######OpenITI# #META# ad: 505 #META# auth: أبو حامد الغزالي #META# عدد الأجزاء: 1 #META# bk: فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية - ط العصرية #META# bkord: 8115 #META# cat: العقيدة #META# bkid: 33901 #META# المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505 ه) #META# تاريخ الطبع: 1422 ه #META# max: 196 #META# idx: 1 #META# archive: 6 #META# authinf: الغزالي (450 - 505 ه = 1058 - 1111 م) ¶ محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام: ¶ • فيلسوف، متصوف، له نحو مئتي مصنف. ¶ • مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس، بخراسان) رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. ¶ • نسبته إلى صناعة الغزل (عند من يقوله بتشديد الزاي) أو إلى غزالة، من قرى طوس (لمن قال بالتخفيف). ¶ من كتبه: ¶ • (إحياء علوم الدين - ط) أربع مجلدات ¶ • (تهافت الفلاسفة - ط) ¶ • (الاقتصاد في الاعتقاد - ط) ¶ • (محك النظر - ط) ¶ • (معارج القدس في أحوال النفس - خ) [ثم طبع] ¶ • (الفرق بين الصالح وغير الصالح - خ) ¶ • (مقاصد الفلاسفة - ط) ¶ • (المضنون به على غير أهله - ط) وفي نسبته إليه كلام ¶ • (الوقف والابتداء - خ) في التفسير ¶ • (البسيط - خ) في الفقه ¶ • (المعارف العقلية - خ) ¶ • (المنقذ من الضلال - ط) ¶ • (بداية الهداية - ط) ¶ • (جواهر القرآن - ط) ¶ • (فضائح الباطنية - ط) قسم منه، ويعرف بالمستظهري، وبفضائح المعتزلة. ¶ • (التبر المسبوك في نصيحة الملوك - ط) كتبه بالفارسية، وترجم إلى العربية ¶ • (الولدية - ط) رسالة أكثر فيها من قوله: أيها الولد ¶ • (منهاج العابدين - ط) قيل: هو آخر تآليفه ¶ • (إلجام العوام عن علم الكلام - ط) ¶ • (الطير - ط) رسالة ¶ • (الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة - ط) ¶ • (شفاء العليل - خ) [ثم طبع] في أصول الفقه ¶ • (المستصفى من علم الأصول - ط) مجلدان ¶ • (المنخول من علم الأصول - خ) [ثم طبع] ¶ • (الوجيز - ط) في فروع الشافعية ¶ • (ياقوت التأويل في تفسير التنزيل) كبير، قيل: في نحو أربعين مجلدا ¶ • (أسرار الحج - ط) ¶ • (الإملاء عن إشكالات الإحياء - ط) ¶ • (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة - ط) ¶ • (عقيدة أهل السنة - ط) ¶ • (ميزان العمل - ط) ¶ • (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى - ط) ¶ • وله كتب بالفارسية. ¶ • ولطه عبد الباقي سرور كتاب (الغزالي - ط) في سيرته ¶ • ومثله ليوحنا قمير ¶ • ولجميل صليبا وكامل عياد، ولمحمد رضا ولزكي مبارك (الأخلاق عند الغزالي - ط) ¶ • ولأحمد فريد الرفاعي (الغزالي - ط) ¶ • ولمحمد رضا (أبو حامد الغزالي: حياته ومصنفاته - ط) ¶ • ولأبي بكر عبد الرازق (في صحبة الغزالي - ط) ¶ • ولسليمان دنيا (الحقيقة في نظر الغزالي - ط) ¶ • وللشيخ محمد الخضري رسالة في (ترجمته وتعاليمه وآرائه) نشرت في المجلد 34 من مجلة المقتطف. ¶ • وبالتركية (إمام غزالي - ط) في تاريخه وفلسفته، لرضاء الدين بن فخر الدين ¶ • ولحسن عبد اللطيف عزام الفيومي، رسالة في (ما للغزالي وما عليه - ط) ¶ نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [بزيادات بين معكوفات] #META# تحقيق: محمد علي قطب #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية ¶ المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505 ه) ¶ تحقيق: محمد علي قطب ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ الناشر: مكتبة العصرية - بيروت ¶ تاريخ الطبع: 1422 ه ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي] ¶ أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ndata: الكتاب: F49FB904ملية 181 #META# الناشر: مكتبة العصرية - بيروت #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي] #META# iso: فضائح الباطنيه وفضائل المستظهريه ط العصريه #META# Lng: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي #META# الكتاب: فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية #META# comp: 1 #META# higrid: 505 #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# authno: 619 #META# أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# الكتاب: فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية # المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505ه) # تحقيق: محمد علي قطب # عدد الأجزاء: 1 # الناشر: مكتبة العصرية - بيروت # تاريخ الطبع: 1422 ه # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي] # أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه//الكتاب: فضائح الباطنية ~~وفضائل المستظهرية ¶ المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي ~~(المتوفى: 505ه) ¶ تحقيق: محمد علي قطب ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ الناشر: مكتبة ~~العصرية - بيروت ¶ تاريخ الطبع: 1422 ه ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ~~وهو مذيل بالحواشي] ¶ أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// ----NO PAGE NO------ ### | AUTO المقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده تعالى ونشكره، ونتوب إليه ~~ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل ~~له، ومن يضلل فلا هادى له. # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ~~ويميت وهو على كل شي ء قدير، ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبد الله ~~ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فبلغ الرسالة ~~وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وتركنا على المحجة البيضاء ~~ليلها كنهارها لا يضل عنها إلا زائغ هالك؛ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ~~وصحبه أجمعين؛ صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين. # أما بعد: # فإن العداوة بين الحق والباطل قائمة دائمة، والصراع بينهما مستمر ما ~~استمرت السموات والأرض، وإلى أن تقوم الساعة ... ! # والحق واحد لا يتلون ولا يتبدل، فالله تعالى هو الحق الواحد الأحد، الفرد ~~الصمد، أما الباطل فإنه يتلبس صورا وأشكالا وألوانا، حسب مقتضيات أحوال ~~المعارك التى يخوضها، فلكل حال لبوسها، ولكل معركة جندها وسلاحها وأعوانها ~~من شياطين الإنس والجن. # ولقد نفخ إبليس نفخته الأولى حين وسوس لآدم- عليه السلام- فعصى ربه ثم ~~غوى، وكان الخروج من الجنة، والهبوط إلى الدنيا، وشقاء بنى آدم. # ثم إن الله تعالى رحم الإنسانية والبشرية برسله وأنبيائه يهدونهم إلى ~~الحق وإلى صراط مستقيم؛ وأنذر المخالفين بسوء العاقبة. PageV01P003 # قال اهبطا ms001 منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي ~~فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن ~~بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) [طه: 123 - 127]. # وعلى مدى قرون طوال، وأجيال استمرت المعركة، وأوار الحرب بين الحق ~~والباطل، فمن الناس من آمن ووقى العثار، ومنهم من سقط فى الدرك الأسفل من النار. # منهم من لاذ بالفرار إلى ظل ظليل، فاتبع الرسل، ومنهم- بل أكثرهم- لجوا ~~فى عتو ونفور، وغرقوا فى لجج البحور، أو زلزلت بهم الأرض أو خسفت، فكانوا ~~عبرة للأولين والآخرين. # قوم نوح وقوم لوط وعاد وثمود، وأصحاب الأيكة وقوم تبع وغيرهم كثير. # وكانت نفخة إبليس ووسوسته- وما تزال- من داخل النفس البشرية وباطنها؛ ~~ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد ~~خاب من دساها [الشمس: 7 - 10]. # وكما تنوعت أشكال حروب الباطل مع الحق، عبر مسيرة الحياة الإنسانية، ~~تنوعت أيضا مع بزوغ فجر الإسلام، وسطوعها على الدنيا، واتخذ سبيله إلى ~~الميدان من خلال النفس، من الباطن أيضا. # واضطرمت واشتعلت منذ أبى جهل الذي تلبسه إبليس إلى عهود متقدمة. # ولقد كان من شأن إمامنا الجليل أبى حامد الغزالى- عليه الرحمة والرضوان- ~~أن يكون جنديا من جنود الحق، وعلى مستوى عال، فى الدفاع عن حوزة الإسلام، ~~وبروزه إلى الميدان، متسلحا بالإيمان والمعرفة والنباهة، وقد درس ووعى، ثم ~~شرع قلمه ليسطر تحفته العلمية: «فضائح الباطنية». PageV01P004 # ولسوف ترى عزيزى القارئ من خلال الكتاب نموذجا رائعا راقيا للعالم، بكل ما ~~فى كلمة العالم الغيور من معنى وحقيقة. # ويشرفنى أن أعيد إلى المكتبة الإسلامية كتابا تراثيا له قيمته وأثره، إذ ~~طال حجبه واحتجابه. # ويسعدنى أن تكون (المكتبة العصرية) - لبنان- صاحبة الفضل فى النشر ~~والإذاعة، وكم لها من أياد بيضاء فى هذا المجال. # والله أسأل أن ينفع به، وأن يجعله فى ميزان حسناتى يوم القيامة. # والحمد لله رب ms002 العالمين # محمد على قطب PageV01P005 ### || AUTO نبذة عن الكتاب # أول دراسة تحقيقية له كانت على يد المستشرق جولد تسهير؛ ولكنها لم تكن ~~كاملة، فقد أتى بمقطعات منها؛ معتمدا على نسخة المتحف البريطانى [مخطوط رقم ~~(7782) - شرقى-]. # ثم كانت الدراسة الوافية المستكملة على يد الدكتور «عبد الرحمن بدوى» ~~أجزل الله له الثواب؛ وقد نشرت فى الخمسينات. # اقتنيت واحدة ولكنها استعيرت منى، ولم تعد. رحم الله الصديق وغفر له. # وظللت أتمنى العثور على نسخة أخرى، تكون فى مكتبتى، ولكن على غير طائل. # ووفقت أخيرا إلى نسخة، يقول محققها إنها تعتمد على نسختى: المتحف ~~البريطانى، ونسخة القرويين بفاس تحت رقم (4428). # وقد بذل فيها- أجزل الله ثوابه- جهدا مشكورا، ولكنها مع الأسف سيئة ~~الطباعة لا تستوى أبدا مع قيمة الكتاب العلمية. # فعولت مستعينا بالله تعالى على إعادة المراجعة والضبط والشرح، وإتقان ذلك ~~بجهد المقل، راجيا حسن القبول. PageV01P006 ### || AUTO تعريف بالإمام أبى حامد الغزالى- عليه رحمة الله- ### ||| AUTO اسمه ونسبه: # هو: محمد بن محمد بن محمد الطوسى الملقب: زين الدين؛ والطوسى، نسبة إلى ~~طوس؛ وكانت من المدن الشهيرة بخراسان. # وفى غزالة إحدى قرى طوس كان مولده رحمه الله سنة خمسين وأربعمائة «450» ه. # وكان والده يغزل الصوف ويبيعه فى دكانه بطوس؛ ومن هنا كان الاختلاف فى ~~النسبه، هل هى الغزالى بالتشديد أم الغزالى- بالتخفيف؟ # ولكن صاحب سير أعلام النبلاء نقل عن ابن الصلاح، بسنده عن الإمام الغزالى ~~قوله: الناس يقولون لى: الغزالى، ولست الغزالى، وإنما الغزالى، منسوب إلى ~~قرية «غزالة». ### ||| AUTO النشأة: # كان والد الإمام الغزالى شغوفا بالعلم، محبا للعلماء، كثير التردد على ~~مجالسهم، ولكنه لم يكن عالما، ولعل ظروف الحياة المعيشية كانت صعبة وقاسية ~~عليه، مضطرا إلى الانصراف للعمل، فحرم من طلب العلم، ولما حضرته الوفاة، ~~وصى صديقا له من أهل الخبرة والفضل أن يتولى من بعده رعاية ولديه محمد ~~وأحمد، ولو أنفق فى ذلك كل ما يخلفه لهما من مال وثروة. # وفعل الصديق بوصية الأب، ولكن قصرت يداه عن إتمام الغاية، فنصحهما ~~بالالتحاق بمدرسة يكون لهما فيها طلب العلم وكفاية المسعى؛ ms003 ففعلا ذلك. # وبدأ الإمام الغزالى- رحمه الله- رحلته الكبرى فى طلب العلم، وتنقل بين ~~طوس وجرجان ونيسابور، وتزود بالمعرفة، وكانت فيه نباهة وذكاء، وذهن وقاد، PageV01P007 ~~فأوتى ما لم يؤت غيره؛ واشتهر ذكره، وذاع صيته؛ وأصبح علما يشار إليه ~~بالبنان. # يقول الحافظ عبد الغفار إسماعيل: (وجد واجتهد حتى تخرج فى مدة قريبة وبز ~~الأقران، وحمل القرآن، وصار أنظر أهل زمانه وأوحد أقرانه، وكان الطلبة ~~يستفيدون منه، ويدرس لهم ويرشدهم، ويجتهد فى نفسه، وبلغ به الأمر إلى أن ~~أخذ فى التصنيف). ### ||| AUTO إلى بغداد. إلى المدرسة النظامية: # وكان الوزير نظام الملك الحسن بن على الطوسى عالى الهمة واسع المعرفة ~~أنشأ العديد من المدارس، ودور العلم، فلما التقى بالإمام الغزالى وسبر ~~غوره، أعجب به وقدمه، ثم وجهه إلى بغداد؛ وكانت المدرسة النظامية أشبه ~~بالجامعات فى مستواها ورقيها. # وهناك قام بالتدريس. فالتف حوله كبار العلماء، وطلاب المعرفة، ينهلون من ~~علمه الجم، وغزير معرفته. # وبلغ الإمام الغزالى فى تلك الأيام قمة المجد، وأتته الدنيا خاضعة ذليلة، ~~أتته بالمال والشهرة وذيوع الاسم، كما أتته بالجاه، ونفوذ الكلمة. ### ||| AUTO التحول: # يقول الإمام الغزالى رحمه الله فى كتابه المنقذ من الضلال: ( ... ثم ~~لاحظت أحوالى، فإذا أنا منغمس بالعلائق، وقد أحدقت بى من كل الجوانب، ~~ولاحظت أعمالى- وأحسنها التدريس والتعلم- فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير ~~مهمة، ولا نافعه فى طريق الآخرة). # (فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعى الآخرة، قريبا من ستة ~~أشهر، أولها شهر رجب سنة ثمان وثمانية وأربعمائة (488 ه)؛ وفى هذا الشهر ~~جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ قفل الله على لسانى حتى اعتقل عن PageV01P008 ~~التدريس، فكنت أجاهد نفسى أن أدرس يوما واحدا تطييبا للقلوب المختلفة إلى، ~~فكان لسانى لا ينطق بكلمة واحدة، ولا أستطيعها البتة). ### ||| AUTO عزلته: # قصد إلى مكة المكرمة فأدى فريضة الحج ثم أتى دمشق. # وفى دمشق عاش أكثر وقته طوال عشر سنين فى عزلة وخلوة، ومجاهدة للنفس، ~~واشتغال بتزكيتها وتطهيرها مما علق بها من الدنيا وزخرفها وزينتها، وتصفية ~~للقلب بالذكر الدائم، وكان ms004 اعتكافه وإقامته فى أسفل منارة المسجد الأموى، ~~فى غرفة ضيقة صغيرة. يقضى فيها سحابة النهار ### ||| AUTO العودة إلى طوس: # بعد هجرة وعزلة ورياضة للنفس عاد الإمام الغزالى إلى وطنه طوس بقلب جديد، ~~وروح جديدة. # وتحت ضغط الطلب، اضطر إلى التدريس ثانية، فالعلم لا يحبس عن طالبيه؛ ~~ولكنه عاد بروح جديدة قال عنها: ( ... وأما الآن فأدعو إلى العلم الذي يترك ~~به الجاه، ويعرف به سقوط مرتبة الحياة، هذا هو الآن نيتى وقصدى وأمنيتى، ~~يعلم الله ذلك منى). ### ||| AUTO وإلى نيسابور: # كان لا بد للإمام الغزالى رحمه الله أن يوسع مدى العطاء العلمى، فعاد من ~~طوس إلى نيسابور، وسكنها؛ واتخذ بجوار بيته مدرسة لطلبة العلم، ومنزلا ~~«خانقاه» للصوفية، ونظم أوقات عمله على: ختم القرآن، ومجالسة أهل القلوب، ~~وتدريس طلبه العلم، ومداومة العبادة صوما وصلاة؛ وكان ذلك عام تسعة وتسعين ~~وأربعمائة (499 ه). ### ||| AUTO وفاته رحمه الله: # ولما كان يوم الإنثين- الرابع عشر من جمادى الآخرة، سنة خمس وخمسمائة PageV01P009 ~~(505 ه)، وقت الصبح، توضأ وصلى، وقال لأخيه أحمد «أبو الفتوح»: على بالكفن، ~~فأخذه وقبله، ووضعه على عينيه؛ وقال: سمعا وطاعة للدخول على الملك، ثم مد ~~رجليه، واستقبل القبلة، ففاضت روحه قبل الإسفار. ### ||| AUTO تراثه العلمى: # إحياء علوم الدين، المنقذ من الضلال، تهافت الفلاسفة، البسيط، الوسيط، ~~الوجيز، الخلاصة فى الفقه الشافعى، المنخول، المستصفى (فى الأصول)؛ مقاصد ~~الفلاسفة؛ فضائح الباطنية. PageV01P010 ### | AUTO مقدمة المؤلف # الحمد لله الحى القيوم الذي لا يستولى على كنه قيامه وصف واصف؛ الجليل ~~الذي لا يحيط بصفة جلاله معرفة عارف، العزيز الذي لا عزيز إلا وهو بقدم ~~الصغار على عتبة عزه عاكف؛ الماجد الذي لا ملك إلا وهو حول سرادق مجده ~~طائف؛ الجبار الذي لا سلطان إلا وهو لنفحات عفوه راج وسطوات سخطه خائف؛ ~~المتكبر الذي لا ولى إلا وقلبه على محبته وقف وقالبه لخدمته واقف؛ الرحيم ~~الذي لا شي ء إلا وهو ممتط متن الخطر فى هول المواقف، لو لا ترصده لرحمته ~~بوعده السابق السالف؛ المنعم الذي إن يردك بخير فليس لفضله ms005 راد ولا صارف؛ ~~المنتقم الذي إن يمسسك بضر فما له سواه كاشف؛ جل جلاله، وتقدست أسماؤه، فلا ~~يغره مؤالف ولا يضره مخالف؛ وعز سلطانه فلا يكيده مراوغ ولا يناوئه مكاشف؛ ~~خلق النار أحزابا وأحسابا، ورتبهم فى زخارف الدنيا أرذالا وأشرافا، وقربهم ~~فى حقائق الدين ارتباطا وانحرافا وجهلة وعرافا؛ وفرقهم فى قواعد العقائد ~~فرقا وأصنافا، يتطابقون ائتلافا ويتقاطعون اختلافا، فافترقوا فى المعتقدات ~~جحودا واعترافا، وتعسفا وإنصافا، واعتدالا وإسرافا، كما تباينوا أصلا ~~وأوصافا: هذا غنى يتضاعف كل يوم ما له أضعافا، وهو يأخذ جزافا وينفق جزافا؛ ~~وهذا ضعيف يعول ذرية ضعافا، يعوزه قوت يوم حتى يسأل الناس إلحافا؛ وهذا ~~مقبول فى القلوب لا يلقى فى حاجته إلا إجابة وإسعافا؛ وهذا مبغض للخلق ~~تهتضم حقوقه ضيما وإجحافا؛ وهذا تقى موفق يزداد كل يوم فى ورعه وتقواه ~~إسرافا وإشرافا؛ وهذا مخذول يزداد على مر الأيام فى غيه وفساده تماديا ~~واعتسافا، ذلكم تقدير ربكم القادر الحكيم الذي لا يستطيع سلطان عن قهره ~~انحرافا؛ القاهر العليم الذي لا يملك أحد لحكمه خلافا، رغما لأنف الكفرة ~~الباطنية الذين أنكروا أن يجعل الله بين أهل الحق اختلافا، ولم يعلموا أن ~~الاختلاف بين الأمة يتبعه الرحمة كما تتبع العبرة اختلافهم مراتب وأوصافا. PageV01P011 # وشكرا لله الذي وفقنا للاعتراف بدينه إعلانا وإسرارا، وسددنا للانقياد ~~لحكمه إظهارا وإضمارا، ولم يجعلنا من ضلال الباطنية الذين يظهرون باللسان ~~إقرارا، ويضمرون فى الجنان تماديا وإصرارا، ويحملون من الذنوب أوقارا «1»، ~~ويعلنون فى الدين تقوى ووقارا، ويحتقبون «2» من المظالم أوزارا، لأنهم لا ~~يرجون لله وقارا، ولو خاطبهم دعاة الحق ليلا ونهارا لم يزدهم دعاؤهم إلا ~~فرارا؛ فإذا أطل عليهم سيف أهل الحق آثروا الحق إيثارا، وإذا انقشع عنهم ~~ظله أصروا واستكبروا استكبارا فنسأل الله أن لا يدع على وجه الأرض منهم ~~ديارا «3»؛ ونصلى على رسوله المصطفى، وعلى آله وخلفائه الراشدين من بعده ~~صلوات بعدد قطر السحاب تهمى مدرارا، وتزداد على ممر الأيام استمرارا، ~~وتتجدد على توالى الأعوام تلاحقا وتكرارا. # أما بعد: فإنى لم أزل مدة المقام بمدينة ms006 السلام «4» متشوفا إلى أن أخدم ~~المواقف المقدسة النبوية الإمامية المستظهرية ضاعف الله جلالها، ومد على ~~طبقات الخلق ظلالها- بتصنيف كتاب فى علم الدين أقضى به شكر النعمة، وأقيم ~~به رسم الخدمة، وأجتنى بما أتعاطاه من الكلفة ثمار القبول والزلفة؛ لكني ~~جنحت إلى التوانى لتحيرى فى تعيين العلم الذي أقصده بالتصنيف وتخصيص الفن ~~الذي يقع موقع الرضى من الرأى النبوى الشريف، فكانت هذه الحيرة تغبر فى وجه ~~المراد، وتمنع القريحة عن الإذعان والانقياد، حتى خرجت الأوامر الشريفة ~~المقدسة النبوية المستظهرية «5» بالإشارة إلى PageV01P012 ~~الخادم «1» فى تصنيف كتاب فى الرد على الباطنية مشتمل على الكشف عن بدعهم ~~وضلالاتهم، وفنون مكرهم واحتيالهم، ووجه استدراجهم عوام الخلق وجهالهم، ~~وإيضاح غوائلهم فى تلبيسهم وخداعهم، وانسلالهم عن ربقة الإسلام، وانسلاخهم ~~وانخلاعهم وإبراز فضائحهم وقبائحهم، بما يفضى إلى هتك أستارهم وكشف ~~أغوارهم. فكانت المفاتحة بالاستخدام فى هذا المهم فى الظاهر نعمة أجابت قبل ~~الدعاء ولبت قبل النداء، وإن كانت فى الحقيقة ضالة كنت أنشدها وبغية كنت ~~أقصدها، فرأيت الامتثال حتما، والمسارعة إلى الارتسام حزما. وكيف لا أسارع ~~إليه!؟ وإن لاحظت جانب الأمر ألفيته أمرا مبلغه زعيم الأمة وشرف الدين، ~~ومنشؤه ملاذ الأمم أمير المؤمنين، وموجب طاعته خالق الخلق رب العالمين، إذ ~~قال الله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء: 59] ~~وإن التفت إلى المأمور به فهو ذب عن الحق المبين ونضال، دون حجة الدين، ~~وقطع لدابر الملحدين. وإن رجعت إلى نفسى، وقد شرفت بالخطاب به من بين سائر ~~العالمين، رأيت المسارعة إلى الإذعان والامتثال فى حقى من فروض الأعيان، إذ ~~يقل على بسيط الأرض من يستقل فى قواعد العقائد بإقامة الحجة والبرهان بحيث ~~يرقيها من حضيض الظن والحسبان إلى يفاع «2» القطع والاستيقان، فإنه الخطب ~~الجسيم والأمر العظيم الذي لا تستقل بأعيانه بضاعة الفقهاء، ولا يضطلع ~~بأركانه إلا من تخصص بالمعضلة الزباء «3»، لما نجم فى أصول الديانات من ~~الأهواء، واختلط بمسالك الأوائل من الفلاسفة والحكماء فمن بواطن غيهم كان ~~استمداد هؤلاء فإنهم بين مذاهب الثنوية «4» والفلاسفة يترددون، وحول ms007 حدود PageV01P013 ~~المنطق فى مجادلاتهم يدندنون. ولقد طال تفتيشى عن شبه خصمه لما تقدر على ~~قمعه وخصمه، وفى مثل ذلك أنشد: # عرفت الشر لا للش ... ر لكن لتوقيه # ومن لا يعرف الش ... ر من الناس يقع فيه «1» # تظاهرت علي أسباب الإيجاب والإلزام، واستقبلت الآتى بالاعتناق والالتزام، ~~وبادرت إلى الامتثال والارتسام وانتدبت لتصنيف هذا الكتاب مبنيا على عشرة ~~أبواب، سائلا من الله سبحانه التوفيق لشاكلة الصواب. وسميته [فضائح ~~الباطنية وفضائل المستظهرية]. والله تعالى الموفق لإتمام هذه النية. ### || AUTO وهذا ثبت الأبواب: # الباب الأول: فى الإعراب عن المنهج الذي استنهجته فى سياق هذا الكتاب. # الباب الثانى: فى بيان ألقابهم والكشف عن السبب الباعث لهم على نصب هذه ~~الدعوة المضلة. # الباب الثالث: فى بيان درجات حيلهم فى التلبيس والكشف عن سبب الاغترار ~~بحيلهم مع ظهور فسادها. # الباب الرابع: فى نقل مذهبهم جملة وتفصيلا. # الباب الخامس: فى تأويلاتهم لظواهر القرآن واستدلالهم بالأمور العددية ~~«2»، وفيه فصلان: الفصل الأول فى تأويلهم للظواهر، والفصل الثانى فى ~~استدلالاتهم بالأعداد والحروف. PageV01P014 # الباب السادس: فى إيراد أدلتهم العقلية على نصرة مذهبهم والكشف عن ~~تلبيساتهم التى زوقوها بزعمهم فى معرض البرهان على إبطال النظر العقلي. # الباب السابع: فى إبطال استدلالهم بالنص على نصب الإمام المعصوم. # الباب الثامن: فى مقتضى فتوى الشرع فى حقهم من التكفير والتخطئة وسفك الدم. # الباب التاسع: فى إقامة البرهان الفقهى الشرعى على أن الإمام الحق فى ~~عصرنا هذا هو الإمام المستظهر بالله حرس الله ضلاله. # الباب العاشر: فى الوظائف الدينية التى بالمواظبة عليها يدوم استحقاق ~~الإمامة. # هذه ترجمة الأبواب. والمقترح على الرأى الشريف النبوى «1» مطالعة الكتاب ~~جملة، ثم تخصيص الباب التاسع والعاشر لمن يريد استقصاء ليعرف من الباب ~~التاسع قدر نعمة الله تعالى عليه، وليستبين من الباب العاشر طريق القيام ~~بشكر تلك النعمة ويعلم أن الله تعالى إذا لم يرض أن يكون له على وجه الأرض ~~عبد أرفع رتبة من أمير المؤمنين، فلا يرضى أمير المؤمنين أن يكون لله على ~~وجه الأرض عبد أعبد وأشكر منه. نسأل الله ms008 تعالى أن يمده بتوفيقه ويسدده ~~لسواء طريقه. هذه جملة الكتاب، والله المستعان على سلوك جادة الحق واستنهاج ~~مسلك الصدق. PageV01P015 ### | AUTO الباب الأول فى الإعراب عن المنهج الذي استنهجته فى هذا الكتاب # لتعلم أن الكلام فى التصانيف يختلف منهجه، بالإضافة إلى المعنى: غوصا ~~وتحقيقا، وتساهلا وتزويقا. وبالإضافة إلى اللفظ: إطنابا وإسهابا واختصارا ~~وإيجازا، وبالإضافة إلى المقصد: تكثيرا وتطويلا، واقتصارا وتقليلا. فهذه ~~ثلاثة مقامات. ولكل واحد من الأقسام فائدة وآفة. ### || AUTO [المقام الأول فى الغوص والتحقيق والتعمق فى أسرار المعانى إلى ~~أقصى الغايات] # وأما المقام الأول فالغرض- فى الغوص والتحقيق والتعمق فى أسرار المعانى ~~إلى أقصى الغايات- التوقى من إزراء المحققين وقدح الغواصين، فإنهم إذا ~~تأملوه فلم يصادفوه على مطابقة أوضاع الجدال وموافقة حدود المنطق عند ~~النظار استركوا «1» عمل المصنف واستغثوا «2» كلامه واعتقدوا فيه التقاعد عن ~~شأو التحقيق فى الكلام والانخراط فى سلك العوام. ولكن له آفة وهى قلة جدواه ~~وفائدته فى حق الأكثرين. فإن الكلام إذا كان على ذوق المراء والجدال، لا ~~على مساق الخطاب المقنع، لم يستقل بدركه إلا الغواصون، ولم يتفطن لمغاصاته ~~إلا المحققون. وأما سلوك مسلك التساهل والاقتصار على فن من الكلام ليستحسن ~~فى المخاطبات ففائدته أن يستلذ وقعه فى الأسماع، ولا تكل عن فهمه والتفطن ~~لمقاصده أكثر الطباع، ويحصل به الإقناع لكل ذى حجى «3» وفطنة وإن لم يكن ~~متبحرا فى العلوم. وهذا الفن من جوالب المدح والإطراء ولكن من الظاهريين، ~~وآفته أنه من دواعى القدح والإزراء ولكن من الغواصين. فرأيت أن أسلك المسلك ~~المقتصد بين الطرفين، ولا أخلى الكتاب عن أمور برهانية، يتفطن لها PageV01P017 ~~المحققون، ولا عن كلمات إقناعية يستفيد منها المتوهمون، فإن الحاجة إلى هذا ~~الكتاب عامة فى حق الخواص والعوام، وشاملة جميع الطبقات من أهل الإسلام، ~~وهذا هو الأقرب إلى المنهج القويم، فلطالما قيل: كلا طرفى قصد الأمور ذميم ### || AUTO المقام الثانى فى التعبير عن المقاصد إطنابا وإيجازا # وفائدة الإطناب الشرح والإيضاح المغنى عن عناء التفكر وطول التأمل، وآفته ~~الإملال؛ وفائدة الإيجاز جمع المقاصد وترصيفها وإيصالها إلى ms009 الأفهام على ~~التقارب، وآفته الحاجة إلى شدة التصفح والتأمل لاستخراج المعانى الدقيقة من ~~الألفاظ الوجيزة الرشيقة؛ والرأى فى هذا المقام الاقتصاد بين طرفى التفريط ~~والإفراط، فإن الإطناب لا ينفك عن إملال، والإيجاز لا يخلو عن إخلال، ~~فالأولى الميل إلى الاختصار؛ فلرب كلام قل ودل وما أمل. ### || AUTO المقام الثالث فى التقليل والتكثير # ولقد طالعت الكتب المصنفة فى هذا الفن فصادفتها مشحونة بفنين من الكلام: # فن فى تواريخ أخبارهم وأحوالهم من بدء أمرهم إلى ظهور ضلالهم، وتسمية كل ~~واحد من دعاتهم فى كل قطر من الأقطار، وبيان وقائعهم فيما انقرض من ~~الأعصار، فهذا فن أرى التشاغل به اشتغالا بالأسمار، وذلك أليق بأصحاب ~~التواريخ والأخبار، فأما علماء الشرع فليكن كلامهم محصورا فى مهمات الدين ~~وإقامة البرهان على ما هو الحق المبين؛ فلكل عمل رجال «1». PageV01P018 # والفن «1» الثانى- فى إبطال تفصيل مذاهبهم من عقائد تلقوها من الثنوية ~~والفلاسفة وحرفوها عن أوضاعها وغيروا ألفاظها قصدا للتغطية والتلبيس، وهذا ~~أيضا لا أرى التشاغل به، لأن الكلام عليها وكشف الغطاء عن بطلانها بإيضاح ~~حقيقة الحق وبرهانها ليس يختص بالطائفة الذين هم نابتة الزمان. فتجريد ~~القصد إلى نقل خصائص مذهبهم التى تفردوا باعتقادها عن سائر الفرق هو الواجب ~~المتعين، فلا ينبغى أن يؤم «2» المصنف فى كتابه إلا المقصد الذي يبغيه ~~والنحو الذي يرومه وينتحيه، فمن حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه «3»، وذلك ~~مما لا يعنيه فى هذا المقام، وإن كان الخوض فيه على الجملة ذبا عن الإسلام، ~~ولكن لكل مقال مقام. # فلنقتصر فى كتابنا على القدر الذي يعرب عن خصائص مذهبهم، وينبه على مدارج ~~حيلهم، ثم نكشف عن بطلان شبههم بما لا يبقى للمستبصر ريب فيه، فتنجلى عن ~~وجه الحق كدورة التمويه. «4» # ثم نختم الكتاب بما هو السر واللباب، وهو إقامة البراهين الشرعية على صحة ~~الإمامة للمواقف القدسية النبوية المستظهرية، بموجب الأدلة العقلية ~~والفقهية، على ما أفصح عن مضمونه ترجمة الأبواب. PageV01P019 ### | AUTO الباب الثانى فى بيان ألقابهم والكشف عن السبب الداعى لهم على ~~نصب هذه الدعوة وفيه فصلان ms010 ### || AUTO الفصل الأول فى ألقابهم التى تداولتها الألسنة على اختلاف ~~الأعصار والأزمنة وهى عشرة ألقاب: الباطنية، (والقرامطة والقرمطية) «1»، ~~(والخرمية والخرمدينية) «2»، والإسماعيلية، والسبعية، والبابكية، والمحمرة، ~~والتعليمية # ولكل لقب سبب: أما «الباطنية» فإنما لقبوا بها لدعواهم أن لظواهر القرآن ~~والأخبار بواطن تجرى فى الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورها توهم عند ~~الجهال الأغبياء صورا جلية، وهى عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى ~~حقائق معينة؛ وأن من تقاعد عقله عن الغوص على الخفايا والأسرار، والبواطن ~~والأغوار، وقنع بظواهرها مسارعا إلى الاغترار؛ كان تحت الأواصر والأغلال ~~معنى بالأوزار «3» والأثقال؛ وأرادوا ب «الأغلال» التكليفات الشرعية. فإن ~~من ارتقى إلى علم الباطن انحط عن التكليف واستراح من أعبائه، وهم المرادون بقوله PageV01P021 ~~تعالى: ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [الأعراف: 157] الآية؛ ~~وربما موهوا بالاستشهاد عليه بقولهم إن الجهال المنكرين للباطل هم الذين ~~أريدوا بقوله تعالى: فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من ~~قبله العذاب [الحديد: 13]. وغرضهم الأقصى إبطال الشرائع، فإنهم إذا انتزعوا ~~عن العقائد موجب الظواهر قدروا على الحكم بدعوى الباطن على حسب ما يوجب ~~الانسلاخ عن قواعد الدين، إذ سقطت الثقة بموجب الألفاظ الصريحة فلا يبقى ~~للشرع عصام «1» يرجع إليه ويعول عليه. # وأما «القرامطة» فإنما لقبوا بها نسبة إلى رجل يقال له حمدان قرمط «2»، ~~وكان أحد دعاتهم فى الابتداء، فاستجاب له فى دعوته رجال، فسموا قرامطة ~~وقرمطية. # وكان المسمى حمدان قرمط رجلا من أهل الكوفة مائلا إلى الزهد، فصادفه أحد ~~دعاة الباطنية فى طريق وهو متوجه إلى قريته وبين يديه بقر يسوقها، فقال ~~حمدان لذلك الداعى- وهو لا يعرفه ولا يعرف حاله: «أراك سافرت من موضع بعيد، ~~فأين مقصدك؟» فذكر موضعا هو قرية «حمدان». فقال له حمدان: اركب بقرة من هذه ~~البقر لتستريح عن تعب المشى. فلما رآه مائلا إلى الزهد والديانة أتاه من ~~حيث رآه مائلا إليه فقال: إنى لم أومر بذلك؛ فقال حمدان: وكأنك لا تعمل إلا ~~بأمر؟ قال: نعم. قال حمدان: وبأمر من تعمل؟ فقال الداعى: بأمر مالكى ~~ومالكك، ms011 ومن له الدنيا والآخرة. فقال حمدان: ذلك إذن هو رب العالمين. فقال ~~الداعى: صدقت؛ ولكن الله يهب ملكه لمن يشاء. قال حمدان: وما غرضك فى البقعة ~~التى أنت PageV01P022 ~~متوجه إليها؟ قال: أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى ~~الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة؛ وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر، ~~وأملكهم ما يستغنون به عن الكد والتعب. فقال له حمدان: أنقذنى! أنقذك الله! ~~وأفض على من العلم ما يحببنى به، فما أشد احتياجى إلى مثل ما ذكرته! فقال ~~الداعى: وما أمرت بأن أخرج السر المخزون «1» لكل أحد إلا بعد الثقة به ~~والعهد عليه. فقال حمدان: وما عهدك؟ فاذكره لى، فإنى ملتزم له. فقال ~~الداعي: أن تجعل لى وللإمام على نفسك عهد الله وميثاقه أن لا يخرج سر ~~الإمام الذي ألقيته إليك، ولا تفشى سرى أيضا. # فالتزم حمدان سره، ثم اندفع الداعى فى تعليمه فنون جهله حتى استدرجه ~~واستغواه واستجاب له فى جميع ما دعاه. ثم انتدب حمدان للدعوة، وصار أصلا من ~~أصول هذه الدعوة، فسمى أتباعه «القرمطية». # وأما الخرمية فلقبوا بها نسبة لهم إلى حاصل مذهبهم وزبدته، فإنه راجع إلى ~~طى بساط التكليف، وحط أعباء الشرع عن المتعبدين، وتسليط الناس على اتباع ~~اللذات وطلب الشهوات، وقضاء الوطر من المباحات والمحرمات. و«خرم» لفظ أعجمى ~~ينبئ عن الشي ء المستلذ المستطاب، الذي يرتاح الإنسان إليه بمشاهدته، ويهتز ~~لرؤيته. وقد كان هذا لقبا للمزدكية «2»، وهم أهل الإباحة من المجوس، الذين ~~نبغوا فى أيام قباذ «3»، وأباحوا النساء وإن كن من المحارم، وأحلوا كل محظور. # وكانوا يسمون «خرمدينية». فهؤلاء أيضا لقبوا بها لمشابهتهم إياهم فى آخر ~~المذهب، وإن خالفوهم فى المقدمات وسوابق الحيل فى الاستدراج. PageV01P023 # وأما البابكية فاسم لطائفة منهم بايعوا رجلا يقال له بابك الخرمى «1»، وكان ~~خروجه فى بعض الجبال بناحية أذربيجان فى أيام المعتصم بالله، واستفحل أمرهم ~~واشتدت شوكتهم. وقاتلهم أفشين، صاحب حبس المعتصم، مداهنا له فى قتاله ~~ومتخاذلا عن الجد فى قمعه، إضمارا لموافقته فى ضلاله. فاشتدت وطأة البابكية ms012 ~~على جيوش المسلمين حتى مزقوا جند المسلمين وبددوهم منهزمين، إلى أن هبت ريح ~~النصر، واستولى عليهم المعتصم المترشح للإمامة فى ذلك العصر، فصلب بابك ~~وصلب أفشين بإزائه «2». # وقد بقى من البابكية جماعة يقال إن لهم ليلة يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم ~~ويطفئون سرجهم وشموعهم، ثم يتناهبون النساء، فيثب كل رجل إلى امرأة يظفر ~~بها؛ ويزعمون أن من استولى على امرأة استحلها بالاصطياد، فإن الصيد من أطيب ~~المباحات. ويدعون- مع هذه البدعة- نبوة رجل كان من ملوكهم قبل الإسلام، ~~يقال له شروين ويزعمون أنه كان أفضل من نبينا صلى الله عليه وسلم ومن سائر ~~الأنبياء قبله. # وأما الإسماعيلية فهى نسبة لهم إلى أن زعيمهم محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~«3»، ويزعمون أن أدوار الإمامة انتهت به، إذ كان هو السابع من محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأدوار الإمامة سبعة سبعة عندهم؛ فأكبرهم يثبتون له منصب ~~النبوة، وأن ذلك يستمر فى نسبه وأعقابه. وقد أورد أهل المعرفة بالنسب فى ~~كتاب «الشجرة» «4» أنه مات ولا عقب له «5». PageV01P024 # وأما «السبعية» فإنما لقبوا بها لأمرين: أحدهما: اعتقادهم أن أدوار الإمامة ~~سبعة، وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الدور، وهو المراد بالقيامة؛ وأن ~~تعاقب هذه الأدوار لا آخر لها قط. والثاني: قولهم إن تدابير العالم السفلى، ~~أعنى ما يحويه مقعر فلك القمر منوطة بالكواكب السبعة التى أعلاها زحل، ثم ~~المشترى، ثم المريخ، ثم الشمس، ثم الزهرة، ثم عطارد، ثم القمر. وهذا المذهب ~~مسترق من ملحدة المنجمين وملتفت إلى مذاهب الثنوية فى أن النور يدبر أجزاؤه ~~الممتزجة بالظلمة بهذه الكواكب السبعة؛ فهذا سبب هذا التلقيب «1». # وأما «المحمرة» فقيل إنهم لقبوا به لأنهم صبغوا الثياب بالحمرة أيام بابك ~~ولبسوها، وكان ذلك شعارهم؛ وقيل سببه أنهم يقررون أن كل من خالفهم من الفرق ~~وأهل الحق: حمير؛ والأصح هو التأويل الأول «2». # وأما «التعليمية» فإنهم لقبوا بها لأن مبدأ مذاهبهم إبطال الرأى وإبطال ~~تصرف العقول، ودعوة الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم، وأنه لا مدرك ~~للعلوم إلا التعليم. # ويقولون فى مبتدأ مجادلتهم: الحق إما أن ms013 يعرف بالرأى، وإما أن يعرف ~~بالتعليم، وقد بطل التعويل على الرأى لتعارض الآراء وتقابل الأهواء واختلاف ~~ثمرات نظر العقلاء؛ فتعين الرجوع إلى التعليم والتعلم. # وهذا اللقب هو الأليق بباطنية هذا العصر، فإن تعويلهم الأكثر على الدعوة ~~إلى التعليم وإبطال الرأى وإيجاب اتباع الإمام المعصوم، وتنزيله- فى وجوب ~~التصديق والاقتداء به- منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV01P025 ### || AUTO الفصل الثانى فى بيان السبب الباعث لهم على نصب هذه الدعوة ~~وإفاضة هذه البدعة # مما تطابق عليه نقلة المقالات قاطبة أن هذه الدعوة لم يفتتحها منتسب إلى ~~ملة ولا معتقد لنحلة معتضد بنبوة، فإن مساقها ينقاد إلى الانسلال من الدين ~~كانسلال الشعرة من العجين. ولكن تشاور جماعة من المجوس والمزدكية، وشرذمة ~~من الثنوية «1» الملحدين، وطائفة كبيرة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين، ~~وضربوا سهام الرأى فى استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل ~~الدين، وينفس عنهم كربة ما دهاهم من أمر المسلمين، حتى أخرسوا ألسنتهم عن ~~النطق بما هو معتقدهم من إنكار الصانع وتكذيب الرسل، وجحد الحشر والنشر ~~والمعاد إلى الله فى آخر الأمر، وزعموا أنا بعد أن عرفنا أن الأنبياء كلهم ~~ممخرقون ومنمسون «2». فإنهم يستعبدون الخلق بما يخيلونه إليهم من فنون ~~الشعبذة والزرق «3». # وقد تفاقم أمر محمد، واستطارت فى الأقطار دعوته، واتسعت ولايته، واتسقت ~~أسبابه وشوكته حتى استولوا عل ملك أسلافنا، وانهمكوا فى التنعم فى الولايات ~~مستحقرين عقولنا؛ وقد طبقوا وجه الأرض ذات الطول والعرض، ولا مطمع فى ~~مقاومتهم بقتال، ولا سبيل إلى استنزالهم عما أصروا عليه إلا بمكر واحتيال؛ ~~ولو شافهناهم بالدعاء إلى مذهبنا لتنمروا علينا، وامتنعوا من الإصغاء ~~إلينا، فسبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم هم أركهم عقولا وأسخفهم رأيا ~~وألينهم عريكة لقبول المحالات، وأطوعهم للتصديق بالأكاذيب المزخرفات وهم PageV01P026 ~~الروافض «1»؛ ونتحصن بالانتساب إليهم والاعتزاء إلى أهل البيت عن شرهم، ~~ونتودد إليهم بما يلائم طبعهم، من ذكر ما تم على سلفهم من الظلم العظيم ~~والذل الهائل، ونتباكى لهم على ما حل بآل محمد صلى الله عليه وسلم ونتوصل ~~به إلى تطويل ms014 اللسان فى أئمة سلفهم الذين هم أسوتهم وقدوتهم؛ حتى إذا قبحنا ~~أحوالهم فى أعينهم وما ينقل إليهم شرعهم بنقلهم وروايتهم، اشتد عليهم باب ~~الرجوع إلى الشرع، وسهل علينا استدراجهم إلى الانخلاع عن الدين؛ وإن بقى ~~عندهم معتصم من ظواهر القرآن ومتواتر الأخبار أوهمنا عندهم أن تلك الظواهر ~~لها أسرار وبواطن؛ وأن أمارة الأحمق الانخداع بظواهرها، وعلامة الفطنة ~~اعتقاد بواطنها؛ ثم نبث إليهم عقائدنا، ونزعم أنها المراد بظواهر القرآن. ~~ثم إذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج سائر الفرق بعد التحيز إلى هؤلاء ~~والتظاهر بنصرهم. # ثم قالوا: طريقنا أن نختار رجلا ممن يساعدنا على المذهب، ونزعم أنه من ~~أهل البيت، وأنه يجب على كافة الخلق مبايعته وتتعين عليهم طاعته، فإنه ~~خليفة رسول الله، ومعصوم عن الخطأ والزلل من جهة الله تعالى، ثم لا نظهر ~~هذه الدعوة على القرب من جوار الخليفة «2» الذي وسمناه بالعصمة، فإن قرب ~~الدار ربما يهتك هذه الأستار؛ وإذا بعدت الشقة وطالت المسافة فمتى يقدر ~~المستجيب إلى الدعوة أن يفتش عن حاله، وأن يطلع على حقيقة أمره، ومقصدهم ~~بذلك كله الملك والاستيلاء والتبسط فى أموال المسلمين وحريمهم، والانتقام ~~منهم فيما اعتقدوه فيهم وعاجلوهم به من النهب والسفك، وأفاضوا عليهم من ~~فنون البلاء. # فهذه غاية مقصدهم، ومبدأ أمرهم. ويتضح لك مصداق ذلك بما سنجليه من خبائث ~~مذهبهم، وفضائح معتقدهم. PageV01P027 ### | AUTO الباب الثالث فى درجات حيلهم، وسبب الاغترار بها مع ظهور فسادها ~~وفيه فصلان ### || AUTO الفصل الأول فى درجات حيلهم # وقد نظموها على تسع درجات مرتبة، ولكل مرتبة اسم؛ أولها: الزرق والتفرس، ~~ثم التأنيس، ثم التشكيك، ثم التعليق، ثم الربط، ثم التدليس، ثم التلبيس، ثم ~~الخلع، ثم السلخ. # ولنبين الآن تفصيل كل مرتبة من هذه المراتب، ففى الاطلاع على هذه الحيل ~~فوائد جمة لجماهير الأمة. # أما الزرق «1» والتفرس فهو أنهم قالوا: ينبغى أن يكون الداعى فطنا ذكيا، ~~صحيح الحدس، صادق الفراسة، متفطنا للبواطن بالنظر إلى الشمائل والظواهر، ~~وليكن قادرا على ثلاثة أمور: (الأول) وهو أهمها: أن يميز بين من يجوز أن ms015 ~~يطمع فى استدراجه ويوثق بلين عريكته لقبول ما يلقى إليه على خلاف معتقده. ~~فرب رجل جمود على ما سمعه لا يمكن أن ينتزع من نفسه ما يرسخ فيه، فلا يضيعن ~~الداعى كلامه مع مثل هذا. وليقطع طمعه منه؛ وليلتمس من فيه انفعال وتأثر ~~بما يلقى إليه من الكلام، وهم الموصوفون بالصفات التى سنذكرها فى الفصل ~~الذي يلى هذا الفصل. وينبغى أن نتقى، بكل حال، بث البذر فى السبخ «2»، ~~والدخول إلى بيت فيه PageV01P029 ~~سراج- يعنى به الزجر عن دعوة العباسية- مد الله دولتهم إرغاما لأنوف ~~أعدائها فإن ذلك لا ينغرس أبد الدهر فى نفوسهم، كما لا ينغرس البذر فى ~~الأرض السبخة بزعمهم؛ ويزجرون أيضا عن دعوة الأذكياء من الفضلاء وذوى ~~البصائر بطرق الجدال ومكامن الاحتيال، وبه يعنون الزجر عن بيت فيه سراج. # (الثانى) أن يكون مشتعل الحدس، ذكى الخاطر فى تعبير الظواهر وردها إلى ~~البواطن؛ إما اشتقاقا من لفظها، أو تلقيا من عددها، أو تشبيها لها بما ~~يناسبها. # وبالجملة فإذا لم يقبل المستجيب منه تكذيب القرآن والسنة فينبغى أن ~~يستخرج من قلبه معناه، الذي فهمه، ويترك معه اللفظ منزلا على معنى يناسب ~~هذه البدعة، فإنه لو شافهه بالتكذيب لم يقبل منه. # (الثالث) - من الزرق والتفرس- ألا يدعو كل أحد إلى مسلك واحد، بل يبحث ~~أولا عن معتقده وما إليه ميله فى طبعه ومذهبه؛ فأما طبعه فإن رآه مائلا إلى ~~الزهد والتقشف والتقوى والتنظف دعاه إلى الطاعة والانقياد واتباع الأمر من ~~المطاع وزجره عن اتباع الشهوات، وندبه إلى وظائف العبادات، وتأدية الأمانات ~~من الصدق وحسن المعاملة والأخلاق الحسنة، وخفض الجناح لذوى الحاجات، ولزوم ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ وان كان طبعه مائلا إلى المجون والخلاعة ~~قرر فى نفسه أن العبادة بله وأن الورع حماقة، وأن هؤلاء المعذبين بالتكاليف ~~مثالهم مثل الحمر المعناة بالأحمال الثقيلة؛ وإنما الفطنة فى اتباع الشهوة ~~ونيل اللذة وقضاء الوطر من هذه الدنيا المنقضية التى لا سبيل إلى تلافى ~~لذاتها عند انقضاء العمر. # وأما حال المدعو من حيث المذهب فإن كان من ms016 الشيعة فلنفاتحه بأن الأمر كله ~~فى بغض بنى تيم «1» وبنى عدى «2» وبنى أمية «3» وبنى العباس «4» وأشياعهم، وفى PageV01P030 ~~التبرى منهم ومن أتباعهم، وفى تولى الأئمة الصالحين وفى انتظار خروج ~~المهدي؛ وإن كان المدعو ناصبيا ذكر له أن الأمة إنما أجمعت على أبى بكر ~~وعمر، ولا يقدم إلا من قدمته الأمة؛ حتى إذا اطمأن إليه قلبه ابتدأ بعد ذلك ~~يبث الأسرار على سبيل الاستدراج المذكور بعد؛ وكذلك إن كان من اليهود ~~والمجوس والنصارى حاوره بما يضاهى مذهبهم من معتقداته، فإن معتقد الدعاة ~~ملتقط من فنون البدع والكفر، فلا نوع من البدعة إلا وقد اختاروا منه شيئا، ~~ليسهل عليهم بذلك مخاطبة تلك الفرق على ما سنحكى من مذهبهم. # أما حيلة «التأنيس» فهو أن يوافق كل من هم بدعوته فى أفعال يتعاطاها هو ~~ومن تميل إليه نفسه وأول ما يفعل الأنس بالمشاهدة على ما يوافق اعتقاد ~~المدعو فى شرعه؛ وقد رسموا للدعاة والمأذونين أن يجعلوا مبيتهم كل ليلة عند ~~واحد من المستجيبين، ويجتهدون فى استصحاب من له صوت طيب فى قراءة القرآن ~~ليقرأ عندهم زمانا، ثم يتبع الداعى ذلك كله بشي ء من الكلام الرقيق وأطراف ~~من المواعظ اللطيفة الآخذة بمجامع القلوب؛ ثم يردف ذلك بالطعن فى السلاطين ~~وعلماء الزمان وجهال العوام، ويذكر أن الفرج منتظر من كل ذلك ببركة أهل بيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فيما بين ذلك يبكى أحيانا ويتنفس ~~الصعداء. # وإذا ذكر آية أو خبرا ذكر أن لله سرا فى كلماته لا يطلع عليه إلا من ~~اجتباه الله من خلقه وميزه بمزيد لطفه، فإن قدر على أن يتهجد بالليل مصليا ~~وباكيا عند غيبة صاحب البيت بحيث يطلع عليه صاحب البيت، ثم إذا أحس بأنه ~~اطلع عليه عاد إلى مبيته واضطجع كالذى يقصد إخفاء عبادته، وكل ذلك ليستحكم ~~الأنس به ويميل القلب إلى الإصغاء إلى كلامه، فهذه هى مرتبة التأنيس. # وأما حيلة «التشكيك» فمعناه أن الداعى ينبغى له بعد التأنيس أن يجتهد فى ~~تغيير اعتقاد المستجيب بأن يزلزل عقيدته ms017 فيما هو مصمم عليه. # وسبيله أن يبتدئه بالسؤال عن الحكمة فى مقررات الشرائع وغوامض «1» PageV01P031 ~~المسائل وعن المتشابه من الآيات وكل ما لا ينقدح فيه معنى معقول. فيقول فى ~~معنى المتشابه: ما معنى «الر» و«كهيعص» و«حم عسق»، إلى غير ذلك من أوائل ~~السور؟ ويقول: «أترى أن تعيين هذه الحروف جرى وفاقا بسبق اللسان، أو قصد ~~تعيينها لأسرار هى مودعة تحتها لم تصادف فى غيرها؟ وما عندى أن ذلك يكون ~~هزلا وعبثا بلا فائدة». # ويشكك فى الأحكام: ما بال الحائض تقضى الصوم دون الصلاة؟ ما بال الاغتسال ~~يجب من المنى الطاهر ولا يجب من البول النجس؟ ويشككه فى أخبار القرآن ~~فيقول: ما بال أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة؟ وما معنى قوله: ~~ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [الحاقة: 17]، وقوله تعالى: عليها تسعة ~~عشر [المدثر: 30] أفترى ضاقت القافية فلم يكمل العشرين؟ أو جرى ذلك وفاقا ~~بحكم سبق اللسان، أو قصدا لهذا التقييد ليخيل أن تحته سرا، وأنه فى نفسه ~~لسر ليس يطلع عليه إلا الأنبياء والأئمة الراسخون فى العلم، ما عندى أن ذلك ~~يخلو عن سر وينفك من فائدة كامنة؛ والعجب من غفلة الخلق عنها لا يشمرون عن ~~ساق الجد فى طلبها. # ثم يشككه فى خلقة العالم وجسد الآدمى ويقول: لم كانت السموات سبعا دون أن ~~تكون ستا أو ثمانى؟ ولم كانت الكواكب السيارة سبعة والبروج اثنى عشر؟ # ولم كان فى رأس الآدمى سبع ثقب: العينان والأذنان والمنخران والفم وفى ~~بدنه ثقبان فقط؟ ولم جعل رأس الآدمى على هيئة الميم ويداه إذا مدها على ~~هيئة الحاء، والعجز على هيئة الميم والرجلان على هيئة الدال بحيث إذا جمع ~~الكل يشكل بصورة محمد؟ أفترى أن فيه تشبيها ورمزا؟ ما أعظم هذه العجائب! ~~وما أعظم غفلة الخلق عنها! ولا يزال يورد عليه هذا الجنس حتى يشككه وينقدح ~~فى نفسه أن تحت هذه الظواهر أسرارا سدت عنه وعن أصحابه، وينبعث منه شوق إلى طلبه. # وأما حيلة التعليق فبأن يطوى عنه جوانب هذه الشكوك إذا هو استكشفه ms018 عنها، PageV01P032 ~~ولا ينفس عنه أصلا، بل يتركه معلقا ويهول الأمر عليه ويعظمه فى نفسه ويقول ~~له: لا تعجل، فإن الدين أجل من أن يعبث به، أو أن يوضع فى غير موضعه ويكشف ~~لغير أهله، هيهات، هيهات! # جئتمانى لتعلما سر سعدى ... تجدانى بسر سعدى شحيحا # ثم يقول له لا تعجل! إن ساعدتك السعادة سنبث إليك سر ذلك، أما سمعت قول ~~صاحب الشرع: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ~~ظهر «1» أبقى «2». # وهكذا لا يزال يسوقه ثم يدافعه حتى إن رآه أعرض عنه واستهان به وقال: ما ~~لي ولهذا الفضول، وكان لا يحيك فى صدره حرارة هذه الشكوك، قطع الطمع عنه؛ ~~وإن رآه متعطشا إليه وعده فى وقت معين، وأمره بتقديم الصوم والصلاة والتوبة ~~قبله؛ وعظم أمر هذا السر المكتوم. حتى إذا وافى الميعاد قال له: إن هذه ~~الأسرار مكتومة لا تودع إلا فى سر محصن؛ فحصن حرزك، وأحكم مداخله حتى أودعه ~~فيه. فيقول المستجيب: وما طريقه؟ فيقول: أن آخذ عهد الله وميثاقه على كتمان ~~هذا السر ومراعاته عن التضييع فإنه الدر الثمين والعلق النفيس؛ وأدنى درجات ~~الراغب فيه صيانته عن التضييع؛ وما أودع الله هذه الأسرار أنبياءه إلا بعد ~~أخذه عهدهم وميثاقهم؛ وتلا قوله تعالى: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ~~ومن نوح [الأحزاب: 7] الآية وقال تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه [الأحزاب: 23]؛ وقال تعالى: ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ~~[النحل: 91]. