الأدوية ~~النافعة. # وروت عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: # «العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين، فإذا استعنتم فاغتسلوا» ~~«2» . PageV04P433 # وقال قوم من الفلاسفة: إن ضرر العين، إنما هو من جهة شيء ينفصل من العين ~~ويتصل بالمعاين. # والحق في ذلك إذا اتفق ضرر فهو من فعل الله تعالى، وإنما يفعل ذلك عند ~~إعجاب الإنسان بما يراه، تذكيرا له لأن لا يركن إلى الدنيا ولا يعجب بشيء ~~منها. # وعن أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: # «من رأى شيئا يعجبه فقال: بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره ~~شيء» «1» . # تم الكتاب بحمد الله ومنه، وقد أتينا على جمل ما يحتاج إليه من أحكام ~~الفقه اشتمل القرآن عليها، وأوضحنا قدر مقصودنا من اختلاف العلماء، وبيان ~~أقرب الأقوال إلى معاني القرآن، ولم نغادر ms502 جهدا في تلخيص ما أردناه وحذف ~~الحشو المستغنى عنه. # ونسأل الله تعالى أن يجعل سعينا مصروفا إلى ابتغاء مرضاته، وابتغاء ~~الزلفى لديه، فإنه رؤوف رحيم بعباده، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ~~وآله وسلم تسليما «2» . PageV04P434 ms503