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفشه إلا بعد أخذ العهد ~~على الخلفاء وأخذ البيعة على الأنصار تحت الشجرة «3». فإن كنت راغبا فاحلف ~~لى على كتمانه، وأنت PageV01P033 ~~بالخيرة «1» بعده، فإن وفقت لدرك حقيقته سعدت سعادة عظيمة، وإن اشمأزت نفسك ~~عنه فلا غرو فإن كلا ميسر لما خلق له؛ ونحن نقدر كأنك لم تسمع ولم تحلف، ~~ولا ضير عليك فى يمين صادقة، فإن أبى الحلف خلاه، وإن أنعم وأجاب فيه، وجه ~~الحلف واستوفاه. # وأما حيلة الربط فهو أن يربط لسانه بأيمان ms019 مغلظة وعهود مؤكدة، لا يجسر ~~على المخالفة لها بحال. وهذه نسخه العهد: # يقول الداعى للمستجيب: «جعلت على نفسك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله عليه ~~السلام، وما أخذ الله على النبيين من عهد وميثاق، أنك تسر ما سمعته منى ~~وتسمعه، وعلمته وتعلمه من أمرى وأمر المقيم بهذه البلدة لصاحب الحق الإمام ~~المهدى، وأمور إخوانه وأصحابه وولده وأهل بيته، وأمور المطيعين له على هذا ~~الدين، ومخالصة المهدى ومخالصة شيعته من الذكور والإناث، والصغار والكبار؛ ~~ولا تظهر من ذلك قليلا ولا كثيرا تدل به عليه، إلا ما أطلقت لك أن تتكلم به ~~أو أطلق لك صاحب الأمر المقيم فى هذا البلد أو فى غيره؛ فتعمل حينئذ بمقدار ~~ما نرسمه لك ولا تتعداه؛ جعلت على نفسك الوفاء بما ذكرته لك وألزمته نفسك ~~فى حال الرغبة والرهبة، والغضب والرضى، وجعلت على نفسك عهد الله وميثاقه أن ~~تتبعنى وجميع من أسميه لك وأبينه عندك مما تمنع منه نفسك، وأن تنصح لنا ~~وللإمام ولى الله نصحا ظاهرا وباطنا، وألا تخون الله ولا وليه ولا أحدا من ~~إخوانه وأوليائه ومن يكون منه ومنا بسبب من أهل ومال ونعمة؛ وأنه لا رأى ~~ولا عهد تتناول على هذا العهد بما يبطله. فإن فعلت شيئا من ذلك وأنت تعلم ~~أنك قد خالفته، فأنت بري ء من الله ورسله الأولين والآخرين، ومن ملائكته ~~المقربين، ومن جميع ما أنزل من كتبه على أنبيائه السابقين، وأنت خارج من كل ~~دين، وخارج من حزب الله وحزب أوليائه، وداخل فى حزب الشيطان وحزب أوليائه، ~~وخذلك الله خذلانا بينا يعجل لك بذلك النقمة والعقوبة إن خالفت شيئا مما ~~حلفتك عليه- بتأويل أو بغير تأويل- فإن خالفت شيئا من ذلك فلله عليك أن تحج ~~إلى بيته ثلاثين PageV01P034 ~~حجة نذرا واجبا، ماشيا حافيا. وإن خالفت ذلك فكل ما تملكه فى الوقت الذي ~~تحلف فيه صدقة على الفقراء والمساكين الذين لا رحم بينك وبينهم. وكل مملوك ~~يكون لك فى ملكك يوم تخالف فيه فهم أحرار؛ وكل امرأة تكون لك أو تتزوجها فى ms020 ~~قابل فهى طالق ثلاثا بتة إن خالفت شيئا من ذلك، وإن نويت أو أضمرت فى يمينى ~~هذه خلاف ما قصدت فهذه اليمين من أولها إلى آخرها لازمة لك. والله «الشاهد ~~على صدق نيتك وعقد ضميرك. وكفى بالله شهيدا بينى وبينك. قل: نعم!» - فيقول: ~~«نعم!». # فهذا هو الربط «1». # وأما حيلة التدليس فهو أنه بعد اليمين وتأكيد العهد لا يسمح ببث الأسرار ~~إليه دفعة، ولكن يتدرج فيه ويراعى أمورا: (الأول) أنه يقتصر فى أول وهلة ~~على ذكر قاعدة المذهب ويقول: منار الجهل تحكيم الناس عقولهم الناقصة ~~وآرائهم المتناقضة، وإعراضهم عن الاتباع والتلقى من أصفياء الله وأئمته ~~وأوتاد أرضه، والذين هم خلفاء رسوله من بعده. فمنهم الذين أودعهم الله سره ~~المكنون ودينه المخزون؛ وكشف لهم بواطن هذه الظواهر وأسرار هذه الأمثلة؛ ~~وإن الرشد والنجاة من الضلال بالرجوع إلى القرآن وأهل البيت. ولذلك قال ~~عليه السلام لما قيل: ومن أين يعرف الحق بعدك؟ فقال: «ألم أترك فيكم القرآن ~~وعترتى؟» «2» - وأراد به أعقابه، فهم الذين يطلعون على معانى القرآن. # ويقتصر فى أول وهلة على هذا القدر، ولا يفصح عن تفصيل ما يقوله الإمام. # (الثانى) أن يحتال لإبطال المدرك الثانى من مدارك الحق وهو ظواهر القرآن. # فإن طالب الحق إما أن يفزع إلى التفكر والتأمل والنظر فى مدارك العقول، ~~كما أمر PageV01P035 ~~الله سبحانه به، فيفسد نظر العقل عليه بإيجاب التعلم والاتباع؛ أو يفزع إلى ~~ظواهر القرآن والسنة. ولو صرح له بأنه تلبيس ومحدث. لم يسمع منه؛ فليسلم له ~~لفظه؛ ولينتزع عن قلبه معناه بأن يقول: «هذا الظاهر له باطن هو اللباب، ~~والظاهر قشر بالإضافة إليه، يقنع به من تقاعد به القصور عن درك الحقائق، ~~حتى لا يبقى له معتصم من عقل ومستروح من نقل». # (الثالث) ألا يظهر من نفسه أنه مخالف للأمة كلهم، وأنه منسلخ عن الدين ~~والنحلة، إذ تنفر القلوب عنه، ولكن يعتزى إلى أبعد الفرق عن المسلك ~~المستقيم وأطوعهم لقبول الخرافات، ويتستر بهم، ويتجمل بحب أهل البيت؛ وهم ~~الروافض. # (الرابع): هو أن يقدم فى ms021 أول كلامه أن الباطل ظاهر جلي، والحق دقيق بحيث ~~لو سمعه الأكثرون لأنكروه ونفروا عنه؛ وأن طلاب الحق والقائلين به من بين ~~طلاب الجهل أفراد وآحاد، ليهون عليه التميز عن العامة فى إنكار نظر العقل ~~وظواهر ما ورد به النقل. # (الخامس) إن رآه نافرا عن التفرد عن العامة، فيقول له: «إنى مفش إليك ~~سرا، وعليك حفظه». فإذا قال: «نعم!» - قال: «إن فلانا وفلانا يعتقدون هذا ~~المذهب، ولكنهم يسرونه» - ويذكر له من الأفاضل من يعتقد المستجيب فيه ~~الذكاء والفطنة. # وليكن ذلك المذكور بعيدا عن بلده، حتى لا يتيسر له المراجعة، كما جعلوا ~~الدعوة بعيدة عن مقر إمامهم ووطنه، فإنهم لو أظهروها فى جواره لافتضحوا بما ~~يتواتر من أخباره وأحواله. # (السادس) أن يمنيه بظهور شوكة هذه الطائفة وانتشار أمرهم وعلو رأيهم، ~~وظفر ناصريه أعدائهم، واتساع ذات يدهم ووصول كل واحد منهم إلى مراده حتى ~~تجتمع لهم سعادة الدنيا والآخرة؛ ويعزى بعض ذلك إلى النجوم، وبعضه إلى ~~الرؤيا فى المنام إن أمكنة وضع منامات تنتهى إلى المستجيب على لسان غيره. PageV01P036 # (السابع) ألا يطول الداعى إقامته ببلدة واحدة، فإنه ربما اشتهر أمره وسفك ~~دمه، فينبغى أن يحتاط فى ذلك فيلبس على الناس أمره، ويتعرف إلى كل قوم باسم ~~آخر، وليغير فى بعض الأوقات هيئته ولبسته خوف الآفات ليكون ذلك أبلغ فى ~~الاحتياط. # ثم بعد هذه المقدمات يتدرج قليلا قليلا فى تفصيل المذهب للمستجيب وذكره ~~له على ما سنحكى من معتقده. # وأما حيلة التلبيس- فهو أن يواطئه على مقدمات يتسلمها منه مقبولة الظاهر ~~مشهورة عند الناس ذائعة، ويرسخ ذلك فى نفسه مدة، ثم يستدرجه منها بنتائج ~~باطلة، كقوله: إن أهل النظر لهم أقاويل متعارضة الأحوال متساوية، وكل حزب ~~بما لديهم فرحون. والمطلع على الجوهر: الله. ولا يجوز أن يخفى الله الحق، ~~ولا يوجد أحد [ ....... ] «1» كل الأمر إلى الخلق يتخبطون فيه خبط العشواء ~~ويقتحمون فيه العماية العمياء، إلى غير ذلك من مقدمات يت [ ....... ] «2» # مستعضلة. # وأما حيلة الخلع والسلخ، وهما متفقان؛ وإنما يفترقان فى أن الخلع يختص ~~بالعمل، ms022 فإذا أفضوا بالمستجيب إلى ترك حدود الشرع وتكاليفه يقولون: وصلت ~~إلى درجة الخلع. # أما السلخ فيختص بالاعتقاد الذي هو خلع الدين، فإذا انتزعوا ذلك من قلبه ~~دعوا ذلك سلخا وسميت هذه الرتبة: البلاغ الأكبر. فهذا تفصيل تدريجهم الخلق ~~واستغوائهم فلينظر الناظر فيه وليستغفر الله من الضلال فى دينه. PageV01P037 ### || AUTO الفصل الثانى فى بيان السبب فى رواج حيلتهم وانتشار دعوتهم مع ~~ركاكة حجتهم وفساد طريقتهم # فإن قيل: ما جليتموه من العظائم لا يتصور أن يخفى على عاقل، وقد رأينا ~~خلقا كثيرا وجما غفيرا من الناس يتابعونهم فى معتقدهم وتابعوهم فى دينهم؛ ~~فلعلكم ظلمتموهم بنقل هذه المذاهب عنهم فى خلاف ما يعتقدونه! وهذا هو ~~القريب الممكن؛ فإنهم لو أظهروا هذه الأسرار نفرت القلوب عنهم واطلعت ~~النفوس على مكرهم؛ وما باحوا بها إلا بعد العهود والمواثيق وصانوها إلا عن ~~موافق لهم فى الاعتقاد- فمن أين وقع لكم الاطلاع عليها وهم يسترون ديانتهم ~~ويستبطنون بعقائدهم؟ # قلت: أما الاطلاع على ذلك فإنما عثرنا عليه من جهة خلق كثير تدينوا ~~بدينهم واستجابوا لدعوتهم، ثم تنبهوا لضلالهم فرجعوا عن غوايتهم إلى الحق ~~المبين فذكروا ما ألقوا إليهم من الأقاويل. # وأما سبب انقياد الخلق إليهم فى بعض أقطار الأرض فإنهم لا يفشون هذا ~~الأمر إلا إلى بعض المستجيبين لهم ويوصون الداعى ويقولون له: «إياك أن تسلك ~~بالجميع مسلكا واحدا، فليس كل من يحتمل قبول هذه المذاهب يحتمل الخلع ~~والسلخ، ولا كل من يحتمل الخلع يحتمل السلخ؛ فليخاطب الداعى الناس على قدر ~~عقولهم». فهذا هو السبب فى تعلق هذه الحيل ورواجها. # فإن قيل: هذا أيضا مع الكتمان ظاهر البطلان؛ فكيف ينخدع بمثله عاقل؟ ~~قلنا: لا ينخدع به إلا المائلون عن اعتدال الحال واستقامة الرأي. فللعقلاء ~~عوارض تعمى عليهم طرق الصواب وتقضى عليهم بالانخداع بلامع السراب، وهم ~~ثمانية أصناف: PageV01P038 # (الصنف الأول) طائفة ضعفت عقولهم وقلت بصائرهم وسخفت فى أمور الدين آراؤهم ~~لما جبلوا عليه من البله والبلادة، مثل السواد وأفجاج العرب والأكراد وجفاة ~~الأعاجم وسفهاء الأحداث، ولعل هذا الصنف هم أكبر ms023 الناس عددا. وكيف يستبعد ~~قبولهم لذلك ونحن نشاهد جماعة فى بعض المدائن القريبة من البصرة يعبدون ~~أناسا يزعمون أنهم ورثوا الربوبية من آبائهم المعروفين بالشباسية. وقد ~~اعتقدت طائفة فى على- رضى الله عنه- أنه إله السموات والأرض رب العالمين ~~«1»؛ وهم خلق كثير لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد؛ فلا ينبغى أن يكثر التعجب ~~من جهل الإنسان إذا استحوذ عليه الشيطان واستولى عليه الخذلان. # (الصنف الثانى) طائفة انقطعت الدولة عن أسلافهم بدولة الإسلام، كأبناء ~~الأكاسرة والدهاقين وأولاد المجوس المستطيلين، فهؤلاء موتورون، قد استكن ~~الحقد فى صدورهم كالداء الدفين فإذا حركته تخاييل المبطلين اشتعلت نيرانه ~~فى صدورهم فأذعنوا لقبول كل محال تشوقا إلى درك ثأرهم وتلافى أمورهم. # (الصنف الثالث) طائفة لهم همم طامحة إلى العلياء متطلعة إلى التسلط ~~والاستيلاء؛ إلا أنه ليس يساعدهم الزمان، بل يقصر بهم عن الأتراب والأقران ~~طوارق الحدثان؛ فهؤلاء إذا وعدوا بنيل أمانيهم وسول لهم الظفر بأعاديهم ~~سارعوا إلى قبول ما يظنونه مفضيا إلى مآربهم وسالكا إلى أوطارهم ومطالبهم، ~~فلطالما قيل: «حبك الشي ء يعمى ويصم». ويشترك فى هذا كل من دهاه من طبقة ~~الإسلام آمر يلم به. وكان لا يتوصل إلى الانتصار ودرك الثأر إلا بالاستظهار ~~بهؤلاء الأغبياء الأغمار، فتتوفر دواعيه على قبول ما يرى الأمنية فيه. # (الصنف الرابع) طائفة جبلوا على حب التميز عن العامة والتخصص عنهم ترفعا ~~عن مشابهتهم وتشرفا بالتحيز إلى فئة خاصة تزعم أنها مطلعة على الحقائق، وأن PageV01P039 ~~كافة الخلق فى جهالتهم كالحمر المستنفرة والبهائم المسيبة. وهذا هو الداء ~~العضال المستولى على الأذكياء فضلا عن الجهال الأغبياء؛ وكل ذلك حب للنادر ~~الغريب ونفرة عن الشائع المستفيض؛ وهذه سجية لبعض الخلق، على ما شهدت به ~~التجربة، وتدل عليه المشاهدة. # (الصنف الخامس) طائفة سلكوا طرق النظر ولم يستكملوا فيه رتبة الاستقلال، ~~وإن كانوا قد ترقوا عن رتبة الجهال فهم أبدا متشوقون إلى التكاسل والتغافل ~~وإظهار التفطن لدرك أمور تتخيل العامة بعدها وينفرون عنها، لا سيما إذا نسب ~~الشي ء إلى مشهور بالفضل، فيغلب على الطبع التشوق إلى ms024 التشبه به، فكم من ~~الطوائف رأيتهم اعتقدوا محض الكفر تقليدا لأفلاطن وأرسطاطاليس «1» وجماعة ~~من الحكماء قد اشتهروا بالفضل! وداعيهم إلى ذلك التقليد وحب التشبه ~~بالحكماء والتحيز إلى غمارهم والتحيز عمن يعتقد أنه فى الذكاء والفضل ~~دونهم. فهؤلاء يستجرون إلى هذه البدعة بإضافتها إلى من يحسن اعتقاد ~~المستجيب فيه فيبادر إلى قبوله تشفعا بالتشبه بالذى ذكر أنه من منتحليه. # (الصنف السادس) طائفة اتفق نشوؤهم بين الشيعة والروافض، واعتقدوا التدين ~~بسب الصحابة، ورأوا هذه الفرقة تساعدهم عليها، فمالت نفوسهم إلى المساعدة ~~لهم والاستئناس بهم، وانجرت معهم إلى ما وراء ذلك من خصائص مذهبهم. # (الصنف السابع) طائفة من ملحدة الفلاسفة والثنوية والمتحيرة فى الدين، ~~اعتقدوا أن الشرائع نواميس مؤلفة، وأن المعجزات مخاريق مزخرفة، فإذا رأوا ~~هؤلاء يكرمون من ينتمى إليهم ويفيضون ذخائر الأموال عليهم انتدبوا ~~لمساعدتهم طلبا لحطام الدنيا، واستحقارا لأمر العقبى. # وهذه الطائفة هم الذين لفقوا لهم الشبه وزينوا لهم بطريق التمويه الحجج، PageV01P040 ~~وسووها على شروط الجدل وحدود المنطق من حيث الظاهر وغبوا «1» مكامن التلبيس ~~والمغالطة فيها تحت ألفاظ مجملة، وعبارات كلية مبهمة، قلما يهتدى الناظر ~~الضعيف إلى فك تعقيدها وكشف الغطاء عن مكمن تدليسها، على ما سنورد ما ~~لفقوه، وننبه على المسلك الذي سلكوه ونهجوه، ونكشف عن فساده من عدة وجوه. # (الصنف الثامن) طائفة استولت عليهم الشهوات فاستدرجتهم متابعة اللذات ~~واشتد عليهم وعيد الشرع وثقلت عليهم تكاليفه، فليس يتهنأ عيشهم إذا قرفوا ~~بالفسق والفجور وتوعدوا بسوء العاقبة فى الدار الآخرة؛ فإذا صادفوا من يفتح ~~لهم الباب ويرفع عنهم الحجز والحجاب ويحسن لهم ما هم مستحسنون له بالطبع، ~~تسارعوا إلى التصديق بالرغبة والطوع؛ وكل إنسان مصدق لما يوافق هواه ويلائم ~~غرضه ومناه؛ فهؤلاء ومن يجرى مجراهم هم الذين عدموا التوفيق فانخدعوا بهذه ~~المخاريق، وزاغوا عن سواء الطريق وحدود التحقيق. PageV01P041 ### | AUTO الباب الرابع فى نقل مذهبهم جملة وتفصيلا # أما الجملة: فهو أنه مذهب ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر ~~مدارك العلوم فى قول الإمام المعصوم، وعزل العقول عن أن تكون مدركة للحق ms025 ~~لما يعتريها من الشبهات ويتطرق إلى النظار من الاختلافات، وإيجاب لطلب الحق ~~بطريق التعليم والتعلم، وحكم بأن المعلم المعصوم هو المستبصر، وأنه مطلع من ~~جهة الله على جميع أسرار الشرائع، يهدى إلى الحق ويكشف عن المشكلات؛ وأن كل ~~زمان لا بد فيه من إمام معصوم يرجع إليه فيما يستبهم من أمور الدين. # هذا مبدأ دعوتهم. ثم إنهم بالآخرة يظهرون ما يناقض الشرع وكأنه غاية ~~مقصدهم، لأن سبيل دعوتهم ليس بمتعين فى فن واحد، بل يخاطبون كل فريق بما ~~يوافق رأيه بعد أن يظفروا منهم. بالانقياد لهم والموالاة لإمامهم، فيوافقون ~~اليهود والنصارى والمجوس «1» على جملة معتقداتهم ويقرونهم عليها، فهذه جملة ~~المذهب. # وأما تفصيله: فيتعلق بالإلهيات، والنبوات، والإمامة، والحشر والنشر. وهذه ~~أربعة أطراف؛ وأنا مقتصر فى كل طرف على نبذة يسيرة من حكاية مذهبهم، فإن ~~النقل عنهم مختلف؛ وأكثر ما حكى عنهم إذا عرض عليهم أنكروه، وإذا روجع فيه ~~الذين استجابوا لدعوتهم جحدوه. # والذي قدمناه فى جملة مذهبهم يقتضي لا محالة أن يكون النقل عنهم مختلفا ~~مضطربا. فإنهم لا يخاطبون الخلق بمسلك واحد، بل غرضهم الاستتباع والاحتيال، ~~فلذلك تختلف كلمتهم ويتفاوت نقل المذهب عنهم، فإن ما حكى PageV01P043 ~~عنهم فى الخلع والسلخ لا يظهرونه إلا مع من بلغ الغاية القصوى بل ربما ~~يخاطبون بالخلع من ينكرون معه السلخ فلنرجع إلى بيان أطراف المذهب. # (الطرف الأول) فى معتقدهم فى الإلهيات # وقد اتفقت أقاويل نقلة المقالات من غير تردد أنهم قائلون بإلهين «1» ~~قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني؛ ~~واسم العلة: السابق، واسم المعلول: التالي؛ وأن السابق خلق العالم بواسطة ~~التالى، لا بنفسه. وقد يسمى الأول: عقلا، والثانى نفسا. ويزعمون أن الأول ~~هو التام بالفعل، والثانى بالإضافة إليه ناقص، لأنه معلوله، وربما لبسوا ~~على العوام مستدلين بآيات من القرآن عليه، كقوله تعالى: إنا نحن نزلنا ~~[الحجر: 9]. وإنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا [الإنسان: 23] ونحن قسمنا ~~[الزخرف: 32] وزعموا أن هذه إشارة إلى جمع لا يصدر عن واحد «2»، ولذلك قال: ~~سبح ms026 اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] إشارة إلى السابق من الإلهين، فإنه الأعلى ~~ولو لا أن معه إلها آخر له العلو أيضا لما انتظم إطلاق الأعلى، وربما ~~قالوا: الشرع سماهما باسم القلم واللوح. والأول هو القلم، فإن القلم مفيد ~~واللوح مستفيد متأثر، والمفيد فوق المستفيد. وربما قالوا: اسم «التالى»: ~~قدر فى لسان الشرع، وهو الذي خلق الله به العالم حيث قال: إنا كل شي ء ~~خلقناه بقدر [القمر: 49]. # ثم قالوا: السابق لا يوصف بوجود ولا عدم، فإن العدم نفى والوجود سببه، ~~فلا هو موجود ولا هو معدوم، ولا هو معلوم ولا هو مجهول، ولا هو موصوف ولا ~~غير موصوف، وزعموا أن جميع الأسامى منتفية عنه، وكأنهم يتطلعون فى الجملة ~~لنفى الصانع؛ فإنهم لو قالوا إنه معدوم لم يقبل منهم، بل منعوا الناس من تسميته PageV01P044 ~~موجودا، وهو عين النفى مع تغيير العبارة؛ لكنهم تحذقوا «1» فسموا هذا النفى ~~تنزيها، وسموا مناقضه تشبيها، حتى تميل القلوب إلى قبوله. # ثم قالوا: العالم قديم، أى وجوده ليس مسبوقا بعدم زماني؛ بل حدث من ~~السابق: التالى وهو أول مبدع، وحدث من المبدع الأول النفس الكلية الفاشية ~~جزئياتها فى هذه الأبدان المركبة، وتولد من حركة النفس الحرارة، ومن سكونها ~~البرودة؛ ثم تولد منهما الرطوبة واليبوسة؛ ثم تولدت من هذه الكيفيات ~~الاستقصات الأربع وهى: النار والهواء والماء والأرض؛ ثم إذا امتزجت على ~~اعتدال ناقص حدثت منها المعادن؛ فإن زاد قربها من الاعتدال وانهدم صرفية ~~التضاد منها تولد منها النبات، وإن زاد تولد الحيوان، فإن ازداد قربا تولد ~~الإنسان، وهو منتهى الاعتدال. # فهذا ما حكى من مذهبهم إلى أمور أخر هى أفحش مما ذكرناه لم نر تسويد ~~البياض بنقلها ولا تبيان وجه الرد عليها لمعنيين: (أحدهما) أن المنخدعين ~~بخداعهم وزورهم والمتدلين بحبل غرورهم فى عصرنا هذا لم يسمعوا هذا منهم، ~~فينكرون جميع ذلك إذا حكى من مذهبهم، ويحدثون فى أنفسهم أن هؤلاء إنما ~~خالفوا لأنه ليس عندهم حقيقة مذهبنا؛ ولو عرفوها لوافقونا عليها، فنرى أن ~~نشتغل بالرد عليهم فيما اتفقت كلمتهم ms027 وهو إبطال الرأى والدعوة إلى التعلم ~~من الإمام المعصوم، فهذه عمدة معتقدهم، وزبدة مخضهم، فلنصرف العناية إليه، ~~وما عداه فمن سقم إلى هذيان ظاهر البطلان، وإلى كفر مسترق من الثنوية ~~والمجوس فى القول بالإلهين، مع تبديل عبارة: «النور والظلمة» ب «السابق ~~والتالى»؛- إلى ضلال منتزع من كلام الفلاسفة فى قولهم إن المبدأ الأول علة ~~لوجود العقل على سبيل اللزوم عنه، لا على سبيل القصد والاختيار؛ وإنه حصل ~~من ذاته بغير واسطة سواه. # نعم! يثبتون موجودات قديمة يلزم بعضها عن بعض، ويسمونها عقولا، ويحيلون PageV01P045 ~~وجود كل فلك على عقل من تلك العقول؛ فى خبط لهم طويل، قد استقصينا وجه الرد ~~عليهم فى ذلك فى فن الكلام «1»، ولسنا نشتغل فى هذا الكتاب إلا بما يخص هذه ~~الفرقة، وهو إبطال الرأى وإثبات التعليم. # (الطرف الثانى) فى بيان معتقدهم فى النبوات # والمنقول عنهم قريب من مذهب الفلاسفة، وهو أن النبي عبارة عن شخص فاضت ~~عليه من السابق- بواسطة التالى- قوة قدسية صافية مهيأة لأن تنتقش- عند ~~الاتصال بالنفس الكلية- بما فيها من الجزئيات، كما قد يتفق ذلك لبعض النفوس ~~الزكية فى المنام حتى تشاهد من مجارى الأحوال فى المستقبل: إما صريحا ~~بعينه، أو مدرجا تحت مثال يناسبه مناسبة ما؛ فتفتقر فيه إلى التعبير؛ إلا ~~أن النبي هو المستعد لذلك فى اليقظة؛ فلذلك يدرك النبي الكليات العقلية عند ~~شروق ذلك النور وصفاء القوة النبوية، كما ينطبع مثال المحسوسات فى القوة ~~الباصرة من العين عند شروق نور الشمس على سطوح الأجرام السفلية. # وزعموا أن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه، ورمز إليه، لا أنه شخص ~~متجسم متركب عن جسم لطيف أو كثيف يناسب المكان حتى ينتقل من علو إلى أسفل. # وأما القرآن فهو عندهم تعبير «محمد» عن المعارف التى فاضت عليه من العقل ~~الذي هو المراد باسم جبريل؛ ويسمى «كلام الله» تعالى مجازا، فإنه مركب من ~~جهته، وإنما الفائض عليه من الله بواسطة جبريل بسيط لا تركيب فيه وهو باطن ~~لا ظهور له؛ وكلام النبي وعبارته عنه ظاهر لا بطون له. ms028 وزعموا أن هذه القوة ~~القدسية الفائضة على النبي لا تستكمل فى أول حلولها، كما لا تستكمل النطفة ~~الحالة فى الرحم إلا بعد تسعة أشهر فكذلك هذه القوة: كمالها فى أن تنتقل من ~~الرسول الناطق إلى الأساس الصامت. وهكذا تنتقل إلى أشخاص بعضهم PageV01P046 ~~بعد بعض فيكمل فى السابع؛ كما سنحكى معنى قولهم فى: الناطق، والأساس، ~~والصامت. # وهذه المذاهب أيضا مستخرجة من مذاهب الفلاسفة فى النبوات، مع تحريف ~~وتغيير. ولسنا نخوض فى الرد عليهم فيه، فإن بعضها يمكن أن يتأول على وجه لا ~~ننكره، والقدر الذي ننكره قد استقصينا وجه الرد فيه على الفلاسفة «1». ~~ولسنا فى هذا الكتاب نقصد إلا الرد على نابغة الزمان فى خصوص مذهبهم الذي ~~انفردوا به عن غيرهم، وهو إيجاب التعليم وإبطال الرأى. # (الطرف الثالث) بيان معتقدهم فى الإمامة # وقد اتفقوا على أنه لا بد فى كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه ~~فى تأويل الظواهر وحل الإشكالات فى القرآن والأخبار والمعقولات، واتفقوا ~~على أنه المتصدى لهذا الأمر، وأن ذلك جار فى نسبهم لا ينقطع أبد الدهر، ولا ~~يجوز أن ينقطع إذ يكون فيه إهمال الحق وتغطيته على الخلق وإبطال قوله عليه ~~السلام! -[كل سبب ونسب ينقطع إلا سببى ونسبى]، وقوله: [ألم أترك فيكم ~~القرآن وعترتى؟!]- واتفقوا على أن الإمام يساوى النبي فى العصمة والاطلاع ~~على حقائق الحق فى كل الأمور، إلا أنه لا ينزل إليه الوحى، وإنما يتلقى ذلك ~~من النبي فإنه خليفته وبإزاء منزلته، ولا يتصور فى زمان واحد إمامان، كما ~~لا يتصور نبيان تختلف شريعتهما، نعم يستظهر الإمام بالحجج والمأذونين ~~والأجنحة، والحجج: هم الدعاة فقالوا لا بد للإمام فى كل وقت من اثنى عشر ~~حجة ينتدبون فى الأقطار متفرقين فى الأمصار، وليلازم أربعة من جملة الاثنى ~~عشر حضرته فلا يفارقونه؛ ولا بد لكل حجة من معاونين له على أمره، فإنه لا ~~ينفرد بالدعوة بنفسه، واسم المعاون: «المأذون» عندهم، ولا بد للدعاة من رسل ~~إلى الإمام، يرفعون إليه الأحوال، ويصدرون عنه إليهم، واسم الرسول: ~~«الجناح»، ms029 ولا بد للداعى من أن يكون بالغا PageV01P047 ~~فى العلم، والمأذون- وإن كان دونه- فلا بأس بعد أن يكون عالما على الجملة؛ ~~وكذلك الجناح. # ثم إنهم قالوا: كل نبى لشريعته مدة، فإذا انصرمت مدته بعث الله نبيا آخر ~~ينسخ شريعته، ومدة شرعة كل نبى سبعة أعمار، وهو سبعة قرون؛ فأولهم هو النبي ~~الناطق، ومعنى الناطق أن شريعته ناسخة لما قبله، ومعنى الصامت أن يكون ~~قائما على ما أسسه غيره، ثم إنه يقوم بعد وفاته ستة أئمة: إمام بعد إمام. ~~فإذا انقضت أعمارهم ابتعث الله نبيا آخر ينسخ الشريعة المتقدمة، وزعموا أن ~~أمر آدم جرى على هذا المثال، وهو أول نبى ابتعثه الله فى فتح باب ~~الجسمانيات وحسم دور الروحانيات. # ولكل نبى سوس، والسوس: هو الباب إلى علم النبي فى حياته والوصى بعد ~~وفاته، والإمام لمن هو فى زمانه، كما قال عليه السلام، [أنا مدينة العلم، ~~وعلى بابها]. وزعموا أن آدم كان سوسه شيث، وهو الثانى، ويسمى من بعده متما ~~ولاحقا وإماما، وإنما كان استتمام دور آدم سبعة، لأن استتمام دور العالم ~~العلوى بسبعة من النجوم، ولما استتم دور آدم ابتعث الله نوحا ينسخ شريعته، ~~وكان سوسه: سام، فلما استتم دوره بمضى ستة سواه وسبعة معه ابتعث الله ~~إبراهيم ينسخ شريعته، وكان سوسه: إسحاق. ومنهم من يقول: لا، بل إسماعيل، ~~فلما استتم دوره بالسابع معه ابتعث الله موسى ينسخ شريعته، وكان سوسه: ~~هارون، فمات هارون فى حياة موسى، فصار سوسه يوشع بن «1» نون. فلما استتم ~~دوره بالسابع معه ابتعث الله عيسى ينسخ شريعته، وسوسه: شمعون، ولما استتم ~~دوره بالسابع ابتعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وسوسه: علي عليه السلام، ~~وقد استتم دوره بجعفر بن محمد، فإن الثانى من الأئمة: الحسن بن على «2»، ~~والثالث الحسين بن PageV01P048 ~~على «1»، والرابع على بن الحسين «2»، والخامس محمد بن على «3»، والسادس ~~جعفر «4» بن محمد عليه السلام، وقد استتموا سبعة معه، وصارت شريعته ناسخة. # وهكذا يدور الأمر أبد الدهر. # هذا ما نقل عنهم مع خرافات كثيرة أهملنا ذكرها ضنة بالبياض ms030 أن يسود بها. # (الطرف الرابع) بيان مذهبهم فى القيامة والمعاد # وقد اتفقوا عن آخرهم على إنكار القيامة، وأن هذا النظام المشاهد فى ~~الدنيا، من تعاقب الليل والنهار، وحصول الإنسان من نطفة، والنطفة من إنسان ~~وتولد النبات، وتولد الحيوانات لا يتصرم أبدا الدهر، وأن السموات والأرض لا ~~يتصور انعدام أجسامها وأولوا القيامة وقالوا إنها رمز إلى خروج الإمام ~~وقيام قائم الزمان وهو السابع الناسخ للشرع المغير للأمر. # وربما قال بعضهم: إن للفلك أدوارا كلية، تتبدل أحوال العالم تبدلا كليا ~~بطوفان عام، أو سبب من الأسباب، فمعنى القيامة انقضاء دورنا الذي نحن فيه، ~~وأما المعاد فأنكروا ما ورد به الأنبياء، ولم يثبتوا الحشر والنشر للأجساد، ~~ولا الجنة والنار ولكن قالوا: معنى المعاد عود كل شي ء إلى أصله، والإنسان ~~متركب من العالم الروحانى والجسمانى، أما الجسمانى منه، وهو جسده، فمتركب ~~من الأخلاط الأربعة: الصفراء والسوداء والبلغم والدم، فينحل الجسد ويعود كل ~~خلط إلى الطبيعة العالية، أما الصفراء فتصير نارا، وتصير السوداء ترابا ~~ويصير الدم هواء، ويصير البلغم ماء، وذلك هو معاد الجسم، وأما الروحانى، ~~وهو النفس المدركة العاقلة من الإنسان، فإنها إن صفيت بالمواظبة على ~~العبادات، وزكيت بمجانبة الهوى والشهوات، وغذيت بغذاء العلوم والمعارف PageV01P049 ~~المتلقاة من الأئمة الهداة، اتحدت عند مفارقة الجسم بالعالم الروحانى الذي ~~منه انفصالها وتسعد بالعود إلى وطنها الأصلي، ولذلك سمى رجوعا فقيل: ارجعي ~~إلى ربك راضية مرضية [الفجر: 28] وهى الجنة، وإليه وقع الرمز بقصة آدم ~~وكونه فى الجنة ثم انفصاله عنها ونزولها إلى العالم السفلانى ثم عوده إليها ~~بالآخرة. # وزعموا أن كمال النفس بموتها، إذ به خلاصها من ضيق الجسد والعالم ~~الجسمانى، كما أن كمال النطفة فى الخلاص من ظلمات الرحم والخروج إلى فضاء ~~العالم، والإنسان كالنطفة، والعالم كالرحم، والمعرفة كالغذاء. فإذا نفذت ~~فيه صارت بالحقيقة كاملة وتخلصت، فإذا استعدت لفيض العلوم الروحانية، ~~باكتساب العلوم من الأئمة وسلوك طرقها المفيدة بإرشادهم استكملت عند مفارقة ~~الجسد، وظهر لها ما لم يظهر. ولذلك قال عليه السلام: [الناس نيام فإذا ~~ماتوا ms031 انتبهوا] «1». # وكلما ازدادت النفس عن عالم الحسيات بعدا ازدادت للعلوم الروحانية ~~استعدادا، وكذلك إذا ركدت الحواس بالنوم اطلعت على عالم الغيب، واستشعرت ما ~~سيظهر فى المستقبل: إما بعينه، فيغنى عن المعبر، أو بمثال فيحتاج إلى ~~التعبير، فالنوم أخو الموت، وفيه يظهر علم ما لم يكن فى اليقظة؛ فكذا ~~بالموت تنكشف أمور لم تخطر على قلب بشر فى الحياة، وهذا للنفوس التى قدستها ~~الرياضة العملية والعلمية، فأما النفوس المنكوسة المغمورة فى عالم الطبيعة ~~المعرضة عن رشدها من الأئمة المعصومين فإنها تبقى أبد الدهر فى النار، على ~~معنى أنها تبقى فى العالم الجسمانى تتناسخها الأبدان «2»، فلا تزال تتعرض فيها PageV01P050 ~~للألم والأسقام فلا تفارق جسدا إلا ويتلقاها آخر، ولذلك قال تعالى: كلما ~~نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب [النساء: 56] فهذا مذهبهم ~~فى المعاد، وهو بعينه مذهب الفلاسفة، وإنما شاع فيهم لما انتدب لنصرة ~~مذهبهم جماعة من الثنوية والفلاسفة، فكل واحد نصر مذهبهم طمعا فى أموالهم ~~وخلعهم، واستظهارا بأتباعهم لما كان قد ألفه فى مذهبه، فصار أكثر مذهبهم ~~موافقا للثنوية والفلاسفة فى الباطن، وللروافض والشيعة فى الظاهر. وغرضهم ~~بهذه التأويلات انتزاع المعتقدات الظاهرة من نفوس الخلق حتى تبطل به الرغبة ~~والرهبة، ثم ما أوهموه وهذوا به لا يفهم فى نفسه، ولا يؤثر فى ترغيب ~~وترهيب، وسنشير إلى كلام وجيز فى الرد عليهم فى هذا الفن وأخباره فى آخر الفصل. # (الطرف الخامس) فى اعتقادهم فى التكاليف الشرعية # والمنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات ~~واستحلالها وإنكار الشرائع، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم، ~~وإنما الذي يصح من معتقدهم فيه أنهم يقولون: لا بد من الانقياد للشرع فى ~~تكاليفه، على التفصيل الذي يفصله الإمام، من غير متابعة الشافعى وأبى حنيفة ~~وغيرهما، وإن ذلك واجب على الخلق والمستجيبين إلى أن ينالوا رتبة الكمال فى ~~العلوم، فإذا أحاطوا من جهة الإمام بحقائق الأمور، واطلعوا على بواطن هذه ~~الظواهر انحلت عنهم هذه القيود، وانحطت عنهم التكاليف العملية، فإن المقصود ~~من أعمال الجوارح تنبيه القلب لينهض ms032 لطلب العلم، فإذا ناله استعد للسعادة ~~القصوى، فيسقط عنه تكليف الجوارح، وإنما تكليف الجوارح فى حق من يجرى بجهله ~~مجرى الحمر التى لا يمكن رياضتها إلا بالأعمال الشاقة، وأما الأذكياء ~~والمدركون للحقائق فدرجتهم أرفع من ذلك، وهذا فن من الإغواء شديد على ~~الأذكياء، وغرضهم هدم قوانين الشرع، ولكن يخادعون كل ضعيف بطريق يغويه ~~ويليق به، وهذا من الإضلال البارد، وهو فى حكم ضرب المثال كقول القائل: إن ~~الاحتماء عن الأطعمة المضرة إنما يجب على من فسد PageV01P051 ~~مزاجه، فأما من اكتسب اعتدال المزاج فليواظب على أكل ما شاء أي وقت شاء، ~~فلا يلبث المصغى إلى هذا الضلال أن يمعن فى المطعومات المضرة إلى أن تتداعى ~~به إلى الهلاك. # فإن قيل: قد نقلتم مذاهبهم، وما ذكرتم وجه الإبطال- فما السبب فيه؟ - ~~قلنا: إن ما نقلناه عنهم ينقسم إلى أمور يمكن تنزيلها على وجه لا ننكره، ~~وإلى ما يتعين من الشرع إنكاره، والمنكر هو مذهب الثنوية والفلاسفة. والرد ~~عليهم فيه يطول، فليس ذلك من خصائص مذهب هؤلاء حتى نتشاغل به، وإنما نرد ~~عليهم فى خصوص مذهبهم: من إبطال الرأى، وإثبات التعليم من الإمام المعصوم. ~~ولكنا مع ذلك نذكر مسلكا واحدا هو على التحقيق قاصم الظهر، نعنى فى إبطال ~~مذهبهم فى جميع ما سنحكى عنهم وحكيناه. وهو أنا نقول لهم فى جميع دعاويهم ~~التى تميزوا بها عنا كإنكار القيامة وقدم العالم وإنكار بعث الأجساد وإنكار ~~الجنة والنار، على ما دل عليه القرآن مع غاية الشرح فى وصفها: من أين عرفتم ~~ما ذكرتموه؟ أعن ضرورة، أو عن نظر، أو عن نقل عن الإمام المعصوم وسماع؟ فإن ~~عرفتموه ضرورة، فكيف خالفكم فيه ذوو العقول السليمة؟ لأن معنى كون الشي ء ~~ضروريا مستغنيا عن التأمل اشتراك كافة العقلاء فى دركه، ولو ساغ أن يهذى ~~الإنسان بدعوى الضرورة فى كل ما يهواه لجاز لخصومهم دعوى الضرورة فى نقيض ~~ما ادعوه، وعند ذلك لا يجدون مخلصا بحال من الأحوال. وإن زعموا: أنا عرفنا ~~ذلك بالنظر، فهو باطل من وجهين: أحدهما ms033 أن النظر عندهم باطل، فإنه تصرف ~~بالعقل لا بالتعليم، وقضايا العقول متعارضة، وهى غير موثوق بها؛ ولذلك ~~أبطلوا الرأى بالكلية- ولم نصنف هذا الكتاب قصدا لإبطال هذا المذهب- فكيف ~~يمكن ذلك منهم! الثانى أن يقال للفلاسفة والمعترفين بمسالك النظر: بم عرفتم ~~عجز الصانع عن خلق الجنة والنار وبعث الأجساد كما ورد به الشرع؟ # وهل معكم إلا استبعاد محض، لو عرض مثله على من لم يشاهد النشأة الأولى ~~لاستبعده وعرض له ذلك الإنكار؟ فالرد عليهم بالحجة المنطوية تحت قوله تعالى: PageV01P052 # قل يحييها الذي أنشأها أول مرة [يس: 79]. ومن تأمل عجائب الصنع فى خلق ~~الأدمى من نطفة قذرة لم يستبعد من قدرة الله شيئا وعرف أن الإعادة أهون من ~~الابتداء «1». # فإن قيل: الإعادة غير معقولة، والابتداء معقول، إذ ما عدم كيف يعود؟ - ~~قلنا: لنفهم الابتداء حتى نبنى عليه الإعادة، ورأى المتكلمين فيه أن ~~الابتداء يخلق الحياة فى جسم من الأجسام، مع أن الحياة عرض يتجدد ساعة ~~فساعة بخلق الله تعالى؛ فلا يستحيل- على أصلهم- الإمساك عن خلق الحياة مدة ~~فى الجسم ثم يعود إلى خلق الحياة كما لا يستحيل خلق الحركة بعد السكون ~~والسواد بعد البياض، ورأى الفلاسفة أن قوام الحياة استعداد جسم مخصوص- بنوع ~~من الاعتدال- إلى الانفعال عن النفس التى هى جوهر قائم بنفسه غير متحيز ولا ~~متجسم ولا هو منطبع فى جسم لا علاقة بينه وبين الجسم إلا بالفعل فيه، ولا ~~علاقة بين الجسم وبينه إلا بالانفعال عنه، ومعنى الموت: انقطاع هذه العلاقة ~~الفعلية ببطلان استعداد الجسم، فإنه لا يستعد للانفعال إلا إذا كان على ~~مزاج مخصوص، كما لا يستعد الحديد لانطباع الصورة المحسوسة فيه أو انعكاس ~~الأشعة عنه إلا إذا كان على هيئة مخصوصة؛ فإذا بطلت تلك الهيئة لم ينفعل ~~الحديد عن الصورة المحاذية له ولم ينطبع فيه، فإذا كان هذا مذهبهم، فالقادر ~~على إحداث العلاقة بين نفس، لا تتجسم ولا تختص بمكان ولا توصف بأنها متصلة ~~بالجسم ولا بأنها منفصلة عنه، وبين الجسم الذي لا تناسبه بحقيقتها ولا تتصل ~~به اتصالا محسوسا- كيف يعجز ms034 عن إعادة تلك العلاقة! والعجب أن أكثرهم جوزوا ~~إثبات تلك العلاقة مع جسد آخر، على طريق التناسخ، فلم لا يجوز عودها إلى ~~جسدها؟! فإن الجسد الذي فسد مزاجه لأبعد فى أن يصلح مزاجه وتعاد تلك ~~العلاقة إليه، فيكون ذلك هو المراد بالإعادة، ويضاهى التيقظ بعد المنام ~~فإنه يعيد حركة الحواس وتذكر الأمور السالفة. PageV01P053 # فإن قيل: المزاج إذا فسد لا يعود معتدلا إلا بأن تنحل أجزاء الجسم إلى ~~العناصر ثم تتركب ثانيا، ثم يصير حيوانا، ثم يصير نطفة .. فهذا الاعتدال ~~للنطفة على الخصوص. قلنا: ومن أين عرفتم أنه ليس فى مقدور الله جبر الخلل ~~الواقع بطريق سوى هذا الطريق؟ ومن أين عرفتم أن هذا الذي ذكرتموه طريق؟ # فهل لكم مستند سوى مشاهدة الأحوال؟ وهل لكم فى إبطال غيره مستند سوى عدم ~~المشاهدة؟! ولو لم تشاهدوا خلق الإنسان من نطفة لنفرت عقولكم عن التصديق به ~~ففى الأسباب المغيرة لأحوال الأجسام عجائب يستنكرها من لا يشاهدها، فمن ~~منكر ينكر الخواص، وآخر ينكر السحر، وآخر ينكر المعجزة، وآخر ينكر الإخبار ~~عن الغيب، وكل يعول فى إقراره على قدر مشاهدته، لا على طريق معقول فى إثبات ~~الاستحالة، ثم من لم يشاهده ويستيقنه ينبئ أن نفرة طبعه عن التصديق كان ~~لعدم المشاهدة، وفى مقدورات الله عجائب لم يطلع عليها بشر، فلم يستحل أن ~~يكون لإعادة تلك الأجسام وإعادة مزاجها سبب عند الله ينفرد بمعرفته. وإذا ~~أعاده عادت النفس متصرفة فيه كما كان بزعمهم فى الحياة. # والعجب ممن يدعى الحذق فى المعقولات، ثم يشاهد ما فى العالم من العجائب ~~والآيات، ثم تضيق حوصلته عن قبول ذلك فى قدرة الله؛ وإذا نسب ما لم يشاهده ~~إلى ما شاهده لم ير أعجب منه. نعم! لو قال القائل: هذا أمر لا يدل العقل ~~على إحالته «1»، ولكن لا يدل أيضا على جوازه، بل يتوقف عن الحكم فيه، ويجوز ~~أن يكون ثم محيل لا يطلع عليه أو مجوز لا يطلع عليه، فهذا أقرب من الأول، ~~ويلزم بحكمه تصديق النبي صلى الله عليه ms035 وسلم إذا أخبر عنه، فإنه أخبر عما ~~لا يستحيل فى العقل وجوده. # وعلى الجملة فقد اشتمل على أطوار الخلق ودرجاته قوله تعالى: ولقد خلقنا PageV01P054 ~~الإنسان من سلالة من طين ... إلى قوله ... تبعثون «1» فأطبق الخلق على ~~التصديق بجملة المقدمات إلا البعث لأنهم شاهدوا جميع ذلك سوى البعث. ولو لم ~~يشاهدوا قط موتا لأنكروا إمكان الموت؛ ولو لم يشاهدوا خلق آدمى من نطفة ~~لأنكروا إمكانه. فالبعث مع ما قبله فى ميزان العقل على وتيرة واحدة، فلنصدق ~~الأنبياء فيما جاءوا به، فإنه لا يمتنع. وهذا كله كلام مع الفلاسفة النظار، ~~أما الباطنية المنكرون للنظر فلا يمكنهم التمسك بالنظر. نعم! لو قال ~~الباطنى أخبرنى الإمام المعصوم أن البعث مستحيل فصدقته. قيل له: وما الذي ~~دعاك إلى تصديق الإمام، المعصوم بزعمك، ولا معجزة له، وصرفك عن تصديق محمد ~~بن عبد الله مع المعجزات، والقرآن من أوله إلى آخره دال على جواز ذلك ~~ووقوعه؟ فهل لك من مانع سوى أن عصمته علمت بمعجزته، وعصمة من يدعيه علمت ~~بهذيانك وشهوتك؟! فإن قال: إن ما فى القرآن ظواهر هى رموز إلى بواطن لم ~~يفهموها، وقد فهمها الإمام المعصوم فتعلمنا منه. قلنا: تعلمتم منه بمشاهدة ~~ذلك فى قلبه بالعين، أو سماعا من لفظه، ولا يمكن دعوى المشاهدة، ولا بد من ~~الاستناد إلى سماع لفظه؟ قلنا: وما يؤمنك أن لفظه له باطن لم تطلع عليه فلا ~~تثق بما فهمته من ظاهر لفظه؟ فإن زعمت أنه صرح معك وقال: ما ذكرته هو ظاهر ~~لا رمز فيه، والمراد ظاهره- قلنا: وبم عرفت أن قوله هذا- وهو: أنه ظاهر لا ~~رمز فيه- أيضا ظاهر وفيه رمز إلى ما لم تطلع عليه؟ فلا يزال يصرح بلفظه. ~~ونحن نقول: لسنا ممن يغتر بالظواهر، فلعل تحته رمزا. وإن أنكر الباطن ~~فنقول: تحت إنكاره رمز؛ وإن حلف بالطلاق الثلاث على أنه ما قصد إلا الظاهر ~~فنقول: فى طلاقه رمز؛ وإنما هو مظهر شيئا ومضمر غيره. فإن قلت: فذلك يؤدى ~~إلى حسم باب التفهيم- قلنا: فأنتم حسمتم باب التفهيم على الرسول، فإن ms036 ثلثي ~~القرآن فى وصف الجنة والنار، PageV01P055 ~~والحشر والنشر مؤكد بالقسم والأيمان، وأنتم تقولون: لعل تحت ذلك رمزا، ~~وأنتم تقولون: وأى فرق بين أن يطول فى تفهم الأمور التطويل الذي عرف فى ~~القرآن والأخبار وبين أن تقول: ما أريد إلا الظاهر؟ فإن جاز عليه أن يفهم ~~الظاهر ويكون مراده غير ما علم قطعا أنه ما وصل إلى أفهام الخلق ويكون ~~كاذبا فى جميع ما قال لأجل مصلحة وسر فيه جاز أن يكون إمامكم المعصوم ~~بزعمكم يضمر معكم خلاف ما يظهره وضد ما يفهمه ونقيض ما يتيقن أنه الواصل ~~إلى أفهامكم، ويؤكد ذلك بالأيمان المغلظة لمصلحة له وسر فيه؟ وهذا لا جواب ~~عنه أبد الدهر. وعند هذا ينبغى أن يعرف الإنسان أن رتبة هذه الفرقة أخس من ~~رتبة كل فرقة من فرق الضلال، إذ لا نجد فرقة ينقض مذهبها بنفس المذهب سوى ~~هذه، إذ مذهبها إبطال النظر وتغيير الألفاظ عن موضوعاتها بدعوى الرموز. وكل ~~ما يتصور أن ينطلق به لسانهم إما نظر أو نقل. أما النظر فقد أبطلوه، وأما ~~اللفظ فقد جوز أن يراد باللفظ غير موضوعة فلا يبقى لهم معتصم. فإن قيل: ~~فهذا ينقلب عليكم، فأنتم تجوزون أيضا تأويل الظواهر، كما أولتم آية ~~الاستواء وخبر النزول وغيرهما- قلنا: ما أبعد هذا القلب «1»! فإن لنا معيار ~~فى التأويل، وهو أن ما دل نظر العقل ودليله على بطلان ظاهره علمنا ضرورة أن ~~المراد غير ذلك بشرط أن يكون اللفظ مناسبا له بطريق التجوز والاستعارة. فقد ~~دل الدليل على بطلان الاستواء والنزول فإن ذلك من صفات الحوادث، فحمل على ~~الاستيلاء وهو مناسب للغة. وأما الحشر والنشر والجنة والنار فليس فى العقل ~~دليل على إبطاله، ولا مناسبة بين الألفاظ الواردة فيه وبين المعنى الذي ~~أولوه عليه حتى يقال إنه المراد، بل التأويل فيه تكذيب محض. فأى مناسبة بين ~~قوله: فيها عين جارية (12) فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق ~~مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة [الغاشية: 12 - 16] وقوله: في سدر مخضود (28) ~~وطلح منضود (29) ... إلى قوله: ... لا مقطوعة PageV01P056 ~~ولا ممنوعة وبين ms037 ما اعتقدوه من اتصال الجواهر الروحانية بالأمور الروحانية ~~العقلية التى لا مدخل فيها للمحسوسات؟! فإن جاز أن يكذب صاحب المعجزة بهذه ~~التأويلات التى لم تخطر قط ببال من سمعها، فلم لا يجوز تكذيب معصومكم الذي ~~لا معجزة له بتأويله على أمور ليس تخطر ببالهم لمصلحة أو لمسيس حاجة؟ # فإن غاية لفظه التصريح والقسم، وهذه الألفاظ فى القرآن صريحة ومؤيدة ~~بالقسم، وزعموا أن ذلك ذكر لمصلحة، والمراد غير ما سبق إلى الأفهام منها، ~~وهذا لا مخلص عنه. PageV01P057 ### | AUTO الباب الخامس فى إفساد تأويلاتهم للظواهر الجلية واستدلالاتهم ~~بالأمور العددية وفيه فصلان ### || AUTO الفصل الأول فى تأويلاتهم للظواهر # والقول الوجيز فيه أنهم لما عجزوا عن صرف الخلق عن القرآن والسنة صرفوهم ~~عن المراد بهما إلى مخاريق «1» زخرفوها واستفادوا بما انتزعوه من نفوسهم من ~~مقتضى الألفاظ إبطال معانى الشرع، وبما زخرفوه من التأويلات تنفيذ انقيادهم ~~للمبايعة والموالاة، وأنهم لو صرحوا بالنفى المحض والتكذيب المجرد لم يحظوا ~~بموالاة الموالين، وكانوا أول المقصودين المقتولين. # ونحن نحكى من تأويلاتهم نبذة لنستدل بها على مخازيهم فقد قالوا: كل ما ~~ورد من الظواهر فى التكاليف والحشر والنشر والأمور الإلهية فكلها أمثلة ~~ورموز إلى بواطن؛ أما الشرعيات، فمعنى الجنابة عندهم مبادرة المستجيب ~~بإفشاء سر إليه قبل أن ينال رتبة استحقاقه، ومعنى الغسل: تجديد العهد على ~~من فعل ذلك. ومجامعة البهيمة معناها عندهم معالجة من لا عهد عليه ولم يؤد ~~شيئا من صدقة النجوى، وهى مائة وتسعة عشر درهما عندهم، فلذلك أوجب الشرع ~~القتل على الفاعل والمفعول به، وإلا فالبهيمة متى وجب القتل عليها! والزنى ~~هو إلقاء نطفة العلم الباطن فى نفس من لم يسبق معه عقد العهد «2». (و) «3» ~~الاحتلام: هو أن يسبق لسانه PageV01P059 ~~إلى إفشاء السر فى غير محله، فعليه الغسل، أى: تجديد المعاهدة. (و) الطهور ~~هو التبرى والتنظف من اعتقاد كل مذهب سوى مبايعة الإمام. (و) الصيام: هو ~~الإمساك عن كشف السر. (و) الكعبة هى النبي، والباب على؛ (و) الصفا: هو ~~النبي، والمروة: على؛ والميقات: هو الأساس؛ والتلبية: إجابة ms038 الداعى؛ ~~والطواف بالبيت سبعا هو الطواف بمحمد إلى تمام الأئمة السبعة؛ والصلوات ~~الخمس: أدلة على الأصول الأربعة وعلى الإمام؛ فالفجر: دليل السابق، والظهر: ~~دليل التالى، والعصر: للأساس، والمغرب: دليل الناطق، والعشاء: دليل الإمام. ~~وكذلك زعموا أن المحرمات عبارة عن ذوى الشر من الرجال وقد تعبدنا ~~باجتنابهم، كما أن العبادات عبارة عن الأخيار الأبرار الذين أمرنا ~~باتباعهم. # فأما المعاد فزعم بعضهم أن النار والأغلال عبارة عن الأوامر التى هى ~~التكاليف فإنها موظفة على الجهال «1» بعلم البواطن، فما داموا مستمرين ~~عليها فهم معذبون؛ فإذا نالوا علم الباطن وضعت عنهم أغلال التكاليف وسعدوا ~~بالخلاص عنها. # وأخذوا يؤولون كل لفظ ورد فى القرآن والسنة فقالوا: وأنهار من لبن [محمد: ~~15]- أى معادن الدين: العلم الباطن يرتضع بها أهلها ويتغذى بها تغذيا تدوم ~~به حياته اللطيفة، فإن غذاء الروح اللطيفة بارتضاع العلم من المعلم كما أن ~~حياة الجسم الكثيف بارتضاع اللبن من ثدى الأم، وأنهار من خمر [محمد: 15]: ~~هو العلم الظاهر، وو أنهار من عسل مصفى [محمد: 15] هو علم الباطن المأخوذ ~~من الحجج والأئمة. # أما المعجزات فقد أولوا جميعها وقالوا: الطوفان معناه طوفان العلم، أغرق ~~به المتمسكون بالسنة؛ والسفينة: حرزه الذي تحصن به من استجاب لدعوته؛ ونار ~~إبراهيم: عبارة عن غضب نمرود، لا عن النار الحقيقية؛ وذبح إسحاق «2»: معناه PageV01P060 ~~أخذ العهد عليه؛ (و) عصا موسى: حجته التى تلقفت ما كانوا يأفكون من الشبه، ~~لا الخشب؛ (و) انفلاق البحر: افتراق علم موسى فيها على أقسام؛ والبحر هو ~~العالم؛ والغمام الذي أظلهم: معناه الإمام الذي نصبه موسى لإرشادهم وإفاضة ~~العلم عليهم، (و) الجراد والقمل والضفادع: هى سؤالات موسى وإلزاماته التى ~~سلطت عليهم؛ والمن والسلوى: علم نزل من السماء لداع من الدعاة هو المراد ~~بالسلوى؛ (و) تسبيح الجبال: معناه تسبيح رجال شداد فى الدين راسخين فى ~~اليقين، (و) الجن الذي ملكهم سليمان بن داود: باطنية ذلك الزمان، والشياطين ~~هم الظاهرية الذين كلفوا بالأعمال الشاقة؛ (و) عيسى: له أب من حيث الظاهر، ~~وإنما أراد بالأب: الإمام، إذ لم يكن له ms039 إمام، بل استفاد العلم من الله ~~بغير واسطة، وزعموا- لعنهم الله! - أن أباه يوسف النجار «1»؛ (و) كلامه فى ~~المهد: اطلاعه فى مهد القالب قبل التخلص منه على ما يطلع عليه غيره بعد ~~الوفاة والخلاص من القالب؛ (و) إحياء الموتى من عيسى معناه الإحياء بحياة ~~العلم عن موت الجهل بالباطن؛ وإبراؤه الأعمى: معناه عن عمى الضلال وبرص ~~الكفر ببصيرة الحق المبين؛ (و) إبليس وآدم: عبارة عن أبى بكر وعلى، إذ أمر ~~أبو بكر بالسجود لعلى والطاعة له فأبى واستكبر، (و) الدجال زعموا أنه أبو ~~بكر، وكان أعور إذ لم يبصر إلا بعين الظاهر دون عين الباطن؛ ويأجوج ومأجوج: ~~هم أهل الظاهر. # هذا من هذيانهم فى التأويلات حكيناها ليضحك منها؛ ونعوذ بالله من صرعة ~~الغافل وكبوة الجاهل؛ ولسنا نسلك فى الرد عليهم إلا بمسالك ثلاثة: إبطال، ~~ومعارضة، وتحقيق. # أما الإبطال فهو أن يقال: بم عرفتم أن المراد من هذه الألفاظ ما ذكرتم؟ ~~فإن أخذتموه من نظر العقل فهو عندكم باطل؛ وإن سمعتموه من لفظ الإمام ~~المعصوم PageV01P061 ~~فلفظه ليس بأشد تصريحا من هذه الألفاظ التى أولتموها. فلعل أمر آخر أشد ~~بطونا من الباطن الذي ذكرتموه؛ ولكنه جاوز الظاهر بدرجة فزعم أن المراد ~~بالجبال: الرجال- فما المراد بالرجال؟ لعل المراد به أمر آخر. والمراد ~~بالشياطين أهل الظاهر فما أهل الظاهر؟ والمراد باللبن العلم- فما معنى ~~العلم؟ فإن قلت: العلم والرجال وأهل الظاهر صريحة فى مقتضياتها بوضع اللغة ~~إن كنت ناظرا بالعين العوراء إلى أحد الجانبين، فأنت المراد إذا بالدجال ~~فإنه أعور لأنك أبصرت بإحدى العينين فإن الرجال ظاهر؛ وعميت بالعين الأخرى ~~الناظرة إلى الجبال وإنها أيضا ظاهر. فإن قلت: يمكن أن يكنى بالجبال عن ~~الرجال- قلنا: ويمكن أن يكنى بالرجال عن غيرهم كما عبر الشاعر بالرجلين ~~اللذين أحدهما خياط والآخر نساج عن أمور فلكية وأسباب علوية، فقال: # رجلان: خياط وآخر حائك ... متقابلان على السماك الأعزل # لا زال ينسج ذاك خرقة مدبر ... ويخيط صاحبه ثياب المقبل # وهكذا فى كل فن؛ وإذا نزل تسبيح الجبال على تسبيح الرجال فلينزل معنى ms040 ~~الرجال فى قوله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله [النور: ~~37] على الجبال فإن المناسبة قائمة من الجانبين؛ ثم إذا نزل الجبال على ~~الرجال ونزل الرجال أيضا على غيره أمكن تنزيل ذلك الباطن الثالث على رابع ~~وتسلسل إلى حد يبطل التفاهم والتفهيم، ولا يمكن التحكم بأن الحائز الرتبة ~~الثانية دون الثالثة أو الثالثة دون الرابعة. # (المسلك الثانى) معارضة الفاسد بالفاسد، وهو أن يتناول جميع الأخبار على ~~نقيض مذهبهم، مثلا يقال: قوله «1»: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة»، أى لا PageV01P062 ~~يدخل العقل دماغا فيه التصديق بالمعصوم؛ وقوله: «إذا ولغ الكلب فى إناء ~~أحدكم فليغسله سبعا» «1» - أى إذا نكح الباطنى بنت أحدكم فليغسلها عن درن ~~الصحبة بماء العلم وصفاء العمل بعد أن يعفرها بتراب الإذلال؛ أو يقول قائل: ~~النكاح لا ينعقد بغير شهود وولى. وأما قوله: كل نكاح لا يحضره أربعة فهو ~~سفاح- معناه: أن كل اعتقاد لم يشهد له الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلى فهو باطل. وقوله: لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل، أى لا وقاع إلا ~~بذكر وأنثيين- إلى غير ذلك من الترهات. # والمقصود من ذكر هذا القدر معارضة الفاسد بالفاسد، وتعريف الطريق فى فتح ~~هذا الباب، حتى إذا اهتديت إليه لم تعجز عن تنزيل كل لفظة من كتاب أو سنة ~~على نقيض معتقدهم. فإن زعموا أنكم أنزلتم الصورة على المعصوم فى قوله: «لا ~~تدخل الملائكة بيتا فيه صورة» - فأى مناسبة بينهما؟ قلت: وأنتم نزلتم ~~الثعبان على البرهان، والأب- فى حق عيسى- على الإمام، واللبن على العلم فى ~~أنهار اللبن فى الجنة، والجن على الباطنية، والشياطين على الظاهرية، ~~والجبال على الرجال،- فما المناسبة؟ فإن قلت: البرهان يقضم الشبه كما يقضم ~~الثعبان غيره، والإمام يفيد الوجود العلمى كما يفيد الأب الوجود الشخصى، ~~واللبن يغذى الشخص كما يغذى العلم الروح، والجن باطن كالباطنية- فيقال لهم: ~~فإذا اكتفيتم بهذا القدر من المشاركة، فلم يخلق الله شيئين إلا وبينهما ~~مشاركة فى وصف ما؛ فإنا نزلنا الصورة على الإمام لأن الصورة مثال لا روح ~~فيها، كما ms041 أن الإمام عندكم معصوم ولا معجزة له؛ والدماغ مسكن العقل كما أن ~~البيت مسكن العاقل؛ والملك شي ء روحانى، كما أن العقل كذلك. فثبت أن المراد ~~بقوله: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة» «2»، معناه: لا يدخل العقل دماغا ~~فيه اعتقاد عصمة الإمام.- فإذا عرفت PageV01P063 ~~هذا، فخذ كل لفظ ذكروه، وخذ ما تريده، واطلب منهما المشاركة بوجه ما، ~~وتأوله عليه فيكون دليلا بموجب قولهم كما عرفتك فى المناسبة بين الملك ~~والعقل، والدماغ والبيت، والصورة والإمام. وإذا انفتح لك الباب اطلعت على ~~وجه حيلهم فى التلبيس بنزع موجبات الألفاظ وتقدير الهوسات بدلا عنها، ~~للتوصل إلى إبطال الشرع. وهذا القدر كاف فى إبطال تأويلهم. # (المسلك الثالث) وهو التحقيق: أن تقول: هذه البواطن والتأويلات التى ~~ذكرتموها، لو سامحناكم أنها صحيحة فما حكمها فى الشرع؟ أيجب إخفاؤها، أم ~~يجب إفشاؤها؟ فإن قلتم: يجب إفشاؤها إلى كل أحد- قلنا: فلم كتمها محمد صلى ~~الله عليه وسلم فلم يذكر شيئا من ذلك للصحابة ولعامة الخلق حتى درج ذلك ~~العصر ولم يكن لأحد من هذا الجنس خبر؟ وكيف استجاز كتمان دين الله، وقد قال ~~تعالى: لتبيننه للناس ولا تكتمونه [آل عمران: 187]- تنبيها على أن الدين لا ~~يحل كتمانه، وإن زعموا أنه يجب إخفاؤه فنقول: ما أوجب على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إخفاؤه من سر الدين، كيف حل لكم إفشاؤه؟ والجناية فى السر ~~بالإفشاء ممن اطلع عليه من أعظم الجنايات. فلو لا أن صاحب الشرع عرف سرا ~~عظيما ومصلحة كلية فى إخفاء هذه الأسرار لما أخفاها ولما كرر هذه الظواهر ~~على أسماع الخلق ولما تكررت فى كلمات القرآن صفة الجنة والنار بألفاظ صريحة ~~مع علمه بأن الناس يفهمون منه خلاف الباطن الذي هو حق، ويعتقدون هذه ~~الظواهر التى لا حقيقة لها. فإن نسبتموه إلى الجهل بما فهمه الخلق منه فهو ~~نسبة إلى الجهل بمعنى الكلام، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم قطعا ~~أن الخلق لا يفهمون من قوله: وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) وفاكهة كثيرة ~~[الواقعة: 30 - 32] إلا ms042 المفهوم منه فى اللغة- فكذا سائر الألفاظ؛ ثم مع ~~علمه بذلك كان يؤكده عليهم بالتكرير والقسم، ولم يفش إليهم الباطن الذي ~~ذكرتموه لعلمه بأنه سر الله المكتوم، فلم أفشيتم هذا السر وخرقتم هذا ~~الحجاب؟ وهل هذا إلا خروج عن الدين ومخالفة لصاحب الشرع، وهدم لجميع ما ~~أسسه؟! إن سلم لكم جدلا أن ما ذكرتموه من الباطن حق عند الله- وهذا لا PageV01P064 ~~مخرج لهم عنه. فإن قيل: هذا سر لا يجوز إفشاؤه إلى عوام الخلق فلهذا لم ~~يفشه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن حق النبي أن يفشيه إلى سوسه الذي ~~هو وصيه وخليفته من بعده؛ وقد أفشاه إلى علي دون غيره- قلنا: وعلي هل أفشاه ~~إلى غير سوسه وخليفته، أم لا؟ فإن لم يفشه إلا إلى سوسه، وكذا سوس سوسه ~~وخليفة خليفته إلى الآن- فكيف انتهى إلى هؤلاء الجهال من العوام حتى ~~تناطقوا به وشحنت التصانيف بحكايته، وتداولته الألسنة؟ فلا بد أن يقال: إن ~~واحدا من الخلفاء عصى وأفشى السر إلى غير أهله فانتشر، وعندهم أنهم معصومون ~~لا يتصور عليهم العصيان؟ فإن قيل: السوس لا يذكره إلا مع من تعاهده عليه- ~~قلنا: وما الذي منع الرسول صلى الله عليه وسلم من أن يعاهد ويذكره إن كان ~~يجوز إفشاؤه مع العهد؟ فإن قيل: لعله عاهد وذكر، ولكن لم ينقل لأجل العهد ~~الذي أخذ ممن أفشى إليه. قلنا: ولم انتشر ذلك فيكم وأئمتكم لا يظهرون ذلك ~~إلا مع من أخذ العهد عليه؟ وما الذي عصم عهد أولئك دون عهد هؤلاء؟ ثم يقال: ~~إذا جاز إفشاء هذا السر بالعهد فالعهد يتصور نقضه، فهل يتصور أن يفشيه إلى ~~من يعلم الإمام المعصوم أنه لا ينقضه، أو يكفى أن يظنه بفراسته واجتهاده ~~واستدلاله بالأمارات؟ فإن قلتم: لا يجوز إلا إلى من علم الإمام المعصوم أنه ~~لا ينقضه بتعريف من جهة الله، فكيف انتشرت هذه الأسرار إلى كافة الخلق، ولم ~~تنتشر إلا ممن سمع؟ فإما أن يكون المبلغ ناقضا للعهد، أو لم يعاهد أصلا. ~~وفى أحدهما نسبة المعصوم إلى الجهل، ms043 وفى الآخر نسبته إلى المعصية، ولا سبيل ~~إلى واحد منهما عندهم. # وإن زعمتم أنه يحل الإفشاء بالعهد عند شهادة الفراسة فى المأخوذ عليه ~~عهده أنه لا ينقضه استدلالا بالأمارات ففى هذا نقض أصل مذهبهم، لأنهم زعموا ~~أنه لا يجوز اتباع أدلة العقل ونظره، لأن العقلاء مختلفون فى النظر، ففيه ~~خطر الخطأ- فكيف حكموا بالفراسة والأمارة التى الخطأ أغلب عليها من الصواب، ~~وفى ذلك إفشاء سر الدين هو أعظم الأشياء خطرا؟ # وقد منعوا التمسك بالظن والاجتهاد فى الفقهيات التى هى حكم بين الخلق على PageV01P065 ~~سبيل التوسط فى الخصومات، ثم ردوا إفشاء سر الدين إلى الخيالات والفراسات ~~وهذا مسلك متين يتفطن له الذكى، ويتبجح «1» به المشتغل بعلوم الشرع، إذ ~~يتيقن قطعا أن القائل قائلان: قائل يقول لا باطن لهذه الظواهر ولا تأويل ~~لها، فالتأويل باطل قطعا؛ وقائل ينقدح له أن ذلك يمكن أن يكون كنايات عن ~~بواطن، لم يأذن الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يصرح بالبواطن، بل ~~ألزمه النطق بالظواهر، فصار النطق بالباطن حراما باطلا وفجورا محظورا ~~ومراغمة «2» لواضع الشرع. # وهذه التأسيسية بالاتفاق فليس أهل عصرنا- مع بعد العهد بصاحب الشرع ~~وانتشار الفساد واستيلاء الشهوات على الخلق وإعراض الكافة عن أمور الدين- ~~أطوع للحق ولا أقبل للسر ولا آمن عليه ولا أحرى بفهمه والانتفاع به من أهل ~~عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الأسرار والتأويلات إن كان لها ~~حقيقة فقد أقفل أسماعهم عنها وألجم أفواه الناطقين عن اللهج بها، ولنا فى ~~رسول الله أسوة حسنة فى قوله وفعله، فلا نقول إلا ما قال ولا نظهر إلا ما ~~يظهر، ونسكت عما سكت عنه؛ وفى الأفعال نحافظ على العبادات، بل على التهجد ~~والنوافل وأنواع المجاهدات، ونعلم أن ما لم يستغن عنه صاحب الشرع فنحن لا ~~نستغنى عنه ولا ننخدع بقول الحمقى: إن نفوسنا إذا صفت بعلم الباطن استغنينا ~~عن الأعمال الظاهرة، بل نستهزئ بهذا القائل المغرور ونقول له: يا مسكين! ~~أتعتقد أن نفسك أصفى وأزكى من نفس رسول الله صلى الله عليه ms044 وسلم وقد كان ~~يقوم ليلا يصلى حتى تنتفخ «3» قدماه، أو يعتقد أنه كان يتنمس «4» به على ~~عائشة ليخيل إليها أن الدين حق، وقد كان عالما ببطلانه؟ فإن اعتقدت الأول ~~فما أحمقك ولا نزيدك عليه، وإن اعتقدت الثانى فما أكفرك وأجحدك!! ولسنا ~~نناظرك عليه، لكنا نقول: إذا أخذنا بأسوإ الأحوال، وقصرت PageV01P066 ~~أدلة عقولنا مثلا عن درك ضلالك وجهلك وعن الإحاطة بصدق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإنا نرى بدائه عقولنا تقضى بأن الخسران فى زمرة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وموافقته والقناعة بما رضى هو لنفسه، أولى من الفوز معك أيها ~~المخذول الجاهل، بل المعتوه المخبل. # فلينظر الآن المنصف فى آخر هذا وأوله، فآخره يقنع العوام بل العجائز، ~~وأوله يفيد البرهان الحقيقى لكل محقق آنس بعلوم الشرع؛ وناهيك بكلام ينتفع ~~به كافة الخلق على اختلاف طبقاتهم فى العلم والجهل. PageV01P067 ### || AUTO الفصل الثانى فى استدلالهم بالأعداد والحروف # هذا فن من الجهالة اختصت به هذه الفرقة من بين الفرق فإن طوائف الضلال مع ~~انشعاب كلامهم وانتشار طرقهم فى نظم الشبهات لم تتطلخ طائفة منهم بهذا ~~الجنس واستركوها «1» وعلم عوامهم وجهالهم بالضرورة بطلانها فاجتووها «2» ~~وتشبث بها هؤلاء، ولا غرو فالغريق بكل شي ء يتمسك، والغبى بكل إيهام يتزلزل ~~ويتشكك ونحن نذكر شيئا يسيرا منه، ليشكر الناظر فيه ربه على سلامة العقل ~~واعتدال المزاج وصحة الفطرة، فإن الانخداع بمثل ذلك لا ينبعث إلا من العته ~~والخبل فى العقل. # فقد قالوا إن الثقب على رأس الآدمى سبعة، والسموات سبعة. والأرضون سبع، ~~والنجوم سبعة، أعنى السيارة، وأيام الأسبوع سبعة. فهذا يدل على أن دور ~~الأئمة يتم بسبعة. # وزعموا أن الطبائع أربع، وأن فصول السنة أربعة، فهذا يدل على الأصول ~~الأربعة، وهى: السابق والتالى الإلاهان، والناطق والأساس الإمامان. # وزعموا أن البروج اثنا عشر، فتدل على الحجج الاثنى عشر كما نقلناه فى ~~مذهبهم. وربما استثاروا من شكل الحيوانات دلالات فقالوا: الآدمى على شكل ~~حروف محمد، فإن رأسه مثل «ميم»، ويداه مبسوطتان «كالحاء» وعجزه «كالميم» ~~ورجلاه «كالدال»، وبهذا الجنس ms045 يتكلمون على شكل الطيور والبهائم، وربما ~~تأولوا من الحروف وأعدادها، فقالوا: قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى ~~دماءهم وأموالهم إلا بحقها. PageV01P068 # قيل: وما حقها؟ قال: معرفة حدودها» «1» وزعموا أن حدودها معرفة أسرار ~~حروفها وهى أن: «لا إله إلا الله» - أربع كلمات وسبعة فصول، وهى: قطع لا ~~إله إلا الله، وثلاثة جواهر، فإن «لا» حرف، يبقى إله وإلا والله- فهى ثلاثة ~~جواهر، والجملة اثنا عشر حرفا. # وزعموا أن الكلمات الأربع دالة على المدبرين العلويين: السابق والتالى، ~~والمدبرين السفليين: الناطق والأساس، هذه دلالته على الروحانيات، فأما على ~~الجسمانيات فإنها الطبائع الأربع، وأما الجواهر الثلاثة فدالة على جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل من الروحانيات؛ ومن الجسمانيات على: الطول والعرض ~~والعمق، إذ بها ترى الأجسام؛ والفصول السبعة تدل من الروحانيات على ~~الأنبياء السبعة، ومن الجسمانيات على الكواكب السبعة، لأنه لو لا الأنبياء ~~السبعة لما اختلفت الشرائع، كما أنه لو لا الكواكب السبعة لما اختلفت ~~الأزمنة، والحروف الاثنا عشر تدل على الحجج الاثنى عشر؛ وفى الجسمانيات على ~~البروج الاثنى عشر؛ وهكذا تصرفوا فى قول محمد رسول الله وفى الحروف وفى ~~أوائل السور، وأبرزوا ضروبا من الحماقات تضحك المجانين فضلا عن العقلاء. ~~وناهيك خزيا بطائفة هذا منهج استدلالهم! ولسنا نكثر حكاية هذا الجنس عنهم، ~~اكتفاء بهذا القدر فى تعريف مخازيهم. وهذا فن يعرف بضرورة العقل بطلانه، ~~فلا يحتاج إلى إبطاله، إلا أنا نعلمك فى إفحام الغبى والمعاند منهم مسلكين: ~~مطالبة، ومعارضة. # أما المطالبة فهو أن يقال: ومن أين عرفتم هذه الدلالات؟ ولو حكم الإنسان ~~بها لحكم على نفسه بأنه من سوء مزاجه: أثار عليه الأخلاط فأورث أضغاث ~~الأحلام، وقد أضلكم الله إلى هذا الحد- حتى لم يستحيوا منها- أعرفتم صحتها بضرورة PageV01P069 ~~العقل أو نظر أو سماع من إمامكم المعصوم؟ فإن ادعيتم الضرورة باهتم «1» ~~عقولكم واخترعتم ثم لم تسلموا من معارض يدعى أنه عرف بالضرورة بطلانه، ثم ~~يكون مقامه من تعارض الحق بالفاسد مقام من يعارض الفاسد ms046 بالفاسد، وإن عرفتم ~~بنظر العقل فنظر العقل عندكم باطل لاختلاف العقلاء فى نظرهم. وإن صدقتم به ~~فأفيدونا وجه النظر وسياقه وما به الاستدلال على هذه الحماقات. وإن عرفتم ~~ذلك من قول الإمام المعصوم فبينوا أن الناقل عنه معصوم، أو بلغ الناقلون ~~عنه حد التواتر، ثم صححوا أن الإمام المعصوم لا يخطئ؛ ثم بينوا أنه يستحيل ~~أن يفهم ما يعرف بطلانه، فلعله خدعكم بهذه الحماقات وهو يعلم بطلانها كما ~~زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم خدع الخلق بصفة الجنة والنار، وبما يحكى ~~عن الأنبياء من إحياء الموتى وقلب العصا ثعبانا، وقد كذب فى جميعها وذكرها ~~مع علمه بأنها لم يكن منها شي ء، وأن الناس يفهمون منها على القطع ظواهرها، ~~وأنه كان يقصد تفهيم الظواهر ويعلم أنهم يفهمون ما يفهمهم من الظواهر، وهو ~~خلاف الحق، ولكن رأى فيه مصلحة؛ فلعل إمامكم المعصوم رأى من المصلحة أن ~~يستهزئ بعقولكم ويضحك من أذقانكم، فألقى إليكم هذه الترهات إظهارا لغاية ~~الاستيلاء عليكم والاستعباد لكم، وافتخارا بغاية الدهاء والكياسة فى ~~التلبيس عليكم. فليت شعرى بما ذا أمنتم الكذب عليه لمصلحة رآها وقد صرحتم ~~بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهل بينهما فرق؟ إلا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مؤيد بالمعجزة الدالة على صدقه، والذي إليه استروا حكم لا معجزة ~~له سوى حماقتكم؟ هذا سبيل المطالبة. # وأما المعارضة فلسنا نقصد لتعيين الصور، ولكن نعلمك طريقا يعم كل ما فى ~~العالم من الأشكال والحروف. فإن كل موجود فهو من الواحد إلى العشرة فما PageV01P070 ~~فوقها لا محالة. فمهما رأيت شيئا واحدا. فاستدل به على محمد صلى الله عليه ~~وسلم؛ وإذا رأيت اثنين فقل هو دلالة على الشيخين: أبى بكر وعمر؛ وإن كان ~~ثلاثة فمحمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر؛ وإن كان أربعة فالخلفاء ~~الأربعة، وإن كان خمسة فعلى محمد مع الخلفاء الأربعة. وقل: أما تعرفون السر ~~أن الثقب على رأس الآدمى خمس. ما هو؟ الواحد وهو الفم يدل على النبي محمد ~~صلى الله ms047 عليه وسلم فإنه واحد؛ والعينان والمنخران على الخلفاء الأربعة. ~~ونقول: أما تعرفون السر فى اسم محمد وأنه أربعة حروف ما هو؟ فإذا قالوا: ~~لا! فنقول: هو السر الذي لا يطلع عليه إلا ملك مقرب، فإنه يبنيه على أن اسم ~~خليفته أربعة حروف وهو: عتيق «1»، دون علي الذي اسمه ثلاثة أحرف، فإذا وجبت ~~سبعة فاستدل به على سبعة من خلفاء بنى أمية مبالغة فى إرغامهم وإجلالا لبنى ~~العباس عن المعارضة بهم؛ وقل: عدد السموات السبع والنجوم والأسبوع دال على ~~معاوية ويزيد ثم مروان ثم عبد الملك ثم الوليد ثم عمر ابن عبد العزيز ثم ~~هشام ثم السابع المنتظر وهو الذي يقال له السفيانى وهو قول الأموية من ~~الإمامية؛ أو قابلهم بمذهب الراوندية «2» وقل إنه يدل على العباس ثم عبد ~~الله ابن العباس، ثم على بن عبد الله، ثم محمد بن على، ثم إبراهيم «3»، ثم ~~أبو العباس السفاح ثم المنصور. وكذلك ما تجده من عشرة أو اثنى عشر فعد من ~~خلفاء بنى العباس بعددهم ثم انظر هل تجد بين الكلامين فصلا؟ وبه يتبين فساد ~~كلامهم وافتضاحهم وإلزامهم باستدلالهم. وهذا الجنس من الكلام لا يليق ~~بالمحصل فيه الإكثار منه فلنعدل عنه إلى غيره «4». PageV01P071 ### | AUTO الباب السادس فى الكشف عن تلبيساتهم التى زوقوها بزعمهم فى معرض ~~البرهان على إبطال النظر العقلى وإثبات وجوب التعلم من الإمام المعصوم # وطريقنا أن نرتب شبههم على أقصى الإمكان ثم نكشف عن مكمن التلبيس فيها، ~~وآخر دعواهم أن العارف بحقائق الأشياء هو المتصدى للإمامة بمصر «1»، وأنه ~~يجب على كافة الخلق طاعته والتعلم منه لينالوا به سعادة الدنيا والآخرة. ~~ودليلهم عليه قولهم: إن كل ما يتصور الخبر عنه بنفى وإثبات ففيه حق وباطل؛ ~~والحق واحد، والباطل ما يقابله، إذ ليس الكل حقا، ولا الكل باطلا. فهذه ~~مقدمة، ثم تمييز الحق عن الباطل لا بد منه فهو أمر واجب لا يستغنى عنه أحد ~~فى صلاح دينه ودنياه. فهذه مقدمة ثانية، ثم درك الحق لا يخلو إما أن يعرفه ~~الإنسان بنفسه من ms048 عقله بنظره دون تعلم، أو يعرفه من غيره بتعلم. فهذه مقدمة ~~ثالثة، وإذا بطلت معرفته بطريق الاستقلال بالنظر وتحكيم العقول فيه وجب ~~التعلم من الغير ضرورة، ثم المعلم إما أن يشترط كونه معصوما من الخطأ ~~والزلل مخصوصا بهذه الخاصية، وإما أن يجوز التعلم من كل أحد. وإذا بطل ~~التعلم من كل أحد- أى واحد كان- لكثرة القائلين المعلمين وتعارض أقوالهم؛ ~~ثبت وجوب التعلم من شخص مخصوص بالعصمة من سائر الناس،- فهذه مقدمة رابعة.- ~~ثم العالم لا يخلو: إما أن يجوز خلوه من ذلك المعصوم، أو يستحيل خلوه، ~~وباطل تجويز خلوه من ذلك المعصوم، أو يستحيل خلوه، وباطل تجويز خلوه، لأنه ~~إذا ثبت أنه مدرك الحق ففى إخلاء العالم عنه تغطية الحق وحسم السبيل عن ~~إدراكه، وفيه فساد أمور الخلق فى الدين والدنيا، وهو عين الظلم المناقض ~~للحكمة، فلا يجوز ذلك من الله PageV01P073 ~~سبحانه، وهو الحكيم المقدس عن الظلم والقبائح، فهذه مقدمة خامسة.- ثم ذلك ~~المعصوم الذي لا بد من وجوده فى العالم لا يخلو: إما أن يحل له أن يخفى ~~نفسه فلا يظهر ولا يدعو الخلق إلى الحق، أو يجب عليه التصريح. وباطل أن يحل ~~له الإخفاء، فإنه كتمان للحق، وهو ظلم يناقض العصمة، فهذه مقدمة سادسة.- ~~وقد ثبت أن فى العالم معصوما مصرحا بهذه الدعوى، وبقى النظر فى تعيينه. فإن ~~كان فى العالم مدعيان التبس علينا تمييز المحق عن المبطل؛ وإن لم يكن إلا ~~مدع واحد فى محل الالتباس كان ذلك هو المعصوم قطعيا ولم يفتقر إلى دليل ~~ومعجزة. # ويكون مثاله: ما إذا علم أن فى بيت فى الدار رجلا هو عالم ثم رأينا فى ~~بيت رجلا، فإن كان فى الدار بيت آخر بقى لنا شك فى الذي رأيناه أنه ذلك ~~العالم أو غيره، فإن عرفنا أنه لا بيت فى الدار سوى هذا البيت علمنا ضرورة ~~أنه العالم. فكذلك القول فى الإمام المعصوم، فهذه مقدمة سابعة.- وقد علم ~~قطعا أنه لا أحد فى عالم الله يدعى أنه الإمام الحق والعارف بأسرار الله فى ~~جميع المشكلات، النائب ms049 عن رسول الله فى جميع المعقولات والمشروعات، العالم ~~بالتنزيل والتأويل علما قطعيا لا ظنيا، إلا المتصدى للأمر بمصر. فهذه مقدمة ثامنة. # فإذا هو الإمام المعصوم الذي يجب على كافة الخلق تعلم حقائق الحق وتعرف ~~معانى الشرع منه، وهى النتيجة التى كنا نطلبها. # وعند هذا يقولون: إن من لطف الله وصنعه مع الخلق ألا يترك أحدا فى الخلق ~~يدعى العصمة سوى الإمام الحق؛ إذ لو ظهر مدع آخر لعسر تمييز المحق عن ~~المبطل وضل الخلق فيه. فمن هذا لا نرى قط للإمام خصما، بل نرى له منكرا؛ ~~كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له خصم قط، والخصم هو الذي يقول: ~~لست أنت نبيا وإنما أنا النبي، والمنكر هو الذي لا يدعى لنفسه، وإنما ينكر ~~نبوته، فهكذا يكون أمر الإمام. # قالوا: وأما بنو العباس- وإن لم ينفك الزمان عن معارضتهم- فلم يكن فيهم ~~من يدعى لنفسه العصمة والاطلاع من جهة الله تعالى على حقائق الأمور وأسرار الشرع PageV01P074 ~~والاستغناء عن النظر والاجتهاد بالظن، فهذه الخاصية هى المطلوبة، وقد تفرد ~~بهذه الدعوى عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذريته؛ وصرف الله دواعى ~~الخلق عن معارضتهم فى الدعوى لمثلها ليستقر الحق فى نصابه وينجلى الشك عن ~~قلوب المؤمنين رحمة من الله ولطفا، حتى إن فرض شخص يدعى لنفسه ذلك فلا ~~يذكره إلا فى معرض هزل أو مجادلة. فأما أن يستمر عليه معتقدا أو يعمل ~~بموجبه، فلا. # وهذه مقدمات واضحة، لم نهمل من جملتها إلا الدليل على إبطال نظر العقل، ~~حيث قلنا: الحق إما أن يعرفه الإنسان بنفسه من عقله، أو يتعلمه من غيره. ~~ونحن الآن ندل على بطلان العقل بأدلة عقلية وشرعية وهى خمسة: # أما (الأول) وهى دلالة عقلية: أن من يتبع موجب العقل ويصدقه ففى تصديقه ~~تكذيبه وهو غافل عنه، لأنه ما من مسئلة نظرية يعتقدها بنظره العقلى إلا وله ~~فيها خصم اعتقد بنظر العقل نقيضها. فإن كان العقل حاكما صادقا، فقد صدق عقل ~~خصمك أيضا. فإن قلت: لم يصدق خصمى؛ فقد ms050 تناقض كلامك، إذ صدقت عقلا وكذبت ~~مثله. فإن قلت: صدق خصمى فخصمك يقول: أنت كاذب مبطل. # وإن زعمت أنه لا عقل لخصمى وإنما العقل لى- فهذه أيضا دعوى خصمك. فبما ذا ~~تتميز عنه: أبطول اللحية، أم ببياض الوجه، أم بكثرة السعل «1»، أو الحدة فى ~~الدعاء!؟ وعند هذا يطلقون لسان الاستهزاء والاستخفاف، معتقدين أن لهم ~~بكلامهم اليد البيضاء التى لا جواب عنها. # (الدلالة الثانية): قولهم إذا حاكم مسترشد تشكك فى مسألة شرعية أو عقلية؛ ~~وزعم أنه عاجز عن معرفة دليلها- فما ذا تقولون له: أفتحيلونه على عقله- ~~ولعله العامى الجلف الذي لا يعرف أدلة العقول؟ أو هو الذكى الذي ضرب سهام ~~الرأى على حسب إمكانه فلم تنكشف له المسألة وبقى متشككا؟ أفتردونه إلى عقله ~~الذي هو معترف بقصوره؟ وهذا محال أو تقولون له تعلم طريق النظر ودليل ~~المسألة PageV01P075 ~~منى، فإن قلتم ذلك فقد ناقضتم قولكم بإبطال التعليم، إذ أمرتم بالتعليم ~~وجعلتم التعليم طريقا، وهو مذهبنا؛ إلا أنكم أبيتم لأنفسكم منصب التعليم، ~~ولم تستحيوا من خصمكم المعارض لكم المماثل فى عقله لعقلكم، إن هذا المتعلم ~~يقول: قد دعانى إلى التعلم منه خصمك، وقد تحيرت فى تعيين المعلم أيضا، وليس ~~يدعى واحد منكم العصمة لنفسه، ولا له معجزة تميزه، ولا هو منفرد بأمر يفارق ~~به غيره؛ فلا أدرى: أتبع الفلسفى، أو الأشعرى أو المعتزلى؟ وأقاويلهم ~~متعارضة، وعقولهم متماثلة؛ ولست أجد فى نفسى الترجيح بطول اللحية وببياض ~~الوجوه؛ ولا أرى افتراقا إلا فيه إن اتفق، فأما العقل والدعوى واغترار كل ~~بنفسه فى أنه المحق وصاحبه المبطل كاغترار صاحبه؛ فما أشد تناقض هذا الكلام ~~عند من يعرفه! # (الدلالة الثالثة) قولهم: الوحدة دليل الحق، والكثرة دليل الباطل. فإنا ~~إذا قلنا: كم الخمسة مع الخمسة؟ فالحق واحد وهو أن يقال: عشرة، والباطل ~~كثير لا حصر له وهو كل ما سوى العشرة مما فوقها أو تحتها. والوحدة لازمة ~~مذهب التعليم، فإنه اجتمع ألف ألف على هذا الاعتقاد، واتحدت كلمتهم ولم ~~يتصور بينهم اختلاف. وأهل الرأى لا يزال الاختلاف والكثرة تلازمهم. فدل ms051 أن ~~الحق فى الفرقة التى تلازم الوحدة كلمتها؛ وعليه دل قوله تعالى: ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82]. # (الدلالة الرابعة): قولهم: الناظر إن كان لا يدرك المماثلة بين نفسه وبين ~~خصمه فيحسن الظن بنفسه ويسى ء بخصمه، فلا غرو فإن هذا الغرور مما يستولى ~~على الخلق، وهو شغفهم بآرائهم وجودة عقولهم، وإن كان ذلك من أدلة الحماقة. # وإنما العجب أنه لا يدرك المماثلة بين حالتيه، وكم رأى نفسه فى حالة ~~واحدة وقد تحولت حالته فاعتقد الشي ء مدة وحكم بأنه الحق الذي يوجبه العقل ~~الصادق، ثم يخطر له خاطر فيعتقد نقيضه ويزعم أنه الآن تنبه للحق، وما كان ~~يعتقد من قبل فخيال انخدع به ويرى نفسه على اعتقاد قاطع فى الحالة الثانية ~~تساوى اعتقاده PageV01P076 ~~السابق فإنه كان قاطعا بمثل قطعة الآن! فليت شعرى من أين يأمن الانخداع ~~وأنه سيتنبه لأمر يتبين به أن ما يعتقده الآن باطل، وما من ناظر إلا ويعتقد ~~مثله مرارا، ثم لا يزال يعتز آخرا بمعتقده الذي يماثل سائر معتقداته التى ~~تركها وعرف بطلانها بعد التصميم عليها والقطع بها. # (الدلالة الخامسة) وهى شرعية، قولهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«ستفترق أمتى نيفا وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة، فقيل: ومن هم؟ فقال؟ ~~أهل السنة والجماعة. # فقيل: وما السنة والجماعة؟ قال: ما أنا الآن عليه وأصحابى» «1». قالوا: ~~وما كانوا إلا على الاتباع والتعليم فى كل ما شجر بينهم، وتحكيم الرسول- ~~عليه السلام- فيه لا على اتباع رأيهم وعقولهم. فدل أن الحق فى الاتباع، لا ~~فى نظر العقول. # وهذا تحرير أدلتهم على أقوى وجه فى الإيراد. وربما يعجز معظمهم عن ~~الإتقان فى تحقيقه إلى هذا الحد. # فنقول وبالله التوفيق: الكلام عليه منهجان: جملى، وتفصيلى. # المنهج الأول وهو الجملى # أنا نقول: هذه العقيدة التى استنتجتموها من ترتيب هذه المقدمات، ونظمها ~~بطريق النظر والتأمل، فإن ادعيتم معرفتها ضرورة كنتم معاندين، ولم يعجز ~~خصومكم عن دعوى الضرورة فى معرفتهم بطلان مذهبكم. وإن ادعوا ذلك كانوا أقوم ~~قيلا ms052 عند المنصف، وإن ادعيتم إدراكها بالنظر فى ترتيب هذه المقدمات ونظمها ~~على شكل المقاييس المنتجة فقد اعترفتم بصحة النظر العقلى ويدعى بطلانه، ~~فهذا الكلام مفحم له، وكاشف عن خزايته. أو يقال له: عرفت بطلان النظر ضرورة ~~أو نظرا؟ ولا سبيل إلى دعوى الضرورة، فإن الضرورى ما يشترك فى معرفته ذوو ~~العقول السليمة، كقولنا: الكل أعظم من الجزء، والاثنان أكبر من PageV01P077 ~~الواحد، والشي ء الواحد لا يكون قديما محدثا، والشي ء الواحد لا يكون فى ~~مكانين. # وإن زعم أنه أدرك بطلان النظر بالنظر فقد تناقض كلامه، وهذا لا مخرج منه ~~أبد الدهر، وهو وارد على كل باطنى يدعى معرفة شي ء يختص به، فإنه إما أن ~~يدعى الضرورة أو النظر أو السماع من معصوم صادق يدعى معرفة صدقه وعصمته ~~أيضا إما ضرورة أو نظرا، ولا سبيل إلى دعوى الضرورة، وفى دعوى النظر إبطال ~~عين المذهب، فلتتعجب من هذا التناقض البين وغفلة هؤلاء المغرورين عنه. # فإن قال قائل من منكرى النظر: هذا ينقلب عليكم، إذ يقال لكم: وبم عرفتم ~~صحة النظر؟ إن ادعيتم الضرورة اقتحمتم ما استبعدتموه، وتورطتم فى عين ما ~~أنكرتموه، وإن زعمتم: أنا أدركناه نظرا، فالنظر الذي به الإدراك بم عرفتم ~~صحته، والخلاف قائم فيه؟ فإن ادعيتم معرفة ذلك بنظر ثالث لزم ذلك فى الرابع ~~والخامس إلى غير نهاية.- قلنا: نعم كان هذا الكلام ينقلب إن كانت المعقولات ~~بالموازنات اللفظية، وليس الأمر كذلك، فلتتأمل دقيقة الفرق، فإنا نقول: ~~عرفنا كون النظر العقلى دليلا إلى العلم بالمنظور فيه بسلوك طريق النظر ~~والوصول إليه. فمن سلكه وصل، ومن وصل عرف أن ما سلكه هو الطريق، ومن استراب ~~قبل السلوك فيقال: طريق رفع هذه الاسترابة السلوك. # ومثاله ما إذا سئلنا عن طريق الكعبة فدللنا على طريق معين، فقيل لنا: من ~~أين عرفتم كونه طريقا؟ قلنا: عرفناه بالسلوك، بأنا سلكناه فوصلنا إلى ~~الكعبة، فعرفنا كونه طريقا. ومثاله الثانى: أنا إذا قيل لنا: بم عرفتم أن ~~النظر فى الأمور الحسابية من الهندسة والمساحة وغيرها طريق إلى ms053 معرفة ما لا ~~يعرف اضطرارا؟ - قلنا: سلوك طريق الحساب، إذ سلكناه فأفادنا علما بالمنظور ~~فيه، فعلمنا أن نظر العقل دليل فى الحساب، وكذلك فى العقليات: سلكنا الطريق ~~النظرية فوصلنا إلى العلم بالمعقولات، فعرفنا أن النظر طريق، فهذا لا تناقض ~~فيه. فإن قيل: وبم عرفتم أن PageV01P078 ~~ما وصلتم إليه علم متعلق بالمعلوم على ما هو به، بل هو جهل ظننتموه علما؟ ~~قلنا: ولو أنكر العلوم الحسابية منكر فما ذا يقال له؟ أو ليس يسفه فى عقله ~~ويقال له: هذا يدل على قلة بصيرتك بالحسابيات. فإن الناظر فى الهندسة إذا ~~حصر المقدمات ورتبها على الشكل الواجب يحصل العلم بالنتيجة ضرورة على وجه ~~لا يتمارى فيه، فهكذا جوابنا فى المعقولات، فإن المقدمات النظرية، إذا رتبت ~~على شروطها أفادت العلم بالنتيجة على وجه لا يتمارى فيه، ويكون العلم ~~المستفاد من المقدمات بعد حصولها ضروريا كالعلم بالمقدمات الضرورية المنتجة ~~له. وإن أردنا أن نكشف ذلك لمن قلت بضاعته فى العلوم فنضرب له مثالا ~~هندسيا، ثم نضرب له مثالا عقليا لينكشف له الغطاء وينجلى عن عقيدته الخفاء. # أما المثال الهندسى فهو أن أقليدس «1» رسم فى مصنفه فى الشكل الأول من ~~المقالة الأولى مثلثا، وادعى أنه متساوى الأضلاع؛ ولا يعرف ذلك ببديهة ~~العقل، ولكنه ادعى أنه يعرف بالبرهان نظرا، وبرهانه بمقدمات: # (الأولى) أن الخطوط المستقيمة الخارجة من مركز الدائرة إلى المحيط ~~متساوية من كل جانب، وهذه المقدمة ضرورية، إذ الدائرة ترسم بالبركار «2» ~~على فتح واحد، وإنما الخط المستقيم من المركز إلى الدائرة هو فتح البركار، ~~وهو واحد فى الجوانب. # (المقدمة الثانية) إذا تساوت دائرتان بالخطوط المستقيمة من مركزهما إلى ~~محيطهما فالخطوط أيضا متساوية،- ضرورية. # (المقدمة الثالثة) أن المساوى للمساوى مساو، وهذه أيضا ضرورية. ثم الآن ~~نشتغل بالمثلث ونشير إلى خطين منه ونقول: إنهما متساويان لأنها خطان ~~مستقيمان خرجا من مركز دائرة إلى محيطها، والخط الثالث مثل لأحدهما لأنه ~~خرج أيضا من PageV01P079 ~~مركز الدائرة إلى محيطها مع ذلك الخط. وإذا ساوى أحد الخطين فقد ساوى ~~الآخر، فإن المساوى للمساوى ms054 مساو.- فبعد هذا النظر نعلم قطعا تساوى أضلاع ~~المثلث المفروض كما عرف سائر المقدمات مثل قولنا: الخطوط المستقيمة من مركز ~~الدائرة إلى المحيط مماثلة، وغيرها من المقدمات. # المثال العقلى الإلهي: وهو أنا إذا أردنا أن ندل على واجب الوجود القائم ~~بنفسه، المستغنى عن غيره الذي منه يستفيد كل موجود وجوده، لم ندرك ثبوت ~~موجود واجب الوجود مستغنيا عن غيره بالضرورة، بل بالنظر. # ومعنى النظر هو أنا نقول: لا شك فى أصل الوجود وأنه ثابت فإن من قال لا ~~موجود أصلا فى العالم فقد باهت «1» الضرورة والحس. فقولنا: لا شك فى أصل ~~الوجود، مقدمة ضرورية، ثم نقول: والوجود المعترف به من الكل إما واجب، وإما ~~جائز، فهذه المقدمة أيضا ضرورية، فإنها حاصرة بين النفى والإثبات، مثل ~~قولنا: الموجود إما أن يكون قديما أو حادثا، فيكون صدقه ضروريا، وهكذا كل ~~تقسيم دائر بين النفى والإثبات، ومعناه أن الموجودات إما أن تكون استغنت، ~~أو لم تستغن، والاستغناء عن السبب هو المراد بالوجوب، وعدم الاستغناء هو ~~المراد بالجواز، فهذه مقدمة ثالثة. # ثم نقول: إن كان هذا الموجود المعترف به واجبا، فقد ثبت واجب الوجود؛ وإن ~~كان جائزا مفتقر إلى واجب الوجود، ومعنى جوازه أنه أمكن عدمه ووجوده على حد ~~واحد. وما هذا وصفه لا يتميز وجوده عن عدمه إلا بمخصص، وهذا أيضا ضرورى، ~~فقد ثبت بهذه المقدمات الضرورية واجب الوجود، وصار العلم بعد حصوله ضروريا ~~لا يتمارى فيه. # فإن قيل: فيه موضع شك، إذ يقول المعترف به جائز ويقول: قولكم إنه يفتقر ~~إلى واجب كل جائز وجوده، غير مسلم، بل يفترق إلى سبب، ثم ذلك السبب PageV01P080 ~~يجوز أن يكون جائز الوجود؟ قلنا: فى تلك المقدمات، ما اشتمل على رفع هذا ~~بالقوة؛ فإن كل ما ثبت له الجواز فافتقاره إلى سبب ضرورى. فإن قدر السبب ~~جائزا دخل فى الجملة التى سميناها كلا. ونحن نعلم بالضرورة أن كل الجائزات ~~تفتقر إلى سبب، فإن فرضت السبب جائزا فافرضه داخلا فى الجملة واطلب سببه، ~~إذ يستحيل أن يسند ذلك ms055 جائز آخر، وهكذا إلى غير نهاية، فإنه يكون عند ذلك ~~جميع الأسباب والمسببات جملة جائزة، ووصف الجواز يصدق على آحادها وعلى ~~مجموعها، فيفتقر المجموع إلى سبب خارج عن وصف الجواز المخرج، وفيه ضرورة ~~إثبات واجب الوجود، ثم بعد ذلك نتكلم فى صفته ونبين أنه لا يجوز أن يكون ~~واجب الوجود جسما ولا منطبعا فى جسم ولا متغيرا ولا متحيزا- إلى سائر ما ~~يتبع ذلك ويثبت كل واحد منها بمقدمات لا شك فيها، وتكون النتيجة بعد حصولها ~~من المقدمات فى الظهور على ذوق المقدمات. # فإن قيل: العلوم الحسابية معترف بها لأنها ضرورية، ولذلك لم يختلف فيها؛ ~~وأما النظريات العقلية فإن كانت مقدماتها كذلك فلم وقع الاختلاف فيها فوقوع ~~الاختلاف فيها يقطع الأمان؟ - قلنا: هذا باطل من وجهين: (أحدهما) أن العلوم ~~الحسابية اختلف فيها تفصيلا وجملة من وجهين: أحدهما أن الأوائل قد اختلفوا ~~فى كثير من هيئات الفلك ومعرفة مقاديرها، وهى مثبتة على مقدمات حسابية، ~~ولكن متى كثرت المقدمات وتسلسلت ضعف الذهن عن حفظها. فربما تزل واحدة عن ~~الذهن فيغلط فى النتيجة، وإمكان ذلك لا يشككنا فى الطريق، نعم! الخلاف فيها ~~أندر، لأنها أظهر، وفى العقليات أكثر، لأنها أخفى وأستر. ومن النظريات ما ~~ظهر فاتفقوا عليه، وهو أن القديم لا يعدم- فهذه مسألة نظرية ولم يخالف فيها ~~أحد البتة، فلا فرق بين الحسابية والعقلية. # الثانى: أن من حصر مدارك العلوم فى الحواس وأنكر العلوم النظرية جملة، ~~الحسابية وغير الحسابية، فخلاف هؤلاء: هل يشككنا فى علمنا بأن العلوم ~~الحسابية صادقة حقيقة؟ فإن قلتم «نعم!» اتضح ميلكم عن الإنصاف وإن قلتم PageV01P081 ~~«لا!» فلم وقع الخلاف فيه؟ فإن قلتم: خلافه لم يشككنا فى المقدمات فلم ~~يشككنا فى النتيجة؟ فكذلك خلاف من خالفنا فى تفصيل ما عرفناه من الدلالة ~~على ثبوت واجب الوجود لم يشككنا فى مقدمات الدليل فلم يشككنا فى النتيجة؟ # والوجه الآخر من الجواب هو أن السوفسطائية «1» أنكروا الضروريات وخالفوا ~~فيها وزعموا أنها خيالات لا أصل لها، واستدلوا عليه بأن أظهرها المحسوسات، ~~ولا ثقة بقطع الإنسان ms056 بحسه، ومهما شاهد إنسانا وكلمه فقوله أقطع بحضوره ~~وكلامه، فهو خطأ، فلعله يراه فى المنام! فكم من منام يراه الإنسان ويقطع به ~~ولا يتمارى مع نفسه فى تحقيقه، ثم ينتبه على الفور فيبين أنه لا وجود له، ~~حتى يرى فى المنام يد نفسه مقطوعة ورأسه مفصولا، ويقطع به ولا وجود لما ~~يقطع به. ثم خلاف هؤلاء لا يشككنا فى الضروريات، وكذلك النظريات فإنها بعد ~~حصولها من المقدمات تبقى ضرورية لا يتمارى فيها كما فى الحسابيات. # وهذا كله كلام على من ينكر النظر جملة، أما التعليمية فلا يقدرون على ~~إطلاق القول بإبطال النظر جملة، فإنهم يسوقون الأدلة والبراهين على إثبات ~~التعليم، ويرتبون المقدمات كما حكيناه. فكيف ينكرون ذلك؟! فمن هنا قالوا: ~~نظر العقل باطل، فيقال: وبم عرفتم بطلانه وثبوت التعليم؟ أبنظر أم ضرورة؟ ~~ولا بد أن يقال: بنظر: ومهما استدل بالخلاف فى النظريات على فساد النظريات ~~فقابله بالخلاف من السوفسطائية فى الضروريات، ولا فرق بين المقامين، فإذا ~~قالوا: وبم أمنت الخطأ؟ وكم من مرة اعتدت الشي ء نظرا ثم بان خلافه؟! فيقال ~~له: وبم عرفت حضورك بهذا البلد الذي أنت فيه، وكم من مرة اعتقدت نفسك ~~ورأيتها ببلد آخر لم تكن فيه، فبم تميز بين النوم واليقظة؟ وبم تأمن على ~~نفسك فلعلك الآن فى هذا الكلام نائم؟! فإن زعم: أنى أدرك التفرقة ضرورة؛ ~~فيقال: وأنا أدركت التفرقة بين ما يجوز الغلط فيه من المقدمات، وما لا يجوز ~~أيضا ضرورة ولا فرق. وكذلك PageV01P082 ~~كم يغلط الإنسان فى الحساب ثم يتنبه! وإذا تنبه أدرك التفرقة ضرورة بين ~~حالة الإصابة والخطأ. # فإن قال قائل من الباطنية: نحن ننكر النظر جملة، وما ذكرتم ليس من ~~النظريات فى شي ء، بل هى مقدمات ضرورية قطعية رتبناها، قلنا: فأنتم الآن لم ~~تفهموا معنى النظر الذي نقول به: فلسنا نقول إلا بمثل ما نظمتموه من ~~المقدمات الضرورية الحقيقية كما سنبينها، فكل قياس لم يكن بنظم مقدمات ~~ضرورية، أو بنظم مقدمات مستنتجة من ضرورية فلا حجة فيه، فهذا هو ms057 القياس ~~المعقول، وإنما ينتظم أبدا من مقدمتين: إما مطلقة، وإما تقسيمية، وقد تسمى ~~حملية وشرطية، أما المطلقة فكقولنا: العالم حادث، وكل حادث فله سبب. فهاتان ~~مقدمتان: الأولى حسية، والثانية ضرورية عقلية، ونتيجته: أن لحوادث العالم ~~إذا سببا. وأما التقسيمية فهو أنا نقول: إذا ثبت أن لحوادث العالم سببا ~~فالسبب المفروض إما حادث وإما قديم. # فإن بطل كونه حادثا ثبت كونه قديما، ثم نبطل كونه حادثا بمثل هذه ~~المقاييس فيثبت بالآخرة أن لوجود العالم سببا قديما؛ فهذا هو النظر المقول ~~به، فإن كنتم متشككين فى صحته فبم تنكرون من يمتنع من قبول مقدماتكم التى ~~نظمتموها ويقول: أنا متشكك فى صحتها؟ فإن نسبتموه إلى إنكار الضرورة ~~نسبناكم إلى مثله فيما ادعينا معرفته بالنظر؛ ولا فرق. # هذا هو المنهج الجملى فى الرد عليهم، إذا أبطلوا نظر العقول، وهو الجزم ~~الواجب فى إفحامهم، فلا ينبغى أن نخوض معهم فى التفصيل، بل نقتصر على أن ~~نقول لهم: كل ما ذا عرفتموه من مذهبكم: من صدق الإمام وعصمته وبطلان الرأى ~~ووجوب التعليم- بما عرفتموه؟ ودعوى الضرورة غير ممكنة فيبقى النظر والسماع. # وصدق السمع أيضا لا يعرف ضرورة فيبقى النظر وهذا لا مخرج عنه. # فإن قال قائل: لا يظن بعاقل يدعى مذهبا ليس ضروريا ثم ينكر النظر، فلعلهم ~~يعترفون بالنظر، إلا أنهم يقولون: تعلم طريق النظر واجب، فإن الإنسان لا يستقل PageV01P083 ~~بنفسه فى النظريات، فإن أنكرتم ذلك فقد أنكرتم العقول بديهة، إذ لم يترشح ~~المدرسون والمعلمون إلا للتعليم، فلم تصدوا مع الاستغناء عنهم؟ وإن اعترفتم ~~بذلك فقد اعترفتم بوجوب المعلم، وأن العقول ليس فى مجردها غنية فبقى أنكم ~~جوزتم التعلم من كل أحد، وهم أوجبوا التعلم من معصوم، لأن مذاهب المعلمين ~~مختلفة ومتعارضة ولا ترجيح للبعض على البعض. # قلنا: وهذا السؤال أيضا فاسد، فإنا لا ننكر الحاجة إلى التعلم، بل العلوم ~~منقسمة إلى ثلاثة أقسام: قسم لا يمكن تحصيله إلا بالسماع والتعلم كالإخبار ~~عما مضى من الوقائع ومعجزات الأنبياء وما يقع فى القيامة وأحوال الجنة ~~والنار. فهذا لا ms058 يعرف إلا بالسماع من النبي المعصوم، أو بالخبر المتواتر ~~عنه، فإن سمع بقول الآحاد حصل به علم ظنى لا يقينى. # هذا قسم، والقسم الآخر من العلوم النظرية العقلية فليس فى الفطرة ما يرشد ~~إلى الأدلة فيه، بل لا بد فيه من التعلم لا ليقلد المعلم فيه، بل لينبهه ~~المعلم على طريقه، ثم يرجع العاقل فيه إلى نفسه فيدركه بنظره. وعند هذا ~~فليكن المعلم من كان ولو أفسق الخلق وأكذبهم، فإنا لسنا نقلده بل نتنبه ~~بتنبيهه فلا نحتاج فيه إلى معصوم، وهى كالعلوم الحسابية والهندسية لا تعلم ~~بالفطرة وتحتاج إلى المعلم، ونستغنى عن معلم معصوم بل يتعلم طريق البرهان ~~ويساوى المتعلم المعلم بعد النظر فى العقليات عندنا فالحسابيات عندهم، وكم ~~من شخص يغلط فى الحسابيات، ثم يتنبه بالآخرة بعد زمان؛ وذلك لا يشكك فى ~~الأدلة والبراهين الحسابية ولا يحتمل الافتقار فيها إلى معلم معصوم. # القسم الثالث: العلوم الشرعية الفقهية، وهو معرفة الحلال والحرام والواجب ~~والندب، وأصل هذا العلم السماع من صاحب الشرع، والسماع منه يورث العلم، إلا ~~أن هذا لا يمكن تحصيل العلم القطعى فيه على الإطلاق فى حق كل شخص وفى كل ~~واقعة، بل لا بد من الاكتفاء بالظن فيه ضرورة فى طريقين: أحدهما فى PageV01P084 ~~المستمعين، فإن الخلق فى عصر النبي صلى الله عليه وسلم انقسموا إلى من شاهد ~~فسمع وتحقق وعرف، وإلى من غاب فسمع من المبلغين وآحاد الأمراء والولاة ~~فاستفادوا ظنا من قولة الآحاد، ولكن وجب عليهم العمل بالظن للضرورة. فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عجز عن إسماع كل واحد بنفسه من غير واسطة، ولم ~~يشترط أن تتواتر عنه كل كلمة فى كل واقعة لتعذره، والعلم يحصل بأحد هذين ~~المسلكين، وهو متعذر قطعا. # (والطرف الثانى) فى نفس الصورة الفقهية والحوادث الواقعة، إذن ما من ~~واقعة إلا وفيها تكليف، والوقائع لا حصر لها، بل هى فى الإمكان غير ~~متناهية. والنصوص لا تفرض إلا محصورة متناهية، ولا يحيط قط ما يتناهى بما ~~لا يتناهى. وغاية صاحب الشرع مثلا أن ms059 ينص على حكم كل صورة اشتمل عليها ~~تصنيف المصنفين فى الفقه إلى عصرنا هذا. ولو فعل ذلك واستوفاه كانت الوقائع ~~الممكنة الخارجة عن التصانيف أكثر من المسطورات فيها، بل لا نسبة لها ~~إليها؛ فإن المسطورات محصورة، والممكنات لا حصر لها. فكيف يستوفى ما لا ~~يتناهى بالنص! فبالضرورة لا بد من تحكيم الظن فى التعلق بصيغ العمومات، وإن ~~كان يحتمل أنها أطلقت لإرادة الخصوص، إذ عليها أكثر العمومات. ولذلك لما ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا «1» إلى اليمن وقال له: بم تحكم؟ ~~فقال: بكتاب الله. # قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيى. # فقال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضاه ~~رسوله؛ فإنما رخص له فى اجتهاد الرأى لضرورة العجز عن استيعاب النصوص ~~للوقائع. # هذا بيان هذا القسم، ولا حاجة فيه إلى إمام معصوم، بل لا يغنى الإمام ~~المعصوم شيئا، فإنه لا يزيد على صاحب الشرع؛ وهو لم يغن فى كلا الطرفين، ~~فلا قدرة على استيعاب الصور بالنصوص، ولا قدرة على مشافهة جميع الخلق ولا ~~على تكليفهم اشتراط التواتر فى كل ما ينقل عنه عليه السلام. فليت شعرى! PageV01P085 # معلمهم المعصوم ما ذا يغنى فى هذين الطرفين؟! أيعرف كافة الخلق نصوص ~~أقاويله، وهم فى أقصى الشرق والغرب، بقول آحاد هؤلاء الدعاة ولا عصمة لهم ~~حتى يوثق بهم، أو يشترط التواتر عنه فى كل كلمة وهو فى نفسه محتجب لا يلقاه ~~إلا الآحاد والشواذ؟ - هذا لو سلم أنه مطلع على الحق بالوحى فى كل واقعة ~~كما كان صاحب الشرع. فكيف، والحال كما نعرفه ويعرفه خواص أشياعه المحدقين ~~به فى بلده وولايته! # فقد انكشف بهذا الكلام أنهم يلبسون ويقولون: إن قلتم لا حاجة إلى التعليم ~~فقد أنكرتم العادات؛ وإن اعترفتم فقد وافقتمونا على إثبات التعليم. فيأخذون ~~التعليم لفظا مجملا مسلما ثم يفصلونه بأن فيه اعترافا بوجوب التعلم من ~~المعصوم، فقد فهمت أى علم يستغنى فيه عن المعلم، وأي علم يحتاج ms060 فيه إليه. # وإذا احتيج فما الذي يستفاد من المعلم طريقه ولا يقلد فى نفسه فيستغنى عن ~~عصمته؟ وما الذي يقلد فى نفسه فيحتاج فيه إلى عصمته؟ وأن ذلك المعصوم هو ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأن ما يؤخذ منه كيف ينقسم إلى ما يعلم تحقيقا، ~~وإلى ما يظن؛ وأن كافة الخلق كيف يضطرون إلى القناعة بالظن فى صدق مبلغ ~~الخبر عن صاحب الشرع وفى إلحاق غير المنصوص إلى النصوص. وإذا أيقنت هذه ~~القاعدة استوليت على كشف تلبيساتهم كلها، فإن عادتهم أبدا إطلاق مقدمات ~~مهملة بنوا عليها النتيجة الفاسدة، كقولهم: إنكم إذا اعترفتم بالحاجة إلى ~~التعليم فقد اعترفتم بمذهبنا؛ فنقول اعترافنا بالتعلم فى النظريات ~~كاعترافكم به فى الحسابيات. # هذا منهج الكلام الجملى عليهم. # المنهج الثانى فى الرد عليهم تفصيلا # وسبيلنا أن نتكلم على كل مقدمة من مقدماتهم الثمانى التى نظمناها فنقول: # (المقدمة الأولى) وهى قولكم إن كل شي ء يتكلم فيه بنفى وإثبات ففيه حق ~~وباطل، والحق واحد، والباطل ما يقابله. فهذه مقدمة صادقة لا نعتقد نزاعا فيها، PageV01P086 ~~ولكن لا يصح منكم استعمالها، فإنا نقول: من الناس من أنكر حقائق الأشياء، ~~وزعم أنه لا حق ولا باطل، وأن الأشياء تابعة للاعتقادات، فما يعتقد فيه ~~الوجود فهو موجود فى حق ذلك المعتقد، وما يعتقد فيه العدم فهو معدوم فى حق ~~المعتقد، وهذه مقالة فرقة من فرق السوفسطائية، وربما يقولون: الأشياء لا ~~حقيقة لها، فنقول: هل هذه المقدمة مقدمة يقطعون بها، وأنتم ترونها فى ~~المنام ولا حقيقة لها، فبما ذا أمنتم الغلط فيها؟ وكم رأيتم أنفسكم فى ~~المنام قاطعين بأمر لا حقيقة له! وما الذي آمنكم من إصابة خصومكم وخطئكم؟ ~~ولا نزال نورد عليهم ما يوردونه على أهل النظر للتشكيك فيه فلا يجدون فصلا، ~~فإن زعموا أنا نعرف ضرورة خطأ من يخالفنا من السوفسطائية ونعلم ضرورة صدق ~~هذه المقدمة، قيل لهم: فبم تنكرون على أهل النظر إذا ادعوا ذلك فى مذهبهم ~~وفى تفريقهم بين ما غالطوا فيه وبين ما لم يغالطوا فيه، وفرقهم ms061 بين أنفسهم ~~ومخالفيهم؟ فإن زعموا أن ذلك يفتقر فيه إلى تأمل، وما نحن فيه بديهى- ~~فنقول: والحسابيات يحتاج فيها إلى أدق تأمل، فإن غلط فى مسألة عرفتموها من ~~الحساب رجل قصر نظره أو ضعف ذكاؤه، فهل يشكككم ذلك فى أن العلوم الحسابية ~~صادقة؟ فإن قلتم: لا! قيل: فهكذا حال النظار المحققين إذا خالفهم ~~المخالفون، وهذا ينبغى أن يكون عليهم فى كل مقام، لأن تبجحهم الأكثر ~~باختلاف النظار، وأن ذلك ينبغى أن يسقط الأمان، وخلافنا لهم لم يسقط أمانهم ~~عن مقدماتهم التى نظموها ثم طمعوا مع ذلك أن يسقط أماننا عن النظريات بخلاف ~~المخالف فيها، وهذا من الطمع البارد والظن الركيك الذي لا ينخدع بمثله عاقل. # أما «المقدمة الثانية» وهى قولهم: إذا ثبت فى كل واقعة حق وباطل فلا بد ~~من معرفة الحق فيه. # فهذه مقدمة كاذبة، إذ تسلموها جملة وفيها تفصيل. وهذه عادتهم فى التلبيس، ~~فلا يغفلن عنها المحصل، فنقول: قول القائل: الحق لا بد من معرفته كقول PageV01P087 ~~القائل: المسألة لا بد من معرفتها، أو المسائل لا بد من معرفتها. فيقال هذا ~~خطأ، بل المسألة اسم جنس يتناول ما لا بد من معرفته، وما عن معرفته بد، فلا ~~بد من تفصيل. وكذلك الحق، بنا غنية عن معرفته فى أكثر الأمور فإن جملة ~~التواريخ والأخبار التى كانت وستكون إلى منقرض العالم أو هى كائنة واقعة ~~اليوم فى العالم يتكلم فيها بنص وإثبات، والحق واحد، ولا حاجة بنا إلى ~~معرفته، وهذا كقول القائل: ملك الروم الآن قائم، أم لا؟ والحق أحدهما لا ~~محالة. وما تحت قدمى من الأرض بعد مجاوزة خمسة أذرع حجر أو تراب؟ وفيه دود، ~~أم لا؟ والحق أحدهما لا محالة. ومقدار كرة الشمس أو زحل ومسافتهما مائة ~~فرسخ، أم لا؟ # والحق أحدهما. وهكذا مساحات الجبال والبلاد وعدد الحيوانات فى البر ~~والبحر وعدد الرمل، فهذه كلها فيها حق وباطل. ولا حاجة إلى معرفتها، بل ~~العلوم المشهورة من النحو والشعر والطب والفلسفة والكلام وغيرها فمنها حق ~~وباطل، ولا حاجة بنا إلى أكثر ms062 ما قيل فيها، بل الذي نسلم أنه لا بد من ~~معرفته مسألتان: وجود الصانع تعالى، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا ~~لا بد منه ثم إذا أثبت صدق الرسول فالباقى يتعلق به تقليدا أو علما بخبر ~~المتواتر، أو ظنا بخبر الواحد، وذلك من العلوم كاف فى الدنيا والآخرة، وما ~~عداه مستغنى عنه. # أما وجود الصانع وصدق الرسول فطريق معرفته النظر فى الخلق حتى يستدل به ~~على الخالق، وفى المعجزة حتى يستدل بها على صدق الرسول، وهذان لا حاجة ~~فيهما إلى معلم معصوم، فإن الناس فيه قسمان: قسم اعتقدوا ذلك تقليدا وسماعا ~~من أبويهم، وصمموا عليه العقد قاطعين به وناطقين بقولهم: لا إله إلا الله، ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير بحث عن الطرق البرهانية وهؤلاء ~~هم المسلمون حقا، وذلك الاعتقاد يكفيهم، وليس عليهم طلب طرق البراهين، ~~وعرفنا ذلك قطعا من صاحب الشرع، فإنه كان يقصده أجلاف العرب وأغمار أهل ~~السواد «1»، وبالجملة طائفة لو PageV01P088 ~~قطعوا آرابا «1» لم يدركوا شيئا من البراهين العقلية، بل لا يبين تمييزهم ~~عن البهائم إلا بالنطق، وكان يعرض عليهم كلمة الشهادتين، ثم يحكم لهم ~~بالإيمان ويقنع منهم به، وأمرهم بالعبادات، فعلم قطعا أن الاعتقاد المصمم ~~كاف وإن لم يكن عن برهان، بل كان عن تقليد، وربما كان يتقدم إليه الأعرابى ~~فيحلفه أنه رسول الله وأنه صادق فيما يقول، فيحلف له ويصدقه، فيحكم ~~بإسلامه. فهؤلاء، أعنى المقلدين، يستغنون عن الإمام المعصوم. # (القسم الثانى) من اضطرب عليه تقليده إما بتفكر وإما بتشكيك غيره إياه أو ~~بتأمله بأن الخطأ جائز على آرائه، فهذا لا ينجيه إلا البرهان القاطع الدال ~~على وجود الصانع، وهو النظر فى الصنع، وعلى صدق الرسول وهو النظر فى ~~المعجزة، وليت شعرى ما ذا يغنى عنهم إمامهم المعصوم! أيقول له: اعتقد أن ~~للعالم صانعا وأن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق تقليدا لى من غير دليل ~~فإنى الإمام المعصوم؛ أو يذكر له الدليل فينبهه على وجه دلالته؟ فإن كان ~~سومه «2» التقليد فمن أى ms063 وجه يصدقه، بل من أين يعرف عصمته وهو ليس يعرف ~~عصمة صاحبه الذي يزعم أنه خليفته بعد درجات كبيرة؟! وإن ذكر الدليل افتقر ~~المسترشد إلى أن ينظر فى الدليل ويتأمل فى ترتيبه ووجه دلالته، أم لا. فإن ~~لم يتأمل فكيف يدرك دون النظر والتأمل، وهذه العلوم ليست ضرورية؟ وإن تأمل ~~وأدرك نتاج المقدمات الضرورية المنتجة المطلوبة بتأمله وخرج به عن حد ~~التقليد له فما الفرق بين أن يكون المنبه له على وجه الدلالة ونظم المقدمات ~~هو هذا المشار إليه المعصوم، أو داعية أو عالم آخر من علماء الزمان، فإن كل ~~واحد ليس يدعوه إلى تقليده، وإنما يقوده إلى مقتضى الدليل، ولا يدرك مقتضى ~~الدليل إلا بالتأمل. فإذا تأمل وأدرك لم يكن مقلدا لمعلمه، بل كان كمتعلم ~~للأدلة الحسابية. ولا فرق فى ذلك بين أفسق الخلق وبين أورعهم، كمعلم الحساب ~~فلا يحتاج فيه إلى الورع فضلا عن العصمة لأنه PageV01P089 ~~ليس مقلدا، وإنما الدليل هو المتبع، فإذا لا يعدو الخلق هذين القسمين: ~~فالأول مستغن عن المعصوم، والثانى لا يغنى عنه المعصوم شيئا. فقد بطلت ~~مقدمتان: # إحداهما أن كل حق فلا بد من معرفته، والأخرى أنه لا يعرف الحق إلا من معصوم. # فإن قيل: لا تكفى معرفة الله تعالى ورسوله، بل لا بد من معرفة صفات الله ~~ومعرفته الأحكام الشرعية- قلنا: أما صفات الله تعالى فقسمان: قسم لا يمكن ~~معرفة صدق الرسول وبعثته إلا بعد معرفته، ككونه عالما وقادرا على الإرسال؛ ~~فهذا يعرف عندنا بالأدلة العقلية كما ذكرناه؛ والمعصوم لا يغنى، لأن ~~المعتقد له تقليدا أو سماعا من أبويه مستغن عن المعلم كما سبق، والمتردد ~~فيه ما ذا يغنى عنه المعصوم! أفيقول له: قلدنى فى أنه تعالى قادر عالم، ~~فيقول له: كيف أقلدك ولم تسمح نفسى بتقليد محمد بن عبد الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو صاحب المعجزة؟! وإن ذكر له وجه الدليل أعاد القول فيه إلى ما مضى ~~فى أصل وجود الصانع وصدق الرسول من غير فرق. # وأما الأحكام الشرعية فلا بد لكل ms064 واحد من معرفة ما يحتاج إليه فى ~~واجباته، وهى قسمان: # (القسم الأول) ما يمكن معرفته قطعا وهو الذي اشتمل عليه نص القرآن وتواتر ~~عنه الخبر من صاحب الشرع: كعدد ركعات الصلوات الخمس، ومقادير النصب فى ~~الزكوات، وقوانين العبادات وأركان الحج، أو ما أجمعت عليه الأمة، فهذا ~~القسم لا حاجة فيه إلى إمام معصوم أصلا. # (القسم الثانى) ما لا يمكن معرفته قطعا، بل يتطرق الظن إليه وهو إما نص ~~يتطرق الظن إلى نقله من حيث ينقله الآحاد فيجب التصديق به ظنا، كما كان يجب ~~على الخلق فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سائر الأقطار؛ وإما ~~صورة لا نص فيها فيحتاج إلى تشبيهها بالنصوص عليه وتقريبها منه بالاجتهاد؛ ~~وهو الذي قال معاذ فيه: «أجتهد رأيى»؛ وكون هذا مظنونا ضرورى فى الطرفين ~~جميعا إذ لا يمكن شرط التواتر فى الكل، ولا يمكن استيعاب جميع الصور بالنص ~~فلا يغنى المعصوم فى هذا شيئا، PageV01P090 ~~فإنه لا يقدر على أن يجعل ما نقله الواحد متواترا، بل ولو تيقنه لم يقدر ~~على مشافهة كافة الخلق به، ولا تكليفهم السماع عنه تواترا، فيقلد أشياعه ~~دعاة المعصوم وهم غير معصومين، بل يجوز عليهم الخطأ والكذب، فنحن نقلد ~~علماء الشرع، وهم دعاة محمد صلى الله عليه وسلم المؤيد بالمعجزات الباهرة، ~~فأى حاجة إلى المعصوم فيه! وأما الصورة التى ليست منصوصة فيجتهد فيها ~~الرأى، إذ المعصوم لا يغنى عنها شيئا، فإنه بين أن يعترف بأنه أيضا ظان ~~والخطأ جائز فى كل ذى ظن؛ ولا يختلف ذلك بالأشخاص. فما الذي يميز ظنه من ظن ~~غيره وهو مجوز للخطأ على نفسه؟! وإن ادعى المعرفة فيه: أيدعيها عن وحى، أو ~~عن سماع نص فيه، أو عن دليل عقلى؟ # فإن ادعى تواتر الوحى إليه فى كل واقعة، فإذا هو مدع للنبوة فيفتقر إلى ~~معجزة، كيف ولا يتصور تقدير المعجزة إذ بان لنا أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم خاتم الأنبياء. فإن جوزنا الكذب على محمد فى قوله: «أنا خاتم ~~الأنبياء» مع إقامة ms065 المعجزة، فكيف نأمن كذب هذا المعصوم وإن أقام المعجزة؟! ~~وإن ادعى معرفته عن نص بلغه فكيف لا يستحى من دعوى نص صاحب الشرع على وقائع ~~لا يتصور حصرها وعدها، بل لو عمر الإنسان عمر نوح ولم يشتغل إلا بعد الصور ~~والنصوص عليها لم يستوعب عشر عشرها. ففى أى عمر استوعب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم جميع الصور بالنص! فإن ادعى المعرفة بدليل عقلى، فما أجهله ~~بالفقهيات والعقليات جميعا، إذ الشرعيات أمور وضعية اصطلاحية تختلف بأوضاع ~~الأنبياء والأعصار والأمم كما نرى الشرائع مختلفة، فكيف تجوز فيها الأدلة ~~العقلية القاطعة؟! وإن ادعاها عن دليل عقلى مفيد للنظر فالفقهاء كلهم لهم ~~هذه الرتبة! # فاستبان أن ما ذكروه تلبيس بعيد عن التحقيق وأن العامى المنخدع به فى ~~غاية الحمق لأنهم يلبسون على العوام بأن يتبعوا الظن، وإن الظن لا يغنى عن ~~الحق شيئا، والفقهيات لا بد فيها من اتباع الظن فهو ضرورى، كما فى التجارات ~~والسياسات وفصل الخصومات للمصالح، فإن كل الأمور المصلحية تبنى على الظن، ~~والمعصوم كيف يغنى عن هذا الظن، وصاحب الشريعة لم يغن عنه ولم PageV01P091 ~~يقدر عليه، بل أذن فى الاجتهاد وفى الاعتماد على قول آحاد الرواة عنه، وفى ~~التمسك بعمومات الألفاظ، وكل ذلك ظن عمل به فى عصره مع وجوده، فكيف يستقبح ~~ذلك بعد وفاته! # فإن قيل: فإذا اختلف المجتهدون لاختلاف مسالك الظنون فما ذا ترون؟ إن ~~قلتم: «كل مجتهد مصيب» - تناقض كلامكم، فإن خصومكم مهما أصابوا فى اعتقادهم ~~يقولون إنكم أخطأتم؛ أفلستم مصيبين إذا، فكيف وفى الفرق من يستبيح سفك ~~دمائكم؟ فإن كانوا مصيبين أيضا فنحن فى سفك دمائكم ونهب أموالكم مصيبون؛ ~~فلم تنكرون علينا؟ وإن قلتم: إن المصيب واحد، فبم نميز المصيب من المخطئ؟ ~~وكيف نتخلص من خطر الخطأ والظن؟ - قلنا: فيه رأيان. # فإن قلنا: كل مجتهد مصيب لم نتناقض، إذ نريد به أنه مصيب حكم الله فى حق ~~نفسه ومقلديه، إذ حكم الله عليه أن يتبع غالب ظنه فى كل واقعة، وقد اتبع؛ ~~وهذا حكم الله على ms066 خصمه؛ وقولهم: إنه مصيب إذا فى سفك الدم، فهو كلام جاهل ~~بالفقهيات، فإن ما افترق فيه الفرق مما يرى فيه سفك الدماء مسائل قطعية ~~عقلية، المصيب فيها واحد؛ والمسائل الظنية الفقهية المختلف فيها بين ~~الشافعى وأبى حنيفة ومالك لا تفضى إلى التقاتل وسفك الدماء، بل كل فريق ~~يعتقد احترام الفريق الآخر حتى يحكم بأنه لا ينقض حكمه إذا قضى به، وأنه ~~يجب على المخالف الاتباع. نعم! اختلفوا فى أنه: هل يطلق اسم الخطأ على ~~الفرقة الأخرى فى غير إنكار واعتراض أم لا؟ وقولهم: إن خصمك يقول: أنت ~~مخطئ، فإن كان هو مصيبا فإذا أنت مخطئ- قلنا: إن قال خصمى: أنت مخطئ، أي ~~أظن خطأك فهو صادق؛ وأنا أيضا صادق فى قولى: إنى مصيب، ولا تناقض. وإن قال: ~~أقطع بأنك مخطئ، فليس مصيبا فى هذا القول، بل بطلان قول من يقطع بالخطإ فى ~~المجتهدات ليس مظنونا، بل هو مقطوع به فى جملة المسائل القطعية الأصولية، ~~فالقول: «إن المصيب من المجتهدين كلاهما أو أحدهما» مسألة أصولية قطعية لا ~~ظنية، وقد التبست عليهم الأصوليات بالفقهيات الظنية، ومهما كشف الغطاء لم PageV01P092 ~~يتناقض الكلام، فإن قيل: فإذا رأيتم كل واحد مصيبا فليجز للمجتهد أن يأخذ ~~بقول خصمه ويعمل به لأنه مصيب، وليجز للمقلد أن يتبع من شاء من الأئمة ~~المجتهدين. قلنا: أما اتباع المجتهد لغيره فخطأ؛ فإن حكم الله عليه أن يتبع ~~ظن نفسه، وهذا مقطوع به، فإذا اتبع ظن غيره فقد أخطأ فى مسألة قطعية ~~أصولية، وعرف ذلك بالإجماع القاطع، وأما خبر المقلدين الأئمة فقد قال به ~~القائلون، ولكن المختار عندنا أنه يجب أن يقلد من يعتقد أنه أفضل القوم ~~وأعرفهم. ومستند اعتقاده إما تقليد سماعى من الأبوين، وإما بحث عامى عن ~~أحواله، وإما تسامع عن ألسنة الفقهاء، وبالجملة يحصل له ظن غالب من هذه ~~المستندات، فعليه اتباع ظن نفسه، كما على المجتهد اتباع ظن نفسه. وهذا ليس ~~بكلي فى الشرع لأن الشرع يشتمل على مصلحة جزئية فى كل مسألة، وعلى مصلحة ~~كلية فى الجملة. ms067 أما الجزئية فما يعرف عنها دليل كل حكم وحكمته، أما ~~المصلحة الكلية فهى أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع فى ~~جميع حركاته وأقواله واعتقاداته، فلا يكون كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها، ~~حتى يرتاض بلجام التقوى وتأديب الشرع وتقسيمه إلى ما يطلقه وإلى ما يحجر ~~عليه فيه، فيقدم حيث يطلق الشرع ويمتنع حيث يمنع، ولا يتخذ إلهه هواه ويتبع ~~فيه مناه. ومهما خبرنا المقلدين فى مذاهب الأئمة ليستمد منها أطيبها عنده ~~اضطرب القائلون فى حقه فلا يبقى له مرجع إلا شهوته فى الاختيار، وهو مناقض ~~للغرض الكلى؛ فرأينا أن نحصره فى قالب وأن نضبطه بضابط وهو رأى شخص واحد ~~لهذا المعنى. # ولهذا اختلفت قوانين الأنبياء فى الأعصار بالإضافة إلى التفصيل، ولم ~~تختلف فى أصل التكليف ودعوة الخلق عن اتباع الهوى إلى طاعة قانون الشرع، ~~فهذا ما نراه مختارا فى حق آحاد المقلدين. هذا أحد الرأيين وهو أن كل مجتهد مصيب. # ومن رأى أن المصيب واحد، فلا تناقض أيضا فى كلامه. وقوله: بم يأمن من ~~إمكان الخطأ؟ - قلنا: أو لا تعارضهم. فمن كان مسكنه بعيدا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان يعول على قول الواحد، وكذا من مسكنه بعيد عن معصومكم ~~بينه وبينه البحار PageV01P093 ~~الحاجزة والمهامة المهلكة، بم يأمن الخطأ على المبلغ وهو غير المعصوم؟ # فسيقولون: يحكم بالظن، وليس عليه أكثر من ذلك. فهذا جوابنا. # فإن قلتم: إن له طريقا إلى الخلاص من الظن، وهو أن يقصد النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإن التوجه إليه من الممكنات، فكذا يقصد للإمام المعصوم فى كل ~~زمان؛ قلنا: وهل يجب قصد ذلك مهما جوز الخطأ؟ فإن قلتم: لا، فأى فائدة فى ~~إمكانه وقد جاز له اقتحام متن الخطر فيما جوز فيه الخطأ؟ فإذا جاز ذلك فلا ~~بأس بفوات الإمكان. # كيف ولا يقدر كل زمن «1» مدبر لا مال له على أن يقطع ألف فرسخ ليسأل عن ~~مسألة فقهية واقعة، كيف ولو قطعها، فكيف يزول ظنه بإمامكم المعصوم وإن ~~شافهه به إذ ms068 لا معجزة له على صدقه؛ فبأى وجه يثق بقوله؛ وكيف يزول ظنه به؟ ~~ثم يقول: لا خلاص له عن احتمال الخطأ، ولكن لا ضرر عليه، وغاية ما فى هذا ~~الباب أن يكون فى درك الصواب مزية فضيلة، والإنسان- فى جميع مصالحه ~~الدنيوية: من التجارة والحرب مع العدو والزراعة- يقول على ظنون فلا يقدر ~~على الخلاص من إمكان الخطأ فيه، ولا ضرر عليه، بل لو أخطأ صريحا فى مسألة ~~شرعية فليس عليه ضرر، بل الخطأ فى تفاصيل الفقهيات معفو عنه شرعا بقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» ~~«2». فما هولوا من خطر الخطأ مستحقر فى نفسه عند المحصلين من أهل الدين، ~~وإنما يعظم به الأمر على العوام الغافلين عن أسرار الشرع، فليس الخطأ فى ~~الفقهيات من المهلكات فى الآخرة، بل ليس ارتكاب كبيرة موجبا لتخليد العقاب ~~ولا للزومه على وجه لا يقبل العفو، أما المجتهدات فلا مأثم على من يخطئ ~~فيها، والحنفى يقول: يصلى المسافر ركعتين؛ والشافعى يقول: يصلى أربعا، ~~وكيفما فعل فالتفاوت قريب؛ ولو قدر فيه خطأ فهو معفو عنه. فإنما العبادات ~~مجاهدات ورياضات تكسب النفوس صفاء وتبلغ فى الآخرة مقاما محمودا، كما أن ~~تكرار المنفعة لما يتعلمه يجعله فقيه النفس PageV01P094 ~~ويبلغه رتبة العلماء، ومصلحته تختلف بكثرة التكرار وقلته، ورفعه صوته فيه ~~وخفضه. فإن أخطأ فى الاقتصار على التكرار لدرس واحد مرتين، وكانت الثلاث ~~أكثر تأثيرا فى نفسه فى علم الله تعالى، أو أخطأ فى الثلاث وكان الاقتصار ~~على الاثنين أكثر تأثيرا فى صيانته عن التبرم المبلد، أو أخطأ فى خفض الصوت ~~وكان الجهر أوفق لطبعه وللتأثير فى تنبيه نفسه، أو كان الخفض ادعى له إلى ~~التأمل فى كنه معناه، لم يكن الخطأ فى شي ء من ذلك فى ليلة أو ليال مؤيسا ~~عن رتبة الإمامة ونيل فقه النفس، وهو فى جميع ما يخمن ويرتب فى مقادير ~~التكرار من حيث الكمية والكيفية والوقت مجتهد فيه وظان وسالك إلى طريق ~~الفوز بمقصوده ما دام ms069 مواظبا على الأصل. # وإن كان قد تيقن له الخطأ أحيانا فى التفاصيل وإنما الخطر فى التغليظ ~~والاعتراض والاغترار بالفطنة الفطرية ظنا بأن فيها غنية عن الاجتهاد، كما ~~ظن فريق من الباطنية أن نفوسهم زكية مرتاضة مستغنية عن الرياضات بالعبادات ~~الشرعية فأهملوها وتعرضوا بسببها للعقاب الأليم فى دار الآخرة. # فليعتقد المسترشد أن إفضاء المجاهدات الشرعية إلى المقامات المحمودة ~~السنية فى دار الآخرة كإفضاء الاجتهاد- فى ضبط العلوم والمواظبة عليها إلى ~~مقام الأئمة وعند هذا نستحقر ما عظم الباطنية الأمر فيه من خطر الخطأ على ~~المجتهدين فى الجهر بالبسملة وتثنية الإقامة وأمثالها، فالتفاوت فيه بعد ~~المواظبة على الأصول المشهورة كالتفاوت فى الجهر بالتكرار أو الخفض به من ~~غير فرق وكيف. وقد نبه الشرع على تمهيد عذر المخطئ فيه كما تواتر ذلك من ~~صاحب الشرع. هذا تمام الكلام على المقدمة الثانية. # وأما (المقدمة الثالثة) وهى قولهم: إذا ثبت وجوب معرفة الحق فلا يخلو إما ~~أن يعرفه الإنسان من نفسه، أو من غيره. فهذه مقدمة صادقة لا نزاع فيها. ~~نعم! المجادلة عليها بما يفحم الباطنية ويمنعهم من استعمالها كما ذكرنا فى ~~المقدمة الأولى، وهى جارية فى كل مقدمة صادقة. PageV01P095 # وأما (المقدمة الرابعة) وهى قولهم: إذا بطلت معالجته فى نفسه بطريق النظر ~~ثبت وجوب التعلم من غيره، فهذه صادقة على تقدير بطلان النظر وتسليم معرفة ~~الحق، ولكنا لا نسلم بطلان النظر، كما سبق وكما سنذكر فى إفساد شبههم ~~المزخرفة لإبطال النظر، ولا نسلم وجوب معرفة الحق، لأن من جملته ما بنا ~~مندوحة عنه، والمحتاج إليه معرفة الصانع وصدق الرسول، والناس قد اعتقدوها ~~سماعا وتقليدا لأبويهم، وفى ذلك ما يغنيهم فلا حاجة بهم إلى استيناف تعلم ~~من معلم معصوم، فإن قنعوا بالتعليم من الأبوين فنحن نسلم حاجة الصبيان فى ~~مبدأ النشوء إلى ذلك ولا ننكره. ولا مستروح لهم فى هذا التسليم. # ومن هذه المقدمة قولهم: إذا ثبتت الحاجة إلى المعلم فليكن المعلم معصوما، ~~وهذا متنازع فيه، فإن المعلم إن كان يعلم ويذكر معه الدليل العقلى وينبه ~~على ms070 وجه الدلالة ليتأمل المتعلم فيه بمبلغ عقله ويجوز له الثقة بمقتضى عقله ~~بعد تنبيه المعلم، فليكن المعلم ولو أفسق الخليقة فلم يحتاج إلى عصمته؟ ~~وليس يتلقف المتعلم منه تقليد ما يتلقفه، بل هو كالحساب لا بد من معرفة ~~الحق فيه لمصالح المعاملات، ولا يعرفه الإنسان من نفسه ويفتقر إلى معلم ولا ~~يحتاج إلى عصمته لأنه ليس علما تقليديا، بل هو برهانى، وإن زعمتم أن ~~المتعلم ليس يتعلم بالبرهان والدليل لأن ذلك يدركه بنظر عقله، ولا ثقة ~~بعقله مع ضعف عقول الخلق وتفاوتها فلذلك يحتاج إلى معصوم؛ فهذا الآن حماقة، ~~لأنه إما يعرف عصمته ضرورة أو تقليدا، ولا سبيل إلى دعوى شي ء منه، فلا بد ~~أن يعرفه نظرا، إذ لا شخص فى العالم يعرف عصمته ضرورة أو يوثق بقوله مهما ~~قال أنا معصوم، وإذا لم يعرف عصمته كيف يقلده! وإذا لم يثق بنظره كيف يعرف ~~عصمته! فإن كان الأمر كما ذكرتموه فقد وقع الناس عن تعلم الحق وصار ذلك من ~~المستحيلات فإذا قالوا: لا بد من تعلم الحق لا بطريق النظر، كان كمن يقول: ~~لا بد من الجمع بين البياض والسواد، لأنه إن تعلم من غيره بتأمل دليل ~~المسألة التى يتعلمها كان ناظرا مقتحما خطر الخطأ، وإن قلده لكونه معصوما ~~كان مدركا عصمته بالنظر فى دليل العصمة. PageV01P096 # وإن لم يعتقد العصمة ويعلم ممن كان فقد رجع الأمر بالآخرة إلى ما استبعدوه ~~وهو التعلم ممن لم تعرف عصمته وفيهم كثرة وأقوالهم متعارضة كما ذكروه، وهذا ~~لا مخلص عنه أبد الدهر. # وأما (المقدمة الخامسة) وهى قولهم: إن العالم لا يخلو إما أن يشتمل على ~~ذلك المعصوم المضطر إليه، أو يخلو عنه؛ ولا وجه لتقدير خلو العالم عنه فإن ~~ذلك يؤدى إلى تغطية الحق وذلك ظلم لا يليق بالحكمة، فهو أيضا مقدمة فاسدة، ~~لأنا إن سلمنا سائر المقدمات وسلمنا ضرورة الخلق إلى معلم معصوم فنقول: لا ~~يستحيل خلو العالم عنه، بل عندنا يجوز خلو العالم عن النبي أبدا، بل يجوز ~~لله أن يعذب ms071 جميع خلقه وأن يضطرهم إلى النار، فإنه بجميع ذلك متصرف فى ملكه ~~بحسب إرادته، ولا معترض على المالك من حيث العقل فى تصرفاته، وإنما الظلم ~~وضع الشي ء فى غير موضعه، والتصرف فى غير ما يستحقه المتصرف، وهذا لا يتصور ~~من الله، فلعل العالم خال عنه على معنى أن الله لم يخلقه. # فإن قيل: مهما قدر الله على إرشاد الخلق إلى سبيل النجاة ونيل السعادات ~~ببعثة الرسل ونصب الأئمة ولم يفعل ذلك كان إضرارا بالخلق مع انتفاء المنفعة ~~عن الله تعالى فى هذا الإضرار، وهو فى غاية القبح المناقض لأوصاف الكمال من ~~حكمته وعدله، ولا يليق ذلك بالصفات الإلهية. # قلنا: هذا الكلام مختل وغطاء ينخدع به العامى ويستحقره الغواص فى العلوم، ~~وقد انخدع به طوائف من المعتزلة، واستقصاء وجه الرد عليهم فى فن الكلام ~~«1»، وأنا الآن مقتصر على مثال واحد يبين قطعا أن الله تعالى ليس يلزمه فى ~~نعوت كماله أن يرعى مصلحة خلقه، وهو: أنا نفرض ثلاثة من الأطفال مات أحدهم ~~طفلا، وبلغ أحدهم مسلما ثم مات، وبلغ الآخر وكفر ثم مات؛ فيجازى الله كل ~~أحد بما يستحقه، فيكون مقيما للعدل فينزل الذي بلغ وكفر فى دركات PageV01P097 ~~لظى «1»، والذي بلغ، وأسلم فى درجات العلى، والذي مات طفلا من غير إسلام ~~ومقاساة عبادة بعد البلوغ، فى درجة دون درجة الذي بلغ وأسلم، فيقول الذي ~~مات طفلا: يا رب! لم أخرتنى عن أخى المسلم الذي بلغ ومات، ولا يليق بكرمك ~~إلا العدل، وقد منعتنى من مزايا تلك الرتبة، ولو أنعمت علي بها لانتفعت بها ~~ولم تضرك، فكيف يليق بالعدل ذلك؟ فيقول له بزعم من يدعى الحكمة: إنه بلغ ~~وأسلم وتعب وقاسى شدائد العبادات، فكيف يقتضي العدل التسوية بينك وبينه؟ ~~فيقول الطفل: يا رب! أنت الذي أحييته وأمتنى؛ وكان ينبغى أن تمد حياتى ~~وتبلغنى إلى رتبة الاستقلال وتوفقنى للإسلام كما وفقته، فكان التأخير عنه ~~فى الحياة هو الميل عن العدل. فيقول له بزعم من يدعى الحكمة: كانت مصلحتك ~~فى إماتتك فى صباك، ms072 فإنك لو بلغت لكفرت واستوجبت النار، فعند ذلك ينادى ~~الكافر الذي مات بعد بلوغه من دركات لظى فيقول: يا رب! قد عرفت منى أنى إذا ~~بلغت كفرت، فهلا أمتنى فى صباى فإنى قانع بالدرجة النازلة التى أنزلت فيها ~~الصبى المتشوق إلى درجات العلى، وعند هذا لا يبقى لمن يدعى الحكمة فى ~~التسوية إلا الانقطاع عن الجواب والاجتراء. # وبهذا التفاوت يستبين أن الأمر أجل مما يظنون، فإن صفات الربوبية لا توزن ~~بموازين الظنون، وإن الله يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ~~وبهذا يستبين أنه لا يجب بعث نبى ولا نصب إمام. فقد بطل قولهم إنه لا بد أن ~~يشتمل العالم عليه. # وأما (المقدمة السادسة) وهى قولهم: إذا ثبت أن المعصوم موجود فى العالم ~~فلا يخلو إما أن يصرح بالدعوى ويدعى العصمة، أو يخفيه؛ وباطل إخفاؤه، لأن ~~ذلك واجب عليه، والكتمان معصية تناقض العصمة، فلا بد أن يصرح بها. فهذه ~~مقدمة فاسدة، لأنه لا يبعد ألا يصرح به لكونه محفوفا بالأعداء، مستشعرا فى ~~نفسه خائفا PageV01P098 ~~على روحه فيخفى ذلك تقية «1»، وذلك مما اتفقوا على جوازه، وإليه ذهبت ~~الإمامية بأجمعهم، وزعموا أن الإمام حي قائم موجود، والعصمة حاصلة له، ~~ولكنه يتربص تصرم دولة الباطل وانقراض شوكة الأعداء. وإنما هو الآن متحصن ~~بجلباب الخفاء، حارس نفسه عن الهلاك لصيانة السر عن الإفشاء إلى أن يحضر ~~أوانه وينقرض إمام الباطل وزمانه. فما جواب هؤلاء الباطنية على مذهب ~~الإمامية؟ # وما الذي يمنع احتمال ذلك فإنهم ساعدوهم على جميع مقدماتهم إلا على هذه ~~المقدمة، وذلك لما شاهدوا من اختلال حال من وسمه هؤلاء بالعصمة وتحققوا من ~~الأسباب المناقضة للورع والصيانة، فاستحيوا من دعوى العصمة لمن يشاهدون من ~~أحواله نقيضها، فزعموا أن المعصوم مختف، وأنا ننتظر ظهوره فى أوانه، وعند ~~هذا نقول: بم عرفت الباطنية بطلان مذهب الإمامية فى هذه القضية؟ فإن عرفوها ~~ضرورة فكيف قام الخلاف فى الضروريات، وإن عرفوها نظرا فما الذي أوجب صحة ~~نظرهم دون نظر خصومهم وتزكية عقولهم دون عقولهم؟ أيعرف ms073 ذلك بطول اللحى أو ~~ببياض الوجوه وهلم جرا إلى عين المسلك الذي نهجوه؟ وهذا لا محيص عنه بحال ~~من الأحوال. # وأما (المقدمة السابعة) وهى قولهم: إذا ثبت أن المعصوم لا بد أن يصرح. ~~فإذا لم يكن فى العالم إلا مصرح واحد كان هو ذلك المعين لا خصم له، ولا ~~ثانى له فى الدعوى التى يعتسفها المدعى من وجهين للعصمة ولا مصرح بها فى ~~أقطار العالم سوى شخص واحد؟ فلعل فى أقصى الصين أو فى أطراف المغرب من يدعى ~~شيئا من ذلك: وانتفاء ذلك مما لا يعرف ضرورة ولا نظرا، فإن قيل: يعرف ذلك ~~ضرورة إذ لو كان لانتشر لأن مثل هذا تتوافر الدواعى على نقله، قلنا: يحتمل ~~أنه كان ولم ينتشر إلى بلادنا، مع بعد المسافة، لأن المدعى له ليس يتمكن من ~~ذكره إلا PageV01P099 ~~مع سوسه وصاحب سره، وحوله جماعة من أعدائه، فيفزع من إظهار السر وإفشائه، ~~ويرى المصلحة فى إخفائه؛ أو هو مفش له ولكن المستمعين له ممنوعون عن ~~الانتشار فى البلاد وإخبار العباد به لأنهم محاصرون من جهة الأعداء، مضطرون ~~إلى ملازمة الوطن خوفا من نكاية المستولين عليهم، فما الذي يبطل هذا ~~الاحتمال، وهو أمر- قدر قريبا أو بعيدا- فهو ممكن ليس من قبيل المحالات، ~~وأنتم تدعون القطع فيما توردون؛ فكيف يصفو القطع مع هذا الاحتمال؟! # (الوجه الثانى) فى إفساد هذه المقدمة: هو أنكم ظننتم أنه لا يدعى العصمة ~~فى العالم سوى شخص واحد، وهو خطأ؛ فإنا بالتواتر نتسامع بمدعيين أحدهما فى ~~جيلان «1» فإنها لا تنفك قط عن رجل يلقب نفسه بناصر الحق ويدعى لنفسه ~~العصمة، وأنه نازل منزلة الرسول، ويستعبد الحمقى من سكان ذلك القطر إلى حد ~~يقطعهم جوانب الجنة مقدرا بالمساحة، ويضايق فى بعضهم إلى حد لا يبيع ذراعا ~~من الجنة لا بمائة دينار. وهم يحملون إليه ذخائر الأموال، ويشترون منه ~~مساكن فى الجنة، فهذا أحد الدعاة، فبم عرفتم أنه مبطل؟! وإذ قد تعدد المدعى ~~ولا مرجح، إذ لا معجزة، فلا تظنوا أن الحماقة مقصورة عليكم، وأن هذه ms074 الكلمة ~~لا ينطق بها لسان غيركم، بل التعجب من ظنكم أن هذه الحماقة مقصورة عليكم فى ~~الحال أكثر من العجب فى أصل هذه الحماقة. # فأما المدعى الثانى فرجل فى جزائر البصرة يدعى الربوبية، وقد شرع دينا ~~ورتب قرآنا ونصب رجلا يقال: له: على بن كحلا «2»، وزعم أنه بمنزلة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وأنه رسوله إلى الخلق. وقد أحدق به طائفة من الحمقى زهاء ~~عشرة آلاف نفس، ولعله يزيد عددهم على عددكم، وهو يدعى لنفسه العصمة وما ~~فوقها. فما جوابكم عن رجل من الشاباسية «3» يسوق هذه المقدمات إلى هذه ~~المقدمة ثم يقول: إذا لم يكن PageV01P100 ~~بد من معلم معصوم، ولا معجزة للمعصوم وإنما يعرف بالدعوى، وصاحب الباطنية ~~لا يدعى الربوبية- كيف وصاحب الشاباسية يدعى الربوبية؟ فأتباعه أولى، فإن ~~قلتم: من يدعى الربوبية يعرف بطلان قوله ضرورة؛ فالجواب من وجهين: # أحدهما أنه إنما يدعى ذلك بطريق الحلول «1» ويزعم أن ذلك توارث فى نسبهم؛ ~~وقد استمر ذلك فى بيتهم عصرا طويلا. والمدعى الآن كان جده مدعيا لذلك، ~~والحلول قد ذهب إليه طوائف كثيرة، فليس بطلان مذهب الحلولية ضروريا؛ فكيف ~~يكون ضروريا وفيه من الخلاف المشهور ما لا يكاد يخفى، حتى مال إلى ذلك ~~طائفة كبيرة من محققى الصوفية وجماعة من الفلاسفة، وإليه أشار الحسين بن ~~منصور «2» الحلاج الذي صلب ببغداد حيث كان يقول: «أنا الحق، أنا الحق»؛ ~~وكان يقرأ فى وقت الصلب: وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم [النساء: 157]. ~~وإليه أشار أبو يزيد البسطامى «3» بقوله: «سبحانى، سبحانى! ما أعظم شأنى!». ~~وقد سمعت أنا شيخا من مشايخ الصوفية تعقد عليه الخناصر ويشار إليه بالأصابع ~~فى متانة دين، وغزارة علم، حكى لى عن شيخه المرموق فى الدين والورع أنه ~~قال: ما تسمعه من أسماء الله الحسنى، التى هى تسعة وتسعون، كلها يصير وصفا ~~للصوفى السالك بطريقه إلى الله، وهو يعد من جملة السائرين إلى الله لا من ~~زمرة الواصلين، وكيف ينكر هذا وعليه مذهب النصارى فى اتحاد اللاهوت بناسوت ~~«4» عيسى عليه السلام حتى سماه ms075 بعضهم إلها وبعضهم ابن الإله وبعضهم قالوا هو PageV01P101 ~~نصف الإله، واتفقوا على أنه لما قتل إنما قتل منه الناسوت دون اللاهوت، كيف ~~وقد تخيل جماعة من الروافض ذلك فى على رضى الله عنه وزعموا أنه الإله «1». # وكان ذلك فى زمانه حتى أمر بإحراقهم بالنار، فلم يرجعوا وقالوا: بهذا ~~يبين صدقنا فى قولنا إنه الإله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~يعذب بالنار إلا ربها». فبهذا يبين أن بطلان هذا المذهب ليس بضرورى، ولكنه ~~ضرب من الحماقة، ويعرف بطلانه بالنظر العقلى، كما يعرف بطلان مذهبهم، فإذا ~~قد بطل قولهم: لا مدعى للعصمة سوى صاحبنا، بل قد ظهر من يدعى العصمة ~~وزيادة. # (الوجه الثانى) فى الجواب عن قولهم إن بطلان مذهبهم معلوم ضرورة، ولا فرق ~~بين ما يعرف بطلانه ضرورة وبين ما يعرف بطلانه مشاهدة أو تواترا، وعدم ~~العصمة فيمن ادعيتم عصمته معلوم بمشاهدة ما يناقض الشرع من وجوه: أولها جمع ~~الأموال وأخذ الضرائب والمواصير «2» واستئداء «3» الخراجات الباطلة وهو ~~الأمر المتواتر فى جميع الأقطار؛ ثم الترفه فى العيش، والاستكثار من أسباب ~~الزينة، والإسراف فى وجوه التجمل واستعمال الثياب الفاخرة من الإبريسم «4» ~~وغيرها؛ وعدالة الشهادة فتحرم بعشر عشر ذلك، فكيف العصمة! فإن أنكروا هذه ~~الأحوال أنكروا ما شاهده خلق كثير من تلك الأقطار وتواتر على لسانهم إلى ~~سائر الأمصار. ولذلك لا ترى لأحد من أهل تلك البلاد اغترارا وانخداعا بهذه ~~التلبيسات لمشاهدتهم ما يناقضها. ومن وجوه حيلهم أنهم لا يبثون الدعوة إلا ~~فى بلاد نائية، يحتاج المستجيب إلى قطع مسافة شاسعة لو اعترضت له ريبة ~~فيها، حتى تدفعه العوائق عن النهضة والرحلة. فإنهم لو شاهدوا لانكشف لهم ~~عوار تلك التلبيسات المزخرفة والحيل الملفقة. PageV01P102 # أما (المقدمة الثانية) وهى قولهم: إذا بان أن المدعى للعصمة مهما كان واحدا ~~وقع الاستغناء عن الاستدلال على كونه معصوما؛ فصاحبنا إذا هو المدعى للعصمة ~~وحده؛ فإذا هو الإمام المعصوم؛ فهذه مقدمة نكذبهم فيها، ولا نسلم أن صاحبهم ~~يدعى لنفسه العصمة، فإنا لم نسمعه البتة، ولم يتواتر ms076 إلينا من لسان من سمعه ~~منه، بل إنما سمع ذلك من آحاد دعاتهم وليسوا معصومين ولا هم بالغون حد ~~التواتر، ولو أنهم بلغوا حد التواتر فلا يحصل العلم بقولهم وخبرهم لوجهين: ~~أحدهما أن المشافهين لهذه الدعوة من جهة صاحبهم قليل، فإنه محتجب لا يظهر ~~إلا للخواص، ثم لا يشافه بالخطاب إلا خواص الخواص، ثم لا يفشى هذه الدعوة ~~إلا مع خاص من جملة خواص الخواص، فالذين يسمعون عنه لا يبلغون عدد التواتر؛ ~~وإن بلغوا فكلهم إن انتشروا لم يكن فى بلدة منهم إلا واحد؛ وأكثر البلاد ~~أيضا يخلو عن آحادهم. # الوجه الثانى: أنهم وإن بلغوا حد التواتر فقد شرط التواتر فى خبرهم، إذ ~~شرط ذلك الخبر ألا يتعلق بواقعة ينتشر التواطؤ فيها من طائفة كبيرة لمصلحة ~~جامعة لهم، كما يتعلق بالسياسات. فإن أهل معسكر واحد قد يجمعهم غرض واحد ~~فيحدثون على التطابق بشي ء واحد، ولا يورث ذلك العلم، ورب واحد أو اثنين ~~يخبر عن أمر فيعلم أنه لا يجمعهما غرض فيحصل له العلم، وهؤلاء الدعاة لعلهم ~~قد تواطئوا على هذا الاختراع ليتوصلوا به إلى استتباع العوام واستباحة ~~أموالهم، فيتوصلون بها إلى آمالهم. # وعلى الجملة فحسن الظن بصاحبهم يقتضي تكذيبهم، فإنهم لو حدثوا بذلك عن ~~مريض فى دار المرضى لاعتقدنا كذبه، إلا أن يعتقد الجنون فى ذلك المريض، إذ ~~لا يدعى عاقل العصمة عن المحرمات وتناول المحظورات مع مشاهدة أهل العلم ~~تناوله لها ومباشرته لها، فأقل آثار العقل الحياء عن فضيحة الاجتراء؛ ومن ~~تحلى بغير ما هو فيه، وكان ذلك جليا ظاهرا لمن يتأمل فيه، استدل به على اختلال PageV01P103 ~~عقله. فإذا ليس يبين لنا صدقهم فى نسبتهم هذه الدعوى إلى صاحبهم، وهى ~~مقدمتهم الأخيرة. # فإن قيل: لو أنكر الناس فى أطراف العالم فى عصر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صدق الدعاة من رسول الله وقالوا لا نصدقكم فى قولكم إن محمدا يدعى ~~الرسالة، بل لا يظن بعقله ذلك- ما ذا كان يقال لهم؟ - قلنا: بئس ما شبهتم ~~الملائكة بالحدادين، إذ ms077 لا مساواة فإنه صلى الله عليه وسلم كان ظاهرا بنفسه ~~وأشياعه، مبرزا للقتال، مترددا فى الأقطار، مظهرا للدعوة على ملأ من الناس ~~غير محتجب ولا متستر، ثم كان يظهر المعجزات الخارقة للعادة، فانتشرت دعوته ~~لانتشار خروجه ومقاتلته وانتشار وجوده؛ وليس الآن فى صاحبكم كذلك. نعم، ~~تواتر وجوده وترشحه مع آبائه للخلافة ودعواهم أنهم أولى بها من غيرهم، أما ~~دعواه ودعوى من سبق من آبائه العصمة عن المعاصى وعن الخطأ والزلل والسهو ~~ومعرفة الحق فى جميع أسرار العقليات والشرعيات، فلم يظهر ذلك لنا، بل لم ~~تظهر دعواه العلم أصلا بفن من الفنون كالفقه أو الكلام أو الفلسفة على ~~الوجه الذي يدعيه آحاد العلماء فى البلاد. فكيف ظهرت دعواه معرفة أسرار ~~النبوة والاطلاع على علوم الدنيا والآخرة؟! وهذا ما تواطأ على اختراعه ~~توصلا إلى استدراج المستجيب وخداعه. # هذا تمام الرد عليهم فى المقدمات تفصيلا، مع أن فى المنهج الأول المنطوى ~~على الرد عليهم جملة كافية ومقنعا. ولم يبق إلا القول فى إفساد أدلتهم ~~المذكورة لإبطال النظر. # أما (الدلالة الأولى) وهى قولهم من صدق عقله فقد كذبه إذ صدق عقل خصمه، ~~وخصمه يصرح بتكذيبه. فنقول: هذا تخييل باطل من وجوه: # الأول المعارضة بمثال، وهو أنا نقول: نحن صدقنا العقول فى نظرياتها، ~~وأنتم صدقتموها فى ضرورياتها؛ وخصومكم من السوفسطائية يكذبونكم فيها، فإن ~~اقتضى ذلك لزوم الاعتراف بكذب العلوم الضرورية لزمنا من خلافكم الاعتراف PageV01P104 ~~بكذب العلوم النظرية؛ فإن العقل إن صدق فى الضروريات، فما بال عقل ~~السوفسطائية كذب؛ وما الفرق بين عقلكم وعقلهم؟ أفتقولون إن ذلك منهم حماقة ~~وسوء مزاج؟ - قلنا: وكذلك حالكم فى إنكار النظريات، وهو كمن ينكر الحسابيات ~~من العلوم؛ فإنه لا يشككنا فى البراهين الحسابية وإن كان البليد لا يفهم، ~~ومنكر النظر أصلا يجحده؛ ولكن طريقنا معه أن نورد عليه المقدمات، وهى ~~ضرورية، فإذا أدركها أدرك النتيجة فكذلك خصمنا إذا كذبنا فى مسألة من ~~المسائل كإنكار ثبوت واجب الوجود عرضنا عليه مقدمات القياس الدالة عليه ~~وقلنا: أتمارى فى قولنا: لا شك فى ms078 أصل الوجود؟ أو فى قولنا: إن كل موجود ~~إما جائز وإما واجب؟ أم فى قولنا: إن كان واجبا فقد ثبت واجب الوجود؟ أم فى ~~قولنا: إن كان جائزا فكل جائز مستند إلى واجب الوجود فى آخر الأمر لا ~~محالة؟ - وإذا لم يمكنه التشكك فى المقدمات لم يمكنه التشكك فى النتيجة، ~~وإنما يختلف الناس فيها لأن الفطرة غير كافية فى تعريف الترتيب لهذه ~~المقدمات، بل لا بد من تعلمها من الأفاضل، وذلك الفاضل لا بد أن يكون تعلم ~~أكثرها أو استأثر باستنباط بعضها، وهكذا حتى ينتهى الأمر إلى معلم معصوم هو ~~نبى موحى إليه من جهة الله تعالى، هكذا تكون العلوم كلها. # فإن زعموا أنكم اعترفتم بالحاجة إلى المعلم ومن لم يعترف فهو معاند ~~للمشاهدة، فالافتقار إليه معترف به، ولكنه كالافتقار إليه فى علم الحساب، ~~فإنه لا يحتاج فيه إلى معصوم، إذ لا تقليد فيه، ولكن يحتاج إلى حاسب ينبه ~~على طريق النظر، فإذا تنبه المعلم ساوى المعلم فى العلم الضرورى المستفاد ~~من المقدمات بعضها على بعض. ولا شك فى أن معلم الحساب أيضا يعلم أكثر مما ~~يعلم، وإن استقل باستنباط ترتيب البعض، وكذا القول فى معلم المعلم إلى أن ~~ينتهى مبدأ العلم الحسابى إلى نبى من الأنبياء مؤيد بالوحى والمعجزة، ولكن ~~بعد إفاضة الله علم الحساب فيما بين الخلق استغنى فى تعلمه عن معلم معصوم، ~~فكذا العلوم العقلية النظرية، ولا فرق. PageV01P105 # (الاعتراض الثانى) أن يقال لهم: أنكرتم من خصومكم تصديق العقل فى نظره ~~واخترتم تكذيبه، فبما ذا تعرفون الحق وتميزون بينه وبين الباطل؟ أبضرورة ~~العقل ولا سبيل إلى دعواها، أو بنظره فتضطرون إلى الرجوع إلى النظر؟ فقد ~~صدقتموه إذا بعد تكذيبه فتناقض كلامكم. فإن قلتم: نحن نأخذه من الإمام ~~المعصوم- قلنا: وبم تعرفون صدقه؟ فإن قلتم: لأنه معصوم، قلنا: وبم تعرفون ~~عصمته؟ - فإن قلتم بضرورة العقل لم يخف عليكم خزيكم وعرفتم فى الباطن من ~~أنفسكم خلاف ما أظهرتم، فإن عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع معجزته ~~لم تعرف بضرورة ms079 العقل، حتى أنكر رسالته طوائف، بل أنكر بعثة الرسل جميع ~~البراهمة «1»، وأنكر الأكثرون من المسلمين عصمة الأنبياء، واستدلوا بقوله ~~تعالى: وعصى آدم ربه فغوى [طه: 121]. إلى غير ذلك مما اشتمل القرآن على ~~حكايته من أحوال الأنبياء. # فإذا لم تعرف عصمة صاحب المعجزة ضرورة فكيف تعرف عصمة صاحبكم ضرورة؟ # فإن قيل: نحن نعرفه بالنظر، ولكن النظر تعلم منه، والنظر ينقسم إلى صحيح ~~وفاسد؛ وتمييز صحيحه عن فاسده ممتنع على كافة الخلق إلا على الإمام الحق، ~~فهذا الميزان الموضح للفرقان بين الشبهة والبرهان، فقد عرفنا صحة النظر ~~الذي استفدنا منه فاطمأنت نفوسنا إليه بتزكيته وتعليمه. # قلنا: والنظر الذي علمكموه هل افتقرتم فى فهمه إلى تأمل، أم هو مدرك على ~~البديهة؟ فإن ادعيتم البديهة فما أشد جهلكم إذ يرجع حاصله إلى أن معرفة ~~عصمته عرفت بالبديهة، وهو كذب صريح. وإن افتقرتم إلى التأمل فذلك التأمل ~~يعرف بالعقل، أم لا؟ ولا بد أن يقال: إنه بالعقل. فنقول: والعقل إذا قضى ~~عند التأمل بقضية فهو صادق أم لا؟ فإن قالوا: لا، فلم صدقوه؟ وإن قالوا: ~~نعم هو صادق، فقد أبطلوا أصل مذهبهم وهو قولهم: إن العقول لا سبيل إلى ~~تصديقها. PageV01P106 # فإن قيل: الإمام يعرف من بواطن أسرار الله أمورا إذا ذكرها حصل للمتعلم عند ~~سماعها علم بديهى ضرورى بصدقه، ويستغنى به عن تدقيق النظر والتأمل. # فنقول: ورسول الله صلى الله عليه وسلم هل عرف ذلك، أم لا؟ فإن قلتم: لا- ~~فقد فضلتم الخليفة على الأصل؛ وإن قلتم: نعم؟ فلم أخفاها، وهلا أظهرها ~~وأفشاها، حتى كانت العقول تضطر على البديهة إلى ذكرها وكانت تتسارع إلى ~~التصديق له فى دعاويه؟ ولم ترك طوائف الخلق مضطربين فى مغاصات الشبه ~~متعثرين فى أذيال الضلالات، مجاهدين بأموالهم وأنفسهم فى نصرة الخيالات ~~الباطلة؟ كيف وأنتم إذا تعلمتم من إمامكم ذلك، وقدرتم على ذكره حتى يعرف ~~بالبديهة صدقه فتلك الدقيقة لما ذا أخفيت، ولأى يوم أجلت؟ وكتمان الدين من ~~أكبر الكبائر؟! ثم كيف انقسم المستمعون فنون ضلالكم: إلى قائل مستمع، وراد، ~~ومنخدع، ومنتبه؛ ms080 وهلا أسلك الكل فى ربقة التصديق والانقياد؟! وعلى الجملة ~~فدعوى مثل هذا الكلام لا تدل إلا على الوقاحة وقلة الحياء؛ وإلا فنحن ~~بالضرورة نعلم أنكم على البديهة لم تدركوا صدق إمامكم وعصمته، ولكنكم ربما ~~تضطرون، فى تمشية التلبيس، إلى خلع جلباب الحياء؛ وكذلك يفعل الله بذوى ~~الضلال والأهواء فنعوذ بالله من سقطة الأغبياء، فما هذه الكذبة الصادرة ~~منكم قولة تقال أو عثرة تقال، أو خدعة يسبق إليها الجهال فضلا عن أفاضل ~~الرجال. # (الاعتراض الثالث) وهو أن نقول للمسترشد مثلا، إذا شك فى صحة النظر ~~واستدل بالاختلاف المجمل: ينبغى أن تعين المسألة التى تشك فيها فإن المسائل ~~منقسمة إلى ما لا يمكن أن يعلم بنظر العقل، وإلى ما يمكن أن يعلم علما ~~ظنيا، وإلى ما يعلم يقينيا، ولا معنى لقبول السؤال المجمل، بل لا بد من ~~تعيين المسألة التى فيها الإشكال حتى يكشف الغطاء عنها وينبه السائل على أن ~~المخالف فيها جهل وجه ترتيب المقدمات المنتجة له، ونحن لا ندعى الآن PageV01P107 ~~المعرفة إلا فى مسألتين: إحداهما وجود الصانع الواجب الوجود المستغنى عن ~~الصانع والمدبر؛ والثانية: صدق الرسول. ويكفينا فى باقى المسائل أن نتلقاها ~~تقليدا من الرسول صلى الله عليه وسلم. فهذا القدر الذي لا بد منه فى الدين. ~~وباقى العلوم لا يتعين تحصيلها، بل الخلق مستغنون عنها وإن كان ذلك ممكنا ~~كالعلوم الحسابية والطبية والنجومية والفلسفية، وهاتان المسألتان نعرفهما يقينا. # أما ثبوت واجب الوجود فبالمقدمات التى عرفناها؛ وأما صدق الرسول فبمقدمات ~~تماثلها، ومن أحاط بها لم يشك فيها، وعلم غلط المخالف فيها، كما يعلم غلط ~~المحاسب فى الحساب، وخصومنا أيضا مضطرون إلى معرفة هاتين المسألتين بالنظر، ~~وإلا فقول النبي لا يغنى فيهما، فكيف يغنى فيهما قول المعصوم؟ # فإن قيل: معرفة صفات الله ومعرفة الشرائع ومعرفة الحشر والنشر- كل ذلك لا ~~بد منه، فمن أين يعرف؟ - قلنا: يتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم المعصوم ~~المؤيد بالمعجزة ونصدقه فيما يخبر عنه كما تقلدون أنتم صاحبكم الذي لا عصمة ~~له ولا معجزة. # فإن قيل: ms081 وبم تفهمون كلامه؟ قلنا: بما نفهم به كلامكم هذا فى أسئلتكم، ~~وتفهمون كلامنا فى أجوبتنا، وهو معرفة اللغة وموضوع الألفاظ، كما تفهمون ~~أنتم من المعصوم عندكم، فإن قيل: ففى كلام الرسول وفى القرآن المشكلات ~~والمجملات كحروف أوائل السور، والمتشابه كأمر القيامة- فمن يطلعكم على ~~تأويله والعقل لا يدل عليه؟ # قلنا: للألفاظ الشرعية ثلاثة أقسام: ألفاظ صريحة لا يتطرق إليها الاحتمال ~~فلا حاجة فيها إلى معلم، بل نفهمها كما تفهمون أنتم كلام المعلم المعصوم، ~~إذ لو اقتصر صريح كلام الشارع إلى معلم ومؤول لاقتصر صريح كلام المعلم ~~المعصوم إلى مؤول ومعلم آخر، ولتسلسل إلى غير نهاية. PageV01P108 # الثانى: ألفاظ مجملة ومتشابهة كحروف أوائل السور فمعانيها لا يمكن أن تدرك ~~بالعقل، إذ اللغات تعرف بالاصطلاح، ولم يسبق اصطلاح من الخلق على حروف ~~التهجى، وإن «الر» و«حم عسق» عبارة عما ذا؟ فالمعصوم أيضا لا يفهمه، وإنما ~~يفهم ذلك من الله تعالى إذا بين المراد به على لسان رسوله فيفهم ذلك سماعا، ~~وذلك لا يخلو إما: أن لم يذكره الرسول لأنه لا حاجة إلى معرفته، ولم يكلف ~~الخلق به؛ فالمعصوم شريك فى أنه لا يعرفه إذ لم يسمعه من الرسول وإن عرفه ~~وذكره فقد ذكر ما بالخلق مندوحة عن معرفته، فإنهم لم يكلفوه. # وإن ذكره الرسول فقد اشترك فى معرفته من بلغه الخبر- متواترا كان أو ~~آحادا، وفيه عن ابن عباس وجماعة من المفسرين نقل، فإن كان متواترا أفاد ~~علما، وإلا أفاد ظنا، والظن فيه كاف، بل لا حاجة إلى معرفته فإنه لا تكليف ~~فيه، وأما وقت القيامة فلم يذكره الله تعالى، ولا ذكره رسوله عليه السلام، ~~وإنما يجب التصديق بأصل القيامة ولا يجب معرفة وقتها، بل مصلحة الخلق فى ~~إخفائها عنهم ولذلك طوى منهم. # فالمعصوم من أين عرف ذلك الكلام ولم يذكره الله ولا رسوله، ولا مجال ~~لضرورة العقل ولا لنظره فى تعيين الوقت؟! ثم لنقدر أنه عرف ذلك وزعم أنه ~~صلى الله عليه وسلم ذكره سرا مع على بن أبى طالب- رضى الله عنه- وذكره كل ~~إمام ms082 مع سوسه فأى فائدة للخلق فيه وهو سر لا يجوز أن يذكر إلا مع الأئمة؟ ~~فإن ذكره معصومكم وأفشى هذا السر الذي أمر الله تعالى بكتمانه إذ قال ~~تعالى: أكاد أخفيها [طه: 15]، كان معاندا لله ورسوله؛ وإن كان لا يفشيه ~~فكيف يتعلم منه ما لا يجوز تعليمه؟ فدل على أن الأمور العقلية محتاجة إلى ~~التعليم. ولكن المعلم إن كان ينبه على طريق النظر فيه فلا يشترط عصمته؛ وإن ~~كان يقلد من غير دليل فلا بد أن تعرف بالمعجزة عصمته وهو النبي، وناهيك به ~~معلما، فلا حاجة إلى غيره. # القسم الثالث: الألفاظ التى ليست مجملة ولا صريحة، ولكنها ظاهرة فإنها تثير PageV01P109 ~~ظنا، ويكتفى بالظن فى ذلك القبيل والفن، وسواء كان ذلك فى الفقهيات وأمور ~~الآخرة أو صفات الله فليس يجب على الخلق إلا أن يعتقدوا التوحيد، والألفاظ ~~فيه صريحة، وأن يعتقدوا أنه قادر عليم سميع بصير ليس كمثله شي ء. وكل ذلك ~~اشتمل القرآن عليه، وهو مصرح به. # أما النظر فى كيفية هذه الصفات وحقيقتها وأنها تساوى قدرتنا وعلمنا ~~وبصرنا أم لا- فقوله ليس كمثله شي ء [الشورى: 11] دال على نفى المماثلة ~~لسائر الموجودات، وهذا قد اكتفى من الخلق به، فلا حاجة بهم إلى معصوم. نعم! ~~الناظر فيه والمستدل عليه بالأدلة العقلية قد يتوصل إلى اليقين فى بعض ما ~~ينظر فيه وإلى الظن فى بعضه؛ ويختلف ذلك باختلاف الذكاء والفطنة واختلاف ~~العوائق والبواعث ومساعدة التوفيق فى النظر، والعارف يذوق اليقين. وإذا ~~تيقن لم يتمار فيه، ولم يشككه قصور غيره عن الدرك، وربما تضعف نفسه، ويشككه ~~خلاف غيره. وكل ذلك لا مضرة له، لأنه ليس مأمورا به، والمعصوم لا يغنى عنه ~~شيئا لو تابعه، فإن محض التقليد لا يكفيه، وإن ذكر وجه الدليل فذلك لا ~~يختلف صدوره عن معصوم أو غيره كما سبق. # وأما (الدلالة الثانية) وهى قولهم: إذا جاءكم مسترشد متحير وسألكم عن ~~العلوم الدينية أفتحيلونه على عقله ليستقل بالنظر وهو عاجز، أو تأمرونه ~~باتباعكم فى مذهبكم وينازعكم المعتزلى والفلسفى وكذا سائر ms083 الفرق- فبما ذا ~~يتميز مذهب عن مذهب وفرقة عن فرقة؟ # فالجواب من وجهين (الأول) هو أنا نقول لهم: لو جاءكم متحير فى أصل وجود ~~الصانع وصدق الأنبياء؛ انقلب عليكم هذا الإشكال، فما ذا تقولون؟ إن ذكرتم ~~دليلا عقليا لم نثق بنظره، وإن رددتموه إلى عقله فكمثل، فعساكم تشفون غليله ~~بالحوالة على المعصوم، فما أبرد هذا الشفاء! فإنه يقول: قدرونى قد جئت ~~مسترشدا فى زمان محمد بن عبد الله ومعه معجزته، فمعصومكم لا يقدر على ~~معجزة؛ أو قدروا PageV01P110 ~~أنى شاهدت معصومكم قلب العصا ثعبانا، أو أحيا الموتى، أو أبرأ الأكمه ~~والأبرص وأنا أشاهده، فلا يبين لى صدقه بضرورة العقل ولا أثق بالنظر. وكم ~~من أصناف الخلائق شاهدوا ذلك وأنكروه، فحمله بعضهم على السحر والمخرقة، ~~وبعضهم على غيره، فلعلكم تشبعون غصته بأن تقولوا له: قلد الإمام المعصوم ~~ولا تسأل عن السبب؛ فيقول: ولم لا أقلد المخالفين لكم فى إنكار النبوة ~~والعصمة، وهل بينهما فرق من طول لحية أو بياض وجه- إلى غير ذلك مما هذوا ~~به؟! وهذا قلب لو اجتمع أولهم مع آخرهم على الخلاص منه دون الأمر بالتفكر ~~والنظر فى الدليل لم يجدوا إليه سبيلا. # (الجواب الثانى) وهو التحقيق: هو أنا نقول للمسترشد: ما ذا تطلب؟ فإن كنت ~~تطلب العلوم كلها، فما أشد فضولك وأعظم خطبك وأطول أملك! فاشتغل من العلوم ~~بما يهمك: وإن قال: أريد ما يهمنى. قلنا: ولا مهم إلا معرفة الله ورسوله؛ ~~وهذا معنى قوله: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، فهاتان مسألتان يسهل ~~علينا تعليمك إياهما، عند ذلك تذكر له المقدمات الضرورية التى ذكرناها فى ~~إثبات واجب الوجود، ثم مثلها فى دلالة المعجزة على صدق الرسول، فإن زعم أن ~~خلاف المخالفين هو الذي يشككنى فى هذه المعرفة، أفأتبعكم أو أتبع مخالفيكم؟ # فنقول له: لا تتبعنا ولا تتبع مخالفينا، فإن تعلم طريق التقليد مباح، ~~والتقليد فى النتيجة غير موثوق به. فشكك فى أى مقدمة من مقدماتنا: أفي ~~قولنا إن أصل الوجود معترف به؟ فإن كان كذلك فعلاجك فى دار ms084 المرضى فإن هذا ~~من سوء المزاج، فإن من شك فى أصل الوجود فقد شك أولا فى وجود نفسه، وإن ~~قلت: لا أشك فى هذا بخلاف السوفسطائية، قلنا: فقد تيقنت مقدمة واحدة، فهل ~~تشك فى الثانية وهى قولنا: إن كان هذا الوجود واجبا فقد ثبت واجب الوجود، ~~فنقول: هذا أيضا ضرورى، قلنا: فهل تشك فى قولنا إن كان جائزا فلا يتخصص أحد ~~طرفى الجواز من الطرف المماثل له إلا بمخصص، فهذه أيضا مقدمة ضرورية عند من ~~يدرك معنى اللفظ؛ وإن كان فيه توقف فالتوقف فى درك مراد المتكلم من PageV01P111 ~~لفظه، فإن قال: نعم! لا شك فيه، قلنا: فذلك المخصص المفتقر إليه إن كان ~~جائزا فالقول فى ذلك لا كالقول فيه فيفتقر إلى مخصص غير جائز، وهو المراد ~~بواجب الوجود، ففى ما ذا تتشكك؟ فإن قال: قد بقى لى شك- عرف به بلادته وسوء ~~فهمه وقطع الطمع عن رشده. وليس هذا بأول بليد لا يدرك الحقائق فنخليه. # وهو كمن يطلب علم الحساب فذكرنا له الغوامض من مقدمات الحساب من الشكل ~~(القطاع) الذي هو فى آخر كتاب «أقليدس» فلم يفهمه لبلادته، بل فى الشكل ~~الأول الذي مضمونه إقامة البراهين على مثلث متساوى الأضلاع فلم يدركه؛ ~~عرفنا أن مزاجه ليس يحتمل هذا العلم الدقيق؛ فليس كل خلقه يحتمل العلوم، بل ~~الصناعات والحرف- فهذا لا يدل على فساد هذا الأصل. # فإن قال المسترشد: لست أشك فى هذه المقدمات ولا فى النتيجة، ولكن لم ~~يخالفكم من يخالفكم؟ قلنا: لجهله ترتيب هذه المقدمات، أو لعناده، أو ~~لبلادته، وينكشف الغطاء بأن نشافه واحدا منهم يميل إلى الإنصاف ونراجعه فى ~~هذه المقدمات حتى يتبين لك أنه بين أن يفهم ويصف ويعترف، أو لا يفهم ~~لبلادته، أو يمنعه التعصب والتقليد عن حسن الإصغاء إليه فلا يدركه، وعند ~~ذلك يطلع على خطئه. # وكذلك يصنع به فى كل مسألة وينظر فيه إلى ما تحتمله حاله ويقبله ذكاؤه ~~وفطنته، ولا يحمله ما لا يطيقه بل ربما يقنعه بما يورث له اعتقادا فى الحق ~~مصمما، فإن ms085 أكثر عوام الخلق قنع منهم الشرع بذلك؛ ولا يكشف له عن وجه ~~البراهين فربما لا يفهمها. # وأما (الدلالة الثالثة) وهى قولهم: الوحدة دليل الحق، والكثرة دليل ~~الباطل؛ ومذهب التعليم تلزمه الوحدة، ومذهبكم تلزمه الكثرة، إذ لا تزال ~~الفرقة المخالفة للتعليم يكثر اختلافهم، ولا تزال الفرقة القابلة للتعليم ~~يتحد طريقهم. # فالجواب من وجوه: أحدها المعارضة، والآخر الإبطال، والثالث التحقيق. PageV01P112 # أما المعارضة فتقول: والصائرون إلى الافتقار إلى معلم معصوم اختلفوا فى ذلك ~~المعصوم، فقالت الإمامية: إنه ليس بظاهر وليس يعرف عينه، ولكن أخفى نفسه ~~تقية، وقال آخرون: ليس موجودا، ولكنه منتظر الوجود وسيوجد إذا احتمل الزمان ~~إظهار الحق، ولو كان يحتمل الزمان إظهاره لوجد، فإنه لا فائدة فى كونه ~~موجودا مع تعذر الإظهار للتقية، وقال آخرون فى بعض الخلفاء الذين مضوا ~~لسبيلهم إنهم أحياء وسيظهرون فى أوانه، واختلفوا فى تعيينه حتى اعتقد فريق ~~أن الملقب بالحاكم «1» هو حي بعد. وقال آخرون ذلك فى غيره، إلى نوع من ~~الخبط طويل، فإن قيل: هؤلاء جماعة من الحمقى غير معدودين فى زمرتنا فإذا ~~ضممتموهم إلينا وجمعتم بيننا وبينهم تطرقت الكثرة إلينا؛ فلم تجمعون إلينا ~~من يخالفنا كما يخالفكم؟ بل الإنصاف أن تنظروا إلينا وحدنا ونحن لا تختلف ~~كلمتنا أصلا؛ قلنا: ونحن أيضا إذا اعتبرنا وحدنا فنحن لا نخالف أنفسنا، وقد ~~يرد هذا الاعتراض لا محالة من يعتقد مذهبا فى جميع المسائل لا يخالف نفسه، ~~ومع جماعة من الخلق يوافقونه فى معتقده فى الجميع؛ فإذا اعتبرتموه مع فرقته ~~ولم تجمعوا إليهم من يخالفهم فبالحماقة والبلادة وقصور النظر ألفيت كلمتهم ~~متحدة؛ فلا يدل على أن الحق فيهم، فإن قلتم: وبم عرفتم حماقة مخالفيكم؟ ~~انقلب ذلك عليكم من مخالفتكم القائلين بوجوب التعليم من المعصوم، وإن زعمتم ~~أن القائلين بأن النظر صحيح فرقة واحدة وإن اختلفوا فى تفاصيل المذهب، ~~قلنا: والقائلون بإن الإمام المعصوم لا بد منه فرقة واحدة، وإن اختلفوا فى ~~التفصيل، وهذا لا محيص عنه أبد الدهر. # الجواب الثانى: وهو أنا نقول: قولكم الوحدة أمارة الحق، والكثرة ms086 أمارة ~~الباطل؛ باطل فى الطرفين: فرب واحد باطل، ورب كثير لا ينفك عن الحق. فإنا ~~إذا قلنا: العالم حادث أو قديم، فالحادث واحد والقديم واحد؛ فقد اشتركا فى PageV01P113 ~~لزوم الوحدة، وانقسما فى الحق والباطل. وإذا قلنا: الخمسة والخمسة عشرة، أم ~~لا؟ فقولنا: لا، نفى واحد، كقولنا عشرة: إثبات واحد، ثم اختلفنا فكان ~~أحدهما حقا والآخر باطلا. فإن قلتم: إن قولكم عشرة لا يمكنكم أن تقسم وتفصل ~~إلا بواحد وقولكم لا يفصل بالتسعة والسبعة وسائر الأعداد ففيه الكثرة؛ ~~قلنا: ولزوم الكثرة فى مثل هذا التفصيل لا يدل على البطلان، فإنا إذا عمدنا ~~إلى جسمين متقاربين قلنا: إنهما متساويان أم لا؟ فقولنا: متساويان واحد وهو ~~باطل، ولا يمكن أن يفصل إلا بواحد، وقولنا: لا، إذ قلنا متفاوتان، حق، وهو ~~واحد ويقبل التفصيل بما ينقسم إلى الحق والباطل، إذ يقال: هذا الجسم مفاوت ~~لذلك الجسم، أى هو أكبر؛ أو يفسر بأنه أصغر والحق أحدهما والباطل يقابله فى ~~كونه واحدا وفى مشاركته فى الاندراج تحت لفظ واحد هو حق يدل على أن ما ~~ذكروه تلبيس. # (الجواب الثالث) عن قولهم إن الكثرة أمارة الباطل، فمذهبنا واحد لا كثرة ~~فيه، وإنما الكثرة فى الأشخاص الذين اجتمعوا على مسألة ثم افترقوا فى ~~مسائل؛ فلم قابلوا هذا بكثرة فى جواب المسألة وهو فى قولنا: كم الخمسة ~~والخمسة؟ بل ورأيه من المذهب أن يفتى فى مسألة واحدة بفتاوى كثيرة متناقضة؛ ~~فعند ذلك يقال: الكثرة دليل الباطل؛ ولسنا نفتى فى كل مسألة إلا بواحد، ~~فإنا نقول: الله واحد، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسوله، وهو صادق ومؤيد ~~بالمعجزة فهذه فتوى واحدة فلتكن حقا؛ وإن كان باطلا فهو موافق لمذهبهم. # وقولنا: إن نظر العقل طريق يوصل إلى درك ما لا يدرك اضطرارا، مذهب واحد ~~لا كثرة فيه فليكن حقا، كما أن قولنا: العلوم الحسابية علوم صادقة، قول ~~واحد وكان حقا. وليتعجب من إبعادهم فى التلبيس إذ أخذوا لفظة «الكثرة» وهى ~~لفظة مضافة مشتركة، تارة يراد بها الكثرة فى الأجوبة عن مسألة ms087 واحدة ~~كالجواب عن الخمسة والخمسة، والسبعة والستة وغيرها، وتارة تطلق ويراد كثرة ~~الأشخاص PageV01P114 ~~المتفقين فى مذهب والمختلفين فيه، فرأوا مفارقة الباطل للكثرة المضافة إلى ~~عدد الأجوبة فى مسئلة واحدة، فاستدلوا به على بطلان قول واحد فى مسألة ~~واحدة اجتمع عليها جماعة كثيرة اختلفت كلمتهم فى مسائل سوى تلك المشكلة. # ولكن هذا وإن كان تلبيسا بعيدا عن المحصل فمقصود واضعه التلبيس على ~~العوام، وذلك مما يتوقع رواجه، فالحيلة على العوام فى استدراجهم ليست ~~ممتنعة على جماعة من الحمقى قد ادعوا الربوبية؛ فكيف تتعسر عن غيرها! وأما ~~قول الله تعالى: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~[النساء: 82]، فهو من هذا الطراز فى التلبيس، فإن المراد به تناقض الكلمات ~~فى المتكلم الواحد إذا تناقض كلامه فسد؛ ونحن لم يتناقض كلام الواحد منا فى ~~مسألة، بل اجتمع طائفة على مسألة وهى إثبات النظر، كما اجتمع طائفة على ~~التعليم وإثباته، ثم اختلفوا فى مسائل أخر. فأين هذا من اختلاف الكلام ~~الواحد؟! # فإن قيل: المتعلمون إذا أجمعوا على التعليم وعلى معلم واحد وأصغوا ~~بأجمعهم إليه لم يكن بينهم خلاف وإن كانوا ألف ألف، قلنا: والناظرون إذا ~~أجمعوا على النظر فى الدليل وعلى تعيين دليل واحد فى كل مسألة ووقفوا عليها ~~لم يتصور بينهم خلاف. فإن قلتم: فكم من ناظر فى ذلك الدليل بعينه قد خالف؟! ~~قلنا فكم من مصغ إلى معلمكم وقد خالف؟! فإن قلتم: لأنه لم يصدقه فى كونه ~~معصوما، قلنا: ولأن الناظر لم يعرف وجه دلالة الدليل، فإن قلتم: ربما يعرف ~~وجه الدلالة ثم ينكر، قلنا: هذا لا يتصور إلا عنادا، كما يعتقد واحد كون ~~الإمام المعصوم حقا ثم يخالفه فلا يكون ذلك إلا عن عناد، ولا فرق بين ~~المسلكين. # وأما (الدلالة الرابعة) وهى قولهم إن كان لا يدرك الناظر المساواة بينه ~~وبين خصمه فى الاعتقاد، فلم يدرك المساواة بين حالتيه؟ وكم من مسألة ~~اعتقدها نظرا ثم تغير اعتقاده، فبم يعرف أن الثانى ليس كالأول؟ قلنا: يعرف ~~ذلك معرفة ضرورية ms088 لا يتمارى فيها. وهذا معتقدكم أيضا فى مثالين، ولا كلام ~~أقوى من PageV01P115 ~~القلب «1» والمعارضة فى مثل هذه المقالات؛ فإن عادتهم مديد الاعتصام إلى ~~إشكالات لا تختص بمذهب فريق. فيحيرون عقول العوام به ويخيلون أنه من خاصة ~~مذهب مخالفيهم، والعامى المسكين متى يتنبه لانقلاب ذلك عليه فى مذهبه! ~~فنقول: هذا القائل اعتقد مذهب التعليم وإبطال النظر تقليدا سماعا من أبويه، ~~أو سمع من الأبوين مذهبا ثم تنبه بعد ذلك لبطلانه؟ فإن قال: اعتقدته سماعا ~~من الأبوين، قلنا: وأولاد النصارى واليهود والمجوس وأولاد مخالفيكم فى ~~مسألة النظر وقع نشوؤهم على خلاف معتقدكم، فبما ذا تفرقون به بين أنفسكم ~~وبينهم؟ # أبطول اللحى أو سواد الوجوه، أم بسبب غيره والتقليد شامل؟ # وإن قلتم: لا، بل اعتقدنا مذهبكم ثم تركنا التقليد وتنبهنا لصحة مذهب ~~التعليم، قلنا: تنبهتم لبطلان مذهبنا: على البديهة، أو بنظر العقل؟ فإن كان ~~على البديهة فكيف خفى عليكم البديهى فى أول أمركم وعلى آبائكم وعلينا ونحن ~~العقلاء وقد طبقنا وجه الأرض ذات الطول والعرض؟ وإن عرفتم ذلك بنظركم فلم ~~وثقتم بالنظر ولعل حالكم اللاحقة كحال السابقة، فما الفارق؟ فإن قلتم: ~~عرفنا من المعلم، قلنا: إن كان تقليدا فما الفرق بين التقليد للأول، وبين ~~تقليدكم وتقليد طوائف المخالفين من اليهود والنصارى والمجوس والمسلمين؟ # وإن فهمتم بالنظر فما الفرق بينكم وبين سائر النظار؟ وهذا مما لا جواب ~~عنه إلا أن يقال: بالضرورة ندرك التفرقة بين ما علم يقينا لا يمكن فيه ~~الخطأ، وبين ما يمكن، فهكذا جوابنا. # المثال الثانى: إن من غلط فى مسألة حسابية ثم تنبه لها: هل يتصور أن يزول ~~شكه بعد التنبيه؟ نجيب: أنه ليس مخطئا وأن الخطأ غير جائز عليه؛ وإنما كان ~~الخطأ فيما تقدم لمقدمة شذت عنه، فإن قلتم: لا؛ فقد أنكرتم المشاهدة. وإن ~~قلتم: نعم، فبما ذا تدرك التفرقة إلا بالضرورة؟! وقد انقلب الإشكال بعينه. وكيف PageV01P116 ~~تنكر ذلك وقد رأيت من يدعى الذكاء والفطنة فى علم الحساب حكم بأن التيامن ~~فى القبلة واجب ببلد «نيسابور»، وأنه لا بد ms089 من الميل عن محرابها المتفق ~~عليه إلى اليمين. واستدل عليه بمقدمة مسلمة وهى أن الشمس تقف وسط السماء ~~على سمت الرأس بمكة فى أطول النهار وقت الزوال، ثم قال: ترى الشمس فى أطول ~~النهار وقت الزوال بنيسابور مائلة قليلا إلى يمين المستقبل فى محرابها ~~فليعلم أنه على سمت رأس الواقف بمكة، وأن مكة مائلة إلى اليمين. فتابعه على ~~ذلك جماعة من الحساب، واعتقدوا أن ذلك هو الواجب بحكم هذا الدليل، حتى ~~تنبهوا على محل الغلط فيه وإحلالهم بمقدمة أخرى، وهى أن ذلك إنما يلزمه لو ~~كان وقت الزوال بنيسابور هو وقت الزوال بمكة؛ وليس كذلك، بل يقع بعد ساعة، ~~وتكون الشمس قد أخذت إلى صوب المغرب فى جانب اليمين عرضا، فيرى وقت الزوال ~~مائلا عن قبلة نيسابور، لأنه ليس وقت الزوال والغروب فى جميع المواضع ~~متفقا، ويعرف ذلك باختلاف ارتفاع القطبين وانخفاضهما، بل باستتارهما ~~وانكشافهما فى البقاع المختلفة، فهذا الغلط وأمثاله فى الحساب أفيدل ذلك ~~على أن النظر فى الحساب ليس طريقا موصلا إلى معرفة الحق؟، أو يتشكك المتنبه ~~بعدها فيقول: لعله شذت عنى مقدمة أخرى وأنا غافل عنها كما فى الأول، هذا لو ~~فتح بابه فهو السفسطة المحضة ويدعو ذلك إلى بطلان العلوم والاعتقادات كلها ~~فكيف يبقى معه وجوب التعلم ومعرفة العصمة، ومعرفة إبطال النظر! # وأما (الدلالة الخامسة) وهى قولهم إن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الناجى من الفرق واحدة وهم أهل السنة والجماعة» ثم قال: «ما أنا الآن عليه ~~وأصحابى» - فهذا من عجيب الاستدلالات فإنهم أنكروا النظر فى الأدلة العقلية ~~لاحتمال الخطأ فيه، وأخذوا يتمسكون بأخبار الآحاد والزيادات الشاذة فيها، ~~فأصل الخبر من قبيل الآحاد؛ وهذه الزيادة شاذة، فهو ظن على ظن؛ ثم هو لفظ ~~محتمل من وجوه التأويل ما لا حصر له، فإن ما كان عليه هو وأصحابه إن اشترط ~~جميعه فى الأقوال والأفعال والحركات والصناعات كان محالا؛ وإن أخذ بعضه ~~فذلك البعض من PageV01P117 ~~يعينه ويقدره؟ وكيف يدرك ضبطه، وهل يتصور ذلك إلا بظن ضعيف؟ ms090 وربما لا يرتضى ~~مثله فى الفقهيات مع خفة أمرها، فكيف يستدل على القطعيات بمثلها؟ # على أنا نقول: هم كانوا على اتباع نبى مؤيد بالمعجزة. فلستم إذن من ~~الفرقة الناجية، فإنكم اتبعتم من ليس هو نبيا ولا مؤيدا بالمعجزة، ~~فسيقولون: ليس تجب مساواته من كل وجه؛ قلنا: فنحن على مساواتهم من كل وجه: ~~فإنا نأمر باتباع الكتاب والسنة والاجتهاد عند العجز عن التمسك بهما، كما ~~أمر معاذا به، وكما استمر عليه الصحابة بعد وفاته من المشاورة والاجتهاد فى ~~الأمور، فالحديث قاض لنا بالنجاة ولكم بالهلاك، فإنكم انحرفتم عن اتباع ~~النبي المعصوم إلى غيره، فإن قيل: ومعانى الكتاب والسنة كيف تفهمونها؟ ~~قلنا: قد بينا أنها ثلاثة أقسام: صريحة، وظاهرة، ومجملة؛ وبينا أن معرفتنا ~~لها كمعرفة سائر الصحابة، وكمعرفة من تدعون له العصمة من غير فرق. فإن قيل: ~~وأنتم تدعون إلى نظر العقل، وما كان هذا من دأب الصحابة. قلنا: هيهات! فإنا ~~ندعو إلى الاتباع، وإلى تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قول: لا إله ~~إلا الله، محمد رسول الله. فمن صدق بذلك سبقا إليه من غير منازعة ومجادلة ~~قنعنا منه كما يقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم به من أجلاف العرب. # والناس على ثلاثة أقسام: قسم هم العوام المقلدون نشئوا على اعتقاد الحق ~~سماعا من آبائهم، فهم مقرون عليه بصحة إسلامهم، الثانى: الكفار الذين نشئوا ~~على ضد الحق سماعا عن آبائهم وتقليدا؛ فهم مدعوون عندنا إلى تقليد النبي ~~المعصوم المؤيد بالمعجزة واتباع سنته وكتابه، وأنتم تدعونه إلى معصومكم. # فليت شعرى! أينا أشبه بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمن يدعو إلى ~~النبي المؤيد بالمعجزة، أم من يدعو إلى من يدعى العصمة بشهوته من غير ~~معجزة؟! - القسم الثالث: من فارق حيز المقلدين وعرف أن فى التقليد خطر ~~الخطأ، فصار لا يقنع به، فنحن ندعوه إلى النظر فى خلق السموات والأرض ليعرف ~~به الصانع، وإلى التفكر فى معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ليعرف به صدقه، ~~وأنتم تدعونه إلى تقليد ms091 المعصوم وتكذبون نظر العقل وتزخرفونه، فليت شعرى أى ~~الدعوتين أوفق لدعوة أصحاب PageV01P118 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم!؟ فمتى قالوا للمسترشد المتشكك: إياك ونظر ~~العقل وتأمله فإن فيه خطر الخطأ، ولذلك اختلف الناظرون؛ بل عليك أن تقلد ما ~~تسمعه منا من غير بصيرة وتأمل، هذا لو صدر من مجنون لضحك منه، ولقيل له: لم ~~نقلدك ولا نقلد من يكذبك؟ فإذا طوى بساط الدليل المفرق بطريق النظر بينك ~~وبين خصمك، ولم يمكن درك التفرقة بالضرورة فبم تميز عن مخالفك المكذب؟! ~~فليت شعرى من فتح باب النظر الذي يسوق إلى معرفة الحق متبعا فيه ما اشتمل ~~عليه القرآن من الحث على التدبر والتفكر فى الآيات وفى القرآن وعجز الخلق ~~عن الإتيان بمثله واستدلاله به، هو أقرب إلى موافقة الصحابة وأهل السنة ~~والجماعة، أو من يؤيس الخلق عن النظر فى الأدلة بالتكذيب حتى لا يبقى للدين ~~عصام يتمسك به إلا الدعاوى المتعارضة؟ وهل هذا إلا صنع من يريد أن يطفئ نور ~~الله ويغطى شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد طريقه المفضى إليه؟! فإن ~~قيل: فنراكم تميلون تارة إلى الاتباع، وتارة إلى النظر. قلت: هكذا تعتقده. ~~ولكنه فى حق شخصين. فالذين سعدوا بالولادة بين المسلمين فأخذوا الحق تقليدا ~~مستغنون عن النظر؛ وكذا الكفار إذا تيسر لهم تصديق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تقليدا، كما كان يتيسر لأجلاف العرب، والذي يتشكك ويعرف غرر التقليد ~~فلا بد له من معرفة صدقنا فى قولنا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ثم ~~بعد هذا قدر على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يعرف التوحيد ~~والنبوة إلا بالنظر فى دليله الذي دل عليه الصحابة ودعا الرسول الخلق به؛ ~~فإنه ما دعاهم بالتحكم المحض والقهر المجرد، بل بكشف سبل الأدلة. فهذا صورة ~~القول مع كل متشكك؛ وإلا فليبرز الباطنى معتقده فى حقه وأنه كيف ينجو عن ~~شكه إذا حسم عليه باب التأمل والنظر! # فهذا حل هذه الشبهات. وهى أرك عند المحصل من أن يفتقر ms092 فى حلها إلى كل هذا ~~الإطناب، ولكن اغترار بعض الخلق به وظهور التلبيس فى هذا الزمان يتقاضى هذا ~~الكشف والإيضاح. والله تعالى يوفقنا للعلم والعمل والرشد والإرشاد، بمنه ولطفه. PageV01P119 ### | AUTO الباب السابع فى إبطال تمسكهم بالنص فى إثبات الإمامة والعصمة ~~وفيه فصلان ### || AUTO الفصل الأول فى تمسكهم بالنص على الإمامة # وقد عجزت طائفة منهم عن التمسك بطريق النظر لمناقضة ذلك مسلكهم فى إبطال ~~نظر العقل وإيجاب الاتباع، فعدلوا إلى منهج الإمامية بحيث استدلوا على ~~إمامة علي- رضى الله عنه! - بالنص وزعموا أنها مطردة فى عترته؛ فطمع هؤلاء ~~فى التمسك بالنص مع مخالفة مذهبهم مذهب الإمامية، فزعموا أنه- عليه السلام! ~~- نص على علي، ونص علي على ولده، حتى انتهى إلى الذي هو الآن متصد للإمامة، ~~بكونه منصوصا عليه ممن كان قبله. وهذا غير ممكن لهذه الفرقة، فإنهم بين ~~التعلق فيه بأخبار آحاد لا تورث العلم ولا تفيد اليقين وثلج الصدر، بل ~~يحتمل فى تعمد الكذب تارة والغلط فيه أخرى، ولمنهج هؤلاء اجتووا طرق النظر ~~فى العقليات احترازا عما فيها من الخطأ فكيف يستتب لهم التمسك بأخبار ~~الآحاد! فيضطرون إلى دعوى خبر متواتر فيه من صاحب الشرع صلوات الله عليه، ~~تجرى فى الوضوح مجرى الخبر المتواتر فى بعثته ودعوته وتحديه بالنبوة وشرعه ~~الصلوات الخمس والحج والصوم وسائر الوقائع المستفيضة. # ومهما راجع العاقل بصيرته استغنى فى معرفة استحالة هذه الدعوى عن مرشد ~~يرشده ويسدد منهجه على وجه الاستحالة. كيف وقد استحالت هذه الدعوى وتعذرت ~~على الإمامية فى دعوى إمامة علي فقط- فكيف تستتب لهؤلاء دعوى إمامة PageV01P121 ~~صاحبهم مع تضاعف الشغل عليهم وكثرة دعاويهم إلى أن ينساقوا إلى إثبات ~~الإمامة لمن اعتقدوا إمامته اليوم! ولكنا مع الاستغناء عن الإيضاح لفساد ~~دعواهم، ننبه على ما فيه من العسر والاستحالة ونقول: مدعى الإمامة اليوم ~~لشخص معين من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتقر إلى نص متواتر عن ~~رسول الله على علي- رضى الله عنه- ينتهى فى الوضوح إلى حد الخبر المتواتر ~~عن وجود على ومعاوية وعمرو بن العاص، فإنا ms093 بالتواتر عرفنا وجودهم، ومهما ~~ادعى تواتر هذا الخبر فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم افتقر إلى حد ~~التواتر بعده فى كل عصر ينقرض، حتى لا يزال النقل متواترا على تناسخ ~~الأعصار وانقراض القرون بحيث يستوى فى بلوغ المخبرين حد التواتر طرف الخبر ~~وواسطته. وهذا ممتنع، يفتقر فى كل واحد من على وأولاده- رضى الله عنهم- إلى ~~يومنا هذا أربعة أمور: # الأول: أن يثبت أنه مات عن ولد ولم يمت أبتر لا ولد له حتى يعرف ولده كما ~~عرف على- رضى الله عنه! - وتعرف صحة أنسابهم كما عرف صحة أنساب علي. # الثانى: أن يثبت أن كل واحد منهم نص على ولده قبل وفاته، وجعله ولى عهده، ~~وعينه من بين سائر أولاده فانتصب للإمامة بتوليته؛ ولم يمت واحد إلا بعد ~~التنصيص والتعيين على ولى عهده. # الثالث: أن ينقل أيضا- خبرا متواترا- أنه صلى الله عليه وسلم جعل نص جميع ~~أولاده بمنزلة نصه فى وجوب الطاعة ومصادفته لمظنة الاستحقاق ووقوعه على ~~المستحق للمنصب من جهة الله تعالى حتى لا يتصور وقوع الخطأ لواحد منهم فى ~~التعيين. # الرابع: أن ينقل أيضا بقاء العصمة والصلاح للإمامة من وقت نصه على من نص ~~عليه إلى أن توفى هو بعد نصه على غيره. # فلو انخرمت رتبة من هذه الرتب لم تستمر دعاويهم، ولو أثبتوا تواتر نص كل ~~واحد منهم ووجود ولده فى العصر الأول فلا يغنيهم حتى يثبتوا تواتره كذلك فى ~~سائر الأعصار المتوالية بعده عصرا بعد عصر. وهذه أمور لو ثبت التواتر فيها PageV01P122 ~~لعلمت كما يعلم وجود الأنبياء ووجود الأقطار التى لم تشاهد كالصين وقيروان ~~المغرب، ووجود الوقائع كحرب بدر وصفين، ولا يشترك الناس فى دركه، حتى كان ~~لا يقدر أحد على أن يشكك فيه نفسه، وليس يخفى أن الأمر فى هذه الدعاوى ~~بالضد، إذ لو كلف الإنسان أن يتسع لتجويز ما قالوه وإمكانه لم يتمكن، بل ~~علم قطعا خلافه، فكيف يتصور الطمع فى إثباته! وكيف يتواقحون على دعواه وقد ~~اختلف القائلون بوجوب الإمام المعصوم فى جماعة من الأئمة ms094 بزعمهم أنه خلف ~~ولدا أو لم يخلف؛ واختلفوا فى تعيين الإمامة فى بعضهم؛ واختلفوا فى ظهوره، ~~فقال قائلون: الإمام موجود ولكنه ليس يظهر تقية، وقال آخرون هو ظاهر؛ فكيف ~~خالفهم أصحابهم؟! وإن كانوا قد عرفوا ذلك بنص متواتر فكيف قبلوه من الآحاد ~~إن لم يكن متواترا، وقول الآحاد لا يورث إلا الظن؟! فاستبان أن ما ذكروه ~~طمع فى غير مطمع، وفزع إلى غير مفزع. ومثالهم فى الفرار من مسلك النظر إلى ~~مسلك النص مثال من يميل من البلل إلى الغرق؛ فإن المسلك الأول أقرب إلى ~~التلبيس من هذا المسلك. # فإن قال قائل: قد طولتم الأمر عليهم وأحرجتموهم إلى إثبات النص على علي، ~~ثم إثبات النص من كل واحد من أعقابه ولدا ولدا؛ ثم صحة نسبه؛ ثم استفاضة ~~هذه الأخبار أولا ووسطا وآخرا، وهم يستغنون عن جميع ذلك بخبر واحد وهو أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإمامة بعدى لعلى وبعده لأولاده لا ~~تخرج من نسبى، ولا ينقطع نسبى أصلا، ولا يموت واحد منهم قبل توليته العهد ~~لولده» - وهذا القدر يكفيهم- قلنا: نعم! يكفيهم هذا القدر إن كان كل ما ~~يخطر بالبال ويوافق شهوة الضلال يمكن اختراعه ونقله متواترا، ولكن هذا على ~~هذا الوجه لم يقع ولا نقل، ولا ادعى مدع وقوعه، معتقدا بالباطل ولا على ~~سبيل العناد، فضلا عن أن ينطق به عن الاعتقاد. ونقل هذا النص ودعوى التواتر ~~فيه كدعوى من نقل مضاده وهو أن الإمامة ليست لعلى بعدى وإنما هى لأبى بكر، ~~وإنما تكون بعده بالاختيار والشورى؛ وأن من ادعى النص أو اختصاص الإمامة ~~بأولاده من سائر قريش فهو PageV01P123 ~~كاذب مبطل. فكما نعلم أن هذا الخبر لم يكن ولم ينقل- لا آحادا ولا تواترا- ~~نعلم ذلك فما يناقضه. ومهما فتح باب الاختراع اشترك فى الاقتدار عليه كل من ~~يحاول اللجاج والنزاع، وذلك مما لا يستحله ذوو الدين أصلا. # فإن قال قائل: هذه الدعاوى لا تستتب لهؤلاء؛ فهل تستتب للإمامية فى دعوى ~~النص على علي رضى الله عنه؟ - قلنا: لا؛ ms095 إنما الذي يستتب لهم دعوى ألفاظ ~~محتملة نقلها الآحاد. فأما اللفظ الذي هو نص صريح، فلا. ودعوى التواتر أيضا ~~لا يمكن، وتيك الألفاظ كما رووا أنه قال: «من كنت مولاه فعلى مولاه» «1»، ~~وقوله: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى» «2» - إلى غير ذلك من الألفاظ ~~المحتملة، لا تجرى مجرى النصوص الصريحة. فأما دعوى النص الصريح المتواتر ~~فمحال من وجوه موضع استقصائها فى كتاب الإمامة من علم الكلام، وليس من ~~غرضنا الآن، ولكنا نذكر استحالته بمسلكين: أحدهما أنه لو كان ذلك متواترا ~~لما شككنا فيه، كما لم يشك فى وجود علي- رضى الله عنه، ولا فى انتصابه ~~للخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فى أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالصلاة والصيام والزكاة والحج. فإن قوله- عليه السلام! - فى ~~التنصيص على الخلافة بعده على ملأ من الناس ليس قولا يستحقر فيستر ولا ~~يتساهل فى سماعه فيهمل، بل تتوفر الدواعى على إشاعته، ولا تسمح النفوس ~~بإخفائه والسكوت عنه، ولم تسمح بالسكوت عن أخبار وأحوال تقع دون ذلك فى ~~الرتبة. فهذا قاطع فى بطلان دعواهم الخبر المتواتر. وعلى هذه الجملة فلا ~~تتميز دعواهم عن دعوى البكرية «3» حيث قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نص على أبى بكر- رضى الله عنه! - نصا صريحا متواترا، ولا عن دعوى الروندية ~~«4» إذ قالوا إنه نص على العباس نصا متواترا، وهذه الأقاويل PageV01P124 ~~متعارضة لأنها لم تعرف ولم تظهر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ~~الخوض فى الإمامة. # فلا تبقى بعد ذلك ريبة فى بطلان هذه الدعوى. # المسلك الثانى: أن الذين نازعوا فى إمامة أبى بكر وتصدوا للنضال عن علي- ~~رضى الله عنهما- تمسكوا فى نصرته بألفاظ محتملة نقلها آحاد، كقوله عليه ~~السلام: «من كنت مولاه فعلى مولاه»، وقوله: «أنت منى بمنزلة هارون من ~~موسى»، وكيف سكتوا عن النص المتواتر الذي لا يتطرق التأويل إلى متنه والطعن ~~على سنده! ومعلوم أن النفوس فى مثل هذه المثارات تضطرب بأقصى الإمكان ولا ~~تتعلق بالشبه إلا عند العجز عن البرهان، ms096 فهذا أيضا يعرف المنصف ضرورة كذب ~~المخترعين لهذه الأمور، وإنما هداهم إلى اختراع دعوى النص المتواتر طائفة ~~من الملحدين أرادوا الطعن على الدين، وهم الذين لقنوا اليهود أن ينقلوا عن ~~موسى نصا بأنه خاتم النبيين وأنه قال لليهود: «عليكم بالسبت ما دامت ~~السموات والأرضون». وكان سبيلنا فى الرد عليهم أن اليهود، مع ما جرى عليهم ~~من الذل والإرقاق والسبى للذرارى والأولاد وتخريب البلاد وسفك الدماء فى ~~طول زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم «1»، كانوا يحتالون بكل حيلة فى طمس ~~شريعته وتطفئة نوره ودفع استيلائه؛ فلم لم ينقلوا عن موسى عليه السلام ذلك، ~~ولم لم يقولوا له: ما جئت إلا بتصديق موسى وأنه قال: أنا خاتم النبيين. ~~ومعلوم أن الدواعى تتوافر على نقل مثل ذلك توفرا لا يطاق السكوت معه؛ وقد ~~كان فيهم الأحبار والمتقدمون، وكلهم كانوا مضطرين تحت القهر والذل، متعطشين ~~إلى دفع حجته PageV01P125 ~~بأقصى الجد، وهذا بعينه هو الذي يكشف عن اختراع هؤلاء وتهجمهم على الاختلاق ~~والتخرص. # فإن قيل: لعله تمسك به المتمسكون، إلا أنه اندرس ولم ينقل إلينا، قلنا: ~~كيف نقل إلينا التمسك بالألفاظ الظاهرة، ونقل المنازعة فى الإمامة من ~~الأنصار وقول قائلهم: «أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب» «1» والدواعى على ~~نقل النص أوفر. ولو جاز فتح هذا الباب لجاز لكل ملحد- إذا احتججنا عليه ~~بالقرآن وعجز الخلق عن معارضته، وبينا به صدق محمد صلى الله عليه وسلم- أن ~~يقول: لعله عورض ولكنه لم ينقل، وتعاطى المسلمون إخفاءه. فإن قيل: أنتم ~~مضطرون إلى معرفة هذا الخبر المتواتر، ولكنكم تعاندون فى إخفائه تعصبا- ~~قلنا: ولم تنكرون على من يقلب عليكم ويقول: أنتم تعرفون بطلان ما ينقلون ~~ضرورة ولكنكم تعاندون فى الاختراع؟ وبم تنفصلون عن البكرية والراوندية إذا ~~ادعوا ذلك فى النص على أبى بكر والعباس رضى الله عنهما؟ - فإن قيل: ألستم ~~تدعون فى معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر وكلام الذئب وحنين ~~الجذع وتكثير الطعام القليل- إلى غير ذلك مما أنكره كافة الكفار وطوائف من ~~المسلمين ولم يكن خلافهم مانعا لكم ms097 من دعوى التواتر- قلنا: نحن لا ندعى ~~التواتر الذي يوجب العلم الضرورى إلا فى القرآن؛ أما ما عداه من هذه ~~المعجزات فلو نقلها خلق كثير بلغوا حد التواتر لما تصوروا الشك فيها؛ وإنما ~~نقلها جماعة دون تلك الكثرة يعرف صدقهم بضروب من الأدلة النظرية والاستدلال ~~بالقرائن الخالية من روايتهم ذلك، وسكوت الآخرين عن الإنكار، إلى غير ذلك ~~من الأمور التى يتوصل إلى استفادة العلم منها عند إمعان النظر فيها بدقيق ~~الفكر، ومن أعرض عن النظر فى تيك الدلائل والقرائن ولم يتأملها حق التأمل ~~لم يحصل له العلم. وأما أنتم فلا تقنعون فى خبركم بالنقل من عدد دون عدد ~~التواتر، PageV01P126 ~~ولا بالحاجة فيه إلا النظر والاستدلال والتأمل فإنكم تبطلون طرق النظر، فلا ~~تستقيم هذه المقابلة منكم. # فإن قيل: انشقاق القمر من الآيات العلوية والبراهين السماوية- فكيف يتصور ~~أن يختص بمشاهدته عدد دون عدد التواتر؟ - قلنا: ولو شاهده عدد التواتر كيف ~~كان يتصور التردد فيه والإنكار له؟ وهل ترى أحدا يتردد فى وجود مكة ووجود ~~أبى حنيفة والشافعى وسائر المشهورين، وهى من الأمور الأرضية؟ وهل ترى أن ~~أحدا يتردد فى أن الشمس كانت تطلع فى أيام نوح عليه السلام ضربا للمثل؟ - ~~فإن ذلك لما كان من الأمور المتواترة لم تتصور الاسترابة فيه. فيبقى قولكم ~~إنه كيف اختص بمشاهدة انشقاق القمر طائفة؟ فقد قال العلماء الأصوليون ~~المنكرون لالتباس ما يتواتر من الأخبار: هذه آية ليلية فى وقت كان الناس ~~فيه نياما، أو كانوا تحت السقوف والظلال والأستار؛ والمصحرون «1» منهم ~~المنتبهون لا تستحيل عليهم الغفلة فى لحظة، فيكون ذلك مثل انقضاض كوكب تختص ~~بمشاهدته شرذمة قليلة؛ وذلك ممكن، فلم يكن الانشقاق أمرا دائما زمانا ~~طويلا، فليس يمتنع أن يختص بمشاهدته من حدق إليه بصره ممن كان حول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حيث احتج على قريش بانشقاق القمر. وقال قائلون ~~أيضا: يحتمل أن يكون الله تعالى خصص برؤية ذلك من حاج النبي صلى الله عليه ~~وسلم فى تلك الساعة وناظره حيث قال صلى الله عليه ms098 وسلم: «آيتى أنكم ترفعون ~~رءوسكم فترون القمر منشقا» «2» - وحجب الله أبصار سائر الخلق عن رؤيته ~~بحجاب أو سحاب أو تسليط عقله وصرف داعية النظر لمصلحة الخلق فيه حتى لا ~~يتحدى لنفسه بعض الكذابين فى الأمصار فيستدل به على صدق نفسه؛ أو يكون ~~معجزة للنبى صلى الله عليه وسلم من وجهين خارقين للعادة: أحدها إظهاره لهم، ~~والآخر إخفاؤه عن غيرهم. وهذه الاحتمالات ذكرها العلماء حتى قال بعضهم إن ~~انشقاق القمر PageV01P127 ~~ثبت بالقرآن وهو قوله تعالى: اقتربت الساعة وانشق القمر [القمر: 1]. # والكلام فيه طويل. وعلى الأحوال كلها فما بلغ حد التواتر لا يتصور التشكك ~~فيه. هذه قاعدة معلومة عليها تنبنى جميع قواعد الدين؛ ولولاه لما حصلت ~~الثقة بأخبار التواتر، ولما عرفنا شيئا من أقوال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا بالمشاهدة. # والكلام فى هذا يحتمل الإطناب، ولكنه بعيد عن مقصود الكتاب، فرأيت ~~الإيجاز فيه أولى. PageV01P128 ### || AUTO الفصل الثانى فى إبطال قولهم إن الإمام لا بد أن يكون معصوما ~~من الخطأ والزلل والصغائر والكبائر # فنقول لهم: وبما ذا عرفتم صحة كونه معصوما ووجود عصمته؟ أبضرورة العقل أو ~~بنظره أو سماع خبر متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يورث العلم ~~الضرورى؟ ولا سبيل إلى دعوى الضرورة، ولا إلى دعوى الخبر المتواتر المفيد ~~للعلم الضرورى، لأن كافة الخلق تشترك فى دركه «1». وكيف يدعى ذلك وأصل وجود ~~الإمام لا يعرف ضرورة، بل نازع منازعون فيه، فكيف تعلم عصمته ضرورة، وإن ~~ادعيتم ذلك بنظر العقل فنظر العقل عندكم باطل. وإن سمعتم من قول إمامكم أن ~~العصمة واجبة للإمام فلم صدقتموه قبل معرفة عصمته بدليل آخر؟ وكيف يجوز أن ~~تعرف إمامته وعصمته بمجرد قوله؟ # على أن نقول: أى نظر عرفكم وجوب عصمة الإمام؟ فلا بد من الكشف عنه فإن ~~قيل: الدليل عليه وجوب الاتفاق على كون النبي صلى الله عليه وسلم معصوما، ~~ولم نحكم بوجوب عصمته، إلا لأنا بواسطته نعرف الحق ومنه نتلقفه ونستفيده. ~~ولو جوزنا عليه الخطأ والمعصية سقطت الثقة بقوله. فما من قول ms099 يصدر عنه إلا ~~ونتصور أن يقال: لعله أخطأ فيه، أو تعمد الكذب، فإن المعصية ليست مستحيلة ~~عليه وذلك مما لا وجه له- فكذلك الإمام منه نتلقى الحق، وإليه نرجع فى ~~المشكلات كما كنا نرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه خليفته وبه ~~نستضى ء فى مشكلات التأويل والتنزيل وأحوال القيامة والحشر والنشر. فإن لم ~~تثبت عصمته فكيف يوثق به؟ # قلنا: مثار غلطكم ظنكم أنا نحتاج إلى الإمام لنستفيد منه العلوم، ونصدقه فيها. # وليس كذلك، فإن العلوم منقسمة إلى عقلية وسمعية. أما العقلية فتنقسم إلى قطعية PageV01P129 ~~وظنية ولكل واحد من القطع والظن مسلك يفضى إليه ويدل عليه. وتعلم ذلك ممن ~~يعلمه، ولو من أفسق الخلق، ممكن، فإنه لا تقليد فيه، وإنما المتبع وجه ~~الدليل. # وأما السمعيات فمسندها سماع: إما متواتر، وإما آحاد، والمتواتر تشترك ~~الكافة فى دركه، ولا فرق بين الإمام وبين غيره؛ والآحاد لا تفيد إلا ظنا، ~~سواء كان المبلغ إليه أو المبلغ الإمام أو غيره. والعمل بالظن فيما يتعلق ~~بالعمليات واجب شرعا، والوصول إلى العلم فيه ليس بشرط، ولذلك يجب عندهم ~~تصديق الدعاة المنتشرين فى أقطار الأرض، مع أنه لا عصمة لهم أصلا، وكذلك ~~كان ولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى زمانه، فإذا لا حاجة إلى عصمة ~~الإمام، فإن العلوم يشترك فى تحصيلها الكل. والإمام لا يولد عالما ولا يوحى ~~إليه، ولكنه متعلم. وطريق تعلم غيره كتعليمه، من غير فرق. # فإن قيل: فلما ذا نحتاج إلى الإمام إذ كان يستغنى عنه فى التعليم؟ قلنا: ~~ولما ذا يحتاج فى كل بلد إلى قاض؟ وهل يدل الاحتياج إليه على أنه لا بد أن ~~يكون معصوما؟ فيقولون؛ إنما نحتاج إليه لدفع الخصومات، وجمع شتات الأمور، ~~وجزم القول فى المجتهدات، وإقامة حدود الله تعالى، واستيفاء حقوقه وصرفها ~~إلى مستحقيها إذ لا سبيل إلى تعطيلها، ولا سبيل إلى تفويضها إلى كافة الخلق ~~فيتزاحمون عليها متقاتلين ويتكاسلون عنها متواكلين ومتخاذلين، فتعطل ~~الأمور؛ فجملة الدنيا فى حق الإمام كبلدة واحدة فى حق القاضى، ms100 فكما يستغنى ~~عن عصمة القاضى فى البلد ويحتاج إلى قضائه فكذلك يستغنى عن عصمة الإمام ~~ويحتاج إليه كما يحتاج إلى القضاة ولأمور أخر كلية سياسية: من حراسة ~~الإسلام، والذب عن بيضته «1» والنضال دون حوزته، وحشد العساكر والجنود إلى ~~أهل الطغيان والعناد، وتطهير وجه الأرض عن الطغاة والبغاة والساعين فى ~~الأرض بالفساد وملاحظة أطراف البلاد بالعين الكالئة، حتى إذا ثارت فتنة ~~بادر إلى الأمر بتطفئتها، وإذا نبغت PageV01P130 ~~نابغة تقدم على الفور بإزالتها قبل أن تستحكم غائلتها، وتستطير فى الأرض ~~نائرتها «1»، هذا وما يجرى مجراه هو الذي يراد لأجله الإمام، وذلك يحتاج ~~إلى عدالة وعلم ونجدة وكفاية وصرامة وشرائط أخر سنذكرها فى الباب التاسع. # فأما العصمة فيستغنى عنها كما فى حق القضاة والولاة، فإن منعوا وادعوا ~~العصمة للقضاة والولاة وكل مترشح لأمر من الأمور من جهة الإمام- وهذا ما ~~اعتقده الإمامية حتى أورد عليهم الحارس والمتعسس «2» والبواب ويرتبط بكل ~~واحد منهم أمر- فأجابوا بأن هذه الأمور إن كانت أمورا دينية شرطت العصمة فى ~~المتكلفين بها، والمنتصب لها بنصب الإمام لا يكون إلا معصوما، ونعوذ بالله ~~من اعتقاد مذهب يضطر ناصره والذاب عنه إلى أن يجاحد «3» ما يشاهده ويدركه ~~على البديهة والضرورة، فالظلم على طبقات الناس مشاهد من أحوال المنتصبين من ~~جهة إمامهم. ولا ينفك أورع متدين منهم عن استحلال الأموال المغصوبة باسم ~~الخراج والضريبة من أموال المسلمين مع العلم بتحريمه. ومهما انتهى كلام ~~الخصم إلى مجاحدة الضرورة فلا وجه إلا الكف عنه، والاقتصار على تعزيته فيما ~~أصيب به من عقله. PageV01P131 ### | AUTO الباب الثامن فى الكشف عن فتوى الشرع فى حقهم من التكفير وسفك الدم # ومضمون هذا الباب فتاوى فقهية، ونحصر مقصوده فى فصول أربعة: ### || AUTO الفصل الأول فى تكفيرهم أو تضليلهم أو تخطئتهم # ومهما سئلنا عن واحد منهم، أو جماعتهم، وقيل لنا: هل تحكمون بكفرهم؟ # لم نتسارع إلى التكفير إلا بعد السؤال عن معتقدهم ومقالتهم، ونراجع ~~المحكوم عليه أو نكشف عن معتقدهم بقول عدول يجوز الاعتماد على شهادتهم؛ ~~فإذا عرفنا حقيقة الحال حكمنا بموجبه. ms101 # ولمقالتهم مرتبتان: إحداهما توجب التخطئة والتضليل والتبديع، والأخرى ~~توجب التكفير والتبرى. # فالمرتبة الأولى وهى التى توجب التخطئة والتضليل والتبديع # هى أن نصادف عاميا يعتقد أن استحقاق الإمامة فى أصل البيت، وأن المستحق ~~اليوم المتصدى لها منهم، وأن المستحق لها فى العصر الأول كان هو على- رضى ~~الله عنه- فدفع عنها بغير استحقاق، وزعم، مع ذلك، أن الإمام معصوم عن الخطأ ~~والزلل، فإنه لا بد أن يكون معصوما، ومع ذلك فلا يستحل سفك دمائنا ولا ~~يعتقد كفرنا، ولكنه يعتقد فينا أنا أهل البغى، زلت بصائرنا عن درك الحق ~~خطأ، إذ عدلنا PageV01P133 ~~عن اتباعه، عنادا ونكدا. فهذا الشخص لا يستباح سفك دمه، ولا يحكم بكفره ~~لهذه الأقاويل، بل يحكم بكونه ضالا مبتدعا فيزجر عن ضلاله، وبدعته بما ~~يقتضيه رأى الإمام، فأما أن يحكم بكفره ويستباح دمه بهذه المقالات، فلا! ~~وهذا إنما يقتصر على تضليله وتبديعه إذ لم يعتقد شيئا مما حكينا من مذهبهم ~~فى الإلهيات وفى أمور الحشر والنشر، ولكنه لم يعتقد فى جميع ذلك إلا ما ~~نعتقده؛ وإنما تميز عنا بالقدر الذي حكيناه الآن. فإن قيل: هلا كفرتموهم ~~بقولهم إن مستحق الإمامة فى الصدر الأول كان عليا دون أبى بكر وعمر ومن ~~بعده وأنه دفع بالباطل، وفى ذلك خرق لإجماع أهل الدين؟ قلنا: لا ننكر ما ~~فيه من القحوم «1» على خرق الإجماع، ولذلك ترقينا من التخطئة المجردة التى ~~نطلقها ونقتصر عليها فى الفروع فى بعض المسائل إلى التضليل والتفسيق ~~والتبديع، ولكن لا تنتهى إلى التكفير؛ فلم بين لنا أن خارق الإجماع كافر، ~~بل الخلاف قائم بين المسلمين فى أن الحجة هل تقوم بمجرد الإجماع؟ وقد ذهب ~~النظام وطائفته إلى إنكار الإجماع، وأنه لا تقوم حجة أصلا، فمن التبس عليه ~~هذا الأمر لم نكفره بسببه، واقتصرنا على تخطئته وتضليله- فإن قيل: وهل ~~كفرتموهم لقولهم إن الإمام معصوم، والعصمة عن الخطأ والزلل وصغير المآثم ~~وكبيرها من خاصية النبوة فكأنهم أثبتوا خاصية النبوة لغير النبي صلى الله ~~عليه وسلم قلنا: هذا لا يوجب الكفر وإنما الموجب له ms102 أن يثبت النبوة لغيره ~~بعده؛ وقد ثبت أنه خاتم النبيين، أو يثبت لغيره منصب النسخ لشريعته، فأما ~~العصمة فليست خاصية النبوة ولا إثباتها كإثبات النبوة، فلقد قالت طوائف من ~~أصحابنا: العصمة لا تثبت للنبى من الصغائر، واستدلوا عليه بقوله: تعالى: ~~وعصى آدم ربه فغوى [طه: 121]، وبجملة من حكايات الأنبياء «2». فمن يعتقد فى ~~فاسق أنه مطيع ومعصوم عن الفسق لا يزيد على من يعتقد فى مطيع أنه فاسق ~~ومنهمك فى الفساد، ولو اعتقد إنسان فى عدل أنه فاسق لم يزد على تخطئة من PageV01P134 ~~اعتقد فى غير معصوم أنه معصوم- كيف يحكم بكفره؟ نعم يحكم بحماقته واعتقاده ~~أمرا يكاد يخالف المشاهد من الأحوال وأمرا لا يدل عليه نظر العقل ولا ~~ضرورته. # فإن قيل: فلو اعتقد معتقد فسق أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وطائفة من ~~الصحابة فلم يعتقد كفرهم، فهل تحكمون بكفره؟ - قلنا: لا نحكم بكفره، وإنما ~~نحكم بفسقه وضلاله ومخالفته لإجماع الأمة، وكيف نحكم بكفره ونحن نعلم أن ~~الله تعالى لم يوجب على من قذف محصنا بالزنى إلا ثمانين جلدة «1»، ونعلم أن ~~هذا الحكم يشتمل كافة الخلق ويعمهم على وتيرة واحدة، وأنه لو قذف قاذف أبا ~~بكر وعمر- رضى الله عنهما- بالزنى لما زاده على إقامة حد الله تعالى ~~المنصوص عليه فى كتابه، ولم يدعوا لأنفسهم التمييز بخاصية فى الخروج عن ~~مقتضى العموم. # فإن قيل: فلو صرح مصرح بكفر أبى بكر وعمر- رضى الله عنهما- ينبغى أن ينزل ~~منزلة من لو كفر شخصا آخر من آحاد المسلمين أو القضاة والأئمة من بعدهم- ~~قلنا: هكذا نقول، فلا يفارق تكفيرهم تكفير غيرهم من آحاد الأمة والقضاة، بل ~~أفراد المسلمين المعروفين بالإسلام إلا فى شيئين: أحدهما فى مخالفة الإجماع ~~وخرقه، فإن مكفر غيرهم ربما لا يكون خارقا لإجماع معتد به، الثانى: أنه ورد ~~فى حقهم من الوعد بالجنة والثناء عليهم والحكم بصحة دينهم وثبات يقينهم ~~وتقدمهم على سائر الخلق أخبار كثيرة، فقائل ذلك إن بلغته الأخبار واعتقد مع ~~ذلك كفرهم فهو كافر لا بتكفيره إياهم ولكن بتكذيبه رسول الله صلى ms103 الله عليه ~~وسلم، فمن كذبه بكلمة من أقاويله فهو كافر بالإجماع، ومهما قطع النظر على ~~التكذيب فى هذه الأخبار وعن خرق الإجماع نزل تكفيرهم منزلة سائر القضاة ~~والأئمة وآحاد المسلمين، فإن قيل: فما قولكم فيمن يكفر مسلما: أهو كافر، أم ~~لا؟ قلنا: إن كان يعرف أن معتقده التوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إلى سائر المعتقدات الصحيحة فمهما كفره بهذه المعتقدات PageV01P135 ~~فهو كافر، لأنه رأى الدين الحق كفرا وباطلا، فأما إذا ظن أنه يعتقد تكذيب ~~الرسول أو نفى الصانع أو تثنيته «1» أو شيئا مما يوجب التكفير فكفره بناء ~~على هذا الظن فهو مخطئ فى ظنه المخصوص بالشخص، صادق فى تكفير من يعتقد ما ~~يظن أنه معتقد هذا الشخص، وظن الكفر بمسلم ليس بكفر، كما أن ظن الإسلام ~~بكافر ليس بكفر، فمثل هذه الظنون قد تخطئ وتصيب، وهو جهل بحال شخص من ~~الأشخاص، وليس من شرط دين الرجل أن يعرف إسلام كل مسلم، وكفر كل كافر، بل ~~ما من شخص يفرض إلا ولو جهله لم يضره فى دينه، بل إذا آمن شخص بالله ورسوله ~~وواظب على العبادات ولم يسمع باسم أبى بكر وعمر ومات قبل السماع مات مسلما، ~~فليس الإيمان بهما من أركان الدين حتى يكون الغلط فى صفاتهما موجبا ~~للانسلاخ من الدين. # وعند هذا ينبغى أن يقبض عنان الكلام، فإن الغوص فى هذه المغاصة يفضى إلى ~~إشكالات وإثارة تعصبات، وربما لا تذعن جميع الأذهان لقبول الحق المؤيد ~~بالبرهان لشدة ما يرسخ فيها من المعتقدات المألوفة التى وقع النشوء عليها ~~والتحق بحكم استمرار الاعتياد بالأخلاق الغريزية التى يعتذر إزالتها. ~~وبالجملة: القول فيما يوجب الكفر والتبرى وما لا يوجبه لا يمكن استيفاؤه فى ~~أقل من مجلدة وذلك عند إيثار الاختصار فيه فلنقتصر فى هذا الكتاب على الغرض المهم. # المرتبة الثانية المقالات الموجبة للتكفير # وهى أن يعتقد ما ذكرناه ويزيد عليه فيعتقد كفرنا واستباحة أموالنا وسفك ~~دمائنا، فهذا يوجب التكفير لا محالة، لأنهم عرفوا أننا نعتقد أن للعالم ~~صانعا واحدا قادرا عالما ms104 مريدا متكلما سميعا بصيرا حيا ليس كمثله شي ء، وأن ~~رسوله محمد بن PageV01P136 ~~عبد الله صلى الله عليه وسلم صادق فى كل ما جاء به من الحشر والنشر ~~والقيامة والجنة والنار، وهذه الاعتقادات هى التى تدور عليها صحة الدين، ~~فمن رآها كفرا هو كافر لا محالة، فإن انضاف إلى هذا شي ء مما حكى من ~~معتقداتهم من إثبات إلهين وإنكار الحشر والنشر وجحود الجنة والنار والقيامة ~~فكل واحد من هذه المعتقدات موجب للتكفير، صدر منهم أو من غيرهم. # فإن قيل: لو اعتقد معتقد وحدانية الإله ونفى الشرك ولكنه تصرف فى أحوال ~~النشر والحشر والجنة والنار بطريق التأويل للتفصيل دون إنكار الأصل، بل ~~اعترف بأن الطاعة وموافقة الشرع وكف النفس عن المحرمات والهوى سبب يفضى إلى ~~السعادة، وأن الاسترسال على الهوى ومخالفة الشرع فيما أمر ونهى يسوق صاحبه ~~إلى الشقاوة، ولكنه زعم أن السعادة عبارة عن لذة روحانية تزيد لذتها على ~~اللذة الجسمانية الحاصلة من المطعم والمنكح اللذين تشترك فيهما البهائم ~~وتتعالى عنهما رتبة الملكية «1»، وإنما تلك السعادة اتصال بالجواهر العقلية ~~الملكية، وابتهاج بنيل ذلك الكمال؛ واللذات الجسمانية محتقرة بالإضافة ~~إليها، وأن الشقاوة عبارة عن كون الشخص محجوبا عن ذلك الكمال العظيم محله ~~الرفيع شأنه مع التشوق إليه والشغف به، وأن ألم ذلك يستحقر معه ألم النار ~~الجسمانية، وأن ما ورد فى القرآن مثله ضرب لعوام الخلق لما قصر فهمهم عن ~~درك تلك اللذات- فإنه لو تعدى النبي فى ترغيبه وترهيبه إلى غير ما ألفوه ~~وتشوقوا إليه وفزعوا منه لم تنبعث دواعيهم للطلب والهرب، فذكر من اللذات ~~أشرفها عندهم وهى المدركات بالحواس من الحور والقصور إذ تحظى بها حاسة ~~البصر، ومن المطاعم والمناكح إذ تحظى بها القوة الشهوانية. وما عند الله ~~لعباده الصالحين خير من جميع ما أعربت عنه العبارات ونبهت عليه ولذلك قال ~~تعالى فيما حكى عنه النبي صلى الله عليه وسلم «أعددت لعبادى الصالحين ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب PageV01P137 ~~بشر» «1». وكل ما يدرك من ms105 الجسمانيات فقد خطر على قلب بشر أو يمكن إخطاره ~~بالقلب. # وزعم هذا القائل أن المصلحة الداعية إلى التمثيل للذات والآلام بالمألوف ~~منها عند العوام كالمصلحة فى الألفاظ الدالة على التشبيه فى صفات الله ~~تعالى، وأنه لو كشف لهم الغطاء ووصف لهم جلال الله الذي لا تحيط به الصفات ~~والأسماء، وقيل لهم: صانع العالم موجود، ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم، ولا هو ~~متصل بالعالم، ولا هو منفصل عنه، ولا هو داخل فيه ولا خارج عنه، وأن الجهات ~~محصورة فى ست، وأن سائر الجهات فارغة منه، وليس شاغلا لواحد منها فلا داخل ~~العالم به مشغول، ولا خارج العالم عنه مشغول، لبادر الخلق إلى إنكار وجوده، ~~فإن عقولهم لا تقوى على التصديق بوجود موجود ترده الأوهام والحواس، فذكر ~~لهم ما يشير إلى ضروب التمثيل ليرسخ فى نفوسهم التصديق بأصل الوجود ~~فيسارعون إلى امتثال الأوامر تعظيما له، وإلى الانزجار عن المعاصى مهابة ~~منه فيمن هذا منهاجه. # قلنا: أما القول: بإلهين فكفر صريح لا يتوقف فيه، وأما هذا فربما يتوقف ~~فيه الناظر ويقول: إذا اعترفوا بأصل السعادة والشقاوة وكون الطاعة والمعصية ~~سبيلا إليهما فالنزاع فى التفصيل كالنزاع فى مقادير الثواب والعقاب، وذلك ~~لا يوجب تكفيرا فكذلك النزاع فى التفصيل. والذي نختاره ونقطع به أنه لا ~~يجوز التوقف فى تكفير من يعتقد شيئا من ذلك لأنه تكذيب صريح لصاحب الشرع ~~ولجميع كلمات القرآن من أولها إلى آخرها. فوصف الجنة والنار لم يتفق ذكر ~~مرة واحدة أو مرتين، ولا جرى بطريق كناية أو توسع وتجوز بل بألفاظ صريحة لا ~~يتمارى فيها ولا يستراب، وأن صاحب الشرع أراد بها المفهوم من ظاهرها، ~~فالمصير إلى ما أشار إليه هذا القائل تكذيب وليس بتأويل، فهو كفر صريح لا ~~يتوقف فيه أصلا. PageV01P138 # ولذلك نعلم على القطع أنه لو صرح مصرح بإنكار الجنة والنار والحور والقصور ~~فيما بين الصحابة لبادروا إلى قتله واعتقدوا ذلك منه تكذيبا لله ولرسوله. # فإن قيل: لعلهم كانوا يفعلون ذلك ويبالغون فيه حسما لباب التصريح به، إذ ms106 ~~مصلحة العامة تقتضى أن لا يجرى الخطاب معهم إلا بما يليق بأفهامهم ويؤثر فى ~~نفوسهم وإثارة دواعيهم؛ وإذا رفعت عن نفوسهم هذه الظواهر وقصرت عقولهم عن ~~درك اللذات العقلية أنكروا الأصل وجحدوا الثواب والعقاب، وسقط عندهم تمييز ~~الطاعة عن العصيان والكفر عن الإيمان. # قلنا: فقد اعترفت بإجماع الصحابة على تكفير هذا الرجل وقتله لأنه مصرح ~~به، ونحن لم نزد على أن المصرح به كافر يجب قتله، وقد وقع الاتفاق عليه؛ ~~وبقى قولكم إن سبب تكفيرهم مراعاة مصلحة العوام، وهذا وهم وظن محض لا يغنى ~~عن الحق شيئا، بل نعلم قطعا أنهم كانوا يعتقدون ذلك تكذيبا لله تعالى ~~ولرسوله وردا لما ورد به الشرع ولم يدفعه العقل، فإن قيل: فهلا سلكتم هذا ~~المسلك فى التمثيلات الواردة فى صفات الله تعالى من آية الاستواء وحديث ~~النزول ولفظ «القدم» ووضع الجبار قدمه فى النار، ولفظ «الصورة» فى قوله ~~عليه السلام: «إن الله خلق آدم- عليه السلام! - على صورته» «1» - إلى غير ~~ذلك من أخبار لعلها تزيد على ألف، وأنتم تعلمون أن السلف الصالحين ما كانوا ~~يؤولون هذه الظواهر، بل كانوا يجرونها على الظاهر. ثم إنكم لم تكفروا منكم ~~الظواهر ومؤولها، بل اعتقدتم التأويل وصرحتم به- قلنا: كيف تستتب هذه ~~الموازنة والقرآن مصرح بأنه ليس كمثله شي ء [الشورى: 11]، والأخبار الدالة ~~عليه أكثر من أن تحصى، ونحن نعلم أنه لو صرح مصرح فيما بين الصحابة بأن ~~الله تعالى لا يحويه مكان ولا يحده زمان ولا يماس جسما ولا ينفصل عنه ~~بمسافة مقدرة وغير مقدرة ولا يعرض له انتقال وجيئة وذهاب وحضور وأفول، وأنه ~~يستحيل أن يكون من الآفلين والمنتقلين PageV01P139 ~~والمتمكنين إلى غير ذلك من نفى صفات التشبيه لرأوا ذلك عين التوحيد ~~والتنزيل، ولو أنكر الحور والقصور والأنهار والأشجار والزبانية والنار لعد ~~ذلك من أنواع الكذب والإنكار، ولا مساواة بين الدرجتين، وقد نبهنا على ~~الفرق فى باب الرد عليهم فى مذهبهم بوجهين آخرين: أحدهما أن الألفاظ ~~الواردة فى الحشر والنشر والجنة والنار صريحة لا تأويل لها ولا معدل ms107 عنها ~~إلا بتعطيلها وتكذيبها، والألفاظ الواردة فى مثل الاستواء والصورة وغيرهما ~~كنايات وتوسعات على اللسان تحتمل التأويل فى وصفه، والآخر أن البراهين ~~العقلية تدفع اعتقاد التشبيه والنزول والحركة والتمكن من المكان وتدل على ~~استحالتها دلالة لا يتمارى فيها، ودليل العقل لا يحيل وقوع ما وعد به من ~~الجنة والنار فى الدار الآخرة، بل القدرة الأزلية محيطة بها مستولية عليها، ~~وهى أمور ممكنة فى نفسها ولا تتقاصر القدرة الأزلية عما له نعت الإمكان فى ~~ذاته فكيف يشبه هذا بما ورد من صفات الله تعالى؟! ومساق هذا الكلام يتقاضى ~~بث جملة من أسرار الدين إن شرعنا فى استقصائها ورغبنا فى كشف غطائها، وإذا ~~ورد ذلك معترضا فى سياق الكلام غير مقصود فى نفسه فلنقتصر على هذا القدر ~~الذي انطوى فى هذا الفصل، ولنشتغل بما هو الأهم من مقاصد هذا الكتاب، وقد ~~بينا فى هذا الفصل من يكفر منهم ومن لا يكفر، ومن يضل ومن لا يضل. PageV01P140 ### || AUTO الفصل الثانى فى أحكام من قضى بكفره منهم # والقول الوجيز فيه أن يسلك بهم مسلك المرتدين فى النظر فى الدم والمال ~~والنكاح والذبيحة ونفوذ الأقضية وقضاء العبادات، أما الأرواح فلا يسلك بهم ~~مسلك الكافر الأصلي، إذ يتخير الإمام فى الكافر الأصلي بين أربع خصال: بين ~~المن والفداء والاسترقاق والقتل. ولا يتخير فى حق المرتد، بل لا سبيل إلى ~~استرقاقهم ولا إلى قبول الجزية منهم ولا إلى المن والفداء، وإنما الواجب ~~قتلهم وتطهير وجه الأرض منهم، هذا حكم الذين يحكم بكفرهم من الباطنية، وليس ~~يختص جواز قتلهم ولا وجوبه بحالة قتالهم، بل نغتالهم ونسفك دماءهم فإنهم ~~مهما اشتغلوا بالقتال جاز قتلهم، وإن كانوا من الفرقة الأولى التى لم يحكم ~~فيهم بالكفر وهو أنهم عند القتال يلتحقون بأهل البغى، والباغي يقتل ما دام ~~مقبلا على القتال وإن كان مسلما؛ إلا أنه إذا أدبر وولى لم يتبع مدبرهم ولم ~~يوقف على جريحهم، أما من حكمنا بكفرهم فلا يتوقف فى قتلهم إلى تظاهرهم ~~بالقتال وتظاهرهم على النضال. # فإن قيل: ms108 هل يقتل صبيانهم ونساؤهم؟ قلنا: أما الصبيان فلا، فإنه لا يؤاخذ ~~الصبى، وسيأتى حكمهم، وأما النسوان فإنا نقتلهم مهما صرحن بالاعتقاد الذي ~~هو كفر على مقتضى ما قررناه، فإن المرتدة مقتولة عندنا بعموم قوله صلى الله ~~عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» «1». نعم، للإمام أن يتبع فيه موجب ~~اجتهاده، فإن رأى أن يسلك فيهم مسلك أبى حنيفة ويكف عن قتل النساء فالمسألة ~~فى محل الاجتهاد، ومهما بلغ صبيانهم عرضنا الإسلام عليهم، فإن قبلوا قبل ~~إسلامهم وردت السيوف عن رقابهم إلى قربها «2». وإن أصروا على كفرهم متبعين ~~فيه آباءهم مددنا سيوف الحق إلى PageV01P141 ~~رقابهم وسلكنا بهم مسلك المرتدين، وأما الأموال فحكمها حكم أموال المرتدين، ~~فما وقع الظفر به من غير إيجاف الخيل والركاب فهو فى ء، كمال المرتد، ~~فيصرفه إمام الحق على مصارف الفي ء على التفصيل الذي اشتمل عليه قوله ~~تعالى: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول [الحشر: 7]. وما ~~استولينا عليه بإيجاف خيل وركاب فلا يبعد أن يسلك به مسلك الغنائم حتى يصرف ~~إلى مصارفها، كما اشتمل عليه قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شي ء فأن ~~لله خمسه [الأنفال: 41] الآية. وهذا أحد مسالك الفقهاء فى المرتدين، وهو ~~أولى ما يقضى به فى حق هؤلاء، وإن كانت الأقاويل مضطربة فيه. # ومما يتعلق بالمال أنهم إذا ماتوا لا يتوارثون فلا يرث بعضهم بعضا، ولا ~~يرثون من المحقين، ولا يرث المحق ما لهم إذا كان بينهم قرابة. بل ولاية ~~الوراثة منقطعة بين الكفار والمسلمين. # وأما أبضاع «1» نسائهم فإنها محرمة، فكما لا يحل نكاح مرتدة لا يحل نكاح ~~باطنية معتقدة لما حكمنا بالتكفير بسببه من المقالات الشنيعة التى فصلناها. ~~ولو كانت متدينة ثم تلقفت مذهبهم انفسخ النكاح فى الحال إن كان قبل المسيس، ~~ويوقف على انقضاء العدة بعد المسيس. فإن عادت إلى الدين الحق وانسلخت عن ~~المعتقد الباطل قبل انصرام العدة بقضاء مدتها استمر النكاح على وجهه، وإن ~~أصرت واستمرت حتى انقضت المدة وتصرمت العدة تبين انفساخ النكاح من ms109 وقت ~~الردة. ومهما تزوج الباطنى المحكوم بكفره بامرأة من أهل الحق أو من أهل ~~دينه فالنكاح باطل غير منعقد، بل تصرفه فى ماله بالبيع وسائر العقود مردود ~~فإن الذي اخترناه فى الفتوى الحكم بزوال ملك المرتدين بالردة. # ويتصل بتحريم المناكحة تحريم الذبائح فلا تحل ذبيحة واحد منهم، كما لا ~~تحل ذبيحة المجوسى والزنديق، فإن الذبيحة والمناكحة تتحاذيان، فهما محرمتان PageV01P142 ~~فى سائر أصناف الكفار إلا اليهود والنصارى لأن ذلك تخفيف فى حقهم لأنهم أهل ~~كتاب أنزله الله تعالى على نبى صادق ظاهر الصدق مشهور الكتاب، وأما أقضية ~~حكامهم فباطلة غير نافذة، وشهادتهم مردودة، فإن هذه أمور يشترط الإسلام فى ~~جميعها، فمن حكم بكفره من جملتهم لم تصح منه هذه الأمور، بل لا تصح عبادتهم ~~ولا ينعقد صيامهم وصلاتهم ولا يتأدى حجهم وزكاتهم؛ ومهما تابوا وتبرءوا عن ~~معتقداتهم وحكمنا بصحة توبتهم وجب عليهم قضاء جميع العبادات التى فاتت ~~والتى أديت فى حالة الكفر، كما يجب ذلك على المرتد. # فهذا هو القدر الذي أردنا أن ننبه عليه من جملة أحكامهم. فإن قيل: ولما ~~ذا حكمتم بإلحاقهم بالمرتدين، والمرتد من التزم بالدين الحق وتطوقه ثم نزع ~~عنه مرتدا ومنكرا له، وهؤلاء لم يلزموا الحق قط، بل وقع نشوؤهم على هذا ~~المعتقد فهلا ألحقتموهم بالكافر الأصلي؟ قلنا: ما ذكرناه واضح فى الذين ~~انتحلوا وتحولوا إليها معتقدين لها بعد اعتقاد نقيضها أو بعد الانفكاك ~~عنها، وأما الذين نشئوا على هذا المعتقد سماعا من آبائهم فهم أولاد ~~المرتدين، لأن آباءهم وآباء آبائهم لا بد أن يفرض فى حقهم تنحل هذا الدين ~~بعد الانفكاك عنه، فإنه ليس معتقدا يستند إلى نبى وكتاب منزل كاعتقاد ~~اليهود والنصارى، بل هى البدع المحدثة من جهة طوائف من الملاحدة والزنادقة ~~فى هذه الأعصار القريبة المتراخية. # وحكم الزنديق أيضا حكم المرتد لا يفارقه فى شي ء أصلا، وإنما يبقى النظر ~~فى أولاد المرتدين، وقد قيل فيهم إنهم أتباع فى الردة كأولاد الكفار من أهل ~~الحرب وأهل الذمة، وعلى هذا فإن بلغ طولب بالإسلام، ms110 وإلا قتل ولم يرض منه ~~بالجزية ولا الرق، وقيل إنهم كالكفار الأصليين إذا ولدوا على الكفر، فإذا ~~بلغوا وآثروا الاستمرار على كفر آبائهم جاز تقريرهم بالجزية وضرب الرق ~~عليهم، وقيل إنه يحكم بإسلامهم لأن المرتد مؤاخذ بعلائق الإسلام فإذا بلغ ~~ساكتا فحكم الإسلام يستمر إلى أن يعرض عليه الإسلام، فإن نطق به فذاك، وإن ~~أظهر كفر أبويه، عند ذلك حكمنا بردته فى الحال، وهذا هو المختار عندنا فى PageV01P143 ~~صبيان الباطنية، فإن علقة من علائق الإسلام كافية للحكم بإسلام الصبيان، ~~وعلقة الإسلام باقية على كل مرتد فإنه مؤاخذ بأحكام الإسلام فى حال ردته. # وقد قال صلى الله عليه وسلم «1»: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه» فيحكم بإسلام هؤلاء. ثم إذا بلغوا كشف لهم عن ~~وجه الحق ونهوا عن فضائح مذهب الباطنية، وذلك يكشف للمصغى إليه فى أوحى ما ~~يقدر، وأسرع ما ينتظر، فإن أبى إلا دين آبائه فعند ذلك يحكم بردته من وقته، ~~ويسلك به مسلك المرتدين. PageV01P144 ### || AUTO الفصل الثالث فى قبول توبتهم وردها # وقد ألحقنا هؤلاء بالمرتدين فى سائر الأحكام، وقبول التوبة من المرتد لا ~~بد منه، بل الأولى ألا يبادر إلى قتله إلا بعد استتابته وعرض الإسلام عليه ~~وترغيبه فيه. # وأما نوبة الباطنية وكل زنديق مستتر بالكفر يرى التقية دينا ويعتقد ~~النفاق وإظهار خلاف المعتقد عنه استشعار الخوف حقا؛ ففى هذا خلاف بين ~~العلماء: ذهب ذاهبون إلى قبولها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها» «1»؛ ولأن الشرع إنما بنى الدين على الظاهر فنحن لا نحكم إلا ~~بالظاهر والله يتولى السرائر. والدليل عليه أن المكره إذا أسلم تحت ظلال ~~السيوف وهو خائف على روحه نعلم بقرينة حاله أنه مضمر غير ما يظهره، فنحكم ~~بإسلامه ولا نلتفت إلى المعلوم بالقرائن من سريرته. # ويدل عليه أيضا ما روى أن أسامة قتل كافرا فسل عليه السيف بعد أن تلفظ ~~بكلمة الإسلام. فاشتد ذلك على ms111 رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أسامة: ~~«إنما فعل ذلك فرقا «2» من السيف». فقال صلى الله عليه وسلم: «هلا شققت عن ~~قلبه!؟» «3» - منبها به على أن البواطن لا تطلع عليها الخلائق وإنما مناط ~~التكليف الأمور الظاهرة .. ويدل عليه أيضا أن هذا صنف من أصناف الكفار، ~~وسائر أصناف الكفار لا يسد عليهم طريق التوبة والرجوع إلى الحق؛ فكذلك هاهنا. # وذهب ذاهبون إلى أنه لا تقبل توبته؛ وزعموا أن هذا الباب لو فتح لم يمكن ~~حسم مادتهم وقمع غائلتهم، فإن من سر عقيدتهم التدين بالتقية والاستسرار ~~بالكفر عند استشعار الخوف، فلو سلكنا هذا المسلك لم يعجزوا عن النطق بكلمة الحق PageV01P145 ~~وإظهار التوبة عند الظفر بهم، فيلهجون بذلك مظهرين ويستهزءون بأهل الحق ~~مضمرين، وأما الخبر «1» فإنما ورد فى أصناف من الكفار دينهم أنه لا يجوز ~~التصريح بما يخالفه، وأن من التزم الإسلام ظاهرا صار تاركا للتهود والتنصر- ~~هذا معتقدهم، ولذلك تراهم يقطعون إربا إربا بالسيوف وهم مصرون على كفرهم ~~ولا يسمحون فى موافقة المسلمين بكلمة، فأما من كان دينه أن النطق بكلمة ~~الإسلام غير ترك لدينه، بل دينه أن ذلك عين دينه، فكيف نعتقد بتوبته مما هو ~~عين دينه والتصريح به وفاء لشرط دينه كيف يكون تركا للدين!؟ # هذا ما ذكر من الخلاف فى قبول توبتهم. وقد استقصينا ذلك فى كتاب «شفاء ~~العليل» فى أصول الفقه، ونحن الآن نقتصر على ذكر ما نختاره فى هذه الفرقة ~~التى فيهم الكلام، فنقول: للتائب من هذه الضلالة أحوال: الحالة الأولى: أن ~~يتسارع إلى إظهار التوبة واحد منهم من غير قتال ولا إرهاق واضطرار، ولكن ~~على سبيل الإيثار والاختيار متبرعا به ابتداء من غير خوف، واستشعار هذا ~~ينبغى أن يقطع بقبول توبته، فإنا إن نظرنا إلى ظاهر كلمته صدقناها موافقة ~~لعين الإسلام. وإن نظرنا إلى سريرته كان الغالب أنها على مطابقة اللسان ~~وموافقته، فإنا لم نعرف الآن له باعثا على التقية، وإنما المباح عندهم ~~إظهار نقيض المعتقد تقية عند تحقيق الخوف، فأما فى حالة الاختيار فهو من ms112 ~~أفحش الكبائر ويعضد ذلك بأمر كلى وهو أنه لا سبيل إلى حسم باب الرشد عليهم، ~~فكم من عامى ينخدع بتخيل باطل ويغتر برأى قائل ثم ينتبه من نفسه أو ينبهه ~~منبه لما هو الحق فيؤثر الرجوع إليه والشروع فيه بعد النزوع عنه، فلا سبيل ~~إلى حسم مسلك الرشاد على ذوى الضلال والعناد. # الحالة الثانية: الذي يسلم تحت ظلال السيوف، ولكنه من جملة عوامهم ~~وجهالهم لا من جملة دعاتهم وضلالهم، فهذا أيضا تقبل توبته، فمن لم يكن ~~مترشحا للدعوة فضرر كفره مقصور عليه فى نفسه، ومهما أظهر الدين احتمل كونه ~~صادقا فى إسراره وإظهاره، والعامى الجاهل يظن أن التلبيس بالأديان والعقائد ~~مثل المواصلات والمعاقدات الاختيارية فيصلها مدة بحكم المصلحة ويقطعها أخرى، PageV01P146 ~~وباطنه يوافق الظاهر فيما يتعاطاه من التزام وإعراض، ولذلك ترى من يسبى من ~~العبيد والإماء من بلاد الكفر إلى دار الإسلام يدينون بدينهم معتقدين ~~وشاكرين لله على ما أتاح لهم من الرشد ورحض «1» عنهم من وضر «2» الكفر ~~والغى، ولو سئلوا عن السبب فى تبديل الدين وإيثار الحق المبين على الباطل ~~لم يعرفوا سببا إلا موافقة السادة على وفق مصلحة الحال، ثم ذلك يؤثر فى ~~باطن عقائدهم كما نرى ونشاهد، فإذا عرف أن العامى سريع التقلب فنصدقه فى ~~انقلابه إلى الحق كما نصدقه فى إضرابه عنه إذا ظهر من معتقده خلاف الحق، ~~فإنا بين أن نغضى عن كافر مستسر ولا نقتله بل نتعامى عنه، أو نهجم على قتل ~~مسلم ظاهرا أو باطنا إن كان مضمرا لما يظهر، وليس فى التغاضى عن كفر كافر ~~ليست له دعوة تنتشر وليس فيه شر يتعدى كبير محظور. فكم مننا على الكفار ~~وأغضينا عنهم ببذل الدينار! فليس ذلك ممتنعا، أما اقتحام الخطر فى قتل من ~~هو مسلم ظاهرا ويحتمل أن يكون مسلما باطنا احتمالا قويا؛ فمحظور. # الحالة الثالثة: أن نظفر بواحد من دعاتهم ممن يعرف منه أنه يعتقد بطلان ~~مذهبه، ولكنه ينتحله غير معتقد له ليتوصل إلى استمالة الخلق وصرف وجوههم ~~إلى نفسه طلبا للرئاسة وطمعا ms113 فى حطام الدنيا؛ هذا هو الذي يتقى شره. # والأمر فيه منوط برأى الإمام ليلاحظ قرائن أحواله ويتفرس من ظاهره فى ~~باطنه، ويستبين أن ما ذكره يكون إذعانا للحق واعترافا به بعد التحقق ~~والكشف، أو هو نفاق وتقية، وفى قرائن الأحوال ما يدل عليه، والأولى ألا ~~يوجب على الإمام قتله لا محالة ولا أن يحرم قتله، بل يفوض إلى اجتهاده، فإن ~~غلب على ظنه أنه سالك منهج التقية فيما أداه قتله؛ وإن غلب على ظنه أن تنبه ~~للحق وظهر له فساد الأقاويل المزخرفة التى كان يدعو إليها، قبل توبته وأغضى ~~عنه فى الحال، وإن بقيت به ريبة وكل به من يراقب أحواله ويفتقده فى بواطن ~~أمره ويحكم فيه بموجب ما يتضح له منه، فهذا هو المسلك القصد القريب من ~~الإنصاف والبعيد من التعصب والاعتساف. PageV01P147 ### || AUTO الفصل الرابع فى حيلة الخروج عن أيمانهم وعهودهم إذا عقدوها ~~على المستجيب # فإن قال لنا قائل: ما قولكم فى عهودهم ومواثيقهم وأيمانهم المعقودة على ~~المستجيبين؛ هل تنعقد؟ وهل يجوز الحنث فيها؟ أم يجب الحنث أن يتم؟ وإن حنث ~~الحالف يلزمه بسببه معصية وكفارة، أم لا يلزم؟ وكم من شخص عقد عليه العهد ~~وأكدت عليه اليمين فتطوقه اغترارا بتخيلهم، ثم لما انكشف له ضلالهم تمنى ~~افتضاحهم والكشف عن عوراتهم ولكن منعته الأيمان المغلظة المؤكدة عليه، ~~فالحاجة ماسة إلى تعليم الحيلة فى الخروج عن تلك الأيمان- فنقول: الخلاص من ~~تلك الأيمان ممكن، ولها طرق تختلف باختلاف الأحوال والألفاظ: # الأول: أن يكون الحالف قد تنبه لخطر اليمين وإمكان اشتماله على تلبيس ~~وخداع فذكر فى نفسه عقيب ذلك الاستثناء وهو قوله: «إن شاء الله» - فلا ~~ينعقد يمينه ولا يمتنع عليه الحنث. وإذا حنث لم يلزمه بالحنث حكم أصلا، ~~وهذا حكم كل يمين أردف بكلمة الاستثناء كقوله: «والله لأفعلن كذا إن شاء ~~الله» وكقوله: «إن فعلت كذا فزوجتى طالق إن شاء الله» وما جرى مجراه. # الثانى: أن يؤدى فى يمينه أمرا وينوى خلاف ما يلتمس منه ويضمر خلاف ما ~~يظهر ويكون الإضمار ms114 على وجه يحتمله اللفظ فيدبر بينه وبين الله عز وجل؛ فله ~~أن يخالف ظاهر كلامه ويتبع فيه موجب ضميره ونيته، فإن قيل: الاعتماد فى ~~اليمين على نية المستحلف إذ لو عول على نية الحالف واستثنائه لبطلت الأيمان ~~فى مجالس القضاة ولم يعجز المحلف بين أيديهم عن إضمار نية وإسرار استثناء، ~~وذلك يؤدى إلى إبطال الحقوق، قلنا: القياس أن يكون التعويل على نية الحالف ~~واستثنائه فإنه الحالف، والمحلف عارض عليه اليمين ولكنه حكم باتباع نية PageV01P148 ~~المستحلف مراعاة للحقوق وصيانة لها بحكم الضرورة الداعية إليه وذلك فى ~~المحق فى التحليف الموافق للشرع وموارد التوقيف فيه، فأما المكره ظلما ~~والمخادع عدوانا وغشما، فلا. ويعتبر أمر الحالف معه فى القانون القياسى فى ~~الاعتبار بجانب الحالف لأن سبب العدول إلى اعتبار جانب المستحلف شدة ~~الحاجة، وأى حاجة بنا إلى تسليط الظلمة على تأكيد اليمين على ضعفاء ~~المسلمين بأنواع الخداع والتلبيس! فيجب الرجوع فيه إلى القانون. # الثالث: أن ينظر إلى لفظ الحلف، فإن قال: عليك عهد الله وميثاقه وما أخذ ~~على النبيين والصديقين من العهود، وإن أظهرت السر فأنت بري ء من الإسلام ~~والمسلمين، أو كافر بالله رب العالمين أو جميع أموالك صدقة، لا ينعقد بهذه ~~الألفاظ يمين أصلا. فإنه إن قال: إن فعلت كذا فأنا بري ء من الإسلام ومن ~~الله ورسوله لم تكن هذه يمينا لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف فليحلف ~~بالله أو فليصمت» «1». والحلف بالله أن يقول: تالله وو الله وما يجرى ~~مجراه. وقد استقصينا صريح الأيمان فى فن الفقه، وهذه الألفاظ ليست من ~~جملتها. وكذا قوله: «علي عهد الله وميثاقه وما أخذه الله على النبيين»، ~~فإنه إذا لم يأخذ الله ميثاقهم وعهده لا ينعقد ذلك بقول غيره، والله تعالى ~~لم يأخذ ميثاقهم على كتمان سر الكفار والضلال، ولا هذا العهد مماثل عهد ~~الله فلا يلزم به شي ء، وكذلك لو قال الإنسان: «إن فعلت كذا فأموالى صدقة» ~~- لا يلزمه شي ء إلا أن يقول: «فلله علي أن أتصدق بمالى» وهو ms115 يمين الغضب ~~واللجاج؛ ويخلصه على الرأى المختار كفارة يمين. # الرابع: أن ينظر إلى المحلوف عليه، فإن كان لفظ المحلف فيه ما حكيناه فى ~~نسخة عهودهم وهو قولهم: «تكتم سر ولى الله وتنصره ولا تخالفه» - فليظهر ~~السر مهما أراد ولا يكون حانثا لأنه حلف على كتمان سر ولى الله تعالى وقد كتمه، PageV01P149 ~~وإنما الذي أفشاه سر عدو الله؛ وكذا قولهم: تنصر أقاربه وأتباعه. فكل ذلك ~~يرجع إلى ولى الله ولا يرجع إلى من قصده المحلف لأنه عدو الله لا وليه، ~~فأما إذا عين شخصا بالإشارة أو عرفه باسمه الذي يعرف به وقال: «تكتم سرى» ~~أو قال: «تكتم سر فلان ولى الله» أو «سر هذا الشخص الذي هو ولى الله» - فقد ~~قال قائل: لا يحنث عند إفشاء السر نظرا إلى الصفة وإعراضا عن الإشارة، ~~وقالوا هو كما لو قال: بعت منك هذه النعجة- والمشار إليه رمكة «1» فإنه لا ~~يصح، والمختار عندنا أن الحنث يحصل والإشارة المعرفة المعينة التى لا يتطرق ~~إليها الكذب بحال أعلى وأغلب من الوصف المذكور كذبا على وجه الفضول مع ~~الاستغناء. وليس هذا كما لو قال: والله لأشربن ماء هذه الإداوة «2»، ولا ~~ماء فيها؛ إن اليمين لا تنعقد لأنه لا وجود لمتعلق اليمين. وكذلك لو ترك ~~الإضافة إلى الإداوة وذكر قوله: هذا الماء، وأشار باليد، لم ينعقد لفقد ~~المتعلق هاهنا، ولو اقتصر على قوله: «لا يفشى سر هذا الشخص أوسر زيد» - ~~انعقد وإن سكت عن قوله إنه ولى الله. # ومهما انعقدت اليمين على هذا الوجه فيباح إفشاء السر، بل يجب إفشاء السر ~~ثم تلزم الكفارة كفارة يمين، ويكفيه أن يطعم عشرة مساكين كل مسكين مدا من ~~الطعام. فإن عجز عن هذا: صام ثلاثة أيام «3». وما أهون الخطب فى ذلك! ولا ~~حاجة إلى التأنق فى طلب الحيلة للخلاص من هذا القدر فإنه قريب محتمل، ثم لا ~~يعصى بالحنث لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» «4»؛ ومن حلف على ms116 أن يزنى ولا ~~يصلى وجب عليه الحنث ولزمته الكفارة؛ فهذا جار مجرى ذلك. PageV01P150 # الخامس: إذا ترك الحالف النية والاستثناء وترك المحلف لفظ العهد والميثاق ~~ولفظ ولى الله وأتى بأيمان صريحة بالله وبتعليق الطلاق والعتاق فى مماليكه ~~الموجودين وزوجاته وفيما سيملك من بعد إلى آخر عمره وعلق بالحنث لزوم مائة ~~حجة وصيام مائة سنة وصلاة ألف ألف ركعة والتصدق بألف دينار وما جرى هذا ~~المجرى فطريقه فى اليمين بالله أن يطعم عشرة مساكين أو يصوم عند العجز كما ~~سبق. وهذا أيضا يخلصه عن تعليق الصدقة والحج والصيام والصلاة بالحنث لأن ~~ذلك يمين غضب ولجاج لا يلزم الوفاء بموجبه. وأما تعليق الطلاق والعتق فيما ~~سيملك من النساء والعبيد والإماء- فباطل غير منعقد، فليحنث ولينكح من شاء ~~متى شاء إذ لا طلاق قبل نكاح، ولا عتاق قبل ملك. وإن كان فى ملكه رقيق وخاف ~~من عتقه فطريقه أن يبيعه من أهله أو من ولده أو من صديقه، ثم يفشى السر ثم ~~يستعيده إلى ملكه بالشراء أو الاستيهاب أو بما شاء، ولا يعجز أحد عن صديق ~~يثق بصداقته وأمانته فيبيعه منه ثم يرده عليه مهما أراد. وأما زوجته إن حلف ~~بطلاقها فيخالعها بدرهم معها، أو مع أجنبى، ويفشى السر، ثم يجدد نكاحها ~~فيأمن لحوق الطلاق بعده. # فإن قيل: إن كان قد طلق قبل ذلك تطليقتين ولم تبق له إلا طلقه واحدة، وفى ~~الخلع ما يحرمها عليه إلى أن تنكح زوجا غيره- فما سبيله؟ - قلنا: سبيله أن ~~يقول: مهما وقع عليك طلاقى فأنت طالق قبله ثلاثا، فمهما حنث لا يقع طلاقه، ~~وهذه هى اليمين الدائرة التى تخلص من الحنث وتمنع وقوع الطلاق، فإن قيل: ~~فقد اختلف العلماء فى ذلك وربما لا يرتضى المتورع اقتحام شبهة الطلاق! ~~قلنا: السائل إن كان مقلدا فعليه تقليد المفتى ومتابعته، وعهدة الطلاق يختص ~~بتطوقها المفتى دون المقلد، وإن كان المفتى مجتهدا فعليه موجب اجتهاده، فإن ~~أدى اجتهاده إلى ذلك لم يمنع وقوع الطلاق، فهو مخير بين أن يستبدل بها ~~غيرها أو يسكت ms117 عن إفشاء سرهم فيترك معتقدهم. وليس فى السكوت عن إفشاء ما ~~قالوا موافقة لهم فى الدين، بل الموافقة فى أن يعتقد ما اعتقدوه وأن يعرب ~~عن اعتقاده PageV01P151 ~~ويدعو إليه، فإن صرف ضلالهم ظاهرا وباطنا فليس يلزمه أن ينطق بما سمعه ~~منهم، إذ ليس يتعين حكاية الكفر عن كل كافر. # فهذه طرق الحيل فى الخروج عن اليمين. وذهب بعض الخائضين فى هذا الفن إلى ~~أن الأيمان الصادرة منهم لا تنعقد بحال، وهو كلام يصدر عن قلة البصيرة ~~بالأحكام الفقهية، وإنما الموافق لتصرف الفقه وأحكام الشرع الذي ذكرناه؛ ~~والسلام! PageV01P152 ### | AUTO الباب التاسع فى إقامة البراهين الشرعية على أن الإمام القائم ~~بالحق الواجب على الخلق طاعته فى عصرنا هذا هو الإمام المستظهر بالله «1»، ~~حرس الله ظلاله # والمقصود من هذا الباب: بيان إمامته على وفق الشرع، وأنه يجب على كافة ~~علماء الدهر الفتوى، على البت، والقطع، بوجوب طاعته على الخلق ونفوذ أقضيته ~~بمنهج الحق، وصحة توليته للولاة وتقليده للقضاة، وبراءة ذمة المكلفين عند ~~صرف حقوق الله تعالى إليه، وأنه خليفة الله على الخلق، وأن طاعته على كافة ~~الخلق فرض. # فهذا باب يتعين- من حيث الدين- صرف العناية إلى تحقيقه وإقامة البرهان ~~على منهج الحق وطريقه، فإن الذي يسير إليه كلام أكثر المصنفين فى الإمامة ~~يقتضي ألا نعتقد فى عصرنا هذا وفى أعصار منقضية خليفة غير مستجمع لشرائط ~~الإمامة، متصف بصفاتهم، فتبقى الإمامة معطلة لا قائم بها، ويبقى المتصدى ~~لها متعديا عن شروط الإمامة غير مستحق لها ولا متصف بها وهذا هجوم عظيم على ~~الأحكام الشرعية وتصريح بتعطيلها وإهمالها، ويتداعى إلى التصريح بفساد جميع ~~الولايات وبطلان قضاء القضاة وضياع حقوق الله تعالى وحدوده وإهدار الدماء ~~والفروج والأموال، والحكم ببطلان الأنكحة الصادرة من القضاة فى أقطار ~~الأرض، وبقاء حقوق الله تعالى فى ذمم الخلق؛ فإن جميع ذلك لا يتأدى على وفق ~~الشرع إلا إذا صدر استيفاؤها من القضاة، ومصدر القضاة تولية الإمام، فإن ~~بطلت الإمامة بطلت التولية، وانحلت ولاية القضاة والتحقوا بآحاد الخلق ~~وامتنعت التصرفات فى PageV01P153 ~~النفوس والدماء ms118 والفروج والأموال، وانطوى بساط الشرع بالكلية فى هذه ~~المهمات العظيمة. # فالكشف عن فساد كل مذهب يتداعى إلى هذه العظائم من مهمات الدين وفرائضه؛ ~~إلا أن تقرير ذلك متوعر، وترتيبه مع الاحتراز عن التهدف للإشكالات ~~والاعتراضات متعسر، ونحن بتوفيق الله نكشف الغطاء عنه فنقول: ندعى أن ~~الإمام المستظهر بالله- حرس الله أيامه- هو الإمام الحق الواجب الطاعة، فإن ~~طولنا بإقامة البرهان عليه تدرجنا فى تحقيقه وتلطفنا فى تفهيمه، إلى أن ~~يعترف المستريب فيه بالحق، ويلوح له وجه الصواب والصدق، ونقول: لا بد من ~~إمام فى كل عصر، ولا مترشح للإمامة سواه فهو الإمام الحق إذا، فهذه نتيجة ~~بنيناها على مقدمتين: إحداهما قولنا لا بد من الإمام، والأخرى قولنا: لا ~~يترشح للإمامة سواه. ففى أيهما النزاع؟ فإن قيل: بم تنكرون على من لا يسلم ~~أنه لا بد من إمام، بل يقول: لنا غنية عنه؟ - قلنا: هذا سؤال اتفقنا نحن ~~والباطنية وسائر أصناف المسلمين على بطلانه، فإنهم أجمعوا وتطابقوا على أنه ~~لا بد من إمام؛ وإنما نزاعهم فى التعيين لا فى الأصل. ولم يذهب أحد إلى أن ~~الإمام لا يجب نصبه وأنه يستغنى عنه إلا رجل يعرف بعبد الرحمن بن كيسان ~~«1». ولا يستريب محصل فى بطلان مذهبه وفساد معتقده، وكأننا ننبه المسترشد ~~عليه بمسلكين: الأول هو أن ابن كيسان مسوق فيما يدعيه بإجماع الأمة قاطبة، ~~ولقد هجم بما انتحل من المذهب على خرق الإجماع وتضمخ برذيلة العدول عن سنن ~~الاتباع، فليلاحظ العصر الأول كيف تسارع الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى نصب الإمام وعقد البيعة، وكيف اعتقدوا ذلك فرضا محتوما ~~وحقا واجبا على الفور والبدار وكيف اجتنبوا فيه التوانى والاستئخار حتى ~~تركوا- بسبب الاشتغال به- تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلموا PageV01P154 ~~أنه لو تصرم عليهم لحظة لا إمام لهم فربما هجم عليهم حادثة ملمة وارتبكوا ~~فى حادثة عظيمة تتشتت فيها الآراء، وتختلف فيها الأهواء، ولا يصادفون فيها ~~متبوعا مطاعا يجمع شتات الآراء لانخرم النظام وبطل العصام وتداعت بالانفصام ~~عرى الأحكام. فلأجل ms119 ذلك آثروا البدار إليه، ولم يعرجوا فى الحال إلا عليه. ~~وهذا قاطع فى أن نصب الإمام أمر ضرورى فى حفظ الإسلام. # المسلك الثانى: هو أن نقول: لا يتمارى متدين فى أن الذب عن حوزة الدين ~~والنضال دون بيضته والانتداب لنصرته وحراسته بالمحافظة على نظام أمور جند ~~الإسلام وعدته أمر ضرورى واجب لا بد منه، وأن النظام لا يستمر على الدوام ~~إلا بمترصد يكلأ الخلق بالعين الساهرة، فمهما اشرأبت فئة للثوران وكشرت عن ~~نابها وأشرفت على الاستحكام بادر إلى تطفئتها وحسم غائلها، فإنها لو تركت ~~حتى إذا ثارت اشتغل بتطفئتها العوام والطغام والأفراد والآحاد، لأفضى ذلك ~~إلى التعادى والتضاد، وصارت الأمور شورى، وبقى الناس فوضى مهملين سدى ~~متهافتين على ورطات الردى، مقتحمين فيه مسالك الهوى ومناهج المنى، وعند ذلك ~~تتناقض الإرادات، وتتنازع الشهوات، وتفضى بالآخرة إلى استيلاء الرذائل على ~~الفضائل وتوثب الطغام على علماء الإسلام والأماثل، وتمتد الأيدى إلى ~~الأموال والفروج، وأصبحت الأيدى السافلة عالية. وليس يخفى ما فى ذلك من حل ~~عصام الأمور الدينية والدنيوية، فيتبين بهذا للناظر البصير أن الإمام ضرورة ~~الخلق لا غنية لهم عنه فى دفع الباطل وتقرير الحق. فقد ثبتت هذه المقدمة ~~وهى أن الإمام لا بد منه، فإن قيل: وبم تنكرون على من ينازع فى المقدمة ~~الثانية- وهى قولكم: لا يترشح للإمامة سواه؟ فإن الباطنية يدعون الخلق إلى ~~مترشح لها غير ما إليه دعوتكم، فكيف تستتب لكم هذه الدعوى؟ # قلنا: لا ننكر دعوى بعض المدعين للإمامة بغير استحقاق، ولكنا نقول: إذا ~~بطل ما تدعيه الباطنية تعينت الإمامة لمن يدعيها، وحصل ما نرومه ونبتغيه. ~~فإنه إذا لم يكن بد من إمام وفاقا، وثبت أن الإمامة لا تعدو شخصين، وثبت ~~بطلان الإمامة PageV01P155 ~~فى حق واحد لم تبق ريبة فى ثبوتها للثانى، والمسالك الدالة على إبطال ~~الإمامة التى تدعيها الباطنية وترجيح الإمامة التى ندعيها أكثر من أن تدخل ~~تحت الحصر، فلسنا نسلك فيه مسلك الاستقصاء، ولكنا نقتصر على دليلين واقعين ~~قاطعين تقر بهما كل عين، ويشترك فى دركهما الفطن ms120 والغبى والمحنك والصبى، ~~والمعاند المنصف، والمقتصد والمتعسف. # الأول: هو أن عصام شرائط الإمامة صحة العقيدة وسلامة الدين، ولقد حكينا ~~عن مذهب الباطنية وصاحبهم ما اقتضى أدنى درجاته التبديع والتضليل، وأعلاه ~~التكفير والتبرى، وذلك فى إثباتهم إلهين قديمين، على ما أطبق عليه جميع فرقهم. # والثانى: فى إنكارهم الحشر والنشر والجنة والنار وجملة ما اشتمل عليه وعد ~~القرآن ووعيده بفنون من التأويلات باطلة، وذلك مما نعلم أنه لو ذكر شي ء ~~منه فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة بعده لبادروا إلى ~~حز الرقبة ولم يتماروا أنه صريح التكذيب لله ولرسوله، فمن كذب الله فى ~~وحدانيته ولم يصدق بالآيات الواردة فى التوحيد ولم يصدق بالقيامة والبعث ~~والنشور كيف يصلح أن ينتصب منصب الإمامة وأن يناط به عرى الإسلام؟! وهذا ~~المسلك يتحققه الناظر إذا تصفح ثم رجع إلى مذاهبهم التى ذكرناها فى إبطاله، ~~فصح له بمجموع النظرين ما ذكرناه من اختلال الدين وفساد العقيدة. وأنى يصح ~~للإمامة من فيه مثل هذه الرذيلة! # المسلك الثانى: أنا نسلم جدلا- على سبيل التبرع والتقرير لمورد هذا ~~السؤال- أن صاحب الباطنية صالح للإمامة بصفاء الاعتقاد وصحة الدين وحصول ~~سائر الشروط، فمسلك الترجيح غير منحسم، فإن الإمامة التى ندعيها أجمع عليها ~~أئمة العصر وعلماء الدهر، بل جماهير الخلق وأقاليم الأرض فى أقصى المشرق ~~وفى أقصى المغرب حتى تطوق الطاعة له والانقياد لأمره كل من على بسيط الأرض ~~إلا شرذمة الباطنية، ولو جمع قضهم وقضيضهم وصغيرهم وكبيرهم لم يبلغ عددهم PageV01P156 ~~عدد من أهل بلدة واحدة من متبعى الإمامة العباسية، فكيف إذا قيسوا بأهل ~~ناحية أو بأهل إقليم أو بكافة من على وجه الأرض من منتحلى الإمام! أفيتمارى ~~المنصف فى أن الغلاة من الباطنية على أهل الحق لو جمع منهم الصغير والكبير ~~لم يبلغ عشر العشير من ناصرى هذه الدولة القاهرة ومتبعى هذه العصابة ~~المحقة؟! وإذا كانت الإمامة تقوم بالشوكة، وإنما تقوى الشوكة بالمظاهرة ~~والمناصرة والكثرة فى الاتباع والأشياع وتناصر أهل الاتفاق والاجتماع فهذا ~~أقوى مسلك من مسالك الترجيح. ms121 # وهذا بعد أن أعطيناهم بطريق المسامحة والتبرع صحة دينهم ووجود شروط ~~الإمامة فى صاحبهم. # فإن قيل: ليس ينكر منكر كثرة هذه العصابة بالإضافة إليهم، ولكن الحق لا ~~يتبع الكثرة، فإن الحق خفى لا يستقل بدركه إلا الأقلون، والباطل جلي يبادر ~~إلى الانقياد له الأكثرون. وأنتم فقد بنيتم الترجيح على قيام الشوكة بكثرة ~~الأنصار والأشياع، وهذا إنما يستقيم لو كانت الإمامة فى أصلها تنعقد ~~باجتماع الخلق على الطاعة، فإن ذلك لا يرجح عند التجويز والاختلاف بالكثرة، ~~وليس الأمر كذلك، بل الإمامة إنما تنعقد عند التجويز والاختلاف بالكثرة، ~~وليس الأمر كذلك، بل الإمامة إنما تنعقد عند الباطنية بالنص، والمنصوص عليه ~~محق بويع أو لم يبايع، قل مبايعوه أو كثروا؛ والمخالف له مبطل ساعدته دولته ~~فكثر بسببها أتباعه أو لم تساعده، فمن أى وجه يصح الاستدلال بكثرة الأتباع؟ ~~- قلنا: إنما يستبين وجه دلالة الكثرة من فهم مأخذ الإمامة، وقد بان أنها ~~ليست مأخوذة من النص كما قدرناه فى الباب السابع ونبهنا على حماقة من يدعى ~~تواتر النص من كل واحد منهم على ولده، بل بينا جهل من يدعى ذلك فى علي رضى ~~الله عنه. فإن ذلك لو كان لاستدل به على ولم يعجز عن إظهاره ولا رضى به؛ ~~فهو الذي جر العساكر والجنود فى زمان معاوية حتى قتل من أبطال الإسلام فى ~~تلك المعارك ألوف ولم يكترث بقتلهم، فما الذي كان نزعه وأشياعه عن ~~الاستدلال بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بينا أن ذلك يقابله دعوى ~~البكرية فى النص على أبى بكر- رضى الله عنه! - ودعوى PageV01P157 ~~الروندية «1». فى النص على العباس رضى الله عنه!، فإذا بطل تلقى الإمامة من ~~النص لم يبق إلا الاختيار من أهل الإسلام والاتفاق على التقديم والانقياد، ~~وعند ذلك يبين أنه مهما وقع الاتفاق على نصب واحد كما اتفقوا فى بداية ~~إمامة العباسية فمن طمح إلى طلبها لنفسه كان باغيا، فإنهم لو اختلفوا فى ~~مبدأ الأمر وجب الترجيح بالكثرة فى ذلك عند تقابل العدد وتقاربهم، فكيف إذا ~~أطبق ms122 كل من شرقت عليهم الشمس شارقة وغاربة، لم يخالفهم إلا فئة معدودة ~~وشرذمة يسيرة لا يؤبه ولا يعبأ بهم لشذوذهم بالإضافة إلى الخلق الكثير ~~والجم الغفير الذين هم فى مقابلتهم ولا عشر العشر من أعشارهم وما هم إلا ~~كالحسوة «2» فى البحر الزاخر والموج المتلاطم. # فإن قيل: وبم تنكرون على من يقول: لا مأخذ للإمامة إلا النص أو الاختيار، ~~فإذا بطل الاختيار ثبت النص؟ ويدل على بطلان الاختيار أنه لا يخلو إما أن ~~يعتبر فيه إجماع كافة الخلق، أو إجماع كافة أهل الحل والعقد من جملة الخلق ~~فى جميع أقطار الأرض، أو يعتبر إجماع أهل البلد الذي يسكنه الإمام ويقدر ~~بإجماع عشرة أو خمسة أو عدد مخصوص، أو يكتفى بمبايعة شخص واحد، وباطل أن ~~يعتبر فيه إجماع كافة الخلق فى جميع أقطار الأرض، فإن ذلك غير ممكن ولا ~~مقدور لأحد من الأئمة، ولا فرض ذلك أيضا فى الأعصار الخالية للأئمة ~~الماضين، وباطل أن يعتبر إجماع جميع أهل الحل والعقد فى جميع أقطار الأرض، ~~لأن ذلك مما يمتنع أو يتعذر تعذرا يفتقر فيه إلى انتظار مدة عساها تزيد على ~~عمر الإمام، فتبقى الأمور فى مدة الانتظار مهملة؛ ولأنه لما عقدت البيعة ~~لأبى بكر- رضى الله عنه! - لم ينتظر انتشار الأخبار إلى سائر الأمصار، ولا ~~تواتر كتب البيعة من أقاصى الأقطار، بل PageV01P158 ~~اشتغل بالإمامة وخاض فى القيام بموجب الزعامة محتكما فى أوامره ونواهيه على ~~الخاصة والعامة، إذا بطل اشتراط إجماع كافة الخلق وكافة أهل الحل والعقد ~~فالتخصيص بعد ذلك تحكم، إذ ليس من يشترط باتفاق أهل بلدة بأولى ممن يكتفى ~~بأهل محلة أو قرية أو لم يشترط اتفاق أهل ناحية أو إقليم، ومن لا يشترط ~~إجماع أربعين أو خمسة أو أربعة أو اثنين بأولى من غيره من الأعداد، وهذه ~~المقدرات قد ذهب إلى التحكم بها ذاهبون بمجرد التشهى من غير مستند، فلا ~~يبقى إلا الاكتفاء ببيعة شخص واحد وفى الأشخاص كثرة، وأحوالهم متعارضة، ولا ~~يترجح شخص على شخص إلا بالعصمة، فيجب أن يكون إذا ms123 مولى العهد واحدا، وليكن ~~ذلك الشخص معصوما وهو معتقدنا، وعند هذا لا تنفع الكثرة فى المخالفين لذلك ~~الواحد المتميز عن غيره، فإذا لا معتصم فى الكثرة التى تعلقتم بها. # قلنا: نعم! لا مأخذ للإمامة إلا النص، أو الاختيار، ونحن نقول: مهما بطل ~~النص ثبت الاختيار، وقولهم إن الاختيار باطل لأنه لا يمكن اعتبار كافة ~~الخلق ولا الاكتفاء بواحد، ولا التحكم بتقدير عدد معين بين الواحد والكل، ~~فهذا جهل بمذهبنا الذي نختاره ونقيم البرهان على صحته، والذي نختاره أنه ~~يكتفى بشخص واحد يعقد البيعة للإمام مهما كان ذلك الواحد مطاعا ذا شوكة لا ~~تطال ومهما كان مال إلى جانب مال بسببه الجماهير ولم يخالفه إلا من لا ~~يكترث بمخالفته، فالشخص الواحد المتبوع المطاع الموصوف بهذه الصفة إذا بايع ~~كفى، إذ فى موافقته موافقة الجماهير، فإن لم يحصل هذا الغرض إلا لشخصين أو ~~ثلاثة فلا بد من اتفاقهم، وليس المقصود أعيان المبايعين، وإنما الغرض قيام ~~شوكة الإمام بالأتباع والأشياع، وذلك يحصل بكل مستول مطاع. ونحن نقول: لما ~~بايع عمر أبا بكر- رضى الله عنهما! - انعقدت الإمامة له بمجرد بيعته؛ ولكن ~~لتتابع الأيدى إلى البيعة بسبب مبادرته، ولو لم يبايعه غير عمر وبقى كافة ~~الخلق مخالفين، أو انقسموا انقساما متكافئا لا يتميز فيه غالب عن مغلوب لما ~~انعقدت الإمامة، فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وانصراف القلوب إلى ~~المشايعة ومطابقة البواطن PageV01P159 ~~والظواهر على المبايعة، فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء ~~فى مصطدم تعارض الأهواء، ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة ~~المتنافرة على متابعة رأى واحد إلا إذا ظهرت شوكته وعظمت نجدته وترسخت فى ~~النفوس رهبته ومهابته، ومدار جميع ذلك على الشوكة، ولا تقوم الشوكة إلا ~~بموافقة الأكثرين من معتبرى كل زمان. # فإذا بان أن هذا مأخذ الإمامة، فليس يتمارى فى أن الجهة الشريفة التى ~~ننصرها قد صرف الله وجوه كافة الخلق إليها وجبل قلوبهم على حبها، ولذلك ~~قامت الشوكة له فى أقطار الأرض، حتى لو ظهر باغ يظهر خلافا فى هذا ms124 الجناب ~~الكريم، ولو بأقصى الصين أو المغرب، لبادروا إلى اختطافه وتطهير وجه الأرض ~~منه، متقربين إلى الله تعالى. # وقد لاح لك الآن كيف ترقينا من هذه المغاصة المظلمة، وكيف دفعنا ما أشكل ~~على جميع جماهير النظار من تعيين المقدار فى عدد أهل الاختيار، إذ لم نعين ~~له عددا، بل اكتفينا بشخص واحد يبايع، وحكمنا بانعقاد الإمامة عند بيعته، ~~لا لتفرده فى عينه، ولكن لكون النفوس محمولة على متابعته ومبايعة من أذعن ~~هو لطاعته، وكان فى متابعته قيام قوة الإمام وشوكته، وانصراف قلوب الخلائق ~~إلى شخص واحد أو شخصين أو ثلاثة على ما تقتضيه الحال فى كل عصر، ليس أمرا ~~اختياريا يتوصل إليه بالحيلة البشرية، بل هو رزق إلهى يؤتيه الله من يشاء، ~~فكأنا فى الظاهر رددنا تعيين الإمامة إلى اختيار الله تعالى ونصبه؛ إلا أنه ~~قد يظهر اختيار الله عقيب متابعة شخص واحد أو أشخاص. وإنما المصحح لعقد ~~الإمامة انصراف قلوب الخلق لطاعته والانقياد له فى أمره ونهيه، وهذه نعمة ~~وهدية من الله تعالى. فإذا أتاحها لعبد من عباده وصرف إلى محبته وجوه أكثر ~~خلقه، كان ذلك من الله تعالى لطفا فى اختياره لخلافته وتعيينه للاقتداء ~~بأوامره فى تفقد عباده، وذلك أمر لا يقدر كل البشر على الاحتيال لتحصيله. PageV01P160 # فلينظر الناظر إلى مرتبة الفريقين إذا نسبت الباطنية أنفسها إلى أن نصب ~~الإمام عندهم من الله تعالى، وعند خصومهم من العباد، ثم لم يقدروا على بيان ~~وجه نسبة ذلك إلى الله تعالى إلا بدعوى الاختراع على رسوله فى النص على ~~علي، ودعوى بقاء ذلك فى ذريته بقاء كل خلف لكل واحد، ودعوى تنصيصه على أحد ~~أولاده بعد موته، إلى ضروب من الدعاوى الباطلة، ولما نسبونا إلى أنا ننصب ~~الإمام بشهوتنا واختيارنا، ونقموا ذلك منا، كشفنا لهم بالآخرة أنا لسنا ~~نقدم إلا من قدمه الله، فإن الإمامة عندنا تنعقد بالشوكة، والشوكة تقوم ~~بالمبايعة، والمبايعة لا تحصل إلا بصرف الله تعالى القلوب قهرا إلى الطاعة ~~والموالاة، وهذا لا يقدر عليه البشر، ويدلك عليه ms125 أنه لو أجمع خلق كثير لا ~~يحصى عددهم على أن يصرفوا وجوه الخلق وعقائدهم عن الموالاة للإمامة ~~العباسية عموما، وعن المشايعة للدولة المستظهرية- أيدها الله بالدوام! - ~~خصوصا، لأفنوا أعمارهم فى الحيل والوسائل وتهيئة الأسباب والوصائل ولم ~~يحصلوا فى آخر الأمور إلا على الخيبة والحرمان. # فهذا طريق إقامة البرهان على أن الإمام الحق هو أبو العباس أحمد المستظهر ~~بالله- حرس الله ظلاله فى هذا العصر- ولم يبق إلا حسم مطاعن المنكرين فى ~~دعواهم اختلال شرائط الإمامة وفوات صفات الأئمة، وها نحن نبين وجه الحق فيه ~~فى معرض سؤال وجواب. # فإن قال قائل: ما ذكرتموه من الترجيح وتعيين هذه الجهة الكريمة لمن يستحق ~~الإمامة إنما يستتب إذا أظهرتم وجود شرائط الإمامة وصفات الأئمة؛ ولها شروط ~~كثيرة لا تنعقد دون شروطها، بل لو تطرق الخلل إلى شرط من شرائطها امتنع ~~انعقادها، ففصلوا الشروط وبينوا تحققها حتى نسلم لكم ثبوت الإمامة ونبطل ~~مذهب القائلين بأن هذا العصر والأعصار الخالية القريبة كانت خالية عن ~~الإمام لفقد شروط الإمامة فى المترشحين لها. # الجواب: إن الذي عد علماء الإسلام من صفات الأئمة وشروط الإمامة تحصرها ~~عشر صفات: ست منها خلقية لا تكتسب، وأربع منها تكتسب أو يفيد PageV01P161 ~~الاكتساب فيها مزيدا، فأما الست الخلقية فلا شك فى حضورها، ولا تتصور ~~المجاحدة فى وجودها: الأولى: البلوغ- فلا تنعقد الإمامة لصبى لم يبلغ؛ ~~الثانية: العقل- فلا تنعقد لمجنون، فإن التكليف ملاك الأمر وعصامه، ولا ~~تكليف على صبى ومجنون؛ الثالثة: الحرية- فلا تنعقد الإمامة لرقيق، فإن منصب ~~الإمامة يستدعى استغراق الأوقات فى مهمات الخلق، فكيف ينتدب لها من هو ~~كالمفقود فى حق نفسه الموجود لمالك يتصرف تحت تدبيره وتسخيره! كيف وفى ~~اشتراط نسب قريش ما يتضمن هذا الشرط، إذ ليس يتصور الرق فى نسب قريش بحال ~~من الأحوال. الرابعة: الذكورية- فلا تنعقد الإمامة لامرأة وإن اتصفت بجميع ~~خلال الكمال وصفات الاستقلال. وكيف تترشح امرأة لمنصب الإمامة، وليس لها ~~منصب القضاء، ولا منصب الشهادة فى أكثر الحكومات! الخامسة: نسب قريش لا بد ~~منه لقوله صلى الله عليه وسلم: الأئمة ms126 من قريش، واعتبار هذا مأخوذ من ~~التوقيف ومن إجماع أهل الأعصار الخالية على أن الإمامة ليست إلا فى هذا ~~النسب، ولذلك لم يتصد لطلب الإمامة غير قرشى فى عصر من الأعصار مع شغف ~~الناس بالاستيلاء والاستعلاء وبذلهم غاية الجهد والطاقة فى الترقى إلى منصب ~~العلى، ولذلك لما هم المخالفون بمصر «1» لطلب هذا الأمر ادعوا أولا لأنفسهم ~~الاعتزاء إلى هذا النسب، علما منهم بأن الخلق متطابقون على اعتقادهم ~~لانحصار الإمامة فيهم. السادسة: سلامة حاسة السمع والبصر- إذ لا يتمكن ~~الأعمى والأصم من تدبير نفسه، فكيف يتقلد عهدة العالم! ولذلك لم يستصلحا ~~لمنصب القضاء، وأضاف مصنفون إلى PageV01P162 ~~هذا اشتراط السلامة من البرص والجذام والزمانة وقطع الأطراف وسائر العيوب ~~الفاحشة المنفرة، وأنكره منكرون وقالوا لا حاجة إلى وجود السلامة من هذه ~~الأمراض؛ فإن التكفل بأمور الخلق والقيام بمصالحهم لا تستدعيها، ولم يرد من ~~الشارع توقيف وتعبد فيها، وليس من غرضنا بيان الصحيح من المذهبين، وإنما ~~المقصود أن هذه الصفات الست غريزية لا يمكن اكتسابها، وهى بجملتها حاضرة ~~حاصلة فلا تثور منها شبهة المعاندة. # أما الصفات الأربع المكتسبة، وهى النجدة والكفاية والعلم والورع، فقد ~~اتفقوا على اعتبارها. ونحن نبين وجود القدر المشروط لصحة الإمامة فى الإمام ~~المستظهر بالله أمير المؤمنين ثبت الله دولته، وأن إمامته على وفق الشرع، ~~وأنه يجب على كل مفت من علماء الدهر أن يفتى على القطع بوجوب طاعته على ~~الخلق ونفوذ أقضيته بالحق، وبصحة توليته للولاة، وتقليده للقضاة، وصرف حقوق ~~الله إليه ليصرفها إلى مصارفها ويوجهها إلى مظانها ومواقعها. ونتكلم فى هذه ~~الصفات الأربع على الترتيب: ### || AUTO القول فى الصفة الأولى وهى النجدة # فنقول: مراد الأئمة بالنجدة ظهور الشوكة، وموفور العدة، والاستظهار ~~بالجنود، وعقد الألوية والبنود، والاستمكان- بتضافر الأشياع والأتباع- من ~~قمع البغاة والطغاة ومجاهدة الكفرة والعتاة وتطفئة نائرة «1» الفتن وحسم ~~مواد المحن قبل أن يستظهر شررها وينتشر ضررها، هذا هو المراد بالنجدة، وهى ~~حاصلة لهذه الجهة المقدسة، فالشوكة فى عصرنا هذا من أصناف الخلائق للترك ~~«2»، وقد أسعدهم الله تعالى بموالاته ومحبته حتى ms127 إنهم يتقربون إلى الله ~~بنصرته وقمع أعداء PageV01P163 ~~دولته، ويتدينون باعتقاد خلافته وإمامته ووجوب طاعته، كما يتدينون بوجوب ~~أوامر الله وبتصديق رسله فى رسالته، فهذه نجدة لم يثبت مثلها لغيره، فكيف ~~يتمارى فى نجدته؟ # فإن قيل: كيف تحصل نجدته بهم وإنا نراهم يتهجمون على مخالفة أوامره ~~ونواهيه، ويتعدون الحدود المرسومة لهم فيه، وإنما تحصل الشوكة بمن يتردد ~~تحت الطاعة على حسب الاستطاعة؛ وهؤلاء فى حركاتهم لا يترددون إلا خلف ~~شهواتهم؛ وإذا هاج لهم غضب أو حركتهم شهوة أو أوغر صدورهم ضغينة لم يبالوا ~~بالاتباع ولم يعرفوا إلا الرجوع إلى ما جبلوا عليه من طباع السباع، فكيف ~~تقوم الشوكة بهم؟ # قلنا: هذا سؤال فى غاية الركاكة، فإن الطاعة المشروطة فى حق الخلق لقيام ~~شوكة الإمام لا تزيد على الطاعة المشروطة على الأرقاء والعبيد فى حق ~~ساداتهم، ولا على الطاعة المفروضة على المكلفين لله ورسوله، وأحوال العبيد ~~فى طاعة سيدهم وأحوال العباد فى طاعة ربهم لا تنفك عن الانقسام إلى موافقة ~~ومخالفة. # فلما انقسم المكلفون إلى المطيعين والعصاة، ولم ينسلخوا به عن إهاب ~~الإسلام، ولا انسلوا به عن ربقته ما داموا معتقدين أن الطاعة لله مفروضة ~~وأن المخالفة محرمة ومكروهة، فهذا حال الجد فى الطاعة لصاحب الأمر، فإنهم ~~وإن خالفوا أمرا من الأوامر الواجبة الطاعة اعتقدوا المخالفة إساءة ~~والموافقة حسنة، ولذلك تراهم لا يغيرون العقيدة عن الموالاة ولو قطعوا ~~إربا، وما من شخص يقدر مخالفته فى أمر من الأمور إلا وهو بعينه إذا انتهى ~~إلى العتبة الشريفة صفع على الأرض خاضعا وعفر خده فى التراب متواضعا، ووقف ~~وقوف أذل العبيد على بابه، وانتهض ماثلا على رجليه عند سماع خطابه، ولو ~~نبغت نابغة فى طرف من أطراف الأرض على معاداة هذه الدولة الزاهرة لم يكن ~~فيهم أحد إلا ويرى النضال دون حوزتها جهادا فى سبيل الله نازلا منزلة جهاد ~~الكفار، فأية طاعة فى عالم الله تزيد على هذه الطاعة! وأية شوكة فى الدنيا ~~تقابل هذه الشوكة! وليت شعرى لم لا يتذكر PageV01P164 ~~الباطنية عند إيراد ms128 هذا السؤال ما جرى لعلى- رضى الله عنه! - من اضطراب ~~الأحوال وتخلف أشياعه عنه فى القتال ومخالفتهم لاستصوابه فى أكثر الأقوال ~~والأفعال، حتى كان لا تنفك خطبة من خطبه عن شكايتهم فى الإعراض عنه ~~والاستبداد برأيهم، حتى كان يقول «1»: «لا رأى لمن لا يطاع»؟ فإذا كانت ~~تقوم شوكته باتباع الأكثر من أتباعه من انتصاب من انتصب لمخالفته، فكيف لا ~~تقوم الشوكة فى زماننا هذا، والحال على ما ذكرنا؟! فإن قيل: كان علي- رضى ~~الله عنه! - يتولى الأمر بنفسه ويباشر الحروب ويتبرج «2» للخلق ولا يحتجب ~~عنهم، قلنا: ومن الذي شرط فى الإمامة مباشرة الأمور وتعاطيها بنفسه؟! نعم، ~~لا حرج عليه لو باشر بنفسه، فإذا استغنى بجنوده وأتباعه عن المقاساة للحرب ~~بنفسه جاز له الاقتصار على مجرد الرأى والتدبير إذا روجع فى الأمور القريبة ~~منه ومن قطره والتفويض إلى ذوى الرأى الموثوق ببصيرتهم فى الأمور البعيدة ~~عنه، وهذا الآن فى عصرنا مستغنى عنه، فقد سخر الله رجال العالم وأبطالهم ~~لموالاة هذه الحضرة وطاعتها حتى تبددوا فى أقطار الدنيا، كما نشاهد ونرى. ~~فليس وراء هذه الشوكة أمر يشترط وجوده لصحة الإمامة. # فإن قيل: وما بالكم تنظرون إلى هؤلاء ولا تنظرون إلى جنود المخالفين، وهم ~~أيضا مستظهرون بشوكة على مخالفة هذه الشوكة؟ - قلنا: مهما كانت الكثرة من ~~هذا الجانب لم تقدح مخالفة المخالفين، أفترى لم لم ينظر الباطنى إلى شوكة ~~معاوية وعدته ومقاومته لعلى بجنوده وأنصاره؛ فكيف لم يشترط فى صحة الإمامة ~~أن تصفو له جوانب الدنيا عن قذى المخالفة؟ ولو شرط هذا فى الإمامة لم تنعقد ~~الإمامة لأحد قط من مبدأ الأمر إلى زماننا هذا؟ فقد اتضح أن المشروط من هذه ~~الصفة موجود وزيادة. PageV01P165 ### || AUTO القول فى الصفة الثانية وهى الكفاية # ومعناها التهدى لحق المصالح فى معضلات الأمور، والاطلاع على المسلك ~~المقتصد عند تعارض الشرور، كالعقل الذي يميز الخير عن الشر وينصف به ~~الجمهور، وإنما العزيز المعون عقلا يعرف خير الخيرين وشر الشرين، وذلك أيضا ~~فى الأمور العاجلة وهى هينة قريبة؛ وإنما الملتبس عواقب الأمور ms129 المخطرة ولن ~~يستقل بها إلا مسدد للتوفيق من جهة الله تعالى. # ونحن نقول: إن هذه الصفة حاصلة، فإن أسبابها متوافرة، فإنها مهما حصل من ~~غريزة العقل وانفك عن العته والخبل كان الوصول إلى درك عواقب الأمور بطريق ~~الظن والحدس مبنيا على ركنين: أحدهما الفكر والتدبير، وشرطه الفطنة ~~والذكاء، وهذه خصلة تميز فيها المنصور إمامته والمفروض طاعته عن النظراء ~~بمزيد النفاذ والمضاء حتى صار أكابر العقلاء يتعجبون فى معضلات الوقائع من ~~رأيه الصائب، وعقله الثاقب وتفطنه للدقائق يشذ عن درك المحنكين من ذوى ~~التجارب، وهذه صفة غريزية، وهى من الله تحفة وهدية. # والركن الثانى: الاستضاءة بخاطر ذوى البصائر واستطلاع رأى أولى التجارب ~~على طريق المشاورة، وهى الخصلة التى أمر الله بها نبيه إذ قال: وشاورهم في ~~الأمر [آل عمران: 159] ثم شرطه أن يكون المستشار مميزا بين المراتب عارفا ~~للمناصب معولا على رأى من يوثق بدهائه وكفايته ومضائه وصرامته وشفقته ~~وديانته، وهذا هو الركن الأعظم فى تدبير الأمور، فإن الاستبداد بالرأى، وإن ~~كان من ذوى البصائر، مذموم ومحذور، وقد وفق الله الإمام بتفويض مقاليد أمره ~~إلى وزيره الذي لم يقطع ثوب الوزارة إلا على قده حتى استظهر بآرائه السديدة ~~فى نوائب الزمان ومعضلات الحدثان ومراعاة مصالح الخلق فى حفظ نظام الدين ~~والملك، وهو الجامع للصفات التى شرطها الشرع والعقل فى المدبر والمشير، من PageV01P166 ~~متانة الدين ونقاية الرأى وممارسة الخطوب ومقاساة الشدائد فى طوارق الأيام، ~~ورزانة العقل والعطف على الخلق والتلطف بالرعية، وبمجموع هذين الأمرين يفهم ~~مطلوب الكفاية، فإن مقصودها إقامة تناظم الأمور الدينية والدنيوية، وهذه ~~قضية يستدل على وجودها بمشاهدة الأحوال والأفعال، فلينظر المنصف كيف عالج ~~معضلات الزمان بحسن رأيه، لما استأثر الله بروح الإمام المقتدى وأمتع كافة ~~الخلق بالإمامة الزاهرة المستظهرية، وقد وافق وفاته إحداق العساكر بمدينة ~~السلام وازدحام أصناف الجند على حافتها، والزمان زمان الفترة، والدنيا ~~طافحة بالمحن متموجة بالفتن، والسيوف مسلولة فى أقطار الأرض، والاضطراب عام ~~فى سائر البلاد لا يسكن فيها أوار الحرب، ولا تنفك عن الطعن والضرب؛ ms130 وامتدت ~~أطماع الجند إلى الذخائر ففغروا أفواههم نحو الخزائن، وكان يتداعى إلى ~~تغيير الضمائر وثور الأحقاد والضغائن، فلم يزل بدهائه وذكائه وحسن نظره ~~ورأيه مراعيا لنظام الأمر، مترددا بين اللطف والعنف حتى انعقدت البيعة ~~وانتشرت الطاعة، وأذعنت الرقاب واتسقت الأسباب وانطفأت الفتن الثائرة وظل ~~ظل الخلافة بحسن تدبيره وبرأى وزيره ممدودا، وأصبح لواء النصر بحسن مساعية ~~معقودا، وطريق الفساد بهيبته مسدودا، وأضحت الرعايا فى رعايته وادعة، وصارت ~~عين الحوادث بحسن كلاءته عن مدينة السلام هاجعة، فليت شعرى هل تكسب مثل هذه ~~العظائم إلا بكمال الكفاية ونباهة الحزم والهداية! وهل يستدل على كفاية ~~الملوك بشي ء سوى انتظام التدبير وحسن الرأى فى اختيار المشير والوزير؟! ~~فليس يعتبر فى صحة الإمامة من صفة الكفاية إلا ما يسر الله سبحانه له أضعاف ~~ذلك، فليقطع بوجود هذه الشريطة أيضا مضمومة إلى سائر الشرائط. ### || AUTO القول فى الصفة الثالثة وهى: الورع # وهذه هى أعز الصفات وأجلها وأولاها بالرعايات، وأجدرها وهو وصف ذاتى لا ~~يمكن استعارته ولا والوصل إلى تحصيله من جهة الغير؛ أما النجدة فتحصيلها PageV01P167 ~~من الغير لا محالة، والهداية وإن اعتمدت على غزارة العقل ففوائدها يمكن ~~فيها الاستعارة بطريق المراجعة والاستشارة، والعلم أيضا يمكنه تحصيله ~~بالاستفتاء واستطلاع رأى العلماء؛ والورع هو الأساس والأصل، وعليه يدور ~~الأمر كله. ولا يغنى فيه ورع الغير، وهو رأس المال ومصدر جملة الخصال، ولو ~~اختل هذا- والعياذ بالله! - لم يبق معتصم فى تحقيق الإمامة، فالحمد لله ~~الذي زين أحوال الإمام الحق المنصور إمامته، بالورع والتقوى حتى أو فى فيه ~~على الغاية القصوى فتميز بمتانة الدين وصفاء العقل واليقين فى جماهير ~~الخلفاء، حتى ظهر من أحواله، منذ تجمل صدر الخلافة بجماله، من إفاضة ~~الخيرات والعطف على الرعايا وذوى الحاجات وقطع العمارات التى كانت العادة ~~جارية بالمواظبة عليها، كل ذلك إضرابا عن عمارة الدنيا وإكبابا على ما ظهر ~~من عمارة الدين؛ هذا مع ما ظهر من سيرته فى خاصة حالته، من لبس الثياب ~~الخشنة واجتناب الترفه والدعة، والمواظبة على العبادات، ومهاجرة الشهوات ms131 ~~واللذات، استحقارا لزخارف الدنيا، وتوقيا من ورطات الهوى، والتفاتا إلى حسن ~~المآب فى العقبى، فهو على التحقيق الشاب الذي نشأ فى عبادة الله، هذا كله ~~فى عنفوان السن وغرة من الشباب وبداية الأمر، ينبه العقلاء لما سينتهى إليه ~~الحال إذا قارب سن الكمال: # إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا # والله تعالى يمده بأطول الأعمار وينشر أعلامه فى أقاصى الديار. # فإن قال قائل: كيف تجاسرتم على دعوى التقوى والورع، ومن شرطه التجرد عن ~~الأموال حتى لا يأخذ قيراطا إلا من حله، ولا يدعه إلا فى مظنة استحقاقه، ~~وقد قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» «1». ~~وليس يتم الورع بالمواظبة على الفرائض واجتناب الموبقات والكبائر، بل عماد ~~هذا الأمر العدل واجتناب PageV01P168 ~~الظلم فى طرفى الإعطاء والأخذ، فإن ادعيتم حصول هذا الشرط نفرت القلوب عن ~~التصديق؛ وإن اعترفتم باختلال الأمر فيه انخرم ما ادعيتموه من حصول الورع ~~والتقوى. # قلنا: هذا السؤال نكسر أولا سورته، ثم ننبه على سر هو منتهى الإنصاف ~~فنقول: إن صدر الاعتراض عن باطنى فلعله لو راجع صاحبه الذي يواليه واستقرى ~~ما شاهده من هذه الأحوال فيه، افتضح فى دعاويه، وكان الحياء خيرا له مما ~~يورده ويبديه، وإن صدر السؤال عن أحد علماء العصر الذين يعتقدون خلو الزمان ~~عن الإمام لفقد شرطه، فيقال له: هون على نفسك، فإن دعوى وجود هذا الشرط غير ~~مستبعدة؛ فإن الأموال المنصوبة إلى الخزائن المعمورة أربعة أصناف: الصنف ~~الأول ارتفاع المستغلات، وهى مأخوذة من أموال موروثة له، والصنف الثانى ~~أموال الجزية، وهى من أطيب ما يؤخذ. والصنف الثالث: أموال التركات، ولم ~~يعهد منه قط إلى الآن الطمع فى تركة يتعين لاستحقاقها وارث، ومن لا وارث له ~~فمنصبه بيت المال؛ الصنف الرابع: أموال الخراج المأخوذة من أرض العراق، ~~ومذهب الشافعى وطوائف من العلماء أن أرض العراق وقف- وهى من عبادان إلى ~~الموصل طولا، ومن القادسية إلى حلوان عرضا «1»، إنه وقفها عمر رضى الله عنه ~~على المسلمين ليكون جميع ms132 خراجها منصبا إلى بيت المال ومصالح المسلمين، فهذه ~~هى الأموال المأخوذة، وأخذها جائز، ويبقى النظر فى مصارفها، وهى مع اختلاف ~~جهاتها تحويها أربع جهات، وفيها تنحصر مصالح الإسلام والمسلمين: # الجهة الأولى: المرتزقة من جند الإسلام، إذ لا بد من كفايتهم، وأكثرهم فى ~~هذا العصر مكفيون بثروتهم واستظهارهم، ومقتدرون على كفاية غيرهم؛ ومع ذلك ~~فقد أمدهم الرأى الشريف النبوى فى هذه الأيام مدة مقام العسكر بمدينة PageV01P169 ~~السلام بأموال استفرغ فيها الخزائن، وأفاض عليهم من ضروب التشريفات ~~والإنعام ما يخلد ذكره على مكر الأيام والأعوام. # الجهة الثانية: علماء الدين وفقهاء المسلمين القائمون بعلوم الشريعة، ~~فإنهم حراس الدين بالدليل والبرهان، كما أن الجنود حراسه بالسيف والسنان، ~~وما من واحد منهم إلا وهو مكفى من جهته برسم وإدرار، ومخصوص بإنعام وإيثار، ~~والمستحق لهم أيضا على بيت المال قدر الكفاية، وهو مبذول لكل من يتشبه بأهل ~~العلم، فضلا عمن يتحلى بتحقيقه. # الجهة الثالثة: محاويج الخلق الذين قصرت بهم ضرورة الحال وطوارق الزمان ~~عن اكتساب قدر الكفاية. وليس ينتهى إليه الخبر فى حاجة إلا سدها، ولا يرتفع ~~إليه قصد ذى فاقة إلا تداركها، ومواظبته على الصدقات فى نوب متواليات فى ~~السر والعلانية كافية جميع الحاجات. # الجهة الرابعة: المصالح العامة من عمارة الرباطات والقناطر والمساجد ~~والمدارس، فيصرف لا محالة إلى هذه الجهة عند الحاجة قدر من بيت مال ~~المسلمين، فلا ترى هذه المواضع فى أيامه إلا معمورة وملحوظة بالتعاهد من ~~القوام بها والمتكفلين لها، وهذا وجه الدخل والخرج. # ونختم الكلام بما يقطع مادة الخصام وتبين فيه غاية الإنصاف فنقول: لا ~~يظنن ظان أنا نشترط فى الإمامة العصمة، فإن العلماء اختلفوا فى حصولها ~~للأنبياء، والأكثرون على أنهم لم يعصموا من الصغائر، ولو اعتبرت العصمة من ~~كل زلة لتعذرت الولايات وانعزلت القضاة، وبطلت الإمامة، وكيف يحكم باشتراط ~~التنقى من كل معصية والاستمرار على سمت التقوى من غير عدول، ومعلوم أن ~~الجبلات متقاضية للذات، والطباع محرضة على نيل الشهوات، والتكاليف يتضمنها ~~من العناء ما يتقاعد عن احتمالها الأقوياء، ووساوس الشيطان ms133 وهواجس النفس ~~مستحثة على حب العاجلة واستحقار الآجلة، والجبلة الإنسانية بالسوء أمارة، PageV01P170 ~~والتقى فى أرجوحة الهوى يغلب تارة ويعجز تارة، والشيطان ليس يفتر عن ~~الوساوس، والزلات تجرى على الأنفاس؛ فكيف يتخلص البشر عن اقتحام محظور ~~والتورط فى محظور!؟ ولذلك قال الشافعى- رضى الله عنه- فى شرط عدالة ~~الشهادة: لا يعرف أحد بمحض الطاعة حتى لا يتضمخ «1» بمعصية؛ ولا أحد بمحض ~~المعصية حتى لا يقدم على طاعة، ولا ينفك أحد عن تخليط؛ ولكن من غلبت ~~الطاعات فى حقه المعاصى، وكانت تسوؤه سيئته وتسره حسنته فهو مقبول الشهادة؛ ~~ولسنا نشترط فى عدالة القضاء إلا ما نشترطه فى الشهادة، ولا نشترط فى ~~الإمامة إلا ما نشترطه فى القضاء، وهذا ذكرناه إذا لج ملاح أو ألح ملح ~~ولازم اللدد فى تصوير أمر من الأمور لا يوافق ظاهر الشرع، وإرادته الطعن فى ~~الإمامة والقدح فيها، عرف أن ذلك غير قادح فى أصل الإمامة بحال من الأحوال. ### || AUTO القول فى الصفة الرابعة وهى العلم # فإن قال قائل: اتفق رأى العلماء على أن الإمامة لا تنعقد إلا لمن نال ~~رتبة الاجتهاد والفتوى فى علوم الشرع، ولا يمكنكم دعوى وجود هذه الشريطة، ~~ولو ادعيتم أن ذلك لا يشترط كان انسلالا عن وفاق العلماء قاطبة، فما رأيكم ~~فى هذه الصفة؟ # قلنا: لو ذهب ذاهب إلى أن بلوغ درجة الاجتهاد لا يشترط فى الإمامة لم يكن ~~فى كلامه إلا الإعزاب «2» عن العلماء الماضين، وإلا فليس فيه ما يخالف ~~مقتضى الدليل وسياق النظر، فإن الشروط التى تدعى للإمامة شرعا لا بد من ~~دليل يدل PageV01P171 ~~عليها، والدليل إما نص من صاحب الشرع، وإما النظر فى المصلحة التى طلبت ~~الإمامة لها ولم يرد النص من شرائط الإمامة فى شي ء إلا فى النسب إذ قال: ~~«إن الأئمة من قريش»! «1»، فأما ما عداه فإنما أخذ من الضرورة والحاجة ~~الماسة فى مقصود الإمامة إليها، فهذا كما شرطنا: العقل، والحرية، وسلامة ~~الحواس، والهداية، والنجدة، والورع، فإن هذه الأمور لو قدر عدمها لم ينتظم ~~أمر الإمامة بحال من الأحوال. ms134 وليست رتبة الاجتهاد مما لا بد منه فى ~~الإمامة ضرورة، بل الورع الداعى إلى مراجعة أهل العلم فيه كاف، فإذا كان ~~المقصود ترتيب الإمامة على وفق الشرع فأى فرق بين أن يعرف حكم الشرع بنظره، ~~أو يعرفه باتباع أفضل أهل زمانه؟! وإذا جاز للمجتهد أن يعول على قول واحد، ~~ويروى له حديثا فيحكم به، إماما كان أو قاضيا، فما المانع من أن يحكم بما ~~يتفق عليه العلماء فى كل واقعة؟ وإن اختلف فيتبع فيه قول الأفضل الأعلم، ~~ولم لا يكون مكملا بأفضل أهل الزمان مقصود العلم، كما كمل بأقوى أهل الزمان ~~مقصود الشوكة، وبأدهى أهل الزمان وأكفاهم رأيا ونظرا مقصود الكفاية، فلا ~~تزال دولته محفوفة بملك من الملوك قوى يمده بشوكته، وكاف من كفاة الزمان ~~يتصدى لوزارته فيمده برأيه وهدايته، وعالم مقدم فى العلوم يفيض ما يلوح من ~~قضايا الشرع فى كل واقعة إلى حضرته، هذا لو قال به قائل لكان مستمدا من ~~قواطع الأدلة والبراهين التى يجوز استعمالها فى مظان القطع واليقين، فكيف ~~فى مواقع الظن والتخمين! # وأكثر مسائل الإمامة وأحكامها مسائل فقهية ظنية يحكم فيها بموجب الرأى ~~الأغلب. وما ذكرته مسلك واضح فيه، ولكنى لا أوثر الإعزاب عن الماضين ولا ~~الانحراف عن جادة الأئمة المنقرضين، فإن الانفراد بالرأى والانسلال عن ~~موافقة الجماهير لا ينفك عن إثارة نفرة القلوب، لكنى أستميح مسلكا مقتبسا ~~من كلام الأئمة المذكورين وأقول: PageV01P172 # اختلف الناس فى أن أهل الاختيار لو عقدوا عقد البيعة للمفضول وأعرضوا عن ~~الأفضل هل تنعقد الإمامة مع الاتفاق على أن تقديم الأفضل عند القدرة واجب ~~متعين؟ ثم ذهب الأكثرون إلى أنها إذا عقدت للمفضول مع حضور الأفضل انعقدت ~~ولم يجز خلعه لسبب الأفضل، وأنا من هذا أنشئ وأقول: إن رددناها فى مبدأ ~~التولية بين مجتهد فى علوم الشرع وبين متقاصر عنها فيتعين تقديم المجتهد ~~لأن اتباع الناظر علم نفسه له مزية رتبة على اتباع علم غيره بالتقليد. ~~والمزايا لا سبيل إلى إهمالها مع القدرة على مراعاتها، أما إذا انعقدت ~~الإمامة ms135 بالبيعة أو تولية العهد لمنفك عن رتبة الاجتهاد، وقامت له شوكة ~~وأذعنت له الرقاب، ومالت إليه القلوب، فإن خلا الزمان عن قرشى مجتهد يستجمع ~~جميع الشروط وجب الاستمرار على الإمامة المعقودة إن قامت له الشوكة، وهذا ~~حكم زماننا، وإن قدر ضربا للمثل حضور قرشى مجتهد مستجمع للورع والكفاية ~~وجميع شرائط الإمامة واحتاج المسلمون فى خلع الأول إلى تعرض لإثارة فتن ~~واضطراب أمور لم يجز لهم خلعه والاستبدال به، بل تجب عليهم الطاعة والحكم ~~بنفوذ ولايته وصحة إمامته، لأنا نعلم بأن العلم مزية روعيت فى الإمامة ~~تحسينا للأمر وتحصيلا لمزيد المصلحة فى الاستقلال بالنظر والاستغناء عن ~~التقليد، وإن الثمرة المطلوبة من الإمامة تطفئة الفتن الثائرة فى تفرق ~~الآراء المتنافرة، فكيف يستجيز العاقل تحريك الفتنة وتشويش نظام الأمور ~~وتفويت أصل المصلحة فى الحال تشوفا إلى مزيد دقيقة فى الفرق بين النظر ~~والتقليد! وعند هذا ينبغى أن يقيس الإنسان ما ينال الخلق بسبب عدول الإمام ~~عن النظر إلى تقليد الأئمة بما ينالهم لو تعرضوا لخلعه واستبداله أو حكموا ~~إمامته غير منعقدة، وإذا أحسن إيراد هذه المقالة علم أن التفاوت بين اتباع ~~الشرع نظرا واتباعه تقليدا قريب هين، وأنه لا يجوز أن تخرم بسببه قواعد ~~الإمامة. وهذا تقدير تسامحنا به من وجهين: # أحدهما: تقدير قرشى مجتهد مستجمع الصفات متصد لطلب الإمامة، وهذا لا وجود ~~له فى عصرنا. PageV01P173 # والثانى: تقدير اقتدار الخلق على الاستبدال بالإمام والتصرف فيه بالخلع ~~والانتقال؛ وهذا محال فى زماننا، إذ لو أجمع أهل الدهر وتألبوا على أن ~~يصرفوا الوجوه والقلوب عن الحضرة المقدسة المستظهرية لم يجدوا إليها سبيلا، ~~فيتعين على كافة علماء العصر الفتوى بصحة هذه الإمامة وانعقادها بالشرع. # ولكن بعد هذا شرطان: أحدهما أن لا يمضى كل قضية مشكلة إلا بعد استنتاج ~~قرائح العلماء والاستظهار بهم، وأن يختار لتقليده عن التباس الأمر واختلاف ~~الكلمة أفضل أهل الزمان وأغزرهم علما، وقلما تنفك مدينة السلام عن شخص ~~يعترف له بالتقدم فى علم الشرع، فلا بد من تعرف الشرع فى الوقائع منه لينوب ms136 ~~ذلك عن الاجتهاد، والثانى أن يسعى لتحصيل العلم وحيازة رتبة الاستقلال ~~بعلوم الشرع، فإن الإمامة وإن كانت صحيحة منعقدة فى الحال فخطاب الله تعالى ~~قائم بإيجاب العلم وافتراض تحصيله، إذا ساعدت القدرة عليه لم يكن للتوانى ~~فيه عذر، لا سيما والسن سن التحصيل، وريعان الشباب معين على الغرض، والقدر ~~الواجب تحصيله شرعا إذا صرف إليه الهمة الشريفة حصل فى قدر يسير من الزمان، ~~ولا يليق تطلب غايات الكمال إلا بالحضرة المقدسة الشريفة النبوية المحفوفة ~~بالعز والجلال. # وإذا اتضح، فى هذا الباب، بهذه البراهين اللائحة أن مقتضى أمر الله أن ~~الإمام الحق المستظهر بالله هو المتعين لخلافة الله فما أجدر هذه النعمة أن ~~تقابل بالشكر! وإنما الشكر بالعلم وبالعمل وبالمواظبة على ما أودعته فى ~~الباب الآخر من الكتاب، وعلى الجملة فشكر هذه النعمة ألا يرضى أمير ~~المؤمنين أن يكون لله على وجه الأرض عبد أعبد وأشكر منه؛ كما أن الله تعالى ~~لم يرض أن يكون له على وجه الأرض عبد أعز وأكرم من أمير المؤمنين، فهذا هو ~~الشكر الموازى لهذه النعمة. # والله ولى التوفيق، بمنه ولطفه. PageV01P174 ### | AUTO الباب العاشر الوظائف الدينية التى بالمواظبة عليها يدوم ~~استحقاق الإمامة # ومن فرائض الدين على أمير المؤمنين زاده الله توفيقا المداومة على مطالعة ~~هذا الباب والاستقصاء على تأمله وتصفحه ومطالبة النفس الكريمة حتى تستمر ~~عليه، فإن ساعد التوفيق للمجاهدة فى الاقتدار على وظيفة من هذه الوظائف ولو ~~فى سنة فهى السعادة القصوى، وهذه الوظائف بعضها علمية، وبعضها عملية، فتقدم ~~العلمية، فإن العلم هو الأصل، والعمل فرع له، إذ العلوم لا حصر لها؛ ولكنا ~~نذكر أربعة أمور هن أمهات وأصول: # الأول: أن يعرف أن الإنسان فى هذا العالم لم خلق، وإلى أى مقصد وجه ولأى ~~مطلب رشح؟ وليس يخفى على ذى بصيرة أن هذه الدار ليست دار مقر، وإنما هى دار ~~ممر؛ والناس فيها على صورة المسافرين، ومبدأ سفرهم بطون أمهاتهم، والدار ~~الآخرة مقصد سفرهم، وزمان الحياة مقدار المسافة، وسنوه «1» منازله، وشهوره ~~فراسخه وأيامه أمياله، وأنفاسه ms137 خطاه، ويصار بهم عبر السفينة براكبها، ولكل ~~شخص عند الله عمر مقدر لا يزيد ولا ينقص، ولهذا قال عيسى صلوات الله عليه ~~وسلامه: «الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها» وقد دعى الخلق إلى لقاء الله ~~فى دار السلام وسعادة الأبد، فقال الله تعالى: والله يدعوا إلى دار السلام ~~[يونس: 25]، وهذا السفر لا يفضى إلى المقصد إلا بزاد وهو التقوى؛ ولذلك قال ~~الله تعالى: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى [البقرة: 197]، فمن لم يتزود فى ~~دنياه لآخرته بالمواظبة على العبادة فسيرجع منه عند الموت ما اغتر من جسده ~~وماله فيتحسر حيث لا يغنيه التحسر ويقول: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من PageV01P175 ~~المؤمنين [الأنعام: 27]، ويقول: فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل ~~غير الذي كنا نعمل [الأعراف: 53]، فحينئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت ~~من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا [الأنعام: 6]. وهذا الإنسان من وجه آخر فى ~~دنياه حارث، وعمله حرثه ودنياه محترثه، ووقت الموت وقت حصاده، ولذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم: «الدنيا مزرعة الآخرة، وإنما البذر هو العمر» فمن ~~انقضى عليه نفس من أنفاسه ولم يعبد الله فيه بطاعة فهو مغبون لضياع ذلك ~~النفس، فإنه لا يعود قط، ومثال الإنسان فى عمره مثال رجل كان يبيع الثلج ~~وقت الصيف ولم تكن له بضاعة سواه، فكان ينادى ويقول: ارحموا من رأس ماله ~~يذوب، فرأس مال الإنسان عمره الذي هو وقت طاعته، وإنه ليذوب على الدوام، ~~فكلما زاد سنه نقص بقية عمره، فزيادته نقصانه على التحقيق، ومن لم ينتهز فى ~~أنفاسه حتى يقتنص بها الطاعات كلها كان مغبونا، ولذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم: «من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون». ~~فكل من صرف عمره إلى دنياه فقد خاب سعيه وضاع عمله كما قال الله تعالى: من ~~كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم [هود: 15] الآية؛ ومن ~~عمل لآخرته فهو الذي أنجح سعيه كما قال تعالى: ومن أراد الآخرة وسعى ms138 لها ~~سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا [الإسراء: 19]. # الوظيفة الثانية: أنه مهما عرف أن زاد السفر إلى الآخرة التقوى فليعلم أن ~~التقوى محلها ومنبعها القلب لقوله صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا» «1»، ~~وأشار إلى صدره، وينبغى أن يكون الاجتهاد فى إصلاح القلب أولا، إذ صلاح ~~الجوارح تابع له، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن فى بدن ابن آدم لبضعة إذا ~~صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهى القلب» ~~«2»، وإصلاح القلب شرطه تقدم تطهيره عليه، PageV01P176 ~~وطهارته فى أن يطهر عن حب الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم: «حب الدنيا رأس ~~كل خطيئة» «1»، وهذا هو الداء الذي أعجز الخلق. # ومن ظن أنه يقدر على الجمع بين التنعم فى الدنيا والحرص على ترتيب ~~أسبابها، وبين سعادة الآخرة فهو مغرور؛ كمن يطمع فى الجمع بين الماء ~~والنار، لقول أمير المؤمنين رضى الله عنه: الدنيا والآخرة ضرتان: مهما ~~أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى. نعم! لو كان الإنسان يشتغل بالدنيا لأجل ~~الدين، لا لأجل شهوته، كمن يصرف عمره إلى تدبير مصالح الخلق شفقة عليهم، أو ~~يصرف بعض أوقاته إلى كسب القوت، ونيته فى كسب القوت إلى أن يتقوى بتناوله ~~على الطاعة والتقوى فهذا من عين الدين، وعلى هذا المنهاج جرى حرص الأنبياء ~~والخلفاء الراشدين فى أمور الدنيا. # ومهما ثبت أن الزاد هو التقوى، وأن التقوى شرطها خلو القلب عن حب الدنيا، ~~فليكن الجهد فى تخليته عن حبها، وطريقه أن يعرف الإنسان عيب الدنيا وآفتها، ~~ويعرف شرف السعادة فى الدار الآخرة وزينتها، ويعلم أن فى مراعاة الدنيا ~~الحقيرة فوت الآخرة الخطيرة، وأقل آفات الدنيا، وهى مستيقنة لكل عاقل ~~وجاهل، أنها منقضية على القرب، وسعادة الآخرة لا آخر لها، هذا إذا سلمت ~~الدنيا صافية عن الشوائب والأقذاء «2» خالية من المؤذيات والمكدرات، وهيهات ~~هيهات! فلم يسلم أحد فى الدنيا من طول الأذى ومقاساة الشدائد، ومهما عرف ~~تصرم الدنيا وتأبد السعادة فى العقبى فليتأمل أنه لو شغف إنسان بشخص ~~واستهتر «3» به وصار لا يطيق ms139 فراقه، وخير بين أن يعجل لقاءه ليلة واحدة ~~وبين أن يصبر عنه تلك الليلة مجاهدا نفسه ثم يخلى بينه وبينه ألف ليلة- ~~فكيف لا يسهل عليه الصبر ليلة واحدة لتوقع التلذذ بمشاهدته ألف ليلة! ولو ~~استعجل تلك الليلة وعرض نفسه لعناء المفارقة PageV01P177 ~~ألف ليلة لعد سفيها خارجا عن حزب العقلاء. فالدنيا معشوقة كلفنا الصبر عنها ~~مدة يسيرة، ووعدنا أضعاف هذه اللذات مدة لا آخر لها، وترك الألف بالواحد ~~ليس من العقل، واختيار الألف على الواحد المعجل ليس بمتعذر على العاقل، ~~وعند هذا ينبغى أن يقيس الإنسان أقصى مدة مقامه فى الدنيا وهى مائة سنة ~~مثلا، ومدة مقامه فى الآخرة ولا آخر لها، بل لو طلبنا مثالا لطول مدة الأبد ~~لعجزنا عنه. إلا أن نقول: لو قدرنا الدنيا كلها إلى منتهى السموات ممتلئة ~~بالذرة، وقدرنا طائرا يأخذ بمنقاره فى كل ألف سنة حبة واحدة فلا يزال يعود ~~حتى لا يبقى من الذرة حبة واحدة فتنقضى هذه المدة وقد بقى من الذرة ~~أضعافها، فكيف لا يقدر العاقل إذا حقق على نفسه هذا الأمر على أن يستحقر ~~الدنيا ويتجرد لله تعالى! هذا لو قد قدر بقاء العمر مائة سنة، وقدرت الدنيا ~~صافية عن الأقذاء؛ فكيف والموت بالمرصاد فى كل لحظة، والدنيا غير صافية من ~~ضروب التعب والعناء! وهذا أمر ينبغى أن يطول التأمل فيه حتى يترسخ فى ~~القلب، ومنه تنبعث التقوى. وما لم يظهر للإنسان حقارة الدنيا لا يتصور منه ~~أن يسعى للدار الأخرى، وينبغى أن يستعان على معرفة ذلك بالاعتبار بمن سلف ~~من أبناء الدنيا كيف تعبوا فيها ثم ارتحلوا عنها بغير طائل؛ ولم تصحبهم إلا ~~الحسرة والندامة. ولقد صدق من قال من الشعراء حيث قال: # أشد الغم عندى فى سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا # وهذه حال لذات الدنيا. # الوظيفة الثالثة: أن معنى خلافة الله على الخلق إصلاح الخلق. ولن يقدر ~~على إصلاح أهل الدنيا من لا يقدر على إصلاح أهل بلده؛ ولن يقدر على إصلاح ~~أهل البلد من لا يقدر على إصلاح ms140 أهل منزله؛ ولا يقدر على إصلاح أهل منزله ~~من لا يقدر على إصلاح نفسه؛ ومن لا يقدر على إصلاح نفسه فينبغى أن تقع ~~البداية بإصلاح القلب وسياسة النفس؛ ومن لم يصلح نفسه وطمع فى إصلاح غيره ~~كان مغرورا كما قال الله تعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ~~[البقرة: 44]. PageV01P178 # وفى الحديث أن الله تعالى قال لعبسى بن مريم: «عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ ~~الناس، وإلا فاستحى منى» «1». ومثال من عجز عن إصلاح نفسه وطمع فى إصلاح ~~غيره مثال الأعمى إذا أراد أن يهدى العميان، وذلك لا يستتب له قط، وإنما ~~يقدر على إصلاح النفس بمعرفة النفس؛ ومثل معرفة الإنسان فى بدنه كمثل وال ~~فى بلده، وجوارحه وحواسه وأطرافه بمنزلة صناع وعملة، والشرع له كمشير ناصح ~~ووزير مدبر؛ والشهوة فيه كعبد سوء جالب للميرة والطعام، والعصب له كصاحب ~~شرطة، والعبد الجالب للميرة خبيث ماكر يتمثل للإنسان بصورة الناصح، وفى ~~نصحه دبيب العقرب، فهو يعارض الوزير فى تدبيره، ولا يغفل ساعة من منازعته ~~ومعارضته؛ فكان الوالى فى مملكته متى استشار فى تدبيراته وزيره دون هذا ~~العبد السوء الخبيث وأدب صاحب شرطته وجعله مؤتمرا لوزيره وسلطه على هذا ~~العبد الخبيث وأتباعه حتى يكون هذا العبد مسوسا لا سائسا، ومدبرا لا مدبرا ~~استقام أمر بلده. وكذا النفس، متى استعانت فى تدبيراتها بالشرع والعقل، ~~وأدبت الحمية والغضب حتى لا يهتاج إلا بإشارة الشرع والعقل، وسلطته على ~~الشهوة، واستتب أمرها؛ وإلا فسدت واتبعت الهوى ولذات الدنيا، كما قال الله ~~تعالى: ولا تتبع الهوى [ص: 26] الآية؛ وقال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه [الجاثية: 23] الآية، وقال أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل ~~الكلب [الأعراف: 176]، وقال تعالى فى مدح من عصاها: وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى [النازعات: 40] الآية، وعلى الجملة فينبغى أن يكون ~~العبد طول عمره فى مجاهدة غضبه وشهوته، ومتشمرا لمخالفتها كما يتشمر ~~لمخالفة أعدائه فإنهما عدوان كما قال صلى الله عليه وسلم: «أعدى عدو نفسك ~~التى بين جنبيك» «2»، ومثال من اشتغل بالتلذذ ms141 عند الشهوات، والانتقام عند ~~الغضب مثل رجل فارس صياد له فرس وكلب غفل عن صيده، واشتغل بتعهد فرسه وطعمة ~~كلبه وضيع فيه جميع وقته؛ فإن شهوة PageV01P179 ~~الإنسان كفرسه، وغضبه ككلبه، فإن كان الفارس حاذقا والفرس مروضا والكلب ~~مؤدبا ومعلما فهو قمين بإدراك حاجته من الصيد، ومتى كان الفارس أخرق وفرسه ~~جموحا أو حرونا وكلبه عقورا فلا فرسه ينبعث تحته منقادا، ولا كلبه يسترسل ~~بإشارته مطيعا، فهو قمين أن يعطب، فضلا أن يدرك ما طلب. # ومهما جاهد الإنسان فيها هواه، فله ثلاثة أحوال: الأول: أن يغلبه الهوى ~~فيتبعه ويعرض عن الشرع كما قال الله تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~[الجاثية: 23]؛ الثانى: أن يغالبه فيقهره مرة ويقهره الهوى أخرى، فله أجر ~~المجاهدين، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا هواكم كما ~~تجاهدوا أعداءكم» «1»؛ الثالث: أن يغلب هواه ككثير من الأنبياء وصفوة ~~الأولياء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد إلا وله شيطان، وإن الله ~~قد أعاننى على شيطانى حتى ملكته» «2». وعلى الجملة فالشيطان يتسلط على ~~الإنسان بحسب وجود الهوى فيه، وإنما مثلت الشهوة بالفرس والغضب بالكلب لأنه ~~لولاهما لما تصورت العبادة المؤدية إلى سعادة الآخرة، فإن الإنسان يحتاج فى ~~عبادته إلى بدنه ولا قيام إلا بالقوت، ولا يقدر على الاقتيات إلا بشهوة، ~~وهو محتاج إلى أن يحرس نفسه عن الهلكات بدفعها؛ ولا يدفع المؤذى إلا بداعية ~~الغضب، فكأنهما خادمان لبقاء البدن؛ والبدن مركب النفس، وبواستطهما يصل إلى ~~العبادة، والعبادة طريقه إلى النجاة. # الوظيفة الرابعة: أن يعرف أن الإنسان مركب من صفات ملكية وصفات بهيمية، ~~فهو حيران بين الملك والبهيمة، فمشابهته للملك بالعلم والعبادة والعفة ~~والعدالة والصفات المحمودة؛ ومشابهته للبهائم بالشهوة والغضب والحقد ~~والصفات المذمومة. فمن صرف همته إلى العلم والعمل والعبادة فخليق أن يلحق ~~بالملائكة فيسمى ملكا وربانيا كما قال تعالى: إن هذا إلا ملك كريم [يوسف: ~~31]. ومن صرف همته إلى اتباع الشهوات واللذات البدنية يأكل كما تأكل ~~البهائم فخليق أن PageV01P180 ~~يلحق بالبهائم فيصير إما غمزا كثور «1»، وإما شرها ms142 كخنزير، وإما ضرعا ككلب ~~أو حقودا كجمل أو متكبرا كنمر أو ذا روغان ونفاق كثعلب، أو يجمع ذلك فيصير ~~كشيطان مريد. وعلى ذلك دل قوله تعالى: وجعل منهم القردة والخنازير وعبد ~~الطاغوت [المائدة: 60]، وقال: كالأنعام بل هم أضل [الفرقان: 44]، وقال إن ~~شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون [الأنفال: 22]، وهذه الصفات ~~الذميمة تجتمع فى الآدمى فى هذا العالم وهو فى صورة الإنسان، فتكون الصفة ~~باطنة والصورة ظاهرة؛ وفى الآخرة تتحد الصور والصفات، فيصور كل شخص بصفته ~~التى كانت غالبة عليه فى حياته، فمن غلب عليه الشر، حشر فى صورة خنزير، ومن ~~غلب عليه الغضب حشر فى صورة سبع، ومن غلب عليه الحمق حشر فى صورة حمار، ومن ~~غلب عليه التكبر حشر فى صورة نمر، وهكذا جميع الصفات، ومن غلب عليه العلم ~~والعمل واستولى بهما على هذه الصفات حشر فى صورة الملائكة والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء: 69]. # وهذه الوظائف التى ذكرناه علمية يجب التأمل فيها حتى تتمثل فى القلب ~~فتكون نصب العين فى كل لحظة. وإنما تترسخ هذه العلوم فى النفس إذا أكدت ~~بالعمل كما سنذكره فى الوظائف العملية بعد. # القول فى الوظائف العملية # وهى كثيرة، أولاها وهى من الأمور الكلية: أن كل من تولى عملا على ~~المسلمين فينبغى أن يحكم نفسه فى كل قضية يبرمها؛ فما لا يرتضيه لنفسه لا ~~يرتضيه لغيره، فالمؤمنين كنفس واحدة، فقد روى عبد الله بن عمر رضى الله ~~عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن يزحزح عن النار ~~ويدخل الجنة PageV01P181 ~~فليدركه موته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر؛ وليأت إلى الناس الذي يحب أن ~~يؤتى إليه» «1». وروى أنس بن مالك: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «من أصبح وهمه غير الله تعالى فليس من الله فى شي ء؛ ومن أصبح لا يهتم ~~بالمسلمين فليس من المسلمين». # ومنها: أن يكون والى الأمر متعطشا إلى نصيحة العلماء ومتبجحا «2» بها إذا ~~سمعها، وشاكرا عليها، فقد روى أن ms143 أبا عبيدة ومعاذا كتبا إلى عمر رضى الله ~~عنهم: «أما بعد! فإنا عهدناك وشأن نفسك لك مهم؛ وأصبحت وقد وليت بأمر هذه ~~الأمة: أسودها وأحمرها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع، والصديق والعدو؛ ~~ولكل حصته من العدل. فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر! وإنا نحذرك مما حذرت ~~الأمم قبلك، يوم تعنو فيه الوجوه وتجب «3» فيه القلوب، وتقطع فيه الحجة لعز ~~ملك قهرهم جبروته والخلق داخرون له ينتظرون قضاءه ويخافون عقابه، وإنه ذكر ~~لنا أنه سيأتى على الناس زمان يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، فإنا ~~نعوذ بالله أن ينزل كتابنا من قبلك سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا، وإنا ~~كتبنا إليك نصيحة. والسلام!» فكاتبهما بجوابه، وذكر فى آخر ما كتب: «إنكما ~~كتبتما إلى نصيحة منكما بكتاب، فإنى لا غنى بى عنكما. والسلام عليكما!». # ومنها: ألا يستحقر الوالى انتظار أرباب الحاجات ووقوفهم بالباب فى لحظة ~~واحدة؛ فإن الاهتمام بأمر المسلمين أهم له، وأعود عليه مما هو متشاغل به من ~~نوافل العبادات، فضلا عن اتباع الشهوات، فقد روى: (أن عمر بن عبد العزيز- ~~رضى الله عنه! - جلس يوما للناس، فلما انتصف النهار ضجر ومل، فقال للناس: ~~مكانكم حتى أعود إليكم فدخل يستريح ساعة، فجاء ابنه عبد الملك «4» فاستأذن PageV01P182 ~~فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين!! ما سبب دخولك؟ قال: «أردت أن أستريح ~~ساعة». فقال: «أأمنت أن يأتيك الموت ورعيتك على الباب ينتظرونك وأنت محتجب ~~عنهم!» فقال عمر: «صدقت»، فقام من ساعته وخرج إلى الناس. # ومنها: أن يترك الوالى للأمر الترفه والتلذذ بالشهوات فى المأكولات ~~والملبوسات، فقد روى أن عمر رضى الله عنه كتب إلى سلمان الفارسى يستزيره، ~~فلما قدم عليه سلمان تلقاه فى أصحابه فالتزمه وضمه إليه وصار إلى المدينة، ~~فلما خلا به عمر قال له: يا أخى هل بلغك منى ما تكرهه؟ فقال: لا. قال: عزمت ~~عليك إن كان بلغك منى ما تكرهه إلا أخبرتنى، فقال: لو لا ما عزمت علي أولا ~~ما أخبرتك: بلغنى أنك تجمع بين السمن واللحم على مائدتك؛ وبلغنى أن ms144 لك ~~حلتين: حلة تلبسها مع أهلك، وحلة تخرج فيها إلى الناس، فقال عمر: هل بلغك ~~غير هذا؟ فقال: لا. فقال: أما هذان فقد كفيتهما فلا أعود إليهما. # ومنها: أن يعلم والى الأمر أن العبادة تيسر للولاة ما لا يتيسر لآحاد ~~الرعايا، فلتغتنم الولاية لتعبد الله بها، وذلك بالتواضع والعدل والنصح ~~للمسلمين والشفقة عليهم. فقد روى عن أبى بكر رضى الله عنه وهو على المنبر ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الوالى العدل المتواضع ظل ~~الله ورمحه فى أرضه، فمن نصحه فى نفسه وفى عباد الله حشره الله تعالى فى ~~وقدة «1» يوم لا ظل إلا ظله؛ ومن غشه فى نفسه وفى عباد الله خذله الله ~~تعالى يوم القيامة، ويرفع للوالى العدل المتواضع فى كل يوم وليلة عمل ستين ~~صديقا كلهم عبد مجتهد فى نفسه». فهذه رتبة عظيمة لا تسلم فى كل عصر إلا ~~لواحد، وإنما تنال هذه الرتبة بالعدل والتواضع، وقد روى أبو سعيد الخدرى ~~«2» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سبعة يظلهم الله يوم ~~القيامة يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل؛ وشاب نشأ فى عبادة الله؛ ورجل قلبه ~~متعلق بالمسجد PageV01P183 ~~إذا خرج منه حتى يعود إليه؛ ورجلان تحابا فى الله فاجتمعا على ذلك وتفرقا ~~عليه؛ ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه؛ ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال إلى ~~نفسها فقال: إنى أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة وأخفاها حتى لا ~~تعلم شماله ما تنفق يمينه» «1». فهذه سبع لا يتصور اجتماعها إلا فى أمير ~~المؤمنين، وإنما يقدر غيره من الخلق على آحادها دون مجموعها. فليجتهد فى ~~نيل رتبة لم تدخر إلا له، ولن يقوم بها سواه. # فقد روى أيضا أبو سعيد الخدرى أنه قال: «إن أحب العباد إلى الله تعالى ~~وأقربهم مجلسا: إمام عادل؛ وإن أبغض الناس إلى الله وأشدهم عذابا يوم ~~القيامة إمام جائر»، وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ثلاثة لا يرد الله لهم دعوة: الإمام ms145 العادل، والصائم حتى يفطر، والمظلوم؛ ~~يقول الله تعالى: وعزتى وجلالى وارتفاعى فوق عرشى لأنتصرن لك ولو بعد حين»، ~~وقد روى عبد الله بن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: «عدل ساعة خير من ~~عبادة سنة، وإنما قامت السموات والأرض بالعدل». وقد روى عن ابن عباس أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده إن الوالى العدل ليرفع الله ~~له كل يوم مثل عمل رعيته، وصلواته فى اليوم تعدل تسعين ألف صلاة». وروى ابن ~~عباس أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام والسلطان أخوان توأمان لا ~~يصلح أحدهما إلا بصاحبه: فالإسلام أس والسلطان حارس، فما لا أس له منهدم، ~~وما لا حارس له ضائع»؛ وقد روى أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال: ما من أحد ~~أفضل منزلة عند الله من إمام إن قال صدق، وإن حكم عدل، وإن استرحم رحم!» ~~والقصد من رواية هذه الأخبار التنبيه على عظم قدر الإمامة وأنها إذا ترتبت ~~بالعدل كانت أعلى العبادات. وإنما يعرف العدل من التزم بالشرع، فليكن دين ~~الله وشرع PageV01P184 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المفزع والمرجع فى كل ورد وصدر، وتفضيل ~~العدل مما يطول ولعل الوظائف التى تأتى يشتمل عليه طرف منها. # ومنها: أن يكون الرفق فى جميع الأمور أغلب من الغلظة، وأن يوصل كل مستحق ~~إلى حقه، فقد روت عائشة رضى الله عنها! عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «أيما وال ولى فلانا ورفق به رفق به يوم القيامة». وروت عائشة ~~أيضا أنه قال: «اللهم من ولى من أمر أمتى شيئا فرفق بهم فارفق به، ومن شق ~~عليهم فاشقق عليه». هذا دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه يستجاب لا ~~محالة، وقد روى عن زيد بن ثابت أنه قال عند النبي صلى الله عليه وسلم: نعم ~~الشي ء الإمارة. فقال صلى الله عليه وسلم: «نعم الشي ء الإمارة لمن أخذها ~~بحقها وحلها،؛ وبئس الشي ء الإمارة لمن أخذها بغير حقها فتكون ms146 حسرة عليه ~~يوم القيامة». وكل أمير عدل عن الشرع فى أحكامه فقد أخذ إمارة بغير حقها. # وروى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن بنى إسرائيل كان ~~يسوسهم الأنبياء عليهم السلام فكلما هلك نبى قام نبى مكانه، وإنه لا نبى ~~بعدى، وإنه يكون بعدى خلفاء»، قيل: «يا رسول الله! ما تأمرنا فيهم؟» قال: ~~«أعطوهم حقهم، واسألوا الله تعالى حقكم، فإن الله تعالى سائلهم عما ~~استرعاهم هو». # وقد حكى: أن هشام ابن عبد الملك قال لأبى حازم «1» وكان من مشايخ الدين: ~~«كيف النجاة من هذا الأمر؟» يعنى من الإمارة. قال: «ألا تأخذ الدرهم إلا من ~~حله، ولا تضعه إلا فى حقه». قال: «ومن يطيق ذلك؟» قال: «من طلب الجنة وهرب ~~من النار». # ومنها: أن يكون أهم المقاصد عنده تحصيل مرضاة الخلق ومحبتهم بطريق يوافق ~~الشرع ولا يخالفه. فقد روى عوف بن مالك عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«إن خيار أئمتكم الذين تحبونهم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشر أئمتكم الذين PageV01P185 ~~تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم»، قيل: يا رسول الله! أفلا ~~ننابذهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة؛ إلا من ولى عليه وال فرآه يأتى ~~شيئا من معاصى الله تعالى فليكره ما أتى من معاصى الله تعالى، ولا ينزع يدا ~~عن طاعة الله». وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم! أنه ~~قال: «لخليفتى على الناس السمع والطاعة ما استرحموا فرحموا، وحكموا فعدلوا، ~~وعاهدوا فوفوا، ومن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». # ومنها: أن يعلم أن رضى الخلق لا يحسن تحصيله إلا فى موافقة الشرع، وأن ~~طاعة الإمام لا تجب على الخلق إلا إذا دعاهم إلى موافقة الشرع كما روى عن ~~محمد بن «1» على أنه قال: «إنى لأعلم قبيلتين تعبدان من دون الله». قالوا: من هم؟ # قال: «بنو هاشم وبنو أمية. أما والله ما نصبوهم ليسجدوا لهم ولا ليصلوا ~~لهم، ولكن أطاعوهم واتبعوهم على ما أمدوهم. والطاعة عبادة». وقد روى ابن ~~عباس ms147 أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسخطن الله برضى أحد من خلقه، ولا ~~تقربوا إلى أحد من الخلق بتباعد من الله، إن الله تعالى ليس بينه وبين أحد ~~من خلقه قرابة يعظمهم بها ولا يصرف عن أحد شرا إلا بطاعته واتباع مرضاته ~~واجتناب سخطه، وإن الله تعالى يعصم من أطاعه ولا يعصم من عصاه ولا يجد ~~الهارب منه مهربا» وقد روى عمر ابن «2» الحكم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعث سرية وأمر عليهم رجلا من أصحابه، فأمر ذلك الرجل عبد الله ابن ~~حذاقة «3» وكان ذا دعابة فأوقد نارا وقال: ألستم سامعين مطيعين لأميركم؟ ~~قالوا: بلى. قال: عزمت عليكم إلا وقعتم فيها. ثم قال: إنما كنت ألعب معكم، ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من أمركم من الأمراء بشي ء ~~من معصية الله فلا تطيعوه». وقد روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه! أنه ~~صعد المنبر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أيام، فحمد الله ~~وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم PageV01P186 ~~قال: «أيها الناس! إنكم وليتمونى أمركم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى، ~~وإن ضعفت أو عدلت عن الحق فقومونى، ولا تخافوا فى الله أحدا، إن أكيس الكيس ~~التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، ثم إنى أخبركم أنى سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم! وهو يقول فى الغار: «إن الصدق أمانة، وإن الكذب خيانة، ألا إن ~~الضعيف منكم هو القوى عندنا حتى يعطى الحق غير متعتع ولا مقهور، والقوى هو ~~الضعيف عندنا حتى نأخذ منه الحق طائعا أو كارها»، ثم قال: «أطيعونا ما ~~أطعنا الله ورسوله؛ فإذا عصينا الله ورسوله فلا طاعة لنا عليكم. فقوموا إلى ~~صلاتكم، رحمكم الله». وقد روى عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة أنه قال: انتهيت ~~إلى عبد الله بن عمر رضى الله عنه وهو جالس فى ظل الكعبة، والناس حوله ~~مجتمعون فسمعته يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنه ms148 لم يكن ~~شي ء إلا كان حقا على الله أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم، وينذرهم ما ~~يعلمه شرا لهم. وإن أمتكم هذه جعلت عاقبتها فى أولها وإلى آخرها، سيصيبهم ~~بلاء وأمور ينكرونها تجي ء سنة ألفين فيقول المؤمن: هذه هذه؛ ثم تنكشف فمن ~~سره منكم أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه موتته وهو يؤمن بالله ~~واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه، ومن تابع إماما وأعطاه ~~صفية قلبه وثمرة فؤاده فليعطه ما استطاع». فقلت: أناشدك الله، أنت سمعته من ~~رسول الله؟ قال: سمعت أذناى ووعى قلبى. فقلت: هذا ابن عمك يأمرنا أن نأكل ~~أموالنا بيننا بالباطل وأن نقيل أنفسنا. فقال: قال الله تعالى: لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل [النساء: 29] الآية؛ قال: فجمع يديه فوضعهما على ~~جبهته ثم نكس رأسه فقال: أطعه فى طاعة الله، واعصه فى معصية الله». # فبهذه الأحاديث يتبين أن الطاعة واجبة للأئمة، ولكن فى طاعة الله لا فى ~~معصيته. PageV01P187 # ومنها أن يعرف أن خطر الإمامة عظيم، كما أن فوائدها فى الدنيا والآخرة ~~عظيمة؛ وأنها إن روعيت على وجهها فهى سعادة، وإن لم تراع على وجهها فهى ~~شقاوة ليس فوقها شقاوة، فقد روى ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه أقبل وفى البيت رجال من قريش. فأخذ بعضادتى الباب ثم قال: ~~«الأئمة من قريش ما قاموا فيكم بثلاث: ما إن استرحموا رحموا، وإن حكموا ~~عدلوا، وإن قالوا أوفوا، ومن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين. لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» الصرف: النافلة، والعدل الفريضة. ~~وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أعظم الخطر فى أمر ينتهى إلى ~~ألا يقبل بسببه فريضة ولا نافلة. # وقد روى أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من حكم بين اثنين فجار وظلم ~~فلعنة الله على الظالمين». وقد روى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: ms149 الإمام الكذاب، والشيخ الزانى، ~~والعائل «1» المزهو». وروى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«يفتح عليكم مشارق الأرض ومغاربها، عمالها كلهم فى النار إلا من اتقى الله ~~تعالى وأدى الأمانة» وقد روى عن الحسن أنه قال: عاد عبيد الله بن الحسن ~~معقلا «2» فى مرضه الذي قبض فيه، فقال له معقل: إنى محدثك بحديث سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يسترعيه الله تعالى رعيته ~~يموت يوم يموت غاشا لرعيته إلا حرم الله تعالى عليه الجنة» وروى عن زياد بن ~~أبيه «3» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ولى من أمر ~~المسلمين شيئا ولم يحطهم بالنصيحة كما يحوط على أهل بيته فليتبوأ مقعده من ~~النار». وقد حكى عن سفيان الثورى أنه عاتب رجلا من إخوانه قد كان هم أن ~~يتلبس بشي ء من أمر الولاية فقال: يا أبا عبد الله! إن على عيالا، فقال له: ~~لأن تجعل فى عنقك مخلاة تسأل على الأبواب خير لك من أن تدخل فى شي ء من ~~أمور الناس. وقد روى معقل بن يسار عنه صلى الله عليه وسلم أنه PageV01P188 ~~قال: «رجلان من أمتى لا تنالهما شفاعتى: إمام ظلوم غشوم، وغال فى الدين ~~مارق منه». وروى أبو سعيد الخدرى أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أشد الناس ~~عذابا يوم القيامة إمام جائر». وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«خمسة غضب الله تعالى عليهم، إن شاء أمضى غضبه عليهم فى الدنيا، وإلا ~~فمأواهم فى الآخرة النار: أمير قوم يأخذ حقه من رعيته ولا ينصفهم من نفسه ~~ولا يدفع المظالم عنهم؛ وزعيم قوم يطيعونه فلا يسوى بين الضعيف والقوى ~~ويتكلم بالهوى؛ ورجل لا يأمر أهله وولده بطاعة الله ولا يعلمهم أمور دينهم ~~ولا يبالى ما أخذوا من دنياهم وما تركوا؛ ورجل استأجر أجيرا فيستعمله ولا ~~يوفيه أجره؛ ورجل ظلم امرأة مهرها». وقد روى أن عمر بن الخطاب خرج فى جنازة ~~ليصلى عليها، فلما وضعت ms150 فإذا برجل قد سبق إلى الصلاة، ثم لما وضع الرجل فى ~~قبره تقدم الرجل فوضع يده على التراب وقال: اللهم إن تعذبه فربما عصاك، وإن ~~ترحمه فإنه فقير إلى رحمتك! طوبى لك إن لم تكن أميرا أو عريفا أو كاتبا أو ~~شرطيا أو جابيا. قال: ثم ذهب الرجل فلم يقدر عليه «1»، فأخبر عمر به فقال: ~~لعله الخضر «2» صلى الله عليه وسلم. وروى عن مالك بن دينار أنه قال: قرأت ~~فى بعض الكتب: «ما من مظلوم دعا بقلب محترق إلا لم تنته دعوته حتى تصعد بين ~~يدى الله، فتنزل العقوبة على من ظلمه، أو استطاع أن يأخذ له فلم يأخذ له». ~~وروى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ويل للأمراء! ويل للعرفاء! ~~ويل للأمناء! ليتمنين قوم يوم القيامة أن ذوائبهم «3» كانت معلقة بالثريا ~~يتدلون بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا عملا». وروى أبو بريدة عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمر رجل على عشيرة فما فوقهم إلا جي ء به يوم ~~القيامة مغلولة يده إلى عنقه، فإن كان محسنا فك عنه غله؛ وإن كان مسيئا زيد ~~غلا إلى غله». PageV01P189 # وهذا الخطر ثابت فى أن يفرق الأمير بين نفسه وبين رعيته فى الترفه ~~بالمباحات، فقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوم بدر فى الظل، ~~فنزل جبريل فقال: «يا محمد! أنت فى الظل وأصحابك فى الشمس!» وروى عن عمر ~~رضى الله عنه أنه قال: «ويل لديان أهل الأرض من ديان أهل السماء، يوم ~~يلقونه، إلا من أمر بالعدل وقضى بالحق ولم يقض بهوى ولا قرابة ولا رهبة ولا ~~رغبة، ولكن جعل كتاب الله مرآة بين عينيه». # وأقل الأمور حاجة الإمام إلى تخويف بحكم السياسة، وقد روى ابن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نظر إلى مؤمن نظرة يخيفه بها فى غير حق ~~أخافه الله تعالى بها يوم القيامة». وروى أنس بن مالك أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: «يؤتى بالولاة يوم القيامة ms151 فيقول الرب تعالى: أنتم كنتم رعاة ~~غنمى وخزان أرضى، فيقول لهم: ما حملكم على أن جلدتم فوق ما أمرتم؟ فيقول: ~~أى رب! غضبت لك. فيقول: أينبغي لك أن تكون أشد غضبا منى؟ ويقول للآخر: ما ~~حملك على أن جلدت دون ما أمرت؟ فيقول: أي رب! رحمته. فيقول: أينبغي لك أن ~~تكون أرحم منى؟ - خذوا المقصر عن أمرى والزائد على أمرى فسدوا بهما أركان ~~جهنم». وبهذا الحديث يتبين أنه لا ينبغى أن نفزع إلا إلى الشرع، وأنه لا شي ~~ء أهم للأئمة من معرفة أحكام الشرع. وروى عن «حذيفة» أنه قال: ما أنا بمثن ~~على وال خيرا، عادلهم وجائرهم، فقيل له: لم؟ # قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يؤتى بالولاة يوم القيامة ~~عادلهم وجائرهم فيوقفون على الصراط، فيوحى الله تعالى إلى الصراط فيزحف بهم ~~زحفة لا يبقى جائر فى حكمه ولا مرتش فى قضائه ولا ممكن سمعه لأحد الخصمين ~~ما لم يمكن للآخر إلا زالت قدماه سبعين عاما فى جهنم». وروى أن داود صلى ~~الله عليه وسلم كان يخرج متنكرا يطوف فى الآفاق يسأل عن سيرة داود فيهم، ~~فتعرض له جبريل صلى الله عليه وسلم على صورة آدمى، فسأله عن سيرته، فقال ~~جبريل: نعم الرجل داود، ونعم السيرة سيرته غير أنه يأكل من بيت مال ~~المسلمين ولا يأكل من كد يده، فرجع باكيا متضرعا إلى PageV01P190 ~~محرابه يسأل ربه تعالى أن يعلمه صنعة يأكل منها، فعلمه صنعة الدروع وألان ~~له الحديد، فذلك قوله تعالى: وعلمناه صنعة لبوس لكم [الأنبياء: 80] الآية. # هذا خطر الإمامة، وفيها أحاديث كثيرة يطول إحصاؤها، وهذا القدر كاف ~~للبصير المعتبر، وعلى الجملة فيكفى من معرفة خطرها سيرة عمر رضى الله عنه، ~~فإنه كان يتجسس ويتعسس ليلا ليعرف أحوال الناس وكان يقول: «لو تركت جربة ~~على ضفة الفرات لم يطلى بالهنا «1» فأنا المسئول عنها يوم القيامة»؛ ومع ~~ذلك فقد روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «دعوت الله تعالى اثنتى ~~عشرة سنة: اللهم أرنى ms152 عمر بن الخطاب فى منامى، فرأيته بعد اثنتى عشرة سنة ~~كأنما اغتسل واشتمل بالإزار، فقلت: يا أمير المؤمنين! كيف وجدت الله تعالى؟ ~~قال: يا أبا عبد الله! كم منذ فارقتكم؟ قلت: منذ اثنتى عشرة سنة. قال: كنت ~~فى الحساب إلى الآن. ولقد كادت تزل سريرتى لو لا أنى وجدت ربا رحيما». فهذه ~~حال عمر، ولم يملك من الدنيا سوى درة «2»، فليعتبر به. # وقد حكى عن يزدجرد بن شهريار آخر ملوك العجم أنه بعث رسولا إلى عمر ابن ~~الخطاب رضى الله عنه، وأمره أن ينظر فى شمائله. فلما دخل المدينة قال: أين ~~ملككم؟ قالوا: ليس لنا ملك؛ لنا أمير خرج برا، فخرج الرجل فى أثره فوجده ~~نائما فى الشمس ودرته تحت رأسه وقد عرق جنبه حتى ابتلت منه الأرض. فلما رآه ~~على حالته قال: «عدلت فأمنت فنمت؛ وصاحبنا جار فخاف فسهر. أشهد أن الدين ~~دينكم؛ ولو لا أنى رسول لأسلمت، وسأعود بإذن الله تعالى». # ومنها أن يكون الوالى متعطشا إلى نصيحة علماء الدين ومتعظا بمواعظ ~~الخلفاء الراشدين ومتصفحا فى مواعظ مشايخ الدين للأمراء المنقرضين. ونحن ~~نورد الآن بعض تلك المواعظ: فإنه قد روى أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبى موسى PageV01P191 ~~الأشعرى: «أما بعد! فإن أسعد الرعاة عند الله من سعدت به رعيته، وإن أشقى ~~الرعاة عند الله من شقيت به رعيته. وإياك أن ترتع فترتع عمالك فيكون مثلك ~~عند الله مثل بهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض فرتعت فيها تبتغى فى ذلك السمن، ~~وإنما حتفها فى سمنها» وإنما قال ذلك لأن الوالى مأخوذ بظلم عماله وظلم ~~جميع حواشيه، فكل ذلك فى جريدته «1» وينسب إليه. # وقد روى أنه أنزل فى التوراة على موسى عليه السلام أنه ليس على الإمام من ~~ظلم العامل وجوره ما لم يبلغه ذلك من ظلمه وجوره، فإذا بلغه فأقره شركه فى ~~ظلمه وجوره. قد روى أن شقيق البلخى «2» دخل على هارون الرشيد فقال له: أنت ~~شقيق الزاهد؟ فقال له: أما شقيق فنعم، وأما الزاهد فيقال. فقال له: ms153 عظنى! ~~فقال له: «إن الله تعالى أنزلك منزلة الصديق وهو يطلب منك الصدق كما تطلبه ~~منه؛ وأنزلك منزلة الفاروق، وهو يطلب منك الفرق بين الحق والباطل كما تطلبه ~~منه، وأنزلك منزلة ذى النورين «3» وهو يطلب منك الحياء والكرامة كما تطلبه ~~منه؛ وأنزلك منزلة على بن أبى طالب وهو يطلب منك العلم كما تطلبه منه». ثم سكت. # فقال له: زدنى! قال: «نعم! إن الله تعالى دارا سماها جهنم وجعلك بوابا ~~لها؛ وأعطاك بيت مال المسلمين وسيفا قاطعا وسوطا موجعا؛ وأمرك أن ترد الخلق ~~من هذه الدار بهذه الثلاث: فمن أتاك من أهل الحاجة فأعطه من هذا البيت؛ ومن ~~تقدم على نهى الله فأوجعه بهذا السوط؛ ومن قتل نفسا بغير حق فاقتله بهذا ~~السيف بأمر ولى المقتول، فإنك إن لم تفعل ذلك فأنت السابق والخلق تابع لك ~~إلى النار». # قال: زدنى! قال: «نعم! أنت العين «4»، والعمال الأنهار، إن صفت العين لم ~~يصر كدر الأنهار؛ وإن كدرت العين لم يرج صفاء الأنهار». PageV01P192 # وقد حكى أن هارون الرشيد قصد الفضيل بن عياض «1» ليلا مع العباس فى داره، ~~فلما وصل إلى بابه سمع قراءته وهو يقرأ: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ~~[الجاثية: 21] فقال هارون للعباس: «إن انتفعنا بشي ء فبهذا». فدق العباس ~~الباب وقال: أجب أمير المؤمنين، قال: وما يعمل عندى أمير المؤمنين؟ فقال: ~~أجب إمامك. ففتح الباب وأطفأ سراجه وجلس فى وسط البيت فى الظلمة، فجعل ~~هارون يطوف حتى وقعت عليه يده فقال: آه من يد ما ألينها إن نجت من عذاب ~~الله يوم القيامة! فجلس وقال: «يا أمير المؤمنين! استعد لجواب الله تعالى ~~يوم القيامة فإنك تحتاج أن تتقدم مع كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة». فجعل ~~هارون يبكى. # فقال العباس: اسكت فقد قتلت أمير المؤمنين. فقال: يا هامان «2» تقتله أنت ~~وأصحابك وتقول لى أنت قتلته؟! فقال هارون: ما سماك هامان إلا وجعلنى فرعون، ~~فقال له هارون: هذا مهر والدتى ألف دينار ms154 تقبلها منى. فقال: يا أمير ~~المؤمنين! لا جزاك الله إلا جزاءك، أقول لك ردها على من أخذتها منه، وتقول ~~لى: خذها أنت؟! فقام وخرج. # وقد حكى عن محمد بن كعب القرظى «3» أنه قال له عمر بن عبد العزيز: صف لى ~~العدل! فقال: يا أمير المؤمنين! كن لصغير المسلمين أبا، وللكبير منهم ابنا، ~~وللمثل أخا؛ وعاقب كل واحد منهم بقدر ذنبه على قدر جسمه؛ وإياك أن تضرب ~~بغضبك سوطا واحدا فتدخل النار. وقد حكى عن الحسن «4» أنه كتب إلى عمر بن PageV01P193 ~~عبد العزيز: أما بعد! فإن الهول الأعظم ومقطعات الأمور كلهن أمامك، لم تقطع ~~منهن شيئا، فلذلك فاعدد ومن شرها فاهرب. والسلام عليك!». # وقد حكى أن بعض الزهاد دخل على بعض الخلفاء فقال له: عظنى! فقال له: «يا ~~أمير المؤمنين! كنت أسافر الصين فقدمتها مدة وقد أصيب ملكها بسمعه، فبكى ~~بكاء شديدا وقال: أما إنى لست أبكى على البلية النازلة ولكنى أبكى لمظلوم ~~على الباب يصرخ فلا يؤذن له ولا أسمع صوته؛ ولكنى إن ذهب سمعى فإن بصرى لم ~~يذهب، نادوا فى الناس: لا يلبس أحد ثوبا أحمر إلا متظلم، ثم كان يركب الفيل ~~فى نهاره حتى يرى حمرة بباب المظلومين. فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله ~~تعالى غلبت عليه رأفته ورحمته على المشركين وأنت مؤمن بالله تعالى من أهل ~~بيت نبيه صلى الله عليه وسلم، كيف لا تغلب رأفتك بالمؤمنين!». # وحكى أيضا أن سليمان بن عبد الملك قدم المدينة وهو يريد مكة. فأقام بها ~~أياما. فأرشد إلى أبى حازم «1»، فدعاه. فلما دخل عليه قال له سليمان: «يا ~~أبا حازم! ما لنا نكره الموت ونحب الحياة؟!» فقال: «لأنكم خربتم آخرتكم ~~وعمرتم الدنيا، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب» فقال: يا أبا ~~حازم! كيف القدوم على الله تعالى غدا؟ قال: «يا أمير المؤمنين! أما المحسن ~~فكالغائب يقدم على أهله؛ وأما المسى ء فكالآبق «2» يقدم على مولاه!» فبكى ~~سليمان وقال: ليت شعرى ما لى عند الله غدا. قال أبو حازم: «اعرض عملك ms155 على ~~كتاب الله تعالى حيث يقول: إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم ~~[الانفطار: 13 - 14]. قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين ~~[الأعراف: 56]. ثم قال PageV01P194 ~~سليمان: يا أبا حازم! أى عباد الله أكرم؟ قال: «أهل المروءة والتقى». قال: ~~أى الأعمال أفضل؟ قال: «أداء الفرائض مع اجتناب المحارم». قال: فأى الدعاء ~~أسمع؟ قال: «دعاء المحسن إليه للمحسنين». قال: فأى الصدقة أزكى؟ قال: «صدقة ~~على السائل الناس، وجهد المقل ليس فيها من ولا أذى». قال: فأى القول أعدل؟ ~~قال: «قول الحق عند من يخاف ويرجى». قال: فأى المؤمنين أكيس؟ # قال: رجل عمل بطاعة الله تعالى وذكر الناس عليها». قال: فأى المؤمنين أفسق؟ # قال: «رجل أخطأ فى هوى أحبه وهو ظالم باع آخرته بدنيا غيره». قال سليمان: ~~فما تقول فيما نحن فيه؟ فقال: «يا أمير المؤمنين! أو تعفينى؟» قال: لا، ~~ولكن نصيحة تلقيها إلى. قال: «يا أمير المؤمنين! إن آباءك قهروا الناس ~~بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضى أحد، حتى ~~قتلوا، وقد قتلوا قتلة عظيمة. وقد ارتحلوا. فلو شعرت ما قالوا وما قيل ~~لهم!» فقال له رجل من جلسائه: بئس ما قلت! قال أبو حازم: «إن الله تعالى ~~أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه» فقال: كيف لنا أن نصلح ~~هذا الفساد؟ فقال: «أن تأخذه من حله، وتضعه فى حقه». فقال: ادع لى! قال أبو ~~حازم: «اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة؛ وإن كان عدوك ~~فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى». فقال سليمان: أوصنى! قال: «أوصيك وأوجز: ~~عظم ربك، ونزهه أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك». # وقد حكى عن أبى قلابة «1» أنه دخل على عمر بن عبد العزيز فقال له: يا أبا ~~قلابة! عظنى! فقال: «يا أمير المؤمنين! إنه لم يبق من لدن آدم صلى الله ~~عليه وسلم إلى يومنا هذا خليفة غيرك». قال له: زدنى! قال: «أنت أول خليفة ~~يموت؟». قال: زدنى! قال إذا كان الله معك ms156 فمن تخاف؟ إذا كان عليك فمن ترجو» ~~قال: حسبى! PageV01P195 # وحكى عن سليمان بن عبد الملك أنه تفكر يوما فقال: كيف تكون حالى وقد ترفهت ~~فى هذه الدنيا؟ فأرسل إلى أبى حازم وقال: تبعث إلى بذلك الذي تفطر عليه ~~بالعشاء، فأنفذ إليه شيئا من النخالة المقلية. قال: أبل هذا بالماء فأفطر ~~به فهو طعامى، فبكى سليمان وعمل ذلك فى قلبه وصام ثلاثة أيام ما ذاق شيئا ~~حتى فرغ بطنه من مأكولاته، ثم أفطر فى اليوم الثالث بتلك النخالة. فقضى أن ~~قارب أهله «1» تلك الليلة فولد له عبد العزيز بن سليمان. ومن عبد العزيز ~~عمر «2» فهو واحد زمانه، وذلك من بركة تلك النية الصادقة. # وحكى أنه قيل لعمر بن عبد العزيز: ما كان بدء توبتك؟ قال: أردت ضرب غلام ~~فقال لى: يا عمر! اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة؛ وحكى أن زاهدا كتب إلى ~~عمر ابن عبد العزيز وقال فى كتابه: اعتصم بالله يا عمر اعتصام الغريق بما ~~ينجيه من الغرق؛ وليكن دعاؤك دعاء المنقطع المشرف على الهلكة، فإنك قد ~~أصبحت عظيم الحاجة شديد الإشراف على المعاطب. # وقد حكى عن هارون الرشيد أنه قال للفضيل: عظنى! قال: بلغنى أن عمر بن عبد ~~العزيز شكا إليه بعض عماله، فكتب إليه: «يا أخى! اذكر سهر أهل النار فى ~~النار مع خلود الأبد بعد النعيم والظلال، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك نائما ~~ويقظان، وإياك أن يتصرف بك من عند الله فتكون آخر العهد منقطع الرجاء». ~~فلما قرأ الكتاب قدم على عمر فقال له: ما أقدمك؟ قال: «خلع قلبى كتابك، لا ~~وليت ولاية حتى ألقى الله تعالى». # وقد حكى عن إبراهيم بن عبد الله الخراسانى أنه قال: حججت مع أبى سنة حج ~~الرشيد، فإذا نحن بالرشيد وهو واقف حاسر حاف على الحصباء، وقد رفع يديه وهو ~~يرتعد ويبكى ويقول: «يا رب! أنت أنت، وأنا أنا؛ أنا العواد إلى الذنب وأنت ~~العواد إلى المغفرة اغفر لى!» فقال لى: يا بنى! انظر إلى جبار الأرض كيف ~~يتضرع إلى ms157 جبار السماء! PageV01P196 # وحكى أنه دخل رجل عل عبد الملك بن مروان وكان يوصف بحسن العقل والأدب. فقال ~~له: عظنى! فقال: «يا أمير المؤمنين! إن للناس فى القيامة جولة لا ينجو من ~~غصص مرارتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه». # قال: فبكى عبد الملك بن مروان، ثم قال: «لا جرم لأجعلن هذه الكلمات مثالا ~~نصب عينى ما عشت أبدا؛ وحكى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لأبى حازم: عظنى! ~~قال: «اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك ~~الساعة فخذ به الآن؛ وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن، فلعل ~~الساعة قريبة». # وحكى أن أعرابيا دخل على سليمان بن عبد الملك، فقال له: تكلم يا أعرابى! ~~فقال: «يا أمير المؤمنين! إنى لمكلمك بكلام فاحتمله؛ وإن كرهته فإن وراءه ~~ما تحب إن قبلته، فقال: يا أعرابى! إنا لنجود بسعة الاحتمال على من نرجو ~~نصحه ونأمن غشه، فقال الأعرابى: إنه قد تكنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم ~~فابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربهم؛ خافوك فى الله، ولم يخافوا الله ~~فيك؛ حرب للآخرة، سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما امتحنك الله عليه، فإنهم ~~لن يألوا فى الأمانة تضييعا وفى الأمة خسفا وعسفا؛ وأنت مسئول عما اجترحوا ~~وليسوا بمسئولين عما اجترحت؛ فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإن أعظم الناس ~~غبنا من باع آخرته بدنيا غيره. فقال سليمان: أما أنت يا أعرابى قد سللت ~~لسانك وهو أقطع من سيفك! قال: أجل! يا أمير المؤمنين! ولكن عليك، لا لك. # وقد حكى أن صالح بن بشير «1» دخل على المهدى وجلس معه على الفراش، فقال ~~له المهدى: عظنى! قال: «أليس قد جلس هذا المجلس أبوك وعمك قبلك؟» قال: نعم! ~~قال: «فكانت لهم أعمال ترجو لهم بها النجاة من الله تعالى؟» قال: PageV01P197 # نعم! قال: «وأعمال تخاف عليهم بها الهلكة؟» قال: نعم. قال: فانظر ما رجوت ~~لهم فأته وما خفت عليهم فاجتنبه! قال: قد أبلغت وأوجزت. # وقد حكى أن أبا ms158 بكرة «1» دخل على معاوية فقال: اتق الله يا معاوية! وأعلم ~~أنك فى كل يوم يخرج عنك، وفى كل ليلة تأتى عليك لا تزداد من الدنيا إلا ~~بعدا، ومن الآخرة إلا قربا، وعلى أثرك طالب لا تفوته، وقد نصب لك علم لا ~~تجوزه، فما أسرع ما يبلغ العلم، وما أقرب ما يلحق بك الطالب! وإنا وما نحن ~~فيه زائل، والذي نحن صائرون إليه باق: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. # ومنها: أن تكون العادة الغالبة على والى الأمر العفو والحلم وحسن الخلق ~~وكظم الغيظ مع القدرة، فقد حكى أنه حمل إلى أبى جعفر رجل قد جنى جناية فأمر ~~بقتله، فقال المبارك «2» بن فضالة وكان حاضرا: يا أمير المؤمنين! ألا أحدثك ~~حديثا سمعته من الحسن؟ قال: وما هو؟ قال: سمعت الحسن رحمه الله يقول: «إذا ~~كان يوم القيامة جمع الناس فى صعيد واحد فيقوم مناد ينادى: من له عند الله ~~يد فليقم، فلا يقوم إلا من عفا». فقال: خلوا عنه. # وحكى عن عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم أنه قال ليحيى بن زكريا صلى ~~الله عليه وسلم: إذا قيل لك ما فيك فأحدث لله شكرا، وإذا قيل ما ليس فيك ~~فأحدث لله شكرا أعظم منه، إذا تيسرت لك حسنة لم يكن لك فيها عمل. # وروى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة «3» ~~إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» وحكى أن رجلا أتى إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن خادمى يسى ء ويظلم أفأضربه؟ قال: ~~تعفو عنه كل يوم سبعين مرة. وروى عن على PageV01P198 ~~ابن أبى طالب رضى الله عنه عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أدلك ~~على خير أخلاق الأولين والآخرين؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: «تعطى ~~من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك». وروى عن عمر بن «1» عبيد الله أنه ~~قال: «ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان: إذا غضب لم يخرجه غضبه إلى ms159 الباطل، ~~وإذا رضى لم يخرجه رضاه عن الحق؛ وإذا قدر لم يأخذ ما ليس له». # وقد روى عن على بن الحسين «2» رضى الله عنهما أنه خرج من المسجد فلقيه ~~رجل فسبه، فثارت إليه العبيد والموالى، فقال على بن الحسين: «مهلا عن ~~الرجل». ثم أقبل عليه وقال: «ما ستر عنك من أمرنا لكثير! ألك حاجة نعينك ~~عليها؟» فاستحيا الرجل ورجع إلى نفسه. فألقى إليه خميصة «3» كانت عليه، ~~وأمر له بألف درهم. فكان الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنك من أولاد الرسل. وقد ~~روى عنه أيضا أنه دعا مملوكا له مرتين فلم يجبه. ثم أجابه فى الثالثة. فقال ~~له: أما سمعت صوتى؟ قال: بلى! قال: فما بالك لم تجبنى؟ قال: أمنتك. قال: ~~الحمد لله الذي جعل مملوكى بحيث يأمننى. # وقد حكى أنه جاء غلام لأبى ذر بشاة له قد كسر رجلها، فقال له أبو ذر: من ~~كسر رجل هذه الشاة؟ قال: أنا. قال: ولم فعلت ذلك؟ قال: عمدا لأغضبك فتضربنى ~~فتأثم، قال أبو ذر: «لأغيظن من حضك على غيظى» فأعتقه. # وروى عنه أنه شتمه رجل؛ فقال: يا هذا! إن بينى وبين الجنة عقبة، فإن أنا ~~جزتها فو الله ما أبالى بقولك، وإن قصرت دونها فأنا أهل لأشر مما قلت. # وروى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من لم تكن فيه PageV01P199 ~~واحدة منهم فلا يعتدن بشي ء من عمله: من لم تكن فيه تقوى تحجزه عن معاصى ~~الله، أو حلم يكفه عن السفه، أو خلق يعيش به فى الناس؛ وثلاث من كان فيه ~~واحدة منهن زوج من الحور العين: رجل اؤتمن على أمانة خفية شهية فأداها من ~~مخافة الله تعالى، ورجل عفا عن قاتله، ورجل قرأ: قل هو الله أحد فى دبر كل ~~صلاة؛ ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن أكن خصمه أخصمه: رجل استأجر أجيرا ~~فظلمه ولم يوفه أجره، ورجل حلف بى ثم غدر، ورجل باع حرا وأكل ثمنه، ومن كفل ~~ثلاثة أيتام كان كالذى قام ms160 ليله وصام نهاره وغدا وراح شاهرا سيفه فى سبيل ~~الله وكنت أنا وهو فى الجنة كهاتين وأشار إلى السبابة والوسطى». # وقد روى عن على رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ~~الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم، وإنه ليكتب جبارا وما يهلك ~~إلا أهل بيته». # وروى ابن عباس عن على رضى الله عنهما أنه قال: وصانى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين زوجنى فاطمة رضى الله عنها خصوصا دون غيرى، فكان مما أوصانى ~~به أن قال: «يا على! لا تغضب! وإذا غضبت فاقعد واذكر قدرة الله تعالى على ~~العباد وحلمه عنهم، وإذا قيل لك: اتق الله فاترك غضبك عنك، وارجع بحلمك». # وقد روى ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن لجنهم بابا لا ~~يدخل إلا من شفى غيظه بمعصية الله». # وروى أن إبليس اللعين ظهر لموسى صلى الله عليه وسلم فقال له: يا موسى! ~~إنك الليلة تناجى ربك، ولى إليك حاجة فاقضها وأنا أعلمك خصالا ثلاثا فيهن ~~الدنيا والآخرة. فقال له موسى: ما هذه الخصال؟ قال: «إياك والحدة فإنى ألعب ~~بالرجل الحديد «1» كما تلعب الصبيان بالكرة. يا موسى! إياك والنساء فإنى لم ~~أنصب قط فخا أثبت فى PageV01P200 ~~نفسى من فخ أنصبه بامرأة، يا موسى! إياك والشح فإنى أفسد على الشحيح الدنيا ~~والآخرة». # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كظم غيظا وهو يقدر ~~على إنفاذه ملأه الله إيمانا وأمنا؛ ومن وضع ثوب جمال تواضعا لله وهو يقدر ~~عليه كساه الله تعالى حلة الكرامة». # وحكى أن ذا القرنين لقى ملكا من الملائكة فقال له: علمنى عملا أزداد به ~~إيمانا ويقينا! فقال: «لا تغضب، فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم إذا ~~غضب، وإذا غضبت فرد الغضب بالكظم وسكنه بالتؤدة. وإياك والعجلة فإنك إذا ~~عجلت أخطأت حظك؛ وكن سهلا لينا للقريب والبعيد؛ ولا تكن جبارا عنيدا. # وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms161 «الويل لمن يغضب ~~وينسى غضب الله تعالى! عباد الله! إياكم والغضب والظلم فإن عقوبتهما شديدة، ~~ومن غضب فى غير ذات الله جاء يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه». # وروى أبو هريرة أيضا: أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: يا رسول الله دلنى على عمل يدخلنى الجنة! قال: «لا تغضب، ولك الجنة» ~~قال: زدنى! قال: «استغفر الله تعالى دبر صلاة العصر سبعين مرة يغفر الله لك ~~ذنب سبعين سنة». # قال: ليس لى ذنوب سبعين سنة. قال: «فلأمك». قال: ولا لأمى. قال: ~~«فلأبيك». قال: ولا لأبى. قال: «فلإخوانك». # وقد روى عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم! قسم ~~قسما، فقال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. قال ابن مسعود: ~~يا عدو الله! لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فاحمر وجهه ~~وقال: «رحمة الله على موسى! قد أوذى بأكثر من هذا فصبر». PageV01P201 # وهذا القدر الذي روى من الآثار والأخبار وسير الخلفاء وأئمة الأعصار كاف ~~للمتعظ به وللمصغى إليه فى تهذيب الأخلاق ومعرفة وظائف الخلافة، فالعامل به ~~مستغن عن المزيد. # والله ولى التوفيق # تم الكتاب، والحمد لله رب العالمين؛ وصلى الله على سيد الأولين والآخرين، ~~وعلى آله الطيبين الطاهرين. # وقع الفراغ منه يوم السبت لسبعة عشر يوما خلت من شهر ربيع الآخر سنة خمس ~~وستين وستمائة (665 - ه) «1». PageV01P202 ### | AUTO الفهرس # الموضوع الصفحة المقدمة 3 # نبذة عن الكتاب 6 # تعريف بالإمام أبى حامد الغزالى 7 # الباب الأول: فى الإعراب عن المنهج الذي استنهجته فى هذا الكتاب 17 # المقام الأول 17 # المقام الثانى 18 # المقام الثالث 18 # الباب الثانى: فى بيان ألقابهم والكشف عن السبب الداعى لهم على نصب هذه ~~الدعوة 21 # الفصل الأول: فى ألقابهم التى تداولتها الألسنة على اختلاف الأعصار ~~والأزمنة وهى عشرة ألقاب: الباطنية، (والقرامطة والقرمطية)، (والخرمية ~~والخرمدينية)، والإسماعيلية، والسبعية، والبابكية، والمحمرة، والتعليمية 21 # الفصل الثانى: فى بيان السبب الباعث لهم على نصب هذه الدعوة وإفاضة هذه ms162 ~~البدعة 26 # الباب الثالث: فى درجات حيلهم، وسبب الاغترار بها مع ظهور فسادها 29 # الفصل الأول: فى درجات حيلهم 29 # الفصل الثانى: فى بيان السبب فى رواج حيلتهم وانتشار دعوتهم مع ركاكة ~~حجتهم وفساد طريقتهم 38 PageV01P203 ~~الباب الرابع: فى نقل مذهبهم جملة وتفصيلا 43 # الطرف الأول 44 # الطرف الثانى 46 # الطرف الثالث 47 # الطرف الرابع 49 # الطرف الخامس 51 # الباب الخامس: فى إفساد تأويلاتهم للظواهر الجلية واستدلالاتهم بالأمور ~~العددية 59 # الفصل الأول: فى تأويلاتهم للظواهر 59 # الفصل الثانى: فى استدلالاتهم بالأعداد والحروف 68 # الباب السادس: فى الكشف عن تلبيساتهم التى زوقوها بزعمهم فى معرض البرهان ~~على إبطال النظر العقلى وإثبات وجوب التعلم من الإمام المعصوم 73 # المنهج الأول 77 # المنهج الثانى 86 # الباب السابع: فى إبطال تمسكهم بالنص فى إثبات الإمامة والعصمة 121 # الفصل الأول: فى تمسكهم بالنص على الإمامة 121 # الفصل الثانى: فى إبطال قولهم إن الإمام لا بد أن يكوم معصوما من الخطأ ~~والزلل والصغائر والكبائر 129 # الباب الثامن: فى الكشف عن فتوى الشرع فى حقهم من التكفير وسفك الدم 133 # الفصل الأول: فى تكفيرهم أو تضليلهم أو تخطئتهم 133 المرتبة الأولى 133 # المرتبة الثانية 136 PageV01P204 ~~الفصل الثانى: فى أحكام من قضى بكفره منهم 141 # الفصل الثالث: فى قبول توبتهم وردها 145 # الفصل الرابع: فى حيلة الخروج عن أيمانهم وعهودهم إذا عقدوها على ~~المستجيب 148 # الباب التاسع: فى إقامة البراهين الشرعية على أن الإمام القائم بالحق ~~الواجب على الخلق طاعته فى عصرنا هذا هو الإمام المستظهر بالله حرس الله ~~ظلاله 153 # القول فى الصفة الأولى 163 # القول فى الصفة الثانية 166 # القول فى الصفة الثالثة 167 # القول فى الصفة الرابعة 171 # الباب العاشر: الوظائف الدينية التى بالمواظبة عليها يدوم استحقاق ~~الإمامة 175 # القول فى الوظائف العملية 181 PageV01P205 ~~ # ### |EDITOR| # ENDNOTES # (1) أوقارا: أحمالا. # (2) يحتقبون: يجمعون ويحتبسون. # (3) إشارة إلى قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام بدعائه على قومه: وقال ~~نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26]. # (4) مدينة ms163 السلام: بغداد. سماها بذلك أبو جعفر المنصور الذي بناها. # (5) نسبة إلى الخليفة العباسى أحمد المستنصر بالله (كان خيرا فاضلا ذكيا ~~بارعا، وكانت أيامه ببغداد كأنها الأعياد، وكان راغبا في البر والخير، ~~مسارعا إلى ذلك، لا يرد سائلا؛ وكان جميل العشرة لا يصغى إلى PageV01P012 # أقوال الوشاة من الناس، وقد ضبط أمور الخلافة جيدا وأحكمها، وكان لديه علم ~~كثير) توفي سنة 512 ه. (البداية والنهاية) (ج 12/ 225). # (1) يعنى الإمام الغزالى نفسه. # (2) اليفاع: كل ما ارتفع من الأرض. # (3) الزباء: الكثيرة الفروع. # (4) الثنوية: مذهب الذين يجعلون مع الله إلها آخر (قديما أو حديثا). PageV01P013 # (1) وقد أثر عن عمر رضى الله عنه أنه كان يردد هذين البيتين أيضا. # (2) ولقد ظهرت كراسة منذ بضع سنوات تحمل عنوان (عليها تسعة عشر)؛ كاتبها ~~يدعى رشاد خليل. زوق فيها كثيرا كثيرا من التأويلات والتفسيرات العددية ~~للآيات والسور القرآنية. خدع بها العامة، وتداولوها، وهي ولا شك بدعة ليست ~~مستحدثة، بل مردها ومنبتها أصول الباطنية، وقد ردها على صاحبها كثير من ~~العلماء الفضلاء، وبينوا عوارها، وأغراضها الخبيثة. PageV01P014 # (1) كذا فى الأصل؛ والصواب: النبوى الشريف. PageV01P015 # (1) استركوا: استضعفوا من: رك الشي ء، يرك ركة وركاكة: رق وضعف، فهو ركيك. # (2) استغثوا: الغثيث والغث: اللحم المهزول، وهو أيضا: الحديث الردى ء ~~الفاسد. # (3) ذو الحجى: (الحجا) العقل، وألفه بالمد وليس بالقصر. (مختار الصحاح ~~للجوهرى). PageV01P017 # (1) يقصد الإمام الغزالى رحمه الله: الاختصاص. PageV01P018 # (1) الفن: العلم. # (2) يؤم: يقصد. # (3) جزء من حديث نبوي شريف. # (4) كدورة التمويه؛ الكدورة: ضد الصفو، والتمويه: التلبيس؛ أو الطلاء ~~بالذهب والفضة وتحته نحاس أو حديد. PageV01P019 # (1) القرامطة والقرمطية: مسمى واحد. # (2) الخرمية، والخرمدينية: مسمى واحد أيضا؛ ومعهم البابكية. # أ. القرامطة: نسبة إلى حمدان قرمط. # ب. الخرمية: نسبة إلى بابك الخرمى. # (3) الأوزار: الآثام. PageV01P021 # (1) عصام: من العصمة، أى المنع من الزلل والإثم والخطأ. # (2) قرمط: رأس القرامطة فى الباطنية، وإليه نسبتهم. قيل اسمه: حمدان أو ~~الفرج بن عثمان أو الفرج بن رغبى وقرمط: لقبه. # أصله من خوزستان، ظهر فى الكوفة سنة 258، وأظهر الزهد والتقشف، واستمال ~~إليه بعض الناس، وأراهم كتابا قيل أوله: بسم الله الرحمن ms164 الرحيم، يقول ~~الفرج بن عثمان، وهو عيسى وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن ~~الحنفية وهو جبريل. وفى الكتاب كثير من كلمات الكفر والتحليل والتحريم. # وكثر أتباعه والمغترون به، وقبض عليه أيام الخليفة المتوكل وقتل سنة 263 ه. PageV01P022 # (1) السر المخزون: اعتمدت الباطنية، من خلال دعاتها على الغموض فى الكلمات ~~والحركات، والأقوال والأفعال، والأسرار؛ والإشارات، والرموز .. إلخ. # (2) المزدكية: نسبة إلى مزدك الفارسى. # (3) قباذ: أحد أكاسرة الفرس. PageV01P023 # (1) بابك الخرمى: أصله من فارس كان بدء خروجه أيام الخليفة المأمون واستفحل ~~أمره طوال عشرين سنة حتى أيام الخليفة المعتصم إلى أن وقع فى يد الأفشين؛ ~~فساقه إلى المعتصم حيث قتل أبشع قتله. # (2) هذه مغالطة تاريخية، تابع فيها الإمام الغزالى- البغدادى- فى كتابه ~~«الفرق بين الفرق». # إذ لم تكن غضبة المعتصم على الأفشين لممالأته بابك الخرمى، بل لأمور مالية ~~ومخالفات أخذ بها الأفشين، ذكرها ابن الأثير فى حوادث سنتى (225 - 226) ه. ~~(ج: 2) (ص: 173 - 175). # أما الذي صلب إلى جانب بابك فهو المازيار بن مازن، صاحب جبال «طبرستان»، ~~الذي خرج أيضا على المعتصم. # (3) ابن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب. # (4) شجرة النسب. # (5) من الثابت تاريخيا أنه مات ولا عقب له. PageV01P024 # (1) لعل اهتمام الإمام جعفر بن محمد رضي الله عنه بعلم الفلك- وقد كان أحد ~~اهتماماته- قد جرهم إلى هذا التوهم، وهذا السقوط. # (2) ورغم ما ذهب إليه الإمام الغزالى فى اعتماد الرأي الأول وتصحيحه، فإن ~~المحمرة قد شاعت عنهم وذاعت فكرة الاستعلاء ودمغ العامة من المخالفين لهم ~~بأنهم كالحمر. PageV01P025 # (1) الثنوية: مذهب فلسفي قديم يقوم على الإلحاد. # (2) منمسون: محتالون. # (3) الزرق: الخداع. PageV01P026 # (1) الروافض: نسبة إلى ما لقيه على- كرم الله وجهه- من رفض لتأييده ~~ومؤازرته فى مواجهة «معاوية بن أبى سفيان» يوم صفين؛ من الخوارج وغيرهم. # (2) والملاحظ أن كل تلك الدعوات إنما ظهرت بعيدا عن مركز الخلافة، وفى عمق ~~بلاد فارس وخراسان وغيرهما. PageV01P027 # (1) الزرق: الخداع. # (2) السبخة: واحدة السباخ وأرض سبخة: ذات ملح ونز، لا تصلح للزرع والنماء. PageV01P029 # (1) بنو تيم: عشيرة أبي بكر رضى الله عنه، فهو تيمي. ms165 # (2) بنو عدى: عشيرة عمر رضى الله عنه، ويقال عدوى. # (3) بنو أمية بن عبد شمس- الأمويون-. # (4) بنو العباس بن عبد المطلب- الهاشمى-. PageV01P030 # (1) غوامض المسائل: عويصها. PageV01P031 # (1) كذا فى المطبوعة؛ والصحيح: ولا ظهرا. # (2) رواه مسلم فى صحيحه؛ وأبو داود والنسائى وابن حبان. # (3) وتسمى بيعة الرضوان؛ وكانت يوم الحديبية وشملت المهاجرين والأنصار ~~جميعا يقول تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ~~[الفتح: 18]. PageV01P033 # (1) يعنى: بالخيار. PageV01P034 # (1) الربط: العهد والميثاق، والدخول فى الحوزة بحيث يصبح المعاهد واحدا من ~~الجماعة؛ يأتمر بأمرهم وينفذ مشيئتهم. # (2) الحديث المشهور: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدى: كتاب ~~الله وسنتى». PageV01P035 # (1) كلمتان ممحوتان في مخطوطة القرويين. # (2) كلمتان ممحوتان أيضا فى نفس المخطوطة. PageV01P037 # (1) أول من قال بذلك عبد الله بن سبأ- المعروف بابن السوداء؛ وكان ذلك فى ~~حياة على- رضى الله عنه-؛ وقد أنكر عليه ذلك؛ وأهدر دمه. PageV01P039 # (1) أفلاطون، وأرسطو فيلسوفى اليونان ولقد كان الإمام الغزالى أشهر من سفه ~~الفلسفة وهاجمها فى كتابه: [تهافت الفلاسفة]. PageV01P040 # (1) غبوا: من غبب الشي ء: غيبه وستره أى: أخفوا مكامن الخداع بالألفاظ ~~العامة المبهمة. PageV01P041 # (1) ولقد كان هذا الأمر ظاهرا فى التاريخ من خلال الوقائع والأحداث. PageV01P043 # (1) وهذه أولى علامات الشرك؛ وهى الثنوية عينها. # (2) انظر وتأمل إلى تلاعبهم بالألفاظ. PageV01P044 # (1) تحذقوا: مهروا- ولعلها: تحذلقوا. PageV01P045 # (1) فن الكلام: علم الكلام. والملاحظ أن الإمام الغزالى يسير في الرد على ~~دعاويهم ومفترياتهم بأسلوب المناطقة. PageV01P046 # (1) فى كتابه: تهافت الفلاسفة. PageV01P047 # (1) يوشع بن نون؛ هو فتى موسى عليه السلام الذي رافقه فى رحلته إلى التعرف ~~على النبي الصالح الذي آتاه الله من لدنه علما؛ وجاءت قصته فى سورة الكهف. # (2) الحسن بن على بن أبى طالب. PageV01P048 # (1) الحسين بن على بن أبى طالب. # (2) على بن الحسين- زين العابدين. # (3) محمد الباقر، بن على بن الحسين. # (4) جعفر الصادق بن محمد الباقر- رضى الله عنهم. PageV01P049 # (1) الحديث رواه البخارى ومسلم، وبصيغ مختلفة. # (2) التناسخ أو التقمص، مذهب فلسفى قديم، قال به الهنود والصينيون؛ ودرج ~~عليه بعض دعاة الباطنية من الإسماعيلية وغيرهم. فالذى يتحلل من الجسم ~~الإنسانى ماديته الترابية، أما الروح فإنها تنتقل إلى ذات أخرى. PageV01P050 # (1) إشارة إلى ms166 قوله تعالى فى سورة الروم وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو ~~أهون عليه [آية: 27]. PageV01P053 # (1) إحالته أى: استحالته. PageV01P054 # (1) ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ~~(13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا ~~العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ثم إنكم ~~بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون [المؤمنون: 13 - 16]. PageV01P055 # (1) القلب: العكس؛ رأسا على عقب. PageV01P056 # (1) مخاريق: أكاذيب ومفتريات. والتخرق لغة فى التخلق من الكذب (مختار ~~الصحاح). # (2) هو ما يعبر به عندهم بالنكاح الروحى. # (3) الواو بين الأقواس ناقصة فى الأصل. PageV01P059 # (1) مقابل العقال: وهذا مفهوم بعض مذاهب الباطنية (الدروز). # (2) الأصح: إسماعيل. PageV01P060 # (1) يوسف النجار: خطيب مريم؛ وهم فى قولهم هذا يوافقون اليهود بدعواهم ~~الزنى على مريم عليها السلام كبرت كلمة تخرج من أفواههم. PageV01P061 # (1) قوله: صلى الله عليه وسلم: رواه أحمد والترمذي وابن حبان وصيغته ~~المشهورة: «إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل أو صورة». PageV01P062 # (1) متفق عليه. # (2) رواه السبعة. PageV01P063 # (1) يتبجح: (بجحه فتبجح) أى: فرحه ففرح. # (2) مرغمة؛ راغم فلانا: هجره وعاداه (مختار الصحاح). # (3) وفى الحديث: تتورم. # (4) يتنمس؛ من تنمس الصائد: اتخذ بيتا يستتر فيه للصيد، والمعنى المقصود ~~هنا: يلبس ويدلس. PageV01P066 # (1) استركوها: استضعفوها؛ وجدوها ركيكة. # (2) اجتووها: كرهوها. PageV01P068 # (1) حديث متواتر وأصل من أصول الإسلام وقاعدة؛ رواه أبو هريرة؛ ورد فى ~~صحيحى البخارى ومسلم كما رواه أبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجه فى ~~سننهم. والرواية المشهورة هى: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله ~~إلا الله وأنى رسول الله؛ فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها ~~وحسابهم على الله». PageV01P069 # (1) باهتم: بهته: أخذه بغتة، وبابه قطع؛ ومنه قوله تعالى: بل تأتيهم بغتة ~~فتبهتهم، وبهته أيضا: قال عليه ما لم يفعله، فهو (مبهوت) وبابه قطع، ~~و(بهتا) أيضا بفتح (الهاء) و(بهتانا) فهو (بهات) بالتشديد والآخر (مبهوت). ~~و(بهت) بوزن علم أى دهش وتحير و(بهت) بوزن ظرف مثله. وأفصح منهما (بهت) كما ~~قال الله تعالى: فبهت الذي كفر (مختار الصحاح). PageV01P070 # (1) عتيق: لقب أبى بكر رضى الله ms167 عنه وليس اسمه، وقيل: اسمه؛ وقيل اسمه: عبد ~~الكعبة- أيضا-؛ وهذا قبل الإسلام. ولقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم باسم ~~عبد الله؛ ولكن غلبت عليه الكنية. # (2) الراوندية: نسبة إلى أحمد بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسين الراوندى؛ ~~ونسبته إلى راوند من قرى أصبهان كان مجاهرا بالإلحاد، وأحد مشاهير ~~الزنادقة. تكلم فيه العسقلانى وابن الجوزى وابن خلكان وأبو العلاء المعرى. ~~صلب ببغداد سنة 298 ه. # (3) إبراهيم بن محمد بن على. # (4) هذه المجاراة لهم فى اعتدادهم بالأعداد لم يقصد بها الإمام الغزالى ~~الحقيقة، بل استخفافا منه بهم، وهزءا لهم. PageV01P071 # (1) يقصد الإمامة الفاطمية؛ وأشهرهم على الإطلاق الحاكم بأمر الله؛ وهو ~~الذي عناه الإمام الغزالى. PageV01P073 # (1) السعل: السعال، بحركة مصطنعة. PageV01P075 # (1) متفق عليه. PageV01P077 # (1) أقليدس: عالم الحسابيات والهندسة. # (2) البركار: آلة هندسية ذات ساقين لرسم الدائرة، (البيكار) أو (البرجل). PageV01P079 # (1) باهت: قال غير الحقيقة. PageV01P080 # (1) السوفسطائية أو السفسطائية قالوا بإنكار الحسيات والبديهيات. PageV01P082 # (1) معاذ بن جبل- رضى الله عنه- عند ما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى اليمن. PageV01P085 # (1) أهل السواد: الفلاحون والمزارعون. PageV01P088 # (1) آراب؛ جمع مفرده إرب بكسر الهمزة، ومعناه: العضو. # (2) سومه: مذهبه وطريقته. PageV01P089 # (1) زمن؛ الزمن (المبتلى) - (الطاعن فى السن). # (2) متفق عليه. PageV01P094 # (1) فن الكلام: علم الكلام. PageV01P097 # (1) دركات لظى قعر جهنم وقاعها. الدركات: المنازل، لظى: جهنم. PageV01P098 # (1) التقية: إضمار عداوة الحاكم الطاغية فى النفس اتقاء لشره وأذاه. مأخوذة ~~من قول الله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن ~~يفعل ذلك فليس من الله في شي ء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه ~~وإلى الله المصير [آل عمران: 28]. PageV01P099 # (1) جيلان: اسم لبلاد كثيرة تقع وراء طبرستان، تختلف تضاريسها بين مروج وجبال. # (2) كان على بن كحلا هذا؛ بمنزلة الرسول من الله لدى الشاباسية. # (3) الشاباسية: نسبة إلى شاباس أو شباس ادعى أصحابه وأتباعه الألوهية له. PageV01P100 # (1) الحلول؛ أى: حلول الذات الإلهية فى الإنسان؛ فيتحد فيه اللاهوت ~~بالناسوت! وهى فلسفة هندية (بوذية) قديمة؛ ثم يتوارث ذلك فى السلالة ~~والذرية. # (2) الحلاج: صلب أيام الخليفة المقتدر العباسى سنة 309 ه. كان كما قال عنه ~~ابن النديم: محتالا ms168 يتعاطى مذاهب الصوفية، ويدعى كل علم جورا على السلاطين، ~~مرتكبا للعظائم ويراه آخرون فيلسوفا إشراقيا، يقول بالحلول. # (3) أبو يزيد البسطامى: طيفور بن عيسى البسطامى- أبو يزيد، ويقال: بايزيد ~~زاهد مشهور، له أخبار كثيرة. # نسبته إلى «بسطام» بلدة بين خراسان والعراق، أصله منها ووفاته فيها (188 - ~~261) ه. # (4) الناسوت: الجانب البشرى الإنسانى فى كيان ابن آدم (المادية الترابية). PageV01P101 # (1) ذكرنا من قبل أن ابن السوداء- عبد الله بن سبأ اليهودى الأصل؛ كان أول ~~من زعم ذلك فى على- كرم الله وجهه-. # (2) المواصير: أقل العطاء. # (3) استئداء: طلب الأداء. # (4) الإبريسم: كلمة معربة؛ فارسية الأصل؛ نوع من القماش الحريرى الفاخر. PageV01P102 # (1) البراهمة: إحدى الطوائف الإلحادية القديمة: منشؤها فى الهند. PageV01P106 # (1) الحاكم بأمر الله الفاطمى. PageV01P113 # (1) القلب: رد الحجة عليه بمثلها. PageV01P116 # (1) رواه البخارى ومسلم. # (2) رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائى وتمام الحديث: [ ... ~~إلا أنه لا نبى بعدى]. # (3) البكرية: نسبة إلى أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- أى الذين قالوا بالنص ~~على إمامته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # (4) الروندية: الذين قالوا بإمامة العباس بن عبد المطلب وأولاده من بعده ~~نصا متواترا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV01P124 # (1) لقد هادنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحالفهم وعقد معهم العقود عند ~~هجرته إلى المدينة لكنهم غدروا ونقضوا؛ بنو قينقاع وبنو النضير، وبنو ~~قريظة؛ ثم اتخذوا من خيبر منطلق تآمر على المسلمين؛ وحاربهم جميعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، حتى أجلاهم عن المدينة وخيبر. PageV01P125 # (1) تلك مقولة الحباب بن المنذر فى سقيفة بنى ساعدة عند وفاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، واجتماع الأنصار لاختيار خليفة. والعذيق: تصغير عذق، وهو ~~النخلة بحملها. والجذيل المحكك: الذي ينصب فى معاطن الإبل، لتحتك به الجربى ~~فتشفى. فشبه نفسه بذلك، لأنه يلجأ إليه ويشتفى برأيه. PageV01P126 # (1) المصحرون، من: أصحر القوم، إذا أوغلوا فى الصحراء؛ واتخذوها مقاما أو ملاذ. # (2) رواه مسلم وأبو داود. PageV01P127 # (1) دركه: إدراكه. PageV01P129 # (1) بيضة القوم: حوزتهم وحماهم؛ الذب عن بيضته: الدفاع عن حماه. PageV01P130 # (1) ثائرتها: ونائرتها بمعنى واحد. # (2) المتعسس؛ من: عس، وهو: نفض الليل عن أهل الريبة، فهو: عاس. ms169 وعسعس ~~الليل: أقبل ظلامه. # (3) يجاحد: يجحد وينكر. PageV01P131 # (1) القحوم؛ من: قحم، من باب: نصر. قحوما: رمى نفسه فى أمر عظيم، يقال: قحم ~~فى، فهو قاحم. # (2) كما روى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام أنه كذب فى دعواه أمام الملك أن ~~سارة أخته وليست زوجته. PageV01P134 # (1) الآية: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة [النور: 4]. PageV01P135 # (1) تثنيته: أى جعلهما إلهين اثنين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P136 # (1) الملكية: الملائكية. PageV01P137 # (1) حديث قدسى. PageV01P138 # (1) متفق عليه. PageV01P139 # (1) متفق عليه. # (2) قربها: أغمادها. PageV01P141 # (1) أبضاع نسائهم: تزوجهن. PageV01P142 # (1) ذكره أبو يعلى فى «مسنده» والطبرانى فى «الكبير» والبيهقى فى «السنن ~~الكبرى» عن الأسود بن سريع، والحديث صحيح؛ ويرد أحيانا فى هذه الصيغة: «كل ~~مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه». PageV01P144 # (1) ذكره الشيخان البخارى ومسلم فى الصحيحين وأبو داود والترمذي والنسائى ~~وابن ماجه فى السنن عن أبى هريرة؛ وهو متواتر، ومن صيغه: «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله؛ فإذا قالوها عصموا ~~منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله».- وهذا الحديث أصل من ~~أصول الإسلام وقاعدة من قواعده. # (2) فرقا: خوفا. # (3) متفق عليه. PageV01P145 # (1) الخبر: يعنى به ما ورد من فعل أسامة بن زيد رضى الله عنهما وما قاله له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV01P146 # (1) رحض: غسل. # (2) وضر: وسخ وقذر. PageV01P147 # (1) الحديث رواه مسلم فى كتاب الأيمان والنذور، (صحيح مسلم ج 4 ص 10). PageV01P149 # (1) الرمكة: الفرس والبرذونة تتخذ للنسل، والجمع رمك ورماك. # (2) الإداوة: إناء صغير يحمل فيه الماء؛ والجمع: أداوى. # (3) كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين أو صوم ثلاثة أيام. # (4) رواه أحمد بن حنبل فى «مسنده» ومسلم فى «صحيحه» والترمذي فى «السنن» عن ~~أبى هريرة. PageV01P150 # (1) راجع ص (3). PageV01P153 # (1) هو أبو بكر الأصم الذي كان «يزعم أن القرآن جسم مخلوق، وأنكر الأعراض ~~أصلا، وأنكر صفات البارى تعالى» (الشهرستانى: «الملل والنحل» بهامش «الفصل» ~~لابن حزم، ج 2 ص 81؛ القاهرة سنة 1347 ه) ويعرف مذهبه وأتباعه بالكيسانية. PageV01P154 # (1) الروندية (أو الريوندية كما فى «شذرات الذهب») جماعة ms170 ظهرت فى سنة 141 ~~ه، «وهم قوم خراسانيون على رأى أبى مسلم «الخراسانى» صاحب الدعوة ~~«العباسية» يقولون بتناسخ الأرواح، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم: المنصور، ~~وأن الهيثم بن معاوية: جبريل؛ فأتوا قصر المنصور وطافوا فيه .. » («شذرات ~~الذهب» ج 1 ص 209). # (2) الحسوة: قدر ما يحسى مرة واحدة. PageV01P158 # (1) المخالفون بمصر: أى الفاطميون؛ إذ ادعى مؤسس دولتهم «أبو محمد عبيد ~~الله بن محمد بن عبد الله بن ميمون» أنه من نسل الإمام على. قال أبو الفداء ~~فى تاريخه: «وقد اختلف العلماء فى صحة نسبة فقال القائلون بإمامته إن نسبه ~~صحيح ولم يرتابوا فيه، وذهب كثير من العلويين العالمين بالأنساب إلى ~~موافقتهم أيضا .. وذهب آخرون إلى أن نسبهم مدخول ليس بصحيح. وبالغت طائفة ~~منهم إلى أن جعلوا نسبهم فى اليهود فقالوا: لم يكن اسم المهدى: عبيد الله، ~~بل كان اسمه سعيد بن أحمد بن عبد الله القداح بن ميمون بن ديصان .. » ~~(تاريخ أبى الفداء ج 2 ص 67 - 68. طبعة استانبول سنة 1286 ه)، ولقد شغل هذا ~~النزاع حيزا كبيرا فى التاريخ، وطائفة كبيرة من النسابين، ويذكر أن المعز ~~لدين الله عند دخوله مصر سئل عن نسبه وحسبه، فحسب سيفه من غمده إلا قليلا ~~وقال: هذا حسبنا، ثم نثر دنانير الذهب على الناس وقال: وهذا نسبنا. PageV01P162 # (1) نائرة: ثائرة. # (2) الترك: العناصر والأجناس- غير الفارسية- التى دخلت الإسلام، من بلاد ~~المشرق. PageV01P163 # (1) راجع «نهج البلاغة» طبعة الحلبى بالقاهرة، المنسوب للإمام على رضى الله ~~عنه شرح ابن أبى الحديد. # (2) يتبرج: يبدو ويظهر. PageV01P165 # (1) رواه البخارى ومسلم وأحمد من أبو داود. PageV01P168 # (1) حلوان: العراقية. PageV01P169 # (1) يتضمخ: يتلطخ. # (2) الإعزاب: الاعتزال والابتعاد. PageV01P171 # (1) متفق عليه. PageV01P172 # (1) سنوه: سنيه وأعوامه. PageV01P175 # (1) متفق عليه. # (2) رواه مسلم وأبو داود. PageV01P176 # (1) رواه أحمد. # (2) الأقذاء: الأوساخ، مفرده: قذى. # (3) استهتر به: تولع وتعلق. PageV01P177 # (1) رواه مسلم. # (2) رواه مسلم. PageV01P179 # (1) رواه ابن ماجة والبيهقى. # (2) رواه البخارى ومسلم. PageV01P180 # (1) غمزا كثور: يضرب الأرض بحافره؛ (يغمزها). PageV01P181 # (1) رواه البخارى ومسلم. # (2) متبجحا: فرحا. # (3) تجب: تضطرب. # (4) عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، كان شهما شديد الورع جريئا فى الحق. PageV01P182 # (1) الوقدة: شدة حر النار وتلهبها. # (2) أبو ms171 سعيد الخدرى: سعد بن مالك بن سنان. PageV01P183 # (1) رواه أحمد بن حنبل فى «مسنده» والترمذي وابن ماجه عن أبى هريرة وقال ~~الترمذي: حسن. ويرد برواية أخرى: «ثلاثة لا ترد دعوتهم» الإمام العادل، ~~والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله تعالى فوق الغمام وتفتح لها ~~أبواب السماء ويقول الرب تبارك وتعالى: وعزتى لأنصرنك ولو بعد حين». PageV01P184 # (1) أبو حازم الأعرج: سلمة بن دينار؛ وكان رأسا فى التابعين. PageV01P185 # (1) محمد بن على: ابن أبى طالب (ابن الحنفية). # (2) عمر بن الحكم السلمى أخو معاوية بن الحكم. # (3) عبد الله بن حذافة السهمى رضى الله عنه. PageV01P186 # (1) العائل: الفقير ذو العيال. # (2) معقل بن يسار. # (3) زياد بن أبيه (زياد بن أبى سفيان). PageV01P188 # (1) لم يمسكوا به. # (2) باعتبار من قال بنبوته. # (3) ذوائبهم: ضفائر شعرهم (أطرافها). PageV01P189 # (1) الهنا: القطران، يطلى به البعير الأجرب؛ أو الناقة الجرباء؛ أو الدواب عامة. # (2) الدرة: العصا القصيرة، يضرب بها. PageV01P191 # (1) جريدته: صحيفته التى تنشر فوق رأسه يوم القيامة. # (2) شقيق البلخى الصوفى الشهير، شيخ خراسان، توفى فى سنة 194 ه-. # (3) ذو النورين: عثمان بن عفان. # (4) العين: نبع الماء. PageV01P192 # (1) أبو على الفضيل بن عياض التميمى المروزى، زاهد وأحد العلماء الأعلام، ~~حدث عنه الشافعى ويحيى القطان وغيرهما، ولد بسمرقند وقدم الكوفة شابا ثم ~~جاور بمكة إلى أن مات سنة 187 ه. # (2) هامان: كبير وزراء فرعون. # (3) محمد بن كعب القرظى، الكوفى المولد والمنشأ، عاش فى مكة؛ وروى عن كبار ~~الصحابة؛ ويقال إنه ولد فى حياة النبي؛ وقال عنه الذهبى إنه كان كبير ~~القدر، ثقة، موصوفا بالعلم والصلاح والورع. توفى فى سنة 108 ه، وقيل فى سنة 117 ه. # (4) المقصود هو الحسن البصرى، إمام أهل البصرة ولد سنة 21 ه، وتوفى سنة 110 ه. PageV01P193 # (1) أبو حازم سلمة بن دينار المخزومى المدنى الأعرج، «عالم المدينة وزاهدها ~~وواعظها؛ سمع سهل بن سعد وطائفة. وكان أشقر فارسيا، وأمه رومية، وولاؤه ~~لبنى مخزوم. قال ابن خزيمة: ثقة، لم يكن فى زمانه مثله. له حكم ومواعظ» ~~توفى سنة 140 ه «وقال عنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما رأيت ms172 أحدا الحكمة ~~أقرب إلى فيه من أبى حازم». # (2) الآبق: العبد الهارب. PageV01P194 # (1) أبو قلابة الجرمى: «عبد الله بن زيد البصرى الإمام؛ طلب للقضاء فهرب، ~~ونزل الشام فنزل بداريا. # وكان رأسا فى العلم والعمل. سمع من سمرة وجماعة. ومناظرته مع علماء عصره فى ~~القسامة بحضرة عمر بن عبد العزيز- مشهورة فى الصحيح» وتوفى سنة 104 ه وقيل ~~سنة 107 ه، وقال ابن معين سنة ست أو سبع. PageV01P195 # (1) قارب أهله: جامع زوجته. # (2) هو غير عمر بن عبد العزيز بن مروان. PageV01P196 # (1) صالح بن بشير المرى، واعظ البصرة؛ روى عن الحسن البصرى وجماعة. توفى ~~سنة 172 ه أو 176 ه. PageV01P197 # (1) المقصود عبد الرحمن بن أبى بكرة، أول من ولد بالبصرة، وقد توفى سنة 101 ه. # (2) المبارك بن فضالة البصرى، مولى قريش؛ محدث روى عن الحسن البصرى وبكر ~~المزنى وطائفة؛ وكان من كبار المحدثين والنساك، توفى سنة 164 ه. # (3) الصرعة؛ كهمزة: من يصرع الناس كثيرا. PageV01P198 # (1) من المعروفين بهذا الاسم: «عمر بن عبيد الطنافسى. روى عن زياد بن علاقة ~~والكبار، وثقه أحمد وابن معين». # (2) على بن الحسين: زين العابدين. # (3) الخميصة: ثوب أسود أو أحمر له أعلام وفى الحديث. PageV01P199 # (1) الرجل الحديد: القوى الشديد. PageV01P200 # (1) نهاية مخطوط متحف لندن درون ذكر لاسم الناسخ؛ مع ثبت سنة النسخ كما هو وارد. PageV01P202 ms173